Advertisement

الإمامة والسياسة 002



الكتاب : الإمامة والسياسة
المؤلف : أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري ـ سنة الوفاة 276هـ.
تحقيق : خليل المنصور
الناشر : دار الكتب العلمية
سنة النشر : 1418هـ - 1997م.
مكان النشر : بيروت
عدد الأجزاء : 2 أعجلكما اليوم قالتا وجدنا رجلا صالحا قويا سقي لنا
قال ما سمعتماه يقول قالتا تولى إلى الظل وهو يقول رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير
فقال ينبغي لهذا أن يكون جائعا
تنطلق إحداكما له فتقول له إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فأتته إحداهما تمشي على استحياء أي على إجلال له قال إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا
فجزع موسى من ذلك وكان طريدا في الفيافي والصحاري فقال لها قولي لأبيك إن الذي سقي يقول لا أقبل أجرا على معروف اصطنعته فانصرفت إلى أبيها فأخبرته
فقال اذهبي فقولي له أنت بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي وبين تركه فأقبل فإنه يحب أن يراك ويسمع منك فأقبل والجارية بين يديه فهبت الريح فوصفتها له وكانت ذات خلق كامل
فقال لها كوني ورائي وأريني ممت الطريق
فلما بلغ الباب قال استأذني لنا فدخلت على أبيها فقالت إنه مع قوته لأمين
فقال شعيب وبم علمت ذلك فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها
فقال أدخليه فدخل فإذا شعيب قد وضع الطعام فلما سلم رحب به وقال أصب من طعامنا يا فتى
فقال موسى أعوذ بالله
قال شعيب لم قال لأني من بيت قوم لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا
قال شعيب لا والله ما طعامي لما تظن ولكنه عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل
وهذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من كلامي فإن أكل الميتة والدم في حال الضرورة أحب إلي من أن آخذها
فأعجب سليمان بأمره إعجابا شديدا
فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين إن الناس كلهم مثله
قال لا
قال الزهري إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط
فقال أبو حازم صدقت لأنك نسيت الله ونسيتني ولو ذكرت الله لذكرتني
قال الزهري أتشتمني قال له سليمان بل أنت شتمت نفسك أو علمت أن للجار على الجار حقا قال أبو حازم إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأتوا به الأمراء استغنت الأمراء عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وهلكوا ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم لكانت الأمراء تهابهم وتعظمهم
فقال الزهري كأنك إياي تريد وبي تعرض قال هو ما تسمع
قال سليمان يا أبا حازم عظني وأوجز
قال حلال الدنيا حساب وحرامها عذاب وإلى الله المآب فاتق عذابك أودع
قال لقد أوجزت فأخبرني ما مالك قال الثقة بعدله والتوكل على كرمه وحسن الظن به والصبر إلى أجله واليأس مما في أيدي الناس
____________________
(2/265)


قال يا أبا حازم ارفع إلينا حوائجك قال رفعتها إلى من لا تخذل دونه فما أعطاني منها قبلت وما أمسك عني رضيت مع أني قد نظرت فوجدت أمر الدنيا يؤول إلى شيئين أحدهما لي والآخر لغيري
فأم ما كان لي فلو احتلت عليه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه وحينه الذي قد قدر لي
وأما الذي لغيري فذلك لا أطمع فيه فكما منعني رزق غيري كذلك منع غيري رزقي فعلام أقتل نقسي في الإقبال والإدبار قال سليمان لا بد أن ترفع إلينا حاجة نأمر بقضائها
قال فتقضيها قال نعم قال فلا تعطني شيئا حتى أسألكه ولا ترسل إلي حتى آتيك وإن مرضت فلا تعدني وإن مت فلا تشهدني
قال سليمان أبيت يا أبا حازم أبيت قال أتأذن لي أصلحك الله في القيام فإني شيخ قد زمنت
قال سليمان يا أبا حازم مسألة ما تقول فيها قال إن كان عندي علم أخبرتك به وإلا فهذا الذي عن يسارك يزعم أنه ليس شيء يسأل عنه إلا وعنده له علم يريد محمدا الزهري فقال له الزهري عائذ بالله من شرك أيها المرء
قال أما من شري فستعفى وأما من لساني فلا
قال سليمان ما تقول في سلام الأئمة من صلاتهم أواحدة أم اثنتان فإن العلماء لدينا قد اختلفوا علينا في ذلك أشد الاختلاف قال على الخبير سقطت أرميك في هذا بخبر شاف
حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم في الصلاة عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن ثم يسلم عن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر سلاما يجهر به
قال عامر وكان أبي يفعل ذلك
وأخبرني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى عمر بن الخطاب وابن عمر يسلمان من الصلاة كذلك
فقال الزهري اعلم ما تحدث به أيها الرجل فإن الحديث عن رسول الله صعب شديد إلا بالتثبت واليقين
قال أبو حازم قد علمته ورويته قبل أن تطلع أضراسك في رأسك
فالتفت الزهري إلى سليمان قال أصلحك الله
إن هذا الحديث ما سمعت به من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم قط فضحك أبو حازم
ثم قال يا زهري أحطت بحديث رسول الله كله قال لا
قال فثلاثة أرباعه قال لا قال فثلثه فقال أراني ذلك قد رويت وبلغني
فقال أبو حازم فهذا من الثلث الذي لم يبلغك وبقي عليك سماعه
فقال سليمان ما ظلمك من حاجك ثم قام مأذونا له
فأتبعه سليمان بصره ينظر إليه ويعجب به
ثم التفت إلى جلسائه فقال ما كنت أظن بقي في الدنيا مثل هذا
قال ثم انصرف سليمان من الحج قافلا إلى الشام
وذكروا أن غلمانا لسليمان نازعوا غلمانا لعمر بن عبد العزيز فتعدي غلمان عمر
____________________
(2/266)

على غلمان سليمان فرفع ذلك إلى سليمان وأغرى بعمر
فقال له سليمان ألا تنصف غلماني وهو كالمغضب مما فعل بهم فقال عمر ما علمت هذا قبل هذا الوقت وما سمعت هذا إلا في مقامي هذا
فقال سليمان كذبت لقد علمته
فقال عمر كذبت والله ما كذبت ولا تعمدت كذبا منذ شددت مئزري على نفسي وإن في الأرض عن مجلسك لسعة ثم خرج عمر فتجهز وهو يريد مصر ليسكنها فبلغ ذلك سليمان فندم على ما كان من قوله وأرسل إليه أن لا يبرح وأمر رجلا يقول له لا تعاقب أمير المؤمنين على قوله ولا تذكر له هذا فترك عمر الخروج وجلس وأقل الإختلاف إلى سليمان ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز
قال وذكروا أن خالد بن أبي عمران أخبرهم وكان قد أدرك القوم
قال مرض سليمان مرضه الذي مات فيه وذلك في شهر صفر سنة تسع وتسعين فدخل عليه عمر بن عبد العزيز عائدا فدعا سليمان بنين له صغارا فقلدهم السيوف فوقعوا في الأرض
فقال سليمان قد أفلح من كان له بنون كبار
فقال عمر ليس هكذا قال الله فقال سليمان وكيف قال الله
فقال عمر قال الله تعالى { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } الأعلى 14 فقال سليمان إني أريد أن أعهد إليك وأوليك أمور الناس بعدي
فقال عمر لا حاجة لي بذلك
فقال سليمان ولم ذلك فقال لأني لا أريد أخذ أموالهم فإذا لم أرد أخذ أموالهم فما الذي يدعوني إلى ضرب ظهورهم فقال سليمان لا بد من هذا
فقال عمر ولم ذلك ولك في ولد عبد الملك سعة فأعفني من هذا يعف الله عنك
فقال سليمان والله لا أوليها غيرك بعدي
فقال عمر وما الذي يدعوك إلى هذا فقال سليمان إني رأيت في منامي قائلا يقول لي إن عمر بن عبد العزيز لك جنة ووقاية وجسر تتخطاه
فأولت ذلك إن شاء الله أن أوليك الأمر من بعدي لتكون توليتي لك جنة من النار وجسرا أركبه لأنجو عليه من عذاب يوم القيامة ثم ليزيد بعدك فإنه أرشد ولد عبد الملك
فقال عمر إن هذا الأمر لا يسعني بيني وبين الله عز وجل أن أتقدم على أمة محمد وفيهم خير مني
فقال سليمان أما في أل أمية وعبد شمس فلا أعلم خيرا منك فقال عمر إن لم يكن في آل أمية وعبد شمس خير مني بقولك ففي آل عبد مناف وآل هاشم من هو خير مني
فقال سليمان لا فقال عمر ففي آل تيم وعدي خير مني وملء الأرض مثلي
فقال سليمان إنما تريد القاسم وسالما قال نعم إياهما أردت فقال سليمان رجلان صالحان ذكرت ولكنهما ليسا للملك ولا
____________________
(2/267)

الملك لهما ولا من معدن الملك هما مع أنه ليس بزمان خلافة ولا أيام يملك فيها مثل القاسم وسالم إنما هو زمان ملك وسيف وإنما هي ذئاب تعدو ليست على غنم تؤمن
فقال عمر الله المعين المصلح لمن أراده
فسكت سليمان وظن أنه عمر رضي بما قال له ثم دعا سليمان بصحيفة ثم كتب ويده ترتعش من شدة العلة لا يعلم أحد بما يخط فكتب عهد عمر ثم من بعد عمر ليزيد ثم ختم عليه بيده متحاملا لذلك وعمر لا يشك أن الأمر فيه قد صار لغيره ثم دعا سليمان برجاء بن حيوة فقال له خذ هذا الكتاب فإنه عهدي فاجمع إليك قريشا وأمراء الأجناد وأعلمهم أنه عهدي وأن من كان اسمه في كتابي هذا فهو الخليفة بعدي فمن نزع عن ذلك وأباه فالسيف السيف والقتل القتل
ثم رفع سليمان يديه إلى السماء فقال اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت وهي صغيرة يسيرة في جنب عفوك فاعف عني يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة اعف عني ما بيني وبينك من الذنوب واحمل عني ما بيني وبين خلقك وأرضهم بما شئت يا أرحم الراحمين
اللهم إن كنت تعلم مني وتطلع من ضميري أني إنما أردت بعهدي هذا وتوليتي من وليت فيه وجهك ورضاك فاغفر لي وارحمني
ثم تخلخل لسانه فلم يقو على الكلام من ثقل العلة ثم سكت وأغمي عليه
قال رجاء فخرجت وعمر معي
فقلت له ما أراك إلا صاحب الأمر فقال عمر ما أحسب ذلك
فقلت ومن عسى أن يكون في آل مروان من يريد سليمان توليته غيرك فقال عمر ما أراه عهد إلا لأحد الرجلين القاسم أو سالم
قال رجاء فقلت له أسمعت ذلك منه فقال عمر ما سمعته ولكن دار بيني وبينه كلام آنفا قبل دخلتك لا أشك أنه أراد أحدهما
قال رجاء فقلت والله هذا الإختلاف في أمة محمد والفتن الظاهرة القاصمة للظهور المفنية للأنفس
فقال عمر ولم ذلك فقال رجاء لأن قريشا ونحوها لا ترضى بهذا ولا تصير إليه ولا آل أمية وعبد شمس حيث كانت من الأرض فقال عمر إن الأمر لله من قبل ومن بعد يؤتى الملك من يشاء فقال رجاء فخرجت فخرج إلى الناس وأعلمتهم بعهد أمير المؤمنين
فقالوا سمعا وطاعة ثم أعلمتهم بابتهاله ورغبته إلى الله وما قال فلم يشك الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم فأرادوا أن يسلموا عليه بالخلافة وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان
فقلت لهم لا تعجلوا فإن عمر قال لي أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما وهذا أفطن مني بهذا الأمر لأنه كان حاضرا وسليمان يكتب العهد بيده فضج الناس من ذلك واختلفوا
فقالت فرقة سمعنا وأطعنا لمن استخلف علينا كان من كان وقالت فرقة لا والله لا نقر بهذا ولا نطيعه ولا يستخلف علينا إلا مرواني ولا تبقى منا عين
____________________
(2/268)

