Advertisement

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء 003



الكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء
المؤلف: سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع (المتوفى: 634هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1420 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] هابت الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بنو سلمه
وأتانا مالك بهم ... ناقضا للعهد والحرمه
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا. للإبل والغنم، حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال: «ردوا على ردائى أيها الناس، فو الله إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» «1» .
ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فرفعها ثم قال: «أيها الناس، والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخائط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة» ، فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لى دبر. فقال:
«أما نصيبى منها فلك» . قال: أما إذا بلغت ذلك فلا حاجة لى بها. ثم طرحها من يده «2» .
ويروى «3» أن عقيل بن أبى طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه متلطخ دما فقالت: إنى قد عرفت أنك قد قاتلت فماذا أصبت من غنائم المشركين؟ قال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك. فدفعها إليها فسمع منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخائط والمخيط. فرجع عقيل فقال: ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت! وأخذها فألقاها فى الغنائم.
وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن الحارث بن كلدة، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى وصوفان بن أمية، وكل هؤلاء من أشراف قريش، والأقرع بن حابس التميمى وعيينة بن حصن الفزارى ومالك بن عوف النصرى، أعطى كل واحد من هؤلاء المسلمين من قريش وغيرهم مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (6/ 2821) ، مسند الإمام أحمد (4/ 84) ، مصنف عبد الرزاق (5/ 9497) .
(2) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (9/ 102) ، موطأ مالك (2/ 457، 458) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 339) .
(3) انظر: السيرة (4/ 121) .
(1/538)

مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب، وأعطى سعيد بن يربوع المخزومى وعدى بن قيس السهمى خمسين خمسين، وأعطى عباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال يعاتب فيها النبى صلى الله عليه وسلم:
وكانت نهابا تلافيتها ... بكرى على المهر فى الأجرع
وإيقاظى القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع
وقد كنت فى الحرب ذا تدراء ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع
وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فاقطعوا عنى لسانه» «1» ، فأعطوه حتى رضى، فكان ذلك قطع لسانه.
وذكر ابن هشام «2» أن عباسا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت القائل:
فأصبح نهبى ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينة»
فقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما واحد» . فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: 69] «3» .
وذكر ابن عقبة ان عباسا لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع لسانه فزع لها وقال: من لا يعرف أمر عباس يمثل به، فأتى به إلى الغنائم فقيل له: خذ منها ما شئت، فقال عباس:
إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع لسانى بالعطاء بعد أن تكلمت فتكرم أن يأخذ منها شيئا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلة فقبلها ولبسها.
وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائل من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 737، 738) ، كشفا الخفاء للعجلونى (1/ 182، 484) .
(2) انظر: السيرة (4/ 123) .
(3) انظر الحديث فى: تاريخ ابن كثير (4/ 360) .
(1/539)

«أما والذى نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكنى تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» «1» .
وجاء رجل من بنى تميم يقال له: ذو الخويصرة فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعطى الناس فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت فى هذا اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أجل، فكيف رأيت؟» قال: لم أرك عدلت. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ويحك! إذا لم يكن العدل عندى فعند من يكون؟» فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال: «لا، دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون فى الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر فى النصل فلا يوجد شىء، ثم فى القدح فلا يوجد شىء، ثم فى الفوق فلا يوجد شىء، سبق الفرث والدم» «2» .
ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى فى قريش وفى قبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئا، وجدوا فى أنفسهم حتى كثرت منهم القالة وحتى قال قائاهم: لقى والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه.
وذكر ابن هشام «3» أن حسان بن ثابت قال يعاتبه فى ذلك:
زاد الهموم فماء العين منحدر ... سحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شماء بهكنة ... هيفاء لا ذنن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها ... نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول فقل يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدد البشر
علام تدعى سليم وهى نازحة ... قدام قوم هم آووا وهم نصروا
سماهم الله أنصارا ينصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر
وسارعوا فى سبيل الله واعترفوا ... للنائبات وما خافوا وما ضجروا
والناس إلب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر
نجالد الناس لا نبقى على أحد ... ولا نضيع ما توحى به السور
ولا تهز جناة الحرب نادينا ... ونحن حين تلظى نارها سعر
كما رددنا ببدر دون ما طلبوا ... أهل النفاق وفينا ينزل الظفر
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 246) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (1/ 353) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 744، 745، 148) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 288) .
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 126) .
(1/540)

ونحن جندك يوم النعف من أحد ... إذ حزبت بطرا احزابها مضر
فما ونينا ولا خمنا وما خبروا ... منا عثارا وكل الناس قد عثروا
فدخل سعد بن عبادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت، قسمت فى قومك وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب ولم يك فى هذا الحى من الأنصار منها شىء.
قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومى. قال:
«فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة» ، فخرج سعد فجمع الأنصار فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أعلمه سعد بهم فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى عنكم وجدة وجدتموها على فى أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: «ألا تجيبوننى يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل، فقال صلوات الله عليه: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، فو الذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرء من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» ، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا «1» .
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا، وأمر ببقايا الفىء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران، فلما فرغ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس فى الدين ويعلمهم القرآن، وأتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقايا الفىء «2» .
ولما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتابا على مكة رزقه فى كل يوم درهما، فقام عتاب
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 735، 736، 135) ، صحيح البخارى (7/ 4337) ، مسند الإمام أحمد (3/ 76، 77) ، مجمع الزوائد للهيثمى (10/ 29) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 368) ، الحاكم فى المستدرك (3/ 370) .
(1/541)

خطيبا فى الناس فقال: أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم فليست بى حاجة إلى أحد «1» .
وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذى القعدة، وقدم المدينة فى بقيتة أو فى أول ذى الحجة «2» .
وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه وحج عتاب بن أسيد بالمسلمين فيها وهى سنة ثمان، وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم ما بين ذى القعدة إذ انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رمضان سنة تسع.
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره هذا منصرفا عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقى من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب قد هربوا فى كل وجه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض.
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان فى حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شىء بدا قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل من جهينة كانت بينه وبينه معرفة، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح، فصلى معه ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنه، فذكر أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس إليه فوضع يده فى يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» ، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير، فوثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعنى وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه عنك، فإنه قد جاءنا تائبا نازعا» «3» .
فغضب كعب على الأنصار لما صنع به صاحبهم ومدح المهاجرين دونهم إذ لم يتكلم فيه رجل منهم إلا بخير.
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 368) .
(2) ذكره مسلم فى صحيحه كتاب الحج (2/ 217، 916) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 368) ، أبو داود (1994) ، الترمذى (815) ، أحمد فى المسند (1/ 246، 321) .
(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 369) ، مستدرك الحاكم (3/ 583) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 393، 394) .
(1/542)

والقصيدة التى قالها كعب فى ذلك وذكر أنه أنشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد:
بانت سعاد فقلبى اليوم مبتول ... متيم عندها لم يجز مكبول
وما سعاد غداة البين إذ برزت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول «1»
تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول «2»
شحت بذى شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول «3»
تنفى الرياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب غادية بيض يعاليل «4»
وبلمها خلة لو أنها صدقت ... بوعدها أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون فى أثوابها الغول «5»
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأمانى والأحلام تضليل «6»
أمست سعاد بأرض لا تبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
ولا يبلغها إلا عذافرة ... فيها على الأبن إرقال وتبغيل «7»
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول «8»
__________
(1) الأغن: الصبى الصغير الذى فى صوته غنة، وهى صوت يخرج من الخيشوم. غضيض الطرف: أى فاتر الجفن.
(2) العوارض: الأسنان. ذى ظلم: الظلم ماء الأسنان وبريقها. الراح: اسم من أسماء الخمر.
(3) شجت: مزجت. ذى شبم: أى الماء البارد. المجنية: منتهى الوادى.
(4) القذى: أراد ما يقع فى الماء من تبن أو غيره. الصوب: المطر. غادية: السحابة التى تمطر بالغدو. اليعاليل: هو رغوة الماء.
(5) ذكر فى السيرة بعد هذه البيت بيت آخر لم يذكره هنا وهو:
وما تمسك بالعهد الذى زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل
انظر: السيرة (4/ 132) .
(6) ذكر فى السيرة هذا البيت قبل البيت الذى يسبقه هنا. وهناك بيت آخر لم يذكره هنا ورد بعدهما وهو:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
انظر: السيرة (4/ 132) .
(7) العذافرة: بضم العين هى الناقة الضخمة. الأين: الفتور والإعياء. الإرقال: ضرب من السير.
(8) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيت آخر لم يذكره هنا وهو:
ترمى النجاد بعينى مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل
انظر: السيرة (4/ 133) .
(1/543)

ضخم مقلدها فعم مقيدها ... فى خلقها عن بنات الفحل تفضيل*
حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل*
كأن أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل*
أوب يدى فاقد شمطاء معولة ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول
تفرى اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل
تمشى الغواة بجنبيها وقولهم ... إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إنى عنك مشغول
فقلت خلوا طريقى لا أبالكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذنى بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فى الأقاويل
__________
(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهم هنا وهما:
غلباء وجناء علكوم مذكرة ... فى دفها سعة قدامها ميل
وجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول
انظر: السيرة (2/ 133) .
(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت أبيات أخرى لم يذكره هنا وهى:
يمشى القراد عليها ثم يزلفه ... منها لبان وأقراب زهاليل
عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول
كأنما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللحيين برطيل
تمر مثل عسيب النخل ذا خصل ... فى غارز لم تخونه الأحاليل
قنواء فى حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفى الخدين تسهيل
تخدى على يسرات وهى لا حقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل
سمر العجايات يتركن الحصى زيما ... لم يقهن رؤس الأكم تنعيل
انظر: السيرة (4/ 134، 135) .
(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهم هنا وهما:
يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا
انظر: السيرة (4/ 135) .
(1/544)

لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... يرمى ويسمع ما قد أسمع الفيل
[لظل ترعد من خوف بوادره ... إن لم يكن من رسول الله تنويل
حتى وضعت يمينى ما أنازعها ... فى كف ذى نقمات قوله القيل
فلهو أخوف عندى إذ أكلمه ... وقيل إنك منسوب ومسئول
من ضيغم بضراء الأرض مخدره ... فى بطن عثر غيل دونه غيل
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
فى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال انكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود فى الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا فى نحورهم ... ليس لهم عن حياض الموت تهليل
ويروى أن كعبا لما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الخلق: «أى اسمعوا» . تعجبا بقوله.
ومن مستجاد شعر كعب بن زهير قوله أيضا يمدح النبى صلى الله عليه وسلم:
تخذى به الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وفى عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم
ولما قال كعب فى لاميته المتقدمة: «إذا عرد السود التنابيل» ، يريد الأنصار وخص المهاجرين بمدحته دونهم غضب عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدحهم ويذكر بلاءهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن، ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضه على ذلك وقال لما أنشده القصيدة المتقدمة: «لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل؟» «1» ، فقال كعب هذه الأبيات:
من سره كرم الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالح الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (4/ 374) .
(1/545)

المكرهين السمهرى بأذرع ... كسوالف الهندى غير قصار
والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الإبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت ببطن خفية ... غلب الرقاب من الأسود ضوارى
وإذا حللت ليمنعوك إليهم ... أصبحت عند معاقل الأغفار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة ... دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمى كله ... فيهم لصدقنى الذين أمارى
قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقارى
فى الغر من غسان فى جرثومة ... أعيت محافرها على المحفار «10»
وكان عبد الله بن الزبعرى السهمى شاعر قريش ولسانها فى مناقضة حسان بن ثابت وغيره من شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، له فى ذلك أشعار كثيرة ذكرها ابن إسحاق فى مواضعها وأضربنا نحن عنها وعن سائر أشعار الجاهلية لما فيها من تنقص الإسلام والنيل من أهله، فلما كان عام الفتح فر ابن الزبعرى إلى نجران فرماه حسان بن ثابت ببيت واحد ما زاد عليه وهو:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه ... نجران فى عيش أحذ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى «1» خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال فى ذلك أشعارا منها فى أبيات «2» :
يا رسول الله المليك إن لسانى ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أبارى الشيطان فى سنن الغى ... ومن مال ميله مثبور
وقال أيضا حين أسلم «3» :
منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم
__________
(10) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 138- 139) .
(1) هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم القرشى السهمى. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1551) ، الإصابة الترجمة رقم (4697) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2946) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 54) .
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 55) ، وقال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له.
(1/546)

مما أتانى أن أحمد لامنى ... فيه فبت كأننى محموم
يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين عشوم
إنى لمعتذر إليك من الذى ... أسديت إذ أنا فى الضلال أهيم
أيام تامرنى بأغوى خطة ... سهم وتأمرنى بها مخزوم
وأمد أسباب الردى ويقودنى ... أمر الغواة وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبى محمد ... قلبى ومخطىء هذه محروم
مضت العداوة فانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والداى كلاهما ... زللى فإنك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق ... حق وأنك فى العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى ... متقبل فى الصالحين كريم
فرم علا بنيانه من هاشم ... فرع تمكن فى الذرى وأروم

غزوة تبوك «1»
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه عن عمرة الجعرانة ما بين ذى الحجة إلى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك فى زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج فى غزوة إلا ورى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يعمد إليه، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو فى جهازه للجد بن قيس أحد بنى سلمة:
«ياجد هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن ولا تفتنى، فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت
__________
(1) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 362) ، المغازى للواقدى (3/ 989) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 118، 119) ، تاريخ الطبرى (3/ 100) ، البداية والنهاية (5/ 2) ، الكامل (2/ 149) .
(1/547)

نساء بنى الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» ، ففيه نزلت: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة: 49] «1» أى إن كان إنما خشى الفتنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: وإن جهنم لمن ورائه «2» .
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا فى الحر: زهادة فى الجهاد وشكا فى الحق وإرجافا بالرسول، فأنزل الله فيهم: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: 81، 82] .
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، يثبطون الناس عنه فى غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت وفعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا «3» فقال الضحاك فى ذلك:
وكادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلى كسيرا ومرفقى
سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد فى سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان فى سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان فى ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارض عن عثمان فإنى عنه راض» «4» .
ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤن وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، سالم بن عمير «5» ، وعلبة بن زيد «6» ، وأبو ليلى بن كعب «7» ، وعمرو
__________
(1) انظر الحديث فى: زاد المسير لابن الجوزى (3/ 305) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 213) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 182) .
(3) ذكره ابن كثير فى التاريخ (5/ 3) .
(4) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (11/ 593/ 32841) ، جامع الجوامع للسيوطى (1/ 381) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (885) ، الإصابة الترجمة رقم (3053) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1900) ، الطبقات الكبرى (3/ 480) ، الوافى بالوفيات (15/ 89) ، تاريخ الإسلام (1/ 60) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 27) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2056) ، الإصابة الترجمة رقم (5673) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3761) .
(7) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3184) ، الإصابة الترجمة رقم (10477) .
(1/548)

ابن حمام، وهرمى بن عبد الله «1» ، وعبد الله بن مغفل المزنى «2» ، ويقال: عبد الله بن عمرو المزنى «3» ، وعرباض بن سارية الفزارى «4» ، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل حاجة فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون «5» .
فذكر أن ابن يامين بن عمير النضرى لقى أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» . وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله، وذكر أنهم نفر من بنى غفار «7» .
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2737) ، الإصابة الترجمة رقم (9048) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5365) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1685) ، الإصابة الترجمة رقم (4988) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3202) ، تاريخ ابن معين (333) ، سير أعلام النبلاء (4/ 206) ، الوافى بالوفيات (7/ 628) ، تهذيب الكمال (745) ، تهذيب التهذيب (6/ 42) ، خلاصة تذهيب الكمال (215، 216) ، شذرات الذهب (1/ 65) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1640) ، الإصابة الترجمة رقم (4873) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3097) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 326) ، تهذيب التهذيب (5/ 341) ، تهذيب الكمال (2/ 717) ، تاريخ الإسلام (3/ 107) ، الثقات (3/ 238) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2049) ، الإصابة الترجمة رقم (5517) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3630) ، معرفة الرجال (2/ 203) ، سير أعلام النبلاء (3/ 419) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (231) ، المعين وطبقات المحدثين (24) ، مرآة الجنان (1/ 156) ، تقريب التهذيب (2/ 17) ، خلاصة تذهيب التهذيب (269) ، شذرات الذهب (1/ 82) .
(5) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 218) ، أسباب النزول (212) ، تفسير الطبرى (10/ 145، 146) ، فتح القدير للشوكانى (2/ 551) .
(6) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 5) ، الطبرى فى تاريخه (2/ 182) .
(7) انظر: السيرة (4/ 143) .
(1/549)

ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بنى سلمة ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بنى واقف، وأبو خيثمة أخو بنى سالم، وكانوا نفر صدق لا يتهمون فى إسلامهم.
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبى معه على حده عسكره أسفل منه نحو ذباب «1» ، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبى فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فلما قالوا ذلك أخذ علىّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى أنك استثقلتنى وتخففت منى، فقال: «كذبوا ولكنى خلفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا علىّ أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» «2» . فرجع علىّ إلى المدينة رضى الله عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره.
ثم إن أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما رجع إلى أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الضح والريح والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى ماله مقيم! ما هذا بالنصف ثم قال: والله لا أدخل على عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل بتبوك.
وقد كان أدرك أبا خيثمة فى الطريق عمير بن وهب الجمحى يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) ذباب: ذكره الحازمى بكسر أوله وباءين وقال: جبل بالمدينة له ذكر فى المغازى والأخبار، وعن العمرانى: ذباب بوزن الذباب الطائر جبل بالمدينة. انظر: معجم البلدان (3/ 3) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى باب غزوة تبوك (7/ 4416) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علىّ (4/ 31، 32) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 220) ، تاريخ ابن كثير (5/ 7) .
(1/550)

فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير: إن لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» . قالوا: هو والله أبو خيثمة يا رسول الله، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة!» ثم أخبره خبره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير «1» . ويروى أن أبا خيثمة! قال فى ذلك «2» :
ولما رأيت الناس فى الدين نافقوا ... أتيت التى كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدى لمحمد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خضيبا فى العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت ... إلى الدين نفسى شطره حيث يميما
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له» .
ففعل الناس ما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر فى طلب بعير له، فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتمله الريح حتى طرحته بجبلى طىء، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه؟ ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الذى وقع بجبلى طىء، فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة «3» .
ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «4» .
فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. قال محمود بن لبيد «5» :
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (4/ 53/ 2120- 2122) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 223) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 193) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 146) .
(3) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 240) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 11) .
(4) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (6/ 3381) ، صحيح مسلم (4/ 39، 2286) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2375) ، الإصابة الترجمة رقم (7838) ، أسد-
(1/551)

لقد أخبرنى رجال من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا فأرسل الله الصحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شىء؟ قال: سحابة مارة. قيل لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال:
نعم، والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفى عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك «1» .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحابه فى طلبها وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له: عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عم بنى عمرو بن حزم وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، فقال زيد وهو فى رحل عمارة وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبى ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده:
«إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبى ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يبدى أين ناقته وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله وقد دلنى الله عليها وهى فى الوادى من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتونى بها» ؛ فذهبوا فجاؤا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال: والله لعجب من شىء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه. للذى قال زيد بن اللصيت. فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى، فأقبل عمارة على زيد يجأ فى عنقه ويقول: يا عباد الله! إن فى رحلى لداهية وما أشعر! اخرج أى عدو الله من رحلى فلا تصحبنى «2» .
فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وقال بعض: لم يزل متهما بشر حتى مات «3» .
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد
__________
- الغابة الترجمة رقم (4780) ، طبقات ابن سعد (5/ 77) ، طبقات خليفة الترجمة رقم (2039) ، المعرفة والتاريخ (1/ 356) ، تهذيب الكمال (1310) ، تذهيب التهذيب (4/ 26) ، تهذيب التهذيب (10/ 65) ، خلاصة تذهيب الكمال (317) ، شذرات الذهب (1/ 112) .
(1) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (6/ 194، 195) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 9) .
(2) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (5/ 223) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 9) .
(3) انظر: السيرة (4/ 149) .
(1/552)

أراحكم الله منه» حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» ، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر» . فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبوذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده» «1» .
فقضى الله سبحانه أن أباذر لما أخرجه عثمان رضى الله عنه إلى الربدة وأدركته بها منيته لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلانى وكفنانى ثم ضعانى على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينوننا على دفنه فلما مات فعلا ذلك وأقبلو عبد الله بن مسعود فى رهط من العراق عمار، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينوننا على دفنه. فاستهل عبد الله يبكى ويقول: صدق رسول الله تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك! ثم نزل هو وأصحابه فواروه. ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسيره إلى تبوك «2» .
وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف وحليف لبنى سلمة من أشجع يقال له: نخشن بن حمير، ويقال: مخشى، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأننا بكم غدا مقرنين فى الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشن بن حمير، والله لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا لعمار بن ياسر:
«أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم كذا وكذا» ، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون، فقال وديعة بن ثابت
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 50، 51) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 222) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 8) ، صحيح ابن حبان (8/ 234) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 331، 332) .
(2) انظر: السيرة (4/ 149- 150) .
(1/553)

ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته فجعل يقول وهو آخذ بحقها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عز وجل فيهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: 65] ، وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله قعد بى اسمى واسم أبى.
فكان الذى عفى عنه فى هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر «1» .
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك اتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الجزية. وأتاه أهل جرباء «2» وأذرح «3» فأعطوا الجزية، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم [فكتب ليحنّة بن رؤبة] «4» : «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبى ومن كان منهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر «5» .
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر ابن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد:
«إنك ستجده يصيد البقر» . فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفى ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له:
حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، وقتلوا أخاه، وكان عليه قباء ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذا؟ فو الذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى
__________
(1) ذكره ابن كثير فى تفسيره (2/ 381، 382) ، ابن حجر فى الإصابة (6/ 75) .
(2) جرباء: كأنه تأنيب الأجرب، موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام قرب جبال السراة من ناحية الحجاز. انظر: معجم البلدان (2/ 112) .
(3) أذرح: اسم بلد فى أطراف الشام من أعمال السراة، ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. انظر: معجم البلدان (1/ 129) .
(4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.
(5) ذكر البيهقى فى الدلائل (5/ 247، 248) .
(1/554)

الجنة أحسن من هذا» «1» . ثم قدم خالد بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيىء يقال له: بجير ابن يجرة، يذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تبارك سائق البقرات إنى ... رأيت الله يهدى كل هادى
فمن يك حائدا عن ذى تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد «2»
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.
وكان فى الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له: وادى المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه شيئا، حتى نأتيه» ، فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا، فقال: «من سبقنا إلى هذا؟» فقيل: يا رسول الله فلان وفلان، فقال:
«أو لم أنهكم أن تستقوا منه شيئا حتى آتيه؟» ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب فى يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيتم أو من بقى منكم لتسمعن بهذا الوادى وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه» «3» .
ومات فى هذه الغزوة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الله ذو البجادين المزنى، وإنما سمى ذا البجادين لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، والبجاد: الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين لذلك «4» .
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (4/ 1916/ 127) ، سنن النسائى (7/ 5715) ، مسند الإمام أحمد (3/ 111) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 166) ، دلائل النبوة للبيهقى (45/ 250، 251) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 152) .
(3) انظر الحديث فى: موطأ مالك (1/ 2/ 143) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 18) ، صحيح مسلم (4/ 10/ 1784، 1785) .
(4) انظر: السيرة (4/ 154) .
(1/555)

فكان عبد الله بن مسعود يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول: أدليا إلى أخاكما فدلياه، فلما هيأه لشقه قال: «اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» يقول عبد الله ابن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب الحفرة! «1» .
وقال أبو رهم الغفارى، وكان ممن بايع تحت الشجرة: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه قريبا منه وألقى علينا النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتى من راحلته عليه السلام فيفزعنى دنوها منه مخافة أن أصيب رجله فى الغرز فما استيقظت إلا لقوله: حس، فقلت: يا رسول الله استغفر لى: قال: «سر» . فجعل يسألنى عمن تخلف من بنى غفار فأخبره به، فقال وهو يسألنى: «ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط» «2» ، فحدثته بتخلفهم، قال: «فما فعل النفر السود الجعاد القصار؟» قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: «بلى، الذين هم نعم بشبكة شدخ» ، فتذكرتهم فى بنى غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت:
يا رسول الله، أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرء نشيطا فى سبيل الله؟! إن أعز أهلى علىّ أن يتخلف عنى المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم» «3» .
قال ابن إسحاق «4» : ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذى أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: «إنى على جناح سفر، وحال شغل» . أو كما قال صلى الله عليه وسلم: «ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه» ، فلما نزل بذى أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، أخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 369) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 18) .
(2) الثطاط: جمع ثط، وهو قليل شعر اللحية والحاجبين.
(3) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 180) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 192) ، مسند الإمام أحمد (4/ 350) .
(4) انظر: السيرة (4/ 155- 156) .
(1/556)

عدى، أو أخاه عاصم بن عدى، أخا بنى العجلان، فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه» ، فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف رهط مالك فقال مالك لمعن: انظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 107] إلى آخر القصة «1» .
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين، وأولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة» ، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعذرهم الله ولا رسوله، فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.
فحدث «2» كعب بن مالك قال: ما تخلفت عن رسول الله فى غزوة غزاها قط، غير أنى تخلفت عنه فى غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب الله فيها ولا رسوله أحدا تخلف عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج يريد عير قريش فجمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت غزوة بدر هى أذكر فى الناس منها.
وكان من خبرى حين تخلفت عنه فى غزوة تبوك أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة، والله ما اجتمعت لى راحلتان قط حتى اجتمعنا لى فى تلك الغزوة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذى يريد، والمسلمون من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ، يعنى بذلك الديوان، فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك ما لم ينزل فيه وحى من الله تعالى، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس إليها صعر، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول فى نفسى: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك
__________
(1) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (4/ 149) .
(2) انظر: السيرة (4/ 157- 158) .
(1/557)

يتمادى بى حتى شمر بالناس الجد وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئا فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا وتفرط الغزو فههمت أن أرتحل فأدركهم، وليتنى فعلت، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم يحزننى أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس فى القوم بتبوك: ما فعل كعب ابن مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر فى عطفيه.
فقال له معاذ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلا حضر لى بثى فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذى رأى من أهلى، فلما قيل لى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت أن لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدق.
وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الأعراب فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لى: تعاله. فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى: «ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك؟» قلت: يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عنى وليوشكن الله أن يسخط علىّ، ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد على فيه إنى أرجو عقباى من الله فيه، ولا والله ما كان لى عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضى فيك. فقمت.
وثار معى رجال من بنى سلمة فاتبعونى فقالوا: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فو الله ما زالوا حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسى، ثم قلت لهم: هل لقى هذا أحد غيرى؟ قالوا:
(1/558)

نعم، رجلان قالا مثل ذلك وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفى، فذكروا لى رجلين صالحين فيهما أسوة حسنة، فقمت حين ذكروهما لى، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى نفسى والأرض فما هى بالأرض التى كنت أعرف.
فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا فقعدا فى بيوتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين واطوف بالأسواق لا يكلمنى أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا! ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى.
حتى إذا طال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة وهو ابن عمى وأحب الناس إلى فسلمت عليه فو الله ما رد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلم أنى أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت فنا شدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناى ووثبت فتسورت الحائط. ثم غدوت إلى السوق فبينا انا أمشى بالسوق إذا نبطى «1» يسأل عنى من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون له إلى، حتى جاءنى فدفع إلى كتابا من ملك غسان فى سرقة من حرير فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نوسك. قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضا قد بلغ لى ما وقعت فيه أن طمع فى رجل من أهل الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته بها.
فأقمنا على ذلك حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينى فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبى بمثل ذلك، فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك وكونى فيهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ما هو قاض.
وجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع إلا خادم، أفتكره ان أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك. قالت: يا
__________
(1) النبطى: واحد النبط وهم قوم من الأعاجم.
(1/559)

رسول الله، والله ما به من حركة، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ولقد تخوفت على بصره. فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذنه فيها، ما أدرى ما يقول لى فى ذلك إذا استأذنته وأنا رجل شاب، قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون من حين نهى رسول الله المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح خمسين ليلة على طهر بيت من بيوتنا على الحال التى ذكر الله، هنا قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت على نفسى، وقد كنت ابتنيت خيمة فى ظهر سلع، فكنت اكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أو فى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاءنى الفرج.
قال: وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب نحو صاحبى مبشرون، وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى نزعت ثوبى فكسوتهما إياه بشارة، وو الله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقانى الناس يبشروننى بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله فحيانى وهنأنى، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره. فكان كعب لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ يوم ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.
قال: فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إن من توبتى إلى الله أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت:
إنى ممسك سهمى الذى بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله قد نجانى بالصدق، فإن من توبتى إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أفضل مما أبلانى، والله ما تعمدت من كذبة مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا، وإنى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى.
(1/560)

وأنزل الله تبارك وتعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 177- 119] .
قال كعب: فو الله ما أنعم الله على نعمة قط بعد أن هدانى للإسلام كانت أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تبارك وتعالى قال فى الذين كذبوه شر ما قال لأحد: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: 95- 96] .
قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى، فلذلك قال الله تبارك وتعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس الذى ذكر من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة، ولكن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنا عن من حلف له واعتذر إليه فقبل منه «1» .

ذكر إسلام ثقيف
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك فى رمضان وقدم عليه فى ذلك الشهر وفد ثقيف.
وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك. وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى (7/ 4418) ، صحيح مسلم كتاب التوبة (4/ 53) مسند الإمام أحمد (3/ 454- 459) ، سنن الترمذى كتاب التفسير (3102) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 273- 279) ، مصنف عبد الرزاق (5/ 9744) .
(1/561)

الامتناع الذى كان منهم. فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم.
ويقال: من أبصارهم. وكان فيهم كذلك محببا مطاعا.
فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى فى دمك؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها وشهادة ساقها إلى فليس فى إلا ما فى الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنونى معهم.
فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثله فى قومه لكمثل صاحب ياسين فى قومه» «1» .
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فمشى عمرو بن أمية أخو بنى علاج وكان من أدهى العرب إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره وكان قبل مهاجرا له الذى بينهما سىء ثم أرسل إليه، أن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إلى فقال عبد ياليل للرسول: ويلك أعمرو وأرسلك إلى؟ قال: نعم وها هو ذا واقفا فى دارك. قال: إن هذا لشىء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع فى نفسه من ذلك. فخرج إليه فلما رآه رحب به فقال له عمرو: إنه قد نزل بنا ما ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة فاتنظروا فى أمركم «2» .
فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع؟ فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروة. فكلموا عبد ياليل وكان سن عروة، وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا. فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشر حبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب. ومن بنى مالك: عثمان بن أبى العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة.
فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم، ولم يخرج بهم إلا خشية من
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 615، 616) ، تاريخ الطبرى (2/ 179) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 299، 300) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 386) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 312) .
(2) انظر: السيرة (4/ 164- 166) .
(1/562)

مثل ما صنع بعروة بن مسعود لكى يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت رعيتها نوبا عليهم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وضبر يشتد «1» يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقدومهم يريدون البيعة والإسلام وأن يشترطوا شروطا ويكتتبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا. فقال أبو بكر رضى الله عنه للمغيرة:
أقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكون أنا أحدثه. ففعل المغيرة.
فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.
ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة فى ناحية مسجده كما يزعمون فكان خالد بن سعيد هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكتتبوا كتابهم، كتبه خالد بيده وكانوا لا يطعمون طعاما ياتيهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.
وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية وهى اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما كسر أوثانكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير فى دين لا صلاة فيه» ، [فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت دناءة] «2» ، فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا أمر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنا فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنى قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه فى الإسلام وتعلم القرآن «3» .
__________
(1) ضبر يشتد: أى وثب، ويقال: ضبر الفرس إذا جمع قوائمه ووثب.
(2) ما بين المعقوفتين سقط فى الأصل، وما أوردناه من السيرة.
(3) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (3/ 3026) ، مسند الإمام أحمد (4/ 218) .
(1/563)

فحدث «1» عثمان بن أبى العاص قال: كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثنى على ثقيف أن قال: «يا عثمان تجاوز فى صلاتك واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» «2» .
فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم، فلما دخل علاها يضربها بالمعول وقام دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا «3» يبكين عليها ويقلن:
لتبكين دفاع ... أسلمها الرضاع «4»
لم يحسنوا المصاع
فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان وحليها مجموع ومالها من الذهب والجزع.
وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شىء أبدا. فأسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: توليا من شئتما. فقالا: نتولى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وخالكما أبا سفيان بن حرب» . فقالا: وخالنا أبا سفيان، فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل أبو مليح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضى عن أبيه عروة دينا كأن عليه من مال الطاغية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» .
فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه، وعروة والأسود أخوان لأب وأم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأسود مات مشركا» . فقال قارب: يا رسول الله، لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعنى نفسه، إنما الدين على وإنما أنا الذى أطلب به. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضى دين عروة والأسود من مال الطاغية، فلما جمع
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 167) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (4/ 21) ، صحيح مسلم (1/ 187/ 342) .
(3) حسرا: بضم الحاء وتشديد السين مفتوحة، جمع حاسرة، وهى المكشوفة الوجه.
(4) دفاع: هى صيغة مبالغة من الدفع، وإنما سموا طاغيتهم دفاعا لأنهم كانوا يعتقدون أن الأصنام تدفع عنهم البلاء والمحن. الرضاع: جمع راضع وأريد بهم اللئام.
(1/564)

المغيرة مالها ذكر أبا سفيان بذلك فقضى منه عنهما «1» .
هكذا ذكر ابن إسحاق إسلام أهل الطائف بعقب غزوة تبوك فى رمضان من سنة تسع قبل حج أبى بكر بالناس آخر تلك السنة. وجعل ابن عقبة قدوم عروة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتله فى قومه وإسلام ثقيف كل ذلك بعد صدر أبى بكر عن حجه. وبين حديثه وحديث ابن إسحاق بعض اختلاف، رأيت ذكر حديث ابن عقبة وإن كان أكثره معادا لأجل ذلك الاختلاف، ثم أذكر بعده حجة أبى بكر فى الموضع الذى ذكرها فيه ابن إسحاق.
قال موسى بن عقبة: فلما صدر أبو بكر من حجه بالناس قدم عروة بن مسعود الثقفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الرجوع إلى قومه فقال له: إنى أخاف ان يقتلوك، قال: لو وجدونى نائما ما أيقظونى. فأذن له فرجع إلى الطائف وقدمها عشاء فجاءته ثقيف يسلمون عليه فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فاتهموه وأعضوه وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاه منهم فخرجوا من عنده حتى إذا أسحر وسطع الفجر قام على غرفة فى داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله: «مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه» «2» .
وأقبل بعد قتله وفد من ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف، فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر القوم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يريدون الصلح حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلم عامة العرب، فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله، أنزل على قومى أكرمهم بذلك فإنى حديث الجرم فيهم. قال: لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن.
فأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد وبنى لهم خياما لكى يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب لم يذكر نفسه، فلما سمعه وفد ثقيف قالوا:
يأمرنا ان نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به فى خطبته! فلما بلغه قولهم قال: «فإنى أول
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 504، 505) .
(2) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 615) ، طبقات ابن سعد (5/ 370) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 386) ، المعجم الكبير للطبرانى (17/ 148) ، الدر المنثور للسيوطى (5/ 262) ، كنز العمال للمتقى الهندى (33615) .
(1/565)

من يشهد أنى رسول الله» «1» . وكانوا يغدون على رسول الله كل يوم ويخلفون عثمان بن أبى العاص على رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه فى الدين وعلم. وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما عمد إلى أبى بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه.
فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام، فقال له كنانة ابن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا ثم نرجع إليك؟ فقال: «نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بينى وبينكم» .
قالوا: أرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه. قال: «هو عليكم حرام إن الله» يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] .
قالوا: فالربا؟ قال: «والربا» . قالوا: إنه أموالنا كلها. قال: «فلكم رؤس أموالكم» ، قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 278] . قالوا فالخمر؟ فإنها عصير أرضنا ولا بد لنا منها. قال: «إن الله قد حرمها» ، قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90] .
فارتفع القوم فخلا بعضهم إلى بعض وقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا فأعطوه ما سأل وأجيبوه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لك ما سألت.
أرأيت الربة ماذا نصنع فيها؟ قال: «اهدموها» . قالوا: هيهات! لو تعلم الربة أنا نريد هدمها لقتلت أهلنا. فقال عمر: ويحك يا بن عبد ياليل ما أحمقك إنما الربة حجر، قال:
إنا لم نأتك يا ابن الخطاب. ثم قال: يا رسول الله، تول أنت هدمها، فأما نحن فلن نهدمها أبدا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فسأ بعث إليكم من يكفيكم هدمها» . قال كنانة: ائذن لنا قبل رسولك ثم ابعث فى آثارنا، فإنى أعلم بقومى، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمهم وحملهم. قالوا: يا رسول الله، أمر علينا رجلا يؤمنا، فأمر عليهم عثمان بن أبى العاص «2» لما رأى من حرصه على الإسلام وقد كان علم سورا من القرآن قبل أن يخرج.
__________
(1) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (5/ 300) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1791) ، الإصابة الترجمة رقم (5457) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3581) ، تهذيب الكمال (6/ 212) ، تهذيب التهذيب (7/ 128، 129) ، خلاصة تذهيب الكمال (913) ، شذرات الذهب (1/ 36) ، سير أعلام النبلاء (2/ 374) .
(1/566)

وقال كنانة «1» لأصحابه: أنا أعلمكم بثقيف فاكتموهم إسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال وأخبروهم أن محمدا سألنا امورا أبيناها عليه، سألنا أن نهدم اللات ونبطل أموالنا فى الربا ونحرم الخمر.
حتى إذا دنوا من الطائف خرجت إليهم ثقيف يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العنق وقطروا الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة قوم قد حزنوا أو كذبوا قالت ثقيف بعضهم لبعض: ما جاؤكم بخير. فلما دخلوا حصنهم عمدوا للآت فجلسوا عندها، واللات بيت كانوا يعبدونه ويسترونه ويهدون له الهدى يضاهون به بيت الله، ثم رجع كل واحد منهم إلى أهله فجاء كل رجل حامية من ثقيف فسألوه: ماذا جئتم به؟ قالوا: أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما شاء قد ظهر بالسيف وأداخ العرب ودان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا: هدم اللات وترك الأموال فى الربا إلا رؤس أموالكم وحرم الخمر والزنا. قالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدا. قال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال ورموا حصنكم.
فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة تريد القتال ثم ألقى الله الرعب فى قلوبهم وقالوا: والله ما لنا به طاقة أداخ العرب كلها فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه عليه. فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا واختاروا الأمن على الخوف وعلى الحرب، قالوا لهم: إنا قد فرغنا من ذلك، قد قاضيناه وأسلمنا وأعطانا ما أحببنا واشترطنا ما أردنا وجدناه اتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم فى مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه. فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا بذلك أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم واستسلموا.
فمكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عليهم عمدوا للات ليهدموها وانكفأت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال وهم لا يرون أنها تهدم ويظنون أنها ستمتنع. فقام المغيرة بن شعبة «2» وقال لأصحابه: لأضحكنكم من ثقيف فأخذ الكرزن
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2243) ، الإصابة الترجمة رقم (7478) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4505) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2512) ، الإصابة الترجمة رقم (8197) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5071) ، التاريخ لابن معين (2/ 579) ، ترتيب الثقات (437) ، الطبقات لابن سعد (2/ 284) ، أنساب الأشراف (1/ 168) ، مروج الذهب (1656) ، الكامل فى التاريخ-
(1/567)

فضرب به ثم أخذ يرتكض فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة! وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا: من شاء منكم فليقترب ويجهد على هدمها فو الله لا تستطاع أبدا. فوثب المغيرة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هى لكاع حجارة ومدر! ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض وجعل صاحب المفاتيح يقول:
ليغضبن الأساس فليخسفن بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعنى أحفر أساسها.
فحفروها حتى أخرجوا ترابها وأخذوا حليها وثيابها. فبهتت ثقيف.
وانصرف الوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليتها وكسوتها فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه وحمد الله على نصر نبيه وأغزاز دينه.

ذكر حج أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالناس سنة تسع وتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب بعده بسورة براءة
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، ونزلت بعد بعثه إياه «براءة» فى نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذى كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف على أحد فى الشهر الحرام، وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك، وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفى قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون «1» .
فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو بعثت بها إلى أبى بكر؟ فقال: «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» ، ثم دعا على بن أبى طالب فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن فى الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك
__________
- (3/ 461) ، المعين من طبقات المحدثين (124) ، العبر (1/ 56) ، مرآة الجنان (1/ 124) ، سير أعلام النبلاء (3/ 21) ، تقريب التهذيب (2/ 269) ، خلاصة تذهيب التهذيب (329) ، شذرات الذهب (1/ 56) ، العقد الثمين (7/ 255) .
(1) انظر: السيرة (4/ 170) .
(1/568)

ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته» ، فخرج على على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. ومضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب فى تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحجج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان «1» .
وكانت براءة تسمى فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المبعثرة» لما كشفت من سرائر الناس، وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين غزاة: غزوة ودان وهى غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر التى قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بنى سليم حين بلغ الكدر، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان إلى نجد، وهى غزوة ذى أمر، ثم غزوة بحران معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بنى النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك، قاتل صلى الله عليه وسلم فى تسع غزوات منها: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، وبنى المصطلق وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وهذا الترتيب عن ابن إسحاق «2» ، وخالفه ابن عقبه فى بعضه.

السرايا
وكانت بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثمانية، وثلاثين من بين بعث وسرية: غزوة
__________
(1) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 684) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 37) ، وله شواهد منها ما فى مسند الإمام أحمد (2/ 299) من طريق: محرز بن أبى هريرة عن أبيه، قال: «كنت مع على بن أبى طالب فكنت أنادى حتى صحل صوتى» .
(2) انظر: السيرة (4/ 233) .
(1/569)

عبيدة بن الحارث أسفل ثنية المرة، وغزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص، وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة.
وغزوة سعد بن أبى وقاص الخرار، وغزوة عبد الله بن جحش نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القردة، وغزوة محمد بن مسملة كعب بن الأشرف، وغزوة مرثد بن أبى مرثد الغنوى الرجيع، وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة، وغزوة أبى عبيدة بن الجراح ذا القصة، من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بنى عامر، وغزوة على ابن أبى طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبى كلب ليث، الكديد فأصاب بنى الملوح «1» .
وكان من حديثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فى سرية وأمره أن يشن الغارة على بنى الملوح وهم بالكديد، قال جندب بن مكيث الجهنى، وكان مع غالب فى سريته هذه:
فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء الليثى فأخذناه فقال: إنى جئت أريد الإسلام وما خرجت إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلنا له: إن تك مسلما فلن يضرك رباط ليلة، وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه رباطا ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا وقلنا له: إن عازك «2» فاحتز رأسه.
قال: ثم سرنا حتى اتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا فى ناحية الوادى وبعثنى أصحابى ربيئة لهم «3» ، فخرجت حتى آتى تلا مشرفا على الحاضر، فأسندت فيه فعلوت فى رأسه فنظرت إلى الحاضر فو الله إنى لمنبطح على التل إذ خرج رجل منهم من خبائه فقال لامرأته: إنى لأرى على التل سوادا ما رأيته فى أول يومى فانظرى إلى أوعيتك هل تفقدين شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها. فنظرت فقالت: لا والله ما أفقد شيئا.
قال: فناولينى قوسى وسهمين. فناولته فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبى فأنزعه وأضعه وثبت مكانى. ثم أرسل الآخر فوضعه فى منكبى فأنزعه وأضعه وثبت مكانى.
فقال لامرأته: لو كان ربيئة تحرك لقد خالطه سهماى، لا أبالك، إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا يمضغهما الكلاب على. ثم دخل.
وأمهلناهم، حتى إذا اطمأنوا وناموا، وكان فى وجه السحر، شننا عليهم الغارة
__________
(1) انظر: السيرة (233، 234) .
(2) عازك: أى غالبك، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أى غلبنى.
(3) ربيئة القوم: أى طليعة القوم الذى ينظر لأصحابه.
(1/570)

فقتلنا، واستقنا النعم، وخرج صريخ القوم، فجاءنا دهم لا قبل لنا به، ومضينا بالنعم، ومررنا بابن البرصاء وصاحبه، فاحتملناهما معنا، وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادى قديد، فأرسل الله الوادى بالسيل من حيث شاء الله تبارك وتعالى، من غير سحابة نراها، ولا مطر، فجاء بشىء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر على أن يجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، وإنا لنسوق نعمهم، وما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا، حتى فتناهم، فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .
وغزوة على بن أبى طالب بنى عبد الله بن سعد من أهل فدك، وغزوة أبى العوجاء السلمى أرض بنى سليم، فأصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة، وغزوة أبى سلمة بن عبد الأسد قطنا ماء من مياه بنى أسد، من ناحية نجد، قتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة القرطاء من هوازن، وغزوة بشير بن سعد بنى مرة بفدك، وغزوته أيضا بناحية خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجموح، من أرض بنى سليم، وغزوته أيضا جذام، من أرض خشين، ويقال: من أرض حسمى «2» .
وكان من حديثها كما حدث رجال من جذام كانوا علماء بها: أن رفاعة بن زيد الجذامى لما قدم على قومه من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا له لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبى من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه تجارة له، حتى إذا كان بواد من أوديتهم أغار عليه الهنيد بن عوص الضليعى بطن منهم وابنه عوص، فأصابا كل شىء كان معه، فبلغ ذلك قوما من بنى الضبيب رهط رفاعة ممن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فاستنفذوا ما كان فى أيديهما فردوه على دحية، فخرج دحية حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره، واستسقاه دم الهنيد وابنه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وبعث معه جيشا فأغاروا فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين معهما، فلما سمعت بذلك بنو الضبيب ركب نفر منهم فيهم حسان بن ملة فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان: إنا قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرأ أم الكتاب، فقرأها حسان، فقال زيد بن حارثة: نادوا فى الجيش: إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التى جاؤا منها إلا من ختر، وإذا أخت حسان فى الأسارى فقال له زيد: خذها، فقالت أم الفزر الصلعية: أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم؟! فقال أحد بنى الخصيب: إنها بنو
__________
(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 119) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 203) .
(2) انظر: السيرة (4/ 236) .
(1/571)

الضبيب وسحر ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيدا فأمر بأخت حسان وقد كانت أخذت بحقوقى أخيها ففكت يداها من حقويه وقال لها: اجلسى مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه.
فرجعوا ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذى جاؤا منه فأمسوا فى أهليهم، فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد فصبحوه فقال له حسان بن ملة: إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرها كتابك الذى جئت به، فدعا رفاعة بجمل له، فشد عليه رحله وهو يقول:
هل أنت حى أو تنادى حيا «1»
ثم غدا وهم معه مبركين، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ألاح إليهم بيده أن تعالوا. من وراء الناس، فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قال رجل من الناس: يا رسول الله، إن هؤلاء قوم سحرة. فرددها مرتين.
فقال رفاعة: رحم الله من لم يحذنا فى يومنا هذا إلا خيرا.
ثم دفع رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذى كان كتب له، فقال: دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأه يا غلام وأعلن. فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع بالقتلى؟ ثلاث مرات فقال رفاعة:
أنت أعلم يا رسول الله لا نحرم عليك حلالا ولا نحل لك حراما. فقال أبو زيد بن عمرو أحد من قدم مع رفاعة: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمى هذه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق أبو زيد اركب معهم يا على» ، فقال له على:
يا رسول الله، إن ريدا لن يطيعنى، قال: «فخذ سيفى هذا» ، فأعطاه سيفه.
فخرجوا فإذا رسول الله لزيد بن حارثة على ناقة من إبلهم، فأنزلوه عنها فقال: «يا على ما شأنى؟» فقال: ما لهم عرفوه فأخذوه، ثم ساروا فلقوا الجيش، فأخذوا ما بأيديهم حتى كانوا ينتزعون لبيد المرأة من تحت الرحل «2» .
وغزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل من طريق العراق، وغزوته أيضا وادى القرى لقى فيه بنى فزارة فأصيب بها ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى فلما قدم زيد آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بنى فزارة، فلما استبل من
__________
(1) انظر البيت فى: السيرة (4/ 238) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (5/ 218) ، طبقات ابن سعد (2/ 88) .
(1/572)

جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى فزارة فى جيش فقتلهم بوادى القرى وأصاب فيهم.
وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين، إحداهما التى أصاب فيها اليسير بن رزام ويقال: ابن رازم «1» ، وكان من حديثه أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة فى نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بنى سلمة، فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملك وأكرمك. فلم يزالوا به حتى خرج معهم فى نفر من يهود، فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم اليسير على مسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش فى يده من شوحط فأمه ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه. فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه «2» .
وغزوة عبد الله بن عتيك خيبر فأصاب بها أبا رافع بن أبى الحقيق.
وغزوة «3» عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وهو بنخلة أبو بعرنة يجمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغزوه، فقتله. قال عبد الله بن أنيس: دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى: «إنه بلغنى أن ابن سفيان بن نبيح الهذلى يجمع لى الناس ليغزونى وهو بنخلة أبو بعرنة فأته فاقتله» ، فقلت: يا رسول الله، انعته لى حتى أعرفه، قال: «إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة» ، قال: فخرجت متوشحا سيفى حتى دفعت إليه وهو فى ظعن يرتاد لهن منزلا وكان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة فصليت وأنا أمشى نحوه وأومىء برأسى، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك، قال: أجل أنا فى ذلك.
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 241- 242) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 219) ، ابن سعد فى الطبقات (2/ 92) ، وليس فيه: «تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه» .
(3) انظر: السيرة (242- 243) .
(1/573)

قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه منكبات عليه. فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآنى قال: «أفلح الوجه» ! قلت: قد قتلته يا رسول الله، قال: «صدقت» ، ثم قام بى فأدخلنى بيته فأعطانى عصا، فقال: «أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس» ، قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه لعصا؟ قلت: أعطانيها رسول؛ الله صلى الله عليه وسلم وأمرنى أن أمسكها عندى. قالوا: أفلا ترجع إليه فتسأله لم ذلك؟ فرجعت فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتنى هذه العصا؟ قال: «آية بينى وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصرون يومئذ» ، فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت فى كفنه ثم دفنا جميعا «1» .
وقال عبد الله فى ذلك:
تركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفرى كل جيب مقدد
تناولته والظعن خلفى وخلفه ... بأبيض من ماء الحديد مهند
عجوم لهام الدار عين كأنه ... شهاب غضبا من ملهب متوقد «2»
أقول له والسيف يعج رأسه ... أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد*
وقلت له خذها بضربة ماجد ... حنيف على دين النبى محمد
وكنت إذا هم النبى بكافر ... سبقت إليه باللسان وباليد
ومن البعوث أيضا: بعث مؤتة حيث أصيب جعفر بن أبى طالب وأصحابه، وغزوة كعب بن عمير الغفارى ذات أطلاح من أرض الشام أصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عيينة بن حصن بنى العنبر من تميم.
وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم، فأغار عليهم، وأصاب منهم أناسا، وسبى منهم أناسا، وقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن علىّ رقبة من ولد
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 469) ، سنن أبو داود (1249) ، صحيح ابن حبان (9/ 7116) ، سنن البيهقى (3/ 256) ، صحيح ابن خزيمة (2/ 982) .
(2) عجوم: هو من صفات الأبيض وهى صيغة مبالغة من العجم وهو العض. الغضا: شجر يشتد التهاب النار فيه.
(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيت آخر لم يذكره هنا، وهو:
أنا ابن الذى لم ينزل الدهر قدره ... رحيب فناء الدار غير مزند
انظر: السيرة (4/ 244) .
(1/574)

إسماعيل، قال: «هذا سبى بنى العنبر يقدم الآن، فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه» «1» .
فلما قدم بسبيهم ركب فيهم وفد من بنى تميم منهم ربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو والقعقاع بن معبد ووردان بن محرز وقيس بن عاصم ومالك بن عمرو والأقرع بن حابس وفراس بن حابس، فكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فأعتق بعضا، وأفدى بعضا، وذلك هو الذى عنى الفرزدق بقوله «2» :
وعند رسول الله قام ابن حابس ... بخطة سوار إلى المجد حازم
له أطلق الأسرى التى فى حباله ... مغللة أعناقها والشكائم
كفى أمهات الخالفين عليهم ... غلاء المفادى أو سهام المقاسم
وغزوة غالب بن عبد الله الكليبى أرض بنى مرة وفيها قتل أسامة بن زيد حليفا لهم يقال له مرداس بن نهيك بن الحرقة من جهينة، قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. هكذا ذكر ابن إسحاق فى حديثه «3» .
وخرج مسلم فى صحيحه عن أسامة بن زيد قال: فكف عنه الأنصارى وطعنته برمحى حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟» قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا، فقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟!» فما زال يكررها على حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم «4» .
وفى بعض طرق مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: «لم قتلته؟» قال: يا رسول الله، أوجع فى المسلمين وقتل فلانا وفلانا وفلانا وسمى له نفرا وإنى حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقتلته؟» قال: نعم، قال: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: يا رسول الله استغفر لى، قال:
«وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة!» فجعل لا يزيده على أن يقول:
__________
(1) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (5/ 204) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 245) .
(3) انظر: السيرة (4/ 246) ، والحديث أخرجه الطبرى فى تاريخه (2/ 142) ، المتقى الهندى فى الكنز (1462) .
(4) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 183، 9/ 4) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (159) ، فتح البارى لابن حجر (12/ 191) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 222) .
(1/575)

«كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» «1» .
وفى حديث ابن إسحاق أن أسامة قال: أنظرنى يا رسول الله، إنى أعاهد الله أن لا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا «2» .
وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بنى عذره، وكان من حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه يستنفر العرب إلى الشام، وذلك أن أم أبيه العاص بن وائل كانت امرأة من بلى فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يستألفهم لذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له: السلسل وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل، خاف فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح فى المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبى عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا لى. قال أبو عبيدة: لا، ولكنى على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه. فقال له عمرو: بل أنت مدد لى. فقال له أبو عبيدة وكان رجلا لينا هينا سهلا عليه أمر الدنيا: يا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لى لا تختلفا وإنك إن عصيتنى أطعتك، قال: فإنى الأمير عليك وأنت مدد لى. قال: فدونك. فصلى عمرو بالناس «3» .
وحدث «4» رافع بن أبى رافع الطائى وهو رافع بن عميرة قال: كنت امرآ نصرانيا فلما أسلمت خرجت فى تلك الغزاة يعنى غزوة ذات السلاسل فقلت: والله لأختارن لنفسى صاحبا فصحبت أبا بكر فكنت معه فى رحله فكانت عليه عباءة له فدكية «5» فكان إذا نزلنا بسطها وإذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له وذلك الذى يقول اهل نجد حين ارتدوا كفارا بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم ومبايعة الناس بعده لأبى بكر: أنحن نبايع ذا العباءة! جهلوا يومئذ أن فضل الكمال ليس فى ظاهر البهاء وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، قال رافع: فلما دنونا من المدينة قافلين، قلت: يا أبا بكر إنما صحبتك لينفعنى
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان (159) ، فتح البارى لابن حجر (12/ 196) .
(2) انظر: السيرة (4/ 246) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (7/ 3662، 4358) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 399، 400) ، صحيح مسلم (4/ 8/ 1856) .
(4) انظر: السيرة (4/ 247- 248) .
(5) فدكية: منسوبة إلى فدك، وهو موضع بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان وقيل: ثلاثة. انظر: معجم البلدان (4/ 238) .
(1/576)

الله بك فانصحنى وعلمنى، قال: لو لم تسلنى ذلك لفعلت، آمرك أن توحد الله لا تشرك به شيئا، وأن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج هذا البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمرن على رجلين من المسلمين أبدا.
قال قلت: يا أبا بكر، أما أنا والله فإنى أرجو أن لا أشرك بالله أبدا، وأما الصلاة فلن أتركها أبدا إن شاء الله، وأما الزكاة فإن يكن لى مالى أؤديها إن شاء الله، وأما الحج فإن أستطع أحج إن شاء الله، وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله وأما الإمارة فإنى رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند الناس إلا بها فلم تنهى عنها؟ قال: إنما استجهدتنى لجهده لك، وسأخبرك عن ذلك: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين فجاهد فيه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه وفى ذمته، فإياك أن تخفر الله»
فى جيرانه فيتبعك الله فى خفرته، فإن احدكم يخفر فى جاره فيظل نائتا «2» عضله غضبا لجاره إن أصيب له شاة أو بعير، فالله أشد غضبا لجاره.
قال: ففارقته على ذلك، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت: يا أبا بكر، ألم تكن نهيتنى عن أن أتامر على رجلين من المسلمين؟ قال:
بلى، وأنا الآن أنهاك عن ذلك. فقلت له: فما حملك على أن تلى أمر الناس؟ قال: لا أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد الفرقة «3» .
وفى هذه الغزاة أيضا صحب عوف بن مالك الأشجعى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما قال: فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يعضوها فقلت: أتعطوننى منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم.
فأخذت الشفرتين فجزأتها وأخذت منها جزء فحملته إلى أصحابى فاطبخناه فأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما خبره فقالا:
والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما فى بطونهما من ذلك. فلما قفل الناس كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو يصلى فى بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال: أعوف بن مالك؟ قلت: نعم بأبى أنت
__________
(1) تخفر الله: أى تنقض عهده.
(2) فيضل نائتا: أى يضل مرتفعا.
(3) انظر: السيرة (4/ 248) .
(1/577)

وأمى يا رسول الله. قال: أصاحب الجزور؟ ولم يزدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك «1» .
وغزوة ابن أبى حدرد وأصحابه بطن إضم، وكانت قبل الفتح قال عبد الله بن أبى حدرد: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم «2» فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعى على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة قتله لشىء كان بينهما وأخذ بعيره ومتيعه. فلما قدمنا على رسول الله وأخبرناه الخبر نزل فينا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النساء: 94] إلى آخر الآية «3» .
وعن «4» ضميرة بن سعد السلمى عن أبيه، وكان شهد حنينا قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها وهو بحنين فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان فى عامر بن الأضبط، وعيينة يطلب بدمه. وهو يومئذ رئيس غطفان، والأقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف، فتداولا الخصومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع، فسمعنا عيينة يقول: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بل تأخذون الدية خمسين فى سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا. وهو يأبى عليه ثم ذكر تكرار رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله هذا، فقبلوا الدية ثم قالوا: أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام رجل آدم ضرب طويل عليه حلة له قد كان تهيأ فيها للقتل حتى جلس بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما اسمك؟ فقال: أنا محلم ابن جثامة، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة. ثلاثا، فقام يتلقى دمعه بفضل ردائه قال: فأما نحن فنقول فيما بيننا إنا لنرجو أن يكون
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 97) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 402) .
(2) إضم: بالكسر ثم الفتح، ماء يطؤه الطريق بين مكة واليمامة عند السمينة، ويقال: هو واد بجبال تهامة، وهو الوادى الذى فيه المدينة ويسمى من عند المدينة: القناة، ومن أعلى منها عند السد يسمى الشظاة، ومن عند الشظاة إلى أسفل يسمى إضما إلى البحر. انظر: معجم البلدان (1/ 214، 215) .
(3) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (5/ 142) ، مسند الإمام أحمد (6/ 11) ، مجمع الزوائد للهيثمى (7/ 8) ، أسباب النزول للواحدى (142) ، السنن الكبرى للبيهقى (9/ 11) .
(4) انظر: السيرة (4/ 250) .
(1/578)

رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استغفر له وأما ما ظهر من رسول الله فهذا «1» .
وذكر «2» سالم أبو النضر أنه حدث أن عيينة بن حصن وقيسا لم يقبلوا الدية حتى خلا بهم الأقرع بن حابس وقال: يا معشر قيس، منعتم رسول الله قتيلا يستصلح به الناس، أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله فيلعنكم الله بلعنته أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه؟ والله الذى نفس الأقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصنعن فيه ما أراد أو لأتيت بخمسين رجلا من بنى تميم يشهدون بالله لقتل صاحبكم كافرا ما صلى قط فلأطلن دمه. فقبلوا الدية.
وفى حديث عن الحسن البصرى قال: والله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض والذى نفس الحسن بيده، ثم عادوا له فلفظته، ثم عادوا له فلفظته.
فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال: «والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم فى حرم ما بينكم بما أراكم منه» «3» .
وغزوة ابن أبى حدرد الأسلمى أيضا الغابة «4» ، قال: تزوجت امرأة من قومى فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحى فقال: وكم أصدقت؟ قلت: مائتى درهم. قال:
سبحان الله! لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم، والله ما عندى ما أعينك به. قال: فلبثت أياما وأقبل رجل من بنى جشم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة فى بطن عظيم من بنى جشم حتى ينزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذا اسم فى جشم وشرف، فدعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين معى من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم؛ قال: وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا، فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال: تبلغوا عليها واعتقبوها، قال: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (2/ 2625) ، سنن أبى داود (4/ 4503) ، سنن البيهقى (9/ 116) .
(2) انظر: السيرة (4/ 251) .
(3) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (15/ 90) .
(4) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام، وفيه أموال لأهل المدينة. انظر: معجم البلدان (4/ 182) .
(1/579)

الحاضر عشيشية مع غروب الشمس كمنت فى ناحية. وأمرت صاحبى فكمنا فى ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما: إذا سمعتمانى قد كبرت وشددت فى ناحية العسكر فكبرا وشدا معى. فو الله، إنا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وكان لهم راع سرح فى ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، فقام صاحبهم ذلك فأخذ سيفه فجعله فى عنقه ثم قال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر. فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب أنت نحن نكفيك. قال: والله لا يذهب إلا أنا. قالوا: فنحن معك. قال: والله لا يتبعنى أحد منكم. وخرج حتى مر بى فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته فى فؤاده والله ما تكلم.
ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشدتت فى ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباى وكبرا فو الله ما كان إلا النجاء ممن فيه، عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأسه أحمله معى فأعاننى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا فى صداقى فجمعت إلى أهلى «1» .
وغزوة توجه فيها عبد الرحمن بن عوف، قال عطاء بن أبى رباح: سمعت رجلا من اهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم، فقال عبد الله: سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم. ثم ذكر مجلسا شاهده من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها. قال: فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ثم نقضها ثم عمه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف. ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نفسه ثم قال: «خذه يا ابن عوف، اغزوا جميعا فى سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم» ، فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 206، 207) ، مسند الإمام أحمد (6/ 11) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 223) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 303) .
(2) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (30289) ، طبقات ابن سعد (2/ 89) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 317، 318) .
(1/580)

قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل «1» .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر عليهم أبو عبيدة بن الجراح وزودهم جرابا من تمر فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده لهم عددا حتى كان يعطى كل رجل منهم كل يوم تمرة فقسمها يوما فنقصت تمرة عن رجل فوجد فقدها ذلك اليوم!.
قال بعضهم: فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعها على طريقه ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فجلس عليه فخرج من تحتها وما مست رأسه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبرها وسألناه عن أكلنا إياها فقال: «رزق رزقكموه الله» «2» .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى بعد مقتل خبيب وأصحابه إلى مكة وأمره ان يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار بن صخر الأنصارى، فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؟ فقال عمرو: إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم، فقال: كلا إن شاء الله. قال عمرو: فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو الله إنا لنمشى بمكة إذا نظر إلى رجل من أهل مكة فعرفنى فقال: عمرو بن أمية! والله إن قدمها إلا لشر. فقلت لصاحبى: النجاء. فخرجنا نشتد حتى أصعدنا فى جبل وخرجوا فى طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منّا فرجعنا فدخلنا كهفا فى الجبل فبتنا وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا. فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويختلى عليها فغشينا ونحن فى الغار فقلت: إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا. قال:
ومعى خنجر قد أعددته لأبى سفيان، فأخرج إليه فأضربه على ثديه وصاح صيحة أسمع أهل مكة، وأرجع فأدخل مكانى. وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا:
من ضربك؟ فقال: عمرو بن أمية. وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه فقلت لصاحبى لما أمسينا: النجاء.
فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب ابن
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 254) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (3/ 1535/ 17، 18) ، مسند الإمام أحمد (3/ 311) ، مسنف عبد الرزاق (4/ 8668) .
(1/581)

