Advertisement

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء 004



الكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء
المؤلف: سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع (المتوفى: 634هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1420 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس يا أخى، فجلس أخوه، فقال خالد: الحمد لله الذى لا إله إلا هو، الذى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فالله منجز وعده، ومعز دينه، ومهلك عدوه.
ثم أقبل على أبى بكر فقال: ونحن أولا غير مخالفين لك، ولا متخلفين عنك، وأنت الوالى الناصح الشفيق، ننفر إذا استنفرتنا، ونطيعك إذا أمرتنا، ونجيبك إذا دعوتنا، ففرح بمقالته أبو بكر رضى الله عنه، وقال له: جزاك الله خيرا من أخ وخليل، فقد أسلمت مرتغبا، وهاجرت محتسبا، وهربت بدينك من الكفار لكى يطاع الله ورسوله وتعلو كلمته، فأنت أمير الناس، فتيسر رحمك الله.
ثم إنه نزل، ورجع خالد بن سعيد فتجهز، وأمر أبو بكر رضى الله عنه، بلالا فأذن فى الناس: انفروا أيها الناس إلى جهاد عدوكم: الروم بالشام، وأمير الناس خالد بن سعيد، فكان الناس لا يشكون أن خالدا أميرهم، وكان خالد بن سعيد من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء المدينة وقد استخلف الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبى بكر ببيعته أياما، وأتى بنى هاشم وقال: أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار، فإذا رضيتم رضينا، وإذا سخطتم سخطنا، حدثونى: أبايعتم هذا الرجل؟
قالوا: نعم، قال: على بر ورضى من جماعتكم؟ قالوا: نعم، قال: فإنى أرضى إذا رضيتم، وأبايع إذا بايعتم، أما أنكم والله يا بنى هاشم فينا لطوال الشجر، طيبو الثمر، ثم بايع أبا بكر بعد ذلك.
وبلغت مقالته أبا بكر فلم يبال، واضطغن ذلك عليه عمر، فلما ولاه أبو بكر الجند الذى استنفر إلى الشام، أتى عمر، أبا بكر فقال: أتولى خالد بن سعيد وقد حبس عنك بيعته، وقال لبنى هاشم ما بلغك، وقد جاء بورق اليمن وعبيد له حبشان وبدروع ورماح؟ ما أرى أن توليه وما آمن خلافه، وكان أبو بكر لا يخالف عمر ولا يعصيه، فدعا يزيد بن أبى سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، فقال لهم: إنى باعثكم فى هذا الوجه، ومؤمركم على هذا الجند، وأنا باعث على كل رجل من الرجال ما قدرت عليه، فإذا قدمتم البلد ولقيتم العدو فاجتمعتم على قتالهم فأميركم أبو عبيدة.
وإن أبو عبيدة لم يلقكما وجمعتكما حرب فيزيد بن أبى سفيان الأمير، انطلقوا فتجهزوا.
فخرج القوم يتجهزون، وبلغ ذلك خالد بن سعيد، فتيسر وتهيأ بأحسن هيئة، ثم أقبل نحو أبى بكر وعنده المهاجرون والأنصار أجمع ما كانوا، وقد تيسر الناس، وأمروا بالعسكرة مع هؤلاء النفر الثلاثة، فسلم على أبى بكر وعلى المسلمين، ثم جلس، فقال
(2/170)

لأبى بكر: أما إنك كنت وليتنى أمر الناس، وأنت لى غير متهم، ورأيك فىّ حسن حتى خوفت منى أمرا، والله لأن أخر من رأس حالق أو تخطفنى الطير فى الهواء بين الأرض والسماء أحب إلىّ من أن يكون ما ظن، والله ما أنا فى الإمارة براغب، ولا على البقاء فى الدنيا بحريص، وإنى أشهدكم أنى وأخوتى وفتيانى ومن أطاعنى من أهلى جيش فى سبيل الله نقاتل المشركين أبدا حتى يهلكهم الله أو نموت، لا نريد به حمد الناس ولا جزاءهم، فقال له الناس خيرا، ودعوا له به، وقال أبو بكر رحمه الله: أوتيت فى نفسى وولدى ما أحب لك ولإخوتك، والله إنى لأرجو أن تكون من نصحاء الله فى عباده، وإقامة كتابه، واتباع سنة رسوله «1» .
فخرج هو وإخوته وغلمته ومن معه، فكان أول خلق الله عسكر، ثم خرج الناس إلى معسكرهم من عشرة وعشرين وثلاثين وأربعين وخمسين ومائة فى كل يوم حتى اجتمع الناس وكثروا، فخرج أبو بكر ذات يوم، ومعه من الصحابة كثير حتى انتهى إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة، فلم يرض كثرتها للروم، فقال لأصحابه: ماذا ترون فى هؤلاء؟ أترون أن نشخصهم إلى الشام فى هذه العدة؟ فقال له عمر: ما أرضى بهذه العدة لجموع بنى الأصفر، فأقبل على أصحابه فقال: ماذا ترون؟ فقالوا: ونحن أيضا، نرى ما رأى عمر، فقال أبو بكر: أفلا نكتب كتابا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد ونرغبهم فى ثوابه؟ فرأى ذلك جميع أصحابه، فقالوا: نعم ما رأيت، فافعل.
فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى من قرئ عليه كتابى هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإن الله تبارك وتعالى، كتب على المسلمين الجهاد، وأمرهم أن ينفروا فيه خفافا وثقالا، فقال جل ثناؤه: وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الصف: 9] ، فالجهاد فريضة مفروضة، وثوابه عند الله عظيم، وقد استنفرنا من قبلنا من المسلمين إلى جهاد الروم بالشام، وقد سارعوا إلى ذلك، وعسكروا وخرجوا، وحسنت نيتهم وعظمت حسبتهم، فسارعوا عباد الله إلى فريضة ربكم وسنة نبيكم، وإلى إحدى الحسنيين: إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة، إن الله جل ذكره، لم يرض من عباده بالقول دون العمل، ولا بترك الجهاد فيه أهل عداوته حتى يدينوا بالحق ويقروا بحكم الكتاب، حفظ الله لكم دينكم وهدى قلوبكم، وزكى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين، والسلام عليكم.
__________
(1) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 116) ، تاريخ الطبرى (3/ 387، 388) .
(2/171)

وبعث بالكتاب مع أنس بن مالك. قال أنس: أتيت اليمن فبدأت بهم حيا حيا «1» ، وقبيلة قبيلة، أقرأ عليهم كتاب أبى بكر الصديق، فإذا فرغت من قراءته قلت: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد، فإنى رسول خليفة رسول الله إليكم، ورسول المسلمين، ألا وإنى قد تركتهم معسكرين، ليس يمنعهم عن الشخوص إلى عدوهم إلا انتظاركم، فعجلوا إلى إخوانكم بالنفر، رحمكم الله أيها المسلمون.
قال: فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع منى هذا القول يحسن الرد ويقول:
نحن سائرون، وكأن قد فعلنا حتى انتهيت إلى ذى الكلاع «2» ، فلما قرأت عليه الكتاب، وقلت له هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض فى قومه، وأمر بالعسكرة، فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن، وسارعوا، فلما اجتمعوا إليه قام فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قال:
أيها الناس، إن من رحمة الله إياكم ونعمته عليكم أن بعث فيكم نبيا أنزل عليه الكتاب فأحسن عنه البلاغ، فعلمكم ما يرشدكم، ونهاكم عما يفسدكم، حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ورغبكم من الخير فما لم تكونوا فيه ترغبون، وقد دعاكم إخوتكم الصالحون إلى جهاد المشركين، واكتساب الأجر العظيم، فلينفر من أراد النفر معى الساعة.
قال: فنفر بعدد من الناس كثير، وأقبل بهم إلى أبى بكر رحمه الله، فرجعنا نحن فسبقناه بأيام فوجدنا أبا بكر بالمدينة ووجدنا ذلك العسكر على حاله، وأبو عبيدة يصلى بأهل ذلك العسكر.
فلما قدمت حمير معها أولادها ونساؤها، فرح بهم أبو بكر وقام فقال: عباد الله، ألم نكن نتحدث فنقول إذا مرت حمير معها نساؤها تحمل أولادها: نصر الله المسلمين وخذل المشركين؟ فأبشروا أيها المسلمون، قد جاءكم النصر.
قال: وجاء قيس بن هبيرة بن مكشوح المرادى معه جمع كثير حتى أتى أبا بكر فسلم
__________
(1) فى تاريخ فتوح الشام: «.... أتيت أهل اليمن جناحا جناحا، وقبيلة قبيلة، أقرأ عليهم..» .
(2) ذى الكلاع: هو: «أيفع بن يزيد بن النعمان» ، وسمى بذلك لأن حمير تلكعوا، أى اتحدوا وتحالفوا على يديه وهو الذى خطب الناس وحرضهم على القتال. انظر ترجمته فى: شذرات الذهب (1/ 214) .
(2/172)

عليه ثم جلس، فقال له: ما تنتظر ببعثة هذه الجنود؟ قال: ما كنا ننتظر إلا قدومكم، قال: فقد قدمنا، فابعث الناس الأول فالأول، فإن هذه البلدة ليست ببلدة خف ولا كراع «1» .
قال: فعند ذلك خرج أبو بكر رضى الله عنه، يمشى، فدعا يزيد بن أبى سفيان فعقد له، ودعا ربيعة بن عامر من بنى عامر بن لؤى فعقد له، ثم قال له: أنت مع يزيد بن أبى سفيان لا تعصه ولا تخالفه، ثم قال ليزيد: إن رأيت أن توليه مقدمتك فافعل، فإنه من فرسان العرب وصالحاء قومك، وأرجو أن يكون من عباد الله الصالحين، فقال يزيد: لقد زاده إلىّ حبا حسن ظنك به ورجاؤك فيه، ثم إنه خرج معه يمشى، فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب، وإما أن تأذن لى فأمشى معك، فإنى أكره أن أركب وأنت تمشى، فقال أبو بكر رضى الله عنه: ما أنا براكب، وما أنت بنازل، إنى أحتسب خطاى هذه فى سبيل الله، ثم أوصاه فقال:
يا يزيد، إنى أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له، والخوف منه، وإذا لقيتم العدو فأظفركم الله به فلا تغلل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن، ولا تقتلن وليدا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكل، وستمرون بقوم فى هذه الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين فحص الشيطان أوساط رؤسهم كأن أوساطها أفاحيص «2» القطا، فأضربوا بالسيف ما فحصوا عنه من رؤسهم حتى ينيبوا إلى الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب. وأقرأ عليك السلام، وأستودعك الله.
ثم أخذ بيده فودعه، ثم قال: إنك أول امرئ وليته على رجال من المسلمين أشراف غير أوضاع فى الناس، ولا ضعفاء ولا أدنياء ولا جفاة فى الدين، فأحسن صحبتهم، وألن لهم كتفك، واخفض لهم جناحك، وشاورهم فى الأمر، أحسن أحسن الله لك الصحابة، وعلينا الخلافة.
فخرج يزيد فى جيشه قبل الشام، وكان أبو بكر رحمه الله، كل غدوة وعشية يدعو فى دبر صلاة الغداة، ويدعو بعد صلاة العصر، فيقول: اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئا،
__________
(1) الخف: الإبل. والكراع: الخيل.
(2) أفاحيص: جمع أفحوص، وهو التراب، تتخذ فيه طيور القطا مساكن لها.
(2/173)

ثم بعثت إلينا رسولا رحمة منك وفضلا علينا، فهديتنا وكنا ضلالا، وحببت إلينا الايمان وكنا كفارا، وكثرتنا وكنا قليلا، وجمعتنا وكنا أشتاتا، وقويتنا وكنا ضعفاء، ثم فرضت علينا الجهاد وأمرتنا بقتال المشركين حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، اللهم إنا أصبحنا نطلب رضاك، بجهاد من عاداك، ثم عدل بك وعبد معك آلهة غيرك، لا إله إلا أنت تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا، اللهم فانصر عبادك المسلمين على عدوك من المشركين، اللهم افتح لهم فتحا يسيرا، وانصرهم نصرا عزيزا، وشجع جبنهم، وثبت أقدامهم وزلزل بعدوهم، وأدخل الرعب قلوبهم، واستأصل شأفتهم، واقطع دابرهم، وأبد خضراءهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم وآثارهم، وكن لنا وليا، وبنا حفيا، وأصلح لنا شأننا، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة، إنه بالمؤمنين رؤف رحيم.
وعن أنس قال: لما بعث أبو بكر رحمه الله، يزيد بن أبى سفيان إلى الشام لم يسر من المدينة حتى جاء شرحبيل بن حسنة إلى أبى بكر، فقال: يا خليفة رسول الله، إنى قد رأيت فيما يرى النائم كأنك فى جماعة من المسلمين كثيرة، وكأنك بالشام ونحن معك، إذ استقبلك النصارى بصلبها، والبطارقة بكتبها، وانحطوا عليك من كل شرف وحدب، وكأنهم السيل، فاعتصمنا بلا إله إلا الله، وقلنا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم نظرنا فإذا نحن بالقرى والحصون من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم، فإذا نحن بآت قد أتى، فنزل بأعلى شاهقة فى الجبل حتى استوى بالحضيض، ثم أخرج كفه وأصابعه فإذا هى نار، ثم إنه أهوى بها إلى ما قابله من القرى والحصون، فصارت نارا تأجج، ثم إنها خبت فصارت رمادا، ثم نظرنا إلى ما استقبلنا من نصاراهم وبطارقتهم وجموعهم فإذا الأرض قد ساخت بهم، فرفع الناس رؤسهم وأيديهم إلى ربهم يحمدونه ويمجدونه ويشكرونه، فهذا ما رأيت، ثم انتبهت.
فقال أبو بكر رضى الله عنه: نامت عينك، هذه بشرى، وهو الفتح إن شاء الله لا شك فيه، وأنت أحد أمرائى، فإذا سار يزيد بن أبى سفيان فأقم ثلاثا ثم تيسر للسير، ففعل، فلما مضى اليوم الثالث أتاه من الغد يودعه، فقال له: يا شرحبيل، ألم تسمع وصيتى يزيد بن أبى سفيان؟ قال: بلى، قال: فإنى أوصيك بمثلها، وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن لابن أبى سفيان، أوصيك بالصلاة لوقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل، وبعيادة المرضى وحضور الجنائز، وبذكر الله كثيرا على كل حال، فقال له أبو
(2/174)

سفيان: إن هذه الخصال كان يزيد بهن مستوصيا، وعليهن مواظبا قبل أن يسير إلى الشام، فهو الآن لهن ألزم إن شاء الله تعالى. فقال شرحبيل: الله المستعان، وما شاء الله أن يكون كان، ثم ودع أبا بكر وخرج فى جيشه قبل الشام، وبقى عظم الناس مع أبى عبيدة فى العسكر يصلى بهم، وأبو عبيدة ينتظر كل يوم أن يدعوه أبو بكر، فيسرحه، وأبو بكر ينتظر به قدوم العرب عليه من كل مكان، يريد أن يشحن أرض الشام من المسلمين، ويريد إن زحفت إليهم الروم أن يكونوا مجتمعين، فقدمت عليه حمير فيها ذو الكلاع، واسمه أيقع، وجاءت مذحج فيها قيس بن هبيرة المرادى معه جمع عظيم من قومه، وفيهم الحجاج بن عبد يغوث الزبيدى، وجاء حابس بن سعد الطائى فى عدد كثير من طيئ، وجاءت الأزد فيهم جندب بن عمرو بن حممة الدوسى، وفيهم أبو هريرة، وجاءت جماعة من قبائل قيس، فعقد أبو بكر رضى الله عنه، لميسرة بن مسروق العبسى عليهم، وجاء قباث بن أشيم فى بنى كنانة، فأما ربيعة وأسد وتميم فإنهم كانوا بالعراق.
وعن سهل بن سعد أن أبا بكر، رحمه الله، لما أراد أن يبعث أبا عبيدة دعاه، فأتاه فسلم عليه، ثم جلس، فمكث أبو بكر مليا لا يكلمه، فظن أبو عبيدة أنه هم بعزله كما عزل خالد بن سعيد وهو يستحى أن يستقبله به، فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنا لا نصلح لكم ولا نحبكم ولا ننصحكم إلا بأن تولونا فلسنا بإخوان فى الله، وإن كنا لا نجاهد فى سبيل الله ولا نقاتل أعداء الله إلا أن نكون أمراء رؤساء فلسنا الله نريد بجهادنا، وإنما ننوى به إذا الفخر فى الدنيا، إنى أطلب إليك أن تعزلنى عن هذا الجند وتولى عليه من أحببت وأنا أخرج معه، فأشير عليه برأيى وأنصحه جهدى، وأواسى المسلمين بنفسى. فقال أبو بكر: سبحان الله، يا أبا عبيدة أظننت أنك ممن نتهمه أو ممن نبتغى به بدلا أو ممن نتخوف أن يأتى المسلمين من قبله وهن أو خلاف أو فساد؟ معاذ الله أن نكون من أولئك، ثم قال له:
اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له ثم يعمل بما أمر به، إنك تخرج فى أشراف العرب وبيوتات الناس وصالحاء المسلمين وفرسان الجاهلية، كانوا إذ ذاك يقاتلون حمية، وهم اليوم يقاتلون على النية الحسنة والحسبة، أحسن صحبة من صحبك، وليكونوا عندك فى الحق سواء، فاستعن بالله، وكفى به معينا، وتوكل عليه وكفى بالله وكيلا.
اخرج من غد إن شاء الله، فخرج من عنده، فلما ولى قال: يا أبا عبيدة، فانصرف إليه، فقال له: إنى أحب أن تعلم كرامتك علىّ، ومنزلتك منى، والذى نفسى بيده، ما على
(2/175)

الأرض من المهاجرين ولا غيرهم من أعدله بك، ولا بهذا، يعنى عمر، رحمه الله، ولا له عندى فى المنزلة إلا دون ما لك. فقال أبو عبيدة: رحمك ربك يا خليفة رسول الله، هذا كان ظنى بك.
قال: فانصرف، فلما كان من الغد خرج أبو بكر فى رجال من المسلمين على رواحلهم، حتى أتى أبا عبيدة، فسار معه حتى بلغ ثنية الوداع، ثم قال حين أراد أن يفارقه: يا أبا عبيدة، اعمل صالحا، وعش مجاهدا، ولتتوف شهيدا، وليعطك الله كتابك بيمينك، ويقر عينك فى دنياك وآخرتك، فو الله إنى لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين الزاهدين فى الدنيا الراغبين فى الآخرة، إن الله تبارك وتعالى قد صنع بك خيرا وساقه إليك إذ جعلك تسير فى جيش من المسلمين تقاتل به من كفر بالله وعبد غيره.
فقال أبو عبيدة: رحمك الله يا خليفة رسول الله، فنشهد بفضلك فى إسلامك، ومناصحتك الله، ومجاهدتك بعد رسول الله من تولى عن دين الله حتى ردهم الله بك إلى الدين وهم صاغرون، ونشهد أنك رحيم بالمؤمنين، ذو غلظة على الكافرين، فبورك لك فيما عملت، وسددت فيما حملت، إن أكن صالحا فلربى المنة علىّ بصلاحى، وإن أكن فاسدا فهو ولى إصلاحى، وأما أنت فنرى أن نجيبك إذا دعوت، وأن نطيعك إذا أمرت.
ثم إنه تأخر، وتقدم إليه معاذ بن جبل فقال: يا خليفة رسول الله، إنى أردت أن يكون ما أكلمك به الآن بالمدينة قبل شخوصنا عنها، ثم بدا لى أن أؤخر ما أردت من ذلك حتى يكون عند وداعى، فيكون ذلك آخر ما أفارقك عليه، قال: هات يا معاذ، فو الله إنك ما علمت لسديد القول، موفق الرأى، رشيد الأمر، فأدنى راحلته، ومقود فرسه فى يده، وهو متنكب القوس ومتقلد السيف، فقال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، برسالته إلى خلقه، فبلغ ما أحب أن يبلغ، وكان كما أحب ربه أن يكون، فقبضه الله إليه وهو محمود مبرور صلوات الله عليه وبركاته، إنه حميد مجيد، جزاه الله عن أمته كأحسن ما يجزى النبيين، ثم إن الله تعالى استخلفك أيها الصديق عن ملأ من المسلمين، ورضى منهم بك، فارتد مرتدون، وأرجف مرجفون، ورجعت راجعة عن هذا الدين، فأدهن بعضنا، وحار جلنا، وأحب المهادنة والموادعة طائفة منا، واجتمع رأى الملأ الأكابر منا أن يتمسكوا بدينهم ويعبدوا الله حتى يأتيهم اليقين، ويدعوا الناس وما ذهبوا إليه، فلم ترض منهم بشىء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرده عليهم، فنهضت بالمسلمين، وشمرت للمجرمين، وشددت بالمطيع المقبل على العاصى المدبر، حتى أجاب إلى الحق من كان عند عنه،
(2/176)

وزجل عن الباطل من كان مرتكسا فيه، فلما تمت نعمة الله عليك وعلى المسلمين فى ذلك قدت المسلمين إلى هذا الوجه الذى يضاعف الله لهم فيه الأجر، ويعظم لهم الفتح والمغنم، فأمرك مبارك، ورأيك محمود ورشيد، ونحن وصالحو المؤمنين نسأل الله لك المغفرة والرحمة الواسعة والقوة فى العمل بطاعة الله فى عافية، وإن هذا الذى تسمع من دعائى وثنائى ومقالتى لتزداد فى فعل الخير رغبة، وتحمد الله تعالى على النعمة، وأنا معيد هذا على المؤمنين ليحمدوا الله على ما أبلاهم واصطنع عندهم بولايتك عليهم.
ثم أخذ كل واحد منهما بيد صاحبه فودعه، ودعا له، ثم تفرقا، وانصرف أبو بكر رحمه الله، ومضى ذلك الجيش، وقال رجل من المسلمين لخالد بن سعيد وقد تهيأ للخروج مع أبى عبيدة: لو كنت خرجت مع ابن عمك يزيد بن أبى سفيان كان أمثل من خروجك مع غيره. فقال: ابن عمى أحب إلىّ من هذا فى قرابته، وهذا أحب إلىّ من ابن عمى فى دينه، هذا كان أخى فى دينى على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وولىّ وناصرى على ابن عمى قبل اليوم، فأنا به أشد استئناسا وإليه أشد طمأنينة.
فلما أراد أن يغدو سائرا إلى الشام لبس سلاحه، وأمر إخوته فلبسوا أسلحتهم: عمرا، وإبانا، والحكم، وعلقمة ومواليه، ثم أقبل إلى أبى بكر، رحمه الله، عند صلاة الغداة فصلبى معه، فلما انصرفوا قام إليه هو وإخوته، فجلسوا إليه، فحمد الله خالد وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أبا بكر، إن الله تبارك وتعالى، قد أكرمنا وإياك والمسلمين عامة بهذا الدين، فأحق من أقام السنة وأمات البدعة وعدل فى السيرة الوالى على الرعية، وكل امرئ من أهل هذا الدين محفوف بالإحسان، ومعدلة الوالى أعم نفعا، فاتق الله يا أبا بكر فيمن ولاك أمره، وارحم الأرملة واليتيم، وأعن الضعيف والمظلوم، ولا يكن رجل من المسلمين إذا رضيت عنه آثر عندك فى الحق منه إذا سخطت عليه، ولا تغضب ما قدرت على ذلك، فإن الغضب يجر الجور، ولا تحقد على مسلم وأنت تستطيع، فإن حقدك على المسلم يجعلك له عدوا، وإن اطلع على ذلك منك عاداك، وإذا عادى الوالى الرعية وعادت الرعية الوالى كان ذلك قمنا أن يكون إلى هلاكهم داعيا، ولن للمحسن واشتد على المريب، ولا تأخذك فى الله لومة لائم.
ثم قال: هات يدك يا أبا بكر، فإنى لا أدرى أنلتقى فى الدنيا أم لا، فإن قضى الله لنا فى الدنيا البقاء، فنسأل الله عفوه وغفرانه، وإن كانت هى الفرقة التى ليس بعدها لقاء، فعرفنا الله وإياك وجه النبى صلى الله عليه وسلم، فى جنات النعيم.
(2/177)

فأخذ أبو بكر رضى الله عنه، بيده فبكى، وبكى خالد، وبكى المسلمون وظنوا أنه يريد الشهادة، وطال بكاؤهم، ثم إن أبا بكر رضى الله عنه، قال: انتظر نمشى معك، قال: ما أريد أن تفعل، قال: لكنى أريد ذلك، ومن أراده من المسلمين، فقام، وقام الناس معه حتى خرج من بيوت المدينة، فما رأيت مشيعا من المسلمين شيعه أكثر ممن شيع خالد بن سعيد يومئذ وإخوته، فلما خرج من المدينة قال أبو بكر: إنك قد أوصيتنى برشدى وقد وعيت، وأنا موصيك فاسمع وصاتى وعها، إنك امرؤ قد جعل الله لك سابقة فى الإسلام وفضيلة عظيمة، والناس ناظرون إليك ومستمعون منك، وقد خرجت فى هذا الوجه العظيم الأجر وأنا أرجو أن يكون خروجك فيه بحسبة ونية صادقة إن شاء الله تعالى، فثبت العالم، وعلم الجاهل، وعاتب السفيه المسرف، وانصح لعامة المسلمين، واخصص الوالى على الجهد من نصيحتك ومشورتك بما يحق لله وللمسلمين عليك، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك فى الموتى وأعلم أنا عما قليل ميتون ثم مبعثون ثم مسئولون ومحاسبون، جعلنا الله وإياك لأنعمه من الشاكرين، ولنقمه من الخائفين.
ثم أخذ بيده فودعه، وأخذ بأيدى إخوته بعد ذلك فودعهم واحدا واحدا، ثم ودعهم المسلمون، ثم إنهم دعوا بإبلهم فركبوها، وكانوا قبل ذلك يمشون مع أبى بكر رضى الله عنهم أجمعين، ثم قيدت معهم خيلهم، فخرجوا بهيئة حسنة، فلما أدبروا قال أبو بكر:
اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، واحطط أوزارهم وأعظم أجورهم. ثم انصرف أبو بكر ومن معه من المسلمين.
وقد قيل: إن أبا بكر رحمه الله، جعل خالدا ردآ بتيماء لما عزله عن الجند وأطاع عمر رحمه الله «1» ، فى بعض أمره وعصاه فى بعض، وسيأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله.
وعن محمد بن خليفة أن ملحان بن زياد الطائى، أخا عدى بن حاتم لأمه أتى أبا بكر رحمه الله، فى جماعة من قومه من طيئ نحو ستمائة، فقال له: إنا أتيناك رغبة فى الجهاد وحرصا على الخير، ونحن القوم الذين تعرف الذين قاتلنا معكم من ارتد منا حتى أقر بمعرفة ما كان ينكر، وقاتلنا معكم من ارتد منكم حتى أسلموا طوعا وكرها، فسرحنا فى أثر الناس، واختر لنا وليا صالحا نكن معه.
__________
(1) انظر خبر عزل خالد بن سعيد فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 116) ، تاريخ الطبرى (3/ 387، 388) .
(2/178)

وكان قدومهم على أبى بكر بعد مسير الأمراء كلهم إلى الشام، فقال أبو بكر: قد اخترت لك أفضل أمرائنا أميرا، وأقدم المهاجرين هجرة، الحق بأبى عبيدة بن الجراح، فقد رضيت لك صحبته، وحمدت لك أدبه، فنعم الرفيق فى السفر، ونعم الصاحب فى الحضر.
قال: فقلت لأبى بكر: فقد رضيت لخيرتك التى اخترت لى. فاتبعته حتى لحقته بالشام فشهدت معه مواطنه كلها، لم أغب عن يوم منها.
وعن أبى سعيد المقبرى قال: قدم ابن ذى السهم الخثعمى على أبى بكر وجماعة من خثعم فوق تسعمائة ودون ألف، فقال لأبى بكر: إنا تركنا الديار والأصول، والعشائر والأموال، وأقبلنا بنسائنا وأبنائنا، ونحن نريد جهاد المشركين، فماذا ترى لنا فى أولادنا ونسائنا؟ أنخلفهم عندك ونمضى؟ فإذا جاء الله بالفتح بعثنا إليهم فأقدمناهم علينا؟ أم ترى لنا أن نخرجهم معنا ونتوكل على الله ربنا؟.
فقال أبو بكر: سبحان الله، يا معشر المسلمين، هل سمعتم أحدا ممن سار من المسلمين إلى أرض الروم وأرض الشام ذكر من الأولاد والنساء مثل ما ذكر أخو خثعم؟
أما إنى أقسم لك يا أخا خثعم، لو سمعت هذا القول منك والناس مجتمعون عندى قبل أن يشخصوا لأحببت أن أحبس عيالاتهم عندى وأسرحهم ليس معهم من النساء والأبناء ما يشغلهم ويهمهم حتى يفتح الله عليهم ومعهم ذراريهم، ولك بجماعة المسلمين إسوة، وأنا أرجو أن يدفع الله بعزته عن حرمة الإسلام وأهله، فسر فى حفظ الله وكنفه، فإن بالشام أمراء قد وجهناهم إليها، فأيهم أحببت أن تصحبه، فسار حتى لقى يزيد بن أبى سفيان فصحبه.
وعن يحيى بن هانئ بن عروة أن أبا بكر كان أوصى أبا عبيدة بقيس بن مكشوح وقال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف، فارس من فرسان العرب، لا أظن له عظيم حسبة ولا كبير نية فى الجهاد، وليس بالمسلمين غنى عن مشورته ورأيه وبأسه فى الحرب، فأدنه والطفه وأره أنك غير مستغن عنه ولا مستهين بأمره، فإنك تستخرج منه بذلك نصيحة لك، وجهده وجده على عدوك، ودعا أبو بكر قيسا فقال له: إنى قد بعثتك مع أبى عبيدة الأمين، الذى إذا ظلم كظم، وإذا أسىء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، فلا تعصين له أمرا، ولا تخالفن له رأيا، فإنه لن يأمرك إلا بخير، وقد أمرته أن يسمع منك، فلا تأمره إلا بتقوى الله، فقد كنا نسمع أنك
(2/179)

شريف بئيس مجرب، وذلك فى زمان الشرك والجاهلية الجهلاء، فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك اليوم فى الإسلام على من كفر بالله وعبد غيره، فقد جعل الله فيه الأجر العظيم، والعز للمسلمين. فقال: إن بقيت فسيبلغك من حيطتى على المسلم، وجهدى على الكافر ما يسرك ويرضيك، فقال أبو بكر رحمه الله: فافعل ذلك، فلما بلغته مبارزته البطريقين بالجابية وقتله إياهما، قال: صدق قيس ووفى وبر.
وعن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص قال «1» : لما مضت جنود أبى بكر إلى الشام بلغ ذلك هرقل ملك الروم، وهو بفلسطين، وقيل له: قد أتتك العرب وجمعت لك جموعا عظيمة، وهم يزعمون أن نبيهم الذى بعث إليهم أخبرهم أنهم يظهرون على أهل هذه البلاد، وقد جاؤك وهم لا يشكون أن هذا يكون، وجاؤك بأبنائهم ونسائهم تصديقا لمقالة نبيهم، يقولون: لو دخلناها وافتتحناها نزلناها بأولادنا ونسائنا. فقال هرقل: ذلك أشد لشوكتهم، إذا قاتل القوم على تصديق ويقين فما أشد على من كابدهم أن يزيلهم أو يصدهم.
قال: فجمع إليه أهل البلاد وأشراف الروم، ومن كان على دينه من العرب، فقال: يا أهل هذا الدين، إن الله قد كان إليكم محسنا، وكان لدينكم هذا معزا، وله ناصرا على الأمم الخالية، وعلى كسرى والمجوس، وعلى الترك الذين لا يعلمون، وعلى من سواهم من الأمم كلها، وذلك أنكم كنتم تعملون بكتاب ربكم وسنة نبيكم الذى كان أمره رشدا وفعله هدى، فلما بدلتم وغيرتم أطمع ذلك فيكم قوما، والله ما كنا نعبأ بهم ولا نخاف أن نبتلى بهم، وقد ساروا إليكم حفاة عراة جياعا، اضطرهم إلى بلادكم قحط المطر وجدوبة الأرض وسوء الحال، فسيروا إليهم، فقاتلوهم عن دينكم وعن بلادكم وعن أبنائكم ونسائكم، وأنا شاخص عنكم وممدكم بالخيول والرجال، وقد أمرت عليكم أمراء، فاسمعوا لهم وأطيعوا، ثم خرج حتى أتى دمشق فقام مثل هذا المقام، وقال فيها مثل هذا المقال، ثم خرج حتى أتى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم أتى أنطاكية، فأقام بها وبعث إلى الروم، فحشدهم إليه، فجاءه منهم ما لا يحصى عدده، ونفر إليه مقاتلتهم وشبابهم وأتباعهم، وأعظموا دخول العرب عليهم، وخافوا أن يسلبوا ملكهم.
وأقبل أبو عبيدة حتى مروا بوادى القرى «2» ، ثم أخذ على الحجر أرض صالح النبى
__________
(1) راجع: ما ذكره ابن الجوزى فى المنتظم فى هذا الخبر (4/ 117) ، والطبرى فى تاريخه 3/ 392) .
(2) وادى القرى: من أعمال المدينة. انظر: الروض المعطار (602) ، المغانم المطابة (423) ، رحلة الناصرى (310) ، صبح الأعشى (4/ 292) .
(2/180)

صلى الله عليه وسلم، ثم على ذات المنار «1» ، ثم على زبرا «2» ، ثم ساروا إلى مؤب «3» بعمان، فخرج إليهم الروم، فلم يلبثهم المسلمون أن هزموهم حتى دخلوا مدينتهم، فحاصروهم فيها، وصالح أهل مؤب عليها، فكانت أول مدائن الشام صالح أهلها، ثم سار أبو عبيدة حتى إذا دنا من الجابية «4» أتاه آت فخبره أن هرقل بأنطاكية، وأنه قد جمع لكم من الجموع ما لم يجمعه أحد كان قبله من آبائه لأحد من الأمم قبلكم، فكتب أبو عبيدة إلى أبى بكر رضى الله عنهما:
بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله أبى بكر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله عزا مبينا، وأن يفتح لهم فتحا يسيرا، فإنه بلغنى أن هرقل ملك الروم، نزل قرية من قرى الشام تدعى بأنطاكية، وأنه بعث إلى أهل مملكته فحشدهم إليه، وإنهم نفروا إليه على الصعب والذلول، وقد رأيت أن أعلمك ذلك فترى فيه رأيك، والسلام عليك ورحمة الله تعالى.
فكتب إليه أبو بكر: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغنى كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم، فأما منزله بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه، وفتح من الله عليك وعلى المسلمين، وأما حشده أهل مملكته وجمعه لكم الجموع، فإن ذلك ما قد كنا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، ما كان قوم ليدعوا سلطانهم ولا ليخرجوا من مملكتهم بغير قتال، ولقد علمت والحمد لله أن قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحبون الموت حب عدوهم الحياة، يحتسبون من الله فى قتالهم الأجر العظيم، ويحبون الجهاد فى سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم وعقائل أموالهم، الرجل منهم عند الهيج خير من ألف رجل من المشركين، فالقهم بجندك، ولا تستوحش لمن غاب من المسلمين، فإن الله تعالى ذكره معك، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال بعد الرجال حتى تكتفى ولا تريد أن تزداد، والسلام عليك. وبعث بهذا الكتاب مع دارم العبسى.
__________
(1) ذات المنار: موضع فى أول بادية الشام مما يلى الحجاز. انظر: الروض المعطار (517) .
(2) الزبرا: المكان المرتفع من الأرض، ويقصد: أحد أماكن البلقاء فى الأردن.
(3) مؤب: من قرى الشام من أرض البلقاء، ذكرها ابن الحميرى فى الروض المعطار (517) ، وذكر قصة خروج أبى عبيدة.
(4) الجابية: بالشام، وقال البكرى: هى قنسرين، وبين الجابية ومنبج أربعة فراسخ، ومن حلب إليها ستة فراسخ. انظر: الروض المعطار (153) .
(2/181)

وكتب يزيد بن أبى سفيان إلى أبى بكر رحمه الله: أما بعد، فإن هرقل ملك الروم لما بلغه مسيرنا إليه ألقى الله الرعب فى قلبه، فتحمل ونزل أنطاكية، وخلف أمراء من جنده على جند الشام، وأمرهم بقتالنا، وقد تيسروا لنا واستعدوا، وقد نبأنا مسالمة الشام أن هرقل استنفر أهل مملكته، وأنهم جاؤا يجرون الشوك والشجر، فمرنا بأمرك، وعجل علينا فى ذلك برأيك، نتبعه، نسأل الله النصر والصبر والفتح وعافية المسلمين، والسلام عليك.
وبعث بهذا الكتاب مع عبد الله بن قرط الثمالى، فقال له أبو بكر لما قدم عليه:
أخبرنى خبر الناس، قال: المسلمون بخير، قد دخلوا أدنى أرض الشام، ورعب أهلها منهم، وذكر لنا أن الروم قد جمعت لنا جموعا عظاما، ولم نلق عدونا بعد، ونحن فى كل يوم نتوكف لقاء العدو أو نتوقعه، وإن لم تأتنا جيوش من قبل هرقل، فليست الشام بشىء. فقال له أبو بكر رحمه الله: صدقتنى الخبر، فقال: وما لى لا أصدقك، ويحل لى الكذب، ويصلح لمثلى أن يكذب مثلك، ولو كذبت فى هذا لم أخن إلا أمانتى وأخن ربى وأخن المسلمين. قال أبو بكر: معاذ الله، لست من أولئك، وكتب حينئذ معه بهذا الكتاب: أما بعد، فقد بلغنى كتابك، تذكر فيه تحول ملك الروم إلى أنطاكية «1» ، وإلقاء الله الرعب فى قلبه من جموع المسلمين، فإن الله تبارك وتعالى، وله الحمد قد نصرنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالرعب، وأيدنا بملائكته الكرام، وإن ذلك الدين الذى نصرنا الله فيه بالرعب هو هذا الدين الذى ندعو الناس إليه اليوم، فو ربك لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين، ولا من يشهد أنه لا إله غيره كمن يعبد معه آلهة أخرى ويدين بعبادة آلهة شتى، فإذا لقيتهم فانبذ إليهم بمن معك وقاتلهم، فإن الله لن يخذلك، وقد نبأنا الله أن الفئة القليلة منا تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وأنا مع ما هنالك ممدكم بالرجال فى أثر الرجال حتى تكتفوا ولا تحتاجوا إلى زيادة إنسان إن شاء الله، والسلام.
ولما رد أبو بكر رضى الله عنه، عبد الله بن قرط «2» بهذا الكتاب إلى يزيد، قال له:
__________
(1) أنطاكية: بتخفيف الياء، مدينة عظيمة على ساحل البحر، قالوا: وكل شىء عند العرب من قبل الشام فهو أنطاكية، ويقال: ليس فى أرض الإسلام ولا أرض الروم مثلها. انظر: الروض المعطار (38- 39) ، نزهة المشتاق (195) ، صبح الأعشى (4/ 129) .
(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1652) ، الإصابة الترجمة رقم (4908) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3126) ، الجرح والتعديل (5/ 104) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 329) ، تهذيب الكمال (2/ 724) ، التاريخ الكبير (5/ 34) ، تهذيب التهذيب (5/ 361) .
(2/182)

أخبره والمسلمين أن مدد المسلمين آتيهم مع هاشم بن عتبة وسعيد بن عامر بن حذيم.
فخرج عبد الله بكتابه حتى قدم به على يزيد، وقرأه على المسلمين، فتباشروا به، وفرحوا.
ثم إن أبا بكر رضى الله عنه، دعا هاشم بن عتبة «1» ، فقال له: يا هاشم، إن من سعادة جدك ووفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوها من المشركين، وممن يثق الوالى بنصيحته وصحته وعفافه، وبأسه، وقد بعث إلى المسلمون يستنصرون على عدوهم من الكفار، فسر إليهم فيمن يتبعك، فإنى نادب الناس معك، فاخرج حتى تقدم على أبى عبيدة.
ثم قام أبو بكر فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم من المسلمين معافون مكلوؤون، مدفوع عنهم، مصنوع لهم، قد ألقى الله جل ثناؤه الرعب منهم فى قلوب عدوهم، فقد استعصموا بحصونهم وأغلقوا أبوابها دونهم، وقد جاءتنى رسلهم يخبروننى بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من أقصى قرى الشام، وأنه وجه إليهم جندا من مكانه ذلك، فرأيت أن أمد إخوانكم بجند منكم يشد الله بهم ظهورهم، ويكبت به عدوهم، ويلقى به الرعب فى قلوبهم، فانتدبوا رحمكم الله، مع هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، واحتسبوا فى ذلك الأجر والخير، فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة، وإن هلكتم فهى الشهادة والكرامة.
ثم انصرف إلى منزله، ومال الناس على هاشم حتى كثروا عليه، فلما تموا ألفا أمره أبو بكر رحمه الله، أن يسير، فسلم عليه وودعه، وقال له أبو بكر: يا هاشم، إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره، وكنا ننتفع من الشاب بصبره وبأسه ونجدته، وإن الله تعالى قد جمع لك تلك الخصال كلها، وأنت حديث السن مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله إلا كتب الله لك بذلك عملا صالحا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. فقال: إن يرد الله بى خيرا يجعلنى كذلك، وأنا أفعل، ولا قوة إلا بالله، أما أنا فأرجو إن لم أقتل أن أقتل ثم أقتل ثم أقتل!.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2729) ، الإصابة الترجمة رقم (5328) ، طبقات الخليفة (831) ، تاريخ بغداد (1/ 196) ، مرآة الجنان (1/ 101) ، العقد الثمين (7/ 359) ، شذرات الذهب (1/ 46) ، العبر (1/ 39) .
(2/183)

فقال له عمه سعد بن أبى وقاص: يا ابن أخى لا تطعنن طعنة ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله، واعلم أنك خارج من الدنيا وشيكا، وراجع إلى الله قريبا، ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته، وعمل صالح أسلفته، فقال: يا عم، لا تخافن هذه منى، إنى إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلى وارتحالى وغدوى ورواحى وسعى وإجلابى، وطعنى برمحى وضربى بسيفى رياء للناس.
ثم خرج من عند أبى بكر رضى الله عنه، فلزم طريق أبى عبيدة حتى قدم عليه، فسر المسلمون بقدومه وتباشروا به.
وبلغ سعيد بن عامر بن حذيم «1» أن أبا بكر يريد أن يبعثه، فلما أبطأ ذلك عليه، ومكث أياما لا يذكر له ذلك أتاه، فقال: يا أبا بكر، والله لقد بلغنى أنك كنت أردت أن تبعثنى فى هذا الوجه، ثم رأيتك قد سكت، فما أدرى ما بدا لك فىّ، فإن كنت تريد أن تبعث غيرى فابعثنى معه، فما أرضانى بذلك، وإن كنت لا تريد أن تبعث أحدا فإنى راغب فى الجهاد، فأذن لى يرحمك الله كيما ألحق بالمسلمين، فقد ذكر لى أن الروم جمعت لهم جمعا عظيما. فقال أبو بكر: رحمك أرحم الراحمين يا سعيد بن عامر، فإنك ما علمت من المتواضعين المتواصلين المخبتين المتهجدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيرا.
فقال له سعيد: رحمك الله، نعم الله علىّ أفضل، وله الطول والمن، وأنت والله ما علمت صدوع بالحق، قوام بالقسط، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، تحكم بالعدل، ولا تستأثر فى القسم، فقال له: حسبك يا سعيد، حسبك، اخرج رحمك الله، فتجهز، فإنى مسرح إلى المسلمين جيشا وأؤمرك عليهم، فأمر بلالا فنادى فى الناس: أن انتدبوا أيها المسلمون مع سعيد بن عامر إلى الشام، فانتدب معه سبعمائة رجل فى أيام، فلما أراد سعيد الشخوص جاء بلال فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنت إنما أعتقتنى لله تعالى لأملك نفسى وأصطرف فيما ينفعنى فخل سبيلى حتى أجاهد فى سبيل ربى، فإن الجهاد إلىّ أحب من المقام، قال أبو بكر: فإن الله يشهد أنى لم أعتقك إلا له، وأنى لا أريد منك جزاء ولا شكورا، فهذه الأرض ذات العرض، فاسلك أى فجاجها أحببت، فقال: كأنك أيها الصديق عتبت علىّ فى مقالتى ووجدت فى نفسك منها؟ قال: لا، والله ما وجدت فى نفسى من ذلك، وإنى لأحب أن لا تدع هواك لهواى ما دعاك
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (993) ، الإصابة الترجمة رقم (3280) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2084) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 223) ، الجرح والتعديل (4/ 205) . حلية الأولياء (1/ 368) ، الوافى بالوفيات (15/ 320) .
(2/184)

هواك إلى طاعة ربك، قال: فإن شئت أقمت معك، قال: أما إذا كان هواك الجهاد فلم أكن لآمرك بالمقام، وإنما أردتك للأذان، ولأجدن لفراقك وحشة يا بلال، ولا بد من التفرق فرقة لا التقاء بعدها حتى يوم البعث، فاعمل صالحا يا بلال، وليكن زادك من الدنيا ما يذكرك الله به ما حييت، ويحسن لك به الثواب إذا توفيت. فقال له بلال:
جزاك الله من ولى نعمة وأخ فى الإسلام خيرا، فو الله ما أمرك لنا بالصبر على الحق والمداومة على العمل بالطاعة ببدع، وما كنت لأؤذن لأحد بعد النبى صلى الله عليه وسلم، ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر.
وجاء سعيد على راحلته حتى وقف على أبى بكر والمسلمين، فقال له: إنا نؤم هذا الوجه، فجعله الله وجه بركة، اللهم فإن قضيت لنا التقاء فاجمعنا على طاعتك، وإن قضيت لنا الفرقة فإلى رحمتك، والسلام عليكم، ثم ولى يذهب. فقال أبو بكر: عباد الله، ادعوا الله كيما يصحب صاحبكم ويسلمه، ارفعوا أيديكم رحمكم الله، فرفع القوم أيديهم إلى ربهم وهم أكثر من خمسين رجلا، فقال على رضى الله عنه: ما رفع عدتكم من المسلمين أيديهم إلى ربهم يسألونه شيئا إلا استجاب لهم، ما لم يكن معصية أو قطيعة رحم، فبلغه ذلك بعدما واقع أرض الشام وقاتل العدو، فقال: رحم الله إخوانى، ليتهم لم يكونوا دعوا لى، قد كنت خرجت وإنى على الشهادة لحريص جاهد، فما هو إلا أن لقيت العدو فعصمنى الله من الهزيمة والفرار، وذهب من نفسى ما كنت أعرف من حب الشهادة، فلما خبرت أن أخوانى دعوا لى بالسلامة عرفت أنهم استجيب لهم.
وكان أبو بكر أمره أن يلحق بيزيد بن أبى سفيان، فسار حتى لحق به، وشهد معه وقعة العربة والداثنة.
وعن حمزة بن مالك الهمذانى أنه قدم فى جمع عظيم من همذان «1» على أبى بكر، رحمه الله، قال: فقدموا وهم ألفا رجل أو أكثر، فلما رأى أبو بكر عددهم وعدتهم سره ذلك، فقال: الحمد لله على صنيعه للمسلمين، ما يزال الله تعالى، يرتاج لهم بمدد من أنفسهم يشد به ظهورهم ويقصم به عدوهم، قال: ثم إن أبا بكر أمرنا فعسكرنا بالمدينة، وكنت أختلف إلى أبى بكر غدوة وعشية، وعنده رجال من المهاجرين والأنصار، فكان يلطفنى ويدنى مجلسى، ويقول لى: تعلم القرآن، وأسبغ الوضوء، وأحسن الركوع والسجود، وصل الصلاة لوقتها، وأد الزكاة فى حينها، وانصح المسلم، وفارق المشرك،
__________
(1) همذان: بالذال المعجمة، مدينة من عراق العجم من كور الجبل. انظر: الروض المعطار (596) ، نزهة المشتاق (203) ، اليعقوبى (272) .
(2/185)

واحضر البأس يوم البأس. فقلت: والله لأجهدن أن لا أدع شيئا مما أمرتنى به إلا عملته، إنى لأعلم أنك قد اجتهدت لى فى النصيحة، وأبلغت فى الموعظة، ثم إنه خرج إلى عسكرنا وأمرنا أن نتيسر ونتجهز ونشترى حوائجنا، ثم نعجل على أصحابنا، فتحثحثنا لذلك وعجلنا بالجهاز، فلما فرغنا وعلم ذلك بعث إلى فقال: يا أخا همذان، إنك شريف بئيس ذو عشيرة، فأحضرهم البأس، ولا تؤذ بهم الناس.
قال: وكان معى رجال من أهل القرى من همذان، فيهم جهل وجفاء، وكانوا قد تأذى منهم أهل المدينة، فشكوا ذلك إلى أبى بكر، فقال أبو بكر: نشدتك الله امرأ مسلما سمع نشدى لما كف عن هؤلاء القوم، ومن رأى عليه حقا فليحتمل ذرب ألسنتهم، أو عجلة يكرهها منهم ما لم يبلغ ذلك الحد، إن الله تعالى، مهلك بهؤلاء وأشباههم غدا جموع هرقل والروم، وإنما هم إخوانكم، فلو أن أخا أحدكم فى دينه عجل عليه فى شىء ألم يكن أصوب فى الرأى وخيرا فى المعاد أن يحتمل له؟ قال المسلمون: بلى، قال: فهم إخوانكم فى الدين وأنصاركم على الأعداء، ولهم عليكم حق، فاحتملوا لهم ذلك، ثم نظر إلىّ فقال: ارتحل، ما تنتظر؟ فارتحلت وقد قلت له قبل أن نرتحل: علىّ أمير دونك؟ قال: نعم، هناك ثلاثة أمراء قد أمرناهم؟. فأيهم شئت فكن معه، فلما لحقت بالمسلمين سألتهم: أى الأمراء أفضل وأيهم كان أفضل عند النبى صلى الله عليه وسلم، صحبة؟ فقيل: أبو عبيدة بن الجراح، فقلت فى نفسى: والله لا أعدل بهذا أحدا، فجئت حتى أتيت أبا عبيدة ثم قصصت عليه قصة مخرجى ومقدمى على أبى بكر، وما كان من أمرى وأمر أصحابى بالمدينة، وبمقدمى عليه واختيارى له، فقال: بارك الله لك فى إسلامك وجهادك وقدومك علينا، وبارك لنا فيك وفيمن قدمت به علينا من المسلمين.
وقال عمرو بن محصن «1» : لم يكن أبو بكر رحمه الله، يسأم توجيه الجنود إلى الشام، وإمداد الأمراء الذين بعث إليها بالرجال بعد الرجال، إرادة إعزاز أهل الإسلام وإذلال أهل الشرك.
وعن أبى سعيد المقبرى قال: لما بلغ أبا بكر رحمه الله، جمع الأعاجم لم يكن شىء أعجب إليه من قدوم المجاهدين عليه من أرض العرب، فكانوا كلما قدموا عليه سرح الأول فالأول، فقدم عليه فيمن قدم أبو الأعور السلمى، فدخل عليه فقال: إنا جئناك من غير قحمة ولا عدم، فإن شئت أقمنا معك مرابطين، وإن شئت وجهتنا إلى عدوك
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1974) ، الإصابة الترجمة رقم (5970) ، أسد الغابة الترجمة رقم (4021) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 417) .
(2/186)

المشركين، فقال له أبو بكر: لا، بل تجاهدون الكافرين، وتواسون المسلمين، فبعثه، فسار حتى قدم على أبى عبيدة.
ثم قدم على أبى بكر رضى الله عنه، معن بن يزيد بن الأخنس السلمى فى رجال من بنى سليم، نحو من مائة، فقال أبو بكر: لو كان هؤلاء أكثر مما هم لأمضيناهم، فقال له عمر: والله لو كانوا عشرة لرأيت لك أن تمد بهم إخوانهم، أى والله، وأرى أن تمدهم بالرجال الواحد إذا كان ذا جزاء وغناء.
فقال حبيب بن مسلمة الفهرى: عندى نحو من عدتهم رجال من أبناء القبائل ذوو رغبة فى الجهاد، فأخرجنا وهؤلاء جميعا يا خليفة رسول الله، ثم ابعثنا. فقال له: أما الآن فاخرج بهم جميعا حتى تقدم بهم على إخوانهم.
فخرج فعسكر معهم، ثم جمع أصحابه إليهم، ثم مضى بهم حتى قدم على يزيد بن أبى سفيان.
قال: واجتمعت رجال من كعب وأسلم وغفار ومزينة نحو من مائتين، فأتوا أبا بكر رضى الله عنه، فقالوا: ابعث علينا رجلا، وسرحنا إلى إخواننا، فبعث عليهم الضحاك بن قيس، فسار حتى أتى يزيد، فنزل معه.
وعن سعيد بن يزيد بن عمرو بن نفيل قال: لما رأى أهل مدائن الشام أن العرب قد جاشت عليهم من كل وجه، وكثرة جموعهم، بعثوا الرسل إلى ملكهم يعلمونه ذلك ويسألونه المدد، فكتب إليهم: إنى قد عجبت لكم حين تستمدوننى وحين تكثرون علىّ عدة من جاءكم، وأنا أعلم بكم وبمن جاءكم منهم، ولأهل مدينة واحدة من مدائنكم أكثر ممن جاءكم منهم أضعافا، فالقوهم فقاتلوهم ولا تحسبوا أنى كتبت إليكم بهذا وأنا لا أريد أن أمدكم، لأبعثن إليكم من الجنود ما تضيق به الأرض الفضاء.
وكانت مدائن أهل الشام من الروم قد أرسلوا إلى كل من كان على دينهم من العرب فأطمعهم أكثرهم فى النصر، ومنهم من حمى للعرب، فكان ظهور العرب أحب إليه، وذلك من لم يكن فى دينه راسخا منهم، وبلغ خبرهم وتراسلهم أبا عبيدة بن الجراح، فكتب إلى أبى بكر رضى الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فالحمد لله الذى أعزنا بالإسلام، وكرمنا بالإيمان، وهدانا لما اختلف فيه المختلفون من الحق بإذنه، إنه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، وإن عيونى من أنباط الشام نبئونى أن أول أمداد ملك الروم قد وقعوا إليه، وأن أهل مدائن الشام بعثوا رسلهم إليه يستمدونه، وأنه كتب
(2/187)

إليهم: أن أهل مدينة من مدائنكم أكثر ممن قدم عليكم من عدوكم، فانهضوا إليهم فقاتلوهم، فإن مددى من ورائكم، فهذا ما بلغنا عنهم، وأنفس المسلمين طيبة بقتالهم، وقد خبرنا أنهم تيسروا لقتالنا، فأنزل الله على المسلمين نصره، وعلى عدوهم رجزه، إنه بما يعملون عليم، والسلام.
قال: فجمع أبو بكر رحمه الله، أشراف قريش من المهاجرين وغيرهم من أهل مكة، ثم دعا بأشراف الأنصار وذوى السابقة منهم، فقال عمر: لأى شىء دعوت بهؤلاء؟
فقال: لأستشيرهم فى هذا الأمر الذى كتب إلينا فيه أبو عبيدة. قال له: أما المهاجرين والأنصار فأهل الاستنصاح والمشورة، وأما رجال أهل مكة الذين كنا نقاتلهم لتكون كلمة الله هى العليا ويقاتلوننا ليطفئوا نور الله بأفواههم جاهدين على قتالنا، إن قلنا ليس مع الله آلهة، قالوا: مع الله آلهة أخرى، فلما أعز الله دعوتنا وصدق أحدوثتنا ونصرنا عليهم أردنا أن نقدمهم فى الأمور ونستشيرهم فيها ونستنصحهم وندنيهم دون من هو خير منهم، ما أنصفنا إذا نصحاؤنا الذين كانوا يقاتلونهم فى الله حين نقدمهم دونهم، ولا نراهم وضعهم عندنا إذا جهادهم إيانا وجهدهم علينا، لا والله لا نفعل ذلك أبدا.
فقال أبو بكر رضى الله عنه: قد كنت أردت إدناءهم وإنزالهم منا بالمنازل التى كانوا بها فى قومهم من الشرف، فأما الآن حيث ذكرت ما ذكرت، فو الله ما أرى الرأى فى هذا إلا رأيك، فبلغ ذلك أشراف قريش أولئك، فشق عليهم.
وقال الحارث بن هشام: إن عمر كان فى شدته علينا قبل أن هدانا الله للإسلام مصيبا، فأما الآن حيث هدانا الله فلا نراه فى شدته علينا إلا قاطعا.
ثم خرج هو وسهيل بن عمرو «1» مع عكرمة بن أبى جهل فى رجال من أشراف قريش حتى أتوا أبا بكر رحمه الله، وعنده عمر، فقال الحارث: يا عمر، إنك قد كنت فى شدتك علينا قبل الإسلام مصيبا، فأما الآن وقد هدانا الله لدينه فما نراك إلا قاطعا، ثم جثا سهيل بن عمرو على ركبتيه وقال: إياك يا عمر نخاطب، وعليك نعتب، فأما خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبرىء عندنا من الضغن والحقد والقطيعة، ألسنا إخوانكم فى الإسلام، وبنى أبيكم فى النسب، أفإنكم إن كان الله قدم لكم فى هذا الأمر قدما صالحا لم نؤت مثله قاطعون قرابتنا ومستهينون بحقنا، ثم قال لهم عكرمة: أما إنكم وإن كنتم
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (110) ، الإصابة الترجمة رقم (3584) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2324) .
(2/188)

تجدون فى عداوتنا قبل اليوم مقالا فلستم اليوم بأشد على من ترك هذا الدين، ولا أعدى منا. فقال لهم عمر رضى الله عن جميعهم، والله ما قلت الذى بلغكم إلا نصيحة لمن سبقكم بالإسلام، وتحريا للعدل فيما بينكم وبين من هو أفضل منكم.
قال سهيل: فإن كنتم إنما فضلتمونا بالجهاد فى سبيل الله، فو الله لنستكثرن منه، أشهدكم أنى حبيس فى سبيل الله.
وقال الحارث بن هشام: وأنا أشهدكم أنى حبيس فى سبيل الله، والله لأنفقن مكان كل نفقة أنفقتها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفقتين فى سبيل الله، ولأنفقن مكان كل موقف وقفته على رسول الله صلى الله عليه وسلم، موقفين على أعداء الله. وقال عكرمة: وأنا أشهدكم أنى حبيس فى سبيل الله.
فقال أبو بكر رضى الله عنه: اللهم أبلغ بهم أفضل ما يأملون، واجزهم بأحسن ما يعملون، فقد أصبتم فيما صنعتم، فأرشدكم الله. فلما خرجوا من عنده أقبل سهيل على أصحابه، وكان شريفا عاقلا، فقال لهم: لا تجزعوا مما ترون، فإنهم دعوا ودعينا، فأجابوا وأبطأنا، ولو ترون فضائل من سبقكم إلى الإسلام عند الله عليكم ما نفعكم عيش، وما من أعمال الله عمل أفضل من الجهاد فى سبيل الله، فانطلقوا حتى تكونوا بين المسلمين وبين عدوهم، فتجاهدوهم دونهم حتى تموتوا، فلعلنا أن نبلغ فضل المجاهدين، فخرجوا حينئذ إلى جهاد الروم. قال: فبلغنى أنهم ماتوا مقترنين بين المسلمين وبين الروم، رضى الله عنهم.
ثم دعا أبو بكر، عمرو بن العاص، فقال: يا عمرو، هؤلاء أشراف قومك يخرجون مجاهدين، فاخرج فعسكر حتى أندب الناس معك، فقال: يا خليفة رسول الله، ألست أنا الوالى على الناس؟ قال: نعم، أنت الوالى على من أبعثه معك من هاهنا، قال: لا، بل وال على من أقدم عليه من المسلمين، قال: لا، ولكنك أحد الأمراء، فإن جمعتكم حرب فأبو عبيدة أميركم، فسكت عنه، ثم خرج فعسكر، واجتمع إليه ناس كثير، وكان معه أشراف قريش أولئك، فلما حضر خروجه جاء إلى عمر، فقال: يا أبا حفص، إنك قد عرفت بصرى بالحرب، وتيمن نقيبتى فى الغزو، وقد رأيت منزلتى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أن أبا بكر ليس يعصيك، فأشر عليه أن يولينى أمر هذه الجنود التى بالشام، فإنى أرجو أن يفتح الله على يدى هذه البلاد، وأن يريكم والمسلمين من ذلك ما تسرون به.
(2/189)

فقال له عمر: لا أكذبك، ما كنت لأكلمه فى ذلك، لأنه لا يوافقنى أن يبعثك على أبى عبيدة، وأبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك، قال: فإنه لا ينقص أبا عبيدة شيئا من فضله أن ألى عليه، فقال له: ويحك يا عمرو، إنك والله ما تطلب بهذه الرياسة إلا شرف الدنيا، فاتق الله ولا تطلب بشىء من سعيك إلا وجه الله، واخرج فى هذا الجيش، فإنك إن يكن عليك أمير فى هذه المرة فما أسرع ما تكون إن شاء الله أميرا ليس فوقك أحد، فقال: قد رضيت.
فخرج واستتب له المسير، فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر يشيعه، وقال: يا عمرو، إنك ذو رأى وتجربة للأمور، وبصر بالحرب، وقد خرجت فى أشراف قومك، ورجال من صالحاء المسلمين، وأنت قادم على إخوانك فلا تألوهم نصيحة ولا تدخر عنهم صالح مشورة، فرب رأى لك محمود فى الحرب، مبارك فى عواقب الأمور. فقال له عمرو: ما أخلق أن أصدق ظنك ولأفنك رأيك، ثم ودعه وانصرف عنه، فقدم الشام، فعظم غناؤه وبلاؤه عند المسلمين.
وكتب أبو بكر رحمه الله، إلى أبى عبيدة: أما بعد، فقد جاءنى كتابك تذكر فيه تيسر عدوكم لمواقعتكم، وما كتب به إليهم ملكهم من عدته إياهم أن يمدهم من الجنود بما تضيق به الأرض الفضاء، ولعمر الله لقد أصبحت الأرض ضيقة عليه برحبها، وايم الله ما أنا بيائس أن تزيلوه من مكانه الذى هو به عاجلا إن شاء الله تعالى، فبث خيلك فى القرى والسواد، وضيق عليهم بقطع الميرة، ولا تحاصر المدائن حتى يأتيك أمرى، فإن ناهضوك فانهض إليهم، واستعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناكم بمثلهم أو ضعفهم، وليس بكم والحمد لله قلة ولا ذلة، ولأعرفن ما جبنتم عنهم، فإن الله فاتح لكم، ومظهركم على عدوكم، ومعزكم بالنصر، وملتمس منكم الشكر، لينظر كيف تعملون، وعمرو فأوصيك به خيرا، فقد أوصيته أن لا يضيع لك حقا، والسلام عليك.
وجاء عمرو بالناس حتى نزل بأبى عبيدة، وكان عمرو فى مسيره ذلك إلى الشام، فيما حدث به عمرو بن شعيب، يستنفر من مر بهم من الأعراب، قال: فتبعه منهم ناس كثير، فلما اجتمعوا هم ومن كان قدم بهم معه من المدينة، كانوا نحوا من ألفين، فلما قدم بهم على أبى عبيدة سر بهم هو والناس الذين معه، واستأنس بهم، وكان عمرو ذا رأى فى الحرب وبصر بالأشياء، فقال له أبو عبيدة: أبا عبد الله، رب يوم شهدته فبورك للمسلمين فيه برأيك ومحضرك، إنما أنا رجل منكم، لست وإن كنت الوالى عليكم بقاطع
(2/190)

أمرا دونكم، فأحضرنى رأيك فى كل يوم بما ترى، فإنه ليس بى عنكم غنى. فقال له:
أفعل، والله يوفقك لما يصلح المسلمين.
وقال سهل بن سعد: ما زال أبو بكر رحمه الله تعالى، يبعث الأمراء إلى الشام، أميرا أميرا، ويبعث القبائل، قبيلة قبيلة، حتى ظن أنهم قد اكتفوا، وأنهم لا يريدون أن يزدادوا رجلا.
وذكر أبو جعفر الطبرى «1» ، عن محمد بن إسحاق: أن تجهيز أبى بكر الجيوش إلى الشام كان بعد قفوله من الحج سنة اثنتى عشرة، وأنه حينئذ بعث عمرو بن العاص قبل فلسطين.
وذكر فى تولية أبى بكر خالد بن سعيد بن العاص جند الشام، وتأخيره عن ذلك قبل نفوذه نحوا مما تقدم.
وذكر أيضا من طريق آخر أن توليته إياه إنما كان على ربع من ذلك الجند.
وقيل: إن أبا بكر رضى الله عنه، جعله ردآ بتيماء، وأمره أن لا يبرحها، وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه، وأن لا يقبل إلا ممن لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قاتله حتى يأتيه أمره. فأقام، فاجتمعت إليه جموع كثيرة، وبلغ الروم عظيم ذلك العسكر، فضربوا على العرب الضاحية بالشام البعوث إليهم، فكتب خالد بن سعيد بذلك إلى أبى بكر، فكتب إليه أبو بكر، رضى الله عنه: أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله «2» .
فصار إليهم خالد، فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم، فنزله ودخل من كان تجمع له فى الإسلام. وكتب بذلك إلى أبى بكر، فكتب إليه أبو بكر رضى الله عنه: أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك. فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به من طرف الرمل، فسار إليه بطريق من بطارقة الروم، يدعى باهان، فهزمه وفل جنده، وكتب بذلك إلى أبى بكر، واستمده، وقد قدم على أبى بكر أوائل مستنفرى اليمن، ومن بين مكة واليمن، فساروا فقدموا على خالد بن سعيد، وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشام وعناه أمره.
وقد كان أبو بكر رد عمرو بن العاص على عمالته التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاه
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 387) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 388- 389) .
(2/191)

إياها من صدقات سعد وعذرة وما كان معها قبل ذهابه إلى عمان، فخرج إلى عمان من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على عدة من عمله إذا هو رجع، فأنجز له ذلك أبو بكر، ثم كتب إليه أبو بكر عند اهتياجه للشام: إنى كنت قد رددتك على العمل الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاكه مرة وسماه لك أخرى إذ بعثك إلى عمان إنجازا لموعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك فى حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذى أنت فيه أحب إليك. فكتب إليه عمرو: إنى سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامى بها، والجامع لها، فانظر أسرها وأحسنها وأفضلها فارم به شيئا إن جاءك من ناحية من النواحى «1» .
وكتب أبو بكر رضى الله عنه، إلى الوليد بن عقبة بنحو ذلك، فأجابه بإيثار الجهاد.
وعن أبى أمامة الباهلى «2» ، قال: كنت ممن سرح أبو بكر رضى الله عنه، مع أبى عبيدة، وأوصانى به وأوصاه بى، فكانت أول وقعة بالشام يوم العربة، ثم يوم الداثنة، وليسا من الأيام العظام، خرج ستة قواد من الروم مع كل قائد خمسمائة، فكانوا ثلاثة آلاف، فأقبلوا حتى انتهوا إلى العربة، فبعث يزيد بن أبى سفيان إلى أبى عبيدة يعلمه، فبعثنى إليه فى خمسمائة، فلما أتيته بعث معى رجلا فى خمسمائة، فلما رأيناهم يعنى الروم وقوادهم أولئك، حملنا عليهم فهزمناهم وقتلنا قائدا من قوادهم، ثم مضوا واتبعناهم، فجمعوا لنا بالداثنة، فسرنا إليهم، فقدمنى يزيد وصاحبى فى عدتنا، فهزمناهم، فعند ذلك فزعوا واجتمعوا وأمدهم ملكهم.
وذكر ابن إسحاق عن صالح بن كيسان أن عمرو بن العاص خرج حتى نزل بعمر العربات، ونزلت الروم بثنية جلق بأعلى فلسطين فى سبعين ألفا عليهم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه، فكتب عمرو إلى أبى بكر يستمده، وخرج خالد بن سعيد بن العاص وهو بمرج الصفر من أرض الشام فى يوم مطير يستمطر فيه فتعادى عليه أعلاج الروم فقتلوه، وقيل أتاهم أذريجا فى أربعة آلاف وهم غازون فاستشهد خالد بن سعيد وعدة من المسلمين.
قال أبو جعفر الطبرى «3» : قيل إن المقتول فى هذه الغزوة ابن لخالد بن سعيد، وأن خالدا انحاز حين قتل ابنه.
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 389) .
(2) اسمه: صدى بن عجلان. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2882) ، الإصابة الترجمة رقم (9546) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5695) .
(3) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 391) .
(2/192)

وذكر سيف أن الوليد بن عقبة لما قدم على خالد بن سعيد فسانده، وقدمت جنود المسلمين الذين كان أبو بكر أمده بهم، وبلغه عن الأمراء، يعنى أمراء المسلمين الذين أمدهم أبو بكر، وتوجههم إليه، اقتحم على الروم طلب الحظوة، وأعرى ظهره، وبادر الأمراء لقتال الروم، واستطرد له باهان، فأرز هو ومن معه إلى دمشق، واقتحم خالد فى الجيش ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى ينزل المرج، مرج الصفر، ما بين الواقوصة ودمشق، فانطوت مسالح باهان عليه، وأخذوا عليه الطرق ولا يشعر، وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطر فى الناس، فقتلوهم. وأتى الخبر خالدا، فخرج هاربا فى جريدة خيل، ولم ينته بخالد الهزيمة عن ذى المروة، وأقام عكرمة فى الناس ردآ لهم، فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوهم، وأقام من الشام على قريب.
وذكر ابن إسحاق مسير الأمراء ومنازلهم، وأن يزيد بن أبى سفيان نزل البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة الأردن، ويقال: بصرى، ونزل أبو عبيدة الجابية.
وعن غير ابن إسحاق أنه لما نزل أبو عبيدة بالجابية كتب إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، منها: أما بعد، فإن الروم وأهل البلد، ومن كان على دينهم من العرب قد أجمعوا على حرب المسلمين، ونحن نرجو النصر، وإنجاز موعود الرب تبارك وتعالى، وعادته الحسنى، وأحببت إعلامك ذلك لترينا رأيك.
فقال أبو بكر رحمه الله: والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. وكان خالد إذ ذاك يلى حرب العراق، فكتب إليه أبو بكر:
أما بعد، فدع العراق وخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخفيا فى أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك العراق، من اليمامة، وصحبوك فى الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، والسلام.
ويروى أنه كان فيما كتب إليه به: «أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع بعون الله سبحانه، أحد من الناس إشجاءك، ولم ينزع الشجاء أحد من الناس نزعك، فلتهنئك أبا سليمان النعمة والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله تعالى، له المن، وهو ولى الجزاء» «1» .
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 384- 385) .
(2/193)

ووافى خالدا كتاب أبى بكر هذا وهو بالحيرة «1» ، منصرفا من حجة حجها مكتتما بها، وذلك أنه لما فرغ من إيقاعه بالروم ومن انضوى إليهم مغيثا لهم من مسالح فارس بالفراض، والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة، أقام بالفراض عشرا، ثم أذن بالقفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم، وأظهر خالد أنه فى الساقة.
وخرج من الحيرة ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا رئبال فسار طريقا من طريق الجزيرة، لم ير طريقا أعجب منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة، ما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذى وضعه، وقدما معا، وخالد وأصحابه محلقون، ولم يعلم بحجه إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة، ولم يعلم أبو بكر رحمه الله، بذلك إلا بعد، فهو الذى يعنيه بما تقدم فى كتاب إليه من معاتبته إياه «2» .
وقدم على خالد بالكتاب عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، فقال له خالد قبل أن قرأ كتابه: ما وراءك؟ فقال: خير، تسير إلى الشام. فشق عليه ذلك وقال: هذا عمل عمر، نفس علىّ أن يفتح الله على العراق.
وكانت الفرس قد هابوه هيبة شديدة، وكان خالد إذا نزل بقوم من المشركين عذابا من عذاب الله عليهم، وليثا من الليوث.
فلما قرأ كتاب أبى بكر ورأى أنه قد ولاه على أبى عبيدة وعلى الشام، كأن ذلك سخا بنفسه. وقال: أما إذ ولانى، فإن فى الشام من العراق خلفا، فقام إليه النسير بن ديسم العجلى، وكان من أشراف بنى عجل وفرسان بكر بن وائل، ومن رؤس أصحاب المثنى بن حارثة، فقال لخالد: أصلحك الله، والله ما جعل الله فى الشام من العراق خلفا، للعراق أكثر حنطة وشعيرا وديباجا وحريرا وفضة وذهبا، وأوسع سعة، وأعرض عرضا، والله ما الشام كله إلا كجانب من العراق، فكره المثنى مشورته عليه، وكان يحب أن يخرج عن العراق ويخليه وإياها.
__________
(1) الحيرة: قال الهمدانى: سار تبع أبو كرب فى غزوته فلما أتى موضع الحيرة خلف هنالك مالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله وخلف معه من ثقل من أصحابه فى نحو اثنى عشر ألفا وقال: تحيروا هذا الموضع، فسمى الموضع الحيرة، فما لك أول ملوك الحيرة وأبوهم. وكانت الحيرة على ثلاثة أميال من الكوفة، والحيرة على النجف، والنجف كان على ساحل البحر الملح، وكان فى سالف الدهر يبلغ الحيرة. انظر: الروض المعطار (207) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 384) .
(2/194)

فقال خالد: إن بالشام أهل الإسلام، وقد تهيأت لهم الروم وتيسرت، فإنما أنا مغيث وليس لهم مترك، فكونوا أنتم هاهنا على حالكم التى كنتم عليها، فإن نفرغ مما أشخصنا إليه عاجلا عجلنا إليكم، وإن أبطأت رجوت أن لا تعجزوا ولا تهنوا، وليس خليفة رسول الله بتارك إمدادكم بالرجال حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد إن شاء الله تعالى.
ويروى أن أبا بكر أمر خالدا بالخروج فى شطر الناس، وأن يخلف على الشطر الثانى المثنى بن حارثة، وقال له: لا تأخذ مجدا إلا خلفت لهم مجدا، فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق معهم، ثم أنت على عملك.
وأحصى خالد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأثرهم على المثنى وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء ممن لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقى فاختلج من كان قدم على النبى صلى الله عليه وسلم، وافدا أو غير وافد، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء، ثم قسم الجند نصفين.
فقال المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبى بكر كله فى استصحاب نصف الصحابة، وإبقاء النصف أو بعض النصف، فو الله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنى تعرينى منهم؟ فلما رأى ذلك خالد بعدما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضى، وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلى وبشير بن الخصاصية والحارث بن حسان الذهليان ومعبد بن أم معبد الأسلمى وبلال بن الحارث المزنى وعاصم بن عمرو التميمى، حتى إذا رضى المثنى وأخذ حاجته انحدر خالد فمضى لوجهه، وشيعه المثنى إلى قراقر، فقال له خالد: انصرف إلى سلطانك غير مقصر ولا ملوم ولا وان «1» .
وذكر الطبرى «2» أن خالدا رحمه الله، لما أراد المسير إلى الشام دعا بالأدلة فارتحل من الحيرة سائرا إلى دومة، ثم ظعن فى البر إلى قراقر، ثم قال: كيف لى بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؟ فإنى إن استقبلتها حبستنى عن غياث المسلمين، فكلهم قال: لا نعرف إلا طريقا لا تحمل الجيوش، فإياك أن تغرر بالمسلمين، فعزم عليه، ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد، فقام فيهم فقال: لا يختلفن هديكم ولا تضعفن تعبئتكم، واعلموا أن المعونة تأتى على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وأن المسلم لا ينبغى له أن يكترث لشىء يقع فيه مع معونة الله له. فقالوا له: أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك، فطابقوه ونووا واحتسبوا.
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 411) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 409) .
(2/195)

وذكر غير الطبرى أن خالدا حين أراد المسير إلى الشام قال له محرز بن حريش، وكان يتجر بالحيرة، ويسافر إلى الشام: اجعل كوكب الصبح على حاجبك الأيمن، ثم أمه حتى تصبح، فإنك لا تجور. فجرب ذلك فوجده كذلك.
ثم أخذ فى السماوة حتى انتهى إلى قراقر ففوز من قراقر إلى سوى، وهما منزلان بينهما خمس ليال، فلم يهتدوا للطريق، فدل على رافع بن عميرة الطائى، فقال: خفف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا، فكره خالد أن يخلف أحدا، فقال: قد أتانى أمر لا بد من إنفاذه، وأن نكون جميعا. قال: فو الله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه، ما يسلكها إلا مغررا، فكيف أنت بمن معك؟ قال: إنه لا بد من ذلك، فقد أتتنى عزيمة، قال: فمن استطاع منكم أن يصر أذن راحلته على ماء فليفعل، فإنها المهالك إلا ما وقى الله، ثم قال لخالد: ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسان. فأتاه بهن، فظمأهن حتى إذا أجهدهن عطشا سقاهن حتى أرواهن، ثم قطع مشافرهن، ثم كعمهن»
، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال، فكلما نزل منزلا نحر من تلك الشرف أربعا فافتض ماءهن فسقاه الخيول، وشرب الناس مما تزودوا حتى إذا كان آخر ذلك قال خالد لرافع: ويحك ما عندك يا رافع؟ فقال: أدركك الرأى إن شاء الله، انظروا، هل تجدون شجرة؟ هو شج على ظهر الطريق، قالوا: لا، قال: إنا لله إذا والله هلكت وأهلكت، لا أبا لكم انظروا، فنظروا فوجدوها، فكبروا وكبر وقال: أحفروا فى أصلها، فاحتفروا، فوجدوا عينا، فشربوا وارتووا، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة مع أبى وأنا غلام.
وقال راجز من المسلمين:
لله در رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى
أرضا إذا ما سارها الجيش بكى ... ما سارها من قبله إنس أرى
لكن بأسباب متينات الهدى ... نكبها الله بنيات الردى «2»
وعن عبد الله بن قرط الثمالى قال: لما خرج خالد من عين التمر «3» مقبلا إلى الشام كتب إلى المسلمين مع عمرو بن الطفيل بن عمرو الأزدى، وهو ابن ذى النور: أما بعد، فإن كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتانى، فأمرنى بالمسير إليكم، وقد شمرت وانكمشت، وكأن قد أظلت عليكم خيلى ورجالى، فأبشروا بإنجاز موعود الله، وحسن ثواب الله،
__________
(1) كعمهن: أى شد أفواههن.
(2) انظر الأبيات فى: تاريخ الطبرى (3/ 416) .
(3) راجع خبر عين التمر فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 107) ، تاريخ الطبرى (3/ 376) .
(2/196)

عصمنا الله وإياكم باليقين، وأثابنا أحسن ثواب المجاهدين، والسلام عليكم.
وكتب معه إلى أبى عبيدة: أما بعد، فإنى أسأل الله تعالى لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة فى دار الدنيا من كل سوء، وقد أتانى كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرنى بالمسير إلى الشام، وبالقيام على جندها، والتوالى لأمرها، والله ما طلبت ذلك قط، ولا أردته، إذ وليته، فأنت على حالتك التى كنت لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع أمرا دونك، فإنك سيد المسلمين، لا ننكر فضلك، ولا نستغنى عن رأيك، تمم الله ما بنا وبك من إحسان، ورحمنا وإياك من صلى النار، والسلام عليك ورحمة الله.
قال: فلما قدم علينا عمرو بن الطفيل «1» ، قرأ كتاب خالد على الناس وهم بالجابية، ودفع إلى أبى عبيدة كتابه، فقرأه، فقال: بارك الله لخليفة رسول الله فيما رأى وحيى الله خالدا.
قال: وشق على المسلمين أن ولى خالد على أبى عبيدة، ولم أره على أحد أشد منه على بنى سعيد بن العاص، وإنما كانوا متطوعين حبسوا أنفسهم فى سبيل الله حتى يظهر الله الإسلام. فأما أبو عبيدة فإنا لم نتبين فى وجهه ولا فى شىء من منطقة الكراهة لأمر خالد.
وعن سهل بن سعد أن أبا بكر كتب إلى أبى عبيدة، رضى الله عنهما: أما بعد، فإنى قد وليت خالدا قتال العدو بالشام فلا تخالفه واسمع له وأطع أمره، فإنى لم أبعثه عليك أن لا تكون عندى خيرا منه، ولكنى ظننت أن له فطنة فى الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك خيرا، والسلام.
ثم إن خالدا خرج من عين التمر حتى أغار على بنى تغلب والنمر بالبسر فقتلهم، وهزمهم، وأصاب من أموالهم طرفا. قال: وإن رجلا منهم ليشرب من شراب له فى جفنة، وهو يقول:
ألا عللانى قبل جيش أبى بكر ... لعل منايانا قريب وما ندرى
فما هو إلا أن فرغ من قوله، حتى شد عليه رجل من المسلمين فضرب عنقه، فإذا رأسه فى الجفنة.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1951) ، الإصابة الترجمة رقم (5894) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3967) .
(2/197)

وعن عدى بن حاتم قال «1» : غزونا، يعنى مع خالد، على أهل المصيخ، وإذا رجل من النمر يدعى حرقوص بن النعمان، حوله بنوه وامرأته، وبينهم جفنة من خمر، وهم عليها عكوف يقولون له: ومن يشرب هذه الساعة فى أعجاز الليل؟ فقال: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها أبدا، هذا خالد بالعين وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا:
ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر ... وقبل انتقاض القوم بالعسكر الدثر
وقبل منايانا المصيبة بالقدر ... لحين لعمرى لا يزيد ولا يحرى
فسبق إليه وهو فى ذلك بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو فى جفنته، فأخذنا بناته وقتلنا بنيه.
وفى كتاب سيف قال «2» : ولما بلغ غسان خروج خالد على سوى وانتسافها، وإغارته على مصيخ بهراء وانتسافها، اجتمعوا بمرج راهط، وبلغ ذلك خالدا وقد خلف ثغور الشام وجنودها مما يلى العراق، فصار بينهم وبين اليرموك صمد لهم، فخرج من سوى بعدما رجع إليها بسبى بهراء فنزل علمين على الطريق، ثم نزل الكثيب، حتى سار إلى دمشق، ثم مرج الصفر، فلقى عليه غسان، وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتسف عسكرهم ونزل بالمرج أياما، وبعث إلى أبى بكر بالأخماس، ثم خرج من المرج حتى نزل مياه بصرى، فكانت أول مدينة افتتحت بالشام على يدى خالد فيمن معه من جنود العراق، وخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة.
وعن غير سيف أن خالدا أغار على غسان فى يوم فصحهم، فقتل وسبى، وخرج على أهل الغوطة حتى أغار عليهم، فقتل ما شاء وغنم، ثم إن العدو دخلوا دمشق فتحصنوا، وأقبل أبو عبيدة، وكان بالجابية مقيما، حتى نزل معه بالغوطة، فحاصر أهل دمشق.
وعن قيس بن أبى حازم قال: كان خرج مع خالد من بجيلة وعظمهم أحمس نحو من مائتى رجل ومن طيئ نحو من مائة وخمسين.
قال: وكان معنا المسيب بن نجيبة، فى نحو مائتى فارس من بنى ذبيان، وكان يعنى خالدا، فى نحو من ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فكان أصحابه الذين دخلوا معه
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 382) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 410- 411) .
(2/198)

الشام ثمانمائة وخمسين رجلا كلهم ذو نية وبصيرة، لأنه كان يقحمهم أمورا يعلمون أنه لا يقوى على ذلك إلا كل قوى جلد، فأقبل بنا حتى مر بأركة، فأغار عليها، وأخذ الأموال، وتحصن منه أهلها، فلم يبارحهم حتى صالحهم.
قال: ومر بتدمر «1» ، فتحصنوا منه، فأحاط بهم من كل جانب، وأخذهم من كل مأخذ، فلم يقدر عليهم، فلما لم يطقهم ترحل عنهم، وقال لهم حين أراد أن يرتحل، فيما روى عن عبد الله بن قرط: والله لو كنتم فى السحاب لاستنزلناكم وظهرنا عليكم، ما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحون علينا، وإن أنتم لم تصالحوا هذه المرة لأرجعن إليكم لو قد انصرفت من وجهى هذا ثم لا أرحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم وأسبى ذراريكم.
فلما فصل قال علماؤهم، واجتمعوا: إنا لا نرى هؤلاء القوم إلا الذين كنا نتحدث أنهم يظهرون علينا، فافتحوا لهم، فبعثوا إلى خالد فجاء، ففتحوا له وصالحوه.
وعن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة: أن خالدا فى طريقه ذلك مر على حوران فهابوه، فتحرز أكثرهم منه، وأغار عليهم، فاستاق الأموال وقتل الرجال وأقام عليهم أياما، فبعثوا إلى ما حولهم ليمدوهم، فأمدوهم من مكانين: من بعلبك، وهى أرض دمشق، ومن قبل بصرى، وبصرى مدينة حوران، وهى من أرض دمشق أيضا.
فلما رأى المددين قد أقبلا خرج فصف بالمسلمين، ثم تجرد فى مائتى فارس، فحمل على مدد بعلبك «2» وهم أكثر من ألفين فما وقفوا حتى انهزموا، فدخلوا المدينة، ثم انصرف يوجف فى أصحابه وجيفا، حتى إذا كان بحذاء بصرى، وإنهم لأكثر من ألفين، حمل عليهم فما ثبتوا له فواقا حتى هزمهم، فدخلوا المدينة، وخرج أهل المدينة فرموا المسلمين بالنشاب، فانصرف عنهم خالد وأصحابه، حتى إذا كان من الغد خرجوا إليه ليقاتلوه، فعجزوا وأظهر الله عليهم المسلمين، فصالحوهم.
وقال عمرو بن محصن: حدثنى علج من أهل حوران «3» كان يشجع، قال: والله
__________
(1) تدمر: من مدن الشام بالبرية، أولية يقال إن الجن بنتها لسليمان عليه السلام. ومن حلب إليها خمسة أيام وكذلك من دمشق إليها، وكذا من الرقة إليها، وكذا من الرحبة إليها. انظر: الروض المعطار (131) ، معجم ما استعجم (1/ 307) .
(2) بعلبك: مدينة بالشام بينها وبين دمشق فى جهة الشرق مرحلتان، وهى حصينة فى سفح جبل وعليها سور حصين بالحجارة. انظر: الروض المعطار (109) ، نزهة المشتاق (116) .
(3) حوران: جبل بالشام، وحوران أيضا من أعمال دمشق، ومدينتها بصرى، تسير فى صحراء حوران عشرة فراسخ حتى تصل إلى مدينة بصرى. انظر: الروض المعطار (206) .
(2/199)

