Advertisement

الإمامة والسياسة 001



الكتاب : الإمامة والسياسة
المؤلف : أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري ـ سنة الوفاة 276هـ.
تحقيق : خليل المنصور
الناشر : دار الكتب العلمية
سنة النشر : 1418هـ - 1997م.
مكان النشر : بيروت
عدد الأجزاء : 2 الإمامة والسياسة
____________________
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله تعالى نفتتح كلامنا بحمد الله تعالى ونقدس ربنا بذكره والثناء عليه لا إله إلا هو لا شريك له الذي اتخذ الحمد لنفسه ذكرا ورضي به من عباه شكرا وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله بالهدى وختم به رسل الله السعدا صلاة زاكية وسلم تسليما كثيرا أبدا فضل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما
حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا وكيع عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال عليه الصلاة والسلام هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين عليهم السلام ولا تخبرهما يا علي
حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمامي رضي الله عنه حدثنا أحمد بن حواش الحنفي قال حدثنا ابن المبارك عن عمر بن سعيد عن أبي مليكة قال سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول وضع عمر رضي الله عنه على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت فإذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يترحم على عمر رضي الله عنه وقال والله ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله تعالى بمثل عمله منك يا عمر وأيم الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبك وذاك أني كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وكنت أنا وأبو بكر وعمر وإن كنت لأظن أن يجعلك
____________________
(1/5)

الله تعالى معهما
وأخبرنا ابن أبي شيبة قال حدثنا يزيد بن الحباب عن موسى بن عبيد قال أخبرني أبو معاذ وأبو الخطاب عن علي رضي الله عنه قال بينما أنا جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة إلا ما كان من الأنبياء عليهم السلام ولا تخبرهما
حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الله بن عبد العلي عن القاسم بن أبي عبد الرحمن رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد هممت أن أبعث إلى الأمم رجالا يدعونهم إلى الإسلام ويرغبونهم في الدين فأبعث أبي بن كعب وسالما مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل كما فعل عيسى بن مريم عليهما السلام فقالوا يا رسول الله أفلا تبعث أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقال صلى الله عليه وسلم هما لا بد لي منهما هما مني بمنزلة السمع والبصر سؤال عمر بن عبد العزيز عن استخلاف الرسول لأبي بكر
وحدثنا قال أخبرنا ابن المبارك قال أخبرنا محمد بن الزبير قال أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري رحمهما الله تعالى أسأله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر رضي الله عنه فأتيته فاستوى جالسا وقال إي والذي لا إله هو استخلفه وهو كان أعلم بالله تعالى وأتقى لله تعالى من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره
____________________
(1/6)

استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه
عن ابن أبي مريم قال حدثنا العرياني عن أبي عون بن عمرو بن تيم الأنصاري رضي الله عنه وحدثنا سعيد بن كثير عن عفير بن عبد الرحمن قال حدثنا بقصة استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وشأن السقيفة وما جرى فيها من القول والتنازع بين المهاجرين والأنصار وبعضهم يزيد على بعض في الكلام فجمعت ذلك وألفته على معنى حديثهم ومجاز لغتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه الذي قبض فيه متوكئا على الفضل بن العباس رضي الله عنهما وغلام يقال له ثوبان رضي الله عنه ثم رجع صلى الله عليه وسلم فدخل منزله وقال لغلامه اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار رضي الله عنهم فأحدقوا بالباب وقالوا للغلام ائذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عنده نساؤه رضي الله تعالى عنهن فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهم فقال من هؤلاء فقيل له الأنصار رضي الله عنهم يبكون فخرج صلى الله عليه وسلم متوكئا على علي والعباس رضي الله عنهما فدخل المسجد واجتمع الناس إليه فقال صلى الله عليه وسلم إنه لم يمت نبي قط إلا خلف وراءه تركة وإن تركتي فيكم الأنصار رضي الله عنهم وهم كرشي التي آوي إليها أوصيكم بتقوى الله تعالى والإحسان إليهم فقد علمتم أنهم شاطروكم وواسوكم في العسر واليسر نصروكم في النشط والكسل فاعرفوا لهم حقهم واقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وهو معصوب الرأس شديد الوجع فلما كانت الصلاة أتى بلال المؤذن رضي الله عنه يدعو إلى الصلاة ففتح صلى الله عليه وسلم عينيه وقال للنساء ادعون لي حبيبي فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يريد أبا بكر فقالت أرسل
____________________
(1/7)

إلى عمر فإن أبا بكر رجل رقيق وإن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم افتضح من البكاء وعمر أقوى منه فأرسلت إلى عمر رضي الله عنه فأتى فسلم ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فرد السلام ثم أطرق عنه فعرف عمر أنه لم يرده فلما خرج أقبل صلى الله عليه وسلم عليهن وقال ادعون لي حبيبي فقالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله ان أبا بكر رجل رقيق أمرت عمر يصلي بالناس فقال صلى الله عليه وسلم إنكن صواحبات يوسف عليه السلام ادعون لي حبيبي إنما أفعل ما أومر فدعي أبو بكر رضي الله تعالى عنه استخلاف أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة بالناس
فلما جاء قال له اذهب مع المؤذن فصل بالناس فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس حتى كان اليوم الذي مات فيه رسول الله وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين اختلاف الصحابة على موضع دفنه صلى الله عليه وسلم
فأتمروا فقال قائل يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يصلي في مقامه فقال أبو بكر رضي الله عنه معاذ الله أن نجعله وثنا نعبده وقال قائل ندفنه صلى الله عليه وسلم في البقيع حيث دفن إخوانه من المهاجرين والأنصار
فقال أبو بكر إنا نكره أن نخرج قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا إلى البقيع قالوا فما ترى يا أبا بكر قال سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ( ما قبض نبي قط إلا دفن جسده حيث قبض روحه )
قالوا فأنت والله رضا ومقنع
وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قد لقي عليا كرم الله وجهه فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يقبض فاسأله إن كان الأمر لنا بينه وإن كان لغيرنا أوصى بنا خيرا محاولة العباس مبايعة الإمام علي
فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه أبسط يدك أبايعك فقال عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعك أهل بيتك فإن هذا الأمر إذا كان لم يقل فقال له علي كرم الله وجهه ومن يطلب هذا الأمر غيرنا وقد كان العباس رضي الله عنه لقي أبا بكر فقال هل أوصاك رسول الله بشيء قال لا
ولقي العباس أيضا عمر فقال له مثل ذلك
فقال عمر لا
فقال العباس لعلي رضي الله عنه ابسط يدك أبايعك ويبايعك أهل بيتك ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول
وحدثنا قال وحدثنا ابن عفير عن أبي عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري
____________________
(1/8)

رضي الله عنه
أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قبض اجتمعت الأنصار رضي الله عنهم إلى سعد بن عبادة فقالوا له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض
فقال سعد لابنه قيس رضي الله عنهما إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي ولكن تلق مني قولي فأسمعهم فكان سعد يتكلم ويحفظ ابنه رضي الله عنهما قوله فيرفع صوته لكي يسمع قومه فكان مما قال رضي الله عنه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان فما آمن به من قومه إلا قليل والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفوا دينه ولا يدفعوا عن أنفسهم حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة وساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم والمنع له ولأصحابه والإعزاز لدينه والجهاد لأعدائه فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم وأثقله على عدوكم من غيركم حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا وكرها وأعطي البعيد المقادة صاغرا داخرا حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به
فأجابوه جميعا أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت توليتك هذا الأمر فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا
قال فأتى الخبر إلى أبي بكر رضي الله عنه ففزع أشد الفزع وقام معه عمر رضي الله عنهما فخرجا
____________________
(1/9)

مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فانطلقوا رضي الله عنهم جميعا حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من الأشراف معهم سعد بن عبادة رضي الله عنه فأراد عمر رضي الله عنه أن يبدأ بالكلام وقال خشيت أن يقصر أبو بكر رضي الله عنه عن بعض الكلام
فلما تيسر عمر للكلام تجهز أبو بكر رضي الله عنه وقال له على رسلك فستكفي الكلام فتشهد أبو بكر رضي الله عنه وانتصب له الناس فقال إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق فدعا إلى الإسلام فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما والناس لنا فيه تبع ونحن عشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة
وأنتم أيضا والله الذين آووا ونصروا وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمر الله عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم وهم أحق الناس فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة والله ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل
فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين وأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر
فقال الأنصار والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم وإنا لكما وصفت يا أبا بكر والحمد لله ولا أحد من خلق الله تعالى أحب إلينا منكم ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي
____________________
(1/10)


فقام أبو بكر فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها لهم شافعة وعليهم بالغة نافعة وإنما كانت حجارة منحوتة وخشبا منجورة فاقرؤوا إن شئتم { إنكم وما تعبدون من دون الله } الأنبياء 98 { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } يونس 18 وقالوا { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } الزمر 3 فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف عليهم زار لهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء الناس بهم واجتماع قومهم عليهم فهم أول من عبد الله في الأرض وأول من آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام رضيكم الله تعالى أنصارا لدينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لانفتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور
فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه فقال يا معشر الأنصار املكوا عليكم أيديكم فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ولن يجير
____________________
(1/11)

مجير على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولوا العدد والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وتقطع أموركم
أنتم أهل الإيواء والنصرة وإليكم كانت الهجرة ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم وأنتم أصحاب الدار والإيمان من قبلهم والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم فأنتم أعظم الناس نصيبا في هذا الأمر وإن أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير
فقام عمر رضي الله عنه فقال هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد إنه والله لا يرضي العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة
فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه فقال يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوها عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم فإنه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة والله لا يرد على أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف قال عمر بن الخطاب فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاني عنه فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا
ثم قام أبو عبيدة فقال يا معشر الأنصار أتنم أول من نصر وآوى فلا تكونوا أول من يبدل ويغير مخالفة بشير بن سعد ونقضه لعهدهم
قال وإن بشيرا لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بنت عبادة قام حسدا
____________________
(1/12)

لسعد وكان بشير من سادات الخزرج فقال يا معشر الأنصار أما والله لئن كنا أولى الفضيلة في جهاد المشركين والسابقة في الدين ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا وطاعة نبينا والكرم لأنفسنا وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس ولا نبتغي به عوضا من الدنيا فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك
ثم إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قريش وقومه أحق بميراثه وتولي سلطانه وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
قال ثم إن أبا بكر قام على الأنصار فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم دعاهم إلى الجماعة ونهاهم عن الفرقة وقال إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عبيدة ابن الجراح أو عمر فبايعوا من شئتم منهما فقال عمر معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا أنت أحقنا بهذا الأمر وأقدمنا صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضل منا في المال وأنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين وخليفته على الصلاة والصلاة أفضل أركان دين الإسلام فمن ذا ينبغي أن يتقدمك ويتولى هذا الأمر عليك أبسط يدك أبايعك
فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير بن سعد عقك عقاق ما اضطرك إلى ما صنعت حسدت ابن عمك على الإمارة قال لا والله ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم
فلما رأت الأوس ما صنع قيس بن سعد وهو من سادات الخزرج وما دعوا إليه المهاجرين من قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ولا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه فقاموا إليه فبايعوه فقام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة فقال فعلتموها يا معشر الأنصار أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء
قال أبو بكر أمنا تخاف يا حباب قال ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك
قال أبو بكر فإذا كان ذلك كذلك فالأمر إليك وإلى أصحابك ليس لنا عليكم طاعة قال الحباب هيهات يا أبا بكر إذا ذهبت أنا وأنت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم
____________________
(1/13)

تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن البيعة
فقال سعد بن عبادة أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض لسمعتم مني في أقطارها وزئيرا يخرجك أنت وأصحابك ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع خاملا غير عزيز فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطؤون سعدا
فقال سعد قتلتموني
فقيل اقتلوه قتله الله فقال سعد احملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما ثم بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك فقال أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل وأخضب منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي
فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله قال عمر لا تدعه حتى يبايعك فقال لهم بشير بن سعد إنه قد أبى ولج وليس يبايعك حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه وأهل بيته وعشيرته ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم فاتركوه فليس تركه بضاركم وإنما هو رجل واحد فتركوه وقبلوه مشورة بشير بن سعد واستنصحوا لما بدا لهم منه فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع بجمعتهم ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر رحمه الله وولي عمر بن الخطاب فخرج إلى الشام فمات بها ولم يبايع لأحد رحمه الله
وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب ومعهم الزبير بن العوام رضي الله عنه وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب وإنما كان يعد نفسه من بني هاشم وكان علي كرم الله وجهه يقول ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا واجتمعت بنو أميه إلى عثمان واجتمعت بنو زهرة إلى
____________________
(1/14)

سعد وعبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر مالي أراكم مجتمعين حلقا شتى قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا
وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم فقالوا انطلقوا فبايعوا أبا بكر فأبوا فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه بالسيف فقال عمر رضي الله عنه عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب بن الجدار وانطلقوا به فبايع وذهب بنو هاشم أيضا فبايعوا إباية علي كرم الله وجهه بيعة أبي بكر رضي الله عنهما
ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول أنا عبد الله وأخو رسوله فقيل له بايع أبا بكر فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتأخذونه منا أهل البيت غصبا ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار نحن أولى برسول الله حيا وميتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون
فقال له عمر إنك لست متروكا حتى تبايع فقال له علي احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا
ثم قال والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه
فقال له أبو بكر فإن لم تبايع فلا أكرهك فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه يا بن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا فسلم لأبي بكر هذا الأمر فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك
فقال علي كرم الله وجهه الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به
لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القاريء لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بسنن رسول الله المضطلع بأمر الرعية المدافع عنهم الأمور السيئة القاسم بينهم بالسوية
____________________
(1/15)

والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا
فقال بشير بن سعد الأنصاري لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان
قال وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به فيقول علي كرم الله وجهه أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه فقالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما لله حسيبهم وطالبهم كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
قال وإن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال والذي نفس عمر بيده
لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها فقيل له يا أبا حفص
إن فيها فاطمة فقال وإن فخرجوا فبايعوا إلا عليا فإنه زعم أنه قال حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها فقالت لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تزدوا لنا حقا
فأتى عمر أبا بكر فقال له ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة فقال أبو بكر لقنفد وهو مولى له اذهب فادع لي عليا قال فذهب إلى علي فقال له ما حاجتك فقال يدعوك خليفة رسول الله فقال علي لسريع ما كذبتم على رسول الله
فرجع فأبلغ الرسالة قال فبكى أبو بكر طويلا
فقال عمر الثانية لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ عد إليه فقل له خليفة رسول الله يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به فرفع على صوته فقال سبحان الله لقد ادعى
ما لبس له فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة فبكى أبو بكر طويلا ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له بايع فقال إن أنا لم أفعل فمه قالوا إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك فقال إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله قال عمر أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا وأبو بكر ساكت لا يتكلم فقال له عمر ألا تأمر فيه بأمرك فقال لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
____________________
(1/16)

يصيح ويبكي وينادي يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني
فقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما انطلق بنا إلى فاطمة فأنا قد أغضبناها فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليا فكلماه فأدخلهما عليها فلما قعد عندها حولت وجهها إلى الحائط فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام فتكلم أبو بكر فقال يا حبيبة رسول الله والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي وإنك لأحب إلى من عائشة ابنتي ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا نورث ما تركنا فهو صدقة ) فقالت أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتفعلان به قالا نعم
فقالت نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول ( رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أ رضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ) قالا نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه فقال أبو بكر أنا عائذ بالله تعالى مني سخطه وسخطك يا فاطمة ثم انتخب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق وهي تقول والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس فقال لهم يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي
قالوا يا خليفة رسول الله إن هذا الأمر لا يستقيم وأنت أعلمنا بذلك إنه إن كان هذا لم يقم لله دين فقال والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعد ما سمعت ورأيت من فاطمة
قال فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنهما ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة
قال فلما توفيت أرسل علي إلى أبي بكر أن أقبل إلينا فأقبل أبو بكر حتى دخل على علي وعنده بنو هاشم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أبا بكر فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددت علينا ثم ذكر على قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر فقال أبو بكر رضي الله عنه لقرابة رسول الله أحب إلى من قرابتي وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته إن شاء الله تعالى
فقال علي موعدك غدا في المسجد الجامع للبيعة إن شاء الله
ثم خرج فأتى المغيرة بن شعبة فقال
____________________
(1/17)

الرأي يا أبا بكر أن تلقوا العباس فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا يكون له ولعقبه وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم إذا كان العباس معكم
قال فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس رضي الله عنه
فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا وللمؤمنين وليا فمن الله تعالى بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له الله ما عنده فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين غير مختلفين فاختاروني عليهم واليا ولأمورهم راعيا وما أخاف بعون الله وهنا ولا حيرة ولا جبنا وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب
وما أزال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين ويتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع فإما دخلتم فيما دخل فيه العامة أو دفعتموهم عما مالوا إليه وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك ولعقبك من بعدك إذ كنت عم رسول الله وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك فعدلوا الأمر عنكم وعلى رسلكم بني عبد المطلب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ومنكم ثم قال عمر إي والله وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبهم فانظروا لأنفسكم ولعامتكم
فتكلم العباس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله بعث محمدا كما زعمت نبيا وللمؤمنين وليا فمن الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق لا مائلين عنه بزيغ الهوى فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون فيهم وإن كان هذا الأمر إتما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه وإن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم وإن كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض
وأما قولك إن رسول الله منا ومنكم فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها
قال ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف فأقبل على الناس فعذر عليا بمثل ما اعتذر عنه ثم قام علي فعظم حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى فبايعه فأقبل الناس على علي فقالوا أصبت يا أبا الحسن وأحسنت قال فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم يقول قد أقلتكم في بيعتي هل من كاره هل من مبغض فيقوم علي في أول الناس فيقول والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوحيد ديننا من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنينانا
____________________
(1/18)

خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
قال ثم إن أبا بكر قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الله الجليل الكريم العليم الحكيم الرحيم الحليم بعث محمدا بالحق وأنتم معشر العرب كما قد علمتم من الضلالة والفرقة ألف بين قلوبكم ونصركم به وأيدكم ومكن لكم دينكم وأورثكم سيرته الراشدة المهدية فعليكم بحسن الهدى ولزوم الطاعة وقد استخلف الله عليكم خليفة ليجمع به ألفتكم ويقيم به كلمتكم فأعينوني على ذلك بخير ولم أكن لأبسط يدا ولا لسانا على من لم يستحل ذلك إن شاء الله وأيم الله ما حرصت عليها ليلا ولا نهارا ولا سألتها الله قط في سر ولا علانية ولقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة ولا يد ولوددت أني وجدت أقوى الناس عليه مكاني فأطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم
ثم بكى وقال اعلموا أيها الناس أني لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم ولوددت أن بعضكم كفانيه ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي وما أنا إلا كأحدكم فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني وإن زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطانا يعتريني أحيانا فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ثم نزل
ثم دعا عمر الأوجاه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما ترون لي من هذا المال فقال عمر أنا والله أخبر مالك منه
أما ما كان لك من ولد قد بان عنك وملك أمره فسهمه كرجل من المسلمين وأما ما كان من عيالك وضعفة وأهلك فتقوت منه بالمعروف وقوت أهلك
فقال يا عمر إني لأخشى ألا يحل لي أن أطعم عيالي من فيء المسلمين
فقال عمر يا خليفة رسول الله إنك قد شغلت بهذا الأمر عن أن تكسب لعيالك
قال ولما تمت البيعة لأبي بكر واستقام له الأمر أشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب فنصب لهم أبو بكر الحرب وأراد قتالهم
فقالوا نصلي ولا نؤدي الزكاة
فقال الناس اقبل منهم يا خليفة رسول الله فإن العهد حديث والعرب كثير ونحن شرذمة قليلون لا طاقة لنا بالعرب مع أنا قد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا متى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله )
فقال أبو بكر هذا من حقها لا بد من القتال
فقال الناس لعمر
اخل به فكلمه لعله يرجع عن رأيه هذا فيقبل منهم الصلاة ويعفيهم من الزكاة فخلا به عمر نهاره أجمع فقال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي حق يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( أمرت أن أقاتل الناس على ثلاث شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) فوالله الذي لا
____________________
(1/19)

إله إلا هو لا أقصر دونهن فضرب منهم من أدبر بمن أقبل حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها
وحمدوا رأيه وعرفوا فضله
قال أبو رجاء العطاردي رأيت الناس مجتمعين وعمر يقبل رأس أبي بكر ويقول أنا فداؤك لولا أنت لهلكنا
فحمد له رأيه في قتال أهل الردة مرض أبي بكر واستخلافة عمر رضي الله عنهما
قال ثم إن أبا بكر عمل سنتين وشهورا ثم مرض مرضه الذي مات فيه فدخل عليه أناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فيهم عبد الرحمن بن عوف فقال له كيف أصبحت يا خليفة رسول الله فإني أرجو أن تكون بارئا قال أترى ذلك قال نعم قال أبو بكر
والله إني لشديد الوجع ولما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي إني وليت أمركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له
وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت
أما والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان والله لأن يقدم أحدكم فضرب عنقه في غير حدث خير له من أن يخوض عمرات الدنيا فقال له عبد الرحمن بن عوف خفض عليك من هذا
____________________
(1/20)

يرحمك الله فإن هذا يهيضك على ما بك وإنما الناس رجلان رجل رضي ما صنعت فرأيه كرأيك ورجل كره ما صنعت فأشار عليك برأيه ما رأينا من صاحبك الذي وليت إلا خيرا وما زلت صالحا مصلحا ولا أراك تأسى على شيء من الدنيا فاتك
قال أجل والله ما آسي إلا على ثلاث فعلتهن ليتني كنت تركتهن وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن وثلاث ليتني سألت رسول الله عنهن فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن ( فليتني تركت بيت علي وإن كان أعلن علي الحرب وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير وكنت أنا الوزير وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمي أسيرا أني قتلته ذبيحا أو أطلقته نجيحا ولم أكن أحرقته بالنار ) وأما اللاتي تركتهن وليتني كنت فعلتهن ليتني حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا أني قتلته ولم أستحيه فإني سمعت منه وأراه لا يرى غيا ولا شرا إلا أعان عليه وليتني حين بعثت خالد بن الوليد إلى الشام أني كنت بعثت عمر بن الخطاب إلى العراق فأكون قد بسطت يدي جميعا في سبيل الله وما اللاتي كنت أود أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده فلا ينازعه فيه أحد وليتني كنت سألته هل للأنصار فيها من حق وليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ والعمة فإن في نفسي من ذلك شيئا
ثم دخل عليه أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك فقال قد نظر إلي
قالوا فماذا قال قال إني فعال لما أريد
ثم قال لهم انظروا ماذا أنفقت من بيت المال فنظروا فإذا هو ثمانية آلاف درهم فأوصى أهله أن يؤدوها إلى الخليفة بعده
ثم دعا عثمان بن عفان فقال اكتب عهدي فكتب عثمان وأملي عليه
____________________
(1/21)


بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في الدنيا نازحا عنها وأول عهده بالآخرة داخلا فيها إني استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب فإن تروه عدل فيكم فذلك ظني به ورجائي فيه وإن بدل وغير فالخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
ثم ختم الكتاب ودفعه فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنه استخلف عمر فقالوا نراك استخلفت علينا عمر وقد عرفته وعلمت بوافقه فينا وأنت بين أظهرنا فكيف إذا وليت عنا وأنت أنت لاق الله عز وجل فسائلك فما أنت قائل فقال أبو بكر لئن سألني الله لأقولن استخلفت عليهم خيرهم في نفسي
قال ثم أمر أن تجتمع له الناس فاجتمعوا فقال أيها الناس قد حضرني من قضاء الله ما ترون وإنه لا بد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم فيأمركم فإن شئتم اجتهدت لكم رأيي ووالله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرا قال فبكى وبكى الناس وقالوا يا خليفة رسول الله
أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا قال سأجتهد لكم رأيي
واختار لكم خيركم إن شاء الله قال فخرجوا من عنده ثم أرسل إلي عمر فقال يا عمر أحبك محب وأبغضك مبغض وقديما يحب الشر ويبغض الخير
فقال عمر لا حاجة لي بها فقال أبو بكر لكن بها إليك حاجة والله ما حبوتك بها ولكن حبوتها بك
ثم قال خذ هذا الكتاب واخرج به إلى الناس وأخبرهم أنه عهدي وسلهم عن سمعهم وطاعتهم
فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم فقالوا سمعا وطاعة فقال له رجل ما في الكتاب يا أبا حفص قال لا أدري ولكني أول من سمع وأطاع
قال لكني والله أدري ما فيه أمرته عام أول وأمرك العام ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال ولما توفي أبو بكر وولي عمر وقعد في المسجد مقعد الخلافة أتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين أدنوا منك فإن لي حاجة قال عمر لا
قال الرجل إذا أذهب فيغنيني الله عنك فولى ذاهبا فاتبعه عمر ببصره ثم قام فأخذه بثوبه فقال له ما حاجتك فقال الرجل بغضك الناس وكرهك الناس قال عمر ولم ويحك قال الرجل للسانك وعصاك قال فرفع عمر يديه فقال اللهم حببهم إلي وحببني إليهم
قال الرجل فما وضع يديه حتى ما على الأرض أحب إلي منه
____________________
(1/22)


وكان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر واستبطئوا الخبر فقالوا إنا لنخاف أن يكون خليفة رسول الله قد مات وولي بعده عمر فإن كان عمر هو الوالي فليس لنا بصاحب وإنا نرى خلعه
قال بعضهم فابعثوا رجلا ترضون عقله قال فانتخبوا لذلك رجلا فقدم على عمر وقد كان عمر استبطأ خبر أهل الشام فلما أتاه قال له كيف الناس قال سالمون صالحون وهم كارهون لولايتك ومن شرك مشفقون فأرسلوني انظر أحلو أنت أم مر قال فرفع عمر يديه إلى السماء وقال اللهم حببني إلى الناس وحببهم إلي
قال فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر فوالله ما فارق الدنيا حتى أحب ولايته من كرهها لقد كانت إمارته فتحا وإسلامه عزا ونصرا اتبع في عمله سنة صاحبيه وآثارهما كما يتبع الفصيل أثر أمه ثم اختار الله له ما عنده قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال عمرو بن ميمون شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن فما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته فكنت في الصف الذي يليه وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة فذلك الذي منعني من التقديم
قال فأقبل لصلاة الصبح وكان يغلس بها فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فطعنه ثلاث طعنات فسمعت عمر وهو يقول دونكم الكلب فإنه قد قتلني وماج الناس فجرح ثلاثة عشر رجلا وصاح بعضهم ببعض دونكم الكلب فشد عليه رجل من خلفه فاحتضنه وماج الناس فقال قائل الصلاة عباد الله طلعت الشمس
فدفعت عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين في القرآن واحتمل عمر ومات من الذين جرحوا ستة أو سبعة وجرى الناس إلى عمر فقال يا ابن عباس أخرج فناد في الناس أعن ملأ ورضى منهم كان هذا فخرج فنادى فقالوا معاذ الله ما علمنا ولا اطلعنا قال النبيذ فسقوه نبيذا فخرج من بعض طعناته فقال الناس صديد اسقوه لبنا فخرج اللبن فقال الطبيب لا أرى أن تمسي فما كنت فاعلا
____________________
(1/23)

فافعل فقال لابنه عبد الله ناولني الكتف فلو أراد الله أن يمضي ما فيه أمضاه فمحاها بيده وكان فيها فريضة الجد
ثم دخل عليه كعب الأحبار فقال يا أمير المؤمنين الحق من ربك فلا تكونن من الممترين قد كنت أنبأتك أنك شهيد قال ومن أين لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ثم جعل الناس يثنون عليه ويذكرون فضله فقال إن من غررتموه لمغرور إني والله وددت أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها والله لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع فقالوا يا أمير المؤمنين لا بأس عليك فقال إن يكن القتل بأسا فقد قتلنى أبو لؤلؤة قالوا فإن يكن ذلك فجزاك الله عنا خيرا
فقال لا أراكم تغبطونني بها فوالذي نفس عمر بيده ما أدري علام أهجم ولوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا علي فيكون خيرها بشرها ويسلم لي ما كان قبلها من الخير
ودخل علي بن أبي طالب فقال يا علي أعن ملأ منكم ورضى كان هذا فقال علي ما كان عن ملأ منها ولا رضى ولوددنا أن الله زاد من أعمارنا في عمرك
قال وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله فقال له ضع خدي بالأرض فلم يفعل فلحظه وقال ضع خدي بالأرض لا أم لك فوضع خده بالأرض فقال الويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر الله لعمر ثم دعا عبد الله بن عباس وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه فقال له يا ابن عباس إني لأظن أن لي ذنبا ولكن أحب أن تعلم لي اعن ملأ منهم ورضى كان هذا فخرج ابن عباس فجعل لا يرى ملأ من الناس إلا وهم يبكون كأنما فقدوا اليوم أنصارهم فرجع إليه فأخبره بما رأى
قال فمن قتلنى قال أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة
قال عبد الله فرأيت البشر في وجهه فقال الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة
ثم قال يا عبد الله ألا لو أن لي ما طلعت عليه الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطلع وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيرا فقال له ابن عباس فإن يك ذاك يا أمير المؤمنين فجزاك الله عنا خيرا أليس قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعز الله بك الدين والمسلمون محبسون بمكة فلما أسلمت كان إسلامك عزا أعز الله به الإسلام وظهر النبي وأصحابه ثم هاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحا ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله من قتال المشركين وقال فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كذا وكذا ثم قبض رسول الله وهو عنك راض ثم ارتد الناس بعد رسول الله عن الإسلام فوازرت الخليفة على منهاج رسول الله وضربتم من أدبر بمن أقبل حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها ثم قبض الخليفة وهو عنك راض ثم وليت بخير على ما
____________________
(1/24)

يلي أحد من الناس
مصر الله بك الأمصار وجبى بك الأموال ونفي بك العدو وأدخل الله على أهل كل بيت من المسلمين توسعة في دينهم وتوسعة في أرزاقهم ثم ختم الله لك بالشهادة فهنيئا لك فصب الله الثناء عليك صبا فقال أتشهد لي بهذا يا عبد الله عند الله يوم القيامة قال نعم فقال عمر اللهم لك الحمد تولية عمر بن الخطاب الستة الشورى وعهده إليهم
قال ثم إن المهاجرين دخلوا على عمر رضي الله عنه وهو في البيت من جراحه تلك فقالوا يا أمير المؤمنين استخلف علينا قال والله لا أحملكم حيا وميتا ثم قال إن استخلفت فقد استخلفت من هو خير مني يعني أبا بكر وإن أدع فقد ودع من هو خير مني يعني النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين فقال ما شاء الله راغبا وددت أن أنجو منها لا لي ولا علي
فلما أحس بالموت قال لابنه اذهب إلى عائشة وأقرئها مني السلام واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر فأتاها عبد الله بن عمر فأعلمها فقالت نعم وكرامة ثم قالت يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له لا تدع أمة محمد بلا راع استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فإني أخشى عليهم الفتنة فأتى عبد الله فأعلمه فقال ومن تأمرني أن أستخلف لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته ووليته فإذا قدمت على ربي فسألني وقال لي من وليت على أمة محمد قلت أي ربي سمعت عبدك ونبيك يقول لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته فإذا قدمت على ربي فسألني من وليت على أمة محمد قلت أي ربي سمعت عبدك ونبيك يقول إن معاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة ولو أدركت خالد بن الوليد لوليته فإذا قدمت على ربي فسألني من وليت على أمة محمد قلت أي ربي سمعت عبدك ونبيك يقول خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله على المشركين ولكني سأستخلف النفر الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض فأرسل إليهم جميعهم وهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم وكان طلحة غائبا فقال يا معشر المهاجرين الأولين إني نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقا ولا نفاقا فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم تشاوروا ثلاثة أيام
فإن جاءكم طلحة إلى ذلك وإلا فاعزم عليكم بالله أن لا تتفرقوا من اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم فإن أشرتم بها إلى طلحة فهو لها
____________________
(1/25)

غير أهل وليصل بكم صهيب هذه الثلاثة الأيام التي تشاورون فيها فإنه رجل من الموالى لا بنازعكم أمركم وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس فإن لهما قرابة وأرجو لكم البركة في حضورهما وليس لهما من أمركم شيء ويحضر ابني عبد الله مستشارا وليس له من الأمر شيء
قالوا يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة موضعا فاستخلفه فإنا راضون به فقال حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة ليس له من الأمر شيء ثم قال يا عبد الله إياك ثم إياك لا تتلبس بها ثم قال إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما وإن استقر ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد الله فلأي الثلاثة قضى فالخليفة منهم وفيهم فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم فقالوا قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به
فقال والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك مع أنك رجل حرب
وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة
وما يمنعني منك با زبير إلا أنك مؤمن الرضا كافر الغضب
وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته
وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك قومك وأهلك وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين
والصراط المستقيم
أوصي الخليفة منكم بتقوى الله العظيم وأحذره مثل مضجعي هذا وأخوفه يوما تبيض فيه وجوه وتسود وجوه يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية ثم غشي عليه حتى ظنوا أنه قد قضى فجعلوا ينادونه ولا يفيق من إغمائه فقال قائل إن كان شيء ينبه فالصلاة فقالوا يا أمير المؤمنين الصلاة ففتح عينيه فقال الصلاة هأنذا ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فصلى وجرحه يثعب دما ثم التفت إليهم وقال قد قومت لكم الطريق فلا تعوجوه ثم التفت إلى علي بن أبي طالب فقال لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ثم التفت إلى عثمان فقال يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفوك فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس
ثم دعا صهيبا فقال يا صهيب صل بالناس ثلاثة أيام ويجتمع هؤلاء النفر وتشاورون بينهم اخرجوا عني اللهم ألفهم واجمعهم على الحق ولا تردهم على أعقابهم وول أمر أمة محمد خيرهم فخرجوا من عنده وتوفي رحمه الله تعالى من يومه ذلك ودفن وصلى عليه صهيب
____________________
(1/26)

ذكر الشورى وبيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه
ثم إنه بعد موت عمر اجتمع القوم فخلوا في بيت أحدهم وأحضروا عبد الله بن عباس والحسن بن علي وعبد الله بن عمر فتشاوروا ثلاثة أيام فلم يبرموا فتيلا فلما كان في اليوم الثالث قال لهم عبد الرحمن بن عوف أتدرون أي يوم هذا هذا يوم عزم عليكم صاحبكم أن لا تتفرقوا فيه حتى تستخلفوا أحدكم قالوا أجل
قال فإني عارض عليكم أمرا قالوا وما تعرض قال أن تولوني أمركم وأهب لكم نصيبي فيها وأختار لكم من أنفسكم قالوا قد أعطيناك الذي سألت فلما سلم القوم قال لهم عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف
قال المسور بن مخرمة فقال لهم عبد الرحمن كونوا مكانكم حتى آتيكم
وخرج يتلقى الناس في أنقاب المدينة متلثما لا يعرفه أحد فما ترك أحدا من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم
أما أهل الرأي فأتاهم مستشيرا وتلقى غيرهم سائلا يقول من ترى الخليفة بعد عمر فلم يلق أحدا يستشيره ولا يسأله إلا ويقول عثمان فلما رأى اتفاق الناس واجتماعهم على عثمان
قال المسور جاءني رضي الله عنه عشاء فوجدني نائما فخرجت إليه فقال ألا أراك نائما فوالله ما اكتحلت عيني بنوم منذ هذه الثلاثة ادع لي فلانا وفلانا نفرا من المهاجرين فدعوتهم له فناجاهم في المسجد طويلا ثم قاموا من عنده فخرجوا ثم دعا عليا فناجاه طويلا ثم قام من عنده على طمع ثم قال ادع لي عثمان فدعوته فناجاه طويلا حتى فرق بينهما أن آتت صلاة الصبح فلما صلوا جمعهم فأخذ على كل واحد منهم العهد والميثاق لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة صاحبيك رسوله وسنة صاحبيك من قبلك فأعطاه كل واحد منهم العهد والميثاق على ذلك وأيضا لئن بايعت غيرك لترضين ولتسلمن وليكونن سيفك معي على من أبى فأعطوه ذلك من عهودهم ومواثيقهم فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان فقال له عليك عهد الله وميثاقه لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله وسنة صاحبيك وشرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس فقال عثمان نعم
ثم أخذ بيد علي فقال له أبايعك على شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس فقال علي عند ذلك مالك ولهذا إذا قطعها في عنقي فإن على الإجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم قال عبد الرحمن لا والله حتى تعطيني هذا الشرط قال علي والله لا أعطيكه أبدا فتركه فقاموا من عنده فخرج عبد الرحمن إلى المسجد فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك فإنه السيف لا
____________________
(1/27)


ثم أخذ بيد عثمان فبايعه وبايع الناس جميعا قال فكان عثمان رضي الله عنه ست سنين في ولايته وهو أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وكان عمر رجلا شديدا قد ضيق على قريش أنفاسها لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا إعظاما له وإجلالا وتأسيا به واقتداء فلما وليهم عثمان ولي رجل لين
قال الحسن البصري شهدت عثمان وهو يخطب وأنا يومئذ قد راهقت الحلم فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أصبح وجها ولا أحسن نضرة منه
فسمعته يقول أيها الناس
اغدوا على أعطياتكم فيأخذونها وافية أيها الناس اغدوا على كسوتكم فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم بينهم حتى والله سمعت أذناي يا معشر المسلمين اغدوا على السمن والعسل فيغدون فيقسم بينهم السمن والعسل ثم يقول يا معشر المسلمين اغدوا على الطيب فيغدون فيقسم بينهم الطيب من المسك والعنبر وغيره والعدوان والله منفي والأعطيات دارة والخير كثير وما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا من لقي في أي البلدان فهو أخوه وأليفه وناصره ومؤدبه فلم يزل المال متوافرا حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا وبيع الفرس بعشرة آلاف دينار وبيع البعير بألف والنخلة الواحدة بألف
ثم أنكر الناس على عثمان أشياء أشرا وبطرا
قال ابن عمر لقد عيبت عليه أشياء لو فعلها عمر ما عيبت عليه ذكر الإنكار على عثمان رضي الله عنه
قال عبد الله بن مسلم حدثنا ابن أبي مريم وابن عفير قالا حدثنا ابن عون قال أخبرنا الخول بن إبراهيم وأبو حمزة الثمالي وبعضهم يزيد على بعض والمعنى واحد فجمعته وألفته على قولهم ومعنى ما أرادوا عن علي بن الحسين قال لما أنكر الناس على عثمان بن عفان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن لكل شيء آفة ولكل نعمة عاهة وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه الملة قوم عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون
أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار لقد عبتم على أشياء ونقمتم أمورا قد أ قررتم لابن الخطاب مثلها ولكنه وقمكم وقمعكم ولم يجترىء أحد يملأ بصره منه ولا يشير بطرفه إليه أما والله لأنا أكثر من ابن الخطاب عددا وأقرب ناصرا وأجدر إلى أن قال لهم أتفقدون من حقوقكم شيئا فما لي لا أفعل في الفضل ما أريد فلم كنت إماما إذا أما والله ما عاب على من عاب منكم أمرا أجهله ولا أتيت الذي أتيت إلا وأنا أعرفه
قال وقدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك من الشام فأتي مجلسا فيه علي بن
____________________
(1/28)

أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر فقال لهم يا معشر الصحابة أوصيكم بشيخي هذا خيرا فوالله فئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلا ورجالا ثم أقبل على عمار بن ياسر فقال يا عمار إن بالشام مئة ألف فارس كل يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبد لهم لا يعرفون عليا ولا قرابته ولا عمارا ولا سابقته ولا الزبير ولا صحابته ولا طلحه ولا هجرته ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ولا يتقون سعدا ولا دعوته فإياك يا عمار أن تقعد غدا في فتنة تنجلي فيقال هذا قاتل عثمان وهذا قاتل علي
ثم أقبل على ابن عباس فقال يا ابن عباس إنا كنا وإياكم في زمان لا نرجو فيه ثوابا ولا نخاف عقابا وكنا أكثر منكم فوالله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن مقام تقدمناه حتى بعث الله رسوله منكم فسبق إليه صاحبكم فوالله ما زال يكره شركنا ويتغافل به عنا حتى ولي الأمر عليه وعليكم ثم صار الأمر إلينا وإليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنه ثم غير فنطق ونطق على لسانه فقد أو قدتم نارا لا تطفأ بالماء فقال ابن عباس كنا كما ذكرت حتى بعث رسوله منا ومنكم ثم ولي الأمر علينا وعليكم ثم صار الأمر إلينا وإليكم فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنه ولما هو أفضل من سنه فوالله ما قلنا إلا ما قال غيرنا ولا نطقنا إلا بما نطق به سوانا فتركتم الناس جانبا وصيرتمونا بين أن أقمنا متهمين أو نزعنا معتبين وصاحبنا من قد علمتم والله ولا يهجهج مهجهج إلا ركبه ولا يرد حوضا إلا أفرطه وقد أصبحت أحب منك ما أحببت وأكره ما كرهت ولعلى لا ألقاك إلا في خير ذكر القول والمجادلة لعثمان ومعاوية رضي الله عنهما
قال وذكروا أن ابن عباس قال خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين صليت العصر إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا فقال علي نعم فلما أن ولى الرسول أقبل علي فقال لم تراعه دعاني قلت له دعاك ليكلمك فقال انطلق معي فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان فسكت القوم ونظر بعضهم إلى بعض فحمد الله عثمان ثم قال أما بعد فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائبا عنكم وعما نلتم مني وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني وقد سألني أن يكلمكم وأن يكلمه من أراد فقال سعد بن أبي وقاص وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك فقال على ذلكم تكلم يا معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر المهاجرين
____________________
(1/29)

وبقية الشورى فإياكم أعني وإياكم أريد فمن أجابني بشيء فمنكم واحد فإني لم أرد غيركم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة ثم دفنوا نبيهم فأصبحوا سالما أمرهم كأن نبيهم بين أظهرهم فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من بعده أحد المهاجرين فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره فجعلها في ستة نفر بقية المهاجرين فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه فبايعوه وهم ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده لا يشكون ولا يمترون مهلا مهلا معشر المهاجرين فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعد من جمعكم ثم استن عليكم بسنتكم ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي فسددوا وارفقوا لا يغلبكم على أمركم من حذرتكم
فقال علي بن أبي طالب كأنك تريد نفسك يا بن اللخناء لست هنالك فقال معاوية مهلا عن شتم بنت عمك فإنها ليست بشر نسائك يا معشر المهاجرين وولاة هذا الأمر ولاكم الله إياه فأنتم أهله وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه إنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى البلدين فإن استقاموا استقاموا وأيم الله الذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين ولا البلدان للبلدين وليسلبن أمركم ولينقلن الملك من بين أظهركم وما أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم وما كل نصيحة مقبولة والصبر على بعض المكروه خير من تحمله كله
قال ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس فقال له عثمان يا بن عمي ويا بن خالتي فإنه لم يبلغني عنك في أمري شيء أحبه ولا أكرهه علي ولا لي وقد علمت أنك رأيت بعض ما أرى الناس فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا وقد أجبت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر قال ابن عباس فقلت يا أمير المؤمنين إنك قد ابتليتني بعدا لعافية وأدخلتني في الضيق بعد السعة ووالله إن رأيي لك أن يجل سنك ويعرف قدرك وسابقتك والله لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنه ليس لهما علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ان ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك قال فما منعك أن تشير علي بهذا قبل أن أفعل ما فعلت قال وما علمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل قال فهب لي صمتا حتى ترى رأيي
____________________
(1/30)


قال فخرج ابن عباس فقال عثمان لمعاوية ما ترى فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر ولا بد لهم مما في أنفسهم فقال معاوية الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم
قال من قال علي وطلحة والزبير قال عثمان سبحان الله أتقتل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ركبوه قال معاوية فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك
قال عثمان لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق الدماء
قال معاوية فاختر مني إحدى ثلاث خصال قال عثمان وما هي قال معاوية أرتب لك ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام يكونون لك ردءا وبين يديك يدا قال عثمان أرزقهم من أين قال من بيت المال قال عثمان أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي لا فعلت هذا
قال فثانية قال وما هي قال فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد واضرب عليهم البعوث والندب حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته قال عثمان سبحان الله شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول الله وبقية الشورى أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم لا أفعل هذا قال معاوية فثالثة قال وما هي قال اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت قال عثمان نعم هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي
قال ثم خرج عثمان فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس إن نصيحتي كذبتني ونفسي منتني وقد سمعت رسول الله يقول ( لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من الله بعدا ) من أساء فليتب ومن أخطأ فليتب وأنا أول من اتعظ والله لئن ردني الحق عبدا لأنتسبن نسب العبيد ولأكونن كالمرموق الذي ملك صبر وإن أعتق شكر ثم نزل فدخل على زوجته نائلة بنت الفرافصة ودخل معه مروان بن الحكم فقال يا أمير المؤمنين أتكلم أو أسكت فقالت له نائلة بل أسكت فوالله لئن تكلمت لتغرنه ولتوبقنه
فالتفت إليها عثمان مغضبا فقال أسكتي تكلم يا مروان فقال مروان يا أمير المؤمنين إنك والله لو قلت الذي قلت وأنت في عز ومنعة لتابعتك ولكنك قلت الذي قلت وقد بلغ السيل الزبي وجاوز الحزام الطبيين فانقض التوبة ولا تقر بالخطيئة ما أنكر الناس على عثمان رحمه الله
قال وذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة دارا لنائلة ودارا لعائشة
____________________
(1/31)

وغيرهما من أهله وبناته وبنيان مروان القصور بذي خشب وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم وتعطيله إقامة الحد عليه وتأخيره ذلك عنه وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام ثم لا يغزون ولا يذبون وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران
ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان وكان ممن حصر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده فمضى حتى جاء دار عثمان فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له أنت كتبت هذا الكتاب قال نعم قال ومن كان معك قال كان معي نفر تفرقوا فرقا منك قال من هم قال لا أخبرك بهم
قال فلم اجترأت علي من بينهم فقال مروان يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود يعني عمارا قد جرأ عليك الناس وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه قال عثمان أضربوه فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه فغشى عليه فجروه حتى طرحوه على باب الدار فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام فأدخل منزلها وغضب فيه بنو المغيرة وكأن حليفهم فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية فقال عثمان لست هناك
قال ثم خرج عثمان إلى المسجد فإذا هو بعلي وهو شاك معصوب الرأس فقال له عثمان والله يا أبا الحسن ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك لأني لا أجد منك خلفا ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخذك
____________________
(1/32)

سلما وعضدا ويعدك كهفا وملجأ لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه فأنا منك كالابن العاق من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقه
فإما سلم فنسالم وإما حرب فنحارب فلا تجعلني بين السماء والأرض فإنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفا ولئن قتلتك لا أجد منك خلفا ولن يلي أمر هذه الأمة باديء فتنة
فقال علي إن فيما تكلمت به لجوابا ولكني عن جوابك مشغول بوجعي
فأنا أقول كما قال العبد الصالح ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون )
قال مروان إنا والله إذا لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا ولا يكون في هذا الأمر خير لمن بعدنا
فقال له عثمان اسكت ما أنت وهذا فقام إليه رجل من المهاجرين فقال له يا عثمان أرأيت ما حميت من الحمى { } يونس 59 فقال عثمان
إنه قد حمى الحمى قبلي عمر لإبل الصدقة وإنما زادت فزدت فقام عمرو بن العاص فقال يا عثمان إنك ركبت بالناس نهابير من الأمر فتب إلى الله يتوبوا فرفع عثمان يديه وقال توبوا إلى الله من كل ذنب اللهم إني أول تائب إليك
ثم قام رجل من الأنصار فقال يا عثمان ما بال هؤلاء النفر من أهل المدينة يأخذون العطايا ولا يغزون في سبيل الله
وإنما هذا المال لمن غزا فيه وقاتل عليه إلا من كان من هذه الشيوخ من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام فقال عثمان فاستغفر الله وأتوب إليه
ثم قال يا أهل المدينة من كان له منكم ضرع فليلحق بضرعه ومن كان له زرع فليلحق بزرعه فإنا والله لا نعطي مال الله إلا لمن غزا في سبيله إلا من كان من هذه الشيوخ من الصحابة
قال فما بال هذا القاعد الشارب لا تقيم عليه الحد يعني الوليد بن عقبة فقال عثمان لعلي دونك ابن عمك فأقم عليه الحد
فقال علي للحسن قم فاجلده
فقال الحسن ما أنت وذاك هذا لغيرك قال علي لا ولكنك عجزت وفشلت يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده
فقام فضربه وعلي يعد فلما بلغ أربعين أمسك وقال جلد رسول الله أربعين وأبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين وكل سنة حصار عثمان رضي الله عنه
قال وذكروا أنه لما اشتد الطعن على عثمان استأذنه علي في بعض بواديه ينتحي إليها فأذن له واشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي
ورجا الزبير وطلحة أن يميلا إليهما قلوب الناس ويغلبا عليهم واغتما غيبة علي فكتب عثمان إلى علي إذ اشتد الطعن عليه أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين
وارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره وزعموا أنهم لا يرضون دون دمي
وطمع في من لا يدفع عن نفسه
____________________
(1/33)


( وإنك لم يفخر عليك كفاخر ** ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب )
وقد كان يقال أكل السبع خير من افتراس الثعلب فأقبل علي أولى
( فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ** وإلا فأدركني ولما أمزق )
قال حويطب بن عبد العزي أرسل إلى عثمان حين اشتد حصاره فقال قد بدا لي أن أنهم نفسي لهؤلاء فأت عليا وطلحة والزبير فقل لهم هذا أمركم تولوه واصنعوا فيه ما شئتم فخرجت حتى جئت عليا فوجدت على بابه مثل الجبال من الناس والباب مغلق ولا يدخل عليه أحد ثم انصرفت فأتيت الزبير فوجدته في منزله ليس ببابه أحد فأخبرته بما أرسلني به عثمان فقال قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين هل جئت عليا قلت نعم فلم أخلص إليه فقمنا جميعا فآتينا طلحة بن عبيد الله فوجدناه في داره وعنده ابنه محمد فقصصنا عليه ما قال عثمان فقال قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين هل جئتم عليا قلنا نعم فلم نخلص إليه
فأرسل طلحة إلى الأشتر فأتاه فقال لي أخبره فأخبرته بما قال عثمان فقال طلحة وقد دمعت عيناه قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين فقام الأشتر فقال تبعثون إلينا وجاءنا رسولكم بكتابكم وها هو ذا فأخرج كتابا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من المهاجرين الأولين وبقية الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين أما بعد أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها فإن كتاب الله قد بدل وسنة رسوله قد غيرت وأحكام الخليفتين قد بدلت فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا وأخذ الحق لنا وأعطاناه فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم وفارقكم عليه الخلفاء غلبنا على حقنا واستولى على فيئنا وحيل بيننا وبين أمرنا وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة وهي اليوم ملك عضوض
من غلب على شيء آكله
أليس هذا كتابكم إلينا فبكى طلحة فقال الأشتر لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم والله لا نفارقه حتى نقتله وانصرف
قال ثم كتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة وابن عباس يخطب وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم فقام نافع ففتح الكتاب فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى من حضر الحج من المسلمين أما بعد فإني كتبت إليكم كتابي هذا وأنا محصور أشرب من بئر القصر ولا آكل من الطعام ما يكفيني خيفة أن تنفد ذخيرتي فأموت جوعا أنا ومن معي لا أدعي إلى توبة
____________________
(1/34)

أقبلها ولا تسمع مني حجة أقولها فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابي إلا قدم علي فأخذ الحق في ومنعني من الظلم والباطل
قال ثم قام ابن عباس فأتم خطبته ولم يعرض لشيء من شأنه
وكتب إلى أهل الشام عامة وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة أما بعد فإني في قوم طال فيهم مقامي واستعجلوا القدر في وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل إلى دحل
وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني
وبين أن أقيدهم ممن قتلت
ومن كان على سلطان يخطيء ويصيب فيا غوثاه ياغوثاه ولا أمير عليكم دوني فالعجل العجل يا معاوية وأدرك ثم أدرك وما أراك تدرك تولية محمد بن أبي بكر على مصر شكوى أهل مصر من ابن أبي سرح
قال وذكروا أن أهل مصر جاؤوا يشكون ابن أبي سرح عاملهم فكتب إليه عثمان كتابا يتهدده فيه فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل فنزلوا المسجد وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع بهم ابن أبي سرح فقام طلحة فتكلم بكلام شديد وأرسلت عائشة إلى عثمان فقالت له قد تقدم إليك أصحاب رسول الله وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت إلا واحدة فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك
ودخل عليه علي وكان متكلم القوم فقال له إنما يسألونك رجلا مكان رجل وقد ادعوا قبله دما فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب لهم عليه حق فانصفهم منه فقال اختاروا رجلا اوليه عليهم تولية محمد بن أبي بكر
فقالوا استعمل محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاه وخرج معه عدد من
____________________
(1/35)

المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين ابن أبي سرح وأهل مصر فخرج محمد ومن معه حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير كأنه رجل يطلب أو يطلب فقال له أصحاب محمد ما قصتك وما شأنك كأنك طالب أو هارب فقال أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر فقال له رجل هذا عامل مصر معنا قال ليس هذا أريد فأخبر محمد بأمره فبعث في طلبه رجلا فجاء به إليه فقال له غلام من أنت فأقبل مرة يقول أنا غلام مروان ومرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين حتى عرفه رجل به لعثمان فقال له محمد إلى من أرسلك قال إلى عامل مصر قال بماذا قال برسالة
قال أما معك كتاب قال لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتابا قال وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا إداوته فإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار ثم فك الكتاب بمحضر منهم فقرأه فإذا فيه إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاقتلهم وأبطل كتابهم وقر على عملك حتى يأتيك رأيي
فلما رأوا الكتاب فزعوا منه ورجعوا إلى المدينة رجوع محمد بن أبي بكر إلى المدينة
وختم محمد الكتاب بخواتم النفر الذين كانوا معه ودفعه إلى رجل منهم ثم قدموا المدينة فجمعوا طلعة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من أصحاب رسول الله ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبرهم بقصة الغلام وأقرأهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وقام أصحاب النبي فلحقوا بمنازلهم وحضر الناس عثمان وأحاطوا به ومنعوه الماء والخروج ومن كان معه وأجلب عليه محمد بن أبي بكر حصار أهل مصر والكوفة عثمان رحمه الله
قال وذكروا أن أهل مصر أقبلوا إلى علي فقالوا ألم تر عدوا الله ماذا كاتب فينا قم معنا إليه فقد أحل الله دمه فقال علي لا والله لا أقوم معكم
قالوا فلم كتبت إلينا قال علي لا والله ما كتبت إليكم كتابا قط فنظر بعضهم إلى بعض
ثم أقبل الأشتر النخعي من الكوفة في ألف رجل وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربع مئة رجل فأقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلا ونهارا وطلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان ثم إن طلحة قال لهم إن عثمان لا يبالي ما حصرتموه وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه
____________________
(1/36)

مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة وأهل الكوفة وغيرهم
قال وذكروا أن عثمان لما منع الماء صعد على القصر واستوى في أعلاه ثم نادى أين طلحة فأتاه فقال يا طلحة أما تعلم أن بئر رومة كانت لفلان اليهودي لا يسقي أحدا من الناس منها قطرة إلا بثمن فاشتريتها بأربعين ألفا فجعلت رشائي فيها كرشاء رجل من المسلمين استأثر عليهم قال نعم
قال فهل تعلم أن أحدا يمنع أن يشرب منها اليوم غيري لم ذلك قال لأنك بدلت وغيرت
قال فهل تعلم أن رسول الله قال ( من اشترى هذا البيت وزاده في المسجد فله به الجنة ) فاشتريته بعشرين ألفا وأدخلته في المسجد قال طلحة نعم
قال فهل تعلم اليوم أحدا يمنع فيه من الصلاة غيري قال لا
قال لم قال لأنك غيرت وبدلت
ثم انصرف عثمان وبعث إلى علي يخبره أنه منع من الماء ويستغيث به فبعث إليه علي ثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه فقال طلحة ما أنت وهذا وكان بينهما في ذلك كلام شديد فبينما هم كذلك إذا أتاهم آت فقال لهم إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد مردا لعثمان في أربعة آلاف من خيل الشام فاصنعوا ما أنتم صانعون وإلا فانصرفوا وكان معه في الدار مئة رجل ينصرونه منهم عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم والحسن بن علي وعبد الله بن سلام وأبو هريرة فلما سمع القوم إقبال أهل الشام قاموا فألهبوا النار بباب عثمان فلما نظر أهل الدار إلى النار نصبوا للقتال وتهيؤوا فكره ذلك عثمان قال لا أريد أن تهراق في محجمة دم وقال لجميع من في الدار أنتم في حل من بيعتي لا أحب أن يقتل في أحد وكان فيهم عبد الله بن عمر فقال يا أمير المؤمنين مع من تأمرني أن أكون إن غلب هؤلاء القوم عليك قال عليك بلزوم الجماعة
قلت فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك قال عليك بلزوم الجماعة حيث كانت
قال ثم دخل عليه الحسن بن علي فقال مرني بما شئت فإني طوع يديك
فقال له عثمان ارجع يا بن أخي اجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره
ثم دخل عليه أبو هريرة متقلدا سيفه فقال طاب الضراب يا أمير المؤمنين قد قتلوا منا رجلا وقد ألهبوا النار فقال عثمان عزمت عليك يا أبا هريرة إلا ألقيت سيفك قال أبو هريرة فألقيته فلا أدري من أخذه
قال ودخل المغيرة بن شعبة فقال له يا أمير المؤمنين إن
____________________
(1/37)

هؤلاء قد اجتمعوا عليك فإن أحببت فالحق بمكة وإن أحببت أن نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام وإن أبيت فاخرج ونخرج ونحاكم القوم إلى الله تعالى
فقال عثمان أما ما ذكرت من الخروج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( يلحد بمكة رجل من قريش عليه نصف عذاب هذه الأمة من الإنس والجن ) فلن أكون ذلك الرجل إن شاء الله وأما ما ذكرت من الخروج إلى الشام فإن المدينة دار هجرتي وجوار قبر النبي عليه الصلاة والسلام فلا حاجة لي في الخروج من دار هجرتي وأما ما ذكرت من محاكمة هؤلاء القوم إلى الله فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإهراق الدم رؤية عثمان أبا بكر وعمر في المنام
ثم قال إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي صم فإنك مفطر عندنا الليلة وإني أصبحت صائما وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إلا خرج من الدار سالما
فقالوا إنا إن خرجنا لم نأمن على أنفسنا منهم فأذن لنا فنكون في موضع من الدار فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب محمد كلهم بدري ثم دخلوا على عثمان ومعهم الكتاب والغلام والبعير فقال علي الغلام غلامك والبعير بعيرك فقال نعم
قال فأنت كتبت هذا الكتاب قال لا وحلف بالله ما كتبت ولا أمرت ولا علمت
فقال له فالخاتم خاتمك قال نعم
قال فكيف يخرج غلامك ببعيرك وكتاب عليه خاتمك لا تعلم به فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا وجهت ولا أمرت
فشك القوم في أمر عثمان وعلموا أنه لا يحلف بباطل
فقال قوم منهم لا يبرأ عثمان عن قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نعرف كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله وقطع أيديهم بغير حق فإن كان عثمان كتبه عزلناه وإن كان مروان كتبه نظرنا في أمره وما يكون في أمر مروان فانصرف القوم عنه ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل
فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله فقال إنا أردنا مروان فأما قتل عثمان فلا ثم قال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان ولا تدعا أحدا يصل إليه وبعث الزبير ابنه على كره وبعث طلحة ابنه كذلك وبعث عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان
ويسألوه أن يخرج مروان فأشرف عليهم عثمان من أعلى القصر فقال يا معشر المسلمين أذكركم الله ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب دار بني فلان ليوسع بها للمسلمين في مسجدهم
فاشتريتها من خالص مالي
وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيه
أذكركم الله يا معشر المسلمين
ألستم تعلمون أن بئر رومة كانت تباع القربة منها بدرهم
فاشتريتها من خالص مالي فجعلت رشائي كرشاء
____________________
(1/38)

واحد من المسلمين وأنتم تمنعونني أن أشرب من مائها وأنا اشتريتها حتى أني ما أفطر إلا على ماء البحر ألستم تعلمون أنكم نقمتم على أشياء فاستغفرت الله وتبت إليه منها وتزعمون أني غيرت وبدلت فابعثوا على شاهدين مسلمين وإلا فأحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا اطلعت عليه يا قوم { لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح } هود 89 يا قوم لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه يا قوم إن الله رضي لكم السمع والطاعة وحذركم المعصية والفرقة فاقبلوا نصيحة الله واحذروا عقابه فإنكم إن فعلتم الذي أنتم فاعلون لا تقوم الصلاة جميعا ويسلط عليكم عدوكم وإني أخبركم أن قوما أظهروا للناس أنهم إنما يدعونني إلى كتاب الله تعالى والحق فلما عرض عليهم الحق رغبوا عنه وتركوه وطال عليهم عمري واستعجلوا القدر بي وقد كانوا كتبوا إليكم أنهم قد رضوا بالذي أعطيتهم ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا وكانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود وترك المظالم وردها إلى أهلها فرضيت بذلك وقالوا يؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس ومثلهما من ذوي القوة والأمانة وكل ذلك فعلت فلم يرضوا وحالوا بيني وبين المسجد فابتزوا ما قدروا عليه بالمدينة وهم يخيرونني بين إحدى ثلاث إما أن يقيدوني بكل رجل أصبت خطأ أو عمدا وإما أن أعتزل عن الأمر فيؤمروا أحدا وإما إن يرسلوا إلى من أعطاهم من الجنود وأهل الأمصار فأرسلوا إليكم فأتيتم لتبتزوني من الذي جعل الله لي عليكم من السمع والطاعة فسمعتم منهم وأطعتموهم والطاعة لي عليكم دونهم
فقلت لهم أما إقادة من نفسي فقد كان قبلي خلفاء ومن يتول السلطان يخطيء ويصيب فلم يستقد من أحد منهم وقد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي وأما أن أتبرأ من الأمر فإن يصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من جنة الله تعالى وخلافته بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي يا عثمان إن الله تعالى سيقمصك قميصا بعدي فإن أرادك المنافقون على خلعة فلا تخلعه حتى تلقاني ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة ولكن أتوها طائعين يبتغون بذلك مرضاة الله وصلاح الأمة ومن يكن منهم يبتغي الدنيا فلن ينال منها إلا ما كتب له فاتقوا الله فإني لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد الله وإني أنشدكم الله والإسلام ألا تأخذوا الحق ولا تعطوه مني { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي } يوسف 53 وإني عاقبت أقواما وما أبتغي بذلك إلا الخير وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره أما والله لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا في إحدى ثلاث الردة عن الإسلام والزنا بعد الإحصان ولا والله ما كان ذلك مني في جاهلية ولا إسلام أو رجل قتل رجلا فيقاد به )
فقال بعضهم إنه ليقول مقالا
وقال آخر لئن سمعتم منه ليصرفنكم فأبوا ورموه بالسهام واستقبلوه بما لا يستقبل به مثله ثم أشرف عليهم عبد الله بن سلام وكان من
____________________
(1/39)

أهل الدار فقال يا معشر من حاصر دار عثمان من المهاجرين والأنصار ممن أنعم الله عليهم بالإسلام لا تقتلوا عثمان فوالله إن حقه على كل مؤمن لحق الوالد على ولده ووالله إن على حوائط المدينة اثني عشر ألف ملك منذ أن أمد الله بهم نبيكم صلى الله عليه وسلم ووالله لئن قتلتموه ليسخطن عليكم ربكم ولتتفرقن ملائكته عنكم وليقتلن بقتله أقواما هم في الأصلاب وما خلقوا في الإحارم وإني لأجده في التوراة التي أنزل الله على موسى عليه السلام وكتب بيده عز وجل إليكم بالعبراني وبالعربي خليفتكم المظلوم الشهيد والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدي بعده طاعة إلا عن مخافة ولا توصل رحم إلا عن مكافأة وليقتلن به الرجال ومن في الأصلاب
فقالوا له أيا يهودي أشبع بطنك وكسا ظهرك والله لا ينتطح فيه شاتان ولا يتنافر فيه ديكان فقال أما الشاتان والديكان فصدقتم ولكن التيسان الأكبران يتناطحان فيه فحصبوه ورموه حتى شجوه فالتفت إلى عثمان فقال له زعموا أنك أشبعت بطني وكسوت ظهري فاصبر يا أمير المؤمنين فو الذي نفسي بيده إني أجدك في كتاب الله تعالى المنزل الخليفة المظلوم الشهيد فرميت بالسهام من كل جانب وكان الحسن بن علي حاضرا فأصابه سهم فخضبه بالدم وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم للحسن فيثيروها فتنة قتل عثمان رضي الله عنه وكيف كان
قال وذكروا أن محمد بن أبي بكر لما خرج الحسن بن علي أخذ بيد رجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون ولكن قوموا حتى نتسور عليه فنقتله من غير أن يعلم أحد فتسور هو وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من معه كان فوق البيت ولم يكن معه إلا امرأته فدخل عليه محمد بن أبي بكر فصرعه وقعد على صدره وأخذ بلحيته وقال يا نعثل ما أغنى عنك معاوية وما أغنى عنك ابن عامر وابن أبي سرح
فقال له عثمان لو رآني أبوك رضي الله عنه لبكاني ولساءه مكانك مني فتراخت يده عنه وقام عنه وخرج فدعا عثمان بوضوء فتوضأ وأخذ مصحفا فوضعه في حجره ليتحرم به ودخل عيه رجل من أهل الكوفة بمشقص في يده فوجأ به منكبه مما يلي الترقوة فأدماه ونضح
____________________
(1/40)

الدم على ذلك المصحف وجاء آخر فضربه برجله وجاء آخر فوجأه بقائم سيفه فغشي عليه ومحمد بن أبي بكر لم يدخل مع هؤلاء فتصايح نساؤه ورش الماء على وجهه فأفاق فدخل محمد بن أبي بكر وقد أفاق فقال له أي نعثل غيرت وبدلت وفعلت
ثم دخل رجل من أهل مصر فأخذ بلحيته فنتف منها خصلة وسل سيفه وقال افرجوا لي فعلاه بالسيف فتلقاه عثمان بيده فقطعها فقال عثمان أما والله إنها أول يد خطت المفصل وكتبت القرآن ثم دخل رجل ازرق قصير مجدر ومعه جرز من حديد فمشى إليه فقال على أي ملة أنت يا نعثل فقال لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان وأنا على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين
قال كذبت
وضربه بالجرز على صدغه الأيسر فغسله الدم وخر على وجهه وحالت نائلة بنت الفرافصة زوجته بينه وبينه وكانت جسيمة وألقت بنت شيبة نفسها عليه ودخل عليه رجل من أهل مصر ومعه سيف مصلت فقال والله لأقطعن أنفه فعالج امرأته عنه فكشف عنها درعها
فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها فضربت على السيف فقطع أناملها فقالت يا رباح غلام لعثمان أسود ومعه سيف أعن عني هذا فضربه الأسود فقتله ثم دخل آخر معه سيف فقال افرجوا لي فوضع ذباب السيف في بطن عثمان فأمسكت نائلة زوجته السيف فحز أصابعها ومضى السيف في بطن عثمان فقتله فخرجت امرأته وهي تصيح وخرج القوم هاربين من حيث دخلوا فلم يسمع صوت نائلة لما كان في الدار من الجلبة فصعدت امرأته إلى الناس فقالت إن أمير المؤمنين قد قتل
فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مقتولا قد مثل به فأكبوا عليه يبكون وخرجوا فدخل الناس فوجدوه مقتولا فبلغ عليا الخبر وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم فدخلوا عليه واسترجعوا وأكبوا عليه يبكون ويعولون حتى غشي على علي ثم أفاق فقال لابنيه كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب فرفع يده فضرب الحسن والحسين وشتم محمد بن طلحة ولعن عبد الله بن الزبير وخرج علي وقد سلب عقله لا يدري ما يستقبل من أمره فقال طلحة مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين فقال يا طلحة يقتل أمير المؤمنين ولم نقم عليه بينة ولا حجة فقال طلحة لو دفع مروان لم يقتل
فقال علي لو دفع مروان قتل قبل أن تقوم عليه حكومة
فخرج علي فأتى منزله وأغلق الباب وكتبت نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية تصف دخول القوم على عثمان وأخذه المصحف ليتحرم به وما صنع محمد بن أبي بكر
____________________
(1/41)

وأرسلت بقميص عثمان مضرجا بالدم ممزقا وبالخصلة التي نتفها الرجل المصري من لحيته فعقدت الشعر في زر القميص ثم دعت النعمان بن بشير الأنصاري فبعثته إلى معاوية ومضى بالقميص حتى أتى على يزيد بن أسيد ممدا لعثمان بعثه معاوية في أربعة آلاف فأخبرهم بقتل عثمان فانصرفوا إلى الشام
قال ثم دخل أهل مصر الدار فلما رأوا عثمان مقتولا ندموا واستحيوا وكره أكثرهم ذلك وثار أهل الدار في وجوههم فأخرجوهم منها
ثم اقتتلوا عند الباب فضرب مروان بالسيف فصرع دفن عثمان بن عفان رضي الله عنه
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر قال لم أكن دخلت في شيء من أمر عثمان لا عليه ولا له فإني لجالس بفناء داري ليلا بعدما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير فقال إن أخي يدعوك فقمت إليه فقال لي إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك قلت والله ما دخلت في شيء من شأنه وما أريد ذلك فانصرفت عنه ثم اتبعته فإذا هو في نفر فيهم جبير بن مطعم وأبو الجهم بن حذيفة والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير فاحتملوه على باب وإن رأسه ليقول طق طق فوضعوه في موضع الجنائز فقام إليهم رجال من الأنصار فقالوا لهم لا والله لا تصلون عليه
فقال أبو الجهم ألا تدعونا نصلي عليه فقد صلى الله تعالى عليه وملائكته فقال له رجل منهم إن كنت فأدخلك الله مدخله فقال له حشرني الله معه فقال له إن الله حاشرك مع الشياطين والله إن تركناكم به لعجز منا
فقال القوم لأبي الجهم اسكت عنهم وكف فسكت فاحتملوه ثم انطلقوا مسرعين كأني أسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار فقال لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله ولا نترككم تصلون عليه فقال أبو الجهم انطلقوا بنا إن لم نصل عليه فقد صلى الله عليه فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق حتى إذا أتوا به حش كوكب حفروا له حفرة ثم قاموا يصلون عليه وأمهم جبير بن مطعم ثم دلوه في حفرته فلما رأته ابنته صاحت فقال ابن الزبير والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عينيك فدفنوه ولم يلحدوه بلبن وحثوا عليه التراب حثوا
____________________
(1/42)

بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكيف كانت
قال وذكروا أنه لما كان في الصباح اجتمع الناس في المسجد وكثر الندم والتأسف على عثمان رحمه الله وسقط في أيديهم وأكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتل عثمان فقال الناس لهما أيها الرجلان قد وقعتما في أمر عثمان فخليا عن أنفسكما فقام طلحة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنا والله ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس إن عثمان خلط الذنب بالتوبة حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن نقتله وسرنا أن نكفاه وقد كثر فيه اللجاج وأمره إلى الله
ثم قام الزبير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الله قد رضي لكم الشورى فأذهب بها الهوى وقد تشاورنا فرضينا عليا فبايعوه وأما قتل عثمان فإنا نقول فيه ان أمره إلى الله وقد أحدث أحداثا والله وليه فيما كان فقام الناس فأتوا عليا في داره فقالوا نبايعك فمد يدك لا بد من أمير فأنت أحق بها فقال ليس ذلك إليكم إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة فنجتمع وننظر في هذا الأمر فأبى أن يبايعهم فانصرفوا عنه وكلم بعضهم بعضا فقالوا يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله ولا يسمعون أنه بويع لأحد بعده فيثور كل رجل منهم في ناحية فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد فارجعوا إلى علي فلا تتركوه حتى يبايع فيسير مع قتل عثمان بيعة علي فيطمئن الناس ويسكنون فرجعوا إلى علي وترددوا إلى الأشتر النخعي فقال لعلي أبسط يدك نبايعك أو لتعصرن عينيك عليها ثالثة ولم يزل به يكلمه ويخوفه الفتنة ويذكر له أنه ليس أحد يشبهه فمد يده فبايعه الأشتر ومن معه ثم أتوا طلحة فقالوا له اخرج فبايع قال من قالوا عليا
قال تجتمع الشورى وتنظر فقالوا اخرج فبايع فامتنع عليهم
فجاؤوا به يلببونه فبايعه بلسانه ومنع يده فقال أبو ثور كنت فيمن حاصر عثمان فكنت آخذ سلاحي وأضعه وعلي ينظر إلي لا يأمرني ولا ينهاني فلما كانت البيعة له خرجت في أثره والناس حوله يبايعونه فدخل حائطا من حيطان بني مازن فألجئوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده ثم أقبل إلى المسجد الشريف وكان أول من صعد المنبر طلحة فبايعه بيده وكانت أصابعه شلاء فتطير منها علي فقال ما أخلقها أن تنكث ثم
____________________
(1/43)

بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعا ثم نزل فدعا الناس وأمر مروان فهرب منه وطلب نفرا من بني أمية وابن أبي معيط فهربوا وخرجت عائشة باكية تقول قتل عثمان رحمه الله فقال لها عمار بالأمس تحرضين عليه الناس واليوم تبكينه ثم جاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجال لا أعرفهم إلا أن أرى وجوههم وكان معهم محمد بن أبي بكر فدعا علي محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان فقال محمد صدقت قد والله دخلت عليه فذكر لي أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت صدق ولكن هو أدخلهم
قال ثم خرج طلحة فلقي عائشة فقالت له ما صنع الناس قال قتلوا عثمان
قالت ثم ما صنعوا قال بايعوا عليا ثم أتوني فأكرهوني ولببوني حتى بايعت
قالت وما لعلي يستولى على رقابنا لا أدخل المدينة ولعلي فيها سلطان فرجعت
وكان الزبير خارجا لم يشهد قتل عثمان وكان عمرو بن العاص بفلسطين يوم قتل عثمان فطلع عليه راكب من الحجاز فقال له ما وراءك قال تركت عثمان محصورا قال عمرو قد يضرط العير والمكواة في النار ثم لبث أياما فطلع عليه راكب آخر فقال له عمرو ما الخبر قال قتل عثمان
قال فما فعل الناس فقال بايعوا عليا
قال فما فعل علي في قتلة عثمان قال دخل عليه الوليد بن عقبة فسأله عن قتله فقال ما أمرت ولا نهيت ولا سرني ولا ساءني
قال فما فعل بقتلة عثمان فقال آوى ولم يرض وقد قال له مروان إن لا تكن أمرت فقد توليت الأمر وإلا تكن قتلت فقد أويت القاتلين فقال عمرو بن العاص خلط والله أبو الحسن قال ثم كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولى كبره فكتب إليه سعد إنك سألتني من قتل عثمان وإني أخبرك أنه قتل بسيف سلته عائشة وصقله طلحة وسمه ابن أبي طالب وسكت الزبير وأشار بيده وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء فإن كنا أحسنا فقد أحسنا وإن كنا أسأنا فنستغفر الله وأخبرك أن الزبير مغلوب بغلبة أهله وبطلبه بذنبه وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب الإمارة لشقه
قال وكان ابن عباس غائبا بمكة المشرفة فأقبل إلى المدينة وقد بايع الناس عليا
قال ابن عباس فوجدت عنده المغيرة بن شعبة فجلست حتى خرج ثم دخلت عليه فسألني وسألته ثم قلت له ما قال لك الخارج من عندك أنفا قال قال لي قبل هذه الدخلة أرسل إلى عبد الله بن عامر بعهده على البصرة وإلى معاوية بعهده على الشام فإنك تهديء عليك البلاد وتسكن عليك الناس
ثم أتاني الآن فقال لي إني كنت
____________________
(1/44)

اشرت عليك برأي لم أتعقبه فلم أر ذلك رأيا وإني أرى أن تنبذ إليهما العداوة فقد كفاك الله عثمان وهما أهون موتة منه
فقال له ابن عباس أما المرة الأولى فقد نصحك فيها وأما الثانية فقد غشك فيها قال فإني قد وليتك الشام فسر إليها قال قلت ليس هذا برأي أترى معاوية وهو ابن عم عثمان مخليا بيني وبين عمله ولست آمن أن ظفر بي أن يقتلني بعثمان وأدنى ما هو صانع أن يحبسني ويحكم علي ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده فإن استقام لك الأمر فابعثني قال ثم أرسل بالبيعة إلى الآفاق وإلى جميع الأمصار فجاءته البيعة من كل مكان إلا الشام فإنه لم يأته منها بيعة
فأرسل إلى المغيرة بن شعبة فقال له سر إلى الشام فقد وليتكها
قال تبعثني إلى معاوية وقد قتل ابن عمه ثم آتيه واليا فيظن أني من قتلة ابن عمه ولكن إن شئت ابعث إليه بعهده فإنه بالحري إذا بعثت له بعهده أن يسمع ويطيع
فكتب علي إلى معاوية أما بعد فقد وليتك ما قبلك من الأمر والمال فبايع من قبلك ثم اقدم إلي في ألف رجل من أهل الشام فلما أتى معاوية كتاب علي دعا بطومار فكتب فيه
من معاوية إلى علي أما بعد فإنه
( ليس بيني وبين قيس عتاب ** غير طعن الكلى وضرب الرقاب )
فلما أتى عليا الكتاب ورأى ما فيه وما هو مشتمل عليه وكره ذلك وقام فأتى منزله فدخل عليه الحسن ابنه فقال له أما والله كنت أمرتك فعصيتني فقال له علي وما أمرتني به فعصيتك فيه قال أمرتك أن تركب رواحلك فتلحق بمكة المشرفة فلا تتهم به ولا تحل شيئا من أمره فعصيتني وأمرتك حين دعيت إلى البيعة أن لا تبسط يدك إلا على بيعة جماعة فعصيتني وأمرتك حين خالف عليك طلحة والزبير أن لا تكرههما على البيعة وتخلي بينهما وبين وجههما وتدع الناس يتشاورون عاما كاملا فوالله لو تشاوروا عاما ما زويت عنك ولا وجدوا منك بدا وأنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما وترد إلى الناس أمرهم فإن رفضوك رفضتهم وإن قبلوك قبلتهم فإني والله قد رأيت الغدر في رؤوسهم وفي وجوههم النكث والكراهية
فقال له علي أنا إذا مثلك لا والله يا بني ولكن أقاتل بمن أطاعني من عصاني وأيم الله يا بني ما زلت مبغيا على منذ هلك جدك فقال له الحسن وأيم الله يا أبت ليظهرن عليك معاوية لأن الله تعالى قال { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } الإسراء 33 فقال علي يا بني وما علينا من ظلمه والله ما ظلمناه ولا أمرنا ولا نصرنا عليه ولا كتبت فيه إلى أحد سوادا في بياض وإنك لتعلم أن أباك أبرأ الناس من دمه ومن أمره
فقال له الحسن دع عنك هذا والله إني لا أظن بل لا أشك أن ما
____________________
(1/45)

بالمدينة عاتق ولا عذراء ولا صبي إلا وعليه كفل من دمه
فقال يا بني إنك لتعلم أن أباك قد رد الناس عنه مرارا أهل الكوفة وغيرهم وقد أرسلتكما جميعا بسيفيكما لتنصراه وتموتا دونه فنهاكما عن القتال ونهى أهل الدار أجمعين
وأيم الله لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه أو أموت بين يديه
قال الحسن دع عنك هذا حتى يحكم الله بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون
قال ثم دخل المغيرة بن شعبة فقال له علي هل لك يا مغيرة في الله قال فأين هو يا أمير المؤمنين قال تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الأمر فتدرك من سبقك وتسبق من معك فإني أرى أمورا لا بد للسيوف أن تشحذ لها وتقطف الرؤوس بها فقال المغيرة إني والله يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيبا ولا قتله صوابا وإنها لظلمة تتلوها ظلمات فأريد يا أمير المؤمنين ان أذنت لي أن أضع سيفي وأنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع قمرها فنسري مبصرين نقفر آثار المهتدين ونتقي سبيل الجائرين
قال علي قد أذنت لك فكن من أمرك على ما بدا لك
فقام عمار فقال معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا
يغلبك من غلبته ويسبقك من سبقته أنظر ما ترى وما تفعل فأما أنا فلا أكون إلا في الرعيل الأول
فقال له المغيرة يا أبا اليقظان
إياك أن تكون كقاطع السلسلة فر من الضحل فوقع في الرمضاء
فقال علي لعمار دعه فإنه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته الدنيا أما والله يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية تؤدي من قام فيها إلى الجنة ولما اختار بعدها فإذا غشيناك فنم في بيتك
فقال المغيرة أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني ولئن لما أقاتل معك لا أعين عليك فإن يكن ما فعلت صوابا فإياه أردت وإن يكن خطأ فمنه نجوت ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلا الاستغفار منها خطبة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
قال وذكروا أن البيعة لما تمت بالمدينة خرج علي إلى المسجد الشريف فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ووعد الناس من نفسه خيرا وتألفهم جهده ثم قال لا يستغنى الرجل وإن كان ذا مال وولد عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم
____________________
(1/46)

وألسنتهم
هم أعظم الناس حيطة من ورائه وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور ومن يقبض يده عن عشيرته فإنه يقبض عنهم يدا واحدة وتقبض عنه أيد كثيرة ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه الله تعالى يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته واعلموا أن لسان صدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال فلا يزدادن أحدكم كبرياء ولا عظمة في نفسه ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه
واعلموا أن الدنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت ألا وإن المضمار اليوم والسبق غدا
ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار ألا إن الأمل يشهى القلب ويكذب الوعد ويأتي بغفلة ويورث حسرة فهو غرور وصاحبه في عناء فافزعوا إلى قوام دينكم وإتمام صلاتكم وأداء زكاتكم والنصيحة لإمامكم وتعلموا كتاب الله وأصدقوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب الله وارهبوا عذابه واعملوا الخير تجزوا خيرا يوم يفوز بالخير من قدم الخير اختلاف الزبير وطلحة على علي كرم الله وجهه
قال وذكروا أن الزبير وطلحة أتيا عليا بعد فراغ البيعة فقالا هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين قال علي نعم على السمع والطاعة وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان فقالا لا ولكنا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر قال علي لا ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأولاد قال وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق وطلحة في اليمن فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما شيئا أظهرا الشكاة فتكلم الزبير في ملأ من قريش فقال هذا جزاؤنا من علي قمنا له في أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب وسببنا له القتل وهو جالس في بيته وكفى الأمر
فلما نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا فقال طلحة ما اللوم إلا أنا كانا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا وبايعناه وأعطيناه ما في الدينا ومنعنا في يده فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا
قال فانتهى قولهما إلى علي فدعا عبد الله بن عباس وكان استوزره فقال له بلغك قول هذين الرجلين قال نعم بلغني قولهما
قال فما ترى قال أرى أنهما
____________________
(1/47)

أحبا الولاية
فول البصرة الزبير وول طلحة الكوفة فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان فضحك علي ثم قال ويحك إن العراقين بهما الرجال والأموال ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع ويضربا الضعيف بالبلاء ويقويا على القوي بالسلطان ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي
قال ثم أتى طلحة والزبير إلى علي فقال يا أمير المؤمنين ائذن لنا في العمرة فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك وإن تسر نتبعك فنظر إليهما علي وقال نعم والله ما العمرة تريدان وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما فمضيا خلاف عائشة رضي الله عنها على علي
قال وذكروا أن عائشة لما أتاها أنه بويع لعلي
وكانت خارجة عن المدينة فقيل لها قتل عثمان
وبايع الناس عليا
فقالت ما كنت أبالي أن تقع السماء على الأرض قتل والله مظلوما وأنا طالبة بدمه فقال لها عبيد إن أول من طعن عليه وأطمع الناس فيه لأنت ولقد قلت اقتلوا نعثلا فقد فجر فقالت عائشة قد والله قلت وقال الناس وآخر قولي خير من أوله فقال عبيد عذر والله ضعيف يا أم المؤمنين
ثم قال
( منك البداء ومنك الغير ** ومنك الرياح ومنك المطر )
( وأنت أمرت بقتل الإمام ** وقلت لنا إنه قد فجر )
( فهبنا أطعناك في قتله ** وقاتله عندنا من أمر )
قال فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنهم ردوا بيعة علي وأبوا أن يبايعوه أمرت فعمل لها هودج من حديد وجعل فيه موضع عينيها ثم خرجت ومعها الزبير وطلحة وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة اعتزال عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة عن مشاهدة علي وحروبه
قال وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين ائذن لي آتي عبد الله بن عمر فأكلمه لعله يخف معنا في هذا الأمر فقال علي نعم فأتاه فقال
____________________
(1/48)

له يا أبا عبد الرحمن إنه قد بايع عليا المهاجرون والأنصار ومن إن فضلناه عليك لم يسخطك وإن فضلناك عليه لم يرضك وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة وقد علمت أن على القاتل القتل وعلى المحصن الرجم وهذا يقتل بالسيف وهذا يقتل بالحجارة وأن عليا لم يقتل أحدا من أهل الصلاة فيلزمه حكم القاتل
فقال ابن عمر يا أبا اليقظان إن أبي جمع أهل الشورى الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فكان أحقهم بها علي غير أنه جاء أمر فيه السيف ولا أعرفه ولكن والله ما أحب أن لي الدنيا وما عليها وأني أظهرت أو أضمرت عداوة علي قال فانصرف عنه فأخبر عليا بقوله فقال علي لو أتيت محمد بن مسلمة الأنصاري فأتاه عمار فقال له محمد مرحبا بك يا أبا اليقظان على فرقة ما بيني وبينك والله لولا ما في يدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لبايعت عليا ولو أن الناس كلهم عليه لكنت معه ولكنه يا عمار كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي فقال عمار كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة ) فقال عمار فإن كان قال لك إذا رأيت المسلمين فوالله لا ترى مسلمين يقتتلان بسيفيهما أبدا وإن كان قال لك أهل الصلاة فمن سمع هذا معك إنما أنت أحد الشاهدين فتريد من رسول الله قولا بعد قوله يوم حجة الوداع ( دماؤكم وأموالكم عليكم حرام إلا بحدث ) فتقول يا محمد لا تقاتل المحدثين قال حسبك يا أبا اليقظان
قال ثم أتى سعد بن أبي وقاص فكلمه فأظهر الكلام القبيح فانصرف عمار إلى علي فقال له علي دع هؤلاء الرهط أما ابن عمر فضعيف وأما سعد فحسود وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر مرحب اليهودي هروب مروان بن الحكم من المدينة المنورة
قال وذكروا أن مروان بن الحكم لما بويع علي هرب من المدينة فلحق بعائشة بمكة
فقالت له عائشة ما وراءك فقال مروان غلبنا على أنفسنا فقال له رجل من أهل مكة إياك وعليا فقد طلبك ففر من بين يديه
فقال مروان لم فوالله ما يجد إلي سبيلا
أما هو فقد علمت أنه لا يأخذني بظن ولا ينصب إلى على اليقين وأيم الله ما أبالي إذا قصر علي سيفه ما طال علي من لسانه
فقال الرجل إذا أطال الله عليك لسانه طال سيفه
قال مروان كلا إن اللسان أدب والسيف حكم خروج علي من المدينة
قال وذكروا أن عليا تردد بالمدينة أربعة أشهر ينتظر جواب معاوية وقد كان
____________________
(1/49)

كتب إليه كتابا بعد كتاب يمنيه ويعده أولا ثم كتابا يخوفه ويتواعده فحبس معاوية جواب كتابه ثلاثة أشهر ثم أتاه جوابه على غير ما يحب فلما أتاه ذلك شخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين والأنصار من أهل السوابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم بشر كثير من أخلاط الناس واستخلف على المدينة قثم بن عباس وكان له فضل وعقل وأمره أن يشخص إليه من أحب الشخوص ولا يحمل أحدا على ما يكره فخف الناس إلى علي بعده ومضى معه من ولده الحسن والحسين ومحمد فلما كان في بعض الطريق أتاه كتاب أخيه عقيل بن أبي طالب وفيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا أخي كلأك الله والله جائرك من كل سوء وعاصمك من كل مكروه على كل حال وإني خرجت معتمرا فلقيت عائشة معها طلحة والزبير وذووهما وهم متوجهون إلى البصرة قد أظهروا الخلاف ونكثوا البيعة وركبوا عليك قتل عثمان وتبعهم علي ذلك كثير من الناس من طغاتهم وأوباشهم ثم مر عبد الله بن أبي سرح في نحو من أربعين راكبا من أبناء الطلقاء من بني أمية فقلت لهم وعرفت المنكر في وجوههم أبمعاوية تلحقون عداوة والله إنها منكم ظاهرة غير مستنكرة تريدون بها إطفاء نور الله وتغيير أمر الله
فأسمعني القوم وأسمعتهم ثم قدمت مكة فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة واليمامة فأصاب ما شاء من أموالهما ثم انكفأ راجعا إلى الشام فأف لحياة في زهو جرأ عليك الضحاك وما الضحاك إلا فقع بقرقره فظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك فاكتب إلي يا بن أمي برأيك وأمرك فإن كنت الموت تريد تحملت إليك بيني أخيك وولد أبيك فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا مت فوالله ما أحب أن أبقى بعدك فوالله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنىء ولا مرىء ولا نجيع والسلام
فكتب إليه علي كرم الله وجهه أما بعد يا أخي فكلأك الله كلاءة من يخشاه إنه حميد مجيد
قدم علي عبد الرحمن الأزدي بكتابك تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح في أربعين من أبناء الطلقاء من بني أمية متوجهين إلى المغرب وابن أبي سرح يا أخي
____________________
(1/50)

طال ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصد عن كتابه وسنته وبغاها عوجا فدع ابن أبي سرح وقريشا وتركاضهم في الضلال فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم وجهلوا حقي وجحدوا فضلي ونصبوا لي الحرب وجدوا في إطفاء نور الله اللهم فاجز قريشا عني بفعالها فقد قطعت رحمي وظاهرت علي وسلبتني سلطان ابن عمي وسلمت ذلك لمن لي في قرابتي وحقي في الإسلام وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع إلا أن يدعى ما لا أعرف ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على ذلك كثير
وأما ما ذكرت من غارة الضحاك على الحيرة واليمامة فهو أذل وألأم من أن يكون مر بها فضلا عن الغارة ولكن جاء في خيل جريدة فسرحت إليه جندا من المسلمين فلما بلغه ذلك ولى هاربا فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق حين همت الشمس للإياب فاقتتلوا وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا ونجا هاربا بعد أن أخذ منه بالمخنق فلولا الليل ما نجا
وأما ما سألت أن أكتب إليك فيه برأيي فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة لأني محق والله مع المحق وما أكره الموت على الحق لأن الخير كله بعد الموت لمن عقل ودعه إلى الحق
وأما ما عرضت به من مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك فلا حاجة لي في ذلك فذرهم راشدا مهديا فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت وأنا كما قال أخو بني سليم
( فإن تسأليني كيف صبري فإنني ** صبور على ريب الزمان صليب )
( عزيز على أن أرى بكآبة ** فيشمت واش أو يساء حبيب ) كتاب أم سلمة إلى عائشة
قال وذكروا أنه لما تحدث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة والزبير ونصبهم الحرب لعلي وتألفهم الناس كتبت أم سلمة إلى عائشة أما بعد فإنك سدة بين رسول الله وبين أمته وحجابك مضروب علي حرمته قد جمع القرآن الكريم ذيلك فلا تندحيه وسكن عقيرتك فلا تصحريها الله من وراء هذه الأمة قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد إليك وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال
____________________
(1/51)

ولا يرأب بهن إن انصدع حماديات النساء غض الأبصار وضم الذبول ما كنت قائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات على قعود من الإبل من منهل إلى منهل إن بعين الله مهواك وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تردين وقد هتكت حجابه الذي ضرب الله عليك وتركت عهيداه
ولو أتيت الذي تريدين ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى الله هاتكة حجابا قد ضربه علي فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك فابغيه منزلا لك حتى تلقيه فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته وأنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه ولو ذكرتك كلاما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنهشتني نهش الحية والسلام
فكتبت إليها عائشة ما أقبلني لوعظك وأعلمني بنصحك وليس مسيري على ما تظنين ولنعم المطلع مطلع فزعت فيه إلي فئتان متناجزتان فإن أقدر ففي غير حرج وإن أحرج مالي ما لا غنى بي عن الإزدياد منه والسلام استنفار عدي بن حاتم قومه لنصرة علي رضي الله عنه
قال وذكروا أن ابن حاتم قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين لو تقدمت إلى قومي أخبرهم بمسيرك وأستنفرهم فإن لك من طيء مثل الذي معك
فقال علي نعم فافعل فتقدم عدي إلى قومه فاجتمعت إليه رؤساء طيء فقال لهم يا معشر طيء إنكم أمسكتم عن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشرك ونصرتم الله ورسوله في الإسلام على الردة وعلي قادم عليكم وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم فخفوا معه وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا فقاتلوا في الإسلام على الآخرة فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة وقد ضمنت عنكم الوفاء وباهيت بكم الناس فأجيبوا قولي فإنكم أعز العرب دارا لكم فضل معاشكم وخيلكم فاجعلوا أفضل المعاش للعيال وفضول الخيل للجهاد وقد أظلكم علي والناس معه من المهاجرين والبدريين والأنصار فكونوا أكثرهم عددا فإن هذا سبيل للحي فيه الغني والسرور وللقتيل فيه الحياة والرزق
فصاحت طيء نعم نعم حتى كاد أن يصم من صياحهم فلما قدم علي طيء أقبل شيخ من طيء قد هرم من الكبر فرفع له من حاجبيه فنظر إلى علي فقال له أنت ابن أبي طالب قال نعم
قال مرحبا بك وأهلا قد جعلناك بيننا وبين الله وعديا بيننا وبينك ونحن بينه وبين الناس لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك لقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامك الصالحة ولئن كان ما يقال فيك من الخير حقا إن في أمرك وأمر قريش لعجبا إذ أخرجوك وقدموا غيرك
سر فوالله لا يتخلف عنك من طيء إلا عبد أو دعي إلا بإذنك
فشخص معه من طيء ثلاثة عشر آلاف راكب
____________________
(1/52)

استنفار زفر بن زيد قومه لنصرة علي
قال وذكروا أن زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي وكان من سادة بني اسد قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين إن طيئا إخواننا وجيراننا قد أجابوا عديا ولي في قومي طاعة فأذن لي فآتهم
قال نعم فأتاهم فجمعهم وقال يا بني أسد إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه فأجابوه وقضوا عنه ذمامه فلم يعتل الغني بالغني ولا الفقير بالفقر وواسى بعضهم بعضا حتى كأنهم المهاجرين في الهجرة والأنصار في الأثرة وهم جيرانكم في الديار وخلطاؤكم في الأموال فأنشدكم الله لا يقول الناس غدا نصرت طيء وخذلت بنو أسد وإن الجار يقاس بالجار كالنعل بالنعل فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم وانضموا إلى جبلهم وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة
فقام إليه رجل منهم فقال له يا زفر إنك لست كعدي ولا أسد كطيء ارتدت العرب فثبتت طيء على الإسلام وجاد عدي بالصدقة وقائل بقومه قومك فوالله لو نفرت طيء بأجمعها لمنعت رعاؤها دارها ولو أن معنا أضعافنا لخفنا على دارنا فإن كان لا يرضيك منا إلا ما أرضى عديا من طيء فليس ذلك عندنا وإن كان يرضيك قدر ما يرد عنا عذر الخذلان وإثم المعصية فلك ذلك منا
فسار معه من أسد جماعة ليست كجماعة طيء حتى قدم بها على علي توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة
قال وذكروا أنه لما اجتمع طلحة والزبير وذووهما مع عائشة وأجمعوا على المسير من مكة وأتاهم عبد الله بن عامر فدعاهم إلى البصرة ووعدهم الرجال والأموال فقال سعيد بن العاصي لطلحة والزبير إن عبد الله بن عامر كلمه إلى البصرة وقد فر من أهلها فرار العبد الآبق وهم في طاعة عثمان ويريد أن يقاتل بهم عليا وهم في طاعة علي وخرج من عندهم أميرا ويعود إليهم طريدا وقد وعدكم الرجال والأموال فأما الأموال فعنده وأما الرجال فلا رجل
فقال مروان بن الحكم أيها الشيخان ما يمنعكما أن تدعوا الناس إلى بيعة مثل بيعة علي فإن أجابوا كما عارضتماه ببيعة كبيعته وإن لم يجيبوكما عرفتما ما لكما في أنفس الناس فقال طلحة
____________________
(1/53)

يمنعنا أن الناس بايعوا عليا بيعة عامة فبم تنقضها وقال الزبير ويمنعنا أيضا من ذلك تثاقلنا عن نصرة عثمان وخفتنا إلى بيعة علي
فقال الوليد بن عقبة إن كنتما أسأتما فقد أحسنتما وإن كنتما أخطأتما فقد أصبتما وأنتما اليوم خير منكما أمس
فقال مروان أما أنا فهواي الشام وهواكما البصرة وأنا معكم وإن كانت الهلكة
فقال سعيد بن العاصي أما أنا فراجع إلى منزلي
فلما استقام أمرهم واجتمعت كلمتهم على المسير قال طلحة للزبير إنه ليس شيء أنفع ولا أبلغ في استمالة أهواء الناس من أن نشخص لعبد الله بن عمر فأتياه فقالا يا أبا عبد الرحمن إن أمنا عائشة خفت لهذا الأمر رجاء الإصلاح بين الناس فاشخص معنا فإن لك بها أسوة فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها
فقال ابن عمر أيها الشيخان أتريدان أن تخرجاني من بيتي ثم تلقياني بين مخالب ابن أبي طالب إن الناس إنما يخدعون بالدينار والدرهم
وإني قد تركت هذا الأمر عيانا في عافية أنالها
فانصرفا عنه
وقدم يعلي بن منيه عليهم من اليمن وكان عاملا لعثمان فأخرج أربع مئة بعير ودعا إلى الحملان فقال الزبير دعنا من إبلك هذه وأقرضنا من هذا المال فأقرض الزبير ستين ألفا وأقرض طلحة أربعين ألفا ثم سار القوم فقال الزبير الشام بها الرجال والأموال وعليها معاوية وهو ابن عم الرجل ومتى نجتمع يولنا عليه وقال عبد الله بن عامر البصرة فإن غلبتم عليا فلكم الشام وإن غلبكم علي كان معاوية لكم جنة وهذه كتب أهل البصرة إلي فقال يعلي بن منيه وكان داهيا أيها الشيخان قدرا قبل أن ترحلا أن معاوية قد سبقكم إلى الشام وفيها الجماعة وأنتم تقدمون عليه غدا في فرقة وهو ابن عم عثمان دونكم أرأيتم إن دفعكم عن الشام أو قال أجعلها شورى ما أنتم صانعون أتقاتلونه أم تجعلونها شورى فتخرجا منها وأقبح من ذلك أن تأتيا رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه وتريدا أن تخرجاه منه فقال القوم فإلى أين قال إلى البصرة فقال الزبير لعبد الله بن عامر من رجال البصرة قال ثلاثة كلهم سيد مطاع كعب بن سور في اليمن والمنذر بن ربيعة في ربيعة والأحنف بن قيس في مضر
فكتب طلحة والزبير إلى كعب بن سور أما بعد فإنك قاضي عمر بن الخطاب وشيخ أهل البصرة وسيد أهل اليمن وقد كنت غضبت لعثمان من الأذى فاغضب له من القتل والسلام
وكتب إلى الأحنف بن قيس أما بعد فإنك وافد عمر وسيد مضر وحليم أهل
____________________
(1/54)

العراق وقد بلغك مصاب عثمان ونحن قادمون عليك والعيان أشفى لك من الخبر والسلام
وكتب إلى المنذر أما بعد فإن أباك كان رئيسا في الجاهلية وسيدا في الإسلام وإنك من أبيك بمنزلة المصلي من السابق
يقال كاد أو لحق وقد قتل عثمان من أنت خير منه وغضب له من هو خير منك والسلام
فلما وصلت كتبهما إلى القوم قام زياد بن مضر والنعمان بن شوال وغزوان فقالوا ما لنا ولهذا الحى من قريش أيريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن دخلنا فيه ويدخلونا في الشرك بعد ما خرجنا منه قتلوا عثمان وبايعوا عليا لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وكتب كعب بن سور إلى طلحة والزبير أما بعد فإنا غضبنا لعثمان من الأذى والغير باللسان فجاء أمر الغير فيه بالسيف فإن يك عثمان قتل ظالما فما لكما وله وإن كان قتل مظلوما فغيركما أولى به وإن كان أمره أشكل على من شهده فهو على من غاب عنه أشكل
وكتب الأحنف إليهما أما بعد فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لا نشك فيه إلا قتل عثمان وأنتم قادمون علينا فإن يكن في العيان فضل نظرنا فيه ونظرتم وإلا يكن فيه فضل فليس في أيدينا ولا في أيديكم ثقة والسلام
وكتب المنذر أما بعد فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيرا من أهل الشر وإنما أوجب حق عثمان اليوم حقه أمس وقد كان بين أظهركم فخذلتموه فمتى استنبطتم هذا العلم وبدا لكم هذا الرأي فلما قرآ كتب القوم ساءهما ذلك وغضبا
ثم غدا مروان إلى طلحة والزبير فقال لهما عاودا ابن عمر فلعله ينيب فعاوداه
فتكلم طلحة فقال يا أبا عبد الرحمن إنه والله لرب حق ضيعناه وتركناه فلما حضر العذر قضينا بالحق وأخذنا بالحظ إن عليا يرى إنقاذ بيعته وإن معاوية لا يرى أن يبايع له وإنا نرى أن نردها شورى فإن سرت معنا ومع أم المؤمنين صلحت الأمور وإلا فهي الهلكة
فقال ابن عمر إن يكن قولكما حقا ففضلا ضيعت وإن يكن باطلا فشر منه نجوت واعلما أن بيت عائشة خير لها من هودجها وأنتما المدينة خير لكما من البصرة والذل خير لكما من السيف ولن يقاتل عليا إلا من كان خيرا منه
وأما الشورى فقد والله كانت فقدم وأخرتما ولن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها فاكفياني أنفسكما فانصرفا
فقال مروان استعينا عليه بحفصة فأتيا حفصة فقالت لو أطاعني أطاع عائشة دعاه فاتركاه وتوجها إلى البصرة
وأتاهما عبد الله بن خلف فقال لهما إنه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شيء إلا وقد بلغ أهل العراق وقد كان منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود
____________________
(1/55)

ولا ينفعكما فيه عذر وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل وقد بايع الناس عليا بيعة عامة والناس لا قوكما غدا فما تقولان فقال طلحة ننكر القتل ونقر بالخذل ولا ينفع الإقرار بالذنب إلا مع الندم عليه ولقد ندمنا على ما كان منا
وقال الزبير بايعنا عليا والسيف على أعناقنا حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا ولم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية ولا عمدا فيجب علينا القصاص
فقال عبد الله بن خلف عذركما أشد من ذنبكما قال فتهيأ القوم للمسير فقال طلحة والزبير أسرعوا السير لعلنا نسبق عليا من خلاف طريقه إلى البصرة
قال وكتب قثم بن عباس إلى علي يخبره أن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة يريدون البصرة وقد استنفروا الناس فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب
فلما قدم على علي كتابه غمه ذلك وأعظمه الناس وسقط في أيديهم فقام قيس بن سعد بن عبادة فقال يا أمير المؤمنين إنه والله ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة لأن هذين الرجلين حلالا الدم عندنا لبيعتهما ونكثهما ولأن عائشة من علمت مقامها في الإسلام ومكانها من رسول الله مع فضلها ودينها وأمومتها منا ومنك ولكنهما يقدمان البصرة وليس كل أهلها لهما وتقدم الكوفة وكل أهلها لك وتسير بحقك إلى باطلهم ولقد كنا نخاف أن يسيرا إلى الشام فيقال صاحبا رسول الله وأم المؤمنين فيشتد البلاء وتعظم الفتنة فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إلى طاعتك وسبقوا إلى بيعتك وحكم عليهم عاملك ولا والله ما معهما مثل ما معك ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه فسر فإن الله معك وتتابعت الأنصار فقالوا وأحسنوا
قال ولما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس من أرض خيبر أقبل عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له فأشرف على الناس ومعه المغيرة بن شعبة فنزل وتوكأ على قوس له سوداء فأتى عائشة فقال لها أين تريدين يا أم المؤمنين قالت أريد البصرة قال وما تصنعين بالبصرة قالت أطلب بدم عثمان
قال فهؤلاء قتلة عثمان معك ثم أقبل على مروان فقال له وأنت أين تريد أيضا قال البصرة
قال وما تصنع بها قال أطلب قتلة عثمان قال فهؤلاء قتلة عثمان معك إن هذين الرجلين قتلا عثمان طلحة والزبير وهما يريدان الأمر لأنفسهما فلما غلبا عليه قالا تغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة
ثم قال المغيرة بن شعبة أيها الناس إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم فارجعوا بها خيرا لكم وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان وإن كنتم نقمتم على علي شيئا فبينوا ما نقمتم عليه أنشدكم الله فتنتين في عام واحد فأبوا إلا
____________________
(1/56)

أن يمضوا بالناس فلحق سعيد ابن العاص باليمن ولحق المغيرة بالطائف فلم يشهد شيئا من حروب الجمل ولا صفين فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة نبحها كلاب الحوأب فقالت لمحمد بن طلحة أي ماء هذا قال هذا ماء الحوأب فقالت ما آراني إلا راجعة قال ولم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه ( كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب وإياك أن تكوني أنت يا حميراء )
فقال لها محمد بن طلحة تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول
وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل وأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام فلما انتهى إقبالهم على أهل البصرة ودنوا منها قام عثمان بن حنيف عامل البصرة لعلي بن أبي طالب فقال يا أيها الناس إنما بايعتم الله { يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } الفتح 10 والله لو علم علي أن أحدا أحق بهذا الأمر منه ما قبله ولو بايع الناس غيره لبايع من بايعوا وأطاع من ولوا وما به إلى أحد من صحابه رسول الله حاجة وما بأحد عنه غني ولقد شاركهم في محاسنهم وما شاركوه في محاسنه ولقد بايعه هذان الرجلان وما يريدان الله فاستعجلا الفطام قبل الرضاع والرضاع قبل الولادة والولادة قبل الحمل وطلبا ثواب الله من العباد وقد زعما أنهم بايعا مستكرهين فإن كانا استكرها قبل بيعتهما كان رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا ألا وإن الهدى ما كانت عليه العامة والعامة على بيعة علي فما ترون أيها الناس فقام حكم بن جبل العبدي فقال نرى أن دخلا علينا قاتلناهما وإن وقفا تلقيناهما والله ما أبالي أن أقاتلهما وحدي وإن كنت أحب الحياة وما أخشى في طريق الحق وحشة ولا غيرة ولا غشا ولا سوء منقلب إلى بعث وإنها لدعوة قتيلها شهيد وحيها فائز والتعجيل إلى الله قبل الأجر خير من التأخير في الدنيا وهذه ربيعة معك
____________________
(1/57)

نزول طلحة والزبير وعائشة البصرة
قال وذكروا أن طلحة والزبير لما نزلا البصرة قال عثمان بن حنيف نعذر إليهما برجلين فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول الله وأبا الأسود الدؤلي فأرسلهما إلى طلحة والزبير فذهبا إليهما فناديا يا طلحة فأجابهما فتكلم أبو الأسود الدؤلي فقال يا ابا محمد إنكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله وبايعتم عليا غير مؤامرين في بيعته فلم نغضب لعثمان إذا قتل ولم نغضب لعلي إذ بويع ثم بدا لكم فأردتم خلع علي ونحن على الأمر الأول فعليكم المخرج مما دخلتم فيه
ثم تكلم عمران فقال يا طلحة إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لماذا وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر ونصيبكم منه الأوفى
فقال طلحة يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر غيره وليس على هذا بايعناه وأيم الله ليسفكن دمه
فقال أبو الأسود يا عمران أما هذا فقد صرح أنه إ نما غضب للملك
ثم أتيا الزبير فقالا يا أبا عبد الله إنا أتينا طلحة قال الزبير إن طلحة وإياي كروح في جسدين وإنه والله يا هذان قد كانت منا في عثمان فلتات احتجنا فيها إلى المعاذير ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا نصرناه ثم أتيا فدخلا على عائشة فقالا يا أم المؤمنين ما هذا المسير أمعك من رسول الله به عهد قالت قتل عثمان مظلوما غضبنا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من المقتل فقال أبو الأسود وما أنت من عصانا وسيفنا وسوطنا فقالت يا أبا الأسود بلغني أن عثمان بن حنيف يريد قتالي
فقال أبو الأسود نعم والله قتالا أهونه تندر منه الرؤوس
وأقبل غلام من جهينة إلى محمد بن طلحة فقال له حدثني عن قتلة عثمان قال نعم دم عثمان على ثلاث أثلاث ثلث على صاحبة الهودج وثلث على صاحب الجمل الأحمر وثلث على علي بن أبي طالب
فضحك الجهيني ولحق بعلي بن أبي طالب وبلغ طلحة قول ابنه محمد وكان محمد من عباد الناس فقال له يا محمد أتزعم عنا قولك إني قاتل عثمان كذلك تشهد على أبيك كن كعبد الله بن الزبير فوالله ما أنت بخير منه ولا أبوك بدون أبيه كف عن قولك وإلا فارجع فإن نصرتك نصرة رجل واحد وفسادك فساد عامة
فقال محمد ما قلت إلا حقا ولن أعود نزول علي بن أبي طالب الكوفة
قال وذكروا أن عليا لما نزل قريبا من الكوفة بعث عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى الأشعري وكان أبو موسى عاملا لعثمان على الكوفة فبعثهما علي إليه وإلى أهل الكوفة يستفزهم فلما قدما عليه قام عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر فدعوا الناس إلى النصرة لعلي فلما أمسوا دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى
____________________
(1/58)

فقالوا ما ترى أنخرج مع هذين الرجلين إلى صاحبهما أم لا فقال أبو موسى أما سبيل الآخرة ففي أن تلزموا بيوتكم وأما سبيل الدنيا فالخروج مع من أتاكم فأطاعوه فتبطأ الناس على علي وبلغ عمارا ومحمدا ما أشار به أبو موسى على أولئك الرهط فأتياه فأغلظا له في القول قال أبو موسى إن بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكم ولئن أردنا القتال مالنا إلى قتال أحد من سبيل حتى نفرغ من قتله عثمان خطبة أبي موسى الأشعري
ثم خرج أبو موسى فصعد المنبر ثم قال أيها الناس إن أصحاب رسول الله الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه وإن لكم حقا علي أؤده إليكم إن هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان والقاعد خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي والساعي خير من الراكب فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفتنة خطبة عمار بن ياسر
فقام عمار بن ياسر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين ولعمري ما صدق فيما قال وما رضى الله من عباده بما ذكر
قال عز وجل { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا } الحجرات 9 وقال { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } الأنفال 39 فلم يرضى من عباده بما ذكر أبي موسى من أن يجلسوا في بيوتهم ويخلوا بين الناس فيسفك بعضهم دماء بعض فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين واسمعوا من حججهم وانظروا من أولى بالنصرة فأتبعوه فإن أصلح الله أمرهم رجعتم مأجورين وقد قضيتم حق الله وإن بغي بعضهم على بعض نظرتم إلي الفئة الباغية فقاتلتموها حتى تفيء إلى أمر الله كما أمركم الله وافترض عليكم ثم قعد
فلما انصرفا إلى علي من عند أبي موسى وأخبراه بما قال أبو موسى بعث إليه الحسن بن علي وعبد الله بن عباس وعمار بن ياسر وقيس بن سعد وكتب معهم إلى أهل الكوفة كتاب علي إلى أهل الكوفة
أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سامعه كمن عاينه إن الناس
____________________
(1/59)

طعنوا على عثمان فكنت رجلا من المهاجرين أقل عيبه وأكثر استعتابه وكان هذان الرجلان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه اللهجة والوجيف وكان من عائشة فيه قول على غضب فانتحى له قوم فقتلوه وبايعني الناس غير مستكرهين وهما أول من بايعني بايعني على ما بويع عليه من كان قبلي ثم استأذنا إلى العمرة فأذنت لهما فنقضا العهد ونصبا الحرب وأخرجا أم المؤمنين من بيتها ليتخذاها فتنة وقد سارا إلى البصرة اختيارا لأهلها ولعمري ما إياي تجيبون ما تجيبون إلا الله
وقد بعثت ابني الحسن وابن عمي عبد الله بن عباس وعمار بن ياسر وقيس بن سعد فكونوا عند ظننا بكم والله المستعان
فسار الحسن ومن معه حتى قدموا الكوفة على أبي موسى فدعاه إلى نصرة علي فبايعهم ثم صعد أبو موسى المنبر وقام الحسن أسفل منه فدعاهم إلى نصرة علي وأخبرهم بقرابته من رسول الله وسابقته وبيعة طلحة والزبير إياه ونكثهما عهده وأقرأهم كتاب علي فقام شريح بن هانىء فقال خطاب شريح بن هانىء
لقد أردنا أن نركب إلى المدينة حتى نعلم قتل عثمان فقد أتانا الله به في بيوتنا فلا تخالفوا عن دعوته والله لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعا وطاعة ثم قام الحسن بن علي فقال أيها الناس إنه قد كان من مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما قد بلغكم وقد أتيناكم مستنفرين لأنكم جبهة الأنصار ورؤوس العرب وقد كان من نقض طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما بلغكم وتعلمون أن وهن النساء وضعف رأيهن إلى التلاشي ومن أجل ذلك جعل الله الرجال قوامين على النساء وايم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار كفاية فانصروا الله ينصركم
ثم قام عمار بن ياسر فقال يا أهل الكوفة إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت إليكم أمورنا إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس ولا ينكرون ذلك وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجبيهم فبه أحياء الله من أحيا وأمات من أمات
وإن طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر وكانا أول من بايع عليا فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما من غير حدث
وهذا ابن بنت رسول الله الحسن قد عرفتموه
وقد جاء يستنفركم وقد أظلكم علي في
____________________
(1/60)

المهاجرين والبدريين والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان
فانصروا الله ينصركم
ثم قام قيس بن سعد فقال أيها الناس إن الأمر لو استقبل به أهل الشورى كان علي أحق بها وكان قتال من أبى ذلك حلالا فكيف والحجة على طلحة والزبير وقد بايعاه رغبة وخالفاه حسدا وقد جاءكم المهاجرون والأنصار دخول طلحة والزبير وعائشة البصرة
قال وذكروا أنه لما نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة اصطف لها الناس في الطريق يقولون يا أم المؤمنين ما الذي أخرجك من بيتك فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق وكانت من ابلغ الناس فحمدت الله وأثنت عليه ثم قالت خطبة عائشة رضي الله عنها
أيها الناس والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه ولقد قتل مظلوما غضبا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من القتل وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ثم يرد هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب
فمن قائل يقول صدقت وآخر يقول كذبت فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان فقال لطلحة هل تعرف هذا الكتاب قال نعم
قال فما ردك على ما كنت عليه وكنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله إذ كنتما أسن منه فأبيتما إلا أن تقدماه لقرابنه وسابقته فبايعتماه فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما قال طلحة دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار وخفنا أن نرد بيعته فنقتل فبايعناه كارهين
قال فما بدا لكما في عثمان قالا ذكرنا ما كان من طعننا عليه وخذلاننا إياه فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه
قال ما تأمرانني به قالا بايعنا على قتال علي ونقض بيعته قال أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه ما نصنع قالا لا تبايعه
قال ما أنصفتما أتأمرانني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما وتنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما أما إننا قد بايعنا عليا إن شئتما بايعنا كما بيسار أيدينا
قال ثم تفرق الناس فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف وفرقة مع طلحة والزبير ثم جاء جارية بن قدامة فقال يا أم المؤمنين لقتل عثمان
كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون إنه كانت لك من الله تعالى حرمة وستر فهتكت سترك وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فقد رأى قتلك فإن كنت يا أم المؤمنين أتيتنا طائعة
____________________
(1/61)

فارجعي إلى منزلك وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعتبي الله قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل علي على البصرة
قال وذكروا أنه لما اختلف القوم اصطلحوا على أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة ومسجدها وبيت المال وأن ينزل أصحابه حيث شاؤوا من البصرة وأن ينزل طلحة والزبير وأصحابهما حيث شاؤوا حتى يقدم علي فإن اجتمعوا دخلوا فيما دخل فيه الناس وإن يتفرقوا يلحق كل قوم بأهوائهم عليهم بذلك عهد الله وميثاقه وذمة نبيه وأشهدوا شهودا من الفريقين جميعا
فانصرف عثمان فدخل دار الإمارة وأمر أصحابه أن يلحقوا بمنازلهم ويضعوا سلاحهم وافترق الناس وكتموا ما في أنفسهم غير بني عبد القيس فإنهم أظهروا نصرة علي وكان حكيم بن جبل رئيسهم فاجتمعوا إليه فقال لهم يا معشر عبد القيس
إن عثمان بن حنيف دمه مضمون وأمانته مؤداة وأيم الله لو لم يكن علي أميرا لمنعناه لمكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وله الولاية والجوار فاشخصوا بأنصاركم وجاهدوا العدو فإما أن تموتوا كراما وإما أن تعيشوا أحرارا
فمكث عثمان بن حنيف في الدار أياما ثم إن طلحة والزبير ومروان بن الحكم أتوه نصف الليل في جماعة معهم في ليلة مظلمة سوداء مطيرة وعثمان نائم فقتلوا أربعين رجلا من الحرس فخرج عثمان بن حنيف فشد عليه مروان فأسره وقتل أصحابه فأخذه مروان فنتف لحيته ورأسه وحاجبيه فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال أما إنك إن فتني بها في الدنيا لم تفتني بها في الآخرة تعبئة الفئتين للقتال
وذكروا أنه لما تعبأ القوم للقتال فكانت الحرب للزبير وعلى الخيل طلحة وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير وعلى القلب محمد بن طلحة وعلى المقدمة مروان وعلى رجال الميمنة عبد الرحمن بن عبادة وعلى الميسرة هلال بن وكيع فلما فرغ الزبير من التعبئة قال أيها الناس وطنوا أنفسكم على الصبر فإنه يلقاكم غدا رجل لا مثل له في الحرب ولا شبيه ومعه شجعان الناس
فلما بلغ عليا تعبئة القوم عبأ الناس للقتال فاستعمل على المقدمة عبد الله بن عباس وعلى السافه هندا المرادي وعلى جميع الخيل عمار بن ياسر وعلى جميع الرجالة محمد بن أبي بكر
ثم كتب إلى طلحة والزبير أما بعد فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني وإنكما لمن أراد وبايع وإن العامة لما تبايعني لسلطان خاص فإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية وإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا إلى الله من قريب
إنك يا زبير لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وإنك يا طلحة لشيخ المهاجرين وإن دفاعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه إقراركما به وقد زعمتما أني
____________________
(1/62)

قتلت عثمان فبيني وبينكما فيه بعض من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة وزعمتما أني آويت قتلة عثمان فهؤلاء بنو عثمان فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إلى قتلة أبيهم وما أنتما وعثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين نكث بيعتكما وإخراجكما أمكما كتاب علي إلى عائشة
وكتب إلى عائشة أما بعد فإنك خرجت غاضبة لله ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس تطالبين بدم عثمان ولعمري لمن عرضك للبلاء وحملك على المعصية أعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبت وما هجت حتى هيجت فاتقي الله وارجعي إلى بيتك
فأجابه طلحة والزبير إنك سرت مسيرا له ما بعده ولست راجع وفي نفسك منه حاجة فامض لأمرك أما أنت فلست راضيا دون دخولنا في طاعتك ولسنا بداخلين فيها أبدا فاقض ما أنت قاض
وكتبت عائشة جل الأمر عن العتاب والسلام
قال ورجعت رسل علي من البصرة فمنهم من أجابه وأتاه ومنهم من لحق بعائشة وطلحة والزبير وبعث الأحنف بن قيس إلى علي إن شئت أتيتك في مائتي رجل من أهل بيتي وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف فأرسل إليه علي بل كف عني أربعة آلاف سيف وكفى بذلك ناصرا
فجمع الأحنف بني تميم
فقال يا معشر بني تميم إن ظهر أهل البصرة فهم إخوانكم وإن ظهر علي فلن يهيجكم وكنتم قد سلمتم فكف بنو تميم ولم يخرجوا إلى أحد الفريقين
قال ولما كتب علي إلى طلحة والزبير أتى زمعة بن الأسود إلى طلحة والزبير
فقال لهما إن عليا قد أكثر إليكما الرسل كأنه طمع فيكما وأطعتماه في أنفسكما فاتقيا الله إن كنتما بايعتماه طائعين واتقيا الله علينا وعلى أنفسكما فإن اللبن في الضرع ومتى يحلب لا يرجع وإن كنتما بايعتماه مكرهين فاخرقا هذا الوطب وادفعا هذا اللبن فما أغنانا عن هذه الكتب والرسل
قال فخرج طلحة والزبير وعائشة وهي على جمل عليه هودج قد ضرب عليه صفائح الحديد فبرزوا حتى خرجوا من الدور ومن أقنية البصرة فلما تواقفوا للقتال أمر علي مناديا ينادي من أصحابه لا يرمين أحد سهما ولا حجرا ولا يطعن برمح حتى أعذر إلى القوم فاتخذ عليهم الحجة
قال فكلم علي طلحة والزبير قبل القتال فقال لهما استحلفا عائشة بحق الله وبحق رسوله على أربع خصال أن تصدق فيها هل تعلم رجلا من قريش أولى مني بالله ورسوله وإسلامي قبل كافة
____________________
(1/63)

الناس أجمعين وكفايتي رسول الله كفار العرب بسيفي ورمحي وعلى براءتي من دم عثمان وعلى أني لم أستكره أحدا على أني لم أكن أحسن قولا في عثمان منكما
فأجابه طلحة جوابا غليظا ورق له الزبير ثم رجع علي إلى أصحابه فقالوا يا أمير المؤمنين بم كلمت الرجلين فقال علي إن شأنهما لمختلف أما الزبير فقاده اللجاج ولن يقاتلكم وأما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل ولقيته باليقين ولقيني بالشك فوالله ما نفعه حقي ولا ضرني باطلة وهو مقتول غدا في الرعيل الأول
قال ثم خرج علي على بغلة رسول الله الشهباء بين الصفين وهو حاسر فقال أين الزبير فخرج إليه حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق كل واحد منهما صاحبه وبكيا
ثم قال علي يا عبد الله ما جاء بك ها هنا قال جئت أطلب دم عثمان
قال علي تطلب دم عثمان قتل الله من قتل عثمان أنشدك الله يا زبير هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكىء على يدك فسلم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك إلي ثم التفت إليك فقال لك ( يا زبير إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم ) قال اللهم نعم
قال علي فعلام تقاتلني قال الزبير نسيتها والله ولو ذكرتها ما خرجت إليك ولا قاتلتك فانصرف علي إلى أصحابه فقالوا يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه وأنت حاسر قال علي أتدرون من الرجل قالوا لا
قال ذلك الزبير بن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما إنه قد أعطى الله عهدا أنه لا يقاتلكم إني ذكرت له حديثا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو ذكرته ما أتيتك
فقالوا الحمد لله يا أمير المؤمنين ما كنا نخشى في هذا الحرب غيره
ولا نتقي سواه
إنه لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه ومن عرفت شجاعته وبأسه ومعرفته بالحرب فإذا قد كفاناه الله فلا نعد من سواه إلا صرعى حول الهودج رجوع الزبير عن الحرب
قال وذكروا أن الزبير دخل على عائشة فقال يا أماه ما شهدت موطنا قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير هذا الموطن فإنه لا رأي لي فيه ولا بصيرة وإني لعلي باطل
قالت عائشة يا أبا عبد الله خف سيوف بني عبد المطلب فقال أما والله إن سيوف بني عبد المطلب طوال حداد يحملها فتية أنجاد
ثم قال لابنه عبد الله عليك بحزبك أما أنا فراجع إلى بيتي
فقال له ابنه عبد الله الآن حين التقت حلقتا البطان واجتمعت الفئتان والله لا نغسل رؤوسنا منها فقال الزبير لابنه لا تعد هذا مني جبنا فوالله ما فارقت أحدا في جاهلية ولا إسلام قال فما يردك قال
____________________
(1/64)

يردني ما إن علمته كسرك
فقام بأمر الناس عبد الله بن الزبير قتل الزبير بن العوام
قال وذكروا أن الزبير لما انصرف راجعا إلى المدينة أتاه ابن جرموز فنزل به فقال يا أبا عبد الله أحييت حربا ظالما أو مظلوما ثم تنصرف أتائب أنت أم عاجز فسكت عنه ثم عاوده فقال له يا أبا عبد الله حدثني عن خصال خمس أسألك عنها
فقال هات
قال خذلك عثمان وبيعتك عليا وإخراجك أم المؤمنين وصلاتك خلف ابنك ورجوعك عن الحرب
فقال الزبير نعم أخبرك أما خذلني عثمان فأمر قدر الله فيه الخطيئة وآخر التوبة
وأما بيعتي عليا فوالله ما وجدت من ذلك بدا حيث بايعه المهاجرون والأنصار وخشيت القتل وأما إخراجنا أمنا عائشة فأردنا أمر وأراد الله غيره وأما صلاتي خلف ابني فإنما قدمته عائشة أم المؤمنين ولم يكن لي دون صاحبي أمر وأما رجوعي عن هذا الحرب فظن بي ما شئت غير الجبن
فقال ابن جرموز والهفاه على ابن صفية أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله قتلني الله إن لم أقتله ثم أتاه فقال له يا أبا عبد الله كالمستنصح له إن دون أهلك فيافي فخذ تجيبي هذا وخل فرسك ودرعك فإنهما شاهدتان عليك بما تكره
فقال الزبير أنظر في ذلك ليلتي ثم ألح عليه في فرسه ودرعه فلم يزل حتى أخذهما منه وإنما أراد ابن جرموز أن يلقاه حاسرا لما علم بأسه ثم أتى ابن جرموز الأحنف بن قيس فساره بمكان الزبير عنده وبقوله فقال له الأحنف اقتله قتله الله مخادعا وأتى الزبير رجل من كلب فقال له يا أبا عبد الله أنت لي صهر وابن جرموز لم يعتزل هذا الحرب مخافة الله ولكنه كره أن يخالف الأحنف وقد ندم الأحنف على خذله عليا ولعله أن يتقرب بك إليه وقد أخذ منك درعك وفرسك وهذا تصديق ما قلت لك فبت عندي الليلة ثم أخرج بعد نومه فإنك إن فتهم لم يطلبوك
فتهاون بقوله ثم بدا له فقال له فما ترى يا أخا كلب قال أرى أن ترجع إلى فرسك ودرعك فتأخذهما فإن أحدا من الناس لا يقدم عليك وأنت فارس أبدا فأصبح الزبير غاديا وسار معه ابن جرموز وقد كفر على الدرع فلما انتهى إلى وادي السباع استغفله فطعنه ثم رجع برأسه وسلبه إلى قومه فقال له رجل من قومه يا بن جرموز فضحت والله اليمن بأسرها قتلت الزبير رأس المهاجرين ورأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وابن عمته والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا ولمسنا عارك فكيف في جوارك وذمتك والله ليزيدنك على أن يبشرك بالنار
فغضب ابن جرموز وقال والله ما قتلته إلا له ووالله ما
____________________
(1/65)

أخاف ما أخاف فيه قصاصا ولا أرهب فيه قرشيا وإن قتله علي لهين مخاطبة علي لطلحة بين الصفين
قال وذكروا أن عليا نادى طلحة بعد انصراف الزبير فقال له يا أبا محمد ما جاء بك قال أطلب دم عثمان قال علي قتل الله من قتله قال طلحة فحل بيننا وبين من قتل عثمان أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما يحل دم المؤمن في أربع خصال زان فيرجم أو محارب لله أو مرتد عن الإسلام أو مؤمن يقتل مؤمنا عمدا
فهل تعلم أن عثمان أتى شيئا من ذلك فقال علي لا
قال طلحة فأنت أمرت بقتله
قال علي اللهم لا
قال طلحة فاعتزل هذا الأمر ونجعله شورى بين المسلمين فإن رضوا بك دخلت فيما دخل فيه الناس وإن رضوا غيرك كنت رجلا من المسلمين
قال علي أو لم تبايعني يا أبا محمد طائعا غير مكره فما كنت لأترك بيعتي
قال طلحة بايعتك والسيف على عنقي
قال ألم تعلم أني ما أكرهت أحدا على البيعة ولو كنت مكرها أحدا لأكرهت سعدا وابن عمر ومحمد وابن مسلمة أبوا البيعة واعتزلوا فتركتهم
قال طلحة كنا في الشورى ستة فمات اثنان وقد كرهناك ونحن ثلاثة قال علي إنما كان لكما ألا ترضيا قبل الرضى وقبل البيعة
وأما الآن فليس لكما غير ما رضيتما به إلا أن تخرجا مما بويعت عليه بحدث فإن كنت أحدثت حدثا فسموه لي
وأخرجتم أمكم عائشة وتركتم نساءكم فهذا أعظم الحدث منكم أرضى هذا لرسول الله أن تهتكوا سترا ضربه عليها وتخرجوها منه فقال طلحة إنما جاءت للإصلاح
قال علي
هي لعمر الله إلى من يصلح لها أمرها أحوج أيها الشيخ أقبل النصح وارض بالتوبة مع العار
قبل أن يكون العار والنار التحام الحرب
قال وذكروا أنه بينما الناس وقوف إذ رمي رجل من أصحاب علي فجيء به إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين هذا أخونا قد قتل فقال علي أعذروا إلى القوم
فقال عبد الرحمن بن أبي بكر إلى متى قد والله أعذرنا وأعذرت إن كنت تريد الإعذار والله لتأذنن لنا في لقاء القوم أو لننصرفن
إلى متى تستهدق نحورنا للقتال والسلاح يقتلوننا رجلا رجلا فقال علي قد والله أرانا أعذرنا
أين محمد ابني فقال هأنذا
فقال أي بني خذ الراية فابتداء الحسن والحسين ليأخذاها فأخرهما عنها وكان علي يؤخرهما شفقة عليهما فأخذ محمد الراية ثم قام علي فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا بدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها ثم قال أحزموني فحزم بعمامة أسفل من سرته ثم خرج وكان عظيم البطن فقال لابنه تقدم وتضعضع الناس
____________________
(1/66)

حين سمعوا به قد تحرك فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتا
فقال علي ما هذا فقيل عائشة تلعن قتلة عثمان
فقال علي ورفع بصره إلى السماء لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل وقد كان علي عبأ الناس أثلاثا فجعل مصر قلب العسكر واليمن ميمنته وربيعة ميسرته وعبأ أهل البصرة مثل ذلك فاقتتل القوم قتالا شديدا فهزمت يمن البصرة يمن علي وهزمت ربيعة البصرة ربيعة علي قال حية بن جهين نظرت إلى علي وهو يخفق نعاسا فقلت له تالله ما رأيت كاليوم قط إن بإزائنا لمائة ألف سيف وقد هزمت ميمنتك وميسرتك وأنت تخفق نعاسا فانتبه ورفع يديه وقال اللهم إنك تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض وأن الزبير وطلحة ألبا وأجلبا على الناس اللهم أولانا بدم عثمان فخذه اليوم
ثم تقدم علي فنظر إلى أصحابه يهزمون ويقتلون فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه الراية أن اقتحم فأبطأ وثبت فأني علي من خلفه فضربه بين كتفيه وأخذ الراية من يده ثم حمل فدخل عسكرهم وإن الميمنتين والميسرتين تضطربان في إحداهما عمار وفي الأخرى عبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر قال فشق علي في عسكر القوم يطعن ويقتل ثم خرج وهو يقول الماء الماء فأتاه رجل بإداوة فيها عسل فقال له يا أمير المؤمنين أما الماء فإنه لا يصلح لك في هذا المقام ولكن أدوقك هذا العسل فقال هات فحسا منه حسوة ثم قال إن عسلك لطائفي قال الرجل لعجبا منك والله يا أمير المؤمنين لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم وقد بلغت القلوب الحناجر فقال لي علي إنه والله يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شيء قط ولا هابه شيء ثم أعطى الراية لابنه وقال هكذا فاصنع فتقدم محمد بالراية ومعه الأنصار حتى انتهى إلى الجمل والهودج وهزم ما يليه فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت الواقعة والضرب على الركب وحمل الأشتر النخعي وهو يريد عائشة فلقيه عبد الله بن الزبير فضربه واعتنقه عبد الله فصرعه وقعد على صدره ثم نادى عبد الله اقتلوني ومالكا فلم يدر الناس من مالك فانفلت الإشتر منه فلما رأى كعب بن سور الهزيمة أخذ بخطام البعير ونادى أيها الناس الله الله
فقاتل وقاتل الناس معه وعطفت الأزد على الهودج وأقبل علي وعمار والأشتر والأنصار معهم يريدون الجمل فاقتتل القوم حوله حتى حال بينهم الليل وكانوا كذلك يروحون ويغدون على القتال سبعة أيام وإن عليا خرج إليهم بعد سبعة أيام فهزمهم فلما رأى طلحة ذلك رفع يديه إلى السماء
وقال اللهم إن كنا قد داهنا في أمر عثمان وظلمناه فخذ له اليوم منا حتى ترضى
____________________
(1/67)

قال فما مضى كلامه حتى ضربه مروان ضربة أتى منها على نفسه فخر وثبتت عائشة وحماها مروان في عصابة من قيس ومن كنانة وبني أسد فأحدق بهم علي بن أبي طالب ومال الناس إلى علي وكلما وثب رجل يريد الجمل ضربه مروان بالسيف وقطع يده حتى قطع نحو عشرين يدا من أهل المدينة والحجاز والكوفة حتى أتى مروان من خلفه فضرب ضربة فوقع وعرقب الجمل الذي عليه عائشة
وانهزم الناس وأسرت عائشة وأسر مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان وموسى بن طلحة وعمرو بن سعيد بن العاص فقال عمار لعلي يا أمير المؤمنين أقتل هؤلاء الأسرى
فقال علي لا أقتل أسير أهل القبلة إذا رجع ونزع
فدعا علي بموسى بن طلحة فقال الناس هذا أول قتيل يقتل فلما أتي به علي قال تبايع وتدخل فيما دخل فيه الناس قال نعم
فبايع وبايع الجميع وخلى سبيلهم وسأل الناس عليا ما كان عرض عليهم قبل ذلك فأعطاه ثم أمر المنادي فنادى لا لا يقتلن مدبر ولا يجهز على جريح ولكم ما في عسكرهم وعلى نسائهم العدة وما كان لهم من مال في أهليهم فهو ميراث على فرائض الله فقام رجل فقال يا أمير المؤمنين كيف تحل لنا أموالهم ولا تحل لنا نساؤهم ولا أبناؤهم فقال لا يحل ذلك لكم فلما أكثروا عليه في ذلك قال اقترعوا هاتوا بسهامكم ثم قال أيكم يأخذ أمكم عائشة في سهمه فقالوا نستغفر الله
فقال وأنا أستغفر الله
قال ثم إن عليا مر بالقتلى فنظر إلى محمد بن طلحة وهو صريع في القتلى وكان يسمى السجاد لما بين عينيه من أثر السجود
فقال رحمك الله يا محمد لقد كنت في العبادة مجتهدا آناء الليل قواما وفي الحرور صواما ثم التفت إلى من حوله فقال هذا رجل قتله بر أبيه فاختلفوا في طلحة وابنه محمد أيهما قتل قبل فشهدت عائشة لمحمد أنها رأته بعد قتل أبيه فورثوا ولده في مال طلحة
قال وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة رضي الله عنها قال لها أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( علي مع الحق والحق مع علي ) ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان ثم دخل عليهما علي فسلم وقال يا صاحبة الهودج قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك ثم خرجت تقاتلين
أترتحلين قالت أرتحل
فبعث معها علي رضي الله عنه أربعين امرأة وأمرهن أن يلبسن العمائم ويتقلدن السيوف وأن يكن من الذين يلينها ولا تطلع على أنهن نساء فجعلت عائشة تقول في الطريق فعل الله في ابن أبي طالب وفعل بعث معي الرجال فلما قدمن المدينة وضعن العمائم والسيوف ودخلن عليها
فقالت جزى الله ابن أبي طالب الجنة
قال ودفن طلحة في ساحة البصرة فأتى عائشة في المنام
فقال حوليني من مكاني فإن البرد قد آذاني فحولته
وقال عبد الله بن الزبير أمسيت يوم
____________________
(1/68)

الجمل وفي بضع وثلاثون بين ضربة وطعنة وما رأيت مثل يوم الجمل قط ما ينهزم منا أحد ولا يأخذ أحد منا بخطام الجمل إلا قتل أو قطعت يده حتى ضاع الخطام من يد بني ضبة فعقر الجمل
قال دخل موسى بن على علي فقال له علي إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله فيهم { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } الحجر 47 وأمسى علي بالبصرة ذلك اليوم الذي أتاه فيه موسى بن طلحة فقال ابن الكواء أمسيت بالبصرة يا أمير المؤمنين فقال كان عندي ابن أخي
قال ومن هو قال موسى بن طلحة
فقال ابن الكواء لقد شقينا إن كان ابن أخيك
فقال علي ويحك إن الله قد اطلع على أهل بدر
فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
ثم قال ابن الكواء يا أمير المؤمنين من أخبرك بمسيرك هذا الذي سرت فيه تضرب الناس بعضهم ببعض وتستولي بالأمر عليهم أراي رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة فرأيت أنك أحق بهذا الأمر منهم لقرابتك فإن كان رأيا رايته أجبناك فيه وإن كان عهدا عهده إليك رسول الله فأنت الموثوق به المأمون على رسوله الله فيما حدثت عنه
فقال علي أنا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه
أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا والله ولكن لما قتل الناس عثمان نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من رسول الله قد هلكا ولا عهد لهما وإذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل وخرجت ربقته من عنقي لأنه قتل ولا عهد له قال ابن الكواء صدقت وبررت ولكن ما بال طلحة والزبير ولم استحللت قتالهما وقد شاركاك في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الشورى مع عمرو بن الخطاب قال علي بايعاني بالحجاز ثم خالفاني بالعراق فقاتلتهما على خلافهما ولو فعلا ذلك مع أبي بكر وعمرو لقاتلاهما مبايعة أهل الشام معاوية بالخلافة
قال وذكروا أن النعمان بن بشير لما قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان تذكر فيه دخول القوم عليه وما صنع محمد بن أبي بكر من نتف لحيته في كتاب قد رققت فيه وأبلغت حتى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدع قلبه وبقميص عثمان مخضبا بالدم ممزقا وعقدت شعر لحيته في زر القميص
قال فصعد المنبر معاوية بالشام وجمع الناس ونشر عليهم القميص وذكر ما صنعوا بعثمان فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق ثم دعاهم إلى
____________________
(1/69)

الطلب بدمه فقام إليه أهل الشام فقالوا هو ابن عمك وأنت وليه ونحن الطالبون معك بدمه فبايعوه أميرا عليهم
وكتب وبعث الرسل إلى كور الشام وكتب إلى شرحبيل بن السمط الكندي وهو بحمص يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام فلما قرأ شرحبيل كتاب معاوبة دعا أناسا من أشراف أهل حمص فقال لهم ليس من قتل عثمان بأعظم جرما ممن يبايع لمعاوية أميرا وهذه سقطة ولكنا نبايع له بالخلافة ولا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة
فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص ثم كتب إلى معاوية أما بعد فإنك أخطأت خطأ عظيما حين كتبت إلي أن أبايع لك بالإمرة وأنك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة وقد بايعت ومن قبلي لك بالخلافة فلما قرأ معاوية كتابه سره ذلك ودعا الناس وصعد المنبر وأخبرهم بما قال شرحبيل ودعاهم إلى بيعته بالخلافة فأجابوه ولم يختلف منهم أحد فلما بايع القوم له بالخلافة واستقام له الأمر كتب إلى علي كتاب معاوية إلى علي
سلام الله على من اتبع الهدى
أما بعد فإنا كنا نحن وإياكم يدا جامعة وألفة أليفة حتى طمعت يا بن أبي طالب فتغيرت وأصبحت تعد نفسك قويا على من عاداك
بطعام أهل الحجاز وأوباش أهل العراق وحمقى الفسطاط وغوغاء السواد وأيم الله لينجلين عنك حمقاها ولينقشعن عنك غوغاؤها وانقشاع السحاب عن السماء
قتلت عثمان بن عفان ورقيت سلما أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك
وقتلت الزبير وطلحة وشردت بأمك عائشة ونزلت بين المصريين فمنيت وتمنيت وخيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها ورجلها وإنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام فيحيطون بك من ورائك ثم يقضي الله علمه فيك والسلام على أولياء الله رد الإمام علي على معاوية
فأجابه علي أما بعد فقدر الأمور تقدير من ينظر لنفسه دون جند ولا يشتغل بالهزل من قوله فلعمري لئن كانت قوتي بأهل العراق أوثق عندي من قوتي بالله ومعرفتي به فليس عنده بالله تعالى يقين من كان على هذا فناج نفسك مناجاة من يستغنى بالجد دون الهزل فإن في القول سعة ولن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرجال
وأما ما ذكرت من أنا كنا وإياكم يدا جامعة فكنا كما ذكرت ففرق بيننا وبينكم أن
____________________
(1/70)

الله بعث رسوله منا فآمنا به وكفرتم ثم زعمت أني قتلت طلحة والزبير فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره ولو حضرته لعلمته فلا عليك ولا العذر فيه إليك وزعمت أنك زائري في المهاجرين وقد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك فإن يك فيك عجل فاسترقه وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثني عليك للنقمة منك والسلام قدوم عقيل بن أبي طالب على معاوية
قال وذكروا أن عقيل بن أبي طالب قدم على أخيه علي بالكوفة فقال له علي مرحبا بك وأهلا
ما أقدمك يا أخي قال تأخر العطاء عنا وغلاء السعر ببلدنا وركبني دين عظيم فجئت لتصلني
فقال علي والله مالي مما ترى شيئا إلا عطائي فإذا خرج فهو لك
فقال عقيل وإنما شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك وماذا يبلغ مني عطاؤك وما يدفع من حاجتي فقال علي
فمه هل تعلم لي مالا غيره أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين فقال عقيل والله لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك يريد معاوية
فقال له علي راشدا مهديا
فخرج عقيل حتى أتى معاوية
فلما قدم عليه قال له معاوية مرحبا وأهلا بك يا ابن أبي طالب
ما أقدمك علي فقال قدمت عليك لدين عظيم ركبني فخرجت إلى أخي ليصلني فزعم أنه ليس له مما يلي إلا عطاؤه فلم يقع ذلك مني موقعا ولم يسد مني مسدا فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي فجئتك
فازداد معاوية فيه رغبة وقال يا أهل الشام هذا سيد قريش وابن سيدها عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة فأثاب إلى أهل الدعاء إلى الحق ولكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي فما أعطيت فقربة إلى الله وما أمسكت فلا جناح علي فيه فأغضب كلامه عقيلا لما سمعه ينتقص أخاه فقال صدقت خرجت من عند أخي على هذا القول وقد عرفت من في عسكره لم أفقد والله رجلا من المهاجرين والأنصار ولا والله ما رأيت في عسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
فقال معاوية عند ذلك يا أهل الشام أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم
وسيد قريش وها هو ذا تبرأ إلى الله مما عمل به أخوه
قال وأمر له معاوية بثلاث مئة ألف دينار قال له هذه مئة ألف تقضي بها ديونك ومئة ألف تصل بها رحمك ومئة ألف توسع بها على نفسك نعي عثمان بن عفان إلى معاوية
قال عبد الله بن مسلم وذكر ابن عفير عن عون بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري قال قدم الحجاج بن خزيمة الشام بكتاب معاوية بعد قتل عثمان بأيام
____________________
(1/71)

فقال له أتعرفني قال نعم
أنت الحجاج بن خزيمة
فما وراءك فقال الحجاج أنا النذير العريان
أنعي إليك أمير المؤمنين عثمان
ثم قال إني كنت ممن خرج معينا لعثمان مع يزيد بن أسد فتقدمت إلى الربذة فلقينا بها رجلا حدثنا عن قتل عثمان وزعم أنه ممن قتله
فقتلناه
وإني أخبرك يا معاوية أنك تقوي على علي بدون ما يقوى به عليك لأن من معك لا يقولون إذا قلت
ولا يسألون إذا أمرت ولأن من مع علي يقولون إذا قال ويسألون إذا أمر فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه
واعلم أن عليا لا يرضيه إلا الرضى وإن رضاه يسخطك ولست وعلي بالسواء لا يرضى علي بالعراق دون الشام ورضاؤك بالشام دون العراق
قال وذكروا أنه لما فرغ من وقعة الجمل بايع له القوم جميعا وبايع له أهل العراق واستقام له الأمر بها فكتب إلى معاوية أما بعد فإن القضاء السابق والقدر النافذ ينزل من السماء كقطر المطر فتمضي أحكامه عز وجل وتنفذ مشيئته بغير تحاب المخلوقين ولا رضا الآدميين وقد بلغك ما كان من قتل عثمان رحمه الله وبيعة الناس عامة إياي ومصارع الناكثين لي فادخل فيما دخل الناس فيه وإلا فأنا الذي عرفت وحولي من تعلمه والسلام
فلما قدم على معاوية كتاب علي مع الحجاج بن عدي الأنصاري ألقاه وهو يخطب الناس بدمشق فلما قرأه اغتم بذلك وأسره عن أهل الشام ثم قام الحجاج بن عدي خطيبا فحمد الله وأثني عليه ثم قال يا أهل الشام إن أمر عثمان أشكل على من حضره المخبر عنه كالأعمى والسميع كالأصم عابه قوم فقتلوه وغدره قوم فلم ينصروه فكذبوا الغائب واتهموا الشاهد وقد بايع الناس عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة عامة من رغب \ عنها رد إليها صاغرا داحرا فانظروا في ثلاث وثلاث ثم اقضوا على أنفسكم أين الشام من الحجاز وأين معاوية من علي وأين أنتم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بالإحسان قال فغضب معاوية لقوله وقال يا حجاج أنت صاحب زيد بن ثابت يوم الدار قال نعم فإن كان بلغك وإلا أحدثك قال هات
قال أشرف علينا زيد بن ثابت وكان مع عثمان في الدار وقال يا معشر الأنصار انصروا الله مرتين فقلت يا زيد إنا نكره أن نلقي الله فنقول كما قال القوم { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } فقال معاوية انصرف إلى علي وأعلمه أن رسولي على إثرك
ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس وكان له لسان فكتب معاوية إلى علي كتابا
____________________
(1/72)