عدى فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية. فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها فاحتملها وخرج هو وصاحبه شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمبسط يأجج فرمى بالخشبة فى الجرف فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه.
قال عمرو بن أمية: وقلت لصاحبى: النجاء حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه فإنى شاغل عنك القوم وكان الأنصارى لا رجلة له. قال: ومضيت حتى اخرج على ضجنان ثم آويت إلى جبل فأدخل كهفا، فبينا أنا فيه دخل على شيخ من بنى الديل أعور فى غنيمة فقال: من الرجل؟ فقلت: من بنى بكر فمن أنت؟ قال: من بنى بكر. قلت: مرحبا فاضطجع. ثم رفع عقيرته فقال:
ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولا دان لدين المسلمينا
فقلت فى نفسى: ستعلم. فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسى فجعلت سيتها فى عينه الصحيحة ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم. ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج ثم سلكت ركوبه حتى إذا هبطت النقيع «1» إذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان فقلت: استأسرا. فأبيا فأرمى أحدهما بسهم فأقتله واستأسر الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة «2» .
وسرية زيد بن حارثة إلى مدين فأصاب سبيا من أهل ميناء وهى السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم يعنى بين الأمهات والأولاد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقال: ما لهم؟ فقيل: يا رسول الله، فرق بينهم. فقال: «لا تبيعوهم إلا جميعا» «3» .
وغزوة سالم؛ بن عمير أبا عفك أحد بنى عمرو بن عوف وكان نجم نفاقه حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن صامت فقال:
لقد عشت دهرا وما إن أرى ... من الناس دارا ولا مجمعا
__________
(1) العرج: واد بالحجاز. ركوبة: ثنية بين الجرميت. النقيع: موضع ببلاد مزينة.
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (3/ 33- 337) بطوله. وذكره الطبرى فى تاريخه (2/ 79، 80) مختصرا، والبيهقى فى السنن الكبرى (9/ 213) ، ابن سعد فى الطبقات (2/ 93، 94) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (69- 71) .
(3) انظر الحديث فى: سنن سعيد بن منصور (2/ 2661) ، الإصابة لابن حجر (3/ 275) . وانظر السيرة (4/ 257) ، وفيه قال ابن هشام يعقب على الحديث: أراد الأمهات والأولاد.
(1/582)

أبر عهودا وأوفى لمن ... يعاقد فيهم إذا ما دعا
من اولاد قيلة فى جمعهم ... تهد الجبال ولم تخضعا
فصدعهم راكب جاءهم ... حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم ... أو الملك تابعتم تبعا «1»
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لى بهذا الخبيث؟» فخرج سالم بن عمير أخو بنى عمرو ابن عوف، وهو أحد البكائين، فقتله «2» . فقالت أمامة المريدية فى ذلك:
تكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمرى الذى امناك بئس الذى يمنى
حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن «3»
وغزوة عمير بن عدى الخطمى وهو الذى يدعى القارىء عصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد، وكانت تحت رجل من بنى خطمة يقال له: يزيد بن زيد، فلما قتل أبو عفك نافقت فقالت تعيب الإسلام وأهله، وتؤنب الأنصار فى اتباعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أطعتم أتاوى من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج*
ترجونه بعد قتل الرؤس ... كما يرتجى مرق المنضج
ألا آنف يبتغى غرة ... فيقطع من أمل المرتجى «4»
فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا [آخذ] * لى من ابنة مروان؟» فسمع ذلك من
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 258) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 221) .
(3) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 258) .
(*) ذكر فى السيرة بيت قبل هذا وهو:
باشت بنى مالك والنبيت ... وعوف وباست بنى الخزرج
انظر: السيرة (4/ 258) .
(4) وذمر فى السيرة أبيات أجابها به حسان بن ثابت فقال:
بنو وائل وبنو واقف ... وخطمة دون بنى الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها ... بعولتها والمنايا تجى
فهزت فتى ما جدا عرقه ... كريم المداخل والمخرج
فضرجها من تجيع الدما ... ء بعد الهدو فلم يحرج
انظر: السيرة (4/ 258- 259) .
(*) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل «أحد» ، وما أوردناه من السيرة.
(1/583)

قوله عمير بن عدى فلما أمسى من تلك الليلة سما عليها فى بيتها فقتلها ثم أصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنى قد قتلتها: فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير.
فقال: هل على شىء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» «1» .
فرجع عمير إلى قومه وبنو خطمة يومئذ كثير فوجههم فى شأن بنت مروان ولها بنون خمسة رجال. فقال: يا بنى خطمة، أنا قتلت بنت مروان فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون. فذلك اليوم أول ما عز الإسلام فى دار بنى خطمة، وكان يستخفى بإسلامه فيهم من أسلم. ويومئذ أسلم رجال منهم لما رأوا من عز الإسلام.
والسرية التى أسرت ثمامة بن أثال الحنفى سيد أهل اليمامة، وذلك أن خيلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت فأخذت رجلا من بنى حنيفة لا يشعورن من هو، حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفى، أحسنوا إساره» ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله. فقال: «اجمعوا ما كان عندكم من طعام، فابعثوا به إليه» ، وأمر بلقحته أن يغدى عليه بها ويراح، فجعل لا يقع من ثمامة موقعا، ويأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «أسلم يا ثمامة» ، وفى رواية: «ما تقول يا ثمامة؟» فيقول: يا محمد، إن تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن ترد الفداء فسل تعط منه ما شئت. فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم يوما: أطلقوا ثمامة. فلما أطلقوه خرج حتى اتى البقيع فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبى صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فلما أمسى جاؤه بما كانوا يأتونه به من الطعام فلم ينل منه إلا قليلا، وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فعجب المسلمون من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مم تعجبون، من رجل أكل فى أول النهار فى معى كافر وأكل آخر النهار فى معى مسلم، إن الكافر يأكل فى سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل فى معى واحد» «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (44131) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 27، 28) .
(2) هذا الحديث عند ابن إسحاق، وإسناده عنده ضعيف، وللحديث شواهد عن أبى هريرة من وجوه، أخرجها الترمذى فى سننه (1819) ، ابن ماجه فى سننه (3256) ، النسائى فى السنن الكبرى (4/ 178) . وأخرج البخارى فى كتاب المغازى (7/ 4372) ، مسلم فى كتاب الجهاد (3/ 59) من طريق سعيد بن أبى سعيد أنه سمع أبا هريرة رضى الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد الحيثد، فذكره بطوله، وفيه: إسلام ثمامة بن أثال، وليس فى الحديث ذكر الطعام.
(1/584)

وقال ثمامة حين أسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلىّ فأصبح وهو أحب الوجوه إلىّ، ولقد كان دينك أبغض الدين إلىّ فأصبح وهو أحب الأديان إلىّ، ولقد كان بلدك أبغض البلاد إلىّ فأصبح وهو أحب البلاد إلىّ. ثم قال: يا رسول الله، إن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فأذن لى يا رسول الله. فأذن له فخرج معتمرا فلما قدم مكة قالوا: صبأت يا ثمامة. قال: لا ولكنى اتبعت خير الدين دين محمد، ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل بين قومى وبين ميرتهم.
ففعل «1» .
ويقال: إنه لما كان ببطن مكة فى عمرته لبى فكان اول من دخل مكة يلبى، فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا. وهموا بقتله ثم خلوه لمكان حاجتهم إليه وإلى بلده فقال بعض بنى حنيفة:
ومنا الذى لبى بمكة معلنا ... برغم أبى سفيان فى الأشهر الحرم
وبعث علقمة بن مجزز المدلجى لما قتل وقاص بن مجزر اخوه يوم ذى قرد، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعثه فى آثار القوم ليدرك ثأره فيهم، فبعثه فى نفر من المسلمين، قال أبو سعيد الخدرى: وأنا فيهم، حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمى وكانت فيه دعابة، فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا ثم قال للقوم: أليس لى عليكم السمع والطاعة؟ قالوا:
بلى. قال: فما آمركم بشىء إلا فعلتموه؟ قالوا: نعم. قال: فإنى أعزم عليكم بحقى وطاعتى إلا تواثبتم فى هذه النار. فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها.
فقال لهم: اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه» «2» .
ويقال: إن علقمة بن مجزر رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا «3» .
وبعث كرز بن جابر. وذلك أن نفرا من قيس كبة من بجيلة قدموا على رسول الله
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 260- 261) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 67) ، سنن ابن ماجه (2/ 2863) ، طبقات ابن سعد (2/ 163) ، صحيح ابن حبان (7/ 4540) .
(3) انظر: السيرة (4/ 262) .
(1/585)

صلى الله عليه وسلم فاستوبأوا المدينة وطلحوا وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاح ترعى ناحية الجماء يرعاها عبد له يقال له: يسار، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه فى غزوة بنى محارب وبنى ثعلبة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها» ، فخرجوا إليها فلما صحوا وانطوت بطونهم عكنا عدوا على راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوه وغرزوا الشوك فى عينيه واستاقوا اللقاح فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آثارهم كرزا فلحقهم، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة ذى قرد فقطع أيديهم وسمل أعينهم، وألقوا فى الحرة يستسقون، فلا يسقون حتى ماتوا «1» .
وغزوة على بن أبى طالب اليمن، غزاها مرتين. وقال أبو عمر المدينى: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب إلى اليمن وبعث خالد بن الوليد فى جند آخر وقال: «إن التقيتما فالأمير على بن أبى طالب» «2» .
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره ان يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وهو آخر بعث أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون. فبينا الناس على ذلك ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكوه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته، فلم ينفذ بعث أسامة إلا بعد وفاته صلوات الله عليه ورحمته وبركاته «3» .
وسيأتى ذكر ذلك مستوفى إن شاء الله.
فهذه مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه التى أعز الله بها الدين ودوخ بها الكافرين، وشد أزره فيها بمن اختاره لصحبته ونصرته من الأنصار والمهاجرين رضى الله عنهم أجمعين وتلك أيام الله التى يجب بها التذكر والتذكير، ويتأكد شكر الله سبحانه على ما يسرته منها المقادير.
وقال حسان بن ثابت يعدد أيام الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر مواطنهم معه فى
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 294) ، سنن النسائى (7/ 4041) ، مسند الإمام أحمد (3/ 107، 163، 170، 177، 186، 198، 205، 231، 287، 290) ، سنن أبى داود (4/ 4364- 4368) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 297) ، مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 98) .
(3) انظر: السيرة (4/ 263- 264) .
(1/586)

أيام غزوه وتروى لابنه عبد الرحمن»
:
ألستم خير معد كلها نفرا ... ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا
قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم ... مع الرسول فما آلوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد ... منهم ولم يك فى أيمانهم دخل
ويوم صبحهم فى الشعب من أحد ... ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذى قرد يوم استثار بهم ... على الجياد فما خاموا وما نكلوا
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم ... مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا اهله رقصا ... بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
وليلة طلبوا فيها عدوهم ... لله والله يجزيهم بما عملوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم ... مع الرسول بها الأسلاب والنفل
وليلة بحنين جالدوا معه ... فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا
وغزوة القاع فرقنا العدو به ... كما تفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته ... على الجلاد فآسوه وما عدلوا
وغزوة الفتح كانوا فى سريته ... مرابطين فما طاشوا وما عجلوا
ويوم خيبر كانوا فى كتيبته ... يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض ترعش فى الأيمان عارية ... تعوج فى الضرب أحيانا وتعتدل
ويوم سار رسول الله محتسبا ... إلى تبوك وهم راياته الأول
وساسة الحرب إن حرب بدت لهم ... حتى بدا لهم الإقبال فالقفل
أولئك القوم أنصار النبى وهم ... قومى أصير إليهم حين أتصل
ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم ... وقتلهم فى سبيل الله إذ قتلوا
وقال حسان أيضا «2» :
وكنا ملوك الناس قبل محمد ... فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل
وأكرمنا الله الذى ليس غيره ... إله بأيام مضت مالها شكل
بنصر الإله والرسول ودينه ... وألبسناه اسما مضى ماله مثل
أولئك قومى خير قوم بأسرهم ... فما كان من خير فقومى له أهل
يربون بالمعروف معروف من مضى ... وليس عليهم دون معروفهم قفل
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 181- 182) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 184) .
(1/587)

إذا اختبطوا لم يفحشوا فى نديهم ... وليس على سؤالهم عندهم بخل
وإن حاربوا أو سالموا لم يشبهوا ... فحربهم حتف وسلمهم سهل
وجارهم موف بعلياء بيته ... له ما ثوى فينا الكرامة والبذل
وحاملهم موف بكل حمالة ... تحمل لا غرم عليه ولا خذل
وقائلهم بالحق إن قال قائل ... وحلمهم عود وحكمهم عدل
ومنا أمير المسلمين حياته ... ومن غسلته من جنابته الرسل
وقال حسان أيضا من قصيدة له أولها «1» :
وقومى أولئك إن تسألى ... كرام إذا الضيف يوما ألم
عظام القدور لأيسارهم ... يكبون فيها المسن السنم
يواسون جارهم فى الغنى ... ويحمون مولاهم إن ظلم
فكانوا ملوكا بأرضيهم ... يبادون غضبا بأمر غشم
ملوكا على الناس لم يملكوا ... من الدهر يوما كحل القسم*
ملوكا إذا غشموا فى البلا ... د لا ينكلون ولكن قدم
فأبنا بساداتهم والنساء ... وأولادهم فيهم تقتسم
ورثنا مساكنهم بعدهم ... وكنا ملوكا بها لم نرم
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 184) .
(*) ذكر فى السيرة أبيات بعد هذا لم يذكرها هنا وهى:
أنبوا بعاد وأشياعهم ... ثمود وبعض بقايا إرم
بيثرب قد شيدوا فى النخيل ... حصونا ودجن فيها النعم
نواضح قد علمتها اليهو ... د عل إليك وقولا هلم
وفيما اشتهوا من عصير القطا ... ف والعيش رخوا على غيرهم
فسرنا إليهم بأثقالنا ... على كل فحل هجان قطم
جنبنا بهن جياد الخيو ... ل قد جللوها جلال الأدم
فلما أناخوا بجنبى صرار ... وشدوا السروج بلى الحزم
فما راعهم غير معج الخيو ... ل والزحف من خلفهم قد دهم
فطاروا سراعا وقد أفزعوا ... وجئنا إليهم كأسد الأجم
على كل سلهبة فى الصبا ... ن لا يشتكين نحول السأم
وكل كميت مطار الفؤاد ... أمين الفصوص كمثل الزلم
عليها فوارس قد عودوا ... قراع الكماة وضرب البهم
انظر: السيرة (4/ 183- 184) .
(1/588)

فلما اتانا الرسول الرشي ... د بالحق والنور بعد الظلم
فقلنا صدقت رسول المليك ... هلم إلينا وفينا أقم
فنشهد أنك عبد الإل ... هـ أرسلت نورا بدين قيم
فإنا وأولادنا جنة ... نقيك وفى مالنا فاحتكم
فنحن أولئك إن كذبوك ... فناد نداء ولا تحشم
وناد بما كنت أخفيته ... نداء جهارا ولا تكتم
فسار الغواة بأسيافهم ... إليه يظنون أن يخترم
فقمنا إليهم بأسيافنا ... نجالد عنه بغاة الأمم
بكل صقيل له ميعة ... رقيق الذباب عضوض خذم
إذا ما يصادف صم العظا ... م لم ينب عنها ولم ينثلم
فذلك ما ورثتنا القرو ... م مجدا تليدا وعزا أشم
إذا مر نسل كفى نسله ... وغادر نسلا إذا ما انقصم
فما إن من الناس إلا لنا ... عليه وإن خاس فضل النعم

ذكر الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملخصا من كتاب ابن إسحاق والواقدى وغيرهما
وما زال آحاد الوافدين وأفذاذ الوفود من العرب يغدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أظهر الله دينه، وقهر أعداه. ولكن انبعاث جماهيرهم إلى ذلك إنما كان بعد فتح مكة، ومعظمه فى سنة تسع، ولذلك كانت تسمى سنة الوفود.
وذلك «1» أن العرب كانت تربص بالإسلام ما يكون من قريش فيه، إذ هم الذين كانوا نصبوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، وكانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل، وقادة العرب، لا ينكر لهم ذلك، ولا ينازعون فيه. فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ودانت له قريش، ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحربه ولا عداوته، فدخلوا فى دين الله أفواجا، يضربون إليه من كل وجه، يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] أى فتح مكة
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 185) .
(1/589)

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً جماعات جماعات فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أى فاحمد الله على ما ظهر من دينك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً إشارة إلى انقضاء أجله، واقتراب لحاقه برحمة ربه، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69] .
كذلك يقول عبد الله بن عباس، وقد سأله عمر بن الخطاب عن هذه السورة، فلما أجابه بنحو هذا المعنى، قال له عمر رضى الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تعلم.
فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب، فمن ذلك:

وفد بنى تميم «1»
قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمى، فى أشراف من قومه، منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، والحتات بن يزيد، ونعيم ابن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم فى وفد عظيم من بنى تميم.
فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، وإياهم عنى الله سبحانه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: 4] ، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا؛ قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» ، فقام عطارد بن حاجب، فقال:
الحمد لله الذى له علينا الفضل، وهو أهله، الذى جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدة، فمن مثلنا فى الناس؟ ألسنا برؤس الناس، وأولى فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددناه، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك.
أقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: «قم، فأجب الرجل فى خطبته» . فقام ثابت، فقال:
الحمد لله الذى السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه،
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 186) .
(1/590)

ولم يك شىء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وأتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون من قومه وذوى رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة، واستجابة لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه فى الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم «1» .
فقام الزبرقان بن بدر، فقال «2» :
نحن الكرام فلا حى يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع «3»
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هوانا ثم [متبع] *
فننحر الكوم عبطا فى أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا [شيع] *
فلا ترانا إلى حى نفاخرهم ... إلا استفادوا وكانوا الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا فى ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا وما يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استدعى حسان بن ثابت ليجيب شاعر بنى تميم، قال حسان: فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أقول:
منعنا رسول الله إذ حل وسطنا ... على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزة وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 116، 117) ، الطبرى فى التاريخ (2/ 188: 190) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (6/ 212، 213) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 188- 189) .
(3) البيع: مواضع الصلاة والعبادات، واحدتها بيعة.
(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة: «نصطنع» .
(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة: «شبعوا» .
(1/591)

هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
فلما فرغ الزبرقان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا حسان، فأجب الرجل» ، فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بهم كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع فى أشياعهم
سجية تلك منهم غير محدثة ... نفعوا
إن كان فى الناس سباقون بعدهم ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقتهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
أعفة ذكرت فى الوحى عفتهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
لا يبخلون على جار بفضلهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع
إذا نصبنا لحى لم ندب لهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... كما يدب إلى الوحشية الذرع
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
كأنهم فى الوغى والموت مكتنع ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا ... أسد بحلبة فى أرساغها فدع
فإن فى حربهم فاترك عداوتهم ... ولا يكن همك الأمر الذى منعوا
اكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... شرا يخاض عليه السم والسلع
أهدى لهم مدحتى قلب يوازره ... إذا تفاوتت الأهواء والشيع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم ... فى ما أحب لسان حائك صنع
إن جد بالناس جد القول أو شمع
وذكر ابن هشام «1» عن بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم، أن الزبرقان بن بدر لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وفد بنى تميم، قام فقال:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس فى كل موطن ... وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وأن لنا المرباع فى كل غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 191) .
(1/592)

فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:
هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبى محمدا ... على أنف راض من معد وراغم
بحى حريد أصله وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل وسط ديارنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسا بفىء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا ... على دينه بالمرهقات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظميها ... ولدنا نبى الخير من آل هاشم
بنى دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم ان تقسموا فى المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيّا كزىّ الأعاجم
قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبى، إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم.
وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم فى ظهرهم، وكان أصغرهم سنا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم.
وقيس بن عاصم هو الذى ذكره له ذكرا أزرى به فيه، فكان بينهما ما هو معلوم.

وفد بنى عامر «1»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عامر، فيهم بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.
فقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم، قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمنا
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 194- 195) .
(1/593)

على الرجل، فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عامر بن الطفيل: يا محمد، خالنى، قال: «لا والله، حتى تؤمن الله وحده» . قال: يا محمد، خالنى، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان امره به، فجعل أربد لا يحير شيئا؛ فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا؛ فلما ولى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفنى عامر بن الطفيل» ، فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويلك يا أربد، أين ما كنت امرتك به؟ والله ما كان على وجه الأرض رجل اخوف عندى على نفسى منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا.
قال: لا أبا لك! لا تعجل على، والله ما هممت بالذى امرتنى به إلا دخلت بينى وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفاضربك بالسيف؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه، فقتله الله فى بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر، أغدة كغدة البكر فى بيت امرأة من بنى سلول «1» .
ويقال «2» : إنه قال: أغدة كغدة الإبل، وموتا فى بيت سلولية!
ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بنى عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شىء والله، لقد دعانى إلى عبادة شىء لوددت انه عندى الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله. فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة، فأحرقتهما. وأنزل الله جل قوله فى وقاية الله تعالى لنبيه عليه السلام مما أراده به عامر، وفيما قتل به أربد: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أى أن المعقبات التى يحفظ الله بها نبيه هى من أمر الله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [الرعد: 10- 13] «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 329- 321) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 126) .
(2) هذا القول ذكره ابن هشام فى السيرة (4/ 195) .
(3) ذكره الواحدى فى أسباب النزول الحديث رقم (527) .
(1/594)

وفد تجيب «1»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد تجيب، وهم من السكون، ثلاثة عشر رجلا، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله، سقنا إليك حق الله تعالى فى أموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردوها، فاقسموها على فقرائكم» . فقالوا: يا رسول الله، ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما وفد علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هؤلاء الحى من تجيب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان» .
وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة فيهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم.
فأقاموا أياما، ولم يطيلوا اللبث، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ فقالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامنا إياه، وما رد علينا.
ثم جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه، فأرسل إليهم بلالا، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود. قال: «هل بقى منكم أحد» ؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا، قال: «أرسلوه إلينا» . فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه. وودعناه. فأقبل الغلام حتى اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنى امرؤ من بنى أبذى.
قال الواقدى: هو أبذى بن عدى، وأم عدى تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج، وإليها ينسبون يقول الغلام: من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتى يا رسول الله. «وما حاجتك؟» قال: إن حاجتى ليست بحاجة أصحابى، وإن كانوا قدموا راغبين فى الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإنى والله ما أعلمنى من بلادى إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لى، وأن يرحمنى، وأن يجعل غناى فى قلبى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه.
فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموسم بمنى سنة عشر،
__________
(1) راجع قدوم وفد تجيب فى: طبقات ابن سعد (1/ 2/ 60) ، البداية والنهاية (4/ 84) ، المنتظم لابن الجوزى (3/ 354) .
(1/595)

فقالوا: نحن بنو أبذى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل الغلام الذى أتانى معكم؟» قالوا: يا رسول الله، والله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله عز وجل لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله، إنى لأرجو أن يموت جميعا» . فقال رجل منهم:
أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تشعب أهواؤه وهمومه فى أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه فى بعض تلك الأودية، فلا يبالى الله عز وجل فى أيها هلك» .
قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده فى الدنيا وأقنعه بما رزق، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام فى قومه يذكرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر الصديق رضى الله عنه يذكره ويسأل عنه، حتى بلغه حاله وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا.

فروة بن مسيك المرادى «1»
وقدم فروة بن مسيك المرادى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة، متابعا للنبى صلى الله عليه وسلم وقال فى ذلك:
لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتى أؤم محمدا ... أرجو فواضها وحسن ثرائها
ثم خرج حتى أتى المدينة، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى المسجد، فسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله، أنا لمن ورائى من قومى، قال: «أين نزلت يا فروة؟» قال: على سعد بن عبادة، قال: «بارك الله على سعد بن عبادة» . وكان يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما جلس، ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه.
وكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم فى يوم يقال له: «يوم الردم» ، وكان الذى قاد همدان إلى مراد «الأجدع ابن مالك» ، ففضحهم يومئذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وفد إليه: «يا فروة، هل ساءك ما
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 206- 207) .
(1/596)

أصاب قومك يوم الردم؟» قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومى يوم الردم لا يسوءه ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن ذلك اليوم لم يزد قومك فى الإسلام إلا خيرا» .
وفى ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك «1» :
مررنا باللفاة* وهن خوص ... ينازعن الأعنة ينتحينا
فإن نغلب فغلابون قدما ... وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسربه ونرضى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرات دهر ... فألفى للأولى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم ... تجد ريب الزمان له خئونا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقى الكرام إذا بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومى ... كما أفنى القرون الأولينا
واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك «2» على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، وكتب له فيها كتابا لا يعدوه إلى غيره، فكان خالد مع فروة فى بلاده حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» .
ولما كانت السنة التى توفى فيها صلوات الله وبركاته عليه، وصدر عن مكة، ورأت أبناء زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام، مصدقين برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجع راجعهم إلى بلاده وهم على ما هم عليه، قالوا لخالد بن سعيد «4» : والله،
__________
(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 206- 207) .
(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة «مررن على لفاة» .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2101) ، الإصابة الترجمة رقم (6996) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4224) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 7) ، تهذيب التهذيب (8/ 265) ، خلاصة تذهيب الكمال (2/ 333) ، تهذيب الكمال (2/ 1094) .
(3) ذكره الطبرى فى التاريخ (5/ 198) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (617) ، الإصابة الترجمة رقم (2172) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1365) ، العقد الثمين (4/ 267) ، شذرات الذهب (1/ 30) ، طبقات ابن سعد (4/ 1/ 69) ، طبقات خليفة (11/ 298) ، التاريخ الكبير (3/ 152) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (172) ، تاريخ الإسلام (1/ 378) .
(1/597)

لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس، وصدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وخلينا بينك وبين صدقات أموالنا، وكنا لك عونا على من خالفك من قومنا.
قال خالد: قد فعلتم، قالوا: فأوفد منا نفرا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرونه بإسلامنا، ويقبسونا منه خيرا. قال خالد: ما أحسن ما دعوتم إليه، وأنا أجيبكم، ولم يمنعنى أن أقول لكم هذا إلا أنى رأيت الوفود تمر بكم فلا يهيجكم ذلك على الخروج، فساءنى ذلك منكم حتى ساء ظنى بكم، وكنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشرك، فخشيت أن يكون الإسلام لم يرسخ فى قلوبكم، فأما إذا طلبتم ما طلبتم، فأنا أرجو أن يكون الإسلام راسخا فى قلوبكم. قالوا: وما أنكرت منا؟ والله لقد كنا فى حيزك واخترناك على غيرك من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأيت منا شيئا تكرهه ولا تنكره إلى يومنا هذا.
قال: اللهم غفرا، لولا أنى أنكرت منكم بعض ما ينكر ما قلت هذا، أما تعلمون أنى أخذت من شاب منكم فريضة بنت مخاض، فعقلتها ووسمتها بميسم الصدقة، فجئتم بأجمعكم فأخذتموها، ثم قلتم: إن شاء خالد فليأخذها من مرعاها، فأمسكت عنكم وخفت أن يأتى منكم ما هو شر من هذا؟! فقالوا: فقد كان، ونزعنا وتبنا إلى الله، فلا نحول بينك وبين شىء تريده، فبعث معهم وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفد زبيد عمرو بن معدى كرب «1»
وقدم عمرو بن معدى كرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أناس من قومه بنى زبيد، فأسلم؛ وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له: محمد خرج بالحجاز، يقال: إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول، فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فإنه إن سبق إليه رجل من قومك سادنا وترأس علينا، وكنا له أذنابا. فأبى عليه قيس وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدى كرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام أياما، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يجيز الوفود، وأنصرف راجعا إلى بلاده، فأقام فى قومه بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك سامعا له مطيعا، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو، ثم راجع الإسلام بعد ذلك.
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 207- 208) .
(1/598)

وقد كان قيس بن مكشوح لما بلغه خروج عمرو أوعده وتحطم عليه، وقال: خالفنى وترك رأيى. فقال عمرو فى ذلك من أبيات:
أمرتك يوم ذى صنعاء ... أمرا باديا رشده
أمرتك باتقاء الل ... هـ والمعروف تتعده
فكنت كذى الحمير غره ... مما به وتده
تمنانى على فرس ... عليه جالس أسده*
فلو لاقيتنى للقي ... ت ليثا فوقه لبده
وطلب فروة بن مسيك قيس بن مكشوح كل الطلب، حتى هرب من بلاده، وكان مصمما فى طلب من خالفه، فكان عمرو يقول لقيس: قد خبرتك يا قيس أنك تكون ذنبا تابعا لفروة بن مسيك.

وفد بنى ثعلبة
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى ثعلبة سنة ثمان مرجعه من الجعرانة.
ذكر الواقدى عن رجل منهم قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة قدمنا عليه وافدين مقرين بالإسلام، ونحن أربعة نفر، فنزلنا دار رملة بنت الحارث، فجاءنا بلال، فنظر إلينا، فقال: أمعكم غيركم؟ قلنا: لا، فانصرف عنا، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى بجفنة من ثريد بلبن وسمن، فأكلنا حتى نهلنا، ثم رحنا إلى الظهر، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من بيته ورأسه يقطر ماء، فرمى ببصره إلينا، فأسرعنا إليه، وبلال يقيم الصلاة.
فسلمنا عليه، وقلنا: يا رسول الله، إنا رسل من خلفنا من قومنا، مقرين بالإسلام، وهم فى مواشيهم، وما لا يصلحه إلا هم، وقد قيل لنا يا رسول الله: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حيثما كنتم، واتقيتم الله فلا يضركم حيث كنتم» .
وفرغ بلال من الآذان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمنا، ثم تقدم فصلى بنا الظهر، لم تصل وراء أحد قط أتم صلاة ولا أوجز منه، ثم انصرف إلى بيته، فدخل، فلم يلبث أن خرج إلينا، فقيل لنا: صلى فى بيته ركعتين، فدعا بنا، فقال: «أين أهلكم؟» فقلنا: قريبا يا رسول
__________
(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيت لم يذكره هنا، وهو:
علىّ مفاضة كالنه ... ى أخلص ماءه جدده
انظر: السيرة (4/ 208) .
(1/599)

الله، هم بهذه السرية فقال: «كيف بلادكم؟» فقلنا: مخصبون، فقال: «الحمد لله» .
فأقمنا أياما، فتعلمنا من القرآن والسنن، وضيافته تجرى علينا، ثم جئنا نودعه منصرفين، فقال لبلال: «أجزهم كما تجيز الوفد» ، فجاء بلال بنقر من فضة، فأعطى كل واحد منا خمس أواق، وقال: ليس عندنا دراهم مضروبة، فانصرفنا إلى بلادنا «1» .

وفد بنى سعد هذيم «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو سعد هذيم، من قضاعة فى سنة تسع.
ذكر الواقدى عن ابن النعمان منهم عن أبيه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا فى نفر من قومى، وقد أوطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد غلبة، وأداخ العرب، والناس صنفان. إما داخل فى الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على جنازة فى المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس فى صلاتهم، وقلنا: حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبايعه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلينا، فدعا بنا، فقال: «من أنتم؟» فقلنا: من بنى سعد هذيم، فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم، قال: فهلا صليتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله، ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينما أسلمتم مسلمون» .
قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طلبنا، فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا، وإنه خادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه» «3» .
قال: فكان والله خيرنا، وأقرأنا للقرآن، لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فكان يؤمنا.
ولما أردنا الانصراف، أمر بلالا فأجازنا بأواقى من فضة، لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
__________
(1) ذكره ابن عساكر فى تهذيب تاريخ دمشق (3/ 302، 10/ 296) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 356) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 59، 65) .
(3) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (5/ 94) .
(1/600)

وفد بنى فزارة «1»
ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس بن حصن ابن أخى عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، فنزلوا فى دار زينب بنت الحارث، وجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام، وهم مستنون على وكاف عجاف، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله ويلك، هذا أنا شفعت إلى ربى عز وجل، فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العلى العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهى تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جل وعز ليضحك من شفعكم، وأزلكم، وقرب غياثكم» .
فقال الأعرابى: يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل؟ قال: «نعم» ، قال الأعرابى:
لن نعدمك من رب يضحك خير، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم من قوله، وصعد المنبر، فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه فى شىء من الدعاء إلا فى الاستسقاء، فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا طيبا، واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» .
فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصارى، فقال: يا رسول الله، التمر فى المربد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اسقنا» ، فعاد أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعائه، فعاد أيضا أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعائه، فعاد أيضا أبو لبابة، فقال: التمر فى المربد يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» ، قالوا: ولا والله ما فى السماء سحاب ولا قزعة، وما بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 353) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 59) ، البداية والنهاية (5/ 79) .
(1/601)

السماء انتشرت، ثم أمطرت، فو الله ما رأوا الشمس سبعا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره، لئلا يخرج التمر منه، فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فدعا ورفع يديه مدا، حتى رؤى بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» «1» .
قال: فانجابت السحاب عن المدينة انجياب الثوب.

وفد بنى أسد «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى أسد، عشرة رهط، فيهم وابصة بن معبد وطليحة ابن خويلد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى المسجد مع أصحابه، فسلموا وتكلموا، وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثا، ونحن لمن وراءنا.
قال محمد بن كعب القرظى: فأنزل الله عز وجل على رسوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [17: الحجرات] .
وكان مما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كله. فقالوا: يا رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها فى الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟ قال: «وما هى» ؟ قال: الخط، قال: «علمه نبى من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم» «3» .
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (1173) ، سنن البيهقى الكبرى (3/ 356) ، كنز العمال للمتقى الهندى (18025) ، موطأ الإمام مالك (191) ، العلل المتناهية لابن الجوزى (212) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (1506) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 355) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 39) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 79) .
(3) ذكره السيوطى فى الدرر المنثور (6/ 38) .
(1/602)

وفد بهراء»
وذكر الواقدى عن كريمة بنت المقداد، قالت: سمعت أمى ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب «2» تقول: قدم وفد بهراء من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد، ونحن فى منزلنا نبنى جديلة، فخرج إليهم المقداد، فرحب بهم، وأنزلهم، وجاءهم بجفنة من حيس قد كنا هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها، فحملها أبو معبد المقداد، وكان كريما على الطعام، فأكلوا منها حتى نهلوا، وردت إلينا القصعة وفيها أكل، فجمعنا تلك الأكل فى قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سدرة مولاتى، فوجدته فى بيت أم سلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ضباعة أرسلت بهذا» ؟، قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: «ضعى» ، ثم قال: «ما فعل ضيف أبى معبد؟» قلت: عندنا، فأصاب منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلا هو ومن معه فى البيت حتى نهلوا، وأكلت معهم سدرة، ثم قال: «اذهبى بما بقى إلى ضيفكم» ، قالت سدرة: فرجعت بما بقى فى القصعة إلى مولاتى، قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا، نرددها عليهم وما تغيض، حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا فى الحين، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق أو نحوه، ونحن عندك فى الشبع، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل منها أكلا وردها، فهذه بركة أثر أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القوم يقولون:
نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينا، وذلك الذى أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتعلموا الفرائض، وأقاموا أياما، ثم جاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعوه، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهلهم.

وفد بنى غدرة
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى غدرة فى صفر سنة تسع، اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان وسليم وسعد ابنا مالك ومالك بن أبى رباح، فنزلوا فى دار رملة بنت
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 356) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 66) .
(2) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3451) ، الإصابة الترجمة رقم (11429) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7076) ، تهذيب الكمال (1687) ، تهذيب التهذيب (12/ 432) ، خلاصة تذهيب الكمال (493) ، تاريخ الإسلام (2/ 229) .
(1/603)

الحارث النجارية، ثم جاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المسجد، فسلموا بسلام أهل الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من القوم» ؟ فقال متكلمهم: من لا تنكر، نحن بنو غدرة، أخوة قصى لأمه، نحن الذين عضوا قصيا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبنى بكر، ولنا قرابات وأرحام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفنى بكم، فما منعكم من تحية الإسلام» ؟ قالوا: يا محمد، كنا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لأنفسنا ولمن خلفنا، فإلام تدعو؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تشهدوا أنى رسول الله إلى الناس كافة» ، فقال المتكلم: فما وراء ذلك من الفرائض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، تحسن طهورهن وتصليهن لمواقيتهن، فإنه أفضل العمل» .
ثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام والزكاة والحج، فقال المتكلم: الله أكبر، نشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قد أجبناك إلى ما دعوت إليه، ونحن أعوانك وأنصارك ثم قال: يا رسول الله: إنا متاخمو الشام، وأخبارهم ترد علينا، وبالشام من قد علمت، هرقل، فهل اوحى إليك فى أمره بشىء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر، فإن الشام ستفتح عليكم، ويهرب هرقل إلى ممتنع بلاده» ، قال: الله أكبر، يا رسول الله، إن فينا امرأة كاهنة، كانت قريش والعرب يتحاكمون إليها، ولو قد رجعنا أقرت هى وغيرها من قومنا بالإسلام إن شاء الله، أفنسألها عن كهانتها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوها عن شىء» ، قال: الله أكبر، ثم سأله عن الذبائح التى كانوا يذبحون فى الجاهلية لأصنامهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وقال، وقال: «لا ذبيحة لغير الله عز وجل ولا ذبيحة عليكم فى سنتكم إلا واحدة» . قال: وما هى؟ فداك أبى وأمى، قال: «الأضحية» ، قال: وأى وقت تكون؟ قال: «صبيحة العاشر من ذى الحجة، تذبح شاة عنك وعن أهلك» ، قال: يا رسول الله، أهى على أهل كل بيت وجدوها؟ قال: «نعم» «1» .
فأقوموا أياما، ثم أجازهم كما يجيز الوفود، وانصرفوا.

وفد بلى «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بلى فى ربيع الأول من سنة تسع. قال رويفع ابن
__________
(1) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (12259) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 355) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 65) .
(1/604)

ثابت البلوى: فبلغنى قدومهم، فخرجت حتى جئتهم برأس الثنية فى أيديهم خطم رواحلهم، فرحبت بهم وقلت: المنزل على، فعدلت بهم إلى منزلى، فنزلوا، ولبسوا من صالح ثيابهم، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى أصحابه فى بقية فئ الغداة، فسلمت. فقال: «رويفع» ، فقلت: لبيك، قال: «من هؤلاء القوم» ؟
قلت: قومى، قال: «مرحبا بك وبقومك» ، قلت: يا رسول الله، قدموا وافدين عليك مقرين بالإسلام، وهم على من وراءهم من قومهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يهده للإسلام» .
قال: وتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فجلس بين يديه، فقال: يا رسول الله، إنا قدمنا عليك لنصدقك ونشهد أن ما جئت به حق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا قبلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذى هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» ، قال: يا رسول الله، إنى رجل لى رغبة فى الضيافة، فهل لى فى ذلك من أجر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وكل معروف صنعته إلى غنى أو فقير فهو صدقة» ، قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال: «ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف ان يقيم عندك فيحرجك» ، قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها فى الفلاة من الأرض؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب» ، قال: فالبعير، قال:
«مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه» «1» .
وسأله عن أشياء غير هذه، فأجابه عنها.
قال رويفع: ثم قاموا، فرجعوا إلى منزلى، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى منزلى يحمل تمرا، فقال: «استعن بهذا التمر» ، فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثا، ثم ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجازهم، ورجعوا إلى بلادهم.

ضمام بن ثعلبة «2»
وبعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه، وأناخ
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (2/ 186، 203، 4/ 117) ، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 185، 4/ 153، 6/ 189، 190) ، مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 168) ، المعجم الكبير للطبرانى (5/ 289) ، فتح البارى لابن حجر (1/ 186، 5/ 80) .
(2) انظر: السيرة (4/ 198- 200) .
(1/605)

بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى أصحابه؛ وكان ضمام رجلا جلدا، أشعر، ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن عبد المطلب» . قال:
أمحمد؟ قال: «نعم» ؛ قال: يا ابن عبد المطلب، إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسألة، فلا تجدن فى نفسك، قال: «لا أجد فى نفسى، فسل عما بدا لك» . قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال: «اللهم نعم» ، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن تأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللهم نعم» ، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن نصلى هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» . ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة كما ينشده فى التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» .
قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا عليه، فكان أول ما تكلم به أن سب اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله ما تضران ولا تنفعان إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم به مما كنتم فيه، فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه.
قال: فو الله، ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. فبنوا المساجد، وأذنوا بالصلاة، وكلما اختلفوا فى شىء قالوا: عليكم بوافدنا.
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة «1» .
واختلف فى الوقت الذى وفد فيه ضمام هذا على النبى صلى الله عليه وسلم فقيل: سنة خمس. ذكره الواقدى وغيره، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، فالله أعلم.
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (1/ 652) ، صحيح البخارى (1/ 63) ، صحيح مسلم (1/ 10/ 41، 42) ، سنن النسائى (4/ 2091) .
(1/606)

وفد عبد القيس «1»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس فى جماعة رأسهم عبد الله بن عوف الأشج، فلما أتوه قال: «من الوفد؟» أو «من القوم؟» قالوا: ربيعة، قال: «مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى» ، قالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. فأمرهم بأربع، ونهاهن عن أربع.
أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «هل تدرون ما الإيمان بالله» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسا من المغنم» .
ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير. قالوا: يا نبى الله، ما علمك بالنقير؟
قال: «بلى، جذع ينقرونه فيقذفون فيه من القطيعاء، أو قال: من التمر ثم يصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى أن أحدكم أو أن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف» ، وفى القوم رجل أصابته جراحه كذلك، قال: وكنت أخبأها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه القوم سألهم: «أيكم عبد الله الأشج» ؟ فقالوا: أتاك يا رسول الله. وكان عبد الله وضع ثياب سفره، وأخرج ثيابا حسانا فلبسها، وكان رجلا دميما، فلما جاء ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دمامته قال: يا رسول الله، إنه لا يستقى فى مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه، لسانه وقلبه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة» .
فقال عبد الله: يا رسول الله، أشىء حدث فى، أم شىء جبلت عليه؟ فقال: «بل شىء جبلت عليه» «2» .
وكان الأشج يسائل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفقه والقرآن، فكان رسول الله يدنيه منه إذا جلس، وكان يأتى أبى بن كعب فيقرأ عليه.
__________
(1) راجع: السيرة (200- 201) . المنتظم لابن الجوزى (3/ 382) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 64) ، تاريخ الطبرى (3/ 136) .
(2) انظر الحديث فى: سنن البيهقى (10/ 104) ، المعجم الكبير للطبرانى (5/ 317) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 64، 9/ 387، 388) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (3/ 418) ، التاريخ الكبير-- (585) ، فتح البارى لابن حجر (10/ 459) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (5054) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (8/ 31) ، كنز العمال للمتقى الهندى (5836، 5837) .
(1/607)

وأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز، وفضل الأشج عليهم، فأعطاه اثنتى عشرة أوقية، ونشا، وذلك أكثر مما كان يجيز به الوفود.
وقدم فى هذا الوفد الجارود بن عمرو، وكان نصرانيا، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه الإسلام، ودعا إليه، ورغبه فيه. فقال: يا محمد، إنى كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه» . فأسلم وحسن إسلامه، وأراد الرجوع إلى بلاده، فسأل النبى صلى الله عليه وسلم حملانا، فقال: «والله ما عندى ما أحملكم عليه» ، قال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: «لا» ، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار» «1» .
فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صليبا فى دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة، فلما رجع من كان أسلم من قومه إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان، قام الجارود فتشهد بشهادة الحق، ودعا إلى الإسلام، فقال:
يا أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يتشهد. ويروى: وأكفىء من لم يشهد «2» .

وفد بنى مرة
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى مرة، ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف، وذلك منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، جاؤه وهو فى المسجد، فقال الحارث بن عوف: يا رسول الله، إنا قومك وعشيرتك، نحن قوم من بنى لؤى بن غالب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للحارث: «أين تركت أهلك» ؟ قال: بسلاح وما والاها قال:
«فكيف البلاد؟ قال: والله، إنا لمستنون وما فى المال مخ، فادع الله لنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اسقهم الغيث» ، فأقاموا أياما، ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم، فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم مودعين له، فأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق، عشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف، أعطاه اثنتى عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم، فوجدوا البلاد
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 80) ، مصنف عبد الرزاق (10/ 18604) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (620) .
(2) انظر: السيرة (4/ 201) .
(1/608)

مطيرة، فسألوا: متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذى دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
فقدم عليه قادم بعد وهو يتجهز لحجة الوداع، فقال: يا رسول الله، رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مضبوطة مطرا، لذلك اليوم الذى دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع فى كل خمس عشرة ليلة مطرة جودا، ولقد رأيت الإبل تأكل وهى بروك، وإن غنمنا ما توارى من أبياتنا، فترجع فتقيل فى أهلنا. فقال رسول الله: «الحمد الله الذى هو صنع ذلك «1» » .

وفد خولان
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شعبان من سنة عشر وفد خولان، وهم عشرة، فقالوا:
يا رسول الله، نحن على من وراءنا من قومنا، ونحن مؤمنون بالله عز وجل مصدقون برسوله، قد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ذكرتم من مسيركم إلى فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارنى بالمدينة كان فى جوارى يوم القيامة» . قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذى لا توى عليه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل عم أنس؟» وهو صنم خولان الذى كانوا يعبدونه قالوا:
بشر وعر، بدلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به، ولو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله فقد كنا فى غرور وفتنة يا رسول الله، إن فتنته كانت أعظم مما عسينا أن نذكره لك، فالحمد لله الذى من علينا بك، وتنقذنا من الهلكة، وما مضى عليه الآباء من عبادته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أعظم ما رأيتم من فتنته؟» قالوا: يا رسول الله، لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة، ومات الولدان غرما، وهلكت ناغيتنا وراعيتنا وحافرنا أو ما ذهب منها. فقلنا، أو من قال منا: قربوا لعم أنس قربانا يشفع لكم، فتغاثوا فتعاونوا، فجمعنا ما قدرنا عليه من عين مالنا، ثم ذهب ذاهبنا فابتاع مائة ثور، ثم حشرها علينا، فنحرناها فى غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، فأى فتنة أعظم من هذه، فلقد رأينا العشب يوارى الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (5/ 89) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (160) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 43) .
(1/609)

وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزآ له وجزآ لله بزعمهم.
قالوا: كنا نزرع الزرع، فنجعل له وسطه، فنسميه له، ونسمى زرعا آخر حجرة لله جل وعز فإذا مالت الريح بالذى سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذى جعلناه لعم أنس لم نجعله لله.
فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أنزل عليه فى ذلك: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام: 136] . قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الشياطين تكلمكم» . قالوا: فأصبحنا يا رسول الله، وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع، ولا يدرى من عبده ممن لم يعبده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذى هداكم وأكرمكم بمحمد صلى الله عليه وسلم» . وسألوه عن فرائض الدين، فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وأن يظلموا أحدا. قال: «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» «1» .
ثم أمر بهم فأنزلوا دار رملة وأمر لهم بضيافة تجرى عليهم، وأمر من يعلمهم القرآن والسنن، ثم ودعوه بعد أيام، فأجازهم، ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس.

وفد محارب «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وفد محارب، وهم كانوا أغلظ العرب، وأفظه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تلك المواسم، أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عشرة نائبين عن من وراءهم من قومهم، فأسلموا.
وكان بلال يأتيهم بغذاء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الظهر إلى العصر، فعرف رجلا منهم، فأبداه النظر، فلما رآه المحاربى يديم النظر إليه، قال: كأنك
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب البر والصلة (56، 57) ، مسند الإمام أحمد (2/ 106، 195، 3/ 323) ، سنن البيهقى الكبرى (6/ 93، 10/ 134، 243) ، جمع الجوامع للسيوطى (5687) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 196) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (8/ 193) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 381) .
(1/610)

يا رسول الله توهمنى. قال: «لقد رأيتك» . فقال المحاربى: أى والله، لقد رأيتنى وكلمتنى، وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» . ثم قال المحاربى: يا رسول الله، ما كان فى أصحابى أشد عليك يومئذ ولا أبعد من الإسلام منى، فأحمد الله الذى أبقانى حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معى على دينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه القلوب بيد الله عز وجل» . فقال المحاربى: يا رسول، استغفر لى من مراجعتى إياك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر» «1» . ثم انصرفوا إلى أهليهم.

وفد طىء «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد وطىء، فيهم زيد الخيل «3» ، وهو سيدهم؛ فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ، ثم سماه زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه؛ وكتب له بذلك كتابا، فخرج من عنده راجعا إلى قومه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ينج زيد من حمى المدينة» يسميها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ باسم غير الحمى، وغير أم ملدم.
وقال زيد حين انصرف:
أنيخت بآجام المدينة أربعا ... وعشرا يغنى فوقها الليل طائر
فلما قضى أصحابها كل بغية ... وخط كتابا فى الصحيفة ساطر
شددت عليها رحلها وسليلها ... من الدرس والشعراء والبطن ضامر
فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له: فردة أصابته الحمى، فمات.
وقال لما أحس بالموت «4» :
أمر تحل قومى المشارقى غدوة ... وأترك فى بيت بفردة منجد
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 2/ 43) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 89) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 356) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 59، 65) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (866) ، الإصابة الترجمة رقم (2948) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1877) .
(4) انظر الأبيات فى السيرة (4/ 203) .
(1/611)

ألا رب يوم لو مرضت لعادنى ... عوائد من لم يشف منهن يجهد
فليت اللواتى عدننى لم يعدننى ... وليت اللواتى غبن عنى شهد
فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التى قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرقتها بالنار «1» .
وأما عدى بن حاتم «2» ، فكان يقول فيما ذكر عنه: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به منى، أما أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير فى قومى بالمرباع، فكنت فى نفسى على دين. وكنت ملكا فى قومى، لما كان يصنع بى قومى، وما كان يصنع فى أهل دينى، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لى عربى وكان راعيا لإبل لى: لا أبا لك، أعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا، فاحتبسها قريبا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذنى؛ ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة، فقال: يا عدى، ما كنت صانعا إذا غشيك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قلت: فقرب إلى أجمالى، فقربها، فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم فى الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها.
وتخالفنى خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب بنت حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبايا من طىء، فجعلت بنت حاتم فى حظيرة بباب المسجد، كانت السبايا تحبس فيها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بلغه هربى إلى الشام، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ من الله عليك، قال: «ومن وافدك؟» قالت عدى بن حاتم. قال: «الفار من الله ورسوله؟» قالت: ثم مضى وتركنى، حتى إذا كان من الغد مر بى، فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومى فكلميه؛ فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 2/ 59) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (6/ 36) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 337) ، تاريخ الطبرى (2/ 203) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1800) ، الإصابة الترجمة رقم (5491) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3610) ، طبقات خليفة (463، 904) ، مروج الذهب (3/ 190) ، جمهرة أنساب العرب (402) ، تاريخ بغداد (1/ 189) ، تاريخ الإسلام (3/ 46) ، تهذيب التهذيب (7/ 166) ، تهذيب الكمال (925) ، خلاصة تذهيب الكمال (223) ، سير أعلام النبلاء (3/ 162) ، شذرات الذهب (1/ 74) .
(1/612)

الوافد، فامنن على من الله عليك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة، حتى يبلغك إلى أهلك، ثم آذنينى» .
فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه، فقيل: على بن أبى طالب، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومى، لى فيهم ثقة وبلاغ. فكسانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملنى، وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قال عدى: فو الله إنى لقاعد فى أهلى، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا، قلت:
ابنة حاتم؟ فإذا هى هى، فلما وقفت على انسحلت تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك، قلت: أى أخية، لا تقولى إلا خيرا، فو الله ما لى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت.
ثم نزلت فأقامت عندى، فقلت لها، وكانت امراة حازمة: ماذا ترين فى أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يك ملكا فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت، قلت: والله، إن هذا للرأى.
فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه، وهو فى مسجده، فسلمت عليه، فقال: «من الرجل؟» فقلت: عدى بن حاتم؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه فى حاجتها؛ قال: قلت فى نفسى: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بى بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى؛ فقال: «اجلس على هذه» ، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل أنت» ، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض؛ فقلت فى نفسى: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: «إيه يا عدى بن حاتم! ألم تك ركوسيا؟» قلت: بلى، قال: «أولم تكن تسير فى قومك بالمرباع؟» قلت: بلى، قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك فى دينك» ؛ قلت: أجل والله، وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: «لعلك يا عدى إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه؛ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف؛ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك
(1/613)

والسلطان فى غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» «1» . قال: فأسلمت.
وكان عدى يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن. قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة، ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه.

وفد كندة «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس فى ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، قد رجلوا جمعهم وتكحلوا، عليهم جباب [الحبرة] «3» ، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال:
«فما بال هذا الحرير فى أعناقكم؟» ، قال: فشقوه منها، فألقوه.
ثم قال له الأشعث بن قيس «4» : يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة ابن الحارث، وكانا إذا خرجا تاجرين فضربا فى بعض العرب فسئلا ممن هما؟ قالا: نحن آكل المرار، يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكا» . ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة، لا تقفو أمنا، ولا ننتفى من أبينا» «5» . وقال جندب بن مكيث «6» : لقد
__________
(1) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 335) ، مستدرك الحاكم (4/ 581) .
(2) راجع: السيرة (4/ 209- 210) . المنتظم لابن الجوزى (3/ 382) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 64) ، تاريخ الطبرى (2/ 64) .
(3) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل، وفى السيرة: «الحيرة» . وجبب الحيرة: الجبب جمع جبة، وهو ضرب من الثياب، والحيرة: ضرب من برود اليمن.
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (135) ، الإصابة الترجمة رقم (205) ، أسد الغابة الترجمة رقم (185) ، تهذيب التهذيب (1/ 359) ، تهذيب الكمال (119) ، خلاصة تذهيب الكمال (39) ، العبر (1/ 42، 46) ، تاريخ خليفة (116، 193، 199) .
(5) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 211، 212) ، سنن ابن ماجه (2612) ، التاريخ الصغير للبخارى (11، 12) ، التاريخ الكبير للبخارى (7/ 274) . مصنف عبد الرزاق (11/ 74) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (345) ، الإصابة الترجمة رقم (231) ، أسد الغابة الترجمة رقم (807) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 91) ، تقريب التهذيب (1/ 173) ، الثقات (3/ 57) ، الوافى بالوفيات (11/ 194) ، الجرح والتعديل (2/ 2103) .
(1/614)

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قدم وفد كندة عليه حلة يمانية يقال: إنها حلة ابن ذى يزن، وعلى أبى بكر وعمر مثل ذلك.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليه أصحابه بذلك.

وفد صداء
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد صداء فى سنة ثمان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثا إلى اليمن، وهيأ بعثا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواء أبيض، ورفع له راية سوداء، وعسكر بناحية قناة فى أربعمائة من المسلمين، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم وعلم بالجيش، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، جئتك وافدا على من ورائى، فاردد الجيش وأنا لك بقومى، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد من صدور قناة، وخرج الصدائى إلى قومه، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم، فقال سعد ابن عبادة: يا رسول الله، دعهم ينزلوا على، فنزلوا عليه، فحياهم وأكرمهم وكساهم، ثم راح بهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن: لكن على من وراءنا من قومنا، فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل فى حجة الوداع.
ذكر هذا الواقدى عن بعض بنى المصطلق. وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائى أنه الذى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أردد الجيش، وأنا لك بقومى.
فردهم.
قال: وقدم وفد قومى، عليه، فقال لى: «يا أخا صداء، إنك لمطاع فى قومك» ، قال:
قلت: بلى من الله عز وجل ومن رسوله، وكان زياد هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره. قال: فاعتشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أى سار ليلا واعتشينا معه، وكنت رجلا قويا، قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه، ولزمت عرزه، فلما كان فى السحر قال: «أذن يا أخا صداء» ، فأذنت على راحلتى، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال: «يا
(1/615)

أخا صداء، هل معك ماء؟» قلت: معى شىء فى إداوتى. فقال: «هاته» فجئت به، فقال:
«صب» ، فصببت ما فى الإداوة فى القعب، وجعل أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفه على الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، ثم قال: «يا أخا صداء، لولا انى أستحى من ربى لسقينا واستقينا» ، ثم توضأ، وقال: «أذن فى صحابى. من كانت له حاجة بالوضوء فليرد» . قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم» ، فأقمت، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، وكنت سألته قبل أن يؤمرنى على قومى ويكتب لى بذلك كتابا، ففعل، فلما سلم يريد من صلاته قام رجل يتشكى من عامله، فقال: يا رسول الله، إنه أخذنا بدخول كانت بيننا وبينه فى الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله، أعطنى من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب، ولا نبى مرسل، حتى جزأها على ثمانية أجزاء، فإن كانت جزآ منها أعطيتك، وإن كنت عنها غنيا فإنما هو صداع فى الرأس وداء فى البطن» .
فقلت فى نفسى: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غنى عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ولم؟» قلت: إنى سمعتك تقول: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم وأنا مسلم» ، وسمعتك تقول: «من سأل من الصدقة وهو عنها غنى فإنما هى صداع فى الرأس وداء البطن» ، وأنا غنى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن الذى قلت كما قلت لك» ، فقتلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: دلنى على رجل من قومك استعمله، فدللته على رجل فاستعمله، قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان الصيف قل علينا فتفرقنا على المياه، والإسلام اليوم فينا قليل، ونحن نخاف، فادع الله عز وجل لنا فى بئرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناولنى سبع حصيات» ، فناولته فعركهن بيده، ثم دفعهن إلى، وقال: «إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة وسم الله» . قال: ففعلت، فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة «1» .
***
__________
(1) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (5/ 303) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 63) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 355) ، كنز العمال للمتقى الهندى (37075) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 203) .
(1/616)

وفد غسان «1»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غسان.
قالوا أو من قاله منهم فيما ذكر الواقدى عنهم: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رمضان سنة عشر، ونحن ثلاثة نفر، فلما كنا برأس الثنية لقينا رجل على فرس متنكب قوسا، فحيانا بتحية الإسلام، فرددنا عليه تحيتنا، فقال: من أنتم؟ قلنا: رهط من غسان، قد قدمنا على محمد نسمع من كلامه ونرتاد لقومنا، قال: فانزلوا حيث ينزل الوفد، قلنا:
وأين ينزل الوفد؟ قال: دار رملة بنت الحارث، ويقال: الحارث، ثم ائتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه، قلنا: ونقدر عليه كلما أردنا؟ قال: فتبسم، فقال: أى لعمرى، إنه ليطوف بالأسواق ويمشى وحده، وكنا قوما نسمع كلام النصارى وصفتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يمشى وحده لا شرطة معه، ويرعب من يراه منهم، فقلنا للرجل: من أنت لك الجنة؟
قال: أنا أبو بكر بن أبى قحافة، فقلنا: أنت فيما يزعم النصارى تقوم بهذا الأمر بعده، قال أبو بكر: الأمر إلى الله عز وجل، ثم قال: كيف تخدعون عن الإسلام وقد خبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء؟ قلنا: هو ذاك، فمضى ومضينا نسأل عن دار رملة حتى انتهينا إليها فنصادف وفودا من العرب كلهم مصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقلنا فيما بيننا: أترانا شر من نزى من العرب؟ ثم خرجنا حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد واقفا، فأمدنا ببصره، وقال: «أنتم الغسانيون؟» قلنا: نعم، قال: «قدمتم مرتادين لقومكم فما انتفعتم بعلم من كان معكم من أهل الكتاب» . قلنا: يا محمد، لم نر أحدا منهم اتبعك، فوقفنا عنك لذلك، ونحن الآن على غير ما كنا عليه، فالإم تدعو؟ قال:
«أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وخلع ما دعى من دونه، وأنى رسول الله» . قال قائلهم: فمن معك من اتباعك؟ قال: «الله جل وعز معى والملائكة: جبريل وميكائيل، والأنبياء، وصالح المؤمنين» ، ثم التفت ونظر إلى عمر، ولم ير أبا بكر، فقال: «هذا وصاحبه» ، قلنا: ابن أبى قحافة؟ قال: «نعم» ، قلنا: إنك لتأوى إلى ركن شديد، وقد صدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق، ولا ندرى أيتبعنا قومنا أم لا، وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر «2» .
ثم أسلموا، وأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز، وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم،
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 382) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 71) ، تاريخ الطبرى (3/ 130) .
(2) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (3/ 130) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 71) .
(1/617)

فلم يستجيبوا لهم، وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقى أبا عبيدة فخبره بإسلامه، فكان يكرمه.

وفد سلامان «1»
وذكر الواقدى أيضا بإسناد له: أن خبيب بن عمرو السلامانى كان يحدث قال:
قدمنا وفد سلامان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا منه إلى جنازة دعى إليها، فلما رأيناه قلنا يا رسول الله، السلام عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وعليكم السلام، من أنتم؟» قلنا: نحن من سلامان، قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فالتفت إلى ثوبان غلامه، فقال: «أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد» ، فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب، وإذا هى دار رملة بنت الحارث النجارية، فلما سمعنا أذان الظهر خرجنا إلى الصلاة، فقمنا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج إلى المسجد، فصلى بالناس وهو يتصفحنا، ودخل بيته فلم يلبث أن خرج، فجلس فى المسجد بين المنبر وبين بيته، وجلست عليه أصحابه، عن يمينه وعن شماله، فرأيت رجلا هو أقرب القوم منه، يكثر ما يلتفت إليه، ويحدثه. فسألت عنه، فقيل: أبو بكر بن أبى قحافة، وجئنا فجلسنا تجاه وجهه، وجعل الوفد يسألونه عن شرائع الإسلام، فلم يكد سائلهم يقطع حتى خشيت أن يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا نريد ما تريد، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسكت السائل، فقلت: أى رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال:
«الصلاة فى وقتها» ، ثم ذكر حديثا طويلا.
قال: ثم جاء بلال، فأقام الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بالناس العصر، فكانت صلاة العصر أخف فى القيام من الظهر، ثم دخل بيته، فلم ينشب أن خرج فجلس فى مجلسه الأول، وجلس معه أصحابه، وجئنا فجلسنا، فلما رآنى قال: «يا أخا سلامان» ، قلت: لبيك، قال: «كيف البلاد عندكم؟» قلت: أى رسول الله، مجدبة، وما لنا خير من البلاد، فادع الله أن يسقينا فى بلادنا، فنقر فى أوطاننا ولا نسير إلى بلاد غيرنا، فإن النجع تفرق الجميع وتشتت الديار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: «اللهم اسقهم الغيث فى
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 380- 381) .
(1/618)

ديارهم» ، فقلت: يا رسول الله، ارفع يديك، فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسو الله صلى الله عليه وسلم، ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام وقمنا عنه، فأقمنا ثلاثا وضيافته تجرى علينا، ثم ودعناه، وأمر لنا بجوائز، فأعطينا خمس أواقى، لكل رجل منا، واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا مال اليوم، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه، ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت فى اليوم الذى دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تلك الساعة «1» .
قال الواقدى: وكان مقدمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شوال سنة عشر.

وفد بنى عبس
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، وهى معايشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خير فى أموالنا، بعناها وهاجرنا من آخرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم الله من أعمالكم شيئا» ، وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان، هل له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له، كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن خالد بن سنان، فقال: «نبى ضيعه قومه» «2» .

وفد الأزد ووفد جرش»
قال ابن إسحاق «4» : وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الأزدى، فأسلم، وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه. وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.
فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بجرش، وهى يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليها خثعم، فدخلوها معهم حين
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 2/ 67) .
(2) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (1/ 2/ 42) .
(3) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 381) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 71) ، تاريخ الطبرى (3/ 130) ، البداية والنهاية (5/ 84) .
(4) انظر: السيرة (4/ 211- 212) .
(1/619)

سمعوا بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلا، حتى إذا كان إلى جبل يقال له: شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلا شديدا.
وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبينما هما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد العصر، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بأى بلاد الله شكر؟» فقال الجرشيان: ببلادنا جبل يقال له: كشر وكذلك يسميه أهل جرش فقال:
«إنه ليس بكشر، ولكنه شكر» ، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: «إن بدن الله لتنحر عنده الآن» ، فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن لينعى لكما قومكما، فقوموا فاسألاه أن يدعو الله ان يرفع عن قومكما؛ فقاما إليه، فسألاه عن ذلك، فقال: «اللهم ارفع عنهم» ، فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما، فوجدوا قومهما أصابهم صرد بن عبد الله فى اليوم الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال: وفى الساعة التى ذكر فيها ذكر «1» .
فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس والراحلة وللميرة، بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت.
فقال فى تلك الغزوة رجل من الأزد، وكانت خثعم تصيب من الأزد فى الجاهلية، وكانوا يعدون فى الشهر الحرام «2» :
يا غزوة ما غزونا غير خائبة ... فيها البغال وفيها الخيل والحمر
حتى أتينا حميرا فى مصانعها ... وجمع خثعم قد شاعت لها النذر
إذا وضعت غليلا كنت أحمله ... فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا

وفد غامد
قال الواقدى: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غامد سنة عشر، وهم عشرة، فنزلوا فى
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 372، 373) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 74، 75) .
(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 212) .
(1/620)

بقيع الغرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا فى رحلهم أحدثهم سنا، فنام عنه، وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له، وانتهى القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام، وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وقال لهم: «من خلفتم فى رحالكم؟» قالوا: أحدثنا يا رسول الله، قال: «فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم» ، فقال أحد القوم: يا رسول الله، ما لأحد من القوم عيبة غيرى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أخذت، وردت إلى موضعها» فخرج القوم سراعا حتى أتو رحلهم، فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فزعت من نومى ففقدت العيبة، فقمت فى طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآنى ثار يعدو منى، فانتهيت إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها، وأنها قد ردت، فرجعوا إلى النبى فأخبروه، وجاء الغلام الذى خلفوه فأسلم.
وأمر النبى صلى الله عليه وسلم أبى بن كعب «1» ، فعلمهم قرآنا، وأجازهم صلى الله عليه وسلم كما كان يجيز الوفود، وانصرفوا.