لخرجنا إليهم بعد ما جاءنا مدد أهل بعلبك وأهل بصرى بيوم، فلخرجنا وإنا لأكثر من خالد وأصحابه بعشرة أضعافهم وأكثر، فما هو إلا أن دنونا منهم، فثاروا فى وجوهنا بالسيوف كأنهم الأسد، فانهزمنا أقبح الهزيمة، وقتلونا شر المقتلة، فما عدنا نخرج إليهم حتى صالحناهم، ولقد رأيت رجلا منا كنا نعده بألف رجل، قال: لئن رأيت أميرهم لأقتلنه، فلما رأى خالدا قيل له: هذا خالد أمير القوم، فحمل عليه، وإنا لنرجو لبأسه أن يقتله، فما هو إلا أن دنا منه، فضرب خالد فرسه، فقدمه عليه، ثم استعرض وجهه بالسيف فأطار قحف رأسه، ودخلنا مدينتنا، فما كان لنا هم إلا الصلح حتى صالحناهم.
وعن قيس بن أبى حازم قال: كنت مع خالد حين مر بالشام، فأقبل حتى نزل بقناة بصرى من أرض حوران، وهى مدينتها، فلما نزلنا واطمأننا خرج إلينا الدرنجار «1» فى خمسة آلاف فارس من الروم، فأقبل إلينا وما يظن هو وأصحابه إلا أنا فى أكفهم، فخرج خالد فصفنا، ثم جعل على ميمنتنا رافع بن عميرة الطائى، وعلى ميسرتنا ضرار بن الأزور، وعلى الرجال عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، وقسم خيله، فجعل على شطرها المسيب بن نجية، وعلى الشطر الآخر رجلا كان معه من بكر بن وائل، ولم يسمه، وأمرهما خالد حين قسم الخيل بينهما أن يرتفعا من فوق القوم عن يمين وشمال، ثم ينصبا على القوم، ففعلا ذلك، وأمرنا خالد أن نزحف إلى القلب، فزحفنا إليهم، والله ما نحن إلا ثمانمائة وخمسون رجلا، وأربعمائة رجل من مشجعة من قضاعة، استقبلنا بهم يعبوب رجل منهم، فكنا ألفا ومائتين ونيفا.
قال: وكنا نظن أن الكثير من المشركين والقليل عند خالد سواء، لأنه كان لا يملأ صدره منهم شىء، ولا يبالى بمن لقى منهم لجرأته عليهم، فلما دنوا منا شدوا علينا شدتين، فلم نبرح، ثم إن خالدا نادى بصوت له جهورى شديد عال، فقال: يا أهل الإسلام، الشدة، الشدة، احملوا رحمكم الله، عليهم، فإنكم إن قاتلتموهم محتسبين بذلك وجه الله فليس لهم أن يواقفوكم ساعة، ثم إن خالدا شد عليهم، فشددنا معه، فو الله الذى لا إله إلا هو ما ثبتوا لنا فواقا حتى انهزموا، فقتلنا منهم فى المعركة مقتلة عظيمة، ثم اتبعناهم نكردهم «2» ونصيب الطرف منهم، ونقطعهم عن أصحابهم، ثم نقتلهم، فلم نزل كذلك حتى انتهينا إلى مدينة بصرى، فأخرج لنا أهلها الأسواق، واستقبلوا المسلمين
__________
(1) الدرنجار: أى قائد الروم البيزنطيين.
(2) نكردهم: أى نطردهم.
(2/200)

بكل ما يحبون، ثم سألوا الصلح، فصالحناهم، فخرج خالد من فوره ذلك، فأغار على غسان فى جانب من مرج راهط فى يوم فصحهم، فقتل وسبى.
وعن أبى الخزرج الغسانى قال: كانت أمى فى ذلك السبى، فلما رأت هدى المسلمين وصلاحهم وصلاتهم وقع الإسلام فى قلبها فأسلمت، فطلبها أبى فى السبى فعرفها، فجاء المسلمين فقال: يا أهل الإسلام، إنى رجل مسلم، وهذه امرأتى قد أصبتموها، فإن رأيتم أن تصلونى وتحفظوا حقى فتردوا علىّ أهلى فعلتم. فقال لها المسلمون: ما تقولين فى زوجك قد جاء يطلبك وهو مسلم؟ قالت: إن كان مسلما رجعت إليه، وإلا فلا حاجة لى فيه، ولست براجعة إليه.
وقعة أجنادين
ذكر سعيد بن الفضل وأبو إسماعيل وغيرهما أن خالد بن الوليد لما دخل الغوطة «1» كان قد مر بثنية فخرعها، ومعه راية له بيضاء تدعى العقاب، فسميت بذلك تلك الثنية:
ثنية العقاب، ثم نزل ديرا يقال له: دير خالد لنزوله به، وهو مما يلى باب الشرقى، يعنى من دمشق.
وجاء أبو عبيدة من قبل الجابية، حتى نزل باب الجابية، ثم شنا الغارات فى الغوطة وغيرها، فبينما هما كذلك أتاهما أن وردان صاحب حمص، قد جمع الجموع يريد أن يقتطع شرحبيل بن حسنة وهو ببصرى، وأن جموعا من الروم قد نزلت أجنادين «2» ، وأن أهل البلد ومن مروا به من نصارى العرب قد سارعوا إليهم، فأتاهما خبر أفظعهما وهما مقيمان على عدو يقاتلانه، فالتقيا فتشاورا فى ذلك، فقال أبو عبيدة: أرى أن نسير حتى نقدم على شرحبيل قبل أن ينتهى إليه العدو الذى قد صمد صمدة، فإذا اجتمعنا سرنا إليه حتى نلقاه، فقال له خالد: إن جمع الروم هنا بأجنادين، وإن نحن سرنا إلى شرحبيل تبعنا هؤلاء من قريب، ولكن أرى أن نصمد صمد عظمهم، وأن نبعث إلى شرحبيل فنحذره مسير العدو إليه، ونأمره فيوافينا بأجنادين، ونبعث إلى يزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص فيوافيانا بأجنادين، ثم نناهض عدونا. فقال له أبو عبيدة: هذا رأى حسن، فأمضه على بركة الله.
__________
(1) الغوطة: قيل: هى قصبة دمشق، وقيل: هو موضع متصل بدمشق من جهة باب الفراديس، وطول الغوطة مرحلتان عرض فى عرض مرحلة. انظر: الروض المعطار (431) .
(2) أجنادين: بفتح الهمزة والنون والدال، بعدها ياء ونون على لفظ التثنية، موضع بالشام من بلاد الأردن. انظر: الروض المعطار (12) .
(2/201)

وكان خالد مبارك الولاية، ميمون النقيبة، مجربا، بصيرا، بالحرب، مظفرا. فلما أراد الشخوص من أرض دمشق إلى الروم الذين اجتمعوا بأجنادين، كتب نسخة واحدة إلى الأمراء:
أما بعد، فإنه نزل بأجنادين جمع من جموع الروم، غير ذى قوة ولا عدة، والله قاصمهم وقاطع دابرهم، وجاعل دائرة السوء عليهم، وقد شخصت إليهم يوم سرحت رسولى إليكم، فإذا قدم عليكم فانهضوا إلى عدوكم بأحسن عدتكم وأصح نيتكم، ضاعف الله أجوركم وحط أوزاركم، والسلام.
ووجه بهذه النسخ مع أنباط كانوا مع المسلمين عيونا لهم، وفيوجا «1» وكان المسلمون يرضخون لهم، ودعا خالد الرسول الذى بعثه منهم إلى شرحبيل، فقال له:
كيف علمك بالطريق؟ قال: أنا أدل الناس بالطريق، قال: فادفع إليه هذا الكتاب، وحذره الجيش الذى ذكر لنا أنه يريده، وخذ به وبأصحابه طريقا تعدل به عن طريق العدو الذى شخص إليه وتأتى به حتى تقدمه علينا بأجنادين. قال: نعم، فخرج الرسول إلى شرحبيل، ورسول آخر إلى عمرو بن العاص، وآخر إلى يزيد بن أبى سفيان.
وخرج خالد وأبو عبيدة بالناس إلى أهل أجنادين، والمسلمون سراع إليهم، جراء عليهم، فلما شخصوا لم يرعهم إلا أهل دمشق فى آثارهم، فلحقوا أبا عبيدة وهو فى أخريات الناس فلما رآهم قد لحقوا به نزل، وأحاطوا به، وهو فى نحو من مائتى رجل من أصحابه، وأهل دمشق فى عدد كثير، فقاتلهم أبو عبيدة قتالا شديدا، وأتى الخبر خالدا وهو أمام الناس فى الفرسان والخيل، فعطف راجعا، ورجع الناس معه، وتعجل خالد فى الخيل وأهل القوة، وانتهوا إلى أبى عبيدة وأصحابه وهم يقاتلون الروم قتالا حسنا، فحمل الخيل على الروم فدق بعضهم على بعض، وقتلهم ثلاثة أميال حتى دخلوا دمشق، ثم انصرف، ومضى بالناس نحو الجابية، وأخذ يلتفت وينتظر قدوم أصحابه عليه.
ومضى رسول خالد إلى شرحبيل، فوافاه وليس بينه وبين الجيش الذى سار إليه من حمص «2» مع وردان إلا مسيرة يوم، وهو لا يشعر، فدفع إليه الرسول الكتاب، وأخبره الخبر، واستحثه بالشخوص، فقام شرحبيل، فى الناس، فقال: أيها الناس، اشخصوا إلى
__________
(1) فيوج: جمع فج، وهو الحارث أو العداء سريع الجرى.
(2) حمص: مدينة بالشام، ولا يجوز فيها الصرف كما لا يجوز فى هند لأنه اسم أعجمى، سميت برجل من العماليق يسمى حمص، ويقال: رجل من عاملة، هو أو من نزلها. انظر: الروض المعطار (198) .
(2/202)

أميركم، فإنه قد توجه إلى عدو المسلمين بأجنادين، وقد كتب إلىّ يأمرنى بموافاته هنالك.
ثم خرج بالناس ومضى بهم الدليل، وبلغ ذلك الجيش الذى جاء فى طلبهم، فجعل المسير فى آثارهم، وجاء وردان كتاب من الروم الذين بأجنادين: أن عجل إلينا فإنا مؤمروك علينا ومقاتلون معك العرب حتى تنفيهم من بلادنا. فأقبل فى آثار هؤلاء، رجاء أن يستأصلهم أو يصيب طرفا منهم، فيكون قد نكب طائفة من المسلمين، فأسرع السير فلم يلحقهم، وجاؤا حتى قدموا على المسلمين، وجاء وردان فيمن معه حتى وافى جمع الروم بأجنادين، فأمروه عليهم، واشتد أمرهم.
وأقبل يزيد بن أبى سفيان حتى وافى أبا عبيدة وخالدا، ثم إنهم ساروا حتى نزلوا بأجنادين، وجاء عمرو بن العاص فيمن معه، فاجتمع المسلمون جميعا بأجنادين، وتزاحف الناس غداة السبت.
فخرج خالد، فأنزل أبا عبيدة فى الرجال، وبعث معاذ بن جبل على الميمنة، وسعيد ابن عامر بن حذيم على الميسرة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على الخيل.
وأقبل خالد يسير فى الناس، لا يقر فى مكان واحد، يحرض الناس، وقد أمر نساء المسلمين فاحتزمن وقمن وراء الناس يدعون الله ويستغثنه، وكلما مر بهن رجل من المسلمين رفعن أولادهن إليه وقلن لهم: قاتلوا دون أولادكم ونسائكم.
وأقبل خالد يقف على كل قبيلة فيقول: اتقوا الله عباد الله، وقاتلوا فى الله من كفر بالله، ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، ولكن أقدموا كإقدام الأسد، أو ينجلى الرعب وأنتم أحرار كرام، قد أوتيتم الدنيا واستوجبتم على الله ثواب الآخرة، ولا يهولنكم ما ترون من كثرتهم، فإن الله منزل رجزه وعقابه بهم. وقال للناس: إذا حملت فاحملوا.
وقال معاذ بن جبل: يا معشر المسلمين، اشروا أنفسكم اليوم لله، فإنكم إن هزمتموهم اليوم كانت لكم دار السلام أبدا مع رضوان الله والثواب العظيم من الله.
وكان من رأى خالد مدافعتهم، وأن يؤخر القتال إلى صلاة الظهر، عند مهب الأرواح، وتلك الساعة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستحب القتال فيها، فأعجله الروم، فحملوا على المسلمين مرتين: من قبل الميمنة على معاذ بن جبل، ومن قبل الميسرة على
(2/203)

سعيد بن عامر، فلم يتخلخل أحد منهم، ورموا المسلمين بالنشاب، فنادى سعيد بن زيد، وكان من أشد الناس: يا خالد علام تستهدف هؤلاء الأعلاج؟ وقد رشقونا بالنشاب حتى شمست الخيل، فقال خالد للمسلمين: احملوا رحمكم الله على اسم الله، فحمل خالد والناس بأجمعهم، فما واقفوهم فواقا، وهزمهم الله، فقتلهم المسلمون كيف شاؤا، وأصابوا عسكرهم وما فيه.
وأصابت إبان بن سعيد بن العاص نشابة، فنزعها وعصبها بعمامته، فحمله إخوته، فقال: لا تنزعوا عمامتى عن جرحى فلو قد نزعتموها تبعتها نفسى، أما والله ما أحب أنها بحجر من جبل الحمر، وهو جبل السماق، فمات منها، يرحمه الله.
وأبلى يومئذ بلاء حسنا، وقاتل قتالا شديدا عظم فيه غناؤه، وعرف به مكانه، وكان قد تزوج أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، وبنى عليها، فباتت عنده الليلة التى زحفوا للعدو فى غدها، فأصيب، فقالت أم أبان هذه لما مات: ما كان أغنانى عن ليلة أبان.
وقتل اليعبوب بن عمرو بن ضريس المشجعى يومئذ، سبعة من المشركين، وكان شديدا جليدا، فطعن طعنة كان يرجى أن يبرأ منها، فمكث أربعة أيام أو خمسة ثم انتقضت به فاستأذن أبا عبيدة أن يأذن له إلى أهله، فإن يبرأ رجع إليهم، فأذن له، فرجع إلى أهله بالعمر، عمر المدائن، فمات، يرحمه الله، فدفن هنالك.
وقتل مسلمة بن هشام المخزومى، ونعيم بن عدى بن صخر العدوى، وهشام بن العاص السهمى، أخو عمرو بن العاص، وهبار بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن الطفيل الدوسى، وهو ابن ذى النور، وكان من فرسان المسلمين، فقتلوا يومئذ، يرحمهم الله.
وقتل المسلمون فى المعركة منهم ثلاثة آلاف، وأتبعوهم يأسرونهم ويقتلونهم، فخرج فل الروم بإيلياء وقيسارية ودمشق وحمص فتحصنوا فى المدائن العظام.
وكتب خالد إلى أبى بكر: لعبد الله أبى بكر الصديق، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خالد بن الوليد، سيف الله المصبوب على المشركين، سلام عليك، فإنى أخبرك أيها الصديق أنا التقينا نحن والمشركين وقد جمعوا لنا جموعا بأجنادين، وقد رفعوا صلبهم، ونشروا كتبهم، وتقاسموا بالله لا يفروا حتى يفنونا أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعناهم بالرماح شيئا، ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم بها مقدار جزر جزور، ثم إن الله أنزل نصره وأنجز وعده وهزم الكافرين، فقتلناهم فى كل فج وشعب وحائط، فالحمد لله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنع لأوليائه، والسلام عليك ورحمة الله.
(2/204)

وبعث خالد بكتابه هذا مع عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، فلما قرئ على أبى بكر وهو مريض مرضه الذى توفاه الله فيه أعجبه ذلك، وقال: الحمد لله الذى نصر المسلمين، وأقر عينى بذلك.
قال سهل بن سعد: وكانت وقعة أجنادين هذه أول وقعة عظيمة كانت بالشام، كانت سنة ثلاث عشرة، فى جمادى الأولى لليلتين بقيتا منه، يوم السبت نصف النهار، قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه، بأربع وعشرين ليلة.
وذكر الطبرى «1» عن ابن إسحاق أن الذى كان على الروم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه، ثم ذكر عنه، عن عروة بن الزبير، أنه قال: كان على الروم رجل منهم يقال له:
القبقلار، وكان هرقل استخلفه على أمراء الشام حين سار إلى القسطنطينية، وإليه انصرف تذارق ومن معه من الروم.
قال ابن إسحاق: فأما علماء أهل الشام فيزعمون أنه إنما كان على الروم تذارق، فالله أعلم.
وعنه قال: لما تدانى العسكران بعث القبقلار رجلا عربيا، فقال له: ادخل فى هؤلاء القوم فأقم فيهم يوما وليلة ثم ائتنى بخبرهم. فدخل فى الناس رجل عربى لا ينكر، فأقام فيهم يوما وليلة، ثم أتاه فقال له: مه ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى لرجم، لإقامة الحق فيهم، فقال له القبقلار: لئن كنت صدقتنى لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوددت أن حظى من الله أن يخلى بينى وبينهم، فلا ينصرنى عليهم ولا ينصرهم على.
ثم تزاحف الناس، فاقتتلوا، فلما رأى القبقلار ما رأى من قتالهم قال للروم: لفوا رأسى بثوب، قالوا له: لم؟ قال: هذا يوم بئيس، ما أحب أن أراه، ما رأيت من الدنيا يوما أشد من هذا. قال: فاحتز المسلمون رأسه، وإنه لملفف.
وعن غير ابن إسحاق قال: ثم إن خالد بن الوليد أمر الناس أن يسيروا إلى دمشق، وأقبل بهم حتى نزلوها، وقصد إلى ديره الذى كان ينزل به، فنزله وهو من دمشق على ميل مما يلى باب الشرقى، وبخالد يعرف ذلك الدير إلى اليوم، وجاء أبو عبيدة حتى نزل على باب الجابية، ونزل يزيد بن أبى سفيان على جانب آخر من دمشق وأحاطوا بها، وحاصروا أهلها حصارا شديدا.
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 417) .
(2/205)

وقدم عبد الرحمن بن حنبل من عند أبى بكر بكتابه إلى خالد، وأتى يزيد بن أبى سفيان ومعه كان يكون، فقال له يزيد: هل لقيت أبى؟ قال: نعم، قال: فهل سألك عنى؟ قال: نعم، قال: فما قلت له؟ قال: قلت له إن يزيد حازم الرأى، متواضع فى ولايته، بئيس البأس، محبب فى الإخوان، يبذل ما قدر عليه من فضله. فقال أبو سفيان:
كذلك ينبغى لمثله أن يكون، وطلب إلىّ أن أكتب إليه بما يكون من أمرنا، وأن أعلمه حالنا، فوعدته ذلك.
قال: فخرج خالد بالمسلمين ذات يوم، فأحاطوا بمدينة دمشق، ودنوا من أبوابها، فرماهم أهلها بالحجارة ورشقوهم من فوق السور بالنشاب، فقال ابن حنبل:
وأبلغ أبا سفيان عنا فإننا ... على خير حال كان جيش يكونها
وأنا على بابى دمشقة نرتمى ... وقد حان من بابى دمشقة حينها
وقعة مرج الصفر
«1» قال: فإن المسلمين لكذلك يقاتلونهم ويرجون فتح مدينتهم إذ أتاهم آت فأخبرهم أن هذا جيش قد جاءكم من قبل ملك الروم، فنهض خالد بالناس على تعبئته وهيئته، فقدم الأثقال والنساء، وخرج معهن يزيد بن أبى سفيان، ووقف خالد وأبو عبيدة من وراء الناس، ثم أقبلوا نحو ذلك الجيش، فإذا هو درنجار بعثه ملك الروم فى خمسة آلاف رجل من أهل القوة والشدة ليغيث أهل دمشق، فصمد المسلمون صمدهم، وخرج إليهم أهل القوة من أهل دمشق، وناس كثير من أهل حمص، فالقوم نحو من خمسة عشر ألفا، فلما نظر إليهم خالد عبأ أصحابه كتعبئته يوم أجنادين، فجعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة، وعلى الخيل سعيد بن زيد، وأبا عبيدة على الرجال.
وذهب خالد فوقف فى أول الصف يريد أن يحرض الناس، ثم نظر إلى الصف من أوله إلى آخره حتى حملت خيل لهم على خالد بن سعيد، وكان واقفا فى جماعة من المسلمين فى ميمنة الناس يدعون الله، ويقص عليهم، فحملت طائفة منهم عليه، فقاتلهم حتى قتل رحمه الله، وحمل عليهم معاذ بن جبل من الميمنة فهزمهم، وحمل عليهم خالد
__________
(1) مرج الصفر: بالشام، به كانت وقعة للمسلمين على نصارى الشام بعد وقعة أجنادين وكان بين الوقعتين عشرون يوما وكان ذلك قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه بأربعة أيام. انظر: الروض المعطار (535) .
(2/206)

ابن الوليد من الميسرة فهزم من يليه منهم، وحمل سعيد بن زيد بالخيل على عظم جمعهم، فهزمهم الله وقتلهم، واجتث عسكرهم، ورجع الناس، وقد ظفروا وقتلوهم كل قتلة، وذهب المشركون على وجههم، فمنهم من دخل مدينة دمشق مع أهلها، ومنهم من رجع إلى حمص، ومنهم من لحق بقيصر.
وعن عمرو بن محصن: أن قتلاهم يومئذ وهو يوم مرج الصفر كانت خمسمائة فى المعركة، وقد تلوا وأسروا نحوا من خمسمائة أخرى.
وقال أبو أمامة فيما رواه عنه يزيد بن يزيد بن جابر: كان بين أجنادين وبين يوم مرج الصفر عشرون يوما. قال: فحسبت ذلك فوجدته يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه، بأربعة أيام.
ثم إن الناس أقبلوا عودهم على بدئهم حتى نزلوا دمشق، فحاصروا أهلها وضيقوا عليهم، وعجز أهلها عن قتال المسلمين، ونزل خالد منزله الذى كان ينزل به على باب الشرقى، ونزل أبو عبيدة منزله على باب الجابية، ونزل يزيد بن أبى سفيان جانبا آخر، فكان المسلمون يغيرون، فكلما أصاب رجل نفلا جاء بنفله حتى يلقيه فى القبض، لا يستحل أن يأخذ منه قليلا ولا كثيرا، حتى إن الرجل منهم ليجىء بالكبة الغزل أو بالكبة الصوف أو الشعر أو المسلمة أو الإبرة فيلقيها فى القبض، لا يستحل أن يأخذها، فسأل صاحب دمشق بعض عيونه عن أعمالهم وسيرتهم، فوصفهم له بهذه الصفة فى الأمانة، ووصفهم بالصلاة بالليل وطول القيام، فقال: هؤلاء رهبان بالليل أسد بالنهار، لا والله ما لى بهؤلاء طاقة، وما لى فى قتالهم خير.
قال: فراود المسلمين على الصلح، فأخذ لا يعطيهم ما يرضيهم، ولا يبايعونه على ما يسأل، وهو فى ذلك لا يمنعه من الصلح والفراغ إلا أنه قد بلغه أن قيصر يجمع الجموع للمسلمين، يريد غزوهم، فكان ذلك مما يمنعه من تعجيل الصلح.
وعلى تعبئة ذلك بلغ المسلمين الخبر بوفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، واستخلافه عمر رضى الله عنهما، وما تبع ذلك من صرف خالد بأبى عبيدة، حسبما يأتى تفصيله وبيانه إن شاء الله تعالى.
(2/207)

ذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء
«1» قد تقدم فى بدء الردة، وذكر خلافة أبى بكر رضى الله عنه، من هذا الكتاب ما دل على ولاية عمر بعده، من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذى يروى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بأبى بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما ذكر من نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذى بعث الله به نبيه.
وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا نائم رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة، فنزع منها ذنوبا، أو ذنوبين، وفى نزعه والله يغفر له ضعف، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب، حتى ضرب الناس بعطن» «2» .
واختلف أهل العلم فى السبب الذى توفى منه أبو بكر، فذكر الواقدى أنه اغتسل فى يوم بارد فحم ومرض خمسة عشر يوما. وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل.
وقال غيره: أن أصل ابتداء ذلك السل به الوجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبضه الله إليه، فما زال ذلك به حتى قضى منه.
وروى عن سلام بن أبى مطيع أنه رضى الله عنه، سم. وبعض من ذكر ذلك يقول:
أن اليهود سمته فى أرزة، وقيل فى حريرة، فمات بعد سنة. وقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب، فقال: قد رآنى، قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إنى أفعل ما أريد «3» .
__________
(1) راجع الخبر فى: المنتظم لابن الجوزى (4/ 129) ، تاريخ الطبرى (3/ 419) ، طبقات ابن سعد (3/ 1/ 140) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 7، 9/ 45، 49، 171) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة (17) ، السنن الكبرى للبيهقى (8/ 153) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 19، 12/ 414) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (6031) ، شرح السنة للبغوى (14/ 89) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 226) ، كنز العمال للمتقى الهندى (3273) ، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 344) ، السنة لابن أبى عاصم (14/ 89) .
(3) راجع ما ذكره ابن الجوزى فى المنتظم (4/ 129) .
(2/208)

وكذلك اختلفوا فى حين وفاته، فقال ابن إسحاق: توفى يوم الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره من أهل السير: إنه مات عشى يوم الاثنين، وقيل ليلة الثلاثاء وقيل: عشى الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، وهذا هو الأكثر فى وفاته «1» .
وأوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، فغسلته، وصلى عليه عمر بن الخطاب فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل على السرير الذى حمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فى قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر، ودفن ليلا فى بيت عائشة مع النبى صلى الله عليه وسلم، وجعل رأسه عند كتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقوا لحده بلحده، وجعل قبره مسطحا مثل قبر النبى صلى الله عليه وسلم ورش عليه بالماء.
ولا يختلفون فى أنه توفى ابن ثلاث وستين سنة، وأنه استوفى بخلافته بعد الرسول صلوات الله عليه، سن رسول الله صلى الله عليه وسلم التى توفاه الله لها «2» .
ويروى أنه رضى الله عنه، لما احتضر، وابنته عائشة حاضرة، فأنشدت رضى الله عنها «3» :
لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
رفع إليها رأسه وقال: لا تقولى هذا يا بنية، أو: ليس هكذا يا بنية، ولكن قولى:
«وجاءت سكرة [الحق بالموت] ذلك ما كنت منه تحيد» «4» ، هكذا قرأها أبو بكر رضى الله عنه.
وقالوا: كان آخر ما تكلم به: رب توفنى مسلما، وألحقنى بالصالحين.
وقال أبو بكر رضى الله عنه، لعائشة رضى الله عنها، وهو مريض: فى كم كفن
__________
(1) راجع المنتظم لابن الجوزى (4/ 130) ، تاريخ الطبرى (3/ 421) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 421) .
(3) انظر الأبيات فى: العقد الفريد (5/ 19) ، وهذا البيت لحاتم الطائى، راجع ديوانه ص (51) .
(4) ما بين المعقوفتين ورد فى بعض الأصول: «الموت بالحق» وهذا هو المشهور فى القراآت السبع، وقول المصنف هكذا قرأها أبو بكر، يوضح أن أبا بكر قرأها باختلاف عن المشهور، وكذلك أيضا قرأ بها سعيد بن جبير وطلحة وعبد الله بن مسعود، وشعبة، وأبى عمران. انظر: الطبرى (26/ 100) ، الفراء (3/ 78) ، الكشاف (4/ 7) ، القرطبى (17/ 12) ، النحاس (3/ 217) ، مجمع البيان (9/ 143) ، زاد المسير (7/ 194) ، المحتسب (5/ 337- 338) .
(2/209)

رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية. فقال أبو بكر: خذوا هذا الثوب، لثوب عليه قد أصابه مشق أو زعفران فاغسلوه، ثم كفنونى فيه مع ثوبين آخرين. فقالت عائشة: وما هذا؟ فقال أبو بكر: الحى أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هذا للمهلة.
ولما توفى أبو بكر رحمه الله، ارتجت المدينة بالبكاء، ودهش القوم كيوم قبض النبى صلى الله عليه وسلم فأقبل على بن أبى طالب رضى الله عنه، مسرعا باكيا مسترجعا، حتى وقف على باب البيت الذى فيه أبو بكر، وقد سجى بثوب، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله عز وجل، وأعظمهم غناء، وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة وأفضلهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عند الله، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله والمسلمين خيرا، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، فسماك الله فى كتابه صديقا.
فقال: والذى جاء بالصدق محمد، وصدق به أبو بكر، وآسيته حين بخلوا، وقمت معه حين عنه قعدوا، وصحبته فى الشدة أكرم الصحبة، ثانى اثنين، وصاحبه فى الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه فى الهجرة ومواطن الكريهة، ثم خلفته فى أمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس، وقمت بدين الله قياما لم يقم به خليفة نبى قط، قويت حين ضعف أصحابك، وبدرت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسوله إذ هم أصحابه، كنت خليفته حقا، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين وصغر الفاسقين وغيظ الكافرين وكره الحاسدين، فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك، فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فوقا، وأقلهم كلاما، وأصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وكنت أكبرهم رأيا، وأشجعهم قلبا، وأحسنهم عملا، وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين يعسوبا أولا حين تفرق عنه الناس، وآخرا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما ضيعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، فأدركت أوتار ما طلبوا ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا، وكنت للمسلمين غيثا وخصبا، فطرت والله بغنائها، وفزت بحبابها، وذهبت بفضائلها، وأحرزت سوابقها، لم تفلل حجتك، ولم
(2/210)

يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، ولم تخن، كنت كالجبل الذى لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن الناس عليه فى صحبتك وذات يدك، وكما قال: ضعيفا فى بدنك قويا فى أمر الله تعالى متواضعا فى نفسك، عظيما عند الله، جليلا فى الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا عندك هوادة لأحد، الضعيف الذليل عندك قوى عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوى العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك فى ذلك سواء، شأنك الحق والصدق والرفق، وقولك حكم وحتم، ورأيك علم وعرف، فأقلعت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، واعتدل بك الدين، وقوى الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا، وفزت بالحق فوزا مبينا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك فى السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، ولن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثلك أبدا، كنت للدين عزا وكهفا، وللمؤمنين حصنا وفئة وأنسا، وعلى المنافقين غلظة وغيظا وكظما، فألحقك الله بميتة نبيك صلى الله عليه وسلم ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فإنا لله، وإنا إليه راجعون «1» .
وأنصت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكى وبكوا، قوالوا: صدقت يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) انظر الخطبة فى: العقد الفريد (5/ 19- 20) .
(2/211)

استخلاف عمر بن الخطاب
«1» وتقلد أمر الأمة وخلافة المسلمين بعد أبى بكر صاحبه ورفيقه وظهيره ووزيره عمر ابن الخطاب رضى الله عنهما، بعهد أبى بكر إليه بذلك، واستخلافه إياه عليه، نظرا للدين، ونصيحة لله وللأمة، وذلك لما استعز بأبى بكر رضى الله عنه، وجعه، وثقل، أرسل إلى عثمان وعلى ورجال من أهل السابقة والفضل من المهاجرين والأنصار، فقال:
قد حضر ما ترون، ولا بد من قائم بأمركم يجمع فئتكم ويمنع ظالمكم من الظلم، ويرد على الضعيف حقه، فإن شئتم اخترتم لأنفسكم، وإن شئتم جعلتم ذلك إلىّ، فو الله لا آلوكم ونفسى خيرا. قالوا: قد رضينا من اخترت لنا، قال: فقد اخترت عمر، وقال لعثمان: اكتب: هذا ما عهد أبو بكر فى آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حين يتوب الفاجر ويؤمن الكافر ويصدق الكاذب، عهد أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن وعد الله حق وصدق المرسلون، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى أنبيائه ورسله، وقد استخلفت.
ولما انتهى أبو بكر إلى هذا الموضع ضعف ورهقته غشية، فكتب عثمان: وقد استخلفت عمر بن الخطاب، وأمسك، حتى أفاق أبو بكر فقال: أكتبت شيئا؟ قال: نعم، كتبت عمر بن الخطاب، فقال: رحمك الله، أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا، فاكتب: قد استخلفت عمر بن الخطاب بعدى عليكم، ورضيته لكم، فإن عدل فذلك ظنى به، ورأيى فيه، وذلك أردت، وما توفيقى إلا بالله، وإن بدل فلكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.
والتوى عمر رضى الله عنه، على أبى بكر رحمه الله، فى قبول عهده، وقال: لا أطيق القيام بأمر الناس، فقال أبو بكر لابنه عبد الرحمن: ارفعنى وناولنى السيف، فقال عمر:
أو تعفينى؟ قال: لا، فعند ذلك قبل.
ذكر هذا كله أبو الحسن المدائنى، وذكر بإسناد له عن أبى هريرة وغيره أنه لما عهد أبو بكر إلى عمر عهده قال له: يا عمر، إن لله حقا فى الليل لا يقبله فى النهار، وحقا فى النهار لا يقبله فى الليل، ولا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنه يا عمر إنما ثقلت
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 131) .
(2/212)

موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنه يا عمر إنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه يوم القيامة إلا الباطل أن يكون خفيفا، ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبا راهبا، فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيده إلى التهلكة، ألم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسئ أعمالهم، لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن، فإذا ذكرتهم قلت: إنى لأخشى أن أكون منهم.
وفى رواية: عوضا من هذا، فيقول قائل: أنا خير منهم، فيطمع، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم، لأنه تجاوز لهم عما كان من سىء، فإذا ذكرتهم قلت: إنى مقصر، أين عملى من أعمالهم، وفى رواية: عوضا من هذا، فيقول قائل: من أين أدرك درجتهم، ليجتهد، فإن حفظت وصيتى يا عمر، فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، وهو نازل بك، وإن ضيعت وصيتى فلا يكونن غائب أكره لك من الموت، ولست بمعجزه.
وعن أسماء بنت عميس قالت: لما أحس أبو بكر بنفسه أرسل إلى عمر، فقال له: يا عمر إنى قد وليتك ما وليتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت عمله، وأثرته أنفسكم على نفسه، وأهلكم على أهله، حتى إن كنا لنظل نهدى إليه من فضل ما يأتينا من قبله، وصحبتنى ورأيتنى وإنما اتبعت أثر من كان قبلى، والله ما نمت فحملت، ولا شبهت فتوهمت، وإنى لعلى السبيل ما زغت، وإن أول ما أحذرك نفسك، فإن لكل نفس شهوة، فإذا أعطيتها شهوتها تمادت فيها ورغبت فى غيرها.
وفى حديث غير هذا: وخذ هذه اللقحة فإنها من إبل الصدقة، احتبستها للرسل إذا قدموا يصيبوا من رسلها، وخذ هذا البرد فإنى كنت أتجمل به للوفود، وخذ هذا السقاء وهذه العلبة فإنها من متاع إبل الصدقة، وعلىّ ثمانية آلاف درهم، ويقال: قال: ستة آلاف أخذتها للرسل، ولمن كان يغشانا، فأدها من مالى.
فخرج عمر متأبطا البرد، وقد حمل السقاء والعلبة، يقود اللحقة، يبكى ويقول: يرحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.
ومات أبو بكر رحمه الله، ودفن ليلا، فلما أصبح عمر بعثت إليه عائشة بناضح وعبد حبشى كان يسقى لآل أبى بكر على ذلك الناضح، وقطيفة. فقبض عمر ذلك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: سبحان الله، تسلب عيال أبى بكر ناضحا وعبدا أسود كان
(2/213)

ينفعهم، وقطيفة قيمتها خمسة دراهم؟ قال: فما ترى؟ قال: ترده عليهم، قال: لا ورب الكعبة، لا يكون ذلك وأنا حى، يخرج منه أبو بكر وأرده أنا على عياله «1» .
وعن المسور بن مخرمة أو علقمة بن أبى الفغواء الخزاعى قال: أرسل أبو بكر إلى عمر وهو مريض، فأتاه، فقال: يا عمر، إنى كنت أرى الرأى فتشير علىّ بخلافه، فأتهم نفسى لك، ألا إنى قد عصيتك فى استعمال شرحبيل بن حسنة، وقلت: أخاف ضعفه، فقلت لك: قد كان له فى الإسلام نصيب، وقد أحببت أن أبلوه، فإن رأيت ما أحب أثبته، وإن بلغنى عنه ضعف استبدلت به، فلا عليك أن تقره على عمله، وكنت تنهانى عن يزيد بن أبى سفيان، فقلت لك: إن له موضعا فى قريش، ونشأ بخير، وكان فيه، وقد أحببت أن أقيم له شرفه، فلا عليك أن تقره على عمله، ورجل لم أوصك بمثله ولا أراك فاعلا، قال: تريد خالدا؟ قال: أريده.
فقال عمر: أما شرحبيل بن حسنة فقد كنت أشير عليك أن لا تبعثه، وخفت ضعفه، وأمرتك أن تبعث مكانه عمار بن ياسر، ولم يبلغنا عنه إلا خير، ولست عازله إلا أن يبلغنى عنه ما لا أستحل معه تركه، وأما يزيد فقلت لك: غلام حديث السن لا سابقة له، ابعث مكانه سعد بن أبى وقاص، فلم يكن فى أمره إلا خير، ولا أعزله إلا أن يبلغنى عنه ما لا أستحل معه تركه. وأما خالد، فو الله ما أعدك فى أمره بما لا أفعل ولا أبدأ بأول من عزله، وما كنت أرى لك أن تجعل مع أبى عبيدة ضدا، وقد عرفت فضل أبى عبيدة.
فقال أبو بكر: أما أنى قد رأيت أبا عبيدة فى مرضى هذا آخذا بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه، ولنعم المتبع، ورأيتنى آخذا بثوب أبى عبيدة، ولنعم المتقدم، ثم سمعت خسفا ورائى، فالتفت فإذا أنت وإذا الظلمة، فاستلحقتك وما أبالى إذا لحقت بمن تخلف، فكأنى أسمع وقع نعليك، حتى أخذت بثوبى والتفت، فإذا نفر يخرجون من الظلمة يزدحمون، فالنجاء، النجاء يا عمر.
وكانت من جماعة من المهاجرين موافقة لأبى بكر فى استخلاف عمر ليس إلا، لما كانوا يعرفون من غلظته، فيقول أبو بكر: هو والله إن شاء الله خيركم. وقال لبعضهم:
إنى أرى ما لا ترون، ولو قد أفضى إليه أمركم لترك كثيرا مما ترون، إنى رمقته، فإذا أغلظت فى أمر أرانى التسهيل، وإذا لنت فى أمر تشدد فيه.
__________
(1) انظر ما ذكره ابن قتيبة فى المعارف ص (171) .
(2/214)

وقال له طلحة والزبير: ما أنت قائل لربك إذ وليته مع غلظته؟ قال: ساندونى، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفوننى، أقول: استعملت عليهم خير أهلك وحلفت، ما تركت أحدا أشد حبا له من عمر، ستعلمون إذا فارقتموه وتنافستموها.
ودخل عثمان وعلى فأخبرهما أبو بكر، فقال عثمان: علمى به أنه يخاف الله فوله، فما فينا مثله، وقال على: يا خليفة رسول الله امض لرأيك، فما نعلم إلا خيرا، وخرجنا ودخل عمر، فقال أبو بكر: كرهك كاره، وأحبك محب. قال: لا حاجة لى بها، قال:
اسكت، إنى ميت من مرضى هذا، إنى رأيت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى فقت ثلاث فوقات، فدسعت فى الآخرة طعاما، فمرضت به مرضتين، وهذه الثالثة، فأنا ميت، وإياك والأثرة على الناس، وإياك والذخيرة فإن ذخيرة الإمام تهلك دينه.
ولما توفى أبو بكر رحمه الله، كتب عمر رضى الله عنه، إلى أبى عبيدة: أما بعد، فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ورحمة الله على أبى بكر، القائل بالحق، والآمر بالقسط، والآخذ بالعرف، البر الشيم، السهل القريب، وأنا أرغب إلى الله فى العصمة برحمته، والعمل بطاعته، والحلول فى جنته، إنه على كل شىء قدير، والسلام عليك ورحمة الله «1» .
وجاء بالكتاب يرفأ حتى أتى أبا عبيدة، فقرأه فلم يسمع من أبى عبيدة حين قرأه شىء ينتفع به مقيم ولا ظاعن، ودعا أبو عبيدة معاذ بن جبل فأقرأه الكتاب، فالتفت معاذ إلى الرسول فقال: رحمة الله على أبى بكر، ويح غيرك، ما فعل المسلمون؟ قال:
استخلف أبو بكر، عمر، فقال معاذ: الحمد لله، وفقوا وأصابوا، فقال أبو عبيدة: ما منعنى من مسألته منذ قرأت الكتاب حتى دعوتك لقراءته إلا مخافة أن يستقبلنى فيخبرنى أن الوالى غير عمر. فقال له الرسول: يا أبا عبيدة، إن عمر يقول لك: أخبرنى عن حال الناس، وأخبرنى عن خالد بن الوليد، أى رجل هو؟ وأخبرنى عن يزيد بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص، كيف هما فى حالهما ونصيحتهما للمسلمين؟ فقال أبو عبيدة: أما خالد فخير أمير، أنصحه لأهل الإسلام، وأحسنه نظرا لهم، وأشده على عدوهم من الكفار، ويزيد وعمرو فى نصيحتهما وجدهما كما يحب عمر ونحب، قال: فأخبرنى عن أخويك: سعيد بن زيد، ومعاذ بن جبل. قال: قل له هما كما عهدت، إلا أن تكون السن زادتهما فى الدنيا زهادة، وفى الآخرة رغبة.
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى ص (98) .
(2/215)

قال: ثم إن الرسول وثب لينصرف فقالا له: سبحان الله، انتظر نكتب معك. فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم من أبى عبيدة بن الحراج ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يديك، الشريف والوضيع، والعدو والصديق، والضعيف والشديد، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف تكون عند ذلك يا عمر، إنا نذكرك يوما تبلى فيه السرائر، وتكشف فيه العورات، وتنقطع فيه الحجج، وتزاح فيه العلل، وتجب فيه القلوب، وتعنو فيه الوجوه لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالناس له داخرون، ينتظرون قضاءه، ويخافون عقابه، ويرجون رحمته.
وإنا كنا نتحدث على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيكون فى آخر الزمان ويروى: فى هذه الأمة، رجال يكونون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا منك بغير المنزلة التى هو بها من أنفسنا، والسلام.
فمضى الرسول بهذا الكتاب، وقال أبو عبيدة لمعاذ: والله ما أمرنا عمر أن نظهر وفاة أبى بكر للناس، ولا ننعاه إليهم، فما أرى أن نذكر من ذلك شيئا دون أن يكون هو يذكره. فقال له معاذ: فإنك نعم ما رأيت. فسكتا، فلم يذكرا للناس شيئا، ولم يلبثا إلا مقدار ما قدم رسول عمر إليه حتى بعث إليهما بجواب كتابهما، وبعهد أبى عبيدة، وأمره بعظة الناس. وكان جوابه عن كتابهما: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإنى أوصيكما بتقوى الله، فإنه رضاء ربكما وحفظ أنفسكما، وغنيمة الأكياس لأنفسهم عند تفريط العجزة، وقد بلغنى كتابكما تذكران أنكما عهدتمانى وأمر نفسى إلىّ مهم، وما يدريكما؟ وكتبتما تذكران أنى وليت أمر هذه الأمة، يقعد بين يدى العدو والصديق، والقوى والضعيف، ولكل علىّ حصته من العدل، وتسألانى: كيف بى عند ذلك؟ وإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وكتبتما تخوفانى بيوم هو آت، يوم تحبب فيه القلوب، وتعنوا فيه الوجوه، وتنقطع فيه الحجج، وتزيح فيه العلل، لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالخلق له داخرون، ينتظرون قضاءه ويخافون عقابه، وكأن ذلك قد كان، هذا الليل والنهار، يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، حتى يكون الناس بأعمالهم فريقا فى الجنة وفريقا فى السعير، وكتبتما تذكران أنكما كنتما تحدثان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيكون فى آخر الزمان إخوان العلانية أعداء السريرة، وأن هذا ليس بزمان ذلك، ولا أنتم أولئك، وإنما ذلكم إذا ظهرت الرغبة
(2/216)

والرهبة، وإذا كانت رغبة الناس بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم من بعض فى صلاح دنياهم، وكتبتما تعوذان بالله من أن أنزل كتابكما من قلبى سوى المكان الذى تنزلانه من قلوبكما، فإنكما كتبتما لى نظرا لى، وقد صدقتما، ولا غنى بى عن كتابكما، فتعاهدانى بكتبكما، والسلام.
وذكر المدائنى وغيره عن صالح بن كيسان، قال: أول كتاب كتبه عمر حين ولى إلى أبى عبيدة يوليه على جند خالد بن الوليد: أوصيك بتقوى الله الذى يبقى ويفنى ما سواه، الذى هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذى يحق لله عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا فى كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين فى الهلكة، وقد أبلاك الله وأبلى بك، فغمض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم «1» .
وعن عباس بن سهيل بن سعد قال: قدم شداد بن أوس بعهد أبى عبيدة، فدفعه إليه، وشداد شاك، فنزل مع أبى عبيدة ومعاذ بن جبل فى منزلهما وأمرهما واحد، فكانا يقومان إليه حتى تماثل، فمكث أبو عبيدة خمس عشرة ليلة يصلى خالد بالناس ويأمر بالأمر، وما يعلم أن أبا عبيدة الأمير، حتى جاء كتاب من عمر إلى أبى عبيدة، فكره أن يخفيه، وكان فى كتابه إليه: أما بعد، فإنك فى كنف من المسلمين، وعدد يكفى حصار دمشق، فابعث سراياك فى أرض حمص ودمشق وما سواهما من الشام، ولا يبعثنك قولى هذا على أن تعرى عسكرك فيطمع فيك عدوك، ولكن نظر برأيك فما استغنيت عنه منهم فسيرهم، وما احتجت إليه منهم فاحتبسهم عندك، وليكن فيمن تحتبس عندك خالد ابن الوليد، فإنه لا غنى بك عنه، والسلام.
فلما قرأ أبو عبيدة كتابه على الناس، قال خالد: يرحم الله أبا بكر، لو كان حيا ما عزلنى. وولى عمر فولى أبا عبيدة، فعافى الله أبا عبيدة، كيف لم يعلمنى بولايته علىّ ثم أتى أبا عبيدة، فقال له: رحمك الله، أنت الأمير والوالى علىّ ولا تعلمنى؟ وأنت تصلى خلفى والسلطان سلطانك. فقال له أبو عبيدة: ما كنت لأعلمك به أبدا حتى تعلمه من عند غيرى، وما سلطان الدنيا وإمارتها؟ فإن كل ما ترى يصير إلى زوال، وإنما نحن أخوان فإننا أمة إخوة أو أمر عليه لم يضره ذلك فى دينه ولا دنياه، بل لعل الوالى أن
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 434) ، المنتظم لابن الجوزى (4/ 235- 136) .
(2/217)

يكون أقربهما إلى الفتنة، وأوقعهما بالخطيئة، إلا من عصم الله، وقليل ما هم.
ذكر الخبر عما صار إليه أمر دمشق من الفتح والصلح بعد طول الحصار فى خلافة عمر بن الخطاب، على نحو ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام
فتح دمشق «1» : قالوا: وتولى أبو عبيدة حصار دمشق، وولى خالدا القتال على الباب الذى كان عليه، وهو باب الشرقى، وولاه الخيل إذا كان يوم يجتمع فيه المسلمون للقتال، فحاصروا دمشق بعد مهلك أبى بكر رحمه الله، وولايته حولا كاملا، وأياما.
وكان أهلها قد بعثوا إلى قيصر وهو بأنطاكية: أن العرب قد حاصرتنا وضيقت علينا، وليس لنا بهم طاقة، وقد قاتلناهم مرارا، فعجزنا عنهم، فإن كان لك فينا وفى السلطان علينا حاجة فأمددنا وأغثنا وعجل علينا، فإنا فى ضيق وجهد، وإلا فقد أعذرنا، والقوم قد أعطونا الأمان، ورضوا منا من الجزية باليسير.
فأرسل إليهم: أن تمسكوا بحصنكم، وقاتلوا عدوكم، فإنكم إن صالحتموهم وفتحتم حصنكم لهم لم يفوا لكم، وأجبروكم على ترك دينكم، واقتسموكم بينهم، وأنا مسرح إليكم الجيوش فى أثر رسولى.
فانتظروا مدده وجيشه، فلما أبطأ عليهم وألح عليهم المسلمون بالتضييق وشدة الحصار، ورأوا أن المسلمين لا يزدادون كل يوم إلا قوة وكثرة بعثوا إلى أبى عبيدة يسألونه الصلح. وكان أبو عبيدة أحب إلى الروم وسكان الشام من خالد بن الوليد، وكان أن يكون كتاب الصلح من أبى عبيدة أحب إليهم، لأنه كان ألينهما وأشدهما منهم استماعا، وأقربهما منهم قربا، وكان قد بلغهم أنه أقدمهما هجرة وإسلاما، فكانت رسل صاحب دمشق: إنما تأتى أبا عبيدة وخالد ملح على الباب الذى يليه، فأرسل صاحب دمشق إلى أبى عبيدة فصالحه، وفتح له باب الجابية، وألح خالد على باب الشرقى ففتحه عنوة، فقال لأبى عبيدة: اقتلهم واسبهم، فإنى قد فتحتها عنوة، فقال أبو عبيدة: لا، إنى قد أمنتهم «2» .
__________
(1) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 142) ، تاريخ الطبرى (3/ 434) .
(2) انظر: تاريخ اليعقوبى (1/ 140) .
(2/218)

ودخل المسلمون دمشق، وتم الصلح، وجاء الجيش من قبل أنطاكية مددا لأهل دمشق، فلما قدموا بعلبك أتاهم الخبر بأن دمشق قد افتتحت، وكان عليهم در نجاران عظيمان، كل درنجار على خمسة آلاف، فكانوا عشرة آلاف، فأقاموا وبعثوا إلى ملكهم يخبرونه بالمكان الذى هم فيه، وبالخبر الذى بلغهم عن دمشق.
وذكر أبو جعفر الطبرى «1» أن شداد بن أوس هو الذى قدم الشام بوفاة أبى بكر، ومعه محمية بن جزء ويرفأ، فوجدوا المسلمين بالواقوصة يقاتلون عدوهم، فتكتموا الخبر حتى ظفر المسلمون، فعند ذلك أخبروا أبا عبيدة بوفاة أبى بكر، وبولايته حرب الشام، وعزل خالد.
وعن محمد بن إسحاق: أن المسلمين لما فرغوا من أجنادين ساروا إلى فحل من أرض الأردن، وقد اجتمعت به رافضة الروم، والمسلمين على أمرائهم، فاقتتلوا فهزمت الروم، ودخل المسلمون فحل، ولحقت رافضة الروم بدمشق، فسار المسلمون إلى دمشق، وعلى مقدمة الناس خالد بن الوليد، وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان، فالتقى المسلمون والروم حول دمشق فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزم الله الروم فدخلوا دمشق، وجثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فتحت، وقد كان الكتاب قدم على أبى عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يعلم خالدا حتى فتحت دمشق وجرى الصلح على يدى خالد، وكتب الكتاب باسمه، فبعد ذلك أظهر أبو عبيدة إمارته. فلما صالحت دمشق لحق باهان صاحب الروم بهرقل» .
وخالف سيف بن عمرو ما تقدم من المساق والتاريخ فى أمر دمشق، فذكر على ما سيأتى أن وقعة اليرموك كانت فى سنة ثلاث عشرة، وأن المسلمين ورد عليهم البريد بوفاة أبى بكر باليرموك فى اليوم الذى هزمت الروم فى آخره، وأن عمر رحمه الله، أمرهم بعد الفراغ من اليرموك بالمسير إلى دمشق. وزعم أن فحلا كانت بعد دمشق، خلافا لما ذكره ابن إسحاق من أنها كانت قبلها، وأن رافضة فحل هم الذين صاروا إلى دمشق «3» .
وأما الواقدى فزعم أن فتح دمشق كان سنة أربع عشرة، وكذا قال ابن إسحاق،
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 434) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 434- 435) .
(3) انظر: تاريخ الطبرى (4/ 435- 436) .
(2/219)

وزعم أن حصار المسلمين لها كان ستة أشهر، وأن وقعة اليرموك كانت فى سنة خمس عشرة، وبعدها فى تلك السنة بعينها جلا هرقل عن أنطاكية إلى قسطنطينية، وأنه لم يكن بعد اليرموك وقعة. وسنورد إن شاء الله مما أوردوه على اختلافه ما نبلغ به المقصود من الإمتاع وتذكير الناس بأيام الله.
فأما خبر دمشق من رواية سيف فذكر أنه: لما هزم الله جند اليرموك، وتهافت أهل الواقوصة، وفرغ من المقاسم والأنفال، وبعث بالأخماس، وسرحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب بن أبى الحميرى كيلا تغتال بردة ولا تقطع الروم مواده، وخرج أبو عبيدة حتى نزل بالصفرين وهو يريد اتباع الفل، ولا يدرى أيجتمعون أو يفترقون، فأتاه الخبر بأنهم أرزوا إلى فحل، وبأن المدد قد أتى على دمشق من حمص، فهو لا يدرى أبدمشق يبدأ أم بفحل من بلاد الأردن، فكتب فى ذلك إلى عمر، وأقام بالصفرين ينتظر جوابه، وكان عمر لما جاءه فتح اليرموك أقر الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر، إلا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضم خالد إلى أبى عبيدة، وأمر عمرا بمعونة الناس حتى تصير الحرب إلى فلسطين، ثم يتولى حربها «1» .
فلما جاء عمر كتاب أبى عبيدة، كتب إليه: أما بعد، فابدؤا بدمشق، وانهدوا لها، فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنهم أهل فحل بخيل تكون بإزائهم فى نحورهم ونحور أهل فلسطين وأهل حمص، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذى نحب، وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل دمشق من تمسك بها، ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تغيروا على فحل، فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمرا وأخلهما بالأردن وفلسطين، وأمير كل بلد وجند على الناس حتى يخرجوا من إمارته «2» .
فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة فيهم أبو الأعور وعمارة بن مخش، وهو قائد الناس، وكانت الرؤساء تكون من الصحابة، فساروا من الصفرين حتى نزلوا قريبا من فحل، فلما رأت الروم أن الجنود تريدهم بثقوا المياه حول فحل، فأردغت «3» الأرض، ثم وحلت، واغتنم المسلمون ذلك، فحبسوا عن المسلمين ثمانين ألف فارس. وبعث أبو
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 436) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 437- 438) .
(3) أردغت: الرداغ: الوحل الشديد.
(2/220)

عبيدة ذا الكلاع حتى كان بين دمشق وحمص ردآ. وبعث علقمة بن حكيم ومسروقا فكانا بين دمشق وفلسطين، والأمير يزيد.
وقدم خالد وأبو عبيدة وعمرو وشرحبيل على دمشق فنزلوا حواليها وحاصروا أهلها حصارا شديدا نحوا من سبعين ليلة، وقاتلوهم قتالا عظيما بالزحوف والترامى والمجانيق، وهم معتصمون بالمدينة، يرجون الغياث، وهرقل منهم قريب بحمص، ومدينة حمص بينه وبين المسلمين وذو الكلاع بين المسلمين وبين حمص على رأس ليلة من دمشق، كأنه يريد حمص.
وجاءت جنود هرقل مغيثة لأهل دمشق، فأشجتها الخيول التى مع ذى الكلاع وشغلتها، فلما أيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا وأبلسوا، وازداد المسلمون طمعا فيهم، وكانوا قبل يرون أنها كالغارات، وأنه إذا جاء البرد قفل الناس، فسقط النجم والمسلمون مقيمون، فعند ذلك انقطع رجاء الروم وندموا على دخول دمشق، واتفق أن ولد للبطريق الذى دخل على أهل دمشق مولود، فصنع عليه طعاما، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا ينيم، ولا يخفى عليه من أمرهم شىء، عيونه ذاكية وهو معنى بما يليه، قد اتخذ حبالا كهيئة السلالم وأوهاقا «1» ، فلما أمسى من ذلك اليوم نهد هو ومن معه من جنوده الذين قدم بهم، وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى وأمثالهما.
وقالوا: إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا وانهدوا للباب وائتوا من الباب الذى كان خالد يليه، فقطعوا الخندق سبحا على ظهورهم القرب، ثم رموا بالحبال الشرف. فلما ثبت لهم وهقان تسلق القعقاع ومذعور ثم لم يدعا أحبولة إلا أثبتاها والأوهاق بالشرف، وكان المكان الذى اقتحموا منه خندقهم أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثره ماء، وأشده مدخلا، وتوافوا لذلك، فلم يبق ممن دخل معه أحد إلا رقى أو دنا من الباب، حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه، وانحدر معهم، فكبر الذين على رأس السور، فنهد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشر كثير، فوثبوا فيها، وانتهى خالد إلى أول من يليه فأنامهم، وانحدر إلى الباب فقتل البوابين، وثار أهل المدينة، وفزع سائر الناس فأخذوا مواقفهم ولا يدرون من الشأن، وتشاغل أهل كل
__________
(1) الأوهاق: جمع وهق، وهو الحبل فى طرفيه أنشوطة يطرح فى عنق الدابة أو الإنسان حتى يؤخذ.
(2/221)

ناحية مما يليهم وقطع خالد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل حتى ما بقى مما يلى باب خالد مقاتل إلا أنيم.
ولما شد خالد على من يليه، وبلغ منهم الذى أراد عنوة أرز من أفلت إلى أهل الأبواب التى كان يليها غير خالد، وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا، فلم يفجأهم إلا وهم يبوحون لهم بالصلح، فأجابهم المسلمون وقبلوا منهم، ففتحوا لهم الأبواب، وقالوا: ادخلوا وامنعونا من أهل ذلك الباب، فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم، ودخل خالد مما يليه عنوة، فالتقى خالد والقواد فى أوساطها، هذا استعراضا وانتهابا، وهذا صالحا وتسكينا، فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح، فصار كل ذلك صالحا، وكان صلح دمشق على مقاسمة الديار والعقار، ودينار على كل رأس، وعلى جريب من كل حرث أرض، واقتسموا الأسلاب، فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القواد، ووقف ما كان للملوك ومن صوب معهم فيئا، وقسموا لذى الكلاع ومن معه، ولأبى الأعور ومن معه، وبعثوا بالبشارة إلى عمر.
وقدم على أبى عبيدة كتاب عمر: أن اصرف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحث إلى سعد بن مالك. فأمر عليهم أبو عبيدة هاشم بن عتبة، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنبتيه عمرو بن مالك الزهرى، وربعى بن عامر، وخرج هاشم نحو العراق فى جند العراق، وكانوا عشرة آلاف إلا من أصيب منهم فأتموهم بأناس ممن لم يكن منهم، كقيس والأشطر، وخرج القواد نحو فحل، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياء، فنزلا على طريقها، وبقى بدمشق مع يزيد بن أبى سفيان من قواد أهل اليمن عدد، وبعث يزيد، دحية بن خليفة الكلبى فى خيل بعد فتح دمشق إلى تدمر، وأبا الزهراء القشيرى إلى البثنية وحوران، فصالحوهما على صلح دمشق، ووليا القيام على فتح ما بعثا إليه «1» .
وكان الذى سار على الناس نحو فحل شرحبيل بن حسنة، على ما ذكره سيف عن أشياخه، قالوا: وبعث خالدا على المقدمة، وأبا عبيدة وعمرا على مجنبتيه، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجال عياض، وكرهوا أن يصمدوا لهرقل، وخلفهم من الروم ثمانون ألفا بإزاء فحل ينظرون إليهم، فلما انتهوا إلى أبى الأعور قدموه إلى طبرية، فحاصرها ونزلوا هم على فحل من أرض الأردن، وقد كان أهلها حين نزل بهم أبو الأعور تركوها وأرزوا إلى بيسان وجعلوا بينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال،
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 438) .
(2/222)

وكتب المسلمون إلى عمر بالخبر، وأقاموا بفحل لا يريدون أن يريموها حتى يرجع جواب عمر، ولا يستطيعون الإقدام على العدو من مكانهم لما دونهم من الأوحال.
وأصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل مما فيه المشركون، مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد، ورجاء الروم أن يكون المسلمون على غرة، فقصدوهم ليلا، والمسلمون على حذر لا يأمنون مجيئهم، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة، فلما هجموا على المسلمين غافصوهم، ولم يناظروهم، فاقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوا قط ليلتهم ويومهم إلى الليل، فأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزموا، وقد أصيب رئيسهم سقلار بن مخراق، والذى يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون بهم كأحسن الظفر وأهناه، وركبوهم وهم يرون أنهم على قصد، فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل، فركبوه، ولحق بهم أوائل المسلمين وقد وحلوا فيه، فوخزوهم بالرماح وهم لا يمنعون يد لامس، وقتلوا فى الرداغ، فما أفلت من أولئك الثمانين ألفا إلا الشريد، وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق فكانت عونا لهم على عدوهم، وآية من الله ليزدادوا بصيرة وجدا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص، وصرفوا بشير بن كعب معهم، ومضوا بذى الكلاع ومن معه، وخلوا شرحبيل بن حسنة ومن معه «1» .
ذكر بيسان «2»
ولما فرغ شرحبيل من وقعة فحل نهد بالناس إلى بيسان ومعه عمرو، فنزلوا عليها، وأبو الأعور والقواد معه على طبرية، وقد بلغ أفناء أهل الأردن ما لقيت دمشق، وما لقى سقلار والروم بفحل وفى الردغة، ومسير شرحبيل إليهم، فتحصنوا بكل مكان، وحصر شرحبيل أهل بيسان أياما. ثم خرجوا يقاتلونه، فقتل المسلمون من خرج إليهم منهم، وصالح بقية أهلها.
ذكر طبرية «3»
وبلغ أهل طبرية، فصالحوا أبا الأعور على أن يبلغهم شرحبيل، ففعل، وصالحهم
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 336- 341) .
(2) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 144) ، تاريخ الطبرى (3/ 443) .
(3) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 144) ، تاريخ الطبرى (3/ 444) .
(2/223)

شرحبيل وأهل بيسان على صلح دمشق، على أن يشاطروا المسلمين المنال فى المدائن، وما أحاط بها مما يصلها، فيدعوا لهم نصفا، ويأخذوا نصفا، وعلى كل رأس دينار كل سنة، ومن كل حرث أرض جريب بر أو شعير، أى ذلك حرث، وأشياء صالحوهم عليها. ونزلت القواد وخيولهم فيها.
وتم صلح الأردن، وتفرقت الأمداد فى مدائنها وقراها، وكتب إلى عمر بالفتح.
حديث مرج الروم من رواية سيف أيضا
قال «1» : خرج أبو عبيدة بخالد بن الوليد من فحل إلى حمص، وبمن تضيف إليهم من اليرموك، فنزلوا جميعا على ذى الكلاع، وقد بلغ الخبر هرقل، فبعث توذرا البطريق حتى نزل بمرج دمشق وغربها، فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم وجمعهم هذا به، وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية، فلما نزل على القوم بمرج الروم نازله، يوم نزل عليه شنس الرومى، فى مثل خيل توذرا، إمدادا لتوذرا وردآ لأهل حمص، فنزل فى عسكره على حدة.
فلما كان من الليل فر توذرا، فأصبحت الأرض منه بلاقع، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالدا الخبر برحيل توذرا إلى جهة دمشق، فأجمع رأيه ورأى أبى عبيدة أن يتبعه خالد، فأتبعه من ليلته فى جريدة، وبلغ يزيد بن أبى سفيان ما فعل توذرا، فاستقبله، فاقتتلوا، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون، فأخذهم من خلفهم، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل يزيد توذرا، وأصاب المسلمون ما شاؤا من ظهر وأداة وثياب، وقسم ذلك يزيد على أصحابه وأصحاب خالد، ثم انصرف يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبى عبيدة، وبعد خروج خالد فى أثر توذرا ناهد أبو عبيدة شنس، فاقتتلوا بمرج الروم، فقتلهم أبو عبيدة مقتلة عظيمة، حتى امتلأ المرج من قتلاهم، وأنتنت منهم الأرض. وقتل أبو عبيدة شنس، وهرب من هرب منهم، فلم يقلهم، وركب أقفاءهم إلى حمص.
فهذا ما ذكر سيف من حديث دمشق، وفحل، ومرج الروم، وسائر ما ذكر معها أوردناه مهذبا مقربا، ثم نعود إلى تتمة ما وقع فى كتب فتوح الشام مما يخالف ما ذكره سيف من بعض الوجوه ليوقف على كل ما ذكروه مما اتفقوا عليه واختلفوا فيه.
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 598- 599) .
(2/224)

قالوا «1» : إن أبا عبيدة لما ظهر على دمشق أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى أرض الأردن وفلسطين، فيكون فيما بينهما، ولا يقدم على المدينتين وجمع الروم بهما، ولكن ينزل أطراف الرساتيق، ويغير بالخيل عليهم من كل جانب، ويصالح من صالحه.
فخرج عمرو حتى واقع أرض الأردن، فلما بلغ أهل الأردن وفلسطين فتح دمشق وتوجه الجيش إليهم هالهم ذلك ورعبهم، وأشفقوا على مدائنهم أن تفتح، فاجتمع من كان بها من الروم ونزلوا من حصونهم، ووافاهم أهل البلد، وكثير من نصارى العرب، فكثر جمعهم، وكتبوا إلى قيصر يستمدونه وهو بأنطاكية، فبعث إلى أولئك الذين كان وجههم مددا لأهل دمشق فأقاموا ببعلبك لما بلغهم خبر فتحها أن يسيروا إليهم.
وكتب عمرو إلى أبى عبيدة: أما بعد، فإن الروم قد أعظمت فتح دمشق، فاجتمعوا من نواحى الأردن وفلسطين، فعسكروا وقد تعاقدوا وتواثقوا وتحالفوا بالله: لا يرجعون إلى النساء والأولاد أو يخرجون العرب من بلادهم، والله مكذب أملهم، ومبطل قولهم، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. فاكتب إلىّ برأيك فى هذا الحديث، أرشد الله رأيك وسددك وأدام رشدك، والسلام.
وقدم بهذا الكتاب رسول عمرو، وقد استشار أبو عبيدة أصحابه فى المسير بهم إلى حمص، وقال: إن الله تعالى، قد فتح هذه المدينة، يعنى دمشق، وهى من أعظم مدائن الشام، وقد رأيت أن أسير إلى حمص، لعل الله يفتحها علينا، وهذا عمرو بن العاص من ورائنا، فلسنا نتخوف أن نؤتى من هناك.
فقال له خالد بن الوليد، ويزيد بن أبى سفيان، ومعاذ بن جبل ورؤس المسلمين:
فإنك قد أصبت ووفقت، فسر بنا إليهم.
فإنهم لكذلك فى هذا الرأى إذ قدم عليهم كتاب عمرو الذى تقدم، فلما قرأه أبو عبيدة ألقاه إلى خالد، وقال: قد حدث أمر غير ما كنا فيه، ثم قرأوا الكتاب على من حضرهم، فقال يزيد: أمدد عمرا ومره بمواقعة القوم وأقم أنت بمكانك. فقال أبو عبيدة:
ماذا ترى أنت يا خالد؟ قال: أرى أن تنظر ما يصنع هذا الجيش الذى ببعلبك، فإن هم ساروا منها إلى إخوانهم سرت إلى إخوانك فلقيتهم بجماعة المسلمين، وإن هم أقاموا أمددت عمرا، وبعثت إلى هؤلاء من يقاتلهم، وأقمت أنت بمكانك. فقال له: نعم ما رأيت، فسير أبو عبيدة شرحبيل بن حسنة إلى عمرو، وقال له: لا تخالفه. فخرج
__________
(1) انظر: فتوح الشام للأزدى (ص 106) .
(2/225)

شرحبيل فى ألفين وثمانمائة، فقدم على عمرو، وعمرو فى ألفين وخمسمائة.
وقال أبو عبيدة لخالد: ما لهذا الجيش النازل ببعلبك إلا أنا وأنت أو يزيد. فقال له خالد: لا، بل أنا أسير إليهم. فقال: أنت لهم.
فبعثه أبو عبيدة فى خمسة آلاف فارس، وخرج معه يشيعه، فسار معه قليلا، فقال له خالد: ارجع رحمك الله، إلى عسكرك، فقال له: يا خالد، أوصيك بتقوى الله، وإذا أنت لقيت القوم فلا تناظرهم ولا تطاولهم فى حصونهم، ولا تذرهم يأكلون ويشربون وينتظرون أن تأتيهم أمدادهم، وإذا لقيتهم فقاتلهم، فإنك إن هزمتهم انقطع رجاؤهم، وإن احتجت إلى مدد فأعلمنى حتى يأتيك من المدد حاجتك، وإن احتجت أن آتيك بنفسى أتيتك إن شاء الله. ثم أخذ بيده فودعه، ثم انصرف عنه.
ويجىء رسول قيصر إلى الذين ببعلبك، فأمرهم باللحاق بأولئك الذين اجتمعوا ببيسان، فخرجوا إليهم، وأخرجوا معهم ناسا كثيرا من أهل بعلبك، وأتاهم ناس كثير من أهل حمص غضبا لدينهم وشفقا من أن تفتح مدينتهم كما فتحت دمشق، فخرجوا وهم أكثر من عشرين ألفا متوجهين إلى الجمع الذى ببيسان منهم، وجاء خالد حتى انتهى إلى بعلبك، فأخبر الخبر، فأغاز على نواحى بعلبك، فقتل وسبى واستاق من المغانم شيئا كثيرا، وأقبل راجعا إلى أبى عبيدة فأخبره، واجتمع رأيهم على أن يسير أبو عبيدة بجماعة الناس إلى ذلك الجمع من الروم، فقدم خالد فى ألف وخمسمائة، فارس أمامهم، وأمرهم، وأمره بالإسراع إلى عمرو وأصحابه ليشد الله بهم ظهورهم، وليرى الروم أن المسلمين قد أتوهم، فأقبل خالد مسرعا فى آثار الروم فلحقهم وقد دخل أوائلهم عسكرهم، فحمل على أخرياتهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصاب كثيرا من أثقالهم، وأفلت من أفلت منهم منهزمين حتى دخلوا عسكرهم، وجاء خالد فى خيله حتى نزل قريبا من عمرو، ففرح المسلمون بهم، وكان عمرو يصلى بأصحابه الذين كانوا معه، وخالد يصلى بأصحاب الخيل التى أقبل فيها.
وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
«1» قالوا: فلما بلغ الروم أن أبا عبيدة قد أقبل إليهم تحولوا إلى فحل فنزلوا بها، وجاء المسلمون بأجمعهم حتى نزلوا بهم، وخرج علقمة بن الأرث فجمع من أطاعه من بنى
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 142) ، تاريخ الطبرى (3/ 434) .
(2/226)

القين، وجاءت لخم وجذام وعاملة وغسان، وقبائل من قضاعة، فدخلوا مع المسلمين، وأخذ أهل البلد من النصارى يراسلون المسلمين، فيقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، ويقولون: أنتم أحب إلينا من الروم وإن كنتم على غير ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا، ولكنهم غلبونا على أمرنا، فيقول لهم المسلمون: إن هذا ليس بنافعكم عندنا ما لم تعتقدوا منا الذمة، وإنا إن ظهرنا عليكم كان لنا أن نسبيكم ونستعبدكم، وإن اعتقدتم منا الذمة سلمتم من ذلك، فكانوا يتربصون وينتظرون ما يكون من أمر قيصر، وقد بلغهم أنه بعث إلى أقاصى بلاده، وإلى كل من كان دينه ممن حوله، وأنهم فى كل يوم يقدمون عليه ويسقطون إليه، فهم ينتظرون ما يكون منه، وهم مع ذلك بموضعهم بين الثلاثين ألفا والأربعين ألفا «1» .
وكان المسلمون حيث نزلوا بهم ليس شىء أحب إليهم من معاجلتهم، وكانوا هم ليس شىء أحب إليهم من مطاولة المسلمين رجاء المدد من صاحبهم، ولأن المسلمين ليسوا فى مثل ما الروم فيه من الخصب والكفاية.
وأقبلت الروم يبثقون المياه بينهم وبين المسلمين ليطاولوهم، وأقبل المسلمون يخوضون إليهم الماء ويمشون فى الوحل، فلما رأى ذلك الروم، وأنه لا يمنعهم منهم شىء خرجوا فعسكروا وتيسروا للقتال، ووطنوا أنفسهم عليه، وكانوا كل يوم فى زيادة من الأمداد الواصلة إليهم.
فأمر أبو عبيدة المسلمين حيث بلغه ذلك أن يغيروا عليهم وعلى ما حولهم من القرى والسواد والرساتيق، ففعلوا، وقطعوا بذلك المادة والميرة.
فلما رأى ذلك ابن الجعد أتى أبا عبيدة فصالحه على سواد الأردن، وكتب له كتابا.
وكان صفوان بن المعطل، ومعن بن يزيد بن الأخنس السليمان قد خرجا فى خيل لهما فأغارا، فغنما، فلما انصرفا عرضت لهم الروم فقاتلوهم، وإنما كان المسلمون فى نحو من مائة رجل والروم فى خمسة آلاف مع درنجار عظيم منهم، فطاردوهم وصبروا لهم، واحتسبوا فى قتالهم، ثم إن الروم غلبوهم على غنيمتهم. وجاء حابس بن سعد الطائى فى نحو من مائة رجل، فحمل عليهم فزالوا غير بعيد، ثم حملوا عليه فردوه وأصحابه حتى ألحقوهم بالمسلمين، ثم انصرفوا وقد بغوا، وهم يعدون هذا ظفرا، ولم يقتلوا أحدا، ولم يهزموا جمعا، فلما انصرفوا إلى عسكرهم أرسلوا إلى أبى عبيدة: أن
__________
(1) انظر هذا الخبر وما بعده فى: تاريخ فتوح الشام للأزدى (ص 111- 130) .
(2/227)

اخرج أنت ومن معك من بلادنا التى تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب، فلستم لها بأهل، وارجعوا إلى بلادكم، بلاد البؤس والشقاء، وإلا أتيناكم فيما لا قبل لكم به، ثم لم ننصرف عنكم وفيكم عين تطرف.
فرد عليهم أبو عبيدة: أما قولكم: أخرجوا من بلادنا فلستم لها بأهل، فلعمرى ما كنا لنخرج عنها وقد أورثناها الله ونزعها من أيديكم، وإنما البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، والله ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. وأما قولكم فى بلادنا أنها بلاد البؤس والشقاء، فصدقتم، إنها لكذلك، وقد أبدلنا الله بها بلادكم، بلاد العيش الرفيع والسعر الرخيص والجناب الخصيب، فلا تحسبونا تاركيها ولا منصرفين عنها حتى نفنيكم أو نخرجكم منها، ولكن أقيموا، فو الله لا نجشمكم أن تأتونا، ولنأتينكم إن أنتم أقمتم لنا، فلا نبرح حتى نبيد خضراءكم، ونستأصل شأفتكم إن شاء الله تعالى.
فلما جاءهم ذلك عنهم أيقنوا بجد القوم، فأرسلوا إليهم، أن ابعثوا إلينا رجلا من صالحائكم نسأله عما تريدون وما تسألون وما تدعون إليه، ونخبره بذات أنفسنا، وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم.
فأرسل إليهم أبو عبيدة، معاذ بن جبل، فأتاهم على فرس له، فلما دنا منهم نزل عن فرسه، ثم أخذ بلجامه وأقبل إليهم يقوده، فقالوا لبعض غلمانهم: انطلق إليه فأمسك له فرسه، فجاء الغلام ليفعل، فقال له معاذ: أنا أمسك فرسى، لا أريد أن يمسكه أحد غيرى، وأقبل يمشى إليهم، فإذا هم على فرش وبسط ونمارق تكاد الأبصار تغشى منها، فلما دنا من تلك الثياب قام قائما، فقال له رجل منهم: أعطنى هذه الدابة أمسكها لك، وادن أنت فاجلس مع هذه الملوك مجالسهم، فإنه ليس كل أحد يقدر أن يجلس معهم، وقد بلغهم عنك صلاح وفضل فيمن أنت منه، فهم يكرهون أن يكلموك جلوسا وأنت قائم.
فقال لهم معاذ، والترجمان يفسر لهم ما يقول: إن نبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا نقوم لأحد من خلق الله، ولا يكون قيامنا إلا الله فى الصلاة والعبادة والرغبة إليه، فليس قيامى هذا لكم، ولكن قمت إعظاما للمشى على هذه البسط والجلوس على هذه النمارق التى استأثرتم بها على ضعفائكم، وإنما هى من زينة الدنيا وغرورها، وقد زهد الله فى الدنيا وذمها، ونهى عن البغى والسرف فيها، فأنا أجلس هاهنا على الأرض، وكلمونى أنتم
(2/228)

بحاجتكم من ثم، وأقيموا الترجمان بينى وبينكم، يفهمنى ما تقولون، ويفهمكم ما أقول، ثم أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط. فقالوا له: لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك، إن جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك، وإن جلوسك على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه، فلا نراك إلا قد أزريت بنفسك.
فلما أخبره الترجمان بمقالتهم جثا على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه، وقال للترجمان:
قل لهم: إن كانت هذه المكرمة التى تدعوننى إليها استأثرتم بها على من هو مثلكم إنما هى للدنيا، فلا حاجة لنا فى شرف الدنيا ولا فى فخرها، وإن زعمتم أن هذه المجالس والدنيا التى فى أيدى عظمائكم وهم مستأثرون بها على ضعفائكم مكرمة لمن كانت فى يده منكم عند الله، فهذا خطأ من قولكم، وجور من فعلكم، ولا يدرك ما عند الله بالخطأ، ولا بخلاف ما جاء به الأنبياء عن الله من الزهادة فى الدنيا.
وأما قولكم إن جلوسى على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه، ألا فصنيع العبد بنفسه صنعت، أنا عبد من عبيد الله جلست على بساط الله، ولا أستأثر من مال الله بشىء على إخوانى من أولياء الله، وأما قولكم أزريت بنفسى فى مجلسى، فإن كان ذلك إنما هو عندكم وليس كذلك عند الله، فلست أبالى كيف كانت منزلتى عندكم إذا كنت عند الله على غير ذلك، وإن قلتم أن ذلك عند الله فقد أخطأتم خطأ بينا، لأن أحب عباد الله إلى الله المتواضعون لله القريبون من عباد الله، الذين لا يشغلون أنفسهم بالدنيا، ولا يدعون التماس نصيبهم من الآخرة.
فلما فسر لهم الترجمان هذا الكلام نظر بعضهم إلى بعض وتعجبوا مما سمعوا منه، وقالوا لترجمانهم: قل له: أنت أفضل أصحابك؟ فلما قال له، قال: معاذ الله أن أقول ذلك، وليتنى لا أكون شرهم، فسكتوا عنه ساعة لا يكلمونه، وتكلموا فيما بينهم، فلما رأى ذلك قال لترجمانهم: إن كانت لهم حاجة فى كلامى وإلا انصرفت عنهم، فلما أخبرهم قالوا: قل له: أخبرونا ما تطلبون؟ وإلام تدعون؟ ولماذا دخلتم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وأهل فارس وقد هلك ملكهم وهلك ابنه، وإنما يملكهم اليوم النساء، ونحن ملكنا حى وجنودنا عظيمة، وإن أنتم افتتحتم من مدائننا مدينة أو من قرانا قرية أو من حصوننا حصنا أو هزمتم لنا جندا أظننتم أنكم ظفرتم بجماعتنا أو قطعتم عنكم حربنا وفرغتم مما وراءنا، ونحن عدد نجوم السماء وحصى الأرض؟ وأخبرونا بم تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا؟.
(2/229)

فلما قالوا هذا القول وفسره الترجمان لمعاذ، سكتوا، فقال معاذ للترجمان: أقد فرغوا؟
قال: نعم، قال: فأفهم عنى، إن أول ما أنا ذاكر: حمدا لله الذى لا إله إلا هو، والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وأول ما أدعوكم إليه أن تؤمنوا بالله وحده، وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأن تصلوا صلاتنا، وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستسنوا بسنة نبينا، وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا فى ديننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم، فأدوا الجزية فى كل عام إلينا عن يد وأنتم صاغرون، فإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شىء مما خلق الله نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه.
وأما قولكم: ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وأهل فارس وقد هلك ملكهم، فإنى أخبركم عن ذلك، ما بدأنا بقتالكم أن يكونوا آثر عندنا منكم، إنكم جميعا لسواء، وما حابيناهم بالكف عنهم إذ بدأنا بكم، ولكن الله تبارك وتعالى، أنزل فى كتابه على نبينا صلى الله عليه وسلم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: 122] ، فكنتم أقرب إلينا منهم، فبدأنا بكم لذلك، ثم لقد أتتهم طائفة منا بعدنا، فإنهم اليوم ليقاتلونهم، وإنا لنرجو أن يعزهم الله ويفتح عليهم، وأما قولكم: إن ملكنا حى، وإن جنودنا عظيمة، وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض وتؤيسونا من الظهور عليكم، فإن الأمر فى ذلك ليس إليكم، وإن الأمور كلها لله، وكل شىء فى قبضته وقدرته، وإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فإن يكن ملككم هرقل فإنما ملكنا نحن الله تبارك وتعالى، وأميرنا رجل منا، إن عمل فينا بكتاب ربنا وسنة نبينا أقررناه، وإن غير عزلناه، ولا يحتجب منا، ولا يتكبر علينا، ولا يستأثر علينا فى فيئنا الذى أفاء الله عز وجل، علينا، وهو فيه كرجل منا. وأما جنودنا، فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون أكثر من نجوم السماء وحصى الأرض، فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها، ولكنا نتبرأ من الحول والقوة، ونتوكل على الله ونثق به، وكم من فئة قليلة قد أعزها الله ونصرها وأعانها، وكم من فئة كثيرة قد أذلها الله سبحانه، وأهانها قال الله تبارك وتعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249] .
وأما قولكم: كيف تستحلون قتالنا وأنتم مؤمنون بنبينا وكتابنا، فأنا أخبركم عن ذلك: نحن نؤمن بنبيكم، ونشهد أنه عبد من عباد الله ورسول من رسل الله، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، ولا نقول: إنه الله، ولا أنه
(2/230)

ثانى اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا أن لله عز وجل، ولدا ولا صاحبة، ولا أن مع الله آلهة أخرى، لا إله إلا هو، تعالى عما تقولون علوا كبيرا، وأنتم تقولون فى عيسى قولا عظيما، ولو أنكم قلتم فى عيسى كما نقول، وآمنتم بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم كما تجدونه فى كتابكم، وكما نؤمن نحن بنبيكم، وأقررتم بما جاء به من عند الله، ووحدتم الله، ما قاتلناكم، بل سالمناكم وواليناكم وقاتلنا عدوكم معكم.
فلما فرغ معاذ من مخاطبتهم قالوا له: ما نرى ما بيننا وبينكم إلا متباعدا، وقد بقيت خصلة ونحن عارضوها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، وإن أبيتم فهو شر لكم:
نعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الأردن، وتتحولون عن بقية أرضنا، وعن مدائننا، ونكتب عليكم كتابا نسمى فيه خياركم وصالحاءكم، ونأخذ فيه عهودكم ومواثيقكم أن لا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه، وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم ونحن نعينكم عليهم حتى تقتلوهم أو تظهروا عليهم.
فقال لهم معاذ: هذا الذى تعطوننا هو كله فى أيدينا، ولو أعطيتمونا جميع ما فى أيديكم مما لم نظهر عليه ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاث التى وصفت لكم ما فعلنا. فغضبوا، وقالوا: أنتقرب منكم وتتباعد منا، اذهب إلى أصحابك، فو الله إنا لنرجو أن نقرنكم غدا فى الحبال. فقال معاذ: أما فى الحبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا أو لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون.
ثم انصرف إلى أبى عبيدة فأخبره بما قالوا وما رد عليهم. فإنهم لكذلك إذ بعثوا إلى أبى عبيدة: إنك بعثت إلينا رجلا لا يقبل النصف، ولا يريد الصلح، فلا نرى أعن رأيك ذلك أم لا، وإنا نريد أن نبعث إليك رجلا منا يعرض عليك النصف، ويدعوك إلى الصلح، فإن قبلت ذلك منه فلعله يكون خيرا لنا ولك، وإن أبيت فلا نراه إلا شرا لك «1» .
فقال لهم أبو عبيدة: ابعثوا من شئتم. فبعثوا إليه رجلا منهم، طويلا أحمر أزرق، فلما جاء المسلمين لم يعرف أبا عبيدة من القوم، ولم يدر أفيهم هو أم لا، ولم ير هيبة مكان أمير، فقال: يا معشر العرب، أين أميركم؟ قالوا له: هو ذا، فنظر فإذا هو بأبى عبيدة جالسا على الأرض عليه الدرع، وهو متنكب القوس، وفى يده أسهم يقلبها، فقال له:
أنت أمير هؤلاء الناس؟ قال: نعم، قال: فما جلوسك على الأرض؟ أرأيت لو كنت
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (113) وما بعدها.
(2/231)