عنوانه من معاوية إلى علي وداخله بسم الله الرحمن الرحيم لا غير
فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي فعرف علي ما فيه وأن معاوية محارب له وأنه لا يجيبه إلى شيء مما يريد وقام رسول معاوية خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال هل ها هنا احد من أبناء قيس عيلان وبني عبس وذبيان قالوا نعم هم حولك قال فاسمعوا ما أقول لكم يا معشر قيس إني أحلف بالله لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبين لحاهم من دموع أعينهم تحت قميص عثمان رافعيه على الرماح مخضوبا بدمائه قد أعطوا الله عهدا أن لا يغمدوا سيوفهم ولا يغمضوا جفونهم حتى يقتلوا قتلة عثمان يوصي به الميت الحي ويرثه الحي من الميت حتى والله نشأ عليه صبي وهاجر عليه الأعرابي وترك القوم تعس الشيطان وقالوا تعسا لقتلة عثمان وأحلف بالله ليأتينكم من خضر الخيل اثنا عشر ألفا فانظروا كم الشهب وغيرها فقال له علي ما يريدون بذلك قال يريدون بذلك والله خبط رقبتك
فقال علي تربت يداك وكذب فوك أما والله لو أن رسولا قتل لقتلتك
فقام الصلت بن زفر فقال بئس وافد أهل الشام أنت ورائد أهل العراق ونعم العون لعلي وبئس العون لمعاوية يا أخا عبس أتخوف المهاجرين والأنصار بخضر الخيل وغضب الرجال أما والله ما نخاف غضب رجالك ولا خضر خيلك فأما بكاء أهل الشام على قميص عثمان فوالله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب ولئن بكوا عليه بالشام لقد خذلوه بالحجاز وأما قتالهم عليا فإن الله يصنع في ذلك ما أحب
قال وإن العبسي أقام بالعراق عند علي حتى اتهمه معاوية ولقيه المهاجرون والأنصار فأشربوه حب علي وحدثوه عن فضائله حتى شك في أمره قدوم ابن عم عدي بن حاتم الشام
قال وذكروا أن عدي بن حاتم قدم إلى علي بالكوفة قبل أن يسير إلى البصرة فقال يا أمير المؤمنين لسنا نخاف أحدا إلا معاوية وعندي رجل من قومي يريد أن يزور ابن عم له بالشام يقال له حابس بن سعد فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل الشام فقال له علي افعل فأغروه بذلك فلما قدم على ابن عمه وكان سيد طيء بالشام سأله فأخبره أنه شهد قتل عثمان بالمدينة المنورة وسار مع علي إلى الكوفة وكان له لسان وهيبة فغدا به حابس إلى معاوية فقال هذا ابن عمي قدم من الكوفة وكان مع علي وشهد قتل عثمان بالمدينة وهو ثقة فقال له معاوية حدثنا عن أمر عثمان قال نعم وليه ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وتجرد في أمره ثلاثة نفر عدي بن حاتم والأشتر النخعي وعمرو بن الحصين
____________________
(1/73)


ودب في أمره رجلان طلحة والزبير وأبرأ الناس منه علي بن أبي طالب ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتى ضلت النعل وسقط الرداء ووطىء الشيخ
ولم يذكر عثمان ولم يذكروه ثم تهيأ للمسير فخف معه المهاجرون والأنصار وكره القتال معه ثلاثة نفر عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة فلم يستكره أحدا واستغنى بمن خف عمن ثقل ثم سار حتى انتهى إلى جبل طيء فأتاه منهم جماعة عظيمة حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة فسرح رسله إلى الكوفة فأجابوا دعوته ثم قدمها فحملوا إليه الصبي ودبت إليه العجوز وخرجت إليه العروس فرحا به وسرورا وشوقا إليه ثم سار إلى البصرة فبرز إليه القوم طلحة والزبير وأصحابهما فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى صرعهم الله وأبرزهم إلى مضاجعهم ثم صارت البصرة وما حولها في كفة قال وتركته وليس له هم إلا أنت والشام
فانكسر معاوية لقوله وقال والله ما أظنه إلا عينا لعلي أخرجوه لا يفسد أهل الشام
ثم قال معاوية وكيف لا يضيع عثمان ويقتل وقد خذله أهل ثقاته وأجمعوا عليه أما والله لئن بقينا لهم لندرسنهم درس الجمال هشيم اليبيس استعمال علي عبد الله بن عباس على البصرة
قال وذكروا أن عليا لما صار من البصرة بعد فراغه من أصحاب الجمل استعمل عليها عبد الله بن عباس وقال له أوصيك بتقوى الله عز وجل والعدل على من ولاك الله أمره اتسع للناس بوجهك وعلمك وحكمك وإياك والإحن فإنها تميت القلب والحق واعلم أن ما قربك من الله بعدك من النار وما قربك من النار بعدك من الله
اذكر الله كثيرا ولا تكن من الغافلين
فلم يلبث علي حين قدم الكوفة وأراد المسير إلى الشام أن انضم إليه ابن عباس واستعمل على البصرة زياد بن أبي سفيان ما اشار به الأحنف بن قيس على علي
قال وذكروا أن الأحنف بن قيس قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين إنه إن يك بنو سعد لم ينصروك يوم الجمل فلن ينصروا عليك غيرك وقد عجبوا ممن نصرك يومئذ وعجبوا اليوم ممن خذلك لأنهم شكوا في طلحة والزبير ولم يشكوا في عمرو ومعاوية وإن عشيرتنا بالبصرة فلو بعثنا إليهم فقدموا علينا فقاتلنا بهم
____________________
(1/74)

العدو وانتصفنا بهم من الناس وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس وهذا جمع قد حشره الله عليك بالتقوى لم نستكره شاخصا ولم نشخص فيه مقيما ومن كان معك نافعك ورب مقيم خير من شاخص
وإنما نشوب الرجاء بالمخافة ووالله لوددنا أن أمواتنا رجعوا إلينا فاستعنا بهم على عدونا وليس لك إلا من كان معك ولنا من قومنا عدد ولا نلقي بهم عدوا أعدى من معاوية ولا نسد بهم ثغرا أشد من الشام كتاب الأحنف إلى قومه يدعوهم به إلى نصرة علي
قال وذكروا أن عليا قال للأحنف بن قيس اكتب إلى قومك
قال نعم
فكتب الأحنف إلى بني سعد أما بعد فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا وقد شقوا برأي سيدهم غيركم وعصمكم الله برأيي حتى نلتم ما رجوتم وأمنتم مما خفتم وأصبحتم منقطعين من أهل البلاء لاحقين بأهل العافية وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم بالكوفة فأخذوا علينا بفضلهم مرتين مسيرهم إلينا مع علي وتهيئهم للمسير إلى الشام ثم انحشرنا معهم فصرنا كأنا لا نعرف إلا بهم فأقبلوا إلينا ولا تتكلوا علينا فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم فلا تبطئوا عنا فإن من تأخير العطاء حرمانا ومن تأخير النصر خذلانا
فحرمان العطاء القلة وخذلان النصر الإبطاء ولا تنقضي الحقوق إلا بالرضا وقد يرضى المضطر بدون الأمل
فلما انتهى كتاب الأحنف إلى بني سعد ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة كتاب أهل العراق إلى مصقلة
قال وذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه من البصرة إلى الكوفة وجوه بكر بن وائل فقالوا يا أمير المؤمنين إن نعيما أخا مصقلة يستحي منك لما صنع مصقلة وقد أتانا اليقين أنه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلا الحياء ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ولا يده فلو كتبنا إليه كتابا وبعثنا من قبلنا رسولا فإنا نستحي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية
فقال علي اكتبوا
فكتبوا أما بعد فقد علمنا أنك لم تلحق بمعاوية رضا بدينه ولا رغبة في دنياه ولم يعطفك عن علي طعن فيه ولا رغبة عنه ولكن توسطت أمرا فقويت فيه الظن وأضعفت فيه الرجاء فكان أولاهما عندك أن قلت أفوز بالمال وألحق بمعاوية
ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق ولا السكاسك بربيعة ولا معاوية بعلي ولا أصبت دنيا تهنأ بها ولا حظا تحسد عليه وإن أقرب ما تكون مع الله أبعد ما تكون مع معاوية فارجع إلى مصرك فقد اغتفر أمير المؤمنين الذنب واحتمل الثقل واعلم
____________________
(1/75)

أن رجعتك اليوم خير منها غدا وكانت أمس خيرا منها اليوم وإن كان عليك حياء من أبي الحسن فما أنت فيه أعظم فقبح الله أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة
فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة وكان لرسولهم عقل ولسان قال الرسول يا مصقلة انظر فيما خرجت منه وفيما صرت إليه وانظر من أخذت ومن تركت وانظر من جاورت ومن زايلت ثم اقض بعقلك دون هواك
قال وإن مصقلة مضى إلى معاوية بالكتاب فاقرأه إياه فقال معاوية يا مصقلة إنك عندي غير ظنين فإذا أتاك شيء فاستره عني فانصرف مصقلة إلى منزله فدعا الرسول فقال يا أخا بكر إنما هربت بنفسي من علي ولا والله ما يطول لساني بغيبته ولا قلت فيه قط حرفا بسوء اذهب بكتابي هذا إلى قومي جواب مصقلة إلى قومه
قال وذكروا أن مصقلة كتب إلى قومه أما بعد فقد جاءني كتابكم وإني أخبركم أنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير وقد علمتم الأمر الذي قطعني من علي وأضافني إلى معاوية وقد علمت أني لو رجعت إلى علي وإليكم لكان ذنبي مغفورا ولكني أذنبت إلى علي وصحبت معاوية فلو رجعت إلى علي أحدثت عيبا وأحييت عارا وكنت بين لامين أولهما خيانة وآخرهما غدر ولكني أقيم بالشام فإن غلب معاوية فداري العراق وإن غلب علي فداري أرض الروم
فأما الهوى فإليكم طائر وكانت فرقتي عليا على بعض العذر أحب إلي من فرقتي معاوية ولا عذر لي
ثم قال للرسول يا ابن أخي استعرض الناس عن قولي في علي
فقال قد سألت فقالوا خيرا
قال فإني والله عليه حتى أموت
فرجع الرسول بالكتاب فأقرأه عليا فقال كفوا عن صاحبكم فليس براجع حتى يموت
فقال حصين أما والله ما به إلا الحياء لحقوق عبد الله بن عامر بالشام
قال وذكروا أن عبد الله بن عامر لحق بالشام ولم يأت معاوية وخاف يوما كيوم الجمل فبعث إليه معاوية أن يأتيه وألح عليه
فكتب ابن عامر أما بعد فإني أخبرك أني أقحمت طلحة والزبير إلى البصرة وأنا أقول إذا رأى الناس أم المؤمنين مالوا إليها وإن فر الناس لم يفر الزبير وإن غدر الناس لم يغدر مروان فغضبت عائشة ورجع الزبير وقتل مروان وطلحة وذهب مالي بما فيه والناس أشباه واليوم كأمس فإن أتبعتني هواي وإلا أرتحل عنك والسلام
فكتب معاوية إليه أما بعد فإنك قلدت أمر دينك قتلة عثمان وأنفقت مالك لعبد الله بن الزبير وآثرت العراق على الشام فأخرجك الله من الحرب صفر اليدين ليس لك حظ الحق ولا ثأر الفتيل
فلما انتهى كتابه إلى ابن عامر أتاه فغمس يده معه
____________________
(1/76)

وبايعه فلاطفه معاوية وعرف له قرابته من عثمان ما أشار به عمار بن ياسر على علي
قال وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين إنما بايعناك ولا نرى أحدا يقاتلك فقاتلك من بايعك وأعطاك الله فيهم ما وعد في قوله جل وعز { ثم بغي عليه لينصرنه الله } الحج 60 وقوله { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } يونس 23 وقوله { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } الفتح 10 وقد كانت الكوفة لنا والبصرة علينا فأصبحنا على ما تحب بين ماض مأجور وراجع معذور وأن بالشام الداء العضال رجلا لا يسلمها أبدا إلا مقتولا أو مغلوبا فعاجله قبل أن يعاجلك وانبذ إليه قبل الحرب ما أشار به الأشتر على علي
قال وذكروا أن الأشتر النخعي قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين إنما لنا أن نقول قبل أن تقول فإذا عزمت فلم نقل فلو سرت بنا إلى الشام بهذا الحد والجد لم يلقوك بمثله فإن القلوب اليوم سليمة والأبصار صحيحة فبادر بالقلوب القسوة وبالأبصار العمى كتاب علي إلى جرير بن عبد الله
قال وذكروا أن عليا كتب إلى جرير بن عبد الله وكان على ثغر همذان كان استعمله عليه عثمان فكتب علي إليه مع زفر بن قيس أما بعد فإن { الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال }
ثم إني أخبرك عنا وعمن سرنا إليهم من جمع طلحة والزبير عند نكثهما ببيعتهما وما صنعا بعاملي عثمان بن حنيف إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار حتى إذا كنت ببعض الطريق بعثت إلى الكوفة الحسن ابني وعبد الله بن العباس ابن عمي وعمار بن ياسر
وقيس بن سعد بن عبادة فاستنفرتهم بحق الله ورسوله فأجابوا وسرت بهم
حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في الدعاء وأقلت في العثرة وناشدتهم عقد بيعتهم فأبوا إلا قتالي فاستعنت الله عليهم فقتل من قتل وولوا مدبرين إلى مصرهم فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء فقبلت العافية ورفعت عنهم السيف واستعملت عليهم عبد الله بن عباس وبعثت إليك زفر بن قيس فاسأله عنا وعنهم
____________________
(1/77)

خطبة زفر بن قيس
قال وذكروا أنه لما قدم زفر على جرير بكتاب علي وقرأه جرير قام زفر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن عليا كتب إليكم بكتاب لا يقول بعده إلا رجيعا من القول إن الناس بايعوا عليا بالمدينة غير محاباة بيعتهم لعلمه بكتاب الله ويرى الحق فيه وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب وألبا عليه الناس
وأخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليها فلقيهما فاعذر في الدعاء وخشي البغي وحمل الناس على ما يعرفون فهذا عيان ما غاب عنكم
وإن سألتم الزيادة زدناكم خطبة جرير بن عبد الله البجلي
قال وذكروا أن جرير بن عبد الله قام خطيبا فحمد الله
فقال أيها الناس
هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
وهو المأمون على الدين والدنيا
وكان من أمره وأمر عدوه ما قد سمعتم فالحمد لله على أقضيته
وقد بايعه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والتابعون بإحسان ولو جعل الله هذا الأمر شورى بين المسلمين لكان علي أحق بها ألا وإن البقاء في الجماعة والفناء في الفرقة وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم له فإن ملتم أقام ميلكم قال الناس سمعا وطاعة ورضانا رضا من بعدنا كتاب علي إلى الأشعث بن قيس
قال وذكروا أن عليا كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن كعب
والأشعث يومئذ بأذربيجان عاملا لعثمان كان استعمله عليها أما بعد فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس فلعل أمرا يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك وكان طلحة والزبير أول من بايعني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين إلى البصرة فسرت إليهما في المهاجرين والأنصار فالتقينا فدعوتهما إلى أن يرجعا إلى ما خرجا منه فأبيا
فأبلغت في الدعاء
____________________
(1/78)

وأحسنت في البقاء وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة في عنقك والمال مال الله وأنت من خزاني عليه حتى تسلمه إن شاء الله وعلي أن لا أكون شر ولاتك خطبة زياد بن كعب
قال وذكروا أن الأشعث بن قيس لما قرأ كتاب علي قام زياد بن كعب خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير وإن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان ولم يشف منه الخبر غير أن من سمعه كمن عاينه وإن المهاجرين والأنصار بايعوا عليا راضين به وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين على غير رضى فسار إليهم ولم ينلهم فتركهم وما في نفسه منهم حاجة فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين خطبة الأشعث بن قيس
قال فقام الأشعث بن قيس خطيبا فقال أيها الناس إن عثمان رحمه الله ولاني أذربيجان وهلك وهي في يدي وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له لازمة وقد كان من أمره وأمر عدوه ما قد بلغكم وهو المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك مشورة الأشعث ثقاته في اللحوق بمعاوية إلى الشام
قال وذكروا أن الأشعث رجع إلى منزله فدعا أهل ثقته من أصحابه فقال لهم إن كتاب علي جاءني وقد أوحشني وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا لاحق بمعاوية فقال القوم الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لأهل الشام كتاب جرير إلى الأشعث
قال وذكروا أن جريرا كتب إلى الأشعث أما بعد
فإنه أتتني بيعة علي فقبلتها
ولم أجد إلى دفعها سبيلا وإني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان فلم أجده يلزمني وقد شهده المهاجرون والأنصار فكان أوثق أمرهم فيه الوقوف فاقبل بيعته فإنك لا تلتفت إلى خير منه
واعلم أن بيعة علي خير من مصارع أهل البصرة
وقد تحلب الناقة الضجور
ويجلس العود على البعير الدبر
فانظر لنفسك
والسلام إرسال علي جريرا إلى معاوية
قال وذكروا أن جريرا لما قدم على علي قال له يا جرير
انطلق إلى معاوية بكتابي هذا وكن عند ظني فيك واعلم يا جرير أنك ترى من حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
____________________
(1/79)

من المهاجرين والبدريين والعقبيين
وإني اخترتك عليهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ذي يمن جرير فاذهب إلى معاوية بكتابي هذا ورسالتي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه بالحرب وأعلمه أني لا ارفض به أميرا والعامة لا ترضى به واليا فقال جرير إني أكره أن أمنعك معونتي وما أطمع لك في معاوية ويصنع الله ما يشاء كتاب علي إلى معاوية مرة ثانية
قال وذكروا أن عليا كتب إلى معاوية مع جرير أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا فإن خرج منهم خارج ردوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين وأولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا
وإن طلحة والزبير بايعاني بالمدينة ثم نقضا بيعتهما فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإن أحب أمورك إلي العافية فإن تتعرض للبلاء قاتلتك واستعنت بالله عليك وقد أكثرت الكلام في قتلة عثمان فادخل في الطاعة ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعقد معهم الإمامة ولا تعرض فيهم الشورى وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله وهو من أهل الإيمان والهجرة السابقة فبايع ولا قوة إلا بالله قدوم جرير إلى معاوية
قال وذكروا أن جريرا لما قدم على معاوية بكتاب علي قام جرير بالشام خطيبا فقال أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه وإن الناس بايعوا عليا وإن طلحة والزبير كانا ممن بايع ثم نقضا بيعته ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن ألا وإن هذا الدين لا يحتمل السيف
وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس وقد بايعت العامة عليا ولو ملكنا أمرنا لم نختر لها غيره فمن خالف هذا فقد استعتب فادخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه
____________________
(1/80)

فإن قلت إن عثمان ولاني ولم يعزلني فإن هذا لو كان لم يقم لله دين وكان لكل امريء ما هو فيه إشارة الناس على علي بالمقام بالكوفة
قال وذكروا أن عليا استشار الناس فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامة ذلك غير الأشتر النخعي وعدي بن حاتم وشريح بن هانىء فإنهم قاموا إلى علي فتكلموا بلسان واحد فقالوا إن الذين أشاروا عليك بالمقام إنما خوفوك بحرب الشام وليس في حربهم شيء أخوف من الموت ونحن نريده
فقال لهم إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام وصرف لأهله عن خير أرادوه ولكني قد وقت له وقتا لا يقيم بعده إلا أن يكون مخدوعا أو عاصيا ولا أكره لكم الإعداد وأبطأ جرير على علي بالشام حتى يئس منه وإن جريرا لما أبطأ عليه معاوية برأيه
استحثه بالبيعة فقال معاوية لجرير يا جرير إن البيعة ليست بخلسة وإنه أمر له ما بعده فأبلعني ريقي مشورة معاوية أهل ثقته
قال وذكروا أن معاوية دعا أهل ثقته فاستشارهم فقال عتبة بن أبي سفيان استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص فإنه من قد عرفت وقد اعتزل عثمان في حياته وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن ترضيه كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين أما بعد فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط علينا مروان بن الحكم في رافضة من أهل البصرة وقدم علي جرير بن عبد الله في بيعة علي وقد حبست نفسي عليك فاقدم على بركة الله والسلام ما سأل معاوية من علي من الإقرار بالشام ومصر
قال وذكروا أن معاوية قال لجرير إني قد رأيت رأيا
قال جرير هات
قال أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ومصر جباية فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة وأسلم إليه هذا الأمر وأكتب إليه بالخلافة
قال جرير اكتب ما شئت
وإنما أراد معاوية في طلبه الشام ومصر ألا يكون لعلي في عنقه بيعة وأن يخرج نفسه مما دخل فيه الناس فكتب إلى علي يسأله ذلك فلما أتى عليا كتاب معاوية عرف انها خدعة منه
____________________
(1/81)

كتاب علي إلى جرير بن عبد الله
قال وذكروا أن عليا كتب إلى جرير أما بعد فإن معاوية إنما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما أحب وقد كان المغيرة بن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن أستعمله على الشام فأبيت ذلك عليه ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا فإن بايعك الرجل وإلا فأقبل استشارة عمرو بن العاص ابنيه ومواليه
قال وذكروا أنه لما انتهى إلى عمرو بن العاص كتاب معاوية وهو بفلسطين استشار ابنيه عبد الله ومحمدا وقال يا بني إنه قد كان مني في أمر عثمان فلتات لم أستقبلها بعد وقد كان من هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد احتمله معاوية عني وقد قدم على معاوية جرير ببيعة علي وقد كتب إلي معاوية بالقدوم عليه فما تريان فقال عبد الله وهو الأكبر أرى والله أن نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده كذلك
وقتل عثمان وأنت غائب فأقم في منزلك فلست مجعولا خليفة ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشكتما أن تهلكا فتستويا فيها جميعا
وقال محمد أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها فإن ينصرم هذا الأمر وأنت فيه غافل يصغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام واطلب بدم عثمان فإنك به تستميل إلى بني أمية
فقال عمرو أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني وأما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي
ثم دعا غلاما له يقال له وردان وكان داهيا فقال له عمرو يا وردان احطط يا وردان ارحل يا وردان احطط يا وردان ارحل
فقال وردان أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك فقال عمرو هات يا وردان فقال اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا ومع معاوية الدنيا بغير آخرة فأنت واقف بينهما
فقال عمرو ما أخطأت ما في نفسي فما ترى يا وردان فقال أرى أن تقيم في منزلك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك فقال عمرو الان حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية قدوم عمرو إلى معاوية
قال وذكروا أن عمرو بن العاص لما قدم إلى معاوية وعرف حاجته إليه باعده من نفسه وكايد كل واحد منهما صاحبه فقال عمرو لمعاوية أعطني مصر فتلكأ معاوية وقال ألم تعلم أن مصر كالشام قال بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق
وقد بعث أهلها بطاعتهم إلى علي
فدخل
____________________
(1/82)

عتبة بن أبي سفيان على معاوية فقال أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك ليتك لا تغلب على الشام فلما سمع معاوية قول عتبة بعث إلى عمرو فأعطاه مصر ولما كتب معاوية لعمرو بمصر كتب في أسفل الكتاب ولا ينقض شرط طاعة
وكتب عمرو ولا تنقض طاعة شرطا وكايد كل واحد منهما صاحبه وكان مع عمرو بن العاص ابن أخ له جاءه من مصر فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا به عجب ابن أخيه من سروره فقال يا عمرو ألا تخبرني بأي رأي تعيش في قريش وقد أعطيت دينك غيرك أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي أو تراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذك بالجدل الذي قدمه فقال عمرو يا بن أخي
أنه لأمر الله دون معاوية وعلي
يابن أخي لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكني مع معاوية
فقال الفتى إنك لم ترد معاوية ولكنك تريد دنياه ويريد دينك
فبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب فلحق بعلي وحدث عليا بأمر معاوية وعمرو وما قاله فسر علي بذلك وقربه مشورة معاوية عمرا رضي الله عنهما
قال وذكروا أن معاوية قال لعمرو يا أبا عبد الله طرقتني في ليلتي هذه ثلاثة أخبار ليس لي فيها ورد ولا صدر منها أن ابن أبي حذيفة كسر سجن مصر ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام ومنها أن عليا قد تهيأ للمجيء إلينا فما عندك قال عمرو كل هذا عظيم أما ابن أبي حذيفة فخرج في أشباهه من الناس فإن تبعث إليه رجلا يقتله وإن يقتل فلا يضرك وأما قيصر فأهد له من وصائف الروم ومن الذهب والفضة واطلب إليه الموادعة تجده إليها سريعا وأما علي فوالله إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من الناس وإنه لصاحب الأمر
قال معاوية صدقت ولكني أقاتله على ما بأيدينا ونلزمه دم عثمان فقال عمرو واسوأتاه إن أحق الناس ألا يذكر عثمان لأنا ولأنت
قال معاوية ولم فقال عمرو أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام واستغاثك فأبطأت عليه وأما أنا فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين
قال معاوية دعني من هذا هلم فبايعني
فقال عمرو لا والله لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك قال معاوية صدقت سل تعط قال عمرو مصر طعمة
فغضب مروان بن الحكم وقال ما بالي لا أشتري فقال معاوية اسكت يا بن عم فإنما يشتري لك الرجال
فكتب معاوية لعمرو مصر طعمة كتاب معاوية إلى أهل مكة والمدينة وجوابهما
قال وذكروا أن معاوية قال لعمرو إني أريد أن أكتب إلى أهل مكة والمدينة كتابا أذكر فيه قتل عثمان فإما أن ندرك به حاجتنا أو نكفهم عن المسير
فقال له عمرو إلى من تكتب قال إلى ثلاثة نفر رجل لعلي لا يريد غيره ولا يزيده كتابنا فيه إلا بصيرة
____________________
(1/83)

أو رجل يهوى عثمان فلا يزيده على ما هو عليه أو رجل معتزل لا يريد القتال قال عمرو على ذلك قال نعم
قال اكتب فكتب إلى أهل مكة والمدينة أما بعد فإنه مهما غاب عنا فإنه لم يفت علينا أن عليا قتل عثمان والدليل على ذلك أن قتلته عنده وإنما نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتلته فتقتلهم بكتاب الله تعالى فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عمر بن الخطاب فأما الخلافة فلسنا نطلبها فأعينونا يرحمكم الله وانهضوا من ناحيتكم جوابهما
قال وذكروا أنه لما قرأ عليهم كتابه اجتمع رأيهم على أن يسندوا أمرهم إلى المسور بن مخرمة فجاوب عنهم فكتب إليه أما بعد فإنك أخطأت خطأ عظيما وأخطأت مواضع النصرة وتناولتها من مكان بعيد وما أنت والخلافة يا معاوية وأنت طليق وأبوك من الأحزاب
فكف عنا فليس لك قبلنا ولي ولا نصير كتاب معاوية إلى ابن عمر
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى ابن عمر كتابا خاصا ودون كتابه إلى أهل المدينة أما بعد فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلي أن يجتمع الناس عليه منك بعد عثمان فذكرت خذلك إياه وطعنك على أنصاره فتغيرت لك وقد هون ذلك علي خلافك على علي وطعنك عليه وردني إليك بعض ما كان منك فأعنا يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم فإني لست أريد الإمارة عليك ولكني أريدها لك فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين جوابه
فكتب إليه عبد الله بن عمر أما بعد فإن الرأي الذي أطعمك في هذا هو الذي صيرك إلى ما صيرك
تركت عليا في المهاجرين والأنصار وتركت طلحة والزبير وعائشة وأتبعك فيمن اتبعك وأما قولك إني طعنت على علي فلعمري ما أنا كعلي في الإسلام والهجرة ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أحدث أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ففزعت إلى الوقوف وقلت إن كان هذا فضلا تركته وإن كان ضلالة فشر منه نجوت فأغن عني نفسك كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى سعد بن أبي وقاص أما بعد فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى والذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الأمر والشورى ونظيراك في الإسلام وخفت لذلك أم المؤمنين فلا تكرهن ما رضوا ولا تردن ما قبلوا فإنما نردها شورى بين المسلمين
____________________
(1/84)

جواب سعد بن أبي وقاص لمعاوية
قال وذكروا أن سعدا كتب إليه أما بعد فإن أهل الشورى ليس منهم أحق بها من صاحبه غير أن عليا كان من السابقة ولم يكن فينا ما فيه فشاركنا في محاسننا ولم نشاركه في محاسنه وكان أحقنا كلنا بالخلافة ولكن مقادير الله تعالى التي صرفتها عنه حيث شاء لعلمه وقدره
وقد علمنا أنه أحق بها منا ولكن لم يكن بد من الكلام في ذلك والتشاجر فدع ذا
وأما أمرك يا معاوية فإنه أمر كرهنا أوله وآخره
وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما
والله تعالى يغفر لعائشة أم المؤمنين كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري
وكان فارس الأنصاري رضي الله عنهم وذا النجدة فيهم أما بعد فإني لم أكتب إليك وأنا أرجو مبايعتك ولكني أذكرك النعمة التي خرجت منها إنك كنت فارس الأنصار وعدة المهاجرين فادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم تستطع فيه الإمضاء فهذا أعني وعن قتال أهل الصلاة
فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا أو ترى أن عثمان وأهل الدار ليسوا بمسلمين وأما قومك الأنصار فقد عصوا الله تعالى وخذلوا عثمان وسائلهم وسائلك الله تعالى عن الذي كان يوم القيامة جوابه
قال وذكروا أن محمد بن مسلمة كتب إليه أما بعد فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي في يدي وقد أخبرت بالذي هو كائن قبل أن يكون فلما كلما كسرت سيفي ولزمت بيتي واتهمت الرأي على الدين إذ لم يصح لي معروف آمر به ولا منكر أنهي عنه ولعمري يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا ولا اتبعت إلا الهوى ولئن كنت نصرت عثمان ميتا لقد خذلته حيا ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب
قال فلما أجاب القوم معاوية بما أجابوه من الخلاف إلى ما دعاهم إليه قال له عمرو كيف رأيت يا معاوية رأيي ورأيك أخبرتك بالأمر قبل أن يقع قال معاوية رجوت ما خفت كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنه
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى علي أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين
____________________
(1/85)

بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين وخذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين وقد كان أهل الحجاز الحكام على الناس وفي أيديهم الحق فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ولا حجتك على طلحة والزبير لأن أهل البصرة بايعوك ولم يبايعك أحد من أهل الشام وإن طلحة والزبير بايعاك ولم أبايعك
وأما فضلك في الإسلام وقرابتك من النبي عليه الصلاة والسلام فلعمري ما أدفعه ولا أنكره جواب علي إلى معاوية
قالوا فكتب إليه علي أما بعد فقد جاءني منك كتاب امريء ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه وقاده فاستقاده
زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا وما كان الله ليجمعهم على الضلال ولا ليضربهم بالعمى وما أمرت فيلزمني خطيئة عثمان ولا قتلت فيلزمني قصاص القاتل
أما قولك إن أهل الشام هم الحكام على الناس فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة فإن سميت كذبك المهاجرون والأنصار وإلا أتيتك به من قريش الحجاز
وأما قولك ندفع إليك قتلة عثمان فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من بني أمية وبنو عثمان أولى بعثمان منك فإن زعمت أنك أقوى على ذلك فادخل في الطاعة ثم حاكم القوم إلي وأما تمييزك بين الشام والبصرة وذكرك طلحة والزبير فلعمري ما الأمر إلا واحد أنها بيعة عامة لا ينثني عنها البصير ولا يستأنف فيها الخيار وأما ولوعك بي في أمر عثمان فوالله ما قلت ذلك عن حق العيان ولا عن يقين الخبر وأما فضلي في الإسلام وقرابتي من رسول الله عليه الصلاة والسلام وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته قدوم عبيد الله بن عمر على معاوية
قال وذكروا أن عبيد الله بن عمر قدم على معاوية الشام فسر به سرورا شديدا وسر به أهل الشام وكان أشد قريش سرورا به عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو ما منع عبد الله أن يكون كعبيد الله فضحك عمرو وقال شبهت غير شبيه وإنما أتاك عبيد الله مخافة أن يقتله علي بقتله الهرمزان ورأى عبد الله ألا يكون عليك ولا لك ولو كان معك لنفعك أو عليك لضرك
____________________
(1/86)

تعبئة معاوية أهل الشام لقتال علي
قال وذكروا أن معاوية بعث إلى رؤساء أهل الشام فجمعهم ثم قال أنتم أهل الفضل فليقم كل رجل منكم يتكلم فقام رجل فقال أما والله لو شهدنا أمر عثمان فعرفنا قتلته بأعيانهم لا استغنينا عن إخبار الناس ولكنا نصدقك على ما غاب عنا وإن أبغض الناس إلينا من يقاتل علي بن أبي طالب لقدمه في الإسلام وعلمه بالحرب
ثم قام حوشب فقال والله ما إياك ننصر ولا لك نغضب ولا عنك نحامي ما ننصر إلا الله ولا نغضب إلا للخليفة ولا نحامي إلا عن الشام فلف الخيل بالخيل والرجال بالرجال وقد دعونا قومنا إلى ما دعوتنا إليه أمس وأمرناهم بما أمرتنا به فجعلوك بيننا وبين الله ونحن بينك وبينهم فمرنا بما تحب وانهنا عما تكره
قال فلما عزم معاوية على المسير إلى صفين عبأ أهل الشام فجعل على مقدمته أبا الأعور السلمي وعلى ساقته بسر بن أرطأة وعلى الخيل عبيد الله بن عمر ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعلى الميمنة يزيد العبسي وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص ثم قال يا أهل الشام إنكم قد سرتم لتمنعوا الشام وتأخذوا العراق ولعمري ما للشام رجال العراق وأموالها ولا لأهل العراق بصر أهل الشام ولا بصائرهم مع أن القوم بعدهم غيرهم مثلهم وليس بعدكم غيركم فإن غلبتموهم فلم تغلبوا إلا من قد أتاكم وإن غلبوكم عاقبوا من بعدكم والقوم لاقوكم ببصائر أهل الحجاز ورقة أهل اليمن وقسوة أهل مصر وكيد أهل العراق وإنما يبصر غدا من أبصر اليوم فاستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين
ثم سار معاوية في ثلاثة آلاف وثمانين ألفا حتى نزل بصفين وذلك في نصف محرم وسبق إلى سهولة الأرض وسعة المناخ وقرب الفرات وكتب إلى علي يخبره بمسيره تعبئة أهل العراق للقتال
قال وذكروا أن عليا لما بلغه تأهب معاوية قال أيها الناس إنما بايع معاوية أهل الشام وليس له غيرهم ولي نصير وإنكم أهل الحجاز وأهل العراق وأهل اليمن وأهل مصر وقد جعل القوم معاوية بينهم وبين الله وليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وقد وادع القوم الروم فإن غلبتموهم استعانوا بهم ولحقوا بأرضهم وإن غلبوكم فالغاية الموت والمفر إلى الله العزيز الحكيم
وقد زعم معاوية أن أهل الشام
____________________
(1/87)

أهل صبر ونصر ولعمري لأنتم أولى بذلك منهم لأنكم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان وإنما الصبر اليوم والنصر غدا
قال فجد الناس ونشطوا وتأهبوا فسار علي بالناس من الكوفة في مئة ألف وتسعين ألفا فجعل على المقدمة الأشتر النخعي وعلى ساقته شريح بن هانىء وعلى المهاجرين والأنصار محمد بن أبي بكر وعلى أهل البصرة عبد الله بن عباس وعلى الكوفة عبد الله بن جعفر وعلى جماعة الخيل عمار بن ياسر وعلى القلب الحسن بن علي وسار علي حتى نزل صفين وقد سبقه معاوية إلى سهولة الأرض
وسعة المناخ وقرب الفرات منع معاوية الماء من أصحاب علي
قال وذكروا أنه لما نزل معاوية بصفين بعث أبا الأعور بمن معه ليحولوا بينهم وبين الفرات وأن أهل العراق لما نزلوا بعثوا غلمانهم ليستقوا لهم من الفرات فحالت خيل معاوية بينهم وبين الماء فانصرفوا فساروا إلى علي فأخبروه فقال علي للأشعث اذهب إلى معاوية فقل له إن الذي جئنا له غير الماء ولو سبقناك إليه لم نحل بينك وبينه فإن شئت خليت عن الماء وإن شئت تناجزنا عليه وتركنا ما جئنا له
فانطلق الأشعث إلى معاوية فقال له إنك تمنعنا الماء وايم الله لنشربنه فمرهم يكفوا عنه قبل أن نغلب عليه والله لا نموت عطشا وسيوفنا على رقابنا
فقال معاوية لأصحابه ما ترون فقال رجل منهم نرى أن نقتلهم عطشا كما قتلوا عثمان ظلما
فقال عمرو بن العاص لا تظن يا معاوية أن عليا يظمأ وأعنة الخيل بيده وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت دونه خل عن القوم يشربوا
فقال معاوية هذا والله أول الظفر لأسقاني الله من حوض الرسول إن شربوا منه حتى يغلبوني عليه
فقال عمرو وهذا أول الجور أم تعلم أن فيهم العبد والأجير والضعيف ومن لا ذنب له لقد شجعت الجبان وحملت من لا يريد قتالك على قتالك غلبة أصحاب علي على الماء
قال وذكروا أن معاوية لما غلب على الماء اغتم علي لما فيه الناس من العطش فخرج ليلا والناس يشكون بعضهم إلى بعض مخافة أن يغلب أهل الشام على الماء فقال الأشعث يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا السيوف خل عنا وعن القوم فوالله لا أرجع إليك حتى أرده أو أموت دونه وأمر الأشتر أن يعلو الفرات في الخيل حتى آمره بأمري
فقال علي ذلك لك
فانصرف الأشعث فنادى في
____________________
(1/88)

الناس من كان يريد الماء فميعاده الصبح فإني ناهض إلى الماء فإجابه بشر كثير فتقدم الأشعث في الرجالة والأشتر في الخيل حتى وقفا على الفرات فلم يزل الأشعث في الرجالة يمضي حتى خالط القوم ثم حسر عن رأسه فنادى أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء
فقال أبو الأعور أما والله قبل أن تأخذنا وإياكم السيوف فلا
فقال الأشعث أظنها والله قد دنت منا ومنكم
قال وبعث الأشعث إلى الأشتر أن قحم الخيل فأقحمها الأشتر حتى وضع سنابكها في الفرات وحمل الأشتر في الرجالة فأخذت القوم السيوف فانكشف أبو الأعور وأصحابه وبعث الأشتر إلى علي هلم يا أمير المؤمنين قد غلب الله لك على الماء فلما غلب أهل العراق على الماء شمت عمرو بن العاص بمعاوية وقال يا معاوية ما ظنك إن منعك على الماء اليوم كما منعته أمس أتراك ضاربهم كما ضربوك فقال دع ما مضى عنك فإن عليا لا يستحل منك ما استحللت منه وإن الذي جاء له غير الماء دعاء علي معاوية إلى البراز
قال وذكروا أن الناس مكثوا بصفين أربعين ليلة يغدون إلى القتال ويروحون فأما القتال الذي كان فيه الفناء فثلاثة أيام
فلما رأى علي كثرة القتال والقتل في الناس برز يوما من الأيام ومعاوية فوق التل فنادى بأعلى صوته يا معاوية فأجابه فقال ما تشاء يا أبا الحسن قال علي علام يقتتل الناس ويذهبون على ملك إن نلته كان لك دونهم وإن نلته أنا كان لي دونهم أبرز إلي ودع الناس فيكون الأمر لمن غلب
قال عمرو بن العاص أنصفك الرجل يا معاوية فضحك معاوية وقال طمعت فيها يا عمرو فقال عمرو والله ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه
فقال معاوية ما أراك إلا مازحا نلقاه بجمعنا براز عمرو بن العاص لعلي
قال وذكروا أن عمرا قال لمعاوية أتجبن عن علي وتتهمني في نصيحتي إليك والله لأبارزن عليا ولو مت ألف موتة في أول لقائه
فبارزه عمرو فطعنه علي فصرعه فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي وولى بوجهه دونه
وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد حياء وتكرما وتنزها عما لا يحل ولا يجمل بمثله كرم الله وجهه قطع الميرة عن أهل الشام
قال وذكروا أن عليا دعا زحر بن قيس فقال له سر في بعض هذه الخيل إلى
____________________
(1/89)

القطقطانة فاقطع الميرة عن معاوية ولا تقتل إلا من يحل لك قتله وضع السيف موضعه فبلغ ذلك معاوية فدعا الضحاك بن قيس فأمره أن يلقي زحر بن قيس فيقاتله فسار الضحاك فلقيه زحر فهزمه وقتل من أصحابه وقطع الميرة عن أهل الشام ورجع الضحاك إلى معاوية منهزما فجمع معاوية الناس فقال أتاني خبر من ناحية من نواحي أمر شديد فقالوا يا أمير المؤمنين لسنا في شيء مما أتاك إنما علينا السمع والطاعة وبلغ عليا قول معاوية وقول أهل الشام فأراد أن يعلم ما رأى أهل العراق فجمعهم فقال أيها الناس إنه أتاني خبر من ناحية من نواحي
فقال ابن الكواء وأصحابه إن لنا في كل أمر رأيا فما أتاك فأطلعنا عليه حتى نشير عليك
فبكى علي ثم قال ظفر والله ابن هند باجتماع أهل الشام له واختلافكم علي والله ليغلبن باطله حقكم إنما أتاني أن زحر بن قيس ظفر بالضحاك وقطع الميرة وأتى معاوية هزيمة صاحبه فقال يا أهل الشام إنه أتاني أمر شديد فقلدوه أمرهم واختلفتم علي
فقام قيس بن سعد فقال أما والله لنحن كنا أولى بالتسليم من أهل الشام قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية وعلي
قال وذكروا أن أبا هريرة وأبا الدرداء قدما على معاوية من حمص وهو بصفين فوعظاه وقالا له يا معاوية علام تقاتل عليا وهو أحق بهذا الأمر منك في الفضل والسابقة لأنه رجل من المهاجرين الأولين السابقين بإحسان وأنت طليق وأبوك من الأحزاب
أما والله ما نقول لك أن تكون العراق أحب إلينا من الشام ولكن البقاء أحب إلينا من الفناء والصلاح أحب إلينا من الفساد
فقال معاوية لست أزعم أني أولى بهذا الأمر من علي ولكني أقاتله حتى يدفع إلى قتلة عثمان
فقالا إذا دفعهم إليك ماذا يكون قال أكو
رجلا من المسلمين
فأتيا عليا فإن دفع إليكما قتلة عثمان جعلتها شورى
فقدما على عسكر علي فأتاهما الأشتر فقال يا هذان إنه لم ينزلكما الشام حب معاوية وقد زعمتما أنه يطلب قتلة عثمان فعمن أخذتما ذلك فقبلتماه أعمن قتله فصدقتموهم على الذنب كما صدقتموهم على القتل أم عمن نصره وفلا شهادة لمن جر إلى نفسه أم عمن اعتزلوا إذ علموا ذنب عثمان وغبتما ونحن الحكام على من غاب
فانصرفا ذلك اليوم فلما أصبحا أتيا عليا فقالا له إن لك فضلا لا يدفع وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان فإن فعلت ثم قاتلك كنا معك
قال علي أتعرفانهم قالا نعم
قالا فخذاهم فأتيا محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر والأشتر فقالا أنتم من قتلة عثمان وقد أمرنا بأخذكم فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل فقالوا نحن قتلنا عثمان فقالا نرى أمرا
____________________
(1/90)

شديدا ألبس علينا الرجل
وإن أبا هريرة وأبا الدرداء انصرفا إلى منزلهما بحمص فلما قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان فسألهما عن مسيرهما فقصا عليه القصة فقال العجب منكما أنكما من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما أتأتيان عليا وتطلبان إليه قتلة عثمان وقد علمتما أن المهاجرين والأنصار لو حرموا دم عثمان نصروه وبايعوا عليا على قتلته فهل فعلوا وأعجب من ذلك رغبتكما عما صنعوه وقولكما لعلي اجعلها شورى واخلعها من عنقك وإنكما لتعلمان أن من رضي بعلي خير ممن كرهه وأن من بايعه خير ممن لم يبايعه ثم صرتما رسولي رجل من الطلقاء لا تحل له الخلافة ففشا قوله وقولهما فهم معاوية بقتله ثم راقب فيه عشيرته وقوع عمرو بن العاص في علي
وذكروا أن رجلا من همذان يقال له برد قدم على معاوية فسمع عمرا يقع في علي فقال له يا عمرو إن أشياخنا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كنت مولاه فعلي مولاه فحق ذلك أم باطل فقال عمرو حق وأنا أزيدك أنه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي ففزع الفتى فقال عمرو إنه أفسدها بأمره في عثمان فقال برد هل أمر أم قتل قال لا ولكنه آوى ومنع
قال فهل بايعه الناس عليها قال نعم
قال فما أخرجك من بيعته قال اتهامي إياه في عثمان
قال له وأنت أيضا قد اتهمت قال صدقت فيها خرجت إلى فلسطين فرجع الفتى إلى قومه فقال إنا أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم
علي على الحق فاتبعوه كتاب معاوية إلى أبي أيوب الأنصاري
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي أيوب الأنصاري وكان أشد الأنصار على معاوية أما بعد فإني ناسيتك ما لا تنسى الشيباء
فلما قرأ كتابه أتى به عليا
فأقرأه إياه
قال علي يعني بالشيباء المرأة الشمطاء لا تنسى ثكل ابنها فأنا لا أنس قتل عثمان
فكتب إليه أبو أيوب إنه لا تنسى الشيباء ثكل ولدها وضربتها مثلا لقتل عثمان فما نحن وقتلة عثمان إن الذي تربص بعثمان وثبط أهل الشام عن نصرته لأنت وإن الذين قتلوه غير الأنصار والسلام ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد
قال وذكروا أن النعمان بن بشير الأنصاري وقف بين الصفين فقال يا قيس بن سعد أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه إنكم يا معشر الأنصار أخطأتم في
____________________
(1/91)

خذل عثمان يوم الدار وقتلكم أنصاره يوم الجمل وإقحامكم على أهل الشام بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا كان هذا بهذا ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أشعلتم الحرب ودعوتم إلى البراز فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم غير أنكاس عن حربكم ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة ووعدتموه الظفر وقد والله أخلفتموه وهان عليكم بأسكم وما كنتم لتخلوا به أنفسكم من شدتكم في الحرب وقدرتكم على عدوكم وقد أصبحتم أذلاء على أهل الشام لا يرون حربكم شيئا وأنتم أكثر منهم عددا ومددا وقد والله كاثروكم بالقلة فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا إلا أن يكون معكم أهل الشام وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم ونحن أحسن بقية وأقرب إلى الظفر فاتقوا الله في البقية
فضحك قيس وقال والله ما كنت أراك يا نعمان تجترىء على هذا المقام أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه وأنت والله الغاش لنفسه المبطل فيم انتصح غيره أما ذكرك عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه قتل عثمان من لست خيرا منه وخذله من هو خير منك وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار وأما قولك إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون
ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا أو يمانيا مستدرجا وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك ولستما والله بدربين ولا عقبيين ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القرآن كتاب عمرو إلى ابن عباس
قال وذكروا أن معاوية قال لعمرو بن العاص إن رأس أهل العراق مع علي عبد الله بن عباس فلو ألقيت إليه كتابا ترفق فيه فإن قال شيئا لم يخرج منه علي وقد أكلتنا هذه الحرب ولا أرانا نطيق العراق إلا بهلاك الشام
فقال له عمرو إن ابن عباس لا يخدع ولو طمعت فيه طمعت في علي
قال معاوية على ذلك
فكتب عمرو إلى ابن عباس أما بعد فإن الذي نحن وأنت فيه ليس أول أمر قاده البلاء وساقته العافية وإنك رأس هذا الجمع بعد علي فانظر فيما بقي بغير ما مضى فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة ولا صبرا
واعلم أن الشام لا تهلك العراق وأن العراق لا تهلك إلا بهلاك الشام فما خيرنا بعد أعدادنا منكم وما خيركم بعد أعدادكم منا ولسنا
____________________
(1/92)

نقول ليت الحرب عادت ولكنا نقول ليتها لم تكن
وإن فينا لمن يكره البقاء كما فيكم وإنما هما ثلاثة أمير مطاع أو مأمور مطيع أو مشاور مأمون
فأما العاصي السفيه فليس بأهل أن يدعي في ثقات أهل الشورى ولا خواص أهل النجوى جواب عبد الله بن عباس إلى عمرو بن العاص
قال وذكروا أنه لما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس أتى به إلى علي فأقرأه إياه فقال علي قاتل الله ابن العاص أجبه
فكتب إليه أما بعد فإني لا أعلم رجلا أقل حياء منك في العرب إنك مال بك الهوى إلى معاوية وبعته دينك بالثمن الأوكس ثم خطبت الناس في عشواء طمعا في هذا الملك فلما ترامينا أعظمت الحرب والرماء إعظام أهل الدين وأظهرت فيها كراهية أهل الورع لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب وكسر أهل الدين فإن كنت تريد الله فدع مصر وارجع إلى بيتك فإن هذه حرب ليس فيها معاوية كعلي بدأها علي بالحق وانتهى فيها إلى العذر وبدأها معاوية بالبغي وانتهى فيها إلى السرف وليس أهل الشام فيها كأهل العراق بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه ولست أنا وأنت فيها سواء أردت الله وأنت أردت مصر وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني ولا أعرف الشيء الذي قربك من معاوية فإن ترد شرحا لا تفتنا به وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه أمر معاوية مروان بحرب الأشتر
قال وذكروا أن معاوية دعا مروان بن الحكم فقال يا مروان إن الأشتر قد غمني فاخرج بهذه الخيل فقاتله بها غدا
فقال مروان ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك
قال معاوية وأنت نفسي دون وزيري
قال مروان لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء وألحقته بي في الحرمان ولكنك أعطيته ما في يدك ومنيتني ما في يدي غيرك فإن غلبت طاب المقام وإن غلبت خف عليك الهرب
قال معاوية يغني الله عنك قال أما اليوم فلا
فدعا معاوية عمرا فأمره بأمره فقال أما والله لئن فعلت لقد قدمتني كافيا وأدخلتني ناصحا وقد غمك القوم في مصر فإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها عليها لعنة الله أما والله يا أمير المؤمنين إن مروان يباعدك منا ويباعدنا منكم ويأبى الله إلا أن يقربنا إليك كتاب معاوية إلى ابن عباس
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أما بعد فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساءة إلى أنصار عثمان فإن يك
____________________
(1/93)

ذلك لسلطان بني أمية فقد ورثها عدي وتيم وقد وقع من الأمر ما قد ترى وأدالت هذه الحرب بعضنا من بعض حتى استوينا فيها فما أطمعكم فينا وما أيأسكم منا أيأسنا منكم وقد رجونا غير الذي كان وخشينا دون ما وقع ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس وقد منعنا بما كان منا الشام وقد منعتم بما كان منكر العراق فاتقوا الله في قريش فما بقي من رجالها إلا ستة رجلان بالشام ورجلان بالعراق ورجلان بالحجاز فأما اللذان بالحجاز فسعد وعبد الله بن عمر وأما اللذان بالشام فأنا وعمرو وأما اللذان بالعراق فعلي وأنت
ومن الستة رجلان ناصبان لك وآخران واقفان عليك وأنت رأس هذا الجمع اليوم وغدا ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنا أسرع إليك منا إلى علي جوابه
قال وذكروا أنه لما أتى كتاب معاوية إلى ابن عباس ضحك ثم قال حتى متى يخطب إلى معاوية عقلي وحتى متى أجمجم له عما في نفسي فكتب إليه أما بعد فقد جاءني كتابك فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان لسلطان بني أمية فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبه وأما قولك إنه لم يبق من رجال قريش غير ستة فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها وقد قاتلك من خيارها من قاتلك ولم يخذلنا إلا من خذلك وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم فأبو بكر وعمر كانا خيرا منك ومن عثمان كما أن عليا خير منك وأما قولك إنا لن نلقاك إلا بما لقيناك به فقد بقي لك منا اليوم ينسيك ما قيله وتخاف له ما بعده وأما قولك إنه لو بايعني الناس استقمت فقد بايعوا عليا وهو خير مني فلم تستقم له وإن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى فما أنت والخلافة وأنت طليق الإسلام وابن رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر خطبة علي كرم الله وجهه
قال وذكروا أن عليا قام خطيبا فقال أيها الناس ألا إن هذا القدر ينزل من السماء كقطر المطر على كل نفس بما كسبت من زيادة أو نقصان في أهل أو مال فمن أصابه نقصان في أهل أو مال فلا يغش نفسه ألا وإنما المال حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعهما الله لأقوام وقد دخل في هذا العسكر طمع من معاوية فضعوا عنكم هم الدنيا بفراقها وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها فإن نازعتكم أنفسكم إلى غير ذلك فردوها إلى الصبر ووطنوها على العزاء فوالله إن أرجى
____________________
(1/94)

ما أرجوه الرزق من الله حيث لا نحتسب وقد فارقكم مصقلة بن هبيرة فآثر الدنيا على الآخرة وفارقكم بشر بن أرطأة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء مفتضح البطن من المال وفارقكم زيد بن عدي بن حاتم فأصبح يسأل الرجعة
وايم الله لودت رجال مع معاوية أنهم معي فباعوا الدنيا بالآخرة ولودت رجال معي أنهم مع معاوية فباعوا الآخرة بالدنيا قدوم ابن أبي محجن على معاوية
قال وذكروا أن عبد الله بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية
فقال يا أمير المؤمنين إني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب
فقال معاوية لله أنت أتدري ما قلت أما قولك الغبي فوالله لو أن ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان علي وأما قولك إنه جبان فثكلتك أمك هل رأيت أحدا قط بارزه إلا قتله وأما قولك إنه بخيل فوالله لو كان له بيتان أحدهما من تبر والآخر من تبن لأنفد تبره قبل تبنه
فقال الثقفي فعلام تقاتله إذا قال على دم عثمان وعلى هذا الخاتم الذي من جعله في يده جادت طينته وأطعم عياله وادخر لأهله
فضحك الثقفي ثم لحق بعلي فقال يا أمير المؤمنين هب لي يدي بجرمي لا دنيا أصبت ولا آخرة
فضحك علي ثم قال أنت منها على رأس أمرك وإنما يأخذ الله العباد بأحد الأمرين رفع أهل الشام المصاحف
قال وذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدة من الألم ونادى علي أصحابه فأصبحوا على راياتهم ومصافهم فلما رآهم معاوية وقد برزوا للقتال قال لعمرو بن العاص يا عمرو ألم تزعم أنك ما وقعت في أمر قط إلا خرجت منه قال بلى قال أفلا تخرج مما ترى قال والله لأدعونهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم ويزداد جمعك إليك اجتماعا إن أعطوكه اختلفوا وإن منعوكه اختلفوا
قال معاوية وما ذلك قال عمرو تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ما فيها فوالله لئن قبله لتفترقن عنه جماعته ولئن رده ليكفرنه أصحابه
فدعا معاوية بالمصحف ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند فنشره بين الصفين ثم نادى الله الله في دمائنا ودمائكم الباقية بيننا كتاب الله
فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى علي فقالوا قد أعطاك معاوية الحق ودعاك إلى كتاب الله فاقبل منه
ورفع صاحب معاوية المصحف وهو يقول بيننا وبينكم هذا المصحف ثم تلا { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } آل عمران 23 ثم نادى من لفارس من الروم فقال
____________________
(1/95)

الأشعث والله لا نأتي هذه أبدا ونرضى معك أو نقاتل معك وتابعه أشراف أهل اليمن وركنوا إلى الصلح وكرهوا القتال ما تكلم به عبد الله بن عمرو وأهل العراق
قال وذكروا أن معاوية دعا عبد الله بن عمرو بن العاص فأمره أن يكلم أهل العراق فأقبل عبد الله بن عمرو حتى إذا كان بين الصفين نادى يا أهل العراق أنا عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا فإن تك للدين فقد والله أسرفنا وأسرفتم وإن تك للدنيا فقد والله أعذرنا وأعذرتم وقد دعوناكم لأمر لو دعوتمونا إليه أجبناكم فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذلك من الله وإلا فاغتنموا هذه الفرجة لعل الله أن ينعش بها الحي وينسي بها القتيل فإن بقاء المقلد بعد الهالك قليل
فقال علي لسعد بن قيس أجب الرجل وقد كان عبد الله بن عمرو قاتل يوم صفين بسيفين وكان من حجته أن قال أمرني رسول الله أن أطيع أبي
فتقدم سعد بن قيس حتى إذا كان بين الصفين نادى يا أهل الشام إنه كانت بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين والدنيا وقد دعوتمونا إلى ما قاتلناكم عليه أمس ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه فإن يحكم فيه بما أنزل الله فالأمر في أيدينا وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم وإن الناس ثاروا إلى علي عند كلام عبد الله بن عمرو فقالوا أجب القوم إلى ما دعوك اليه فإنا دعونا عثمان إلى ما دعاك القوم إليه فأبى فقاتلناه
فبعث علي الأشعث إلى أهل الرايات يأمرهم أن ينقضوها ويرجعوا إلى رحالهم حتى يبرموا رأيهم ما خاطب به عتبة بن أبي سفيان الأشعث بن قيس
قال وذكروا أن معاوية دعا عتبة فقال له ألن إلى الأشعث كلاما فإنه إن رضي بالصلح رضيت به العامة فخرج عتبة حتى إذا وقف بين الصفين نادى الأشعث فأتاه
فقال عتبة أيها الرجل إن معاوية لو كان لاقيا أحدا غيرك وغير علي لقيك إنك رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن ومن قد سلف إليه من عثمان ما قد سلف من الصهر والعمل ولست كأصحابك
أما الأشتر فقتل عثمان وأما عدي فخصص وأما سعد بن قيس فقلد عليا دينه وأما شريح بن هانىء وزحر بن قيس فلا يعرفان غير الهوى وأما أنت فحاميت عن أهل العراق تكرما وحاربت أهل الشام حمية وقد والله بلغنا منك ما أردنا وبلغت منا ما أردت وإنا لا ندعوك إلى ما لا يكون منك من تركك عليا ولا نصرة معاوية ولكنا ندعوك إلى البقية التي فيها صلاحك وصلاحنا
فتكلم الأشعث فقال يا عتبة أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا فلو لقيني ما زاد ولا عظم في عيني ولا صغرت عنه ولئن أحب أن أجمع بينه وبين علي لأفعلن وأما قولك إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن فالرأس الأمير والسيد المطاع
____________________
(1/96)

وهانان لعلي وأما ما سلف إلي من عثمان فوالله ما زادني صهره شرفا ولا عمله غنى وأما عيبك أصحابي فإن هذا الأمر لا يقربك مني وأما محاماتي عن العراق فمن نزل بيننا حميناه وأما البقية فلسنا بأحوج منها إليكم كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنها
قال وذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح معاوية للقتال فبلغ ذلك معاوية ففزع أهل الشام فانكسروا لذلك فقال معاوية لعمرو إني قد رأيت رأيا أن أعيد إلى علي كتابا أسأله فيه الشام
فضحك عمرو ثم قال أين أنت يا معاوية من خدعة علي فقال معاوية ألسنا بني عبد مناف فقال بلى ولكن لهم النبوة دونكم فإن شئت أن تكتب فاكتب
فكتب معاوية إلى علي أما بعد فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضا بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فلنا منها ما نذم به ما مضى ونصلح ما بقي وقد كنت سألتك ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت وإني أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف
وقد والله رقت الأجناد وذهبت الرجال ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ولا يسترق به حر جوابه
فلما انتهى كتابه إلى علي دعا كاتبه عبيد الله بن رافع فقال اكتب أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وأنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد وأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فإنك لست أمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الآخرة وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق ولا المحق كالمبطل وفي أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز وبعنا به الحر والسلام
فلما أتى معاوية الكتاب أقرأه عمرا فشمت به عمرو ولم يكن أحد أشد تعظيما لعلي من عمرو بن العاص بعد يوم مبارزته فقال معاوية لعمرو قد علمت أن إعظامك لعلي لما فضحك قال عمرو لم يفتضح امرؤ بارز عليا وإنما افتضح من دعاه إلى البراز فلم يجبه اختلاف أهل العراق في الموادعة
قال وذكروا أنه لما عظم الأمر واستحر القتال قال له رأس من أهل العراق إن هذه الحرب قد أكلتنا وأذهبت الرجال والرأي الموادعة
وقال بعضهم لا بل نقاتلهم
____________________
(1/97)

اليوم على ما قاتلناكم عليه أمس وكانت الجماعة قد رضيت الموادعة وجنحت إلى الصلح والمسالمة
فقام علي خطيبا فقال أيها الناس إني لم أزل من أمري على ما أحب حتى قدحتكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت وهي لعدوكم أنهك
وقد كنت بالأمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا وكنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيا فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ما رد كردوس بن هانىء على علي
قال وذكروا أن كردوس بن هانىء قام فقال أيها الناس إنه والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه ولا تبرأنا من علي منذ توليناه وإن قتلينا لشهيد وإن حينا لفائز وإن عليا على بينة من ربه وما أجاب القوم إلا إنصافا وكل محق منصف فمن سلم له نجا ومن خالفه هوى ما قال سفيان بن ثور
قال وذكروا أن سفيان بن ثور قال أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله فردوه علينا فقاتلناهم وإنهم دعونا إلى كتاب الله فإن رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله وإن عليا ليس بالراجح الناكص وهو اليوم على ما كان عليه أمس وقد أكلتنا هذه الحرب ولا نرى البقاء إلا في الموادعة ما قال حريث بن جابر
ثم قام حريث بن جابر فقال أيها الناس إن عليا لو كان خلوا من هذا الأمر لكان المرجع إليه فكيف وهو قائده وسابقه وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر الذي دعاهم إليه أمس ولو رده عليهم كنتم له أعيب ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه أو مستدرج مغرور وما بيننا وبين من طعن علينا إلا السيف ما قال خالد بن معمر
ثم قام خالد بن معمر فقال يا أمير المؤمنين إنا والله ما أخرنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا ولكن قلنا أحب الأمور إلينا ما كفينا مؤنته فأما إذا استغنينا فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم إليه اليوم إن رأيت ذلك وإن لم تره فرأيك أفضل ما قال الحصين بن المنذر
ثم قام الحصين بن المنذر وكان أحدث القوم سنا فقال أيها الناس إنما بني
____________________
(1/98)

هذا الدين على التسليم فلا تدفعوه بالقياس ولا تهدموه بالشبهة وإنا والله لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف لأصبح الحق في الدنيا قليلا ولو تركنا وما نهوى لأصبح الباطل في أيدينا كثيرا وإن لنا راعيا قد حمدنا ورده وصدره وهو المأمون على ما قال وفعل فإن قال لا قلنا لا وإن قال نعم قلنا نعم ما قال عثمان بن حنيف
ثم قام عثمان بن حنيف وكان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عاملا لعلي على البصرة وكان له فضل فقال أيها الناس اتهموا رأيكم فقد والله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية يوم أبي جندل وإنا لنريد القتال إنكارا للصلح حتى ردنا عنه رسول الله وإن أهل الشام دعوا إلى كتاب الله اضطرارا فأجبناهم إليه إعذارا فلسنا والقوم سواء إنا والله ما عدلنا الحي بالحي ولا القتيل بالقتيل ولا الشامي بالعراقي ولا معاوية بعلي وإنه لأمر منعه غير نافع وإعطاؤه غير ضائر وقد كلت البصائر التي كنا نقاتل بها وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نؤول إليه وذهب الحياء الذي كنا نماري به فاستظلوا في هذا الفيء واسكنوا فيه هذه العافية فإن قلتم نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس هيهات هيهات ذهب والله قياس أمس وجاء غد
فأعجب عليا قوله وافتخرت به الأنصار ولم يقل أحد بأحسن من مقالته ما قال عدي بن حاتم
ثم قام عدي بن حاتم فقال أيها الناس إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان وفي يديه من الله سبب وإنه وقف عن عثمان بشبهة وقاتل أهل الجمل على النكث وأهل الشام على البغي فانظروا في أموركم وأمره فإن كان له عليكم فضل فليس لكم مثله فسلموا له وإلا فنازعوا عليه والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله والرأس في الإسلام ولئن كان إلى الزهد والعبادة إنه لأظهر الناس زهدا وأنهكهم عبادة ولئن كان إلى العقول والنحائز إنه لأشد الناس عقلا وأكرمهم نحيزة ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ونجدة ولئن كان إلى الرضا لقد رضي به المهاجرون والأنصار في شورى عمر رضي الله عنهم وبايعوه بعد عثمان ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشام فما الفضل الذي قربكم إلى الهدى وما النقض الذي قربه إلى الضلال والله لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض وكتاب سابق
____________________
(1/99)


فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام ورجع كل من تشعب على علي رضي الله ما قال عبد الله بن حجل
ثم قام عبد الله بن حجل فقال يا أمير المؤمنين إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة كانت عندنا أمرا واحدا فقبلناها بالتسليم وهذه مثل تلك الأمور ونحن أولئك أصحابك وقد أكثر الناس في هذه القضية وأيم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف وقد أخذت الحرب بأنفاسنا فلم يبق إلا رجاء ضعيف فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه فأنت أولنا إيمانا وآخرنا بنبي الله عهدا وهذه سيوفنا على أعناقنا وقلوبنا بين جوانحنا وقد أعطيناك بقيتنا وشرحت بالطاعة صدورنا ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا فأنت الوالي المطاع ونحن الرعية الأتباع أنت أعلمنا بربنا وأقربنا بنبينا وخيرنا في ديننا وأعظمنا حقا فينا فسدد رأيك نتبعك واستخر الله تعالى في أمرك وأعزم عليه برأيك فأنت الوالي المطاع قال فسر علي كرم الله وجهه بقوله وأثنى خيرا
ثم قام صعصعة بن صوحان فقال يا أمير المؤمنين إنا سبقنا الناس إليك يوم قدوم طلحة والزبير عليك فدعانا حكيم إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف فأجبناه فقاتل عدوك حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس عبدوا الله حتى كانت أكفهم مثل أكف الإبل وجباهم مثل ركب المعز فأسر الحي وسلب القتيل فكنا أول قتيل وأسير ثم رأيت بلاءنا بصفين وقد كلت البصائر وذهب الصبر وبقي الحق موفورا وأنت بالغ بهذا حاجتك والأمر إليك ما أراك الله فمرنا به ما قال المنذر بن الجارود
ثم قام المنذر بن الجارود فقال يا أمير المؤمنين إني أرى أمرا لا يدين له الشام إلا بهلاك العراق ولا يدين له العراق إلا بهلاك الشام ولقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم وما نقصنا أضرهم فإذا في ذلك أمران فإن رأيت غيره ففينا والله ما يفل به الحد ويرد به الكلب وليس لنا معك إيراد ولا صدر ما قال الأحنف بن قيس
ثم قام الأحنف بن قيس فقال يا أمير المؤمنين إن الناس بين ماض وواقف وقائل وساكت وكل في موضعه حسن وإنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئا إلا
____________________
(1/100)

أن يقول اليوم ما قد قيل أمس ولكنه حق يقضى ولم نقاتل القوم لنا ولا لك إنما قاتلناهم لله فإن حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله فإنك أولى بالحق وأحقنا بالتوفيق ولا أرى إلا القتال ما قال عمير بن عطارد
ثم قام عمير بن عطارد فقال يا أمير المؤمنين إن طلحة والزبير وعائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية وكانت البصرة أقرب إلينا من الشام وكان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم فوالله ما منعنا ذلك من قتل المحارب وعيب الواقف فقاتل القوم إنا معك ما قال علي رضي الله عنه بعده
ثم قام علي خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه قد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلا آخر نفس وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغوا منكم ما بلغوا وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة فأحكمهم بسيفي هذا إلى الله نداء أهل الشام واستغاثتهم عليا رضي الله عنه
قال فلما بلغ معاوية قول علي دعا عمرو بن العاص فقال له يا عمرو إنما هي الليلة حتى يغدو علينا علي بنفسه فما ترى قال عمرو إن رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله أنت تقاتله على أمر ويقاتلك على غيره وأنت تريد البقاء وعلي يريد الفناء وليس يخاف أهل الشام من علي ما يخاف منك أهل العراق وإن هلكوا ولكن ادعهم إلى كتاب الله
فإنك تقضي منه حاجتك قبل أن ينشب مخلبه فيك فأمر معاوية أهل الشام أن ينادوهم فنادوا في سواد الليل نداء معه صراخ واستغاثة يقولون يا أبا الحسن من لذرارينا من الروم إن قتلتنا الله الله البقيا كتاب الله بيننا وبينكم
فأصبحوا وقد رفعوا المصاحف على الرماح وقلدوها أعناق الخيل والناس على راياتهم قد أصبحوا للقتال ما أشار به عدي بن حاتم
فقام عدي بن حاتم فقال يا أمير المؤمنين إن أهل الباطل لا تعوق أهل الحق وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك وليس بعد الجزع إلا ما تحب ناجز القوم ما قال الأشتر وأشار به
ثم قام الأشتر فقال يا أمير المؤمنين ما أجبناك لدنيا
إن معاوية لا خلف له من
____________________
(1/101)

رجاله ولكن بحمد الله الخلف لك ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نصرتك فافرج الحديد بالحديد واستعن بالله ما قال عمرو بن الحمق
ثم قام عمرو بن الحمق فقال يا أمير المؤمنين ما أجبناك لدنيا ولا نصرناك على باطل ما أجبناك إلا لله تعالى ولا نصرناك إلا للحق ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا لكثر فيه اللجاج وطالت له النجوى وقد بلغ الحق مقطعه وليس لنا معك رأي ما قال الأشعث بن قيس
ثم قام الأشعث بن قيس فقال يا أمير المؤمنين إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس ولست أدري كيف يكون غدا
وما القوم الذين كلموك بأحمد لأهل العراق مني ولا بأوتر لأهل الشام مني فأجب القوم إلى كتاب الله فإنك أحق به منهم وقد أحب الله البقيا ما قال عبد الرحمن بن الحارث
ثم قام عبد الرحمن بن الحارث فقال يا أمير المؤمنين امض لأمر الله ولا يستخفنك الذين لا يوقنون
أحكم بعد حكم وأمر بعد أمر مضت دماؤنا ودماؤهم ومضى حكم الله علينا وعليهم ما رآه علي كرم الله وجهه
قال فمال علي إلى قول الأشعث بن قيس وأهل اليمن فأمر رجلا ينادي إنا قد أجبنا معاوية إلى ما دعانا إليه فأرسل معاوية إلى علي إن كتاب الله لا ينطق ولكن نبعث رجلا منا ورجلا منكم فيحكمان بما فيه
فقال علي قد قبلت ذلك ما قال عمار بن ياسر
فلما أظهر علي أنه قد قبل ذلك قام عمار بن ياسر فقال يا أمير المؤمنين أما والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء من أقر بها هلك ومن أنكرها ملك مالك يا أبا الحسن شككتنا في ديننا ورددتنا على أعقابنا بعد مئة ألف قتلوا منا ومنهم أفلا كان هذا قبل السيف وقبل طلحة والزبير وعائشة قد دعوك إلى ذلك فأبيت وزعمت أنك أولى بالحق وأن من خالفنا منهم ضال حلال الدم وقد حكم الله تعالى في هذا الحال ما قد سمعت فإن كان القوم كفارا مشركين فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى يفيئوا إلى أمر الله وإن كانوا أهل فتنة فليس لنا أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والله ما أسلموا ولا أدوا الجزية ولا فاؤوا إلى أمر الله ولا طفئت الفتنة فقال علي والله إني لهذا الأمر كاره
____________________
(1/102)

قتل عمار بن ياسر
قال فلما رد علي على عمار أنه كاره للقضية وأنه ليس من رأيه نادى عمار أيها الناس هل من رائح إلى الجنة فخرج إليه خمس مئة رجل منهم أبو الهيثم وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فاستسقى عمار الماء فأتاه غلام له بإداوة فيها لبن فلما رآه كبر وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( آخر زادك من الدنيا لبن )
ثم قال عمار اليوم ألقى الأحبة محمد وحزبه
ثم حمل عمار وأصحابه فالتقى عليه رجلان فقتلاه وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه كل يقول أنا قتلته فقال لهما عمرو بن العاص والله إن تتنازعان إلا في النار سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( تقتل عمارا الفئة الباغية ) فقال معاوية قبحك الله من شيخ فما تزال تتزلق في قولك أو نحن قتلناه إنما قتله الذين جاؤوا به ثم التفت إلى أهل الشام فقال إنما نحن الفئة الباغية التي تبغي دم عثمان فلما قتل عمار اختلط الناس حتى ترك أهل الرايات مراكزهم وأقحم أهل الشام وذلك من آخر النهار وتفرق الناس عن علي فقال عدي بن حاتم والله يا أمير المؤمنين ما أبقت هذه الوقعة لنا ولا لهم عميدا فقاتل حتى يفتح الله تعالى لك فإن فينا بقية فقال علي يا عدي قتل عمار بن ياسر قال نعم فبكى علي وقال رحمك الله يا عمار استوجب الحياة والرزق الكريم كم تريدون أن يعيش عمار وقد نيف على التسعين هزيمة أهل الشام
ثم أقبل الأشتر جريحا فقال يا أمير المؤمنين خيل كخيل ورجال كرجال ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه فعد مكانك الذي كنت فيه فإن الناس إنما يطلبونك حيث تركوك
وإن عليا دعا بفرسه التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا ببغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم السوداء ثم نادى من بيع نفسه اليوم يربح غدا يوم له ما بعده وإن عدوكم قد قدح كما قدحتم
فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا واضعي سيوفهم على عواتقهم وتقدموا فحمل علي والناس حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا أهمد حتى أفضى الأمر إلى معاوية وعلي يضرب بسيفه ولا يستقبل أحدا إلى ولي عنه
فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه فلما وضع رجله في الركاب نظر إلى عمرو بن العاص فقال له يابن العاص اليوم صبر وغدا فخر قال صدقت فترك الركوب وصبر وصبر القوم معه إلى الليل فبات الناس يتحارسون وكرهوا القتال وهو اليوم الذي فيه البلاء العظيم يوم قتل عمار
____________________
(1/103)