تطرف في الدنيا
فقال رجاء لعمر كيف ترى قولي والله لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين وإنها الفتنة قد فتح بابها
فقال عمر أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله
قال رجاء فقلت لعمر ما نحن صانعون إن كان هذا فقال عمر لا أدري ما أقول في موقفي هذا
قال رجاء ولم فقال عمر لأني والله ما وقفت موقفا قط لا رأي لي فيه ولا بصيرة إلا موقفي هذا فإني قد أجدني قد ذهب روعي وفقدت رأيي ولا أدري ما أستقبل من أمري ولا ما أستدبر ولو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا حيث لا أدرك ولا أرى
قال رجاء فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه وبصيرته
قال رجاء فقلت له يا أبا حفص فأين نحن من المفزع إلى الله والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة فقال عمر بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد
قال رجاء فبتنا ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء والإستخارة لله
فلما أصبحنا قلت لعمر ما ترى يا أبا حفص فقال أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت
قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول قد قضى أمير المؤمنين نحبه فخرجا فإذا بالعويل والنوح فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول لست به حتى دخل المسجد وقد اجتمع الناس وهم مستعدون للفتنة والقتال إن خالف العهد ما يريدون
فقام رجاء إلى جانب المنبر فحمد الله وحض الناس على الطاعة ولزوم الجماعة وأعلمهم بما في الفرقة والإختلاف من ذهاب الدين والدنيا ثم أخرج العهد ففضه بمحضر منهم ثم قرأه عليهم
فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية والوحدانية وأن محمدا عبده ورسوله بعثه إلى محسني عباده بشيرا وإلى مذنبيهم نذيرا وأن الجنة حق وأن النار حق مخلوقتان خلق الجنة رحمة لمن أطاعه والنار عذابا لمن عصاه وأوجب العفو لمن عفا عنه وأن إبليس في النار وأن سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة والمغفرة
وأن المقادير كلها خيرها وشرها من الله وأنه هو الهادي وهو الفاتن لم يستطيع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية ولا لمن خلق لعذابه هداية وأن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل إلى أمته حق يقين لا منجي لمن خرج من الدنيا إلى الآخرة من هذه المسألة
وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم منه الثبات على الحق عند تلك المسألة والنجاة من أهوال تلك الفتنة وأن الميزان حق يقين يضع الموازين القسط ليوم القيامة فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك
____________________
(2/269)

هم الخاسرون وأن حوض محمد صلى الله عليه وسلم يوم الحشر والموقف حق عدد آنيته كنجوم السماء من شرب منه لم يظمأ أبدا
وسليمان يسأل الله برحمته أن لا يرده عنه عطشان
وأن أبا بكر وعمر خير هذه الأمة بعد نبينا صلى الله عليه وسلم والله يعلم بعدهما حيث الخير وفيمن الخير من هذه الأمة وأن هذه الشهادة المذكورة في عهده هذا يعلمها من سره وإعلانه وعقد ضميره وأن بها عبد ربه في سالف أيامه وماضي عمره وعليها أتاه يقين ربه وتوفاه أجله وعليها يبعث بعد الموت إن شاء الله وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا وسيئات لم يكن له عنها محيص ولا دونها مقصر بالقدر السابق والعلم النافذ في محكم الوحي فإن يعف ويصفح فذلك ما عرف منه قديما ونسب إليه حديثا وتلك الصفة التي وصف بها نفسه في كتابه الصادق وكلامه الناطق وإن يعاقب وينتقم فيما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد وإني أحرج على من قرأ عهدي وسمع ما فيه من حكمه أن ينتهي إليه في أمره ونهيه بالله العظيم وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يدع الإحن ويأخذ بالمكارم ويرفع يديه إلى السماء بالإبتهال الصحيح والدعاء الصريح يسأله العفو عني والمغفرة لي والنجاة من فزعي والمسألة في قبري لعل الودود أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما علي من صفحه يعود إن شاء الله
وإن ولي عهدي فيكم وصاحب أمري بعد موتي في كل من استخلفني الله عليه الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره وظاهره ورجوت الله بذلك وأردت رضاه ورحمته إن شاء الله ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده فإني ما رأيت منه إلا خيرا ولا اطلعت له على مكروه وصغار ولدي وكبارهم إلى عمر إذ رجوت ألا يألوهم رشدا وصلاحا والله خليفتي عليهم وهو أرحم الراحمين وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله
ومن أبى عهدي هذا وخالف أمري فالسيف ورجوت أن لا يخالفه أحد ومن خالفه فهو ضال مضل يستعتب فإن أعتب وإلا فالسيف والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله القديم الإحسان أيام عمر بن عبد العزيز
قال وذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال إني لحاضر يوم قريء عهد سليمان في المسجد بدمشق على الناس فما رأيت يوما أكثر باكيا ولا داعيا له بالرحمة من ذلك اليوم فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ولا حروري إلا أخذ الله له بقلوبهم وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا بالسؤال بالعفو من الله ورضي الناس أجمعون فعله
____________________
(2/270)


قال خالد ثم بايع الناس لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس لا يشوبها غش ولا يخالطها دنس قال خالد وسمعت رجاء يقول لما تمت البيعة إني مهما شككت في شيء فإني لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة والرحمة لسليمان إن شاء الله واستفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان ورباعه وكسوته وجميع ما كان يملكه فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف دينار فجمع ذلك كله وجعله في بيت المال ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك فقال لها يا فاطمة فقالت لبيك يا أمير المؤمنين فجعل يبكي وكان لها محبا وبها كلفا ثم استفاق من بكائه فقال لها اختاريني أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك وكان قد عمل لها أبوها عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب منظوما بالدر والياقوت أنفق عليه مائة ألف دينار
فقال لها إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجعله في بيت المال وإن اخترت الثوب فلست لك بصاحب
فقالت أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك لا حاجة لي بالثوب
فقال عمر وأنا أفعل بك خصلة أجعل الثوب في آخر بيت المال وأنفق ما دونه فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين وإنما هو من أموال المسلمين أنفقت فيه وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه فلعل أن يأتي بعدي من يرده إليك
قالت افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك
ثم دخل عليه ابنه وعليه قميص تذعذع
فقال له عمر ارقع قميصك يا بني فوالله ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم ذكر قدوم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز
قال وذكروا عن عبد الأعلى بن أبي المشاور أنه أخبرهم قال قدم جرير شاعر أهل العراق وأهل الحجاز على عمر أول ما استخلف فأطال المقام ببابه لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد الله الهذلي وكان من عباد الناس وخيارهم وعليه جبة صوف وعمامة صوف قد أسد لها خلفه فجعل يتخطى رقاب الناس من قريش بني أمية وغيرهم لا يمنع ولا يحجب هو ومثله من أكابر الناس وخيارهم وفضلاء العباد
____________________
(2/271)

وقريش لا يصلون ولا يدخلون فلما خرج عون بن عبد الله اتبعه جرير بن الخطفي وهو يقول
( يا أيها الرجل المرخي عمامته ** هذا زمانك إني قد مضى زمني )
( أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ** أتى لدى الباب كالمصفود في قرن )
( فاحلل صفادي فقد طال المقام به ** وشطت الدار عن أهلي وعن وطني )
قال فضمن له عون بن عبد الأعلى أن يدخله عليه
فلما دخل على عمر قال يا أمير المؤمنين هذا جرير بن الخطفي بالباب يريد الإذن
فقال عمر ما كنت أرى أحدا يحجب عني
قال إنه يريد إذنا خاصا قال له عمر اله عن ذكره ثم حدثه طويلا ثم قال يا أمير المؤمنين إن جريرا بالباب فقال اله عن ذكره
قال إذا لا أسلم من لسانه
فقال عمر أما إذ قد بلغ منك خوف لسانه ما أرى فأذن له
فدخل جرير
فلما كان قيد رمح أو رمحين وعمر منكس رأسه قال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ثم قال إن الخلفاء كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز وصلات وقد أصبحت إلى ذلك منك محتاجا
ثم أنشأ يقول
( قد طال قولي إذا ما قمت مبتهلا ** يا رب أصلح قوام الدين والبشر )
( إنا لنرجو إذ ما الغيث أخلفنا ** من الخليفة ما نرجو من المطر )
( أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ** أم قد كفاني ما بلغت من خبر )
( ما زلت بعدك في هم يؤرقني ** قد طال في الحي إصعادي ومنحدري )
( لا ينفع الحاضر المجهود بادية ** ولا يعود لنا باد على حضر )
( كم باليمامة من شعثاء أرملة ** ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر )
( يدعوك دعوة ملهوف كأن به ** مسا من الجن أو مسا من البشر )
( فإن تدعهم فمن يرجون بعدكم ** أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر )
( هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ** فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر )
( خليفة الله ما ذا تأمرون بنا ** لسنا إليكم ولا في دار منتظر )
____________________
(2/272)


( أنت المبارك والمهدي سيرته ** تعصى الهوى وتقوم الليل بالسور )
قال فبكى عمر وهملت عيناه وقال ارفع حاجتك إلينا يا جرير
قال جرير ما عودتني الخلفاء قبلك
قال وما ذلك قال أربعة آلاف دينار وتوابعها من الحملان والكسوة
قال عمر أمن أبناء المهاجرين أنت قال لا
قال أفمن أبناء الأنصار أنت قال لا
قال أفقير أنت من فقراء المسلمين قال نعم
قال فأكتب لك إلى عامل بلدك أن يجري عليك ما يجري على فقير من فقرائهم
قال جرير أنا أرفع من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين
قال فانصرف جرير
فقال عمر ردوه علي
فلما رجع قال له عمر قد بقيت خصلة أخرى عندي نفقة وكسوة أعطيك بعضها ثم وصله بأربعة دنانير
فقال وأين تقع مني هذه يا أمير المؤمنين فقال عمر إنها والله لمن خالص مالي ولقد أجهدت لك نفسي
فقال جرير والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال كسبته
ثم خرج فلقيه الناس فقالوا له ما وراءك قال جئتكم من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز
قال وذكروا أن ابن حنظلة أخبرهم قال بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه بالحيرة رأسهم رجل من بني شيبان يقال له شوذب وكتب معنا كتابا إليهم فقدمنا عليهم فبعثوا معنا إليه رجلين أحدهما من العرب فأتينا بهما عمر فدخلنا عليه وتركناهما بالباب
فقلنا له إنا قد بلغنا عنك وقد بعثوا معنا رجلين هما بالباب
قال فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شيء ففعلنا ثم إننا أدخلناهما عليه
فلما دخلا قالا السلام عليكم
قال وعليكم السلام اجلسا
فلما جلسا قال لهما عمر ما الذي أخرجكم علينا فقال العربي وكان أشدهما كلاما وأتمهما عقلا أما إنا لم ننكر عليك عدلك ولا سيرتك ولكن بيننا وبينك أمر هو الذي يجمع ويفرق بيننا فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا
فقال عمر فما هو فقال خالفت أهل بيتك وسميتهم الظلمة وسميت أعمالهم المظالم فإن زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم
فقال عمر إنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون ولكنكم أخطأتم وضللتم وتركتم الحق
أخبراني عن الدين أو أحد أو اثنان
قالا لا
____________________
(2/273)

بل واحد
قال أفيسعكم في دينكم شيء يعجز عني قالا لا
قال فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم قالا أفضل الناس أبو بكر وعمر
قال ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت العرب فقاتلهم أبو بكر
فقتل الرجال وسبي النساء والذرية قالا بلى
قال عمر فلما توفي أبو بكر وقام عمر ورد تلك النساء والذراري إلى عشائرهما فهل تبرأ من أبي بكر ولعنه بخلافه إياه قالا لا
قال فتتولونهما على خلاف سيرتهما
قالا نعم
قال عمر فما تقولان في بلال من مرداس قالا من خير أسلافنا
قال أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت إحداهما الأخرى قالا لا
قال فتتولونهما على خلاف سيرتهما
قالا نعم
قال عمر فأخبراني عن عبد الله بن وهب حين خرج وأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه وبقروا بطن جاريته ثم عدوا على قوم من بني قطيفة فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل ثم قدموا على أصحابهم من الكوفة وهم كافون عن الدماء والفروج والأموال هل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت إحداهما الأخرى قالا لا
قال فتتولونهما على خلاف سيرتهما
قالا نعم
فقال عمر فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض ولا لعن بعضهم بعضا وأنتم تتولونهم على خلاف سيرتهم فهل وسعكم في دينكم ذلك ولا يسعني حين خالفت أهل بيت في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم أخبراني عن اللعن فرض على العبادة قالا نعم
فقال عمر متى عهدك بلعن فرعون قال مالي به من عهد منذ زمان
قال عمر هذا رأس من رؤوس الكفار ليس لك عهد بلعنه منذ زمان وأنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي ألستم أنتم الذين تؤمنون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفه وتخيفون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنه فقالا نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة
فقال بلى فسأخبر كما عن ذلك ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والناس أهل كفر فدعاهم أن يقروا بالله ورسوله فمن أبى قاتله وخوفه ومن أقر بهما أمنه وكف عنه وأنتم اليوم من مر بكم يقر بهما قتلتموه ومن لم يقر بهما أمنتموه وخليتم سبيله فقال العربي تالله ما رأيت حجيجا أقرب مأخذا ولا أوضح منهاجا منك أشهد أنك على الحق وأما على الباطل
وقال الآخر لقد قلت قولا حسنا وما كنت لأفتات على أصحابي حتى ألقاهم فلحق بأصحابه وأقام الآخر عند عمر فأجرى عليه العطاء والرزق حتى مات عنده
____________________
(2/274)