جالسا على وسادة، أو كان تحتك بساط، أكان ذلك واضعك عند الله أو مباعدك من الإحسان؟.
فقال أبو عبيدة: إن الله لا يستحى من الحق، لأصدقنك عما قلت، ما أصبحت أملك دينارا ولا درهما، وما أملك إلا فرسى وسلاحى، ولقد احتجت أمس إلى نفقة فلم تكن عندى حتى استقرضت أخى هذا يعنى معاذا، نفقة كانت عنده، فأقرضنيها، ولو كان عندى أيضا، بساط أو وسادة ما كنت لأجلس عليه دون أصحابى وإخوانى، وأجلس على الأرض أخى المسلم الذى لا أدرى لعله عند الله خير منى، ونحن عباد الله نمشى على الأرض، ونأكل على الأرض، ونجلس عليها، ونضطجع عليها، وليس بناقصنا ذلك عند الله شيئا، بل يعظم الله به أجورنا، ويرفع به درجاتنا. هات حاجتك التى جئت لها.
فقال الرومى: إنه ليس شىء أحب إلى الله من الإصلاح، ولا أبغض إليه من البغى والفساد، وإنكم قد دخلتم بلادنا فظهر منكم فيها الفساد والبغى، وقل ما بغى قوم وأفسدوا فى الأرض إلا عمهم الله بهلاك، وإنا نعرض عليكم أمرا فيه حظ إن قبلتموه:
إن شئتم أعطيناكم دينارين دينارين، وثوبا ثوبا، وأعطيناك أنت ألف دينار، ونعطى الأمير الذى فوقك يعنون عمر بن الخطاب، ألفى دينار، وتنصرفون عنا، وإن شئتم أعطيناكم البلقاء وما إلى أرضكم من سواد الأردن، وخرجتم من مدائننا وأرضنا، وكتبنا فيما بيننا وبينكم كتابا يستوثق فيه بعضنا من بعض بالأيمان المغلظة لتقومن بما فيه ولنفين بما عاهدنا الله عليه.
فقال أبو عبيدة: إن الله تعالى، بعث فينا رسولا تنبأه، وأنزل عليه كتابا حكيما، وأمره أن يدعو الناس إلى عبادته رحمة منه للعالمين، فقال لهم: إن الله إله واحد عزيز حكيم، علىّ مجيد، وهو خالق كل شىء، وليس كمثله شىء، فوحدوا الله الذى لا إله إلا هو، ولا تتخذوا معه إلها آخر، فإن كل شىء يعبده الناس دونه فهو خلقه، وإذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله ورسوله والإقرار بما جاء به من ربه، فمن آمن وصدق فهو أخوكم فى دينكم، له ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليهم أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا أن يؤمنوا أو يؤدوا الجزية فقاتلوهم، فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله فى جنات النعيم، وقتيل عدوكم فى النار، فإن قبلتم ما سمعتم فذاكم، وإن أبيتم فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين.
قال الرومى: فقد أبيتم إلا هذا. فقال أبو عبيدة: نعم. فقال: أما والله على ذلك إنى
(2/232)

لأراكم ستتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم. فقال أبو عبيدة: لا والله، لا نقبل هذا منك ولا من غيرك أبدا، فانصرف الرومى رافعا يديه إلى السماء يقول: اللهم إنا قد أنصفناهم فأبوا، اللهم فانصرنا عليهم. ووثب أبو عبيدة مكانه، فسار فى الناس، وقال: أصبحوا أيها الناس وأنتم تحت راياتكم وعلى مصافكم. فأصبح الناس وخرجوا على تعبئتهم ومصافهم «1» .
وكتب أبو عبيدة إلى عمر: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح.
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإن الروم قد أقبلت، فنزلت طائفة منهم فحلا مع أهلها، وقد سارع إليهم أهل البلد، ومن كان على دينهم من العرب، وقد أرسلوا إلىّ: أن اخرجوا من بلادنا، فإنكم لستم لهذه البلاد التى تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب أهلا، والحقوا ببلادكم، بلاد الشقاء والبؤس، فإن أنتم لم تفعلوا سرنا إليكم بما لا قبل لكم به، ثم أعطينا الله عهدا أن لا ننصرف عنكم وفيكم عين تطرف، فأرسلت إليهم:
أما قولكم: اخرجوا من بلادنا، فلستم لما تنبت أهلا، فلعمرى ما كنا لنخرج عنها وقد أورثناها الله تعالى، ونزعها من أيديكم، وإنما البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، وهو سبحانه ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء.
وأما ما ذكرتم من بلادنا، وزعمتم أنها بلاد البؤس والشقاء، فقد صدقتم، وقد أبدلنا الله بها بلادكم، بلاد العيش الرفيع، والسعر الرخيص، والجناب الخصيب، فلا تحسبونا تاركيها ولا منصرفين عنها، ولكن أقيموا لنا، فو الله لا نجشمكم إتياننا ولنأتينكم إن أقمتم لنا.
وكتبت إليك حين نهضت إليهم متوكلا على الله، راضيا بقضاء الله، واثقا بنصر الله، فكفانا الله وإياك كيد كل كائد، وحسد كل حاسد، ونصر الله أهل دينه نصرا عزيزا، وفتح لهم فتحا يسيرا، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، والسلام عليك.
ودفع أبو عبيدة هذا الكتاب إلى نبطى من أنباط الشام، وقال له: ائت به أمير المؤمنين، ثم نهض هو إلى الروم بجماعة المسلمين، فدنا منهم، وتعرضت خيل المسلمين لهم، فلم يخرجوا يومئذ، فانصرف المسلمون عنهم من غير قتال، وتأخر النبطى عن
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (114) وما بعدها.
(2/233)

المسير حتى انصرف المسلمون، فذهب عند ذلك بالكتاب. وقد كان أبو عبيدة بعثه أول النهار، فلما قدم على عمر رحمه الله، وقرأ كتابه، قال له: ويحك، هل علمت أو بلغت ما كان من أمر المسلمين، فإن أبا عبيدة كتب إلىّ يخبرنى أنه كتب إلىّ حين نهض إلى المشركين؟ فقال له: أصلحك الله، فإنى لم أبرح يومئذ حتى رجع المسلمون عنهم، وكانوا زحفوا إليهم، وتعرضت خيلهم لهم، فلم يخرج النصارى إليهم، فانصرف المسلمون إلى عسكرهم، وهم أطيب شىء أنفسا وأحسن شىء حالا.
قال: فأنت ما حبسك يومئذ، إلى العشى لم تقبل بالكتاب وقد دفعه إليك أبو عبيدة أول النهار؟ قال: ظننت أنك ستسألنى عما سألتنى عنه الساعة، فأحببت أن يكون عندى علم ما تسألنى عنه. قال له عمر: ويحك، ما دينك؟ قال: نصرانى، قال: ويحك، أفما يدلك عقلك هذا الذى أرى على أن تسلم، ويحك أسلم فهو خير لك. قال: فقد أسلمت. فقال عمر: الحمد لله الذى يهدى من يشاء إذا يشاء، ثم كتب معه إلى أبى عبيدة بن الجراح: سلاح عليك، فإنى أحمد إليك الله لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى بنفير الروم إليك، ومنزلهم الذى نزلوا به، ورسالتهم التى أرسلوها، وبالذى رجعت إليهم فيما سألوك، وقد سددت بحجتك، وأوتيت رشدك، فإن أتاكم كتابى هذا وأنتم الغالبون فكثيرا ما يكون من ربنا الإحسان، وإن أتاكم وقد أصابكم نكب أو قرح فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تستكينوا، وأنتم الأعلون، وإنها دار الله، وهو فاتحها عليكم فاصبروا إن الله مع الصابرين، واعلم أنك متى لقيت عدوك فاستعنت بالله عليهم وعلم منك الصدق نصرك عليهم، فقل إذا أنت لقيتهم: اللهم أنت الناصر لدينك، المعز لأوليائك، الناصر لهم قديما وحديثا، اللهم فتول نصرهم، وأظهر فلجهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، وكن أنت الصانع لهم والمدافع عنهم برحمتك، إنك أنت الولى الحميد.
فأقبل الرسول بهذا إلى أبى عبيدة، وكان أبو عبيدة بعد ذلك اليوم الذى زحف فيه إلى الروم فلم يخرجوا إليه، سرح إليهم من الغد خالدا فى الخيل، ولم يخرج أبو عبيدة يومئذ فى الرجالة، فخرجت إلى خالد خيل لهم عظيمة، فأقبلت نحوه، فقال لقيس بن هبيرة، وكان من أشد الناس بأسا، وأشده نكاية فى العدو، ومباشرة لهم بعد خالد: يا قيس، اخرج إلى هذا الخيل. فخرج إليهم قيس، فحمل عليهم مرارا، وحملوا عليه، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم أقبلت خيل أخرى عظيمة للروم، فقال خالد لميسرة بن مسروق: اخرج إليهم، فخرج ميسرة فقاتلهم قتالا شديدا، ثم خرجت إليهم من الروم
(2/234)

خيل عظيمة، هى أعظم من الخيلين جميعا، عليها بطريق عظيم من بطارقتهم، فجاء حتى إذا دنا من خالد، أمر بشطر خيله، فحملت على خالد وأصحابه، فلم يتخلخل أحد منهم، ثم إنه جمعهم جميعا، فحمل بهم، فلم يبرح أحد من المسلمين، فلما رأى ذلك الرومى انصرف.
فقال خالد لأصحابه: إنه لم يبق من جد القوم ولا حدهم ولا قوتهم إلا ما قد رأيتم، فاحملوا معى يا أهل الإسلام حملة واحدة واتبعوهم ولا تقلعوا عنهم رحمكم الله. ثم حمل عليهم خالد بمن معه، فكشف من يليه منهم، وحمل قيس بن هبيرة على الذين كانوا يلونه فهزمهم وكشفهم، وحمل ميسرة على الذين كانوا يلونه، فهزمهم، واتبعهم المسلمون يقتلونهم ويقصفون بعضهم على بعض، حتى اضطروهم إلى عسكرهم وقد رأوا ما أصابهم، فانكسروا ووهنوا وهابوا المسلمين هيبة شديدة، وانصرف المسلمون إلى عسكرهم وقد قرت أعينهم، واجتمعوا إلى أبى عبيدة وهم مسرورون بما أراهم الله فى عدوهم من عونه لهم عليهم فقال له خالد: إن هزيمتنا خيل المشركين قد دخل رعبها قلوب جماعتهم، فكلهم قلبه مرعوب متخوف لمثلها منا مرة أخرى، فناهض القوم غدا بالغداة ما دام رعب هذه الهزيمة فى قلوبهم، فإنك إن أخرت قتالهم أياما ذهب رعبها من قلوبهم واجترؤوا علينا. قال أبو عبيدة: فانهضوا على بركة الله غدا بالغداة.
قال عمرو بن مالك القيسى: ولم يكن شىء أحب إلى الروم من التطويل ودفع الحرب، انتظارا لمدد، ولا شىء أحب إلى المسلمين من المناجزة وتعجيل الفراغ.
وقال عبد الله بن قرط: لما كانت الليلة التى خرجنا فى صبيحتها إلى أهل فحل، خرج إلينا أبو عبيدة فى الثلث الباقى من الليل، فلم يزل يعبئ الناس ويحرضهم حتى إذا أصبح صلى بالناس، فكان إلى التغليس أقرب منه إلى التنوير، ثم إنه جعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة، وعلى الرجالة سعيد بن زيد، وعلى الخيل خالد بن الوليد، ثم زحف أبو عبيدة بالناس، وأخذوا يزفون زفا رويدا على رسلهم.
وركب أبو عبيدة فاستعرض الصف من أوله إلى آخره، يقف على كل راية وكل قبيلة، ويقول: عباد الله، استوجبوا من الله النصر بالصبر، فإن الله مع الصابرين، عباد الله، ليبشر من قتل منكم بالشهادة، ومن بقى بالنصر والغنيمة، ولكن وطنوا أنفسكم على القتال والطعن بالرماح، والضرب بالسيوف، والرمى بالنبل، ومعانقة الأقران، فإنه والله ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته والصبر فى المواطن المكروهة التماس رضوانه.
(2/235)

وتقدم خالد فى الخيل حتى أطل على الروم، فلما رأوه خرجوا إليه فى الخيل والرجل جميعا، وقالوا: إن العرب أفرس على الخيل منا، وخيلنا لا تكاد تثبت لخيلهم، فاخرجوا إليهم فى الخيل والرجال، وكان خالد قد هزم خيلهم بالأمس، فكان ذلك أيضا، مما حملهم على الخروج على هذه التعبئة، خرجوا وهم خمسة صفوف، فأول صف من صفوفهم جعلوا فيه الفارس بين راجلين: رامح وناشب، وجعلوا صفا من الخيل وراء هذا الصف، وجعلوا له مجنبتين.
ثم صفوا ثلاثة صفوف أخر رجالا كلهم، ثم أقبلوا نحو المسلمين، وهم نحو خمسين ألفا. فكان أول من لقيهم خالد بن الوليد فى الخيل، فأخذ لا يجد عليهم مقدما، وأخذوا يزحفون إليه ويرشقونه بالنشاب، وجعل ينكص هو وأصحابه وراءهم، وأخذت الروم تقدم عليهم وهم يتأخرون، حتى انتهوا إلى صفهم، ودافعت أعجاز كثير من خيلهم صدور رجالهم، ثم إن خالدا بعث إلى قيس بن هبيرة: أن اخرج فى خيلك حتى تأتى ميسرتهم فتحمل عليها، وقال لميسرة بن مسروق: قف قبالة صفهم فى خيلك، وضمها إليك كتيبة واحدة، فإذا رأيتنا قد حملنا وانتقض صفهم فاحمل على من يليك منهم.
وكان خالد قسم خيله أثلاثا، فجعل للمرادى قيس بن هبيرة، ثلثها، ولميسرة بن مسروق العبسى ثلثها، وكان هو فى ثلثها، فخرج خالد فى ثلث الخيل التى معه حتى انتهى إلى ميمنتهم، فعلاها، حتى إذا ارتفع عليهم أخرجوا إليه خيلا لهم، كما تشغله وأصحابه، فلما دنت منه، قال: الله أكبر، الله أخرجهم لكم من رجالتهم، شدوا عليهم، ثم استعرضهم فشد عليهم، وشد معه أصحابه بجماعة خيلهم، فهزمهم الله، ووضعوا السلاح والسيوف فيهم حيث شاؤا، فصرعوا منهم أكثر من سبعين قبل أن ينتهوا إلى ميمنتهم، وارتفع قيس بن هبيرة إلى ميسرتهم، فأخرجوا إليه خيلا كما صنعوا بخالد، فحمل عليهم قيس، فهزمهم وضربهم حتى انتهى إلى ميسرتهم، وقتل منهم بشر كثير، وقتلى عظيمة، وكان واثلة بن الأسقع فى خيل قيس بن هبيرة، فخرج له بطريق من كبارهم، فبرز واثلة وهو يقول فى حملته:
ليث وليث فى مجال ضنك ... كلاهما ذو أنف ومعك
أجول جول صارم فى العرك ... أو يكشف الله قناع الشك
مع ظفرى بحاجتى ودركى
ثم حمل على البطريق فضربه ضربة قتله بها، وحملوا بأجمعهم حتى اضطروا الروم إلى عسكرهم، ووقفوا بإزائهم.
(2/236)

قال هاشم بن عتبة رحمه الله: والله لقد كنا أشفقنا يومئذ، على خيلنا أول النهار، ثم أحسن الله، فما هو إلا أن رأينا خيلنا قد نصرها الله على خيلهم، فدعوت الناس إلىّ وأمرتهم بتقوى الله، ثم نزلت، فهززت رايتى، ثم قلت: والله لا أردها حتى أركزها فى صفهم، فمن شاء فليتبعنى، ومن شاء فليتخلف عنى، قال: فو الذى لا إله غيره، ما أعلم أن أحدا من أصحاب رايتى تخلف عنى، حتى انتهيت إلى صفهم، فنضحونا بالنشاب، فجثونا على الركب واتقيناهم بالدرق.
ثم ثرت بلوائى وقلت لأصحابى: شدوا عليهم أنا فداؤكم، فإنها غنيمة الدنيا والآخرة، فشددت وشدوا معى، فأستقبل عظيما منهم قد أقبل نحوى فأوجزه الرمح، فخر ميتا، وضاربناهم بالسيوف ساعة فى صفهم، وحمل عليهم خالد من قبل ميسرتهم فقتلهم قتلا ذريعا، وانتقضت صفوفهم من قبل خالد ومن قبلى، ونهد إليهم أبو عبيدة بالناس، وأمر الخيل التى كانت تليه من خيل خالد، فحملت عليهم، فكانت هزيمتهم «1» .
وقال عمرو بن مالك القينى عن أبيه: كان منا رجل له فينا منزلة وحال حسنة، قال:
فقلت فى نفسى: قد بلغنى أن صاحب العرب هذا، يعنى أبا عبيدة، رجل صدق، فو الله لآتينه فلأصحبنه ولأتعلمن منه. قال: فكنت آتيه وأخرج معه إذا خرج إلى عسكره، فلما كان ذلك اليوم أقبل حتى كان إلى جنب أبى عبيدة، فألظ به لا يفارقه، قال: فو الله لرأيته يقص علينا، ويقول: كونوا عباد الله أولياء الله، وارغبوا فيما عند الله أشد من رغبتكم فى الدنيا، ولا تواكلوا فتخاذلوا، وليغن كل رجل منكم قرنه، وأقدموا إقدام من يريد بإقدامه ثواب الله، ولا يكن من لقيكم من عدوكم أصبر على باطلهم منكم على حقكم، ثم نهض يمشى إليهم، ونهض المسلمون معه تحت راياتهم ببصيرة وسكينة ودعة وحسن رعة، وحمل قيس بن هبيرة على الروم من قبل ميسرتهم، فقصف بعضهم على بعض «2» .
وعن يحيى بن هانئ المرادى: أن قيسا قطع يومئذ ثلاثة أسياف، وكسر بضعة عشر رمحا، وكان يقاتل ويقول:
لا يبعدن كل فتى كرار ... ماضى الجنان شاحب صبار
حين تهم الخيل بالإدبار ... يقدم إقدام الشجاع الضارى
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (123- 124) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (134- 135) .
(2/237)

وقال سالم بن ربيعة: حمل ميسرة بن مسروق يومئذ، ونحن معه فى الخيل، فحملنا على القلب وقد أخذ صف الروم ينتقض من قبل ميسرتهم وميمنتهم، ولم ينته الانتقاض إلى القلب بعد، فثبتوا لنا، وقاتلونا قتالا شديدا، فصرع ميسرة عن فرسه، وصرعت معه، وجرح فرسى فعار، ويعتنق ميسرة رجلا من الروم، فاعتركا ساعة، فقتله ميسرة، ثم شد عليه آخر وقد أعيى ميسرة، فاعتركا ساعة، فصرعه الرومى وجلس على صدره، وأشد عليه، فأضرب وجه الرومى بالسيف، فأطرت قحفه، فوقع ميتا، ووثب ميسرة وانبرى إلى رجل منهم، فضربنى ضربة دير بى منها، ويضربه ميسرة فيصرعه، وركبنا منهم عدد كثير، فأحاطوا بنا، وظننا والله أنه الهلاك، إذ نظرنا فإذا نحن نسمع نداء المسلمين وتكبيرهم، وإذا صفوفهم قد انتهت إلينا، وراياتهم قد غشيتنا، فكبرنا، واشتدت ظهورنا، فانقشع الروم عنا، وحمل عليهم خالد من قبل ميمنتهم، فدق بعضهم على بعض حتى دخلوا عسكرهم «1» .
وعن نوفل بن مساحق، عن أبيه: أن خالدا قاتل يومئذ، قتالا شديدا ما قاتل مثله أحد من المسلمين، وما كان إلا حديثا ومثلا لمن حضره، ولقد كان يستعرض صفوفهم وجماعتهم، فيحمل عليهم حتى يخالطهم، ثم يجالدهم حتى يفرقهم، ويهزمهم، ويكثر القتل فيهم.
قال: ولقد سمعت من يزعم أنه قتل فى ذلك اليوم أحد عشر رجلا من الروم من بطارقتهم وأشدائهم وأهل الشجاعة منهم، وكان يقاتلهم ويقول «2» :
أضربهم بصارم مهند ... ضرب صليب الدين هاد مهتد
لا واهن الحول ولا مفند
وعن سهل بن سعد قال: كان معاذ بن جبل يومئذ من أشد الناس بأسا، وكان يقول:
يا أهل الإسلام، إن هذا اليوم لما بعده من الأيام، غضوا أبصاركم رحمكم الله، وأقدموا إقدام الأسد على عدوكم، ولا تفارقوا راياتكم، ولا تزولوا عن مصافكم، وسوقوهم سوقا عنيفا، ولا تشاغلوا عنهم بغنائمهم، ولا بما فى عسكرهم، فإنى أخاف أن يكون لهم عليكم عطفة فلا تقوم لكم بعدها قائمة إن تفرقتم وشغلتكم غنائمهم، فاطلبوهم حتى لا تروا لهم جمعا ولا صفا.
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (135- 136) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (136) .
(2/238)

فمضى المسلمون كما وصف لهم على راياتهم وصفوفهم يقدمون عليهم، وجعلت صفوف الروم تنتقض وتدبر، وخيل المسلمين تكردهم وتقتلهم، وتحمل عليهم، ولا تقلع عنهم، فقتلوا منهم فى المعركة نحوا من خمسة آلاف، وقتلوا فى عسكرهم حيث دخلوا نحوا من ألفين، وخرجوا عباديد منهزمين، وخيل المسلمين تتبعهم وتقتلهم حتى اقتحموا فى فحل، وفحل مطلة على أهوية تحتها الماء، فتحصنوا فيها، وأصاب المسلمون منهم نحوا من ألفى أسير، فقتلهم المسلمون، وأقبل أبو عبيدة حتى دخل عسكرهم وحوى ما فيه.
وقال عبد الله بن قرط الثمالى: مررت يومئذ بعمرو بن سعيد بن العاص قبل هزيمة المشركين، ومعه رجال من المسلمين، سبعة أو ثمانية، وإنه لأمامهم نحو العدو، وإنه ليقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 15، 16] ، ثم يقول: لكن الجنة والله نعم المصير، ولمن؟ هى هى والله لمن شرى نفسه اليوم لله، وقاتل فى سبيل الله، ثم يقول: إلىّ يا أهل الإسلام، أنا عمرو بن سعيد بن العاص، لا تفروا، فإن الله يراكم، ومن يره الله يفر عن نصر دينه يمقته، فاستحيوا من الله ربكم أن يراكم تطيعون أبغض خلقه إليه، وهو الشيطان الرجيم، وتعصونه وهو الرحمن الرحيم «1» .
قال عبد الله بن قرط: وقد كان العدو حمل علينا حملة منكرة، فرقت بينى وبين أصحابى، فانتهيت إلى عمرو وهو يقول هذا القول، فقلت فى نفسى: والله ما أنا بواجد اليوم فى هذا العسكر رجلا أقدم صحبة ولا أقرب قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الرجل، فدنوت منه ومعى الرمح، وقد أحاطت به من الروم جماعة، فحملت عليهم، فأصرع أحدهم، ثم أقبلت إليه، فوقفت معه، ثم قلت: يا ابن أبى أحيحة، أتعرفنى؟ فقال لى: نعم يا أخا ثقيف، فقلت له: لم تبعد، هم الإخوان والجيران والحلفاء، ولكنى أخو ثمالة، عبد الله بن قرط. فقال لى: مرحبا بك أخى فى الإسلام، وهو أقرب النسب، أما والله لئن استشهدت وكفى بالله شهيدا لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك. قال:
فنظرت إلى وجهه، فإذا هو مضروب على حاجبه بالسيف، وإذا الدم قد ملأ عينيه، وإذا هو لا يستطيع أن يطرف ولا يفتح عينيه من الدم، فقلت له: أبشر بخير، فإن الله معافيك من هذه الضربة، ومنزل النصر على الإسلام. قال: أما النصر لأهل الإسلام، فأنزل الله
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (137- 138) .
(2/239)

فعجل، وأما أنا، فجعل الله لى هذه الضربة شهادة وأهدى إلىّ أخرى مثلها، فو الله ما أحب أنها بعرض أبى قبيس، وو الله لولا أن يقتل بعض من حولى لأقدمت على هذا العدو حتى ألحق بربى، يا أخى إن ثواب الشهادة عظيم، وإن الدنيا قل ما يسلم منها أهلها.
قال: فما كان بأسرع من أن شد علينا منهم جماعة، فمشى إليهم بسيفه، فضاربهم ساعة وهو أمام الناس، وثار بينهم الغبار، فشددنا عليهم، فصرنا منهم عدة، وإذا نحن بعمرو بن سعيد صريعا، وإذا هو قد بضع وبه أكثر من ثلاثين ضربة، وكانوا حنقوا عليه وحردوا لما رأوا من شدة قتاله، فقطعوه بأسيافهم يرحمه الله.
وقتل أيضا هناك من قريش من بنى سهم: سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث بن قيس، والحارث بن الحارث، وغلب المسلمون على الأرض واحتووها، وصار من بقى من العدو فى الحصن، وقد قتل الله منهم مقتلة عظيمة، فأقام المسلمون على الحصن وقد غلبوا على سواد الأردن وأرضها وكل ما فيها، وطلبوها بالنزول إليهم، على أن يؤمنوهم، فأبوا، وذلك أنه بلغهم أن ملك الروم بعث إليهم رجلا من غسان يقال له:
المنذر بن عمرو، فجاء فى جمع عظيم من الروم يمد أهل فحل، فلم يبلغهم حتى هزمهم الله وأذلهم، فكان أراد أن يجىء حتى يدخل معهم حصنهم.
وكان طائفة قد جاؤا بعد وقعة فحل بيوم، فقال خالد: ما أظن هؤلاء ينبغى لنا أن نعطيهم قوم قاتلوا على هذا الفىء وغلبوا عليه. فقال علقمة بن الأرث القيسى: لم أصلحك الله لا تجعلهم شركاءنا وقد جاؤا بعيالهم يسيرون ويغدون ويروحون لينصروا الإسلام ويجاهدوا فى سبيل الله؟ أفإن المسلمون سبقوهم بساعة من النهار لا يشركونهم وهم إخوانهم وأنصارهم؟ فقال خالد: ننظر، قال أبو عبيدة: ما نرى إلا أن نشركهم.
فلما بلغ قضاعة أن المنذر بن عمرو قد دخل بطن الأردن، جاء علقمة بن الأرث إلى أبى عبيدة، فقال: إن المنذر بن عمرو قد نزل بطن الأردن، أفلا تبعث إليه المسلمين؟
فقال: دعه حتى يدنو. فقال: أصلحك الله، ابعث معى خيلا فأنا أكفيكه. فقال: لا، لا تقربنه، لست آذن لك، دعه حتى يدنو، فخرج إلى أصحابه فقال لمن لم يشهد الوقعة منهم، ولمن شهدها، ولهم خيل وقوة: اخرجوا بنا حتى نلقى المنذر بن عمرو، فإنى أرجو أن نصادمه مغترا فنقتله، فنذهب إن شاء الله بأجرها وشرف ذكرها، فتابعوه، فأقبل حتى إذا دنا من عسكر المنذر بن عمرو، حمل الخيل عليهم من جانب العسكر وهم
(2/240)

غازون، فهزمهم، وأتبعهم الخيل تثفنهم وتقتلهم فى كل جانب، وأغار رجالته فى العسكر فاحتووا ما فيه، ولحق علقمة بالمنذر فجاراه ساعة حتى دنا منه، فطعنه وقتله، وأخذ فرسه ورجع إلى أبى عبيدة وقد جاءه خبره، فقال له أبو عبيدة: إنى لأكره أن لا ألومك وقد عصيتنى، وإنى لأكره أن ألومك وقد فتح الله عليك، ورأى أبو عبيدة أن يسهم لهم مع المسلمين، فقاسموهم ما كان فى عسكر المنذر، فلم يصيبوا منها إلا اليسير.
وكتب أبو عبيدة إلى عمر رحمهما الله «1» : بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى أنزل على المسلمين نصره، وعلى الكافرين رجزه، أخبر أمير المؤمنين أصلحه الله، أنا لقينا الروم وقد جمعوا لنا الجموع العظام، فجاؤنا من رؤس الجبال وأسياف البحار، يرون أن لا غالب لهم من الناس، فبرزوا إلينا، وبغوا علينا، وتوكلنا على الله تعالى، ورفعنا رغبتنا إلى الله، وقلنا حسبنا الله ونعم الوكيل، فنهضنا إليهم بخيلنا ورجلنا، وكان القتال بين الفريقين مليا من النهار، أهدى الله فيه الشهادة لرجال من المسلمين رحمهم الله، منهم: عمرو بن سعيد بن العاص، وضرب الله وجوه المشركين، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، حتى اعتصموا بحصنهم، وانتهب المسلمون عسكرهم، وغلبوا على بلادهم، وأنزلهم الله من صياصيهم، وقذف الرعب فى قلوبهم فاحمد الله يا أمير المؤمنين أنت ومن قبلك من المسلمين على إعزاز الدين وإظهار الفلج على المشركين، وادع الله لنا بتمام النعمة، والسلام عليك.
ولما رأى أهل فحل أن أرض الأردن قد غلب عليها المسلمون سألوا الصلح على أن يعفى لهم عن أنفسهم، وأن يؤدوا الجزية، ومن كان فيهم من الروم إن أحب لحق بالروم وخلى بلاد الأردن، وإن أحب أن يقيم ويؤدى الجزية أقام، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتابا. وخرج منهم من كان أقبل من الروم فى تلك السنة، وتبقى معهم من كان تبنبك قبل ذلك بالبلد، واتخذ الضياع، وتزوج بها، وولد له فيها، فأقاموا على أن يؤدوا الجزية هم وسائر من كان معهم فى الحصن.
وأما من عداهم من أهل الأردن أهل الأرض والقرى، فاختلف فيهم المسلمون، لأخذهم ذلك عنوة، وغلبتهم عليه بغير صلح، فقالت طائفة: نقتسمهم، وقالت طائفة:
نتركهم، فكتب أبو عبيدة إلى عمر:
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (139- 140) .
(2/241)

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله جل ثناؤه ذا المن والفضل والنعم العظام فتح على المسلمين أرض الأردن، فرأت طائفة من المسلمين أن يقروا أهلها، على أن يؤدوا الجزية إليهم، ويكونوا عمار الأرض، ورأت طائفة أن يقتسموهم، فاكتب إلينا يا أمير المؤمنين برأيك فى ذلك، أدام الله لك التوفيق فى جميع الأمور، والسلام.
فكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر إعزاز الله أهل دينه، وخذلانه أهل عدوانه، وكفايته إيانا مؤنة من عادانا، فالحمد لله على إحسانه فيما مضى، وحسن صنيعه فيما غبر، الذى عافى جماعة المسلمين، وأكرم بالشهادة فريقا من المؤمنين، فهنيئا لهم رضا ربهم، وكرامته إياهم، ونسأل الله أن لا يحرمنا أجرهم، ولا يفتنا بعدهم، فقد نصحوا الله وقضوا ما عليهم، ولربهم كانوا يحفدون، ولأنفسهم كانوا يمهدون، وقد فهمت ما ذكرت من أمر الأرض التى ظهر عليها وعلى أهلها المسلمون، فقالت طائفة: نقر أهلها، على أن يؤدوا الجزية للمسلمين، ويكونوا للأرض عمارا.
ورأت طائفة أن يقتسموهم، وإنى نظرت فيما كتبت فيه، ففرق لى من الرأى فيما سألتنى عنه أنى رأيت أن تقرهم، وتجعل الجزية عليهم، وتقسمها بين المسلمين، ويكونوا للأرض عمارا، فهم أعلم بها وأقوى عليها، أرأيتم لو أنا أخذنا أهلها فاقتسمناهم، من كان يكون لمن يأتى بعدنا من المسلمين؟ والله ما كانوا ليجدوا إنسانا يكلمونه، ولا ينتفعون بشىء من ذات يده، وإن هؤلاء يأكلهم المسلمون ما داموا أحياء، فإذا هلكنا وهلكوا أكل أبناؤنا أبناءهم أبدا ما بقوا، وكانوا عبيدا لأهل الإسلام ما دام دين الإسلام ظاهرا، فضع عليهم الجزية، وكف عنهم السباء، وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحقها، والسلام عليك.
فلما جاء أبا عبيدة هذا الرأى من عمر عمل به، وكان رأيه ورأى عمر فى ذلك واحدا «1» .
وقال علقمة بن الأرث القينى فى يوم فحل:
ونحن قتلنا كل واف سباله ... من الروم معروف النجار منطق
نطلق بالبيض الرقاق نساءهم ... وأبنا إلى أزواجنا لم تطلق
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (139- 142) .
(2/242)

نصرعهم فى كل فج وغائط ... كأنهم بالقاع معزى المحلق
فكم من قتيل أوهطته سيوفنا ... كفاحا وكف قد أطارت وأسوق
فتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام «1»
عن محرز بن أسد الباهلى قال: دعا أبو عبيدة رؤس المسلمين وفرسان العرب الذين معه، فجمعنا بعدما ظهرنا على فحل وفرغنا من الأردن وأرضها، وقد تحصن منا أهل إيلياء، واجتمعت بقيسارية جموع عظام مع أهلها، وأهلها لم يزالوا كثيرا، فقال أبو عبيدة: يا أهل الإسلام، إن الله قد أحسن إليكم وألبسكم عافية مجللة وأمنا واسعا، وأظهركم على بطارقة الروم، وفتح لكم الحصون والقلاع والقرى والمدائن، وجعلكم لهذه الدار دار الملوك، أربابا، وجعلها لكم منزلا، وقد كنت أردت النهوض بكم إلى أهل إيلياء وأهل قيسارية، فكرهت أن آتيهم وهم فى جوف مدينتهم متحرزون متحصنون، ولم آمن أن يأتيهم مدد من جندهم، وأنا نازل عليهم قد حبست نفسى لهم عن افتتاح الأرض، ولم أدر لعل من طاعتى إذا رأونى قد شغلت نفسى بهم أن يرجعوا إليهم، وأن ينقضوا العهد الذى بينى وبينهم، فرأيت أن أسير إلى دمشق، ثم أسير فى أرضها إلى من لم يدخل طاعتى منهم، ثم أسير إلى حمص، فإن قدرنا عليها، وإلا تركناها ولا نقيم عليها أكثر من يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم ندنو من ملك الروم وننظر ما يريد بمكانه الذى هو به، فإن الله نفاه عن مكانه ذلك لم تبق بالشام قرية ولا مدينة إلا سالمت وصالحت وأعطت الجزية ودخلت فى الطاعة «2» .
فقال المسلمون جميعا: فنعم الرأى رأيك، فأمضه وسر بنا إذا بدا لك، فدعا خالدا وكان لكل ملمة ولكل شدة، فقال له: سر رحمك الله، فى الخيل. فخرج فيها، وخلف عمرو بن العاص فى أرض الأردن، وفى طائفة من أرض فلسطين مما يلى أرض العرب، وجاء خالد حتى تولى أرض دمشق، فاستقبله الذين كانوا صالحوا المسلمين.
ثم إن أبا عبيدة جاء من الغد، فخرجوا أيضا، فاستقبلوه بما يحب، فلبث يومين أو ثلاثة، ثم أمر خالدا فسار حتى بلغ بعلبك وأرض البقاع، فغلب على أرض البقاع، وأقبل قبل بعلبك حتى نزل عليها، فخرج إليه منها رجل، فأرسل إليهم فرسانا من المسلمين نحوا من خمسين، فيهم ملحان بن زياد الطائى، وقنان بن دارم العبسى، فحملوا عليهم
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 190) ، تاريخ الطبرى (3/ 598) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (143- 144) .
(2/243)

حتى أقحموهم الحصن. فلما رأوا ذلك بعثوا فى طلب الصلح، فأعطاهم ذلك أبو عبيدة، وكتب لهم كتابا.
ثم إنه خرج نحو حمص، فجمع له أهلها جمعا عظيما، ثم استقبلوه بجوسية «1» ، فرماهم بخالد بن الوليد، فلما نظر إليهم خالد قال: يا أهل الإسلام، الشدة، الشدة. ثم حمل عليهم خالد، وحمل المسلمون معه، فولوا منهزمين حتى دخلوا مدينتهم، وبعث خالد ميسرة بن مسروق فاستقبل خيلا لهم عظيمة عند نهير قريب من حمص، فطاردهم قليلا ثم حمل عليهم، فهزمهم، وأقبل رجل من المسلمين من حمير يقال له شرحبيل، فعرض له منهم فوارس، فحمل عليهم وحده، فقتل منهم سبعة، ثم جاء إلى نهر دون حمص مما يلى دير مسحل فنزل عن فرسه فسقاه، وجاء نحو من ثلاثين فارسا من أهل حمص فنظروا إلى رجل واحد، فأقبلوا نحوه، فلما رأى ذلك أقحم فرسه وعبر الماء إليهم، ثم ضرب فرسه فحمل عليهم، فقتل أول فارس، ثم الثانى، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، ثم انهزموا وتبعهم وحده، فلم يزل يقتل واحدا واحدا حتى انتهوا إلى دير مسحل وقد صرع منهم أحد عشر رجلا، فاقتحموا جوف الدير واقتحم معهم، فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه، رحمه الله.
وجاء ملحان بن زياد وعبد الله بن قرط وصفوان بن المعطل إلى المدينة، فأخذوا يطيفون بها يريدون أن يخرج إليهم أهلها، فلم يخرجوا. وجاء المسلمون حتى نزلوا على باب الرستن «2» ، فزعم النضر بن شفى أن رجلا من آل ذى الكلاع كان أول من دخل مدينة حمص، وذلك أنه حمل من جهة باب الشرقى فلم يرد وجهه شىء، فإذا هو فى جوف المدينة، فلما رأى ذلك ضرب فرسه فخرج كما هو على وجهه ولا يرى إلا أنه قد هلك، حتى خرج من باب الرستن، فإذا هو فى عسكر المسلمين.
وحاصر المسلمون أهل حمص حصارا شديدا، فأخذوا يقولون للمسلمين: اذهبوا نحو الملك، فإن ظفرتم به فنحن كلنا لكم عبيد. فأقام أبو عبيدة على باب الرستن بالناس، وبث الخيل فى نواحى أرضهم، فأصابوا غنائم كثيرة وقطعوا عنهم المادة والميرة، واشتد عليهم الحصار، وخشوا السباء فأرسلوا إلى المسلمين يطلبون الصلح، فصالحهم المسلمون
__________
(1) جوسية: بالضم ثم السكون وكسر السين المهملة وياء خفيفة، قرية من قرى حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق. انظر: معجم البلدان (2/ 158) .
(2) الرستن: بفتح أوله وسكون ثانيه، بليدة قديمة كانت على نهر الميماس، بين حماة وحمص، فى نصف الطريق. انظر: معجم البلدان (3/ 43) .
(2/244)

وكتبوا لهم كتابا بالأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وعلى أن يضيفوا المسلمين يوما وليلة، وعلى أن على أرض حمص مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار، وفرغوا من الصلح، وفتحوا باب المدينة للمسلمين، فدخلوها وأمن بعضهم بعضا.
وكتب أبو عبيدة إلى عمر رضى الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فأحمد الله الذى أفاء علينا وعليك يا أمير المؤمنين أفضل كورة بالشام، أكثرها أهلا وقلاعا وجمعا وخراجا، وأكبتهم للمشركين كبتا، وأيسره على المسلمين فتحا. أخبرك يا أمير المؤمنين أصلحك الله، أنا قدمنا بلاد حمص وبها من المشركين عدد كثير، والمسلمون يزفون إليهم ببأس شديد، فلما دخلنا بلادهم ألقى الله الرعب فى قلوبهم، ووهن كيدهم، وقلم أظفارهم، فسألونا الصلح وأذعنوا بأداء الخراج، فقبلنا منهم وكففنا عنهم، ففتحوا لنا الحصون واكتتبوا منا الأمان، وقد وجهنا الخيول إلى الناحية التى بها ملكهم وجنوده.
نسأل الله ملك الملوك وناصر الجنود أن يعز المسلمين بنصره، وأن يسلم المشرك الخاطئ بذنبه، والسلام عليك.
فكتب إليه عمر: أما بعد، فقد بلغنى كتابك تأمرنى فيه بحمد الله على ما أفاء علينا من الأرض وفتح علينا من القلاع ومكن لنا فى البلاد وصنع لنا ولكم وأبلانا وإياكم من حسن البلاء، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا ليس له نفاد ولا يحصى له تعداد، وذكرت أنك وجهت الخيول نحو البلاد التى فيها ملك الروم وجموعهم، فلا تفعل، ابعث إلى خيلك فأضممها إليك وأقم حتى يمضى هذا الحول ونرى من رأينا. ونستعين الله ذا الجلال والإكرام على جميع أمرنا، والسلام عليك.
فلما أتى أبا عبيدة الكتاب دعا رؤس المسلمين، فقال لهم: إنى قد كنت قدمت ميسرة بن مسروق إلى ناحية حلب وأنا أريد الإقدام والغارة على ما دون الدرب من أرض الروم، وكتبت بذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب إلىّ: أن أصرف إلى خيلى، وأن أتربص بهم الحول حتى يرى من رأيه. فقالوا: لم يألك أمير المؤمنين والمسلمين نظرا وخيرا. فسرح إلى ميسرة، وقد كان أشرف على حلب ودنا منها، فيجامعه كتاب إلى ميسرة: أما بعد، فإذا لقيت رسولى فأقبل معه ودع ما كنت وجهتك إليه حتى نرى من رأينا وننظر ما يأمرنا به خليفتنا، والسلام.
(2/245)

فأقبل ميسرة فى أصحابه حتى انتهى إلى أبى عبيدة بحمص، فنزل معه، وخرج أبو عبيدة فعسكر بالناس، ودعا خالد بن الوليد، فقال له: اخرج إلى دمشق فانزلها فى ألف رجل من المسلمين وأقيم أنا هاهنا، ويقيم عمرو بن العاص فى مكانه الذى هو فيه، فيكون بكل جانب من الشام طائفة من المسلمين، فهو أقوى لنا عليها وأحرى أن نضبطها، فخرج خالد فى ألف رجل حتى أتى دمشق وبها سويد بن كلثوم بن قيس القرشى، من بنى محارب بن فهر، وكان أبو عبيدة خلفه بها فى خمسمائة رجل، فقدم خالد فعسكر على باب من أبوابها، ونزل سويد فى جوفها.
وعن أدهم بن محرز بن أسد الباهلى قال: أول راية دخلت أرض حمص ودارت حول مدينتها راية ميسرة بن مسروق، ولقد كانت لأبى أمامة راية ولأبى راية، وإن أول رجل من المسلمين قتل رجلا من المشركين لأبى، إلا أن يكون رجل من حمير، فإنه حل هو وأبى جميعا فكل واحد منهما قتل فى حملته رجلا، فكان أبى يقول: أنا أول رجل من المسلمين قتل رجلا من المشركين بحمص، لا أدرى ما الحميرى، فإنى حملت أنا وهو فقتل كل رجل منا فى حملته رجلا، ولا أخال إلا أنى قتلت قتيلى قبل قتيله «1» .
وقال أدهم: إنى لأول مولود بحمص، وأول مولود فرض له بها، وأول من رئى فيها بيده كتف يختلف إلى الكتاب، ولقد شهدت صفين وقاتلت «2» .
وقال عبد الله بن قرط: عسكر أبو عبيدة ونحن معه حول حمص نحوا من ثمان عشرة ليلة، وبث عماله فى نواحى أرضها، واطمأن فى عسكره، وذهبت منهزمة الروم من فحل حتى قدمت على ملك الروم بأنطاكية، وخرجت فرسان من فرسان الروم ورجال من عظمائهم وذوى الأموال والغنى والقوة منهم ممن كان أوطن بالشام فدخلوا قيسارية، وتحصن أهل فلسطين بإيلياء.
ولما قدمت المنهزمة على هرقل دعا رجالا منهم، فقال لهم: أخبرونى ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تلقونهم، أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟
قالوا: نحن أكثر منهم أضعافا، وما لقيناهم فى موطن إلا ونحن أكثر منهم. قال: ويلكم فما بالكم تنهزمون إذا لقيتموهم؟ فسكتوا. فقام شيخ منهم، فقال: أنا أخبرك أيها الملك من أين يؤتون، قال: فأخبرنى، قال: إنهم إذا حمل عليهم صبروا، وإذا حملوا لم يكذبوا،
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (148- 149) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (149) .
(2/246)

ونحن نحمل فنكذب ويحمل علينا فلا نصبر. قال: وما بالكم كما تصفون، وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما أرانى إلا قد علمت من أين هذا. قال له: ومن أين هذا؟ قال:
من أجل أن القوم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإنا نشرب الخمر، ونرتكب المحارم، وننقض العهد ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضيه ونفسد فى الأرض. قال: صدقتنى، لأخرجن من هذه القرية، ولأدعن هذه البلدة، وما لى فى صحبتكم من خير وأنتم هكذا. قال: نشدتك الله أيها الملك أن تفعل، تدع سورية جنة الدنيا للعرب وتخرج منها ولما تقاتل وتجهد؟ قال: قد قاتلتموهم غير مرة بأجنادين، وفحل، ودمشق، والأردن، وفلسطين، وحمص، وفى غير موطن، كل ذلك تنهزمون وتفرون وتغلبون. قال الشيخ: حولك من الروم عدد الحصى والثرى والذر، لم يلقهم منهم إنسان، ثم تريد أن تخرج منها وترجع بهؤلاء جميعا من قبل أن يقاتلوا؟ «1» .
فإن هذا الشيخ ليكلمه إذ قدم عليه وفد قيسارية وإيلياء، وسيأتى خبرهم بعد إن شاء الله.
وذكر الطبرى «2» عن سيف: أن هرقل لما بلغه الخبر بمقتل أهل المرج أمر أمير حمص بالمضى إليها، وقال له: إنه بلغنى يعنى عن المسلمين، أن طعامهم لحوم الإبل، وشرابهم ألبانها، وهذا الشتاء، فلا تقاتلوهم إلا فى كل يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد هذا جل طعامه، وشرابه، وارتحل فى عسكره ذلك حتى أتى الرها.
وأقبل أبو عبيدة حتى نزل على حمص، وأقبل خالد بعده حتى ينزل عليها، فكان أهلها يغادون المسلمين ويراوحونهم فى كل يوم بارد، ولقى المسلمون بها بردا شديدا والروم حصارا طويلا. فأما المسلمون فصبروا ورابطوا، وأفرغ الله عليهم الصبر وأعقبهم النصر، حتى انصرم الشتاء، وإنما تمسك الروم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء. فكانوا يتواصون فيما بينهم ويقولون: تمسكوا فإنهم جفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون، فكانت الروم ترجع وقد سقطت أقدام بعضهم فى خفافهم، وإن المسلمين لفى النعال ما أصيب إصبع أحد منهم، حتى إذا انخمس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة المسلمين، قالوا: كيف والملك فى عزه وملكه ليس بيننا وبينهم شىء؟ فتركهم، وقام فيهم آخر وقال: ذهب الشتاء وانقطع الرجاء فما تنتظرون؟
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (149- 151) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 599- 600) .
(2/247)

قالوا: البرسام، فإنما يسكن فى الشتاء ويثور فى الصيف، قال: إن هؤلاء قوم يعانون ولأن تأتوهم بعهد وميثاق خير من أن تؤخذوا عنوة، أجيبونى محمودين قبل أن تجيبونى مذمومين. فقالوا: شيخ خرف ولا علم له بالحرب. وأثاب الله المسلمين على صبرهم أيام حمص. فيما حكى عن بعض أشياخ من غسان وبلقين «1» : أن زلزل بأهل حمص، وذلك أن المسلمين ناهدوهم، فكبروا تكبيرة زلزلت معها الروم فى المدينة، وتصدعت الحيطان، ففزعوا إلى رؤسائهم وذوى رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة فلم يجيبوهم وأذلوهم بذلك، ثم كبروا الثانية فتهافتت دور كثيرة وحيطان، وفزعوا إلى رؤسائهم وذوى رأيهم، فقالوا: ألا ترون إلى عذاب الله؟ فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيركم، فأشرفوا ينادوى، الصلح الصلح، ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم، وعلى أن يترك المسلمون أموال ملوك الروم وبنيانهم لا ينزلونه عليهم، فتركوه لهم، فصالح بعضهم على صلح دمشق على دينار وطعام على كل جريب أبدا أيسروا أو أعسروا، وصالح بعضهم على قدر طاقته إن زاد ماله زيد عليه وإن نقص نقص، وعلى هذين الوجهين كان صلح دمشق والأردن، وولوا معاملة ما جلا ملوكهم عنه.
حديث حمص آخر
قالوا: وغزى هرقل أهل حمص فى البحر، واستمد أهل الجزيرة، واستثار أهل حمص، فأرسلوا إليه: بأنا قد عاهدنا، فنخاف أن لا ننصر.
واستمد أبو عبيدة خالدا، فأمده بمن معه جميعا، لم يخلف أحدا، فكفر أهل قنسرين بعده وتابعوا هرقل، وكان أكثر من هنالك تنوخ الحاضر.
ودنا هرقل من حمص وعسكر وبعث البعوث إلى حمص، فأجمع المسلمون على الخندقة والكتاب إلى عمر، إلا ما كان من خالد، فإن المناجزة كانت رأيه، فخندقوا على حمص، وكتبوا إلى عمر واستصرخوه.
وجاء الروم ومن أمدهم حتى نزلوا عليهم فحصروهم، وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا سوى أمداد قنسرين من تنوخ وغيرهم، فبلغوا من المسلمين كل مبلغ.
وجاء الكتاب إلى عمر وهو موجه إلى مكة للحج، فمضى لحجه، وكتب إلى سعد بن
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 600) .
(2/248)

أبى وقاص: إن أبا عبيدة قد أحيط به ولزم حصنه، فبث المسلمين بالجزيرة، واشغلهم بالخيول عن أهل حمص، وأمد أبا عبيدة بالقعقاع بن عمرو.
فخرج القعقاع ممدا لأبى عبيدة، وخرجت الخيول نحو الرقة ونصيبين وحران، فلما وصلوا الجزيرة وبلغ ذلك الروم الذين كانوا منها وهم بحمص تقوضوا إلى مدائنهم، وبادروا المسلمين إليها، فتحصنوا، ونزل عليهم المسلمون فيها، ولما دنا القعقاع من حمص راسلت طائفة من تنوخ خالدا ودلوه وأخبروه بما عندهم من الخبر، فأرسل إليهم خالد:
والله لولا أنى فى سلطان غيرى ما باليت قللتم أم كثرتم أو أقمتم أو ذهبتم، فإن كنتم صادقين فانفشوا كما انفش أهل الجزيرة، فساموا تنوخ ذلك، فأجابوهم، وراسلوا خالدا: إن ذلك إليك، فإن شئت فعلنا، وإن شئت أن تخرج علينا فننهزم بالروم، وأوثقوا له، فقال: بل أقيموا، فإذا خرجنا فانهزموا بهم.
فقال المسلمون لأبى عبيدة: قد أنفش أهل الجزيرة، وقد ندم أهل قنسرين وواعدوا من أنفسهم، وهم العرب، فاخرج بنا وخالد ساكت، فقال: يا خالد، ما لك لا تتكلم؟
فقال: قد عرفت الذى كان من رأيى فلم تسمع من كلامى. قال: فتكلم فإنى أسمع منك وأطيعك، قال: فاخرج بالمسلمين، فإن الله تعالى قد نقص من عدتهم، وبالعدد يقاتلون، ونحن إنما نقاتل منذ أسلمنا بالنصر، فلا تجفلك كثرتهم.
قالوا: فجمع أبو عبيدة الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
أيها الناس، إن هذا يوم له ما بعده، أما من حكى منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره، وأما من مات منكم فإنها الشهادة، فأحسنوا بالله الظن ولا يكرهن إليكم الموت أمر اقترفه أحدكم دون الشرك، توبوا إلى الله وتعرضوا للشهادة، فإنى أشهد وليس أوان الكذب، أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.
فكأنما كانت بالناس عقل تنشطت، فخرج بهم وخالد على الميمنة، وقيس على الميسرة، وأبو عبيدة فى القلب وعلى باب المدينة معاذ بن جبل، فاجتلدوا بها، فإنهم كذلك إذ قدم القعقاع متعجلا فى مائة، فانهزم أهل قنسرين بالروم، فاجتمع القلب والميمنة على قلبهم وقد انكسر أحد جناحيه، فما أفلت منهم مخبر، وذهبت الميسرة على وجهها، وآخر من أصيب منهم بمرج الديباج انتهوا إليه فكسروا سلاحهم وألقوا بلامهم تخففا، فأصيبوا وتغنموا.
(2/249)

ولما ظفر المسلمون جمعهم أبو عبيدة فخطبهم، وقال لهم: لا تتكلوا ولا تزهدوا فى الدرجات.
فتح قنسرين»
وبعث بعد فتح حمص خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر زحف إليه الروم وعليهم ميناس، وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل، فالتقوا بالحاضر، فقتل ميناس ومن معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها. فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب، وأنهم إنما حشدوا ولم يكن من رأيهم حربه، فقبل منهم وتركهم.
ولما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال منى، وكان قد عزله والمثنى بن حارثة عند قيامه، بالأمر، وقال: إنى لم أعزلهما عن ريبة، ولكن الناس عظموهما، فخشيت أن يوكلوا إليهما.
ويروى أنه قال حين ولى: والله لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة ليعلما أن الله إنما ينصر دينه لا إياهما. فلما كان من أمر خالد فى قنسرين ما كان، رجع عن رأيه.
وسار خالد حتى نزل على قنسرين، فتحصنوا منه، فقال: إنكم لو كنتم فى السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلنكم إلينا. فنظروا فى أمرهم، وذكروا ما لقى أهل حمص وقنسرين، فسألوه الصلح على مثل صلحها، فأبى إلا على إخراب المدينة، فأخربها.
واتطأت حمص وقنسرين، فعند ذلك خنس هرقل وخرج نحو القسطنطينية. وأفلت رجل من الروم كان أسيرا فى أيدى المسلمين فلحق بهرقل، فقال له: أخبرنى عن هؤلاء القوم. فقال: أحدثك كأنك تنظر إليهم، فرسان بالنهار، ورهبان بالليل، ما يأكلون فى ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه. فقال:
لئن كنت صدقتنى ليرثن ما تحت قدمى هاتين «2» .
وكان هرقل كلما حج بيت المقدس فخلف سورية، وظعن فى أرض الروم التفت فقال: السلام عليك يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطره، وهو عائد. فلما توجه
__________
(1) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 191) ، تاريخ الطبرى (3/ 601) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 602- 603) .
(2/250)

المسلمون نحو حمص عبر الماء فنزل الرها، فلم يزل بها حتى إذا فتحت قنسرين، وقتل ميناس خنس عند ذلك إلى سميساط «1» حتى إذا فصل منها نحو أرض الروم على شرف، فالتفت نحو سورية وقال: عليك السلام يا سورية، سلاما لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومى أبدا إلا خائفا، حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد، ما أحلى فعله، وما أمر عاقبته على الروم. ثم مضى حتى نزل قسطنطينية.
وهذا مقتضب من أحاديث متفرقة ذكرها سيف فى كتابه.
جمع الروم للمسلمين
ثم نعود إلى صلة ما قطعنا قبل من الحديث عن وفد أهل إيلياء وقيسارية القادم على هرقل، إذ قد وعدنا بذكره حسب ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام فى كتبهم.
وذلك أن أهل قيسارية وأهل إيلياء تواطأوا بعد يوم فحل وتآمروا، أن يبعثوا وفدا منهم إلى هرقل بأنطاكية، فيخبروه بتمسكهم بأمره وإقامتهم على طاعته وخلافهم العرب، ويسألونه المدد والنصر. فلما جاءه وفدهم هذا رأى أن يبعث الجنود ويقيم هو بأنطاكية، فأرسل إلى رومية والقسطنطينية، وإلى من كان من جنوده وعلى دينه من أهل الجزيرة وأرمينية، وكتب إلى عماله أن يحشروا إليه كل من أدرك الحلم من أهل مملكته فما فوق ذلك إلى الشيخ الفانى، فأقبلوا إليه، وجاء منهم ما لا تحمله الأرض، وجاءه جرجير صاحب أرمينية فى ثلاثين ألفا، وآتاه أهل الجزيرة، ونزع إليه أهل دينه وجميع من كان فى طاعته، فدعا باهان، وكان من عظمائهم وأشرافهم، فعقد له على مائة ألف، ودعا ابن قماطر فعقد له على مائة ألف فيهم جرجير ومن معه من أهل أرمينية، ودعا الدرنجار فعقد له على مائة ألف، ثم أعطى الأمراء مائة ألف، مائة ألف، وأعطى باهان مائتى ألف، وقال لهم: إذا اجتمعتم فأميركم باهان، ثم قال: يا معشر الروم، إن العرب قد ظهروا على سورية، ولم يرضوا بها حتى تعاطوا أقصى بلادكم، وهم لا يرضون بالبلاد والمدائن والبر والشعير والذهب والفضة حتى يسبوا الأمهات والبنات والأخوات والأزواج، ويتخذوا الأحرار وأبناء الملوك عبيدا، فامنعوا حرمتكم وسلطانكم ودار ملككم «2» .
__________
(1) سميساط: بلد من بلد العجم، منها السميساطى رجل من العجم كان موصوفا بالورع والزهد. انظر الروض المعطار (323) .
(2) انظر هذا الخبر وما بعده فى: تاريخ فتوح الشام (151- 159) .
(2/251)

قال عبد الله بن قرط، والحديث له: ثم وجههم إلينا، فقدمت عيوننا من قبلهم، فخبرونا بمقالة ملكهم وبمسيرهم إلينا وجمعهم لنا، ومن أجلب معهم من غيرهم علينا ممن كان على دينهم وفى طاعتهم.
فلما جاء أبا عبيدة الخبر عن عددهم وكثرتهم، رأى أن لا يكتم ذلك المسلمين، وأن يستشيرهم فيه لينظر ما يؤول إليه رأى جماعتهم، فدعا رؤس المسلمين وأهل الصلاح منهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد. فإن الله عز وجل، قد أبلاكم أيها المؤمنون فأحسن البلاء، وصدقكم الوعد، وأعزكم بالنصر، وأراكم فى كل موطن ما تسرون به، وقد سار إليكم عدوكم من المشركين بعدد كثير، ونفروا إليكم فيما حدثنى عيونى نفير الروم الأعظم، فجاؤكم برا وبحرا حتى خرجوا إلى صاحبهم بأنطاكية، ثم قد وجه إليكم ثلاثة عساكر فى كل عسكر منها ما لا يحصيه إلا الله من البشر، وقد أحببت أن لا أغركم من أنفسكم، ولا أطوى عنكم خبر عدوكم، ثم تشيرون علىّ برأيكم، وأشير عليكم برأيى، فإنما أنا كأحدكم.
فقام يزيد بن أبى سفيان، فقال: نعم ما رأيت رحمك الله، إذ لم تكتم عنا ما أتاك من عدونا، وأنا مشير عليكم، فإن كان صوابا فذاك ما نويت، وإن يكن الرأى غير ما أشير به، فإنى لا أتعمد غير ما يصلح المسلمين. أرى أن نعسكر على باب مدينة حمص بجماعة المسلمين، وندخل النساء والأبناء داخل المدينة، ثم نجعل المدينة فى ظهورنا، ثم نبعث إلى خالد فيقدم عليك من دمشق، وإلى عمرو بن العاص فيقدم عليك من الأردن، فتلقاهم بجماعة من معك من المسلمين.
وقام شرحبيل بن حسنة فقال: إن هذا مقام لا بد فيه من النصيحة للمسلمين وإن خالف الرجل منا أخاه، وإنما على كل رجل منا أن يجتهد رأيه، وأنا الآن فقد رأيت غير ما رأى يزيد، وهو والله عندى من الناصحين لجماعة المسلمين، ولكن لا أجد بدا من أن أشير عليكم بما أظنه خيرا للمسلمين.
إنى لا أرى أن ندخل ذرارى المسلمين مع أهل حمص وهم على دين عدونا هذا الذى قد أقبل إلينا، ولا آمن إن وقع بيننا وبينهم من الحرب ما نتشاغل به أن ينقضوا عهدنا وأن يثبوا على ذرارينا فيتقربوا بهم إلى عدونا.
فقال له أبو عبيدة: إن الله قد أذلهم لكم، وسلطانكم أحب إليهم من سلطان عدوكم، وأما إذ ذكرت ما ذكرت، وخوفتنا ما خوفت، فإنى أخرج أهل المدينة منها
(2/252)

وأنزلها عيالنا، وأدخل رجالا من المسلمين يقومون على سورها وأبوابها، ونقيم نحن بمكاننا هذا حتى يقدم علينا إخواننا.
فقال له شرحبيل: إنه ليس لك ولا لنا معك أن نخرجهم من ديارهم وقد صالحناهم على ألا نخرجهم منها.
فأقبل أبو عبيدة على جماعة من عنده فقال: ماذا ترون، رحمكم الله؟ فقالوا: نرى أن نقيم، ونكتب إلى أمير المؤمنين فنعلمه نفير الروم إلينا، وتبعث إلى من بالشام من إخوانك المسلمين فيقدموا عليك.
فقال أبو عبيدة: إن الأمر أجل وأعظم مما تحسبون، ولا أحسب القوم إلا سيعاجلونكم قبل وصول خبركم إلى أمير المؤمنين.
فقام إليه ميسرة بن مسروق، فقال: أصلحك الله، إنا لسنا بأصحاب القلاع ولا الحصون ولا المدائن، وإنما نحن أصحاب البر والبلد القفر، فأخرجنا من بلاد الروم ومدائنها إلى بلادنا أو إلى بلاد من بلادهم تشبه بلادنا إن كانوا قد جاشوا علينا كما ذكرت، ثم اضمم إليك قواصيك، وابعث إلى أمير المؤمنين فليمددك.
فقال كل من حضر ذلك المجلس: الرأى ما رأى ميسرة، فقال لهم أبو عبيدة: فتهيأوا وتيسروا حتى أرى من رأى، وكان رأى أبى عبيدة أن يقيموا ولا يبرحوا، ولكنه كره خلافهم، ورجا أن يكون فى اجتماع رأيهم الخير والبركة.
ثم بعث إلى حبيب بن مسلمة، وكان استعمله على الخراج، فقال: انظر ما كنت جبيت من حمص فاحتفظ به حتى آمرك فيه، ولا تجبين أحدا ممن بقى حتى أحدث إليك فى ذلك، ففعل، فلما أراد أبو عبيدة أن يشخص دعا حبيبا فقال له: اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، وقل لهم: نحن على ما كان بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع عنه إلا أن ترجعوا، وإنما رددنا عليكم أموالكم كراهية أن نأخذها ولا نمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأرض ونبعث إلى إخواننا فيقدموا علينا، ثم نلقى عدونا، فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم، إلا ألا تطلبوا ذلك.
ثم أخذ الناس فى الرحيل إلى دمشق، ورد حبيب بن مسلمة إلى أهل البلد ما كان أخذ منهم، وأخبرهم بما قال أبو عبيدة، فقالوا: ردكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم، لكنهم والله لو كانوا هم ما ردوا علينا، بل غصبونا وأخذوا مع هذا
(2/253)

ما قدروا عليه من أموالنا. وأعلم أبو عبيدة عمر بن الخطاب بكل ما قبله.
قال سفيان بن عوف بن معقل: بعثنى أبو عبيدة ليلة غدا من حمص إلى دمشق، فقال:
ائت أمير المؤمنين فأبلغه منى السلام وأخبره بما قد رأيت وعاينت، وبما جاءتنا به العيون، وبما استقر من كثرة العدو، وبالذى رأى المسلمون من التنحى عنهم. وكتب إليه معه:
أما بعد، فإن عيونى قدمت علىّ من أرض قنسرين ومن القرية التى فيها ملك الروم، فحدثونى بأن الروم قد توجهوا إلينا وجمعوا لنا من الجموع ما لم يجمعوه قط لأمه كانت قبلنا، وقد دعوت المسلمين فأخبرتهم الخبر واستشرتهم فى الرأى، فاجتمع رأيهم على أن يتنحوا عنهم حتى يأتينا رأيك، وقد بعثت إليك رجلا عنده علم ما قبلنا، فاسأله عما بدا لك، فإنه بذلك عليم، وهو عندنا أمين، ونستعين الله العزيز الحكيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام عليك.
قال سفيان: فلما قدمت على أمير المؤمنين سلمت عليه، فقال: أخبرنى عن الناس، فأخبرته بصلاحهم، ودفاع الله عنهم، ثم أخذ الكتاب فقرأه، فقال لى: ويحك ما فعل المسلمون؟ فقلت: أصلحك الله، خرجت من عندهم ليلا من حمص وتركتهم يقولون:
نصلى الغداة ثم نرحل إلى دمشق. قال: فكأنه كرهه حتى عرفت الكراهة فى وجهه، ثم قال: لله أبوك، ما رجوعهم عن عدوهم وقد أظفرهم الله بهم فى غير موطن؟ وما تركهم أرضا قد فتحها الله عليهم وصارت فى أيديهم؟ إنى لأخاف أن يكونوا قد أساؤا الرأى وجاؤا بالعجز وجرأوا عدوهم عليهم. فقلت: أصلحك الله، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، إن صاحب الروم قد جمع لنا جموعا لم يجمعها هو ولا أحد كان قبله لأحد كان قبلنا، ولقد أخبرنا بعض عيوننا أن عسكرا واحدا من عساكرهم أمر بالعسكرة فى أصل جبل، فهبطوا من الثنية نصف النهار إلى معسكرهم فما تكاملوا فيه حتى أمسوا، ثم ما تكاملوا فيه إلى نصف الليل، فهذا عسكر واحد من عساكرهم، فما ظنك أصلحك الله بما بقى؟.
فقال: لولا أنى ربما كرهت الشىء من أمرهم يضيعونه، فأرى الله تعالى، يخير لهم فى عواقبه لكان هذا رأيا أنا له كاره. أخبرنى: اجتمع رأى جميعهم على التحول؟ قلت:
نعم. قال: فالحمد لله، إنى لأرجو إن شاء الله أن لا يكون جمع الله رأيهم إلا على ما هو خير لهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، اشدد أعضاد المسلمين بمدد يأتيهم من قبلك قبل الوقعة، فإن هذه الوقعة هى الفيصل فيما بيننا وبينهم. فقال لى: أبشر بما يسرك ويسر المسلمين، واحمل كتابى هذا إلى أبى عبيدة وإلى المسلمين، وأعلمهم أن سعيد بن عامر بن
(2/254)

حذيم قادم عليهم بالمدد، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجراح وإلى الذين معه من المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان، والمجاهدين فى سبيل الله، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغنى توجهكم من أرض حمص إلى أرض دمشق، وترككم بلادا فتحها الله عليكم، وخليتموها لعدوكم وخرجتم منها طائعين، فكرهت هذا من رأيكم وفعلكم، ثم إنى سألت رسولكم عن رأى من جميعكم كان ذلك، فزعم أن ذلك كان رأيا من أماثلكم وأولى النهى منكم، فعلمت أن الله لم يكن يجمع رأيكم إلا على توفيق وصواب ورشد فى العاجلة والعاقبة، فهون ذلك علىّ ما كان داخلنى من الكراهية قبل ذلك لتحولكم، وقد سألنى رسولكم المدد، وأنا ممدكم، لن يقرأ عليكم كتابى حتى يشخص إليكم المدد من قبلى إن شاء الله، واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير تهزم الجموع وينزل الله النصر، ولربما خذل الله الجموع الكثيرة فوهنت وقلت وفشلت، ولم تغن عنهم فئتهم شيئا، ولربما نصر الله العصابة القليل عددها على الكثير عددها من أعداء الله، فأنزل الله عليكم نصره، وبعدو المسلمين بأسه ورجزه، والسلام عليكم.
فجاء سفيان بالكتاب إلى أبى عبيدة فقرأه على الناس وسروا به.
وعن عبد الله بن قرط، فى حديثه المتقدم عما اجتمع عليه رأى المسلمين مع أبى عبيدة من الرحيل عن حمص، قال: فلما صلينا صلاة الغداة بحمص خرجنا مع أبى عبيدة نسير حتى قدمنا دمشق وبها خالد بن الوليد، وتركنا أرض حمص ليس فيها منا ديار بعدما كنا قد افتتحناها، وأمنا أهلها، وصالحناهم عليها، وخلا أبو عبيدة بخالد بن الوليد فأخبره الخبر، وذكر له مشورة الناس عليه بالرحلة، ومقالة العبسى فى ذلك، فقال له خالد: أما أنه لم يكن الرأى إلا الإقامة بحمص حتى نناجزهم، فأما إذا اجتمع رأيكم على أمر واحد، فو الله إنى لأرجو أن لا يكون الله قد جمع رأيكم إلا على ما هو خير «1» .
فأقام أبو عبيدة بدمشق يومين، وأمر سويد بن كلثوم أن يرد على أهل دمشق الذين كانوا أمنوا وصولحوا ما كان جبى منهم، ففعل، وقال لهم المسلمون: نحن على العهد الذي كان بيننا وبينكم. ثم إن أبا عبيدة جمع أصحابه، فقال لهم: ماذا ترون؟ أشيروا علىّ.
فقال يزيد بن أبى سفيان: أرى أن تخرج حتى تنزل الجابية، ثم تبعث إلى عمرو بن
__________
(1) انظر الخبر فى: تاريخ فتوح الشام (160- 169) .
(2/255)

العاص فيقدم عليك بمن معه من المسلمين، ثم نقيم للقوم حتى يقدموا علينا، فنقاتلهم ونستعين الله عليهم.
فقال شرحبيل بن حسنة: لكنى أرى إذ خلينا لهم ما خلينا من أرضهم أن ندعها كلها فى أيديهم وننزل التخوم بين أرضنا وأرضهم فندنوا من خليفتنا ومن مددنا، فإذا أتانا من المدد ما نرجو أن نكون لهم به مقرنين قاتلناهم إن أتونا، وإلا أقدمنا عليهم إن هم أقاموا عنا. فقال رجل من المسلمين لأبى عبيدة: هذا أصلحك الله رأى حسن، فاقبله واعمل به.
فقال معاذ بن جبل: وهل يلتمس هؤلاء القوم من عدوهم أمرا أضر لهم ولا أشد عليهم مما تريدون أنتم بأنفسكم، تخلون لهم عن أرض قد فتحها الله عليكم وقتل فيها صناديدهم وأهلك جنودهم، فإذا خرج المسلمون منها وتركوها لهم فكانوا فيها على مثل حالهم الأول، فما أشد على المسلمين دخولها بعد الخروج منها، وهل يصلح لكم أن تدعوها وتدعوا البلقاء والأردن وقد جبيتم خراجهم لتدفعوا عنهم؟ أما والله لئن أردتم دخولها بعد الخروج منها لتكابدن من ذلك مشقة.
فقال أبو عبيدة: صدق والله وبر، ما ينبغى أن نترك قوما قد جبينا خراجهم وعقدنا العهد لهم حتى نعذر إلى الله فى الدفع عنهم، فإن شئتم نزلنا الجابية وبعثنا إلى عمرو بن العاص يقدم علينا، ثم أقمنا للقوم حتى نلقاهم بها.
فقال له خالد: كأنك إذا كنت بالجابية كنت على أكثر مما أنت عليه فى مكانك الذى أنت فيه. فإنهم لكذلك يجيلون الرأى إذ قدم على أبى عبيدة عبد الله بن عمرو بن العاص بكتاب من أبيه يقول فيه: أما بعد، فإن أهل إيلياء وكثيرا ممن كنا صالحناهم من أهل الأردن قد نقضوا العهد فيما بيننا وبينهم، وذكروا أن الروم قد أقبلت إلى الشام بقضها وقضيضها، وأنكم قد خليتم لهم عن الأرض وأقبلتم منصرفين عنها، وقد جرأهم ذلك علىّ وعلى من قبلى من المسلمين، وقد تراسلوا وتواثقوا وتعاهدوا ليسيرون إلىّ.
فاكتب إلىّ برأيك، فإن كنت تريد القدوم علىّ أقمت لك حتى تقدم علىّ، وإن كنت تريد أن تنزل منزلا من الشام أو من غيرها وأن أقدم عليك فأعلمنى برأيك، أوافك فيه، فإنى صائر إليك أينما كنت، وإلا فابعث إلىّ مددا أقوى به على عدوى وعلى ضبط ما قبلى، فإنهم قد أرجفوا بنا واغتمزوا فينا واستعدوا لنا، ولو يجدون فينا ضعفا أو يرون فينا فرصة ما ناظرونا، والسلام عليك.
(2/256)

فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فقد قدم علينا عبد الله بن عمرو بكتابك تذكر فيه إرجاف المرجفين واستعدادهم لك، وجرأتهم عليك للذى بلغهم من انصرافنا عن الروم وما خلينا لهم من الأرض، وأن ذلك والحمد لله لم يكن من المسلمين عن ضعف من بصائرهم، ولا وهن عن عدوهم، ولكنه كان رأيا من جماعتهم كادوا به عدوهم ليخرجوهم من مدائنهم وحصونهم وقلاعهم وليجتمع بعض المسلمين إلى بعض وينتظروا قدوم أمدادهم، ثم يناهضونهم إن شاء الله، وقد اجتمعت خيلهم وتتامت فرسانهم، فعند ذلك فارتقب نصر الله أولياءه، وإنجاز موعوده، وإعزاز دينه، وإذلاله المشركين حتى لا يمنع أحد منهم أمه ولا حليلته ولا نفسه، حتى يتوقلوا فى شعف الجبال، ويعجزوا عن منع الحصون ويجنحوا للسلم، ويلتمسوا الصلح، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: 62] .
ثم أعلم من قبلك من المسلمين أنى قادم عليهم بجماعة أهل الإسلام إن شاء الله، فليحسنوا بالله الظن ولا يجدن عدوكم فيكم ضعفا ولا وهنا، ولا تؤبسوا منكم رعبا فيطمعوا فيكم ويجترئوا عليكم، أعزنا الله وإياكم بنصره، وعمنا بعافيته وعفوه، والسلام عليك.
وقال لعبد الله بن عمرو: اقرأ على أبيك السلام، وأخبره أنى فى أثرك، وأعلم بذلك المسلمين وكن يا عبد الله بن عمرو ممن يشد الله به ظهور المسلمين ويستأنسون به، فإنك رجل من الصحابة، وقد جعل الله للصحابة فضلا على غيرهم من المسلمين، بصحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتكل على أبيك، وكن أنت فى جانب تحرض المسلمين وتمنيهم النصر، وتأمرهم بالصبر، ويكون أبوك يفعل ذلك فى جانب آخر.
فقال: إنى أرجو أن يبلغك عنى إن شاء الله من ذلك ما تسر به، ثم خرج حتى قدم على أبيه بكتاب أبى عبيدة، فقرأه أبوه على الناس، ثم قال: أما بعد، فقد برئت ذمة الله من رجل من أهل عهدنا من أهل الأردن ثقف رجلا «1» من أهل إيلياء «2» فلم يأتنا به، ألا ولا يبقين رجل من أهل عهدنا إلا تهيأ واستعد ليسير معى إلى أهل إيلياء، فإنى أريد السير إليهم والنزول بساحتهم، ثم لا أزايلهم حتى أقتل مقالتهم وأسبى ذراريهم، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
__________
(1) ثقف رجل: أى صفر به.
(2) إيلياء: ويقال أيليا بفتح الهمزة، مدينة بالشام وهى بيت المقدس، وهى مدينة قديمة جليلة على جبل يصعد إليها من كل جانب. انظر: الروض المعطار (68) ، نزهة المشتاق (216) .
(2/257)

ثم نادى فى المسلمين: أن ارتحلوا إلى إيلياء، فسار نحوا من ميلين قبل أرض إيلياء، ثم نزل وعسكر، وقال لأهل الأردن: أخرجوا إلينا الأسواق، ونادى مناديه: برئت الذمة من رجل من أهل الصلح لم يخرج بسلاحه حتى يحضر معنا معسكرنا وينتظر ما نأمر به من أمرنا، فاجتمع أهل الصلح كلهم إليه، وخرجوا بعدتهم وسلاحهم، فقدمهم مع ابنه عبد الله فى خمسمائة من المسلمين، وأمره أن يعسكر بهم، ففعل.
وإنما أراد أن يشغل أهل الأردن عن الإرجاف، وأن يبلغ أهل إيلياء أنه يريد المسير إليهم والنزول بهم، فيرعب قلوبهم ويشغلهم فى أنفسهم وحصونهم عن الغارة عليهم.
فخرج التجار من أهل الأردن ومن كان فيها من أهل إيلياء عند حميم أو ذوى قرابة فلحقوا بإيلياء فقالوا لهم: هذا عمرو بن العاص قد أقبل نحوكم بالناس، فاجتمعوا من كل مكان، وتراسلوا، وجعلوا لا يجيئهم أحد من قبل الأردن إلا أخبرهم بمعسكره، فأيقنوا أنه يريدهم، فكانوا من ذلك فى هول شديد، وزادهم خوفا ووجلا كتاب كتبه إليهم عمرو بن العاص مضمنه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن العاص إلى بطارقة أهل إيلياء، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله الذى لا إله إلا هو، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد: فإنا نثنى على ربنا خيرا، ونحمده حمدا كثيرا، كما رحمنا بنبيه وشرفنا برسالته وأكرمنا بدينه، وأعزنا بطاعته، وأيدنا بتوحيده، فلسنا والحمد لله نجعل له ندا ولا نتخذ من دونه إلها، لقد قلنا إذا شططا، والحمد لله الذى جعلكم شيعا وجعلكم فى دينكم أحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون، فمنكم من يزعم أن لله ولدا، ومنكم من يزعم أن الله ثانى اثنين، ومنكم من يزعم أن الله ثالث ثلاثة، فبعدا لمن أشرك بالله وسحقا، وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، والحمد لله الذى قتل بطارقتكم، وسلب عزكم، وطرد من هذه البلاد ملوككم، وأورثنا أرضكم ودياركم وأموالكم، وأذلكم بكفركم بالله وشرككم به وترككم ما دعوناكم إليه من الإيمان بالله وبرسوله، فأعقبكم الله لباس الخوف والجوع ونقصا فى الأموال والأنفس، وما الله بظلام للعبيد.
فإذا بلغكم كتابى هذا، فأسلموا تسلموا، وإلا فأقبلوا إلىّ حتى أكتب لكم أمانا على دمائكم وأموالكم، وأعقد لكم عقدا على أن تؤدوا إلىّ الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فو الله الذى لا إله إلا هو لأرمينكم بالخيل بعد الخيل وبالرجال بعد الرجال، ثم لا أقلع عنكم حتى أقتل المقاتلة وأسبى الذرية، وحتى تكونوا كأمة كانت فأصبحت كأنها لم تكن.
(2/258)

وأرسل بالكتاب إليهم مع فيج، نصرانى على دينهم، وقال له: عجل علىّ، فإنى إنما أنتظرك، فلما قدم عليهم قالوا له: ويحك، ما وراءك؟ قال: لا أدرى إلا أن هذا الرجل بعثنى إليكم بهذا الكتاب، وقد وجه عسكره نحوكم، وقال لى: ما يمنعنى من المسير إليهم إلا انتظار رجوعك، فقالوا: انتظرنا ساعة من النهار، فإنا ننتظر عينا لنا يقدم علينا من قبل أمير العرب الذى بدمشق، ومن قبل جند الملك الذى أقبل إلينا، فننظر ما يأتينا به، فإن ظننا أن لنا بالعرب قوة لم نصالحهم، وإن خشينا ألا نقوى عليهم صنعنا ما صنع أهل الأردن وغيرهم، فما نحن إلا كغيرنا من أهل الشام، فأقام العلج حتى أمسى، ثم إن رسول أهل إيلياء الذى بعثوه عينا لهم أتاهم فأخبرهم أن باهان قد أقبل من عند ملك الروم فى ثلاثة عساكر، فى كل عسكر منها أكثر من مائة ألف مقاتل، وأن العرب لما بلغهم ما سار إليهم من تلك الجموع علموا أنه لا قبل لهم بما جاءهم، فانصرفوا راجعين، وقد كان أوائل العرب دخلوا أرض قنسرين «1» فأخرجوهم منها، ثم أتوا أرض دمشق فأخرجوهم منها، ثم أقبلت العرب الآن نحو الأردن، نحو صاحبهم هذا الذى كتب إليكم، والروم يسوقونهم سوقا عنيفا، فتباشروا بذلك وسروا به، ودعوا العلج الذى بعث به إليهم عمرو بن العاص، وقالوا: اذهب بكتابنا هذا إلى صاحبك، وكتبوا معه: أما بعد، فإنك كتبت إلينا تزكى نفسك وتعيبنا، وقول الباطل لا ينفع قائله نفسه ولا يضر عدوه، وقد فهمنا ما دعوتنا إليه، وهؤلاء ملوكنا وأهل ديننا قد جاؤكم، فإن أظهرهم الله عليكم فذلك بلاؤه عندنا فى القديم، وإن ابتلانا بظهوركم، فلعمرى لنقرن، لكم بالصغار، وما نحن إلا كمن ظهرتم عليه من إخواننا، ثم دانوا لكم وأعطوكم ما سألتم.
فقدم الرسول بهذا الكتاب على عمرو، فقال له: ما حبسك؟ فأخبره الخبر، فلم يكن إلا يومه ذلك حتى قدم خالد بن الوليد فى مقدمة أبى عبيدة، فجاء حتى نزل اليرموك، وأقبل عمرو حتى نزل معه.
وقعة اليرموك «2» على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
قالوا «3» : ولما اجتمع جمع المسلمين باليرموك استشار أبو عبيدة أهل الرأى من
__________
(1) قنسرين: مدينة بالشام، وهى الجابية، بينها وبين حلب اثنا عشر ميلا. انظر: الروض المعطار (473) .
(2) راجع: المنتظم لابن الجوزى (4/ 118- 123) ، تاريخ الطبرى (3/ 396) .
(3) انظر: تاريخ فتوح الشام (169- 171) .
(2/259)

المسلمين: أين ترون أن نعسكر حتى يقدم مددنا؟ فقال يزيد بن أبى سفيان: أرى أن نسير بمن معنا إلى أيلة، فنقيم بها حتى يقدم علينا المدد. فقال عمرو: ما أيلة إلا كبعض الشام، ولكن سر بنا حتى ننزل الحجر فننتظر المدد، فقال قيس بن هبيرة: لا ردنا الله إذا إليها إن خرجنا لهم عن الشام أكثر مما خرجنا لهم عنه، أتدعون هذه العيون المتفجرة، والأنهار المطردة، والزروع والأعناب، والذهب والفضة والحرير، وترجعون إلى أكل الضباء وليس العباء والبؤس والشقاء وأنتم تعلمون أن من قتل منكم صار إلى الجنة وأصاب نعيما لا يشاكله نعيم، فأين تدعون الجنة وتهربون منها؟ وتزهدون فيها وتأتون الحجر. لا صحب الله من سار إلى الحجر ولا حفظه. فقال له خالد بن الوليد: جزاك الله خيرا يا قيس، فإن رأيك موافق لرأيى.
وفى حديث عن أبى معشر: أن الروم حين جاشت على المسلمين ودنوا منهم دعا أبو عبيدة رؤس المسلمين واستشارهم، فذكر من مشورة يزيد بن أبى سفيان عليه، وعمرو ابن العاص نحوا مما تقدم. قال: وخالد بن الوليد ساكت يسمع ما يقولون، وكان يرحمه الله إذا كانت شدة فإليه وإلى رأيه يفزعون، إذ كان لا يهوله من أمر الروم شىء، ولا يزداد بما يبلغه عنهم إلا جرأة عليهم، فقال له أبو عبيدة: ماذا ترى يا خالد؟ فقال: أرى والله أنا إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة فهم أكثر منا وأقوى علينا، وإن كنا إنما نقاتلهم بالله ولله فما أرى أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعا تغنى عنهم شيئا، ثم غضب، فقال لأبى عبيدة: أتطيعنى أنت فيما آمرك به؟ قال: نعم. قال: فولنى ما وراء بابك، وخلنى والقوم، فإنى والله لأرجو أن ينصرنا الله عليهم، قال: قد فعلت، فولاه ذلك، فكان خالد من أعظم الناس بلاء، وأحسنه غناء وأعظمه بركة، وأيمنه نقيبة، وكانوا أهون عليه من الكلاب.
وعن مالك بن قسامة بن زهير، عن رجل من الروم يدعى جرجة، كان قد أسلم فحسن إسلامه، قال: كنت فى ذلك الجيش الذى بعث قيصر من أنطاكية مع باهان، فأقبلنا ونحن لا يحصى عددنا إلا الله، ولا نرى أن لنا غالبا من الناس، فأخرجنا أوائل العرب من أرض قنسرين ثم أقبلنا فى آثارهم حتى أخرجناهم من حمص، ثم أقبلنا فى آثارهم حتى أخرجناهم من دمشق. قال: ولحق بنا كل من كان على ديننا من النصارى، حتى إن كان الراهب لينزل عن صومعته وقد كان فيها دهرا طويلا من دهره، فيتركها وينزل إلينا ليقاتل معنا غضبا لدينه ومحاماة عليه، وكان من كان من العرب بالشام ممن
(2/260)