وكل يظن أن الدائرة عليه وأسرف الفريقان في القتل ولم يكن في الإسلام بلاء ولا قتل أعظم منه في تلك الثلاثة الأيام وإن عليا نادى بالرحيل في جوف الليل فلما سمع معاوية رضي الله عنه رغاء الإبل دعا عمرو بن العاص فقال ما ترى هاهنا قال عمرو أظن الرجل هاربا فلما أصبحوا إذا علي وأصحابه إلى جانبهم قد خالطوهم فقال معاوية كلا زعمت يا عمرو أنه هارب فضحك وقال من فعلاته والله فعندها أيقن معاوية بالهلكة ونادى أهل الشام كتاب الله بيننا وبينكم ويومئذ استبان ذل أهل الشام ورفعوا المصاحف ثم ارتحلوا فاعتصموا بجبل منيف وصاحوا لا ترد كتاب الله يا أبا الحسن فإنك أولى به منا وأحق من أخذ به ما قال الأشعث بن قيس
قال فأقبل الأشعث بن قيس في أناس كثير من أهل اليمن فقالوا لعلي لا ترد ما دعاك القوم إليه قد أنصفك القوم والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك ولا نرمي معك بسهم ولا حجر ولا نقف معك موقفا ما قال القراء
قال فلما سمع علي قول الأشعث ورأى حال الناس قبل القضية وأجاب إلى الصلح وقام إلى علي أناس وهم القراء منهم عبد الله بن وهب الراسبي في أناس كثير قد اخترطوا سيوفهم ووضعوها على عواتقهم فقالوا لعلي اتق الله فإنك قد أعطيت العهد وأخذته منا لنفنين انفسنا أو لنفنين عدونا أو يفيء إلى أمر الله وإنا نراك قد ركبت إلى أمر فيه الفرقة والمعصية لله والذل في الدنيا فانهض بنا إلى عدونا فلنحاكمه إلى الله بسيوفنا
حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين لا حكومة الناس ما قال عثمان بن حنيف
ثم قام عثمان بن حنيف فقال أيها الناس اتهموا رأيكم فإنا والله قد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو رأينا قتالا قاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة فامض على القضية واتهم هذا الصلح ما قال الأشتر وقيس بن سعد
قال فأنكرها الأشتر وقيس بن سعد وكانا أشد الناس على علي فيها قولا فكان الذين عملوا في الصلح الأشعث بن قيس وعدي بن حاتم وشريح بن هانىء وعمرو بن الحمق وزحر بن قيس ومن أهل الشام زيد بن أسد ومخارق بن الحارث
____________________
(1/104)

وحمزة بن مالك
فلما رأى ذلك أبو الأعور قام إلى معاوية فقال يا أمير المؤمنين إن القوم لم يجيبوا إلى ما دعوناهم إليه حتى لم يجدوا من ذلك بدا وإنهم إن ينصرفوا العام يعودوا في قابل في سنة يبرأ فيها الجريح وينسى القتيل وقد أخذت الحرب منا ومنهم غير أنهم اختلفوا على علي ولم يختلف عليك أحد والخلاف أشد من القتل ناجز القوم فقال بشر بن أرطأة والله إن الشام خير من العراق لعلي وما في يدك لك وما في يد علي لأصحابه دونه فإن كنت إنما سألت المدة لإعداد العدة وانتظار المدد فنعم وإن كنت سألتها بغض الحرب وبقيا على أهل الشام فلا ذكر الإتفاق على الصلح وإرسال الحكمين
قال وذكروا أن معاوية قال لأصحابه حين استقامت المدة ولم يسم الحكمان من ترون عليا يختار فأما نحن فصاحبنا عمرو بن العاص
قال عتبة بن أبي سفيان أنت أعلم بعلي منا
فقال معاوية إن لعلي خمسة رجال من ثقاته منهم عدي بن حاتم وعبد الله بن عباس وقيس بن سعد وشريح بن هانىء والأحنف بن قيس وأنا أصفهم لك أما ابن عباس فإنه لا يقوى عليه وأما عدي بن حاتم فيرد عمرا سائلا ويسأله مجيبا وأما شريح بن هانىء فلا يدع لعمرو حياضا وأما الأحنف بن قيس فبديهته كرويته وأما قيس بن سعد فلو كان من قريش بايعته العرب
ومع هذا إن الناس قد ملوا هذه الحرب ولم يرضوا إلا رجلا له تقية وكل هؤلاء لا تقية لهم ولكن انظروا أين أنتم من رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأمنه أهل الشام وترضى به أهل العراق فقال عتبة ذلك أبو موسى الأشعري اختلاف أهل العراق في الحكمين
قال وذكروا أن عليا لما استقام رأيه على أن يرسل عبد الله بن عباس مع عمرو بن العاص قام إليه الأشعث بن قيس وشريح بن هانىء وعدي بن حاتم وقيس بن سعد ومعهم أبو موسى الأشعري فقالوا يا أمير المؤمنين هذا أبو موسى الأشعري وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب مغانم أبي بكر وعامل عمر بن الخطاب وقد عرضنا على القوم ابن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك ضنين في أمرك وأيم الله لو لقيت به عمرا لأخذ بصره وغم صدره
ولكن الناس قد رضوا برجل يثق أهل العراق وأهل الشام بتقيته
فتكلم شبيب بن ربعي فقال إنا والله وإن خفنا على أبي موسى من عمرو ما لا يخافه أهل الشام على عمرو من أبي موسى فلعل ما خفناه لا يضرنا ولعل ما رجوا لا ينفعهم فإن قلت في أبي موسى ضعف فضعفه وتقاه خير من
____________________
(1/105)

قوة عمرو وفجوره فأغلق به البلاء وافتح به العافية
ثم تكلم ابن الكواء فقال يا أمير المؤمنين إنك أجبت الله وأجبناك ولكنا نقول الله بيننا وبينك إن كنت تخشى من أبي موسى عجزا فشر من أرسلت الخائن العاجز ولست تحتاج من عقله إلا إلى حرف واحد وأن لا يجعل حقك لغيرك فيدرك حاجته منك
ثم قال لأبي موسى اعلم أن معاوية طليق الإسلام وأن أباه رأس الأحزاب وأنه ادعى الخلافة من غير مشورة فإن صدقك فقد حل خلعه وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه وإن ادعى أن عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة واعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرك خبرا يسؤوك ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وأنها بيعة هدى وأنه لم يقاتل إلا عاصيا أو ناكثا
فقال أبو موسى رحمك الله أما والله ما لي إمام غير علي وإني لواقف عندما رأى ولرضاء الله تعالى أحب إلي من رضاء الناس وما أنا وأنت إلا بالله تعالى ما قال أهل الشام لأهل العراق
قال وذكروا أن أهل الشام قالوا لأهل العراق أعطونا رجالا نسميهم لكم يكونوا شهودا على ما يقوله صاحبنا وصاحبكم بيننا وبينكم صحيفة فقال علي سموا من أحببتم فسموا ابن عباس والأشعث بن قيس وزياد بن كعب وشريح بن هانىء وعدي بن حاتم
وحجر بن عدي وعبد الله بن الطفيل
وسفيان بن ثور وعروة بن عامر وعبد الله بن حجر وخالد بن معمر وطلب أهل العراق من أهل الشام عتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ويزيد بن أسيد وأبا الأعور والحصين بن نمير وحمزة بن مالك وبسر بن أرطأة والنعمان بن بشير ومخارق بن الحارث
فلما سمى أهل العراق رجال أهل الشام وسمى أهل الشام رجال أهل العراق قال معاوية أين يكون هذان الرجلان فرضي الناس أن يكونا بدومة الجندل ما قال الأحنف بن قيس لعلي
قال فلما لم يبق إلا الكتاب قال الأحنف بن قيس لعلي يا أمير المؤمنين إن أبا موسى رجل يماني وقومه مع معاوية فابعثني معه فوالله لا يحل لك عقدة إلا عقدت
____________________
(1/106)

لك أشد منها فإن قلت إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فابعث ابن عباس وابعثني معه ما قال علي كرم الله وجهه
فقال علي إن الأنصار والقراء أتوني بأبي موسى فقالوا ابعث هذا فقد رضيناه ولا نريد سواه والله بالغ أمره الإختلاف في كتابة صحيفة الصلح
قال فوضع الناس السلاح والتقوا بين العسكرين فلما جيء بالكتاب قال علي اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان فقال معاوية علام قاتلناك إذا كنت أمير المؤمنين اكتب علي بن أبي طالب
فقال الأشعث اطرح هذا الاسم فإنه لا يضرك فضحك علي ثم قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين صده المشركون عن مكة فقال يا علي اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله ومشركو قريش فقال سهيل بن عمرو لقد ظلمناك إذا يا محمد إن قاتلناك وأنت رسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فقال صلى الله عليه وسلم اكتب محمد بن عبد الله وإني رسول الله وكنت إذا أمرني بشيء رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعت وإذا قال مشركو قريش أبطأت به وإذا كتبت شيئا قال نبي الله امحها فتعاظمني ذلك
فدعا بمقراض فقرضه وكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان فقال أبو الأعور أو معاوية وعلي فقال الأشعث لا لعمر الله ولكن نبدأ بأولهما إيمانا وهجرة وأدناهما من الغلبة
فقال معاوية قدموا أو أخروا تقاضوا على أن عليا ومن معه من شيعته من أهل العراق ومعاوية ومن معه من أهل الشام أنا ننزل عند حكم الله وكتابه من فاتحته إلى خاتمته ما أحيا القرآن أحييناه وما أمات القرآن أمتناه وما لم يجد عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص في القرآن حكما بما يجدان في السنة العادلة غير المفرقة وعلى علي ومعاوية وتبيعتهما وضع السلاح إلى انقضاء هذه المدة وهي من رمضان إلى رمضان وعلى أن عبد الله بن قيس وعمر آمنان على دمائهما وأموالهما وحريمهما والأمة على ذلك أنصار وعليهما مثل الذي أخذا أن يقضيا بما في كتاب الله تعالى وما لم يجدا في كتاب الله قضيا بما يجدان في السنة وعليهما أن لا يؤخرا أمرهما عن هذه المدة فإن أحبا أن يقولا قبل انقضائها فلهما أن يقولا عن تراض منهما على أن يرجع أهل العراق إلى العراق وأهل الشام إلى الشام فيكون الاجتماع إلى دومة الجندل فإن رضيا أن يجتمعا بغيرهما فلهما ذلك ولهما ألا يحضرهما إلا من أحبا ولا يشهدا إلا
____________________
(1/107)

من أراد وهؤلاء النفر من أهل العراق وأهل الشام ضامنون بالوفاء إلى هذه المدة فكتب أهل العراق بهذا كتابا لأهل الشام وكتب أهل الشام كتابا بهذا لأهل العراق بخط عمرو بن عبادة كاتب معاوية وشهد أهل الشام على أهل العراق وشهد شهود أهل العراق على أهل الشام
فلما كتب الكتابان أقبل رجل من بني يشكر على فرس له أبلق حتى وقف بين الصفين على علي فقال يا علي أكفر بعد إسلام ونقض بعد توكيد وردة بعد معرفة أنا من صحيفتيكما بريء وممن أقر بها بريء ثم حمل على أصحاب معاوية فطعن فيهم حتى إذا عطش أتى عسكر علي فاستسقى فسقى ثم حمل على عسكر علي فطعن فيهم حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية فاستسقى فسقى ما وصى به شريح بن هانىء أبا موسى
قال وذكروا أن شريح بن هانىء أخذ بيد أبي موسى فقال يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ولا تستقال فلتته ومهما تقل من شيء لك أو عليك يثبت حقه ويزيل باطله إنه لإبقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية ولا بأس بأهل الشام إن ملكها علي فانظر في ذلك من يعرف هذا الأمر حقا ما وصى به الأحنف بن قيس أبا موسى
قال ثم جاء الأحنف بن قيس فأخذ بيده ثم قال يا أبا موسى اعرف خطب هذا الأمر واعلم أن له ما بعده وإنك ضيعت العراق فلا عراق لك فاتق الله فإنك تجمع بذلك دنيا وأخرى وإذا لقيت عمرا غدا فلا تبادره بالسلام فليس من أهله ولا تعطه يدك فإنها أمانة وإياك أن يقعدك على صدر الفراش فإنها خدعة ولا تلقه إلا وحده وإياك أن يكلمك في بيت فيه مخدع يخبأ لك فيه رجالا وإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي فحيره أن يختار أهل العراق من قريش أهل الشام من شاؤوا فإنهم إن يولوا الخيار يختاروا من يريدون فإن أبى فلتختر أهل الشام من قريش أهل العراق من شاؤوا فإن فعلوا كان الأمر بيننا ما قال معاوية لعمرو
قال وذكروا أن معاوية قال لعمرو إن أهل العراق أكرهوا عليا على أبي موسى وأنا وأهل الشام راضون بك وأرجو في دفع هذه الحرب خصالا قوة لأهل الشام وفرقة لأهل العراق وإمدادا لأهل اليمن وقد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي وله على ذلك دين وفضل فدعه يقل فإذا هو قال فاصمت واعلم أن حسن
____________________
(1/108)

الرأي زيادة في العقل إن خوفك العراق فخوفه بالشام وإن خوفك مصر فخوفه باليمن وإن خوفك عليا فخوفه بمعاوية وإن أتاك بالجميل فأته بالجميل
قال عمرو يا أمير المؤمنين أقلل الاهتمام بما قبلي وارج الله تعالى فيما وجهتني له إنك من أمرك على مثل حد في حربك ما رجوت ولم تأمن ما خفت ونحن نرجو أن يصنع الله تعالى لك خيرا وقد ذكرت لأبي موسى دينا وإن الدين منصور أرأيت إن ذكر عليا وجاءنا بالإسلام والهجرة واجتماع الناس عليه ما أقول فقال معاوية قل ما تريد وترى قال
فانصرف عمرو إلى منزله فقال لأصحابه هل ترون ما أراد معاوية من تصغير أبي موسى قالوا لا قال عرف أني خادعه غدا ما قال شرحبيل لعمرو
قال وأتى شرحبيل بن السمط إلى عمرو فقال يا عمرو إنك رجل قريش وإن معاوية لم يبعثك إلا لثقته بك واعلم أنك لا تؤتي من عجز وقد علمت أن وطأة هذا الأمر لصاحبك ولك فكن عند ظننا بك اجتماع أبي موسى وعمرو
قال وذكروا أن أبا موسى وعمرا لما اجتمعا بدومة الجندل وحضرهما من يليهما من العرب ليستمعوا قول الرجلين فلما التقيا استقبل عمرو أبا موسى فأعطاه يده وضم عمرو أبا موسى إلى صدره فقال يا أخي قبح الله أمر فرق بيننا ثم أقعد أبا موسى على صدر الفراش وأقبل عليه بوجهه والناس مجتمعون فلم يزالا حتى تفرقا ومكثا أياما يلتقيان في أمرهما سرا وجهرا وأقبل الأشعث بن قيس وكان من أحرص الناس على إتمام الصلح من الحرب فقال يا هذان إنا قد كرهنا هذه الحرب فلا ترداها إلينا فإنها مرة الرضاع والفطام فكفاها ما قال سعيد بن قيس للحكمين
قال فأقبل سعيد بن قيس وكان من النصحاء لعلي كرم الله وجهه فقال أيها الرجلان إني أراكما قد أبطأتما بهذا الأمر حتى أيس القوم منكما فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه نسمعه ونشهد عليه وإن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب ما قال عدي بن حاتم لعمرو
قال وذكروا أن عديا قال لعمرو أما والله يا عمرو إنك لغير مأمون الغناء وإنك يا أبا موسى لغير مأمون الضعف وما ننتظر بالقول منكما إلا أن تقولا والله ما لكما مع
____________________
(1/109)

كتاب الله إيراد ولا صدر
فقال أبو موسى كفوا عنا فإنا انما نقول فيما بقي ولسنا نقول فيما مضى ما قال عمرو لأبي موسى
قال وذكروا أن عمرا غدا على أبي موسى فقال يا أبا موسى قد عرفت حال معاوية في قريش وشرفه في بني عبد مناف وأنه ابن هند وابن أبي سفيان فما ترى فقال أبو موسى أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي ولو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية كان أخوال ذي أصبح ولكنني أرى وترى وباعده أبو موسى ثم غدا عليه عمرو فقال يا أبا موسى إن قال قائل إن معاوية من الطلقاء وأبوه رأس الأحزاب لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد صدق وإذا قال إن عليا آوى قتلة عثمان وقتل أنصاره يوم الجمل وبرز على أهل الشام بصفين فقد صدق وفينا وفيكم بقية وإن عادت الحرب ذهب ما بقي فهل لك أن تخلعها وتجعل الأمر لعبد الله بن عمر فقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا وقد علمت من هو مع فضله وزهده وورعه وعلمه فقال أبو موسى جزاك الله بنصيحتك خيرا وكان أبو موسى لا يعدل بعبد الله بن عمر أحدا لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه من أيته لفضل عبد الله في نفسه وافترقا على هذا الأمر واجتمع رأيهما على ذلك
ثم أن عمرا أبي موسى بالغد وجماعة الشهود فقال يا أبا موسى ناشدتك الله تعالى من أحق بهذا الأمر من أوفى أو من غدر قال أبو موسى من أوفى
قال عمرو يا أبا موسى نشدتك الله تعالى ما تقول في عثمان قال أبو موسى قتل مظلوما
قال عمرو فما الحكم فيمن قتل قال أبو موسى يقتل بكتاب الله تعالى
قال فمن يقتله قال أولياء عثمان
قال فإن الله يقول في كتابه العزيز { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } الإسراء 33
قال فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان قال نعم
قال عمرو للقوم اشهدوا
قال أبو موسى للقوم اشهدوا على ما يقول عمرو
ثم قال أبو موسى لعمرو قم يا عمرو فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي ورأيك وما اتفقنا عليه فقال عمرو سبحان الله أقوم قبلك وقد قدمك الله قبلي في الإيمان والهجرة وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله ووافد رسول الله إليهم وبك هداهم الله وعرفهم شرائع دينه وسنة نبيه وصاحب مغانم أبي بكر وعمر ولكن قم أنت فقل ثم أقوم فأقول
فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس
____________________
(1/110)

إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه وإني لا أهلك ديني بصلاح غيري إن هذه الفتنة قد أكلت العرب وإني رأيت وعمرا أن نخلع عليا ومعاوية ونجعلها لعبد الله بن عمر فإنه لم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا ثم قام عمرو فقال أيها الناس هذا أبو موسى شيخ المسلمين وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا وقد خلع عليا وأنا أثبت معاوية فقال أبو موسى مالك عليك لعنة الله ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث فقال عمرو لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا واختلط الناس فقالوا والله لو اجتمعنا على هذا ماحو لتمانا عما نحن عليه وما صلحكما بلازمنا وإنا اليوم على ما كنا عليه أمس ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع وما أمات قولكما حقا ولا أحبا باطلا
ثم تشاتم أبو موسى وعمرو ثم انصرف عمرو إلى معاوية ولحق أبو موسى بمكة وانصرف القوم إلى علي فقال عدي أما والله يا أمير المؤمنين لقد قدمت القرآن وأخرت الرجال وجعلت الحكم لله
فقال علي أما إني قد أخبرتكم أن هذا يكون بالأمس وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم علي ولا سبيل إلى حرب القوم حتى تنقضي المدة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين أبي موسى وعمرو

فقام الحسن فتكلم فقال أيها الناس قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو وإنما بعثنا بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى فحكما بالهوى دون القرآن فمن كان هكذا لم يكن حكما ولكنه محكوم عليه وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد الله بن عمر فأخطأ في ثلاث خصال خالف يعني أبا موسى أباه عمر إذ لم يرضه لها ولم يره أهلا لها وكان أبوه أعلم به من غيره ولا ادخله في الشورى إلا على أنه لا شيء له فيها شرطا مشروطا من عمر على أهل الشورى فهذه واحدة وثانية لم تجمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمامة ويحكمون على الناس وثالثة لم يستأمر الرجل في نفسه ولا علم ما عنده من رد أو قبول
ثم جلس
ثم قال علي لعبد الله بن عباس قم فتكلم
فقام عبد الله بن عباس وقال أيها الناس إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق والرضا والناس بين راض به وراغب عنه وإنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال وسار عمرو بضلالة إلى هدى فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه ومضى عمرو على ضلاله فوالله لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه ولئن كان حكما بهواهما على القرآن لئن مسكا بما سارا به لقد سار أبو موسى وعلي إمامه وسار عمرو ومعاوية إمامه
ثم جلس فقال علي لعبد
____________________
(1/111)

الله بن جعفر قم فتكلم
فقام وقال أيها الناس هذا أمر كان النظر فيه لعلي والرضا فيه إلى غيره جئتم بأبي موسى فقلتم قد رضينا هذا فارض به وأيم الله ما أصلحا بما فعلا الشام ولا أفسدا العراق ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية ولا يذهب الحق قلة رأي ولا نفخة شيطان وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه
ثم جلس كتاب ابن عمر إلى أبي موسى
قال وذكروا أن عبد الله بن عمر لما بلغه ما كان من رأي أبي موسى كتب إليه أما بعد يا أبا موسى فإنك تقربت إلي بأمر لم تعلم هواي فيه أكنت تظن أني أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه عمر أو كنت تراني أتقدم على علي وهو خير مني لقد خبت إذا وخسرت وما أنا من المهتدين فأغضبت بقولك وفعلك علي عليا ومعاوية ثم أعظم من ذلك خديعة عمرو إياك وأنت حامل القرآن ووافد أهل اليمن إلى نبي الله وصاحب مغانم أبي بكر وعمر فقدمك عمرو للقول مخادعا حتى خلعت عليا قبل أن تخلع معاوية ولعمري ما يجوز لك على علي ما جاز لعمرو على معاوية ولا ما جاز لنا عليه ولقد كرهنا ما رضيت وأردت إن الحاكم هو من يحكم بما حكم الله بين الناس ولم تبلغ من خطيئتك عنده ما غير أمرك في خلاف هواه
فلما أتى أبا موسى كتاب ابن عمر كتب إليه أما بعد فإني والله ما أردت بتوليتي أياك وبيعتي لك القربة إليك ما أردت بذلك إلا الله عز وجل وما تقلدي أمر هذه الأمة غير مستكره فإنهم كانوا على مثل حد السيف فقلت إلى سنة محيا وممات أن يصطلحوا فهو الذي أردت وإلا لم يرجعوا إلى أعظم مما كانوا عليه وأما إغضابي عليك عليا ومعاوية فقد غضبا عليك قبل ذلك وأما خديعة عمرو إياي فوالله ما ضر بخديعته عليا ولا نفع معاوية وقد كان الشرط ما اجتمعا عليه لا ما اختلفا فيه وأما نهي أبيك فوالله لو تم الأمر لأكرهت عليه كتاب معاوية إلى أبي موسى
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي موسى بعد الحكومة وهو بمكة أما بعد فاكره من أهل العراق ما كرهوا منك وأقبل إلى الشام فإني خير لك من علي والسلام جوابه
فكتب إليه أبو موسى أما بعد فإنه لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك غير أني أردت بما صنعت وجه الله وأراد عمرو بما صنع ما عندك وقد كان بيني وبينه شروط عن تراض فلما رجع عمرو رجعت وأما قولك إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار إنما ذاك في الشاة والبعير وأما في أمر
____________________
(1/112)

هذه الأمة فليست تساق إلى ما تكره ولن تذهب بين عجز عاجز ولا كيد كائد ولا خديعة فاجر وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي بدل ولا إيثار عن قبر ابن إبراهيم أبي الأنبياء كتاب علي إلى أبي موسى
قال وذكروا أنه لما بلغ عليها كتاب أبي موسى رق له وأحب أن يضمه إليه فكتب إليه أما بعد فإنك امرؤ صلك الهوى واستدرجك الغرور فاستقل الله يقلك عثرتك فإنه من استقال الله أقاله إن الله يغفر ولا يغير وأحب عباده إليه المتقون والسلام
فلما انتهى كتاب علي إلى أبي موسى هم أن يرجع ثم قال لأصحابه إني امرؤ غلب علي الحياء ولا يستطيع هذا الأمر رجل فيه حياء جوابه
فكتب أبو موسى إلى علي أما بعد فلولا أني خشيت أن يؤول منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك لأنه ليس عذر ينفعني ولا عذر يمنعني منك وأما التزامي مكة فإني امتنسرت إلى أهل الشام وانقطعت من أهل العراق وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم وعظموا من حقي ما صغرتم فأقمت بين أظهرهم إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير ذكر الخوارج على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
قال وذكروا أنه لما كان من الحكمين ما كان لقيت الخوارج بعضها بعضا فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق وإن ضر ومر فإنه إن يضر ويمر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله وخلود الجنة فأخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدعة المضلة والأحكام الجائرة
فقال حرقوص بن زهير إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعوكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها ولا تلونكم عن طلب الحق وإنكار الظلم
فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
يا قوم إن الرأي ما قد رأيتم والحق ما
____________________
(1/113)

ذكرتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لا بد لكم من عماد وسناد ومن راية تحفون حولها وترجعون إليها
ثم اجتمعوا في منزل زفر بن حصين الطائي فقالوا إن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق والجهاد في تقويم السبيل وقد قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد } ص 26 وقال { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } المائدة 47 فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم القرآن وجاروا في الحكم والعمل وأن جهادهم على المؤمنين فرض وأقسم بالذي تعنو له الوجوه وتخشع دونه الأبصار لو لم يكن أحد على تغيير المنكر وقتال القاسطين مساعدا لقاتلتهم وحدي فردا حتى ألقى الله ربي فيرى أني قد غيرت إرادة رضوانه بلساني يا إخواننا اضربوا جباههم ووجوههم بالسيف حتى يطاع الرحمن عز وجل فإن يطع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له الآمرين بأمره وإن قتلتم فأي شيء أعظم من المسير إلى رضوان الله وجنته
وأعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء حكم الضلالة فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد فيه الإجتماع من مكاننا هذا فإنكم قد أصبحتم بنعمة ربكم وأنتم أهل الحق بين الخلق إذ قلتم بالحق وصممتم لقول الصدق فاخرجوا بنا إلى المدائن نسكنها فتأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا
فقال زيد بن حصين الطائي إن المدائن بها قوم يمنعونكم منها ويمنعونها منكم ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة فأعلموهم بخروجكم وسيروا أنتم على المدائن فانزلوا بجسر النهروان قالوا هذا هو الرأي فاجتمعوا على ذلك وكتبوا إلى إخوانهم من أهل البصرة أما بعد فإن أهل دعوتنا حكموا الرجال في أمر الله ورضوا بحكم القاسطين على عباده فخالفناهم ونابذناهم نريد بذلك الوسيلة إلى الله وقد قعدنا بجسر النهروان واجببنا إعلامكم لتأخذوا بنصيبكم من الأجر والسلام الجواب
فكتبوا إليهم أما بعد فقد بلغنا كتابكم وفهمنا ما ذكرتم
وقد وهبنا لكم الرأي الذي جمعكم الله عليه من الطاعة وإخلاص الحكم لله وأعمالكم أنفسكم فيما يجمع
____________________
(1/114)

الله به كلمتكم وقد أجمعنا على المسير إليكم عاجلا
وكان بدء خروجهم أنهم اجتمعوا في منزل حرقوص بن زهير ليلة الخميس فقالوا متى أنتم خارجون قالوا الليلة القابلة من يوم الجمعة فقال لهم حرقوص بل أقيموا ليلة الجمعة تتعبدوا لربكم وأوصوا فيها بوصاياكم ثم اخرجوا ليلة السبت مثنى ووحدانا لا يشعر بكم خطبة علي كرم الله وجهه
قالوا فلما خرج جميع الخوارج وتوافدوا إلى النهروان قام علي بالكوفة على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن معصية العالم الناصح تورث الحسرة وتعقب الندامة وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري فأبيتم إلا ما أردتم فأحييا ما أمات القرآن وأماتا ما أحيا القرآن واتبع كل واحد منهما هواه يحكم بغير حجة ولا سنة ظاهرة واختلفا في أمرهما وحكمهما فكلاهما لم يرشد الله فبرىء الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للمسير ثم أصبحوا في معسكركم يوم الاثنين بالنخيلة وإنما حكمنا من حكمنا ليحكما بالكتاب فقد علمتم أنهما حكما بغير الكتاب وبغير السنة ووالله لأغزونهم ولو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم وأعطى الناس العطاء وهم بالجهاد كتاب علي كرم الله وجهه للخوارج
قالوا فأجمع رأي علي والناس على المسير إلى معاوية بصفين فتجهز معاوية وخرج حتى نزل بصفين وأصبح علي قد تجهز وعسكر فقيل له يا أمير المؤمنين إنه
____________________
(1/115)

قد افترقت منا فرقة فذهبت فكتب إليهم علي أما بعد فإن هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين اللذين ارتضيتم حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدى من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما فبرىء الله منهما ورسوله وصالحوا المؤمنين إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الأمر الذي كنا عليه والسلام
قال فكتبوا إليه أما بعد فإنك لم تغضب لله إنما غضبت لنفسك والله لا يهدي كيد الخائنين
قال فلما رأي علي كتابهم أيس منهم ورأي أن يدعهم ويمضي بالناس إلى معاوية وأهل الشام فيناجزهم فقام علي خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن من ترك الجهاد وداهن في أمر الله كان على شفا هلكة إلا أن يتداركه الله برحمته فاتقوا الله عباد الله وقاتلوا من حاد الله وحاول أن يطفىء نور الله قاتلوا الخاطئين القاتلين لأولياء الله المحرفين لدين الله الذين ليسوا بقراء الكتاب ولا فقهاء في الدين ولا علماء بالتأويل ولا لهذا الأمر بأهل في دين ولا سابقة في الإسلام ووالله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بعمل كسرى وقيصر
فسيروا وتأهبوا للقتال وقد بعثت لإخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم فإذا قدموا واجتمعتم شخصنا إن شاء الله كتاب علي إلى ابن عباس
قالوا وكان علي قد كتب إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة أما بعد فإنا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام فأشخص إلي من قبلك من الناس وأقم حتى آتيك والسلام
____________________
(1/116)

ما قال ابن عباس إلى أهل البصرة
فلما قدم كتاب علي على ابن عباس قرأه على الناس ثم أمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس فشخص معه منهم ألف وخمس مئة رجل فاستقبلهم ابن عباس فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل البصرة قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمس مئة وأنتم في الديوان ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ألا فانفروا ولا يجعل امرؤ على نفسه سبيلا فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته عاصيا لإمامه حزنا يعقب ندما وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلا نفسه ما قال علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة
قال فخشد أبو الأسود الناس بالبصرة فاجتمع عليه ألف وسبع مئة فأقبل هو والأحنف بن قيس حتى وافيا عليا بالنخيلة فلما رأى علي أنه إنما قدم عليه من أهل البصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل جمع إليه رؤساء الناس وأمراء الأجناد ووجوه القبائل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق ومجيبي إلى جهاد المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو إتمام طاعة المقبل وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف ومئتين فأعينوني بمناصحة سمحة خلية من الغش وإني آمركم أن يكتب إلي رئيس كل قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة وأبنائهم الذين أدركوا القتال والعبدان والموالي وارفعوا ذلك إلي ننظر فيه إن شاء الله
فقام سعد بن قيس الهمداني
فقال يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس وأول من أجابك بما سألت وطلبت
ثم قام عدي بن حاتم وحجر بن عدي وأشراف القبائل فقالوا نحن كذلك
____________________
(1/117)

ثم كتبوا ورفعوا إلى علي فكان جميع ما رفعوا إليه أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الأبناء وثمانية آلاف من عبيدهم ومواليهم وكانت العرب يومئذ سبعة وخمسين ألفا من أهل الكوفة ومن مماليكهم ومواليهم ثمانية آلاف ومن أهل البصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل
فقام علي فيهم خطيبا فقال أما بعد فقد بلغني قولكم لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت علينا فبدأنا بهم إلا أن غير هذه الخارجة أهم على أمير المؤمنين سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكا
ويتخذهم المؤمنون أربابا ويتخذون عباد الله خولا ودعوا ذكر الخوارج قال فنادى الناس من كل جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت فنحن حزبك وأنصارك نعادي من عاداك ونشايع من أناب إليك وإلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك كائنا من كان فإنك لن تؤتي من قلة ولا ضعف فإن قلوب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك فابشر يا أمير المؤمنين بالنصر
واشخص إلى أي الفريقين أحببت فأنا شيعتك التي ترجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب من الله تخاف من الله في خذلانك والتخلف عنك شديد الوبال ما قال علي كرم الله وجهه في الخثعمي
فبايعوه على التسليم والرضا وشرط عليهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل من خثعم فقال له الإمام علي بايع على كتاب الله وسنة نبيه قال لا ولكن أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وسنة أبي بكر وعمر
فقال علي وما يدخل سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة نبيه إنما كانا عاملين بالحق حيث عملا فأبى الخثعمي إلا سنة أبي بكر وعمر وأبى على أن يبايعه إلى على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال له حيث ألح عليه تبايع قال لا إلا على ما ذكرت لك فقال له علي أما والله لكأني بك
____________________
(1/118)

قد نفرت في هذه الفتنة وكأني بحوافر خيلي قد شدخت وجهك فلحق بالخوارج فقتل يوم النهروان
قال قبيصة فرأيته يوم النهروان قتيلا قد وطأت الخيل وجهه وشدخت رأسه ومثلت به فذكرت قول علي وقلت لله در أبي الحسن ما حرك شفتيه قط بشيء إلا كان كذلك إجماع على الذهاب إلى صفين
فأجمع علي والناس على المسير إلى صفين وتجهز معاوية حتى نزل صفين فلما خرج علي بالناس عبر الجسر ثم مضى حتى نزل دير أبي موسى على شاطيء الفرات ثم أخذ على الأنبار
وإن الخارجة التي خرجت على علي بينما هم يسيرون فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له فعبروا إليه الفرات فقالوا له من أنت قال أنا رجل مؤمن قالوا فما تقول في علي بن أبي طالب قال أقول إنه أمير المؤمنين وأول المسلمين إيمانا بالله ورسوله قالوا فما اسمك قال أنا عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له أفزعناك قال نعم قالوا لا روع عليك حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله لعل الله أن ينفعنا به قال نعم حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ستكون فتنة بعدي يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسى مؤمنا ويصبح كافرا ) فقالوا لهذا الحديث سألنك والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا
فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل فسقطت رطبة منها فأخذها بعضهم فقذفها في فيه فقال له أحدهم بغير حل أو بغير ثمن أكلتها فألقاها من فيه ثم اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل الذمة فقتله قال له بعض أصحابه إن هذا من الفساد في الأرض فلقى الرجل صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك قال لئن كنتم صادقين فيما أرى ما على منكم بأس ووالله ما أحدثت حدثا في الإسلام وإني لمؤمن وقد أمنتموني وقلتم لا روع عليك جاؤوا به وبامرأته فأضجعوه على شفير النهر على ذلك الخنزير فذبحوه فسال دمه في الماء ثم أقبلوا إلى امرأته فقالت إنما أنا امرأة أما تتقون الله قال فبقروا بطنها وقتلوا ثلاثة نسوة فيهم أم سنان قد صحبت النبي عليه الصلاة والسلام
فبلغ عليا خبرهم فبعث إليهم الحارث بن مرة لينظر فيما بلغه من قتل عبد الله بن خباب والنسوة ويكتب إليه بالأمر فلما انتهى إليهم ليسائلهم خرجوا إليه فقتلوه فقال الناس يا أمير المؤمنين تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا سر بنا إليهم فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام
____________________
(1/119)

مسير علي إلى الخوارج وما قال لهم
قال فسار علي ومن معه حتى نزلوا المدائن ثم خرج حتى أتى النهروان فبعث إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ثم إنا أفارقكم وأكف عنكم حتى ألقى أهل الشام فبعثوا إليه إنا كلنا قتلناهم وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم
ثم أتاهم علي فوقف عليهم فقال أيتها العصابة إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا وأنتم صرعى بإزاء هذا النهر بغير برهان ولا سنة ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم لها مكيدة وأنبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وإني أعرف بهم منكم قد عرفتهم أطفالا وعرفتهم رجالا فهم شر رجال وشر أطفال وهم أهل المكر والغدر وإنكم إن فارقتموني ورأيي جانبتم الخير والحزم فعصيتموني وأكرهتموني حتى حكمت فلما أن فعلت شرطت واستوثقت وأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة وعملا بالهوى فنبذا أمرهم ونحن على أمرنا الأول فما نبؤكم ومن أين أتيتم قالوا له إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك وكنا كافرين وقد تبنا من ذلك فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت كما تبنا وأشهدنا فنحن معك ومنك وإلا فاعتزلنا وإن أبيت منعت منا بذوك على سواء
فقال علي أبعد إيماني بالله وهجرتي وجهادي مع رسول الله أبوء وأشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين
ويحكم بم استحللتم قتالنا والخروج من جماعتنا أأن اختار الناس رجلين فقالوا لهما انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل ويوضع آخر
____________________
(1/120)

مكانه
أحل لكم أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم تضربون بها هامات الناس وتسفكون دماءهم إن هذا لهو الخسران المبين
قال فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم تهيؤوا للقاء الحرب الرواح الرواح إلى الجنة قتل الخوارج
قال فرجع علي فعبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي وعلى الميسرة شبث بن ربعي وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري وعلى الرجالة أبا قتادة وعلى أهل المدينة وهم ثمان مئة رجل من الصحابة قيس بن سعد بن عبادة ووقف علي في القلب في مضر
قال ثم رفع لهم راية أمان من أبي أيوب الأنصاري فناداهم أبو أيوب من جاء منكم إلى هذه الراية فهو آمن ومن دخل المصر فهو آمن ومن انصرف إلى العراق وخرج من هذه الجماعة فهو آمن فإنه لا حاجة لنا في سفك دمائكم
قال وقدم الخيل دون الرجالة وصف الناس صفين وراء الخيل وصف الرماة صفا أمام صف وقال لأصحابه كفوا عنهم حتى يبدؤوكم قال وأقبلت الخوارج حتى إذا دنوا من الناس نادوا لا حكم إلا الله ثم نادوا الرواح الرواح إلى الجنة
قال وشدوا على أصحاب علي شدة رجل واحد والخيل أمام الرجال فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل فخمدوا
قال الثعلبي لقد رأيت الخوارج حين استقبلتهم الرماح والنبل كأنهم معز اتقت المطر بقرونها ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة ونهض علي في القلب بالسيوف والرماح فلا والله ما لبثوا فواقا حتى صرعهم الله كأنما قيل لهم موتوا فماتوا
قال وأخذ علي ما كان في عسكرهم من كل شيء فأما السلاح والدواب فقسمه علي بيننا وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم الكوفة رده على أهلها
قال ولما أراد علي الإنصراف من النهروان قام خطيبا فحمد الله ثم قال أما بعد فإن الله قد أحسن بلاءكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى معاوية وأشياعه القاسطين الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون
فقالوا يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا وكلت أذرعنا وتقطعت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا فارجع بنا نحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة فإن ذلك أقوى لنا على عدونا
____________________
(1/121)


فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة فعسكر بها وأمر الناس أن يلزموا معه عسكرهم ويوطنوا أنفسهم على الجهاد وأن يقلوا من زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام فأقاموا معه أياما
ثم رجعوا يتسللون ويدخلون الكوفة ويتلذذون بنسائهم وأبنائهم ولذاتهم حتى تركوا عليا وما معه إلا نفر من وجوه الناس يسير وترك العسكر خاليا خطبة علي كرم الله وجهه
قال فقام علي على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده فأعدوا له ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وتوكلوا على الله وكفى به وكيلا
ثم تركهم أياما ودعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذي ثبطهم فمنهم المعتل ومنهم المتكره وأقلهم من نشط فقال لهم علي عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا ورضيتم بالذل والهوان من العز خلفا أوكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة وكانت قلوبكم قاسية فأنتم لا تعقلون وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسود رواعة وثعالب رواغة عند الناس تكادون ولا تكيدون وتنقص أطرافكم فلا تحاشون وأنتم في غفلة ساهون إن أخا الحرب اليقظان
أما بعد فإن لي عليكم حقا ولكم علي حق أما حقكم علي فالنصيحة في ذات الله وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لي في الإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره وترجعوا إلى ما أحب تنالوا بذلك ما تحبون وتدركوا ما تأملون
أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم ما عزت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم
كلامكم يوهي الصم وفعلكم يطمع فيكم عدوكم إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت أعاليل
____________________
(1/122)

بأضاليل هيهات لا يدرك الحق إلا بالجد والصبر أي دار بعد داركم تمنعون ومع أي إمام بعدي تقاتلون المغرور والله من غررتموه ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب أصبحت لا أطمع في نصرتكم ولا أصدق قولكم فرق الله بيني وبينكم وأعقبني بكم من هو خير لي وأعقبكم بعدي من هو شر لكم مني أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا
وسيفا قاتلا
وأثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنة
تفرق جماعتكم
وتبكي عيونكم
وتدخل الفقر بيوتكم
تمنون والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني
وستعرفون ما أقول لكم عما قليل
استنفرتكم فلم تنفروا
ونصحت لكم فلم تقبلوا
وأسمعتكم فلم تعوا
فأنتم شهود كأغياب وصم ذوو أسماع أتلو عليكم الحكمة وأعظكم بالموعظة النافعة وأحثكم على جهاد المحلين الظلمة الباغين فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار تربت أيديكم وقد نسيتم الحرب واستعدادها وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل ويحكم اغزوا عدوكم قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا وأيم الله ما أظنكم تفعلون حتى يفعل بكم وأيم الله لوددت أني قد رأيتهم فلقيت الله على نيتي وبصيرتي فاسترحت من مقاساتكم ومداراتكم ويحكم ما أنتم إلا كإبل جامحة ضل عنها رعاؤها فكلما ضمت من جانب انتشرت من جانب والله لكأني أنظر إليكم وقد حمي الوطيس لقد انفرجتم عن علي انفراج الرأس وانفراج المرأة عن قبلها
فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل عثمان قال له علي ويلك وما فعل عثمان رأيتني عائذا بالله من شر ما تقول والله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له ولا حجة معه فكيف وأنا على بينة من ربي والحق معي والله إن امرأ أمكن عدوه عن نفسه فنهش عظمه وسفك دمه لعظيم عجزه ضعيف قلبه
أنت يابن قيس فكن ذلك فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي يطير له فراش الرأس وتطيح منه الأكف والمعاصم وتجد به
____________________
(1/123)

الغلاصم ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء والله يا أهل العراق ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلا ظاهرين عليكم فقالوا أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين فقال نعم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني أرى أمورهم قد علت وأرى أموركم قد خبت وأراهم جادين في باطلهم وأراكم وانين في حقكم وأراهم مجتمعين وأراكم متفرقين وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين وأراكم لي عاصين
أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء كأنهم والله عن قريب شاركوكم في بلادكم وحملوا إلى بلادهم منكم وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب لا تأخذون لله حقا ولا تمنعون له حرمة وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم ويخيفون علماءكم وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم ويدينون الناس دونكم فلو قد رأيتم الحرمان ولقيتم الذل والهوان ووقع السيف ونزل الخوف لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية حين لا ينفعكم التذكار
فقال الناس قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقا أترى معاوية يكون علينا أميرا فقال لا تكرهون إمرة معاوية فإن إمرته سلم وعافية فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل وعدا كان مفعولا فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها ما بعدها أدهى وأمر كلام أبي أيوب الأنصاري
ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلين فوالله لكأنكم صم لا تسمعون وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون
عباد الله أليس إنما عهدكم بالجوار والعدوان أمس وقد شمل العباد وشاع في الإسلام فذو حق محروم ومشتوم عرضه ومضروب ظهره وملطوم وجهه وموطوء بطنه وملقى بالعراء فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق ونشر بالعدل وعمل بالكتاب فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تتولوا مجرمين ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا
____________________
(1/124)

وهم لا يسمعون
اشحذوا السيوف وجددوا آلة الحرب واستعدوا للجهاد
فإذا دعيتم فأجيبوا وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصادقين
قال ثم قام رجال من أصحاب علي فقالوا يا أمير المؤمنين اعط هؤلاء هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي ممن يتخوف الخلافة على الناس وفراقه
وإنما قالوا له هذا الذي كان معاوية يصنعه بمن أتاه وإنما عامة الناس همهم الدنيا ولها يسعون وفيها يكدحون
فأعط هؤلاء الأشراف فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم فقال علي أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من الإسلام فوالله لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم والله لو كان لهم مال لسويت بينهم فكيف وإنما هي أموالكم
فقال رجل يا أمير المؤمنين إن الموت نازل لا بد منه فإن حل فمن صاحبنا فقال علي أحدثك عن خاصة نفسي أما الحسن فصاحب خوان وفتى من الفتيان ولو قد التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور
وأما ابن أخي عبد الله بن جعفر فصاحب لهو
وأما الحسين ومحمد ابناي فأنا منهما وهما مني والله لقد أحببت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بإصلاحهم في أرضهم وفسادكم في أرضكم وأدائهم الأمانة لمعاوية وخيانتكم وبطاعتهم له ومعصيتكم لي واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم وأيم الله لا يدعون بعدي محرما إلا استحلوه ولا يبقى بيت وبر ولا مدر إلا أدخلوه ظلمهم حتى يقوم الباكيان منكم باك لدينه وباك لدنياه وحتى تكون نصرة أحدكم كنصرة العبد لسيده إذا شهد أطاعه وإذا غاب سبه
فقال رجل يا أمير المؤمنين أتظن ذلك كائنا قال ما هو بالظن ولكنه اليقين ما كتب علي لأهل العراق
قال فقام حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وعبد الله بن وهب الراسبي فدخلوا على علي فسألوه عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما وقالوا بين لنا قولك فيهما وفي عثمان
قال علي كرم الله وجهه وقد تفرغتم لهذا وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي فيها قد قتلت إني مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه اقرؤوه على شيعتي فأخرج إليهم كتابا فيه أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم نذيرا للعالمين وأمينا على التنزيل وشهيدا على هذه الأمة وأنتم يا معشر العرب على غير دين وفي شر دار تسفكون دماءكم وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل فمن الله عليكم
____________________
(1/125)

فبعث محمدا إليكم بلسانكم فكنتم أنتم المؤمنين وكان الرسول فيكم ومنكم تعرفون وجهه ونسبه فعلمكم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأمركم بصلة الأرحام وحقن الدماء وإصلاح ذات بينكم وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن توفوا بالعقود وأن تعاطفوا وتباروا وتراحموا ونهاكم عن التظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي وعن شرب الحرام وعن بخس المكيال والميزان وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم عليه وكل شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه فلما استكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدته من الدنيا توفاه الله وهو مشكور سعيه مرضي عمله مغفور له ذنبه شريف عند الله نزوله فيالموته مصيبة خصت الأقربين وعمت المؤمنين فلما مضى تنازع المسلمون الأمر بعده فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني فما راعني إلا إقبال الناس على أبي بكر وإجفالهم عليه فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور علي فلبثت بذلك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام ويدعون
إلى محو دين محمد
وملة إبراهيم عليهما السلام
فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله
أن أرى في الإسلام ثلما وهدما
تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم
التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت معه في تلك الأحداث حتى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا وأن يرغم الكافرون فتولى أبو بكر رضي الله عنه تلك الأمور فيسر وسدد وقارب واقتصد فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وبايعنا وناصحنا فتولى تلك الأمور فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة أيام حياته فلما احتضر قلت في نفسي ليس يصرف هذا الأمر عني
فجعلها عمر شورى وجعلني سادس ستة فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي لأنهم كانوا يسمعونني وأنا أحاج أبا بكر فأقول يا معشر قريش أنا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن ويعرف السنة فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب فبايعوا إجماع رجل واحد حتى صرفوا الأمر عني لعثمان فأخرجوني منها رجاء أن يتداولوها
حين يئسوا أن ينالوها ثم قالوا لي هلم فبايع عثمان
وإلا جاهدناك
فبايعت مستكرها
وصبرت محتسبا وقال قائلهم إنك يا ابن أبي طالب على الأمر لحريص قلت لهم أنتم أحرص أما أنا إذا طلبت ميراث ابن أبي وحقه وأنتم إذا دخلتم بيني وبينه وتضربون وجهي دونه اللهم إني أستعين بك على قريش فإنهم
____________________
(1/126)

قطعوا رحمي وصغروا عظيم منزلتي وفضلي واجتمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا اصبر كمدا وعش متأسفا فنظرت فإذا ليس معي رفاق ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم على الهلاك فأغضيت عيني على القذى وتجرعت رفيق على الشجا
وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم طمعا وآلم للقلب من حز الحديد حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني تبايعونني فأبيت عليكم وأبيتم علي فنازعتموني ودافعتموني ولم أمد يدي تمنعا عنكم ثم ازدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض وأنكم قاتلي وقلتم لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك فبايعنا لا نفترق ولا نختلف فبايعتكم ودعوتم الناس إلى بيعتي فمن بايع طائعا قبلت منه ومن أبى تركته فأول من بايعني طلحة والزبير ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثا إلا يسيرا حتى قيل لي قد خرجنا متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة فقاموا على عمالي بالبصرة وخزائن بيوت أموالي
وعلى أهل مصري وكلهم في طاعتي وعلى شيعتي كلمتهم وأفسدوا علي جماعتهم ثم وثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة صبرا وطائفة عصرا بأسيافهم فضاربهم حتى لقوا الله صابرين محتسبين فوالله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي بذلك قتل الجيش كله مع أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا عليهم بها فقد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين
ثم إني نظرت بعد ذلك في أهل الشام فإذا هم أعراب وأحزاب وأهل طمع جفاة طغام تجمعوا من كل أوب ممن ينبغي أن يؤدب ويولي عليه ويؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا من التابعين بإحسان فسرت إليهم ودعوتهم إلى الجماعة والطاعة فأبوا إلا شقاقا ونفاقا ونهضوا في وجوه المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ينضحونهم بالنبل ويشجونهم بالرماح فهنالك نهضت إليهم فقاتلهم فلما عضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وإنما رفعوها إليكم خديعة ومكيدة فامضوا على قتالهم فاتهمتوني وقلتم اقبل منهم فإنهم إن أجابوا إلى ما في الكتاب والسنة جامعونا على ما نحن عليه من الحق وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم فقبلت منهم وخففت عنهم وكان صلحا بينكم وبينهم على رجلين حكمين يحييان ما أحيا القرآن ويميتان ما أمات القرآن فاختلف رأيهما وتفرق حكمهما ونبذا حكم القرآن
____________________
(1/127)

وخالفا ما في الكتاب واتبعا هواهما بغير هدى من الله فجنبهما الله السداد وأهوى بهما في غمرة الضلال وكانا أهل ذلك فانخذلت عنا فرقة منهم فتركناهم ما تركونا حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين وقتلوا المؤمنين أتيناهم فقلنا لهم ادفعوا إلينا قتلة إخواننا فقالوا كلنا قتلهم وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم وشدت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين
ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فإنه أفزع لقلوبهم وأنهك لمكرهم وأهتك لكيدهم فقلتم كلت أذرعنا وسيوفنا ونفذت نبالنا ونصلت أسنة رماحنا فأذن لنا فلنرجع حتى نستعد بأحسن عدتنا وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا ومن قد فارقنا فإن ذلك قوة منا على عدونا فأقبلتم حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تلزموا معسكركم وتضموا قواصيكم وتتوطنوا على الجهاد ولا تكثروا زيارة أولادكم ونسائكم فإن ذلك يرق قلوبكم ويلويكم وإن أصحاب الحرب لا يتوجدون ولا يتوجعون ولا يسأمون من سهر ليلهم ولا من ظمأ نهارهم ولا من خمص بطونهم حتى يدركوا بثأرهم وينالوا بغيتهم ومطلبهم فنزلت طائفة منكم معي معذرة ودخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من نزل معي صبر فثبت ولا من دخل المصر عاد إلي ولقد نظرت إلى عسكري وما فيه معي منكم إلا خمسون رجلا فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا لله آباؤكم فما تنتظرون أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت وإلى مصركم قد افتتح فما بالكم تؤفكون ألا إن القوم قد اجتمعوا وجدوا وتناصحوا وإنكم تفرقتم واختلفتم وتغاششتم فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا فأيقظوا رحمكم الله نائمكم وتحرزوا لحرب عدوكم إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء ممن أسلم كرها وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حربا أعداء السنة والقرآن وأهل الأحزاب والبدع والأحداث ومن كانت بوائقه تتقي وكان عن الدين منحرفا وأكلة الرشا وعبيد الدنيا لقد نمى إلى أن ابن الباغية لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في يديه من سلطانه فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا وتربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال
____________________
(1/128)

الناس وإن منهم لمن شرب فيكم الحرام وجلد حدا في الإسلام فهؤلاء قادة القوم ومن تركت ذكر مساويه منهم شر وأضر وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب والفخر والتسلط بالجبروت والتطاول بالغضب والفساد في الأرض ولاتبعوا الهوى وحكموا بالرشا وأنتم على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا فيكم الحكماء والعلماء والفقهاء وحملة القرآن والمتهجدون بالأسحار والعباد والزهاد في الدنيا وعمار المساجد وأهل تلاوة القرآن أفلا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأراذل والأشرار منكم اسمعوا قولي إذا قلت وأطيعوا أمري إذا أمرت واعرفوا نصيحتي إذا نصحت واعتقدوا جزمي إذا جزمت والتزموا عزمي إذا عزمت وانهضوا لنهوضي وقارعوا من قارعت ولئن عصيتموني لا ترشدوا ولا تجتمعوا خذوا للحرب أهبتها وأعدوا لها التهيؤ فإنها قد وقدت نارها وعلا سناها وتجرد لكم فيها الظالمون كيما يطفئوا نور الله ويقهروكم
عباد الله ألا أنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء بأولى في الجد في غيهم وضلالهم وباطلهم من أهل النزاهة والحق والإخبات بالجد في حقهم وطاعة ربهم ومناصحة إمامهم إني والله لو لقيتهم وحيدا منفردا وهم في أهل الأرض أن باليت بهم أو استوحشت منهم إني في ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة ويقين وبينة من ربي وإني للقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر راج ولكن أسفا يعتريني وجزعا يريبني من أن يلي هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذون مال الله دولا وعباد الله خولا والصالحين حربا والقاسطين حزبا وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وجمعكم وتحريضكم ولتركتكم فوالله إني لعلى الحق وإني للشهادة لمحب أنا نافر بكم إن شاء الله فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله إن الله مع الصابرين مقتل علي كرم الله وجهه
قال المدائني حج ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين وقد اختلف عامل علي وعامل معاوية فاصطلح الناس على شبيب بن عثمان فلما انقضى الموسم أقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة فقالوا كان هذا البيت معظما في الجاهلية جليل الشأن في الإسلام وقد انتهك هؤلاء حرمته فلو أن قوما شروا أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدوا في الأرض واستحلا حرمة هذا البيت استراحت الأمة واختار الناس لهم إماما
فقال عبد الرحمن بن ملجم المارادي لعنه الله أنا أكفيكم ام رعلي
وقال الحجاج
____________________
(1/129)

بن عبد الله الصريمي وهو البرك أنا أقتل معاوية
فقال أذويه مولى بني العنبر واسمه عمرو بن بكر والله ما عمرو بن العاص بدونهما
فأنا به فتعاقدوا على ذلك ثم اعتمروا عمرة رجب
واتفقوا على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم في علي ومعاوية وعمرو ثم سار كل منهم في طريقه فقدم ابن ملجم الكوفة وكتم أمره وتزوج امرأة يقال لها قطام بنت علقمة وكانت خارجية وكان علي قد قتل أخاها في حرب الخوارج
وتزوجها على أن يقتل عليا
فأقام عندها مدة فقالت له في بعض الأيام وهو محتف لطالما أحببت المكث عند أهلك وأضربت عن الأمر الذي جئت بسببه فقال إن لي وقتا واعدت فيه أصحابي ولن أجاوزه فلما كان اليوم الذي تواعدوا فيه خرج عدو الله فقعد لعلي حين خرج علي لصلاة الصبح صبيحة نهار الجمعة ليلة عشر بقيت من رمضان سنة أربعين فلما خرج للصلاة وثب عليه وقال الحكم لله لا لك يا علي وضربه على قرنه بالسيف فقال علي فزت ورب الكعبة ثم قال لا يفوتنكم الرجل فشد الناس عليه فأخذوه
وكان علي رضي الله عنه شديد الأدمة ثقيل العينين ضخم البطن أصلع ذا عضلات في أذنيه شعر يخرج منهما وكان إلى القصر أقرب
وكان ابن ملجم يعرض سيفه فإذا أخبر أن فيه عيبا أصلحه فلما قتل عليا قال لقد أحددت سيفي بكذا وكذا وسممته بكذا وضربت به عليا لو كانت بأهل المصر لأتت عليهم
وروى عن الحسن أنه قال أتيت أبي فقال لي أرقت الليلة ثم ملكتني عيني فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد فقال ادع عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم وأبدلهم بي شرا لهم منى وخرج إلى الصلاة فاعترضه ابن ملجم وأدخل ابن ملجم على علي بعد ضربه إياه فقال أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فإن أعش فأنا ولي دمي إما عفوت وإما اقتصصت وإن أمت فالحقوه بي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين قالوا وبكت أم كلثوم وقالت لابن ملجم يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين قال ما قتلت أمير المؤمنين ولكني قتلت أباك
قالت والله إني لأرجو ألا يكون عليه بأس وقال ولم تبكين إذا والله لقد أرهفت السيف ونفيت الخوف وجبت الأجل وقطعت
____________________
(1/130)

الأمل وضربت ضربة لو كانت بأهل المشرق لأتت عليهم
ومكث على يوم الجمعة ويوم السبت وتوفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين ومحمد بن الحنيفة وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وصلى عليه الحسن ابنه ودفن في قصر الإمارة بالكوفة وغمى قبره مخافة أن ينبشه الخوارج وقيل إنه نقل بعد صلح معاوية والحسن إلى المدينة وأخذ ابن ملجم فقطعت يداه ورجلاه وأذناه وأنفه وأتوا يقطعون لسانه فصرخ فقيل له قد قطعت منك أعضاء ولم تنطق فلما أتوا يقطعون لسانك صرخت قال إني أذكر الله به فلم يسهل علي قطعه ثم قتلوه بعد هذه المثلة
كانت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وكان عمره ثلاثا وستين سنة
وأما البرك فإنه انطلق ليلة ميعادهم فقعد لمعاوية فلما خرج لصلاة الصبح شد عليه سيفه فأدبر معاوية فضرب رانفة أليته ففلقها ووقع السيف في لحم كثير وأخذ فقال لمعاوية إن لك عندي لخبرا سارا قد قتل الليلة علي وحدثه الحديث وعولج معاوية فبرىء وأمر بقتل البرك وقيل ضرب البرك معاوية وهو ساجد فمذ ذاك جعل الحرس على رؤوس الخلفاء واتخذ معاوية المقصورة
وأما الثالث فقصد عمرو بن العاص ليلة الميعاد فلم يخرج تلك الليلة لعلة وجدها في بطنه وصلى بالناس خارجة بن حذافة العدوي فشد عليه الخارجي وهو يظن أنه ابن العاص فقتله وأخذ فأتى به عمرو بن العاص فلما رآه قال ومن المقتول قالوا خارجة
فقال أردت عمرا وأراد الله خارجة ثم قال لعمروا بن العاص الحديث وما كان من اتفاقه مع صاحبيه فأمر بقتله
فلما قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية وقال له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد نحن المؤمنون وأنت أميرنا
____________________
(1/131)

فبايعوه وهو بإيلياء لخمس ليال خلون من شوال سنة أربعين فصل
روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال ( يا علي أتدري من أشقى الأولين والآخرين قال الله ورسوله أعلم قال أشقى الأولين عاقر الناقة وأشقى الآخرين الذي يطعنك وأشار إلى حيث طعن )
قال وخرج علي في ليلة قتله وهو يقول
( اشدد حيازيمك للموت ** فإن الموت لاقيكا )
( ولا تجزع من الموت ** إذا حل بواديكا )
وقال الشاعر في قتل ابن ملجم عليا
( تضمن للآثام لا در دره ** ولاقى عقابا غير ما متصرم )
( فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ** ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم )
( ثلاثة آلاف وعبد وقينة ** وضرب علي بالحسام المسمم )
قال هبيرة بن شريم سمعت الحسن رضي الله عنه يخطب فذكر أباه وفضله وسابقته ثم قال والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبع مئة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما
وجاء رجل من مراد إلى علي فقال له يا أمير المؤمنين احترس فإن هنا قوما يريدون قتلك فقال إن لكل إنسان ملكين يحفظانه فإذا جاء القدر خلياه
قيل ولما ضرب علي دعا أولاده وقال لهم عليكم بتقوى الله وطاعته وألا تأسوا على ما صرف عنكم منها وانهضوا إلى عبادة ربكم وشمروا عن ساق الجد ولا تثاقلوا إلى الأرض وتقروا بالخسف وتبوؤوا بالذل اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وزهدنا وإياهم في الدنيا واجعل الآخرة خيرا لنا ولهم من الأولى والسلام
____________________
(1/132)

بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية
قال وذكروا أنه لما قتل علي بن أبي طالب ثار الناس إلى الحسن بن علي بالبيعة فلما بايعوه قال لهم تبايعون لي على السمع والطاعة وتحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت فلما سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا أيديهم وقبض هو يده فأتوا الحسين فقالوا له ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام فقال الحسين معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حيا
قال فانصرفوا إلى الحسن فلم يجدوا بدا من بيعته على ما شرط عليهم فلما تمت البيعة له وأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك كاتب معاوية فأتاه فخلا به فاصطلح معه على أن لمعاوية الإمامة ما كان حيا فإذا مات فالأمر للحسن فلما تم صلحهما صعد الحسن إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن الله هدى أولكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وكانت لي في رقابكم بيعة تحاربون من حاربت وتسالمون من سالمت وقد سالمت معاوية وبايعته فبايعوه وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين وأشار إلى معاوية إنكار سليمان بن صرد
قال وذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق وانصرف راجعا إلى الشام أتاه سليمان بن صرد وكان غائبا عن الكوفة وكان سيد أهل العراق ورأسهم
فدخل على الحسن فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال الحسن وعليك السلام اجلس
لله أبوك قال فجلس سليمان فقال أما بعد فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مئة ألف مقاتل من أهل العراق وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد ولا حظا من القضية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق كنت كتبت عليك بذلك كتابا وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق المغرب إن هذا الأمر لك من بعده كان الأمر علينا أيسر ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله
ثم قال وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت إني كنت شرطت لقوم شروطا ووعدتهم عدات ومنيتهم أماني إرادة إطفاء نار الحرب ومداراة لهذه الفتنة إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا فإن كل ما هنالك تحت قدمي هاتين ووالله ما عني بذلك إلا نقض ما بينك وبينه فأعد للحرب خدعة وأذن لي أشخص إلى الكوفة فأخرج عامله منها
____________________
(1/133)

وأظهر فيها خلعه وانبذ إليه على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين
ثم سكت
فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته وكلهم يقول ابعث سليمان بن صرد وابعثنا معه ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله وأظهرنا خلعه
فتكلم الحسن فحمد الله ثم قال أما بعد فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة والإستقامة لنا وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني بأسا وأشد شكيمة ولكان رأيي غير ما رأيتم ولكني أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله وسلموا لأمر الله والزموا بيوتكم وكفوا أيديكم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر إن الله لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وأما قولك يا مذل المؤمنين فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا وسألنا الله العون على أمره وإن صرفه عنا رضينا وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته ما دام معاوية حيا فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرنا وأن لا يكلنا إلى أنفسنا فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون كراهية الحسين رضي الله عنه للبيعة
قال ثم خرج سليمان بن صرد من عنده فدخل على الحسين فعرض عليه ما عرض على الحسن وأخبره بما رد عليه الحسن فقال الحسين ليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته ما دام معاوية حيا فإنها بيعة كنت والله لها كارها فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم ما أشار به المغيرة بن شعبة على معاوية من البيعة ليزيد
قال وذكروا أنه لما استقامت الأمور لمعاوية استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة ثم هم أن يعزله ويولي سعيد بن العاص فلما بلغ ذلك المغيرة قدم الشام على معاوية فقال يا أمير المؤمنين قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والإختلاف وفي عنقك الموت وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه واجعل ذلك يزيد ابنك
قال فدخل معاوية على امرأته فاخته بنت قرطة بن حبيب بن عبد شمس وكان ابنها
____________________
(1/134)

منه عبد الله بن معاوية وقد كان بلغها ما قال المغيرة وما أشار به عليه من البيعة ليزيد وكان يزيد بن الكلبية ميسون ابنة عبد الرحمن بن بحدل الكلبي
فقالت فاختة وكانت معادية الكلبية ما أشار به عليك المغيرة أراد أن يجعل لك عدوا من نفسك يتمنى هلاكك كل يوم فشق ذلك على معاوية ثم بدا له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة بن من شعبة ما حاول معاوية في بيعة يزيد
قال فلما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق وفيهم الأحنف بن قيس دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذني للقيام فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني رأيت وأجمعت على توليته فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء
ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد الله بن عصام الأشعري فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله ويدعوه إلى بيعة يزيد ما تكلم به الضحاك بن قيس
قال فلماجلس معاوية على المنبر وفرغ من بعض موعظته وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام قام الضحاك بن قيس فاستأذن في الكلام فأذن له فحمد الله وأثني عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به إنا قد بلونا الجماعة والألفة والإختلاف والفرقة فوجدناها ألم لشعثنا وأمنة لسبلنا وحاقنة لدمائنا وعائدة علينا في عاجل ما نرجو وآجل ما نؤمل
مع ما ترجو به الجماعة من الألفة ولا خير لنا أن نترك سدى والأيام عوج رواجع والله يقول كل يوم هو في شأن
ولسنا ندري ما يختلف به العصران وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه نسأل الله تعالى بك المتاع وقد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين وحسن مذهبه وقصد سيرته ويمن نقيبته مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين والشبه بأمير المؤمنين في عقله وسياسته وشيمته المرضية ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا والقنوع به في الولاية علينا فليوله أمير المؤمنين أكرمه الله عهده وليجعله لنا ملجأ ومفزع بعده نأوي إليه إن كان كون فإنه ليس أحد أحق بها منه فاعزم على ذلك عزم الله لك في رشدك ووفقك في أمورنا
____________________
(1/135)

ما قال عبد الرحمن ين عثمان
قال ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي فحمد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه قد احدودبت علينا سيساؤه واقطوطبت علينا أدواؤه وأناخت علينا أبناؤه ونحن نشير عليك بالرشاد وندعوك إلى السداد وأنت يا أمير المؤمنين أحسننا نظرا وأثبتنا بصرا ويزيد بن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته وبلونا علانيته ورضينا ولايته وزادنا بذلك انبساطا وبه اغتباطا ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين فاعزم على ذلك ولا تضق به ذرعا فالله تعالى يقيم به الأود ويردع به الألد وتأمن به السبل ويجمع به الشمل ويعظم به الأجر ويحسن به الذخر
ثم جلس ما قال ثور بن معن
قال ثم قام ثور بن معن السلمي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب وظله ذاهب مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل الله بك المتاع ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا وأبذلنا عرفا وقد دعانا إلى الرضا به والقنوع بولايته والحرص عليه والإختيار له ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه وحسن بلائه وجعله لنا بعدك خلفا فإنه أوسعنا كنفا وأقدمنا سلفا وهو رتق لما فتق وزمام لما شعب ونكال لمن فارق ونافق وسلم لمن واظب وحافظ للحق أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة والخيرة فيما أراد والتوطن في البلاد وصلاح أمر جميع العباد ثم جلس ما تكلم به عبد الله بن عصام
قال ثم قام عبد الله بن عصام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية وأهواء منجذمة نخاف هدها وننتظر جدها شديد منحدرها كثير وعرها شامخة مراقيها ثابتة مراتبها صعبة مراكبها فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد لا يخلد في الدنيا أحد ولا يبقي لنا أمد وأنت يا أمير المؤمنين مسؤول عن رعيتك ومأخوذ بولايتك وأنت أنظر
____________________
(1/136)

للجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا وأجمعها رضا فاقطع بيزيد قالة الكلام ونخوة المبطل وشغب المنافق واكبت به الباذخ المعادي فإن ذلك ألم للشمل وأسهل للوعث فاعزم على ذلك ولا تترامى بك الظنون ما تكلم به عبد الله بن مسعدة
ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به
إن الله قد آثرك بخلافته واختصك بكرامته وجعلك عصمة لأوليائه وذا نكاية لأعدائه فأصبحت بأنعمه جذلا ولما حملك محتملا يكشف الله تعالى بك العمى ويهدي بك العدى ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة وأحقهم بالخلافة بعدك قد ساس الأمور وأحكمته الدهور ليس بالصغير الفهيه ولا بالكبير السفيه قد احتجن المكارم وارتجى لحمل العظائم وأشد الناس في العدو نكاية وأحسنهم صنعا في الولاية وأنت أغنى بأمرك وأحفظ لوصيتك وأحرز لنفسك
أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد والنعمة في غير تغيير ما قال الأحنف بن قيس
قال فقال معاوية أوكلكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا فقالوا كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا
قال فأين الأحنف فأجابه قال ألا تتكلم فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف ومعروف زمان مؤتنف ويزيد بن أمير المؤمنين نعم الخلف وقد حلبت الدهر أشطره
يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ثم اعص أمر من يأمرك لا يغررك من يشير عليك ولا ينظر لك وأنت أنظر للجماعة واعلم باستقامة الطاعة مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا ما رد الضحاك بن قيس عليه
قال فغضب الضحاك بن قيس فقام الثانية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
____________________
(1/137)

أصلح الله أمير المؤمنين
ان أهل النفاق من أهل العراق مروءتهم في أنفسهم الشقاق وألفتهم في دينهم الفراق يرون الحق على أهوائهم كأنما ينظرون بأقفائهم اختالوا جهلا جهلا وبطر لا يرقبون من الله راقبة ولا يخافون وبال عاقبة اتخذوا إبليس لهم ربا واتخذهم إبليس حزبا فمن يقاربوه لا يسروه ومن يفارقوه لا يضروه فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم وكلامهم في صدورهم ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة ويحجب غير الذكر العصبة فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم وكاتب نبيكم وصهره يسلم لكم العاجل وتربحوا من الآجل ما أجاب به الأحنف بن قيس
قال ثم قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين إنا قد فررنا عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا وأشدها عقدا وأوفاها عهدا وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة ولم تظهر عليها قعصا ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك فإن تف فأنت أهل الوفاء وإن تغدر تعلم والله إن وراء الحسن خيولا جيادا وأذرعا شدادا وسيوفا حدادا إن تدن له شبرا من غدر تجد وراءه باعا من نصر وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلي عواتقهم والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم وأيم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من علي ما قال عبد الرحمن بن عثمان
قال ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أصلح الله أمير المؤمنين إن رأي الناس مختلف وكثير منهم منحرف لا يدعون أحدا إلى رشاد ولا يجيبون داعيا إلى سداد مجانبون لرأي الخلفاء مخالفون لهم في السنة والقضاء
وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعية فإذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام فإن يزيد أعظمنا حلما وعلما وأوسعنا كنفا وخيرنا سلفا قد أحكمته التجارب وقصدت به سبل المذاهب فلا يصرفنك عن بيعته صارف ولا يقفن بك دونها واقف ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص لسانه ملتو
____________________
(1/138)

وفي صدره داء دوي إن قال فشر قائل وإن سكت فذود غائل قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق فأجل ببيعته عنا الغمة واجمع به شمل الأمة فلا تحد عنه إذ هديت له ولا تنش عنه إذ وقفت له فإن ذلك الرأي لنا ولك والحق علينا وعليك أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه ما قال معاوية بن أبي سفيان
قال فقام معاوية فقال أيها الناس إن لإبليس من الناس إخوانا وخلانا بهم يستعد وإياهم يستعين وعلى ألسنتهم ينطق إن رجوا طمعا أو جفوا وإن استغنى عنهم أرجفوا ثم يلحقون الفتن بالفجور ويشققون لها حطب النفاق عيابون مرتابون إن ولوا عروة أمر حنقوا وإن دعوا إلى غي أسرفوا وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل وتحل بهم قوارع أمر جليل تجتث أصوالهم كاجتثاث أصول الفقع فأولى لأولئك ثم أولى فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقديم شيئا أو نفع النذير
قال فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة ثم قام أبو حنيف فقال يا أمير المؤمنين إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها أنت يا أمير المؤمنين فإن هلكت فيزيد بعدك فمن أبى فهذا وسل سيفه فقال معاوية أنت أخطب القوم وأكرمهم
ثم قام الأحنف بن قيس فقال يا أمير المؤمنين أنت أعلمنا بليله ونهاره وبسره وعلانيته فإن كنت تعلم أنه خير لك فوله واستخلفه وإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة فإنه ليس لك من الآخرة إلى ما طاب واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما وإنما علينا أن نقول { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } البقرة 285 قدوم معاوية المدينة وما خاوض فيه العبادلة
قال قالوا فاستخار الله معاوية وأعرض عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة خمسين فتلقاه الناس فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر فلما جلسوا تكلم معاوية فقال الحمد
____________________
(1/139)