وفاة عمر بن عبد العزيز
قال وذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن أبي زكريا أما بعد فإذا نظرت في كتابي فأقدم فقدم عليه فقال مرحبا بابن أبي زكريا
قال وبك يا أمير المؤمنين
قال حاجة لي قبلك
قال بين الأنف والعين حاجتك يا أمير المؤمنين إن قدرت عليها
قال لست أكلفك إلا ما تقدر عليه
قال نعم قال أحب أن تثني على الله بمبلغ علمك حتى إذا فرغت سألت الله أن يقبض عمر
فقال إنا لله وإنا إليه راجعون بئس وافد أمة محمد أنا هذا لا يحل لي
قال فإني أعزم عليك بحق الله وبحق رسوله وبحقي إن كان لي عليك حق إلا ما فعلته فبكى ثم استرجع ثم أقبل يثني على الله وإنه ليبكي حتى إذا فرغ قال اللهم إن عمر سألني بحقك وبحق رسولك وبحقه علي أن أدعو في قبضة إليك فاقبض عمر إليك كما سأل ولا تبقني بعده وجاء حينئذ بني لعمر فسقط في حجره فقال وهذا أي ربي معنا فإني أحبه
قال فما كانوا إلا كخرزات في خيط فانقطع الخيط فأتبع بعضها بالسقوط بعضا ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز
قال وذكروا عن مزاحم مولى عمر قال أخبرتني فاطمة ابنة عبد الملك امرأة عمر قالت كانت لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه فأبطأ علي ذات ليلة فقلت لآتينه فوجدته نائما فهبته أن أوقظه فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه فقال من هذا فقلت أنا فاطمة فقال يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها
فقلت حدثني بها يا أمير المؤمنين
قال رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أحسن منها ورأيت في تلك الأرض قصرا من زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي
فقال أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقام النبي عليه الصلاة والسلام فدخل القصر فقلت سبحان الله أنا في جمع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم عليه فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى أين أبو بكر بن أبي قحافة فقام أبو بكر فدخل فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى أين عمر بن الخطاب أين الفاروق فقام عمر فدخل فقلت سبحان الله أنا في ملأ فيهم جدي لم أسلم عليه فما لبثت إلا يسيرا حق خرج المنادي فقال أين عثمان بن عفان فقام عثمان فدخل
____________________
(2/275)

فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى أين علي بن أبي طالب فقام فدخل فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فناد أين عمر بن عبد العزيز
قال فقمت فدخلت فلما صرت في القصر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عن يمينه وعمر عن شماله وعثمان وعليا أمامه
فقلت أين أقعد لا أقعد إلا إلى جنب عمر
قال فرأيت فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة
فقلت لعمر من هذا قال هذا عيسى بن مريم عليه السلام فما لبثت إلا قليلا حتى خرج عثمان بن عفان وهو يقول الحمد لله الذي نصرني ربي ثم خرج علي وهو يقول الحمد لله الذي غفر لي ربي
ثم نودي لي أين عمر بن عبد العزيز فقمت فصرت بين يدي ربي فحاسبني فلقد سألني عن النقير والفتيل والقطمير حتى خفت أن لا أنجو ثم قمت فخرجت فقيل لي اثبت وتمسك على ما أنت عليه فبينما أنا سائر فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق فضربتها برجلي وقلت لمن معي لمن هذه الجيفة فقيل لي هذا الحجاج بن يوسف فضربته برجلي فقلت له ما فعل الله بك يا حجاج
قال يا أمير المؤمنين والله لقد قتلت لكل قتيل قتلته بسيف من نار ولقد قتلت بسعيد بن جبير اثنين وسبعين قتلة
فقلت فآخر أمرك ما هو قال أنا هنا هنا أنتظر ما ينتظر من وحد الله وآمن برسوله
قالت فاطمة فلم يبق عمر بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا حتى مرض مرضه الذي مات فيه فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال له يا أمير المؤمنين إنك لنترك ولدك عالة على الناس فأوص بهم إلي أكفك أمرهم فإنك لم تمولهم شيئا ولم تعطهم
فقال عمر يا أبا سعيد إن ولدي لهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ثم دعاهم عمر وهم أربعة عشر غلاما فنظر إليهم عمر وقد لبسوا الخشن من قباطي مصر فاغرورقت عيناه بالدموع
قال لهم أوصيكم بتقوى الله العظيم وليجل صغيركم كبيركم وليرحم كبيركم صغيركم
ثم قال لمسلمة يا أبا سعيد إنما ولدي على أحد أمرين إما عامل بطاعة الله فلن يضيعه الله وإما عامل بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال قوموا عصمكم الله ووفقكم
ثم دعا رجاء بن حيوة فخلا به
فقال يا رجاء إن الموت قد نزل وأنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك إذا أنا مت فكن ممن يقبرني فإذا سويت علي اللبن فارفع لبنة ثم اكشف عن وجهي وانظر إليه فإني قبرت ثلاثة رجال بيدي وكشفت عن وجوههم فنظرت وجوههم قد اسودت
____________________
(2/276)

وعيونهم قد برزت من وجوههم فاكشف عن وجهي يا رجاء وانظر إليه فإن رأيت شيئا من هذا فاستر علي ولا تعلم به أحدا وإن رأيت غير ذلك فاحمد الله عليه
قال رجاء ففعلت ذلك فلما سوينا عليه اللبن رفعت لبنة وكشفت وجهه فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر وإذا على صدره صك فيه خط ليس من كتابة الآدميين بسم الله الرحمن الرحيم كتاب بالقلم الجليل من الله العزيز العليم براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الأليم ما علم به موت عمر رحمه الله في الأمصار
قال وذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام فنزلوا برجل في أوائل الشام موسع عليه تروح عليه إبل كثيرة وأبقار وأغنام فنظروا إلى شيء لا يعلمونه غير ما يعرفون من غضارة العيش إذ أقبل بعض رعاته فقال إن السبع عدا اليوم على غنمي فذهب منها بشاة
فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض ما عند هذا خير يتأسف ويتوجع من شاة أكلها السبع فكلمه بعض القوم
قال له إن الله تعالى قد وسع عليك فما هذا التوجع والتأسف قال إنه ليس مما ترون ولكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفي الليلة والله ما تعدي السبع على الشاة إلا لموته فأثبتوا ذلك اليوم فإذا عمر قد توفي في ذلك اليوم
وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ليلة إذا تسور عليه كلب فسمعه وهو يقول لهرة له أي جنة هل من شيء أصيبه فإني والله أكال فقالت له الهرة ما ثم شيء لقد غطوا الإناء وأكفئوا الصحفة
فقال لها هل تدنيني من يد صبي أو قدر لم تغسل أشمها لترتد لي روحي قالت الهرة ما كنت لأخونهم أمانتي فمن أين أقبلت تشكو الكلل والجوع قال من الشام شهدت وفاة عمر بن عبد العزيز وحضرت جنازته
قالت إنا لله وإنا إليه راجعون
نور كان في الدنيا فطمس ثم زالت عنه وتنحت وفرت منه وهابته خوفا من أن يعدو عليها ثم انسل الكلب ذاهبا فلما أصبح الرجل جعل يقول للهرة أي جنة جزاك الله عنا خيرا
قال فاستوبرت الهرة وذهبت فلم ترد بعد فكتب ذلك اليوم فجاءهم موت عمر في ذلك اليوم
وذكروا أن زياد بن عبد الله أخبرهم قال كان رجل في بعض كور الشام يعالج أندرا له مع زوجته وكان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل فنظر الرجل إلى
____________________
(2/277)

فارس مقبل نحوهما
فقال الرجل لزوجته يا فلانة هذا والله ابني وابنك مقبلا فنظرت المرأة فقالت أخدعك الشيطان إنك مفتون بابنك وإنك تشبه به الناس كلهم كيف يكون ابنك وابنك استشهد منذ حين فاستعاذ الرجل بالله من الشيطان الرجيم ثم أقبل على أندره يعالجه ودنا منهما الفارس ثم نظر ثانية قال يا فلانة ابني والله وابنك فنظرت ودنا منهما الفارس فلما وقف عليهما فإذا هو ابنهما
قال فسلم عليهم وسلما عليه
فقالا له يا بني أما كنت استشهدت منذ حين قال نعم
إلا أن عمر بن عبد العزيز توفي الليلة فاستأذن الشهداء ربهم عز وجل في شهود جنازته فأذن لهم وكنت فيهم فاستأذنت ربي في زيارتكما والنظر فأذن لي ثم ودعاه وسلما عليه ودعا لهما ثم ذهب ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان
قال وذكروا أن الأمر صار بعد عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك بعهد سليمان أخيه إليه بذلك وإلى عمر وكان يزيد قبل ولايته محبوبا في قريش بجميل مأخذه في نفسه وهديه وتواضعه وقصده وكان الناس لا يشكون إذا صار إليه الأمر أن يسير بسيرة عمر لما ظهر منه
فلما صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به وسار بسيرة الوليد أخيه واحتذى على مثاله وأخذ مأخذه حتى كأن الوليد لم يمت فعظم ذلك على الناس وصاروا من ذلك إلى أحوال يطول ذكرها حتى هموا بخلعه وجاءهم بذلك قوم من أشراف قريش وخيار بني أمية وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدي عمر واطمأنت إلى عدله بعد النفار والإنكار لسيرته وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمره والقنوع بقصده عليهم وتقصيره في إدراك المطامع والعطايا عليهم واتهم منهم نفر بالخلع والخروج فأخذهم عمه محمد بن مروان بن الحكم فأسكنهم السجن عشرين شهرا ثم دس لهم السم فماتوا جميعا وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلا بعد أن أغرمهم مئة ألف ألف وباع عقر أموالهم ورباعهم وحمل العذاب عليهم والنكال حتى أصارهم عالة يتكففون الناس متفرقين في كور الشام وآفاق البلاد وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم واتهم بمصانعتهم ومصاحبتهم وكانت ولايته في ربيع الأول سنة إحدى ومئة ومات سنة ست ومئة ولاية هشام بن عبد الملك
قال وذكروا أن عبد الملك بن مروان بينما هو يوما في بعض بوادي الشام
____________________
(2/278)

يتطوف إذ نظر إلى ساع يسعى إليه فوقف منتظرا له فلما قاربه قال له ما وراءك فقال ولدت المخزومية غلاما قال فما سمته قال هشاما
قال هشم الله رأسها
فقال له قبيصة بن ذؤيب ولم يا أمير المؤمنين قال أخبرني أبي مروان أنه سمع بشرة بنت صفوان تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( راحة أصحابي معاوية ولا راحة لهم بعد معاوية وراحة العرب هشام ولا راحة لهم بعد هشام )
وذكروا أن هشاما صارت إليه الخلافة في سنة ست ومئة فكان محمود السيرة ميمون النقيبة وكان الناس معه في دعة وسكون وراحة لم يخرج عليه خارج ولم يقم عليه قائم إلا ما كان من قيام زيد بن علي بن الحسين في بعض نواحي الكوفة فبعث إليه ابن هبيرة وكان عامل الكوفة فأخذ زيد فأتى به ابن هبيرة فأمر بقتله دون رأي هشام فلما بلغ ذلك هشاما عظم عليه قتله وأعظم فعل ابن هبيرة واجترائه على قتل قرشي دون مشورة حتى جعل يقول مثل زيد بن علي في شرفه وفضله يقتله ابن هبيرة وما كان عليه من قيامه إن هذا لهو البلاء المبين وما يزال ابن هبيرة مبغضا لأهل هذا البيت من آل هاشم وآل عبد المطلب ووالله لا زلت لهم محبا حق أموت
ثم عزل ابن هبيرة عن الكوفة وأغرمه ألف ألف ولم يل له شيئا حتى مات وكانت أيام هشام عشرين سنة ولي سنة ست ومئة وتوفي سنة ست وعشرين ومئة بعد أن حج إحدى عشرة حجة وهو خليفة قدوم خالد بن صفوان بن الأهتم على هشام
قال وذكروا أن شبيب بن شبة أخبرهم عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام في وفد العراق فقدمت عليه وقد خرج منتدبا في قرابته وأهله وحشمه وحاشيته من أهله إلى بعض بوادي الرصافة فنزل في قاع صحصح أفيح في عام قد بكر وسميه وقد ألبست الأرض أنواع زهرتها وأخرجت ألوان
____________________
(2/279)

