Advertisement

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء 005



الكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة الخلفاء
المؤلف: سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الكلاعي الحميري، أبو الربيع (المتوفى: 634هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1420 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] صدقات هوازن بنجد، فأقره عمر عليها، فلما أتاه اجتماع فارس، وقيام يزدجرد فى قول من جعل قيامه بعد وقعة البويب، خلافا لما ذكره المدائنى وآخرون معه، من قيامه قبل ذلك حسب ما قدمناه، كتب عمر إلى المسلمين بما عملوا به قبل انتهاء كتابه إليهم من الوقوف على حدود أرضهم، وأن يستخرجوا كل ذى سلاح وفرس ممن له رأى ونجدة فيضموه إليهم حتى يأتيهم أمره، وكتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل، وذلك فى ذى الحجة سنة ثلاث عشرة مخرجه إلى الحج يأمرهم أيضا بانتخاب الناس أولى الخيل والسلاح والنجدة والرأى، ويستعجلهم فى توجيههم إليه، وكتب بمثل ذلك إلى سعد بن أبى وقاص، فجاءه كتاب سعد:
إنى قد انتخبت لك ألف فارس مرد، كلهم له نجدة ورأى، يحوط حريم قومه، ويمنع زمارهم، إليهم انتهت أحسابهم وآراؤهم، فشأنك بهم.
فوافق وصول كتاب سعد بهذا مشاورة عمر الناس فى رجل يوجهه إلى العراق، فقالوا: قد وجدته، قال: من؟ قالوا: الأسد عاديا، سعد بن مالك، فانتهى إلى رأيهم، وأرسل إليه، فقدم عليه، فأمّره على حرب العراق وأوصاه، فقال: يا سعد، سعد بنى وهيب، عليك بتقوى الله، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، ولا يغرنك أن يقال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل ليس بينه وبين أحد سبب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم فى ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعاقبة، ويدركون ما عنده بالطاعة، ألم تسمع لقول الله تبارك وتعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها [القصص: 84] ، و: مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: 90] ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ بعثه الله حتى قبض إليه، فالزم ما رأيته عليه، وإنى موجهك إلى أرض فارس، فسر على بركة الله، فقد استعملتك على من مررت به من القبائل ممن سقط إليكم من العرب، فاندبهم إلى الجهاد ورغبهم فيه، وأعلمهم ما أعد الله لأهله، فمن تبعك منهم فأحسن إليه وارفق بهم، واجعل كل قبيلة على منزلها، ومن لم يبلغ أن تستنفره بمن معه من قبيلة، فاجعله مع من أحب، وانزل فيدا حتى يأتيك أمرى.
وفى رواية أنه قال لما أراد أن يسرحه:
إنى قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتى، فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلص منه إلا الحق، فعود نفسك ومن معك الخير، واستفتح به، واعلم أن لكل عادة
(2/432)

عتادا، وعتاد الخير الصبر، فالصبر الصبر تجتمع لك به خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع لك فى أمرين: فى طاعته واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه بحب الآخرة وبغض الدنيا، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشئها الله عز وجل إنشاء، منها السر والعلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه فى الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قبله على لسانه، وبمحبة الناس إليه، فلا تزهد فى التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله تعالى إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه، وإذا أبغض عبدا بغضه إليهم، فاعتبر منزلتك عند الله عز وجل بمنزلتك عند الناس، ممن يسرع معك فى أمرك.
وذكر المدائنى أن عمر، رضى الله عنه، كتب لسعد مع ما أوصاه به عهدا يقول له فيه:
أوصيك بتقوى الله والرغبة فيما عنده، فادع الناس إلى الله، فمن أجابك فهو أولى بماله وأهله وولده، وليس لك منه إلا زاد بلاغ إن احتجت، وعظ نفسك وأصحابك ولا تكثر عليهم فيملوا، واجعلهم رفقاء إخوانا، وألن لهم جناحك، وحطهم بنفسك كنفسك، واعلم أن المسلمين فى جوار الله، وأن المسلم أعظم الخلق عند الله حرمة، ولا يطلبنك الله بخفرته فى أحد منهم، واحذر عليهم واحفظ قاصيتهم، وعد مريضهم، وانصف مظلومهم، وخذ لضعيفهم من قويهم، واصلح بينهم، وألزمهم القرآن وخوفهم بالله، وامنعهم من ذكر الجاهلية وما كان فيها، فإنها تورث الضغينة وتذكرهم الذحول، واعلم أن الله قد توكل من هذا الأمر بما لا خلف فيه، فاحذر أن يصرف الله ذلك عنك بذنب ويستبدل بكم غيركم، واحذر من الله ما حذركم من نفسه، فإنك تجد ما قدمت يداك من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا.
ثم سرحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين، فخرج سعد بن أبى وقاص من المدينة قاصدا للعراق فى أربعة آلاف، ثلاثة آلاف من أهل اليمن والسراة، وألف من سائر الناس.
قالوا: وشيعهم عمر، رحمه الله، من صرار إلى الأعواص، ثم قام فى الناس خطيبا، فقال:
إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول ليحيى بذلك القلوب، فإن القلوب ميتة فى صدورها حتى يحييها الله تعالى، من علم شيئا فلينتفع به، وإن للعدل
(2/433)

أمارات وتباشير، فأما الأمارات: فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير: فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابا، ويسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق إلى كل أحد له حق، ولا يصانع فى ذلك أحدا، ويكتفى بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شىء، إنى بينكم وبين الله، وليس بينى وبين الله أحد، وإن الله عز وجل قد ألزمنى دفع الدعاء عنه، فأنهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع.
فسار سعد فى عام غيداق خصيب، حتى نزل فيدا فأقام بها أشهرا، وجعل عمر لا يأتيه أحد من العرب إلا وجهه إليه، ثم كتب إليه أن يرتفع بالناس إلى زرود، فأتاها وأقام بها، وأتاه من حولها من بنى تميم من حنظلة، وأتته سعد والرباب وعمرو، فكان ممن أتاه عطارد ولبيد بن عطارد والزبرقان بن بدر وحنظلة بن ربيعة الأسدى وربعى الرياحى وهلال بن علقمة التميمى والمنذر بن حسان الضبى، فقالت رؤساء حنظلة: يا بنى تميم، قد نزل بكم الناس، وهم قبائل الحجاز واليمن وأهل العالية، وقد لزمكم قراهم، فشاطروهم الرسل، ففعلوا، فمن كان له منحتان قصر إحداهما عليهم، ومن كان له أكثر، فعلى حساب ذلك، فقروهم شتوة بزرود.
وكان عمر أمد سعدا بعد خروجه، فيما ذكر سيف، عن أشياخه، بألفى يمانى وألفى نجدى مرد من غطفان وسائر الناس، فنزلوا معه زرود فى أول الشتاء، وتفرقوا فيما حولها، وأقام سعد ينتظر اجتماع الناس وأمر عمر، وانتخب من بنى تميم والرباب أربعة آلاف، منهم ألف من الرباب، وانتخب من بنى أسد ثلاثة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة، فأقاموا هنالك بين سعد بن أبى وقاص وبين المثنى بن حارثة، والمثنى بذى قار، ويقال: بأليس، وقال بعضهم: بشراف، وجرير ومن معه من أخلاط الناس متفرقون فيما بين العذيب إلى خصى، ويقال: غضى.
وكان المثنى فى ثمانية آلاف من ربيعة، منهم ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة، منهم أربعة آلاف ممن كان المثنى انتخبه بعد فصول خالد عنه إلى الشام، وأربعة آلاف كانوا معه ممن بقى يوم الجسر، وكان معه من أهل اليمن ألفان من بجيلة، وألفان من قضاعة وطيئ ممن انتخب إلى ما كان قبل ذلك، على طيئ عدى بن حاتم، وعلى قضاعة عمرو بن وبرة، وعلى بجيلة جرير بن عبد الله، فبينا الناس كذلك، سعد يرجو أن يقدم عليه المثنى، والمثنى أن يقدم عليه سعد، انتقضت بالمثنى جراحاته
(2/434)

التى كان أصيب بها يوم الجسر، فمات رحمه الله، ولما أحس بالموت استخلف على الناس بشير بن الخصاصية، وكتب إلى سعد:
كتبت إليك وأنا لا أرانى إلا لما بى، فإن أهلك أو أسلم فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الجنة مأوى المتقين، وأن النار مثوى الكافرين، ولا أخال العجم إلا سيجمعون على حربك، فهم لاقوك بجمع لم يلقونا بمثله، وقد أرانى الله إن كان قضى بينك وبينهم حربا أن تقاتلهم على أدنى حجر من بلادك، على حد أرضهم، فإن ظفرتم فلكم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى، ولا أراها الله المسلمين، كنتم أعلم بسبيلكم وأجرأ على طريقكم وأجرأ على أرضكم، وانحزتم إلى فئتكم إلى أن يرد الله لكم الكرة عليهم.
وكان مع بشير بن الخصاصية عند ما استخلفه المثنى وجوه أهل العراق، ومع سعد وجوه أهل العراق الذين قدموا على عمر، رحمه الله، فيهم فرات بن حيان العجلى وعتيبة ابن النهاس، فردهم مع سعد.
فمن أجل ذلك اختلف الناس فى عدد أهل القادسية، فمن قال: هم أربعة آلاف، فلمخرجهم مع سعد من المدينة، ومن قال: ثمانية آلاف، فلاجتماعهم بزرود، ومن قال:
تسعة آلاف، فللحاق القيسيين، ومن قال: اثنا عشر ألفا، فلدفوف بنى أسد من فروع الحزن بثلاثة آلاف، وقدم عليه بعد ذاك ناس كثير مع الأشعث بن قيس وغيره.
قالوا: فجميع من شهد القادسية بضعة وثلاثون ألفا.
وكتب سعد إلى عمر، رحمه الله، بموت المثنى، فكتب إليه: أن سر حتى تنزل بشراف، واحذر على من معك من المسلمين، وعليك بالإصلاح ما استطعت.
فارتحل سعد عن زرود ومعه تميم وقيس واليمن وغيرهم، وفيهم رجالة فحمل بنو تميم ضعفاءهم حتى قدموا شراف فنزلها، فأتاهم بشير بن الخصاصية وجرير ومن كان معه بفروع الحزن، وقدم عليه المعنى بن حارثة، أخو المثنى، وقدمت معه زوج المثنى، سلمى بنت خصفة من بنى تميم اللات بوصيته إلى سعد، وكان قد أوصى بها وأمرهم أن يعجلوها عليه بزرود، فلم يفرغوا لذلك، وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر إلى أن انقضى ذلك، كما نذكره بعد ذكر مقتل قابوس على ما ذكره المدائنى، فقدم حينئذ المعنى وسلمى على سعد بوصية المثنى ورأيه، فترحم عليه سعد عند ما انتهى ذلك إليه، وأمّر أخاه المعنى على عمله، وأوصى بأهل بيته خيرا، وخطب سلمى فتزوجها وبنى بها،
(2/435)

وبنى مسجدا بشراف، فقال بعض التميميين يذكر نفيرهم إلى سعد وقراهم له وحملانهم:
فنفرنا إليهم باحتساب ... لم نعرج ولم نذق تغميضا
وقريناهم ربيعا من الرسل ... حقينا مثملا وغريضا
وحملنا رجالهم من زرود ... إذ تعايوا فلم يطيقوا النهوضا
وكتب سعد إلى عمر حين نزل شراف يخبره بمكانه، فقال: لأرمين فارس وأبناءها بالمهاجرين وأبناء المهاجرين، فوجه ألفا ومائة منهم ممن شهد بدرا نيف وأربعون رجلا وسائرهم ممن شهد بيعة الرضوان إلى الفتح، وحضهم عمر، رحمه الله، فقال: إن أحب عباد الله إلى الله وأعظمهم عنده منزلة أتقاهم له وأشدهم منه رجلا، فعليكم بتقوى الله والإصلاح ما استطعتم، وما التوفيق إلا بالله، الزموا الطاعة يجمع الله لكم ما تحبون من دينكم ودنياكم، وأوفوا بالعهد لمن عاهدتم، وإياكم والغدر والغلول، فإنه من يغلل يأت بما غل يوم القيامة، ومن غدر أدال الله منه عدوه، ووهن كيده، فافهموا ما توعظون به، واعقلوا على الله أمره، ولا تكونوا كالجفاة الجاهلية.
وعن سيف «1» : أن عمر، رحمه الله، قال: والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب، فلم يدع رئيسا، ولا ذا رأى، ولا ذا شرف، ولا ذا سلطة، ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم.
وكتب عمر، رضى الله عنه، إلى عبيدة وهو بالشام أن يمد سعدا بمن كان عنده من أهل العراق، وكانوا ستة آلاف، ومن اشتهى أن يلحق بهم، وكتب إلى المغيرة بن شعبة أن يسير إلى سعد من البصرة، وكتب إلى سعد بمثل رأى المثنى الذى أشار به على سعد:
أما بعد، فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين، وتوكل على الله، واستعن به على أمرك كله، واعلم أنك تقدم على أمة عددهم كثير، وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد وإن كان سهلا كؤود لبحوره وفيوضه ودآدئه، فإذا لقيتم القوم أو أحدا منهم فابدؤهم الضرب والشد، وإياكم والمناظرة لجموعهم، ولا يخدعنكم، فإنهم خدعة مكرة، أمركم غير أمرهم، إلا أن تجادوهم، فإذا انتهيت إلى القادسية، والقادسية باب فارس فى الجاهلية، وهى أجمع تلك الأبواب لما تريد ويريدون، وهو منزل رحيب خصيب حصين دونه قناطر وأنهار ممتنعة، فتكون مسالحك على
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 487) .
(2/436)

أنقابها، ويكون الناس بين الحجر والمدر على أقصى حجر من أرض العرب، وأدنى مدرة من أرض العجم، ثم الزم مكانك فلا تبرحه، فإنهم إذا أحسوك أنقضتهم ورموك بجمعهم الذى يأتى على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم بقتالهم، رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجمع لكم مثلهم أبدا إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم، وأن تكن الأخرى كان الحجر فى أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن وبها أجهل، حتى يأتيكم الله بالفتح، ويرد لكم الكرة، وليكن منزلك الذى تنزله رحيبا خصيبا، وإذا نزلت منزلا فلا تستأخر عنه، فإن ذلك وهن عليك وجرأة لعدوك، وأذك العيون واتبع الغرض ولا تأمنن قريبا ولا بعيدا، وصف لى منزلك الذى تنزله، وكم بينك وبين أول عدوك وآخره، وكيف مأتاهم، وسم لى المنزل، فإنه ألقى فى روعى أنكم ستفتحون فارس، وأنكم الأعلون.
وفى رواية أنه كتب إليه باليوم الذى يرتحل فيه من شراف، وأين ينزل بالناس فيما بين عذيب والهجانات، وعذيب والقوادس، وأن يشرف بالناس ويغرب بهم. فارتحل سعد عن شراف يريد أن ينزل منزلا على ما كتب به إليه عمر، فانتهى إلى المغيثة، فأقام وبنى مسجدا بين الفرعاء والمغيثة، وقدم بين يديه زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الجوية يرتاد له منزلا، فأقبل زهرة حتى انتهى إلى العذيب، وكتب إلى سعد فأقبل فى أثره، فنزل المسلمون ما بين العذيب إلى القادسية، وهى أحساء، فقال فى ذلك النعمان بن مقرن المزنى، وتروى لغيره:
نزلنا بأحساء العذيب ولم تكن ... لنا همة إلا اختيار المنازل
لنحوى أرضا أو نناهب غارة ... يضج لها ما بين بصرى وبابل
ونزل زهرة القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس، وهى يومئذ أسفل منها بميل، وكتب سعد إلى عمر: إنا نزلنا من القادسية والعذيب منزلا خصيبا رحيبا على أقصى حجر من أرضنا وأدنى مدرة من أرض عدونا، فأما عن يسار القادسية فبحر أخضر لاج إلى الحيرة بين طرفين، أما أحدهما فعلى الظهر، وأما الآخر فعلى شاطئ نهر يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق والحيرة، وأما عن يمين القادسية ففيض من فيوض مياههم، وبيننا وبين أدنى عدونا منا خمسة عشر ميلا، ولم يبلغنى من الذى أسندوا إليه أمرهم إلى أن كتبت إليك، ومتى يبلغنى ذلك أكتب به إليك إن شاء الله، ونحن متوكلون على الله راجعون له.
(2/437)

ولما بلغ أهل فارس اجتماع العرب لهم، وكثرة من انثال على سعد من رؤسائهم ووجوههم، عظم ذلك عليهم، ورعبهم وزادهم نزولهم القادسية رعبا وضيقا، فعج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار، وأرسلوا إليه: إن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلا الحرب، وأن فعلهم منذ نزلوها لا يبقى عليه شىء، وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات، فليس هنالك أنيس إلا فى الحصون، وقد ذهبت الدواب وكل شىء لم تحمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلا أن يستنزلونا، فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدنا.
وكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطّفّ، وأعانوهم عليه.
ولما كثرت الاستغاثة من أهل السواد على يزدجرد، خشعت نفسه واتقى الحرب برستم فأرسل إليه، فدخل عليه، فقال: إنى أريد أن أوجهك فى هذا الوجه، وإنما يعد للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم، وأنت لها، وقد ترى ما جاء أهل فارس من أمر لم يأتهم منذ ولى آل أردشير.
فأراه رستم أن قد قبل منه وأثنى عليه، فقال له الملك: قد أحببت أن أنظر فيما لديك لأعلم ما عندك، فصف لى العرب وفعلهم، وصف لى العجم وما يلقون منهم، فقال رستم: صفة ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت، فقال: ليس كذلك، إنما سألتك رجاء أن تعرف صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب، فافهم عنى، إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفت على مرقب عند جبل تأوى فى ذراة الطير تبيت فى أوكارها، فإذا أصبحت الطير تجلت، فأبصرت العقاب ترقبها، فخافتها فلم تنهض، وطمعت العقاب، فلم ترم، وجعلت كلما شذ منها طائر انقضت عليه فاختطفتها حتى أفنتها، فلو نهضت بأجمعها نهضة واحدة لنجت، وأشد شىء يكون فى ذلك أن تنجو كلها إلا واحدا، فهذا مثلهم ومثل الأعاجم، فاعمل على قدر ذلك، فإنى أريد أن أوجه إلى هؤلاء القوم جمعا أستأصلهم به.
فسجد له رستم، وقال: الملك أفضل رأيا، وأيمن أمرا، وأسعد جدا، وإن أذن لى تكلمت.
قال: قل، قال: هزيمة جيش بعد جيش أمثل وأبقى من هزيمة الجماعة التى ليس بعدها مثلها، فأبى عليه يزدجرد إلا أن يجمع له الناس ويوجهه بهم إلى العرب، فقال له رستم:
أيها الملك، دعنى فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضربهم بى، ولعل دولة تكون فيكون الله قد كفى، ونكون قد أصبنا المكيدة ورأى الحرب، فإن الرأى فيها والمكيدة
(2/438)

أنفع من بعض الظفر، فألح يزدجرد وترك الرأى، وكان ضيقا لجوجا، وقال لرستم:
امض حتى يأتيك أمرى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط ووجه إليه الملك المرازبة والقواد والأساورة واستحثه فى المسير، فأعاد عليه رستم كلامه، وقال: أيها الملك، إن هزيمتى لهم دونها ما بعدها وعليكم دونها ما بعدها، ولقد اضطرنى تضييع الرأى إلى إعظام نفسى وتزكيتها، ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك الله فى أهلك ونفسك وملكك، دعنى أقم بعسكرى وأسرج الجالينوس، فإن تكن لنا فذاك، وإلا فأنا على رجل وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدا ولا حيلة صبرنا لهم، وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون، موفورون، فأبى إلا أن يسير.
ولما نزل رستم بساباط وجمع أداة الحرب وآلاتها، بعث على مقدمته الجالينوس فى أربعين ألفا، وخرج هو فى ستين ألفا، وساقته فى عشرين ألفا، وعليها الفيرزان، وعلى ميمنته الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازى، وقال رستم: ليشجع الملك إن فتح الله علينا هؤلاء القوم فهو وجهنا إلى ملكهم فى داره حتى نشغلهم فى أهلهم وبلادهم، إلا أن يقبلوا المسالمة ويرضوا بما كانوا يرضون به.
وقال سيف عن أشياخه «1» : خرج رستم فى عشرين ومائة ألف كلهم متبوع، فكانوا بأتباعهم أكثر من مائتى ألف، ثم إن رستم رأى رؤيا فكرهها، وأحس لها الشر، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب، وسأل الملك أن يمضى الجالينوس، ويقيم حتى ينظر ما يصنعون، وقال: إن غناء الجالينوس كغنائى، وإن كان اسمى أشد عليهم من اسمه، فإن ظفر فهو الذى نريد، وإن تكن الأخرى وجهنا مثله، ودافعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما، فإنى لا أزال مرجوا فى أهل فارس ما لم أهزم، ولا أزال مهيبا فى صدور العرب، ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم، وإن باشرتهم اجترؤا آخر دهرهم، وانكسر أهل فارس آخر دهرهم.
قالوا: ولما أبى الملك إلا مسير رستم، كتب رستم إلى أخيه وإلى رؤس بلاده: من رستم بن البندوان إلى مرزبان الباب وسهم أهل فارس، الذى كان يعد لكل عظيمة، فيفض الله به الجموع، ويفتح به الحصون، ومن قبله من عظماء أهل فارس والمرازبة والأساورة، فرموا حصونكم، وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب هذه الأمة الذليلة كانت عندكم الخسيسة المنزلة الضيقة المعيشة قد وردوا بلادكم، وقارعوكم على
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 505) .
(2/439)

أرضكم وأبنائكم، وانتزعوا ما فى أيديكم، وكان من رأيى مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود نجومنا فأبى الملك.
ويقال: إن رستم عند ما أمر يزدجرد بالنهوض إلى ساباط كتب إلى أخيه بنحو الكتاب الأول، وزاد فيه: أن السمكة قد كدرت الماء، وأن النعائم قد حبست، وحسنت الزهرة، واعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، ويستولون على ما قبلنا، وإن أشد ما رأيت أن الملك قال: لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم بنفسى، وأنا سائر إليهم.
وكان الذى جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى، وكان من أهل فرات بادقلى، فأرسل إليه وقال: ما ترى فى مسير رستم وحرب العرب اليوم؟
فخافه على الصدق فكذبه، وكان رستم يعلم نحوا من عمله، فثقل عليه مسيره لأجل ذلك، وخف على الملك لما غره منه، وقال الملك للغلام: إنى أحب أن تخبرنى بشىء أراه أطمئن به إلى قولك، فقال الغلام لزرنا الهندى: أخبره، فقال: سلنى، فسأله، فقال: أيها الملك، يقبل طائر فيقع على إيوانك، فيقع منه شىء فى فيه هاهنا، وخط دائرة، فقال الغلام: صدق، والطائر غراب، والذى فى فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان.
وبلغ جابان أن الملك طلبه، فأقبل حتى دخل عليه، فسأله عما قال غلامه، فحسب، فقال: صدق ولم يصب، إنما الطائر عقعق، والذى فى فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا، يندر الدرهم من هاهنا فيستقر هاهنا، ودور دائرة أخرى، فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق، فسقط منه درهم فى الخط الأول، فنزا فسقط فى الخط الآخر، ونافر الهندى جابان حيث خطأه، فأتيا ببقرة نتوج، فقال الهندى: سخلتها غراء سوداء، فقال جابان: كذبت، بل سوداء صبغاء، فنحرت البقرة فاستخرخت سخلتها، فإذا ذنبها أبيض، وهو بين عينيها، فقال جابان: من هاهنا أتى، وشجعاه على إخراج رستم، فأمضاه.
ولما فصل رستم من ساباط، لقيه جابان على القنطرة، فشكا إليه، وقال: ألا ترى ما أرى؟ فقال رستم: أما أنا فأقاد بخشاش وزمام، ولا بد من الانقياد وأمر الجالينوس بالتقدم إلى الحيرة، فمضى نحوها حتى اضطرب عسكره بالنجف، وخرج رستم بعده حيث ينزل بكوثى، وأمر الجالينوس عند ما قدمه أن يصيب له رجلا من العرب من جند سعد، فخرج هو والآزاذمرد، مرزبان الحيرة، فى سرية حتى انتهيا إلى القادسية فأصابا دون قنطرتها
(2/440)

رجلا، فاختطفاه، ونفر الناس فأعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون فى أخرياتهم، فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم، وهو بكوثى، فقال له رستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله عز وجل، قال: وما موعود الله عز وجل؟ قال:
أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أنتم أبيتم أن تسلموا، قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟
قال: فى موعود الله عز وجل من قتل منا قبل ذلك أدخله الله الجنة، وأنجز لمن بقى منا ما قلت لك، فنحن من ذلك على اليقين، فقال له رستم: قد وضعنا إذا فى أيديكم، فقال: ويحك يا رستم، إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تحاول الإنس، إنما تحاول القضاء والقدر، فاستشاط، فأمر به فضربت عنقه، رحمه الله.
وارتحل رستم من كوثى وكأنه يقاد بزمام، حتى إذا كان ببرس أفسد أصحابه وغصبوا الناس أموالهم ووقعوا على نسائهم، فضج العلوج إلى رستم، وشكوا إليه ما يلقون من أصحابه، فجمع المرازبة والرؤساء فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس، والله لقد صدق العربى، والله ما أسلمتنا إلا أعمالنا، والله للعرب فى هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم، إن الله عز وجل إنما كان ينصركم على العدو، ويمكن لكم فى البلاد بالعدل وحسن السيرة، فأما إذ تحولتم عن ذلك، فأظهرتم البغى، وسارعتم فى الفساد، فلا أرى الله عز وجل إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم، فإنه لم يفعل هذا قوم إلا نزع عنهم النصر، وسلط عليهم العدو.
ثم بعث الرجال، فلقطوا بعض الذين شكوا، فضربت أعناقهم، ثم نادى فى الناس بالرحيل، فسار حتى نزل بجبال دير الأعور، ودعا أهل الحيرة وسرادقه إلى جنب الدير، فأوعدهم وهم بهم، وقال: يا أعداء الله، فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا، وكنتم عيونا لهم علينا، وأعنتموهم بالأموال فاتقوا بابن بقيلة، وقالوا له: كن أنت الذى تكلمه، فتقدم إليه ابن بقيلة، فقال له: لا تجمع علينا أمرين: العجز عن نصرنا واللائمة لنا فى الدفع عن أنفسنا وبلادنا، أما قولك: أنا فرحنا بمجيئهم، وبأى ذلك من أمرهم نفرح؟
إنهم يزعمون أنا عبيد لهم، وما هم على ديننا، وأنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار، وأما قولك: أنا كنا لهم عيونا فما احتاجوا إلى العيون، لقد ترك أصحابك لهم البلاد حتى كانت خيولهم تذهب حيث شاءت، وأما إعانتهم بالأموال، فإنا صانعناهم بها إذ لم تمنعونا مخافة أن نسبى ونخرب، وتقتل مقاتلتنا وقد عجز عنهم من لقيهم منكم، فكنا نحن أعجز منهم، ولعمرى لأنتم أحب إلينا منهم، فامنعونا نكن لكم، فإنا نحن بمنزلة علج
(2/441)

السواد، عبيد من غلبنا، فقال لهم رستم: صدقكم الرجل. قال الرفيل: ورأى رستم بالدير أن ملكا هبط من السماء حتى دخل عسكر فارس، فأخذ سلاحهم فختم عليها، ثم رفعها، فأصبح كئيبا، وقد أيقن أن ملكهم قد ذهب، ثم ارتحل حتى نزل النجف فعادت عليه الرؤيا، فرأى ذلك الملك ومعه النبى صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه، ثم دفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فدفعه النبى صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فأصبح رستم وقد ازداد جزعا، فلما رأى الرفيل ذلك رغبه فى الإسلام فأسلم، وما كان داعيته إليه إلا ذلك.
وكان رستم قد أرسل إلى قابوس بن المنذر، وقال بعضهم: ابن النعمان بن المنذر:
اكفنا ما كانت آباؤك تكفينا من العرب، وعقد له على أربعة آلاف وقدمه إلى العذيب، فلما قدم سعد بن أبى وقاص بين يديه زهرة بن الجوية يرتاد له منزلا، قدم زهرة أمامه بكر بن عبد الله الكنانى، وقال بعضهم: عبد الله بن بكير، فانتهى إلى العذيب، ووافاه زهرة هنالك، فطرقوا قابوس بياتا فى حصن العذيب فقتلوه وتفرق أصحابه منهزمين، حتى وصلوا إلى رستم، هكذا ذكر المدائنى.
وفى كتاب سيف «1» : أن الآزاذمرد بن الأزاذبة هو الذى بعث قابوس إلى القادسية، وقال له: ادع العرب، فأنت على من أجابك، وكن كما كان آباؤك، فلما نزل القادسية كاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعدا، فلما انتهى خبره إلى المعنى بن حارثة أسرى من ذى قار حتى بيته فأنامه ومن معه، ثم رجع، فخرج إلى سعد ابن أبى وقاص بزوجة المثنى ووصيته، وهذا الوجه الذى خرج إليه هو الذى شغله عن تعجيل القدوم على سعد بوصية أخيه، حسب ما ذكرناه قبل.
وعن كريب بن أبى كرب العكلى، وكان فى المقدمات أيام القادسية، قال: قدمنا سعد من شراف، فنزلنا فى عذيب الهجانات ثم ارتحل، فلما نزل علينا، وذلك فى وجه الصبح، خرج زهرة بن الجوية فى المقدمات، فلما رفع لنا العذيب، وكانت من مسالحهم، استبنا على بروجه ناسا، فما نشاء أن نرى على برج من بروجه رجلا أو بين شرفتين إلا رأيناه، وكنا فى سرعان الخيل، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كثف، ونحن نرى أن فيها خيلا، ثم أقدمنا على العذيب، فلما دنونا منه، خرج منه رجل يركض نحو القادسية، فانتهينا إليه، فدخلنا فإذا ليس فيه أحد، وإذا ذلك الرجل هو الذى تراءى لنا على البروج وبين الشرف مكيدة، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زهرة
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 489) .
(2/442)

فلحق فجد له فيه، وكان أهل القادسية يعجبون من شجاعة ذلك الرجل، وعلمه بالحرب، ولم تر عين قط أثبت منه ولا أربط جأشا لولا بعد غايته لم يلحق به زهرة، ووجد المسلمون رماحا ونشابا وأسفاطا من جلود وغيرها، انتفع المسلمون بها.
ولما أمسى زهرة بن الجوية بعث سرية فى جوف الليل، وأمر عليهم بكير بن عبد الله الليثى، وكانوا ثلاثين معروفين بالنجدة والبأس وفيهم الشماخ القيسى الشاعر، وأمرهم بالغارة على الحيرة، فساروا حتى جازوا السيلحين، وقطعوا جسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جلبة، فأحجموا عن الإقدام، وأقاموا كمينا حتى يتبينوا، فما زالوا كذلك حتى جازت بهم خيول، تقدم تلك الغوغاء، فتركوها فنفذت لطريق الصين، وإذا هم لم يشعروا بهم، وإنما ينتظرون ذلك العين الذى قتله زهرة، وإذا أخت الآزاذمرد، مرزبان الحيرة، تزف إلى صاحب الصين، وكان من أشراف العجم، وتلك الخيل تبلغها مخافة ما هو دون الذى لقوا، فلما انقطعت الخيل عن الزواف، والمسلمون كمين فى النخل وحاذت بهم الأثقال، حمل بكير على شيراز بن الأزاذبة أخى الآزاذمرد، وهو بين أخته وبين الخيل، فقصم بكير صلبه، وطارت الخيل على وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة الآزاذبة فى ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة امرأة من التوابع، ومعهم ما لا يدرى قيمته، ثم عاج واستاق ذلك كله، فصبح سعدا بعذيب الهجانات بما أفاء الله، عز وجل، على المسلمين، فكبروا تكبيرة شديدة. فقال سعد: أقسم بالله لقد كبروا تكبيرة عرفت فيها العز، فقسم ذلك سعد على المسلمين، ونفل من الخمس، وأعطى المجاهدين بقيته، فوقع منهم موقعا، ووضع سعد بالعذيب خيلا تحوط الحريم، وانضم إليها حاطة كل حريم، وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثى، ونزل سعد القادسية، وكتب سعد إلى عمر، رحمه الله، يعلمه بقتل الآزاذبة على يدى بكير بن عبد الله، وقال فيما كتب به إليه: وأنا مقيم بالقادسية على أمرك، ومنزلنا خصيب الجناب، ونحن ننتصف فيه من عدوان نزل بنا فى الخصب ننال من ذلك أفضل الذى نريد، وهو يوم كتبت لك مباح لنا لا يدفعوننا عنه إلا بالاعتصام بمعاقلهم، ولن يزال عندك منا كتاب بما يحدث إن شاء الله.
فأقام سعد شهرا، ثم كتب بمثلها إلى عمر، رحمهما الله: نحن وعدونا على ما كتبت إليك، لم يوجهوا إلينا أحدا، ولا أسندوا حربا إلى أحد علمناه، ومتى يبلغنا ذلك نكتب به، فاستنصروا الله لنا، فإنا بمنحاة دنيا عريضة، دونها بأس شديد، وقد تقدم الله إلينا فى الدعاء إليهم، فقال تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح: 16] .
فكتب إليه عمر: أما بعد، فإن أبا بكر، رحمه الله، كان رشيدا موفقا، محفوظا معانا
(2/443)

أكرمه الله وأعانه حتى قبضه إليه راضيا مرضيا عنه، وقد ابتلينا بالذى ولينا مما لا طاقة لنا بحفظه والقيام عليه إلا بتحنن القوى ذى العزة والعظمة، وقد علمت أن فارس ستقبل إليك بمرازبتها وبأسها وعددها، فإياك والمناظرة لجموعهم، والقادسية على ما وصفت لى منزل جامع، والجد الجد على الذى أنت عليه، واكتب إلىّ بجمعهم الذى زحفوا إليك به، ومن رأسهم الذى يسندون إليه أمرهم، وكم بين أدنى عدوك منك وبين ملكهم، واجعلنى من أمرهم على الجلية، فإنك بحمد الله على أمر وليه وناصره، والله ناصر من نصره، وقد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، والله متم أمره، ومن يرد الله به صلاحا يلهمه رشده فيما أعطاه، ويبصره الشكر لنعمته، والعمل بطاعته، والعرفان لأداء حقوقه، ومن يكن بتلك المنزلة يعنه الله على حسن نيته، ويعطه أفضل رغبته، وإنما يستوجب كرامة الله بتمام ننعمته من عصم له دينه، وإنما يصلح الله النية لمن رغب فيما عنده وأذعن لطاعة ربه، وإن منازل عباد الله عنده على نياتهم، فأكثر ذكر الله، وكن منه على الذى رغبك إليه وفيه، فإن فى ذلك رواحا للمستريح ونجاحا تجد فيه غدا نفع ما قدمت، فإنك ممن أرغب له فى الخير ويعنينى أمره للمكان الذى أنت فيه من عدو الإسلام، نسأل الله لنا ولك إيمانا صادقا، وعملا زاكيا.
فكتب إليه سعد وقد علم بأن رستم هو الذى تعين لحرب العرب وقود جيوش فارس، وأنه قد زحف إلى المسلمين ودنا منهم، إذ كان سعد وجه عيونا إلى الحيرة فرجعوا إليه بالخبر. فكتب به فيما أجاب به عمر، رضى الله عنهما:
أتانى كتابك بما ذكرت من أبى بكر، رحمة الله عليه، ولم يكن أحد يذكر من أبى بكر شيئا إلا وقد كان أفضل من ذلك، فبوأه الله غرف الجنة، وعرف بيننا وبينه، وإنك عامل من عمال الله، فاستعن بالله وشمر، وليس شىء أهم عندى ولا أنا أكثر ذكرا لما نحب أن نكون عليه من الذى أمرتنا به، والله ولى العون على ذلك، وقد قدم علينا عظيم من عظمائهم يقال له رستم بالخيل والفيول والعدد والعدة والقوة، فيما يرى الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبيننا وبينه خمسة عشر ميلا، وبينه وبين ابن كسرى بأبيض المدائن نيف على ثلاثين فرسخا، ولنا من عدونا النصف إن شاء الله، ولن يزال منا عندك كتاب يخبرنا إن شاء الله، فاستنصروا الله لنا بالدعاء والتضرع خفية وجهرا، فإن الله يعطى من سعة ويأخذ بقدرة ويفعل ما يشاء.
وكان عمر، رحمه الله، قد أمر بموالاة الكتب إليه بكل شىء، فكان سعد يكتب إليه فى كل يوم.
(2/444)

وكتب إليه عمر: أتانى كتابك تذكر مكان عدوك ونزولك حيث نزلت، ومسافة ما بينك وبين ابن كسرى، وأنه من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، فأرسل إلى ابن كسرى من يدعوه إلى الإيمان أو إعطاء الجزية أو الحرب، فإن أسلم فله ما لكم وعليه ما عليكم، وإن اختار إعطاء الجزية ولم يسلم فله ما كسب وعليه ما اكتسب وقد حقن دمه وأحرز أرضه، ولا سبيل عليه إلا فى حق عليه، فإن أبى الإسلام وإعطاء الجزية فلا يعظم عندك حربه ولا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتوك به، فاستعن بالله واستنصره وتوكل عليه، وإذا لقيت عدوك فقدم أهل البأس والنجدة فى غير إهانة لهم ولا تغرير بهم، وعليكم بالصبر فإنه ينزل النصر، فإذا ظهرت فأكثر القتل فى دبر المشركين، واقتل المقاتلة، واستبق النساء والصبيان، ثم لا تتركن أحدا من العدو وراءك، وإن أعطوك الصلح فلا تصالح إلا على الجلاء، إلا أن تترك فيها من لا كيد له ولا نكاية، وأحط بأمرى، وخذ بعهدى.
وفى رواية أنه قال له، فيما كتب به إليه: وابعث إليهم رجالا من أهل المنظر والرأى والجلد يدعونهم، فإن الله عز وجل جاعل دعاءهم توهينا لهم، وفلجا عليهم.
ولما انتهى إلى سعد أمر عمر، رضى الله عنه، بالتوجه إلى يزدجرد، جمع نفرا لهم نجار، ولهم آراء، ونفرا لهم منظر وعليهم مهابة.
فأما الذين لهم نجار ولهم آراء واجتهاد: فالنعمان بن مقرن، وبسر بن أبى رهم، وجبلة بن جوية الكنانى، وحنظلة بن الربيع الأسدى، وفرات بن حيان العجلى، وعدى ابن سهيل، والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب.
وأما الذين لهم منظر لأجسامهم، وعليهم مهابة، ولهم آراء: فعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معدى كرب، وغيرهم ممن سماه سيف فى كتابه.
وخالفه المدائنى فى بعضهم، فلم يذكرهم، وذكر معهم ممن لم يذكره سيف: طليحة ابن خويلد، وزهرة بن جوية، ولبيد بن عطارد، وشرحبيل بن السمط.
قال المدائنى: فأتوا الحيرة، فأرسل إليهم رستم: أين تريدون؟ قالوا: نريد ابن كسرى.
فأرسل معهم أساورة فجوزوهم إلى المدائن، فوقفوا ببابه.
وقال سيف: إنهم طووا رستم، حتى انتهوا إلى باب يزدجرد، فوقفوا على خيول
(2/445)

عراب معهم جنائب، وكلها صهال، فاستأذنوا فحبسوا، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه ليستشيرهم فيما يصنع بهم، ويقول لهم، وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم، وعليهم المقطعات والبرود، وفى أيديهم سياط رقاق، وفى أرجلهم النعال. فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فدخلوا عليه.
قال بعض من حضر هذا اليوم ممن سبى فى القادسية ثم حسن إسلامه: لما كان هذا اليوم الذى قدم فيه وفود العرب على يزدجرد ثاب إليهم الناس ينظرون إليهم، فلم أر عشرة قط يعدلون فى الهيئة بألف غيرهم، وخيلهم تخبط ويوغر بعضها بعضا. وجعل أهل فارس يسؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سيئ الأدب، فكان أول شىء دار بينه وبينهم أن قال لترجمانه: سلهم ما يسمون هذه الأردية؟ فسأل النعمان بن مقرن، وكان على الوفد: ما تسمى رداءك؟ قال:
البرد. قال: فتطير لموافقة هذا الاسم اسم شىء متطير به عندهم، وتغيرت ألوان فارس، وشق ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فسأله. فقال: النعال، فتطير، أيضا، لمثل ذلك، ثم سأله عن الذى فى يده، فقال: سوط، والسوط بالفارسية الحريق، فقال:
أحرقوا فارس أحرقهم الله، وكان تطيره على أهل فارس، ثم قال لترجمانه: سلهم ما جاء بكم، وما دعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا؟ أمن أجل أنا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا؟ فقال لهم النعمان بن مقرن: إن شئتم أجبت عنكم، ومن شاء آثرته.
قالوا: بل تكلم، وقالوا للملك: كلام هذا الرجل كلامنا. فتكلم النعمان. فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع لذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين: فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه فى دينه إلا الخواص. فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، ويبدأ بهم ففعل، فدخلوا معه جميعا على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاءنا به على ما كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوهم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون ما آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، وعلى أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، فإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا منكم ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.
قال: فتكلم يزدجرد، فقال: إنى لا أعلم فى الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا
(2/446)

ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى فيكفونناكم لا نغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.
فأسكت القوم.
فقام المغيرة بن زرارة النباش الأسدى، فقال: أيها الملك، إن هؤلاء رؤس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، وتفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبنى لأكون الذى أبلغك، ويشهدون على ذلك، أنك قد وصفتنا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أحد أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فنرى ذلك طعاما. وأما المنازل فإنما هى ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، ويغير بعضنا على بعض، فإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهى حية كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالتنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، وبعث الله إلينا رجلا معروفا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو بنفسه كان خيرنا فى الحال التى كان فيها أصدقنا وأجملنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد، أول من ترب له كان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله فى قلوبنا اتباعه والتصديق له، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا به فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إنى أنا الله وحدى لا شريك لى، فكنت إذ لم يكن شىء وكل شىء هالك إلا وجهى، وأنا خلقت كل شىء وإلىّ مصير كل شىء، وأن رحمتى أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التى بها أنجيكم بعد الموت من عذابى، ولأحلكم دارى، دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الله، وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم أمنعوهم مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم. فمن قتل منكم أدخلته الجنة، ومن بقى منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجو بنفسك. فقال: أتستقبلنى بمثل هذا؟
فقال: ما استقبلت إلا من كلمنى، ولو كلمنى غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن
(2/447)

الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شىء لكم عندى، وقال: ائتونى بوقر من تراب، واحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه أنى مرسل إليهم رستم حتى يدفنه وجنده فى خندق القادسية، ومنكل به وبكم من بعده، ثم أورده بلادكم، حتى أشغلكم فى أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
ثم قال: من شد فكم؟ فسكت القوم، فقال: عاصم بن عمرو: أراد لنأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، قال: أكذلك؟ قالوا: نعم، فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، فقال له أصحابه: حملت ترابا؟ قال:
نعم، الفأل، قد أمكنكم الله من أرضهم، فلم يزل معه حتى قدم به على سعد فأخبره الخبر. فقال سعد: أبشروا، فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وجعل المسلمون يزدادون فى كل يوم قوة، ويزداد عدوهم فى كل يوم وهنا، واشتد على جلساء الملك ما صنع، وما صنع المسلمون من قبول التراب، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم، وكيف رآهم، فقال الملك: ما كنت أرى أن فى العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علىّ، والله ما أنتم بأعقل منهم، ولا أحسن جوابا، وأخبره بكلام متكلمهم، وقال: لقد صدقنى القوم، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه، على أنى وجدت أفضلهم أحمقهم، لما ذكروا الجزية أعطيته ترابا يحمله على رأسه فخرج به، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أعلم.
قال: أيها الملك، أخذ التراب أعقلهم، وما أخذه إلا تطيرا، وأبصرها دون أصحابه وخرج رستم من عنده كئيبا غضبان، فبعث فى أثر الوفد، وقال لبعثه: إن أدركتموهم تلافينا أرضنا، وإن أعجزوكم سلبكم الله أرضكم، فرجع إليه من كان وجه أثرهم من الحيرة فأعلمه بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم غير ذى شك، ما كان من شأن ابن الحجامة الملك ذهب القوم بمفاتيح أرضنا، فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظا، وأغار بعد ما خرج الوفد إلى يزدجرد إلى أن جاؤا صيادين قد اصطادوا سمكا، وسار سواد بن مالك التميمى إلى النجاد والفراض إلى جنبها، فاستتاق ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور، فأوقروها سمكا، واستاقوها، فصبحوا بها العسكر، فقسم سعد السمك بين الناس، وقسم الدواب، ونفل الخمس إلا ما رد منه على المجاهدين، وأسهم على السبى، وهذا يوم الحيتان، وكان الآزاذمرد الآزاذبة قد خرج فى الطلب، فعطف عليه سواد وفوارس معه، فقاتلهم على قنظرة السيلحين، حتى عرفوا أن قد نجت الغنيمة، ثم اتبعوها حتى أبلغوها المسلمين، وكانوا إنما يقرمون إلى اللحم، وأما الحنطة والشعير والتمر،
(2/448)

فكانوا قد اكتسبوا منه ما اكتفوا به لو أقاموا زمانا، فكانت السرايا إنما تسرى للحوم، ويسمون أيامها بها، كيوم الأباقر ويوم الحيتان. وخرج، أيضا، مالك بن ربيعة بن خالد، من تيم الرباب، ومعه المسافر بن النعمان التميمى فى سرية أخرى، فأغاروا على الفيوم فأصابوا إبلا لبنى تغلب والنمر فشلوها ومن فيها، فغدوا بها على سعد، فنحرت الإبل فى الناس، وأخصبوا.
ولما كتب سعد إلى عمر، رحمه الله، يخبره بأمر ابن كسرى، وإعداده للمصادمة، وأن من كان صالح المسلمين من أهل السواد قد صاروا إلبا عليهم لأهل فارس، قال: وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر فى عافية. كتب إليه عند ذلك عمر، رحمه الله:
قد جاءنى كتابك وفهمته، فأقم مكانك حتى ينغض الله لك عدوك، واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن، فإنه خرابها إن شاء الله.
وجعل عمر يدعو لسعد خاصة، وللمسلمين عامة، ويدعون له معهم.
وفيما ذكر سيف عن رجاله «1» قالوا: كان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط وزحفه عنها إلى أن لقى سعدا أربعة أشهر، لا يقدم ولا يقاتل، رجاء أن يضجروا بمكانهم، وأن يجهدوا فينصرفوا، وكان يكره القتال مخافة أن يلقى ما لقى من قبله، ويحب المطاولة له لولا أن الملك جعل يستعجله وينهضه ويقدمه حتى أقحمه.
وكتب عمر، رضى الله عنه، إلى سعد:
إنه قد ألقى فى روعى أنكم إذا لقيتم العدو وهزمتموهم، فاطرحوا الشك، وآثروا عليه اليقين، فمن لاحن منكم أحدا من العجم بأمان بإشارة أو بلسان ولا يدرى الأعجمى ما كلمتموه به، وكان عندهم أمانا، فأجروا ذلك مجرى الأمان، وآثروا اليقين والنية على الشك، وإياكم والمحك، وعليكم بالوفاء، فإن الخطأ مع الوفاء له بقية، والخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم، وإياكم أن تكونوا شينا على المسلمين، وسببا لتوهينهم.
وكتب إليه سعد يستمده، فكتب إليه عمر:
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 509) .
(2/449)

أتستمدنى وأنت فى عشرة آلاف، ومعك مالك بن عوف وحنظلة بن ربيعة وطليحة ابن خويلد وعمرو بن معدى كرب فى أمثالهم من فرسان العرب، ومن معك من أهل الحسبة والرغبة فى الجهاد، فتوكل على الله واستعنه وناهض عدوك، ولا تهيب الناس، واستفتحوا بحسن النية والحسبة والزهد فى الدنيا والإنصاف، والصبر الصبر، والصدق الصدق، فإن النصر ينزل مع الصبر، والأجر على قدر الحسبة، واحذر على المسلمين، وتحرز من البيات، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، واندب الناس إلى القتال، ونفل أهل البلاء، ومن قتل قتيلا فنفله سلبه، ونكل على المعصية. واجعل الناس أسباعا، واستعمل على كل سبع رجلا، وقال بعضهم: أعشارا، وقد كتبت إلى المغيرة بن شعبة أن يشخص إليك فى طائفة ممن قبله بالبصرة، وكتبت إلى أبى عبيدة أن يمدك بجمع من الشام، فإذا قدموا عليك فناهض عدوك، وإن رأيت فرصة قبل ذلك فاغتنمها، ولا تؤخر ذلك إن شاء الله، ولا تستوحشن لقلة من معك، ولا تهن لكثرة عدوك، فكثيرا ما ينصر القليل ويخذل الكثير، وقبلك طليحة بن خويلد، وعمرو بن معدى كرب، وحنظلة بن ربيعة، وأوس بن معدان، وابن زيد الخيل، فلا تؤمرن أحدا منهم على أكثر من مائة، وشاور عمرا وطليحة فى الحرب، ولا تولهما جمعا.
فانتهى سعد، رحمه الله، إلى كل ما أمره به عمر، رضى الله عنه، من تهيئة الناس أسباعا أو أعشارا، وقدم عليهم المغيرة فى ثمانمائة، ويقال فى ألف وخمسمائة، والمسلمون فى ضيق، فقال المغيرة، رحمه الله: من آسى إخوانه بطعامه وزاد هو بناقته وجمله، فنحروا لهم وأخرجوا أطعماتهم فأصابوا منها ووقوا، وأشار المغيرة على سعد أن يوجه السرايا فيصيبوا الطعام والعلف، فقبل سعد مشورته، وبث السرايا، فأصابوا من الأطعمة ما كانوا يكتفون به زمانا.
وقد روى عن الشعبى أن عمر، رحمه الله، كتب إلى سعد مرتحله من زرود: أن ابعث إلى فرج الهند رجلا ترضاه يكون بحياله، ردآ لك من شىء إن أتاك من تلك التخوم، فبعث إليه المغيرة بن شعبة فى خمسمائة، فكان بحيال الأبلة من أرض العرب، فأتى غضبا، ونزل على جرير، وهو يومئذ هنالك، فلما ننزل سعد بشراف كتب إلى عمر بمنزله ومنزل الناس، فكتب إليه عمر:
إذا جاءك كتابى هذا فعشر الناس وعرف عليهم، وأمر على أجنادهم، وعبئهم، ومر رؤساء المسلمين أن يشهدوا، وقدرهم وهم شهود، ثم وجههم إلى أصحابهم، وواعدهم القادسية، واضمم إليك المغيرة فى خيله، واكتب إلىّ بالذى يستقر عليه أمرهم.
(2/450)

فبعث سعد إلى المغيرة، فانضم إليه وإلى رؤساء القبائل، فأتوه، فقدر الناس، وعبأهم بشراف، فأمر أمراء الأجناد، وعرف العرفاء، على كل عشرة رجلا، كما كانت العرافات أزمان النبى صلى الله عليه وسلم، وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء، وأمر على الرايات رجالا من أهل النباهة، وأمر على الأعشار رجالا من الناس لهم وسائل فى الإسلام، وولى الحرب رجالا، فولى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها وركبانها وطلائعها، فلم يخرج من شراف إلا عن تعبئة، ولا فصل منها إلا بكتاب عمر وإذنه.
قالوا فيما ذكر سيف عن رجاله: وبعث عمر، رحمه الله، الأطبة، وبعث على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلى، وجعل إليه الأقباض وقسمة الفىء، وجعل داعيهم ورائدهم سلمان الفارسى. فكان أمراء التعبئة يلون الأمير والذين يلون أمراء التعبئة أمراء الأعشار، والذين يلون أمراء الأعشار أصحاب الرايات، والذين يلون أصحاب الرايات والقواد رؤساء القبائل، فلما فرغ سعد من تعبئته وأعد لكل شىء من أمره جماعات ورؤساء كتب بذلك إلى عمر، رحمه الله، ولا خفاء بما بين مقتضى هذا الحديث وبين ما قبله من الاختلاف بالتأخر أو التقدم، والله تعالى أعلم.
وبعث سعد فى مقامه بالقادسية إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى ميسان، فطلب بقرا وغنما فلم يقدر عليها، وتحصنوا منه فى الأفدان، وأوغلوا فى الآجام، فضرب حتى أصاب رجلا على طف أجمة، فسأله واستدله على البقر والغنم، فحلف له، وقال: ما أعلم، وإذا هو راعى ما فى تلك الأجمة، فصاح منها ثور: كذب والله وها نحن أولاء، فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس، فأخصبوا أياما، وهذا اليوم هو يوم الأباقر.
وذكر المدائنى أن حنظلة بن الربيع الأسيدى هو صاحب هذه الغارة، وأنه أتى أسفل الفرات فلم يصب مغنما ولم يلق كيدا، فرجع، فلقوا رجلا، فقالوا له: هل تعلم مكان أحد من عدونا بحضرتك؟ قال: لا، قد رغبتموهم فخلوا عن مساكنهم، قالوا: فتعلم مكان طعام، أو شاء، أو بقر؟ قال: لا، وسمعوا خوار ثور من غيضة، فدخلوها، فأصابوا بقرا وغنما.
قال: وقال الحجاج لرجل من بنى أسد: أشهدت القادسية؟ قال: نعم، قرمنا إلى اللحم فخرجت فى رجال من المسلمين نلتمس اللحم، فأخفقنا، فلما انصرفنا إذا بصوت عن أيماننا: ادخلوا الغيضة فإن فيها غنيمة وأجرا، فدخلنا غيضة قريبا منا فإذا عشرة من
(2/451)

الأعاجم، وإذا طعام وبقر وغنم، فقاتلونا عما فى أيديهم، فاستشهد منا رجلان، وقتلنا منهم ثمانية، وأسرنا رجلين فقتلناهما صبرا، وحملنا الطعام، واستقنا الشاء والبقر، فقسم سعد ذلك بين المسلمين، ونفل كل رجل منا قتل رجلا سلبه. فقال الحجاج: هذه بشرى من الله لأوليائه، لا يكون ذلك حتى يكون الجمع برّا تقيا. فكيف كانوا؟ قال: لا تسأل عن صدق قول، ووفاء بالعهد، وأداء للأمانة، وصبر عند البأس، والله أعلم ما يسرون، فأما الظاهر فإنا لم نر قوما قط أزهد فى دنيا ولا أشد لها بغضا، ما اعتد على رجل منهم فى يوم بواحدة من ثلاث: لا بجبن، ولا بغدر، ولا بغلول، أشداء على الكفار، رحماء بينهم، قال الحجاج: هذه صفة الأبرار.
وكتب عمر إلى سعد، رضى الله عنهما: أخبرنى عن الناس وبلائهم، أتفاضلت القبائل فيه، أو أخرجوا على السواء؟ فكتب إليه: إن القبائل لم تزل إلى أن كتبت إليك متساوية فى كل غارة، ومناهبة فى جميع ما أعدوا، وقسم ما ناهبوا، ولم يفترقوا إلا فى ثلاث، لما نزلنا بلاد القوم وعسكرنا بالقادسية، قرمت العرب إلى طعامهم، وعاموا إلى شرابهم، فانتدب لهم من مضر عاصم بن عمرو، وسواد بن مالك، ومالك بن ربيعة، والمساور بن النعمان، وغالب بن عبد الله، وعبيد الله بن وهب، وعبيد الله بن عمير الأشجعى، وعمرو بن الهذيل الأسدى، وعمرو بن ربيعة، والحارث بن ذى البردين، فألحموا الناس وألبنوهم حتى تفرغوا لحربهم، وانتدب من ربيعة: عبد الله بن عامر بن حجية، وأبجر بن جابر، وخالد بن المعمر، وعائذ بن أبى مرضية، ويزيد بن مسهر، وسمى آخرين، فأنكحوا الناس وأخدموهم بنات فارس، وبنيهم، فرغبوا فى حربهم.
وانتدب من أهل اليمن: خولى بن عمرو، والحارث بن الحارث، وعمرو بن خوثعة، والقاسم بن عقيل، وخميصة بن النعمان، وسمى غيرهم، فحملوا الناس على خيول وبغال وحمير، ودعوا الخيل العراب.
وأقام سعد بالمسلمين فى منزله من القادسية، ورستم بالحيرة، وكف رستم عن القتال، وطمع أن يضجر المسلمون بمكانهم، وكف سعد عنهم والمسلمون، وصبروا رجاء أن يصالحوا عن بلادهم ويعطوا الجزية ويسلموا.
وكان عمرا، رحمه الله، قد عرف أن القوم سيطاولونهم فلذلك ما عهد إلى سعد والمسلمين أن ينزلوا على حدود أرضهم وأن يطاولوهم أبدا حتى ينقضوهم، فحينئذ نزلوا القادسية وقد وطنوا أنفسهم على الصبر، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وإذا أراد الله أمرا أصابه، فأقاموا واطمأنوا، فكانوا يغيرون على السواد، فانتسفوا ما يليهم فحووه، وأعدوا للمطاولة، أو يفتح عليهم.
(2/452)

وكان عمر، رضى الله عنه، يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون، فلما رأى ذلك يزدجرد من أمرهم، وعلم أنهم غير منتهين، وأنه إن أقام لم يتركوه، وشكا إليه عظماء أهل فارس من نزولهم القادسية، وإخرابهم البلاد بالغارات، ورستم كاف عنهم، مقيم بإزائهم، أمر رستم بالشخوص لمناجزتهم، ورأى رستم أن ينزل بينهم وبين العتيق، ثم يطاولهم مع المنازلة، ورأى أن ذلك أمثل ما هم عاملون، حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم وتدور لهم سعود.
وعن سيف «1» عن رجاله، قالوا: وجعلت السرايا تطوف، ورستم بالنجف، والجالينوس بين النجف والسيلحين، وذو الحاجب بين رستم والجالينوس، وقال الناس لسعد: قد ضاق بنا المكان فأقدم، فزجر من كلمه بذلك، وقال: إذا كفيتم الرأى فلا تكلفوا، فإنا لن نقدم إلا على رأى ذوى الرأى، فاسكتوا ما سكتنا عنكم.
وعن أبى عثمان النهدى «2» أن سعدا، رحمه الله، لما نزل رستم النجف بعث الطلائع، وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس، فأخرج طليحة فى خمسة، وعمرو بن معدى كرب فى خمسة، وذلك صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب وهم لا يشعرون بفصولهم من النجف، فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الصفوف قد ملؤها، فقال بعضهم: ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم. فقال عمر لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه: كذبتم، ما بعثتم لتخبروا عن السرح، أو ما بعثتم إلا للخبر، قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخالط عسكر القوم أو أهلك، قالوا:
أنت رجل فى نفسك غرر، ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن، فارجع معنا، فأبى.
وأتى سعد الخبر برحيل فارس، فبعث قيس بن هبيرة، وأمره على مائة، وعليهم أن لقيهم، فانتهى إليهم وقد افترقوا، وفارقهم طليحة، فرجع بهم قيس فأخبروا سعدا بقرب القوم، ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم، وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم.
فلما أدبر الليل أتى أفضل من توسم فى ناحية العسكر، فإذا فرس لم ير فى خيل القوم مثله، وفسطاط أبيض لم ير مثله، فانتضى سيفه، فقطع مقود الفرس، ثم ضمه إلى مقود فرسه، وحرك فرسه فخرج يعدو به، ونذر به القوم، فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول، فخرجوا فى طلبه، فلحقه وقد أصبح فارس من الجند، فلما غشية وبوّأ له الرمح
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 510) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 512- 514) .
(2/453)