وفد بنى الحارث بن كعب «2»
قال ابن إسحاق «3» : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد بن الوليد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه،
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (6) ، الإصابة الترجمة رقم (32) ، أسد الغابة الترجمة رقم (34) ، طبقات خليفة (88، 89) ، تاريخ خليفة (167) ، الجرح والتعديل (2/ 290) ، حلية الأولياء (1/ 250) ، شذرات الذهب (1/ 32، 33) ، تهذيب التهذيب (1/ 187) ، تهذيب الكمال (70) ، خلاصة تذهيب الكمال (24) ، طبقات القراء (1/ 31) ، تذكرة الحفاظ (1/ 16) ، العبر (1/ 23) ، الاستبصار (48) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 379- 380) ، طبقات ابن سعد (1/ 2/ 72) ، تاريخ الطبرى (3/ 126) ، البداية والنهاية (5/ 88) .
(3) انظر: السيرة (4/ 215- 217) .
(1/621)

فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وبذلك كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبى رسول الله من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو: أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتنى إلى بنى الحارث بن كعب، وأمرتنى إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم، وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتللهم، وإنى قدمت عليهم، فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، كما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت فيهم ركبانا، فقالوا: يا بنى الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عن ما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبى صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبى، رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى مع رسولك يخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» .
فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين «1» ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان «2» ، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادى «3» ، وشداد بن عبد الله القنانى «4» ، وعمرو بن عبد الله الضبابى «5» ، فلما قدموا
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2152) ، الإصابة الترجمة رقم (7175) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4340) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 19) ، الثقات (3/ 341) ، الطبقات الكبرى (1/ 268، 339) ، الجرح والتعديل (7/ 95) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2816) ، الإصابة الترجمة رقم (9309) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5586) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1653) وفيه: «عبد الله بن قريط الزيادى» ، الإصابة الترجمة رقم (4911) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3129) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1165) ، الإصابة الترجمة رقم (3873) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2397) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1955) ، الإصابة الترجمة رقم (5911) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3978) .
(1/622)

على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم قال: «من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟» يعنى فى الطول والسمرة قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب، فلما وقفوا عليه سلموا، وقالوا: نشهد أنك لرسول الله، وأنه لا إله إلا الله؛ قال: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله» ، ثم قال: «أنتم الذين إذا زجروا استقدموا» ، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استدقموا، قالها أربع مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن خالدا لم يكتب إلى بأنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤسكم تحت أقدامكم» . فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: «فمن حمدتم؟» قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله، قال: «صدقتم» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية» ؟ قالوا: لم نك نغلب أحدا؛ قال: «بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم» . قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، إنا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم؛ قال: «صدقتم» . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى الحارث بن كعب قيس بن الحصين «1» .
فرجع وفد بنى الحارث إلى قومهم فى بقية شوال أو فى صدر ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم «2» ، ليفقههم فى الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب لهم كتابا
__________
(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 411، 412) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 339، 340) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1929) ، الإصابة الترجمة رقم (5826) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3905) ، نسب قريش (233) ، طبقات خليفة (20) ، التاريخ الكبير (6/ 305) ، تاريخ الثقات للعجلى (363) ، المعرفة والتاريخ (1/ 323) ، أنساب الأشراف (1/ 228) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (286) ، مروج الذهب (1896) ، الجرح والتعديل (6/ 226) ، سير أعلام النبلاء (3/ 417) ، العقد الثمين (6/ 368) ، تهذيب التهذيب (8/ 17) ، تقريب التهذيب (2/ 67) ، تذهيب التهذيب (244) ، تاريخ الإسلام (2/ 492) ، شذرات الذهب (1/ 95) .
(1/623)

عهد إليه فيه عهده، وأمره فيه أمره:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1] ، عهد من محمد النبى رسول الله، صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله فى أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا. والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين للناس فى الحق، ويشتد عليهم فى الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويتألف الناس حتى يفقهوا فى الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله به، والحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة وينهى الناس أن يصلى أحد فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يجتبى أحد فى ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه فى قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، ولتكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله، ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحوا برؤسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس فى الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم فى السماء، والعشاء أول الليل، وأمره بالسعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين فى الصدقة من العقار عشر ما سقت السماء وسقت العين، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل عشرين أربع شاة، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين فى الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وإنه من أسلم من يهودى أو نصرانى إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها أى لا يفتن وعلى كل حالم: ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابا.
(1/624)

فمن أدى ذلك، فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك، فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» «1» .

وفد بنى حنيفة «2»
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفى الكذاب.
قال ابن إسحاق «3» : فحدثنى بعض علمائنا من أهل المدينة: أن بنى حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله جالس فى أصحابه، معه عسيب من سعف النخل، فى رأسه خوصات؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب، كلمه وسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه» «4» .
قال: وقد حدثنى شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا.
زعم أن وفد بنى حنيفة اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا أو فى ركابنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال: «أما إنه ليس بشركم مكانا» أى لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذى يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» .
قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت فى الأمر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له: «أما إنه ليس بشركم مكانا» ؟ ما ذاك إلا لما كان يعلم إنى قد أشركت فى الأمر معه؛ ثم جعل يسجع لهم، ويقول فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن النسائى (8/ 4868) ، مستدرك الحاكم (1/ 397) ، السنن الكبرى للبيهقى (8/ 73، 100) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (3/ 382) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 45) ، تاريخ الطبرى (3/ 137) .
(3) انظر: السيرة (4/ 201- 203) .
(4) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 350) ، صحيح البخارى (7/ 4373) .
(5) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 691) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 317) .
(1/625)

صلى الله عليه وسلم بأنه نبى، فأصفقت معه حنيفة على ذلك. فالله أعلم أى ذلك كان «1» .
وذكر الواقدى إنه قدم فى وفد بنى حنيفة الرحال بن عنفوة، وأنه كان أيام مقام الوفد يختلف إلى أبى كعب، يتعلم القرآن وشرائع الإسلام، حتى كان الرحال عندهم أفضل من كان وفد عليهم لما يرون من حرصه، فلما تنبأ مسيلمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم له الرحال بن عنفوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه فى الأمر، فافتتن الناس.

وفد همدان
قال ابن هشام «2» : وقدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مالك بن نمط، وأبو ثور، وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السلمانى، وعميرة ابن مالك الخارقى، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات، والعمائم العدنية، برحال الميس على المهرية والأرحبية، ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم، يقول أحدهما:
همدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها فى العالمين أمثال «3»
محلها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطابات وآكال «4»
ويقول الآخر:
إليك جاوزن سواد الريف ... فى هبوات الصيف والخريف
مخطمات بحبال الليف «5»
فقام مالك بن نمط «6» بين يديه، ثم قال: يا رسول الله، نصيّة من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف، ويام وشاكر، أهل السواد والقود، أجابوا دعوة الرسول
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 202) .
(2) انظر: السيرة (4/ 220) .
(3) السوقة: الذين دون الملوك من الناس، الأقيال: هم الذين يلون الملك فى المنزلة.
(4) الهضب: الأمكنة المرتفعة، واحدها هضبة. الأطابات: الأموال الطيبة.
(5) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 202) .
(6) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2238) ، الإصابة الترجمة رقم (7710) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4651) .
(1/626)

وفارقوا آلهات الأنصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.
فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من رسول الله لمخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وخقاف الرمل، مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار» «1» .
فقال فى ذلك مالك بن نمط «2» :
ذكرت رسول الله فى فحمة الدجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد
وهن بنا خوض طلائع تغتلى ... بركبانها فى لا حب متمدد
على كل فتلاء الذراعين جسرة ... تمر بنا مرا لهجف الخفيدد
حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادى بالركبان من ظهر قردد
بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذى العرش مهتد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفى المهند

وفد النخع
قال الواقدى: وقدم على رسول الله وفد النخع، وهم آخر وفد، قدموا للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة من الهجرة، فى مائتى رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ ابن جبل باليمن. فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو «3» : يا رسول الله إنى رأيت فى سفرى هذا عجبا، قال:
«وما رأيت» ؟ قال: رأيت أتانا تركتها فى الحى كأنها ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تركت أمة لك مصرة على حمل» ؟ قال: نعم، قال: «فإنها قد
__________
(1) ذكره ابن الأثير فى أسد الغابة (5/ 51، 52) ، ابن حجر فى الإصابة (6/ 36) .
(2) انظر الأبيات فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2328) ، الإصابة الترجمة رقم (7710) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4651) ، السيرة (4/ 221- 222) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (814) ، الإصابة الترجمة رقم (2802) ، أسد الغابة الترجمة رقم (739) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 89) ، الثقات (3/ 143) ، الوافى بالوفيات (14/ 192) ، الجرح والتعديل (3/ 2724) .
(1/627)

ولدت غلاما وهو أبنك» ، قال: يا رسول الله، فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منى» .
فدنا منه، فقال: «هل بك من برص تكتمه؟» قال: والذى بعثك بالحق، ما علم به أحد، ولا اطلع عليه غيرك. قال: «فهو ذلك» . قال: يا رسول الله ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال: «ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته» . قال: يا رسول الله، ورأيت عجوز اشمطاء، خرجت من الأرض. قال: «تلك بقية الدنيا» . قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى يقال له:
عمرو، وهى تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعمونى آكلكم (آكلكم) : أهلكم ومالكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك فتنة تكون فى آخر الزمان» . قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: «يقتل الناس إمامهم، ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه يحسب المسئ فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن أحل من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك» .
قال: يا رسول الله، ادع الله أن لا أدركها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركها» . فمات وبقى ابنه، وكان ممن خلع عثمان «1» .
وهذا الذى تيسر لنا ذكره من شأن الوفود، وهم أكثر من هذا، ومعظم من ذكرنا إنما هو من كتاب الواقدى مع من ذكره ابن إسحاق منهم.
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثانى
وأوله «بعث رسول الله إلى الملوك وكتابه إليهم»
__________
(1) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (5/ 388) ، الاستيعاب الترجمة رقم (814) .
(1/628)

فهرس محتويات الجزء الأول
مقدمة التحقيق أ
مقدمة المصنف 3
ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما 7
ذكر أولية بيت الله المحرم وركنه المستلم ومن تولى بناءه من ملائكته وأنبيائه صلى الله على جميعهم وسلم 30
ذكر دخول الحبشة أرض اليمن واستيلائهم على ملكها وذكر السبب فى ذلك مع ما يتصل به من أمر الفيل 83
ذكر حفر عبد المطلب زمزم وما يتصل بذلك من حديث مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم 100
ذكر بنيان قريش الكعبة مع ذكر ما أحدثوه فى المناسك 130
ذكر ما حفظ عن الأحبار والرهبان والكهان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه سوى ما تقدم من ذلك مع ذكر شىء مما سمع من ذلك عند الأصنام أو هتفت به الهواتف 135
ذكر المبعث 163
ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه 185
وفد بنى أسد 602
وفد بهراء 603
وفد بنى غدرة 603
وفد بلى 604
ضمام بن ثعلبة 605
وفد عبد القيس 607
وفد بنى مرة 608
وفد خولان 609
وفد محارب 610
وفد طىء 611
وفد كندة 614
وفد صداء 615
وفد غسان 617
وفد سلامان 618
وفد بنى عبس 619
وفد الأزد ووفد جرش 619
وفد غامد 620
وفد بنى الحارث بن كعب 621
وفد بنى حنيفة 625
وفد همدان 626
وفد النخع 627
الفهرس 629
(1/629)

الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الملوك، وكتابه إليهم يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام
قال ابن هشام «1» : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه، وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.
حدثنى من أثق به عن أبى بكر الهذلى قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التى صد عنها يوم الحديبية، فقال: «أيها الناس، إن الله قد بعثنى رحمة وكافة، فلا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم عليه السلام» .
وفى حديث ابن إسحاق: «إن الله بعثنى رحمة وكافة، فأدوا عنى يرحمكم الله، ولا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى» ، فقال أصحابه: «وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟» ، فقال: «دعاهم إلى الذى دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضى وسلم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل، فشكا ذلك عيسى إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التى بعث إليها» «2» .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبى «3» إلى قيصر ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمى»
إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 231) .
(2) . انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 305، 306) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 734) .
(3) . انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (700) ، الإصابة الترجمة رقم (2395) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1507) ، التاريخ الكبير (3/ 254) ، تاريخ الطبرى (2/ 582) ، أنساب الأشراف (1/ 377) ، الجرح والتعديل (3/ 439) ، العقد الفريد (2/ 34) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (56) ، الأنساب لابن السمعانى (10/ 452) ، تهذيب الكمال (8/ 473) ، تهذيب التهذيب (3/ 506) ، خلاصة تهذيب الكمال (112) ، الوافى بالوفيات (4/ 51) ، تاريخ الإسلام (1/ 48) .
(4) . انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1526) ، الإصابة الترجمة رقم (4641) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2891) ، خلاصة تذهيب الكمال (2/ 49) ، المعرفة والتاريخ (1/ 252) .
(2/3)

الضمرى «1» إلى النجاشى ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبى بلتعة «2» إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد* ابنى الجلندى ملك عمان، وبعث سليط بن عمرو «3» أحد بنى عامر بن لؤى إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة؛ وبعث العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدى «4» إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى ملك تخوم الشام «5» .
ويقال: بعثه إلى حبلة بن أيهم الغسانى، وبعث المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى ملك اليمن.
ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، وما كان من خبر دحية معه «6»
ذكر الواقدى من حديث ابن عباس، ومن حديثه خرج فى الصحيحين: أن رسول
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1913) ، الإصابة الترجمة رقم (5781) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3862) ، سير أعلام النبلاء (3/ 179) ، تهذيب التهذيب (8/ 6) ، تقريب التهذيب (2/ 65) ، خلاصة تهذيب الكمال (2/ 280) ، الاستبصار (78) ، الأعلام (5/ 73) ، المعرفة والتاريخ (1/ 325) ، الرياض المستطابة (214) ، التحفة اللطيفة (3/ 291) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (472) ، الإصابة الترجمة رقم (1543) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1011) ، تاريخ خليفة (166) ، الجرح والتعديل (3/ 303) ، تهذيب التهذيب (2/ 168) ، تاريخ الإسلام (2/ 85) ، شذرات الذهب (1/ 37) .
(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة: «عياذ» .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1045) ، الإصابة الترجمة رقم (3435) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2203) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 235) ، الجرح والتعديل (4/ 1228) ، الثقات (3/ 181) ، المصباح المضىء (1/ 270، 2/ 74) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1199) «وفيه قال ابن عبد البر: شجاع بن أبى وهب ويقال: ابن وهب» . الإصابة الترجمة رقم (3859) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2388) .
(5) انظر: السيرة (4/ 231) .
(6) راجع: صحيح البخارى (4/ 119، 122) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (343، 348) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 377، 386) ، تاريخ الطبرى (3/ 644، 646، 651) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 77، 78) ، المصباح المضىء (2/ 76، 124) .
(2/4)

الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله جل وعز فيما أبلاه من ذلك، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: التمسوا لنا هاهنا أحدا من قومه نسألهم عنه.
قال ابن عباس: فأخبرنى أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام فى رجال من قريش، قدموا تجارا، وذلك فى الهدنة التى كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، قال:
فأتانا رسول قيصر، فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس فى مجلس ملكه عليه التاج، وحوله، عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم، أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى، قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، وليس فى الركب يومئذ رجل من بنى عبد مناف غيرى، قال قيصر: أدنوه منى، ثم أمر بأصحابى فجعلوا خلف ظهرى، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه، إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى، وإنما جعلتم خلف كتفيه لتردوا عليه كذبا إن قاله، قال أبو سفيان: فو الله لولا الحياء يومئذ من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه، ولكنى استحييت فصدقته وأنا كاره، ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقلت هو فينا ذو نسب قال: قل له هل قال هذا القول منكم أحد قبله؟، قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا، قال: هل كان من آبائه ملك؟
قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم قال: فهل يزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن الآن منه فى مدة، ونحن لا نخاف غدره، وفى رواية: ونحن منه فى مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها.
قال أبو سفيان: ولم تمكنى كلمة أغمزه بها لا أخاف على فيها شيئا غيرها. قال:
فهل قاتلتموه؟، قلت: نعم، قال: فكيف حربكم وحربه؟، قلت: دول سجال، ندال عليه مرة ويدال علينا أخرى، قال: فما يأمركم به؟، قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد أباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، فقال لترجمانه: قل له: إنى سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك: هل قال هذا القول منكم أحد قبله، فزعمت أن لا، فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقول قيل قبله،
(2/5)

وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك هل كان من آبائه ملك، فقلت: لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك:
أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، فقلت: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وسألتك: هل قاتلتموه، فقلت: نعم، وأن حربكم وحربه دول سجال، ويدال عليكم مرة، وتدالون عليه أخرى وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك: ماذا يأمركم به، فزعمت أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وهو نبى، وقد كنت أعلم أنه خارج لكم ولكن لم أظن أنه فيكم، وإن كان ما أتانى عنه حقا، فيوشك أن يملك موضع قدمى هاتين، ولو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقيه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه.
قال أبو سفيان: «ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم لتسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون» .
قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته وفرغ الكتاب علت أصوات الذين حوله وكثر لغطهم، فلا أدرى ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت أنا وأصحابى وخلصنا، قلت لهم: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة، هذا ملك بنى الأصفر يخافه، قال: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام «1» .
وفى حديث غير هذا، ذكره أيضا الواقدى عن محمد بن كعب القرظى أن دحية الكلبى لقى قصر بحمص لما بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيصر ماش من قسطنطينة إلى إيلياء فى نذر كان عليه إن ظهرت الروم على فارس أن يمشى حافيا من قسطنطينة، فقال لدحية قومه لما بلغ قيصر: إذا رأيته فاسجد له، ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك.
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (6/ 45) ، سنن أبى داود (5136) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (3/ 414) .
(2/6)

قال دحية: لا أفعل هذا أبدا، ولا أسجد لغير الله عز وجل، قالوا: إذ لا يؤخذ كتابك، ولا يكتب جوابك، قال: وإن لم يأخذه، فقال له رجل منهم: أدلك على أمر يأخذ فيه كتابك، ولا يكلفك فيه السجود. قال دحية: وما هو؟ قال: إن له على كل عقبة منبرا يجلس عليه، فضع صحيفتك تجاه المنبر، فإن أحد لا يحركها حتى يأخذها هو، ثم يدعو صاحبها فيأتيه. قال: أما هذا فسأفعل، فعمد إلى منبر من تلك المنابر التى يستريح عليها قيصر، فألقى الصحيفة، فدعا بها فإذا عنوانها كتاب العرب، فدعا الترجمان الذى يقرأ بالعربية، فإذا فيه: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم» ، فغضب أخ لقيصر يقال له: نياق، فضرب فى صدر الترجمان ضربة شديدة، ونزع الصحيفة منه، فقال له قيصر: ما شأنك، أخذت الصحيفة؟ فقال: تنظر فى كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك؟
وسماك قيصر صاحب الروم، وما ذكر لك ملكا. فقال له قيصر: إنك والله ما علمت أحمق صغيرا، مجنون كبيرا، أتريد أن تخرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه، فلعمرى لئن كان رسول الله كما يقول، لنفسه أحق أن يبدأ بها منى، وإن كان سمانى صاحب الروم لقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم، ولكن الله عز وجل سخرهم لى، ولو شاء لسلطهم على كما سلط فارس على كسرى فقتلوه. ثم فتح الصحيفة، فإذا فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ الآية إلى قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64] فى آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله ويزهده فى ملكه ويرغبه فيما رغبه الله فيه من الآخرة، ويحذره بطش الله وبأسه» «1» .
وفى حديث غير الواقدى أن دحية لما لقى قيصر قال له: يا قيصر، أرسلنى إليك من هو خير منك، والذى أرسله خير منه ومنك، فاسمع بذل، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أن المسيح كان يصلى؟. قال: نعم، قال: فإنى ادعوك إلى من كان المسيح يصلى له، وأدعوك إلى من دبر خلق السموات والأرض والمسيح فى بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبى الأمى، الذى بشر به موسى وبشر به عيسى ابن مريم بعده، وعندك من ذلك أثاره من علم تكفى عن العيان وتشفى عن الخبر فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة
__________
(1) انظر الحديث فى: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (5/ 222) ، كنز العمال للمتقى الهندى (30278، 30337) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (121) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 306) .
(2/7)

وشوركت فى الدنيا، وأعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة ويغير النعم.
فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه ورأسه، وقبله، ثم قال: أما والله، ما تركت كتابا إلا قرأته، ولا عالما إلا سألته، فما رأيت إلا خيرا، فأمهلنى حتى أنظر من كان المسيح يصلى له، فإنى أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه، فيضرنى ذلك ولا ينفعنى، أقم حتى أنظر.
ويروى أن قيصر لما سأل أبا سفيان بن حرب عما سأله عنه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما تقدم، وأخبره به قال: والذى نفسى بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمى، يا معشر الروم، هلم إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه، ونسأله الشام أن لا توطأ علينا أبدا، فإنه لم يكتب نبى من الأنبياء قط إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه إليه، ثم يسأله عندها مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت، فأطيعوني، فلنجبه ونسأله أن لا توطأ الشام. قالوا: لا نطاوعك فى هذا أبدا، تكتب إليه تسأله ملكك الذى تحت رجليك، وهو هنالك لا يملك من ذلك شيئا، فمن أضعف منك.
وفى هذا الحديث عن أبى سفيان أنه قال لقيصر لما سأله عن النبى صلى الله عليه وسلم فى جملة ما أجابه:
أيها الملك، ألا أخبرك خبرا تعرف به أنه قد كذب؟. قال: وما هو؟ قلت: إنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فى ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا فى تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر، وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إنى كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبنى، فاستعنت عليه عمالى ومن يحضرنى فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول جبلا، فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا: هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى، فرجعت وتركت البابين مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذى فى زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابى: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبى، وقد صلى الليلة فى مسجدنا هذا.
فقال قيصر لقومه: يا معشر الروم، ألستم تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة
(2/8)

نبى بشركم به عيسى ابن مريم، ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله قد جعله فى غيركم، فى أقل منكم عددا، وأضيق منكم بلدا، وهى رحمة الله عز وجل يضعها حيث يشاء «1» .
وفى الصحيح من الحديث أن هرقل لما تحقق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان يجده فيما عندهم من العلم أذن لعظماء الروم فى دسكرة له بحمص، وأمر بالأبواب فغلقت، ثم طلع عليهم، فقال: يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم، وأن تتبعوا ما قال عيسى ابن مريم؟ قالوا: وما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبى العربى. قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش واستجالوا فى الكنيسة وتناخروا، ورفعوا الصلب، وابتدروا الأبواب، فوجدوها مغلقة، فلما رأى هرقل ما رأى يئس من إسلامهم وخافهم على ملكه، فقال: ردوهم على، فردوهم، فقال: إنما قلت لكم ما قلت لأخبر كيف صلابتكم فى دينكم، فقد رأيت منكم الذى أحب، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأنهم «2» .
ويروى أن قيصر لما انتهى مع قومه إلى ما ذكر، ويئس من إجابتهم كتب مع دحية جواب كتابه الذى جاءه به، يقول فيه للنبى صلى الله عليه وسلم: إنى مسلم، ولكنى مغلوب على أمرى.
وأرسل إليه بهدية، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه قال: «كذب عدو الله، ليس بمسلم، بل هو على نصرانيته» ، وقبل هديته، وقسمها بين المسلمين.
وقال دحية فى قدومه:
ألا هل أتاها على نأيها ... بأنى قدمت على قيصر
فقررته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمر
وتدبير ربك أمر السما ... ء والأرض فأغضى ولم ينكر
وقلت تفز ببشرى المسيح ... فقال سأنظر قلت انظر
فكاد يقر بأمر الرسول ... فمال إلى البدل الأعور
فشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بنى الأصفر
على وضعه بيديه الكتاب ... على الرأس والعين والمنخر
فأصبح قيصر فى أمره ... بمنزلة الفرس الأشقر
__________
(1) انظر: التخريج السابق.
(2) انظر: التخريج السابق.
(2/9)

ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبى صلى الله عليه وسلم وما كان من خبره معه «1»
وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز، أنو شروان، ومعنى أبرويز: المظفر، فيما ذكره المسعودى، وهو الذى كان غلب الروم، فأنزل الله فى قصتهم: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [1- 3: الروم] ، وأدنى الأرض فيما ذكر الطبرى هى بصرى وفلسطين، وأذرعات من أرض الشام.
وذكر الواقدى من حديث الشفاء بنت عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة السهمى منصرفه من الحديبية إلى كسرى، وبعث معه كتابا مختوما فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ادعوك بداعية الله، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت، فعليك إثم المجوس» . قال عبد الله بن حذافة، فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه، فأخذه ومزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«مزق ملكه» «2» .
وذكر أبو رفاعة، وثيمة بن موسى بن الفرات، قال: لما قدم عبد الله بن حذافة على كسرى قال: يا معشر الفرس، إنكم عشتم بأحلامكم لعدة أيامكم بغير نبى ولا كتاب، ولا تملك من الأرض إلا ما فى يديك، وما لا تملك منها أكثر، وقد ملك الأرض قبلك ملوك أهل الدنيا وأهل الآخرة، فأخذ أهل الآخرة بحظهم من الدنيا، وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة، فاختلفوا فى سعى الدنيا واستووا فى عدل الآخرة، وقد صغر هذا الأمر عندك، أنا أتيناك به، وقد والله جاءك من حيث خفت، وما تصغيرك إياه بالذى يدفعه عنك، ولا تكذيبك به بالذى يخرجك منه، وفى وقعة ذى قار على ذلك دليل.
فأخذ الكتاب فمزقه، ثم قال: لى ملك هنى، لا أخشى أن أغلب عليه، ولا أشارك فيه،
__________
(1) راجع: صحيح البخارى (4/ 119) ، تاريخ الطبرى (3/ 644، 654، 657) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (348، 351) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 387، 392) ، المصباح المضىء (2/ 180، 227) ، أعلام النبوة للماوردى (97، 98) .
(2) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (6/ 344) .
(2/10)

وقد ملك فرعون بنى إسرائيل، ولستم بخير منهم، فما يمنعنى أن أملككم وأنا خير منه، فأما هذا الملك فقد علمنا أنه يصير إلى الكلاب، وأنتم أولئك تشبع بطونكم وتأبى عيونكم، فأما وقعة ذى قار فهى بوقعة الشام.
فانصرف عنه عبد الله، وقال فى ذلك:
أبى الله إلا أن كسرى فريسة ... لأول داع بالعراق محمدا
تقاذف فى فحش الجواب مصغرا ... لأمر العريب الخائفين له الردا
فقلت له أرود فإنك داخل ... من اليوم فى بلوى ومنتهب غدا
فأقبل وأدبر حيث شئت فإننا ... لنا الملك فابسط للمسالمة اليدا
وإلا فأمسك قارعا سن نادم ... أقر بذل الخرج أو مت موحدا
سفهت بتخريق الكتاب وهذه ... بتمزيق ملك الفرس يكفى مبددا
ويروى أن كسرى رأى فى النوم بعد أن أخبر بخروج النبى صلى الله عليه وسلم ونزوله يثرب أن سلما وضع فى الأرض إلى السماء، وحشر الناس حوله، إذ أقبل رجل عليه عمامة، وإزار أو رداء، فصعد السلم حتى إذا كان بمكان منه نودى: أين فارس ورجالها ونساؤها ولامتها وكنوزها؟ فأقبلوا، فجعلوا فى جوالق، ثم رفع الجوالق إلى ذلك الرجل، فأصبح كسرى تعس النفس، محزونا لتلك الرؤيا، وذكرها لأساورته، فجعلوا يهونون عليه الأمر، فيقول كسرى: هذا أمر تراد به فارس، فلم يزل مهموما حتى قدم عليه عبد الله بن حذافة بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام.
وذكر الواقدى من حديث أبى هريرة وغيره أن كسرى بينا هو فى بيت كان يخلو فيه إذا رجل قد خرج إليه فى يده عصا، فقال: يا كسرى، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، فأسلم تسلم، واتبعه يبق لك ملكك قال كسرى: أخر هذا عنى أثرا ما، فدعا حجابه وبوابيه، فتواعدهم، وقال: من هذا الذى دخل على؟ قالوا: والله، ما دخل عليك أحد، وما ضيعنا لك بابا، ومكث حتى إذا كان العام المقبل أتاه فقال له مثل ذلك، وقال: إن لا تسلم أكسر العصا. قال: لا تفعل، أخر ذلك أثرا ما، ثم جاء العام المقبل، ففعل مثل ذلك، وضرب بالعصا على رأسه فكسرها، وخرج من عنده، ويقال أن ابنه قتله فى تلك الليلة، وأعلم الله بذلك رسوله عليه السلام بحدثان كونه فأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك رسل باذان إليه.
وكان باذان عامل كسرى على اليمن، فلما بلغه ظهور النبى صلى الله عليه وسلم ودعاؤه إلى الله، كتب إلى باذان: أن ابعث إلى هذا الرجل الذى خالف دين قومه، فمره فليرجع إلى دين قومه، فإن أبى فابعث إلى برأسه، وإلا فليواعدك يوما تقتتلون فيه، فلما ورد كتابه إلى
(2/11)

باذان، بعث بكتابه مع رجلين من عنده، فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلهما وأمرهما بالمقام فأقاما أياما، ثم أرسل إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، فقال: «انطلقا إلى باذان فأعلماه أن ربى عز وجل قد قتل كسرى فى هذه الليلة» ، فانطلقا حتى قدما على باذان، فأخبراه بذلك، فقال: إن يكن الأمر كما قال فو الله إن الرجل لنبى، وسيأتى الخبر بذلك إلى يوم كذا، فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويقال: إن الخبر أتاه بمقتل كسرى وهو مريض، فاجتمعت إليه أساورته، فقالوا: من تؤمر علينا. فقال لهم: ملك مقبل وملك مدبر، فاتبعوا هذا الرجل، وادخلوا فى دينه وأسلموا. ومات باذان، فبعث رؤسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدهم يعرفونه بإسلامهم.
ذكر إسلام النجاشى، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مع عمرو بن أمية الضمرى «1»
قال ابن إسحاق: لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وجه إلى النجاشى عمرو بن أمية، فقال له: يا أصحمة، إن على القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك فى الرقة علينا منا، وكأنا فى الثقة بك منك، لأنا لن نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم نخفك على شىء قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفى ذلك وقع الحز وإصابة المفصل، وإلا فأنت فى هذا النبى الأمى كاليهود فى عيسى ابن مريم، وقد فرق النبى صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف وأجر ينتظر، فقال النجاشى: أشهد بالله أنه للنبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر.
وذكر الواقدى أن الكتاب الذى كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشى مع عمرو ابن أمية الضمرى هو هذا: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة. سلم أنت، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن
__________
(1) راجع: صحيح البخارى (2/ 184، 185) ، صحيح مسلم (3/ 54، 5/ 116) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 410، 412) ، تاريخ الطبرى (3/ 644/ 652، 654) ، المصباح المضىء لابن حديدة (2/ 17، 75) ، الأسماء المبهمة للخطيب البغدادى (21، 22) .
(2/12)

المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده.
وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، فقد بلغت ونصحت، فأقبلوا نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى» .
فكتب إليه النجاشى: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله، من النجاشى أصحمة. سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركات الله الذى لا إله إلا هو.
أما بعد، فقد بلغنى كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين «1» .
وذكر الواقدى عن سلمة بن الأكوع أن النجاشى توفى فى رجب سنة تسع، منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تبوك، قال سلمة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم قال:
«إن أصحمة النجاشى قد توفى هذه الساعة، فاخرجوا بنا إلى المصلى حتى نصلى عليه» ، قال سلمة: فحشد الناس وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمنا وإنا لصفوف خلفه، وأنا فى الصف الرابع، فكبر بنا أربعا «2» .
كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبى بلتعة «3»
ولما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك، بعث حاطبا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية بكتاب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله، إلى
__________
(1) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (3/ 83) .
(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1534) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 39) .
(3) راجع تاريخ الطبرى (3/ 644، 645) ، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 395، 396) ، المصباح المضىء لابن حديدة (2/ 125- 179) ، مروج الذهب للمسعودى (2/ 289) .
(2/13)

المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 64] » . وختم الكتاب «1» .
فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال حاطب للمقوقس لما لقيه: «إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك» .
قال: هات. قال: «إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافى به الله، فقد ما سواه، إن هذا النبى صلى الله عليه وسلم دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبى أدرك قوما، فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبى، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به» . فقال المقوقس: «إنى قد نظرت فى أمر هذا النبى، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى، وسأنظر.
وأخذ كتاب النبى صلى الله عليه وسلم فجعله فى حق من عاج وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه. وقد علمت أن نبيا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت لك بغلة لتركبها. والسلام عليك» . ولم يزد على هذا، ولم يسلم. وهاتان الجاريتان اللتان ذكرهما، إحداهما مارية أم إبراهيم ابن النبى صلى الله عليه وسلم وأختها سيرين، وهى التى وهبها النبى صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن، والبغلة هى دلدل، وكانت بيضاء. وقيل: إنه لم يكن فى العرب يومئذ غيرها، وإنها بقيت إلى زمان معاوية.
__________
(1) انظر: التخريج السابق.
(2/14)

وذكر الواقدى بإسناد له: أن المقوقس أرسل إلى حاطب ليلة وليس عنده أحد إلا ترجمان له يترجم بالعربية، فقال له: ألا تخبرنى عن أمور أسألك عنها وتصدقنى؟ فإنى أعلم أن صاحبك قد تخيرك من بين أصحابه حيث بعثك، فقال له حاطب: لا تسألنى عن شىء إلا صدقتك، فسأله عن: ماذا يدعو إليه النبى صلى الله عليه وسلم ومن أتباعه، وهل يقاتل قومه؟ فأجابه حاطب عن ذلك كله، ثم سأله عن صفته، فوصفه حاطب ولم يستوف، فقال له: بقيت أشياء لم أرك تذكرها، فى عينيه حمرة، قل ما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، ويركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزى بالتمرات والكسرة، ولا يبالى من لاقى من عم وابن عم.
قال حاطب: فهذه صفته. قال: كنت أعلم أنه بقى نبى، وكنت أظن أن مخرجه ومنبته بالشام، وهناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج فى العرب فى أرض جهد وبؤس، والقبط لا يطاوعونى فى اتباعه، ولا أحب أن تعلم بمحاورتى إياك، وأنا أضن بملكى أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى يظهر على ما هاهنا، فارجع إلى صاحبك، فقد أمرت له بهدايا وجاريتين أختين فارهتين، وبغلة من مراكبى، وألف مثقال ذهبا، وعشرين ثوبا من لين، وغير ذلك، وأمرت لك بمائة دينار وخمسة أثواب. فارحل من عندى ولا تسمع منك القبط حرفا واحدا.
فرجعت من عنده وقد كان لى مكرما فى الضيافة، وقلة اللبث ببابه، ما أقمت عنده إلا خمسة أيام، وإن الوفود، وفود العجم ببابه منذ شهر وأكثر. قال حاطب: فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه» .
ذكر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى العبدى مع العلاء بن الحضرمى بعد انصرافه من الحديبية «1»
ذكر الواقدى بإسناد له عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب فى كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته، فإذا فيه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمى، إلى المنذر بن
__________
(1) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 645) ، الروض الأنف للسهيلى (4/ 250) ، المصباح المضىء (2/ 335، 338) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 78) .
(2/15)

ساوى «1» ، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب يعنى المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد، يا رسول الله، فإنى قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام، وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضى مجوس ويهود، فأحدث إلى فى ذلك أمرك» .
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى المنذر ابن ساوى، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإنى أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلى ويتبع أمرهم فقد أطاعنى، ومن نصح لهم فقد نصح لى، وإن رسلى قد أثنوا عليك خيرا، وإنى قد شفعتك فى قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» «2» .
وذكر غير الواقدى أن العلاء بن الحضرمى لما قدم على المنذر بن ساوى قال له: يا منذر، إنك عظيم العقل فى الدنيا، فلا تصغرن من الآخرة، إن هذه المجوسية شردين، ليس فيها تكرم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحى من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون فى الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا أرى، فانظر: هل ينبغى لمن لا يكذب أن تصدقه، ولمن لا يخون أن تأتمنه، ولمن لا يخلف أن تثق به، فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبى الأمى الذى والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به أو ليته زاد فى عفوه أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر.
فقال المنذر: قد نظرت فى هذا الذى فى يدى فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت فى دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعنى من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يدره، وإن من إعظام ما جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر.
وذكر ابن إسحاق والواقدى وسيف والطبرى وغيرهم أن المنذر لما وصله العلاء
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2515) ، الإصابة الترجمة رقم (8234) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5106) .
(2) انظر التخريج السابق.
(2/16)

برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه أسلم فحسن إسلامه. وزاد الواقدى: أن النبى صلى الله عليه وسلم استقدم العلاء بن الحضرمى، فاستخلفه العلاء مكانه على عمله.
وذكر ابن إسحاق وغيره أن المنذر توفى قبل ردة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين.
وذكر ابن قانع أن المنذر وفد على النبى صلى الله عليه وسلم ولا يصح ذلك إن شاء الله.
ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان، مع عمرو بن العاص «1»
ذكر الواقدى بإسناد له إلى عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث نفرا سماهم إلى جهات مختلفة برسم الدعاء إلى الإسلام.
قال عمرو: فكنت أنا المبعوث إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معى كتابا.
قال: وأخرج عمرو الكتاب، فإذا صحيفة أقل من الشبر، فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوكما بداعية الإسلام، أسلما تسلما، فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلى تحل بساحتكما، وتظهر نبوتى على ملككما» وكتب أبى بن كعب، وختم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب.
ثم خرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إنى رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال:
أخى المقدم على بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال لى: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو، إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا
__________
(1) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 645) ، الروض الأنف للسهيلى (4/ 250) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 78) .
(2/17)

فيه قدوة. قلت: مات، ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وودت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هدانى الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا، فسألنى أين كان إسلامى؟ قلت: عند النجاشى، وأخبرته أن النجاشى قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة فى رجل واحد أفضح له من كذب. قلت: ما كذبت، وما نستحله فى ديننا. ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشى.
قلت: بلى. قال: بأى شىء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشى يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا، والله لو سألنى درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له نياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا، ويدين دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب فى دين واختاره لنفسه، ما أصنع به، والله لولا الضن لملكى لصنعت كما صنعوا. قال: انظر ما تقول يا عمر، قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرنى ما الذى يأمر به وينهى عنه. قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر، وينهى عن عبادة الحجر والوثن والصليب. فقال: ما أحسن هذا الذى يدعو إليه، لو كان أخى يتابعنى لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخى أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا.
قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. فقال: إن هذا لخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات فى الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. فقال: يا عمرو، تؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى الشجر وترد المياه. فقلت: نعم.
فقال: والله، ما أرى قومى فى بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى، ثم إنه دعانى يوما فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعى، فقال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعونى أجلس، فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه، فقرأه حتى انتهى إلى آخره. ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أنى رأيت أخاه أرق منه، ثم قال: ألا تخبرنى عن قريش، كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب فى الدين، وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس، قد رغبوا فى الإسلام، واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا فى ضلال، فما أعلم أحدا بقى غيرك فى هذه الحرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، ويبيد خضراءك،
(2/18)

فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال: دعنى يومى هذا وارجع إلى غدا.
فرجعت إلى أخيه، قال: يا عمرو، إنى لأرجوا أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لى، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم أصل إليه، فأوصلنى إليه. فقال: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما فى يدى وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت: فأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجى خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح، فأرسل إلى، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبى صلى الله عليه وسلم وخليا بينى وبين الصدقة، وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لى عونا على من خالفنى «1» .
وفى حديث غير الواقدى أن عمرا قال له فيما دار بينهما من الكلام: إنك وإن كنت منا بعيدا فإنك من الله غير بعيد، إن الذى تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك، وأعلم أنه يميتك الذى أحياك، ويعيدك الذى أبدأك، فانظر فى هذا النبى الأمى الذى جاءنا بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه، ثم انظر فيما يجىء به، هل يشبه ما يجىء به الناس؟ فإن كان يشبهه فسله العيان وتخير عليه فى الخبر، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد.
قال ابن الجلندى: إنه والله لقد دلنى على هذا النبى الأمى أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، وأنه يفى بالعهد، وينجز الموعود، وأنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوى فيه أهله، وأشهد أنه نبى.
كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن على مع سليط بن عمرو العامرى، وما كان من خبره معه «2»
ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الله، بعث سليط بن عمرو إلى
__________
(1) انظر التخريج السابق.
(2) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 644، 645) ، المصباح المضىء لابن حديدة (2/ 354، 359) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 78) .
(2/19)

هوذة بن على الحنفى صاحب اليمامة والمتوج بها وهو الذى يقول فيه الأعشى، ميمون ابن قيس من كلمة:
إلى هوذة الوهاب أعلمت ناقتى ... أرجى عطاء فاضلا من عطائكا
فلما أتت آطام جو وأهلها ... أنيخت وألقت رحلها بقبائكا
وذكر الواقدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هوذة مع سليط حين بعثه إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هوذة بن على، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» . فلما قدم عليه سليط بكتاب النبى صلى الله عليه وسلم مختوما أنزله وحياه، واقترأ عليه الكتاب، فرد ردا دون رد، وكتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومى وخطيبهم، والعرب تهاب مكانى فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك.
وأجاز سليطا بجائزة، وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقرأ النبى صلى الله عليه وسلم كتابه، وقال: «لو سألنى سبابة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما فى يده» ، فلما انصرف النبى صلى الله عليه وسلم من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ، يقتل بعدى» ، فقال قائل:
يا رسول الله، فمن يقتله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت وأصحابك» ، فكان من أمر مسيلمة وتكذبه ما كان، وظهر المسلمون عليه فقتلوه، وكان ذلك القاتل من قتله وفق ما قاله الصادق المصدوق صلوات الله وبركاته عليه.
وذكر وثيمة بن موسى أن سليط بن عمرو لما قدم على هوذة بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كسرى قد توجه، وقال له: يا هوذة، إنه قد سودتك أعظم حائلة وأرواح فى النار، وإنما السيد من متع الإيمان ثم زود التقوى، إن قوما سعدوا برأيك، فلا تشقين به، وإنى آمرك بخير مأمور به، وأنهاك عن شر منهى عنه، آمرك بعبادة الله، وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإن فى عبادة الله الجنة، وفى عبادة الشيطان النار، فإن قبلت نلت ما رجوت وأمنت ما خفت، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء وهو المطلع.
فقال هوذة: يا سليط، سودنى من لو سودك شرفت به، وقد كان لى رأى اختبر به الأمور فقدته، فموضعه من قلبى هواء، فاجعل لى فسحة يرجع إلى رأيى فأجيبك به إن شاء الله «1» .
__________
(1) انظر التخريج السابق.
(2/20)

وقال هوذة فى ذلك:
أتانى سليط بالحوادث جمة ... فقلت له ماذا يقول سليط
فقال التى فيها على غضاضة ... وفيها رجاء مطمع وقنوط
فقلت له غاب الذى كنت أجتلى ... به الأمر عنى فالصعود هبوط
وقد كان لى والله بالغ أمره ... أبا النصر جاش فى الأمور ربيط
فأذهبه خوف النبى محمد ... فهوذة فيه فى الرجال سقيط
فأجمع أمرى من يمين وشمأل ... كأنى ردود للنبال لقيط
وأذهب ذاك الرأى إذ قال قائل ... أتاك رسول الله للنبى خبيط
رسول الله راكب ناضح ... عليه من أوبار الحجاز غبيط
سكرت ودبت فى المفارق وسنة ... لها نفس على الفؤاد غطيط
أحاذر منه سورة هائمية ... فوارسها وسط الرجال عبيط
فلا تعجلنى يا سليط فإننا ... نبادر أمرا والقضاء محيط
وذكر الواقدى بإسناد له عن عبد الله بن مالك أنه قال: قدمت اليمامة فى خلافة عثمان بن عفان، فجلست فى مجلس لحجر، فقال رجل فى المجلس: إنى لعند ذى التاج الحنفى يعنى هوذة يوم الفصح إذ جاء حاجبه، فاستأذن لأركون دمشق وهو عظيم من عظماء النصارى فقال: ائذن له، فدخل فرحب به وتحدثا، فقال الأركون: ما أطيب بلاد الملك وأبرأها من الأوجاع. قال ذو التاج: هى أصح بلاد العرب، وهى زين بلادهم، قال الأركون: وما قرب محمد منكم؟ قال ذو التاج: هو بيثرب، وقد جاءنى كتابه يدعونى إلى الإسلام فلم أجبه. قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بدينى، وأنا ملك قومى، وإن تبعته لم أملك. قال: بلى، والله لئن اتبعته ليمكنك وإن الخيرة لك فى اتباعه، وإنه للنبى العربى الذى بشر به عيسى ابن مريم، وإنه لمكتوب عندنا فى الإنجيل: محمد رسول الله. قال ذو التاج: قد قرأت فى الإنجيل ما تذكر. ثم قال الأركون: فما لك لا تتبعه؟ قال: الحسد له، والضن بالخمر وشربها. قال: فما فعل هرقل؟ قال: هو على دينه ويظهر لرسله أنه معه، وقد سبر أهل مملكته، فأبوا أشد الإباء، فضن بملكه أن يفارقه، قال ذو التاج: فما أرانى إلا متبعه وداخلا فى دينه، فأنا فى بيت العرب، وهو مقرى على ما تحت يدى. قال البطريق: هو فاعل فاتبعه، فدعا رسولا وكتب معه كتابا، وسمى هدايا، فجاءه قومه فقالوا: تتبع محمدا وتترك دينك، لا تملكن علينا أبدا، فرفض الكتاب.
قال: فأقام الأركون عنده فى حباء وكرامة، ثم وصله ووجه راجعا إلى الشام.
(2/21)

قال الرجل: وتبعته حين خرج، فقلت: أحق ما أخبرت ذا التاج؟ قال: نعم والله، فاتبعه، قال: فرجعت إلى أهلى فتكلفت الشخوص إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقدمت عليه مسلما، فأخبرته بكل ما كان، فحمد الله الذى هدانى.
ولم يسم فى حديث الواقدى هذا الرجل، إلا أن فيه أنه كان من طيئ، ثم من بنى نبهان.
وقد تقدم صدر هذا الكتاب أن عامر بن سلمة من بنى حنيفة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام ولاء فى الموسم بعكاظ وبمجنة وبذى المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله وإلى أن ينصروه، حتى يبلغ عن الله فلا يستجيب له أحد، وإن هوذة بن على سأل عامرا بعد انصرافه عن الموسم إلى اليمامة فى أول عام عن ما كان فى موسمهم من خبر، فأخبره خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رجل من قريش، فسأله هوذة: من أى قريش هو؟ فقال له عامر: من أوسطهم نسبا، من بنى عبد المطلب، قال هوذة: أهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: هو هو، فقال هوذة: أما إن أمره سيظهر على ما هاهنا وغير ما هاهنا. ثم ذكر تكرر سؤال هوذة له عنه حتى ذكر له فى السنة الثالثة أنه رآه وأمره قد أمر، فقال له هوذة: هو الذى قلت لك، ولو أنا اتبعناه لكان خيرا لنا، ولكنا نضن بملكنا.
وأخبر عامر بذلك كله سليط بن عمرو، وقد مر به منصرفا عن هوذة إذ بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسلم وأسلم عامر آخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم ومات هوذة كافرا على نصرانيته.
ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى مع شجاع بن وهب «1»
ذكر الواقدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاعا إلى الحارث بن أبى شمر، وهو بغوطة دمشق، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارث بن أبى شمر، سلام على
__________
(1) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 644، 652) ، الروض الأنف للسهيلى (4/ 25، 251) ، المصباح المضىء لابن حديدة (2/ 314، 316) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 78) .
(2/22)

من اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإنى أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبق لك ملكك» . فختم الكتاب، وخرج به شجاع بن وهب.
قال: فانتهيت إلى صاحبه، فأخذه يومئذ وهو مشغول بتهيئة الإنزال والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء، حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله تعالى قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إنى رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حاجبه: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا اسمه مرى يسألنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه، فكنت أحدثه، فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إنى قرأت فى الإنجيل، وأجد صفة هذا النبى بعينه فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد خرج بأرض القرظ، فأنا أؤمن به وأصدقه، وأنا أخاف من الحارث بن أبى شمر أن يقتلنى.
قال شجاع: فكان، يعنى هذا الحاجب، يكرمنى ويحسن ضيافتى ويخبرنى عن الحارث باليأس منه، ويقول: هو يخاف قيصر.
قال: فخرج الحارث يوما فجلس، فوضع التاج على رأسه، فأذن لى عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، ثم رمى به، وقال: من ينتزع منى ملكى؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، على بالناس، فلم يزل جالسا بعرض حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى. وكتب إلى قيصر يخبره خبرى، فصادف قيصر بإيلياء وعنده دحية الكلبى قد بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه:
أن لا تسر إليه واله عنه ووافنى بإيلياء، قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم، فدعانى وقال:
متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غدا، فأمر بمائة مثقال، ووصلنى مرى بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله منى السلام، وأخبره أنى متبع دينه.
قال شجاع: فقدمت على النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: باد ملكه، وأقرأته من مرى السلام، وأخبرته بما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق» .
قال الواقدى: ومات الحارث بن أبى شمر عام الفتح، وكان نازلا بجلق، ووليهم جبلة ابن الأيهم، وكان ينزل الجابية، وكان آخر ملوك غسان، أدركه عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالجابية فأسلم، ثم إنه لاحى رجلا من مزينة، فلطم عينه، فجاء به المزنى إلى عمر رضى الله عنه وقال: خذ لى بحقى، فقال له عمر: الطم عينه، فأنف جبلة وقال: عينى وعينه سواء؟ قال عمر: نعم، فقال جبلة: لا أقيم بهذه الدار أبدا، ولحق بعمورية مرتدا، فمات هناك على ردته.
(2/23)

هكذا ذكر الواقدى أن توجه شجاع بن وهب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إلى الحارث بن أبى شمر، وكذلك قال ابن إسحاق.
وأما ابن هشام «1» فقال: إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم، وقد قال ذلك غيره، فالله أعلم.
وذكر بعض من وافق ابن هشام على أن الرسالة كانت إلى جبلة: أن شجاع بن وهب لما قدم عليه قال له: «يا جبلة، إن قومك نقلوا هذا النبى الأمى من داره إلى دارهم يعنى الأنصار فأووه ومنعوه، وإن هذا الدين الذى أنت عليه ليس بدين آبائك، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبى الأمى من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والجمع بالشعانين، والقبلة بالصليب، وكان ما عند الله خير وأبقى» .
فقال له جبلة: «إنى والله لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبى الأمى اجتماعهم على خلق السموات والأرض، ولقد سرنى اجتماع قومى له، وأعجبنى قتله أهل الأوثان واليهود واستبقاءه النصارى، ولقد دعانى قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، فانتدب له مالك بن نافلة من سعد العشيرة، فقتله الله، ولكنى لست أرى حقا ينفعه ولا باطلا يضره، والذى يمدنى إليه أقوى من الذى يختلجنى عنه، وسأنظر» .
وأما توجه المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى، وهو شقيق أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن عبد كلال، فلم أجد عند ابن إسحاق، ولا فيما وقع إلى عن الواقدى شيئا أنقله عنهما سوى ما ذكر ابن إسحاق «2» من توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه إلى الحارث بن عبد كلال ذكرا مقتصرا فيه على القدر مختصرا من الإمتاع بما تحسن إضافته إلى ذلك من الوصف.
وتقدم لابن إسحاق فى كتابه، وذكره أيضا الواقدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، ورسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل: ذى رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذى يزن مالك بن مرة الرهاوى بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله.
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 231) .
(2) انظر: السيرة (4/ 231) .
(2/24)

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسيره إلى تبوك يقول: «إنى بشرت بالكنزين: فارس والروم، وأمددت بالملوك: ملوك حمير، يأكلون فىء الله ويجاهدون فى سبيل الله» . فلما قدم عليه مالك بن مرة بإسلامهم، كتب إليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله النبى، إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال وإلى النعمان قيل:
ذى رعين ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من الأرض الروم فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه. أن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم النبى وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة وبين لهم صدقة الزرع والإبل والبقر والغنم، ثم قال: فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.
أما بعد، فإن محمد النبى أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا، معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن أجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلى، فإن أميرهم ابن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد، فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أنك قد أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخاونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هى زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا، وإنى قد أرسلت إليكم من صالحى أهلى وأولى دينهم وأولى علمهم وآمركم بهم خيرا، فإنه منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله» «1» .
فهذا ما ذكر ابن إسحاق «2» من شأن ملوك حمير، وما كتبوا به، وكتب إليهم، وذكر الواقدى أيضا نحوه.
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (5/ 75) .
(2) انظر: السيرة (4/ 212- 213) .
(2/25)

ولا ذكر للمهاجر بن أبى أمية فى شىء من ذلك إلا أن ابن إسحاق والواقدى ذكرا أن قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مقدمه من تبوك، وذلك فى سنة تسع، وتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك إنما كان بعد انصرافه عن الحديبية آخر سنة ست، فلعل المهاجر والله أعلم كانت وجهه حينئذ إلى الحارث بن عبد كلال فصادف منه عامئذ ترددا واستنظارا، ثم جلا الله عنه العمى فيما بعد، وأمر بهدايته فاستبان له القصد، فعند ذلك أرسل هو وأصحابه بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك يجتمع الأمران، ويصح الخبران، إذ لا خلاف بين أهل العلم بالأخبار والعناية بالسير أن ملوك حمير أسلموا وكتبوا بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه لا خلاف بينهم أيضا فى توجيه المهاجر بن أبى أمية إلى الحارث بن عبد كلال.
ويقول بعض من ذكر ذلك أن المهاجر لما قدم عليه قال له: يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبى صلى الله عليه وسلم نفسه فخطيت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرا، فإذا نظرت فى غلبة الملوك فانظر فى غالب الملوك، وإذا أسرك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأملوا بعيدا وتزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وإنى أدعوك إلى الرب الذى إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعك منه أحد، وأدعوك إلى النبى الأمى الذى ليس شىء أحسن مما يأمر به ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربا يميت الحى ويحيى الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.
فقال الحارث: قد كان هذا النبى عرض نفسه على، فخطيت عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وكان أمره أمرا بسق، فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم تكن لى قرابة أحتمله عليها، ولا لى فيه هوى أتبعه له، غير أنى أرى أمرا لم يؤسسه الكذب، ولم يسنده الباطل، له بدو سار وعافية نافعة، وسأنظر.
ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى فروة بن عمرو الجذامى ثم النفاتى، وما كان من تبرعه بالإسلام هداية من الله عز وجل له «1»
ذكر الواقدى بإسناد له أن فروة بن عمرو»
، هذا كان عاملا لقيصر على عمان من
__________
(1) راجع: السيرة (4/ 214) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب ترجمة رقم (2097) .
(2/26)

أرض البلقاء وفى كتاب ابن إسحاق: معان وما حولها من أرض الشام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى هرقل وإلى الحارث بن أبى شمر، ولم يكتب إليه، فأسلم فروة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وبعث من عنده رسولا يقال له: مسعود بن سعد من قومه بكتاب مختوم فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد رسول الله النبى، إنى مقر بالإسلام مصدق به، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وإنه الذى بشر به عيسى ابن مريم. والسلام عليك» .
ثم بعث مع الرسول بغلة بيضاء يقال لها: فضة، وحماره يعفور، وفرسا يقال له:
الضرب، وبعث بأثواب من لين، وقباء من سندس مخوص بالذهب، فقدم الرسول فدفع الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقترأه، وأمر بلالا أن ينزله ويكرمه، فلما أراد الخروج كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جواب كتابه:
«من محمد رسول الله، إلى فروة بن عمرو، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإنه قدم علينا رسولك بكتابك فبلغ ما أرسلت به، وخبر عن ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامك، وإن الله عز وجل قد هداك إن أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت على الصلاة وآتيت الزكاة، والسلام عليك» .
ولما بلغ قيصر إسلام فروة بن عمرو بعث إليه فحبسه، ولما طال حبسه أرسلوا إليه:
أن ارجع إلى دينك ويعيد إليك ملكك، فقال: لا أفارق دين محمد أبدا، أما أنك تعرف أنه رسول الله، بشرك به عيسى ابن مريم، ولكنك ضننت بملكك وأحببت بقاءه. فقال قيصر: صدق والإنجيل.
وذكر الواقدى أنه مات فى ذلك الحبس، فلما مات صلبوه.
قال: فلما اجتمعت الروم لصلبه قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل «1»
على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل «2»
وذكر ابن شهاب الزهرى أنهم لما قدموه ليقتلوه قال:
__________
(1) إحدى الرواحل: المراد بها الخشبة التى صلب عليها.
(2) مشذبة: قد أزيلت أغصانها.
(2/27)

أبلغ سراة المسلمين بأننى ... سلم لربى أعظمى ومقامى
ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، يرحمه الله.
قال ابن إسحاق «1» : وقد كان تكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذابان: مسيلمة بن حبيب الحنفى باليمامة فى بنى حنيفة، والأسود بن كعب العنسى بصنعاء.
وذكر بإسناد له عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على منبره وهو يقول:
«يا أيها الناس، إنى قد رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، ورأيت فى ذراعى سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة» «2» .
وعن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا، كلهم يدعى النبوة» «3» .
قال ابن إسحاق «4» : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة «5» إلى صنعاء، فخرج عليه العنسى وهو بها، وبعث زياد بن لبيد «6» أخا بنى بياضة الأنصارى إلى
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 222) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (4/ 1781/ 21) ، سنن الترمذى (4/ 2292) ، مسند الإمام أحمد (1/ 263، 2/ 319، 338، 344) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (2/ 450) ، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 315) ، سنن أبى داود (4/ 4333) .
(4) انظر: السيرة (4/ 223) .
(5) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (8271) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5134) ، مؤتلف الدارقطنى (ص 163) .
(6) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2871) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1809) ، مسند أحمد (4/ 160) ، الطبقات الكبرى (3/ 598) ، التاريخ الكبير (3/ 344) ، التاريخ الصغير (1/ 41) ، تاريخ الطبرى (3/ 147) ، الجرح والتعديل (3/ 543) ، المعجم الكبير (5/ 304) ، الكامل فى التاريخ (2/ 301) ، تهذيب الكمال (9/ 506) ، الكاشف (1/ 262) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 195) ، الوافى بالوفيات (15/ 10) ، تهذيب التهذيب (3/ 382) ، خلاصة تهذيب التهذيب (125) ، تاريخ الإسلام (1/ 52) .
(2/28)

حضرموت وعلى صدقاتها، وبعث عدى بن حاتم «1» على طيىء وصدقاتها، وعلى بنى أسد، وبعث مالك بن نويرة اليربوعى «2» على صدقات بنى حنظلة، وفرق صدقة بنى سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر «3» على ناحية منها، وقيس بن عاصم «4» على ناحية، وكان قد بعث العلاء بن الحضرمى «5» على البحرين، وبعث على بن أبى طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليهم بجزيتهم.
وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد. فإنى قد أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون» .
فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب رسولان لمسيلمة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ كتابه: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» . ثم كتب إلى مسيلمة:
__________
(1) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (6/ 22) ، التاريخ الكبير (7/ 43) ، التاريخ الصغير (1/ 148) ، المعارف (313) ، الجرح والتعديل (7/ 2) ، تاريخ بغداد (1/ 189) ، تاريخ ابن عساكر (11/ 234) ، تهذيب الأسماء واللغات (1/ 327) ، تهذيب الكمال (925) ، تاريخ الإسلام (3/ 46) ، العبر (1/ 74) ، تذهيب التهذيب (3/ 36) ، جامع الأصول (9/ 111) ، مرآة الجنان (1/ 142) ، تهذيب التهذيب (7/ 166) ، خلاصة تذهيب الكمال (223) ، شذرات الذهب (1/ 74) ، سير أعلام النبلاء (3/ 162) ، الإصابة ترجمة رقم (5491) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3610) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7712) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4654) .
(3) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 142) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1728) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 188) ، الإصابة ترجمة رقم (2789) ، الاستبصار (314، 415) ، الأعلام (3/ 41) ، تقريب التهذيب (1/ 257) ، الطبقات الكبرى (7/ 36، 1/ 294، 2/ 161) ، الجرح والتعديل (3/ 27600) ، البداية والنهاية (5/ 41) .
(4) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 338) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 22) ، الجرح والتعديل (7/ 101) ، تقريب التهذيب (2/ 129) ، تهذيب التهذيب (8/ 399) ، خلاصة تهذيب الكمال (2/ 357) ، الكاشف (2/ 305) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (816) ، التاريخ الكبير (7/ 141) ، الأنساب (9/ 135) ، بقى بن مخلد (321) ، الإصابة ترجمة رقم (7209) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4370) .
(5) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (5658) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3745) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 388) ، الجرح والتعديل (6/ 356) ، التاريخ الكبير (6/ 506) .
(2/29)

«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» «1» .
قال ابن إسحاق: وكان ذلك فى آخر سنة عشر «2» .
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى: وقد قيل: إن دعوى مسيلمة ومن ادعى من الكذابين النبوة فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت بعد انصرافه من حجة التمام، ووقوعه فى المرض الذى توفاه الله فيه، فالله تعالى أعلم.
ذكر حجة الوداع «3» وتسمى أيضا حجة التمام، وحجة البلاغ
ولما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له، وخرج لخمس ليال بقين من ذى القعدة، وقد كان أذن فى الناس أنه خارج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله.
قال جابر بن عبد الله: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شىء عملناه، فأهل بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» «4» .
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن البيهقى (9/ 211) ، مسند الإمام أحمد (3708) ، سنن أبى داود (3/ 2761) .
(2) انظر: السيرة (4/ 224) .
(3) عرفت باسم: حجة الوداع؛ وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسمى أيضا حجة الإسلام. انظر: لم يحج بعدها، إذ بدأ به مرضه الذى توفاه الله فيه، كما قيل: حجة البلاغ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أرى الناس مناسكهم وعلمهم حجهم، وقيل: حجة الإسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد أن فرض الحج فى الإسلام غيرها. راجع: طبقات ابن سعد (2/ 172- 189) ، المغازى للواقدى (3/ 1088- 1115) ، الثقات لابن حبان (2/ 124- 129) .
(4) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (2/ 170، 7/ 209) ، صحيح مسلم كتاب الحج، باب-
(2/30)

وأهل الناس بهذا الذى يهلون به، فلم يرد عليهم شيئا منه، ولزم صلى الله عليه وسلم تلبيته.
وفى حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج فى حجة الوداع لم يكن يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج، حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه الهدى وأشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلوا بعمرة، إلا من ساق الهدى.
وقال جابر فى حديثه: لسنا ننوى إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين البيت، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» «1» . ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه فى بطن الوادى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال:
«لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة» «2» . فقام سراقة بن مالك بن جعشم «3»
__________
- (3) رقم (19، 20، 21، باب (19) رقم (147) ، سنن أبى داود (1812، 1813) ، سنن الترمذى (825) ، سنن ابن ماجه (2915، 2918، 3074) ، سنن النسائى (5/ 159، 160، 161) ، مسند الإمام أحمد (1/ 267، 401، 2/ 77، 401، 3/ 320، 6/ 100، 181، 230، 243) ، السنن الكبرى للبيهقى (5/ 44، 45، 7/ 48) ، موطأ مالك (331) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 219) ، فتح البارى لابن حجر (1/ 360) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (2541، 2555) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (3/ 73، 5/ 55، 282، 6/ 45) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 127) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 143) .
(1) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (2/ 46) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 226) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الحج باب (19) رقم (147) .
(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3122) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1955) ، الثقات (3/ 180) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 210) ، تقريب التهذيب (1/ 284) ، تهذيب التهذيب (3/ 456) ، تهذيب الكمال (1/ 466) ، الكاشف (1/ 349) ، الجرح والتعديل (4/ 1342) ، شذرات الذهب (1/ 35) ، الطبقات (34) ، الطبقات الكبرى (9/ 78) ، بقى بن مخلد (130) ، العقد الثمين (4/ 523) ، العبر (1/ 27) ، الأعلام (3/ 80) ، الأنساب (7/ 116) .
(2/31)

فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة فى الأخرى، وقال: «دخلت العمرة فى الحج مرتين بل لأبد الأبد» «1» .
وقدم على من اليمن ببدن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبى أمرنى بهذا، قال: فكان على يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة للذى صنعت، مستفتيا له فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى نكرت ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟» «2» قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن معى الهدى فلا تحل، فكان جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن والذى أتى به النبى صلى الله عليه وسلم مائة.
فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت به بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس.
قال ابن إسحاق «3» : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه، فأرى الناس مناسكهم،
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الحج باب (19) رقم (147) ، سنن أبى داود فى كتاب المناسك، باب (23) ، باب (57) ، سنن النسائى فى كتاب الحج باب (76) ، سنن الترمذى (932) ، سنن ابن ماجه (3074) ، مسند الإمام أحمد (1/ 236، 253، 259، 341، 4/ 175) ، سنن الدارمى (47) ، السنن الكبرى للبيهقى (4/ 352، 5/ 7، 13، 18) ، مستدرك الحاكم (1/ 619، 3/ 619) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 235، 378) ، المعجم الكبير للطبرانى (2/ 144، 7/ 140، 151، 154، 11/ 83، 12/ 228) ، التمهيد لابن عبد البر (8/ 360) ، مصنف ابن أبى شيبة (4/ 102) ، إرواء الغليل للألبانى (4/ 152) ، المطالب العالية لابن حجر (1100) ، كنز العمال للمتقى الهندى (11975، 11983، 12474) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 135) ، الحاوى للفتاوى للسيوطى (2/ 51) ، الكاف الشاف فى تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر (59) ، مسند الشافعى (112، 196) ، تاريخ أصبهان لأبى نعيم (2/ 191) ، سنن الدارقطنى (2/ 283) ، المنتقى لابن الجارود (465) .
(2) انظر الحديث فى: المنتقى لابن الجارود (469) .
(3) انظر: السيرة (4/ 227) .
(2/32)

وأعلمهم سنن حجهم، وخطب للناس خطبته التى بين فيها ما بين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام؛ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربّا موضوع، ولكن لكم رؤس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مستعرضا فى بنى ليث، فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك، فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
أيها الناس: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: 37] ، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، [التوبة: 36] . ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذى هو بين جمادى وشعبان.
أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس، اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه؛ فلا تظلمن أنفسكم.
(2/33)

اللهم هل بلغت؟» فذكر أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اشهد» «1» .
وفى حديث جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس فى خطبته: «وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات، ثم إذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه. واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع وقد شنق القصواء الزمام حتى أرسلها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى اصفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها يسبع حصات، يكبر مع كل حصاة منها، رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبروا شركة فى هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت فى قدر فأفاض وصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا يا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» «2» ، فناولوه دلوا، فشرب منه.
ويروى أن ربيعة بن أمية بن خلف هو الذى كان يصرخ فى الناس يقول رسول الله
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 147/ 886- 892) ، سنن أبى داود (2/ 1905) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الحج (147) ، سنن أبى داود فى كتاب المناسك باب (57) ، سنن ابن ماجه (3074) ، مسند الإمام أحمد (1/ 76) ، السنن الكبرى للبيهقى (5/ 157) ، سنن الدارمى (2/ 49) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 226) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 191) ، المنتقى لابن جارود (469) .
(2/34)

صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل: «أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى شهر هذا؟» فيقوله لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا، ثم يقول: قل: أيها الناس، إن رسول الله يقول: «هل تدرون أى بلد هذا؟» قال: فيصرخ به، فيقولون: البلد الحرام، فيقول: قل لهم: «إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا» ، ثم يقول: «قل: يا أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى يوم هذا؟» فيقول لهم، فيقولون: يوم الحج الأكبر، فيقول: «قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا» «1» .
وقال عمرو بن خارجة: وقفت تحت ناقة النبى صلى الله عليه وسلم وإن لعابها ليقع على رأسى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة، فسمعته وهو يقول: «أيها الناس، إن الله قد أدى إلى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا» «2» .
ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة قال: «هذا الموقف، للجبل الذى هو عليه، «وكل عرفة موقف» .
وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: «هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف» .
ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: «هذا المنحر، وكل منى منحر» «3» .
فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، وقد أراهم مناسكهم، وأعلمهم ما فرض عليهم من حجهم: من الموقف، ورمى الجمار، وطواف البيت، وما أحل لهم فى حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعدها.
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (1/ 473، 474) ، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 270) .
(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (4/ 2121) ، سنن النسائى (6/ 3644) ، مسند الإمام أحمد (4/ 186، 238) .
(3) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (2/ 1907، 1935) ، سنن ابن ماجه (2/ 3012) ، مسند الإمام أحمد (3/ 320، 321، 326) .
(2/35)

ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين
ولما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفرا، وضرب على الناس بعثا إلى الشام، وهو البعث الذى أمر عليه أسامة بن زيد، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، وكان آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا الناس على ذلك ابتدئ صلوات الله عليه بشكوه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته فى ليال بقين من صفر أو فى أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.
حدث أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معى» ، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى» ؛ ثم أقبل على فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة» ، فقلت: بأبى أنت وأمى فخذ مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة؛ قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربى والجنة» . ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ به وجعه الذى قبضه الله فيه «1» .
وقالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع، فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا والله يا عائشة، وا رأساه» . قالت:
ثم قال: «وما ضرك لو مت قبلى، فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟» فقلت: والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى استعز به وهو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن فى أن يمرض فى بيتى، فأذن له «2» .
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 55، 56) ، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 162، 163) ، سنن الدارمى (1/ 78) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (10/ 5666) ، مسند الإمام أحمد (6/ 228) .
(2/36)

وفى غير حديث عائشة أن نساءه صلى الله عليه وسلم كن يومئذ تسعا: عائشة بنت أبى بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وزينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة القرشيات، وميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير.
فهؤلاء التسع هن اللاتى توفى عنهن صلى الله عليه وسلم وتوفى منهن قبله عليه السلام خديجة بنت خويلد، وزيرته على الإسلام وأم بنيه وبناته كلهم ما خلا إبراهيم فإنه لسريته مارية القبطية، ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وزينب بنت خزيمة من بنى هلال ابن عامر بن صعصعة: وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، فزينب هذه وخديجة توفيتا قبله، وبهما كمل عدد من بنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه ممن اتفق العلماء عليه إحدى عشرة امرأة، توفى منهن عن تسع كما ذكرنا.
وقد عقد عليه السلام على نساء غيرهن، فلم يبن فى المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستغنينا لذلك عن ذكرهن.
ونرجع الآن إلى حديث عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم لما استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتها فأذن له، قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عباس، ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه، حتى دخل بيتى.
وعن ابن عباس: أن الرجل الآخر هو على بن أبى طالب.
ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه، فقال: «هريقوا على من سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم» . فأقعدناه فى مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: «حسبكم حسبكم» «1» .
قال الزهرى: حدثنى أبو أيوب بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» ، ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: «على رسلك يا أبا بكر» ، ثم قال: «انظروا هذه الأبواب
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 228) ، مصنف عبد الرزاق (5/ 9754) .
(2/37)

اللافظة فى المسجد فسدوها إلا باب أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا كان أفضل فى الصحبة عندى يدا منه» «1» .
وفى رواية: «فإنى لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» .
وعن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس فى بعث أسامة بن زيد وهو فى وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا فى إمرة أسامة أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.
فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليق بها» «2» ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكمش الناس فى جهازهم، واستعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتتام إليه الناس، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض فى رسوله عليه السلام.
ومن حديث عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالأنصار يوم صلى واستغفر لأصحاب أحد، وذكر من أمرهم ما ذكر، فقال يومئذ: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتى التى آويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» «3» ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر.
وفى الصحيحين من حديث عبيد الله بن عبد الله أنه قال لعائشة رضى الله عنها: ألا تحديثنى عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، ثقل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «أصلى الناس؟» قلنا:
لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: فاغتسل ثم ذهب
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 18) ، صحيح البخارى (1/ 466) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 288) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (7/ 4250) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 759) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (7/ 3800) ، مسند الإمام أحمد (5/ 224) .
(2/38)

لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟» «1» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله عكوف فى المسجد ينتظرون النبى صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلى بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام.
ومن حديث الأسود عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» . قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، قالت: فقلت لحفصة: قولى له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقالت له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» «2» ، قالت: فأمروا أبا بكر، فلما دخل فى الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان فى الأرض، فلما دخل المسجد وسمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أقم مكانك» ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس جالسا، وأبو بكر قائما، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدى الناس بصلاة أبى بكر.
وعن عبد الله بن زمعة بن الأسود أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفر من المسلمين لما استعز به ودعاه بلال إلى الصلاة، فقال: «مروا من يصلى بالناس» ، قال: فخرجت فإذا عمر فى الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام، فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين أبو بكر؟
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (1/ 176) ، صحيح مسلم فى كتاب الصلاة (90) ، سنن النسائى (2/ 101) ، مسند الإمام أحمد (2/ 52، 6/ 251) ، سنن الدارمى (1/ 287) ، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 123، 8/ 151) ، كنز العمال للمتقى الهندى (18838) ، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 190) ، مصنف ابن أبى شيبة (2/ 331، 332، 14/ 560، 561) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 233) ، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 19) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 228، 229) ، صحيح مسلم (1/ 94، 313) .
(2/39)

يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون» ، فبعث إلى أبى بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس يريد ما بعد من الصلوات، فقال لى عمر:
ويحك، ماذا صنعت فى يا ابن زمعة والله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس. قلت: والله ما أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكنى حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة للناس «1» .
وعن أنس بن مالك قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة يوم الاثنين والناس صفوف فى الصلاة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا، فبهتنا ونحن فى الصلاة من فرح بخروج النبى صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل فأرخى الستر، فتوفى من يومه ذلك.
وفى رواية عن أنس أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كان وهم يصلون الصبح، وأنه لما رفع الستر وقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون فى صلاتهم فرحا به حين رأوه، قال: وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورا لما رأى من هيئتهم فى صلاتهم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة.
قال: ثم رجع، وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق من وجعه.
وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى، حتى بل دمعه الحصا، قلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فقال: «ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى» ، فتنازعوا وما ينبغى عند نبى تنازع وقالوا: ما شأنه، أهجر، استفهموه، قال: «دعونى، فالذى أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث، أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» .
قال: وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها.
وفى حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم لما حضر وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبى صلى الله عليه وسلم: «هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» «2» ،
__________
(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 641) ، سنن أبى داود (4/ 4660) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (7/ 156، 9/ 137) ، صحيح مسلم فى كتاب الوصية (22) ، مسند الإمام أحمد (1/ 324) ، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 37) ، فتح البارى لابن حجر (13/ 336) .
(2/40)

فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.
فاختلف أهل البيت، منهم من يقول: قوموا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا» «1» ، لما أكثروا اللغو والاختلاف عنده. قال: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبى هو ونفسى له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وتشدد ودمعت عيناه، وقال: «مرحبا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، وقفكم الله، رزقكم الله، هداكم الله، نصركم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصى الله عز وجل بكم وأستخلفه عليكم، وأذكركم الله وأشهدكم أنى لكم منه نذير وبشير أن لا تعلوا على الله فى عباده وبلاده فإنه عز وجل قال لى ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الزمر: 32] ، وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [60: الزمر] » ، قلنا: متى أجلك يا رسول الله؟ قال: «دنا الأجل والمنقلب إلى الله عز وجل وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى والفردوس الأعلى والكأس الأوفى والعيس والحظ المهنى» . قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله؟ قال: «رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى» ، قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله؟ قال: «فى ثيابى هذه إن شئتم أو فى بياض مصر أو حلة يمانية» ، قلنا: فمن يصلى عليك يا رسول الله؟ قال: فبكى وبكينا، فقال:
«مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على شفير قبرى ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى على خليلى وجليسى
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 235، 5/ 138، 6/ 12، 7/ 89، 8/ 174) ، صحيح مسلم فى كتاب الوصية باب (5) رقم (22) ، وكتاب الأشربة باب (20) رقم (140، 142، 143) ، مسند الإمام أحمد (1/ 336، 3/ 158، 218، 232) ، السنن الكبرى للبيهقى (4، 273) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 389) ، فتح البارى لابن حجر (1/ 517، 9/ 526، 10/ 126، 11/ 570) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (2/ 206، 7/ 181) ، موطأ مالك (927) ، مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 307) ، كنز العمال للمتقى الهندى (35444) ، مصنف ابن أبى شيبة (7/ 416) ، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 90، 7/ 184) ، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 38) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (137، 147) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 227) ، 6/ 121، 154) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 4) .
(2/41)

جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده بأجمعهم مع الملائكة عليهم السلام، ثم ادخلوا على أفواجا فصلوا على وسلموا تسليما، ولا يؤمكم أحد ولا تؤذونى بتزكية ولا نصيحة ولا برنة، واقرؤا أنفسكم منى السلام، ومن كان غائبا من أصحابى فأبلغوه عنى السلام، وأشهدكم أنى قد سلمت على من دخل فى الإسلام وعلى من تابعنى على دينى من اليوم إلى يوم القيامة» . قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال:
«رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم» «1» .
وعن الفضل بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وهو موعوك قد عصب رأسه: «خذ بيدى» «2» . قال: فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: «ناد فى الناس» . فصحت فى الناس، فاجتمعوا إليه، فقال: «أما بعد، أيها الناس، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وإنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه، ولا يقل رجل: إنى أخشى الشحناء من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وأن الشحناء ليست من طبيعتى، ولا من شأنى، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ منى حقا إن كان له أو حللنى، فلقيت الله عز وجل وأنا طيب النفس، وقد أرى أن هذا غير مغن عنى حتى أقوم فيكم مرارا» . قال الفضل: ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى فى الشحناء وغيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لى عندك ثلاثة دراهم، فقال: «أما إنا لا نكذب قائلا، ولا نستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندى؟» «3» فقال: يا رسول الله، أتذكر يوم مر بك المسكين فأمرتنى فأعطيته ثلاثة دراهم؟ فقال: «أعطه يا فضل» «4» ، ثم قال: «أيها الناس، من كان عنده شىء فليرده ولا يقل رجل: فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة» «5» . فقام رجل فقال: يا رسول الله، عندى ثلاثة دراهم غللتها فى سبيل الله، قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت إليها محتاجا، قال: «خذها منه يا فضل» ، ثم قال: «من
__________
(1) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 386) ، المطالب العالية لابن حجر (4392، 4393) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (4/ 198) .
(2) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (6/ 74) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 25) ، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 179) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 231) .
(3) انظر الحديث فى: ميزان الاعتدال (6855) ، المعجم الكبير للطبرانى (18/ 281) .
(4) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (6/ 75) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 231) .
(5) انظر الحديث فى: جمع الجوامع للسيوطى (9570) ، كنز العمال للمتقى الهندى (11051) .
(2/42)

خشى من نفسه شيئا فليقم أدع له» ، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إنى لكذوب، وإنى لفاحش، وإنى لنؤم. فقال: «اللهم ارزقه الصدق وأذهب عنه النوم إذا أراد» . ثم قال رجل فقال: والله يا رسول الله إنى لكذاب وإنى لمنافق وما شىء أو إن شىء إلا قد جئته. فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيها الرجل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «يا ابن الخطاب، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وصير أمره إلى خير» .
فقال عمر كلمة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «عمر معى وأنا مع عمر والحق بعدى مع عمر حيث كان» «1» .
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عنه بيمينه رجاء بركتها.
وعنها قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أغبط أحدا بهون موت بعد الذى رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقالت رضى الله عنها: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه صلى الله عليه وسلم بالماء، ثم يقول: «اللهم أعنى على منكرات الموات أو سكرات الموت» «2» .
وعنها، وعن عبد الله بن عباس أيضا قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يلقى خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «3» . يحذرهم مثل ما صنعوا.
وعن أسامة بن زيد قال: لما ثقل النبى صلى الله عليه وسلم وهبطت وهبط الناس معى إلى المدينة يعنى
__________
(1) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (18/ 281) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 26) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 64، 70، 77، 151) ، سنن ابن ماجه (1623) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 105) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (1564) ، فتح البارى لابن حجر (8/ 140، 11/ 362) ، كنز العمال للمتقى الهندى (18836) ، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 47) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 239) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (1/ 119، 4/ 206، 6/ 14، 7/ 109) ، صحيح مسلم فى كتاب المساجد باب (3) رقم (22) ، سنن النسائى (2/ 40) ، مسند الإمام أحمد (6/ 275، 299) ، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 203) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 238) .
(2/43)

الجيش الذى كان تهيأ للخروج معه فى بعثه قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلا يتكلم، وجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على، أعرف أنه يدعو لى.
وذكر ابن إسحاق «1» : من حديث أبى بكر بن عبد الله بن أبى مليكة أن مما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس يوم صلى قاعدا عن يمين أبى بكر أن قال لهم لما فرغ من الصلاة وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: «يا أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى والله ما تمسكون على بشىء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن» .
قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه قال له أبو بكر: يا رسول الله، إنى أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ قال: «نعم» ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح «2» .
وعن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذ على بن أبى طالب رضى الله عنه على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: أصبح بحمد الله بارئا. قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا على، أنت والله عبد العصا، بعد ثلاث مرات، أحلف بالله لقد رأيت الموت فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. فقال على: إنى والله لا أفعل، والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم.
وقالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك اليوم حين دخل المسجد فاضطجع فى حجرى، فدخل على رجل من آل أبى بكر وفى يده سواك أخضر، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: «نعم» ، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قط، ثم وضعه؛ ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» «3» ؛ قالت: فقلت: خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق.
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 278) .
(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (7/ 201) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 274) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 288، 293) .
(2/44)

وقالت: كان عليه السلام كثيرا ما أسمعه يقول: «إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره» ، فلما حضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» فقلت:
إذا والله لا يختارنا، وعرفت أنه الذى كان يقول لنا: «إن نبيا لم يقبض حتى يخير» «1» .
قالت: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة، واكرباه لكربك يا أبة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة» «2» .
وقالت عائشة رضى الله عنها: كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» «3» .
وقالت أم سلمة: كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» «4» ، حتى جعل يلجلجها فى صدره، وما يقبض بها لسانه.
وقال أنس بن مالك: شهدته يوم توفى صلى الله عليه وسلم فلم أر يوما كان أقبح منه.
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 45، 48، 74، 89، 108، 120، 126) ، صحيح مسلم (4/ 1893/ 85) .
(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1629) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 263) ، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 212) ، كنز العمال للمتقى الهندى (18818، 18820) ، تاريخ أصفهان (2/ 221) .
(3) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 325) ، مسند الإمام أحمد (6/ 275) .
(4) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1625، 2697، 2698) ، مسند الإمام أحمد (3/ 117) ، مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 237) ، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 44) ، شرح السنة للبغوى (9/ 350) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 297) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (3/ 215) ، كنز العمال للمتقى الهندى (18863) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (3356، 3357) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 238) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (4/ 240) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (2/ 236) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (2/ 44) ، مشكل الآثار للطحاوى (4/ 235، 236) ، تفسير ابن كثير (8/ 314) ، علل الحديث لابن أبى حاتم الرازى (300) .
(2/45)

وقالت عائشة: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحرى ونحرى، وفى دولتى «1» ، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى وحداثة سنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت التدم مع النساء، وأضرب وجهى «2» .
واختلف أهل العلم بهذا الشأن فى اليوم الذى توفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهر بعد اتفاقهم على أنه توفى يوم الاثنين فى شهر ربيع الأول.
فذكر الواقدى وجمهور الناس أنه توفى يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، وهذا لا يصح، وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، وذلك أن المسلمين قد أجمعوا على أن وقفة النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة فى حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذى الحجة من سنة عشر، فاستهل هلال ذى الحجة على هذا ليلة الخميس، ثم لا يخلو شهر ذى الحجة والمحرم بعده من سنة إحدى عشرة ثم صفر بعده أن تكون هذه الأشهر الثلاثة كاملة كلها أو ناقصة كلها، أو اثنان منها كاملين وواحد ناقصا، أو اثنان منها ناقصين وواحد كاملا، وأيا ما قدرت من ذلك واعتبرته لم تجد الثانى عشر من ربيع الأول يكون يوم الاثنين أصلا.
وذكر أبو جعفر الطبرى بإسناد يرفعه إلى فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول.
وهذا القول وإن خالف ما ذكره جهور العلماء فإنه أولى بالصواب، وأمكن أن يكون حقا، فإنه إن كانت الأشهر الثلاثة كل شهر منها من تسعة وعشرين يوما كان استهلال شهر ربيع الأول على ذلك بالأحد فكان يوم الاثنين ثانيه.
وقد حكى الخوارزمى أنه صلى الله عليه وسلم توفى أول يوم من شهر ربيع الأول، وهذا أيضا أمكن وأكثر إذ اتصال النقص فى ثلاثة أشهر لا يكون إلا قليلا، والله تعالى أعلم.
ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفعت الرنة عليه وسجته الملائكة دهش الناس كما روى عن غير واحد من الصحابة وطاشت عقولهم، وأفحموا، واهتلطوا، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ومنهم من أقعد إلى الأرض، فكان عمر رضى الله عنه ممن خبل، فجعل يصيح ويقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين
__________
(1) فى دولتى: أى فى نوبتها.
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 48/ 121، 200، 274) ، صحيح البخارى (3/ 1389) .
(2/46)

ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات.
وأما عثمان بن عفان رضى الله عنه فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يتكلم.
وأقعد على رضى الله عنه فلم يستطع حراكا. وأضنى عبد الله بن أنيس.
وبلغ الخبر أبا بكر رضى الله عنه وهو بالسنح فجاء وعيناه تهملان وزفراته تترد فى صدره وغصصه ترتفع كقطع الحرة وهو فى ذلك رضوان الله عليه جلد العقل والمقالة، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وجعل يبكى ويقول: بأبى أنت وأمى طبت حيا وميتا، ولنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولولا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس، لولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وأدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا. ثم خرج إلى الناس وهم فى عظيم غمراتهم وشديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم وقال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين ... فى كلام طويل، ثم قال:
أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم فى أمره فلا تدعوه جزعا، قال الله تبارك وتعالى:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144] . وإن الله سبحانه قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: 135] ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يلفتنكم عن دينكم، فعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه ولا تستنظروه فليلحق بكم.
(2/47)

فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا عمر، أنت الذى بلغنى عنك أنك تقول على باب النبى صلى الله عليه وسلم: والذى نفس عمر بيده ما مات نبى الله أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم كذا: كذا وكذا، وقال يوم كذا: كذا وكذا، وقال الله تعالى فى كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [30: الزمر] . فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها فى كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل وأن الحديث كما حدث وأن الله تبارك وتعالى حى لا يموت، صلوات الله على رسوله، وعند الله نحتسب رسوله.
وفى بعض سياق هذا الخبر أن أبا بكر رضى الله عنه لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت عائشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى فى ناحية البيت عليه برد حبرة، أقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت وأمى، أما الموتة التى كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل يكلم الناس، فلما سمع الناس كلام أبى بكر أقبلوا عليه وتركوا عمر؛ فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، ثم قال:
يا أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ثم تلا هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: 144] إلى آخر الآية.
قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ وأخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواهم.
وقال عمر رضى الله عنه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «1» حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملنى رجلاى، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات «2» .
وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيما كان منه يومئذ:
لعمرى لقد أيقنت أنك ميت ... ولكنما أبدى الذى قلته الجزع
وقلت يغيب الوحى عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع
وكان هواى أن تطول حياته ... وليس لحى فى بقا ميت طمع
__________
(1) عقرت: أى دهشت وتحيرت.
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى فى كتاب فضائل الصحابة (7/ 3667- 3668) .
(2/48)

فلما كشفنا البرد عن حر وجهه ... إذا الأمر بالجدع الموعب قد وقع
فلم تك لى عند المصيبة حلية ... أرد بها أهل الشماتة والقذع
سوى إذن الله الذى فى كتابه ... وما أذن الله العباد به يقع
وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها فى حلوق الشامتين به بشع
ألا إنما كان النبى محمد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلات منا بدينه ... ونعطى الذى أعطى ونمنع ما منع
ووليت محزونا بعين سخينة ... أكفكف دمعى والفؤاد قد انصدع
وقلت لعينى كل دمع ذخرته ... فجودى به إن الشجى له دفع
وذكر ابن إسحاق «1» بإسناد يرفعه إلى عبد الله بن عباس قال: إنى لأمشى مع عمر فى خلافته وهو عامد إلى حاجة له، وفى يدة الدرة ما معه غيرى، وهو يحدث نفسه ويضرب وخشى قدمه بدرته، إذ التفت إلى فقال: يا ابن عباس، هل تدرى ما حملنى على مقالتى التى قلت حين توفى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: لا أدرى يا أمير المؤمنين؛ أنت أعلم. قال: فإنه والله، إن حملنى على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [143: البقرة] ، فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملنى على أن قلت ما قلت «2» .
وذكر موسى بن عقبة أن المقام الذى قام به أبو بكر رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد الذى كان من عمر من القول هو أنه خرج سريعا إلى المسجد من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوطأ رقاب الناس حتى جاء المنبر وعمر يكلم الناس ويوعد من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، فجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا، فقام أبو بكر على المنبر فنادى الناس أن اجلسوا وأنصتوا، فتشهد بشهادة الحق، ثم قال: إن الله قد نعى نبيكم لنفسه وهو حى بين أظهركم، ونعى لكم أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله، يقول الله عز وجل: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
[144: آل عمران] .
وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [30: الزمر]
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 286) .
(2) أخرجه الطبرى فى تاريخه (2/ 238) .
(2/49)

وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 35، الأنبياء، 57] .
وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] . وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 26] .
ثم قال: إن الله عمر محمدا وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد أعداء الله حتى توفاه الله صلوات الله عليه وهو على ذلك وتركتم على الطريقة، فلا يهلك هالك إلا من بعد البينة، فمن كان الله ربه فإن الله حى لا يموت فليعبده، ومن كان يعبد محمدا أو يراه، إلها فقد هلك إلهه، فأفيقوا أيها الناس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وإن كلمته باقية، وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه.
وإن كتاب الله بين أظهرنا هو النور والشفاء وبه هدى الله محمدا، وفيه حلال الله وحرامه، لا والله ما نبالى من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يبقين أحد إلا على نفسه.
ثم انصرف وانصرف المهاجرون معه.
بيعة أبى بكر رضى الله عنه وما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، ومنتهى أمر المهاجرين معهم
قال ابن إسحاق «1» : ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحى من الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، واعتزل على بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله فى بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبى بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير فى بنى عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبى بكر فقال: إن هذا الحى من الأنصار مع سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس من قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 281) .
(2/50)

الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. قال: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن عباس قال: أخبرنى عبد الرحمن بن عوف وكنت فى منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر فى آخر حجة حجها عمر قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدنى فى منزله أنتظره، وكنت أقرئه القرآن، فقال لى: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، والله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة فتمت. قال: فغضب عمر فقال: إنى إن شاء الله لقائم العشية فى الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. ثم قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم فى الناس، وإنى أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ولا يعودها ولا يضعوها على موضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعى أهل الفقه مقالتك، ويضعونها موضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس «1» : فقدمنا المدينة فى عقب ذى الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتى ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال:
فأنكر على سعيد بن زيد ذلك. قال: وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فإنى قائل لكم مقالة قد قدر لى أن أقولها ولا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها ووعاها فليأخذنها حيث انتهت به راحلته، ومن خشى أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب على؛ إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم فى كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» أو «كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» ، ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 282) .
(2/51)

قال: «لا تطرونى كما أطرى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله» «1» ؛ ثم إنه قد بلغنى أن فلانا قال: لو والله قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذى بايعه، تغرة أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفوا فاجتمعوا بأشرافهم فى سقيفة بنى ساعدة، وتخلف عنا على بن أبى طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا:
وجع. فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم.
قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت فى نفسى مقالة قد أعجبتنى، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه، فتكلم، وهو كان أعلم منى وأوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.
قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا هذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئا مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك إلى إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (2/ 2784) ، مسند الإمام أحمد (1/ 23، 24، 47، 55) ، مصنف عبد الرزاق (11/ 20524) .
(2/52)

أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد ابن عبادة.
وذكر ابن إسحاق «1» عن الزهرى عن عروة أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة هو عويم بن ساعدة، وهو الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل:
من الذين قال الله لهم: رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:
108] ، فقال عليه السلام: «نعم المرء منهم عويم بن ساعدة، وأما الرجل الآخر فهو:
معن بن عدى» «2» ، ويقال: إنه لما بكى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله وقالوا:
والله لوددنا أن متنا قبله، إنا نخشى أن نفتتن بعده، قال معن بن عدى: لكنى والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، وقتل رحمه الله شهيدا اليمامة.
وذكر ابن عقبة أنهم لما توجهوا إلى سقيفة بنى ساعدة وأراد عمر أن يتكلم ويسبق بالقول ويمهد لأبى بكر ويتهدد من هناك من الأنصار، وقال عمر: خشيت أن يقصر أبو بكر رضى الله عنه عن بعض الكلام وعن ما أجد فى نفسى من الشدة على من خالفنا زجره أبو بكر رضى الله عنه فقال: على رسلك فستكفى الكلام إن شاء الله تعالى، ثم سوف تقول بعدى ما بدا لك، فتشهد أبو بكر، وأنصت القوم، ثم قال:
بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، ونحن عشيرته وأقاربه، وذوو رحمه، فنحن أهل النبوة وأهل الخلافة وأوسط الناس أنسابا فى العرب، ولدتنا العرب كلها، فليست منها قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، ولن تعترف العرب ولا تصلح إلا على رجل من قريش، هم أصبح الناس وجوها، وأبسطه ألسنا، وأفضله قولا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم قسمة إلا بلمه، وأنتم يا معشر الأنصار إخواننا فى كتاب الله وشركاؤنا فى الدين وأحب الناس إلينا، وأنتم الذين آووا ونصروا، وأنتم أحق الناس أن لا تحسدوهم على خير أتاهم الله إياه، فأنا أدعوكم إلى أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب وأبى عبيدة
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 285) .
(2) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (3/ 2/ 31) .
(2/53)

ابن الجراح ووضع يديه عليهما، وكان قائما بينهما فكلاهما قد رضيته للقيام بهذا الأمر، ورأيته أهلا لذلك.
فقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغى لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله، وثانى اثنين، وأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق بهذا الأمر.
قالت الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وما خلق الله قوما أحب إلينا ولا أعز علينا منكم، ولا أرضى عندنا هديا، ولكنا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم رجلا منكم فإذا مات أخذنا رجلا من الأنصار فجعلناه، فإذا مات أخذنا رجلا من المهاجرين فجعلناه، فكنا كذلك أبدا ما بقيت هذه الأمة بايعناكم ورضينا بذلك من أمركم، وكان ذلك أجدر إن يشفق القرشى إن زاغ أن ينقض عليه الأنصارى، وأن يشفق الأنصارى إن زاغ أن ينقض عليه القرشى.
فقال عمر: لا ينبغى هذا الأمر ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة، إلا له، ولن تصلح إلا عليه، والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه.
فقام الحباب بن المنذر من بنى سلمة «1» ، فقال: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، دفت علينا منكم دافة أرادوا أن يخرجونا من أصلنا ويختصونا من هذا الأمر، وإن شئتم كررناها جزعة.
فكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهم، وأوعد بعضهم بعضا، ثم تراد المسلمون وعصم الله لهم دينهم، فرجعوا بقول حسن، وسلموا الأمر لله وعصوا الشيطان، ووثب عمر فأخذ بيد أبى بكر وقام أسيد بن حضير الأشهلى «2» وبشير بن سعد أبو النعمان بن
__________
(1) انظر ترجمته فى: الأنساب (3/ 278) ، الإصابة ترجمة رقم (1557) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1023) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (185) ، أسد الغابة ترجمة رقم (170) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 21) ، الثقات (3/ 6) ، الإكمال (2/ 482) ، تهذيب الكمال (1/ 113) ، الطبقات (77) ، تقريب التهذيب (1/ 78) ، بقى بن مخلد (136) ، خلاصة تذهيب الكمال (1/ 98) ، الوافى بالوفيات (9/ 258، 1/ 328) ، تهذيب التهذيب (1/ 347) ، الكاشف (1/ 133) ، الجرح والتعديل (2/ 1163) ، التاريخ الكبير (2/ 47) ، البداية والنهاية (7/ 101) ، الأنساب (1/ 278) .
(2/54)

بشير «1» يستبقان ليبايعا أبا بكر فسبقهما عمر فبايع ثم بايعا معا، ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة، وسعد بن عبادة مضطجع يوعك، فازدحم الناس على أبى بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعدا، لا تطؤه فتقتلوه.
فقال عمر وهو مغضب: قتل الله سعدا، فإنه صاحب فتنة. فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد فقعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى آخر الليل من ليلة الثلاثاء مع الصبح.
وقال ابن أبى عزة القرشى الجمحى فى ذلك:
شكرا لمن هو بالثناء خليق ... ذهب اللجاج وبويع الصديق
من بعد ما دحضت بسعد نعله ... ورجا رجاء دونه العيوق
جاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتاهم الصديق والفاروق
وأبو عبيدة والذين إليهم ... نفس المؤمل للبقاء تتوق
كنا نقول لها على والرضى ... عمر وأولادهم بتلك عتيق
فدعت قريش باسمه فأجابها ... إن المنوه باسمه الموثوق
وذكر وثيمة بن موسى بن الفرات أنه كان لأشراف قريش فيما كان من شأن الأنصار مقامات محمودة، فمن ذلك أن خالد بن الوليد قام على أثر أبى بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خطيب قريش، فقال:
أيها الناس، إنا رمينا فى بدء هذا الدين بأمر ثقل علينا محمله وصعب علينا مرتقاه، وكنا كأنا منه على أوفاز، ثم والله ما لبثنا أن خف علينا ثقله، وذللنا صعبه، وعجبنا ممن شك فيه بعد عجبنا ممن آمن به، حتى والله أمرنا بما كنا ننهى عنه، ونهينا عن ما كنا نأمر به، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول، ولكنه التوفيق. ألا وإن الوحى لم ينقطع حتى أكمل، ولم يذهب النبى صلى الله عليه وسلم حتى أعذر، فلسنا ننتظر بعد النبى نبيا ولا بعد الوحى وحيا، ونحن اليوم أكثر منا بالأمس، ونحن بالأمس خير منا اليوم، من دخل فى هذا الدين كان من ثوابه على حسب عمله، ومن تركه رددناه إليه، إنه والله ما صاحب هذا الأمر
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (694) ، أسد الغابة ترجمة رقم (459) ، الثقات (3/ 33) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 53) ، تهذيب التهذيب (1/ 464) ، الطبقات (94، 190) ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (1/ 130) ، الوافى بالوفيات (10/ 162) ، العبر (1/ 15، 16) ، البداية والنهاية (6/ 353) ، التاريخ الصغير (1/ 73) ، تقريب التهذيب (1/ 103) ، التاريخ الكبير (2/ 98) ، الجرح والتعديل (2/ 374) .
(2/55)

يعنى أبو بكر بالمسئول عنه ولا المختلف فيه، ولا بالخفى الشخص، والمغمور القناة.
ثم سكت، فعجب الناس من كلامه.
وقام حزن بن أبى وهب وهو الذى سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلا فقال:
وقامت رجال من قريش كثيرة ... فلم يك فى القوم القيام كخالد
ترقى فلم تزلق به صدر نعله ... وكف فلم يعرض لتلك الأوابد
فجاء بها غراء كالبدر سهلة ... تشبهها فى الحسن أم القلائد
أخالد لا تعدم لؤى بن غالب ... قيامك فيها عند قذف الجلامد
كساك الوليد بن المغيرة مجده ... وعلمك الشيخان ضرب العماحد
تقارع فى الإسلام عن صلب دينه ... وفى الشرك عن أجلال جد ووالد
وكنت لمخزوم بن يقظة جنة ... كلا اسميك فيها ماجد وابن ماجد
إذا ما غنا فى هيجها ألف فارس ... عدلت بألف عند تلك الشدائد
ومن يك فى الحرب المصرة واحدا ... فما أنت فى الحرب العوان بواحد
إذا ناب أمر فى قريش محلج ... تشيب له روس العذارى النواهد
توليت منه ما يخاف وإن تغب ... يقولوا جميعا خطنا غير شاهد
قال ابن إسحاق «1» : ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغنى تقول: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبى بكر.
وذكر ابن هشام «2» عن أبى عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد فتوارى فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد، وقد تقدم لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى سهيل بن عمرو لعمر بن الخطاب وقد قال له: انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 291) .
(2) انظر المصدر السابق.
(2/56)

خطيبا أبدا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه» «1» ، فكان هذا المقام المتقدم هو الذى أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر فى السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال:
أيها الناس، إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها فى كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنى كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد برنا؛ يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذى به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانى اثنين إذ هما فى الغار، فقوموا فبايعوه.
فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى؛ الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة فى قوم إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله «2» .
وذكر موسى بن عقبة أن رجالا من المهاجرين غضبوا فى بيعة أبى بكر، منهم على والزبير، فدخلا بيت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب فى عصابة من المهاجرين والأنصار فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان وثابت بن قيس بن شماس الخزرجى فكلموهما حتى أخذ أحد القوم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال:
والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط، ولا ليلة، ولا سألتها الله قط سرا ولا علانية، ولكنى أشفقت من الفتنة، وما لى فى الإمارة من راحة، ولقد قلدت أمرا عظيما
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (3/ 310) ، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 367) .
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (6/ 301) .
(2/57)

ما لى به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكانى اليوم.
فقبل المهاجرون منه ما قاله واعتذر به، وقال على والزبير: ما غضبنا إلا أنا أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لصاحب الغار وثانى اثنين، وإنا لنعرف له شرفه وسنه، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حى.
وذكر غير ابن عقبة أن أبا بكر رضى الله عنه قام فى الناس بعد مبايعتهم إياه يقيلهم فى بيعتهم ويستقيلهم فيما تحمله من أمرهم ويعيد ذلك عليهم، كل ذلك يقولون له:
والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا يؤخرك.
ولم يبدأ أبو بكر رضى الله عنه بعد أن فرغ أمر البيعة واطمأن الناس بشىء من النظر قبل إنفاذ بعث أسامة، فقال له: امض لوجهك الذى بعثك له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر وكان أفضلهم رأيا: أنا أحتبس بعثا بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اجترأت إذ على أمر عظيم، والذى نفسى بيده لأن تميل العرب على أحب إلى من أن احتبس جيشا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. امض يا أسامة فى جيشك للوجه الذى أمرت به، ثم اغز حيث أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة فإن الله سيكفى ما تركت، ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر بن الخطاب بالتخلف لأستشيره وأستعين برأيه فإنه ذو رأى ونصيحة للإسلام وأهله فعلت. ففعل أسامة وأذن لعمر، فأقام بالمدينة مع أبى بكر رضى الله عنهم أجمعين.
ذكر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه، وما يتصل بذلك من أمره صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته
ولما فرغ الناس من بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وجمعهم الله عليه وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم صلى الله عليه وسلم والاشتغال به.
قالت عائشة رضى الله عنها: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندرى، أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ قالت:
فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه فى صدره، وكلمهم
(2/58)

مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبى وعليه ثيابه. قالت: فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه والقميص دون أيديهم.
ويروى عن غير واحد أن الذين ولوا غسله صلى الله عليه وسلم ابن عمه على بن أبى طالب، وعمه العباس بن عبد المطلب، وابناه الفضل، وقثم، وحبه أسامة بن زيد، ومولاه شقران.
وقال أوس بن خولى أحد بنى عوف بن الخزرج وكان ممن شهد بدرا لعلى بن أبى طالب يومئذك أنشدك الله يا على وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: ادخل، فدخل وجلس، فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فأسند على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه، وكان أسامة وشقران هما اللذان يصبان الماء عليه، وعلى يغسله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يقول: بأبى أنت وأمى، ما أطيبك حيا وميتا. ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء مما يرى من الميت «1» .
وكانت عائشة رضى الله عنها تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه «2» .
ولما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن فى ثلاث أثواب.
قال ابن إسحاق «3» فى حديث يرفعه إلى على بن حسين: ثوبين صحاريين، وبرد حبرة أدرج فيه إدراجا «4» .
وخرج مسلم فى صحيحه من حديث عائشة، قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثلاثة
__________
(1) انظر: الطبقات لابن سعد (2/ 280) ، تاريخ الطبرى (2/ 238) ، سنن ابن ماجه فى كتاب الجنائز باب ما جاء فى غسل النبى صلى الله عليه وسلم (1/ 1467) .
(2) انظر: مسند أبى داود الطيالسى (ص 215 ج 1530) .
(3) انظر: السيرة (4/ 288) .
(4) انظر: التمهيد لابن عبد البر (2/ 163) ، الدلائل للبيهقى (7/ 248) ، صحيح البخارى فى كتاب الجنائز (3/ 1264) ، صحيح مسلم فى كتاب الجنائز (2/ 650، 651) ، سنن أبى داود فى كتاب الجنائز باب فى الكفن (3/ 3151) ، سنن الترمذى فى كتاب الجنائز (3/ 996) ، سنن النسائى (1896) ، سنن ابن ماجه (1/ 1469) ، موطأ مالك (1/ 5/ 223) ، مسند الإمام أحمد (6/ 40، 132، 165، 192، 204، 231) .
(2/59)

أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة «1» .
زاد الترمذى قال: فذكروا لعائشة قولهم: فى ثوبين وبرد حبرة. فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه.
واختلف المسلمون فى موضع دفنه، فقال قائل: ندفنه فى مسجده، وقال آخر: بل ندفنه مع أصحابه، وقال أبو بكر رضى الله عنه: ادفنوه فى الموضع الذى قبض فيه، فإن الله لم يقبض روحه إلا فى مكان طيب، فعلموا أن قد صدق «2» .
وفى رواية أنه قال لهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض.
فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى توفى عليه، فحفر له تحته.
ولما أرادوا أن يحفروا له، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذى يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد، دعا العباس برجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة بن الجراح، وللآخر: اذهب إلى أبى طلحة. اللهم خر لرسول الله، فوجد الذى توجه إلى أبى طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على سريره فى بيته، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا الرجال، حتى إذا فرغوا أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد.
ويروى فى حديث أن عليا رضى الله عنه قال: لقد سمعنا همهمة ولم نر شخصا، فسمعنا هاتفا يقول: ادخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم.
ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل، ليلة الأربعاء «3» .
قالت عائشة رضى الله عنها: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت
__________
(1) انظر: صحيح مسلم (3/ 39) ، صحيح البخارى (2/ 211) ، سنن أبى داود (3/ 198/ 3151) ، سنن النسائى (490/ 35، 36) ، طبقات ابن سعد (2/ 282- 284) ، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 246- 249) .
(2) انظر: طبقات ابن سعد (2/ 275، 292، 299) ، دلائل النبوة للبيهقى (259- 261) .
(3) انظر: السيرة (4/ 289) .
(2/60)

المساحى من جوف الليل من ليلة الأربعاء. وكان الذين نزلوا فى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، والفضل وقثم ابنا عمه العباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أوس بن خولى من الأنصار لعلى بن أبى طالب: يا على، أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: انزل، فنزل مع القوم.
وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة يلبسها ويفترشها، فأخذها شقران مولاه، فدفنها فى القبر: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا، فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما انصرف الناس قالت فاطمة رضى الله عنها لعلى رضى الله عنه: يا أبا الحسن، دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أما كان فى صدوركم لرسول الله رحمة؟ أما كان معلم الخير؟ قال:
بلى يا فاطمة، ولكن أمر الله الذى لا مرد له، فجعلت تبكى وتندب: وا أبتاه، أجاب ربا دعاه، وا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، وا أبتاه، إلى جبريل ينعاه.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إليها فى مرضه أنه مقبوض منه ولا حق بربه، فبكت مشفقة من فراقه، فأسر إليها ثانية أنها أول أهله لحاقا به، فضحكت راضية بالموت مسرورة بوقوعه فى جنب ما تتعجل من لقائه فى حضرة القدس ومحلة الرضوان والكرامة.
ولما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف المهاجرون والأنصار عن دفنه، ورجعت فاطمة رضى الله عنها إلى بيتها اجتمع إليها نساؤها فقال:
اغبر أفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبى كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضنه ... صلى عليك منزل الفرقان
ويروى أيضا أن فاطمة رضى الله عنها أنشدت بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم متمثلة بشعر سميتها فاطمة بنت الأجهم:
قد كنت لى جبلا ألوذ بظله ... فتركتنى أمشى بأجرد ضاح
قد كنت ذات حمية ما عشت لى ... أمشى البرار وكنت أنت جناحى
(2/61)

فاليوم أخضع للذليل وأتقى ... منه وأدفع ظالمى بالراح
وإذا دعت قمرية شجنا لها ... ليلا على فنن دعوت صباحى
ومما ينسب إلى على أو فاطمة رضى الله عنهما:
ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدا الزمان غواليا
صبت على مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا
وجلست أم أيمن تبكى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وهى حاضنته التى كان يأوى إليها بعد موت أمه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيته لم يدفن بعد، فقيل لها: ما يبكيك يا أم أيمن قد أكرم الله نبيه وأدخله جنته وأراحه من نصب الدنيا، فقالت: إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع عنا ورفع، فعليه أبكى. فعجب الناس من قولها وبكوا لبكائها.
وقال أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شىء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شىء وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفى دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
وقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: ولد النبى صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، فيا لهذا اليوم كم خير تسبب فيه إلى أهل الأرض، وأى مصيبة نزلت فيه بمنية ضاق عنها منفسح الطول والعرض.
وقد حدثنا ابن عباس أيضا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان له فرطان من أمتى أدخله الله بهما الجنة» «1» . فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: «ومن كان له فرط يا موفقة» «2» قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: «فأنا فرط لأمتى، لن يصابوا بمثلى» «3» .
ولله در شاعره حسان بن ثابت إذ يقول:
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (1062) ، مسند الإمام أحمد (1/ 334) ، السنن الكبرى للبيهقى (4/ 68) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (1735) ، كنز العمال للمتقى الهندى (6572، 6609) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (12/ 208) .
(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (1/ 335) ، الشمائل للترمذى (212) .
(3) انظر الحديث فى: هامش المواهب (200) .
(2/62)

وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد
وهذا البيت من قصيدة له يرثى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنذكرها بعد فى مراثيه.
وروى أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة بى» «1» .
فيا لها والله مصيبة أحرقت الأكباد، وغمرت بالأسف والحزن الآماد والآباد، ورزآ ثقيلا آد كاهل الإيمان منه ما آد، وخطبا جليلا أودى بكل صبر جميل أو كاد:
والصبر يحمد فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
ولولا أن الله سبحانه وتعالى ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأودت مكانها كمدا، ولما وجدت إلى البقاء متسلفا، ولا عن وحى القنا ملتحدا، ولو رجفت الأرض لفقدان أحد لأصبحت لفقدانه راجفة، ولو نسفت الجبال لمهلك هالك لغدت رواسيها على حكم الأسف متناسفة، ولو كسفت النيرات لمصرع حى لأمست دررها منثورة لمصرعه، ولو تغيرت المشارع المورودة لموت إنسان لأمر لموته على كل وارد عذب مشرعه هيهات هيهات، ذلك والله الرزأ الكبار، والنازلة التى يعيى بها الاحتمال والاصطبار، والخطر الذى تقاصر دونه الأخطار، والخطب الذى تشقى بمضاضة مشاهدته المهاجرون والأنصار، والمفقود الذى لا عوض منه أبدا وإن تراخت الأيام وتطاولت الأعصار، ولو غير الأقدار أصابته لبدلت دونه أعلاق المهج، أو غير المنايا نابتة لتعذر على قاصده وجه السبيل المنتهج، ولكنها السبيل التى لا يتخطاها سالك، وما سبقت به مشيئة الدائم الباقى الذى كل شىء إلا وجهه هالك، فلا مجال للدفاع، ولا حيلة فى الامتناع، ولا غناء للأعوان والأتباع، ولا شىء يضمه حكم الممكن المستطاع غير الانقياد لأمر الله والإهطاع، ولهفا عليه، ويا برح شوق القلوب المشربة نور الإيمان به، وشدة نزاعها إليه، وبالدموع أجريت عليه، صلوات الله وبركاته عليه، لقد وجدت مجرا، وأوجبت أجرا وحرمت لهيا عن أسبابها وزجرا، ولقد كان من يقدم المدينة بعد أن استأثر به مولاه الذى شرح له صدرا، ورفع له ذكرا وقدرا، إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجا يصم السميع، وللبكاء فى جنباتها عجيجا أصحل الحلوق ونزف الدموع.
حدث أبو ذؤيب الهذلى فقال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل، فاستشعرت حزنا، وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسى طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت فهتف بى هاتف وهو يقول:
__________
(1) انظر الحديث فى: السلسلة الصحيحة للألبانى (1106) ، موطأ مالك (236) .
(2/63)

خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الأطام
قبض النبى محمد فعيوننا ... تذرى الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومى فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به، ذبح يقع فى العرب، وعلمت أن النبى صلى الله عليه وسلم قد قبض، أو هو ميت من علته، فركبت ناقتى وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به، فعن لى شيهم يعنى القنفذ قد قبض على صل يعنى الحية فهى تلتوى عليه، والشيهم يقضها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهم شىء مهم، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتى حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر فأخبرنى بوفاته، ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لى فى طريقى، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت المسجد، فوجدته خاليا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت بابه مرتجا، وقيل إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة، فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالما مولى أبى حذيفة وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم: حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأ منهم، فآويت إلى قريش وتكلمت الأنصار، فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أبو بكر رضى الله عنه فلله دره من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع فصل الخطاب، والله لقد تكلم لكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر رضى الله عنه بعده دون كلامه، ومد يده وبايعوه، ورجع أبو بكر ورجعت معه.
قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وشهدت دفنه.
ثم أنشد أبو ذؤيب يبكى النبى صلى الله عليه وسلم:
لما رأيت الناس فى غسلاتهم ... ما بين ملحود له ومضرح
متبادلين لشرجع بأكفهم ... نص الرقاب لفقد أبيض أروح
فهناك صرت إلى الهموم ومن بيت ... جار الهموم يبيت غير مروح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح
وتزعزعت أجيال يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه وزجرت سعد الأذبح
وذكر الزبير بن أبى بكر بإسناد له إلى هشام بن عروة: أن صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ترثى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفى:
(2/64)

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت رحيما هاديا ومعلما ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكى النبى لفقده ... ولكن لما أخشى من الهرج آتيا
كأن على قلبى لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبى المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فدا لرسول الله أمى وخالتى ... وعمى وآباى ونفسى وماليا
صدقت وبلغت الرسالة صادقا ... ومت صليب العود أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا
أرى حسنا أيتمته وتركته ... يبكى ويدعو جده اليوم نائيا
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم «1» يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أرقت فات ليلى لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول
وأسعدنى البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحى والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كربت تسيل
نبى كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعى ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول
ولما بلغت عمرو بن العاص السهمى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بعمان، قال يرثيه:
أتانى ورحلى فى عمان مصيبة ... فبت بعين طرفها طرف أرمد
غداة نعى الناس النبى محمدا ... فأعزز علينا بالنبى محمد
فقدنا به وحى السماء ونعمة ... تروح علينا بالمراد وتغتدى
وأوحش منه منبر كان زينة ... ومسجده وحش فيها خير مسجد
__________
(1) انظر ترجمته فى: تجريد أسماء الصحابة (2/ 173) ، الإصابة ترجمة رقم (10028) .
(2/65)

فلو كنت يوما شاهدا لوفاته ... لمست ترابا من ضريحته يدى
بإذن يراه أهله ومكيده ... أسود بها ما عشت يومى وفى غد
كما نالها منه المغيرة خدعة ... وما أنا دون الطائفى الجفيدد
يريد: المغيرة بن شعبة الثقفى، وكان يدعى أنه أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: أخذت خاتمى فألقيته فى القبر، وقلت: إن خاتمى سقط منى، وإنما طرحته عمدا لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون أحدث الناس عهدا به صلى الله عليه وسلم.
وكان على بن أبى طالب رضى الله عنه ينكر ذلك من قول المغيرة ويأباه، ويقول:
أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس.
وذكر وثيمة بن موسى أن عبد الله بن أنيس الجهنى «1» كان غائبا ببعض ضواحى المدينة، فلما انتهى إليه الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت عليه الأرض، ثم قال: والله، لو أن ميتا رده قتل حى نفسه لقتلت نفسى، ولكن أفرغ إلى أمر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم سأل الذى أخبره: هل استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بعينه؟ قال: لا والله.
قال: الله اكبر، لو استخلفه هلكنا بمعصية. فهل اجتمع الناس على رجل؟ قال: أمر نبى الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلى بالناس. قال: هى إعلام الإمامة، وليس كل من صلى بإمام. ما فعل على؟ قال: هو فى بيته. قال: لا يريدها يا ابن أخى، لها ثلاثة من قريش: على وأبو بكر وعمر، من ادعى منازلهم قصر دونهم. ما صنعت الأنصار؟ قال: اعتزلت، قال:
كلا، طائف من الشيطان، لم يكن الله ليخذلهم مع ما سبق لهم، بت عندى الليلة فإنى عليل ولا أرانى إلا لما بى من هذه الصدمة، ولكن أبلغ عنى قريشا، فقال:
نفا النوم ما لا تبتغيه الأصابع ... وخطب جليل للبلية جامع
غداة نعى الناعى إلينا محمدا ... وتلك التى تستك منها المسامع
فلو رد نفسا قتل نفس قتلتها ... ولكنه لا يدفع الموت دافع
فآليت لا أبكى على هلك هالك ... من الناس ما أؤسى ثبير وفارغ
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4565) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2827) ، الثقات (3/ 234) ، حلية الأولياء (2/ 5) ، حسن المحاضرة (1/ 211) ، شذرات الذهب (1/ 60) ، البداية والنهاية (8/ 57) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 298) ، تهذيب التهذيب (5/ 149) ، العبر (1/ 59) ، الجرح والتعديل (5/ 1) ، تلقيح فهوم أهل الأثر (367) ، التاريخ الكبير (3/ 14) ، تهذيب الكمال (2/ 666) ، الطبقات (118) ، الكاشف (2/ 73) ، تقريب التهذيب (1/ 402) ، الوافى بالوفيات (17/ 76) ، الأنساب (2/ 178) ، بقى بن مخلد (113) .
(2/66)

ولكننى باك عليك ومتبع ... مصيبته إنى إلى الله راجع
وقد قبض الله النبيين قبله ... وعادا أصيب بالورى والتتابع
فإن مات فالإسلام حى وربنا ... لذا الدين مما كاده اليوم مانع
فيا ليت شعرى من يقوم بأمرنا ... وهل لقريش يا إمام منازع
ثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزمة هذا الأمر والله صانع
على أو الصديق أو عمر لها ... وليس لها بعد الثلاثة رابع
أولئك خير الحى فهر بن مالك ... وأول من تجنى عليه الأصابع
أولئك إن قاموا به سلكوا بنا ... محجتنا العظمى وقل التنازع
وكل قريش والذى أنا عبده ... على كل حال للثلاثة تابع
فإن قال منا قائل غير هذه ... أبينا وقلنا الله راء وسامع
فيا لقريش قلدوا الأمر بعضكم ... فإن ضجيع العجز للسن قارع
ولا تبطئوا عنها فواقا فإنها ... إذا قطعت لم تسر فيها المطامع
قال: فانتهى الرجل إلى قريش وقد انطلق المهاجرون إلى الأنصار، وكان من أمرهم الذى كان، فرجع إلى عبد الله بن أنيس، فأخبره الخبر، ففرح بذلك.
ولأبى الهيثم بن التيهان الأنصارى فى نحو هذا المعنى شعر قاله وقد مر به أبو بكر الصديق رضى الله عنه قبل مبايعة الناس إياه، فشكى إليه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الهيثم: وقد والله شمتت اليهودية والنصرانية، وبلغنى عن الناس أمر ساءنى، فرجع أبو الهيثم إلى منزله، فقال:
ألا قد أرى أن المنى لم تخلد ... لأن المنايا للنفوس بمرصد
لقد جدعت أذاننا وأنوفنا ... غداة فجعنا بالنبى محمد
تكلم أهل الشرك من بعد غلظة ... لغيبة هاد كان فينا ومهتدى
ثلاثة أصناف من الناس كلهم ... يروح علينا بالشنان ويغتدى
نصارى يقولون الفرى ومنافق ... شبيه بذاك الشامت المتهود
وأوعد كذاب اليمامة جهده ... فأجلب عودا باللسان وباليد
فإن تك هذا اليوم منهم شماتة ... فلا يأمنوا ما يحدث الله فى غد
وما نحن إن لم يجمع الله أمرنا ... بخير قريش كلها بعد أحمد
بأمنع من شاء يقفر مطيرة ... بقيعة قاع أو ضباب بفدفد
وإنى لأرجو أن يقوم بأمرنا ... على أو الصديق والمرء من عدى
(2/67)

أولئك خيار الحى فهر بن مالك ... وأنصار هذا الدين من كل معتدى
ولما انتهت إلى همدان وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلمت سفاؤهم بما كرهت ظماؤهم، فقال عبد الله بن مالك الأرض، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له هجرة وفضل فى دينه، فاجتمعت إليه همدان، فقال:
يا معشر همدان، إنكم لم تعبدوا محمدا، إنما عبدتم رب محمد، وهو الحى الذى لا يموت، غير أنكم أطعتم رسولكم بطاعة الله فدعاكم فأجبتموه، وهداكم فاتبعتموه، واعلموا أنه ولى نعمتكم فى دينكم ودنياكم، فأما دينكم فاستنقذكم الله به من النار، وأما دنياكم فاستنقذكم الله به من الرق، ولم يكن الله ليجمع صحابة رسوله على ضلال، وقد وعدهم أن يهديهم عندما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فأطيعوا من اختاروا، وقدموا من قدموا، فى كلام غير هذا تكلم به على هذا المثال، ونسجه على هذا المنوال.
وقال فى ذلك:
لعمرى لئن مات النبى محمد ... لما مات يا ابن القيل رب محمد
وما كان إلا مرسلا برسالة ... ليبلغها والحادثات بمرصد
ولما قضى من ذاك ما كان قاضيا ... ولم يبق شىء فيه إلحاد ملحد
دعاه إليه ربه فأجابه ... فيا خير غورى ويا خير منجد
وما نحن إلا مثل من كان قبلنا ... فريقين شتى كافر وموحد
ونحن على ما كان بالأمس بيننا ... من الدين نهدى من أراد فيهتدى
ثم قام ابن ذى مران، وكان من سادات همدان وملوكهم، فتكلم فيهم، فأطال نفس الكلام، وحرض على التمسك بالدين، وحمل على الطاعة للقائم بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يرثيه ويتفجع للمصيبة فيه:
إن حزنى على الرسول طويل ... ذاك منى على الرسول قليل
قلت والموت يا إمام كريه ... ليتنى مت يوم مات الرسول
ليتنى لم أكن بقيت فواقا ... بعده والفواق منى طويل
بكت الأرض والسماء عليه ... وبكاه خليله جبريل
يا لها رحمة أصيب بها النا ... س تولت وحان منها الرحيل
جدعت منهم الأنوف فللقل ... ب خفوق وللجفون همول
ليس للناس إمام من الأم ... ر فتيل وأين منك الفتيل
(2/68)

إنما الأمر للذى خلق الخل ... ق وفى خلقه عليه دليل
فى أبيات غير هذه يؤنس فيها المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة، وكان أميرا عليهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عند قومه من حسن الطاعة له والقيام فى الحق معه.
ثم قام ابن ذى المشغار، وكان ملك أهل ناحيته، وكان متألها، فتكلم أيضا فى هذا النحو بكلام حسن، نظما ونثرا، فلما فرغ من مقالته أتاه مسروق بن الحارث القوال الأرحبى، فقال له:
أيها الملك، إنه لا يعرف عندك فى قريش إلا رجل مثلى من قومك، أنا القوال ابن القوال، الفارس ابن الفارس، ابعثنى إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقوم مقاما شريفا أباهى به فيك الناس.
فسرحه، فلما قدم مسروق على أبى بكر رضى الله عنه تهيأت له قريش، وقالوا:
خطيب همدان وفتاها، فتكلم عندهم بكلام تركنا ذكره وذكر ما أنشد معه من الشعر، إذ ليس مناسبا لما نحن الآن بسبيله من ذكر مراثى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعت قريش شعره وخطبته، عجبت منه، وكان معه عبد الله بن سلمة الهمدانى، فقام فقال: يا معشر قريش، إنكم لم تصابوا بنبى الله صلى الله عليه وسلم دون سائر العرب، لأنه لم يكن لأحد دون أحد، وأيم الله، لا أدرى أى الرجلين أشد حزنا عليه، وأعظم مصابا به، من عاينه فغاب عنه عيانه، أو من أشرف على رؤيته، فلم يره؟ غير أنا معترفون للمهاجرين بفضل هجرتهم، وللأنصار بفضل نصرتهم، والتابع ناصر، والمؤمن مهاجر فى كلام غير هذا صدر عن قلب مؤمن، وجأش به خاطر شديد، فأثنى عليه أبو بكر خيرا، وحمدته قريش، وكان سيدا، فقال:
إن فقد النبى جدعنا اليو ... م فدته الأسماع والأبصار
وفدته النفوس ليس من المو ... ت فرار وأين أين الفرار
ما أصيبت به الغداة قريش ... لا ولا أفردت به الأنصار
دون من وجه الصلاة إلى الل ... هـ وقد هنئت به الكفار
ورجال منافقون شمات ... ويوم واروه كفرهم إسرار
من بكته السماء تسعدها الأر ... ض وبكت بعد القفار البحار
وسرافيل قد بكاه وجبري ... ل وميكال والملأ الطهار
يا لها كلمة يضيق بها الحل ... ق أتانا بنقلها السفار
(2/69)

قيل مات النبى فانصدع القل ... ب وشابت من هولها الأشعار
فعليه السلام ما هبت الري ... ح ومدت جنح الدجى أنوار
وقال سواد بن قارب الدوسى «1» ، وهو الذى كان كاهنا فأسلم فحسن إسلامه بإرشاد ربه إياه إلى ذلك حسب ما تقدم صدر كتابنا هذا من خبره يبكى النبى صلى الله عليه وسلم لما بلغت أسد السراة وفاته، وبعد أن قام فيهم مقاما محمودا، يثبتهم فى الدين، ويحذرهم سوء عاقبة الارتداد، وكان قد سادهم وشرف فيهم، فأجابوه إلى ما أراد، وقبلوا رأيه، وقال:
جلت مصيبتك الغداة سواد ... وأرى المصيبة بعدها ترداد
أبقى لنا فقد النبى محمد ... صلى الإله عليه ما يعتاد
حزنا لعمرك فى الفؤاد مخامرا ... أو هل لمن فقد النبى فؤاد
كنا نحل به جنابا ممرعا ... خف الجناب فأجدب الرواد
فبكت عليه أرضنا وسماؤنا ... وتصدعت وجدا به الأكباد
قل المتاع به وكان عيانه ... حلما تضمن سكريته رقاد
كان العيان هو الطريف وحزنه ... باق لعمرك فى النفوس تلاد
إن النبى وفاته كحياته ... والحق حق والجهاد جهاد
لو قيل تفدون النبى محمدا ... بذلت له الأموال والأولاد
وتسارعت فيها النفوس لبذلها ... هذا له الأغياب والأشهاد
هذا وهذا لا يرد نبينا ... لو كان يفديه فداء سواد
وقال عبد الحارث بن أسد بن الريان من أهل نجران يبكى النبى صلى الله عليه وسلم لما بلغتهم وفاته، بعد قيامه فيهم أحمد مقام، يحرضهم على التمسك بالدين والثبوت على الإسلام، ويذكرهم نعمة الله عليهم، بالدخول فيه واللحاق بمن هاجر إليه، ويقول لهم فيما قال:
إنما كان نبى الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم عارية، فأتى عليه أجله، وبقى الكتاب الذى كان يحكم به، ويحكم عليه، فأمره أمر ونهيه نهى إلى يوم القيامة، وقد سهل لكم الطريق فاسلكوه، ولا بد من جولة، فكونوا فيها ذوى إناة، وقد اختار القوم لأنفسهم رجلا لا يألوهم خيرا، فأطيعوا قريشا ما أطاعوا الله، فإذا عصوه فاعصوهم، فإنه لا ينبغى لآخرنا أن يملك
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3596) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2334) ، الثقات (3/ 179) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 248) ، الوافى بالوفيات (16/ 35) ، التاريخ الكبير (4/ 202) ، الأعلام (3/ 144) .
(2/70)