زينتها من نور ربيعها فهي في أحسن منظر وأجمل مخبر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور فلو أن قطعة دينار ألقيت فيه لم تترب وقد ضرب له سرادقات من حبرات اليمن مزرورة بالفضة والذهب وضرب له فسطاطه في وسطه فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها وعليه دراعة خز أحمر وعمامة مثلها وضربت حجر نسائه من وراء سرادقه وعنده أشراف قريش وقد ضربت حجر بنية وكتابه وحشمه بقرب فسطاطه
ثم أمر الربيع حاجبه فأذن للناس إذنا عاما فدخلوا عليه وأخذ الناس مجالسهم قال خالد فأدخلت رأسي من ناحية السماط فأطرق ثم رفع رأسه ونظر إلي شبه المستنكر وكنت قد حليت عنده ببلاغة وفهم وحكمة
فقلت أقر الله نعمته عليك يا أمير المؤمنين وكرامته وسوغك شكره يا أمير المؤمنين ومد لك في المزيد فيها بفضله ثم وصلها بعد بطول العمر وتتابع الكرامة الباقية التي لا انقطاع لها ولا نفاد لشيء منها حتى يكون آجل ذلك خيرا من عاجله وآخره أفضل من أوله وعاقبته خيرا من ابتدائه وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا وعاقبته تؤول إلى أحمد ودرك الرضا وأخلص لك ذلك بالتقوى وكثره لك بالنماء ولا كدر عليك منك ما صفا ولا خالط سروره أذى فقد أصبحت للمسلمين ثقة وسترا يفزعون إليك في أمورهم ويقصدونك في حوائجهم وما أجد يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك شيئا أبلغ في حقك وتوقير مجلسك إذ من الله علي بمجالستك والنظر إلى وجهك مني وما أجد فيما أظهر ذلك إلا في مذاكرتك نعم الله التي أنعم فيها عليك وأحسن فيها إليك وأنبهك إلى شكرها ثم إني لا أجد شيئا هو أبلغ في ذلك ولا أجمع من ذكر حديث الملك خلا من الملوك كان في سالف الأمم فإن أذن أمير المؤمنين أكرمه الله حدثته
قال وكان هشام متكئا فاستوى جالسا وقال هات يا بن الأهتم قال قلت يا أمير المؤمنين إن ملكا كان فيما خلا من الملوك مجتمعا له فيها فتاء السن واعتدال الطبائع وتمام الجمال وكثرة المال
وتمكين الملك
وكان له ذلك إلى البطر والمرح داعيا وعلى الغفلة والذهول معينا فخرج متنزها إلى بعض منازله
فصعد جوسقا له فأشرف على أرض قد أخضلها ربيع عامه كان شبيها بعامك هذا يا أمير المؤمنين
____________________
(2/280)

في خصبه وعشبه وكثرة زهره وحسن منظره فنظر فرجع إليه بعصره كليلا عن بلوغ أقصى أمواله من الضياع والإبل والخيل والنعم
فقال لنفر من ناديه لمن هذا قيل له لك فأعجبته نفسه وما بسط له من ذلك حتى أظهر فرحه وزهوه ثم قال لجلسائه هل رأيتم مثل ما أنا فيه أم هل أوتي أحد مثل ما أوتيت وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة والعلم والمضي على أدب الحق ومنهاج الصدق في الضمير والمقالة وقد قيل إن الله الجليل لم يخل الأرض منذ هبط آدم من قائم يقوم بحجة الله فيها وكان ذلك الرجل ممن يسامره
قال أيها الملك قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب فيه قال نعم
قال أرأيتك هذا الذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك واستطال ملكك وسلطانك أشيء لم يزل لك ولم يزل عنك أم شيء كان لغيرك فزال عنه إليك ثم هو صائر إلى غيرك كما صار إليك قال الملك بل كما ظننت ومثلت
قال فإني أراك أعجبت بما يفني وزهدت فيما يبقي وسررت بقليل وحسابه غدا طويل
قال ويحك فكيف المطلب وأين المهرب وما الحيلة في المخرج قال إحدى خصلتين إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة ربك على ما سرك وساءك وأمضك وإما أن تضع تاجك ونجادك وتذكر ذنوبك وتلحق في الخلاء بمن يغفر لك فتعبد فيه ربك حتى يوافيك أجلك وتنقضي مدتك وأنت عامل لربك فيما يطيعك
قال فإذا فعلت ذلك فمالي فقال ملك خالد لا يفنى ونعيم لا ينقضي ومزيد وكرامة وصحة لا تستقيم أبدا وسرور لا ينصرم وشباب لا يشوبه هرم وقرار لا يخالطه هم
قال الملك سأنظر إلى نفسي في الاختيار لها مما ذكرت لي فإذا كان وقت السحر فاقرع علي بابي لتعرف رأيي فإني مختار إحدى المنزلتين فإن أقمت في ملكي واخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا تعصي وإن خلوت كنت رفيقا لا تجفي
فلما كان السحر
قرع عليه بابه فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أطماره فلحقا بالجبل فلم يزالا يعبدان الله فيه حتى بلغ أجلهما وانقضى عمرهما
فبكى هشام حتى بل لحيته ثم نكس رأسه طويلا ثم أمر بنزع أبنيته وانتقاله وأقبلت العامة من الموالي على ابن الأهتم
فقالوا له ما أردت لأمير المؤمنين أفسدت عليه لذته ونغصت عليه شهوته وقد حرمتنا ما أملنا فيه
قال إليكم عني فإني عاهدت الله ربي إني لا أخلوا بملك إلا ذكرته الله ونبهته ورشدته
ثم رجع خالد إلى فسطاطه كئيبا حزينا متخوفا يظن أنه قد هلك وكان للربيع صديقا
فبينما هو كذلك إذ أتاه رسول الربيع
فقال يا صفوان يقول لك
____________________
(2/281)

أخوك الربيع من كان في حاجة الله كان الله في حاجته
إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول لله در ابن الأهتم أي رجل دنيا واخرى مره يا ربيع فليرجع حوائجه وليغد إلينا بها نقضها له
فقال الربيع فاغد علينا بحوائجك رحمك الله واحمده على ما صنع وأذهب من مخافتك
فغدا عليه بحوائجه فقضيت
وذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام ولا أعظم قدرا ولا أعلى صوتا منه دانت له البلاد وملك جميع العباد وأديت له الجزية من جميع الجهات من الروم والفرس والترك والإفرنج والزنج والسند والهند وكان قريبا من الضعفاء مهتما بإصلاح الأدواء لم يجترىء أحد معه على ظلامة ولم يسلك أحد معه إلا سبيل الإستقامة وكان له موضع بالرصافة أفيح من الأرض يبرز فيه فتضرب له به السرادقات فيكون فيه ستين ليلة بارزا للناس مباحا للخلق لا يفنى أيامه تلك إلا برد المظالم والأخذ على يد الظالم من جميع الناس وأطراف البلاد ويصل إلى مخاطبته بذلك الموضع راعي السوام والأمة السوداء فمن دونهما قد وكل رجالا أدباء عقلاء بإدناء الضعفاء والنساء اليتامى منه وأمرهم بإقصاء أهل القوة والكفاية عنه حتى يأتي على آخر ما يكون من أمره فيما يرفع إليه لا ينضم إليه رجل يريد الوصول إليه فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع وأبعدوا الأرفع حتى ينظر في شأنه ويعرف أمره وينفذ فيه ما أمر ولا يرفع إليه ضعيف ولا امرأة أمرا وظلامة على غطريف من الناس مرتفع القدر ولا مستخدم به إلا أم باقتضاء يمينه وأغداه بمطلبه لا يقبل لهم حجة ولا يسمع لهم بينة حتى لربما تمر به المرأة والرجل أو عابر سبيل لا حاجة له فيما مر به
فيقال له ما حاجتك وما قصتك وما ظلامتك فيقول إنما سلكت أريد موضع كذا أروم بلد كذا فيقول له لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره وتتوقع سطوته فذلك الذي منعك عن رفع ظلامتك إلى أمير المؤمنين فيقول لا والله لا أبغي إلا ما قلت
فيقال له اذهب بسلام حتى لربما أتت عليه تارات من الليل وساعات من النهار لا ينظر في شيء ولا يأتيه أحد من خصومة لاستغناء الناس عن المطالب وتعففا من المظالم ووقاية من سطواته وتخوفا من عقوبته وقد وسع العباد أمنه وأشعرهم عدله وصارت البلاد المتنائية الشاسعة كدار واحدة ترجع إلى حاكم قاض يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه وقد وضع العيون والجواسيس من خيار الناس وفضلاء العباد في سائر الأمصار والبلدان يصحون أقوال الولاة والعمال ويحفظون أعمال الأخيار والأشرار
قد صار هؤلاء أعقابا يتعاقبون ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر الذي كانوا
____________________
(2/282)

فيه ويقبل آخرون يدخلون مسترقين ويخرجون متفرقين لا يعلم منهم واحد ولا يرى لهم عابر فلا خبر يكون ولا قصة تحدث من مشرق الأرض ولا مغربها إلا وهو يتحدث به في الشام وينظر فيه هشام وقد قصر نفسه على هذه الحال وحببت إليه هذه الأفعال فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرت بهم وأعفاها وأرجاها قد لبس جلباب الهيبة على أهل العنود والكيود وارتدى برداء التواضع إلى أهل الخشوع والسكون وان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا والإستمتاع بالكساء لم يلبس ثوبا قط يوما فعاد إليه حتى لقد كان كساء ظهره وثياب مهنته لا يستقل بها
ولا يحملها إلا سبعة مئة بعير من أجلد ما يكون من الإبل وأعظم ما يحمل عليه من الجمال وكان مع ذلك يتقللها وطالت أيامه واستبطأ صاحب العهد بموته فناوأه وعاداه وانتقل عن الموضع الذي كان به هو والوليد بن يزيد بن عبد الملك فمات هشام والوليد غائب فأتاه موته فأمر بقفل الخزائن فلم يجدوا الهشام ما يكفنونه به واستؤذن الوليد في إقباله فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد وذلك في ثلاثة أيام بدء الفتن والدولة العباسية
قال وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة لحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه فكان أول ما اختلفت فيه الرواية ولم تلائمه الحكاية أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله واقتصرنا على معانيها وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ ورددنا هزيله لنزر فائدته وقلة عائدته وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا والله الموفق للصواب
فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي عن الرجال الذين حدثوه
قالوا لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان قامت الشيعة من أهل المدينة وأهل مكة وأهل الكوفة واليمن وأهل البصرة وأرض خراسان في ستر وكتمان فاجتمعوا إلى محمد بن علي وهو محمد بن الحنفية فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك وعرضوا عليه قبض زكاتهم لينفقوها يوم الوثوب على فرصته فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته فقبلها وولي على شيعة كل بلد رجلا منهم وأمره باستدعاء من قبله منهم في سر وتوصية إليهم ألا يبوحوا بمكتومهم إلا لمن يوثق به حتى يرى للقيام موضعا
فأقام محمد بن الحنفية إمام الشيعة قابضا لزكاتهم حتى مات
فلما حضرته
____________________
(2/283)

الوفاة ولي عبد الله ابنه من بعده وأمره بطلب الخلافة إن وجد ذلك سبيلا وأعلم الشيعة بتوليته إياه فأقام عبد الله بن محمد بن علي وهو أمير الشيعة فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك في أول خلافته أن الشيعة قد بايعت عبد الله بن محمد بن علي بعد أبيه فبعث إليه وقد أعد له في أفواه الطرق رجالا معهم أشربة مسمومة وأمرهم إذا خرج من عنده أن يعرضوا عليه الشراب
فلما دخل على سليمان وأجلسه إلى جانبه
ثم قال له بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الأمر فجحده عبد الله وقال بلغك الباطل وما زال لنا أعداء يبلغون الأئمة قبلك عنا مثل ما بلغك ليغروهم بنا فيدفع الله عنا كيد من ناوأنا وأنا بما يلزمني من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا الأمر ثم خرج من عنده في وقت شديد الحر فكان لا يمر بموضع إلا قام إليه الرجل بعد الرجل يقول له هل لك في شربة سويق اللوز وسريق كذا وكذا يابن بنت رسول الله ونفسه موجسة منهم فيقول بارك الله لكم حتى إذا خرج إلى آخر الطريق خرج إليه من خبائه وبيده عس فقال له هل لك من شربة من لبن يابن بنت رسول الله فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسم فشرب منه ثم مضى فلم ينشب أن وجد للسم حسا فاستدل على الطريق إلى الحميمة وبها جماعة آل عباس وقال لمن معه إن مت ففي أهلي ثم توجه فنزل على محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر وقال له إليك الأمر والطلب للخلافة بعدي فولاه وأشهد له من الشيعة رجالا ثم مات
فأقام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ودعوة الشيعة له حتى مات فلما حضرته الوفاة ولي محمد بن إبراهيم الأمر فأقام وهو أمير الشيعة وصاحب الدعوة بعد أبيه دخول محمد بن علي على هشام
قال وذكروا أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دخل وهو شيخ كبير قد غشي بصره على هشام بن عبد الملك متوكئا على ولديه أبي العباس وأبي جعفر فسلم
ثم قال له هشام ما حاجتك ولم يأذن له في الجلوس فذكر قرابته وحاجة به ثم استجداه
فقال هشام ما هذا الذي بلغني عنكم يا بني العباس ثم يأتي وهو يرى أنه أحق بما في أيدينا منا والله لا أعطيتك شيئا
فخرج محمد بن علي فقال هشام كالمستهزىء إن هذا الشيخ ليرى أن الأمر سيكون لولديه هذين أو لأحدهما فرجع محمد نحوه فقال أما والله إني أرى ذلك على رغم من رغم
فضحك هشام وقال أغضبنا الشيخ ثم مضى محمد بن علي
____________________
(2/284)

