Advertisement

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء 002



الكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء
المؤلف: سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع (المتوفى: 634هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1420 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا فى الجنة خيرا منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك» .
فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة كلمة أبو أحمد فى دارهم، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس لأبى أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا فى شىء أصيب منكم فى الله. فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان بنو غنم بن ذودان أهل الإسلام قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساءهم، فقال أبو أحمد بن جحش يذكر هجرة بنى أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسوله، وإيعابهم فى ذلك حين دعوا إلى الهجرة:
ولو حلفت بين الصفا أم أحمد ... ومروتها بالله برت يمينها
لنحن الأولى كنا بها ثم لم نزل ... بمكة حتى عاد غثا سمينها
بها خيمت غنم بن ذودان وانبنت ... وما أرعدت غنم وخف قطينها
إلى الله تعدو بين مثنى وواحد ... ودين رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد أيضا:
ولما رأتنى أم أحمد غاديا ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا ... فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة ... وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهى والرسول ومن يقم ... إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح ... وناصحة تبكى بدمع وتندب
يرى أن وترا نأينا عن بلادنا ... ونحن نرى أن الرغائب نطلب «1»
دعوت بنى غنم لحقن دمائهم ... وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم ... إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى ... أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا «2»
كفوجين أما منهما فموفق ... على الحق مهدى وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم ... عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا
__________
(1) الوتر: طلب الثأر، يريد أنه يستحق أن يطالبوا مخرجهم به. النأى: البعد. الرغائب: جمع رغيبة، وهى من العطاء الكثير.
(2) أجلبوا: يروى بالجيم وبالحاء المهملة فمن رواه بالحاء المهملة فمعناه أعانوا، ومن واه بالجيم فمعناه أحدثوا جلبه وهى الصياح.
(1/275)

ورغنا إلى قول النبى محمد ... فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بأرحام إليهم قريبة ... ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم ... وأية صهر بعد صهرى يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا ... وزيل أمر الناس للحق أصوب
ثم خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى «1» ، حتى قدما المدينة.
قال عمر رضى الله عنه: لما أردنا الهجرة إلى المدينة اتعدت أنا وعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من أضاة بنى غفار «2» فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عندها وحبس عنا هشام وفتن فافتتن.
فلما قدمنا المدينة نزلنا بقباء، وخرج أبو جهل والحارث أخوه إلى عياش، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا فقالا له: إن أمك نذرت أن لا تمس رأسها بمشط حق تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك.
فرق لها، فقلت له: يا عياش، والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك لا متشطت! ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمى، ولى هناك مال فآخذه.
قلت: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما.
فأبى على إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه فإنها نجيبة ذلول، فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخى لقد استغلظت بعيرى هذا أفلا تعقبنى على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن!.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2032) ، الإصابة الترجمة رقم (6138) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4145) .
(2) أضاة بنى غفار: الأضاءة الماء المستنقع من سيل، ويقال: هو مسيل الماء إلى الغدير، وغفار قبيلة من كنانة على عشرة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان (1/ 214) .
(1/276)

وفى غير حديث عمر أنهما دخلا به مكة نهارا موثقا ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا «1» .
قال عمر رضى الله عنه، فى حديثه: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تبارك وتعالى، فيهم وفى قولنا وقولهم لأنفسهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: 53] «2» .
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: فكتبتها بيدى فى صحيفة وبعثت بها إلى هشام ابن العاص، قال: فقال هشام: لما أتتنى جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها. فألقى الله فى قلبى أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول فى أنفسنا ويقال فينا. فرجعت إلى بعيرى فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. هذا ما ذكر ابن إسحاق فى شأن هشام.
وذكر ابن هشام عمن يثق به «3» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: من لى بعياش ابن أبى ربيعة، وهشام بن العاص؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما. فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقى امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ فقالت: أريد هذين المسجونين تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعيهما، وكانا محبوسين فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه ذو المروة لذلك.
ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 82) .
(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (2/ 435) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 14) ، دلائل النبوة (2/ 146) ، تفسير الطبرى (24/ 11) ، طبقات ابن سعد (3/ 271) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 61) ، كشف الأستار (2/ 370) .
(3) انظر: السيرة (2/ 83) .
(1/277)

ثم قدم بهما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .
ثم تتابع المهاجرون أرسالا، فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب ابن إساف. بالسبخ، ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة.
قال ابن هشام «2» : وذكر لى أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغته، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك! والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى؟ قالوا: نعم. قال: فإنى قد جعلت لكم مالى. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «3» !.
قال ابن إسحاق «4» : وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه أحد بمكة من المهاجرين، إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الهجرة فيقول له: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا. فيطمع أبو بكر أن يكونه «5» .
ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أنه مجمع لحربهم، فاجتمعوا له فى دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، يتشاورون ما يصنعون فى أمره.
فاعترض لهم إبليس فى هيئة شيخ جليل عليه بت «6» ، فوقف على باب الدار فى
__________
(1) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (1/ 557) ، وقال: من زيادات ابن هشام فى السيرة.
(2) انظر: السيرة (2/ 84) .
(3) انظر الحديث فى: الحلية لأبى نعيم (1/ 151، 153) ، مستدرك الحاكم (3/ 398) ، طبقات ابن سعد (3/ 227، 228) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 173، 174) ، المطالب العالية لابن حجر (3/ 3552) .
(4) انظر: السيرة (2- 87) .
(5) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 62) ، وقال: رواه الطبرانى وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقى ضعفه أبو حاتم.
(6) بت: بفتح الباء وتشديد التاء، الكساء الغليظ من صوف جيد أو خز يلبس كالعباءة ويدل على المكانة والشرف، وجمعه بتوت.
(1/278)

اليوم الذى اتعدوا له، ويسمى يوم الزحمة، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش وغيرهم.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا ثم قال قائل: احبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه. فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.
فتشاوروا ثم قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله ما نبالى أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال لما يأتى به؟! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حى من أحياء العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم، قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم.
فقال الشيخ النجدى: القول ما قاله الرجل، هو الرأى لا رأى غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه
(1/279)

حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى وتسج بردى هذا الحضرمى الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام فى برده ذلك إذا نام «1» .
فاجتمعوا له وفيهم أبو جهل، فقال وهو على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم فيه ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها! وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: نعم، أنا الذى أقول ذلك، أنت أحدهم.
وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، وجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: 9] .
حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال:
ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفلا ترون ما بكم؟!
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا برد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدثنا «2» .
فكان مما أنزل الله من القرآن فى ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قول الله سبحانه:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: 30] «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (2/ 468) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 176) ، طبقات ابن سعد (1/ 212) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 177) ، فتح القدير للشوكانى (4/ 510) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 348) ، مجمع الزوائد للهيثمى (7/ 27) ، مستدرك الحاكم (3/ 4) .
(1/280)

وأذن الله تبارك وتعالى، عند ذلك لنبيه فى الهجرة.

ذكر الحديث عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر الصديق رضى الله عنه مهاجرين إلى المدينة
حدث «1» عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان لا يخطىء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرانى قومه، أتانا بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا من حدث.
فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عنى من عندك. فقال: يا نبى الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟.
فقال: «إن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «الصحبة» . قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ!.
ثم قال: يا نبى الله، إن هاتين الراحلتين قد كنت أعددتهما لهذا. وكان أبو بكر رجلا ذا مال، فكان حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الهجرة، فقال له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» ، قد طمع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعنى نفسه، فابتاع راحلتين، فحبسهما فى داره يعلفهما إعدادا لذلك.
واستأجر عبد الله بن أريقط رجلا من بنى الديل بن بكر وكان مشركا، يدلهما الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
قال ابن إسحاق «2» : ولم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج أحد، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر. أما على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 91) .
(2) انظر: السيرة (2/ 92) .
(1/281)

عنده للناس، ولم يكن بمكة أحد عنده شىء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته.
فلما أجمع عليه السلام الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة «1» لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه.
وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، فكان يفعل ذلك، وأمر عامر بن فهيرة «2» مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار، فكان عامر يرعى رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة، تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفى عليه، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام بما يصلحهما.
وذكر ابن هشام «3» عن الحسن بن أبى الحسن قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا فدخل أبو بكر قبله فلمس الغار لينظر فيه سبع أو حية، يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه «4» .
ولما فقدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور أثره هناك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع له لما انتهى إلى ثور. وشق على قريش خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وجزعوا لذلك، فطفقوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم، ويرسلون من يطلبه فيما بعد عنهم، وجعلوا مائة ناقة لمن رده عليهم، ولما انتهوا إلى فم الغار، وقد كانت العنكبوت ضربت على بابه بعشاش بعضها على بعض، بعد أن دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكروا، قال قائل منهم:
ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد!.
__________
(1) خوخة: هى الكوة فى الجدار تؤدى الضوء، وقيل: هى باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين ينصب عليها باب. انظر: اللسان (مادة خوخ) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1346) ، الإصابة الترجمة رقم (4433) ، تلقيح المقال (2/ 6059) .
(3) انظر: السيرة (2/ 92- 93) .
(4) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 180) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 279) .
(1/282)

قالوا: فنهى النبى صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العنكبوت، وقال: «إنها جند من جنود الله» «1» .
وخرج أبو بكر البزار فى مسنده من حديث أبى مصعب المكى، قال: أدركت زيد ابن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، يحدثون: أن النبى صلى الله عليه وسلم لما كان ليلة بات فى الغار، أمر الله تبارك وتعالى شجرة فنبتت فى وجه الغار فسترت وجه النبى صلى الله عليه وسلم، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأمر الله عز وجل، حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأتى المشركون من كل بطن حتى إذا كانوا من النبى صلى الله عليه وسلم على قدر أربعين ذراعا، معهم قسيهم وعصيهم، تقدم رجل منهم فنظر فرأى الحمامتين، فرجع فقال لأصحابه: ليس فى الغار شىء، رأيت حمامتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد.
فسمع قول النبى صلى الله عليه وسلم فعرف أن الله قد درأ بهما عنه، فشمت عليهما وفرض جزاءهما، واتخذت فى حرم الله ففرخن. أحسبه قال: فأصل كل حمام فى الحرم من فراخهما.
وذكر قاسم بن ثابت فيما تولى شرحه من الحديث أن الله أنبت الراءة على باب الغار لما دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضى الله عنه، قال: وهى شجرة معروفة. قال غيره: تكون مثل قامة الإنسان، ولها زهر أبيض تحشى به المخاد للينه وخفته.
وحكى الواقدى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الغار، دعا بشجرة كانت أمام الغار، فأقبلت حتى وقفت على باب الغار، فحجبت أعين الكفار وهم يطوفون فى الجبل.
وقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما!» «2» .
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه فى الغار ثلاثا، حتى إذا مضت الثلاثة وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذى استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما «3» ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس
__________
(1) ذكره السيوطى فى الدر المنثور (3/ 240) .
(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3096) ، مسند الإمام أحمد (1/ 4) ، طبقات ابن سعد (3/ 1/ 123) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 242) ، كنز العمال للمتقى الهندى (32614، 32568) ، شرح السنة للبغوى (13/ 366) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 68، 111) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5868) .
(3) العصام: الحبل أو شبهه يشد على فم المزادة ونحوها ليحفظ باقيها أو تعلق منها فى وتد.
(1/283)

فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم تعلقها به، فكان يقال لها: ذات النطاق لذلك فيما ذكر ابن إسحاق «1» .
وأما ابن هشام «2» فذكر أنها إنما يقال لها: ذات النطاقين، وهو المشهور عنها رضى الله عنها، وذكر أنه سمع غير واحد من أهل العلم يفسره بأنها شقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر.
قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبى وأمى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لا أركب بعيرا ليس لى.
قال: فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى. قالا: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به؟
قال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها بذلك. فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر خلفه مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما فى الطريق «3» .
قال»
: فحدثت عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قلت: لا أدرى والله. فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدى لطمة طرح منها قرطى، ثم انصرفوا فمكثنا ثلاث ليال ما ندرى أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة «5» .
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 93) .
(2) انظر: السيرة (2/ 93- 94) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الإيجارة (2263) ، مسند الإمام أحمد (6/ 473، 475) .
(4) انظر: السيرة (2/ 94) .
(5) انظر الحديث فى: الحاكم فى المستدرك (3/ 9، 10) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 192- 194) .
(1/284)

وعن غير ابن إسحاق وهو عندنا بالإسناد من طرق، أن أم معبد هذه امرأة من بنى كعب من خزاعة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولاة عامر بن فهيرة ودليلهما الليثى عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتى أم معبد الخزاعية «1» وكانت امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء القبة ثم تسقى وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة فى كسر الخمية فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت:
شاة خلفها الجهد عن المغنم. قال: «هل بها من لبن؟» قالت: هى أجهد من ذلك. قال:
«أتأذنين أن أحلبها؟» قالت: نعم، بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها فى شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم، ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها.
فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد «2» يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا ضخامهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد؛ والشاء عازب حيال ولا حلوب فى البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لى يا أم معبد: قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم يعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم فى عينيه دعج وفى وعج وفى أشفاره غطف وفى عنقه سطع وفى صوته صحل وفى لحيته كثافة، أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يائس من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود لا عابس ولا مفند.
__________
(1) هى: عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة، أم معبد الخزاعية، ويقال: عاتكة بنت خالد بن مهاجرا. انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3457) ، الإصابة الترجمة رقم (11451) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7086) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3209) ، الإصابة الترجمة رقم (10551) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6262) .
(1/285)

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا «1» . وأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت بمكة علا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتى أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصى ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بنى كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها فى مصدر ثم مورد
فلما سمع بذلك حسان بن ثابت جعل يجاوب الهاتف ويقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليهم ويغتدى
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوى ضلال قوم تسكعوا ... عمى وهداة يهتدى بمهتدى
لقد نزلت منهم على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبى يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله فى كل مسجد
وإن قال فى يوم مقالة غائب ... فتصديقها فى اليوم أو فى ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
وذكر أبو منصور محمد بن سعد الماوردى بإسناد له إلى قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه يستخفيان فى الغار فمرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن فقال: والله ما لى شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشاء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتنا بها» . فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم حلب عسا فسقى أبا بكر، ثم حلب آخر فسقى الراعى، ثم حلب فشرب.
فقال العبد: من أنت؟ فو الله ما رأيت مثلك قط! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتراك إن
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 1/ 155) ، دلائل النبوة للبيهقى (1/ 278) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 56) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 159، 186) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5943) ، كنز العمال للمتقى الهندى (46300) .
(1/286)

حدثتك تكتم على؟» قال: نعم، قال: «فإنى محمد رسول الله» . قال: أنت الذى تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: «إنهم ليقولون ذلك» .
قال العبد: فإنى أشهد أنك رسول الله، وأن ما جئت به الحق، وأنه ليس يفعل فعلك إلا نبى، ثم قال العبد: أتبعك؟ قال: «لا، حتى تسمع بنا أنا قد ظهرنا» «1» .
وخرج البرقانى فى مصافحته من حديث البراء بن عازب «2» رضى الله عنهما، وأورده الإمامان البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديثه قال: اشترى أبو بكر رضى الله عنه، من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء أن يحمله إلى أهلى. فقال له عازب: حتى تحدثنى كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم.
قال: ارتحلنا من مكة فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصرى هل أرى من ظل نأوى إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة وقلت: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع، ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدا، فإذا أنا براعى غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذى أريد، يعنى الظل. فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: فلان، رجل من قريش سماه، فعرفته، فقلت: هل فى غنمك من لبن؟
قال: نعم، قلت: هل أنت حالب لى؟ قال: نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى يديه على الأخرى فحلب لى كثبة من لبن وقد رويت معى لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استيقظ، قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم «3» على فرس له،
__________
(1) ذكره ابن حجر فى المطالب العالية (4295) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (174) ، الإصابة الترجمة رقم (618) ، أسد الغابة الترجمة رقم (389) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (272) ، جمهرة أنساب العرب (341) ، العقد الفريد (5/ 282) ، الوافى بالوفيات (10/ 104) ، مرآة الجنان (1/ 145) ، تقريب التهذيب (1/ 94) ، خلاصة تذهيب التهذيب (46) ، شذرات الذهب (1/ 77، 78) ، طبقات الفقهاء (52) ، تاريخ الطبرى (10/ 192) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (921) ، الإصابة الترجمة رقم (3122) ، أسد الغابة-
(1/287)

فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، وبكيت، قال: «لا تحزن إن الله معنا!» .
قال: فلما دنا فكان بيننا وبينه قدر رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغنا، وبكيت، قال: «ما يبكيك؟» فقلت: أما والله ما على نفسى أبكى، ولكنى أبكى عليك، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفناه بما شئت» ، فساخت فرسه فى الأرض إلى بطنها، فوثب عنها وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجينى مما أنا فيه، فو الله لأعمين على من ورائى من الطلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلى وغنمى بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حاجة لى فى إبلك» ، ودعا له، فانطلق راجعا إلى أصحابه. وفى حديث البخارى ومسلم: فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما هنا. فلا يلقى أحدا إلا ردة. قال: ووفى لنا «1» .
وعن سراقة بن مالك بن جعشم فيما أورده ابن إسحاق «2» قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينما أنا جالس فى نادى قومى أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت إليه، يعنى أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم. قال: لعله. ثم سكت.
فمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى فقيد لى إلى بطن الوادى وبسلاحى فأخرج لى من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لامتى، ثم أخرجت قداحى، فاستقسمت بها فخرج السهم الذى أكره: لا يضره. وكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة، فركبت على أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟! ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها
__________
- الترجمة رقم (1955) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 210) ، تقريب التهذيب (1/ 284) ، تهذيب التهذيب (3/ 456) ، تهذيب الكمال (1/ 466) ، شذرات الذهب (1/ 35) ، الأعلام (3/ 80) ، الأنساب (7/ 116) ، العقد الثمين (4/ 523) .
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 246، 5/ 4) ، صحيح مسلم (2310) ، مسند الإمام أحمد (1/ 2، 3) ، مصنف ابن أبى شيبة (14/ 328) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 478، 485) ، امجمع الزوائد للهيثمى (6/ 52) ، شرح السنة للبغوى (13/ 369) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 239) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 8) .
(2) انظر: السيرة (2/ 96- 97) .
(1/288)

فخرج السهم الذى أكره: لا يضره. فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فرسى وذهبت يداه فى الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعها دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع منى وأنه ظاهر، فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم، انظرونى أكلمكم، فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر رضى الله عنه: «قل له: ما تبتغى؟» قال: تكتبوا لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال: «اكتب يا أبا بكر» .
فكتب لى كتابا فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة ثم ألقاه إلى، فأخذته فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف خرجت ومعى الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون: إليك إليك ماذا تريد؟، فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأنى أنظر إلى ساقه فى غرزه كأنها جمارة، فرفعت يدى بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء وبر ادن. فدنوت فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أنى قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلى، هل لى من أجر فى أن أسقيها؟ قال: «نعم، فى كل ذات كبد حرى أجر» «1» . ثم رجعت إلى قومى فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتى.
وفى حديث آخر عن غير ابن إسحاق أن سراقة بن مالك بن جعشم هذا كان شاعرا مجيدا، وأنه قال يخاطب أبا جهل بن هشام بعد انصرافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عنه فإننى ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر يود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طرا يسالمه
وذكر ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه شعرا نسبه إلى أبى بكر الصديق
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 175) ، سنن ابن ماجه (3686) ، مستدرك الحاكم (3/ 619) ، مسند الحميدى (902) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 131) ، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(1/289)

رضى الله عنه يذكر فيه مسيره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة الغار وأمر سراقة، وهو:
قال النبى ولم يجزع يوقرنى ... ونحن فى سدفة من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا ... وقد توكل لى منه بإظهار
وإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين كادته لكفار
والله مهلكهم طرا بما كسبوا ... وجاعل المنتهى منهم إلى النار
وأنت مرتحل عنهم وتاركهم ... إما غدوا وإما مدلج سارى
وهاجر أرضهم حتى يكون لنا ... قوم عليهم ذوو عز وأنصار
حتى إذا الليل وارتنا جوانبه ... وسد دون الذى نخشى بأستار
سار الأريقط يهدينا وأنيقه ... ينعين بالقرم نعيا تحت أكوار
يعسفن عرض الثنايا بعد أطولها ... وكل سهب رقاق الترب موار
حتى إذا قلت قد أنجدن عارضها ... من مدلج فارس فى منصب وار
يردى به مشرف الأقطار معتزم ... كالسيد ذى اللبدة المستأسد الضارى
فقال كروا فقلنا إن كرتنا ... من دونها لك نصر الخالق البارى
إن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه ... فانظر إلى أربع فى الأرض غوار
فهيل لما رأى أرساغ مقربه ... قد سخن فى الأرض لم تحفر بمحفار
فقال هل لكم أن تطلقوا فرسى ... وتأخذوا موثقى فى نصح أسرار
وأصرف الحى عنكم إن لقيتهم ... وأن أعور منهم عين عوار
فادع الذى هو عنكم كف عدوتنا ... يطلق جوادى وأنتم خير أبرار
فقال قولا رسول الله مبتهلا ... يا رب إن كان منه غير إخفار
فنجه سالما من شر دعوتنا ... ومهر مطلقا من كلم آثار
فأظهر الله إذ يدعو حوافره ... وفاز فارسه من هول أخطار
وسراقة بن مالك هذا الذى أظهر الله فيه هذا العلم العظيم من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قد أظهر الله فيه أثرا آخر من الآثار الشاهدة له عليه السلام بأن الله أطلعه من الغيب فى حياته ما ظهر مصداقه بعد وفاته.
روى سفيان بن عيينة، عن أبى موسى، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟!» «1» قال: فلما أتى عمر رضى الله عنه، بسوارى كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما.
__________
(1) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 18) ، كشفا الخفاء للعجلونى (1/ 674) .
(1/290)

وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقل: الله أكبر! الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بنى مدلج!! ورفع بها عمر رضى الله عنه، صوته.
قال ابن إسحاق «1» : وذكر إسنادا رفعه إلى أسماء بنت أبى بكر، قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله، خمسة آلاف أو ستة، فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. فقلت: يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه ثم قال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكن الشيخ بذلك «2» .
وذكر ابن إسحاق الطريق التى سلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبى بكر الصديق رضى الله عنه دليلهما عبد الله بن أريقط، والمناقل التى سار بهما عليهما إلى أن قدم بهما قباء على بنى عمرو بن عوف لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل «3» .
وقال غير ابن إسحاق: قدمها لثمان خلون من ربيع الأول.
وقال ابن الكلبى: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول، ووصل المدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة منه. فالله تعالى أعلم.
وذكر ابن إسحاق «4» : من حديث عبد الرحمن بن [عويم] «5» بن ساعدة، قال:
حدثنى رجال من قومى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة توكفنا قدومه، فكنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظره، فو الله
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 95- 96) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 350) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 59) .
(3) انظر: السيرة (2/ 98- 99) .
(4) انظر: السيرة (2/ 100) .
(5) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عويمر» ، والتصحيح من السيرة والاستيعاب. وانظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1456) ، الإصابة الترجمة رقم (6244) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3372) ، التاريخ الكبير (5/ 325) .
(1/291)

ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة.
حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من يهود وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء.
فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى ظل نخلة ومعه أبو بكر فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك «1» .
قال ابن إسحاق «2» : فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون على كلثوم بن هدم «3» ، أخى بنى عمرو بن عوف. ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.
ويقول من يذكر نزوله على كلثوم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من منزل كلثوم جلس للناس فى بيت سعد بن خيثمة، لأنه كان عزبا لا أهل له، فمن هناك يقال: نزل عليه.
وكان يقال لبيت سعد: بيت العزاب، لأنه كان منزل المهاجرين منهم. فالله أعلم أى ذلك كان «4» .
ونزل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، على خبيب بن إساف «5» ، أحد بنى الحارث ابن الخزرج بالسنج، ويقال: على خارجة بن زيد بن أبى زهير «6» منهم.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (7/ 281، 282) ، طبقات ابن سعد (1/ 233) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 498، 499) ، شرح السنة للبغوى (7/ 109) .
(2) انظر: السيرة (2/ 100) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2237) ، الإصابة الترجمة رقم (7459) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4494) ، طبقات ابن سعد (3/ 2/ 149) ، تاريخ خليفة (55) ، الاستبصار (293) .
(4) ذكره الطبرى فى تاريخه (1/ 571) ، ابن كثير فى السيرة (2/ 270) ، ابن سعد فى الطبقات (1/ 233) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (651) ، الإصابة الترجمة رقم (2224) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1413) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 156) ، الاستبصار (186) ، تبصير المنتبه (3/ 927) ، الطبقات الكبرى (8/ 360) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (608) ، الإصابة الترجمة رقم (2140) ، أسد الغابة-
(1/292)

وأقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه. فكان على رضى الله عنه، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين، يقول: كانت بقباء امرأة مسلمة لا زوج لها، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه.
قال: فاستربت شأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت:
هذا سهل بن حنيف، قد عرف أنى امرأة لا أحد لى، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءنى بها فقال: احتطبى بهذا! فكان على رضى الله عنه، يأثر ذلك فى أمر سهل بن حنيف، حين هلك عنده بالعراق «1» .
قال ابن إسحاق «2» : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء فى بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم «3» ، ثم أخرجه الله تعالى، من بين أظهرهم يوم الجمعة. وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فالله أعلم.
فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فى بنى سالم بن عوف فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى، وادى رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة «4» .
فأتاه عتبان بن مالك «5» ، وعباس بن عبادة بن نضلة «6» ، فى رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، أقم عندنا فى العدد والعدة والمنعة. قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة لناقته، فخلوا سبيلها» .
__________
- الترجمة رقم (1330) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 147) ، سير أعلام النبلاء (4/ 437، 446) ، روضات الجنات (3، 275) ، الاستبصار (1/ 115) ، الثقات (3/ 111) .
(1) ذكره الصالحى فى السيرة الشامية (3/ 379) ، ابن سيد الناس فى عيون الأثر (1/ 312) .
(2) انظر: السيرة (2/ 102) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (3932) .
(4) ذكره الطبرى فى تاريخه (2/ 7) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 213، 214) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2042) ، الإصابة الترجمة رقم (5412) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3541) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (1385) ، الإصابة الترجمة رقم (2525) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2798) .
(1/293)

فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى بياسة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو، فى رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إليها إلى العدد والعدة والمنعة. «قال:
خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها» .
حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضاه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبى زهير، وعبد الله بن رواحة فى رجال من بلحارث، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلو سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى عدى بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضاه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخواله دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضاه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة. قال. «خلوا سبيلها» ، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار، فى حجر معاذ بن عفراء، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه فى بيته.
ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بنى مسجده ومساكنه، وسأل عن المربد لمن هو؟
فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابنى عمرو، وهما يتيما له وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يا بنى، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين فى العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا «1» .
فقال قائل من المسلمين:
لئن قعدنا والنبى يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وحدث «2» أبو أيوب قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى نزل فى السفل وأنا
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (3906) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد (3/ 129) ، مسند الإمام أحمد (2/ 381) ، سنن أبى داود حديث رقم (453) . سنن ابن ماجه (742) .
(2) انظر: السيرة (2/ 106- 107) .
(1/294)

وأم أيوب فى العلو، فقلت له: يا نبى الله بأبى أنت وأمى! إنى لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فاظهر أنت فكن فى العلو وننزل نحن فنكون فى السفل. فقال: «يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن تكون فى سفل البيت» «1» .
فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء، تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شىء فيؤذيه.
فكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا إليه بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغى بذلك البركة. قال: إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجى، فأما أنتما فكلوه. فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد «2» .
قال ابن إسحاق «3» : وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أهل دور مسمون، بنو مظعون من بنى جمح، وبنو جحش ابن رئاب، حلفاء بنى أمية، وبنو البكير من بنى سعد بن ليث، حلفاء بنى عدى بن كعب، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، بنى له فيها مسجده ومساكنه. قال: وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولى فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 415) ، صحيح مسلم كتاب الفتن (3/ 171) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 201) ، مستدرك الحاكم (3/ 460) ، ورواه أبو بكر بن أبى شيبة وابن أبى عاصم كما فى الإصابة (1/ 405) .
(3) انظر: السيرة (2/ 107) .
(1/295)

يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» «1» .
قال ابن إسحاق «2» : ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى فقال: «إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله فى قلبه، وأدخله فى الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى، فقد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتى الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم» «3» .
قال ابن إسحاق «4» : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم «5» .
__________
(1) انظر ذكر أول خطبة للنبى صلى الله عليه وسلم فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 65) ، تاريخ الطبرى (2/ 394) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 213) .
(2) انظر: السيرة (2/ 109) .
(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 214) .
(4) انظر: السيرة (2/ 109) .
(5) ذكر ابن هشام فى السيرة نص ما اشتراطه النبى صلى الله عليه وسلم على المهاجرين والأنصار، فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبى صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على رعبتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم-
- الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل «وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن فى قتال فى سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بما نال دماءهم فى سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به إلا أن يرضى ولى المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما فى هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغصبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شىء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته، وإن اليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الأوس مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبنى الشطيبة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن البر دون الإثم، وإن موالى ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه لا ينحجز على ثار جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى-
(1/296)

وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: تآخوا فى الله أخوين أخوين. ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال: هذا أخى. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب أخوين.
ثم سمى ابن إسحاق نفرا ممن آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه تركنا ذكرهم اختصارا «1» .
قال: وهلك فى تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة، والمسجد يا بنى، أخذته الذبحة أو الشهقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الميت أبو أمامة ليهود ولمنافقى العرب، يقولون:
لو كان نبيا لم يمت صاحبه! ولا أملك لنفسى ولا لصاحبى من الله شيئا» «2» .
ولما مات أبو أمامة اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو أمامة نقيبهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذا كان منا حيث قد علمت، فاجعل منا رجلا مكانه يقيم فى أمرنا ما كان يقيم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم أخوالى وأنا أولى بكم، فأنا نقيبكم» «3» . وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض. فكان من فضل بنى النجار الذى يعدون على قومهم أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم.
__________
- الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما فى هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه وتلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب فى الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم، وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة» . قال ابن هشام: ويقال: مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة. قال ابن إسحاق: «وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم» . انظر: السيرة (2/ 109- 112) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 224، 225) ،
(1) انظر السيرة (2/ 113- 116) .
(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (3492) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 98) ، مستدرك الحاكم (4/ 214) .
(3) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 186) ، طبقات ابن سعد (3/ 611) .
(1/298)

قال ابن إسحاق «1» : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحى من الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع إليه الناس للصلاة فى حين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل بوقا كبوق يهود الذى يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة.
فبيناهم على ذلك رأى عبد الله بن زيد أخو بلحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، إنه طاف فى هذه الليلة طائف، مر بى رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا فى يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعوا به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك» .
فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو فى بيته، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبى الله والذى بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذى رأى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلله الحمد» «2» .
وذكر ابن هشام «3» عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب بينا هو يريد أن يشترى خشبتين للناقوس عندما ائتمر به النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ رأى فى المنام أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى النبى صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذى رأى، فما راعه إلا
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 117) .
(2) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (499) ، مسند الإمام أحمد (4/ 43) ، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 391) ، سنن الدارمى (1187) ، سنن الترمذى (189) ، سنن الدارقطنى (1/ 241) ، تلخيص الحبير لابن حجر (2/ 208) ، البخارى فى خلق أفعال العباد (ص 48) ، الإرواء للألبانى (1/ 265) .
(3) انظر: السيرة (2/ 118) .
(1/299)

بلال يؤذن، وقد جاء النبى صلى الله عليه وسلم الوحى بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره: «سبقك بذلك الوحى» «1» .
قال ابن إسحاق «2» : فلما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره وأظهر الله بها دينه وسره بما جمع من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته.
قال أبو قيس صرمة بن أبى أنس «3» ، أخو بنى عدى بن النجار، يذكر ما أكرمهم الله تبارك وتعالى، به من الإسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم:
ثوى فى قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض فى أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوى ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنت به النوى ... وكان له عونا من الله [هاديا] *
يقص لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريبا ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
ونعلم أن الله لا شىء غيره ... ونعلم أن الله أفضل هاديا
نعادى الذى عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
أقول إذا أدعوك فى كل بيعة ... تباركت قد أكثرت لاسمك داعيا
أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة ... حنانيك لا تظهر على الأعاديا
فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة ... وإنك لا تبقى لنفسك باقيا
فو الله ما يدرى الفتى كيف يتقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولا تجعل النخل المقيمة ربها ... إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا
وكان أبو قيس هذا رجلا قد ترهب فى الجاهلية ولبس المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء وهم بالنصرانية، ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب
__________
(1) انظر الحديث فى: مصنف عبد الرازق (1/ 456) .
(2) انظر: السيرة (2/ 119) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1244) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2501) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 264) ، الأعلام (30/ 203) ، تبصرة المنتبه (3/ 998) .
(*) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل وورد فى السيرة «باديا» .
(1/300)

إبراهيم. حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق معظما لله فى جاهليته يقول فى ذلك أشعارا حسانا، هو الذى يقول «1» :
يقول أبو قيس وأصبح غاديا ... ألا ما استطعتم من وصاتى فافعلوا
أوصيكم بالله والبر والتقى ... وأعراضكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم ... وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدواهى بقومكم ... فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا
وإن ناب غرم فادح فارفقوهم ... وما حملوكم فى الملمات فاحملوا
وإن أنتم أمعرتم فتعففرا ... وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا «2»
وقال أبو قيس أيضا «3» :
سبحوا الله شرق كل صباح ... طلعت شمسه وكل هلال
عالم السر والبيان لدينا ... ليس ما قال ربنا بضلال
وله الطير تستدير وتأوى ... فى وكور من آمنات الجبال
وله الوحش بالفلاة تراها ... فى حقاف وفى ظلال الرمال
وله هودت يهود ودانت ... كل دين إذا ذكرت عضال
وله شمس النصارى وقاموا ... كل عيد لديهم واحتفال
وله الراهب الحبيس تراه ... رهن بؤس وكان ناعم بال
يا بنى الأرحام لا تقطعوها ... وصلوها قصيرة من طوال
واتقوا الله فى ضعاف اليتامى ... ربما يستحل غير الحلال
واعلموا أن لليتيم وليا ... عالما يهتدى بغير السؤال
ثم مال اليتيم لا تأكلوه ... إن مال اليتيم يرعاه والى
يا بنى النجوم لا تخزلوها ... إن خزل النجوم ذو عقال
يا بنى الأيام لا تأمنوها ... واحذروا مكرها ومر الليالى
واعلموا أن أمرها لنفاد ال ... خلق ما كان من جديد وبالى
واجمعوا أمركم على البر والتق ... وى وترك الخنا وأخذ الحلال
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (2/ 119) .
(2) أمعرتم: قال السهيلى: معناها افتقرتم، وقيل أمعر: أى افتقر وفنى زاده كمعر تمعيرا، وأمعرت الأرض: لم يكن فيها نبات أو قل ماؤها.
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (2/ 120) .
(1/301)

قال ابن إسحاق «1» : ونصب عند ذلك أحبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله به العرب من أخذه رسوله منهم.
وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج، ممن كان عسى على جاهليته فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا فى السر فكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبى صلى الله عليه وسلم وجحودهم الإسلام.
وكانت أحبار يهودهم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنتونه ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل، إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق فكان القرآن ينزل فيما يسألون عنه إلا قليلا من المسائل فى الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها.
وكان من حديث عبد الله بن سلام «2» وإسلامه، وكان حبرا عالما، قال: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذى كنا نتوكف له، فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم المدينة، فلما نزل بقباء فى بنى عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا فى رأس نخلة لى أعمل فيها، وعمتى خالدة بنت الحارث تحتى جالسة، لما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لى عمتى حين سمعت تكبيرتى:
خيبك الله! لو كنت سمعت موسى بن عمران قادما ما زدت!.
فقلت لها: أى عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به.
فقالت: أى ابن أخى، أهو النبى الذى كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ فقلت لها:
نعم. فقالت: فذاك إذا، قال: ثم رحت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهلى فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامى من يهود. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن يهود قوم بهت، وإنى أحب أن تدخلنى فى بعض بيوتك وتغيا بنى عنهم، ثم تسألهم عنى حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامى، فإنهم إن علموا به بهتونى وعابونى.
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 122) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1579) ، الإصابة الترجمة رقم (4743) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2986) ، شذرات الذهب (1/ 40، 53) ، تهذيب التهذيب (5/ 249) ، تقريب التهذيب (1/ 422) ، خلاصة تذهيب (2/ 64) ، الوافى بالوفيات (17/ 198) ، الأعلام (4/ 90) ، الثقات (3/ 228) ، الرياض المستطابة (193) .
(1/302)

قال: فأدخلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم: أى رجل الحصين بن سلام فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا.
فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فو الله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة باسمه وصفته، فإنى أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: كذبت. ثم وقعوا بى! فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أخبرك يا نبى الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؟! قال: فأظهرت إسلامى وإسلام أهل بيتى، وأسلمت عمتى خالدة فحسن إسلامها «1» .
قال ابن إسحاق «2» : وكان من حديث مخيريق، وكان حبرا عالما غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته وما يجد فى علمه، وغلب عليه إلف دينه فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالى لمحمد يصنع فيها ما أراه الله.
فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، فعامة صدقاته بالمدينة منها. وكان صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى يقول: «مخيريق خير يهود» «3» .
قال «4» : وحدثنى عبد الله بن أبى بكر، قال: حدثت عن صفية ابنة حيى أنها قالت: كنت أحب ولد أبى إليه وإلى عمى أبى ياسر، لم ألقهما مع ولد لهما إلا أخذانى دونه، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدا عليه أبى وعمى مغلسين، فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما التفت إلى واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمى أبا ياسر وهو يقول لأبى: أهو هو؟ قال: نعم والله.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الأنبياء (3329) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 530، 531) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 211) .
(2) انظر: السيرة (2/ 126) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 237، 4/ 36) ، طبقات ابن سعد (1/ 502) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 334) .
(4) انظر: السيرة (2/ 126- 127) .
(1/303)

قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما فى نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت «1» .
وكان هذان الأخوان الشقيان من أشد يهود للعرب حسدا لما خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فكانا جاهدين فى رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله عز وجل فيهما:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 109] .
ومر شأس بن قيس، وكان شيخا قد [عمى] «2» عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج فى مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار.
فأمر شابا من يهود كان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث وما كان فيه وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس، وكان عليها يومئذ حضير أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضى فقاتلا جميعا.
ففعل الشاب ما أمره به شأس، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب وهما أوس بن قيظى وجبار بن صخر فتاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة. وغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة وهى الحرة، السلاح السلاح.
فخرجوا إليها، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين، الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الحاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم.
فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوههم فبكوا وعانق الرجال من
__________
(1) ذكره ابن سيد الناس فى عيون الأثر (1/ 335) .
(2) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل وورد فى السيرة «عسا» ، وعسا: أى اشتد وقوى، يريد أنه تمكن فى كفره فصعب إخراجه منه. انظر: السيرة (2/ 162) .
(1/304)

الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، وقد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس.
فأنزل الله تبارك وتعالى، فى شأن شأس وما صنع: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران:
99] «1» .
وأنزل الله فى أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 100، 103] .
قال «2» : وحدثت عن سعيد بن جبير أنه قال: أتى رهط من يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه، فجاءه جبريل فسكنه فقال: خفض عليك يا محمد، وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
فلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه؟ كيف ذراعة؟ كيف عضده؟
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول وساورهم، فأتاه جبريل فقال له مثل ما قال أول مرة، وجاءه من الله تبارك وتعالى بجواب ما سألوه عنه، يقول الله جل وعلا: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67] «3» .
__________
(1) ذكره الطبرى فى تفسيره (4/ 16) .
(2) انظر: السيرة (2/ 178) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب التفسير (4/ 19) ، صحيح البخارى (4811) ، تفسير ابن جرير (1/ 378) .
(1/305)

ودخل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بيت المدراس على يهود، فوجد منهم ناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ويلك يا فنحاص؟ اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة والإنجيل.
فقال فنحاص لأبى بكر: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغنى، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا! فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذى نفسى بيده لولا العهد الذى بيننا وبينك لضربت رأسك أى عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد، انظر ما صنع بى صاحبك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيما، إنه زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه.
فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله عز وجل، فيما قال فنحاص ردا عليه وتصديقا لأبى بكر: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [آل عمران: 181] » .
ونزل فى أبى بكر وما بلغه فى ذلك من الغضب: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186] .
وكان ممن انضاف إلى يهود من المنافقين من الأوس والخزرج فيما ذكروا والله أعلم «2» : من الأوس: جلاس بن سويد بن الصامت من بنى حبيب بن عمرو بن عوف، وهو القائل، وكان ممن تخلف عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر.
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (4/ 129) ، تفسير ابن كثير (2/ 153) .
(2) انظر: السيرة (2/ 127- 130) .
(1/306)

وكان فى حجره عمير بن سعد، خلف جلاس على أمه بعد أبيه، فقال له عمير:
والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلىّ، وأحسنه عندى وأعزهم علىّ أن يصيبه شىء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لفضحنك، ولئن صمت عليها ليهلكن دينى، ولإحداهما أيسر على من الأخرى.
ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال جلاس، فحلف جلاس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالله لقد كذب على عمير وما قلت ما قال.
فأنزل الله فيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة: 74] «1» .
فزعموا أنه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير. وأخوه الحارث بن سويد، قتل المجذر بن زياد البلوى. وذلك أن المجذر فيما ذكر ابن هشام، قتل أباه سويد بن الصامت بعض الحروب إذ كانت بين الأوس والخزرج، فلما كان يوم أحد طلب الحارث غرة المجذر ليقتله بأبيه، فقتله.
وذكر ابن إسحاق «2» أن سويدا إنما قتله معاذ بن عفراء غيلة فى غير حرب، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون قد أمر عمر بن الخطاب بقتل الحارث إن هو ظفر به ففاته فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه. فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 86] . إلى آخر القصة.
ونبتل بن الحارث من بنى ضبيعة بن زيد بن مالك، وهو القائل: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه. فأنزل الله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 61] «3» .
__________
(1) ذكره الطبرى فى تفسيره (10/ 127) ، ابن كثير فى تفسيره (4/ 120) .
(2) انظر: السيرة (2/ 129) .
(3) انظر الحديث فى: أسباب النزول للواحدى (ص 206) ، الشوكانى فى فتح القدير (2/ 529) .
(1/307)

وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر: «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث» «1» ، وكان جسميا أدلم ثائر شعر الرأس أحمر العينين.
وذكر أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه يجلس إليك رجل أدلم «2» ثائر شعر الرأس أسفع الخدين «3» أحمر العينين كأنهما قدران من صفر كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين، فاحذره. وكان تلك صفة نبتل بن الحارث فيما يذكرون.
وعمرو بن خذام، وعبد الله بن نبتل، وحارثة بن عامر بن العطاف وابناه زيد ومجمع وهم ممن اتخذ مسجد الضرار. وكان مجمع، غلاما حدثا قد جمع من القرآن أكثره، وكان يصلى بهم فيه، فلما كان زمان عمر بن الخطاب كلم فى مجمع ليصلى بقومه بنى عمرو بن عوف فى مسجدهم، فقال: لا، أو ليس بإمام المنافقين فى مسجد الضرار!.
فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين، والله الذى لا إله إلا هو ما علمت بشىء من أمرهم، ولكنى كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا لا قرآن معهم، فقدمونى أصلى بهم وما أرى أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا. فزعموا أن عمر رضى الله عنه، تركه فصلى بقومه «4» .
ومن الخزرج، ثم من بنى عوف: عبد الله بن أبى بن سلول، وكان رأس المنافقين وإليه يجتمعون. وهو الذى قال فى غزوة بنى المصطلق: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وسيأتى ذكر ذلك مستوفى وبيان سببه عند الانتهاء إلى غزوة بنى المصطلق، إن شاء الله تعالى.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبى هذا، لا يختلف عليه فى شرفه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، ومعه فى الأوس رجل، هو فى قومه من الأوس شريف مطاع، أبو عامر عبد عمرو بن صيفى بن النعمان أحد بنى ضبيعة بن زيد، وهو أبو حنظلة الغسيل يوم أحد، وكان قد ترهب ولبس المسوح، فكان يقال له الراهب، فشقيا بشرفهما!.
أما عبد الله بن أبى فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ويملكوه عليهم، فجاءهم
__________
(1) انظر: الحديث فى: البداية والنهاية (3/ 238) .
(2) أدلم: الرجل الأدلم: الطويل الأسود، ويقال: هو المسترخى الشفتين.
(3) أسفع الخدين: أسفع من السفعة وهى حمرة تضرب إلى السواد.
(4) انظر: السيرة (2/ 131) .
(1/308)

الله تبارك وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فلما انصرف عنه قومه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق وضغن «1» .
وحدث أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه على حمار عليه ألحاف فوقه قطيفة فركبه فخطمه «2» بحبل من ليف وأردفنى خلفه، فمر بعبد الله بن أبى وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تذمم أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فتلا القرآن ودعا إلى الله وذكر به وحذر وبشر وأنذر، وعبد الله زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا، فاجلس فى بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به ولا تأته فى مجلسه بما يكره.
فقال عبد الله بن رواحة فى رجال كانوا عنده من المسلمين: بل فاغشنا به وائتنا فى مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ما نحب ومما أكرمنا الله به وهدانا له.
فقال عبد الله حين رأى من خلاف قومه ما رأى:
متى ما يكن مولاك خصمك لم تزل ... تذل ويصرعك الذين تصارع
وهل ينهض البازى بغير جناحه ... وإن جد يوما ريشه فهو واقع «3»
قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على سعد بن عبادة وفى وجهه ما قال عدو الله ابن أبى، فقال: والله يا رسول الله، إنى لأرى فى وجهك شيئا: لكأنك سمعت شيئا تكرهه؟ قال: «أجل» . ثم أخبره بما قال ابن أبى. فقال سعد: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا!.
وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فقال: ما هذا الدين الذى جئت به؟ قال: «جئت بالحنيفية دين إبراهيم» . قال: فأنا عليها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لست عليها» .
قال: إنك أدخلت يا محمد فى الحنيفية ما ليس منها. قال: «ما فعلت ولكنى جئت بها بيضاء نقية» . قال: الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا، يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 189- 190) .
(2) الاختطام: أن يجعل على رأس الدابة وأنفها حبل يمسك منه الراكب.
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (191- 192) .
(1/309)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل، فمن كذب يفعل الله ذلك به» «1» .
فكان هو ذلك عدو الله، خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا: الراهب، ولكن قولوا الفاسق» «2» . فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدا غريبا وحيدا!.
قال ابن إسحاق «3» : وكان ممن تعوذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق من أحبار يهود، من بنى قينقاع: سعد بن حنيف، ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، وزيد بن اللصيت، وهو الذى قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودل على ناقته وجاءه الخبر بما قال عدو الله فى رحله: «إن قائلا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، وإنى والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها فهى فى هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها» . فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما وصف «4» .
وكان هؤلاء المنافقون المسلمون وغيرهم ممن لم يسم يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم.
فاجتمع يوما فى المسجد منهم ناس فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا.
فقام أبو أيوب خالد بن زيد إلى عمرو بن قيس أحد بنى غنم بن مالك بن النجار، وكان صاحب آلهتهم فى الجاهلية، فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجنى يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة!.
ثم أقبل أبو أيوب أيضا، إلى رافع بن وديعة أحد بنى النجار فلببه بردائه ثم نتره نترا شديدا ثم لطم وجهه وأخرجه من المسجد وهو يقول: أف لك منافقا خبيثا، أدراجك يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) انظر الحديث فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 184) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 351) .
(2) انظر الحديث فى: عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 351) .
(3) انظر: السيرة (2/ 135) .
(4) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 232) .
(1/310)

وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه فلدمه بهما فى صدره لدمة خر منها. قال: يقول: خدشتنى يا عمارة! قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقام أبو محمد، رجل من بنى النجار، وكان بدريا، إلى قيس بن عمرو فجعل يدفع فى قفاه حتى أخرجه من المسجد. وكان قيس غلاما شابا لا يعلم فى المنافقين شاب غيره.
وقام رجل من بلحارث يقال له: عبد الله بن الحارث إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو وكان ذا جمة فأخذ بجمته يسحبه عنيفا على ما مر به من الأرض حتى أخرجه من المسجد.
قال: يقول المنافق: لقد أغلظت يا ابن الحارث. فقال له: إنك أهل لذلك يا عدو الله لما أنزل الله فيك، فلا تقرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك نجس. وقام رجل من بنى عمرو بن عوف إلى أخي ذوى بن الحارث فأخرجه من المسجد إخراجا عنيفا وأفف منه «1» وقال: غلب عليك الشيطان وأمره.
فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ، من المنافقين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم «2» .
ففى هؤلاء من أحبار يهود والمنافقين من الأوس والخزرج نزل صدر سورة البقرة إلى المائة منها، فيما بلغنى والله أعلم.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فدخلوا عليه المسجد حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية، فى جمال رجال بنى الحارث بن كعب، يقول بعض من رآهم يومئذ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم.
وحانت صلاتهم فقاموا يصلون فى المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فصلوا إلى المشرق، وكان فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، فى الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم الذى لا يصدرون
__________
(1) أقف منه: أى قال له أف، وهى كلمة تقال لكل ما يتقل ويضجر منه.
(2) انظر: السيرة (2/ 137) .
(1/311)

إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بنى بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم وكان أبو حارثة هذا قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه فى دينهم، فكان ملوكهم قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده فى دينهم «1» .
فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها [إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم] «2» وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة، ويقال كوز بن علقمة، فعثرت بغلة أبى حارثة فقال كوز: تعس الأبعد. يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست: قال: ولم يا أخى؟ قال: والله إنه للنبى الذى كنا ننتظره. فقال له كوز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟! قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى.
فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث «3» .
وكان أبو حارثة هذا ممن كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والعاقب والسيد، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم فى عيسى عليه السلام، يقولون: هو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ويقولون: هو ولد الله كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. سبحان الله عما يصفون، عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد.
ففى كل هذا من قولهم قد نزل القرآن مدحضا حججهم ومبطلا دعاويهم، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. قال الله العظيم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [المائدة: 72] .
__________
(1) انظر: السيرة (2/ 180) .
(2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 382، 383) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 59) ، طبقات ابن سعد (1/ 357) .
(1/312)

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: 72، 75] .
وقال عز من قائل: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 30، 31] .
ولما كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإسلام، فقال له حبران ممن كلمه منهم: قد أسلمنا. فقال لهما: «إنكما لم تسلما فأسلما» . فقالا: بلى قد أسلمنا قبلك. فقال:
«كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير» .
قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجيبهما «1» .
فأنزل الله فى ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.
فافتتح السورة بتنزيه نفسه سبحانه مما قالوا، وتوحيده إياها بالخلق والأمر، ردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد ليعرفهم بذلك ضلالتهم. فقال جل قوله وتعالى جده: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 1، 6] .
ثم استمر سبحانه فيما شاء من التبيان لهم والإعذار إليهم والاحتجاج عليهم، وإرشاد عباده المؤمنين إلى سبيل الضراعة إليه بأن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وأن يهب لهم من لدنه رحمة، وما وصل بذلك من قوله الحق وذكره الحكيم.
__________
(1) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 699) ، تفسير ابن كثير (2/ 41) ، فتح القدير للشوكانى (1/ 466) .
(1/313)

ثم استقبل لهم أمر عيسى وكيف كان بدء ما أراد به، فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ثم ذكر امرأة عمران ونذرها لله ما فى بطنها محررا، أى تعبده له سبحانه لا ينتفع به لشىء من الدنيا، ثم ما كان من وضعها مريم وتعويذها إياها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم.
يقول الله تبارك وتعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أى ضمها وقام عليها بعد أبيها وأمها.
ثم قص خبرها وخبر زكريا وما دعا به وما أعطاه، إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم وقول الملائكة لها: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
. يقول الله جل وعز: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أى يستهمون عليها، أيهم يخرج سهمه يكفلها. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أى ما كنت معهم إذ يختصمون فيها.
يخبره بخفى ما كتموا منه من العلم، تحقيقا لنبوته وإقامة للحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه. ثم قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ.
أى هكذا كان أمره لا ما يقولون فيه، وإن هذه حالاته التى يتقلب بها فى عمره كتقلب بنى آدم فى أعمارهم صغارا وكبارا، إلا أن الله خصه بالكلام فى مهده آية لنبوته، وتعريفا للعباد مواقع قدرته. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ.
أى يصنع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر. ويصور فى الأرحام ما يشاء وكيف يشاء بذكر وبغير ذكر. إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
ثم أخبرها بما يريد به من كرامته وتعليمه الكتاب والحكمة والتوراة المنزلة على موسى قبله والإنجيل المنزل عليه، وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل، مؤيدا من الايات بما
(1/314)

هو صادر عن إذنه موقوف على مشيئته تحقيقا لما أراد من نبوته، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وغير ذلك مما أيده الله به من العجائب المصدقة له، وأمره إياهم بتقوى الله وطاعته وقوله لهم: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ تبريا من الذى يقولون فيه واحتجاجا لربه عليهم. فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أى هذا الهدى قد حملتكم عليه وجئتكم به. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ إلى آخر قولهم.
ثم ذكر رفعه إياه إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. ثم أخبرهم ورد عليهم فيما أقروا لليهود بصلبه، كيف رفعه وطهره منهم فقال: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثم القصة حتى انتهى إلى قوله: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
أى قد جاءك الحق من ربك فلا ترتابن به ولا تمترين فيه، وإن قالوا: كيف خلق عيسى من غير ذكر فقد خلقت آدم من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كان عيسى لحما ودما وشعرا وبشرا، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أى من بعد ما قصصت عليك من خبره وكيفية أمره فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.
نبتهل: ندعو باللعنة، ونبتهل أيضا، نجتهد بالدعاء. إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ أى ما أخبرتك به من أمر عيسى وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فدعاهم الله إلى النصف وقطع عنهم الحجة.
فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عز وجل، فى شأن عيسى وفصل القضاء بينه وبينهم بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر فى أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.
(1/315)

فانصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟
فقال: «والله، يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمدا لنبى مرسل، ولقد جاءكم من خبر صاحبكم بالحق، ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا ألف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم» .
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع إلى ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا فى أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضى.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتونى العشية أبعث معكم القوى الأمين» . فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول: ما أحببت الإمارة قط حبى إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه ويساره فجعلت أتطاول له ليرانى، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة ابن الجراح، فدعاه فقال: أخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. قال عمر:
فذهب بها أبو عبيدة «1» .
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم حتى جهدوا فما كانوا يصلون إلا وهم قعود، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم صلوات الله عليه، وهم يصلون كذلك، فقال لهم:
«اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» . فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل! «2» .
وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، ممن أصابته الحمى، وكذلك مولياه عامر بن فهيرة وبلال، قالت عائشة: فدخلت أعودهم قبل أن يضرب علينا الحجاب وهم فى بيت واحد وبهم ما لا يعلمه إلا الله من الوعك، فدنوت من أبى بكر فقلت له: كيف
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى (4380) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة (4/ 55) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين (1/ 120) ، سنن النسائى (1658) ، سنن أبى داود (950) ، سنن ابن ماجه (1229، 1230، 1231) ، مسند الإمام أحمد (2/ 193، 3/ 425، 6/ 61، 71) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 224) ، فتح البارى لابن حجر (2/ 682) .
(1/316)

كل امرىء مصبح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
فقلت: والله ما يدرى أبى ما يقول، ثم دنوت إلى عامر فقلت: كيف تجدك يا عامر؟
فقال:
لقد وجدت الموت دون ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرىء مجاهد بطوقه ... كالثور يحمى جلده بروقه
قالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته وقال:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل
قالت عائشة: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب لنا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا فى مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة» «1» ، وهى الجحفة.

شروع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرب المشركين وذكر مغازيه التى أعز الله بها الإيمان والمؤمنين
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه وقام فيما أمره الله تبارك وتعالى به من جهاد عدوه وقتال من أمره الله بقتاله ممن يليه من مشركى العرب.
وخرج غازيا فى صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة.
حتى بلغ ودّان وهى غزوة الأبواء «2» ، يريد قريشا وبنى ضمرة من بكر بن عبد مناة ابن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذى وادعه منهم عليهم مخشىّ بن عمرو الضمرى، وكان سيدهم فى زمانه ذلك.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (3926) ، صحيح مسلم كتاب الحج (2/ 480) ، مسند الإمام أحمد (5/ 309) ، السنن الكبرى للبيهقى (3/ 332) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (2/ 226) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 569) ، موطأ الإمام مالك (2/ 14) .
(2) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (1/ 11، 12) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 3، 4) ، تاريخ الطبرى (2/ 407) ، البداية والنهاية (3/ 246) .
(1/317)

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها.
وبعث فى مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى «1» فى ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد.
فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرّة، فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلّا أن سعد بن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به فى سبيل الله.
وقال سعد فى رميته تلك فيما يذكرون:
ألا هل أتى رسول الله أنى ... حميت صحابتى بصدور نبلى
أذود بها أوائلهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام فى عدوّ ... بسهم يا رسول الله قبلى
فى أبيات ذكرها ابن إسحاق، وذكر ابن هشام أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد.
ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية.
وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانى «2» وعتبة بن غزوان «3» ، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار.
ويقال: إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال فى غزوة عبيدة هذه:
__________
(1) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 312) ، الاستبصار (158، 301) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 369) ، الأعلام (4/ 198) ، سير أعلام النبلاء (1/ 256) ، الإصابة ترجمة رقم (5391) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3534) .
(2) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (3/ 1/ 144) ، طبقات خليفة (61، 67، 168) ، التاريخ الكبير (8/ 54) ، التاريخ الصغير (60، 61) ، المعارف (263) ، الجرح والتعديل (8/ 426) ، حلية الأولياء (1/ 172، 176) ، تهذيب التهذيب (10/ 285) ، شذرات الذهب (1/ 39) ، الإصابة ترجمة رقم (8201) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5076) .
(3) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (3/ 1/ 69) ، التاريخ الكبير (6/ 520، 521) ، المعارف (275) ، الجرح والتعديل (6/ 373) ، حلية الأولياء (1/ 171، 172) ، تهذيب التهذيب (7/ 100) ، شذرات الذهب (1/ 27) ، سير أعلام النبلاء (1/ 304) ، الإصابة ترجمة رقم (5427) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3556) .
(1/318)

أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقيت وأمر فى العشيرة حادث «1»
ترى من لؤى فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروّا هرير المحجرات اللواهث «2»
فكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شىء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيبات الحلّ مثل الخبائث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث
ونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها فى الفروع الأثائث
فأولى بربّ الراقصات عشية ... حراجيج تجرى فى السريح الرّثائث
كأدم ظباء حول مكة عكف ... بردن حياض البئر ذات النّبائث
لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم ... ولست إذا آليت قولا بحانث
لتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث
وكانت راية عبيدة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الإسلام.
وبعض العلماء يزعم أنه بعثه حين أقبل من غزوة الإبواء قبل أن يصلى إلى المدينة، وأنه بعث فى مقامه بالمدينة حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص فى ثلاثين راكبا من المهاجرين، فلقى أبا جهل بذلك الساحل فى ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز مجدى بن عمرو الجهنى، وكان موادعا للفريقين.
فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يك بينهم قتال.
وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس.
وقد زعموا أن حمزة قال فى ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن كان حمزة قال ذلك فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقّا، فالله أعلم أى ذلك كان.
__________
(1) الدمائث: أى الرمال اللينة.
(2) هروا: أى وثبوا كما تثب الكلاب. والمجحرات: أى الكلاب التى اجحرت، أى لجئت إلى مواضعها.
(1/319)

فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا: فعبيدة بن الحارث أول من عقد له.
والشعر المنسوب لحمزة رضى الله عنه:
ألا يا لقومى للتحكم والجهل ... وللنقص من رأى الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ ... لهم حرمات من سوام ولا أهل «1»
كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا ... لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل»
وأمر بإسلام فلا يقبلونه ... وينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت بغارة ... لهم حيث حلوا ابتغى راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق ... عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذى كرامة ... إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلى
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
فعلنا لهم حبل الإله نصيرنا ... وليس لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا ... فخاب ورد الله كيد أبى جهل
وما نحن إلا فى ثلاثين راكبا ... وهم مئتان بعد واحدة فضل
فيال لؤى لا تطيعوا غواتكم ... وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل «3»
فإنى أخاف أن يصب عليكم ... عذاب فتدعوا بالندامة والثّكل
ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ربيع الأول يريد قريشا حتى بلغ بواط «4» من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
ثم غزاهم فسلك على نقب بنى دينار على فيفاء الحبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثمّ مسجده صلى الله عليه وسلم، وصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع أثافى البرمة معلوم هنالك، واستقى له من ماء يقال له: المشرب المشترب.
ثم ارتحل حتى هبط بليل، ثم سلك فرش ملل حتى لقى الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى وليالى من
__________
(1) السوام: أى الإبل الراعية، وقيل: هى المرسلة فى المرعى.
(2) تبلناهم: أى عاديناهم.
(3) فيئوا: أى ارجعوا. والمنهج: أى الطريق الواضح.
(4) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 8) ، البداية والنهاية (3/ 246) .
(1/320)

جمادى الآخرة. ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
وبعث سرية فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص فى ثمانية رهط من المهاجرين، فبلغ الخرّار من أرض الحجاز، ثم رجع ولم يلق كيدا.
ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة «1» إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهرى «2» على سرح المدينة.
فخرج صلى الله عليه وسلم فى طلبه حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يدركه. وهى غزوة بدر الأولى.
ثم رجع إلى المدينة.
وبعث عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدى «3» فى رجب مقفلة من تلك الغزاة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبى وقاص، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمى، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء. وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.
فلما سار عبد الله يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» .
فقال عبد الله: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضى إلى نخلة أرصد فيها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها، فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمضى ومضى معه أصحابه، لم يختلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا
__________
(1) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (1/ 12، 13) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 4، 5) ، تاريخ الطبرى (2/ 408) ، البداية والنهاية (3/ 246) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7409) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4449) .
(3) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 237) ، صفوة الصفوة (1/ 385) ، حلية الأولياء (1/ 108، 109) ، شذرات الذهب (1/ 54) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 302) ، تهذيب التهذيب (5/ 143) ، الجرح والتعديل (5/ 22، 101) .
(1/321)

كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران أضل سعد بن أبى وقاص وعتبه بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا فى طلبه.
ومضى عبد الله فى بقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا، وأدما، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمى، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا:
عمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك فى آخر يوم من رجب، فقالوا:
والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمنعن منكم به، ولئن قتلتوهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام.
فتردد القوم وهابوا ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم.
فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم، وأفلت القوم نوفل فأعجزهم.
وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.
وعزل عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس تلك الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم فلما أحل الله الفىء بعد ذلك وأمر بقسمه وفرض الخمس فيه، وقع على ما كان عبد الله صنع فى تلك العير.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام» «1» . فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا.
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط فى أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال.
فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا فى شعبان.
وقالت يهود، تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمى قتله واقد بن عبد
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 249) .
(1/322)

الله: عمرو: عمرت الحرب، والحضرمى: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب: فجعل الله تبارك وتعالى ذلك عليهم لا لهم.
فلما أكثر الناس فى ذلك، أنزل الله على رسوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: 217] .
أى إن كنتم قتلتم فى الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، والفتنة أكبر من القتل، أى قد كانوا يفتنون المسلم فى دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل.
فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت قريش فى فدائهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا، حتى يقدم صاحبانا، يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم» . فقدم سعد وعتبة، فأفدى الأسيرين عند ذلك منهم.
فأما الحكم فأسلم فحسن أسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد يوم بئر معونة، وأما عثمان فلحق بمكة فمات بها كافرا.
فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا فى الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟
فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 218] ، فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى تلك الغزوة أبياتا، ويقال بل عبد الله بن جحش، قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا المال وأسروا الرجال:
تعدون قتلا فى الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
(1/323)

وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى فى البيت الله ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمى رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القيد عاقد

غزوة بدر الكبرى «1»
قال ابن إسحاق «2» : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشام فى عير لقريش عظيمة.
فندب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» «3» .
فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقى من الرّكبان، تخوفا، حتى أصاب من بعضهم خبرا باستنفار رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولعيره، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى، فبعثه إلى مكة ليخبر قريشا بذلك، ويستنفرهم إلى أموالهم، فخرج ضمضم سريعا.
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب «4» قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها، فقالت لأخيها العباس: يا أخى، والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتنى وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك، فقال لها: وما رأيت؟.
__________
(1) ذكرها ابن الجوزى فى المنتظم (3/ 97) ، الواقدى فى المغازى (1/ 19) ، ابن سعد فى الطبقات (2/ 1/ 6 ط الشعب) ، الطبرى فى تاريخه (2/ 421) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 256) ، ابن الأثير فى الكامل فى التاريخ (2/ 14) .
(2) انظر السيرة (2/ 211) .
(3) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 6) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 168) ، تفسير ابن كثير (3/ 557) ، تفسير القرطبى (7/ 373) ، تفسير الطبرى (9/ 122) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 256) .
(4) انظر ترجمتها فى: طبقات ابن سعد (8/ 43) ، المعارف (118) ، الإصابة ترجمة رقم (11455) ، أسد الغابة ترجمة رقم (7088) .
(1/324)

قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يالغدر لمصارعكم فى ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبيناهم حوله، مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ألا أنفروا يالغدر إلى مصارعكم فى ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس «1» فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.
قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل فى رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا.
فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النّبيئة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت:
وما رأت؟.
قال يا بنى عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساءكم؟ قال:
زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال: انفروا فى ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شىء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب.
قال العباس: فو الله، ما كان منى إليه كبير، إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأيت شيئا، ثم تفرقنا.
فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة بشىء مما سمعت؟ فقلت: قد والله فعلت، وما كنا منى إليه من كبير، وإيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنّه.
قال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنه قد فاتنى
__________
(1) أبو قبيس: جبل مشرف على مكة من شرقيها. انظر: معجم البلدان (1/ 80) .
(1/325)

أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، فو الله، إنى لأمشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال، فأقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، فقلت فى نفسى: ماله، لعنة الله؟! أكل هذا فرقا منى أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو [الغفارى] وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره قد جدعه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول:
يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
قال: فشغلنى عنه، وشغله عنى ما جاء من الأمر.
فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك.
فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا.
وأو عبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. وكانت عليه لأبى لهب أربعة آلاف درهم، فاستأجره بها على أن يجزىء عنه بعثة.
وأجمع أمية بن خلف القعود- وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا- فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس فى المسجد بين ظهرى قومه بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا على، استجمر فإنما أنت من النساء! فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم تجهز وخرج مع الناس.
ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا حربا كانت بينهم وبين بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة، وقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، فكاد ذلك يثبتهم، فتبدى لهم إبليس فى صورة سراقة بن جعشم المدلجى، وكان من أشراف بنى كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه.
فخرجوا سراعا.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ليال مضت من شهر رمضان فى أصحابه، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار «1» ، وكان أبيض، وكان أمام
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (8020) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4936) .
(1/326)

رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالب- رضى الله عنه- والأخرى مع بعض الأنصار، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ فيما قال ابن هشام.
فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقة من المدينة إلى مكة حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو «1» ، وعدى بن أبى الزغباء «2» الجهينيين إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبى سفيان وغيره.
فمضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، فسمعا جاريتين من جوارى الحاضر تتلازما على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما ترد العير غدا أو بعده فأعمل لهم ثم أقضيك. فقال مجدى بن عمرو، وكان على الماء: صدقت، ثم خلص بينهما.
فلما سمع بذلك عدى وبسبس، انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه.
ثم تقدم أبو سفيان العير حذرا حتى ورد الماء، فقال لمجدى: هل أحسست أحدا؟
قال: لا، إلا أنى قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا فى شن لهما، ثم انطلقا.
فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب! فأسرع إلى اصحابه فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيساره.
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى واديا يقال له: «ذفران» ، فجزع فيه، ثم نزل.
وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فأخبر الناس واستشارهم.
فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون» ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (810) ، أسد الغابة ترجمة رقم (405) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 48) ، معرفة الصحابة (3/ 175) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (5498) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3613) ، الثقات (3/ 316) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 377) .
(1/327)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشيروا على» «1» . وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:
«أجل» «2» ، قال: فقد آمنا بك وصدقناك؛ وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذاى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بناعدونا غدا، إنا لصبر فى الحرب صدق عند اللقاء لعل يريك منا ما تقربه عينك، فسر بنا على بركة الله.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا فإن الله تبارك وتعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن انظر إلى مصارع القوم» «3» .
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من «ذفران» «4» حتى نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه، قيل: هو أبو بكر الصديق، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا اخبر كما حتى تخبرانى ممن أنتما؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أخبرتنا أخبرناك» . قال: أو ذاك بذاك، قال: «نعم» ، قال الشيخ: فإنى بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به قريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء» «5» . ثم انصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 356) ، دلائل النبوة للبيهقى (2/ 377، 381) .
(2) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (5233) ، مسند الإمام أحمد (1/ 255، 284، 3/ 438، 5/ 286، 372، 381) ، الدر المنثور للسيوطى (5/ 205) ، كنز العمال للمتقى الهندى (31379) .
(3) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (3/ 72) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 336) .
(4) ذفران: واد قرب واد الصفراء والذفر كل ريح من طيب أو نتن. انظر: معجم البلدان (3/ 6) .
(5) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 264) .
(1/328)

قال: يقول الشيخ: ما من ماء! أمن ماء العراق؟
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية لقريش فيهما غلامان لبعضهم، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبى سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما.
وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه، ثم سلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش. فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذى ترى» . قال: «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «ما عدتهم؟» قالا:
ما ندرى. قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمائة والألف» «1» .
ثم قال لهما: «من فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدى، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «2» .
وأقبلت قريش؛ فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى أرى فيما يرى النائم، وإنى لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وابو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف وفلان، فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب فى لبة بعيره ثم أرسله فى العسكر فيما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه.
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (2/ 13، 4/ 11) ، تفسير الطبرى (3/ 131) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 166) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 277، 278) ، تاريخ الطبرى (2/ 28) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 75، 76) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 42) .
(1/329)

فبلغت أبا جهل فقال: وهذا- أيضا- نبى آخر من بنى المطلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال: ولما رأى أبو سفيان قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها اله، فارجعوا.
قال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان موسما للعرب لهم به سوق كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا.
وقال الأخنس بن شريق الثقفى: يا بنى زهرة، وكان حليفا لهم: قد نجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوه بن جنبها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا فى غير ضيعة، لا ما يقول هذا.
فرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا.
ولم يكن بقى من قريش بطن إلا قد نفر منهم ناس إلا بنو عدى بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس، فلم يشهد بدرا من هذين القبيلين أحد.
وكان بين طالب بن أبى طالب وكان فى القوم، وبين بعض قريش محاورة، فقالوا:
والله لقد عرفنا يا بنى هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم لمع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال:
لا هم إما يغزون طالب ... فى عصبة مخالفا محارب
فى مقنب من هذه المقانب ... فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادى خلف العقنقل والقلب ببدر فى العدوة الدنيا إلى المدينة.
وبعث الله- عز وجل- السماء، وكان الوادى دهسا، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاؤا أدنى ماء من بدر نزلوا به.
(1/330)

فذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصارى قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتاخر عنه؟ أم هو الرأى والجرب والمكيدة؟
فقال: «بل هو الرأى والحرب والمكيدة» . قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأنى أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء ثم نتقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأى» «1» . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فساروا حتى إذا اتى ماء إلى القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
وقال سعد بن معاذ: يا نبى الله، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله- عز وجل- بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه.
وارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من الكثيب الذى جاؤا منه، قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى به، اللهم أحنهم الغداة» «2» .
وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفارى أو أبوه بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. فأجابوه: أن وصلتك رحم، قد قضيت الذى عليك، فلعمرى لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لأحد بالله من طاقة!
فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش فيهم حكيم بن حزام حتى وردوا حوض رسول
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (4/ 426، 427) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (3/ 58) ، مسند الإمام أحمد (208، 221) ، تاريخ الطبرى (2/ 30) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 268) .
(1/331)

الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «دعوهم» . فما شرب منه يومئذ رجل إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد فى يمينه قال: لا، والذى نجانى من يوم بدر «1» .
ولما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد.
فدار بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد، وضرب فى الوادى حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر، قال: وما ذلك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى. قال: قد فعلت، أنت على بذلك إنما هو حليفى فعلى عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- يعنى أبا جهل- فإنى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.
ثم قام عتبة خطيبا فقال:
يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد، وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألقاكم، ولم تعرضوا منه ما تريدون.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عتبة فى القوم على جمل له أحمر فقال: «إن يك عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» «2» .
قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلنى إليك بكذا وكذا، للذى قال. فقال:
انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 298) ، الطبرى فى تاريخه (2/ 30) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 117) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 75، 76) .
(1/332)

وبين محمد وما بعتبة ما قال: ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه.
ثم بعث إلى عامر بن الحضرمى، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك.
فقام عامر بن الحضرمى فاكتشف ثم صرخ: واعمراه، واعمراه! فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة.
فلما بلغ عتبة قول أبى جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو؟!
ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها فى رأسه فما وجد فى الجيش بيضة تسعة من عظم هامته، فلما ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.
وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى وكان رجلا شرسا سيىء الخلق، فقال:
أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه.
فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد. زعم أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله فى الحوض.
ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين اخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا نصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار.
قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة وقم يا علىّ» «1» . فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم، فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال على: على.
قالوا: نعم، أكفاء كرام.
فبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علىّ الوليد.
فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علىّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (2665) ، من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه.
(1/333)

وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
وذكر ابن عقبة، أنه لما طلب القوم المبارزة فقام إليهم ثلاثة نفر من الأنصار، استحيا النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم، فأحب النبى صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكة ببنى عمه، فناداهم أن ارجعوا إلى مصافكم، وليقم إليهم بنو عمهم. فعند ذلك قام حمزة وعلىّ وعبيدة.
ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن أكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» «1» .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى العريش معه أبو بكر الصديق، وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحد، أحد.
وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم- يومئذ- صفوف أصحابه وفى يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية- حليف بنى عدى بن النجار- وهو مستنثل من الصف- أى بارز- فطعن فى بطنة بالقدح وقال: «استو يا سواد» . فقال: يا رسول الله أو جعتنى، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد» ، فاعتنقه فقبل بطنه، فقال له: «ما حملك على هذا يا سواد؟» «2» قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك، فدعا له بخير، وقاله له.
ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش، فدخله ومعه فيه أبو بكر، ليس معه فيه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» . وأبو بكر يقول: يا نبى الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو فى العريش، ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله! هذا جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» «3» . يريد الغبار.
ورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المسلمين.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (3984، 3985) ، سنن أبى داود (2663) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 271) ، تاريخ الطبرى (2/ 32) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 284) .
(1/334)

ثم رمى حارثة بن سراقة- أحد بنى عدى بن النجار- وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتله.
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم، ثم قال: «والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» «1» .
فقال عمير بن الحمام، أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ! أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء! ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
وقال- يومئذ- عوف بن الحارث وهو ابن عفراء: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ فقال: «غمسه يده فى العدو حاسرا» «2» فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.
وقاتل عكاشة بن محصن الأسدى حليف بنى عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده، فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة» »
، فلما أخذه هذه فعاد فى يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل فى الردة وهو عنده، قتله طليحة الأسدى.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: «شاهت الوجوه» «4» ، ثم نفحهم بها، ثم أمر أصحابه فقال: «شدوا» ، فكانت الهزيمة عليهم.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإمارة (3/ 145) ، مسند الإمام أحمد (3/ 136، 137) ، مستدرك الحاكم (3/ 426) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 271) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 98، 99) ، المغازى للواقدى (1/ 93) .
(4) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (28) رقم (81) ، مسند الإمام أحمد (1/ 303، 368، 5/ 286) ، مستدرك الحاكم (1/ 163، 3/ 157) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 84، 184، 8/ 4، 228) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 141، 6/ 240) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 169، 8/ 32) ، الدر المنثور للسيوطى (5/ 174، 224، 226، 345) ، كنز العمال للمتقى الهندى (3697، 29924، 29925، 30213، 30204) ، تفسير ابن كثير (3/ 571، 586، 4/ 69) ، تفسير القرطبى (8/ 98، 16، 263) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 284) .
(1/335)

وجعل الله تلك الحصباء عظيما شانها، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه.
واستولى عليهم المسلمون معهم الله وملائكته يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم منكبّ على وجهه لا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب ينزعه من عينيه.
فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشح السيف فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوف كرة العدو عليه، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال له:
«لكأنك والله يا سعد تكره ما يصنع القوم؟» «1» فقال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من استقبال الرجال.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لأصحابه: «إنى قد عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البخترى بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس عم رسول الله فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها» . فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس! والله لئن وجدته لألحمنه السيف. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص» . قال عمر: والله، إنه لأول يوم كنانى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى حفص. «أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟» «2» فقال عمر: يا رسول الله، دعنى فلأضرب عنقه بالسيف، فو الله لقد نافق.
فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا رحمه الله.
وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبى البخترى لأنه كان أكف القوم عنه بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شىء يكرهه، وكان ممن قام فى نقض الصحيفة التى كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطلب.
فلقيه المجذر بن زياد البلوى حليف الأنصار- يوم بدر- فقال له: إن رسول الله
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 284) ، تاريخ الطبرى (2/ 34) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 126) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 34) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 398) .
(1/336)

صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك، ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة، قال: وزميلى؟
قال المجذر: لا والله ما نحن بتاركى زميلك، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك.
قال: إذا والله لأموتن أنا وهو جميعا، لا تحدث عنى نساء مكة إنى تركت زميلى حريصا على الحياة، وقال يرتجز:
لن يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله
ثم اقتتلا فقتله المجذر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلنى فقاتلته فقتلته.
هذا الذى ذكر ابن إسحاق فى قتل أبى البخترى «1» .
وقال موسى بن عقبة: يزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البخترى ويأبى أعظم الناس إلا أن المجذر هو الذى قتله.
ثم أضرب ابن عقبة عن القولين، وقال: بل قتله- غير شك- أبو داود المازنى وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بنى أبى البخترى.
وكان المجذر قد ناشده أن يستأسره، وأخبره بنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله، فأبى أبو البخترى أن يستأسر وشد عليه المجذر بالسيف وطعنه الأنصارى، يعنى أبا داود المازنى، بين ثدييه فأجهز عليه فقتله.
ويومئذ قال المجذر فيما ذكروا:
إما جهلت أو نسيت نسبى ... فأثبت النسبة أنى من بلى
الطاعنين برماح اليزنى ... والضاربين الكبش حتى ينحنى
بشر بيتم من أبوه البخترى ... أو بشرن بمثلها منى بنى
أنا الذى يقال أصلى من بلى ... أطعن بالصعدة حتى تنثنى
وأعبط القرن بعضب مشرفى ... أرزم للموت كإرزام المرى
فلا ترى مجذرا يفرى فرى
وقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو، فلما أسلمت تسميت عبد الرحمن، فكان يلقانى فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟ فأقول نعم. فيقول: فإنى. لا أعرف الرحمن،
__________
(1) انظر السيرة (2/ 233) .
(1/337)

فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيا بنى باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. فقلت له: يا أبا علىّ، اجعل ما شئت. قال: فأنت عبد الإله.
فقلت: نعم.
حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه على آخذ بيده ومعى أدراع لى قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رآنى قال: يا عبد عمرو. فلم أجبه فقال: يا عبد الإله.
فقلت: نعم. قال: هل لك فىّ فأنا خير لك من هذه الأدراع؟ قلت: نعم.
فطرحت الأدراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة فى اللبن؟ يريد الفداء.
وقال عبد الرحمن: قال لى أمية وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة فى صدره؟ زائده قلت: ذلك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذلك الذى فعل بنا الأفاعيل.
قال عبد الرحمن: فو الله، إنى لأقودهما إذ رآه بلال، وكان هو الذى يعذبه بمكة على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد. فيقول بلال:
أحد أحد. فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت، قال: قلت أى بلال أبأسيرى؟!
قال: لا نجوت إن نجا. قلت: أتسمع يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوت إن نجا. ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا.
فأحاطوا بنا حتى جعلونا فى مثل المسكة، وأنا اذب عنه، فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنة فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء به، فو الله ما أغنى عنك شيئا، فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى.
وقاتلت الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: ولم تقاتل فى يوم سواه، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون، وكانت سماهم يوم بدر عمائم بيضاء، قد أرسلوها فى ظهروهم، ويوم حنين عمائم حمرا.
(1/338)

وذكر ابن هشام «1» عن على- رضى الله عنه- فى سيماهم يوم بدر مثل ما قال ابن عباس، إلا جبريل، فإن فى حديث على أنه كانت عليه عمامة صفراء.
وقال ابن عباس: حدثنى رجل من غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لى حتى أصعدنا فى حيل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان ننظر لمن تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب؛ فبينا نحن فى الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول:
أقدم حيزوم. فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت.
وقال أبو أسيد الساعدى بعد أن ذهب بصره، وكان شهد بدرا: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.
وقال أبو داود المازنى: إنى لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قد قتله غيرى.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بأبى جهل أن يلتمس فى القتلى، وقال لهم:
«انظروا إن خفى عليكم فى القتلى إلى أثر جرح فى ركبته، فإنى ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحشت فى إحداهما جحشا لم يزل أثره به» «2» .
__________
(1) انظر السيرة (2/ 237) .
(2) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (3/ 115) فى ذكر مقتل أبى جهل قصة أصح من هذا وهى فى صحيح البخارى، فقال: أخبرنا عبد الأول، قا: أخبرنا الداوودى، قال: أخبرنا ابن أعين، قال: أخبرنا الفربرى، قال: حدثنا البخارى، قال: أخبرنا مسدد، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن، أنه قال: بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر، فنظرت عن يمينى وعن شمالى، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثه أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضله منهما، فغمزنى أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: بلغنى أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذى نفسى بيده لئن رأيته لم يفارق سوادى سوداه حتى يموت الأعجل منا، قال: فغمزنى الآخر، فقال لى مثلها، فتعجبت لذلك ثم لم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يجول فى الناس، فقلت لهما: ألا تريان هذا صاحبكما الذى تسألان عنه، فابتدراه فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: «مسحتما سيفيكما؟» ، قالا: لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السيفين، فقال: «كلا كما قتله» ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
(1/339)

وكان من حديث عدو الله يوم بدر أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال:
اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح، وأقبل يرتجز وهو يقول:
ما تنقم الحرب العوان منى ... بازل عامين حديث سنى
لمثل هذا ولدتنى أمى
وكان أول من لقيه ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة، قال: سمعت القوم وأبو جهل فى مثل الحربة يقولون: أبو الحكم لا يخلصن إليه.
فلما سمعتها جعلته من شأنى فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقة، فضربنى ابنه عكرمة على عاتقى فطرح يدى فتعلقت بجلدة من جنبى، وأجهضنى القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومى وإنى لأسحبها خلفى، فلما آذتنى وضعت عليها قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها وعاش بعد ذلك معاذ هذا- رحمه الله- إلى زمان عثمان رضى الله عنه.
ثم مر بأبى جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل.
فمر عبد الله بن مسعود بأبى جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتماسه فى القتلى. قال عبد الله: وقد كان ضبث بى مرة بمكة فآذانى ولكزنى، فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه ثم قلت له: أخزاك الله يا عدو الله! قال: وبماذا أخزانى؟
أعمد من رجل قتلتموه، أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله.
ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبى جهل. فقال: «آلله الذى لا إله غيره؟» «1» وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت:
نعم، والله الذى لا إله غيره. ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد الله.
وخرج مسلم فى صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: بينا أنا واقف فى الصف
__________
- وقال ابن الجوزى هما: معاذ بن عمرو، ومعاذ بن عفراء. قلت: والحديث أخرجه: البخارى فى صحيحه (6/ 246) ، مسلم فى صحيحه كتاب الجهاد والسير (3/ 42) ، أحمد فى المسند (1/ 193) .
(1) انظر الحديث فى: السنن الكبر للبيهقى (9/ 62) ، تاريخ الطبرى (2/ 37) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 288) .
(1/340)

يوم بدر نظرت عن يمينى وشمالى، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثه أسنانهما، فتمنيت لو كنت بين اضلع منهما فغمزنى أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟
قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزنى الآخر فقال مثلها.
قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يجول فى الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذى تسألان عنه.
فابتدراه، فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال:
«أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا:
لا، فنظر فى السيفين، فقال: «كلاكما قتله» . وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء.
وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم بدر على القتلى، فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم لا يعجزن فرعون هذه الأمة» .
فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعا، بينه وبين المعركة غير كبير، مقنعا فى الحديد واضعا سيفه على فخذيه، ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرك منه عضوا، وهو مكب ينظر إلى الأرض، فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله وهو خائف أن ينوء إليه، فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن أنه مثبت جراحا، فأراد أن يضربه بسيفه، فخاف أن لا يعنى شيئا فأتاه من ورائه، فتناول قائم سيف أبى جهل فاستله وهو مكب لا يتحرك، ثم رفع سابغة البيضة عن قفاه، فضربه فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر فى عنقه حدرا وفى يديه وكتفه مثل آثار السياط.
فأتى ابن مسعود النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره بقتله، والذى رأى به، فقال النبى صلى الله عليه وسلم، زعموا:
«ذلك ضرب الملائكة» .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا فى القليب فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية ابن خلف، فإنه انتفخ فى درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه فتزايل، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.
(1/341)

ويقال: إنهم ألقوا فى القليب وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذبتمونى وصدقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس. يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا» .
فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟
فقال لهم: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق» .
قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لقد علموا» «1» .
وفى حديث أنس أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نادى أصحاب القليب: يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيفوا. فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونى» «2» .
وذكر ابن عقبة نحوا من ذلك عن نافع عن عبد الله بن عمر.
وقال حسان بن ثابت:
عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحى فى الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمى منهمر سكوب
فأمسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة الصدر الكئيب
وخبر بالذى لا عيب فيه ... بصدق غير أخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر ... لنا فى المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب
فلا قيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه ... على الأعداء فى لقح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب ماضى الكعوب
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 276) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 90، 91) ، مستدرك الحاكم (3/ 224) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 292) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الجنة (4/ 77) ، سنن النسائى (2074) ، مسند الإمام أحمد (2/ 31) .
(1/342)