لله الذي أمرنا بحمده ووعدنا عليه ثوابه نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله
أما بعد فإني قد كبر سني ووهن عظمي وقرب أجلي وأوشكت أن أدعى فأجيب وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد ورأيته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش وخيارها وأبناء خيارها ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما علي على حسن رأيي فيهما وشديد محبتي لهما فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم الله ما تكلم به عبد الله بن عباس
قال فتكلم عبد الله بن عباس فقال الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وصلى الله على محمد وآله محمد
أما بعد فإنك قد تكلمت فأنصتنا وقلت فسمعنا وإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لرسالته واختاره لوحيه وشرفه على خلقه فأشرف الناس من تشرف به وأولاهم بالأمر أخصهم به وإتما على الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها فإنه إنما اختار محمدا بعلمه وهو العليم الخبير وأستغفر الله لي ولكم ما تكلم به عبد الله بن جعفر
قال فقام عبد الله بن جعفر فقال الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه نحمده على إلهامنا حمده ونرغب إليه في تأدية حقه وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم
أما بعد فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وإن أخذ فيها بسنة رسول الله فأولوا رسول الله وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فاي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ولأطيع الرحمن وعصى الشيطان وما اختلف في الأمة سفيان فاتق الله يا معاوية فإنك قد صرت راعيا ونحن رعية فانظر لرعيتك فإنك مسؤول عنها غدا وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما فوالله ما أصبت الحق ولا يجوز لك ذلك إلا بهما وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم فقل أو دع وأستغفر لي الله ولكم ما تكلم به عبد الله بن الزبير
قال فتكلم عبد الله بن الزبير فقال الحمد لله الذي عرفنا دينه وأكرمنا برسوله أحمده على ما أبلى وأولى وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
أما بعد فإن هذه الخلافة لقريش خاصة تتناولها بمآثرها السنية وأفعالها
____________________
(1/140)

المرضية مع شرف الآباء وكرم الأبناء فاتق الله يا معاوية وأنصف من نفسك فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله وهذا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول الله وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي خلف حسنا وحسينا وأنت تعلم من هما وما هما فاتق الله يا معاوية وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك ثم سكت ما تكلم به عبد الله بن عمر
فتكلم عبد الله بن عمر فقال الحمد لله الذي أكرمنا بدينه وشرفنا بنبيه صلى الله عليه وسلم أما بعد فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا وإنما هي في قريش خاصة لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم من كان أتقى وأرضى فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إن يزيد من فتيانها وأعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئا ما تكلم به معاوية
فتكلم معاوية فقال قد قلت وقلتم وإنه ذهبت الآباء وبقيت الأبناء فابني أحب إلي من أبنائهم مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة وقد أخرجك الله يا بن الزبير وأنت يابن عمر منها فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله
ثم أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم وأعطياتهم ثم انصرف راجعا إلى الشام وسكت عن البيعة فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين موت الحسن بن علي رضي الله عنهما
قال فلما كانت سنة إحدى وخمسين مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن فكتب إليه معاوية إن استطعت ألا يمضي يوم يمر بي إلا يأتيني فيه خبره فافعل فلم يزل يكتب إليه يحاله حتى توفى
____________________
(1/141)


فكتب إليه بذلك فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه فبلغ ذلك عبد الله بن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلما جلس قال معاوية يابن عباس هلك الحسن بن علي فقال ابن عباس نعم هلك إنا لله وإنا إليه راجعون ترجيعا مكررا وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته
أما والله ما سد جسده حفرتك ولا زاد نقصان أجله في عمرك ولقد مات وهو خير منك ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجبر الله مصيبته وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة
ثم شهق ابن عباس وبكى وبكى من حضر في المجلس وبكى معاوية فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم فقال معاوية بلغني أنه ترك بنين صغارا فقال ابن عباس كلنا كان صغيرا فكبر
قال معاوية كم أتى له من العمر فقال ابن عباس أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده
قال فسكت معاوية يسيرا ثم قال يابن العباس أصبحت سيد قومك من بعده فقال ابن عباس أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا
قال معاوية لله أبوك يابن عباس ما استنبأتك إلا وجدتك معدا بيعة معاوية ليزيد بالشام وأخذه أهل المدينة
قالوا ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله إلا يسيرا حتى بايع ليزيد بالشام وكتب بيعته إلى الآفاق وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد ويأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ثم يبايعوا ليزيد عزل مروان عن المدينة
قال فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك
وأبته قريش
فكتب لمعاوية إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك فارأ رأيك
فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف أن ذلك من قبله
فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله ويخبره أنه قد ولي المدينة سعيد بن العاص فلما بلغ مروان كتاب معاوية أقبل مغاضبا في أهل بيته وناس كثير من قومه حتى نزل بأخواله بني كنانة فشكا إليهم وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية وفي عزله واستخلافه يزيد ابنه عن غير مشورة مبادرة له فقالوا نحن نبلك في يدك وسيفك في قرابك فمن رميته بنا أصبناه ومن ضربته بنا قطعناه الرأي رأيك ونحن طوع يمينك
ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير ممن كان معه من قومه وأهل بيته حتى نزل دمشق فخرج فيهم حتى أتى سدة معاوية وقد أذن للناس
فلما نظر الحاجب إلى كثرة
____________________
(1/142)

من معه من قومه وأهل بيته منعه من الدخول فوثبوا إليه فضربوا وجهه حتى خلى عن الباب ثم دخل مروان ودخلوا معه حتى إذا كان من معاوية بحيث تناله يده خطبة مروان بن الحكم بين يدي معاوية
قال بعد التسليم عليه بالخلافة إن الله عظيم خطره لا يقدر قادر قدره خلق من خلقه عبادا جعلهم لدعائم دينه أوتادا هم رقباؤه على البلاد وخلفاؤه على العباد أسفر بهم الظلم وألف بهم الدين وشدد بهم اليقين ومنح بهم الظفر ووضع بهم من استكبر فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زمامنا وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا وعلى من خالف عنها أعوانا يشد بنا العضد ويقام بنا الأود ونستشار في القضية ونستأمر في أمر الرعية وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة تفتح بأزمة الضلال وتجلس بأهواء الرجال يؤكل جزورها وتمق أحلابها فما لنا لا نستأمر في رضاعها ونحن فطامها وأولات فطامها وأيم الله لولا عهود مؤكدة ومواثيق معقدة لأقمت أود وليها فأقم الأمر يابن أبي سفيان وأهدىء من تأميرك الصبيان واعلم أن لك في قومك نظرا وأن لهم على مناوأتك وزرا
فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا ثم كظم غيظة بحلمه وأخذ بيد مروان ثم قال إن الله قد جعل لكل شيء أصلا وجعل لكل خير أهلا ثم جعلك في الكرم مني محتدا والعزيز مني والدا اخترت من قروم قادة ثم استللت سيد سادة فأنت ابن ينابيع الكرم فمرحبا بك وأهلا من ابن عم ذكرت خلفا مفقودين شهداء صديقين كانوا كما نعت وكنت لهم كما ذكرت وقد أصبحنا في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة وبك والله يا ابن العم نرجو استقامة أودها وذلولة صعوبتها وسفور ظلمتها حتى يتطأطأ جسيمها ويركب بك عظيمها فأنت نظير أمير المؤمنين بعده وفي كل شدة عضده وإليك عهد عهده فقد وليتك قومك وأعظمنا في الخراج سهمك وأنا مجيز وفدك ومحسن رفدك وعلى أمير المؤمنين غناك والنزول عند رضاك
فكان أول ما رزق ألف دينار في كل هلال وفرض له في أهل بيته مئة مئة
____________________
(1/143)

كراهية أهل المدينة البيعة وردهم لها
قال وذكروا أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة ويكتب إليه بمن سارع ممن لم يسارع
فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب دعا الناس إلى البيعة ليزيد وأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة وسطا بكل من أبطأ عن ذلك فأبطأ الناس عنها إلا اليسير لا سيما بني هاشم فإنه لم يجبه منهم أحد وكان ابن الزبير من أشد الناس إنكارا لذلك وردا له
فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية أما بعد فإنك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين وأن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ وإني أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء لا سيما أهل البيت من بني هاشم فإنه لم يجبني منهم أحد وبلغني عنهم ما أكره وأما الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك والسلام
فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس وإلى عبد الله بن الزبير وإلى عبد الله بن جعفر وإلى الحسين بن علي رضي الله عنهم كتبا وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها كتاب معاوية إلى سعيد بن العاص
كتب إلى سعيد بن العاص أما بعد فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة
ولا سيما بني هاشم وما ذكر ابن الزبير وقد كتبت إلى رؤسائهم كتبا فسلمها إليهم وتنجز جواباتها وابعث بها إلي حتى أرى في ذلك رأيي ولتشتد عزيمتك ولتصلب شكيمتك وتحسن نيتك
وعليك بالرفق وإياك والخرق فإن الرفق رشد والخرق نكد وانظر حسينا خاصة فلا يناله منك مكروه فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة وهو ليث عرين ولست آمنك إن شاورته أن لا تقوى عليه
فأما من يرد مع السباع إذا وردت ويكنس إذا كنست فذلك عبد الله بن الزبير فاحذره أشد الحذر ولا قوة إلا بالله وأنا قادم عليك إن شاء الله والسلام ما كتب به إلى ابن عباس
وكتب إلى ابن عباس أما بعد فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد بن أمير
____________________
(1/144)

المؤمنين وإني لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إلي لأنك ممن ألب عليه وأجلب وما معك من أمان فتطمئن به ولا عهد فتسكن إليه فإذا أتاك كتابي هذا فاخرج إلى المسجد والعن قتلة عثمان وبايع عاملي فقد أعذر من أنذر وأنت بنفسك أبصر والسلام ما كتب به إلى عبد الله بن جعفر
وكتب إلى عبد الله بن جعفر أما بعد فقد عرفت أثرتي إياك على من سواك وحسن رأيي فيك وفي أهل بيتك وقد أتاني عنك ما أكره فإن بايعت تشكر وإن تأب تجبر والسلام ما كتب به إلى الحسين
وكتب إلى الحسين أما بعد فقد انتهت إلي منك أمور لم أكن أظنك بها رغبة عنها وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها فلا تنازع إلى قطيعتك واتق الله ولا تردن هذه الأمة في فتنة وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ما كتبه إلى ابن الزبير
وكتب إلى عبد الله بن الزبير
( رأيت كرام الناس إن كف عنهم ** بحلم رأوا فضلا لمن قد تحلما )
( ولا سيما إن كان عفوا بقدرة ** فذلك أحرى أن يجل ويعظما )
( ولست بذي لوم فتعذر بالذي ** أتاه من الأخلاق من كان ألوما )
( ولكن غشا لست تعرف غيره ** وقد غش قبل اليوم إبليس آدما )
( فما غش إلا نفسه في فعاله ** فأصبح ملعونا وقد كان مكرما )
( وإني لأخشى أن أنالك بالذي ** أردت فيجزى الله من كان أظلما ) ما أجابه القوم به رضي الله عنهم
فكان أول ما أجابه عبد الله بن عباس فكتب إليه أما بعد فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت وأن ليس معي منك أمان وإنه والله ما منك يطلب الأمان يا معاوية وإنما يطلب الأمان من الله رب العالمين
وأما قولك في قتلي فوالله لو فعلت للقيت الله ومحمد صلى الله عليه وسلم خصمك فما أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه
وأما ما ذكرت من أني ممن ألب في عثمان وأجلب فذلك أمر غبت عنه ولو حضرته ما نسبت إلي شيئا من التأليب عليه وأيم الله ما أر أي أحدا غضب لعثمان غضبي ولا أعظم أحد قتله إعظامي ولو شهدته لنصرته
____________________
(1/145)

أو أموت دونه ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان ليت الذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه ولا أبقى بعده وأما قولك لي ألعن قتلة عثمان فلعثمان ولد وخاصة وقرابه هم أحق بلعنهم مني فإن شاؤوا أن يلعنوا فليلعنوا وإن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا والسلام
وكتب إليه عبد الله بن جعفر أما بعد فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أثرتك إياي على من سواي فإن تفعل فبحظك أصبت وإن تأب فبنفسك قصرت
وأما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد أجبرناك وأباك على الإسلام حتى أدخلنا كما كارهين غير طائعين والسلام
وكتب إليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما
( ألا سمع الله الذي أنا عبده ** فأخزى إله الناس من كان أظلما )
( وأجرا على الله العظيم بحلمه ** وأسرعهم في الموبقات تقحما )
( أغرك أن قالوا حليم بغرة ** وليس بذي حلم ولكن تحلما )
( ولو رمت ما إن قد زعمت وجدتني ** هزبر عرين يترك القرن أكتما )
( وأقسم لولا بيعة لك لم أكن ** لأنقضها لم تنج مني مسلما )
وكتب إليه الحسين رضي الله عنه أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه انه انتهت إليك عني أمور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها وإن الحسنات لا يهدى لها ولا يسدد إليها إلا الله تعالى وأما ما ذكرت أنه رقي إليك عني فإنما رقاه الملاقون المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الجمع وكذب الغاوون المارقون ما أردت حربا ولا خلافا وإني لأخشى لله في ترك ذلك ومنك ومن حزبك القاسطين المحلين حزب الظالم وأعوان الشيطان الرجيم
ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يسفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جراءة على الله واستخفافا بعهده أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من شغف الجبال أو لست المدعي زيادا في الإسلام فزعمت أنه ابن أبي سفيان وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم سلطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم
____________________
(1/146)

من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل سبحان الله يا معاوية لكأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك
أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب اليك فيه زيادة أنه على دين علي كرم الله وجهه ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنا منة عليكم وقلت فيما قلت لا ترد هذه الأمة في فتنة وإني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها وقلت فيما قلت انظر لنفسك ولدينك ولأمه محمد وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك فإن أفعل فإنه قربة إلى ربي وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى وقلت فيما قلت متى تكدني أكدك فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديما يكاد الصالحون وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك ولا تمحق إلا عملك فكدني ما بدا لك واتق الله يا معاوية واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
واعلم أن الله ليس بناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة وإمارتك صبيا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية والسلام قدوم معاوية المدينة على هؤلاء القوم وما كان بينهم من المنازعة
قال وذكروا أنه لما جاوب القوم معاوية بما جاوبوه من الخلاف لأمره والكراهية لبيعته ليزيد كتب إلى سعيد بن العاص يأمره أن يأخذ أهل المدينة بالبيعة ليزيد أخذا بغلظة وشدة ولا يدع أحدا من المهاجرين والأنصار وأبنائهم حتى يبايعوا وأمره أن لا يحرك هؤلاء النفر ولا يهيجهم
فلما قدم عليه كتاب معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الأخذ وأغلظه فلم يبايعه أحد منهم
فكتب إلى معاوية إنه لم يبايعني أحد وإنما الناس تبع لهؤلاء النفر فلو بايعوك بايعك الناس جميعا ولم يتخلف عنك أحد
فكتب إليه معاوية يأمره أن لا يحركهم إلى أن يقدم فقدم معاوية المدينة حاجا فلما أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه ما بين راكب وماش وخرج النساء والصبيان فلقيه الناس على حال طاقتهم وما تسارعوا به في الفوت والقرب فلان لمن كافحه وفاوض العامة بمحادثته وتألفهم جهده مقاربة ومصانعة ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس حتى قال في بعض ما يجتلبهم به يا أهل المدينة مازلت أطوي الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم حتى انطوى البعيد ولأن الخشن وحق لجار رسول الله أن يتاق إليه
____________________
(1/147)


فرد عليه القوم بنفسك ودارك ومهاجرك أما إن لك منهم كإشفاق الحميم البر والحفي المتعاهد
قال حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فقال معاوية مرحبا بابن بنت رسول الله وابن صنو أبيه ثم انحرف إلى الناس فقال هذان شيخا بني عبد مناف وأقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحب وقرب وجعل يواجه هذا مرة ويضاحك هذا أخرى حتى ورد المدينة فلما خالطها لقيته المشاة والنساء الصبيان يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل فانصرفا عنه فمال الحسين إلى منزله ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد فدخله
وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى أتى عائشة أم المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده ولم يدخل عليها معه أحد وعندها مولاها ذكوان
فقالت عائشة يا معاوية أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر فقال معاوية ما كنت لتفعلي ذلك قالت لم قال لأني في بيت آمن بيت رسول الله
ثم إن عائشة حمدت الله و أثنت عليه وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أبا بكر وعمر وحضته على الاقتداء بهما والإتباع لأثرهما ثم صمتت
قال فلم يخطب معاوية وخاف أن لا يبلغ ما بلغت فارتجل الحديث ارتجالا ثم قال أنت والله يا أم المؤمنين العالمة بالله وبرسوله دللتنا على الحق وحضضتنا على حظ أنفسنا وأنت أهل لأن يطاع أمرك ويسمع قولك وإن أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم أفترين أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره فقالت أما ما ذكرت من عهود ومواثيق فاتق الله في هؤلاء الرهط ولا تعجل فيهم فلعلهم لا يصنعون إلا ما أحببت ثم قام معاوية فلما قام قالت عائشة يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين
فقال معاوية دعي هذا كيف أنا في الذي بيني وبينك في حوائجك قالت صالح قال فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا ثم خرج ومعه ذكوان فاتكأ على يد ذكوان وهو يمشي ويقول تالله إن رأيت كاليوم قط خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى حتى أتى منزله
فأرسل إلى الحسين بن علي فخلا به فقال له يابن أخي قد استوثق الناس لهذا الأمر عير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يابن أخي
____________________
(1/148)

فما أر بك إلى الخلاف قال الحسين أرسل إليهم فإن بايعوك كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر
قال وتفعل قال نعم قال فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحد فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق فقال يقول لك أخوك ابن الزبير ما كان فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا
قال ثم أرسل معاوية بعده إلى ابن الزبير فخلا به
فقال له قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يابن أخي فما أربك إلى الخلاف قال فأرسل إليهم فإن بايعوك كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علي بأمر
قال وتفعل قال نعم
فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا
قال فأرسل بعده إلى ابن عمر فأتاه وخلا به فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه وقال إني كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم فما أر بك إلى الخلاف قال ابن عمر هل لك في أمر تحقن به الدماء وتدرك به حاجتك فقال معاوية وددت ذلك فقال ابن عمر تبرز سريرك ثم أجيء فأبايعك على أني بعدك أدخل فيما اجتمعت عليه الأمة فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة قال وتفعل قال نعم
ثم خرج وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فخلا به
قال بأي يد أو رجل تقدم على معصيتي فقال عبد الرحمن أرجو أن يكون ذلك خيرا لي فقال معاوية والله لقد هممت أن أقتلك فقال لو فعلت لأتبعك الله في الدنيا ولأدخلك به في الآخرة النار قال ثم خرج عبد الرحمن بن أبي بكر وبقي معاوية يومه ذلك يعطي الخواص ويعصي مذمة الناس
فلما كان صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش فوضع له وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله ثم خرج وعليه حلة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلى وتعطر فقعد على سريره وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب ثم أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عباس فسبق ابن عباس فلما دخل وسلم أقعده في الفراش عن يساره فحادثه مليا ثم قال يابن عباس لقد وفر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه الصلاة والسلام
فقال ابن عباس نعم أصلح الله أمير المؤمنين وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكل أوفر فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة ويعدل إلى ذكر الأعمار على اختلاف الغرائز والطبائع حتى أقبل الحسين بن علي فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه فدخل الحسين وسلم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم
____________________
(1/149)

فاخبره ثم سكت
قال ثم ابتدأ معاوية فقال أما بعد فالحمد لله ولي النعم ومنزل النقم وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عما يقول الملحدون علوا كبيرا وأن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
فأدى عن الله وصدع بأمره وصبر على الأذى في جنبه حتى وضح دين الله وعز أولياؤه وقمع المشركون وظهر أمر الله وهم كارهون فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له واختار منها الترك لما سخر له زهادة واختيارا لله وأنفة واقتدارا على الصبر بغيا لما يدوم ويبقى فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكور وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا وأما أعلم منه فوق ما تعلمان وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية من سد الخلل ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين وأحمد الفعل هذا معناي في يزيد وفيكما فضل القرابة وحظوة العلم وكمال المروءة وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما مع علمه بالسنة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب
وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة فقادهم الرجل بأمره وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيئهم وقال فلم يقل معه وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فمهلا بني عبد المطلب فأنا وأنتم شعبا نفع وجد وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما فما يقول القائل إلا بفضل قولكما فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما وأستغفر الله لي ولكما
قال فتيسر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة فأشار إليه الحسين وقال على رسلك فأنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر فأمسك ابن عباس فقام الحسين فحمد الله وصلى على الرسول ثم قال أما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفه الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءا وقد فهمت ما لبست به الخلف بد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت وهيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى وبهرت الشمس أنوار السرج ولقد فضلت حتى أفرطت واستأثرت حتى أجحفت ومنعت حتى محلت وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد تريد أن توهم الناس في يزيد كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص وقد دل ذلك من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب
____________________
(1/150)

المهارشة عند التهارش والحمام السبق لأترابهن والقيان ذوات المعارف وضرب الملاهي تجده باصرا ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه فوالله ما برحت تقدح باطلا في جور وحقنا في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ومنعتنا عن آبائنا تراثا ولقد لعمر الله أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها أما حججتم به القائم عند موت الرسول فأذعن للحجة بذلك ورده الإيمان إلى النصف فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأميره له وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له وماصار لعمر الله يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته وكرهوا تقديمه وعدوا عليه أفعاله
فقال صلى الله عليه وسلم ( لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري )
فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام وأولاها بالمجمع عليه من الصواب أم كيف صاحبت بصاحب تابعا وحولك من لا يؤمن في صحبته ولا يعتمد في دينه وقرابته وتتخطاهم إلى مسرف مفتون تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك
إن هذا لهو الخسران المبين
وأستغفر الله لي ولكم
قال فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال ما هذا يابن عباس ولما عندك أدهى وأمر
فقال ابن عباس لعمر الله إنها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء وفي البيت المطهر قاله عما تريد فإن لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين
فقال معاوية أعود الحلم التحلم قال وخيره التحلم عن الأهل
انصرفا في حفظ الله ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه معاوية ثم قال يا عبد الله بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما فيها وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملأهم وأن تسفك دماءهم وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم وقد وكد
____________________
(1/151)

الناس بيعتهم في أعناقهم وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم ثم سكت
فتكلم عبد الله بن عمر فحمد الله وأثنى عليه
ثم قال أما بعد يا معاوية لقد كانت قبلك خلفاء وكان لهم بنون ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك
فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأقرق ملأهم
وأسفك دماءهم ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء الله ولكن ان استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد
فقال معاوية يرحمك الله ليس عندك خلاف
ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر
فقال له عبد الرحمن إنك والله لوددت أنا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد والذي نفسي بيده لنجعلنها شورى أو لأعيدنها جذعة ثم قام ليخرج فتعلق معاوية بطرف ردائه
ثم قال على رسلك اللهم اكفنيه بما شئت ثم قال له لا تظهرن لأهل الشام فإني أخشى عليك منهم
ثم قال لابن الزبير نحو ما قاله لابن عمر
ثم قال له أنت ثعلب رواغ كلما خرجت من حجر انجحرت في آخر أنت ألبت هذين الرجلين وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه
فقال ابن الزبير أتريد أن تبايع ليزيد أرأيت إن بايعناه أيكما نطيع أنطيعك أم نطيعه إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها وبايع ليزيد فنحن نبايعه فكثر كلامه وكلام ابن الزبير حتى قال له معاوية في بعض كلامه والله ما أراك إلا قاتلا نفسك ولكأني بك قد تخبطت في الحبالة
ثم أمرهم بالإنصراف واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج
ثم خرج فأمر المنادى أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع الناس في المسجد وقعد هؤلاء حول المنبر فحمد الله وأثنى عليه
ثم ذكر يزيد وفضله وقراءته القرآن ثم قال يا أهل المدينة لقد هممت ببيعة يزيد وما تركت قرية ولا مدرة إلا بعثت إليها في بيعته فبايع الناس جميعا وسلموا وأخرت المدينة بيعته وقلت بيضته وأصله ومن لا أخافهم عليه وكان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يصله ووالله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له
فقام الحسين فقال والله لقد تركت من هو خير منه أبا وأما ونفسا فقال معاوية كأنك تريد نفسك فقال الحسين نعم أصلحك الله فقال معاوية إذا أخبرك أما قولك خير منه أما فلعمري أمك خير من أمه ولو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهن فكيف وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فاطمة في دينها وسابقتها فأمك لعمر الله خير من أمه وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله فقضى لأبيه على أبيك
____________________
(1/152)

فقال الحسين حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل
فقال معاوية وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا فيزيد والله خير لأمة محمد منك
فقال الحسين هذا هو الإفك والزور يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خير مني فقال معاوية مهلا عن شتم ابن عمك فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك
ثم التفت معاوية إلى الناس وقال أيها الناس قد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يستخلف أحدا فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر فعمل عمر بكتاب الله وسنة نبيه فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الإختلاف ونظرا لهم بعين الإنصاف ما قال عبد الله بن الزبير لمعاوية
قال وذكروا أن عبد الله بن الزبير قام إلى معاوية فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض فترك الناس إلى كتاب الله فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر ثم رأى أبو بكر أن يستخلف عمر وهو أقصى قريش منه نسبا ورأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين وفي المسلمين ابنه عبد الله وهو خير من ابنك فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول الله فيختارون لأنفسهم وإن شئت أن تستخلف من قريش كما استخلف أبو بكر خير من يعلم وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر تختار رهطا من المسلمين وتزويها عن ابنك فافعل
فنزل معاوية عن المنبر وانصرف ذاهبا إلى منزله وأمر من حرسه وشرطته قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذي أبو البيعة وهم الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس عبد الرحمن بن أبي بكر وأوصاهم معاوية فقال إني خارج العشية إلى أهل الشام فأخبرهم أن هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه فحذر القوم ذلك فلما كان العشي خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وهو يضاحكهم ويحدثهم وقد ألبسهم الحلل فألبس ابن عمر حلة حمراء وألبس الحسين حلة صفراء وألبس عبد الله بن عباس حلة خضراء وألبس ابن الزبير حلة يمانية ثم خرج بينهم وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم أي القوم وأنهم بايعوا فقال يا أهل الشام إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين مطيعين وقد بايعوا وسلموا قال
____________________
(1/153)

ذلك والقوم سكوت ولم يتكلموا شيئا حذر القتل فوثب أناس من أهل الشام فقالوا يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب فخل بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم
فقال معاوية سبحان الله ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام
لا أسمع لهم ذاكرا بسوء فإنهم قد بايعوا وسلموا وارتضوني فرضيت عنهم رضي الله عنهم
ثم ارتحل معاوية راجعا إلى مكة وقد أعطى الناس أعطياتهم وأجزل العطاء وأخرج إلى كل قبيلة جوائزها وأعطياتها ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء
فخرج عبد الله بن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء فجلس ببابه فجعل معاوية يقول من بالباب فيقال عبد الله بن عباس فلم يأذن لأحد
فلما استيقظ قال من بالباب فقيل عبد الله بن عباس فدعا بدابته فأدخلت إليه ثم خرج راكبا فوثب إليه عبد الله بن عباس فأخذ بلجام البغلة ثم قال أين تذهب قال إلى مكة قال فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا فأومأ إليه معاوية فقال والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم قال ابن عباس فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد و أبى عبد الله بن عمر فأخرجت جائزة بني عدي فمالنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا فقال معاوية لستم كغيركم لا والله لا أعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم
فقال ابن عباس أما والله لئن لم تفعل لألحقن بساحل من سواحل جوائزكم فبعث بها من الروحاء ومضى راجعا إلى الشام فلم يلبث إلا قليلا حتى توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومه نامها رحمه الله ما قال سعيد بن عثمان بن عفان لمعاوية
قال فلما قدم معاوية الشام أتاه سعيد بن عثمان بن عفان وكان شيطان قريش ولسانها
قال يا أمير المؤمنين علام تبايع ليزيد وتتركني فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وأنا خير منه وأنك إنما نلت ما أنت فيه بأبي فضحك معاوية وقال يا بن أخي أما قولك إن أباك خير من أبيه فيوم من عثمان خير من معاوية وأما قولك إن أمك خير من أمه ففضل قرشية على كلبية فضل بين
وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنما هو الملك يؤتيه الله من يشاء قتل أبوك رحمه الله فتواكلته بنو العاصي وقامت فيه بنو حرب فنحن أعظم بذلك منه عليك وأما أن تكون خيرا من يزيد فوالله ما أحب أن داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد ولكن دعني من هذا القول وسلني أعطك
فقال سعيد بن عثمان يا أمير المؤمنين لا يعدم يزيد مركبا ما دمت له وما كنت
____________________
(1/154)

لأرضى ببعض حقي دون بعض فإذا أبيت فأعطني مما أعطاك الله
فقال معاوية لك خراسان قال سعيد وما خراسان قال إنها لك طعمة وصلة رحم فخرج راضيا وهو يقول
( ذكرت أمير المؤمنين وفضله ** فقلت أجزأه الله خيرا بما وصل )
( وقد سبقت مني إليه بوادر ** من القول فيه آفة العقل والزلل )
( فعاد أمير المؤمنين بفضله ** وقد كان فيه قبل عودته ميل )
( وقال خراسان لك اليوم طعمة ** فجوزي أمير المؤمنين بما فعل )
( فلو كان عثمان الغداة مكانه ** لما نالني من ملكه فوق ما بذل )
فلما انتهى قوله إلى معاوية أمر يزيد أن يزوده وأمر إليه بخلعة وشيعه فرسخا قدوم أبي الطفيل على معاوية
قال وذكروا أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية ان يلقاه من أبي الطفيل الكناني وهو عامر بن واثلة وكان فارس أهل صفين وشاعرهم وكان من أخص الناس بعلي كرم الله وجهه فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه فأرسل إليه فأتاه وهو شيخ كبير فلما دخل عليه قال له معاوية أنت أبو الطفيل عامر بن واثلة قال نعم
قال معاوية أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين قال لا ولكن ممن شهده فلم ينصره قال ولم قال لم ينصره المهاجرون والأنصار فقال معاوية أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا وفرضا لازما فإذ ضيعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله وأصاركم إلى ما رأيتم فقال أبو الطفيل فما منعك يا أمير المؤمنين إذ تربصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام قال معاوية أو ما ترى طلبي لدمه فضحك أبو الطفيل وقال بلى ولكني وإياك كما قال عبيد بن الأبرص
( لا أعرفك بعد الموت تندبني ** وفي حياتي ما زودتني زادي )
فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر إليهم معاوية ثم قال أتعرفون هذا الشيخ قالوا لا فقال معاوية هذا خليل علي بن أبي طالب وفارس صفين وشاعر أهل العراق هذا أبو الطفيل قال
____________________
(1/155)


قال سعيد بن العاص قد عرفناه يا أمير المؤمنين فما يمنعك منه وشتمه القوم فزجرهم معاوية وقال مهلا فرب يوم ارتفع عن الأسباب وقد ضقتم به ذرعا ثم قال أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل قال ما أنسكرهم من سوء ولا أعرفهم بخير وأنشد
( فإن تكن العداوة قد أكنت ** فثر عداوة المرء السباب )
فقال معاوية يا أبا الطفيل ما أبق لك الدهر من حب علي قال حب أم موسى وأشكو إلى الله التقصير فضحك معاوية قال ولكن والله هؤلاء الذي حولك لو سئلوا عني ما قالوا هذا
فقال مروان أجل والله لا نقول الباطل
قال ثم جهزه معاوية وألحقه بالكوفة ما حاول معاوية من تزويج يزيد
قال وذكروا أن يزيد بن معاوية سهر ليلة من الليالي وعنده وصيف لمعاوية يقال له رفيق فقال يزيد أستديم الله بقاء أمير المؤمنين وعافيته إياه وأرغب إليه في تولية أمره وكفاية همه فقد كنت أعرف من جميل رأي أمير المؤمنين في وحسن نظره في جميع الأشياء ما يؤكد الثقة في ذلك والتوكل عليه منعني من البوح بما جمجمت في صدري له وتطلابه إليه فأضاع من أمري وترك من النظر في شأني وقد كان في حلمه وعلمه ورضائه ومعرفته بما يحق لمثله النظر فيه غير غافل عنه ولا تارك له مع ما يعلم من هيبتي له وخشيتي منه فلله يجزيه عني بإحسانه ويغفر له ما اجترح من عهده ونسيانه فقال الوصيف وما ذلك جعلت فداك لا تلم على تضييمه إياك فإنك تعرف تفضيله لك وحرصه عليك وما يخامره من حبك وأن ليس شيء أحب إليه ولا آثر عنده منك لديه فاذكر بلاءه واشكر حباءه فإنك لا تبلغ من شكره إلا بعون من الله
قال فأطرق يزيد إطراقا عرف الوصيف منه ندامته على ما بدا منه وباح به فلما آب من عنده توجه نحو سدة معاوية ليلا وكان غير محجوب عنه ولا محبوس دونه فعلم معاوية أنه ما جاء به إلا خبر أراد إعلامه به
فقال له معاوية ما وراءك وما جاء بك فقال أصلح الله أمير المؤمنين كنت عند يزيد ابنك فقال فيما استجر من الكلام كذا وكذا فوثب معاوية وقال ويحك ما أضعنا منه رحمة له وكراهية لما شجاه وخالف هواه وكان معاوية لا يعدل بما يرضيه شيئا
فقال علي به وكان معاوية إذا أتت الأمور المشكلة المعضلة بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شبهاتها واستسهال معضلاتها فلما جاءه الرسول قال أجب أمير المؤمنين فحسب يزيد أنما دعاه إلى تلك الأمور التي يفزع إليه منها ويستعين برأيه عليها فأقبل حتى دخل عليه فسلم ثم جلس
فقال معاوية يا يزيد ما الذي أضعنا من أمرك وتركنا من الحيطة عليك وحسن
____________________
(1/156)

النظر لك حيث قلت ما قلت وقد تعرف رحمتي بك ونظري في الأشياء التي تصلحك قبل أن تخطر على وهمك فكنت أظنك على تلك النعماء شاكرا فأصبحت بها كافرا إذا فرط من قولك ما ألزمتني فيه إضاعتي إياك وأوجبت علي منه التقصير لم يزجرك عن ذلك تخوف سخطي ولم يحجوك دون ذكره سالف نعمتي ولم يردعك عنه حق أبوتي فأي ولد أعق منك وأكيد وقد علمت أني تخطأت الناس كلهم في تقديمك ونزلتهم لتوليتي إياك ونصبتك إماما على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم من عرفت وحاولت منهم ما علمت قال فتكلم يزيد وقد خنقه من شدة الحياء الشرق وأخضله من أليم الوجد العرق
قال لا تلزمني كفر نعمتك ولا تنزل بي عقابك وقد عرفت نعمة مواصلتك ببرك وخطوي إلى كل ما يسرك في سري وجهري فليسكن سنحطك فإن الذي أرثى له من أعباء حمله وثقله أكثر مما أرثي لنفسي من اليم ما بها وشدته وسوف أنبئك وأعلمك أمري
كنت قد عرفت من أمير المؤمنين استكمل الله بقاءه نظرا في خيار الأمور لي وحرصا على سياقها إلى وأفضل ما سعيت استعد له بعد إسلامي المرأة الصالحة وقد كان ما تحدث به من فضل جمال أرينب بنت إسحاق وكمال أدبها ما قد سطع وشاع في الناس فوقع مني بموقع الهوى فيها والرغبة في نكاحها فرجوت ألا تدع حسن النظر لي في أمرها فتركت ذلك حتى استنكحها بعلها فلم يزل ما وقع في خلدي ينمو ويعظم في صدري حتى عيل صبري فبحت بسري فكان مما ذكرت تقصيرك في أمري فالله يجزيك أفضل من سؤالي وذكري
فقال له معاوية مهلا يا يزيد فقال علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل فقال له معاوية فأين حجاك ومروءتك وتقاك فقال يزيد قد يغلب الهوى على الصبر والحجا ولو كان أحد ينتفع فيما يبتلى به من الهوى يتقاه أو يدفع ما أقصده بحجاه لكان أولى الناس بالصبر داود عليه السلام وقد خبرك القرآن بأمره
فقال معاوية فما منعك قبل الفوت من ذكره قال ما كنت أعرفه وأثق به من جميل نظرك قال صدقت ولكن اكتم يا بني أمرك بحلمك
واستعن بالله على غلبة هواك بصبرك فإن البوح به غير نافعك والله بالغ أمره ولا بد مما هو كائن
وكانت أرينب بنت إسحاق مثلا في أهل زمانها في جمالها وتمام كمالها وشرفها وكثرة مالها فتزوجها رجل من بني عمها يقال له عبد الله بن سلام من قريش وكان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل
ووقع أمر يزيد من معاوية موقعا ملأه هما وأوسعه غما فأخذ في الحيلة والنظر أن يصل إليها وكيف يجمع بينه وبينها حتى يبلغ رضا يزيد فيها
____________________
(1/157)


فكتب معاوية إلى عبد الله بن سلام وكان قد استعمله على العراق أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا لأمر حظك فيه كامل ولا تتأخر عنه فأعد المصير والإقبال
وكان عند معاوية بالشام أو هريرة وأبو الدرداء صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عبد الله بن سلام الشام أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيء له وأعد له فيه نزله ثم قال لأبي هريرة وصاحبه إن الله قسم بين عباده قسما ووهبهم نعما أوجب عليهم شكرها وحتم عليهم حفظها وأمرهم برعاية حقها وسلطان طريقها بجميل النظر وحسن التفقد لمن طوقهم الله أمره كما فوضه إليهم حتى يؤدوا إلى الله الحق فيهم كما أوجبه عليهم فحياني منها عز وجل بأعز الشرف وسمو السلف وأفضل الذكر وأغدق اليسر وأوسع علي في رزقه وجعلني راعي خلقه وأمينه في بلاده والحاكم في أمر عباده ليبلوني أأشكر آلاءه أم أكفرها فإياه أسأله أداء شكره وبلوغ ما أرجو بلوغه من عظيم أجره وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقده وينظر فيه فيمن استرعاه الله أمره من أهله ومن لا غنى به عنه
وقد بلغت لي ابنة أردت إنكاحها والنظر فيمن يريد أن يباع لها
لعل من يكون بعدي يهتدي منه بهديي ويتبع فيه إثري فإني قد تخوفت أن يدعو من يلي هذا الأمر من بعدي زهوة السلطان وسرفه إلى عضل نسائهم ولا يرون لهن فيمن ملكوا أمره كفؤا ولا نظيرا وقد رضيت لها عبد الله بن سلام لدينه وفضله ومروءته وأدبه
فقال أبو هريرة وأبو الدرداء إن أولى الناس برعاية أنعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيها فيما خصه به منها أنت صاحب رسول الله وكاتبه
فقال معاوية اذكروا له ذلك عني وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى غير أني أرجو أنها لا تخرج من رأيي إن شاء الله فلما خرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد الله بن سلام بالذي قال لهما قال ودخل معاوية إلى ابنته فقال لها إذا دخل عليك أبو هريرة وأبو الدرداء فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام وإنكاحي إياك منه ودعواك ودعواك إلى مباعلته وحضاك على ملاءمة رأيي والمسارعة إلى هواي
فقولي لهما عبد الله بن سلام كفؤ كريم وقريب حميم غير أنه تحته أرينب بنت إسحاق وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء فأتولى منه ما أسخط الله فيه فيعد بني عليه فأفارق الرجاء واستشعر الأذى ولست بفاعلة حتى يفارقها فذكر ذلك أبو هريرة وأبو الدرداء لعبد الله بن سلام وأعلماه بالذي أمرهما معاوية فلما أخبراه سر به وفرح وحمد الله عليه ثم قال نستمتع الله بأمير المؤمنين لقد وإلى علي من نعمه وأسدى إلى من مننه فأطول ما أقوله فيه قصير وأعظم الوصف لها يسير
ثم أراد إخلاطي بنفسه وإلحاقي بأهله إتماما لنعمته وإكمالا لإحسانه فالله أستعين على شكره وبه أعوذ من كيده ومكره
____________________
(1/158)


ثم بعثهما إليه خاطبين عليه فلما قدما قال لهما معاوية قد تعلمان رضائي به وتنخلي إياه وحرصي عليه وقد كنت أعلنتكما بالذي جعلت لها في نفسها من الشورى فادخلا إليها واعرضا عليها الذي رأيت لها فدخلا عليها وأعلماها بالذي ارتضاه لها أبوها لما رجا من ثواب الله عليه
فقالت لهما كالذي قال لها أبوها فأعلماه بذلك فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا أمرها فارق زوجته وأشهدهما على طلاقها وبعثهما خاطبين إليه أيضا فخطبا وأعلما معاوية بالذي كان من فراق عبد الله بن سلام امرأته طلابا لما يرضيها وخروجا عما يشجيها فأظهر معاوية كراهية لفعله وقال ما أستحسن له طلاق امرأته ولا أحببته ولو صبر ولم يعجل لكان أمره إلى مصيره فإن كون ما هو كائن لا بد منه ولا محيص عنه ولا خيرة فيه للعباد والأقدار غالبة وما سبق في علم الله لا بد جار فيه
فانصرفا في عافية ثم تعودان إلينا فيه وتأخذان إن شاء الله رضانا
ثم كتب اليه يزيد ابنه يعلمه بما كان من طلاق أرينب بنت إسحاق عبد الله بن سلام فلما عاد أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول عليها وسؤالها عن رضاها تبريا من الأمر ونظرا في القول والعذر فيقول لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت لها الشورى في نفسها فدخلا عليها وأعلمها بالذي رضيه إن رضيت هي وبطلاق عبد الله بن سلام امرأته أرينب طلابا لمسرتها وذكرا من فضله وكمال مروءته و كريم محتده ما القول يقصر عن ذكره
فقالت لهما جف القلم بما هو كائن وإنه في قريش لرفيع غير أن الله عز وجل يتولى تدبير الأمور في خلقه وتقسيمها بين عباده حتى ينزلها منازلها فيهم ويضعها على ما سبق في أقدارها
وليست تجري لأحد على ما يهوى ولو كان لبلغ منها غاية ما شاء
وقد تعرفان ان التزويج هزله جد وجده ندم الندم عليه يدوم والمعثور فيه لا يكاد يقوم والأناة في الأمور أوفق لما يخاف فيها من المحذور فإن الأمور إذا جاءت خلاف الهوى بعد التأني فيها كان المرء بحسن العزاء خليقا وبالبصر عليها حقيقا وعلمت أن الله ولي التدابير
فلم تلم النفس على التقصير وإني بالله أستعين سائلة عنه حتى أعرف دخيلة خبره ويصح لي الذي أريد علمه من أمره ومستخيرة وإن كنت أعلم أنه لا خيرة لأحد فيما هو كائن ومعلمتكما بالذي يرينيه الله في أمره ولا قوة إلا بالله
فقالا وفقك الله وخار لك
ثم انصرفا عنها فلما أعلماه بقولها تمثل وقال
( فإن يك صدر هذا اليوم ولى ** فإن غدا لناظره قريب )
وتحدث الناس بالذي كان من طلاق عبد الله امرأته قبل أن يفرغ من طلبته وقبل
____________________
(1/159)

أن يوجب له الذي كان من بغيته ولم يشكوا في غدر معاوية إياه
فاستحث عبد الله بن سلام أبا هريرة وأبا الدرداء وسألهما الفراغ من أمره فأتياها
فقالا لها وقد أتيناك لما أنت صانعه في أمرك وإن تستخيري الله يخر لك فيما تختارين فإنه يهدي من استهداه ويعطى من اجتداه وهو أقدر القادرين
قالت الحمد لله أرجو أن يكون الله قد خار لي فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه وقد استبرأت أمره وسالت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي مع اختلاف من استشرته فيه فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به واختلافهم أول ما كرهت من الله
فعلم عبد الله أنه خدع فهلع ساعة واشتد عليه الهم
ثم انتبه فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال متعزيا ليس لأمر الله راد ولا لما لا بد أن يكون منه صاد أمور في علم الله سبقت فجرت بها أسبابها حتى امتلأت منها أقرابها وإن امرؤ انثال له حلمه واجتمع له عقله واستند له رأيه ليس بدافع عن نفسه قدرا ولا كيدا ولا انحرافا عنه ولا حيدا ولآل ما سروا به واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره ولا يصرف عنهم محذوره
قال وذاع أمره في الناس وشاع ونقلوه إلى الأمصار وتحدثوا به في الأسمار وفي الليل والنهار وشاع في ذلك قولهم وعظم لمعاوية عليه لومهم وقالوا خدعة معاوية حتى طلق امرأته وإنما أرادعها لابنه فبئس من استرعاه الله أمر عباده ومكنه في بلاده وأشركه في سلطانه يطلب أمرا بخدعة من جعل الله إليه أمره ويحيره ويصرعه جرأة على الله
فلما بلغ معاوية ذلك من قول الناس
لعمري ما خدعته
قال فلما انقضت أقراؤها وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطبا لها عن ابنه يزيد فخرج حتى قدمها وبها يومئذ الحسين بن علي وهو سيد أهل العراق فقها ومالا وجودا وبذلا
فقال أبو الدرداء إذ قدم العراق مما ينبغي لذي الحجا والمعرفة والتقى أن يبدأ به ويؤثره على مهم أمره لما يلزمه حقه ويجب عليه حفظه وهذا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة فلست بناظر في شيء قبل الإلمام به والدخول عليه والنظر إلى وجهه الكريم وأداء حقه والتسليم عليه ثم استقبل بعد إن شاء الله ما جئت له وبعثت إليه فقصد حتى أتى الحسين فلما رآه الحسين قام إليه فصافحه إجلالا له ومعرفته لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعه من الإسلام
ثم قال الحسين مرحبا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجليسه يا أبا الدرداء أحدثت لي رؤيتك شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقدت مطلقات أحزاني عليه فإني لم أر منذ فارقته أحدا كان له جليسا وإليه حبيبا إلا هملت عيناي وأحرقت كبدي أسى عليه وصبابة إليه
ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر رسول الله وقال جزى الله لبانة أقدمتنا عليك و جمعتنا بك خيرا
فقال الحسين والله إني لذو حرص عليك ولقد كنت
____________________
(1/160)

بالإشتياق إليك
فقال أبو الدرداء وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت إسحاق فرأيت أن لا أبدأ بشيء قبل إحداث العهد بك والتسليم عليك
فشكر له الحسين ذلك وأثنى عليه وقال لقد كنت ذكرت نكاحها وأردت الإرسال إليها بعد انقضاء أقرائها فلم يمنعني من ذلك إلا تخيير مثلك فقد أتى الله بك فاخطب رحمك الله علي وعليه فلتختر من اختاره الله لها وإنها أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها وأعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه
فقال أبو الدرداء أفعل إن شاء الله فلما دخل عليها قال لها أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته فجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مستحاص ولا عن الخروج عن علمه مستناص فكان مما سبق لك وقدر عليك الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك ولعل ذلك لا يضرك وأن يجعل الله لك فيه خيرا كثيرا
وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن الملك وولي عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية
وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أول من آمن به من أمته وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة وقد بلغك سناهما وفضلهما
وجئتك خاطبا عليهما فاختاري أيهما شئت فسكتت طويلا
ثم قالت يا أبا الدرداء لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب عني أشخصت فيه الرسول إليك واتبعت فيه رأيك ولم أقطعه دونك على بعد مكانك ونأى دارك فأما إذ كنت المرسل فيه فقد فوضت أمري بعد الله إليك وبرئت منه إليك وجعلته في يديك فاختر لي أرضاهما لديك و الله شهيد عليك واقض فيه قضاء ذي التحري المتقي ولا يصدنك ذلك عن اتباع هوى فليس أمرهما عليك خفيا و ما أنت عما طوقتك عميا
فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك وعليك الإختيار لنفسك
قالت عفا الله عنك إنما أنا بنت أخيك ومن لا غني بها عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول الحق فيما طوقتك فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك والله خير من روعي وخيف إنه بنا خبير لطيف
فلما لم يجد بدا من القول والإشارة عليها
قال بنية ابن بنت رسول الله أحب إلي وأرضاهما عندي والله أعلم بخير همالك وقد كنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضعهما رسول الله قالت قد اخترته ورضيته فاستنكحها الحسين بن علي وساق إليها مهرا عظيما
وقال الناس وبلغ معاوية الذي كان من فعل أبي الدرداء في ذكره حاجة أحد مع حاجته وما بعثه هو له ونكاح الحسين إياها فتعاظمه ذلك جدا ولامه لوما شديدا وقال من يرسل ذا بلاهة وعمى يركب في أمره خلاف ما يهوى ورأيي كان من رأيه أسوأ ولقد كنا بالملامة منه أولى حين بعثناه ولحاجتنا انتخلناه وكان عبد الله بن سلام
____________________
(1/161)

قد استودعها قبل فراقه إياها بدرات مملوءة درا كان ذلك الدر أعظم ماله وأحبه إليه وكان معاوية قد أطرحه وقطع جميع روافده عنه لسوء قوله فيه وتهمته إياه على الخديعة فلم يزل يجفوه ويغضبه ويكدي عنه ما كان يجديه حتى عيل صبره وطال أمره وقل ما في يديه ولام نفسه على المقام لديه فخرج من عنده راجعا إلى العراق وهو يذكر ماله الذي كان استودعها ولا يدري كيف يصنع فيه وأنى يصل إليه ويتوقع جحودها عليه لسوء فعله بها وطلاقه إياها على غير شيء أنكره منها ولا نقمة عليها
فلما قدم العراق لقي الحسين فسلم عليه
ثم قال قد علمت جعلت فداك الذي كان من قضاء الله في طلاق أرينب بنت إسحاق وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالا عظيما درا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله ما أنكرت منها في طول ما صحبتها فتيلا ولا أظن بها إلا جميلا فذكرها أمري واحضضها على الرد علي فإن الله يحسن عليك ذكرك ويجزل به أجرك فسكت عنه
فلما انصرف الحسين إلى أهله قال لها قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك ويحمل النشر عنك في حسن صحبتك وما أنسه قديما من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني وذكر أنه كان استودعك مالا قبل فراقه إياك فأدى إليه أمانته وردي عليه ماله فإنه لم يقل إلا صدقا ولم يطلب إلا حقا
قالت صدق قد والله استودعني مالا لا أدري ما هو وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شيء إلى يومه هذا فأثنى عليها الحسين خيرا وقال بل أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك
ثم لقي عبد الله بن سلام فقال له ما أنكرت مالك وزعمت أنه لكما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا عليها وتوف مالك منها
فقال عبد الله بن سلام أو تأمر بدفعه إلي جعلت فداك
قال لا حتى تقبضه منها كما دفعته إليها وتبرئها منه إذا أدته
فلما دخلا عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأديها إليه كما قبضتها منه فأخرجت البدرات فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر لها وأثنى عليها وخرج الحسين ففض عبده الله خاتم بدره فحثا لها من ذلك الدر حثوات وقال خذي فهذا قليل مني لك واستعبرا جميعا حتى تعالت أصواتهما بالبكاء أسفا على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما للذي سمع منهما
فقال أشهد الله أنها طالق ثلاثا اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها رغبة في
____________________
(1/162)

مالها ولا جمالها ولكني أردت إحلالها لبعلها وثوابك على ما عالجته في أمرها فأوجب لي بذلك الأجر وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شيء قدير ولم يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلا ولا كثيرا
وقد كان عبد الله بن سلام سأل ذلك أرينب أي التعويض على الحسين فأجابته إلى رد ماله عليه شكرا لما صنعه بهما فلما يقبله وقال الذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه فتزوجها عبد الله بن سلام وعاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما الله وحرمها لله على يزيد
والحمد لله رب العالمين وفاة معاوية رحمه الله
قال وذكروا أن عتبة بن مسعود قال مر بنا نعي معاوية بن أبي سفيان ونحن بالمسجد الحرام
قال فقمنا فأتينا ابن عباس فوجدناه جالسا قد وضع له الخوان وعنده نفر
فقلنا أما علمت بهذا الخبر يابن عباس قال وما هو قلنا هلك معاوية
فقال ارفع الخوان يا غلام وسكت ساعة ثم قال جبل تزعزع ثم مال بكلكلة أما والله ما كان كمن كان قبله ولما يكن بعده مثله
اللهم أنت أوسع لمعاوية فينا وفي بني عمنا هؤلاء الذي لب معتبر اشتجرنا بيننا فقتل صاحبهم غيرنا وقتل صاحبنا غيرهم وما أغراهم بنا إلا أنهم لا يجدون مثلنا وما أغرانا بهم إلا أنا لا نجد مثلهم كما قال القائل مالك تظلمني قال لا أجد من أظلم غيرك
ووالله إن ابنه لخير أهله أعد طعامك يا غلام
قال فما رفع الخوان حتى جاء رسول خالد بن الحكم إلى ابن عباس أن انطلق فبايع
فقال للرسول أقريء الأمير السلام وقل له والله ما بقي في ما تخافون فاقض من أمرك ما أنت قاض فإذا سهل الممشى وذهبت حطمة الناس جئتك ففعلت ما أحببت
قال ثم أقبل علينا فقال مهلا معشر قريش أن تقولوا عند موت معاوية ذهب جد بني معاوية وانقطع ملكهم ذهب لعمر الله جدهم وبقي ملكهم وشرها بقية هي أطول مما مضى إلزموا مجالسكم وأعطوا بيعتكم
قال فما برحنا حتى جاء رسول خالد فقال يقول لك الأمير لا بد لك أن تأتينا
قال فإن كان لا بد فلا بد مما لا بد منه يا نوار هلمي ثيابي ثم قال وما ينفعكم إتيان رجل إن جلس لم يضركم قال فقلت له أتبايع ليزيد وهو يشرب الخمر ويلهو بالقيان ويستهتر بالفواحش قال مه فأين ما قلت لكم وكم بعده من آت ممن يشرب الخمر أو هو شر من شاربها أنتم إلى بيعته سراع أما والله إني لأنهاكم وأنا أعلم أنكم فاعلون ما أنتم فاعلون حتى يصلب مصلوب قريش بمكة يعني عبد الله بن الزبير
____________________
(1/163)

كتاب يزيد بالبيعة إلى أهل المدينة
قال وذكروا أن نافع بن جبير قال إني بالشام يوم موت معاوية وكان يزيد غائبا واستخلف معاوية الضحاك بن قيس بعده حتى يقدم يزيد فلما مات معاوية خرج الضحاك على الناس
فقال لا يحلمن اليوم نعش أمير المؤمنين إلا قرشي قال فحملته قريش ساعة
ثم قال أهل الشام أصلح الله الأمير
اجعل لنا من أمير المؤمنين نصيبا في موته كما كان لنا في حياته
قال فاحملوه فحملوه وازدحموا عليه حتى شقوا البرد الذي كان عليه صدعين
قال فلما قدم يزيد دمشق بعد موت أبيه إلى عشرة أيام كتب إلى خالد بن الحكم وهو عامل المدينة أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كان عبدا استخلفه الله على العباد ومكن له في البلاد وكان من حادث قضاء الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فيه ما سبق في الأولين والآخرين لم يدفع عنه ملك مقرب ولا نبي مرسل فعاش حميدا ومات سعيدا وقد قلدنا الله عز وجل ما كان إليه فيا لها مصيبة ما أجلها ونعمة ما أعظمها نقل الخلافة وفقد الخليفة فنستوزعه الشكر ونستلهمه الحمد ونسأله الخيرة في الدارين معا ومحمود العقبى في الآخرة والأولى إنه ولي ذلك وكل شيء بيده لا شريك له
وإن أهل المدينة قومنا ورجالنا ومن لم نزل على حسن الرأي فيهم والإستعداد بهم واتباع أثر الخليفة فيهم والإحتذاء على مثاله لديهم من الإقبال عليهم والتقبل من محسنهم والتجاوز عن مسيئهم فبايع لنا قومنا ومن قبلك من رجالنا بيعة منشرحة بها صدوركم طيبة عليها أنفسكم وليكن أول من يبايعك من قومنا وأهلنا الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها وجزية رقيقهم وطلاق نسائهم بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم ولا قوة إلا بالله والسلام إباية القوم الممتنعين عن البيعة
قال وذكروا أن خالد بن الحكم لما أتاه الكتاب من يزيد فظع به فدعا مروان بن الحكم وكان على المدينة قبله فلما دخل عليه مروان وذلك في أول الليل
قال له خالد احتسب صاحبك يا مروان فقال له مروان اكتم ما بلغك إنا لله وإنا إليه راجعون
ثم اقرأه الكتاب وقال له ما الرأي فقال أرسل الساعة إلى هؤلاء النفر فخذ بيعتهم فإنهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام فعجل عليهم قبل أن
____________________
(1/164)

يفشي الخبر فيمتنعوا فأرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر فلما أتاهم الرسول قال عبد الله بن الزبير للحسين ظن يا أبا عبد الله فيما أرسل إلينا فقال الحسين لم يرسل إلينا إلا للبيعة فما ترى قال آتيه فإن أراد تلك امتنعت عليه فدعا الحسين مواليه وأهل بيته واقعدهم على الباب وقال لهم إن ارتفع صوتي فاقتحموا الدار علي وإلا فمكانكم حتى أخرج إليكم
ثم دخل على خالد فأقرأه الكتاب فقال الحسين رحم الله معاوية
فقالا له بايع فقال الحسين لا خير في بيعة سر والظاهرة خير فإذا حضر الناس كان أمرا واحدا ثم وثب أهله فقال مروان لخالد أشدد يدك بالرجل فلا يخرج حتى يبايعك فإن أبى فاضرب عنقه فقال له ابن الزبير قد علمت أنا كنا أبينا البيعة إذ دعانا إليها معاوية وفي نفسه علينا من ذلك ما لا تجهله ومتى ما نبايعك ليلا على هذه الحال تر أنك أغضبتنا على أنفسنا دعنا حتى نصبح وتدعو الناس إلى البيعة فتأتيك فنبايعك بيعة سليمة صحيحة
فلم يزالا به حتى خلي عنهما وخرجا
فقال مروان لخالد تركتهما والله لا تظفر بمثلها منهما أبدا فقال خالد ويحك أتشير علي أن أقتل الحسين فوالله ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها وما أحسب أن قاتله يلقي الله بدمه إلا خفيف الميزان يوم القيامة
فقال له مروان مستهزئا إن كنت إنما تركت ذلك لذلك فقد أصبت خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية
قال وذكروا أن يزيد بن معاوية عزل خالد بن الحكم عن المدينة وولاها عثمان بن محمد بن أبي سفيان الثقفي وخرج الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير إلى مكة وأقبل عثمان بن محمد من الشام واليا على المدينة ومكة وعلى الموسم في رمضان فلما استوى على المنبر بمكة رعف فقال رجل مستقبله جئت والله بالدم فتلقاه رجل آخر بعمامته
فقال مه والله عم الناس
ثم قام يخطب فتناول عصا لها شعبتان فقال مه شعب والله أمر الناس ثم نزل
فقال الناس للحسين يا أبا عبد الله لو تقدمت فصليت بالناس فإنه ليهم بذلك إذ جاء المؤذن فأقام الصلاة فتقدم عثمان فكبر فقال للحسين يا أبا عبد الله إذا أبيت أن تتقدم فاخرج
فقال الصلاة في الجماعة أفضل
قال فصلى ثم خرج فلما انصرف عثمان بن محمد من الصلاة بلغه أن الحسين خرج
قال اركبوا كل بعير بين السماء والأرض فاطلبوه فطلب فلم يدرك
قال ثم قدم المدينة فأقبل بن ميثاء بسراح له من الحرة يريد الأموال التي كانت
____________________
(1/165)

لمعاوية فمنع منها وأزاحه أهل المدينة عنها وكانت أموالا اكتسبها معاوية ونخيلا يجد منها مئة ألف وسق وستين ألفا ودخل نفر من قريش والأنصار على عثمان فكلموه فيها فقالوا قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا وأن معاوية أثر علينا في عطائنا ولم يعطنا قط درهما فما فوقه حتى مضنا الزمان ونالتنا المجاعة فاشترها منا بجزء من مئة من ثمنها فأغلظ لهم عثمان في القول واغلظوا له
فقال لهم لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم وما أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة والأحقاد التي لم تزل في صدوركم فافترقوا على موجدة ثم اجتمع رايهم على منع ابن ميثاء القيم عليها فكف عثمان بن محمد عنهم وكتب بأمرهم إلى يزيد بن معاوية
قال عبد الله بن جعفر جاء كتاب عثمان بن محمد بعد هدأة من الليل وقد كنت انصرفت من عند يزيد فلم ألبث أن جاءني رسوله فدخلت عليه والشمعة بين يديه وهو مغضب قد حسر عن ذراعيه والكتاب بين يديه فقال دونك يا أبا جعفر هذا الكتاب فاقرأه فرأيت كتابا قبيحا فيه تعريض بأهل المدينة وتحريش
ثم قال والله لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم
قال ابن جعفر فقلت له إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق خيرا فإن رأيت أن ترفق بهم وتتجاوز عنهم فعلت فإنما هم أهلك وعشيرتك وإنما تقتل بهم نفسك إذا قتلتهم
قال أقتل وأشفي نفسي فلم أزل ألح عليه فيهم وأرفقه عليهم وكان لي سامعا ومطيعا فقال لي إن ابن الزبير حيث علمت من مكة وهو زعم أنه قد نصب الحرب فأنا أبعث إليه الجيوش وآمر صاحب أول جيش أبعثه أن يتخذ المدينة طريقا وأن لا يقاتل فإن أقروا بالطاعة ونزعوا عن غيهم وضلالهم فلهم علي عهد الله وميثاقه أن لهم عطاءين في كل عام ما لا أفعله بأحد من الناس طول حياتي عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا والحنطة والحنطة عندنا والحنطة عندهم سبعة آصع بدرهم والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي أن أخرجه لهم وافرا كاملا فإن أنابوا وقبلوا ذلك جاوز إلى ابن الزبير وإن أبوا قاتلهم ثم إن ظفر بها أنهبها ثلاثا هذا عهدي إلى صاحب جيشي لمكانك و لطلبتك فيهم ولما زعمت أنهم قومي وعشيرتي
____________________
(1/166)


قال عبد الله بن جعفر فرأيت هذا لهم فرجا فرجعت إلى منزلي فكتبت إليهم من ليلتي كتابا إلى أهل المدينة أعلمهم فيه قول يزيد وأحضهم على الطاعة والتسليم والرضا والقبول لما بذل لهم وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه وقلت لرسولي اجهد السير فدخلها في عشر فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه وقالوا والله لا يدخلها عنوة أبدا كتاب يزيد إلى أهل المدينة
قال وكتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا وأمر عثمان بن محمد يقرؤه عليهم فقدم الكتاب المدينة وعثمان خائف فقرأه عليهم فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني قد نفستكم حتى أخلفتكم ورفعتكم حتى أخرقتكم ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم وأيم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد وثمود وأيم الله لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي فلا أفلح من ندم ما اجتمع عليه أهل المدينة ورأوه من إخراج بني أمية
قال وذكروا أنه لما قريء الكتاب تكلم عبد الله بن مطيع ورجال معه كلاما قبيحا فلما استبان لهم أن يزيد باعث الجيوش إليهم أجمعوا على خلافهم واختلفوا في الرياسة أيهم يقوم بهذا الأمر
فقال قائل ابن مطيع وقال قائل إبراهيم بن نعيم ثم اجتمع رأيهم أن يقوم بأمرهم ابن حنظلة وهرب عثمان بن محمد منهم ليلا فلحق بالشام ثم أخذوا مروان بن الحكم وكبراء بني أمية فأخرجوهم عن المدينة فقالوا الشقة بعيدة ولا بد لنا مما يصلحنا ولنا عيال وصبية ونحن نريد الشام قال فاستنظروا عشرة أيام فأنظروا
ثم اجتمع رأي أهل المدينة أن يحلفوا كبراء بني أمية عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لقوا جيش يزيد ليردونهم عنهم إن استطاعوا فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام ولم يرجعوا معهم فحلفوا لهم على ذلك وشرطوا عليهم أن يقيموا بذي خشب عشرة أيام فخرجوا من المدينة وتبعهم الصبيان وسفهاء الناس يرمونهم بالحجارة حتى انتهوا إلى ذي خشب ولم يتحرك أحد من آل عثمان بن محمد ولم يخرج من المدينة
فلما رأت بنو أمية ما صنع بهم أهل المدينة من إخراجهم منها اجتمعوا إلى مروان فقالوا يا أبا عبد الملك ما الرأي قال من قدر منكم أن يغيب حريمه فليفعل
____________________
(1/167)

فإنما الخوف على الحرمة فغيبوا حرمهم فأتى مروان عبد الله بن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة وتغيب عن هذا الأمر فأحب أن أوجه عيالي معك
فقال ابن عمر إني لا أقدر على مصاحبة النساء
قال فتجعلهم في منزلك مع حرمك
قال لا آمن أن يدخل على حريمي من أجل مكانكم
فكلم مروان علي بن الحسين فقال نعم فضمهم علي إليه وبعث بهم مع عياله
قال ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج يكون وإسراع خوفا منهم أن يبدو للقوم في حبسهم وجعل مروان يقول لابنه عبد الملك يا بني إن هؤلاء القوم لم يدروا ولم يستشيروا فقال ابنه وكيف ذلك قال إذ لم يقتلونا أو يحبسونا فإن بعثوا إلينا بعثنا كنا في أيديهم وما أخوفني أن يفطنوا لهذا الأمر فيبعثوا في طلبنا فالوحي الوحي والنجاء النجاء إرسال يزيد الجيوش إليهم
قال فلما أجمع رأي يزيد على إرسال الجيوش صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل الشام فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها والله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك
وكان معاوية قد أوصى يزيد فقال له إن رابك منهم ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرة مسلم بن عقبة فدعا به فقال سر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش وإن شئت أعفيتك فإن أراك مدنفا منهوكا
فقال نشدتك الله أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي أو تبعث غيري فإني رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح أغصانها يا ثارات عثمان فأقبلت إليها وجعلت الشجرة تقول إلي يا مسلم بن عقبة فأتيت فأخذتها فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان ووالله ما صنعوا إلا أن الله أراد بهم الهلاك فقال يزيد فسر على بركة الله فأنت صاحبهم
فخرج مسلم فعسكر وعرض الأجناد فلم يخرج معه أصغر من ابن عشرين ولا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب وسلاح شاك وأداة كاملة ووجه معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد حتى خرج فخرج معه يزيد فودعه
قال له إن حدث بك حدث فأمر الجيوش إلى حصين بن نمير فانهض بسم الله إلى ابن الزبير واتخذ المدينة طريقا إليه فإن صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم وأنهبها ثلاثا فقال مسلم بن
____________________
(1/168)

عقبة أصلح الله الأمير لست بآخذ من كل ما عهدت به إلا بحرفين
قال يزيد وما هما ويحك
قال أقبل من المقبل الطائع وأقتل المدبر العاصي
فقال يزيد حسبك ولكن البيان لا يضرك والتأكيد ينفعك فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك الحرب فالسيف السيف أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم وإن لم يتعرضوا لك فامض إلى ابن الزبير
فمضت الجيوش فلما نزلوا بوادي القرى لقيتهم بنو أمية خارجين من المدينة فرجعوا معهم واستخبرهم مسلم بن عقبة عما خلفهم وعما لقوا وعن عددهم
فقال مروان عددهم كثير أكثر مما جئت به من الجيوش ولكن عامتهم ليس لهم نيات ولا بصائر وفيهم قوم قليل لهم نية وبصيرة ولكن لا بقاء لهم مع السيف وليس لهم كراع ولا سلاح وقد خندقوا عليهم وحصنوا
قال مسلم هذه أشدها علينا ولكنا نقطع عنهم مشربهم ونردم عليهم خندقهم
فقال مروان عليه رجال لا يسلمونه ولكن عندي فيه وجه سأخبرك به
قال هاته
فقال أطوه ودعه حتى يحضر ذلك
قال فدعه إذا
ثم قال لهم مسلم تريدون أن تسيروا إلى أمير المؤمنين أو تقيموا موضعكم هذا أو تسيروا معنا فقال بعضهم نسير إلى أمير المؤمنين ونحدث به عهدا فقال مروان أما أنا فراجع
فقال بعضهم لبعض قد حلفنا لهم عند المنبر لئن استطعنا أن نرد الجيش عنهم لنردنه فكيف بالرجوع إليهم فقال مروان أما أنا فراجع إليهم
فقال له قوم ما نرى أن تفعل فإنما تقتلون بهؤلاء أنفسكم والله لا أكثرنا عليهم لمسلم جمعا أبدا
فقال مروان أنا والله ماض مع مسلم إلى المدينة فمدرك ثأري من عدوي وممن أخرجني من بيتي وفرق بيني وبين أهلي وإن قتلت بهم نفسي فلم يرجع مع مسلم من بن أمية غير مروان وابنه عبد الملك وكان مجدورا فجعله بذي خشب
فلما أيقن أهل المدينة بقدوم الجيوش إليهم تشاوروا في الخندق وقالوا قد خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم فخندقوا المدينة من كل نواحيها
ثم جمع عبد الله بن حنظلة أهل المدينة عند المنبر فقال تبايعوني على الموت وإلا فلا حاجة في بيعتكم
فبايعوه على الموت ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنما خرجتم غضبا لدينكم فأبلوا إلى الله بلاء حسنا ليوجب لكم به الجنة ومغفرته ويحل بكم رضوانه واستعدوا بأحسن عدتكم وتأهبوا بأكمل أهبتكم فقد أخبرت أن القوم قد نزلوا بذي خشب ومعهم مروان بن الحكم والله إن شاء مهلكه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصايح الناس وجعلوا ينالون منه ويسبونه
____________________
(1/169)


فقال لهم إن الشتم ليس بشيء ولكن نصدقهم اللقاء والله ما صدق قوم قط إلا نصروا ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنا بك واثقون وعليك متوكلون وإليك ألجأنا ظهورنا ثم نزل
وكان عبد الله بن حنظلة لا يبيت إلا في المسجد الشريف وكان لا يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد قدوم الجيوش إلى المدينة
قال وذكروا أن أهل الشام لما انتهوا إلى المدينة عسكروا بالجرف ومشوا رجالا من رجالهم فأحدقوا بالمدينة من كل ناحية لا يجدون مدخلا لأنهم قد خندقوها عليهم والناس متلبسون السلاح قد قاموا على أفواه الخنادق وقد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم وجعل أهل الشام يطوفون بها والناس يرمونهم بالحجارة والنبل من فوق الآكام والبيوت حتى خرجوا فيهم وفي خيلهم فقال مسلم لمروان أين ما قلت لي بوادي القرى فخرج مروان حتى جاء بني حارثه فكلم رجلا منهم ورغبه في الضيعة وقال افتح لنا طريقا فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين ومتضمن لك عنه شطر ما كان بذل لأهل المدينة من العطاء وتضعيفه ففتح له طريقا ورغب فيما بذل له وتقبل ما تضمن له يزيد فاقتحمت الخيل فجاء الخبر إلى عبد الله بن حنظلة فأقبل وكان من ناحية الطورين وأقبل عبد الله بن مقطع وكان من ناحية ذناب وأقبل ابن أبي ربيعة فاجتمعوا جميعا بمن معهم بحيث اقتحم عليهم أهل الشام فاقتتلوا حتى عاينوا الموت ثم تفرقوا غلبة أهل الشام على أهل المدينة
قال وذكروا أن عبد الله بن أبي سفيان قال وقعت مع قوم عند مسجد بني عبد الأشهل منهم عبد الله بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتل مسيلمة الكذاب ومعه عبد الله بن حنظلة ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وإبراهيم بن فارط وإبراهيم بن نعيم ابن النجار فهم يقاتلون ويقولون للناس أين الفرار والله لأن يقتل الرجل مقبلا خير له من أن يقتل مدبرا
قال فاقتتلوا ساعة والنساء والصبيان يصيحون ويبكون على قتلاهم حتى جاءهم ما لا طاقة لهم به وجعل مسلم يقول من جاء برأس رجل فله
____________________
(1/170)