ولاية الوليد بن يزيد وفتن الدولة
قال وذكروا أن الوليد بن يزيد لما تولى الأمر بعد هشام أساء السيرة وانتحى على أهله وجماعة قريش وأحدث الأحداث العظيمة وسفك الدماء وأباح الحريم وكانت ولايته في سنة ست وعشرين ومئة
فلما استولى على الأمر بعث إلى أشراف الأجناد فقدموا عليه وقدم خالد فيمن قدم فلم يأذن لواحد منهم وكان مشتغلا بلهوه ولعبه ومرض خالد فاستؤذن له في الإنصراف فأذن له فانصرف إلى دمشق فأقام بها شهرا
ثم كتب إليه الوليد إن أمير المؤمنين قد علم الخمسين ألف ألف التي تعلم فأقدم بها على أمير المؤمنين مع رسوله فقد أمره أن لا يعجلك عن جهازك فبعث خالد إلى عدة من ثقاته فيهم عمارة بن أبي كلثوم فأقرأهم كتاب الوليد وقال أشيروا علي برأيكم
فقالوا إن الوليد ليس بمأمون فالرأي أن تدخل مدينة دمشق فتأخذ بيوت الأموال وتدعو إلى من أحببت والناس قومك ولن يختلف منا عليك اثنان
فقال لهم وماذا قالوا تأخذ بيوت الأموال وتجمع إليك قومك حتى تتوثق لنفسك
قال وماذا قالوا نتوارى
فقال أما قولكم أن أدعو إلى من أحببت فإني أكره أن تكون الفرقة على يدي وأما قولكم أن آخذ بيوت الأموال حتى أتوثق لنفسي فأنتم لا تأمنونني عليها ولا ذنب لي فكيف ترجون وفاء بما يعطيني
وقد فعلت ما فعلت وأما قولكم في التواري فوالله ما قنعت رأسي خوفا من أحد قط فالآن وقد بلغت من السن ما بلغت ولكني أمضي وأستعين بالله تعالى قتل خالد بن عبد الله القسري
قال وذكروا أن خالد بن عبد الله القسري شخص إلى الوليد بن يزيد حتى قدم علس معسكره فلم يدع به الوليد ولم يكلمه وهو يختلف إليه غدوة وعشية حتى قدم برأس يحيى بن زيد بن علي بن الحسين من خراسان فجمع الناس الإذن فحضر الأشراف وجلس الوليد وجاء خالد إلى الحاجب فقال إن حالي كما ترى لا أقدر على المشي وإنما أحمل في الكرسي
قال الحاجب ما يدخل أحد على أمير المؤمنين على هذه الحال ثم أذن له فحمله على كرسيه ثم دخل على الوليد وهو جالس في سريره والمائدة موضوعة
فلما دخل عليه قال له الوليد أين ولدك يزيد بن خالد
فقال قد أصابه من هشام ظفر فخلي سبيله ثم طلب فهرب فكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله
فقال له الوليد لكنك خلفته طلبا للفتنة
فقال خالد قد علم أمير المؤمنين أنا أهل
____________________
(2/285)

بيت طاعة أنا وأبي وجدي
فقال له الوليد لتأتيني بابنك أو لأزهقن نفسك فقال له خالد هذا الذي تدور عليه وهو الذي تريد والله لو كان ابني تحت قدمي ما رفعتهما لك فاصنع ما بدا لك
فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط عليه والأخذ له وقال له أسمعني صوته فذهب به غيلان إلى رحله فعذبه بالسلاسل والحديد فلم يتكلم بكلمة فرجع غيلان إلى الوليد فقال له والله لا أعذب إنسانا لا يتكلم
فقال له كف عنه واحتبسه ففعل فقام يوسف بن عمر فقال أنا أشتريه بخمسين ألف ألف فأرسل الوليد إلى خالد أن يوسف بن عمر قد سأل أن يشتريك بخمسين ألف ألف فإن ضمنتها لأمير المؤمنين وإلا دفعتك إليه
قال خالد ما عهدنا العرب تباع فدفعه إلى يوسف بن عمر فنزع ثيابه وألبسه عباءة وألحفه أخرى وحمله على محمل ليس تحته وطاء فبسط عليه وعذبه وخالد لا يكلمه بكلمة ثم ارتحل حتى إذا كان ببعض الطريق عذبه يوما ثم وضع المضرسة على صدره فقتله في الليل فدفن في الحيرة وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين ومئة وثوب أهل دمشق على الوليد بن يزيد وقتله
قال وذكروا أن يزيد بن خالد دب في أهله وتحمل في عشائره فاجتمع أمرهم على الوليد بن يزيد فبينما هم يدبرون أمرهم إذا انطلق ساع إلى الوليد قال له أدلك على يزيد بن خالد
قال نعم
فبعث الوليد مولى له وأمره أن يكمن النهار ويسير الليل حتى أتى دمشق ليلا ويزيد مختف بدمشق في منزل رجل عند باب السوق فاقتحم عليه المنزل فأخذه وشخص به من ساعته حتى قدم على الوليد فأمر بالبعث به إلى يوسف بن عمر بالعراق قال له يزيد يا أمير المؤمنين أنا أدفع لك الخمسين ألف ألف التي طلبت من خالد من ثلاث سنين على أن تكتب إلى الآفاق بأمان من كانت لي عنده وديعة وأمان فيه ذمتي وموالي فقبل منه الوليد ذلك فأمر بالكتب إلى العراق والحجاز وكور الشام في ذلك واحتبس يزيد عنده وجعل عليه القيود والحرس
ثم ارتحل الوليد ومعه خدمته وشرطته وتواعد أهل اليمن أن يثوروا إذا صلوا العتمة في المسجد وكانت العلامة بينهم أن يلتمس أحدهم صاحبه
فلما تفرق أهل المسجد خرجوا فاستخرجوا يزيد بن الوليد من منزله ثم أتوا به القصر وعلى دمشق يومئذ رجل من بني الحجاج وكان قد خرج من الطاعون واستخلف رجلا من قيس فدخلوا عليه فأوثقوه كتافا وأوثقوا كل من خافوا خلافه فتسلل رجل حتى أتى
____________________
(2/286)

الوليد بن يزيد فأخبره الخبر فلما أصبحوا غدوا إلى الوليد فبعث الوليد من طلب يزيد بن خالد وهو عنده في الحديد
فقال له إن قومك قد خرجوا بين يدي الوليد فأرددهم عن أمير المؤمنين ولك الله إن أوليك العراق وأدفع إليك يوسف تقتله بأبيك فقال له يزيد بن خالد وتوثقني يا أمير المؤمنين قال نعم فتوثق له وحلف قال فأرسلني إليهم حتى أردهم عنك
فقال له الوليد بل أكتب إليهم
قال إن كتابي لا يغنى شيئا وقد علموا أني في يديك وأنى سأكتب بما تريد فأمر بإطلاقه من الحديد ورده إلى حبسه وأمر الحرس يتحفظون به ثم ارتحل الوليد بيزيد بن خالد معه فلما كان الفجر صبحته أوائل الخيل خيل أهل اليمن فأرسل الوليد إلى يزيد بن خالد
فقال له يزيد خل عني حتى أردهم عنك فبينما هم على ذلك إذ التقى القوم فشدت الميمنة وقد طلعت الشمس واختلط الناس وكثر القتل وتخلص يزيد بن خالد من الحرس فأتوه ببرذون من براذين الوليد وأتي بسيف فتقلده ثم نادى مناديه من جاء برأس الوليد فله مئة ألف دينار ونودي في العسكر من دخل رحله فهو آمن
فنادى الوليد يا أهل الشام ألم أحسن إليكم ألم أفعل كذا فعدد إحسانه
فقال عبد السلام بلى قد فعلت ولكنك عمدت إلى شيخنا وسيدنا خالد بن عبد الله قد عزله الخليفة قبلك وأخذه أمواله ثم خلى عنه فدفعته إلى يوسف بن عمر بالبيع فأردعه ثم حمله على محمل بلا وطاء ثم انطلق به فعذبه حتى قتل شر قتل يكون
فقال لهم الوليد فاخلعوني في قميصي هذا وولوا من شئتم فانصرفوا إلى قومهم فاعلموهم بما رضي من الخلع
فقالوا لا إلا رأسه فتدلى القوم إلى القصر وانتهى يزيد بن خالد إلى الباب وعليه سلسلة فأمر بها فكسرت وكسر الباب وخرج الوليد يسعى حتى دخل بيتا من بيوت القصر ودخل عليه نحو من ثلاثين رجلا وهو قائم بيده السيف منكسا رأسه لا ينظر إليهم وهو يذب عن نفسه فضربه رجل ضربة ثم صرعه ثم أكب عليه فاحتز رأسه فخرج به وانصرف الناس إلى دمشق فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك
وذلك في ذي الحجة من سبع وعشرين ومئة فكان خليفة ستة أشهر ثم مات في جمادى الأولى ثم ولي إبراهيم بن الوليد فبويع له في جمادى الأولى فمكث ثلاث أشهر ثم خلع وهرب
____________________
(2/287)

ولاية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم
قال وذكروا أنه لما خلع إبراهيم بن الوليد خرج مروان بن محمد في صفر سنة سبع وعشرين ومئة ومعه أهل الجزيرة وأهل حمص فدعا إلى نفسه بالبيعة ووعد الناس خيرا فرضي به أكثر الناس لشجاعة كانت فيه وسخاء يوصف به فملك الشام واستقل له الأمر وغلظ شأنه واستعلى سلطانه وبايع له أهل العراق والحجاز وهابه الناس وخافوه واستعمل العمال في الآفاق والأمصار وكانت الشيعة تتكاتب على الكتمان لذلك وتتلاقى على السر
قال فلما كانت سنة ثمان وعشرين ومائة اجتمعت الشيعة خروج أبي مسلم الخراساني
قال وذكروا أن الشيعة لما اجتمعت وغلظ أمرهم بخراسان قدم منهم سليمان بن كثير وقحطبة بن شبيب فلقوا إبراهيم بمكة
فقالوا قد قدمنا بمال
قال وكم هو قالوا عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وبمسك ومتاع قال ادفعوه إلى عروة مولى محمد بن علي ففعلوا فكان يحيى بن محمد يتبعهم ويسألهم فيقول ما قصتكم وفي أي شيء جئتم فلا يخبرونه فذكروا ذلك لإبراهيم
فقال احذروه فإنه قليل العقل ضعيف الرأي
فجاء إلى إبراهيم فقال له إن على دينا والله لئن لم تعطني قضاء ديني لأرفعن أمرك إلى عبد العزيز بن عمر وهم يومئذ على الموسم فأعطاه خمسة آلاف درهم وقدموا بأبي مسلم معهم وقد خرج أصحابه من السجن فأعلموا إبراهيم أنه مولاه
فقال لسليمان قد ربا أمركم فأنت على الناس فاخرج إلى خراسان وقد كان أبو مسلم قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه فرأى عقله وظرفه
فكتب إلى أصحابه إني قد أمرته على خراسان وما غلب عليها فأتاهم فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه
قال إبراهيم إنه قد أجمع رأيه على هذا فاسمعوا له وأطيعوا
ثم قال لأبي مسلم يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت فاحفظ وصيتي انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم وانظر هذا الحي من ربيعة فإنهم معهم وانظر هذا الحي من مضر فإنهم العدو القريب الدار فاقتل من شككت في أمره ومن وقع في نفسك منه تهمة
فقال أيها الإمام فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ذلك أحبسه حتى تستبينه قال لا السيف السيف لا تتقي العدو بطرف
ثم قال للشيعة من أطاعني فليطع هذا يعني أبا مسلم ومن عصاه فقد عصاني
ثم قال له إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضا فيها عربي فافعل وأيما غلام
____________________
(2/288)