ليطعنه عدل طليحة فرسه، فبدر الفارسى بين يديه، فكر عليه طليحة فقسم ظهره بالرمح، ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك، ولحق به آخر وقد رأى مصرع صاحبيه، وهما ابنا عمه، فازداد حنقا ففعل معه طليحة كما فعل معهما، ثم كر عليه ودعاه إلى الإسار، فعرف الفارسى، أنه قاتله، فاستأسر، وأمره طليحة أن يركض بين يديه، ففعل، ولحق الناس، فرأوا فارسى الجند قد قتلا وأسر الثالث، وقد شارف طليحة عسكر المسلمين، فأحجموا ونكصوا.
وأقبل طليحة حتى غشى العسكر، وهم على تعبئة، فأفزع الناس، وجوزوه إلى سعد، فلما انتهى إليه قال: ويحك ما وراءك قال: دخلت عساكرهم وجستها، وقد أخذت أفضلهم توسما، وما أدرى أصبت أو أخطأت وها هو ذا فاستخبره. فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسى، فقال الفارسى: أتؤمننى على دمى إن صدقتك؟ قال: نعم، والصدق فى الحرب أحب إلينا من الكذب، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلى، باشرت الحرب وغشيتها، وسمعت بالأبطال ولقيتها مذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى، فلم أر ولم أسمع بمثل هذا، أن رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون ذلك، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته، وطلبناه فأدركه الأول وهو فارس الناس، يعدل بألف فارس، فقتله، ثم أدركه الثانى، وهو نظيره فقتله، ثم أدركته ولا أظننى خلفت بعدى من يعدلنى، وأنا الثائر بالقتيلين، وهما ابنا عمى، فرأيت الموت فاستأسرت ثم أخبره عن أهل فارس، أن الجند عشرون ومائة ألف، وأن الأتباع مثلهم خدام لهم. وأسلم الرجل وسماه سعد مسلما، وعاد إلى طليحة فقال:
لا والله ما تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمواساة، لا حاجة لى فى صحبة فارس، فكان من أهل البلاء يومئذ.
وعن موسى بن طريف «1» أن سعدا بعث طليحة وعمرو بن معدى كرب، فأمر طليحة بعسكر رستم، وأمر عمرا بعسكر الجالينوس، فخرج فى عدة، وخرج طليحة وحده، فبعث قيس بن هبيرة فى آثارهما، وقال: إن لقيت قتالا فأنت عليهم، فخرج حتى تلقى عمرا، فسأله عن طليحة، فقال: لا علم لى به، فلما انتهيا إلى النجف قال له قيس: ما تريد؟ قال: أن أغير على أدنى عسكرهم، قال: فى هؤلاء قال: نعم، قال: لا أدعك والله وذاك أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال: وما أنت وذاك قال: إنى أمرت
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 511) .
(2/454)

عليك، ولو لم أكن أميرا لم أدعك. فقال عمرو بعد أن شهد لقيس نفر باستعمال سعد إياه عليه وعلى طليحة: والله يا قيس، إن زمانا تكون علىّ فيه أميرا لزمان سوء؛ لأن أرجع عن دينكم هذا إلى دينى الذى كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحب إلىّ أن تؤمر علىّ ثانية، ولئن عاد صاحبك الذى بعثك لمثلها لنفارقنه، قال: ذلك إليك بعد مرتك هذه، فرده، فرجع إلى سعد بالخبر وبأعلاج وأفراس، وشكا كل واحد منهما لصاحبه، أما قيس فشكا عصيان عمرو، وأما عمرو فشكا طاعة قيس، فقال سعد: يا عمرو، الخير وسلامة مائة أحب إلىّ من مصاب مائة تقتل ألفا، أتعمد إلى حلبة فارس فتصادمهم بمائة؟ إن كنت لأراك أعلم بالحرب مما أرى. فقال له عمرو: إن الأمر لكما.
قلت: وخرج طليحة حتى أتى النجف فدخل عسكر رستم فى ليلة مقمرة، فتوسم فيه، فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه، ثم خرج حتى مر بعسكر ذى الحاجب، فهتك على آخر بيته وحل فرسه، ثم خرج حتى أتى الخرار واتبعه هؤلاء، فكان أولهم لحاقا به الجالينوس ثم الحاجبى ثم النخعى، فأصاب الأولين وأسر الآخر، وأتى به سعدا فأخبره، وأسلم فسماه سعد مسلما، ولزم طليحة فكان معه فى تلك المغازى كلها.
وعن موسى بن طريف، أيضا، قال: قال سعد لقيس بن هبيرة: أخرج يا عاقل، فإنه ليس وراءك من الدنيا شىء تحنو عليه حتى تأتينى بخبر القوم، فخرج، وسرح معه عمرو ابن معدى كرب وطليحة، فلما جاز القنطرة لم يسر إلا يسيرا حتى انتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم، وإذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذى الحاجب، وارتحل الجالينوس فنزل ذو الحاجب منزله، ونزل الجالينوس بطيزناباذ «1» ، وقدم تلك الخيل، فقال قيس: قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين. فأنشب القتال، وطاردهم ساعة، ثم حمل عليهم، فكانت هزيمتهم، وأصاب منهم اثنى عشر رجلا، وأسر ثلاثة، وأصاب أسلاب، فأتوا سعدا بالغنيمة وأخبروه الخبر، فقال: هذه بشرى إن شاء الله، إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم، فلهم أمثالها، ودعا عمرا وطليحة، فقال: كيف رأيتما قيسا؟ فقال طليحة: رأيناه أكيس منا، وقال عمرو: الأمير أعلم بالرجال منا، فقال سعد:
إن الله أحيا بالإسلام قلوبا كانت ميتة، وأمات به قلوبا كانت حية، وإنى أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على أمر الإسلام، فتموت قلوبكما وأنتما حيان، الزموا السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق، فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالإسلام.
__________
(1) طيزناباذ: موضع بين الكوفة والقادسية على حافة الطريق، بينها وبين القادسية ميل. انظر: معجم البلدان (4/ 54، 55) .
(2/455)

قالوا: ولما انتهى رستم إلى العتيق، وقف عليه بحيال عسكر سعد، ونزل الناس، فما زالوا يتلاحقون وينزلهم فينزلون، حتى أعتموا من كثرتهم.
وقال المدائنى: مكثوا ليلتهم كلها يتحدرون، ومن غد إلى قريب من نصف النهار بعده تجب منها القلوب.
وقال قيس بن أبى حازم، وكان شهد القادسية: كان مع رستم ثمانية عشر فيلا، ومع الجالينوس خمسة عشر فيلا.
وقال غيره: كان فى جملتها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة تألفه، وكان أعظمها وأقدمها.
وقال الرفيل: كانت ثلاثة وثلاثون، فى القلب ثمانية عشر، وفى المجنبتين خمسة عشر.
قال: ولما نزل رستم العتيق وبات به، أصبح غاديا على التصفح والتحرز، فساير العتيق نحو خفان، حتى أتى على مقطع عسكر المسلمين، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل القوم، حتى أتى على تل يشرف عليهم، فلما وقف على القنطرة أرسل زهرة بن جوية، وكان هناك مسلحة لسعد، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده على أن يصالحهم، ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول إنكم جيراننا وقد كانت طائفة منكم فى سلطاننا، فكنا نحسن جواركم، ونكف الأذى عنكم، ونوليهم المرافق الكثيرة، ونحفظهم فى أهل باديتهم، فنرعيهم مراعينا، ونميرهم من بلادنا ولا نمنعهم التجارة فى شىء من أرضنا، فقد كان لهم فى ذلك معاش، يعرض له بالصلح ولا يصرح، فقال له زهرة: صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا طلبتهم. إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، كما ذكرت، يدين لكم من قدم عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما فى أيديكم، ثم بعث الله، عز وجل، إلينا رسولا، فدعانا إلى دينه فأجبناه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنى قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بدينى، فأنا منتقم بهم منه، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز.
قال رستم: وما هو؟ قال: أما عموده الذى لا يصلح منه شىء إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله تعالى.
(2/456)

قال: ما أحسن هذا وأى شىء أيضا؟.
قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى.
قال: حسن، وأى شىء أيضا؟.
قال: والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم.
فقال: ما أحسن هذا ثم قال له رستم: أرأيت لو أنى رضيت هذا الأمر وأجبتكم إليه ومعى قومى كيف يكون أمركم أترجعون؟.
قال: إى والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا فى تجارة أو حاجة.
قال: صدقتنى والله، أما أن أهل فارس منذ ولى أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم.
فقال له زهرة: نحن خير الناس للناس، ولا نستطيع أن نكون كما تقولون، نطيع الله فى السفلة، ولا يضرنا من عصى الله فينا.
فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فحموا منه، وأنفوا، فقال: أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أجزعنا وأجبننا.
وعن سيف «1» عن رجاله، قالوا: أرسل سعد إلى المغيرة وبسر بن أبى رهم وعرفجة ابن هرثمة وحذيفة بن محسن وربعى بن عامر وقرفة بن أبى زاهر التيمى الوائلى ومذعور ابن عدى العجلى والمضارب بن يزيد وسعيد بن مرة، وهما من بنى عجل، أيضا، وكان سعيد من دهاة العرب، فقال لهم سعد: إنى مرسلكم إلى هؤلاء، فما عندكم؟.
قالوا: نتبع ما تأمرنا به، وننتهى إليه، فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شىء نظرنا أمثل ما ينبغى وأنفعه للناس، فكلمناهم به.
قال سعد: هذا فعل الحزمة، اذهبوا فتهيئوا.
فقال ربعى بن عامر: إن الأعاجم لهم آراء وأدب، ومتى نأتهم جميعا يرون أنا قد احتفلنا لهم فلا تزدهم على رجل، فمالئوه جميعا على ذلك، فقال: فسرحنى، فسرحه، فخرج ربعى بن عامر ليدخل على رستم عسكره، فاحتبسه الذى على القنطرة، وأرسل
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 518) .
(2/457)

إلى رستم بمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أنباهى أم نتهاون؟
فاجتمع ملؤهم على المباهاة، فأظهروا الزبرج، وبسطوا البسط والنمارق، ولم يتركوا شيئا، ووضعوا لرستم سرير الذهب، وألبس زينته، من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعى يسير على فرس له زباء قصيرة، معه سيف له مشوف وغمده لفافة ثوب خلق، ورمحه معلوب بقد، معه حجفة من جلود البقر، على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه فرسه ونبله.
فلما انتهى إلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها، فلما استوت على البسط نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه، وإنما أروه التهاون، وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجهم، وعليه درع له كأنه أضاة، ويلمقة عباءة بعيره، قد جابها وتدرعها، وشدها على وسطه بسلب، ولأسه أربع ضفائر، قد قمن قياما، كأنهن قرون الوعول، وكان أكثر العرب شعرة. فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إنى لم آتكم فأضع سلاحى بأمركم، أنتم دعوتمونى، فإن أحببتم أن آتيكم كما أريد وإلا رجعت. فأخبروا رستما، فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل فأقبل يتوكأ على رمحه، وزجه نصل يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده وتركها متهتكة مخرقة.
فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه فى البساط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا، وجاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا، حتى نفضى إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال:
الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى. قال رستم: قد سمعنا مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا قال: نعم، كم أحب إليك؟ أيوم أم يومان؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل به أئمتنا، ألا نمكن الأعداء من بداتنا، ولا نؤجلهم عند الالتقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر فى أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة فى اليوم الرابع، ولسنا نبدؤك فيما
(2/458)

بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل لك بذلك على جميع من ترى. قال:
أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين فيما بينهم كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل سمعتم كلاما قط أوضح نصرا ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله أن تميل إلى شىء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأى والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم فى اللباس، ولا يرون فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه ويزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم أن ترونى فأريكم؟ فأخرج سيفه من خرقة كأنه شعلة نار. ثم رمى ترسا ورموا حجفته، فخرق ترسهم وسلمت حجفته. فقال: يا أهل فارس، إنكم عظمتم الطعام والشراب، وأنا صغرناهما، ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل.
فلما كان الغد بعثوا: أن ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فأقبل فى نحو ذلك الزى، حتى إذا كان على أدنى البساط، قيل له: أنزل، قال: ذلك لو جئتكم فى حاجتى، فقولوا لملككم: أله حاجة أم لى؟ فإن قال لى فقد كذب، ورجعت عنه، وتركتكم، وإن قال له، لم آته إلا على ما أحب. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره، فقال له: انزل، قال: لا أفعل، فلما أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا فى الشدة والرخاء، فهذه نوبتى. قال: ما جاء بكم؟ قال: الله عز وجل منّ علينا بدينه، وأرانا آياته حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث، فأيها أجابوا إليه قبلناه:
الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة. فقال: أو الموادعة إلى يوم. فقال: نعم، ثلاثا من أمس.
فلما لم يجد عنده إلا ذلك رده، وأقبل على أصحابه فقال: وليكم ألا ترون ما أرى؟
جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به، فهو فى يمن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا، فهو فى يمن الطائر سيقوم على أرضنا دوننا، فراده أصحابه الكلام حتى أغضبوه وأغضبهم.
فلما كان من الغد أرسل: أبعثوا إلينا رجلا، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة. قالوا: فلما جاء إلى القنطرة يعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستما فى إجازته، فأذن فى ذلك، فأقبل المغيرة والقوم فى زيهم فى الأمس، لم يغيروا شيئا من شارتهم، تقوية
(2/459)

لتهاونهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشى عليها غلوة، وجاء المغيرة وله أربع ضفائر يمشى، حتى جلس معه على سريره وشارته، فوثبوا إليه فنتروه وأنزلوه ومغثوه، فقال: إنه كانت تبلغنا عنكم أحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذى صنعتم أن تخبرونى أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكنكم دعوتمونى، زاد المدائنى: وليس ينبغى لكم إذا أرسلتم إلىّ أن تمنعونى من الجلوس حيث أردت، وما أكلمكم إلا وأنا جالس معه، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول.
فقالت السفلة: صدق والله العربى، وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا يزال خولنا والضعفاء منا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا، ما كان أحمقهم حين يصغرون أمر هذه الأمة فمازحه رستم ليمحو ما صنع به، فقال له: يا عربى، إن الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغى من ذلك، والأمر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق، وليس ما صنعوا بضائرك ولا ناقصك عندنا، فاجلس حيث شئت، فأجلسه معه، ثم قال: ما هذه المغازل التى معك؟، يعنى السهام، قال: ما ضر الجمرة أن لا تكون طويلة ثم راماهم، ثم قال له رستم: تكلم أو أتكلم؟ فقال المغيرة:
أنت الذى بعثت إلينا، فتكلم، فأقام الترجمان بينهما، وتكلم رستم، فحمد قومه، وعظم الملك والمملكة، وقال: لم نزل متمكنين فى البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافا فى الأمم، ليس لأحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا، ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم أو اليومين أو الشهر أو الشهرين، لأجل الذنوب، فإذا انتقم الله منا فرضى رد إلينا عزنا، ثم إنه لم تكن فى الناس أمة أصغر عندنا أمرا منكم، كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة، لا نراكم شيئا ولا نعدكم، وكنتم إذا قحطت أرضكم وأصابتكم السنة استعنتم بناحية أرضنا فنأمر لكم بشىء من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد فى بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل واحد منكم بوقر من تمر وبثوبين، وتنصرفون عنا، فإنى لست أشتهى أن أقتلكم، ولا آسركم.
فتكلم المغيرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله سبحانه خالق كل شىء ورازقه، يرفع من يشاء ويضع من يشاء، فمن صنع شيئا فإن الله، تبارك اسمه وتعالى،
(2/460)

هو يصنعه والذى صنعه. وأما الذى ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكين فى البلاد وعظم السلطان فى الدنيا، فنحن نعرفه ولا ننكره، والله صنعه لكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما ما ذكرت فينا من سوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف القلوب، فنحن نعرفه، والله ابتلانا بذلك، وصيرنا إليه، والدنيا دول، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، وأهل رخائها يتوقعون الشدة حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله دوننا أهل شكر، لكان شكركم يقصر عما أوتيتم، ولأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر، كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا، ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه، إن الله تعالى بعث فينا رسولا، فكذبه مكذبون وصدقه منا آخرون، وأظهر الله دعوته، وأعز دينه على كره ممن كذبه وحاده، حتى دخلوا فى الإسلام طوعا وكرها، فأمرنا أن ندعو من خالفنا إلى ديننا، فمن أباه قاتلناه.
وذكر نحو ما تقدم من الكلام فى الأحاديث المتقدمة من دعائه إلى الإسلام، وقال له:
فإن أبيت فكن لنا عبدا تؤدى الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلا السيف إن أبيت.
فنخر رستم عند ذلك نخرة واستشاط غضبا، ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الضحى غدا حتى أقتلكم أجمعين.
فانصرف المغيرة، وخلص رستم بأشراف فارس، فقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا؟ ألم يأتكم الأولان فجسراكم واستخرجاكم، ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا، وسلكوا طريقا واحدا، ولزموا أمرا واحدا، هؤلاء والله الرجال، صادقين أو كاذبين، والله لئن كان بلغ من رأيهم وصونهم أمرهم أن لا يختلفوا، ما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم، وإن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شىء فلجوا وتجلدوا، فقال: والله إنى لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم، وإن هذا منكم رياء، فازدادوا لجاجا.
وفى بعض الروايات أن مما قال المغيرة لرستم وقد توعد المسلمين بأنهم مقتولون، قال: هو الذى نتمنى، أن المقتول منا صائر فى الجنة، والهارب فى النار، وللباقى الصابر الظفر بحديث صادق ووعد لا خلف له، وقد أصبنا فى بلادكم حبة كأنها قطع الأوتار، فأكلنا منها وأطعمنا أهلينا، فقالوا: لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد.
قال رستم: أما لنقرننكم فى الجبال.
قال المغيرة: أما وبنا حياة فلا.
(2/461)

قال رستم: ارجع إلى أصحابك واستعدوا للحرب، فليس بيننا وبينكم صلح، ولنفقأن عينك غدا.
فقال المغيرة: وأنت ستقتل غدا إن شاء الله، وإن ما قلت لى ليسرنى، لولا أن أجاهدكم بعد اليوم لسرنى أن تذهبا جميعا.
ورجع المغيرة فتعجبوا من قوله. فقال رستم: ما أظن هذا الملك إلا قد انقضى، وأن أجمل بنا ألا يكون هؤلاء أصبر منا، ولقد وعدوا وعدا ليموتن أو ليدركنه، ولقد حذروا وخوفوا من الفرار خوفا لا يأتونه، وقد رأيت ليلتى هذه كأن القوس التى فى السماء خرت، وكأن الحيتان خرجن من البحر، وأن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، فهل لكم أن تقبلوا بعض ما عرضوا عليكم؟ قالوا: لا.
قال: فأنا رجل منكم، وكتب إلى يزدجرد بما كلمه به المغيرة، فقال شاهين الأزدى:
لو لم يكن إلا ساسة دوابنا لأخذناهم بهم. فكتب إليه أمره بقتالهم، وقال: إذا لقيتهم فضع الرجال فيما بينى وبينك، على كل ربوة رجلا، فكلما حدث أمر نادى به بعضهم بعضا حتى يفضى الخبر إلىّ.
وحدث سيف «1» عن رجاله، قالوا: أرسل إليهم سعد بقية ذوى الرأى جميعا، وحبس الثلاثة، فخرجوا حتى أتوه، فقالوا له: إن أميرنا يقول لك: إن الحرب تحفظ الولاة، وإنى أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، وهى العاقبة بأن تقبل منا ما دعاك الله، عز وجل، إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض، إلا أن داركم لكم، وأمركم فيكم، وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا، وكنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوى عليكم. واتق الله يا رستم، ولا يكونن هلاك قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تغتبط إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك.
فقال رستم: إنى قد كلمت منكم نفرا، ولو أنهم فهموا عنى رجوت أن تكونوا قد فهمتم، وإن الأمثال أوضح من كثير من الكلام، وسأضرب لكم مثلكم. إنكم كنتم أهل جهد فى المعيشة، وقشف فى الهيئة، لا تمتنعون ولا تنتصفون، فلم نسئ جواركم، ولم ندع مواساتكم، تقتحمون المرة بعد المرة، فنميركم ثم نردكم، وتأتوننا أجراء وتجارا فنحسن إليكم، فلما تطعمتم طعامنا، وشربتم شرابنا، وأظلكم ظلنا، وصفتم ذلك لقومكم، ثم دعوتموهم فأتيتمونا بهم، وإنما مثلكم فى ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 525- 528) .
(2/462)

كرم، فرأى فيه ثعلبا، فقال: وما ثعلب فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعت عليه سد عليها صاحب الكرم مدخلها فقتلها، وقد علمت أن الذى حملكم على هذا الحرص والطمع مع الجهد، فارجعوا عنا عامكم هذا، وامتاروا حاجتكم، ولكم العود كلما احتجتم، فإنى لا أشتهى أن أقتلكم، وقد أصاب أناس كثير منكم ما أرادوا من أرضنا، ثم كان مصيرهم القتل والمهرب، ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى، وقد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم ونجا بعضهم، وخرج مما كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب، وفى الجرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، وجعلت الأخر ينقلن منها ويرجعون ويكلمنه فى الرجوع، فيأبى، فانتهى سمن الذى فى الجرة، فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله، فضاق عليه الجحر، ولم يطق الخروج، فشكى القلق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقالوا: ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل أن تدخل، فكف وجوع نفسه، وبقى فى الجرة، حتى إذا عاد كما كان أتى عليه صاحب الجرة فقتله، فاخرجوا أو ليكونن هذا لكم مثلا.
وقال لهم، أيضا، فيما قال: لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب، ما خلاكم يا معشر العرب، ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع، ومثلكم فى هذا مثل الذباب إذا رأى العسل طار، وقال: من يوصلنى إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهاه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشب، وقال: من يخرجنى وله أربعة دراهم؟ وضرب للقوم أمثالا غير هذه نحوا منها.
قالوا: فتكلم القوم، فقالوا: أما ما ذكرت من سوء حالنا فيما مضى، وانتشار أمرنا، فلم نبلغ كنهه يموت الميت منا إلى النار، ويبقى الباقى منا فى بؤس، فبينا نحن فى أسواء ذلك، فبعث الله، عز وجل، فينا رسولا من أنفسنا إلى الإنس والجن، رحمة رحم بها من أراد رحمته، ونقمة ينتقم بها ممن رد كرامته، فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحد أشد عليه ولا أشد إنكارا لما جاء به، ولا أجهد على قتله ورد ما جاء به من قومه، ثم الذين يلونهم، حتى طابقناه على ذلك كلنا، فنصبنا له جميعا، وهو وحده فرد ليس معه إلا الله تعالى فأعطى الظفر علينا، فدخل بعضنا طوعا وبعضنا كرها، ثم عرفنا جميعا الحق والصدق لما أتى به من الآيات المعجزة، وكان مما أتى به من عند ربنا، عز وجل، جهاد الأدنى فالأدنى، فصرنا فى ذلك فيما بيننا، نرى أن الذى قال لنا ووعدنا لا نخرج عنه ولا ننقص منه، حتى اجتمعت العرب على هذا، وكانوا من الاختلاف فيما لا يطيق
(2/463)

الخلائق بالتفهم معه، ثم أتيناكم بأمر ربنا، نجاهد فى سبيله، وننفذ لأمره، ونستنجز موعوده، وندعوكم إلى الإسلام وأحكامه، فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا، وخلفنا فيكم كتاب الله، عز وجل، وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزاء، فإن فعلتم وإلا فإن الله، عز وجل، قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم. فاقبلوا نصيحتنا، فو الله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، ولقتالكم بعد أحب إلينا من صلحكم، وأما ما ذكرت من رثاثتنا وقلتنا فإن إرادتنا الطاعة، وقتالنا الصبر وأما ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتم للرجال وللأمور الجسام وللجد الهزل، ولكنا سنضرب لكم مثلا، وإن مثلكم مثل رجل غرس أرضا، واختار لها الشجر والحب، وأجرى لها الأنهار، وزينها بالقصور، وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها، ويقومون على جناتها، فخلفه الفلاحون فى القصور بما لا يحب، وفى الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم، فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم، استعتبهم فكابروه، فدعا إليهم غيرهم، فأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس، وإن أقاموا صاروا خولا لهم يملكونهم ويسومونهم الخسف أبدا، والله لو لم يكن ما نقول لكم حقا، ولم تكن إلا الدنيا، لما كان لنا عما ضربنا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زبرجكم من صبر، ولقارعناكم أو نغلبكم عليه.
فقال رستم: أتعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا إلينا، فخرجوا من عنده عشيا، فأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم: شأنكم والعبور، فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة أما شىء قد غلبناكم عليه فلن نرده عليكم، تكلفوا معبرا غير القناطر، فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم.
وذكر المدائنى أن رستم وجه الجالينوس ليعبر القنطرة، فوقف بحيال زهرة بن جوية، وكان عليها، وقال: ليخرجن إلىّ الموكل بهذا الموضع، فخرج زهرة على فرس كميت أغر ذنوب، معه رمح معلوب، وسيف رث الجفن، فقال له الفارسى: إنك لم توضع هذا الموضع إلا وأنت ركن من أركان أصحابك، وأرى سيفك رث الجفن، قال: إن يكن رث المنظر فإنه حديد الضربة، وقرب إليه الفارسى بالصلح ولم يصرح، ومناه، وقال:
نحسن جواركم ونرفقكم فى معايشكم. فقال زهرة: إنا لم نأتكم نطلب الدنيا بغير آخرة، إنما أتيناكم ندعوكم إلى ديننا، فإن أبيتموه فدنياكم التى تعرضون علينا لنا إن شاء الله، فقال له الفارسى: فخلوا لنا الطريق فنعبر إليكم فنناجزكم، قال: لا، قال: ولم وأنتم تمنون لقاءنا قال: نكره أن نرد عليكم شيئا قد غلبناكم عليه، فرجع إلى رستم فأخبره، فأعظم ذلك، فانصرف الجالينوس، فجلس رستم يفكر فيما أخبره، وغلبته عيناه فنام
(2/464)

فانتبه ويده فى كتف جارية قاعدة بين يدى فراشه، فقال: ما لك؟ قالت: مالت يدك فرفعتها، فقال: أشفقت أن سقطت من فراش ديباج على بساط ديباج؟ فكيف بها غدا إذا انعفرت فى التراب ووطئتها الخيل؟ قالت: وما يضطرك إلى ذلك؟ وقد أعطوك ما لك فيه نصف ونجاة: إما أن تدخل فى دينهم فتكون مثلهم، وإما أن تفتدى منهم بشىء تعطيهم ويبقى لك أمرك، وإما أن تذهب إلى مأمنك من الأرض؟ فقال: إن فى عنقى حبلا أقاد به إلى مصرعى، لا أقدر على الامتناع.
وبات العاجم ليلتهم يسكرون العتيق بالقصب والتراب والبراذع حتى جعلوه طريقا، واستتم بعد ما ارتفع النهار من الغد.
قالوا: ورأى رستم من الليل أن ملكا نزل من السماء فأخذ قسى أصحابه فختم عليها، ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموما حزينا، فدعا خاصته وقصها عليهم، وقال: إن الله، عز وجل، ليعظنا، لو أن فارس تركونى أتعظ، أما ترى النصر قد رفع عنا وترى الريح مع عدونا وأنا لا نقوم لهم فى فعل ولا منطق؟.
يوم أرماث
ولما تم السكر عبروا بأثقالهم حتى نزلوا على ضفة العتيق، ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم، وجلس رستم على سريره، وضربت عليه طيارة، وعبأ فى القلب ثمانية عشر فيلا، عليها الصناديق والرجال، وفى المجنبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته والبيزران بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين والمشركين.
وأخذ المسلمون، أيضا، مصافهم، وكانت التعبئة التى تقدم بها سعد قبل انفصاله عن شراف بإذن عمر، رضى الله عنه، أن جعل على المقدمة زهرة بن الجوية، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم، وكان من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، وأحد التسعة الذين قاموا عليه فتممهم طلحة بن عبيد الله عشرة فى العرافة، وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط الكندى، وكان شابا قد قاتل أهل الردة على الردة، ووفى الله عز وجل، فعرف ذلك له، وعلى الساقة عاصم بن عمرو السعدى، وعلى الطلائع سواد بن مالك التميمى، وعلى المجردة سلمان بن ربيعة الباهلى، وعلى الرجال حمال بن مالك الأسدى، وعلى الركبان عبد الله بن ذى السهمين الخثعمى، فلما تصافوا يومئذ جعل سعد زهرة وعاصما بين عبد الله بن المعتم،
(2/465)

وبين شرحبيل بن السمط، ووكل صاحب الطلائع بالطرد، وخلط بين الناس فى القلب والمجنبات، ونادى مناديه: ألا إن الحسد لا يحل إلا على الاجتهاد فى أمر الله تعالى يا أيها الناس، فتحاسدوا وتغايروا على الاجتهاد.
وذكر المدائنى أنه كان على الميمنة يوم القادسية شرحبيل بن السمط، وعلى الميسرة هاشم بن عتبة، وعلى الخيل قيس بن مكشوح، وعلى الرجل المغيرة بن شعبة، فالله تعالى أعلم.
وكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس، كان به عرق النسا ودماميل، وإنما هو على وجهه وفى صدره وسادة، وهو مكب عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمى بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة، وهو أسفل منه، وكان الصف إلى جانب القصر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدا مشرفا.
وقيل: بل استخلفه على الناس لأجل شكواه، فاختلف عليه الناس، فقال سعد:
احملونى، فأشرفوا به على الناس، فارتقوا به، فأكب مطلعا عليهم، والصف فى أصل حائط قديس، حيث كان سعد يأمر خالدا فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وشتمهم، وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلكم نكالا لغيركم فحبسهم فى القصر وقيدهم، منهم أبو محجن الثقفى.
وقال جرير يومئذ: أما أنى بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن أسمع وأطيع لمن ولى الأمر وإن كان عبدا حبشيا.
وقال سعد: والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويساغبهم وهم بإزائهم إلا سننت فيه سنة يؤخذ بها من بعدى.
وذكر المدائنى أنه أتى رستما رجل من أهل الحيرة ليلا، فقال له: أمير المسلمين وجع، وهو فى قصر العذيب مع العيال، ولو طرقته خيل لقتل لا يشعر به أصحابه، فانتخب رستم خمسمائة فارس، فوجههم، إليه، فترفعوا عن العسكرين وقطعوا الوادى، وأخذوا فى خفض من الأرض، وجاء رجل من العجم إلى المسلمين مستأمنا، فأخبرهم، فانتدب حنظلة بن الربيع الأسيدى فى خمسمائة من تحت الليل، فسار إلى العذيب، وقال لأصحابه: إنه ليطيب نفسى أن عبد الله بن سبرة عند سعد، فانتهى إلى سعد عند طلوع الفجر ولم تصل إليهم الفرس، فأنذروه وأصبحوا فإذا الأساورة متحدرون من ناحية وادى السباع، فتلقاهم عبد الله بن سبرة الواقفى، أحد بنى حرملة بن سعد بن مالك بن
(2/466)

ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، فى سرعان الناس، معه عشرة فوارس وغلام له روى يقال له يزيد، كان أصابه يوم اليرموك، واتبعهم حنظلة فى أصحابه، فقتل عبد الله بن سبرة قبل أن تتام إليه الخيل أسوارين.
وقال مرة الهمدانى، وكان مع حنظلة: لما دنونا من معتركهم سمعنا صوتا منكرا شديدا، فقال حنظلة: صوت ابن الكندية ورب الكعبة، بعض هنات أبى قيس، فانتهينا إليهم فإذا عبد الله بن سبرة يذمر أصحابه وهو يقول لغلامه: يا يزيد ثكلتك أمك إن فاتك أحد، وقد انكسر رمحه، وهو يضربهم بعمود ما يضرب به رجلا إلا قتله، ولا دابة إلا عقرها، وإن غلامه ليذودهم عليه بالرمح، فلما غشيهم حنظلة وأصحابه انهزموا، فما تشاء أن تجد الخمسة والستة من المسلمين يخفقون أسوارا بأسيافهم إلا وجدته، فقتل منهم ثلاثون، ويقال مائة، وأفلت الآخرون أكثرهم جريح، فرجعوا إلى رستم، فطلب الحيرى ليقتله وظن أنه عين دس له فلم يقدر عليه، وتحول سعد فنزل مع جماعة الناس.
وفيما حكاه سيف عن رجاله «1» : أن سعدا، رحمه الله، بعد ما تهدم على الذين اعترضوا على خالد بن عرفطة خطب من يليه يومئذ فحمد الله وأثنى عليه. وقال: إن الله وهو الحق، وقوله الحق، لا شريك له فى الملك، وليس لقوله خلف، قال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] ، إن هذا ميراثكم وهو موعد ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج، وأنتم تطعمون منها وتأكلون، وتقتلون أهلها، وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم، بما نال منه أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب، وأعيانهم، وخيار كل قبيلة، وعز من وراءكم، فإن تزهدوا فى الدنيا وترغبوا فى الآخرة يجمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله، وأن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم.
وكتب سعد إلى أهل الرايات: إنى قد استخلفت عليكم خالد بن عرفطة، وليس يمنعنى أن أكون مكانه إلا وجعى الذى كان يعودنى، وما بى من جبون، وإنى مكب على وجهى وشخصى لكم باد، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه إنما يأمركم بأمرى، ويعمل برأيى. فقرئ على الناس فزادهم خيرا، فانتهوا إلى رأيه، وقبلوا منه، وتحاثوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عذر سعد والرضا بما صنع.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 531، 532) .
(2/467)

قالوا: وأرسل سعد للذين انتهى إليهم رأى الناس، والذين انتهت إليهم نجدتهم، وأصناف الفضل منهم إلى الناس، فقال: انطلقوا فقوموا فى الناس بما يحق عليكم وعليهم عند مواطن البأس، فإنكم من العرب بالمكان الذى أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا فيهم، وحرضوهم على القتال.
فساروا فيهم.
فقال قيس بن هبيرة: أيها الناس، احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يزدكم، واذكروا آلاء الله، وارغبوا إليه فى عادته، فإن الجنة والغنيمة أمامكم، وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء، والأرض القفر، والظراب الخشن، والفلوات التى لا تقطعها الأدلة.
وقال غالب بن عبد الله الليثى: أيها الناس، احمدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدكم، وادعوه يجبكم، يا معشر معد، ما علتكم اليوم وأنتم فى حصونكم، يعنى الخيل، ومن لا يعصيكم معكم، يعنى السيوف؟ فاذكروا حديث الناس فى غد، فإنه بكم غدا يبدأ، وبمن بعدكم يثنى.
وقال ابن الهذيل الأسدى: يا معشر معد، اجعلوا حصونكم السيوف، وكروا عليهم كأسود الجم، وتربدوا إليهم تربد النمور، وادرعوا العجاج، وثقوا بالله تعالى وغضوا الأبصار، فإذا كلت السيوف فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه.
وقال بسر بن أبى رهم: احمدوا الله، وصدقوا قولكم بفعل، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، انصروا الله ينصركم، ولا يكونن شىء بأهون عليكم من الدنيا، فإنها تأتى من تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرب منكم.
وقال عاصم بن عمرو: يا معشر العرب، إنكم أعيان العرب، وقد صمدتم لأعيان العجم، إنما تخاطرون بالجنة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم. لا تحدثن اليوم أمرا تكونون به شينا على العرب غدا.
وقال ربيع السعدى: يا معشر العرب، قاتلوا للدين والدنيا، سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] ، فإن عظم الشيطان عليكم الأمر، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل.
وتقدم كل واحد من أولئك الذين بعثهم سعد من وجوه الناس بمثل هذا الكلام، وتواثق الناس، وتعاهدوا، واهتاجوا لكل ما ينبغى لهم.
(2/468)

وفعل أهل فارس، فيما بينهم، مثل ذلك، وتعاهدوا وتواصوا، واقترنوا بالسلاسل، وكان المقترنون ثلاثين ألفا.
وقال سعد للناس: الزموا مواقفكم، لا تحركوا شيئا حتى نصلى الظهر، فإذا صليتم الظهر فإنى مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم، وإنما أعطيتموه تأييدا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا، ولتستتموا عدتكم، فإذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا ويطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
ويروى أنه لما نادى منادى سعد بالظهر، نادى رستم: أكل عمر كبدى أحرق الله كبده علم هؤلاء حتى علموا.
وقيل: إن رستم قال نحوا من هذا عند ما نزل بين الحصن والعتيق، وقد أذن مؤذن سعد الغداة، وراى الناس يتخشخشون، فنادى فى أهل فارس: أن اركبوا، فقيل له: ولم؟
قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودى فيهم فتخشخشوا لكم؟ فقال له رجل قد كان رستم بعثه قبل ذلك عينا إلى عسكر المسلمين فانغمس فيهم وعرف حالهم، وانصرف إليه: فأخبره أن ذلك تخشخشهم للصلاة. فقال رستم بالفارسية ما تفسيره: أتانى صوت عند الغداة، وإنما هو عمر الذى يعلم الكلاب العقل، فلما سمع الأذان بالصلاة قال: أكل عمر كبدى.
قالوا: ولما صلى سعد الظهر أمر غلاما كان عمر، رحمه الله، ألزمه إياه، وكان من القراء، بقراءة سورة الجهاد، وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها، فقرأها على الكتيبة التى تليه، وقرئت فى كل كتيبة، فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها.
قال مصعب بن سعد: وكانت قراءتها سنة، يقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند الزحف، ويستقرئها، فعمل الناس بذلك.
قالوا: ولما فرغ القراء، كبر سعد فكبر الذين يلونه، وكبر بعض الناس بتكبير بعض، فتخشخش الناس، ثم ثنى فاستتم الناس، ثم ثلث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال، وخرج أمثالهم من فارس، فاعتوروا الطعن والضرب، وخرج غالب بن عبد الله الليثى وهو يقول:
قد علمت واردة المسالح ... ذات البنان واللبان الواضح
(2/469)

أنى سمام البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز، وكان من ملوك الباب، وكان متوجا، فأسره غالب أسرا، فجاء به فأدخل إلى سعد، وانصرف غالب للمطاردة.
وذكر المدائنى أن رستم أمر هرمز فتقدم فى كتيبة، فشد عليه غالب وزهرة بن جوية، فسبق إليه غالب فى خيل فقتله.
قالوا: وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول:
قد علمت صفراء بيضاء اللبب ... مثل اللجين يتغشاه الذهب
أنى أمر إمرار السبب ... مثلى على مثلك يعديه الكثب
فطارد رجلا من أهل فارس، فهرب منه واتبعه، حتى إذا خالط صفهم والتقى بفارس معه بغل، فترك الفارس البغل، واعتصم بأصحابه فحموه، واستاق عاصم البغل والرحل، حتى آوى إلى الصف، وإذا الفارس خباز الملك، وإذا الذى كان معه لطف الملك:
الأخبصة والعسل المعقد، فنفل ذلك سعد أهل موقف عاصم، وبعث إليهم ليأكلوه وهم فى موقفهم.
وجال عمرو بن معدى كرب بين الصفين يحرض الناس، ويقول: إن الرجل من هذه الأعاجم إذا ألقى من فرسه فإنما هو تيس.
قال قيس بن أبى حازم: فبينا هو كذلك يحرضنا إذ خرج إليه رجل من الأعاجم، فوقف بين الصفين فرماه بنشابة فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها، فالتفت إليه ثم حمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بمنطقته فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا منا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه، ثم ألقاه. وقال: هكذا فافعلوا بهم. فقلنا:
من يستطيع يا أبا ثور أن يصنع كما تصنع؟.
وقال بعضهم: وأخذ سواريه ومنطقته ويلمق ديباج كانت عليه. ثم كتبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء.
وذكر المدائنى أن رستم ظاهر يومئذ بين درعين، وقرب له فرس فنزا عليه، ولم يمسه بيده، وقال: اليوم ندق العرب دقا. فقال له رجل: قل إن شاء الله. قال: إن شاء وإن لم يشأ، وقدم كتيبة عليها الدروع والمغافر والأداة الكاملة، فدفعوا إلى جعفى، وهم حديثو عهد بالشرك، فنازلوهم فلم تحك سيوفهم فى جنبهم، فظنوا أن الحديد لا يحك فيهم،
(2/470)

حتى حمل رجل منهم على أسوار فطعنه فقتله، ونادى: يا آل جعفى، السلاح تنفد فيهم فشأنكم بهم، ونحو هذا قول عمرو بن معدى كرب فى ذلك اليوم، وقد رماه رجل من أهل العجم بنشابة، فوقعت فى كتفه، وعليه درع حصينة، فلم تنفد، وحمل هو على الرجل فعانقه ثم صرعه قفتله، وقال:
أنا أبو ثور وسيفى ذو النون ... أضربهم ضرب غلام مجنون
يا زيد إنهم يموتون
ولم يكن عمرو ولا قومه يجهلون أن القوم يموتون، ولكنه الشعر تحسن فيه هذه المآخذ، ويملح بهذه المقاصد.
ومثله قول الآخر:
القوم أمثالكم لهم شعر ... فى الرأس لا ينشرون إن قتلوا
ويفوق هذا كله قول الله سبحانه، ولكتابه المثل الأعلى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: 104] . وقد بعدنا عما كنا بسبيله، فلنعد إليه.
قالوا: لما كتبت الكتائب بعد الطراد، وتزاحف الناس، صرفت الأعاجم فيولها نحو المسلمين، فوجهت إلى الوجه الذى فيه بجيلة ثلاثة عشر فيلا، وصفوا على سائر الناس سبعة عشر، ولما حمل أصحاب الفيلة تفرقت الكتائب، وابذعوت الخيل، وكادت بجيلة تؤكل، فرت خيلها نفارا، فأرسل سعد إلى بنى أسد: يا بنى أسد ذببوا على بجيلة ومن لافها من الناس، فخرج طليحة بن خويلد، وحمال بن مالك الأسدى وغالب بن عبد الله والرفيل بن عمرو فى كتائبهم فباشروا الفيلة، حتى عزلها ركبانها، وإن على كل فيل يومئذ عشرين رجلا.
وقال موسى بن طريف: قام طليحة فى قومه حين استصرخهم سعد، فقال: يا عشيرتاه، إن المنوه باسمه، الموثوق به، أنتم، وإن هذا، يعنى سعدا، لو علم أن أحدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم لاستغاثهم، ابدؤهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة، فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعلهم، شدوا ولا تصدوا، وكروا ولا تفروا، لله در ربيعة أى فرى يفرون وأى قرن يغنون هل يوصل إلى مواقفهم فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله، شدوا عليهم باسم الله. فقام المعرور بن سويد وشقيق، فشدوا والله عليهم فما زالوا يضربونهم
(2/471)

ويطعنونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم، وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه، فما ألبثه طليحة أن قتله.
قالوا: وقام الأشعث بن قيس، فقال: يا معشر كندة، لله در بنى أسد أى فرى يفرون وأى هذ يهذون عن موقفهم منذ اليوم أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنظرون من يكفيكم البأس، أشهد ما أحسنتم أسوة إخوانكم من العرب، وأنهم ليقتلون ويقتلون، وأنتم جثاة على الركب، فوثب إليه منهم عشرة، فقالوا: عثر جدك إنك لتؤبسنا يا هذا، نحن أحسن الناس موقفا! فمن أين خذلنا قومنا العرب وأسأنا أسوتهم؟ فها نحن معك، فنهد ونهدوا، فأزالوا الذين بإزائهم.
ولما رأى أهل فارس ما تلقى من كتيبة بنى أسد رموهم بحدهم؛ وبدر المسلمون الشدة عليهم، وهم ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس، فيهم ذو الحاجب والجالينوس، على بنى أسد ومعهم تلك الفيلة، وقد ثبتوا لهم، وكبر سعد التكبيرة الرابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على بنى أسد، وحملت الفيول فى الميمنة والميسرة على الخيول، فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد، وألح فرسانهم على الرجل، وجد المقاتلة مع الفيلة، فقال بعض الأسديين: والله لأموتن أو لأطعنن عينى بعض هذه الفيلة، فقصد لأعظمها فيلا فقاتل حتى وصل إليه، وعلى كل فيل قوم يقاتلون، فطعن فى عين ذلك الفيل بسيفه، وضربه سائس الفيل بعمود فهشم وجهه، وأدبر الفيل فخبط من حوله، واشتد القتال عند فيل منها، فقال حبيش الأسدى لبشر بن أبى العوجاء الطائى: أرى القتال قد اشتد عند هذا الفيل، فتبايعنى على الموت فنحمل على حماته فنكشفهم أو نقتل دونه. قال: نعم، فحملا فضرب حبيش رجلا من الفرس من حماة الفيل فقتله، ودنوا من الفيل، فضرب حبيش مشفره فرمى به وضرب الطائى ساقه فبرك الفيل، وانطوت الفرس على بنى أسد، فقتل حبيش.
وأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بنى تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل؟ أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة، قالوا: بلى والله، ثم نادى عاصم فى رجال من قومه رماة وأخر أهل ثقافة، فقال: يا معشر الرماة، ذبوا ركبان الفيلة عنا، ويا معشر أهل الثقافة، استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها، وخرج يحميهم والرحى دائرة على بنى أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقدم أصحاب عاصم على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وذباب توابيتها فقطعوا وضنها، فما بقى لهم يومئذ فيل إلا أعرى، وقتل أصحابها، وتقاتل الناس ونفس عن بنى أسد، وردوا عنهم الفرس إلى مواقفهم، فاقتتلوا حتى غربت
(2/472)

الشمس. ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء، وأصيب من بنى أسد تلك العشية خمسمائة، وكانوا ردآ للناس، وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم، فهذا يوم القادسية الأول، وهو يوم أرماث.
وقال عاصم بن عمرو التميمى فى ذلك:
ألم يأتيك والأنباء تسرى ... بما لاقيت فى يوم النزال
ولما أن تزايل مقرفوهم ... عصينا القوم بالأسل الطوال
وعريت الفيول من التوابى ... وعطلت الخيول من الرجال
ولولا ذبنا عمن يلينا ... للج الجمع فى فعل الضلال
حمينا يوم أرماث حمانا ... وبعض القوم أولى بالحمال
وقال عمرو بن ساس الأسدى:
فلا وأبيك لا ينفك فينا ... من السادات حظ ما بقينا
ألسنا المانحين لدى قديس ... جموع الفرس مرداة طحونا
ولسنا مثل من لا طرق فيه ... ولكن غثنا يلفى سمينا
ونحن إذا يريح الليل أمرا ... يهم الناس عصمة من يلينا
ومرقصة منعناها إذا ما ... رأت دون المحافظة التقينا
نذكرها إذا ولهت بنيها ... ونحميها إذا نحمى بنينا
إذا افترش النواحى بالنواحى ... وكان القوم فى الأبدان جونا
إذا ثار الغبار كأن فيه ... إذا اصطفت عجاجته طحينا
وقد علمت بنو أسد بأنا ... نضارب بالسيوف إذا غشينا
ونحن فوارس الهيجا إذا ما ... رأيت الخيل مسندة عرينا
وذكر المدائنى خبر هذا اليوم، وقد أورد كثيرا مما أورده، فى تضاعيف الأخبار المتقدمة وفى بعض ما ذكره أن المسلمين هم الذين عبروا إلى الفرس، خلافا لما تقدم ذكره: أنه لما عزم الفريقان على اللقاء أرسل سعد إلى جرير والمغيرة وحنظلة، فقال:
إنكم قد أصبحتم فى دار قد أذل الله لكم أهلها، فأنتم تطئونهم منذ سنين، وقد أتوكم فى جمع لا أظنهم يريدون أن يزايلوكم حتى يفصل بينكم، ولستم وهم سواء فى دنيا تقاتلون عنها، وقد خلفوا مثلها، فإن فروا فروا إلى مثلها وأنتم تقاتلون عن دينكم، فإن فررتم فررتم عنه إلى فيافى لا خير فيها، وأنتم غرر قومكم، إنكم إن ظهرتم عليهم كان لكم أبناؤهم ونساؤهم، وإن تواكلتم لم يبقوا منكم باقية مخافة أن تعودوا عليهم،
(2/473)

والأرض من وراءكم قفر بسابس، ليس لكم فيها معقل ولا ملجأ، فاتقوا الله واصبروا، وحضوا المسلمين وواسوهم وتنجزوا موعود الله، فإنه قال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] ، وقد وليت الحرب خالد بن عرفطة، فالزموا السمع والطاعة، ولا تهنوا ولا تفشلوا فتذهب ريحكم، فخرجوا من عند سعد وقد استعد المشركون لقتالهم، وهم وقوف يهابون العبور والإقدام، فأرسل سعد إلى الناس: لا تعبروا حتى آذن لكم، وقد أخذ الناس العدة للقتال، فوقفوا ينتظرون الإذن من سعد، وحض رؤساء القبائل عشائرهم، فلما طال وقوفهم ولم يأتهم إذن سعد، قال جرير بن عبد الله: أيها الناس، ما تنتظرون، أما تريدون أن تقاتلوهم إن لم يقاتلوكم، وعبر النهر فى بجيلة، فقال قيس بن مكشوح: يا معشر مذحج، قد تقدمكم إخوانكم فسابقوهم، فو الله لا يسبق أحد اليوم إلا أعطاه الله غدا على قدر سبقه فى الدنيا، وعبر قيس، وعبر بعده عمرو بن معدى كرب، وقال زهرة بن جوية: يا بنى تميم، ما تنتظرون وقد مضى إخوانكم، وعبروا، واتبع الناس بعضهم بعضا. فقال سعد: اللهم إنهم عبروا ولم يستأمرونى فاقض لهم بالنصر، فصف المسلمون، على ميمنتهم شرحبيل بن السمط، وعلى ميسرتهم هاشم بن عتبة، وعلى الخيل قيس بن مكشوح، وعلى الرجالة المغيرة بن شعبة، والمسلمون عشرة آلاف، ويقال ما بين السبعة الآف إلى الثمانية، عامة جثهم براذع الرحال، قد عرضوا فيها الجريد يتسترون بها، وعلى رؤسهم أنساع الرجال، يطوى الرجل نسعة رحله على رأسه، والمشركون ستون ألفا، وقيل أكثر.
وظاهر رستم بين درعين، وقدم كتيبة عليهم الدروع والمغافر والأداة الكاملة، فدفعوا إلى جعفى، وقد تقدم خبرهم، وأخرج رستم بعد ذلك كتيبة فيها الجالينوس، فتقدم وقد اعتصب بعصابة ديباج، معه ترس مذهب، فتلقاه طليحة، واختلفا ضربتين، فوقعت ضربة الجالينوس فى جحفة طليحة، ووقع سيف طليحة فى رأس الجالينوس، فهشم البيضة وندرت عن رأسه وقد جرحه، فولوا منهزمين إلى رستم، فعظموا أمر العرب ليعذرهم، وأخذ طليحة البيضة فنفلها، فكانت قيمتها أربعمائة مثقال، وأقبل قيس بن مكشوح، يومئذ، فوقف على المغيرة فقال: ما رأيت كاليوم عديدا ولا حديدا، فقال المغيرة: إن هذا زبد من زبد الشيطان، والله جاعل بعضه على بعض، وحض المغيرة الناس وقال: إن الكلام عند القتال فشل، فالزموا الصمت، ولا يزولن أحد منكم عن مركزه، فإذا حركت رايتى فاحملوا، فقال له رجل: ما تنتظر؟ قال: اجلس، فقال رجل من بنى
(2/474)

مجاشع: الله أكبر، إنى لأرى الأرض من خلل صفهم، فكبروا واحملوا، فقال له المغيرة:
اجلس، وأقبل المغيرة على قيس بن مكشوح فقال: احمل يا قيس فإنى حامل، ونكبنى خيلك، لا أعرفنك إذا غلبت رجالى فيهم إن تجاوزها خيلك، فإذا عضك السلاح رددتها على أعقابها فى وجوه رجالى، فيكون أشد عليهم من عدوهم، وهز المغيرة رايته، وحمل، واتبعه قيس، فما وصلوا كتيبته حتى رجع فيهم طعنتين، فقال طليحة: يا بنى أسد، ما تستحيون، الناس يقاتلون وأنتم وقوف، فحمل فقالت امرأة من بنى أسد لبنيها وهم أربعة: يا بنى، والله ما نبت بكم دار ولا أفحمتكم سنة، ولقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم راغبين، وجئتم بأمكم عجوزا كبيرة فوضعتموها بين يديى أهل فارس، فقاتلوا عن دينكم وأمكم، فو الله إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، فاشهدوا أشد القتال، فحملوا، فقالت: اللهم احفظ فىّ بنى.
وروى الشعبى أن هذه المرأة كانت من النخع، وذكر حديثها بنحو ما تقدم إلى قولها: كما أنكم بنو امرأة واحدة، وزاد هاهنا: ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره، فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء وهى تقول: اللهم ادفع عن بنى، فرجعوا إليها وقد أحسنوا القتال، فما كلم رجل منهم كلما.
قال الشعبى: فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء، فيأتون أمهم فيلقونه فى حجرها، فترده عليهم، وتقسمه فيهم على ما يصلحهم.
وقد ذكر الزبير بن بكار نحو هذا عن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية فى بنين لها أربعة شهدت معهم حرب القادسية، فقالت لهم من أول الليل: يا بنى، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وذكرت من صونها لنسبهم نحو ما ذكر قبل، ثم قالت لهم:
وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل فى حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظاها على سباقها وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها «1» ، تظفروا بالغنم والكرامة فى دار الخلد والمقامة، فخرج بنوها قابلين لنصحها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم يقول:
__________
(1) الحميس: أى التنور.
(2/475)

يا إخوتى إن العجوز الناصحه ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحه
مقالة ذات بيان واضحه ... فباكروا الحرب الضروس الكالحه
وإنما تلقون عند الصالحه ... من آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحه ... وأنتم بين حياة صالحه
أو موتة تورث غنما رابحه
وتقدم فقاتل حتى قتل، رحمه الله، ثم حمل الثانى وهو يقول:
إن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأى السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرا بالولد
فباكروا الحرب حماة فى العدد ... إما لفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد ... فى جنة الفردوس والعيش الرغد
فقاتل حتى استشهد، رحمه الله، ثم حمل الثالث وهو يقول:
والله لا نعصى العجوز حرفا ... قد أمرتنا حدبا وعطفا
نصحا وبرا صادقا ولطفا ... فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفّا ... وتكشفوهم عن حمالكم كشفا
فقاتل حتى استشهد، رحمه الله، وحمل الرابع وهو يقول:
لست لخنساء ولا لاخزم ... ولا لعمر وذى السناء الأقدم
إن لم أرد فى الجيش جيش العجم ... ماض على الهول خضم خضرم
إما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة فى السبيل الأكرم
فقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه وعلى إخوته، فبلغ الخبر أمهم، فقالت: الحمد لله الذى شرفنى بقتلهم، وأرجو من ربى أن يجمعنى بهم فى مستقر رحمته، فكان عمر، رضى الله عنه، يعطى الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد مائتى درهم، حتى قبض، رحمه الله.
فهذا ما ذكره الزبير بن بكار، والذى قبله ذكره المدائنى، رحمهما الله، ولعل الخبرين صحيحان، والله أعلم أى ذلك كان. ثم ذكر المدائنى، بعد، من حسن بلاء بنى أسد وانطواء الفرس عليهم فى مجال الفيلة ما قد ذكرناه قبل فى موضعه.
وذكر، أيضا، أن الأشعث بن قيس قال عند ما اشتد قتالهم: لله در بنى أسد، أى فرى يفرون، وأنتم تنظرون، يا معشر كندة.
(2/476)

وقال زهرة بن جوية: يا بنى تميم، قد صبر إخوانكم من بنى أسد، وأحسنوا فذودوا عنهم الفيلة وحماتها، فحمل زهرة فى بنى تميم، وجرير فى بجيلة، فكشفوا المشركين عن بنى أسد، وقد استشهد منهم خمسون رجلا، وتحاجزوا قريبا من العصر، فجمعوا بين الصلاتين ثم عاودوا القتال مطاردة ومشاولة حتى غابت الشمس.
والتقى حنظلة بن الربيع الأسيدى ذو الحاجب فاختلفا طعنتين، فصارا جميعا إلى الأرض، فضرب حنظلة ذا الحاجب على رأسه فصرعه، فحامت عنه الأساورة، حتى ركب، وحامى عن حنظلة القعقاع بن عمرو، أحد بنى يربوع، وذريح، أحد بنى تيم اللات، حتى ركب، فقال ذريح:
لما رأيت الخيل شك نحورها ... رماح ونشاب صبرت جناحا
على الموت حتى أنزل الله نصره ... وود جناح لو قضى فأراحا
كأن سيوف الهند حول لبانه ... بوارق غيث من تهامة لاحا
قال: وأصيبت يومئذ عين المغيرة بن شعبة، وتحاجزوا حين أمسوا، فرجع المسلمون إلى عسكرهم، ورجع رستم إلى عسكره. هذا ما ذكره المدائنى.
ويقال: إن القعقاع لم يشهد يوم أرماث هذا، وإنما قدم من الشام بعد انقضائه، فشهد سائر الأيام وأبلى فيها، وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله.
وذكر سيف عن بعض رجاله أن سعدا كان قد تزوج سلمى بنت خصيفة، امرأة المثنى بن حارثة، كما تقدم، فنزل بها القادسية، فلما كان يوم أرماث، وجال الناس، جعل سعد يتململ ويجول فوق القصر، وكان لا يطيق جلوسا إلا على بطنه، فلما رأت سلمى ما يصنع أهل فارس قالت: وامثنياه ولا مثنى للخيل اليوم، وهى عند رجل قد أضجر ما يرى من أصحابه ومن نفسه، فلطم وجهها، وقال: أين المثنى من هذه الكتيبة التى تدور عليها الرحى!، يعنى أسدا، وعاصما، فقالت: أغيرة وجبنا؟ قال: والله لا يعذرنى أحد اليوم إذا أنت لم تعذرينى وأنت ترين ما بى، فالناس أحق ألا يعذرونى!.
فلما ظهر المسلمون لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه، وكان غير جبان ولا ملوم، رضى الله عنه.
وكانت القادسية فى شوال سنة خمس عشرة، وابتداء أيامها يوم الاثنين لثلاث ليال خلون من شوال أو لأيام بقين منه، وقيل كانت فى المحرم سنة أربع عشرة، والأول أصح وأولى بالصواب إن شاء الله تعالى.
(2/477)