بنو الأوس الغطارف وآزرتها ... بنو النجار فى الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالحبوب
وشيبة قد تركنا فى رجال ... ذوى حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب فى القليب
ألم تجدوا كلامى كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأى مصيب
ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا فى القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما ذكر- فى وجه أبى حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: «يا أبا حذيفة، لعلك دخلك من شأن أبيك شىء؟» «1» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
قال: لا والله يا رسول الله، ما شككت فى أبى ولا فى مصرعه، ولكنى كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له، أحزننى ذلك.
فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا.
وكان فى قريش فتية أسلموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما هاجر إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا، فنزل فيهم من القرآن فيما ذكر: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: 97] .
وأولئك الفتية: الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلى بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما فى العسكر مما جمع الناس فجمع.
فاختلف فيه المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا. وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم.
وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو:
والله، ما أنتم بأحق به منا، ولقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم، ولقد
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (2/ 294) .
(1/343)

رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منا.
فكان عبادة بن الصامت إذا سئل عن الأنفال، قال: فينا معاشر أصحاب بدر أنزلت حين اختلفنا فى النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمه بيننا عن بواء. يقول: على السواء. فكان فى ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر- حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع زوجها عثمان- أن زيد بن حارثة قد قدم.
قال: فجئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البخترى بن هشام، وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قلت: يا أبه أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بنى.
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث، حتى إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضيق الصفراء، نزل على كثيب يقال له: سير إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء.
ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء، لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذى تهنئوننا به؟ فو الله، إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أى ابن أخى؟
أولئك الملأ» «1» .
حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء، قتل النضر بن الحارث، قتله على بن أبى طالب- رضى الله عنه- ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية، قتل عقبة بن أبى معيط، فقال عقبة حين أمر بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: «النار» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 38) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 305) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 38) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 89) .
(1/344)

فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، فى قول ابن عقبة وابن إسحاق. وقال ابن هشام «1» : قتله على بن أبى طالب رضى الله عنه.
وقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث لما بلغها مقتل أخيها:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق «2»
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق «3»
منى إليك وعبرة مسفوجة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعنى النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضنء كريمة ... فى قومها والفحل فحل معرق «4»
ما كان ضرك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
قال ابن هشام: فيقال، والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: «لو بلغنى هذا قبل مقتله لمننت عليه» «5» .
ثم مضرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم، وقد كان فرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرا.
وكان أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه فى الأسارى، قال: وكنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بى من بدر، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصونى بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع فى يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحنى بها، قال: فاستحى فأردها عليه فيردها على ما يمسها!
قال: ومر بى أخى مصعب ورجل من الأنصار يأسرنى، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال له أبو عزيز- فيما ذكر ابن هشام- يا أخى،
__________
(1) انظر السيرة (2/ 249) .
(2) الأثيل: تصغير أثل، والأثل: هو شجر الطرفاء، ثم سمى به موضع قرب المدينة بين بدر، ووادى الصفراء. ومظنة: موضع لحصول الظن.
(3) النجائب: كرام الإبل. تخفق: تسرع.
(4) ضن: النسل والولد. المعرق: الكريم الذى يأتى بنسل كرام.
(5) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 306) .
(1/345)

هذه وصاتك بى! فقال له مصعب: إنه أخى دونك، فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشى، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت ففدته بها.
وذكر قاسم بن ثابت فى دلائله: أن قريشا لما توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة- فى اليوم الذى أوقع بهم المسلمون- وهو ينشد بأبعد صوت ولا يرى شخصه:
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤى وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
فقال قائلهم: من الحنيفيون؟ فقالوا: هو محمد وأصحابه، يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف، ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين.
وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش: الحيسمان بن عبد الله الخزاعى. فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البخترى بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر: والله إن يعقل هذا، فسلوه عنى. قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالس فى الحجر، وقد والله رأيت اباه وأخاه حين قتلا.
وقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس، وأم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق فى قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوة وعزة، وكنت أعمل الأقداح فى حجرة زمزم، فو الله، إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس إلى طنب الحجرة ظهره إلى ظهرى.
فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم.
فقال أبو لهب: هلم إلى فعندك لعمرى الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخى، أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال: والله، ما هو إلا أن لقينا القوم منحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا ويأسروننا كيف شاؤا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس،
(1/346)

لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، واله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شىء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت: تلك والله الملائكة! فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، وثاورته فاحتملنى وضرب بى الأرض، ثم برك علىّ يضربنى وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلقت فى رأسه شجة منكرة. وقالت أتستضعفه أن غاب عنه سيده! فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.
وذكر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه أن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تعدى أشد العدوى.
فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقى بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السّبّة فى تركه حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد، حتى واروه.
وقال ابن إسحاق فى رواية يونس بن بكير عنه: إنهم لم يحفروا له ولكن أسندوه إلى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط، حتى واروه.
ويروى أن عائشة- رضى الله عنها- كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها.
وخرج البخارى فى صحيحه: أن أبا لهب رآه بعض أهله فى المنام بشرحيبة، أى حالة، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، غير أنى سقيت فى مثل هذه- وأشار إلى النقرة بين السبابة والإبهام- بعتقى ثويبة.
وثويبة هذه أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وارضعت عمه حمزة وابا سلمة بن عبد الأسد.
وروى غير البخارى أن الذى رأى أبا لهب من أهله هو أخوه العباس، وأنه قال:
مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه فى نوم، ثم رأيته فى شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفف عنى كل يوم اثنين.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثوبية مولاته، فقالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاما لأخيك عبد الله؟ فقال لها: اذهبى فأنت حرة، فنفعه ذلك وهو فى النار، كما نفع أخاه ابا طالب ذبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهاده فى منعه ونصرته، فهو أهون أهل النار عذابا.
(1/347)

ويفعل الله ما يشاء مما يطابق سابق تقديره، وقد قضى الله- سبحانه- بإحباط عمل الكافرين، فمحال أن يقيم لهم يوم القيامة وزنا، أو ينالوا عنده بشىء قدموه مما يتصور بصورة الأعمال الصالحة نعيما، إلا أنه ربما جعل التفاوت بين جماهيرهم وبين شاء منهم بمقدار العذاب، فيضاعفه على قوم أضعافا، ويضع من شدائده عن آخرين تخفيفا.
وكل عذاب الله شديد، فنعوذ برضا مولانا الكريم من سخطه، وبمعافاته من عقوبته.
وحدث محمد بن إسحاق بن يسار عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا فى أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه فى الفداء.
قال: وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل ابناه، والحارث بن زمعة وهو ابن ابنه، وكان يحب أن يبكى عليهم، فسمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب يصره، انظر هل أحل النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟
لعلى ابكى على أبى حكيمة- يعنى زمعة- فإن جوفى قد احترق!
فلما رجع إليه الغلام، قال: إنما هى امرأة تبكى على بعير لها أضلته. قال: فذاك حين يقول الأسود:
أتبكى أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكى على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود
فى أبيات ذكرها ابن إسحاق «1» .
وقد تقدم دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأسود بن عبد المطلب هذا بأن يعمى الله بصره ويثكله ولده، فاستجيب له وفق دعائه، سبق العمى أولا إلى بصره، ثم أصيب يوم بدر بمن سمى آنفا من ولده، فتمت إجابة الله سبحانه رسوله فيه.
وكان فى الأسارى أبو وداعة السهمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم فى طلب فداء أبيه» «2» ، فلما قالت قريش: لا
__________
(1) انظر السيرة (2/ 253) .
(2) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 90) ، تاريخ الطبرى (2/ 41) .
(1/348)

تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبى وداعة، وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى، صدقتم لا تعجلوا. وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ اباه بأربعة آلاف درهم.
ثم بعثت قريش فى فداء الأسارى، فقدم مكرز بن حفص بن الأحتف فى فداء سهيل بن عمرو وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف، فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا: هات الذى لنا، قال: اجعلوا رجلى مكان رجله، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزا مكانه عندهم، فقال مكرز:
فديت بأذواد ثمان سبا فتى ... ينال الصميم غرمها لا المواليا
رهنت يدى والمال أيسر من يدى ... على ولكنى خشيت المخازيا
وقلت سهيل خيرنا فاذهبوا به ... لأبنائنا حتى ندير الأمانيا
وكان سهيل قد قام فى قريش خطيبا عندما استنفرهم أبو سفيان، فقال: يا لغالب أتاركون أنتم محمدا والصبا من أهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم، من أراد مالا فهذا مالى، ومن أراد قوة فهذه قوة.
فيروى أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسر سهيل يوم بدر: يا رسول الله، انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا فى موطن أبدا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أمثل به، فيمثل الله بى، وإن كنت نبيا! إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمة» «1» .
فصدق الله ورسوله، وكان لسهيل بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فى تثبيت أهل مكة على الإيمان مقام سيأتى ذكر حديثه فى موضعه إن شاء الله.
وكان عمرو بن أبى سفيان بن حرب أسيرا فى يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسارى بدر، فقيل لأبى سفيان بن حرب: أفد عمرا ابنك. فقال: أيجمع على دمى ومالى، قتلوا حنظلة وأفدى عمرا؛ دعوه فى أيديهم يمسكونه ما بدا لهم!
__________
(1) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (13395، 13447، 13448) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 310) .
(1/349)

فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف معتمرا، ومعه مرية له، وكان شيخا مسلما فى غنم له بالبقيع، فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذى صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو. ثم قال:
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بنى عمرو لئام أذلة ... لئن لم تفكوا عن أسيرهم الكبلا
فأجابه حسان بن ثابت فقال:
ولو كان سعد يوم مكة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان، فيفكوا به صاحبهم، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا به إلى أبى سفيان، فخلى سبيل سعد.
وكان فى الأسارى- أيضا- أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته زينب، وكان صلى الله عليه وسلم يثنى عليه فى صهره خيرا، وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وهو ابن أخت خديجة- رضى الله عنها- وهى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحى أن يزوجه، وكان لا يخالفها، فزوجه، وكانت تعده بمنزلة ولدها.
فلما أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بنبوته، آمنت به خديجة وبناته، فصدقنه ودن بدينه، وشهدن أن الذى جاء به هو الحق، وثبت أبو العاص على شركه.
فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا بأمر الله تبارك وتعالى وبالعداوة، قالوا: إنكم فرغتم محمدا من همه، فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن. فمشوا إلى أبى العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أى امرأة من قريش شئت. قال: لا ها الله، إذا لا أفارق صاحبتى، وما أحب أن لى بها امرأة من قريش.
ثم مشوا إلى عتبة بن أبى لهب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجه رقية أو أم كلثوم، فقالوا له: طلق ابنة محمد ونحن ننكحك أى امرأة من قريش شئت، فقال: إن زوجتمونى ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها. فزوجوه بنت سعيد بن
(1/350)

العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له. وخلف عليها عثمان بن عفان بعده.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنته وبين أبى العاص، إلا أنه كان لا يقدر أن يفرق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص فأصيب فى الأسارى، فكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذى لها فافعلوا» «1» قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها مالها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلى سبيل زينب إليه، أو وعده أبو العاص بذلك، أو شرطه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو.
إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه زيد بن حارثة، ورجلا من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها، حتى تأتيانى بها. فخرجا وذلك بعد بدر بشهر أو سبعة، فلما قدم أبو العباس مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تتجهز.
قالت زينب: بينا أنا أتجهز بمكة لقيتنى هند ابنة عتبة، فقالت: يا ابنة محمد ألم يبلغنى أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ قالت: ما أردت ذلك. قالت: أى ابنة عم لا تفعلى، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك فى سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك، فإن عندى حاجتك، فلا تضطنى منى فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال. قالت زينب:
فو الله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، ولكنى خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، وتجهزت.
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (2692) ، مسند الإمام أحمد (6/ 276) ، السنن الكبرى للبيهقى (6/ 322) ، مستدرك الحاكم (4/ 45) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (3970) .
(1/351)

ولما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدم إليها كنانة بن الربيع «1» أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى فى هودج لها، وتحدث بذلك رجال قريش، فخرجوا فى طلبها حتى أدركوها بذى طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود الفهرى، فروعها هبار بالرمح وهى فى هودج لها، وكانت حاملا- فيما يزعمون- فلما ريعت طرحت ذا بطنها.
وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال: والله، لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما. فتكر كر الناس عنه، وأتى أبو سفيان بن حرب فى جلة من قريش فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك. فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال:
إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد. فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية على رؤس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك من ضعف ووهن، ولعمرى! ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا فى ذلك من ثورة ولكن أرجع المرأة، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها. ففعل، فأقامت ليالى حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة فقالت لهم:
أفى السلم أعيار جفاء وغلظة ... وفى الحرب أشباه النساء العوارك
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرية بعثها بتحريق هبار بن الأسود أو الرجل الذى سبق معه إلى زينب إن ظفروا بهما، ثم بعث إليهم فقال: «إنى كنت قد أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغى أن يعذب بالنار إلا الله عز وجل، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما» «2» .
وأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين فرق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، وكان رجلا مأمونا، بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7479) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4506) .
(2) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (12/ 389) .
(1/352)

أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجار بها فأجارته، وجاء فى طلب ماله، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس: إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم، قال: «أما والذى نفس محمد بيده، ما علمت بشىء حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم» .
ثم انصرف، فدخل على ابنته فقال: «أى بنية، أكرمى مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له» «1» . وبعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم: «إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فىء الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحق به» «2» . قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه، فردوه عليه، حتى إن الرجل ليأتى بالدلو ويأتى الرجل بالشنه والإداوده، حتى إن الرجل ليأتى بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا، ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما. قال: فإنى أشهد لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعنى من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها، أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحكى ابن هشام عن أبى عبيدة «3» ، أن أبا العاص لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال، فإنها للمشركين؟ فقال: بئس ما أبدأ به إسلامى أن أخون أمانتى.
ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من الأسارى من قريش بغير فداء، منهم أبو عزة عمرو ابن عبد الله الجمحى، كان متحاجا ذا بنات، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة وذو عيال، فامنن على. فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة فى ذلك يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) انظر الحديث فى: نصب الراية للزيلعى (3/ 211) ، سنن البيهقى (9/ 95) ، مستدرك الحاكم (3/ 236، 237) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 85) ، مستدرك الحاكم (3/ 237) .
(3) انظر السيرة (2/ 264) .
(1/353)

ويذكر فضله على قومه:
ومن مبلغ عنى الرسول محمدا ... بأنك حق والمليك حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود
فإنك من حاربته لمحارب ... شقى ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله ... تأوب ما بى حسرة وقعود «1»
وذكر موسى بن عقبة أن المسلمين جهدوا على أبى عزة هذا عندما أسر ببدر أن يسلم، فقال: لا، حتى أضرب فى الخزرجية يوما إلى الليل.
وما وقع فى شعره ومحاورته رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقتضى التصريح برسالته، فلا أعلم له مخرجا، إن صح، إلا أن يكون ذلك من جملة ما قصد به أبو عزة أن يخدع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاد على عدو الله ما ائتمر، ولم يخدع إلا نفسه وما شعر، وذلك أنه لما أخذت قريش قبل أحد فى الإعداد لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبا بثأرهم فى يوم بدر قال صفوان ابن أمية لأبى عزة هذا: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال:
إن محمدا قد منّ علىّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك، فلك الله على إن رجعت أن أعينك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى، يصيبهن ما أصابهن من عز ويسر.
فخرج أبو عزة يسير فى تهامة ويدعو بنى كنانة ويقول:
أيا بنى عبد مناة الرزام ... أنتم حماة وأبو كم حام
لا تعدمونى نصركم بعد العام ... لا تسلمونى لا يحل إسلام
ثم كان من الأمر يوم أحد ما كان، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الوقعة مرهبا لعده حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجهه ذلك أبا عزة الجمحى، فقال: يا رسول الله، أقلنى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا تمسح عارضيك بمكة، تقول:
خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير» «2» . فضرب عنقه.
وذكر ابن هشام- فيما بلغه عن سعيد بن المسيب- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن
__________
(1) ذكر قصته ابن حجر فى فتح البارى (10/ 547) ، العجلونى فى كشف الخفاء (2/ 505) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 312، 313) ، ابن سيد الناس فى عيون الأثر (1/ 412) .
(2) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (10/ 547) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 65) .
(1/354)

المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه، يا عاصم بن ثابت» «1» فضرب عنقه.
وكان عمير بن وهب «2» شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة ويلقون منه عنتا، وكان ابنه وهب بن عمير فى أسارى بدر، فجلس عمير مع صفوان بن أمية فى الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال له صفوان: فو الله، إن فى العيش خير بعدهم. فقال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين على ليس له عندى قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لى فيهم علة، ابنى أسير فى أيديهم.
فاغتنمها صفوان فقال: على دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالى أواسيهم ما بقوا لا يسعنى شىء ويعجز عنهم، قال: عمير: فاكتم عنى شأنى وشأنك، قال: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة. فبينا عمر بن الخطاب فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهذا الذى حرش بيننا «3» وحرزنا للقوم «4» يوم بدر.
ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بنى الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه. قال: «فأدخله علىّ» . فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه فى عنقه فلببه بها وقال لرجال من الأنصار كانوا معه: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه هذا الخبيث فإنه غير مأمون. ثم دخل به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك قال: «أرسله يا عمر، أدن يا عمير» . فدنا ثم قال: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة» قال: أما والله إن كنت بها يا محمد لحديث عهد. قال: «فما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال: «فما
__________
(1) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (9/ 65) ، مشكل الآثار للطحاوى (2/ 197) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 51) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 30) .
(2) انظر ترجمته فى: الجرح والتعديل (6/ 2091) ، الإصابة ترجمة رقم (6073) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4096) ، البداية والنهاية (3/ 113، 5/ 8) .
(3) حرش بيننا: أى أفسد بيننا.
(4) حزرنا للقوم: أى قدر عددنا.
(1/355)

بال السيف فى عنقك؟» فقال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا! قال:
«أصدقنى، ما الذى جئت له؟» قال: ما جئت إلا لذلك. قال: «بلى، قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك» . قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام وساقنى هذا المساق. ثم شهد بشهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره» «1» ففعلوا.
ثم قال: يا رسول الله، إنى كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم فى دينهم كما كنت أوذى أصحابك فى دينهم.
فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة. وكان صفوان حين خرج عمير يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن فى أيام تنسيكم وقعة بدر. وكان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذى من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير.
وعمير هذا أو الحارث بن هشام- يشك ابن إسحاق- هو الذى رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر فقال: أين أى سراق؟ ومثل عدو الله فذهب. فأنزل الله- تبارك وتعالى- فيه: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: 48] فذكر استدراج إبليس إياهم بتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم حين ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر من الحرب، يقول الله عز وجل: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وصدق عدو الله الكذوب، رأى ما لم يروا وقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 286، 287) ، الخصائص الكبرى للسيوطى (1/ 344) ، تاريخ الطبرى (2/ 44، 46) ، المغازى للواقد (1/ 125) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (1/ 413، 414) .
(1/356)

وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ فذكر أنهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبية فأوردهم ثم أسلمهم.
وفى ذلك يقول حسان بن ثابت:
قومى الذين هم آووا نبيهم ... وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام هم سلف ... للصالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم ... لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا ففى أمن وفى سعة ... نعم النبى ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها ... من كان جارهم دارا هى الدار
وقاسموهم بها الأموال إذ قدموا ... مهاجرين وقسم الجاحد النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار
وقال إنى لكم جار فأوردهم ... شر الموارد فيه الخزى والعار
ثم التقينا فولوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا
ويروى أن قريشا رأوا سراقة المدلجى بعد وقعة بدر، وهو الذى تمثل لهم إبليس فى صورته يوم بدر كما تقدم، فقالوا له: يا سراقة، أخرمت الصف وأوقعت فينا الهزيمة؟! فقال: والله ما علمت بشىء من أمركم حتى كانت هزيمتكم، وما شهدت معكم. فما صدقوه حتى اسلموا وسمعوا ما أنزل الله فى ذلك، فعلموا أنه كان إبليس تمثل لهم.
ولما انقضى أمر بدر، أنزل الله- تبارك وتعالى- فيه من القرآن «الآنفال» بأسرها.
وكان جميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والأنصار، من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا: ثلاثة منهم ضرب لهم بسهامهم وأجورهم ولم يشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمرضها الذى توفيت فيه قبل أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: «وأجرك» . وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، كانا بالشام فرجعا بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، فضرب لكليهما بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله؟ قال:
وأجرك.
ومن الأوس: واحد وستون، اثنان منهم ضرب لهما بسهميهما: عاصم بن عدى
(1/357)

العجلانى، رده رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن خرج معه وضرب له بسهم، وخوّات بن جبير ضرب له، أيضا، بسهمه.
ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا، منهم الحارث بن الصمة كسر به بالروحاء فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه.
واستشهد يومئذ من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلا: ستة من قريش:
عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبى وقاص الزهرى، وذو الشمالين بن عبد عمرو حليف بنى زهرة، وعاقل بن البكير حليف لبنى عدى، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء.
ومن الأنصار ثمانية نفر، خمسة من الأوس: سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر من بنى عمرو بن عوف، ويزيد بن الحارث الذى يقال له: ابن فسحم من بنى الحارث ابن الخزرج، وعمير بن الحمام من بنى سلمة، ورافع بن المعلى من بنى جشم.
وثلاثة من الخزرج من بنى النجار: حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة منهم، وهم ابنا عفراء، رحمة الله على جميعهم ورضوانه.
وكان من المسلمين يوم بدر من الخيل فرس الزبير بن العوام، وفرس مرثد بن أبى مرثد الغنوى، وفرس المقداد بن عمرو البهرانى.
وذكر ابن إسحاق أن جميع من أحصى له من قتلى قريش من المشركين يوم بدر خمسون رجلا. وقال ابن هشام «1» : حدثنى أبو عبيدة عن أبى عمرو أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا والأسرى كذلك، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب.
وفى كتاب الله تبارك وتعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يقول لأصحاب أحد، وكان من أستشهد منهم سبعين رجلا، يقول: قد أصبتم يوم بدر مثلى من استشهد منكم يوم أحد: سبعين قتيلا وسبعين أسيرا.
وأنشدنى أبو زيد الأنصارى لكعب بن مالك من قصيدة له ينعى قتلى بدر:
فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود
وكان مما قيل فى يوم بدر من الشعر: قول حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله، ومن أهل العلم من ينكرها له:
__________
(1) انظر السيرة (2/ 307) .
(1/358)

ألم تر أمرا كان من عجب الدهر ... وللحين أسباب مبينة الأمر
وما ذاك إلا أن قوما أفادهم ... فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر
عشية راحوا نحو بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للركية من بدر «1»
وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فساروا إلينا فالتقينا على قدر
فلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر
وضرب ببيض يختلى الهام حدها ... مشهرة الألوان بينة الأثر
ونحن تركنا عتبة الغى ثاويا ... وشيبة فى القتلى تجرجم فى الجفر
وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم ... فشقت جيوب النائحات على عمرو
جيوب نساء من لؤى بن غالب ... كرام تفر عن الذوائب من فهر
أولئك قوم قتلوا فى ضلالهم ... وخلوا لواء غير محتضر النصر
لواء ضلال قاد إبليس أهله ... فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر
وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا ... برئت إليكم ما بى اليوم من صبر
فإنى أرى ما لا ترون وإننى ... أخاف عقاب الله والله ذو قسر «2»
فقدمهم للحين حتى تورطوا ... وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر «3»
فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا ... ثلاث مئين كالمسدمة الزهر «4»
وفينا جنود الله حين يمدنا ... بهم فى مقام ثم مستوضح الذكر
فشد بهم جبريل تحت لوائنا ... لدى مأزق فيه مناياهم تجرى «5»
وقال على بن أبى طالب- رضى الله عنه- فى يوم بدر، ولم ير ابن هشام أحدا يعرفها من أهل العلم بالشعر:
ألم تر أن الله أبلى رسوله ... بلاء عزيز ذى اقتدار وذى فضل «6»
بما أنزل الكفار دار مذلة ... فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل
فآمسى رسول الله قد عز نصره ... وكان رسول الله أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من الله منزل ... مبينة آياته لذوى العقل
__________
(1) الرهون: جمع رهن. والركية: البئر المطوية بالحجارة.
(2) القسر: الغابة والقهر.
(3) تورطوا: وقعوا فى هلكة.
(4) المسدمة: الفحول من الإبل. والزهر: جمع أزهر وأراد به البيض.
(5) المأزق: الموضع الضيق فى الحرب.
(6) أبلى رسوله: منّ عليه وصنع له صنعا حسنا.
(1/359)

فأمن أقوام بذاك وأيقنوا ... فأمسوا بحمد الله مجتمعى الشمل
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم ... فزادهم ذو العرش خبلا على خبل
وأمكن منهم يوم بدر رسوله ... وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم ببعض خفاف عصوا بها ... وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل
فكم تركوا من ناشئ ذى حمية ... صريع ومن ذى نجدة منهم كهل
تبيت عيون النائحات عليهم ... تجود بإسيال الرشاش وبالوبل
نوائح تنعى عتبة الغى وابنه ... وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل
وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم ... مسلبة حرى مبينة الثكل «1»
ثوى منهم فى بئر بدر عصابة ... ذوى نجدات فى الحروب وفى المحل
دعا الغى منهم من دعا فأجابه ... وللغى أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل ... عن الشغب والعدوان فى أشغل الشغل
وقال كعب بن مالك أخو بنى سلمة يذكر بدرا:
عجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر
قضى يوم بدر أن نلاقى معشرا ... بغوا وسبيل البغى فى النار جائر
وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر
وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر
وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر
وجمع بنى النجار تحت لوائه ... يمشون فى الماذى والنقع ثائر
فلما لقيناهم وكل مجاهد ... لأصحابه مستبسل النفس صابر
شهدنا بأن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله بالحق ظاهر
وقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر
بهن أيدنا جمعهم فتبددوا ... وكان يلاقى الحين من هو فاجر
فكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرته وهو عائر
وشيبة والتيمى غادرن فى الوغى ... وما منهم إلا بذى العرش كافر
فأمسوا وقود النار فى مستقرها ... وكل كفور فى جهنم صائر
__________
(1) ذا الرجل: أراد به الأسود بن المطلب بن عبد المخزومى، الذى خرج من صفوف المشركين يريد أن يقتحم على المسلمين ليشرب من حوضهم، وقد عاهد الله أن يشرب منه أو يموت فضربه حمزة فقطع قدمه. والحرى: المحترقة الجوف.
(1/360)

تلظى عليهم وهى قد شب حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر
وكان رسول الله قد قال أقبلوا ... فولوا وقالوا إنما أنت ساحر
لأمر أراد الله أن يهلكوا به ... وليس لأمر حمه الله زاجر
ولضرار بن الخطاب الفهرى فى هذا الروى شعر، ذكر ابن إسحاق أن كعب بن مالك أجابه عنه بهذا الشعر الذى كتبناه آنفا، والأظهر من مقتضى الشعر أن ضرارا هو الذى أجاب كعب بن مالك ونقض عليه. وهذا شعر ضرار:
عجبت لفخر الأوس والحين دائر ... عليهم غدا والدهر فيه بصائر
وفخر بنى النجار إن كان معشر ... أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر
فإن تك قتلى غودرت من رجالنا ... فإنا رجال بعدهم سنغادر
وتردى بنا جرد عناجيج وسطكم ... بنى الأوس حتى يشفى النفس ثائر
ووسط بنى النجار سوف نكرها ... لها بالقنا والدارعين زوافر
فنترك صرعى تعصب الطير حولهم ... وليس لهم إلا الأمانى ناصر
وتبكيهم من أهل يثرب نسوة ... لهن بها ليل عن النوم ساهر
وذلك أنا لا تزال سيوفنا ... بهن دم ممن يحاربن مائر
فإن تظفروا فى يوم بدر فإنما ... بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر
وبالنفر الأخيار هم أولياؤه ... يحامون فى اللأواء والموت حاضر
يعد أبو بكر وحمزة فيهم ... ويدعى على وسط من أنت ذاكر
أولئك لا من نتجت فى ديارها ... بنو الأوس والنجار حين تفاخر
ولكن أبوهم من لؤى بن غالب ... إذا عدت الأنساب كعب وعامر
هم الطاعنون الخيل فى كل معرك ... غداة الهياج الأطيبون الأكاثر
ومن شعر حسان بن ثابت يعرض بالحارث بن هشام وفراره عن يوم بدر:
إن كنت كاذبة الذى حدثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام «1»
فأجابه الحارث بن هشام- فيما ذكر- فقال:
الله أعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد
وعرفت أنى إن أقاتل واحد ... أقتل ولا ينكى عدوى مشهدى
فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
__________
(1) الطمرة: الفرس الكثير الجرى.
(1/361)

وقال حسان بن ثابت أيضا، ويقال: إنها لعبد الله بن الحارث السهمى، يشبه أنها من قصيدة:
مستشعرى حلق الماذى يقدمهم ... جلد النحيزة ماض غير رعديد «1»
أعنى رسول الإله الحق فضله ... على البرية بالتقوى وبالجود
وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم ... وماء بدر زعمتم غير مورود «2»
ثم وردنا ولم نسمع لقولكم ... حتى شربنا رواء غير تصريد «3»
مستعصمين بحبل غير منجذم ... مستحكم من حبال الله ممدود
فينا الرسول وفينا الحق نتبعه ... حتى الممات ونصر غير محدود
وقال حسان بن ثابت أيضا:
ألا ليت شعرى هل أتى أهل مكة ... إبارتنا الكفار فى ساعة العسر
قتلنا سراة القوم عند مجالنا ... فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر
فكم قتلنا من كريم مرزء ... له حسب فى قومه نابه الذكر
تركناهم للعاويات يتبنهم ... ويصلون نارا بعد حامية القعر
لعمرك ما حامت فوارس مالك ... وأشياعهم يوم التقينا على بدر
وقال عبيدة بن الحارث بن المطلب فى يوم بدر، يذكر مبارزته هو وحمزة وعلىّ عدوهم، وما كان من إصابة رجله يومئذ. قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له:
ستبلغ عنا أهل مكة وقعة ... يهب لها من كان عن ذاك نائيا
بعتبة إذ ولى وشيبة بعده ... وما كان فيها بكر عتبة راضيا «4»
فإن تقطعوا رجلى فإنى مسلم ... أرجى بها عيشا من الله دانيا
مع الحور أمثال التماثيل أخلصت ... مع الجنة العليا لمن كان عاليا
وبعت بها عيشا نغرفت صفوه ... وعالجته حتى فقدت الأدانيا «5»
__________
(1) مستشعرى: لابس، تقول: استشعرت الثوب إذا لبسته. والماذى: الدروع اللينة البيض. والنحيزة: الطبيعة. والرعديد: الجبان.
(2) الرواء: التملؤ من الماء. والتصريد: تقليل الشرب.
(3) الذمار: ما وجب على المرء أن يحميه.
(4) بكر عتبة: يريد ولده الأول.
(5) تعرقت: مزجت، تعرقت التراب إذا مزجته.
(1/362)

وأكرمنى الرحمن من فضل منه ... بثوب من الإسلام غطى المساويا
وما كان مكروها إلىّ قتالهم ... غداة دعا الأكفاء من كان داعيا
لقيناهم كالأسد تعثر بالقنا ... نقاتل فى الرحمن من كان عاصيا
فما برحت أقدامنا من مقامنا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنانيا
قال ابن هشام «1» : لما أصيبت رجل عبيدة قال: أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أنى أحق منه بما قال حين يقول:
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ولما هلك عبيدة بن الحارث من مصاب رجله قالت هند ابنة أثاثة بن عباد بن المطلب ترثيه وكانت وفاته بالصفراء، وبها دفن يرحمه الله تعالى:
لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا ... وحلما أصيلا وافر اللب والعقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوى لأشعث كالجذل
وبكيه للأقوام فى كل شتوة ... إذا احمر آفاق السماء من المحل
وبكيه للأيتام والريح زفزف ... وتشتيت قدر طال ما أزبدت تغلى
فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها ... فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل
لطارق ليل أو لملتمس القرى ... ومستنبح أضحى لديه على رسل
وقال طالب بن أبى طالب يمدح النبى صلى الله عليه وسلم، ويبكى أصحاب القليب من قريش:
ألا إن عينى أنفدت ماءها سكبا ... تبكى على كعب وما إن ترى كعبا
ألا إن كعبا فى الحروب تخاذلوا ... وأرادهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا
وعامر تبكى للملمات غدوة ... فياليت شعرى هل أرى لهما قربا
هما أخواى لن يعدا لغية ... تعد ولن يستام جارهما غصبا
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا
ولا تصحبوا من بعد ود وألفة ... أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا
ألم تعلموا ما كان فى حرب داحس ... وجيش أبى يكسوم إذ ملأوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شىء غيره ... لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا
فما إن جنينا فى قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا
أخا ثقة فى النائبات مرزأ ... كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا
__________
(1) انظر السيرة (2/ 327) .
(1/363)

يطيف به العافون يغشون بابه ... يؤمون بهرا لا نزورا ولا صربا
فو الله لا تنفك نفسى حزينة ... تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة من شهر رمضان، وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فى عقبة أو فى شوال بعده.
فلما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم، فبلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر «1» ، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى فى إقامته تلك جل الأسارى من قريش «2» .
وكان أبو سفيان بن حرب حين رجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم، فخرج فى مائتى راكب من قريش لتبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة، على بريد أو نحوه من المدينة، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بنى النضير فى زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج فى عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا منهم، فأتوا ناحية العريض فحرقوا بها أصوار نخل وقتلوا رجلا من الأنصار وحليفا له فى حرث لهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف وقد فاته أبو سفيان بن حرب وأصحابه، وطرحوا من أزوادهم يتخففون منها للنجاء، وكان أكثر ما طرحوه السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق، فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: «نعم» «3» .
ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم نجدا يريد غطفان، وهى غزوة ذى أمر، فأقام بنجد ثم رجع ولم يلق كيدا.
__________
(1) وهذه الغزوة تعرف بغزوة: قرقرة الكدر، كما فى الطبقات الكبرى (2/ 31) ، أو: قرارة الكدر، كما فى المغازى للواقدى (1/ 196) . وتراجع هذه الغزوة فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 344) ، المنتظم لابن الجوزى (3/ 156) .
(2) انظر السيرة (3/ 5) .
(3) انظر الحديث فى: الدلائل للبيهقى (3/ 166) ، التاريخ للطبرى (2/ 50) ، الكامل فى التاريخ (2/ 39، 40) .
(1/364)

ثم غزا قريشا حتى بلغ بحران «1» ، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، ثم رجع منه إلى المدينة ولم يلق كيدا، وذلك بعد مقامه به نحوا من شهرين، ربيع الآخر وجمادى الأولى من سنة ثلاث.

أمر بنى قينقاع
وكان فيما بين ما ذكر من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بنى قيقناع.
وكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم فى سوقهم، ثم قال: «يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم» «2» .
قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
فقال ابن عباس «3» : ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: 12، 13] .
وكان منشأ أمرهم: أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق قينفاع" وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.
__________
(1) ذكرها ابن الأثير فى الكامل (2/ 142) ، والطبرى فى تاريخه (2/ 52) ، والواقدى فى المغازى (1/ 196، 197) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 3) .
(3) انظر السيرة (3/ 8) .
(1/365)

فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبىّ بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن فى موالى، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن فى موالى، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل يده فى جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقال لها: ذات الفضول، فقال له:
«أرسلنى» ! وغضب صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: «ويحك أرسلنى» . قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن فى موالى، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم فى غداة واحدة! إنى والله امرؤا أخشى الدوائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم لك» «1» .
ولما حاربت بنو قينقاع تشبث عبد الله بن أبى بأمرهم وقام دونهم، قال: مشى عبادة بن الصامت، وكان أحد بنى عوف، لهم من حلفه مثل الذى لهم من عبد الله بن ابى، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلعهم إليه وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم.
ففيه وفى عبد الله بن أبى نزلت [هذه] القصة من المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يريد عبد الله بن أبىّ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. ثم القصة فى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ وذلك لتولى عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرية، من بنى قينقاع وحلفهم وولايتهم وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة: 51- 56] .

سرية زيد بن حارثة «2»
ولما كان من وقعة بدر ما كان، خافت قريش طريقهم التى كانوا يسلكون إلى
__________
(1) انظر الحديث فى: تاريخ للطبرى (2/ 49) ، الطبقات لابن سعد (2/ 29) .
(2) هذه السرية ذكرها الواقدى فى المغازى (1/ 197، 198) ، وابن سعد فى الطبقات (2/ 36) ، وابن الأثير فى التاريخ (2/ 145) .
(1/366)

الشام، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة وهى عظم تجارتهم، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على القردة- ماء من مياه نجد- فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذلك الذى يعنى حسان بن ثابت بقوله فى غزوة بدر الآخره يؤنب قريشا فى أخذهم تلك الطريق:
دعو فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك «1»
بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك «2»

مقتل كعب بن الأشرف
ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل من المشركين ببدر، قال كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيىء، ثم أحد بنى نبهان، وأمه من بنى النضير، حين بلغه هذا الخبر:
أحق هذا؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء اشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لى من ظهرها.
فلما تبين عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار، ويبكى أصحاب القليب من قريش، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لى من ابن الأشراف؟ فقال له محمد بن مسلمة الأشهلى:
أنا لك به يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتله قال: فافعل إن قدرت على ذلك.
فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال يا رسول الله،
__________
(1) الفلجات: العيون الجارية. والمخاض: الإبل الحوامل. والأوارك: الإبل التى ترعى الآراك، وهو شجر السواك.
(2) الغور: الأرض المنخفضة. وبطن عالج: أى موضع كثير الرمل.
(1/367)

قلت لك قولا لا أدرى هل أفين لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد، قال: يا رسول الله، لا بد لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم فى حل من ذلك.
فاجتمع فى قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة أبو نائلة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس، وكلهم من بنى عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر أخو بنى حارثة، ثم قدموا إلى عدو الله ابن الأشرف سلكان بن سلامة وكان أخاه من الرضاعة، فجاءه فتحدث معه ساعة ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عنى، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس. فقال كعب: أنا ابن الأشرف! أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال له سلكان: إنى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك. قال: أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم. قال: أترهنونى أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، يسب ابن أحدنا فيقال: رهن فى وسق شعير! ثم قال له: إن معى أصحابا لى على مثل رأيى وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن فى ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤا بها. قال: إن فى الحلقة لوفاء.
فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى معهم صلوات الله عليه إلى بقيع الغرقد فى ليلة مقمرة، ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ثم رجع إلى بيته.
فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب فى ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة لو وجدنى نائما ما أيقظنى. فقالت: والله إنى لأعرف فى صوته الشر. فقال لها كعب: لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب!
فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، فقالوا له: هل لك يا ابن الأشرف إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن شئتم.
فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده فى فود رأسه ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأن، ثم مشى ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه.
(1/368)

ثم قال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد ابن مسلمة: فتذكرت معولا كان فى سيفى حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال: فوضعته فى ثنيته ثم تحاملت عليه حتى بلغت غايته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح فى رجله أو رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا حتى أسندنا فى حرة العريض وقد ابطأ علينا الحارث بن أوس صاحبنا ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قاءم يصلى، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح صاحبنا، ثم رجعنا إلى أهلينا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه.
وذكر ابن عقبة أن كعب بن الأشرف لما قدم على قريش يستنفرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبو سفيان والمشركون، نناشدك الله، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى فى رأيك وأقرب إلى الحق، فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقى اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال.
فقال: ابن الأشرف: أنتم أهدى سبيلا، فأنزل الله فيه والله أعلم بما ينزل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: 51] .
وذكر ابن إسحاق أن هذه الآية إنما نزلت فى حيى بن أخطب وسلام بن أبى الحقيق وجماعة غيرهما من أحبار يهود، ليس ابن الأشرف مذكورا فيهم، وهم الذين حزيوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول فسلوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى فيهم الآية المذكورة. فالله تعالى أعلم.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه. فوثب محيصة بن مسعود الأوسى على ابن سنينة من تجار يهود، وكان يلابسهم ويبايعهم فقتله، فلما قتله جعل أخوه حويصة بن مسعود ولم يكن أسلم يومئذ وكان أسن من محيصة، يضربه ويقول: أى عدو الله أقتلته، وأما والله لرب شحم فى بطنك من ماله فقال محيصة: والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك! قال: فو الله إن كان
(1/369)

لأول إسلام حويصة. قال: أو الله لو أمرك محمد بقتلى لقتلتنى؟ قال: نعم، والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب! فأسلم حويصة، وقال محيصة فى ذلك:
يلوم ابن أمى لو أمرت بقتله ... لطبقت ذفراه بأبيض قاضب «1»
حسام كلون الملح أخلص صقله ... متى ما أصوبه فليس بكاذب «2»
وما سرنى أنى قتلتك طائعا ... وأن لنا ما بين بصرى ومأرب «3»
وذكر ابن هشام أن هذا عرض لمحيصة بعد غزوة بنى قريظة وظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إليهم منهم كعب بن يهوذا. قال: وكان عظيما فيهم، ليقتله، فقال له أخوه حويصة وكان كافرا: أقتلت كعب بن يهوذا؟ قال: نعم. قال: أما والله لرب شحم قد نبت فى بطنك من ماله، إنك للئيم. فقال له محيصة: لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لقتلتك. فعجب من قوله، ثم ذهب عنه متعجبا فذكروا أنه جعل ينتفض من الليل فيعجب من قول أخيه محيصة حتى أصبح وهو يقول: والله إن هذا لدين. ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأسلم.