بلغ خمسة أشبار فاتهمته فاقتله ولا تخالف هذا الشيخ يعني سليمان بن كثير ولا تعصه فشخصوا إلى خراسان ووقعت العصبية بخراسان بين نصر بن سيار وكان عامل مروان عليها وبين الكرماني
فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له إن مروان بن محمد قد خالف ما ظن به الناس وقد كان رجى وأمل وما أرى أمره إلا وقد انتقض واجترأت عليه الخوارج وانتقضت عليه البلاد وخرج عليه ثابت بن نعيم ورأى الإشتغال بلذاته أهم عليه فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن يوقعك هذا الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها وأرى والله في هذه الكور شيئا وأسمع أمورا أخاف أن تذهب أو تذهل منها العقول
فقال نصر بن سيار والله ما أتهم عقلك ولا نصيحتك ولكن اكفف عن هذا القول فلا يسمعن منك فالتحم ما بين الرجلين وهاجت الحرب وتقاتلوا وجعلت رحال الشيعة تجتمع في الكور الألف والألفان فيجتمعون في المساجد ويتعلمون أي يتعارفون بينهم فبلغ ذلك نصرا واغتم لذلك وخاف إن وجه إليهم من يقاتلهم أن يتجاوزوا إلى الكرماني فلما استفحل أمر القوم وقام بأمرهم أبو مسلم الخراساني ثم اجتمعوا وأظهروا أمرهم
كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد
( أرى خلل الرماد وميض نار ** ويوشك أن يكون له ضرام )
( فإن النار بالعودين تذكى ** وإن الحرب أولها الكلام )
( أقول من التعجب ليت شعري ** أأيقاظ أمية أم نيام )
( فإن كانوا لحينهم نياما ** فقل قوموا فقد حان القيام )
( ففري عن رحالك ثم قولي ** على الإسلام والعرب السلام )
فكتب إليه مروان إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب
فقال نصر لما قرأ الكتاب
____________________
(2/289)

أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده وجعل أبو مسلم يكتب الكتب ثم يقول للرسل مروا بها على اليمانية فإنهم يتعرضون لكم ويأخذون كتبكم فإذا رأوا فيها أني رأيت المضرية لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثق بهم ولا تطمئن إليهم فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب ويرسل رسولا آخر بمثل ذلك على اليمانية فيقول مر على المضربة فكان الفريقان جميعا معه وجعل يكتب إلى نصر بن سيار وإلى الكرماني أن الإمام قد أوصاني بكم ولست أعدو رأيه فيكم فجعل نصر يقول يا عباد الله هذه والله الذلة رجل بين أظهرنا يكتب إلينا بمثل هذا لا نقدر له على ضر ولا نفع فلما تبين القوم أن لا نصير لهم كتب أبو مسلم إلى أصحابه في الكور أن أظهروا أمركم فكان أول الناس من سود أسيد بن عبد الله فنادى يا محمد يا منصور فسود معه العكي ومقاتل بن حكم وعمر بن غزوان وأقبل أبو مسلم حتى نزل الخندقين فهابه الفريقان جميعا
فقال لست أعرض لواحد منكم إنما ندعو إلى آل محمد فمن تبعنا فهو منا ومن عصانا فالله حسيبه
فلما جعل أصحابه يكثرون عنده
وهو يطمع الفريقين جميعا في نفسه
كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد يذكر استعلاء أمر أبي مسلم ويعلمه بحاله وخروجه وكثرة شيعته وأنه قد خاف أن يستولي على خراسان وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد فأتى مروان الكتاب وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم فأخذ جواب إبراهيم وفيه لعن إبراهيم لأبي مسلم حين ظفر بالرجلين ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان فوضعه في يده
فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية وهو على دمشق أن اكتب إلى عاملك بالبلقاء فليأخذ إبراهيم بن محمد فليشده وثاقا ثم يبعث به إليك ثم وجه به إلي فأتى إليه وهو جالس في مسجد القرية فأخذ إلى دمشق ودخل على مروان فأنبه وشتمه فاشتد لسان إبراهيم عليه ثم قال يا أمير المؤمنين ما أظن ما يروي الناس عنك إلا حقا في بعض بني هاشم
فقال أدركك الله بأعمالك اذهب به فإن الله لا يأخذ عبدا عند أول ذنب اذهب به إلى السجن
فقال أبو عبيدة فكنت آتيه في السجن ومعه عبد الله بن عبد العزيز فوالله إني ذات ليلة في سقيفة السجن بين النائم واليقظان إذ مولى لمروان قد استفتح ومعه عشرون رجلا من موالي مروان من الأعاجم ومعه صاحب السجن ففتح لهم فدخلوا وأصبحنا فإذا عبد الله بن عمر وإبراهيم بن محمد ميتان فانكسر لذلك أبو مسلم بخراسان إذا بلغه موت إبراهيم وانكسرت الشيعة واستعلى أمر الكرماني فلما رأى أبو مسلم ذلك قال له إنا معك ثم دارت الأحوال بين نصر والكرماني حتى غدر نصر بالكرماني فقتله وصلبه فخاف نصر على نفسه من أبي مسلم
____________________
(2/290)

ذكر ما أمال أصحاب الكرماني إلى أبي مسلم
قال وذكروا أن أبا مسلم كتب إلى نصر إنه قد جاءنا من الإمام كتاب فهلم نعرضه عليك فإن فيه بعض ما تحب فدخل عليه رجل فقال إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين
فقال نصر ادخل فالبس ثيابي فدخل بستانا له وقد تقدم إلى صاحب دوابه فأتاه بدواب فركب وهرب معه داود بن أبي داود وهرب معه بنوه وتفرق أصحابه وجاء القوم إلى أبي مسلم فأعلموه أنه قد خرج ولا يدرون أين توجه فاستولى أبو مسلم على خراسان فاستعمل عليها عماله ثم وجه أبا عون في ثلاثين ألفا إلى مروان فلما بلغ مروان الخبر خرج حتى أتى حران فتخمل بعياله وبناته وأهله وقد كان يتعصب قبل فجفا أهل اليمن وأهل الشام وغيرهم وقتل ثابت بن نعيم والسمط بن ثابت وهدم مدائن الشام وتحول إلى الجزيرة
قال إسماعيل بن عبد الله القسري دعاني مروان فقال يا أبا هاشم وما كان يكنيني قبلها قد ترى ما حل من الأمر وأنت الموثوق به ولا مخبأ بعد بؤس ما الرأي فقلت يا أمير المؤمنين على ما أجمعت قال على أن أرتحل بموالي وعيالي وأموالي ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب ثم أميل إلى مدينة من مدائن الروم فأنزلها وأكاتب صاحب الروم وأستوثق منه فما يزال يأتيني الخائف والهارب حتى يلتف أمري
قال إسماعيل وذلك والله الرأي
فلما رأيت ما أجمع عليه ورأيت سوء آثاره في قومي وبلائه القبيح عندهم قلت له أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي أن تحكم فيك أهل الشرك وفي بناتك وحرمك وهم الروم لا وفاء لهم ولا تدري ما تأتي به الأيام فإن أنت حدث عليك حادث بالروم ولا يحدث إلا خير ضاع أهلك من بعدك ولكن اقطع الفرات ثم استدع الشام جندا جندا فإنك في كنف وجماعة وعزة ولك في كل جند صارم يسيرون معك حتى تأتي مصر فإنها أكثر أرض الله مالا ورجالا ثم الشام أمامك وإفريقية خلفك فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام وإن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية
قال صدقت
ثم استخار الله وقطع الفرات فمر بكور من كور الشام فوثبوا عليه فأخذوا مؤخر عسكره فانتهبوه ثم مر بحمص فصنعوا له مثل ذلك ثم مر بأهل دمشق فوثبوا عليه ووثب به الوليد بن معاوية وكان عامل مروان على دمشق ثم مضى إلى الأردن فوثب به هاشم بن عمر ثم مر بفلسطين فوثب به الحكم ثم مضى إلى مصر فاتبعه
____________________
(2/291)

الحجاج بن زمل السكسكي
فقيل له أتتبعه وقد عرفت بغضه لقومك فقال ويحكم إنه أكرمني لمثل هذا اليوم لآخذ له وتبعه أيضا أبو سلمة الخلال وثعلبة بن سلامة وكان عامله على الأردن وتبعه أيضا الرحس فقال إني لأسير مع مروان حيث جزنا فلسطين
فقال يا رماحس انفرجت عني قيس انفراج الرأس ما تبعني منهم أحد وذلك أنا وضعنا الأمر في غير موضعه وأخرجناه من قوم أيدنا بهم وخصصنا به قوما والله ما رأينا لهم وفاء ولا شكرا تولية أبي مسلم قحطبة بن شبيب قتال مروان
قال وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم عن رجال أدركوا الدولة وصحبوا أهلها
قالوا لما استولى أبو مسلم على خراسان وولى قحطبة الطائي قتال مروان بن محمد وبعث معه ثلاثين ألفا من رجال اليمن وأهل الشيعة وفرسان خراسان وخرج مروان وهو يريد أبا مسلم بخراسان ومعه مئة ألف فارس سوى أصحاب الحمولة فهرب من بين يديه أبو العباس وأبو جعفر وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس فلحقوا بالكوفة فبعث أبو العباس إلى أبي سلمة الخلال واسمه حفص بن سليمان وكان واليا لإبراهيم بن محمد على الشيعة بالكوفة فأمره إن بلغه أمر فيه قوة لأبي مسلم بخراسان أن يظهر أمره بالكوفة ويدعو إليه ويناهض صاحب الكوفة ففعل ذلك أبو سلمة فلما غلظ أمر أبي مسلم بخراسان واستولى عليها وبعث الجيوش إلى مروان أظهر أمره بالكوفة وطرد عامل الكوفة فخرج هاربا ذكر البيعة لأبي العباس بالكوفة
قال وذكروا أن أبا مسلم لما بلغه أن أبا سلمة قد أظهر أمره بالكوفة ودعا إلى محمد وجه رجلا من قواده إلى الكوفة في ألفي فارس وأمره أن يسرع السير حتى يأتيها فأقبل ذلك القائد حتى دخل الكوفة فلقي غلاما أسود لأبي العباس فقال له أين مولاك قال هو في دار هاهنا
قال دلني عليه فدله على الدار فاستفتح الباب ثم دخل عليه فسلم عليه بالخلافة وكان أبو سلمة يريد صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب وكان ينهي أبا العباس عن الخروج ويقول له إن الأمر لم يتم وإن موالي بني أمية قائمون بالحرب والأمر أشد مما كان
فقال أبو العباس إن أبا سلمة منعني عن الخروج حتى يولي العمال ويعمل الخراج
فقال القائد لعن الله أبا سلمة والله لا أجلس حتى تخرج إلى الناس فخرج له
____________________
(2/292)

مع رجاله إلى المسجد ونودى الصلاة جامعة فصعد أبو العباس المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم ذكر بني أمية وسوء آثارهم وذكر العدل فحض عليه ووعد الناس خيرا ورجا لهم الإصلاح وقسمة الفيء على وجهه ثم دخل الإمارة وجلس الناس فلما بلغ أبا سلمة خروجه أتاه يعتذر إليه فقبل ذلك منه وأراه المكانة منه والخاصة به وقد كان علم أبو العباس الذي أراد أبو سلمة من صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب حرب مروان بن محمد وقتله
قال وذكروا أن قحطبة بن شبيب لما انتهى إلى بعض كور الشام التقى بمروان فقاتله فانهزم مروان فأقحم قحطبة في طلب مروان فرسه في الفرات فحمله الماء فمات فيه وقد أصاب أهل عسكر قحطبة من أموال مروان وأمتعة عسكره ما لا يحصى كثرة فتناول اللواء حميد بن قحطبة وعبر الفرات حتى أتى الشام فقيل له إن مروان ترك الطريق إلى دمشق وذهب صالح بن عبد الله بن عباس وكان بناحية من الشام وقد اجتمع إليه الناس لما علموا من قرابته لأمير المؤمنين فلما اجتمع مع حميد بن قحطبة سلم إليه الأمر وقال الناس إنه خرج بإظهار الدعوة لأبي العباس من غير أمره فلما سلم الأمر إلى صالح بن علي أتاه كتاب أبي مسلم أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق فيكون فيها حتى يأتيه أمره فأتى صالح بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام وما وراءها إلى المغرب ويأمره فيه ببعثه الجيوش في طلب مروان فولى صالح بن علي رجلا من الأزد يقال له أبو عون على مصر وأمره بطلب مروان في أرض المغرب وبعثه في عشرين ألفا وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر مروان بن محمد وقاتله مرارا قبل أن يشتد أمر أبي مسلم فسار إليه في أربعة آلاف وذلك بعد خروج قحطبة من عند أبي مسلم فنزل به سليمان وكانت بينه وبين أبي العباس مودة قديمة فبايع أبا مسلم على طاعة أبي العباس فسر به أبو مسلم وشيعته ثم سيره في طلب قحطبة ممدا له وقد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين فلما نظر مروان إلى دخول سليمان بن هشام في عسكر قحطبة وكثرة من جاء معه انهزم فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه ولم يكن مروان انهزم عنه غلبة
ولكنه كان نظر في كتب الحدثان فوجد فيها أن طاعة المسودة لا تجاوز الزاب فقال ذلك لوزرائه
فقيل له إن بمصر زابا آخر
قال فإليها نذهب إذا
____________________
(2/293)