ذكر اليوم الثانى من أيام القادسية، وهو يوم أغواث
قالوا «1» : ولما أصبح الناس من الغد، يعنون الغد من يوم أرماث، أصبحوا على تعبئة، وقد وكل سعد رجالا بنقل الشهداء إلى العذيب ونقل الرثيث. فأما الرثيث فأسلموا إلى النساء يقمن عليهم حتى يقضى الله فيهم قضاءه، وأما الشهداء فليدفنوهم هنالك على مشرق، واد بين العذيب وبين عين شمس فى عدوتيه جميعا، وفى ذلك يقول سعد، رحمه الله:
جزى الله أقواما بجنب مشرق ... غداة دعا الرحمن من كان داعيا
جنانا من الفردوس والمنزل الذى ... يحل به ذو الخير ما كان باقيا
وانتظر الناس بالقتال حمل الرثيث والأموال، فلما استقلت بهم الإبل موجهة نحو العذيب طلعت عليهم نواصى الخيل من نحو الشأم، وكان عمر، رضى الله عنه، قد أمر أبا عبيدة بن الجراح لما انقضى شأن اليرموك وفتح دمشق بصرف أهل العراق أصحاب خالد الذين قدم بهم عليه إلى العراق، ولم يذكر له عمر خالدا، فضن أبو عبيدة بخالد فحبسه، وقد قيل إن عمر أمر بحبسه، فأمسكه وسرح الجيش وهم ستة آلاف، ألف من أبناء العرب من أهل الحجاز، وسائرهم من ربيعة ومضر، وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبى وقاص «2» ، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، أى التميمى، فجعله أمامه، وجعل على إحدى مجنبتيه قيس بن مكشوح المرادى «3» ، ولم يكن شهد الأيام، وإنما أتاهم وهم باليرموك حين صرف أهل العراق فصرف معهم، وعلى المجنبة الأخرى الهزهاز بن عدى العجلى، فطوى القعقاع وتعجل، فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن ينقطعوا أعشارا، وهم ألف، فكلما بلغ عشرة مد البصر سرح فى آثارهم عشرة، وتقدم هو فى عشرة، فأتى الناس فسلم عليهم، وبشرهم بالجنود، وقال: يا أيها الناس، إنى قد جئتكم فى قوم، والله لو كانوا بمكانكم، ثم أحسوكم لحسدوكم حظوتها، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فسكن الناس إليه، وقالوا لقول أبى بكر الصديق، رضى الله عنه: لا يهزم جيش
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 542) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (8934) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5328) ، العبر (1/ 39) ، طبقات خليفة (831) ، مروج الذهب (3/ 130) ، تاريخ بغداد (1/ 196) ، مرآة الجنان (1/ 101) ، العقد الثمين (7/ 359) ، شذرات الذهب (1/ 46) .
(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7329) ، طبقات ابن سعد (5/ 525) ، المحبر (261) ، معجم الشعراء (198) ، تهذيب الأسماء واللغات (2/ 64) ، شذرات الذهب (1/ 46) .
(2/478)

فيهم مثل القعقاع، فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: من أنت؟ فقال: أنا بهمن جاذويه، فنادى: يا لتارات أبى عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر. فاجلتدا، فقتله القعقاع، وجعلت خيله ترد قطعا، وما زالت ترد إلى الليل وتنشط الناس، وكأن لم تكن بالناس مصيبة، كأنما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبى وبلحاق القطع، وانكسرت الأعاجم لذلك.
وكان أول القتال قبل أن يقدم القعقاع المطاردة، فلما قدم قال: أيها الناس اصنعوا كما أصنع، فنادى: من يبارز؟ فبرز له ذو الحاجب فقتله، وآخر فقتله، وخرج الناس من كل ناحية، وبدأ الضرب والطعان، ونادى القعقاع، أيضا: من يبارز؟ فخرج إليه رجلان، أحدهما البيزران والآخر البندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان، أحد بنى تيم اللات، فبارز القعقاع البيزران، فضربه فأذرى رأسه، وبارز ابن ظبيان البندوان، فضربه فأذرى رأسه، وحمل بنو عم القعقاع، يومئذ، عشرة عشرة من الرجال، على إبل قد ألبسوها، فهى مجللة مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم، وأمروا أن تحمل تلك الإبل على خيل الفرس يشبهون بالفيلة التى أرسلت عليهم الفرس بالأمس، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم، وركبتهم خيول المسلمين. فاستنوا بهم، فلقى أهل فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة يوم أرماث.
ولم يقاتلوا فى هذا اليوم على فيل، كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس، واستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان من الغد، ولم ير أهل فارس فى هذا اليوم شيئا يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل.
وقالوا: قتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين جملة، كلما حمل حملة قتل فيها، وآزر القعقاع، يومئذ، ثلاثة من بنى يربوع، وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون، وقدم ذلك اليوم رسول لعمر، رضى الله عنه، بأربعة أفراس، وأربعة أسياف ليقسمها سعد فيمن انتهى إليه البلاء، إن كان لقى حربا، فدعا حمال بن مالك والرفيل بن عمرو بن ربيعة الوالبيين وطليحة بن خويلد الفقعسى «1» ، وكلهم من بنى أسد، وعاصم بن عمرو التميمى»
، فأعطاهم الأسياف، ودعا القعقاع بن عمرو
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4309) ، تاريخ خليفة (102، 103، 104) ، أسد الغابة ترجمة رقم (2641) ، تهذيب الأسماء واللغات (1/ 254، 255) ، دول الإسلام (1/ 17) ، تاريخ الإسلام (2/ 41) ، العبر (1/ 26) ، شذرات الذهب (1/ 32) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (4374) .
(2/479)

التميمى واليربوعيين وهم: نعيم بن عمرو بن عتبان وعتاب بن نعيم بن عتاب، وعمرو ابن شبيب بن زنباع، أحد بنى زيد، فحملهم على الأفراس، فأصاب ثلاثة من بنى يربوع ثلاثة أرباعها، وأصاب ثلاثة من بنى أسد ثلاثة أرباع السيوف، فقال الرفيل فى قطعة يذكر السيوف:
لقد علم الأقوام أنى أحقهم ... إذا حصلوا بالمرهفات البواتر
وقال القعقاع فى شأن الخيل:
ولم تعرف الخيل العرب سواءنا ... عشية أغواث بجنب القوادس
وذكر المدائنى حرب هذا اليوم فخالف بعض ما تقدم، وقال: إن الناس لما أصبحوا غداة الثلاثاء عبر رستم إلى المسلمين بجنوده وفيلته من حين طلعت الشمس إلى قريب من نصف النهار، وأخذوا عدة الحرب، وصافهم المسلمون، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم، وعلى الميسرة هاشم بن عتبة، وعلى الخيل المغيرة بن شعبة، وعلى الرجالة سلمة بن حديم، فقال سعد بن عبيد الأنصارى: يا أيها الناس، إن الدنيا دار زوال وفتنة، وأنتم منقلبون إلى دار الجزاء، فلا يكونن شىء أحب إليكم من فراقها، فإن ما عند الله خير للأبرار، وتقدم أمام الناس، فبرز له شهريار السجستانى، فقتل كل واحد منهما صاحبه، ثم طاردت الفرسان واقتتلوا حتى زالت الشمس، وتحاجزوا، وصلى المسلمون ثم عادوا إلى مصافهم، فنصل من عسكر المشركين رجل يسأل المبارزة، فبرز له زهرة بن جوية فقتله، وحمل فوارس من المشركين على زهرة فعقروا به، وندر سيفه من يده، فقاتلهم راجلا يحثو فى وجوههم التراب حتى توافت إليه خيل المسلمين، فكشفوهم عنه، وقد ذهبوا بسيفه، فقال:
فإن تأخذوا سيفى فإنى محرب ... خروج من الغماء محتضر النصر
وإنى لحام من وراء عشيرتى ... أطاعن فيهم بالمثقفة السمر
وقد روى غير المدائنى هذا الشعر والخبر للأعرف بن الأعلم العقلى فى هذا اليوم.
وقال عمرو بن معدى كرب لقومه: يا بنى زبيد، إنى مخالط الجمع، فانظرونى قدر نحر جزور وتعسيرها، ثم اطلبونى، فإنكم تجدونى وسيفى فى يدى أقاتل به قدما لا أزول، وفى رواية: فإن تأخرتم عنى فقد فقدتم أبا ثور، وأين لكم مثل أبى ثور، وحمل حتى خالطهم، فستره الغبار، فقال بعض الزبيديين: أيا بنى زبيد، علام تدعون صاحبكم وقد توسط جمع المشركين، والله ما أرى أن تدركوه حيا، وإن فقدتموه فقد المسلمون
(2/480)

فارسهم، فحملوا وحمل الناس حملة واحدة فانتهوا إليه وقد رمى فرسه بنشابة فسب فصرعه وعار، وأخر عمرا عنه المشركون، وذلك بعد ما طعنوه، وإن سيفه لفى يده يضاربهم به.
فلما رأى أصحابه أخذ برجل فرس أسوار فاحتبسه، وإن الفارسى ليضرب فرسه فما يتحرك، فلما غشيه الجمع رمى بنفسه وخلا فرسه فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور كدتم تفقدوننى، وثبت عمرو يقاتل فارسا وراجلا، إذا قاتل راجلا شد مقود فرسه فى وسطه وقاتل.
وتزاحف الناس فقال رجل من المسلمين لرجل من الأنصار: أعرنى ترسك، قال: ما بى عنه غنى، ولكن أى أتراس العجم تريد أتيتك به إن شاء الله، فأشار له إلى ترس مذهب، فحمل فلم يزل يقاتل حتى خلص إلى صاحب الترس فقتله واستلب ترسه، فأتى به صاحبه، فقال: دونك.
وصار الناس إلى السيوف، فقاتلوا حتى أعتموا وتحاجزوا عند العتمة عن قتلى وجرحى كثير فى الفريقين، وقتل يومئذ رجل من طيئ يكنى أبا كعب رجلا من المشركين، وأخذ قلنسوته فلبسها، وأقبل يعدو به فرسه وهو يقاتل، فنظر إليه رجل من بجيلة يقال له مضرس، وهو يقاتل، فظن أنه من الفرس فطعنه، فقال: بسم الله، قتلتنى، فقال مضرس: إنا لله وعانقه، فقال: غفر الله لك يا أخى، فبكى مضرس واحتمل أبو كعب، فقال سعد: الشهادة لا تقاد، ولا كل ميتة مظنون غيرها، ولكن من أحب أخذ الدية، فكان مضرس يأتيه يعوده فيبكى حتى تبل دموعه لحيته، ويقول أبو كعب: غفر الله لك يا أخى.
وقال أبو كعب:
لعمرى لقد ثارت رماح مضرس ... بعلج هوى فى الصف من آل فارس
ثم مات أبو كعب بعد أيام من تلك الطعنة، وصفح وليه عن الدية.
ويروى أنه عرض مثل هذا بعينه لرجل آخر من طيئ، أيضا، يقال له: بجير بن عميرة، وكان أحمر شبيها بالعجم، فاستلب رجلا من أهل فارس رايته فأقبل بها، فبصر به رجل من كندة يدعى فروة، فحمل عليه فطعنه، فأصاب مقتله، فنادى بجير: بسم الله، فاعتنقه فروة، فأتيا سعدا فقال لهما: إن الشهادة لا ثواب لها فى الدنيا، ولكن كفوا العجلات.
(2/481)

وخرج يومئذ رجل من أهل فارس ينادى: من يبارز، فبرز له علباء بن جحش العجلى، فبعجه علباء، فأصاب سحره، وبعج الفارسى علباء فخرق أمعاءه، وخرا جميعا، فأما الفارسى فمات من ساعته، وأما الآخر فانتثرت أمعاؤه، فلم يستطع القيام، فعالج ادخالها فلم يتأت له حتى مر به رجل من المسلمين فقال له: يا هذا أعنى على بطنى، فأدخله له، فأخذ بصفاقيه ثم زحف نحو صف فارس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه إلى صف فارس. فقال:
أرجو بها من ربنا الثوابا ... قد كنت ممن يحسن الضرابا
قالوا «1» : وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف الليل، فكانت ليلة أرماث تدعى ليلة الهدأة، وليلة أغواث تدعى ليلة السواد، والنصف الأول يدعى السواد، ثم لم يزل المسلمون يرون فى يوم أغواث الظفر على فارس، وقتلوا فيه عامة أعلامهم، وجالت فيه خيل القلب، وثبت رجلهم، فلولا أن خيلهم كرت أخذ رستم أخذا، فلما ذهب السواد تفايأ الناس وباتوا على مثل ما بات القوم عليه ليلة أرماث، ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا إلى أن تفايأوا.
فلما أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظونى، فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظونى، فإنهم على التساوى، فإن سمعتم ينتمون فأيقظنى، فإنما انتماؤهم من السوء.
قالوا «2» : ولما اشتد القتال بالسواد، وكان أبو محجن قد حبس وقيد، فهو فى القصر، صعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره سعد ورده فنزل، وأتى سلمى بنت خصفة، فقال لها: يا بنت خصفة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عنى وتعيرننى البلقاء، فالله علىّ إن سلمنى الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلى فى قيدى، وإن أصبت وخشيت هذا فما أكثر من يفلت ويجرب صاحبه. فقالت: وما أنا وذاك فرجع يرسف فى قيوده ويقول:
كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا
إذا قمت عنانى الحديد وأغلقت ... مصاريع من دونى تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركونى واحدا لا أخا ليا
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 546، 547) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 548- 550) .
(2/482)

ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا «1»
فقالت سلمى: إنى استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وقالت: أما الفرس فلا أعيرها، ورجعت إلى بيتها، فاقتاد أبو محجن الفرس فأخرجها من باب القصر الذى يلى الخندق فركبها، قيل بسرجها، وقيل: عريا، ثم ذبب عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة، فكبر وحمل على ميمنة القوم، يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبرز أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا ويعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هاشم نفسه.
وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر: والله لولا محبس أبى محجن الثقفى لقلت: إن هذا أبو محجن وهذه البلقاء. وقال بعض الناس: إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن أن صاحب البلقاء الخضر، وقال آخرون: والله لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا: ملك بيننا، ولا يذكر الناس أبا محجن ولا يأبهون له، لمبيته فى محبسه، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج، فوضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجله فى قيده، وقال:
لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكثرهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنا وفدهم فى كل يوم ... فإن عيوا فسل بهم عروفا
وليلة قادس لم يشعروا بى ... ولم أشعر بمخرجى الزحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائى ... وإن ترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: فى أى شىء حبسك هذا الرجل؟ قال: أما والله ما حبسنى لحرام أكلته ولا شربته، ولكنى كنت صاحب شراب فى الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر فى لسانى، وينبعث على شفتى، فيساء لذلك ثنائى، فعلى ذلك حبسنى. قلت:
إذا مت فادفنى إلى جنب كرمة ... تروى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفنى بالفلاة فإننى ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
__________
(1) انظر الأبيات فى: الأغانى للأصفهانى (21/ 139، 140) ، مروج الذهب للمسعودى (1/ 528- 530) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 330) .
(2/483)

ولم تزل سلمى مغاضبة لسعد عشية أرماث، وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته فصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبى محجن، فدعا به فأطلقته، وقال: اذهب فما أنا بمؤاخذك بشىء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم، والله لا أجيب لسانى إلى صفة قبيح أبدا.
حديث يوم عماس، وهو اليوم الثالث من أيام القادسية
قالوا «1» : وأصبح المسلمون من اليوم الثالث، وهم على مواقفهم، وأصبحت الأعاجم كذلك، وبين هؤلاء وهؤلاء قدر ميل فى عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان بين رثيث وميت، ومن المشركين عشرة آلاف. وقال سعد: من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وجعلهم المسلمون وراء ظهورهم، وأقبل الذين يحملونهم إلى القبور، يتبعون القتلى ويبلغون الرثيث إلى النساء، وكان النساء والصبيان يحفرون المقابر فى اليومين: يوم أرماث ويوم أغواث، بعدوتى مشرق، وكان فى الطريق أصل نخلة بين القادسية والعذيب، ليس بينهما يومئذ نخلة غيرها، فكان الرثيث إذا انتهى بهم إليها وأحدهم يعقل سألهم أن يقفوا به تحتها يستروح إلى ظلها، فمر حاجب بن يزيد، وكان على الشهداء بتلك النخلة مع بعض الشهداء بتلك النخلة مع بعض الشهداء وولاتهم، ورجل من الجرحى من طيئ يدعى يقول وهو مستظل بظلها:
ألا يا اسلمى يا نخلة بين قادس ... وبين العذيب لا يجاورك النخل
وآخر من بنى ضبة أو من بنى ثور يدعى غيلان، وهو يقول:
ألا يا اسلمى يا نخلة فوق جرعة ... يجاورك الجمان والرمث والرغل
قالوا «2» : وبات القعقاع ليلته كلها يسرب أصحابه إلى المكان الذى فارقهم فيه بالأمس، ثم قال: إذا طلعت لكم الشمس، فأقبلوا مائة مائة، وكلما توارت عنكم مائة فليتبعها مائة، فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا، ففعلوا، ولا يشعر بذلك أحد، وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين، فلما ذر قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل، طلعت نواصيها، فكبر وكبر الناس، وقالوا: جاء المدد.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 550) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 551، 552) .
(2/484)

وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاؤا من قبل خفان، فتقدم الفرسان وتكتبت الكتائب، فاختلف الطعن والضرب، ومدد المسلمين متتابع، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، وقد طوى فى سبعمائة، فأخبروه برأى القعقاع وما صنع فى يومه، فعبأ أصحابه سبعين سبعين، فلما نجز آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم فى سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة المرادى، وهو ابن المكشوح، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب، كبر وكبر المسلمون، وقد أخذوا مصافهم، وقال هاشم:
أول القتال المطاردة ثم المراماة، فأخذ قوسه، فوضع سهما ثم نزع فرفعت فرسه رأسها، فخل أذنيها، فضحك وقال: وا سوأتاه من رمية رجل ينتظره كل من رآه، أين ترون سهمى كان بالغا؟ فقيل: العتيق. فنزقها وقد نزع السهم عن أذنيها، ثم ضربها حتى وقفت على العتيق، ثم ضربها فأقبلت تخرقهم حتى عاد إلى موقفه، وقيل: إنه نزل عن فرسه وفعل ذلك راجلا، فالله أعلم.
وما زالت مقانبه تطلع وقد بات المشركون فى علاج توابيتهم حتى أعادوها على الفيلة، فأصبحوا على موافقهم، وأقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة فرسان يحمونهم، إذا أرادوا كتيبة دلفوا إليها بفيل وأتباعه، لينفروا بهم خيلهم، فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس؛ لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش، وإذا طافوا به كان آنس، فكان الفيل كذلك حتى عدل النهار.
ولما قدم قيس بن المكشوح مع هاشم، قام فيمن يليه فقال: يا معشر العرب، إن الله، عز وجل، قد من عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأصبحتم بنعمته إخوانا، دعوتكم واحدة وأمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد، ويختطف بعضكم بعضا اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، وتنجزوا من الله تعالى فتح فارس، فإن إخوتكم من أهل الشام قد أنجز الله تعالى لهم فتح الشام، وانتثال القصور الحمر والحصون الحمر.
وخرج يوم عماس رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر وشقشق ونادى:
من يبارز؟ فخرج إليه رجل من المسلمين يقال له: شبر بن علقمة، وكان قصيرا دميما، فقال: يا معشر المسلمين، قد أنصفكم الرجل، فلم يجبه أحد، ولم يخرج إليه أحد، فقال:
أما والله لولا أن تزدرونى لخرجت إليه، فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وجحفته، ثم تقدم، فلما رآه الفارسى هدر، ثم نزل إليه فاحتمله، فألقاه ثم جلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه، ومقود فرسه مشدود بمنطقته، فلما استل السيف حاص الفرس حيصة
(2/485)

فجذبه المقود فقلبه عنه، فقام إليه وهو يسحب فافترسه، فجعل أصحابه المسلمون يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم، فو الله لا أفارقه حتى أقتله ثم أسلبه، فذبحه وسلبه، ثم أتى سعدا بالسلب فنفله إياه، فباعه باثنى عشر ألفا.
قالوا «1» : ولما رأى سعد الفيلة تفرق الناس، وعادت لفعلها يوم أرماث، سأل: هل لها مقاتل؟ فقيل له: نعم، المشافر والعيون لا تنتفع بها بعدها، فأرسل إلى القعقاع وأخيه عاصم: أن اكفيانى الفيل الأبيض، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين لينين ودنوا فى خيل ورجل، وقالا: اكتنفوه لتحيروه، وفعل الآخران مثل ذلك، فلما اكتنف الفيلان نظر كل واحد منهما يمنة ويسرة وهما يريدان أن يتخبطا، فحمل القعقاع وعاصم والفيل البيض متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معا فى عينيه، وقبع ونفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره، فنفخه القعقاع ورمى به ووقع لجنبه، وقتلوا كل من كان عليه، وقال حمال لصاحبه وقد قصدا إلى الفيل الأجرب: إما أن تضرب المشفر وأطعن فى عينه، أو تطعن فى عينه وأضرب مشفره، فاختار صاحبه الضرب، فحمل عليه حمال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه، لا يخاف سائسه إلا على بطانه فطعنه فى عينه، فأقعى، ثم استوى فنفخه الآخر، فأبان مشفره، وبصر به السائس ففقر أنفه وجبينه بفأسه.
ويروى أن الفيلين صاحا عند ذلك صياح الخنزير، ثم ولى الأجرب الذى عور فوثب فى العتيق، فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم، فعبرت العتيق فى أثره فبيتت المدائن فى توابيتها وهلك من فيها.
وقيل: إنه بقى منها الفيل الأبيض، لم يبق فى المعركة غيره، وإن الناس رشقوا مشافر الفيلة، فعند ذلك انبعث الفيل الآخر فلم تنته عن المدائن، وكانت تفعل بالناس الأفاعيل فاستقام للناس بعدها وجه القتال، وخلصوا بأهل فارس، فاجتلدوا على جرد بالسيوف حتى أمسوا وهم فى ذلك على السواء.
فكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا، العرب والعجم فيه على السواء، ولا يكون بينهم لفظة إلا تقاولها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجرد بالمدائن، إذ كان قد أمر رستم بأن يرتب الرجال على الطريق بينهما ليبلغه بالتنادى ما يطرأ فى العسكر من حينه، فيرسل إليهم أهل النجدات ممن بقى عنده فيتقوون بهم، وأصبحت عنده للذى
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 555، 556) .
(2/486)

لقى بالأمس الأمداد على البرد، فلولا الذى صنع الله للمسلمين فى الذى ألهم إليه القعقاع فى اليومين، وما أتاح لهم بهاشم لكسر ذلك المسلمين.
وأصيب يومئذ مؤذن سعد بن أبى وقاص فتشاح الناس على الأذان، حتى كادوا يجتلدون بالسيوف، فأقرع بينهم سعد.
قالوا «1» : ولما أمسى الناس من يومهم ذلك، وأطعنوا إلى الليل، واشتد القتال فصبر الفريقان، فخرجا على السواء فلم يسمع إلا الغمائم من هؤلاء وهؤلاء، فسميت ليلة الهرير، ولم يكن بعدها قتال بليل فى القادسية.
وجدد المشركون فى تلك الليلة تعبئة، وأخذوا فى أمر لم يكونوا عليه فى الأيام الثلاثة، وبقى المسلمون على تعبئتهم، فخرج مسعود بن مالك الأسدى، وقيس بن هبيرة المرادى، وهو ابن المكشوح، وأشباههم فطاردوا القوم وحركوهم للقتال، فإذا هم فيه أمة لا يشهدون ولا يريدون إلا الزحف، فقال قيس بن مكشوح لمن يليه، ولم يشهد شيئا من لياليها إلا تلك الليلة: إن عدوكم قد أبى إلا المزاحفة، والرأى رأى الأمير، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجال، فإن القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم، ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم، فتيسروا للحملة.
وقال دريد بن كعب النخعى، وكان معه لواء النخع: إن المسلمين قد تهيئوا للمزاحفة، فاسبقوا المؤمنين الليلة إلى الله والجهاد، فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه، فنافسوهم فى الشهادة، وطيبوا بالموت أنفسا، فإنه لا نجاء من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا فالآخرة ما أردتم.
وقال الأشعث بن قيس: يا معشر العرب، إنه لا ينبغى أن يكون هؤلاء أجرأ على الموت ولا أسخى أنفسا عن الدنيا منكم، تنافسوا ولا تجزعوا من القتل فإنه أمانى الكرام، ومنايا الشهداء، وترجل.
وقال حنظلة بن الربيع «2» وأمراء الأعشار: ترجلوا أيها الناس، وافعلوا كما نفعل، ولا
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 557) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (1864) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1280) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 142) ، الطبقات (1/ 43، 129) ، تهذيب الكمال (1/ 343) ، الإكمال (1/ 73) ، تقريب التهذيب (1/ 216) ، الجرح والتعديل (3/ 1059) ، تهذيب التهذيب (3/ 60، 63) .
(2/487)

تجزعوا مما لا بد منه، فالصبر أنجى من الجزع. وفعل طليحة وغالب أهل النجدات من جميع القبائل مثل ذلك.
وقال أنس بن الجليس: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كضرب القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغا.
وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن سعد ورستم، فبعث سعد فى تلك الليلة نجادا، وهو غلام، إلى الصف، إذ لم يجد رسولا، فقال: انظر ماذا ترى من حالهم، فرجع إليه فقال:
ما رأيت يا بنى؟ فقال: رأيتهم يلعبون، فقال: أو يجدون. فأقبل سعد على الدعاء، حتى إذا كان فى وجه الصبح، انتمى الناس فاستدل سعد بذلك على أنهم الأعلون، وأن الغلبة لهم.
قال بعضهم: أول شىء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح فى نصف الليل الباقى صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول:
نحن قتلنا معشرا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا
تحسب فوق البلد الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت واحدا
الله ربى واحترزت جاهدا
فاستدل سعد بهذا، وبما سمع معه من غير القعقاع من الانتماء، واتسع له الرجاء، فسمع عمرو بن معدى كرب يقول: أنا ابن أسلة، وطليحة يقول: أنا ابن ليلى، وسعد بن عمارة يقول: أنا ابن أروى، ثم سمع الانتساب من كل ناحية: خذها وأنا الغلام الجرمى من النخع، خذها وأنا الغلام المالكى من بنى أسد، خذها وأنا الغلام الأسعدى من عجل، فأصبحوا والناس على مواقفهم متحاجزين، فصلى المسلمون الغداة وفضوا من شأنهم.
خبر اليوم الرابع من أيام القادسية
وهذا أهو آخر أيامها، ويسمى من بينها: يوم القادسية، وفيه قتل الله رستم، وأتم الفتح للمسلمين.
قالوا «1» : وأصبح الناس ذلك اليوم حسرى، لم يغمضوا ليلتهم كلها، فسار القعقاع
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 563) .
(2/488)

فى الناس، فقال: إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ اليوم، فاصبروا واحملوا، فإن النصر مع الصبر. فاجتمع إليه هلال بن علفة، ومالك بن ربيعة، والكلح الضبى، وضرار بن الخطاب، وابن الهذيل، وغالب، وطليحة، وعاصم بن عمرو بن ذى البردين، وأمثالهم ممن اختصر ذكره، ومعهم عشائرهم. ثم صمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح.
ولما رأت ذلك القبائل قام فيهم رجال منهم، فقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد فى أمر الله تعالى، منكم، ولا أسخى نفسا عن الدنيا، تنافسوها. فحملوا مما يليهم حتى خالطوا الذين بإزائهم.
وقام فى ربيعة عتيبة بن النهاس، وفرات بن حيان، والمعنى بن حارثة، وسعيد بن مرة، فى أمثالهم، فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى، فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم.
واقتتل الناس إلى أن انفرج قلب المشركين حين قام قائم الظهيرة، وقد ركد عليهم النقع، واشتد الحر، وسقفتهم الشمس، فهبت ريح عاصف، فقلعت طيارة رستم عن سريره، فهوت فى العتيق، فانتهى القعقاع وأصحابه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قدمت عليه يومئذ بمال فهى واقفة، فاستظل فى ظل بغل منها وحمله، وضرب هلال بن علفة العدل الذى على البغل الذى رستم تحته، فقطع حباله، فوقع عليه أحد العدلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به، فأزال من ظهره فقارا، ويضربه ضربة فنفحت مسكا، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، فاقتحمه عليه هلال، فتناوله وقد عام، فأخرجه ثم ضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به فرمى به بين أرجل البغال، وصعد السرير، ثم نادى: قتلت رستما ورب الكعبة، إلىّ إلىّ، فأطافوا به ما يحسون السرير وما يرونه، وكبروا وتنادوا، وانبت قلب المشركون عندها وانهزموا، وقام الجالينوس على الردم، ونادى أهل فارس إلى العبور، وانسفى الغبار، فأما المقترنون فإنهم خشعوا فتهافتوا فى العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفا.
وأخذ ضرار بن الخطاب «درفش كابيان» ، راية كسرى، فعوض عنها ثلاثين ألفا، وكانت قيمتها ألف ألف ومائتى ألف، وقتلوا فى المعركة من الليل، يعنى ليلة الهرير، عشرة آلاف سوى من قتلوا فى تلك الثلاثة الأيام.
(2/489)

وأكب المسلمون على من ثبت لهم وعلى من سفل منهم عن الردم ومن ارتفع عنه فقتلوا منهم ستين ألفا، فقتلوا يوم القادسية مائة ألف سوى من قتلوا فى الأيام قبله.
قالوا: فلما انكشف أهل فارس، فلم يبق منهم بين الخندق والعتيق أحد، وطبقت القتلى ما بين قديس والعتيق أمر سعد زهرة بن جوية باتباعهم، فنادى زهرة فى المقدمات وساروا، وأمر سعد القعقاع بمن سفل، وشرحبيل بمن علا، وأمر خالد بن عرفطة بسلب القتلى وبدفن الشهداء ليلة الهرير ويوم القادسية، ألفين وخمسمائة، وقيل: ثلاثة آلاف، من وراء العتيق بحيال مشرق، ودفن شهداء الأيام الثلاثة قبل ذلك على مشرق، ويقال:
كانوا ألفين وخمسمائة، وجمعت الأسلاب والأموال، فجمع منها شىء لم يجمع قبله ولا بعده، وأرسل سعد إلى هلال بن علفة فدعا له، فقال: أين صاحبك؟ يعنى رستما. قال:
رميت به تحت بغل، فقال: اذهب فجئ به، فذهب فجاء به. فقال له سعد: جرده إلا ما شئت، فخذ سلبه، فلم يدع عليه شيئا، ويقال: إنه باع الذى سلبه بسبعين ألفا، وكان قد تخفف حين وقع فى الماء، ولم توجد قلنسوته، وكانت قيمتها مائة ألف.
وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فرأوا رستما ببابه مطروحا، فقالوا: أيها الأمير، رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره، وكأن الضرب قد شوهه، فضحك سعد، وخرج زهرة فى آثار أهل فارس، فانتهى إلى الردم وقد تبعوه ليمنعوهم به من الطلب، فقال زهرة لبكير بن عبد الله الليثى، وهو الذى يقال له فارس أطلال، وهو اسم فرس له كان يعرف بها: يا بكير، أقدم، وكان يقاتل على الإناث، فضرب فرسه، وقال: ثبى أطلال، فتجمعت وقالت: وثبا وسورة البقرة ثم وثبت ووثب زهرة، وكان على حصان، وتتابع ذلك ثلاثمائة فارس، فلحق زهرة بالقوم والجالينوس فى آخرهم يحميهم، فشاوله زهرة، فاختلفا ضربتين، فقتله زهرة، وأخذ سلبه، وقتل أولئك الفرار ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، ورجع زهرة فى أصحابه حين أمسوا، فباتوا بالقادسية، ولما رجع القعقاع وشرحبيل إلى سعد، قال لشرحبيل: اغد فى طلب القعقاع، وقال للقعقاع: اغد فى طلب شرحبيل فعلا هذا، وسفل هذا، حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية.
قال الشعبى: خرج القعقاع وأخوه وشرحبيل فى طلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم فى كل قرية وأجمة وشاطئ نهر، ورجعوا، فوافوا صلاة الظهر، وهنأ الناس أميرهم، وأثنى على كل حى خيرا، وذكره منهم.
(2/490)

وقال فى ذلك هلال بن علفة:
جدعت أنوف العجم يوم لقيتهم ... برستم والجمعان فى أشغل الشغل
فضضت به رض الصفوف فقوضت ... صفوفهم والحرب جاحمة تغلى
وقال الشماخ فى قصيدة يرثى بكير بن عبد الله، فارس أطلال، ويذكر ما كان من فرسه فى وثبتها المذكورة قبل:
وغيب عن خيل بموقان أسلمت ... بكير بنى الشدّاخ فارس أطلال
غداة اقتحام القوم من بعد نطقها ... وحلفتها عرض العتيق بإدلال
ولما قتل زهرة الجالينوس وأخذ سلبه، جاء به إلى سعد، فعرفه الأسارى الذين كانوا عند سعد، وقالوا: هذا سلب الجالينوس، وكان سيدا من ساداتهم، وعظيما من عظمائهم، فقال سعد لزهرة: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: الله عز وجل. فنفله إياه.
وقيل: إنما جاء بالسلب وقد لبسه، فانتزعه منه سعد، وقال: ألا انتظرت إذنى، وكتب فيه إلى عمر، رضى الله عنه، فكتب إليه عمر: أن يمضى لزهرة ذلك السلب، وعاتب سعدا فى كتابه، وقال له: تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به وبقى عليك ما بقى من حربك، تكسر قرنه وتفسد قلبه.
ويروى أن سعدا استكثر له السلب، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه: إنى قد نفلت من قتل رجلا سلبه، فدفعه إليه سعد، فباعه بسبعين ألفا.
وقال زهرة فى قتل الجالينوس:
تبعنا جيوش الجالينوس وقد رأى ... بعينيه أمرا ذا إياس منكرا
لحقنا به نرمى الكرانيف سادرا ... ويعجب إذ خلى الجموح وشمرا
فوليته لما التقينا مصمما ... أراه محيا الموت أحمر أصفرا
وقال سيف «1» عن رجاله: ثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، استحيوا من الفرار، فصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، لكل كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين فأباد الله تلك الكتائب يومئذ.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 569، 570) .
(2/491)

وقال سعيد بن المرزبان «1» : أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم، قتلوا حتى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه فيضرب عنقه، وحتى إنه ليأخذ سلاحه فيقتله به، وحتى إنه ليأمر أحد الرجلين منهم بقتل صاحبه.
وقال بعض من شهدها: أبصر سلمان بن ربيعة الباهلى أناسا من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتلهم وسلبهم، وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية، وأحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت، وكذلك أخوه عبد الرحمن بن ربيعة، ذو النور، مال على آخرين قد تكتبوا ونصبوا للمسلمين، فطحنهم بخيله.
وقال الشعبى: كان يقال لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور.
وقال بعض بنى معرض: ما رأينا مثل أهل القادسية، هزمناهم فاتبعناهم وهم على خيولهم كأنها فى طين، ونحن على أرجلنا كأنا ظباء، ولقد أدركنا رجلا يعدو به فرسه فصحنا به، فلم يتحرك، فأخذناه أسيرا.
قال أبو وائل، وشهدها: لقد سمعت الفرس يقولون ما تقطع سيوفنا الشعر، ولقد نزع منا النصر.
وقال الأسود النخعى «2» : شهدت القادسية، فلقد رأيت غلاما منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلا من أبناء الأحرار، وأتى رجل سعدا فقال: تجعل لى ثلث ما أجيئك به؟ قال: نعم. فأتاه بأساورة قد أسرهم، فقال له سعد: كيف أخذت هؤلاء وحدك؟
قال: صحت بهم وهم منهزمون فوقفوا لم يمتنع منهم أحد، فجعل سعد يتعجب.
وكان سعد أجرأ الناس وأشجعهم، إنه نزل قصرا غير حصين يشرف منه على الناس ويرى قتالهم، وصف المسلمين إلى أصل حائط القصر، ولو أعراه الصف فواق ناقة أخذوا برمته. فو الله ما كربه هول تلك الأيام، ولا أغلقه. ودخل إليه فى اليوم الرابع رجل من بجيلة فقال: أبا إسحاق إن الناس قد جبنوك وقالوا: لم يمنعك من الخروج الوجع، قال: ما أخاف ذلك على نفسى، أو ما ترى ما بى، وسأخرج، وكان به حبون ودماميل لا يستطيع أن يقر لها إلا مكبا على صدره، فركب فرسا فانتهى إلى باب القصر
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 569) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 576) .
(2/492)

وقد تبوأ فيه حمام، فطرن فنفر الفرس فشب، فانفجر ما كان من قروحه وخرج، فوقف وحض المسلمون وقال: لا تكون هذه الأعاجم أصبر على المقارعة منكم، واعلموا أن القوم ملوا إن كنتم مللتم، فنشط الناس.
وفى حديث غير هذا أن جريرا البجلى قال فى ذلك اليوم:
أنا جرير كنيتى أبو عمرو ... قد نصر الله وسعد فى القصر
وقال رجل من المسلمين، أيضا:
نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهم أيم
فلما بلغ ذلك من قولهما سعدا خرج إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح فى فخذيه، فعذره الناس، وقال سعد يجيب جريرا من أبيات:
وما أرجو بجيلة غير أنى ... أؤمل أجرهم يوم الحساب
وفى حديث يروى عن قيس بن أبى حازم «1» ، وكان شهد تلك الحرب أن الفرس لما انهزموا لحقوا بدير قرة وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حين نزل بدير قرة على من هناك من الفرس، وقدم عليه بالدير عياض بن غنم فى ألف رجل من الشام مددا لهم، فأسهم لهم سعد مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسية، ثم إن الفرس هربت من دير قرة إلى المدائن يريدون نهاوند، واحتملوا معهم الذهب والفضة والديباج والفرند والحرير والسلاح وثياب كسرى، وخلوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلب، فبعث خالد بن عرفطة ووجه معه عياض بن غنم فى أصحابه، وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله وعلى الميسرة زهرة بن جوية، وتخلف سعد لما به من الوجع.
فلما أفاق من وجعه أتبع الناس بمن بقى معه من المسلمين حتى أدركهم دون دجلة، فلما وضعوا على دلجة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها، حتى أتى سعدا علج من أهل المدائن فقال: أدلكم على طريق تدركونهم قبل أن يمنعوا، فخرج بهم على مخاضة بقطربل، فكان أول من خاضها هاشم، وأتبعه خيله، ثم جاز خالد بن عرفطة بخيله وتتابع الناس فخاضوا حتى جتاوزوا، فزعموا أنه لم يتهد لتلك المخاضة بعد، ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط، فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس
__________
(1) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7168) .
(2/493)

وجبنوا عنه، فكان أول من دخله بجيشه هاشم، فلما جاز ألاح للناس بسيفه، فعرف الناس أن ليس به شىء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عرفطة، ثم لحق سعد بالناس حين انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس وأصاب المسلمون بها أفضل مما أصابوا بالقادسية، وأصيبت ابنة لكسرى، يقال لها:
منجانة، ويقال: ابنة ابنه، وقال شاعر من المسلمين:
يا رب مهر حسن مطهم ... يحمل أثقال الغلام المسلم
ينجو إلى الرحمن من جهنم ... يوم جلولاء ويوم رستم
ويوم زحف الكوفة المقدم ... ويوم لا فى حتفة مهزم
وخر دين الكافرين للفم
وفى كتاب المدائنى عن أبى وائل قال: هزمناهم، يعنى يوم القادسية، حتى انتهوا إلى الفرات فقاتلونا عليه، فهزمناهم حتى انتهوا إلى الصراة فقاتلونا عليها، فهزمناهم حتى انتهوا إلى المدائن فدخلوها ونزل المسلمون دير السباع، فجعلنا نغاديهم فنقاتلهم، فقال المسلمون: هؤلاء فى البيوت ونحن فى الصحراء، اعبروا إليهم فعبرنا إليهم فحصرناهم فى الجانب الشرقى حتى أكلوا الكلاب والسنانير، فخرجوا على حامية معهم الأثقال والعيال حتى نزلوا جلولاء الوقيعة، وتبعناهم فقاتلوا بها قتالا شديدا عن العيال والذرارى، فجال المسلمون جولة فناداهم سعد: يا معشر المسلمين، أين أين أما رأيتم ما خلفكم؟ أتأتون عمر منهزمين فعطفوا، وهزم الله المشركين، وسميت جلولاء الوقيعة فتح الفتوح، وسيأتى ذكر فتح جلولاء والمدائن على التمام بعد انقضاء بقايا الأخبار عن شأن القادسية ومغانمها إن شاء الله تعالى.
قال الشعبى: بلغ الفىء بالقادسية ستمائة ألف ألف، وكان خمسها عشرين ومائة ألف ألف، وكان الملك يزدجرد بن كسرى قد حمل نصف الأموال إلى أهل فارس بالقادسية ليتوردوا بها بلاد العرب، وليغزوا عمر، رضى الله عنه، فى داره وقراره، فعل مقتدر مغرور، وأمر الجنود أن يحضروا الحرب بأموالهم، وأن يختلفوا ليكون أجد لهم فى الامتناع والمخاطرة لدنياهم، فاجتمعت معهم من الأموال والزين والشارات على قدر أحسابهم ما لا يحصى، وكان سبب ذلك ما قضى الله عز وجل، للمسلمين، فساقه إليهم، وكان يزدجرد قد استبقى النصف من الأموال وأقره فى بيت المال على حاله، فأفاءه الله على المسلمين يوم المدائن.
وذكر المدائنى أن المسور بن مخرمة أصاب يوم القادسية أبريق ذهب عليه ياقوت،
(2/494)

فقال له بعض الفرس: آخذه منك بعشرة آلاف، فأبى وأتى به سعدا، فباعه بمائة ألف.
وقال مخنف بن سليم: إنى لفى طلب المشركين يومئذ إذ لحقت رجلين أحدهما على فرس والآخر على بغل، ثم ذكر حديثا انتهى فيه إلى أن فاته صاحب الفرس ولحق بصاحب البغل فأخذه، قال: وأنا أريد أن آتى به سعدا وما من رأى أن أنظر إليه، فجاء مولى لى وأنا أصلى فحط الثقل واستخرج سفطا فنظر إليه وقال لى: أتدرى ما معك؟
قلت: لا، قال: بعض كنوز كسرى، فنظرت فإذا ناقة ذهب عليها رجل ذهب وبطان ذهب وزمام ذهب، وإذا ذلك كله مكلل بالجوهر عليه مثال رجل من فضة، فأتيت بها سعدا، فقال: أبشر لأفضل منه من ثواب الله، وولانى مغانم القادسية، ومعى غيرى، فجاء رجل بسفط آخر فألقاه فى المغانم، وقال: أما والله لولا خوف الله ما أديته، فإذا الذى جئت به لا يقارب ما جاء به الرجل، فقلت: من أنت؟ قال: والله ما أخبرك لتحمدنى أنت ولا أحد من الناس، وأصاب الناس رثة ومتاعا كبيرا.
وقال طلحة بن مصرف: أمروا مما جدوا من الطيب للنساء ببعضه، فأصاب كل امرأة مع الناس ثلاثة وثلاثون مثقالا من عنبر، ومثلها من مسك، وأشرك صبيان الذين استشهدوا فى ذلك، فأما الكافور فلم يعبأوا به شيئا، وبعضهم استبدل منه بالملح كيلا بكيل، وأصاب الرجل من المسلمين خمسة آلاف ونيف من سهمه، وصير الله، عز وجل، العدة والأداة إلى المسلمين، فلم يبق أحد إلا أردى، وركب، وفضل عنهم حتى جنبوا الجنائب.
وذكر سيف عن رجاله قالوا: وقسم سعد الفىء بالقادسية على تسعة وثلاثين ألفا أو يزيدون، وكان من شهدها أكثر من تسعة وثلاثين ألفا وأقل من الأربعين، فأصيب منهم خمسة آلاف ومائتان، وقيل وخمسمائة، ثم لحق فى الأيام الثلاثة بعد الوقعة عدد من استشهد فقسم الفىء على تلك العدة التى هى أقل من أربعين ألفا. قالوا: وأعطى الناس المتاع بالقيمة فى سهم الرجل.
قال إبراهيم بن يزيد: كانوا ليقومون الشىء الثمين بالشىء اليسير.
وقال الشعبى: لم يقسم يومئذ لأكثر من فرسين، ولا يقسم لأكثر منهما، قالوا: فبلغ سهم الفرسين وصاحبهما سبعة وعشرين ألفا، للرجل خمس ذلك وللفرسين سائر ذلك، وللفرس الواحد بحساب ذلك عشرة آلاف ونيف، وسهم الرجل الواحد خمسة آلاف ونيف، وسهم الرجل الفارس ذى الفرس الواحد خمسة عشر ألفا ونيف، وكان القاسم
(2/495)

بين الناس والمميز للخيل والذى يلى الأقباض سلمان بن ربيعة الباهلى.
قال المدائنى: فجاء عمرو بن معدى كرب بفرسين يقودهما، فقال سلمان لأحد الفرسين: هذا هجين، فقال عمرو: الهجين يعرف الهجين، فأغلظ له سعد عند ذلك وهدده. فقال عمرو:
إذا قتلنا ولا يبكى لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير
نعطى السوية من طعن له نهل ... ولا سوية إذ تعطى الدنانير
ونح فى الصف قد تدمى حواجبنا ... نعطى السوية مما أخلص الكير
قالوا «1» : وكتب سعد بالفتح إلى عمر، رحمه الله، وبعدة من أصيب من المسلمين جملة، وسمى له منهم من كان عمر يعرفه، وكان كتابه إليه:
أما بعد، فإن الله، عز وجل، نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهوها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونفله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون يقتلونهم على الأنهار وعلى صفوف الآجام وفى الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا تعلمهم، الله بهم عالم، كانوا إذا جن عليهم الليل يدوون بالقرآن دوى النحل، وهم آساد من الناس لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم على من بقى إلا بفضل الشهادة، إذ لم تكتب لهم.
ولما أتى عمر الكتاب بالفتح قام فى الناس فقرأه عليهم، وكان رضى الله عنه، لما أتاه الخبر بنزول رستم القادسية يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى بيته، فلما لقيه البشير سأله من أين جاء، فأخبره، فقال: يا عبد الله، حدثنى، قال: هزم الله العدو، وعمر، رضى الله عنه، يخب معه ويستخبره، والآخر يسير على ناقته وهو لا يعرفه حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال الرجل: فهلا أخبرتنى، رحمك الله، أنك أمير المؤمنين وجعل عمر يقول له: لا عليك يا أخى.
وقال عمر للناس عندما قرئ عليهم الفتح: إنى حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا حتى نستوى فى الكفاف، إنى
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 583) .
(2/496)

والله ما أنا بملك فأستعبدكم، ولكنى عبد الله عرض علىّ الأمانة، فإن أبيتها ورددتها عليكم وأتبعتكم حتى تشبعوا وترووا فى بيوتكم سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتى شقيت، ففرحت قليلا وحزنت طويلا، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب.
وكتب سعد، أيضا، إلى عمر فى ثلاثة أصناف من المسلمين اجتمعوا إليه يسأله عنهم، عمن أسلم بعد ما فتح الله تعالى، عليهم ممن كان له عهد ومعونة، وعمن أعتق الجند من رقيقهم بعد الفتح، وعمن جاء بعد ما فتح الله عليهم وأخبره أنه ممسك عن القسم حتى تأتيه رأيه.
قالوا: وكانت طائفة من الديلم ورؤساء أهل المسالح قد استجابوا للمسلمين واختاروا عهودهم على عهد فارس، وقاتلوا مع المسلمين على غير الإسلام، وكانوا حشوة فيمن أسلم منهم، فلما فتح الله تعالى على المسلمين قال أولئك الذين لم يكونوا أسلموا:
إخواننا الذين سبقونا دخلوا فى هذا الأمر من أول الشأن خير وأصوب رأيا، والله لا يفلح أهل فارس بعد رستم إلا من دخل فى هذا الأمر منهم، فأسلموا، فهم الصنف الأول من الذين سأل عنهم سعد عمر، رضى الله عنهما، قالوا: وتتابع أهل العراق من أصحاب الأيام الذين شهدوا اليرموك ودمشق ورجعوا ممدين لأهل القادسية، فتوافوا بها من الغد ومن بعد الغد جاء أولهم يوم أغواث وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح، وقدمت أمداد فيها وهمدان ومن أبناء الناس، فهذا الصنف الثانى ممن كتب فيهم سعد.
وأقام المسلمون فى انتظار أمر عمر، رضى الله عنه، يقومون أقباضهم، ويحزرون جندهم ويرمون أمورهم ويجددون حربهم، حتى جاءهم جواب عمر:
أما بعد، فالغنيمة لمن شهد الوقعة، والمواساة لمن أغاث فى ثلاث بعد الوقعة، فأشركوهم ومن أعانكم فى حربكم من أهل عهدكم، ثم أسلم بعد الحرب فى ثلاث، ومن شهد حربكم من مملوك ثم عتق فى ثلاث بعدها فأشركوا هؤلاء الأصناف الثلاثة فيما أفاء الله عليكم.
وكانوا كتبوا إليه، أيضا، يسألونه عمن احتلم بعد الوقعة ممن شهدها، فأجابهم عن ذلك:
أما بعد فمن أدرك الحلم ممن شهد الوقعة فى ثلاث بعدها فأشركوهم وألحقوهم، وأقسموا لهم ولمن لحق فى ثلاث أو أسلم فى ثلاث، فإن الله لن يزيدكم بذلك إلا فضلا، وليست فى الفيوء أسوة بعد الخمس إلا لهؤلاء الطبقات.
(2/497)

وكتبوا إلى عمر، أيضا، أن أقواما من أهل السواد ادعوا عهودا، ولم يقم على عهد الأيام لنا ولم يف به أحد علمناه إلا أهل بانقيا وبسما وأهل أليس الأخيرة، وادعة سائر أهل السواد أن فارس أكرهوهم وحشروهم، فلم يخالفوا إلينا، ولم يذهبوا فى الأرض.
وكتبوا إليه، أيضا، فى كتاب آخر: أن أهل السواد جلوا، فجاءنا من تمسك بعهده ولم يجلب علينا، فتممنا لهم على ما كان بين المسلمين وبينهم قبلنا، وزعموا أن أهل الأرض قد لحقوا بالمدائن، فأحدث إلينا فيمن أقام وفيمن جلا وفيمن ادعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل، أو استسلم، فإنا بأرض رغيبة، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صلحنا، وإن أعمر لها وأوهن لعدونا تألفهم.
فلما انتهى ما كتبوا به إلى عمر، رضى الله عنه، قام فى الناس فقال: إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر إلا نفسه، ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل طاعته أصاب أمره وظفر بحظه، وذلك أن الله عز وجل يقول: وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: 49] ، وقد ظهر الأيام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر، وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئا، ولم يجل، وفيمن استسلم.
فأجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف، وأن من ادعى وصدق بمنزلتهم، ومن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل أمر من جلا إلى المسلمين، فإن شاؤا وادعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاؤا أتموا على منعهم من أرضهم، ولم يعطوهم إلا القتال، وأن يخيروا من أقام واستسلم بين الجزاء والجلاء، وكذلك الفلاح.
فكتب عند ذلك عمر، رضى الله عنه، جوابا عما كتبوا إليه فى ذلك.
أما بعد، فإن الله عز وجل أنزل فى كل شىء رخصة فى بعض الحالات إلا فى أمرين: العدل فى السيرة، والذكر. فأما الذكر فلا رخصة فيه فى حالة، ولم يرض منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه فى قريب ولا بعيد، ولا فى شدة ولا رخاء، والعدل وإن رئى لنا، فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وإن رئى شديدا فهو أنكس للكفر، فمن تم على عهده من أهل السواد ولم يعن عليكم بشىء فله الذمة وعليهم الجزية، وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم أو يذهب فى الأرض فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاؤا، وإن لم تشاؤا فانبذوا إليهم، وأبلغوهم
(2/498)

مأمنهم، ومن أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لأهل الذمة بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة، والفلاحون إذا فعلوا ذلك، وكل من ادعى شيئا فصدق فلهم الذمة. وإن كذبوا نبذ إليهم، وأما من أعان وجلا فذلك أمر جعله الله إليكم، فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقوموا لكم فى أرضكم، ولهم الذمة وعليهم الجزية، فإن كرهوا ذلك فاقتسموا ما أفاء الله عليكم منهم.
فلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى من أهل السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمة وعليهم الجزية، وتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم ولزم عهده إلا أن خراجهم أثقل، وأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم، وعقدوا لهم، وأنزلوا من أقام منزلة ذى العهد، وكذلك الفلاحون، ولم يدخل فى الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يجب إلى الإسلام ولا إلى الجزية.
فصارت فيئا لمن أفاء الله عليه كالصوافى فى الأول، وسائر السواد لهم ذمة، وأخذوهم بخراج كسرى، وكان على رؤس الرجال وما بأيديهم من الحصة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى ومن صوب معهم وعيالهم وعيال من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسكك، فلم يتأت قسم ذلك الفىء الذى كان لآل كسرى ومن صوب معهم؛ لأنه كان متفرقا فى كل السواد، فكان يليه لأهل الفىء من وثقوا به وتراضوا عليه.
قالوا: وأدلى جرير وبجيلة يوم القادسية بمثل ما كان عمر جعل لهم من ربع الخمس مما أفاء الله يوم البويب، فكتب سعد إلى عمر بذلك، فاجابه: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، إنى إنما كنت جعلت لهم ربع الخمس مما أفاء الله على المثنى حين أمددته بهم فى وجههم ذلك إلى البويب نفلا، فقد أخذوه أيام البويب، ثم لم يمضوا ولكن رجعوا إلى أرض العرب، فعنفهم بما ادعوا مما ليس لهم ولا لى وقل لهم: والله ولولا أنى قاسم مسئول لبلغت منكم.
فلما بلغ الكتاب سعدا أمر جريرا بجمع بجيلة، فجمعهم له، فقرأ عليهم سعد الكتاب، فقال جرير: صدق والله عمر وأسأنا، وتتابع على ذلك قومه إلا امرأة يقال لها: أم كرز، فإنها قالت: كذبت والله يا جرير، وجعل جرير يقول لها: حلا يا أم كرز، فتعود له بالتكذيب، فلا يزيد على أن يقول: حلا يا أم كرز.
وخالف المدائنى ما ذكره سيف فى قصة جرير وقومه، وقال: إن سعدا لما جمع الغنائم
(2/499)

وعزل الخمس، وأراد قسمة الباقى، قال له جرير: إن أمير المؤمنين جعل لنا الربع، وقال بعضهم: الثلث بعد الخمس من كل شىء، فبعث سعد بالخمس إلى عمر، وكتب إليه بقول جرير، فقال عمر: صدق جرير، قد جعلت له ولقومه ما قال من السواد، فخيروهم، فإن شاؤا أعطوا وكان قتالهم للجعالة، وإن شاؤا فلهم سهم المسلمين وقتالهم، فخيرهم سعد فاختاروا سهام المسلمين. فالله أعلم أى ذلك كان.
وذكر المدائنى، أيضا، أنه كان فيمن قدم على عمر مع الخمس الأسدى الذى طعن الفيل فضربه سائسه على وجهه فهشم وجهه، فقال له عمر: من أنت؟ وما هذه؟ يعنى الضربة التى فى وجهه، قال: أصابنى قدر من قدر الله، فأخبر القوم عمر خبره، فعانقه عمر وقال: أبشر فهى نور لك يوم القيامة، فهل لك من حاجة؟ قال: تكتب إلى سعد يعطينى محتلما وفرسى، فكتب إلى سعد: أعطه محتلمين، ففعل ذلك سعد.
قال الشعبى: وأمر عمر، رضى الله عنه، فى الأعشار بخمسمائة فرس نفلا من خيل فارس لتقسم فى أهل البلاء، فأصاب كل عشر خمسون فرسا، فأصاب النخع عشرون، وقيل: خمسة وعشرون، وأصاب سائرها، سائر مذحج.
قالوا: وكتب عمر، رحمه الله، إلى سعد: أنبئنى أى فارس كان يوم القادسية أفرس، وأى راجل كان أرجل، وأى راكب كان أثبت. فكتب إليه: إنى لم أر فارسا مثل القعقاع بن عمرو حمل فى يوم ثلاثين حملة، فقتل فى كل حملة كميا، ولم أر راجلا مثل يعفور بن حسان الذهلى إنه جاء فى اليوم بخمسة فوارس، يختل الفارس منهم حتى يردفه، ثم يغلبه على عنانه حتى يأتى به سلما، ولم أر راكبا مثل الحارث بن قرم البهزى، إنه جاء ببعيره يرفعه، ثم ركب الكراديس ففرق بينها، فإذا نفر بالفارس انحط عنه فعانقه، ثم قتله، ثم يثب على بعيره من قيام.
وكتب عمر إلى سعد، أيضا: أنبئنى من وجدت أصبر ليلة الهرير؟ فكتب إليه: إن الحس سكن عنى، حتى إذا كان فى وجه الصبح سمعت انتماء فى مضر وانتماء فى ربيعة ثم انتسابا فى اليمن، فوجدت المنتمين من تميم وأسد وقيس والمنتمين من بكر وحلفاؤها والمنتسبين فى أهل اليمن من مذحج وكندة.
وفى كتاب المدائنى أن عمر كتب إلى سعد يسأله: أى الناس كان أصبر بالقادسية؟
فكتب إليه سعد: إن الحرب ركدت ليلة، فلم أسمع إلا هماهم الرجال، وهريرهم، ووقع الحديد، فلما كان قبيل الفجر سمعت الانتماء من كل: أنا ابن معدى كرب، أنا
(2/500)

الجذامى، أنا المالكى من أسد، أنا الأشعرى، ثم صار الانتماء قصره فى جذيمة، فلما انجلت الحرب رأيت جماعة قتلى فى ربضة، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: من جذيمة النخع، أصيبوا من آخر الليل وهم ينتمون، فنفلهم عمر خمسة وعشرين فرسا، يعنى بنى جذيمة.
وحكى المدائنى عن الشعبى قال: كان السبى بالقادسية وجلولاء مائة ألف رأس، وقد قيل: أقل من هذا، وقول الشعبى أكثر وأشهر.
ويروى أنه لما كان العطاء فضل من أهل البلاء بالقادسية بخمسمائة خمسمائة فى أعطياتهم خمسة وعشرون رجلا، منهم زهرة بن الجوية وعصمة الضبى والكلح الضبى، وأما أهل البلاء قبلهم ففرض لهم العطاء على ثلاثة آلاف، فضلوا على أهل القادسية.
وذكر سيف بن عمر عن رجاله، قالوا: كانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس فى القادسية يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وكانت فى كل بلدة مصيخة إليها، تنظر ما يكون من أمرها، حتى أن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتى أرى ما يكون من أمر القادسية، فلما كانت وقعتها سارت بها الجن إلى ناس من الإنس فسبقت أخبار الإنس إليهم، قالوا: فبرزت امرأة ليلا على جبل بصنعاء، لا يدرى من هى، وهى تقول:
حييت عنا عكرم ابنة خالد ... وما خير زاد بالقليل المصرد
وحيتك عنى الشمس عند طلوعها ... وحياك عنى كل ناج مفرد
وحيتك عنى عصبة حنفية ... حسان الوجوه آمنوا بمحمد
أقاموا لكسرى يضربون جنوده ... بكل رقيق الشفرتين مهند
وسمع أهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الأبيات:
وجدنا الأكثرين بنى تميم ... غداة الروع أصبرهم رجالا
هم ساروا بأرعن مكفهر ... إلى لجب يوازنهم رعالا
بحور للأكاسر من رجال ... كأسد الغاب تحسبهم جبالا
هم تركوا بقادس عز فخر ... وبالنجفين أياما طوالا
مقطعة أكفهم وسوق ... بمردى حيث قابلت الجبالا
وسمع أهل البحرين راكبا يقول:
ألا حييا أفناء بكر بن وائل ... فقد تركوا جمع الأعاجم واجما
هم صدقوا يوم القوادس فارسا ... بأسيافهم ضربا يبل القوائما
(2/501)