كان على طاعة قيصر ثلاثة أصناف، فأما صنف فكانوا على دين العرب، وكانوا معهم، وأما صنف فكانوا نصارى، وكانت لهم فى النصرانية نية، فكانوا معنا، وأما صنف فكانوا نصارى ليس لهم فى النصرانية تلك النية، فقالوا: نكره أن نقاتل أهل ديننا ونكره أن ننصر العجم على قومنا، وأقبلت الروم تتبع أهل الإسلام وقد كانوا هائبين لهم مرعوبين منهم، ولكنهم لما رأوهم قد خلوا لهم البلاد وتركوا لهم ما كانوا افتتحوا جرأهم ذلك عليهم مع عددهم الذى لم يجتمع قط لأحد من قبلهم.
وعن عبد الله بن قرط قال: لما أقبلت الروم من عند ملكهم أخذوا لا يمرون بأرض قد كنا افتتحناها ثم أجلينا لهم عنها إلا أوقعوا بهم ولاموهم وشتموهم وخوفوهم، فيقولون لهم: أنتم أولى باللائمة منا، أنتم وهنتم وعجزتم وتركتمونا وذهبتم، وأتانا قوم لم تكن لنا بهم طاقة، فكانوا يعرفون صدقهم فيكفون عنهم، وأقبلوا يتبعون آثار المسلمين حتى نزلوا بمكان من اليرموك يدعى دير الجبل مما يلى المسلمين، والمسلمون قد جعلوا نساءهم وأولادهم على جبل خلف ظهورهم، فمر قيس بن هبيرة بنسوة من نساء المسلمين مجتمعات، فلما رأينه قامت إليه أميمة بنت أبى بشر بن زيد بن الأطول الأزدية، وكانت تحت عبد الله بن قرط، وكان أشبه خلق الله به فى الحرب، فرسه يشبه فرسه، وباده يشبه باده، وكل شىء منه كذلك، فظنت أنه زوجها، فقالت له: اسمع بنفسى أنت، فعلم قيس أنها شبهته بزوجها، فقال: أظنك شبهتنى بزوجك. فقالت: واسوأتاه وانصرفت، فأقبل قيس عليها، وعلى من كان معها من النساء، فقال لهن: قبح الله امرأة منكن تضطجع لزوجها وهذا عدوه قد نزل بساحته إن لم يقاتل عنها، وإذا أراد ذلك منها فلتتمنع عليه ولتحث فى وجهه التراب، ثم لتقل له: أخرج قاتل عنى، فلست لك بامرأة حتى تمنعنى، فلعمرى ما تقرب النساء على مثل هذه الحال إلا أهل الفسولة والنذالة، ثم مضى. فقالت المرأة: واسوأتاه منه، وإنما ظننت أنه ابن قرط، فإنه لم يتعش البارحة إلا عشاء خفيفا، آثر بعشائه رجلين من إخوانه تعشيا عنده، فكنت هيأت له غداءه، فأردت أن ينزل فيتغذى «1» .
قال ابن قرط: ولما نزل الروم منزلهم الذى نزلوا فيه، دسسنا إليهم رجالا من أهل البلد كانوا نصارى قد أسلموا، فأمرناهم أن يدخلوا عسكرهم فيكتموا إسلامهم ويأتونا بأخبارهم، فكانوا يفعلون ذلك، قال: فلبثوا أياما مقابلينا ثلاثا أو أربعا لا يسألوننا عن شىء ولا نسألهم، ولا يتعرضون لنا ولا نتعرض لهم، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا جلبة
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (172- 174) .
(2/261)

شديدة وأصواتا عالية، فظننا أن القوم يريدون النهوض إلينا، فتهيأنا وتيسرنا، ثم دسسنا إليهم عيونا ليأتونا بالخبر، فما لبثنا إلا قليلا حتى رجعوا إلينا فأخبرونا أن بريدا جاءهم من قبل ملك الروم فبشرهم بمال يقسم بينهم وبمدد يأتيهم، ففرحوا بذلك ورفعوا له أصواتهم، واجتمعوا إلى باهان النائب فيهم عن ملكهم، فقام فيهم فقال: إن الله لم يزل لدينكم هذا معزا وناصرا، وقد جاءكم قوم يريدون أن يفسدوا عليكم دينكم ويغلبوكم على دنياكم، وأنتم عدد الحصى والثرى والذر، والله إن فى هذا الوادى منكم لنحوا من أربعمائة ألف مقاتل سوى أتباعكم وأعوانكم، ومن اجتمع إليكم من سكان بلادكم وممن هو معكم على دينكم، فلا يهولنكم أمر هؤلاء القوم، فإن عددهم قليل، وهم أهل الشقاء والبؤس وجلهم حاسر جائع، وأنتم الملوك، وأهل الحصون والقلاع والعدة والقوة، فلا تبرحوا العرصة حتى تهلكوهم أو تهلكوا أنتم. فقام إليه بطارقتهم فقالوا له:
مرنا بأمرك، ثم انظر ما نصنع. قال: فتيسروا حتى آمركم «1» .
وعن أبى بشر، رجل من تنوخ كان مع باهان، قال: كنت نصرانيا، فنصرت النصارى على العرب، فأقبلت مع الروم، فإذا من نمر به من أهل البلد أحسن شىء ثناء على العرب فى سيرتهم وفى كل شىء من أمرهم، وأقبلت الروم فجعلوا يفسدون فى الأرض ويسيئون السيرة، ويعصون الأمراء، حتى ضج منهم الناس، وشكاهم أهل القرى، فلا تزال جماعة تجىء معها بالجارية قد افتضت، وجماعة يشكون أن أغنامهم ذبحت، وآخرون أنهم خربوا وسلبوا، فلما رأى ذلك باهان، قام فيهم خطيبا فقال: يا معشر أهل هذا الدين، إن حجة الله عليكم عظيمة، إذ بعث إليكم رسولا، وأنزل عليه كتابا، وكان رسولكم لا يريد الدنيا، ويزهدكم فيها، وأمركم أن لا تظلموا أحدا، فإن الله لا يحب الظالمين، وأنتم الآن تظلمون، فما عذركم غدا عند خالقكم وقد تركتم أمره وأمر نبيكم وما أتاكم به من كتاب ربكم؟ وهذا عدوكم قد نزل بكم، يقتل مقاتليكم، ويسبى ذراريكم، وأنتم تعملون بالمعاصى، ولا ترعون منها خشية العقاب، فإن نزع الله سلطانكم من أيديكم وأظهر عليكم عدوكم فمن الظالم إلا أنتم، فاتقوا الله وانزعوا عن ظلم الناس «2» .
فقام إليه رجل من أهل البلد من أهل الذمة يشكو مظلمة، فتكلم بلسانهم، وأنا أفقه كلامهم، فقال: أيها الملك، عشت الدهر ووقيناك بأنفسنا مكروه الأحداث، إنى امرؤ
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (174- 175) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (175- 177) .
(2/262)

من أهل البلد من أهل الذمة وكانت لى غنم أظنها مائة شاة تنقص قليلا، وكان فيها ابن لى يرعاها، فمر به عظيم من عظماء أصحابك، فضرب بناءه إلى جنبها وأخذ حاجته منها، وانتهب بقيتها أصحابه، فجاءته امرأتى تشكو إليه انتهاب أصحابه غنمى، وتقول له: أما ما أخذت أنت لنفسك فهو لك، ولكن ابعث إلى أصحابك يردوا علينا غنمنا، فلما رآها أمر بها فأدخلت بناءه، وطال مكثها عنده، فلما رأى ذلك ابنها دنا من باب البناء فاطلع فيه، فإذا هو بصاحبكم ينكح أمه وهى تبكى، فصاح الغلام، فأمر به فقتل، فأخبرونى ذلك، فأقبلت إلى ابنى، فأمر بعض أصحابه فشد علىّ بالسيف ليضربنى، فاتقيته بيدى فقطعها.
فقال له باهان: فهل تعرفه؟ قال: نعم، قال: وأين هو؟ قال: هو ذا، لعظيم حاضر عنده من عظمائهم، قال: فغضب ذلك العظيم، وغضب له ناس من أصحابه، وكان فيهم ذا شارة وشرف، فأقبل ناس من أصحابه أكثر من مائة، فشدوا على المستعدى فضربوه بأسيافهم حتى مات، ثم رجعوا، وباهان ينظر إلى ما صنعوا، فقال بلسانه: العجب كل العجب، كيف لا تنهد الجبال، وتنفجر البحار، وتتزلزل الأرض، وترعد السماء لهذه الخطيئة التى عملتموها وأنا أنظر، ولأعمالكم العظام التى تعملونها وأنا أرى وأسمع، إن كنتم تؤمنون أن لهؤلاء المستضعفين المظلومين إلها ينصف المظلوم من الظالم فأيقنوا بالقصاص، ومن الآن يعجل لكم الهلاك، وإن كنتم لا تؤمنون بذلك، فأنتم والله عندى شر من الكلاب، والحمر، ولعمرى إنكم لتعملون أعمال قوم لا يؤمنون، ولقد سخط الله أعمالكم، وليكلنكم إلى أنفسكم، فأما أنا فأشهد الله أنى برىء من أعمالكم، وسترون عاقبة الظلم إلى ما تؤديكم، وإلى أى مصير تصيركم. ثم نزل.
قال التنوخى «1» : وكنا نزلنا بالمسلمين ونحن لهم هائبون، وقد كان بلغنا أن نبيهم صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنكم ستظهرون على الروم، وقد كانوا واقعوا غير مرة، كل ذلك يكون لهم الظفر علينا، غير أنا إذا نظرنا إلى عددنا وجموعنا طابت أنفسنا وظننا أن مثل جمعنا لا يفل، فأقام باهان أياما يراسل من حوله من الروم ويأمرهم أن يحملوا إلى أصحابه الأسواق، فكانوا يفعلون، ولم يكن ذلك يضر المسلمين، لأن الأردن فى أيديهم، فهم مخصبون بخير، فلما رأى باهان أن ذلك لا يضرهم، وأنهم مكتفون بالأردن بعث خيلا عظيمة لتأتيهم من وراءهم وعليها بطريق من بطارقتهم، يريد أن يكبتهم بجنوده من كل جانب، فعلم المسلمون ما يريد، فدعا أبو عبيدة خالد بن الوليد، فبعثه فى ألفى فارس
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (178- 179) .
(2/263)

وألفى راجل، فخرج حتى اعترض العلج، فلما استقبله نزل خالد فى الرجالة، وبعث قيس بن هبيرة فى الخيل، فحمل عليهم قيس، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى هزمهم الله، ومشى خالد فى الرجالة حتى إذا دنا شد برايته، وشد معه المسلمون، فضاربوهم بالسيوف حتى تبددوا، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة.
وقال قيس لرجل من بنى نمير، وقد مر به البطريق يركض: يا أخا بنى نمير، لا يفوتنك البطريق، فإنى والله لقد كددت فرسى على هذا العدو اليوم حتى ما عنده جرى، فحمل عليه النميرى فركض فى أثره ساعة ثم أدركه فلما رآه البطريق قد غشيه وأحرجه عطف عليه، فاضطربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض، فاعتركا ساعة، ثم صرعه النميرى، فوقع على صدر البطريق، فى ساقيه، فضمه البطريق إليه، وكان مثل الأسد، فلم يستطع النميرى يتحرك، وجاء قيس حتى وقف عليهما، فقال: يا أخا بنى نمير، قتلت الرجل إن شاء الله، قال: لا والله، ما أستطيع أن أتحرك ولا أضربه بشىء، ولقد ضمنى بفخذيه، وأمسك يدى بيديه، فنزل إليه قيس فضربه، فقطع إحدى يديه، ثم تركه وانطلق، وقال للنميرى: شأنك به، وقام النميرى فضربه بسيفه حتى قتله، ومر به خالد بن الوليد، فقال: من قتل هذا؟ فقال له قيس: هذا النميرى قتله، ولم يخبره هو بما صنع.
وفى حديث عبد الله بن قرط: أن معاذ بن جبل ورجالا معه من المسلمين قالوا لأبى عبيدة حين سار من دمشق إلى اليرموك: ألا تكتب إلى أمير المؤمنين تعلمه علم هذه الجيوش التى جاءتنا وتسأله المدد؟ قال: بلى، فكتب إليه:
أما بعد، فإن الروم نفرت إلينا برا وبحرا، ولم يخلفوا وراءهم أحدا يطيق حمل السلاح إلا جاشوا به علينا، وخرجوا معهم بالقسيسين والأساقفة ونزلت إليهم الرهبان من الصوامع فاستجاشوا أهل أرمينية والجزيرة وجاؤنا وهم نحو من أربعمائة ألف رجل، وإنه لما بلغنى ذلك من أمرهم كرهت أن أغر المسلمين من أنفسهم، فكشفت لهم عن الخبر، وصرحت لهم عن الأمر، وسألتهم عن الرأى، فرأى المسلمون أن يتنحوا إلى جانب من أرض الشام، ثم نضم إلينا قواصينا وننتظر المدد، فالعجل العجل علينا يا أمير المؤمنين بالمدد بعد المدد، والرجال بعد الرجال، وإلا فاحتسب نفوس المسلمين إن هم أقاموا، أو دينهم إن هم هربوا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به، إلا أن يمدهم الله بملائكة أو يأتيهم بغياث من عنده، والسلام عليك «1» .
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (180) .
(2/264)

قال عبد الله بن قرط «1» : وبعثنى بكتابه، فلما قدمت على عمر دعا المهاجرين والأنصار فقرأ عليهم كتاب أبى عبيدة، فبكى المسلمون بكاء شديدا، ورفعوا أيديهم ورغبتهم إلى الله عز وجل، أن ينصرهم، وأن يعافيهم ويدفع عنهم، واشتدت شفقتهم عليهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين، ابعثنا إلى إخواننا، وأمر علينا أميرا ترضاه لنا، أو سر أنت بنا إليهم، فو الله إن أصيبوا فما فى العيش خير بعدهم، قال: ولم أر منهم أحدا كان أظهر جزعا ولا أكثر شفقا من عبد الرحمن بن عوف، ولا أكثر قولا لعمر: سر بنا يا أمير المؤمنين، فإنك لو قدمت الشام شد الله قلوب المسلمين، ورعب قلوب الكافرين.
قال: واجتمع رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقيم عمر ويبعث المدد، ويكون ردآ للمسلمين. قال: فقال لى عمر رحمه الله: كم كان بين الروم وبين المسلمين يوم خرج؟
فقلت: نحو من ثلاث ليال. فقال عمر: هيهات متى يأتى هؤلاء غياثنا.
ثم كتب معى إلى أبى عبيدة: أما بعد، فقد قدم علينا أخو ثمالة بكتابك، تخبر فيه بنفير الروم إلى المسلمين برا وبحرا، وبما جاشوا به عليكم من أساقفتهم ورهبانهم، وأن ربنا المحمود ذا الصنع العظيم والمن الدائم قد رأى مكان هؤلاء الأساقفة والرهبان حين بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق فنصره بالرعب وأعزه بالنصر، وقال وهو لا يخلف الميعاد: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: 9] ، فلا يهولنك كثرة من جاءك منهم فإن الله منهم برىء، ومن برئ الله منه كان قمنا أن لا تنفعه كثرته، وأن يكله الله إلى نفسه ويخذله، ولا يوحشنك قلة المسلمين فى المشركين، فإن الله معك، وليس قليلا من كان الله معه، فأقم بمكانك الذى أنت فيه حتى تلقى عدوك وتناجزهم إن شاء الله، وستظهر بالله عليهم، وكفى بالله ظهيرا ووليا وناصرا.
وقد فهمت مقالتك: احتسب أنفس المسلمين إن أقاموا، أو دينهم إن هم هربوا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكته أو يأتيهم بغياث من قبله. وايم الله، لولا استثناؤك هذا لقد كنت أسأت لعمرى، لئن أقام المسلمون وصبروا فأصيبوا، لما عند الله خير للأبرار، ولقد قال الله تعالى فيهم: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23] ، فطوبى للشهداء ولمن عقل عن الله ممن معك من المسلمين أسوة بالمصرعين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مواطنه، فما عجز الذين قاتلوا فى سبيل الله ولا هابوا لقاء الموت فى جنب الله ولا وهن الذين بقوا من بعدهم ولا
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح دمشق (181- 184) .
(2/265)

استكانوا لمصيبتهم، ولكن تأسوا بهم وجاهدوا فى سبيل الله من خالفهم وفارق دينهم، ولقد أثنى الله على قوم بصبرهم، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 146] ، فأما ثواب الدنيا فالفتح والغنيمة، وأما ثواب الآخرة، فالمغفرة والجنة.
واقرأ كتابى هذا على الناس، ومرهم فليقاتلوا فى سبيل الله وليصبروا كيما يؤتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
وأما قولك: إنه قد جاءهم ما لا قبل لهم به، فإلا يكن لهم به قبل، فإن لله تعالى بهم قبلا، ولم يزل ربنا عليهم مقتدرا، ولو كنا إنما نقاتل عدونا بحولنا وقوتنا وكثرتنا لهيهات ما قد بدنا وهلكنا، ولكنا نتوكل على الله ربنا، ونفوض إليه أمرنا، ونبرأ إليه من الحول والقوة، ونسأله النصر والرحمة، وإنكم منصورون إن شاء الله على كل حال، فأخلصوا لله نياتكم، وارفعوا إليه رغبتكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والسلام.
قال عبد الله بن قرط: فدفع إلىّ عمر الكتاب وأمرنى أن أعجل السير، وقال لى: إذا قدمت على المسلمين فسر فى صفهم، وقف على كل صاحب راية منهم، وأخبرهم أنك رسولى إليهم، وقل لهم: إن عمر يقرئكم السلام ويقول: يا أهل الإسلام، اصدقوا وشدوا على أعدائكم شد الليوث، وأعضوا هامهم السيوف، وليكونوا أهون عليكم من الذر، لا تهلكم كثرتهم ولا تستوحشوا لمن لم يلحق بكم منكم.
قال: فركبت راحلتى وأقبلت مسرعا، أتخوف ألا آتى الناس حتى تكون الوقعة، فانتهيت إلى أبى عبيدة يوم قدم عليه سعيد بن عامر بن حذيم الجمحى فى ألف رجل مددا من قبل عمر رضى الله عنه، فسر بمقدمه المسلمون، وشجعهم ذلك على عدوهم، ودفعت إلى أبى عبيدة كتاب عمر، فقرأه على الناس، فاشتد سرورهم برأيه لهم، وبما أمرهم به من الصبر، وما رجا لهم فى ذلك من الأجر.
وكان أبو عبيدة بعث سفيان بن عوف من حمص إلى عمر يستمده حين بلغه أن الروم قد جاشوا واختلفوا فى الاجتماع للمسلمين، فعند ذلك بعث عمر رحمه الله، سعيد بن
(2/266)

عامر بالمدد، وقد كان أبو بكر رضى الله عنه، وجه سعيدا هذا إلى الشام فى جيش، فكان مع أبى عبيدة حتى شهد معه وقعة فحل، ثم أرسله أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، فقدم به عليه، ثم حج بعد ورجع إلى المدينة، فلم يزل مقيما بها حتى بعثه عمر بهذا المدد.
قال حسان بن عطية «1» : لما عقد له عمر على من وجهه معه، قال له: يا سعيد، إنى قد وليتك على هذا الجيش، ولست بخير رجل منهم إلا أن تكون أتقى لله منه، فلا تشتم أعراضهم، ولا تضرب أبشارهم، ولا تحقر ضعيفهم، ولا تؤثر قويهم، وكن للحق تابعا، ولا تتبع هواك سادرا، فإنه إن بلغنى عنك ما أحب لم يعدمك منى ما تحب! فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين، إنك قد أوصيتنى، فاستمعت منك، فاستمع منى أوصك. قال:
هات، فقد آتاك الله علما يا سعيد، قال: يا أمير المؤمنين، خف الله فى الناس، ولا تخف الناس فى الله، واحبب لقريب الناس وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، والزم الأمر ذا الحجة يكفك الله ما أهمك ويعنك على ما أمرك وما ولك، ولا تقضين فى أمر واحد بقضائين فيختلف قولك وفعلك، ويلتبس الحق بالباطل، ويشتبه عليك الأمر، فتزيغ عن الحق، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا يأخذك فى الله لومة لائم.
قال: فأكب عمر طويلا وفى يده عصا له وهو واضع جبهته عليها، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل، فقال: لله أبوك يا سعيد، ومن يستطيع هذا الذى تذكر؟ قال: من طوق ما طوقت، وحمل ما حملت من هذا الأمر، وإنما عليك أن تأمر فتطاع، أو تعصى فتبوء بالحجة، ويبوء بالمعصية.
وعن الحارث بن عبد الله الأزدى، قال «2» : لما نزل أبو عبيدة اليرموك وضم إليه قواصيه وجاءتنا جموع الروم يجرون الشوك والشجر، ومعهم القسيسون والرهبان والأساقفة، يقصون عليهم ويحرضونهم، خافهم المسلمون، فما كان شىء أحب إليهم من أن يخرجوا لهم ويتنحوا عن بلادهم حتى يأتيهم مدد، يرون أنهم يقوون به على من جاءهم من الروم، فاستشار أبو عبيدة الناس، فكلهم أشار عليه بالخروج من الشام، إلا خالد بن الوليد، فإنه أشار عليه بالمقام، وقال له: خلنى والناس ودعنى والأمر وولنى ما وراء بابك فأنا أكفيك بإذن الله أمر هذا العدو، فقال له أبو عبيدة: شأنك بالناس،
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (186- 187) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (187- 199) .
(2/267)

فخلاه وإياهم، قال: وكان قيس بن هبيرة على مثل رأى خالد، ولم يكن فى المسلمين أحد يعدلهما فى الحرب وشدة البأس. قال: فخرج خالد فى الناس وهم أحسن شىء دعة ورعة وهيئة، وأشدهم فى لقاء عدوهم بصيرة، وأطيبهم أنفسا، فصفهم خالد ثلاثة صفوف، وجعل ميمنة وميسرة، ثم أتى أبا عبيدة. قال: من كنت تجعل على ميمنتك؟
قال: معاذ بن جبل، قال: أهل ذلك هو الرضى الثقة، فولها إياه، فأمر أبو عبيدة معاذا فوقف فى الميمنة، ثم قال: من كنت تول الميسرة؟ قال: غير واحد، قال: فولها إن رأيت قباث بن أشيم، فأمره أبو عبيدة فوقف فى الميسرة، وكان فيها كنانة وقيس، وكان قباث كنانيا، وكان شجاعا بئسا. قال خالد: وأنا على الخيل، وول على الرجالة من شئت، قال: أوليها إن شاء الله من لا يخاف نكوله ولا صدوده عند البأس، أوليها هاشم بن عتبة ابن أبى وقاص، قال: أصبت ووفقت ورشدت. قال أبو عبيدة: انزل يا هاشم، فأنت على الرجالة وأنا معك، وقال خالد لأبى عبيدة: أرسل إلى أهل كل راية فمرهم أن يطيعونى، فدعا أبو عبيدة الضحاك بن قيس، فأمره بذلك، فخرج الضحاك يسير فى الناس ويقول لهم: إن أميركم أبا عبيدة يأمركم بطاعة خالد بن الوليد فيما أمركم به.
فقال الناس: سمعنا وأطعنا، وقال ذلك أيضا معاذ بن جبل لما أنهى إليه الضحاك أمر أبى عبيدة، ثم نظر معاذ إلى الناس فقال: أما إنكم إن أطعتموه لتطيعن مبارك الأمر ميمون النقيبة عظيم الغناء حسن الحسبة والنية، قال الضحاك: فحدثت خالدا بذلك، فقال:
رحم الله أخى معاذا، أما والله إن أحبنى إنى لأحبه فى الله، لقد سبقت له ولأصحابه بسوابق لا ندركها فهنيئا ما خصهم الله به من ذلك. قال الضحاك: فأخبرت معاذا بما رد علىّ خالد، فقال: إنى لأرجو أن يكون الله قد أعطاه بصيرة على جهاد المشركين، وشدة عليهم مع بصيرته وحسن نيته فى إعزاز دينه أحسن الثواب، وأن يكون من أفضلنا بذلك عملا، فقال خالد، وقد لقيته بذلك: ما شىء على الله بعزيز.
قال: ثم إن خالدا سار فى الصفوف، يقف على أهل كل راية، ويقول: يا أهل الإسلام، إن الصبر عز وإن الفشل عجز، وإن مع الصبر تنصرون، والصابرون هم الأعلون، وما زال يقف على أهل كل راية يعظهم ويحضهم، ويرغبهم حتى مر بجماعة الناس، ثم إنه جمع إليه خيل المسلمين، ودعا قيس بن هبيرة، وكان يساعده ويوافقه ويشبهه فى جلده وشدته وشجاعته وإقدامه على المشركين، فقال له خالد: أنت فارس العرب، ولقل من حضر اليوم يعدلك عندى، فاخرج معى فى هذه الخيل، وبعث إلى ميسرة بن مسروق العبسى، وكان من أشراف العرب وفرسانهم، وإلى عمرو بن الطفيل
(2/268)

ذى النور بن عمرو الدوسى، فخرجوا معه، ثم قسموا الخيل أرباعا، فبعث كل رجل منهم على ربع، وخرج خالد فى ربع منها حتى دنوا من عسكر الروم الأعظم الذى فيه باهان، فلما رأتهم الروم فزعوا لمجيئهم، وقد كانوا أخبروا أن العرب تريد الانصراف عن أرض الشام ويخلونهم وإياها، فكان ذلك قد وقع فى نفوسهم وطمعوا به، ورجوا أن لا يكون بينهم قتال، وصدق ذلك عندهم خروجهم من بين أيديهم يسوقونهم، وهم يدعون لهم الأرض والمدائن التى كانوا قد غلبوا عليها، فلما رأوا خالدا قد أقبل إليهم فى الخيل فزعهم ذلك وخرجوا على راياتهم بصلبهم، والقسيسون والرهبان والبطارقة معهم، فصفوا عشرين صفا لا ترى أطرافها، ثم أخرجوا إلى المسلمين خيلا عظيمة تكون أضعاف المسلمين مضاعفة، فلما دنت خيلهم من خيل المسلمين خرج بطريق من بطارقتهم يسأل المبارزة، ويتعرض لخيل المسلمين، فقال خالد: أما لهذا رجل يخرج إليه، ليخرجن إليه بعضكم أو لأخرجن إليه، فنفلت إليه عدة من المسلمين ليخرجوا إليه، وأراد ميسرة بن مسروق ذلك، فقال له خالد: أنت شيخ كبير وهذا الرومى شاب ولا أحب أن تخرج إليه، فإنه لا يكاد الشيخ الكبير يقوى على الشاب الحديث السن، فقف لنا يرحمك الله فى كتيبتك، فإنك ما علمت حسن البلاء عظيم الغناء، وأراد عمرو بن الطفيل الخروج إليه، فقال له خالد: يا ابن أخى أنت غلام حدث، وأخاف أن لا تقوى عليه، قال الحارث بن عبد الله: وكنت فى خيل خالد التى خرجت معه، فقلت: أنا أخرج إليه، فقال: ما شئت، قال:، فلما ذهبت لأخرج قال لى: هل بارزت رجلا قط قبله؟ قلت: لا، قال: فلا تخرج إليه، فقال قيس بن هبيرة: كأنك يا خالد علىّ تحوم؟
قال: أجل، وإنى أرجو إن خرجت إليه أن تقتله، وإن أنت لم تخرج إليه لأخرجن إليه أنا، قال قيس: بل أنا أخرج إليه، فخرج وهو يقول:
سائل نساء الحى فى حجلاتها ... ألست يوم الحرب من أبطالها
ومقعص «1» الأقران من رجالها
فخرج إليه، فلما دنا منه ضرب فرسه، ثم حمل عليه فما هلل أن ضربه بالسيف على هامته فقطع ما عليها من السلاح، وفلق هامته، فإذا الرومى بين يدى فرسه قتيلا، وكبر المسلمون فقال خالد: ما بعد ما ترون إلا الفتح، احمل عليهم يا قيس، ثم أقبل خالد على أصحابه فقال: احملوا عليهم، فو الله لا يفلحون وأولهم فارسا متغفرا فى التراب، قال:
فحملنا عليهم وعلى من يلينا منهم ومن خيلهم، وهى مستقدمة أمام صفوفهم وصفوفهم
__________
(1) مقعص: القعص هو القتل المعجل، وضربه فأقعصه: أماته مكانه. انظر: اللسان (3693) .
(2/269)

كأنها أعراض الجبال، فكشفنا خيلهم حتى لحقت بالصفوف، وحمل خالد وأصحابه على من يليه منهم، فكشفوهم حتى ألحقوهم بالصفوف، وحمل عمرو بن الطفيل وميسرة بن مسروق فى أصحابهما حتى ألحقوهم بالصفوف، ثم إن خالدا أمر خيله فانصرفت عنهم ثم أقبل بها حتى لحق بجماعة المسلمين وقد أراهم الله السرور فى المشركين.
قال: وتلاومت بطارقة الروم، وقال بعضهم لبعض: جاءتكم خيل لعدوكم ليست بالكثيرة فكشفت خيولكم من كل جانب، فأقبلت منهم كتائب فى أثر كتائب، فطيفوا الأرض مثل الليل والسيل، كأنها الجراد السود، وظن المسلمون أنهم يخالطونهم، والمسلمون جراء عليهم سراع إليهم، فأقبلوا حتى إذا دنوا من جماعة المسلمين وقفوا ساعة وقد هابوا المسلمين وامتلأت صدورهم خوفا منهم، فقال خالد للناس: قد رجعنا عنهم ولنا الظفر عليهم، فاثبتوا لهم ساعة، فإن أقدموا علينا قاتلناهم، وإن رجعوا عنا كان لنا الظفر والفضل عليهم، فأخذوا يقتربون ثم يرجعون، والمسلمون فى مصافهم وتحت راياتهم سكوت لا يتكلم رجل منهم كلمة إلا أن يدعو الله فى نفسه ويستنصره على عدوه، فلما نظرت الروم إلى خيل المسلمين ورجالتهم ومصافهم وحدهم وجدهم وصبرهم وسكونهم ألقى الله عز وجل، الرعب فى قلوبهم منهم، فواقفوهم ساعة ثم انصرفوا راجعين عنهم إلى عسكرهم، فاجتمعت بطارقتهم وعظماؤهم إلى باهان وهو أصبر جماعتهم.
فقال لهم باهان: إنى قد رأيت رأيا وأنا ذاكره لكم، إن هؤلاء القوم قد نزلوا بلادكم وركبوا من مراكبكم وطعموا من طعامكم ولبسوا من ثيابكم، فعدل الموت عندهم أن يفارقوا ما تطعموه من عيشكم الرفيع ودنياكم التى لم يروا مثلها قط، وقد رأيت أن أسألهم إن رأيتم ذلك أن يبعثوا إلينا رجلا منهم له عقل فنناطقه ونشافهه ونطمعهم فى شىء يرجعون به إلى أهاليهم، لعل ذلك يسخى بأنفسهم عن بلادنا، فإن هم فعلوا ذلك كان الذى يريدون منا قليلا فيما نخاف وندفع به خطر الوقعة التى لا ندرى أعلينا تكون أم لنا، فقالوا له: قد أصبت وأحسنت النظر لجماعتنا، فاعمل برأيك.
فبعث رجلا من خيارهم وعظمائهم يقال له جرجة إلى أبى عبيدة، فقال له: إنى رسول باهان عامل ملك الروم على الشام، وعلى هذه الجنود، وهو يقول لك: أرسل إلىّ الرجل الذى كان قبلك أميرا فإنه ذكر لى أنه رجل ذو عقل وله فيكم حسب، وقد سمعنا أن عقول ذوى الأحساب أفضل من عقول غيرهم، فنخبره بما نريد ونسأله عما تريدون، فإن وقع فيما بيننا وبينكم أمر لنا ولكم فيه صلاح أو رضى أخذنا به وحمدنا الله عليه، وإن لم يتفق ذلك كان القتال من ورائنا هنالك.
(2/270)

فدعا أبو عبيدة خالدا فأخبره بالذى جاء فيه الرومى، وقال لخالد: القهم فادعهم إلى الإسلام، فإن قبلوا فهو حظهم، وكانوا قوما لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن أبوا فاعرض عليهم الجزية، أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا فأعلمهم أنا نناجزهم ونستعين الله عليهم، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
قال: وجاء رسولهم هذا الرومى، عند غروب الشمس فلم يمكث إلا يسيرا حتى حضرت الصلاة فقام المسلمون يصلون صلاتهم، فلما قضوها قال ذلك الرومى: هذا الليل قد غشينا، ولكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبنا إن شاء الله، وجعل ينظر إلى رجال من المسلمين يصلون وهم يدعون الله ويتضرعون إليه، وجعل ما يفيق وما يصرف بصره عنهم، فقال عمرو: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون، فقال أبو عبيدة: كلا والله، إنى لأرجو أن يكون الله قد قذف فى قلبه الإيمان وحببه إليه، وعرفه فضله، أو ما تنظر إلى نظره إلى المصلين؟ ولبث الرومى بذلك قليلا ثم أقبل على أبى عبيدة، فقال: أيها الرجل، أخبرنى متى دخلتم فى هذا الدين؟ ومتى دعوتم الناس إليه؟.
فقال أبو عبيدة: دعينا إليه منذ بضع وعشرين سنة، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول، ومنا من أسلم بعد ذلك، فقال: هل كان رسولكم أخبركم أنه يأتى من بعده رسول؟
قال: لا، ولكنه أخبرنا أنه لا نبىّ بعده، وأخبرنا أن عيسى ابن مريم قد بشر به قومه، قال الرومى: وأنا على ذلك من الشاهدين، إن عيسى ابن مريم قد بشرنا براكب الجمل، وما أظنه إلا صاحبكم. ثم قال: أخبرنى عن قول صاحبكم فى عيسى، فقال له أبو عبيدة: قول صاحبنا فيه قول الله تعالى فيه، وهو أصدق القائلين وأبرهم، قال الله تعالى:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ إلى قوله: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[النساء:
171، 172] .
فلما فسر له الترجمان ذلك وبلغ هذا المكان قال: أشهد أن هذه صفة عيسى، وأشهد أن نبيكم صادق، وأنه الذى بشر به عيسى، وأنكم قوم صدق، وقال لأبى عبيدة: ادع لى رجلين من أول أصحابك إسلاما، وهما فيما ترى أفضل من معك، فدعا أبو عبيدة، معاذ بن جبل وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له: هذان من أفضل المسلمين فضلا، ومن أولهم إسلاما، فقال لهما الرومى ولأبى عبيدة: أتضمنون لى الجنة إن أنا
(2/271)

أسلمت وجاهدت معكم؟ فقالوا له: نعم، إن أنت أسلمت واستقمت ولم تغير حتى تموت وأنت على ذلك فإنك من أهل الجنة، قال: فإنى أشهدكم أنى من المسلمين، فأسلم وفرح المسلمون بإسلامه، وصافحوه ودعوا له بخير، وقالوا له: إنا إن أرسلنا رسولنا إلى صاحبكم وأنت عندنا ظنوا أنا حبسناك عنهم، فنتخوف أن يحبسوا صاحبنا، فإن شئت أن تأتيهم الليلة وتكتم إسلامك حتى نبعث إليهم رسولنا غدا وننظر علام ينصرم الأمر بيننا وبينهم، فإذا رجع رسولنا إلينا أتيتنا عند ذلك، فما أعزك علينا وأرغبنا فيك وأكرمك علينا، وما أنت الآن عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأبيه وأمه. قال: فإنكم نعم ما رأيتم، فخرج فبات فى أصحابه، وقال لباهان: غدا يجيئكم رسول القوم الذى سألتم، وانصرف إلى المسلمين لما رجع إليهم خالد، فأسلم وحسن إسلامه.
ولما أصبح المسلمون من تلك الليلة بعث خالد بن الوليد بقية له حمراء من أدم كان اشتراها بثلاثمائة دينار، فضربت له فى عسكر الروم، ثم خرج حتى أتاها، فأقام فيها ساعة، وكان خالد رجلا طويلا جميلا جليدا مهيبا لا ينظر إليه رجل إلا ملأ صدره وعرف أنه من جلداء الرجال وشجعانهم، وأشدائهم، وبعث باهان إلى خالد وهو فى قبته: أن القنى، وصف له فى طريقه عشرة صفوف عن يمينه، وعشرة صفوف عن شماله، مقنعين فى الحديد، عليهم الدروع والبيض والسواعد والجواشن والسيوف، لا يرى منهم إلا الحدق، وصف من وراء تلك الصفوف خيلا عظيمة، وإنما أراد أن يريه عدد الروم وعدتهم ليرعبه بذلك، وليكون أسرع له إلى ما يريد أن يعرض عليه، فأقبل خالد غير مكترث لما رأى من هيئاتهم وجماعتهم، ولكانوا أهون عليه من الكلاب، فلما دنا من باهان رحب به، ثم قال بلسانه: هاهنا عندى، اجلس معى فإنك من ذوى أحساب العرب فيما ذكر لى، ومن شجعانهم، ونحن نحب الشجاع ذا الحسب، وقد ذكر لى أن لك عقلا ووفاء، والعاقل ينفعك كلامه، والوفى يصدق قوله ويوثق بعهده، وأجلس فيما بينه وبين خالد ترجمانا له يفسر لخالد ما يقول، وخالد جالس إلى جنبه.
قال الحارث بن عبد الله الأزدى: قال لى خالد يوم غدا إلى عسكر الروم: اخرج معى، وكنت صديقا له قل ما أفارقه وكان يستشيرنى فى الأمر إذا نزل به، فكنت أشير عليه بمبلغ رأيى، فكان يقول لى: إنك ما علمت لميمون الرأى ولقل ما أشرت علىّ بمشورة إلا وجدت عاقبتها تؤدى إلى سلامة، فخرجت يومئذ معه، حتى إذا دخلنا عسكرهم وضربت قبته وبعث إليه باهان ليلقاه قال لى: انطلق معى، فقلت له: إن القوم إنما أرادوك ولا أراهم يدعوننى أدنو إليهم معك، فقال لى: امضه، فمضيت معه، فلما
(2/272)

دنونا من باهان وعلى رأسه ألوف رجال بعضهم خلف بعض وحوله، لا يرى منهم إلا أعينهم، وفى أيديهم العمد، جاءنا الترجمان فقال: أيكما خالد؟ فقال خالد: أنا، فقال:
أقبل أنت وليرجع هذا، فقام خالد وقال: هذا رجل من أصحابى ولست استغنى عن رأيه، فرجع إلى باهان فأخبره، فقال: دعوه فليأت معه، فأقبلنا نحوه، فلم يمش إلا خطا خمسا أو ستا حتى جاء نحو من عشرة، فقالوا لى: ضع سيفك، ولم يقولوا لخالد شيئا، فنظرت ما يقول لى خالد، فقال لهم: ما كان ليضع عزه من عنقه أبدا، وقد بعثتم إلينا فأتيناكم، فإن تكرمونا جلسنا إليكم وسمعنا منكم، وإن أبيتم فخلوا سبيلنا فننصرف عنكم، فرجع الترجمان إلى باهان فأخبره، فقال: دعوهما، فأقبلنا إليه، فرحب بخالد وأجلسه معه، وجلست أنا على نمارق مطروحة للناس قريبا منهما، وحيث أسمع كلامهما، فقال باهان لخالد: إنك من ذوى أحساب العرب، فيما ذكر لى، ومن شجعانهم، وقد ذكر لى أن لك عقلا ووفاء، والعاقل ينفعك كلامه، والوفى يصدق قوله يوثق بعهده.
فلما فسر له الترجمان ذلك قال خالد: إن نبينا صلى الله عليه وسلم قال لنا: إن حسب المرء دينه، ومن لم يكن له دين فلا حسب له، وقال لنا: إن أفضل الشجاعة وخيرها فى العاجلة والعاقبة ما كان منها فى طاعة الله، وأما ما ذكرت أنى أوتيت عقلا ووفاء، فإن أكن أوتيت ذلك فلله المن والفضل علينا، وهو المحمود عندنا، وقد قال لنا نبينا صلى الله عليه وسلم: إن الله لما خلق العقل وفرغ من خلقه، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: وعزتى ما خلقت من خلقى شيئا هو أحب إلىّ منك، بك أحمد، وبك أعبد، وبك أعرف، وبك تنال طاعتى، وبك تدخل جنتى، ثم قال خالد: والوفاء لا يكون إلا من العقل، فمن لم يكن له عقل فلا وفاء له، ومن لا وفاء له لا عقل له. فقال له باهان: أنت أعقل أهل الأرض، ما يتكلم بكلامك ولا يبصره ولا يفطن له إلا الفائق من الرجال، ثم قال لخالد:
أخبرنى عنك، وأنت هكذا تحتاج إلى مشورة هذا الرجل؟ فقال له خالد: وأعجب من ذلك أن فى عسكرنا أكثر من ألف رجل كلهم لا يستغنى عن رأيه ولا عن مشورته، فقال باهان: ما كنا نظن ذلك عندكم، ولا نراكم به، فقال له خالد: ما كل ما تظنون ونظن يكون صوابا، فقال باهان: صدقت، ثم قال له: إن أول ما أكلمك به أنى أدعوك إلى خلتى ومصافاتى، فقال له خالد: كيف لى ولك أن يتم هذا فيما بينى وبينك وقد جمعتنى وإياك بلدة لا أريد أنا ولا تريد أنت أن نفترق حتى تصير البلدة لأحدنا، فقال له باهان: فلعل الله أن يصلح بيننا وبينك فلا يهراق دم ولا يقتل قتيل، قال خالد: إن شاء
(2/273)

الله فعل، قال باهان: فإنى أريد أن ألقى الحشمة فيما بينى وبينك وأكلمك كلام الأخ أخاه، إن قبتك هذه الحمراء قد أعجبتنى فأنا أحب أن تهبها لى، فإنى لم أر قبة من القباب أحسن منها، فخذ ما بدا لك فيها وسلنى ما أحببت فهو فى يدك، فقال له خالد:
خذها فهى لك، ولست أريد من متاعك شيئا، قال: والله ما ظننته سألها إلا لينظر إليها، فإذا هو قد أخذها، ثم قال لخالد: إن شئت بدأتك فتكلمت، وإن شئت أنت فتكلم، فقال له خالد: ما أبالى أى ذلك كان، أما أنا فلا أخالك إلا وقد بلغك وعلمت ما أسأل وأطلب، وما أدعو إليه، وقد جاءك بذلك أصحابك ومن لقينا منهم بأجنادين ومرج الصفر وفحل ومدائنكم وحصونكم، وأما أنت فلست أدرى ما تريد أن تقول، فإن شئت فتكلم، وإن شئت بدأتك فتكلمت، فقال باهان:
الحمد لله الذى جعل نبينا أفضل الأنبياء، وملكنا أفضل الملوك، وأمتنا أفضل الأمم، فلما بلغ هذا المكان، قال خالد وقطع على باهان منطقه: والحمد لله الذى جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم، وبجميع الأنبياء، وجعل الأمير الذى وليناه أمورنا رجلا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا، ولسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلا إلا أن يكون أتقى منه عند الله، وأبر، والحمد لله الذى جعل أمتنا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقر بالذنب وتستغفر منه، وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، قل الآن ما بدا لك.
فاصفر وجه باهان وسكت قليلا، ثم قال: الحمد لله الذى أبلانا فأحسن البلاء عندنا فأغنانا من الفقر، ونصرنا على الأمم، وأعزنا فلا نذل، ومنعنا من الضيم فلا تباح حرمتنا، ولسنا فيما أعزنا الله به وأعطانا من ديننا ببطرين ولا مرحين، ولا باغين على الناس، وقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن جوارهم، ونعظم رفدهم، ونفضل عليهم، ونفى لهم بالعهد، وخيرناهم بلادنا، ينزلون منها حيث شاؤا، فينزلون آمنين، ويرحلون آمنين، وكنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكرون لنا ذلك الذى آتينا إلى إخوانهم، وما اصطنعنا عندهم فلم يرعنا منهم إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال، تقاتلوننا على حصوننا، وتريدون أن تغلبونا على بلادنا، وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا وأعظم مكيدة وأقوى جدا، فلم يرجعوا عنا إلا وهم بين أسير وقتيل، وأرادت ذلك منا فارس، فقد بلغكم كيف صنع الله بهم، وأراد ذلك منا الترك فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس، وأرادنا غيرهم من أهل المشرق والمغرب، من ذوى المنعة والعز والجنود العظيمة، فكلهم أظفرنا الله بهم، وصنع لنا عليهم، ولم تكن أمة من الأمم بأدق عندنا منكم شأنا ولا أصغر أخطارا، إنما جلكم رعاء الشاء والإبل
(2/274)

وأهل الصحراء والحجر والبؤس والشقاء، أفأنتم تطمعون أن نتخلى لكم عن بلادنا، بئس ما طمعتم فيه منا، وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا ونحن ننفى كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر، فعثتم فى بلادنا وأفسدتم كل الفساد، وقد ركبتم مراكبنا، وليست كمراكبكم، ولبستم ثيابنا، وليست كثيابكم، وطعمتم من طعامنا وليس كطعامكم، وأصبتم منا وملأتم أيديكم من الذهب الأحمر والفضة البيضاء، والمتاع الفاخر، ولقد لقيناكم الآن وذلك كله لنا، وهو فى أيديكم، فنحن نسلمه لكم، فاخرجوا به وانصرفوا عن بلادنا، فإن أبت أنفسكم إلا أن تخرجوا وتشرهوا وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما نقوى به الضعيف منكم، ويرى الغائب أن قد رجع إلى أهله بخير فعلنا، ونأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار ونأمر لك بمثلها، ونأمر لرؤسائكم بألف دينار ألف دينار، ونأمر لجميع أصحابك لكل واحد منهم بمائة دينار، على أن تحلفوا لنا بالأيمان المغلظة أن لا تعودا إلى بلادنا، ثم سكت.
فقال خالد: الحمد لله الذى لا إله إلا هو، فلما فسر ذلك الترجمان، رفع باهان يديه إلى السماء، ثم أشار إليه بيده، وقال لخالد: نعم ما قلت، قال خالد: وأشهد أن محمدا رسول الله، فلما فسرها الترجمان قال باهان: الله أعلم، ما أدرى لعله كما تقول، ثم قال خالد: أما بعد، فإن كل ما ذكرت به قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظفر على الأعداء والتمكن فى البلاد نحن به عارفون، وكل ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم منا فقد عرفناه، وذلك لأمر كنتم تصلحون به دنياكم زيادة فى ملككم وعزا لكم ألا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم قد دخلوا فى دينكم وهم يقاتلوننا معكم، وأما ما ذكرتنا به من رعى الإبل والغنم، فما أقل ما رأيت واحدا منا يكرهه، وما لمن يكرهه منا فضل على من يفعله، وأما قولك: إنا أهل الصحراء والحجر والبؤس والشقاء، فحالنا والله كما وصفته وما ننتفى من ذلك ولا نتبرأ منه، وكنا على أسوأ وأشد مما ذكرت، وسأقص عليك قصتنا وأعرض عليك أمرنا وأدعوك إلى حظك إن قبلت، ألا إنا كنا معشر العرب أمة من هذه الأمم، أنزلنا الله وله الحمد منزلا من الأرض ليست به أنهار جارية ولا يكون فيه من الزرع إلا القليل، وجل أرضنا المهامة والقفار، وكنا أهل الحجر ومدر وشاة وبعير وعيش شديد وبلاء دائم لازم، نقطع أرحامنا، ونقتل خشية الإملاق أولادنا، ويأكل قوينا ضعيفنا، وكثيرنا قليلنا، ولا تأمن قبيلة منا قبيلة إلا أربعة أشهر من السنة، نعبد من دون الله أوثانا وأصناما ننحتها بأيدينا من الحجارة التى نختارها على أعيننا،
(2/275)

وهى لا تضر ولا تنفع، ونحن عليها مكبون، فبينا نحن كذلك على شفا حفرة من النار، من مات منا مات مشركا وسار إلى النار، ومن بقى منا بقى مشركا كافرا بربه قاطعا لرحمه، إذ بعث الله فينا رسولا من صميمنا وخيارنا دعانا إلى الله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع الأنداد التى يعبدها المشركون.
وقال لنا: لا تتخذوا من دون ربكم إلها، ولا وليا، ولا نصيرا، ولا تجعلوا معه صاحبة ولا ولدا، ولا تعبدوا من دونه نارا ولا حجرا ولا شمسا ولا قمرا، واكتفوا به ربا وإلها من كل شىء دونه، وكونوا أولياءه، وإليه فارغبوا، وإياه فادعوا، وقال لنا: قاتلوا من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وكل من زعم أن لله ولدا، وأنه ثانى اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويدخلوا فى الإسلام، فإن فعلوا حرمت عليكم دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وهم إخوانكم فى الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فإن هم أبوا أن يدخلوا فى دينكم وأقاموا على دينهم فاعرضوا عليهم الجزية أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإنه من قتل منكم كان شهيدا حيا عند الله، مرزوقا، وأدخله الله الجنة، ومن قتل من عدوكم قتل كافرا وصار إلى النار مخلدا فيها أبدا.
ثم قال خالد: وهذا والله الذى لا إله إلا هو هو الذى أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فعلمناه، وأمرنا به، وأمرنا أن ندعو الناس إليه، ونحن ندعوكم إلى الإسلام وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإلى أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتقروا بما جاء به من عند الله، فإن فعلتم فأنتم إخواننا فى الدين، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فإن أبيتم فإنا نعرض عليكم أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن فعلتم قبلنا منكم وكففنا عنكم، وإن أبيتم أن تفعلوا فقد والله جاءكم قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة، فاخرجوا بنا على اسم الله حتى نحاكمكم إلى الله، فإنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ثم سكت خالد، فقال باهان: أما أن ندخل فى دينكم فما أبعد من ترى من الناس أن يترك دينه ويدخل فى دينكم، وإما أن نؤدى الجزية، ثم تنفس الصعداء، وثقلت عليه وعظمت عنده، فسيموت من ترى جميعا قبل أن يؤدوا الجزية إلى أحد من الناس، وهم يأخذون الجزية ولا يعطونها، وأما قولك: فاخرجوا حتى يحكم الله بيننا، فلعمرى ما جاءك هؤلاء القوم وهذه الجموع إلا ليحاكموك إلى الله، وأما قولك: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فصدقت والله، ما كانت هذه الأرض التى نقاتلكم عليها وتقاتلوننا إلا لأمة من
(2/276)

الأمم كانوا قبلنا فيها، فقاتلناهم عليها فأخرجناهم منها، وقد كانت قبل ذلك لقوم آخرين فأخرجهم منها هؤلاء الذين كنا قاتلناهم عليها، فابرزوا على اسم الله، فإنا خارجون إليكم.
قال الحارث: فلما فرغ باهان من كلامه وثب خالد فقام، وقمت معه، فمر بقبته فتركها، وبعث معنا صاحب الروم رجالا حتى أخرجونا من عسكرهم وأمنا، فرجعنا إلى أبى عبيدة، فقص عليهم خالد الخبر، وأخبرهم بأن القتال سيقع بينهم، وقال للناس:
استعدوا أيها الناس استعداد قوم يرون أنهم عن ساعة مقاتلون.
وحدث «1» أبو جهضم الأزدى، عن رجل من الروم كان مع باهان فى عسكرهم ذلك وأسلم بعد فحسن إسلامه، قال: كتب باهان إلى قيصر كتابا يخبره فيه بخالد وحال أصحابه وحال المسلمين، وكان قد جمع أصحابه يوم انصرف عنهم خالد، فقال: أشيروا علىّ برأيكم فى أمر هؤلاء القوم فإنى قد هيبتهم فما أراهم يهابون، وأطمعتهم فليس يطمعون، وأردتهم على الرجوع والخروج عن بلادنا بكل وجه فليسوا براجعين، والقوم ليس يريدون إلا هلاككم واستئصالكم وسلب سلطانكم، وأكل بلادكم، وسبى أولادكم ونسائكم، وأخذ أموالكم، فإن كنتم أحرارا فقاتلوا عن سلطانكم، وامنعوا حريمكم ونساءكم وأموالكم وبلادكم وأولادكم، فقامت البطارقة رجلا بعد رجل فكلهم يخبره أنه طيب النفس بالموت دون بلاده وسلطانه، وقالوا له: إذا شئت فانهض بنا فقال لهم: فكيف ترون، نقاتلهم فإنا أكثر من عشرة أضعافهم، نحن نحو من أربعمائة ألف، وهم نحو من ثلاثين ألفا أو أقل أو أكثر.
فقال بعضهم: أخرج إليهم فى كل يوم مائة ألف يقاتلونهم وتستريح البقية، وتسرح عيالنا وأثقالنا إلى البحر، فلا يكون معنا شىء يهمنا ولا يشغلنا، ويقاتلهم كل يوم منا مائة ألف، فهم فى كل يوم فى قتل وجراحة وعناء ومشقة وشدة، ونحن لا نقاتل إلا فى كل أربعة أيام يوما فإن هم هزموا منا فى كل يوم مائة ألف بقى لهم أكثر من مائتى ألف لم ينهزموا، فقال آخرون: لا، ولكنا نرى إذا هم خرجوا إلينا أن نبعث إلى كل رجل منهم عشرة من أصحابك، فلا والله لا يجتمع عشرة على واحد إلا غلبوه، فقال باهان: هذا ما لا يكون، وكيف أقدر على عددهم حتى أبعث إلى كل رجل منهم عشرة من أصحابى، وكيف أقدر أن ينفرد الرجل منهم عن صاحبه حتى أبعث إليه عشرة من قبلى، هذا ما لا يكون.
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (207) .
(2/277)

قال: فأجمعوا رأيهم جميعا على أن يخرجوا بأجمعهم خرجة واحدة فيناجزوهم فيها ولا يرجعوا عنهم حتى يحكم الله بينهم.
وكتب باهان إلى قيصر: أما بعد، نسأل الله لك أيها الملك ولجندك وأهل مملكتك النصر ولدينك وسلطانك العز، فإنك بعثتنى فيما لا يحصيه من العدد إلا الله، فقدمت على القوم، فأرسلت إليهم فهيبتهم فلم يهابوا، وأطمعتهم فلم يطمعوا، وخوفتهم فلم يخافوا، وسألتهم الصلح فلم يقبلوا، وجعلت لهم الجعل على أن ينصرفوا فلم يفعلوا، وقد ذعر منهم جند الملك ذعرا شديدا، وخشيت أن يكون الفشل قد عمهم، والرعب قد دخل قلوبهم، إلا أن منهم رجالا قد عرفتهم ليسوا بفرارين عن عدوهم، ولا شكاك فى دينهم، ولو قد لقوهم لم يفروا حتى يظهروا أو يقتلوا، وقد جمعت أهل الرأى من أصحابى، وأهل النصيحة لملكنا وديننا، فاجتمع رأيهم على النهوض إليهم جميعا، فى يوم واحد، ولا نزايلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال: وكان باهان قد رأى رؤيا، فذكرها لملك الروم فى كتابه هذا، فقال له: وقد أتانى آت فى منامى، فقال لى: لا تقاتل هؤلاء القوم، فإنهم يهلكونك ويهزمونك، فلما انتبهت عبرت أنه من الشيطان، أراد أن يحزننى، فخسأته «1» ، فإن يكن الشيطان فقد خسأته، وإن لم يكن فقد بين لى الأمر، فابعث أنت أيها الملك بثقلك وحرمك ومالك فألحقهم بأقصى بلادك، وانتظر وقعتنا هذه، فإن أظهرنا الله عليهم حمدت الله الذى أعز دينك ومنع سلطانك، وإن هم ظفروا علينا، فارض بقضاء الله، واعلم أن الدنيا زائلة عنك كما زالت عمن كان قبلك، فلا تأسف منها على ما فاتك ولا تغتبط منها بشىء مما فى يديك، والحق بمعاقلك ودار مملكتك، وأحسن إلى رعيتك وإلى الناس يحسن الله إليك، وارحم الضعفاء والمساكين ترحم، وتواضع لله يرفعك، فإن الله لا يحب المتكبرين، والسلام.
قال: ثم إن باهان خرج إلى المسلمين فى يوم ذى ضباب ورذاذ، وصف لهم عشرين صفا لا ترى أطرافها، ثم جعل على ميمنته ابن قماطر، ومعه جرجير فى أهل أرمينية، وجعل الدرنجار فى ميسرته، وكان من خيارهم ونساكهم، فأقبلوا نحو المسلمين كأنهم أعراض الجبال وقد ملأوا الأرض، فلما نظر إليهم المسلمون وقد أقبلوا كلهم، نهضوا إلى راياتهم، وجاء خالد بن الوليد ويزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وهم الأمراء الذين كان أبو بكر رضى الله عنه، أمرهم إلى أبى عبيدة بن الجراح،
__________
(1) خسأ: طرد وأبعد ودحر. انظر: اللسان (1155) .
(2/278)

ومعه معاذ بن جبل لا يفارقه، فقالوا له: إن هؤلاء قد زحفوا لنا هذا اليوم المطير، وإنا لا نرى أن نخرج إليهم فيه حتى يطلوا «1» بعسكرنا ويضطرونا إلى ذلك، قال: أصبتم، ثم خرج هو ومعاذ فصفوا الناس وهيئوهم ووقفوهم على مراكزهم، وأقبلت الروم فى المطر، فوقفوا ساعة وتصبروا عليه، فلما رأوا أن المطر لا يقلع انصرفوا إلى عسكرهم، ودعا الدرنجار رجلا من العرب ممن كان على دين النصرانية فقال له: ادخل فى عسكر هؤلاء القوم فانظر ما حالهم وما هديهم، وما يصنعون، وكيف سيرتهم، ثم القنى بها، فخرج ذلك الرجل حتى دخل عسكر المسلمين فلم يستنكروه لأنه كان رجلا من العرب لسانه ووجهه، فمكث فى عسكرهم ليلة حتى أصبح، فوجد المسلمين يصلون الليل كله كأنهم فى النهار، ثم أصبح فأقام عامة يومه، ثم خرج إليه، فقال: جئتك من عند قوم يصومون النهار، ويقومون الليل، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل، وأسد بالنهار، لو سرق ملكهم فيهم لقطعوه، ولو زنى لرجموه، لا يثأرهم الحق واتباعهم إياه على الهوى، فقال: لئن كان هؤلاء القوم هكذا لبطن الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم.
فلما كان من الغد خرجوا أيضا، فى يوم ذى ضباب، وأتى المسلمين رجال من العرب كانوا نصارى فأسلموا، فقال لهم أبو عبيدة وخالد: ادخلوا فى عسكر الروم واكتموهم إسلامكم والقونا بأخبارهم، فإن لكم فى هذا أجرا، والله حاسبه لكم جهادا، فإنكم تدفعون بذلك عن حرمة الإسلام وتدلون على عورة أهل الشرك، فانطلقوا فدخلوا عسكر الروم، ثم جاؤا بعد ما مضى من الليل نصفه، فأتوا أبا عبيدة فقالوا له: إن القوم قد أوقدوا النيران، وهم يتبعون لكم ويتهيأون للقائكم، وهم مصبحوكم بالغداة، فما كنتم صانعين فاصنعوه الآن، فخرج أبو عبيدة ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد ويزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص، فعبأوا الناس وصفوهم، فلم يزالوا فى ذلك حتى أصبحوا.
وعن راشد بن عبد الرحمن الأزدى، قال «2» : صلى بنا أبو عبيدة يومئذ صلاة الغداة فى عسكره فى الغداة التى لقينا فيها الروم باليرموك، فقرأ فى أول ركعة بالفجر وليال عشر، فلما مر بقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ
__________
(1) يلطوا: لط الشىء يلطه لطا: ألزقه ولزمه. انظر: اللسان (4034) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (212) .
(2/279)

لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: 4، 14] قلت فى نفسى: ظهرنا والله على القوم للذى أجرى الله على لسانه، وسررت بذلك سرورا شديدا، وقلت: عدونا هذا والله نظير لهذه الأمم، فى الكفر والكثرة والمعاصى، قال: ثم قرأ فى الركعة الثانية: وَالشَّمْسِ وَضُحاها، فلما مر بقول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إلى آخر السورة، قلت فى نفسى:
هذه والله أخرى، إن صدق الفأل ليصبن الله عليهم سوط عذاب، وليدمدمن الله عليهم كما دمدم على هذه القرون من قبلهم، فلما قضى أبو عبيدة صلاته، أقبل على الناس بوجهه، وقال:
أيها الناس أبشروا، فإنى رأيت فى ليلتى هذه فيما يرى النائم كأن رجالا أتونى فحفوا بى وعليهم ثياب بيض، ثم دعوا إلىّ رجالا منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم، فإنكم الأعلون، وكأنا مضينا إلى عسكر عدونا، فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا، وجئنا حتى دخلنا عسكرهم، وولوا مدبرين.
فقال له الناس: أصلحك الله، نامت عينك، هذه بشرى من الله، بشرك الله بخير.
وقال أبو مرثد الخولانى: وأنا أصلحك الله قد رأيت رؤيا، إنها لبشرى من الله، رأيت فى هذه الليلة كأنا خرجنا إلى عدونا، فلما تواقعنا صب الله عليهم من السماء طيرا بيضا عظاما لها مخالب كمخالب الأسد، وهى تنقض من السماء انقضاض العقبان، فإذا حاذت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخر منها متقطعا.
وكان الناس يقولون: أبشروا معاشر المسلمين، فقد أيدكم الله عليهم بالملائكة. قال:
فتباشر الناس بهذه الرؤيا وسروا بها، فقال أبو عبيدة: وهذه والله بشرى من الله، فحدثوا بهذه الرؤيا الناس، فإن مثلها من الرؤيا ما يشجع المسلم ويحسن ظنه وينشطه للقاء عدوه.
قال: وانتشرت هذه الرؤيا ورؤيا أبى عبيدة فى المسلمين، واستبشروا بهما.
وعن أبى جهضم أيضا «1» : أن رجلا من الروم حدثه فى خلافة عبد الملك بن مروان أن رجلا من عظمائهم أتى باهان فى صبيحة الليلة التى خرج إلى المسلمين باليرموك، فقال له: إنى رأيت رؤيا أريد أن أحدثك بها، قال: هاتها، قال: رأيت كأن رجالا نزلوا من السماء طول أحدهم أبعد من مد بصره، فنزعوا سيوفنا من أغمادها وأسنة رماحنا من أطرافها، ثم لم يدعوا منا رجلا إلا كتفوه، ثم قالوا لنا: اهربوا وأكثركم هالك،
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (214- 216) .
(2/280)

فأخذنا نهرب، فمنا من يسقط على وجهه ومنا من يتبلد لا يستطيع أن يبرح من مكانه، ومنا من يحل كتافه ثم يسعى حتى لا نراه.
فقال له باهان: أما من رأيت يسقط على وجهه، ومن رأيته يتبلد لا يطيق أن يسعى ولا يتنحى من مكانه فهم الذى يهلكون، وأما الذين رأيت يحلون كتافهم ويسعون حتى لا نراهم، فأولئك الذين ينجون، ثم قال له باهان: أما أنت فو الله لا تسلم منى أبدا، فوجهك الذى بشر بالشر وقنط من الخير، ألست الذى كنت أشد الناس علىّ فى أمر الرجل الذى قتل رجلا من أهل الذمة، فأردت أن أقتله، فكنت أنت من أشد الناس علىّ فى أمره حتى عطلت حدا من حدود الله وتركته، وكان علىّ من الحق أن أقيمه، فحلت بينى وبينه فى جماعة من السفهاء، وتركته كراهية أن أفرق جماعتكم أو أن يضرب بعضكم بعضا، فأما الآن، فقد حدثت نفسى بالموت، وإنما ألقى القوم عن ساعة، فإن شئتم الآن فتفرقوا، وإن شئتم فاجتمعوا وأنا أتوب إلى الله من ترك ذلك الحد يومئذ، فإنه لم يك يسعنى ولا ينبغى لى إلا قتله، ولو قتلتمونى معه، ثم أمر به فضربت عنقه. قال:
وطلب الرومى الذى كان قتل الذمى فهرب منه فلم يقدر عليه، وقد تقدمت قصة هذا الرومى المقتول تعديا فيما أخرجناه قبل من الحديث عن أبى بشر التنوخى، فأغنى ذلك عن إعادتها.
وعن راشد بن عبد الرحمن الأزدى «1» : أن باهان زحف يوم اليرموك إلى المسلمين فى عشرين صفا تضم نحوا من أربعمائة ألف مقاتل، وأصبح المسلمون طيبة أنفسهم لقتال المشركين، قد شرح الله صدورهم وشجع قلوبهم على لقاء عدوهم، فأخرجهم أبو عبيدة وجعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته قباث بن أشيم، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم وفيهم أشراف العرب وفرسانهم من رجالهم وقبائلهم، وفيهم الأزد وهم ثلث الناس، وحمير، وهم عظم الناس، وفيهم همدان وخولان ومذحج وخثعم وقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغسان وكندة وحضرموت، ومعهم جماعة من كنانة، ولكن عظم الناس أهل اليمن، ولم يحضرها يومئذ أسد ولا تميم ولا ربيعة، ولم تكن دارهم هنالك، إنما كانت دارهم عراقية، فقاتلوا أهل فارس بالعراق، فلما برز المسلمون إلى عدوهم، سار أبو عبيدة فيهم، ثم قال: يا عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإن وعد الله حق، يا معشر المسلمين، اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، فلا تبرحوا
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (217) .
(2/281)

مصافكم ولا تخطوا إليهم بخطوة ولا تبدأوهم بقتال، واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله حتى آمركم إن شاء الله.
وخرج معاذ يقص على الناس، ويقول: يا قراء القرآن ومستحفظى الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق، إن رحمة الله لا تنال بالتوانى، وجنته لا تدخل بالأمانى، ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله، ألم تسمعوا لقول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور: 55] إلى رأس الآية، أنتم إن شاء الله منصورون، فأطيعوا الله ورسوله: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46] ، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، وأنتم فى قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ ولا منجى من دونه، ولا متعزز بغير الله، وجعل يمشى فى الصفوف يحرضهم ويقص عليهم، ثم انصرف إلى موضعه.
قال سهل بن سعد «1» : ومر عمرو بن العاص يومئذ على الناس، فجعل يعظهم ويحرضهم ويقول: أيها الناس، غضوا أبصاركم، واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، والزموا مراكزكم ومصافكم، فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا فى وجوههم وثوب الأسد فو الذى يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويعاقب عليه، ويجزى الإحسان، لقد بلغنى أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فلو قد صدقتموهم الشدة لقد ابذعروا ابذعرار أولاد الحجل.
قال: وكان أبو سفيان بن حرب استأذن عمر بن الخطاب فى جهاد الروم بالشام، فقال له: إنى أحب أن تأذن لى فأخرج إلى الشام متطوعا بمالى فأنصر المسلمين، وأقاتل المشركين وأحض جماعة من هناك من المسلمين، فلا آلوهم نصيحة ولا خيرا، فقال له عمر: قد أذنت لك يا أبا سفيان، تقبل الله جهادك وبارك لك فى رأيك، وأعظم أجرك فيما نويت من ذلك، فتجهز أبو سفيان بأحسن الجهاز، وفى أحسن هيئة، ثم خرج وصحبته أناس من المسلمين كثير، خرجوا متطوعين، فأحسن أبو سفيان صحبتهم حتى قدموا على جماعة المسلمين، ولما خرج المسلمون إلى عدوهم باليرموك كان أبو سفيان يومئذ يسير فى الناس، ويقف على أهل كل راية، وعلى كل جماعة فيحض الناس
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (219) .
(2/282)

ويعظهم ويقول: إنكم يا معشر المسلمين أصبحتم فى دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين، وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عددهم شديد عليكم حنقهم، وقد وترتموهم فى أنفسهم ونسائهم وأولادهم وبلادهم وأموالهم، فلا والله لا ينجيكم منهم اليوم ولا تبلغون رضوان الله إلا بصدق اللقاء والصبر فى مواطن المكروه، فتقربوا إلى خالقكم، وامتنعوا بسيوفكم، ولتكن هى الحصون التى إليها تلجون، وبها تمتنعون.
وقاتل أبو سفيان يومئذ، قتالا شديدا، وأبلى بلاء حسنا.
قال: وزحف الروم إلى المسلمين وهم يزفون زفا، ومعهم الصلبان، وأقبلوا بالأساقفة والقسيسين والرهبان والبطارقة والفرسان، ولهم دوى كدوى الرعد، وقد تبايع عظمهم على الموت، ودخل منهم ثلاثون ألفا فى السلاسل، كل عشرة فى سلسلة لئلا يفروا، فلما نظر إليهم خالد بن الوليد مقبلين، أقبل على نساء المسلمين وهن على تل مرتفع فى العسكر، فقال: يا نساء المسلمين، أيما رجل أدركتنه منهزما فاقتلنه، فأخذن العناهر، وهى عمد البيوت، ثم أقبلن نحو المسلمين فقلن: لستم بعولتنا إن لم تمنعونا اليوم، وأقبل خالد إلى أبى عبيدة، فقال: إن هؤلاء قد أقبلوا فى عدد وحد وجد، وإن لهم لشدة لا يردها شىء، وليست خيل المسلمين بكثيرة، ولا والله لأقامت خيلى لشدة حملتهم وخيلهم ورجالهم أبدا، وخيل خالد يومئذ أمام صفوف المسلمين، والمسلمون ثلاثة صفوف.
قال خالد: فقد رأيت أن أفرق خيلى، فأكون أنا فى إحدى الخيلين، ويكون قيس بن هبيرة فى الخيل الأخرى، ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة، فإذا حملوا على الناس فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم، وإن كانت الأخرى حملت عليهم خيولنا وهى جامة على ميمنتهم وميسرتهم، وقد انتهت شدة خيلهم وقوتها، وتفرقت جماعتهم ونقضوا صفوفهم، وصاروا نشرا «1» ، ثم تحمل عليهم وهى بتلك الحال، فأرجو عندها أن يظفر الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم، وقال لأبى عبيدة: قد رأيت لك أن توقف سعيد بن زيد موقفك هذا وتقف أنت بحذائه من ورائه فى جماعة حسنة، فتكون ردآ للمسلمين، فقبل أبو عبيدة مشورته، وقال: أفعل ما أراك الله وأنا فاعل ما ذكرت، فأمر أبو عبيدة سعيد بن زيد فوقف فى مكانه، وركب هو فسار فى الناس فحرضهم وأوصاهم بتقوى الله والصبر، ثم انصرف فوقف من وراء الناس ردآ لهم، وأقبلت الروم كقطع الليل حتى إذا حاذوا الميمنة نادى معاذ بن جبل الناس فقال: يا عباد الله المسلمين،
__________
(1) صاروا نشرا: أى منتشرين متفرقين متطايرين.
(2/283)

إن هؤلاء قد تيسروا للشدة عليكم، ولا والله لا يردهم إلا صدق اللقاء والصبر فى البأساء، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يأخذ فرسى ويقاتل عليه فليأخذه، فوثب إليه ابنه عبد الرحمن بن معاذ، وهو غلام حين احتلم، فقال: يا أبة، إنى لأرجو أن أكون فارسا أعظم غناء عن المسلمين منى راجلا، وأنت يا أبة راجلا أعظم غناء منك فارسا، وعظم المسلمين رجالة، وإذا رأوك صابرا محتسبا صبروا إن شاء الله وحافظوا، فقال له معاذ: وفقنى الله وإياك يا بنى لما يحب ويرضى، فقاتل معاذ وابنه قتالا شديدا ما قاتل مثله كثير من المسلمين، ثم إن الروم تحاضوا وتداعوا وقصت عليهم الأساقفة والرهبان وقد دنوا من المسلمين، فإذا سمع ذلك معاذ منهم قال: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وأنزل علينا السكينة وألزمنا كلمة التقوى وحبب إلينا اللقاء ورضنا بالقضاء.
قال: وخرج باهان صاحب الروم فجال فى أصحابه وأمرهم بالصبر والقتال دون ذراريهم وأموالهم وسلطانهم وبلادهم، ثم بعث إلى صاحب الميسرة: أن احمل عليهم، وكان على الميسرة الدرنجار، وكان متنسكا، فقال البطارقة والروم الذين معه: قد أمركم أميركم أن تحملوا، وتهيأت البطارقة ثم شدوا على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحمير وحضرموت وخولان، فثبتوا حين صدموا واقتتلوا قتالا شديدا، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال، فأزالوا المسلمين عن الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشفت طائفة من المسلمين إلى العسكر، وثبت عظم الناس فلم يزولوا، وقاتلوا تحت راياتهم فلم ينكشفوا، ولم تنكشف زبيد يومئذ، وهى فى الميمنة، وفيهم الحجاج بن عبد يغوث، والد عمرو بن الحجاج، فنادى: يا خيفان يا خيفان، فاجتمعوا إليه، ثم شدوا على الروم وهم فى نحو خمسمائة رجل شدة، فلم يتنهنهوا «1» حتى خالطوا الروم، فقاتلوهم قتالا شديدا، وشغلوهم عن اتباع من انكشف من المسلمين، وشدت عليهم حضرموت وحمير وخولان بعد ما كانوا زالوا، ثم رجعوا إلى مواقفهم حتى وقفوا فى الصف حيث كانوا، واستقبل النساء منهزمة المسلمين بالعناهر يضربن بها وجوههم، وثبتت الأزد وقاتلت قتالا لم يقاتل مثله أحد من تلك القبائل، وقتل منهم مقتلة لم يقتل مثلها من قبيلة من القبائل، وقتل يومئذ عمرو بن الطفيل، ذو النور، وهو يقول: يا معشر الأزد، لا يؤتين المسلمون من قبلكم، وقاتل قتالا شديدا، قتل من أشدائهم تسعة، ثم قتل هو، يرحمه الله.
وقال جندب بن عمرو بن حممة ورفع رايته: يا معشر الأزد، إنه لا يبقى منكم ولا ينجو من الإثم والعار إلا من قاتل، ألا وإن المقتول شهيد، والخائب من هرب اليوم،
__________
(1) النهنهة: الكف، تقول: نهنهت فلانا فتنهنه، أى كففته فكف.
(2/284)

وقاتل حتى قتل رحمه الله، ونادى أبو هريرة: يا مبرور يا مبرور، فأطافت به الأزد، قال عبد الله بن سراقة: انتهيت إلى أبى هريرة يومئذ، وهو يقول: تزينوا للحور العين وارغبوا فى جوار ربكم، فى جنات النعيم، فما أنتم فى موطن من مواطن الخير أحب فيه منكم فى هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم. قال: فأطافت به الأزد، ثم اضطربوا هم والروم، فو الذى لا إله إلا هو لرأيت وإنها لتدور بهم الأرض وهم فى مجال واحد كما تدور الرحاء، وما برحوا يعنى المسلمين، ولا زالوا وركبهم من الروم أمثال الجبال، فما رأيت موطنا قط أكثر قحفا ساقطا ومعصما نادرا وكفا طائحة من ذلك الموطن، وقد والله أوحلناهم شرا وأوحلونا.
وكان جل القتال فى الميمنة، وأن القلب ليلقون مثل ما نلقى، ولكن حمة القوم وجدهم وحردهم وحنقهم علينا، وكنا فى آخر الميمنة، فلقد لقينا من قتالهم ما لم يلق أحد مثله، فو الله إنا لكذلك نقاتلهم وقد دخل عسكرنا منهم نحو من عشرين ألفا من ورائنا، فعصمنا الله من أن نزول، حمل عليهم خالد بن الوليد فقصف بعضهم على بعض، وشدخ منهم فى العسكر نحوا من عشرة آلاف، ودخل سائرهم بيوت المسلمين فى العسكر مجرحين وغير مجرحين، ثم خرج خالد يكرد ويقتل كل من كان قريبا منا من الروم حتى إذا حاذانا ألف خيله بعضها إلى بعض، ثم قال: يا أهل الإسلام، إنه لم يبق عند القوم من الجد والقتال إلا ما قد رأيتم، فالشدة، فو الذى نفسى بيده ليعطينكم الله الظفر الساعة عليهم، فجعل لا يسمع هذا القول من خالد أحد من المسلمين إلا شجعه عليهم، ثم إن خالدا اعترض الروم وإلى جنبه منهم أكثر من مائة ألف، فحمل عليهم، وما هو إلا فى نحو من ألف فارس، فو الله ما بلغتهم الحملة حتى فض الله جمعهم.
قال: وشددنا على من يلينا من رجالتهم، فانكشفوا واتبعناهم نقتلهم كيف شئنا، ما يمتنعون من قتل ميمنتنا لميسرتهم، قال: ثم إن خالدا انتهى إلى الدرنجار وقد قال لأصحابه: لفونى بالثياب، فليت أنى لم أقاتل هؤلاء القوم اليوم، فلفوه بالثياب، وقال:
لوددت أن الله عافانى من حرب هؤلاء القوم فلم أرهم ولم يرونى، ولم أنصر عليهم ولم ينصروا علىّ، وهذا يوم سوء، فما شعر حتى غشيه المسلمون فقتلوه.
وقال ابن قماطر وهو فى ميمنة الروم لجرجير، صاحب أرمينية: احمل عليهم، فقال له: أنت تأمرنى أن أحمل عليهم وأنا أمير مثلك؟ فقال له ابن قماطر: أنت أمير وأنا أمير فوقك، وقد أمرت بطاعتى، فاختلفا، ثم إن ابن قماطر حمل على المسلمين حملة شديدة على الميسرة وفيها كنانة وقيس ولخم وجذام وعاملة وغسان وخثعم وقضاعة، فانكشف
(2/285)

المسلمون وزالت الميسرة عن مصافها، وثبت أهل الرايات وأهل الحفاظ، فقاتلوا قتالا شديدا، وركبت الروم أكتاف من انهزم من المسلمين حتى دخلوا معهم العسكر، فاستقبلهم نساء المسلمين بالعناهر يضربن بها وجوههم.
وعن حنظلة بن جويه قال «1» : والله إنى لفى الميسرة إذ مر بنا رجال من الروم على خيل من خيل العرب لا يشبهون الروم وهم أشبه شىء بنا، فلا أنسى قول قائل منهم: يا معشر العرب، الحقوا بوادى القرى ويثرب، وهو يقول:
فى كل يوم خيلنا تغير ... نحن لنا البلقاء والسدير
هيهات يأبى ذلك الأمير ... والملك المتوج المحبور
قال: فحملت عليه وحمل علىّ، فاضطربنا بسيفينا فلم يغنينا شيئا ثم اعتنقنا، فخررنا جميعا فاعتركنا ساعة، ثم إننا تحاجزنا، فنظرت إلى عنقه وقد بدا منها مثل شراك النعل، فمشيت إليه فاعتمدت ذلك الموضع بسيفى، فو الله ما أخطأته، فقطعته فصرع، فضربته حتى قتلته، وأقبلت إلى فرسى وقد كان عار، وإذا فرسى قد حبسوه علىّ، فأقبلت حتى ركبته، قال: وقاتل قباث بن أشيم يومئذ، قتالا شديدا، وأخذ يقول:
إن تفقدونى تفقدوا خير فارس ... لدى الغمرات والرئيس المحاميا
وذا فخر لا يملأ الهول صدره ... ضروبا بنصل السيف أروع ماضيا
وكسر فى الروم يومئذ ثلاثة أرماح، وقطع سيفين، ويقول كلما قطع سيفا أو كسر رمحا: من يعين بسيف أو برمح فى سبيل الله رجلا قد حبس نفسه مع أولياء الله وقد عاهد الله ألا يفر ولا يبرح يقاتل المشركين حتى يظهر المسلمون أو يموت. وكان من أحسن الناس بلاء يومئذ.
ونزل أبو الأعور السلمى، فقال: يا معشر قريش، خذوا بحظكم من الصبر والأجر، فإن الصبر فى الدنيا عز ومكرمة، وفى الآخرة رحمة وفضيلة، فاصبروا وصابروا.
وعن حبيب بن مسلمة قال «2» : اضطررنا يوم اليرموك إلى سعيد بن زيد، فلله سعيد ما سعيد يومئذ إلا مثل الأسد، جثا والله على ركبتيه حتى إذا دنوا وثب فى وجوههم مثل الليث، فطعن برايته أول رجل من القوم فقتله، وأخذ والله يقاتل راجلا، فقاتل الرجل البئيس الشجاع فارسا، قال: وكان يزيد بن أبى سفيان من أعظم الناس غناء
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (227) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (228) .
(2/286)

وأحسنه بلاء هو وأبوه جميعا، وقد كان أبوه مر به وهو يحرض الناس ويعظمهم، فقال:
يا بنى، إنك تلى من أمر المسلمين طرفا، ويزيد يومئذ على ربع الناس، وإنه ليس بهذا الوادى رجل من المسلمين إلا وهو محقوق بالقتال، فكيف بأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين، أولئك أحق الناس بالجهاد والصبر والنصيحة، فاتق الله يا بنى، واكرم فى أمرك، ولا يكونن أحد من أصحابك أرغب فى الآخرة ولا فى الصبر فى الحرب ولا أشد نكاية فى المشركين، ولا أجهد على عدو الإسلام ولا أحسن بلاء منك. فقال يزيد:
أفعل والله يا أبة، فقاتل فى الجانب الذى كان فيه قتالا شديدا.
قال: وشد على عمرو بن العاص جماعة من الروم فانكشف عنه أصحابه وثبت عمرو فجالدهم طويلا، وقاتل شديدا، ثم تراجع إليه أصحابه، قال: فسمعت أم حبيبة بنت العاص تقول: قبح الله رجلا يفر عن حليلته، وقبح الله رجلا يفر عن كريمته، وسمعت نسوة من المسلمين يقلن: قاتلوا أيها المسلمون فلستم بعولتنا إن لم تمنعونا، وأخذن العناهر، فكلما مر بهن منهزم من المسلمين حملن عليه حتى يضربن وجهه ويرددنه إلى جماعة المسلمين.
وقاتل شرحبيل بن حسنة فى ربعه الذى كان فيه قتالا شديدا، وكان إلى جنبه سعيد ابن زيد، وسطا من الناس، وجعل ينادى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ إلى آخر الآية [التوبة: 111] ثم جعل يقول: أين الشارون أنفسهم من الله بابتغاء مرضات الله؟ أين المشاؤن إلى جوار الله غدا فى داره، فاجتمع إليه ناس كثير وبقى القلب لم ينكشف، وفيه أهله الذين كانوا مع سعيد بن زيد، وكان أبو عبيدة من وراء ظهور المسلمين ردآ لهم.
فلما رأى قيس بن هبيرة أن خيل المسلمين مما يلى الميسرة قد شد عليهم الروم اعترض الروم بخيله وهى الشطر من خيل خالد، فقصف بعضهم على بعض، وحمل خالد من ميمنة المسلمين على ما يليه من الروم حتى اضطرهم إلى صفوفهم، فقصف بعضهم على بعض، وزحف إليه المسلمون جماعتهم رويدا رويدا حتى إذا دنوا منهم حملوا عليهم، فجعلت الروم ينقضون صفوفهم وينهزمون، وبعث أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد: أن احمل عليهم، فحمل عليهم، وشد المسلمون بأجمعهم، فضرب الله وجوه الروم، ومنح المسلمين أكتافهم، يقتلونهم كيف شاؤا، لا يمتنعون من أحد من المسلمين، وانتهى خالد بن الوليد إلى الدرنجار، وكان كارها لقتال المسلمين، لما كان يجد من صفتهم فى الكتب،
(2/287)

وكان يقرأها، فقال خالد: إن كنت لأحب أن أراه، فضربه المسلمون حتى قتلوه، وإنه لملفف رأسه بكساء، واتبعهم المسلمون يقتلونهم كل قتلة، وركب بعضهم بعضا حتى انتهوا إلى مكان مشرف على أهوية تحتهم، فجعلوا يتساقطون فيها ولا يبصرون، وهو يوم ذو ضباب، وهم يرتكسون فيها، لا يعلم آخرهم ما يلقى أولهم، حتى سقط فيها نحو من مائة ألف رجل، ما أحصوا إلا بالقصب.
وبعث أبو عبيدة شداد بن أوس بن ثابت فعدهم بها من الغد، فوجد من سقط أكثر من ثمانين ألفا، فسميت تلك الأهوية الواقوصة حتى اليوم، لأنهم وقصوا فيها وما فطنوا لتساقطهم حتى انكشف الضباب فأخذوا فى وجه آخر، وقتل المسلمون منهم فى المعركة بعد ما أدبروا نحوا من خمسين ألفا.
واتبعهم خالد فى الخيل، فلم يزل يقتلهم فى كل واد وكل شعب وفى كل جبل، حتى انتهى إلى دمشق، فخرج إليه أهلها، وقالوا له: نحن على عهدنا الذى كان بيننا وبينكم، فقال لهم خالد: نعم، ومضى فى اتباعهم يقتلهم فى القرى والأودية والجبال حتى انتهى إلى حمص، فخرج إليه أهلها، فقالوا له مثل ما قال أهل دمشق فى العهد، فقال لهم: نعم.
وأقبل أبو عبيدة على قتلى المسلمين، رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا، فدفنهم، فلما فرغ من ذلك جاءه النعمان بن محمية ذو الأنف الخثعمى يسأله أن يعقد له على قومه، فعقد له عليهم، وكانت خثعم قد رأست رجلا آخر منهم من بنى عمرو يدعى ابن ذى السهم، فاختصم هو وذو الأنف إلى أبى عبيدة فى الرياسة قبل الوقعة، فأخرهم أبو عبيدة إلى أن يفرغوا من حربهم ويناجزوا عدوهم، ثم ينظر فى أمرهم، فلما التقى الناس استشهد هنالك ابن ذى السهم الخثعمى، فعقد أبو عبيدة للنعمان ذى الأنف على خثعم.
قال: وجاء الأشتر مالك بن الحارث النخعى، فقال لأبى عبيدة: اعقد لى على قومى، فعقد له، وكانت قصته مثل قصة الخثعمى، وذلك أنه أتى قومه وعليهم رجل منهم فخاصمهم الأشتر فى الرياسة إلى أبى عبيدة، فدعا أبو عبيدة النخع، فقال: أى هذين أرضى فيكم وأعجب إليكم أن يرأس عليكم؟ فقالوا: كلاهما شريف وفينا رضى وعندنا ثقة، فقال أبو عبيدة: كيف أصنع بكما؟ ثم قال للأشتر: أين كنت حين عقدت لهذا الراية؟ قال: كنت عند أمير المدينة، ثم أقبلت إليكم، قال: فقدمت على هذا وهو رأس
(2/288)