والزاب الذي أراد علمه هو بأرض المغرب فأقبل مروان وهو يريد مصر
\ فالتقت الخيل فانهزمت خيل أبي عون وأسر جماعتهم وصاحب أمرهم فأتى مروان بالأسارى فقال مروان لجماعته شدوا أيديكم بالأسرى فقد أجننا الليل وبات مسرورا
فلما أصبح جعل يهنيء أصحابه للقاء القوم فأقبل سليمان بن هشام وأبو عون وكان مروان قد أرخى حبال الجسر وتوسط أصحابه فيما هنالك وهم آمنون
فقال أبو عون للقبط هل لهذا النهر من مخاضة فقالوا له ما علمنا ذلك ولا بلغنا أن أحدا خاضه قط فقطع عما قصد وأراد
فكتب إلى صالح بن علي بذلك ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا فبينما هو في ذلك إذ أتاه رجل من القبط فقال له إن أبي كان يقرأ الكتاب وكان يحدثنا بأمور تكون بعده ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الأمور وقد اختبرت ذلك الليلة فسر بذلك أبو عون
ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع بعد أن وصله ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر ونظر إلى الخيل تعدو النهر ولا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبي عون قد جاوزت النيل فعبأ مروان أصحابه وأهل بيته ثم خطبهم وحضهم على الصبر
وقال لهم إن الجزع لا يزيد في الأجل وإن الصبر لا ينقص الأجل وأقبل القوم فاقتتلوا من وقت صلاة الصبح إلى أن مالت الشمس فأصيب عبد الله ومحمد ابنا مروان وبنو أبيه أكثرهم وولد عبد العزيز وصابر القوم فلما لم يبق حوله إلا قدر الثلاثين حمل على القوم فأكردهم ورجع فجعل أصحابه يفترقون عنه
فلما رأى ذلك نزل عن فرسه وأنشأ يقول متمثلا
( ذل الحياة وهول الممات ** وكلا أراه وخيما وبيلا )
( فإن كان لا بد من ميتة ** فسيري إلى الموت سيرا جميلا )
فوثب رجل إلى فرسه فأخذه فقال له مروان أكرمه فإنه أشقر مروان
ثم كسر غمد سيفه وقاتل قتالا شديدا ثم أصيب فنزل أبو عون فأمر بضرب قبابه وأمر سليمان بن هشام بطلب المنهزمين حتى أصيب عامتهم واستأسر منهم من استأسر وكان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه وحكم المكي مؤذنه فاستبقاهما أبو عون
____________________
(2/294)

وبعث بهما إلى صالح بن علي ثم أمر أبو عون بطلب جثة مروان على شاطىء النيل
فلما كان من الغد ركب أبو عون وسليمان بن هشام لينظرا مروان فنظرا إليه ثم تحول أبو عون إلى سليمان
فقال الحمد لله الذي شفى صدرك قبل الموت من مروان فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب إلى أمير المؤمنين بكتابي وبما هيأ الله على يديك وشفا به صدرك فيفعل بك خيرا ويعرف من قرابتك ونصحك ما أنت أهله فرضي بذلك سليمان فكتب وسار
فلما قدم سليمان بن هشام على أبي العباس أمير المؤمنين رحب به وقربه واستلطفه وأنزله بعض دور الكوفة وفعل به ما لم يفعل بأحد سواه من البر والإكرام وكان سليمان يختلف إلى مائدة أبي العباس في كل يوم فيتغدى معه ويتعشى وكان كأحد وزرائه وفوقهم وكان يجلس أبا جعفر عن يمينه وسليمان عن يساره قتل أبي سلمة الخلال
قال وذكروا أن أبا العباس لما تمت له الأمور واستوثقت استشار وزراءه في قتل أبي سلمة فأدار القوم الرأي فيه وكان أبو سلمة يظهر الإدلال والقدرة على أمير المؤمنين وكان يقيم عنده في كل ليلة إلى حين من الليل فإذا أراد الخروج والرجوع إلى منزله قربت إليه دابته إلى المجلس فيركب منه دون غيره ثم يخرج إلى داره
فقالوا له إنك إن قتلته ارتاب أبو مسلم ولم تأمن أن يحدث لذلك حدثا ولكن الرأي أن تكتب إليه بالذي رابك منه والذي يريده من فسخ ما أنت فيه فكتب إلى أبي مسلم بذلك وكان أبو العباس وأبو جعفر لا يسميان عبد الرحمن يعني أبا مسلم إلا عما
فلما قدم الكتاب إلى أبي مسلم كتب إلى أبي العباس إن كان رابك منه ريب فاضرب عنقه
فلما أتاه الكتاب قال له وزراؤه إنك لا تأمن من أن يكون ذلك غدرا من أبي مسلم وأن يكون إنما يريد أن يجد السبيل إلى ما تتخوف منه ولكن اكتب إليه أن يبعث إليك برجل من قواده يضرب عنقه
فكتب إليه بذلك وذكر في كتابه إني لا أقدم ولا أؤخر إلا برأيك
فبعث إليه برجل يقال له مرار الضبي
فلما قدم على أبي العباس أمر ذلك الضبي أن يقعد له في الظلمة في داخل الإمارة بالكوفة فإذا خرج ضربه بالسيف برأسه فقتله ثم أمر بصلبه
فلما أصبح الناس إذا هم بأبي سلمة مصلوبا على دار الإمارة قتل رجال بني أمية بالشام
قال وذكروا أن أبا العباس ولي عمه عبد الله بن علي الذي يقال له السفاح
____________________
(2/295)

الشام وأمره أن يسكن فلسطين وأن يجد السير نحوها وهنأه بما أصاب من أموال بني أمية وكتب إلى صالح بن علي أن يلحق بمصر واليا عليها
فقدم السفاح فلسطين وتقدم صالح إلى مصر فأتاها بعد قتل مروان بيومين وأن السفاح بعث إلى بني أمية وأظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه بهم وأمره بصلتهم وإلحاقهم في ديوانه ورد أموالهم عليهم فقدم عليه من أكابر بني أمية وخيارهم ثلاثة وثمانون رجلا وكان فيهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وأبان بن معاوية بن هشام وعبد الرحمن بن معاوية وغيرهم من صناديد بني أمية
فأما عبد الرحمن بن معاوية فلقيه رجل كان صنع به برا وأسداه خيرا وأولاه جميلا
فقال له أطعني اليوم في كلمة ثم اعصني إلى يوم القيامة
فقال له عبد الرحمن وما أطيعك فيه اليوم فقال له الرجل أدرك موضع سلطانك وقاعدتك المغرب النجاء النجاء فإن هذا غدر من السفاح ويريد قتل من بقي من بني أمية
فقال له عبد الرحمن ويحك إنه كتاب أبي العباس قدم عليه يأمره فيه بصلتنا ورد أموالنا إلينا وإلحاقنا بالعطاء الكامل والرزق الوافر
فقال له الرجل ويحك أتغفل والله لا يستقر ملك بني العباس ولا يستولون على سلطان ومنكم عين تطرف
فقال له عبد الرحمن
ما أنا بالذي يطيعك في هذا
فقال الرجل أفتأذن لي أن أنظر إلى ما تحت ظهرك مكشوفا فقال له وما تريد بهذا فقال له أنت والله صاحب الأمر بالأندلس فاكشف لي فكشف عبد الرحمن عن ظهره فنظر الرجل فإذا العلامة التي كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان وكانت العلامة خالا أسود عظيما مرتفعا على الظهر هابطا فلما نظر إليه الرجل قال له النجاء النجاء والهرب الهرب فإنك والله صاحب الأمر فاخرج فإنا معك ومالي لك ولي عشرون ألف دينار مصرورة كنت أعددتها لهذا الوقت
فقال له عبد الرحمن وعمن أخذت هذا العلم فقال الرجل من عمك مسلمة بن عبد الملك
فقال له عبد الرحمن ذكرت والله عالما بهذا الأمر أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام يوم توفي أبي معاوية وهشام يومئذ خليفة فكشفت عن ظهري فنظر إلى ما نظرت إليه
فقال لهشام جدي وهو يبكي هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب
فقال له هشام وما الذي أبكاك يا أبا سعيد ألهذا تبكي فقال أبكي والله على نساء بني أمية وصبيانهم كأني بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الأغلال والحديد وبعد الطيب والدهن البقل والعقار وبعد العز الذل والصغار
فقال هشام أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد فقال مسلمة إي والله
____________________
(2/296)

حان وإن هذا الغلام يعمر منهم ثم يصير إلى المغرب فيملكها
فقال له الرجل فاقبض مني هذا المال واخرج بمن تثق به من غلمانك
فقال عبد الرحمن والله إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد فولى ذاهبا وخرج لا يدري متى خرج فلحق بالمغرب وأقبل القوم من بني أمية وقد أعد لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال ومعهم السيوف والأجرزة فأخرجهم عليهم فقتلهم وأخذ أموالهم واستعفى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وكان عبد الواحد قد بذ العابدين في زمانه وسبق المجتهدين في عصره فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة تطرد فيها المياه والعيون فأمره السفاح أن يصيرها إليه فأبى عليه واختفى منه فأخذ رجالا من أهله فتواعدهم السفاح وأمر بحبسهم حتى دلوه عليه فلما قبضه أمر بقتله ثم استقصى ماله فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين وكان أبو العباس يعرفة قبل ذلك وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه عبادة وفضلا
فقال أبو العباس رحم الله عبد الواحد ما كان والله ممن يقتل لغائلة ولا ممن يشار إليه بفاحشة وما قتلته إلا أمواله ولولا أن السفاح عمي وذمامه ورعاية حقه علي واجب لأقدت منه ولكن الله طالبه وقد كنت أعرف عبد الواحد برا تقيا صواما قواما
ثم كتب إلى عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بني أمية حتى يعلم به أمير المؤمنين فكان هذا أول ما نقم أبو العباس على عمه السفاح ذكر قتل سليمان بن هشام
قال وذكروا أن عيسى بن عبد البر أخبرهم قال كان سليمان بن هشام أكرم الناس على أبي العباس أمير المؤمنين لحسن بلائه مع قحطبة وقيامه معه على مروان ابن عمه و كان هو الذي تولى كبره وقتل على يديه فكان لذلك أخص الناس بأبي العباس فبينما هما يوما وقد تضاحكا وتداعبا إذ أتى رجل من موالي أبي العباس يقال له سديف فناول أبا العباس كتابا فيه
( أصبح الملك ثابت الآساس ** بالبهاليل من بني العباس )
( طلبوا وتر هاشم فشفوها ** بعد ميل من الزمان وياس )
____________________
(2/297)