إلا بما ملك به أولنا، وهى النبوة، فميراثها منها فى كلام غير هذا حسن أبلى به عذرا، وبالغ لقومه نصحا.
وقال:
لعمرى لئن كان النبى محمد ... عليه السلام الله أودى به القدر
لقد كسفت شمس النهار لفقده ... وبكت عليه الأرض وانكسف القمر
وبكته آفاق السماء وما لها ... وللأرض شجو غير ذاك ولا عبر
ولو قيل تفدون النبى محمدا ... لقلنا نعم بالنفس والسمع والبصر
وقل له منا الفداء وهذه ... وإن بذلت لا يسترد بها بشر
فإن يك وافاه الحمام فدينه ... على كل دين خالف الحق قد ظهر
ونحن بحمد الله هامة مذحج ... بنو الحارث الخير الذين هم الغرر
بنجران نعطى من سعى صدقاتنا ... موفرة ما فى الخدود لها صعر
ونحن على دين النبى نرى الذى ... نهانا حراما منه والأمر ما أمر
أحاذر إن لم يدفع الله جولة ... مجدعة يبيض من هولها الشعر
يحين فيها الله من خف حلمه ... ويسعد فيها ذو الأناة بما صبر
نطيع قريشا ما أطاعوا فإن عصوا ... أبينا ولم نشر السلامة بالغرر
وكان لهذا الأمر منهم ثلاثة ... على أو الصديق أو ثالث عمر
فلم يخطئوا إذا سددوها لبعضهم ... هم ما هم كل لإرعاده مطر
وأمثال هذه المقالات نثرا ونظما لرجال من سادات العرب وأشراف القبائل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، قاموا بها فى قومهم يحذرونهم من الفتنة، ويحرضونهم على التمسك بالطاعة لمن قام بالأمر.
وقد ذكر المؤلفون فى الردة كثيرا منها، وهى بذلك الباب أخص، وإنما تخيرت هنا منا ما يتعلق نظمه بباب الرثاء، ويبعث فى حق المصطفى على التفجع والبكاء، حشدا على الداهية الدهياء، واستعانة على الحادثة النكراء، وعظيم المصيبة بوفاة من حق فى حقه بكاء الأرض والسماء، وقل لفقده أن تسح المدامع عوض الدموع بالدماء:
هو الرزء الذى ابتدأ الرزايا ... وقال لأعين الثقلين جودى
وقال حسان بن ثابت الأنصارى «1» يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 292) .
(2/71)

بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
«1»
ولا تمتحى الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادى الذى كان يصعد
وواضح آثار وباقى معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوفد
معارف لم تطمس على العهد أيها ... أتاها البلى فالآى منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا بها واراه فى التراب ملحد
ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكون ألاء الرسول وما أرى ... لها محصيا نفسى فنفسى تبلد «2»
مفجعة قد شفها فقد أحمد ... فظلت لآلاء الرسول تعدد «3»
وما بلغت من كل أمر عشيره ... ولكن لنفسى بعد ما قد توجد «4»
اطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذى فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد «5»
تهيل عليه الترب أيد واعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكى السموات يومه ... ومن قد بكته الآرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحى عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد «6»
يدل على الرحمن من يقتدى به ... وينفذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق أن يطيعوا ويسعدوا
__________
(1) طيبة: اسم مدينة النبى. والرسم: ما بقى من آثار الدار. وتعفو: أى تدرس وتتغير. وتهمد: أى تبلى.
(2) تسعد: أى تعين.
(3) شفها: أى أضعفها.
(4) العشير: أى العشر. وتوجد: من الوجد، وهو الحزن.
(5) الصفيح: الحجارة العريضة. والمنضد: الذى جعل بعضه على بعض.
(6) يغور: أى يبلغ الغور، وهو المنخفض من الأرض. وينجد: أى يبلغ النجد، وهو المرتفع من الأرض.
(2/72)

عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم من نعمة الله وسطهم ... دليل به نهج الطريق يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه ... إلى كتف يحنو عليهم ويمهد «7»
فبينا هم فى ذلك النور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا ... يبكيه جن المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحى تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها ... فقيد نبكيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيها مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التى ... على الناس منها سابغ يتغمد
فجودى عليه بالدموع وأعولى ... لفقد الذى لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة ... وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالدا ... إذا ضن معطاء بما كان يتلد «8»
وأكرم صيتا فى البيوت إذا انتهى ... وأكرم جدا أبطحيا يسود «9»
وأمنع ذروات وأثبت فى العلا ... دعائم عز شاهقات تشيد
وأثبت فرعا فى الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه ... على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه ... فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند
أقول ولا يلقى لما قلت عائب ... من الناس إلا عازب العقل مبعد «10»
وليس هواى نازعا عن ثنائه ... لعلى به فى جنة الخلد أخلد
__________
(7) الكنف: أى الجانب والناحية.
(8) الطريف: المال المستحدث. والتالد: المال القديم الموروث. وضن: أى بخل. ويتلد: أى يكتسب قديما.
(9) الصيت: أى الذكر الحسن. والأبطحى: المنسوب إلى أبطح مكة، وهو موضع سهل متسع.
(10) عازب العقل: بعيد العقل غائبه.
(2/73)

مع المصطفى أرجو بذاك جواره ... وفى نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال حسان بن ثابت «1» يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدى أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهى يقيك الترب لهفا ليتنى ... غيبت قبلك فى بقيع الغرقد
بأبى وأمى من شهدت وفاته ... فى يوم الاثنين النبى المهتدى
فظللت بعد وفاته متبلدا ... متلدا يا ليتنى لم أولد
أأقيم بعدك فى المدينة بينهم ... يا ليتنى صبحت سم الأسود
أو حل أمر الله فينا عاجلا ... فى روحة من يومنا أو من غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا ... محضا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك ذكرها ... ولدته محصنة الأسعد
نورا أضاء على البرية كلها ... من يهد للنور المبارك يهتدى
يا رب فاجمعنا معا ونبينا ... فى جنة تبنى عيون الحسد
فى جنة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلا بكيت على النبى محمد
يا ويح أنصار النبى ورهطه ... بعد المغيب فى سواء الملحد
ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الأثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم تجحد
والله أكرمنا به وهدى به ... أنصاره فى كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد
وقال حسان بن ثابت «2» أيضا يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نب المساكين أن الخير فارقهم ... مع النبى تولى عنهم سحرا
من ذا الذى عنده رحلى وراحلتى ... ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه ... إذا اللسان عتا فى القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه ... بعد الإله وكان السمع والبصرا
يا ليتنا يوم واروه بملحده ... وغيبوه وألقوا فوقه المدارا
__________
(1) انظر: السيرة (4/ 295) .
(2) انظر: السيرة (4/ 296) .
(2/74)

لم يترك الله منا بعده أحدا ... ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلت رقاب بنى النجار كلهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا
واقتسم الفىء دون الناس كلهم ... وبددوه جهارا بينهم هدرا
وقال حسان بن ثابت أيضا يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
آليت ما فى جميع الناس مجتهدا ... منى ألية بر غير إفناد «1»
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل الرسول نبى الأمة الهادى
ولا برا الله خلقا من بريته ... أو فى بذمة جار أو بميعاد
من ذا الذى كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما ... يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المباذل قد ... أيقن بالبؤس بعد النعمة الباد
«2»
يا أفضل الناس إنى كنت فى نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصادى «3»
وقال كعب بن مالك الأنصارى من كلمة يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وباكية حرى تحرق بالبكا ... وتلطم منها خدها والمقلدا
على هالك بعد النبى محمد ... ولو عدلت لم تبك إلا محمدا
فلست بباك بعد فقد محمد ... فقيدا وإن كان القريب المسودا
فجعنا بخير الناس حيا وميتا ... وأدناه من أهل السموات مقعدا
وأعظمه فقدا على كل مسلم ... وأكرمه فى الناس كلهم يدا
متى تنزل الأملاك بالوحى بعده ... علينا إذ ما اللبس فينا ترددا
إذا كان منه القول كان موفقا ... وإن كان وحيا كان نورا مجددا
جزى الله عنا ربنا خير ما جزى ... نبى الهدى الداعى إلى الحق أحمدا
وقال عمرو بن سالم الخزاعى يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لعمرى لئن جادت لك العين بالبكا ... لمحقوقة أن تستهل وتدمعا
فيا حفص إن الأمر جل عن البكا ... غداة نعى الناعى النبى فأسمعا
فلم أر يوما كان أعظم حادثا ... ولم أر يوما كان أكثر موجعا
__________
(1) الألية: اليمين والحلف. والإفناد: العيب والخطأ.
(2) المباذل: الأثواب التى تستعمل يوميا، أو الأثواب الخلقة.
(3) الصادى: العاطش أو الشديد العطش.
(2/75)

ولم أر من يوم أعم مصيبة ... ولا ليلة كانت أمر وأفظعا
تعزى بصبر واذكرى الله واعلمى ... بأن سوف يجزى كل ساع بما سعى
ولا تزرئى محض الحياء فتفجعى ... بدينك والدنيا فتزريهما معا
فإن يك قد مات النبى فبعدما ... نعى نفسه بدآ وعودا فأسمعا
إذا ذكرت نفسى فراق محمد ... تهيج حزنى والفؤاد تقطعا
فيالك نفسا لا يزال يزيدها ... على الدهر طول الدهر إلا تصدعا
جزى منك رب الناس أفضل ما جزى ... نبيا هدانا ثم ولى مودعا
فو الله لا أنساك ما دمت ذاكرا ... لشىء وما قلبت كفا وإصبعا
وقد أكثر الشعراء فى تأبينه صلوات الله عليه قديما وحديثا، وقضوا من التفجيع عليه حقا، لا ينبغى أن يكون عهده نكيشا، ولم يمنعهم تقادم الأيام وتطاول الأعوام من تجديد البكاء عليه، ومزيد الحنين إليه، وبحق ما يكون ذلك، فهو الرزء الذى حقه أن ينسى جميع الأرزاء، والحادث الجلل الذى يقبح معه حسن العزاء، وطواعية الأسف عليه دائما من أعدل الشهادات بالإخلاص لمن قام بها واستقام بالنية والقول على سواء مذهبها، جعلنا الله ممن أحبه حقا، وكتبنا فيمن غدا لشفاعته المشفعة مستحقا.
فمن ذلك ما وقفت عليه لأبى إسحاق إسماعيل بن القاسم الغزى الكوفى، المعروف بأبى العتاهية من كلمة:
على رسول الله منى السلام ... ما كان إلا رحمة للأنام
أحيى به الله قلوبا كما ... أحيى موات الأرض صوب الغمام
أكرم به للخلق من مبلغ ... هاد وللناس به من إمام
وأصبح الحق به قائما ... وأصبح الباطل دحض المقام
وقال إسماعيل بن القاسم أيضا من كلمة أخرى:
ليبك رسول الله من كان باكيا ... ولا تنس قبرا بالمدينة ساويا
جزى الله عنا كل خير محمدا ... فقد كان مهديا دليلا هاديا
لمن تبتغى الذكرى لما هو أهله ... إذا كنت للبر المطهر ناسيا
أتنسى رسول الله أفضل من مشى ... وآثاره بالمسجدين كما هيا
وكان أبر الناس بالناس كلهم ... وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا
تكدر من بعد النبى محمد ... عليه سلام الله ما كان صافيا
فكم من منار كان أوضحه لنا ... ومن علم أمسى وأصبح عافيا
(2/76)

ركنا إلى الدنيا الدنية بعده ... وكشفت الأطماع منا المساويا
وإنا لنرمى كل يوم بعبرة ... نراها فما نزداد إلا تعاميا
كأنا خلقنا للبقاء وأينا ... وإن مدت الدنيا له ليس فانيا
أبى الموت إلا أن يكون لمن ترى ... من الخلق طرا حيث ما كان لاقيا
حسمت المنى يا موت حسما مبرحا ... وعلمت يا موت البكاء البواكيا
ومزقتنا يا موت كل ممزق ... وعرفتنا يا موت منك الدواهيا
ولأبى عبد الله محمد بن أبى الخصال الغافقى الأندلسى، ومكانه من متانة العلم والدين وصدق المقالة وصحة اليقين المكان الذى يلحقه بأقرانه من العلماء المتقنين، قصائد يرثى بها النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين يساجل بها شاعره حسان بن ثابت فى قصائده المتقدمة صوتا بصوت، وكلمة بكلمة، أخبرنا بها وبسائر كلامه نثره ونظمه غير واحد من أشياخنا رحمهم الله عنه فمن ذلك قوله يعارض حسان فى قصيدته الأولى ويمشى فى التفجع والتوجع على طريقته المثلى:
بطيبة آثار تحج وتقصد ... ودار بها الله نور مخلد
ومهبط جبريل بوحى وحكمة ... يبينها للعالمين محمد
ومظهر آيات كأن رسومها ... على ما محى منها البلى يتجدد
وفى مسجد التقوى تأرخ روضة ... عليها من الفردوس كل ممدد
يفاوحها طيب الجنان وتربة ... تبوءها من جنة الخلد أحمد
ومنبره الأعلى على ذروة التقى ... وجذع له فيه حنين مردد
ومولد إبراهيم حيث تمخضت ... به أمه مثوى كريم ومولد
وموقعه من نفسه واختياره ... له اسم خليل الله فخر مشيد
وإعلانه بالحزن تدمع عينه ... له رحمة والنفس ترقى وتصعد
ومبنى على والهدى يألف الهدى ... بفاطمة نور بنور يقيد
ومولد سبطيه وريحان قلبه ... مكانهما من عاتقيه ممهد
وحيث ارتقت منها إمامة مرتقى ... يقوم بها جبالها ثم يسجد
وحيث بنى بالطيبات نسائه ... بعصمته الوثقى وجبريل يشهد
ومتلى كتاب الله فى حجراتها ... يقمن به فى الليل والناس هجد
وتمت لأصحاب الكساء طهارة ... من الله يحييها الكتاب المؤيد
معاهد إيمان تألق نورها ... ففى كل أفق جذوة تتوقد
(2/77)

وكانت أمانا ثم عادت مخافة ... فزائرها فوق الردى يتوسد
فيا أيها الدار التى حق أهلها ... على الناس طرا دائم ليس ينفد
لقد درست منك المغانى وأوحشت ... وكان إليها الدين يأوى ويصمد
ذكرتك ذكرى من يهيم فؤاده ... بقربك لكنى عن القرب مبعد
ومثلت لى فى بهجة الدين والتقى ... وأمر رسول الله يعلو ويمهد
وإذا برقت نورا أسارير وجهه ... فزحزح قطع الليل والليل أسود
وألقت إليه الأرض أفلاذها التى ... تحل بها عقم الأمور وتعقد
وغزو تبوك ثم حج وداعه ... ولم يبق تبين ولم يبق مشهد
ومثلت لى والمسلمون بشكوه ... فرائصهم من روعة البيت ترعد
وقد جلل الدنيا ظلام مطبق ... يخال به ليل على الناس سرمد
فما راعهم إلا وفاة رسولهم ... وكل يرى أن الرسول يخلد
وقد ذهلوا أن التى يقرونها ... إذا جاء نصر الله للموت مرصد
وودع جبريل وداع مفارق ... ولا عود يستثنى ولا وحى يعهد
وأم أبيها مسبلات دموعها ... كما انحل من سلك فريد مبدد
فأودعها سرا بكت من نجيه ... وثنى بسر فانثنت تتجلد
وقد أعلنت عند الرسول بكربها ... لكرب أبيها وهو بالموت يجهد
فقال لها كفى دموعك واصبرى ... فما بعد هذا اليوم كرب يعدد
وبشرها من قرب ملحقها له ... ببشرى حديث صادق لا يفند
فيا من رأى حيا يعزى بموته ... فيرضى كأن الموت خلد مؤيد
فرارا عن الدنيا إلى قرب ربها ... وشجا عليها من حياة تنكد
ولطفا من الله العظيم بصونها ... وباب الرزايا المستكنات مرصد
ولو أنها امتدت طويلا حياتها ... لشرد عنها النوم ليل مسهد
وغصت على قرب بثكل ابن عمها ... وفقد شهيد حزنه ليس يفقد
أقام كتاب الله فى كل مارق ... يقر به فى زعمه وهو يجحد
فقيض أشقى الناس يدنى سعادة ... لمن هو بالإيمان أولى وأسعد
وكيف بها والله يأبى هوانها ... لمصرع سبط أول وهو مقصد
وقد جرعته حتفه كف جعدة ... بمكرع سم مجه فيه أسود
ولو حدثت عن كربلاء لأبصرت ... حسينا فتاها وهو شلو مقدد
وثانى سبطى أحمد جعجعت به ... عتاة جفاة وهو فى الأرض أوحد
(2/78)

ولم يرقبوا إلا لآل محمد ... ولم يذكروا أن القيامة موعد
وأن عليهم فى الكتاب مودة ... لقرباه لا ينحاش عنها موحد
فيا سرع ما ارتدوا وصدوا عن الهدى ... ومالوا عن البيت الذى بهم هدوا
فحل عن برد الفرات عطاشهم ... وروى منهم ذابل ومهند
فيا أوجها شاهت وناهت عن الهدى ... أهذا التحفى منكم والتردد
وترتم رسول الله فى ذبح سبطه ... وبؤتم بنار حرها ليس يبرد
فما لكم عند الشفيع شفاعة ... ولا لكم فى كوثر الحوض مورد
لعمرى لقد غادرتم كل مؤمن ... على مضض برح يقوم ويقعد
ونغصتم المحيى وأرضيتم العدى ... فأنتم لغير الله جند وأعبد
فيا كبدى إن أنت لم تتصدعى ... فأنت من الصفوان أقسى وأجلد
ويا عبرتى إن لم تفيضى عليهم ... فنفسى أسخى بالحياة وأجود
أتنتهب الأيام أفلاذ أحمد ... وأفلاذ من عاداهم تتودد
ويضحى ويظمى أحمد وبناته ... وبنت زياد وردها لا يصرد
أفى دينه فى أمنه فى بلاده ... تضيق عليهم فسحة تتورد
وما الدين إلا دين جدهم الذى ... به أصدروا فى العالمين وأوردوا
ينام النصارى واليهود بأمنهم ... ونومهم بالخوف نوم مشرد
وما هى إلا ردة جاهلية ... وحقد قديم بالحديث يؤكد
ألهفى على سبطى هدى ونبوة ... جرى لها يوم من الشر أنكد
شهيدين متبوعين من كل مؤمن ... بكل صلاة برة تتعهد
فهذا أذابت سورة السم كبده ... وهذا أبادته قسى تكبد
فما عذر أهل الأرض والقسط قائم ... وكلهم فى موقف الفصل شهد
أيفعل هذا بابن بنت نبيكم ... وليس لكم فى النصر يوم ولا غد
أبى الله إلا أن فى النفس حسرة ... بغصتها أضحى وأمسى وأرقد
إلى أن يقيد الله من كل واتر ... على أن كفؤا مقنعا ليس يوجد
وأى دم يوفى دم ابن محمد ... حسين وأمسى وهو سبط موحد
فيا خاتم الأسباط إن تحيتى ... تؤمك من أرض بعيد وتقصد
مثقلة بالدمع شوقا ولوعة ... على زفرة من حرها أتأود
ويا أسوة للمؤمنين كريمة ... يلين عليها الحادق المتشدد
فمن ينكر البلوى وأنت بكربلا ... لذى البث والشكوى إمام مقلد
(2/79)

فإن تجهل الدنيا عليك وأهلها ... فإنك فى أهل السماء ممجد
أبوك شفيع الناس وهو الذى له ... مقام كريم فى البرية يحمد
ومشرعة الحوض الروى بكفه ... تزاد رجال عندها وتطرد
وممن يذود الله عنه عصابة ... بقتلك فى طغيانها تتحمد
وذنبهم فى قتلك الذنب كله ... فما لهم إلا الجحيم تغمد
وهل كنت إلا مثل عمك جعفر ... قتيلا بكفار بذى العرش ألحدوا
وإلا كليث الله جدك حمزة ... وحربة وحشى إليه تسدد
وما منهم إلا غريق شهادة ... حياتهم موصولة حين تنفد
ومثل أبى حفص وعثمان بعده ... ومثل على وهو للحق سيد
دماؤهم مسك ذكى وأجرهم ... على الله لا يحصى ولا يتحدد
أقول ببث مستكن وظاهر ... مضاضته عن حبكم تتولد
وما سرنى أنى خلى من الهوى ... هوى هو فى حم يتلى ويسند
سريرة حب يوم تتلى سرائرى ... يقوم بها عنى الصفيح المنضد
سلام على تلك المعاهد إنها ... لآل رسول الله طهر ومسجد
فيا رب وفدنى إليها مسلما ... ويا طيب مسرى من إليها يوفد
أفض بها دمعى وأنقع غلتى ... وأتهم فى ربع الرسول وأنجد
وأدعو إلى الرحمن دعوة تائب ... إلى عفوه من طيبه يتزود
وأسموا إلى البيت العتيق بفرضه ... فكل به من ذنبه يتجرد
ولست على قبر الرسول بمؤثر ... ليحشر من ذاك البقيع محمد
فيا رب حقق نيتى ومنيتى ... هنالك والأرواح جند مجند
وقال أيضا يعارض حسان فى كلمته الثانية التى أولها:
ما بال عينك لا تنام كأنما............... ......
بهذه الكلمة المرسومة بعد:
هل يجمعن صباح يوم أو غد ... بينى وبين القبر قبر محمد
حتى أروى ناظرى من عبرتى ... ويقر عينى طيب ذاك المشهد
وأقبل الأرض التى حملت به ... نورا يجلى كل جنح أسود
وأعظم البلد الذى رأسى به ... طود النبوة ثابتا بالأسعد
أشكو إلى جبل تضمن حبه ... حبا أضاق تصبرى وتجلدى
(2/80)

وأبلغ القلب المروع أمانه ... وأقول للنفس التى ظمئت ردى
وأهش للأفق المبارك جوه ... متجددا من نوره المتجدد
وأسح فى أبيات آل محمد ... دمعا كنظم اللؤلؤ المتبدد
والله يعلم أن آل رسوله ... آل تمكن حبهم فى محتدى
وبكربتى منهم أبوح وأنطوى ... وبحسرتى فيهم أروح وأغتدى
قف بالمنازل سائلا عن أهلها ... أين الرسالة والرسول المهتدى
أين الصواحب والصحابة حوله ... إذ بايعوه بالقلوب وباليد
أين الذين بسبقهم عز الهدى ... وعلت على الأديان ملة أحمد
أين الذين لعتبة ولشيبة ... وإلى الوليد سموا بكل مهند
أين الذين بيوم أحد صرعوا ... ما بين مثنى فى الإله وموحد
أين الذين بمؤتة وجلادها ... ماتوا كراما كالليوث الحرد
أين الثمانية الذين بصبرهم ... تابت بأوطاس بصائر من هدى
يا مسجد التقوى غدوت بفضلهم ... ومكانهم فى الدين أفضل مسجد
وبقيت بعدهم مثابة رحمة ... فى غربة المستوحش المتفرد
تبكى على خير البرية كلها ... بدموع كل مصدق وموحد
فقد السماء كما فقدت نديهم ... ونحيبهم فى مهبط أو مصعد
وتفرد الرحمن بالغيث الذى ... كان الرسول بوحيه عبق الند
ولقد أقام الدين من خلفائه ... أصهاره كل بأحمد يقتدى
وأتتك بعدهم الملوك فمصلح ... يضع الأمانة عند آخر مفسد
يا بيت عائشة المجن ثلاثة ... تطموا به نظم الطراز الأوحد
مثوى النبى وصاحبيه وفسحة ... عيسى ابن مريم حازها بالموعد
بوركت من بيت يضم رسالة ... ونبوة وخلافة فى ملحد
منى إليك تحية يهفو بها ... قلب بذكرهم وحلهم ند
صلى الإله وأرضه وسماؤه ... والعالمون على النبى المقتدى
بالأنبياء المهتدى بهداهم ... رشدا تبين فى الكتاب المرشد
وقال أبو عبد الله أيضا يعارض حسان فى كلمته الثالثة التى أولها:
نب المساكين أن الخير فارقهم............... .......
بهذه الكلمة المرسومة:
(2/81)

هون عليك من الأرزاء ما خطرا ... بعد الرسول ولا تعدل به خطرا
واذكره فى كل محذور تغص به ... تلقى المصاب به قد هون الحذرا
أبعد أحمد يستقرى مضاجعه ... فودع البيت والأركان والحجرا
مستقبلا طيبة والله ينقله ... إلى رضاه فلما يعد أن صدرا
ثم استعز به شكو يعالجه ... يغشى بسورته الأبيات والحجرا
حتى انتهى دوره فى بيت عائشة ... فى نومها يتبع الأنفاس والأثرا
فمال فى حجرها طلقا أسرته ... غض البشاشة إلا اللمح والنظرا
فأذهل الناس طرا عن حياتهم ... موت الرسول ومنهم من نفى الخبرا
فياله من نظام بات فى قلق ... لولا أبو بكر الصديق لانتثرا
إن كنت معتبرا فانظر تقلله ... والأرض تبر ودين الله قد ظهرا
لم يرض منها سوى قبر تضمنه ... كان الفراش له فى نومه مدرا
يا قبر أحمد هل من زورة أمم ... قبل الحمام تسر السمع والبصرا
وهل إلى طيبة ممشى يقربها ... يا طيبة إن تأتى يومه سفرا
فتنشق النفس فى أرجائها أرجا ... يشفى السقام وينفى الذنب والضررا
وأستجير ببطن الأرض من كرب ... فى ظهرها لم تدع شمسا ولا قمرا
أستجمل الله من أسرار قدرته ... عزما يخوض إليه البدو والحضرا
وقوة بالضعيف الهم ناهضة ... وحجة تنظم الآصال والبكرا
يا حب أحمد كن لى فى زيارته ... أقوى ظهير إلى أن أقضى الوطرا
صلى الإله صلاة غير نافدة ... تكاثر الريح والأشجار والمطرا
على البشير النذير المصطفى كرما ... من كل بطن وصلب طيب ظهرا
على ابن آمنة الماحى بملته ... من كان بالله والإسلام قد كفرا
وأهله الطيبين الأكرمين ومن ... آوى وساهم فى البلوى ومن نصرا
وأمهات جميع المؤمنين ومن ... هدى هداه ومن صلى ومن نحرا
ونضر الله حسانا وأعظمه ... وقد بعثت الجوى والحزن والذكرا
أبا الوليد لقد هيجت لى شجنا ... نافحت عنهم بروح القدس مقتدرا
وأنت شاعر آل الله قاطبة ... ضريحه وامسحى عن وجهه العفرا
يا رحمة الله أمى غير صاغرة ... فى الحق أن تمسح الأعطاف والغررا
فإنه سابق والسابقات لها ... عمت فى المدر استثنت ولا الوبرا
أبقى له منبر الإنشاد مكرمة ... فى الحق أن تمسح الأعطاف والغررا
(2/82)

ولم يسل لسانا فى مقاولة ... وإنما سل عضبا صارما ذكرا
يا مقولا نضر الله الرسول به ... لا زلت فى جنة الفردوس مشتهرا
وقال أيضا رحمه الله يبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعارض حسان فى كلمته المتقدمة قبل، رابعة لكلماته، وهى التى أولها:
آليت ما فى جميع الناس مجتهدا............... ...........
بهذه الكلمة الموسومة بعد:
قلبى إلى طيبة ذو غلة صادى ... إلى البشير النذير الخاتم الهادى
إلى أبى القاسم الماحى بملته ... كفران كل كفور جهله بادى
حتى أعفر خدى فى مواطئه ... غورا بغور وأنجادا بأنجاد
وأرسل الدمع سحا فى منازله ... مستفرغا جهد أفلاذ وأكباد
فى حيث أودع جبريل رسالته ... وحيا إليه بتوفيق وإرشاد
وأشرب الماء من أروى منابعه ... فطيبه قد سرى فى ذلك الوادى
يا حب أحمد إنى منك فى ثقة ... وأنت أحضر أعتادى وأزوادى
سر بى إليه وجاور بى مثابته ... حتى أضمن أكفانى وأعوادى
وما تمكنت من قلبى لتبدع بى ... ولا لتقطعنى عن ذلك النادى
نور من الله لو أنى سريت به ... لما افتقرت إلى هاد ولا حادى
لم يقذف الله فى قلبى محبته ... إلا لأحمل فوق الرأس والهاد
متى أقول لوفد الله عن كثب ... يا رايحين انظرونى إننى غاد
وقد برئت إلى الرحمن من نشبى ... وقد تخليت عن أهلى وأولادى
مستبدلا بجوار الله منقطعا ... إلى الرسول انقطاع العاطف الباد
صلى الإله وأهل الأرض يقدمهم ... أهل السموات من مثنى وآحاد
على الذى أنقذ الله العباد به ... من ظلمة الكفر رشدا بعد إفناد
على ابن آمنة المختار من نفر ... ما فوق مجدهم مرمى لمزداد
على النبى الذى تمت نبوته ... وآدم طينة قدت لأجساد
على الرسول بن عبد الله أكرم من ... أورى بنور أضاء الأرض وقاد
وبعده صلوات الله عاطرة ... على الصحابة أعداد بأعداد
وأهله الطيبين الأكرمين فهم ... فى الأرض أطهر غياب وشهاد
يا رب واحفظ مقامى فى محبتهم ... فإنها وإليك المنتهى زادى
(2/83)

فهذا ما تيسر لنا ذكره من مراثى الشعراء فى سيد المرسلين وخاتم الأنبياء. وبقى علينا منها كثير تخطيناه، إما لتخطى الاختيار له والانتقاء، وإما لقصد الاختصار والاكتفاء، وأكثر الشعراء أفحمتهم المصيبة القاصمة للظهور، الرزية المتجددة على بلى الأزمان وتجدد الدهور، عن أن يفوهوا فى ذلك ببنت شفة أو يفوا بما يناسب ذلك الكرب العظيم والخطب الجسيم من صفة متصفة، وأولئك أولى الناس بالمعذرة، وأحقهم بالتجاوز عن مقصدهم المقصرة، فمصاب المسلمين به عليه أفضل الصلاة والسلام أعظم من أن تؤدى حقيقته سعة الكلام، أو تستقل أساليب القول المتشعبة ومنادح العبارات المتطنبة المهذبة بأيسر جزء من مآثره الكرام ومحاسنه العظام، أو تفى الألفاظ على اتساعها وتعدد ضروبها وأنواعها بشرح ما يتحمل فيه القلوب المؤمنة من برح الآلام، والإعراب عن قدر مصيبة فقده على الإسلام، فجزاه الله عن نهجه لنا السبيل إلى دار السلام أفضل ما أعده من الجزاء لأنبيائه المختصين من عنايته بشرف الاجتباء والاصطفاء دون الأنام، وأدر عليه وعليهم من سحب الرحمة والبركات والسلام والصلوات ما يزرى بهطال الديم وواكف الغمام.
وهنا انتهى ما يختص من هذا المجموع بمغازى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذكر أيامه وكافة أمره إلى حين وفاته.
ونشرع الآن فى صلة ذلك بمغازى خلفائه الثلاثة الأول رضى الله عن جميعهم على نحو ما علمنا به فى مغازى من قصد التهذيب، وبذل الجهد فى حسن الترتيب، وربنا الكريم جلت قدرته نعم الوكيل بالمعونة على ذلك، لا حول ولا قوة إلا به، هو حسبى لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أنيب.
(2/84)

ذكر خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه «1» وما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيماء إليها والإشارات الدالة عليها مع ما كان من تقدمه صلى الله عليه وسلم إلى الإنذار بالفتن الكائنة بعده وما صدر عنه من الأقاويل المنذرة بالردة
فى الصحيح من الآثار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سمع صوت عمر فى صلاته بالناس عندما أمر عليه السلام فى مرضه أبا بكر أن يصلى، فلم يوجد حاضرا، قال: يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدى، أبى بكر وعمر» «2» .
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: استخلف أبو بكر، فأقام واستقام. وقال صعصعة: استخلف الله أبا بكر، فأقام المصحف.
وذكر يعقوب بن محمد الزهرى، عن شيوخه، قالوا: وذكروا استخلاف أبى بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبل ما وصف لهم صفة من يلى بعده، حتى كاد يقول: خليفتى أبو بكر.
وحدث جبير بن مطعم «3» أن امرأة أتت النبى صلى الله عليه وسلم، تكلمه فى شىء، فأمرها أن ترجع
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 5- 7) .
(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (3662، 3805) ، سنن ابن ماجه (97) ، مسند الإمام أحمد (5/ 382، 385، 399، 401، 402) ، السنن الكبرى للبيهقى (5/ 12، 8/ 153) ، مستدرك الحاكم (3/ 75) ، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 53، 295) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (9/ 109) ، شرح السنة للبغوى (14/ 101، 102) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (6221) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (2/ 230) ، البخارى فى التاريخ الكبرى (8/ 209، 9/ 50) ، كشفا الخفاء للعجلونى (1/ 181) ، الدر المنثور للسيوطى (1/ 330) ، المعجم الكبير للطبرانى (9/ 68) ، كنز العمال للمتقى الهندى (3656، 32646، 32657، 33117، 33679، 36746، 36853) ، الكامل فى الضعفاء لابن عدى (2/ 666، 797) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (315) ، الإصابة الترجمة رقم (1094) ، أسد الغابة الترجمة رقم (698) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (35) ، جمهرة أنساب العرب (116) ، تهذيب الكمال (188) ، تهذيب التهذيب (2/ 63) ، تذهيب التهذيب (1/ 102) ، -
(2/85)

إليه، فقالت: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك، تعنى الموت، قال: «فأتى أبا بكر» .
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بأبى بكر، ونيط عثمان بعمر» ، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله، وأما ذكر من نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذى بعث الله به نبيه.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفى نزعه، والله يغفر له، ضعف، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب، حتى ضرب الناس بعطن» .
وفى رواية: «فأروى الظمئة، وضرب الناس بعطن» «1» .
وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بردة المرتدين من بعده، فحدث أبو سعيد الخدرى، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم، رأيت فى يدى سوارين من ذهب، فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان، مسيلمة والعنسى» «2» .
وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين يدى الساعة كذابون، منهم صاحب اليمامة، يعنى مسيلمة، وصاحب خيبر، يعنى طليحة، ومنهم العنسى يعنى الأسود، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» «3» .
__________
- خلاصة تذهيب الكمال (52) ، شذرات الذهب (1/ 64) ، العقد الثمين (3/ 408) .
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 7، 9/ 45، 49، 171) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة (17) ، السنن الكبرى للبيهقى (8/ 153) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 19، 12/ 414) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (6031) ، شرح السنة للبغوى (14/ 89) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 226) ، كنز العمال للمتقى الهندى (3273) ، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 344) ، السنة لابن أبى عاصم (14/ 89) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 217، 9/ 52) ، مسند الإمام أحمد (1/ 263) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 50) ، فتح البارى لابن حجر (12/ 420) .
(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 345، 5/ 95، 96، 100، 101، 106) ، الدر المنثور للسيوطى (6/ 51) ، كنز العمال للمتقى الهندى (38371) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 51) .
(2/86)

وعن عبد الله بن حوالة «1» ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا:
من موتى، ومن قتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه، ومن الدجال» «2» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعبدة بن مسهر الحارثى فيما يعظه به لما قدم عليه: «وإن أدركتك الردة فلا تتبعن كندة» .
ودعا أيضا لجرير بن عبد الله «3» لما وفد عليه، فقال: «اللهم اشرح صدره للإسلام، ولا تجعله من أهل الردة» .
ولما أسر المسلمون يوم بدر سهيل بن عمرو العامرى، سأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينزع ثنيتيه السفلاوين، وكان أعلم الشفة السفلى، قال: فإنه خطيب ليقوم عليك خطيبا بمكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «عسى أن يقوم مقاما يسرك» «4» ، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى خبر وفاته إلى مكة، تكلم بها قوم كلاما قبيحا، ووعى ذلك عليهم، فقام سهيل بن عمرو بخطبة أبى بكر، كأنه كان يسمعها، فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حى لم يمت، وقد نعى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم، إليكم وهو بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد، ألم تعلموا أن الله تعالى قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:
30] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. الآية [آل عمران: 144] ، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] ، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] .
فاتقوا الله، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، جمعكم الله على خيركم.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1536) ، الإصابة الترجمة رقم (4658) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2909) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 306) ، تهذيب التهذيب (5/ 194) ، تقريب التهذيب (1/ 411) ، تهذيب الكمال (2/ 676) ، خلاصة تذهيب الكمال (2/ 51) ، الوافى بالوفيات (17/ 156) ، الثقات (3/ 343) ، حلية الأولياء (2/ 3) .
(2) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (7/ 211) ، مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 334) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (326) ، الإصابة الترجمة رقم (1139) ، أسد الغابة الترجمة رقم (7309، طبقات خليفة (116، 138) ، تاريخ خليفة (218) ، الجرح والتعديل (2/ 502) ، تهذيب الكمال (191) ، تهذيب التهذيب (2/ 73) ، خلاصة تذهيب الكمال (61) ، شذرات الذهب (1/ 57، 58) .
(4) انظر الحديث فى الشفاء للقاضى عياض (1/ 676) ، الجامع الكبير (2/ 786) .
(2/87)

وفى كلام أكثر من هذا وعظهم به، وذكرهم. وقد كان الناس نفروا وهموا، فنفعهم الله بكلامه، فلم يرتد بمكة أحد، فلما بلغ عمر بن الخطاب مقام سهيل، قال: أشهد أن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حق، فهو والله هذا المقام.
ذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان من تأييد الله لخليفة رسوله عليه السلام فيها
قالت عائشة رضى الله عنها: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجم النفاق وارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية، لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبى بكر، فلقد نزل بأبى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، فو الله ما اختلفوا فيه من أمر إلا طار أبى بعلائه وغنائه، وكان من رأى ابن الخطاب علم أنه خلق عونا فللإسلام، كان والله أحوذيا، نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها.
وفى الصحيح من حديث أبى هريرة، قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر رضى الله عنه، بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبى بكر:
كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله؟» فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق «1» .
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (1/ 13، 109، 2/ 131، 4/ 58، 9/ 19، 115، 138) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (32، 33، 35) ، سنن النسائى الصغرى (7/ 77، 78، 79، 8/ 81) ، سنن أبى داود (1556، 2640) ، سنن الترمذى (2606، 2607، 3341) ، سنن ابن ماجه (3927، 3928، 3929) ، مسند الإمام أحمد (1/ 11، 19، 35، 48، 2/ 377، 423، 475، 502، 527، 528، 3/ 300، 322، 339، 4/ 8) ، سنن البيهقى الكبرى (1/ 7، 54، 2/ 3، 92، 4/ 104، 114، 7/ 3، 4، 8، 19، 136، 176، 177، 196، 9/ 49، 182) ، مستدرك الحاكم (2/ 522) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (6/ 171) ، شرح السنة للبغوى (1/ 66، 69، 5/ 488) ، كنز العمال للمتقى الهندى (375، 379، -
(2/88)

قال عمر بن الخطاب: والله لرجح إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة جميعا فى قتال أهل الردة.
وذكر يعقوب بن محمد الزهرى عن جماعة من شيوخه، قالوا: فكان أبو بكر أمير الشاكرين الذين ثبتوا على دينهم، وأمير الصابرين الذين صبروا على جهاد عدوهم، أهل الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبرأى أبى بكر أجمعوا على قتالهم، وذلك أن العرب افترقت فى ردتها، فقالت فرقة:
لو كان نبيا ما مات، وقال بعضهم: انقضت النبوة بموته، فلا نطيع أحدا بعده، وفى ذلك يقول قائلهم:
أطعنا رسول الله ما عاش بيننا ... فيالعباد الله ما لأبى بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر
وقال بعضهم: نؤمن بالله، ونشهد أن محمدا رسول الله، ونصلى، ولكن لا نعطيكم أموالنا، فأبى أبو بكر إلا قتالهم على حسب ما تقدم ذكره.
وجادل أبو بكر الصحابة فى جهادهم، وكان من أشدهم عليه عمر وأبو عبيدة بن الجراح «1» ، وسالم مولى أبى حذيفة «2» ، وقالوا له: احبس جيش أسامة بن زيد، فيكون عمارة وأمانة بالمدينة، وارفق بالعرب حتى ينفرج هذا الأمر، فإن هذا الأمر شديد غوره وتهتكه من غير وجهه، فلو أن طائفة من العرب ارتدت قلنا: قاتل بمن معك ممن ثبت من ارتد، وقد اتفقت العرب على الارتداد، فهم بين مرتد، ومانع صدقة، فهو مثل المرتد،
__________
- 16836، 16846) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (1/ 155) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (1790) ، البداية والنهاية لابن كثير (10/ 334) ، فتح البارى لابن حجر (1/ 497، 13/ 174، 250، 339) ، نصب الراية للزيلعى (3/ 380، 480، 4/ 324، 339) ، الدر المنثور للسيوطى (5/ 274، 6/ 343) ، زاد المسير لابن الجوزى (9/ 100) ، جمع الجوامع (4411، 4414، 4418) ، المعجم الكبير للطبرانى (2/ 198، 347، 6/ 161، 8/ 382) ، التاريخ الكبير للبخارى (3/ 367، 7/ 35) ، مصنف ابن أبى شيبة (10/ 122، 123، 124، 12/ 374، 376، 377، 380) .
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3108) ، الإصابة الترجمة رقم (10233) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6084) ، تهذيب الكمال (1623) ، تقريب التهذيب (2/ 448) ، تهذيب التهذيب (12/ 159) ، المؤتلف والمختلف (840) ، التبصرة والتذكرة (3/ 27) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (886) ، الإصابة الترجمة رقم (3059) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1892) ، وهو: سالم بن معقل، مولى أبى حذيفة.
(2/89)

وبين واقف ينظر ما تصنع أنت وعدوك، قد قدم رجلا وأخر رجلا «1» .
وفى كتاب الواقدى من قول عمر لأبى بكر: وإنما شحت العرب على أموالها، وأنت لا تصنع بتفريق العرب عنك شيئا، فلو تركت للناس صدقة هذه السنة.
وقدم على أبى بكر عيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حابس، فى رجال من أشراف العرب، فدخلوا على رجال من المهاجرين، فقالوا: إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام، وليس فى أنفسهم أن يؤدوا إليكم من أموالهم ما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن تجعلوا لنا جعلا نرجع فنكفيكم من وراءنا؛ فدخل المهاجرون والأنصار على أبى بكر، فعرضوا عليه الذى عرضوا عليهم، وقالوا: نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها ويكفيانك من وراءهما، حتى يرجع إليك أسامة وجيشه، ويشتد أمرك، فإنا اليوم قليل فى كثير، ولا طاقة لنا بقتال العرب، قال أبو بكر: هل ترون غير ذلك؟ قالوا:
لا؛ قال أبو بكر: إنكم قد علمتم أنه كان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إليكم المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم ولا نزل به الكتاب عليكم، وأن الله لن يجمعكم على ضلالة، وإنى سأشير عليكم، فإنما أنا رجل منكم، تنظرون فيما أشير به عليكم وفيما أشرتم به، فتجتمعون على أرشد ذلك، فإن الله يوفقكم، وأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأن لا نرشو على الإسلام أحدا، وأن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجاهد عدوه كما جاهدهم، والله لو منعونى عقالا لرأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه، فأئتمروا يرشدكم الله، فهذا رأيى؛ وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم، فهذا أمر لم يغب عنه عيينة، هو راضه ثم جاء له ولو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه أو أفناهم السيف فإلى النار، قتلناهم على حق منعوه وكفر. فبان للناس وجه أمرهم، وقالوا لأبى بكر لما سمعوا رأيه: أنت أفضلنا رأيا، ورأينا لرأيك تبع. فأمر أبو بكر الناس بالتجهز، وأجمع على المسير بنفسه لقتال أهل الردة.
وكانت أسد وغطفان من أهل الضاحية قد ارتدت، ولم ترتد عبس ولا بعض أشجع، وارتدت عامة بنى تميم وطوائف من بنى سليم: عصية وعميرة وخفاف، وبنو عوف بن امرئ القيس، وذكوان، وبنو جارية، وارتد أهل اليمامة «2» كلهم، وأهل البحرين «3» ،
__________
(1) انظر: غزوات ابن حبيش (1/ 22) .
(2) راجع قصة ارتداد أهل اليمامة فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 79- 83) ، تاريخ الطبرى (3/ 280، 281) .
(3) راجع قصة أهل البحرين فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 83- 85) .
(2/90)

وبكر بن وائل، وأهل دبى من أزد عمان «1» ، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من قضاعة، وعامة بنى عامر بن صعصعة، وفيهم علقمة بن علاثة، وقيل: إنها تربصت مع قادتها وسادتها ينظرون لمن تكون الدبرة، وقدموا رجلا وأخروا أخرى، وارتدت فزارة، وجمعها عيينة بن حصن، وتمسك بالإسلام من بين المسجدين، وأسلم وغفار وجهينة ومزينة وكعب وثقيف، قام فيهم عثمان بن أبى العاص فى بنى مالك، وقام فى الأحلاف رجل منهم، فقال: يا معشر ثقيف، نشدتكم الله أن تكونوا أول العرب ارتدادا وآخرهم إسلاما؛ وأقامت طئ كلها على الإسلام، وهذيل، وأهل السراة وبجيلة وخثعم ومن قارب تهامة من هوازن نصر وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس، قام فيهم الجارود فثبتوا على الإسلام، وارتدت كندة وحضرموت وعنس.
وقال أبو هريرة: لم يرجع رجل واحد من دوس ولا من أهل السراة كلها. وقال أبو مرزوق التجيبى: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأبناء بصنعاء، ولقد جاء الأبناء وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق نساؤهم الجيوب وضربن الخدود، وفيهم المرزبانة، فشقت درعها من بين يديها ومن خلفها.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة فأقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة، وبعث المصدقين فى العرب، فبعث على عجز هوازن عكرمة بن أبى جهل «2» ، وبعث حامية بن سبيع الأسدى على صدقات قومه، وعلى بنى كلاب الضحاك بن سفيان «3» ، وعلى أسد وطئ عدى بن حاتم «4» ، وعلى بنى يربوع
__________
(1) راجع قصة أهل عمان فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 85- 86) ، تاريخ الطبرى (3/ 314) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1857) ، الإصابة الترجمة رقم (5654) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3741) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (174) ، طبقات خليفة (20/ 299) ، تاريخ خليفة (92) ، الجرح والتعديل (7/ 6، 7) ، العقد الثمين، (6/ 119، 123) ، شذرات الذهب (1/ 27، 28) ، سير أعلام النبلاء (1/ 323) ، العبر (1/ 18) ، تهذيب الكمال (950) ، تهذيب التهذيب (7/ 257) ، خلاصة تذهيب الكمال (270) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1255) ، الإصابة الترجمة رقم (4186) أسد الغابة الترجمة رقم (2556) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 270) ، الوافى بالوفيات (16/ 352) ، الأعلام (3/ 214) ، تهذيب الكمال (1/ 615) ، تهذيب التهذيب (4/ 444) ، خلاصة تذهيب الكمال (2/ 3) ، المعرفة والتاريخ (3/ 369) ، التحفة اللطيفة (2/ 250) ، الجرح والتعديل (4/ 2018) ، دائرة معارف الأعلمى (20/ 255) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1800) ، الإصابة الترجمة رقم (5491) ، أسد-
(2/91)

مالك بن نويرة «1» ، وعلى بنى دارم وقبائل بنى حنظلة الأقرع بن حابس «2» ، وبعث الزبرقان بن بدر «3» على صدقات قومه، وقيس بن عاصم المنقرى «4» على صدقات قومه.
فلما بلغتهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا، فمنهم من رجع، ومنهم من أدى إلى أبى بكر، وكان الذين حبسوا صدقات قومهم وفرقوها بين قومهم مالك بن نويرة، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس التميمى، وأما بنو كلاب فتربصوا، ولم يمنعوا منعا بينا، ولم يعطوا، كانوا بين ذلك.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، على فزارة نوفل بن معاوية الديلى»
، فلقيه خارجة بن حصن ابن حذيفة بن بدر الفزارى بالشربة، فقال: أما ترضى أن تغنم نفسك؟ فرجع نوفل بن
__________
- الغابة الترجمة رقم (3610) ، الجرح والتعديل (7/ 2) ، مروج الذهب (3/ 190) ، جمهرة أنساب العرب (402) ، تاريخ بغداد (1/ 189) ، تهذيب الكمال (925) ، تذهيب التهذيب (3/ 36) ، خلاصة تذهيب الكمال (223) ، تهذيب التهذيب (7/ 166) ، شذرات الذهب (1/ 74) ، سير أعلام النبلاء (3/ 162) .
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2331) ، الإصابة الترجمة رقم (7712) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4656) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (69) ، الإصابة الترجمة رقم (231) ، أسد الغابة الترجمة رقم (208) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 26) ، الوافى بالوفيات (9/ 307) ، التحفة اللطيفة (1/ 337) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (1/ 531) ، التاريخ الصغير (59) ، الجامع فى الرجال (281) ، تهذيب الأسماء واللغات (1/ 124) .
(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (870) ، الإصابة الترجمة رقم (2789) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1728) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 188) ، تقريب التهذيب (1/ 257) ، الطبقات الكبرى (7/ 36) ، الثقات (3/ 142) ، الأعلام (3/ 41) .
(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2164) ، الإصابة الترجمة رقم (7209) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4370) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 22) ، تقريب التهذيب (2/ 129) ، تهذيب التهذيب (8/ 399) ، خلاصة تهذيب الكمال (2/ 357) ، الأنساب لابن السمعانى (7/ 141) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (816) ، الثقات (3/ 338) .
(5) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2673) ، الإصابة الترجمة رقم (8854) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5322) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 115) ، تتهذيب التهذيب (10/ 492) ، تقريب التهذيب (2/ 309) ، خلاصة تذهيب الكمال (3/ 103) ، الجرح والتعديل (1/ 487) ، العقد الثمين (7/ 353) ، الأنساب لابن للسمعانى (5/ 449) ، الأعلام (8/ 55) ، الطبقات الكبرى (1/ 87) .
(2/92)

معاوية هاربا حتى قدم على أبى بكر الصديق بسوطه، وقد كان جمع فرائض فأخذها منه خارجة، فردها على أربابها، وكذا فعلت سليم بعرباض بن سارية «1» ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه على صدقاتهم، فلما بلغتهم وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، أبوا أن يعطوه شيئا، وأخذوا منه ما كان جمع، فانصرف من عندهم بسوطه، وأما أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم كعب بن مالك الأنصارى، فسلموا إليه صدقاتهم، لما بلغتهم وفاته، وتأدت إلى أبى بكر، فاستعان بها فى قتال أهل الردة، وكذلك فعل بنو كعب مع أمير صدقاتهم بشر بن سفيان الكعبى، وأشجع مع مسعود بن رحيلة الأشجعى «2» ، فقدم بذلك كله على أبى بكر.
وكان عدى بن حاتم قد حبس إبل الصدقة، يريد أن يبعث بها إلى أبى بكر إذا وجد فرجة، والزبرقان بن بدر مثل ذلك، فجعل قومهما يكلمونهما فيأبيان، وكان أحزم رأيا وأفضل فى الإسلام رغبة ممن كان فرق الصدقة فى قومه، فقالا لقومهما: لا تعجلوا، فإنه إن قام بهذا الأمر قائم ألفاكم لم تفرقوا الصدقة، وإن كان الذى تظنون، فلعمرى إن أموالكم لبأيديكم، فلا يغلبنكم عليها أحد، فسكتوهم حتى أتاهم يقين خبر القوم، فلما اجتمع الناس على أبى بكر جاءهم أنه قد قطع البعوث، وسار بعث أسامة بن زيد إلى الشام، وأبو بكر يخرج إليهم، فكان عدى بن حاتم يأمر ابنه أن يسرح مع نعم الصدقة، فإذا كان المساء روحها، وإنه جاء بها ليلة عشاء، فضربه، وقال: ألا عجلت بها؟.
ثم راح بها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا، فجعل يضربه، وجعلوا يكلمونه فيه، فلما كان اليوم الثالث قال: يا بنى إذا سرحتها فصح فى أدبارها وأم بها المدينة، فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم فقل أريد الكلأ، تعذر علينا ما حولنا، فلما أن جاء الوقت الذى كان يروح فيه، لم يأت الغلام، فجعل أبوه يتوقعه ويقول لأصحابه: العجب لحبس ابنى، فيقول بعضهم: نخرج يا أبا طريف فنتبعه، فيقول: لا والله؛ فلما أصبح تهيأ ليغدو، فقال قومه: نغدو معك، فقال: لا يغدو معى منكم أحد، إنكم إن رأيتموه حلتم بينى
__________
(1) انظر ترجمته فى: الأستيعاب الترجمة رقم (2049) ، الإصابة الترجمة رقم (5517) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3630) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (331) ، شذرات الذهب (1/ 82) ، حلية الأولياء (2/ 13) ، سير أعلام النبلاء (3/ 419) ، تقريب التهذيب (2/ 17) ، خلاصة تذهيب التهذيب (269) ، تاريخ الإسلام (2/ 483) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2408) ، وفيه: مسعود بن «رخيلة بن عائذ الأشجعى» ، الإصابة الترجمة رقم (7961) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4883) .
(2/93)

وبين ضربه، وقد عصى أمرى كما ترون؛ فخرج على بعير له سريعا حتى لحق ابنه، ثم حدر النعم إلى المدينة، فلما كان ببطن قناة لقيته خيل لأبى بكر، عليها ابن مسعود، ويقال محمد بن مسلمة «1» وهو أثبت عندنا، فلما نظروا إليه ابتدروه، وما كان معه، وقالوا له: أين الفوارس الذين كانوا معك؟ قال: ما معى أحد، قالوا: بلى، لقد كان معك فوارس، فلما رأونا تغيبوا، فقال ابن مسعود: خلوا عنه فما كذب ولا كذبتم، جنود الله معه، ولم يرهم.
فقدم على أبى بكر بثلاثمائة بعير، وكانت أول صدقة قدم بها على أبى بكر.
وذكر بعض من ألف فى الردة: أن الزبرقان بن بدر هو الذى فعل هذا الفعل المنسوب فى هذا الحديث إلى عدى بن حاتم، فإما أن يكونا فعلاه معا توفيقا من الله لهما، وإما أن يكون هذا مما يعرض فى النقل من الاختلاف، والذى ينسب ذلك إلى الزبرقان يقول:
إنه قال فى ذلك:
لقد علمت قيس وخندف أننى ... وفيت إذا ما فارس الغدر ألجما
أتيت التى قد يعلم الله أنها ... إذا ذكرت كانت أعف وأكرما
أنفت لعوف أن يسب أبوهم ... إذا اقتسم الناس السوام المقسما
وروحتها من أهل جوفاء صبحت ... تدوس بأيديها الحصاد المحرما
حبوت بها قبر النبى وقد أبى ... فلم يجبه ساع من الناس مقسما
وقال أيضا:
وفيت بأذواد النبى ابن هاشم ... على موطن ضام الكريم المسودا
فأديتها ألفا ولو شئت ضمها ... رعاء يكون الوشيج المقصدا
وذكر ابن إسحاق: أن عدى بن حاتم كانت عنده إبل عظيمة اجتمعت له من صدقات قومه عندما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ارتد من الناس وارتجعوا صدقاتهم، وارتدت بنو أسد، وهم جيرانهم، اجتمعت طيئ إلى عدى بن حاتم، فقالوا: إن هذا الرجل قد مات، وقد انتقض الناس بعده، وقبض كل قوم ما كان فيهم من صدقاتهم، فنحن أحق بأموالنا من شذاذ الناس، فقال: ألم تعطوا من أنفسكم العهد والميثاق على الوفاء طائعين غير مكرهين.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2372) ، الإصابة الترجمة رقم (7822) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4768) ، تهذيب الكمال (1271) ، تهذيب التهذيب (9/ 454) ، خلاصة تذهيب الكمال (359) ، شذرات الذهب (1/ 45، 53) ، الجرح والتعديل (8/ 71) ، الاستبصار (241، 242) ، تاريخ الإسلام (2/ 245) .
(2/94)

قالوا: بلى، ولكن قد حدث ما ترى، وقد ترى ما صنع الناس. قال: والذى نفس عدى بيده، لا أخيس بها أبدا، ولو كنت جعلتها لرجل من الزنج، لوفيت له بها، فإن أبيتم لأقاتلنكم، يعنى على ما فى يده وما فى أيديهم، فليكونن أول قتيل يقتل على وفاء ذمته عدى بن حاتم، أو يسلمها، فلا تطمعوا أن يسب حاتما فى قبره عدى ابنه من بعده، فلا يدعونكم عذر عاذر إلى أن تعذروا، فإن للشيطان قادة عند موت كل نبى، يستخف لها أهل الجهل حتى يحملهم على قلائص الفتنة، وإنما هى عجاجة لا ثبات لها، ولا ثبات فيها، إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خليفة من بعده يلى هذا الأمر، وإن لدين الله أقواما سينهضون ويقومون به بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قاموا بعهده وذو بيته فى السماء، لئن فعلتم ليقارعنكم على أموالكم ونسائكم بعد قتل عدى وغدركم، فأى قوم أنتم عند ذلك، فلما رأوا منه الجد، كفوا عنه، وسلموا له.
ويروى أن مما قال له قومه: أمسك فى يدك، فإنك إن تفعل تسد الحليفين، يعنون طيئا وأسدا.
فقال: ما كنت لأفعل حتى أدفعها إلى أبى بكر، فجاء بها حتى دفعها إليه، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، رأى من عمر رحمه الله، جفوة، فقال له عدى: ما أراك تعرفنى؟
قال عمر: بلى، والله، والله يعرفك من السماء، أعرفك والله: أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، بلى، وايم الله أعرفك.
وقدم أيضا الزبرقان بن بدر بصدقات قومه على أبى بكر، فلم يزل لعدى والزبرقان بذلك شرف وفضل على من سواهما.
وأعطى أبو بكر عديا ثلاثين بعيرا من إبل الصدقة، وذلك أن عديا لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرانيا فأسلم وأراد الرجوع إلى بلاده أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعتذر من الزاد ويقول: «والله، ما أصبح عند آل محمد شقة من الطعام، ولكن ترجع ويكون خير» ، فلذلك أعطاه أبو بكر تلك الفرائض.
ولما كان من العرب ما كان من التوائهم عن الدين ومنع من منع منهم الصدقة جد بأبى بكر الجد فى قتالهم، وأراه الله رشده فيهم، وعزم على الخروج بنفسه إليهم، وأمر الناس بالجهاز، وخرج هو فى مائة من المهاجرين، وقيل: فى مائة من المهاجرين والأنصار، وخالد بن الوليد يحمل اللواء، حتى نزل بقعاء، وهو ذو القصة «1» ، يريد أبو
__________
(1) ذو القصة: مكان على بريد من المدينة، وهو الذى أخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح رضى الله عنه. انظر: الروض المعطار (477) ، معجم ما استعجم (3/ 1086) .
(2/95)

بكر أن يتلاحق الناس من خلفه، ويكون أسرع لخروجهم، ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثهم، فانتهى إلى بقعاء عند غروب الشمس، فصلى بها المغرب، وأمر بنار عظيمة فأوقدت، وأقبل خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر وكان ممن ارتد، فى خيل من قومه إلى المدينة يريد أن يخذل الناس عن الخروج، أو يصيب غرة فيغير، فأغار على أبى بكر رضى الله عنه، ومن معه، وهم غافلون، فاقتتلوا شيئا من قتال، وتحيز المسلمون، ولاذ أبو بكر بشجرة، وكره أن يعرف، فأوفى طلحة بن عبيد الله على شرف فصاح بأعلى صوته لا بأس، هذه الخيل قد جاءتكم، فتراجع الناس، وجاءت الأمداد، وتلاحق المسلمون، فانكشف خارجة بن حصن وأصحابه، وتبعه طلحة بن عبيد الله فيمن خف معه، فلحقوه فى أسفل ثنايا عوسجة، وهو هارب لا يألو فيدرك أخريات أصحابه، فحمل طلحة على رجل بالرمح فدق ظهره، ووقع ميتا، وهرب من بقى، ورجع طلحة إلى أبى بكر، فأخبره أن قد ولوا منهزمين هاربين، وأقام أبو بكر ببقعاء أياما ينتظر الناس، وبعث إلى من كان حوله من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بجهاد أهل الردة، والخفوف إليهم، فتحلب الناس إليهم من هذه النواحى، حتى شحنت منهم المدينة.
قال سبرة الجهنى «1» : قدمنا معشر جهينة أربعمائة معنا الظهر والخيل، وساق عمرو ابن مسرة الجهنى مائة بعير عونا للمسلمين، فوزعها أبو بكر فى الناس، وجعل عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب يكلمان أبا بكر فى الرجوع إلى المدينة لما رأيا عزمه على المسير بنفسه، وقد توافى المسلمون وحشدوا، فلم يبق أحد من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار من أهل بدر إلا خرج، وقال عمر: ارجع يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكن للمسلمين فئة وردآ، فإنك إن تقتل يرتد الناس ويعل الباطل الحق، وأبو بكر مظهر المسير بنفسه، وسألهم بمن نبدأ من أهل الردة، فاختلفوا عليه، فقال أبو بكر: نصمد لهذا الكذاب على الله وعلى كتابه، طليحة.
ولما ألحوا على أبى بكر فى الرجوع، وعزم هو عليه، أراد أن يستخلف على الناس،
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (913) ، الإصابة الترجمة رقم (3094) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1936) ، مشاهير علماء الأمصار (35) ، الوافى بالوفيات (15/ 111) ، تهذيب الكمال (10/ 203) ، تهذيب التهذيب (3/ 4503) ، تقريب التهذيب (1/ 283) ، خلاصة تذهيب التهذيب (133) ، تاريخ الإسلام (1/ 212) .
(2/96)

فدعا زيد بن الخطاب «1» لذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، قد كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أرزقها، وأنا أرجو أن أرزقها فى هذا الوجه، وإن أمير الجيش لا ينبغى أن يباشر القتال بنفسه، فدعا أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فعرض عليه ذلك، فقال مثل ما قال زيد، فدعا سالما مولى أبى حذيفة ليستعمله، فأبى عليه، فدعا أبو بكر خالد بن الوليد فأمره على الناس، وقال لهم وقد توافى المسلمون قبله، وبعث مقدمته أمام الجيش: أيها الناس، سيروا على اسم الله تعالى وبركته، فأميركم خالد بن الوليد، إلى أن ألقاكم، فإنى خارج فيمن معى إلى ناحية خيبر حتى ألاقيكم. ويروى أنه قال للجيش: سيروا، فإن لقيتكم بعد غد فالأمر إلى، وأنا أميركم، وإلا فخالد بن الوليد عليكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
وإنما قال ذلك أبو بكر لأن تذهب كلمته فى الناس، وتهاب العرب خروجه، ثم خلا بخالد بن الوليد، فقال: يا خالد، عليك بتقوى الله، وإيثاره على من سواه، والجهاد فى سبيله، فقد وليتك على من ترى من أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فسار خالد، ورجع أبو بكر، وعمر، وعلى، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من المهاجرين والأنصار من أهل بدر رضى الله عنهم جميعهم، إلى المدينة.
وصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه
قال حنظلة بن على الأسلمى: بعث أبو بكر رضى الله عنه، خالد بن الوليد إلى أهل الردة، وأمره أن يقاتلهم على خمس خصال، فمن ترك واحدة من الخمس قاتله: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان. زاد زيد بن أسلم: وحج البيت، وقال: كن ستا.
وعن نافع بن جبران أن أبا بكر حين بعث خالد بن الوليد عهد إليه، وكتب معه هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (851) ، الإصابة الترجمة رقم (8904) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1834) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 198) ، سير أعلام النبلاء (1/ 297) ، تهذيب التهذيب (3/ 411) ، تقريب التهذيب (1/ 274) ، خلاصة تذهيب الكمال (1/ 352) ، الأعلام (3/ 58) ، العبر (14) ، الثقات (3/ 136) ، الاستبصار (296، 297) ، صفة الصفوة (1/ 447) ، التحفة اللطيفة (1/ 99) ، الرياض المستطاب (89) .
(2/97)

خالد بن الوليد، حين بعثه فيمن بعثه من المهاجرين والأنصار، ومن معهم من غيرهم لقتال من رجع عن الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهد إليه وأمره أن يتقى الله ما استطاع فى أمره كله، علانيته وسره، وأمره بالجد فى أمر الله والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره ورجع عن الإسلام إلى ضلالة الجاهلية وأمانى الشيطان.
وعهد إليه وأمره أن لا يقاتل قوما حتى يعذر إليهم ويدعوهم إلى الإسلام، ويبين لهم الذى لهم فى الإسلام والذى عليهم فيه، ويحرص على هداهم، فمن أجابه إلى ما دعاه إليه من الناس كلهم، أحمرهم وأسودهم، قبل منه، وليعذر إلى من دعاه بالمعروف وبالسيف، فإنما يقاتل من كفر بالله على الإيمان بالله، فإذا أجاب المدعو إلى الإيمان، وصدق إيمانه، لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فى عمله، ومن لم يجبه إلى ما دعا إليه من دعائه الإسلام، ممن رجع عن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يقاتل أولئك بمن معه من المهاجرين والأنصار، حيث كانوا، وحيث بلغ مراغمه، ثم يقتل من قدر عليه من أولئك، ولا يقبل من أحد شيئا دعاه إليه ولا أعطاه إياه الإسلام والدخول فيه والصبر به وعليه وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
وأمره أن يمضى بمن معه من المسلمين حتى يقدم اليمامة فيبدأ ببنى حنيفة ومسيلمتهم الكذاب، فيدعوهم ويدعوه إلى الإسلام، وينصح لهم فى الدين، ويحرص على هداهم، فإن أجابوا إلى ما دعاهم إليه من دعاية الإسلام قبل منهم، وكتب بذلك إلى، وأقام بين أظهرهم حتى يأتيه أمرى، وإن هم لم يجيبوا ولم يرجعوا عن كفرهم واتباع كذابهم على كذبه على الله عز وجل، قاتلهم أشد القتال بنفسه وبمن معه، فإن الله ناصر دينه ومظهره على الدين كله، كما قضى فى كتابه ولو كره الكافرون، فإن أظهره الله عليهم إن شاء الله وأمكنه منهم فليقتلهم بالسلاح، وليحرقهم بالنار، ولا يستبق منهم أحدا قدر على أن يستبقيه، وليقسم أموالهم وما أفاء الله عليه وعلى المسلمين إلا خمسه، فليرسل به إلى أضعه حيث أمر الله به أن يوضع إن شاء الله.
وعهد إليه أن لا يكون فى أصحابه فشل من رأيهم ولا عجلة عن الحق إلى غيره، ولا يدخل فيهم حشو من الناس حتى يعرفهم ويعرف ممن هم، وعلام اتبعوه وقاتلوا معه، فإنى أخشى أن يدخل معكم ناس يتعوذون بكم ليسوا منكم ولا على دينكم، فيكونون عيونا عليكم، ويتحفظون من الناس بمكانهم معكم، وأنا أخشى أن يكون ذلك فى الأعراب وجفاتهم، فلا يكونن من أولئك فى أصحابك أحد إن شاء الله تعالى، وارفق بالمسلمين فى سيرهم ومنازلهم، وتفقدهم، ولا تعجل بعض الناس عن بعض فى المسير
(2/98)