أصحابك؟ قال: نعم، قال: فإنه لا ينبغى لك أن تخاصم ابن عمك وقد رضيت به جماعة قومك قبل قدومك عليهم، قال الأشتر: فإنه رضى شريف وأهل ذلك هو، وأنا أهل الرياسة، فلتعقبنى من رياسة قومى فأليهم كما وليهم هذا، فقال أبو عبيدة: تأخروا ذلك حتى تكون هذه الوقعة، فإن استشهدتما جميعا فما عند الله خير لكما، وإن هلك أحدكما وبقى الآخر كان الباقى منكما الرأس على قومه، وإن تبقيا جميعا أعقبناك منه إن شاء الله، قال الأشتر: فقد رضيت، فلما كانت الواقعة استشهد فيها رأس النخع الأول، فعقد أبو عبيدة للأشتر عند ذلك.
وفى حديث آخر أن الأشتر كان من جلداء الرجال وأشدائهم وأهل القوة والنجدة منهم، وأنه قتل يوم اليرموك، قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلا من بطارقتهم، وقتل منهم ثلاثة مبارزة وتوجه مع خالد فى طلب الروم حين انهزموا، فلما بلغوا ثنية العقاب من أرض دمشق وعليها جماعة من الروم عظيمة، أقبلوا يرمون المسلمين من فوقهم بالصخر، فتقدم إليهم الأشتر فى رجال من المسلمين، وإذا أمام الروم رجل جسيم من عظمائهم وأشدائهم، فوثب إليه الأشتر لما دنا منه، فاستويا على صخرة مستوية، فاضطربا بسيفيهما، فضرب الأشتر كتف الرومى فأطارها، وضربه الرومى بسيفه فلم يضره شيئا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، ثم دفعه الأشتر من فوق الصخرة فوقعا منها، ثم تدحرجا، والأشتر يقول وهما يتدحرجان: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162، 163] ، فلم يزل يقول هذا وهو فى ذلك ملازم العلج لا يتركه، حتى انتهيا إلى موضع مستو من الجبل، فلما استقرا فيه وثب الأشتر على الرومى فقتله، ثم صاح فى الناس: أن جوزوا، فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتله الأشتر خلوا سبيل العقبة للناس، ثم انهزموا.
وأقبل أبو عبيدة فى أثر خالد حتى انتهى إلى حمص، فأمر خالدا أن يتقدم إلى قنسرين، ولما انتهت الهزيمة إلى ملك الروم وهو بأنطاكية، قال: قد كنت أعلم أنهم سيهزمونكم، فقال له بعض جلسائه: ومن أين علمت ذلك أيها الملك، قال من حيث أنهم تحبون الموت كما نحبون أنتم الحياة، ويرغبون فى الآخرة أشد من رغبتكم فى الدنيا، ولا يزالون ظاهرين ما كانوا هكذا، وليغيرن كما غيرتم، ولينقضن كما نقضتم.
وفى حديث عن عبد الله بن قرط «1» : أن أول من جاء ملكهم بالهزيمة رجل منهم، فقال له: ما وراءك؟ قال: خير، أيها الملك، هزمهم الله وأهلكهم، يعنى المسلمين، قال:
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (234) .
(2/289)

ففرح بذلك من حوله وسروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم ملكهم: ويحكم، هذا كاذب، وهل ترون هيئة هذا إلا هيئة منهزم، سلوه ما جاء به، فلعمرى ما هو ببريد، ولو لم يكن هذا منهزما ما كان ينبغى له أن يكون إلا مع أميره مقيما، فما كان بأسرع من أن جاء آخر، فقال له: ويحك، ما وراءك؟ فقال: هزم الله العدو وأهلكهم، قال له هرقل: فإن كان الله أهلكهم فما جاء بك؟.
وفرح أصحابه وقالوا: صدقك أيها الملك، فقال لهم: ويحكم، أتخادعون أنفسكم، إن هؤلاء والله لو كانوا ظهروا أو ظفروا ما جاؤكم على متون خيولهم يركضون، ولسبقهم البريد والبشرى، قال: فإنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من العرب من تنوخ على فرس له عربية، يقال له حذيفة بن عمرو، وكان نصرانيا، فقال قيصر: ما أظن خبر السؤال إلا عند هذا، فلما دنا منه قال له: ما عندك؟ قال: الشر، قال: وجهك الذى بشرنا بالشر، ثم نظر إلى أصحابه، فقال: خبر سوء جاء به رجل سوء من قوم سوء، فإنهم لكذلك إذ جاءه رجل من عظماء الروم، فقال له الملك: ما وراءك؟ قال: الشر، هزمنا. قال: فما فعل أميركم باهان؟ قال: قتل، قال: فما فعل فلان وفلان، يسمى له عددا من أمرائه وبطارقته وفرسانه، فقال: قتلوا، فقال له: لكنك والله أنت أخبث وألأم وأكفر من أن تذب عن دين أو تقاتل على دنيا.
ثم قال لشرطه: أنزلوه، فأنزلوه، فجاؤا به، فقال له: ألست كنت أشد الناس علىّ فى أمر محمد نبى العرب حين جاءنى كتابه ورسوله، وكنت قد أردت أن أجيبه إلى ما دعانى إليه وأدخل فى دينه، فكنت أنت من أشد الناس علىّ حتى تركت ما أردت من ذلك؟ فهلا قاتلت الآن قوم محمد وأصحابه دون سلطانى، وعلى قدر ما كنت لقيت منك إذ منعتنى من الدخول فى دينه؟ اضربوا عنقه، فقدموه فضربوا عنقه، ثم نادى فى أصحابه بالرحيل راجعا إلى القسطنطينية، فلما خرج من الشام وأشرف على أرض الروم استقبل الشام، فقال: السلام عليك يا سورية، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدا، ثم قال: ويحك أرضا، ما أنفعك لعدوك، لكثرة ما فيك من العشب والخصب والخير.
وعن عمرو بن عبد الرحمن «1» : أن هرقل حين خرج من أنطاكية، أقبل حتى نزل الرها، ثم منها كان خروجه إلى القسطنطينية، وأقبل خالد فى طلب الروم حتى دخل أرض قنسرين، فلما انتهى إلى حلب تحصن منه أهلها، وجاء أبو عبيدة حتى نزل عليهم، فطلبوا الصلح والأمان، فقبل منهم أبو عبيدة فصالحهم، وكتب لهم أمانا.
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (237) .
(2/290)

وعن الحسن بن عبد الله»
: أن الأشتر قال لأبى عبيدة: ابعث معى خيلا أتبع آثار القوم، فإن عندى جزاء وغناء، فقال له أبو عبيدة: والله إنك لخليق بكل خير، فبعثه فى ثلاثمائة فارس، وقال له: لا تتباعد فى الطلب، وكن منى قريبا، فكان يغير على مسيرة اليوم منه واليومين، ونحو ذلك.
ثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرحه فى ألفى فارس، فمضى فى آثار الروم حتى قطع الدروب، وبلغ ذلك الأشتر، فمضى حتى لحقه، فإذا ميسرة مواقف جمعا من الروم أكثر من ثلاثين ألفا، وكان ميسرة قد أشفق على من معه، وخاف على نفسه وعلى أصحابه، فإنهم لكذلك إذ طلع عليه الأشتر فى ثلاثمائة فارس من النخع، فلما رآهم أصحاب ميسرة كبروا وكبر الأشتر وأصحابه، وحمل عليهم من مكانه ذلك، وحمل ميسرة فهزموهم، وركبوا رؤسهم، واتبعتهم خيل المسلمين يقتلونهم، حتى انتهوا إلى موضع مرتفع من الأرض، فعلوا فوقه، وأقبل عظيم من عظمائهم معه رجالة كثيرة من رجالتهم، فجعلوا يرمون خيل المسلمين من مكانهم المشرف، فإن خيل المسلمين لمواقفتهم إذ نزل رجل من الروم أحمر عظيم جسيم، فتعرض للمسلمين ليخرج إليه أحدهم، قال: فو الله ما خرج إليه رجل منهم، فقال لهم الأشتر: أما منكم من أحد يخرج لهذا العلج؟ فلم يتكلم أحد.
قال: فنزل الأشتر، ثم خرج إليه، فمشى كل واحد منهما إلى صاحبه وعلى الأشتر الدرع والمغفر، وعلى الرومى مثل ذلك، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه شد الأشتر عليه فاضطربا بسيفيهما، فوقع سيف الرومى على هامة الأشتر، فقطع المغفر وأسرع السيف فى رأسه، حتى كاد ينشب فى العظم، ووقعت ضربة الأشتر على عاتق الرومى، فلم تقطع شيئا من الرومى، إلا أنه ضربه ضربة شديدة أو هنت الرومى وأثقلت عاتقه، ثم تحاجزا.
فلما رأى الأشتر أن سيفه لم يصنع شيئا، انصرف فمشى على هيئته حتى أتى الصف، وقد سال الدم على لحيته ووجهه، فقال: أخزى الله هذا سيفا، وجاءه أصحابه، فقال: علىّ بشىء من حناء، فأتوه به من ساعته، فوضعه على جرحه، ثم عصبه بالخرق، ثم حرك لحيته وضرب أضراسه بعضها ببعض، ثم قال: ما أشد لحيتى ورأسى وأضراسى، وقال لابن عم له: امسك سيفى هذا وأعطنى سيفك، فقال: دع لى سيفى، رحمك الله، فإنى لا أدرى لعلى احتاج إليه، فقال: أعطنيه ولك أم النعمان يعنى ابنته، فأعطاه إياه،
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (237، 239) .
(2/291)

فذهب ليعود إلى الرومى، فقال له قومه، ننشدك الله ألا تتعرض لهذا العلج، فقال: والله لأخرجن إليه فليقتلنى أو لأقتلنه، فتركوه، فخرج إليه.
فلما دنا منه شد عليه وهو شديد الحنق، فاضطربا بسيفيهما، فضربه الأشتر على عاتقه، فقطع ما عليه حتى خالط السيف رئته، ووقعت ضربة الرومى على عاتق الأشتر، فقطعت الدرع ثم انتهت ولم تضره شيئا، ووقع الرومى ميتا، وكبر المسلمون، ثم حملوا على صف رجالة الروم، فجعلوا يتنقضون ويرمون المسلمين وهم من فوق، فما زالوا كذلك حتى أمسوا وحال بينهم الليل، وباتوا ليلتهم يتحارسون.
فلما أصبحوا أصبحت الأرض من الروم بلاقع، فارتحل الأشتر منصرفا بأصحابه، ومضى ميسرة فى أثر القوم حتى بلغ مرج القبائل بناحية أنطاكية، والمصيصة، ثم انصرف راجعا، وكان أبو عبيدة حين بلغه أنهم قد أدبروا أشفق عليهم وجزع وندم على إرساله إياهم، قال: فإنه لجالس فى أصحابه مستبطئا لقدومهم متأسفا على تسريحهم، إذ أتى فبشر بقدوم الأشتر، وجاء فحدثه بما كان من أمرهم ولقائهم ذلك الجيش، وهزيمتهم إياه، وما صنع الله لهم، ولم يذكر مبارزة الرومى وقتله إياه حتى أخبره غيره، وسأله عن ميسرة وأصحابه، فأخبروه بالوجه الذى توجه فيه، وأخبره أنه لم يمنعه من التوجه إلا الشفقة على أصحابه، وألا يصابوا بعد ما ظفروا، فقال: قد أحسنت، وما أحب الآن أنك معهم، ولوددت أنهم كانوا معكم.
قال: فدعا ناسا من أهل حلب، فقال: اطلبوا إلىّ إنسانا دليلا عالما بالطريق أجعل له جعلا عن أن يتبع آثار هذه الخيل التى بعثتها فى طلب الروم حتى يلحقها، ثم يأمرها بالانصراف إلىّ ساعة يلقاها، فجاؤه بثلاثة رجال، فقالوا: هؤلاء علماء بالطريق جراء عليها أدلاء بها، وهم يخرجون فى آثار خيلك حتى يأتوها بأمرك، فكتب أبو عبيدة إلى ميسرة:
أما بعد، فإذا أتاك رسولى هذا فأقبل إلىّ حين تنظر فى كتابى، ولا تعرجن على شىء، فإن سلامة رجل واحد من المسلمين أحب إلىّ من جميع أموال المشركين، والسلام عليك.
فأخذوا كتابه، ثم خرجوا به، فاستقبلوا ميسرة حين هبط من الدروب راجعا، وقد عافاه الله وأصحابه وغنمهم وسلمهم، فدفعوا إليه كتاب أبى عبيدة، فلما قرأه قال:
جزاه الله من وال على المسلمين خيرا، ما أشفقه وأنصحه، ثم أقبل الرسل فبشروا أبا
(2/292)

عبيدة بسلامتهم وانصرافهم، فحمد الله على ذلك، وأقام حتى قدم عليه ميسرة، وكتب أمانا على الناس من أهل قنسرين، ثم أمر مناديه بالرحيل إلى إيلياء، وقدم خالدا على مقدمته بين يديه، وبعث على حمص حين انتهى إليها حبيب بن سلمة، وأرض قنسرين إذ ذاك مجموعة إلى صاحب حمص، وإنما فتحت قنسرين بعد ذلك فى خلافة يزيد بن معاوية، ثم خرج من حمص ومر بدمشق، فولاها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ثم خرج حتى مر بالأردن، فنزلها، فعسكر بها، وبعث الرسل إلى أهل إيلياء، وقال:
اخرجوا إلىّ أكتب لكم أمانا على أنفسكم وأموالكم، ونفى لكم كما وفينا لغيركم، فتثاقلوا وأبوا، فكتب إليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله العظيم ورسله، أما بعد، فإنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور، فإذا شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وكنتم إخواننا فى ديننا، وإن أبيتم فأقروا لنا بإعطاء الجزية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم سرت إليكم بقوم، هم أشد للموت حبا منكم لشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله حتى أقتل مقاتلتكم وأسبى ذراريكم.
قال: وكتب إلى عمر بن الخطاب حين أظهره الله على أهل اليرموك وخرج يطلبهم:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، أما بعد، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، والحمد لله الذى أهلك المشركين، ونصر المسلمين، وقديما تولى الله نصرهم، وأظهر فلجهم، وأعز دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين.
أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله، أنا لقينا الروم فى جموع لم تلق العرب جموعا قط مثلها، فأتوا وهم يرون أن لا غالب لهم من الناس، فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا، ما قوتل المسلمون مثله فى موطن قط، ورزق الله المؤمنين الصبر، وأنزل عليهم النصر، فقتلوهم فى كل قرية وكل شعب وواد وسهل وجبل، وغنم المسلمون عسكرهم، وما كان فيه من أموالهم، ومتاعهم، ثم إنى اتبعتهم بالمسلمين حتى بلغنا أقصى بلادهم، وقد بعثت إلى أهل الشام عمالا، وبعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام، فإن قبلوا وإلا فليؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا سيرت إليهم حتى أنزل بهم، ثم لا
(2/293)

أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين إن شاء الله، والسلام عليك.
فكتب إليه عمر رضى الله عنه: من عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتانى كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله المشركين ونصره المؤمنين، وما صنع لأوليائه وأهل طاعته، فالحمد لله على صنيعه إلينا، ونستتم من الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تنصروا على عدوكم بعدد ولا عدة ولا حول ولا قوة، ولكنه بعون الله ونصره ومنه تعالى وفضله، فلله المن والطول والفضل العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين، والحمد لله رب العالمين.
فهذه الأحاديث التى أوردها أصحاب فتوح الشام فى كتبهم عن وقعة اليرموك، وقد أوردها غيرهم على صفة تخالف أكثر ما تقدم مساقا وتاريخا، حسب ما يظهر لمن يقف على جميعها، واختلاف الأخبار من جهة النقل أمر مألوف، وإعادة أمثال هذه الآثار التى هى كيف ما وقعت من آيات الإسلام شىء غير مملول. ونحن نذكر من ذلك ما يحسن فى هذا المجموع ذكره، ويليق بالمقصود إيراده إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك أن ابن إسحاق ذكر أن التقاء المسلمين مع الروم باليرموك كان فى رجب سنة خمس عشرة، وأن الذى لقيهم من الروم هو الصقلار خصى لهرقل، بعثه فى مائة ألف مقاتل أكثرهم من الروم، وسائرهم من أهل أرمينية، ومن المستعربة من غسان وقضاعة، والمسلمون مع أبى عبيدة أربعة وعشرون ألفا، فاقتتل الناس اقتتالا شديدا حتى دخل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من قريش بالسيوف حين دخل العسكر حتى سابقن الرجال، وقد كان انضم إلى المسلمين ناس من لخم وجذام، فلما رأوا جد القتال فروا وخذلوا المسلمين، فقال قائل من المسلمين حين رأى ذلك منهم:
القوم لخم وجذام فى الهرب ... ونحن والروم بمرج نضطرب
وإن يعودوا بعدها لا نصطحب
ثم إن الله أنزل نصره، فهزمت الروم وجموع هرقل التى جمع، فأصيب منهم سبعون ألفا، وقتل الله الصقلار وباهان، وكان هرقل قدمه مع الصقلار حين لحق به.
وفيما حكاه الطبرى «1» بسنده عن سيف عن شيوخه قالوا: أوعب القواد بالناس نحو الشام، وعكرمة ردء لهم، وبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، فخرج حتى نزل بحمص،
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 392- 393) .
(2/294)

فأعد لهم الجنود وعبأ العسكر، وأراد أن يشغل بعضهم ببعض لكثرة جنده وفضول رجاله، فأرسل أخاه تذارق إلى عمرو بن العاص فى تسعين ألفا، وبعث جرجة بن توذورا نحو يزيد بن أبى سفيان فعسكر بإزائه، وبعث الدراقص، فاستقبل شرحبيل بن حسنة، وبعث القيقار بن نسطوس فى ستين ألفا نحو أبى عبيدة، فهابهم المسلمون، وجميع فرق المسلمين أحد وعشرون ألفا، سوى ستة آلاف مع عكرمة، ففزعوا جميعا بالكتب والرسل إلى عمر بن الخطاب، يستدعون رأيه، فراسلهم أن الرأى الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة، وإذا نحن تفرقنا لم يكن الرجل منا فى عدد يقرن به لأحد ممن استقبله، فاتعدوا اليرموك ليجتمعوا فيه، وقد كتبوا إلى أبى بكر بمثل ما كاتبوا به عمر، فطلع عليهم كتابه بمثل ما كاتبهم به عمر سواء، بأن اجتمعوا والقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله، والله ناصر من نصره وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم من قلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة عليها، إذا أتوا من قبل الذنوب، فاحترسوا من الذنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين، وليتصل كل رجل منكم بأصحابه.
وبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته، أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس التذارق، وعلى المقدمة جرجة، وعلى مجنبتيه باهان والدراقص، وعلى الحرب القيقار، وأبشروا فإن باهان فى الأثر مدد لكم، ففعلوا، فنزلوا الواقوصة، وهى على ضفة اليرموك، وصار الوادى خندقا لهم، وهو لهب «1» لا يدرك، وإنما أراد باهان أن يستبقى الروم ويأنسوا بالمسلمين، وترجع إليهم أفئدتهم، وانتقل المسلمون من معسكرهم الذى اجتمعوا به، فنزلوا عليهم بحذائهم على طريقهم، وليس للروم طريق إلا عليهم. فقال عمرو: أيها الناس، ألا أبشروا، حصرت والله الروم، وقل ما جاء محصور بخير، فأقاموا بإزائهم، وعلى طريقهم ومخرجهم، لا يقدرون من الروم على شىء، ولا يخلصون إليهم اللهب، وهو الواقوصة من ورائهم، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرجة إلا أذيل المسلمون منهم، وقد استمدوا أبا بكر رحمه الله، وأعلموه الشأن فى صفر، يريد من سنة ثلاث عشرة.
وفى حديث آخر لسيف عن أشياخه «2» : أنهم لما استمدوه، قال أبو بكر: خالد لها، وبعث إليه وهو بالعراق فعزم عليه واستحثه فى السير، فنفذ خالد لذلك، وطلع عليهم
__________
(1) لهب: اللهب بالكسر، هو الفرجة بين الجبلين.
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 393- 394) .
(2/295)

ففرح به المسلمون، وطلع باهان على الروم فتيمنوا به، ووافق قدوم أحدهما قدوم الآخر، فولى خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، فهزم خالد باهان، وتتابع الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقهم. وقال راجز من المسلمين فى ذلك:
دعوا هرقلا ودعونا الرحمن ... والله قد أخزى جنود باهان
بخالد اللج أبى سلميان
وحرد المسلمون وحرد المشركون وهم أربعون ومائتا ألف، منهم ثمانون ألف مقيد، ومنهم أربعون ألفا مسلسلون للموت، وأربعون ألفا مربوطون بالعمائم، وثمانون ألف فارس، والمسلمون سبعة وعشرون ألفا ممن كان مقيما إلى أن قدم عليهم خالد فى تسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألفا، وكان قتالهم على تساند كل جند وأميره، لا يجمعهم أحد، حتى قدم عليهم خالد بن الوليد من العراق.
وكان عسكر أبى عبيدة باليرموك مجاورا لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شرحبيل ابن حسنة مجاوزا لعسكر يزيد بن أبى سفيان، فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو، وشرحبيل مع يزيد، وأما عمرو ويزيد فكانا لا يصليان مع أبى عبيدة وشرحبيل، وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم هذه، فعسكر على حدة، فصلى بأهل العراق.
ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقون بمدد الروم، وعليهم باهان، ووافق الروم وفيهم نشاط بمددهم، فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادهم إلى الخندق والواقوصة أحد حدوده، فلزموا خندقهم عامة شهر، يحضضهم القسيسون والشمامسة والرهبان، وينعون لهم النصرانية، حتى استنصروا، فخرجوا للقتال الذى لم يكن بعده قتال، فلما أحس المسلمون خروجهم، وأرادوا الخروج متساندين، سار فيهم خالد بن الوليد، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغى فيه العجز ولا البغى. أخلصوا جهادكم، وأريدوا بعملكم الله، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة وأنتم على تساند «1» وانتشار، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغى، وإن من ورائكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذى ترون أنه يوافق رأى واليكم. قالوا:
فما الرأى؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذى كان ويكون، لقد جمعكم. إن الذى أنتم فيه أشد على المسلمين مما غشيهم، وأنفع للمشركين
__________
(1) على تساند: أى على رايات شتى متعاونين كأن كل واحد منهم يسند على الآخر ويستعين به.
(2/296)

من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، قد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان، لا ينقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له، وأن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله، تهيأوا فإن هؤلاء قوم قد تهيأوا، وهذا يوم له ما بعده، فإن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعونى أليكم اليوم.
فأمروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطول مما ساروا إليه، فخرجت الروم فى تعبئة لم ير الراؤون مثلها قط، وخرج خالد فى تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك، خرج فى نحو ستة وثلاثين كردوسا، وقال: إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة أكثر فى رأى العين من الكراديس، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وعليها عمرو بن العاص، وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبى سفيان، وكان خالد على كردوس، والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى وعياض بن غنم وهاشم بن عتبة وزياد بن حنظلة وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو وعبد الرحمن بن خالد وهو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة، وحبيب ابن مسلمة، وآخرون غيرهم من جلة الصحابة وأشراف الناس وفرسان العرب، كل واحد منهم على كردوس كردوس.
وفى حديث آخر «1» أنه شهد اليرموك ألف رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم نحو من مائة رجل من أهل بدر، وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس، فيقول:
الله الله، إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار المشركين، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.
وعن عبد الرحمن بن غنم، وكان شهدها، قال: كان أبو سفيان وأشياخ المسلمين محامية لا يجولون ولا يقاتلون، يفىء إليهم الناس، فإذا كانت على الروم قال، وقالوا:
هلك بنو الأصفر، اللهم اجعله وجههم، وإذا كانت على المسلمين قال وقالوا: يا بنى الإخوان، أين أين اللهم اردد لهم الكرة. فإذا كروا قالوا: إيه يا بنى الإخوان، وإذا حملوا قالوا: اللهم أعنهم وانصرهم.
وفى غير حديث عبد الرحمن «2» : أن رجلا قال يومئذ لخالد: ما أكثر الروم وأقل
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 397) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 398) .
(2/297)

المسلمين فقال خالد: ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برىء من توجيه، وإنهم أضعفوا فى العدد، وكان فرسه قد حفى فى مسيره، وجعل خالد يوم اليرموك على الطلائع قباث بن أشيم، وكان القارئ يومذاك المقداد.
قالوا: ومن السنة التى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء، وهى سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد على ذلك.
ولما فرغ خالد من تعبئتهم وزحف إليه المشركون، أمر عكرمة والقعقاع وكانا على مجنبتى القلب، فأنشبا القتال، فنشب، والتحم الناس، وتطارد الفرسان، فإنهم لعلى ذلك إذ قدم البريد من المدينة، وهو محمية بن زنيم، فأخذته الخيول وسألوه الخبر، فلم يخبرهم إلا بسلامه، وأخبرهم عن أمداد تأتيهم، وإنما جاء بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة، فأبلغوا خالدا، فأسر إليه الخبر، وأخبره بما قال للجند، فقال له: أحسنت، فقف، وأخذ الكتاب فجعله فى كنانته، وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر أمر الجند، فوقف الرسول مع خالد، وخرج جرجة أحد أمراء الروم يومئذ، حتى إذا كان بين الصفين نادى:
ليخرج إلى خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فواقفه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما، وقد أمن أحدهما صاحبه، فقال له جرجة: يا خالد، اصدقنى ولا تكذبنى، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعنى فإن الكريم لا يخادع، بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمته؟ قال: لا، قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا، فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وباعده، وقاتله، ثم أخذ الله تعالى بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وتابعناه، فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، ودعا لىّ بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد الناس على المشركين، قال: صدقتنى.
ثم أعاد عليه جرجة: يا خالد، أخبرنى إلام تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمن لم يجبكم؟ قال:
الجزية، ونمنعهم قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بحرب، ثم نقاتله، قال: فما منزلة الذى يدخل فى دينكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا، ثم أعاد عليه جرجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد، مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم، وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد
(2/298)

سبقتموه؟ قال: إنا دخلنا فى هذا الأمر وتابعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالغيب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويتابع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل فى هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا، قال جرجة: صدقتنى بالله ولم تخادعنى ولم تألنى، قال: بالله لقد صدقتك وما لى إليك ولا إلى أحد منكم حاجة، وإن الله لولى ما سألت عنه، قال: صدقتنى، وقلب الترس، ومال مع خالد، وقال: علمنى الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه قربة ثم صلى به ركعتين، وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها حيلة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم، فركب خالد ومعه جرجة، والروم خلال المسلمين، فتنادى المسلمون، فثابوا، وتزاحفت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة، ولم يصل صلاة يسجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما، وصلى مع الناس: الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب، حتى كان بين خيلهم ورجلهم، وكان مقاتلهم واسع المطرد، ضيق المهب، فلما وجدت خيلهم مذهبا ذهبت وتركوا رحلهم فى مصافهم، وخرجت خيلهم تشتد بهم فى الصحراء وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح.
ولما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب، أفرجوا لها ولم يحرجوها، فذهبت فتفرقت فى البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرحل فقضوهم، فكأنما هدم بهم حائط، فاقتحموا فى خندقهم، فاقتحموه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة، فهوى فيها المقترنون وغيرهم، ومن صبر من المقترنين هوى به من جشأت نفسه، فهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه، كلما هوى اثنان كان البقية أضعف، حتى تهافت فى الواقوصة عشرون ومائة ألف: من المقترنين ثمانون ألفا، ومن المطلقين أربعون ألفا، سوى من قتل فى المعركة من الخيل والرجل، وتجلل القيقار وأشراف من أشراف الروم برانسهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية، فأصيبوا فى تزملهم.
ولما دخل خالد الخندق، نزله وأحاطت به خيله، وقاتل الناس حتى أصبحوا، قال بعضهم: وأصبح خالد من تلك الليلة وهو فى رواق تذارق.
(2/299)

وقال عكرمة بن أبى جهل يومئذ «1» : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل موطن، وأفر منكم اليوم، ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور فى أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا وماتوا، إلا من برأ، منهم ضرار بن الأزور، وأتى خالد بعد ما أصبحوا بعكرمة جريحا، فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقيه، وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر الماء فى حلوقهما، ويقول: كلا، زعم ابن حنتمة أنا لا نستشهد.
وأصيبت يومئذ عين أبى سفيان بن حرب، وكان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية، فخرج يومئذ، رجل من الروم، فقال: من يبارز، فخرج إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقال للرومى: خذها وأنا الغلام النخعى، فقال الرومى: أكثر الله فى قومى مثلك، أما والله لولا أنك من قومى لذدت عن الروم، فأما الآن فلا أعينهم.
وفى حديث عبد الرحمن بن غنم، وذكر قتال المسلمين تلك الليلة، قال: حتى إذا فتح الله على المسلمين من آخر الليل، وقتلوهم حتى الصباح، أصبحوا فاقتسموا الغنائم، ودفنوا قتلى المسلمين، وبلغوا ثلاثة آلاف، وصلى كل أمير على قتلى أصحابه، ودفع خالد بن الوليد العهد إلى أبى عبيدة بعد ما فرغ من القسم، ودفن الشهداء، وتراجع الطلب، فولى أبو عبيدة، رحمه الله النفل من الأخماس، فنفل وأكثر. وكتب بالفتح.
قالوا «2» : وكان فى الثلاثة آلاف الذين أصيبوا: عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد، فلا يدرى أين مات بعد، وقد تقدم ذكر موت خالد فى غير هذه الوقعة، وهذا مما يقع بين الناقلين من الاختلاف الذى تقدم التنبيه عليه، فالله تعالى أعلم.
وعن عمرو بن ميمون وغيره، ذكروا: أن هرقل كان حج بيت المقدس، قال: فبينا هو يقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه، فجمع الروم وقال: أرى من الرأى أن لا تقاتلوا هؤلاء القوم وأن تصالحوهم، فو الله لئن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام وتأخذوا نصفا وتقر لكم جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشام ويشاركوكم فى جبال الروم، فنخر أخوه وختنه، وتصدع عنه من كان حوله، فلما رآهم يعصونه ويردون عليه
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 401) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 402) .
(2/300)

بعث أخاه، وأمر الأمراء، ووجه إلى كل حيز جندا، فلما اجتمع المسلمون أمرهم، يعنى الروم، بمنزل جامع حصين، فنزلوا الواقوصة، وخرج هو فنزل حمص، فلما بلغه أن خالدا قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم وعمد إلى بصرى وافتتحها، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم، فإنه لا يقوم لهم أحد، فقالوا: قاتل عن دينك واقض الذى عليك ولا تجبن الناس، قال: وأى شىء أطلب إلا توقير دينكم.
ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك، بعثوا إلى الروم: إنا نريد كلام أميركم وملاقاته، فدعونا نأته ونكلمه، فأبلغوه، فأذن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان كالرسل، والحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأبو جندل بن سهيل، ومع أخى هرقل يومئذ ثلاثون سرادقا كلها من ديباج، فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحل الحرير، فابرز لنا، فبرز إلى فرش ممهدة، وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم، هذا أول الذل، أما الشام فلا شام، ويل للروم من الولد المشئوم، ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه، واتعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح «1» .
قصة صلح إيلياء وقدوم عمر رضى الله عنه الشام
وكان أبو عبيدة رحمه الله، بعد انقضاء اليرموك، على ما وقع فى كتب فتوح الشام من ذلك «2» ، قد بعث الرسل إلى أهل إيلياء يطلبهم بالخروج إليه ليكتب لهم أمانا على أنفسهم وأموالهم، فتثاقلوا عليه، فكتب إليهم يعرض عليهم الإسلام أو الجزية، أو ينزل بهم حتى يحكم الله له عليهم، وقد أوردنا هذا الكتاب بنصه قبل، فلما أبوا أن يأتوه وأن يصالحوه، أقبل إليهم حتى نزل بهم، فحاصرهم حصارا شديدا، وضيق عليهم من كل جانب، فخرجوا إليه ذات يوم، فقاتلوهم ساعة، ثم شد عليهم المسلمون فانهزموا ودخلوا حصنهم، وكان الذى ولى قتالهم خالد بن الوليد ويزيد بن أبى سفيان، كل واحد منهما فى جانب فبلغ ذلك سعيد بن زيد وهو على دمشق، فكتب إلى أبى عبيدة:
أما بعد، فإنى لعمرى ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد فى سبيل الله على نفسى، وعلى ما يقربنى من مرضاة ربى، فإذا أتاك كتابى هذا فابعث إلى عملك من هو أرغب فيه منى، فليعمل لك عليه ما بدا لك، فإنى قادم عليك وشيكا إن شاء الله، والسلام عليك.
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 403) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (242- 250) .
(2/301)

فلما وصل كتابه إلى أبى عبيدة، قال: أشهد ليفعلنها، فقال ليزيد بن أبى سفيان:
اكفنى دمشق، فسار إليها يزيد فوليها.
وكان فى المسلمين رجل من بنى نمير يقال له مخيمس بن حابس بن معاوية، وكان شجاعا، وكان الناس يذكرون منه صلاحا، فقده أصحابه أياما، فكانوا يطلبونه ويسألون عنه فلا يخبرون عنه بشىء، فلما يئسوا منه ظنوا أن قد هلك، وأنه اغتيل، فبينا هم جلوس ذات يوم إذ طلع عليهم مقبلا فى يده ورقتان لم ينظر الناس إلى مثلهما قط أنضر، ولا أعرض عرضا، ولا أطول طولا، ولا أحسن منظرا، ولا أطيب رائحة، ففرح به أصحابه فرحا شديدا، وقالوا له: أين كنت؟ قال: وقعت فى جب فمضيت فيه حتى انتهيت إلى جنة معروشة، فيها من كل شىء، ولم تر عينى مثل ما فيها قط فى مكان، ولم أظن أن الله خلق مثلها، فلبثت فيها هذه الأيام التى فقدتمونى، فى نعيم ليس مثله نعيم، وفى منظر ليس مثله منظر، وفى رائحة لم يجد أحد من الناس قط، أطيب منها، فبينا أنا كذلك، أتانى آت فأخذ بيدى فأخرجنى منها إليكم، وقد كنت أخذت هاتين الورقتين من شجرة كنت تحتها جالسا، فبقيتا فى يدى، فأخذ الناس يشمونهما فيجدون لهما ريحا لم يجدوا لشىء قط أطيب منها، فأهل الشام يزعمون أنه أدخل الجنة وأن تينك الورقتين من ورقها، ويقولون: إن الخلفاء رفعتهما فى الخزانة.
ولما رأى أهل إيلياء أن أبا عبيدة غير مقلع عنهم، وظنوا أن لا طاقة لهم بحربه، قالوا:
نحن نصالحك، قال: فإنى أقبل منكم الصلح، قالوا: فأرسل إلى خليفتكم عمر، فيكون هو الذى يعطينا العهد، ويكتب لنا الأمان، فقبل ذلك أبو عبيدة، وهم بالكتاب، وكان لا يقطع أمرا دون رأى معاذ، وكان معاذ لا يكاد يفارقه، لرغبته فى الجهاد، فأرسل إليه أبو عبيدة، وكان بعثه إلى الأردن، فلما قدم عليه أخبره، فقال له معاذ: تكتب إلى أمير المؤمنين فتسأله القدوم عليك، فلعله أن يستقدم، ثم يأبى هؤلاء الصلح فيكون سيره عناء وفضلا، فلا تكتب إليه حتى تستحلفهم بأيمانهم المغلظة: لئن: أنت سألته القدوم فقدم عليهم فأعطاهم الأمان وكتب لهم الصلح ليقبلن ذلك وليصالحن عليه، فأخذ عليهم أبو عبيدة الأيمان المغلظة لئن عمر قدم فأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وكتب لهم على ذلك كتابا ليقبلن وليؤدن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام، فلما فعلوا ذلك كتب إليه أبو عبيدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا أقمنا على إيلياء، وظنوا أن
(2/302)

لهم فى المطاولة فرجا ورجاء، فلم يزدهم الله بها إلا ضيقا ونقصا وهزلا وأزلا، فلما رأوا ذلك سألونا أن نعطيهم ما كانوا قبل منه ممتنعين، وله كارهين، وسألونا الصلح على أن يقدم عليهم أمير المؤمنين، فيكون هو المؤمن لهم والكاتب لهم كتابا، وإنا خشينا أن يقدم أمير المؤمنين ثم يغدر القوم ويرجعوا، فيكون مسيرك، أصلحك الله، عناء وفضلا، فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بأيمانهم، لئن أنت قدمت عليهم فامنتهم على أنفسهم وأموالهم ليقبلن ذلك وليؤدن الجزية، وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة، ففعلوا، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقدم علينا فافعل، فإن فى مسيرك أجرا وصلاحا وعافية للمسلمين، آتاك الله رشدك، ويسر أمرك، والسلام عليك.
فلما أتى عمر رحمه الله، كتاب أبى عبيدة، جمع رؤس المسلمين، فقرأه عليهم واستشارهم فقال له عثمان: إن الله قد أذلهم وحصرهم وضيق عليهم، وأراهم ما صنع بجموعهم وملوكهم، وما قتل من صناديدهم، وفتح على المسلمين من بلادهم، فهم فى كل يوم يزدادون هزلا وأزلا وذلا ونقصا وضيقا ورغما، فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك بأمرهم مستخف، ولشأنهم محتقر، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى ينزلوا على الحكم، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإلا حاصرهم المسلمون وضيقوا عليهم حتى يعطوا بأيديهم. فقال عمر: ماذا ترون؟ هل عند أحد منكم غير هذا الرأى؟. فقال على بن أبى طالب: نعم، يا أمير المؤمنين، عندى غير هذا. فقال: ما هو؟.
قال: إنهم يا أمير المؤمنين قد سألوك المنزلة التى لهم فيها الذل والصغار، وهى على المسلمين فتح ولهم عز، وهم يعطونكها الآن عاجلا فى عافية، ليس بينك وبين ذلك إلا أن تقدم عليهم، ولك يا أمير المؤمنين فى القدوم عليهم الأجر فى كل ظمأ وكل مخمصة وفى قطع كل واد وفى كل فج وشعب وفى كل نفقة تنفقها حتى تقدم عليهم، فإن قدمت عليهم كان فى قدومك عليهم الأمن والعافية والصلح، والفتح، ولست آمن لو أنهم يئسوا من قبولك الصلح ومن قدومك عليهم أن يتمسكوا بحصنهم، ولعلهم أن يأتيهم من عدونا مدد لهم فيدخلوا معهم فى حصنهم، فيدخل على المسلمين من حربهم وجهادهم بلاء ومشقة، ويطول بهم الحصار، ويقيم المسلمون عليهم، فيصيب المسلمين من الجهد والجوع نحو ما يصيبهم، ولعل المسلمين يدنون من حصنهم فيرمونهم بالنشاب ويقذفونهم بالحجارة، فإن قتل رجل من المسلمين تمنيتم أنكم فديتموه بمسيركم إلى منقطع الترب، ولكان المسلم بذلك من إخوانه أهلا.
فقال عمر: قد أحسن عثمان فى مكيدة العدو، وقد أحسن على النظر لأهل الإسلام.
(2/303)

ثم قال: سيروا على اسم الله، فإنى معسكر وسائر. ثم خرج ومعه أشراف الناس وبيوتات العرب والمهاجرون والأنصار، وأخرج معه العباس بن عبد المطلب.
وعن أبى سعيد المقبرى «1» أن عمر رحمه الله، كان فى مسيره ذلك يجلس لأصحابه إذا صلى الغداة، فيقبل عليهم بوجهه، ثم يقول: الحمد لله الذى أعزنا بالإسلام والإيمان، وأكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهدانا به من الضلالة، وجمعنا من الفرقة، وألف بين قلوبنا، ونصرنا به على الأعداء، ومكن لنا فى البلاد، وجعلنا به إخوانا متحابين، فاحمدوا الله على هذه النعم وسلوه المزيد فيها، والشكر عليها، وتمام ما أصبحتم تتقلبون فيه منها، فإن الله عز وجل، يريد الرغبة إليه، ويتم نعمته على الشاكرين.
قال: فكان عمر رضى الله عنه، لا يدع هذا القول كل غداة، فى مبتدئه ومرجعه.
وعن أبى سعيد الخدرى أن عمر رحمه الله، مضى فى وجهه ذلك حتى انتهى إلى الجابية، فقام فى الناس فقال:
الحمد لله الحميد، المستحمد الدفاع المجيد، الغفور الودود، الذى من أراد أن يهديه من عباده اهتدى، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: 17] .
قال: وإذا رجل من القسيسين من النصارى عندهم، وعليه جبة صوف، فلما قال عمر رضى الله عنه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ قال النصرانى: وأنا أشهد، فقال عمر:
وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، فنفض النصرانى جبته عن صدره، ثم قال:
معاذ الله، لا يضل الله أحدا يريد الهدى، فقال عمر: ماذا يقول عدوه الله، هذا النصرانى؟ فأخبروه، فرفع عمر صوته، وعاد فى خطبته بمثل مقالته الأولى، ففعل النصرانى كفعله الأول، فغضب عمر رضى الله عنه، وقال: والله لئن أعادها لأضربن عنقه، ففهمها العلج فسكت، إذ عاد عمر فى خطبته وقال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، ثم قال: أما بعد، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن خيار أمتى الذين يلونكم، ثم الذين تلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولم يستشهد عليها، وحتى يحلف على اليمين ولم يسألها، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ولا يبالى بشذوذ من شذ، وذكر بقية الحديث «2» .
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (250- 251) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (151) وما بعدها.
(2/304)

قال: ثم خرج عمر رحمه الله، من الجابية إلى إيلياء، فخرج إليه المسلمون يستقبلونه، وخرج أبو عبيدة بالناس أجمعين، وأقبل هو على جمل له، وعليه رحله، وعليه صفة من جلد كبش حولى، فانتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يبتدرونه، فقال للمسلمين: مكانكم، ثم نزل عن بعيره، فأخذ بزمانه وهو من ليف، ثم دخل الماء بين يدى جمله، حتى جاز الماء إلى أصحاب أبى عبيدة، فإذا معهم برذون يجنبونه، فقال له: يا أمير المؤمنين، اركب هذا البرذون، فإنه أجمل بك وأهون عليك فى ركوبك، ولا نحب أن يراك أهل الذمة فى مثل هذه الهيئة التى نراك فيها، واستقبلوه بثياب بيض، فنزل عمر عن جمله وركب البرذون، وترك الثياب، فلما هملج به البرذون، نزل عنه، وقال: خذوا هذا عنى، فإنه شيطان، وأخاف أن يغير على قلبى، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو لبست هذه الثياب البيض، وركبت هذا البرذون لكان أجمل فى المروءة وأحسن فى الذكر وخيرا فى الجهاد. فقال عمر رضى الله عنه: ويحكم، لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا، ثم مضى ومضى المسلمون معه حتى أتى إيلياء، فنزل بها، فأتاه رجال من المسلمين فيهم أبو الأعور السلمى، وقد لبسوا لباس الروم، وتشبهوا بهم فى هيئتهم، فقال عمر: احثوا فى وجوههم التراب، حتى يرجعوا إلى هيئتنا وسنتنا ولباسنا، وكانوا قد أظهروا شيئا من الديباج، فأمر بهم فحرق عليهم.
وفى غير هذا الحديث مما ذكره سيف «1» : أن خالد بن الوليد لقى عمر عند مقدمة الجابية فى الخيل، عليهم الديباج والحرير، فنزل، وأخذ الحجارة فرماهم بها، وقال:
سرعان ما لفتم عن رأيكم، إياى تستقبلون فى هذا الزى، وإنما شبعتم منذ سنتين، سرعان ما نزت بكم البطنة، وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذا.
وفى حديث أبى سعيد الخدرى «2» ، فقال يزيد بن أبى سفيان: يا أمير المؤمنين، إن الثياب والدواب عندنا كثيرة، والعيش عندنا رفيع، والسعر رخيص، وحال المسلمين كما تحب، فلو أنك لبست من هذه الثياب البيض وركبت من هذه الدواب الفره، وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير، كان أبعد الصوت، وأزين لك فى هذا الأمر، وأعظم لك فى الأعاجم. فقال له: يا يزيد لا والله لا أدع الهيئة التى فارقت عليها صاحبى، ولا أتزين للناس بما أخاف أن يشيننى عند ربى، ولا أريد أن يعظم أمرى عند الناس ويصغر عند الله.
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 607) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام (253) .
(2/305)

فلم يزل عمر رحمه الله، على الأمر الأول الذى كان عليه فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياة أبى بكر، رضى الله عنه، حتى خرج من الدنيا.
قال: فلما نزل عمر بإيلياء واطمأن الناس، بعث أبو عبيدة إلى أهل إيلياء، أن انزلوا إلى أمير المؤمنين، واستوثقوا لأنفسكم، فنزل إليه ابن الجعيد فى ناس من عظمائهم، فكتب لهم عمر كتاب الأمان والصلح، فلما قبضوا كتابهم وأمنوا، دخل الناس بعضهم فى بعض، ولم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزار عمر، فيصنع له ويسأله أن يزوره فى رحله، فيفعل ذلك عمر، إكراما لهم، غير أبى عبيدة، فإنه لم يستزره، فقال له عمر: إنه لم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزارنى غيرك، فقال: أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، إنى أخاف إن استزرتك أن تعصر عينيك، فأتاه عمر فى بيته، فإذا ليس فى بيته إلا لبد فرسه، وإذا هو فراشه وسرجه وإذا هو وسادته، وإذا كسر يابسة فى كوة بيته، فجاء بها، فوضعها على الأرض بين يديه، وأتى بملح جريش، وكوز خزف فيه ماء.
فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، ثم التزمه وقال: أنت أخى، وما من أحد من أصحابى إلا وقد نال من الدنيا ونالت منه، غيرك؟ فقال له أبو عبيدة: ألم أخبرك أنك ستعصر فى بيتى عينيك.
قال: ثم إن عمر قام فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا أهل الإسلام، إن الله قد صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وأورثكم البلاد، ومكن لكم فى الأرض، فلا يكن جزاء ربكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصى، فإن العمل بالمعاصى كفر للنعم، وقل ما كفر قوم بما أنعم الله عليهم، ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم.
ثم نزل، وحضرت الصلاة، فقال عمر رضى الله عنه: يا بلال، ألا تؤذن لنا رحمك الله، فقال بلال: يا أمير المؤمنين، أما والله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سأطيعك اليوم إذ أمرتنى فى هذه الصلاة وحدها. فلما أذن بلال وسمعت الصحابة صوته، ذكروا نبيهم صلى الله عليه وسلم فبكوا بكاء شديدا، ولم يكن يومئذ أحد أطول بكاء من أبى عبيدة ومعاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر: حسبكما رحمكما الله، فلما قضى عمر صلاته، قام إليه بلال فقال: يا أمير المؤمنين، إن أمراء أجنادك بالشام والله ما يأكلون إلا لحوم الطير، والخبز النقى، وما يجد ذلك عامة المسلمين.
فقال لهم عمر: ما يقول بلال؟ فقال يزيد بن أبى سفيان: يا أمير المؤمنين، إن سعر
(2/306)

بلادنا رخيص، وإنا نصيب هذا الذى ذكر بلال هاهنا بمثل ما كنا نقوت به عيالنا بالحجاز، فقال عمر: والله لا أبرح العرصة أبدا حتى تضمنوا لى أرزاق المسلمين فى كل شهر، ثم قال: انظروا، كم يكفى الرجل ويسعه فى كل يوم، فقالوا: كذا وكذا، فقال:
كم يكون ذلك فى الشهر، قالوا: جريبين من قمح مع ما يصلحه من الزيت والخل عند رأس كل هلال، فضمنوا له ذلك، ثم قال: يا معشر المسلمين، هذا لكم سوى أعطياتكم، فإن وفا لكم أمراؤكم بهذا الذى فرضته لكم وأعطوكموه فى كل شهر، فذلك ما أحب، وإن هم لم يفعلوا، فأعلمونى حتى أعزلهم عنكم، وأولى أمركم غيرهم، فلم يزل ذلك جاريا دهرا حتى قطع بعد ذلك.
وعن شهر بن حوشب «1» : أن إسلام كعب الحبر وهو من اليمن من حمير، كان فى قدوم عمر الشام، وأن كعبا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك.
قال: وكان أبوه من مؤمنى أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من عظمائهم وخيارهم.
قال كعب: وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عنى شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعانى فقال: يا بنى قد علمت أنى لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أنى حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبى يبعث، وقد أظل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتى أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما فى هذه الكوة التى ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرضن لهما ولا تنظر فيهما زمانك هذا، وأقرهما فى موضعهما حتى يخرج ذلك النبى، فإذا خرج فاتبعه، وانظر فيهما، فإن الله يزيدك بذلك خيرا.
فلما مات والدى لم يكن شىء أحب إلىّ من أن ينقضى المأتم حتى أنظر فى الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة، ثم استخرجت الورقتين، فإذا فيهما: محمد رسول الله، خاتم النبيين، لا نبى بعده، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يجزى بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء،
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (259- 262) .
(2/307)

ويأتزرون على أوساطهم، وأناجيلهم فى صدورهم، ويأكلون قربانهم فى بطونهم، ويؤخرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بنى الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون المشفعون المشفع لهم، فلما قرأت هذا قلت فى نفسى: والله ما علمنى أبى شيئا هو خير لى من هذا، فمكثت بذلك ما شاء الله، حتى بعث النبى صلى الله عليه وسلم وبينى وبينه بلاد بعيدة، منقطعة، لا أقدر على إتيانه، وبلغنى أنه خرج فى مكة، وهو يظهر مرة ويستخفى مرة، فقلت: هو هذا، وتخوفت ما كان والدى حذرنى وخوفنى من الكذابين، وجعلت أحب أتبين وأتثبت، فلم أزل بذلك حتى بلغنى أنه قد أتى المدينة، فقلت فى نفسى: إنى لأرجو أن يكون إياه، وجعلت ألتمس السبيل إليه، فلم يقدر لى حتى بلغنى أنه قد توفى صلوات الله عليه وسلامه.
فقلت فى نفسى: لعله لم يكن الذى كنت أظن، ثم بلغنى أن خليفته قام مقامه، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده، فقلت فى نفسى: لا أدخل فى هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم وإلى ما تكون عاقبتهم، فلم أزل أدفع ذلك وأؤخر لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد، وما صنع الله لهم على الأعداء، علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر، فحدثت نفسى بالدخول فى الإسلام، فو الله إنى ذات ليلة فوق سطح لى، إذا رجل من المسلمين يتلو كتاب الله تعالى، حتى أتى على هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء: 47] .
قال: فلما سمعت هذه الآية خشيت والله ألا أصبح حتى يحول وجهى فى قفاى، فما كان شىء أحب إلىّ من الصباح، فغدوت على عمر، فأسلمت حين أصبحت.
وقال كعب لعمر عند انصرافه عن الشام: يا أمير المؤمنين، إنه مكتوب فى كتاب الله: إن هذه البلاد التى كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها، مفتوحة على رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وعلانيته مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده فى الحق سواء، وأتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار، متراحمون متواصلون متباذلون.
فقال له عمر: ثكلتك أمك، أحق ما تقول؟ قال: أى والذى أنزل التوراة على موسى، والذى يسمع ما نقول، إنه لحق.
(2/308)

فقال عمر رضى الله عنه: فالحمد لله الذى أعزنا وشرفنا وأكرمنا فرحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبرحمته التى وسعت كل شىء.
ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه، وهو عندنا بالإسناد: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، خرج زمان الجاهلية مع أناس من قريش فى تجارة إلى الشام، قال: فإنى لفى سوق من أسواقها، إذا ببطريق قد قبض على عنقى، فذهبت أنازعه، فقيل لى: لا تفعل، فإنه لا نصف لك منه، فأدخلنى كنيسة، فإذا تراب عظيم ملقى، فجاءنى بزنبيل ومجرفة، فقال: انقل ما هاهنا، فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما كان فى الهاجرة وافانى وعليه ثوب أرى سائر جسده منه، فقال: أئنك على ما أرى ما نقلت شيئا، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغى، فقلت: واثكل أمك يا عمر، أبلغت ما أرى، ثم وثبت إلى المجرفة، فضربت بها هامته، فنثرت دماغه، ثم واريته فى التراب، وخرجت على وجهى، لا أدرى أين أسير، فسرت بقية يومى وليلتى ومن الغد إلى الهاجرة، فانتهيت إلى دير، فاستظللت بفنائه، فخرج إلىّ منه رجل، فقال لى: يا عبد الله، ما يقعدك هنا؟ فقلت:
أضللت أصحابى، فقال لى: ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعينى خائف، فادخل وأصب من الطعام، واسترح، فدخلت فأتانى بطعام وشراب، وألطفنى، ثم صعد فى النظر وصوبه، فقال: قد علم أهل الكتاب أو الكتب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب أو الكتب منى، وإنى لأرى صفتك، الصفة التى تخرجنا من هذا الدير، وتغلبنا عليه، فقلت له: يا هذا، لقد ذهبت فى غير مذهب. فقال لى: ما اسمك؟ فقلت: عمر بن الخطاب، قال: أنت والله صاحبنا، فاكتب لى على ديرى هذا وما فيه، فقلت: يا هذا، إنك قد صنعت إلىّ صنيعة فلا تكدرها، فقال: إنما هو كتاب فى رق، فإن كنت صاحبنا فذاك، وإلا لم يضرك شىء، فكتبت له على ديره وما فيه، فأتانى بثياب ودراهم، فدفعها إلىّ، ثم أوكف أتانا، فقال: أتراها؟ قلت: نعم، قال: سر عليها، فإنك لا تمر بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة، فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلىّ، قال: فركبتها، فكان كما قال، حتى لحقت أصحابى وهم متوجهون إلى الحجاز، فضربتها مدبرة وانطلقت معهم، فلما وافى عمر الشام فى خلافته، جاءه ذلك الراهب بالكتاب، وهو صاحب دير العدس، فلما رآه عرفه، ثم قال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه، فلما فرغ منه، أقبل على الراهب، فقال: هل عندكم من نفع للمسلمين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فوفى له عمر رضى الله عنه.
(2/309)

وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله «1» ، قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء، والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء.
وعند سيف فى أمر إيلياء أحاديث ربما خالفت بعض ما تقدم، ونحن نورد منها ما يطيل الإمتاع مضموما إلى ذلك ما ذكره من أمر قيسارية وغيره.
فمن ذلك «2» : أن عمر رحمه الله، كتب إلى يزيد بن أبى سفيان بعد مصالحة أهل الأردن، واجتماع عسكر الروم بأجنادين وبيسان وغزة: أن يسرح معاوية إلى قيسارية.
وكتب عمر إلى معاوية: أما بعد، فإنى قد وليتك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير.
فسار معاوية فى جنده حتى نزل على أهل قيسارية، فهزمهم وحصرهم، ثم إنهم جعلوا يزاحفونه فلا يزاحفونه فى مرة إلا هزمهم وردهم إلى حصنهم، ثم زاحفوه آخر ذلك وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا فى حفيظة واستماتة، فبلغ قتلاهم فى المعركة ثمانين ألفا، وكملها فى هزيمتهم مائة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بنى الضبيب، ثم خاف منهما الضعف، فبعث آخرين بعدهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان، وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر ليلا، فجمع الناس وأباتهم على الفرح، وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يجلس الأسرى عنده ويقول: ما صنعوا بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، فمنع بذلك من العبث بأسرى المسلمين، حتى افتتح قيسارية.
وكان عمر لما أمر معاوية بالتوجه إلى قيسارية، أمر عمرو بن العاص بصدم الأرطبون وكان على جمع الروم بأجنادين، وأمر علقمة بن مجزز بصدم القيقار، وكان على الروم بغزة، فلما توجه معاوية إلى قيسارية صدم عمرو بن العاص، إلى الأرطبون ومن بإزائه، وخرج معه شرحبيل بن حسنة على مقدمته، وولى مجنبتيه ابنه عبد الله بن عمرو وجنادة ابن تميم من بنى مالك بن كنانة، واستخلف أبا الأعور على الأردن، وخرج حتى نزل على الروم بأجنادين، وهم فى حصونهم وخنادقهم، وعليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم، وأبعدها غورا وأنكاها فعلا، وكان وضع بالرملة جندا عظيما، وبإيلياء جندا
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 608) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 604) .
(2/310)

عظيما، وكتب عمرو بالخبر إلى عمر، فلما جاءه كتابه قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تنفرج.
وأقام عمرو على أجنادين، لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل، فولى ذلك بنفسه، وتوجه فدخل عليه، كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه حتى عرف ما أراد، وتأمل حصونه، فقال أرطبون فى نفسه: والله إن هذا لعمرو، أو إنه للذى يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله، ثم دعا حرسيا فساره، فقال: اخرج فقم بمكان كذا فإذا مر بك فاقتله، وفطن له عمرو، فقال له: قد سمعت منى وسمعت منك، وقد وقع ما قلت منى موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالى لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا مثل الذى أرى فقد رآه أهل العسكر ورآه الأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك. قال: نعم، ودعا فلانا فساره، وقال: اذهب إلى فلان، يعنى ذلك الحرسى، فرده إلىّ، فرجع إليه الرجل، وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك، فخرج عمرو ورأى أن لا يعود لمثلها، وعلم الرومى أنه خدعه فقال: هذا أدهى الخلق، وبلغت عمر فقال: غلبه عمرو «1» .
ثم ناهده عمرو وقد عرف مأخذه، فالتقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، ثم انهزم أرطبون فى الناس، فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين وانطلق علقمة بن مجزز فحصر القيقار بغزة، وجعل يراسله فلم يشفه أحد مما يريد، فأتاه كأنه رسول علقمة، فأمر القيقار رجلا أن يقعد له بالطريق، فإذا مر قتله، ففطن علقمة، فقال: إن معى نفرا شركائى فى الرأى، فأنطلق فآتيك بهم، فبعث إلى ذلك الرجل أن لا يعرض لعلقمة، فخرج من عنده ولم يعد، كما فعل عمرو بالأرطبون.
ولما أتى أرطبون إيلياء، أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجنادين، وكتب إلى عمرو: بأنك صديقى ونظيرى، أنت فى قومك مثلى فى قومى، والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع فلا تغر فتلقى ما لقى الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يتنكر ويقرب ويستمع ما يقول، حتى يخبره به إذا رجع، وكتب إلى أرطبون:
جاءنى كتابك، وأنت نظيرى، ومثلى فى قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 604- 606) .
(2/311)

فضيلتى، وقد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، وأستعدى عليك فلانا وفلانا وفلانا لوزرائه، فأقرئهم كتابى، ولينظروا فيما بينى وبينك.
فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون، فدفع إليه الكتاب، بمشهد من أولئك النفر، فاقترأه، فضحكوا وتعجبوا، وأقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمت أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه عمر، ثلاثة أحرف، فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر. وكتب إلى عمر يستمده، ويقول: إنى أعالج حربا كئودا، وبلادا ادخرت لك، فرأيك. فلما جاء عمر الكتاب، علم أن عمرا لم يقل إلا بعلم، فنادى فى الناس، ثم خرج بهم حتى نزل الجابية.
وعن عدى بن سهل قال «1» : لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين، استخلف عليا، وخرج ممدا لهم، فقال على: أين تخرج بنفسك؟ إنك تريد عدوا كلبا، فقال: إنى أبادر بجهاد العدو موت العباس، إنكم لو فقدتم العباس لانتقض لكم الشر انتقاض الجبل.
قالوا: وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربع مرات، أما الأولى فعلى فرس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصر به عنها استعار الطاعون، وأما الرابعة فدخلها على حمار، فاستخلف عليها وخرج، وفتحت إيلياء وأرضها كلها فى ربيع الآخر سنة ست عشرة على يدى عمر بن الخطاب ما خلا أجنادين، على يدى عمرو، وقيسارية على يدى معاوية.
وعن سالم بن عبد الله: أن أهل إيلياء أشجوا عمر وأشجاهم، ولم يقدر عليها ولا على الرملة، قال: فبينا عمر معسكرا بالجابية، فزع الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟
فقالوا: ألا ترى الخيل والسيوف؟ فنظر، فإذا كردوس يلمعون بالسيوف، فقال عمر:
مستأمنة فلا تراعوا وأمنوهم، وإذا هم أهل إيلياء، فصالحوه على الجزية، وفتحوا له إيلياء، واكتتبوا منه عليها، وعلى حيزها، والرملة وحيزها فصارت فلسطين نصفين، نصفا مع أهل إيلياء ونصفا مع أهل الرملة، وفلسطين تعدل الشام كله، وهى عشر كور من غير هذا الحديث المتقدم.
وهو مما ذكره سيف أيضا «2» أن عمر رضى الله عنه، فرق فلسطين على رجلين فجعل علقمة بن حكيم على نصفها وأنزله الرملة، وعلقمة بن مجزز على نصفها وأنزله إيلياء،
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 608) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 610) .
(2/312)

ونزل كل واحد منهما فى عمله فى الجنود التى كانت معه، وكان سالم بن عبد الله فى الجنود التى كانت مع عمرو، وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية، فلما انتهيا إليها وافقا عمر رضى الله عنه، راكبا، فقبلا ركبته، وضم عمر كل واحد منهما واحتضنه.
وعن غير سالم «1» : أن عمر رضى الله عنه، لما بعث بأمان أهل إيلياء، وأسكنها الجند شخص إلى بيت المقدس من الجابية فرأى فرسه يتوجى فنزل عنه وأتى ببرذون فركبه فهزه، فنزل فضرب وجهه بردائه، ثم قال: قبح الله من علمك هذا، ثم دعا بفرسه بعد ما أجمه أياما يوقحه، فركب، ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس، وفى رواية أنه قال للبرذون: لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء، ولم يركب برذونا قبله ولا بعده.
وعن أبى مريم مولى سلامة قال: شهدت فتح إيلياء مع عمر رضى الله عنه، فسار من الجابية فاصلا حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود، ونحن معه، فدخله، ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه.
وقال يزيد بن حنظلة يذكر بعض ما تقدم «2» :
تذكرت حرب الروم لما تطاولت ... وإذ نحن فى عام كثير نوازله
وإذ نحن فى أرض الحجاز وبيننا ... مسيرة شهر بينهن بلابله
وإذ أرطبون الروم يحمى بلاده ... يحاوله قرم هناك يساجله
فلما رأى الفاروق أزمان فتحها ... سما بجنود الله كيما يصاوله
فلما أحسوه وخافوا صياله ... أتوه وقالوا أنت ممن نواصله
وألقت إليه الشأم أفلاذ بطنها ... وعيشا خصيبا ما تعد مآكله
أباح لنا ما بين شرق ومغرب ... مواريث أعقاب بنتها قرامله
وكم مثقل لم يضطلع باحتماله ... تحمل عبئا حين شالت شوائله
وقال أيضا:
وقد عضلت بالشأم أرض بأهلها ... تريد من الأقوام ما كان ألحدا
سما عمر لما أتته رسائل ... كأصيد يحمى صرمة الحى أغيدا
فلما أتاه ما أتاه أجابهم ... بجيش ترى منه السنابك سجدا
وأقبلت الشام العريضة بالذى ... أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا
__________
(1) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 610) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (3/ 612) .
(2/313)

فقسط فيما بينهم كل جزية ... وكل رفاد كان أهنى وأحمد
قال صاحب فتوح الشام «1» : ثم إن عمر رضى الله عنه، خرج من الشام مقبلا إلى المدينة، فلما دنا منها استقبله الناس يهنئونه بالنصر والفتح، فجاء حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين عند المنبر، ثم صعد المنبر، واجتمع الناس إليه، فقام، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبى محمد صلى الله عليه وسلم وقال: يا أيها الناس، إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه، وقد أعز دعوتها وجمع كلمتها، وأظهر فلجها، ونصرها على الأعداء، وشرفها ومكن لها فى الأرض، وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم، فأحدثوا لله عز وجل شكرا يزدكم، واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين. ثم نزل.
قال: فمكث المسلمون بالشام عليها أبو عبيدة بن الجراح، ومكث فيها بعد خروج عمر منها ثلاث سنين، ثم توفى رحمه الله، فى طاعون عمواس، وكان طاعونا عم أهل الشام، ومات فيه بشر كثير، وكانت وفاة أبى عبيدة بالأردن، وبها قبره، ولما طعن رحمه الله، دعا المسلمين، فدخلوا عليه، فقال لهم: إنى موصيكم بوصية، فإن قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم، وبعد ما تهلكون: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا، وتصدقوا، وحجوا واعتمروا، وتواصلوا وتحابوا، واصدقوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصرعى هذا الذى ترون، إن الله قد كتب الموت على بنى آدم، فهم ميتون، فأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده.
ثم قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ، صل بالناس، فصلى معاذ بهم، ومات أبو عبيدة، رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه، فقام معاذ فى الناس فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى الله توبة نصوحا، فإن عبدا إن يلق الله تائبا من ذنبه كان حقا على الله أن يغفر له ذنوبه، ومن كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مصارما مسلما فليلقه فيصالحه، إذا لقيه، وليصافحه، فإنه لا ينبغى لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام، والذنب فى ذلك عظيم عند الله، وإنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل، والله ما أزعم أنى رأيت منكم عبدا من عباد الله قط أقل غمرا، ولا أبرأ صدرا، ولا أبعد من الغائلة، ولا أنصح للعامة، ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه، فترحموا عليه، ثم احضروا الصلاة عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والله لا يلى عليكم مثله أبدا.
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (266- 267) .
(2/314)

فاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة، فتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما سفوا عليه التراب، قال معاذ: رحمك الله أبا عبيدة، فو الله لأثنين عليه بما علمت، والله لا أقولها باطلا، وأخاف أن يلحقنى من الله مقت، كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرا، ومن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، ومن الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، وكنت والله ما علمت من المخبتين المتواضعين، ومن الذين يرحمون اليتيم والمسكين، ويبغضون الجفاة المتكبرين.
ولم يكن أحد من الناس أشد جزعا على فقد أبى عبيدة من معاذ، ولا أطول حزنا عليه من معاذ.
قال: ثم صلى معاذ بالناس أياما، واشتد الطاعون، وكثر الموت فى الناس، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: يا أيها الناس، إن هذا الطاعون هو الرجز الذى عذب الله به بنى إسرائيل مع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وأمر الناس بالفرار منه.
فأخبر معاذ بقول عمرو، فقال: ما أراد إلى أن يقول ما لا علم له به، ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الوباء، فقال: ليس كما قال عمرو، ولكنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، اللهم أعط معاذا وآل معاذ منه النصيب الأوفر، ثم صلى ورجع إلى منزله، فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن، فلما رآه قال: يا أبت، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قال: يا بنى، ستجدنى إن شاء الله من الصابرين، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات يرحمه الله، وصلى عليه معاذ، ودفنه.
فلما رجع معاذ إلى منزله طعن، فاشتد به وجعه، وجعل أصحابه يختلفون إليه فإذا أتوه أقبل عليهم فقال لهم: اعملوا وأنتم فى مهلة وحياة وفى بقية من آجالكم، من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلا، وأنفقوا مما عندكم من قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك ميراثا لمن بعدكم، واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم فأعطيتم فأمضيتم، وما سوى ذلك فللوارثين، فلما اشتد به وجعه جعل يقول:
رب اخنقنى خنقك، فأشهد أنك تعلم أنى أحبك.
قال: وأتاه رجل فى مرضه، فقال له: يا معاذ، علمنى شيئا، ينفعنى الله به قبل أن
(2/315)

أفارقك، فلا أراك ولا ترانى، ولا أجد منك خلفا، ثم لعلى أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعنى بعدك فلا أجد فيهم مثلك، فقال له معاذ: كلا، إن صالحاء المسلمين والحمد لله كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين، ثم قال له: خذ عنى ما آمرك به، كن من الصائمين بالنهار، ومن المصلين فى جوف الليل، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين الله كثيرا على كل حال، ولا تشرب الخمر، ولا تزنى، ولا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تضيع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيما، ولا تظلم مسلما، وحج واعتمر، وجاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة.
ولما حضر معاذا الموت قال لجاريته: ويحك، انظرى، هل أصبحنا؟ فنظرت، فقالت:
لا، ثم تركها ساعة، ثم قال لها: انظرى، فنظرت فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: مرحبا بالموت، مرحبا بزائر جاء على فاقة لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب البقاء فى الدنيا لجرى الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكننى كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وطول الساعات فى النهار، ولظمأ الهواجر، فى الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب فى حلق الذكر.
فلما اقترب أمره جاء عبد الله بن الديلمى، فقال له: يرحمك الله يا معاذ، لعلنا لا نلتقى نحن ولا أنت أبدا، فقال معاذ: أجلسونى، فأجلسوه، وجلس رجل خلف ظهره، ووضع معاذ ظهره فى صدر الرجل، ثم قال: بئس ساعة الكذب هذه، حدثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فكنت أكتمكموه مخافة أن تتكلوا، فأما الآن فإنى لا أكتمكموه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لا يموت عبد من عباد الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من القبور، ويؤمن بالرسل وما جاءت به أنه حق، ويؤمن بالجنة والنار، إلا أدخله الله الجنة وحرمه على النار.
ثم مات معاذ من ساعته يرحمه الله، واستخلف عمرو بن العاص، فصلى عليه عمرو، ودخل قبره، فوضعه فى لحده، ودخل معه رجال من المسلمين، فلما خرج عمرو من قبره، قال: رحمك الله يا معاذ، فقد كنت ما علمناك من نصحاء المسلمين ومن خيارهم، وكنت مؤدبا للجاهل، شديدا على الفاجر، رحيما بالمؤمنين، وايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك، عمرو بن العاص.
(2/316)

وكان مهلكه ومهلك أبى عبيدة رحمهما الله، سنة ثمان عشرة، وقد كان معاذ لما هلك أبو عبيدة كتب إلى عمر ينعاه: أما بعد، فاحتسب امرأ كان لله أمينا، وكان الله فى نفسه عظيما، وكان علينا وعليك يا أمير المؤمنين عزيزا، أبا عبيدة بن الجراح، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسبه، وبالله نثق له، كتبت إليك وقد فشا الموت، وهذا الوباء فى الناس، ولن يخطئ أحد أجله، ومن لم يمت فسيموت، جعل الله ما عنده خيرا لنا من الدنيا وإن أبقانا أو هلكنا فجزاك الله عن جماعة المسلمين وعن خاصتنا وعامتنا رحمته ومغفرته ورضوانه وجنته، والسلام عليك ورحمة الله.
قال: فو الله ما هو إلا أن أتى عمر الكتاب فقرأه حتى بكى بكاء شديدا، ونعى أبا عبيدة إلى جلسائه، فما رأيت جماعة المسلمين جزعوا على رجل منهم جزعهم على أبى عبيدة، ثم ما مضى لذلك إلا أيام حتى جاء كتاب عمرو بن العاص ينعى فيه معاذ بن جبل يرحمه الله، فلما أتت عمر وفاة هذا على أثر أبى عبيدة جزع عليه جزعا شديدا، وبكى عمر والمسلمون، وحزنوا عليه حزنا عظيما، وقال عمر رضى الله عنه: رحم الله معاذا، والله لقد رفع الله بهلاكه من هذه الأمة علما جما، ولرب مشورة له صالحة قد قبلناها منه، ورأيناها أدت إلى خير وبركة، ورب علم أفادناه، وخير دلنا عليه، جزاه الله جزاء الصالحين.
وفرق عمر عند ذلك كور الشام، فبعث عبد الله بن قرط الثمالى على حمص، وعزل عنها حبيب بن مسلمة، واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصارى، واستعمل يزيد بن أبى سفيان على الجنود التى كانت بالشام، ثم وجد عمر على عبد الله بن قرط بعد أن عمل له على حمص سنة فعزله عنها، وبعث حين عزله عبادة بن الصامت أميرا عليها، وقد كان بدريا عقبيا نقيبا، ثم رضى بعد ذلك عن عبد الله بن قرط، فرده على حمص.
ولما قدم عبادة بن الصامت على أهل حمص، قام فى الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا وإنكم معروضون على أعمالكم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:
7] ، ألا وإن للدنيا بنين، وإن للآخرة بنين، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة.
(2/317)

ثم قال لشداد بن أوس: قم يا شداد، فعظ الناس، وكان شداد مفوها قد أعطى لسانا وحكمة وفضلا وبيانا، فقام شداد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس، فإنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه، ولا من الشر إلا أسبابه، وإن الله جمع الخير كله بحذافيره، فجعله فى الجنة، وجمع الشر كله بحذافيره، فجعله فى النار، ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر، ألا وإن النار حفت بالهوى والشهوة، ألا فمن كشف حجاب الكره والصبر أشفى على الجنة، ومن أشفى على الجنة كان من أهلها، ألا ومن كشف حجاب الهوى والشهوة أشفى على النار، ومن أفى على النار كان من أهلها، ألا فاعملوا بالحق تنزلوا منازل أهل الحق، يوم لا يقضى إلا بالحق.
وقام أبو الدرداء فى أهل دمشق خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، يا أهل دمشق، فاسمعوا مقالة أخ لكم ناصح، ما بالكم تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وقد كان من قبلكم جمعوا كثيرا، وبنوا مشيدا، وأملوا بعيدا، وماتوا قريبا، فأصبحت أموالهم بورا، ومساكنهم قبورا وآمالهم غرورا، ألا وإن عادا وثمود وقد كانوا ملأوا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا ونعما، فمن يشترى منى ما تركوا بدرهمين.
ذكر ما وعدنا به قبل من سياقة فتح قيسارية حيث ذكرها أصحاب فتوح الشام خلافا لما أوردناه قبل ذلك عن سيف بن عمر، مما لا يوافق هذا مساقا ولا زمانا، حسب ما يوقف عليه فى الموضعين إن شاء الله تعالى
ذكروا «1» أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كتب إلى يزيد بن أبى سفيان بعد مهلك أبى عبيدة ومعاذ بن جبل رحمهما الله:
أما بعد، فقد وليتك أجناد الشام كله، وكتبت إليهم أن يسمعوا لك ويطيعوا، وأن لا يخالفوا لك أمرا، فاخرج، فعسكر بالمسلمين، ثم سر بهم إلى قيسارية، فانزل عليها، ثم لا تفارقها حتى يفتحها الله عليك، فإنه لا ينفعنى افتتاح ما افتتحتم من أرض الشام مع
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (276- 283) .
(2/318)

مقام أهل قيسارية فيها، وهم عدو لكم، إلى جانبكم، وإنه لا يزال قيصر طامعا فى الشام ما بقى فيها أحد من أهل طاعته ممتنعا، ولو قد افتتحتموها قطع الله رجاءه من جميع الشام، والله فاعل ذلك وصانع به للمسلمين، إن شاء الله تعالى.
فخرج يزيد، فعسكر بالمسلمين، وجاءه كتاب من عمر بنسخة واحدة إلى أمراء الأجناد:
أما بعد، فقد وليت يزيد بن أبى سفيان أجناد الشام كله، وأمرته أن يسير إلى قيسارية، فلا تعصوا له أمرا، ولا تخالفوا له رأيا، والسلام.
وكتب يزيد إلى أمراء الأجناد نسخة واحدة: أما بعد، فإنى قد ضربت على الناس بعثا، أريد أن أسير بهم إلى قيسارية، فاخرجوا من كل ثلاثة رجلا، وعجلوا إشخاصهم إلى إن شاء الله، والسلام.
فلم يمكث إلا قليلا حتى توافت عنده عساكر الأجناد كلها، فلما اجتمعوا عنده قام يزيد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، فإن كتاب أمير المؤمنين عمر المبارك الفاروق، أتانى يحثنى على المسير إلى قيسارية، وأن أدعوهم إلى الإسلام، أو يدخلوا فيما دخل فيه أهل الكور من أهل الشام، فيؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا نزلت عليهم، فلم أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم، وأسبى ذراريهم، فسيروا رحمكم الله إليهم، فإنى أرجو أن يجمع الله لكم الغنيمة فى الدنيا والأجر فى الآخرة.
ثم قال للناس: ارتحلوا، ووجه إلى حبيب بن مسلمة أن سر فى المقدمة، فقد جعلتك عليها، ثم امض حتى تنزل بأهل قيسارية، فإنى أسرع شىء فى أثرك لحاقا بك.
فمضى حبيب فى جماعة عظيمة من المسلمين إلى قيسارية، وبها جموع من بطارقة الروم وفرسانهم وأشدائهم، وكل من كان كره الدخول فى دين الإسلام من النصارى، ومن كان كره الجزية، ومن بقى من أهل تلك المواطن التى كانوا يقاتلون المسلمين من الروم، فكانت بها جموع كثيرة، وحد وجد شديد، فلما أقبل حبيب فى المقدمة ودنا من الحصن، خرج إليه من قيسارية فرسان ورجال، فنضحوهم بالنشاب، وحملت خيلهم على المسلمين، فانحاز حبيب وخيله، حتى انتهى إلى يزيد، فنزل يزيد وجعل على ميمنته عبادة بن الصامت، وعلى الميسرة الضحاك بن قيس، ورد حبيبا على الخيل، ومشى يزيد
(2/319)

فى الرجال، فحمل عليهم، فاقتتلوا طويلا قتالا شديدا، ثم بعث إلى الضحاك: أن احمل على ميمنتهم، فحمل عليهم، فهزمهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وبعث إلى عبادة بن الصامت، أن أحمل على ميسرتهم، فحمل عليهم، فثبتوا له، فقاتلهم طويلا، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم تحاجزوا، وانصرف عبادة إلى موقفه، فحرض أصحابه ووعظهم، ثم قال: يا أهل الإسلام، إنى كنت أحدث النقباء سنا، وأبعدهم أجلا، وقد قضى الله أن أبقانى حتى قاتلت هذا العدو معكم، وإنى أسأل الله أن يرينى وإياكم أحسن ثواب المجاهدين، والله الذى نفسى بيده ما حملت قط فى عصابة من المؤمنين على جماعة من المشركين إلا خلوا لنا العرصة، وأعطانا الله عليهم الظفر غيركم، فما بالكم حملتم على هؤلاء فلم تزيلوهم.
وإن عمر لما بلغه شدة قتال أهل اليرموك لكم قال: سبحان الله، أو قد واقفوهم، ما أظن المسلمين إلا قد غلوا، ولو لم يغلوا ما واقفوهم، ولظفروا بغير مئونة، والله إنى خائف عليكم خصلتين: أن تكونوا قد غللتم، أو لم تناصحوا الله فى حملتكم عليهم، فشدوا عليهم يرحمكم الله معى إذا شددت، فلا والله لا أرجع إلى موقفى هذا إن شاء الله ولا أزايلهم حتى يهزمهم الله أو أموت دونهم، ثم حمل عليهم، وحملت معه الميمنة على ميسرة الروم، فصبروا لهم حتى تطاعنوا بالرماح، واضطربوا بالسيوف، واختلفت أعناق الخيل، فلما رأى ذلك عبادة ترجل، ثم نادى عمير بن سعد الأنصارى فى المسلمين: يا أهل الإسلام إن عبادة بن الصامت سيد المسلمين، وصاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل وترجل، فالكرة الكرة إلى رحمة الله والجنة، واتقوا عواقب الفرار، فإنها تقود إلى النار.
وأقبل المسلمون إلى عبادة وهو يجالدهم، وقد كانوا أحاطوا به، فحمل عليهم، فقصف بعضهم على بعض، فأزالوهم عن موقفهم، ثم شدوا عليهم، وحمل حبيب بن مسلمة على من يليه منهم، ثم حمل يزيد بن أبى سفيان بجماعة المسلمين عليهم، فانهزموا انهزاما شديدا، ووضع المسلمون سلاحهم وسيوفهم حيث أحبوا منهم، وأتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا، حتى حجزوهم فى حصنهم، وقد قتلوا من رؤسائهم وبطارقتهم وفرسانهم مقتلة عظيمة، ثم أقاموا عليهم فحصروهم وقطعوا عنهم المادة، وضيقوا عليهم، وحاصروهم أشد الحصار، فلما طال عليهم البلاء تلاوموا، وقال بعضهم لبعض:
اخرجوا بنا إليهم نقاتلهم حتى نظفر بهم أو نموت كراما، فاستعدوا فى مدينتهم، وخرجوا على تعبئتهم، والمسلمون غارون لا يشعرون ولا يعلمون أنه يخرجون إليهم،
(2/320)

وقد كانوا أذلوهم وأجحروهم وضيقوا عليهم حتى جهدوا، وظنوا أنهم أوهن أمرا، وأضعف من أن يخرجوا عليهم، فما راع المسلمين إلا وأهل قيسارية يضاربونهم بالسيوف بأجمعهم إلى جانب عسكرهم، فجال المسلمون جولة منكرة.
ثم إن يزيد خرج مسرعا يمشى اليهم، حتى إذا دنا منهم جالدهم طويلا، وتتامت إليه خيل المسلمين ورجالتهم، وخرج المسلمون على راياتهم وصفوفهم، فلما كثروا عنده أمر الخيل فحملت عليهم، ونهض بالرجال فى وجوههم، ثم حمل هو عليهم فانهزموا انهزاما قبيحا شديدا، وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا، وركب بعضهم بعضا، فبعض دخل المدينة، وبعض ذهبوا على وجوههم فلم يدخلوها، وقتل الله منهم فى المعركة نحوا من خمسة آلاف، فلما رأى يزيد ما أنزل الله بهم من الخزى والقتل، وما صيرهم إليهم من الذل، قال لمعاوية: أقم عليها حتى يفتحها الله، وانصرف يزيد عنها.
فلم يلبث معاوية عليها إلا يسيرا حتى فتحها الله على يديه، وذلك سنة تسع عشرة، وكانت هى وجلولاء فى سنة واحدة، وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، لأنه لم يبق بالشام فى أقصاها وأدناها عدو حينئذ، وقد نفى الله المشركين عنها، وصار الشام كله فى أيدى المسلمين.
وكتب يزيد إلى عمر: أما بعد، فإن رأى أمير المؤمنين لأهل الشام كان رأيا أرشده الله وأرشد به من أخذ به، وبارك له ولأهل طاعته فيه، وإنى أخبر أمير المؤمنين أنا التقينا نحن وأهل قيسارية غير مرة، وكل ذلك يجعل الله جدهم الأسفل، وكدهم الأخسر، ويجعل لنا عليهم الظفر، فلما رأوا أن الله قد أذهب ريحهم، وأذلهم وأنزل عليهم الصغار والهوان، وقتل صناديدهم وفرسانهم وملوكهم لزموا حصنهم، وانحجزوا فى مدينتهم، فأطلنا حصارهم، وقطعنا موادهم، وميرتهم، وضيقنا أشد التضييق عليهم، فلما جهدوا هزلا وأزلا، فتحها الله علينا، والحمد لله رب العالمين.
فكتب إليه عمر، رحمه الله: أما بعد، فقد أتانى كتابك، وسمعت ما ذكرت فيه من الفتح على المسلمين، والحمد لله رب العالمين، فاشكروا الله يزدكم ويتم نعمته عليكم، وإن الله قد كفاكم مؤنة عدوكم، وبسط لكم فى الرزق، ومكن لكم فى البلاد، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، والسلام عليك.
فلما أتى يزيد هذا الكتاب، قرأه على المسلمين، فحمدوا الله على ما أنعم عليهم،
(2/321)

واصطنع عندهم، وأقبل يزيد حتى نزل دمشق، فلم يلبث إلا سنة حتى هلك رضى الله عنه، وذلك فى سنة تسع عشرة، والشام كله مستقيم أمره، ليس به عدو للمسلمين.
وكان يزيد رحمه الله، شريفا فاضلا حليما عاقلا رقيقا، حسن السيرة، محببا فى المسلمين، ولما ثقل رحمه الله وأشرف على الموت استخلف أخاه معاوية على الشام، وكتب إلى عمر، رضى الله عنه: أما بعد، فإنى كتبت إليك كتابى هذا وإنى أظن أنى فى أول يوم من الآخرة، وآخر يوم من الدنيا، فجزاك الله عنا، وعن جميع المسلمين خيرا، وجعل جناته لنا ولك مآبا ومصيرا، فابعث إلى عملك بالشام من أحببت، فأما أنا فقد استخلفت عليهم معاوية بن أبى سفيان.
فلما أتى عمر كتابه مع خبر موته، جزع عليه جزعا شديدا، وكتب إلى معاوية بولايته على الشام، ويقال: إنه لما ورد البريد بموت يزيد على عمر كان أبوه أبو سفيان عنده، فقال له عمر لما قرأ الكتاب بموت يزيد: أحسن الله عزاءك فى يزيد، ورحمه، فقال له أبو سفيان: من وليت مكانه يا أمير المؤمنين؟ قال: أخاه معاوية، قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين.
فأقام معاوية على الشام أربع سنين، بقية خلافة عمر، ثم أقره عليها عثمان اثنتى عشرة سنة، مدة خلافته، ثم كان منه بعد وفاة عثمان رضى الله عنه، ما هو معلوم «1» .
ذكر فتح مصر
«2» ذكر ابن عبد الحكم «3» عمن سمى من شيوخه أنه لما قدم عمر، رضى الله عنه، الجابية «4» خلا به عمرو بن العاص، فاستأذنه فى المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخلها فى الجاهلية وعرف طرقها ورأى كثرة من فيها.
وكان سبب دخوله إياها أنه كان قدم بيت المقدس لتجارة فى نفر من قريش، وكانت رعية إبلهم نوبا بينهم، فبينا عمرو يرعاها فى نوبته إذ مر به شماس من شمامسة
__________
(1) انظر: تاريخ فتوح الشام (276- 283) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (4/ 104- 112) ، البداية والنهاية (7/ 107- 110) ، الكامل (2/ 405- 408) .
(3) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 53- 192) .
(4) كان ذلك سنة ثمانى عشرة من الهجرة.
(2/322)