كذا وكذا وجعل يغري قوما لا دين لهم فقتلوا وظهورا على أكثر المدينة
قال وكان على بشر بن حنظلة يومئذ درعان فلما هزم القوم طرحهما
ثم جعل يقاتلهم وهو حاسر حتى قتلوه ضربه رجل من أهل الشام ضربة بالسيف قطع منكبه فوقع ميتا
فلما مات ابن حنظلة صار أهل المدينة كالنعم بلا راع شرود يقتلهم أهل الشام من كل وجه فأقبل محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري وإن جراحه لتنفث دما وهو يقاتل ويحمل على الكردوس منهم فيفض جماعتهم وكان فارسا فحمل عليه أهل الشام حملة واحدة حتى نظموه بالرماح فمال ميتا
فلما قتل انهزم من بقي من الناس في كل وجه ودخل القوم المدينة فجالت خيولهم فيها يقتلون وينهبون
قال وخرج يومئذ عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخيل تسرع في كل وجه قتلا ونهبا فقيل له لو علم القوم باسمك وصحبتك لم يهيجوك فلو أعلمتهم بمكانك فقال والله لا أقبل لهم أمانا ولا أبرح حتى أقتل لا أفلح من ندم وكان رجلا أبيض طويلا أصلع فأقبل عليه رجل من أهل الشام وهو يقول والله لا أبرح حتى أضرب صلعته وهو حاسر
فقال عبد الله شر لك خير لي فضربه بفأس في يده فرأيت نورا ساطعا في السماء فسقط ميتا
وكان يومه ذلك صائما رحمه الله
قال فجعل مسلم يطوف على فرس له ومعه مروان بن الحكم على القتلى
فمر على عبد الله بن حنظلة وهو ماد أصبعه السبابة
فقال مروان أما والله لئن نصبتها ميتا فطالما نصبتها حيا داعيا إلى الله
ومر على إبراهيم بن نعيم ويده على فرجه فقال أما والله لئن حفظته في الممات لقد حفظته في الحياة
ومر على محمد بن عمرو بن حزم وهو على وجهه واضعا جبهته بالأرض فقال أما والله لئن كنت على وجهك في الممات لطالما افترشته حيا ساجدا لله
فقال مسلم والله ما أرى هؤلاء إلا من أهل الجنة
ومر على عبد الله بن زيد وبين عينيه أثر السجود فلما نظر إليه مروان عرفه وكره أن يعرفه لمسلم فيحز رأسه
فقال له مسلم من هذا فقال بعض هذه الموالي وجاوزه فقال له مسلم كلا وبيت الله لقد نكبت عنه لشيء
فقال له مروان هذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن زيد
فقال ذاك أخزى ناكث بيعته حزوا رأسه
وكان قصر بني حارثة أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه وكان بنو حارثة آمنين ما قتل منهم أحد وكان كل من نادى باسم الأمان إلى أحد من قبيلة بني حارثة أمنوه رجلا كان أو امرأة ثم ذبوا عنه حتى يبلغوه قصر بني حارثة أجير يومئذ رجال كثير ونساء كثيرة فلم يزالوا في قصر بني حارثة حتى انقضت الثلاث
____________________
(1/171)


قال وأول دور انتهت والحرب قائمة دور بني عبد الأشهل فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولا فراش إلا نقض صوفه حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها فدخلوا دار محمد بن مسلمة فصاح النساء فأقبل زيد بن محمد بن مسلمة إلى الصوت فوجد عشرة ينهبون فقاتلهم ومعه رجلان من أهله حتى قتل الشاميون جميعا وخلصوا منهم ما أخذوه فألقوا متاعهم في بئر لا ماء فيها وأبقى عليها التراب ثم أقبل نفر أهل من الشام فقاتلوهم أيضا حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشر رجلا فضربه بالسيف منهم أربعة في وجهه
ولزم أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما زلنا نسمع عنك فبحظك أخذت في تركك قتالنا وكفك عنا ولزوم بيتك ولكن أخرج إلينا ما عندك
قال والله ما عندي مال فنتفوا لحيته وضربوه ضربات ثم أخذوا كل ما وجدوه في بيته حتى الصواع وحتى زوج حمام كان له
وكان جابر بن عبد الله يومئذ قد ذهب بصره فجعل يمشي في بعض أزقة المدينة وهو يقول تعس من أخاف الله ورسوله
فقال له رجل ومن أخاف الله ورسوله فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي فحمل عليه رجل بالسيف ليقتله فترامى عليه مروان فأجاره وأمر أن يدخله منزله ويغلق عليه بابه وكان سعيد بن المسيب رحمه الله لم يبرح من المسجد ولم يكن يخرج إلا من الليل إلى الليل وكان يسمع إذا جاء وقت الأذان أذانا يخرج من قبل القبر الشريف حتى آمن الناس فكان سعيد يقول ما رأيت خيرا من الجماعة ثم أمر مسلم بالأساري فغلوا بالحديد ثم دعا إلى بيعة يزيد فكان أول من بايع مروان بن الحكم ثم أكابر بني أمية حتى أتى على آخرهم
ثم دعا بني أسد وكان عليهم حنقا فقال أتبايعون لعبد الله يزيد بن أمير المؤمنين ولمن استخلف عليكم بعده على أن أموالكم ودماءكم وأنفسكم حول له يقضي فيها ما شاء قال يزيد بن عبد الله بن زمعة إنما نحن نفر من المسلمين لنا ما لهم وعلينا ما عليهم
فقال مسلم والله لا أقبلك ولا تشرب البارد بعدها أبدا فأمر به فضربت عنقه
ثم أتى بمعقل بن سنان وكان معقل حاملا لواء قومه يوم الفتح مع رسول الله فلما دخل عليه قال له أعطشت با معقل قال نعم أصلح الله الأمير قال حيسوا له شربة من سويق اللوز الذي زودنا به أمير المؤمنين فلما شربها قال له رويت قال نعم
____________________
(1/172)

فقال مسلم أما والله لا تبولها من مثانتك أبدا فقدم فضربت عنقه ثم قال ما كنت لأدعك بعد كلام سمعته منك تطعن به على إمامك وكان معقل قد طعن بعض الطعن على يزيد قبل ذلك فيما بينه وبين مسلم على الإستراحة بذلكم ثم أمر بمحمد بن أبي الجهم وجماعة من وجوه قريش والأنصار وخيار الناس والصحابة والتابعين ثم أتى بعبد الله بن الحارث مغلولا
فقال مسلم أنت القائل اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا قال قد قلتها ولكن لا يسمع من أسير أمر أرسل يدي وقد برئت مني الذمة إنما نزلت بعهد الله وميثاقه وأيم الله لو أطاعني وقبلوا مني ما أشرت به عليهم ما تحكمت فتهم أنت أبدا
فقال له مسلم والله لأقدمنك إلى نار تلظى ثم أمر به فضربت عنقه
فقال مروان قد والله سقيتني من دماء هؤلاء القوم إلا ما كان من قريش فإنك أثخنتها وأفنيتها
فقال مسلم والله لا أعلم عند أحد غشا لأمير المؤمنين إلا سألت الله أن يسقيني دمه
فقال إن عند أمير المؤمنين عفوا لهم وحلما عنهم ليس عندك
وجعل مروان يعتذر إلى قريش ويقول والله لقد ساءني قتل من قتل منكم
فقالت له قريش أنت والله الذي قتلتنا ما عذرك الله ولا الناس لقد خرجت من عندنا وحلفت لنا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتردنهم عنا فإن لم تستطع لتمضين ولا ترجع معهم فرجعت ودللت على العورة وأعنت على الهلكة فالله لك بالجزاء
قال فبلغ عدة قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفا وسبع مئة وسائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان
قال أبو معشر دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها فقال لها هل من مال قالت لا والله ما تركوا لي شيئا
فقال والله لتخرجن إلي شيئا أو لأقتلنك وصبيك هذا
فقالت له ويحك إنه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معه يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه فما أتيت شيئا فاتق الله
ثم قالت لابنها يا بني والله لو كان عندي شيء لافتديتك به
قال فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه في الأرض قال فلم يخرج من البيت حتى اسود نصف وجهه وصار مثلا
قال أبو معشر قال لي رجل بينا أنا في بعض أسواق الشام إذا برجل ضخم فقال لي ممن أنت قلت رجل من أهل المدينة قال من أهل الخبيثة قال فقلت له سبحان
____________________
(1/173)

الله رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها طيبة وسميتها خبيثة قال فبكى فقلت له ما يبكيك قال العجب والله كنت أغزو الصائفة كل عام زمن معاوية فأتيت في المنام فقيل لي إنك تغزو المدينة وتقتل فيها رجلا يقال له محمد بن عمرو بن حزم وتكون بقتله من أهل النار قال فقلت ما هذه من شأن المدينة ولا يقع في نفس مدينة الرسول
قال فقلت لعلها بعض مدائن الروم فكنت أغزو ولا أسل فيها سيفا حتى مات معاوية وولي يزيد فضرب قرعة بعث المدينة فأصابتني القرعة
قال فقلت هي هذه والله فأردت أن يأخذوا مني بديلا فأبوا فقلت في نفسي أما إذا أبوا فإني لا أسل فيها سيفا
قال فحضرت الحرة فخرج أصحابي يقاتلون وجلست في فسطاطي فلما فرغوا من القتال جاءنا أصحابنا فقالوا دخلنا وفرغنا من الناس فقال بعض أصحابي لبعض تعالوا حتى ننظر إلى القتلى فتقلدت سيفي وخرجت فجعلنا ننظر إلى القتلى ونقول هذا فلان وهذا فلان فإذا رجل في بعض تلك الدارات في يده سيف وقد أزبد شدقاه وحوله صرعى من أهل الشام فلما أبصرني قال يا كلب احقن عني دمك
قال فنسيت والله كل شيء فحملت عليه فقاتلته فقتلته فسطع نور بين عينيه وسقط في يدي قلت من هذا فقيل لي هذا محمد بن عمرو بن حزم فجعلت أدور مع أصحابي فيقولون هذا فلان وهذا فلان
فمر إنسان لا يعرف فقال من قتل هذا ويحكم يريد محمد بن عمرو بن حزم قتله الله والله لا يرى الجنة بعينه أبدا عدة من قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم
قال وذكروا أنه قتل يوم الحرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا ولم يبق بدري بعد ذلك ومن قريش والأنصار سبع مئة ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف وكانت الوقعة في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ثلاث وستين
قالوا وكان الناس يعجبون من ذلك أن ابن الزبير لم يصلوا إليه إلا بعد ستة أشهر ولم يكن مع ابن الزبير إلا نفر قليل وكان بالمدينة أكثر من عشرة آلاف رجل والله ما استطاعوا أن يناهضوهم يوما إلى الليل
____________________
(1/174)

كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد
قال وذكروا أن مسلما لما فرغ من قتال أهل المدينة ونهبها كتب إلى يزيد بن معاوية بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من مسلم بن عقبة سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد تولى الله حفظ أمير المؤمنين والكفاية له فإني أخبر أمير المؤمنين أبقاه الله أني خرجت من دمشق ونحن على التعبئة التي رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا بالعافية فلقينا أهل بيت أمير المؤمنين بوادي القرى فرجع معنا مروان بن الحكم وكان لنا عونا على عدونا وإنا انتهينا إلى المدينة فإذا أهلها قد خندقوا عليها الخنادق وأقاموا على أنقابها الرجال بالسلاح وأدخلوا ما شيتهم وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما كانوا يقولون وإنا أعذرنا إليهم وأخبرناهم بعهد أمير المؤمنين وما بذل لهم فأبوا ففرقت أصحابي على أفواه الخنادق فوليت الحصين بن نمير ناحية ذناب وما والاها وعلى الموالي وجهت حبيش بن دجلة إلى ناحية بني سلمة ووجهت عبد الله بن مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد وكنت ومن معي من قواد أمير المؤمنين ورجاله في وجوه بني حارثة فأدخلنا الخيل عليهم حين ارتفع النهار من ناحية عبد الأشهل بطريق فتحه لنا رجل منهم بما دعاه إليه مروان بن الحكم إلى صنيع أمير المؤمنين وما تضمن له عنه من قرب المكان وجزيل العطاء وإيجاب الحق وقضاء الذمام وقد بعثت به إلى أمير المؤمنين وأرجو من الله عز وجل أن يلهم خليفته وعبده عرفان ما أولى من الصنع وأسدى من الفضل وكان أكرم الله أمير المؤمنين من محمود مقام مروان بن الحكم وجميل مشهده وسديد بأسه وعظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين مالا إخال ذلك ضائعا عند إمام المسلمين وخليفة رب العالمين إن شاء الله وسلم الله رجال أمير المؤمنين فلم يصب منهم أحد بمكروه ولم يقع لهم عدوهم من ساعات نهارهم أربع ساعات فما صليت الظهر أصلح الله أمير المؤمنين إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع والإنتهاب العظيم وأوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف لنا منهم وأتبعنا مدبرهم وأجهزنا على جريحهم وانتهبناهم ثلاثا كما قال أمير المؤمنين أعز الله نصره وجعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن عفان في حرز وأمان فالحمد لله الذي شفى صدري من قتل أهل الخلاف القديم والنفاق العظيم فطالما عتوا وقديما ما طغوا
وكتبت إلى أمير المؤمنين وأنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا ما أراني إلا لما بي فما كنت أبالي متى مت بعد يومي هذا وكتب لهلال المحرم سنة ثلاث وستين
فلما جاءه الكتاب أرسل إلى عبد الله بن جعفر وإلى ابنه معاوية بن يزيد فأقرأهما الكتاب فاسترجع عبد الله بن جعفر وأكثر وبكى معاوية بن يزيد حتى كادت نفسه تخرج وطال بكاؤه فقال يزيد لعبد الله بن جعفر ألم أجبك إلى ما طلبت
____________________
(1/175)

وأسعفتك فيما سألت فبذلت لهم العطاء وأجزلت لهم الإحسان وأعطيت العهود والمواثيق على ذلك فقال عبد الله بن جعفر فمن هنالك استرجعت وتأسفت عليهم إذ اختاروا البلاء على العافية والفاقة على النعمة ورضوا بالحرمان دون العطاء ثم قال يزيد لابنه معاوية فما بكاؤك أنت يا بني قال أبكي على قتل من قتل من قريش وإنما قتلنا بهم أنفسنا
فقال يزيد هو ذاك قتلت بهم نفسي وشفيتها قال وسأل مسلم بن عقبة قبل أن يرحل عن المدينة عن علي بن الحسين أحاضر هو فقيل له نعم
فأتاه علي بن الحسين ومعه ابناه فرحب بهما وسهل وقربهم وقال إن أمير المؤمنين أوصاني بك
فقال علي بن الحسين وصل الله أمير المؤمنين وأحسن جزاءه ثم انصرف عنه
ولم يكن أحد نصب للحرب من بني هاشم ولزموا بيوتهم فسلموا إلا ثلاثة منهم تعرضوا للقتال فأصيبوا موت مسلم بن عقبة ونبشه
قال وذكروا أن مسلم بن عقبة ارتحل عن المدينة وهو يجود بنفسه يريد ابن الزبير بمكة فنزل في بعض الطريق فدعا الحصين بن نمير فقال له يا برذعة الحمار إنه كان من عهد أمير المؤمنين إن حدث بي حدث الموت أن أعهد إليك فاسمع فإني بك عالم لا تمكن قريشا من أذنك إذا قدمت مكة فتبول أي قريش فيها فإنما هو الوفاق ثم النفاق ثم الانصراف ثم مات فدفن في ثنية المشلل فلما تفرق القوم عنه أتته أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة وكانت من وراء العسكر تترقب موته فنبشت عنه فلما انتهت إلى لحده وجدت أسود من الأساود منطويا في رقبته فاتحا فاه فتهيبته
ثم لم تزل به حتى تنحى لها عنه فصلبته على المشلل
قال الضحاك فحدثني من رآه مصلوبا يرمي كما يرمي قبر أبي رغال فضائل قتلى أهل الحرة رحمهم الله تعالى
قال وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في سفر من أسفاره فلما مر بحرة بني زهرة وقف فاسترجع
فقالوا ما هو يا رسول الله قال يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي
قال وذكروا أن عبد الله بن سلام وقف بالحرة زمان معاوية بن أبي سفيان
فقال أجد في كتاب يهود الذي لم يبدل ولم يغير أنه يكون ها هنا مقتلة قوم يحشرون يوم القيامة واضعى سيوفهم على رقابهم حتى يأتوا الرحمن تبارك وتعالى فيقفون بين يديه فيقولون قتلنا فيك
قال وذكروا عن داود بن
____________________
(1/176)

الحصين قال عندنا قبور قوم من قتلى الحرة فقل ما حركت إلا فاح منها ريح المسك
وقال بعضهم عن عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه قال رأيت عبد الله بن حنظلة في منامي بأحسن صورة معه لؤلؤه فقلت يا أبا عبد الرحمن أقتلت قال بلى فلقيت ربي فأدخلني الجنة فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت قلت فأصحابك ما صنع بهم قال هم معي وحول لوائي هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد
وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم فقلت له ألست قد استشهدت قال ليس في الإسلام شهادة ولكنها الندباء
وقال الأعرج كان الناس لا يلبسون المصبوغ من الثياب قبل الحرة فلما قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا لقد مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدؤون
وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس وأهيبهم حتى كانت الحرة فأجترأ الناس عليهم فهانوا
قال الزهري بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والأنصار ومهارة ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة وسائر الناس عشرة آلاف
من أخلاط الناس والموالي والعبيد قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين فانتهبوها ثلاث حتى رأوا هلال المحرم ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا ولم يبق بعد ذلك بدري
وقالوا قال عيسى بن طلحة قلت لعبد الله بن مطيع كيف نجوت يوم الحرة قال رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم علينا وولي الناس فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي ولا ينفع ولي فتواريت ثم لحقت بابن الزبير وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر ولم يكن معه إلا نفر يسير قوم من قريش من الخوارج وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل كلهم ذوو حفاظ فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل
تم الجزء الأول من كتاب الإمامة والسياسة ويليه الجزء الثاني
____________________
(1/177)


____________________
(1/178)


____________________
(1/179)

2 الإمامة والسياسة
____________________
(2/1)


____________________
(2/180)

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد
قال وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة فأقام هو وابن الزبير
قال وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى الموسم وعزل الوليد بن عقبة فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي مستقبله مه مه جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته فقال مه عم والله الناس ثم قام يخطب فناوله آخر عصا لها شعبتان
فقال مه شعب والله الناس ثم خرج إلى مكة فقدمها يوم التروية فصلى الحسين ثم خرج
فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج فقال اركبوا كل بعير بين السماء والأرض فاطلبوه
قال فكان الناس يعجبون من قوله هذا
قال فطلبوه فلم يدركوه فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين
فأبى أن يرجع وخرج الحسين بابني عبد الله بن جعفر معه ورجع عمرو بن سعيد بن العاص إلى المدينة فأرسل إلى ابن الزبير فأبى أن يأتيه وامتنع برجال معه من قريش وغيرهم
قال فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير
قال فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة وهم كارهون للخروج
فقال لهم إما أن تأتوا ببدل وإما أن تخرجوا
قال فجاء الحارث بن مالك بن البرصاء برجل استأجره بخمس مئة درهم إلى عمرو بن سعيد
فقال قد جئت برجل بدلي
فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مئة أخرى وتنكح أمك فقال له أما تستحي فقال إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد وحرمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن
قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد قال قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها
فقال له عمرو لعنك الله من شيخ
قال فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير فهزم عمرو ابن الزبير وبعث يزيد بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري يخطب الناس بالمدينة
فقال في خطبته أهل الشام جند الله الأعظم وأهل الشام خير الخلق
\ فقال الحارث بن مالك ائذن لي أن أتكلم
فقال اجلس لا أجلسك الله من
____________________
(2/181)

شيخ
قال فتشهد الحارث وقال لعمر الله لنحن خير من أهل الشام ما نقمت من أهل المدينة إلا أنهم قتلوا أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه وسلم أنسيت طعنة أبي قتادة إست أبيك بالرمح فخرج منه جمعوص مثل هذا وأشار إلى ساعده ثم جلس ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي
قال وذكروا أن يزيد بن معاوية عزل عمرو بن سعيد وأمر الوليد بن عقبة وخرج الحسين بن علي إلى مكة فمال الناس إليه وكثروا عنده واختلفوا إليه وكان عبد الله بن الزبير فيمن يأتيه
قال فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب ورفاعة بن شداد وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة
أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي اعتدى على هذه الأمة فانتزعها حقوقها واغتصبها أمورها وغلبها على فيئها وتأمر عليها على غير رضا منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها فبعدا له كما بعدت ثمود إنه ليس علينا إمام فاقدم علينا لعل الله ان يجمعنا بك على الهدى فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة وألحقناه بالشام والسلام
قال فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له وكان على الكوفة النعمان بن بشير
فقال النعمان لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بحدل
قال فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله
فقال لأهل الشام أشيروا علي من أستعمل على الكوفة فقالوا أترضى برأي معاوية قال نعم قالوا فإن الصك بإمرة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان
قال فاستعمله على الكوفة فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد
____________________
(2/182)

فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق انسل عنه منهم ناس حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة
قال فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت فلما رأى ذلك دخل دار هانىء بن عروة المرادي وكان له فيهم رأي
فقال له هانىء بن عروة إن لي من ابن زياد مكانا وسوف أتمارض له فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه قال فقيل لابن زياد إن هانىء بن عروة شاك يقيء الدم
قال وشرب المغرة فجعل يقيئها قال فجاء ابن زياد يعوده وقال لهم هانىء إذا قلت لكم اسقوني فاخرج إليه فاضرب عنقه فقال اسقوني فأبطئوا عليه فقال ويحكم اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي
قال فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر شيئا وكان من أشجع الناس ولكنه أخذته كبوة فقيل لابن زياد والله إن في البيت رجلا متسلحا
قال فأرسل ابن زياد إلى هانىء فدعاه
فقال إني شاك لا أستطيع النهوض
فقال ائتوني به وإن كان شاكيا قال فأخرج له دابة فركب ومعه عصاه وكان أعرج فجعل يسير قليلا ويقف ويقول ما لي أذهب إلى ابن زياد فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه
فقال له عبيد الله بن زياد يا هانىء أما كانت يد زياد عندك بيضاء قال بلى قال ويدي قال بلى فقال يا هانىء قد كانت لكم عندي يد بيضاء وقد أمنتك على نفسك ومالك فتناول العصا التي كانت بيد هانىء فضرب بها وجهه حتى كسرها ثم قدمه فضرب عنقه
قال وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل فخرج عليهم بسيفه فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر فلما أسر بعث الرجال فقال اسقوني ماء
قال ومعه رجل من بني أبي معيط ورجل من بني سليم يقال له شهر بن حوشب
فقال له شهر بن حوشب لا أسقيك إلا من البئر
فقال المعيطي والله لا نسقيه إلا من الفرات قال فأمر غلاما له فأتاه بإبريق من ماء وقدح قوارير ومنديل
قال فسقاه فتمضمض مسلم فخرج الدم فما زال يمسح الدم ولا يسيغ شيئا منه حتى قال أخروه عني
قال فلما أصبح دعا به عبيد الله بن زياد وهو قصير فقدمه لتضرب عنقه فقال دعني حتى أوصي فقال أوص
فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد ما أرى ها هنا من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك فدنا منه فقال له هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم
____________________
(2/183)

واكتب إليهم بما أصابني
قال فضرب عنقه وألقاه عمرو لعبيد الله وقال أتدري ما قال فقال عبيد الله اكتم على ابن عمك
فقال عمرو هو أعظم من ذلك فقال ابن زياد فأي شيء هو قال أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل
وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة
فقال أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله
قال وذكروا أن عبيد الله بن زياد بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد وقد جاء الحسين الخبر فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له أترجع وقد قتل أخونا وقد جاءك من الكتب ما نثق به فقال لبعض أصحابه والله ما لي عن هؤلاء من صبر يعني بني عقيل
قال فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع فلقوهم وليس معهم ماء
فقالوا يا بن بنت رسول الله اسقنا
قال فأخرج لكل فارس صحفة من ماء فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم
ثم قالوا سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زالوا يرجونه وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربكلاء فقال الحسين أي أرض هذه قالوا كربلاء قال هذا كرب وبلاء
قال فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه فقال له شهر بن حوشب لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم فقال عباس بن علي يا أبا عبد الله نحن على الحق فقاتل قال نعم
فركب فرسه وحمل بعض أصحابه على الخيول ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا
ثم بعث عبيد الله بن زياد عمرو بن سعيد يقاتلهم
قال الحسين يا عمرو اختر مني ثلاث خصال إما أن تتركني أرجع كما جئت فإن أبيت هذه فأخرى سيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في بما يريد
فأرسل عمرو إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى يزيد
فقال له شهر بن حوشب قد أمكنك الله من عدوك وتسيره إلى يزيد والله لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها وليكونن من يزيد بالمكان الذي لا تناله أنت منه ولا غيرك من أهل الأرض لا تسيره ولا تبلعه ريقه حتى ينزل على حكمك
قال فأرسل إليه يقول لا إلا أن تنزل على حكمي
فقال الحسين أنزل على حكم ابن زانية لا والله لا أفعل الموت دون ذلك وأحلى
قال وأبطأ عمرو بن سعيد عن قتاله
فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر بن حوشب إن تقدم عمرو يقاتل وإلا فاقتله وكن أنت مكانه
قال وكان مع عمرو بن سعيد من قريش ثلاثون رجلا
____________________
(2/184)

من أهل الكوفة فقالوا يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا تقبلون واحدة منها فتحولوا مع الحسين فقاتلوا
قال فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس وكان من أجمل الناس
قال لأقتلن هذا الفتى فقيل له ويحك ما تصنع بقتله دعه قال فحمل عليه فضربه فقطع يده ثم ضربه ضربة أخرى فقتله ثم قتلوا جميعا
فقتل يومئذ الحسين بن علي وعباس بن علي وعثمان بن علي وأبو بكر بن علي وجعفر بن علي وأمهم أم البنين بنت حرام الكلابية وإبراهيم بن علي وأمه أم ولد وعبد الله بن علي وخمسة من بني عقيل وابنان لعبد الله بن جعفر عون ومحمد وثلاثة من بني هاشم ونساء من نسائهم وفيهم فاطمة بنت الحسين بن علي وفيهم محمد بن علي وابن جعفر ومحمد بن الحسين بن علي قدوم من أسر من آل علي على يزيد
قال وذكروا أن أبا معشر قال حدثني محمد بن الحسين بن علي قال دخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في الحديد وعلينا قمص
فقال يزيد أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج ولا بقتله حين قتل
قال فقال علي بن الحسين { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور } الحديد 22 23
قال فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته وقال { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } الشورى 30 يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا
فقال النعمان بن بشير يا أمير المؤمنين اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال
فقالت فاطمة بنت الحسين يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم
ثم قال خلوا عنهم واذهبوا بهم إلى الحمام واغسلوهم واضربوا عليهم القباب ففعلوا وأمال عليهم المطبخ وكساهم وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من الأموال والكسوة ثم قال لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه نسب ما قتلهم ارجعوا بهم إلى المدينة
قال فبعث بهم من صار بهم إلى المدينة إخراج بني أمية عن المدينة وذكر قتال أهل الحرة
قال وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة قالوا بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا وكتب إليه واغوثاه إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة
قال أبو معشر فخرج يزيد بعد العتمة ومعه شمعتان شمعة عن يمينه وشمعة عن
____________________
(2/185)

يساره وعليه معصفرتان وقد نقش جبهته كأنها ترس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد يا أهل الشام فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا الخبر
قال وكان معاوية أوصى يزيد فقال له إن رابك من قومك ريب أو تنقص عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرة فاستشره يعني مسلم بن عقبة فلما كانت تلك الليلة قال يزيد أين مسلم بن عقبة فقام فقال ها أنا ذا
قال عبيء ثلاثين ألفا من الخيل
قال وكان معقل بن سنان الأشجعي نازلا على مسلم بن عقبة
فقال له مسلم بن عقبة إن أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا
فقال له استعفه
قال لا
قال فاركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم فمرض مسلم قبل خروجه من الشام فأدنف فدخل عليه يزيد بن معاوية يعوده قال له قد كنت وجهتك لهذا البعث وكان أمير المؤمنين معاوية قد أوصاني بك وأراك مدنفا ليس فيك سفر
فقال يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي إنما أنا امرؤ وليس بي بأس
قال فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة فوضع على سرير وحمله الرجال على أعناقهم حتى جاؤوا مكانا يقال له البتراء فأرادوا النزول به فقال لهم ما اسم هذا المكان فقيل له البتراء
فقال لا تنزلوا به ثم سار حتى حاجزة فنزل به فأرسل إلى أهل المدينة إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم أنتم الأصل والعشيرة والأهل فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة عطاء في الصيف وعطاء في الشتاء ولكم عندي عهد الله وميثاقه أن أجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد فعلي أن أخرجه لكم وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم فاشترى بها عبيدا لنفسه فقالوا لمسلم نخلعه كما نخلع عمائمنا يعنون يزيد وكما نخلع نعالنا
قال فقاتلهم فهزم الناس أهل المدينة
قال أبو معشر حدثنا محمد بن عمرو بن حزم قال قتل بضعة وسبعون رجلا من قريش وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار وقتل من الناس نحو أربعة آلاف وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه
فقال مسلم
____________________
(2/186)

بن عقبة لأهل الشام
كفوا أيديكم فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص يريد القتال فقاتلهم بعد الكف
فقال مسلم بن عقبة أنهبها ثلاثا
قال فقتل الناس وفضحت النساء ونهبت الأموال
فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة
قال فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله بن زمعة وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمرو قال لأم سلمة أرسلي معي ابن بنتك فجاء به إلى مسلم فلما تقدم يزيد قال له مسلم تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق
فقال يزيد لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك
قال والله لا تستقبلها أبدا
فقال عمرو بن عثمان أنشدك الله فإني أخذته من أم سلمة بعهده وميثاقه أن أرده إليها
قال فركضه برجله فرماه من فوق السرير فقتل يزيد بن عبد الله ثم أتى محمد بن أبي جهم مغلولا
فقال له مسلم أنت القائل اقتتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا
قال قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمر فأرسل يدي وقد برئت مني الذمة إنما نزلت بعد الله وميثاقه
قال لا والله حتى أقدمك إلى النار
قال فضرب عنقه
ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي وكان جالسا في بيته فأتاه مئة رجل من قومه فقالوا له اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه
فقال لهم إني قد قلت له قولا وأنا أتخوف فقالوا لا والله لا يصل إليك أبدا فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا وحبسوا الآخرين وأغلقوا الباب فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال إني أرى شيخا قد تعب وعطش أسقوه من البلح الذي زودني به أمير المؤمنين قال خاضوا له بلحا بعسل فشربه
قال له أشربت قال نعم قال والله لا تبولها من مثانتك أبدا أنت القائل اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم
فقال معقل أما و الله لقد تخوفت ذلك منك وإما غلبتني عشيرتي
قال فجعل يفري جبة كانت عليه وقال أكره أن يلبسوها فضرب عنقه ثم سار إلى مكة حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف فدعا الحصين بن نمير
فقال له يا بن برذعة الحمار والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك أتسمع قال نعم قال لا تكونن إلا على الوقاف ثم الثقات ثم الإنصراف ولا تمكن قريشا من أذنك
ثم مات مسلم بن عقبة فدفن بقفا المشلل وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة بأستار فخرجت إليه فنبشته من قبره ثم أحرقت عليه بالنار وأخذت أكفانه فشقتها
____________________
(2/187)

وعلقتها بالشجرة فكل من مر عليه يرميه بالحجارة وسار الحصين حتى جاء مكة فدعاهم إلى الطاعة وعبد الله بن الزبير يومئذ بمكة فلم يجبه فقاتله فقتل يومئذ المنذر بن الزبير ورجلان من إخوته ومصعب بن عبد الرحمن والمسور بن مخرمة حرب ابن الزبير رضي الله عنهما
قال وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة مضى إلى مكة المشرفة يريد ابن الزبير حتى إذا كان بقديد حضرته الوفاة فدعا الحصين بن نمير
فقال له إن أمير المؤمنين عصاني فيك فأبى إلا استخلافك بعدي فلا ترسلن بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك إنما هو الوقاف ثم الثقاف ثم الإنصراف
وهلك مسلم بن عقبة فدفن بالثنية
قال وسمع بهم عبد الله بن الزبير فأحكم مراصد مكة فجعل عليها المقاتلة وجاءه جند أهل المدينة وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة وأرسل خيلا فأخذت أسفلها ونصب عليها العرادات والمجانيق وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كل يوم يرمونها بها
فقال الناس انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل
قال عبد الله بن عمرو بن العاص وكان بمكة معتمرا قدم من الطائف لا تظن ذلك لو كان كافرا بها لعوقب دونها فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها فكان كما قال وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم سنة أربع وستين فحاصروهم بقية المحرم وصفر وشهري ربيع يغدون على القتال ويروحون حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير أن ائذن لنا نطوف بالبيت وننصرف عنكم فقد مات صاحبنا
فقال ابن الزبير وهل تركتم من البيت إلا مدرة وكانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته مع الحريق الذي أصابه قال فمنعهم أن يطوفوا بالبيت
فارتحل الحصين حتى إذا كان بعسفان تفرقوا وتبعهم الناس يأخذونهم حتى ان كانت الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا فيبعث بهم إلى المدينة وأصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا فحبسوا بالمدينة حتى قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد الله بن الزبير فأخرجهم إلى الحرة فضرب أعناقهم وكانوا أربع مئة وأكثر قال وانصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا وبايع أهل المدينة لابن الزبير
____________________
(2/188)

بالخلافة وكان ابن عباس بمكة يومئذ فخرج إلى الطائف فهلك بها سنة سبعين وهو يومئذ ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله عنه خلافة معاوية بن يزيد
قال فلما مات يزيد بن معاوية استخلف ابنه معاوية بن يزيد وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يرى ثم خرج بعد ذلك قال فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم وقلدته من ولايتكم فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني وأحقهم بذلك وأقوى على ما قلدته فاختاروا مني إحدى خصلتين إما أن أخرج منها وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا في الدين والدنيا وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها
قال فأنف الناس من قوله وأبوا من ذلك وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم فقالوا ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا
قال لكم ذلك وعجلوا علي
قال فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى طعن فدخلوا عليه فقالوا له استخلف على الناس من تراه لهم رضا
فقال لهم عند الموت تريدون ذلك لا والله لا أتزودها ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها ثم هلك رحمه الله ولم يستخلف أحدا
فقالوا لعثمان بن عنبسة تقدم فصل بالناس فأبى
وقال لا
أما أنا فلاحق بخالي عبد الله بن الزبير فقال له ابن زياد إن هذا ليس بزمان خالك ولا عمك
فلما دفن معاوية بن يزيد وسوى عليه التراب وبنو أمية حول قبره قال مروان أما والله يا بني أمية إنه لأبو ليلى ثم قال
( الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا ** وماج أمر بني أمية واختلفوا ) غلبة ابن الزبير رضي الله عنهما وظهوره
قال وذكروا أن أبا معشر قال حدثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير قال لما نزل الحصين بمكة وغلب عليها كلها إلا المسجد الحرام قال فإني لجالس مع ابن الزبير ومعه من القرشيين عبد الله بن مطيع والمختار بن أبي عبيد والمسور بن مخرمة والمنذر بن الزبير ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف في نفر من
____________________
(2/189)

قريش
قال فقال المختار بن عبيد وهبت رويحة والله إني لأجد النصر في هذه الرويحة فاحملوا عليهم قال فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة وقتل المختار رجلا وقتل ابن مطيع رجلا
قال فجاءه رجل من أهل الشام في طرف سنان رمحه نار
قال وكان بين موت يزيد بن معاوية وبين حريق الكعبة إحدى عشرة ليلة ثم التحمت الحرب عند باب بني شيبة فقتل يومئذ المنذر بن الزبير ورجلان من إخوته ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة وكان الحصين قد نصب المجانيق على جبل أبي قبيس وعلى قعيقعان فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت وأسند ابن الزبير ألواحا من الساج إلى البيت وألقى عليها القطائف والفرش فكان إذا وقع عليها الحجر نبا عن البيت فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح فإذا سمعوا صوت الحجر حين يقع على الفرش والقطائق كبروا وكان طول الكعبة في السماء ثمانية عشر ذراعا وكان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد فكلما جرح أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط حريق الكعبة
قال فجاء رجل في طرف سنان رمحه نار فأشعلها في الفسطاط فوقعت النار على الكعبة فاحترق الخشب وانصدع الركن واحترقت الأستار وتساقطت إلى الأرض
قال ثم قاتل أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة واحترقت في ربيع الأول سنة أربع وستين
قال فلما احترقت جلس أهل مكة في ناحية الحجر ومعهم ابن الزبير وأهل الشام يرمونهم بالنبل
قال فوقعت بين يديه نبلة
قال في هذه خبر فأخذوها فوجدوا بها مكتوبا مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأولى
فلما قرأ ذلك ابن الزبير قال يا أهل الشام يا محرقي بيت الله يا مستحلي حرم الله علام تقاتلون وقد مات طاغيتكم يزيد بن معاوية فأتاه الحصين بن نمير فقال له موعدك البطحاء الليلة يا أبا بكر
____________________
(2/190)


فلما كان الليل خرج ابن الزبير بأصحابه وخرج الحصين بأصحابه إلى البطحاء فتنحى كل واحد منهما من أصحابه وانفردا فقال الحصين يا أبا بكر قد علمت أني سيد أهل الشام لا أدافع عن ذلك وأن أعنة خيلهم بيدي وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك فأبايعك الساعة على أن تهدر كل شيء أصبناه يوم الحرة وتخرج معي إلى الشام فإني لا أحب أن يكون الملك في الحجاز
قال لا والله لا أفعل لا أؤمن من أخاف الناس وأحرق بيت الله وأنتهك حرمته
فقال الحصين بلى فافعل فعلي ألا يختلف عليك اثنان
فأبى ابن الزبير
فقال له الحصين لعنك الله ولعن من زعم أنك سيد والله لا تفلح أبدا اركبوا يا أهل الشام
فركبوا وانصرفوا
قال فحدثني من شهد انصرافهم قال والله إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ الفارس ما يمتنع
قال أبو معشر وذلك أن المنهزم لا فؤاد له
قال فبايع أهل الشام كلهم ابن الزبير إلا أهل الأردن وبايع أهل مصر ابن الزبير وغلب على أهل العراق والحجاز واليمن وغلظ أمره وعظم شأنه واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس على أهل الشام اختلاف أهل الشام على ابن الزبير
قال وذكروا أن ابن الزبير لما استخلف الضحاك على أهل الشام قام أناس من أهل الشام من رؤوس خريش بني أمية وأشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي فقال بعضهم إن الملك كان فينا أهل الشام أفينتقل ذلك إلى أهل الحجاز لا نرضى بذلك هل لكم أن تأخذو رجلا منا فينظر في هذا الأمر قالوا نعم
فجاؤوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية وهو غلام حدث السن فقيل له ارفع رأسك لهذا الأمر فقال أستخير الله وأنظر فرأى القوم أنه ذو ورع عن القيام في ذلك فخرجوا فأتوا عمرو بن سعيد فقالوا له يا أبا أمية ارفع رأسك بهذا الأمر فجعل يشير ويقول والله لأفعلن لأفعلن فلما خرجوا من عنده قالوا هذا حديث علج
فأتوا مروان بن الحكم فإذا عنده مصباح وإذا هم يسمعون صوته بالقرآن فاستأذنوا ودخلوا عليه فقالوا له يا أبا عبد الملك ارفع رأسك لهذا الأمر فقال استخيروا الله واسألوه أن يختار لأمة محمد خيرها وأعدلها ما شاء الله بيعة أهل الشام مروان بن الحكم
قال وذكروا أن روح بن زنباع قال لمروان بن الحكم إن معي أربع مائة رجل من جذام وسآمرهم أن يبتدرا في المسجد غدا فمر ابنك عبد العزيز أن يخطب ويدعوهم إليك وأنا آمرهم أن يقولوا صدقت فيظن الناس أن أمرهم واحد قال فلما أصبح عبد العزيز خرج على الناس وهم مجتمعون فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما أحد أولى بهذا الأمر من مروان بن الحكم إنه لكبير قريش وشيخها وأفرطها عقلا
____________________
(2/191)

وكمالا ودينا وفضلا والذي نفسي بيده لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر
فقال الجذاميون صدقت
فقال خالد بن يزيد أمر قضي بليل
فبايعوا مروان بن الحكم
فقال عمرو بن سعيد للضحاك بن قيس أرضيت أن تكون بريدا لابن الزبير وأنت أكبر قريش وسيدها تعال نبايعك فخرج به إلى مرج راهط فلما دعاه إلى البيعة اقتتلوا فقتل الضحاك بن قيس فقال عمرو بن سعيد لأهل الشام ما صارت أيديكم إلا مناديل من جاءكم مسح يده بها إن مروان سيد قريش وأكبرهم سنا فبايعوا مروان بن الحكم وقتل الضحاك بن قيس وهزم أصحابه وكانت قيس مع الضحاك وكان اليمن مع عمرو بن سعيد فمكث مروان ما شاء الله أن يمكث ثم قال له أصحابه والله ما نتخوف إلا خالد بن يزيد بن معاوية وإنك إن تزوجت أمه كسيرته وأمه ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة فخطبها مروان بن الحكم فتزوجها وأقام بالشام ثم أراد أن يخرج إلى مصر فقال لخالد أعرني سلاحا إن كان عندك
قال فأعاره سلاحا وخرج إلى مصر فقاتل أهل مصر وسبى ناسا كثيرا فاقتدوا منه ثم قدم الشام موت مروان بن الحكم
قال وذكروا أن مروان بن الحكم لما قدم الشام من مصر قال له خالد بن يزيد ابن معاوية أردد إلي سلاحي فأبى عليه مروان فألح عليه وكان مروان فاحشا سبابا وقال له يا ابن الربوخ يا أهل الشام إن أم هذا ربوخ يا ابن الرطبة قال فجاء ابنها إليها قال هذا ما صنعت بي سبني مروان على رؤوس أهل الشام وقال هذا ابن الربوخ قال وكان مروان استخلف حين خرج إلى مصر ابنه عبد الملك وعبد العزيز أنهما يكونان بعده وبايع لهما أهل الشام فلبث مروان بعد ذلك ليالي بعد ما قال لخالد بن يزيد ما قال ثم جاء إلى أم خالد فرقد عندها فأمرت جواريها فطوين عليه الشوادك ثم غطته حتى قتلته ثم خرجن يصحن ويشققن جيوبهن يا أمير المؤمنين
قال فقام عبد الملك فبايع لنفسه ووعد عمرو بن سعيد أن يستخلفه فبايعه وأقاموا بالشام بيعة عبد الملك بن مروان وولايته
قال وذكروا أن عبد الملك بن مروان بايع لنفسه بالشام ووعد الناس خيرا ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة وإقامة العدل والحق وكان معروفا بالصدق مشهورا بالفضل والعلم لا يختلف في دينه ولا ينازع في ورعه فقبلوا ذلك منه ولم يختلف
____________________
(2/192)

عليه من قريش أحد ولا من أهل الشام
فلما تمت بيعته خالفه عمرو بن سعيد الأشدق فوعده عبد الملك أن يستخلفه بعده فبايعه على ذلك وشرط عليه أن لا يقطع شيئا دونه ولا ينفذ أمرا إلا بمحضره فأعطاه ذلك
ثم إن عبد الملك بعث حبيش بن دلجة القيسي إلى المدينة في سبعة آلاف رجل فدخل المدينة وجلس على المنبر الشريف فدعا بخبز ولحم فأكل على المنبر ثم أتى بماء فتوضأ على المنبر
قال أبو معشر فحدثني رجل من أهل المدينة يقال له أبو سلمة قال شهدت حبيش بن دلجة يومئذ وقد أرسل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري فدعاه فقال تبايع لعبد الملك أمير المؤمنين بالخلافة عليك بذلك عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء فإن خالفت فأهرق الله دمك على الضلالة
فقال له جابر بن عبد الله إنك أطوق لذلك مني ولكني أبايعه على ما بايعت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على السمع والطاعة
قال ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر فقال له تبايع لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على السمع والطاعة فقال ابن عمر إذا اجتمع الناس عليه بايعت له إن شاء الله
ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك نحو الربذة وقام في أثره رجلان أحدهما على أثر الآخر مع كل واحد منهما جيش وكل واحد منهما يصعد المنبر ويخطب ثم خرجوا جميعا إلى الربذة وذلك في رمضان سنة خمس وستين فاجتمعوا بها وأميرهم ابن دلجة
وكتب ابن الزبير إلى عباس بن سهل الساعدي بالمدينة أن سر إلى حبيش ابن دلجة وأصحابه في ناس فسار حتى لقيهم بالربذة في شهر رمضان وبعث الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة من البصرة مددا إلى عباس بن سهل بن حنيف بن السجف في تسع مئة رجل فساروا حتى انتهوا إلى الربذة فبات أهل البصرة وأهل المدينة يقرؤون القرآن ويصلون ليلتهم حتى أصبحوا وبات الآخرون في المعازف والخمور فلما أصبحوا قال لهم حبيش بن دلجة أهريقوا ماءكم حتى تشربوا من سويقكم المعتد فأهرقوا الماء وغدوا إلى القتال فقتل حبيش ومن معه من أهل الشام وتحصن من أهل الشام خمس مئة رجل على عمود الربذة وهو الجبل الذي عليها
قال وكان يوسف أبو الحجاج مع ابن دلجة قال وأحاط بهم عباس بن سهل فقال انزلوا على حكمي فنزلوا على حكمه فضرب أعناقهم أجمعين
____________________
(2/193)

غلبة ابن الزبير على العراقيين وبيعتهم
قال وذكروا أن عباش بن سهل لما فرغ من قتال أهل الشام رجع المدينة فجدد البيعة لابن الزبير فسارعوا إليها ولم يتثبطوا وقدم أهل البصرة على ابن الزبير بمكة فكانوا معه وكان عبد الله بن الزبير استعمل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة فلما قدمها قيل له إن الناس يقطعون الدراهم يجعلونها حتى كأنها أصفار
فقال لهم هلم بسبعة ثقالا فأتوه بسبعة ثقال
فقال هذه بعشرة فزنوا كيف شئتم
قال وأتوا بالمكيال الذي يكيلون به فقال هذا قريب صالح
ثم قيل له إن أهل البصرة لا يصلحهم إلا القتل
فقال لأن تفسد البصرة أحب إلي من أن يفسد الحرث والنسل
قال فبعث ابن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير إلى البصرة عاملا فاستحقره أهل البصرة فبعث مصعب بن الزبير فقدم عليهم فقال أهل البصرة لا يقدم عليكم أحد إلا لقبتموه وأنا ألقب لكم نفسي أنا القصاب
ثم سار إلى المختار فقتله بيعة أهل الكوفة لابن الزبير وخروج ابن زياد عنها
قال وذكروا عن بعض المشيخة من أهل العلم بذلك قالوا كان ابن زياد أول من ضم إليه الكوفة والبصرة وكان أبوه زياد كذلك قبله فلم يزل عبيد الله يتبع الخوارج ويقتلهم ويأخذ على ذلك الناس بالظن ويقتلهم بالشبهة واستعمد إلى عامتهم وكان بعضهم له على ما يحب قال فلما اختلف أمر الناس ومات يزيد وامتد سلطان ابن الزبير وغلظ شأنه وعظم أمره وخلع أهل البصرة طاعة بني أمية وبايعوا ابن الزبير خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أيها الناس إن الذي كنا نقاتل على طاعته قد مات واختلف أمر الناس وتشتت كلمتهم وانشقت عصاهم فإن أمرتموني عليكم جبت فيكم وقاتلت بكم عدوكم وحكمت بينكم وأنصفت مظلومكم وأخذت على يد ظالمكم حتى يجتمع الناس على خليفة
فقام يزيد بن الحارث بن رويم اليشكري وقال الحمد لله الذي أراحنا من بني أمية وأخزى ابن سمية لا والله ولا كرامة فأمر به عبيد الله فلبب ثم انطلق به إلى السجن فقامت بكر بن وائل فحالت بينه وبين ذلك
ثم خرج الثانية عبيد الله بن زياد إلى المنبر فخطب الناس فحصبه الناس ورموه بالحجارة وسبوه وقام قوم فدنوا منه فنزل فاجتمع الناس في المسجد
فقالوا نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة فاجتمع رأيهم على أن يؤمروا عمرو بن سعد بن أبي وقاص وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي
____________________
(2/194)

الذي من كندة فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين وأقبلت همدان حتى ملأوا المسجد فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف وأجمع رأي أهل البصرة والكوفة على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف فأمروه عليهم حتى يجتمع الناس وكتبوا إلى عبد الله بن الزبير يبايعونه بالخلافة فأقره عبد الله بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة واستعمل العمال في الأمصار فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة فاجتمعوا وأخرجوا الرايات فلم يبق أحد إلا خرج وذلك لسوء أثار عبيد الله بن زياد فيهم يطلبون قتله
ثم قام ابن أبي ذؤيب فقال يا هؤلاء من ينصر الله ينصر الكعبة من يغار على ابن سمية سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض واجتنبوا هذه الدعوة وأقيموا أود هذه البيعة فإنها بيعة هدى فإنه من قد علمتهم عبد الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقي على الأرض من هو خير منه وأولى بهذه البيعة ما مد يده ولا نازعته إليها نفسه أما والله لقد علمتم ما أحد على وجه الأرض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد الله بن عمر المتبريء من الدنيا المعتزل عن الناس الكاره لهذا الأمر ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد الله بن زياد واجتمعوا على حدة والقبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة وعبيد الله بن زياد في القصر وقد أخذ بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد وقد أخذت العرب بأفواه السكك والدروب وكان عبيد الله أول من جفا العرب وأخذ منهم المحاربة اثني عشر ألفا ليعتز بهم فوالله ما زادوه إلا ذلا فلما رأى ذلك عبيد الله بن زياد لم يدر كيف يصنع وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي من الأزد فدخل عليه الحارث
فقال يا حارث قد أكرمتم زيادا وحفظتم منه ما كنتم أهله وقد استجرت بكم فأنشدكم الله في
قال الحارث أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا لما أرى من سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك في الأزد
قال فتهيأ عبيد الله فلبس لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها فأردفه الحارث خلفه فخرج به على الناس فقالوا يا حارث ما هذه قال تنحوا رحمكم الله هذه امرأة من أهلي كانت زائرة لأهل ابن زياد أتيت أذهب بها
فقال عبيد الله للحارث أين نحن قال في بني سليم فقال سلمنا الله
قال ثم سار قليلا ثم قال أين نحن قال في بني ناجية من الأزد
قال نجونا إن شاء الله
قال فأتى به مسعود بن عمرو وهو يومئذ سيد الأزد فقال يا أبا قيس قد جئتك بعبيد الله مستجيرا
قال ولم
____________________
(2/195)

جئتني بالعبد قال نشدتك الله فقد اختارك على غيرك
فلما رآهم عبيد الله يتراضون ويتناشدون قال قد بلغني الجهد والجوع فقال مسعود يا غلام ائت البقال فأتنا من خبزه وتمره
قال فجاء به الغلام فوضع
قال فأكل وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه
ثم قال أدخل فدخل ومنارات الناس يومئذ من القصب وكان منزل مسعود يومئذ قاصيا
قال فكأن عبيد الله خاف
فقال يا غلام اصعد إلى السطح بحزمة من قصب فأشعل أعلاه نارا ففعل ذلك في جوف الليل فأقبلت الأزد على الخيل وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك وملؤوها
فقالوا ما لسيدنا قال شيء حدث في الدار
قال فعرف عبيد الله عزته ورفعته وما هو عليه
قال هذا والله العز والشرف فأقام عنده أياما وعند امرأتان امرأة من الأزد وامرأة من عبد قيس فكانت العبدية تقول اخرجوا العبد
وكانت الأزدية تقول استجار بك على بغضه إياك وجفوته لك وتحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو فاجتمعت القبائل في المسجد والخوارج وهم في أربعة آلاف فقال مسعود ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من أمر عبيد الله
ثم قال وكيف آمن عليه وهو في منزلي ولكني أبلغه مأمنه ثم أعتذر إليهم
قال وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة
قال فأقبل مسعود يوما على برذون له وحوله عدة من الأزد عليهم السيوف وقد عصب رأسه بسير أحمر قال الهيثم فقلت لابن عباس لم عصب رأسه بسير أحمر قال قد سألت عن ذلك قبلك
فقال شيخ من الأزد كان ضخم الهامة وكانت له ضفيرتان فعصب لذلك بالسير قال ابن عباس فذكرت ذلك لعمرو بن هرم وكان معنا بواسط
فقال حدثك من لا يعرف هذا شيء كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الإعتذار من الذنب عصب السير ليعلموا أنه معتذر
قال فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد ومعه أصحابه رجالة بين يديه وخلفه وكان كبيرا فلم يستطع النزول والقبائل في المسجد بأجمعها فدخل المسجد بدابته فبصرت به الخوارج فظنوا أنه عبيد الله فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف وجال الناس جولة فضربوه بأسيافهم حتى مات
قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج وجال الناس ونهضوا من مجالسهم وبلغ ذلك الأزد فأقبلوا على كل صعب وذلول وأقبل عباد بن الحصين لينظر إلى عبيد الله فإذا هو بمسعود
فقال مسعود ورب الكعبة إنا لله وإنا إليه راجعون أبا قيس قد وفيت ما كان أغنى أهل مصرك بما صنعت من ذلك فجعتهم بنفسك
ثم ألقي عليه كساءه ثم أقبلت الأزد فكان بينهما وبين مضر ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا وتراضوا على بيعة ابن الزبير
قال الهيثم قال
____________________
(2/196)

ابن عباس حدثني عوكل اليشكري قال إنا مع عبيد الله بن زياد في ليلة مظلمة فإذا نحن بنار من بعد
فقال عبيد الله يا عوكل كيف الطريق قال اجعل النار على حاجبك فقال بل على حاجبك
قال عوكل فوالله إنا لنسير بالسمارة إذ قال عبيد الله قد كرهت البعير فابغوا إلى ذا حافر
قال فإذا نحن بأعرابي من كلب معه حمار أقمر ضخم
فقلت تبيعه بكم فقال بأربع مئة درهم ولا أنقصكم درهما فأشار إلينا عبيد الله أن خذوه
قال فجعلنا ننقده الدراهم
قال لست أدري ما هذه ولكن بيني وبينكم هذا المولى يعني عبيد الله بن زياد وكان عبيد الله أحمر أقمر شبيها بالموالي
قال فأخذناه منه فقال عبد الله إرحلوا لي عليه فرحلنا له عليه فلما قدم ليركب قال الأعرابي أنا أقسم بالله إن لكم لشأنا وما أظن صاحبكم إلا والي العراق فاستقفاه عبيد الله بالعصا فضربه بها فوقع ثم شدوه وثاقا
قال وجعلوا يتجنبون المياه
قال عوكل ثم إن عبيد الله بينا هو على راحلته إذ هجعت عينه
فقلت له أراك نائما
فقال ما كنت بنائم فقلت له ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال وبأي شيء كنت أحدث نفسي قال قلت ليتني لم أبن البيضاء ولم أستعمل الدهاقين وليتني لم أتخذ المحاربة قال ما خطر لي هذا على بال أما قولك ليتني لم أبن البيضاء فما كان علي منها إثم بناها اليزيد من ماله وأما استعمال الدهاقين فقد استعملهم أبي ومن كان قبله وأما المحاربة فوالله ما اتخذتهم إلا وقاية لأني كنت أقتل بهم أهل المعصية فلو أمرت عشائرهم بهم لم يقتلوهم ولشق ذلك عليهم فجعلت ذلك بيني وبينهم من لا آل بينه وبينهم ولكني كنت أحدث نفسي أني ندمت على تركي أربعة آلاف في السجن من الخوارج فوددت أني كنت أضرمت البيضاء عليهم حتى آتي على آخرهم وودت أني جمعت آل بيتي وموالي ونابذت أهل المصر على سواء حتى يموت الأعجل ووددت إني قدمت الشام ولم يبايع أهلها بعد قتل المختار عمرو بن سعد
قال وذكروا أن المختار بن أبي عبيد كتب إلى عبد الله بن الزبير من الكوفة وقال لرسوله إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى عبد الله بن الزبير فأت المهدي محمد بن علي وهو ابن الحنفية فاقرأ عليه مني السلام وقل له يقول لك أخوك أبو إسحاق إني أحبك وأحب أهل بيتك قال فأتاه الرسول فقال له ذلك
قال كذبت وكذب أبو إسحاق معك كيف يحبني ويحب أهل بيتي وهو يجلس عمرو بن سعد بن أبي وقاص على وسائده وقد قتل الحسين بن علي أخي
____________________
(2/197)


قال فلما قدم عليه رسوله أخبره بما قال محمد بن علي
فقال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمرو بن سعد بن أبي وقاص
قال ففعل فلما جئن يبكين الحسين قال عمرو لابنه حفص يا بني ائت الأمير فقل له ما شأن النوائح يبكين الحسين على بابي قال فأتاه فقال له ذلك فقال له إنه أهل أن يبكى عليه فقال أصلحك الله انههن عن ذلك
قال نعم
ثم دعا أبا عمرو فقال اذهب إلى عمرو بن سعد فأتني برأسه قال فأتاه فقال قم إلي أبا حفص فقام إليه وهو ملتحف فجلله بالسيف ثم جاء برأسه إلى المختار وحفص جالس عنده على الكرسي فقال هل تعرف هذا الرأس قال نعم رحمة الله عليه قال أتحب أن ألحقك به قال وما خير الحياة بعده
قال فضرب رأسه فقتله
قال ثم أرسل عبد الله بن الزبير يزيد بن زياد على العراق فكان بالكوفة حتى مات يزيد وأحرقت الكعبة ورجع الحسين هاربا إلى الشام
قال ثم أرسل عبد الله بن مطيع إلى الكوفة ثم بعث المختار بن أبي عبيد على الكوفة وعزل عبد الله بن مطيع وسيره إلى المدينة وسار عبيد الله بن زياد بعد ذلك إلى المختار وجهه عبد الملك بن مروان أميرا على العراق وندب معه جيشا عظيما من أهل الشام فأقبل إلى الكوفة يريد المختار فالتقوا بخازر فاقتتلوا فقتل المختار عبيد الله بن زياد ومن معه وكان معه الحصين بن نمير وذو الكلاع وغلبة من كان معه ممن شهد وقعة الحرة من رؤوسهم قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد الله
قال وذكروا أن أبا معشر قال لما قتل عبيد الله بن زياد ومن معه ارتضى أهل البصرة عبد الله بن الحارث بن نوفل فأمروه على أنفسهم ثم أتى عبد الله بن الزبير وأم عبد الله بن الحارث هند بنت أبي سفيان وكانت أمه تنبزه وهو صغير بببه فلقب بببه ثم بعث عبد الله بن الزبير الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة عاملا على البصرة ثم بعث حمزة بن الزبير بعده ثم بعث مصعب بن الزبير أخاه وضم إليه العراقين جميعا الكوفة والبصرة فلما ضم إليه الكوفة وعزل المختار عنها خلع المختار عبد الله بن الزبير بالكوفة ودعا إلى آل الرسول وأراد أن يعقد البيعة لمحمد بن الحنفية ويخلع عبد الله بن الزبير
فكتب عبد الله إلى أخيه مصعب أن سر إلى المختار بمن معك ثم لا تبلعه ريقه ولا تمهله حتى يموت الأعجل منكما فأتاه مصعب بمن معه فقاتله ثلاثة أيام حتى هزمه وقتله وبعث مصعب برأس المختار إلى أخيه
وقتل مصعب أصحاب المختار قتل منهم ثمانية آلاف صبرا ثم قدم حاجا في سنة إحدى وسبعين فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير ومعه
____________________
(2/198)

رؤساء أهل العراق ووجوههم وأشرافهم
فقال يا أمير المؤمنين قد جئتك برؤساء أهل العراق وأشرافهم كل مطاع في قومه وهم الذين سارعوا إلى بيعتك وقاموا بإحياء دعوتك ونابذوا أهل معصيتك وسعوا في قطع عدوك فأعطهم من هذا المال فقال له عبد الله بن الزبير جئتني بعبيد أهل العراق وتأمرني أن أعطيهم مال الله لا أفعل وأيم الله لوددت أني أصرفهم كما تصرف الدنانير بالدراهم عشرة من هؤلاء برجل من أهل الشام
قال فقال رجل منهم علقناك وعلقت أهل الشام ثم انصرفوا عنه وقد يئسوا مما عنده لا يرجون رفده ولا يطمعون فيما عنده فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على خلعه فكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن أقبل إلينا خلع ابن الزبير
قال وذكروا أن أبا معشر قال لما أجمع القوم على خلع ابن الزبير وكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن سر إلينا فلما أراد عبد الملك أن يسير إليهم وخرج من دمشق فأغلق عمرو بن سعيد باب دمشق فقيل لعبد الملك ما تصنع أتذهب إلى أهل العراق وتدع دمشق أهل الشام أشد عليك من أهل العراق
فأقام مكانه فحاصر أهل دمشق أشهرا حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده ففتح دمشق ثم أرسل عبد الملك إلى عمرو وكانت بيت المال في يد عمرو أن أخرج للحرس أرزاقهم
فقال عمرو إن كان لك حرس فإن لنا حرسا فقال عبد الملك أخرج لحرسك أرزاقهم أيضا قتل عبد الملك عمرو بن سعيد
قال وذكروا أن أبا معشر قال
لما اصطلح عبد الملك وعمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية
قال فخرج ليأتيه فقالت له امرأته لا تذهب إليه فإني إتخوفه عليك وإني لأجد ريح دم مسفوح
قال فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها فتركته فأخرج معه أربعة آلاف رجل من أهل دولته لا يقدر على مثلهم متسلحين فأحدقوا بخضراء دمشق وفيها عبد الملك بن مروان
فقالوا لعمرو إذا دخلت على عبد الملك يا أبا أمية ورابك منه شيء فأسمعنا صوتك فقال لهم إن خفي عليكم صوتي ولم تسمعوه فالزوال بيني وبينكم ميعاد إن زالت الشمس ولم أخرج إليكم فاعلموا أني مقتول أو مغلوب فضعوا أسيافكم ورماحكم حيث شئتم ولا تغمدوا سيفا حتى تأخذوا بثأري من عدوي
قال فدخل وجعلوا يصيحون يا أبا أمية أسمعنا صوتك
وكان معه غلام أسحم
____________________
(2/199)

شجاع
فقال له اذهب إلى الناس فقل لهم ليس عليه بأس ليسمع عبد الملك أن وراءه ناسا فقال له عبد الملك أتمكر يا أبا أمية عند الموت خذوه فأخذوه فقال له إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلن في عنقك جامعة منه ثم نتر إلى الأرض نترة فكسرت ثنيته قال فجعل عبد الملك ينظر إليه فقال عمرو لا عليك يا أمير المؤمنين عظم انكسر
فقال عبد الملك لأخيه عبد العزيز اقتله حتى أرجع إليك
قال فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه قال له عمرو تمسك بالرحم يا عبد العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه فجاء عبد الملك فرآه جالسا فقال له لم لا تقتله لعنه الله ولعن أما ولدته قال فإنه قال تمسك بالرحم فتركته
قال فأمر رجلا عنده يقال له الزويرع فضرب عنقه ثم أدرجه في بساط ثم أدخله تحت السرير
قال فدخل عليه قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وكان أحد الفقهاء وكان رضيع عبد الملك بن مروان وصاحب خاتمه ومشورته فقال له عبد الملك كيف رأيك في عمرو بن سعيد فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير فقال اضرب عنقه يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك جزاك الله خيرا فما علمتك إلا ناصحا أمينا موافقا قال له فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا وأحاطوا بقصرنا قال قبيصة اطرح رأسه إليهم يا أمير المؤمنين ثم اطرح عليهم الدنانير والدراهم يتشاغلون بها
قال فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر فطرح إليهم وطرحت الدنانير ونثرت الدراهم ثم هتف عليهم الهاتف ينادي إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه أن يحمل راجلكم ويكسو عاريكم ويغني فقيركم ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق ويبلغكم إلى المئتين في الديوان فاعترضوا على ديوانكم واقبلوا أمره واسكنوا إلى عهده يسلم لكم ودنياكم قال فصاحوا نعم نعم نعم سمعا وطاعة لأمير المؤمنين
قال فلما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام أراد أن يخرج إلى مصعب فجعل يستفز أهل الشام فيبطئون عليه
فقال له الحجاج بن يوسف وكان يومئذ في حرس أبان بن مروان يا أمير المؤمنين سلطني عليهم فأعطاه ذلك فقال له عبد الملك اذهب قد سلطتك عليهم
قال فكان لا يمر على بيت رجل من أهل الشام تخلف إلا أحرق عليه بيته فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا قال فأصابهم من ذلك غلاء في الأسعار وشدة من الحال وصعوبة من الزمان قال وكانوا يصنعون لعبد الملك بن مروان الأرز
فسار بأهل الشام إلى العراق ومعه الحجاج بن يوسف مسير عبد الملك إلى العراق
قال وذكروا أن عبد الملك لما سار بأهل الشام ومعه الحجاج بن يوسف إلى العراق خرج مصعب بن الزبير بأهل البصرة والكوفة فالتقيا بين الشام والعراق وكان
____________________
(2/200)

عبد الملك ومصعب قبل ذلك متصافيين وصديقين متحابين لا يعلم بين اثنين من الناس ما بينهما من الإخاء والصداقة فبعث إليه عبد الملك أن أدن مني أكلمك قال فدنا كل واحد من صاحبه وتنحى الناس عنهما فسلم عبد الملك عليه وقال له يا مصعب قد علمت ما أجرى الله بيني وبينك منذ ثلاثين سنة وما اعتقدته من إخائي وصحبتي والله أنا خير لك من عبد الله وأنفع منه لدينك ودنياك فثق بذلك مني وانصرف إلى وجوه هؤلاء القوم وخذ لي بيعة هذين المصرين والأمر أمرك لا تعصي ولا تخالف وإن شئت اتخذتك صاحبا لا تخفي ووزيرا لا تعصى
فقال له مصعب أما ما ذكرت في من ثقتي بك ومودتي وإخائي فذلك كما ذكرته ولكنه بعد قتلك عمرو بن سعيد لا يطمأن إليك وهو أقرب رحما مني إليك وأولى بما عندك فقتلته غدرا ووالله لو قتلته في ضرب ومحاربة لمسك عاره ولما سلمت من إثمه وأما ما ذكرت من أنك خير لي من أخي فدع عنك أبا بكر وإياك وإياه لا تتعرض له واتركه ما تركك واربح عاجل عافيته وارج الله في السلامة من عاقبته فقال له عبد الملك لا تخوفني به فوالله إني لأعلم منه مثل ما تعلم إن فيه لثلاث خصال لا يسود بها أبدا عجب قد ملأه واستغناء برأيه وبخل التزمه فلا يسود بها أبدا قتل مصعب بن الزبير
قال وذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه ويجعل لهم أموالا عامة وشروطا وعهودا ومواثيق وعقودا وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لأصحابه على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا
فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب وكتب لأصحابي كلهم فلان وفلان بذلك فادع بهم في هذه الساعة فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم
فقال مصعب
ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم
قال إبراهيم فأخرى قال وما هي قال احبسهم في السجن حتى يتبين ذلك فقال له إبراهيم بن الأشتر عليك السلام ورحمة الله وبركاته ولا تراني والله بعد في مجلسك هذا أبدا
وقد كان قال له قبل ذلك دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا وهي ما شرطه الله
فقال له مصعب لا والله لا أفعل لا أكون قتلتهم بالأمس وأستنصر بهم اليوم قال فما هو إلا أن التقوا فحولوا رؤوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان
قال فبقي مصعب في شرذمة قليلة
قال فجاءه عبيد الله بن ظبيان فقال أين الناس
____________________
(2/201)

أيها الأمير فقال غدرتم يا أهل العراق
قال فرفع عبد الله سيفه ليضربه فبدره مصعب بالسيف على البيضة فنشب فيها فجعل يقلب السيف ولا ينتزع من البيضة
قال فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعبا بالسيف فقتله ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك يدعي أنه قتله فطرح رأسه وقال
( نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا ** وليس علينا قتلهم بمحرم )
قال فوقع عبد الملك ساجدا فتحامل عبيد الله على ركابه ليضرب عبد الملك بالسيف
فرفع عبد الملك رأسه وقال والله يا عبيد الله لولا منتك لألحقتك سريعا به
قال فبايعه الناس ودخل الكوفة فبايعه أهلها ذكر حرب ابن الزبير وقتله
قال وذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان من أهل العراق وأتاه الحجاج بن يوسف فقال يا أمير المؤمنين إني رأيت في المنام كأني أسلخ عبد الله بن الزبير فقال له عبد الملك أنت له فاخرج إليه فخرج إليه الحجاج في ألف وخمس مئة رجل من رجال أهل الشام حتى نزل الطائف وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا حتى توافى الناس عنده قدر ما يظن أنه يقدر على قتال عبد الله بن الزبير وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين فسال الحجاج من الطائف حتى نزل منى فحج بالناس وعبد الله بن الزبير محصور بمكة ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس ونواحي مكة كلها فرمى أهل مكة بالحجارة فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها جمع عبد الله بن الزبير القرشيين فقال لهم ما ترون فقال رجل منهم من بني مخزوم والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا لئن صبرنا معك ما يزيد على أن نموت معك وإنما هي إحدى خصلتين إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك وإنا أن تأذن لنا فنخرج
فقال عبد الله قد كنت عاهدت الله أن لا يبايعني أحد فأقيله بيعته إلا ابن صفوان
قال ابن صفوان والله إنا لنقاتل معك وما وفيت لنا بما قلت ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى أموت معك
فقال رجل آخر اكتب إلى عبد الملك
فقال له عبد الله وكيف أأكتب إليه من عبد الله أبي بكر أمير المؤمنين فوالله لا يقيل هذا مني أبدا أم أكتب إليه لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير فوالله لأن تقع
____________________
(2/202)

الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك
قال عروة أخوه وهو جالس معه على السرير يا أمير المؤمنين قد جعل الله لك أسوة فقال عبد الله من هو أسوتي قال الحسن بن علي بن أبي طالب خلع نفسه وبايع معاوية
فرفع عبد الله رجله وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال يا عروة قلبي إذن مثل قلبك والله لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا وقد أخذت الدنية وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط لا اقبل شيئا مما تقولون
قال فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال اصنعي لي طعاما فصنعت له كبدا وسناما
قال فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة فلم يسغها فرماها وقال اسقوني لبنا فأتي بلبن فشرب ثم قال هيئوا لي غسلا قال فاغتسل ثم تحنط وتطيب ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول
( ولا ألين لغير الحق أسأله ** حتى يلين لضرس الماضغ الحجر )
ثم دخل علي أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وهي عمياء من الكبر قد بلغت من السن مئة سنة
فقال لها يا أماه ما ترين قد خذلني الناس وخذلني أهل بيتي
فقالت يا بني لا يلعبن بك صبيان بني أمية عش كريما ومت كريما
فخرج وأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل الشام فيهزمهم وهو يقول ويل أمه فتحا لو كان له رجال قال فجعل الحجاج يناديه قد كان لك رجال ولكنك ضيعتهم
قال فجاءه حجر من حجارة المنجنيق وهو يمشي فأصاب قفاه فسقط فما درى أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي وتقول وا أمير المؤمنين فاحتزوا رأسه فجاؤوا به إلى الحجاج وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية وعمارة بن عمرو بن حزم ثم بعث برؤوسهم إلى عبد الملك وقتل لسبع عشر ليلة مضين من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين
قال أبو معشر ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها وعلى مكة والطائف ثلاث سنين يسير بسيرته فيما يقولون
قال فلما مات بشر بن مروان وكان على الكوفة والبصرة كتب إليه عبد الملك أن سر إلى العراقيين واحتل لقتلهم فإنه قد بلغني عنهم ما أكره واستعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم بن أبي العاص
____________________
(2/203)

ولاية الحجاج على العراقيين
قال وذكرا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم وأربعة آلاف من أخلاط الناس وتقدم بألفي رجل وتحرى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة فلما دنا من البصرة أمرهم أن يتفرقوا على أبواب المسجد على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم وعهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد والواقعة فيهم فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض وكان المسجد له ثمانية عشر بابا يدخل منها إليه
فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره
فقال لهم إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي وسيحصبونني فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي فضعوا أسيافكم واستعينوا بالله واصبروا إن الله مع الصابرين فلما دخل المسجد وقد حانت الصلاة صعد المنبر فحمد الله ثم قال أيها الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده وارتضاه إماما على عباده وقد ولاني مصركم وقسمة فيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإمضاء الحكم على ظالمكم وصرف الثواب إلى المحسن البريء والعقاب إلى العاصي المسيء وأنا متبع فيكم امره ومنذ عليكم عهده وأرجو بذلك من الله عز عز وجل المجازاة ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق وأما سيف النقمة فهو هذا
فحصبه الناس
فلما أكثروا عليه خلع عمامته فوضعها على ركبته فجعلت السيوف تبري الرقاب فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين ورأوا تسارع الناس إلى الخروج تلقوهم بالسيوف فردعوا الناس إلى جوف المسجد ولم يتركوا خارجا يخرج فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك
قال أبو معشر لما قدم الحجاج البصرة صعد المنبر وهو متعجر بعمامته متقلد سيفه وقوسه
قال فنعس على المنبر وكان قد أحيا الليل ثم تكلم بكلام فحصبوه
____________________
(2/204)