غزوة أحد «4»
وكان من حديث أحد أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيرهم، مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية فى رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا ابا سفيان ومن كانت له فى تلك العير تجارة من قريش، وقالوا لهم: إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينوا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن اصاب منا. ففعلوا.
ففيهم يقال: أنزل الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: 36] .
__________
(1) طبقت: قطعت. والزفران: عظمان ناتئان خلف الأذنين. والقاضب: القاطع.
(2) الحسام: السيف القاطع.
(3) بصرى: مدينة بالشام. ومأرب: مدينة باليمن.
(4) انظر السيرة (3/ 20) .
(1/370)

فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير، وحركوا لذلك من أطاعهم من القبائل وحرضوهم عليه وخرجوا بحدهم وجدهم وأحابيشهم «1» ومن تابعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا، فخرج أبو سفيان بن حرب وكان قائد الناس بهند بنت عتبة، وكذلك سائر أشراف قريش وكبرائهم خرجوا معهم بنسائهم.
وكان جبير بن مطعم قد أمر غلامه وحشيا الحبشى بالخروج مع الناس وقال له: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق. فكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أو مر بها قالت: ويها أبا دسمة، وهى كنيته، اشف واشتف.
فأقبلوا حتى نزلوا بعينين- جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادى مقابل المدينة.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال عليه السلام:
«إنى قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت فى ذباب سيفى ثلما، فأما البقر، فهى ناس من أصحابى يقتلون، وأما الثلم الذى فى ذباب سيفى فهو رجل من أهل بيتى يقتل، ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها» «2» .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، وكان عبد الله بن أبى يرى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك، فقال رجل من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره ممن كان فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم. فقال عبد الله بن أبى: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ورماهم الصبيان والنساء بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا.
__________
(1) أحابيشهم: أحياء من القارة انضموا إلى بنى ليث فى الحرب التى وقعت بينهم وبين قريش قبل الإسلام.
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 351) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 107) ، الدلائل للبيهقى (3/ 225، 266) ، تفسير الطبرى (4/ 46، 47) .
(1/371)

فلم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الناس الذين كان من أمرهم حب لقاء العدو، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة، وقد مات فى ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له: مالك بن عمرو، أخو بنى النجار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، فقالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليه وسلم عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغى للنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» «1» .
فخرج فى ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبى بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس.
فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك فى حرة بنى حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلّاب سيف فاستله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف:
«يا صاحب السيف، شم سيفك، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم» «2» .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، أى من قرب، من طريق لا تمر بنا عليهم» ، فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة: أنا يا رسول الله.
فنفذ به فى حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك فى مال لمربع بن قيظى، وكان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثى فى وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطى.
وذكر أنه أخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: والله لو أعلم أنى لا اصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: الدر المنثور للسيوطى (2/ 68) ، تفسير الطبرى (4/ 46) ، تفسير ابن كثير (2/ 91) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 14) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 14) .
(1/372)

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشّعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال» «1» .
وقد سرحت قريش الظهر والكراع فى زروع كانت للمسلمين، فقال رجل من الأنصار: أترعى زرع بنى قيلة ولما نضارب!
وتعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو فى سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا لا يأتوننا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك.
وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار.
وتعبأت قريش وهم ثلاث آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل.
وقد كان أبو عامر عبد عمرو بن صيفى من الأوس، خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يعد قريشا أن لو لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وبذلك سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يسمى فى الجاهلية الراهب، فلما سمع ردهم عليه، قال: «لقد أصاب قومى بعدى شر! ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم «2» بالحجارة» «3» .
وقال أبو سفيان- يومئذ- لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك: يا بنى عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه.
فهموا به وتواعدوه قالوا: أنحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع.
وذلك أراد أبو سفيان.
فاقتتل الناس حتى حميت الحرب.
__________
(1) انظر الحديث فى: الدر المنثور للسيوطى (5/ 61) .
(2) راضخهم: رماهم.
(3) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 512) .
(1/373)

وقاتل أبو دجانة «1» سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة، حتى أمعن فى الناس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسيف عنده: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به فى العدو حتى ينحنى» «2» . قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه يتبختر:
«إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن» «3» .
وكان الزبير بن العوام قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك السيف مع من سأله منه فمنعه إياه، فقال: وجدت فى نفسى حين سألته إياه فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله فأعطاه إياه وتركنى! والله لأنظرن ما يصنع، فأتبعه، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:
أخرج أبو دجانة عصابة الموت! وهكذا كانت تقول له إذا تعصب لها، فخرج وهو يقول:
أنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر فى الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول «4»
فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، وكان فى المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه: فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها، قال الزبير: فقلت الله ورسوله أعلم.
__________
(1) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (5863) ، الإصابة ترجمة رقم (9866) ، تنقيح المقال (3/ 15) ، ريحانة الأدب (7/ 95) ، معجم رجال الحديث (21/ 151) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 123) ، مستدرك الحاكم (3/ 230) ، مصنف ابن أبى شيبة (12/ 206، 14/ 401) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 109، 9/ 124) ، كنز العمال للمتقى الهندى (10972، 10973) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 15) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 234) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 15) .
(4) الكيول: آخر الصفوف فى الحرب.
(1/374)

وقال أبو دجانة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة.
وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أحد النفر الذين كانوا يحملون اللواء من بنى عبد الدار، وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا بالعتق إن قتل حمزة بعمه طعيمة ابن عدى المقتول يوم بدر، قال وحشى: فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطىء بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة حتى رأيته فى عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شىء، فو الله إنى لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد العزى الغبشانى، فلما رآه حمزة قال له: هلم إلى يا بن مقطعة البظور. وكانت أمه ختّانة بمكة، قال: فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه، قال: وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فى ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوى فغلب وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه، ولم تكن لى بغيره حاجه، إنما قتلته لأعتق.
فلما قدمت مكة عتقت، ثم أقمت حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف فكنت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت على المذاهب، فو الله إنى لفى ذلك إذ قال لى رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل فى دينه، فلما قال لى ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أتشهد شهادة الحق، فلما رآنى قال: أو حشىّ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أقعد فحدثنى كيف قتلت حمزة، فحدثته فلما فرغت قال: ويحك! غيب عنى وجهك. فكنت أتنكّبه صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يرانى حتى قبضه الله تعالى.
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب خرجت معهم وأخذت بحربتى التى قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما فى يده السيف وما أعرفه، فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه وشدّ عليه الأنصارى فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قتلت شر الناس!
وذكر ابن إسحاق «1» بإسناد له إلى عبد الله بن عمر، وكان شهد اليمامة قال:
سمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الأسود.
__________
(1) انظر السيرة (3/ 33) .
(1/375)

قال ابن إسحاق: فبلغنى أن وحشيا لم يزل يحد فى الخمر حتى خلع من الديوان.
فكان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، يقول: قد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة.
قال ابن إسحاق «1» : وقاتل مصعب بن عمير «2» دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، قتله ابن قميئة الليثى، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا.
فلما قتل مصعب أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء على بن أبى طالب، فقاتل على ورجال من المسلمين.
ولما اشتد القتال يومئذ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار وأرسل إلى على أن قدم الراية، فتقدم فقال: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبى طلحة: هل لك يا أبا القصم فى البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه على فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلنى بعورته فعطفتنى عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله.
ويقال: إن أبا سعد هذا خرج بين الصفين وطلب من يبارزه مرارا فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم فى الجنة وقتلانا فى النار، كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلى بعضكم. فخرج إليه علىّ فاختلفا ضربتين فقتله علىّ. وقد قيل: إن سعد بن أبى وقاص هو الذى قتل أبا سعد هذا.
وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح «3» ، فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس ابن طلحة، كلاهما يشعره سهما «4» فيأتى أمه فيضع رأسه فى حجرها فتقول: يا بنى من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا يقول رمانى: خذها وأنا ابن أبى الأقلح. فندرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا، فتمم الله له ذلك حيا وميتا حسب ما نذكره عند مقتل عاصم على الرجيع- ماء لهذيل- إن شاء الله تعالى.
__________
(1) انظر السيرة (3/ 34) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (8020) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4936) .
(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4365) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2665) .
(4) يشعره سهما: أى يصيبه به فى جسده، فيصير له مثل الشعار، والشعار ما ولى الجسد من الثياب.
(1/376)

والتقى يوم أحد حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود بن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن صاحبكم- يعنى حنظلة- لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لذلك غسلته الملائكة» «1» .
ثم أنزل نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر ونهكوهم قتلا.
وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة، وكانت الهزيمة لا شك فيها.
فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس هنا لشىء، قد أهلك الله العدو، وإخواننا فى عسكر المشركين، فتركوا منازلهم التى عهد إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا، وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا، ولم يكن نبل ينضحها ووجدت مدخلا عليهم، فكان ذلك سبب الهزيمة على المسلمين بعد أن كانت لهم.
قال الزبير بن العوام رضى الله عنه: والله، لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها منكشفات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذا مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم.
وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، ويقال: إن الصارخ هو الشيطان.
وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة. حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج فى وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل صلى الله عليه وسلم يمسحه وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (4/ 15) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 246) ، إرواء الغليل للألبانى (3/ 167) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (1/ 581) .
(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (4027) ، مسند الإمام أحمد (3/ 206) ، الدر المنثور-
(1/377)

فأنزل الله عليه فى ذلك: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: 128] .
وكان الذى كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبى وقاص وشجه عبد الله بن شهاب الزهرى فى جبهته وجرح ابن قميئة وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وجنته، ووقع صلوات الله عليه فى حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما. ومص مالك بن سنان والد أبى سعيد الخدرى الدم من وجهه ثم ازدرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مس دمه دمى لم تصبه النار» «1» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على الأرض فلينظر إلى طلحة» «2» .
ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين.
وكان سعد بن أبى وقاص يقول: والله، ما حرصت على قتل رجل قط حرصى على قتل عتبة بن أبى وقاص- وهو أخوه- وإن كان ما علمت لسىء الخلق مبغضا فى قومه، ولقد كفانى منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «3» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم: «من رجل يشرى لنا نفسه؟» فقام زياد بن السكن فى نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقولون: إنما هو عمارة بن زياد بن السكن، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم جاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه،
__________
- للسيوطى (2/ 71) ، إتحاف السادة المتقين (7/ 92) ، تفسير ابن كثير (2/ 98) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 366) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (2/ 352) ، أخلاق النبوة (72) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 23) .
(1) انظر الحديث فى: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (6/ 112) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 24) .
(2) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (1/ 76) ، السنة لابن أبى عاصم (2/ 614) ، كنز العمال للمتقى الهندى (33369) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 80) .
(3) انظر الحديث فى: موارد الظمآن للهيثمى (2212) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 265) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 30) .
(1/378)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدنوه منى» «1» . فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقاتلت أم عمارة نسيبه بنت كعب المازنية، يومئذ قالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلىّ.
قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جراحا أجوف له غور فقلت: من أصابك بهذا، قالت: ابن قميئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلونى على محمد فلا نجوت إن نجا. فاعترضته أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.
وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل.
ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: «أرم فداك أبى وأمى» «2» حتى إنه ليناولنى السهم ماله من نصل فيقول: «ارم به» .
ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها.
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان «3» فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 235) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 47، 5/ 124، 8/ 52) ، صحيح مسلم فى كتاب فضائل الصحابة (41، 42) ، سنن الترمذى (2829، 3753) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 162) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 239) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 27، 8/ 72) .
(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7091) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4277) ، طبقات خليفة (81، 96) ، تاريخ خليفة (153) ، التاريخ الكبير (7/ 184، 185) ، تاريخ الفسوى (1/ 320) ، الجرح والتعديل (7/ 132) ، تاريخ ابن عساكر (14/ 200) ، تهذيب الكمال (1123) ، تاريخ الإسلام (2/ 50) ، العبر (1/ 27) ، تهذيب التهذيب (8/ 357، 358) ، خالصة تذهيب الكمال (315) ، شدرات الذهب (1/ 34) .
(1/379)

وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها فى رجله فعرج.
وأتى أنس بن النضر عم أنس بن مالك وبه سمى، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا:
قد قتل محمد رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى.
وروى حميد عن أنس، أن عمه أنس بن النضر هذا غاب عن قتال يوم بدر، فقال:
غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين لئن أشهدنى الله قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المشركين، وأعتذر إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المسلمين، ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال: أى سعد، والذى نفسى بيده إنى لأجد ريح الجنة دون أحد! واها لريح الجنة. فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثلوا به حتى عرفته أخته ببنانه.
قال أنس: كنا نقول أنزلت هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] فيه وفى أصحابه.
قال ابن إسحاق «1» : وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وتحدث الناس بقتله: كعب بن مالك الأنصارى، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمون أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين.
فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد: لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه» «2» .
__________
(1) انظر السيرة (3/ 46) .
(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 624) ، سنن ابن ماجه (530) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 19) .
(1/380)

فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.
وكان أبى بن خلف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد، إن عندى العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أقتلك إن شاء الله» «1» .
فلما رجع إلى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال: قتلنى والله محمد! فقالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك. فو الله لو بصق على لقتلنى.
فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قاله يومئذ: «اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله» «2» . فسحقا لأصحاب السعير.
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته من المهراس، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم فصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «3» .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذا علت عالية من قريش الجبل فقال: «اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا» «4» فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.
ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع، وقد كان بدن
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير القرطبى (7/ 385) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 35) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 32) .
(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (4/ 275) ، شرح السنة للبغوى (12/ 337) ، كنز العمال للمتقى الهندى (29885، 29887) .
(3) سبق تخريجه.
(4) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (4/ 90) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 36) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 238) .
(1/381)

وظاهر بين درعين فجلس تحته بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال صلى الله عليه وسلم:
«أوجب طلحة» «1» .
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر- يومئذ- قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا.
ولما خرج صلى الله عليه وسلم إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن قيس فى الآكام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: لا اب لك! ما ننتظر؟ فو الله إن بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقنا شهادة معه؟ فأخذا اسيافهما ثم خرجا حتى دخلا فى الناس ولم يعلم بهما.
فأما ثابت فقتله المشركون، وأما حسيل فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه وهم لا يعرفونه، فقال حذيفة: أبى! قالوا: والله إن عرفناه. وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده عند رسول الله خيرا.
وكان ممن قتل يوم أحد مخيرق من أحبار اليهود، وقد تقدم خبره وكيف قال- يومئذ- ليهود: لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. فتعللوا عليه بأنه يوم السبت، فقال لهم: لا سبت لكم. وأخذ سيفه وعدّته فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيهما يشاء. وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مخيريق خير يهود» «2» .
وكان عمرو بن ثابت وقش أصيرم بنى عبد الأشهل يأبى الإسلام على قومه، فلما
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3738) ، مسند الإمام أحمد (1/ 165) ، السنن الكبرى للبيهقى (6/ 370، 9/ 46) ، مستدرك الحاكم (3/ 25، 373) ، موارد الظمآن للهيثمى (2212) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (2/ 281) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 361، 12/ 91) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (6112) ، شرح السنة للبغوى (14/ 120) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 1/ 155) ، السنة لابن أبى عاصم (2/ 612) ، كنز العمال للمتقى الهندى (33364) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 238) .
(2) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 2/ 183) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (1/ 18) ، البداية والنهاية لابن كثير (3/ 237، 4/ 36) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (3/ 245، 10/ 87) .
(1/382)

كان يوم أحد بدا له فى الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فغزا حتى دخل فى عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال من بنى الأشهل يلتمسون قتلاهم فى المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث.
فسألوه ما جاء بك عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة فى الإسلام؟ قال: بل رغبة فى الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى. ثم لم يلبث أن مات فى ايديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه لمن أهل الجنة» «1» .
وكان أبو هريرة يقول: حدثونى عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؟ فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بنى عبد الأشهل؟
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فو الله إنى لأرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» . وقال لبنيه: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» «2» فخرج معه فقتل، يرحمه الله.
ووقعت هند بنت عتبة «3» والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعن الاذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزة- رضى الله عنه- فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «4»
ما كان عن عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمه وبكر
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 428، 429) .
(2) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين (10/ 332) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 37) .
(3) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (11860) ، أسد الغابة ترجمة رقم (7350) ، الثقات (2/ 439) ، أعلام النساء (5/ 239) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 310) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (1008) ، تلقيح فهوم أهل الأثر (319) ، ودر السحابة (824) .
(4) السعر: أى الالتهاب.
(1/383)

شفيت نفسى وقضيت نذرى ... شفيت وحشى غليل صدرى
فشكر وحشى علىّ عمرى ... حتى ترم أضلعى فى قبرى
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، فقالت:
خزيت فى بدر وبعد بدر ... يا منه وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر ... بالهاشمين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلى صقرى
إذ رام شيب وأبوك غدرى ... فخضبا منه ضواحى النحر
ونذرك السوء فشر نذر
وقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، مر بأبى سفيان وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب بزح الرمح ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك، اكتمها عنى فإنها كانت زلة.
ثم إن أبا سفيان حين أراد الإنصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته:
أنعمت فعال، إن الحرب سجال يوم بيوم بدر، اعل هبل. أى ظهر دينك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار» «1» .
وفى الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان قال: إنه لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال قالوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» «2» .
وفيه أيضا: أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال: أفى القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه.
فقال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه. قال: أفى القوم ابن الخطاب؟ فلما لم يجبه أحد قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال:
كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك.
قال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلى يا عمر، فقال رسول
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 38) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 80) ، مسند الإمام أحمد (4/ 293) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 213) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (6/ 398) .
(1/384)

الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «ايته فانظر ما شأنه» «1» . فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر:
أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قميئه وابر. لقول ابن قميئة لهم: إنى قد قتلت محمدا، ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان فى قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل: «نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «2» .
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب فقال: «اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم» «3» ؛ فخرج على فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
وفرغ الناس لقتلاهم وانتشروا يبتغونهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة ابن أبى عامر فإن أباه كان مع المشركين فتركوه له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره بقدمه وقال: قد تقدمت إليك فى مصرعك هذا، ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالدة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟» «4» فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل. فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق، قال فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك السلام عنى وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره.
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (2/ 90) .
(2) انظر الحديث فى: التاريخ لابن كثير (4/ 38) ، تاريخ الطبرى (2/ 71) .
(3) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 71) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 138) ، المغازى للواقدى (1/ 298) .
(4) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 285) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 39) .
(1/385)

وفى سعد هذا يقول أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقد دخل عليه رجل وعلى صدره بنت لسعد جارية صغيرة يرشفها ويقبلها فقال الرجل: من هذه؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه: بنت رجل خير منى، سعد بن الربيع، كان من النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى ما رأى: «لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدى لتركته حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى مواطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم» «1» .
فلما رأى المسلمون حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى، فيما قاله من ذلك رسوله صلوات الله عليه وسلامه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: 126، 127] ، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة.
ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقف على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا» «2» . ثم قال: «جاءنى جبريل فأخبرنى أن حمزة مكتوب فى أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» «3» .
ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجى ببرده، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة.
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب «4» إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 39) .
(2) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (1/ 371) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 40) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 40) .
(4) انظر ترجمتها فى: طبقات ابن سعد (8/ 41) ، طبقات خليفة (331) ، تاريخ خليفة (147) ، المعارف (128) ، تاريخ الإسلام (3812) ، الإصابة ترجمة رقم (11411) .
(1/386)

صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: «القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» . فقال لها: يا أمه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعى. قالت ولم؟ وقد بلغنى أن قد مثّل بأخى، وذلك فى الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «خل سبيلها» . فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له.
ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن.
وزعم آل عبد الله بن جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن عبد الله بن جحش مع حمزة فى قبره، وهو ابن أخته أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثل به كما مثل بخاله حمزة، إلا أنه لم يبقر عن كبده وجدع أنفه وأذناه، فلذلك يقال له: المجدع فى الله.
وكان فى أول النهار قد لقى سعد بن أبى وقاص فقال له عبد الله: هلم يا سعد فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته فى دعائه وليؤمن الآخر. فقال سعد: يا رب إذا لقيت العدو فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم ارزقنى الظفر عليه حتى أقتله وأسلبه سلبه. فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى فيقتلنى ثم يجدع أنفى وأذنى، فإذا لقيتك غدا قلت لى: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك يا رب وفى رسولك. فتقول لى: صدقت. فأمن سعد على دعوته.
قال سعد: كانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتى، لقد رأيته النهار وإن أذنيه وأنفه معلقان فى خيط، ولقيت أنا فلان من المشركين فقتلته وأخذت سلبه.
وذكر الزبير أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فعاد فى يده سيفا منه، فقاتل به فكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل هذا يتوارث حتى بيع من بغا التركى بمائتى دينار.
واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: «ادفنوهم حيث صرعوا» «1» .
ولما أشرف صلوات الله عليه وسلامه يوم أحد على القتلى قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إن ما من جريح يجرح فى الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 290) .
(1/387)

دم والريح ريح مسك، انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه فى القبر» «1» . وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة فى القبر الواحد.
وقال- يومئذ- حين أمر بدفن القتلى: «انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين فى الدنيا فاجعلوهما فى قبر واحد» «2» .
وذكر مالك بن أنس فى موطّئه أن السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نعى لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن زوج المرأة منها لبمكان» «3» لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها وصياحها على زوجها.
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «لكن حمزة لا بواكى له» «4» .
فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلن فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين عليه، فقال: «ارجعن
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 41، 42) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 1/ 7) .
(2) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 562) ، موطأ مالك (2/ 470/ 49) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 301) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 46) .
(4) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1591) ، مسند الإمام أحمد (2/ 40، 84، 92) ، السنن الكبرى للبيهقى (4/ 70) ، مستدرك الحاكم (1/ 381، 3/ 195) ، المعجم الكبير للطبرانى (3/ 159، 11/ 392) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 120) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 31، 3/ 1/ 5، 10، 11) ، مصنف ابن أبى شيبة (3/ 394) ، مصنف عبد الرزاق (6694) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 216، 301) ، كنز العمال للمتقى الهندى (36945) .
(1/388)

يرحمكن الله، فقد آسيتن «1» بأنفسكن» «2» . وقيل: إنه لما سمع بكاءهن قال: «رحم الله الأنصار، فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة، مروهن فلينصرفن» .
ومر رسول الله فى انصرافه بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.
فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: «اغسلى عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم» «3» ، وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلى عنه دمه، فو الله لقد صدقنى اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» «4» .
وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذو الفقار. ونادى مناد يوم أحد:
لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا على
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب: «لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا» «5» .
وكان يوم أحد السبت للنصف من شوال.
فلما كان الغد منه يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلب العدو، وأذن مؤذنه:
أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس.
فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، كان أبى خلفنى على أخوات لى سبع وقال: «يا بنى لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسى، فتخلف على أخواتك.
فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه.
وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج فى طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
__________
(1) آسيتن: أى عزيتن وعاونتن.
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 47) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 301، 302) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 47) .
(4) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 24) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 47) .
(5) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 47) .
(1/389)

وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أخوان من بنى الأشهل فرجعا جريحين، قال أحدهما: فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج فى طلب العدو قلت لأخى أو قال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خروجه ذلك إلى حمراء الأسد، على ثمانية أميال من المدينة. فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة.
وقد مر به هنالك معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك فى أصاحبك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم.
ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، حتى لقى ابا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شىء لم أر مثله قط. فقال: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصى الخيل. قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإنى أنهاك عن ذلك، والله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من الشعر. قال: وما قلت؟ قال قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتى ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل «1»
تردى بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل «2»
فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل «3»
__________
(1) تهد: تسقط من الإعياء لهول ما رأت من صوت الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: الجماعات.
(2) تردى: أى تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: أى الذى لا رمح له.
(3) أبو حرب: هو أبو سفيان. وتغطمطت: أى اهتزت وارتجت. والجيل: الصنف من الناس.
(1/390)

إنى نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذى إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخشا قنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.
ومر به ركب من عبد القيس فقال: أبن تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟
قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم بهذه غدا زبيبا بعكاظ إذا ما أتيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذى قال أبو سفيان وأصحابه فقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» «1» .
ويقال: إنهم لما هموا بالرجعة إلى المدينة ليستأصلوا- كما زعموا- بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم صفوان بن أمية: لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا. فرجعوا.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: «والذى نفسى بيده لقد سومت «2» لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» «3» .
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجهه قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان أبا أمه وأبا عزة الجمحى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدر ثم من عليه، وقد تقدم ذكر ذلك وذكر مقتله إياه فى هذه الأخذة الثانية صدر غزوة أحد، ولجأ معاوية بن المغيرة إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعدها وتوارى. فبعث النبى زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: «إنكما ستجدانه بموضع كذا» «4» . فوجداه فقاتلاه.
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 326) ، المعجم الكبير للطبرانى (12/ 128) ، الدر المنثور للسيوطى (2/ 101، 5/ 338) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 317) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 48) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 50) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (1079) ، زاد المسير لابن الجوزى (5/ 336، 505) ، تفسير ابن كثير (5/ 196) ، تفسير الطبرى (4/ 119، 29/ 95) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (11/ 86) .
(2) سومت: علمت.
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 51) .
(4) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 51) .
(1/391)

وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين ممن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر فى قلبه، وأكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته.
وكان مما أنزل الله- تبارك وتعالى- من القرآن فى شأن أحد ستون آية من آل عمران فى طاعة من أطاع، ونفاق من نافق، وصفة ما كان فى يومهم، وتعزية المؤمنين فى مصيبتهم ومعاتبة من عاتب منهم.
يقول الله تبارك وتعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أى سميع لما يقولون عليم بما يخفون.
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا أى تتخاذلا. والطائفتان: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان، يقول الله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أى المدافع عنهما ما همتا به من ذلك برحمته وعائذته حتى سلمتا ولحقتا بنبيهما. وقيل: إنه لما أنزل الله- تعالى- فى هاتين الطائفتين قالتا: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا لتولى الله إيانا فى ذلك.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، أى من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل على وليستعن بى أعنه على أمره وأدفع عنه حتى أبلغ به وأقويه على نيته.
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أقل عددا وأضعف قوة فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أى فاتقونى فإنه شكر نعمتى.
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، أى إن تصبروا لعدوى وتطيعوا أمر ويأتوكم من وجههم هذا أمددكم بهذا العدد من الملائكة مسومين أى معلمين.
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، أى ما سميت لكم من سميته من جنود ملائكتى إلا لتستبشروا بذلك وتطمئن قلوبكم إليه، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عند الله لسلطانى وقدرتى، وذلك أن العزة والحكم لى لا إلى أحد من خلقى.
ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
(1/392)

ظالِمُونَ، أى ليس لك من الحكم شىء فى عبادى إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتى فإن شئت فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقى فإنهم ظالمون أى عصوا فاستوجبوا ذلك بمعصيتهم إياى.
ثم استقبل ذكر المصيبة التى نزلت بهم والبلاء الذى أصابهم والتمحيص لما كان فيهم واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفا لهم فيما صنعوا وفيما هو صانع بهم: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، أى قد مضت منى وقائع نقمة فى أهل التكذيب برسلى والشرك، فى عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت منى فيهم ولمن هو على مثل ما هم عليه: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أى نور وأدب لمن أطاعنى وعرف أمرى.
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا، أى لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ لكم تكون العاقبة والظهور إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أى أن كنتم صدقتم نبيى بما جاءكم به عنى.
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ أى جراح فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أى جراح مثلها وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أى نصرفها للبلاء والتمحيص وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، أى حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا كرامة ثوابى ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم صدق ذلك منكم، الإيمان بى والصبر على ما أصابكم فىّ.
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أى الشهادة مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يعنى الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخروج بهم إلى عدوهم يوم أحد لما فاتهم من يوم بدر رغبة فى الشهادة، يقول: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، أى لقول الناس: قتل محمد. وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم.
أفئن مات أو قتل رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتاب ربكم وما خلف نبيه من دينه معكم وعندكم وقد بين لكم فيما جاءكم به عنى أنه ميت عنكم ومفارق لكم؟! وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ أى يرجع عن دينه فَلَنْ يَضُرَّ
(1/393)

اللَّهَ شَيْئاً أى لن ينقص ذلك عز الله ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أى من أطاعه وعمل بأمره.
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أى من أراد الدنيا خاصة أتاه منها ما كتب له وما له فى الآخرة من نصيب، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن آتاه منها ما وعد به مع ما يجرى عليه فى دنياه من رزقه المقدر له، وذلك هو جزاء الشاكرين أى المتقين.
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا، أى وكم من نبى أصابه القتل ومعه جماعات من أنصاره، فما وهنوا لفقد نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم فى الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك هو الصبر وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، أى فقولوا مثل ما قالوا، واعلموا أن ذلك بذنوب منكم فاستغفروه كما استغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، وسلوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم وينصركم على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم كان وقد قتل نبيهم، ولم يفعلوا كما فعلتم.
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا بالظهور على عدوهم وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ الذى به وعدهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أى عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم.
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا عن قلوبكم فاعتصموا به ولا تنتصروا بغيره، ولا ترجعوا كفارا على أعقابكم مرتدين عن دينه.
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الذى به كنت أنصركم عليهم جزاء لهم بما أشركوا بى، فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهورا عليكم ما اعتصمتم بى
(1/394)

واتبعتم أمرى، وإنما أصابكم منهم ما أصابكم بذنوب قدمتموها لأنفسكم خالفتم بها أمرى وعصيتم فيها نبيى.
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، أى لقد وفيت لكم ما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف أى تستأصلونهم قتلا بإذنى وتسليطى أيديكم عليهم وكفى أيديهم عنكم حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أى تخاذلتم وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ اختلفتم فيه وَعَصَيْتُمْ بترك أمر نبيكم، يعنى الرماة الذين عهد إليهم ألا يفارقوا مكانهم فخالفوا أمره حتى أتى المسلمون من قبلهم مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أى الفتح لا شك فيه وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أى النهب وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أى الذين جاهدوا فى الله ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أى أنه سبحانه وإن عاقب من يشاء من عباده ببعض الذنوب فى عاجل الدنيا أدبا وموعظة، فإنه غير مستوف كل ماله فيهم من الحق بما أصابوا من معصية، فضلا من الله ورحمة.
ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم وهو يدعوهم ولا يعطفون عليه فقال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أى كربا بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم وعلو عدوكم عليكم وما وقع فى أنفسكم حين سمعتم أنه قتل نبيكم لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الظهور على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم وَلا ما أَصابَكُمْ من قتل إخوانكم بما فرجت عنكم من الكرب بوقاية نبيكم وكشف كرب الشيطان فى الصراخ بقتله بينكم، فكان هذا هو الذى فرج الله به عنهم ما تابع عليهم من الغم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم والمصيبة التى أصابتهم فيمن قتل منهم.
ثم قال تعالى بعد آيات ذكر فيها ما ذكر من قصة أحد وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ يعنى عبد الله بن أبى والراجعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى عدوه عن المشركين. يقول الله تبارك وتعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
(1/395)

ثم قال لنبيه عليه السلام يرغب المؤمنين فى الجهاد ويهون عليهم القتل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب» قال الله تبارك وتعالى: فأنا أبلغهم عنكم» «1» ؛ فأنزل الله- عز ذكره- على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى آخرها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فى قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» «2» .
وسئل عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً فقال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش فيطلع الله إليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا. ثم يطلع الله إليهم اطلاعه فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث نشاء، ثم يطلع إليهم اطلاعة فيقول: يا عبادى، ما
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (2520) ، مسند الإمام أحمد (1/ 266) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 163) ، مستدركم الحاكم (2/ 88، 297) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 304) ، مصنف ابن أبى شيبة (5/ 294) ، الدر المنثور للسيوطى (2/ 95) ، زاد المسير لابن الجوزى (1/ 499) ، تفسير ابن كثير (2/ 141) ، تفسير الطبرى (4/ 113) ، تفسير القرطبى (4/ 268) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 266) ، مستدرك الحاكم (2/ 74) ، المعجم الكبير للطبرانى (10/ 405) ، مصنف ابن أبى شيبة (5/ 290) ، إتحاف السادة المتقين (10/ 338) ، موارد الظمآن للهيثمى (1611) ، الدر المنثور للسيوطى (2/ 96) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 294، 298) ، كنز العمال للمتقى الهندى (11099) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (2/ 323) ، تفسير الطبرى (2/ 34، 4/ 113) ، تفسير ابن كثير (2/ 142) .
(1/396)

تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا، إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا فى أجسادنا ثم تردنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله: «ألا أبشرك يا جابر؟» «1» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله، ثم قال: ما تحب يا عبد الله ابن عمرو أن أفعل بك؟ قال: أى رب أحب أن تردنى إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» «2» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من النهار وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل فى الله فيقتل مرة أخرى» .
واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلا، أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار وقتل الله من المشركين يومئذ اثنتين وعشرين رجلا.
وكان مما قيل من الشعر فى يوم أحد قول كعب بن مالك الأنصارى رحمه الله:
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع
صحار وأعلام كأن قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع
تظل به البزل العراميس رزحا ... ويخلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليبها ... كما لاح كتان التجار الموضع
به العين والآرام يمشين خلفة ... وبيض نعام قيضه يتقلع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة ... مذربة فيها القوانس تلمع
وكل صموت فى الصوان كأنها ... إذا لبست نهى من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع
وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 317) ، إتحاف السادة المتقين (5/ 24، 10/ 383) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (1/ 205، 4/ 480) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 44) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 44) .
(1/397)

إذا جاء منا راكب كان قوله ... أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع
ولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا ... علام إذا لم نمنع العرض نزرع
وفينا رسول الله نتبع أمره ... إذا قال فينا القول لا نتطلع
تدلى عليه الروح من عند ربه ... ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصدنا ... إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات واطمع
وكونوا كمن يشرى الحياة تقربا ... إلى ملك يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا ... على الله إن الأمر لله أجمع
فسرنا إليهم جهرة فى رحالهم ... ضحيا علينا البيض لا نتخشع
بملمومة فيها السنور والقنا ... إذا ضربوا أقدامها لا تورع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصيبة ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع
نعاورهم تجرى المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادى قسى النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربى المقطع
ومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع
وخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صبا فى قرة يتريع
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى ... وليس لأمر حمه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية ... كأن ذكاها حر نار تلفع
وراحوا سراعا موجفين كأنهم ... جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأنها ... أسود على لحم ببيشة ظلع
فنلنا ونال القوم منا وربما ... فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم ... وقد جعلوا كل من الشر يشبع
ونحن إناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمى الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا ترى ... على هالك عين لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع
وقال حسان بن ثابت يجيب عبد الله بن الزبعرى عن كلمة له على روى هذا الجواب يفخر فيها بيوم أحد، وكلتا الكلمتين ينكرها بعض أهل العلم لمن نسبت إليه:
(1/398)

أشاقتك من أم الوليد ربوع ... بلاقع ما من أهلهن جميع
عفاهن ضيفى الرياح وواكف ... من الدلو زجاف السحاب هموع
فلم يبق إلا موقد النار حوله ... رواكد أمثال الحمام كنوع «1»
فدع ذكر دار بددت بين أهلها ... نوى لمتينات الحبال قطوع
وقل إن يكن يوم بأحد يعده ... سفيه فإن الحق سوف يشيع
فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع
وحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم فى اللقاء جزوع
أمام رسول الله لا يخذلونه ... لهم ناصر من ربهم وشفيع
وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم ... ولا يستوى عبد وفى ومضيع
بأيديهم بيض إذا حمش الوغى ... فلا بد أن يردى لهن صريع «2»
كما غادرت فى النقع عتبة ثاويا ... وسعدا صريعا والوشيج شروع «3»
وقد غادرت تحت العجاجة مسندا ... أبيا وقد بل القميص نجيع
يكف رسول الله حيث تنصبت ... على القوم مما قد يثرن نقوع
أولئك قوم سادة من فروعكم ... وفى كل قوم سادة وفروع
بهن نعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع
فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع
فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذى يقضى الأمور سريع
وقتلاكم فى النار أفضل رزقهم ... حميم معا فى جوفها وضريع «4»
وقال كعب بن مالك يجيب ابن الزبعرى وعمرو بن العاص عن كلمتين قالاها فى ذلك:
أبلغ قريشا وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوى الألباب مقبول
أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيما يكثر القيل
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل
إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل فى الحق عند الله تفضيل
__________
(1) رواكد: الحجارة التى كانوا ينصبونها لوضع القدور عليها. وكنوع: أى لاصقة بالأرض.
(2) حمش: أى اشتد وقوى. ويردى: أى يهلك.
(3) ثاويا: أى مقيما.
(4) الضريع: نبات أخضر يرمى به البحر.
(1/399)

وإن تروا أمرنا فى رأيكم سفها ... فرأى من خالف الإسلام تضليل
فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا ... إن أخا الحرب أصدى اللون مشغول
إنا بنو الحرب نمريها وننتجها ... وعندنا لذوى الأضغان تنكيل «5»
إن ينج منها ابن حرب بعدما بلغت ... منه التراقى وأمر الله مفعول «6»
فقد أفادت له حلما وموعظة ... لمن يكون له لب ومعقول
ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ... ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل «7»
تلقاكم عصب حول النبى لهم ... مما يعدون للهيجا سرابيل «8»
من جذم غسان مسترخ حمائلهم ... لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون تحت عمايات القتال كما ... تمشى المصاعبة الأدم المراسيل «9»
أو مثل مشى أسود الظل ألثقها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
فى كل سابغة كالنهى محكمة ... قيامها فلح كالسيف بهلول «10»
ترد حد قدان النبل خاسئة ... ويرجع السيف عنها وهو مفلول
ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم ... وللحياة ودفع الموت تأجيل «11»
ما زال فى القوم وتر منكم أبدا ... تعفو السلام عليه وهو مطلول «12»
وقال كعب- أيضا فى يوم أحد من قصيدة يفخر فيها بقومه:
فإن كنت عن شأننا سائلا ... فسل عنه ذا العلم ممن يلينا
بنا كيف نفعل إن قلصت ... عوانا ضروسا عضوضا حجونا
ألسنا نشد عليها العقا ... ب حتى تدر وحتى تلينا
ويوم له وهج دائم ... شديد التهاول حامى الأرينا
طويل شديد أوار القتا ... ل يبغى حواقره المقرفينا
تخال الكماة بأعراضه ... ثمالى على لذة منزفينا
__________
(5) نمريها: نستدرها. والأضغان: أى العداوة.
(6) التراقى: عظام الصدر.
(7) شاكلة البطحاء: أى جانبها. والترعيل: أى الضرب السريع.
(8) الهيجا: أى الحرب.
(9) المصاعبة: الفحول من الإبل.
(10) السالفة: الدرع الكاملة الشاملة.
(11) سلع: اسم جبل.
(12) تعفو: تذهب آثارها. والسلام: الحجارة. ومطول: لم يؤخذ بثأره.
(1/400)

تعاور أيمانهم بينهم ... كؤوس المنايا بحد الظبينا
شهدنا فكنا أولى بأسه ... وتحت العماية والمعلمينا
بخرس الحسيس حسان رواء ... وبصرية قد أجمن الجفونا
فما ينفللن وما ينحنين ... وما ينتهين إذا ما نهينا
كبرق الخريف بأيدى الكماة ... يفجعن بالطل هاما سكونا
وعلمنا الضرب آباؤنا ... وسوف نعلم أيضا بنينا
جلاد الكماة وبذل التلا ... د عن جل أحسابنا ما بقينا
إذا مر قرن كفى نسله ... وأورثه بعده آخرينا
تشب وتهلك آباؤنا ... وبينا نربى بنينا فنينا
وقال حسان بن ثابت يبكى حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه:
أتعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب السبل الهاطل «1»
بين السراديح فأدمانة ... فمدفع الروحاء فى حائل «2»
سألتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل «3»
دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذى النائل «4»
المالئ الشيزى إذا أعصفت ... غبراء فى ذى الشبم الماحل «5»
والتارك القرن لدى لبدة ... يعثر فى ذى الخرص الذابل «6»
واللابس الخيل إذ أجحمت ... كالليث فى غابته الباسل
أبيض فى الذروة من هاشم ... لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشى من قاتل «7»
أى امرئ غادر فى ألة ... مطرورة مارنة العامل «8»
__________
(1) عفا: أى غير ودرس. ورسمها: أى أثرها.
(2) السراديح: جمع سرادح، وهو الوادى. وأدمانة: اسم موضع. والروحاء: اسم موضع. وحائل: جبل.
(3) استعجمت: أى لم ترد جوابا. ومرجوعة السائل: أى رجوع جوابه.
(4) النائل: أى العطاء.
(5) الشيزى: الجفان التى تصنع من خشب الشيز.
(6) القرن: الذى يقاومك فى القتال. واللبدة: أى الغبار الملبد.
(7) وحشى: هو قاتل حمزة.
(8) والألة: الحربة التى لها سنان طويل. والمطرورة: أى المحددة. والمارنة: أى اللينة. والعامل: أعلى
(1/401)

أظلمت الأرض لفقدانه ... واسود نور القمر الناصل
صلى عليه الله فى جنة ... عالية مكرمة الداخل
كنا نرى حمزة حرزا لنا ... فى كل أمر نابنا نازل
وكان فى الإسلام ذا تدرأ ... يكفيك فقد القاعد الخاذل
لا تفرحى يا هند واستحلبى ... دمعا وأذرى عبرة الثاكل
وابك على عتبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الجائل
إذا خر فى مشيخة منكم ... من كل عات قلبه جاهل
أرداهم حمزة فى أسرة ... يمشون تحت الحلق الفاضل
غداة جبريل وزير له ... نعم وزير الفارس الحامل
وقال عبد الله بن رواحة يبكى حمزة، وتروى- أيضا- لكعب بن مالك رضى الله عنهم أجمعين:
بكت عينى وحق لها بكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك فى جنان ... مخالطها نعيم لا يزول
وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكى أخاها حمزة رضى الله عنهما:
أسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبى من أعجم وخبير
فقال الخبير إن حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير
دعاه الإله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نرجى ونرتجى ... لحمزة يوم الحشر خير مصير
فو الله لا أنساك ما هبت الصبا ... بكاء وحزنا محضرى ومسيرى
على أسد الله الذى كان مدرها ... يذود عن الإسلام كل كفور
فيا ليت شلوى عند ذاك وأعظمى ... لدى أضبع تعتادنى ونسور
أقول وقد أعيى النعى عشيرتى ... جزى الله خيرا من أخ ونصير
وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكى زوجها شماسا وأصيب يوم أحد:
__________
أعلى الرمح.
(1/402)

يا عين جودى بفيض غير إبساس ... على كريم من الفتيان لباس
صعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس «1»
أقول لما أتى الناعى له جزعا ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى «2»
وقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله عنا قرب شماس
فأجابها أخوها يعزيها فقال:
اقنى حياءك فى ستر وفى كرم ... فإنما كان شماس من الناس «3»
لا تقتلى النفس إذ حانت منيته ... فى طاعة الله يوم الروع والباس «4»
قد كان حمزة ليث الله فاصطبرى ... فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد:
رجعت وفى نفسى بلابل جمة ... وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى «5»
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بنى هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو فى مسيرى ومركبى
وهذه هند أم معاوية بن أبى سفيان، وكانت امرأة فيها مكارة وذكورة ولها نفس وأنفة، وكان المسلمون قد أصابوا يوم بدر أباها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد، فأصابها من ذلك ما يصيب من مثله النفوس الشهمة والقلوب الكافرة، فخرجت إلى أحد مع زوجها أبى سفيان تبتغى الانتصار وتطلب الأوتار، فهذا قولها- يرحمها الله- والوتر يقلقها والكفر يحنقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها.
ثم إن الله سبحانه هداها إلى الإسلام وأخذ بحجزتها عن سواء النار، فصلحت حالها وتبدلت أقوالها، حتى قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قالت له: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم الأرض خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك. أو نحو هذا من القول.
فالحمد لله الذى هدانا برسوله أجمعين، وإياه سبحانه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا إليه، لا مبدلين ولا مغيرين.
***
__________
(1) البديهة: أول الأمر والرأى. وميمون نقيبته: أى مسعود الفأل. والألوية: جمع لواء، وهو العلم.
(2) الناعى: الذى يأتى بخبر الميت.
(3) اقنى حياءك: أى حافظى عليه ولا تخرجى عنه.
(3) اقنى حياءك: أى حافظى عليه ولا تخرجى عنه.
(4) المنية: أى الموت. والروع: أى الفزع. والبأس: أى الشجاعة.
(5) البلابل: أى الأحزان.
(1/403)

غدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة، فقالوا له: يا رسول الله، إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فى الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.
فبعث معهم ستة من أصحابه: مرثد بن أبى مرثد الغنوى «1» وأمره عليهم، وخالد بن البكير «2» ، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، وخبيب بن عدى «3» ، وزيد بن الدثنة «4» ، وعبد الله بن طارق «5» .
فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدر الهدأة «6» ، غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.
فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقال عاصم:
ما علتى وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل «7»
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7895) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4831) ، البداية والنهاية (6/ 353) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 68) ، تهذيب الكمال (3/ 1314) ، تهذيب التهذيب (10/ 82) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2153) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1348) ، طبقات ابن سعد (3/ 1/ 283) .
(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2227) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1417) ، حلية الأولياء (1/ 112، 114) .
(4) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (1835) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 199) ، الإصابة ترجمة رقم (2605) .
(5) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4787) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3026) .
(6) الهدأة: موضع بين عسفان ومكة.
(7) النابل: صاحب النبل. وعنابل: أى غليظ شديد.
(1/404)

تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل
وكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آثل
إن لم أقاتلكم فأمى هابل
ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه رحمهم الله.
فلما قتل عاصم ارادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد بمكة، وكانت حين أصاب ابنيها يوم أحد نذرت لئن قدرت على راس عاصم لتشربن فى قحفة الخمر، فمنعه الدبر فقالوا: دعوه حتى يمسى فتذهب عنه فنأخذه. فبعث الله الوادى فاحتمل عاصما فذهب به.
وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا وألا يمسه مشرك أبدا، تنجسا!
فكان عمر بن الخطاب يقول: يحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته.
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران «1» انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران.
وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فبعث به مع مولى له يقال له: نسطاس إلى التنعيم، فأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان لما قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس فى أهلى!
يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا.
ثم قتله- رحمه الله- نسطاس مولى صفوان.
__________
(1) الظهران: واد قرب مكة عنده قرية يقال لها: مرّ، تضاف إلى هذا الوادى، فيقال: واد الظهران. انظر: معجم البلدان (4/ 63) .
(1/405)

قال ابن عقبة: وزعموا أنهم رموه بالنبل وأرادوا فتنته فلم يزده إلا إيمانا ويقينا.
وأما خبيب بن عدى فجلس بمكة فى بيت ماوية مولاة حجير بن أبى إهاب، فكانت تخبر بعد ما أسلمت، قالت: لقد اطلعت عليه يوما وإن فى يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وو الله ما أعلم فى أرض الله عنبا يؤكل!
قالت: وقال لى حين حضره القتل: ابعثى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل، فأعطيت الموسى غلاما من الحى فقلت: ادخل بها على هذا الرجل، قالت: فو الله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره يقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدرى حين بعثتك بهذه الحديدة إلىّ؟ ثم خلى سبيله.
ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاؤا به التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا له؛ دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لا ستكثرت من الصلاة.
فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه.
فكان معاوية بن أبى سفيان يقول: حضرت- يومئذ- فيمن حضره مع أبى أبى سفيان، فلقد رأيته يلقينى فى الأرض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه.
وكان ممن حضره- يومئذ- سعيد بن عامر بن جذيم الجمحى «1» ، ثم أسلم بعد ذلك واستعمله عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر- رحمه الله- فى قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذى يصيبك؟ قال: والله يا أمير
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3280) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2084) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 223) ، شذرات الذهب (2) ، الجرح والتعديل (4/ ترجمة 205) ، حلية الأولياء (1/ 368) ، الطبقات الكبرى (7/ 242، 402) ، صفة الصفوة (1/ 660) ، الوافى بالوفيات (15/ 320) ، البداية والنهاية (6/ 103) .
(1/406)

المؤمنين ما بى من بأس، ولكنى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته، فو الله ما خطرت على قلبى وأنا فى مجلس قط إلا وغشى على فزادته عند عمر خيرا.
وذكر ابن عقبة أن خبيبا وزيدا قتلا فى يوم واحد، قال: وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس فى ذلك اليوم الذى قتلا فيه: «وعليكما أو وعليك السلام، خبيب قتلته قريش» ، لا ندرى أذكر ابن الدثنة معه أم لا.
وقال خبيب- رحمه الله- لما اجتمع القوم لصلبه:
لقد جمع الأحزاب حولى وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع «1»
وكلهم مبدى العداوة جاهد ... علىّ لأنى فى وثاق بمضيع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتى ثم كربتى ... وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى
فذا العرش صبرنى على ما يراد بى ... فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى
وذلك فى ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيرونى الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناى من غير مجزع «2»
وما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذارى جحيم نار ملفع «3»
ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى جنب كان فى الله مصرعى
فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إنى إلى الله مرجعى
وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا:
يا عين جودى بدمع منك منسكب ... وابكى خبيبا مع الفتيان لم يؤب
صقرا توسط فى الأنصار منصبه ... سمح السجية محضا غير مؤتشب
قد هاج عينى على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب
يا أيها الراكب الغادى لطيته ... أبلغ اليك وعيدا ليس بالكذب «4»
بنى كهينة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب
فيها أسود بنى النجار تقدمهم ... شهب الأسنة فى معصوصب لجب
__________
(1) ألبوا: أى جمعوا. ومجمع: مكان الاجتماع.
(2) هملت عيناى: أى سال دمعها.
(3) الجحيم: أى الملتهب المتقد. والملفع: أى المشتمل.
(4) الطية: ما انطوت عليه نيتك من الجهة التى تريد أن تتوجه إليها.
(1/407)

وقال حسان- أيضا- يهجو هذيلا:
لعمرى لقد شانت هذيل بن مدرك ... أحاديث كانت فى خبيب وعاصم
أحاديث لحيان صلوا بقبيحها ... ولحيان جرامون شر الجرائم «1»
أناس هم من قومهم فى صميمهم ... بمنزلة الزمعان دبر القوائم
هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ... أمانتهم ذا عفة ومكارم
رسول رسول الله غدرا ولم تكن ... هذيل توقى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يوما عليهم ... بقتل الذى يحميه دون المحارم
أبابيل دبر شمس دون لحمه ... حمت لحم شهاد عظام الملاحم
لعل هذيلا أن يروا بمصابه ... مصارع قتلى أو مقاما لمأتم
ويوقع فيهم وقعة ذات صولة ... يوافى بها الركبان أهل المواسم
بأمر رسول الله إن رسوله ... رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم
قبيلته ليس الوفاء يهمهم ... وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم
إذا الناس حلوا بالقضاء رأيتهم ... بمجرى مسيل الماء بين المخارم «2»
محلهم دار البوار ورأيهم ... إذا نابهم أمر كرأى البهائم

غزوة بئر معونة «3»
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة فى صفر على رأس أربعة أشهر من أحد.
وكان من حديثهم أن أبا براء ملاعب الأسنة، واسمه عامر بن مالك بن جعفر قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنى أخشى عليهم أهل نجد» «4» . قال: أنا لهم جار فابعثهم.
__________
(1) صلوا بقبيحها: أى أصابهم شرها. وجرامون: أى كاسبون.
(2) المخارم: مسايل الماء التى يخرمها السيل، أى يقطعها.
(3) راجع الغزوة فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 51، 54) ، المنتظن لابن الجوزى (3/ 198) ، المغازى للواقدى (1/ 346) .
(4) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 128) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 339) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 73) .
(1/408)

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، المعنق ليموت، فى أربعين رجلا من أصحابه، منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى، ونافع بن بديل بن ورقاء، وعامر بن فهيرة، فى رجال مسمين من خيار المسلمين.
فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم أقرب.
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاهم لم ينظر فى كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا.
فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم: عصية ورعلا وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم فى رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم رحمهم الله، إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار- يرحمه الله- فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا.
وكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى، ورجل من الأنصار من بنى عمرو بن عوف قيل: إنه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا.
فأقبلا لينظرا فإذا القوم فى دمائهم وإذا الخيل التى اصابهم واقفة.
فقال الأنصارى لعمرو بن أمية: ما ترى؟
قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر. فقال الأنصارى: لكنى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرنى عنه الرجال.
ثم قاتل القوم حتى قتل.
وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.
فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظل هو فيه فسألهما ممن أنتما؟ فقالا: من بنى عامر. فأمهلهما حتى
(1/409)

إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر فى ما أصابوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية، فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر قال: لقد قتيلين لأدينهما. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا» «1» .
وكان فيمن أصيب- يومئذ- عامر بن فهيرة، فكان عامر بن الطفيل يقول: من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة.
وذكر ابن عقبة أنه لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يومئذ، فيرون أن الملائكة هى وارته، رحمة الله عليه.
وكان جبار بن سلمى فيمن حضرها- يومئذ- مع عامر بن الطفيل ثم أسلم فكان يقول: إن مما دعانى إلى الإسلام أنى طعنت رجلا منهم بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول: فزت والله! فقلت فى نفسى: ما فاز! ألست قد قتلت الرجل؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا: الشهادة. فقلت: فاز لعمر الله.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو فى صلاة الغداة على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة، يدعو على رعل وذكوان وعصية الذين عصوا الله ورسوله، وأنزل فيمن قتل هنالك قرآن ثم رفع: «بلغوا عنا قومنا أن لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه» .

ذكر غزوة بنى النضير «2» والسبب الذى هاج الخروج إليهم
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يستعينهم فى دية العامرين، اللذين قتل عمرة
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 37) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 341) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 129) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 73) .
(2) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (1/ 363) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 40) ، تاريخ الطبرى (2/ 550) ، الكامل (2/ 64) ، صحيح البخارى (5/ 88) ، فتح البارى (7/ 329) ، عيون الأثر (2/ 61) ، الدرر لابن عبد البر (164) ، البداية والنهاية (4/ 74) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 176، 354) .
(1/410)

ابن أمية الضمرى، للجور الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، فقالوا له لما كلمهم فى ذلك: نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك.
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ظل جدار من جدر بيوتهم معه نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، ينتظرون أن يصلحوا أمرهم.
فخلا بعضهم ببعض والشيطان معهم لا يفارقهم، فائتمروا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيقلى عليه صخرة فيريحنا منه.
فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك وصعد ليفعل.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام راجعا إلى المدينة وترك أصحابه فى مجلسهم، فلما استلبث النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا فى طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته داخلا المدينة، فأقبلوا حتى انتهوا إليه فأخبرهم بما كانت يهود أرادت من الغدر به.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، ثم سار بالناس ونزل بهم، فتحصنوا منه فى الحصون.
وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلاء عن أوطانهم وأن يسيروا حيث شاؤا فراسلهم أولياؤهم من المنافقين- عبد الله بن أبى فى رهط من قومه- حين سمعوا ما يراد منهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم.
فغرتهم أمانى المنافقين، ونادوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك.
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر الله فيهم، فلما انتهى إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال فى دورهم وحصونهم، فحفظ الله له أمره وعزم له على رشده، فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم وبالنخيل أن تحرق وتقطع، وكف الله أيديهم وأيدى المنافقين فلم ينصروهم، وألقى الله فى قلوب الفريقين كليهما الرعب، فهدموا الدور التى هم فيها من أدبارها، فلما كادوا يبلغون آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين
(1/411)

ويتربصون من نصرهم ما كانوا يمنونهم به حتى يئسوا مما عندهم، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى كان عرض عليهم قبل ذلك.
فقاضاهم- صلوات الله عليه وسلامه- على أن يجليهم ويكف عن دمائهم وعلى أن لهم ما استقلت به الإبل من أموالهم إلا الحلقة فقط.
فطاروا بذلك كل مطير وتحملوا بما أقلت إبلهم، حتى إن الرجل ليهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وكان أشرافهم بنو أبى الحقيق وحيى بن أخطب فيمن سار إلى خيبر، فلما نزلوها دان لهم أهلها.
وخلى بنو النضير الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت له خاصة بحكم الله له بها ليضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منها.
وكانت اليهود قد عيروا المسلمين حين يهدمون الدور ويقطعون النخل فنادوا: أن محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟
وما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون فى الأرض؟!
فأنزل الله- سبحانه- فى قصتهم وما ذكروه من قولهم وبيان وجه الحكم فى أموالهم سورة الحشر بأسرها. فقال عز من قائل:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، للذى كان منهم من الهدم من أدبار بيوتهم وهدم المسلمين لما يليهم منها.
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أى بالسيف وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ أى مع ما لقوه فى الدنيا من النقمة.
ثم قال- تعالى- فيما عابوه من قطع النخيل وعدوه من ذلك فسادا: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أى فبأمر الله قطعت، لم يكن ذلك فسادا بل نقمة أنزلها بهم وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ.
(1/412)

ثم بين تعالى لرسوله الحكم فى أموالهم وأنها نفل له لا سهم لأحد فيها معه فقال عز ذكره وجل قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أراه الله من المهاجرين الأولين كما تقدم، وأعطى منها الرجلين المسميين من الأنصار.
وقال على بن أبى طالب يذكر إجلاء بنى النضير وما تقدم قبل ذلك من قتل كعب ابن الأشرف، ويقال: بل قالها رجل من المسلمين غير علىّ:
عرفت ومن يعتدل يعرف ... وأيقنت حقا ولم أصدف «1»
عن الكلم المحكم اللاء من ... لدى الله ذى الرأفة الأراف
رسائل تدرس فى المؤمنين ... بهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزا ... عزيز المقامة والموقف «2»
فيا أيها الموعدوه سفاها ... ولم يأت جورا ولم يعنف «3»
ألستم تخافون أدنى العذاب ... وما آمن الله كالأخوف
وأن تصرعوا تحت أسيافه ... كمصرع كعب أبى الأشرف
غداة رأى الله طغيانه ... وأعرض كالجمل الأحنف
فأنزل جبريل فى قتله ... بوحى إلى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا له ... بأبيض ذى هبة مرهف
فباتت عيون له معولات ... متى ينع كعب لها تذرف «4»
وقلن لأحمد ذرنا قليلا ... فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوا ... دحورا على رغم الآنف
وأجلى النضير إلى غربة ... وكانوا بدار ذوى زخرف
إلى أذرعات ردافى وهم ... على كل ذى دبر أعجف «5»
__________
(1) لم أصدف: لم أعرض.
(2) المقامة: موضع الإقامة.
(3) السفاه: الضلال. لم يعتف: أى لم يأتى غير العفة.
(4) معولات: باكيات بصوت مرتفع. ينعى: يذكر خبر قتله. تذرف: تسيل بالدموع.
(5) أذرعات: بلد فى أطراف الشام يجاور أرض البلقاء ينسب إليها الخمر. انظر: معجم البلدان (1/ 130) .
(1/413)

ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب «1» ، ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب «2» ، أسلما خوفا على أموالهما فأحرزاها، وحدث بعض آل يامين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأنى؟» «3» فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله، فيما يزعمون.

غزوة ذات الرقاع «4»
ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهر ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا.
وهى غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: لأجل شجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع. وقيل: لما كانوا يعصبون على أرجلهم من الخرق إذ نقبت أقدامهم.
فلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بهم.
وفى هذه الغزوة عرض له رجل من محارب يقال له: غورث، وقد قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه فى حجره فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟
قال: «نعم» «5» . فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله، ثم قال: يا محمد، أما
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (9233) .
(2) انظر ترجمته فى: الإكمال (1/ 3960) ، الإصابة ترجمة رقم (10010) ، أسد الغابة (5955) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 76) .
(4) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (1/ 395) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 43) ، تاريخ الطبرى (2/ 55) ، الكامل (2/ 66) ، دلائل النبوة (3/ 369) ، البداية والنهاية (4/ 83) .
(5) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 9، 10، 13، 7/ 189، 1/ 5، 16، 63، 153) ، صحيح مسلم (42، 44، 56، 61، 167، 251، 275) ، سنن الترمذى (669، 726، 1204) ، سنن ابن ماجه (181، 557، 842، 1235، 1414، 435، 550، 696، 973، 1135، 1254، 1759، 1835، 2716، 2717، 1425، 1475، 1476، -
(1/414)

تخافنى؟ قال: «لا والله ما أخاف منك» . قال: أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال: «بلى يمنعنى الله منك» «1» . ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه.
فأنزل الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة: 11] .
وقيل: إنها إنما نزلت فى عمرو بن جحاش وما هم به من إلقاء الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وصل إلى بنى النضير مستعينا بهم فى دية العامريين. فالله أعلم أى ذلك كان.
وحدث جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف أن لا ينتهى حتى يهريق فى أصحاب محمد دما، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا، فقال: «من رجل يكلؤنا «2» ليلتنا؟» «3» قال: فانتدب رجل من المهاجرين، قيل: هو عمار بن ياسر، ورجل من الأنصار، قيل: هو عباد بن بشر، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصارى
__________
- 1510، 1718، 1915، 1945، 2907، 3236، 3451) ، مسند الإمام أحمد (1/ 27، 2041، 5/ 100) ، سنن الدارمى (1/ 12) ، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 158، 168، 442، 9/ 43) ، مستدرك الحاكم (2/ 214) ، مصنف ابن أبى شيبة (8/ 431، 480، 9/ 88، 10/ 521، 564، 11/ 8، 10، 12/ 41، 42، 45، 141، 14/ 149، 305، 324، 435، 439، 594) ، المعجم الكبير للطبرانى (1/ 172، 2/ 29، 231، 7/ 21، 11/ 246، 247، 270، 331، 12/ 134، 153، 167، 168، 185، 199، 200، 431، 436، 437) ، كنز العمال للمتقى الهندى (4660/ 128846، 12855، 35346، 35446، 35488، 35493، 35866، 37527، 37566، 37669، 45891) ، فتح البارى لابن حجر (1/ 87، 11/ 491) ، زاد المسير لابن الجوزى (5/ 69) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (3/ 595) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 340، 354) .
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 84) .
(2) يكلؤنا: أى يحفظنا.
(3) انظر الحديث فى: سنن أبى داود باب (79) ، مسند الإمام أحمد (3/ 344) ، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 140، 9/ 150) ، مستدرك الحاكم (1/ 156) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 85) .
(1/415)

للمهاجرى: أى الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: بل اكفنى أوله فاضطجع المهاجرى فنام، وقام الأنصارى يصلى، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فانتزعه عنه وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائما، ثم عاد له بثالث، فوضعه فيه فنزعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت. قال: فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به فهرب، فلما رأى المهاجرى ما بالأنصارى من الدماء، قال: سبحان الله، أفلا أهببتنى أول ما رماك؟ قال: كنت فى سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمى ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفذها!
وقال جابر بن عبد الله: خرجت إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضى وجعلت أتخلف، حتى أدركنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لك يا جابر؟» قلت: يا رسول الله، أبطأ بى جملى، قال: «أنخه» «1» فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أعطنى هذه العصا من يدك أو اقطع لى عصا من شجرة» «2» ، ففعلت، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال: «اركب» »
، فركبت فخرج- والذى بعثه بالحق- يواهق ناقته مواهقة، وتحدثت معه فقال لى:
«أتبيعنى جملك هذا يا جابر؟» «4» قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك. قال: «لا ولكن بعينه» . قلت: فسمنيه. قال: «قد أخذته بدرهم» . قلت: لا إذن تغبننى يا رسول الله.
قال: «فبدرهمين» . قلت: لا. فلم يرفع لى حتى بلغ الأوقية فقلت: أقد رضيت؟ قال:
«نعم» . قلت: فهو لك. قال: «قد أخذته» «5» .
ثم قال: «يا جابر، هل تزوجت بعد؟» «6» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أثيبا أم بكرا؟» قلت: بل ثيبا. قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قلت: يا رسول الله، إن
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 382) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (2/ 517، 3/ 375) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 86) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 376) ، المعجم الكبير للطبرانى (17/ 336) .
(4) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 316) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 382) .
(5) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (916) ، مسند الإمام أحمد (3/ 376) ، سنن الدارقطنى (3/ 45) .
(6) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 376) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (3/ 390) .
(1/416)

أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤسهن وتقوم عليهن. قال: «أصبت إن شاء الله، أما إنه لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها» «1» . قلت: والله يا رسول الله مالها من نمارق. قال: «إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا» «2» . قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك فسمع وطاعة.
فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست فى المسجد قريبا منه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل، فقال: «ما هذا؟» «3» فقالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر. قال: «فأين جابر؟» فدعيت له. فقال: «يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك» . ودعا بلالا وقال: «اذهب بجابر فأعطه أوقية» «4» .
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 123) ، صحيح مسلم فى كتاب الفضائل (84) ، سنن النسائى (1/ 172) ، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 254، 6/ 67) ، مستدرك الحاكم (3/ 306) ، سنن الدارقطنى (4/ 229) ، المعجم الكبير للطبرانى (1/ 87، 2/ 290) ، موارد الظمآن للهيثمى (999، 1334) ، مسند الإمام أحمد (3/ 308، 376) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (6/ 453) ، كنز العمال للمتقى الهندى (13567، 45632) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 240) ، 4/ 110) ، منحة المعبود للساعاتى (1049) ، تفسير الطبرى (1/ 13، 14) ، تفسير ابن كثير (8/ 475) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 64) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 1/ 88، 4/ 1/ 163) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 29) ، موطأ مالك (366) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 376) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب صلاة المسافرين (291) ، سنن الترمذى (1094) ، سنن النسائى (3/ 72، 4/ 84، 6/ 164، 280، 7/ 30، 273) ، مسند الإمام أحمد (5/ 438) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 2/ 157، 4/ 1/ 16، 24، 58، 59) ، سنن الدارقطنى (2/ 55، 8/ 86، 215) ، مصنف ابن أبى شيبة (1/ 122، 337، 3/ 225، 6/ 552، 8/ 76، 80، 379، 11/ 437، 14/ 280، 323) ، المعجم الكبير للطبرانى (11/ 320، 12/ 5، 94، 95، 17/ 13، 249، 18/ 172، 189) ، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 99) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 86، 7/ 260، 8/ 68، 121، 9/ 35، 85، 86، 96، 336، 338، 10/ 241، 242، 852) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (3/ 179، 447) ، سنن أبى داود (4068، 5236، 4748) ، سنن ابن ماجه (2136، 4160) .
(4) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 2097) ، مسند الإمام أحمد (3/ 375، 376) .
(1/417)

قال: فذهبت معه فأعطانى أوقية وزادنى شيئا يسيرا، فو الله ما زال ينمى عندى ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا! يعنى يوم الحرة.
قال ابن إسحاق «1» : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى الآخرة ورجب.
ثم خرج فى شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان، حتى نزله فأقام عليه ثمانى ليال ينتظره.
وخرج أبو سفيان، فى أهل مكة، حتى نزل مجنة من ناحية، الظهران- وبعض الناس يقول غسفان- ثم بداله فى الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع فارجعوا. فرجع الناس، فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر ابا سفيان لميعاده، فأتاه مخشى بن عمرو الضمرى، وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة فى غزوة ودان فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: «نعم يا أخا بنى ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك» «2» . قال: لا والله يا محمد، مالنا بذلك منك من حاجة.
ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو هناك ينتظر أبا سفيان معبد بن أبى معبد الخزاعى فقال وناقته تهوى به، وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قد نفرت من رفقتى محمد ... وعجوة من يثرب كالعنجد «3»
تهوى على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديد موعدى
وماء ضجان لها ضحى الغد
وقال عبد الله بن رواحة فى ذلك، ويقال: إنها لكعب بن مالك:
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا
__________
(1) انظر السيرة (3/ 178) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 88) .
(3) العنجد: حب الزبيب.
(1/418)

تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السيئ الذى كان غاويا
فإنى وإن عنفتمونى لقائل ... فدا لرسول الله أهلى وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا فى ظلمة الليل هاديا
وقال حسان بن ثابت فى ذلك:
دعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك
أقمنا على الرس النزوع ثمانيا ... بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامى تذرى أصوله ... مناسم أخفاف المطى الرواتك «1»
فإن نلق فى تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده ... يزد فى سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة ... فإنك من غر الرجال الصعالك
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة، وهى سنة أربع من مقدمه المدينة، ثم غزا دومة الجندل «2» ، ثم رجع قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا، صلى الله عليه وسلم.

غزوة الخندق «3»
وكانت فى شوال من سنة خمس فى قول ابن إسحاق.
وكان من الحديث عن الخندق أنه لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير خرج نفر من اليهود- سلام بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب وكنانة بن الربيع النضريون، وهوذة بن
__________
(1) مناسم: جمع منسم، وهو طرف خف البعير. والرواتك: أى المسرعة.
(2) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (1/ 402) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 44) ، تاريخ الطبرى (2/ 564) ، البداية والنهاية (4/ 92) ، دلائل النبوة (3/ 389) .
(3) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (2/ 440) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 47) ، تاريخ الطبرى (2/ 564) ، الكامل (2/ 70) ، البداية والنهاية (4/ 92) ، دلائل النبوة (13/ 392) .
(1/419)

قيس وأبو عمارة الوائليان- فى نفر من بنى النضير وبنى وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قدموا مكة على قريش فاستفزوهم واستنفروهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى حربه، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين الله عز وجل فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء: 51- 52] .
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ما دعوا إليه قريشا، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك.
وجعلت يهود لغطفان تحريضا على الخروج نصف تمر خيبر كل عام.
فزعموا أن الحارث بن عوف أخا بنى مرة قال لعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ولقومه من غطفان: يا قوم أطيعونى، دعوا قتال هذا الرجل وخلوا بينه وبين عدوة من العرب، فغلب عليهم الشيطان وقطع أعناقهم الطمع ونفذوا لأمر عيينة على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتبوا إلى حلفائهم من بنى أسد، فأقبل طليحة الأسدى، فيمن اتبعه من بنى أسد، وهما الحليفان أسد وغطفان.
وكتبت قريش إلى رجال من بنى سليم أشراف بينهم وبينهم أرحام استمدادا لهم، فأقبل أبو الأعور بمن اتبعه من سليم مددا لقريش.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن فى بنى فزارة والحارث بن عوف فى بنى مرة ومسعر بن رخلية الأشجعى فيمن تابعه من قومه من أشجع، وتكامل لهم ولمن استمدوه فأمدهم جمع عظيم، هم الذين سماهم الله «الأحزاب» .
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجهم وبما أجمعوا له من الأمر أخذ فى حفر الخندق وضربه على المدينة، فعمل فيه صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين فى العمل والأجر وعمل معه المسلمون، فدأب فيه ودأبوا حتى أحكموه.
(1/420)

وأبطأ عنهم فى عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التى لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه فى اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة فى الخبر واحتسابا له، فأنزل الله فى أولئك من المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 62] . فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة فى الحرب والطاعة لله ولرسوله.
ثم قال تبارك وتعالى، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبى صلى الله عليه وسلم: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] .
وكانت فى حفر الخندق أحاديث فيها من الله عبرة فى تصديق رسوله وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فمنها: أنه اشتد عليهم فى بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها: فو الذى بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة.
ودعت عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير ابنة لها من بشير فأعطتها حفنة من تمر فى ثوبها ثم قالت: أى بنية، اذهبى إلى ابيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها فانطلقت فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبى وخالى، فقال:
تعالى يا بنية، ما هذا معك؟ قالت: قلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتنى به أمى إلى أبى، بشير بن سعد وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه. قال: هاتيه. قالت: فصببته فى كفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ فى أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء. فاجتمع اهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب!
(1/421)

وقال جابر بن عبد الله: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخندق وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فكانت معى شويهة غير جد سمينة، فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمرت امرأتى فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق قلت: يا رسول الله، إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فأحب أن تنصرف معى إلى منزلى. وإنما أريد أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم معى وحده.
فلما قلت له ذلك قال: «نعم» . ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى الله ثم أكل وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها.
وحدث سلمان الفارسى قال: ضربت فى ناحية من الخندق فغلظت على ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منى، فلما رآنى أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله! ما هذا الذى رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: «أوقد رأيت ذلك يا سلمان» : قلت: نعم.
قال: «أما الأولى فإن الله فتح على بها اليمن، وأما الثانبة فإن الله فتح على بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح بها على المشرق» «1» . فكان أبو هريرة يقول حين فتحت الأمصار فى زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الذى نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك.
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة فى عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع- فى ثلاثة آلاف
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 99) .
(1/422)

من المسلمين- فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فى الآطام.
وخرج عدو الله حيى بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بنى قريظة، وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب افتح لى. فقال: ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم، وإنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك افتح لى أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال والله: إن أغلقت دونى إلا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام! جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جنب أحد، قد عاهدونى وعاقدونى على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه.
فقال له كعب: جئتنى والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق وليس فيه شىء، ويحك يا حيى فدعنى وما أنا عليه فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء.
فلم يزل حيى بكعب يفتله فى الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك فى حصنك حتى يصيا بنى ما أصابك.
فنقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وهو- يومئذ- سيد الأوس وسعد بن عبادة، وهو- يومئذ- سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقا فالحنوا إلى لحنا أعرفه ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فأجهروا به الناس» .
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد؛ فشاتمهم سعد ابن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا أربى من المشاتمة.
(1/423)

ثم أقبلا ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة. أى كعذر عضل والقارة بأصحاب الرجيع- خبيب وأصحابه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» «1» .
وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين، وحتى قال قائل منهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!.
وأقام عليه المشركون قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمياء. بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما المراوضة فى الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله، أمرا تحبه فتصنعه؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: «بل شىء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا انى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما» «2» .
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأنت وذلك» «3» . فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتب ثم قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى وهب
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 104) ، دلائل النبوة للبيهقى (3/ 430) .
(2) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (3/ 57) . البداية والنهاية لابن كثير (4/ 105) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 430، 431) .
(1/424)

وضرار بن الخطاب تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خليهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا: تهيأوا يا بنى كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها! ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربووا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم فى السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب فى نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التى أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز على بن أبى طالب فقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، فقال له: أجل؛ فقال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك. قال: فإنى أدعوك إلى النزال. قال له:
ولم يا ابن أخى! فو الله ما أحب أن أقتلك. قال على: لكنى والله أحب أن أقتلك! فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا، فقتله علىّ.
وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
وذكر ابن إسحاق فى غير رواية البكائى أن عمرا لما نادى يطلب من يبارزه قام على- رضى الله عنه- وهو مقنع فى الحديد فقال: أنا له يا نبى الله فقال له: «اجلس إنه عمرو» ثم ذكر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التى تزعمون أنه من قتل منكم دخلها! أفلا تبرزون إلى رجلا؟! فقام على فقال: أنا له يا رسول الله. قال:
«اجلس إنه عمرو» . ثم نادى الثالثة وقال:
ولقد بححت من الندا ... أبجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع ... وقفة الرجل المناجز
وكذاك أنى لم أزل ... متسرعا نحو الهزاهز
إن الشجاعة فى الفتى ... والجود من خير الغرائز
فقال علىّ- رضى الله عنه- فقال: أنا له يا رسول الله. فقال: «إنه عمرو» فقال:
وإن كان عمرا. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه علىّ وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
(1/425)

ذو نية وبصيرة ... والصدق منجى كل فائز
إنى لأرجو أن أقي ... م عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يب ... قى ذكرها عند الهزاهز
فقال عمرو: من أنت؟ قال: أنا على، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا على بن أبى طالب. فقال: غيرك يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك، فإنى أكره أن أهريق دمك. فقال على: لكنى والله ما أكره أن أهريق دمك. فغضب ونزل فسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبا. ويقال: إنه كان على فرسه فقال له على: كيف أقاتلك وأنت على فرسك؟ ولكن تنزل معى. فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله علىّ بدرقته فضربه عمرو فيها فقدّها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علىّ على حبل العاتق فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرف أن عليا قد قتله، فثم يقول على رضى الله عنه:
أعلى تقتحم الفوارس هكذا ... عنى وعنه أخبروا أصحابى
فاليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ... ومصمم فى الرأس ليس بنابى
أدى عمير حين أخلص صقله ... صافى الحديدة يستفيض ثوابى
فغدوت ألتمس القراع بمرهف ... عضب مع النتراء فى إقراب
قال ابن عبد حين شد ألية ... وحلفت فاستمعوا من الكذاب
أن لا يفر ولا يهلل فالتقى ... أسدان يضطربان كل ضراب
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمد بصواب
فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابى
وعففت عن أثوابه ولو أننى ... كنت المجدل بزنى أثوابى
لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وبنى قريظة: «حم لا ينصرون» .
وكانت عائشة- رضى الله عنها- يوم الخندق فى حصن بنى حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها فى الحصن، قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقصلة وقد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد بها- أى يسرع بها- فى نشاط، وهو يقول:
لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
فقالت أمه: الحق أى بنى فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد،
(1/426)

والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هى. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمى سعد بسهم فقطع منه الأكحل، رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر لؤى، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك فى النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقى لها فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى تقرعينى من بنى قريظة.
وكان عبد الله بن كعب بن مالك يقول: ما أصاب سعدا- يومئذ- إلا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم، وقال فى ذلك شعرا يخاطب به عكرمة بن أبى جهل:
أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى ... فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذى ألزمت سعدا مرشة ... لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط والعذارى النواهد «1»
فى أبيات ذكرها ابن إسحاق.
ويقال: إن الذى رمى سعدا خفافة بن عاصم بن حبان. فالله أعلم أى ذلك كان.
وكانت صفية بنت عبد المطلب فى فارع، أطم حسان بن ثابت، قالت: وحسان معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فى نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: قلت يا حسان، إن هذا اليهودى كما ترى يطيف بالحصن، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فقتله. قال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب! والله لقد علمت ما أنا بصاحب هذا. فلما قال لى ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت لحسان: انزل فاسلبه فإنى لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. قال: مالى بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
__________
(1) النحب: الأصل. والشمط: جمع شمطاء، وهى المرأة التى خالط شعرها الشيب. والنواهد: جمع ناهد، أى التى ظهر نهدها.
(1/427)

ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنى قد أسلمت وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» «1» .
فخرج نعيم حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما فى الجاهلية فقال: يا بنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم. قالوا: صدقت فلست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وابناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، فلا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم تأخذوا حتى منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه.
قالوا: لقد أشرت بالرأى.
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبى سفيان ومن معه من رجالهم، قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا، وإنه قد بلغنى أمر رأيت على حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى قالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلى وعشيرتى وأحب الناس إلىّ، ولا أراكم تتهموننى. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم؛ قال: فاكتموا عنى. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 445) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 111) .
(1/428)

ونفرغ مما بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل فى بلادنا ولا طاقة لنا بذلك.
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله، إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فى بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم.
وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح فى ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم.
فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم، فحدث حذيفة- رحمه الله- وقد قال له رجل من أهل الكوفة: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال نعم يا ابن أخى. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال الرجل: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يا بن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال:
«من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع- يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة- أسال الله أن يكون رفيقى فى الجنة؟» «1» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعانى فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقال:
«يا حذيفة، اذهب فادخل فى القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (2/ 392) ، تفسير الطبرى (21/ 80) ، تفسير ابن كثير (6/ 386) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 113) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 392) ، تفسير ابن كثير (6/ 386) ، تفسير الطبرى (21/ 80) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 113) .
(1/429)

فذهبت فدخلت فى القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى إلى جنبى فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.
وذكر ابن عقبة أنه فعل ذلك بمن يلى جانبيه يمينا ويسارا، قال: وبدرهم بالمسألة خشية أن يظنوا له.
قال حذيفة: ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى: «أن لا تحدث شيئا حتى تأتينى» ثم شئت لقتلته بسهم.
فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى فى مرط «1» لبعض نسائه، فلما رآنى أدخلنى إلى رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد وإنى لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر.
وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون معه وقد عضهم الحصار، فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح.
فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج.
ويقولون فيما ذكر ابن عقبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى المغتسل عندما جاءه جبريل وهو يرجل رأسه قد رجّل أحد شقيه. فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، وإن على وجه جبريل لأثر الغبار، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل: غفر الله لك! أقد وضعتم السلاح؟ قال: «نعم» . قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.
__________
(1) المرط: أى الكساء.
(1/430)

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن فى الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريظة.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس، فسار علىّ- رضى الله عنه- حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال: يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابيث. قال: «لم؟ أظنك سمعت منهم لى أذى» قال: نعم. قال: «لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا «1» » . فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: «يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» «2» قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا.
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه فى طريقة قبل أن يصل إلى بنى قريظة، فقال:
«هل مرّ بكم أحد؟» قالوا: يا رسول الله، مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب فى قلوبهم» «3» .
وتلاحق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة لم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحد العصر إلا ببنى قريظة» «4» فصلوا العصر بها من بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك فى كتابه ولا عنفهم به رسوله.
وذكر ابن عقبة أن الناس لما حانت العصر وهم فى الطريق ذكروا الصلاة فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمركم أن تصلوا العصر فى بنى قريظة. وقال آخرون: هى الصلاة. فصلى منهم طائفة وأخرت الصلاة طائفة حتى صلوها فى بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عجل الصلاة ومن أخرها، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف واحدة من الطائفتين.
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (21/ 95، 96) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (21/ 96) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (8/ 117) ، إرواء الغليل للألبانى (3/ 403) .
(4) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (2/ 19، 5/ 143) ، صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (23) ، رقم (69) ، شرح السنة للبغوى (14/ 11) ، تغليق التعليق لابن حجر العسقلانى (377) ، فتح البارى لابن حجر (2/ 436، 7/ 408، 409، 13/ 240) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 110، 117) .
(1/431)

وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله فى قلوبهم الرعب.
وكان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة فى حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. فقالوا: وما هى؟
قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه نبى مرسل وأنه للذى تجدونه فى كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. وقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد واصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وإن نظهر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم! قال: فإذا أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازما ليلة واحدة من الدهر!
ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، أخا بنى عمرو ابن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره فى أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقة: إنه الذبح.
قال أبو لبابة: فو الله مازالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله. ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده. وقال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله: أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى فى بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه قال: «أما إنه لو كان جاءنى لا ستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله
(1/432)

عليه» «1» . فنزلت توبته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى بيت أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك؛ قلت: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال:
«تيب على أبى لبابة» «2» . قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله. قال: «بلى إن شئت» «3» . قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقنى بيده. فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
وذكر ابن هشام «4» أن أبا لبابة أقام مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته فى كل وقت صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع.
والآية التى نزلت فى توبته: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 102] ، وأنزل الله فى أبى لبابة، فيما روى عن عبد الله بن قتادة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27] .
ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عمير وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا بنى النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحرزوا دماءهم وأموالهم، وكان إسلامهم فيما زعموا عما كان ألقاه إليهم من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الهيبان القادم عليهم قبل الإسلام متوكفا لخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحققا لنبوته، فنفع الله هؤلاء الثلاثة بذلك واستنقذهم به من النار.
وقد تقدم ذكر خبره فيما مضى من هذا الكتاب.
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (21/ 97) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 17) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (1412، 2151) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (313) ، صحيح البخارى (4/ 26، 125) ، المعجم الكبير للطبرانى (6/ 109، 8/ 275) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 312، 5/ 67) ، كنز العمال للمتقى الهندى (17905، 29993، 30154، 37155) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 8) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 1/ 20) .
(4) انظر السيرة (3/ 207) .
(1/433)

وخرج فى تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى. فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة، فلما رآه قال: «من هذا؟» قال: أنا عمرو بن سعدى. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بمحمد أبدا.
فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام! ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذلك رجل نجاه الله برفائه» «1» . وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته ملقاة ولا يدرى أين ذهب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة. فالله أعلم أى ذلك كان.
ولما نزل بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم تواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت فى موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت- يريدون بنى قينقاع- وما كان من حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ونزولهم على حكمه، وكيف سأله إياهم عبد الله بن أبىّ بن سلول فوهبهم له. فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم» قالوا: بلى. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ» » .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ فى خيمة لامرأة من أسلم يقال لها:
رفيدة فى مسجده، كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم فى الخندق:
«اجعلوه فى خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب» «3» . فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه فى الله لومة لائم!
فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه.
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 121) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (21/ 97) .
(3) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (21/ 97) .
(1/434)

فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم» «1» فاما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد الأنصار. وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد بن معاذ: عليكم عهد الله وميثاقه: أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا- فى الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعم» . قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» «2» .
ثم استنزلوا فحسبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة فى دار امرأة من بنى النجار، ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق، يخرج بهم إليها أرسالا. وفيهم عدو الله حيى بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا بين الثمان المائة والتسع المائة.
وقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون! ألا ترون أن الداعى لا ينزع وأن من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل.
فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بعدو الله حيى بن أخطب وعليه حلة فقاحية قد شقها عليه من كل ناحيه قدر أنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل! ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل! ثم جلس فضربت عنقه. فقال فى ذلك
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 81، 5/ 44، 6/ 72، 134) ، صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (22) رقم (64) ، سنن أبى داود (5215، 5216) ، سنن الترمذى (856) ، مسند الإمام أحمد (3/ 22، 71) ، السنن الكبرى للبيهقى (6/ 58، 9/ 63، 97) ، المعجم الكبير للطبرانى (6/ 6) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 138) ، مصنف ابن أبى شيبة (14/ 425) ، دلائل النبوة (4/ 18) ، كنز العمال للمتقى الهندى (25483) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (4695، 39635) ، فتح البارى لابن حجر (1/ 320، 5/ 51، 177، 78، 7/ 411، 11/ 49) ، زاد المسير لابن الجوزى (8/ 193) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 2/ 4، 5) ، شرح السنة للبغوى (11/ 92) ، السلسلة الصعيفة للألبانى (346) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 108) .
(1/435)

جبل ابن جوال الثعلبى:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغى العز كل مقلقل «1»
بل ابتغى عدو الله ذل الأبد فوجده، وجاهد الله فجهده، فأصبح برأيه القائل وسعيه الخاسر من الذين لهم خزى فى الدينا ولهم فى الآخرة عذاب النار.
وقتل من نساء بنى قريظة امرأة واحدة لم يقتل من نسائهم غيرها، قالت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: والله إنها لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها فى السوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة قالت: أنا والله، قلت لها: ويلك مالك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته. فانطلق بها فضربت عنقها. فكانت عائشة تقول: والله لا أنسى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد علمت أنها تقتل.
قال ابن هشام «2» : هى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته.
وكان الزبير بن باطا القرظى قد من على ثابت قيس بن شماس فى الجاهلية، أخذه يوم بعاث فجز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاءه ثابت لما قتل بنو قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفنى؟ قال: وهل يجهل مثلى مثلك. قال: فإنى أردت أن أجزيك بيدك عندى. قال: إن الكريم يجزى الكريم. ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، إنه كان للزبير على منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لى دمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو لك» «3» . فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله امرأته وولده. قال: «هم لك» . فأتاه فقال: قد وهب لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك. قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ماله. قال: هو لك.
فأتاه ثابت فقال: قد أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك فهو لك، فقال: أى ثابت ما فعل الذى كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحى، كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال:
__________
(1) مقلقل: تحرك.
(2) انظر السيرة (3/ 211) .
(3) انظر الحديث فى: سنن النسائى فى كتاب البيوع باب (77) ، مسند الإمام أحمد (3/ 303) ، تغليق التعليق لابن حجر العسقلانى (736) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 141) .
(1/436)

فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال. قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟، يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة. قال: ذهبوا فقتلوا. قال: فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما فى العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة. فقدمه ثابت فضرب عنقه.
فلما بلغ أبا بكر الصديق- رضى الله عنه- قوله: «ألقى الأحبة» قال: يلقاهم والله فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. قال عطية القرظى: وكنت غلاما فوجدونى لم أنبت فخلوا سبيلى.
وكان رفاعة بن شموال القرظى رجلا قد بلغ فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر، أخت سليط بن قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت القبلتين معه وبايعته بيعة النساء، فقالت: يا نبى الله، بأبى أنت وأمى هب لى رفاعة، فإنه زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل. فوهبه لها فاستحيته.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم فى ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل من ليس له فرس سهم. وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فىء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقعت المقاسم ومضت السنة فى المغازى.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصارى الأشهلى بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة من بنى عمرو بن قريظة، فكانت عنده حتى توفى عنها وهى فى ملكه، وكان عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله، بل تتركنى فى ملكك فهو أخف على وعليك فتركها. وكانت حين سباها قد تعصت بالإسلام وابت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد فى نفسه لذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع
(1/437)

وقع نعلين خلفه فقال: «إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة» «1» . فجاءه فقال:
يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة. فسره ذلك من أمرها.
وأنزل الله- عز وجل- فى أمر الخندق وبنى قريظة القصة فى سورة الأحزاب يذكر فيها ما نزل بهم من البلاء، ويذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم حتى فرج عنهم ذلك:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: 9- 12] فى آيات استوفى فيها تعالى ذكر ما شاء من قصتهم.
ثم قال سبحانه: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب:
24- 27] .
فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا، يرحمه الله.
فذكروا أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض سعد من خوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات.
وقد كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا، وما حملنا من جنازة أخف منه. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن له حملة غيركم، والذى نفس محمد بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 131) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 24) .
(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (5/ 3849) ، مستدرك الحاكم (3/ 207) .
(1/438)