الروم، من أهل الإسكندرية، كان قدم للصلاة فى بيت المقدس وللسياحة فى جبالها، فوقف على عمرو فاستسقاه وقد أصابه عطش شديد فى يوم شديد الحر، فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روى، ونام الشماس مكانه، وكانت إلى جنبه حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو، فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس ونظر إلى الحية سأل عمرا عنها، فأخبره أنه رماها فقتلها، فأقبل الشماس فقبل رأسه، وقال: قد أحيانى الله بك مرتين، مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لى نطلب الفضل فى تجارتنا، فقال له الشماس: وكم تراك ترجو أن تصيب فى تجارتك؟ قال: رجائى أن أصيب ما اشترى به بعيرا، فإنى لا أملك إلا بعيرين، فأملى أن أصيب بعيرا ثالثا، فقال له الشماس: كم الدية فيكم؟ قال: مائة من الإبل، قال الشماس لسنا أصحاب إبل، إنما نحن أصحاب دنانير.
قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إنى رجل غريب فى هذه البلاد، وإنما قدمت أصلى فى كنيسة بيت المقدس، وأسيح فى هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسى، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادى، فهل لك أن تتبعنى إلى بلادى، ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله عز وجل، أحيانى بك مرتين؟
فقال له عمرو: وأين بلادك؟ قال: مصر، فى مدينة يقال لها: الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها، ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها، فقال عمرو: وتفى لى بما تقول؟ فقال له الشماس: نعم، لك علىّ العهد والميثاق أن أفى لك، وأن أردك إلى أصحابك، فقال عمرو: كم يكون مكثى فى ذلك؟
قال: شهرا تنطلق معى ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا وترجع فى عشر، ولك علىّ أن أحفظك ذاهبا، وأن أبعث معك من يحفظك راجعا، فقال له عمرو: أنظرنى حتى أشاور أصحابى.
فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهده عليه الشماس، وقال لهم: أقيموا علىّ حتى أرجع إليكم ولكم علىّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبنى رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم، وبعثوا معه رجلا منهم.
فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر، حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال ما أعجبه، ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها، وكثرة أهلها، وما بها من الأموال، فازداد عجبا.
(2/323)

ووافق دخول الإسكندرية عيدا فيها عظيما، يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم ويتلقونها بأكمامهم، وفيما اختبروا منها على ما وضعها من مضى منهم أنه من وقعت فى كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم.
وأكرم الشماس عمرا الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس معه فى ذلك المجلس مع الناس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كم عمرو، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابى يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا.
وإن ذلك الشماس مشى فى أهل الإسكندرية، وأعلمهم بأن عمرا أحياه مرتين، وأنه ضمن له ألفى دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا ودفعوها إلى عمرو، فانطلق هو وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا، وزودهما وأكرمهما، حتى رجعا إلى أصحابهما، فدفع إليهم عمرو فيما بينهم ألف دينار، وأمسك لنفسه ألفا.
قال: فكان أول مال اعتقدته وتأثلته.
فبذلك ما عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى فيها ما علم به أنها أفضل البلاد وأكثره مالا.
فلما قدم عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الجابية خلا به عمرو، وقال: يا أمير المؤمنين إيذن لى فأسير إلى أرض مصر، فإنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهى أكثر الأرضين أموالا، وأعجزه عن القتال، فتخوف عمر وكره ذلك، فلم يزل عمرو بن العاص يعظم أمرها فى نفسه ويخبره بحالها، ويهون عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من عك، وقال: سيروا وأنا مستخير الله فى مسيرك، وسيأتيك كتابى سريعا، فإن لحقك كتابى آمرك فيه بالانصراف فانصرف، وإن دخلتها قبل أن يأتيك كتابى ثم جاءك فامض لوجهتك، واستعن بالله فاستنصره.
فمضى عمرو من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر ربه، فكأنه تخوف على المسلمين فى وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص: أن انصرف بمن معك من المسلمين إن أدركك كتابى قبل أن تدخل مصر، فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح، فتخوف إن هو أخذه فقرأه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، وسار كما هو حتى مر بقرية صغيرة فيما بين رفح والعريش، فسأل
(2/324)

عنها، فقيل: إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه، فإذا فيه: أن انصرف بمن معك من المسلمين، فقال لمن حوله: ألستم تعلمون أن هذه من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى إن لحقنى كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقنى كتابه حتى دخلت أرض مصر، فسيروا على بركة الله.
ويقال: بل كان عمرو بن العاص بفلسطين، فتقدم فى أصحابه إلى مصر بغير إذن، فكتب إليه عمر ينكر ذلك عليه، فجاءه كتابه وهو دون العريش، عريش مصر، فلم يقرأ الكتاب حتى بلغ العريش فقرأه، فإذا فيه:
من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أما بعد، فإنك سرت إلى مصر بمن معك، وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمرى لو كانوا ثكل أمك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع.
فقال عمرو: الحمد لله، أية أرض هذه؟ قالوا: من مصر، فتقدم كما هو.
ويقال: بل كان عمرو فى جنده على قيسارية مع كل من كان بها من أجناد المسلمين، وعمر بن الخطاب إذ ذاك بالجابية، فكتب سرا واستأذن إلى مصر، وأمر أصحابه فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتجولوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذى فعل، ورأوا أنه قد غرر، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إليه عمر:
«أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابى ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك كتابى وقد دخلت فامض، واعلم أنى ممدك» .
ويقال: إن عمر كتب إلى عمرو بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به. وبعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج معه، ثم إن عثمان بن عفان دخل على عمر، فذكر له عمر ما كتب به إلى عمرو، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، إن عمرا له جرأة، وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج فى غير ثقة ولا جماعة، فيعرض المسلمين للهلكة، رجاء فرصة لا يدرى أتكون أم لا. فندم عمر على كتابه إشفاقا مما قال عثمان، فكتب إلى عمرو يأمره بنحو ما تقدم من الرجوع إن لم يكن دخل مصر، والمضى لوجهه إن كان دخلها.
فسار عمرو فى طريقه قاصدا مصر، فلما بلغ المقوقس ذلك توجه نحو الفسطاط يجهز
(2/325)

الجيوش على عمرو، فأقبل عمرو حتى إذا كان بجبال الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم، وأدركه النحر وهو بالعريش، فضحى يومئذ عن أصحابه بكبش.
وكان رجل ممن خرج معه قد أصيب بجمله، فأتاه الرجل يستحمله، فقال له عمرو:
تحمل مع أصحابك حتى نبلغ أوائل العامر، فلما بلغوا العريش جاءه، فأمر له بجملين، ثم قال: لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمتكم، فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا.
فتقدم عمرو، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الروم قتالا شديدا، نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه.
وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: «أبو ميامين» ، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقى عمرو، فيقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا.
ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى نزل القواصر، ثم تقدم لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى أم دنين فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم.
وجاء رجل من لخم إلى عمرو بن العاص فقال: اندب معى خيلا حتى آتى من ورائهم عند القتال، فأخرج معه خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بنى وائل قبل الصبح.
ويقال: كان على هذا البعث خارجة بن حذافة «1» ، فلما كان فى وجه الصبح نهض القوم، فصلوا الصبح، ثم ركبوا خيلهم، وغدا عمرو بن العاص على القتال، فقاتلوهم من وجههم، وحملت الخيل التى كان وجه من ورائهم واقتحمت عليهم فانهزموا. وكانوا قد خندقوا حول الحصن، وجعلوا للخندق أبوابا، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2137) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1327) ، الثقات (3/ 111) ، تلقيح فهوم أهل الأثر (374) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 146) ، الكاشف (1/ 265) ، تهذيب التهذيب (3/ 74) ، تقريب التهذيب (1/ 210) ، التحفة اللطيفة (1/ 49) ، النجوم الزاهرة (1/ 20) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (1/ 600) ، الطبقات (23/ 291) ، التاريخ الكبير (3/ 203) ، التاريخ الصغير (1/ 93) ، الإكمال (6/ 182) ، تراجم الأخبار (1/ 390) ، الكامل (3/ 920) ، مشاهير علماء الأمصار (383) .
(2/326)

الحصن، فحاصرهم حتى سألوه أن يسير منهم بضعة عشر أهل بيت ويفتحوا له الحصن، ففعل ذلك، وفرض عليهم لكل رجل من أصحابه دينارا وجبة وبرنسا وعمامة وخفين.
فجاء النفر من القبط يستأذنونه إلى قراهم وأهليهم، وقد كان نفر منهم تحدثوا قبل ذلك ورجل من لخم يسمعهم، فقال بعضهم لبعض: ألا تعجبوا من هؤلاء القوم، يعنون المسلمين، يقدمون على جموع الروم، وإنما هم فى قلة من الناس. فجاءهم رجل منهم، فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه، حتى يقتلوا خيرهم. فأنكر عليه اللخمى قوله وأراد حمله إلى عمرو، فرغب إليه أصحابه وغيرهم حتى خلصوه، فلما استأذن أولئك النفر عمرا قال لهم: كيف رأيتم أمرنا؟ قالوا: لم نر إلا حسنا. فقال ذلك الرجل لعمرو مثل مقالته تلك: إنكم لن تزالوا تظهرون على كل من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا. فغضب عمرو وأمر به، فطلب إليه أصحابه وأخبروه أنه لا يدرى ما يقول، حتى خلصوه، فلما بلغ عمرا عمر بن الخطاب عجب من قول ذلك القبطى، وأرسل فى طلبه، فوجدوه قد هلك.
وفى حديث غيره: قال عمرو بن العاص: فلما طعن عمر بن الخطاب قلت: هو ما قال القبطى، فلما حدثت أنه إنما قتله رجل نصرانى «1» قلت: لم يعن هذا، إنما عنى من قتله المسلمون، فلما قتل عثمان، رضى الله عنه، عرفت أن ما قال الرجل حق.
قال ابن عبد الحكم: وقد سمعت فى فتح القصر وجها غير هذا، ثم ذكر عن نفر سمى منهم قال: وبعضهم يزيد على بعض فى الحديث أن عمرو بن العاص حصرهم فى القصر الذى يقال له: باب اليون حينا، وقاتلهم قتالا شديدا، يصبحهم ويمسيهم، فلما أبطأ عليه الفتح كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده عمر بأربعة آلاف رجل، على كل ألف منهم رجل يقوم مقام ألف: الزبير بن العوام «2» ، والمقداد بن عمرو»
، وعبادة
__________
(1) هو: أبو لؤلؤة، غلام المغيرة بن شعبة. راجع مقتل عمر بن الخطاب، رحمه الله، من هذا الجزء.
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2794) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1731) .
(3) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (3/ 1/ 144) ، طبقات خليفة (61، 67، 168) ، التاريخ الكبير (8/ 54) ، التاريخ الصغير (60، 61) ، المعارف (263) ، الجرح والتعديل (8/ 426) ، حلية الأولياء (1/ 172، 176) ، ابن عساكر (17، 66، 1) ، تهذيب الأسماء واللغات (2/ 111، 112) ، معالم الإيمان (1/ 71، 76) ، دول الإسلام (1/ 927، العقد الثمين (7/ 268) ، تهذيب التهذيب (10/ 285) ، شذرات الذهب (1/ 39) ، الإصابة ترجمة رقم (8201) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5076) .
(2/327)

ابن الصامت «1» ، ومسلمة بن مخلد «2» . وقيل: بل خارجة بن حذافة مكان مسلمة. وقال عمر بن الخطاب: «اعلم أن معك اثنى عشر ألفا، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» .
وذكر الليث عن يزيد بن أبى حبيب: أن عمر، رحمه الله، إنما أمد عمرا حين استمده بالزبير بن العوام، وبالمقداد بن عمرو، وبخارجة بن حذافة.
قال الليث بن سعد: وبلغنى عن كسرى أنه كان له رجال إذا بعث أحدهم فى جيش وضع من عدة الجيش الذى كان سمى ألفا مكانه، وإذا احتاج إلى أحدهم وكان فى جيش فجيشه زادهم ألف رجل، فأنزلت الذى صنع عمر بن الخطاب حين أمد عمرا بالزبير والمقداد وخارجة نحو الذى صنع كسرى.
وقيل: إن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أشفق على عمرو حين بعثه، فأرسل الزبير فى أثره فى اثنى عشر ألفا، فشهد معه الفتح. وكان عمرو قدم من الشام فى عدة قليلة، وكانت الروم قد خندقوا حول حصنهم، وجعلوا للخندق أبوابا، ورموا فى أفنيتها حسك الحديد، فكان عمرو يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، فلما انتهى إلى الخندق نادوه: أن قد رأينا ما صنعت، وإنما معك من أصحابك كذا وكذا، فلم يخطئوا برجل واحد. فبينا هو على ذلك إذ جاءه خبر الزبير، فلما قدم المدد مع الزبير على عمرو ابن العاص ألح على القصر ووضع عليه المنجنيق. وقد كان عمرو دخل إلى صاحب القصر فتناظرا فى شىء مما هم فيه، فقال له عمرو: أخرج وأستشير أصحابى، فدس صاحب الحصن الوصية إلى الذى على الباب إذا مر به عمرو أن يلقى عليه صخرة فيقتله.
فأشعر بذلك عمرا رجل من العرب وهو يريد الخروج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن،
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4515) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2791) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (8007) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4943) ، تاريخ اليعقوبى (2/ 148) ، تاريخ خليفة (195) ، فتوح البلدان (270) ، أنساب الأشراف (1/ 146) ، المعرفة والتاريخ (2/ 494) ، تاريخ الطبرى (4/ 430) ، أخبار القضاة (3/ 223) ، تاريخ أبى زرعة (1/ 189) ، مروج الذهب (1621) ، فتوح مصر (67) ، جمهرة أنساب العرب (366) ، وفيات الأعيان (7/ 215) ، المراسيل (197) ، الجرح والتعديل (8/ 265) ، مشاهير علماء الأمصار (56) ، الكامل فى التاريخ (3/ 191) ، تهذيب الكمال (3/ 1330) ، مختصر التاريخ (82) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 77) ، سير أعلام النبلاء (3/ 424) ، العبر (1/ 66) ، الكاشف (3/ 128) ، المعين فى طبقات المحدثين (26) ، تقريب التهذيب (2/ 249) ، النجوم الزاهرة (1/ 132) ، خلاصة تذهيب التهذيب (377) ، الولاة والقضاء (15) ، تاريخ الإسلام (2/ 242) .
(2/328)

فقال له: إنى أريد أن آتيك بنفر من أصحابى حتى يسمعوا منك مثل الذى سمعت، فقال العلج فى نفسه: قتل جماعة أحب إلىّ من قتل واحد، فأرسل إلى الذى كان على الباب يأمره بالكف عن عمرو رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم، فخرج عمرو ولم يعد.
وفى حصار المسلمين هذا الحصن كان عبادة بن الصامت يوما فى ناحية يصلى وفرسه عنده، فرآه قوم من الروم، فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلم من صلاته، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه غير مكذب عنهم ولوا راجعين، واتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، ولا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن، ورمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يعرض لشىء مما كانوا طرحوا من متاعهم، حتى أتى موضعه الذى كان به، فاستقبل الصلاة، وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه.
ولما أبطأ الفتح على عمرو بن العاص قال الزبير: إنى أهب نفسى لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلما إلى جانب الحصن ثم صعد، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر. ولما اقتحم الزبير وتبعه من تبعه وكبر، وكبر من معه وأجابهم المسلمون من خارج، لم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموه جميعا، فهربوا، وعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحمه المسلمون، فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو بن العاص الصلح ودعاه إليه، على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك.
وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر فيما روى عن الليث.
قال ابن عبد الحكم: وقد سمعت فى فتح القصر وجها آخر مخالفا للحديثين المتقدمين، فالله أعلم.
ثم أورد بإسناد يرفعه إلى جماعة من التابعين، يزيد بعضهم على بعض، أن المسلمين لما حاصروا باب اليون وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم بها شهرا، فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط، وخرجوا من باب القصر القبلى ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة، موضع الصناعة اليوم، وأمروا بقطع الجسر، وذلك فى جرى النيل.
(2/329)

وزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج تخلف فى الحصن بعد المقوقس، وهو رجل من الروم كان واليا على الحصن تحت يدى المقوقس، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، فلما خاف الأعيرج فتح الحصن ركبها هو وأهل القوة والشرف ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة.
قال أصحاب الحديث من التابعين: فأرسل المقوقس إلى عمرو: إنكم قوم قد ولجتم فى بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مكثكم فى أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم معهم العدة والسلاح، وأحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى فى أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتى الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم.
فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس بهذا حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك فى دينهم؟ وإنما أراد عمرو أن يروا حال المسلمين، ثم رد عمرو إلى المقوقس رسله، وقال لهم: إنه ليس بينى وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا، وكان لكم ما لنا، وإما أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين.
فلما جاؤا إلى المقوقس قال لهم: كيف رأيتم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليه من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم، يغسلون بالماء أطرافهم، ويخشعون فى صلاتهم.
فقال عند ذلك المقوقس: والذى يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم.
فرد إليهم المقوقس رسله: أن ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وأمره عمرو أن يكون
(2/330)

مكلم القوم وأن لا يجيبهم إلى شىء دعوه إليه إلا إلى إحدى هذه الخصال الثلاث.
وكان عبادة أسود طويلا، يقول ابن غفير: أدرك الإسلام من العرب عشرة، طول كل رجل منهم عشرة أشبار، أحدهم عبادة بن الصامت. فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه تقدم عبادة فهابه المقوقس لسوداه، فقال: نحّوا عنى هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمنى. فقالوا جميعا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا أن لا نخالفه.
قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغى أن يكون دونكم؟.
قالوا: كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا.
فقال له المقوقس: تقدم يا أسود وكلمنى برفق فإنى أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علىّ ازددت لذلك هيبة.
فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابى ألف رجل كلهم أشد سوادا منى وأفظع منظرا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لى، وأنا قد وليت وأدبر شبابى، وإنى مع ذلك، بحمد الله، ما أهاب مائة رجل من عدوى ولو استقبلونى جميعا، وكذلك أصحابى، وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد فى الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة فى دنيا، ولا طلبا للاستكثار منها، إلا أن الله، عز وجل، قد أحل لنا ذلك، وجعل ما غنمنا منه حلالا، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من الذهب أم كان لا يملك إلا درهما؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه فى طاعة الله تعالى واقتصر على هذا الذى يتبلغ به ما كان فى الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء فى الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله فى رضى ربه وجهاده عدوه.
فلما سمع المقوقس كلامه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندى من منظره، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل على عبادة فقال: أيها
(2/331)

الرجل قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمرى ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا بحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم يعرفون بالنجدة والشدة، لا يبالى أحدهم من لقى ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقونهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم فى ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضوها وتنصرفوا إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قبل لكم به.
فقال عبادة بن الصامت: يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمرى ما هذا بالذى يخوفنا، ولا بالذى يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون فى قتالكم، وأشد لحرصنا عليكم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا فى رضوانه وجنته، وما من شىء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين: إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله عز وجل قال لنا فى كتابه: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249] ، وما منا من رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلاده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همّ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه فى أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا، وأما قولك: إنا فى ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن فى أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه، فانظر الذى تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك بالباطل، بذلك أمرنى الأمير، وبه أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا: إما أجبتم إلى الإسلام الذى هو الدين الذى لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا فى دين الله، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم فى الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم
(2/332)

صاغرون، نعاملكم على شىء نرضى به نحن وأنتم فى كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم فى شىء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم فى ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذى ندين الله تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينكم غيره، فانظروا لأنفسكم.
فقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا، ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا!.
فقال له عبادة: هو ذلك فاختر ما شئت!.
فقال له المقوقس: أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟.
فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، وربنا، ورب كل شىء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القوم، فماذا ترون؟.
فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل؟ أما ما أرادوا من دخولنا فى دينهم فهذا ما لا يكون أبدا، أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل فى دين غيره لا نعرفه، وأما ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا.
فقال المقوقس لعبادة: قد أتى القوم «1» فما ترى؟ فراجع أصحابك «2» على أن نعطيكم فى مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفوا.
فقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله: أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فو الله ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين.
فقالوا: وأى خصلة نجيبهم إليها؟.
قال: أنا أخبركم، أما دخولكم فى غير دينكم فلا آمركم به، وأما قتالكم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة.
__________
(1) فى ابن عبد الحكم: قد أبى القوم.
(2) فى ابن عبد الحكم: صاحبك.
(2/333)

قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا؟.
قال: نعم، أن تكونوا عبيدا منبسطين «1» فى بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، خير لكم من أن تموتوا من آخركم، أو تكونوا عبيدا تباعون وتمزقون فى البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم وذراريكم.
قالوا: فالموت أهون علينا، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير.
فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من فى القصر، حتى ظفروا بهم وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخفه عليكم؟ ما تنتظرون، فو الله لتجيبن إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كرها، فأطيعونى من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية، ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: أنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من الخصال التى أرسلت إلىّ بها فأبى ذلك علىّ من حضرنى من الروم والقبط، فلم يكن لى أن أفتات عليهم فى أموالهم، وقد عرفوا نصحى لهم وحبى صلاحهم فرجعوا إلى قولى، فأعطنى أمانا أجتمع أنا وأنت، أنا فى نفر من أصحابى، وأنت فى نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه فى ذلك، فقالوا: لا نجيبهم إلى شىء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه.
فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين فى عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التى عهد إلىّ فيها أجبتم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم.
فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها
__________
(1) فى ابن عبد الحكم: مسلطين.
(2/334)

وأسفلها من القبط دينارين دينارين، على كل نفس، شريفهم ووضيعهم، ومن بلغ الحلم منهم، وليس على الشيخ الفانى، ولا على الصغير الذى لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شىء. وعلى أن للمسلمين عليهم النزل بجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأن لهم أرضهم وأموالهم لا يعرض لهم فى شىء منها، فشرط هذا كله على القبط خاصة.
وأحصوا عدد القبط من بلغ منهم الجزية ومن فرض عليهم الديناران. رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط أكثر من ستة آلاف ألف نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثنى عشر ألف ألف دينار فى كل سنة.
وعن يحيى بن ميمون الحضرمى قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صالح عن جميع ما فيها من رجال القبط، ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبى، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف.
وفى الحديث المتقدم الطويل: أن المقوقس شرط للروم أن يخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام لازما له ذلك مفترضا عليه، مما أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار فى الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه.
وكتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه بالأمر على وجهه، فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه، ويرد عليه ما فعل ويقول فى كتابه:
إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا فإن عندك بمصر من الروم وبالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف، معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم أذلاء فى حال القبط، ألا قاتلتهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظفر عليهم، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكن لك رأى غير ذلك.
وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم.
(2/335)

فقال المقوقس لما أتاه كتابه: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل، يتمنى أن لا يرجع إلى أهله ولا بلده، ولا ولده، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا، ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة فى الدنيا ولا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم، واعلموا معشر الروم أنى والله لا أخرج مما دخلت فيه وصالحت العرب عليه، وأنى لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولى ورأيى، وتتمنون أن لو كنتم أطعمتونى، وذلك أنى قد عانيت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه، ويحكم أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا فى دهره على نفسه وماله وولده بدينارين فى السنة؟.
ثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت وعجزنى، وكتب إلىّ وإلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتك، أمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطانى على نفسى ومن أطاعنى، وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم، ولم يأت من قبلهم نقض وأنا متم لك على نفسى، والقبط متمون لك على الصلح الذى صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم برىء، وأنا أطلب إليك أن تعطينى ثلاث خصال.
قال عمرو: وما هن؟.
قال: لا تنقض بالقبط، وأدخلنى معهم وألزمنى ما لزمهم، فقد اجتمعت كلمتى وكلمتهم على ما عاهدتك عليه وهم متمون لك على ما تحب. وأما الثانية: إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنهم أهل لذلك؛ لأنى نصحتهم فاستغشونى، ونظرت لهم فاتهمونى. وأما الثالثة: أطلب إليك أن إذا مت أن تأمرهم يدفنونى فى أبى يحنس بالإسكندرية.
فأنعم له عمرو بن العاص بذلك وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا.
ويقال: إن المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص على الروم وهو محاصر الإسكندرية، وبعد أن حصر أهلها ثلاثة أشهر وألح عليهم وخافوه، فسأله المقوقس الصلح عنهم، كما
(2/336)

صالحه على القبط، على أن يستنظر رأى الملك وعلى أن يسير من الروم من أراد المسير، ويقر من أراد الإقامة، فأنكر ذلك هرقل لما بلغه أشد الإنكار، وتسخط أشد التسخط، وبعث الجيوش، فأغلقوا الإسكندرية وآذنوا عمرو بن العاص بالحرب، فخرج إليه المقوقس فقال: أسألك ثلاثا، وذكر نحو ما تقدم، وزاد أن عمرا قال فى الثالثة التى هى أن يدفن فى أبى يحنس: هذه أهونهن علينا.
ثم رجع إلى الحديث الأول، قال: فخرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط قد أصلحوا لهم الطريق وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم، وسمعت بذلك الروم فاستعدت واستجاشت، وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم، فيها جمع من الروم كثير بالعدة والسلاح، فخرج إليهم عمرو بن العاص من الفسطاط متوجها نحو الإسكندرية، فلم يلق منهم أحدا حتى بلغ ترنوط «1» ، فلقى فيها طائفة من الروم فقاتلوه قتالا خفيفا فهزمهم الله، ومضى عمرو بمن معه حتى لقى جمع الروم بكوم شريك، فاقتتلوا به ثلاثة أيام ثم فتح الله للمسلمين وولى الروم أكتافهم.
ويقال: بل أرسل عمرو بن العاص، شريك بن سمى فى آثارهم، فأدركهم عند الكوم الذى يقال له كوم شريك، فقاتلهم شريك فهزمهم.
ويقال: بل لقيهم فألجأوه إلى الكوم فاعتصم به، وأحاطت به الروم، فلما رأى ذلك شريك أمر أبا ناعمة الصدفى «2» ، وهو صاحب الفرس الأشقر الذى يقال له: أشقر صدف، وكان لا يجارى، فانحط عليهم من الكوم، وطلبته الروم فلم تدركه، حتى أتى عمرا فأخبره، فأقبل عمرو نحوه. وسمعت به الروم فانصرفت، وبهذا الفرس سميت خوخة الأشقر التى بمصر، وذلك أنه نفق فدفنه صاحبه هناك، فسمى المكان به.
قال: ثم التقوا بسلطيس «3» فاقتتلوا بها قتالا شديدا، فهزمهم الله، ثم التقوا بالكريون «4» فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما.
__________
(1) ترنوط: قرية كانت بين مصر والإسكندرية، أشار ياقوت إلى أنها قرية كبيرة جامعة على النيل، فيها أسواق ومعاصر للسكر وبساتين، وأكثر فواكه الإسكندرية منها. انظر: معجم البلدان (2/ 27) .
(2) هو: أبو ناعمة مالك بن ناعمة الصدفى.
(3) سلطيس: قرية من قرى مصر القديمة، كان أهلها أعانوا على عمرو بن العاص فسباهم. انظر: معجم البلدان (3/ 236) .
(4) كريون: موضع قرب الإسكندرية. انظر: معجم البلدان (4/ 458، 459) .
(2/337)

وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات كثيرة، فقال: يا وردان لو تقهقرت قليلا لنصيب الروح. فقال وردان: الروح أمامك وليس هو خلفك. فتقدم عبد الله، وجاء رسول أبيه يسأله عن جراحه، فأنشأ يقول:
أقول إذا ما النفس جاشت ألا أصبرى ... عليك قليلا تحمدى أو تلامى
فرجع الرسول فأخبره بما قال. فقال عمرو: هو ابنى حقا.
وصلى يومئذ عمرو صلاة الخوف، فحدث شيخ صلاها معه بالإسكندرية: أنه صلى بكل طائفة ركعة وسجدتين.
قال: ثم فتح الله على المسلمين، وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة، واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصنوا بها، وكانت عليهم حصون لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس إلى ما وراء ذلك، ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية فى المراكب بمادة الروم.
ويروى أن عمرا أقام بحلوة شهرين ثم تحول إلى المقس، فخرجت عليه الخيل من ناحية البحيرة حيث كانت مستترة بالحصن فواقعوه، فقتل من المسلمين يومئذ بكنيسة الذهب اثنا عشر رجلا، ولم يكن للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية، وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فكان ملك الروم يعظم ظهور العرب عليها ويقول: لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، وانقطع ملكها، وتجهز للخروج إليها ليباشر قتالها بنفسه إعظاما لها، وأمر أن لا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: ما بقاء الروم بعد الإسكندرية؟ فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته وكفى المسلمين مؤنته. وكان موته فى سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، فكسر الله بموته شوكة الروم.
ورجع جمع كبير ممن كان قد توجه إلى الإسكندرية، واستأسدت العرب عند ذلك وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالا شديدا، وخرج طرف من الروم من باب حصنها فحملوا على الناس وقتلوا رجلا من مهرة فاحتزوا رأسه وانطلقوا به، فجعل المهريون يتغضبون ويقولون: لا ندفنه أبدا إلا برأسه. فقال عمرو بن العاص: تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالى بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا رجلا منهم
(2/338)

وارموا برأسه يرموا برأس صاحبكم، فخرجت الروم عليهم فاقتتلوا، فقتل رجل من بطارقة الروم، فاحتزوا رأسه، فرموا به إلى الروم، فرمت الروم برأس المهرى إليهم، فقال:
دونكم الآن فادفنوا صاحبكم.
وكان عمرو بن العاص يقول: ثلاث قبائل فى مصر: أما مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما غافق فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما بلى فأكثرها رجلا صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضلها فارسا.
وقاتل عمر بن العاص الروم بالإسكندرية يوما من الأيام قتالا شديدا، فلما استحر القتال بارز رجل من الروم مسلمة بن مخلد فصرعه الرومى، وألقاه عن فرسه، وأهوى إليه بسيفه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه. وكان مسلمة لا يقام بسبيله ولكنها مقادير، ففرحت بذلك الروم وشق ذلك على المسلمين، وغضب عمرو بن العاص فقال:
وكان مسلمة كثير اللحم ثقيل البدن: ما بال الرجل المسبّه «1» الذى يشبه النساء يتعرض فيداخل الرجال ويتشبه بهم؟ فغضب مسلمة ولم يراجعه، ثم اشتد القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية فقاتلهم العرب فى الحصن، ثم جاشت عليهم الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن إلا أربعة نفر فيهم عمرو بن العاص ومسلمة بن مخلد، أغلق الروم عليهم باب الحصن وحالوا بينهم وبين أصحابهم ولا يدرون من هم.
فلما رأى ذلك عمرو وأصحابه لجأوا إلى ديماس من حماماتهم فتحرزوا به فأمرت الروم روميا فكلمهم بالعربية فقال لهم: إنكم قد صرتم بأيدينا أسارى فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم فامتنعوا ثم قال لهم: إن فى أيدى أصحابكم منا رجالا أسروهم ونحن نعطيكم العهود أن نفادى بكم أصحابنا ولا نقتلكم، فأبوا عليهم.
فلما رأى الرومى ذلك منهم قال لهم: هل لكم إلى خصلة وهى نصف فيما بيننا وبينكم: أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله على أن يبرز منكم رجل ومنا رجل، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا، وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم إلى أصحابكم. فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه، فبرز رجل من الروم قد وثقت الروم بنجدته وشدته، وقالوا لعمرو وأصحابه وهم فى الديماس ليبرز رجل منكم لصاحبنا فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة وقال: يا هذا تخطئ مرتين، تشذ من
__________
(1) السبه: محركه، ذهاب العقل من الهرم. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (4/ 284) . لسان العرب لابن منظور (3/ 1932) .
(2/339)

أصحابك وأنت أميرهم وإنما قوامهم بك وقلوبهم معلقة نحوك لا يدرون ما أمرك، ثم لا ترضى حتى تبارز وتتعرض للقتل، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك؟ مكانك وأنا أكفيك إن شاء الله! قال عمرو: دونك فربما فرجها الله بك، فبرز مسلمة والرومى فتجاولا ساعة ثم أعانه الله عليه فقتله، فكبر مسلمة وأصحابه، ووفى لهم الروم بما عاهدوهم عليه، ففتحوا لهم باب الحصن فخرجوا ولا تدرى الروم أن أمير القوم فيهم، حتى بلغهم ذلك فأسفوا وأكلوا أيديهم تغيظا على ما فاتهم، فلما خرجوا استحيى عمرو مما كان قال لمسلمة حين غضب، وسأله أن يستغفر له، ففعل مسلمة وقال عمرو: والله ما أفحشت قط إلا ثلاث مرات، مرتين فى الجاهلية وهذه الثالثة، وما منها مرة إلا وقد ندمت واستحييت وما استحييت من واحدة منهن أشد مما استحييت مما قلت لك والله إنى لأرجو أن لا أعود إلى الرابعة ما بقيت.
قال ابن لهيعة: وأخبرنى بعض أشياخنا أن عبد العزيز بن مروان لما قدم الإسكندرية سنة ثمانين سأل: هل بقى بالإسكندرية أحد ممن أدرك فتحها؟ فأتوه بشيخ من الروم من أكابر أهل الإسكندرية يومئذ فأعلموه أنه أدرك فتحها وهو رجل، فسأله عن أعجب ما رأى يومئذ من المسلمين. فقال: أخبرك أيها الأمير أنه كان لى صديق من أبناء بطارقة الروم يومئذ منقطع إلىّ، وأنه أتانى فسألنى أن أركب معه حتى ننظر إلى المسلمين وإلى حالهم وهيئتهم، وهم إذ ذاك محاصرون الإسكندرية، فخرجت معه وهو على برذون له كثير اللحم وأنا على برذون خفيف، فلما خرجنا من الحصن الثالث وقفنا على كوم مشرف ننظر إلى العرب، وإذا هم فى خيام لهم وعلى باب كل خيمة فرس واقف ورمح مركوز، ورأينا قوما ضعفاء فعجبنا من ضعفهم، وقلنا: كيف بلغ هؤلاء القوم ما بلغوا؟
فبينا نحن وقوف ننظر إليهم ونعجب إذ خرج رجل منهم من بعض تلك الخيام، فلما نظر إلينا اختلع رمحه ووثب على ظهر فرسه ثم أقبل نحونا، فقلت لصاحبى: والله إنه ليريدنا! فلما رأيناه مقبلا إلينا لا يريد غيرنا ولينا هاربين، فما كان بأوشك من أن أدرك صاحبى فطعنه بالرمح فصرعه، ثم تركه صريعا وأقبل فى إثرى وأنا خائف أن لا أفلت منه حتى دخلت الحصن الأول فنجوت منه، ثم صعدت الحصن لأبصر ما يفعل، فرجع وهو يتكلم بكلام يرفع به صوته، فظننت أنه يقرأ، ثم مضى حتى اعترض برذون صاحبى فأخذه ورجع إلى صاحبى وهو صريع فأخذ سيفه وترك سلبه فلم يأخذه تهاونا به، وكانت ثيابه ديباجا كلها، فلم يأخذها ولم ينزعها عنه.
فقال عبد العزيز بن مروان للشيخ الرومى: صف لى ذلك الرجل وشبهه ببعض من
(2/340)

عندى. فأشار إلى رجل مخفف كوسج «1» فقال: هو يشبه هذا. قال عبد العزيز: نخبرك أنه يمان «2» .
وأقام عمرو يحاصر الإسكندرية أشهرا، فقال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لما بلغه ذلك: ما أبطأوا بفتحها إلا لما أحدثوا.
وقال أسلم مولى عمر: لما أبطأ على عمر فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص:
أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، أنكم تقاتلونها منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله، تبارك وتعالى، لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابى هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم فى الصبر والنية، وقدم أولئك النفر الأربعة فى صدور الناس، ومر الناس جميعا أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت الإجابة، وليضج الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم.
فلما أتى عمرا الكتاب جمع الناس وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله ويسألوه النصر، ففعلوا، ففتح الله عليهم.
ويقال إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد فقال له: أشر علىّ فى قتال هؤلاء. فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعقد له على الناس، فيكون هو الذى يباشر القتال ويكفيكه. قال عمرو: ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت. فدعا عمرو عبادة، فأتاه وهو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك أن لا تنزل، ناولنى سنام رمحك، فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له وولاه القتال، فتقدم عبادة مكانه فصاف الروم وقاتلهم، ففتح الله على يديه الإسكندرية فى يومه ذلك.
ويروى أن عمرو بن العاص قال وقد أبطأ عليه الفتح، فاستلقى على ظهره ثم جلس
__________
(1) الكوسج: أى الناقص الأسنان، والبطىء من البراذين. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (1/ 204) .
(2) فى ابن عبد الحكم: « ... قال عبد العزيز عند ذلك: إنه ليصف صفة رجل يمانى» .
(2/341)

فقال: إنى فكرت فى هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله، يريد الأنصار، فدعا عبادة بن الصامت فعقد له، ففتح الله الإسكندرية على يديه من يومه ذلك.
وقال جنادة بن أبى أمية «1» : دعانى عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية وكان على قتالها، فأغار العدو على طائفة من الناس ولم يأذن بقتالهم، فبعثنى أحجز بينهم، فأتيتهم فحجزت بينهم ثم رجعت إليه، فقال: أقتل أحد من الناس؟ قلت: لا. قال: الحمد لله الذى لم يقتل أحد منهم عاصيا.
قالوا: وكان فتح الإسكندرية يوم الجمعة مستهل شهر المحرم من سنة عشرين.
ولما هزم الله الروم وفتحت الإسكندرية وهرب الروم فى البحر والبر، خلف عمرو ابن العاص بالإسكندرية من أصحابه ألف رجل، ومضى فى طلب من هرب فى البر من الروم، فرجع من كان هرب منهم فى البحر إلى الإسكندرية فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من هرب.
وبلغ ذلك عمرو بن العاص فكر راجعا ففتحها، وأقام بها، وكتب إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أن الله قد فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد، فكتب إليه عمر يقبح رأيه ويأمره ألا يجاوزها.
قال ابن لهيعة: وهذا هو فتح الإسكندرية الثانى، وكان سبب فتحها أن بوابا يقال له: ابن بسامة سأل عمرا الأمان على نفسه وأرضه وأهل بيته ويفتح له الباب، فأجابه عمرو إلى ذلك وفتح له ابن بسامة الباب، فدخل عمرو من ناحية قنطرة سليمان، وكان مدخله الأول من الباب الذى من ناحية كنيسة الذهب.
وقد روى ابن لهيعة، أيضا، عن يزيد بن أبى حبيب أن فتحها الأول كان سنة إحدى وعشرين ثم انتقضوا سنة خمس وعشرين.
وجاءت الروم عليهم منويل الخصى، بعثه هرقل فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (1204) ، أسد الغابة ترجمة رقم (789) ، طبقات ابن سعد (7/ 439) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (2905) ، تاريخ البخارى (2/ 132) ، تاريخ خليفة (180) ، مقدمة مسند بقى بن مخلد (112) ، التاريخ الكبير (2/ 232) ، التاريخ الصغير (72) ، الجرح والتعديل (2/ 515) ، فتوح البلدان (278) ، تاريخ الثقات للعجلى (99) ، الثقات لابن حبان (4/ 103) ، مشتبه النسبة لعبد الغنى بن سعيد (208) .
(2/342)

فأجابهم من بها من الروم، فخرج إليهم عمرو بن العاص فى البر والبحر، فقاتلهم قتالا شديدا، فهزمهم الله وقتل منويل، ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث.
ويقال: أن هذا انتقاض ثان للإسكندرية بعد انتقاضها الذى ذكره ابن لهيعة أولا وكان ذلك فى زمان عمر، وهذا الذى ذكر يزيد بن أبى حبيب فى خلافة عثمان، رضى الله عنهما، وسيأتى ذكره فى موضعه مستوفى إن شاء الله.
وقيل: إن جميع من قتل من المسلمين من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان وعشرون رجلا.
وبعث عمرو بن العاص، معاوية بن حديج «1» وافدا إلى عمر بن الخطاب يبشره بالفتح، فقال له معاوية: ألا تكتب معى؟ فقال له عمرو: ما أصنع بالكتاب، ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة وما رأيت وحضرته؟.
فلما قدم على عمر أخبره بفتح الإسكندرية، فخر عمر ساجدا وقال: الحمد لله.
ويروى عن معاوية بن حديج أنه قال: قدمت المدينة فى الظهيرة فأنخت راحلتى بباب المسجد، ثم دخلت المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب فرأتنى شاحبا علىّ ثياب السفر، فأتتنى فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا معاوية بن حديج رسول عمرو بن العاص. فانصرفت عنى، ثم أقبلت تشتد، فقالت: قم فأجب أمير المؤمنين. فتبعتها، فلما دخلت إذا بعمر بن الخطاب يتناول رداءه فقال: ما عندك؟ فقلت:
خير يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية، فخرج معى إلى المسجد فقال للمؤذن: أذن فى الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال لى: قم فأخبر أصحابك. فقمت فأخبرتهم، ثم صلى ودخل منزله واستقبل القبلة فدعا بدعوات ثم جلس فقال: يا جارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: كل فإن المسافر يحب الطعام، فلو كنت آكلا لأكلت معك. فأصبت على حياء، ثم قال: يا جارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر فى طبق، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: أمير المؤمنين قائل «2» . قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت. لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسى، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟.
__________
(1) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (4980) .
(2) القائل: هو النائم فى وسط النهار. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (4/ 42) .
(2/343)

ثم كتب عمرو بن العاص بعد ذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه: أما بعد، فإنى فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أنى أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودى عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك.
وعن أبى قبيل أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها اثنى عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر.
وعن غيره «1» أنه كان فيما أحصى من الحمامات اثنا عشر ديماسا أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كل مجلس منها يسع جماعة نفر.
قال: وترحل من الإسكندرية فى الليلة التى دخلها عمرو بن العاص أو الليلة التى خافوا دخوله سبعون ألف يهودى، وكان عدة من بالإسكندرية من الروم مائتى ألف من الرجال، فلحق بأرض الروم أهل القوة وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار يحمل فيها ثلاثون ألف بما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى من بقى ممن يؤدى الخراج، فأحصوا يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان.
واختلف الناس على عمرو فى قسمهم، وكان أكثرهم يريدون القسم، فقال عمرو:
لا أقدر على ذلك حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه فى ذلك، فكتب إليه عمر، رضى الله عنه: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم.
فأقرها عمرو وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر صالحا كلها بفريضة دينارين دينارين على كل رجل، لا يزاد على أحد منهم فى جزية رأسه على دينارين، غير أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع، إلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم؛ لأن الإسكندرية فتحت عنوة لغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمة.
ويقال: إن مصر كلها فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
قال سفيان بن وهب الخولانى «2» : لما فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام فقال:
اقسمها يا عمرو. فقال: لا أقسمها. فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله
__________
(1) هو: حسين بن شفى بن عبيد.
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3343) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2129) .
(2/344)

صلى الله عليه وسلم خيبر. فقال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إليه فأجابه:
أقرها حتى يغدو «1» منها حبل الحبلة.
وفى حديث آخر: أن الزبير صولح على شىء أرضى به.
وحدث أبو قنان «2» ، عن أبيه أنه سمع عمرو بن العاص يقول، يعنى بمصر: لقد قعدت مقعدى هذا وما لأحد من قبط مصر علىّ عهد ولا عقد، إن شئت قتلت، وإن شئت حبست، وإن شئت بعت.
ويروى عن ربيعة نحو ما تقدم من فتح مصر بغير عهد، وأن عمر بن الخطاب حبس درها وصرها أن يخرج منه شىء نظيرا للإسلام وأهله.
وقال زيد بن أسلم «3» : كان لعمر بن الخطاب، رضى الله عنه، تابوت فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد.
ويروى أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال للقبط: إن من كتمنى كنزا عنده فقدرت عليه قتلته. فذكر لعمرو أن قبطيا «4» من أهل الصعيد يقال له: بطرس عنده كنز، فأرسل إليه فسأله، فأنكر، فحبسه عمرو، وسأل: هل تسمعونه يسأل عن أحد؟ فقالوا:
سمعناه يسأل عن راهب بالطور، فأخذ خاتم بطرس وكتب على لسانه بالرومية إلى ذلك الراهب: أن ابعث إلىّ بما عندك، وختم بخاتمه، فجاء الرسول من عند الراهب بقلة شامية مختومة بالرصاص، فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها: يا بنى، إن أردتم ما لكم فافتحوا تحت الفسقية الكبيرة. فأرسل عمرو إلى الفسقية فحبس عنها الماء، وقلع البلاط الذى تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين أردبا ذهبا مضروبة، فضرب عمرو رأس القبطى عند باب المسجد، فأخرج القبط كنوزهم خشية أن يقتلوا.
وروى يزيد بن أبى حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطى كان يظهر الروم على عورات المسلمين ويكتب إليهم بذلك، فاستخرج منه بضعة وخمسين أردبا دنانير.
وقال ابن شهاب: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمة وبعضها عنوة. فجعل عمر بن
__________
(1) فى ابن عبد الحكم: يغزو.
(2) هو: أيوب بن أبى العالية.
(3) انظر ترجمته فى: الجرح والتعديل (3/ 2509) ، الإصابة ترجمة رقم (2883) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1821) .
(4) فى ابن عبد الحكم: نبطيا.
(2/345)

الخطاب جميعها ذمة، وحملهم على ذلك، فجرى ذلك فيهم إلى اليوم.
وفى كتاب سيف عمن سمى من أشياخه «1» فى فتح مصر مساق آخر غير ما تقدم، وذلك أن عمرو بن العاص خرج إلى مصر بعد ما رجع عمر إلى المدينة، يعنى رجوعه من الشام، فانتهى عمرو إلى باب مصر، وأتبعه الزبير فاجتمعا، فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق «2» مصر ومعه الأسقف فى أهل النيات، بعثهم المقوقس لمنع بلادهم.
فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم عمرو: لا تعجلونا لنعذر إليكم، وتروا رأيكم بعد، فكفوا أصحابهم، فأرسل إليهم عمرو: إنى بارز فليبرز لى أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك وآمن بعضهم بعضا. فقال لهما عمرو: أنتما راهبا أهل هذه البلدة فاسمعا: إن الله بعث محمدا بالحق وأمره به، وأمرنا به محمد، وأدى إلينا كل الذى أمر به، ثم مضى، صلوات الله عليه، وقد قضى الذى عليه وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه قبلنا منه وكان مثلنا، ومن لم يجبنا إليه عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم، وإن لكم إن أجبتمونا إلى ذلك ذمة إلى ذمة، ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيين خيرا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالقبطيين خيرا؛ لأن لهم رحما وذمة، يعنى بالرحم أن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام منهم، فقالا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء وأتباع الأنبياء، وذكرا أن هاجر معروفة عندهم شريفة.
قالا: كانت ابنة ملكنا، وكان من أهل منف والملك فيهم، فأذيل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام. مرحبا بكم وأهلا أمنا حتى نرجع إليك.
فقال عمرو: إن مثلى لا يخدع ولكننى أأجلكما ثلاثا ولتناظرا قومكما، وإلا ناجرناكم.
قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا، فزادهم يوما، فرجعوا إلى المقوقس، فهم، يعنى بالإنابة إلى الجزية، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، لا نرجع إليهم وقد بقيت أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشىء
__________
(1) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 107، 108) .
(2) الجائليق: رئيس النصارى فى ديار الإسلام.
(2/346)

إلا رجونا أن يكون له أمان، فلم يفجأ عمرا والزبير إلا البيات من فرقب، وعمرو والزبير بعين شمس وبها جمعهم. وبعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها، وبعث عوف ابن مالك إلى الإسكندرية فنزل عليها، فقال كل واحد منهما لأهل مدينته: إن شئتم أن تنزلوا فلكم الأمان. فقالوا: نعم، فراسلوها، وتربصوا بهم أهل عين شمس، وسبى المسلمون من بين ذلك.
وقال عوف بن مالك «1» : ما أحسن مدينتكم يا أهل الإسكندرية فقالوا: إن الإسكندر قال: إنى أبنى مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية، فبقيت بهجتها.
وقال أبرهة لأهل الفرما: ما أخلق مدينتكم يا أهل الفرما؟ قالوا: إن الفرما قال: إنى أبنى مدينة عن الله غنية، وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها.
قال الكلبى: كان الإسكندر والفرما أخوين، ثم حدث بمثل ذلك، قال: فنسبتا إليهما، فالفرما يتهدم كل يوم فيها شىء، وأخلقت مرآتها، وبقيت جدة الإسكندرية.
قالوا: ولما نزل عمرو على القوم بعين شمس، وكان الملك بين القبط والنوب، ونزل معه الزبير عليها قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، صالح القوم واعتقد منهم، ولا تعرضنا لهم، وذلك فى اليوم الرابع، فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عنوة، حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى ما صالحوا عليه، فصاروا ذمة:
وكان صلحهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم، وملتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبهم، وبحرهم، وبرهم، لا يدخل عليهم فى شىء من ذلك، ولا ينتقض، ولا يساكنهم النوب. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف. وعليهم ما جنى لصوصهم، فإن أبى أحد أن يجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم، وذمتنا من أبى بريئة.
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (6116) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4130) ، المعارف (315) ، الجرح والتعديل (7/ 13، 14) ، العبر (1/ 81) ، تهذيب التهذيب (8/ 168) ، شذرات الذهب (1/ 79) .
(2/347)

وإن نقص نهرهم من عادته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى فاختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا فى كل ثلث، يريد من السنة، جباية ثلث ما عليهم، لهم على ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين.
وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا معونة، على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة.
شهد الزبير، وعبد الله ومحمد ابنا عمرو، وكتب وردان، وحضر فدخل فى ذلك أهل مصر كلهم، وقبلوا الصلح «1» .
فمصر عمرو الفسطاط، ونزله المسلمون، وظهر أبو مريم وأبو مريام، فكلموا عمرا فى السبايا التى أصيبت بعد المعركة، فقال عمرو: أولهم عهد وعقد؟ ألم نخالفكما ويغر علينا من يومكما؟ فطردهما، فرجعا وهما يقولان: كل شىء أصبتموه إلى أن نرجع إليكم ففى ذمة. فقال لهما عمرو: يغيرون علينا وهم فى ذمة؟ قالا: نعم. وقسم عمرو ذلك السبى على الناس، وتوزعوه ووقع فى بلاد العرب، وقدم البشير إلى عمر بعد بالأخماس، وقدم الوفود، فسألهم عمر، فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق وصاحبه، فقال عمر: ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون من قاتلكم فلا أمان له، ومن لم يقاتلكم وأصابه منكم سبى من أهل القرى فى الأيام الخمسة فله الأمان، وكتب بذلك إلى عمرو بن العاص، فجعل يجاء بهم من اليمن ومكة حتى ردوا.
وعن عمرو بن شعيب «2» قال: لما التقى عمرو والمقوقس بعين شمس، واقتتلت خيلاهما، جعل المسلمون يجولون بعد البعد، فزمرهم عمرو، فقال رجل من أهل اليمن:
إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد. فأسكته عمرو، ثم لما تمادى ذلك نادى عمرو: أين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فحضر من شهدها منهم، فقال: تقدموا فبكم ينصر المسلمون.
فتقدموا وفيهم يومئذ أبو بردة وأبو برزة، وناهدهم الناس يتبعون الصحابة، ففتح الله على المسلمين، وظفروا أحسن الظفر، وافتتحت مصر، وقام فيها ملك الإسلام على رجل، وجعل يفيض على الأمم والملوك.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 109) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 111) .
(2/348)

وعن محمد بن إسحاق «1» عن رجل من أهل مصر اسمه القاسم بن قزمان: أن زياد ابن جزء الزبيدى حدثه وكان فى جند عمرو بن العاص، قال: افتتحنا الإسكندرية فى خلافة عمر، فلما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية قرية قرية، حتى انتهينا إلى بلهيب وقد بلغت سبايانا مكة والمدينة واليمن، فلما انتهينا إلى بلهيب «2» أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص: إنى قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلىّ منكم يا معشر العرب، لفارس والروم، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علىّ ما أصبتم من سبايا أرضى فعلت، فبعث إليه عمرو: إن ورائى أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عنى حتى أكتب إليه بالذى عرضت علىّ، فإن قبل ذلك منك قبلت، وإن أمرنى بغير ذلك مضيت لأمره.
قال: فقال: نعم. فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يذكر له الذى عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال: وكانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به، ثم وقفنا ببلهيب وفى أيدينا بقايا من سبيهم، وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءه، وقرأه علينا عمرو وفيه:
«أما بعد: فإنه جاء فى كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض عليك أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبايا أرضه، ولعمرى لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلىّ من فىء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية، على أن تخيروا من فى أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه، فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل ذمته، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب وبلغ مكة والمدينة واليمن فإنّا لا نقدر على ردهم، ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفى له به» .
قال: فبعث عمرو بن العاص إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذى كتب به أمير المؤمنين، فقال: قد فعلت، فجمعنا ما فى أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتى بالرجل ممن فى أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام وبين النصراينية، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة لهى أشد من تكبيرتنا حين تقتحم القرية، ثم نجوزه إلينا، وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى وحازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعا
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 105، 106) .
(2) بلهيب: قرية من قرى الريف، يقال لها: الريش. انظر: الطبرى (4/ 105) ، معجم البلدان (1/ 492) .
(2/349)

شديدا، حتى كأنه رجل خرج منا إليهم، فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم.
وفيمن أتينا به أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن، قال القاسم: وقد أدركته وهو عريف بنى زبيد، قال ابن جزء الزبيدى: فعرضنا عليه الإسلام والنصرانية، وأبوه وأمه وإخوته فى النصارى، فاختار الإسلام، فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا عليه، حتى شققوا ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا كما ترى.
ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، فمن زعم غير ذلك أن الإسكندرية وما حولها من القرى لم تكن لها جزية ولا لأهلها عهد فقد كذب.
قال القاسم: وإنما أهاج هذا الحديث أن ملوك بنى أمية كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أنها إنما دخلت عنوة، وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا، وقد تقدم بعض ما وقع فى هذا المعنى من الاختلاف.
وكذلك اختلفوا فى وقت فتح مصر، فذكر ابن إسحاق أنها فتحت سنة عشرين، وكذلك قال أبو معشر والواقدى.
وقد روى عن أبى معشر أن الإسكندرية فتحت سنة خمس وعشرين، ولعل ذلك فتحها الأخير، إذ قد تقدم ذكر انتقاضها مرتين.
وأما سيف «1» فزعم أن مصر والإسكندرية فتحتا فى سنة ست عشرة. قال: ولما كان ذو القعدة من سنة ست عشرة وضع عمر، رحمه الله، مسالح مصر على السواحل وغيرها.
وقال سعيد بن عفير وغيره «2» : لما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التى حول الفسطاط، فأقامت الفيوم سنة لم يعلم المسلمون مكانها، حتى أتاهم رجل فذكرها لهم، فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفى، فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا، فهموا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا فإن كان كذبا فما أقدركم على ما أردتم. فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال وألقوا بأيديهم.
قال: ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفى، وهو صاحب الأشقر، ينفض المجابة
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 111، 112) .
(2) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 169) .
(2/350)

على فرسه، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فهجم على الفيوم فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره.
وقيل غير ذلك فى وجه الانتهاء إلى الفيوم مما لا كبير فائدة فى ذكره، والله تعالى أعلم «1» .
وعن يزيد بن أبى حبيب أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها همّ بسكناها، وقال: مساكن قد كفينا بناءها، فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه فى ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بينى وبين المسلمين ماء؟ قال:
نعم، إذا جرى النيل. فكتب إلى عمرو:
إنى لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بينى وبينهم لا فى شتاء ولا فى صيف.
فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط. وإن ناسا من المسلمين حين افتتحوا مصر مع عمرو بن العاص اختطوا بالجيزة وسكنوا بها، فكتب عمرو بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر يقول: ما كنت أحب أن ينزلوا منزلا يكون الماء دونهم، فإذا فعلوا فابن عليهم حصنا. فبنى الحصن الذى خلف الجسرين.
وبنى عمرو بن العاص المسجد، وكان ما حوله حدائق وأعنابا، فنصبوا الحبال حتى استقام لهم، ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة، وضعها هو ومن حضر معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذ فيه منبرا. فكتب إليه عمر بن الخطاب:
«أما بعد. فإنه بلغنى أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين، أو ما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك، فعزمت عليك لما كسرته» .
ولما اختط الناس المنازل بالفسطاط كتب عمرو بن العاص إلى عمر، رضى الله عنه:
إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع.
فكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر؟ وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين.
وذكر الطبرى»
أن القبط حضروا باب عمرو، فبلغه أنهم يقولون: ما أرثّ العرب
__________
(1) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 91) .
(2) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 110) .
(2/351)

وأهون أنفسهم وما رأينا مثلنا دان لهم فخاف أن يستثيرهم ذلك، فأمر بجزر فنحرت، فبطحت فى الماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضروا هم وأصحابهم، وجلس وأذن لأهل مصر، وجىء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين، فأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا وحسوا وهم فى العباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعا وجرأة، وتقدم إلى أمراء الأجناد فى الحضور بأصحابهم من الغد، وأمرهم أن يجيئوا فى ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك، ففعلوا، وأذن لأهل مصر، فرأوا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوم بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوا نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا.
وبعث إليهم: أن يتسلحوا غدا للعرض، وغدا على العرض، وأذن لأهل مصر فعرضهم عليهم، ثم قال: إنى قد علمت أنكم رأيتم فى أنفسكم أنكم فى شىء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أريكم حالهم، كيف كانت فى أرضهم، ثم حالهم فى أرضكم، ثم حالهم فى الحرب فظفروا بكم، وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم فى اليوم الثانى، فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم فى اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثانى وراجع إلى عيش اليوم الأول.
فتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.
وبلغ عمر، رحمه الله، ذلك، فقال لجلسائه، يعنى عمرا: والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره، إن عمرا لعض، ثم أمّره عليها وأقام بها.
وذكر ابن عبد الحكم أن عمر، رضى الله عنه، كتب أن يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى، ولا يضربوا على النساء، ولا على الولدان، ولا يدعوهم يتشبهون «1» بالمسلمين فى لبوسهم «2» .
قال: ثم إن عمر بن الخطاب أمر أمراء الأجناد أن يتقدموا إلى الرعية بأن عطاءهم قائم، وأرزاق عيالهم جارية، فلا يزرعون، يعنى الأجناد، ولا يزارعون.
فأتى شريك بن سمى الغطيفى إلى عمرو بن العاص فقال: إنكم لا تعطوننا ما يحبسنا أفتأذن لى بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك بغير إذنه، فكتب
__________
(1) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 151) .
(2) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 162) .
(2/352)

عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمره أن يبعث إليه شريكا، فأقرأ عمرو شريكا الكتاب، فقال له شريك: قتلتنى يا عمرو قال: ما أنا قتلتك قال: أنت صنعت هذا بنفسك قال: فإذا كان هذا من رأيك فأذن لى فى الخروج إليه من غير كتاب، ولك علىّ عهد الله أن أجعل يدى فى يده، فأذن له، فلما وقف على عمر قال: تؤمننى يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أى الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلك شريك بن سمى الغطيفى؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قال: لأجعلنك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل منى ما قبل الله من العباد؟ قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إن شريك ابن سمى جاءنى تائبا فقبلت منه.
وعن الليث بن سعد «1» قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فأجابه عمر عن كتابه إليه فى ذلك: سله لم أعطاك به ما أعطاك، وهى لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها. فسأله عمرو، فقال: إنا لنجد صفتها فى الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر، فأجابه: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشىء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له: عامر، فقيل: عمرت.
قالوا «2» : ولما استقامت البلاد وفتح الله على المسلمين، فرض عمرو بن العاص لرباط الإسكندرية ربع الناس، يقيمون ستة أشهر ثم يعقب بعدهم ربعا آخر ستة أشهر، وربعا فى السواحل، والنصف الثانى مقيمون معه.
وقيل: كان عمر بن الخطاب يبعث كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية وكانت الولاة لا تغفلها، ويكثفون رابطتها، ولا يأمنون الروم عليها.
وكتب عثمان بن عفان، رضى الله عنه، وهو خليفة إلى عبد الله بن سعد بن أبى سرح بعد أن استعمله على مصر:
قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت مرتين، فألزم الإسكندرية رابطتها، وأجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم فى كل ستة أشهر.
وكان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة، وقال: نيل مصر سيد
__________
(1) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 157) .
(2) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 192) .
(2/353)

الأنهار، سخر الله له كل نهر من المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها، وفجر له الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
ولما فتح عمرو مصر أتاه أهلها حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. فقال: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لاثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عهدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلى والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها فى هذا النهر. فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله. فأقاموا ذلك الشهر والشهرين اللذين بعده لا يجرى قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب به إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر، رضى الله عنه:
قد أصبت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى داخل النيل.
فلما قدم الكتاب على عمرو وفتح البطاقة فإذا فيها:
من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر: أما بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذى يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك.
فألقى عمرو البطاقة فى النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله، عز وجل، ستة عشر ذراعا فى ليلة. وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر.
ذكر فتح أنطابلس
قال ابن عبد الحكم «1» : كان البربر بفلسطين، يعنى فى زمان داود عليه السلام، فخرجوا منها متوجهين إلى الغرب حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية، وهما كورتان من كور مصر الغربية، مما يشرب من ماء السماء ولا ينالهما النيل، فتفرقوا هنالك، فتقدمت زناتة ومغيلة إلى الغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس وهى برقة، وتفرقت فى هذا الغرب وانتشروا فيه حتى بلغوا السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة،
__________
(1) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 170، 171) .
(2/354)

ونزلت نفوسة مدينة صبرة، وجلا من كان فيها من الروم من أجل ذلك، وأقام الأفارق وكانوا خدما للروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم، وهم بنو أفارق بن قيصر بن حام.
فسار عمرو بن العاص فى الخيل حتى قدم برقة، فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية، على أن يبيعوا من أبنائهم فى جزيتهم، ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابى خراج، وإنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها.
ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة. قال الطبرى: فافتتحها بصلح، وصار ما بين برقة وزويلة سلما للمسلمين. وقال أبو العالية الحضرمى: سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول: لأهل أنطابلس عهد يوفى لهم به.
فتح أطرابلس
قال ابن عبد الحكم «1» : ثم سار عمرو حتى نزل أطرابلس فى سنة اثنتين وعشرين، فنزل القبة التى على الشرف من شرقيها، فحاصرها شهرا لا يقدر منهم على شىء، فخرج رجل من بنى مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيدا فى سبعة نفر، فمضوا غربى المدينة حتى أمنعوا عن العسكر، ثم رجعوا فأصابهم الحر، فأخذوا على ضفة البحر، وكان البحر لاصقا بسور المدينة، ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور، وكانت سفن الروم شارعة فى مرساها إلى بيوتهم، فنظر المدلجى وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذى حسر عنه البحر، فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة وكبروا، فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم، وأبصر عمرو وأصحابه السلمة فى جوف المدينة، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم، فلم يفلت الروم إلا بما خف لهم من مراكبهم، وغنم عمرو ما كان فى المدينة.
وكان من بصبرة متحصنين، وهى المدينة العظمى وسوقها السوق القديم، فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس، وأنه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا.
فلما ظفر عمرو بمدينة أطرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبحت خيله مدينة صبرة وهم غافلون وقد فتحوا أبوابها لتسرح ماشيتهم، فدخلوها فلم ينج منهم أحد، واحتوى أصحاب عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو.
__________
(1) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 171- 173) .
(2/355)

قال: ثم أراد عمرو أن يوجه إلى المغرب، فكتب إلى عمر بن الخطاب: إن الله، عز وجل، قد فتح علينا أطرابلس، وليس بينها وبين أفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن نغزوها ويفتحها الله على يديه فعل.
فكتب إليه عمر: لا، إنها ليست بأفريقية، ولكنها المفرقة، غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت.
قال: وأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس، يذكر له أن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس على أن لا يكتمه أمرا يحدث، فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه.
قال: وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون، يعنى من أطراف أفريقية.
ذكر انتقاض الإسكندرية فى خلافة عثمان رضى الله عنه
«1» قال عبد الرحمن بن عبد الحكم: وفى سنة خمس وعشرين عزل عثمان بن عفان عمرو ابن العاص عن مصر، وولى عبد الله بن سعد «2» . وقد كانت الإسكندرية انتقضت، وجاءت الروم عليهم منويل الخصى فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث، فلما نزلت الروم بالإسكندرية سأل أهل مصر عثمان، رضى الله عنه، أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم، فإن له معرفة فى الحرب وهيبة فى العدو، ففعل.
فخرج إليهم عمرو فى البر والبحر، وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط. فأما الروم فلم يطعه منهم أحد. فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم ولا آمن أن تنتقض مصر كلها. قال عمرو: لا، ولكن دعهم حتى يسيروا إلىّ، فإنهم يصيبون من مروا به فيجزى الله بعضهم ببعض، فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها،
__________
(1) الخبر منقول عن ابن عبد الحكم فى فتوح مصر وأخبارها (ص 174- 191) .
(2) هو: عبد الله بن سعد العامرى. انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 213) ، التاريخ الصغير (1/ 84) ، البداية والنهاية (5/ 350) ، الإصابة ترجمة رقم (4729) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2976) .
(2/356)

وينتهبون ما مروا به، فلم يعرض لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس «1» ، فلقوهم فى البر والبحر، فبدأت الروم والقبط فرموا بالنشاب فى الماء رميا شديدا، حتى أصاب النشاب يومئذ فرس عمرو فى لبته وهو فى البر، فعقر فنزل عنه، ثم خرجوا من البحر، فاجتمعوا هم والذين فى البر فنصحوا المسلمين بالنشاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا حملة ولى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمى فى خيله.
وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له: حومل ويكنى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه وكان يعرف بالنجدة، وجعل عمرو يصيح: أبا مذحج فيجيبه: لبيك، والناس على شاطئ النيل فى البر على تعبئتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا، ويخترط حومل خنجرا كان فى منطقته أو فى ذراعه فيضرب به نحر العلج أو ترقوته، فأثبته ووقع عليه فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام، رحمة الله عليه، فرئى عمرو يحمل سريره بين عمودى نعشه حتى دفنه بالمقطم.
قال: ثم شد المسلمون عليهم فكانت هزيمتهم، وطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم وقتل منويل الخصى.
قال الهيثم بن زياد: وقتلهم عمرو بن العاص حتى أمعن فى مدينتهم، فكلم فى ذلك فأمر برفع السيف عنهم، وبنى فى ذلك الموضع مسجد، وهو الذى يقال له بالإسكندرية مسجد الرحمة، سمى بذلك لرفع عمرو السيف هنالك.
وكان عمرو حلف: لئن أظفره الله عليهم ليهدمن سورها حتى تكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان، فلما أظفره الله هدم سورها كله.
وجمع عمرو ما أصاب منهم، فجاءه من أهل تلك القرى من لم يكن نقض، فقالوا:
قد كنا على صلحنا، ومرّ علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابنا وهو قائم فى يديك، فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البينة.
وقال بعضهم لعمرو: ما حل لك ما صنعت بنا، وكان لنا عليك أن تقاتل عنا لأنا فى ذمتك ولم ننقض، فأما من نقض فأبعده الله. فندم عمرو وقال: يا لتنى كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية.
__________
(1) نقيوس: قرية كانت بين الفسطاط والإسكندرية. انظر: معجم البلدان (5/ 303) .
(2/357)

وكان سبب نقض الإسكندرية، فيما ذكر ابن عبد الحكم، أن صاحب أخناء قدم على عمرو بن العاص فقال: أخبرنا ما علينا من الجزية فنصبر لها، فقال له عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الركن إلى السقف ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب أخناء، فخرج إلى الروم فقدم بهم، فهزمهم الله،، وأسر ذلك النبطى، فأتى به إلى عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق فجئنا بجيش آخر.
وقيل: إنه لما أتى به سوره وتوجه وكساه برنسين أرجوان، وقال له: ايتنا بمثل هؤلاء، فرضى بأداء الجزية.
فقيل له: لو أتيت ملك الروم؟ فقال: لو أتيته لقتلنى وقال: قتلت أصحابى.
وذكر ابن عبد الحكم، أيضا، أن الروم مشت إلى قسطنطين بن هرقل فى سنة خمس وثلاثين فقالوا: تترك الإسكندرية فى أيدى العرب وهى مدينتنا الكبرى؟ فقال: ما أصنع بكم وما تقدرون أن تتماسكوا ساعة إذا لقيتم العرب؟ قالوا: فاخرج على أن نموت، فتبايعوا على ذلك، وخرج فى ألف مركب يريد الإسكندرية، فبعث الله عليهم ريحا عاتية فأغرقتهم، إلا قسطنطين نجا بمركبه فألقته الريح بصقلية، فسألوه عن أمره فأخبرهم، فقالوا: شأمت النصرانية وأفنيت رجالها، فلو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم، ثم صنعوا له الحمام ودخلوا عليه ليقتلوه، فقال: ويلكم تذهب رجالكم وتقتلون ملككم؟
قالوا: كأنه غرق معهم، ثم قتلوه وخلوا من كان معه فى المركب.
ذكر غزو أفريقية وفتحها
«1» قال ابن عبد الحكم «2» : ولما عزل عثمان، عمرو بن العاص عن مصر وأمّر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، كان يبعث المسلمين فى جرائد الخيل كما كانوا يفعلون فى إمرة عمرو بن العاص، فيصيبون من أطراف أفريقية ويغنمون، فكتب عبد الله بن سعد فى ذلك إلى عثمان، وأخبره بقربها من حوز المسلمين، واستأذنه فى غزوها، فندب عثمان الناس إلى ذلك بعد المشورة فيه، فلما اجتمع الناس أمّر عليهم الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا مصر على عبد الله بن سعد، فيكون إليه الأمر، فخرج عبد الله إليها، وكان
__________
(1) انظر: المنتظم لابن الجوزى (4/ 343- 345) .
(2) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 183) .
(2/358)

عليها ملك يقال له: جرجير، كان هرقل استخلفه فخلعه، وكان سلطانه ما بين أطرابلس إلى طنجة، ومستقر سلطانه يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة، فلقى عبد الله جرجير، فقاتله فقتله الله، وولى قتله عبد الله بن الزبير، فيما يزعمون، وهرب جيش جرجير، فبعث عبد الله السرايا وفرقها، فأصابوا غنائم كثيرة، فلما رأى ذلك رؤساء أهل أفريقية سألوه أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم، فقبل منهم ذلك ورجع إلى مصر، ولم يول على أفريقية أحدا، ولا اتخذ بها قيروانا.
ويروى أن جرجيرا لما نازله المسلمون القتال أبرز ابنته وكانت من أجمل النساء، فقال: من يقتل عبد الله بن سعد وله نصف ملكى وأزوجه ابنتى؟ فبلغ ذلك عبد الله فقال: أنا أصدق من العلج، وأوفى بالعهد! من يقتل جرجيرا فله ابنته، فقتله عبد الله بن الزبير، فدفع إليه عبد الله ابنته.
وذكر ابن عبد الحكم «1» ، عن أبيه وابن عفير: أن ابنة جرجير صارت لرجل من الأنصار فى سهمه، فأقبل بها منصرفا قد حملها على بعير له، فجعل يرتجز:
يا ابنة جرجير تمشى عقبتك ... إن عليك بالحجاز ربّتك
لتحملنّ من قباء قربتك
فقالت: ما تقول؟ وسبته فأخبرت بذلك، فألقت بنفسها عن البعير الذى كانت عليه، فاندقت عنقها فماتت. فالله أعلم أى ذلك كان.
وكانت غنائم المسلمين يومئذ أنه بلغ سهم الفارس بعد إخراج الخمس ثلاثة آلاف دينار: للفرس ألفا دينار، ولفارسه ألف دينار، وللراجل ألف، وقسم لرجل من الجيش توفى بذات الحمام، فدفع إلى أهله بعد موته ألف دينار.
وكان جيش عبد الله بن سعد ذلك الذى وقع له القسم عشرين ألفا.
وبعث عبد الله بالفتح إلى عثمان، رضى الله عنه، عقبة بن نافع، ويقال: بل عبد الله ابن الزبير، وهو أصح.
وسار، زعموا، عبد الله بن الزبير على راحلته من أفريقية إلى المدينة عشرين ليلة، ولما دخل على عثمان أخبره بلقائهم العدو، وبما كان فى تلك الغزوة، فأعجب عثمان فقال له: هل تستطيع أن تخبر الناس بهذا؟ قال: نعم، فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر ثم
__________
(1) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 184، 185) .
(2/359)

قال: اقصص عليهم ما أخبرتنى به، فتلكأ عبد الله بدأ، ثم تكلم بكلام أعجبهم.
ويروى عن ابن شهاب «1» أن عثمان لما قال لابن الزبير أتكلم الناس بهذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أهيب لك منى لهم، فأمر عثمان فجمع الناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وكان أكره شىء إليه الخطب، وأحب الأشياء إليه ما كفى، ثم قال:
أيها الناس، إن الله قد فتح عليكم أفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم بخبرها إن شاء الله، ثم جلس على المنبر.
وقام ابن الزبير إلى جانب المنبر، وكان أول من قام إلى جانبه، فقال: الحمد لله الذى ألف بيننا بعد الفرقة، وجعلنا متحابين بعد البغضة، والحمد لله الذى لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله. ابتعث محمدا صلى الله عليه وسلم فاختاره بعلمه، وائتمنه على وحيه، فاختار له من الناس أعوانا قذف فى قلوبهم تصديقه، فآمنوا به وعزروه ووقروه ونصروه، وجاهدوا فى الله حق جهاده، فاستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح والبيع الرابح، وبقى منهم من بقى، لا يأخذهم فى الله لومة لائم.
أيها الناس، رحمكم الله، إنا خرجنا للوجه الذى قد علمتم، فكنا مع خير وال ولى فحمد، وقسم فعدل، لم يفقد من بر أمير المؤمنين شيئا، كان يسير بنا البردين يخفض بنا فى الظهائر، ويتخذ الليل حملا، يعجل الترحل من المنزل الفقير، ويطيل اللباث فى المنزل المخصب الرحب، فلم نزل على أحسن حالة يتعرفها قوم من ربهم، حتى انتهى إلى أفريقية، فنزل منها بحيث يسمع صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح، فأقام أياما يجم كراعه، ويصلح سلاحه، ثم دعاهم إلى الإسلام والدخول فيه فبعدوا منه، وسألهم الجزية عن صغار والصلح فكانت هذه أبعد، فأقام فيها ثلاث عشرة ليلة يتأتى بهم وتختلف رسله إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر النبى صلى الله عليه وسلم وأكثر الصلاة عليه، ثم ذكر فضل الجهاد، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب، ثم نهد لعدوه فقاتلهم أشد القتال يومه ذلك، وصبر الفريقان جميعا، وكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد الله رجلا من المسلمين فبتنا وباتوا، للمسلمين بالقرآن دوى كدوى النحل، وبات المشركون فى ملاهيهم وخمورهم.
فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التى كنا عليها بالأمس، وزحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ
__________
(1) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله الزهرى.
(2/360)

الله علينا الصبر، ثم أنزل علينا النصر، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، فبلغ فيها الخمس خمسمائة ألف دينار، وتركت المسلمين قد قرت أعينهم، وقد أغناهم النفل، ووسعهم الحق، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين وإلى المسلمين، أبشره وإياهم بما فتح الله من البلاد وأذل من المشركين. فأحمد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه من بأسه الذى لا يرد عن القوم المجرمين «1» .
ثم صمت، ونهض إليه الزبير فقبل بين عينيه وقال: يا بنى، إذا نكحت المرأة فانكحها على شبه أبيها أو أخيها تأتك بأحدهما، والله ما زلت تنطق بلسان أبى بكر الصديق حتى صمت.
ويروى عن الزبير لما أمر عثمان، رحمه الله، ابنه عبد الله بالقيام ليخبر الناس بما شهد من فتح أفريقية أنه قال: وجدت فى نفسى على عثمان وقلت: يقيم غلاما من الغلمان لا يبلغ الذى يحق عليه والذى يجمل به! فقام فتكلم فأبلغ وأصاب، فما فرغ حتى ملأهم عجبا.
وفى كتاب سيف «2» : أن عثمان لما وجه عبد الله بن سعد إلى أفريقية قال له: إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله عليك خمس الخمس، فلما انتهى إلى أفريقية فيمن معه لقيهم صاحبها، فقاتلهم فقتله الله، قتله عبد الله بن سعد، وفتح الله أفريقية سهلها وجبلها، واجتمعوا على الإسلام وحسنت طاعتهم، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم بعد أن أخرج الخمس، فعزل منه لنفسه خمسه، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وضرب فسطاطا فى موضع القيروان.
ووفد وفد إلى عثمان فشكوه فيما أخذ من الخمس، فقال عثمان: أنا نفلته، وإنما النفل تبصرة وتدريب للرجال. ثم كتب إلى عبد الله بن سعد باستصلاحهم.
قال: وكان عثمان قد أرسل معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن نافع ابن الحصين الفهريين، وأمرهما بالمسير إلى الأندلس فيمن ندبه معهما من الرجال، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب أفريقية، وبعد ذلك يسيران إلى الأندلس، فلما كان الاستيلاء على صاحب أفريقية سارا من فورهما إلى الأندلس، وأتياها من قبل البحر.
__________
(1) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (420، 421) .
(2) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 254، 255) .
(2/361)

وكان عثمان، رحمه الله قد كتب إلى من انتدب إلى الأندلس: «أما بعد: فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن لم تفتحوها كنتم شركاء من يفتحها فى الأجر، والسلام» .
وقال كعب: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها، يعرفون بنورهم يوم القيامة.
ذكر صلح النوبة
«1» قال ابن عبد الحكم «2» : ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح الأساود وهم النوبة سنة إحدى وثلاثين، فقاتلته النوبة قتالا شديدا، وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج، وأبى شمر بن أبرهة، وحيويل بن ناشرة، فيومئذ سموا رماة الحدق، فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم. وفى ذلك اليوم يقول بعض من حضره:
لم تر عينى مثل يوم دمقله ... والخيل تغدو بالدروع مثقله
قال: وكان الذى صولح عليه النوبة، فيما ذكر بعض المشايخ المصريين، ثلاثمائة رأس وستين رأسا فى كل سنة. ويقال: بل على أربعمائة فى كل سنة، منها لفىء المسلمين ثلاثمائة وستون، ولوالى البلد أربعون، منها، فيما زعم بعض المشايخ، سبعة عشر مرضعا. ثم انصرف عبد الله بن سعد عنهم.
قال: وذكر بعض المتقدمين أنه وقف بالفسطاط فى بعض الدواوين، يعنى على عهد لهم قرأه قبل أن يحرق، فإذا هو يحفظ منه:
إنا عاهدناكم وعاقدناكم أو توفونا فى كل سنة ثلاثمائة رأس وستين رأسا، وتدخلون بلادنا مجتازين غير مقيمين، وكذلك ندخل بلادكم، على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلا فقد برئت منكم الهدنة، وإن آويتم للمسلمين عبدا فقد برئت منكم الهدنة، وعليكم رد أباق المسلمين ومن لجأ إليكم من أهل الذمة.
وقال يزيد بن أبى حبيب: وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق، وإنما هى هدنة أمان بعضنا من بعض.
قال ابن لهيعة: وأبو حبيب والد يزيد واسمه سويد منهم.
__________
(1) انظر: مراصد الاطلاع (2/ 534) ، تهذيب التهذيب لابن حجر (10/ 203) .
(2) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص 188، 189) .
(2/362)

وقال الليث بن سعد وذكر له قول مالك بن أنس: لا يشترى رقيق النوبة ولا يباعون.
فقال الليث: لا علم لمالك بهذا، نحن أعلم به منه، إنما صولحوا على أن نكف عنهم حربنا فقط، وعلى أنهم يعطونا منهم رقيقا فى كل سنة، وعلى أنا لا نمنع غزو غيرنا، فبذلك نشتريهم، إنما علينا الوفاء بأن لا نحاربهم فقط.
قال ابن عبد الحكم: ولم أر أحدا من أصحاب مالك يقول بقوله فى النوبة، وكلهم كان يشتريهم.
قال: واجتمعت لعبد الله بن سعد البجة فى انصرافه من بلاد النوبة على شاطئ النيل، فسأل عنهم، فأخبر بشأنهم، فهان عليه أمرهم، فنفذ وتركهم، ولم يكن لهم عقد ولا صلح، وأول من صالحهم عبيد الله بن أبى الحبحاب.
ذكر البحر والغزو فيه
ذكر الطبرى «1» عن سيف عن أشياخه قالوا: ألح معاوية على عمر بن الخطاب فى غزو البحر وقرب الروم من حمص، وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم، حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر أحب أن يزود عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص: صف لى البحر وراكبه، فإن نفسى تنازعنى إليه، وإنى أشتهى خلافها، فكتب إليه عمرو بن العاص: إنى رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن سكن خوف القلوب وإن تحرك راع العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق وإن نحا فرق.
فلما جاءه كتاب عمرو كتب إلى معاوية: لا والذى بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا لا أحمل فيه مسلما أبدا.
وفى رواية أنه كتب إليه:
إنا قد سمعنا أن بحر الشام يشرف على أطول شىء فى الأرض، يستأذن الله فى كل يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها، فكيف أحمل الجنود فى هذا البحر الكافر المستصعب؟ والله لمسلم واحد أحب إلىّ مما حوت الروم فإياك أن تتعرض لى، وقد تقدمت إليك.
__________
(1) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 258- 261) .
(2/363)

فلما ولى عثمان بن عفان لم يزل به معاوية، حتى عزم على ذلك، وقال له: لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه.
ففعل ذلك معاوية، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسى حليف بنى فزارة، فغزا خمسين غزاة من بين صائفة وشاتية فى البر والبحر، ولم يغرق معه أحد فى البحر ولا نكب، وكان يدعو الله أن يرزقه العافية فى جنده، ولا يبتليه بمصاب أحد منهم، ففعل الله ذلك له، حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده، خرج فى قارب طليعة، فانتهى إلى البر من أرض الروم، وعليه سؤال يعبرون ذلك المكان، فتصدق عليهم، فرجعت امرأة من السؤال إلى قريتها، فقالت للرجال: هل لكم فى عبد الله بن قيس؟ قالوا: وأين هو؟
قالت: فى المرفأ، قالوا: أى عدوة الله، ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس؟ فوبختهم، وقالت: أنتم أعجز منى! أو يخفى عبد الله على أحد؟ فبادروا فهجموا عليه، فقاتلوه وقاتلهم، فأصيب وحده، وأفلت الملاح حتى أتى أصحابه، فجاؤا حتى أرفوا، والخليفة فيهم سفيان بن عوف الأودى، فخرج فقاتلهم، فضجر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم، فقالت جارية عبد الله: واعبد الله، ما هكذا كان يقول حين تقاتل! فقال سفيان: وكيف كان يقول؟ قالت: «الغمرات ثم ينجلين» ؛ فجعل سفيان يقول ذلك وترك ما كان يقول، وأصيب فى المسلمين يومئذ. وقيل لتلك المرأة: بأى شىء عرفته؟
فقالت: بصدقته، أعطى كما يعطى الملوك، ولم يقبض قبض التجار.
غزو معاوية بن أبى سفيان قبرس
وغزا معاوية بن أبى سفيان قبرس سنة ثمان وعشرين فيما ذكر الواقدى.
قال: وهو أول من غزا الروم، وغزاها أهل مصر وعليهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح، حتى لقوا معاوية فكان على الناس.
قال ابن عفير: ومع معاوية امرأته فاختة بنت قرظة، وكان معه، أيضا، فى غزاته أبو الدرداء، وشداد بن أوس، وأبو ذر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فى عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم حرام الأنصارية فتوفيت هناك، فقبرها يستسقى به أهل قبرس ويسمونه قبر المرأة الصالحة.
وأم حرام «1» هذه هى خالة أنس بن مالك، رضى الله، وحديثها مشهور فى نوم النبى
__________
(1) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (11971) ، الثقات (3/ 462) ، تجريد أسماء الصحابة (2/ 316) ، تقريب التهذيب (12/ 620) ، تهذيب التهذيب (12/ 462) .
(2/364)

صلى الله عليه وسلم فى بيتها ثم استيقظ وهو يضحك، فسألته: ما يضحكه؟ فقال: «ناس من أمتى عرضوا علىّ غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة» ، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم! فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك، فسألته فقال: «ناس من أمتى عرضوا علىّ» «1» ، مثل مقالته الأولى. فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم. قال: «أنت من الأولين» «2» ، فكانت هذه الغزوة هى التى عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا. وخرجت أم حرام فيها، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.
قال ابن عمير: وذلك العام بالشام عام قبرس الأول.
وقيل: إن معاوية توجه إليها من حصن عكا فى مائتى مركب، قال: وظفر معاوية فى هذه الغزاة، وأخذ من الأموال والحلى ما لا يحصى.
وقال جبير بن نفير «3» : لما سبيناهم، يعنى أهل قبرس، نظرت إلى أبى الدرداء يبكى، فقلت: ما يبكيك فى يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل الكفر وأهله؟ فضرب بيده على منكبى، وقال: ثكلتك أمك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره! بينا هى أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك، إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى، فسلط عليهم السباء، وإذا سلط السباء على قوم فليس لله، عز وجل، بهم حاجة.
وذكر الطبرى «4» أن معاوية لما غزا قبرس صالح أهلها على جزية سبعة آلاف دينار، يؤدونها إلى المسلمين فى كل سنة، ويؤدون إلى الروم مثلها، ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على أن لا يغزوهم المسلمون، ولا يقاتلوا هم من غزا من خلفهم يريد
__________
(1) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (1645) ، سنن ابن ماجه (2776) ، التمهيد لابن عبد البر (1/ 225) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (2/ 305) ، موطأ مالك (464) ، فتح البارى لابن حجر (11/ 71، 12/ 391) ، الأذكار النووية (185) .
(2) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (4/ 19، 22، 40، 44، 8/ 78، 9/ 44) ، صحيح مسلم فى كتاب الإمارة (160، 161) ، سنن النسائى فى كتاب الجهاد، باب (37) ، سنن أبى داود فى كتاب الجهاد، باب (10) ، سنن ابن ماجه (2776) ، مسند الإمام أحمد (6/ 361- 423) ، فتح البارى لابن حجر (11/ 71) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 184) ، موطأ مالك (465) ، التمهيد لابن عبد البر (1/ 225، 241) .
(3) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 262، 263) .
(4) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 262) .
(2/365)