أناخوا لهم فى عرصة الدار وانتموا ... إلى باذخ يعلو الذرى والجماجما
وسمع سامع بعمان قائلا:
ألا إن عبد القيس كانوا بأسرهم ... غداة قديس كالأسود الشداقم
وإذا هم من تغلب ابنة وائل ... كتائب تردى بالقنا والقوائم
هم فرقوا جمع الأعاجم وابتنوا ... قرارهم بالمقربات السواهم
فقولا لعبد الله أهلا ومرحبا ... وتغلب إذ فضوا هوادى الأعاجم
وأشقوا رؤس العجم بالبيض وانتموا ... لأكرم أنساب العريب الأكارم
وذكر الرواة أنهم سمعوا نحو هذا بالمدينة ومكة ونجران، وأنشدوا ما سمع فى كل موضع منها، تركت ذكر ذلك اختصارا.
ومما قيل أيضا فى فتح القادسية من الشعر الذى لم يزل العلماء قديما يروونه، قول بشر بن ربيعة الخثعمى:
تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكر ضرير
عشية ود القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحى طائر فيطير
إذا ما فرغنا من قراع كتيبة ... برزنا لأخرى كالجبال تسير
ترى القوم منها واجمين كأنهم ... جمال بأحمال لهن زفير
وعند أبى حفص عطاء لراحل ... وعند المعنى فضة وحرير
وقال القعقاع بن عمرو يذكر شدة ذلك اليوم وما لقيت الفيول فيه وتأثيره فيها:
حضض قومى مضر حى بن يعمر ... فلله قومى حين هزوا العواليا
وما خام عنها يوم سادت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا
فإن كنت قاتلت العدو بنية ... فإنى لألقى فى الحروب الدواهيا
فيولا أراها كالليوث مغيرة ... أسمل أعيانا لها ومآقيا
وقال حمال الأسدى فى مثل ذلك:
ألا هل أتاها يوم أعماس أننى ... أمارس آسادا لها وفيولا
أمارس فيلا مثل كعبة أبهر ... ترى دونه رجراجة وخيولا
طعنت برمحى عينه فرددته ... يرشح بولا خشية وجفولا
وقال الشماخ بن ضرار:
ويوم بجو القادسية إذ سموا ... فعجت بقصاب من الهند نافح
(2/502)

أجالدهم والحى حولى كأنهم ... رجال تلاقوا بينهم بالسوافح
وإنى لمن قوم على أن ذممتهم ... إذا أولموا لم يولموا بالأنافح
وأنك من قوم تحن نساؤهم ... إلى الجانب الأقصى حنين المنائح
وقال أيضا:
فليت أبا حفص رآنا ووقعنا ... بباب قديس بعد ما عدل الصف
حملنا على الآساد آساد فارس ... كحملة هرماس يحربه الصرف
وقال عاصم بن عمرو:
شاب المفارق والأعراض فالتمعت ... من وقعة بقديس جرها العجم
جاب الكتائب والأوزاع وانشمرت ... من صكة ديانها الحكم
بينا بجيلة قد كدت سراتهم ... سالت عليهم بأيدى الناصر العصم
سرنا إليهم كأنا عارض برد ... تزجى تواليه الأرواح والديم
كان العتيق لهم مثوى ومعركة ... فيها الفرائض والأوصال واللمم
وقال أبو بجيد، نافع بن الأسود يمدح قوموه، ويذكرهم أثرهم فى الجاهلية والإسلام:
وقال القضاة من معد وغيرها ... تميمك أكفاء الملوك الأعاظم
هم أهل عز ثابت وأرومة ... وهم من معد فى الذرى والغلاصم
وهم يضمنون المال للجار ما ثوى ... وهم يطعمون الدهر ضربة لازم
سديف الذرى من كل كوماء بازل ... مقيما لمن يعفوهم غير جارم
فكيف تناحيها الأعاجم بعد ما ... علوا لجسيم المجد أهل المواسم
وبذل الندى للسائلين إذا اعتفوا ... وكب المتالى فى السنين الأوازم
ومدهم الأيدى إلى غاية العلى ... إذا أقصرت عنها أكف الألائم
وإرسالهم فى النائبات تلادهم ... لفك العناة أو لكشف المغارم
وقودهم الخيل العتاق إلى العدى ... ضوارى تردى فى لجاج المخارم
مجنبة تشكو النسور من الوجى ... يعاندن أعناق المطى الرواسم
لتنفض وترا أو لتحوى مغنما ... كذلك قدماهم حماة المغانم
وكائن أصابوا من غنيمة قاهر ... حدائق من نخل بقران ناعم
وكان لهذا الحى منهم غنيمة ... كما أحرزوا المرباع عند المقاسم
كذلك كان الله شرف قومنا ... بها فى الزمان الأول المتقادم
وحين أتى الإسلام كانوا أئمة ... وقادوا معدّا كلها بالخزائم
(2/503)

إلى هجرة كانت سناء ورفعة ... لباقيهم فيهم وخير مراغم
إذا الريف لم ينزل عريف بصحبه ... وإذ هو تكفيه ملوك الأعاجم
فجاءت تميم فى الكتائب نصرة ... يسيرون صفا كالليوث الضراغم
على كل جرداء السراة وملهب ... بعيد مدى التقريب عبل القوائم
عليهم من الماذى زعف مضاعف ... له حبك من شكة المتلازم
فقيل لكم مجد الحياة فجاهدوا ... فأنتم حماة الناس عند العظائم
فصفوا لأهل الشرك ثم تكبكبوا ... وطاروا عليهم بالسيوف الصوارم
فما برحوا يعصونهم بسيوفهم ... على الهام منهم والأنوف الرواغم
لدن غدوة حتى تولوا تسوقهم ... رجال تميم ذحلها غير نائم
من الراكبين الخيل شعثا إلى الوغى ... بصم القنا والمرهفات القواصم
فتلك مساعى الأكرمين ذوى الندى ... تميمك لا مسعاة أهل الألائم
ذكر فتح المدائن «1» وما نشأ بينه وبين القادسية من الأمور
والمدائن على مسافة بعض يوم من بغداد، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبى دجلة شرقا وغربا، ودجلة تشق بينها، ولذلك سميت المدائن. فالمدينة الغربية منها تسمى بهرسير، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذى لا يدرى من بناه، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التى كانت الملوك تنزلها وفيها الإيوان، إيوان كسرى العجيب الشأن، الشاهد بضخامة ملك بنى ساسان، ويقال: إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذى بناه، وهو من أكابر ملوكهم، وقد بنى ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة ذكرها أبو بكر بن ثابت الخطيب فى صدر كتابه فى تاريخ بغداد «2» .
قال: وكان الإسكندر أجل ملوك الأرض، وقيل: إنه ذو القرنين الذى ذكره الله فى كتابه، فقال: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 619) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 352- 361) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 61، 64- 69) ، الروض المعطار للحميرى (ص 526- 529) ، معجم البلدان لياقوت (5/ 75) .
(2) انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (1/ 128) .
(2/504)

[الكهف: 84، 85] ، حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وله فى كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبخراسان العليا على ما يقال سمرقند، ومدينة الصغد، وبخراسان السفلى مرو وهراة، وبناحية الجبل جى ومدينة أصبهان، وبنى مدنا أخرى كثيرة فى نواحى الأرض وأطرافها، وجال الدنيا كلها ووطئها، فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها، وبنى بها مدينة عظيمة، وجعل عليها سورا أثره باق، وهى المدينة التى تسمى الرومية فى جانب دجلة الشرقى، وأقام بالإسكندرية راغبا عن بقاع الأرض كلها وعن بلاده ووطنه.
وذكر بعض أهل العلم أنها لم تزل مستقرة منذ نزلها حتى مات بها، وحمل منها فدفن بالإسكندرية لمكان والدته، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك.
وقد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير والسياسة والنظر فى الممالك واختيار المنازل، فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها وطيب هوائها واجتماع مصب دجلة والفرات بها.
ويذكر عن الحكماء أنهم كانوا يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبين فى بدنه قوة، وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين فى عقله زيادة وفى فطنته ذكاء وحدة، وذلك الذى أورث أهل بغداد الاختصاص بحسن الأخلاق والتفرد بجميل الأوصاف، وقل ما اجتمع اثنان متشاكلان، وكان أحدهما بغداديا إلا كان هو المقدم فى لطف الفطنة، وحسن الحيلة، وحلاوة القول، وسهولة البذل، ووجد ألينهما جانبا، وأجملهما معاشرة.
وكان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم، ولم تزل دار مملكة الأكاسرة، ومحل كبار الأساورة، ولهم بها آثار عظيمة، وأبنية قديمة، منها الإيوان الذى لم ير فى معناه أحسن منه صنعة، ولا أعجب عملا، وقد أحسن فى وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحترى فى قصيدة له على روى السين يقال إنه ليس للعرب سينية مثلها، ووصف أيضا معه القصر الأبيض، وما كان مصورا فيه من الصور العجيبة والتماثيل البديعة والصنائع الغريبة فأبدع فى وصف ذلك وأحسن ما شاء، فقال:
حضرت رحلى الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنس
أتسلى عن الحظوظ وآسى ... لمحل من آل ساسان درس
أذكر تنيهم الخطوب التوالى ... ولقد تذكر الخطوب وتنس
(2/505)

وهم خافضون فى ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخس
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... فى قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة منى ... لم تطقها مسعاة عنس وعبس
لو تراه علمت أن الليالى ... جعلت فيه مأتما بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطاكي ... ة ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنو شر ... وان يزجى الصفوف تحت الدرفس
فى اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال فى صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه ... فى خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوى بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلى فيهم ارتيابى حتى ... تتقراهم يداى بلمس
حلم مطبق على الشك عينى ... أم أمان غيرن ظنى وحدس
وكأن الإيوان من عجب الصن ... عة جوب فى جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة إذا يب ... دو لعينى مصبح أو ممس
مزعجا بالفراق عن أنس إلف ... عز أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظه الليالى وبات ال ... مشترى فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدى تجلدا وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرس
لم يعبه أن بز من بسط الديب ... اج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت فى رؤس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تب ... صر منها إلا جلائل برس
لست تدرى أصنع إنس لجن ... صنعوه أم صنع جن لإنس
غير أنى أراه يشهد أن لم ... يك بانيه فى الملوك بنكس
ولا أعلم أحدا من الشعراء وصف القصر الأبيض وهذا الإيوان بأبدع من هذا الوصف ولا أشجى ولا أوقع.
ويروى أن أبا جعفر المنصور، رحمه الله، لما أفضت إليه الخلافة هم بنقض هذا الإيوان، واستشار فى ذلك جلساءه وذوى الرأى عنده من رجاله، فكلهم وافقه على رأيه وأشار عليه بما يطابق هواه إلا خالد بن برمك، فإنه قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين
(2/506)

فإنه آية الإسلام، وإذا رآه من يأتى فى مستقبل الزمان علم أن أصحاب مملكته لم يغلبوا عليه إلا بأمر من عند الله وبتأييد أمد به المسلمين الذين قهروهم، وبقاؤه فخر لكم وذكر، ومع هذا فالمؤونة فى هدمه أكثر من العائد عليه، فاستغشه المنصور فى ذلك، وقال له: يا خالد، أبيت إلا ميلا مع العجمية، ثم أمر بنقض الإيوان، فبلغت النفقة فى نقض الشىء اليسير منه مبلغا عظيما، فكتب إليه بذلك فعزم على تركه، وقال لخالد بن برمك: قد صرنا إلى رأيك، فقال له خالد: إن رأيى الآن أن تبلغوا به الماء، فقال له المنصور: وكيف ذلك؟ قال: لأنى آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه والهدم أسهل من البناء. ففكر المنصور فى قوله فعلم أنه قد صدق، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه. وكان بعد يقول: لقد حبب إلىّ هذا البناء أن لا أبنى إلا بناء جليلا يصعب هدمه.
وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالاستيلاء على مملكة فارس ووعدهم بافتتاح المدائن، فضرب يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة اعتاصت عليهم فى الخندق، فكسر ثلثها بضربة، وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر الساعة» ، ثم ضرب الثانية فكسر ثلثها الثانى وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض» ، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال:
«الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأرى أبواب صنعاء من مكانى هذا الساعة» فصدق الله وعده وأنجز لمحمد صلى الله عليه وسلم ما بشرهم به واستأصل بهم مملكة فارس، وفتح عليهم المدائن فى زمان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر سيف بن عمر عمن سماه من رجاله «1» وربما زدت فى تضاعيفه من حديث غيره، قالوا: عهد عمر، رضى الله عنه، إلى سعد حين أمره بالمسير إلى المدائن أن يخلف النساء والعيال بالعتيق، ويجعل معهم كثفا من الجند ففعل، وعهد إليه أن يشركهم فى كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين فى عيالاتهم قالوا: وكان مقام سعد بالقادسية بعد الفتح شهرين فى مكاتبة عمر، رضى الله عنه، فى العمل بما ينبغى، فقدم سعد زهرة بن جوية نحو اللسان، وهو لسان البحر الذى أدلعه فى الريف، وعليه الكوفة اليوم، وكانت عليه قبل اليوم الحيرة، وكان النخيرجان معسكرا به فأرفض ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه، ولحق بأصحابه. ثم أمر سعد عبد الله بن المعتم أن يتبع زهرة وأمر شرحبيل بن السمط أن يتبع عبد الله ثم أتبعهم هاشم بن عتبة وولاه خلافته التى كان
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 618) .
(2/507)

عليها قبل خالد بن عرفطة، وجعل خالدا على الساقة، ثم ارتحل سعد يتبعهم بعد فراغه من أمر القادسية كله، وكل المسلمين فارس مؤد قد نقل الله، عز وجل، إليهم ما كان فى عسكر فارس من سلاح وكراع ومال، فسار زهرة حتى ينزل الكوفة، والكوفة كلها حصباء ورملة حمراء مختلطين، ثم نزل عليه عبد الله وشرحبيل، فارتحل زهرة عند ذلك نحو المدائن.
فلما انتهى إلى برس لقيه بها بصبهرى فى جمع فناوشهم زهرة فهزمهم، وهربوا إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم، وكان زهرة قد طعن بصبهرى يوم برس فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل، وأقبل عند ذلك بسطام دهقان برس فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور، وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل. وقدموا على أنفسهم الفيرزان، فكتب بذلك زهرة إلى سعد فأتاه الخبر وقد نزل بالكوفة على من بها مع هاشم بن عتبة، فقدمهم ثم أتبعهم حتى نزل برس فقدم منها زهرة وأتبعه الآخرين، ثم أتبعهم حتى نزلوا على الفيرزان ببابل فاقتتلوا فهزموا المشركين فى أسرع من لفت الرداء فانطلقوا على وجهين، ولم تكن لهم همة إلا الافتراق، فخرج الهرمزان نحو الأهواز، وخرج الفيرزان معه حتى طلع على نهاوند، وبها كنوز كسرى، فأخذها وأكل الماهين، وصمد النخيرجان ومهران الرازى للمدائن، حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر، ثم قطعا الجسر وخلفا شهريار دهقانا من دهاقين الباب فى جمع بكوثى، فقدم سعد، زهرة بن جوية ثم أتبعه الجنود، فساروا إليه.
فلما التقى بأطراف كوثى جيش شهريار وأوائل خيل المسلمين، خرج شهريار فنادى: ألا رجل، ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلىّ حتى أنكلكم به، فقال زهرة وكايده: لقد أردت أن أبارزك، فأما إذ سمعت قولك، فإنى لا أخرج إليك إلا عبدا، فإن أقمت له قتلك وإن فررت منه فإنما فررت من عبد، ثم أمر أبا نباتة نائلا الأعوجى وكان من شجعان بنى تميم، فخرج إليه، مع كل واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخلق، إلا أن شهريار مثل الجمل، فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائل الرمح ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا، ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما، فوقع شهريار على نائل كأنه بيت، فضعضعه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه ليذبحه، فوقعت إبهامه فى فم نائل، فممضغها فحطم عظمها وأحس منه فتورا، فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه، فطعن فى بطنه وجنبه حتى مات، فأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه، فذهبوا فى البلاد، وأقام زهرة بكوثى
(2/508)

حتى قدم عليه سعد، فغنم سعد نائلا ذلك السلب كله، وقال له: عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه وقباءه ودرعه وركبت دابته، فانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه فى سلاحه على دابته، فقال له سعد: اخلع سواريك إلا أن ترى حربا فالبسهما، وكان أول رجل من المسلمين سور بالعراق.
قالوا: فأقام سعد بكوثى أياما وأتى المكان الذى حبس فيه إبراهيم، عليه السلام، بكوثى، والبيت الذى كان فيه محبوسا فنظر إليه وصلى على رسول الله وعلى إبراهيم وعلى أنبياء الله، صلوات الله على جميعهم، وقرأ: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140] ، ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى من كوثى فى المقدمات وتبعته المجنبات، وخرج هاشم، وخرج سعد فى أثره، وقد فل زهرة كتيبة كسرى التى كانت تدعى بوران حول المظلم، مظلم ساباط، وكان رجالها يحلفون كل يوم بالله لا يزول ملك فارس ما عشنا.
ولما انتهى هاشم إلى مظلم ساباط وقف لسعد حتى لحق به، فلما نزل قاله: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ [إبراهيم: 44] ، ووافق ذلك رجوع المقرط، أسد كان كسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم، فبادر المقرط الناس حتى انتهى إليهم سعد، فنزل إليه هاشم فقتله، فقبل سعد رأسه، وقبل هاشم قدميه.
وقال المدائنى: فنظر هاشم إلى الناس وقد أحجموا ووقفوا فقال: ما لهم؟ فقيل له:
أسد قد منعهم، ففرج هاشم الناس وقصد له فثاوره الأسد وضربه هاشم فقطع موصله كأنما اجتلم به غصنا، ووقعت الضربة فى خاصرته، وقال بعضهم: على هامته، فقتله.
قالوا: وقدم سعد هاشما إلى بهرسير ثم ارتحل سعد فنزل على البأس بها وجعل المسلمون المتقدمون إليها كلما قدمت عليهم خيل وقفوا ثم كبروا حتى نجز آخر من كان مع سعد، ولما نزل سعد على بهرسير بث الخيول، فأغار على ما بين دجلة إلى من له عهد من أهل الفرات، فأصابوا مائة ألف فلاح، فقال شيرزاذ، دهقان ساباط، وكان قد تلقى زهرة فى طريقه بالصلح وتأدية الجزية، فقال لسعد عند ما أتى بالفلاحين فخندق لهم: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئا، إنما هؤلاء علوج لأهل فارس فدعهم إلىّ حتى يفرق لك الرأى فيهم، فكتب عليه بأسمائهم، ودفعهم إليه، فقال لهم شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.
وكتب سعد إلى عمر رحمهما الله: إنا وردنا بهرسير بعد الذى لقينا بين القادسية وبهرسير، فلم يأتنا أحد لقتال، فبثثت الخيول فجمعت الفلاحين من القرى والآجام،
(2/509)

فرأيك. فأجابه عمر: إن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، ومن لم يأتكم ولم يهرب فهو أمانهم، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به.
فلما جاء سعدا الكتاب خلى عنهم. وراسله الدهاقين، فدعاهم إلى الإسلام أو الجزاء ولهم الذمة والمنعة، فرضوا بالجزية والمنعة، ولم يبق فى غربى دجلة إلى أرض العرب سوادى إلا أمن واغتبط بملك الإسلام واستقبلوا الخراج.
وأقام سعد بالناس على بهرسير يرمونهم بالمجانيق ويدبون إليهم بالدبابات، ويقاتلونهم بكل عدة.
قال بعضهم: وكان سعد عند ما نزلها وعليها خنادقها وحرسها وعدة الحرب استصنع شيرزاذ المجانيق فنصب على أهلها عشرين منجنيقا فشغلهم بها، وكان الأعاجم والعرب مطيفين بهم، وربما خرجوا يمشون على المسنيات المشرفة على دجلة فى جماعتهم وعدتهم لقتال المسلمين، فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا فى رجالة وناشبة، وتجردوا للحرب، وتتابعوا على الصبر، فقاتلهم المسلمون فكذبوا وتوالوا، وكانت على زهرة بن الجوية يومئذ درع مفصومة، فقيل له: لو أمرت بهذا الفصم فسرد فقال: ولم؟ فقالوا: إنا نخاف عليك منه، فقال: إنى لكريم على الله، أن ترك سهم فارس الجند كلهم ثم أتانى من هذا الفصم حتى يثبت فىّ، فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشابة، فثبتت فيه من ذلك الفصم، فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعونى، فإن نفسى معى ما دامت فىّ، لعلى أن أصيب فيهم بطعنة أو بضربة أو خطوة، فمضى نحو العدو، فضرب بسيفه شهربراز من أهل اصطخر، فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا.
وسيأتى بعد من أخبار زهرة بن الجوية وآثاره فى الوقائع التى لا شك فى كونها بعد هذه ما يوهن خبر قتله المذكور آنفا، والأولى بحسب هذا إن شاء الله أن يكون غير زهرة هو صاحب هذه القصة؛ إذ قد ذكر المدائنى أن هاشم بن عتبة قال لزهير بن سليم الأزدى، قال: ويقال لغيره، ورأى فى درعه فصما، إنى لا آمن أن تصيبك نشابة فى هذا الموضع، فلو سردته قال: لئن تركت نشابة الفارسى جسدى كله إلا هذا الموضع إنى إذا لسعيد، ثم ذكر نحو ما تقدم، فالله أعلم.
وقال أنيس بن الحليس «1» : بينا نحن محاصرون بهرسير بعد زحفهم وهزيمتهم، أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 7) .
(2/510)

دجلة وجبلها، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم؟
فبدر الناس أبو مفرز الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله، عز وجل، بما لا يدرى ما هو ولا نحن، فأجابه بالفارسية ولا يعرف منها شيئا هو ولا نحن، فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفرز ما قلت له؟ قال: لا والذى بعث محمدا بالحق ما أدرى ما هو، وإلا أنى علتنى سكينة، وأرجو أن أكون أنطقت بالذى هو خير، وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد، فجاءنا فقال: يا أبا مفرز ما قلت له؟ فو الله إنهم لهراب، فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى فى الناس، ثم نهد بهم، فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمناه، فقال: ما بقى أحد فيها فما يمنعكم، فتسورها الرجال، وافتتحناها، فما وجدنا فيها شيئا ولا أحدا، إلا أسارى أسرناهم خارجا منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأى شىء هربوا؟ فقال: بعث إليكم الملك يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريذون بأترج كوثى، فقال الملك: وا ويلة ألا أرى الملائكة تكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب، وو الله لئن لم يكن كذلك، ما هو إلا شىء ألقى علىّ فى هذا الرجل لننتهى، فأرزوا إلى المدينة القصوى.
قالوا: ولما دخل سعد والمسلمون بهرسير أمر بها فثلمت وتحول العسكر إليها ولاح لهم وذلك فى جوف الليل القصر الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر، أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا.
وقال القعقاع بن عمرو:
ألم يأتيك والأخبار تنمى ... وتصعد فى الملمعة الفياف
توافينا ومنزلنا جميعا ... أمام الخيل بالسمر الثقاف
قسمنا أرضهم قسمين حتى ... نزلنا مثل منزلهم كفاف
دعاء ما دعونا آل كسرى ... وقد هم المرازب بانصراف
وما أن طبهم جبن ولكن ... رميناهم بداعية ذعاف
فتحنا بهرسير بقول حق ... أتانا ليس من سجع القوافى
وقد طارت قلوب القوم منا ... وملوا الضرب بالبيض الخفاف
ولما نزل سعد بهرسير، وهى المدينة الدنيا من المدائن، طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها، فلم يقدر على شىء، ووجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا أياما يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، ودجلة قد طما ماؤها يتدفق جانباها،
(2/511)

فيروى أنه بينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا ليلا قائلا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون، فربكم الذى يحملكم فى البر هو الذى يحملكم فى البحر، فندب سعد الناس إلى العبور، فأتاه قوم من العجم ممن قد اعتقد منه ذمة فقالوا: ندلك على موضع أقل غمرا من هذا، فدلوه على ديلمايا «1» .
وقيل «2» : إن سعدا رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها، وقد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم على تأويل رؤياه على العبور، وفى سنة جود صيبها متتابع، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤا، فيناوشونكم فى سفنهم، وليس وراءكم شىء تخافون أن تؤتوا منه، فقد كفاكموهم أهل الأيام، وأعطوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا: ألا إنى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل، فقال: من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج؟
فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس، وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات، واستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة فقال: من ينتدب معى لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور، ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم وقد شدوا على خيولهم حزمها وألبابها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التى تقدمت خيلا مثلها، فاقتحموا إليهم دجلة، فلقوا عاصما فى السرعان، وقد دنا من الفراض، فقال: الرماح الرماح أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا، فاطعنوا فى الماء، وتوخى المسلمون عيونهم، فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيلهم حتى ما يملكون منها شيئا، فلحقوا بهم فى البر فقتلوا عامتهم، ونجا باقيهم عورانا. ونزلت بالمسلمين خيولهم حتى انتقضت على الفراض، وتلاحق باقى الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين.
ويروى أن أولئك الستين خرجوا يومئذ من دجلة منقطعين زمرا، الزمرة الأولى تسعة فيهم عاصم، والثانية ثمانية عشر، والثالثة ثلاثة وثلاثون، ويومئذ سميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال، لما رأى منهم فى الماء والفراض.
__________
(1) ديلمايا: موضع بالعراق على دجلة. انظر الخبر والتعريف فى: الروض المعطار (ص 249) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 9، 10) .
(2/512)

ولما رأى سعد عاصما على الفراض وقد منعها، أذن للناس فى الاقتحام، وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكل على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة، واعترضوا دجلة وإنها لمسودة تزخر، لها حدب يقذف بالزبد، فكان أول من اقتحم سعد بن أبى وقاص، ثم اقتحم الناس، وقد قرنوا أنثى بكل حصان يتحدثون على ظهورها كما يتحدثون على الأرض، وطبقوا دجلة خيلا ودواب ورجالا حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد، وسلمان الفارسى يساير سعدا يحدثه، والماء يطفو بهم، والخيل تعوم، فإذا أعيا فرس استوى قائما يستريح كأنه على الأرض، فقال قيس بن أبى حازم: إنى لأسير فى دجلة فى أكثر مائها إذ نظرت إلى فارس وفرسه كأنه واقف ما يبلغ الماء حزامه.
وقال بعضهم: لم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك، فقال سعد: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: 14] .
وفى رواية أنه قال لسلمان وهو يسايره فى الماء: والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن عدوه، إن لم يكن فى الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات، فقال سلمان: يا أبا إسحاق، الإسلام جديد، ذلل الله لكم البحر كما فرقه وذلله لبنى إسرائيل، والذى نفس سلمان بيده، لتخرجن منه أفواجا كما دخلتموه أفواجا، فخرجوا منه كما قال سلمان، لم يفقدوا شيئا، ولم يغرق فيه أحد.
قال أبو عثمان النهدى «1» : إلا رجلا من بارق يدعى غرقدة، زل عن ظهر فرس له شقراء، كأنى أنظر إليها عريا تنفض عرفها، والغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فجره حتى عبر، فقال البارقى: وكان من أشد الناس: أعجزت الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع وكانت للقعقاع فيهم خؤولة.
وقال بعض رجال سيف بن عمر «2» : إنه لم يذهب للمسلمين يومئذ فى الماء شىء إلا قدح كانت علاقته رثة، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل: الذى كان يعاوم صاحب القدح «3» معيرا له: أصابه القدر فطاح، فقال: إنى لأرجو والله أن لا يسلبنى الله قدحى من بين أهل العسكر، وإذا رجل من المسلمين ممن تقدم ليحمى الفراض قد سفل
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 10) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 12) .
(3) هو: مالك بن عامر، حليف لقريش من عنزة.
(2/513)

حتى طلعت عليه أوائل الناس، وقد ضربت الرياح والأمواج القدح حتى وقع إلى شاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرّفه، فعرفه صاحبه فأخذه، وقال لصاحبه الذى كان يعاومه: ألم أقل لك؟ فيروى أن عمر، رحمه الله، بلغه ما كان قال له صاحبه أولا، فأنكره وأرسل إليه: أنت القائل أصابه القدر فطاح؟ تفجع مسلما!.
وقال الأسود بن قطبة أبو مفزر يرتجز يومئذ:
يا دجل إن الله قد أشجاك ... هذى جنود الله فى قراك
فلتشكرى الذى بنا حباك ... ولا تروعى مسلما أتاك
وقال عاصم بن عمرو فى ذلك:
ألا هل أتاها أن دجلة ذللت ... على ساعة فيها القلوب تقلب
ترانا عليها حين عبّ عبابها ... تبارى إذا جاشت بموج تصوب
نفينا بها كسرى عن الدار فانتوى ... لأبعد ما ينوى الركيك الموقب
قال: وفجأ المسلمون أهل فارس من هذا العبور بأمر لم يكن فى حسبانهم، فأجهضوكم وأعجلوهم عن حمل أموالهم، وخرجوا هرابا، وقد كان يزدجرد خرج قبلهم إلى حلوان فنزلها بعد أن قدم إليها عياله حين أخذت بهرسير وخرجوا معهم بما قدروا عليه من حر متاعهم وخفيفه، وبالنساء والذرارى وما قدروا عليه من بيت المال، وتركوا فى الخوائن من الثياب والمتاع والآنية والألطاف والأدهان ما لا يدرى ما قيمته، وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم وكل الأطعمة والأشربة، فدخل المسلمون المدائن واستولوا على ذلك كله فكان أول من دخلها كتيبة الأهوال، ثم تبعتها الخرساء، كتيبة سعد، فأخذوا فى سككها لا يلقون أحدا ولا يحسونه إلا ما كان فى القصر الأبيض، فأحاطوا بهم ودعوهم فاستجابوا لسعد على الجزاء والذمة، ويرجع إليها أهل المدائن على مثل عهدهم، ليس فى ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم.
ونزل سعد القصر الأبيض وسرح زهرة فى آثار القوم إلى النهروان فانتهى إليها، وسرح مقدار ذلك فى طلبهم من كل وجه.
وقال حبيب بن صبهان «1» : لما عبر المسلمون دجلة، جعل أهل فارس وهم ينظرون إليهم يعبرون يقول بعضهم لبعض بالفارسية ما تفسيره بالعربية: إنكم والله ما تقاتلون الإنس وإنما تقاتلون الجن.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 14) .
(2/514)

قالوا: وما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على ماء الفراض يمنعون المسلمين من العبور، حتى ناداهم مناد: علام تقتلون أنفسكم؟ فو الله ما فى المدائن من أحد، فانهزموا واقتحمتها الخيول عليهم، ولما دخلها سعد فرأى خلوتها وانتهى إلى إيوان كسرى أقبل يقرأ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [الدخان: 25، 28] ، وصلى فيه صلاة الفتح، ولا تصلى جماعة، فصلى ثمانى ركعات لا يفصل بينهن، واتخذ الإيوان مسجدا، وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، فلم يمتنع هو ولا المسلمون، يعنى من الصلاة فيه، لأجلها، وتركوها على حالها، وأتم سعد الصلاة يوم دخلها لأنه أراد المقام بها. وبالمدائن كانت أول جمعة جمعت بالعراق فى صفر سنة ست عشرة. ووكل سعد بالأقباض من يجمعها «1» ، وأمره بجمع ما فى القصر والإيوان ومنازل كسرى وسائر الدور، وإحصاء ما يأتيه به الطلب، وقد كان أهل المدائن تأهبوا عند المدائن للغارة، ثم طاروا فى كل وجه، فما أفلت أحد منهم بشىء ولا بخيط، ألح عليهم الطلب فتنفذوا ما فى أيديهم، ورجعوا بما أصابوا من الأقباض، فضموها إلى ما قد جمع.
وقال حبيب بن صبهان: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، فما حسبناها إلا طعاما، فإذا هى آنية الذهب والفضة وقسمت بعد بين الناس.
قال: ولقد رأيت الرجل يطوف ويقول: من معه بيضاء بصفراء؟ وأتينا على كافور كثير فما حسبناه إلا ملحا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته فى الخبز.
وعن الرفيل بن ميسور «2» قال: خرج زهرة، يعنى ابن الجوية، فى المقدمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النهروان وهم عليه، فازدحموا فوقع بغل فى الماء وعجلوا عنه ثم كلبوا عليه، فقال زهرة: أقسم بالله إن لهذا البغل لشأنا، ما كلب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك بعد ما أرادوا تركه إلا لشىء، فترجل حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه فاحتملوا البغل بما عليه حتى أدوه إلى الأقباض ما يدرون ما عليه، وإذا الذى عليه حلية كسرى، ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التى كان فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة.
__________
(1) هو: عمرو بن عمرو بن مقرن.
(2) انظر: الطبرى (4/ 17) .
(2/515)

وقال الكلج الضبى: كنت فيمن خرج للطلب، فإذا أنا ببغالين قد ذبا الخيل عنهما بالنشاب، فما بقى معهما غير نشابتين، فالتظظت بهما، فاجتمعا، وقال أحدهما لصاحبه: ارمه وأحميك، أو أرميه وتحمينى، فحمى كل واحد منهما صاحبه حتى رميا بهما. ثم إنى حملت عليهما فقتلتهما، وجئت بالبغلين ما أدرى ما عليهما، حتى بلغتهما صاحب الأقباض، فإذا هو يكتب ما يأتيه به الرجال وما كان فى الخزائن والدور، فقال:
على رسلك حتى ننظر ما معك فحططت عنهما، فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسخا، وكان لا تحمله إلا أسطوانتان، وفيهما الجوهر، وعلى الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التى كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما.
قالوا «1» : وخرج القعقاع يومئذ فى الطلب، فلحق بفارسى يحمى الناس، فاقتتلا فقتله القعقاع، وإذا معه جنبية عليها عيبتان وغلافان فى أحدهما خمسة أسياف وفى الآخر ستة، وفى العيبتين أدراع، درع كسرى ومغافره وساقاه وساعداه، ودرع هرقل، ودرع النعمان، ودرع داهر، ودرع سياوخش، ودرع بهرام شوبين، وكانوا استلبوا ما لم يرثوا منها، مما استلبوا أيام غواتهم خاقان وهرقل وداهر، وأما النعمان وبهرام فحين هربا وخالفا كسرى. وفى أحد الغلافين سيف كسرى وهرمز وكسوتى قباذ وفيروز، وفى الآخر سيوف سائر من نسبت إليه دروع من تلك الدروع، فجاء القعقاع بذلك كله إلى سعد، فقال له: اختر أحد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه إياه معه درع بهرام، ونفل سعد سائر ذلك فى الخرساء، كتيبته، إلا سيف كسرى والنعمان، فإنه بعث بهما إلى عمر فى الأخماس مع حلى كسرى وتاجه وثيابه، ليرى ذلك المسلمون، ولتسمع به العرب، لمعرفتهم بها.
وقال عصمة الضبى «2» : خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقا مسلوكا فإذا عليه حمّار، فلما رآنى حث حماره فلحق آخر قدامه، فمالا، وحثا حماريهما، فانتهينا إلى جدول قد كسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرقا، ورمانى أحدهما فألظظت به حتى قتلته، وأفلت الآخر، فرجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سفطان فى أحدهما فرس من ذهب مسروج بسرج من فضة على ثغره ولببه الزمرد والياقوت منظومين على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضة مكلل
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 18) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 18، 19) .
(2/516)

بالجوهر، وإذا فى الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب، وبطان من ذهب وزمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وإذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر، كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتى التاج.
وعن أبى عبيدة العنبرى «1» قال: لما هبط المسلمون بالمدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال هو والذين معه، لما نظروا إلى ما فيه: ما رأينا مثل هذا قط، ثم قالوا له: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدونى، ولا غيركم ليقرظونى، ولكنى أحمد لله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا حتى أتى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.
ويروى أن سعدا، رحمه الله، قال حين رأى ما رأى من ورع الناس وكونهم لم يتعلق على أحد منهم بغلول فيما جمعوا من الغنائم: والله إن هذا الجيش لأهل أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر ما فضلتهم عليهم، ولقد نالت الدنيا من رجال من أهل بدر حين أصابوها.
وقال جابر بن عبد الله: والله الذى لا إله إلا هو، ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة.
قال بعضهم: ولقد كانوا يخافون قيس بن مكشوح، وعمرو بن معدى كرب، وطليحة بن خويلد، وأشباههم على الغلول، فما تعلق على أحد منه بشىء يكرهونه ولا أرادوا الدنيا.
ولما قدم على عمر، رحمه الله، بسيف كسرى ومنطقته وزبرجه، قال: إن أقواما أدوا هذا لذووا أمانة. فقال على، رضى الله عنه: إنك عففت فعفت الرعية.
قالوا: ولما اجتمعت الغنائم، وتراجع الطلب قسم سعد بين الناس فيئهم بعد ما خمسه، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا، وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، وكانت الجنائب فى المدائن كثيرة، ويقال: كانوا بين أهل الأيام وأهل القادسية الذين لم يشهدوا الأيام، وبين من لحق بهم فى ثلاث من غير أهل الأيام بالقادسية، وبين أهل الروادف ستين ألفا، وقسم سعد دور المدائن بين الناس، وأوطنوها، وكان الذى ولى القبض عمرو بن عمرو المزنى، والذى ولى القسم سلمان بن ربيعة.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 19) .
(2/517)

وقال الشعبى «1» : بعث سعد إلى العيالات فأنزلهم الدور لما قسمها وفيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد.
قالوا: وجمع سعد الخمس، وأدخل فيه كل شىء أراد أن يعجب به عمر، من ثياب كسرى وحليه وسيفه ونحو ذلك، ونفل من الأخماس فى أهل البلاء، ولم يجهدها، وفضل بعد القسم بين الناس، وإخراج الخمس، القطف فلم يعتدل، فقال للمسلمين: هل لكم فى أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه، ونبعث به إلى عمر فيضعه حيث يرى، فإنا لا نراه يتفق: وهو بيننا قليل، وهو يقع من أهل المدينة موقعا؟ فقالوا: نعم، فبعث به على ذلك الوجه، والقطف هو بهار كسرى ثقل عليهم أن يذهبوا به، فتركوه بالمدائن، فأصابه المسلمون، وكان بساطا واحدا ستين ذراعا فى ستين ذراعا فيه طرز كالسور وفصوص كالأنهار، وفى خلال ذلك كالدير، فى حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات فى الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك. وكانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين، فكان إذا أرادوا الشراب شربوا عليه، فكأنهم فى رياض، وكانت العرب تسميه القطف، فبعث به سعد مع الأخماس إلى عمر، رضى الله عنه، مع بشير بن الخصاصية، فلما قدم عليه نفل من الخمس أناسا، وقال: إن الأخماس ينفل منها من شهدها ومن غلب من أهل البلاء فيما بين الخمسين، ولا أرى القوم جهدوا الخمس، ثم قسم الخمس فى مواضعه، ثم قال: أشيروا علىّ فى هذا القطف. فأجمع ملؤهم على أن قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فراء رأيك، إلا ما كان من على، رضى الله عنه، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، الأمر كما قالوا: ولم يبق إلا التروية، إنك إن تقبله اليوم على هذا لم تعدم فى غد من يستحق به ما ليس له، قال: صدقتنى ونصحتنى.
وفى رواية أن عمر، رضى الله عنه، استشارهم فيه، فمن بين مشير بقبضه، وآخر مفوض إليه، وآخر مرفق، فقام على، رضى الله عنه، حين رأى عمر تأنى حتى انتهى إليه، فقال: لم تجعل علمك جهلا، ويقينك شكّا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فامضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. قال: صدقتنى، فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليا قطعة منه، فباعها بعشرين ألفا، وما هى بأجود تلك القطع.
وذكر المدائنى أن عمر حين قال له على: إن بلته لم تعدم بعدك من يستحق مأثما
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 21) .
(2/518)

بك، صرفه إلى سعد، وكتب إليه: أن بعه واقسم ثمنه على من أفاءه الله عليهم.
قال رجال سيف «1» : ولما أتى عمر بحلى كسرى وزيه فى المباهاة، وفى غير ذلك، وكانت له عدة أزياء لكل حالة زى، قال: علىّ بمحلم، وكان أجسم عربى يومئذ بأرض المدينة، فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب، وصب عليه أوشحته وقلائده وثيابه، وأجلس للناس، فنظر إليه عمر، ونظر إليه الناس، فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها، ثم قام عن ذلك، فألبس زيه الذى كان يلبسه، فنظروا إلى مثل ذلك فى غير نوع، حتى أتى على الأزياء كلها، ثم ألبسه سلاحه، وقلده سيفه، فنظروا إليه فى ذلك، ثم وضعه ثم قال: والله إن أقواما أدوا هذا لذووا أمانة، ونفل سيف كسرى محلما، هكذا وقع ذكر محلم فى هذا الحديث، ولا أعرف ولا أعلم فى ذلك الصدر من اسمه محلم إلا محلم بن جثامة، ويقال: إنه توفى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصته فى الدم الذى أصابه، والعفو عند وجوب القود، ودعاء النبى صلى الله عليه وسلم لما مثل بين يديه، قصة مشهورة.
وقد قيل: إنه عاش بعد النبى صلى الله عليه وسلم فالله أعلم.
وكذلك قيل: إن الذى ألبسه عمر سوارى كسرى هو سراقة بن مالك المدلجى.
وروى سفيان بن عيينة عن أبى موسى، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك»
: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟» «3» قال: فلما أتى عمر بسوارى كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقل: الحمد لله، الله أكبر، الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بنى مدلج، ورفع بها عمر صوته.
وذكر أبو الحسن المدائنى فى فتوح العراق خبر المدائن، فخالف فيه كثيرا مما تتقدم وزاد ونقص، وسأذكر من ذلك ما يحسن ذكره على سبيل الاختصار والتوخى لحذف ما يكون ذكره تكرارا إلا ما يعتاض فضله من الحديث للحاجة إليه.
__________
(1) انظر: الطبرى (22، 23) .
(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3122) ، أسد الغابة ترجمة رقم (1955) ، الثقات (3/ 180) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 210) ، تقريب التهذيب (1/ 284) ، تهذيب التهذيب (3/ 456) ، تهذيب الكمال (1/ 466) ، الجرح والتعديل (4/ 1342) ، شذرات الذهب (1/ 35) ، العبر (1/ 27) ، العقد الثمين (4/ 523) .
(3) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (7/ 18) ، الشفاء للقاضى عياض (1/ 674) .
(2/519)

فمن ذلك أن يزدجرد لما غلب سعد على مدينة نهرسير واعتقد أهل غربى دجلة منه الذمة نقل خزائنه وأمواله ودواوينه إلى حلوان، وأقام فى الإيوان فى مقاتلته، وسعد والمسلمون فى دير المنازل، فبينما هم به ودجلة قد طماها ماؤها يتدفق جانباها، إذ سمعوا ليلا قائلا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن غلقت أبوابها، وغيبت السفن، وقطعت الجسور، فما تنتظرون، فربكم الذى يحملكم فى البر يحملكم فى البحر؟ فندب سعد الناس إلى العبور، ثم ساق الحديث فى ركوبهم دجلة على ظهور خيلهم نحوا مما تقدم، ثم قال: ونظر ضرار بن الخطاب والمسلمون فرأوا بناء أبيض، فقال ضرار: الله أكبر، أبيض المدائن ورب الكعبة، وهرب أهل المسالح حين عبر المسلمون، واعروها وقالوا: هؤلاء من السماء، وخرج أهل الرومية ومن كان فيها من الأساورة معهم الفيلة فقاتلهم المسلمون، فكانت الفيلة تهم فى وجوه الخيل، والمسلمون قليل ليست لهم رجالة تقاتل عن خيلهم، فكانت الخيل تنفر، فأتى رجل سعدا فقال: تؤمننى على نفسى وأهلى ومالى وأدلك على ما ترد به الفيلة؟ قال: نعم. قال: الخنازير. قال: وأنى لى بها؟ قال: أنا أجيئك بها، فجاءه بخنازير فضربت فجعلت تقيع فى وجوه الفيلة، فولت وانهزم المشركون. فوقف رجل يحميهم واعترض الطريق فلما دنا منه المسلمون ضرب فرسه ليقدم عليهم، فاعتاص وضربه ليهرب، فاعتاص فطعنه رجل من المسلمين فقتله، ودخل الآخرون الرومية، ومضى الأساورة إلى يزدجرد بالإيوان، فهرب هو وأساورته ومقاتلته، وسمعوا صوتا من ورائهم علام تقتلون أنفسكم وقد ذهبت مدة ملككم.
ومضى سعد إلى المدينة العتيقة، فمر المسلمون بمجلس لكسرى كان يسمى بهشت إيوان، فوقفوا ينظرون إليه وقد تقدم سعد فانطوى عليه، فظن أنهم اقتطعوا، فسأل عنهم، فأخبر، فقال لبعض من معه من العجم: ما هذا المجلس؟ قالوا: بهشت إيوان.
قال: وما تفسيره؟ قالوا: الجنة. فأرسل سعد قوما فأحرقوه، وخرج أهل المدائن إلى سعد فتلقوه بجامات الذهب والفضة مملوءة دنانير ودراهم يسألونه الأمان على أن يعطوا الجزية، فقبل ذلك منهم، ونزل القصر الأبيض، وأمر أهل المدائن فعقدوا الجسر، فعبر المسلمون جميعا وأثقالهم وإبلهم، وتحول سعد فعسكر فى مكانين على الناقوس وعلى نهر أبغش، بين العسكرين ميل، وكان أكثر العسكرين أهلا الذين على نهر أبغش، واتخذ سعد مسجدا على الناقوس فهو إلى اليوم يسمى مسجد العسكر، وصلى فيه على بن أبى طالب حين قدم المدائن وهو يريد صفين.
ولم يأخذ سعد من المدينة ومن أهلها إلا ما كان للملك وأهل بيته ولمن هرب،
(2/520)

وأصابوا فى خزائنهم ما عجزوا عن حمله من المتاع وصنوف الأطعمة ما لا يوصف كثرة، فأمر سعد بجمع ذلك، فجمع وولاه النعمان بن مقرن ثم تلا:
أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [إبراهيم: 44، 45] .
وكتب سعد إلى عمر بفتح المدائن وبهرب ابن كسرى، فكتب إليه عمر:
أوصيك بتقوى الله الذى بتقواه سعد من سعد وبترك تقواه شقى من شقى، وقد عرفت بلاء الله عندنا أيها الرهط أنه استنقذنا من الشرك وأهله، وأخرجنا من عبادة أوثانهم، وهدانا من ضلالتهم، وعرفت مخرجنا من عندهم، كيف خرجنا، وأن الرهط على بعير عليه أنفسهم وزادهم يتعاور اللحاف الواحد العدة منا من بلغ مأمنه منا بلغ مجهودا، ومن أقام فى أرضه أقام مفتونا فى دينه معذبا فى بدنه، أشد أهله عليه أقربهم منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بالله لتأخذن كنوز كسرى وقيصر، يعجب من ذلك من سمعه، فأبقاك الله حتى وليت ذلك بنفسك، فأعرض عن زهرة ما أنت فيه، حتى تلقى الخماص الذين ذهبوا فى شمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا، ولم يغتروا بها، فاقتدوا بهديهم، ولا تضللن أنفسكم، وكونوا الأمة الممدوحة المباركة التى قال الله تبارك وتعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [الأنبياء:
73] .
قال: وحصر سعد الرومية تسعة أشهر حتى أكل السنانير والكلاب بعضهم، فأتى سعدا رجل مستأمن، فسأله الأمان لنفسه وأهله، على أن يدله على عورة المدينة، فأمنه فدله على مجرى الماء إلى المدينة، وكان يأتيهم الماء فى قناة من دجلة، فغورها المسلمون فارتحل أهل الرومية حين انقطع الماء عنهم من ليلتهم، وحملوا ما خف من أموالهم، وخرجوا على حامية معهم أثقالهم، فأخذوا طريق خراسان، فأتت امرأة منهم سعدا فسألته الأمان فأمنها، فقالت لم يبق فى المدينة أحد من المقاتلة ولا عيالاتهم، بقى قوم ضعفاء، فدخلها سعد، فأصابوا متاعا كثيرا وسلاحا وسبيا قليلا، فبعث بخمس ما أصاب من الرومية، وما صالح عليه أهل المدائن إلى عمر مع بشير بن الخصاصية.
وذكر من حديث البساط الذى مر ذكره نحوا مما تقدم.
وذكر، أيضا، عن حرملة بن صدقة بإسناده إليه قال: غزوت خراسان فرأيت رجلا
(2/521)

من العجم يشبه الروم فسألنى عن مسكنى، فقلت: المدائن، قال: أيها؟ قلت: الرومية.
قال: فأين منزلك منها؟ فوصفته له، قال: هذه دارى، إنى أحدث أصحابى عنها وعن حالى، وما كنت فيه فيكذبوننى، ولقد دفنت حين حصرنا العرب فى الدكان التى على باب الدار عشرة آلاف درهم وآنية ذهب وفضة كثيرة، فأغضيت على ما قال، واستأذنت أميرى فى القفل، فأذن لى، فقدمت فاحتفرت ذلك الموضع فأصبت ما قال على ما قال، فأحرزته ورجعت إلى مركزى.
قال المدائنى: واقتسم المسلمون الرومية أرباعا فنزلوها، ونسبت الأرباع إلى قبائل، ومعهم فيها غيرهم، غير أنه قيل: ربع عبد القيس وربع بجيلة وأسد وربع خزاعة وربع بقى على ما كان يسمى فى الجاهلية، طسوج هندوان.
وكان كسرى أنزله قوما من الزط فهو يسمى بذلك الاسم إلى اليوم، واتخذ آل صوخان مسجدا بالرومية، واختطت القبائل فيما حول الإيوان، ونزلوا المدينة العتيقة، ولم ينزلوا إلا ما كان للملك ولأهل بيته ولمن هرب مما لم يصالح عليه، فاختط حول الإيوان والرومية تميم وسليم وعبس وبكر ومزينة وجهينة وهمدان وثقيف والأنصار ومراد، ونزل بنو أسد الفارقين، ونزل المسلمون الإيوانات وبيوت النيران والمرابط والسكك ودور الضرب والدواوين، وصار بستان الملك الذى كان يدخله إذا فرغ من الزمزمة مقابر للمسلمين، ونزل حذيفة مربط يزدجرد، ونزل سعد القصر الأبيض والمسجد الذى يجتمعون فيه مسجد العسكر على الناقوس، فلم يزل المسلمون بالمدائن وما حولها حتى تحولوا إلى الكوفة، فتركوا خططهم على حالها تعرف بهم، وأقام قوم اتخذوا الضياع بالسواد، فلم يتحولوا، وكان مقامهم بعد الحرب سنتين.
وذكر أيضا أن سعد بن أبى وقاص كان حين سار إلى المدائن خلف قوما بأرض الكوفة، فقسم لهم مع من شهد المدائن حين فتحها، فقام إليه رجل من هذيل فقال له:
عمدت إلى فيئنا فأعطيته من لم يشهد، وركب إلى عمر فشكا سعدا، فأرسل عمر، عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، فقال: إن وجدتماه بالكوفة فلا تبيتن بها، وإن وجدتماه خارجا عن الكوفة فلا تدعاه يدخلها وخذا الخاتم من يده، فلقياه بفيين فأخذ أحدهما الخاتم من يده، فنظر إلى الآخر، فقال: أمر بذلك، فقال سعد:
خذينى فجرينى ضباع وأبشرى ... بلحم امرئ لم يحضر اليوم ناصره
قال: دعونى أدخل الكوفة، قالا: لا، فقطعا به الفرات من دير الأعور، فلما قدم على
(2/522)

عمر قال: أين الهذلى؟ فقام، فقال: ما يقول هذا؟ قال سعد: صدق، قال: ارجع فخذه منهم ثم أقسمه.
وذكر عن عبد الله بن سليم وغيره، قالوا: اجتمع الأساورة بحلوان عند يزدجرد، فذكروا العرب ورثاثة سلاحهم وسوء عدتهم وظهورهم عليهم، فتلاوموا وقالوا: أسلمنا ملكنا وما كنا فيه إلى عصابة لم تكن فى الأرض أمة أصغر أمرا عندنا منهم، فقال بعضهم: لا تعجبوا من هذا، فإنها دولة جاءت قوما، ومدة انقضت عنكم، وهذا أمر أراده الله، والله لا يغلب. فقال رجل منهم: ارفعوا لى كرة، فرفعوها فرماها بنشابات فلم يخطئها، قال: هذا ما ترون من رمى، ولقد رأيتنى مرة فى بستان أرمى الزنانير بجلاهق فما أخطأت بواحدة، فقدم العرب فهربت واتبعنى رجل فرميته بخمس نشابات فما أصبته، ودعا رجل بقوسه فرمى بنشابة فى حائط لبن فغيبها إلى قريب من الريش، ثم اعترض ساقا من شجرة بسيف فاجتمه، ثم قال: ترون رمى وضربى؟ قالوا: نعم، قال:
فإنى رميت رجلا، يعنى من المسلمين، ليس عليه سلاح ولا ثوب يقيه، فأصبت بطنه فما خدشه، ولقد ضربت رجلا حاسرا أصلع بسيفى هذا، فخرج من رأسه شبه الدقيق، وحدث بعض العجم قال: كنت فيمن انهزم عن العرب، فإنى لأسير فى عشرة من الأساورة إذ انتهينا إلى نهر ورجل من العرب يسقى فرسه، فلما رآنا شد حزام فرسه وألجمه وركبه وحمل علينا فولينا، وانفردت من أصحابى دهشا وطمع فىّ فاتبعنى حتى صرت فى مؤخر النهر وفرسى أقوى من فرسه، فزجرت فرسى، فطغى بى النهر، ووقف ينظر إلىّ لا يقدر على العبور، فالتفت إليه، فقال: أولى لك، فلم أدر ما قال لى حتى سألت بعد وعلمت، فما خرج رعب تلك الكلمة من قلبى.
وذكر بإسناد له إلى عبد الله بن معقل بن مقرن المزنى قال: اصطفى عمر من مال العجم أصنافا، مال من هرب ومن قتل، وكل مال لكسرى أو لأحد من أهل بيته، وكل مسيل ماء، وكل دير يريد، فكان خراج ما اصطفى سبعة آلاف ألف حتى كان يوم دير الجماجم أحرق الديوان، فأخذ كل قوم ما يليهم.
قال المدائنى: وكان المغنم بالمدائن والرومية قريبا من مغنم القادسية.
ومما قيل فى ذلك من الشعر قول أبى بجيد، نافع بن الأسود التميمى يفخر بقومه:
بنو تميم عتاد الحرب قد علموا ... والناهضون إذا فرسانها ركبوا
والحاملون إذا ما أزمة أزمت ... ثقل العشائر إن جمعوا وإن ندبوا
(2/523)

والفاصلون إذا ما خطة جهلت ... عند الجموع وفيهم تفصل الخطب
والمانعون من الأعداء دارهم ... عند الهياج إذا ما اهتزت الطنب
والواردون على كسرى مدائنه ... قسرا ومن دونها بحر له لجب
نحوى نهابهم والخيل مشعلة ... وسط الديار ومنها حولهم عصب
شعث عليها ليوث ما يهجهجها ... عند الصياح بها عجم ولا عرب
شمس بأيدهم سمر مثقفة ... وكل عضب له فى متنه شطب
إذا جلوها على الأعداء فى فزع ... لاحت كأن فوق أيديهم بها شهب
وقال أيضا:
ونحن صبحنا يوم دجلة أهلها ... سيوفا وأرماحا وجيشا عرمرما
نراوح بالبيض الرقاق رؤسهم ... إذ الرمى أغرى بيننا فتضرما
أذقناهم يوم المدائن بأسنا ... صراحا وأسعطنا الألائم علقما
سقيناهم لما تولوا إلى الردى ... كئوسا ملأناهن صابا وشبرما
أبيتم علينا السلم ثم رجعتمو ... إلى السلم لما أصبح السلم محرما
ويوم يطير القلب من نعراته ... ربطنا له جأشا وهجنا به دما
دعونا إليه من تميم معاشرا ... يجيبون داعيهم وإن كان مجرما
يحلون فى اليوم الشديد قيامه ... عن الشمس والآفاق أغبر مظلما
ألا أيها ذا السائل عن عشيرتى ... ستخبر عنهم إن سألت لتعلما
فمهما عقدنا جاز فى الناس حكمنا ... وننقضه منهم وإن كان محكما
وقال أيضا:
أىّ يوم لنا كيوم قديس ... قد تركنا به القنا مرفوضا
كم سبينا من تاج ملك وأسوا ... ر ترى فى نطاقه تفضيضا
وقربنا خير الجيوش شتاء ... وربيعا مجملا وغريضا
ونفرنا فى مثلهم عن تراض ... لم نعرض ولم نذق تغميضا
ثم سرنا من فورنا نحو كسرى ... ففضضنا جموعه تفضيضا
وأملنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برهن أريضا
وانتثلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولى وحاص منا جريضا
وقال النابغة الجعدى من كلمة يذكر أيامهم تلك مع كسرى وغيره:
فمضت كتائبنا إليه عنوة ... حتى حللنا حيث ينخرق الصبا
(2/524)

نرمى مدينته ونحطم جمعه ... ونصك رأس عموده حتى انشطا
ولقيصر أخرى رمينا رمية ... قطعت قرينته كما انقطع السدا
والخيل تخفق بين دجلة عنوة ... بالسفح من أقر إلى وادى القرى
لا قيصر أبدا ولا كسرى بها ... قضى الحديث وكان شيئا فانقضى
حديث «1» وقعة جلولاء «2»
ذكر سيف «3» عن قيس بن أبى حازم قال: أقمنا بالمدائن حين هبطنا واقتسمنا ما فيها، فأتانا الخبر بأن مهران قد عسكر بجلولاء، وخندق عليه، وأن أهل الموصل قد عسكروا بتكريت، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فأجابه: أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء فى اثنى عشر ألفا، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو.
وروى من سماه سيف من رجاله: أن عمر كتب، أيضا، إلى سعد: لئن هزم الله الجندين: جند مهران وجند الأنطاق، فقدم القعقاع حتى يكون على حد سوادكم، بين السواد والجبل.
قالوا: وكان من حديث جلولاء أن الأعاجم لما انتهوا إليها بعد الهرب من المدائن، وتفرقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس تذامروا وقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، وهذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمع به للعرب ولنقاتلهم، فإن كان لنا فهو الذى نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا ما علينا، وأبلينا عذرا. فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه على مهران، ونفذ يزدجرد إلى حلوان فنزل بها، ورماهم بالرجال، وخلف فيهم الأموال، فأقاموا فى خندقهم، وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلا طرقهم. ففصل هاشم بالناس من المدائن فى اثنى عشر ألفا، فيهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب، فسار إلى جلولاء أربعا، حتى قدم عليهم، فحاصرهم وأحاط بهم، فطاولهم أهل فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفا، كل ذلك يعطيهم الله الظفر على المشركين، وغلبوهم على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد.
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 24- 35) ، الكامل لابن الأثير (2/ 361- 364) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 69- 71) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 102، 103) .
(2) أشار صاحب الروض المعطار إلى أن جلولاء بالعراق فى أول الجبل، وهى مدينة صغيرة عامرة بها نخل وزرع، ومنها إلى خانقين سبعة وعشرون ميلا (ص 167) .
(3) انظر: الطبرى (4/ 24، 25) .
(2/525)