وقالت عائشة- رضى الله عنها- لأسيد بن حضير، وهو قافل معها من مكة وبلغه موت امرأة فحزن عليها بعض الحزن: يغفر الله لك أبا يحيى، اتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك وقد اهتز له العرش؟ تعنى سعدا.
وقال جابر بن عبد الله: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبح الناس معه وكبر فكبر الناس معه فقالوا: يا رسول الله، مم سبحت؟ قال: «لقد تضايق على هذا الرجل الصالح قبره حتى فرجه الله عنه» «1» .
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد ابن معاذ» «2» .
ولسعد يقول رجل من الأنصار:
وما اهتز عرش الله من موت هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبى عمرو
وقالت أم سعد حين احتمل نعشه وهى تبكيه:
ويل أم سعد سعدا ... صرامة وحدا
وسؤددا ومجدا ... وفارسا معدا
سد به مسدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ» «3» .
وقال حسان بن ثابت يبكى سعدا:
لقد سجمت من فيض عينى عبرة ... وحق لعينى أن تفيض على سعد
قتيل ثوى فى معرك فجعت به ... عيون ذوارى الدمع دائمة الوجد «4»
على ملة الرحمن وارث جنة ... مع الشهداء وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودعتنا وتركتنا ... وأمسيت فى غبراء مظلمة اللحد
فأنت الذى يا سعد أبت بمشهد ... كريم وأثواب المكارم والحمد
بحكمك فى حيى قريظة بالذى ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 360) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (135) ، إرواء الغليل للألبانى (3/ 166) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 128) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 128) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 130) .
(4) ثوى: أى أقام. والمعرك: موضع القتال. وذوارى الدمع: أى تسكبه. والوجد: أى الحزن.
(1/439)

فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك فى الألى ... شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد
وقال حسان يبكى سعدا ورجالا من الشهداء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ألا يا لقومى هل لما حم دافع ... وهل ما مضى من صالح العيش راجع
تذكر عصرا قد مضى فتهافتت ... بنات الحشا وانهل منى المدامع
صبابة وجد ذكرتنى أخوة ... وقتلى مضى فيها طفيل ورافع
وسعد فأضحوا فى الجنان وأوحشت ... منازلهم فالأرض منهم بلاقع
وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم ... ظلال المنايا والسيوف اللوامع
دعا فأجابوه بحق وكلهم ... مطيع له فى كل أمر وسامع
فما نكلوا حتى تولوا جماعة ... ولا يقطع له فى كل أمر وسامع
فما نكلوا حتى تولوا جماعة ... ولا يقطع الآجال إلا المصارع
لأنهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع
فذلك يا خير العباد ملاذنا ... إجابتنا لله والموت نافع
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا فى ملة الله تابع
ونعلم أن الملك لله وحده ... وأن قضاء الله لا بد واقع
ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر كلهم من الأنصار: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل الأشهليون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشميان. ومن بنى دينار بن النجار كعب بن زيد، أصابه سهم غرب فقتله، رحمة الله عليهم.
واستشهد يوم بنى قريظة من المسلمين خلاد بن سويد من بنى الحارث بن الخزرج، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن له لأجر شهيدين» .
ومات أبو سنان بن محصن أخو عكاشة بن محصن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة.
ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: محاصر بنى قريظة.
ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» «1» .
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 458) ، تفسير ابن كثير (6/ 396) .
(1/440)

فكان كذلك لم تغزوهم قريش بعد ذلك وكان هو صلى الله عليه وسلم يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة.
وقال حسان بن ثابت فى يوم الخندق يجيب عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش عن كلمة قالها فى ذلك:
هل رسم دارسة المقام بباب ... متكلم لمحاور بجواب
قفر عفا رهم السحاب رسومه ... وهبوب كل مظلة مرباب
ولقد رأيت بها الحلول يزينهم ... بيض الوجوه ثواقب الأحساب «1»
فدع الديار وذكر كل خريدة ... بيضاء آنسة الحديث كعاب «2»
واشك الهموم إلى الإله وما ترى ... من معشر ظلموا الرسول غضاب
ساروا بأجمعهم إليه وألبوا ... أهل القرى وبوادى الأعراب
جيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمطين بحلية الأحزاب
حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل الرسول ومغنم الأسلاب
وغدوا علينا قادرين بأيدهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب
بهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب
فكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم فى الأجر خير ثواب
من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم ... تنزيل نصر مليكنا الوهاب
وأقر عين محمد وصحابه ... وأذل كل مكذب مرتاب
عاتى الفؤاد موقع ذى ريبة ... فى الكفر ليس بطاهر الأثواب «3»
علق الشقاء بقلبه ففؤاده ... فى الكفر آخر هذه الأحقاب
وقال كعب بن مالك فى ذلك- أيضا- يجيب ابن الزبعرى عن كلمته:
أبقى لنا حدث الحروب بقية ... من خير نحلة ربنا الوهاب
بيضاء مشرقة الذرى ومعاطنا ... حم الجذوع غزيرة الأحلاب
كاللوب يبذل جمعها وحفيلها ... للجار وابن العم والمنتاب
ونزائعا مثل السراج نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب
__________
(1) الحلول: البيوت المجتمعة. وثواقب: أى مشرقة.
(2) الخريدة: أى المرأة الناعمة. والكعاب: أى التى نهد ثديها فى أول ما نهد.
(3) عاتى الفؤاد: أى قاسيه. وموقع ذى ريبة: أصله من التوقيع فى ظهر الدابة، وهو انسلاخ يكون فيه.
(1/441)

عرى الشوى منها وأردف نحضها ... جرد المتون وسار فى الآراب
قودا تراح إلى الصياح إذ غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب
وتحوط سائمة الذمار وتارة ... تردى العدى وتؤوب بالأسلاب
يعدون بالزغف المضاعف شكة ... وبمترصات فى الثقاف صياب
وصوارم نزع الصياقل غلبها ... وبكل أروع ماجد الأنساب
يصل اليمين بمارن متقارب ... وكلت وقيعته إلى خباب
وكتيبة ينفى القران قتيرها ... وترد حد قواجز النشاب
أعيت أبا كرب وأعيت تبعا ... وأبت بسالتها على الأعراب
ومواعظ من ربنا نهدى بها ... بلسان أزهر طيب الأثواب
عرضت علينا فاشتهينا ذكرها ... من بعد ما عرضت على الأحزاب
حكما يراها المجرمون بزعمهم ... حرجا ويفهمها ذوو الألباب
جاءت سخينة كى تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب
ولما قال كعب بن مالك هذا البيت: «جاءت سخينة» إلى آخره. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا» «1» .
وقال كعب أيضا:
لقد علم الأحزاب حين تألبوا ... علينا وراموا ديننا ما نوادع
أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت ... وخندف لم يدروا بما هو واقع «2»
يذودوننا عن ديننا ونذودهم ... عن الكفر والرحمن راء وسامع
إذا غايظونا فى مقام أعاننا ... على غيظهم نصر من الله واسع
وذلك حفظ الله فينا وفضله ... علينا ومن لم يحفظ الله ضائع
هدانا لدين الحق واختاره لنا ... ولله فوق الصانعين صنائع
وقال كعب أيضا:
ألا أبلغ قريشا أن سلعا ... وما بين العريض إلى الصماد
نواضح فى الحروب مدربات ... وخوص بقيت من عهد عاد
رواكد يزخر المران فيها ... فليست بالجمام ولا الثماد
بلاد لم تثر إلا لكيما ... نجالد إن نشطتم للجلاد
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 134) .
(2) أضاميم: أى جماعات انضم بعضها إلى بعض. وأصفقت: أى اجتمعت وتوافقت على الأمر.
(1/442)

أثرنا سكة الأنباط فيها ... فلم نر مثلها جلهات وادى
قصرنا كل ذى حضر وطول ... على الغايات مقتدر جواد
أجيبونا إلى ما نجتذيكم ... من القول المبين والسداد
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... لكم منا إلى شطر المذاد
نصبحكم بكل أخى حروب ... وكل مطهم سلس القياد
وكل طمرة خفق حشاها ... تدف دفيف صفراء الجراد
وكل مقلص الآراب نهد ... تميم الخلق من أخر وهاد
خيول لا تضاع إذا أضيعت ... خيول الناس فى السنة الجماد
ينازعن الأعنة مصغيات ... إذا نادى إلى الفزع المنادى
إذا قالت لنا النذر استعدوا ... توكلنا على رب العباد
وقلنا لن يفرج ما لقينا ... سوى ضرب القوانس والجهاد
ولم فلم نر عصبة فيمن لقينا ... من الأقوام من قار وباد
أشد بسالة منا إذا ما ... أردناه وألين فى الوداد
إذا ما نحن أشرجنا عليها ... جياد الجدل فى الأرب الشداد
قذفنا فى السوابغ كل صقر ... كريم غير معتلث الزناد
أشم كأنه أسد عبوس ... غداة بدا ببطن الجزع غادى
ليظهر دينك اللهم إنا ... بكفك فاهدنا سبل الرشاد
وقال حسان بن ثابت يذكر بنى قريظة:
تفاقد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير «1»
هم أوتوا الكتاب فضيعوه ... وهم عمى من التوراة بور
فهان على سراة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير
ولما سمع ذلك أبو سفيان بن الحارث قال:
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق فى طرائقها السعير
فى أبيات ذكرها ابن إسحاق لم يأل قائلها أن صدق حسان.
وقال فى ذلك- أيضا- جبل بن جوال الثعلبى، وبكى النضير وقريظة ونعى على سعد بن معاذ إسلامه مواليه منهم خلاف ما فعل عبد الله بن أبى فى بنى قينقاع:
__________
(1) تفاقد: أى فقد بعضهم بعضا.
(1/443)

ألا يا سعد سعد بنى معاذ ... لما لقيت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بنى معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور
فأما الخزرجى أبو حباب ... فقال لقينقاع لا تسيروا
ويقول فى آخرها:
تركتم قدركم لا شىء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
فقال سعد حين بلغه هذا الشعر: من لقيهم فليحدثهم أنهم خانوا الله ورسوله فأخزاهم الله.

مقتل سلام بن أبى الحقيق
وكان سلام بن أبى الحقيق أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار- الأوس والخزرج- كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك.
وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف فى عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، فقالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا.
فتذاكروا بعد أن انقضى شأن الخندق وبنى قريظة: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعى بن أسود حليف لهم من أسلم.
فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة.
فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا لهم بيتا فى الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان فى علية له إليها عجلة فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا، فخرجت عليهم امرأة فقالت من أنتم؟ فقالوا: أناس من العرب نلتمس
(1/444)

الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا إليه. قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قال: وصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة.
قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله ابن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطنى قطنى، أى حسبى حسبى.
قال: وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك رجلا سىء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال: رجله، وحملناه حتى نأتى منهرا من عيونهم فندخل فيه. قال: وأوقدوا النيران واشتدوا فى كل وجه يطلبون، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضى بينهم. فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات؟
فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل فى الناس، قال: فوجدتها ورجال يهود حوله وفى يدها المصباح تنظر فى وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت وقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد. ثم أقبلت عليه تنظر فى وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود. فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسى منها.
قال: ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده فى قتله، كلنا ندعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هاتوا أسيافكم» . فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» «1» .
وقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبى الحقيق:
لله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد فى عرين مغرف «2»
حتى أتوكم فى محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف «3»
مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 66) .
(2) مغرف: ملتف الشجر.
(3) ذفف: سريعة القتل.
(1/445)

ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضى الله عنهما
حدث عمرو بن العاص- رحمه الله- قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يريون رأيى ويسمعون منى فقلت لهم: تعلموا والله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشى، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدى محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير.
قالوا: إن هذا لرأى. قلت: فاجمعوا ما نهدى له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى، بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشى سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد: قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال لى: مرحبا بصديقى، أهديت لى من بلدك شيئا؟ قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا. ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطينيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.
قال: فغضب ثم مد يده وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى لتقتله؟! قلت أيها الملك أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. فقلت:
أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام.
ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابى إسلامى، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم وإن الرجل
(1/446)

لنبى، أذهب والله فأسلم، حتى متى؟! قلت: والله ما جئت إلا لأسلم.
فقدمنا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إنى أبايعك على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى ولا أذكر ما تأخر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها» «1» ، قال: فبايعته وانصرفت.
وذكر ابن إسحاق عمن لا يتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة أخا بنى عبد الدار كان معهما أسلم حين أسلما.
وذكر غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رآهم: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها» .
وحدث الواقدى بإسناد له قال: قال عثمان بن طلحة: لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فدعانى إلى الإسلام فقلت: يا محمد، العجب لك حين تطمع أن أتبعك وقد خالفت قومك وجئت بدين محدث ففرقت جماعتهم وألفتهم وأذهبت بهاءهم.
فانصرف، وكنا نفتح الكعبة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فغلظت عليه ونلت منه وحلم عنى ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت.
فقلت: لقد هلكت قريش- يومئذ- وذلت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل عمرت وعزت يومئذ» . ودخل الكعبة فوقعت كلمته منى موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال: فأردت الإسلام، فإذا قومى يزبروننى زبرا شديدا ويزرون برأيى، فأمسكت عن ذكره. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جعلت قريش تشفق من رجوعه عليها، فهم على ما هم عليه حتى جاء النفير إلى بدر، فخرجت فيمن خرج من قومنا وشهدت المشاهد كلها معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام القضية غير الله قلبى عما كان عليه ودخلنى الإسلام وجعلت أفكر فيما نحن عليه وما نعبد من حجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، وأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وظلف أنفسهم عن الدنيا فيقع ذلك منى فأقول: ما عمل القوم إلا على الثواب لما يكون بعد الموت.
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 199) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 123) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 348) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 142) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 351) .
(1/447)

وجعلت أحب النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن رأيته خارجا من باب بنى شيبة يريد منزله بالأبطح، فأردت أن آتيه وآخذ بيده وأسلم عليه فلم يعزم لى على ذلك، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة، ثم عزم لى على الخروج إليه، فأدلجت إلى بطن يأجج فألقى خالد بن الوليد، فاصطحبنا حتى نزلنا الهدة فما شعرنا إلا بعمرو بن العاص فانقمعنا عنه وانقمع منا، ثم قال: أين يريد الرجلان؟ فأخبرناه فقال: وأنا أريد الذى تريدان.
فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام وأقمت حتى خرجت معه فى غزوة الفتح ودخل مكة، فقال لى: «يا عثمان، ايت بالمفتاح» ، فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه إلى وقال: «خذوها تالدة خالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» «1» .
قال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت إليه فقال: «ألم يكن الذى قلت لك؟» فذكرت قوله لى قبل الهجرة بمكة: «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت» ، فقلت بلى، أشهد أنك رسول الله!
قال الواقدى: فهذا أثبت الوجوه فى إسلام عثمان.

غزوة بنى لحيان «2»
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة إلى لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع- خبيب وأصحابه- وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة.
فلما انتهى إلى منازلهم بغران وهو واد بين أمج وعسفان وجدهم قد حذروا وتمنعوا فى رؤس الجبال. فلما أخطأه من غرتهم ما أراد قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة. فخرج فى مائتى راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا.
__________
(1) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (11/ 120) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 285) ، الدر المنثور (2/ 175) ، كنز العمال للمتقى الهندى (34766) .
(2) راجع هذه الغزوة فى: طبقات ابن سعد (2/ 1/ 56) ، المغازى للواقدى (2/ 535) ، تاريخ الطبرى (2/ 595) ، البداية والنهاية (4/ 81) .
(1/448)

فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين وجه راجعا:
«آيبون تائبون إن شاء الله، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال» «1» .

غارة عيينة بن حصن على سرح المدينة وخروج النبى صلى الله عليه وسلم فى أثره، وهى غزوة ذى قرد «2»
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة بنى لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليال قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن فى جبل من غطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فى اللقاح.
وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمى، غدا يريد الغابة متوشحا سيفه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع ثم صرخ: واصباحاه. ثم خرج يشد فى آثار القوم وكان مثل السبع، حتى لحق القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى:
خذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال:
خذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع
فيقول قائلهم: أأكيعنا هو أول النهار.
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو، وهو الذى يقال له: المقداد بن الأسود. ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهليان وأسيد بن ظهير الحارثى، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسديان وأبو قتادة السلمى وأبو عياش، الزرقى.
__________
(1) انظر الحديث فى: عمل اليوم والليلة لابن السنى (525) ، مصنف ابن أبى شيبة (12/ 519، 520) .
(2) راجع هذه الغزوة فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 150) ، طبقات ابن سعد (2/ 80) .
(1/449)

فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد وقال: «اخرج فى طلب القوم حتى ألحقك فى الناس» «1» . وقال لأبى عياش: «يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالناس» . قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس فو الله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى، فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أعطيته أفرس منك» وأقول: أنا أفرس! فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرس أبى عياش هذا- فيما زعموا- معاذ ابن ماعص أو عائذ بن ماعص، فكان ثامنا.
فخرج الفرسان فى طلب القوم حتى تلاحقوا، وكان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة الأخرم، ويقال له أيضا: قمير، ولما كان الفزع جال فرس لمحمود بن مسلمة فى الحائط وهو مربوط بجذع نخل حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسا صنيعا جاما، فقال بعض نساء بنى عبد الأشهل: يا قمير، هل لك فى أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين؟ قال: نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بز الخيل بجمامه حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين والأنصار، وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية فى بنى عبد الأشهل. فقيل: إنه لم يقتل من المسلمين- يومئذ- غيره، وقد قيل: إنه قتل معه وقاص بن محرز المدلجى.
ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسلمين فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده ليعرفوا أنه صاحبه» «2» .
وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد وتلاحق به الناس، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له أبو سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتنى فى مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم الآن ليغبقون فى غطفان» «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (7/ 32) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 143) .
(2) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (7/ 31) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 143) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الجهاد (3/ 132/ 1433، 1441) .
(1/450)

فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فى أصحابه فى كل مائة رجل جزورا. وأقاموا عليها ثم رجع قافلا إلى المدينة.
وأفلتت ارمأة الغفارى على ناقة من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله، إنى قد نذرت لله أن أنحرها إن نجانى الله عليها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هى ناقة من إبلى، ارجعى إلى أهلك على بركة الله» «1» .
فهذا حديث ابن إسحاق عن غزوة ذى قرد.
وخرج مسلم بن الحجاج- رحمه الله- حديثا فى صحيحه بإسناده إلى سلمة بن الأكوع فذكر حديثا طويلا خالف به حديث ابن إسحاق فى مواضع منه، فمن ذلك:
أن هذه الغزوة كانت بعد انصراف الرسول صلى الله عليه وسلم الحديبية، وجعلها ابن إسحاق قبل ذلك، وكذلك فعل ابن عقبة.
وفيه أن سلمة بن الأكوع»
استنقذ سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بجملتة، قال سلمة: فو الله مازلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة فجلست فى أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا فى تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وزاء ظهرى وخلوا بينى وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزارى، فجلسوا يتضخون- أى يتغدون- وجلست على رأس قرن.
قال الفزارى: ما هذا الذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شىء فى أيدينا. قال فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلى
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 187) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3374) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2155) ، طبقات ابن سعد (305) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (689) ، التاريخ الكبير (4/ 69) ، المعارف (212) ، المعرفة والتاريخ (1/ 336) ، مشاهير علماء الأنصار ترجمة رقم (80) ، تهذيب الكمال (525) ، تاريخ الإسلام (3/ 158) ، العبر (1/ 84) ، البداية والنهاية (9/ 6) ، تهذيب التهذيب (4/ 150) ، شذرات الذهب (1/ 81) ، تهذيب ابن عساكر (6/ 232) .
(1/451)

منهم أربعة فى الجبل، فلما أمكنونى من الكلام قلت: هل تعرفوننى؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذى كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا اطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبنى فيدركنى. قال أحدهم: أنا أظن ذلك، فرجعوا.
فما برحت مكانى حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدى، على أثره أبو قتادة الأنصارى وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندى فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بينى وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فو الذى كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلى حتى ما أرى من ورائى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش فنظروا إلى أعدو وراءهم فحلأتهم عنه. فما ذاقوا منه قطرة، ويخرجون فيشتدون فى ثنية فأعدو فألحق منهم فأمكسه بسهم فى نغض كتفه، قلت:
خذها وانا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
قال: يا ثكلته أمه أأكوعه بكرة؟ قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعه بكرة.
قال: وأردوا فرسين على ثنية فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحقنى عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذى حلأتهم عنه قد أخذ تلك الإبل وكل شىء استنقذته من المشركين وكل رمح وكل بردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التى استنقذت من القوم، وإذا هو يشتوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها، قلت: يا رسول الله، خلنى فأنتحب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلنه. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فى ضوء النار قال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم، والذى أكرمك، قال: «إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال:
نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقالوا: إياكم القوم فخرجوا هاربين.
فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا
(1/452)

سلمة» . ثم أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لى جميعا.
وذكر الزبير بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر فى غزوة قرد هذه على ماء يقال له:
بيسان، فسأل عنه فقيل: اسمه يا رسول الله: بيسان وهو مالح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟:
«لا، بل اسمه نعمان وهو طيب» . فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسم وغير الله- تعالى- الماء.
فاشتراه طلحة بن عبيد الله ثم تصدق به وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنت يا طلحة إلا فياض» . فسمى طلحة الفياض.
وكان مما قيل من الشعر فى يوم ذى قرد قول حسان بن ثابت:
أظن عيينة إذا زارها ... بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته ... وقلتم سنغنم أمرا كبيرا
وولوا سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول الملي ... ك أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول نصدق ما جاءه ... ويتلوا كتابا مضيئا منيرا
وقال كعب بن مالك:
أيحسب أولاد اللقيطة أننا ... على الخيل لسنا مثلهم فى الفوارس
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... ولا ننثنى عند الرماح المداعس
وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى ... ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس «1»
نرد كماة المعلمين إذا انتحوا ... بضرب يسلى نخوة المتقاعس
بكل فتى حامى الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وتلادهم ... ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم فى المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر فى الصدر ما لم يمارس
وقال شداد بن عارض الجشمى فى يوم ذى قرد لعيينة بن حصن وكان عيينة يكنى أبا مالك:
__________
(1) القمع: جمع قمعة، وهى أعلى سنام البعير. والذرا: أى الأسنمة. والأبلخ: أى المتكبر. والمتشاوس: هو الذى ينظر بمؤخر عينه نظرة المتكبر.
(1/453)

فهلا كررت أبا مالك ... وخيلك مدبرة تقتل
ذكرت الإياب إلى عسجر ... وهيهات قد بعد المقفل «1»
وطمنت نفسك ذا ميعة ... مسح الفضاء إذا يرسل
إذا قبضته إليك الشما ... ل جاش كما اضطرم المرجل
فلما عرفتم عباد الإل ... هـ لم ينظر الآخر الأول
عرفتم فوارس قد عودوا ... طراد الكماة إذا أسهلوا
إذا طردوا الخيل تشقى بهم ... فضاحا وإن يطردوا ينزلوا
فيعتصموا فى سواء المقا ... م بالبيض أخلصها الصيقل «2»

غزوة بنى المصطلق وهى غزوة المريسيع «3»
وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى المصطلق من خزاعة فى شعبان سنة ست، وكان بلغه أنهم يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية زوج النبى صلى الله عليه وسلم.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له:
المريسيع، فتزاحف الناس واققتلوا، فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسوله أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
وكان شعار المسلمين فى ذلك اليوم: يا منصور أمت أمت.
وأصاب- يومئذ- رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت رجلا من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن أمية بن ليث بن بكر يقال له: هشام ابن صبابة، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ.
فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهنى: يا معشر الأنصار.
__________
(1) عسجر: موضع بالقرب من مكة. والمقفل: أى الرجوع.
(2) أخلصها الصقيل: أى أزال ما عليها من الصدأ.
(3) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (1/ 404) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 45) ، تاريخ الطبرى (2/ 593) ، الكامل (2/ 81) ، البداية والنهاية (4/ 156) .
(1/454)

وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبى بن سلول فقال: أقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هؤلاء إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه- وفيهم زيد بن أرقم غلام حدث- فقال:
هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.
فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وذلك عند فراغه من عدوه، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا ولكن أذن بالرحيل» «1» .
وذلك فى ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها.
فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغة أن زيدا بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان فى قومه شريفا عظيما، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم فى حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل. حدبا على ابن أبى ودفعا عنه.
فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: يا نبى الله، والله لرحت فى ساعة منكرة ما كنت تروح فى مثلها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟» قال: وأى صاحب يا رسول الله؟ قال:
«عبد الله بن أبى» . قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل» «2» .
قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليك ارفق به، فو الله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا!
ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وسار يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس ثم راح
__________
(1) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (12/ 540، 14/ 432) .
(2) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (28/ 75) .
(1/455)

بالناس، فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من الكفار» «1» . فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت- أحد ينى قينقاع- وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم.
ونزلت السورة التى ذكر الله فيها المنافقين فى عبد الله بن أبى ومن كان على مثل أمره. فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال: «هذا الذى أوفى الله بأذنه» «2» .
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبى الذى كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، إنه بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى، إنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبى يمشى فى الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا» «3» .
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويؤاخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتله يوم قلت لى اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» «4» ! فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمرى.
وقدم مقيس بن صبابة من مكة متظاهرا بالإسلام، فقال يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك اطلب دية أخى قتل خطأ، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله. ثم خرج إلى مكة مرتدا وقال فى شعر له:
شفى النفس أن بات بالقاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع «5»
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 61) .
(2) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (4413) ، سنن الترمذى (5/ 3313) ، فتح البارى لابن حجر (8/ 514) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 62) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 158) .
(4) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (28/ 76) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 158) .
(5) تضرج: أى تلطخ. والأخادع: عروق القفا.
(1/456)

وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحمينى وطاء المضاجع
حللت به وترى وأدركت ثؤرتى ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله ... سراة بنى النجار أرباب فارع
وقال أيضا:
جللته ضربة باتت لها وشل ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا
وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى المصطلق سبيا كثيرا، فشا قسمة فى المسلمين، وكان فيمن أصيب- يومئذ- من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، فوقعت فى السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها.
قال عائشة رضى الله عنها: وكانت- تعنى جويرية- امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه فى كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رايت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه، وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت فى السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسى، فجئتك أستعينك على كتابتى، قال: «فهل لك فى خير من ذلك؟» قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضى كتابتك وأتزوجك» «1» . قالت: نعم يا رسول الله. قال: «قد فعلت» «2» . وخرج الخبر إلى الناس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية. فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزوجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.
وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون فى ذكر غزوهم حتى هم رسول
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 277) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 78) ، المعجم الكبير للطبرانى (7/ 205) ، موارد الظمآن للهيثمى (1213) ، الطبقات الطبرى لابن سعد (8/ 83، 107) ، إتحاف السادة المتقين (5/ 41) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 12) ، كنز العمال للمتقى الهندى (11530) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (1/ 306) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 64) .
(1/457)

الله صلى الله عليه وسلم يأن يغزوهم، فبينا هم فى ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله وو الله ما جئنا لذلك. فأنزل الله فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: 6] .
هكذا ذكر ابن إسحاق «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة ولم يعين مدة توجيهه إياه إليهم، وقد يوهم ظاهره أن ذلك كان بحدثان إسلامهم، ولا يصح ذلك، إذ الوليد من مسلمة الفتح، وإنما كان الفتح فى سنة ثمان بعد غزوة بنى المصطلق وإسلامهم بسنتين، فلا يكون هذا التوجيه إلا بعد ذلك ولا بد.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز وجل: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ نزلت فى الوليد بن عقبة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى المصطلق مصدقا، والله سبحانه أعلم.
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك حتى إذا كان قريبا من المدينة قال: «أهل الإفك فى الصديقة المبرأة المطهرة عائشة بنت الصديق، رضى الله عنهما، ما قالوا» .
فحدثت- يرحمها الله- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمى عليهن معه فخرج بى صلى الله عليه وسلم. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهبجهن اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحّل لى بعيرى جلست فى هودجى ثم يأتى القوم الذين يرحلون لى ويحملوننى فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن فى الناس بالرحيل، فارتحل الناس وخرجت لحاجتى وفى عنقى عقد لى فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه فى عنقى فلم أجده وقد أخذ الناس فى الرحيل، فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء خلافى القوم الذين كانوا يرحلون لى البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أنى فيه كما
__________
(1) انظر: السيرة (3/ 269) .
(1/458)

كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس، قالت:
فتلففت بجلبابى ثم اضطجعت فى مكان وعرفت أنه لو قد افتقدت لرجع إلى.
فو الله إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المعطل السلمى، وكان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس، فرأى سوادى، فأقبل حتى وقف على، وقد كان يرانى قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأنا متلففة فى ثيابى. قال: ما خلفك، رحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: اركبى. واستأخر عنى، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودنى، فقال أهل الإفك ما قالوا. فارتعج العسكر، والله ما أعلم بشىء من ذلك.
ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوا شديدا لا يبلغنى من ذلك شىء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوى لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بى، كنت إذا اشتكيت رحمنى ولطف لى فلم يفعل ذلك فى شكوى ذلك فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل على وعندى أمى تمرضنى قال: كيف تيكم، لا يزيد على ذلك حتى وجدت فى نفسى حين رأيت من جفائه لى. فقلت: يا رسول الله لو أذنت لى فانتقلت إلى أمى فتمرضنى؟ قال: «لا عليك» .
فانتقلت إلى أمى ولا علم لى بشىء مما كان، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا لا نتخذ فى بيوتنا هذه الكنف التى تتخذ الأعاجم نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب فى فسح المدينة، وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة فى حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها خالة أبى بكر الصديق، فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت فى مرطها فقالت: تعس مسطح. قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا. قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك. قلت: أوقد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان.
فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى ورجعت، فوالله مازلت أبكى حتى ظننت
(1/459)

أن البكاء سيصدع كبدى. وقلت لأمى: يغفر الله لك! تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من ذلك شيئا؟ قالت: أى بنية خفضى عليك الشأن، فو الله لقل ما كنت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.
قالت: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى فى أهلى ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى» . قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبى فى رجال من الخزرج مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن من نسائه امرأة تناصينى فى المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادنى لأختها، فشقيت بذلك.
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن خضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت:
وتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر.
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا على بن أبى طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما على فإنه قال: يا رسول الله، إن النساء لكثير وإنك لتقدر أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها، فقام إليها على فضربها ضربا شديدا ويقول: اصدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أنى كنت أعجن عجينى فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله.
قالت: ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندى أبواى وعندى امرأة من الأنصار فأنا أبكى وهى تبكى معى، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقى الله وإن كنت قارفت سوآ مما يقول الناس فتوبى إلى الله
(1/460)

فإن يقبل التوبة عن عباده» «1» . قالت: فو الله إن هو إلا أن قال لى ذلك فقلص دمعى حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبوى أن يجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما.
قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر فى نفسى وأصغر شأنا من أن ينزل الله فى قرآنا يقرأ به فى المسجد ويصلى به، ولكنى كنت أرجوا أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منامه شيئا يكذب الله به عنى لما يعلم من براءتى أو يخبر خبرا، فأما قرآن ينزل فى فو الله لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك.
قالت: فلما لم أرى أبوى يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالا: والله ما ندرى بماذا نجيبه. قالت: وو الله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر فى تلك الأيام. قالت: فلما استعجما على استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنى لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أنى منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقوننى، ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكنى سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: 18] .
قالت: فو الله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فرغت ولا باليت، قد عرفت أنى بريئة وأن الله غير ظالمى، وأما أبواى فو الذى نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس. ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان وفى يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشرى يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» «2» قلت: بحمد الله.
ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن فى ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم.
قالت: فلما نزل القرآن ذكر من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ
__________
(1) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (8/ 475) ، البدآية والنهاية لابن كثير (4/ 163) .
(2) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (4/ 4735) ، سنن الترمذى (5/ 3180) .
(1/461)

مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النور: 11] قيل: إنه حسان بن ثابت وأصحابه، ويقال: عبد الله بن أبى وأصحابه.
ثم قال: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أى هلا قلتم إذ سمعتموه كما قال أبو أيوب الأنصارى وصاحبته أم أيوب، وذلك أنها قالت لزوجها: يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس فى عائشة؟
قال: بلى وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلته؟ قال: لا والله ما كنت لأفعله. قال:
فعائشة والله خير منك.
ثم قال تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
فلما نزل هذا فى عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر- رحمه الله وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذى قال لعائشة وادخل علينا. قالت: فأنزل الله فى ذلك وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22] قالت: فقال أبو بكر: بلى، والله إنى لأحب أن يغفر الله لى فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
وذكر ابن إسحاق «1» : أن حسان بن ثابت مع ما كان منه فى صفوان بن المعطل من القول السىء قال مع ذلك شعرا يعرض فيه بصفوان ومن أسلم من مضر يقول فيه:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة- البلد
فلما بلغ ذلك ابن المعطل اعترض حسان بن ثابت فضربه بالسيف ثم قال:
تلق ذباب السيف عنى فإننى ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر
فوثب عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس على صفوان فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال:
أما أعجبك ضرب حسان بالسيف؟ والله ما أراه إلا قد قتله. فقال له ابن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء مما صنعت؟ قال: لا والله. قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل.
فأطلقه.
__________
(1) انظر السيرة (3/ 278) .
(1/462)

ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان، فقال صفوان: يا رسول الله، آذانى وهجانى فاحتملنى الغضب فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: «يا حسان، أتشوهت على قومى أن هداهم الله للإسلام؟» ثم قال: «أحسن يا حسان فى الذى أصابك» «1» . قال: هى لك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضا منها بئر «حاء» ماء كان لأبى طلحة بالمدينة فتصدق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضعه حيث شاء فأعطاه حسان فى ضربته، وأعطاه «سيرين» أمة قبطية ولدت له ابنه عبد الرحمن.
وقد روى من وجوه أن إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه سيرين إنما كان لذبه بلسانه عن النبى صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
وكانت عائشة- رحمها الله- تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه حصورا لا يأتى النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا.
وقال بعد ذلك حسان يمدح عائشة- رضى الله عنها- ويعتذر من الذى كان فى شأنها:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «2»
عقيلة حى من لؤى بن غالب ... كرام المساعى مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله جنبها ... وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذى قد زعمتم ... فلا رفعت سوطى إلى أناملى
وكيف وودى ما حييت ونصرتى ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذى قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بى ماحل
وقال قائل من المسلمين فى ضرب حسان وصاحبيه فى فريتهم على عائشة رضى الله عنها:
لقد ذاق حسان الذى كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ... وسخطة ذى العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا ... مخازى تبقى عمموها وفضحوا
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 163) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 234) .
(2) الحصان: أى العفيفة. والرزان: أى الملازمة موضعها. وما تزن: أى ما تتهم. وغرثى: أى جائعة.
(1/463)

وصبت عليهم محصدات كأنها ... شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسان خاض فى الإفك أو جلد فيه، ورووا عن عائشة- رحمها الله- أنها برأته من ذلك، ثم ذكر عن الزبير بن بكار وغيره أن عائشة كانت فى الطواف مع أم حكيم بنت خالد بن العاص وابنة عبد الله بن أبى ربيعة، فتذاكرن حسان فابتدرتاه بالسب فقالت لهما عائشة: ابن الفريعة تسبان! إنى لأرجوا أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبى صلى الله عليه وسلم بلسانه، أليس القائل:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء
فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء
فقالتا لها: أليس ممن لعنه الله فى الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ قلت: لم يقل شيئا، ولكنه القائل:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فإن كان ما قد قيل عنى قلته ... فلا رفعت سوطى إلى أناملى

غزوة الحديبية
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذى القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذى صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت.
فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له.
حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبى «1» فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذى طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (646) ، أسد الغابة ترجمة رقم (411) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 48) ، الوافى بالوفيات (10/ 133) ، العقد الثمين (9/ 367) ، تقريب التهذيب (2/ 95، 160، 4/ 294) .
(1/464)

لو خلوا بينى وبين سائر العرب فإن هم أصابونى كان الذى أرادوا، وإن أظهرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة؛ فما تظن قريش؟
فو الله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» «1» .
ثم قال: «من رجل يخرج بنا على غير طريقهم؟» «2» فقال رجل من أسلم: أنا، فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه» . فقالوا ذلك، فقال: «والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها» «3» .
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: «اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمص فى طريق تخرج على ثنية المرار «4» » ، فهبط الحديبية من أسفل مكة. فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش هدة الجيش قد خالفوا عن طريقهم وكفوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك فى ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت.
فقال: «ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعونى قريش اليوم إلى خطة يسلون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها «5» » ، ثم قال للناس:
«انزلوا» . قيل: يا رسول الله، ما بالوادى ماء ننزل عليه. فأخرج صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل فى قليب من تلك القلب، فغرزه غى جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن.
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء فى رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذى جاء له، فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، ثم قال لهم نحوا قال لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم وقالوا:
إن كان جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر بن لؤى، فلما رآه رسول
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 323) ، كنز العمال للمتقى الهندى (11307) ، تفسير ابن كثير (7/ 328) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 165) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 165) .
(3) انظر الحديث السابق.
(4) ثنية المرار: حشيشة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت مشافرها.
(5) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 323) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 165) .
(1/465)

الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: «هذا رجل غادر» «1» . فلما انتهى إليه وكلمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه. فرجع إلى قريش فأخبرهم. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة- وكان يومئذ سيد الأحابيش- فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه» «2» . فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادى فى قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى؛ فقال لهم ذلك، فقالوا له: اجلس. فإنما أنت أعرابى لا علم لك؛ فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر القوم، والله ما على هذا حالفناكم وما على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟! والذى نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفى فقال: يا معشر قريش إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفت أنكم والد وأنى ولد- وكان لسبيعة بنت عبد شمس- وقد سمعت بالذى نابكم فجمعت من أطاعنى من قومى ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب الناس ثم جئت إلى بيتك لتقضهابهم؟! إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك. فرد عليه أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقال:
أنحن ننكشف عنه! ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كلمة والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله فى الحديد، فجعل يقرع يده إذا فعل ذلك ويقول:
اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» «3» . قال: أى غدر هل غسلت سوءتك إلا بالأمس! يريد أن المغيرة
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 324) ، تفسير ابن كثير (7/ 328) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 166) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 166) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 324) ، المطالب العالية لابن حجر (4347) ، تفسير ابن كثير (7/ 329) .
(1/466)

كان قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر.
وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا حربا فقام من عنده وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شىء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال:
يا معشر قريش، إنى قد جئت كسرى فى ملكة وقيصر فى ملكه والنجاشى فى ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى أصابه! ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا فروا رأيكم.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعى «1» فحمله على بعير له وبعثه إلى قريش ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعته الاحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلى سبيلهم.
ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسى، وليس بمكة من بنى عدى بن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفت قريش عداوتى إياها وغلظتى عليها، ولكنى أدلك على رجل أعز بها منى: عثمان بن عفان.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته؛ فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره.
وقال له فيما ذكره غير ابن إسحاق: أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزة الحرم.
فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا له حين فرغ: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لأفعل
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2238) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1428) ، الثقات (3/ 107) ، الطبقات الكبرى (4/ 139) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 157) ، المغازى للواقدى (600) ، الجرح والتعديل (3/ 392) ، تاريخ الطبرى (3/ 631) ، الوافى بالوفيات (13/ 301) .
(1/467)

حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال حين بلغه ذلك: «لا نبرح حتى نناجز القوم» «1» .
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم على الموت. وكان جابر يقول: بايعنا على ألانفر.
فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يختلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس لصق بإبط ناقته يستتر بها من الناس.
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذى كان من أمر عثمان باطل. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان: ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: «هذه يد عثمان» .
ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وقالوا: إيت محمدا فصالحه ولا يكون فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا.
فأتى سهيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل» «2» .
فلما انتهى إليه سهيل تكلم فأطال الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية»
فى ديننا! قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه فإنى أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: «بلى» . قال:
أولسنا بالمسلمين؟ قال: «بلى» . قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» «4» . قال: فعلام
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 167) .
(2) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (9/ 221) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 145) .
(3) الدنية: الذل والصغار والخسيس من الأمر.
(4) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (1412، 2151) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (313) ، صحيح البخارى (4/ 26، 125) ، المعجم الكبير للطبرانى (6/ 109، 8/ 275) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 312، 5/ 67) ، كنز العمال للمتقى الهندى (17905، 29993، 30154، 37155) ، فتح البارى لا بن حجر (7/ 8) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 1/ 20) .
(1/468)

نعطى الدنية فى ديننا؟! قال: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعنى» «1» .
فكان عمر يقول: مازلت أتصدق واصوم واصلى وأعتق من الذى صنعت- يومئذ- مخافة كلامى الذى تكلمت به حين رجوت أنه يكون خيرا.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب رضى الله عنه فقال اكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» «2» ، فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتب باسمك اللهم» «3» . فكتبها ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» . فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال «4» ، وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه» «5» .
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 201) ، صحيح مسلم فى كتاب النكاح (135) ، السنن الكبرى للبيهقى (7/ 229) ، التاريخ الكبير للبخارى (3/ 217) ، تفسير ابن كثير (4/ 69، 7/ 330) ، زاد المسير لابن الجوزى (7/ 425) ، موارد الظمآن للهيثمى (1305، 1705، 2128) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 356) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 109، 113) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 268، 4/ 86، 325، 330) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 220، 227) ، مصنف عبد الرزاق (9720) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 145، 146) ، تفسير ابن كثير (1/ 36، 7/ 324) ، تفسير الطبرى (26/ 59، 63) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 502) ، كنز العمال للمتقى الهندى (1627، 30151، 30154) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 175) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 86، 325، 330) ، تفسير ابن كثير (7/ 324) ، تفسير الطبرى (26، 59، 63) ، فتح البارى لابن حجر (5/ 331، 7/ 502) ، كنز العمال للمتقى الهندى (30154) .
(4) الأسلال: أى السرقة الخفية. والأغلال: أى الخيانة.
(5) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 342، 4/ 87) ، تفسير الطبرى (13/ 101) .
(1/469)

«وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب: السيوف فى القرب لا تدخلها بغيرها» .
فبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل ابن عمرو يرسف «1» فى الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون فى الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما يحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.
فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبة ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيتى وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين يفتنونى فى دينى؟! فزاد الناس ذلك إلى ما بهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صالحا وأعطيناهم على ذلذك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدرهم» «2» .
فوثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب! - ويدنى قائم السيف منه- يقول عمر:
رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية.
فلما فرغ من الكتاب اشهد رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين، أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد ابن أبى وقاص ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص وهو مشرك وعلى بن أبى طالب وهو كان كاتب الصحيفة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا فى الحل وكان يصلى فى الحرم، فلما فرغ من الصلح
__________
(1) انظر ترجمته فى: الثقات (5/ 568) ، الإصابة ترجمة رقم (9699) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5775) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 325) ، تفسير ابن كثير (7/ 330) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 135) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 169) .
(1/470)