فرفع رأسه ثم قال إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها
فهابوه وكفوا ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا فأمر بهم جندا من أهل الشام وكانوا قد أحاطوا به من حوله ومن حول أبواب المسجد
قال فلما فرغ منهم وأحكم شأنه فيهم بعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان عاملا ومعه جيش
فكتب إليه الحجاج أن يقاتل حصن كذا وكذا فكتب إلى الحجاج إني لا أرى ذلك صوابا إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب
فكتب إليه الحجاج أنا الشاهد وأنت الغائب فانظر ما كتبت به إليك فامض له والسلام خروج ابن الأشعث على الحجاج
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لما خرج على الحجاج جمع أصحابه وفيهم عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن نوفل وبنو عون بن عبد الله وعمر بن موسى بن معمر بن عثمان بن عمرة وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص
قال لهم ما ترون فقالوا نحن معك فاخلع عدو الله وعدو رسوله فإن خلعه من أفضل أعمال البر فخلعه وأظهر خلعه
فلما أظهر ذلك قدم عليهم سعيد بن جبير فقالوا له إنا قد حبسنا أنفسنا عليك فما الرأي قال الرأي أن تكفوا عما تريدون فإن الخلع فيه الفتنة والفتنة فيها سفك الدماء واستباحة الحرم وذهاب الدين والدنيا
فقالوا إنه الحجاج وقد فعل ما فعل فذكروا أشياء ولم يزالوا حتى سار معهم وهو كاره
قال وانتهى الخبر إلى الحجاج فقيل له إن عبد الرحمن قد خلعك ومن معه فقال إن معه سعيد بن جبير وأنا أعلم أن سعيدا لا يخرج وإن أرادوا ذلك فسيكفيهم عنه
فقيل له إنه رام ذلك ثم لم يزالوا به حتى فتنوه وسار معهم
فبعث الحجاج الغضبان الشيباني ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الأشعث من كرمان وتقدم إليه أن لا يكتمه من أمره شيئا فتوجه الغضبان إلى عبد الرحمن
فقال له عبد الرحمن ما وراءك يا غضبان قال شر طويل تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك
ثم انصرف من عنده فنزل رملة كرمان وهي أرض شديدة الحر فضرب بها قبة وجلس فيها فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابي من بكر بن وائل على قعود فوقف عليه وقال السلام عليك
فقال له الغضبان السلام كثير وهي كلمة مقولة
____________________
(2/205)


قال الأعرابي من أين أقبلت قال من الأرض الذلول
قال وأين تريد قال أمشي في مناكبها وآكل من رزق الله الذي أخرج لعباده منها
قال الأعرابي فمن غلب اليوم قال الغضبان المتقون
قال فمن سبق قال حزب الله الفائزون
قال الأعرابي ومن حزب الله قال هم الغالبون
فعجب الأعرابي من منطقه وحضور جوابه
ثم قال أتقرض قال الغضبان إنما تقرض الفأرة
قال أفتنشد قال إنما تنشد الضالة
قال أفتسجع قال إنما تسجع الحمامة
قال أفتنطق قال إنما ينطق كتاب الله
قال أفتقول قال إنما يقول الأمير
قال الأعرابي تالله ما رأيت مثلك قط
قال الغضبان بل رأيت ولكنك نسيت قال الأعرابي فكيف أقول قال أخذتك الغول في العاقول وأنت قائم تبول
قال الأعرابي أتأذن لي أن أدخل عليك قال الغضبان وراؤك أوسع لك قال الأعرابي قد أحرقتني الشمس قال الغضبان الآن يفيء عليك الفيء إذا غربت
قال الأعرابي إن الرمضاء قد أحدقت قدمي
قال الغضبان بل عليها تبرد
قال الأعرابي إن الوهج شديد
قال الغضبان مالي عليه سلطان
قال الأعرابي إني والله ما أريد طعامك ولا شرابك
قال الغضبان لا تعرض بهما فوالله لا تذوقهما
قال الأعرابي وما عليك لو ذقتهما قال الغضبان نأكل ونشبع
فإن فضل شيء من الأكرياء والغلمان فالكلب أحق به منك
قال الأعرابي سبحان الله قال الغضبان نعم من قبل أن يطلع رأسك وأضراسك إلى الدنيا قال الأعرابي ما عندك إلا ما أرى قال الغضبان بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى يثتثر دماغك
قال الأعرابي إنا لله وإنا إليه راجعون
قال الغضبان أظلمك أحد قال الأعرابي ما أرى
ثم قال الأعرابي يا آل حارث بن كعب فقال الغضبان بئس الشيخ ذكرت
قال الأعرابي ولم ذلك قال الغضبان لأن إبليس يسمى حارثا
قال الأعرابي إني لأحسبك مجنونا
قال الغضبان اللهم اجعلني من خيار الجن
قال الأعرابي إني لأظنك حروريا
قال الغضبان اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير
قال الأعرابي إني لأراك منكرا
قال الغضبان إني لمعروف فيما أوتي
فولى عنه وهو
____________________
(2/206)

يقول إنك لبذخ أحمق وما أنطق الله لسانك إلا بما أنت لاق وعما قليل تلتف ساقك بالساق
فلما قدم الغضبان على الحجاج قال له أنت شاعر قال لست بشاعر ولكني خابر
قال أفعراف أنت قال بل وصاف
قال كيف وجدت أرض كرمان قال الغضبان أرض ماؤها وشل وسهلها جبل وثمرها دقل ولصها بطل إن كثير الجيش بها جاعوا وإن قل بها ضاعوا
قال صدقت أعلمت من كان الأعرابي قال لا قال كان ملكا خاصمك فلم تفقه عنه لبذخك اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك
وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك فما الذي به دهاك قال الغضبان جعلني الله فداك أيها الأمير أما إنها لا تنفع من قيلت له ولا تضر من قيلت فيه
فقال الحجاج أجل ولكن أتراك تنجو مني بهذا والله لأقطعن يديك ورجليك ولأضربن بلسانك عينيك
قال الغضبان أصلح الله الأمير قد آذاني الحديد وأهون ساقي القيود فما يخاف من عدلك البري ولا يقطع من رجائك المسيء
قال الحجاج إنك لسمين
قال الغضبان القيد والرتعة ومن يك ضيف الأمير يسمن
قال إنا حاملوك على الأدهم قال الغضبان مثل الأمير أصلحه الله يحمل على الأدهم والأشقر
قال الحجاج إنه لحديد
قال الغضبان لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا
قال الحجاج اذهبوا به إلى السجن قال الغضبان { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } يس 50
فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط فقال لجلسائه كيف ترون هذه القبة قالوا ما رأينا مثلها قط
قال الحجاج أما إن لها عيبا فما هو قالوا ما نرى بها عيبا
قال سأبعث إلى من يخبرني به فبعث فأقبل بالغضبان وهو يرسف في قيوده فلما مثل بين يديه
قال له يا غضبان كيف قبتي هذه قال أصلح الله الأمير نعمت القبة حسنة مستوية قال أخبرني بعينها قال بنيتها في غير بلدك لا يسكنها ولدك ومع ذلك فإنه لا يبقى بناؤها ولا يدوم عمرانها وما لا يبقى ولا يدوم فكأنه لم يكن
قال الحجاج صدق ردوه إلى السجن
فقال الغضبان أصلح الله الأمير قد
____________________
(2/207)

أكلني الحديد وأوهن ساقي القيود وما أطيق المشيء
قال احملوه
فلما حمل على الأيدي قال { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } الزخرف 13 قال أنزلوه فلما أنزلوه
قال { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } المؤمنون 29 قال الحجاج جروه
قال الغضبان وهو يجر بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم
قال الحجاج اضربوا به الأرض فقال { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } طه 55 فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال ويحكم قد غلبني والله هذا الخبيث أطلقوه إلى صفحي عنه
قال الغضبان { فاصفح عنهم وقل سلام } الزخرف 89
فنجا من شره بإذن الله
وكانت براءته فيما انطلق على لسانه حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
قال وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا زوج ابنه محمدا ميمونة بنت محمد بن الأشعث بن قيس الكندي رغبة في شرفها مع ما كانت عليه من جمالها وفضلها في جميع حالاتها وأراد من ذلك استماله جميع أهلها وقومها إلى مصافاته ليكونوا له يدا على من ناوأه وكان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي له أبهة في نفسه
وكان جميلا بهيا منطقيا مع ما كان له من التقدم والشرف فازدهاه ذلك وملأه كبرا وفخرا وتطاولا فألزمه بنفسه وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره وأجرى عليه العطايا الواسعة صلة لصهره وحبا لإتمام الصنيعة إليه وإلى جميع أهله
فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج لا يزيده الحجاج إلا إكراما ولا يظهر له إلا قبولا وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا رآه مقبلا أما والله يا عبد الرحمن إنك لتقبل علي بوجه فاجر وتدبر عني بقفاء غادر وأيم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك
فمكث بهذا القول منه دهرا حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته فكتب إليه عهده على سجستان
فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن فزعوا من ذلك فزعا شديدا فأتوا الحجاج فقالوا له أصلح الله الأمير إنا أعلم به منك فإنك به غير عالم ولقد أدبته بكل أدب فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه ونحن نتخوف أن يفتق فتقا أو يحدث حدثا يصيبنا فيه منك ما يسؤونا
فقال الحجاج القول كما قلتم والرأي كالذي رأيتم ولقد استعملته على بصيرة فإن يستقم فلنفسه نظر وإن يفترج سبيله عن بصائر الحق يهد إليها إن شاء الله
فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج وسار بذلك مسيرة أجمع حتى نزل مدينة سجستان ثم مر على خلعانه عام كامل فملا أجمع عبد الرحمن على إطهار خلعان الحجاج كتب إلى أيوب بن القرية التميمي وهو مع الحجاج في
____________________
(2/208)

عسكره خاص المنزلة منه وكان مفوها كليما يسأله أن يصدر إليه رسالة الحجاج يخلع فيها طاعة الحجاج فكتب له ابن القرية رسالة فيها بسم الله الرحمن الرحيم ومن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج بن يوسف سلام على أهل طاعة الله أوليائه الذين يحكمون بعدله ويوفون بعهده ويجاهدون في سبيله ويتورعون لذكره ولا يسفكون دما حراما ولا يعطلون للرب أحكاما ولا يدرسون له أعلاما ولا يتنكبون النهج ولا يبرمون السي ولا يسارعون في الغي ولا يدللون الفجرة ولا يترضون الجورة بل يتمكنون عند الإشتباه ويتراجعون عند الإساءة
أما بعد فإني أحمد إليك الله حمدا بالغا في رضاه منتهيا إلى الحق في الأمور الحقيقية لله علينا
وبعد فإن الله أنهضني لمصاولتك وبعثني لمناضلتك حين تحيرت أمورك وتهتكت ستورك فأصبحت عريان حيران مبهتا لا توافق وفقا ولا ترافق رفقا
ولا تلازم صدقا أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك أن يصيرك في حبالك أو أن يجيء بك في القرن ويسحبك للذقن وينصف منك من لم تنصفه من نفسك ويكون هلاكك بيدي من اتهمته وعاديته
فلعمري لقد طال ما تطاولت وتمكنت وأخطيت وخلت أن لن تبور وأنت في فلك الملك تدور وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب فسر لأمرك ولاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها
وتدرعت جلالها
تجرعها مطالها لا يحذرون منك جهدا ولا يرهبون منك وعيدا يتأملون خزايتك ويتجرعون إمارتك عطاشا إلى دمك يستطعمون الله لحمك وأيم الله لينافقنك منهم الأبطال الذين بينهم فيما يحاولونك به على طاعة الله شروا أنفسهم تقربا إلى الله فأغض عن ذلك بابن أم الحجاج
فسنحمل عليك إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله والسلام على أهل طاعة الله
فلما قدم الكتاب على الحجاج خرج موئلا قد أخذ بطرف ردائه وألقى الطرف الآخر يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس ثم قال
( نقاتلهم ولم نشتم عدوا ** وشر عداوة المرء السباب )
امرؤ وعظ نفسه بنفسه امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده امرؤ وعظ بغيره فاتعظ قد تبين لكم ما تأتون وما تبغون العجب العجب وما هو أعجب من العير الأبتر إني وجهته ومن معه من المنافقين لسبع مئة وزن سبعة سواء فانطلقوا في
____________________
(2/209)

نحور العدو ثم أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الإسلام من أجل عير أبتر ومن كيده ما هو أعجب العجب على حين أننا قد أمنا الخوارج وأطفأنا الفتن فكان من شكركم يا أهل العراق ليد الله فيكم ونعمته عليكم وإحسانه إليكم جرأتكم على الله وانتهاككم حرمته واغتراركم بنعمة الله ألم يأتكم شبيب مهزوما ذليلا فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش ليس منهم من أمير جيش إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها فيقتل أميرهم وهم وقوف ينظرون إليه لا يرون له حرمة في صحبة ولا ذماما في طاعة فقبحت تلك الوجوه فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق أما هذا الذي نتقي والله لقد أكرمنا الله بهوانكم وأهانكم بكرامتنا في مواطن شتى تعرفونها وتعرفون أشياء حرمكم الله اتخاذها وما الله بظلام للعبيد
ثم خذلانكم لهذه المعلوجاء المقصصة انحرافا أولى لهذه المعلوجاء وأخلاطها من أهل العراق لقد هممت أن أترك بكل سكك منها منتفخين شائلة أرجلهم تنهشهم الطير من كل جانب
يا أهل الشام أحدوا قلوبكم وأحدوا سيوفكم ثم قال
( قد جد أشياعكم فجدوا ** والقوس فيها وتر عرد )
( مثل ذراع البكر أو أسد ** )
هيهات ترك الخداع من أجرى من المئة ومن لم يذد عن حوضه يهدم وأرى الحزام قد بلغ الطبيين والتقت حلقتا البطان ليس سلامان كعهدين أنا ابن العرقية
وابن الشيخ الأعز كذبتم ورب الكعبة ما الرأي كما رأيتم ولا الحديث كما حدثتم فافطنوا لعيوبكم وإياكم أن أكون أنا وأنتم كما قال القائل
( إنك إن كلفتني ما لم أطق ** ساءك ما سرك مني من خلق )
والمخبر بالعلم ليس كالراجم بالظنون فالتقدم قبل التندم وأخو المرء نصيحته ثم قال
( لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا ** وما علم الإنسان إلا ليعلما )
ثم قال
احمدوا ربكم وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم نزل وقال
اكتب يا نافع وكان نافع مولاه وكاتبا يكتب بين يديه بسم الله الرحمن الرحيم من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث سلام على أهل النزوغ من التزييغ
____________________
(2/210)

وأسباب الرداء لا إلى معادن السي والتقحم في الغي فإني أحمد الله الذي خلاك في حيرتك إذ بهتك في السيرة ووهلك للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن طاعته وجانبت ولايته وعسكرت بها في الكفر وذهلت بها عن الشكر فلا تشكر في السراء ولا تصبر في الضراء أقبلت مستنا بحريم الحرة وتستوقد الفتنة لتصلي بحرها وجلبت لغيرك ضرها وقلت وثاق الإحتجاج ومبارزة الحجاج ألا بل لأمك الهبل وعزة ربك لتكبن لنحرك
ولتقلبن لظهرك ولتتخبطن فريصتك ولتدحضن حجتك ولتذمن مقامك ولتشتغلن سهامك كأني بك تصير إلى غير مقبول منك
إلا السيف هوجا هوجا عند كشوف الحرب عن ساقها ومبارزة أبطالها والسلام على من أناب إلى الله وسمع وأجاب
ثم قال من ها هنا من فتية بني الأشعث بن قيس قيل سعيد بن جبير قال فأتى به
قال له انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية الذي قد فتن وفتن فاردعه عن قبيح ما دخل فيه وعظيم ما أصر عليه من حق الله وحرمة ما انتهك عدو الله إلى ما في ذلك من سفك الدماء وإباحة الحريم وإنفاق الأموال فإني لولا معرفتي بأنك قد حويت علما وأصبت فقها أخاف أن يكون عليك لا لك لعهدت لك به عهدا تقفل به ولكن انطلق مرتك هذه قبل الكتاب إليه واحمله على البريد
فخرج سعيد به متوجها حتى انتهى إليه
فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب تبينت رعشته جزعا منه وهيبة له وسمع بذلك من كان يتابعه وهوى كل ذي هوى وضم سعيد بن جبير فلم يظهره للناس وكتم الكتاب وجعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه ويسأله عبد الرحمن الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج فأبى سعيد ذلك عليه فمكث بذلك شهرا كريتا
فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته وسارع معه في رغبته وخلعان طاعة الحجاج ثم إن عبد الرحمن تجهز من سجستان مقبلا يقود من يقوده من أهل هواه وأهل رأيه وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام وبمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل
____________________
(2/211)

العراق حتى لقيه بدير من أديار الأهواز يسمى بنيسابور فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة لا له ولا عليه حتى إذا كان في جوف ليلة من الليالي خلا الحجاج بعنبسة بن سعيد بن العاص ويزيد بن أبي مسلم وعلي بن منقذ مولاه وبعبد الرحمن بن زياد مولاه وكان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه وأما يحيى فوكله بالقيام خلف ظهره إذا هو نسي أو غفل نخسه بمنخسه ثم قال اذكر الله يا حجاج فيذكر ما بدا له أن يذكر
وأما عبد الرحمن بن زياد فكان ذا رأي ومشورة وأدب وفقه ونصيحة
أما عنبسة فكان بعيد الهمة طويل اللسان بديه الجواب فاصل الخطاب موفق الرأي فاستشارهم لما طال به وبعبد الرحمن القتال لا يظفر واحد منهما بصاحبه ومع عبد الرحمن سعيد بن جبير والشعبي فكان هذا فقيه أهل الكوفة وهذا فقيه أهل البصرة في أن يبيته فكره ذلك مواليه وأشار عنبسة أن يبيته فقال الحجاج أصبت أصاب الله بك الخير وما الأمر إلا النصيحة والرأي شعوب فمخطيء منها أو مصيب غدا الإثنان فصوموا ونصوم واستعينوا الله بالخيرة ونبيتهم الليلة المقبلة ليلة الثلاثاء فسوف أترجل ويترجل أهل مودتي ونصيحتي من ولدي وغيرهم
ففعل وأصبح صائما و بيتهم ليلة الثلاثاء وهو يقول اللهم إن كان الحق لهم فلا تمتنا على الضلالة وإن كان الحق لنا فانصرنا عليهم فحمل عليهم والنيران توقد فأصاب منهم وأصيب منه وانهزم ابن الأشعث في سواد الليل وأصاب الحجاج عسكره وأسر سعيد بن جبير وأفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن الأشعث فلما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال له ويحك يا سعيد أما تستحي مني ومدك الشيطان في طغيانك ألا استحيت من المراقب لي ولك والحافظ علي وعليك فقال أصلح الله الأمير وأمتع به هي بلية وقعت وعذاب نزل والقول كما قال الأمير وكما نسبه به وأضافه إليه إلا أني أتيت رجلا قد أزهى وطغى ولبسته الفتنة وركب الشيطان كتفيه ونفث في صدره وأملى على لسانه فخفته واتقيته بالذي فعلت فإن تعاقب فبذنب وإن تعف فسجية منك
فقال له الحجاج فإنا قد عفونا عنك وسنردك إليه تارة أخرى
ثم كتب كتابا ووجهه مع سعيد بن جبير إلى عبد الرحمن فلما كان سعيد ببعض الطريق خرق الكتاب
وقدم عبد الرحمن فأخبره فنفر عبد الرحمن وخرج موائلا إلى أهل البصرة وقد قدمت عليه كتبهم يستبطئونه ويستعجلونه حتى قدم عليهم وبلغ ذلك الحجاج
____________________
(2/212)

فسبقه إلى البصرة فدخل الجاج المسجد متنكبا قوسا فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وحرض الناس على قتال ابن الأشعث وحضهم على طاعة عبد الملك وتكلم رجل من أهل البصرة يقال له سلمة المنقري من بني تميم وكان رجلا منطقيا وله هوى في الخوارج وكان الحجاج به خابرا
فلما رآه عرف أنه يريد الكلام
فقال له ادن يا سلمة فدنا
فقال له قل رضينا بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبأمير المؤمنين خليفة وبالحجاج بن يوسف واليا
قال والله لو كنا زمعا وبني زمع ما رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك أمير المؤمنين أعزه الله وأعز أمره أقرب قرابة وأوجب حقا ونحن ألزم لطاعة الأمير أكرمه الله من أن نسارع له في معصية أو نبطيء عنه في طاعة فاجابه الحجاج فقال يا سلمة هذا قول حسن لا أدخله صدري ولأردنه في نحرك حتى نبتلي حقيقته إن شاء الله
وكان قوله هذا على المنبر وقد عسكر بأجناده بالزاوية والزاوية في طرف من ناحية البصرة في طرف بني تميم
ثم إنه خرج من المسجد وحشد الناس من كان في الطاعة يومئذ من أهل العراق وقد كان انهزم لابن الأشعث غير ما مرة وقتل له ابن الأشعث خلقا لا تحصى كثرة قبل هذه المرة حتى يئس من نفسه وقال أترون العجوز ابنة الرجل الصالح كذبتني يعني أسماء بنت أبي بكر الصديق لئن صدقت أسماء لا أقتل اليوم
وكان الحجاج لما فرغ من قتال عبد الله بن الزبير بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تأتيه فأبت أن تأتيه
فقال والله لئن لم تأتني لأبعثن إليها من يجر بقرون رأسها ويسحبها حتى تصل إلي فقيل ذلك لها
فقالت والله لا أسير إليه حتى يبعث إلي من يجر بقرون رأسي
فأقبل الحجاج حتى وقف عليها فقال لها كيف رأيت ما فعل الله تعالى بابنك عدو الله الشاق لعصا المسلمين المفني لعباده والمشتت لكلمة أمة نبيه فقال رأيته اختار قتالك فاختار الله له ما عنده إذ كان إكرامه خيرا من إكرامك
ولكن يا حجاج بلغني أنك تنتقضني بنطاقي هذين
أو تدري ما نطاقاي أما النطاق هذا فشددت به سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بدر وأما النطاق الآخر فأوثقت به خطام بعيرة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أما إن لك به نطاقين في الجنة فانتقص علي بعد هذا أودع ولكن لا أخالك يا حجاج ) أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( منافق ثقيف يملأ الله به زاوية من زوايا جهنم يبيد الخلق ويقذف الكعبة بأحجارها ألا لعنة الله عليه ) فأفحم الحجاج ولم يحر جوابا قال وسار ابن الأشعث بعد ما هزم الحجاج مرارا إلى الكوفة
____________________
(2/213)

حتى نزل دير الجماجم فقتل للحجاج فيه خلق كثير وكتب إلى عبد الملك بن مروان أن أمدني بالرجال قال فأمده بمحمد بن مروان في أناس من بني أمية كثير وجعل الحجاج أميرا عليهم فسار الحجاج إلى ابن الأشعث فاقتتلوا أياما بدير الجماجم حتى كثر القتل في الفريقين جميعا ثم إن ابن الأشعث لما حشد العسكر والحجاج بالبصرة
عسكر على مسير ثلاثة أميال من البصرة على نهر يقال له نهر ابن عمر فكتب ابن الأشعث يسأله أن يتنحى عنهم لما كرهوا ولايته حتى يستعمل عليهم أمير المؤمنين غيره من هو أحب إليهم منه
فلما انتهى إليه رسوله قال الحجاج أدخلوه فلما دخل سلم عليه بالإمارة قال من أنت قال رجل من خزاعة
قال من أهل البصرة أنت أم من أهل الكوفة قال لا بل من أهل سجستان
قال هل تأخذ لأمير المؤمنين ديوانا قال لا قال أفمن وزراء ابن الأشعث أنت علينا في هذه الفتنة يا أخا خزاعة قال والله ما هويتها ولقد جلبني إليك مكرها قال فكيف تسليمك علي صاحبك إذا انصرفت إليه قال بالإمرة قال فهل ترى في ذلك أنك صادق قال الله أعلم بأي الأمرين هو في نفسك أعلى الصواب أم على الخطأ قال الله أعلم أي الأمرين في نفسي
قال أما إنك يا أخا خزاعة قد رددت الأمر إليه وهو تعالى أعلم انطلق إلى صاحبك بكتابك كما جئت به وأعلمه بالذي كان من ردنا عليك فإنه جوابه عندنا ونحن مناجزوه القتال ومحاكموه إلى الله من يوم الأربعاء إن شاء الله فليعد وليستعد لذلك فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وذلك يوم الأحد
قال فلما انصرف رسوله إليه ناوله الكتاب فلما رآه بخاتمه أي مثل ما بعثه كف فلم يسأله أمام من حضر حتى ارتفع الناس ثم دعاه فأخبره الخبر
قال وما وراء ظهرك إلا هذا قال له في دون ما جئتك به ما يكفيك فقد رأيت أمرا صعبا ليس وراء إلا المناجزة
ثم إن الحجاج هتف هتفة أن اجتمعوا للعطية ففرق العطية في ثلاثة مواضع وكان قواده يومئذ ثلاثة سفيان بن الأبرد الكلبي على ميمنته وسعيد بن عمرو الجرشي على القلب وعبد الرحمن بن عبد الله العكي على ميسرته فأعطى الناس على هذا وأقام في معسكره متربصا ومنتظرا ليوم الأربعاء
فلما رأى ابن الأشعث أنه لا يتقدم لقتاله وأنه متربص ليوم الأربعاء بعث رجلا من معسكره حتى دنا من معسكر الحجاج فنزل قريبا منه على مقدار حضر الفرس ورجاء أن يتحرش له أحد من معسكر الحجاج فينشب القتال قبل يوم الأربعاء فرارا منه وتطيرا به
فلما رأى
____________________
(2/214)

الحجاج ذلك علم ما أراده والذي توقع فتقدم إلى أمراء أجناده وقواده وإلى أهل عسكره عامة ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الأشعث ولا يعرضه على نفسه وإن أمكنته الفرصة منه إلا يوم الأربعاء فلما كانت صبيحة يوم الأربعاء وهو يوم يتطير به أهل العراق فلا يتناكحون ولا يسافرون فيه ولا يدخلون من سفر ولا يبايعون فيه بشيء ولا بالبغل الأغر الأشقر
قال فدعا الحجاج ببغلة شقراء محجلة فركبها خلافا لرأيهم واستشعارا بطيرتهم وتوكلا على الله ونادى مناديه في عسكره أن انهضوا
إلى قتال ابن الأشعث وأمر خاصته فركبوا معه وقدم رجالته وأخر خلفه مقاتلته حتى إذا كانوا من عسكر ابن الأشعث على مثال الأسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال وفعل مثل ذلك ابن الأشعث وترجل الحجاج وخاصته ووضع له منبرا من حديد فجلس عليه وترامى الناس حتى إذا كاد القتال ينشب خرج رجل من أصحاب ابن الأشعث وهو ينادي ألا هل من مبارز فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشي وهو يمشي مشية قد لامه الحجاج عليها وكرهها له
فلما رآه الحجاج وهو يمشي تلك المشية قال الحجاج ظلمتك يا عنبسة لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا
فلما دنا من الرجل قال له عنبسة فمن أنت يا منتخي فقال رجل من بني تميم ثم من بني دارم فحمل عليه عنبسة فبدره بالضربة فقتله ثم انصرف إلى مجلسه فجلس وقد تبين للناس حسن صنعه ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض واشتد قتالهم وانتحى سفيان على مركزه لم يرم والجرشي على مركزه لم يرم وكانت ميلتهم على الميسرة فنحوا عبد الرحمن العكي
فما رآه الحجاج قد انكسرت ناحيته وزال عنها بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في خيل
فقال انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه ففعل وبعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم فحمل عليهم سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها وكان بإذن الله الفتح والغلبة من ناحية سفيان وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال فمنعه الحجاج وقال له لا إلا أن ترى أمرا مقبلا وتمكنا من فرصة فاجتمع الأمر وثاب العكي وانهزم ابن الأشعث واستحقت هزيمته فدعا الحجاج بدابته فركبها وركب من كان مترجلا معه بعد سجود ودعاء وشكر كان منه على ما صنع الله به ومن كان معه وحمدوا الله تعالى كثيرا وكبروا تكبيرا عاليا ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم وحسر بيضته عن رأسه فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده وهو يتمثل بهذه الأبيات وهي من قول عبيد بن الأبرص أو من قول اليشكري
( كيف يرجون سقاطي بعدما ** جلل الرأس بياض وصلع )
____________________
(2/215)


( ساء ما ظنوا وقد أوريتهم ** عند غايات الوغى كيف أقع )
( رب من أنضجت غيظا قلبه ** قد تمنى لي موتا لم يطع )
( ويراني كالشجي في حلقه ** عسرا مخرجه ما ينتزع )
( مربد يهدر ما لم يرني ** فإذا أسمعته صوتي انقمع )
( ويحييني إذا لاقيته ** وإذا يخلو له الحمى رتع )
( ورث البغضاء عن والده ** حافظا منه الذي كان استمع )
( ولساني صيرفي صارم ** كذباب السيف ما مس قطع )
قال فلما فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر ثم حمد الله بما هو أهله للذي كان من صنعه به وبجماعته فبينا هو كذلك إذ أتاه من يخبره أن ابن الأشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير متوجها إلى ناحية خراسان فدعا الحجاج ابن عم له كان يعرفه بالنصيحة والهوى فقطع معه ليلا وأرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع شتى وعهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت
فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الأشعث وأصحابه ينتهبونه ثم رجع إلى معسكره فنزل ودخل فسطاطه فجلس وأذن لأصحابه فدخلوا عليه فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح وجعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى فكلما أتى بأسير أمر به فضربت عنقه فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله أمر مناديه ينادي بالقفل فقفل وقفلت معه أجناده وجميع أصحابه إلى مدينة واسط فكان فيها وهو الذي كان بناها قال وضرب ابن الأشعث ظهرا لبطن ليلا ونهارا حتى لحق بخراسان ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج والحذر لنفسه ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع حتى استغاث بقصر منيف فحصره ابن عم الحجاج فيه وأحاطت به الخيل من كل جانب حتى ضيق عليه ودعا بالنار ليحرقه في القصر فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ وخاف النار رمى بنفسه من بعض علالي القصر وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار الناس فيخفى أمره ويكتم خبره فسقط فانكسرت ساقه وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه قال فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه وقد أفاق بعض الإفاقة ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت فأمر به فضربت رقبته وانطلق برأسه إلى الحجاج فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا فيما كان من تمام الصنع وما هيأ له من التأييد والظفر وأقام كذلك لا يمر عليه يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى فلما رأى
____________________
(2/216)

كثرتهم ازداد حنقا وغيظا لمسارعتهم في أتباع ابن الأشعث ومخالفتهم عن العجاج فيأمره بقتلهم حردا على الخوارج ورجا أن يستأصلهم فلا يخرج عليه خارجي بعدها فلما رأى كثرة من يؤتى به من الأسرى تحرى فجعل إذا أتى بأسير يقول له أمؤمن أنت أم كافر ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا عنه ومن قال أنا مؤمن ضرب عنقه
وأسر عامر بن سعيد الشعبي فيمن أسر وكان مع ابن الأشعث في جميع حروبه وكان خاص المنزلة منه ليس لأحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله إلا سعيد بن جبير وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة غضبه وهو يقتل الأسرى الأول فالأول إلا من باء على نفسه بالكفر والنفاق فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له بريد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه فقال يا شعبي لهفي بالعلم الذي بين دفتيك وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الأمير فبؤله بالكفر والنفاق عسى أن تنجو فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر فلما رفع رأسه رآه قال له وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا وألب قال أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك أرضيك بها وأسخط الرب ولست أفعل و لكني أقول أصلح الله الأمير وأصدقك القول فإن كان شيء ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله أحزن بنا المنزل وأجدب الجناب واكتحلنا السهر واستحلسنا الخوف وضاق بنا البلد العريض فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجوة أقوياء فقال له الحجاج كذلك
قال نعم أصلح الله الأمير وأمتع به قال فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا ثم قال انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول كان وكان قال وكان قد أحضر بالباب رجلان وأحدهما من بكر بن وائل والآخر من تميم وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أنه يقوله فلما أدخلا
قال الحجاج للبكري أمنافق أنت قال نعم أصلح الله الأمير لكن أخو بني تميم لا يبوء على نفسه بالنفاق
قال التميمي أنا على دمي أخدع بل أنا أصلح الله الأمير منافق مشرك فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما
قال الشعبي فوالله ما أتى لذلك الأمر إلا نحو من شهرين حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه وهي أم وجد وأخت
فقال من هاهنا نسأله عنها قال فدل علي فأرسل إلي وقال يا شعبي ما عندك في هذه
____________________
(2/217)

الفريضة أم وأخت وجد فقلت أصلح الله الأمير
قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
قال من قال فيها قلت قال فيها علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت
قال هات ما قال فيها علي فأخبرته قال
فما قال فيها ابن مسعود فأخبرته قال فما قال فيها ابن عباس فوالله لقد كان متفقها فأخبرته
قال فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان فأخبرته
قال فما قال زيد بن ثابت قلت أخذها من تسعة أسهم فأعطى الأم ثلاثة أسهم وأعطى الجد أربعة أسهم وأعطى الأخت سهمين
فلما سمع ما كان من قول كل واحد منهم وعرف رأيهم فيها
قال يا غلام قل للقاضي يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان
قال الشعبي ودخلت عليه الترك قد شدوا أوساطهم بعمائمهم وانتزعت السيوف من أعناقهم وأخذوا الطوامير بأيمانهم فدخل عليه رجل من قبل أمير المؤمنين عبد الملك
فقال له الحجاج كيف تركت أمير المؤمنين وأهله وولده وحشمه فأنباه عنه وعنهم بصلاح
فقال ما كان وراءك من غيث قال نعم أصلح الله الأمير أصابتني سحابة في موضع كذا فواد سائل وواد تارع فأرض مدبرة وأرض مقبلة حتى صدعت عن الكمأة أماكنها فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضب
فقال للحاجب ائذن للناس فدخل عليه رجل أتاه من قبل نجد
فقال له ما كان وراءك من غيث فقال كثير الإعصار واغبر البلاد وأكل ما أشرف من الحشيشة فاستيقنا أنه عام سنة
فقال بئس المخبر أنت
قال أخبرتك بالذي كان
فقال للحاجب ائذن للناس فدخل عليه رجل أتاه من قبل اليمامة
فقال هل كان وراءك من غيث قال نعم
وسمعت الرواد يدعون إلى ريادها وسمعت رائدا يقول هلموا أطعمكم محلة تطفوا فيها النيران وتشتكي فيها النساء وتنافس فيها المعز
فقال له ويحك إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم
فقال أصلح الله الأمير أما تطفو النيران فيستكثر فيها الزبد واللبن والتمر فلا توقد نار وأما أن يشتكي النساء فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها وأما تنافس المعز فإنها ترأم من نوار النبات وألوان الثمر ما يشبع بطونها ولا يشبع عيونها فتبيت وقد امتلأت أكراشها لها من الكظة شرة تنزل به الدرة
ثم قال للحاجب إئذن للناس فدخل عليه رجل من الموالي كان أشجع الناس في زمانه يقال له عمرو بن الصلت فقال له الحجاج هل كان وراءك من غيث قال نعم أصلح الله الأمير أصابتني سحابة بموضع كذا وكذا فلم أزل أطأ في أثرها حتى دخلت على الأمير
فقال له الحجاج
____________________
(2/218)

أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة إنك بالسيف لأطولهم باعا وخطوة
ولما انهزم بن الأشعث قام بعده عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة فقاتل الحجاج ثلاثة أيام ثم انهزم فوقع بأرض فارس ثم صار إلى السند فمات هناك
وتحصن ناس من أصحاب ابن الأشعث في قلعة بأرض فارس منهم عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل والفضل بن عياش وعمرو بن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وعبيد الله ومحمد وإسحاق وعون بنو عبد الله بن الحارث في ناس من قريش ولحق سعيد بن جبير بمكة فأشعر به الحجاج فغفل عنه ولم يهيجه فبعث الحجاج يزيد بن المهلب فحاصرهم بفارس
قال أبو معشر حدثني عون قال كتب إلينا يزيد بن المهلب وأن أخبروني بآية بيني وبينكم حتى أخرجكم
قال فكتب إليه عبد الله بن الحارث كنت يوم كذا وكذا في دارنا
قال فأخرجه وبنيه فسكنا عمان وأسر من بقي وأسروا اثني عشر رجلا من وجوه الناس عامتهم من قريش منهم عمرو بن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن وقاص فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده وكتب إلى عبد الملك يخبره بأمرهم وجعل يذكر في كتابه أن سعيدا قد أنكر الخروج مع هؤلاء القوم
فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم ويقول في كتابه لم أبعثك مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف والمعصية
فأبرزهم الحجاج فقال لعمرو بن موسى يا عاتق قريش وكان شابا جميلا مالك أنت وللخروج إنما أنت عاتق صاحب ثياب ولعب فقال له عمرو أيها الرجل امض لما تريد فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه فإن شئت فأرسل يدي وبرئت مني الذمة
فقال له الحجاج كلا حتى أقدمك إلى النار فضربت رقبته ثم جيء بمحمد بن سعد فقال له يا ظل الشيطان وكان رجلا طويلا ألست بصاحب كل موطن أنت صاحب الحرة وصاحب يوم الزاوية وصاحب الجماجم
فقال له إنما نزلت بعهد الله وميثاقه أرسل يدي وبرئت مني الذمة قال لا حتى أقدمك إلى النار ثم قال لرجل من أهل الشام اضرب لي مفرق رأسه فضرب فمال نصفه هاهنا ونصفه هاهنا ثم قتل الباقين ذكر قتل سعيد بن جبير
قال وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك كان واليا على أهل مكة فبينما هو يخطب على المنبر إذا أقبل خالد بن عبد الله القسري من الشام واليا عليها فدخل
____________________
(2/219)

المسجد فلما قضى مسلمه خطبته صعد خالد المنبر فلما ارتقى في الدرجة الثالثة تحت المسلمة أخرج طومارا مختوما ففضه ثم قرأه على الناس فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة أما بعد فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري فاسمعوا له وأطيعوا ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا فإنما هو القتل لا غير وقد برئت الذمة من رجل أوي سعيد بن جبير والسلام
ثم التفت إليهم خالد وقال والذي نحلف به ونحج إليه لا أجده في دار أحد إلا قتلته وهدمت داره ودار كل من جاوره واستبحت حرمته
وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام ثم نزل ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام فأتى رجل إلى خالد فقال له إن سعيد بن جبير بواد من أودية مكة مختفيا بمكان كذا فأرسل خالد في طلبه فأتاه الرسول فلما نظر إليه الرسول قال إنما أمرت بأخذك وأتيت لأذهب بك إليه وأعوذ بالله من ذلك فالحق بأي بلد شئت وأنا معكم
قال له سعيد بن جبير ألك هاهنا أهل وولد قال نعم
قال إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل الذي كان ينالني
قال الرسول فإني أكلهم إلى الله
فقال سعيد لا يكون هذا
فأتى به إلى خالد فشده وثاقا وبعث به إلى الحجاج
فقال له رجل من أهل الشام إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك فما عرض له فلو جعلته فيما بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله
فقال خالد وقد كان ظهره إلى الكعبة قد استند إليها والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته
فلما قدم سعيد على الحجاج قال له ما اسمك قال سعيد قال ابن من قال ابن جبير
قال بل أنت شقي بن كسير قال سعيد أمي أعلم باسمي واسم أبي
قال الحجاج شقيت وشقيت أمك
قال سعيد الغيب يعلمه غيرك
قال الحجاج لأوردنك حياض الموت قال سعيد أصابت إذا أمي اسمي
فقال الحجاج لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى
قال سعيد لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها
قال الحجاج فما قولك في محمد قال سعيد نبي الرحمة ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة
فقال الحجاج فما قولك في الخلفاء قال سعيد لست عليهم بوكيل كل امريء بما كسب رهين
قال الحجاج اشتمهم أم أمدحهم قال سعيد لا أقول مالا أعلم إنما استحفظت أمر نفسي
وقال الحجاج أيهم أعجب إليك قال حالاتهم يفضل بعضهم على بعض
قال الحجاج صف لي قولك في علي
أفي الجنة هو أم في النار قال سعيد لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت ولو رأيت من في النار علمت فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب قال الحجاج فأي رجل أنا يوم القيامة فقال سعيد أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب
قال الحجاج أبيت أن تصدقني قال سعيد بل لم أرد أن أكذبك
فقال الحجاج فدع عنك هذا كله
____________________
(2/220)

أخبرني مالك لم تضحك قط قال لم أر شيئا يضحكني وكيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار ومنقلبه إلى الجزاء واليوم يصبح ويمسي في الإبتلاء
قال الحجاج فأنا أضحك
فقال سعيد كذلك خلقنا الله أطوارا
قال الحجاج هل رأيت شيئا من اللهو قال لا أعلمه
فدعا الحجاج بالعود والناي
قال فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي بكى سعيد
قال الحجاج ما يبكيك قال يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ولا زلت حزينا لما رأيت
قال الحجاج وما كنت رأيت هذا اللهو فقال سعيد بل هذا والله الحزن يا حجاج أما هذه النفخة فذكرتني يوم النفخ في الصور وأما هذا المصران فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب وأما هذا العود فنبت بحق وقطع لغير حق
فقال الحجاج أنا قاتلك
قال سعيد قد فرغ من تسبب في موتي
قال الحجاج أنا أحب إلى الله منك قال سعيد لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه والله بالغيب أعلم
قال الحجاج كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا وأنا مع إمام الجماعة وأنت مع إمام الفرقة والفتنة قال سعيد ما أنا بخارج عن الجماعة ولا أنا براض عن الفتنة ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له
قال الحجاج كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين قال سعيد لم أر
فدعا الحجاج بالذهب والفضة والكسوة والجوهر فوضع بين يديه قال سعيد هذا حسن إن قمت بشرطه
قال الحجاج وما شرطه قال أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت ويضع كل ذي حمل حمله ولا ينفعه إلا ما طاب منه
قال الحجاج فترى طيبا قال برأيك جمعته وأنت أعلم بطيبه
قال الحجاج أتحب أن لك شيئا منه قال لا أحب ما لا يحب الله
قال الحجاج ويلك
قال سعيد الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار
قال الحجاج اذهبوا به فاقتلوه
قال إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك
فلما أدبر ضحك
قال الحجاج ما يضحكك يا سعيد قال عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك قال الحجاج إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها اضربوا عنقه
قال سعيد حتى أصلي ركعتين فاستقبل القبلة وهو يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين
قال الحجاج اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم فإنه من حزبهم فصرف عن القبلة
فقال سعيد فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر قال الحجاج لم نوكل بالسرائر وإنما وكلنا بالظواهر
قال سعيد اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي
____________________
(2/221)

واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد
فضربت عنقه ثم قال الحجاج هاتوا من بقي من الخوارج فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم وقال ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين وقائد سبيل المتوسمين
وقال قائل إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله وجعل يصيح قيودنا يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير ويقول متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها وهذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في الفتح والإغلاق ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك
قال وذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج وتم له أمر العراق فاستقر ملك عبد الملك كتب إليه الحجاج أن يبايع للوليد ابنه ويكتب له عهده للناس فأبى ذلك عبد الملك لأن أخاه عبد العزيز كان حيا وكان قد استعمله عبد الملك على مصر وكتب إلى الحجاج يوبخه ويقول له مالك أنت والتكلم بهذه وكانت البيعة بالشام لهما جميعا إذ مات مروان وكان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل والذكاء
وكان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شيء إلا باسم الخلافة حتى لربما كان عبد الملك يأمر الشيء فيريد عبد العزيز غيره ويرى خلافه فيرده إلى رأيه ولا يمضيه وكان لا ينكر ذلك عبد الملك فلما كانت سنة إحدى وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية و ما حولها ووجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم وضم إليه برقة فلما قدم موسى بن نصير متوجها انتهى ذلك إلى عبد العزيز فرده من مصر إلى الشام وبعث قرة بن حسان الثعلبي فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك وذكر امتهانا ناله من عبد العزيز وما استقبله به إلى كلام كثير فقال له عبد الملك إن عبد العزيز صنو أمير المؤمنين وقد أمضينا فعله فتوجه قرة بن حسان إلى إفريقية فهزم بها وقتل غالب أصحابه
فلما كانت سنة أربع وثمانين توفي عبد العزيز بن مروان بمصر ثم ولي محمد بن مروان إلى سنة ست وثمانين فلما توفي عبد العزيز أجمع عبد الملك على بيعة الوليد ثم من بعد الوليد سليمان فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد وسليمان فبايع الحجاج لهما بالعراق فلم يختلف عليه أحد وبويع لهما بالشام ومصر واليمن وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل وهو عامله على المدينة أن يأخذ بيعة أهل المدينة
____________________
(2/222)


فلما أتت البيعة لهما كره ذلك سعيد بن المسيب وقال لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحدث منهما ) فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري
فقال إني مشير عليك بثلاث خصال اختر أيها شئت
قال وما هي قال له إنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل فلو غيرت مقامك قال ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل قال فثانية قال وما هي قال اخرج معتمرا قال سعيد ما كنت لأجهد نفسي وأنفق مالي في شيء ليس لي فيه نية
قال له فثالثة قال وما هي قال تبايع للوليد ثم لسليمان قال سعيد أرأيت إن كان الله قد أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي قال وكان عبد الرحمن هذا أعمى
قال فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة وكان ابن عم سعيد بن المسيب فلما علم بذلك القرشيون أتوا هشاما فقالوا له لا تعجل على ابن عمك حتى نكلمه ونخوفه القتل فعسى به أن يبايع ويجيب
قال فاجتمع القرشيون فأرسلوا إلى سعيد مولى له كان في الحرس
فقالوا له اذهب إليه فخوفه القتل وأخبره أنه مقتول فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس
فجاءه مولاه فوجده قائما يصلي في مسجده فبكى مولاه بكاء شديدا قال له سعيد ما يبكيك ويحك قال أبكي مما يراد بك
قال له سعيد وما يراد بي ويحك
قال جاء كتاب من عبد الملك بن مروان إلى هشام بن إسماعيل إن لم تبايع وإلا قتلت فجئتك لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة وتفرغ من عهدك إن كنت لا تريد أن تبايع
فقال له سعيد لا أم لك قد وجدتني أصلي في مسجدي أفتراني كنت أصلي ولست بطاهر وثيابي غير طاهرة وأما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي فما كنت لأوخر عهدي بعد ما حدثني به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين له شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة ) فإذا شاؤوا فليفعلوا فإني لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام
قال فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر فكتب صاحب المدينة هشام بن إسماعيل إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره يبايع لهما للوليد وسليمان فكتب عبد الملك إليه مالك ولسعيد وما كان علينا منه أمر نكرهه وما كان حاجتك أن تكشف عن سعيد أو تأخذه ببيعة ما كنا نخاف من سعيد فأما إذ قد ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس فادعه إلى البيعة فإن أبى فاجلده مئة سوط أو احلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما لا يجترىء علينا أحد غيره
قال فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام فانطلق سعيد إلي إليه فلما أتاه دعاه إلى البيعة فأبى أن يجيبه فألبسه ثيابا من شعر وجرده وجلده مئة سوط وحلق رأسه
____________________
(2/223)

ولحيته وأوقفه في السوق وقال لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض الأيليين الذين كانوا في الشرطة بالمدينة لما علمنا أنه لا يلبس الثياب طائعا قلنا له يا أبا محمد إنه انقتل فاستر بها عورتك
قال فلبس فلما تبين له أنه خدعناه قال يا معلجة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته
قال فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر الله حتى إذا وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحول عنه ففعل ذلك به فقال سعيد إنما هي ثلاث وأشار بيده
قال فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام موت عبد الملك وبيعة الوليد
قال وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة
جمع بنيه وقال لهم اتقوا ربكم وأصلحوا ذات بينكم وليجل صغيركم كبيركم وكبيركم صغيركم انظروا أخاكم مسلمة فاستوصوا به خيرا فإنه شيخكم ومجنكم الذي به تستجنون وسيفكم الذي به تضربون أوصيكم به خيرا وانظروا ابن عمكم عمر بن عبد العزيز فاصدروا عن رأيه ولا تخلوا عن مشورته اتخذوه صاحبا لا تجفوه ووزيرا لا تعصوه فإنه من علمتم فضله ودينه وذكاء عقله فاستعينوا به على كل مهم وشاوروه في كل حادث
قال ثم دخل عليه خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
فقال لهما أتحبان أن أسألكما بيعة الوليد وسليمان فقالا يا أمير المؤمنين معاذ الله من ذلك
قال فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه فأخرج من تحته سيفا مصلتا
فقال لهما والله لو قتلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف ثم خرجا من عنده ودخل عليه عمر بن عبد العزيز
فقال عبد الملك يا أبا حفص استوص خيرا بأخويك الوليد وسليمان إن زلا فشلهما وإن مالا فأقمهما وإن غفلا فذكرهما وإن ناما فأيقظهما وقد أوصيتهما بك وعهدت إليهما أن لا يقطعا شيئا دونك
فقال عمر بن
____________________
(2/224)

عبد العزيز يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب الله فليقيماه في عباده وبلاده وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحيباها ويحملا الناس عليها فقال عبد الملك قد فعلت وولي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين
ثم قال وقد علمت يا عمر مكان فاطمة مني ومحلها من قلبي وإني آثرك بها على جميع آل مروان لفضلك وورعك فكن عند ظني بك ورجائي فيك وقد علمت أنك غير مقصر ولا مضيع حقها ولكن الله قد قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين قوموا عصمكم الله وكفاكم ثم خرجوا من عنده
قال ثم دعا عبد الملك بالوليد وسليمان فدخلا عليه
فقال للوليد اسمع يا وليد قد حضر الوداع وذهب الخداع وحل القضاء
قال فبكى الوليد
فقال له عبد الملك لا تعصر عينيك علي كما تعصر الأمة الوكساء إذا أنا مت فاغسلني وكفني وصل علي وأسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي وأخرج أنت إلى الناس والبس لهم جلد نمر واقعد على المنبر وادع الناس إلى بيعتك فمن مال بوجهه عنك كذا فقل له بالسيف كذا وتنكر للصديق والقريب واسمح للبعيد وأوصيك بالحجاج خيرا فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وكفاكم تقحم تلك الجرائم
قال فلما توفي عبد الملك ومات من يومه ذلك خرج الوليد إلى الناس وقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال نعمة ما أجلها ومصيبة ما أعظمها و إنا لله وإنا إليه راجعون
نقل الخلافة وفقد الخليفة ثم دعا الناس إلى البيعة فلم يختلف عليه أحد ثم كان أول ما ظهر من أمره وتبين من حكمه أن أمر بهدم كل دار ومنزل من دار عبد الملك إلى قبره فهدمت من ساعتها وسويت بالأرض لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا وشمالا وليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله
ثم كتب ببيعته إلى الآفاق والأمصار وإلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد
فدخل عليه سليمان بن عبد الملك
فقال له يا أمير المؤمنين اعزل الحجاج بن يوسف عن العراقيين فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح
فقال له الوليد إن عبد الملك قد أوصاني به خيرا
فقال سليمان عزل الحجاج والإنتقام منه من طاعة الله وتركه من معصية الله
فقال الوليد سنرى في هذا الأمر وترون إن شاء الله
ثم كتب الحجاج إلى الوليد أما بعد فإن الله تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين في حداثة سنك بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في البلاد والملك للعباد والنصر على الأعداء فعليك بالإسلام فقوم أوده
وشرائعه وحدوده ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم فإنه قل ما يؤتي الناس من خير أو شر إلا أفشوه في ثلاثة أيام والسلام
____________________
(2/225)

تولية موسى بن نصير البصرة
قال وحدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يولي أخاه بشر بن مروان على العراق كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر وبشر معه يقود الجنود وكان يومئذ حديث السن إني قد وليت أخاك بشرا البصرة فأشخص معه موسى بن نصير وزيرا ومشيرا وقد بعثت إليك بديوان العراق فادفعه إلى موسى وأعلمه أنه المأخوذ بكل خلل وتقصير
فشخص بشر من مصر إلى العراق ومعه موسى بن نصير حتى نزل البصرة فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه وتخلى عن جميع العمل فلبث موسى مع بشر ما لبث ثم إن رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال له هل لك أن أسقيك شرابا
لا تشيب معه أبدا بعد أن اشترط عليك شروطا قال بشر وما هي قال لا تغضب ولا تركب ولا تجامع امرأة في أربعين ليلة ولا تدخل حماما فقبل ذلك بشر وأجابه وشرب ما أسقاه واحتجب عن قريب الناس وبعيدهم وخلا مع جواريه وخدامه فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة وقد ضمت إليه مع البصرة فأتاه من ذلك ما لم يحمل فرحه ولا السرور به فدعا بركاب ليركبها فأتاه الرجل فناشده لا يخرج ولا يركب وأن لا يتحرك بحركة من مكانه فلم يلتفت بشر إلى كلامه ولم يقبل ما أمره به فلما رأى الرجل عزمه قال له فأشهد لي على نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك وأشهد أنه قد أبرأه فركب وهو يريد الكوفة فلم يسر إلا أميالا حتى وضع يده على لحيته فإذا هي في كفه قد سقطت من وجهه فلما رأى ذلك انصرف إلى البصرة فلم يلبث إلا قليلا حتى هلك فلما بلغ عبد الملك موته وجه الحجاج بن يوسف واليا عليهم فقال موسى بن نصير ما فاتك فلا يفوتك
وكان عبد الملك قد أراده لأمر عتب عليه منه
فكتب خالد بن أبان من الشام إلى موسى بن نصير إنك معزول وقد وجه إليك الحجاج بن يوسف وقد أمر فيك بأغلظ أمر فالنجاة والوحي الوحي فإما أن تلحق بالفرس فتأمن وإما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجبرا به ولا تمكن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك
فلما أتاه الكتاب ركب النجائب ولحق بالشام وبها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر
فكتب الحجاج من العراق يا أمير المؤمنين إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير من أموال العراق وليس بالعراق فابعث به إلي دخول موسى بن نصير على عبد الملك بن مروان
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن سالم حدثهم عن أبيه أنه حضر يومئذ شأن موسى ودخوله على عبد الملك
قال وكانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن
____________________
(2/226)

مروان يطول ذكرها قال سالم قال لي موسى لما قدمت الشام لقيت بها عبد العزيز وكان ذلك من صنع الله فأدخلني على عبد الملك فلما رآني عبد الملك قلت موسى
قال ما تزال تعرض لحيتك علينا قال قلت لم يا أمير المؤمنين قال لجرأتك علي واقتطاعك الفيء
قال فقلت ما فعلت يا أمير المؤمنين وما ألوتك نصحا واجتهادا وإصلاحا قال أقسم لتؤدين دينك خمسين مرة
قال قلت لم يا أمير المؤمنين قال فما تركني أتمها حتى قال قم لتؤدينها مئة مرة فذهبت لأتكلم فأشار علي عبد العزيز أن قل نعم
فقلت نعم يا أمير المؤمنين ثم خرجت فأعانني عبد العزيز بخمسين ألفا وأديت خمسين ألفا في ثلاثة أشهر نجمها علي تولية موسى بن نصير على إفريقية
قال وذكروا أن عبد العزيز لما رجع إلى مصر سار موسى معه
فكان من أشرف الناس عنده فأقام بها ما أقام حتى قدم حسان بن النعمان من إفريقية يريد الشام إلى عبد الملك وقد فتح له بها فتحا وقتل الكاهنة فأجازه عبد الملك وزاده برقة ورده إليها أي إلى إفريقية واليا فأقبل حتى نزل مصر وبعث معه بعثا من هناك فأخذوا أعطياتهم منه ثم ساروا حتى نزلوا ذات الجماجم
قال فبلغ ذلك عبد العزيز وأن حسان بن النعمان يطلب برقة من عند عبد الملك وأنه قد ولاه إياها فبعث إليه فقال له أولاك أمير المؤمنين برقة قال نعم
فقال له عبد العزيز لا تعرض وكان عليها مولى لعبد العزيز
فقال حسان ما أنا فاعل
فغضب عبد العزيز وقال له ائت بعهدك عليها إن كنت صادقا
قال فأتى به حسان فلما أقرأه عبد العزيز وجدها فيه فالتفت إلى حسان فقال ما أنت بتاركها قال والله لا أنعزل عما ولا نية أمير المؤمنين
قال فاقعد في بيتك فسيولي هذا الأمر من هو خير منك وأولى به منك في تجربته وسياسته ويغني الله أمير المؤمنين عنك
ثم أخذ عبد العزيز عهده ومزقه ودعا بموسى بن نصير فعقد له على إفريقية يوم الخميس في صفر سنة تسع و سبعين فتجهز موسى بن نصير وحمل الأموال إلى ذات الجماجم وبها الجيوش ينتظرون واليهم فقدم عليهم موسى بن نصير فلما صار على الجيش الأول أتى عصفور حتى وقع على صدره فأخذه موسى فدعا بسكين فذبحه
____________________
(2/227)

موسى ولطخ بدمه صدره من فوق الثياب ونتف ريشه وطرحه على صدره وعلى نفسه ثم قال الفتح ورب الكعبة والظفر إن شاء الله خطبة موسى بن نصير رحمه الله
قال وذكروا أن موسى لما قدم ذات الجماجم وقد توافت الجيوش بها جمع الناس فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن أمير المؤمنين أصلحه الله رأى رأيا في حسان بن النعمان فولاه ثغركم ووجهه أميرا عليكم وإنما الرجل في الناس بما أظهر والرأي فيما أقبل وليس فيما أدبر فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز أكرمه الله كفر النعمة وضيع الشكر ونازع الأمر أهله فغير الله ما به وإنما الأمير أصلحه الله صنو أمير المؤمنين وشريكه ومن لا يتهم في عزمه ورأيه وقد عزل حسان عنكم وولاني مكانه عليكم ولم يأل أن أجهد نفسه في الإختبار لكم وإنما أنا رجلا كأحدكم فمن رأى مني حسنة فليحمد الله وليحض على مثلها ومن رأى مني سيئة فلينكرها فإني أخطىء كما تخطئون وأصيب كما تصيبون وقد أمر الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها أثلاثا فخذوها هنيئا مريئا ومن كانت له حاجة فليرفعها إلينا وله عندنا قضاؤها على ما عز وهان مع المواساة إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله دخول موسى بن نصير إفريقية
قال وذكروا أن موسى لما سار متوجها إلى المغرب بقية صفر ثم ربيع وربيع ودخل في جمادي الأولى يوم الاثنين لخمس خلون منه سنة تسع وسبعين فأخذ سفيان بن مالك الفهري وأبا صالح الفهري فغرم كل واحد منهما عشرة آلاف دينار ووجههما إلى عبد الملك في الحديد
قال وكان قدوم موسى إفريقية وما حولها مخوفا بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين لقرب العدو منهم وإن عامة بيوتها الخصوص وأفضلها القباب وبناء المسجد يومئذ شبيه بالحظير غير أنه قد سقف ببعض الخشب وقد كان ابن النعمان بنى القبلة وما يليها بالمدر بنيانا ضعيفا وكانت جبالها كلها محاربة لا ترام وعامة السهل خطبة موسى بإفريقية
قال وذكروا أن موسى لما قدم إفريقية ونظر إلى جبالها وإلى ما حولها جمع الناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إنما كان قبلي على إفريقية أحد رجلين مسالم يحب العافية ويرضى بالدون من العطية ويكره أن
____________________
(2/228)

يكلم ويحب أن يسلم أو رجل ضعيف العقيدة قليل المعرفة راض بالهوينى وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر وأحسن النظر وخاض الغمر وسمت به همته ولم يرض بالدون من المغنم لينجو ويسلم دون أن يكلم أو يكلم ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده
ولا عنف يقاسيه متوكلا في حزمه جازما في عزمه مستزيدا في علمه مستشيرا لأهل الرأي في إحكام رأيه متحنكا بتجاربه ليس بالمتجابن إقحاما ولا بالمتخاذل إحجاما إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا وإن نكب أظهر جلادة وصبرا راجيا من الله حسن العاقبة فذكر بها المؤمنين و رجاهم إياها لقول الله تعالى { إن العاقبة للمتقين } هود 49
أي الحذرين وبعد فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو الأقصى ويترك عدوا منه أدنى ينتهز منه الفرصة ويدل منه على العورة ويكون عونا عليه عند النكبة وأيم الله لا أريم هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى يضع الله أرفعها ويذل أمنعها ويفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين فتح زعوان
قال وذكروا أنه كان بزعوان قوم من البربر يقال لهم عبدوه عليهم عظيم من عظمائهم يقال له ورقطان فكانوا يغيرون على سرح المسلمين ويرصدون غرتهم والذي بين زعوان وبين القيروان يوم إلى الليل فوجه إليهم موسى خمس مئة فارس عليهم رجل من خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم فهزمهم الله وقتل صاحبهم ورقطان وفتحها الله على يد موسى فبلغ سبيهم يومئذ عشرة آلاف رأس وأنه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ثم وجه ابنا له يقال له عبد الرحمن بن موسى إلى بعض نواحيها فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان فأتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس قدوم كتاب الفتح على عبد العزيز بن مروان
قال وذكروا أن موسى بن نصير كتب إلى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه وأمكن له ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا وكان ذلك وهما من الكاتب
فلما قرأ عبد العزيز الكتاب دعا الكاتب وقال له ويحك اقرأ هذا الكتاب
فلما قرأه قال هذا وهم من الكاتب فراجعه
____________________
(2/229)


فكتب إليه عبد العزيز إنه بلغني كتابك وتذكر فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاه الله عليك ثلاثين ألف رأس فاستكثرت ذلك وظننت أن ذلك وهم من الكاتب فاكتب إلي بعد ذلك على حقيقة واحذر الوهم
فلما قدم الكتاب على موسى كتب إليه بلغني أن الأمير أبقاه الله يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة التي أفاء الله علي وأنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب فقد كان ذلك وهما على ما ظنه الأمير والخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم
قال فلما أتى الكتاب إلى عبد العزيز وقرأه ملأه سرورا إنكار عبد الملك تولية موسى بن نصير
قال وذكروا أن عبد العزيز لما ولى موسى وعزل حسان كما تقدم وفتح الله لموسى بلغ ذلك عبد الملك بن مروان فكره ذلك وأنكره ثم كره رد رأي عبد العزيز ثم هم بعزل موسى لسوء رأيه فيه ثم رأى أن لا يرد ما صنع عبد العزيز
فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان وتوليتك موسى مكانه وعلم الأمر الذي له عزلته وقد كنت أنتظر منك مثلها في موسى وقد أمضى لك أمير المؤمنين من رأيك ما أمضيت وولايتك من وليت فاستوص بحسان خيرا فإنه ميمون الطائر والسلام جوابه
فلما قدم الكتاب على عبد العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك أما بعد فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في عزل حسان وتوليتي موسى بن نصير وقد كان لمثلها مني منتظرا في موسى ويعلمني أنه قد أمضى لي من رأيي فيما أمضيت وولايتي من وليت وقد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان الذي فتح الله على يديه ولم أعد مع نظري لأمير المؤمنين بأن عزلت حسان ووليت موسى في يمن طائره وحسن أثره
فأما قول أمير المؤمنين قد كنت أنتظرها منك في موسى فلعمري لقد كنت لها فيه مرصدا ولأمير المؤمنين أن يسبق بها إليه منتظرا حتى حضر أمر جهدت فيه نفسي لأمير المؤمنين
ولنفسي الرأي والنصيحة والسلام كتاب عبد العزيز بالفتح إلى عبد الملك
قال وذكروا أن عبد العزيز كتب إلى عبد الملك أما بعد فإني كنت وأنت يا أمير المؤمنين في موسى وحسان كالمتراهنين أرسلا فرسهما إلى غايتهما فأتيا معا وقد مدت الغاية لأحدهما ولك عنده مزيد إن شاء الله وقد جاءني يا أمير المؤمنين كتاب من
____________________
(2/230)

موسى وقد وجهته إليك لتقرأه وتحمد الله عليه والسلام جوابه
فكتب إليه عبد الملك أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك وفهم المثل الذي مثلته في حسان وموسى ويقول لك عند أحدهما مزيد وكل قد عرف الله على يده خيرا ونصرا وقد أجريت وحدك وكل مجر بالخلاء مسرور والسلام ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى وعلى ما كتب به
فلما قدم الرسول على موسى دفع إليه ما ذكر وزاده ألفا للوفاء فتح هوارة وزناتة وكتامة
قال وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس فأغار عليهم وقتلهم وسباهم فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس وكان عليهم رجل منهم يقال له كمامون فبعث به موسى إلى عبد العزيز في وجوه الأسرى فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة قسميت بركة كما مون
فلما أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح فقدم على موسى بوجوههم فصالحوهم وأخرجوهم وكانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته وولى عليهم رجلا منهم وأخذ منهم رهونهم
وكتب أحدهم إلى موسى إنما نحن عبدانك قتل أحدنا صاحبه وأنا خير لك منه فلم يشك موسى أن ذلك إنما كان عن ممالاة من كتامة وقد كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا فأذن لهم
فلما أتاه ما أتاه تحقق ظنه فيهم وأنهم إنما هربوا فوجه الخيول في طلبهم فأتى بهم فأراد صلبهم
فقالوا لا تعجل أيها الأمير بقتلنا حتى يتبين أمرنا فإن آباءنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا ونحن في يدك وأنت على البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القتل فأوقرهم حديدا وأخرجهم معه إلى كتامة وخرج هو بنفسه
فلما بلغهم خروج موسى تلقاه وجوه كتامة معتذرين فقبل منهم وتبينت له براءتهم واستحيا رهونهم فتح صنهاجة
قال وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى فقالوا له إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة وإن إبلهم تنتج ولا يستطيعون براحا فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان وألفين من المتطوعة ومن قبائل البربر وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية
____________________
(2/231)

في ألفي فارس وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك فسار موسى حتى غشى صنهاجة ومن كان معها من قبائل البربر وهم لا يشعرون فقتلهم قتل الفناء
فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى ثم انصرف قافلا إلى القيروان وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب فخرج نحو مما كان معه فالتقى المغيرة وصنهاجة فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا فتح سجوما
قال وذكروا أنه لما كان سنة ثلاث وثمانين قدم على موسى نجدة عبد الله بن موسى في طالعة أهل مصر
فلما قدم عليه أمر الناس بالجهاد والتأهب ثم غزا يريد سجوما وما حولها واستخلف عبد الله بن موسى على القيروان ثم خرج وهو في عشرة آلاف من المسلمين وعلى مقدمته عياض بن عقبة وعلى ميمنته زرعة بن أبي مدرك وعلى ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشي وعلى ساقته نجدة بن مقسم فأعطى اللواء ابنه مروان فسار حتى إذا كان بمكان يقال له سجن الملوك خلف به الأثقال وتجرد في الخيول وخلف على الأثقال عمرو بن أوس في ألف وسار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ملوية فوجده خاملا فكره طول المقام عليه خوفا من نفاد الزاد وأن يبلغ العدو مخرجه ومكانه فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع وكره أن يجوز عليها
فلما أجاز وانتهى إليهم قد أنذروا به وتأهبوا وأعدوا للحرب فاقتلوا قتالا شديدا في جبل منيع لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة فاقتتلوا يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى العصر فخرج إليهم رجل من ملوكهم فوقف والناس مصطفون فنادى بالمبارزة فلم يجبه أحد فالتفت موسى إلى مروان ابنه فقال له اخرج إليه أي بني فخرج إليه مروان ودفع اللواء إلى أخيه عبد العزيز بن موسى
فلما رآه البربري ضحك ثم قال له ارجع فإني أكره أن أعدم منك أباك
وكان حديث السن قال فحمل عليه مروان فرده حتى ألجأه إلى جبله ثم إنه زرق مروان بالمزراق فتلقاه مروان بيده وأخذه ثم حمل مروان عليه وزرقه به زرقه وقعت في جنبه ثم لحقت حتى وصلت إلى جوف برذونه فمال فوقع به البرذون ثم التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما كان قبله ثم إن الله هزمهم وفتح للمسلمين عليهم وقتل ملكهم كسيلة بن لمزم وبلغ سبيهم مئتي ألف رأس فيهم بنات كسيلة وبنات ملوكهم وما لا
____________________
(2/232)

يحصى من النساء السلسات اللاتي ليس لهن ثمن ولا قيمة
قال فلما وقفت بنات الملوك بين يدي موسى قال علي بمروان ابني
قال فأتى به قال له أي بني اختر
قال فاختار ابنة كسيلة فاستسرها فهي أم عبد الملك بن مروان هذا
قال قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب الرجال حتى يدخل القيروان وأن يحمل خمسون رجلا كل يوم يتعاقبون بينهم ثم انصرف موسى وقد دانت له البلاد كلها وجعل يكتب إلى عبد العزيز بفتح بعد فتح وملأت سباياه الأجناد وتمايل الناس إليه ورغبوا فيما هنالك لديه فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول إذا جاءه فتوح موسى لتهنئك الغلبة أبا الأصبع
ثم يقول عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا
قال وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة بن عقبة فقال اشتفوا وضعوا أسيافكم في قتله أبيكم عقبة
قال فقتل منهم عياض ست مئة رجل صبرا من خيارهم وكبارهم فأرسل إليه موسى أن أمسك
فقال أما والله لو تركني ما أمسكت عنهم ومنهم عين تطرف قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان
قال وذكروا أن موسى لما قدم وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان مع علي بن رباح فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر فأجازه ووصله ووجه إلى عبد الملك بن مروان أخيه فلما قدم عليه أجازه أيضا وزاد في عطائه عشرين فلما انصرف قال له عبد العزيز كم زادك أمير المؤمنين قال عشرين
قال لولا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها ولكن تعدلها زيادة عشرة
وكتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فيء مئه
وبلغ به هو إلى المئتين وفرض في مواليه وأهله الجزاء والبلاء ممن معه خمس مئة رجلا ثلاثين ثلاثين وكتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة ألف التي أغرمها لك فخذها من قبلك من الأخماس
قال فلما قدم على موسى كتاب عبد الملك بن مروان يأمره بأخذ المئة الألف مما قبله
قال فإني أشهدكم أنه رد على المسلمين ومعونة لهم وفي الرقاب وكان موسى إذا أفاء الله عليه شيئا اشترى من ظن منهم أنه يقبل الإسلام وينجب فيعرض عليه الإسلام فإن رضي قبله من بعد أن يمحص عقله ويجرب فطنة فهمه فإن وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه وإن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس والسهام
قال وكتب موسى إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما أوصله وأنه لولا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين ففرض له عبد العزيز في مئة وفرض لثلاثين رجلا من قومه وانصرف موسى قافلا وذلك في سنة أربع وثمانين
____________________
(2/233)

غزوة موسى في البحر
قال وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان وشوال فأمر بدار صناعة بتونس وجر البحر إليها فعظم عليه الناس ذلك وقالوا له هذا أمر لا نطيقه فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر ممن حسن إسلامه فقال له أيها الأمير قد مر علي مئة وعشرون سنة وإن أبي حدثني أن صاحب قرطاجنة لما أراد بناء قناتها أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فيقام إليه رجل فقال له أيها الملك إنك إن وضعتك يدك بلغت منها حاجتك فإن الملوك لا يعجزها شيء بقوتها وقدرتها فضع يدك أيها الأمير فإن الله تعالى سيعينك على ما نويت ويأجرك فيما توليت
فسر بذلك موسى وأعجبه قول هذا الشيخ
فوضع يده فبنى دار صناعة بتونس وجر البحر إليها مسيرة اثني عشرة ميلا حتى أقحمه دار الصناعة فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الأنواء والأرياح
ثم أمر بصناعة مئة مركب فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين وقدم عطاء بن أبي نافع الهذلي في مراكب أهل مصر وكان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية فأرسى بسوسة فأخرج إليه موسى الأسواق وكتب إليه أن ركوب البحر قد فات في هذا الوقت وفي هذا العام
فأقم لا تغرر بنفسك فإنك في تشرين الآخر فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر
قال فلم يرفع عطاء لكتاب موسى رأسا وشحن مراكبه ثم رفع فسار حتى أتى جزيرة يقال لها سلسلة وافتتحها وأصاب فيها مغانم كثيرة وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر ثم انصرف قافلا فأصابته ريح عاصف فغرق عطاء وأصحابه وأصيب الناس ووقعوا بسواحل إفريقية
فلما بلغ ذلك موسى وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل البحر يفتش على ما يلقى البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا قال فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق
قال ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة فذهبت لأفتشه فنازعني فأخذت القصبة من يده فضربت بها عنقه فانكسرت فتناثر منها اللؤلؤ والجوهر والدنانير ثم إن موسى أمر بتلك المراكب ومن
____________________
(2/234)

نجا من النواتية فأدخلهم دار الصناعة بتونس ثم لما كانت سنة خمس وثمانين أمر الناس بالتأهب لركوب البحر وأعلمهم أنه راكب فيه بنفسه فرغب الناس وتسارعوا ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا وقد ركب حتى إذا ركبوا في الفلك ولم يبق إلا أن يرفع هو دعا برمح فعقده لعبد الله بن موسى بن نصير وولاه عليهم وأمره ثم أمره أن يرفع من ساعته وإنما أراد موسى بما أشار من مسيره أن يركب أهل الجلد والنكاية والشرف فسميت غزوة الأشراف
ثم سار عبد الله بن موسى في مراكبه وكانت تلك أول غزوة غزيت في بحر إفريقية
قال فأصاب في غزوته تلك صقلية فافتتح مدينة فيها فأصاب ما لا يدري فبلغ سهم الرجل مئة دينار ذهبا وكان المسلمون ما بين الألف إلى التسع مئة ثم انصرف قافلا سالما
فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن مروان واستخلاف الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين فبعث إليه بالبيعة وبفتح عبد الله بن موسى وما أفاء الله على يده ثم إن موسى بعث زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر فلم يلق حربا منهم ورغبوا في الصلح فوجه رؤوسهم إلى موسى فأعطاهم الأمان وقبض رهونهم وعقد لعياش من أخيل على مراكب أهل إفريقية فشتا في البحر وأصاب مدينة يقال لها سرقوسة ثم قفل في سنة ست وثمانين ثم إن عبد الله بن مرة قام بطالعة أهل مصر على موسى في سنة تسع وثمانين فعقد له موسى عل بحر إفريقية فأصاب سردانية وافتتح مدائنها فبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأس سوى الذهب والفضة والحرث وغيره غزوة السوس الأقصى
قال وذكروا أن موسى وجه مروان ابنه إلى السوس الأقصى وملك السوس يومئذ مزدانة الأسواري فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان فلما اجتمعوا ورأى مروان أن الناس قد تعجلوا إلى قتال العدو وأن في يده اليمنى القناة وفي يده اليسرى الترس وإنه ليشير بيده إلى الناس أن كما أنتم
فلما التقى مروان ومزدانة اقتتل الناس إذ ذاك قتالا شديدا ثم انهزم مزدانة ومنح الله مروان أكتافهم فقتلوا قتلوا الفناء فكانت تلك الغزوة استئصال أهل السوس على أيدي مروان فبلغ السبي أربعين ألفا
____________________
(2/235)