ولا فى الارتحال من مكان، واستوص بمن معك من الأنصار خيرا فى حسن صحبتهم، ولين القول لهم، فإن فيهم ضيقا ومرارة وزعارة، ولهم حق وفضيلة وسابقة ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ويروى أن أبا بكر رحمه الله، كتب مع هذا الكتاب كتابا آخر إلى عامة الناس، وأمر خالدا أن يقرأه عليهم فى كل مجمع، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابى هذا من عامة أو خاصة، تاما على إسلامه أو راجعا عنه، سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبد ورسوله، الهادى غير المضل، أرسله بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب بالحق من أدبر عنه حتى صاروا إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند ذلك أجله الذى قضى الله عليه وعلى المؤمنين، فتوفاه الله، وقد كان بين له ذلك ولأهل الإسلام فى الكتاب الذى أنزل عليه، فقال له: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30] ، وقال:
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: 34، 35] ، وقال للمؤمنين:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144] ، فمن كان إنما يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، صلوات الله عليه، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له، فإن الله بالمرصاد، حى قيوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه، وإنى أوصيكم أيها الناس بتقوى الله، وأحضكم على حظكم ونصيبكم من الله وما جاءكم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تهتدوا بهدى الله، وتعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يحفظه الله ضائع، وكل من لم يصدقه الله كاذب، وكل من لم يسعده الله شقى، وكل من لم يرزقه الله محروم، وكل من لم ينصره الله مخذول، فاهتدوا بهدى الله ربكم وما جاءكم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: 17] ، وإنه قد بلغنى رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله وجهالة بأمر الله، وطاعة للشيطان، إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا
(2/99)

حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] ، وإنى قد بعثت خالد بن الوليد فى جيش من المهاجرين الأولين من قريش والأنصار وغيرهم، وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن دخل فى دين الله وتاب إلى الله ورجع عن معصية الله إلى ما كان يقر به من دين الله وعمل صالحا قبل ذلك منه، وأعانه عليه، ومن أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه بداعية الله ويعذر إليه بعاذرة الله، أن يقاتل من قاتله على ذلك أشد القتال بنفسه ومن معه من أنصار دين الله وأعوانه، ثم لا يبقى على أحد بعد أن يعذر إليه، وأن يحرقهم بالنار، ويسبى الذرارى والنساء، وأمرته أن لا يقبل من أحد شيئا إلا الرجوع إلى دين الله، وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أمرته أن يقرأ على الناس كتابى إليهم فى كل مجمع وجماعة، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فهو شر له.
وعن عروة بن الزبير، قال: جعل أبو بكر رضى الله عنه، يوصى خالد بن الوليد ويقول: يا خالد، عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل السابقة من المهاجرين والأنصار، فشاوروهم فيما نزل بك، ثم لا تخالفهم، وقدم أمامك الطلائع ترتاد لك المنازل، وسر فى أصحابك على تعبئة جيدة، فإذا لقيت أسدا وغطفان فبعضهم لك وبعضهم عليك، وبعضهم لا عليك ولا لك، متربص دائرة السوء، ينظر لمن تكون الدبرة، فيميل مع من تكون له الغلبة، ولكن الخوف عندى من أهل اليمامة، فاستعن بالله على قتالهم، فإنه بلغنى أنهم رجعوا بأسرهم، وإن كفاك الله الضاحية فامض إلى أهل اليمامة، فإنك تلقى عدوا كلهم عليك، لهم بلاد منكرة، فلا تؤتى إلا من مفازة، فارفق بجيشك فى تلك المفازة، فإن فى جيشك قوما أهل ضعف، أرجو أن تنصر بهم حتى تدخل بلادهم إن شاء الله تعالى.
فإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذى يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإن أعطاك الله الظفر عليهم، فأقل البقيا عليهم إن شاء الله تعالى، وإياك أن تلقانى غدا بما يضيق صدرى به منك، اسمع عهدى ووصيتى، لا تغيرن على دار سمعت فيها أذانا حتى تعلم ما هم عليه، وإياك وقتل من صلى، واعلم يا خالد أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، واعلم أن رعيتك إنما تعمل بما تراك تعمل، كف عليك أطرافك، وتعاهد جيشك، وانههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله تعالى.
(2/100)

ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها
قالوا: وسار خالد بن الوليد ومعه عدى بن حاتم، وقد انضم إليه من طيىء ألف رجل، فنزل بزاخة، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام، وهى بطن من طيىء، وكان عدى بن حاتم من الغوث، وقد همت جديلة أن ترتد، فجاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائى، فقال: أتريدون أن تكونوا سبة على قومكم، لم يرجع رجل واحد من طيىء، وهذا أبو طريف عدى بن حاتم، معه ألف رجل من طيىء، فكسرهم، فلما نزل خالد بزاخة، قال لعدى: يا أبا طريف، ألا نسير إلى جديلة؟ فقال: يا أبا سليمان، لا تفعل، أقاتل معك بيدين أحب إليك، أم بيد واحدة؟ فقال خالد: بل بيدين، قال عدى: فإن جديلة إحدى يدى، فكف خالد عنهم، فجاءهم عدى فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد.
فلما رآهم خالد فزع منهم، وظن أنهم أتوا للقتال، فصاح فى أصحابه بالسلاح، فقيل له: إنما هى جديلة أتت تقاتل معك، فلما جاؤا حلوا ناحية، وجاءهم خالد، فرحب بهم، وفرح بهم، واعتذروا إليه من اعتزالهم، وقالوا: نحن لك حيث أحببت، فجزاهم خيرا، فلم يرتد من طيىء رجل واحد، فسار خالد على تعبئته، وطلب إليه عدى أن يجعل قومه مقدمة أصحابه، فقال: يا أبا طريف، إن الأمر قد اقترب، وأنا أخاف أن أقدم قومك، فإذا ألحمهم القتال انكشفوا، فانكشف من معنا، ولكن دعنى أقدم قوما صبرا، لهم سوابق ونيات، وهم من قومك.
قال عدى: الرأى ما رأيت، فقدم المهاجرين، والأنصار، ولم يزل خالد يقدم طليعته منذ خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة، وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا به عند مواقيت الصلاة بالأذان لها، فيكون ذلك أمانا لهم، ودليلا على إسلامهم، وانتهى خالد والمسلمون إلى عسكر طليحة، وقد ضربت لطليحة قبة من أدم، وأصحابه حوله معسكرون، فانتهى خالد ممسيا، فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة، وخرج يسير على فرس معه نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فوقف من عسكر طليحة غير بعيد، ثم قال: يخرج إلى طليحة، فقال أصحابه: لا تصغر اسم نبينا، وهو طلحة. فخرج طليحة فوقف، فقال له خالد: إن من عهد خليفتنا إلينا أن ندعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن تعود إلى ما خرجت منه، فنقبل منك، ونغمد سيوفنا عنك، فقال: يا خالد، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، وأنى نبى مرسل يأتينى ذو النون، كما كان جبريل يأتى محمدا، وقد كان ادعى هذا فى عهد النبى
(2/101)

صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لقد ذكر ملكا عظيما فى السماء يقال له: ذو النون، وكان عيينة بن حصن قد قال له: لا أبا لك، هل أنت مرينا بعض نبوتك، فقد رأيت ورأينا ما كان يأتى محمدا، قال: نعم، فبعث عيونا له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلا إليهم قبل أن يسمع بذكر خالد، وقال: إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بنى نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين، فهيئوا فارسين، فبعثوهما، فخرجا يركضان، فلقيا عينا لخالد بن الوليد، فقالا: ما وراءك؟ فقال: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، قد أقبلوا، فأتوا به إليه، فزادهم فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟.
فلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه انصرف خالد إلى معسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل، وعدى بن حاتم، وكان لهما صدق نية ودين، فباتا يحرسان فى جماعة من المسلمين، فلما كان فى السحر، نهض خالد فعبأ أصحابه، ووضع ألويته مواضعها، ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب، فتقدم به، وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، وطلبت طيىء لواء يعقد لها، فعقد خالد لواء ودفعه إلى عدى بن حاتم، فلما سمع طليحة حركة القوم عبأ أصحابه، وجعل خالد يسوى الصفوف على رجليه، وطليحة يسوى أصحابه على راحلته، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة، فلما انتهى إليه، خرج إليه طليحة بأربعين غلاما جلداء من جنوده، مردا، فأقامهم فى الميمنة، فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة، فتضعضع الناس ولم يقتل أحد، ثم أقامهم فى الميسرة ففعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال رجل من هوازن، حضرهم يومئذ: إن خالدا لما كان ذلك قال: يا معشر الأنصار، الله الله، واقتحم وسط القوم، وكر عليه أصحابه، فاختلطت الصفوف، واختلفت السيوف بينهم، وضرس خالد فى القتال، فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله، فإنك أمير القوم، ولا ينبغى لك أن تقدم، فيقول: والله إنى لأعرف ما تقولون، ولكنى والله ما رأيتنى أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين.
وفيما ذكر الكلبى عن بعض الطائيين: أنه نادى مناد من طيىء، يعنى عندما حمل أولئك الأربعون غلاما على المسلمين: يا خالد، عليك سلمى وأجأ فقال: بل إلى الله الملجأ، قال: ثم حمل، فو الله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، وقاتل خالد يومئذ بسيفين، حتى قطعهما، وتراد الناس بعد الهزيمة، واشتد القتال، وأسر حبال ابن أبى حبال، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبى بكر، فقال: اضربوا عنقى ولا ترونى محمديكم هذا، فضربوا عنقه.
(2/102)

وذكر الواقدى عن ابن عمر، قال: نظرت إلى راية طليحة يومئذ، حمراء يحملها رجل منهم لا يزول بها فترا، فنظرت إلى خالد أتاه فحمل عليه فقتله، فكانت هزيمتهم، فنظرت إلى الراية تطؤها الإبل والخيل والرجال حتى تقطعت.
وعنه، قال: يرحم الله خالد بن الوليد، لقد كان له غناء وجرأة، ولقد رأيته يوم طليحة يباشر الحرب بنفسه حتى ليم فى ذلك، ولقد رأيته يوم اليمامة يقاتل أشد القتال، إن كان مكانه ليتقى حتى يطلع إلينا منبهرا.
ولما تراجع المسلمون، وضرس القتال، تزمل طليحة بكساء له ينتظر، زعم أن ينزل عليه الوحى، فلما طال ذلك على أصحابه وهدتهم الحرب، جعل عيينة بن حصن يقاتل ويذمر الناس.
قال ابن إسحاق: قاتل يومئذ فى سبعمائة من فزارة قتالا شديدا، حتى إذا لج المسلمون عليهم بالسيف وقد صبروا لهم، أتى طليحة وهو متلثم فى كسائه، فقال: لا أبا لك، هل أتاك جبريل بعد؟ قال: يقول طليحة وهو تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد، فقال عيينة: تبا لك سائر اليوم، ثم رجع عيينة فقاتل، وجعل يحض أصحابه وقد ضجوا من وقع السيوف.
فلما طال ذلك على عيينة جاء طليحة وهو مستلق متسج بكسائه فجبذه جبذة جلس منها، وقال له: قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شىء؟ فقال: طليحة: قد قيل لى:
إن لك رحا كرحاه، وأمرا لن تنساه، فقال عيينة: أظن قد علم الله أن سيكون لك أمر لن تنساه، يا فزارة، هكذا، وأشار له تحت الشمس، هذا والله كذاب، ما بورك له ولا لنا فيما يطالب، فانصرفت فزارة، وذهب عيينة وأخوه فى آثارها، فيدرك عيينة فأسر، وأفلت أخوه، ويقال: أسر عيينة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائى، فأراد خالد قتله حتى كلمه فيه رجل من بنى مخزوم، فترك قتله.
ولما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون، خرج منهزما، وأسلمه الشيطان، فأعجزهم هو وأخوه، فجعل أصحابه يقولون له: ماذا ترى؟ وقد كان أعد فرسه وهيأ امرأته النوار فوثب على فرسه، وحمل امرأته وراءه فنجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل، ولينج بأهله، ثم هرب حتى قدم الشام، فأقام عند بنى جفنة الغسانيين.
وفى كتاب يعقوب الزهرى: أن طليحة قال لأصحابه لما رأى انهزامهم: ويلكم ما
(2/103)

يهزمكم؟ فقال له رجل منهم: أنا أخبرك أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله، وأنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه.
وذكر ابن إسحاق أن طليحة لما ولى هاربا تبعه عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وقد كان طليحة أعطى الله عهدا أن لا يسأله أحد النزول إلا فعل، فلما أدبر ناداه عكاشة: يا طليحة، فعطف عليه، فقتل عكاشة، ثم أدركه ثابت، فقتله أيضا طليحة، ثم لحق بالشام. وقال طليحة يذكر قتله إياهما:
زعمتم بأن القوم لن يقتلوكم ... أليسوا وإن لم يسلموا برجال
عدلت لهم صدر الحمالة إنها ... معودة قيل الكماة نزال
فيوما تفى بالمشرفية خدها ... ويوما تراها فى ظلال عوال
ويوما تراها فى الجلال مصونة ... ويوما تراها غير ذات جلال
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمى عند مجال
فإن يك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال
وقد قيل فى قتلها غير هذا، وهو ما ذكره الواقدى عن عميلة الفزارى، وكان عالما بردتهم: أن خالد بن الوليد كان لما دنا من القوم بعث عكاشة وثابتا طليعة أمامه، وكانا فارسين، فلقيهما طليحة وأخاه مسيلمة ابنى خويلد، طليعة لمن وراءهما من الناس، وخلفوا عسكرهم من ورائهم، فلما التقوا، انفرد طليحة بعكاشة، ومسلمة بثابت، فلم يلبث مسلمة أن قتل ثابتا، وصرخ طليحة بمسلمة: أعنى على الرجل فإنه قاتلى، فكر معه على عكاشة، فقاتلاه رحمه الله، ثم كرا راجعين إلى من وراءهما، وأقبل خالد معه المسلمون، فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم قتيلا تطؤه المطى، فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيرا حتى وطئوا عكاشة قتيلا، فثقل على المطى، كما وصف واصفهم، حتى ما تكاد المطى ترفع أخفافها.
وفى كتاب الزهرى: ثم لحقوا أصحاب طليحة، فقتلوا وأسروا، وصاح خالد: لا يطبخن رجل قدرا ولا يسخنن ماء إلا على أثفية رأس رجل، وتظلف رجل من بنى أسد، فوثب على عجز راحلة خالد وهو يقول:
لن يخزى الله قوما أنت قائدهم ... يا ابن الوليد ولن تشقى بك الدبر
كفاك كف عقاب عند سطوتها ... على العدو وكف برة عقر
أنشدك الله أن يكون هلاك مضر اليوم على يديك، قال: من أنت ويحك؟ قال: أنا
(2/104)

الأباء بن قيس يا خالد، حكمك فى بنى أسد، قال: حكمى فيهم أن يقيموا الصلاة، ثم يؤتوا الزكاة، ثم يرجعوا إلى بلادهم، فمن كان له بها مال فليعمده، وليسلم عليه، فهو له. فأقروا بذلك، فنادى خالد: من قام فهو آمن، فقام الناس كلهم، فآمن من قام.
وسمعت بذلك بنو عامر، فأعلنوا بالإسلام، وأمر خالد بالحظائر أن تبنى، ثم أوقد فيها النار، ثم أمر بالأسرى، فألقيت فيها، وألقى يومئذ حامية بن سبيع بن الحسحاس الأسدى، وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، استعمله على صدقات قومه فارتد عن الإسلام.
وأخذ أم طليحة، إحدى نساء بنى أسد، فعرض عليها الإسلام، فأبت، ووثبت فاقتحمت النار وهى تقول:
يا موت عم صباحا ... كافحته كفاحا
إذا لم أجد براحا
وذكر الواقدى عن يعقوب بن يزيد بن طلحة: أن خالدا جمع الأسارى فى الحظائر، ثم أضرمها عليهم، فاحترقوا وهم أحياء، ولم يحرق أحد من بنى فزارة، فقلت لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ فقال: بلغت عنهم مقالة سيئة، شتموا النبى صلى الله عليه وسلم، وثبتوا على ردتهم.
وذكر عن غير يعقوب: أن خالدا أمر بالأخدود يحفر، فقيل له: ما تريد بهذا الأخدود؟ قال: أحرقهم بالنار، فكلم فى ذلك، فقال: هذا عهد الصديق أبى بكر إلى، اقرؤه فى كل مجمع: إن أظفرك الله بهم فاحرقهم بالنار.
وعن عبد الله بن عمر، قال: شهدت بزاخة فظفرنا الله على طليحة، فكنا كلما أغرنا على القوم سبينا الذرارى واقتسمنا أموالهم.
ذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام
ولما أوقع الله ببنى أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة بعث خالد بن الوليد السرايا ليصيبوا ما قدروا عليه ممن هو على ردته، وجعلت العرب تسير إلى خالد راغبة فى الإسلام أو خائفة من السيف، فمنهم من أصابته السرية، فيقول: جئت راغبا فى الإسلام، وقد رجعت إلى ما خرجت منه، ومنهم من يقول: ما رجعنا ولكنا منعنا أموالنا وشححنا
(2/105)

عليها، فقد سلمناها فليأخذ منها حقه، ومنهم من لم تظفر به السرايا، فانتهى إلى خالد مقرا بالإسلام، ومنهم من مضى إلى أبى بكر الصديق ولم يقرب خالدا.
قال الواقدى: فاختلفوا علينا فى قرة بن هبيرة القشيرى «1» ، فقال قائل: هرب إلى أبى بكر وأسلم عنده، وقال قائل: أخذته خيل خالد، فأتت به إليه، ومنهم من قال: جاء إلى خالد بن الوليد شاردا حين جاءت بنو عامر إلى خالد، وهو أثبت عندنا.
قال بعضهم: وكانت بنو عامر تربص لمن الدبرة، وصاحب أمرهم قرة بن هبيرة، فقام فيهم أبو حرب ربيعة بن خويلد العقيلى، وهو يومئذ، فارس عامر ورجلها، فقال: مهلا يا بنى عامر، قد قتلتم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى بئر معونة، وأخفرتم ذمة أبى براء، وأرداكم عامر بن الطفيل، وقد أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، فكسرهم قوله، وقد رضوه، وكان عرض لعمرو بن العاص مقدمه من عمان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع قرة بن هبيرة ما نذكره، وذلك أن عمرا كان عاملا للنبى صلى الله عليه وسلم، على عمان، فجاءه يوما يهودى من يهود عمان، فقال: أرأيتك إن سألتك عن شىء أأخشى على منك؟ قال: لا، قال اليهودى: أنشدك الله، من أرسلك إلينا؟ قال: اللهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودى:
الله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: اللهم نعم، فقال اليهودى: لئن كان حقا ما تقول لقد مات اليوم.
فلما رأى عمرو ذلك جمع أصحابه وحواشيه، وكتب ذلك اليوم الذى قال له اليهودى فيه ما قال، ثم خرج بخفراء من الأزد وعبد القيس، يأمن بهم، فجاءته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهجر، ووجد ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى، فسار حتى قدم أرض بنى حنيفة، فأخذ منهم خفيرا حتى جاء أرض بنى عامر، فنزل على قرة بن هبيرة القشيرى، فقال له حين أراد عمرو أن يركب: إن لك عندى نصيحة، وأنا أحب أن تسمعها، إن صاحبك قد توفى، قال عمرو: وصاحبنا هو لا أم لك، يعنى دونك، قال له قرة: وإنكم يا معشر قريش كنتم فى حرمكم تأمنون فيه ويأمنكم الناس، ثم خرج منكم رجل يقول ما سمعت، فلما بلغنا ذلك لم نكرهه، وقلنا، رجل من مضر يريد يسوق الناس، وقد توفى، والناس إليكم سراع، وإنهم غير معطيكم شيئا، فالحقوا بحرمكم تأمنون فيه، وإن كنت غير فاعل، فعدنى حيث شئت آتك، فوقع به عمرو وقال: إنى أرد عليك نصيحتك، وموعدك حفش أمك، قال قرة: إنى لم أرد هذا، وندم على مقالته، ويقال:
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2138) ، الإصابة الترجمة رقم (7121) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4296) ، الجرح والتعديل (7/ 740) ، التاريخ الكبير (7/ 181) .
(2/106)

خرج مع عمرو فى مائة من قومه خفراء له. وأقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين، حتى أتى على ذى القصة، فلقى عيينة بن حصن خارجا من المدينة، وذلك حين قدم على أبى بكر يقول: إن جعلت لنا شيئا كفيناك ما وراءنا، فقال له عمرو بن العاص: ما وراءك يا عيينة؟ من ولى الناس أمورهم؟ قال: أبو بكر. فقال عمرو: الله أكبر، قال عيينة: يا عمرو، استوينا نحن وأنتم، فقال عمرو: كذبت يا ابن الأخابث من مضر، وسار عيينة فجعل يقول لكل من لقى من الناس: احبسوا عليكم أموالكم. قالوا: فأنت ما تصنع؟ قال: لا يدفع إليه رجل من فزارة عناقا واحدة، ولحق عند ذلك بطليحة الأسدى، فكان معه.
وقدم عمرو المدينة، فأخبر أبا بكر بما كان فى وجهه، وبمقالة قرة بن هبيرة، وبمقالة عيينة بن حصن، وأتى عمرو خالدا حين بعثه أبو بكر إلى أهل الردة، فجعل يقول: يا أبا سليمان، لا يفلت منك قرة بن هبيرة، فلما صنع الله بأهل بزاخة ما صنع، عمد خالد إلى جبلى طيىء فأتته عامر وغطفان يدخلون فى الإسلام، ويسألونه الأمان على مياههم وبلادهم، وأظهروا له التوبة، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فأمنهم خالد، وأخذ عليهم العهود والمواثيق ليبايعن على ذلك أبناءكم ونساءكم آناء الليل وآناء النهار، فقالوا: نعم نعم، ولما اجتمعوا إليه، قال خالد: أين قرة بن هبيرة القشيرى؟ قال: ها أنا ذا، قال: قدمه فاضرب عنقه، وقال: أنت المتكلم لعمرو بن العاص بما تكلمت به وأنت المتربص بالمسلمين الدوائر، ولم تنصر وقلت إن كانت الدائرة على المسلمين فمالى بيدى، وجمعت قومك على ذلك، ورأسك قومك، ولم تكن بأهل أن ترأس ولا تطاع. قال: يا ابن المغيرة، إن لى عند عمرو بن العاص شهادة، فقال خالد: عمرو الذى نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمت به.
ويروى أنه قال له هذا ما قال لك عمرو: سيأتيك فى حفش أمك. فقال له قرة: يا أبا سليمان، إنى قد أجرته فأحسنت جواره، وأنا مسلم لم أرتد، فقال: لولا ما تذكر لضربت عنقك، ولكن لا بد أن أبعث بك فى وثاق إلى أبى بكر فيرى فيك رأيه، فلما فرغ من بيعة بنى عامر أوثق عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة، وبعث بهما إلى أبى بكر الصديق.
قال ابن عباس: فقدم بهما المدينة فى وثاق، فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد، ويضربونه، ويقولون: أى عدو الله، أكفرت بالله بعد إيمانك؟ فيقول: والله ما كنت آمنت بالله.
(2/107)

قالوا: ووقف عليه عبد الله بن مسعود، فقال: خبت وخسرت، إنك لموضع فى الباطل قديما، فقال له عيينة: اقصر أيها الرجل، فلولا ما أنا فيه لم تكلمنى بما تكلمنى به، فانصرف ابن مسعود، وأتى بقرة بن هبيرة، فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما كفرت، وسل عمرو بن العاص، فإن لى عنده شهادة، لما أقبل من عمان خرجت فى مائة من قومى خفراء له، وقبل ذلك ما أكرمت منزله، ونحرت له، فسأل أبو بكر رضى الله عنه، عمرا، فقال: نزلت به، فلم أر للضيف خيرا منه، لم يترك، وخرج معى فى مائة من قومه؛ ثم ذكر عمرو ما قال له قرة، فقال قرة: انزع يا عمرو، فقال عمرو: لو نزعت نزعت، فلم يعاقبه أبو بكر، وعفا عنه، وكتب له أمانا، وقبل منه.
وكان فيمن ارتد من بنى عامر ولم يرجع معهم علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، فبعث أبو بكر إلى ابنته وامرأته ليأخذهما، فقالت امرأته: مالى ولأبى بكر، إن كان علقمة قد كفر فإنى لم أكفر، فتركها، ثم راجع علقمة الإسلام زمن عمر رضى الله عنه، فرد عليه زوجته.
وأخذ خالد بن الوليد من بنى عامر وغيرهم من أهل الردة ممن جامعهم وبايعه على الإسلام كل ما ظهر من سلاحهم، واستحلفهم على ما غيبوا عنه، فإن حلفوا تركهم، وإن أبوا شدهم أسرا حتى أتوا بما عندهم من السلاح، فأخذ منهم سلاحا كثيرا، فأعطاه أقواما يحتاجون إليه فى قتال عدوهم، وكتبه عليهم، فلقوا به العدو ثم ردوه بعد، فقدم به على أبى بكر، رضى الله عنه.
وحدث يزيد بن شريك الفزارى، عن أبيه، قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبى بكر وافدا حين فرغ خالد من بزاخة، وجعلت أسد وغطفان تسلل، فاجتمعوا عند أبى بكر، فمنهم من بايع خالدا، ومنهم من لم يبايعه، فجاؤا إلى أبى بكر، فقال أبو بكر:
اختاروا بين خصلتين: حرب مجلية أو سلم مخزية، قال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفتها، فلما السلم المخزية؟.
قال: تقرون أن قتلانا فى الجنة، وأن قتلاكم فى النار، وأن تردوا علينا ما أخذتم منا، ولا نرد عليكم مما أخذنا منكم شيئا، وأن تدوا قتلانا دية كل قتيل مائة بعير، منها أربعون فى بطونها أولادها، ولا ندى قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع، وتلحقون بأذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم أو يرى منكم إقبالا إلى ما خرجتم منه. فقال خارجة بن حصن: نعم يا خليفة رسول الله، قال أبو بكر: عليكم
(2/108)

عقد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلموه أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله فى أموالكم، قالوا: نعم، فقال عمر: يا خليفة رسول الله، كل ما قلت كما قلت إلا أن يدوا من قتلوا منا، فإنهم قوم قتلوا فى سبيل الله، واستشهدوا.
وفى رواية: فتتابع الناس على قول عمر، وقبض أبو بكر رضى الله عنه، كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى، رأى عمر رضى الله عنه، أن الإسلام قد ضرب بجرانه، فدفعه إلى أهله، أو إلى عصبة من مات منهم.
ولما فرغ خالد من بزاخة وبنى عامر ومن يليهم، أظهر أن أبا بكر عهد إليه أن يسير إلى أرض بنى تميم وإلى اليمامة، فقال ثابت بن قيس بن شماس، وهو على الأنصار، وخالد على جماعة المسلمين: ما عهد إلينا ذلك، وما نحن بسائرين، وليست بنا قوة، وقد كلّ المسلمون، وعجف كراعهم. فقال خالد: أما أنا فلست بمستكره أحدا منكم، فإن شئتم فسيروا، وإن شئتم فأقيموا، فسار خالد ومن تبعه من المهاجرين وأبناء العرب، عامدا لأرض بنى تميم، واليمامة، وأقامت الأنصار يوما أو يومين، ثم تلاومت فيما بينها، وقالوا: والله ما صنعنا شيئا، والله لئن أصيب القوم ليتولن: أخذلتموهم وأسلمتموهم، وإنها لسبة باق عارها آخر الدهر، ولئن أصابوا خيرا وفتح الله فتحا، إنه لخير منعتموه، فابعثوا إلى خالد يقيم لكم حتى تلحقوه، فبعثوا إليه مسعود بن سنان، ويقال: ثعلبة بن غنمة، فلما جاءه الخبر أقام حتى لحقوه، فاستقبلهم فى كثرة من معه من المسلمين، لما أطلوا على العسكر حتى نزلوا، وساروا جميعا حتى انتهى خالد بهم إلى البطاح من أرض بنى تميم، فلم يجد بها جمعا، ففرق السرايا فى نواحيها، وكان فى سرية منها أبو قتادة الأنصارى.
قال: فلقينا رجل، فقلنا: ممن أنت؟ قال: من بنى حنظلة، فقلنا: أين من يمنع الصدقة منا الآن؟ قال: هم بمكان كذا وكذا، فقلت: كم بيننا؟ قال: مائة، فانطلقنا سراعا حتى أتيناهم حين طلعت الشمس، ففزعوا حين رأونا، وأخذوا السلاح، وقالوا: من أنتم؟ قلنا:
نحن عباد الله المسلمون، قالوا: ونحن عباد الله المسلمون، وكانوا اثنى عشر رجلا، فيهم مالك بن نويرة، قلنا: فضعوا السلاح واستسلموا، ففعلوا، فأخذناهم، فجئنا بهم خالدا.
وذكر من خبرهم ما يأتى بعد إن شاء الله تعالى.
وكان مالك بن نويرة قد بعثه النبى صلى الله عليه وسلم، مصدقا إلى قومه بنى حنظلة، وكان سيدهم، فجمع صدقاتهم، فلما بلغته وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، جفل إبل الصدقة، أى ردها من حيث
(2/109)

جاءت، فلذلك سمى الجفول، وجمع قومه، فقال: إن هذا الرجل قد هلك، فإن قام قائم من قريش بعد نجتمع عليه جميعا، إن رضى منكم أن تدخلوا فى أمره، ولم يطلب ما مضى من هذه الصدقة أبدا، ولم تكونوا أعطيتم الناس أموالكم، فأنتم أولى بها وأحق، فتسارع إليه جمهور قومه وفرحوا بذلك، فقام ابن قعنب، وكان سيد بنى يربوع، فقال:
يا بنى تميم، بئس ما ظننتم، أن ترجعوا فى صدقاتكم ولا يرجع الله فى نعمه عليكم، وأن تجردوا للبلاء ويلبسكم الله العافية، وأن تستشعروا خوف الكفر، وأن تسكنوا فى أمن الإسلام، إنكم أعطيتم قليلا من كثير، والله مذهب الكثير بالقليل ومسلط على أموالكم غدا من لا يأخذها على الرضى ولا يخيركم فى الصدقة، وإن منعتموها قتلتم، فأطيعوا الله واعصوا مالكا.
فقام مالك، فقال: يا معشر بنى تميم، إنما رددت عليكم أموالكم إكراما لكم، وبقيا عليكم، وإنه لا يزال يقوم قائم منكم يخطئنى فى ردها عليكم ويخطئكم فى أخذها، فما أغنانى عما يضرنى ولا ينفعكم، فو الله ما أنا بأحرصكم على المال، ولا بأجزعكم من الموت، ولا بأخفاكم شخصا إن أقمت، ولا بأخفكم رحلة إن هربت، فترضاه عند ذلك بنو حنظلة، وأسندوا إليه أمرهم، وقالوا: حربنا حربك وسلمنا سلمك، فأخذوا أموالهم، وأبى الله إلا أن يتم أمره فيهم، وقال فى ذلك مالك:
وقال رجال سدد اليوم مالك ... وقال رجال مالك لم يسدد
فقلت دعونى لا أبا لأبيكم ... فلم أخط رأيا فى المعاد ولا البد
وقلت خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجىء به غد
فدونكموها إنها صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرد
سأجعل نفسى دون ما تحذرونه ... وأرهنكم يوما بما قلته يدى
فإن قام بالأمر المخوف قائم ... أطعنا وقلنا الدين دين محمد
ولما بلغ ذلك أبا بكر والمسلمين حنقوا على مالك، وعاهد الله خالد بن الوليد لئن أخذه ليقتلنه، ثم ليجعلن هامته أثفية للقدر، فلما أتى به أسيرا فى نفر من قومه، أخذوا معه كما تقدم.
اختلف فيه الذين أخذوهم، فقال بعضهم: قد والله أسلموا، فما لنا عليهم من سبيل وفيمن شهد بذلك أبو قتادة الأنصارى، وكان معهم فى تلك السرية، وقالوا: إنا قد أذنا فأذنوا، ثم أقمنا فأقاموا، ثم صلينا فصلوا.
(2/110)

وكان من عهد أبى بكر إلى خالد أن: أيما دار غشيتموها فسمعتم الأذان فيها بالصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ماذا نقموا وماذا يبغون، وأيما دار غشيتموها فلم تسمعوا فيها الأذان، فشنوا عليها الغارة، فاقتلوا وحرقوا.
وشهد بعض من كان فى تلك السرية أنهم لم يسلموا، وأنهم لم يسمعوهم كبروا ولا أذنوا، وأن قتلهم وسبيهم حلال، وكان ذلك رأى خالد فيهم.
قال أبو قتادة: فجئته فقلت: أقاتل أنت هؤلاء القوم؟ قال: نعم، قلت: والله ما يحل لك قتلهم، ولقد اتقونا بالإسلام، فما عليهم من سبيل، ولا أتابعك على قتلهم، فأمر بهم خالد فقتلوا.
قال أبو قتادة: فتسرعت حتى قدمت على أبى بكر، فأخبرته الخبر، وعظمت عليه الشأن، فاشتد فى ذلك عمر، وقال: ارجم خالدا، فإنه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر:
والله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأه.
وذكر يعقوب بن محمد الزهرى والواقدى فى مقتل مالك بن نويرة روايات غير ما تقدم، أستغنى عن إيرادها بما ذكر هنا. وفى بعض ذلك أن خالدا أمر برأسه فجعل أثفية لقدر حسب ما تقدم من نذره ذلك، وكان من أكثر الناس شعرا، فكانت القدر على رأسه، فراحوا وإن شعره ليدخن وما خلصت النار إلى شواة رأسه.
وعاتب أبو بكر خالدا لما قدم عليه فى قتل مالك بن نويرة مع ما شهد له به أبو قتادة وغيره، فاعتذر إليه خالد، وزعم أنه سمع منه كلاما استحل به قتله، فعذره أبو بكر وقبل منه.
ورثا متمم بن نويرة «1» أخاه مالكا بقصائد كثيرة منها قصيدته المشهورة المتخيرة فى مراثى العرب التى يقول فيها «2» :
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا
فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ويروى أن عمر بن الخطاب رحمه الله، قال لمتمم بن نويرة: لوددت أنى رثيت أخى زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، وكان زيد أصيب يوم اليمامة، فقال له متمم: يا أبا
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2541) ، الإصابة الترجمة رقم (7733) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4666) .
(2) انظر الأبيات فى ديوانه ص (11) .
(2/111)

حفص، والله لو علمت أن أخى صار حيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزانى أحد عن أخى بمثل تعزيته.
قصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة «1»
عن رافع بن خديج قال: قدمت على النبى صلى الله عليه وسلم، وفود العرب، فلم يقدم علينا وفد أقسى قلوبا ولا أحرى أن يكون الإسلام لم يقر فى قلوبهم من بنى حنيفة.
وقد تقدم ذكر قدوم مسيلمة فى قومه، وأنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما أنه ليس بشركم مكانا، لما كانوا أخبروه به من أنهم تركوه فى رحالهم حافظا لها» «2» .
ويروى من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر له مسيلمة، قال عندما قدم فى قومه: لو جعل لى محمد الخلافة من بعده لاتبعته، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، معه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ميتخة من نخل فوقف عليه، ثم قال: «لئن أقبلت ليفعلن الله بك، ولئن أدبرت ليقطعن الله دابرك، وما أراك إلا الذى رأيت فيه ما رأيت، ولئن سألتنى هذه الشظية، لشظية من الميتخة التى فى يده، ما أعطيتكها، وهذا ثابت يجيبك» .
قال ابن عباس: فسألت أبا هريرة عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا الذى رأيت فيه ما رأيت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «بينا أنا نائم، رأيت فى يدى سوارين من ذهب، فنفختهما فطارا، فوقع أحدهما باليمامة، والآخر باليمن، قيل: ما أولتهما يا رسول الله؟
قال: أولتهما كذابين يخرجان من بعدى» «3» .
ولما انصرف فى قومه إلى اليمامة، ارتد عدو الله، وادعى الشركة فى النبوة مع النبى صلى الله عليه وسلم، وقال للوفد الذين كانوا معه: «ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له: أما أنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما علم أنى أشركت فى الأمر معه» ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإنى قد أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون.
__________
(1) راجع: المنتظم (4/ 79- 83) ، تاريخ الطبرى (3/ 280- 281) .
(2) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 691) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 317) .
(3) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 217، 9/ 52) ، مسند الإمام أحمد (1/ 263) ، البداية والنهاية لابن كثير (5/ 50) ، فتح البارى لابن حجر (12/ 420) .
(2/112)

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذا الكتاب رسولان لمسيلمة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرآ كتابه: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال: «أما والله لولا أن الرسل ما تقتل لضربت أعناقكما» ، ثم كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين «1» » .
قال ابن إسحاق: وكان ذلك فى آخر سنة عشر، وذكر غيره أن ذلك كان بعد انصراف النبى صلى الله عليه وسلم، من حجة الوداع، ووقوعه فى المرض الذى توفاه الله فيه، فالله تعالى أعلم.
وجد بعدو الله ضلاله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصفقت معه حنيفة على ذلك، إلا أفدادا من ذوى عقولهم، ومن أراد الله به الخير منهم، وكان من أعظم ما فتن به قومه شهادة الرجال بن عنفوة له بإشراك النبى صلى الله عليه وسلم، إياه فى الأمر، وكان من قصة الرجال أنه قدم مع قومه وافدا على النبى صلى الله عليه وسلم، فقرأ القرآن وتعلم السنن.
قال ابن عمر: وكان من أفضل الوفد عندنا، قرأ البقرة وآل عمران، وكان يأتى أبيا يقرئه فقدم اليمامة، وشهد لمسيلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أشركه فى الأمر من بعده، فكان أعظم أهل اليمامة فتنة من غيره، لما كان يعرف به.
وقال رافع بن خديج: كان بالرجال من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير فيما نرى شىء عجيب، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوما وهو معنا جالس مع نفر، فقال: «أحد هؤلاء النفر فى النار» «2» . قال رافع: فنظرت فى اليوم، فإذا بأبى هريرة وأبى أروى الدوسى وطفيل بن عمرو الدوسى، والرجال بن عنفوة، فجعلت أنظر وأعجب، وأقول:
من هذا الشقى؟ فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجعت بنو حنيفة، فسألت: ما فعل الرجال؟
قالوا: افتتن، هو الذى شهد لمسيلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أشركه فى الأمر من بعده، فقلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق.
قالوا: وسمع الرجال يقول: كبشان انتطحا، فأحبهما إلينا كبشنا. وكان ابن عمير اليشكرى من سراة أهل اليمامة وأشرافهم، وكان مسلما يكتم إسلامه، وكان صديقا
__________
(1) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (6/ 384) ، مسند أبى حنيفة (180) .
(2) انظر الحديث فى: معجم الطبرانى الكبير (4/ 338) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 181) ، مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 290) .
(2/113)

للرجال، فقال شعرا فشا فى اليمامة حتى كانت المرأة والوليدة والصبى ينشدونه، فقال:
يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلى بفتنة الرجال
إنها يا سعاد من حديث الده ... ر عليكم كفتنة الرجال
فتن القوم بالشهادة والل ... هـ عزيز ذو قوة ومحال
لا يساوى الذى يقول من الأم ... ر قبالا وما احتذى من قبال
إن دينى دين النبى وفى القو ... م رجال على الهدى أمثالى
أهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجال
بزهم أمرهم مسيلمة اليو ... م فلن يرجعوه أخرى الليالى
قلت للنفس إذ تعاظمها الصب ... ر وساءت مقالة الأقوال
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
إن تكن ميتتى على فطرة الل ... هـ حنيفا فإننى لا أبالى
فبلغ ذلك مسيلمة، ومحكما، وأشراف أهل اليمامة، فطلبوه، ففاتهم، ولحق بخالد بن الوليد، فأخبره بحال أهل اليمامة، ودله على عوراتهم، وقالوا: إن رجلا من بنى حنيفة كان أسلم، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحسن إسلامه، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى مسيلمة ليقدم به عليه، وقال الحنفى: إن أجاب أحدا من الناس أجابنى، وعسى أن يجيبه الله، فخرج حتى أتاه، فقال: إن محمدا قد أحب أن تقدم عليه، فإنك لو جئته لم يفارقك إلا عن رضى، ورفق له، وجعل يأتيه خاليا، فيلقى هذا القول إليه، فلما أكثر عليه قال:
انظر فى ذلك، فشاور الرجال بن عنفوة وأصحابه، فقالوا: لا تفعل، إن قدمت عليه قتلك، ألم تسمع كلامه وما قال.
فأبى مسيلمة أن يقدم معه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث معه رجلين ممن يصدق به ليكلماه ويخبراه بما قال الحنفى، فخرج الرسولان حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع رسوله، فتشهد أحدهما برسول الله وحده، ثم كلمه بما بدا له، فلما قضى كلامه تشهد الآخر، فذكر رسول الله وذكر مسيلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت، خذوا هذا فاقتلوه» ، فثار المسلمون إليه يلببونه، وأخذ صاحبه بحجزه وجعل يقول: يا رسول الله، اعف عنه، بأبى أنت وأمى، فيجاذبه إياه المسلمون، فلما أرسلوه تشهد بذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم وحده، وأسلم هو وصاحبه، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجا فقدما على أهليهما باليمامة، وقد فتن الذى أمسك بحجزة صاحبه ذلك، فقتل مع مسيلمة، وثبت المسمك بحجزته، وكان بعد يخبر خالد بن الوليد بعورة بنى حنيفة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسوله
(2/114)

إلى مسيلمة كيف رفق به حتى أراد أن يقدم لولا أن الرجال نهاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يقتله الله، ويقتل الرجال معه، ففعل الله ذلك بهما، وأنجز وعده فيهما.
واستضاف مسيلمة إلى ضلاله فى دين الله وتكذبه على الله ضلالة سجاح، وكانت امرأة من بنى تميم، أجمع قومها أنها نبية، فادعت الوحى، واتخذت مؤذنا وحاجبا ومنبرا، فكانت العشيرة إذا اجتمعت تقول: الملك فى أقربنا من سجاح، وفيها يقول عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
ثم إن سجاح رحلت تريد حرب مسيلمة، وأخرجت معها من قومها من تابعها على قولها وهم يرون أن سجاح أولى بالنبوة من مسيلمة، فلما قدمت عليه خلا بها، وقال لها: تعالى نتدارس النبوة، أينا أحق؟ فقالت سجاح: قد أنصفت، وفى الخبر بعد هذا من قوله ما يحق الإعراض عن ذكره.
وقد قيل إن سجاح إنما توجهت إلى مسيلمة مستجيرة به لما وطئ خالد العرب ورأت أنه لا أحد أعز لها منه، وقد كانت أمرت مؤذنها شبت بن ربعى أن يؤذن بنبوة مسيلمة، فكان يفعل، فلما قدمت على مسيلمة قالت: اخترتك على من سواك ونوهت باسمك، حتى إن مؤذنى ليؤذن بنبوتك، فخلا بها ليتدارسا النبوة.
ولما قتل مسيلمة، أخذ خالد بن الوليد سجاح، فأسلمت ورجعت إلى ما كانت عليه، ولحقت بقومها.
وعظمت فتنة بنى حنيفة بكذابهم هذا حتى كان يدعو لمريضهم ويبرك على مولودهم، ولا ينهاهم عن اغترارهم به ما يشاهدون من قلة غنائه عنهم. جاءه قوم بمولود، فمسح رأسه فقرع وقرع كل مولود له، وجاءه آخر، فقال: يا أبا ثمامة، إنى ذو مال، وليس لى مولود يبلغ سنتين حتى يموت غير هذا المولود، وهو ابن عشر سنين، ولى مولود ولد أمس، فأحب أن تبارك فيه وتدعو أن يطيل الله عمره، فقال: سأطلب لك الذى طلبت، فجعل عمر المولود أربعين سنة، فرجع الرجل إلى منزله مسرورا، فوجد الأكبر قد تردى فى بئر، ووجد الصغير ينزع فى الموت، فلم يمس من ذلك اليوم حتى ماتا جميعا، تقول أمهما: فلا والله ما لأبى ثمامة عند إلهه مثل منزلة محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وحفرت بنو حنيفة بئرا، فأعذبوها نتاحا، فجاؤا إلى مسيلمة، فطلبوا إليه أن يأتيها، وأن يبارك فيها، فأتاها، فبصق فيها، فعادت أجاجا.
(2/115)

وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، قد عاهد خالدا إذا فرغ من أسد وغطفان والضاحية أن يقصد اليمامة، وأكد عليه فى ذلك، فلما أظفر الله خالدا بأولئك تسلل بعضهم إلى المدينة يسألون أبا بكر أن يبايعهم على الإسلام ويؤمنهم، فقال لهم: بيعتى إياكم وأمانى لكم أن تلحقوا بخالد بن الوليد ومن معه من المسلمين، فمن كتب إلى خالد بأنه حضر معه اليمامة فهو آمن، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا تقدموا على، اجعلوا وجوهكم إلى خالد.
قال أبو بكر بن أبى الجهم: أولئك الذين لحقوا خالد بن الوليد من الضاحية الذين كانوا انهزموا بالمسلمين يوم اليمامة ثلاث مرات، وكانوا على المسلمين بلاء.
وقال شريك الفزارى: كنت ممن حضر بزاخة مع عيينة بن حصن، فرزق الله الإنابة، فجئت أبا بكر، فأمرنى بالمسير إلى خالد، وكتب معى إليه: أما بعد، فقد جاءنى كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك الله بأهل بزاخة، وما فعلت بأسد وغطفان، وإنك سائر إلى اليمامة، وذلك عهدى إليك، فاتق الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين، كن لهم كالوالد، وإياك يا خالد بن الوليد ونخوة بنى المغيرة، فإنى قد عصيت فيك من لم أعصه فى شىء قط، فانظر بنى حنيفة إذا لقيتهم إن شاء الله، فإنك لم تلق قوما يشبهون بنى حنيفة كلهم عليك، ولهم بلاد واسعة، فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك، واجعل على ميمنتك رجلا وعلى ميسرتك رجلا، واجعل على خيلك رجلا، واستشر من معك من الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، واعرف لهم فضلهم، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم، فالقهم إن شاء الله وقد أعددت للأمور أقرانها، فالسهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإذا صرت إلى السيف فهو الثكل، فإن أظفرك الله بهم فإياك والإبقاء عليهم، اجهز على جريحهم، واطلب مدبرهم، واحمل أسيرهم على السيف، وهول فيهم القتل، واحرقهم بالنار، وإياك أن تخالف أمرى، والسلام عليك.
فلما انتهى الكتاب إلى خالد اقترأه، وقال: سمع وطاعة.
ولما اتصل بأهل اليمامة مسير خالد إليهم بعد الذى صنع الله له فى أمثالهم حيرهم ذلك وجزع له محكم بن الطفيل سيدهم، وهم أن يرجع إلى الإسلام، فبات يتلوى على فراشه، وهو يقول:
أرى الركبان تخبر ما كرهنا ... أكل الركب يكذب ما يقول
(2/116)

ألا لا ليس كلهم كذوبا ... وقد كذبوا وكذبهم قليل
وقد صدقوا لهم منا ومنهم ... لنا إن حاربوا يوم طويل
فقل لابن الوليد وللمنايا ... على السراء والضراء دليل
أيقطع بيننا حبلا وصال ... فليس إليهما أبدا سبيل
وما فى الحرب أعظم من جريح ... وعان خر بينهما قتيل
فلما سمع القوم كلامه، عرفوا أنه ثابت على ضلالته معهم، وفرح بذلك منه مسيلمة، وكان محكم سيد أهل اليمامة، وكان صديقا لزياد بن لبيد بن بياضة من الأنصار، فقال له خالد فى بعض الطريق: لو ألقيت إلى محكم شيئا تكسره به، فإنه سيد أهل اليمامة، وطاعة القوم له، فبعث إليه مع راكب، ويقال: بل بعث بها إليه حسان بن ثابت من المدينة:
يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم ... لله در أبيكم حية الوادى
يا محكم بن طفيل إنكم نفر ... كالشاء أسلمها الراعى لآساد
ما فى مسيلمة الكذاب من عوض ... من دار قوم وإخوان وأولاد
فاكفف حنيفة عنه قبل نائحة ... تنعى فوارس شاخ شجوها بادى
لا تأمنوا خالدا بالبرد معتجرا ... تحت العجاجة مثل الأغضف العاد
ويل اليمامة ويلا لا فراق له ... إن جالت الخيل فيها بالقنا الصاد
والله لا تنثنى عنكم أعنتها ... حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد
ووردت على محكم، وقيل له: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، فقال: رضى خالد أمرا ورضينا غيره، وما ينكر خالد أن يكون فى بنى حنيفة من قد أشرك فى الأمر، فسيرى خالد إن قدم علينا يلق قوما ليسوا كمن لقى، ثم خطب أهل اليمامة فقال: يا معشر أهل اليمامة إنكم تلقون قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم، فابذلوا أنفسكم دون صاحبكم، فإن أسدا وغطفان إنما أشار إليهم خالد بذباب السيف، فكانوا كالنعام الشارد، وقد أظهر خالد بن الوليد بأوا حيث أوقع ببزاخة ما أوقع، وقال: هل حنيفة إلا كمن لقينا.
وكان عمير بن ضابئ اليشكرى فى أصحاب خالد، وكان من سادات اليمامة، ولم يكن من أهل حجر، كان من أهل ملمم، وهى لبنى يشكر، فقال له خالد: تقدم إلى قومك، فاكسرهم، فأتاهم، ولم يكونوا علموا بإسلامه، وكان مجتهدا فارسا سيدا، فقال: يا معشر أهل اليمامة، أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، تركت القوم يتتابعون
(2/117)

إلى فتح اليمامة، قد قضوا وطرا من أسد وغطفان وعليا وهوازن، وأنتم فى أكفهم، وقولهم: لا قوة إلا بالله، إنى رأيت أقواما إن غلبتموهم بالصبر غلبوكم بالنصر، وإن غلبتموهم على الحياة غلبوكم على الموت، وإن غلبتموهم بالعدد غلبوكم بالمدد، لستم والقوم سواء، الإسلام مقبل، والشرك مدبر، وصاحبهم نبى، وصاحبكم كذاب، ومعهم السرور، ومعكم الغرور، فالآن والسيف فى غمده والنبل فى جفيره قبل أن يسل السيف ويرمى بالسهم سرت إليكم مع القوم عشرا.
فكذبوه واتهموه، فرجع عنهم، وقام ثمامة بن أثال الحنفى «1» فى بنى حنيفة، فقال:
اسمعوا منى وأطيعوا أمرى ترشدوا، إنه لا يجتمع نبيان بأمر واحد، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم، لا نبى بعده، ولا نبى مرسل معه، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: 1، 3] .
هذا كلام الله عز وجل، أين هذا من: يا ضفدع نقى كم تنقين، لا الشرب تمنعين، ولا الماء تكدرين، والله إنكم لترون أن هذا الكلام ما يخرج من إل، وقد استحق محمد صلى الله عليه وسلم، أمرا أذكره به، مر بى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا على دين قومى، فأردت قتله، فحال بينى وبينه عمير، وكان موفقا، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، دمى، ثم خرجت معتمرا، فبينا أنا أسير قد أظللت على المدينة أخذتنى رسله فى غير عهد ولا ذمة، فعفا عن دمى وأسلمت، فأذن لى فى الخروج إلى بيت الله، وقلت: يا رسول الله، إن بنى قشير قتلوا أثالا فى الجاهلية، فأذن لى أغزهم، فغزوتهم، وبعثت إليه بالخمس، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بهذا الأمر من بعده رجل هو أفقههم فى أنفسهم، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ثم بعث إليكم رجلا لا يسمى باسمه ولا اسم أبيه، يقال له: سيف الله، معه سيوف لله كثيرة، فانظروا فى أمركم «2» ، فآذاه القوم جميعا، أو من آذاه منهم، فقال ثمامة:
مسيلمة ارجع ولا تمحك ... فإنك فى الأمر لم تشرك
كذبت على الله فى وحيه ... فكان هواك هوى الأنوك
ومناك قومك أن يمنعوك ... وإن يأتهم خالد تترك
فما لك من مصعد فى السماء ... ولا لك فى الأرض من مسلك
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (282) ، الإصابة الترجمة رقم (963) ، الوافى بالوفيات (11/ 219) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 69) .
(2) راجع ما ذكره ابن عبد البر فى الاستيعاب فى قصة ثمامة الترجمة رقم (282) .
(2/118)

ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح «1»
قالوا: ولما سار خالد بن الوليد من البطاح، ووقع فى أرض بنى تميم، قدم أمامه مائتى فارس عليهم معن بن عدى العجلانى، وبعث معه فرات بن حيان العجلى دليلا، وقدم عينين له أمامه، مكنف بن زيد الخيل الطائى، وأخاه.
وذكر الواقدى: أن خالدا لما نزل العارض، قدم مائتى فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فانطلقوا حتى أخذوا مجاعة بن مرارة الحنفى فى ثلاثة وعشرين رجلا من قومه قد خرجوا فى طلب رجل من بنى نمير أصاب فيهم دما، فخرجوا وهم لا يشعرون بمقبل خالد، فسألوهم: ممن أنتم؟ قالوا: من بنى حنيفة، فظن المسلمون أنهم رسل من مسيلمة إلى خالد، فلما أصبحوا وتلاحق الناس، جاؤا بهم إلى خالد، فلما رآهم ظن أيضا، أنهم رسل من مسيلمة، فقال: ما تقولون يا بنى حنيفة فى صاحبكم؟ فشهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لمجاعة: ما تقول أنت؟ فقال: والله ما خرجت إلا فى طلب رجل من بنى نمير أصاب فينا دما، وما كنت أقرب مسيلمة، ولقد قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت، وما غيرت ولا بدلت، فقدم القوم، فضرب أعناقهم على دم واحد، حتى إذا بقى سارية بن مسيلمة بن عامر قال: يا خالد، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرا أو شرا فاستبق هذا، يعنى مجاعة «2» ، فإنه لك عون على حربك وسلمك.
وكان مجاعة شريفا، فلم يقتله، وأعجب بسارية وكلامه، فتركه أيضا، وأمر بهما فأوثقا فى جوامع حديد، وكان يدعو مجاعة وهو كذلك فيتحدث معه، ومجاعة يظن أن خالدا يقتله، فبينما هما يتحدثان، قال له: يا ابن المغيرة، إن لى إسلاما، والله ما كفرت، ولقد قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده مسلما، وما خرجت لقتال، وأعاد ذكر خروجه فى طلب النميرى، فقال خالد: إن بين القتل والترك منزلة، وهى الحبس حتى يقضى الله فى حربنا ما هو قاض، ودفعه إلى أم متمم امرأته التى تزوجها لما قتل زوجها مالك بن نويرة وأمرها أن تحسن إساره، فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه لأن يشير عليه ويخبره عن عدوه، فقال: يا خالد، إنه من خاف يومك خاف غدك، ومن
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 78- 79) ، تاريخ الطبرى (3/ 276) ، الأغانى (15/ 229- 302) .
(2) هو: مجاعة بن مرارة اليمامى. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2545) ، الإصابة الترجمة رقم (7738) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4971) ، تهذيب الكمال (3/ 1304) ، تقريب التهذيب (2/ 229) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 51) .
(2/119)

رجاك رجاهما، ولقد خفتك ورجوتك، ولقد علمت أنى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبايعته على الإسلام، ثم رجعت إلى قومى، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكن كذاب خرج فينا، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: 18] .
وقد عجلت فى قتل أصحابى قبل التأنى بهم، والخطأ مع العجلة، فقال خالد: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيرى، إقرارا له، ورضى بما جاء به، فهلا أبليت عذرا، فتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد وأنكر، وقد تكلم اليشكرى، فإن قلت أخاف قومى، فهلا عمدت إلىّ تريد لقائى، أو كتبت إلىّ كتابا أو بعثت إلىّ رسولا، وأنت تعلم أنى قد أوقعت بأهل بزاخة، وزحفت بالجيوش إليك. فقال مجاعة: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله فعلت. فقال خالد: قد عفوت عن دمك، ولكن فى نفسى من تركك حوجا بعد، فقال مجاعة: أما إذا عفوت عن دمى فلا أبالى.
وكان خالد كلما نزل منزلا واستقر به دعا مجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرنى عن صاحبك يعنى مسيلمة، ما الذى يقرأ عليكم؟ هل تحفظ منه شيئا؟ قال:
نعم، فذكر له شيئا من رجزه، قال خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يا مجاعة، أراك رجلا سيدا عاقلا، اسمع إلى كتاب الله عز وجل، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقربه حتى لم يكن يعد له فى القرب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذاب، وما أظنكم تتهموننى عليه، إنكم لترون منزلتى عنده، وحالى، هو والله يكذبكم ويأتيكم بالباطل.
قال خالد: فما فعل ذلك البحرانى؟ قال: هرب منه، كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه، فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: فما كان فى هذا ناه ولا زاجر، ثم قال: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة: أخرج لكم حنطة وزؤانا، ورطبا وتمرانا، فى رجز له، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقا؟ وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غدا أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذا يكفيناهم الله ويعز دينه، فإياه تقاتلون ودينه تريدون.
(2/120)

وفى كتاب الأموى: ثم مضى خالد حتى نزل منزله من اليمامة، ببعض أوديتها، وخرج الناس مع مسيلمة.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: لما أشرف خالد بن الوليد وأجمع أن ينزل عقرباء «1» ، دفع الطلائع أمامه، فرجعوا إليه، فخبروه أن مسيلمة ومن معه قد خرجوا فنزلوا عقرباء، فشاور أصحابه أن يمضى إلى اليمامة، أو ينتهى إلى عقرباء، فأجمعوا له أن ينتهى إلى عقرباء، فزحف خالد بالمسلمين حتى نزلوا عقرباء، وضرب عسكره.
وقد قيل: إن خالدا هو الذى سبق إلى عقرباء، فضرب عسكره ثم جاء مسيلمة فضرب عسكره «2» . ويقال: توافيا إليها جميعا.
قالوا: وكان المسلمون يسألون عن الرجال بن عنفوة، فإذا الرجال على مقدمة مسيلمة، فلعنوه وشتموه، فلما فرغ خالد من ضرب عسكره، وحنيفة تسوى صفوفها، نهض خالد إلى صفوفه فصفها، وقدم رايته مع زيد بن الخطاب، ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس، فتقدم بها، وجعل على ميمنته أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعلى ميسرته شجاع بن وهب، واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله واستعمل عليها أسامة بن زيد، وأمر بسرير فوضع فى فسطاطه، واضطجع عليه يتحدث مع مجاعة، ومعه أم متمم وأشراف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتحدث معهم، وأقبلت بنو حنيفة قد سلت السيوف، فلم تزل مسللة وهم يسيرون نهارا طويلا، فقال خالد: يا معشر المسلمين، أبشروا، فقد كفاكم الله عدوكم، ما سلوا السيوف من بعيد إلا ليرهبونا، وإن هذا منهم لجبن وفشل، فقال مجاعة ونظر إليهم: كلا والله يا أبا سليمان، ولكنها الهندوانية، خشوا من تحطمها، وهى غداة باردة، فأبرزوها للشمس لأن تسخن متونها.
فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر من سلنا سيوفنا حين سللناها، والله ما سللناها ترهيبا لكم ولا جبنا عنكم، ولكنها كانت الهندوانية، وكانت غداة باردة، فخشينا تحطمها، فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم، فسترون.
قال: فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان جميعا صبرا طويلا، حتى كثرت القتلى والجراح فى الفريقين، وكان أول قتيل من المسلمين مالك بن أوس من بنى زعوراء، قتله
__________
(1) عقرباء: موضع بناحية اليمامة. انظر: الروض المعطار (419- 420) وذكر فيه هذا الخبر.
(2) قال فى الفتوح (1/ 31) : سار خالد بن الوليد بالمسلمين حتى نزل بموضع يقال له: عقرباء من أرض اليمامة، فضرب عسكره هناك، وسار مسيلمة فى جميع بنى حنيفة حتى نزل حذاء خالد.
(2/121)

محكم بن الطفيل، واستلحم من المسلمين حملة القرآن حتى فنوا إلا قليلا، وهزم كلا الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، والمشركون عسكر المسلمين مرارا، وإذا أجلى المسلمون عن عسكرهم فدخل المشركون أرادوا حمل مجاعة، فلا يستطيعون لما هو فيه من الحديد، ولأنه لا تزال تناوشهم خيل المسلمين، فإذا رجع المسلمون وثبوا على مجاعة ليقتلوه، وقالوا: اقتلوا عدو الله، فإنه رأسهم، وأنهم إن دخلوا عليه أخرجوه، فإذا أشهروا عليه سيوفهم ليقتلوه، حنت عليه أم متمم امرأة خالد وردتهم عنه، وقالت: إنى له جار، حتى أجارته منهم، وكان مجاعة أيضا، قد أجارها من المشركين مرارا أن يقتلوها على هذا الوجه.
وقد كان مجاعة قال لها لما دفعه إليها خالد لتحسن إساره: يا أم متمم، هل لك أن أحلفك، إن غلب أصحابى كنت لك جارا، وأنت كذلك؟ فقالت: نعم، فتحالفا على ذلك.
وقال عكرمة: حملت حنيفة أول مرة كانت لها الحملة، وخالد على سريره حتى خلص إليه، فجرد سيفه وجعل يسوق حنيفة سوقا، حتى ردهم، وقتل منهم قتلى كثيرة، ثم كرت حنيفة حتى انتهوا إلى فسطاط خالد، فجعلوا يضربون الفسطاط بالسيوف.
قال الواقدى: وبلغنا أن رجلا منهم لما دخلوا الفسطاط، أراد قتل أم متمم، ورفع السيف عليها، فاستجارت بمجاعة، فألقى عليها رداءه، وقال: إنى جار لها فنعمت الحرة كانت، وعيرهم وسبهم «1» ، وقال: تركتم الرجال وجئتم إلى امرأة تقتلونها، عليكم بالرجال، فانصرفوا، وجعل ثابت بن قيس يومئذ يقول، وكانت معه راية الأنصار: بئس ما عودتم أنفسكم الفرار يا معشر المسلمين.
وقد انكشف المسلمون حتى غلبت حنيفة على الرحال، فجعل زيد بن الخطاب ينادى، وكانت عنده راية خالد: أما الرحال فلا رحال، وأما الرجال فلا رجال، اللهم إنى اعتذر إليك من فرار أصحابى، وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، ومحكم بن طفيل، وجعل يشتد بالراية، يتقدم بها فى نحر العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، رحمه الله، فلما قتل وقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، فقال المسلمون: يا سالم، إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا إن أتيتم من قبلى.
قالوا: ونادت الأنصار ثابت بن قيس وهو يحمل رايتهم: الزمها، فإنما ملاك القوم الراية.
__________
(1) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 81) .
(2/122)

فتقدم سالم مولى أبى حذيفة، فحفر لرجليه حتى بلغ أنصاف ساقيه، ومعه راية المهاجرين، وحفر ثابت لنفسه مثل ذلك «1» ، ثم لزما رايتيهما، ولقد كان الناس يتفرقون فى كل وجه، وإن سالما وثابتا لقائمان برايتيهما، حتى قتل سالم وقتل أبو حذيفة مولاه، رحمهما الله تعالى، فوجد رأس أبى حذيفة عند رجلى سالم، ورأس سالم عند رجلى أبى حذيفة، لقرب مصرع كل واحد منهما من صاحبه، فلما قتل سالم، مكثت الراية ساعة لا يرفعها أحد، فأقبل يزيد بن قيس، وكان بدريا، فحملها حتى قتل رحمه الله، ثم حملها الحكم بن سعيد بن العاص، فقاتل دونها نهارا طويلا، ثم قتل رحمه الله.
قال وحشى «2» : اقتتلنا قتالا شديدا، فهزموا المسلمين ثلاث مرات، وكر المسلمون فى الرابعة، وتاب الله عليهم، وثبت أقدامهم، وصبروا لوقع السيوف، واختلفت بينهم وبين بنى حنيفة السيوف، حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها، حتى سمعت لها أصواتا كالأجراس، وأنزل الله تعالى، علينا نصره، وهزم الله بنى حنيفة، وقتل الله مسيلمة.
قال: ولقد ضربت بسيفى يومئذ حتى غرى قائمه فى كفى من دمائهم.
وقال ابن عمر: لقد رأيت عمارا على صخرة قد أشرف، يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر، هلموا إلىّ، وأنا أنظر إلى أذنه تذبذب وقد قطعت.
وقال سعد القرظ: لقد رأيته يومئذ يقاتل قتال عشرة.
وقال شريك الفزارى: لما التقينا والقوم، صبر الفريقان صبرا لم أر مثله قط، ما تزول الأقدام فترى، واختلفت السيوف بينهم، وجعل يقبل أهل السوابق والنيات فيتقدمون، فيقتلون، حتى فنوا، وذلقت فينا سيوفهم طويلا، فانهزمنا، فلقد أحصيت لنا ثلاث انهزامات، وما أحصيت لحنيفة إلا انهزامة واحدة، التى ألجأناهم فيها إلى الحديقة، يعنى حديقة الموت.
__________
(1) قال ابن عبد البر فى الاستيعاب فى ترجمة ثابت رقم (253) : لما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبى حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا وقاتلا حتى قتلا.
(2) هو وحشى بن حرب الحبشى، انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2768) ، الإصابة الترجمة رقم (9129) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5449) ، الثقات (3/ 430) ، الاستبصار (81) ، الإكمال (7/ 90) ، العقد الثمين (7/ 385) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (356) ، تاريخ الثقات (464) ، الأنساب لابن السمعانى (11/ 111، 112) .
(2/123)