وعن بعض الرواة أن هاشما لما نزل على مهران بجلولاء جعل يقوم فى الناس، ويقول:
إن هذا منزل له ما بعده، وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كانوا أخيرا قال بعضهم لبعض: أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم، واعملوا لله فإنكم ردء المسلمين، فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحا أظلت عليهم البلاد، ولم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافتت فرسانهم فى الخندق، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: ننهد إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه، فلما نهدوا الثانية خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلى المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيول، وتركوا للمجال وجها، فخرجوا منه على المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش وأعجل، وانتهى القعقاع فى الوجه الذى زحف منه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله. وإنما فعل القعقاع ذلك ليقوى المسلمين، فحملوا حملة لم يقم لها شىء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، ولا يشكون أن هاشما به، فإذا هو بالقعقاع قد أخذ به، وأخذ المشركون فى الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذى بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم، وعادوا رجالة، واتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء لما جللها من قتلاهم، فهى جلولاء الوقيعة.
وقال بعضهم: كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الرى، كانوا بها حماة أهل فارس، ففنى أهل الرى يوم جلولاء.
وفى حديث عن محفز بن ثعلبة، وكان شهدها: أن أهل فارس لما رأوا أمداد المسلمين بادروا بقتالهم فى عددهم، ثم وصف من شدة قتالهم. قال: حتى أنفذوا النبل، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات وكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهيرة، ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة من كتائب المشركين وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع على الناس، فقال:
أهالتكم هذه؟ قالوا: نعم، نحن مكلون وهم مريحون، والكال يخاف العجز إلا أن يعقب، فقال: إنا حاملون حملة عليهم ومجادوهم وغير كافين عنهم ولا مقلعين عنهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبن أحد منكم. فحمل
(2/526)

فانفرجوا فما نهنه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يمنة ويسرة، ونادى منادى القعقاع: أين تحاجزون وأميركم فى الخندق فحمل المسلمون، فأدخل الخندق، فأتى فسطاطا فيه مرافق وثياب، وإذا ترس على إنسان فأنبشه، فإذا امرأة كالغزال فى حسن الشمس، فأخذها وثيابها، فاديت الثياب، وطلبت الجارية حتى صارت إلىّ فاتخذتها أم ولد.
قالوا «1» : وأمر هاشم القعقاع بالطلب، فطلبهم حتى بلغ خانقين، وأدرك بها مهران فقتله، وأدرك الفيرزان فنزل، فتوقل فى الظراب وخلى فرسه، وأصاب القعقاع سبايا، فبعث بهن إلى هاشم، فكن مما اقتسم، واتخذن، فولدن فى المسلمين، فذلك السبى ينسب إلى جلولاء، ومنه كانت أم الشعبى، ويقال من القادسية.
ويروى أن عمر، رضى الله عنه، قال وقد بلغه ما أصيب من هؤلاء السبايا: اللهم إنى أعوذ بك من أبناء الجلوليات.
قالوا: ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبل، فنزل القعقاع بحلوان فى جند فلم يزل إلى أن تحول سعد بالناس من المدائن إلى الكوفة، فلحق به.
قالوا: وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان، واستأذنوه فى اتباعهم، فأبى، وقال: لوددت أن بين السواد والجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، إنى آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.
وساق المدائنى خبر جلولاء مساقا بينه وبين ما تقدم بعض اختلاف وأسنده عن جماعة سمى منهم، قال: وبعضهم يزيد على بعض، فسقت حديثهم: أن يزدجرد هرب إلى حلوان، فلما فتح سعد الرومية كتب إلى عمر يستأذنه فى البعثة إلى ابن كسرى، فكتب إليه: «الحمد لله الذى أذل ابن كسرى وشرده، فأقم بمكانك واحذر على من معك من المسلمين» فأقام سعد بالمدائن سنتين لم يوجه أحدا، وكتب ابن كسرى إلى الجبال فجمع المقاتلة فوجههم إلى جلولاء، وأمر الأساورة والجنود فنزلوها، فاجتمع بها جمع عظيم عليهم خرزادين خرمهر، فكتب سعد إلى عمر بجمعهم، فكتب إليه: أقم بمكانك ووجه إليهم جيشا، فإن الله ناصرك ومتم وعده الذى وعد نبيه صلى الله عليه وسلم فعقد سعد لهاشم بن عتبة وندب الناس، فانتدب معه أربعة آلاف فيهم طليحة بن خويلد، وعمرو ابن معدى كرب وفرسان المسلمين، فسار.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 28) .
(2/527)

فلما كان بمهروذ أتاه دهقانها فصالحه على أن يفرش له جريبا دراهم، فقبل منه ومضى إلى جلولاء، فقدم على قوم قد أعدوا عدة عظيمة، وتحرزوا بالخنادق، فقاتلوهم قتالا شديدا عن العيال والذرارى، وكتب هاشم إلى سعد يستمده، وأتى المشركون أهل أذربيجان مددا فعاجلوهم القتال، وكثروهم، فجال المسلمون وانكشفوا، فناداهم هاشم:
يا معشر المسلمين أين؟ أما رأيتم ما خلفتم؟ أتاتون عمر منهزمين؟ فعطف الناس، وعلى الميمنة حجر بن عدى، وعلى الميسرة عمرو بن معدى كرب، وعلى الخيل زهرة بن جوية، وعلى الرجال طليحة بن خويلد، فاشتد القتال بينهم حتى مضى وقت الظهر فصلى المسلمون يومئون إيماء، وألح المشركون عليهم، وطلعت كتيبة للمشركين حامية فجازت الخندق، ثم طلعت أخرى، فقال طليحة وعمرو بن معدى كرب: يا معشر الفرسان، الأرض واقرنوا خيولكم، ففعلوا وجثوا وأشرعوا الرماح فرجعت الخيل عنهم، ورموهم بالنشاب، فتترسوا، فمكثوا بذلك مليا، وأشفق المسلمون فحضهم طليحة وزهرة وعمرو، فبينا هم على ذلك إذ سمعوا تكبيرا للمسلمين وراءهم، فإذا قيس بن مكشوح قد جاءهم فى ألف وأربعمائة فارس وستمائة راجل، فانهزم المشركون قبل أن يصل إليهم، وهاجت ريح شديدة أظلمت لها الأرض، فتهافت المشركون فى الخندق، واتبعهم المسلمون فانتهوا إلى خنادقهم وقد انجلت عنهم الظلمة فركبوا أكتافهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وحووا عسكرهم، فأصابوا شيئا لم يصيبوا مثله من الأموال والسلاح والمتاع والسبايا والدواب، فجمع ذلك كله إلى هاشم، فجاء رجل من آل خارجة بن الصلت بتمثال ناقة من ذهب موشحة بالدر وألقاها فى المغنم، وجاء مجفر بن ثعلبة بجارية، وجاء كل رجل بما صار فى يديه، فحمل هاشم ذلك كله إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر بالفتح وبما أصاب من السبايا واستأذنه فى اتباع العجم والمسير إلى الجبال، فكتب إليه عمر، رحمه الله: أقم مكانك عامك هذا حتى ننظر، واحذر على المسلمين، واترك أهل الجبال ما تركوك، فوددت أن بيننا وبين الجبال سدا من نار لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، فأقم ولا تطلب ما سوى ذلك عامك هذا إلا أن ينزل عدو بقربك، واقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم.
وكانت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، فبلغت السهام ثلاثة آلاف، للفرس سهمان وللراجل سهم، وقال قوم: كانت الغنائم ستة وثلاثين ألف ألف، وكانت السهام ستة آلاف وثمانية من الدواب، للفرس سهمان وللراجل سهم، فحمل سعد الخمس مع زياد ابن أبى سفيان.
(2/528)

وفى كتاب سيف «1» عمن سمى من رجاله قالوا: ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها، ومن أعظمه ممن كان ثابتا بالمدائن، وبعث بالأخماس مع قضاعى بن عمرو الدؤلى من الذهب والورق والآنية والثياب، وبعث بالسبى مع أبى مفزر الأسود بن قطبة. قال بعضهم: وبعث بالحساب مع زياد بن أبى سفيان، وكان الذى يكتبه للناس ويدونهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء به ووصف له، فقال له عمر: هل تستطيع أن تقوم فى الناس بمثل الذى كلمتنى به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيب فى صدرى منك، فكيف لا أقوى على هذا فى غيرك؟ فقام فى الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الانسياح فى البلاد، فقال عمر، رضى الله عنه: هذا الخطيب المصقع، فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بأفعالهم لسانى.
وعن أبى سلمة قال «2» : لما قدم على عمر، رحمه الله، بالأخماس من جلولاء، قال عمر: والله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه فى صحن المسجد، فلما أصبح جاء فى الناس وكشف عنه جلابيبه، وهى الأنطاع، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله إن هذا إلا موطن شكر. فقال عمر: والله ما ذاك يبكينى، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى باسهم بينهم. ثم دعا الحسن فيما ذكر المدائنى فحثا له، ثم دعا الحسين فحثا له، ثم قال: ما ترى؟ أنحثى لهم حثيا أم نكيل بالصاع. قال: بل احث لهم، ففعل، ثم دون الدواوين وفرض وقسم.
وذكر المدائنى، أيضا، أن سعدا كتب إلى عمر، رحمه الله، مع زياد يستأذنه فى اتباع المشركين ويصغر أمرهم عنده، فكتب إليه عمر: جاءنى كتابك تستأذننى فى اتباع المشركين، وسيأتى فيهم أمرى، وذلك من حق إمامك عليك، وإنما حق المسلم على المسلم بحق الله، وإن أعظم أهل الإسلام حقا عليهم إمامهم، وذلك أنه لا تجد أحدا من الناس صلاح أهل الأرض فى صلاحه إلا نبى أو خليفة، فالأمر إليك فى اتباعهم تغرير بالمسلمين، وانظر ما أجلب الناس به عليك فى العساكر من مال أو كراع أو سلاح أو متاع، فاقسمه بين من حضر، واترك الأرضين والأنهار فتكون فى أعطية المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضرك لم يكن لمن بعدهم شىء ولا توطن ولدا من والده، ولا تمسن أنثى من السبى حتى يطيب رحمها، ولا تتخذن مشركا أمينا على المسلمين، فإنهم
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 29) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 30) .
(2/529)

يأخذون الرشوة فى دينهم ولا رشوة فى دين الله، وادع الناس فمن استجاب لك وأسلم قبل القتال فهو رجل من المسلمين وله سهم فى الإسلام، ومن أسلم بعد القتال وبعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين وماله لأهل الإسلام، والأسير إذا أسلم فى أيدى المسلمين فقد أمن على دمه، وهو فىء للمسلمين، وأقر الفلاحين على حالهم إلا من حاربك أو هرب أو ترك أرضه وخلاها، فهى لكم فإن رجع فقبلتم منه الجزية فهو ذمة.
وذكر سيف «1» عن رجاله قالوا: كان صلح عمر الذى صالح عليه أهل الذمة، أنهم إن غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة، وإن سبوا مسلما أن ينهكوا عقوبة، وإن قاتلوا مسلما أن يقتلوا، وعلى عمر منعهم، وبرئ عمر إلى كل ذى عهد من معرة الجيش.
قال بعضهم: فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث، والدلالة مع الجزى عن أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين.
قال المدائنى: وشهد عبد الله بن عمر جلولاء، واشترى من المغنم متاعا بأربعين ألفا، فلما قدم المدينة أتاه عمر فى منزله، فقال لامرأته: يا صفية احتفظى بما جاء به عبد الله ولا يصلن منه إلى شىء، ثم قال لعبد الله: يا عبد الله اشتريت من غنائم المسلمين؟
فقالوا: ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، لك فيما اشتريت ربحا لدرهم درهم، فدعا عمر التجار فعرضه عليهم وقال: اشتروا فإنه للمسلمين، فتزايدوا حتى بلغ مائة ألف، فباعه، وأعطى عبد الله ثمانين ألفا، وبعث بالباقى إلى سعد، وكتب إليه: اقسمه فيمن شهد سنة تسع عشرة.
وعن رجال سيف «2» قالوا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم، وصار السواد ذمة لهم إلى ما أصفاهم الله به من مال الكاسرة، ومن لج معهم.
وقال القعقاع بن عمرو يذكر نزوله بجلولاء:
من مبلغ عنى القبائل مالكا ... وقد أحسنت عند الهياج القبائل
فلله جاهدنا وفى الفرس بغية ... ونحن على الثغر المخوف نساجل
وأنتم عتاد إن ألمت ملمة ... وجلت علينا فى الثغور الجلائل
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 32) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 33) .
(2/530)

وهل تذكرونا إن نزلنا وأنتم ... منازل كسرى والأمور حوائل
فصرنا لكم ردآ بحلوان بعد ما ... نزلنا جميعا والجموع نوازل
فنحن الأولى فزنا بحلوان بعد ما ... أرنت على كسرى الإما والحلائل
وقال أبو بجيد فى ذلك:
ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت ... كتائبنا تردى بأسد عوابس
فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النجائس
وأفلتهن الفيرزان بجرعة ... ومهران أردت يوم حز القوانس
أقاموا بدار للمنية موعد ... وللترب تحثوها خجوج الروامس
«1»
حديث يوم تكريت «2»
وكان سعد، رحمه الله، لما كتب إلى عمر، رضى الله عنه، بأمر جلولاء، وأجابه بما ذكر قبل، كتب إليه أيضا باجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله بهم إلى تكريت حتى نزل بها، وخندق عليه ليحمى أرضه، فأمر عمر سعدا أن يسرح عبد الله بن المعتم إلى الأنطاق، وعين لمقدمته وميمنته وميسرته وساقته رجالا سماهم له، ففصل على ذلك عبد الله من المدائن فى خمسة آلاف، فسار إلى تكريت حتى ينزل على الأنطاق، ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر، وقد خندقوا، فحصرهم أربعين يوما وتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا، فى كلها هزم المشركون ولا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم.
فلما رأت الروم ذلك تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعهم إلى السفن، وقد كان عبد الله ابن المعتم وكل بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الروم رجالا من تغلب وإياد والنمر، فكانوا لا يخفون عليه شيئا، فأقبلت إليه العيون منهم بما فعلت الروم وسألوه للعرب السلم وأخبروه أنهم قد استجابوا، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقروا بما جاء به من عند الله، ثم اعملوا بما نأمركم، فردوا إليه رسلهم بالإسلام، فأرسل إليهم: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التى تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التى تلى دجلة، وكبروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه.
__________
(1) انظر الأبيات فى: الطبرى (4/ 34) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 71) .
(2) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 35- 37) ، الكامل لابن الأثير (2/ 364- 366) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 71، 72) .
(2/531)

فانطلقوا حتى واطؤوهم على ذلك، ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر، وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم، فابتدروا الأبواب التى أمامهم، فأخذتهم سيوف المسلمين مستقبلتهم، وسيوف الربعيين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر.
قال سيف «1» : وكان عمر، رضى الله عنه، قد عهد إلى سعد، إن هزم أهل تكريت أن يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ربعى بن الأفكل العنزى إلى الحصنين، وربعى هو الذى كان عمر رسم أن يكون على مقدمة عبد الله فى هذا الوجه، فسرحه عبد الله إلى الحصنين، وقال له: اسبق الخبر، وسر ما دون القيل، وأحى الليل، وسرح معه تغلب وإياد والنمر، فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل، أحد بنى سعد بن جشم وذو القرط وأبو وداعة ابن أبى كرب وابن ذى السنينة قتيل الكلاب وابن الحجير الأيادى وبشر بن أبى حوط متساندين، فساروا يسبقون إلى الحصنين خبر الهزيمة ليغزوا أهلها.
فلما كانوا قريبا منها، قدموا عتبة بن الوعل فادعى الظفر والنفل والقفل، ثم الرجال المسلمون آنفا واحدا بعد آخر، كلما وصل واحد منهم ذكر مثل ما ذكر عتبة، فوقفوا بالأبواب وقد أخذوا بها، وأقبلت سرعان الخيل مع ربعى بن الأفكل، حتى اقتحمت الحصنين على أهلهما، فكانت إياها، فنادوا بالإجابة إلى الصلح، فأقام من استجاب، وهرب من لم يستجب، إلى أن أتاهم عبد الله بن المعتم، فدعا من لج وهرب، ووفى لمن أقام، فتراجع الهارب واغتبط مع المقيم، وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة، واقتسم المسلمون بتكريت ما أفاء الله عليهم على أن لكل سهم ألف درهم للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان «2» ، وبالفتح مع الحارث بن حسان «3» ، وولى حرب الموصل ربعى بن الأفكل، والخراج عرفجة بن هرثمة.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 36) .
(2) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 333) ، الإكمال (2/ 325) ، الطبقات الكبرى (6/ 40) ، تهذيب الكمال (2/ 1092) ، الجرح والتعديل (7/ 449، 450) ، الإصابة ترجمة رقم (6980) ، أسد الغابة ترجمة رقم (4205) .
(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (1400) ، أسد الغابة ترجمة رقم (869) ، الثقات (3/ 75) ، تقريب التهذيب (1/ 140) ، الجرح والتعديل (3/ 325) ، تهذيب التهذيب (2/ 139) .
(2/532)

ذكر يوم ماسبذان «1» ويوم قرقيسيا «2»
ذكروا «3» أنه لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان جمع جمعا، فخرج بهم إلى السهل، وأن أهل الجزيرة بعثوا جندا إلى هيت، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إليه أن يبعث ضرار بن الخطاب فى جند إلى ابن الهرمزان، ويبعث عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف فى جند إلى هيت، ورسم لكلا الجندين صاحب مقدمتيه ومجنبتين وساقة وسماهم، فخرج ضرار فى الجند، وقدم صاحب مقدمته حتى انتهى إلى سهل ماسبذان، فالتقوا بمكان يدعى بهندف، فاقتتلوا به، فأسرع المسلمون فى المشركين، وأخذ ضرار آذين بن الهرمزان سلما، فأسره فانهزم عنه جيشه، فقدمه فضرب عنقه، ثم خرج فى الطلب حتى انتهى إلى السيروان، فأخذ ماسبذان عنوة، فتطاير أهلها فى الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه، فنزل الكوفة واستخلف على ماسبذان، وكانت إحدى فروج الكوفة.
وخرج عمر بن مالك فى جنده سائرا نحو هيت «4» ، وقدم الحارث بن يزيد العامرى، وهو المعين لمقدمته، حتى نزل بهيت وقد خندقوا عليهم، فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم استطال أمرهم، فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم، وخرج فى نصف الناس يعارض الطريق حتى جاء قرقيسيا فى عرة، فأخذها عنوة، فأجاب أهلها إلى الجزاء، وكتب إلى الحارث فى أهل هيت: إن هم استجابوا فخل عنهم وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيى، فسمحوا بالاستجابة، وانضم الجند إلى عمر بن مالك والأعاجم إلى أهل بلدهم.
وقال ضرار بن الخطاب يذكر ملتقاهم بهندف:
ولما لقينا فى بهندف جمعهم ... تنادوا وقالوا يا صبر وايال فارس
فقلنا جميعا نحن أصبر منكم ... وأكرم فى يوم الوغى والتمارس
__________
(1) ماسبذان: أحد فروج الشام بالقرب من هيت. انظر: الروض المعطار (ص 519) .
(2) قرقيسيا: كورة من كور ديار ربيعة، كانت فى الجانب الشرقى من الفرات. انظر: الروض المعطار (ص 455) .
(3) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 37، 38) ، الكامل لابن الأثير (2/ 366، 367) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 72، 73) .
(4) هيت: مدينة بين الرحبة وبغداد، وهى على شاطئ الفرات. انظر: الروض المعطار (ص 597) .
(2/533)

ضربناهم بالبيض حتى إذا انثنت ... أقمنا لها ميلا بضرب القوانس
فولوا سراعا نحو دار أبيهم ... وقد خومروا يوم الوغا بالوساوس
فما برحت خيلى تقص طريقهم ... وتقتلهم بين اشتباك الخنادس
ذكر الحديث عن تمصير الكوفة والبصرة وتحول سعد بن أبى وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة «1»
ذكروا «2» أنه جاء عمر، رضى الله عنه، فتح جلولاء، وما ذكر بعدها، ونزول المسلمين حيث ذكر قبل نزولهم منها، ولما قدمت الوفود بذلك عليه، أنكرهم حين رآهم، وقال: والله ما هيئتكم بالهيئة التى بدوتم بها، ولقد قدمت وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما بدوا، فما غيركم؟ قالوا: وخومة البلاد، فنظر فى حوائجهم، وعجل سراحهم، وكتب إلى سعد: أنبئنى ما الذى غير ألوان العرب ولحومهم؟.
فكتب إليه: إن العرب خددهم وغير ألوانهم وخومة المدائن ودجلة، فكتب إليه عمر:
إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان رائدا وحذيفة، وكانا رائدى الجيش، فليرتادا منزلا بريا بحريا، ليس بينى وبينكم فيه بحر ولا جسر، ولم يكن بقى من أمر الجيش شىء إلا وقد أسنده عمر إلى رجل، فبعث سعد حذيفة وسلمان.
فخرج سلمان حتى أتى الأنبار، فسار فى غربى الفرات لا يرى شيئا، حتى أتى الكوفة، وخرج حذيفة فى شرقى الفرات لا يرضى شيئا، حتى أتى الكوفة، فأتيا عليها وفيها ديارات ثلاث: دير حرقة، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وأخصاص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصليا، وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماوات وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الريح وما أذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت، والخصاص وما أجنت، بارك لنا فى هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات، فرجعا إلى سعد بالخبر.
وذكر المدائنى أن الناس اجتووا المدائن بعد أن رجعوا من جلولاء، فشكوا ذلك إلى
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 40) / فتوح البلدان للبلاذرى (ص 338- 354، 425- 458) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 367- 371) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 40) .
(2/534)

عمر، فقال عمر: هل تصبر بها الإبل؟ قالوا: لا؛ لأن بها بعوضا، قال: فإن العرب لا تصبر ببلاد لا تصبر بها الإبل، اخرجوا فارتادوا منزلا.
قال أبو وائل: فخرجنا فأردنا أن ننزل الحيرة، فقال رجل من أهلها: يا معشر المعذبين، ألا أدلكم على ما ارتفعت عن البعوضة وتطأطأت عن الثلجة وطعنت فى البرية وخالطت الريف؟ قلنا: بلى، فدلنا على الكوفة، فاختط الناس ونزلوا الكوفة، فكتب إلى عمر بذلك.
وذكر سيف «1» عمن سماه من رجاله قالوا: مصر المسلمون المدائن وأوطنوها، حتى إذا فرغوا من جلولاء وتكريت وأخذوا الحصنين، كتب عمر إلى سعد أن ابعث عتبة بن غزوان «2» إلى فرج الهند فليرتد منزلا يمصره، وابعث معه سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابعث بعده عرفجة بن هرثمة، واجعل مكانه الحارث بن حسان، وابعث عاصم بن عمرو، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، والحصين بن القعقاع، فخرج عتبة فى سبعمائة من المدائن واتبعه عرفجة فى سبعمائة، ثم عاصم ثم حذيفة ثم مجزأة ثم الحصين، كل واحد منهم فى سبعمائة، ثم سعد بن سلمى فى سبعمائة، فساروا حتى أتوا على البصرة اليوم فنزلوها وثبتوا بها، والبصرة كل أرض حجارتها جص.
قالوا «3» : ولما نزل أهل الكوفة الكوفة، واستقرت بأهل البصرة الدار، عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا، ثم إن أهل المصرين استأذنوا فى بنيان القصب، فقال عمر، رضى الله عنه: العسكرة أجد لحربكم وأذكى لكم، وما أحب أن أخالفكم، وما القصب؟ قالوا: العكرش إذا روى قصب فصار قصبا، قال: فشأنكم، فابنوا بالقصب، ثم وقع الحريق فى المصرين، وكانت الكوفة أشدهما حريقا، فاحترق ثمانون عرشا، ولم يبق فيها قصبة، فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه فى البنيان باللبن، ويخبرونه عن الحريق وما بلغ منهم، وكانوا لا يدعون شيئا ولا يأتونه إلا أمروه فيه، فقال: ابنوا، ولا يزدن أحد على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا فى البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة، فرجع القوم بذلك إلى الكوفة.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 43) .
(2) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (3/ 1/ 69) ، التاريخ الكبير (6/ 520، 521) ، المعارف (275) ، الجرح والتعديل (6/ 373) ، تاريخ بغداد (1/ 155- 157) ، تهذيب التهذيب (7/ 100) ، شذرات الذهب (1/ 27) ، الإصابة ترجمة رقم (5427) ، أسد الغابة ترجمة رقم (3556) .
(3) انظر: الطبرى (4/ 43) .
(2/535)

وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك، وعهد عمر إلى الوفد، وتقدم إلى الناس ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر، قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف، ولا يخرجكم من القصد.
فأول شىء خط بالكوفة، وبنى حين عزموا على البناء المسجد، فاختط ثم قام رجل شديد النزع، فرمى عن يمينه ومن بين يديه ومن خلفه وعن شماله، وأمر من شاء أن يا بنى وراء مواقع تلك السهام، وبنوا لسعد دارا بحياله، بينهما الطريق، وجعل فيها بيوت الأموال، وهى قصر الكوفة اليوم، وبنى سعد فى الذى خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيته، ثم إن بيت المال نقب عليه منه، فأخذ منه المال.
وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن، فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جانب الدار، واجعل الدار قبالته، فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل، وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراع بنيانه، فقال له دهقان من أهل همذان، يقال له روزبة بن بزرجمهر: أنا أبنيه لك، وأبنى لك قصرا وأصلهما، ويكون بنيانا واحدا، فخط قصر الكوفة على ما خط عليه، ثم أنشأه من بعض آجر قصر كان للأكاسرة فى ضواحى الحيرة على مساحته اليوم، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال، وكان بنيانه على أساطين من رخام، كانت لكنائس لكسرى بغير مجنبات، فلم يزل على ذلك حتى بنى زمن معاوية بنيانه اليوم على يدى زياد.
ولما أراد زياد بناءه دعا بنائين من بنائى الجاهلية، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يزيد من طوله فى السماء، وقال: أشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته، فقال له بناء قد كان بنى لكسرى: لا يجىء هذا إلا بأساطين من جبال الأهواز، تنقر ثم تثقب، وتحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا فى السماء ثم تسقفه، ثم تجعل له مجنبات ومواخر، فيكون أثبت له، فقال: هذه الصفة التى كانت نفسى تنازعنى إليها ولم تعبرها.
قال عطاء مولى إسحاق بن طلحة: كنت أجلس فى المسجد الأعظم من قبل أن يبنيه زياد، وليست له مجنبات ولا مواخر، فأرى منه دير هند وباب الجسر.
وذكر الطبرى «1» عن المدائنى أن عمر بن الخطاب وجه عتبة بن غزوان إلى البصرة
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 590) .
(2/536)

سنة أربع عشرة، وذكر عن الشعبى قال: قتل مهران فى صفر سنة أربع عشرة، فقال عمر لعتبة: قد فتح الله على إخوانكم الحيرة وما حولها، وقتل عظيم من عظمائها، ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس، فأنا أريد أن أوجهك إلى أرض الهند، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند، لتمنع أهل ذلك الحيز من إمداد إخوانهم على إخوانكم وتقاتلهم، لعل الله أن يفتح عليكم، فسر على بركة الله، واتق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصل الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله.
فأقبل عتبة فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وضوى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادى، فقدم البصرة فى خمسمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا.
وذكر من طريق آخر «1» أنه دقمها فى ثلاثمائة، فملا رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إن أمير المؤمنين أمرنى أن أنزل أقصى البر من أرض العرب، وأدنى أرض الريف من أرض العجم، فهذا حيث وجب علينا طاعة إمامنا، فنزل الخريبة.
وفى حديث الشعبى «2» : وليس بها، يعنى بالبصرة، يومئذ إلا سبع دساكر، فكتب إلى عمر، ووصف له منزله، فكتب إليه عمر: أجمع الناس موضعا واحدا ولا تفرقهم، وأقام عتبة أشهرا لا يغزو ولا يلقى أحدا.
وفى حديث آخر «3» : أن عتبة أقبل بمن كان معه حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان، قالوا: هذه البصرة، فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فإذا حلفاء وقصب نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفرات، فأتى فقيل له: إن هاهنا قوما معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل فى أربعة آلاف أسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى، اجعلوا فى أعناقهم الحبال، وأتونى بهم، فجعل عتبة يوجل ويقول: إنى شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعنى فكان لا يقاتل حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، حتى إذا زالت الشمس، قال عتبة لأصحابه: احملوا، فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، إلا صاحب الفرات، أخذوه أسيرا، فقال عتبة: ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا، وكان يوم عكاك، فرفعوا له منبرا، فقام يخطب، فقال: إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة الإناء، ألا وأنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 594) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 591) .
(3) انظر: الطبرى (3/ 591، 592) .
(2/537)

بحضرتكم، ولقد ذكر لى: أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا، ولتملأنه، أفعجبتم! ولقد ذكر لى أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وله كظيظ من الرخام، ولقد رأيتنى وإنى لسابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بينى وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجربون الأمراء بعدنا.
وفى بعض ما ذكره الطبرى «1» من الأحاديث عن مقدم عتبة البصرة، وأنه نزل الخريبة، قال: وبالأبلة خمسمائة من الأساورة يحمونها، وكان مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عتبة، فنزل دار الإجانة، فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسى، وقسامة بن زهير المازنى فى عشرة فوارس، وقال لهما: كونا فى ظهورنا، فتردا المنهزم، وتمنعا من أرادنا من ورائنا، ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها، حتى منحهم الله أكتافهم، وولوا منهزمين، حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياما وألقى الله فى قلوبهم الرعب فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خف لهم، وعبروا إلى الفرات، وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا، فاقتسموا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وولى نافع بن الحارث أقباض الأبلة، فأخرج خمسه ثم قسم الباقى بين من أفاء الله عليه، وكتب بذلك مع نافع بن الحارث.
وقال داود بن أبى هند: أصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائة درهم، فأخذ كل رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدرهمين فى ألفين من العطاء.
وقال الشعبى «2» : شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون، فيهم أبو بكرة، نفيع بن الحارث، وشبل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلوى.
وفى حديث يروى عن عمرة ابنة قيس «3» : أنه لما خرج الناس لقتال أهل الأبلة، وكانوا حيالها، قالوا للعدو: نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: اعبروا إلينا، فأخذوا خشب العشر فأوثقوه، وعبروا، فقال المشركون: لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم،
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 594) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 595) .
(3) انظر: الطبرى (3/ 597) .
(2/538)

فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة، ثم كبروا الثانية، فقامت دوابهم على أرجلها، ثم كبروا الثالثة، فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رؤس تندر، ما نرى من يضربها، وفتح الله على أيديهم المدينة.
وقال سلمة بن المحبق «1» : شهدت فتح الأبلة، فوقع فى سهمى قدر نحاس، فلما نظرت إذا هى ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، وكتب فى ذلك إلى عمر، فكتب: أن تصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها يوم أخذها وهى عنده نحاس، فإن حلف سلمت إليه، وإلا قسمت بين المسلمين. قال: فحلفت فسلمت لى.
قال المثنى بن موسى بن سلمة: فأصول أموالنا اليوم منها.
وقال عباية بن عبد عمرو»
: شهدت فتح الأبلة مع عتبة، فبعث نافعا إلى عمر، وجمع لنا أهل دست ميسان، فقال عتبة: أرى أن نسير إليهم، فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه وأخذ أسيرا، فأخذ قباؤه ومنطقته فبعث بها عتبة مع أنس بن حجية اليشكرى.
قال أبو المليح الهذلى: فسأله عمر: كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس فى البصرة فأتوها.
وعن على بن زيد قال: لما فرغ عتبة من الأبلة جمع له مرزبان دست ميسان، فسار إليه عتبة من الأبلة فقتله، ثم سرح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة، ووفد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلى بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير، فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة، وجمع الميلكان، عظيم من عظماء الأعاجم، للمسلمين، فخرج إليه المغيرة، فلقيه بالمرغاب «3» ، فظفر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ فقال: مجاشع بن مسعود، قال:
تستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟ تدرى ما حدث؟ قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عتبة فى الطريق، واستعمل عمر المغيرة.
وفى رواية أن أهل ميسان هم الذين جمعوا، فلقيهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعد أن شخص عتبة إلى عمر أثر ما قتل مرزبان دست ميسان.
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 596) .
(2) انظر: الطبرى (3/ 595) .
(3) المرغاب: موضع نهر بالبصرة. انظر: معجم البلدان (5/ 107) .
(2/539)

وذكر الطبرى بسنده عن قتادة قال: جمع أهل ميسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلف الأثقال، فلقيهم دون دجلة، فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم، فاعتقدت لواء من خمارها، واتخذ النساء من خمرهن رايات، وخرجن يردن المسلمين، فانتهين إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلما رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا، واتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم عدة.
أردة بنت الحارث بن كلدة: هذه كانت تحت شبل بن معبد البجلى، وكانت أختها صفية عند عتبة بن غزوان، فلما ولى عتبة البصرة، انحدر معه أصهاره، أبو بكرة ونافع وشبل، وانحدر معهم زياد، فلما فتحوا الأبلة لم يجدوا قاسما يقسم بينهم، فكان زياد قاسمهم، وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجروا عليه كل يوم درهمين.
قال الطبرى: وكان ممن سبى من ميسان يسار أبو الحسن البصرى، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان.
والأخبار فى شأن هذين المصرين يوهم ظاهرها الاختلاف المتباين فى وقت عمارة المسلمين لهما، فأكثرها على أن ذلك كان بعد المدائن، وبعد جلولاء، وقد ذكرنا ما ذكر الطبرى فى بعض ما أورده، أن عمر وجه الناس مع عتبة إلى البصرة فى سنة أربع عشرة، وهذا يقتضى أنه قبل القادسية، فضلا عن المدائن، وكذلك ذكر المدائنى من حديث حميد بن هلال، أن خالد بن عمير العدوى حدثه قال: لما كان أيام القادسية، كتب إلينا أهل الكوفة يستمدوننا، فأمدهم أهل البصرة بألف وخمسمائة راكب، كنت فيهم، فقدمنا على سعد بالقادسية وهو مريض، وذكر بقية الحديث.
ولعل نزول المسلمين بهذين الموضعين كان متقدما على تمصيرهما وبنيانهما بزمان، ومع ذلك فلا يرتفع الخلاف فى ذلك بين الأخبار كل الارتفاع، والله تعالى أعلم.
وكان عمر، رضى الله عنه، قد أمر سعدا بعد ما وجهه إلى العراق أن يجعل الناس أعشارا، فلما كان بعد ذلك رجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد إلى عمر فى تعديلهم، فكتب إليه: أن عدلهم، فأرسل سعد إلى قوم من نساب العرب وعقلائهم وذوى الرأى منهم، كسعيد بن نمران، ومشعلة بن نعيم، فعدلوهم أسابعا، فلم يزالوا كذلك عامة إمارة معاوية حتى ولى زياد فربعهم.
(2/540)

ذكر الجزيرة، وذكر السبب الذى دعا عمر إلى الأمر بقصدها «1»
وذلك أن هرقل أغزى حمص فى البحر بعد أن غلب عليها المسلمون، واستمد أهل الجزيرة على أبى عبيدة ومن فيها من المسلمين، فأجابوه، وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا، سوى أمداد قنسرين من تنوخ وغيرهم، فبلغوا من المسلمين كل مبلغ، فضم أبو عبيدة مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حمص، وخندقوا عليها، وكتبوا إلى عمر واستصرخوه، وكان عمر، رضى الله عنه، قد اتخذ فى كل مصر على قدرها خيولا من فضول أموال المسلمين، عدة لما يعرض، فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس يشتيها فى قبلة قصر الكوفة وميسرته، بمكان يسمى لأجل ذلك الآرى، ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة، مما يلى العاقول، فسمته الأعاجم: آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء.
وكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلى فى نفر من أهل الكوفة، يصنع سوابقها، ويجريها فى كل يوم، وبالبصرة نحو منها، وقيمه عليها جزء بن معاوية، وفى كل مصر من الأمصار على قدره، فلما وقع إلى عمر كتاب أبى عبيدة يستصرخه، كتب إلى سعد بن أبى وقاص: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو، وسرحهم من يومهم الذى يأتيك فيه كتابى إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم فى الجد والحث.
وكتب إليه أيضا: أن سرح سهيل بن عدى إلى الجزيرة فى الجند، وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وإن أهل قرقيسيا لهم سلف، وسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، ثم لينفضا حران والرها، وسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وسرح عياض بن غنم، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض، فمضى القعقاع فى أربعة آلاف من يومهم الذى أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، وحديثهم مذكور فى أمر حمص من فتح الشام، وإنما أعيد منه هنا هذا القدر تطريقا لحديث الجزيرة وتمهيدا له.
وخرج عياض بن غنم، وأمراء الجزيرة، فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها، فتوجه كل أمير إلى الكورة التى أمّر عليها، ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص أن الجنود قد خرجت من الكوفة، ولم يدروا، الجزيرة يريدون أم حمص؟
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 50) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 76) ، الكامل لابن الأثير (2/ 372- 379) .
(2/541)

تفرقوا إلى بلدانهم خوفا عليها، وخلوا الروم، فأتى سهيل بن عدى حتى انتهى إلى الرقة، وقد حصر فيها أهلها الذين ارفضوا عن حمص، فنزل عليهم، وأقام محاصرهم حتى صالحوه، وذلك أن قالوا فيما بينهم: إنكم بين أهل العراق وأهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء؟ فبعثوا إلى عياض، وهو فى منزل واسط بالجزيرة، فقبل منهم وعقد لهم عن أمرة سهيل بن عدى.
وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل، عبر إلى بلد ثم أتى نصيبين، فلقوا بالصلح، وصنعوا كما صنع أهل الرقة، وخافوا مثل الذى خافوا، فعقد لهم عبد الله عن أمر عياض، وأجروا ما أخذوه عنوة من الرقة ونصيبين، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة، ضم عياض سهيلا وعبد الله إليه، فسار بالناس إلى حران، فأخذ ما دونها، فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية، فقبل منهم، وأجرى من أجاب بعد غلبته مجرى أهل الذمة، ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، فقبل ذلك عياض منهم، وأجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا وأيسره فتحا.
وقال سهيل بن عدى فى ذلك:
وصادمنا الفرات غداة سرنا ... إلى أهل الجزيرة بالعوالى
ولم نثن الأعنة حين سرنا ... بجرد الخيل والأسل النهال
فأجهضنا الأولى قادوا لحمص ... وقد منوا أمانى الضلال
أخذنا الرقة البيضاء لما ... رأينا الشهر لوح بالهلال
وأزعجت الجزيرة بعد خفض ... وقد كانت تخوف بالزوال
وصار الخرج صافية إلينا ... بأكناف الجزيرة عن تغال
وقال فى ذلك عبد الله بن عتبان:
ألا من مبلغ عنى بجيرا ... فما بينى وبينك من بعاد
فإن تقبل تلاق العدل فينا ... وتنسى ما عهدت من الجهاد
وإن تدبر فما لك من نصيب ... نصيبى فيلحق بالعباد
وقد ألقت نصيبين إلينا ... سواد البطن بالخرج السداد
لقد لقيت نصيبين الدواهى ... بدهم الخيل والجرد الوراد
ونفست الجياد عن أهل حمص ... جنود الروم أصحاب الفساد
(2/542)

وعاين عامر منهم عديدا ... ودهما مثل سائمة الجراد
وخرج الوليد بن عقبة «1» حتى قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا أياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بكليتهم، فاقتحموا أرض الروم، فكتب الوليد بذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إلى ملك الروم: إنه بلغنى أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فو الله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك. فأخرجهم ملك الروم، فتم منهم على الخروج أربعة آلاف، وخنس بقيتهم، فتفرقوا مما يلى الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل أيادى فى أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف، وأبى الوليد أن يقبل من بنى تغلب إلا الإسلام، وكتب فيهم إلى عمر، فأجابه: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا، وأقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على أن لا ينصروا وليدا، ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، وأبى بعضهم إلا الجزاء، ورضى منهم بما رضى به من العباد وتنوخ.
وفى حديث عن أبى سيف التغلبى «2» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عاهد وفد بنى تغلب على أن لا ينصروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر قال مسلموهم: لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التى تأخذونها من أموالهم، فإنهم يغضبون من ذلك الجزاء على أن لا ينصروا وليدا إذا أسلم آباؤهم، فخرج وفدهم فى ذلك إلى عمر، رحمه الله.
ولما بعث الوليد إليه برؤس النصارى وبديانيهم، فأمرهم عمر بأداء الجزية، قالوا له:
أبلغنا مأمننا، فو الله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم، وو الله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، والله لتؤدنها وأنتم صغرة قمأة، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسميه جزاء، فقال: أما نحن فنسميه الجزاء، وسموه أنتم ما شئتم. فقال له على بن أبى طالب وأصغى إليه عمر: يا أمير المؤمنين، ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى،
__________
(1) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (6/ 24) ، الجرح والتعديل (9/ 8) ، تاريخ ابن عساكر (17/ 434) ، تذهيب التهذيب (4/ 138) ، البداية والنهاية (8/ 214) ، العقد الثمين (7/ 398) ، تهذيب التهذيب (11/ 142) ، أسد الغابة ترجمة رقم (5475) ، الإصابة ترجمة رقم (9167) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 56) .
(2/543)

قال: فرضى به منهم جزاء ورضى القوم بذلك، فبنو تغلب تسمى جزيتهم صدقة، وأما تنوخ فلم تبال أى ذلك كان، فهم يسمونها الجزية، وكان فى بنى تغلب عز وامتناع، فلا يزالون ينازعون الوليد فيهم بهم ويقول:
إذا ما عصبت الرأس منى بمشوذ ... فغيك منى تغلب ابنة وائل
وبلغت عمر، رحمه الله، فخاف أن يخرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم، فعزله وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملى.
ذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير «1»
ذكر سيف عن شيوخه، قالوا «2» : لما انهزم الهرمزان بالقادسية، جعل وجهه إلى أمته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان يغير على ميسان ودست ميسان من وجهين، من مناذر ونهرتير، فاستمد عتبة بن غزوان سعدا، فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يكونا بين أهل ميسان ودست ميسان وبين نهرتير، ووجه عتبة، سلمى بن القين وحرملة بن مريطة الحنظليين، فنزلا على حدود أرض ميسان ودست ميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا بنى العم بن مالك، فخرج إليهم غالب الوائلى وكليب بن وائل الكلبى، فتركا نعيما ونعيما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما منزل، فإذا كان يوم كذا فانهدوا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر، والآخر بنهرتير، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شىء إن شاء الله.
فلما «3» كانت ليلة الموعد، خرج سلمى وحرملة صبيحتها فى تعبئة، وأنهضا نعيما، ونعيم وسلمى على أهل البصرة، ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة، فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهرتير فاقتتلوا، فبينا هم فى ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأخذ مناذر ونهرتير، فكسر الله فى ذرعه وذرع جنده، وهزمه وإياهم، فقتل المسلمون منهم ما شاؤا وأصابوا ما شاؤا، واتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بينه وبين المسلمين، ورأى الهرمزان ما لا طاقة له به،
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 72- 77) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 82، 83) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 72، 73) .
(3) انظر: الطبرى (4/ 74) .
(2/544)

فطلب الصلح وكتبوا إلى عتبة يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجان قذق، ما خلا نهرتير ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنا لا نرد عليهم ما تنقذنا.
وجعل عتبة على مناذر سلمى بن القين مسلحة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهرتير، وأمرها إلى كليب، فكانا على مسالح البصرة، وهاجرت طوائف بنى العم، فنزلوا البصرة، وجعلوا يتبايعون على ذلك، وكتب عتبة بذلك إلى عمر، رحمه الله، ووفد وفدا منهم سلمى وحرملة، وأمرهما أن يستخلفهما على عمليهما وغالب وكليب، ووفد يومئذ من البصرة وفودا، فأمرهم عمر أن يرفعوا حوائجهم، فكلهم قال: أما العامة فأنت صاحبها، فلم يبق إلا خواص أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، إنه لكما ذكروا، ولقد يغرب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالى فيما غاب عنه بأعين أهل الخير، ويسمع بآذانهم، وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا فى مثل حدقة البعير الغاسقة، من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم غضة، لم تخضد، وإنا معاشر أهل البصرة نزلنا بسبخة هشاشة زعقة نشاشة، طرف لها فى الفلاة، وطرف لها فى البحر الأجاج، يجر إليها ما جر فى مثل مرىء النعامة، دارنا مفعمة، ووظيفتنا ضيقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وفقيرنا صغير، وقد وسع الله علينا، وزادنا فى أرضنا، فوسع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة، تطوف علينا، ونعيش بها.
فنظر عمر إلى منازلهم التى كانوا بها، إلى أن صاروا إلى الحجر، فنفلهموها، وأقطعهم إياها، وكان ذلك مما كان لآل كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان آل كسرى فى أرض البصرة على حال ما كان فى أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا، ويقتسمونه بينهم، لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى، بعد ما يرفعون خمسه إلى الوالى. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين، نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع، وكان أصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا، فألحق عمر أعدادهم بأهل البصرة، حتى ساواهم بهم، ألحق جميع من شهد الأهواز، ثم قال: هذا الغلام سيد أهل البصرة، يعنى الأحنف، وكتب إلى عتبة أن يسمع منه، ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهرتير، فكانوا عدة فيها لما يعرض.
(2/545)

حديث فتح الأهواز ومدينة سرق
واتصل ما بين أهل البصرة وبين أهل ذمتهم، على ما ذكر، إلى أن وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب فى حدود الأرضين اختلاف، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبا وكليبا محقين، والهرمزان مبطلا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان، ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جنده، وكتبوا ببغيه وكفره إلى عتبة، فكتب بذلك إلى عمر، فأمدهم عمر بحرقوص بن زهير السعدى، وكانت له صحبة، وأمره على القتال، وعلى ما غلب عليه. فنهدوا معه، ونهد الهرمزان بمن معه حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز عبر الهرمزان فوق الجسر، بعد أن خيرهم، فقالوا له: اعبر، فاقتتلوا هنالك، فهزم الله الهرمزان، ووجه نحو رامهرمز، وافتتح حرقوص سوق الأهواز، فأقام بها، ونزل الجبل، واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة.
وكان عمر، رضى الله عنه، قد عهد إلى حرقوص: إن فتح الله عليهم أن يبعث جزء بن معاوية فى أثر الهرمزان، وهو متوجه إلى رامهرمز، فما زال يقاتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر، وأعجزهم بها الهرمزان، فمال منها جزء إلى دورق، ومدينة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها، فأخذها صافية، ودعا من هرب إلى الجزاء والمنعة، فأجابوه، وكتب بذلك كله إلى عمر وإلى عتبة، فكتب عمر، رحمه الله، إلى جزء وإلى حرقوص بلزوم ما غلبا عليه، والمقام حتى يأتيهما أمره، ففعلا، واستأذنه جزء فى عمران ما دثر، فأذن له، فشق الأنهار، وعمر الموات.
ولما نزل الهرمزان رامهمرمز وضاقت عليه الأهواز بالمسلمين، طلب الصلح وراسل فيه حرقوصا وجزآ، فكتب فيه حرقوص إلى عمر، فكتب إليه وإلى عتبة، يأمر بقبول صلح الهرمزان على ما لم يفتتحوا من البلاد، على رامهرمز وتستر والسوس وجندى سابور والبنيان ومهرجان نقذق، فقبل ذلك الهرمزان، وأجابهم إليه، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم عمر، وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه.
وكتب عمر إلى عتبة أن يوفد عليه عشرة من صالحاء جند البصرة، فوفد إليه منهم عشرة، فيهم الأحنف بن قيس، فلما قدموا عليه، قال للأحنف: إنك عندى مصدق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرنى: أظلمت الذمة، ألمظلمة نفروا، أم لغير ذلك؟ فقال: بل لغير مظلمة، والناس على ما تحب، قال: فنعم إذا انصرفوا إلى رحالكم.
(2/546)

وكتب عمر إلى عتبة: أن اصرف الناس عن الظلم، واتقوا الله، واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى، فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم، فأوفوا بعهد الله، وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا.
وبلغ عمر، رحمه الله، أن حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل كئود يشق على من رامه، فكتب إليه: بلغنى أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه إلا على مشقة، فأسهل ولا تشقن به على مسلم ولا معاهد، وقم فى أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا، ولا تدركنك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك وتذهب آخرتك.
ذكر غزو المسلمين أرض فارس «1»
قالوا «2» : وكان المسلمون بالبصرة وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز على ما هم عليه، ما غلبوا عليه منها ففى أيديهم، وما صلحوا عليه ففى أيدى أهله يؤدون الخراج، ولا يدخل عليهم، ولهم الذمة والمنعة، وعميد الصلح الهرمزان. وقد قال عمر، رحمه الله:
حسبنا أهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا، كما قال لأهل الكوفة: وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم.
وكان العلاء بن الحضرمى على البحرين، رده إليها عمر بعد أن عزله عنها بقدامة بن مظعون، وكان العلاء يناوئ سعد بن أبى وقاص لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد فى الردة بالفضل، فلما ظفر سعد بالقادسية، وأزاح الأكاسرة، واستعلى بأعظم مما كان جاء به العلاء، أسر العلاء أن يصنع شيئا فى الأعاجم، ورجاء أن يدال كما قد كان أديل، ولم يقدر العلاء، ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة وفضل المعصية وعواقبها، فندب أهل البحرين إلى أهل فارس، فتسرعوا إلى ذلك، ففرقهم أجنادا، على أحدها الجارود بن المعلى، وعلى الآخر السوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وهو مع ذلك على جماعة الناس، فحملهم فى البحر إلى فارس بغير إذن عمر،
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 79- 83) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 376- 279) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 79) .
(2/547)

وكان عمر، رحمه الله، لا يأذن لأحد فى ركوبه غازيا، يكره التغرير بجنده استنانا بالنبى صلى الله عليه وسلم وبأبى بكر، إذ لم يغزيا فيه أحدا.
فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا فى اصطخر، وبإزائهم أهل فارس، قد اجتمعوا على الهربذ، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد فى الناس، فقال: إن الله إذا قضى لأحد أمرا جرت به المقادير حتى يصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم لحربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لمن غلب، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: 45] .
فأجابوه، فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا فى موضع يدعى طاووس، وجعل السوار يحض ويذكر قومه عبد القيس حتى قتل، وقتل الجارود، ويومئذ ولى عبد الله بن المسور والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا. وجعل خليد بن المنذر يقول للمسلمين: انزلوا، فنزلوا فقاتلوا القوم فقتل أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها، ثم خرج المسلمون يريدون البصرة إذ غرقت سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع فى البحر سبيلا، فوجدوا شهرك قد أخذ عليهم الطرق فعسكروا وامتنعوا.
ولما بلغ عمر، رحمه الله، ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش فى البحر، يعنى قبل أن يبلغه ما عرض لهم، ألقى فى روعه نحو من الذى كان، فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه عليه، بتأمر سعد عليه، وقال:
الحق بسعد بن أبى وقاص فيمن قبلك، فخرج نحوه بمن معه.
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: أن العلاء بن الحضرمى حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصانى، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم ألا ينصروا وأن يغلبوا وينشبوا، فاندب الناس إليهم، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا، فندب عتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر، فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن ومجزأة بن ثور والأحنف بن قيس وصعصعة بن معاوية وآخرون من رؤس المسلمين وفرسانهم، فخرجوا فى اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبى رهم، أحد بنى مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، والمسالح على حالها بالأهواز والذمة، وهم ردء الغازى والمقيم، فسار أبو سبرة بالناس، وساحل لا يلقاه أحد، ولا يعرض له حتى التقى بخليد وأصحابه بحيث أخذ عليهم الطريق.
وكان أهل اصطخر حيث أخذوا عليهم الطريق وأنشبوهم، استصرخوا عليهم أهل
(2/548)

فارس كلهم، فضربوا إليهم من كل وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، وهو الذى كان أخذ عليهم الطريق غب وقعة القوم بطاووس، فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركون وأصاب المسلمون منهم ما شاؤا، وهى الغزاة التى شرفت بها نابتة البصرة، فكانوا أفضل المصرين نابتة، ثم انكفأوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة وكاتبهم بالحث وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فرجع أهلها إلى منازلهم منها، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقذوا من عبد القيس فى موضع سوق البحرين.
ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس، استأذن عمر فى الحج، فأذن له، فلما قضى حجه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، فدعا الله ثم انصرف، فمات فى بطن نخلة، فدفن بها، ومر به عمر زائرا لقبره، فقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم، وأثنى عليه بالفضل. ومات عتبة وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبى رهم وعماله على حالهم، ومسالحه على نهرتير ومناذر وسوق الأهواز وسرق. وأمّر عمر أبا سبرة على البصرة بقية السنة التى مات فيها عتبة، ثم عزله، واستخلف عبد الرحمن بن سهل، ثم استعمل المغيرة بن شعبة، فعمل عليها بقية تلك السنة التى ولاه فيها والسنة التى تليها، لم ينتقض عليه أحد فى عمله، وكان مرزوق السلامة.
ذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان «1»
ذكر سيف «2» عن أصحابه قالوا: لم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج عنهم، فكتب إليهم وهو بمرو، يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم، أن قد رضيتم يا أهل فارس أن غلبتكم العرب على السواد وما والاه، وعلى الأهواز، ثم لم يرضوا بذلك حتى يوردوكم فى بلادكم وعقر داركم، فخرجوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز، وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة، وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزآ وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب، فكتبوا إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل، وابعث سويد بن مقرن، وعبد
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 83) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 187، 188) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 85- 89) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 83، 84) .
(2/549)

الله بن ذى السهمين، وجرير بن عبد الله الحميرى، وجرير بن عبد الله البجلى، فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتيقنوا أمره.
وكتب إلى أبى موسى، وهو على البصرة: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا، وأمر عليهم سهيل بن عدى، وابعث معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبى رهم، وكل من أتاه فمدد له.
وخرج النعمان بن مقرن فى أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهرتير فجازها، وجاز مناذر، ثم شق الأهواز، وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثم سار نحو الهرمزان، وهو برامهرمز، فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع فى نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأزبك، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله هزم الهرمزان، وأخلى رامهرمز ولحق بتستر، وسار النعمان بن أزبك حتى نزل برامهرمز، ثم صعد لا يذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركها، ورجع إلى رامهرمز، فأقام بها.
وجاء سهل فى أهل البصرة حتى نزلوا سوق الأهواز، فأتاهم بها خبر الوقعة التى أوقعها النعمان بالهرمزان حتى لحق بتستر، فمالوا نحوه من سوق الأهواز، فكان وجههم منها إلى تستر، ومال النعمان إليها من رامهرمز، وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء، فنزلوا جميعا على تستر، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال وأهل الأهواز فى الخنادق، فكتبوا بذلك إلى عمر، رحمه الله، واستمده أبو سبرة فأمده بأبى موسى، فساجلوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل.
وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مبارزة مائة، سوى من قتل فى غير المبارزة، وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وقتل كعب بن سور وأبو تميمة كل واحد منهما مثل ذلك، وهؤلاء فى عدة من أهل البصرة، وفعل مثل ذلك من الكوفيين رجال، منهم حبيب بن قرة، وربعى بن عامر، وعارم بن عبد الأسد، وكان من الرؤساء، فى ذلك، ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون فى أيام
(2/550)

تستر ثمانين زحفا تكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كان فى آخر زحف منها واشتد القتال، قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنهم لنا، فقال البراء بن مالك: اللهم اهزمهم لنا واستشهدنى، فهزمهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم، فأرزوا إلى مدينتهم، فأحاط المسلمون بها.
فبينا هم على ذلك وقد ضاقت المدينة بهم، وطالت حربهم، خرج رجل إلى النعمان فاستأمنه على أن يدله على مدخل يوصل منه إلى المدينة، ويكون منه فتحها، فأمنه النعمان، فقال: انهدوا من قبل مخرج الماء، ورمى رجل آخر غير ذلك الرجل فى ناحية أبى موسى بسهم يستأمنهم فيه على أن يدلهم على ذلك، فأمنوه فى نشابة، فرمى إليهم بأخرى، ودلهم على مخرج الماء، فندب الأميران أصحابهما، فانتدب لأبى موسى كعب ابن سور ومجزأة بن ثور وبشر كثير.
وانتدب للنعمان أيضا بشر كثير، منهم: سويد بن المثعبة، وعبد الله بن بشر الهلالى، فنهدوا، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، وقد تسرب سويد وعبد الله، فاتبعهم الفريقان، حتى إذا اجتمعوا فيها، والناس على رجل من خارج، كبروا فيها، وكبر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب، فاجتلدوا فيها، فأناموا كل مقاتل، وأرز الهرمزان إلى القلعة فأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه وأقبلوا قبله، قال لهم: ما شئتم، قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، وإن معى فى جعبتى مائة نشابة، وو الله لا تصلون إلىّ، ما دامت معى نشابة، وما يقع لى سهم إلا فى رجل، وما خير أسارى إذا أصبت منكم مائة بين قتيل وجريح، قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدى فى أيديكم على حكم عمر يصنع بى ما شاء، قالوا: فذلك لك.
فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، والراجل ألفا. وجاء الرجل الذى خرج بنفسه إلى النعمان، والآخر الذى رمى بالسهم فى ناحية أبى موسى، فقالا للمسلمين: من لنا بالأمان الذى طلبنا علينا وعلى من مال علينا؟ قالوا: ومن مال معكم؟ قالوا: من أغلق عليه بابه مدخلكم، فأجازوا ذلك لهم، وقتل ليلتئذ من المسلمين ناس كثير، منهم مجزأة بن ثور، والبراء بن مالك، قتلهما الهرمزان.
وخرج أبو سبرة من تستر فى أثر الفل، وقد قصد السوس، وأخرج معه النعمان وأبا موسى الهرمزان، حتى نزلوا على السوس، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إلى أبى موسى
(2/551)