وعقد موسى على بحر إفريقية حتى نزل بميورقة فافتتحها قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك
قال وذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال إني لقريب من الوليد بن عبد الملك وبين يديه طشت من ذهب وهو يتوضأ منه إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها فأعلمته قال خذ الكتاب منه فأخذه فقرأه فما أتي على آخره حتى آتي رسول آخر من قبل موسى بن نصير بفتح السوس من قبل مروان بن موسى فأعلمته
قال هاته فقرأه فحمد الله وخر ساجدا لله حامدا ثم التفت إلي قال أمسك الباب لا يدخل أحد
قال وكان عنده ابن له يحبو بين يديه
فلما خر الوليد ساجدا لله شاكرا جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه وصاح فما التفت إليه
قال وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به من إمساك الباب وأطال السجود حتى خفي صوت الصبي ثم رفع رأسه فصاح بي فدخلت وأخذت الصبي وإنه لما به روح فتح قلعة أرساف
قال ثم إن صاحب قلعة أرساف أغار على بعض سواحل إفريقية فنال منهم وبلغ موسى خبره فخرج إليه بنفسه فلم يدركه فاشتد ذلك على موسى
قال قتلني الله إن لم أقتله وأنا مقيم هنا
قال فأقام موسى ما أقام ثم إنه دعا رجلا من أصحابه فقال له إني موجهك في أمر وليس عليك فيه بأس ولك عندي فيه حسن الثواب خذ هذين الأذنين فسر فيهما بمن معك حتى تأتي موضع كذا وكذا في مكان كذا فإنك تجد كنيسة وتجد الروم قد جعلوها لعيدهم فإذا كان الليل فادن من ساحلها ودع إحدى هذين الأذنين بما فيها ثم انصرف إلي بالأذن الأخرى وبعث معه موسى قبة من الخز والوشي ومن طرائف أرض العرب شيئا مليحا وكتب كتابا بالرومية جوابا لكتاب كأنه كان كتب به إلى موسى يسأله الأمان على أن يدله على عورة الروم وكتاب فيه أمان من موسى مطبوع فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي وصف له موسى فترك الأذن بما فيها وانصرف راجعا في الأذن الأخرى حتى قدم على موسى وأن الروم لما عثروا على أذن موسى استنكروها فارتفع أمرها إلي بطريق تلك الناحية فأخذ ما فيها
____________________
(2/236)


فلما رأى ما فيها من الكتب والهدية هاب ذلك فبعث بها كما هي إلى الملك الأعظم
فلما أفضت إليه وقرأ الكتب تحقق ذلك عنده فبعث إلى أرساف رجلا وملكه عليها وأمر أن يضرب عنق صاحبها الذي أغار على سواحل إفريقية ففعل فقتله الله بحيلة موسى فتح الأندلس
قال وذكروا أن موسى وجه طارقا مولاه إلى طنجة وما هنالك فافتتح مدائن البربر وقلاعها ثم كتب إلى موسى إني قد أصبت ست سفن فكتب إليه موسى
أتممها سبعا ثم سر بها إلى شاطىء البحر واستعد لشحنها واطلب قبلك رجلا يعرف شهور السريانيين فإذا كان يوم أحد وعشرين من شهر أذار بالسرياني فاشحن على بركة الله ونصره في ذلك اليوم فإن لم يكن عندك من يعرف شهور السريان فشهور العجم فإنها موافقة لشهور السريان وهو شهر يقال له بالأعجمية مارس فإذا كان يوم أحد وعشرين منه فاشحن على بركة الله كما أمرتك إن شاء الله فإذا أجريت فسر حتى يلقاك جبل أحمر وتخرج منه عين شرقية إلى جانبها صنم فيه تمثال ثور فاكسر ذلك التمثال وانظر فيمن معك إلى رجل طويل أشعر بعينيه قبل وبيده شلل فاعقد له على مقدمتك ثم أقم مكانك حتى يغشاك إن شاء الله
فلما انتهى الكتاب إلى طارق كتب إلى موسى إني منته إلى ما أمر الأمير ووصف غير أني لم أجد صفة الرجل الذي أمرتني به إلا في نفسي فسار طارق في ألف رجل وسبع مئة وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين وقد كان لذريق ملك الأندلس قد غزا عدوا يقال له البشكنس واستخلف ملكا من ملوكهم يقال له تدمير
فلما بلغ تدمير مكان طارق ومن معه من المسلمين
كتب إلى لذريق إنه قد وقع أرضنا قوم لا ندري أمن السماء نزلوا أم من الأرض نبعوا
فلما بلغ لذريق ذلك أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ألف عنان ومعه العجل تحمل الأموال والزخرف وهو على سرير بين دابتين وعليه قبة مكالة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد ومعه الحبال ولا يشك في أسرهم فلما بلغ طارقا دنوه منهم قام في أصحابه فحمد الله ثم حض الناس على الجهاد ورغبهم في الشهادة وبسط لهم في آمالهم
ثم قال أيها الناس أين المفر البحر من ورائكم والعدو أمامكم فليس ثم والله إلا الصدق والصبر فإنهما لا
____________________
(2/237)

يغلبان وهما جندان منصوران ولا تضر معهما قلة ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل والإختلاف والعجب كثرة
أيها الناس ما فعلت من شيء فافعلوا مثله إن حملت فاحملوا وإن وقفت فقفوا ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال ألا وإني عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل دونه فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وتولوا الدبر لعدوكم فتبددوا بين قتيل وأسير
وإياكم إياكم أن ترضوا بالمدينة ولا تعطوا بأيديكم وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة والراحة من المهانة والذلة وما قد أجل لكم من ثواب الشهادة فإنكم إن تفعلوا والله معكم ومعيذكم تبوؤوا بالخسران المبين وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين
وهما أنا ذا حامل حتى أغشاه فاحملوا بحملتي فحمل وحملوا
فلما غشيهم اقتتلوا قتالا شديدا ثم إن الطاغية قتل وانهزم جميع العدو فاحتز طارق رأس لذريق وبعث به إلى موسى بن نصير وبعث به موسى مع ابنه وجهز معه رجالا من أهل إفريقية فقدم به على الوليد بن عبد الملك ففرض له في الشرف وأجاز كل من كان معه ورده إلى أبيه موسى وأن المسلمين قد أصابوا مما كان مع لذريق ما لا يدري ما هو ولا ما قيمته
قال وكتب طارق إلى مولاه موسى إن الأمم قد تداعت علينا من كل ناحية فالغوث الغوث فلما أتاه الكتاب نادى في الناس وعسكر وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين وكان أحب الخروج إليه يوم الخميس أول النهار فاستخلف عبد الله بن موسى على إفريقية وطنجة والسوس وكتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى مروان يأمره بالمسير فسار مروان بمن معه حتى أجاز إلى طارق قبل دخول أبيه موسى وخرج موسى بن نصير والناس معه حتى أتى المجاز فأجاز بمت زحف معه في جموعه وعلى مقدمته طارق مولاه فوجد الجموع قد شردت إليه من كل مكان فسار حتى افتتح قرطبة وما يليها من حصونها وقلاعها ومدائنها فغل الناس يومئذ غلولا لم يسمع بمثله ولم يسلم من الغلول يومئذ إلا أبو عبد الرحمن الجبلي
ثم إن موسى سار لا يرفع له شيء إلا هده يفتتح له المدائن يمينا وشمالا حتى انتهى إلى مدينة الملوك وهي طليطلة فوجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك وجد فيه أربعة وعشرين تاجا تاج كل ملك ولي الأندلس وكان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت وكتب على التاج اسم صاحبه وابن كم هو ويوم مات ويوم ولي ووجد في ذلك البيت أيضا مائدة
____________________
(2/238)

عليها اسم سليمان بن داود عليه السلام ومائدة من جزع فعمد موسى إلى التيجان والآنية والموائد فقطع عليها الأغشية وجعل عليها الأمناء ليس منها شيء يدري ما قيمته
فأما الذهب والفضة والمتاع فلم يكن يحصيه أحد إتهام الوليد موسى بالخلع
قال وذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان لما بلغه مسير موسى بن نصير إلى الأندلس ووصفت له ظن أنه يريد أن يخلع ويقيم فيها ويمتنع بها وقيل ذلك له وأبطأت كتب موسى عليه لاشتغاله بما هنالك من العدو وتوطيئه لفتح البلاد
فأمر الوليد القاضي أن يدعو على موسى إذا قضى صلاته وأن موسى لما دخل طليطلة بعث علي بن رباح بفتحها وأوفد معه وفدا فسار حتى قدم دمشق صلاة العصر فدخل المسجد فألفى القاضي يدعو على موسى
فقال أيها الناس الله الله في موسى والدعاء عليه والله ما نزع يدا من طاعة ولا فارق جماعة وإنه لفي طاعة أمير المؤمنين والذب عن حرمات المسلمين والجهاد للمشركين وإني لأحدثكم عهدا به وما قدمت الآن إلا من عنده وإن عندي خبره وما أفاء الله على يده لأمير المؤمنين وما أمد به المسلمين ما تقر به أعينكم ويسر به خليفتكم دخول وفد موسى على الوليد بن عبد الملك
قال وذكروا أن الوليد لما بلغه خبر هذا المتكلم الوافد من عند موسى أرسل إليه فأدخل عليه ثم قال له ما وراءك فقال كل ما تحب يا أمير المؤمنين تركت موسى بن نصير في الأندلس وقد أظهره الله ونصره وفتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد وقد أوفدني إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه من معه بفتح من فتوحه فدفع إليه الكتاب من عند موسى فقرأه الوليد
فلما أتى على آخره خر ساجدا فلما رفع رأسه أتاه فتح آخر فخر أيضا ساجدا ثم رفع رأسه فأتاه آخر بفتح آخر وخر ساجدا حتى ظننت أنه لا يرفع رأسه ذكر ما وجد موسى في البيت الذي وجد فيه المائدة مع صور العرب
قال وذكروا أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم أنه كان مع موسى بالأندلس حين فتح البيت الذي كانت فيه المائدة التي ذكروا أنها كانت لسليمان بن داود عليه السلام
فقال كان بيتا عليه أربعة وعشرون قفلا كان كلما تولى ملك جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله حتى إذا كانت ولاية لذريق القرطبي الذي افتتحت الأندلس على يديه وفي ملكه قال والله لا أموت بغم هذا
____________________
(2/239)

البيت ولأفتحنه حتى أعلم ما فيه فاجتمعت إليه النصرانية والأساقفة والشمامسة وكل منهم معظم له
فقالوا له ما تريد بفتح هذا البيت فقال والله لا أموت بغمه ولأعلمن ما فيه
فقالوا أصلحك الله إنه لا خير في مخالفة السلف الصالح وترك الإقتداء بالأولية فاقتد بمن كان قبلك وضع عليه قفلا كما صنع غيرك ولا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه فإنهم أولى بالصواب منا ومنك
فأبى إلا فتحه
فقالوا له انظر ما ظننت أن فيه من المال والجواهر وما خطر على قلبك فإنا ندفعه إليك ولا تحدث علينا حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا فإنهم كانوا أهل معرفة وعلم
فأبى إلا فتحه ففتحه فوجد فيه تصاوير العرب ووجد كتابا فيه إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا هذه البلاد فملكوها
فكان دخول المسلمين من العرب إليه في ذلك العام ذكر ما أفاء الله عليهم
قال وذكروا عن الليث بن سعد أن موسى لما دخل الأندلس ضربوا الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها فتلفت الأوتاد فلم تلج فنظروا فإذا بصفائح الذهب والفضة خلف بلاط الرخام
قال وذكروا أن رجلا كان مع موسى ببعض غزواته بالأندلس وأنه رأى رجلين يحملان طنفسة منسوجة بالذهب والفضة والجوهر والياقوت فلما أثقلتهما أنزلاها ثم حملا عليها الفأس فقطعاها نصفين فأخذا نصفا وتركا الآخر
قال فلقد رأيت الناس يمرون يمينا وشمالا ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها وأرفع
قال وأقبل رجل إلى موسى فقال إبعث معي أدلكم على كنز فبعث معه موسى رجالا
فقال الذي دلهم انزعوا هاهنا فنزعوا فسال عليهم من الزبرجد و الياقوت ما لم يروا مثله قط فلما رأوه بهتوا وقالوا لا يصدقنا موسى أرسلوا إليه فأرسلوا حتى جاء ونظر
قال وكانت الطنفسة قد نظمت بقضبان الذهب والفضة المسلسلة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد
قال وكان البربريان ربما وجداها لا يستطيعان ملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا وسطها ويأخذا منها ما أمكنهما اشتغالا بغير ذلك مما هو أنفس منه قال الليث وبلغني أن رجلا غل في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله
____________________
(2/240)

في مزفت بين كتفيه وصدره فحضره الموت فجعل يصيح المزفت المزفت
وحدثنا ابن أبي ليلى التجيبي عن حميد عن أبيه أنه قال لقد كانت الدابة تطلع في بعض غزوات موسى فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب والفضة
قال وكتب موسى حين افتتح الأندلس إلى أمير المؤمنين إنها ليست كالفتوح يا أمير المؤمنين ولكنه الحشر
وأخبرني عن عبد الحميد بن حميد عن أبيه أنه قال قدمت الأندلس امرأة عطارة فخرجت بخمس مئة رأس فأما الذهب والفضة والآنية والجوهر فذلك لا يحاط بعلمه
قال وحدثني ياسين بن رجاء أنه قدم عليهم رجل من أهل المدينة شيخ فجعل يحدثنا عن الأندلس وعن دخول موسى إياها فقلنا له فكيف علمت هذا قال إني والله من سبيه ولأخبركم بعجيب والله ما اشتراني الذي اشتراني إلا بقبضة من فلفل لمطبخ موسى بن نصير
فقلنا له ما أقدمك فقال أبي كان من وجوه الأندلس
فلما سمع بموسى بن نصير عمد إلى عين ماله من الذهب والفضة والجوهر وغير ذلك فدفنه في موضع قد عرفته فتقدمت أنا للخروج إلى ذلك الموضع لاستخراجه
قلنا له وكم لك منذ فارقته قال سبعون سنة
قلنا له أفنسيته قال نعم فلم ندر بعد ما فعل غزوة موسى بن نصير البشكنس والأفرنج
قال وذكروا أن موسى خرج من طليطلة بالجموع غازيا يفتح المدائن جميعا حتى دانت له الأندلس وجاءه وجوه جليقية فطلبوا الصلح فصالحهم وغزا البشكنس فدخل في بلادهم حتى أتى قوما كالبهائم ثم مال إلى أفرنجة حتى انتهى إلى سرقسطة فافتتحها وافتتح ما دونها من البلاد إلى الأندلس
قال فأصاب فيها ما لا يدري ما هو ثم سار حتى جاوزها بعشرين ليلة وبين سرقسطة وقرطبة شهر أو أربعون يوما
قال وذكروا أن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة قال كنت ممن غزا مع موسى الأندلس حتى بلغنا سرقسطة وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا يسيرا من ورائها
____________________
(2/241)

فاتينا مدينة على بحر ولها أربعة أبواب
قال فبينما نحن محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل صاحب شرطة موسى فقال أيها الأمير إنا قد فرقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة وقد بقي الباب الأقصى وعليه رتبة
قال له موسى بن نصير دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه
قال ثم إن موسى التفت إلي فقال لي كم معك من الزاد قلت ما بقي معي غير تليس قال فأنت لم يبق معك غير تليس وأنت من أمراء الجيش فكيف غيرك اللهم أخرجهم من ذلك الباب
قال المغيرة فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من ذلك الباب فدخلها موسى منه ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم فأسرع القتل فيهم وأصابوا مما كان معهم ومما في المدينة شيئا عظيما
قال وذكروا أن جعفر بن الأشتر قال كنت فيمن غزا الأندلس مع موسى فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما بضعا وعشرين ليلة ثم لم نقدر عليه
فلما طال ذلك عليه نادى فينا أن أصبحوا على تعبئة وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو وقد دنت منا وأنه يريد التحول عنهم فأصبحنا على تعبئة فقام فحمد الله ثم قال أيها الناس إني متقدم أمام الصفوف فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت فكبروا واحملوا
فقال الناس سبحان الله أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه يأمرنا نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه قال فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه الناس ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة فأطال ونحن ركوب منتظرون تكبيره فاستعددنا ثم إن موسى كبر وكبر الناس وحمل وحمل الناس فانهدت ناحية الحصن التي تلينا فدخل الناس منها وما راعني إلا خيل المسلمين تمزع فيها وفتحها الله علينا فأصبنا من السبي والجواهر ما لا يحصى
قال وحدثني مولاة لعبد الله بن موسى وكانت من أهل الصدق والصلاح أن موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله وكان تلقاءه حصن آخر
قالت فأقام لنا محاصرا حينا ومعه أهله وولده وكان لا يغزو إلا بهم لما يرجو في ذلك من الثواب
قالت ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا ففتح الله عليه
قالت فلما رأى ذلك أهل الحصن الآخر نزلوا على حكمه ففتحهما موسى في يوم واحد
فلما كان في اليوم الثاني أتى حصنا ثالثا فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا حتى جال المسلمون جولة واحدة
____________________
(2/242)


قال فأمر موسى بسرادقه فكشط عن نسائه وبناته حتى برزن
قال فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى وحمى المسلمون
واحتدم القتال ثم إن الله فتح عليه ونصره وجعل العاقبة له
وقال عبد الرحمن بن سلام كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها
فلم ترد له راية قط ولا هزم له جمع قط حتى مات
وقال ابن صخر لما قدم موسى الأندلس قال أسقف من أساقفتها إنا لنجدك في كتب الحدثان عن دانيال
بصفتك صيادا تصيد بشبكتين رجل لك في البر ورجل في البحر تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد قال فسر بذلك موسى وأعجبه
وقال عبد الحميد بن حميد عن أبيه إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة اشتد ذلك على الناس وقالوا أين تذهب بنا حسبنا ما في أيدينا وكان موسى قال حين دخل إفريقية وذكر عقبة بن نافع لقد كان غرر بنفسه حين وغل في بلاد العدو والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه أما كان معه رجل رشيد فسمعه حبيش الشيباني قال فلما بلغ موسى ذلك المبلغ قام حبيش فأخذ بعنانه ثم قال أيها الأمير إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول لقد غرر بنفسه وبمن معه أما كان معه رجل رشيد وأنا رشيدك اليوم أين تذهب تريد أن تخرج من الدنيا أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عز وجل وأعرض مما فتح الله عليك ودوخ لك إني سمعت من الناس ما لم تسمع وقد ملأوا أيديهم وأحبوا الدعة
قال فضحك موسى ثم قال أرشدك الله وكثر في المسلمين مثلك
ثم انصرف قافلا إلى الأندلس فقال موسى يومئذ أما والله لو انقادوا إلي لفدتهم إلى رومية ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله خروج موسى بن نصير من الأندلس
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم وكان مع موسى بن نصير بالأندلس
قال أقام موسى بقية سنته تلك وأشهرا من سنة أربع وتسعين ثم خرج وافدا إلى الوليد بن عبد الملك وكان ما أقام بها موسى عشرين شهرا واستخلف عبد العزيز بن موسى فجار موسى البحر على الأندلس فغزا بالناس حتى بلغوا أربونة ومعه أبناء الملوك من الإفرنج وبالتيجان والمائدة والآنية والذهب
____________________
(2/243)

والفضة والوصفاء والوصائف وما لا يحصى من الجواهر والطرائف وخرج معه بوجوه الناس
قال وذكروا عن صفة المائدة عن عبد الحميد أنه قال كانت مائدة خوان ليست بها أرجل قاعدتها منها وكانت من ذهب وفضة خليطين فهي تتلون صفرة وبياضا مطوقة بثلاثة أطواق طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق من زمرد قال قلت فما عظمها قال كنا بموضع والناس معسكرون إذ فلت بغل لرجل من موالي موسى يقال له صالح أبو ريشة على رمكة فكردها في العسكر فقام الناس إليه بأعمدة الأخبية وجال في العسكر جولة فتطلع موسى قال ما هذا وتطلع الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة وقد أدلى فغار موسى وقال احملوا عليه المائدة فلم يبلغ بها إلا منقلة حتى تفتحت قوائمه لكثرة ثقلها على هذا البغل القوي قدوم موسى إفريقية
قال وذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى أخبرهم أنه لما جاز موسى الحصن أمرهم بصناعة العجل فعملت له ثلاثون ومئة عجلة ثم حمل عليها الذهب والفضة والجواهر وأصناف الوشي الأندلسي حتى أتى إفريقية
فلما قدمها بقي بها سنة أربع وتسعين ثم قفل واستخلف ابنه عبد الله على إفريقية وطنجة والسوس وخرج معه ولده مروان بن موسى وعبد الأعلى بن موسى وعبد الملك بن موسى وخرج معه مئة رجل من أشراف الناس من قريش والأنصار وسائر العرب ومواليها منهم عياض بن عقبة وعبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف والمغيرة بن أبي بردة وزرعة بن أبي مدرك وسليمان بن نجدة ووجوه من وجوه الناس وأخرج معه من وجوه البربر مئة رجل فيهم بنو كسيلة وبنو قصدر وبنو ملوك البربر وملك السوس مزدانة ملك قلعة أرساف وملك ميورقه وخرج بعشرين ملكا من ملوك جزائر الروم وخرج معه مئة من ملوك الأندلس ومن الإفرنجيين ومن القرطبيين وغيرهم وخرج معه أيضا بأصناف ما في كل بلد من بزها ودوابها ورقيقها وطرائفها وما لا يحصى فأقبل يجر الدنيا وراءه جرا لم يسمع بمثله ولا بمثل ما قدم به قدوم موسى إلى مصر
قال وذكروا أن يزيد بن سعيد بن مسلم أخبرهم قال لما أتى موسى مصر
____________________
(2/244)

وانتهى ذلك إلى الوليد بن عبد الملك كتب إلى قرة بن شريك أن ادفع إلى موسى من بيت مال مصر ما أراد فأقبل موسى حتى إذا كان في بعض الطريق لقيه خبر موت قرة بن شريك ثم قدم مصر سنة خمس وتسعين فدخل المسجد فصلى عند باب الصوال وكان قرة قد استخلف بن رفاعة على الجند حتى توفي
فلما سمع بموسى خرج مبادرا حتى لحقه حين استوى على دابته فلقيه فسلم عليه فقال له موسى من أنت يا بن أخي فانتسب له
فقال مرحبا وأهلا فسار معه حتى نزل منية عمرو بن مروان فعسكر بها موسى فكلمه حينئذ رفاعة في المال الذي كان استخرجه من سفيان بن مالك الفهري وذلك بعد مهلك سفيان
فقال هو لك
قال فأمر بدفع عشرة آلاف دينار إلى ولد سفيان بن مالك
قال فأقام موسى ثلاثة أيام تأتيه أهل مصر في كل يوم فلم يبق شريف إلا وقد أوصل إليه موسى صلة ومعروفا كثيرا وأهدى لولد عبد العزيز بن مروان فأكثر لهم وجاءهم بنفسه فسلم عليهم ثم سار متوجها حتى أتى فلسطين فتلقاه آل روح بن زنباع فنزل بهم فبلغني أنهم نحروا له خمسين جزورا وأقام عندهم يومين وخلف بعض أهله وصغار ولده عندهم وأجاز آل مروان وآل روح بن زنباع بجوائز من الوصائف وغير ذلك من الطرف قدوم موسى على الوليد رحمهما الله تعالى
قال وذكروا أن محمد بن سليمان وغيره من مشايخ أهل مصر أخبروهم أن موسى لما قدم على الوليد وكان قدومه عليه وهو في آخر شكايته التي توفي فيها وقد كان سليمان بن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد يأمره بالتثبط في مسيره وألا يعجل فإن الوليد بآخر رمقه
فلما أتى موسى بالكتاب من سليمان وقرأه قال خنث والله وغدرت وما وفيت والله لا تربصت ولا تأخرت ولا تعجلت ولكني أسير بمسيري فإن وافيته حيا لم أتخلف عنه وإن عجلت منيته فأمره إلى الله
فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه فآلى سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه أو ليأتين على نفسه
قال فلما قدم موسى على الوليد وكان الوليد
____________________
(2/245)

لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه وأنه أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر والطرائف التي لا قيمة لها فلم يكن لموسى شيء يثبطه حين أتاه كتاب الوليد
فأقبل حتى دخل عليه وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد والوصفاء والوصائف والوشي ومائدة سليمان بن داود عليه السلام ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان
قال فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت وعمد إلى أفخر ما فيها والتيجان والجزع فجعله في بيت الله الحرام وفرق غير ذلك ولم يلبث الوليد أن مات رحمه الله خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه بعث إلى موسى فأتى به فعنفه بلسانه وكان فيما قال له يومئذ أعلي اجترأت وأمري خالفت والله لأقللن عددك ولأفرقن جمعك ولأبددن مالك ولأضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور وتخدعه من آل أبي سفيان وآل مروان
فقال له موسى والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك وحافظت على من ولي النعمة عندي فيه فأما ما ذكر أمير المؤمنين من أنه يقل عددي ويفرق جمعي ويبدد مالي ويخفض حالي فذلك بيد الله وإلى الله وهو الذي يتولى النعمة على الإحسان إلي وبه أستعين ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه ولم يبلغه ذنب اجترمته
فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه
قال وكانت بموسى نسمة فلما أصابه حر الشمس وأتعبه الوقوف هاجت عليه
قال وجعلت قرب العرق تنصب منه فما زال كذلك حتى سقط وعمر بن عبد العزيز حاضر إلى أن نظر سليمان إلى موسى وقد وقع مغشيا عليه
قال عمر بن عبد العزيز ما مر بي يوم كان أعظم عندي ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم لما رأيت من الشيخ موسى وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به
____________________
(2/246)


قال فالتفت إلي سليمان فقال يا أبا حفص ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني
قال عمر فاغتنمت ذلك منه فقلت يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن وبه نسمة قد أهلكته وقد أتت على ما فيه من السلامة لك من يمينك وهو موسى البعيد الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين
قال عمر والذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه فخشيت أن ابتدأته أن يلح عليه وهو لحوح
قال فلما قال لي ما قال آخرا حمدت الله على ذلك وعلمت أن الله قد أحسن إليه وأن سليمان قد ندم فيه
فقال سليمان من يضمه فقال يزيد بن المهلب أنا أضمه يا أمير المؤمنين
قال وكانت الحال بين يزيد وموسى لطيفة خاصة
قال سليمان فضمه إليك يا يزيد ولا تضيق عليه
قال فانصرف به يزيد وقد قدم إليه دابة ابنه مخلد فركبها موسى فأقام أياما
قال ثم إنه تقارب ما بين موسى وسليمان في الصلح حتى افتدى منه موسى بثلاثة آلاف ألف دينار عدة موالي موسى بن نصير
قال وذكروا عن بعض البصريين أن رجلا منهم أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ليلة وقد سهر سهرا طويلا يا أبا عبد الرحمن كم تعد مواليك وأهل بيتك فقال كثير
قال يكونون ألفا قال له موسى نعم وألفا وألفا حتى ينقطع النفس لقد خلفت من الموالي ما أظن أن أحدا لا يخلف مثلهم
قال له يزيد إنك لعلى مثل ما وصفت وتعطي بيدك ألا أقمت بدار عزك وموضع سلطانك وبعثت بما قدمت به فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة وإلا كنت على التغيير من أمرك فقال موسى والله لو أردت ذلك ما تناولوا طرفا من أطرافي إلى أن تقوم الساعة ولكن آثرت حق الله ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة
قال ثم خرج يزيد من عنده فنظر إليه موسى قال لمن عنده والله إن في رأس أبي خالد لنفرة وليأتين عليها ذكر ما رآه موسى بالمغرب من العجائب
قال وذكروا عن محمد بن سليمان عن مشايخ أهل مصر قال لما بعث موسى رحمه الله بالخمس الذي أفاء الله عليه وكان مئة ألف رأس فنزلوا الإسكندرية ونزل بعضهم كنيسة فيها فسميت كنيسة الرقيق إلى اليوم ونزلوا موضعا بالفسطاط فتسوقوا فيه فسمي سوق البربر إلى اليوم قال محمد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك إن موسى اتخذ لنفسه دارا وسكنا حتى كان من أمر سليمان ما قد ذكر وهو الذي أخرجه وأهله من المغرب
____________________
(2/247)


قال وحدثنا بعض أهل إفريقية أن موسى ركب يوما حتى خرج من القيروان فوقف قريبا من أفريقية على رأس أميال فأخذ بيده ترابا فشمه من ثم ثم أمر بحفر بئر وابتني دارا ومنية واتخذ فيها خيلا فسميت بئر منية الخيل فليس يعلم بالمغرب بئر أعذب منها
وحدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس قال إن موسى انتهى إلى صنم يشير بأصبعه إلى خلفه ثم تقدم إلى صنم أمام الصنم الأول فإذا هو يشير بأصبعه إلى السماء ثم تقدم فإذا بصنم على نهر ماء جار يشير بأصبعه تحت قدميه فلما انتهى موسى إلى الصنم الثالث
قال موسى احفروا فإذا بمحدث مختوم الرأس قد أخرج فأمر به موسى فكسر فخرجت ريح شديدة
فقال موسى للجيش أتدرون ما هذا قالوا لا والله أيها الأمير ما ندري
قال ذلك شيطان من الشياطين التي سجنها نبي الله سليمان بن داود
قال وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب أن موسى أرسل ناسا في مراكب فأمرهم أن يسيروا حتى ينتهوا إلى صنم يشير بأصبعه أمامه في جزيرة في البحر ثم يسيروا حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة يشير بأصبعه أمامه ثم يسير الليالي والأيام ويجد في السير حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة في البحر فيها أناس لا يعرف كلامهم
قال فإذا بلغتم ذلك فارجعوا وذلك في أقصى المغرب ليس وراءه أحد من الناس إلا البحر المحيط وهو أقصى المغرب في البر والبحر
قال وحدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب أن موسى بلغ نهرا من أقصى المغرب فإذا عليه في الشق الأيمن أصنام ذكور وفي الأيسر أصنام إناث وأن موسى لما انتهى إلى ذلك الموضع خاف الناس فيه فلما رأى ذلك منهم رجع بالناس ثم مضى في وجهه ذلك حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها ففزع الناس وخافوا فرجع بهم
قالوا وحدثنا عبد الله بن قيس قال بلغني أن موسى لما جاوز الأندلس أتى موضعا فإذا فيه قباب من نحاس فأمر بقبة منها فكسرت فخرج منها شيطان نفخ ومضى فعرف موسى أنه شيطان من الشياطين التي سجنها سليمان بن داود فأمر موسى بالقباب فتركت على حالها وسار بالناس قدما
قال وحدثنا عمارة بن راشد قال بلغنا أن موسى كان يسير في بعض غزواته وهو بأقصى المغرب إذا غشي الناس ظلمة شديدة فعجب الناس منها وخافوا وسار بهم موسى في ذلك إذ هجم على مدينة عليها حصن من نحاس فلما أتاها أقام عليها وطاف بها فلم يقدر على دخولها فأمر بنبل ورماح وندب الناس فجعل يقول من يصعد هذه وله خمس مئة دينار فصعد رجل فلما استوى على سورها تردى فيها ثم ندب الناس موسى ثانية وقال من يصعد وله ألف وخمس مئة دينار فصعد رجل ثالث فأصابه ما أصاب صاحبيه
____________________
(2/248)


فكلم الناس موسى فقالوا هذا أمر عظيم أصيب إخواننا وغررت بهم حتى هلكوا
فقال لهم على رسلكم يأتيكم الأمر على ما تحبون إن شاء الله ثم أمر موسى بالمنجنيق فوضعت على حصن المدينة ثم أمر ان يرمي الحصن فلما علم من في الحصن ما عمل موسى ضجوا وصاحوا
وقالوا يا أيها الملك لسنا بغيتك ولا نحن ممن تريد نحن قوم من الجن فانصرف عنا فقال لهم موسى أين أصحابي وما فعلوا قالوا هم عندنا على حالهم
فقال أخرجوهم إلينا
قالوا نعم
فأخرج الثلاثة النفر فسألهم موسى عن أمرهم وما صنع بهم
فقالوا ما درينا ما كنا فيه وما أصابتنا شوكة حتى أخرجنا إليك
فقال موسى الحمد لله كثيرا ثم تقدم بالناس سائرا يفتح كل ما مر به
ثم نرجع إلى حديث سليمان بن عبد الملك تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة وما أشار به موسى عليه
قال وذكروا أن سعيد بن عبد الله أخبرهم قال إن سليمان بن عبد الملك بعث أخاه مسلمة إلى أرض الروم ووجه معه خمس مئة وثلاثين ألف رجل وخمس مئة رجل ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الأرزاق ثم دعا سليمان بموسى بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان له أشر علي يا موسى فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل الله بعيد الأثر طويل الجهاد
فقال له موسى أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه فلا يمر بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه ثم يمضي بالباقي من جيشه حتى يأتي القسطنطينية فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين
قال فدعا سليمان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى و أوعز إليه فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك وكان في مسلمة بعض الإباية ثم رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك الروم فقال البطريق لمسلمة آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي وأنا آتيك بالملك فأمنه ومضى البطريق إلى الملك الأعظم فأعلمه بما فعل مسلمة وما ظفر به منه ومنه حصون الروم فلما رأى ذلك ملك الروم أعظم ذلك وسقط في يديه
فقال البطريق له عند ذلك مالي عليك إن صرفت مسلمة عنك وجميع من معه فقال الملك أجعل تاجي على رأسك وأقعدك مكاني
فقال البطريق أنا أكفيك ذلك
فرجع البطريق إلى مسلمة قال أخرني ثلاثا حتى آتيك بالملك فبعث البطريق إلى
____________________
(2/249)

جميع الحصون فأمرهم بالتقلع إلى الجبال وحمل ما قدروا عليه من الطعام وأمر بإحراق الزرع وغير ذلك ما يؤكل وينتفع به مما كان خلفه مسلمة وجنده وما بين المسلمين وملك الروم فلما فعلوا ما أمروا به وعلم البطريق أنه أحكم أمره بعث إلى مسلمة فقال له لو كنت امرأة لفعلت بك كما يفعل الرجل بامرأته
قال فتغيظ مسلمة وآلي ألا يبرح حتى يظفر بملك الروم سؤال سليمان موسى عن المغرب
قال وذكروا أن محمد بن سليمان أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك قال لموسى من خلفت على الأندلس قال له عبد العزيز بن موسى
قال ومن خلفت على إفريقية وطنجة والسوس قال عبد الله ابني
فقال له سليمان لقد أنجبت يا موسى فقال موسى ومن أنجب مني يا أمير المؤمنين إن ابني مروان أتى بملك الأندلس وابني عبد الله أتى بملك ميورقة وصقلية وسردانية وإن ابني مروان أتى بملك السوس الأقصى فهم متفرقون في الأمصار وغيرهم يغيرون فيأتون من السبي بما لا يحصى فمن أنجب مني يا أمير المؤمنين قال فغضب سليمان فقال ولا أمير المؤمنين ليس بأنجب منك فقال موسى شأن أمير المؤمنين شأن ليس فوقه شأن وكل شأن وإن عظم دونه لأنه به ومنه وعلى يديه وأمره
قالوا وحدثنا عبد الله بن شريح قال بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية فقال له يا موسى أنت ملك المغرب وأعلم الناس تخرج إلى الوليد وتعلم من سليمان فقال له موسى يا بن أخي حسبك من قريش ثم من بني أمية ما تعلم ألا ترى يابن أخي أن الصبي يأخذ العظم فيعقفه بحبل ثم ينصبه ويهيء طريقا ويضع فيه حبة بر أو ذرة فينصب للهدهد العالم بما تحت الأرض فيستنفر ثم تدفعه المقادير إلى الوقوع فيه فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها
فخرج موسى إلى الوليد بدمشق فمات الوليد واستخلف سليمان أخاه فلقي منه موسى ما ذكرنا وخرج القرشي إلى الشام فضربت عنقه ذكر قدوم موسى على الوليد
قال وذكروا أن موسى لما قدم على الوليد وذلك يوم الجمعة في حين جلوس الوليد بن عبد الملك على المنبر وكان موسى قال لبعض من وفد معه بأن يلبس كل
____________________
(2/250)

رجل من الأسرى تاجا وثياب ملك ذلك التاج ثم يدخلوا معه المسجد
قال فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا وهيأهم هيئة الملوك وأمر بأبناء ملوك البربر فهيئوا وأمر بأبناء ملوك الجزائر والروم فهيئوا كذلك ولبسوا التيجان وأمر بأبناء ملوك الأشبان فهيئوا بمثل ذلك وأمر بالأموال والجوهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء والكساء المنسوج بالذهب والفضة المحرش باللؤلؤ والياقوت والزبرجد فوقف الجميع بباب الوليد وأبناء ملوك افرنجة وأقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان حتى دخل مسجد دمشق والوليد على المنبر يحمد الله وهو موهون قد أثرت فيه العلة وأنهكه المرض وإنما كان متحملا لأجل قدوم موسى ومن معه
فلما رآهم بهت إليهم وقال الناس موسى موسى ثم أقبل حتى سلم على الوليد ووقف الثلاثون بالتيجان عن يمين المنبر وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد الله تعالى والثناء عليه والشكر لما أيده الله ونصره فتكلم بكلام لم يسمع بمثله وأطال حتى فات وقت الجمعة ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس ثم دعا بموسى فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرات وأجازه بخمسين ألف دينار وفرض لولده جميعا في الشرف وفرض لخمس مئة من مواليه ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر وملوك الروم وملوك الأشبان وملوك أفرنجة ثم أدخل عليه رؤوس أهل البلاد ممن كان معه من قريش والعرب فأحسن جوائزهم وفرض لهم في الشرف ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما ثم إن الوليد هلك ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى
قالوا لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد فكان أحنق الناس على الحجاج وموسى بن نصير وكان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما وكان حنقه عليهما لأمر يطول ذكره
قال فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه فقال إني صالب غدا موسى بن نصير فبعث عمر إلى موسى فأتاه
فقال له يا بن نصير إني أحبك لأربع
الواحدة بعد أثرك في سبيل الله وجهادك لعدو الله
والثانية حبك لآل محمد صلى الله عليه وسلم
والثالثة حبك عياض بن عقبة لما تعلم من تحسن رأيي فيه وكان عياض من عباد الله الصالحين والرابعة أن لأبي عندك يدا وصنيعة وأنا أحب أن تتم يده وصنيعته حيث كانت وقد سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا فأحدث عهدك وانظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك
فقال له موسى قد فعلت وأسندت ذلك إليك
فقال له عمر لو
____________________
(2/251)

قبلت ذلك من أحد قبلت منك ولكن أسند من أحببت
فانصرف
فلما أصبح اغتسل وتحنط وراح ولم يشك في الصلب
فلما انتصف النهار واشتد الحر وذلك في حمارة الصيف دعا سليمان موسى فدخل عليه متعبا وكان بادنا جسيما به نسمة لا تزال تعرض له
فلما وقف بين يديه شتمه وخوفه وتوعده فقال له موسى أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي ولا قدر جزائي إني لبعيد الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين مع قدمة آبائي مع آبائك ونصيحتي لهم
قال فيقول له سليمان كذبت قتلني الله إن لم أقتلك
فلما أكثر على موسى قال له أما والله لمن في بطن الأرض أحب إلي ممن على ظهرها
فقال له سليمان ومن أولئك واستطير فقال له موسى مروان وعبد الملك والوليد أخوك وعبد العزيز عمك
قال فكاد سليمان ينكسر
ثم يقول قتلني الله إن لم أقتلك فيقول له موسى ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين فيقول ولم لا أم لك
فيقول له موسى إني لأرجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى حينئذ قائم في الشمس قد ارتفع نفسه وعظم بهره ثم التفت سليمان على عمر بن العزيز فقال ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر
قال عمر فاغتنمتها منه ولم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين
فقلت أجل يا أمير المؤمنين امرؤ كبرت سنه وكثر لحمه وبه نسمة وبهر وسقم فما أراه إلا ميتا
قال ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال من يأخذ هذا الشيخ فيستخرج منه هذه الأموال فقال يزيد بن المهلب أنا يا أمير المؤمنين قال فخذه ولا تمسه وضع العذاب على ابنيه مروان وعبد الأعلى فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه ثم انصرف به إلى منزله فأكرمه وبره
وقال له أطع أمري وأجب أمير المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك وعن ابنيك وحملني كل مل قاضيته عليه
فقال له موسى أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لأمير المؤمنين وأيم الله لو أمر سواك بي وأمره بالبسط علي لكان أحب إلي أن ألقى الله عز وجل وأقرب إلي من أن يأخذوا مني دينارا واحدا ولكن أديا يا ابني عن أنفسكما وعن أبيكما فقالا نعم فغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان فأعلمه بذلك وبرضا موسى بمقاضاته فأدخله سليمان عليه
فقال موسى أرأيت لو لم أقاضك ما كنت فاعلا
فقال سليمان أضع العذاب عليك وعلى ابنيك حتى أبلغ ما أريد أو آتي على أنفسكم
فقال موسى الآن طابت نفسك يا أمير المؤمنين فأعطني أربع خصال ولك ما دعوتني إليه من هذا المال
فقال وما هن قال تعزل عبد الله بن موسى عن إفريقية
____________________
(2/252)

وجميع عمله سنتين وأن كل ما جباه عبد الله بإفريقية وعبد العزيز بالأندلس فهو لي فيما قاضيت عليه أمير المؤمنين وأن تدفع إلي طارقا مولاي وأكون املأ به عينا وبماله
فقال له سليمان أما ما سألت من إقرار عبد العزيز وعبد الله على مكانهما فذلك لك
وأما ما سألت من دفع طارق إليك فتكون أملأ عينا به وبماله فليس هذا جزاء أهل النصيحة لأمير المؤمنين فلست بفاعل ولا مخل بينك وبين عقوبته ولا آخذ ماله فقاضاه موسى على مال فأجله في ذلك وخلى سبيله نسخة القضية
هذا ما قاضى عليه عبد الله سليمان أمير المؤمنين موسى بن نصير قاضاه على أربعة آلاف ألف دينار وثلاثين ألف دينار وخمسين دينارا ذهبا طيبة وازنة يؤديها إلى أمير المؤمنين وقد قبض منها أمير المؤمنين مئة ألف وبقي على موسى سائر ذلك أجله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير المؤمنين إلى ابني موسى الذي بالأندلس والذي بإفريقية يمكث شهرا بالأندلس وليس له أن يمكث وراء ذلك يوما واحدا حتى يقفل راجعا بالمال إلى ما كان من إفريقية وما دونها وليس لموسى أن يتكثر بشيء مما كان عليه من العمل منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمة أو فيء أو أمانة فهو لأمير المؤمنين يأخذه ويقتضيه ولا يحسبه موسى من غرامته فإن أدى موسى الذي سمي أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال إلى ما قد سمي أمير المؤمنين من الأجل فقد بريء موسى وبنوه وأهله ومواليه وليست عليهم تبعة ولا طلبة في المال ولا في العمل يقرون حيث شاؤوا
وما كان قبض موسى أو بنوه من عمال موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين إفريقية فهو من الذي على موسى من المال يحسب له من الذي عليه ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين فليس منه في شيء وقد خلى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله ومواليه ليس له ظلم أحد منهم غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا مولاه ولا شيئا من الذي قد أباه عليه أول يوم
شهد أيوب بن أمير المؤمنين وداود بن أمير المؤمنين وعمر بن عبد العزيز وعبد العزيز بن الوليد وسعيد بن خالد ويعيش بن سلامة وخالد بن الريان وعمر بن عبد الله ويحيى بن سعيد وعبد الله بن سعيد
وكتبه جعفر بن عثمان في جمادى سنة تسع وتسعين
فلما تفاضيا أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه والكف عنه فأعانه يزيد بن المهلب بمئة ألف دينار فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث خرزات فبعث بهن إلى ابن المهلب فقومهن فقوبلن بثلاث مئة ألف دينار
فقال ابن المهلب لموسى أتدري لم قلت لأمير المؤمنين أنا أضمه قال لا قال خفت أن يجيبه قبلي من لا يرى فيك ما أنا عليه لك وكانت لك يد عند المهلب رحمه الله
فأحببت أن أجزيك بها عنه
____________________
(2/253)

وبالله لو لم تفعل وأبيت المقاضاة ما شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال ولا ثوب قال فجزاه موسى خيرا ذكر يد موسى إلى المهلب
قال وذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن أدرك القوم وصحبتهم قال كانت اليد التي أسداها موسى إلى المهلب أن عبد الملك بن مروان لما ولي العراق بشرا أخاه جعل منه موسى بن نصير وزيرا ومديرا لأمره وقد كانت الأزارقة أفسدت ما هنالك فأمر عبد الملك بشر بن مروان أن يولي المهلب قتالهم وكان بشر للمهلب مسيئا فلما قدم بشر العراق وعلم المهلب برأيه اعتزل بشرا
فلم يأته فولى بشر بن مروان قتال الأزارقة الوليد بن خالد فانهزم وافتضح ثم ولي بشر رجلا آخر فلم يصنع شيئا
فكتب عبد الملك إلى بشر أخيه يفند رأيه فيما صنع ويوبخه لما خالف أمره فصمم بشر على رأيه فلما استغلظ أمر الأزارقة استشار بشر بن مروان أسماء بن خارجة وعكرمة بن ربعي وموسى بن نصير في أمر المهلب
فأما عكرمة و أسماء فوافقا هواه فيه وأما موسى فقال له إن أمير المؤمنين لا يحتملك على المعصية وليس مثل المهلب في فضله وشرفه وقدره في قومه ومعرفته أفصيت أو جفوت فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه فاكشفه عنه حتى تعلم عذره فيه أو ذنبه فلم يزل موسى يردد أمر المهلب على بشر ويعطفه عليه بعد أن كان هم بقتله إن ظفر به حتى أرسل إليه بشر فجاءه المهلب فتنصل إليه المهلب فقبل منه بشر وولاه ما كان يلي فبعث إليه موسى بخمسين فرسا وبمئة بعير
وقال له استعن بها على حربك ثم لم يزل موسى قائما بأمره عند بشر حتى هلك بشر
قالوا وأخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الأيام التي كان يخاف فيها بشر بن مروان على نفسه خرج إلى مال له فكان فيه وحده فأتى رجل إلى بشر وعنده موسى فقال له إن كان لك أيها الأمير بالمهلب حاجة فابعث خيلا إلى موضع كذا وكذا فإنه فيه في غار وحده وليس معه فيه رجل من قومه
فبعث بشر خيلا قال فنهض من مجلسه موسى فوجه إليه غلاما له ثم قال له أنت حر لوجه الله إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهي إلى موضع كذا وكذا فتأتي المهلب فتقول له إن موسى يقول لك النجاة بنفسك فخرج غلام موسى حتى انتهى إلى المهلب فأعلمه فاستوى على فرسه فذهب وأتت الخيل فلم تجد أحدا هناك فانصرفوا راجعين إلى بشر فأعلموه بذلك
____________________
(2/254)

ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالأندلس
قال وذكروا أن محمد بن عبد الملك أخبرهم قال أقام موسى بن نصير مع سليمان بن عبد الملك يطلب رضاه حتى رضي عنه وابنه عبد الله بن موسى على إفريقية وطنجة والسوس وابنه عبد العزيز على الأندلس كما هو فلما بلغ عبد العزيز الذي فعل سليمان بأبيه موسى تكلم بكلام خفيف حملته عليه حمية لما صنع بأبيه على حسن بلائه فنميت إلى سليمان فخاف سليمان أن يخلع فكتب إلى حبيب بن أبي عبيدة وابن وعلة التميمي وسعد بن عثمان بن ياسر وعمرو بن زياد اليحصبي وعمر بن كثير وعمرو بن شرحبيل كتب إلى كل رجل منهم كتابا يعلمه بالذي بلغه عن عبد العزيز بن موسى وما هم به من الخلع وأنه قد كتب إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز
وأعلمه إنما دعاه إلى ذلك الذي أحب من مكانفتكم لأنه بإزاء العدو وأعطاهم العهود أن من قتله منهم فهو أمير مكانه
وكتب إلى عبد الله بن موسى إني نظرت فإذا عبد العزيز بإزاء عدو يحتاج فيه إلى الغناء والبلاء
فسأل أمير المؤمنين فأخبر أن معك رجالا منهم فلان وفلان فأشخصهم إلى عبد العزيز بن موسى
وكتب سليمان إلى عبد العزيز أما بعد فإن أمير المؤمنين علم ما أنت بسبيله من العدو وحاجتك إلى الرجال أهل النكاية والغناء فذكر له أن بإفريقية رجالا منهم فكتب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك فولهم أطرافك وثغورك واجعلهم أهل خاصتك
وكتب إليهم سليمان إني قد بعثت لكم بكتاب إلى أهل الأندلس بالسمع والطاعة لكم والغدر في قتله فإن ولاكم أطرافه فأقروا عهدي على من قبلكم من المسلمين ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه
فلما قدم الكتاب على عبد الله بن موسى بإفريقية أشخص القوم فخرجوا حتى قدموا على عبد العزيز بالأندلس بكتاب سليمان في إلطافهم وإكرامهم فقربهم عبد العزيز وأكرمهم وحياهم وقال لهم اختاروا أي نواحي وثغوري شئتم فضربوا الرأي فقالوا إنكم إن فعلتم ما أنتم فاعلون ثم رجعتم إليه من أطرافه لم نأمن أن يميل معه عظيم الناس فإن في يديه الأموال والقوة من مواليه وغيرهم ولكن أعملوا رأيكم في الفتك
____________________
(2/255)

به
قال فإن ها هنا رجلا إن دخل معنا استقام لنا الأمر ووصلنا إلى ما أردنا
وهو أيوب بن حبيب بن أخت موسى
قال فلقوه ودعوه إلى أنه إن قتله فهو مكانه فقبل وبايعوه على ذلك ثم إنهم أتوا عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي وكان سيد أهل الأندلس صلاحا وفضلا فأعلموه ثم اقرؤوه كتاب سليمان
فقال لهم قد علمتم يد موسى عند جميعكم صغيركم وكبيركم وإنما بلغ أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه والرجل لم ينزع يدا من الطاعة ولم يخالف فيستوجب القتل وأنتم ترون أمير المؤمنين لا يرى فأطيعوني ودعوا هذا الأمر فأبوا ومضوا على رأيهم فأجمعوا على قتله فوقفوا له
فلما خرج لصلاة الصبح ودخل القبلة وأحرم وقرأ بأم القرآن الكريم واستفتح { إذا وقعت الواقعة } الواقعة 1 ضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة فدهش ولم يصنع شيئا فقطع عبد العزيز الصلاة وخرج وتبعوه فقتله ابن وعلة التميمي وأصبح الناس فأعظموا ذلك وأخرجوا كتاب سليمان بذلك فلم يقبله أهل الأندلس وولوا عليهم عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي ووفد حبيب بن أبي عبيدة برأس عبد العزيز بن موسى رحمهما الله قدوم رأس عبد العزيز بن موسى على سليمان
قال وذكروا أن سليمان لما ظن أن القوم قد دخلوا الأندلس وفعلوا ما كتب به إليهم عزل عبد الله بن موسى عن إفريقية وطنجة والسوس في آخر سنة ثمان وتسعين في ذي الحجة وأقبل هؤلاء حتى قدموا على سليمان وموسى بن نصير لا يشعر بقتل عبد العزيز ابنه
فلما دخلوا على سليمان ووضع الرأس بين يديه بعث إلى موسى فأتاه فلما جلس وراء القوم
قال له سليمان أتعرف هذا الرأس يا موسى فقال نعم هذا رأس عبد العزيز بن موسى فقام الوفد فتكلموا بما تكلموا به
ثم إن موسى قام فحمد الله ثم قال وهذا رأس عبد العزيز بين يديك يا أمير المؤمنين فرحمة الله تعالى عليه فلعمر الله ما علمته نهاره إلا صواما وليله إلا قواما شديد الحب لله ولرسوله بعيد الأثر في سبيله حسن الطاعة لأمير المؤمنين شديد الرأفة بمن وليه من المسلمين فإن يك عبد العزيز قضى نحبه فغفر الله له ذنبه فوالله ما كان بالحياة شحيحا ولا من الموت هائبا وليعز على عبد الملك وعبد العزيز والوليد أن يصرعوه هذا المصرع ويفعلوا به ما أراك تفعل ولهو كان أعظم رغبة فيه وأعلم بنصيحة أبيه أن يسمعوا فيه كاذبات الأقاويل ويفعلوا به هذه الأفاعيل
فرد سليمان عليه قال بل ابنك المارق من الدين والشاق عصا المسلمين المنابذ لأمير المؤمنين فمهلا أيها الشيخ الخرف
فقال موسى والله ما بي من خرف ولا أنا
____________________
(2/256)

من الحق بذي جنف ولن ترد محاورة الكلام مواضع الحمام وأنا أقول كما قال العبد الصالح { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } قال ثم قال موسى أفتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين واغرورقت عيناه فقال له سليمان نعم فخذه فقام موسى فأخذه وجعله في طرف قميصه الذي كان عليه ثم أدير في السماطين فوقع الطرف الآخر عن منكبيه وهو يجره لا يحفل به ولا يرفعه فقال له خالد بن الريان ارفع ثوبك يابن نصير فالتفت موسى وقال ما أنت وذاك يا خالد
قال سليمان دعه حسبه ما فعلنا به فلما توارى موسى قال سليمان دعه إن في الشيخ لبقية بعد
ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز فألفى ذلك باطلا وأن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة مستقيم الطريقة فلما تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم وأمر بالوفد فأخرجوا ولم ينظر في شيء من حوائجهم وأهدر عن موسى بقية القضية التي كان سليمان قاضاه عليها وكان سليمان قد آلى قبل خلافته لئن ظفر بالحجاج بن يوسف وموسى بن نصير ليعزلنهما ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا
فلما رضي عن موسى جعل يقول ما ندمت على شيء ندامتي أن لا كنت خلوا من اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا ما مثل موسى أستغني عنه
قال وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم شعبان عند المغرب وهو مستشرف على سطح وعند الناس
فلما رآه سليمان قال عندكم والله من إن سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غم الهلال يومئذ على سليمان والناس
فلما دنا موسى وسلم قال له سليمان أرأيت الهلال بعد يا موسى قال نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك وأشار بأصبعه إلى ناحية وهو مقبل على سليمان بوجهه فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى فأبصروا الهلال فلما جلس موسى قال إني والله لست بأحدكم بصرا ولكني أعلمكم بمطالعه ومناسقه
وقال فخرج فلقيه يزيد بن المهلب فقال له يا أبا عبد الرحمن بينا أنت أدهى الناس وأعلمهم أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان فقال له موسى أما علمت يا أبا خالد أن الهدهد يهتدي إلى الماء ويعرفه من الأرض الفضاء ومن الحزونة والسهل ويبصر القريب منه والبعيد ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة وما أشبهها فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه
____________________
(2/257)

فيؤخذ وذلك أنه لا حذر ينجي من قدر ولا رأي ولا بصر وكذلك كنت وسليمان بن عبد الملك
قال وذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزها فخرج معه موسى بن نصير فعرضت عليهم غنم حلب نحو من ألف رأس فأعجب سليمان ما رأى منها والتفت إلى موسى فقال له هل رأيت مثلها قط قال نعم إن لأدني موالي لأصنافا كثيرة فالتفت إليه سليمان وقال له أدني مواليك قال نعم فردها سليمان كالمغضب عليه
قال موسى نعم يا أمير المؤمنين وما هذا فيما أفاء الله عز وجل على يدي لقد كانت الألف تباع بعشرة دراهم أو دونها ولقد كانت في بعض المواطن وما لها قيمة ولا يلتفت إليها أحد يا أمير المؤمنين ولغير ذلك مما أفاء الله عليهم
ولقد رأيت العلج العتل والوصيف الفاره والجارية الحسناء وإن أكثر ما تبلغ خمسين درهما لكثرة ذلك من صنوفه كلها ولقد رأيت الذود من الإبل لا تبلغ قيمته عشرين درهما أكثير يا أمير المؤمنين ما أعلمتك فيما تسمع قال سليمان لا وحمد الله
قال وذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما وعنده الناس فلما رآه سليمان قال ذهب سلطان الشيخ وأبصره موسى حين تكلم فلم يفهم ما قال فلما سلم قال يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك عنيتني به
قال نعم
قلت ذهب سلطان الشيخ
قال له موسى أما والله لئن ذهب سلطان الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا ولقد كنت طويل الجهاد في الله حريصا على إظهار دين الله حتى أظهره الله وكنت ممن أتم الله به موعده لنبيه ولئن أدبر معك لقد كان مع آبائك ناضر الغصن ميمون الطائر فقال سليمان هو ذاك
فقال موسى وهو ذاك فلم يزل يرددها سليمان ويرددها موسى حتى سكت سليمان سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله
قال وذكروا أن سليمان قال لموسى ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك قال التوكل والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين
قال له سليمان هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق أو كنت تخندق حولك قال كل هذا ما أفعله
قال فما كنت تفعل قال كنت أنزل السهل وأستشعر الخوف والصبر وأتحصن بالسيف والمغفر وأستعين بالله وأرغب إليه في النصر
____________________
(2/258)


قال له سليمان فمن كان من العرب فرسانك قال حمير
قال فأي الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر قال شقرها
قال فأي الأمم كانوا أشد قتالا قال إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم
قال له أخبرني عن الروم
قال أسود في حصونهم عقبان على خيولهم نساء في مواكبهم إن رأوا فرصة افترصوها وإن خافوا غلبة فأوعال ترقل في أجبال لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة
قال فأخبرني عن البربر
قال هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب لقاء ونجدة وصبرا وفروسية وسماحة وبادية غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر
قال فأخبرني عن الأشبان قال ملوك مترفون وفرسان لا يجبنون
قال فأخبرني عن الإفرنج
قال هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة ومنهم العزيز ومنهم الذليل وكلا قد لقيت بشكله فمنهم المصالح ومنهم المحارب المقهور والعزيز البذوخ
قال فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم أكانت عقبا قال لا يا أمير المؤمنين ما هزمت لي راية قط ولا فض لي جمع ولا نكب المسلمون معي نكبة منذ اقتحمت الأربعين إلى أن شارفت الثمانين
قال فضحك سليمان وقال فأين الراية التي حملنها يوم مرج راهط مع الضحاك قال تلك يا أمير المؤمنين زبيرية وإنما عنيت المروانية
فقال صدقت وأعجبه قوله
وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال إنا لجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح والناس يدخلون حتى دخل موسى من الباب فتحرك بنا سقف السطح من شدة وطئه فسلم ثم جلس فذكر سليمان بيت الذهب الذي فتحه قتيبة بن مسلم فجعل يردد فيه
فقال له موسى وما هذا يا أمير المؤمنين بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار والله لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر يصب فيه اللبن فيخضر وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه ولقد أصبت كذا وكذا وأصاب المسلمون كذا وكذا وجعل يحدث سليمان بالعجائب
قال ريان حتى والله أبهته
ولم يزل موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده
فلما كانت سنة ثمان وتسعين تجهز سليمان للحج وأمر موسى بالشخوص والحج معه فذكر له أنه ضعيف فأمر سليمان بثلاثين نجيبا موقوره جهازا وبحجرة من حجره وجائزة فحج سليمان وحج معه موسى فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى فناداه
____________________
(2/259)

خالد بن الريان وكان موسى يساير رجلا فلم يلتفت موسى إلى ندائه ثم دعا به فناداه خالد أيضا فلم يلتفت إليه
فقال له الرجل غفر الله لك ألم تسمع دعاء أمير المؤمنين إني أخافه وأخاف أن يغضب
فقال موسى ذاك لو كان عبد الملك أو الوليد
فأما هذا فإنه يرضيه ما يرضى الصبي ويسخطه ما يسخطه وسترى ذلك
ثم تقدم موسى حتى لحق ولصق بسليمان
فقال له أين كنت يا بان نصير فقال له أمير المؤمنين أين دوابنا من دوابك إني لمنذ دعاني أمير المؤمنين لفي كد حتى لحقت أمير المؤمنين فضحك سليمان وأمر له بدواب من مراكبه فسايره وحادثه ثم انصرف عنه فلحق الرجل به
فقال له موسى كيف رأيت قال أنت كنت به أعلم فسار سليمان حتى نزل المدينة في دار يزيد بن رومان
قال فحدثني بعض أهل المدينة أن موسى قال يوما لبعض من يثق به ليموتن إلى يومين رجل قد بلغ ذكره المشرق والمغرب فلم نظن إلا أنه يعني الخليفة فلما كان اليوم الثاني لم أشعر وأنا في مسجد الرسول حتى سمعت الناس يقولون مات موسى بن نصير فإذا هو وصلي سليمان عليه ودفن رحمه الله
وذكروا أن عبد الله بن صخر أخبرهم قال بينما موسى يسير يوما على دابة له وكان طويلا جسيما فمر به رجلان من قريش وقد تدلت رجلاه وانحنتا وهما لا يعرفانه
فقالا أدبر والله الشيخ فسمعهما موسى فقال لهما من أنتما فانتسبا له
فقال أما والله إن أميكما لما أفاء الله على يدي هذا الشيخ فأهداهما إلى أبويكما
فقالا له ومن أنت يرحمك الله قال موسى بن نصير فقالا فمرحبا وأهلا صدقت وبررت والله ما عرفناك فقال لا عليكما قد والله أدبر عني وبقي مني
وذكروا أن إبراهيم بن سليمان أخبرهم عمن حدثه عن موسى أن الناس قحطوا بإفريقية عاما فخرج موسى بالناس فاستسقى فأمر رجلا فقص على الناس ورققهم فجعل يذكر ثم إنه انتحى في الدعاء للوليد بن عبد الملك فأكثر
فأرسل إليه موسى إنا لم نأت ها هنا للدعاء للوليد فأقبل على ماله جئنا فعدنا
فلم يلتفت ورجا أن يبلغ الوليد فأمر به فسحب حتى خرج من الناس ثم قال موسى ودعا بالناس فما برحنا حتى انصبت السماء بمثل القرب فأتى موسى بدابة من دوابه
فقال والله لا ركبت ولكن أخوض الطين وانصرف ماشيا ومشى الناس فسمعته يومئذ يردد في دعائه اللهم الشهادة في سبيلك أو موتا في مدينة رسولك
____________________
(2/260)


قال فذكروا أن عرفة بن عكرمة حدثهم عن مشايخ من مراد عن رجل منهم كان مع موسى بالأندلس قال كنت أبصر مع مجاري الشمس والقمر شيئا فوقع في عند موسى وقيل له عند علم فوالله ما شعرت حتى أتيت فأخذت عليه فإذا بين يديه عصفور مذبوح مشقوق البطن قال لي أدخل يدك فانظر
قلت أصلح الله الأمير طلقت امرأته ألبتة إن كان يعلم قليلا أو كثيرا إلا ما يعلم الناس من مجاري الشمس والقمر
قال فأمر بي فنحيت ثم دعا برجل من الأعاجم قال أدخل يدك فانظر ماذا ترى وكان من الأساري فأدخل يده في جوف العصفور فحركه طويلا ثم قلبه ثم قال للترجمان بلسانه إنه ليس يموت ها هنا و لكنه يموت بالمشرق في بلاد العرب فنظر إليه موسى ثم قال له قاتلك الله ما أعلمك قال ثم أمر به فقتل ثم دعاني فأخذ علي الأيمان أن لا أتكلم به ما بقي ففعلت
وكان دخول موسى المغرب سنة تسع وسبعين في جمادى الأول وكان يومئذ ابن ستين سنة فأقام بإفريقية ست عشرة سنة وقفل منها سنة خمس وتسعين ومات سنة ثمان وتسعين وولي عبد الله بن موسى بإفريقية وطنجة والسوس بعد موسى أبيه سنتين وكان عزله عنها في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وقيل سنة تسع وتسعين ذكر ولاة الأندلس بعد موسى بن نصير
قال وذكروا أن عبد العزيز بن موسى ولي الأندلس بعد أبيه سنة ثم قتل وولي بعده أيوب بن حبيب ستة أشهر ثم الحارث بن عبد الرحمن ثلاث سنين ونصفا ثم عنبسة سنتين وتسعة أشهر ثم يحيى بن سلمة سنة وثلاثة أشهر ثم الهيثم بن عبيد سنة وشهرين ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أربع سنين ثم عبد الملك بن قطن الفهري أيضا سنة ثم بلج بن بشر القشيري ستة أشهر ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي خمسة أشهر ثم أبو الخطار بن شرار الكلبي ثلاث سنين ثم ثوابة بن مسلمة سنة وشهرا
فلما وهن سلطان بن أمية بالمشرق ولوا على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن القرشي الفهري من غير عهد من الخليفة فملك الأندلس عشر سنين إلى أن دخل عليه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ذكر حج سليمان مع عمر بن عبد العزيز
وذكروا أن عبيد الله بن عبد المؤمن أخبرهم عن رجاء بن حيوة أنه لما حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز وذلك في سنة ثمان وتسعين فلما
____________________
(2/261)

انتهى إلى عقبة عسفان نظر سليمان إلى السرادقات قد ضربت له ما بين أحمر وأخضر وأصفر وكان يوسف بن عمر قد عمل له باليمن ثلاثة سرادقات فكانت تضرب له وكان الذي منها للناس من خز أخضر والذي يليه من خز أصفر ثم الذي يكون هو فيه ومن شيء أحمر محبر من حبرات اليمن مزرر بالذهب والفضة وفي داخله فسطاط وفيه أربعة أفرشة من خز أحمر مرافقها من وشي أصفر وضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه وحجر بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك
فلما استوى سليمان في قبة العقبة ونظر إلى ما نصب له
قال يا عمر كيف ترى ها هنا قال أرى دنيا عريضة يأكل بعضها بعضا أنت المسؤول عنها والمأخوذ بها فبينما هما كذلك إذ طار غراب من سرادق سليمان في منقاره كسرة فصاح الغراب
فقال سليمان ما يقول هذا الغراب يا عمر قال عمر ما أدري ولكن إن شئت أخبرتك بعلم
قال سليمان أخبرني
فقال عمر هذا غراب طار من سرادقك بكسرة هو يأكلها وأنت المأخوذ بها والمسؤول عنها من أين دخلت وأين خرجت قال سليمان إنك لتجيء بالعجائب يا أبا حفص
فقال عمر أفلا أخبرك بأعجب من هذا يا أمير المؤمنين قال أخبرني
قال من عرف الله تعالى كيف يعصاه ومن عرف الشيطان كيف يطيعه ومن أيقن بالموت كيف بهنيه العيش ويسوغ له الطعام ومن أيقن بالنار كيف يضحك فقال سليمان نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص ومن يطيق ما تطيق أنت يا عمر أنت والله الموفق المطيع ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة
قالوا إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حيوة أنه نظر إلى طاووس اليماني يصلي في المسجد الحرام فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ بمكة قد حج ذلك العام
فقال إني رأيت طاووس في المسجد فهل لك أن ترسل إليه قال فأرسل إليه سليمان
فلما أتاه قال رجاء لسليمان يا أمير المؤمنين لا تسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يتكلم
فلما قعد طاووس سكت طويلا
ثم قال ما أول شيء خلق فقلنا لا ندري
فقال أول شيء خلق القلم
ثم قال أتدرون ما أول شيء كتب قلنا لا قال فإن أول ما كتب بسم الله الرحمن الرحيم ثم كتب القدر خيره وشره إلى يوم القيامة
ثم قال أتعلمون من أبغض الخلق إلى الله قلنا لا فقال إن أبغض الخلق إلى الله تعالى عبد أشركه الله في سلطانه فعمل فيه بمعاصيه ثم نهض
قال رجاء فأظلم علي
____________________
(2/262)

البيت فما زلت خائفا عليه حتى توارى فرأيت سليمان يحك رأسه بيده حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه ما قال أبو حازم لسليمان
قالوا وإن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم قال لما حج سليمان ودخل المدينة زائرا لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ابن شهاب الزهري ورجاء بن حيوة فأقام بها ثلاثة أيام فقال أما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له بلى هاهنا رجل يقال له أبو حازم فبعث إليه فجاءه وهو أقور أعرج فدخل عليه فوقف منتظرا للإذن
فلما طال عليه الإذن وضع عصيته ثم جلس
فلما نظر إليه سليمان ازدرته عينه
فقال له يا أبا حازم
ما هذا الجفاء الذي ظهر منك وأنت توصف برؤية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فضل ودين تذكر به فقال أبو حازم وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين فقال سليمان إنه أتاني وجوه أهل المدينة وعلماؤها وخيارها وأنت معدود فيهم ولم تأتني
فقال أبو حازم أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها
قال سليمان صدق الشيخ فقال يا أبا حازم مالنا نكره الموت فقال أبو حازم لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب
قال سليمان صدقت يا أبا حازم
فكيف القدوم على الآخرة قال نعم أما المحسن فإنه يقدم على الآخرة كالغائب يقدم على أهله من سفر بعيد
وأما قدوم المسيء فكالعبد الآبق يؤخذ فيشد كتافه فيؤتي به إلى سيد فظ غليظ فإن شاء عفا وإن شاء عذب
فبكي سليمان بكاء شديدا وبكي من حوله
ثم قال ليت شعري مالنا عند الله يا أبا حازم فقال اعرض نفسك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله
قال سليمان يا أبا حازم وأين أصيب تلك المعرفة في كتاب الله قال عند قوله تعالى { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم } الإنفطار 13
قال سليمان يا أبا حازم فأين رحمة الله قال رحمة الله قريب من المحسنين قال سليمان يا أبا حازم من أعقل الناس قال أبو حازم أعقل الناس من تعلم العلم والحكمة وعلمهما الناس
قال سليمان فمن أحمق الناس فقال من حط في هوى رجل وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره
قال سليمان فما أسمع الدعاء قال أبو حازم دعاء المخبتين الخائفين
فقال سليمان فما أزكى
____________________
(2/263)

الصدقة عند الله قال جهد المقل قال فما تقول فيما ابتلينا به قال أعفنا عن هذا وعن الكلام فيه أصلحك الله قال سليمان نصيحة تلقيها
فقال ما أقول في سلطان استولى عنوة بلا مشورة من المؤمنين ولا اجتماع من المسلمين فسفكت فيه الدماء الحرام وقطعت به الأرحام وعطلت به الحدود ونكثت به العهود وكل ذلك على تنفيذ الطينة والجمع لمتاع الدنيا المشينة ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها فيا ليت شعري ما تقولون وماذا يقال لكم فقال بعض جلسائه بئس ما قلت يا أقور أمير المؤمنين يستقبل بهذا فقال أبو حازم اسكت يا كاذب فإنما أهلك فرعون هامان وهامان فرعون إن الله قد أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه أي لا ينبذونه وراء ظهورهم
قال سليمان يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح ما فسد منا فقال المأخذ في ذلك قريب يسير يا أمير المؤمنين فاستوى سليمان جالسا من اتكائه
فقال كيف ذلك فقال تأخذ المال من حله وتضعه في أهله وتكف الأكف عما نهيت وتمضيها فيما أمرت به
قال سليمان ومن يطيق ذلك فقال أبو حازم من هرب من النار إلى الجنة ونبذ سوء العادة إلى خير العبادة
فقال سليمان أصبحنا يا أبا حازم وتوجه معنا تصب منا ونصب منك
قال أبو حازم أعوذ بالله من ذلك قال سليمان ولم يا أبا حازم قال أخاف أن أركن إلى الذين ظلموا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات
فقال سليمان فتزورنا
قال أبو حازم إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء ولم يكن العلماء يأتون الملوك فصار في ذلك صلاح الفريقين ثم صرنا الآن في زمان صار العلماء يأتون الملوك والملوك تقعد عن العلماء فصار في ذلك فساد الفريقين جميعا
قال سليمان فأوصنا يا أبا حازم وأوجز
قال اتق الله ألا يراك حيث نهاك ولا يفقدك من حيث أمرك
قال سليمان ادع لنا بخير
فقال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته
قال سليمان زدني
قال قد أوجزت فإن كنت وليه فاغتبط وإن كنت عدوه فاتعظ فإن رحمته في الدنيا مباحة ولا يكتبها في الآخرة إلا لمن اتقى في الدنيا فلا نفع في قوس ترمي بلا وتر فقال سليمان هات يا غلام ألف دينار فأتاه بها فقال خذها يا أبا حازم
فقال لا حاجة لي بها لأني وغيري في هذا المال سواء فإن سويت بيننا وعدلت أخذت وإلا فلا لأني أخاف أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي
وإن موسى بن عمران عليه السلام لما هرب من فرعون ورد ماء مدين ووجد عليه الجاريتين تذودان
فقال مالكما معين قالتا لا فسقى لهما ثم تولى إلى الظل
فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ولم يسأل الله أجرا
فلما أعجل الجاريتان الإنصراف أنكر ذلك أبوهما
فقال لهما ما
____________________
(2/264)