وقال رافع بن خديج «1» : شهدنا اليمامة، فكنا تسعين من النبيت، فلاقينا عدوا صبرا لوقع السلاح، وجماعة الناس أربعة آلاف، وحنيفة مثل ذلك أو نحوه، فلما التقينا أذن الله للسيوف فينا وفيهم، فجعلت السيوف تختلى هام الرجال وأكفهم، وجراحا لم أر جراحا قط أبعد غورا منه، فينا وفيهم، إنى لأنظر إلى عباد بن بشر قد ضرب بسيفه حتى انحنى كأنه منجل، فيقيمه على ركبته، فيعرض له رجل من بنى حنيفة، فلما اختلفا ضربات ضربه عباد بن بشر على العاتق مستمكنا، فو الله لرأيت سحره باديا، ومضى عنه عباد، ومررت بالحنفى وبه رمق، فأجهزت عليه، وأنظر بعد إلى عباد وقد اختلف السيوف عليه وهو يبضع بها ويبعج بطنه، فوقع وما أعلم به مصحا، وكانوا حنقوا عليه لأنه أكثر القتل فيهم. قال: وحرضت على قتلته، فناديت أصحابنا من النبيت، فقمنا عليه، وقتلنا قتلته، فرأيتهم حوله مقتلين، فقلت: بعدا لكم.
وقال ضمرة بن سعيد المازنى، وذكر ردة بنى حنيفة: لم يلق المسلمون عدوا أشد لهم نكاية منهم، لقوهم بالموت الناقع، وبالسيوف قد أصلتوها قبل النبل، وقبل الرماح، وقد صبر المسلمون لهم، فكان المعول يومئذ على أهل السوابق، ونادى عباد بن بشر يومئذ وهو يضرب بالسيف، قد قطع من الجراح، وما هو إلا كالنمر الجرف، فيلقى رجلا من بنى حنيفة كأنه جمل صئول، فقال: هلم يا أخا الخزرج، أتحسب قتالنا مثل من لاقيت، فيعمد له عباد، ويبدره الحنفى، ويضربه ضربة بالسيف، فانكسر سيفه ولم يصنع شيئا، وضربه عباد فقطع رجليه وجاوزه وتركه ينؤ على ركبتيه، فناداه: يا ابن الأكارم اجهز علىّ، فكر عليه عباد، فضرب عنقه، ثم قام آخر فى ذلك المقام، فاختلفا ضربات وتجاولا، وعباد على ذلك كثير الجراح، فضربه عباد ضربة أبدى سحره، وقال: خذها وأنا ابن وقش، ثم جاوزه يفرى فى بنى حنيفة ضربا فريا، فكان يقال: قتل عباد يومئذ من بنى حنيفة بالسيف أكثر من عشرين رجلا، وأكثر فيهم الجراح.
قال ضمرة: فحدثنى رجل من بنى حنيفة قديم قال: إن حنيفة لتذكر عباد بن بشر، فإذا رأت الجراح بالرجل منهم تقول: هذا ضرب مجرب القوم، عباد بن بشر.
وفى بعض الروايات عن حديث رافع بن خديج قال: خرجنا من المدينة ونحن أربعة آلاف، وأصحابنا من الأنصار ما بين خمسمائة إلى أربعمائة، وعلى الأنصار ثابت بن
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (728) ، الإصابة الترجمة رقم (2532) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1580) ، تاريخ خليفة (271) ، طبقات خليفة (79) ، شذرات الذهب (1/ 82) ، تاريخ الإسلام (2/ 400) ، تقريب التهذيب (1/ 241) .
(2/124)

قيس، ويحمل رايتنا أبو لبابة، فانتهينا إلى اليمامة، فننتهى إلى قوم هم الذين قال الله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16] .
فلما صففنا صفوفنا ووضعنا الرايات مواضعها، لم يلبثوا أن حملوا علينا، فهزمونا مرارا، فنعود إلى مصافنا وفيها خلل، وذلك أن صفوفنا كان مختلطة، فيها حشو كثير من الأعراب فى خلال صفوفنا، فينهزم أولئك الناس فيستخفون أهل البصائر والنيات، حتى كثر ذلك منهم، ثم إن الله بمنه وفضله رزقنا عليهم الظفر، وذلك أن ثابت بن قيس نادى خالد بن الوليد: أخلصنا، فقال: ذلك إليك، فناد فى أصحابك، قال: فأخذ الراية ونادى: يا للأنصار، فتسللت إليه رجلا رجلا، فنادى خالد للمهاجرين، فأحدقوا به، ونادى عدى بن حاتم، ومكنف بن زيد الخيل الطائى بطيئ، فثابت إليهما طيئ، وكانوا أهل بلاء حسن، وعزلت الأعراب عنا ناحية، فقاموا من ورائنا غلوة أو أكثر، وإنما كنا نؤتى من الأعراب.
قال رافع: فانتهينا إلى جمعهم فصبروا وصبرنا صبرا لم ير مثله قط، لم تزل الأقدام، فذكرت بيتى قيس بن الحطيم:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب
صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب «1»
قال: واجهضهم أهل السوابق والبصائر، فهم فى نحورهم ما يجد أحد مدخلا إلا أن يقتل رجل منهم، أو يخرج فيقع، فيخلف مقامه آخر، حتى أوجعنا فيهم وبان خلل صفوفهم، وضجوا من السيف، ثم اقتحمنا الحديقة، فضاربوا فيها، وعلقنا الحديقة، وأقمنا على بابها رجالا لئلا يهرب منهم أحد، فلما رأوا ذلك عرفوا أنه الموت، فجدوا فى القتال، ودكت السيوف بيننا وبينهم، ما فيها رمى بسهم ولا حجر ولا طعن حتى قتلنا عدو الله مسيلمة، فقيل لرافع: يا أبا عبد الله، أى القتلى كان أكثر، قتلاكم أو قتلاهم؟ قال: قتلاهم أكثر من قتلانا وأخبث، أحسبنا قتلنا منهم ضعف ما قتلوا منا مرتين، فقد قتل من الأنصار يومئذ زيادة على التسعين، وجرح منهم مائتان، ولقد لقينا بنى سليم بالجواء، وأنهم لمجروحون، فأبلوا بلاء حسنا.
وكان أبو خيثمة النجارى يقول: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة تنحيت ناحية،
__________
(1) انظر الأبيات فى: ديوانه ص (41) ، الخزانة للبغدادى (3/ 165) ، الأشباه والنظائر للخالديين (27، 28) .
(2/125)

وكأنى أنظر إلى أبى دجانة «1» يومئذ ما يولى ظهره منهزما، وما هو إلا فى نحور القوم، حتى قتل رحمه الله، وكان يختال فى مشيته عند الحرب سجية، ما يستطيع غير ذلك.
قال: وكرت عليه طائفة من بنى حنيفة، فما زال يضرب بالسيف أمامه وعن يمينه وعن شماله، فحمل على رجل فصرعه، وما ينبس بكلمة، حتى انفرجوا عنه ونكصوا على أعقابهم، والمسلمون مولون، وقد ابيض ما بينهم وبينه، فما ترى إلا المهاجرين والأنصار، لا والله ما أرى أحدا يخالطهم، فقاموا ناحية، وتلاحق الناس، فدفعوا حنيفة دفعة واحدة، فانتهينا بهم إلى الحديقة، فأقحمناهم إياها.
قال أبو دجانة: ألقونى على الترسة حتى أشغلهم، فكانوا قد أغلقوا الحديقة، فأخذوه فألقوه على الترسة، حتى وقع فى الحديقة، وهو يقول: لا ينجيكم منا الفرار، فضاربهم حتى فتحها، ودخلنا عليه مقتولا رحمه الله.
وقد روى أن البراء بن مالك هو المرمى به فى الحديقة، والأول أثبت.
وقال ثابت بن قيس، يومئذ: يا معشر الأنصار، الله الله ودينكم، علمنا هؤلاء أمرا ما كنا نحسنه، ثم أقبل على المسلمين، فقال: أف لكم ولم تعملون، ثم قال: خلوا بيننا وبينهم، أخلصونا، فأخلصت الأنصار، فلم يكن لهم ناهية حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل، فقتلوه، ثم انتهوا إلى الحديقة فدخلوها، فقاتلوا أشد القتال، حتى اختلطوا فيها، فما يعرف بعضهم بعضا إلا بالشعار، وشعارهم: أمت أمت، ثم صاح ثابت صيحة يستجلب بها المسلمين: يا أصحاب سورة البقرة، يقول رجل من طيئ: والله ما معى منها آية، وإنما يريد ثابت: يا أهل القرآن.
وقال واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ: لما زحف المسلمون، انكشفوا أقبح الانكشاف، حتى ظن ظانهم أن لا تكون لهم فئة فى ذلك اليوم، والناس أوزاع قد هدأ حسهم. وأشرت حنيفة وأظهروا البغى، وأوفى عباد بن بشر على نشز من الأرض، ثم صاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار، يا للأنصار، ألا إلى، ألا إلى، فأقبلوا إليه جميعا، وأجابوه: لبيك لبيك، حتى توافوا عنده، فقال: فداكم أبى وأمى، حطموا جفون السيوف، ثم حطم جفن سيفه، فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال: حملة صادقة، اتبعونى، فخرج أمامهم حتى ساقوا حنيفة منهزمين، حتى انتهوا بهم
__________
(1) اسمه: سماك بن خرشة، انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2968) ، الإصابة الترجمة رقم (9866) ، معجم رجال الحديث (21/ 151) ، تنقيح المقال (3/ 15) .
(2/126)

إلى الحديقة، فأغلق عليهم، فأوفى عباد بن بشر يشرف على الحديقة وهم فيها، فقال للرماة: ارموا، فرموا أهل الحديقة بالنبل حتى ألجئوهم أن اجتمعوا فى ناحية منها لا يطلع النبل عليهم، ثم إن الله فتح الحديقة، فاقتحم عليهم المسلمون، فضاربوهم ساعة، ثم أغلق عباد باب الحديقة لما كلّ أصحابه، وكره أن تفر حنيفة، وجعل يقول: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاءت به حنيفة.
قال واقد بن عمرو: فحدثنى من رأى عباد بن بشر ألقى درعه على باب الحديقة، ثم دخل بالسيف صلتا يجالدهم حتى قتل، رحمه الله.
وقال أبو سعيد الخدرى: سمعت عباد بن بشر يقول حين فرغنا من بزاخة: يا أبا سعيد، رأيت الليلة كأن السماء فرجت، ثم أطبقت علىّ، فهى إن شاء الله الشهادة، قال: قلت: خيرا والله، قال أبو سعيد: فأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار ويقول: أخلصونا، فأخلصوا أربعمائة رجل، لا يخلطهم أحد، يقدمهم البراء بن مالك وأبو دجانة سماك بن خرشة وعباد بن بشر، حتى انتهوا إلى باب الحديقة.
قال أبو سعيد: فرأيت بوجه عباد، يعنى بعد قتله، ضربا كثيرا، وما عرفته إلا بعلامة كانت فى جسده.
وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، لما انصرف إليه أسامة بن زيد من بعثه إلى الشام، بعثه فى أربعمائة مددا لخالد بن الوليد، فأدرك خالدا قبل أن يدخل اليمامة بثلاث، فاستعمله خالد على الخيل مكان البراء بن مالك، وأمر البراء أن يقاتل راجلا، فاقتحم عن فرسه، وكان راجلا لا رجلة به، فلما انكشف الناس يوم اليمامة، وانكشف أسامة بأصحاب الخيل، صاح المسلمون: يا خالد، ول البراء بن مالك، فعزل أسامة، ورد الخيل إلى البراء، فقال له: اركب فى الخيل، فقال البراء: وهل لنا من خيل؟ قد عزلتنى وفرقت الناس عنى، فقال له خالد: ليس حين عتاب، اركب أيها الرجل فى خيلك، أما ترى ما لحم من الأمر، فركب البراء فرسه، وإن الخيل لأوزاع فى كل ناحية، وما هى إلا الهزيمة، فجعل يليح بسيفه وينادى: يا صحابة، يا للأنصار، يا للأنصار، يا خيلاه، يا خيلاه، أنا البراء بن مالك، فثابت إليه الخيل من كل ناحية، وثابت إليه الأنصار، فارسها وراجلها.
قال أبو سعيد الخدرى: فقال لنا: احملوا عليهم فداكم أبى وأمى، حملة صادقة، تريدون فيها الموت، ثم أظهر التكبير، وكبرنا معه، فما كانت لنا ناهية إلا باب الحديقة،
(2/127)

وقد غلقت دوننا، وازدحمنا عليهم، فلم نزل حتى فتح الله، وظفرنا، فله الحمد.
وقال عبد الله بن أبى بكر بن حزم: كان البراء فارسا، وكان إذا حضرته الحرب أخذته رعدة، وانتفض حتى يضبطه الرجال مليا، ثم يفيق فيبول بولا أحمر كأنه نقاعة الحناء، فلما رأى ما يصنع بالناس يومئذ من الهزيمة أخذه ما كان يأخذه، فانتفض وضبطه أصحابه وجعل يقول: طرونى إلى الأرض، فلما أفاق سرى عنه، وهو مثل الأسد، وهو يقول:
أسعدنى ربى على الأنصار ... كانوا يدا طرا على الكفار
فى كل يوم ساطع الغبار ... فاستبدلوا النجاة بالفرار
قال: وضرب بسيفه قدما، حتى أفرجوا له، وخاض غمرتهم، وثابت إليه الأنصار كأنها النحل تأوى إلى يعسوبها، وتلاومت الأنصار فيما صنعت.
وحدث عن خالد بن الوليد من سمعه يقول: شهدت عشرين زحفا، فلم أر قوما أصبر لوقع السيوف ولا أضرب بها ولا أثبت أقداما من بنى حنيفة يوم اليمامة، أنّا لما فرغنا من طليحة الكذاب، ولم تكن له شوكة، قلت كلمة والبلاء موكل بالقول: وما حنيفة، ما هى إلا كمن لقينا فلقينا قوما ليسوا يشبهون أحدا، لما انتهينا إلى عسكرهم نظرت إلى قوم قد قدموا أمام عسكرهم بشرا كثيرا، فقلت: هذه مكيدة، وإذا القوم لم يحفلوا بنا، فعسكرنا منهم بمنظر العين، فلما أمسيت حزرت القوم بنفسى، فإذا القوم نحونا، فبتنا فى عسكرنا، وباتوا فى عسكرهم.
فلما طلع الفجر قام القوم إلى التعبئة، وثرنا معهم فى غدوة باردة، وصففت صفوفى، وصفوا صفوفهم، ثم أقبلوا إلينا يقطعون قطوا، قد سلوا السيوف، فكبرت، ورأيت ذلك منهم فشلا، فلما دنوا منا نادوا: أن هذا ليس بفشل، ولكنها الهندوانية وخفنا التحطم عليها، فما هو إلا أن واجهونا، حملوا علينا حملة واحدة، وانهزمت الأعراب، ولا ذوا بين أضعاف الصفوف، فانهزم معهم أهل النيات، وأوجعت حنيفة فى أدباركم بالقتل، وتقدمت أضرب بسيفى مرة يشتملون علىّ، ومرة أنفذ منهم، وكر المسلمون كرة ثانية، فحملت بنو حنيفة أيضا، حتى هزموا المسلمين ثلاث مرات. وإنما يهزم بالناس الأعراب.
فناديت فى المسلمين، فذكرتهم الله، وناديت فى المهاجرين والأنصار: الله الله، الكرة على عدوكم، فنادى أهل السوابق: أخلصونا، فأخلصوا، لا يخلطهم رجل، فأخلص قوم قد ألح السيف عليهم، وقتل من قتل منهم، ومن بقى من أهل النيات منقطع من الجراح،
(2/128)

ولكنا لم نجد المعول إلا عليهم ولا الصبر إلا عندهم، فصفوا جميعا فى نحر العدو، وجاءت الأعراب من خلفهم، وذهبت حنيفة تطلب أن تهزمهم كما كانت تفعل، فثبتوا على مصافهم لا تزول فترا، واختلفت السيوف بينهم، وصبر الفريقان جميعا، وذهب الأعراب من ورائنا، فحملنا عليهم حملة، فما زادت حنيفة على أن رجعت القهقرى ما تولى الأدبار، حتى وقفوا على باب الحديقة، واختلفت السيوف بيننا وبينهم حتى نظرت إلى شهب النار، وحتى صارت القتلى منا ومنهم ركاما، وقد أغلقت الحديقة، فدخل من رحمه الله فشغلهم عن الباب حتى دخلنا.
فإذا أهل السوابق قد وطئوا أنفسهم على الموت، فما هو إلا أن عاينتهم حنيفة فى الحديقة، فناديت أصحابى: عضوا على النواجذ، لا أسمع شيئا إلا وقع الحديد بعضه على بعض، فما كان شىء حتى قتل عدو الله، فما ضرب أحد بعده من بنى حنيفة بسيف، ولقد صبروا لنا من حين طلعت الشمس إلى صلاة العصر، ولقد رأيتنى فى الحديقة وعانقنى رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر فى سيفى، وجعل يجؤنى بمعول فى سيفه، فجرحنى سبع جراحات، وقد جرحته جرحا أثبته، فاسترخى فى يدى، وما بى حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقنى بالأجل، فالحمد لله على ذلك.
وحدث ضمرة بن سعيد: أنه خلص يومئذ إلى محكم بن طفيل وهو يقول: يا بنى حنيفة قاتلوا قبل أن تستحقب الكرائم غير رضيات، وينكحن غير حظيات، وما كان عندكم من حسب فأخرجوه، فقد لحم الأمر، واحتيج إلى ذلك منكم، وجعل يقول: يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة، سأمنع دابركم، وجعل يرتجز:
لبئسما أوردنا مسيلمة ... أورثنا من بعده أغيلمة
فدخلوا الحديقة وغلقوها عليهم، ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر محكما بسهم فقتله، فقام مكانه المعترض ابن عمه، فقاتل ساعة حتى قتله الله.
وفى غير حديث ضمرة أن خالد بن الوليد هو الذى قتل محكما.
حدث الحارث بن الفضل، قال: لما رأى محكم بن طفيل من قتل قومه ما رأى، جعل يصيح: ادن يا أبا سليمان، فقد جاءك الموت الناقع، قد جاءك قوم لا يحسنون الفرار، فبلغ خالدا كلمته وهو فى مؤخر الناس، فأقبل يقول: هأنذا أبو سليمان، وكشف المغفر عن وجهه، ثم حمل على ناحية محكم يخوف بنى حنيفة، فاقتحم عليه خالد، فيضربه
(2/129)

ضربة أرعش منها، ثم ثنى له بأخرى وهو يقول: خذها وأنا أبو سليمان، فوقع ميتا، وكان عبد الرحمن بن أبى بكر قد رماه بسهم قبل ذلك، ومنهم من يقول: رماه عبد الرحمن بعد ضربة خالد، ومنهم من يقول: لم يكن من سهم عبد الرحمن شىء.
وقاتلت حنيفة بعد قتل محكم بن طفيل أشد القتال، وهم يقولون: لا بقاء بعد محكم، وقال قائل: يا أبا ثمامة، أين ما كنت وعدتنا؟ قال: أما الدين فلا دين، ولكن قاتلوا عن أحسابكم، فاستيقن القوم أنهم كانوا على غير شىء.
وقال وحشى: لما اختلط الناس فى الحديقة، وأخذت السيوف بعضها بعضا، نظرت إلى مسيلمة وما أعرفه، ورجل من الأنصار يريده، وأنا من ناحية أخرى أريده، فهززت من حربتى حتى رضيت منها، ثم دفعتها عليه، وضربه الأنصارى، فربك أعلم أينا قتله، إلا أنى سمعت امرأة فوق الدير تقول: قتله العبد الحبشى.
وقال أبو الحويرث: ما رأيت أحدا يشك أن عبد الله بن زيد الأنصارى «1» ضرب مسيلمة وزرقه وحشى فقاتلاه جميعا «2» .
وذكر عمرو بن يحيى المازنى عن عبد الله بن زيد أنه كان يقول: أنا قتلته. وكان معاوية بن أبى سفيان يقول: أنا قتلته.
وكانت أم عبد الله بن زيد، وهى أم عمارة، نسيبة بنت كعب تقول: إن ابنها عبد الله هو الذى قتله. وكانت ممن شهد ذلك اليوم، وقطعت فيه يدها، وذلك أن ابنها حبيب بن زيد كان مع عمرو بن العاص بعمان عندما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ ذلك عمرا، أقبل من عمان، فسمع به مسيلمة، فاعترض له، فسبقه عمرو، وكان حبيب ابن زيد وعبد الله بن وهب الأسلمى فى الساقة، فأصابهما مسيلمة، فقال لهما:
أتشهدان أنى رسول الله، فقال الأسلمى: نعم، فأمر به فحبس فى حديد، وقال لحبيب:
أتشهد أنى رسول الله، فقال: لا أسمع، فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم،
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1558) ، الإصابة الترجمة رقم (4706) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2958) ، الوافى بالوفيات (17/ 47) ، تهذيب التهذيب (5/ 223) ، تقريب التهذيب (1/ 417) ، سير أعلام النبلاء (2/ 377) .
(2) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (4/ 82) : أنه اشترك فى قتل مسيلمة رجلان: رجل من الأنصار، ووحشى مولى جبير بن مطعم: وقال: وكان وحشى يقول: وقعت فيه حربتى وضربه الأنصارى والله يعلم أينا قتله. وكان يقول: قتلت خير الناس وشر الناس، حمزة ومسيلمة، وكانوا يقولون: قتله العبد الأسود، فأما الأنصار فلا شك عندهم أن أبا دجانة سماك بن خرشة قتله.
(2/130)

فأمر به فقطع. وكلما قال له: أتشهد أنى رسول الله، قال: لا أسمع، فإذا قال له: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، حتى قطعه عضوا عضوا، حتى قطع يديه من المنكبين ورجليه من الوركين، ثم حرقه بالنار، وهو كل ذلك لا ينزع عن قوله، ولا يرجع عن ما بدأ به، حتى مات فى النار، رحمه الله.
فلما تهيأ بعث خالد بن الوليد إلى اليمامة جاءت أم عمارة إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستأذنته فى الخروج، فقال لها أبو بكر: ما مثلك يحال بينه وبين الخروج، قد عرفناك وعرفنا جزاءك فى الحرب، فاخرجى على اسم الله.
قالت فيما حدث به عنها ابن ابنها عباد بن تميم بن زيد: فلما انتهوا إلى اليمامة، واقتتلوا، تداعت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا، فلما انتهينا إلى الحديقة ازدحمنا على الباب، وأهل النجدة من عدونا فى الحديقة، قد انحازوا، يكونون فئة لمسيلمة، فاقتحمنا فضاربناهم ساعة، والله يا بنى ما رأيت أبذل لمهج أنفسهم منهم، وجعلت أقصد لعدو الله مسيلمة لأن أراه، وقد عاهدت الله لئن رأيته لا أكذب عنه أو أقتل دونه، وجعلت الرجال تختلط، والسيوف بينهم تختلف، وخرص القوم، فلا صوت إلا وقع السيوف، حتى بصرت بعدو الله فأشد عليه، ويعرض لى منهم رجل، فضرب يدى فقطعها، فو الله ما عرجت عليها حتى أنتهى إلى الخبيث وهو صريع، وأجد ابنى عبد الله قد قتله.
وفى رواية: وابنى يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته؟ قال: نعم يا أمه، فسجدت لله شكرا، وقطع الله دابرهم، فلما انقطعت الحرب، ورجعت إلى منزلى، جاءنى خالد بن الوليد بطبيب من العرب، فداوانى بالزيت المغلى، وكان والله أشد علىّ من القطع، وكان خالد كثير التعاهد لى، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا، ويحفظ فينا وصية نبينا صلى الله عليه وسلم، قال عباد: فقلت: يا جدة، كثرت الجراح فى المسلمين؟ فقالت: يا بنى، لقد تحاجز الناس، وقتل عدو الله، وإن المسلمين لجرحى كلهم، لقد رأيت بنى أبى مجرحين، ما بهم حركة، ولقد رأيت بنى مالك بن النجار بضعة عشر رجلا، لهم أنين يكمدون ليلتهم بالنار.
ولقد أقام الناس باليمامة خمس عشرة ليلة، وقد وضعت الحرب أوزارها، وما يصلى مع خالد بن الوليد من المهاجرين والأنصار إلا نفر يسير من الجراح، وذلك أنا أتينا من قبل العرب، انهزموا بالمسلمين، إلا أنى أعلم أن طيئا قد أبلت يومئذ بلاء حسنا، لقد رأيت عدى بن حاتم يومئذ يصيح بهم: صبرا، فداكم أبى وأمى لوقع الأسل، وإن ابنى زيد الخيل يومئذ ليقاتلان قتالا شديدا.
(2/131)

وعن محمد بن يحيى بن حبارة، قال: جرحت أم عمارة يعنى يوم اليمامة، أحد عشر جرحا بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، وقطعت يدها سوى ذلك، فرئى أبو بكر يأتيها يسأل عنها، وهو يومئذ خليفة.
وقاتل كعب بن عجرة «1» يومئذ، وانهزم الناس الهزيمة الآخرة، وجاوزوا الرحال منهزمين، فجعل يصيح: يا للأنصار، يا للأنصار الله ورسوله، حتى انتهى إلى محكم بن الطفيل، فضربه محكم، فقطع شماله، فو الله ما عرج عليها كعب، وأنه ليضرب بيمينه، وإن شماله لتهراق الدماء، حتى انتهى إلى الحديقة، فدخل.
وأقبل حاجب بن زيد بن تميم الأشهلى «2» يصيح بالأوس: يا للأشهل، فقال له ثابت ابن هذال: ناد يا للأنصار، فإنه جماع لنا ولك، فنادى: يا للأنصار، يا للأنصار، حتى اشتملت عليه حنيفة، فانفرجت، وتحته منهم اثنان قد قتلهما، وقتل رحمه الله، فخلفه فى مقامه عمير بن أوس، فاشتملوا عليه حتى قتل، رحمه الله.
وكان أبو عقيل الأزرقى، حليف الأنصار، بدرى من أول من خرج يوم اليمامة، رمى بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشطب فى غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن شقه الأيسر، وكانت فيه، وهذا أول النهار وجرروه إلى الرحل، فلما حمى القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدى يصيح: يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، وأعنق معن بن عدى يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا رجلا رجلا، يتميزون.
قال أبو عمرو: ونهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نوه المنادى باسمى، فقلت: إنما يقول: يا للأنصار، لا يعنى الجرحى، قال:
فأنا رجل من الأنصار، وأنا أجيب ولو جبنوا، قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل، فأخذ السيف بيده اليمنى مجردا، ثم جعل ينادى: يا للأنصار، كرة كيوم حنين، فاجتمعوا جميعا يقدمون المسلمين دريئة دون عدوهم، حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم، فنظرت إلى أبى عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب،
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2223) ، الإصابة الترجمة رقم (7434) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4471) ، جمهرة أنساب العرب (442) ، تهذيب الكمال (1146) ، تاريخ الإسلام (2/ 313) ، تهذيب التهذيب (8/ 435) ، شذرات الذهب (1/ 58) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (391) ، الإصابة الترجمة رقم (1365) ، أسد الغابة الترجمة رقم (840) .
(2/132)

فوقعت إلى الأرض، وبه أربعة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة.
قال ابن عمر: فوقفت على أبى عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل، فقال لبيك بلسان ملتاث، ثم قال: لمن الدبرة، فقلت: أبشر ورفعت صوتى، قد قتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات، رحمه الله.
قال ابن عمر: فأخبرت أبى بعد أن قدمت بخبره كله، فقال: رحمه الله، مازال يسأل الشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمت لمن خيار أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، وقديمى إسلامهم.
وذكر مجاعة بن مرارة يوما، معن بن عدى، وكان نازلا به ليالى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع خلة كانت بينهما قبل ذلك قديمة، فلما قدم فى وفد اليمامة على أبى بكر، توجه أبو بكر رضى الله عنه، يوما إلى قبور الشهداء زائرا لهم فى نفر من أصحابه يمشون، قال: فخرجت معهم حتى أتوا قبور الشهداء السبعين يرحمهم الله، فقلت: يا خليفة رسول الله، لم أر قوما قط، أصبر لوقع السيوف، ولا أصدق كرة منهم، لقد رأيت رجلا منهم يرحمهم الله، وكانت بينى وبينه خلة، فقال أبو بكر رضى الله عنه:
معن بن عدى؟ قلت: نعم، وكان عارفا بما كان بينى وبينه، فقال: رحمه الله، ذكرت رجلا صالحا، حديثك، قلت: يا خليفة رسول الله، فأنظر إليه وأنا موثق فى الحديد فى فسطاط ابن الوليد، وانهزم المسلمون، انهزمت بهم الضاحية انهزامة ظننت أنهم لا يجتبرون لها، وساءنى ذلك، قال أبو بكر: الله، لساءك ذلك؟ قلت: الله لساءنى، قال أبو بكر: الحمد لله على ذلك، قال: فأنظر إلى معن بن عدى قد كر معلما فى رأسه بعصابة حمراء، واضعا سيفه على عاتقه، وإنه ليقطر دما، ينادى: يا للأنصار، كرة صادقة، قال:
فكرت الأنصار عليه، فكانت الوقعة التى ثبتوا عليها حتى انتحوا وأباحوا عدوهم، فلقد رأيتنى وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلى بنى حنيفة، وإنى لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، حتى بل لحيته.
وعن أبى سعيد الخدرى، قال: دخلت الحديقة حين جاء وقت الظهر، واستحر القتال، فأمر خالد بن الوليد المؤذن، فأذن على جدار الحديقة بالظهر، والقوم يضطربون على القتل، حتى انقطعت الحرب بعد العصر، فصلى بنا خالد الظهر والعصر، ثم بعث السقاة يطوفون على القتلى، فطفت معهم، فمررت بأبى عقيل الأنصارى البدرى، وبه خمسة عشر جرحا، فاستسقانى، فسقيته، فخرج الماء من جراحاته كلها، ومات رحمه
(2/133)

الله، ومررت ببشر بن عبد الله وهو قاعد فى حشوته، فاستسقانى، فسقيته، فمات، ومررت بعامر بن ثابت العجلانى وإلى جنبه رجل من بنى حنيفة به جراح، فسقيت عامرا فشرب وقال الحنفى: اسقنى فدى لك أبى وأمى، قلت: لا كرامة، ولكنى أجهز عليك، قال: قد أحسنت لى مسألة ولا شىء عليك فيها، أسألك عنها، قلت: وما هى؟
قال: أبو ثمامة، ما فعل؟ قلت: قتل والله، قال: نبى ضيعه قومه، قال أبو سعيد: فضربت عنقه.
وعن محمود بن لبيد قال: لما قتل خالد بن الوليد من أهل اليمامة من قتل، كانت لهم فى المسلمين أيضا مقتلة عظيمة «1» ، حتى أبيح أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا نغمد السيوف بيننا وبينهم عين تطرف وكان فيمن بقى من المسلمين جراحات كثيرة، فلما أمسى مجاعة بن مرارة، أرسل إلى قومه ليلا: أن ألبسوا السلاح النساء والذرية والعبيد، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبلى الشمس على حصونكم حتى يأتيكم أمرى، وبات خالد والمسلمون يدفنون قتلاهم، فلما فرغوا، رجعوا إلى منازلهم، فباتوا يتكمدون بالنار من الجراح.
فلما أصبح خالد، أمر بمجاعة، فسيق معه فى الحديد، فجعل يستبرئ القتلى، وهو يريد مسيلمة، فمر برجل وسيم، فقال: يا مجاعة، أهو هذا؟ قال: لا، هذا والله أكرم منه، هذا محكم بن الطفيل، ثم قال مجاعة: إن الذى تبتغون رجل ضخم أشعر البطن والظهر، أبجر، بجرته مثل القدح، مطرق إحدى العينين، ويقال: هو أرجل أصيفر أخينس، قال:
وأمر خالد بالقتلى، فكشفوا حتى وجد الخبيث، فوقف عليه خالد، فحمد الله كثيرا، وأمر به فألقى فى البئر التى كان يشرب منها» .
قالوا: ولما أمسينا، أخذنا شعل السعف، ثم جعلنا نحفر لقتلانا حتى دفناهم جميعا، بدمائهم وثيابهم، وما صلينا عليهم، وتركنا قتلى بنى حنيفة، فلما صالحوا خالدا طرحوهم فى الآبار.
وكان خالد يرى أنه لم يبق من بنى حنيفة أحد إلا من لا ذكر له، ولا قتال عنده، فقال خالد لما وقف على مسيلمة مقتولا: يا مجاعة، هذا صاحبكم الذى فعل لكم
__________
(1) قال ابن الجوزى فى المنتظم (4/ 83) : قال علماء السير: قتل من المسلمين يوم اليمامة أكثر من ألف، وقتل من المشركين نحو عشرين ألفا.
(2) ذكر مثل هذا الخبر ابن الجوزى فى المنتظم (4/ 82) .
(2/134)

الأفاعيل، ما رأيت عقولا أضعف من عقول أصحابك، مثل هذا فعل بكم ما فعل، فقال مجاعة: قد كان ذلك يا خالد، ولا تظن أن الحرب انقطعت بينك وبين بنى حنيفة، وإن قتلت صاحبهم، إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن جماعة الناس وأهل البيوتات لفى الحصون، فانظر، فرفع خالد بن الوليد رأسه وهو يقول: قاتلك الله، ما تقول؟ قال:
أقول والله الحق، فنظر خالد، فإذا السلاح، وإذا الخلق على الحصون، فرأى أمرا غمه، ثم تشدد ساعتئذ وأدركته الرجولية، فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبى، وجعل يدعو بسلاحه، ويقول: يا صاحب الراية قدمها، قال: والمسلمون كارهون لقتالهم، وقد ملوا الحرب، وقتل من قتل وعامة من بقى جريح.
فقال مجاعة: أيها الرجل، إنى لك ناصح، إن السيف قد أفناك وأفنى غيرك، فتعال أصالحك عن قومى، وقد أخل بخالد مصاب أهل السابقة، ومن كان يعرف عنده الغناء، فقد رق وأحب الموادعة مع عجف الكراع، فاصطلحا على الصفراء والبيضاء، والحلقة والكراع، ونصف السبى، ثم قال مجاعة: آتى القوم فأعرض عليهم ما صنعت، قال:
فانطلق، فذهب ثم رجع، فأخبره أنهم قد أجازوه، فلما بان لخالد أنه إنما هو السبى، قال: ويلك، يا مجاعة خدعتنى فى يوم مرتين، قال مجاعة: قومى، فما أصنع، وما وجدت من ذلك بدا، قد حضنى النساء، وأنشده قول امرأة من بنى حنيفة:
مسيلم لم يبق إلا النساء ... سبايا لذى الخف والحافر
وطفل ترشحه أمه ... حفير متى يدع يستأخر
فأما الرجال فأودى بهم ... حوادث من دهرنا العاثر
فليت أباك مضى حيضه ... وليتك لم تك فى الغابر
سحبت علينا ذيول البلاء ... وجئت بهن سمى قاشر
فمجاعة الخير فانظر لنا ... فليس لنا اليوم من ناظر
سواك فإنا على حالة ... تروعنا مرة الطائر
فقال: مجاعة: فكنت أجد من هذا بدا «1» .
وذكر أن مجاعة لما ذهب إلى قومه ليعرض عليهم الصلح، انتهى إلى باب الحصن ليلا، فإذا امرأة تنشد هذا الشعر، فدنا منها مجاعة، فقال: هتم الله فاك، اسكتى، أنا مجاعة، ثم دخل الحصن وليس فيه إلا النساء والصبيان، فأمرهم بلبس السلاح وإطالة الإشراف، والقيام فى مصاف الرجال، فقال سلمة بن عمير لأصحابه: يا بنى حنيفة قاتلوا ولا
__________
(1) راجع ما ذكره ابن الجوزى فى صلح خالد بن الوليد مع أهل اليمامة (4/ 82- 83) .
(2/135)

تصالحوا خالدا، فإن الحصن حصين، والطعام كثير، والقوم قد أفناهم السيف، ومن بقى منهم جريح، ولا تطيعوا مجاعة، فإنه إنما يريد أن ينفلت من إساره، فقال مجاعة: يا بنى حنيفة، أطيعونى واعصوا سلمة، فإنى أخاف أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن سلمة، أن تستردف النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فأطاعوا مجاعة، وتم الصلح بينه وبين خالد.
وقال أسيد بن حضير «1» وأبو نائلة لخالد لما صالح: يا خالد، اتق الله، ولا تقبل الصلح، قال خالد: إنه أفناكم السيف، قال أسيد: وإنه قد أفنى غيرنا أيضا، قال: فمن بقى منكم جريح، قال: وكذلك من بقى من القوم جرحى، لا ندخل فى الصلح أبدا، اغد بنا عليهم حتى يظفرنا الله بهم أو نبيد من آخرنا، احملنا على كتاب أبى بكر: إن أظفرك الله ببنى حنيفة فلا تبق عليهم، فقد أظفرنا الله بهم وقتلنا رأسهم، فمن بقى أكل شوكة، فبينما هم على ذلك إذ جاء كتاب أبى بكر يقطر الدم، ويقال: إنهم لم يمسوا حتى قدم سلمة بن سلامة بن وقش من عند أبى بكر بكتابين، فى أحدهما: بسم الله الرحمن، أما بعد فإذا جاءك كتابى، فانظر، فإن أظفرك الله ببنى حنيفة فلا تستبق منهم رجلا جرت عليه الموسى «2» .
فكلمت الأنصار فى ذلك، وقالوا: أمر أبى بكر فوق أمرك، فلا تستبق منهم أحدا، فقال خالد: إنى والله ما صالحت القوم إلا لما رأيت من رقتكم، ولما نهكت الحرب منكم، وقوم قد صالحتهم ومضى الصلح فيما بيننا وبينهم، والله لو لم يعطونا شيئا ما قاتلتهم، وقد أسلموا.
قال أسيد بن حضير: قد قتلت مالك بن نويرة وهو مسلم، فسكت عنه خالد، فلم يجبه، قالوا: وقال سلمة بن سلامة بن وقش: لا تخالف كتاب إمامك يا خالد، فقال خالد: والله ما ابتغيت بذلك إلا الذى هو خير، رأيت أهل السابقة وأهل الفضل وأهل القرآن قد قتلوا، ولم يبق معى إلا قوم خشيت أن لا يكون لهم بقاء على السيف لو ألح عليهم، فقبلت الصلح، مع أنهم قد أظهروا الإسلام، واتقوا بالراح.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (54) ، الإصابة الترجمة رقم (185) ، أسد الغابة الترجمة رقم (170) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 21) ، تهذيب الكمال (1/ 113) ، تقريب التهذيب (1/ 78) ، تهذيب التهذيب (1/ 347) ، الوافى بالوفيات (9/ 258) ، سير أعلام النبلاء (1/ 229) ، الجرح والتعديل (2/ 1163) ، الرياض المستطابة (29) .
(2) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 83) .
(2/136)

وكان خالد قد خطب إلى مجاعة ابنته، وكانت أجمل أهل اليمامة، فقال له مجاعة:
مهلا، إنك قاطع ظهرى وظهرك عند صاحبك «1» ، إن القالة عليك كثيرة، وما أقول هذا رغبة عنك، فقال له خالد: زوجنى أيها الرجل، فإنه إن كان أمرى عند صاحبى على ما أحب فلن يفسده ما تخاف علىّ، وإن كان على ما أكره، فليس هذا بأعظم الأمور، فقال له مجاعة: قد نصحتك، ولعل هذا الأمر لا يكون عيبة إلا عليك، ثم زوجه.
فلما بلغ ذلك أبا بكر رضى الله عنه، غضب، وقال لعمر بن الخطاب: وأبى خالد أنه لحريص على النساء، حين يصاهر عدوه، وينسى مصيبته، فوقع عمر فى خالد، وعظم الأمر ما استطاع، فكتب أبو بكر إلى خالد مع سلمة بن سلامة:
يا خالد بن أم خالد، إنك لفارغ، تنكح النساء، وتعرس بهن، وببابك دماء ألف ومائتين من المسلمين، لم تجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك على قومه، ولقد أمكن الله منهم، فى كلام غير هذا ذكره وثيمة فى الردة. فلما نظر خالد فى الكتاب قال: هذا عمل عمر «2» .
وكتب إلى أبى بكر جواب كتابه مع أبى برزة الأسلمى: أما بعد، فلعمرى ما تزوجت النساء حتى تم لى السرور، وقرت بى الدار، وما تزوجت إلا إلى امرئ لو أعملت إليه من المدينة خاطبا لم أبل، دع أنى استشرت خطبتى إليه من تحت قدمى، فإن كنت كرهت لى ذلك لدين أو دنيا اعتبتك، وأما حسن عزائى على قتلى المسلمين، فو الله لو كان الحزن يبقى حيا أو يرد ميتا لأبقى حزنى الحى ورد الميت، ولقد أقحمت فى طلب الشهادة حتى يئست من الحياة، وأيقنت بالموت، وأما خدعة مجاعة إياى عن رأيى، فإنى لم أخط رأى يومى، ولم يكن لى علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرا، أورثهم الأرض، وجعل لهم عاقبة المتقين.
فلما قدم الكتاب على أبى بكر رضى الله عنه، رق بعض الرقة، وتم عمر على رأيه الأول فى عيب خالد بما صنع، ووافقه على ذلك رهط من قريش، فقام أبو برزة الأسلمى فعذر خالدا، وقال: يا خليفة رسول الله، ما يؤبن خالد بجبن ولا خيانة، ولقد
__________
(1) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 83) .
(2) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم كتاب أبى بكر رضى الله عنه إلى خالد فقال: « ... فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه: لعمرى يا ابن أم خالد، إنك لفارغ حين تتزوج النساء وحول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد، فإذا جاءك كتاب فالحق بمن معك من جموعنا بأهل الشام، واجعل طريقك على العراق، فقال: وهو يقرأ الكتاب: هذا عمل الأعيسر، يعنى عمر بن الخطاب.
(2/137)

أقحم حتى أعذر، وصبر حتى ظفر، وما صالح القوم إلا على رضاه، وما أخطأ رأيه بصلح القوم، إذ هو لا يرى النساء فى الحصون إلا رجالا، فقال أبو بكر: صدقت لكلامك هذا أولى بعذر خالد من كتابه إلىّ.
وقد كان خالد لما وقع الصلح، خاف من عمر أن يحمل أبا بكر، رضى الله عنهما، عليه، فكتب إلى أبى بكر كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لأبى بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد، أما بعد، فإنى أقسم بالله أنى لم أصالحهم حتى قتل من كنت أقوى به، وحتى عجف الكراع، وهلك الخف، ونهك المسلمون بالقتل والجراح، حتى إنى لأفعل أمورا أرى أنى فيها معزر، أباشر القتال بنفسى حتى ضعف المسلمون ونهكوا، حتى إن كنت لا تنكر، ثم أدخل بسيفى فرقا على المسلمين حتى جاء بالظفر، فله الحمد.
فسر أبو بكر بذلك، فدخل عليه عمر وهو يقرأ الكتاب، فدفعه إليه، فقرأه، فقال: إنما راقب خئونتهم وخالف أمرك، ألا ترى إلى ذكره أنه يباشر القتال بنفسه، يمن عليك بذلك. فقال أبو بكر: لا تقل يا عمر، فإنه والى صدق ميمون النقيبة، ناكى العدو، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقدمه ويقربه، وقد ولاه، فقال عمر: ولاه، وخالف أمره، وقبل بدخول الجاهلية حتى كان ما كان، فقال أبو بكر: دع هذا عنك، فقال عمر: سمعا وطاعة.
ولما فرغ خالد من الصلح، أمر بالحصون فألزمها الرجال، وحلف مجاعة بالله لا يغيب عنه شيئا مما صالحه عليه، ولا يعلم أحدا غيبة إلا رفعه إلى خالد، ثم فتحت الحصون، فأخرج سلاحا كثيرا، فجمعه خالد على حدة، وأخرج ما وجد فيها من دنانير ودراهم، فجمعه على حدة، وجمع كراعهم، وترك الخف فلم يحركه ولا الرثة، ثم أخرج السبى، فقسمه قسمين، ثم أقرع على القسمين، فخرج سهمه على أحدهما، وفيه: مكتوب لله، ثم جزأ الذى صار له من السبى على خمسة أجزاء، ثم كتب على كل سهم منها: لله، وجزأ الكراع، والحلقة هكذا، ووزن الذهب والفضة، فعزل الخمس، وقسم على الناس أربعة الأخماس، وأسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وعزل الخمس من ذلك كله، حتى قدم به على أبى بكر الصديق، رضى الله عنه.
ولما انقطعت الحرب بين خالد وبين أهل اليمامة، تحول من منزله الذى كان فيه إلى منزل آخر، ينتظر كتاب أبى بكر يأمره أن ينصرف إليه بالمدينة، فبينا هو على ذلك، إذ
(2/138)

أقبل سلمة بن عمير الحنفى، وكان من شياطينهم، فقال لمجاعة: استأذن لى على الأمير، فإن لى إليه حاجة، فأبى مجاعة عليه، وقال: ويحك يا سلمة، ابق على نفسك، فقد آن لك أن تبصر ما أنت فيه، والله لكأنى أنظر إلى خالد بن الوليد قد أمر بك فضربت عنقك.
فقال سلمة: ما بينى وبين خالد من عتاب، قد قتل قومى، فلهى عنه مجاعة، يطلب غرة من خالد، فأقبل مع الناس الذين يدخلون عليه، فلما رآه خالد التفت إلى مجاعة، فقال: والله إنى لأعرف فى وجه هذا الشر، فقام إليه مجاعة وهو يخافه على الذى ظن به، فإذا هو مشتمل على السيف، فقال: يا عدو الله، لعنك الله، لقد أردت أن تستأصل حنيفة، والله لو قتلته ما بقى من حنيفة صغير ولا كبير إلا قتل، ثم لببه بثوبه، وجعل يتله حتى أدخله بيتا، ثم أوثقه فى الحديد، وأغلق عليه، فأفلت من الليل ومعه سيف، فوقع فى حائط من حوائط اليمامة، وعلم شأنه وما أراد من ضرب خالد بالسيف، وكان خالد قد أمر به أن تضرب عنقه، فكلمه فيه مجاعة، وقال: هبه لى يا أبا سليمان، فوهبه له، وقال له: أحسن أدبه، فذلك حين حذره مجاعة، فخرج بالسيف واكتنفه أهل اليمامة، فلما رأى ذلك أمال السيف على حلقه، فقطع أوداجه، وسقط فى بئر هناك، فانقطع ذكره.
وحدث زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كان أبو بكر حين وجه خالدا إلى اليمامة، رأى فى النوم كأنه أتى بتمر من تمر هجر «1» ، فأكل منها تمرة واحدة وجدها نواة على خلقة التمرة، فلاكها ساعة ثم رمى بها، فتأولها، فقال: ليلقين خالد من أهل اليمامة شدة، وليفتحن الله على يديه إن شاء الله، فكان أبو بكر يستروح الخبر من اليمامة بقدر ما يجىء رسول خالد، فخرج أبو بكر يوما بالعشى إلى ظهر الحرة، يريد أن يبلغ صرارا، ومعه عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، ونفر من المهاجرين والأنصار، فلقى أبا خيثمة النجارى قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ما وراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير يا خليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة، قال: فسجد أبو بكر، قال أبو خيثمة: وهذا كتاب خالد إليك، فحمد الله أبو بكر وأصحابه، ثم قال:
أخبرنى عن الوقعة، كيف كانت؟.
فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد، وكيف صف أصحابه، وكيف انهزم المسلمون، ومن قتل منهم، وجعل أبو بكر يسترجع ويترحم عليهم، وجعل أبو خيثمة
__________
(1) هجر: بفتح أوله وثانيه، مدينة البحرين، وهى معرفة لا تدخلها الألف واللام، سميت بهجر بنت مكنف من العماليق. انظر: الروض المعطار (592) ، معجم ما استعجم (4/ 1346) .
(2/139)

يقول: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتينا من قبل الأعراب، انهزموا بنا وعودونا ما لم نكن نحسن، حتى أظفرنا الله بعد، ثم قال أبو بكر: كرهت رؤيا رأيتها كراهية شديدة، ووقع فى نفسى أن خالدا سيلقى منهم شدة، وليت خالدا لم يصالحهم، وأنه حملهم على السيف، فما بعد هؤلاء المقتولين يستبقى أهل اليمامة، ولن يزالوا من كذابهم فى بلية إلى يوم القيامة، إلا أن يعصمهم الله، ثم قدم بعد ذلك وفد اليمامة مع خالد على أبى بكر رضى الله عنه.
قال الواقدى: أجمع أصحابنا أن خالد بن الوليد قدم المدينة من اليمامة، وقدم بوفد اليمامة سبعة عشر رجلا من بنى حنيفة، فيهم مجاعة بن مرارة، وإخوته، وأن أبا بكر حبسهم، فلم يدخلهم عليه، فدخلوا على عمر بن الخطاب يكلمونه فى أن يكلم أبا بكر أن يأذن لهم فيدخلهم أو يأذن لهم فى الرجوع إلى بلادهم، فوجدوه يحلب شاة على رغيف فى صحفة، ومعه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وابنه زيد بن الخطاب، فهما ينزوان على ظهره، قالوا، أو من قال منهم: فنسبنا، فانتسبنا، فقرب تلك الصحفة وما فيها، وقال: أصيبوا شيئا، فتحرمنا فأصبنا شيئا، فسألته: من هذان الغلامان؟ فقال: هذان ابنا زيد بن الخطاب رحمه الله، فوجمنا لأنا قتلنا زيدا، فلما رأى وجومنا قال: ما لكم قد سكتم؟ هذا أمر قد ذهب، حاجتكم، قالوا: فبسطنا، فقلنا: احتبسنا ولا نقدر على الدخول على أبى بكر، ولا السراح إلى بلادنا، فقال عمر: عليكم عهد الله وكفالته أن تناصحوا الإسلام وأهله، قلنا: نعم، قال: ارجعوا حتى تأتوا فى هذه الساعة من غد فأوصلكم إلى أبى بكر، فلما كان ذلك الوقت من الغد، جاؤه، فخرج معهم حتى أوصلهم إلى أبى بكر.
وقال زيد بن أسلم عن أبيه: لما دخلوا على أبى بكر الصديق، قال: ويحكم، ما هذا الذى استنزل منكم ما استنزل، وخدعكم، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذى بلغك مما أصابنا.
وذكر وثيمة أن الذى كلم أبا بكر منهم رجل من بنى سحيم، فقال: يا خليفة رسول الله، كان رجلا مشئوما أصابته فتنة من حديث النفس، وأمانى الشيطان، دعا إليها أقواما مثله فأجابوه فلم يبارك الله له ولا لقومه.
قال أسلم فى حديثه: ثم أقبل يعنى أبا بكر، على مجاعة، فقال: يا مجاعة، أنت خرجت طليعة لمسيلمة حتى أخذك خالد أخذا؟ فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما
(2/140)

فعلت، خرجت فى طلب رجل من بنى نمير قد أصاب فينا دما، فهجمت علينا خيل خالد، ولقد كنت قدمت على رسول الله، فلما ذكر رسول الله، قال أبو بكر: قل صلى الله عليه وسلم، فقال: صلى الله عليه وسلم، ثم رجعت إلى قومى، فو الله ما زلت معتزلا أمر مسيلمة حتى كان أوان قدمت عليك مقدمى هذا، ثم لم آل لخالد فيما استشارنى إلى اليوم، وقد جئناك لترضى عمن أساء، وتقبل ممن تاب، فإن القوم قد رجعوا وتابوا، فقال أبو بكر: أما أنى قد كتبت إلى خالد كتابا فى أثر كتاب آمره أن لا يستبقى من بنى حنيفة أحدا مرت عليه الموسى قال مجاعة: الذى صنع الله لك ولخالد خير، يفىء الله بهم إلى الإسلام، قال أبو بكر: أرجو أن يكون ما صنع خالد خيرا، يا مجاعة أنى خدعتم بمسيلمة؟ قال: يا خليفة رسول الله، لا تدخلنى فى القوم، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر:
18] ، قال أبو بكر رضى الله عنه: فما كان يقول لقومه؟ قال: فكره مجاعة أن يخبره فقال أبو بكر: عزمت عليك لتخبرنى.
وفى غير هذا الحديث أن الرجل السحيمى الذى تقدم ذكره قبل أخبره بأنه كان يقول: يا ضفدع بنت ضفدعين، لحسن ما تنقنقين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، امكثى فى الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم لا يعدلون. فاسترجع أبو بكر، ثم قال: سبحان الله، ويحكم، أى كلام هذا، إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر، فأين ذهب بكم؟ الحمد لله الذى قتله، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد أردنا الرجوع إلى بلادنا، قال: ارجعوا، وكتب لهم كتابا آمنهم فيه.
وفى كتاب يعقوب الزهرى: أن وفد بنى حنيفة لما قدموا، نادى أبو بكر أن لا يؤويهم أحد، ولا يبايعهم، ولا ينزلهم، ولا يكلمهم، فداروا فى المدينة لا يكلمون ولا يبايعون، فضاقت عليهم، فقيل لهم: ائتوا عمر، فجاؤه، فوجدوه معتقلا عنزا يحلبها على رغيف، فلما رآهم، حلب، فاشتد حلبه حتى دار الرغيف فى القدح من شدة حلبه، ثم وضعه، فدعاهم فأكلوا معه، ومعه صبية صغيرة، فقالوا: إنا نعوذ بالله أن يرد علينا من إسلامنا ما يقبل من غيرنا، وإنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، الذى لا إله إلا هو، الذى يعلم من السر ما يعلم من العلانية، قال: الله، إن ما تقولون بألسنتكم لحق من قلوبكم، قالوا: الذى لا إله إلا هو إن ما نقول بألسنتنا لحق من قلوبنا، قال:
الحمد لله الذى جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه. قال: أفيكم قاتل زيد بن الخطاب؟ قلنا: ما تريد بذلك؟ قال: أفيكم قاتل زيد؟ فقام أبو مريم، فقال: أنا قاتل زيد،
(2/141)

قال: وكيف قتلته؟ قال: اضطربت أنا وهو بالسيفين حتى انقطعا، ثم أطعنا بالرمحين حتى انكسرا، ثم اصطرعنا، فشحطته بالسكين شحطا، قال: يا بنية، هذا قاتل أبيك، فوضعت يدها على رأسها، وصاحت: يا أبتاه.
قال: ثم خرج حتى جاء أبا بكر، فاستأذن لنا عليه، فدخلنا فقلنا له كما قلنا لعمر، وناشدنا كما ناشدنا عمر، فحلفنا له، فقال: الحمد لله الذى جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه، قال: أفيكم من رهط عامر بن مسلمة أحد؟ قال خالد: وما تصنع بعامر وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة، فكررها أبو بكر، فقال: هل فيكم من رهط ثمامة ابن أثال أحد؟ قال خالد: وما تصنع بثمامة، وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة، قال أبو بكر رضى الله عنه: إنهم أهل بيت اصطعنهم النبى صلى الله عليه وسلم، فأحب أن أصطنعهم، فقام مطرف بن النعمان بن سلمة، فقال: عامر بن سلمة عمى، وثمامة بن أثال عمى، فاستعمله أبو بكر على اليمامة.
وقال أبو بكر لخالد: سم لى أهل البلاء، فقال: يا خليفة رسول الله، كان البلاء للبراء بن مالك، والناس له تبع.
ولما قدم خالد المدينة لم يبق بها دار إلا فيها باك لكثرة من قتل معه من الناس، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، لما رأى ذلك، وقال ما أبعد ما رأى من الظفر، والله لثابت بن قيس بن شماس «1» أعز على الأنصار من أسماعها وأبصارها.
وكانت اليمامة فى ربيع الأول من سنة اثنتى عشرة «2» ، واختلف فى عدد من استشهد فيها من المسلمين، فأكثر ما فى ما وقع فى كتاب أبى بكر إلى خالد: أن ببابك دماء ألف ومائتين من المسلمين.
وقال سالم بن عبد الله بن عمر: قتل يوم اليمامة ستمائة من المهاجرين والأنصار، وغير ذلك.
وقال زيد بن طلحة: قتل يوم اليمامة من قريش سبعون، ومن الأنصار ستون، ومن سائر الناس خمسمائة.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (253) ، الإصابة الترجمة رقم (906) ، أسد الغابة الترجمة رقم (569) .
(2) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (4/ 83) : أنها كانت سنة إحدى عشرة فى قول جماعة منهم أبو معشر، فأما ابن إسحاق فإنه قال فتح اليمامة واليمن والبحرين، وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتى عشرة.
(2/142)

وعن أبى سعيد الخدرى قال: قتلت الأنصار فى مواطن أربعة سبعين سبعين، يوم أحد سبعين، ويوم بئر معونة سبعين، ويوم اليمامة سبعين، ويوم جسر أبى عبيد سبعين.
وقال سعيد بن المسيب: قتلت الأنصار فى مواطن ثلاثة سبعين سبعين، فذكر ما تقدم إلا بئر معونة.
وذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يوما وقعة اليمامة ومن قتل فيها من المهاجرين والأنصار، فقال: أحلت السيوف على أهل السوابق من المهاجرين والأنصار، ولم نجد المعول يومئذ إلا عليهم، خافوا على الإسلام أن يكسر بابه، فيدخل منه إن ظهر مسيلمة، فمنع الله الإسلام بهم، حتى قتل عدوه وأظهر كلمته، وقدموا يرحمهم الله، على ما يسرون به من ثواب جهادهم من كذب على الله وعلى رسوله، ورجع عن الإسلام بعد الإقرار به.
وفى رواية عنه: جعل منادى المسلمين، يعنى يوم اليمامة، ينادى: يا أهل الوجوه، لولا ما استدرك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من جمع القرآن لخفت أن لا يلتقى المسلمون وعدوهم فى موضع إلا استحر القتل بأهل القرآن.
ولما قتل ثابت بن قيس بن شماس يوم اليمامة، ومعه كانت راية الأنصار يومئذ، وهو خطيبهم وسيد من سادتهم، أرى رجل من المسلمين فى منامه ثابت بن قيس يقول له:
إنى موصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إنى لما قتلت بالأمس جاء رجل من ضاحية نجد وعلىّ درع فأخذها، فأتى بها منزله فأكفأ عليها برمة، وجعل على البرمة رحلا، وخباؤه فى أقصى العسكر، إلى جنب خبائه فرس يستن فى طوله، فائت خالد بن الوليد فأخبره فليبعث إلى درعى فليأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن علىّ من الدين كذا ولى من الدين كذا، وسعد ومبارك غلاماى حران، وإياك أن تقول هذا حلم، فتضيعه.
فلما أصبح الرجل أتى خالد بن الوليد فأخبره، فبعث خالد إلى الدرع فوجدها كما قال، وأخبره بوصيته فأجازها، ولا نعلم أحدا من المسلمين أجيزت، وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس «1» .
وقد روى أن بلال بن الحارث كان صاحب الرؤيا، رواه الواقدى، ثم قال بعقبه:
فذكرته، يعنى الحديث، لعبد الله بن سعد، فقال: حدثنى عبد الواحد بن أبى عون، قال:
__________
(1) ذكر ابن عبد البر فى الاستيعاب هذا الخبر فى ترجمة ثابت رقم (253) .
(2/143)

قال بلال: رأيت فى منامى كأن سالما مولى أبى حذيفة قال لى ونحن منحدرون من اليمامة إلى المدينة: إن درعى مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق، تحت قدرهم، فإذا أصبحت فخذها من تحت قدرهم، فاذهب بها إلى أهلى، وإن علىّ شيئا من دين، فمرهم يقضونه، قال بلال: فأقبلت إلى تلك الرفقة، وقدرهم على النار، فألفيتها وأخذت الدرع، وجئت أبا بكر فحدثته الحديث، فقال: نصدق قولك، ونقضى دينه الذى قلت.
وقتل الله من بنى حنيفة يوم اليمامة عددا كثيرا، ففى كتاب يعقوب الزهرى أنه قتل منهم أكثر من سبعة آلاف، وعن غيره أنه أصيب يومئذ من صليب بنى حنيفة سبعمائة مقاتل، وكان داؤهم خبيثا، والطارئ منهم على الإسلام عظيما، فاستأصل الله تعالى شأفتهم، ورد ألفة الإسلام على ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر ردة بنى سليم
ذكر الواقدى من حديث سفيان بن أبى العوجاء السلمى، قال: وكان عالما بردة قومه، مع أنه كان من وعاة العلم، وممن يوثق به فى الدين، قال: أهدى ملك من ملوك غسان إلى النبى صلى الله عليه وسلم، لطيمة فيها مسك وعنبر، وخيل، فخرجت بها الرسل حتى إذا كانوا بأرض بنى سليم، بلغتهم وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، فتشجع بعض بنى سليم على أخذها والردة، وأبى بعضهم من ذلك، وقالوا: إن كان محمد قد مات، فإن الله حى لا يموت، وكان الذين ارتدوا منهم عصية وبنو عميرة وبنو عوف، وبعض بنى جارية، والذين انتهبوا اللطيمة فتمزقوها، بنو الحكم بن مالك بن خالد بن الشريد.
فلما ولى أبو بكر كتب إلى معن بن حاجز «1» فاستعمله على من أسلم من بنى سليم، وكان قد قام فى ذلك قياما حسنا، ذكر وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، وذكر الناس ما قال الله لنبيه عليه السلام: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية [آل عمران: 144] والتى قبلها، مع آى من كتاب الله، فاجتمع إليه بشر كثير من بنى سليم، وانحاز أهل الردة منهم فجعلوا يغيرون على الناس، ويقطعون السبيل، فلما بدى لأبى بكر أن يوجه خالد بن الوليد إلى الضاحية، كتب إلى معين بن حاجز أن يلحق بخالد بن الوليد هو ومن معه من المسلمين، ويستعمل
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2499) ، الإصابة الترجمة رقم (8473) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2499) .
(2/144)

على عمله طريفة بن حاجز، ففعل، وأقام طريفة يكالب من ارتد بمن معه من المسلمين، يغير عليهم ويغيرون عليه، إذ قدم الفجاءة، وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عمير ابن خفاف، على أبى بكر الصديق، فقال: يا أبا بكر، إنى مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملنى وأعنى، فإنه لو كان عندى قوة لم أقدم عليك، ولكنى مضعف من الظهر والسلاح، فسر أبو بكر بمقدمه، فحمله على ثلاثين بعيرا، وأعطاه سلاح ثلاثين رجلا، فخرج يستعرض المسلم والكافر، فيأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع مع قوم من أهل الردة قد تبعوه على ذلك، لقد أغار على قوم بالأرحضية مسلمين، جاؤا يريدون أبا بكر، فسلبهم وقتلهم، ومعه رجل من بنى الشريد، يقال له: نجبة بن أبى المثنى.
فلما بلغ أبا بكر خبره وما صنع، كتب إلى طريفة بن حاجز: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله إلى طريفة بن حاجز، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد، فإن عدو الله الفجاءة أتانى، فزعم أنه مسلم، وسألنى أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام، فقويته، وقد انتهى إلى الخبر اليقين أنه قد استعرض المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم، ويقتل من امتنع منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأسره، فتأتينى به فى وثاق إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله.
فقرأ طريفة كتاب أبى بكر على قومه المسلمين، فحشدوا، وساروا معه إلى الفجاءة، فقدم إليهم نجبة بن أبى المثنى، فناوش المسلمين، وقتل نجبة، وهرب من كان معه إلى الفجاءة، ثم زحف طريفة إلى الفجاءة، فتصادما، وجعل المسلمون يرمون بالنبل، ورمى أصحاب الفجاءة شيئا وهم منكسرون لما يرون من انكسار الفجاءة وندامته، فقال: يا طريفة «1» والله ما كفرت، وإنى لمسلم، وما أنت بأولى بأبى بكر منى، أنت أميره وأنا أميره، قال طريفة: فإن كنت صادقا، فألق السلاح، ثم انطلق إلى أبى بكر فأخبره خبرك، فوضع الفجاءة السلاح، وأوثقه طريفة فى جامعة، فقال طريفة: لا تفعل، فإنك إن أقدمتنى فى وثاق أشعرتنى، فقال طريفة: هذا كتاب أبى بكر إلى: أن ابعثك إليه فى وثاق، فقال الفجاءة: سمعا وطاعة، فبعث به فى جامعة مع عشرة من بنى سليم، فأرسل به أبو بكر رضى الله عنه، إلى بنى جشم، فحرقه بالنار.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1308) ، الإصابة الترجمة رقم (4263) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2605) .
(2/145)