الخروج إلى أرض المسلمين، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم، وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم.
وذكر الواقدى «1» ، أيضا، مصالحة معاوية أهل قبرس فى ولاية عثمان، رحمه الله، وأن فى العهد الذى بيننا وبينهم ألا يتزوجوا فى عدونا من الروم إلا بإذننا.
قال: وفى هذه السنة، يعنى سنة ثمان وعشرين، غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم.
غزوة ذات الصوارى
«2» ذكر الواقدى «3» أن أهل الشام خرجوا، وعليهم معاوية بن أبى سفيان، وعلى أهل البحر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بأفريقية، فخرجوا فى جمع لم ير الروم مثله قط منذ كان الإسلام، فخرجوا فى خمسمائة مركب، فالتقوا هم وعبد الله بن سعد، فأمن بعضهم بعضا حتى قرنوا بين سفن المسلمين وأهل الشرك.
قال مالك بن أوس بن الحدثان «4» : كنت معهم، فالتقينا فى البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط، وكانت الريح علينا، فأرسينا ساعة، وأرسوا قريبا منا وسكنت الريح عنا، فقلنا: الأمن بيننا وبينكم. قالوا: ذلك لكم منا ولنا منكم. قلنا: إن أحببتم فالساحل حتى يموت الأعجل، وإن شئتم فالبحر، فنخروا نخرة واحدة، وقالوا: الماء فدنونا منهم، فربطنا السفن بعضها ببعض، حتى كنا بحيث يضرب بعضنا بعضا، فقاتلنا أشد القتال، ووثب الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف ويتواجئون بالخناجر، حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما.
وقال بعض من حضر ذلك اليوم، أيضا: رأيت الساحل وإن عليه لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال، وإن الدم للغالب على الماء.
__________
(1) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 263) .
(2) انظر: تاريخ الطبرى (4/ 288) ، المنتظم لابن الجوزى (5/ 12) .
(3) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 290) .
(4) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7611) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4565) ، طبقات ابن سعد (5/ 56) ، المعارف (427) ، الجرح والتعديل (4/ 203) ، تاريخ ابن عساكر (8416) ، تهذيب الأسماء واللغات (1/ 2/ 79) ، تهذيب التهذيب (10/ 10) ، شذرات الذهب (1/ 99) .
(2/366)

ولقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا فى موطن قط مثله، ثم أنزل الله نصره على أهل الإسلام، وانهزم القسطنطين مدبرا، وأصابته يومئذ جراحات مكث فيها حينا جريحا.
وعن حنش الصنعانى «1» قال «2» : ركب الناس البحر سنة إحدى وثلاثين مع عبد الله ابن سعد، فلما بلغوا ذات الصوارى «3» لقوا جموع الروم فى خمسمائة مركب أو ستمائة، فيها القسطنطين بن هرقل، فقال: أشيروا علىّ، قالوا: انتظر الليلة فباتوا يضربون بالنواقيس، وبات المسلمون يصلون ويدعون الله، ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين فقربوا سفنهم، وقرب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض، وصف عبد الله المسلمين على نواحى السفن، وأمرهم بقراءة القرآن وبالصبر، ووثبت الروم فى سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها، واقتتلوا على غير صفوف قتالا شديدا، ثم إن الله نصر المؤمنين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد، وأقام عبد الله بذات الصوارى أياما بعد هزيمة القوم، ثم أقبل راجعا.
وذكر ابن عبد الحكم «4» أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصوارى أنزل نصف الناس مع بسر بن أبى أرطأة سرية فى البر، فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل فى ألف مركب فافعله الساعة.
قال: وإنما مراكب المسلمين مائتا مركب ونيف. فقام فقال: أشيروا علىّ، فما كلمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم استشارهم فما كلمه أحد ثم قال الثالثة: إنه لم يبق شىء فأشيروا علىّ، فقال رجل من أهل المدينة كان متطوعا: أيها الأمير، إن الله تعالى يقول: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249] ، فقال عبد الله: اركبوا باسم الله، فركبوا، وإنما فى كل مركب نصف شحنته، قد خرج النصف الآخر مع بسر فى البر، فلقوهم فاقتتلوا بالنبل والنشاب، وتأخر ابن هرقل لئلا تصيبه الهزيمة، وجعل تختلف القوارب إليه بالأخبار.
فقال: ما فعلوا؟.
__________
(1) هو: حنش بن عبد الله الصنعانى.
(2) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (4/ 292) .
(3) الصوارى: جمع صار، وهو الخشبة المعترضة وسط السفينة. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (4/ 352) .
(4) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (190، 191) .
(2/367)

قالوا: اقتتلوا بالنبل والنشاب، قال: غلبت الروم. ثم أتوه فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد نفدت النبل والنشاب فهم يرتمون بالحجارة، قال: غلبت الروم: ثم أتوه فقال: ما فعلوا؟
قالوا: نفدت الحجارة وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف. قال: غلبت الروم.
قال يزيد بن أبى حبيب: وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال، فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير بمركب من مراكب العدو، فكاد مركب العدو يجر مركب عبد الله إليهم، فقام علقمة بن يزيد العطيفى وكان فى المركب مع عبد الله فضرب السلسلة بسيفه فقطعها، فسأل عبد الله بعد ذلك امرأته بسيسة ابنة جمرة بن ليشرح بن عبد كلال، وكانت معه يومئذ، وكان الناس فيما خلا يغزون بنسائهم: من رأيت أشد الناس قتالا؟ قالت علقمة صاحب السلسلة. وكان عبد الله حين خطبها إلى أبيها قال: إن علقمة قد خطبها وله علىّ فيها رأى فإن يتركها أفعل. فكلم عبد الله علقمة فتركها، فتزوجها عبد الله ثم هلك عنها، فتزوجها بعده علقمة، ثم هلك عنها، فتزوجها كريب بن أبرهة.
وقال محمد بن الربيع: إنما سميت غزوة ذات الصوارى لكثرة المراكب التى اجتمعت فيها: ابن هرقل فى ألف مركب، والمسلمون فى مائتى مركب ونيف فكثرت الصوارى فى البحر فسميت ذات الصوارى.
وفى بعض ما تقدم من الأخبار ما يقتضى أن ذات الصوارى موضع يسمى هكذا، فالله تعالى أعلم.
ذكر فتح العراق وما والاه على ما ذكره سيف بن عمر وأورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى عنه وعن غيره
ذكروا عن على بن أبى طالب وعبد الله بن عباس، رضى الله عنهما، قالا: حض الله المسلمين على عهد نبيه صلى الله عليه وسلم على الاستقامة على الدين وندبهم إلى فارس، ووعدهم، فتقدم إليهم فى ذلك من قبل غزوهم، ليحثهم وليدربهم، فبدأ بالردة فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ
(2/368)

يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144] ، فسمى من ثبت على دينه بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاكرين. ثم عاد فى وصف من ناهض منهم أهل الردة، والمنافقون حشر فى المؤمنين، وإنما يكلم الله عز وجل، المؤمنين بما يعنى به المنافقين، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:
54] ، فسماهم أحباء وأثابهم، حيث كانوا أذلة أرقة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون، يعنى جهادا بعد جهادهم أهل الردة، يقاتلون من بعدهم أهل فارس، ولا يخافون تخويف من يخوفهم، هذا فضل الله يخص به من يشاء، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ عالم بهذا، فهم الشاكرون، وهم الفاضلون، وهم المقربون، وهم أحباء الله.
وعن على وابن عباس، رضى الله عنهما، فى قوله عز وجل: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ الآيتين إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الفتح: 20، 21] ، «مغانم» فتوحا من لدن خيبر، تلونها وتضمون ما فيها «فعجل لكم هذه» أى عجل لكم من ذلك خيبر «وكف أيدى الناس عنكم» أيدى قريش بالصلح يوم الحديبية «ولتكون آية للمؤمنين» شاهدا على ما بعدها ودليلا على إنجازها «وأخرى لم تقدروا عليها» أى على علم وقتها، أفيئها عليكم: فارس والروم «قد أحاط الله بها» قضى الله بها أنها لكم، منها: الأيام، والقوادس، والواقوصة، والمدائن الحمر بالشام، ومصر، والضواحى، فاجتمعت هذه الصفات فيمن قاتل فارس والروم وسائر الأعاجم ذلك الزمان.
ذكر سيف قال: كان أول ملوك فارس قاتله المسلمون شيرى بن كسرى، وذلك أن أبا بكر الصديق، رضى الله عنه، حيث فرغ من أهل الردة، وأقامت جنود المسلمين فى بلدان من ارتد، كتب إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة: أن ائذن للمسلمين فى القفل إلا من أحب المقام معك، ولا تكرهن أحدا على القيام، ولا تستعن فى شىء من حربك بمتكاره، وادع من يليك من تميم وقيس وبكر إلى موتان اليمامة، فإن موات ما أفاء الله على رسوله لله ولرسوله، فمن أحيا شيئا من ذلك فهو له، لا يدخل ذلك فى شىء من موات كل بلد أسلم عليه أهله.
ففعل خالد، فأنزل اليمامة من هؤلاء الأحياء من أقرن ببنى حنيفة، ولما أذن خالد فى القفل قفل الناس، أهل المدينة ومن حولها، وسائر من كان معه من أهل القبائل، وبقى
(2/369)

خالد فى ألفين من القبائل التى حول المدينة، من مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار، وضمرة، وأناس من غوث طيئ، ونبذ من عبد القيس.
ولما قفل من قفل، وجه المثنى بن حارثة الشيبانى، ومذعور بن عدى العجلى، وحرملة ابن مريطة، وسلمى بن القين الحنظليين وهما من المهاجرين، والمثنى ومذعور ممن وفد على النبى صلى الله عليه وسلم فقدموا على أبى بكر، رحمه الله، فقال له حرملة وسلمى: إنا معاشر بنى تميم وبكر بن وائل قد دربنا بقتال فارس، وأشجيناهم حتى اتخذوا الخنادق، وغبقوا المياه، واتخذوا المسالح فى القصور المشيدة وتحصنوا بها، فأذن لنا فى حربهم، فأذن لهما فولاهما على من تابعهما، واستعملهما على ما غلبا عليه، وكانا أول من قدم أرض فارس لقتال أهل فارس، وكانا من المهاجرين ومن صالحى الصحابة، فنزلا أطد»
ونعمان والجعرانة فى أربعة آلاف من تميم والرباب، وكان بإزائهما النوشجان والفيرمان بالوركاء «2» فزحفوا إليهما فغلبوهما على الوركاء، وغلبا على هرمزجرد إلى فرات بادقلى «3» .
وذكر سيف من طريق آخر أن المثنى ومذعورا لما قدما على أبى بكر استأذناه فى غزو أهل فارس وقالا: إنا وإخواننا من بنى تميم قد دربنا بقتالهم، وأخذنا النصف من أحد وثنى كل موسم، فأذن لهما، وولاهما على من تابعهما، واستعملهما على ما غلبا عليه، فجمعا جموعهما ثم سارا بهم حتى قدما بلاد فارس، وكانا أول من قدمها لقتالهم هما وحرملة وسلمى، وقدم المثنى ومذعور فى أربعة آلاف من بكر بن وائل وعنزة وضبيعة، فنزل أحدهما بخفان «4» ، ونزل الآخر بالمهارق، وعلى فرج الفرس مما يليهما شهربراز بن بندا، فنفياه وغلبا على فرات بادقلى إلى السيلحين «5» واتصل ما غلبا عليه وما غلب عليه سلمى وحرملة، وفى ذلك يقول مذعور بن عدى:
غلبنا على خفان بندا وشيحة ... إلى النخلات السحق فوق المهارق
وإنا لنرجو أن تجول خيولنا ... بشاطى الفرات بالسيوف البوارق
وقال المثنى فى ذلك:
__________
(1) أطد: أرض قرب الكوفة من جهة البر. انظر: معجم البلدان (1/ 216) .
(2) انظر: معجم البلدان (5/ 372، 373) .
(3) الخبر عن سيف بن عمر فى معجم البلدان (5/ 372، 373) .
(4) خفان: موضع قرب الكوفة. انظر: معجم البلدان (2/ 379) .
(5) موضع بين الكوفة والقادسية. انظر: معجم البلدان (3/ 298، 299) .
(2/370)

ألا أبلغا شهرا وشهر مهاجر ... بأنا سنلقاه على الحدثان
فنحن سللنا شيحة يوم بارق ... إلى شرّ دار تنتوى ومكان
ويروى أن أبا بكر، رحمه الله، لما بلغه ما كان من فتح حرملة وسلمى ومثنى ومذعور ما بين السيلحين إلى أسفل الفرات تمثل بقول الآخر:
ومتى تسلف فى قبيل خطة ... تلق المنال مضاعفا أو موعبا
وإذا عقدت بحبل قوم مرة ... ذربوا عليك فلم تجد لك مقضبا
حيان لا خطما بحبل هضيمة ... أنفا الزمام فلم يقرا مركبا
وحكى عمر بن شبة عن شيوخه من أهل الأخبار: أن المثنى بن حارثة كان يغير على أهل فارس بالسواد، فبلغ أبا بكر والمسلمين خبره، فقال عمر: من هذا الذى تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه، فقال له قيس بن عاصم: أما إنه غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا قليل العدد، ولا ذليل العمارة، ذلك المثنى بن حارثة الشيبانى «1» .
ثم إن المثنى قدم على أبى بكر فقال له: يا خليفة رسول الله، ابعثنى فى قومى، فإن فيهم إسلاما، أقاتل بهم أهل فارس، وأكفك أهل ناحيتى من العدو. ففعل ذلك أبو بكر، فقدم المثنى العراق، فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحى السواد حولا مجرّما، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبى بكر يسأله المدد، ويقول: إنك إن أمددتنى وسمعت بذلك العرب أسرعوا إلىّ وأذل الله المشركين، مع أنى أخبرك يا خليفة رسول الله، أن الأعاجم تخافنا وتتقينا. فقال له عمر: يا خليفة رسول الله أبعث خالد بن الوليد مددا للمثنى بن حارثة، يكون قريبا من أهل الشام، فإن استغنى عنه أهل الشام ألح على أهل العراق حتى يفتح الله عليه. قال: فهذا الذى هاج أبا بكر، رحمه الله، على أن يبعث خالد بن الوليد إلى العراق «2» .
وفى حديث آخر: أنه ولاه حرب العراق لما قضى ما أراد قضاءه من اليمامة، وكتب إلى المثنى ومذعور وسلمى وحرملة بأن يسمعوا له ويطيعوا.
__________
(1) انظر: الفتوح لابن أعثم الكوفى (1/ 89) ، الاستيعاب لابن عبد البر (ص 1457) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 106) .
(2) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (ص 53، 54) ، الاستيعاب لابن عبد البر (ص 1457) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 106، 107) .
(2/371)

أخبار الأيام فى زمان خالد بن الوليد رضى الله عنه «1»
وكانت لمن وليها الفضيلة والسابقة والقدمة؛ لأنهم شركوا أهل القادسية والبويب وفضلوهم بولايتهم هذه.
وهذا كما اجتمعت للمهاجرين النصرة مع الهجرة، وفضلوا الأنصار بالهجرة، فروى الشعبى وهشام بن عروة قالا: لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة كتب إليه أبو بكر: إنى قد وليتك حرب العراق، فاحشد من ثبت على الإسلام، وقاتل أهل الردة ممن بينك وبين العراق، من تميم وقيس وأسد وبكر بن وائل وعبد القيس، ثم سر نحو فارس، واستنصر الله عز وجل، وادخل العراق من أسفل العراق، فابدأ بفرج الهند، وهو يومئذ الأبلة «2» ، وكان صاحبها يساجل أهل الهند والسند فى البحر، ويساجل العرب فى البر.
وقال له: تألف أهل فارس، ومن كان فى مملكتهم من الأمم، وأنصفوا من أنفسكم فإنكم كنتم خير أمة أخرجت للناس. نسأل الله أن يجعل من ألحقه بنا وصيره منا خير متبع بإحسان. وإن فتح الله عليك فعارق حتى تلقى عياضا.
وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين الحجاز والنباج «3» : أن سر حتى تأتى المصيخ فاحشد من بينك وبينها على إسلامه، وقاتل أهل الردة فابدأ بهم، ثم ادخل العراق من أعلاها فعارق حتى تلقى خالدا.
فاستمد خالد أبا بكر قبل خروجه من اليمامة، فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمى، واستمده عياض قبل تحركه، فأمده أبو بكر بعبد بن عوف الحميرى، وقيل لأبى بكر:
أتمد خالدا برجل قد أرفض عنه الناس؟ فقال: لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع، وسيحشر من بينه وبين أهل العراق.
وكتب خالد إلى حرملة وسلمى والمثنى ومذعور ليلحقوا به، وأمرهم أن يغزوا جنودهم الأبلة ليوم سماه، ثم حشد من بينه وبين العراق، فحشد ثمانية آلاف من مصر
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 343- 350) ، الكامل لابن الأثير (2/ 261، 263) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 342، 343) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 78) .
(2) الأبلة: بلدة على شاطىء دجلة فى زاوية الخليج الذى يدخل إلى مدينة البصرة. انظر: معجم البلدان (1/ 77) .
(3) النباح: موضع بين البصرة ومكة. انظر: معجم البلدان: (5/ 255، 256) .
(2/372)

وربيعة إلى ألفين كانا معه، فقدم فى عشرة آلاف إلى ثمانية آلاف ممن كان مع الأمراء الأربعة، فلقى هرمز فى ثمانية عشر ألفا.
وفيما ذكره سيف من مسير خالد وعياض إلى العراق: أن أبا بكر أمرهما أن يستبقا إلى الحيرة، فأيهما سبق إليها فهو أمير على صاحبه. وقال: فإذا اجتمعتما بالحيرة، وفضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحد كما ردآ لصاحبه وللمسلمين بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم بالمدائن.
وكتب إليهما: استعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا، يجمع الله لكم بطاعته الدنيا إلى الآخرة، ولا تؤثروا الدنيا فتعجزكم، ويسلبكم الله بمعصيته الدنيا والآخرة، فما أهون العباد على الله إذا عصوه.
قال: ولما عزم خالد على المسير من اليمامة إلى العراق سأل عن الأدلة، فأتى بنفر، فسأل عن أسمائهم، فتفاءل منهم إلى ثلاثة بأسمائهم: ظفر بن عمرو السعدى ورافع بن عميرة الطائى، ومالك بن عباد الأسدى.
وجدد خالد التعبئة، فعبأ الناس تعبئة مستأنفة غير التى دخل بها اليمامة، ونصب لجنده أعلاما غير الذين كانوا أعلامهم، وذلك أن أعلامهم الذين دخل بهم اليمامة قفلوا. فوضع رجالا مكانهم، وتوخى الصحابة، ثم توخى منهم الكماة، فاستعمل على مضر القعقاع بن عمرو «1» ، وعلى ربيعة فرات بن حيان «2» ، وعلى قضاعة وضم إليهم أهل اليمن جرير بن عبد الله الحميرى أخا الأقرع بن عبد الله رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وجعل على القبائل دون ذلك، على نصف خندق، فارس أطلال بكير بن عبد الله الليثى، وعلى النصف الآخر معقل بن مقرن المزنى، وعلى قيس عيلان وعلى غطفان ومن يلاقيهم إلى سعد بن قيس، سعد بن عمارة التغلبى، وعلى هوازن ومن يلاقيهم إلى خصفة أبا حنش بن ذى اللحية العامرى، وضم جديلة إليهم، وهم عمرو بن قيس بن عيلان وعلى اللهازم من بكر بن وائل عتيبة بن النهاس، واللهازم عجل، وتيم اللات، وقيس بن ثعلبة، وعنزة، وعلى الدعائم وهم: شيبان بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة، وضبيعة
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7142) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4315) .
(2) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 333) ، تقريب التهذيب (2/ 107) ، الكاشف (2/ 379) ، الجرح والتعديل (7/ 449، 450) ، تهذيب التهذيب (8/ 259) ، الطبقات (65، 132) ، الإصابة ترجمة رقم (6989) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4213) .
(2/373)

ابن ربيعة، ويشكر بن ربيعة، يشكر بن بكر بن مطر بن عامر الشيبانى، وعلى قضاعة الحارث بن مرة الجهنى، وعلى اليمن مالك بن مرة الرهاوى، وابن زيد الخيل بن مهلهل، وهؤلاء تحت أيدى أولئك الثلاثة.
واستعمل على المقدمات: المثنى بن حارثة، وعلى المجنبات: عدى بن حاتم وعاصم ابن عمرو أخا القعقاع، وعلى الساقة: بسر بن أبى رهم الجهنى صاحب جبانة بسر، واستخلف على اليمامة وهوافى قيس وتميم سبرة بن عمرو العنزى، وكل من أمر له صحبة وقدمة. وخرج قاصدا الهرمز والأبلة.
وقال المغيرة بن عتبة قاضى الكوفة: فرق خالد مخرجه من اليمامة جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريقة واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر، وسرح عديا وعاصما ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد ودليله رافع، فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا فيه وليصادموا به عدوهم.
وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنا وأشده شوكة، وكان صاحبه يحارب العرب فى البر والهند فى البحر.
وعن الشعبى قال: كتب خالد إلى هرمز قبل خروجه، وهرمز صاحب الثغر يومئذ:
أما بعد، أسلم تسلم، أو اعقد لنفسك وقومك الذمة وأقر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
ولما قدم كتاب خالد على هرمز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى، وإلى أزدشير بن شيرى، وجمع جموعه ثم تعجل إلى الكواظم فى سرعان أصحابه ليتلقى خالدا، وسبق حلبته فلم يجد طريق خالد، وبلغه أنهم تواعدوا الحفير، فاعج يبادر خالدا إليه، فنزله فعبأ به، وجعل على مجنبتيه أخوين يلاقيان أزدشير وشيرى آل أزدشير الأكبر، يقال لهما:
قباذ وأنو شجان، فاقترنوا فى السلاسل، فقال من لم ير ذلك لمن رآه: قيدتم أنفسكم لعدوكم، فلا تفعلوا فإن هذا طائر سوء. فأجابوهم: أما أنتم فتحدثوننا أنكم تريدون الهرب. فلما أتى الخبر خالدا بمنزل هرمز أمال الناس إلى كاظمة، وبلغ ذلك هرمز، فبادره إليها فنزلها وهو حسير.
وكان من أسوء أمراء ذلك الفرج جوارا للعرب، فكل العرب عليه مغيظ، وقد كانوا يضربونه مثلا فى الخبث والمكر حتى قالوا: «أخبث من هرمز، وأمكر من هرمز» . وتعبأ هو وأصحابه والماء فى أيديهم.
(2/374)

وقدم خالد فنزل على غير ماء، فقالوا له فى ذلك، فأمر مناديه فنادى: ألا انزلوا وحطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمرى ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين. فحطت الأثقال والخيل وقوف، وتقدم الرجل ثم زحف إليهم حتى لاقاهم، فاقتتلوا، وأرسل الله سبحانه سحابة فأغدرت ماء وراء صف المسلمين فقواهم بها، وما ارتفع النهار وفى الغائط مقترن.
وأرسل هرمز أصحابه ليغدروا بخالد، ثم خرج فنادى رجل: أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عهده. فلما برز خالد نزل هرمز ودعاه إلى البراز، فبرز خالد يمشى إليه، فالتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد، وحملت حامية هرمز وغدرت، فاستلحموا خالدا فما شغله ذلك عن قتله.
وحمل القعقاع بن عمرو، واستلحم حماة هرمز، فأتاهم وخالد يماصعهم، فانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وجمع خالد الرثاث والسلاسل، فكان وقر بعير، ألف رطل، فسميت ذات السلاسل.
قال: وكان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم فى عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، وتمام شرف أحدهم أن يكون من البيوتات السبعة، فكان هرمز ممن تم شرفه، فكانت قيمة قلنسوته مائة ألف، فنفلها أبو بكر، رحمه الله، خالدا، وكانت مفصلة بالجوهر.
وقال حنظلة بن زياد بن حنظلة: فلما تراجع الطلب من ذلك اليوم، نادى منادى خالد بالرحيل، وسار بالناس، واتبعته الأثقال حتى نزل موضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، وقد أفلت قباذ وأنوشجان، وبعث خالد بالفتح وما بقى من الأخماس وبالفيل، وقرئ الفتح على الناس، فلما قرئ فيه: «خرجت من اليمامة فى ألفين، وحشرت من ربيعة ومضر ثمانية آلاف، فقدمت فى عشرة آلاف على ثمانية آلاف مع الأمراء الأربعة: المثنى ومذعور وحرملة وسلمى» تمثل أبو بكر، رضى الله عنه:
تمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لامهم السرابا
فقد لاقيتنا فأريت يوما ... عماسا يمنع الشيخ الشرابا
تبدل علقما منا بحلو ... ينسيك الغنيمة والإيابا
إذا خرجت سوالفهن زورا ... كأن على حواركهن غابا
عليها كل متصل بمجد ... من الجهتين يلتهب التهابا
(2/375)

ولما قدم زر بن كليب بالفيل مع الأخماس فطيف به فى المدينة ليراه الناس، جعلت ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق الله ما نرى؟ ورأينه مصنوعا، فرده أبو بكر، رضى الله عنه، مع زر.
وعن زياد بن حنظلة قال: إنى لبالمدينة وقد قدمتها وافدا من البحرين، إذ أرسل إلىّ أبو بكر وقد قدم عليه الخبر بوقعة ذات السلاسل، فقال لى: ألم تعلم أنه كان من الشأن ذيت وذيت، وأن خالدا ألقى هرمز فاستلحم، وأن القعقاع استلحم فقتلهم وتنفل؟.
قال زياد: فأقبلت على نفسى أحدثها فقلت: الخليفة وفراسته، وذكرت قوله:
«ولا يهزم جيش فيهم مثل هذا» ، فما راعنى إلا وأبو بكر يقول: أين أنت يا زياد؟ أما إن خالدا سيتغير له ويتنكر، ثم يراجع ويعرف الحق. فاستنكره القعقاع بعد ذلك، ووقع بينهما ما يقع بين الناس حتى قال القعقاع يعاتبه ولم يكن إلا ذلك:
منعتك من قرنى قباذ وليتنى ... تركتك فاستذكت عليك المعاتب
عطفت عليك المهر حتى تفرجت ... وملت من الطعن الدراك الرواجب
أجالدهم والخيل تنحط فى القنا ... وأنت وحيد قد حوتك الكتائب
وكائن هزمنا من كتيبة قاهر ... وكم عجمتنا فى الحروب العجائب
ولما نزل خالد موضع الجسر الأعظم اليوم بالبصرة بعث المثنى بن حارثة فى آثار القوم، فمضى حتى انتهى إلى نهر المرأة وإلى الحصن الذى فيه المرأة، فخلف المثنى بن حارثة عليها من حاصرها فى قصرها، ومضى المثنى، وأسلمت فتزوجها المثنى، ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين فى شىء من فتوحهم لتقدم أبى بكر فيهم، وسبى أولاد المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، وأقر من لم ينهض من الفلاحين وجعل لهم الذمة.
وبلغ سهم الفارس يوم ذات السلاسل والثنى ألف درهم، والراجل على الثلث من ذلك.
حديث الثّنى والمذار «1»
وكانت وقعة المذار فى صفر سنة اثنتى عشرة، ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 351، 352) ، الكامل لابن الأثير (2/ 263) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 108، 109) .
(2/376)

ولما كتب هرمز إلى ملكهم بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، أمده بقارن بن قربانس، فخرج من المدائن ممدّا لهرمز؛ حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة؛ وانتهى إليه الفلال فتذامروا، وقال فلال الأهواز وفارس لفلال السواد والجبل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبدا؛ فاجتمعوا على العدو مرة واحدة، فهذا مدد الملك وهذا قارن، لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منّا. ففعلوا وعسكروا بالمذار، واستعمل قارن على مجنبتيه قباذ وأنوشجان، فأرسل المثنى إلى خالد بالخبر؛ فعند ذلك قسم خالد الفىء على من أفاء الله عليه، ونفل من الخمس ما شاء الله، وبعث مع الوليد ابن عقبة ببقيته، وبالفتح إلى أبى بكر، وبالخبر عن القوم، وباجتماع المغيث منهم والمغاث إلى الثنى، وهو النهر، وخرج خالدا سائرا إليهم حتى ينزل المذار، فالتقوا وخالد على تعبئته، فاقتتلوا على حنق وحفيظة، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش، فابتدراه، فسبقه إليه معقل فقتله، وقتل عاصم أنو شجان، وقتل عدى قباذ. وكان شرف قارن قد انتهى؛ ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه فى الأعاجم.
وقتلت فارس مقتلة عظيمة؛ فضموا السفن ومنعت المياه المسلمين من طلبهم. وأقام خالد بالمذار، وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت وقسم الفىء ونفل من الأخماس ما نفل فى أهل البلاء، وبعث ببقيتها إلى أبى بكر، رضى الله عنه.
وعن الشعبى قال: دفع خالد إلى أبيض الركبان سلب قارن وقيمته مائة ألف، وإلى عاصم وعدى سلب أنوشجان وقباذ، وقيمة سلب كل واحد منهما ثلاثة أرباع الشرف.
وعن أبى عثمان قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق، ولولا المياه لأتى على آخرهم، ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة أو أشباه العراة.
قال الشعبى: لم يلق خالد أحدا بعد هرمز إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التى قبلها.
وأقام خالد بالثنى يسبى عيالات المقاتلة ومن أعانهم، وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوا، وكل ذلك أخذ عنوة، ولكن دعوا إلى الجزاء فأجابوا وتراجعوا، وصاروا ذمة، وصارت أرضهم خراجا؛ وكذلك جرى ما لم يقسم، فإذا اقتسم فلا، ومن ذلك السبى كان حبيب أبو الحسن البصرى، وكان نصرانيا.
وقال عزيز بن مكنف: لم يدع خالد بعد هرمز أحدا من الأعاجم حتى هلك أزدشير
(2/377)

إلا أن يدعو قوما بعد ما يغلبهم على أرضهم ويجليهم عنها إلى الجزاء والذمة فيرد عليهم أرضهم فيصيروا ذمة ما لم تقتسم، وبذلك جرت السنة.
وأمر خالد على الجزاء سويد بن مقرن المزنى، وأمره بنزول الحفير، وأمره ببث عماله، ووضع يديه فى الجباية، وأقام لعدوه يتحسس الأخبار.
وقال عاصم بن عمرو فى ذلك من أبيات:
فلم أر مثل يوم السيب حتى ... رأيت الثنى تخضبه الدماء
وألوت خيلنا لما التقينا ... بقارن والأمور لها انتهاء
حديث الولجة «1» وهى مما يلى كسكر من البر
وكانت فى صفر سنة اثنتى عشرة.
قالوا: لما وقع الخبر إلى أردشير بمصاب قارن وأهل المذار، أرسل الأنذرزعر، وكان فارسيا من مولدى السواد وتنائهم؛ ولم يكن ممن ولد فى المدائن ولا نشأ بها، وأرسل بهمن جاذويه فى أثره، وكان رافد فارس فى يوم من أيام شهرهم، وذلك أنهم بنوا شهورهم كل شهر على ثلاثين يوما؛ فكان لأهل فارس فى كل يوم رافد نصب لذلك يرفدهم عند الملك؛ فكان بهمن أحدهم، فخرج الأنذرزعر سائرا من المدائن حتى أتى كسكر «2» ، ثم جازها إلى الوالجة «3» ، وخرج بهمن جاذويه فى أثره، فأخذ غير طريقه فسلك أوسط السواد، وقد حشد الأنذرزعر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة؛ فلما اجتمع له ما أراد واستتم له أعجبه ما هو فيه، وأجمع السير إلى خالد.
ولما بلغ خالدا خبره ونزوله الولجة، نادى بالرحيل، وخلف سويد بن مقرن، وأمره بلزوم الحفير، وتقدم إلى من خلف بأسفل دجلة، وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة، وترك
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 353، 354) ، الكامل لابن الأثير (263، 264) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 345) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 109) .
(2) كسكر: أى عامل الزرع، وهو بلد بالعراق بين الكوفة والبصرة. انظر: معجم البلدان (4/ 461) .
(3) الولجة والوالج: موضع يلى كسكر من البر. انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (3/ 353) ، معجم البلدان (5/ 383) .
(2/378)

الاغترار، وخرج سائرا فى الجنود نحو الولجة، حتى نزل على الأنذرزعر وجنوده ومن تأشب إليه، فاقتتلوا قتالا شديدا؛ هو أعظم من قتال الثنى، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، واستبطأ خالد كمينه؛ وكان قد وضع لهم كمينا فى ناحيتين، عليهم بسر بن أبى رهم وسعيد بن مرة العجلى، فخرج الكمين من وجهين، فانهزمت صفوف العاجم وولوا؛ وأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم، فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه؛ ومضى الأنذرزعر فى هزيمته، فمات عطشا. وقام خالد فى الناس خطيبا يرغبهم فى بلاد العجم، ويزهدهم فى بلاد العرب، وقال: ألا ترون إلى الطعام كالتراب، والله لو لم يلزمنا الجهاد فى الله، والدعاء إليه، ولم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولى الجوع والإقلال من تولاه ممن تثاقل عما أنتم عليه.
وسار خالد فى الفلاحين سيرته فلم يقتلهم، وسبى ذرارى المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهل الأرض إلى الجزاء والذمة فتراجعوا.
وبارز خالد يوم الولجة رجلا من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه، ودعا بغذائه.
وقال خالد يذكر ذلك اليوم:
نهكناهم بها حتى استجاروا ... ولولا الله لم يرزوا قبالا
فولوا الله نعمته وقولوا ... ألا بالله نحتضر القتالا
وقال القعقاع فى ذلك وأثنى على المسلمين:
ولم أر قوما مثل قوم رأيتهم ... على ولجات البر أحمى وأنجبا
وأقتل للرواس فى كل مجمع ... إذا صعصع الدهر الجموع وكبكبا
فنحن حبسنا بالزمازم بعد ما ... أقاموا لنا فى عرصة الدار ترقبا
قتلناهم ما بين قلع مطلق ... إلى القيعة الغبراء يوما مطنبا
حديث ألّيس، وهى على صلب الفرات «1»
ولما أصاب خالد من أصاب يوم الولجة من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 355- 358) ، الروض المعطار (ص 29، 30) ، الكامل لابن الأثير (2/ 264، 265) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 109، 110) ، البداية والنهاية لابن كثير (ص 346، 347) .
(2/379)

أهل فارس غضب لهم نصارى قومهم؛ فكاتبوا الأعاجم وكاتبتهم الأعاجم؛ فاجتمعوا إلى أليس، وعليهم عبد الأسود العجلى، وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلموا بنى عجل عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات بن حيان والمثنى بن لاحق ومذعور بن عدى.
وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه: أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب. فقدم بهمن أمامه جابان وأمره بالحث وقال له: كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك. فسار جابان نحو أليس، وانطلق بهمهن إلى أردشير ليحدث به عهدا، ويستأمره فيما يريد أن يشير به، فوجده مريضا؛ فعرج عليه، وأخلى جابان بذلك الوجه، ومضى جابان حتى انتهى إلى أليس فنزل بها، واجتمعت إليه المسالح التى كانت بإزاء العرب، وعبد الأسود فى نصارى بنى عجل وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة، وكان أبجر بن بجير نصرانيا فساند عبد الأسود؛ وكان خالد بلغه بجمع عبد الأسود وأبجر وزهير فيمن تأشب إليهم، فنهد إليهم ولا يشعر بدنو جابان، وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم.
ولما طلع خالد على أليس قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أو نغدى الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم، ثم نقاتلهم بعد الفراغ؟ فقال جابان: إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا، ولكن ظنى أن سيعاجلوكم ويعجلوكم عن طعامكم، فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة، وتداعوا إليها، وتوافوا عليها.
فلما انتهى خالد إليهم أمر بحط الأثقال، فلما وضعت توجه إليهم، ووكل خالد بنفسه حوامى يحمون ظهره، ثم برز أمام الصف فنادى: أين أبجر؟ أين مالك بن قيس؟
رجل من خدرة، فنكلوا عنه جميعا إلا مالكا، فبرز له، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة، ما جرأك علىّ من بينهم، وليس فيك وفاء!.
وقال:
أنا ابن ذات الحسب الممذوق ... إنك فى ضيق أشد الضيق
وضربه فقتله، وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوه، فقال لهم جابان: ألم أقل لكم يا قوم؟ لا والله ما دخلتنى من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم، فقالوا: تجلدا، حيث لم يقدروا على الأكل: ندعها حتى نفرغ منهم؛ ثم نعود إليها. فقال جابان:
(2/380)

وأيضا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون، فالآن فأطيعونى وسموها؛ فإن كانت لنا فأهون هالك، وإن كانت علينا كنا قد صنعنا شيئا، وأبلينا عذرا. فقالوا: لا، إلا اقتدارا عليهم.
وجعل جابان على مجنبتيه عبد الأسود وأبجر، وخالد على تعبئته فى الأيام التى قبلها، فاقتتلوا قتالا شديدا، والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن، فصابروا المسلمين للذى كان فى علم الله أن يصيرهم إليه، وحرب المسلمون عليهم، وقال خالد: اللهم لك علىّ إن منحتنا أكتافهم أن لا استبقى منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم! ثم إن الله، عز وجل، كشفهم للمسلمين، ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه، فنادى فى الناس: الأسر الأسر! لا تقتلوا إلا من امتنع، فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم فى النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد؛ حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جوانب أليس. فضرب أعناقهم، وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثلاثة أيام وهم ثمانية عشر ألفا أو يزيدون.
ولما رجع المسلمون من طلبهم، ودخلوا عسكرهم، وقف خالد على الطعام الذى كان المشركون قدموه لغدائهم فأعجلوا عنه، فقال للمسلمين: قد نفلتكموه فهو لكم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى على طعام مصنوع نفله، فقعد الناس على ذلك لعشائهم بالليل، وجعل من لا يرد الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاع البيض! وجعل من قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا؛ فسمى الرقاق.
وعن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خيبر الخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك فى بطونهم غير متأثليه.
وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بنى عجل، وكان دليلا صارما، فقدم على أبى بكر، رضى الله عنه، بالخبر، وبفتح أليس، وبقدر الفىء، وبعدة السبى، وبما حصل من الأخماس، وبأهل البلاء من الناس، فلما رأى أبو بكر صرامته وثبات خبره، قال: ما اسمك؟ قال: جندل. فقال أبو بكر: ويها جندل:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكرّ والإقداما
وأمر له بجارية من السبى فولدت له.
(2/381)

وكان خالد وجنده هم جند المسلمين، وكتيبة الإسلام، بهم فض الله أهل فارس ورعبهم، وما زالت بعدها مرعوبة منتشرة لم يأتوا فى وقعة بمثل ذلك الجد والصبر إلى أن فارقهم خالد إلى الشام.
وبلغت قتلاهم يوم أليس سبعين ألفا جلهم من أمغيشيا، وفى ذلك يقول الأسود بن قطبة:
قتلنا منهم سبعين ألفا ... بقية خربهم غبّ الإسار
سوى من ليس يحصى من قتيل ... ومن قد غال جولان الغبار
وقال خالد بن الوليد لما افتتح الحيرة: لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع فى يدى تسعة أسياف، وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس.
حديث أمغيشيا وكيف أفاءها الله بغير قتال «1»
ولما فرغ خالد من وقعة أليس، نهض فأتى على أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها، وقد جلا أهلها، وتفرقوا فى السواد، فأمر خالد بهدمها وهدم كل شىء كان فى حيزها وكانت مصرا كالحيرة؛ وكان فرات بادقلى ينتهى إليها، وكان أليس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا قط قبله مثله.
وبلغ سهم الفارس ألفا وخمسمائة، سوى الأنفال التى نفلها أهل البلاء.
ولما بلغ ذلك أبا بكر قال: يا معشر قريش، عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجز النساء أن ينسأن بمثل خالد.
حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى مع ما يتصل به من حديث الحيرة «2»
ذكر أن الآزادبه كان مرزبان الحيرة من زمان كسرى إلى ذلك اليوم، وكانوا لا يمد
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 358، 359) ، الروض المعطار (ص 31) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 359- 373) ، الكامل لابن الأثير (3/ 265- 268) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 111، 112) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 347، 348) .
(2/382)

بعضهم بعضا إلا بإذن الملك، فلما أخرب خالد أمغيشيا علم أنه غير متروك، فتهيأ لحرب خالد، وقدم ابنه، ثم خرج فى أثره، فعسكر خارجا من الحيرة، وأمر ابنه بسد الفرات.
ولما استقبل خالد من أمر أمغيشيا وحمل الرجل فى السفن مع الأثقال والأنفال، لم يفجأ خالدا إلا والسفن جوانح فارتاعوا لذلك، فقال الملاحون: إن أهل فارس فجروا النهار، فسلك الماء على غير طريقه، فلا يأتينا الماء إلا بسد الأنهار، فتعجل خالد فى خيل نحو الآزادبه، فلقى على فم العتيق خيلا من خيلهم، فجأهم وهم آمنون غارته تلك الساعة، فأنامهم بالمقر، ثم سار من فوره، وسبق الأخبار إلى ابن الآزادبه حتى يلقاه وجنوده بفم فرات بادقلى، فاقتتلوا، فأنامهم خالد، وفجر الفرات وسد الأنهار فسلك الماء سبيله.
ثم قصد خالد للحيرة، واستلحق أصحابه، وسار حتى ينزل بين الخورنق والنجف، فقدم خالد الخورنق، وقد قطع الآزادبه الفرات هربا من غير قتال، وإنما جرأه على الهرب أن الخبر وقع إليه بموت أردشير وبمصاب ابنه، وكان عسكره بين الغربين والقصر الأبيض. ولما تتام أصحاب خالد إليه بالخورنق خرج منه حتى يعسكر فى موضع عسكر الآزادبه بين الغربين والقصر الأبيض، وأهل الحيرة متحصنون، فأدخل خالد الحيرة الخيل من عسكره، وأمر بكل قصر رجلا من قواده يحاصر أهله ويقاتلهم، فكان ضرار بن الأزور محاصرا للقصر الأبيض، وفيه إياس بن قبيصة الطائى، وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر الغربين وفيه عدى بن عدى المقتول، وكان ضرار بن مقرن المزنى، عاشر عشرة إخوة له، محاصرا قصر بنى مازن وفيه ابن أكال، وكان المثنى محاصرا قصر بنى بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح، فدعوهم جميعا، وأجلوهم يوما، فأبى أهل الحيرة ولجوا، فناوشهم المسلمون.
وعهد خالد إلى أمرائه أن يبدؤا بالدعاء، فإن قبلوا قبلوا منهم، وإن أبوا أجلوهم يوما، وقال: لا تمكنوا عدوكم من آذانكم فيتربصوا بكم الدوائر، ولكن ناجزوهم ولا ترددوا المسلمين عن قتال عدوهم.
فكان أول القواد أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور، وكان على قتال القصر الأبيض، فأصبحوا وهم مشرفون، فدعاهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجزاء، أو المنابذة، فاختاروا المنابذة، فقال ضرار: ارشقوهم، فدنوا منهم فرشقوهم بالنبل، فأعروا رؤس الحيطان، ثم بثوا غارتهم فيمن يليهم، وصبح أمير كل قوم أصحابه
(2/383)

بمثل ذلك، فافتتحوا الدور والديران، وأكثروا القتل، فنادى القسيسون والرهبان: يا أهل القصور، ما يقتلنا غيركم. فنادى أهل القصور: يا معشر العرب، قد قبلنا واحدة من ثلاث فدعونا وكفوا عنا حتى تبلغونا خالدا.
وكان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة، وإنما سمى بقيلة لأنه خرج على قومه فى بردين أخضرين، فقالوا له: يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء، ثم تتابعوا على ذلك. فخرج وجوه كل قصر إلى من كان عليه من أمراء خالد، فأرسلوهم إليه مع كل رجل منهم ثقة من قبل مرسله، فخلا خالد بأهل كل قصر منهم دون الآخرين، وبدأ بأصحاب عدى بن عدى وقال: ويحكم ما أنتم؟
أعرب؟ فما تنقمون من العرب؟ أو عجم؟ فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ فقال له عدى: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا؟! فقال له عدى: ليدلك على ما تقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال:
صدقت. اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تدخلوا فى ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم أو أقمتم فى دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة، فقد والله أتيتكم بقوم هم أحرى على الموت منكم على الحياة. فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبا لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان:
أحدهما عربى فتركه واستدل الأعجمى. فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا، وتتابعوا على ذلك، وأهدوا له الهدايا، وبعث بالفتح والهدايا إلى أبى بكر الصديق، فقبلها أبو بكر، رضى الله عنه، من الجزاء، وكتب إلى خالد: أن احسب لهم هديتهم من الجزاء، إلا أن تكون من الجزاء وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك.
وفى حديث مثله أو نحوه عن رجل من كنانة وغيره: أن أهل الحيرة لما انتهوا إلى خالد كانوا يختلفون إليه ويقدمون فى حوائجهم عمرو بن عبد المسيح، فقال له خالد:
كم أتت عليك؟ قال: مئوسنين، قال: فما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة، وتخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفا، فتبسم خالد، قال:
هل لك من شيخك إلا عقله ... خرفت والله يا عمرو
ثم أقبل على أهل الحيرة وقال: ألم يبلغنى أنكم خبثة خدعة مكرة؟ فما لكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدرى من أين جاء؟ فتجاهل له عمرو، وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله، ويستدل به على صحة ما حدثه به، فقال: وحقك أيها الأمير، إنى لأعرف من أين جئت؟ قال: فمن أين جئت؟ قال: أقرب أم أباعد؟ قال: ما شئت، قال:
(2/384)

من بطن أمى، قال: فأين تريد؟ قال: ما أمامى، قال: وما هو؟ قال: الآخرة. قال: فمن أين أقصى أثرك؟ قال: صلب أبى، قال: ففيم أنت؟ قال: فى ثيابى، فقال خالد: إنه ليعقل! قال: أى والله وأفيد، فوجده حين فره عضا وكان أهل قريته أعلم به.
وقال خالد: قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها، القوم أعلم بما فيهم! فقال عمرو: والنملة أعلم بما فى بيتها من الجمل بما فى بيت النملة!.
قالوا: وكان مع ابن بقيلة منصف له متعلقا كيسا فى حقوه، فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه فى راحته، وقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمنة الله سمّ ساعة، قال: ولم تحتقبه؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت، وقد أتيت على أجلى، والموت أحب إلىّ من مكروه أدخله على قومى. فقال خالد: إنه لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها، وقال: بسم الله خير الأسماء، ورب الأرض والسماء، الذى ليس يضر مع اسمه داء، فأهووا إليه ليمنعوه، فبادرهم وابتلع السم، فقال عمرو: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن.
وأقبل على أهل الحيرة، وقال: لم أر كاليوم أمرا أوضح إقبالا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر الحيرة وأنه أريها ورفعت له، وكأن شرف قصورها أضراس الكلاب، وأنها ستفتح على المسلمين. فسأله رجل يقال له: شويل، كرامة بنت عبد المسيح، فقال له: «هى لك إذا فتحت عنوة» ، يعنى الحيرة، فلما راوض أهل الحيرة خالدا على الصلح وأداء الجزية قام إليه شويل فذكر له ذلك وشهد له به، فأبى خالد أن يكاتبهم إلا على إسلام كرامة إلى شويل، فثقل ذلك عليهم، فقالت: هونوا عليكم وأسلمونى، فإنى سأفتدى، ففعلوا، وكتب خالد بينه وبينهم كتابا:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا ابنى عدى، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة، وحيرى بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، ورضى بذلك أهل الحيرة وأمروهم به، وعاهدوهم على تسعين ومائة ألف درهم، تقبل فى كل سنة جزاء عن أيديهم فى الدنيا، رهبانهم وقسيسيهم، وجماعتهم، إلا من كان غير ذى يد، حبيسا عن الدنيا، تاركا لها، وسائحا تاركا للدنيا، وعلى المنعة، فإن لم يمنعهم فلا شىء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بقول أو فعل فالذمة منهم بريئة. وكتب فى شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة» .
فاستخف أهل الحيرة بهذا الكتاب وضيعوه، فلما نقض أهل السواد بعد موت أبى
(2/385)

بكر وكفروا فيمن كفر، وغلب عليهم أهل فارس، ثم افتتحها المثنى بن حارثة ثانية، أدلوا بمقتضى ذلك الكتاب، فلم يجبهم إليه، ودعا بشرط آخر، فلما غلب المثنى على البلاد كفروا فيمن كفر، وأعانوا، واستخفوا وأضاعوا الكتاب، فلما افتتحها سعد، أدلوا بذلك فسألهم واحدا من الشرطين، فلم يجيبوا به، فوضع عليهم وتحرى ما يرى أنهم يطيقون، فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الخزرة، وهو رسم كان عليهم لكسرى فى كل سنة أربعة دراهم على كل رأس.
وفيما حكاه ابن الكلبى من حديث الحيرة أن الذى خرج منهم إلى خالد هو عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة وهانئ بن قبيصة الطائى، مع من خرج إليه من أشرافهم، وأن خالدا سأل عبد المسيح فذكر نحوا مما تقدم عن عمرو بن عبد المسيح إلى أن قال له:
ويحك تعقل قال: نعم، وأفيد. قال خالد: وأنا أسألك، قال عبد المسيح: وأنا أجيبك.
قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال: بل سلم. قال: فما هذه الحصون التى أرى؟ قال: بنيناها للسفيه تمنعه حتى يأتى الحليم فينهاه. ثم ذكر من مصالحته إياهم على الجزية نحوا مما تقدم.
قال: فكانت أول جزية حملت إلى المدينة، من العراق، ثم نزل على بانقيا فصالحهم بصهير بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان، وكتب لهم كتابا.
وعن ابن إسحاق أن أول شىء صالح عليه خالد حين سار يريد العراق قريات من السواد، يقال لها: بانقيا، وباروسما، وأليس، نزل عليها خالد فصالحه عليها ابن صلوبا، فقبل منهم خالد الجزية، وكتب لهم كتابا.
قال: ثم أقبل خالد بمن معه حتى نزل الحيرة فجعل ابن إسحاق شأن تلك القريات مقدما على أمر الحيرة، والأكثرون يقولون إنها كانت بعدها، وإن أهلها وسائر دهاقين الملطاطين إنما كانوا يتربصون وينظرون ما يصنع أهل الحيرة. فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد على الصلح طلب جميعهم الصلح وسمحوا بالجزية واكتتبوا بها من خالد كتبا.
وبين الرواة خلاف كثير فى أسماء الرجال والأماكن ومقادير الجزاء، فرأيت اختصار ذلك أولى.
وعن الشعبى فى حديث كرامة بنت عبد المسيح لما اشتد على قومها دفعها إلى شويل وأعظم الخطر، قالت لهم: لا تخطروه، ولكن اصبروا، ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين
(2/386)

سنة؟ إنما هذا رجل أحمق رآنى فى شبيبتى فظن أن الشباب يدوم. فدفعوها إلى خالد، فدفعها خالد إليه، فقالت: ما أربك إلى عجوز كما قد ترى؟ فأدنى قال: لا، إلا على حكمى، قالت: فلك حكمك مرسلا، فقال: لست لأم شويل إن نقصتك من ألف درهم! فاستكثرت ذلك لتخدعه، ثم أتته بها. فرجعت إلى أهلها، فتسامع الناس بذلك، فعنفوه، فقال: ما كنت أرى أن عددا يزيد على ألف، وخاصمهم إلى خالد، وقال:
كانت نيتى غاية العدد، وقد ذكروا أن العدد يزيد على ألف، فقال خالد: أردت أمرا وأراد الله غيره، ونأخذ بما ظهر وندعك ونيتك، كاذبا كنت أو صادقا.
ومما يروى من شعر ابن بقيلة:
أبعد المنذرين أرى سواما ... تروح بالخورنق والسدير
وبعد فوارس النعمان أرعى ... قلوصا بين مرة والحفير
فصرنا بعد ملك أبى قبيس ... كجرب المعز فى اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور
وكنا لا يرام لنا حريم ... فنحن كضرة الضرع الفجور
نودى الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم فى مساءة أو سرور
وقال القعقاع بن عمرو فى أيام الحيرة «1» :
سقى الله قتلى بالفرات مقيمة ... وأخرى بأثباج النجاف الكوانف
فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا ... وبالثنى قرنى قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت ... على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كاد عرشهم ... يميل به فعل الجبان المخالف
مننا عليهم بالقبول وقد رأوا ... عيون المنايا حول تلك المحارف
صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا ... إلى الريف من أرض العريب النفانف
وقال أخوه عاصم بن عمرو فى ذلك:
صبحنا الحيرة الروحاء خيلا ... ورجلا فوق أثباج الركاب
حصرنا فى نواحيها قصورا ... مشرفة كأضراس الكلاب
فبادوا بالعريب ولم يحاموا ... فقلنا دونكم فعل العراب
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 365) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 348) .
(2/387)

فقالوا بل نؤدى الخرج حتى ... تزل الراسيات من الضراب
صدفنا عنهم لما اتقونا ... وأبنا حيث أبنا بالنهاب
وبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه، لجباية الخراج وحماية البلاد، وأمر أمراءه على الثغور بالغارة والإلحاح، فنزلوا على السيب فى عرض سلطانه، وهناك كانت الثغور فى زمانه، فمهدوا له ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر، وليس لأحدهم ذمة إلا الذين كاتبوا خالدا واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جلاء ومتحصنون ومحاربون، وجنى الخراج إلى خالد فى خمسين ليلة، وكان الذين ضمنوه رؤس الرساتيق رهنا فى يديه، فأعطى ذلك كله المسلمين، فقووا به على أمرهم.
وقال أبو مفزر الأسود بن قطبة فيما فتح بعد الحيرة:
ألا أبلغا عنا الخليفة أننا ... غلبنا على نصف السواد الأكاسرا
غلبنا على ماء الفرات وأرضه ... عشية حزنا بالسيوف الأكابرا
فدرت علينا جزية القوم بعد ما ... ضربناهم ضربا يقط البواترا
ولما غلب خالد على أحد جانبى السواد، دعا برجلين، أحدهما حيرى والآخر نبطى، وكتب معهما كتابين إلى أهل فارس، أحدهما إلى الخاصة والآخر إلى العامة. وهذا أحدهما:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، أما بعد، فالحمد لله الذى حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك بكم لكان شرا لكم، فادخلوا فى أمرنا ندعكم وأرضكم، ونجزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك على غلب وأنتم كارهون، على أيدى قوم يحبون الموت كحبكم الحياة» .
والكتاب الآخر:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، أما بعد، فالحمد لله الذى فض حرمتكم، وفرق كلمتكم، وفل حدكم، وكسر شوكتكم، فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا منى الذمة، وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» .
ودعا خالد الرجل الحيرى فقال له: ما اسمك؟ قال: مرة. قال: خذ الكتاب، لأحد الكتابين، فأت به أهل فارس لعل الله يمر عليهم عيشهم، أو يسلموا، وينيبوا. وقال للنبطى: ما اسمك؟ قال: هزقيل. قال: خذ الكتاب، اللهم ازهق نفوسهم.
(2/388)

وكان أهل فارس إذ ذاك لموت أردشير مختلفين فى الملك مجتمعين على قتال خالد متساندين، إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببهرسير، ومعه الآزادبه، فى أشباه له.
ولما وقعت كتب خالد إلى أهل المدائن تكلم نساء آل كسرى، فولى الفراخزاد بن البندوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه، وأقام خالد فى عمله سنة ومنزله الحيرة، يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشام، وأهل فارس يخلعون ويملكون، ليس إلا للدفع عن بهرسير، وكان شيرى بن كسرى قد قتل كل من يناسب إلى كسرى ابن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه، وقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه.
وعن الشعبى قال: أقام خالد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشام أكثر من سنة، يعالج عمل عياض الذى سمى له، فقال خالد للمسلمين: لولا ما عهد إلى الخليفة ما كان دون فتح فارس شىء، وكان عهد إليه وإلى عياض إذ وجههما أن يستبقا إلى الحيرة فأيهما سبق إليها فهو أمير على صاحبه، وقال: فإذا اجتمعتما بالحيرة وفضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكما ردآ للمسلمين ولصاحبه بالحيرة وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن، حسب ما تقدم من كتاب أبى بكر إليهما بذلك قبل هذا.
فكان خالد لا يستطيع أن يفارق مكانه للاقتحام على فارس ولا لإغاثة عياض وكان بدومة قد شجى وأشجى؟، لأجل ما عهد إليه أبو بكر أن لا يقتحم عليهم، وخلفه نظام لهم. وكان بالعين عسكر لفارس وبالأنبار آخر وبالفراض آخر، ثم إن خالدا لما استقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد فرق سواد الحيرة على رجال ممن كان معه، وفعل فى سواد الأبلة مثل ذلك، وأقر أمر المسالح على ثغورهم، واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو. وخرج خالد فى عمل عياض ليقضى ما بينه وبينه ولإغاثته، فسار حتى نزل بكربلاء، وأقام عليها أياما، وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذباب، فقال له: اصبر فإنى إنما أريد أن أستفرغ المسالح التى أمر بها عياض فتسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم، وتجيئنا العرب آمنة وغير متعتعة، وبذلك أمرنا الخليفة، ورأيه يعدل نجدة الأمة.
وقال رجل من أشجع فى مثل ما شكاه ابن وثيمة النضرى من أمر الذباب:
لقد حبست بكربلاء مطيتى ... وبالعين حتى عاد غثّا سمينها
(2/389)

إذا رحلت من منزل رجعت له ... لعمر أبيها إننى لا أهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة ... رفاق من الذبان زرق عيونها
حديث الأنبار «1» وهى ذات العيون «2»
وخرج خالد فى تعبيته التى خرج فيها من الحيرة، على مقدمته الأقرع بن حابس.
فلما نزل الأقرع المنزل الذى يسلمه إلى الأنبار نتج قوم من المسلمين إبلهم، فلم يستطيعوا العرجة، ولم يجدوا بدا من الإقدام، ومعهم بنات مخاض تتبعهم. فلما نودى بالرحيل صروا الأمهات، واحتقبوا المنتوجات؛ لأنها لم تطق السير، فانتهوا ركبانا إلى الأنبار، وقد تحصن أهلها، وخندقوا عليها، فأشرفوا من حصنهم، وعلى الجنود التى قبلهم شيرزاد صاحب ساباط «3» ، وكان أعقل أعجمى يومئذ وأسوده، فتصايح عرب الأنبار وقالوا:
صبح الأنبار شر، جمل يحمل جميلة وجمل تربه عوذ. فقال شيرزاد، وقد سأل عن ما يقولون، فأخبر به: أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم، والله لئن لم يكن خالد مجتازا لأصالحنه، فبينما هم كذلك قدم خالد على المقدمة، فأطاف بالخندق، وأنشب القتال، وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به، وتقدم إلى رماته، فأوصاهم وقال: إنى أرى أقواما لا علم لهم بالحرب، فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها، فرموا رشقا واحدا، ففقئت ألف عين يومئذ، فسميت تلك الوقعة ذات العيون، وتصايح القوم: عيون أهل الأنبار فراسل شيرزاد خالدا فى الصلح على أمر لم يرضه خالد، فرد رسله، وأتى خالد أضيق مكان فى الخندق فنحر رذايا الجيش ثم رمى فيه فأفعمه، ثم اقتحموا الخندق والرذايا جسورهم، فاجتمع المسلمون والمشركون فى الخندق، وأرز القوم إلى حصنهم، وراسل شيرزاد فى الصلح على مراد خالد، فقبل منه خالد على أن يخليه ويلحقه بمأمنه فى جريدة خيل، ليس معهم من المتاع والمال شىء، فخرج شيرزاد، فلما قدم على بهمهن جاذويه وأخبره الخبر لامه، فقال له شيرزاد: إنى كنت فى قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم. ثم قاتلهم الجند، ففقئوا فيهم وفى أهل الأرض ألف عين، فعرفت أن المسألة أسلم، وأن قرة العين لهم، وأن العيون لا تقر منهم بشىء.
__________
(1) الأنبار: مدينة بالقرب من بلخ. انظر: معجم البلدان (1/ 257، 258) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 373- 375) ، الكامل لابن الأثير (2/ 269) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 112، 113) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 349) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 81) .
(3) سابط: هى سابط كسرى، موضع بالمدائن. انظر: معجم البلدان (3/ 166، 167) .
(2/390)

ولما اطمأن خالد بالأنبار والمسلمون، وأمن أهل الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب كانت أوئلهم نزلوا أيام بختنصر حين أباح العرب، فلم نزل عنها. فقال: ممن تعلمتم الكتابة؟ فقالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشدوا قول الشاعر:
قوم إياد لو أنهم أمم ... أو لو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعا والخط والقلم
«1» فصالح خالد من حولهم، وبدأ بأهل البوازيج، فبعث إليه أهل كلواذة «2» ليعقد لهم، وكاتبهم عيبته من وراء دجلة.
ثم إن الأنبار وما حولها نقضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين الدول ما خلا أهل البوازيج فإنهم ثبتوا كما ثبت أهل بانقيا.
حديث عين التمر «3»
ولما فرغ خالد من الأنبار، واستحكمت له، استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد لعين التمر، وبها يومئذ مهران بن سوسن فى جمع عظيم من العجم، وعقة بن أبى عقة فى جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم. فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا. قال: صدقت، لعمرى لأنتم أعلم بقتال العرب، وإنكم لمثلنا فى قتال العجم. فخدعه واتقى به، وقال: دونكموهم وإن احتجتم إلينا جئناكم.
فلما مضى عقة نحو خالد قالت الأعاجم لمهران: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب فقال: دعونى فإنى لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر له، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم، ما اتقيته بهم، فإن كانت لهم على خالد فهى لكم، وإن كانت الأخرى لم يبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء، فاعترفوا له بفضل الرأى، فلزم مهران العين ونزل عقة لخالد على الطريق، وبينه وبين مهران روحة أو غدوة، فقدم عليه خالد وهو فى تعبئة جنده، فعبأ خالد جنده وقال لمجنبتيه: اكفونا ما
__________
(1) انظر الأبيات فى: الطبرى (3/ 375) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 349) .
(2) كلواذة: موضع بين الكوفة وواسط. انظر معجم البلدان (4/ 477) .
(3) انظر: الطبرى (3/ 376، 377) ، الأخبار الطوال للدينورى (ص 112) ، الكامل لابن الأثير (2/ 269، 270) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 349، 350) .
(2/391)

عندكم فإنى حامل، ووكل بنفسه حوامى، ثم حمل وعقة يقيم صفوفه، فاحتضنه فأخذه أسيرا، وانهزم صفه من غير قتال، فاتبعهم المسلمون وأكثروا فيهم القتل والأسر.
ولما جاء الخبر مهران هرب فى جنده، وتركوا الحصن. فلما انتهى فلال عقة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموه واعتصموا به، وأقبل خالد فى الناس حتى نزل عليه ومعه عقة أسيرا وعمرو بن الصعق، وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان يغير عليهم من العرب، فلما رأوه يحاولهم سألوه الأمان. فأبى إلا حكمه، فسكنوا إليه.
فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين أسارى، وأمر بعقة فضربت عنقه ليوئس الأسرى من الحياة، فلما رأوه مطروحا على الجسر يئسوا ثم دعا بعمرو بن الصعق فضربت عنقه، وضرب أعناق أهل الحصن أجمعين، وسبى كل من حوى حصنهم، وغنم ما فيه، ووجد فى بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم فى أهل البلاء، فمن أولئك الغلمان أبو زياد مولى ثقيف، وحمران مولى عثمان، ونصير أبو موسى بن نصير، وسيرين والد محمد بن سيرين، وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر.
وقال عاصم بن عمرو فى ذلك يعير عقة:
ألا أبلغا الوركاء أن عميدها ... رهينة جيش من جيوش الزعافر
فبهلا لمن غرت كفالة عتقه ... بنى عامر أخرى الليالى الغوابر
أتيح له ضرغامة لا يفله ... قراع الكماة والليوث المساعر
أتيحت له نار تسيح وتلتوى ... وترمى بأمثال النجوم العناهر
حديث دومة الجندل وما بعدها من الأيام بحصيد والخنافس ومصيخ والبشر والفراض «1»
قالوا: ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد إلى أبى بكر، رضى الله عنه، بما بعثه به إليه من الأخماس، وجهه أبو بكر إلى عياض وأمده به، فقدم عليه الوليد وهو يحاصر أهل دومة، وهم محاصروه، وقد أخذوا عليه الطريق، فقال له الوليد: الرأى فى بعض الحالات
__________
(1) انظر: المغازى للواقدى (1/ 402) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 62، 63) ، معجم البلدان (2/ 487) ، الطبرى (3/ 378- 385) ، الكامل لابن الأثير (2/ 270- 275) ، البداية والنهاية لابن كثير (6/ 350- 352) .
(2/392)

خير من جند كثيف، ابعث إلى خالد واستمده، ففعل، فقدم رسوله على خالد غب وقعة العين مستغيثا، فعجل به خالد إلى عياض وكتب إليه معه: إياك أريد.
لبث قليلا تأتك الجلائب ... يحملن آسادا عليها القاشب
كتائب يتبعها كتائب
ولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويمر بن الكاهل الأسلمى، وخرج فى تعبئته التى دخل فيها العين يريد عياضا، ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وقبل ما أتتهم منهم طوائف فيهم وديعة الكلبى، وابن الأيهم التنوخى، وابن الحدرجان، فأشجوا عياضا وأشجوا به، فلما بلغهم دنو خالد وهم على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك، والجودى بن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرا منه، ولا أحد فى حرب، ولا يرى وجه خالد قوم قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعونى وصالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد، فشأنكم.
فخرج لطيته، وبلغ ذلك خالدا فبعث عاصم بن عمرو معارضا له، فأخذه وقال: إنما تلقيت الأمير خالدا، فلما أتى به خالدا أمر به فضربت عنقه، وأخذ ما كان معه من شىء، ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة، وعليهم الجودى بن ربيعة، فجعل خالد دموة بين عسكره وعسكر عياض، وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة لم يحملهم الحصن، فلما اطمأن خالد خرج الجودى فنهض بوديعة فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الأيهم إلى عياض، فاقتتلوا فهزم الله الجودى ووديعة على يدى خالد، وهزم عياض من يليه، وركبهم المسلمون، فأما خالد فإنه أخذ الجودى أخذا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعة، وأرز بقية الناس إلى الحصن، فلم يحملهم، فلما امتلأ الحصن، أغلق من فى الحصن الحصن دون أصحابهم، فبقوا حوله، وقال عاصم ابن عمرو: يا بنى تميم، حلفاؤكم كلب آسوهم وأجيروهم، فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها، ففعلوا، وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بهم، وأقبل خالد إلى الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن، ودعا بالجودى فضرب عنقه، وضرب أعناق الأسرى إلا أسير كلب، فإن عاصما والأقرع وبنى تميم قالوا: قد أمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لى ولكم أتحوطون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام؟ فقال له عاصم: لا تحسدهم العافية، ولا تحرزهم الشيطان. ثم أطاف خالد بباب الحصن، فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة وسبوا الشرخ فأقاموهم فيمن يزيد،
(2/393)

فاشترى خالد ابنة الجودى، وكانت موصوفة بالجمال، ثم إن خالدا رد الأقرع إلى الأنبار، وثبت بدومة قليلا، ثم ارتحل منها إلى الحيرة، فلما كان قريبا منها حيث يصحبها أخذ القعقاع أهلها بالتغليس فخرجوا يتلقونه وهم مغلسون، وجعل بعضهم يقول لبعض:
مروا بنا فهذا فرج الشر.
قالوا: وقد كان خالد عند ما أقام بدومة كاتب عرب الجزيرة الأعاجم غضبا لعقة، فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبه يريدان الأنبار، واتعدا حصيدا والخنافس، فكتب بذلك الزبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أبا ليلى بن فدكى السعدى وأمره بحصيد، وبعث عروة بن الجعد البارقى وأمره بالخنافس، وقال لهما: إن رأيتما مقدما فأقدما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من ربيعة، وقد كانوا تكاتبوا واتعدوا.
فلما رجع خالد من دومة إلى الحيرة على الظهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن كره خلاف أبى بكر، وأن يتعلق عليه بشىء، فعجل القعقاع وابن عمرو، وأبا ليلى بن فدكى إلى روزبه وزرمهر، فسبقاه إلى عين التمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبى، أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ، ونزل ربيعة بن بجير بالثنى فى عسكر غضبا لعقة، يريدان زرمهر وروزبه. فخرج خالد وعلى مقدمته الأقرع ابن حابس، واستخلف على الحيرة عياض بن غنم، وأخذ خالد طريق القعقاع وأبى ليلى حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حصيد، وأمره على الناس، وبعث أبا ليلى إلى الخنافس، وأمره على الناس، وقال: زجياهم ليجتمعوا ومن استشارهم، وإلا فواقعاهم، فأبى روزبه وزرمهر إلا المقام.
فلما رآهما القعقاع لا يتحركان سار نحو حصيد، وعلى من به من العرب والعجم روزبه. ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر، فأمده بنفسه، واستخلف على عسكره المهبوذان، فالتقوا حينئذ فاقتتلوا، فقتل الله العجم مقتلة عظيمة، وقتل القعقاع زرمهر وقتل، أيضا، روزبه، قتله عصمة بن عبد الله، أحد بنى الحارث بن طريف، من بنى ضبة، وكان عصمة من البررة، وكل فخذ هاجرت بأسرها تدعى البررة، وكل قوم هاجروا من بطن يدعون الخيرة، فكان المسلمون خيرة بررة، وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة، وأرز فلّال حصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها.
(2/394)

وقال القعقاع فى ذلك اليوم:
ألم ينه عنا غى فارس أننا ... منعناهم من ريفهم بالصوارم
وأنا أناس قد تعود خيلنا ... لقاء العادى بالحتوف القواصم
وروزا قتلنا حيث أرهف حده ... وكل رئيس زاريا بالعظائم
تركنا حصيدا لا أنيس بجوه ... وقد شقيت أربابه بالأعاجم
وإنى لراج أن تلاقى جموعهم ... غديّا بإحدى المنكرات الصوادم
ألا أبلغا أسماء أن خليلها ... قضى وطرا من روزمهر الأعاجم
وسار أبو ليلى ابن فدكى بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس وبها المهبوذان، فلما أحس بهم هرب هو ومن معه إلى المصيخ «1» وبه الهذيل بن عمران، فلما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد «2» وهرب أهل الخنافس كتب إلى القعقاع وأبى ليلى وعروة وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها على المصيخ، وهو بين حوران والقلت، وخرج خالد من العين قاصدا للمصيخ على الإبل يجنب الخيل، فلما كان فى تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا معه بالمصيخ، فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوى إليهم، وهم نائمون، أتوهم بالغارة من ثلاثة أوجه، فقتلوهم، وامتلأ الفضاء قتلى، فما شبهوا إلا غنما مصرعة، وأفلت الهذيل فى أناس قليل، وقد كان حرقوص بن النعمان بن النمر بن قاسط محضهم النصح، وأجاد الرأى، فلم ينتفعوا بتحذيره، وذلك أن حرقوصا قال قبل الغارة:
ألا فاسقيانى قبل خيل أبى بكر ... لعل منايانا قريب ولا ندرى
ألا فاسقيانى بالزجاج وكررا ... علينا كميت اللون صافية تجرى
أظن خيول المسلمين وخالدا ... ستطرقكم عند الصباح إلى البشر
فهل لكم فى السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر
أرينى سلاحى يا أميمة إننى ... أخاف بيات القوم مطلع الفجر «3»
وكان حرقوص معرسا بامرأة من بنى هلال تدعى أم تغلب، فقتلت تلك الليلة، وقد تقدم من حديث عدى بن حاتم فيما مضى من هذا الكتاب، قال: أغرنا على المصيخ، وإذا رجل يدعى حرقوص بن النعمان بن النمر، وإذا حوله بنوه وامرأته، وبينهم جفنة من
__________
(1) المصيخ: موضع بين حوران والقلت. انظر: معجم البلدان (2/ 391) .
(2) حصيد: واد بين الكوفة والشام. انظر: معجم البلدان (2/ 226) .
(3) انظر الأبيات فى: الطبرى (3/ 416، 417) ، الكامل لابن الأثير (2/ 280) ، معجم البلدان لياقوت (1/ 427، 5/ 144) .
(2/395)

خمر، وهم عليها عكوف، فقال: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، خالد بالعين وجنوده بحصيد، وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا.
ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر ... بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر
وقبل منايانا المصيبة بالقدر ... لحين لعمرى لا يزيد ولا يحرى
فسبق إليه وهو فى ذلك بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو فى جفنته، وأخذنا بناته وقتلنا بنيه.
وأصاب جرير بن عبد الله بالمصيخ عبد العزى بن أبى رهم من النمر، وإنما حضر جرير مما كان بالعراق ما كان بعد الحيرة، وذلك أنه كان ممن خرج مع خالد بن سعيد ابن العاص إلى الشام، فاستأذن جرير فى القدوم على أبى بكر ليكلمه فى قومه بجيلة، وكانوا أوزاعا فى العرب، ليجمعهم ويتخلصهم، فأذن له، فقدم على أبى بكر فذكر له عدة من النبى صلى الله عليه وسلم وأتاه عليها بشهود، وسأله إنجازها، فغضب أبو بكر وقال: ترى شغلنا وما نحن فيه، من بعوث المسلمين لمن بإزائهم من الأشدين: فارس والروم ثم أنت تكلفنى التشاغل بما لا يغنى عنى عما هو أرضى لله ولرسوله، دعنى وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله فى هذين الوجهين. فسار جرير حتى قدم على خالد وهو بالحيرة، فشهد معه ما كان بعدها من الأيام، وأصاب يوم المصيخ، كما ذكرنا، عبد العزى بن أبى رهم، وكان معه ومع رجل آخر من قومه يقال له لبيد بن جرير كتاب من أبى بكر، رضى الله عنه، بإسلامهم، وسمى عبد العزى عبد الله، وبلغ أبا بكر مع ذلك أن عبد العزى قال ليلة الغارة:
وأقول إذ طرق الصباح بغارة ... سبحانك اللهم رب محمد
سبحان ربى لا إله غيره ... رب العباد ورب من يتودد
فوداه أبو بكر لما بلغه هذا، وودى لبيدا، وقال: أما إن ذلك ليس على إذ نازلا أهل حرب. وأوصى بأولادهما.
وكان عمر، رضى الله عنه، يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك بن نويرة، فيقول أبو بكر، رضى الله عنه: كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب فى ديارهم.
وقد كان ربيعة بن بجير التغلبى نزل الثنى والبشر غضبا لعقة، وواعد لذلك روزبه وزرمهر والهذيل قبل أن يصيبهم ما أصابهم بالمصيخ، فلما أصاب خالد أهل المصيخ بما أصابهم به، تقدم إلى القعقاع وإلى أبى ليلى، بأن يرتحلا أمامه، وواعدهما ليلة ليفترقوا
(2/396)

فيها للغارة على ربيعة ومن معه من ثلاثة أوجه، كما فعل بأهل المصيخ، ثم خرج خالد من المصيخ فنزل حوران «1» ، ثم الرنق، ثم الحماة «2» ، ثم الزميل»
، وهو البشر «4» والثنى معه، وهما شرقى الرصافة، فبدأ بالثنى، واجتمع هو وأصحابه، فبيت من ثلاثة أوجه ربيعة بن بجير ومن اجتمع له وإليه، ومن ناشب لذلك من الشبان لذلك من الشبان، فجرد خالد فيهم السيوف بياتا، فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر، واستبقى الشيوخ، وبعث بخمس الله، عز وجل، إلى أبى بكر، رضى الله عنه، مع النعمان بن عوف الشيبانى، وقسم النهب والسبايا، فاشترى على بن أبى طالب، رضى الله، من ذلك السبى ابنة ربيعة التغلبى، فاتخذها، فولدت له عمر ورقية.
وقال أبو مقرز فى ذلك:
لعمر بنى بجير حيث صاروا ... ومن آذاهم يوم الثنى
لقد لاقت سراتهم فضاحا ... وفينا بالنساء على المطى
وكان الهذيل حيث نجا من المصيخ أوى إلى الزميل، إلى عتاب بن فلان، وهو بالبشر فى عسكر ضخم، فبيتهم خالد بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه، سبقت إليهم الخبر عن ربيعة، وكانت على خالد يمين: ليبغتن تغلب فى دارها، فقتل فيهم مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها، وأصابوا منهم ما شاؤا، وقسم خالد فى الناس فيئهم، وبعث الأخماس إلى أبى بكر، رضى الله عنه، مع الصباح بن فلان المزنى، ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب «5» وبها هلال بن عقة وقد أرفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد، فانقشع عنها هلال ولم يلق كيدا، ثم قصد خالد بعدها إلى الفراض، والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة، فأفطر فيها فى رمضان فى تلك السفرة التى اتصلت له فيها هذه الغزوات والأيام، ونظمن نظما إلى ما كان قبل ذلك منه.
__________
(1) حوران: كانت كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة ومزارع وحرار. انظر: معجم البلدان (2/ 317) .
(2) من المدن المشهورة بالشام، كانت مدينة عظيمة وكبيرة. انظر: معجم البلدان (2/ 317، 318) .
(3) الزميل: موضع شرقى الرصافة. انظر معجم البلدان (3/ 151) .
(4) البشر: اسم جبل يمتد من عرض إلى الفرات من أرض الشام من جهة البادية. انظر: معجم البلدان (1/ 426- 428) .
(5) الرضاب: موضع الرصافة قبل بناء هاشم إياه. انظر: معجم البلدان (3/ 50) .
(2/397)

قالوا: ولما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت، واستعانوا بمن يليهم من مسالح أهل فارس، وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب وإياد والنمر، فأمدوهم بأجمعهم، واجتمعوا كلهم على كلمة واحدة، ثم ناهدوا خالدا حتى إذا صار الفرات بينه وبينهم قالوا: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم قال خالد: اعبروا إلينا، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، قال خالد: لا نفعل، ولكن اعبروا أسفل منا. فقال الروم وفارس بعضهم لبعض:
احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل عن دين، وله عقل وعلم، وو الله لينصرن ولتخذلن، ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى يعرف اليوم ما كان من حسن أو قبح، من أينا يجىء ففعلوا، ثم اقتتلوا قتالا شديدا طويلا، ثم هزمهم الله تعالى.
وقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفراض فى المعركة وفى الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا، ثم أذن فى القفل إلى الحيرة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم.
وأظهر خالد أنه فى الساقة، وخرج من الفراض حاجا لخمس بقين من ذى القعدة مكتتما بحجه، ومعه عدة من أصحابه، يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت، فقضى حجه، ثم أتى الحيرة، فوافاه بها كتاب أبى بكر، رضى الله عنه، يأمره فيه بالمسير إلى الشام ويعاتبه على ما فعل، إذ لم يعلم أبو بكر بحجته هذه إلا بعد انصرافه إلى الحيرة.
وقد تقدم هذا كله فيما رسم قبل من فتوح الشام مستوفى فى بيانه، وكيف كان مسيره إلى الشام وتركه المثنى بن حارثة بعده على العراق، ومشاطرته إياه فى الناس، كل ذلك بأمر أبى بكر، رضى الله عنه، حسب ما تقدم ذكره.
حديث المثنى بعد خالد «1»
ولما انفصل خالد، رحمه الله، إلى الشام شيعه المثنى إلى قراقر، ورجع من تشييعه إلى الحيرة، فأقام بها فى سلطانه، ووضع فى المسلحة التى كان فيها على السيب أخاه، وسد أماكن كل من خرج مع خالد من الأمراء برجال أمثالهم من أهل الغناء، ووضع مذعور ابن عدى فى بعض تلك الأماكن.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 411- 415) ، الكامل لابن الأثير (2/ 284- 286) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 87- 91) .
(2/398)

واستقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد على الحيرة، بعد خروجه إلى الشام بقليل، وذلك سنة ثلاث عشرة، على شهربراز بن أردشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه فى عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتبت المسالح إلى المثنى بإقباله، فخرج المثنى من الحيرة نحوه، وضم إليه أصحاب المسالح، وجعل على مجنبتيه أخويه: المعنّى ومسعودا، وأقام له ببابل، وأقبل هرمز جاذويه، وقد كتب شهر براز إلى المثنى بن حارثة: «من شهربراز إلى المثنى: إنى قد بعثت إليك جندا من وخش أهل فارس، إنما رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم» .
فكتب إليه المثنى: «من المثنى إلى شهربراز، إنما أنت أحد رجلين. إما صادق، فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفى الناس الملوك، وأما الذى يدلنا عليه الرأى، فإنكم إنما اضطرتم إليهم، فالحمد لله الذى رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير» .
فجزع أهل فارس من كتابه، وقالوا: إنما أتى شهربراز من شؤم مولده ولؤم منشئه، وكان يسكن ميسان «1» ، وأن بعض البلدان شين على من يسكنه. وقالوا له: جرأت عدونا بالذى كتبت إليهم، فإذا كاتبت أحدا فاستشر. ثم التقوا ببابل، فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا، على الطريق الأول، قتالا شديدا.
ثم إن المثنى وفرسان من المسلمين اعتمدوا الفيل، وكان يفرق بين الصفوف والكراديس، فأصابوا مقتله، فقتلوه وهزموا أهل فارس، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى جازوا بهم مسالحهم، فأقاموا فيها، وتتبع الطلب الفالة، حتى انتهوا إلى المدائن، ومات شهربراز منهزم هرمز جاذويه، واختلف أهل فارس، وبقى ما دون دجلة وبرس من السواد فى يد المثنى وأيدى المسلمين.
ثم إن أهل فارس اجتمعوا بعد شهربراز على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر، وخلعت، وملك سابور بن شهربراز، وقام بأمره الفرخزاد بن البندوان، فقاتلا جميعا، وملكت آرز ميدخت، وتشاغلوا بذلك، وأبطأ خبر أبى بكر، رضى الله عنه، على المسلمين، فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية، ووضع مكانه فى المسالح سعيد بن مرة العجلى، وخرج المثنى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين،
__________
(1) ميسان: كورة واسعة كثيرة القرى والنخيل بين البصرة وواسط. انظر: معجم البلدان (5/ 242) .
(2/399)

ولكى يستأذنه فى الاستعانة بمن قد ظهرت توبته من أهل الردة ممن يستطعمه الغزو، وليخبره أنه لم يخلف أحدا أنشط إلى قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم، إذ كان أبو بكر، رضى الله عنه، قد منع من الاستعانة بهم رأسا، وقال لأمرائه: لا تستعينوا فى حربكم بأحد ممن ارتد، فإنى لم أكن لأستنصر بجيش فيهم أحد ممن ارتد، وبالجزاء إن فعلت أن لا تنصروا.
وقال عروة بن الزبير: أمران يعرف بهما حال من شهد الفتوح، من ذكر أن أبا بكر، رضى الله عنه، استعان فى حربه بأحد ممن ارتد فقد كذب، وذكر من قول أبى بكر فى ذلك ما بدأنا به.
قال: ومن زعم أن عمر، رضى الله عنه، حين أذن لمن ارتد فى الجهاد أمر أحدا منهم فقد كذب، وإنما تألف من تألف بالإمارة منهم عثمان بن عفان، رضى الله عنه، رجاء ما رجاه منهم عمر حين استعان بهم، فمن قبلهم ابتدأت الفتنة، وعلق عثمان، رضى الله عنه، عند الذى بدا منهم يتمثل بقول الأول:
وكنت وعمرا كالمسمّن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره
فقدم المثنى بن حارثة المدينة، وأبو بكر مريض مرضه الذى توفاه الله تعالى، منه، وذلك بعد مخرج خالد إلى الشام، وقد تقدم ذكر وفاة أبى بكر واستخلافه عمر، رضى الله عنهما، فى أول موضع احتيج إلى ذكر ذلك فيه من فتح الشام، وتوفى أبو بكر وأحد شقى السواد فى سلطانه، والجمهور من جند أهل العراق بالحيرة، والمسالح بالسيب، والغارات تنتهى بهم إلى شاطئ دجلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم.
فهذا حديث العراق فى خلافة أبى بكر، رضى الله عنه، من مبتدئه إلى منتهاه.
ذكر ما كان من خبر العراق فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما كان من أمر المثنى بن حارثة معه، وذكر أبى عبيد بن مسعود، على ما فى ذلك كله من الاختلاف بين رواة الآثار «1»
ذكر سيف عن شيوخه قالوا: أول ما عمل به عمر، رحمه الله، أن ندب الناس مع
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 444- 454) ، الأخبار الطوال للدينورى (ص 113) ، الكامل لابن الأثير (2/ 297- 301) ، كنز الدرر للدوادارى (3/ 193، 194) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 26، 27) .
(2/400)