برده على البصرة، فانصرف عليها، وأمر عمر على جند البصرة المقترب، وهو الأسود بن ربيعة، وكتب إلى زر بن عبد الله بن كليب الفقيمى أن يسير إلى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، وكان الأسود وزر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين إليه، الوافدين عليه، فقال له الأسود لما وفد عليه: جئت لأقترب إلى الله بصحبتك، فسماه المقترب، وقال له زر: يا رسول الله، فنى بطنى، وكثر إخوتنا، فادع الله لنا، فقال:
«اللهم أوف لزر عمارته» ، فتحول إليهم العدد.
ووفد أبو سبرة وفدا، فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وأرسل الهرمزان معهم، فقدموا مع أبى موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة، حتى إذا دخلوها هيئوا الهرمزان فى هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج، ووضعوا على رأسه تاجا مكللا بالياقوت، كيما يراه عمر والمسلمون فى هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر فى منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس فى المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه فى المسجد فلم يروه.
فلما انصرفوا مروا بغلمان يلعبون، فقالوا لهم: ما تلددكم تريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم فى ميمنة المسجد، متوسد برنسه، وكان عمر، رحمه الله، قد جلس لوفد الكوفة فى برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام، فانطلقوا ومعهم النظارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس فى المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرة فى يده، فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: هو ذا، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه، فقال لهم الهرمزان: أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، فقال: ينبغى له أن يكون نبيا، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس، فاستيقظ عمر، رحمه الله، بالجلبة، فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين بالله، ثم قال: الحمد لله الذى أذل بالإسلام هذا وأشباهه، يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة.
فقال الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شىء، فرمى عنه بكل شىء كان عليه إلا شيئا يستره، وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: هى يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم فى الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا فى الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما
(2/552)

عذرك وما حجتك فى انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلنى قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك. واستسقى ماء، فأتى به فى قدح غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب فى مثل هذا، فأتى به فى إناء يرضاه، فجعلت يده ترعد، وقال: إنى أخاف أن أقتل وأنا أشرب، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه.
فقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لى فى الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال عمر: إنى قاتلك، فقال: قد أمنتنى، قال: كذبت، قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد أمنته، قال: ويحك يا أنس، أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء ابن مالك، والله لتأتين بمخرج وإلا عاقبتك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرنى، وقلت له: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل الهرمزان، وقال: خدعتنى، والله لا أنخدع إلا أن تسلم، فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة.
ويروى أن المغيرة بن شعبة كان الترجمان يومئذ بين عمر وبين الهرمزان إلى أن جاء المترجم، وكان المغيرة يفقه من الفارسية شيئا، فقال له عمر: ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها أحد منكم إلا خب، ولا خب إلا دق، إياكم وإياها، فإنها تنقص الإعراب.
ذكر فتح السوس
والأخبار التى نذكرها بعد ذلك شديدة الخلاف لبعض ما تقدم، وكذلك قال أبو جعفر الطبرى «1» : إن أهل السير اختلفوا فى أمرها. قال: فأما المدائنى فإنه قال: لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان، دعا بخاصته وبالموبذ، فقال: إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه، فما ترون؟ قال الموبذ: نرى أن نخرج فننزل اصطخر، فإنها بيت المملكة، وتضم إليك خزائنك، وتوجه الجنود، فأخذ برأيه، وسار إلى أصبهان ودعا سياه، فوجه ثلاثمائة فيهم سبعون من عظمائهم، وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب، فمضى سياه واتبعه يزدجرد، حتى نزلوا اصطخر وأبو موسى محاصر سوس، فوجه سياه إلى السوس، والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه منزلا تحول عنه حين سار أبو موسى إلى تستر.
فنزل سياه بينها وبين رامهرمز، ودعا الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان، وقد عظم أمر المسلمين عنده، فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 89) .
(2/553)

الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابهم فى إيوانات اصطخر ومصانع الملوك، ويشدون خيولهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلا فلوه، ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه، فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفنى كل رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإنى أرى أن ندخل فى دينهم.
فوجهوا شيرويه فى عشرة من الأساورة إلى أبى موسى، فقدم عليه، فقال: إنا قد رغبنا فى دينكم، فنسلم على أن نقاتل العجم معكم، وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منهم، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشرف العطاء، ويعقد لنا بذلك الأمير الذى هو فوقك، فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، فقال:
لا نرضى.
وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بأمرهم، فأجابه: أعطهم ما سألوك، فكتب لهم أبو موسى، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر، فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا ولا نكاية، فقال لسياه: يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنا نرى، قال: لسنا مثلكم فى هذا الدين، ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامى عنهم، ولم تلحقونا بأشرف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حسر. فكتب أبو موسى إلى عمر فى ذلك، فكتب إليه: أن ألحقهم على قدر البلاء فى أفضل العطاء وأكثر شىء أخذه أحد من العرب. ففرض لمائة منهم فى ألفين ألفين، ولستة منهم فى ألفين وخمسمائة، لسياه وخسرو وابنه مقلاص وشهريار وشهرويه وأفريذون، وإياهم عنى الشاعر بقوله:
ولما رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتى من الأمر أبصرا
فسن لهم ألفين فرضا وقد رأى ... ثلاثمئين فرض عك وحميرا
قال: فحاصروا حصنا بفارس، فمشى سياه فى آخر الليل فى زى العجم حتى رمى بنفسه إلى جانب الحصن، ونضح ثيابه بالدم، وأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا فى زيهم صريعا، فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، وثار فقاتلهم حتى دخلوا عن باب الحصن وهربوا، ففتح الحصن وحده ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، وحاصروا حصنا آخر، فمشى خسرو إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم فكلمه، فرماه خسرو بنشابة فقتله.
(2/554)

أما سيف «1» ، فإنه ذكر بإسناد له قال: لما نزل أبو سبرة فى الناس على السوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشهم مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس من المسلمين، فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون، فقالوا: يا معشر العرب، إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا، أنه لا يفتح السوس إلا الدجال، أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن معكم فلا تعنوا بحصارنا، وجاء صرف أبى موسى إلى البصرة، وعمل مكانه على جندها الذين بالسوس المقترب، والنعمان على أهل الكوفة، فحاصر السوس مع أبى سبرة.
فجاء كتاب عمر بصرف النعمان إلى أهل نهاوند لاجتماع الأعاجم بها، فتهيأ للمسير، ثم استقبل فى تعبئته، فناوش أهل السوس قبل مضيه، فعاد الرهبان والقسيسون، وأشرفوا على المسلمين، وغاظوهم، وصاف ابن صياد يومئذ مع النعمان فى خيله، فأتى باب السوس غضبان فدقه برجله، وقال: انفتح، فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، وتفحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، ونادوا: الصلح الصلح، فأجابهم المسلمون إلى ذلك، بعد ما دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح، ثم افترقوا.
فتح جندى سابور
قالوا «2» : ولما فرغ أبو سبرة من السوس خرج فى جنده حتى ينزل على جندى سابور، وزر بن عبد الله محاصرهم، فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحنهم القتال، فلم يفجأ المسلمين يوما إلا وأبوابها تفتح، ثم خرج السرح، وخرجت الأسواق، وانبث أهلها، فأرسل إليهم المسلمون: أن ما لكم؟ قالوا: رميتم لنا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم الجزاء، على أن تمنعونا، فقال المسلمون: ما فعلنا، فقال أهل جندى سابور: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها، هو الذى كتب لهم أمانا، فرمى به إليهم من عسكر المسلمين، فقالوا: إنما هو عبد، فقال المشركون: إنا لا نعرف حركم من عبدكم، وقد جاءنا أمان، فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدل، فإن شئتم فاغدروا، فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فأجابهم: إن الله عظيم الوفاء، فلا
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 91، 92) .
(2) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 93، 94) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 89) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 387) .
(2/555)

تكونون أوفياء حتى توفوا، ما دمتم فى شك أجيزوهم، وفوا لهم، ففعلوا وانصرفوا عنهم.
وقال عاصم بن عمرو فى ذلك:
لعمرى لقد كانت قرابة مكنف ... قرابة صدق ليس فيها تقاطع
أجارهم من بعد ذل وقلة ... وخوف شديد والبلاء بلاقع
فجاز جواز العبد بعد اختلافنا ... ورد أمورا كان فيها تنازع
إلى الركن والوالى المصيب حكومة ... فقال بحق ليس فيه تخادع
فلله جندى ساهبور لقد نجت ... غداة منتها بالبلاء اللوامع
حديث وقعة نهاوند «1»
والاختلاف فيها بين أهل الأخبار كثير، ولكن الذى ذكره أبو الحسن المدائنى من حديثها أحسن ما وقفت عليه من الأحاديث منساقا، وأطوله اقتصاصا، فلذلك آثرت الابتداء به، وربما أدرجات فى تضاعيفه من حديث غيره ما يحسن إدراجه فيه، ثم أذكر بعد انقضائه ما اختار ذكره من الأخبار التى أوردها سواه عن هذه الوقعة إن شاء الله.
ذكر المدائنى «2» عن رجال من أهل العلم، يزيد بعضهم على بعض: أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، شاور الهرمزان، فقال له: أما إذا فتنى بنفسك فأشر علىّ، أبفارس أبدأ أم بالجبال: أذربيجان وأصبهان؟ قال: فارس الرأس والجبال جناحان، فاقطع الجناحين فلا يتحرك الرأس، قال عمر: بل أقطع الرأس فلا يقوم جسد ولا جناح. فكتب عمر إلى عثمان بن أبى العاص وهو بتوج: أن سر إلى اصطخر، وقدم عليه أبو موسى، فأمره أن يرجع إلى البصرة، ويسير إلى ابن كسرى مع عثمان بن أبى العاص، وقال: كل واحد منكم أمير على جنده، فقدم أبو موسى البصرة، فسار إلى يزدجرد باصطخر، وسار إليه عثمان من توج.
فلما ألحوا على يزدجرد كتب إلى أهل الرى وأهل الجبال: أصبهان وهمدان وقومس،
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 122) ، فتوح البلدان للبلاذرى (ص 371- 376) ، معجم البلدان لياقوت (5/ 313، 314) ، العبر للذهبى (1/ 25) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 105) ، مرآة الجنان لليافعى (1/ 77) .
(2) انظر الرواية فى: الطبرى (4/ 534- 536) ، الأخبار الطوال للدينورى (ص 133- 138) .
(2/556)

أن العرب قد ألحوا علىّ فاشغلوهم عنى، وردوهم إلى بلادهم، فكتب بعضهم إلى بعض:
أن صاحب العرب الذى جاء بدينهم وأظهر أمرهم هلك، وملك بعده رجل لم يلبث إلا قليلا حتى هلك، وإن صاحبهم هذا عمر وطال سلطانه، وأغزى جنوده بلادكم، فليس بمنته حتى تخرجوه من بلادكم وتغزوه فى بلاده، فأجمعوا على ذلك وتمالوا عليه وتعاقدوا، وأنفذوا أن يجتمعوا بنهاوند، وبلغ ذلك أهل الكوفة، فكتبوا به إلى عمر، فخرج يمشى حتى قام على المنبر، فقال: أين المسلمون؟ أين المهاجرون والأنصار؟
فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن عظماء أهل الرى وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند وأهل قومس وأهل حلوان، أمم مختلفة ألوانها وألسنتها وأديانها ومللها، وقد تعاهدوا أن يخرجوا إخوانكم من بلادهم وأن يغزوكم فى بلادكم، فأشيروا علىّ وأوجزوا ولا تطنبوا، فتفشع بكم الأمور.
فقام طلحة، وكان من خطباء قريش وذوى رأيهم ومن علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أمير المؤمنين، قد حنكتك الأمور، وجربتك الدهور، وعجمتك البلايا، وأحكمتك التجارب، فأنت ولى ما وليت، لا ينبثر فى يديك، ولا يحل عليك، فمرنا نطع، واحملنا نركب، وقدنا ننقد، فإنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، وقد أخبرت وخبرت وجربت، فلم ينكشف شىء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار.
قال: تكلموا، فقال عثمان: اكتب إلى أهل الشام أن يسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فليسيروا من يمنهم، وسر نفسك فى أهل الحرمين إلى أهل المصرين، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فيتعال فى عينك ما قد كثر عندك، وتكون أعز منهم، إنك لن تستبقى من نفسك باقية بعد العرب، ولن تمتنع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، وهذا يوم له ما بعده، فاحضرهم برأيك، واشهدهم بمقدرتك.
قال: تكلموا، فقال على بن أبى طالب: يا أمير المؤمنين، إن كتبت إلى أهل الشام فساروا من شامهم أغارت الروم على بلادهم، وإن سار أهل اليمن من يمنهم خلفتهم الحبش فى عيالاتهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت الأرض عليك من أقطارها، حتى يكون ما تخلفه من العورات فى العيالات أهم إليك مما بين يديك، وأما ما ذكرت من مسيرهم فالله لمسيرهم أكره، وهو أقدر على تغيير ما كره، وأما كثرتهم فإنا لم نكن نلق عدونا بالكثرة، ولكنا كنا نلقاهم بالصبر، إنك إن نظر إليك الأعاجم قالوا: هذا أمير العرب، فكان أشد لحربهم وكلبهم، ولكن اكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا على ثلاث فرق، فلتقم فرقة فى ديارهم، وفرقة فى أهل عهدهم، وتسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة.
(2/557)

قال: هذا رأى، وقد كنت أحب أن أتابع عليه، لعمرى لئن سرت بأهل الحرمين ونظر إلىّ الأعاجم لتنقضن الأرض وليمدنهم من لم يمدهم، وليقولن: أمير العرب إن قطعناه قطعنا أصل العرب، فأشيروا علىّ برجل أوليه واجعلوه عراقيا، قالوا: أنت أفضل رأيا وأعلم بأهل العراق، وهم عمالك وقد وفدوا عليك وعرفتهم، قال: لأولينها رجلا يكون لأول أسنة يلقاها، النعمان بن مقرن. وكان النعمان بكسكر قد كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، إنما مثلى ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلون له كل يوم وتعطر، وإنى أذكرك الله إلا بعثتنى فى جيش إلى ثغر غازيا، ولا تبعثنى جابيا.
فندب عمر أهل المدينة، فانتدب منهم جمع، فوجههم إلى الكوفة، وكتب إلى عمار بن ياسر أن يستنفر ثلث أهل الكوفة، وأن يسيروا إلى العجم بنهاوند، فقد وليت عليهم النعمان بن مقرن المزنى، وكتب إلى أهل الكوفة بذلك، وكتب إلى أبى موسى أن يستنفر ثلث أهل البصرة إلى نهاوند، وكتب إلى النعمان: إنى وجهت جيشا من أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة إلى نهاوند، فأنت على الناس ومعك فى الجيش طليحة بن خويلد وعمرو بن معدى كرب، فأحضرهما الناس وشاورهما فى الحرب، فإن حدث بك حدث، فأمير الناس حذيفة، فإن قتل فجرير بن عبد الله، فإن قتل فالمغيرة بن شعبة، فإن قتل فالأشعث بن قيس، وذكر الأشعث فى هذا غريب، فإن المعروف من عمر، رضى الله عنه، أنه لم يستعمل أحدا ممن ارتد، ولكن هذا وقع فى هذا الحديث، والله أعلم.
وبعث عمر بالكتاب مع السائب بن الأقرع بن عوف، وقال له: إن سلم الله ذلك الجند فقد وليتك مغانمهم ومقاسمهم، فلا ترفعن إلىّ باطلا ولا تمنعن أحدا حقه، وإن هلك ذلك الجند فاذهب فلا أرينك أبدا، فقدم السائب الكوفة فيمن نفر من أهل المدينة، وبعث بكتاب أهل البصرة مع عمرو بن معدى كرب فاستنفرهم أبو موسى فنفر ثلثهم، وخرجوا إلى الكوفة عليهم مجاشع بن مسعود، وعلى أهل الكوفة حذيفة بن اليمان، ثم ساروا جميعا مع من قدم من أهل المدينة إلى نهاوند، وسار النعمان بن مقرن فتوافوا بنهاوند، والأعاجم بها ستون ألفا عليهم ذو الفروة، وهو ذو الحاجب، وهم بمكان يقال له: الاستفيذهان بقرية يقال لها: فيديسجان، دون مدينة نهاوند بفرسخين، وقد خندق الأعاجم وهالوا فى الخندق ترابا قد نخلوه، فبعث النعمان طليحة بن خويلد وبكير بن الشداخ، فارس أطلال، ليعلما علم القوم.
فأما بكير فانصرف، فقيل له: ما ردك؟ قال: أرض العجم، ولم يكن لى بها علم
(2/558)

فخفت أن يأخذ علىّ مضيق أو بعض جبالها، ومضى طليحة فأبطأ حتى ساء ظن الناس به، فعلم علمهم ثم رجع فلم يمر بجماعة إلا كبروا، فأنكر ذلك منهم، وقال: ما لكم تكبرون إذا رأيتمونى؟ قالوا: ظننا أنك فعلت كفعلتك. قال: لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم، وأخبر الناس بعدة القوم وكثرتهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وأقام النعمان أياما حتى استجم الناس أنفسهم وظهرهم، فلما كان يوم الأربعاء من بعض تلك الأيام دنا من عسكر المشركين، وقال: إن أمير المؤمنين كتب إلىّ أن لا أقاتلهم حتى أدعوهم، فمن رجل يأتيهم بكتابه؟ ومعه فى عسكره ممن قدم من المدينة عبد الله ابن الزبير وعبد الله بن عمر أو الزبير وابنه عبد الله، فتواكل الناس، فقام المغيرة بن شعبة يتذيل فى مشيته، وكان آدم طويلا ذا ضفيرتين أعور، فأخذ الكتاب فأتاهم، فقال: القوا إلىّ شيئا، فألقوا له ترسا فجلس عليه، فقال الترجمان: ما أقدمكم؟ فذكر ما كانوا فيه من ضيق المعيشة، وقال: كنا أهل جهد وجفاء بين شوك وحجر، ومدر وحية وعقرب، يغير بعضنا على بعض، فأتينا بلادكم فأصبنا مطعما طيبا وشرابا عذبا ولبوسا لينا وطلا باردا، فلسنا براجعين إلى ما كنا فيه حتى نصيب حاجتنا أو نموت.
فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: صدق، فقالوا: إنكم معشر العرب أرجاس أنجاس، وإنما غركم مناخر نبذ جوى الأهواز، وعوران المدائن الذين لقوكم، وإنه ليس ممن ترى إلا فارسى محض أسوار، ولولا فساد الأرض لقتلناكم، فما حاجتكم التى تريدون أن تصيبوها؟ فقرأ عليهم المغيرة كتاب عمر: إنا ندعوكم إلى ما دعاكم الله إليه ورسوله، أن تدخلوا فى السلم كافة، فإن فعلتم فأنتم إخواننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فإن أبيتم الإسلام فالجزية، فإن أبيتم الجزية استنصرنا الله عليكم.
قالوا: الآن حين نقرنكم فى الجبال، فرجع المغيرة، فقال للنعمان: حبست الناس حتى طمحت أبصارهم، أما والله إن لو كنت صاحبها؟ قال: ربما كنت، فلم يخزك الله ولم تخب. ونهض المسلمون للحرب، فأقبل ذو الحاجب على برذون أمام العجم، فقالوا:
انزلوا بالطائر الصالح الذى نصرتم به على الأمم، وتهزمون به العرب، فبرز له رجل من المسلمين فقتله ذو الحاجب، وتهايجوا واقتتلوا حتى كثرت بينهم القتلى والجرحى، ثم تحاجزوا، وغدا المشركون غداة الخميس من غد يجرون الحديد ويسحبون الدروع، وغدا المسلمون على راياتهم فتقدم رجل من العجم قد أعلم بعصابة فيها جواهر أمام أصحابه، فحمل عليه أوفى بن سبرة القشيرى فقتله وسلبه، فنفله النعمان سلبه، وحمل المشركون
(2/559)

فتلقاهم المسلمون فاقتتلوا حتى صبغت الدماء ثنن الخيل وتحاجزوا عند السماء، فبات المسلمون يوقدون النيران، ويعصبون بالخرق، لهم أنين من الجراح، ودوى بالقرآن كدوى النحل، وبات المشركون فى المعازف والخمور وبهم من الجراح مثل ما بالمسلمين.
وأصبحوا يوم الجمعة، فأقبل النعمان معلما ببياض، على برذون قصير، عليه قباء أبيض مصقول وقلنسوة بيضاء مصقولة، فوقف على الرايات فحضهم، وقال: يا معشر المسلمين، إن هؤلاء قد أخطروا لكم أخطارا وأخطرتم لهم أخطارا، أخطروا لكم دنيا، وأخطرتم لهم الإسلام، فالله الله فى الإسلام أن تخذلوه، فإنكم أصبحتم بابا بين المسلمين والمشركين، فإن كسر الباب دخل على الإسلام ليشغل كل امرئ منكم قربه ولا يخلفه على صاحبه، فإنه لوم وخذلان ووهن وفشل، إنى هاز الراية فإذا هززتها فليأخذ الرجال همايينها فى أحقيتها وشسوعها فى نعالها، وليتعهد أصحاب الخيل أعنتها وحزمها، فإذا هززتها الثانية فليعرف كل امرئ منكم مصوب رمحه وموضع سلاحه ووجه مقاتله، فإذا هززتها الثالثة وكبرت فكبروا واستنصروا الله واذكروه، فإذا حملت فاحملوا.
فقال رجل من أهل العراق: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، فنحن واقفون عند قولك، منتهون إلى رأيك، فأى النهار أحب إليك؟ أوله أم آخره؟ قال: آخره حين تهب الرياح، وتحل الصلاة وينزل النصر لمواقيت الصلاة، فأمهل الناس حتى إذا زالت الشمس، هز الراية فقضى الناس حوائجهم وشدت الرجال مناطقها، ونزع أصحاب الخيل المخالى عن خيلهم وقرطوها أعنتها وشدوا حزمها وتأهبوا للحرب، ثم أمهل حتى إذا كان فى آخر الوقت هزها فصلى الناس ركعتين وجال أصحاب الخيل فى متونها وصوبوا رماحهم فوضعوها بين آذان خيولهم، وأقبلت الأعاجم على براذينهم عليهم الرايات المدبجة، والمناطق المذهبة، ووقف ذو الحاجب على بغلة، فلقد رأى الأعاجم وهم فى عدتهم وإن لأقدامهم فى ركبهم لزلزلة، وإن الأسوار ليأخذ النشابة فما يسدد الفوق للوتر وما يتمالك أن يضعها على قوسه.
فقال النعمان: يا معشر المسلمين، إنى هاز الراية وحامل فاحملوا، ولا يلوى أحد على أحد، وإن قيل قتل النعمان، فلا يلوين علىّ أحد، وأنا داع بدعوة فعزمت على كل رجل منكم إلا أمن، ثم قال: اللهم اعط النعمان اليوم الشهادة فى نصر المسلمين، وافتح عليهم، ثم نثل درعه، وهز الراية وكبر، فكبر الأدنى فالأدنى ممن حوله حتى غشيهم التكبير من السماء، وصوب رايته كأنها جناح طائر، وحمل وحمل الناس، فكان أول
(2/560)

صريع رحمه الله، ومر به معقل بن يسار فذكر عزمته: ألا يلوى أحد علىّ، فجعل علما عنده، ومر أخوه سويد بن مقرن أو نعيم، فألقى عليه ثوبا لكى لا يعرف، ونصب الراية وهى تقطر دما، قد قتل بها قبل أن يصرع، وسقط ذو الحاجب عن بغلته فانشق بطنه، وانهزم المشركون، فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا.
فقال بعض من حضر ذلك اليوم: إنى لفى الثقل فثارت بيننا وبين القوم عجاجة قسطلانية، فجعلت أسمع وقع السيوف على الهام، ثم كشفت، فإذا المسلمون يتبعونهم كالذباب يتبع الغنم، فاتبعتهم طائفة من المسلمين حتى دخلوا مدينتهم، ثم رجعوا، وحوى المسلمون عسكرهم، ورجع معقل بن يسار إلى النعمان بعد انهزام المشركين ومعه أدواة فيها ماء فغسل التراب عن وجهه، فقال: من أنت؟ قال: معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر.
وفاضت نفسه، فاجتمع الناس وفيهم ابن الزبير وابن عمر، فأرسلوا إلى أم ولده، فقالوا:
أعهد إليك عهدا؟ فقالت: هاهنا سفط فيه كتاب، فأخذوه فإذا كتاب عمر إلى النعمان:
إن حدث بك حدث فالأمير حذيفة، فإن قتل ففلان، فإن قتل ففلان.
فتولى أمر الناس حذيفة، فأمر بالغنائم فجمعت، ثم سار إلى مدينة نهاوند وقد حملت الغنائم إلى عسكرهم، وحصر أهل المدينة وقاتلوهم، فبيناهم يطاردونهم إذ لحق سماك بن عبيد عظيما من عظمائهم يقال له: دينار، فسأله الأمان، فأمنه وأدخله على حذيفة، فصالحه عن البلد على ثمانمائة ألف وشىء من العسل والسمن، وقال: إن لكم لوفاء بالعهد، وأخاف عليكم خمسة أشياء: الخب والبخل والغدر والخيلاء والفجور، وأخاف أن يأتيكم الخب من قبل النبط، والخيلاء من قبل الروم، والبخل من قبل فارس، والفجور والغدر من قبل أهل الأهواز، وأتى السائب بن الأقرع دهقان وقد جمعت الغنائم، فقال له: أتؤمننى على دمى ودماء قرابتى وأدلك على كنز النخيرجان؟ ثم تجلبوا عليه فى الحرب فيقسم وتجرى عليه السهام، ولم يحرزوه بجزية أقاموا عليها، وإنما هو دفين دفنوه وفروا عنه، فتأخذه لصاحبكم، يعنى عمر رضى الله عنه، تخصه به.
قال: أنت آمن إن كنت صادقا، قال: فانهض معى، فنهض معه فانتهى به إلى قلعة، فرفع صخرة ودخل غارا فاستخرج سفطين، فإذا قلائد منظومة بالدرر والياقوت وقرطة وخواتم وتيجان مكللة بالجوهر، فأمنه ثم أتى به حذيفة فأخبره، فقال: اكتمه، فكتمه حتى قسم الغنائم بين الناس وعزل الخمس، ثم خرج السائب مسرعا فقدم على عمر، فقال له عمر: ما وراءك؟ فو الله ما نمت هذه الليلة إلا تغررا، وما أتت علىّ ليلة بعد الليلة
(2/561)

التى أصبح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميتا أعظم من هذه الليلة، قال: أبشر بفتح الله وحسن قضائه لك فى جنودك، ثم اقتص الخبر حتى انتهى إلى قتل النعمان، فقال: إنا لله، يرحم الله النعمان، ثم مه، قال: ثم والله ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه، قال: لا أم لك ولا أب، قتل الضعفاء الذين لا يعرفهم عمر ابن أم عمر، وأكب طويلا وبكى، ثم قال:
أصيبوا بمضيعة؟ قال: لا، ولكن أكرمهم الله بالشهادة، وساقها إليهم، فقال: ويحك، أغلبتم على أجساد إخوانكم أم دفنتموهم؟ قال: دفناهم، قال: فأعطيت الناس حقوقهم؟
قال: نعم.
قال: فنهض عمر فأخذ السائب بثوبه وقال: حاجة، قال: ما حاجتك إذ أعطيت الناس حقوقهم؟ قال: حاجة لك وإليك، فجلس، فجر السائب الغرارة فأخرج السفطين ففتحهما ونظر إلى ما فيهما كأنه النيران يشب بعضها بعضا، فقال عمر: ما هذا؟
فأخبره، فدعا عليا وعبد الله بن أرقم وغيرهما، فختموا على السفطين وقال له: اختم معهم، فختمه، وقال لعبد الله بن أرقم: ارفعه، ورجع السائب، فرأى عمر ليالى كالحيات يردن نهشه، فسرح رجلا، وكتب إلى السائب: إن صادفك رسولى فى الطريق فلا تصلن إلى أهلك حتى تأتينى، وإن وصلت إلى أهلك فعزمة منى إليك إذا قرأت كتابى أن تشد على راحلتك وتقبل إلىّ، وكتب إلى عمار: لا تضعن كتابى حتى ترحل إلىّ السائب، وأمر الرسول أن يعجله، فقدم الرسول، فقال له السائب: أبلغه عنى شىء أم به علىّ سخطة؟ قال: ما رأيت ذلك ولا أعلمه، بلغه عنك خير ولا شر.
وركب فقدم على عمر، فقال له: يا ابن أم مليكة، يا ابن الحميرية، ما لى ولك أم ما لك ولى، ثكلتك أمك، ما الذى جئتنى به؟ فلقد بت مما جئتنى به مروعا أظن الحيات تنهشنى، أخبرنى عن السفطين، فقال: والله لئن أعدت عليك الحديث فزدت حرفا أو نقصت حرفا لأكذبن، قال: إنك لما انصرفت فأخذت مضجعى لمنامى أتتنى الملائكة، فأوقدوا علىّ سفطيك جمرا ودفعوهما فى نحرى وأنا أنكص وأعاهدهم أن أردهما فأقسمهما على من أفاءهما الله عليه، فكاد ابن الخطاب يحترق، ثم لم أزل مروعا أظن الحيات تنهشنى، فأردد هذين السفطين فبعهما بعطاء الذرية والمقاتلة أو بنصف ذلك، وأقسم ثمنها على من أفاءهما الله عليه.
وقال بعضهم: قال له: بعهما واجعل ثمنهما فى أعطية المسلمين بالبصرة والكوفة، فإن خرج كفافا فذاك، وإن فضل فاجعله فى بيت مال المسلمين.
(2/562)

فقدم السائب بهما فاشتراهما عمرو بن حريث بعطاء الذرية والمقاتلة. وقال بعضهم:
اشتراهما بأعطية أهل المصرين، فباع أحدهما من أهل الحيرة بما أخذهما به، واستفضل الآخر. وقال بعضهم: استفضل مائة ألف دينار، فكان أول مال اعتقده.
قال: وكان النخيرجان تحصن فى قلعة من قلاع نهاوند ومعه مائة امرأة من نساء الأساورة ومعه حلية كثيرة من كنز كسرى، فصالحه حذيفة على ما كان معه، وافتتح حذيفة رساتيق مما يلى أصبهان.
وكان أهل نهاوند قد حفروا خندقا وهالوا فيه ترابا متحولا، فلما انهزموا جعلوا يسقطون فى ذلك الخندق ويغرقون فى ذلك التراب.
وكان يقال لفتح نهاوند: فتح الفتوح.
وذكر المدائنى أيضا، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه، قال: قدمت البصرة فرأيت بها شيخا أصم، فقلت: ما أصابك؟ قال: أنا من أهل نهاوند، فنزل المسلمون، يعنى عند ما نزلوا عليها، فكبروا تكبيرة ذهب سمعى منها.
وذكر الطبرى «1» فيما ذكره من الأخبار المختلفة فى هذه الوقعة، عن سيف، عن أبى بكر الهذلى نحوا من هذا الحديث، وزاد فيه أشياء وخالفه فى أماكن منه، منها أن النعمان بن مقرن عند ما أمّره عمر، رضى الله عنه، على هذه الحرب فى هذا الوجه كان يومئذ بالبصرة ومعه قواد من قواد أهل الكوفة قد أمدّ بهم عمر، رحمه الله، أهل البصرة عند انتقاض الهرمزان، فافتتحوا رامهرمز وايذج، وأعانوهم على تستر وجندى سابور والسوس، فكتب إليه عمر: إنى قد وليتك حربهم، يعنى الأعاجم الذين اجتمعوا بنهاوند، فسر من وجهك هذا حتى تأتى ماه، فإنى قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جندك فسر إلى الفيرزان ومن تجمع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصر الله، وأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإن حدث بك حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن.
وفى حديثه: أنه لما استحث أهل الكوفة كان أسرعهم إلى ذلك الوجه الروادف ليبلوا فى الدين وليدركوا حظا، وأن حذيفة بن اليمان خرج بأهل الكوفة أميرا عليهم بأمر عمر حتى ينتهى إلى النعمان، وخرج معه نعيم بن مقرن حتى قدموا على النعمان بالطرز، وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النسيسر، وكتب عمر، رحمه الله، إلى سلمى بن القين
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 126) .
(2/563)

وحرملة بن مريطة، وزر بن كليب والمقترب بن ربيعة، والقواد الذين كانوا بين فارس والأهواز أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز حتى يأتيكم أمرى، وبعث مجاشع بن مسعود إلى الأهواز، وقال له: أفصل منها على ماه، ففعلوا ما أمرهم به، وقطعوا بذلك على أهل نهاوند أمداد فارس.
وفيه «1» أن النعمان لما أتاه طليحة بخبر نهاوند وأعلمه أنه ليس بينه وبينها أحد ولا شىء يكرهه، وقد توافى إليه أمداد المدينة، نادى عند ذلك بالرحيل، وبعث إلى مجاشع أن يسوق الناس، وسار النعمان على تعبئته، وعلى مقدمته أخوه نعيم، وعلى مجنبتيه أخوه سويد وحذيفة بن اليمان، وعلى المجردة القعقاع، وعلى الساقة مجاشع، فانتهوا إلى الأسبيذهان والفرس به وقوف على تعبئتهم وأميرهم الفيرزان، وقد توافى إليه نهاوند كل من غاب عن القادسية والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلام من أعلامهم ليسوا بدون من شهد الأيام والقوادس.
فلما رآهم النعمان كبر ثلاثا وكبر الناس معه، فزلزلت الأعاجم، وأمر النعمان وهو واقف بحط الأثقال، وبضرب الفسطاط، فضرب وهو واقف، وابتدره أشراف أهل الكوفة وأعيانهم، فسبق إليه عدة منهم سابقوا أكفاءهم فسبقوهم، وهم أربعة عشر رجلا: حذيفة بن اليمان، وعقبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة بن الربيع الكاتب، وابن الهدير، وربعى بن عامر، وعامر بن مطر، وجرير بن عبد الله الحميرى، وجرير البجلى، والأشعث بن قيس، والأقرع بن عبد الله الحميرى، وسعيد بن قيس الهمدانى، ووائل بن حجر، فلم ير بناة فسطاط بالعراق كهؤلاء.
وأنشب النعمان القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس، والحرب بينهم فى ذلك سجال، ثم انحجزوا فى خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله والأعاجم بالخيار، لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فاشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول أمرهم، وأحبوا المناجزة، فتجمع أهل الرأى من المسلمين، وأتوا النعمان فى ذلك فوافقوه وتروى فى الذى رووا فيه، فقال: على رسلكم، لا تبرحوا، ثم بعث إلى من بقى ممن لم يأته من أهل النجدات والرأى فى الحرب، فتوافوا إليه، فتكلم النعمان، فقال: قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنهم لا يخرجون إلا إذا شاؤا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وهم
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 128) .
(2/564)

يرون ما المسلمون فيه من التضايق، فما الرأى الذى به نحمشهم ونستخرجهم إلى المناجزة؟.
فقال بعض المسلمين: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم.
فردوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: إنا لعلى يقين من إنجاز ربنا موعده، فما لنا وللمطاولة حتى لا نجد منها بدا؟.
وتكلم «1» عمرو بن معدى كرب، يومئذ، فلم يوافقهم قوله الذى قال، وردوه عليه.
وقال طليحة: أما أنا فأرى أن نبعث خيلا مؤدية، فيحدقوا بهم، ثم يراموهم ليحمشوهم وينشبوا القتال، فإذا استحمشوا واختلطوا بهم أرزت إلينا خيلنا تلك استطرادا، فإنا لم نستطرد لهم فى طول ما قاتلناهم، وإنا إذا فعلنا ورأوا ذلك منا طمعوا فى هزيمتنا ولم يشكوا فيها، فخرجوا فجادونا وجاددناهم، حتى يقضى الله فينا وفيهم ما أحب.
فأمر «2» النعمان القعقاع، صاحب المجردة، بذلك ففعل، وأنشب القتال، فأنغضهم فلما خرجوا نكص، ثم نكص، ثم نكص، فاغتنمتها الأعاجم، ففعلوا كما ظن طليحة وخرجوا، فلم يبق أحد إلا من يقوم لهم على الأبواب، وجعلوا يركبون القعقاع حتى أرزا إلى الناس، وانقطع القوم من حصنهم بعض الانقطاع، والنعمان والمسلمون على تعبئتهم فى يوم الجمعة وفى صدر النهار، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم، ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمى، وأقبل المشركون عليهم يثفنونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا الناس ذلك بعضهم إلى بعض، ثم قالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما لقى الناس؟ فما تنتظر بهم؟
ائذن للناس فى قتالهم، فقال النعمان: رويدا رويدا، تروا أمركم، فقال المغيرة: لو أن هذا الأمر إلىّ علمت ما أصنع، فقال النعمان: رويدا ترى أمرك، فقد كنت تلى الأمر فتحسن، ولا يخذلنا الله وإياك، ونحن نرجو فى المكث مثل الذى ترجو فى الحث.
وجعل النعمان ينتظر بالكتائب أحب الساعات كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القتال أن يلقى فيها العدو، وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الأرواح. فلما كان قريبا من
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 130) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 130، 131) .
(2/565)

تلك الساعة تحشحش النعمان وسار فى الناس على برذون أحوى قريب من الأرض، فجعل يقف على كل راية فيحمد الله عز وجل ويثنى عليه ويقول: قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هوادى ما وعدكم وصدوره، وإنما بقيت أعجازه وأكارعه، والله منجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، واذكروا ما مضى إذ أنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم اليوم عباد الله حقا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذى لهم فى ظفركم وعزكم، والذى عليهم فى هزيمتكم وذلكم، وقد ترون ما أنتم بإزائه من عدوكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم، فأما ما أخطروا لكم فهذه الزينة وما ترون من هذا السواد، وأما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم، ولا سواء ما أخطرتم وأخطروا، فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم، وأتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء، فإنكم بين خيرين تنتظرون إحدى الحسنيين، من بين شهيد حى مرزوق، أو فتح قريب وظفر يسير، فكفى كل رجل ما يليه ولم يكل قرنه إلى أخيه، فإذا قضيت أمرى فاستعدوا، فإنى مكبر ثلاثا، فإذا كبرت الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية فليجمع عليه رداءه، وليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإنى حامل إن شاء الله، فاحملوا معا، اللهم أعز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك.
وفى رواية «1» إنه قال: اللهم إنى أسألك أن تقر عينى بفتح يكون فيه عز الإسلام وذل يذل به الكفار، ثم اقبضنى بعد ذلك على الشهادة، أمنوا يرحمكم الله، فأمنا وبكينا.
فلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف رجع إلى موقفه، فكبر الأولى والثانية والثالثة، والناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضة ينحى بعضهم بعضا عن سننه، وحمل النعمان وحمل الناس، وراية النعمان تنقض نحوهم انقضاض العقاب، فالتقوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط كانت أشد منها قتالا، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دما، يزلق الناس والدواب، وأصيب فرسان من فرسان المسلمين فى الزلق فى الدماء، منهم النعمان أميرهم، زلق فرسه فى الدماء فصرعه، فأصيب عند ذلك، رحمه الله، وتناول الراية منه قبل أن تقع أخوه نعيم بن مقرن، وسجى النعمان بثوب، وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه، وكان اللواء مع حذيفة.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 132) .
(2/566)

وقال المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لئلا يهن الناس، فاقتتلوا حتى إذا أظلم الليل عليهم انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظون بهم، فعمى على المشركين قصدهم، فتركوه وأخذوا نحو اللهب وهو الخندق الذى كانوا آنزلوا دونه، فوقعوا فيه، فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل منهم فى المعركة، وهم أعداد الذين هووا، ولم يفلت إلا الشريد، ونجا الفيرزان من بين الصرعى فى المعركة، فهرب نحو همدان فى ذلك الشريد، فتبعهم نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع فأدركه حين انتهى إلى ثنية همدان، والثنية مشحونة من بغال وحمير موقورة عسلا، فحبسه على أجله، فقتله على الثنية بعد ما امتنع، لم يزل يتوقل فى الجبل لما غشيه إذ لم يجد مساغا، وتوقل القعقاع فى أثره حتى أخذه، واستاق العسل وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل به، وسميت تلك الثنية بذلك: ثنية العسل. وقال القعقاع فى ذلك:
قولا لأصرام بأكناف الجبل ... بأن لله جنودا من عسل
تقتل أحيانا بأسياف الأجل
ومضى الفلال حتى انتهوا إلى مدينة همدان فدخلوها والخيل فى آثارهم، فنزلوا عليها وحووا ما حولها، فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم على أن يضمن لهم همدان ودستى، وأن لا يؤتى المسلمون منهم، فقبل المسلمون ذلك وأجابوا إليه، وآمنوهم فأقبل كل من كان هرب، ولما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همدان قد أخذت، ونزلها نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخسروشنوم، فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على إتيانه، فخدعهم دينار، وكان ملكا إلا أنه كان دون أولئك الملوك، وأتى إلى المسلمين فى الديباج والحلى، فأعطاهم حاجتهم واحتمل لهم ما أرادوا، فعاقدوه عليهم، ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول فى أمره، فقيل لأجل ذلك: ماه دينار، فنسبت إليه، وذهب حذيفة بها، وكان النعمان بن مقرن قد عاهد بهراذان على مثل ذلك، فقيل: ماه بهراذان، فنسبت إليه لأجل ذلك، ووكل النسير بن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فحاصرها فافتتحها، فنسبت إلى النسير.
وفى غير هذا الحديث «1» أن أهل نهاوند خرجوا ذات يوم على المسلمين فلم يلبثهم المسلمون أن هزموهم، وتبع سماك بن عبيد العنسى رجلا منهم معه نفر ثمانية على أفراس لهم، فبارزهم فلم يبرز له أحد منهم إلا قتله حتى أتى عليهم، ثم حمل الفارسى الذى كانوا معه فأسره سماك وأخذ سلاحه، ووكل به رجلا، فقال: اذهبوا بى إلى
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 135، 136) .
(2/567)

أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض وأؤدى إليه الجزية، واسألنى أنت عن أسارك ما شئت، وقد مننت علىّ إذ لم تقتلنى، وإنما أنا عبدك الآن، وإن أدخلتنى على الملك فأصلحت ما بينى وبينه وجدت لى شكرا، وكنت لى أخا، فخلى سبيله وآمنه، وقال:
من أنت؟ قال: أنا دينار، والبيت يومئذ فى آل قارن، فأتى به حذيفة فحدثه دينار عن نجدة سماك وما قتل، وصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه، فكان بعد يواصل سماكا ويهدى له، ويوافى الكوفة، فقدمها فى إمارة معاوية مرة، فقال للناس: يا معشر أهل الكوفة، إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع: بخل وخب وغدر وضيق، ولم تكن فيكم واحدة منهن، فرمقتكم، فإذا ذلك فى مولديكم، فعلمت من أين أتى ذلك، وإذ الخب من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز.
وقسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة وغيره، ولأهل المسالح جميعا من فىء نهاوند مثل الذى قسم لأهل المعركة؛ لأنهم كانوا ردآ للمسلمين، وكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين، ونفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء، ودفع ما بقى منها إلى السائب، فخرج بها إلى عمر، وتململ عمر، رضى الله عنه، تلك الليلة التى كان قدر لملاقاتهم، وجعل يخرج ويلتمس الخبر، فبينا رجل من المسلمين قد خرج فى بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلا، لحق به راكب فى الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة، فقال له الرجل: يا عبد الله، من أين أقبلت؟ فقال: من نهاوند، فقال: الخبر؟ قال: فتح الله على النعمان واستشهد، واقتسم المسلمون فىء نهاوند، فأصاب الفارس منه ستة آلاف، وطواه الراكب حتى انغمس فى المدينة، فلما أصبح الرجل تحدث بحديثه، ونمى الخبر حتى بلغ عمر، رحمه الله، وهو فيما هو فيه، فأرسل إليه، فسأله فأخبره، فقال: صدق وصدقت، هذا غيثم بريد الجن، وقد رأى بريد الإنس، فقدم بعد ذلك عليه بالفتح طريف بن سهم، أخو ربيعة بن مالك، وقدم السائب على أثره بالأخماس.
وذكر من حديث السفطين قريبا مما تقدم فى الحديث الآخر، إلا أنه ذكر فيه أنه صرف معه السفطين من فوره وقال له: النجاء النجاء، عودك على بدئك حتى تأتى حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليه، وأنه أصاب الفارس منهما لما باعهما حذيفة وقسم ثمنهما أربعة آلاف.
(2/568)

وفى بعض ما ذكره الطبرى «1» عن سيف عن شيوخه أن انبعاث الأعاجم للاجتماع بنهاوند كان بدؤه فى زمان سعد بن أبى وقاص بالكوفة، وإليه بلغ الخبر فأعلم به عمر، ثم انبرى لسعد قوم تشكوا منه ظالمين له إلى عمر، أحدهم الجراح بن سنان الأسدى، فاستقدمه عمر مع محمد بن مسلمة، بعد أن وجه محمدا لسؤال أهل الكوفة عنه، والطواف به على مساجدها، فكلهم يقول إذا سئل: لا نعلم إلا خيرا، ولا نشتهى به بدلا، إلا الجراح وأصحابه فإنهم كانوا يسكتون، يتعمدون ترك الثناء، ولا يسوغ لهم قول الشر، حتى انتهوا إلى بنى عبس، فقال محمد: أنشد الله رجلا علم حقا إلا قاله.
فقال أسامة بن قتادة: اللهم إذ نشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل فى الرعية، ولا يغزو فى السرية. فقال سعد: اللهم إن كان قالها كاذبا رياء وسمعة فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمى، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا غير عليه يقول: دعوة سعد الرجل المبارك.
ثم أقبل سعد يدعو على أولئك النفر الذين انبروا له وخرجوا إلى عمر متشكين به، فقال: اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا وكذبا فأجهد بلاءهم، ففعل الله ذلك بهم، فقطع جراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بن على ليغتاله بساباط، وشدخ قبيصة بالحجارة، وقتل أربد بالوجء وبنعال السيوف. وقال سعد: والله إنى لأول رجل هراق دما فى المشركين، ولقد جمع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه، وما جمعهما لأحد قبلى، ولقد رأيتنى خمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أنى لا أحسن أصلى وأن الصيد يلهينى. وخرج محمد بن مسلمة به وبهم حتى قدموا على عمر، فقال: يا سعد، ويحك! كيف تصلى؟ فقال: أطيل الأوليين، وأحذف الأخريين، فقال: هكذا الظن بك، ثم قال: لولا الاحتياط لكان سبيلهم بيننا، ثم قال: من خليفتك يا سعد على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فأقره عمر واستعمله.
قال «2» : فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها فى زمان سعد، وأما الوقعة ففى زمان عبد الله.
وكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد، فتوافوا إلى نهاوند مائة وخمسين ألف مقاتل، واجتمعوا على الفيرزان، وإليه كانوا توافوا، ثم قالوا: إن محمدا الذى جاء العرب بالدين لم يغرض غرضا، يريدون النبى صلى الله عليه وسلم، قالوا: ثم ملكهم أبو بكر من بعده فلم يغرض
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 120) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 122) .
(2/569)

غرض فارس، إلا فى غارة تعرض لهم فيها، وإلا فيما يلى بلادهم من السواد، ثم ملك عمر فطال ملكه وغرض، حتى تناولكم وانتقضكم السواد والأهواز وأوطأها، ثم لم يرض حتى أتى أهل فارس فى عقر دارهم، وهو آتيكم إن لم تأتوه، وقد أخذ بيت مملكتكم فاقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته حتى تخرجوا من فى بلادكم من جنوده وتقلعوا هذين المصرين، ثم تشغلوه فى بلاده وقراره، فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا، وكتبوا بينهم به كتابا.
وبلغ الخبر سعدا، فكتب به إلى عمر، ثم لقيه بالخبر مشافهة لما شخص إليه، وقال:
إن أهل الكوفة يستأذنونك فى الانسياح إليهم ومبادرتهم الشدة، وكان عمر منعهم من الانسياح فى الجبل، ثم كتب إليه عبد الله بن عبد الله بمن اجتمع منهم، وقال: إن جاؤنا قبل أن نبادرهم الشدة ازدادوا جرأة وقوة، وإن نحن عاجلناهم كان لنا ذلك عليهم، وبعث بكتابه مع قريب بن ظفر العبدى.
فلما قرأ عمر الكتاب قال للرسول: ما اسمك؟ قال: قريب، قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر، فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظفر قريب إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونودى فى الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وحينئذ وافاه سعد، فتفاءل أيضا إلى سعد بن مالك، وقام عمر على المنبر خطيبا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإنى قد هممت بأمر وإنى عارضه عليكم، فاسمعوه ثم أجيبونى وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تكثروا ولا تطلبوا، فتفشع بكم الأمور، ويلتوى عليكم الرأى، أفمن الرأى أن أسير فيمن قبلى ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا واسطا بين المصرين، فأستنفرهم ثم أكون لهم ردآ حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب؟.
فقام عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف فى رجال من أهل الرأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأمرك، وبإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم ومن قد فض جموعهم وقتل ملوكهم وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذا، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فأذن لهم، واندب إليهم، وادع لهم، فقام على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فقال: أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأى، وفهموا ما كتب به إليك، وإن هذا الأمر لم يبن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا لقلة هو دينه الذى أظهر، وجنده الذى أعز وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، ونحن على موعود من الله سبحانه، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم مكان
(2/570)

النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم تجتمع بحذافيره أبدا، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالإسلام، فأقم واكتب إلى أهل الكوفة، فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، ومن لم يحفل بمن هو أجمع من هؤلاء وأحد وأجد فليأتهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم.
فسر عمر، رحمه الله، بحسن رأيهم، وأعجبه ذلك منهم. وقام سعد فقال: خفض عليك يا أمير المؤمنين، فإنهم إنما جمعوا لنقمة نازلة بهم.
وبالوقوف على ما أثبتناه من الأخبار عن هذه الوقعة يعرف ما اتفقت عليه وما اختلفت فيه، وقد حذفنا منها ما قدرنا الاستغناء عن إيراده مما لعل فى بعضه زيادة فى الخلاف.
وذكر المدائنى أن وقعة نهاوند كانت فى سنة إحدى وعشرين، وذكر الطبرى «1» أنها كانت فى أول سنة تسع عشرة لست سنين من إمارة عمر، رضى الله عنه.
وذكر أيضا عن سيف «2» عن شيوخه ما كتب به النعمان بن مقرن من الأمان لأهل ماه بهراذان، وحذيفة لأهل ماه دينار، وكلا الكتابين موافق للآخر لفظا ومعنى، وكتاب النعمان:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى نعمان بن مقرن أهل ماه بهراذان، أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون على ملتهم، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية فى كل سنة إلى من وليهم، على كل حالم فى ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقروا جنود المسلمين ممن مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة، ووفوا ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا، فذمتنا منهم بريئة. شهد عبد الله بن ذى السهمين، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله، وكتب فى المحرم سنة تسع عشرة.
قالوا: وألحق عمر، رضى الله عنه، من شهد نهاوند من الروادف فأبلى بلاء حسنا فاضلا فى ألفين، ألحقهم بأهل القادسية.
وقال القعقاع بن عمرو فى ذلك:
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 114) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 136، 137) .
(2/571)

جذعت على الماهات آناف فارس ... لكل فتى من صلب فارس حادر
هتكت بيوت الفرس لما لقيتهم ... وما كل من يلقى الحروب بثائر
حبست ركاب الفيرزان وجمعه ... على قتر من حرها غير فاتر
هدمت به الماهات والدرب بغتة ... إلى غاية أخرى الليالى الغوابر
وقال أبو بجيد فى ذلك:
لو أن قومى فى الحروب أذلة ... لأخنث عليهم فارس فى الملاحم
ولكن قومى أحرزتهم سيوفهم ... فآبوا وقد عادوا حواة المكارم
أبينا فلم نعط الظلامة فارسا ... ولكن قبلنا عفو سلم المسالم
ونحن حبسنا فى نهاوند خيلنا ... لشر ليال أنتجت للأعاجم
نتجن لهم فينا وعضل سخلها ... غداة نهاوند لإحدى العظائم
ملأنا شعابا فى نهاوند منهم ... رجالا وخيلا أضرمت فى الضرائم
وأركضهن الفيرزان على الصفا ... فلم ينجه منا انفساح المخارم
ذكر الانسياح فى بلاد فارس، وعمل المسلمين به بإذن عمر رضى الله عنه، فيه بعد منعه إياهم، وما تبع ذلك من الفتوح فى بقية خلافته وقتال الترك والديلم وغيرهم «1»
ولم يزل عمر، رضى الله عنه، ينهى المسلمين عن الانسياح فى بلاد فارس، ويأمرهم بالاقتصار على ما فى أيديهم، والجد فى قتال من قاتلهم، نظرا للإسلام واحتياطا على أهله وإشفاقا، ولا يزال أهل فارس يجهدون بعد كل نيل منهم وهزيمة تأتى على جموعهم فى انبعاث جموع أخر، رجاء الاستدراك لما قد أذن الله فى إقامته، والإبقاء من أمرهم لما سبقت المشيئة بزواله واستيلاء الإسلام عليه وعلى سواه، تتميما لنوره، وإنجازا لموعود رسوله الذى أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
وكان بعض أهل الذمة الذين قهرهم الإسلام على الصلح وأقرهم على الجزية ينتقضون عند تحرك أهل فارس، فسأل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وفد أهل البصرة عن ذلك، وهل يفضى المسلمون إلى أهل الذمة بأذى أو بأمور لها ينتقضون؟ فقالوا: لا نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال: كيف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 94- 138) ، فتوح البلدان للبلاذرى (ص 476) .
(2/572)

به ما يقولون، إلا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح فى البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما كان فى أيدينا، وأن ملك فارس حى بين أظهرهم، وأنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شىء إلا بانبعاثهم، وأن ملكهم هو الذى يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فنسيح فى بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وعن أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس.
فقال: صدقتنى والله وشرحت لى الأمر عن حقه، وأذن عمر عند ذلك فى الانسياح، وانتهى إلى رأى الأحنف، وعرف فضله وصدقه، ورأى أن يزدجرد يبعث عليه فى كل عام حربا إن لم يأذن للناس فى الانسياح فى أرض العجم، ورأى أن يزدجرد على ما كان فى يدى كسرى، فوجه عمر، رضى الله عنه، الأمراء من أهل البصرة ومن أهل الكوفة، وأمر على كلا المصرين أمراء، أمرهم بأمره، وأذن لهم فى الانسياح، فانساحوا وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدى حليف بنى عبد الأشهل، فقدم سهيل البصرة بالألوية، فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع ابن مسعود السلمى، ولواء اصطخر إلى عثمان بن أبى العاص، ولواء فسا ودرابجرد إلى سارية بن زنيم الكنانى، ولواء كرمان مع سهيل بن عدى، ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو، ولواء مكران إلى الحكم بن عمرو التغلبى، فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور، وذلك فى سنة سبع عشرة فى بعض ما ذكره الطبرى عن سيف عن شيوخه. قالوا: فلم يستتب مسيرهم حتى دخلت سنة ثمان عشرة.
وذكر الطبرى أيضا، عن سيف أن إذن عمر فى الانسياح إنما كان بعد فتح نهاوند، وهذا لا يكون إلا فى سنة تسع عشرة أو بعدها، على ما ذكرنا من الاختلاف فى فتح نهاوند.
وذكر أيضا أنه قدمت الألوية من عند عمر، رحمه الله، إلى نفر بالكوفة، فقدم لواء منها على نعيم بن مقرن، وأمره بالمسير نحو همدان، وكان أهلها كفروا بعد الصلح الذى تقدم ذكره بعد هزيمة فارس بنهاوند، وقال له: إن فتح الله عليك فما وراءك لك، فى وجهك كذلك إلى خراسان، وبعث عقبة بن فرقد وبكير بن عبد الله، وعقد لهما على أذربيجان وفرقها بينهما، وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حلوان على ميمنتها، والآخر أن يأخذ إليها من الموصل على ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، وتياسر هذا، وبعث إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان بلواء، وأمره أن يسير إلى أصبهان، وكان شجاعا بطلا،
(2/573)

من أشراف الصحابة، ومن وجوه الأنصار، وأمده بأبى موسى من البصرة، وأمّر مكانه على البصرة عمر بن سراقة، وكان عبد الله خليفة سعد على الكوفة عند ما توجه إلى عمر، فأقره عمر مستعملا عليها، ثم صرفه عنها بزياد بن حنظلة، وكتب إليه عند ما أراد توجيهه إلى أصبهان أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن، فاندبهم ولا تنتخبهم، ثم اكتب إلىّ بذلك، فلما أتى عمر انبعاث عبد الله، بعث حينئذ زياد بن حنظلة على الكوفة، فلما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم، أمّر عمار بن ياسر على الكوفة، وقرأ قول الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] .
ويروى أن زيادا ألح على عمر فى الاستعفاء بعد أن عمل قليلا فأعفاه وولى عمارا، وكان زياد من المهاجرين.
ولما بعث عمر، رضى الله عنه، عمارا على الكوفة بعث عبد الله بن مسعود ليعلم الناس، وكتب إلى أهل الكوفة: إنى بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وجعلت عبد الله ابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وفى رواية: ووليت حذيفة بن اليمان ما سقت دجلة وما وراءها، ووليت عثمان بن حنيف الفرات وما سقى.
وسنذكر إن شاء الله الجهات والكور التى عقد عليها عمر، رضى الله عنه، الألوية لمن ذكر قبل من أمرائه جهة جهة وبلدا بلدا، غير متقلدين فى ذلك تاريخا ولا متبرئين فيه من عهدة الخطأ فى تقديم مؤخر أو تأخير مقدم، لكثرة ما بين أهل الأخبار فى ذلك من الاختلاف الذى لا يتحصل معه حقيقة سوى المقصود من صنع الله لأوليائه فى إظهار كلمة الإسلام ونصره إياهم على كل من ناوأهم من الأمم تتميما لأمره وإنجازا لموعوده وتصديقا فى كل زمان ومكان لقوله: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 40] .
ذكر الخبر عن أصبهان «1»
فأما أصبهان، فإن عبد الله بن عبد الله بن عتبان خرج إليها بأمر عمر، رضى الله عنه، وعلى مقدمته عبد الله بن ورقاء الرياحى، وعلى مجنبتيه عبد الله بن بديل بن ورقاء
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 139- 141) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (3/ 8، 9) .
(2/574)