وقدم على أبى بكر رضى الله عنه، قبيصة، أحد بنى الضربان، من بنى خفاف، فذكر أن مسلم، وأنه قومه لم يرتدوا، فأمره أبو بكر أن يقاتل بمن معه من سليم على الإسلام من ارتد عنه منهم، فرجع قبيصة إلى قومه، فاجتمع إليه ناس كثير ممن ثبت على الإسلام، فخرج يتبع بهم أهل الردة يقتلهم حيث وجدهم، حتى مر ببيت خميصة بن الحكم الشريدى، فوجده غائبا يجمع أهل الردة، ووجد جارا له مرتدا، فقتله، واستاق ماله ومضى حتى نزل منزلا، فذبح أصحابه شاة من غنم جار خميصة، ثم راحوا، ويقبل خميصة حتى أتى أهله، فيخبروه خبر جاره، فخرج فى طلب القوم حتى مر بمنزلهم حيث ذبحوا الشاة، فيجد رأسها مملولا، قد تركه القوم، فأخذه، فجعل ينهش منه، وهو يطلبهم فأدركهم وهو ينهشه والدم يسيل على لحيته، وكان رجلا أيدا، فقال لقبيصة: قتلت جارى؟ قال: إن جارك ارتد عن الإسلام، قال: فاردد ماله، فرد قبيصة ماله، فقال: وفقد الشاة التى ذبحوا، فقال: أين الشاة التى ذبحت؟ فقال: لا سبيل إليها، قد أكلها القوم وهم مستحقون لذلك فى طلب قوم كفروا بعد إسلامهم، فقال: يا قبيصة، أمن بين من كفر تعدو على جار لجأ إلى لأمنعه؟ فقال قبيصة: قد كان ذلك فاصنع ما أنت صانع، فطعن قبيصة بالرمح، فوقع فى واسط الرحل، فدقه وانثنى سنان الرمح، وخر قبيصة عن بعيره، فقال لخميصة: إنك قد أشويتنى، فاكفف، فعدل خميصة سنان رمحه بين حجرين ثم شد على قبيصة، وهو يقول: أكفف بعد قتل جارى، لا والله أبدا، فطعنه بالرمح فقتله وكان قبيصة قد فرق أصحابه، وبثهم قبل أن يلحقه خميصة.
وكتب أبو بكر رحمه الله، إلى خالد بن الوليد: أما بعد، فإن أظفرك الله ببنى حنيفة، فأقل اللبث فيهم حتى تنحدر إلى بنى سليم فتطأهم وطأة يعرفون بها ما منعوا، فإنه ليس بطن من العرب أنا أغيظ عليه منى عليهم، قدم قادمهم يذكر إسلاما ويريد أن أعينه، فأعنته بالظهر والسلاح، ثم جعل يعترض الناس، فإن أظفرك الله بهم فلا ألومك فيهم، فى أن تحرقهم بالنار، وتهول فيهم بالقتل، حتى يكون نكالا لهم.
قالوا: فجعل خالد بن الوليد يبعث الطلائع أمامه، وسمعت بنو سليم بمقبل خالد، فاجتمع منهم بشر كثير يعرضون لهم، وجلهم بنو عصية، واستجلبوا من بقى من العرب مرتدا، وكان الذى جمعهم أبو شجرة بن عبد العزى، فانتهى خالد إلى جمعهم بالجواء مع الصبح، فصاح خالد فى أصحابه، وأمرهم بلبس السلاح، ثم صفهم، وصفت بنو سليم، وقد كل المسلمون وعجف كراعهم، وخفهم، وجعل خالد يلى القتال بنفسه، حتى أثخن فيهم القتل، ثم حمل عليهم حملة واحدة، فهربوا، وأسر منهم بشر كثير، فجعل
(2/146)

يضرب أحدهم على عاتقه فيجز له باثنين، ويبدو سحره، ويضرب الآخر من وسطه.
وفى حديث سفيان بن أبى العوجاء: أن خالدا خطر لهم الخطائر، فحرقهم فيها بالنار، وأصاب أبو شجرة يومئذ، فى المسلمين وجرح جراحات كثيرة، وقال فى ذلك أبياتا، يقول فى آخرها:
فرويت رمحى من كتيبة خالد ... وإنى لأرجو بعدها أن أعمرا
ولما قدم خالد على أبى بكر، كان أول ما سأل عنه خبر بنى سليم، فأخبره خالد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قدم على أبى بكر معاوية بن الحكم، وأخوه خميصة مسلمين، فقال أبو بكر لخميصة: أنت قتلت قبيصة، ورجعت عن الإسلام؟ قال: إنه قتل جارى، قال: وإن قتل جارك على ردة، قتلته، لن تفلت منى حتى أقتلك، فقال أخوه: يا خليفة رسول الله، كان يومئذ مرتدا كافرا موتورا، وقد تاب اليوم وراجع، ولكن نديه قال أبو بكر: فأخرج ديته، فقال: أفعل يا خليفة رسول الله، قال: فنعم الرجل كان قبيصة، ونعم السبيل مات عليه.
ثم قال لمعاوية: وعمدتم يا بنى الشريد إلى لطيمة بعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهبتموها، وقلتم إن يقم بهذا الأمر رجل من قريش، فلعمرى ليرضى أن تدخلوا فى الإسلام مع الناس، فكيف يأخذكم بأمن الطريق إلى رجل قد مات، فإن طلب ما أخذتم فإنما يطلبها أهل بيته، فما كانوا يطلبون ذلك منكم وأنتم أخوالهم. قال معاوية: نحن نضمنها حتى نؤديها إليك، فحمل أبو بكر، معاوية اللطيمة التى أصابوها، ووقت لهم شهرين أو ثلاثة.
قال: فأداها إلى أبى بكر، ثم إن أبا شجرة أسلم، ودخل فيما دخل فيه الناس، فجعل يعتذر ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، قدم أبو شجرة وأناخ راحلته بصعيد بنى قريظة، وجاء من حرة شوران، ثم أتى عمر وهو يقسم بين فقراء العرب، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنى، فإنى ذو حاجة، فقال: من أنت؟ قال:
أنا أبو شجرة بن عبد العزى، فقال له: يا عدو الله، ألست الذى يقول:
فرويت رمحى من كتيبة خالد ... وإنى لأرجو بعدها أن أعمرا
عمر الله سوء ما عشت لك يا خبيث، ثم جعل يعلوه بالدرة على رأسه، حتى سبقه عدوا، وعمر فى طلبه، فرجع أبو شجرة موليا إلى راحلته، فارتحلها، ثم شد بها فى حرة شوران راجعا إلى أرض بنى سليم، فما استطاع أبو شجرة أن يقرب عمر حتى توفى،
(2/147)

وإن كان إسلامه لا بأس به، وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه، ويقول: ما رأيت أحدا أهيب من عمر بن الخطاب.
وقال أبو شجرة فيما كان من ذلك:
ضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق
ما زال يرهقنى حتى خذيت له ... وحال من دون بعض البغية الشفق
لما لقيت أبا حفص وشرطته ... والشيخ يقرع أحيانا فينحمق
ثم ارعويت إلى وجناء كاشرة ... مثل الطريرة لم يثبت لها الأفق
أقبلت الخيل من شوران صادرة ... أنى لأزرى عليها وهى تنطلق
تطير مروا خطاها عن مناسمها ... كما ينقر عند الجهبذ الورق
إذا يعارضها خرق تعارضه ... ورهاء فيها إذا استعجلتها خرق
ينوء آخرها منها وأولها ... سرح اليدين معا نهاضة فتق
وفى حديث هشام بن عروة عن أبيه: أن لقاء أبى شجرة عمر كان على غير ما تقدم، وأن أبا شجرة قدم المدينة، فأدخل راحلته بعض دورها، ودخل المسجد متنكرا، فاضطجع فيه، وكان عمر رضى الله عنه، قل شىء يظنه إلا كان حقا، فبينا عمر جالسا فى أصحابه، وأبو شجرة مضطجع، قال عمر: إنى لأرى هذا أبا شجرة، فقام حتى وقف عليه، فقال: من أنت؟ قال: رجل من بنى سليم، قال: انتسب، قال: فلان بن عبد العزى، قال: ما كنيتك؟ قال: أبو شجرة، فعلاه بالدرة.
ثم ذكر من تقريره على قوله: فرويت رمحى البيت، نحوا مما تقدم.
ردة البحرين «1»
حدث يعقوب الزهرى عن إسحاق بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة، قال: لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صاحب المدائن: من يكفينى أمر العرب، فقد مات صاحبهم وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعوا على أفضلهم، فإنهم إن فعلوا صلح أمرهم، وبقى ملكهم، وأخرجوا العجم من أرضهم، قالوا:
نحن بذلك على أكمل الرجال، قال: من؟ قالوا: مخارق بن النعمان، ليس فى الناس مثله، وهو من أهل بيت قد دوخوا العرب ودانت لهم، وهؤلاء جيرانك بكر بن وائل، فأرسل
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 83- 85) ، تاريخ الطبرى (3/ 301) ، الأغانى (15/ 255) .
(2/148)

منهم ناسا مع مخارق، فأرسل معه ستمائة من بكر بن وائل، الأشرف فالأشرف، وارتد أهل هجر عن الإسلام.
وعن الحسن بن أبى الحسن: أن الجارود قام فى قومه، فقال: يا قوم، ألستم تعلمون ما كنت عليه من النصرانية، وإنى لم آتكم قط إلا بخير، وإن الله تعالى بعث نبيه فنعى له نفسه وأنفسكم؟ فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آلا عمران: 144] .
وفى حديث آخر، أنه قام فيهم، فقال: ما شهادتكم أيها الناس على موسى؟ قالوا:
نشهد أنه رسول الله، قال: فما شهادتكم على عيسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله، قال:
وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، عاش كما عاشوا، ومات كما ماتوا، وأتحمل شهادة من أبى أن يشهد على ذلك، فلم يرتد من عبد القيس أحد.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين وفدوا عليه: «عبد القيس خير أهل المشرق، اللهم اغفر لعبد القيس ثلاثا، وبارك لهم فى ثمارهم» ، فخرجوا مسرورين بدعوته وأهدوا له من طرائف ثمارهم، وثبتوا على الإسلام حين الردة.
وكان النبى صلى الله عليه وسلم، استعمل أبان بن سعيد بن العاص «1» على البحرين، وعزل العلاء بن الحضرمى، فسأل أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يحالف عبد القيس، فأذن له، فحالفهم، فلما بلغ أبان بن سعيد مسير من سار إليه مرتدين، قال لعبد القيس: أبلغونى مأمنى، فأشهد أمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس مثلى يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم، وأموت بمماتهم، فقالوا: لا تفعل، فأنت أعز الناس علينا، وهذا علينا وعليك فيه مقالة، يقول قائل: فر من القتال، فأبى وانطلق معه ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة، فقال أبو بكر لأبان: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟ فقال: ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر أبان من عبد القيس خيرا، فدعا أبو بكر العلاء بن الحضرمى، فبعثه إلى البحرين، فى ستة عشر راكبا، وقال: امض، فإن أمامك عبد القيس، فسار حتى بلغهم، ومر بثمامة بن أثال الحنفى، فأمده برجال من قومه بنى سحيم، ولحق به ثمامة، فخرج
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (4) ، الإصابة الترجمة رقم (2) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2) ، نسب قريش (174، 175) ، طبقات خليفة (298) ، الجرح والتعديل (2/ 295) ، تاريخ الإسلام (1/ 376، 378) .
(2/149)

العلاء بمن معه حتى نزل بحصن يقال له جواثى، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر بن وائل المشقر، فسار إليهم العلاء فيمن اجتمع إليه من المسلمين، فقاتلهم قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى وأكثرها فى أهل الردة، والجارود بالخط يبعث البعوث إلى العلاء، وبعث مخارق الخطم بن شريح، أحد بنى قيس بن ثعلبة إلى مرزبان الخط يستمده، فأمده بالأساورة، فنزل الخطم ردم الفلاح، وكان حلف أن لا يشرب الخمر حتى يرى هجر، فقالوا له: هذه هجر، وأخذ المرزبان الجارود رهينة عنده، وقال عبد الرحمن بن أبى بكرة: أخذ الخطم الجارود، فشده فى الحديد، وسار الخطم وأبجر بن العجلى فيمن معهما حتى حصروا العلاء بن الحضرمى بجواثى. فقال عبد الله بن حذف أحد بنى عامر بن صعصعة:
ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وسكان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى نفر يسير ... مقيم فى جواثى محصرينا
كأن دماءهم فى كل شمس ... شعاع الشمس يغشين العيونا
توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا «1»
فمكثوا على ذلك محصورين، فسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطا فى عسكر المشركين، فقالوا: والله لوددنا أن لو علمنا أمرهم، فقال عبد الله بن حذف: أنا أعلم لكم علمهم، فدلونى بحبل، فدلوه، فأقبل حتى يدخل على أبجر بن جابر العجلى، وأم عبد الله امرأة من بنى عدل، فلما رآه أبجر، قال: ما جاء بك، لا أنعم الله بك علينا؟ قال:
يا خالى، الضرر والجوع وشدة الحصار، وأردت اللحاق بأهلى، فزودنى. قال أبجر:
أفعل، على أنى أظنك والله على غير ذلك، بئس ابن الأخت سائر الليلة، فزوده وأعطاه نعلين، وأخرجه من العسكر، وخرج معه حتى برزا، فقال له: انطلق، فإنى والله لأراك بئس ابن الأخت أنت هذه الليلة، فمض ابن حذف كأنه لا يريد الحصن، حتى أبعد، ثم عطف فأخذ بالحبل، فصعد الحصن، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ورائى والله أنى تركتهم سكارى لا يعقلون، قد نزل بهم تجار من تجار الخمر، فاشتروا منهم ثم وقعوا فيها، فإن كانت لكم حاجة بهم فالليلة، فنزل إليهم المسلمون، فبيتوهم، ووضعوا فيهم سلاحهم حيث شاؤا «2» .
وقال إسحاق بن يحيى بن طلحة فى حديثه: كان العلاء فى ثلاثمائة وستة وعشرين
__________
(1) انظر الأبيات فى: البداية والنهاية (6/ 321) .
(2) راجع ما ذكره ابن كثير فى البداية (6/ 320- 323) .
(2/150)

من المهاجرين، فطرقوهم، فوجدوهم قد ثملوا، فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحد، ووثب الخطم وهو سكران، فوضع رجله فى ركاب فرسه، ثم جعل يقول: من يحملنى، فسمعه عبد الله بن حذف، فأقبل نحوه وهو يقول: أبا ضبيعة؟ قال: نعم، قال: أنا أحملك، فلما دنا منه ابن حذف ضربه حتى قتله، وقطعت رجل أبجر بن جابر العجلى فمات منها وقد كان قال حين قطعت: قاتلك الله يا ابن حذف، ما أشأمك، وقد قيل إن عفيف بن المنذر، أحد بنى عمرو بن تميم، هو الذى سمع كلام الخطم حين رام الركوب، فلم يستطع، فقال: ألا رجل من بنى قيس بن ثعلبة يعقلنى الليلة، فقال له عفيف وقد عرف صوته: أبا ضبيعة، أعطنى رجلك، فأعطاه إياها، يظن أنه يعقله على فرسه، فأطنها من الفخذ وتركه، فقال: أجهز على، فقال: إنى أحب أن لا تموت حتى أمصك، وكان مع عفيف تلك الليلة عدة من بنى أبيه أصيبوا.
وقتل ليلتئذ مسمع بن سنان، أبو المسامعة، وانهزم الباقون، حتى صاروا فى ناحية من البحرين فعصموا بمفروق الشيبانى.
قال إسحاق: وأصبح ما أفاء الله على المسلمين من خيولهم، وما سوى ذلك عند العلاء فى حصن جواثى، ثم صار العلاء إلى المدينة فقاتلهم قتالا شديدا، وهزمهم الله حتى لجئوا إلى باب المدينة، فضيق عليهم، فلما رأى ذلك مخارق ومن معه، قالوا: إن خلوا عنا رجعنا من حيث جئنا، فشاور العلاء أصحابه، فأشاروا عليه أن يخلى عنهم، فخرجوا فلحقوا ببلادهم، وبقى أهل المدينة، فطلبوا الصلح والأمان، فصالحهم العلاء على ثلث ما فى أيديهم بالمدينة من أموالهم، وما كان من شىء خارج منها، فهو له، فبعث العلاء بمال كثير إلى المدينة.
وفى غير هذا الحديث أن عبد القيس لما أوقعوا تلك الليلة ببكر بن وائل، طفقت بكر تنادى: يا عبد القيس، إياكم مفروق بن عمرو فى جماعة بكر بن وائل، فقال عبد الله بن حذف فى ذلك:
لا توعدونا بمفروق وأسرته ... إن يأتنا يلق منا سنة الخطم
النخل ظاهرها خيل وباطنها ... خيل تكردس بالفرسان كالنعم
وإن ذا الحى من بكر وإن كثروا ... لأمة داخلون النار فى أمم
ثم سار العلاء بن الحضرمى إلى الخط حتى نزل على الساحل، فجاءه نصرانى، فقال له: مالى إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين، قال: وما تسألنى؟ قال: أهل
(2/151)

بيت بدارين، قال: هم لك، فخاض به وبالخيل إليهم، فظفر عليهم عنوة، وسبى أهلها، ثم رجع إلى عسكره.
وقال إبراهيم بن أبى حبيبة: حبس لهم البحر حتى خاضوه إليهم، وجازه العلاء وأصحابه مشيا على أرجلهم، وقد تجرى فيه السفن قبل، ثم جرت فيه بعد، فقاتلهم، فأظفره الله بهم، وسلموا له ما كانوا منعوا من الجزية التى صالحهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويروى أنه كان للعلاء بن الحضرمى ومن كان معه جوار إلى الله تعالى فى خوض هذا البحر، فأجاب الله دعائهم، وفى ذلك يقول عفيف بن المنذر، وكان شاهدا معهم «1» :
ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الذى شق البحار فجاءنا ... بأعظم من غلق البحار الأوائل
وفى حديث غيره، قال: لما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين سألوه الصلح على ما صالح عليه أهل حجر.
ولما ظهر العلاء بن الحضرمى على أهل الردة والمجوس من أهل البحرين، أقام عليها أميرا، وبعث أربعة عشر رجلا من رؤساء عبد القيس وفدا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فنزلوا على طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأخبروهما بمسارعتهم إلى الإسلام وقيامهم فى الردة، ثم دخل القوم على أبى بكر، وحضر الزبير وطلحة رضى الله عنهم، فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنا قوم أهل إسلام، وليس شىء أحب إلينا من رضاك، ونحن نحب أن تعطينا أرضا من أرض البحرين وطواحين، فأبى أبو بكر، فكلمه فى ذلك طلحة والزبير، فأذعن، وقال: اشهدوا أنى قد فعلت وأعطيتهم كل ما سألونى، وعرفت لهم قدر إسلامهم، فجزوه خيرا.
فلما خرجوا من عنده، قال لهم طلحة: إن هذا الأمر لا نراه يليه بعد أبى بكر إلا عمر، فكلموا أبا بكر يكتب لكم كتابا، ويشهد فيه عمر، فلا يكون لعمر بعد هذا اليوم كلام، فعادوا إلى أبى بكر، فذكروا له ذلك، فدعا عبد الله بن الأرقم، فقال: اكتب لهم بهذا الذى أعطيتهم، ففعل، وشهد فى الكتاب عشرة من قريش والأنصار، ولم يكن عمر بن الخطاب حاضرا، فانطلقوا إليه، فأقرأوه الكتاب، فلما قرأه فض الخاتم ثم تفل
__________
(1) انظر الأبيات فى: البداية والنهاية (6/ 323) .
(2/152)

فيه، ورده عليه، فأقبل الوفد على طلحة، فقالوا: هذا عملك أنت، أمرتنا أن نشهد عمر، واتهموه فى أمرهم، فقال طلحة: والله ما أردت إلا الخير، فرجعوا إلى أبى بكر غضابا، فخبروه الخبر، ودخل طلحة والزبير، فقالا: والله ما ندرى أنت الخليفة أم عمر، فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فأخبروه، فقال: فما صنع عمر بالكتاب؟.
قالوا: فض الخاتم وتفل فى الكتاب ومحاه، فقال أبو بكر: لئن كان عمر كره من ذلك شيئا، فإنى لا أفعله، فبينما هم كذلك إذ جاء عمر، فقال له أبو بكر: ما كرهت من هذا الكتاب؟ فقال: كرهت أن تعطى الخاصة دون العامة، ولكن اجعل أمر الناس واحدا لا يكون عندك خاصة دون عامة، وإلا فأنت تقسم على الناس فيئهم، فتأبى أن تفضل أهل السابقة وأهل بدر وتعطى هؤلاء قيمة عشرين ألفا دون الناس، فقال أبو بكر:
وفقك الله وجزاك خيرا، فهذا هو الحق.
وذكر وثيمة بن موسى: أن بكر بن وائل لما خفت عند ردة العرب بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، قالوا: والله لنردن هذا الملك إلى آل النعمان بن المنذر، فبلغ ذلك كسرى، فبعث فى وجوههم، فقدموا عليه وعنده يومئذ المخارق بن النعمان وهو المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، فقال لهم: سيروا مع المنذر بن النعمان، فإنى قد ملكته، فخذوا البحرين، فساروا، وسارت معه الأساورة، وهم يومئذ ستة آلاف راكب، ثم إن كسرى ندم على تمليك المنذر وتوجيه من وجه معه، وقال: غلام موبق، قتلت أباه، معه كتيبة النعمان من بكر بن وائل يأتون إخوتهم من عبد القيس، وهو غلام فتى السن لم يختبر، هذا خطأ من الرأى، فصرفه إليه، وانكسر المنذر للذى صنع به، ثم عاود كسرى رأيه فيه لكلام بلغه عنه، فأمضاه وسرح معه أبجر بن جابر العجلى، ثم ذكر حديثا طويلا تتخلله أشعار كثيرة لم أر لذكر شىء منها وجها، واستغنيت من حديثهم بما تقدم منه.
وذكر أن المنذر لما كان من ظهور الإسلام ما تقدم ذكره هرب إلى الشام، فلحق ببنى جفنة، وندم على ما مضى منه، ثم ألقى الله فى قلبه الإسلام، فأسلم، فكان بعد إسلامه، يقول: لست بالغرور ولكنى المغرور، هذا ما ذكره وثيمة فى شأن الغرور.
وذكر سيف فى فتوحه وحكاه الدارقطنى عنه، قال: الغرور بن سويد أسر يوم البحرين، أسره عفيف بن المنذر وأجاره، فأتى به العلاء بن الحضرمى، فقال: إنى قد أجرت هذا، قال: ومن هو؟ قال: الغرور، قال: أنت غررت هؤلاء؟ قال: إنى لست
(2/153)

بالغرور ولكنى المغرور، قال: أسلم، فأسلم، وبقى بهجر، وكان اسمه الغرور وليس بلقب.
ذكر ردة أهل دبا وأزد عمان «1»
وكان وفد الأزد من أهل دبا قد قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم، مقرين بالإسلام، فبعث عليهم مصدقا منهم، يقال له حذيفة بن اليمان الأزدى، من أهل دبا، وكتب له فرائض صدقات أموالهم، ورسم له أخذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم، ففعل حذيفة ذلك، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بفرائض فضلت من صدقاتهم لم يجد لها موضعا، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، منعوا الصدقة وارتدوا، فدعاهم حذيفة إلى التوبة، فأبوا، وأسمعوه شتم النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: يا قوم، أسمعونى الذى فى أبى وفى أمى، ولا تسمعونى الأذى فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبوا إلا ذلك، وجعلوا يرتجزون:
لقد أتانا خير ردى ... أمست قريش كلها نبى
ظلم لعمر الله عبقرى «2»
فكتب حذيفة إلى أبى بكر الصديق بما كان منهم، فاغتاظ أبو بكر عليهم غيظا شديدا، وقال: من هؤلاء، ويل لهم، ثم بعث إليهم عكرمة بن أبى جهل، وكان النبى صلى الله عليه وسلم، استعمله على سفلى بن عامر بن صعصعة مصدقا، فلما بلغته وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، انحاز إلى تبالة فى أناس من العرب ثبتوا على الإسلام، فكان مقيما بتبالة من أرض كعب بن ربيعة، فجاءه كتاب أبى بكر الصديق وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة، أن سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا، فسار عكرمة فى نحو ألفين من المسلمين، ورأس أهل الردة لقيط بن مالك، فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمه أنهم فى جموع كثيرة، فبعث طليعة، وكان لأصحاب لقيط أيضا طليعة، فالتقى الطليعتان فتناوشوا ساعة.
ثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارسا نحو عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته، ثم زحفوا جميعا ميمنة وميسرة، وسار
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 85) ، تاريخ الطبرى (3/ 314) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 323- 325) .
(2) انظر الأبيات فى: الروض المعطار ص (232) .
(2/154)

على تعبئته حتى إذا أدرك القوم والتقوا فاقتتلوا ساعة، ثم رزق الله عكرمة عليهم الظفر، فهزمهم وأكثر فيهم القتل، وخرجوا منهزمين راجعين إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم، وأنهم لا طاقة لهم بهم، وفقدوا من أصحابهم بشرا كثيرا، منهم من قتل ومنهم من أسره عكرمة أسرا.
فلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوى حذيفة بن اليمان بمن معه من المسلمين، فناهضهم وناوشهم، وجاء عكرمة فى أصحابه، فقاتل معهم، فأصابوا منهم مائة أو نحوها فى المعركة، ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا «1» ، فتحصنوا فيها، وحصرهم المسلمون فى حصنهم شهرا أو نحوه، وشق عليهم الحصار، إذ لم يكونوا أخدوا له أهبته، فأرسلوا إلى حذيفة رجلا منهم يسألونه الصلح، فقال: لا إلا أن أخيرهم بين حرب مجلية أو سلم مخزية، قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما السلم المخزية؟.
قال: تشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وأن ما أخذتموه منا فهو رد علينا، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر ونحكم فيكم بما رأينا، فأقروا بذلك، فقال: اخرجوا عن مدينتكم عزلا لا سلاح معكم، ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة: إنى قد حكمت فيكم: أن أقتل أشرافكم، وأسبى ذراريكم. فقتل من أشرافهم مائة رجل، وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة بسبيهم إلى المدينة وهم ثلاثمائة من المقاتلة، وأربعمائة من الذرية والنساء، وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبى بكر، فلما قدم حذيفة بسبيهم المدينة، اختلف فيهم المسلمون، فكان زيد بن ثابت يحدث أن أبا بكر أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقى من المقاتلة.
فكان من كلام عمر له: يا خليفة رسول الله، قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم، والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام، ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا موقفين فى دار رملة بنت الحارث، حتى توفى أبو بكر رضى الله عنه، وولى عمر، فدعاهم، فقال: قد كان من رأيى يوم قدم بكم على أبى بكر أن يطلقكم، وقد أفضى إلى الأمر، فانطلقوا إلى أى البلاد شئتم، فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب، وهو غلام يومئذ، فكان ممن نزل البصرة.
__________
(1) دبا: مثل عصا، موضع بظهر الحيرة، ودبا فيما بين عمان والبحرين. انظر: الروض المعطار (232) .
(2/155)

وروى عن ابن عباس: أن رأى المهاجرين فيهم إذا استأسرهم أبو بكر، كان قتلهم، أو فداءهم بأغلى الفداء، وكان عمر يرى أن لا قتل عليهم ولا فداء، لم يزالوا محتبسين حتى ولى عمر، فأرسلهم بغير فداء.
ويروى عن عمر بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب قضى فيهم بأربعمائة درهم فداء، ثم نظر فى ذلك، فقال: لا سباء فى الإسلام وهم أحرار، والأول أكثر.
وعن عروة قال: لما قدم أهل غزو دبا قافلين، أعطاهم أبو بكر خمسة دنانير خمسة دنانير «1» .
ذكر ردة صنعاء
وكان الأسود بن كعب العنسى «2» قد ادعى النبوة فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم، واتبع على ذلك، فتزوج المرزبانة امرأة باذان الفارسى، وكانت من عظماء فارس، وقسرها على ذلك، فأبغضته أشد البغض، وسمعت به بنو الحارث بن كعب، من أهل نجران، وهم يومئذ مسلمون، فأرسلوا إليه يدعونه أن يأتيهم فى بلادهم، فجاءهم، فاتبعوه وارتدوا عن الإسلام.
ويقال: دخلها يوم دخلها فى آلاف من حمير، يدعى النبوة، ويشهدون له بها، فنزل غمدان، فلم يتبعه من النخع ولا من جعفى أحد، وتبعه ناس من زبيد ومذحج، وعبس وبنى الحارث وأود ومسلية وحكم.
وأقام الأسود بنجران يسيرا، ثم رأى أن صنعاء خير له من نجران، فسار إليها فى ستمائة راكب من بنى الحارث، فنزل صنعاء، فأبت الأبناء أن يصدقوه، فغلب على صنعاء واستذل الأبناء بها، وقهرهم وأساء جوارهم لتكذيبهم إياه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلا من الأزد، وقيل من خزاعة، يقال له وبر بن يحنس إلى الأبناء فى أمر الأسود، فدخل صنعاء مختفيا، فنزل على داذويه الأبناوى فخبأه عنده، وتآمرت الأبناء لقتل الأسود، فتحرك فى قتله نفر منهم قيس بن عبد يغوث المكشوح، وفيروز الديلمى، وداذويه الأبناوى، وكانت المرزبانة كما تقدم قد أبغضت الأسود أشد البغض، فوعدتهم
__________
(1) ذكر فى الروض المعطار جميع ما فى هذه القصة (232- 234) .
(2) اسمه: عبهلة بن كعب، يقال له: ذو الخمار، لقب بذلك لأنه كان يقول: يأتينى ذو خمار. انظر ترجمته فى المنتظم لابن الجوزى (4/ 18- 20) .
(2/156)

موعدا أتوا لميقاته، وقد سقته الخمر حتى سكر، فسقط نائما كالميت، فدخل عليه فيروز وقيس ونفر معهما، فوجدوه على فراش عظيم من ريش، قد غاب فيه، فأشفق فيروز أن يتعادى عليه السيف إن ضربه به، فوضع ركبته على صدر الكذاب، ثم فتل عنقه فحولها، حتى حول وجهه من قبل ظهره، وأمر فيروز قيسا، فاحتز رأسه، فرمى به إلى الناس، ففض الله الذين اتبعوه، وألقى عليهم الخزى والذلة، وخطب الناس قيس بن مكشوح، وأظهر أن الكذاب قتل بكذبه على الله، وأن محمدا رسول الله.
وبلغ الخبر بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فى مرضه الذى توفى فيه، فقال صلى الله عليه وسلم، وذكر الأسود: «قتله الرجل الصالح فيروز الديلمى» «1» ، ورد فيروز وداذويه الأمر إلى قيس بن المكشوح، فكان أمير صنعاء، وبها يومئذ جماع من أصحاب الأسود الكذاب، فلما بلغتهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت قيس والأبناء وأهل صنعاء على الإسلام، إلا أصحاب الأسود.
ثم إن قيسا خاف فيروز وداذويه أن يغلباه على سلطان صنعاء، فأجمع أن يفتك بهما، فأرسل إليهما يدعوهما، فجاء داذويه فقتله، وأقبل فيروز يريده، فأخبره بقتل داذويه، فهرب منه إلى أبى بكر رضى الله عنه، وارتد قيس بن المكشوح، وأخرج الأبناء من صنعاء، فلم يبق بها أحد إلا فى جوار، فكان الشعبى يقول فيما ذكر عنه: باليمن رجلان لو انبغى لأحد أن يسجد لشىء دون الله لانبغى لأهل اليمن أن يسجدوا لهما: سيف بن ذى يزن فى الحبشة، وقيس بن مكشوح فى الأبناء الذين بصنعاء، يعنى إخراج سيف الحبشة وإخراج قيس الأبناء.
ولما بلغ خالد بن سعيد بن العاص ردة صنعاء، سار يومها، وكان فى ناحية أرض مراد، حتى دخلها، فاستعداه فيروز على قيس فى قتل داذويه، فبعث إليه من يأتى به، فذهب الرسول فأخذه، ثم أقبل به حتى إذا كان قريبا من صنعاء اختدع قيس الرسول حتى انفلت منه فدخل على خالد فقال: من جاءكم مسلما قد أصاب فى الجاهلية أشياء ماذا عليه؟ فقال له خالد: هدم الإسلام ما قبله، فأسلم قيس، ثم خرج مع خالد إلى الصلاة فيجد فيروز فى المسجد، فقال له: يا فيروز، هل لك حاجة إلى الأمير؟.
فانكسر فيروز ودخل على خالد فاستعداه على قيس، فبعث أبو بكر إلى عكرمة بن أبى جهل، وهو يومئذ بأرض عمان: أن سر فى بلاد مهرة حتى تخرج على صنعاء، فخذ
__________
(1) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (37472) .
(2/157)

قيس بن مكشوح المرادى، فابعث به إلى فى وثاق، فسار عكرمة حتى دخل أرض مهرة، فقتل فيهم وسبى، وسار كذلك لا يطأ قوما إلا قاتلوه وقاتلهم، فقتل منهم وسبى، حتى رجعوا إلى الإسلام، وبعث بسبيهم إلى أبى بكر بالمدينة، ثم مضى على وجهه حتى خرج إلى صنعاء، فلقيه قيس وهو لا يدرى بالذى أمر فيه، فأمر به عكرمة، فجعل فى جامعة، وبعث به إلى أبى بكر، فلما دخل عليه عرفه أبو بكر بقتل داذويه، فحلف له ما يدرى من أمره شيئا، ولا يدرى من قتله، ورغب فى الجهاد فى سبيل الله، فخرج إلى قومه من مذحج، فاستجلبهم إلى الجهاد ورغبهم فيه، فخفوا فى ذلك وخرجوا حتى توجهوا إلى من بعث أبو بكر إلى الشام، فذلك أول نزول مذحج الشام.
ثم إن الأصفر العكى خرج هو وجماعة من قومه ممن ثبت على الإسلام حتى دخل نجران «1» ، وهو يريد قتال بنى الحارث بن كعب، فلما دخل عليهم الأصفر رجعوا إلى الإسلام من غير قتال، فأقام الأصفر فى نجران، وضبطها، وغلب عليها ثم أمر أبو بكر المهاجر بن أبى أمية أن يستنفر من مر به من مضر ويقويهم ويعطيهم من مال أعطاه إياه أبو بكر، فسار المهاجر يؤم صنعاء، معه سرية من المهاجرين والأنصار، فيجد المهاجر بنجران الأصفر العكى، ثم سار المهاجر إلى صنعاء ومعه بشر كثير، فلقى جماعة من أصحاب الأسود منفصين، فأخذ عليهم الطريق وألجأهم إلى غيضة، فقتل منهم وأسر، ثم أقبل بالأسرى، ومضى حتى دخل صنعاء، وقد كانت طوائف من زبيد «2» ارتدت منهم عمرو بن معدى كرب، فاجتمع إلى خالد بن سعيد من ثبت على الإسلام من مراد وسائر مذحج، فلقى بهم بنى زبيد، فانهزموا وظفر بهم خالد، فسبى منهم نسوة، منهن امرأة عمرو بن معدى كرب جلالة، وكانت أحسن النساء، وكان عمرو فيما ذكروا، غائبا عن ذلك القتال، فلما ظفر خالد، سألت منه زبيد أن يقرهم على الإسلام ويكف عنهم، فكف عنهم، وأسلموا، وبلغ الخبر عمرا، فأقبل حتى نزل بجانب عسكر خالد، ثم خرج ليلا فتلطف حتى لقى جلالة، فقال لها: يا جلالة، ما صنع بك خالد؟ فقالت: لم يصنع بى إلا خيرا، ولم يعرض علىّ من أمره إلا كرما، قال: هل قربك؟ قالت: لا والله، وما يحل له ذلك فى دينه، قال: فو رب الكعبة إن دينا منعه منك لدين صدق.
__________
(1) نجران: من بلاد اليمن، سميت بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. انظر: الروض المعطار (573- 576) .
(2) زبيد: مدينة باليمن بقرب الجند ومعاثر، تسير فى صحراء رمال حتى تنتهى إلى زبيد، وليس باليمن بعد صنعاء أكبر من زبيد. انظر: الروض المعطار (284) ، نزهة المشتاق (20) .
(2/158)

فلما أصبح عمرو غدا على خالد، فقال: ما تريد يا خالد بجلالة؟ قال: قد أسلمت، فإن تسلم أردها إليك، فأسلم عمرو، فردها إليه.
وقدم خالد المدينة، ثم قدم عمرو بن معدى كرب المدينة، فدخل على خالد داره، فقال له: إنى والله ما وجدت شيئا أكافئك به فى جلالة إلا سيفى الصمصامة، ثم خلعه من عنقه فناوله إياه، وقال عمرو:
وهبت لخالد سيفى ثوابا ... على الصمصامة السيف السلام
خليل لم أخنه ولم يخنى ... ولكن التواهب فى الكرام
ذكر ردة كندة وحضرموت
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قدم عليه وفد كندة مسلمين استعمل عليهم زياد بن لبيد الأنصارى البياضى «1» ، وأمره بالمسير معهم، ففعل، وأقام معهم فى ديارهم يأخذ صدقاتهم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلا مسلما، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولى أبو بكر، بعث أبا هند مولى بنى بياضة، بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو.
أما بعد، فإن النبى صلى الله عليه وسلم توفى، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، فانظر ولا قوة إلا بالله أن تقوم قيام مثلك، ويبايع من عندك، فنمن أبى وطئته بالسيف، وتستعين بمن أقبل على من أدبر، فإن الله مظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
فلما قدم أبو هند بكتاب أبى بكر رحمه الله، على زياد بن لبيد، قدم من الليل، وأخبره باجتماع الناس على أبى بكر، وأنه لم يكن بين المسلمين اختلاف، فحمد الله زياد على ذلك، فلما أصبح زياد غدا يقرئ الناس كما كان يفعل قبل ذلك، ثم دخل بيته، فلما جاءت الظهر، خرج إلى الصلاة وعليه السيف، فقال بعض الناس: ما شأن أميركم والسيف، فصلى الظهر بالناس، ثم قال:
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (839) ، الإصابة الترجمة رقم (2871) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1809) ، التاريخ الكبير (3/ 344) ، أنساب الأشراف (1/ 245) ، الجرح والتعديل (3/ 543) ، تهذيب الكمال (9/ 506) ، تهذيب التهذيب (3/ 382) ، الوافى بالوفيات (15/ 10) ، تاريخ الإسلام (1/ 52) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 195) .
(2/159)

أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد توفى، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وقد اجتمع المسلمون على أفضلهم من أنفسهم ولم يكن بينهم اختلاف فى أبى بكر بن أبى قحافة، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم، يأمره فى مرضه أن يصلى بالناس، فبايعوا أيها الناس، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
فقال الأشعث بن قيس: إذا اجتمع الناس، فما أنا إلا كأحدهم، ونكص عن التقدم إلى البيعة، فقال امرؤ القيس بن عابس الكندى: أنشدك الله يا أشعث، ووفادتك على النبى صلى الله عليه وسلم، وإسلامك أن تنقضه اليوم، والله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه، فإياك إياك، أبق على نفسك فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، وإن تأخرت افترقوا واختلفوا، فأبى الأشعث، وقال: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، ونحن أقصى العرب دارا من أبى بكر، أيبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ قال: أى والله، وأحرى أن لا يدعك عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجع إلى الكفر.
قال الأشعث: من قال زياد بن لبيد، فتضاحك، ثم قال: أما يرضى زياد أن أجيره، فقال امرؤ القيس: سترى، ثم قام الأشعث، فخرج من المسجد إلى منزله، وقد أظهر ما أظهره من الكلام القبيح من غير أن يكون نطق بالردة، ووقف يتربص، وقال: نقف أموالنا بأيدينا ولا ندفعها، ونكون من آخر الناس، وبايع زياد بن لبيد لأبى بكر من بعد الظهر إلى أن قامت العصر، فصلى بالناس العصر، ثم انصرف إلى بيته، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان قبل، وهو أقوى ما كان نفسا، وأشده لسانا، فبينا هو يصدق إلى أن أخذ قلوصا فى الصدقة من فتى من كندة، فلما أمر بها زياد تعقل وتوسم بميسم السلطان، وكان الميسم لله، أتى الفتى، فصاح: يا حارثة بن سراقة «1» ، يا أبا معدى كرب، عقلت البكرة، فأتى حارثة إلى زياد، فقال: أطلق للفتى بكرته، فأبى زياد، فقال:
قد عقلتها ووسمتها بميسم السلطان، فقال حارثة: أطلقها أيها الرجل طائعا، خير من أن تطلقها وأنت كاره، قال زياد: لا والله لا أطلقها ولا نعمت عين. فقام حارثة فحل عقالها وضرب على جنبها، فخرجت القلوص تعدو إلى الأنهار، وجعل حارثة يقول:
أطعنا رسول الله ما كان وسطنا ... فيا قوم ما شأنى وشأن أبى بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك إذا والله قاصمة الظهر
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (459) ، الإصابة الترجمة رقم (1529) ، أسد الغابة الترجمة رقم (993) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 112) ، الجرح والتعديل (1/ 145) ، شذرات الذهب (1/ 9) ، تصحيفات المحدثين (976) .
(2/160)

قالوا: فكان زياد يقاتلهم النهار إلى الليل، فلما كان يوم من تلك الأيام، ضاربهم كذلك حتى أمسى، ولم يكن فيما مضى يوم أشد منه، كانت بينهم فيه قتلى وجراح.
قال أبو هند: برز منهم يومئذ رجل يدعو إلى البراز، فبرزت إليه، فتشاولنا بالرمحين نهارا طويلا، فلم يظفر واحد منا بصاحبه، ثم صرنا إلى السيفين، فما قدر واحد منا على صاحبه، ونحن فارسان إلى أن عثر فرسه، فاقتحم وصار راجلا، ويدرك فرسى فيضرب عرقوبيه، فوقعت إلى الأرض، وأفضى أحدنا إلى صاحبه، فبدرته، فأضربه، فأقطع يده من المنكب، فوقع السيف من يده، وولى منهزما، وألحقه، فأجهزت عليه، فما خرج أحد يدعو إلى البراز حتى صلح أمرهم.
قالوا: فلما أمسوا من ذلك اليوم، وتفرقوا، وزياد فى بيته قد بعث العيون، إذ جاءه عين له بعد أن ذهب عامة الليل فدله على عورة من عدوه، وقال: هل لك فى الظفر؟
فقال: ما هو؟ قال: ملوكهم الأربعة فى محجرهم قد ثملوا من الشراب، فسار من ساعته فى مائة رجل من أصحابه حتى انتهوا إلى المحجر، فتقدم العين فاستمع الصوت فإذا القوم قد هدوا وناموا، فأغار عليهم، فقتل الملوك الأربعة، مخرس ومشرح وحمد وأبضعة، وأختهم العمرة ذبحهم ذبحا، وكانوا ملوك كندة وأشرافهم.
ويقال: كانت الملوك سبعة: الأشعث بن قيس، ومخرس، وحمد، ووديعة، وأبضعة، ومشرح، ووليعة. فقتل منهم أربعة، ثم رجع زياد إلى أهله، فأصبح القوم قد انكسر حدهم وذلوا.
وقالوا: إن العمردة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضربت بغربال، فقطع زياد لذلك يدها، وصلبها، فهى كانت أول امرأة قتلت فى الردة.
وبعث زياد أبا هند إلى أبى بكر وكتب معه:
بسم الله الرحمن الرحيم، لأبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الناس قبلنا منعوا الصدقة، أو عامتهم وأبوا أن يسلموها، وقاتلوا دونها أشد القتال، وأظهروا الردة عن الإسلام، فبعثت عيونا فى طلب غرتهم، فأتانى آت منهم يخبرنى بغرة منهم، فزحفت إليهم ليلا، فقتلتهم فى محجرهم، وكانوا أربعة: مخرس ومشرح وحمد وأبضعة، وأختهم العمردة، فأصبحوا وقد ذلوا وانكسروا، وإنى كتبت إليك والسيف على عاتقى، وبعثت إليك أبا هند بالكتاب، وأمرته أن يجد السير، وأن يخبرك بما رأى وشهد، وإن الكتاب موجز، وعنده علم ما كنا فيه، والسلام.
(2/161)

فيروى أن أبا هند قال: خرجت من عند زياد بعد أن صليت الغداة على راحلتى، ومعى رجل من بنى قتيرة على راحلة خفير لى، فبلغ بى صنعاء، ثم انصرف، فسرت من حضرموت إلى المدينة تسع عشرة، فأرخفت «1» راحلتى، وما مسيت عنها أكثر مما ركبت، وانتهيت إلى أبى بكر، فأجده حين خرج إلى الصلاة، فلما رآنى قال: أبا هند، ما ورائك؟ قلت: خير، والذى يسرك. قتل الملوك الأربعة وأختهم العمردة، قال: قد كنت كتبت إلى زياد أنهى أن يقتل الملوك من كندة، وبعثت بذلك المغيرة بن شعبة، أما لقيته؟ قلت: ما لقيته.
وقدم المغيرة خلافى، وذلك أنه أخطأ الطريق، فذلك الذى أبطأ به، وجعل أبو بكر يسألنى، فأخبره عن كل ما يسره، ثم قال: ما فعل الأشعث بن قيس؟ قلت: يا خليفة رسول الله، هو أول من نقض، وهو رأس من بقى، وقد ضوى إليه ناس كثير، وقد تحصن فى النجير بمن معه ممن هو على رأيه، والله مخزيهم، وقد تركت زياد بن لبيد يريد محاصرتهم، فقال أبو بكر: قد كتبت إلى المهاجر بن أبى أمية أن يمد زيادا ويكون أمرهما واحدا.
وكان النبى صلى الله عليه وسلم، لما قتل الأسود العنسى «2» بعث المهاجر واليا على صنعاء، فتوفى صلى الله عليه وسلم، والمهاجر وال عليها، فانحاز إلى زياد بحضرموت، كما أمره أبو بكر.
وكانت قتيرة من كندة قد ثبتت على الإسلام، لم يرجع منها رجل واحد، فلما قدم المهاجر على زياد اشتد أمرهما، وكانا يحاصران أهل النجير، وكان أهل النجير قد غلقوه، فلما قتل الملوك الأربعة دخلوا مع الأشعث بن قيس، وجثم زياد ومهاجر على النجير، فحاصروا أهله بالمسلمين، لا يفارقونه ليلا ولا نهارا، وقذف الله الرعب فى أفئدتهم، فلما اشتد به الحصار، بعثوا إلى زياد بن لبيد: أن تنح عنا حتى نكون نخرج ونخليك والحصن، فقال: لا أبرح شبرا واحدا حتى نموت من آخرنا أو تنزلوا على حكما ورأينا، وجعل يكايدهم لما يرى من جزعهم. فكتب كتابا، ثم بعث به فى السر مع رجل من بنى قتيرة ليلا، مسيرة يوم أو بعض يوم، ثم يأتيه بكتابه الذى كتبه فيقرؤه على الناس:
من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك
__________
(1) أرخف: بالكسر أى تعب. انظر اللسان (1616) .
(2) انظر خبر قتل الأسود العنسى فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 19) ، تاريخ الطبرى (3/ 236) .
(2/162)

الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغنى ردة من ارتد قبلك بعد المعرفة بالدين، غرة بالله، والله مخزيهم إن شاء الله، فاحصرهم ولا تقبل منهم إلا ما خرجوا منه أو السيف.
فقد بعثت إليك عشرة آلاف رجل عليهم فلان بن فلان، وخمسة آلاف عليهم فلان بن فلان، وقد أمرتهم أن يسمعوا لك ويطيعوا، فإذا جاءك كتابى هذا فإن أظفرك الله بهم فإياك والبقيا فى أهل النجير، حرق حصنهم بالنار، واقطع معايشهم، واقتل المقاتلة، واسب الذرية، وابعث بهم إن شاء الله.
وإنما هذا كتاب كتبه زياد بيده مكايدة لعدوه، فكانوا إذا قرئ عليهم هذا الكتاب أيقنوا بالهلكة، واشتد عليهم الحصار، وندموا على ما صنعوا، فبينا هم على ذلك الحصار قد جهدهم، قال الأشعث: إلى متى هذا الحصر قد غرثنا وغرث عيالنا، وهذه البعوث تقدم علينا بما لا قبل لنا به، وقد ضعفنا عمن معنا، فكيف بمن يأتينا من هذه الأمداد والله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، أو يؤخذ برقبة الرجل كما يصنع بالذرية.
قالوا: وهل لنا قوة بالقوم؟ فما ترى لنا؟ فأنت سيدنا، قال: أنزل فآخذ لكم الأمان قبل أن تدخل هذه الأمداد، بما لا قبل لنا به، فجعل أهل الحصن يقولون للأشعث: افعل وخذ لنا أمانا، فإنه ليس أحد أجرأ على ما قبل زياد منك، قال: فأنا أنزل.
فأرسل إلى زياد: أنزل فأكلمك وأنا آمن؟ قال: نعم، فنزل الأشعث من النجير فخلا بزياد، فقال: يا ابن عم، قد كان هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه، وإن لى قرابة ورحما، وإن أوصلتنى إلى صاحبك قتلنى، يعنى المهاجر بن أمية «1» ، وأن أبا بكر يكره قتل مثلى، وقد جاءك كتابه ينهاك عن قتل الملوك من كندة، فأنا أحدهم، وأنا أطلب منك الأمان على أهلى ومالى، فقال زياد: لا أؤمنك أبدا على دمك وأنت كنت رأس الردة والذى نقض علىّ كندة، فقال: أيها الرجل، دع ما مضى واستقبل الأمور إذا أقبلت، قال زياد:
وماذا؟ قال: وأفتح لك النجير، فأمنه زياد على أهله وماله، على أن يقدم به على أبى بكر، فيرى فيه رأيه، وفتح له النجير.
وقد كان المهاجر لما نزل الأشعث من الحصن ليكلمهم، قال لزياد: رده إلى الحصن حتى ينزل على حكمنا فنضرب عنقه، فنكون قد استأصلنا شأفة الردة، فأبى زياد إلا أن يؤمنه، وقال: أخشى أن يلومنى أبو بكر فى قتله وقد جاءنى كتابه ينهانى عن قتل الملوك الأربعة، فأخاف مثل ذلك، مع أن أبا بكر إن أراد قتله فله ذلك، إنما جعل له الأمان على
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2531) ، الإصابة الترجمة رقم (8271) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5134) ، مؤتلف الدارقطنى (ص 163) .
(2/163)

نفسه وماله إلى أن يبلغ أبا بكر، لا أدع من عين ماله شيئا يخف حمله معه إلا سار به، وأحول بينه وبين ما هاهنا مما لا يطيق حمله، حتى يأتى رأى أبى بكر فيه، فأمنه زياد على أن يبعث به وبأهله وبماله إلى أبى بكر رضى الله عنه، فيحكم فيه بما يرى.
وفتحوا له النجير، فأخرجوا المقاتلة، فعمد زياد إلى أشرافهم وهم سبعمائة فضرب أعناقهم على دم واحد، ولام القوم الأشعث، فقالوا لزياد: غدر بنا فأخذ الأمان لنفسه وأهله، ولم يأخذ لنا، وإنما نزل على أن يأخذ لنا جميعا، فنزلنا ونحن آمنون، فقتلنا. فقال زياد: ما أمنتكم، فقالوا: صدقت، خدعنا الأشعث.
قال الواقدى: وقد ذكروا فى فتح النجير وجها آخر عن أبى مغيث، قال: كنت فيمن حضر أهل النجير، فصالح الأشعث زيادا على أن يؤمن من أهل النجير سبعين رجلا، ففعل، فنزل سبعون رجلا ونزل معهم الأشعث، فكانوا أحدا وسبعين، فقال زياد:
أقتلك، لم يكن لك أمان، فقال الأشعث: تؤمننى على أن أقدم على أبى بكر فيرى فىّ رأيه، فآمنه على ذلك، والقول الأول أثبت.
وبعث أبو بكر نهيك بن أوس بن [حزمة] «1» إلى زياد بن لبيد يقول: إن ظفرت بأهل النجير فاستبقهم، فقدم عليه ليلا وقد قتل منهم فى أول النهار سبعمائة فى صعيد واحد، قال نهيك: فما هو إلا أن رأيتهم فشبهت بهم قتلى بنى قريظة يوم قتلهم النبى صلى الله عليه وسلم، وأبى زياد أن يوارى جثثهم، وتركهم للسباع، فكان هذا أشد على من بقى من القتل، وهرب أهل الردة فى كل وجه، وكان لا يؤخذ منهم إنسان إلا قتل.
ثم بعث زياد بالسبى مع نهيك، وبعث معه ثمانين رجلا من قتيرة، وبعث بالأشعث معهم فى وثاق.
قال عبد الرحمن بن الحويرث: رأيته يوم قدم به المدينة فى حديد، مجموعة يداه إلى عنقه.
ونزل نهيك بالسبى فى دار رملة بنت الحارث، ومعهم الأشعث بن قيس، ولما كلمه أبو بكر جعل يقول: يا خليفة رسول الله، والله ما كفرت بعد إسلامى، ولكنى شححت على مالى، فقال أبو بكر: ألست الذى يقول: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، وأبو بكر يبعث إلينا الجيوش ونحن أقصى العرب دارا؟ فرد عليك من هو
__________
(1) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل، وفى الاستيعاب الترجمة رقم (2667) : «نهيك بن أوس بن خزمة» . وانظر ترجمته فى: الإصابة (8839) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5310) .
(2/164)

خير منك، فقال: لا يدعك عامله ترجع إلى الكفر، فقلت: من، قال: زياد بن لبيد، فتضاحكت، فكيف وجدت زيادا، أذكرت به أمه؟ قال الأشعث: نعم كل الأذكار، ثم قال فى آخر قوله: أيها الرجل، أطلق إسارى، واستبقنى لحربك، وزوجنى أختك أم فروة بنت أبى قحافة، فإنى قد تبت مما صنعت، ورجعت إلى ما خرجت منه من منع الصدقة، فأسعفه أبو بكر فزوجه، فكان الأشعث مقيما بالمدينة حتى كانت ولاية عمر بن الخطاب، وثاب الناس إلى فتح العراق، فخرج الأشعث مع سعد بن أبى وقاص.
قالوا: وقدم على أبى بكر رضى الله عنه، أربعة عشر رجلا من كندة يطلبون أن يفادوا بينهم، وقالوا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، وقد رجع من وراءنا إلى ما خرجوا منه وبايعوك راضين، فقال أبو بكر: بعد ماذا؟ بعد أن وطئكم السيف؟ فقالوا: يا خليفة رسول الله، إن الأشعث غدر بنا، كنا جميعا فى الحصن، فكان أجزعنا، وكان أول من نقض، وأبى أن يدفع الصدقة، وأمرنا بذلك، ورأسنا، فلم يبارك لنا فى رياسته. فقال: أنزل وآخذ لكم الأمان جميعا، فإن لم يكن رجعت إليكم فيصيا بنى ما يصيبكم، فنزل، فأخذ الأمان لنفسه وأهله ومواليه، وقتلنا صبرا بالسيف.
فقال أبو بكر رضى الله عنه: قد كنت كتبت إلى زياد بن مهاجر كتابا مع نهيك بن أوس إن ظفرتما بأهل النجير فلا تقتلاهم وأنزلاهم على حكمى.
فقال المتكلم: قد والله قتل منا سبعمائة على دم واحد، وقد رجوناك يا خليفة رسول الله.
ولما كلمه الوفد فى أن يرد عليهم السبى ويقبل منهم الفداء أجاب إلى ذلك، وخطب الناس على المنبر، فقال: أيها الناس، ردوا على هؤلاء نساءهم وذراريهم، لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغيب عنهم أحدا، قد جعلنا الفداء على كل رأس منهم أربعمائة درهم.
وأمر أبو بكر زيد بن ثابت بقبض الفداء، وأمره أيضا بإخراج الخمس.
قال الواقدى: سألت معاذ بن محمد فقلت: أرأيت الأربعة الأخماس، حيث أمر أبو بكر أن يفدوا بأربعمائة أربعمائة، ما فعل بها؟ قال: جمع أبو بكر ذلك كله فجعله سهمانا لأهل النجير مع ما استخرج زياد بن لبيد والمهاجر مما وجدوا فى الحصن النجير من الرثة والسلاح، ومما أصابوا من غير ذلك، فجعلوه مغنما.
(2/165)

وكان أبو بكر قد أمد زيادا والمهاجر بعكرمة بن أبى جهل وهو يومئذ بدبا، فسار إليهم فى سبعمائة فارس، وقدم بعد فتح النجير بأربعة أيام، فأمر أبو بكر بأن يسهم لهم فى ذلك، فأسهم لهم.
ونظرت عجوز من سبى النجير إلى الأشعث بن قيس، فقالت: قبحت من وافد قوم ورسولهم، أخذت الأمان لأهلك ومواليك وعرضتنا للسباء، وقتلت رجالنا بغدرك، ولم تواسهم بنفسك، وأنت شأمتهم، رأسوك فلم يبارك لهم فى رياستك، والله ما رجعوا عن الإسلام ولكن شحوا على أموالهم، فقتلوا، ورجعت أنت عن الإسلام فنجوت، ما كان أحد قط، أشأم على قومه منك.
ومما يحفظ من شعر الأشعث، يذكر الجماعة الذين ضرب زياد أعناقهم من أهل النجير وهم سبعمائة كما تقدم:
فلا رزء إلا يوم أقرع بينهم ... وما الدهر عندى بعدهم بأمين
فليت جنوب الناس تحت جنوبهم ... ولم تمش أنثى بعدهم بجنين
فكنت كذات البو ضغت فأقبلت ... إلى بوها أو طربت بحنين
لغمرى وما عمرى على بهين ... لقد كنت بالقتلى أحق ضنين
ويروى أن الأشعث إنما قال هذا فى الملوك الأربعة الذين قتلوا، ومن روى هذا أنشد الشعر هكذا:
لعمرى وما عمرىّ على بهين ... لقد كنت بالأملاك حق ضنين
فإن يك هذا الدهر فرق بينهم ... فما الدهر عندى بعدهم بأمين
فليت جنوب الناس تحت جنوبهم ... ولم يبشرونى بعدهم بجنين
وكنت كذات البو ريعت فأقبلت ... على بوها أو طربت بحنين
ذكر بدء الغزو إلى الشام وما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك وما قوى عزمه عليه «1»
حدث سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه، قال: لما فرغ أبو بكر رضى الله عنه، من أهل الردة، واستقامت له العرب، حدث نفسه بغزو الروم، ولم يطلع عليه أحدا، فبينما هو كذلك إذ جاءه شرحبيل بن حسنة فجلس إليه، فقال: يا خليفة رسول الله
__________
(1) راجع المنتظم لابن الجوزى (4/ 115) ، تاريخ الطبرى (3/ 387) .
(2/166)

أحدثت نفسك أن تبعث إلى الشام جندا؟ قال: نعم، قد حدثت نفسى بذلك ولم أطلع عليه أحدا، وما سألتنى إلا لشىء. قال: أجل، إنى رأيت فيما يرى النائم كأنك تمشى فى ناس من المسلمين فوق حرشفة من الجبل، فأقبلت تمشى معهم حتى صعدت قلة فى أعاليه، فأشرفت على الناس ومعك أصحابك أولئك، ثم هبطت من تلك القلة إلى أرض سهلة دمثة، فيها الزروع والعيون والقرى والحصون، فقلت: يا للمسلمين! شنوا الغار على المشركين، فأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة!.
فشد المسلمون وأنا فيهم ومعى راية، فتوجهت بها إلى قرية فسألونى الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم، ففتح لك، وألقوا إليك السلم، ووضع لك عريش فجلست عليه، ثم قال لك قائل: يفتح عليك وتنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته، ثم قرأ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: 1، 4] .
ثم انتهيت، فقال له أبو بكر رضى الله عنه: نامت عينك، ثم دمعت عينا أبى بكر رضى الله عنه، فقال: أما الحرشفة التى كنا نمشى عليها حتى صعدنا منها إلى القلة لعالية فأشرفنا منها على الناس فإنا نكابد من أمر هذا الجند مشقة ويكابدونها ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا، وأما نزولنا من القلة إلى الأرض السهلة الدمثة وما فيها من الزروع والعيون والقرى والحصون فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه، فيه الخصب والمعاش، وأما قولى للمسلمين: شنوا عليهم الغارة، فإنى ضامن لكم بالفتح والغنيمة، فإن ذلك توجيهى للمسلمين إلى بلاد المشركين واحتثاثى إياهم على الجهاد، وأما الراية التى كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم فدخلتها فاستأمنوك فأمنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك، وأما الحصن الذى فتح لنا فهو ذلك الوجه، يفتحه الله علىّ، وأما العريش الذى رأيتنى عليه جالسا، فإن الله يرفعنى ويضع المشركين، وأما الذى أمرنى بالعمل وبالطاعة وقرأ علىّ السورة فإنه نعى إلىّ نفسى، إن هذه السورة حين أنزلت على النبى صلى الله عليه وسلم، علم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سألت عينا أبى بكر، فقال: لآمرن بالمعروف ولأنهين عن المنكر ولأجاهدن من ترك أمر الله ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله فى مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد، الله أحد، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أمر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا توفانى الله لم يجدنى وانيا، ولا فى ثواب المجاهدين فيه زاهدا، ثم إنه عند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البعوث.
وعن عبد الله بن أبى أوفى الخزاعى، وكانت له صحبة، قال: لما أراد أبو بكر أن
(2/167)

يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وأبا عبيدة بن الجراح، ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه وأنا فيهم، فقال: إن الله تبارك وتعالى، لا تحصى نعمه، ولا تبلغ جزاءها، الأعمال، فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم، قد جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلها غيره، فالعرب اليوم بنو أم وأب، وقد رأيت أن أستنفرهم إلى الروم بالشام، فمن هلك منهم هلك شهيدا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين، مستوجبا على الله ثواب المجاهدين، هذا رأيى الذى رأيت، فليشر على كل امرئ بمبلغ رأيه» .
فقام عمر رضى الله عنه، فقال: الحمد لله الذى يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شىء من الخير إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت لقاءك بهذا الرأى الذى ذكرت غير مرة، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت، أصاب الله بك سبيل الرشاد، سرب إليهم الخيل فى أثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال، والجنود يتبعها الجنود، فإن الله تعالى ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله، ومنجز ما وعده رسوله.
ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قام، فقال: يا خليفة رسول الله، إنما الروم بنو الأصفر حد حديد، وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما، ولكن تبعث الخيل فتغير فى أدنى أرضهم، وترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بهم، وغنموا من أدانى أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن، وأقاصى ربيعة ومضر، فتجمعهم إليك جميعا، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت أغزيتهم غيرك.
ثم جلس وسكت، وسكت الناس، فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون رحمكم الله؟ فقام عثمان بن عفان رضى الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال:
نرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم رشدا وصلاحا فاعزم على إمضائه، فإنك غير ضنين عليهم ولا متهم.
فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى ص (1 وما بعدها) .
(2/168)

من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان، ما رأيت من الرأى فامضه، فإنا سامعون لك، مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتهم رأيك، ولا نتخلف عن دعوتك وإجابتك.
فذكروا هذا وأشباهه، وعلى رضى الله عنه، فى القوم لا يتكلم، فقال له أبو بكر رضى الله عنهما: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، وإنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله تعالى. قال: بشرك الله بخير، ومن أين علمت هذا؟.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه حتى تقوم الساعة وأهله ظاهرون» «1» .
فقال أبو بكر: سبحانه الله! ما أحسن هذا الحديث، لقد سررتنى به، سرك الله فى الدنيا والآخرة.
ثم إنه قام فى الناس فذكر الله بما هو أهله، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس، إن الله تعالى، قد أنعم عليكم بالإسلام، وأعزكم بالجهاد، وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإنى مؤمر عليكم أمراء، وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم، ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسريرتكم وطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
فسكت القوم، فو الله ما أجابه أحد هيبة لغزو الروم، لما يعلمون من كثرة عددهم وشدة شوكتهم، فقام عمر رحمه الله، فقال: يا معشر المسلمين، ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله إذا دعاكم لما يحييكم؟ أما لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لا بتدرتموه! فقام إليه عمرو بن سعيد فقال: يا ابن الخطاب، ألنا تضرب أمثال المنافقين؟ فما يمنعك مما عتبت علينا فيه؟. فقال: الاتكال، على أنه يعلم أنى أجيبه لو يدعونى، وأغزو لو يغزينى.
فقال عمرو: ولكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، فإنما نغزو لله، فقال أبو بكر لعمرو:
اجلس رحمك الله، فإن عمر لم يرد بما سمعت أذى مسلم ولا تأنيبه، إنما أراد أن يبعث بما سمعت المتثاقلين إلى الأرض عن الجهاد، فقام خالد بن سعيد «2» فقال: صدق خليفة
__________
(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 87) ، المستدرك للحاكم (4/ 449) ، كنز العمال للمتقى الهندى (14172، 34558) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 18) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (617) ، الإصابة الترجمة رقم (2172) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1365) ، نسب قريش (174) ، طبقات ابن خليفة (11/ 298) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (172) ، تاريخ الإسلام (1/ 378) ، العقد الثمين (4/ 267) .
(2/169)