قام إلى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وأهدى عامئذ فى هداياه جملا لأبى جهل فى رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين. فلما رآه الناس قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون، وكان فيهم- يومئذ- من قصر فقال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله المحلقين» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين» «1» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال:
«والمقصرين» «2» . فقالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟
قال: «لم يشكوا» «3» .
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة ذلك قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
ثم ذكر القصة فيه وفى أصحابه، حتى إذا انتهى إلى ذكر البيعة فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. ثم ذكر من تخلف عنهم من الأعراب فاستوفى قصتهم. ثم قال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ. عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. ثم قال: وَهُوَ
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 353، 2/ 16، 4/ 70، 6/ 402) ، السنن الكبرى للبيهقى (5/ 134) ، مشكل الآثار للطحاوى (2/ 144) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (2/ 101) ، كنز العمال للمتقى الهندى (12738، 12739) ، البدآية والنهاية لابن كثير (4/ 169، 5/ 189) ، مصنف ابن أبى شيبة (14/ 452، 453) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 151) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (945، 649) ، سنن الترمذى (912) ، سنن ابن ماجه (3044) ، مسند الإمام أحمد (1/ 253، 2/ 79، 138، 231، 411، 4/ 70، 5/ 381، 6/ 393، 402) ، سنن الدارمى (2/ 64) ، مصنف ابن أبى شيبة (14/ 452، 453) ، موطأ مالك (395) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 151) ، المعجم الكبير للطبرانى (19/ 275) ، شرح السنة للبغوى (7/ 202) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 353) .
(1/471)

الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً، يعنى النفر الذين وجهت قريش بهم ليصيبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا فلم ينالوا شيئا وأخذوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بجملتهم وسيقوا إليه فخلى سبيلهم.
ثم قال بعد: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ يعنى سهيل ابن عمرو حين حمى أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. وأن محمدا رسول الله:
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها، أى التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد ورسوله.
ثم قال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا أى لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التى رأى أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف. وقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة بعض من كان معه: ألم تقل يا رسول الله أنك تدخل مكة آمنا؟ قال: «بلى» ، قال:
«أفقلت لكم من عامى هذا؟» قالوا: لا. قال: «فهو كما قال لى جبريل» «1» فحقق له سبحانه من موعده ما أنجزه له بعد وصدقه بقوله جل قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ معه فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً صلح الحديبية.
يقول الزهرى: فما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا فى الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، فلقد دخل فى تينك السنتين مثل من كان فى الإسلام قبل ذلك وأكثر.
قال ابن هشام «2» : والدليل على ما قال الزهرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية فى ألف وأربعمائة فى قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين فى عشرة آلاف.
وذكر ابن عقبة أنه لما كان صلح الحديبية قال رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول أولئك فقال:
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 331) ، تفسير ابن كثير (8/ 120) .
(2) انظر السيرة (3/ 296) .
(1/472)

«بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، قد رضى المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم فى الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أتنسون يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم فى أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟» «1» فقال المسلمون: صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح، والله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وأمره منا.
وفى الصحيح من حديث سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أراد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته والله ورسوله أعلم.
وخرج البخارى من حديث البراء بن عازب قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
وعن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا يشرب إلا ما فى ركوتك. قال: فوضع النبى صلى الله عليه وسلم يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضانا؛ فقلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 160) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 68) .
(2) الحديث عن نبع الماء من بين أصابع النبى صلى الله عليه وسلم وانبجاسه وتدفقه وفورانه متعدد المواضع لتكرر حدوثه، وهو محكى فى البخارى الصحيح ج 1 ص 89، 100، 102 (كتاب الوضوء) ، ج 5 ص 35، 36، 38 (كتاب المناقب) ، ج 4 ص 260، (باب غزوة الحديبية) ، مسلم. الجامع الصحيح ج 2 ص 138- 141 (كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها) ، ج 7 ص 59 (كتاب الفضائل، باب معجزات النبى صلى الله عليه وسلم) ، ج 8 ص 235، 236 (كتاب الزهد والرقائق، حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر) . وراجع: ابن جماعة، المختصر الصغير (ص 60) .
(1/473)

وذكر ابن عقبة عن ابن عباس قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كلمة بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفى الناس ظهر فانحروه لنا فلنأكل من لحومه ولندهن من شحومه ولنحتذ من جلوده. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابسطوا أنطاعكم وعباءكم» «1» ففعلوا، ثم قال:
«من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره» ودعا لهم، ثم قال لهم: «قربوا أوعيتكم» «2» .
فأخذوا ما شاؤا.
قال ابن إسحاق «3» : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة- يعنى من الحديبية- أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن حارثة «4» - وكان ممن حبس بمكة- فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا رجلا من بنى عامر بن لؤى ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا فى ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا» «5» .
فانطلق معهما حتى إذا كان بذى الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير. أصارم سيفك هذا يا أخا بنى عامر؟ فقال: نعم. قال أنظر إليه قال: إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله.
وذكر ابن عقبة أن الرجل هو الذى سل سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال له أبو بصير: وصارم سيفك هذا؟ فقال: نعم.
فقال: ناولنيه أنظر إليه؛ فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد. قال: ويقال: بل تناول أبو بصير سيف الرجل بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر، فجمز مرعوبا مستخفيا حتى دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فيه يطن الحصباء من شدة سعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» . قال ابن
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 354) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 116) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (5/ 479) ، فتح البارى لابن حجر (8/ 46) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 119) .
(3) انظر السيرة (3/ 296) .
(4) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (9633) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5734) .
(5) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (9/ 227) .
(1/474)

إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويحك مالك؟» «1» قال: قتل صاحبكم صاحبى.
فو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتنى بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه أو يعبث بى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويلمه محش حرب «2» لو كان معه رجال» «3» .
ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية المروة على ساحل البحر بطريق قريش التى كانوا يأخذوا إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتسبوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بصير: «ويلمه محش حرب لو كان معه رجال» فخرجوا إلى أبى بصير بالعيص، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم.
وذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذى رد على قريش مكرها يوم القضية هو الذى انفلت فى سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبى بصير وكرهوا الثواء بين أظهر قومهم، فنزلوا مع أبى بصير فى منزل كريه إلى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام. قال: وكان أبو بصير- زعموا- وهو فى مكانه ذلك يصلى لأصحابه، فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم.
واجتمع إلى أبى جندل ناس من غفار وأسلم وجهينه وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير، لا يمر بهم عير لقريش إلا اخذوها وقتلوا أصحابها. وقال فى ذلك أبو جندل فيما ذكره غير ابن عقبة:
أبلغ قريشا عن أبى جندل ... أنا بذى المروة بالساحل
فى معشر تخفق أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذابل
يأبون أن يبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولم يأتل
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (4519) ، السنن الكبرى للبيهقى (4/ 226) .
(2) محش حرب: أى أنه يوقد الحرب ويهيجها ويشعل نارها.
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (3/ 257) ، سنن أبى داود فى كتاب الجهاد باب (167) ، مسند الإمام أحمد (4/ 331) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 221، 222، 226، 228) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 107، 673) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 78) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 176) ، مصنف عبد الرزاق (9720) .
(1/475)

فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبى بصير وإلى أبى جندل بن سهيل ومن معهم فيقدموا عليه وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه فى غير حرج، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره.
فلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع أبا جندل من ابيه بعد القضية أن طاعة رسول الله خير فيما أحبوا وفيما كرهوا، وأن رأيه أفضل من رأيهم ومن رأى من ظن أن له قوة ورأيا، وعلم أن ما خص الله به نبيه من العون والكرامة أفضل.
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى جندل وأبى بصير يأمرهم أن يقدموا عليه ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم ولا يعرضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتها، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- زعموا- على أبى جندل وأبى بصير وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يده يقترئه. فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا.
وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم وأمنت عيرات قريش.
فلم يزل أبو جندل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح، ورجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل معه بالمدينة حتى توفى صلوات الله عليه وسلامه وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أول إمارة عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فمكث بها أشهر ثم خرج مجاهدا إلى الشام وخرج معه ابنه أبو جندل، فلم يزالا مجاهدين حتى ماتا جميعا هناك، يرحمهما الله.
وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تلك المدة أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط «1» ، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذى بينه وبين قريش فى الحديبية، فلم يفعل، أبى الله ذلك وأنزل فيه على رسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَ
__________
(1) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (12231) ، أسد الغابة ترجمة رقم (7585) ، الطبقات الكبرى (8/ 230) ، تهذيب التهذيب (12/ 476) .
(1/476)

أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: 9- 10] .

غزوة خيبر
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية مكث بها ذا الحجة منسلخ سنة ست، وبعض المحرم من سنة سبع.
ثم خرج فى بقية منه إلى خيبر غازيا.
وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية بقوله عز من قائل: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الفتح: 20] يعنى بالمعجل صلح الحديبية، والمغانم الموعود بها فتح خيبر.
فخرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنجزا ميعاد ربه وواثقا بكفايته ونصره، ودفع الراية إلى على بن أبى طالب- وكانت بيضاء- فسلك على عصر فبنى له فيها مسجدا، ثم على الصهباء، ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أن غطفان لما سمعت منزله من خيبر جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم فى أموالهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا فى أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيبر.
قال أبو معتب بن عمرو: لما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: «قفوا» «1» . ثم قال: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» ثم قال: «أقدموا بسم الله» «2» . قال: وكان يقولها لكل قرية دخلها.
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (1/ 134) .
(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (1/ 446، 2/ 100) ، تفسير القرطبى (8/ 175) ، مشكل الآثار للطحاوى (2/ 312، 3/ 215) ، زاد المسير لابن الجوزى (8/ 299) ، الدر المنثور للسيوطى (4/ 224) ، التاريخ الكبير للبخارى (6/ 472) ، المعجم الكبير للطبرانى (8/ 39) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 183) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 204) .
(1/477)

وقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار، فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا اصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبى طلحة وإن قدمى لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش قالوا: محمد والخميس معه. فأدبروا هرابا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، خربت حيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «1» .
قال ابن إسحاق «2» : وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال يأخذها مالا مالا ويفتحها حصنا حصنا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فقتله، ثم القموص حصن أبى الحقيق، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا منهن صفية بنت حيى بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وبنتى عم لها، فاصطفى صفية لنفسه بعد أن سأله إياها دحية بن خليفة الكلبى، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها، وكان بلال هو الذى جاء بصفية وبأخرى معها فمر بها على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التى مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أغربوا عنى هذه الشيطانة» «3» ، وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداؤه، فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: «أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامراتين على قتلى رجالهما؟!» «4» .
وكانت صفية قد رأت فى المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق أن قمرا وقع فى حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا! فلطم وجهها لطمة حضر عينها منها. فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه فسألها ما هو فأخبرته الخبر.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (1/ 104، 159، 2/ 19، 4/ 58، 253) ، صحيح مسلم (1043، 1044) ، سنن النسائى (6/ 132) ، مسند الإمام أحمد (2/ 102، 164، 186، 246، 263) ، السنن الكبرى للبيهقى (2/ 230، 9/ 55، 79، 80، 152) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 215) ، موطأ مالك (469) ، مصنف ابن أبى شيبة (14/ 461) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 77، 79) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 183، 184، 196) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 203، 227) .
(2) انظر السيرة (3/ 304) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 197) .
(4) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 197) .
(1/478)

ولما أعرس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر أو ببعض الطريق وبات بها فى قبة له، بات أبو أيوب الأنصارى متوشحا السيف يحرسه ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى مكانه قال: «ما لك يا أبا أيوب؟» قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك.
فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى» «1» .
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع- وكان عنده كنز بنى النضير- فساله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من يهود فقال: إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك؟ قال: نعم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقى فأبى أن يريه، فأمر به الزبير بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده. فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.
وفشت السبايا من خيبر فى المسلمين وأكل المسلمون لحوم الحمر من حمرها.
قال ابن عقبة: كانت أرضا وخيمة شديدة الجهد، فجهد المسلمون جهدا شديدا وأصابهم مسغبة شديدة فوجدوا أحمرة إنسية ليهود لم يكونوا أدخلوها الحصن فانتحروها، ثم وجدوا فى أنفسهم من ذلك، فذكروها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن أكلها.
قال أبو سليط فيما ذكر ابن إسحاق: أتانا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكأناها على وجوهها.
وذكر- أيضا- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام- يومئذ- فى الناس فنهاهم عن أمور سماها لهم، قال مكحول: نهاهم- يومئذ- عن أربع: عن إتيان الحبالى من النساء، وعن أكل الحمار الأهلى، وعن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم.
وحدث جابر بن عبد الله ولم يشهد خيبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم فى لحوم الخيل.
__________
(1) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (37805) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 212) .
(1/479)

وافتتح رويفع بن ثابت قرية من قرى المغرب يقال لها: جربه، فقاك خطيبا فقال: يا أيها الناس، إنى لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر، قام فينا فقال: «لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أ، يصيب امرأة من السبى حتى يستبرئها، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن يالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فىء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فىء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه» » .
وقال عبادة بن الصامت: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين، وتبر الفضة بالورق العين، وقال: «ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين، وتبر الفضة بالذهب العين» .
ولما أصاب المسلمين بخيبر ما أصابهم من الجهد أتى بنو سهم من أسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: يا رسول الله، لقد جهدنا وما بأيدينا من شىء. فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه، فقال: «اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدى شىء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا» «2» . فغدا الناس وفتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر كان أكثر طعاما وودكا منه.
ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم «الوطيح» و «السلالم» وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة، وخرج مرحب اليهودى من حصنهم قد جمع سلاحه وهو ينادى: من يبارز، ويرتجز:
قد علمت خيبر أنى مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماى للحمى لا يقرب
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (2158، 2159) ، مسند الإمام أحمد (4/ 108، 6/ 385) ، إرواء الغليل للألبانى (1/ 201) ، شرح السنة للبغوى (9/ 321) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (4/ 30) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 192) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 124) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 223) .
(1/480)

فأجابه كعب بن مالك فقال:
قد علمت خيبر أنى كعب ... مفرج الغمى جرىء صلب
حيث تشب الحرب ثم الحرب ... معى حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حتى يذل الصعب ... نعطى الجزاء أو يفاء النهب
بكف ماض ليس فيه عتب
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لهذا؟» قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخى بالأمس. قال: «فقم إليه، اللهم أعنه عليه» «1» . فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صحابه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فاتقاه بدرقته فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله.
ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول: من يبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام، فيما ذكر هشام بن عروة- فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابنى يا رسول الله، قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله. فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير.
وحدث سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار «2» » فدعا على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وهو أرمد فتفل فى عينيه ثم قال: «خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك» «3» . فخرج وهو يهرول بها هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته فى رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال:
من أنت؟ قال: أنا على بن أبى طالب. قال: اليهودى: علوتم وما أنزل على موسى- أو كما قال- فما رجع حتى فتح الله على يديه.
وقال أبو رافع، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرجنا مع على- رضى الله عنه- حين بعثه
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 385) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 131) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 150) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 215) ، كنز (30122) .
(2) انظر الحديث فى: السنة لابن أبى عاصم (2/ 608) ، الأسماء والصفات للبيهقى (498) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (4/ 210) .
(1/481)

رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علىّ بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل فى يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتنى فى نفر معى سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.
وحدث أبو اليسر كعب بن عمرو قال: إنا لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟» «1» فقال أبو اليسر: أنا يا رسول الله، قال: «فافعل» . قال:
فخرجت أشتد مثل الظليم، فلما رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال: «اللهم أمتعنا به!» «2» قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدى ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معى شىء حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما. فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا، فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال: أمتعوا بى لعمرى حتى كنت من آخرهم!
وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر فى حصنيهم «الوطيح» و «السلالم» حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة؛ وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل.
فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم فى الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئا بين المسلمين.
وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية. وقد سألت أى عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم. ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 427) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 149) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 427) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 195) .
(1/482)

منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال: «إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم» «1» . ثم دعا بها فاعترفت. فقال: «ما حملك على ذلك؟» «2» قالت: بلغت من قومى ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحت منه؛ وإن نبيا فسيخبر. فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومات بشر بن البراء من أكلته التى أكل.
وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الكتف من تلك الشاة فانتهش منها وتناول بشر عظما فانتهش منه؛ فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر ما فى فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرنى أنى بغيت فيها» . فقال بشر بن البراء: والذى أكرمك لقد وجدت ذلك فى أكلتى التى أكلت فما منعنى أن ألفظها إلا أنى اعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما فى فيك لم أكن أرغب بنفسى عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغى.
فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا ما حول.
قال جابر بن عبد الله: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم- يومئذ- على الكاهل، حجمه أبو طيبة مولى بنى بياضة. وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذى توفى منه، فدخلت عليه أم بشر، بنت البراء بن معرور تعوده فيما ذكر ابن إسحاق فقال لها: «يا أما بشر: إن هذه لأوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التى أكلت مع أخيك بخيبر» «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 211) .
(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (2065) ، السنن الكبرى للبيهقى (7/ 386، 9/ 147) ، مستدرك الحاكم (1/ 483، 3/ 301) ، المعجم الكبير للطبرانى (1/ 227، 11/ 236) ، مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 295، 296، 9/ 303، 304) ، مصنف عبد الرزاق (1525، 1526) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 109) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 353، 6/ 183) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (3302) ، فتح البارى لابن حجر (17/ 497) ، إرواء الغليل للألبانى (7/ 179) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (5/ 100) ، العلل المتناعية لابن الجوزى (1/ 229) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 211) .
(1/483)

قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله من النبوة.
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادى القرى فحاصر أهله ليالى ثم انصرف راجعا إلى المدينة.
قال أبو هريرة: لما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادى القرى نزلناها أصلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامى ثم الضبيبى، فو الله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله، فقلنا:
هنيئا له الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا والذى نفس محمد بيده، إن شملته- الآن- لتحرق عليه فى النار، كان غلها من فىء المسلمين يوم خيبر» «1» . فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال له: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لى. فقال:
«يقد لك مثلهما من النار» «2» .
وخرج مسلم فى صحيحه من حديث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، إنى رأيته فى النار فى بردة غلها أو عباءة» . ثم قال: «يا بن الخطاب، أذهب فناد فى الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» «3» . قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من نساء المسلمات، فرضخ لهن عليه السلام من الفىء، ولم يضرب لهن بسهم. حدثت بنت [أبى] الصلت عن امرأة غفارية سمتها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نسوة من بنى غفار وهو يسير إلى خيبر: فقلن يا رسول الله، قد أردنا الخروج معك إلى وجهك هذا فنداوى الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: «على بركة الله» «4» . قالت: فخرجنا معه، فلما افتتح خيبر رضح لنا من
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (8/ 179) ، صحيح مسلم فى كتاب الإيمان باب (48) ، رقم (183) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 100) ، مستدرك الحاكم (3/ 40) ، التمهيد لابن عبد البر (2/ 3) .
(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 40) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم، الجامع الصحيح (1/ 75) ، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول.
(4) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 380) ، السنن الكبرى للبيهقى (2/ 407) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 214) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 204) .
(1/484)

الفىء وأخذ هذه القلادة التى تزين فى عنقى فأعطانيها وعلقها بيده فى عنقى، فو الله لا تفارقنى أبدا. قالت: فكانت فى عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها.
واستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا منهم عامر بن الأكوع عم سلمه ابن عمرو بن الأكوع؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال له فى مسيره إلى خيبر: «انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك» «1» فنزل يرتجز برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحمك الله» «2» . فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به! فقتل يوم خيبر شهيدا، وكان قتله أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه، فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لشهيد» «3» ، وصلى عليه. فصلى عليه المسلمون.
ومنهم الأسود الراعى من أهل خيبر، وكان من حديثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، أعرض علىّ الإسلام فعرضه عليه فأسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلما أسلم قال: يا رسول الله، إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهى أمانة عندى فكيف أصنع بها؟ قال: «اضرب فى وجوهها فإنها سترجع إلى ربها» - أو كما قال- فقام الأسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها فى وجهها وقال: ارجعى إلى صاحبك فو الله لا أصحبك. وخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم الأسود إلى ذلك الحصن ليقتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع خلفه وسجى بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض
__________
(1) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (4/ 16) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 148) ، التاريخ الكبير للبخارى (8/ 100) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 465) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 2/ 37) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 182) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 183) .
(3) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (4/ 16) .
(1/485)

عنه فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: «إن معه- الآن- زوجتيه من الحور العين!» .
وذكر ابن إسحاق «1» عن عبيد بن أبى نجيح أن الشهيد إذا ما أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه ينفضان التراب عن وجهه ويقولان: ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك.
قال: ولما افتتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمى ثم البهزى فقال: يا رسول الله، إن لى بمكة مالا عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة ومالا متفرقا فى تجار أهل مكة، فأذن لى يا رسول الله فأذن له؛ قال: إنه لا بد لى يا رسول الله من أن أقول. قال: قل.
قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة وجالا، فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان، فلما رأونى ولم يكونوا علموا بإسلامى قالوا: الحجاج بن علاط؟ عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا محمد فإنه بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر وهى بلد يهود وريف الحجاز. قلت: قد بلغنى ذلك وعندى من الخبر ما يسركم. قال: فالتبطوا بجنبى ناقتى يقولون: إيه يا حجاج؟ قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم.
قال: فقلت أعينونى على جمع مالى بمكة على غرمائى فإنى أريد أن أقدم خيبر فأصيب به من أهل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك. فقاموا فجمعوا إلى مالى كأحث جمع سمعت به وجئت صاحبتى فقلت: مالى- وقد كان لى عندها مال موضوع- لعلى ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار.
قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عنى أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا فى خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج، ما هذا الذى جئت به؟ قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قلت: فاستأخر عنى حتى ألقاك على خلاء
__________
(1) انظر السيرة (3/ 320) .
(1/486)

فإنى فى جمع مالى كما ترى فانصرف عنى حتى أفرغ قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شىء كان لى بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ على حديثى يا أبا الفضل- فإنى أخشى الطلب- ثلاثا ثم قل ما شئت. قال: أفعل. قلت: فإنى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم- يعنى صفية بنت حيى- ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه. قال: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إى والله فاكتم عنى، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآحذ مالى فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب.
قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة! قال: كلا والله الذى حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر، قال: الذى جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه. قالوا: يال عباد الله! انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.
وقال كعب بن مالك الأنصارى فى يوم خيبر:
ونحن وردنا خيبرا وفروضه ... بكل فتى عارى الأشاجع مذود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى ... جرىء على الأعداء فى كل مشهد
عظيم رماد القدر فى كل شتوة ... ضروب بنصل المشرفى المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمى عن ذمار محمد ... ويدمع عنه بالسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمد
وذكر ابن عقبة أن بنى فزارة قدموا على أهل خيبر فى أول أمرهم ليعينوهم، فراسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم على أن يعطيهم من خيبر شيئا سماه لهم، فأبوا عليه وقالوا: جيراننا وحلفاؤنا. فلما فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بنى فزارة فقالوا: الذى وعدتنا؟ فقال: «لكم ذو الرقيبة» - لجبل من جبال خيبر- قالوا: إذن نقاتلك؛ قال: «موعدكم جنفاء» فلما سمعوا ذلك من رسول الله خرجوا هاربين.
(1/487)

قال ابن إسحاق «1» : وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة، وكانت الشق ونطاة فى سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبى صلى الله عليه وسلم وسهم ذوى القربى والمساكين وطعم أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل فدك بالصلح.
وقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر، ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها.
وفى هذه الغزوة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمان الخيل والرجال، فجعل للفرس سهمين ولفارسه سهما وللراجل سهما، فجرت المقاسم على ذلك فيما بعد، ويومئذ عرب العربى من الخيل وهجن الهجين.
وذكر ابن عقبة أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر نفر من الأشعريين فيهم أبو عامر الأشعرى، قدموا المدينة مع مهاجرة الحبشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فمضوا إليه وفيهم أبان بن سعيد بن العاص والطفيل- يعنى ابن عمرو الدوسى ذا النور- وأبو هريرة ونفر من دوس، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه الحق أن لا يخيب مسيرهم ولا يبطل سفرهم فشركهم فى مقاسم خيبر وسأل أصحابه ذلك فطابوا به نفسا.
ولم يذكر ابن عقبة جعفر بن أبى طالب فى هؤلاء القادمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر من أرض الحبشة وهو أولهم وأفضلهم، وما مثل جعفر يتخطى ذكره، ومن البعيد أن يغيب ذلك عن ابن عقبة، فالله أعلم بعذره.
وقد ذكر ابن إسحاق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث مرو بن أمية الضمرى إلى النجاشى فيمن كان أقام بأرض الحبشة من أصحابه فحملهم فى سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية. فذكر جعفرا أولهم وذكر معه ستة عشر رجلا قدموا فى السفينتين صحبته. وذكر ابن هشام عن الشعبى أن جعفرا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين عينيه والتزمه وقال: «ما أدرى بأيتهما أنا أسر، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» «2» .
ولما جرت المقاسم فى أموال خيبر اتسع فيها المسلمون ووجدوا بها مرفقا لم يكونوا
__________
(1) انظر السيرة (3/ 324) .
(2) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (12/ 106، 14/ 349) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 78) ، المعجم الكبير للطبرانى (2/ 107) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 206) .
(1/488)

وجدوه قبل، حتى لقال عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- فيما خرج له البخارى فى صحيحه: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.
وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر فى أموالهم يعملون فيها للمسلمين على النصف مما يخرج منها كما تقدم.
قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين وبين يهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعديت علينا. قال: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا. فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض!
قال: وإنما خرص عليهم عبد الله عاما واحدا ثم أصيب بمؤته- يرحمه الله- فكان جبار بن صخر أخو بنى سلمة هو الذى يخرص عليهم بعده.
فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا فى معاملتهم حتى عدوا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن سهل أخى بنى حارثة فقتلوه، فأتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه وكتب إليهم أن يدوه أو يأذنوا بحرب. فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده وأقرهم على ما سبق من معاملته إياهم.
فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم أبو بكر الصديق على مثل ذلك حتى توفى، ثم أقرهم عمر صدرا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى وجعه الذى قبضه الله فيه: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» . ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله قد أذن فى جلائكم، قد بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» «1» فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتنى به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله فليتجهز للجلاء. فأجلى عمر منهم من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال عبد الله بن عمر: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا فى أموالنا فعدى على تحت الليل فقرعت يداى من مرفقى، فلما أصبحت استصرخ على صاحباى فأتيانى فأصالحا من يدى؛ ثم قاما بى على عمر فقال: هذا عمل يهود، ثم قام فى الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 121) .
(1/489)

ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الأنصارى قبله لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإنى مخرج يهود. فأخرجهم.
ولما أخرج عمر- رضى الله عنه- يهود خيبر ركب فى المهاجرين والأنصار وخرج معه بجبار بن صخر- وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم- ويزيد بن ثابت، فهما قسما خيبر على أصحاب السهمان التى كانت عليها، وذلك أن الشق والنطاة اللتين هما سهم المسلمين قسمت فى الأصل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثمانية عشر سهما: نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما، ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر سهما إلى مائة سهم، لكل رجل سهم ولكل فرس سهمان؛ وكانت عدة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتى فرس، فذلك ألف سهم وثمانمائة سهم.

عمرة القضاء «1» وهى غزوة الأمن
قال ابن إسحاق «2» : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة أقام بها شهرى ربيع وما بعده إلى شوال، يبعث فيما بين ذلك سراياه.
ثم خرج فى ذى القعدة فى الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التى صدوه عنها، وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه فى عمرته تلك، وهى سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه.
قال ابن عقبة: وتغيب رجال من أشرافهم خرجوا إلى بوادى مكة كراهية أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظا وحنقا ونفاسة وحسدا.
وتحدثت قريش بينها فيما ذكر ابن إسحاق: أن محمدا وأصحابه فى عسرة وجهد وشدة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه.
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال:
__________
(1) انظر: المغازى للواقدى (2/ 731) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 87) ، البداية والنهاية (4/ 226) .
(2) انظر السيرة (4/ 5) .
(1/490)

«رحم الله امرء أراهم اليوم من نفسه قوة» «1» ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليمانى مشى حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحى من قريش الذى بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها.
ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فى تلك العمرة وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يديه:
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير فى رسوله
يا رب إنى مؤمن بقيله ... أعرف حق الله فى قبوله
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث بين يديه جعفر بن أبى طالب إلى ميمونة بنت الحارث ابن حزن الهلالية، فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، وقيل: جعلت أمرها إلى أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة درهم.
وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه، وأقام بمكة ثلاث ليال، وكان ذلك أجل القضية يوم الحديبية. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب عبد العزى. [فى نفر من قريش] ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن بن عبادة فصاح حويطب: نناشدك الله والعقد إلا خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث.
فقال سعد: كذبت لا أم لك إنها ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يخرج إلا راضيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك: «يا سعد، لا تؤذ قوما زارونا فى رحالنا» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟» «2» قالوا: لا حاجة لنا بطعامك فاخرج عنا.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع مولاه فأذن بالرحيل، وخلف أبا رافع على ميمونة حتى أتاه بها بسرف وقد لقيت ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة. ثم كان من قضاء الله سبحانه أن ماتت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فتوفيت حيث بنى بها.
قال موسى بن عقبة: وذكر أن الله- تعالى- أنزل فى تلك العمرة: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة: 194] .
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 240، 923) ، مسند الإمام أحمد (1/ 305، 306) .
(2) انظر الحديث فى: الحاكم فى المستدرك (4/ 31) .
(1/491)

وذكر ابن هشام أنها يقال لها: «عمرة القصاص» لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة فى ذى القعدة فى الشهر الحرام من سنة ست فاقتص منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل مكة فى ذى القعدة فى الشهر الحرام الذى صدوة فيه من سنة سبع.

غزوة مؤتة من أرض الشام «1»
ولما صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء إلى المدينة أقام بها نحوا من ستة أشهر، ثم بعث إلى الشام فى جمادة الأولى من سنة ثمان بعثة الذين أصيبوا بمؤنة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» .
فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج، وهم ثلاثة الآف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى فقالو: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: والله ما بى حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله ويذكر فيها النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [مريم: 71] فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدى حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
جتى يقال إذا مروا على جدثى ... ما أرشد الله من غاز وقد رشدا
ثم إن القوم تهيأو للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال:
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن ... فى المرسلين ونصرا كالذى نصروا
إنى تفرست فيك الخير نافلة ... فرأسة خالفت فيك الذى نظروا
يعنى المشركين.
ثم خرج القوم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم، جتى إذا ودعهم وانصرف عنهم
__________
(1) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 318) ، المغازى للواقدى (2/ 755) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 2/ 92) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 241) .
(1/492)

قال عبد الله بن رواحة:
خلف السلام على امرىء ودعته ... فى النخل خير مشيع وخليل
وحدث زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة فى حجرة، فخرج بى فى سفره ذلك مردفى على حقيبة رحلة، فواله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه:
إذ أدنيتنى وحملت رحلى ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمى وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلى ورائى
وجاء المسلمون وغادرونى ... بأرض الشام مشتهى الثواء
وردك كل ذى رحم قريب ... إلى الرحمن منقطع الرجاء
هنالك لا أبالى طلع بعل ... ولا نخل أسافلها وراء
فلما سمعتهن بكيت فخفقنى بالدرة وقال: وما عليك يا لكع أن يرزقنى الله الشهادة وترجع بين شعبتى الرحل؟!
ثم مضى القوم حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء فى مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم.
فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون فى أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضى له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال: يا قوم، والله إن الذى تكرهون للذى خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. فمضى الناس وقال عبد الله فى مجلسهم ذلك:
جلبنا الخيل من أجأ وفرع ... تعر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من الصوان سبتا ... أزل كأن صفحته أديم «1»
أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات ... تنفس فى مناخرها السموم
__________
(1) حذوناها: أى جعلنا لها حذاء، وهو النعل. والصوان: حجارة ملس. والسبت: النعال المصنوعة من الجلد المدبوغ.
(1/493)

فلا وأبى مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم
بذى لجب كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتها فتنكح أو تئيم
ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف. ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها. فتعبى لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له: قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عبابة بن مالك، ويقال: عبادة. ثم التقى الناس فاقتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط فى رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء. قال أحد بنى مرة بن عوف وكان فى تلك الغزوة: والله لكأنى أنظر إليه حين اقتحم عنها ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... على إذ لا قيتها ضرابها
وكان جعفر أول من عقر فى الإسلام فرسه.
ولما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لى أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة فى شنه
وقال أيضا:
يا نفس إلا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلى فعلهما هديت
يعنى صاحبيه زيدا وجعفرا. ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت فى أيامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة فى ناحية الناس فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.
(1/494)

ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بنى العجلان فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال ما أنا بفاعل، فاصطلح القوم على خالد بن الوليد.
فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس.
ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا» ، ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان فى عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: «أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا» . ثم قال: «لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت فى سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريرى صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لى: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى» «1» .
وذكر ابن هشام أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين يطير بهما حيث شاء.
ويقال: إن رجلا من الروم ضربه- يومئذ- فقطعه نصفين.
وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بالمدينة لما أصيبوا، قبل أن يأتيه نعيهم: «مر على جعفر بن أبى طالب فى الملائكة يطير كما يطيرون له جناحان» . قال: وقدم يعلى ابن منبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئت فأخبرنى وإن شئت أخبرتك» . قال: فأخبرنى يا رسول الله فأخبره صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصفه له.
فقال: والذى بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفع لى الأرض حتى رأيت معتركهم» .
وحدثت أسماء بنت عميس امرأة جعفر قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ايتينى ببنى جعفر» . وقد كانت غسلتهم ودهنتهم ونظفتهم.
قالت: فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت ما يبكيك؟
أبلغك عن جعفر وأصحابه شىء؟ قال: «نعم، أصيبوا هذا اليوم» . قالت: فقمت أصيح واجتمع إلى النساء. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: «لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 160) .
(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1/ 1610) ، سنن الترمذى (3/ 998) ، السنن الكبرى للبيهقى (4/ 61) .
(1/495)

وقالت عائشة رضى الله عنها: لما أتى نعى جعفر عرفنا فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن.
ولما انصرف خالد قافلا بالناس ودنوا من المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطونى ابن جعفر. فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم فى سبيل الله! فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» «1» .
وقالت أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم لامرأة سلمة بن هشام بن العامر بن المغيرة: مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: والله ما يستطع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم فى سبيل الله! حتى قعد فى بيته فما يخرج.
وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم- قيس ابن المسحر اليعمرى يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:
وو الله لا تنفك نفسى تلومنى ... على موقفى والخيل قابعة قبل
وقفت بها لا مستجيزا فنافذا ... ولا مانعا من كان حم له القتل «2»
على أننى آسيت نفسى بخالد ... ألا خالد فى القوم ليس له مثل
وجاشت إلى النفس من نحو جعفر ... بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عزل
فبين قيس فى شعره ما اختلف الناس فيه من ذلك: أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه.
وكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان بن ثابت:
تأوبنى ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما هوم الناس مسهر «3»
لذكرى حبيب هيجت لى عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 253) .
(2) مستجيزا: أى منحازا إلى ناحية.
(3) تأوبنى: أى عاودنى ورجع إلىّ.
(1/496)

فلا يبعدن الله قتلى تباعدوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر إلى
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبى إذا سيم الطلامة يجسر
فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى فى جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وما زال فى الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علىّ ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج الأواء فى كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك فى ذلك:
نام العيون ودمع عينك يهمل ... سحا كما وكف الطباب المخضل
فى ليلة وردت علىّ همومها ... طورا أحن وتارة أتململ
واعتادنى حزن فبت كأننى ... ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشا ... مما تأوبنى شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قوم علا بنيانه من هاشم ... فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما ... وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه جباهم ... ويرى خطيبهم بحق يفصل
(1/497)

بيض الوجوه ترى بطون أكفهم ... تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضى الإله لخلقه ... وبحدهم نصر النبى المرسل
وقال حسان بن ثابت يبكى جعفرا:
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر ... حب النبى على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لى ... من للجلاد لدى العقاب وظلها»
بالبيض حين تسل من أغمادها ... ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البرية كلها وأجلها
رزآ وأكرمها جميعا محتدا ... وأعرها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل ... كذبا وأنداها يدا وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله ... حى من أحيا البرية كلها
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع عن غزوة مؤتة:
كفى حزنا أنى رجعت وجعفر ... وزيد وعبد الله فى رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم ... وخلفت للبوى مع المتغير
واستشهد يوم مؤتة من المسلمين سوى الأمراء الثلاثة- رضى الله عنهم- من قريش ثم من بنى عدى بن كعب: مسعود بن الأسود بن حارثة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الأنصار: عباد بن قيس من بنى الحارث بن الخزرج، والحارث بن النعمان بن إساف من بنى غنم بن مالك بن النجار، وسراقة بن عمر بن عطية بن خنساء من بنى مازن بن النجار، وأبو كليب ويقال: أبو كلاب، وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول وهما لأب وأم. وعمر وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد من بنى مالك بن أفصى. وهؤلاء الأربعة عن ابن هشام.

غزوة الفتح
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا.
ثم عدت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة على خزاعة، ولم يزالوا قبل ذلك متعادين، وكان الذى هاج ما بينهم أن حليفا للأسود بن رزن الديلى خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة
__________
(1) العقاب: اسم لراية الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1/498)

فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن سلمى وكلثوم وذؤيب وهم منحر بنى كنانة وأشرافهم كانوا فى الجاهلية يودون ديتين ديتين لفضلهم فى قومهم، فقتلتهم خزاعة بعرفة عند أنصاب الحرم ثم حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به.
فلما كان صلح الحديبية دخلت خزاعة فى عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش. فلما كانت الهدنة اغتنمتها بنو الديل فخرجوا حتى بيتوا خزاعة على الوتير «1»
- ماء لهم- فأصابوا منهم رجلا وتحاجزوا واقتتلوا ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا.
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا منهم وكانوا فى عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعى الكعبى حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوقف عليه وهو جالس فى المسجد بين ظهرى الناس فقال:
يا رب إنى ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا ... فى فيلق كالبحر يجرى مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لى فى كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
يقول: قتلنا وقد أسلمنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم» ، ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب» «2» . ثم خرج بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبروه بما أصيب منهم
__________
(1) الوتير: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة.
(2) انظر الحديث فى: «دلائل النبوة للبيهقى (5/ 6، 7) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 163، 164) .
(1/499)

ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد وليزيد فى المدة» «1» .
ومضى بديل بن ورقاء فى أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد فى المدة وقد رهبوا الذى صنعوا، فلما لقى أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: سيرت فى خزاعة فى هذا الساحل وفى بطن هذا الوادى. قال: أو ما جئت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان بديل جاء المدينة لقد علف بها النوى. فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل نجس مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه. قال: والله يا بنية لقد أصابك بعدى شر!
ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج حتى دخل على علىّ بن أبى طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها حسن بن على غلام يدب بين يديها فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما وإنى قد جئت فى حاجة فلا أرجعن كما جئت فاشفع لى، قال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكمله فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر.
قالت: والله ما بلغ بنى ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:
يا أبا حسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت على فانصحنى. قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا ولكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكننى لا اجد لك غير ذلك. فقام أبو
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 281) .
(1/500)

سفيان فقال: أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد على شيئا ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا. ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو. ويقال:
أعدى العدو، ثم أتيت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار على بشىء صنعته فو الله ما أدرى هل يغنى شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت.
قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك! والله ما زاد الرجل على أن لعب بك فما يغنى عنك ما قلت. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهى تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أى بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدرى.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال:
«اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها» «1» ؛ فتجهز الناس.
وكتب حاطب بن أبى بلتعة عند ذلك كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر فى السير إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا. فجعلته فى رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة كتب معها حاطب إلى قريش يحذرهم ما أجمعنا له فى أمرهم. فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها والتمسا فى رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها على: أحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه استخرجت الكتاب من قرون رأسها فدفعته إليه. فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال: «يا حاطب، ما حملك على هذا؟» قال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكنى كنت امرء ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه؛ فقال عمر: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه فإن الرجل نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 164) . البداية والنهاية لابن كثير (4/ 2883) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 79، 80، 105) ، سنن الترمذى (5/ 3305) ، صحيح البخارى فى كتاب الجهاد والسير (6/ 3007) .
(1/501)

فأنزل الله فى حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ الآيات كلها إلى قوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 1- 4] إلى آخر القصة.
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره حتى نزل بمر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وقيل فى اثنى عشر ألفا، فسبعت سليم وقيل: ألفت وألفت مزينة، وفى كل القبائل عدد وإسلام. وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد.
وقد كان ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة لقياه بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه وكلمته أم سلمة فيهما وهى أخت عبد الله منهما فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: «لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى وأما ابن عمتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال» . فلما خرج الخبر إليهما بذلك قال أبو سفيان- ومعه بنى له- والله ليأذنن لى أو لآخذن بيد بنى هذا ثم لنذهبن فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما، فدخلا عليه فأسلما، وأنشده أبو سفيان:
لعمرك إنى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوانى حين أهدى وأهتدى
هدانى هاد غير نفسى وقادنى ... مع الله من طردت كل مطرد
فزعموا أنه لما أنشده هذا البيت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صدره وقال: «أنت طردتنى كل مطرد» «1» .
وعميت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش، فلا يأتيهم خبر عنه ولا يدرون ما هو فاعل.
وخرج فى تلك الليالى أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار. وكان العباس بن عبد المطلب قد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض.
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 165- 167) ، مستدرك الحاكم (3/ 43، 44) .
(1/502)

قال العباس: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قلت: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت:
لعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه. فو الله إنى لأسير عليها والتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمستها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتى فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. قال: مالك فداك أبى وأمى؟! قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الناس واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة فداك أبى وأمى؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فركب خلفى ورجع صاحباه، فجئت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته. حتى مررت بنار عمر ابن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلى، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطىء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعنى فلأضرب عنقه. قلت: يا رسول الله، إنى قد أجرته؛ ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دونى. فلما أكثر عمر فى شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله لو كان من رجال بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى إلا أنى عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فائتنى به» ؛ فذهبت به إلى رحلى فبات عندى، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟» قال:
بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد. قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول
(1/503)

الله؟» قال: بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما والله هذه فإن فى نفسى منها شيئا حتى الآن. قال له العباس: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم.
قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا.
قال: «نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» .
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس، احبسه بمضيق الوادى عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها» . قال: فخرجت فحبسته حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه «1» . فمرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟
فأقول: سليم. فيقول: مالى ولسليم. ثم تمر القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة.
فيقول: مالى ولمزينة. حتى نفذت القبائل ما تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته بهم قال: مالى ولبنى فلان. حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: سبحان الله، يا عباس من هؤلاء؟
قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قلت يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: النجاء إلى قومك. حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم. قال: ويحكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم مالا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغنى عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمس وسط الرحل.
ولما وقف هناك قال أبو قحافة- وقد كف بصره- لابنة له من أصغر ولده: أى بنية
__________
(1) سبق تخريجه.
(1/504)

اظهرى بى على أبى قبيس. فأشرفت به عليه، فقال: أى بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى السواد مقبلا ومدبرا. قال: أى بنية ذلك الوازع الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعى بى إلى بيتى. فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفى عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها.
قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال: «هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه!» فقال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى إليه. قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: «أسلم» . فاسلم. ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن رأسه ثغامة فقال: «غيروا هذا من شعره» «1» . ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد الله والإسلام طوق أختى. فلم يجبه أحد، فقال: أى أخية احتسبى طوقك فو الله إن الأمانة اليوم فى الناس لقليل!
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذى طوى الزبير بن العوام أن يدخل فى بعض الناس من كدى، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كدا، فذكروا أن سعدا حين وجه داخلا قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة» .
فسمعها رجل من المهاجرين، قيل: هو عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فقال: يا رسول الله اسمع ما قال سعد، ما نأمن أن تكون له فى قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب: «أدركه فخذ الراية فكن أنت تدخل بها» «2» . ويقال: إنه أمر الزبير بذلك وجعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين. فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز بها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر غير ابن إسحاق أن ضرار بن الخطاب قال- يومئذ- شعرا استعطف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش حين سمع قول سعد، وهو من أجود شعر قاله:
يا نبى الهدى إليك لحاجى قريش ولات حين لجاء
__________
(1) ذكره الحاكم فى المستدرك (3/ 46، 47) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 173، 174) .
(2) انظر الحديث فى: الإصابة لابن حجر (5/ 254) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 169) .
(1/505)

حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء
والتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء
إن سعدا يريد قاصمة الظه ... ر بأهل الحجون والبطحاء
خزرجى لو يستطيع من الغي ... ظ رمانا بالنسر والعواء
فانهينه فإنه الأسد الأس ... ود والليث والغ فى الدماء
فلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش ... فقعة القاع فى أكف الإماء
فحينئذ انتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية من سعد بن عبادة فيما ذكروا. والله أعلم.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد- وكان على المجنبة اليمنى- فدخل من الليط أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم قريب من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد، وهرب فضضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم المسلمون بالسيوف.
وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر فى المهاجرين الأولين حتى نزل بأعلى مكة وضربت هناك قبته. ولما علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال: ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدىء بالقتال فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك ولا ليخالف أمرك. فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية فأجاز على الحجون.
واندفع الزبير بن العوام بمن معه حتى وقف بباب الكعبة.
وجرح رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد فى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم: عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وكان قد أسلم وكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد مشركا ففر يومئذ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا ثم قال: «نعم» . فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن
(1/506)

حوله من أصحابه: «لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» . فقال رجل من الأنصار: فهلا أو مأت إلى يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النبى لا يقتل بالإشارة» «1» . وفى رواية: «إن النبى لا ينبغى أن تكون له خائنة أعين» .
ومنهم: عبد الله بن خطل- رجل من بنى تيم بن غالب- كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وكان معه رجل مسلم يخدمه فأمره أن يصنع له طعاما ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتلهما معه، فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها.
وقيل- يومئذ- لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؛ فقال:
«اقتلوه» . فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الأسلمى اشتركا فى دمه.
ومنهم: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى وكان ممن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولما حمل العباس بن عبد المطلب فاطمة وأم كلثوم بنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث هذا فرمى بهما إلى الأرض، فقتله يوم الفتح على بن أبى طالب.
ومنهم: مقيس بن صبابة الليثى، وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ فقدم مقيس بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مظهرا الإسلام حتى إذا وجد غرة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركا. وقد تقدم ذكر ذلك فلأجله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتله نميلة بن عبد الله- رجل من قومه- فقالت أخت مقيس فى ذلك:
لعمرى لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس
فلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس
ومنهم سارة مولاة لبنى عبد المطلب ولعكرمة بن أبى جهل، وكانت تؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فاستؤمن لها فأمنها وبقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا فى زمان عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها.
وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا، فيهم حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر، وكان قد أعر سلاحا
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (3/ 2683) . سنن النسائى (7/ 4078) .
(1/507)

وأصلح منها فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد واصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد شىء! قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم! ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما لى عله ... هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السله «1»
ثم شهد الخندمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر وخنيس بن خالد كانا فى خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقاتلا جميعا وأصيب سلمة بن الميلاء الجهنى من خيل خالد، وأصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته وقال لامرأته: أغلقى على بابى.
قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
واستقبلتهم بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلفنا وهمهمه
لم تنطقى فى اللوم أدنى كلمه «2»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: «لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟» قال: هم بدأونا ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا النبل، وقد كففت يدى ما استطعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قضاء الله خير» .
وفر- يومئذ- صفوان بن أمية عامدا للبحر وعكرمة بن أبى جهل عامدا لليمن، فأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه فى البحر فأمنه صلى الله عليك فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدرك ابن عمك فهو آمن» . قال: يا رسول الله، فأعطنى آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التى دخل فيها مكة. فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان فداك أبى وأمى! الله الله فى نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به قال: ويلك اغرب عنى فلا تكلمنى.
__________
(1) ذو غرارين: أى بها سيفا، والغرار: الحد.
(2) النهيب: نوع من صياح الأسد. والهمهمة: صوت فى الصدر.
(1/508)

قال: أى صفوان فداك أبى وأمى! أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك.
قال: إنى أخافه على نفسى. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتنى. قال: «صدق» . قال:
فاجعلنى فيه بالخيار شهرين. قال: «أنت بالخيار أربعة أشهر» «1» .
وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبى جهل وهى مسلمة- يومئذ- فقالت: يا رسول الله، آمن زوجى وائذن لى فى طلبه. فأذن لها وأمنه فأدركته ببعض تهامة وقيل: باليمن فأقبل معها وأسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء.
وكانت فاختة بنت الوليد تحت صفوان بن أمية، وكانت أسلمت أيضا، فلما أسلم عكرمة وصفوان أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحدة منهما عند زوجها على النكاح الأول.
وقالت أم هانىء بنت أبى طالب وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلى رجلان من أحمائى من بنى مخزوم فدخل على أخى على بن أبى طالب فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما بيتى ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى ثم انصرف إلى فقال: «مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟» فأخبرته خبر الرجلين وخبر على فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء وأمنا من أمنت فلا يقتلهما» «2» .
قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية بن المغيرة.
ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ليستلم الركن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال:
«لا إله إلا الله، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 97) ، موطأ مالك (2/ 543، 544/ 44) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب المسافرين (1/ 498/ 82) ، سنن أبى داود (3/ 2763) ، سنن الترمذى (4/ 1579) .
(1/509)

أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب» . ثم تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] .
ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «1» .
ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد فقام إليه على بن أبى طالب- رضى الله عنه- ومفتاح الكعبة فى يديه، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان بن طلحة» ؟ فدعى له فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» . وقال لعلى فيما حكى ابن هشام: «إنما أعطيكم ما ترزأون لا ما ترزأون» «2» .
وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى طوافه نزل فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال: «لولا أن يغلب بنو عبد المطلب على سقياتهم لنزعت منها بيدى» . ثم انصرف إلى ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم- وكان المقام لاصقا بالكعبة- فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسجل من ماء فشرب وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويعجبون ويقولون: ما راينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا به!
وذكر ابن هشام- أيضا- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم مصورا فى يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله! جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام؟! ما شأن إبراهيم والأزلام» ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [آل عمران: 67] ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 612) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 118) .
(2) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 177) .
(3) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (2/ 2027) ، سنن البيهقى (5/ 158) ، المطالب العالية لابن حجر (4/ 4364) .
(1/510)

وعن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة بالرصاص فجعل النبى يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: 81] فما أشار إلى صنم منها فى وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعى:
وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
وأراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثى قتل النبى صلى الله عليه وسلم وهو بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضالة؟» قال: نعم فضالة يا رسول الله قال: «ماذا كنت تحدث نفسك؟» فقال: لا شىء، كنت أذكر الله. فضحك النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: «استغفر الله» ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شىء أحب إلى منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث: فقلت لا. وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام
لو ما رأيت محمد وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن، وكان دخل معه، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب:
لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصباء! فخرج عليهم النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «قد علمت الذى قلتم» «1» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها.
فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شىء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (3/ 132) .
(1/511)

أخبروه فقال: «معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم» «1» .
وعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له: ابن الأثوع فقتلوه وهو مشرك برجل من أسلم يقال له: أحمر بأسا وكان رجلا شجاعا وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفى مكانه فكان يبيت فى حيه معتنزا، فإذا بيت الحى صرخوا: يا أحمر. فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شى. فأقبل غزى من هذيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلى: لا تعجلوا حتى أنظر فإذا كان فى الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفى. فاستمع فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف فى صدره ثم تحامل عليه حتى قتله. ثم أغاروا على الحاضر فصرخوا: يا أحمر ولا أحمر لهم! فلما كان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلى حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة يقولون: أنت قاتل أحمر؟ قال: نعم أنا قاتل أحمر فمه. إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف فقال: هكذا عن الرجل.
قال بعض من حضرهم: وو الله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه، فلما تفرجوا حمل عليه فطعنه بالسيف فى بطنه، فو الله لكأنى أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه وإن عينيه لترنقان فى رأسه وهو يقول: أقد فعلتموها يا معشر خزاعة! حتى انجعف فوقع.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ما صنع خراش بن أمية: «إن خراشا لقتال» . يعيبه بذلك.
وقام صلى الله عليه وسلم فى الناس خطيبا فقال: «يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلى ولا تحل لأحد يكون بعدى، ولم تحل لى إلا هذه الساعة غضبا على أهلها؛ ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله قد قاتل.
فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل أن يقع لقد قتلتم قتيلا لأدينه؛ فمن قتل بعد مقامى هذا فهم بخير النظرين إن شاؤا فدم قاتله وإن شاؤا فعقله» «2» .
ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذى قتلت خزاعة.
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الدار قطنى (3/ 232/ 59، 60) ، مسند الإمام أحمد (2/ 538) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 987، 988، 446) ، سنن الترمذى (3/ 809) .
(1/512)

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. وكان فتحها لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان.
وكان مما قيل من الشعر فى فتح مكة قول حسان بن ثابت، وذكر ابن هشام أنه قالها قبل الفتح:
عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء «1»
ديار من بنى الحسحاس قفر ... تعفيها الروماس والسماء «2»
وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء
فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقنى إذا ذهب العشاء
لشعثاء التى قد تيمته ... فليس لقلبه منه شفاء
كأن سيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء «3»
تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يغر الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا فى كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافى من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء
__________
(1) عفت: أى درست وتغيرت.
(2) الحسحاس: الرجل الجواد الذى يطرد الجوع بسخائه. والروامس: الرياح التى تثير التراب فترمى به الآثار.
(3) مصغيات: أى مستمعات. والأسل: أى الرماح.
(1/513)

ألا أبلغ أبا سفيان عنى ... مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا وأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشر كما لخير كما الفداء
هجوت مباركا برا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء
لسانى صارم لا عيب فيه ... وبحرى لا تكدره الدلاء
وقول ابن هشام: إن حسان قال هذا الشعر قبل الفتح ظاهر فى غير ما شىء من مقتضياته، ومن ذلك: مقاولته لأبى سفيان وهو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أسلم قبل الفتح فى طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة كما تقدم.
وكذلك ذكر ابن عقبة أن حسان قاله فى مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى أبى بكر فتبسم لقول حسان فى ذلك: يلطمهن بالخمر النساء.
وقال أنس بن زنيم الديلى يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعى:
وأنت الذى تهدى معد بأمره ... بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلا ... إذ راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركى ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفون كل موعد
ونبوا رسول الله أنى هجوته ... فلا حملت سوطى إلى إذن يدى
سوى أننى قد قلت ويلم فتية ... أصيبوا بنحس لائط وبأسعد
ذويب وكلثوم وسلمى تتابعوا ... جميعا فإن لا تدمع العين أكمد
أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفاء فعزت عبرتى وتبلدى
وقال بجير بن زهير بن أبى سلمى فى يوم الفتح:
(1/514)

نفى أهل الحبلق كل فج ... مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح الن ... بى الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسلع من سليم ... وألف من بنى عثمان واف
نطا أكتافهم ضربا وطعنا ... ورشقا بالمريشة اللطاف «1»
ترى بين الصفوف لها حفيفا ... كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم ... بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا ... وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منا ... مواثقنا على حسن التصافى
وقد سمعوا مقالتنا فهموا ... غداة الروع منا بانصراف
وقال عباس بن مرداس السلمى فى فتح مكة:
منا بمكة يوم فتح محمد ... ألف تسيل به البطاح مسوم «2»
نصروا الرسول وشاهدوا أيامه ... وشعارهم يوم اللقاء مقدم
فى منزل ثبتت به أقدامهم ... ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها ... حتى استعاد لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله ... حكم السيوف لنا وجد مزحم
وقال نجيد بن عمران الخزاعى:
وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا ... ركام صحاب الهيدب المتراكب
وهجرتنا فى أرضنا عندنا بها ... كتاب أتى من خير ممل وكاتب
ومن أجلنا حلت بمكة حرمة ... لندرك ثأرا بالسيوف القواضب
ولما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة بعث السرايا فيما حولها يدعو إلى الله، ولم يأمرهم بقتال.
وكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب، فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فقال رجل منها يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد! والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحى أبدا. فأخذه رجال من قومه
__________
(1) رشقا: أى الرمى السريع. والمريشة: أى السهام التى لها ريش.
(2) البطاح: جمع بطحاء، وهى الأرض السهلة المتسعة. مسوم: أى مرسل.
(1/515)

فقالوا: يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد.
فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. وقال لهم جحدم حين وضعوا سلاحه ورأى ما يصنع بهم: يا بنى جذيمة ضاع الضرب! قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه.
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» «1» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل انفلت منهم فأتاه بالخبر:
«هل أنكر عليه أحد؟» فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل أحمر مضطرب فرجعه فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبى حذيفة.
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت كأنى لقمت لقمة من حيس فالتذذت طعمها فاعترض فى حلقى منها شىء حين ابتعلتها فأدخل على يده فنزعه» . فقال أبو بكر: هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون فى بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله «2» .
ثم لما كان من خالد فى بنى جذيمة ما كان دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب فقال: «يا على اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر فى أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» . فخرج على حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال حتى إنه ليدى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شىء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم على حين فرغ منه: هل بقى دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا؛ قال: فإنى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون.
ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: «أصبت وأحسنت» .
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» «3» ، ثلاث مرات.
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (2/ 6382) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 115) .
(2) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (7/ 655) .
(3) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 655) .
(1/516)

وقد قال بعض من يعذر خالدا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمى وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام.
وحدث ابن أبى حدرد الأسلمى قال: كنت يومئذ فى خيل خالد بن الوليد فقال لى فتى من بنى جذيمة وهو فى سنى وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى. قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدى إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردنى بعد فتصنعوا بى بعد ما بدا لكم؟ قال قلت:
والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته فقدته بها أو قفته عليهن فقال: اسلمى حبيش على نفد العيش:
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك أهلا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لى قد قلت إذا أهلنا معا ... أثيبى بود قبل إحدى الصفائق
أثيبى بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فقالت: وأنت فحييت سبعا وعشرا وترا وثمانيا تترى. قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه. فحدث من حضرها أنها قامت إليه حين ضربت عنقه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده.
وخرج النسائى هذه القصة فى مصنفة فى باب «قتل الأسارى» من حديث ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا وفيهم وفيهم رجل قال: إنى لست منهم، عشقت امرأة فلحقتها فدعونى أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بى ما بدا لكم. قال: فإذا امرأة طويلة أدماء فقال: اسلمى حبيش قبل نفد العيش وذكر بعض الشعر المتقدم وبعده: قالت: نعم فديتك. قال: فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقفت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال صلى الله عليه وسلم: «أما كان فيكم رجل رحيم» .
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى وكانت بنخلة، وكان بيتا تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها، وكان سدنتها وحجابها بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بن هاشم، فلما سمع صاحبها السلمى بسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند فى الجبل الذى هو فيه وهو يقول:
أيا عز شدى شدة لا شوى لها ... على خالد ألقى القناع وشمرى
(1/517)

أيا عز إن لم تقتلى المرء خالدا ... فبوئى بإثم عاجل أو تنصرى
فلما انتهى إليها خالد هدمها. ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

غزوة حنين «1»
ولما سمعت «2» هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النضرى، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نضر وجشم كلها، وسعد بن بكر وناس من بنى هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء.
وفى بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شىء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف.
فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فى شجار «3» له يقاد به، فلما نزل قال: «فى أى واد أنتم؟» قالوا: بأوطاس. قال: «نعم مجال الخيل لا حزن ضرس»
ولا سهل دهس «5» ، ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير ويعار الشاء؟» قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أمولهم ونساءهم وأبناءهم. قال: «أين مالك؟» فدعى له فقال: «يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده، ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟» قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم قال: فانقض به، وقال: «راعى ضأن والله! وهل يرد المنهزم شىء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك» .
ثم قال: «ما فعلت كعب وكلاب؟» قالوا: لم يشهدها منهم أحد. قال: «غاب
__________
(1) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 331- 341) ، مغازى الواقدى (3/ 885) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 108) ، تاريخ الطبرى (3/ 71) ، الكامل (2/ 135) ، البداية والنهاية (4/ 322) .
(2) انظر: السيرة (4/ 71) .
(3) شجار: شبه الهودج إلا أنه مكشوف من أعلى.
(4) الحزن: المرتفع من الأرض. الضرس: الذى فيه حجارة محددة.
(5) سهل دهس: هو كل لين سهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس بتراب ولا طين..
(1/518)

الحد «1» والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟» قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر. قال: «ذانك الجذعان «2» لا ينفعان ولا يضران! يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصّبّاء «3» على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك» .
قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو أرى، قالوا: أطعناك.
فقال دريد ابن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى:
يا ليتنى فيها جذع ... أخب فيها وأضع «4»
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.
وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
ولما سمع بهم نبى الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى وأمره أن يدخل فى الناس، ويقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوزان ما هم له ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر «5» .
__________
(1) غاب الحد: أى غابت الشجاعة والحدة.
(2) الجذعان: يريد أنهما ضعيفان بمنزلة الجذع فى سنه.
(3) الصباء: مفردها صابىء وكانوا يسمون المسلمون صباء.
(4) يا ليتنى فيها جذع: يتمنى أن يكون فى هذه الحرب شابا لم تحطمه الأيام. وأخب: من الخبب، وهو ضرب من السير.
(5) ذكر فى السيرة (4/ 73) زيادة فى هذا الموضع فقال: « ... فأخبره الخبر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر فقال عمر: كذب ابن أبى حدرد، فقال ابن أبى حدرد: إن-
(1/519)

فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: «يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلقى فيها عدونا غدا» ، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك» ، قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل «1» .
ثم خرج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامدا لحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا.
وذكر «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين ورأى كثرة من معه من جنود الله: «لن نغلب اليوم من قلة» «3» . وزعم بعض الناس أن رجلا من بنى بكرة قالها.
واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس «4» على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه يريد لقاء هوازن.
قال ابن عقبة: وكان أهل حنين يظنون حين دنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى فى توجهه إلى مكة أنه بادىء بهم، وصنع الله لرسوله ما هو أحسن من ذلك، فتح له مكة فأقر بها عينه وكبت بها عدوه.
__________
- كذبتنى فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير منى، فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبى حدرد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كانت ضالا فهداك الله يا عمر» . هكذا وردت هذه الزيادة فى السيرة. وانظر هذه الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 324) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 121) .
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 48، 49) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (631) ، السنن الكبرى للبيهقى (6/ 89) .
(2) انظر: السيرة (4/ 77) .
(3) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (1/ 443) ، سنن أبى داود (3/ 2611) ، سنن الترمذى (4/ 1555) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1775) ، الإصابة الترجمة رقم (5407) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3538) ، الثقات (3/ 304) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 370) ، تقريب التهذيب (2/ 3) خلاصة تذهيب (2/ 208) ، شذرات الذهب (1/ 56) ، العبر (1/ 16) ، تهذيب الكمال (2/ 900) ، مشاهير علماء الأمصار (155) .
(1/520)

فلما خرج صلى الله عليه وسلم إلى حنين خرج معه أهل مكة ركبانا ومشاة، حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وحدث «1» أبو واقد الليثى قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثوا عهد بالجاهلية، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة خضراء عظيمة يقال لها: ذات أنواط. يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! قلتم والذى نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138] فإنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» «2» .
وحدث «3» جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا فى واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال: وذلك فى عمامة الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادى فكمنوا لنا فى شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيأوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد.
وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم قال: «أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» قال: فلا شىء! حملت الإبل بعضها على بعض وانطلق الناس، إلا أنه قد بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمرو ومن أهل بيته على بن أبى طالب والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن قتل يومئذ «4» .
قال «5» : ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء فى رأس رمح طويل
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 75) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 218) ، سنن الترمذى (4/ 2180) .
(3) انظر: السيرة (4/ 75) .
(4) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 376) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 179) .
(5) انظر: السيرة (4/ 76) .
(1/521)

أمام هوازن وهم خلفه، إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا ذلك الرجل يصنع ما يصنع إذا أهوى له على بن أبى طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال: فيأتى على من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصارى على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله.
قال ابن إسحاق «1» : فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما فى أنفسهم من الضغن فقال أحدهم: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر. وإن الأزلام لمعه فى كنانته. وصرخ آخر منهم: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك فى المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربنى رجل من قريش أحب إلىّ من أن يربنى رجل من هوازن.
وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار، وكان أبوه قتل يوم أحد، قلت: اليوم أدرك ثأرى، اليوم أقتل محمدا. قال: فأردت برسول الله لأقتله فأقبل شىء حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت أنى ممنوع منه «2» .
وذكر ابن أبى خيثمة حديث شيبة هذا، قال: لما رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يوم حنين أعرى ذكرت أبى وعمى قتلهما حمزة، قلت: اليوم أدرك ثأرى فى محمد، فجئته عن يمينه فإذا أنا العباس قائما عليه درع بيضاء، قلت: عمه لن يخذله، فجئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث، قلت: ابن عمه لن يخله، فجئته من خلفه فدنوت ودنوت حتى لم يبق إلا أن أسور سورة بالسيف فرفع إلى شواظ من نار كأنه البرق فنكصت على عقبى القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا شيبة ادنه» . فدنوت فوضع يده على صدرى فاستخرج الله الشيطان من قلبى فرفعت إليه بصرى فلهو أحب إلى من سمعى وبصرى، فقال لى: «يا شيبة قاتل الكفار» «3» . فقاتلت معه صلى الله عليه وسلم.
وحدث «4» العباس بن عبد المطلب قال: إنى لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرء جسيما شديد الصوت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من أمر الناس: «أين أيها الناس؟» فلم أر الناس يلوون على شىء، فقال: «يا
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 76- 77) .
(2) انظر: السيرة (4/ 77) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية (4/ 333) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 226) .
(4) انظر: السيرة (4/ 78) .
(1/522)

عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة» . قال: فأجابوا: لبيك لبيك.
قال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها فى عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت الدعوى أول ما كانت للأنصار ثم خلصت آخرا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: «الآن حمى الوطيس» «1» .
قال جابر بن عبد الله فى حديثه: واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم!.
قال: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى سفيان بن الحارث وكان حسن الإسلام وممن صبر يومئذ معه وهو آخذ بثغر بغلته فقال: «من هذا؟» قال: أنا ابن أمك يا رسول الله «2» .
وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال يومئذ قام فى الركابين وهو على البغلة. ويقولون: نزل. فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول: «اللهم إنى أنشدك ما وعدتنى، اللهم لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا» . ونادى أصحابه فذمرهم: «يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، يا أصحاب سورة البقرة، يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج» . وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها. وقال: «شاهت الوجوه» «3» .
فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاههم وإبلهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف فى ناس من أشراف قومه.
__________
(1) ذكره الإمام أحمد فى مسنده (1775) ، مسلم فى صحيحه (3/ 1398، 1399/ 76) .
(2) لم أقف على تخريجه فيما بين يدى من مصادر، وقصة أبى سفيان بن الحارث أنه كان أخذ بزمام ناقة النبى صلى الله عليه وسلم أخرجها البخارى فى صحيحه كتاب المغازى (7/ 4315) من طريق أبى إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ... وفيه: «فيفهم هوزان بالنبل والنبى صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب» .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية (4/ 330) ، المعجم الكبير للطبرانى (10/ 188) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 82، 8/ 619) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 131) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 619) .
(1/523)

وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصر الله ورسوله وإعزاز دينه.
وحدث «1» جبير بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مثبوت قد ملأ الوادى ولم أشك أنها الملائكة، فلم تكن إلا هزيمة القوم «2» .
والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبى طلحة وهى حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة، ومعها جمل أبى طلحة قد خشيت أن يعزها فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها فى خزامته مع الحظام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أم سليم؟» قالت: نعم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو يكفى الله يا أم سليم؟» . وقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر يا أم سليم؟ لخنجر رآه عندها. قالت: خنجر اتخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به. فقال أبو طلحة:
ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم! «3» .
وحدث «4» أنس: أن أبا طلحة استلب وحده يوم حنين عشرين رجلا «5» .
وقال أبو قتادة رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقنى بيده الأخرى، فو الله ما أرسلنى حتى وجدت ريح الدم.
ويروى: ريح الموت. فلولا أن الدم نزفه لقتلنى، فسقط فضربته فقتلته وأجهضنى عنه القتال. فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا فله سلبه. فقلت: يا رسول الله والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب فأجهضنى عنه القتال
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 81- 82) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 146) ، تاريخ الطبرى (2/ 169) ، تفسير ابن كثير (4/ 72) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الجهاد باب غزوة النساء مع الرجال (3/ 1442، 1443) ، سنن أبو داود (2718) ، مسند الإمام أحمد (3/ 108، 109، 190، 279، 286) .
(4) انظر: السيرة (4/ 81) .
(5) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (2/ 2484) ، مسند الإمام أحمد (3/ 114، 123، 190، 279) ، مستدرك الحاكم (3/ 353) ، ابن حبان (7/ 4818) .
(1/524)

فما أدرى من استلبه. فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله فأرضه عنى من سلبه. فقال أبو بكر: لا والله لا ترضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه! اردد عليه سلب قتيله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق اردد عليه سلبه.
قال أبو قتادة: فأخذته منه فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنه لأول مال اعتقدته «1» .
ولما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف فى بنى مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ومعه كانت راية بنى مالك.
وكانت قبله مع ذى الخمار، فلما قتل أخذها عثمان فقاتل بها حتى قتل، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله قال: «أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشا» «2» .
وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الأحلاف فلم يقتل منهم غير رجلين يقال لأحدهما وهب وللآخر الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: «قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة» «3» . يعنى الحارث بن أويس.
ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك فى نخلة من الناس ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع وكان يقال له: ابن الدغنة، وهى أمه غلبت على اسمه أدرك دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان فى شجار له، فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد:
ماذا تريد بى؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: انا ربيعة بن رفيع السلمى. ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفى هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإنى كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك.
فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (3/ 1370، 1371، 41) ، مسند الإمام أحمد (5/ 306) .
(2) انظر الحديث فى: مصنف عبد الرزاق (11/ 19904) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 335) .
(1/525)

والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا «1» . وقالت عميرة بنت دريد ترثى أباها:
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا ... فظل دمعى على السربال ينحدر
لولا الذى قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف يأتمر «2»
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعرى «3» فأدرك بعض المنهزمة فناوشوه القتال، فرمى بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعرى «4» ففتح الله عليه وهزمهم الله، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر.
وذكر ابن هشام «5» عمن يثق به أن أبا عامر الأشعرى لقى يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا بعد رجل، ويحمل أبو عامر ويقول ذلك، حتى قتل تسعة وبقى العاشر، فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقال الرجل: اللهم لا تشهد على، فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: «هذا شريد أبى عامر» «6» ورمى أبا عامر يومئذ- فيما ذكر ابن هشام- خوان من بنى جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والأخر ركبته فقاتلاه، وولى الناس أبو موسى الأشعرى فحمل عليهما فقتلهما.
وذكر ابن إسحاق «7» أن القتل استحر فى بنى نصر بن رئاب، فزعموا أن عبد الله
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 145) ، تاريخ الطبرى (2/ 170) ، الأصفهانى كتاب الأغانى (9/ 15، 16) .
(2) ذكر فى السيرة بعد هذان البيتان بيت آخر هو:
إذن لصحبهم غبا وظاهرة ... حيث استقرت نواهم جحفل دفر
انظر: السيرة (4/ 87) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3092) ، الإصابة الترجمة رقم (10185) ، أسد الغابة الترجمة (6043) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3226) ، الإصابة الترجمة رقم (10588) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6294) .
(5) انظر: السيرة (4/ 89- 90) .
(6) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 639) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 338) .
(7) انظر: السيرة (4/ 87- 88) .
(1/526)

ابن قيس الذى يقال له: ابن العوراء، وهو أحد بنى وهب بن رئاب، قال: يا رسول الله، هلكت بنو رئاب. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اجبر مصيبتهم» «1» .
وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف فى فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لأصحابه: قفوا حتى يمضى ضعفاؤكم وتلحق اخراكم. فوقف هنالك حتى مضى من كان لحق بهم منهزمة الناس.
قال ابن هشام «2» : وبلغنى أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم.
فقال: هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادى، ثم طلعت خيل اخرى تتبعها فقال لأصحابه: ماذا ترون، قالوا: نرى أقواما عارضى أرماحهم أغفالا «3» على خيلهم. قال: هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم ثم اطلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا:
نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء. فقال: هذا الزبير بن العوام وأحلف باللات ليخالطنكم فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «إن قدرتم على بجاد، رجل من بنى سعد بن بكر، فلا يفلتنكم» ، وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا عليها فى السياق فقالت للمسلمين: تعلموا والله أنى لأخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبى صلى الله عليه وسلم فلما انتهوا بها إليه قالت: يا رسول الله إنى أختك. قال: وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضة عضضتنيها فى ظهرى وأنا متوركتك، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها، فقال: إذا أحببت فعندى محبة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعى إلى قومك فعلت، قالت: بل تمتعنى وتردنى إلى قومى. فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها. فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له: مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية «4» .
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 152) ، الإصابة لابن حجر (4/ 121) .
(2) انظر: السيرة (4/ 88- 89) .
(3) أغفالا: جمع غفل، وهو الذى لا علامة له، يريد أنهم لم يتخذوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.
(4) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 171) ، الإصابة لابن حجر (8/ 123) ، الاستيعاب لابن-
(1/527)

وأنزل الله تبارك وتعالى فى يوم حنين لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [التوبة: 25، 26] .
واستشهد من المسلمين يوم حنين من قريش ثم من بنى هاشم: أيمن بن عبيد «1» مولاهم. ومن بنى أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب «2» ، جمح به فرس يقال له الجناح فقتل.
ومن الأنصار: سراقة بن الحارث العجلانى «3» . ومن الأشعريين أبو عامر الأشعرى.
ثم جمعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حنين وأموالها فأمر بها إلى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها هنالك منصرفه عن الطائف على ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وقال عباس بن مرداس السلمى «4» فى يوم حنين «5» :
عفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلا أريك قد خلافا لمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا ... رخى وصرف الدهر للحى جامع
حبيبة ألوت بها غربة النوى ... لبين فهل ماض من العيش راجع
فإن تبتغى الكفار غير ملومة ... فإنى وزير للنبى وتابع
دعانا إليه خير وفد علمتم ... خزيمة والمرار منهم وواسع
__________
- عبد البر الترجمة رقم (1870، 4003) ، أسد الغابة لابن الأثير (7/ 166، 167) .
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (131) ، الإصابة الترجمة رقم (394) ، أسد الغابة الترجمة رقم (353) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 41) ، معرفة الصحابة (2/ 372) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2800) ، الإصابة الترجمة رقم (9280) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5552) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (916) ، الإصابة الترجمة رقم (3113) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1948) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1387) ، الإصابة الترجمة رقم (4529) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2801) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 295) ، تاريخ جرجان (281) ، تقريب التهذيب (1/ 399) ، تهذيب التهذيب (5/ 130) ، خلاصة تذهيب (2/ 37) ، تهذيب الكمال (2/ 660) ، الأعلام (3/ 267) .
(5) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 95- 96) .
(1/528)

فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما ... يد الله بين الأخشبين نبايع
فجسنا مع المهدى مكة عنوة ... بأسيافنا والنقع كاب وساطع
علانية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن ... إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا ... قراع الأعادى منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء كخدروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع
نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكن دين الله دين محمد ... رضينا به فيه الهدى والشرائع
أقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمه الله دافع
وقال عباس أيضا «1» :
تقطع باقى وصل أم مؤمل ... بعاقبة واستبدلت نية خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع النوى ... فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها ... وتحتل فى البادين وجرة فالعرفا «2»
فإن تتبع الكفار أم مؤمل ... فقد زودت قلبى على نأيها شغفا
وسوف ينبيها الخبير بأننا ... أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وإنا مع الهادى النبى محمد ... وفينا ولم نستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة ... أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم ... مصاعب زافت فى طروقتها كلفا
كأن النسيج الشهب والبيض ملبس ... أسودا تلاقت فى مراصدها غضفا «3»
بنا عز دين الله غير تنحل ... وزدنا على الحى الذى معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأن لواءنا ... عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخص الأبصار تحسب بينها ... إذا هى جالت فى مواردها عزفا
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 96- 97) .
(2) خفافية: منسوبة إلى بنى خفاف وهم حى من سليم. مصيفها: المكان الذى تقيم فيه فى الصيف.
(3) غضفا: الغضف: جمع أغضف وهو المسترخى الأذنين.
(1/529)

غداة وطئنا المشركين ولم نجد ... لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه ... لنا [زجمة] «4» إلا التذامر والنقفا
ببيض تطير الهام عن مستقرها ... وتقطف أعناق الكماة بها قطفا
فكاين تركنا من قتيل ملحب ... وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوى لا رضا الناس نبتغى ... ولله ما يبدو جميعا وما يخفى
وقال عباس أيضا «1» :
ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمه ... تقطع السلك منه فهو منتثر
ما بعد منزل من ترجو مودته ... ومن أتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد ... ولى الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم فى مواطنها ... وفى سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا ... دين الرسول وأمر الناس مشتجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية ... ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللوامع والضحاك يقدمنا ... كما مشى الليث فى غاباته الخدر
فى مأزق من مجر الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا ... لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا ... إلا قد أصبح منا فيهم أثر
وقال عباس بن مرداس أيضا رضى الله عنه «2» :
يا أيها الرجل الذى تهوى به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس
__________
(4) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «رحمة» ، والتصحيح من السيرة. وزجمة: تقول ما زجم فلان أى ما نطق بكلمة.
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 97- 98) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 98- 99) .
(1/530)

إما أتيت على النبى فقل له ... حقا عليك إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطى ومن مشى ... فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذى عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من أفناء بهثة كلها ... جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس
من كل أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدخال وقونس
وعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والشمس يومئذ عليها أشمس
نمضى ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا ... رضى الإله بهم فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة ... كفت العدو وقيل منها يحبس
ندعو هوازن بالإخاءة بيننا ... ثدى تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه ... عير تعاقبه السباع مفرس
وقال عباس بن مرداس أيضا «1» :
نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كمى لا تعد حواسره
حملنا له فى عامل الرمح راية ... يذود بها فى حومة الموت ناصره
ونحن خضبناها دما فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره
وكنا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللواء وشاهره
وكنا له يوم الجنود بطانة ... يشاورنا فى أمره ونشاوره
دعانا فسمانا الشعار مقدما ... وكنا له عونا على من يناكره
جزى الله خيرا من نبى محمدا ... وأيده بالنصر والله ناصره

غزوة الطائف «2»
ولما قدم فل الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 99) .
(2) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 341) ، مغازى الواقدى (3/ 922) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 114) ، تاريخ الطبرى (3/ 82) .
(1/531)

يشهد حنينا ولا الطائف عروة بن مسعود «1» ولا غيلان بن سلمة «2» ، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور.
ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين، فقال كعب بن مالك حين أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إليها «3» :
قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلست لحاضن إن لم تروها ... بساحة دار كم منا ألوفا
وننتزع العروش ببطن وج ... وتصبح دوركم منكم خلوفا
ويأتيكم لنا سرعان خيل ... يغادر خلفه جمعا كثيفا
إذا نزلوا بساحتكم سمعتم ... لها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفات ... يزرن المصطلين بها الحتوفا
كأمثال العقائق أخلصتها ... قيون الهند لم تضرب كتيفا
تخال جدية الأبطال فيها ... غداة الروع جاديا مدوفا
أجدهم أليس لهم نصيح ... من الأقوام كان بنا عريفا
يخبرهم بأنا قد جمعنا ... عتاق الخيل والنجب الطروفا
وأنا قد أتيناهم بزحف ... يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسهم النبى وكان صلبا ... نقى القلب مصطبرا عزوفا
رشيد الأمر ذا حكم وعلم ... وحلم لم يكن نزقا خفيفا
نطيع نبينا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رؤفا
فإن تلقوا إلينا السلم نقبل ... ونجعلكم لنا عضدا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر ... ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا
نجالد ما بقينا أو تنيبوا ... إلى الإسلام إذعانا مضيفا
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1823) ، الإصابة الترجمة رقم (5542) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 380) ، الأعلام (4/ 227) ، الثقات (3/ 313) ، التحفة اللطيفة (3/ 187) ، تبصير المنتبه (4/ 1495) ، العبر (1/ 10) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2090) ، الإصابة الترجمة رقم (6940) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4190) .
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 106- 108) .
(1/532)

نجاهد لا نبالى ما لقينا ... أأهلكنا التلاد أم الطريفا
وكم من معشر ألبوا علينا ... صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء ... فجدعنا المسامع والأنوفا
بكل مهند لين صقيل ... نسوقهم بها سوقا عنيفا
لأمر الله والإسلام حتى ... يقوم الدين معتدلا حنيفا
وتنسى اللات والعزى وود ... ونسلبها القلائد والشنوفا
فأمسوا قد أقروا واطمأنوا ... ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على نخلة اليمانية، وانتهى إلى بحرة الرغاة «1» فابتنى بها مسجدا فصلى فيه وأقاد فيها يومئذ بدم رجل من هذيل قتله رجل من بنى ليث فقتله به، وهو أول دم أقيد به فى الإسلام، وأمر فى طريقه بحصن مالك بن عوف فهدم.
ثم سلك فى طريق فسأل عن اسمها فقيل له: الضيقة. فقال: «بل هى اليسرى» . ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك» ، فأبى أن يخرج فأمر بإخرابه.
ثم مضى حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره، فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم.
فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذى بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل «2» : بضع عشرة ليلة ومعه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة، فضرب لهما قبتين، ثم صلى بينهما، فلما أسلمت ثقيف بنى عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك على مصلاة ذلك مسجدا، وكانت فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنبل «3» .
ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق فيما ذكر ابن هشام، قال: وهو أول من رمى به فى الإسلام إذ ذاك «4» .
__________
(1) بحرة الرغاء: هو موضع من أعمال الطائف قرب ليّة. انظر: معجم البلدان (1/ 346) .
(2) هذا من كلام ابن هشام، قال: ويقال: سبع عشرة ليلة. انظر: السيرة (4/ 109) .
(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 346) ، الطبرى فى تاريخه (2/ 172) .
(4) انظر: السيرة (4/ 110) ، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 348) .
(1/533)

حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعتاب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون، وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفا أن آمنونا حتى نكلمكم فآمنوهما. فدعوا نساء من نساء قريش وبنى كنانة منهن ابنة أبى سفيان ليخرجن إليهما وهما يخافان عليهن السباء فأبين، فلما أبين قال لهما الأسود بن مسعوديا أبا سفيان ويا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له؟ إن مال بنى الأسود حيث علمتما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بينه وبين الطائف بواد يقال له العقيق، إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء وأشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بنى الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه او ليدعه لله وللرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل.
فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لأبى بكر الصديق رضى الله عنه وهو محاصر ثقيفا: «يا أبا بكر، إنى رأيت إنى أهديت إلى قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك، [فهراق] «1» ما فيها» . فقال: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا لا أرى ذلك» «2» .
ثم إن خويلة بنت حكيم السلمية «3» ، امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطنى إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان، أو حلى الفارعة ابنة عقيل.
وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «وإن كان لم يؤذن فى ثقيف يا خويلة؟» فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: «قد قلته» . قال: أو ما أذن فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا» . قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: «بلى» ، فأذن عمر بالرحيل «4» .
__________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 350) .
(3) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3355) ، الإصابة الترجمة رقم (11119) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6888) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 264) ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (3/ 380) .
(4) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 168- 169) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 350) .
(1/534)

فلما استقل الناس نادى سعيد بن عبيد: ألا إن الحى مقيم. يقول عيينة بن حصن «1» :
أجل، والله مجدة كراما! فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة؟ أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جئت تنصره؟ قال: إنى والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكنى أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتطئها لها تلد لى رجلا فإن ثقيفا قوم مناكير.
ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إقامته عليهم عبيد لهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم فى أولئك العبيد «2» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا، أولئك عتقاء الله» «3» .
واستشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا، سبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بنى ليث «4» .
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف حتى نزل الجعرانة وإليها كان قدم سبى هوازن وأموالهم «5» ، وقال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» «6» .
ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، وكان معه من سبيهم ستة آلاف من الذرارى والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدرى ما عدته، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك، وقام رجل منهم من سعد بن بكر يقال له: زهير، يكنى بأبى صرد، فقال: يا رسول الله، إنما فى الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2078) ، الإصابة الترجمة رقم (6166) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4166) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 432) ، الاستبصار (94، 95) ، العبر (12، 13) ، الثقات (3/ 312) .
(2) ذكر ابن إسحاق فى السيرة (4/ 112) ، إنه كان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة.
(3) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (4/ 348) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 159) .
(4) قد سمهم ابن إسحاق فى السيرة (4/ 113- 114) .
(5) راجع أمر أموال هوازن وسباياها فى: تاريخ الطبرى (2/ 173) ، الكامل فى التاريخ (2/ 268) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 152، 153) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (2/ 193) .
(6) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 343) ، سنن الترمذى (5/ 3942) .
(1/535)

أبى شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزلا منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه، وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين. ثم أنشأ يقول:
امنن علينا رسول الله فى كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مفرق شملها فى دهرها غير
أبقت لنا الحرب هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يحتبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملأه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتى وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منه فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى وقد كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو يشتهر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذى البرية أن تعفو وتنصر
فاعف عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم» ؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا. فقال لهم:
«أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا:
إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله فى أبنائنا ونسائنا.
فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم» .
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر قاموا فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم» ، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الأقرع بن حابس «1» : أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا.
وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عباس: وهنتمونى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما من تمسك منكم
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (69) ، الإصابة الترجمة رقم (231) ، أسد الغابة الترجمة رقم (208) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 26) ، الوافى بالوفيات (9/ 307) ، تهذيب تاريخ دمشق (3/ 89) ، تنقيح المقال (1034) ، الثقات (3/ 18) ، الجامع فى الرجال (281) ، التحفة اللطيفة (1/ 337) ، جامع الرواة (1/ 107) .
(1/536)

بحقه من هذا السبى فله بكل إنسان ست فرائض من أول شىء أصيبه، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم» «1» .
وكان عيينة بن حصن أخذ عجوزا من عجائزهم وقال حين أخذها: أرى عجوزا، إنى لأحسب أن لها فى الحى نسبا وعسى أن يعظم فداؤها. فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير أبو صرد: خذها عنك فو الله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا ردها بماكد، فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال «2» .
وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن: «ما فعل مالك بن عوف؟» فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال لهم: «أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل» . فأتى مالك بذلك فخاف ثقيفا أن يعلموا بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسبوه، فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له فأتى به بالطائف، فخرج ليلا على فرسه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس فركبها فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه «3» .
وقال:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... فى الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما فى غد
وأذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهرى وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر فى مرصد
فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن بن حبيب الثقفى «4» :
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبى داود كتاب الجهاد (2694) ، السنن الكبرى للبيهقى (6/ 336، 337) ، مسند الإمام أحمد (2/ 184، 218) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 187، 188) .
(2) انظر: السيرة (4/ 119) ، وذكر هناك زيادة بعد هذا وهى: « ... فزعموا أن عيينة لقيه الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: إنك والله ما أخذتها ببيضاء غريرة، ولا نصفا وثيرة» . قلت: ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (5/ 193) ، الهيثمى فى المجمع (6/ 188) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 198) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 189) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3193) ، الإصابة الترجمة رقم (10507) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6228) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 200) .
(1/537)