الأسدى، وليس الخزاعى، وعصمة بن عبد الله، وسار عبد الله فى الناس نحو جىّ وقد اجتمع أهل أصبهان عليهم الأستندار، وعلى مقدمته شهربراز جاذويه، شيخ كبير فى جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق من رساتيق أصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد الله بن ورقاء، فقتله وانهزم أهل أصبهان، وسمى المسلمون ذلك الرستاق رستاق الشيخ، فما زال ذلك اسمه بعد.
ودعى عبد الله من يليه فسارع الأستندار إلى الصلح، فصالحه عبد الله، ثم سار من رستاق الشيخ نحو جىّ فانتهى إليها، وبها يومئذ ملك أصبهان الفاذوسفان فى جمعه، فحاصرهم عبد الله، وخرجوا إليه، فلما التقوا، قال له ملكهم: لا تقتل أصحابى ولا أقتل أصحابك، ولكن ابرز إلىّ، فإن قتلتك رجع أصحابك، وإن قتلتنى سالمك أصحابى، وإن كان أصحابى لا تقع لهم نشابة إلا فى رجل، فبرز له عبد الله، وقال: إما أن تحمل علىّ، وإما أن أحمل عليك، فقال: أحمل عليك، فوقف له عبد الله، فحمل عليه الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قربوس السرج فكسره، وقطع اللبد والحزام، وزال اللبد والسرج، فوقع عبد الله قائما، ثم استوى على الفرس عريا، وقال له: اثبت، فحاجزه وقال: ما أحب أن أقاتلك، فإنى قد رأيتك رجلا كاملا، ولكن ارجع معك إلى عسكرك فأصالحك وأدفع المدينة إليك على أن من شاء أقام وأدى الجزية وقام على ماله، وعلى أن تجرى مجراهم من أخذتم ماله عنوة ويتراجعون، ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء ولكم أرضه.
فقال له عبد الله: لكم ذلك، فرجع القوم إلى جىّ، إلا ثلاثين رجلا من أصبهان خالفوا قومهم، فخرجوا فلحقوا بكرمان، ودخل عبد الله وأبو موسى حيا، مدينة أصبهان، وإنما وصل إليه أبو موسى من ناحية الأهواز بعد الصلح، واغتبط من أقام، وندم من شخص.
وكتب عبد الله بالفتح إلى عمر، فأمره أن يلحق بسهيل بن عدى فيجتمع معه على قتال من بكرمان، وأن يستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ففعل عبد الله ما أمره به، وخرج فى جريدة خيل فلحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان، وسيأتى ذكر فتحها بعد إن شاء الله.
والكتاب الذى كتبه عبد الله لأهل أصبهان:
بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من عبد الله للفاذوسفان وأهل أصبهان وما حواليها،
(2/575)

إنكم آمنون ما أديتم الجزية، وعليكم من الجزية على قدر طاقتكم كل سنة تؤدونها إلى الذى يلى بلادكم عن كل حالم، ودلالة المسلم وإصلاح طريقه وقراه يوما وليلة، وحملان الراجل إلى مرحلة، ولا تسلطوا على مسلم، وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم، فإذا غيرتم شيئا أو غيره مغير منكم ولم تسلموه فلا أمان لكم، ومن سب مسلما بلغ منه، فإن ضربه قتلناه. وكتب وشهد عبد الله بن قيس، وعبد الله بن ورقاء، وعصمة بن عبد الله.
ذكر فتح همذان ثانية وقتال الديلم «1»
وقد كان حذيفة اتبع فالة نهاوند نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو، فبلغا همذان فصالحهم خشروشنوم على همذان ودستبى، فرجعوا عنه، ثم إن أهل همذان كفروا بعد ونقضوا ذلك الصلح، فكتب عمر، رحمه الله، إلى نعيم بن مقرن: أن سر حتى تأتى همذان، وابعث على مقدمتك سويد بن مقرن، وعلى مجنبتيك ربعى بن عامر ومهلهل بن زيد، هذا طائى، وذاك تميمى، فخرج نعيم فى تعبئته فسار حتى نزل مدينة همذان وقد تحصنوا، فحاصرهم وأخذ ما بينها وبين جرميذان، واستولى على بلاد همذان كلها.
فلما رأى ذلك أهل المدينة سألوا الصلح، على أن يجريهم ومن استجاب له مجرى واحدا، ففعل، وقبل منهم الجزاء على المنعة، وفرق دستبى بين النفر من أهل الكوفة، بين عصمة بن عبد الله الضبى، ومهلهل بن زيد الطائى، وسماك بن عبيد العبسى، وسماك ابن مخرمة الأسدى، وسماك بن خرشة الأنصارى، فكان هؤلاء أول من ولى مسالح دستبى وقاتل الديلم.
فبينا نعيم فى مدينة همذان فى توطئتها فى اثنى عشر ألفا من الجند تكاتب الديلم وأهل الرى وأهل أذربيجان، ثم خرج موثا فى الديلم حتى ينزل بواج الروذ، وأقبل أبو الفرخان فى أهل الرى، حتى انضم إليه، وأقبل أخو رستم فى أهل أذربيجان حتى انضم إليه، وتحصن أمراء مسلح دستبى وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس، وخرج إليهم فى الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، وقتل القوم مقتلة عظيمة لم تكن دون وقعة نهاوند، ولا قصرت ملحمتهم عن الملاحم الكبار، وقد
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 146- 149) ، الكامل لابن الأثير (3/ 7، 8) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 120- 122) .
(2/576)

كانوا كتبوا إلى عمر، رحمه الله، باجتماعهم، ففزع عمر واهتم لحربهم، وتوقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة، فقال: أبشير؟ فقال: بل عروة، فلما ثنى عليه:
أبشير؟ فهم عنه ما أراد، فقال: بشير، فقال عمر: رسول نعيم؟ قال: رسول نعيم، قال:
الخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر، وأخبره الخبر، فحمد الله، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، فحمد الله تعالى، ثم قدم عليه بالأخماس سماك بن مخرمة، وسماك بن عبيد، وسماك بن خرشة فى نفر من أهل الكوفة، فنسبهم، فانتسبوا له، فقال: بارك الله فيكم، اللهم أسمك بهم الإسلام وأيدهم بالإسلام، ثم كتب إلى نعيم:
أما بعد، فاستخلف على همذان وآمد بكير بن عبد الله بن سماك بن خرشة، وسر حتى تقدم الرى فتلقى جمعهم، ثم أقم بها، فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد.
فأقر نعيم يزيد بن قيس على همذان، وسار بالناس من واج الروذ إلى الرى.
وقال نعيم يذكر قتالهم فى واج الروذ من أبيات:
صدمناهم فى واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى القواصم
فما صبروا فى حومة الموت ساعة ... لجد الرماح والسيوف الصوارم
أصبنا بها موثا ومن لف جمعه ... وفيها نهاب قسمها غير عاتم
تبعناهم حتى أووا فى شعابهم ... نقتلهم قتل الكلاب الحوائم
كأنهم عند انثياب جموعهم ... جدار تشظى لبنه للهوادم
وقال سماك بن مخرمة الأسدى بعد تلك الأيام «1» :
برزت لأهل القادسية معلما ... وما كل من يلقى الكريهة يعلم
وقومى بنو عمرو بن نصر كأنهم ... أسود بتوج حين شبوا وأسلموا
ويوم بأكناف النخيلة قبلها ... لججت فلم أبرح أدمى وأكلم
وأقعص منهم فارسا بعد فارس ... وما كل من يغشى الكريهة يسلم
فنجانى الله الأجل وجرأتى ... وسيف لأطراف المآرب مخذم
وحولى بنو ذودان لا يبرحوننى ... إذا سرحت صاحوا بهم ثم صمموا
وأيقنت يوم الديلميين أنه ... متى ينصرف قومى عن الناس يهزم
محافظة إنى امرؤ ذو حفيظة ... إذا لم أجد مستأخرا أتقدم
__________
(1) انظر الأبيات فى: الطبرى (4/ 149) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 121) .
(2/577)

فتح الرى «1»
وخرج نعيم بن مقرن إلى الرى فلقيه أبو الفرخان مسالما، ومخلفا بالرى يومئذ سياوخش بن مهران بن بهرام، وكان سياوخش قد استمد أهل دنباوند وطبرستان وقرمس وجرجان، وقال: قد علمتم أن هؤلاء إن حلوا بالرى، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهد بهم المسلمين، فالتقوا بسفح جبل الرى الذى إلى جانب مدينتها فاقتتلوا به.
وقد كان أبو الفرخان قال لنعيم: إن القوم كثير وأنتم فى قلة، فابعث معى خيلا أدخل مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم من الليل خيلا عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم المدينة، ولا يشعر القوم، وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم، فانهزموا، فقتلوا مقتلة عدوا فيها بالقصب، وأفاء الله على المسلمين بالرى نحوا من فىء المدائن، وصالح أبو الفرخان نعيما على أهل الرى، فلم يزل بعد شرف الرى فى آله، وسقط آل بهرام، وأخرب نعيم مدينة الرى، وهى التى يقال لها العتيقة، وأمر أبا الفرخان فبنى مدينة الرى الحدثاء، وكتب لهم نعيم كتابا أعطاهم فيه الأمان لهم ولمن كان معهم من غيرهم، على أن على كل حالم من الجزية طاقته فى كل سنة، وعلى أن ينصحوا ولا يغلوا ولا يسلوا، ويدلوا المسلم ويقروه يوما وليلة، ويفخموه، فمن سب مسلما أو استخف به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل، ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غير جماعته.
وراسل عند ذلك نعيما مردانشاه مصمعان نهاوند فى الصلح على شىء يفتدى به من غير أن يسأله النصر والمعونة، ففعل ذلك نعيم، وكتب له به ولأهل موضعه كتابا على أن يتقى من ولى الفرج بمائتى ألف درهم فى كل سنة.
وقال أبو بجيد فى يوم الرى:
ألا هل أتاها أن بالرى معشرا ... شفوا سقما لما استجاشوا وقتلوا
لها موطنان عاينوا الهلك فيهما ... بأيد طوال لم يخنهن مفصل
وخيل تعادى لا هوادة عندها ... وزاد وكمت تمتطى ومحجل
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 150، 151) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 121، 122) ، نهاية الأرب للنويرى (19/ 264- 265) .
(2/578)

ودهم وشقر تنشر البلق بينها ... إذا ناهبت قوما تولوا وأوهلوا
قتلناهم بالسفح مثنى وموحدا ... وصار لنا فيها مداد ومأكل
قتلنا سيا وخشا ومن مال ميله ... ولم ينج منهم بالسفوح مؤمل
جزى الله خيرا معشر عصبوهم ... وأعطاهم خير العطاء الذى ولوا
وقال أيضا:
وبالرى إن سألت بنا أم جعفر ... فمنا صدور الخيل والخيل تنفر
إذا حذر الأقرام منهن قارح ... تفخمه فى الموت أغيد أزهر
أخو الهيج والروعات إن زفرت به ... أناخ إليها صابرا حين يزفر
فتسفر عنها الحرب بعد انصبابها ... وفينا البقايا والفعال المسهر
قتلنا بنى بهرام لما تتابعوا ... على أمر غاويهم وغاب المسور
وبالسفح موتى لا تطير نسورها ... لها فى سواء السفح مثوى ومغبر
ولولا اتقاء القوم بالسلم أقفرت ... بلادهم أو يهربون فيعذروا
خلفناهم بالرى والرى منزل ... له جانب صعب هناك معور
ذكر فتح قومس وجرجان
فأما قومس، فإن عمر، رحمه الله، كان كتب إلى نعيم بن مقرن حين أعلمه بفتح الرى: أن قدم سويد بن مقرن إلى قومس، ففصل إليها سويد من الرى فى تعبئته، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما، وعسكر بها، وكاتب الذين لجأوا إلى طبرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز يدعوهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم بذلك كتابا» .
وأما جرجان، فإن سويدا سار إليها فكاتبه ملكها، وبدأه بالصلح على أن يؤدى له الجزاء ويكفيه حرب جرجان، فإن غلب أعانه، فقبل سويد ذلك منه، ثم تلقاه قبل أن يدخل جرجان، فدخلها معه، وعسكر سويد بها حتى جبى إليه خراجها، وسمى فروجها، فسدها بترك دهستان، ورفع الجزاء عمن أقام بمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها، وكتب سويد بذلك كتابا لملكها رزبان صول وأهل دهستان وسائر أهل جرجان «2» .
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 151، 152) ، الروض المعطار (ص 485) .
(2) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 152، 152) ، تاريخ جرجان (ص 44) .
(2/579)

ذكر فتح طبرستان
وراسل الأصبهبذ سويدا فى الصلح على أن يتوادعا، ويجعل له شيئا على غير نصرة ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه، وكتب له:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان اصبهبذ خراسان على طبرستان وجبل جيلان، إنك آمن بأمان الله على أن تكف نصرتك وأهل حواشى أرضك، ولا تؤوى لنا بغية وتتقى من ولى فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك، ولا أن يتطوف أرضك، ولا يدخل عليك إلا بإذنك، سبيلنا عليكم بالإذن آمنة، وكذلك سبيلكم، ولا تسألون لنا إلى عدو ولا تغلون، فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم «1» .
فتح أذربيجان
ولما «2» افتتح نعيم همذان ثانية، وسار إلى الرى كتب إلى عمر: أن يبعث سماك بن خرشة الأنصارى، وليس بأبى دجانة، ممدا لبكير بن عبد الله بأذربيجان، وكان عمر قد فرق أذربيجان بين بكير وبين عتبة بن فرقد، وأمر كل واحد منهما بطريق غير طريق صاحبه، فسار بكير حين بعث إليها حتى إذا طلع بحيال جرميذان، طلع عليه اسفندياذ بن الفرخزاد مهزوما من واج روز، فكان أول قتال لقيه بكير بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جند اسفندياذ وأخذه بكير أسيرا، فقال له: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال بكير:
بل الصلح، قال: فأمسكنى عندك، فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم وأراضى لم يقيموا لك، وجلوا إلى الجبال التى حولها من القبج والروم ومن كان فى حصن تحصن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن، وقدم سماك على بكير واسفندياذ فى إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه.
وتشوفت نفس بكير إلى المضى قدما، فقال لسماك: إن شئت كنت معى، وإن شئت أتيت عتبة، فإنى لا أرانى إلا تارككما وطالبا وجها هو أكره من هذا. فاستأذن عمر، فكتب إليه بالإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله، فاستخلف
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 153) .
(2) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 153- 155) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 122) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 119، 120) .
(2/580)

عتبة على ما افتتح منه، ودفع إليه اسفندياذ، فأمر عتبة سماكا على ما استخلفه عليه بكير، وجمع عمر، رحمه الله، أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وكان بهرام بن الفرخزاذ قد أخذ بطريق عتبة، وأقام له فى عسكره حتى لحق عتبة فاقتتلوا، فهزمهم عتبة، وهرب بهرام، فلما بلغ الخبر اسفندياذ وهو بعد فى إسار بكير قال: الآن تم الصلح، وطفئت الحرب، فصالح بكير، وأجاب إلى ذلك جميعهم، وعادت أذربيجان سلما، وكتب عتبة بينه وبين أهلها كتابا إذ جمع له عمل بكير إلى عمله:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، أهل أذربيجان، سهلها وجبلها، وحواشيها وشعاريها، وأهل ملكها كلهم من الأمان على أنفسهم وأموالهم وملتهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس ذلك على صبى ولا على امرأة ولا زمن ليس فى يده من الدنيا شىء، ولا متعبد متخل ليس فى يديه من الدنيا شىء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما وليلة ودلالته، ومن حشر منهم فى سنة رفع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك، ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه.
حديث فتح الباب «1»
وبعث عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، سراقة بن عمرو إلى الباب بعد أن رد أبا موسى مكانه إلى البصرة، وكان سراقة يدعى ذا النور، وجعل عمر على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، وكان أيضا يدعى ذا النور، وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفارى، وسمى للأخرى بكير بن عبد الله الليثى، وكان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه، وكتب إليه: أن يلحق به، وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة، فقدم سراقة عبد الرحمن، وخرج فى الأثر، حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب، قدم عليه بكير فى أدنى الباب، فاستدفأ ببكير، ودخل بلاد الباب على ما عباه عمر، رحمه الله، وكان ملك الباب يومئذ شهربراز، رجل من آل شهربراز الملك الذى أفسد بنى إسرائيل وأعرى منهم الشام.
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 155- 160) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (3/ 14) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 122، 123) .
(2/581)

فلما أطل عليه عبد الرحمن بن ربيعة بالباب كاتبه شهربراز واستأمنه على أن يأتيه، فأمنه عبد الرحمن على ذلك، فأتاه فقال: إنى بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة، لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغى لذى العقل والحسب أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوى الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذى الحسب حيث كان، ولست من الفتح فى شىء ولا من الأرض، وإنكم قد غلبتم على بلادى وأمتى، فأنا اليوم منكم يدى مع أيديكم، وصبرى معكم، فمرحبا بكم، وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم، ولكم النصر والقيام بما تحبون، ولا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم.
فقال عبد الرحمن: فوقى رجل قد أظلك فسر إليه، فجوزه، فسار إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقال له سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء على من يقيم ولا ينهض، فقبل ذلك شهربراز، وصارت سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين، وفيمن يستنفر من أهل الجزية، فتوضع عنه جزية تلك السنة التى استنفر فيها.
وكتب سراقة إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بذلك، فأجازه وحسنه، وليس فى تلك البلاد التى فى ساحة الجبال نبك لم يقم الأرمن بها إلا على أوفاز، وإنما بها سكان ممن حولها ومن الطراء استأصلت الغارات نبكها من أهل القرار، وأرز أهل الجبال منهم إلى جبالهم، وجلوا عن قرار أرضهم، فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم.
واكتتبوا من سراقة بن عمرو كتابا بالأمان لشهربراز وسكان أرمينية والأرمن، على أنفسهم وأموالهم وملتهم، لا يضارون ولا ينتقضون، وعلى أهل أرمينية والأبواب، الطراء منهم والتناء ومن حولهم، فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة، وينفروا لكل أمر رآه الوالى صلاحا، ناب أو لم ينب، على أن توضع على من أجاب إلى ذلك الجزاء، ومن استغنى منهم فقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدلالة والنزول يوما كاملا، فإن حشروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به.
ثم إن سراقة بن عمرو وجه بعد ذلك بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة، وكان عمر أمد به سراقة، وحذيفة بن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى من بجبال اللان، وسلمان إلى وجه آخر.
(2/582)

وكتب سراقة بالفتح وبالذى وجه فيه هؤلاء إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فأتى عمر أمر لم يكن يرى أنه يستتم له على ما خرج عليه سريعا بغير مؤنة، وكان فرجا عظيما به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها.
فلما استوثقوا واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة، رحمه الله، واستخلف عبد الرحمن بن ربعة، وقد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكيرا فإنه فض موقان، ثم تراجع أهلها على الجزية، فقبل منهم وكتب لهم بها وبأمانهم عليها.
ولما بلغ عمر، رحمه الله، موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن أقره عمر وأمره بغزو الترك، فخرج بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلنجر، فقال شهربراز: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من وراء الباب، فقال عبد الرحمن:
لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم فى ديارهم، وبالله إن معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا فى الإمعان لبلغت بهم الردم، قال: وما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا فى هذا الأمر بنية، وكانوا أصحاب حياء وتكرم فى الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرمهم ولا يزال هذا الأمر دائما لهم، والنصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم، وحتى ينقلوا عن حالهم.
فغزا عبد الرحمن بلنجر غزاة فى زمان عمر، رضى الله عنه، لم تئم فيها امرأة ولم ييتم صبى، وبلغت خيله فى غزاته البيضاء على رأس مائتى فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم، ثم غزا غزوات فى زمان عثمان، رضى الله عنه، ثم أصيب عبد الرحمن حين تبدل أهل الكوفة فى إمارة عثمان لاستعماله من كان ارتد استصلاحا لهم، فلم يصلحهم ذلك وزادهم فسادا، أن سادهم من طلب الدنيا، وعضلوا بعثمان، رضى الله عنه ورحمه، حتى جعل يتمثل:
وكنت وعمرا كالمسمن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره
وقال سلمان بن ربيعة «1» : لما دخل عبد الرحمن بن ربيعة عليهم، يعنى على الترك، حال الله بينهم وبين الخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، فتحصنوا منه، فرجع بالغنم والظفر، وذلك فى إمارة عمر، ثم لما
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 158، 159) .
(2/583)

غزاهم غزوات فى زمان عثمان ظفر بهم كما كان يظفر، حتى إذا تبدل أهل الكوفة، وذكر بعض ما تقدم من استعمال من ارتد، وغزاهم بعد ذلك تذمرت الترك وقالوا:
انظروا، وكانوا يقولون إنهم لا يموتون. قال: فاختفوا لهم فى الغياض، فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتد قتالهم، ونادى مناد من الجو: صبرا آل عبد الرحمن موعدكم الجنة فقاتل حتى قتل عبد الرحمن وانكشف المسلمون، وأخذ سلمان بن ربيعة الراية، فقاتل بها، ونادى مناد من الجو: صبرا آل سلمان، فقال سلمان: أو ترى جزعا؟ ثم خرج بالناس وخرج سلمان الفارسى وأبو هريرة الدوسى على جيلان، فقطعوها إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فما زالوا بعد يستسقون به.
وجعل عثمان، رحمه الله، يغزيها مع حبيب بن مسلمة.
وحدث مطر بن ثلج التيمى قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده، فأقبل رجل عليه شحوب حتى جلس إلى شهربراز، فتساءلا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير، أتدرى من أين جاء هذا الرجل؟ إنى بعثته منذ سنتين نحو السند لينظر لى ما حاله ومن دونه، وزودته مالا عظيما، وكتبت له إلى من يلينى، وأهديت له، وسألته أن يكتب إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بينى وبينه، حين انتهى إليه، حتى انتهى إلى الملك الذى السد فى ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه. فذكر أنه أحسن إلى البازيار وقال: فتكشر لى البازيار.
فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لى البازيار: على رسلك، أكافئك، إنه لا يلى ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا، فيرمى به فى هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه، فألقاها فى ذلك الهوى، وانقضت عليها العقاب، وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شىء، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شىء، فخرجت علينا العقبان باللحم فى مخالبها، وإذا فيها ياقوتة، فأعطانيها، وهى هذه. فتناولها منه شهربراز وهى حمراء فناولها عبد الرحمن، فنظر إليها ثم ردها إليه، فقال شهربراز: لهذه خير من هذه البلد، يعنى الباب، وايم الله لأنتم أحب إلىّ ملكة من آل كسرى، ولو كنت فى سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها منى، وايم الله لا يقوم لكم شىء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر.
(2/584)

فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذى على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج، وكان عليه قباء برود يمنية أرضة حمراء ووشيه أسود أو وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق والله الرجل، لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل، ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ إلى آخر الآية [الكهف: 96] ، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟
قال: قيمة مائة ألف فى بلادى هذه، وثلاثة آلاف ألف وأكثر فى تلك البلدان.
ذكر مسير يزدجرد إلى خراسان ودخول الأحنف إليها غازيا «1»
ذكروا أن يزدجرد لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الرى، وقد جعل له محمل يطيق ظهر بعيره، وكان إذا سار نام ولم يعرس بالقوم، فانتهى به إلى مخاضة وهو نائم فى محمله، فأنبهوه ليعلم، ولئلا يفزع إن هو استيقظ إذا خاض البعير به، فعنفهم على إنباهه وقال: بئس ما صنعتم، والله لو تركتمونى لعلمت ما مدة هذه الأمة، إنى رأيت أنى ومحمدا، يعنى النبى صلى الله عليه وسلم، تناجينا عند الله تعالى فقال له: أملككم مائة سنة، فقال: زدنى، فقال: عشرا ومائة، فقال: زدنى، فقال: عشرين ومائة سنة، فقال: زدنى، فقال: لك.
وأنبهتمونى، ولو تركتمونى لعلمت.
فلما انتهى إلى الرى، وثب عليه آبان جاذويه، وكان على الرى، حينئذ، فأخذه، فقال له يزدجرد: يا آبان جاذويه، تغدر بى! فقال: لا ولكن قد تركت ملكك وصار فى يدى غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لى من شىء، وما أردته من غير ذلك، وأخذ خاتم يزدجرد ووصل الأدم، واكتتب الصكاك وسجل السجلات بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها ورد الخاتم، ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شىء فى كتابه.
ولما صنع آبان جاذويه بيزدجرد ما صنع خرج يزدجرد من الرى إلى أصبهان وكره جوار آبان ولم يأمنه، ثم عزم على كرمان، فأتاها ومعه النار، فأراد أن يضعها فى كرمان، ثم عزم على خراسان، فأتى مرو فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتا واتخذ بستانا، وبنى أزجا فرسخين من مرو إلى البستان، فاطمأن فى نفسه وأمن أن يؤتى، وكاتب من مرو من بقى من الأعاجم حيث لم يفتتحه المسلمون، فدانوا له، حتى إذا ثار
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 166- 173) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 120- 122) .
(2/585)

أهل فارس والفيرزان فنكثوا، وثار أهل الجبال والفيزران فنكثوا، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر، رضى الله عنه، فى الانسياح، فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا فى الأرض، فخرج الأحنف إلى خراسان، فأخذ على مهرجان نقذف، ثم خرج على أصبهان، وأهل الكوفة محاصرو جى، فدخل خراسان من الطبسين، فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليها صحار بن فلان العبدى، ثم سار نحو مرو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور، وليس دونها قتال، مطرف بن عبد الله بن الشخير، وإلى سرخس الحارث بن حسان.
فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزولها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد إلى خاقان وملك الصغد وصاحب الصين يستمدهم ويستعين بهم، وخرج الأحنف من مرو الشاهجان، واستخلف عليها حارثة ابن النعمان الباهلى بعد ما لحقت به أمداد الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بن النضر النضرى، وربعى بن عامر التميمى، وعبد الله بن أبى عقيل الثقفى، وابن أم غزال الهمدانى، وبلغ يزدجرد خروج الأحنف سائرا نحوه فخرج إلى بلخ، ونزل الأحنف مرو الروذ، وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ، واتبعهم الأحنف، والتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فهزمه الله بهم، وتوجه فى أهل فارس إلى النهر فعبروا، ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم، وتتابع أهل خراسان ممن شذ وتحصن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها، واستخلف على طخارستان ربعى بن عامر، وهو الذى يقول له النجاشى ونسبه إلى أمه، وكان من أشراف العرب:
ألا رب من تدعو فتى ليس بالفتى ... ألا إن ربعى بن كأس هو الفتى
طويل قعود القوم فى قعر بيته ... إذا شبعوا من ثقل جفنته سقى
وكتب الأحنف بفتح خراسان إلى عمر، رحمه الله، فقال: لوددت أنى لم أكن بعثت إليها جندا، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار، فقال على، رضى الله عنه: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينقضون ثلاث مرات، فيجتاحون فى الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إلىّ من أن يكون بالمسلمين.
وكتب عمر إلى الأحنف: أما بعد، فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأى شىء دخلتم خراسان، فدوموا على الذى دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم وإياكم أن تغيروا فتنقضوا.
(2/586)

ولما بلغ رسول يزدجرد إلى خاقان لم يستتب له إنجاده حتى عبر إليه النهر مهزوما، وقد استتب له ذلك، والملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك، فأقبل فى الترك، وحشر أهل فرغانة والصغد، ثم خرج بهم، وخرج يزدجرد راجعا إلى خراسان حتى عبر النهر إلى بلخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهل فارس إلى الأحنف بمرو الروذ، وجاء المشركون حتى نزلوا بها عليه، وكان حين بلغه عبورهم قاصدين له، خرج ليلا فى عسكره يتسمع فى ليلة مظلمة هل يسمع برأى ينتفع به؟ فمر برجلين ينقبان علفا، إما تبنا وإما شعيرا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير أسندنا إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا، والجبل فى ظهورنا لئلا يأتونا من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله عز وجل. فرجع الأحنف واجتزأ بها.
فلما أصبح جمع الناس وقال: إنكم قليل وإن عدوكم كثير، فلا يهولنكم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، ارتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه فى ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم، وقاتلوهم من وجه واحد، ففعلوا، وقد أعدوا ما يصلحهم، والأحنف فى عشرة آلاف من أهل البصرة، وأهل الكوفة نحو منهم، وأقبلت الترك ومن اجتلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم ويراوحونهم، ويتنحون عنهم بالليل ما شاء الله.
وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل حتى علم علمهم، ثم خرج ليلة طليعة لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف، فلما كان فى وجه الصبح خرج فارس الترك بطوقه وضرب طبله، ثم وقف من العسكر موقفا مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله، وهو يرتجز:
إن على كل رئيس حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا
إن لها شيخا بها ملقا ... سيف أبى حفص الذى تبقى
ثم وقف موقف التركى وأخذ طوقه، ثم خرج آخر من الترك، ففعل فعل صاحبه، ثم وقف دونه، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:
إن الرئيس يرتبى ويطلع ... ويمنع الخلاء إذا ما أرتعوا
ثم وقف موقف التركى الثانى، وأخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل صاحبه، ووقف دون الثانى منهما، فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:
(2/587)

جرى الشموس ناجزا بناجز ... محتفلا فى جريه مشارز
ثم انصرف الأحنف إلى عسكره، ولا يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعد.
وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء، كلهم يضرب بطلبه ثم يخرجوا بعد خروج الثالث، فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، فتشاءم خاقان وتطير، وقال: قد طال مقامنا، وقد أصيب هؤلاء بمكان لم يصب بمثله قط أحد منا، فما لنا فى قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا، فكان وجههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا، فأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ، فقال المسلمون للأحنف: ما ترى فى اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم.
وكان يزدجرد لما نزل بمرو الروذ خرج إلى مرو الشاهجان فتحصن منه حارثة بن النعمان ومن معه، فحاصرهم واستخرج خزائنه من مواضعها، وخاقان ببلخ مقيم له، فلما جمع يزدجرد ما كان فى يديه مما وضع بمرو، فأعجل عنه وأراد أن يستقل منها، إذا أمر عظيم من خزائن أهل فارس، فقال له أهل فارس: أى شىء تريد أن تصنع؟ فقال:
أريد اللحاق بخاقان، فأكون معه أو بالصين، فقالوا له: مهلا، فإن هذا رأى سوء، إنك إنما تأتى قوما فى مملكتهم وتدع أرضك وقومك، ولكن ارجع إلى هؤلاء القوم، يعنون المسلمين، فنصالحهم، فإنهم أوفياء وأهل دين، وهم يلون بلادنا، وإن عدوا يلينا فى بلادنا أحب إلينا ملكه من عدو يلينا فى بلاده لا دين لهم ولا ندرى ما وفاؤهم، فأبى عليهم وأبوا عليه، فقالوا: فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها، ولا تخرجها من بلادنا إلى غيرها، فأبى، فقالوا: إنا لا ندعك.
فاعتزلوه وتركوه فى حاشيته، فاقتتلوا، فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر، فاعترضهم المسلمون والمشركون يثفنونه، فقاتلوه، وأصابوا فى آخر القوم، وأعجلوه عن الأثقال، ومضى مزايلا حتى يقطع النهر إلى فرغانة والترك، فلم يزل مقيما بقية زمان عمر، رضى الله عنه، يكاتبهم ويكاتبونه، أو من شاء الله منهم، إلى أن كان زمن عثمان، رضى الله عنه، فكفر أهل خراسان، فأقبل حتى نزل مرو، فكان من أمره إلى حين مقتله ما نذكره بعد فى موضعه إن شاء الله.
وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا فى زمان الأكاسرة، فكانوا كأنهم فى ملكهم، إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم، فاغتبطوا، وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية.
(2/588)

ولما سمع خاقان وهو والترك ببلخ ما لقى يزدجرد، وأن الأحنف خرج مع المسلمين من مرو الروذ نحوه، ترك بلخ وعبر النهر، وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ، ونزل أهل الكوفة فى كورها الأربع، ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها، وكتب بالفتح الذى صنع الله فى خاقان ويزدجرد إلى عمر، رحمه الله، وبعث إليه بالأخماس، ووفد الوفود.
ولما عبر خاقان النهر، وعبرت معه حاشية آل كسرى، أو من أخذ نحو بلخ منهم مع يزدجرد، لقوا رسول يزدجرد الذى كان بعثه إلى ملك الصين، وأهدى إليه معه، ومعه جواب كتاب يزدجرد من ملك الصين، فسألوه عما وراءه، فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون، وأراهم هديته، وأجاب يزدجرد بهذا الكتاب بعد أن كان قال لى: قد عرفت أن حقا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لى صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإنى أراك تذكر منهم قلة وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذى تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلا لخير عندهم وشر فيكم، فقلت: اسألنى عما أحببت، فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم، قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.
قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم لمرشدهم، قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته، فقال: أيحرمون ما حلل لهم، أو يحلون ما حرم عليهم؟ قلت: لا، قال:
فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبدا حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم، ثم قال: أخبرنى عن لباسهم، فأخبرته، وعن مطاياهم، فقلت: الخيل العراب، ووصفتها، فقال: نعمت الحصون هذه، ووصفت له الإبل، بركها وانبعاثها بحملها، فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق.
وكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعنى أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علىّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لى رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خلى سربهم أزالونى ما داموا على ما وصف، فسالمهم وأرض منهم بالسلامة، ولا تهيجهم ما لم يهيجوك.
فأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة على عهد من خاقان، ولما وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم لعمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من قبل الأحنف، جمع الناس وخطبهم، وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم، وقال فى خطبته: إن الله تبارك وتعالى
(2/589)

ذكر رسوله وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، فقال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33] ، فالحمد لله الذى أنجز وعده، ونصر جنده، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم، لينظر كيف تعملون، ألا وإن المصرين اليوم من مسالحها كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد وقد وغلوا فى البلاد، والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك وأوله، فقوموا فى أمره على رجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده، ولا تغيروا فيستبدل الله بكم قوما غيركم، فإنى لا أخاف على هذه الأمة أن يؤتوا إلا من قبلكم.
وسيأتى بعد إن شاء الله ما كان من انتقاض خراسان وغيرها فى خلافة عثمان، رضى الله عنه.
ونذكر الآن بقية فتوح أهل البصرة الذين عقد لهم عمر، رضى الله عنه، عند الإذن لهم فى الانسياح على ما تقدم.
فتح توج
قالوا «1» : وخرج أهل البصرة الذين وجهوا أمراء على فارس، ومعهم سارية بن زنيم ومن بعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهل فارس مجتمعون بتوج، فلم يصمدوا بجمعهم، ولكن قصد كل أمير منهم قصد إمارته وكورته التى أمر بها، وبلغ ذلك أهل فارس، فتفرقوا إلى بلدانهم ليمنعوها كما تفرق المسلمون فى القصد إليها، فكانت تلك هزيمة أهل فارس، تشتت أمورهم وتفرقت جموعهم، فتطيروا من ذلك كأنما ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بن مسعود فيمن معه من المسلمين لسابور وأردشير خره، فالتقوا بتوج مع أهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله عز وجل، ثم إن الله عز وجل سلط المسلمين على أهل توج فهزموهم وقتلوهم كل قتلة، وبلغوا منهم ما شاؤا، وغنمهم ما فى عسكرهم فحووه.
وهذه توج الآخرة، لم يكن لها بعدها شوكة، والأولى التى تنقذ فيها جنود العلاء بن الحضرمى أيام طاووس، والوقعتان متساجلتان.
ثم دعوا بعد هزيمتهم هذه الآخرة إلى الجزية والذمة، فتراجعوا وأقروا وخمس مجاشع
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 174، 175) .
(2/590)

الغنائم، وبعث بخمسها، ووفد وفدا، وقد كانت البشرى والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم، لسنة جرت بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدث عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خرجنا مع مجاشع غازين توج، فحاصرناها وقاتلناهم ما شاء الله، فلما افتتحناها حوينا نهبا كثيرا، وقتلنا قتلى عظيمة، فكان علىّ قميص قد تخرق، فأخذت إبرة وسلكا، فجعلت أخيط قميصى بها، ثم إنى نظرت إلى رجل من القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته، فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لا تغلوا، فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة، ردوا ولو المخيط، فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته فى الأخماس.
وفى ذلك يقول مجاشع «1» :
ونحن ولينا مرة بعد مرة ... بتوج أبناء الملوك الأكابر
لقينا جنود الماهيان بسحرة ... على ساعة تلوى بأيدى الخطائر
فما فتئت خيلى تكر عليهم ... ويلحق منها لاحق غير جائر
لدن غدوة حتى أتى الليل دونهم ... وقد عولجوا بالمرهفات البواتر
وكان كذاك الدأب فى كل كورة ... أجابت لإحدى المنكرات الكبائر
حديث اصطخر
قالوا «2» : وقصد عثمان بن أبى العاص لاصطخر، فالتقى هو وأهلها بجور فاقتتلوا ما شاء الله، ثم فتح الله على المسلمين جور واصطخر، فقتلوا ما شاء الله، وتفرق من تفرق، ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى، فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وجمع عثمان حين هزمهم ما أفاء الله عليهم فخمسه وبعث بالخمس إلى عمر، رحمه الله، وقسم الباقى فى الناس، وعف الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا الدنيا، فجمعهم عثمان ثم قام فيهم، وقال: إن هذا الأمر لا يزال مقبلا وأهله معافون مما يكرهون ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم.
__________
(1) انظر الأبيات فى: الروض المعطار (ص 143) .
(2) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 175- 177) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (3/ 20، 21) ، تاريخ ابن خلدون (2/ 122، 123) .
(2/591)

وعن الحسن قال: قال عثمان بن أبى العاص يوم اصطخر: إن الله عز وجل إذا أراد بقوم خيرا كفهم ووفر أمانتهم، فاحفظوها، فإن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم فى كل يوم فقدان شىء من أموركم.
ثم إن شهرك خلع فى آخر إمارة عمر أو أول إمارة عثمان، رحمهما الله، ونشط فارس ودعاهم إلى النقض، فوجه إليه عثمان بن أبى العاص ثانية، وبعث معه جنودا أمد بهم عليهم عبيد الله بن معمر، وشبل بن معبد، فالتقوا بفارس، فقال شهرك لابنه وهو فى المعركة، وبينهم وبين قرية لهم تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخا: يا بنى، أين ترى أن يكون غداؤنا هنا أو بريشهر؟ فقال: يا أبت، إن تركونا فلا يكون غداؤنا هنا ولا بريشهر، ولا يكون إلا فى المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل فيه شهرك وابنه وقتل من المشركين مقتلة عظيمة، وولى قتل شهرك الحكم بن أبى العاص أخو عثمان بن أبى العاص.
وذكر الطبرى عن أبى معشر: أن اصطخر الآخرة كانت سنة ثمان وعشرين، وذلك فى وسط إمارة عثمان بن عفان، رضى الله عنه.
وذكر أيضا بسنده إلى عبيد الله بن سليمان قال: كان عثمان بن أبى العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم فى ألفين إلى توج، وكان كسرى قد فر عن المدائن، ولحق بجور من أرض فارس.
قال الحكم: فقصد إلى شهرك، وكان كسرى أرسله، فهبطوا من عقبة، عليهم الحديد، فخشيت أن تغشى أبصار الناس، فأمرت مناديا فنادى: أن من كانت له عمامة فليلقها على عينه، ومن لم يكن له عمامة فليغمض بصره، وناديت: أن حطوا عن دوابكم. فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا، ثم ناديت: أن اركبوا، وصففنا لهم، وركبوا، فجعلت الجارود العبدى على الميمنة، وأبا صفرة، يعنى أبا المهلب، على الميسرة، فحملوا على المسلمين فهزموهم حتى ما أسمع لهم صوتا، فقال لى الجارود: أيها الأمير، الجند! فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلهم، ليس عليهم فرسانهم، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرؤس بين يدى، وأتيت برأس ضخم، وكان معى بعض ملوكهم فارق كسرى ولحق بى، فقال: هذا رأس الأزدهاق، يعنون شهرك، فحوصروا فى مدينة سابور، فصالحهم الحكم، وكان ملكهم آذربيجان، فاستعان به الحكم على قتال أهل اصطخر.
(2/592)

وقال يزيد بن الحكم بن أبى العاص يذكر اصطخر الآخرة:
أنا ابن عظيم القريتين كليهما ... نمتنى إلى العليا الفروع الفوارع
لنا مجد بطحاوى ثقيف وغالب ... إذا عد بطحاواهما والد سائع
لنا الحسب العود الذى لا تناله ... عيون العدى والحاسدات الدواسع
أبى سلب الجبار بيضة ملكه ... فخر وأطراف الرماح شوارع
بمعترك ضنك به قصد القنى ... وهام وأيد تختليها القواطع
بأيدى سراة كلهم باع نفسه ... فأوفوا بما باعوا وأوفى المبايع
هم المؤمنون الواردو الموت فى الوغى ... كما ترد الماء العطاش النوائع
نجاهد فى نصر لخير شريعة ... إذا ذكرت يوم الحساب الشرائع
سمونا لزحف المشركين بوقعة ... بها رد مال الجزية المتتابع
تركنا من القتلى نثارا تعودها ... نسور تراماها الضباع الجوامع
جثى من عظام المشركين كأنها ... تلوح من الرأى البعيد صوامع
تركنا سباع الأرض والطير منهم ... شباعا وما فيها إلى الحول جائع
حديث فسا ودارابجرد «1»
قالوا «2» : وقصد سارية بن زنيم لفسا ودارابجرد حتى أفضى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم إنهم استمدوا، فتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم وجمع كثير، فرأى عمر، رضى الله عنه، فى تلك الليلة معركتهم وعددهم فى ساعة من النهار، فنادى من الغد، الصلاة جامعة، حتى إذا كان فى الساعة التى رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمين بصحراء، وإن أقاموا فيها أحيط بهم وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، ثم قام فقال: أيها الناس، إنى رأيت هذين الجمعين، وأخبر بحالهما، ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم، فقال: إن لله عز وجل جنودا، ولعل بعضها أن يبلغهم، ولما كان تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم الله لهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، رحمه الله، وباستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم.
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 178، 179) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 130- 132) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (3/ 21، 22) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 178، 179) .
(2/593)

وعن رجل من بنى مازن قال: كان عمر، رحمه الله، قد بعث سارية بن زنيم الدؤلى إلى فسا ودارابجرد فحاصرهم، ثم إنهم تداعوا فأصحروا له، وكثروه وأتوه من كل جانب، فقال عمر، رضى الله عنه، وهو يخطب فى يوم جمعة: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل.
وفى غير هذا الحديث: ثم عاد عمر فى خطبته فعجب الناس لندائه سارية على بعده، فقضى الله سبحانه أن كان سارية وأصحابه فى ذلك الوقت موافقين للمشركين، وقد ضايقهم المشركون من كل جانب، وإلى جانب المسلمين جبل، إن لجأوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فسمعوا صوتا يقول: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل، كما قال عمر، رضى الله عنه، وفى ذلك الوقت بعينه، فلجأوا إلى الجبل، فنجوا وهزموا عدوهم وأصابوا مغانم كثيرة.
قال المازنى فى حديثه: إن سارية أصاب فى المغانم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه المسلمون لعمر، فوهبوه له، فبعث به وبالفتح رجلا، وقال له: استقرض ما تبلغ به وما تخلفه فى أهلك على جائزتك، وكان الرسل والوفد يجازون، فقدم الرجل البصرة ففعل، ثم خرج فقدم على عمر، رحمه الله، فوجده يطعم الناس، ومعه عصاه التى يزجر بها بعيره، فقصده، فأقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلس حتى إذا أكل انصرف عمر، وقام الرجل فاتبعه، فظن عمر أنه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل، فلما جلس فى البيت أتى بغذائه، خبز وزيت وملح وجريش، فوضع له، ثم قال للرجل: ادن فكل، فأكلا.
حتى إذا فرغ قال له الرجل: رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين، فقال: مرحبا وأهلا، ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية، فأخبره، ثم أخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ثم صاح به وقال: لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجيش فتقسمه بينهم، وطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى قد أنضبت إبلى واستقرضت على جائزتى، فأعطنى ما أتبلغ به، فما زال عنه حتى أبدله بعيرا ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله فى إبل الصدقة، ورجع الرجل مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصرة، فنفذ لما أمره به عمر، رحمه الله، وقد كان أهل المدينة سألوه عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئا يوم الوقعة؟ فقال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل. وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه ففتح الله علينا.
(2/594)

حديث فتح كرمان
قالوا «1» : وقصد سهيل بن عدى إلى كرمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمته سهيل بن عدى النسير بن عمرو العجلى، وقد حشد له أهل كرمان، واستعانوا بالقفس، فاقتتلوا فى أدنى أرضهم، ففضهم الله تعالى، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النسير مرزبانها، ودخل سهيل من قبل طريق القرى إلى جيرفت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاؤا من بعير أو شاة، فقدموا الإبل والغنم فتحاصوها وأخروا البخت لعظم البخت على العرب، وكرهوا أن يزيدوا. وكتبوا إلى عمر، فأجابهم: إن البعير العربى إنما قوم ببعير اللحم، وذلك مثله، فإذا رأيتم أن للبخت فضلا فزيدوا.
وذكر المدائنى أن الذى فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى فى خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر، رضى الله عنه، فقال:
يا أمير المؤمنين، إنى افتتحت الطبسين فاقطعنيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما، وهما بابا خراسان.
فتح سجستان
قالوا «2» : وقصد عاصم بن عمرو لسجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فالتقوا هم وأهل سجستان فى أدنى أرضهم، فهزموهم ثم اتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج ومخر المسلمون أرض سجستان ما شاء الله، ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين، فأعطاهم ذلك المسلمون، وكان فيما اشترطوا من صلحهم أن فدافدها حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروها خشية أن يصيبوا منها فيخفروا. فتم أهل سجستان على الخراج، فكانت سجستان أعظم من خراسان شأنا، وأبعد فروجا، يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ.
فلم تزل أعظم البلدين وأصعب الفرجين، وأكثرها عددا وجندا حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه من أخيه، رتبيل، إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بن زياد وهو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم تلك البلاد، وكتب إلى
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 180) .
(2) انظر الخبر فى: (4/ 180، 181) ، الروض المعطار (ص 305) .
(2/595)

معاوية بذلك يرى أنه قد فتح عليه، فقال معاوية: إن ابن أخى ليفرح بأمر إنه ليحزننى وينبغى له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم غدر نكر، فيضطرب الجبل غدا، فأهون ما يجىء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها.
وتم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وخلت آمل، وخافه أخوه فاعتصم منه بمكانه الذى هو به، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع فى زرنج فغزاها، فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة.
قالوا: وسار رتبيل والذين جاؤا معه فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم، وقد كانت البلاد مذللة إلى أن مات معاوية، رحمه الله.
فتح مكران
قالوا «1» : وقصد الحكم بن عمرو التغلبى لمكران، حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بن مخارق بن شهاب، فانضم إليه، وأمده سهيل بن عدى، وعبد الله بن عتبان بأنفسهما، فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفض أهل كرمان إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبر إليهم راسل ملكهم، ملك السند، فازدلف بهم يستقبل المسلمين، فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام، فهزم الله راسلا وسلبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا فى المعركة من المشركين مقتلة عظيمة، واتبعوهم يقتلونهم أياما، حتى انتهوا إلى النهر.
ثم رجعوا فأقاموا بمكران، وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدى، واستأمره فى الفيلة، فقدم صحار على عمر، رحمه الله، فسأله عن مكران، وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذى يجىء منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال عمر، رحمه الله:
أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال: بل مخبر، فقال: لا والله، لا يغزوها لى جيش ما أطعت، وكتب إلى الحكم وإلى سهيل: أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما، واقتصر على ما دون النهر، وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام وقسم أثمانها على من أفاءها الله عليه.
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 181، 182) ، الروض المعطار (ص 543، 544) .
(2/596)

حديث بيروذ
قالوا «1» : ولما فصلت الجنود إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر، رحمه الله، قد عهد إلى أبى موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهى إلى حد ذمة البصرة، كى لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشى أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف أو يخلف فى أعقابهم، فكان الذى حذر من اجتماع أهل بيروذ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذى تجمع بها، وذلك فى رمضان، فنزل على جمع لهم منعة، فالتقوا بين نهرى تيرى ومناذر، وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد ليكيدوا المسلمين، أو ليصيبوا منهم عورة، ولم يشكوا فى واحدة من اثنتين.
فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقل فقال لأبى موسى: أقسم على كل صائم إلا رجع فأفطر، فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وذلك الذى أراد المهاجر أن يرجع أخوه لئلا يمنعه من الاستقتال، وتقدم فقاتل حتى قتل، رحمه الله، وفرق الله عز وجل المشركين حتى تحصنوا فى قلة وذلة، وأقبل الربيع بن زياد، أخو المهاجر، فاشتد حزنه عليه، ورق له أبو موسى للذى رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم، وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان، فلقى بها جنود أهل الكوفة محاصرين جىّ، ثم انصرف إلى البصرة وقد فتح الله على الربيع بن زياد أهل بيروذ من نهرتيرى، فهزمهم وجمع السبى والأموال، فتنقى أبو موسى ستين غلاما من أبناء الدهاقين وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، رحمه الله، ووفد وفدا، فجاءه رجل من عنزة يقال له: ضبة بن محصن، فقال:
اكتبنى فى الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، وكتب أبو موسى إلى عمر بقصة الرجل.
فلما قدم الكتاب بالفتح والوفد على عمر قدم العنزى فأتى عمر فسلم عليه، فقال:
من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا، فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل، فاختلف إليه ثلاثا، يقول هذا ويرد عليه هذا، حتى إذا كان اليوم الرابع فدخل عليه، فقال له: ما نقمت على أميرك؟ فقال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة، تغذى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خانان، وفوض إلى زياد، وكان زياد هو ابن أبى سفيان، يلى أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف.
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 183- 185) .
(2/597)

فكتب عمر، رحمه الله، كل ما قال، وبعث إلى أبى موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، ودعا ضبة بن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه، فقال أبو موسى: دللت عليهم، وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، وقرأ: له قفيزان، فقال أبو موسى:
قفيز لأهلى أقوتهم به، وقفيز فى أيديهم للمسلمين، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة:
والله ما كذب ولا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه.
قال: وزياد يلى أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلى، قال أبو موسى: وجدت له نبلا ورأيا، فأسندت إليه عملى. قال: وأجاز الحطيئة بألف. قال: سددت فمه بمالى أن يشتمنى، فقال: قد فعلت ما فعلت، فرده عمر، رحمه الله، وقال: إذا قدمت فأرسل إلىّ زيادا وعقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، وقدم زياد فأقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائم وعليه ثياب بيض كتان، فقال: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟
فأخبره بشىء يسير، وصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما صنعت بأول عطاء خرج لك؟ فقال: اشتريت به والدتى فأعتقتها، واشتريت فى الثانى ربيبى عبيدا فأعتقته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيها، فرده، وأمر أمراء البصرة أن يستعينوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة.
وقال عمر، رضى الله عنه: ألا إن ضبة بن محصن غضب على أبى موسى فى الحق أن أصابه، وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى النار.
وكان الحطيئة قد لقيه فى غزاة بيروذ، وكان أبو موسى ابتدأها فحاصرهم حتى فلهم ثم جازاهم ووكل بهم الربيع، ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القسم.
ومن مدح الحطيئة فى أبى موسى:
وغارة كشعاع الشمس مشعلة ... تهوى بكل صبيح الوجه بسام
قب البطون من التعداء قد علمت ... أن كل عام عليها عام الجام
مستحقبات رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعرى طرفه سامى
لا يزجر الطير إن مرت به سنحا ... ولا ياض له قسم بأزلام
جمعت من عامر فيها ومن أسد ... ومن تميم وذبيان ومن حام
(2/598)

وما رضيت لهم حتى رفدتهم ... من وائل رهط بسطام بإصرام
فى متلف طائعا لله محتسبا ... يرجو ثواب كريم العفو رحام
غزوة سلمة بن قيس الأشجعى الأكراد
ذكر الطبرى «1» من طريقين، كلاهما ينمى إلى سليمان بن بريدة، واللفظ فى الحديثين متقارب، وربما كان فى أحدهما زيادة على الآخر، وأحدهما عن سيف بن عمر، وفيه: أن سليمان بن بريدة قال: لقيت رسول سلمة بن قيس الأشجعى، فقال:
كان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، إذا اجتمع له جيش من العرب، بعث عليهم رجلا من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش، فبعث سلمة بن قيس، فقال: سر باسم الله، قاتل فى سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا واختاروا دارهم فعليهم فى أموالهم الزكاة، وليس لهم فى فىء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذى لكم وعليهم مثل الذى عليكم، وإن أبوا فسلوهم الخراج، فإن أعطوكموه فقاتلوا عدوكم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، وإن تحصنوا منكم فى حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تعطوهم على حكم الله ورسوله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله ورسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا.
قال: فلقينا عدونا من المشركين من الأكراد، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين من الإسلام، فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم، فنصرنا عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة، فوجد فيها سلمة حقى جوهر، فجعلهما فى سقط، ثم قال:
إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فإن طابت أنفسكم به لأمير المؤمنين بعثت به إليه، فإن له بردا ومؤونة، فقالوا: نعم، قد طابت أنفسنا، فبعثنى سلمة، يعنى بالخبر والسفط، إلى أمير المؤمنين.
قال: فدفعت إليه ضحى والناس يتغدون وهو متكئ على عصا كهيئة الراعى فى غنمه يطوف فى تلك القصاع يقول: يا يرفاء، زد هؤلاء لحما، زد هؤلاء خبزا، زد هؤلاء
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 186- 190) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 132، 133) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (3/ 25) .
(2/599)

مرقة، فلما دفعت إليه قال: اجلس، فجلست فى أدانى الناس، فإذا طعام فيه خشونة وغلظ، طعامى الذى معى أطيب منه، فلما فرغ الناس قال: يا يرفاء، ارتفع قصاعك، ثم أدبر واتبعته، فدخل داره ثم دخل حجرته، فاستأذنت وسلمت، فأذن لى، فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا، فنبذ إلىّ إحداهما، فجلست عليها، فقال: يا أم كلثوم، غداءنا، فجاؤا إليه بقصعة فيها خبز وزيت فى عرضها ملح لم يدق، فقال لى: كل، فأكلت قليلا، وأكل حتى فرغ، ما رأيت رجلا أحسن أكلا منه، ما يتليس طعامه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاؤا بغس، فقال: اشرب، فشربت قليلا، شرابى الذى معى أطيب منه، فأخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، وقال: إنك لضعيف الأكل والشرب، ثم قال: الحمد لله الذى أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.
قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فروى، حاجتى يا أمير المؤمنين، قال:
وما حاجتك؟ قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، فقال: مرحبا بسلمة وبرسوله، وكأنما خرجت من صلبه، قال: حدثنى عن المهاجرين، كيف هم؟ قلت: كما تحب من السلامة والظفر على العدو، قال: كيف أسعارهم؟ قلت: أرخص أسعار، قال: كيف اللحم فيهم؟ فإنه شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها، قلت: البقرة بكذا، والشاة بكذا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، وخرج له عن الحديث كله حتى انتهى إلى السقط وأخرجه إليه.
قال: فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب وجعل يديه فى خاصرتيه، وقال: لا أشبع الله إذا بطن عمر! وظن النساء أنى قد اغتلته، فكشفن الستر، فقال: يا يرفاء، جأ عنقه، فوجأ عنقى وأنا أصيح، فقال: النجاء، وأظنك ستبطئ، أما والذى لا إله غيره لئن تفرق الناس إلى مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك فاقرة، قلت: يا أمير المؤمنين، ابدع بى فاحملنى، قال: يا برفاء، اعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه، قلت: نعم، وارتحلت حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لى فيما اختصصتنى به، اقسم هذا فى الناس قبل أن أفضح والله وتفضح. قال: فقسمه فيهم قبل التفرق إلى مشاتيهم، والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم، وهو خير من عشرين ألفا.
(2/600)

وقد تقدم قبل فى فتح فسا ودرابجرد خبر لرسول سارية بن زنيم شبيه بهذا الخبر، فالله تعالى أعلم.
وذكر الطبرى غزوة سلمة بن قيس هذه فى سنة ثلاث وعشرين، وهى السنة التى قتل عمر، رضى الله عنه، فى آخرها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه إلى حين مقتله
لم يزل عمر، رضى الله عنه، قائما على أمر الله، مجتهدا فيه، مجاهدا لأعدائه متعرفا منه سبحانه، من المعونة والتأييد وجميل الكفاية والعناية والصنع ما وطأ له البلاد ودوخ الممالك، وألقى إليه مقاليد الأمم من الفرس والروم والترك والأكراد وغيرهم من الأمم والأجيال الذين تقدم ذكرهم، وأنجز الله فى مدة خلافته معظم ما وعد به رسوله صلى الله عليه وسلم من الفتوح، وجمع إليه أكثر ما زواه له من الأرض، وتغلغلت جنوده فى الآفاق عند ما أذن لها فى الانسياح، حتى أمرهم آخر إمارته بالإقصار، والكف احتياطا على المسلمين ونظرا للإسلام، وأقبل عند ما أذن لهم فى ذلك على الدعاء، وتتبع آثار العمال بالعيون والنصحاء فى السر والعلانية، وتفقد الناس فى الشرق والغرب، إلى أن أتته منيته المحتومة، بالشهادة المقدرة له فى مصلاه، على ما يأتى الذكر له إن شاء الله تعالى.
وقد ورد فى غير موضع من الآثار ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستشهاده مخبرا وداعيا، وهو الداعى المجاب، والصادق المصدوق، صلوات الله وبركاته عليه.
وروى عن عوف بن مالك الأشجعى أنه رأى فى المنام على عهد أبى بكر، رحمه الله تعالى، كأن الناس جمعوا، فإذا فيهم رجل قد علاهم، فهو فوقهم بثلاثة أذرع، قال:
فقلت: من هذا؟ قالوا: عمر، قلت: ولم؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خصال: لا يخاف فى الله لومة لائم، وإنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: فأتى أبا بكر فقصها عليه، فأرسل أبو بكر إلى عمر ليبشره، قال: فجاء، فقال لى أبو بكر: اقصص رؤياك، فلما بلغت: خليفة مستخلف، زبرنى عمر وانتهرنى، وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكر حى.
قال: فلما كان بعد وولى عمر، مررت بالشام وهو على المنبر، فدعانى فقال: اقصص
(2/601)

رؤياك، فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف فى الله لومة لائم، قال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله منهم، فلما قلت: خليفة مستخلف، قال: قد استخلفنى، فأسأله أن يعيننى على ما ولانى، فلما ذكرت: شهيد مستشهد، قال: أنّى لى الشهادة وأنا بين أظهركم تغزون ولا أغزو؟ ثم قال: بلى، يأتى الله بها أنّى شاء، يأتى الله بها أنّى شاء.
وكان عمر، رحمه الله، ملازما للحج فى سنى خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة فى موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية، ويحجر عليهم الظلم، ويتعرف أحوالهم فى قرب، وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم فيه. فلما كانت السنة التى قتل منسلخها، رضى الله عنه، خرج إلى الحج على عادته، وأذن لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم فخرجن معه، فلما وقف عمر، رحمه الله، يرمى الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته فأدماه، وثم رجل من بنى لهب، قبيلة من الأزد، تعرف فيها العيافة والزجر، وإياها عنى القائل:
تيممت لهبا أبتغى العلم عندهم ... وقد رد علم العالمين إلى لهب
فقال اللهبى عند ما أدمى عمر، رحمه الله: أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها.
ويروى عن عائشة، رضى الله عنها، وحجت مع عمر تلك الحجة: أنه لما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم، قالت: فقال وأنا أسمع: أين كان منزل أمير المؤمنين؟ فقال قائل: هذا كان منزله، فأناخ فى منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى:
عليك السلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذلك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتق
قالت عائشة: فقلت لبعض أهلى: اعلموا لى من هذا الرجل، فذهبوا، فلم يجدوا فى مناخه أحدا، قالت عائشة: فو الله إنى لأحسبه من الجن، فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو لأخيه مزرد.
وقال سعيد بن المسيب: لما صدر عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرت سنى، وضعفت قوتى، وانتشرت رعيتى، فاقبضنى إليك غير مضيع ولا مفرط، ثم قدم المدينة، فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى.
(2/602)

قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل، رحمه الله.
وروى عن عمر، رحمه الله، أنه لما انصرف من حجته هذه التى لم يحج بعدها وانتهى إلى ضجنان، وقف فقال: الحمد لله ولا إله إلا الله، يعطى من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادى أرعى إبلا للخطاب، وكان فظا غليظا يتعبنى إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت وليس بينى وبين الله أحد أخشاه، ثم تمثل:
لا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد
أين الملوك التى كانت نوافلها ... من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا
ثم إن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بعد أن قدم المدينة من حجه خرج يوما يطوف بالسوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدنى على المغيرة، فإن علىّ خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان فى كل يوم، قال: وإيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد، قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، قال: وبلغنى أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحا تطحن بالريح لفعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لى رحا، قال: لئن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعدنى العلج آنفا، ثم انصرف عمر إلى منزله.
فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنك ميت فى ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده فى كتاب الله، التوراة، فقال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، بأنه قد فنى أجلك، وعمر لا يحس وجعا ولا ألما، فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم وبقى يومان، ثم جاء من بعد الغد فقال: ذهب يومان وبقى يوم وليلة، وهى لك إلى صبحها، فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا، فإذا استوت أخبروه فكبر، ودخل أبو لؤلؤة فى الناس فى يده خنجر له رأسان نصابه فى وسطه، فضرب به عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، هى التى قتلته، فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وقال: دونكم الكلب فإنه قتلنى، وماج الناس وأسرعوا إليه، فجرح منهم ثلاثة عشر رجلا، حتى جاء رجل منهم فاحتضنه من خلفه،
(2/603)

وقيل: ألقى عليه برنسا، فقيل: إنه لما أخذ قتل نفسه. وقال عمر، رضى الله عنه، عندما سقط: أفى الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، هو ذا، قال: تقدم فصل بالناس. قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف، وحمل عمر إلى منزله، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إنى أريد أن أعهد إليك، قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أتشير علىّ بذلك؟ قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل فيه أبدا، قال: فهبنى صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ادع لى عليا وعثمان والزبير وسعدا، قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم، أنشدك الله يا على إن وليت من أمر الناس شيئا أن تحمل بنى هاشم على رقاب الناس، وأنشدك يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بنى أبى معيط على رقاب الناس، وأنشدك يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا، ثم اقضوا أمركم، وليصل بالناس صهيب، وأمرهم أن يحضر معهم عبد الله بن عمر على أن لا يكون له فى الأمر شىء.
ثم دعا أبا طلحة الأنصارى، فقال: قم على بابهم لا تدع أحدا يدخل إليهم، وأوصى الخليفة من بعدى بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان، أن يحسن إلى محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم، وأوصى الخليفة من بعدى بالعرب، فإنها مادة الإسلام، أن تؤخذ صدقات أغنيائهم فتوضع فى فقرائهم، وأوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت، تركت الخليفة من بعدى على أنقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر، اخرج فانظر من قتلنى، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذى لم يجعل منيتى بيد رجل سجد لله سجدة واحدة، يحاجنى بلا إله إلا الله، يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحرب الذى فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد الله، ائذن للناس، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملأ منكم كان هذا؟
فيقولون: معاذ الله، ودخل فى الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:
وأوعدنى كعب ثلاثا أعدها ... ولا شك أن القول ما قاله كعب
وما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب
فقيل له: لو دعوت الطبيب، فدعى له طبيب من بنى الحارث بن كعب، فسقاه نبيذا فخرج مشكلا، فقال: اسقوه لبنا، فخرج اللبن أبيض، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسى، فما كنت فاعلا فافعل. وفى رواية أنه قيل له عند ذلك: يا أمير المؤمنين، اعهد،
(2/604)

قال: قد فرغت، وقال لعبد الله ابنه: يا عبد الله، اذهب إلى عائشة، فاسألها أن تأذن لى أن أدفع مع النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر. وفى رواية أنه قال له: اذهب إلى عائشة فقل لها: إن عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم بأمير المؤمنين، فذهب إليها عبد الله فوجدها تبكى، فذكر لها ذلك، فقالت: نعم، قد كنت أردته لنفسى ولأوثرنه اليوم على نفسى، فرجع إليه عبد الله وهو متطلع إليه، فقال: ما قالت لك؟ قال: أذنت، قال: الحمد لله، ما كان علىّ أمر أهم من هذا، فإذا أنا مت فاغسلنى، ثم احملنى، وأعد عليها الاستئذان، فإذا أذنت وإلا فاصرفنى إلى مقابر المسلمين.
فلما توفى، رحمه الله ورضى عنه، خرجوا به، فصلى عليه صهيب، ودفن فى بيت عائشة، رضى الله عنه وعنها.
ويروى أنه لما احتضر قال ورأسه فى حجر ابنه عبد الله، رضى الله عنهما:
ظلوم لنفسى غير أنى مسلم ... أصلى الصلاة كلها وأصوم
وكان مقتله لأربع بقين من ذى الحجة من سنة ثلاث وعشرين، وقيل: لثلاث بقين منه، وقيل: إن وفاته كانت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين.
ونزل فى قبره عثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبى وقاص، وقيل: صهيب وابنه عبد الله بن عمر عوضا من الزبير وسعد.
واختلف فى مبلغ سنه يوم توفى، وأشهر ما فى ذلك أنه توفى ابن ثلاث وستين سنة، وأنه استوفى عدة خلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم التى توفى لها، وسن أبى بكر الصديق، رضى الله عنهما.
ويروى عن عامر الشعبى أنه لما طعن عمر، رضى الله عنه، دخل عليه عبد الله بن عباس، فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، فقال: ما تقول؟ قال: اللهم نعم، أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، ومات نبى الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، ولم يختلف فى خلافتك رجلان، ثم قتلت شهيدا، فقال عمر: والله إن من تغرونه لمغرور، والله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع.
وعن ابن عباس أيضا قال: لما وضع عمر فى أكفانه، اكتنفه الناس يصلون عليه
(2/605)

ويدعون، فإذا أنا برجل قد زحمنى من خلفى، فنظرت، فإذا على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فقام فدعا له وترحم عليه، ثم قال: والله ما أصبح أحد أحب إلىّ من أن ألقى الله بمثل صحيفته منك، وإنى لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأنى كثيرا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خرجت أنا وأبو بكر وعمر» ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر» «1» ، فإنى أرجوا أن يجعلك الله مع صاحبيك.
وذكر عبد الله بن مسعود يوما عمر، رضى الله عنه، فهملت عيناه وهو قائم حتى بل الحصى، ثم قال: إن عمر كان حائطا كثيفا يدخله المسلمون ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انثلم الحائط فهم يخرجون ولا يدخلون، وما من أهل بيت من المسلمين لم تدخل عليهم مصيبة من موت عمر إلا أهل بيت سوء، فإذا ذكر الصالحون فحىّ هلا بعمر.
وروى أنس، عن أبى طلحة أنه قال: والله ما أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم لموت عمر، رضى الله عنه، نقص فى دينهم وفى دنياهم.
وعن أبى وائل قال: خرج حذيفة إلى المدائن وهم يذكرون الدجال، فأخبرنا مسروق أنه سأله عن ذلك، فقال: نجب تجىء من هاهنا تنعى عمر.
وعن حذيفة أيضا قال: كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر، رضى الله عنه، كان كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بعدا.
وقالت عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل، امرأة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ترثيه:
وفجعنى فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب منيب
رؤف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة فى النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
ومما ينسب إلى الشماخ بن ضرار، وإلى أخيه مزرد بن ضرار أنه قال فى عرم بن الخطاب، ويروى عن عائشة أن الجن بكت به على عمر، رحمه الله، قبل أن يقتل بثلاث، وقد تقدم ذكر بعض هذا الشعر:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاة بأسوق
جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزق
__________
(1) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (5/ 14) .
(2/606)

وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفى سبنتى أزرق العين مطرق
وقبل هذا البيت بيتان قد تقدما قبل، فلذلك حذفناهما الآن هنا اختصارا.
(2/607)

ذكر خلافة ذى النورين أبى عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين، رضى الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر، رضى الله عنه
ولما مضى عمر، رحمه الله، لسبيله، تفاوض أهل الشورى فيما بينهم ثلاثا بعد وفاته، وانصرف أمر جميعهم إلى عبد الرحمن بن عوف، رضى الله عنه، فباثع لعثمان، رحمه الله، فبايعه بقية أهل الشورى، وكافة الصحابة، رضى الله عن جميعهم، وذلك يوم السبت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين.
وذكر سيف «1» بإسناد له، أنه لما بايع أهل الشورى عثمان، رحمه الله، خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر النبى صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إنكم فى دار قلعة، وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: 33] ، اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آيروها وعمروها ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله ضرب لها مثلها، والذى هو خير، فقال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 44، 45] .
وذكر سيف «2» أن أول كتاب كتبه عثمان، رضى الله عنه، إلى عماله:
أما بعد، فإن الله عز وجل أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم فى أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور الناس وفيما عليهم، فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم،
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 243) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 244، 245) .
(2/608)

ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم العدو الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
قال «1» : وأول كتاب كتبه إلى أمراء الجنود فى الفروج:
أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر، رحمه الله، ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا، فلا يبلغنى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون؟ فإنى أنظر فيما ألزمنى الله النظر فيه والقيام عليه.
وكتب، رحمه الله، إلى عمال الخراج:
أما بعد، فإن الله تعالى خلق الخلق بالحق، ولا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من سلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله ورسوله خصم لمن ظلمهم.
وكان كتابه إلى العامة:
أما بعد، فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالإقتداء والإتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكفر فى العجمة، فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا» .
وزاد عثمان، رضى الله عنه، الناس فى أعطياتهم مائة مائة، وهو أول خليفة زاد الناس فى العطاء، وكان عمر، رحمه الله، يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفىء فى رمضان درهما فى كل يوم، وفرض لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم درهمين درهمين، فقيل له: لو وضعت لهم طعاما فجمعتهم عليه، فقال: أشبع الناس فى بيوتهم، فأقر عثمان الذى صنع عمر، وزاد فوضع طعام رمضان للمتعبد الذى يبيت فى المسجد ولابن السبيل وللمثوبين بالناس فى رمضان.
وكان فى مدة خلافته، رحمه الله، فتوح عظام فى البر والبحر، وهو أول من أغزى فيه، وقد تقدم ذكر كثير من ذلك كأفريقية وغزوة ذات الصوارى فى البحر على يدى
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 245) .
(2/609)

عبد الله بن سعد، وغزوة قبرس على يدى معاوية بن أبى سفيان، وغير ذلك مما سلف فى هذا الكتاب.
ونذكر الآن من ذلك ما تيسر ذكره إن شاء الله تعالى مما لم نذكر قبل، وأكثر من ذلك مما كان قد افتتح على عهد عمر، رحمه الله، وانتقض بعد وفاته، فوجه إليه عثمان، رحمه الله، فاستردده، حتى استوثق الأمر، وانتظمت الفتوح.
ذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب «1»
ويقال: إنها كانت فى السنة التى بويع فيها عثمان، وقيل: فى سنة خمس وعشرين بعدها، وقيل: فى سنة ست، ذكر ذلك كله الطبرى.
وحكى «2» أيضا عن أبى مخنف، عن قرة بن لقيط الأزدى ثم العامرى: أن مغازى أهل الكوفة كانت الرى وأذربيجان، وكان بالبحرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة، ستة آلاف بأذربيجان، وأربعة آلاف بالرى، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل، وكان يغزو هذين المصرين منهم عشرة آلاف كل سنة، فكان الرجل تصيبه فى كل أربع سنين غزوة، فغزا الوليد بن عقبة فى أزمانه على الكوفة فى سلطانه عثمان أذربيجان وأرمينية، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلى، فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد فى جماعة الناس يريد أن يمعن فى أرض أرمينية، فمضى حتى دخل أذربيجان، فبعث عبد الله بن شبل بن عوف الأحمسى فى أربعة آلاف، فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان، فأصاب من أموالهم وغنم، وسبى سبيا يسيرا، وتحرز القوم منه، فأقبل بذلك إلى الوليد.
ثم إن الوليد صالح أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم، وذلك هو الصلح الذى كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان أيام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ثم حبسوها بعد وفاته، فلما وطئهم الوليد بالجيش، انقادوا وطلبوا إليه أن يتم لهم على ذلك صلح ففعل، وقبض منهم المال، وبث الغارات فيمن حولهم من أعداء الإسلام، فبعث سلمان ابن ربيعة إلى أرمينية فى إنثى عشر ألفا، فسار فى أرضها، فقتل وسبى، وغنم وانصرف
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 246، 247) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 149، 150) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (2/ 43، 44) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 246) .
(2/610)

مملوء اليدين إلى الوليد، فانصرف الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته. فلما دخل الموصل راجعا أتاه كتاب من عثمان، رحمه الله:
أما بعد، فإن معاوية بن أبى سفيان كتب إلىّ يخبرنى أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع كثيرة عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابى هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وسخاءه وإسلامه فى ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذى يأتيك فيه رسولى، والسلام.
فقام الوليد فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإن الله قد أبلى المسلمين فى هذا الوجه بلاء حسنا، فرد عليهم بلادهم التى كفرت، وفتح بلادا لم تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، والحمد لله رب العالمين. وقد كتب إلىّ أمير المؤمنين أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى ثمانية آلاف، تمدون إخوانكم من أهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفى ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة، فانتدب الناس، فلم يمض ثلاثة أيام حتى خرج فى ثمانية آلاف من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، فشنوا عليهم الغارات، وأصابوا ما شاؤا من سبى، وملأوا أيديهم من المغانم، وافتتحوا بها حصونا كثيرة.
وكان على أهل الشام حبيب بن مسلمة، وسلمان على أهل الكوفة، وزعم الواقدى أن سعيد بن العاص هو الذى أمد حبيبا بسلمان، وأن سبب ذلك أن عثمان، رضى الله عنه، أمر معاوية بإغزاء حبيب فى أهل الشام وأرمينية، فوجهه إليها معاوية، فبلغ حبيبا أن الموريان الرومى قد توجه نحوه فى ثمانين ألفا من الروم والترك، فأعلم بذلك معاوية فكتب معاوية إلى عثمان، فكتب عثمان إلى سعيد بإمداد حبيب، فأمده بسلمان فى ستة آلاف، وكان حبيب صاحب كيد، فأجمع على أن يبيت الموريان، فسمعته امرأته، أم عبد الله بنت يزيد الكلبية، يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق الموريان أو الجنة، ثم بيتهم، فقتل من اشرأب له، وأتى السرادق فوجد امرأته قد سبقت، فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق، ثم مات عنها حبيب، فخلف عليها الضحاك ابن قيس الفهرى، فهى أم ولد.
(2/611)

ذكر انتقاض فارس، ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها «1»
ولما ولى عثمان، رحمه الله، أقر أبا موسى الأشعرى على البصرة ثلاث سنين، وعزله فى الرابعة، وأمر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، وعلى سجستان عبيد الله بن عمير الليثى من بنى ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير فى خراسان حتى بلغ فرغانة، فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر التيمى، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث على كرمان عبيد الله بن عنبس، وبعث إلى فارس والأهواز نفرا، وأبو موسى فى كل ذلك على البصرة.
فلما كان فى السنة الثالثة كفر أهل ايذج والأكراد، فنادى أبو موسى فى الناس، وحضهم، وذكر من فضل الجهاد فى الرجلة، حتى حمل نفر على دوابهم، وأجمعوا على ألا يخرجوا إلا رجالة، ثم نشأ بينه وبين أهل البصرة فى هذا الاستنفار ما نفرهم عنه، وطلبوا إلى عثمان أن يديلهم عنه، فدعا عثمان عند ذلك عبد الله بن عامر، فأمره على البصرة وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان بن سعد، واستعمل على خراسان أمين بن أحمر اليشكرى، وعلى سجستان عمران بن الفضل البرجمى، وعلى كرمان عاصم بن عمرو، فمات بها.
فجاشت فارس فانتفضت بعبيد الله بن معمر، واجتمعوا له باصطخر، فالتقوا على بابها، فقتل عبيد الله، وبلغ الخبر عبد الله بن عامر، فاستنفر أهل البصرة إليهم، وخرج فى الناس وعلى مقدمته عثمان بن أبى العاص، فالتقى هو وأهل فارس باصطخر، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها فى ذل، وكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب إليه يأمره أن يولى على كور فارس نفرا سماهم له، وفرق خراسان بين ستة نفر، منهم الأحنف بن قيس على المروين.
ذكر انتقاض خراسان، وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها
ذكر الطبرى أن أدانى أهل خراسان وأقاصيهم اعترضوا زمان عثمان، رضى الله عنه،
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 264- 266) .
(2/612)

لسنتين خلتا من إمارته، فبدأ بنو كنارى وهم أخوال كسرى، فأنثروا وألجأوا عبد الرحمن ابن سمرة وعماله إلى مرو الروذ، وثنى أهل مرو الشاهجان، وثلث بنيزل فاستولى على بلخ، وأرز من بها إلى مرو الروذ وعليها ابن سمرة، فكتب إلى عثمان بخلع أهل خراسان، فأرسل إلى ابن عامر أن يسير فى جند البصرة، فخرج ابن عامر فى الجنود حتى يدخل خراسان على الطبسين من قبل يزدجرد، وبث الجنود فى كورها وأمرهم أن يطأوا فيهم، ووطأ هو فى أهل هراة بعد ما وهنهم الجزاء، وصالحوه، ثم ثنى بنيسابور ففعلت فعل هراة، ولقيت الكور من الجنود مثل ذلك، فذلوا لهم، واكتتب منهم أهل مرو الشاهجان وسائر خراسان، وسار ابن عامر إلى نيزل فقتل تركه قتل الكلاب، ولحق هو بترك بلاد الشام، وسيأتى بعد هذه المجملات مفصلة بعد.
وذكر الطبرى «1» بإسناد له قال: غزا سعيد بن العاص، وهو على الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن الزبير، وخرج عبد الله ابن عامر من البصرة يريد خراسان، فسبق سعيدا ونزل ابرشهر، وبلغ ذلك سعيدا، فنزل قرمس، وهى صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فأتى جرجان، فصالحوه على مائتى ألف، ثم أتى طميسة، وهى كلها من طبرستان متاخمة لجرجان، وهى مدينة على ساحل البحر، فقاتله أهلها حتى صلى يومئذ صلاة الخوف، وهم يقتتلون، بعد أن سأل حذيفة فأخبره كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حيل عاتقه، فخرج السيف من مرفقه، وحاصرهم، فطلبوا الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا، ففتحوا الحصن، فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا، وحوى ما كان فى الحصن.
وذكر الطبرى «2» من طريق آخر أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلا على وجل وخوف من أهل جرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان، فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان.
وعن بشر بن حنظلة العمى أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، فكانوا يجبون
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 269، 270) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 271) .
(2/613)

أحيانا مائة ألف، ويقولون: صلحنا، وأحيانا مائتى ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكثروا، فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب، فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد ابن العاص.
ذكر مقتل يزدجرد «1»
قال الطبرى «2» : اختلف فى سبب قتله، كيف كان؟ فذكر عن ابن إسحاق أن يزدجرد هرب من كرمان فى جماعة ليسير إلى مرو، فسأل مرزبانها مالا فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرون بهم عليه، فأتوه فبيتوه، وقتلوا أصحابه، وقيل: بل أهل مرو هم الذين بيتوه لما خافوه، ولم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا أصحابه، وخرج هاربا على رجليه، معه منطقته وسيفه وتاجه، حتى أتى إلى منزل نقار على شط المرغاب، فلما غفل يزدجرد، وقيل: لما نام، قتله النقار وأخذ متاعه، وألقى جسده فى المرغاب، فأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره، حتى خفى عليهم عند منزل النقار، فأخذوه لهم بقتله، وأخرج متاعه، فقتلوا النقار وأهل بيته، وأخذ متاعه ومتاع يزدجرد وأخرجوه من المرغاب فجعلوه فى تابوت خشب، فزعم بعضهم أنه حمل إلى اصطخر فدفن بها فى أول سنة إحدى وثلاثين.
وكان يزدجرد قد وطئ امرأة بمرو، فولدت منه بعد مقتله غلاما ذاهب الشق، فسمى المخدج، وعاش حتى ولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين فقيل له: إنهما من ولد المخدج، فبعث بهما أو بإحداهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن الوليد بن عبد الملك الناقص.
وذكر عن المدائنى أن يزدجرد أتى خراسان، ومعه خرزادمهر أخو رستم، فقال لمرزبان مرو واسمه ماهويه: إنى قد أسلمت إليك الملك، ثم أقام بمرو وهم بعزل ماهويه، فكتب ماهويه إلى الترك يخبرهم بمكانه وعاهدهم على المؤازرة عليه وخلى لهم الطريق،
__________
(1) انظر الخبر فى: الطبرى (4/ 293- 300) ، البداية والنهاية لابن كثير (7/ 158، 159) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (3/ 59- 61) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 293، 294) .
(2/614)

فأقبلوا إلى مرو وخرج إليهم يزدجرد فى أصحابه، فقاتلهم ومعه ماهويه فى أساورة مرو، فأثخن فى الترك حتى خشى ماهويه أن ينهزموا، فتحول إليهم فى أساورة مرو، فانهزم جند يزدجرد وقتلوا، وعقر عند المساء فرس يزدجرد، فمضى ماشيا هاربا حتى انتهى إلى بيت فيه رحى على شط المرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه إلى أن دخل صاحب الرحى بيته فى اليوم الثانى، فرأى يزدجرد، فقال: ما أنت؟ إنسى أم جنى؟ قال: إنسى، فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: إنى مزموم، فأتنى بما أزمزم به.
فذهب الطحان إلى بعض الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟
فقال: عندى رجل لم أر مثله قط، وقد طلب هذا منى، فجاء الأسوار بالطحان إلى ماهويه، فأخبره فقال: هذا يزدجرد، اذهبوا فجيئونى برأسه، فقال له الموبذ: ليس ذلك إليك، قد علمت أن الدين والملك مقترنان، لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر، ومتى فعلت انتهكت الحرمة العظيمة، وتكلم الناس فأعظموا ذلك، فشتمهم ماهويه وقال للأساورة:
من تكلم فاقتلوه، وأمر عدة فذهبوا مع الطحان ليقتلوا يزدجرد، فانطلقوا، فلما رأوه كرهوا قتله، وتدافعوا ذلك، وقالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه وهو نائم ومعه حجر فشدخ به رأسه، ثم اجتزه فدفعه إليهم، وألقى جسده فى المرغاب، فخرج قوم من أهل مرو فقتلوا الطحان وهدموا أرحاءه.
وذكر الطبرى «1» حديثين مختلفين مطولين، وأحدهما أطول من الآخر يتضمن ضروبا من الاضطرابات تقلب فيها، وأنواعا من الدوائر دارت عليه، حتى كانت منيته آخرها، وفيه أن رجال ماهويه الذين وجههم لطلب يزدجرد وأمرهم بقتله لما انتهوا إلى الطحان، فسألوه عنه، فأنكره، فضربوه ليدل عليه فلم يفعل، فلما أرادوا الانصراف قال أحدهم:
إنى أجد ريح المسك، ونظر إلى طرف ثوب من ديباج فى الماء، فاجتذبه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألا يقتله ولا يدل عليه، وجعل له سواره وخاتمه ومنطقته، فأبى عليه إلا أن يعطيه دراهم ويخلى عنه، ولم يكن ذلك عند يزدجرد، فقال: قد كنت أخبر أنى سأحتاج إلى أربعة دراهم، وقال للرجل: ويحك، خاتمى لك، وثمنه لا يحصى، فأبى وأنذر أصحابه، فأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألا يقتلوه، وقال: ويحكم، إنا نجد فى كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق فى الدنيا، مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلونى وائتوا بى إلى الدهقان، أو سرحونى إلى العرب، فإنهم يستحيون مثلى من
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 298) ، الأخبار الطوال (ص 139، 140) .
(2/615)

الملوك، فأخذوا ما كان عليه من الحلى، فجعلوه فى جراب وختموا عليه، ثم خنقوه بوتر، وطرحوه فى نهر مرو.
وفى آخر الحديث «1» : أنه لما بلغ مقتله رجلا من أهل الأهواز كان مطرانا على مرو، جمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إن ملك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى، ولهذا الملك عنصر فى النصرانية، وإنما شهريار ولد شيرين التى قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتها فى غير وجه، مع ما نال النصارى فى مملكة جده كسرى من الشرف، وقبل ذلك فى مملكة ملوك من أسلافه، حتى بنى لهم بعضهم البيع، وسدد لهم بعضهم، يعنى للنصارى، ملتهم فينبغى لنا أن نحزن لقتل هذا الملك ونظهر من كرامته بقدر ما كان من إحسان سلفه وجدته إلى النصارى، وقد رأيت أن أبنى له ناووسا، وأحمل جثته فى كرامة حتى أواريها.
فقال له النصارى: أمرنا لأمرك تبع، ونحن لك على رأيك هذا مواطئون، فأمر المطران ببناء ناووس فى جرف بستان المطارنة بمرو، ومضى بنفسه ومعه نصارى مرو حتى استخرج جثة يزدجرد من النهر وكفنها وجعلها فى تابوت وحملها هو وأولئك النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الذى بنى له وواروه فيه، وردموا بابه، فكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين فى دعة وست عشرة فى تعب من محاربة العرب إياه.
وكان آخر ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب، فسبحان ذى العظمة والملكوت، الملك الحق الدائم الذى لا يموت، لا إله إلا هو، كل شىء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
ذكر فتح أبرشهر، وطوس، وبيورد، ونسا، وسرخس، وصلح مرو
ذكر الطبرى «2» أن ابن عامر لما فتح فارس قام إليه أوس بن حبيب التميمى، فقال:
أصلح الله الأمير إن الأرض بين يديك، ولم تفتح من ذلك إلا القليل، فسر فإن الله ناصرك، قال: أو لم نأمرك بالمسير؟ وكره أن يظهر له أنه قبل رأيه.
وذكر فى بعض ما ذكره عن المدائنى أن ابن عامر لما فتح فارس رجع إلى البصرة
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 300) .
(2) انظر: تاريخ الملوك والرسل للطبرى (3/ 300- 303) .
(2/616)

واستعمل على اصطخر شريك بن الأعور الحارثى، فدخل على ابن عامر رجل من بنى تميم يقال له: الأحنف، وقيل غيره، فقال له: إن عدوك منك هارب، ولك هائب، والبلاد واسعة، فسر فإن الله ناصرك ومعز دينه.
فتجهز ابن عامر وأمر الناس بالتجهيز للمسير، واستخلف على البصرة زيادا، وسار إلى كرمان، ثم أخذ إلى خراسان.
قال: وأشياخ كرمان يذكرون أنه نزل العسكر بالسيرجان، وسار إلى خراسان، واستعمل على كرمان مجاشع بن مسعود، وأخذ ابن عامر على مفازة رابر، وهى ثمانون فرسخا، ثم سار إلى الطبسين يريد أبرشهر، وهى مدينة نيسابور، وعلى مقدمته الأحنف ابن قيس، فأخذ إلى قهستان، وخرج إلى أبرشهر فلقيته الهياطلة فقاتلهم الأحنف فهزمهم، ثم أتى ابن عامر نيسابور، وافتتح ابن عامر مدينة أبرشهر، قيل: صالحا، وقيل:
عنوة، وفتح ما حولها: طوس وبيورد ونسا وحمران وسرخس.
ويقال: إنه بعث إلى سرخس عبد الله بن خازم ففتحها، وأصاب جاريتين من آل كسرى.
ويروى أن أهل أبرشهر لما فتحها ابن عامر صالحا فى قول من قال ذلك، أعطوه جاريتين من آل كسرى.
وعن أشياخ من أهل خراسان: أن ابن عامر سرح الأسود بن كلثوم، من عدى الرباب، إلى بيهق، وهى من أبرشهر، بينهما ستة عشر فرسخا، ففتحها، وقتل الأسود، وكان فاضلا فى دينه ومن أصحاب عامر بن عبد قيس، وكان عامر يقول بعد ما خرج من البصرة: ما آسى من العراق على شىء إلا على ظماء الهواجر وتجاوب المؤنين، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم.
ويروى أن ابن عامر لما غلب على من بنيسابور أرسل إله أهل مرو يطلبون الصلح، فبعث إليهم حاتم بن النعمان، فصالح مرزبان مرو على ألفى ألف ومائتى ألف.
وقال مقاتل بن حيان: على ستة آلاف ألف ومائتى ألف.
قال الطبرى «1» : وفى سنة اثنتين وثلاثين كانت غزوة معاوية بن أبى سفيان مضيق القسطنطينية، ومعه زوجته عاتكة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف،
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 304، 305) .
(2/617)

وقيل: فاختة. واستعمل سعيد بن العاص، سلمان بن ربيعة على فرج بلنجر، وأمد الجيش الذى كان به مقيما مع حذيفة بأهل الشام، عليهم حبيب بن مسلمة.
وكان عثمان، رحمه الله، قد أمر سعيدا بإغزاء سلمان، فيما ذكره سيف عن بعض رجاله، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة، الذى يقال له: ذو النور، وهو على الباب: أن الرعية قد أبطر كثيرا منها البطنة، فقصر ولا تقتحم بالمسلمين، فإنى خاش أن يبتلوا، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، فغزا فى السنة التاسعة من إمارة عثمان حتى إذا بلغ بلنجر حصرها ونصب عليها المجانيق والعرادات، فجعل لا يدنو منها أحد إلا أعنتوه أو قتلوه، وأسرعوا فى الناس.
ثم إن الترك اتعدوا يوما، فخرج أهل بلنجر، وتوافى إليهم الترك فاقتتلوا فأصيب عبد الرحمن، ذو النور، فانهزم المسلمون وتفرقوا.
وقد تقدم ذكر مقتله قبل، وأن المشركين احتازوه إليهم فجعلوه فى سفط، فكانوا يستسقون به بعد ويستنصرون به.
وذكر سيف من بعض طرقه»
: أنه لما تتابعت الغزوات على الخزر تذامروا وتعايروا وقالوا: كنا أمة لا يقوم لها أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها، فقال بعضهم: إنهم لا يموتون، ولو كانوا يموتون لما افتتحوا علينا. ثم كمنوا فى الغياض ليجربوا، فرموا بعض من مر بهم فى ذلك الكمين من جند المسلمين فقتلوهم، فعند ذلك تداعوا إلى الحرب وتواعدوا يوما، فاقتتلوا فقتل عبد الرحمن وتفرق الناس فرقتين، فرقة نحو الباب فحماهم سلمان الفارسى حتى أخرجهم، وفرقة نحو الخزر، فطلعوا على جيلان وجرجان، فيهم سلمان الفارسى وأبو هريرة.
وقال بعضهم: غزا أهل الكوفة ثمان سنين من إمارة عثمان، رضى الله عنه، لم تئم فيهن امرأة، ولم ييتم فيهن صبى من قتل حتى كان، يعنى فى السنة التاسعة، فكان ما ذكر من قتل عبد الرحمن بن ربيعة ومن أصيب معه.
ذكر فتح مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان
ذكر الطبرى «2» بإسناده عن ابن سيرين قال: بعث ابن عامر، الأحنف بن قيس إلى
__________
(1) انظر: الطبرى (3/ 305، 306) .
(2) انظر: الطبرى (4/ 310- 313) .
(2/618)

مرو الروذ، فحصر أهلها، فخرجوا إليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصونهم، فأشرفوا عليهم، فقالوا: يا معشر العرب، ما كنتم عندنا كما نرى، لو علمنا أنكم كما نرى لكاتب لنا ولكم حال غير هذه، فأمهلونا ننظر فى يومنا، وارجعوا إلى عسكركم، فرجع الأحنف.
فلما أصبح غاداهم وقد أعدوا له، فخرج من المدينة رجل من العجم معه كتاب، فقال: إنى رسول فأمنونى، فأمنوه، فإذا هو ابن أخى مرزبان مرو ومعه كتابه إلى الأحنف، وإذا فيه: إلى أمير الجيش، إنا نحمد الله الذى بيده الدول، يغير ما شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذلة، ويضع من شاء بعد الرفعة، إنى دعانى إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدى، وما كان رأى من صاحبكم من الكرامة والمنزلة، فمرحبا بكم فأبشروا، وأنا أدعوكم إلى الصلح على أن أؤدى إليكم خراجنا ستين ألف درهم، وأن تقروا بيدى ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جد أبى حيث قتل الحية التى أكلت الناس وقطعت السبيل من الأرض والقرى بما فيها من الرجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتى شيئا من الخراج، ولا تخرجوا المرزبة من أهل بيتى إلى غيرهم، فإن جعلت ذلك لى خرجت إليك، وقد بعثت إليك ابن أخى ماهك ليستوثق منك بما سألت.
فكتب إليه الأحنف:
بسم الله الرحمن الرحيم، من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرو الروذ ومن معه من الأساورة والأعاجم، سلام على من اتبع الهدى وآمن واتقى، أما بعد، فإن ابن أخيك ماهك قدم علىّ، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك، وقد عرضت ذلك على من معى من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء، وقد أجبناك إلى ما سألت، وعرضت علىّ أن تؤدى عن كورتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلىّ وإلى الوالى بعدى من أمراء المسلمين، إلا ما كان من الأرضين التى ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطعها جد أبيك، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وإن عليك نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك، وإن لك على ذلك نصر المسلمين على من يقاتل من ورائك من أهل ملتك، جار لك بذلك منى كتاب يكون لك بعدى، ولا خراج عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوى الأرحام، وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك ما للمسلمين من العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم، ولك بذلك ذمتى وذمة أبى وذمة المسلمين وذمم آبائهم.
(2/619)

وعن مقاتل بن حيان: أن ابن عامر صالح أهل مرو، وبعث الأحنف فى أربعة آلاف إلى طخارستان، فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مرو الروذ، وجمع له أهل طخارستان، وأهل الجوزجان، والطالقان، والفارياب، وكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفا، وأتى الأحنف خبرهم، فاستشار الناس فاختلفوا، فمن قائل: نرجع إلى مرو، وقائل:
نرجع إلى أبرشهر، وقائل: نقيم ونستمد، وقائل: نلقاهم فنناجزهم.
قال: فلما أمسى الأحنف خرج يمشى فى العسكر، ويسمع حديث الناس، فمر بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن، وهم يتحدثون ويذكرون العدو، فقال بعضهم:
الرأى للأمير إذا أصبح أن يسير حتى يلقى القوم حيث لقيناهم، فإنه أرعب لهم، فنناجزهم، فقال صاحب الخزيرة أو العجين: إن فعل ذلك فقد أخطأ، أتأمرونه أن يلقى حد العدو مصحرا فى بلاده، فيلقى جميعا كثيرا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلموا؟
ولكن الرأى له أن ينزل بين المرغاب والجبل، فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره فلا يلقاه من عدوه وإن كثروا إلا عدد أصحابه، فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال، فضرب عسكره، وأقام فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه، فقال: إنى أكره أن أستنصر بالمشركين، فأقيموا على ما أعطيناكم، فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم، وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم.
قال: فوافوا المسلمين صلاة العصر، فعاجلهم المشركون، فناهضوهم وقاتلوهم فصبر الفريقان حتى أمسوا، والأحنف يتمثل:
أحق من لم يكره المنية ... حزور ليست له ذرية
وفى غير حديث مقاتل أن الأحنف لقيهم فى المسلمين ليلا فقاتلوهم حتى ذهب عامة الليل، ثم هزمهم الله، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى رسكن، وهى على أثنى عشر فرسخا من قصر الأحنف، وكان مرزبان مرو الروذ قد تربص بحمل ما كان صالح عليه، لينظر ما يكون من أمرهم، فلما ظفر الأحنف سرح رجلين إلى المرزبان، وأمرهما أن لا يكلماه حتى يقبضاه ففعلا، فعلم أنهما لم يصنعا ذلك به إلا وقد ظفروا، فحمل ما كان عليه.
وبعث الأحنف إلى الجوزجان الأقرع بن حابس فى جريدة خيل إلى بقية كانت بقيت من الزحوف التى هزمهم الأحنف، فقاتلهم الأقرع بخيله، فجال المسلمون جولة، فقتل بعض فرسانهم، ثم أظفر الله المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم، وأولئك القتلى من فرسان
(2/620)

المسلمين عنى أبو كثير النهشلى إذ قال:
سقى مزن السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان
وهى طويلة.
ذكر جرى الصلح بين الأحنف وبين أهل بلخ «1»
قال المدائنى بإسناده عن إياس بن المهلب: سار الأحنف من مرو الروز إلى بلخ، فحاصرهم، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف، فرضى بذلك منهم، واستعمل ابن عمه أسيد بن المتشمس على أخذها منهم، ومضى إلى خوارزم، فأقام حتى هجم عليه الشتاء، فقال لأصحابه: ما ترون؟ فقال له حصين: قد قال عمرو بن معدى كرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فأمر الأحنف بالرحيل، ثم انصرف إلى بلخ، وقد قبض ابن عمه ما صالحهم عليه، ووافق مهرجانهم وهو يجيبهم، فأهدوا إليه هدايا من آنية الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع ودواب، فقال أسيد: هذا لم نصالحكم عليه، قالوا: لا، ولكن هذا شىء نصنعه فى هذا اليوم لمن ولينا، نستعطفه به، قال: ما أدرى ما هذا؟ وإنى لأكره أن أرده، ولعله من حقى، ولكنى أقبضه وأعزله حتى أنظر، وقدم الأحنف، فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا مثل ما قالوا له، فقال الأحنف: آتى به الأمير، فحمله إلى ابن عامر وأخبره عنه، فقال:
اقبضه يا أبجر، فهو لك، قال: لا حاجة لى فيه، فقال ابن عامر: ضمه إليك يا مسمار، قال: فضمه القرشى، وكان مضما.
وذكر المدائنى بإسناد آخر: أن ابن عامر حين صالح أهل مرو، وصالح الأحنف أهل بلخ بعث خليد بن عبد الله الحنفى إلى هراة وإلى باذغيس، فافتتحهما، ثم كفر العدو بعد ذلك فكان مع قارن.
وقال: ولما رجع الأحنف قال الناس لابن عامر: ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس، وكرمان، وسجستان، وعامة خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكرى لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفى، فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على عثمان، رضى الله عنه، لامه على إحرامه من خراسان، وقال له: ليتك تضبط الميقات الذى يحرم
__________
(1) انظر: الطبرى (4/ 313، 316) .
(2/621)

منه الناس. قال: استخلف ابن عامر على خراسان حين خرج منها سنة اثنتين وثلاثين قيس بن الهيثم، فجمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان، فأقبل فى أربعين ألفا، فقال قيس لعبد الله بن حازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تخلى البلاد فإنى أميرها، ومعى عهد من ابن عامر، إذا كانت حرب بخراسان فأنا أميرها، وأخرج كتابا قد افتعله، فكره قيس مشاغبته، فخلاه والبلاد، وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر، وقال: تركت البلاد حربا وأقبلت؟ قال: جاءنى بعهد منك.
قال: وسار ابن خازم إلى قارن فى أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودك، فلما قرب من عسكره أمر الناس أن يدرج كل واحد منهم على زج رمحه ما كان من خرقة أو قطن أو صوف، ثم يوسعوه ودكا من سمن أو زيت أو دهن أو إهالة. وقدم مقدمته ستمائة، ثم أتبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران فى أطراف الرماح، وجعل بعضهم يقتبس من بعض، وانتهت مقدمته إلى عسكر قارن نصف الليل، ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج المشركون على دهش، وكانوا آمنين على أنفسهم من البيات، ودنا ابن خازم منهم، فرأوا النيران يمنة ويسرة، وتتقدم وتتأخر، وتنخفض وترتفع، ولا يرون أحدا فهالهم ذلك، ثم غشيهم ابن خازم بالمسلمين، ومقدمته تقاتلهم، فقتل قارن وانهزم العدو، فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا، وأصابوا سبيا كثيرا، وأخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فرضى وأقره على خراسان، فلبث عليها حتى انقضى أمر الجمل.
وقد روى أنه لما جمع قارن هذا الجمع للمسلمين، ضاق المسلمون بأمرهم، واستشار قيس، عبد الله بن خازم فى ذلك، فقال له: إنك لا تطيق كثرة من أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره بكثرة من جمعوا لنا، ونقيم نحن فى هذه الحصون نطاولهم حتى تقدم ويأتينا مددكم، فخرج قيس، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهدا، وقال: قد ولانى ابن عامر على خراسان، فسار إلى قارن وظفر به، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فأقره على خراسان، فلم يزل أهل البصرة يغزون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا رجعوا خلفوا أربعة آلاف للعقبة، فكانوا كذلك حتى كانت الفتنة، فالله أعلم أى ذلك كان.
فتح عمورية وانتقاضها
وعن سعيد بن عبد العزيز: أن عثمان رضى الله عنه إئتم بأبى بكر وعمر رضى الله
(2/622)

عنهما فى أثرة المجاهدين وتقويتهم بالأموال، ولقد زاد عثمان أهل العطاء مائة مائة، وتابع إغزاءهم أرض الروم، حتى ذلت عمورية وما دونها من مدائن ضاحية الروم على أداء الجزية، وعلى إنزال جماعة من المسلمين مدينة عمورية يقاتلون من خلفها، فلم يزل المسلمون بها حتى بلغ أهل عمورية قتل عثمان رضى الله عنه قبل أن يبلغ ذلك من كان بها من المسلمين، فقتلوهم على فرشهم، وانتقض ذلك الصلح.
وتمت الفتوح بعثمان رضى الله عنه ورحمه فلم تفتح بعده بلدة إلا صالحا، كان كفر أهلها، أو أرض مما افتتح، عيال على ما افتتح عمر، لا يقوى عليها الجنود إلا بالفىء الذى أفاء الله عز وجل على عمر رضى الله عنه.
مقتل عثمان رضى الله عنه
وقتل عثمان رضى الله عنه بالمدينة فى الثامن عشر لذى الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل فى وسط أيام التشريق، وقيل يوم التروية، وقيل غير ذلك، ولا خلاف بينهم فى أنه قتل فى ذى الحجة، وإنما الخلاف فى أى يوم منه قتل، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأياما، وسنه يوم قتل مختلف فيها أيضا على ما قيل فى ذلك أنه كان ابن تسعين سنة، وقيل: ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن ست وثمانين سنة، وقيل: ابن اثنتين وثمانين، وقيل، ابن ثمانين.
وقتل رحمه الله ورضى عنه ظلما وتعديا، بمقدمات فتن نشأت على عهده، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذر بها، وأخبر ان الحق مع عثمان رحمه الله ورضى عنه فيها.
وروى مرة البهزى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ستكون فتن كأنها صياصى بقمر» ، فمر علينا رجل متقنع فقال: هذا وأصحابه على الحق، فذهبت فنظرت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان رضى الله عنه.
وحديث عائشة رضى الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتى على خلعه فلا تخلعه» ، قال: فلم أدر ما هو حتى رأيت عثمان قد أعطى كل شىء سئله إلا الخلع، فعلمت أنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى سمع منه.
وفى حديث آخر عنها: أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسار عثمان، ولون عثمان يتغير،
(2/623)

فلما حصر قيل له، ألا تقاتل؟ قال: لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى عهدا فأنا صابر نفسى عليه.
وضايق الناس عثمان رضى الله عنه وانبسطوا عليه، وآذوه، وهو صابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم راض بقضاء الله فيه، آمر بكف الأسلحة والأيدى، كل من انبعث لنصره، واق للمؤمنين بنفسه.
حدث عبد الله بن ربيعة أنهم كانوا معه فى الدار، فلما سمع أنهم يريدون قتله قال:
ما أعلم أنه يحل دم المؤمن إلا الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، أو قتل نفس بغير حق، وأيم الله، ما زنيت فى جاهلية ولا إسلام، وما ازددت للإسلام إلا حبا، ولا قتلت نفسا بغير حق، فعلام تقتلوننى؟ ثم عزم علينا أن نكف أيدينا وأسلحتنا، وقال: إن أعظمكم غناء أكفكم ليده وسلاحه.
وقال أبو هريرة لأهل الدار وهو معهم فيها: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«تكون بعدى فتن وأمور» ، قلنا: فأين الملتجأ منها يا رسول الله؟ قال: «إلى الأمين وحزبه» ، وأشار إلى عثمان. فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فإذن لنا فى الجهاد، فقال عثمان: أعزم على من كانت لى عليه طاعة أن لا يقاتل.
ومما ينسب إلى كعب بن مالك يذكر هذه الحال من عثمان بعد قتله رضى الله عنه وقال مصعب: هى لحسان، وقال ابن أبى شبة: هى للوليد بن عقبة:
فكف يديه ثم أغلق بأبه ... وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لأهل الدار لا تقتلونهم ... عفا الله عن ذنب امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت الله ألقى عليهم ال ... عداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار السحاب الحوامل
وقال ابن عمر لبعض من وقع عنده فى عثمان: أما والله ما تعلم عثمان قتل نفسا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكن هو هذا المال إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه ذوى قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، ولا يتركون أميرا إلا قتلوه، وفاضت عيناه من الدمع، وقال: اللهم إنا لا نريد ذلك.
وحسب عثمان، رضى الله عنه، من الفضل العظيم، والحظ الجسيم، إلى ما له فى الإسلام من الآثار الكرام والنفقات التى بيضت وجه النبى عليه السلام قوله صلوات الله عليه: أنت وليى فى الدنيا والآخرة.
(2/624)

ويروى أنه لما قتل سقطت من دمه قطرات على المصحف فصادفت قول الله تعالى:
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137] ، ويقال: إن الذى تولى قتله من الذين دخلوا عليه رجل من أهل مصر يقال له جبلة بن الأيهم، وكذلك كان جمهور الداخلين عليه من أهل مصر. فيروى عن يزيد بن أبى حبيب، وهو من جملة المصريين أنه قال: بلغنى أن عامة النفر الذين ساروا إلى عثمان بن عفان جنوا.
وعن أبى قلابة قال: كنت فى فندق بالشام، فسمعت مناديا ينادى: يا ويلة، النار النار، فقمت فإذا أنا برجل مقطوع اليدين من المنكبين، مقطوع الرجلين من الحقوين، أعمى، منكب لوجهه ينادى: يا ويلة، النار النار، فقلت: ما لك؟ قال: كنت فيمن دخل على عثمان يوم الدار، وكنت فى سرعان الناس، أو من أول الناس وصل إليه، فلما دنوت منه صاحت امرأته فلطمتها، فنظر إلى عثمان فتغرغرت عيناه بالدموع، وقال: ما لك سلب الله يدك ورجليك وأعمى بصرك وأدخلك جهنم، قال: فأخذتنى رعدة شديدة، ولا والله ما أحدثت شيئا غير هذا.
فخرجت وركبت راحلتى، حتى إذا صرت بموضعى هذا ليلا أتانى آت، واله ما أدرى إنسى هو أم جنى، ففعل بى الذى ترى، وقد استجاب الله دعوته فى يدى ورجلى وبصرى، فو الله إن بقى إلا النار. قال أبو قلابة: فهممت أن أطاء برجلى، ثم قلت: بعدا وسحقا.
وكان مع عثمان رحمه الله ورضى عنه فى الدار جماعة من الصحابة وأناء الصحابة، يدرؤن عنه، وقاتلوا عنه يوم الدار حتى أخرج منهم يومئذ أربعة من شباب قريش محمولين مضرجين بالدم، وهم الحسن بن على، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، ولما أخبر على بقتله قال للذين أخبروه: تبا لكم آخر الدهر، وسمع يومئذ ضجة، فسأل عنها، فقيل: عائشة تلعن قتلة عثمان، والناس يؤمنون، فقال على:
اللهم العن قتلة عثمان، اللهم العن قتلة عثمان.
وقال سعيد بن زيد: لو أن أحدا انقض لما فعل بعثمان لكان حقيقا أن ينقض.
وقال ابن العباس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمى قوم لوط.
وقال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى يوم القيامة.
(2/625)

وفى ذلك يقول بعضهم:
لعمر أبيك ولا تكذبين ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد سفه الناس فى دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا
وذكرت عائشة رضى الله عنها قتله وقتلته فقالت: اقتحم عليه النفر الثلاثة حرمة البلد الحرام والشهر الحرام وحرمة الخلافة، ولقد قتلوه وإنه لمن أوصلهم للرحم وأتقاهم لربه.
وقال أيمن بن خريم:
ضحوا بعثمان فى الشهر الحرام ضحى ... فأى ذبح حرام ويلهم ذبحوا
وأى سنة كفر من أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا
ماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... بسفك ذاك الدام الذاكى الذى سفحوا
وقال على بن حاتم: سمعت يوم قتل عثمان صوتا يقول:
أبشر يا ابن عفان بروح وريحان ... أبشر يا ابن عفان برب غير غضبان
أبشر يا ابن عفان بغفران ورضوان
قال: فالتفت فلم أر أحدا.
والأخبار والأشعار فى هذه المعنى كثيرة، أعجلتنا عن الإكثار منها محاولة الخاتمة، فنسأل الله أن يجعلها جميلة، ويتقبلها قربة إليه وإلى رسوله ووسيلة.
(2/626)

الخاتمة
وقد انتهى والحمد لله ما عملنا عليه فى هذا الكتاب، من قصد الاستيفاء لمغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى الثلاثة الخلفاء، ولم يقع فى خلافة رابعهم فى تقلدها المحتوم بأيام محتوم أمدها، أبى الحسن على بن أبى طالب، رضى الله عنه وعنهم، من أمثال هذه الفتوح ما نثبته معها، ونجرى فى إيراده على الطريقة التى سلكنا مهيعها، لاستقباله بخلافته، رضى الله عنه، من مكابدة الفتن المارجة، ومحاربة الفئة الباغية، والفرقة الخارجة، ما أشتهر عند أهل الإسلام، وأغنى العلم به عن الإعلام، ولو كان لاغتنمنا به زيادة الإمتاع، وإفادة القلوب والأسماع، لأن هؤلاء الخلفاء الأربعة، رضى الله عنهم، هم بعد نبيهم، صلوات الله عليه، خير الأمة، والراشدون من الأئمة، وأولى من صرف إلى تقييد أخبارهم وتخليد آثارهم عنان الهمة، وأحق من اعتلق من حبهم، والإيواء إلى شعبهم، والثناء عليهم، والانضواء إلى حزبهم بأوثق أسباب العصمة وأمتن ذرائع الحرمة والرحمة، وكل صحابة المصطفى أهل منا لذلك، والموفق من سلك فى حبهم هذه المسالك.
وما فضل أصحاب النبى وقومه ... لمن رام إحصاء له بمحسب
ولكنه أجر وزخر أعده ... وأجعله أمنى وحصنى ومهربى
سأقطع عمرى بالصلاة عليهم ... وأداب فى حبى لهم كل مدأب
إليك رسول الله منها وسيلة ... تناجيك عن قلب بحبك مشرب
يزورك عن شحط الديار مسلما ... ويلقاك بالإخلاص لم يتنكب
تم كتاب الاكتفاء من مغازى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازى الثلاثة الخلفاء، رضى الله عنهم، وحشرنا معهم، وربنا المحمود لا إله غيره، ولا مرجو إلا بركته وخيره. برسم الفقير إلى الله تعالى جمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن السابق الحنفى الحموى، لطف الله تعالى به، على يد الفقير لعفو ربه القدير محمد بن خليل بن إبراهيم الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى، وفرغ من كتابته فى اليوم المبارك نهار الأربعاء السادس من صفر سنة ستين وثمانمائة، أحسن الله عقبتها، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(2/627)

فهرس محتويات الجزء الثانى
ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وكتابه إليهم يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام 3 ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، وما كان من خبر دحية معه 4 ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبى صلى الله عليه وسلم وما كان من خبره معه 10 ذكر إسلام النجاشى، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مع عمرو بن أمية الضمرى 12 كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبى بلتعة 13 ذكر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى العبدى مع العلاء بن الحضرمى بعد انصرافه من الحديبية 15 ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان، مع عمرو بن العاص 17 كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن على مع سليط بن عمرو العامرى، وما كان من خبره معه 19 ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى مع شجاع بن وهب 22 ذكر كتاب النبى صلى الله عليه وسلم إلى فروة بن عمرو الجذامى ثم النفاتى، وما كان من تبرعه بالإسلام هداية من الله عز وجل له 26
ذكر حجة الوداع وتسمى أيضا حجة التمام، وحجة البلاغ 30 ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين 36 بيعة أبى بكر رضى الله عنه وما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة ومنتهى أمر المهاجرين معهم 50 ذكر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه، وما يتصل بذلك من أمره صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته 58 ذكر خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيماء إليها والإشارات الدالة عليها مع ما كان من تقدمه صلى الله عليه وسلم إلى الإنذار بالفتن الكائنة بعده وما صدر عنه من الأقاويل المنذرة بالردة 85 ذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان من تأييد الله لخليفة رسوله عليه السلام فيها 88 وصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه 97 ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها 101 ذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام 105
(2/629)

قصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة 112
ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح 119
ذكر ردة بنى سليم 144
ردة البحرين 148
ذكر ردة أهل دبا وأزد عمان 154
ذكر ردة صنعاء 156
ذكر ردة كندة وحضرموت 159
ذكر بدء الغزو إلى الشام وما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك وما قوى عزمه عليه 166
وقعة أجنادين 201
وقعة مرج الصفر 206
ذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء 208
استخلاف عمر بن الخطاب 212
ذكر الخبر عما صار إليه أمر دمشق من الفتح والصلح بعد طول الحصار فى خلافة عمر بن الخطاب، على نحو ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام 218
ذكر بيسان 223
ذكر طبرية 223
حديث مرج الروم من رواية سيف أيضا 224
وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام 226
فتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام 243
حديث حمص آخر 248
فتح قنسرين 250
جمع الروم للمسلمين 251
وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام 259
قصة صلح إيلياء وقدوم عمر رضى الله عنه الشام 301
ذكر ما وعدنا به قبل من سياقة فتح قيسارية حيث ذكرها أصحاب فتوح الشام خلافا لما أوردناه قبل ذلك عن سيف بن عمر، مما لا يوافق هذا مساقا ولا زمانا، حسب ما يوقف عليه فى الموضعين إن شاء الله تعالى 318
ذكر فتح مصر 322
ذكر فتح أنطابلس 354
فتح أطرابلس 355
ذكر انتقاض الإسكندرية فى خلافة عثمان رضى الله عنه 356
ذكر غزو أفريقية وفتحها 358
ذكر صلح النوبة 362
ذكر البحر والغزو فيه 363
غزو معاوية بن أبى سفيان قبرس 364
غزوة ذات الصوارى 366
ذكر فتح العراق وما والاه على ما ذكره سيف بن عمر وأورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى عنه وعن غيره 368
أخبار الأيام فى زمان خالد بن الوليد رضى الله عنه 372
حديث الثّنى والمذار 376
حديث الولجة وهى مما يلى كسكر من
(2/630)

البر 378
حديث ألّيس، وهى على صلب الفرات 379
حديث أمغيشيا وكيف أفاءها الله بغير قتال 382
حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى مع ما يتصل به من حديث الحيرة 382
حديث الأنبار وهى ذات العيون 390
حديث عين التمر 391
حديث دومة الجندل وما بعدها من الأيام بحصيد والخنافس ومصيخ والبشر والفراض 392
حديث المثنى بعد خالد 398
ذكر ما كان من خبر العراق فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما كان من أمر المثنى بن حارثة معه، وذكر أبى عبيد بن مسعود، على ما فى ذلك كله من الاختلاف بين رواة الآثار 400
حديث وقعة الجسر 407
حديث البويب ووقعة مهران 415
حديث غارة المثنى على سوقى الخنافس وبغداد 426
حديث السرايا من الأنبار 428
ذكر ما هيج حرب القادسية على ما ذكره سيف عن أشياخه 429
تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق وذكر الخبر عن حرب القادسية 431
يوم أرماث 465
ذكر اليوم الثانى من أيام القادسية، وهو يوم أغواث 478
حديث يوم عماس، وهو اليوم الثالث من أيام القادسية 484
خبر اليوم الرابع من أيام القادسية 488
ذكر فتح المدائن وما نشأ بينه وبين القادسية من الأمور 504
حديث وقعة جلولاء 525
حديث يوم تكريت 531
ذكر يوم ماسبذان ويوم قرقيسيا 533
ذكر الحديث عن تمصير الكوفة والبصرة وتحول سعد بن أبى وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة 534
ذكر الجزيرة، وذكر السبب الذى دعا عمر إلى الأمر بقصدها 541
ذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير 544
حديث فتح الأهواز ومدينة سرق 546
ذكر غزو المسلمين أرض فارس 547
ذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان 549
ذكر فتح السوس 553
فتح جندى سابور 555
حديث وقعة نهاوند 556
ذكر الانسياح فى بلاد فارس، وعمل المسلمين به بإذن عمر رضى الله عنه، فيه بعد منعه إياهم، وما تبع ذلك من الفتوح فى بقية خلافته وقتال الترك والديلم وغيرهم 572
ذكر الخبر عن أصبهان 574
(2/631)

ذكر فتح همذان ثانية وقتال الديلم 576
فتح الرى 578
ذكر فتح قومس وجرجان 579
ذكر فتح طبرستان 580
فتح أذربيجان 580
حديث فتح الباب 581
ذكر مسير يزدجرد إلى خراسان ودخول الأحنف إليها غازيا 585
فتح توج 590
حديث اصطخر 591
حديث فسا ودارابجرد 593
حديث فتح كرمان 595
فتح سجستان 595
فتح مكران 596
حديث بيروذ 597
غزوة سلمة بين قيس الأشجعى الأكراد 599
ذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه إلى حين مقتله 601 ذكر خلافة ذى النورين أبى عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين، رضى الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر، رضى الله عنه 608
ذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب 610
ذكر انتقاض فارس، ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها 612
ذكر انتقاض خراسان، وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها 612
ذكر مقتل يزدجرد 614
ذكر فتح أبرشهر، وطوس، وبيورد، ونسا، وسرخس، وصلح مرو 616
ذكر فتح مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان 618
ذكر جرى الصلح بين الأحنف وبين أهل بلخ 621
فتح عمورية وانتقاضها 622
مقتل عثمان رضى الله عنه 623
الخاتمة 627
الفهرس 628
(2/632)