المثنى بن حارثة الشيبانى إلى أهل فارس قبل صلاة الصبح، من الليلة التى مات فيها أبو بكر، رضى الله عنه، ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس إلى فارس، وتتابع الناس على البيعة ففزعوا فى ثلاث، كل يوم يندبهم فلا ينتدب أحد، وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم، وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الأمم.
قالوا: فلما كان فى اليوم الرابع عاد ينتدب الناس إلى العراق، فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود، وسعد بن عبيد القارى، حليف الأنصار، وتتابع الناس.
قال القاسم بن محمد: وتكلم المثنى بن حارثة، فقال: يا أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبجحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقى السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم، واجترأ من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها.
وقام عمر، رضى الله عنه، فى الناس، وقال: إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك، أين المهاجرين عن موعود الله، عز وجل، سيروا فى الأرض التى وعدكم الله فى كتاب بأن يورثكموها، فإنه قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولى أهله مواريث الأمم. أين عابد الله الصالحون!.
فلما اجتمع ذلك البعث، وكان أولهم، كما تقدم أبو عبيد، ثم ثنى سعد بن عبيد أو سليط بن قيس، قيل لعمر، رحمه الله: أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين والأنصار. فقال: لا والله لا أفعل، إن الله تعالى إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء، فأولوا الرياسة منكم من سبق إلى الدفع وأجاب الدعاء، لا والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا.
ثم دعا أبا عبيد، ودعا سليطا وسعدا، فقال لهما: أما إنكما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتكما بها إلى ما لكما من القدمة. فأمر أبا عبيد على الجيش، وقال له: اسمع من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، وأشركهم فى الأمر، ولا تجيبن مسرعا حتى تتبين، فإنها الحرب، لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذى يعرف الفرصة والكف، ثم قال له: إنه لم يمنعنى أن أؤمر سليطا إلا تسرعه إلى الحرب، وفى التسرع إليها إلا عن بيان ضياع، والله لولا ذلك لأمرته، ولكن الحرب لا يصلحها إلا المكيث.
ويروى أن عمر انتخب من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل، أمر عليهم أبا عبيد، فقيل له: استعمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا ها الله ذا يا أصحاب النبى، لا
(2/401)

أندبكم فتبطئون، وينتدب غيركم فأؤمركم عليهم إنما فضلتم بتسرعكم، فإن نكلتم فضلوكم.
وعجل عمر، رضى الله عنه، المثنى، وقال: النجاء حتى يقدم عليك أصحابك. فخرج المثنى، وقدم الحيرة فى عشر، ولحقه أبو عبيد بعد شهر.
وفى كتاب المدائنى أن تحرك عمر لهذا البعث إنما كان بكتاب المثنى إليه، يستمده ويحرضه على أرض فارس، فذكر بإسناد له إلى جماعة من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض: أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال حين ولى: والله لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة ليعلما أن الله إنما ينصر دينه وليس ينصر إياهما، فكتب إليه المثنى وهو بالحيرة: أنا بأرض فارس، وقد عرفناهم وغازيناهم وغلبناهم على بعض ما فى أيديهم، ومعى رجال من قومى لهم صلاح ونجدة وصدق بلاء عند الناس وجرأة على البلاد، فإن رميتنا بجماعة من قبلك رجوت أن يفتح الله عليهم، قالوا: ولم تكن لعمر، رحمه الله، همة حين قام بأمر المسلمين إلا الروم وفارس، فلما أتاه كتاب المثنى بن حارثة خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وحثهم على الجهاد، ورغبهم فيه، وأنبأهم بما أعد الله للمجاهدين فى سبيله، وقال: أنتم بين فتح عاجل وذخر آجل، وقد أصبحتم بالحجاز بغير دار مقام، وقد وعدكم الله كنوز كسرى وقيصر، وأنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الفتح: 28] ، وقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [التوبة: 33] ، فانهضوا لجهاد عدوكم من أهل فارس، فإن لكم بها إخوانا ليسوا مثلكم فى السابقة، وقد لقوهم وقاتلوهم فاستعدوا للمسير إليهم رحمكم الله وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:
60] ، ولا تركنوا إلى الدنيا، واستعينوا بالله واصبروا.
فتثاقل الناس حين ذكر فارس. فقال عمر: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [التوبة: 38] ، فقام أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفى، فقال: أنا أول من انتدب، ثم قام سليط بن قيس بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ثان، ثم قام رهط من الأنصار، فسمى منهم نفرا. قال:
ثم تتابع الناس وكثروا وقالوا: يا أمير المؤمنين، أمر علينا رجلا، فقال: أؤمر عليكم أول من انتدب، فاستعمل عليهم أبا عبيد، وقال: لم يمنعنى من استعمال سليط بن قيس، وهو من أهل بدر إلا عجلة فيه، فخشيت أن يلقى المسلمين ملقى يهلكون فيه، وكان فيمن
(2/402)

انتدب سعد بن عبيد القارى، ففر يوم الجسر، فكان بعد ذلك يقول: إن الله اعتد علىّ بغرة فى أرض فارس، فعسى أن يعيد لى فيها كرة.
وفى حديث غير المدائنى: فكانت الوجوه تعرض عليه بعد ذلك فيأبى إلا العراق، ويقول: إن الله اعتد علىّ فيها بغرة، وذكر نحو ما تقدم.
واختلف ما ذكره سيف فيمن كان إليه أمر فارس عند قدوم أبى عبيد بحسب اختلاف أهل الأخبار عليه فى ذلك.
فمما ذكره أن بوران بنت كسرى كانت، كلما اختلف الناس بالمدائن، عدلا بينهم حتى يصطلحوا، فلما قتل الفرخزاد وقدم رستم فقتل أرزميدخت، كانت بوران عدلا إلى أن استخرجوا يزدجرد.
قال: فقدم أبو عبيد والعدل بوران، وصاحب الحرب رستم.
وذكر من طريق آخر: أن بوران هى التى استحثت رستم فى السير، وكان على فرج خراسان، لما قتل الفرخزاد، فأقبل رستم فى الناس حتى نزل المدائن، لا يلقى جيشا لأرزميدخت إلا هزمه، واقتتلوا بالمدائن، فهزمهم سياوخش وهو قاتل الفرخزاد، وحصر أرزميدخت ثم افتتح المدائن، فقتل سياوخش، وفقأ عين أرزميدخت، ونصب بوران، فدعته إلى القيام بأمر فارس، وشكت إليه تضعضعهم وإدبار أمرهم، على أن تملكه عشر حجج، ثم يكون الملك فى آل كسرى إن وجدوا من غلمانهم أحدا، وإلا ففى نسائهم.
فقال رستم: أما أنا فسامع مطيع، غير طالب عوضا ولا ثوابا، فإن شرفتمونى وصنعتم إلىّ شيئا فأنتم أولياء ما صنعتم، إنما أنا سهمكم وطوع أيديكم. فقالت بوران: اغد علىّ، فغدا عليها، ودعت مرازبة فارس، فكتبت له: بأنك على حرب فارس، ليس عليك إلا الله عن رضا منا وتسليم لحكمك، وحكمك جائز فيهم ما كان حكمك فى منع أرضهم وجمعهم عن فرقتهم، وتوجته وأمرت أهل فارس أن يسمعوا له ويطيعوا، ودانت له فارس بعد قدوم أبى عبيد.
فهذا ما ذكره سيف فى شأن مملكة فارس إذ ذاك.
قال: وكتب رستم إلى دهاقنة السواد أن يثوروا بالمسلمين، ودس إلى كل رستاق رجلا ليثور بأهله، فبعث جابان إلى البهقباذ الأسفل، وبعث نرسى إلى كسكر، وبعث المصادمة إلى المثنى، وبلغ المثنى ذلك، فضم إليه مسالحه وحذر، وعجل جابان فنزل
(2/403)

النمارق، وتوالوا على الخروج، فخرج نرسى، فنزل زندورد، وثار أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنى بن حارثة فى جماعة حتى ينزل خفان، لئلا يؤتى من خلفه بشىء يكرهه، فأقام حتى قدم عليه أبو عبيد.
وأما المدائنى فلم يعرض لما عرض له سيف فى شأن مملكة فارس، بل بنى على أن يزدجرد هو كان الملك عليهم حينئذ، فإنه قال بعقب ما نسب إليه قبل: وبلغ يزدجرد أن ملك العرب يسير إليه، فشاور أهل بيته ومرازبته، فقالوا له: وجه إلى أطرافك فحصنها وأخرج من فيها من العرب، فوجه جالينوس ورستم وليس بالأزدى ومردان شاه ونرسى ابن خال أبرويز، وكل واحد فى خمسة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا متفرقين، ويكون بعضهم قريبا من بعض كل رجل فى أصحابه، ويمد بعضهم بعضا إن احتاجوا إلى ذلك، وأمرهم أن يقتلوا من قدروا عليه من العرب، فخرجوا والمثنى بالحيرة، فبلغه مسيرهم، فخرج لينزل على البلاد، فلقى على قنطرة النهرين خرزاذبه فقتله.
ومضى المثنى فنزل من وراء أليس، ونزل العجم متفرقين، فنزل نرسى كسكر، ونزل مردان شاه فيما بين سورا وقبين، ونزل رستم بابل، ونزل جالينوس بارسمى، ووجه جالينوس جابان فى ألف إلى أليس، ووجه أزاذبه إلى الحيرة فى ألف، وفصل أبو عبيد بن مسعود من المدينة فى ألف وثمانمائة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فيهم من ثقيف أربعمائة معهم أبو محجن، كان مع خالد بن الوليد بالشام فلما.
أتتهم وفاة أبى بكر رجع إلى المدينة، فخرج مع أبى عبيد، وانضم إلى أبى عبيد فى الطريق مائة من بنى أسد، ومائتان من طيئ، ومائة من بنى ذبيان بن بغيض، ومائة من بنى عبس، معهم خمسة وعشرون فرسا، وخرج المثنى بن حارثة فى ثلاثمائة وسبعين من بكر بن وائل، وثلاثمائة من بنى تميم حنظلة وعمرو وسعد والرباب، فتلقى أبا عبيد ثم أقبل معه حتى نزل عسكره الذى كان فيه، ووضع عيونا على المسلحة التى بأليس فأتوه فأعلموه فأخبر أبا عبيد، فقال له: إن أذنت لى سرت إليهم، فأذن له وضم إليه ابنه جبر بن أبى عبيد، وقال لابنه جبر: لا تخالفه، فسار المثنى فصبح أليس وهم آمنون فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزموا، فأصاب المسلمون سلاحا ومتاعا ليس بالكثير، ورجع إلى أبى عبيد، ونزل جابان فيما بين الحيرة والقادسية، وكتب أبو عبيد إلى عمر، رضى الله عنه، بخبر أليس، فسر المسلمون ونشطوا، وخرج قوم من المدينة إلى أبى عبيد، وتقدم أبو عبيد فلقى جابان فيما بين الحيرة والقادسية، وجابان فى ألفين معه ازاذبه، فلم يطل القتال بينهم حتى انهزم المشركون.
(2/404)

وفيما ذكره سيف من الأحاديث أن أبا عبيد لما نزل خفان مع المثنى أقام بها أياما ليستجم أصحابه، وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير، وخرج أبو عبيد بعد ما جم الناس وطهرهم، وجعل المثنى على الخيل، فنزلوا على جابان بالنمارق فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم الله أهل فارس، وأسر جابان، أسره مطر بن فضة أحد بنى تيم الله، وأسر مردان شاه، أسره أكتل بن شماخ العكلى، فأما أكتل فإنه ضرب عنق مردان شاه، وذلك أنه سأله: ما اسمك؟، فيما ذكره المدائنى، فقال له: مردان شاه. قال: وما مردان شاه؟ قال:
ملك الرجال. قال: لا جرم والله لأقتلنك، فقتله. وأما مطر بن فضة فإن جابان خدعه وهو لا يعرفه، وكان جابان شيخا كبيرا، فقال لمطر: إنكم معشر العرب أهل وفاء، فهل لك أن تؤمننى وأعطيك غلامين أمردين خفيفين فى عملك وكذا وكذا، قال: نعم، قال:
فأدخلنى على ملككم حتى يكون ذلك بمشهد منه، فأدخله على أبى عبيد، فتم له على ذلك وأجاز ذلك أبو عبيد، فعرفه ناس فقالوا لأبى عبيد: هذا الملك جابان، وهو الذى لقينا بهذا الجمع، فقال أبو عبيد: فما تأمروننى، أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا، معاذ الله من ذلك.
وفى رواية: إنى أخاف الله إن قتلته، وقد أمنه رجل من المسلمين فى الذمة والتود والتناصر كالجسد، ما لزم بعضهم لزم كلهم. فقالوا: إنه الملك، قال: وإن كان لا أعذر به، فتركه، وقال له: اذهب حيث شئت.
وهرب أصحاب جابان حين أسر إلى كسكر ونرسى بأسفلها. وكانت كسكر قطيعة له، وكان النرسيان له، يحميه لا يأكله بشر، إلا ملك فارس، أو من أكرموه فيه بشىء، ولا يغرسه غيرهم، فكان ذلك مذكورا من فعلهم فى الناس، وأن ثمرهم هذا حمى، فقال رستم وبوران لنرسى: أشخص إلىّ قطيعتك فأحمها من عدوك وعدونا وكونن رجلا، فلما انهزم الناس يوم النمارق، ووجهت الفالة نحو نرسى، ونرسى فى عسكره، نادى أبو عبيد بالرحيل، وقال للمجردة: اتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسى، أو تبيدوهم فيما بين النمارق إلى بارق درونى «1» .
ومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر، والمثنى فى تعبئته التى قاتل فيها جابان، وقد أتى الخبر رستم وبوران بهزيمة جابان، فبعثوا إليه الجالينوس، وبلغ ذلك نرسى وأهل كسكر وباروسما ونهر جوبر والزوابى، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة، وعالجهم أبو عبيد، فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية،
__________
(1) بارق: ماء بالعراق من أعمال الكوفة. انظر: معجم البلدان (1/ 319) .
(2/405)

فاقتتلوا فى صحار ملس هناك قتالا شديدا، ثم إن الله، عز وجل، هزم فارس، وهرب نرسى، وغلب المسلمون على عسكره وأرضه، وأخذ أبو عبيد ما حوى معسكرهم، وجمع الغنائم، فرأى من الأطعمة شيئا عظيما، فبعث فيمن يليه من العرب فانتفلوا ما شاؤا، لا يؤثرون فيه، وأخذت خزائن نرسى، فلم يكونوا بشىء مما خزن أفرح منهم بالنرسيان؛ لأنه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم، فاقتسمه المسلمون، فجعلوا يطعمونه الفلاحين.
قال المدائنى: وسار أبو عبيد إلى الجالينوس فلقيه بباروسما فهزمه، فلحق بالمدائن، وبلغ الذين كانوا ببابل هزيمة نرسى وجالينوس، فرجعوا إلى المدائن، ودخل أبو عبيد باروسما، فصالحه ابن الأنذرزعر عن كل رأس بأربعة دراهم، وهيئوا له طعاما فأتوه به، فقال: لا آكل إلا ما يأكل مثله المسلمون. فقالوا: كل، فكل أصحابك يأكل مثل ما تؤتون به، فأكل، فلما راح المسلمون سألهم عن طعامهم فأخبروه، فإذا الذى أكلوا مثل طعامه.
وفى بعض ما أورده سيف من الأخبار أن ابن الأنذرزعر لما أعلم أبا عبيد بالطعام الذى صنعوا له، وأتوا به قال لهم: هل أكرمتم الجند بمثله وقريتموهم؟ قالوا: لا، قال:
فردوه فلا حاجة لنا فيه، بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم اهراقوا دماءهم دونه، أو لم يهريقوها فاستأثر عليهم بشىء يصيبه! لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم!.
قال المدائنى: وبعث أبو عبيد من باروسما المثنى بن حارثة إلى زندورد، وعاصم بن عمرو الأسدى إلى نهر جوير، وعروة بن زيد الخيل إلى الزوابى، فأما المثنى فإن أهل زندورد حاربوه فظفر بهم فقتل وسبى، وأما أهل الزوابى ونهر جوبر فصالحوا على صلح باروسما، فبعث أبو عبيد بخمس ما أصاب من أليس وخفان وكسكر وزندورد، وما صالح عليه إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ونزل أبو عبيد والمسلمون الحيرة.
وذكر سيف، أيضا، أنهم بعثوا بخمس ما أصابوا من النرسيان إلى عمر، رحمه الله، وكتبوا إليه: إن الله، عز وجل، أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها الناس، فأحبننا أن تروها لتذكروا أنعم الله وأفضاله.
وقال فى ذلك عاصم بن عمرو:
ضربنا حماة النرسيان بكسكر ... غداة لقيناهم ببيض بواتر
(2/406)

وفزنا على الأيام والحرب لاقح ... بجرد حسان أو برود غرائر
وظلت فلال النرسيان وتمره ... مباحا لمن بين الدبا والأصافر
أبحنا حمى قوم وكان حماهم ... حراما على من رامه بالعساكر
وقال، أيضا، يذكر ملتقى القوم بالنمارق:
لعمرى وما عمرى علىّ بهين ... لقد صبحت بالخزى أهل النمارق
نجوسهم ما بين أليس غدوة ... وبين قديس فى طريق البرارق
بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درتا وبارق
وبين الرواة فيما تقدم من الأخبار اختلاف فى أسماء الأعاجم والأماكن، وفى التقديم والتأخير لم أر لذكر أكثر ذلك وجها إلا ما كان منه زائدا فى الإمتاع ومحسنا انتظام الحديث.
ومما ذكروا أن عمرا، رضى الله عنه، تقدم به إلى أبى عبيد حين بعثه فى هذا الوجه وأوصاه بجنده، أن قال له: إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، وتقدم على قوم جرؤا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون! واخزن لسانك، ولا يفشون لك سر؛ فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة.
حديث وقعة الجسر «1»
ويقال لها: وقعة القس، قس الناطف، ويقال لها: المروحة.
وقد جمعت الذى أوردت هنا من الحديث عن هذه الوقعة من أحاديث متفرقة أوردها الخطيب أبو القاسم، رحمه الله، فى كتابه عن سيف بن عمر وغيره، يزيد بعضها على بعض ومما وقع إلىّ، أيضا، عن أبى الحسن المدائنى فى فتوح العراق، وحديثه أطول افتضاضا وأشد اتصالا، وقد جعلت هذه الأحاديث كلها على اختلافها حديثا واحدا، إلا أن يعرض فيها ما يتناقض، فإما أن أسقط، حينئذ، أحد النقيضين بعد الاجتهاد فيه وفى الذى أوثر إثباته منهما، وإما أن أذكرهما معا وأبين ذلك، وأنسبه إلى من وقع ذكره فى حديثه، وكثيرا ما مضى عملى فى هذا الكتاب على هذا النحو، وعليه يستمر، إن
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 454- 459) ، الكامل لابن الأثير (2/ 301- 303) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 27- 29) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 182- 184) .
(2/407)

شاء الله، قصدا للتهذيب وحرصا على الجمع بين الإمتاع والإيجاز بحول الله سبحانه.
وأفتتح بما افتتح به المدائنى هذه القصة للذى ذكرته من حسن اتصال حديثه.
قال: ولما فتح أبو عبيد ما فتح، وهزم تلك الجنود، ونزل الحيرة، ورجعت المرازبة إلى يزدجرد منهزمين، شمتهم، وأقصاهم، ودعا بهمن ذا الحاجب فعقد له على اثنى عشر ألفا، وقال له: قدم هؤلاء الذين انهزموا، فإن انهزموا فاضرب أعناقهم، ودفع إليه درفش كايبان، راية كانت لكسرى فكانوا يتيمنون بها، وكانت من جلود النمور، عرضها ثمانية أذرع فى طول اثنى عشر ذراعا، وأعطاه سلاحا كثيرا، وحمل معه من أداة القتال وآله الحرب أوقارا من الإبل، ودفع إليه الفيل الأبيض، فخرج فى عدة لم ير مثلها.
وفى كتاب سيف أن رستم هو صاحب ذلك، وأنه الذى رجع إليه الجالينوس ومن أفلت من جنده بناء على ما قدمنا من الاختلاف فى ملك فارس إلى من كان حينئذ.
قال: فقال رستم: أى العجم أشد على العرب فيما ترون؟ قالوا: بهمن جاذويه، وهو ذو الحاجب، فوجهه ومعه الفيلة، ورد جالينوس معه. وذكر بعض ما تقدم.
وبلغ المسلمون مسيرهم، فقال المثنى لأبى عبيد: إنك لم تلق مثل هذا الجمع ولا مثل هذه العدة، ولمثل ما أتوك به روعة لا تثبت لها القلوب، فارتحل من منزلك هذا حتى نعبر الفرات ونقطع الجسر وتصير الفرات بينك وبينهم فتراهم، فإن عبروا إليك قاتلتهم، واستعنت الله، قال: إنى لأرى هذا وهنا، ثم أخذ برأى المثنى فعبر الفرات ونزل المروحة وقطع الجسر، وأقبل بهمن فنزل قس الناطف، بينه وبين أبى عبيد الفرات، وأرسل إلى أبى عبيد: إما أن تعبر إلينا، وإما أن نعبر إليك. فقال أبو عبيد: نعبر إليكم. فقال المثنى أذكرك الله والإسلام أن لا تعبر إليهم، فحلف ليعبرن إليهم، ودعا ابن صلوبا فعقد له الجسر فقال سليط بن قيس الأنصارى: يا أبا عبيد أذكرك الله ألا تركت للمسلمين مجالا، فإن العرب من شأنها أن تفر ثم تكر، فاقطع هذا الجسر وتحول عن منزلك وانزل أدنى منزل من البر وتكتب إلى أمير المؤمنين فتعلمه ما قد أجلبوا به علينا، ونقيم فإذا كثر عددنا وجاء مددنا رجعنا إليهم وبنا قوة، وأرجو أن يظهرنا الله عليهم. قال: جبنت والله يا سليط. قال: والله إنى لأشد منك بأسا، وأشجع منك قلبا، ثم تقدم فعبر، فقال المثنى لأبى عبيد: والله ما جبن، ولكن أشار بالرأى، وأنا أعلم بقتال هؤلاء منك، لئن عبرت إليهم فى ضيق هذا المطرد ليجزرن المسلمين هذا العدو. وقال: والله لأعبرن إليهم، وكان رسول بهمن قد قال: إن أهل فارس قد عيروهم، يعنى المسلمين، بالجبن
(2/408)

عن العبور إليهم، فازداد أبو عبيد محكا، فقال المثنى للناس: اجعلوا جبنها بى ولا تعبروا فقالوا: كيف نصنع وقد عبر أميرنا وسليط فى الأنصار وعبر الناس فقال المثنى: إنى لأرى ما تصنعون ولولا أن خذلانكم يقبح ولا أراه يحل ما صحبتكم، ثم عبر، فالتقى الناس فى موضع ضيق المطرد.
قال: وكانت دومة امرأة أبى عبيد رأت وهى بالطائف كأن رجلا نزل من السماء معه إناء فيه شراب، فشرب منه أبو عبيد ورجال من أهل بيته يأتى ذكرهم، فقصتها على أبى عبيد، فقال: هذه الشهادة إن شاء الله.
فلما التقوا قال أبو عبيد: إن قتلت فأميركم عبد الله بن مسعود بن عمرو، يعنى أخاه، فإن قتل فأميركم جبر بن أبى عبيد، يعنى ولده، فإن قتل فأميركم حبيب بن ربيعة ابن عمرو بن عمير، فإن قتل فأميركم أبو الحكم بن حبيب بن ربيعة بن عمرو بن عمير، فإن قتل فأميركم أبو قيس بن حبيب، وهؤلاء الإخوة الثلاثة بنو عمه، حتى عدّ كل من شرب الإناء، ثم قال: فإن قتل فأميركم المثنى بن حارثة، وسير على ميمنته سليط بن قيس، وعلى ميسرته المثنى.
وقدم ذو الحاجب جالينوس معه الفيل الأبيض وراية كسرى وقد أطافت به حماة المشركين، معلمين أمامهم رجال يمشون على العمد، فكانت بين الناس مشاولة، يخرج العشرة والعشرون فيقتتلون مليا من النهار، ثم حمل المشركون على المسلمين فنضحوهم بالنبل، وجثت رجالهم فاستقبلوا بالرماح، ولم يقدروا من المسلمين على شىء فانصرفوا عنهم، ثم حملوا عليهم الثانية ففعلوا مثلها، ثم انصرفوا، وحملوا عليهم الثالثة فصبروا، فلما رأوا أنهم لا يقدرون على ما يريدون من المسلمين جاؤا بالنشاب فوضعوه كأنه آكام وتفرقوا ثلاث فرق، فقصدت فرقة لأبى عبيد فى القلب، وفرقة لسليط فى الميمنة، وفرقة للمثنى فى الميسرة، ثم صاروا كراديس، فجعل الكردوس يمر بهم معرضا بالمسلمين ويرميهم حتى كثرت الجراحات فيهم، وعضلت الأرض بأهلها.
وأقبلت الفيلة عليها النخل، والخيول عليها التجافيف، والفرسان عليهم الشعر، فلما نظرت إلى ذلك خيول المسلمين رأت شيئا منكرا لم تكن ترى مثله، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم، لا تقوى لهم الخيل إلا على نفار، وخزقهم الفرس بالنشاب، وعض المسلمين الألم، وجعلوا لا يصلون إليهم، فنادى سليط بن قيس: يا أبا عبيد أرأيى أم رأيك أما
(2/409)

والله لتعلمن أنك قد أضررت برأيك نفسك والمسلمين، ثم قال: يا معشر المسلمين علام نستهدف لهؤلاء المشركين من أراد الجنة فليحمل معى، فحمل فى جماعة أكثرهم من الأنصار، فقتل وقتلوا، وترجل أبو عبيد وترجل الناس ومشوا إليهم، فتكافحوا وصافحوهم بالسيوف وحمى البأس حتى كثرت القتلى من الطائفتين جميعا، وجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة فقطعوا بطنها واقلبوا عنها أهلها؛ وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلق ببطانه فقطعه، ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك؛ فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، وقال أبو عبيد: ما لهذه الدابة من مقتل؟ قالوا: بلى، مشفرها إن قطع، فضرب مشفره فقطعه وبرك عليه فاستدبره أبو محجن فضرب عرقوبيه فاستدار وسقط لجنبه، وتعاور أبا عبيد المشركون فقتلوه، وقيل: بل اتقاه الفيل بيده لم نفح مشفره بالسيف فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل وقام عليه.
فلما بصر الناس بأبى عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء الذى كان أمره من بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبى عبيد فاجتره إلى المسلمين وأخذوا شلوه، ثم تجرثم الفيل فاتقاه الفيل بيده دأب أبى عبيد، وخبطه الفيل، وقام عليه، وتتابع أمراء أبى عبيد الذين عهد إليهم بأخذ اللواء، فيقاتل حتى يموت، وصبر الناس حتى قتلوا، وصارت الراية إلى المثنى بن حارثة، فجاش بها ساعة ثم انهزم الناس وركبهم المشركون واقتطعوا زر بن خطم أو ابن حصن بن جوين الطائى فجماعة من المسلمين، فنادى زر:
يا معشر المسلمين، أنا زر، إنه ليس بعار أن يقتل الرجل وهو مقبل على عدوه معه سيف يضرب به سبالهم وأنفهم، وإنما العار أن يقتل الرجل وهو غير مقبل على عدوه، فاثبتوا فرب قوم قد فروا ثم كروا ففتح الله عليهم، فثاب إليه ناس من أهل الحفاظ حتى صاروا نحوا من ثلاثمائة، وأحاط بهم المشركون حتى خافوا الهلاك، ونظر إليهم المثنى بن حارثة، فقال لناس من بكر بن وائل: أى إخوانكم قد أحسنوا القتال وصبروا لعدوهم، فإن أمسكتم عنهم هلكوا، وإن كررتم رجوت أن تفرجوا عنهم وأن يكشف الله لهم السبيل إلى الجسر، فحمل على المشركين فى سبعين من بكر بن وائل أصحاب خيل مقدحة، كان يعدها للطلب والغارة فى بلاد العدو فقاتلهم حتى ارتفع عنهم المشركون وانضموا إلى إخوانهم من المسلمين.
ونظر عروة بن زيد الخيل وقد أحيط به وهو فى عشرين فرسا، إلى خيل المسلمين تطارد المشركين فقال لمن معه: أرى فى المسلمين بقية، فاحملوا على من بيننا وبين
(2/410)

أصحابنا، فحملوا وأفرجوا لهم حتى وصلوا إلى المسلمين، وكان عروة يومئذ على فرس كميت أغر الذنوب، فأبلى أحسن بلاء، كان يشد عليه المنسر من مناسر العجم وهو وحده فإذا غشوه كر عليهم فيتصدعون حتى عرف مكانه، وتعجب الناس يومئذ من عروة لما رأوا من بلائه، فقال المثنى: إن البأس ليس له بمستنكر، ومضى الناس نحو الجسر، وحماهم المثنى وعروة بن زيد الخيل والكلح الضبى وعاصم بن عمرو الأسدى وعامر بن الصلت السلمى ونادى المثنى: أيها الناس، أنا دونكم فاعبروا على هيئتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزول حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تفرقوا أنفسكم. فانتهى الناس إلى الجسر وقد سبق إليه عبد الله بن مرثد الثقفى أو غيره فقطعه وقال: قاتلوا عن دينكم، فخشع الناس واقتحموا الفرات فغرق من لم يصبروا، وأسرع المشركون فيمن صبروا، وأتاهم المثنى بن حارثة فأمر بالسفينة التى قطعت فوصلت بالجسر وعبر الناس، وقال المثنى للرجل الذى قطع الجسر: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أردت أن يصبر الناس، ويقال إن سليط بن قيس كان من آخر من قتل عند الجسر.
وأصيب يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة منهم ثلاثمائة من ثقيف فيهم ثمانون خاضبا، واستحر القتل يومئذ ببنى عوف بن عقدة رهط أبى عبيد فابيد منهم: أبو عبيد وأمراؤه الذين أمر، وغيرهم. ويقال: قتل يومئذ معه اثنان وعشرون رجلا ممن هاجر، وقتل من المشركين ألفان.
وقتل أكثر من ذلك فيما ذكره سيف، قال: خبط الفيل أبا عبيد، وقد أسرعت السيوف فى أهل فارس، وأصيب منهم ستة آلاف فى المعركة، ولم يبق إلا الهزيمة، فلما خبط أبو عبيد، وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة، ثم تموا عليها، وركبهم أهل فارس.
وقال عثمان النهدى: هلك يومئذ، يعنى من المسلمين، أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وهرب ألفان، وبقى ثلاثة آلاف.
ولما فرغ الناس بالعبور عبر المثنى وحمى جانبه، واضطرب عسكره ورماهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم، وقطع المسلمون الجسر بعد عبورهم، فعبره المشركون.
قالوا «1» : وخرج جابان، ومردانشاه فى ألف من الأساورة منتخبين ليسبقوا المسلمين إلى الطريق، وبلغ ذلك المثنى، فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو، وخرج يريدهما
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 458، 459) .
(2/411)

فى جريدة خيل، فاعترضاه يظنانه هاربا، فأخذهما أسيرين فضرب أعناقهما، وقال: أنتما كذبتما أميرنا واستفززتماه.
وخرج أهل أليس على أصحابها، فأخذوهم فجاؤا بهم إلى المثنى، فضرب أعناقهم، وعقد بذلك لأهل أليس ذمة ثم رجع إلى عسكره.
وقيل: بل لقيهم المثنى فقتل مردانشاه فى المعركة وأسر جابان فضرب المثنى رقبته، وقد تقدم فى ذكر ملتقى أبى عبيد بجابان بين الحيرة والقادسية أن أكتل بن شماخ العكلى أسر مردانشاه ثم ضرب عنقه، وأسر مطر بن فضة جابان فخدعه وافتدى منه، وأحد الأمرين هو الصحيح فى قتل مردانشاه، فالله أعلم.
وانهزم المشركون، ومضى المثنى إلى أليس، وتفرق بنو تميم إلى بواديهم، ومضى أهل المدينة وأسد غطفان فنزلوا الثعلبية. وكان لعروة بن زيد الخيل من حسن الغناء فى يوم الجسر ما تقدم ذكره، فقال له المثنى: يا عروة، أما والله لو أن معى مثلك ألف فارس من العرب ما تهيبت أن أصبح ابن كسرى فى مدائنه وما كنت أكره أن ألقى مثل هذا الجمع الذى فل المسلمين مصحرا ولرجوت أن يظفرنى الله بهم، فهل لك فى المقام معى لا أوثر عليك نفسى ولا أحدا من قومى؟ قال: لا، إنى كنت مع هذا الرجل، يعنى أبا عبيد، وقد أصيب، فأرجع إلى عمر فيرى رأيه.
فلما نزل الناس التعلبية سألوا عروة أن يأتى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بكتابهم، فكتبوا إليه: إنا لقينا عدو الإسلام من أهل فارس بمكان يقال له قس الناطف فقتل أميرنا أبو عبيد وأمراء أمرهم أبو عبيد، وسليط بن قيس ورجال من المسلمين منهم من تعرف، ومنهم من تنكر، وتولى أمر الناس المثنى بن حارثة أخو بنى شيبان فحماهم فى فوارس، جزاهم الله عن الإسلام خيرا، فكتبنا إليك وقد نزلنا الثعلبية فرارا من الزحف لا نرى إلا إنّا قد هلكنا، وقد بعثنا إليك فارس المسلمين عروة يخبرك عنا ويأتينا بأمرك.
فلما قرأ عمر الكتاب فانتهى إلى قوله: منهم من تعرف ومنهم من تنكر بكى وقال:
ما ضر قوما عرفهم الله أن ينكرهم عمر، لكن الله لا يخفى عليه من عباده المحسنون، يا عروة ارجع إليهم فأعلمهم أنهم ليسوا بفرار، وإنما انحازوا إلىّ، وأنا لهم فئة، وسيفتح الله عليهم تلك البلاد إن شاء الله، يرحم الله أبا عبيد لو انحاز إلينا واعتصم بالحيف لكنا له فئة.
(2/412)

وكتب عمر مع عروة إلى المثنى بن حارثة: أما بعد، فإن الله كتب القتل على قوم فلم يكن مماتهم ليكون إلا قتلا، وكتب على قوم الموت فهم يموتون موتا، فطوبى لمن قتل فى سبيل الله محتسبا نفسه صابرا، وقد بلغنى عنك ما كنت أحب أن تكون عليه، فالزم مكانك الذى أنت به، وادع من حولك من العرب، ولا تعجل إلى قتال إلا أن تقاتل، أو ترى فرصة حتى تأتيك أمداد المسلمين، وكأن قد أتتك على الصعبة والذلول.
فقدم عروة بن زيد على المثنى بكتاب عمر، ورجع أهل الحجاز وأسد وغطفان إلى بلادهم، وأقام المثنى حتى قدمت الأمداد.
ويقال: إن أول خبر تحدث به عن أهل الجسر بالمدينة أن رجلا قدمها من الطائف فجلس إلى حذاء فقال: ما لى لا أسمع أهل المدينة يبكون قتلاهم؟ فقال له الحذاء: ومن قتل؟ قال:
قتل أبو عبيد بن مسعود، وسليط بن قيس، فأخذ الحذاء بتلابيبه حتى أتى به عمر فأخبره بما قال، فقال له عمر: ما تقول ويلك! قال: يا أمير المؤمنين إنّا منذ ليال بفناء من أفنية الطائف إذ سمعنا أصوات نساء من ناحية باب شهار يقلن: يا أبا عبيداه، ويا سليطاه، وسمعنا قائلا يقول:
إن بالجسر فتية سعداء ... صبرا صادقين يوم اللقاء
كم تقى مجاهد كان فيهم ... خاشع القلب مستجاب الدعاء
يجأر الليل كله بعويل ... ونجيب وزفرة وبكاء
قال: فما انقضى حديثه حتى قدم عبد الله بن زيد الخطمى، وكان أول من قدم بخبر الجسر ممن شهده فمر بباب حجر عائشة، ويقال: أتى عمر وهو على المنبر فلما دخل المسجد ورآه عمر قال: ما عندك يا ابن زيد؟ قال: أتاك الخبر يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه فأخبره، فقالت عائشة: ما رأينا رجلا حضر أمرا فحدث عنه كان أثبت حديثا من عبد الله بن زيد ولا أخفى فزعا.
ولما قدم أهل المدينة المدينة وأخبروا عمن سار منهم إلى البادية استحياء من الهزيمة، اشتد ذلك على عمر، رحمه الله، فرق للناس ورحمهم، وقال: اللهم إن كل مسلم فى حل منى، أنا فئة كل مسلم، من لقى العدو ففزع بشىء من أمره فأنا له فئة؛ يرحم الله أبا عبيد، لو كان انحاز إلىّ لكنت له فئة.
وكان معاذ القارئ ممن شهدها وفر يومئذ، وكان يصلى بالناس فى شهر رمضان على
(2/413)

عهد عمر، فكان بعد إذا قرأ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال: 16] ، خنقته العبرة وبكى، فكان عمر يقول: أنا لكم فئة.
وكان عمر، رضى الله عنه، قد رأى فى النوم أن أبا عبيد وأصحابه انتهوا إلى ضرس من الحيرة فتحيروا ولم يجدوا مخرجا، فرجعوا فلم يجدوا طريقا، فرفعوا إلى السماء، فقال عمر: هذه شهادة، فليت شعرى ما فعل عدوهم؟ فكان يتوقع الخبر حتى قدم عبد الله بن زيد الخطمى فأخبره، فبكى وقال: ما وجهت أحدا وجها أكره إلىّ من الوجه الذى توجه إليه أبو عبيد.
وقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عبيد يرثى أبا عبيد ومن أصيب معه، وهو ابن عم أبى عبيد وأخو بنى حبيب الثلاثة المقتولين معه من أمرائه:
أنى تهدت نحونا أم يوسف ... ومن دون مسراها فياف مجاهل
إلى فتية بالطف نيلت سراتهم ... وغرى أفراس بها ورواحل
وأضحى بنو عمرو لدى الجسر منهم ... إلى جانب الأبيات حزم ونابل
وأضحى أبو جبر خلا ببيوته ... بما كان تعدوه الضعاف الأرامل
ألا قد علت قلب الهموم الشواغل ... وراجعت النفس الأمور القواتل
سيعلم أهل الغىّ كيف عزيمتى ... ويعلم ودادى الذين أواكل
غناى وأخذى بالذى أنا أهله ... إذا نزلت بى المعضلات العضائل
فما رمت حتى خرقوا برماحهم ... ثيابى وجادت بالدماء الأباجل
وما رمت حتى كنت آخر راجع ... وصرع حولى الصالحون الأماثل
وقد غادرونى فى مكر جيادهم ... كأنى غادتنى من الراح شامل
وأمسى على سيفى نزيف ومهرتى ... لدى الفيل تدمى نحرها والشواكل
فما لمت نفسى فيهم غير أنها ... إلى أجل لم يأتها وهو عاجل
مررت على الأنصار وسط رحالهم ... فقلت لهم هل منكم اليوم قافل
ألا لعن الله الذين يسرهم ... رداى وما يدرون ما الله فاعل
وقال أبو محجن أيضا:
يا عين جودى على جبر ووالده ... إذا تحطمت الرايات والحلق
يوم بيوم أتى جبر وإخوته ... والنفس نفسان منها الهول والشفق
(2/414)

يا خل سل المنايا ما تركن لنا ... عزا ننوء به ما هدهد الورق
وقال حسان بن ثابت يرثى سليط بن قيس ومن أصيب من قومه:
لقد عظمت فينا الرزية أننا ... جلاد على ريب الحوادث والدهر
لدى الجسر يوم الجسر لهفى عليهم ... غداة إذا ما قد لقينا على الجسر
يقول رجال ما لحسان باكيا ... وحق لى التبكاء بالنحب والغزر
أبعد أبى قيس سليط تلومنى ... سفاها أبى الأيتام فى العسر واليسر
فقل للألى أمسوا أسروا شماتة ... به كنتم يوم النزال على بدر
وقالت امرأة من ثقيف:
أضحت منازل آل عمرو قفرة ... بعد الجزيل ونائل مبذول
وكأنما كانوا لموقف ساعة ... قردا زفته الريح كل سبيل
حديث البويب ووقعة مهران «1»
ولما بلغ عمر، رضى الله عنه، أمر الجسر، وأتاه كتاب المسلمين بالخبر استخلف على المدينة على بن أبى طالب وخرج فنزل بصرار يريد أرض فارس، وقدم طلحة بن عبيد الله فنزل الأعوص، فدخل عليه العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف فأشاروا عليه بالمقام، وقالوا: شاور الناس، فكتب إلى على وطلحة فقدما عليه، فجمع الناس فقال: إنى نزلت منزلى هذا وأنا أريد العراق فصرفنى عن ذلك قوم من ذوى الرأى منكم، وقد أحضرت هذا الأمر من خلفت ومن قدمت، فأشيرووا علىّ، فقال على بن أبى طالب، رضى الله عنه، أرى أن ترجع إلى المدينة وتكتب إلى من هناك من المسلمين أن يدعوا من حولهم ويحذروا على أنفسهم، وقد قدم قوم من العرب يريدون الهجرة فوجههم إليهم فتكون دار هجرة حتى إذا كثروا وليت أمرهم رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل السابقة والقدم فى الإسلام، فانصرف عمر إلى المدينة وكتب إلى المثنى بأن يدعو من حوله ولا يقاتل أحدا حتى يأتيه المدد، وقدم من الأسد وبارق وغامد وكنانة سبعمائة أهل بيت، فقال لهم عمر: أين تريدون؟ فقالوا: سلفنا بالشام. قال: أو غير ذلك، أرضا تبتذونها إن شاء الله ويغنمكم الله كنوزها، أخوار فارس. فقال مخنف بن سليم الغامدى: مرنا بأحب الوجهين إليك. قال: العراق. قال:
__________
(1) انظر: فتوح البلدان للبلاذرى (ص 310- 312) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 303- 306) ، الطبرى (3/ 460- 472) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 29، 30) .
(2/415)

فامضوا على بركة الله، فأمر عمر على الأزد رجلا منهم، وعلى كنانة غالب بن عبد الله الليثى فشخصوا إلى أرض الكوفة، فقدموا على المثنى بن حارثة، فأقبل بهم حتى نزلوا العذيب.
وفيما ذكره سيف «1» أن الأزد وكنانة لما سألوا الشام قال لهم عمر: ذلك وجه قد كفيتموه، العراق العراق إذروا بلدة قد فل الله شوكتها وعدوها، واستقبلوا جهاد قوم قد حووا فنون العيش، لعل الله أن يرث بكم قسطكم من ذلك فتعيشوا مع من عاش من الناس، فقال غالب الليثى وعرفطة البارقى، كل واحد منهما لقومه: يا عشيرتاه أجيبوا أمير المؤمنين إلى ما أراد، فقال كل فريق لصاحبهم: إنا قد أطعناك وأجبنا أمير المؤمنين إلى ما أراد، فدعا لهم عمر بخير، وأمر على كنانة غالبا وسرحه فيهم، وأمر على الأزد عرفجة بن هرثمة البارقى وعامتهم من بارق، وفرحوا برجوع عرفجة إليهم. فخرج هذا فى قومه وهذا فى قومه حتى قدما على المثنى، وكان عرفجة هذا حليفا فى بجيلة لأمر عرض له فى قومه أخرجه عنهم، ومن قدمته هذه رجع إلى قومه ونسبه حسب ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وقدم بعدهم أربعمائة أهل بيت من كندة والسكون، فيهم الأشعث بن قيس ومعاوية بن حديج وشرحبيل بن السمط، فقالوا: يا أمير المؤمنين قدمنا نريد سلفنا بالشام، فنظر إليهم وعليهم الحلل فأعرض عنهم، فكلموه، أيضا، فلم يأمرهم بشىء، فقيل له: ما يمنعك؟ قال: إنى لمتردد فيهم منقبض عنهم، لا ينزل هؤلاء بلدا إلا فتنوا أهله، وما قدم أحد المدينة أكره إلىّ منهم، فأمضى نصفهم إلى الشام، عليهم معاوية بن حديج، ونصفهم إلى العراق عليهم شرحبيل بن السمط.
وقدم من مذحج المدينة ألف بيت فيهم ثلاثمائة أهل بيت من النخع، فقال عمر:
سيروا إلى أرض فارس، قالوا: لا، ولكنا نسير إلى الشام، فقال يزيد بن كعب النخعى:
أنا أخرج فيمن أطاعنى، فخرج فى ثلاثمائة أهل بيت من النخع، وقال هند الجملى: أنا أخرج فيمن أطاعنى، فخرج فى خمسمائة أهل بيت من مراد، فكان عمر يقول بعد ذلك: سيد أهل الكوفة سمى المرأة هند الجملى.
ثم قدم المدينة أهل ألف بيت من همدان، فقالوا لعمر: خر لنا. قال: أرض العراق.
قالوا: بل الشام، قال: بل العراق، فصرفوا ركابهم إلى العراق.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 463) .
(2/416)

وقد كانت قدمت بجيلة فيهم جرير بن عبد الله، وسيدهم عرفجة بن هرثمة البارقى، حليف لهم، فقال عمر: اخرجوا إلى العراق، وأمر عليهم عرفجة، فقال جرير لبجيلة:
أخبروا عمر أنه ولى عليكم رجلا ليس منكم، وكانت بجيلة قد غضبت على عرفجة فى أمر عرض بينهم وبينه، فكلموا عمر فى ذلك واستعفوه منه، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرة وإسلاما، وأعظمكم بلاء وإحسانا، فلما أعلموه أنه ليس منهم، قال لعرفجة: إن هؤلاء استعفونى منك، وزعموا أنك لست منهم، فما عندك؟ قال: صدقوا، لست منهم وما يسرنى أننى منهم، أنا امرؤ من الأزد من بارق فى كثف لا يحصى عدده، وحسب غير مؤتشب. فقال عمر: نعم الحى الأزد، يأخذون نصيبهم من الخير والشر.
وقال عرفجة: إنه كان من شأنى أن الشر تفاقم فينا، ودارنا واحدة، وأصبنا الدماء، ووتر بعضنا بعضا فاعتزلتهم لما خفتهم، فكنت فى هؤلاء أسودهم وأقودهم، فحفظوا علىّ لأمر دار بينى وبين دهاقنتهم، فحسدونى وكفرونى، فقال: لا يضرك فاعتزلهم إذ كرهوك.
وقيل: إن عمر قال: اثبت على منزلتك ودافعهم، قال: لست فاعلا، ولا سائرا، فأمر عليهم جرير بن عبد الله، وقيل: إن جريرا كان إليه من بجيلة بعضها، فجمعها إليه عمر، وقال له جرير: يا أمير المؤمنين إن قومى متفرقون فى العرب، فأخرجهم وأنا أغزو بهم أرض فارس، وكانوا متفرقين فى هوزان وغطفان وتميم وفى أزد شنوءة والطائف وجرش، فكتب عمر إلى القبائل التى فيها بجيلة: أى نسب تواصل عليه الناس قبل الإسلام فهو النسب ليس لأحد أن يدعه، وليس له أن ينتقل إلى غير ما كان يعرف به، فمن كان من بجيلة لم ينتسب إلى غيرهم حتى جاء الإسلام فلا تحولوا بينهم وبين الرجوع إلى قومهم، فخرج قيس كبة وشحمة وعرينة من هوازن وغيرها من القبائل، وخرج العتيل والفتيان من بنى الحارث وخرج على وذبيان من الأزد بالسراة، ولما أعطى عمر، رضى الله عنه، جريرا حاجته فى استخراج بجيلة من الناس فأخرجهم، أمرهم بالموعد بين مكة والمدينة، ولما تتاموا قال لجرير: اخرج حتى تلحق بالمثنى، فكره ذلك جرير ومال إلى الشام، فقال له عمر: قد علمتم ما لقى إخوانكم بأرض فارس، فاخرجوا فإنى أرجو أن يورثكم الله أرضهم وديارهم، ولك الربع من كل شىء بعد الخمس، وقيل: بل جعل له ولقومه ربع الخمس مما أفاء الله عليه فى غزاتهم هذه، له ولمن اجتمع إليه ومن أخرج له من القبائل، استصلحهم عمر، رضى الله عنه، بذلك، إذ كان هواهم
(2/417)

الشام، فأبى هو عليهم إلا العراق، وقال لهم: اتخذونا طريقا، فقدموا المدينة وهم أربعة آلاف، وقيل: ألفان، ثم فصلوا منها إلى العراق ممدين للمثنى، فقال عمر: لو ضممت إلى هؤلاء من الجبين من ابنى نزار، يعنى تميما وبكرا فوجه معهم قوما منهم، ثم تتابعت الأمداد.
وكان أول من نزل العذيب بالعيال من قبائل اليمن والحجاز الأزد ثم حضرموت وكندة ثم النخع ومراد ثم همدان ثم بجيلة، ثم جاءت قبائل الحجاز وأهل البوادى من تميم وبكر، وجاءت طيئ عليها عدى بن حاتم، وجاءت أسد، وجاءت قيس عليهم عبد الله بن المعتم العبسى، وجاءت الرباب وعلى تيم وعدى هلال بن علفة، وعلى ضبة المنذر بن حسان، وجاءت حنظلة وعمرو، وطوائف من سعد، وجاءت النمر بن قاسط عليهم أنس بن هلال بن عقة، وبعث عمر أيضا، عصمة بن عبد الله الضبى فيمن تبعه من بنى ضبة، وكان قد كتب إلى أهل الردة يأذن لهم فى الجهاد ويستنفرهم إليه، فلم يوافقه أحد منهم إلا رمى به المثنى.
وذكر المدائنى أن يزدجرد وجه مهران بعد وقعة الجسر وأمره أن يبث المسالح إلى أدانى أرض العرب، ويقتل كل عربى قدر عليه.
وفيما ذكره الطبرى عن سيف أن رستم والفيرزان هما اللذان رأيا إنفاذ مهران بعد أن طالعا برأيهما فى ذلك بوران ابنة كسرى، وذلك عند ما علما بتوافى أمداد العرب إلى المثنى، فخرج مهران فى الخيول وجاء يريد الحيرة، وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباخ، ما بين القادسية وخفان، فاستبطن فرات بادقلى، وأرسل إلى جرير ومن معه: أنه جاءنا أمر لن نستطيع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب.
وكتب إلى عصمة وإلى كل قائد أظله بمثل ذلك، وقال: خذوا على الجوف، فسلكوا القادسية وسلك المثنى وسط السواد، فطلع على النهرين ثم على الخورنق، وطلع عصمة ومن سلك معه طريقه على النجف، وطلع جرير ومن سلك معه على الجوف، فانتهوا إلى المثنى وهو البويب، ومهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلى موضع الكوفة اليوم، وعليهم المثنى، وهم بإزاء مهران وعسكره، فقال المثنى لرجل من أهل السواد: ما يقال لهذه الرقعة التى فيها مهران وعسكره؟ فقال:
بسوسا، فقال: أكدى مهران وهلك، ونزل منزلا هو البسوس، وأقام بمكانه حتى كاتبه
(2/418)

مهران: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا فعبر مهران، فنزل على شاطئ الفرات معهم فى الملطاط، فقال المثنى لذلك السوادى: ما يقال لهذه الرقعة التى نزلها مهران وعسكره؟ فقال: شوميا، وذلك فى رمضان، فنادى المثنى فى الناس:
انهدوا لعدوكم، فتناهدوا، ومهران فى ثلاثة عشر ألفا معه ثلاثة فيلة، فقدموا فيلتهم واستعدوا للحرب، فأقبلوا إلى المسلمين فى ثلاثة صفوف، مع كل صف فيل، ورجلهم أما فيلهم، وجاؤا ولهم زجل. فقال المثنى للمسلمين: إن الذى تسمعون فشل، فالزموا الصمت وائتمروا همسا، والمسلمون أربعة آلاف، ألفان وثمانمائة من اليمن، وألف ومائتان من سائر الناس، ويقال: كانوا ستة آلاف، وألف ومائتان من تميم وقيس وبكر، وسائرهم من اليمن.
وتنازع جرير والمثنى الإمارة يومئذ، فقال له المثنى: إنما بعثك أمير المؤمنين مددا لى، وقال جرير: بل استعملنى، فقيل: صار الأمر بينهما إلى ما قال المثنى، فكان هو الأمير، وقيل: صار جرير أميرا على من قدم معه والمثنى أميرا على من قدم قبل ذلك، ومن قال هذا زعم أن المثنى قال لجرير عند ما نهدوا للعدو: خلنى وتعبئة الناس، ففعل جرير وعبأ المثنى الجيش فصير مضر وربيعة فى القلب، وصير اليمن ميمنة، وميسرة، وقال المثنى: يا معشر المسلمين، إنى قد قاتلت العرب والعجم، فمائة من العرب كانوا أشد علىّ من ألف من العجم، ويقال: إنه قال لهم: قاتلت العرب والعجم فى الجاهلية والإسلام والله لمائة من العجم فى الجاهلية كانوا أشد علىّ من ألف من العرب، ولمائة من العرب اليوم أشد علىّ من ألف من العجم، إن الله قد أذهب مصدوقتهم، ووهن كيدهم، فلا يهولنكم سوادهم، إن للعجم قسيّا لجا، وسهاما طوالا هى أغنى سلاحهم عندهم فلو قد لقوكم رموكم بها، وإذا أعجلوا عنها أو فقدوها، فهم كالبهائم أينما وجهتموها توجهت، فتترسوا والزموا مصافكم واصبروا لشدة أو شدتين، ثم أنتم الظاهرون إن شاء الله تعالى.
وركب يومئذ فرسا ذنوبا أدهم يدعى الشموس للين عريكته وطهارته، وكان لا يركبه إلا لقتال ويدعه ما لم يكن قتال، ومر على الرايات يحض القبائل، فقال له شرحبيل بن السمط: ما أنصفتنا يا مثنى، جعلت معدك وسطا وجعلتنا ميمنة وميسرة، قال: إذا أنصفكم، الله ما أريد لهم شيئا من الخير إلا وأنا أريد لكم مثله، وما عهدى بمعد يدرى بالناس من البأس، ثم صير تميما مع الأزد فى الميمنة، وصير ربيعة مع كندة فى الميسرة، وصفوا صفوفهم، وقال: الزموا الصمت فإنى مكبر ثلاث تكبيرات، فإذا
(2/419)

كبرت الثالثة فاحملوا، فنظر إلى سعد بن عبيد الأنصارى قد نصل من الصف، فقال: من أنت؟ قال: سعد بن عبيد، فررت يوم الجسر من الزحف، فأردت أن أجعل توبتى من فرتى أن أشرى نفسى لله. فقال له: إن خيرا مما تريد أن تقف مع المسلمين فتناضل عن دينك.
وقال جرير: يا معشر بجيلة، إن لكم فى هذه البلاد إن فتحها الله لكم حظا ليس لغيركم، فاصبروا التماس إحدى الحسنيين: الشهادة فثوابها الجنة أو النصر ففيه الغنى من العيلة، ولا تقاتلوا رياء ولا سمعة، بحسب امرئ من خساسته حظا أن يريد بجهاده وعدوه حمد أحد من الخلق.
ومر المثنى على الرايات راية راية يحرضهم ويهزهم بأحسن ما فيهم، ولكلهم يقول:
إنى لأرجو أن لا تؤتى العرب اليوم من قبلكم، والله، ما يسرنى اليوم لنفسى شىء إلا وهو يسرنى لعامتكم، فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنى فى القول والفعل، وخالط الناس فى المكروه والمحبوب، فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا، ووقف على أهل الميمنة فنظر إلى رجل من العنبر على فرس عتيق رائع، فقال: يا أخا بنى العنبر، إنك لمن قوم صدق فى اللقاء، أما والله يا بنى تميم إنكم لميامين فى الحرب، صبر عند البأس، إنى لأرجو أن يعز الله بكم دينه.
وقال للأزد: اللهم صبحهم برضوانك، وادفع عنهم عين الحاسد، أنتم والله الأنجاد الأمجاد الحسان الوجوه، وإنى لأرجو أن يأتى العرب اليوم منكم ما تقر به أعينهم، ونظر إلى فوارس من قيس فى القلب فقال: نعم فتيان الصباح أنتم، اللهم جللهم عافيتك وافرغ عليهم الصبر، يوما كبعض أيامكم، ونظر إلى ناس من طيئ فى القلب، فقال:
جزاكم الله خيرا، فنعم الحى أنتم فى اللقاء وعند العطاء، فإنه ليحضهم إذ شدت كتيبة من العجم على الميسرة وفيها بكر وكندة فصبروا لهم، ثم شدت عليهم الثانية فانكشفت بكر وكندة، فقال المثنى: إن الخيل تنكشف ثم تكر، يا معشر طيئ الزموا مصافكم وأغنوا ما يليكم، واعترض الكتيبة التى كشفتهم بخيل كانت معه فمنعهم من اتباعهم وقاتلهم، فثارت عجاجة بينهم ورجع أهل الميسرة، وأقبلت الميمنة نحو المثنى وقد انكشف العدو عنه، وسيفه بيده وقد جرح جراحات وهو يقول: اللهم عليك تمام النصر، هذا منك، فلك الحمد، فقال له مخنف بن سليم الغامدى: الحمد لله الذى عافاك، فقد كنت أشفقت عليك. قال: كم من كربة قد فرجها الله، هل منعم عليه يكافئ ربه بنعمة من نعمه!!.
(2/420)

وكانت هزيمة المشركون، فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى نهر بنى سليم، ثم كروا على المسلمين وركدت الحرب بينهم مليا، فلا يسمع إلا هرير الرجال، وقد كان أنس بن هلال النمرى قدم ممدا للمثنى فى أناس من النمر نصارى، وابن مردى الفهرى الثعلبى فى ناس من قومه كذلك، وقالوا حين رأو نزول العجم بالعرب: نقاتل مع قومنا، فلما طال القتال يومئذ واشتد عمد المثنى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس، إنك امرؤ عربى، وإن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتنى قد حملت على مهران فاحمل معى، وقال لابن مردى الفهرى مثل ذلك، فأجاباه، فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل فى ميمنته، ثم خالطوهم، واجتمع القلبان، وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل، لا يستطيعون أن يفزعوا لنصر أميرهم، لا المسلمون ولا المشركون، وقد كان المثنى قال لهم: إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، فالزموا مصافكم وأغنوا عنا من يليكم، وأوجع قلب المسلمين قلب المشركون، ووقف المثنى حتى أسفر الغبار وقد فنى قلب المشركين، والمجنبات قد هز بعضها بعضا، فلما رآه المسلمون وقد أزال القلب وأفنى أهله قويت مجنبات المسلمين على المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المسلمون والمثنى فى القلب يدعون لهم بالنصر، ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول لهم: إن المثنى يقول لكم عادتكم فى أمثالهم، انصروا الله ينصركم، حتى هزم القوم.
وكانت راية الأزد مع عبد الله بن سليم، فجعل بتقدم بها، فقال له رجل: لو تأخرت قليلا، فقال:
أقسمت بالرحمن أن لا أبرحا ... أو يصنع الله لنا فيفتحا
وقاتل حتى قتل، وتقدم أبو أمية عبد الله بن كعب الأزدى وهو يقول: اللهم إليك أسعى لترضى، وإياك أرجو فاغفر ذنبى، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، رحمه الله، فحمل أبو رملة بن عبد الله بن سليم، وكانت عنده الرباب ابنة عبد الله بن كعب، فقتل قاتل عبد الله بن كعب واحتز رأسه، فأتى به ابنه، وهو غلام مراهق، فقال: دونك رأس قاتل أبيك، فعض الفتى بأنفه، ومر به رجل من بكر بن وائل يقال له عجل، فقال: يا فتى ما أشجعك على الأموات فحمى الفتى واعترض العدو، فاتبعه عمه جندب وهو يقول: يا عجل، قتلت ابن أخى، فلحقه وقد قتل رجلا، فرده، وقتل حصين بن القعقاع بن معبد ابن زرارة، فأخذ الراية مولى لهم أو مولى للأزد يقال له خصفة، فقاتل حتى قتل، ودارت بينهم رحى الحرب، وأخذت جرير الرماح فنادى: وا قوماه، أنا جرير، فقاتلت عنه جماعة من قيس ليس معهم غيرهم حتى خلص، وشدت جماعة على مسعود بن
(2/421)

حارثة وهو معلم بعصابة خضراء وهو يفرى فريا، فطعن رجلا فقتله، وطعن آخر فانكسر رمحه فاختلفا بسيفيهما ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، فوقف عليه أخوه المثنى فقال: هكذا مصارع خياركم، وقيل: إنه ارتث يومئذ فمات بعد فى إناس من الجرحى من أعلام المسلمين ماتوا كذلك، منهم خالد بن هلال، فصلى عليهم المثنى وقدمهم على الأسنان والقرآن، وقال: والله إنه ليهون علىّ وجدى أن شهدوا البويب، أقدموا وصبروا، ولم يجزعوا ولم يتكلموا، وإن كان فى الشهادة لكفارة لبحور الذنوب، ولما ارتث مسعود بن حارثة يومئذ فتضعضع من معه رأى ذلك وهو دنف فقال: يا معشر كعب بن وائل، ارفعوا رايتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرعى، وقتل جرير وغالب بن عبد الله الليثى وحنظلة بن ربيعة الأسدى وعروة بن زيد الخيل كل واحد منهم عشرة.
وقال ربعى بن عامر، وشهدها يومئذ مع أبيه: احصى مائة رجل من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة فى المعركة. وذكر أن غالبا وعروة وعرفجة فى الأزد كانوا من أصحاب التسعة، فالله أعلم.
وقال يومئذ لعروة رجل من قومه، ورآه يقدم: أهلكت قومك يا عروة، فقال:
يا قوم لا تعنفونى قومى ... لا تكثروا عدلى ولا من لومى
لا تعدونى النصر بعد اليوم
وسمع رجل يومئذ من مهران يرتجز وهو يقول:
إن تسألوا عنى فإنى مهران ... أنا لمن أنكرنى ابن باذان
فعجب من أن يتكلم بالعربية، فقيل له: إنه ولد باليمن، ويقال: إنه عربى نشأ مع أبيه باليمن، وكان أبوه عاملا لكسرى.
وأبصر جرير بن عبد الله، مهران يقاتل، فحمل عليه جرير والمنذر بن حسان فقاتلاه، طعنه المنذر فأداره عن دابته وقد وقذه فنزل إليه جرير فاحتز رأسه وتنازعا سلبه ثم أخذ جرير سلاحه، وأخذ المنذر حليته وثيابه وبرذونه، وقيل فى قتله غير هذا، وهو مما حدثت به أم ولد لزيد بن صوحان أن زيدا أخرجها معه إلى العسكر حتى لقوا مهران صاحب كسرى، فجعل الناس يحيدون عن مهران، فقال زيد: ما شأن الناس يحيدون عن هذا؟
قيل: كرهوه، فنزل زيد فمشى إليه فاختلفا ضربتين، فأطن مهران يده، فرجع فأخذ عمامتى فشقها ثم لفها على يده ثم عاوده فنسف ساقيه بالسيف فقتله، فابتدر المسلمون
(2/422)

سلبه، فلم يأخذ زيد من سلبه إلا السيف، نفله إياه الأمير، فكان زيد يقول: من يشترى سيفا وهذا أثره، ويخرج يده الجذماء فيريها، وقد قيل إن غلاما نصرانيا من بنى تغلب هو الذى قتل مهران، فالله أعلم.
وهزم المشركون فأتوا الفرات، واتبعهم المسلمون، فانتهوا إلى الجسر، وقد عبرت طائفة من المشركين الجسر، فحالوا بين الباقين وبينه، فأخذوا يمينا وشمالا، فقاتلهم المسلمون حتى أمسوا، واقتحم طائفة الفرات فغرق بعضهم ونجا بعض، ورجع المسلمون عنهم حين أمسوا، فعبر من بقى منهم الجسر، ثم قطعوه فأصبح المسلمون فعقدوه واتبعوهم حتى بلغوا بيوت ساباط، ثم انصرفوا وصلبوا مهران على الجسر.
ويقال: إن المثنى قطع الجسر أولا ليمنع أهل فارس العبور، ثم ندم على ذلك وقال:
لقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتى إياهم إلى الجسر وقطعه حتى أحرجتهم، فإنى غير عائد فلا تعودوا ولا تعتدوا بى أيها الناس، فإنما كانت زلة، لا ينبغى إخراج أحد إلا من لا يقوى على الامتناع.
ولما افترق الأعاجم على شاطئ الفرات مصعدين ومصوبين واعتورتهم خيول المسلمين أكثروا القتل فيهم حتى جعلوهم جثاء، فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أقوى رمة منها.
حدث أبو روق قال: والله إن كنا لنأتى البويب، يعنى بعد ذلك بزمان، فنرى ما بين السكون وبنى سليم عظاما بيضاء تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم نعتبر بها. قال:
وحدثنى بعض من شهدها أنهم كانوا يحرزونها مائة ألف.
واقتسم المسلمون ما أفاء الله عليهم، ونفلت بجيلة وجرير ما جعل لهم عمر بن الخطاب وحمل الخمس أو باقى الخمس، وجلس المثنى للناس يحدثهم ويحدثونه لما فرغوا، وكلما جاء رجل فتحدث قال له المثنى: أخبرنى عنك، فقال قرط بن جماح العبدرى:
قتلت رجلا فوجدت منه رائحة المسك فقلت: مهران، ورجوت أن يكون إياه، فإذا هو شهريرار صاحب الخيل فو الله ما رأيته إذ لم يكن مهران شيئا. وكان قرط قد قاتل يومئذ حتى دق قنى وقطع أسيافا.
وقال ربعى وهو يحدث المثنى: لما رأيت ركود الحرب واحتدامها قلت: تترسوا بالمجان فإنهم شادّون عليكم فاصبروا لشدتين وأنا زعيم لكم بالظفر فى الثالثة، فأجابونى فولى الله كفالتى.
(2/423)

وقال ابن ذى السهمين محدثا: قلت لأصحابى إنى سمعت الأمير يقرأ ويذكر فى قراءته الزحف، فما ذكره إلا لفضل فيه، فاقتدوا برايتكم ولتحمى خيلكم رجلكم، وازحفوا فما لقول الله من خلف، فأنجز الله لهم وعده كما رجوت.
وقال عرفجة محدثا: حزنا كتيبة منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون الله قد أذن فى غرقهم وأن يسلينا بها عن مصيبة الجسر، فلما حصلوا فى حد الإحراج كروا علينا فقتلناهم قتالا شديدا حتى قال بعض قومى: لو أخذت رايتك، فقلت علىّ إقدامها، وحملت بها على حاميتهم فقتلته فولوا نحو الفرات فما بلغوه ومنهم أحد فيه الروح.
وقد كان المثنى قال يومئذ: من يتبع آثار المنهزمة حتى يبلغ السيب؟ فقام جرير فى قومه فقال: يا معشر بجيلة إنكم وجميع المسلمين ممن شهد هذا اليوم فى السابقة والفضيلة سواء، وليس لأحد منهم فى هذا الخمس غدا من النفل مثل الذى لكم منه، نفلا من أمير المؤمنين، فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذى لكم منه إلى ما ترجون، فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين الشهادة والجنة أو الظفر والغنيمة والجنة.
ومال المثنى على الذين أرادوا أن يستنثلوا بالأمس من منهزمة يوم الجسر فقال: أين المستنثل بالأمس وأصحابه؟ انتدبوا فى آثار هؤلاء القوم إلى السيب وأبلغوا من عدوكم ما تغيظونهم به فهو خير لكم وأعظم أجرا، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.
وكان هذا المستنثل، أو هو إن شاء الله سعد بن عبيد الأنصارى، قد أراد الخروج بالأمس من صف المسلمين إلى العدو، فقيل للمثنى: ألا ترى إلى هذا الرجل الذى يريد أن يستنثل، فركض إليه، فقال: يا أبا عبد الله، ما تريد أن تصنع؟ قال: فررت يوم أبى عبيد، فأردت أن تكون توبتى وانتصارى أن أمشى إليهم فأقاتل حتى أقتل، قال: إذن لا تضر عدوك ولا تنفع وليك، ولكن أدلك على ما هو خير لك، تثبت على صفك وتجزى قرنك وتواسى أخاك بنفسك وتنصره وينصرك فتكون قد نفعت المسلم وضررت العدو، فأطاعه وثبت مكانه، فكان يومئذ أول منتدب.
فأمر المثنى أن يعقد لهم الجسر ثم أخرجهم فى أثر القوم، واتبعتهم بجيلة وخيول المسلمين بعد من كل فارس، ولم يبق فى العسكر جسرى إلا خرج فى الخيل، فانطلقوا فى طلب العدو حتى بلغوا السيب، فأصابوا من البقر والسبى وسائر الغنائم شيئا كثيرا فقسمه المثنى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس بينهم بالسوية وبعث بثلاثة أرباعه إلى عمر، رضى الله عنه، وألقى الله الرعب فى قلوب
(2/424)

أهل فارس، وكتب القواد الذين قادوا الناس فى الطلب إلى المثنى، وكتب إليه عاصم وعصمة وجرير: إن الله قد كفى رستم ووجه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شىء، فأذن لنا فى الإقدام، فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهلها منهم، واستباحوا القريات دونها وراماهم أهل الحصن عن حصنهم بساباط ثم انطفئوا راجعين إلى المثنى.
قالوا: وكان المثنى وعصمة وجرير أصابوا فى أيام البويب على الظهر نزل مهران غنما ودقيقا وبقرا، فبعثوا بها إلى عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن بالقوادس، وإلى عيالات أهل الأيام قبلهم وهن بالحيرة، وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات اللواتى بالقوادس عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة، فلما رفعوا للنسوة فرأين الخيل تصايحن وحسبنها غارة فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد، فقال عمرو: هكذا ينبغى لنساء هذا الجيش، وبشروهن بالفتح.
ولما أهلك الله، عز وجل، مهران استكمن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة، فمخروها لا يخافون كيدا ولا يلقون فيها مانعا، وانتفضت مسالح العجم فرجعت إليهم واعتصموا بالساباط، وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة، ونزل جرير والمثنى الحيرة وبثا المسالح فيما بين الأنبار وعين التمر إلى الطف، فمن كان أقام على صلحه قبلوا ذلك منه، ومن نقض أغاروا عليه، فكان أهل الحيرة وبانيقيا وغيرهم على صلحهم.
وكانت وقعة البويب فى رمضان من سنة ثلاث عشرة.
وتنازع، أيضا، المثنى وجرير الإمارة، وكان المثنى أحب إلى نزار، وجرير أحب إلى اليمانية، فكتب إلى عمر، رحمه الله، فى ذلك، فكان من مشورته فيه وعمله ما سيأتى بعد ذكره.
وشخص المثنى عند ذلك فنزل أليس، ويقال شراف، وهو وجع من جراحات به، وارتحل معه عامة النزارية، فلما رأى ذلك جرير تحول فنزل العذيب مع العيال، ومعه أخلاط الناس وهو الأمير عليهم فى قول بعضهم، وفى هذه الإمارات كلها اضطراب من نقلة الأخبار واختلاف بين القبائل، فبنو شيبان تقول: كان جرير الأمير يوم قتل مهران المثنى، وبجيلة تقول: كان الأمير يوم ذلك وقبل وبعد، والأظهر مما تقدم من الأخبار أن المثنى كان الأمير فى تلك الحرب، إلا أن يكون جرير على من معه كما قد قيل، فالله تعالى أعلم.
(2/425)

وقد قال الأعور الشنى فلم يذكر لغير المثنى يومئذ إمارة:
هاجت عليك ديار الحرب أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس همذانا
وقد أرانا بها والشمل مجتمع ... أدنى النخيلة قتلى جند مهرانا
كأن الأمير المثنى يوم راجفة ... مهران أشجع من ليث بخفانا
أزمان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من رجلى وركبانا
سما لمهران والجيش الذى معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا
إذ لا أمير أراه بالعراق لنا ... مثل المثنى الذى من آل شيبانا
حديث غارة المثنى على سوقى الخنافس وبغداد «1»
ذكر سيف عن شيوخه أن المثنى لما نزل أليس، قرية من قرى الأنبار، وهذه الغزاة تدعى غزاة الأنبار الآخرة، وغزاة أليس الآخرة، وقد مخر السواد وخلف بالحيرة بشير بن الخصاصية، وأرسل جريرا إلى ميسان، وهلال بن علقمة إلى دست ميسان وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبى، وبالكلح الضبى، وبعرفجة البارقى وأمثالهم من قواد المسلمين، ألزّ به رجلان: أحدهما أنبارى والآخر حيرى، يدله كل واحد منهما على سوق، فأما الأنبارى فدله على سوق الخنافس، وأما الحيرى فدله على بغداد. فقال المثنى:
أيتهما قبل صاحبتهما؟ فقالوا: بينهما أيام، فقال: أيهما أعجل؟ قالوا: سوق الخنافس يتوافى إليها الناس، ويجتمع إليها ربيعة وقضاعة يخفرونهم. فاستعد لها المثنى، حتى إذا ظن أنه يوافيهم يوم سوقها ركب نحوهم، فأغار على الخنافس يوم سوقها، وبها خيلان من ربيعة وقضاعة وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها، وسلب الخفراء، ثم رجع عوده على دبئه حتى تطرق دهاقين الأنبار طروقا فى أول يومه فتحصنوا منه، فلما عرفوه نزلوا إليه فأتوه بالأعلاف والزاد، وأتوا بالأدلاء على بغداد، وكان وجهه إلى سوق بغداد فصبحهم.
وقال المثنى فى غارته على خنافس:
صبحنا فى الخنافس جمع بكر ... وحيا من قضاعة غير ميل
بفتيان الوغى من كل حى ... تبارى فى الحوادث كل جيل
نسفنا سوقهم والخيل زور ... من التطواف والشد البجيل
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 472- 476) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (1/ 25- 27) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 306، 307) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 187- 189) .
(2/426)

وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادى فى تاريخه «1» أن بغداد كانت فى أيام مملكة العجم قرية يجتمع فيها رأس كل سنة التجار، ويقوم بها للفرس سوق عظيمة، فلما توجه المسلمون إلى العراق وفتحوا أول السواد، ذكر للمثنى بن حارثة أمر سوق بغداد، ثم أورد بإسناد له عن ابن إسحاق أن أهل الحيرة قالوا للمثنى، وذكره سيف من طريق آخر أن رجلا من أهل الحيرة قال للمثنى، واللفظ فى الحديثين متقارب، وقد دخل حديث أحدهما فى حديث الآخر، قالوا: ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد ويجتمع بها فى كل سنة من الناس مثل خراج العراق، وهذه أيام سوقهم التى يجتمعون فيها، فإن أنت قدرت على أن تعبر إليهم وهم لا يشعرون أصبت بها مالا يكون غناء للمسلمين وقوة على عدوهم، وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم، فقال لهم: فكيف لى بها؟ قالوا: إن أردتها فخذ طريق البر، حتى تنتهى إلى الأنبار، ثم تأخذ رؤس الدهاقين، فيبعثون معك الأدلاء، فتسير سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى.
قال: فخرج من النخيلة ومعه أدلاء الحيرة، حتى دخل الأنبار، فنزل بصاحبها فتحصن منه، فأرسل إليه: ما يمنعك من النزول؟ فأرسل إليه: إنى أخاف، فأرسل إليه: انزل فإنك آمن على دمك وقريتك، وترجع سالما إلى حصنك، فتوثق عليه ثم نزل، فأطعمه المثنى، وخوفه واستكتمه، وقال: إنى أريد أن أعبر فابعث معى الأدلاء إلى بغداد، حتى أغير منها إلى المدائن، قال: أنا أجىء معك، قال المثنى: لا أريد أن تجىء معى، ولكن ابعث معى من يعرف الطريق، ففعل وأمر لهم بزاد وطعام وعلف، وبعث معهم دليلا، فأقبل حتى إذا بلغ المنصف قال له المثنى: كم بيننا وبين هذه القرية؟ قال: أربعة فراسخ أو خمسة، وقد بقى عليك ليل، فقال لأصحابه: من ينتدب للحرس، فانتدب له قوم، فقال لهم: اذكروا حرسكم، ثم نزل وقال للناس: أنزلوا فاقضوا واطمعوا وتوضأوا وتهيأوا وابعثوا الطلائع فلا يلقون أحدا إلا حبسوه، ثم سار بهم فصبحهم فى أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل وأخذ الأموال، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته، وهرب الناس، وتركوا أمتعتهم وأموالهم، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحرّ من كل شىء.
ثم كر راجعا، ثم نزل بنهر السيلحيين من الأنبار، فقال للمسلمين: احمدوا الله الذى سلمكم وغنمكم، وانزلوا فاعلفوا خيلكم من هذا القصب، وعلقوا عليها، وأصيبوا من
__________
(1) انظر: تاريخ بغداد (1/ 25- 27) .
(2/427)

أزوادكم، فسمع القوم يهمس بعضهم إلى بعض أن القوم سراع الآن فى طلبنا، فقال:
تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، قبح الله من يتناجون به، انظروا فى الأمور وقدروها ثم تكلموا، تحسبونهم الآن فى طلبكم، فو الله لو كان الصريخ قد بلغهم الآن إنه لكبير، ولو كان الصريخ عندهم لبلغهم من رعب غارتنا عليهم إلى جنب مدائنهم ما يشغلهم عن طلبنا حتى نلحق معسكرنا وجماعتنا، إن للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل، ولو كان بهم من القوة ما يحملهم على طلبنا ثم جهدوا وجهدهم ما أدركونا، نحن على الجياد العراب وهم على المقارف البطاء، ولو أنهم طلبونا فأدركونا لم نقاتلهم إلا التماس الثواب ورجاء النصر، فثقوا بالله وأحسنوا به الظن، فقد نصركم الله عليهم وهم أكثر منكم وأعز، وسأخبركم عنى وعن انكماشى والذى أريد من ذلك، إن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبا بكر أوصانا أن نقل العرجة ونسرع الكرة فى الغارات، ونسرع فى غير ذلك الأوبة، فأقبلوا ومعهم دليلهم حتى انتهوا إلى الأنبار، فاستقبلهم صاحبها بالكرامة، فوعده المثنى بالإحسان إليه لو استقام أمرهم، ورجع المثنى إلى عسكره.
حديث السرايا من الأنبار «1»
قالوا: لما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار، سرح المضارب العجلى وزيدا إلى الكباث، ثم خرج فى أثرهم، فقدم الرجلان الكباث، وقد ارفض عنه أهله وأخلوه، وكانوا كلهم من بنى تغلب، وكان عليهم فارس العناب التغلبى يحميهم، فركب المسلمون آثارهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم، فحماهم فارس العناب ساعة ثم هرب، وقتلوا فى أخرياتهم فأكثروا، ورجع المثنى إلى عسكره بالأنبار، فسرح فرات بن حيان، وكان خلفه فى عسكره، وسرح معه عتبة بن النهاس، وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين، ثم اتبعهما وخلف على الناس عمرو بن أبى سلمى الهجيمى.
فلما دنوا من صفين، فر أهلها فعبروا الفرات إلى الجزيرة وتحصنوا، وفارق المثنى فراتا وعتبة، فأرمل المثنى وأصحابه من الزاد، حتى نحروا رحلهم إلا ما لا بد لهم منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها، ثم أدركوا عيرا من أهل دياف وحوران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بنى تغلب خفراء، فأخذوا العير، وكان ظهرا فاضلا، وقال
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 475، 476) ، الكامل لابن الأثير (2/ 307) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 188، 189) .
(2/428)

لهم: دلونى، فقال له أحدهم: أمنونى على أهلى ومالى، وأدلكم على حى من بنى تغلب غدوت من عندهم اليوم، فآمنه المثنى وسار معه يومه، حتى إذا كان العشى هجم عليهم، فإذا النعم صادرة عن الماء، والقوم جلوس بأفنية البيوت، فبعث غارته فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية، وانتسفوا الأموال، وإذا هم بنو ذى الرويحلة، فاشترى من كان من ربيعة السبايا بنصيبهم من الفىء، فأعتقوا سبيهم، وكانت ربيعة لا تسبى، إذا العرب يتسابون فى جاهليتهم.
وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجعوا شاطئ دجلة، فسرح فى آثارهم حذيفة بن محصن، وكان على مقدمته فى غزواته كلها بعد البويب، ثم اتبعه فأدركوهم دون تكريت يخوضون الماء، فأصابوا ما شاؤا من النعم، حتى أصاب الرجل خمسا من السبى وخمسا من النعم، وجاء المثنى بذلك حتى نزل على الناس بالأنبار، ومضى فرات وعتيبة فى وجههما، حتى أغارا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم ونقبوهم، فرموا بطائفة فى الماء، فناشدوهم وجعلوا ينادون: الغرق الغرق، فلم يقلعوا عنهم، وجعل عتيبة والفرات يذمرون الناس وينادونهم: تغريق بتحريق، يذكرونهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل فى غيضة من الغياض، ثم انطلق المسلمون راجعين إلى المثنى وقد غرقوهم.
فلما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافت بها البعوث والسرايا، انحدر بهم المثنى إلى الحيرة فنزل بها، وكانت لعمر، رحمه الله، فى كل جيش عيون يتعرفون الأخبار من قبلهم، فكتب إليه بما كان فى تلك الغزاة، وأبلغ الذى قال عتيبة والفرات، يوم بنى تغلب والماء، فبعث إليهما فسألهما، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه المثل، وأنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب بذحل فى الجاهلية، فاستحلفهما، فحلفا ما أرادا بذلك إلا المثل، وإعزاز الإسلام، فصدقهم وردهما إلى المثنى.
ذكر ما هيج حرب القادسية على ما ذكره سيف عن أشياخه «1»
قالوا: قال أهل فارس لرستم والفيزران، وهما عميدا أهل فارس: أين يذهب بكما لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوهم وإن لم يبلغ من خطركما أن تقركما فارس على هذا الرأى، وأن تعرضاها للهلكة، ما تنتظرون، والله ما
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 477- 479) ، الكامل لابن الأثير (2/ 308، 309) .
(2/429)

تنتظرون إلا أن ينزل بنا ونهلك، ما بعد ساباط وبغداد وتكريت إلا المدائن، والله ما جرأ علينا هذا غيركم، ولولا أن فى قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة، ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم.
قالوا: فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى: اكتبى لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم، ففعلت، وأخرجت ذلك إليهم فى كتاب، فأرسلوا فى طلبهن فلم تبق امرأة منهن إلا أتوا بها، فوضعوا عليهن العذاب يستدلونهن على ذكر من آل كسرى، فلم يوجد عند واحدة منهن أحد منهم، وقلن، أو من قال منهن:
لم يبق منهم إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى، وأمه من أهل داريا، فأرسلوا إليها فأخذوها به، فدلتهم عليه، وكانت قد دفعته إلى أخواله فى أيام شيرى حين جمعهن فى القصر الأبيض، فقتل الذكور، واعدتهم ثم دلته إليهم فى زبيل، فأرسلوا إليه، فجاؤا به وهو ابن إحدى وعشرين سنة فملكوه، واجتمعوا عليه، واطمأنت فارس واستوثقوا، وتبارى الرؤساء فى طاعته ومناصحته، فسمى الجنود لكل مسلحة كانت لكسرى، أو موضع ثغر، وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين، فكتبوا بذلك إلى عمر، رحمه الله، بما ينتظرون ممن بين ظهرانيهم، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد، من كان له منهم عهد ومن لم يكن له، فخرج المثنى على حاميته حتى ينزل بذى قار، وينزل الناس بذى الطف فى عسكر واحد، فكتب إليهم عمر:
أما بعد، فاخرجوا من بين ظهرانى الأعاجم، وتفرقوا فى المياه التى تليهم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا فى ربيعة ومضر أحدا من أهل النجدات، ولا فارسا إلا أجلبتموه، فإن جاء طائعا وإلا حشدتموه، احملوا العرب على الجد إذا جد العجم، لتلقوا جدهم بجدكم.
فنزل المثنى بذى قار، ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضى، وغضى جبال البصرة، وكان جرير بن عبد الله بغضى وسبرة بن عمرو العنبرى ومن أخذ أخذهم فيمن معهم إلى سلمى، فكنوا فى أمواه العراق من أولها إلى آخرها مسالح ينظر بعضهم إلى بعض، ويغيث بعضهم بعضا إن كان كون، وذلك فى ذى القعدة سنة ثلاث عشرة.
وعادت مسالح كسرى وثغوره وهم فى ملك فارس هائبون مشفقون، والمسلمون يتدفقون قد ضروا بهم كالأسد يثأر عن فريسته، ثم يعاود الكر وأمراؤهم يكفكفونهم؛
(2/430)

لأن عمر، رحمه الله، كان أمرهم أن لا يقاتلوا إلا أن يقاتلوا حتى يأتيهم أمره وتصلهم أمداد المسلمين.
تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق وذكر الخبر عن حرب القادسية «1»
ذكر المدائنى بإسناده إلى رجال من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كان يخير من قدم عليه من العرب بين الشام وبين العراق، فكانت مضر تختار العراق وتختار أهل اليمن الشام، فقال عمر: اليمن أشد تعاطفا يحنون إلى سلفهم، ونزار كلهم سلف نفسه، ومضر لا تحن إلا سلفها، ولم يكن أحد من العرب أشد إقداما على أرض فارس من ربيعة، فبلغ عمر اختلاف المثنى بن حارثة وجرير ابن عبد الله فى الإمارة، فاستشار الناس، فقال المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، تداركهم برجل من المهاجرين واجعله بدريا، فقال: أشيروا علىّ برجل، فقال عبد الرحمن ابن عوف: قد وجدته، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبى وقاص، قال: هو لها، فكتب عمر إلى المثنى: لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى جرير والمثنى: إنى موجه سعدا إليكما، فاسمعا له وأطيعا.
وذكر الطبرى وغيره فى هذا الموضع من تحرك عمر، رضى الله عنه، للخروج إلى العراق بنفسه واستدعائه وجوه المهاجرين والأنصار للمشورة عليه فيه، بعد أن خرج بذلك الرسم فنزل صرارا، وقدم بين يديه طلحة بن عبيد الله فنزل الأعوص، وخلف بالمدينة على بن أبى طالب واليا عليها، وإشارة أولى الرأى عليه بالرجوع إلى المدينة، والاستخلاف على ذلك الوجه، واستنفار العرب له، ما قد فرغنا من ذكره فى صدر وقعة البويب من خبر الجسر، حيث ذكره المدائنى، ولعل ذلك الموضع أولى به، فإن يكن كذلك فقد ذكرناه حيث ينبغى، وإن يكن موضعه هذا، فقد نبهنا عليه ليعرف ما وقع من الاختلاف بين المؤلفين فى هذا الشأن بحسب ما تأذى إليهم من جهة النقل، والأمر فى ذلك قريب، والاختلاف فى المنقولات غير مستنكر، والله تعالى أعلم.
وقد كان أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، استعمل سعد بن أبى وقاص على
__________
(1) انظر: فتوح البلدان (ص 303- 320) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 309- 338) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 37- 47) ، تاريخ ابن خلدون (3/ 313- 321) .
(2/431)