( لا تقيلن عبد شمس عثارا ** واقطعن كل نخلة وغراس )
( ذلها أظهر التودد منها ** وبها منكم كحز المواسى )
( ولقد غاظني وغاظ سوائي ** قربهم من منابر وكراسي )
( واذكرن مقتل الحسين وزيدا ** وقتيلا بجانب المهراس )
فقرأها أبو العباس ثم قال له نعم ونعما عين وكرامة سننظر في حاجتك ثم ناول الكتاب أبا جعفر ثم سلم سليمان بن هشام ثم قام وخرج فتطلع رجل من موالي بني أمية
كانت له خاصة وخدمة في بني العباس فعرف بعض ما في الكتاب فلما خرج من عند أمير المؤمنين مر بسليمان بن هشام في غرفة له بالكوفة فسلم ثم قال لسليمان من عندك يا أبا أيوب فقال له ما عندي غير ولدي
فقال له إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين
فخرج سليمان من ليلته هاربا فلحق ببعض نواحي الجزيرة وكتب إلى مواليه وصنائعه فاجتمع إليه منهم خلق كثير فبعث إليه أبو العباس بعثا يقاتله فانهزم ذلك البعث ثم بعث إليه بعثا آخر فهزمه أيضا
قال فتنقل سليمان عن ذلك الموضع إلى غيره ثم بعث إليه بعثا آخر فأسر سليمان وولده فأتى بهما أسيرين إلى أبي العباس فأمر فقطعت لهما خشبتان رقمتا إليهما فأمر بضرب رقابهما وصلبهما
فقال سليمان لولده لمقدم يا بني على مصيبتي بك فتقهقر الغلام ثم تقدم فقتل ثم قتل سليمان وصلبا على باب دار الإمارة بالكوفة خروج السفاح على أبي العباس وخلعه
قال وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال لما ولي السفاح الشام واستصفى أموال بني أمية لنفسه أعجبته نفسه وحسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن على أبي العباس والتنقص له
فلما بلغ ذلك أبا العباس كتب إليه يعاتبه على ما كان منه فزاده ذلك عجبا وحسدا بما فيه فحبس الخراج ودعا إلى نفسه وخلع طاعته ثم قرب
____________________
(2/298)

موالي بني أمية وأطمعهم وسد ثغورهم وأبدى العزم وأظهره على محاربة أبي العباس فلما انتهت أخباره إلى أبي العباس كتب إلى أبي مسلم يستغيثه ويذكر عظيم يده عنده ويسأله القدوم عليه لأمر السفاح
فقدم أبو مسلم فأقام عنده أياما ثم خرج إلى السفاح ومعه أجناده وقواده فلقي السفاح على الفرات فهزمه واستباح عسكره وأخذ أسيرا فقدم به على أبي العباس
فلما قدم إليه وأدخل عليه قال يا عمي أحسنا وواسينا فحسدت وبغيت وقد رأيت تعطفا عليك وصلة لرحمك أن أحبسك حبسا رفيقا حتى تؤدب نفسك ويبدو ندمك ثم أمر فبني له بيت
جعل أساسه قطع الملح فحبسه فيه
فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول البيت فذاب الملح وسقط البيت عليه فمات فيه ورد أبا مسلم إلى عمله بخراسان فأقام فيها بقية عامه ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا على الموسم وخرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان اختلاف أبي مسلم على أبي العباس
قال وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم وكان فيهم الحجاج بن أرطأة الفقيه والحسن بن الفضل الهاشمي وعبد الله بن الحسين فلما توجه أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان وقدم عليه استخف به بعض الإستخفاف ولم يزد الإجلال له وجعل يعظم في كلامه وفعله الخليفة ولم يزل أبو مسلم يتخوف أن يصنع به مثل ما صنع بأبي سلمة الخلال وكان لا يظهر ذلك لأحد
فلما قدم أبو جعفر عليه ومعه الثلاثون رجلا وفيهم عبد الله بن الحسين قام إليه سليمان بن كثير
فقال يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم فإذا شئتم فادعوا إلى ما تريدون
فظن أنه دسيس من أبي مسلم فخاف ذلك فبلغ أبا مسلم أن سليمان بن كثير سامر عبد الله بن الحسين بن علي
فقال لسليمان بلغني أنك سامرت هذا الفتى
قال أجل له قرابة وحق علينا وحرمة فسكت
فأتى عبد الله بن الحسين أبا مسلم فذكر له ذلك وظن أنه إن لم يفعل اغتاله أبو مسلم
فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير فقال له أتحفظ قول الإمام من اتهمته فاقتله
قال نعم
قال الإمام قد اتهمتك فقال ناشدتك الله قال لا تناشدني وأنت منطو على غش فأمر فضربت عنقه وكتب أبو مسلم إلى محمد بن الأشعث أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم واستعمل أبو
____________________
(2/299)

العباس عيسى بن علي على فارس فأخذه محمد فهم بقتله
فقيل لمحمد إن هذا لا يسوغ لك
قال أمرني أبو مسلم أن لا يقدم علي أحد إلا ضربت عنقه
فقال ما كان أبو مسلم ليفعل شيئا إلا بأمر الإمام فلما قدم أبو جعفر من عند أبي مسلم قال لأبي العباس لست بخليفة ولا أمرك بشيء إن لم تقتل أبا مسلم
فقال أبو العباس وكيف ذلك قال لا والله ما يعبأ بنا ولا يصنع إلا ما يريد
فقال له أبو العباس اسكت واكتمها قتال ابن هبيرة وأخذه
قال وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر إلى مدينة واسط فقدم على الحسين بن قحطبة وهو على الناس وكتب أبو العباس إلى الحسين بن قحطبة إن العسكر عسكرك والقواد قوادك فإن أحببت أن يكون أخي حاضرا فأحسن مؤازرته ومكانفته
وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك وذكروا أن ابن هبيرة كان قد نصب الجسور بين المدينتين فقالت اليمانية الذين مع ابن هبيرة لا والله لا نقاتل على دعوة بني أمية أبدا لسوء رأيهم فينا وبغضهم لنا وقالت القيسية لا والله لا نقاتل حتى يقاتل اليمانية فلم يكن يقاتل مع ابن هبيرة إلا صعاليك الناس وأهل العطاء
وكان كثيرا ما يتمثل ويقول
( الثوب إن أنهج فيه البلى ** أعيا على ذي الحيلة الصانع )
( كنا نرقعها إذا مزقت ** فانسع الخرق على الراقع )
وكان من رأي ابن هبيرة أن لا يعطي طاعة لبني العباس وكان رأيه أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسين فاطلع على ذلك أبو العباس و خاف أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك
فكاتبهم أبو جعفر وقال في كتابه لهم السلطان سلطانكم والدولة دولتكم وكتب إلى زياد بن صالح الحارثي بذلك وكان عامل ابن هبيرة في المدينة مكان عامله قبل ذلك على الكوفة فأجاب زياد بن صالح وذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها
فلما كان مغيب الشمس قاموا إليه
فلما صلى المغرب ركب فطاف في مسالحه وأبوابه فرجع عتمة فتعشى ثم صلى
فأقبل علي بن الهيثم فقال والله ما أخلف غصة ولا أهم إلي منك لأنك مع هؤلاء ولست أدري ما يكون بعد اليوم وأرى
____________________
(2/300)

الأمر قد استتب لهؤلاء القوم في المشرق والمغرب ولكن إن لقيت أبا العباس أعلمته من أمرك مثل الذي أعلمته من أمري
قال ما أخاف تقصيرك ثم قال لست أثق بولد ولا بغيره ثقتي بك فيما أريد أن أوطده تأخذ مفاتيح هذه المدينة حتى تصبح فتأتي بها ابن هبيرة
فقلت انظر ما تصنع في خروجك أتثق بالقوم قال نعم قد جرى بيني وبينهم ما أثق به وأتاني كتاب أبي العباس بكل ما أحب وكتاب أبي جعفر
فقلت يا أبا الربيع أخاف أن لا يوفي لك
فلما أدهم الليل وانتصف قام فصلى ركعات ثم أمر غلمانه فحملوا متاعه على أربعة بغال ثم أخرج أربعة غلمان له وابنه ثابت على برذون له ثم خرج وأغلق الباب
فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة بكى وقال ما يوثق بأحد بعد زياد بن صالح بعد إيثاري إياه وإكرامي وتفضيلي له وما صنعت به
قلت هو هنالك والله خير لك منه هاهنا
قال وترى ذلك قلت نعم
قال ثم مشت الكتب والرسل بينهم أي بين أبي جعفر وابن هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن يلقاه ونهض ابن هبيرة إليهم وتخلى مما بيده لهم كتاب الأمان
قال وذكروا أن رجلا بن قيس يقال له أبو بكر بن مصعب العقيلي سعى في كتاب الصلح والأمان عند أبي جعفر حتى تم له فأتى ابن هبيرة وفيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله بن محمد بن علي أبي جعفر ولي أمر المسلمين ليزيد بن هبيرة ومن معه من أهل الشام والعراق وغيرهم في مدينة واسط وأرضها من المسلمين والمعاهدين ومن معهم من وزرائهم إني أمنتكم بأمان الله الذي لا إله إلا هو الذي يعلم سرائر العباد وضمائر قلوبهم ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وإليه الأمر كله أمانا صادقا لا يشوبه غش ولا يخالطه باطل على أنفسكم وذراريكم وأموالكم
وأعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة ومن أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء بما جعلت لهم من عهد الله وميثاقه الذي واثق به الأمم الماضية من خلقه وأخذ عليهم به أمره عهدا خالصا مؤكدا وذمة الله وذمة محمد ومن مضى من خلفائه الصالحين وأسلافه الطيبين التي لا يسع العباد نقضها ولا تعطيب شيء منها ولا الإحتقار بها وبها قامت السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها تعظيما لها وبها حقنت الدماء وذمة روح الله وكلمته عيسى بن مريم وذمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وذمة جبريل وميكائيل وإسرافيل وأعطيتك ما جعلت له من هذه
____________________
(2/301)

العهود والمواثيق و لمن معك من المسلمين وأهل الذمة بعد استثماري فيما جعلت لك منه عبد الله بن محمد أمير المؤمنين أعز الله نصره
وأمر بإنفاذه لكم ورضي به وجعله لكم وعلى نفسه وتسليم ذلك من قبله من وزرائه وقواده وأنصار الحق من شيعته من أهل خراسان فأنت وهم آمنون بأمان الله ليس عليك حد ولا تؤاخذ بذنب أتيته و كنت عليه في خلاف أو مناوأة أو قتل أو زلة أو جرم أو جناية أو سفك دماء خطأ أو عمدا أو أمر سلف منك أو منهم صغيرا أو كبيرا في سر أو علانية ولا ناقض عليك ما جعلت لك من أماني هذا ولم أخنك فيه ولا ناكث عنه وأذنت لك في المقام في المدينة الشرقية إلا الأجل الذي سألت ثم اسلك حيث بدا لك من الأرض آمنا مطمئنا مكلوءا أنت ومن سألته أن يؤذن له في المسير معك ومن تبعك وأهل بيتك
والخمس مئة رجل على ما سألت من دوابهم وسلاحهم ولباس البياض لا يخافون غدرا ولا إخفارا بك حيث أحببت من بر أو بحر وانزل حيث شئت من الأرض إلى أن تنتهي إلى منزلك من أرض الشام فأنت آمن بأمان الله ممن مررت بهم من عمالنا ومسالحنا ومراصدنا ليس عليك شيء تكرهه في سر ولا علانية ولك الله الذي لا إله إلا هو لا ينالك من أمر تكرهه في ساعة من ساعات الليل والنهار ولا أدخل لك في أماني الذي ذكرت لك غشا ولا خديعة ولا مكرا
ولا يكون مني في ذلك دسيس بشيء مما تخافه على نفسك ولا خديعة في مشرب ولا مطعم ولا لباس ولا أضمر لك عليه نفسي إلى ارتحالك من مدينة واسط إلى دخولك على عسكري والغدو والرواح إذا بدا لك والدخول أي ساعات من ساعات الليل والنهار أحببت فاطمئن إلى ما جعلت لك من الأمان والعهود والمواثيق وثق بالله وبأمير المؤمنين فيما سلم منه ورضي به وجعلته لك ولمن معك على نفسي ولك علي الوفاء بهذه العهود والمواثيق والذمم
أشد ما أخذه الله وحرمه وما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فإنه جعله كتابا مبينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونورا وحجة على العباد حتى ألقى الله وأنا عليه وأنا أشهد الله وملائكته ورسله ومن قرىء عليه كتابي هذا من المسلمين والمعاهدي بقبول هذه العهود والمواثيق وإقراري بها على نفسي وتوكيدي فيها وعلى تسليمي لك ما سألت ولا يغادر منها شيء ولا ينكث عليك فيها
وأدخلت في أمانك هذا جميع من قبلي من شيعة أمير المؤمنين من أهل خراسان ومن لأمير المؤمنين عليه طاعة من أهل الشام والحرب وأهل الذمة وجعلت لك أن لا ترى مني انقباضا ولا مجانبة ولا ازورارا ولا شيئا تكرهه في دخولك علي إلى
____________________
(2/302)

مفارقتك إياي ولا ينال أحدا معك أمر يكرهه وأذنت لك ولهم في المسير والمقام وجعلت لهم أمانا صحيحا وعهدا وثيقا وإن عبد الله بن محمد إن نقض ما جعل لكم في أمانكم هذا فنكث أو غدر بكم أو خالف إلى أمر تكرهه أو تابع على خلافه أحدا من المخلوقين في سر أو علانية أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر لك أو أدخل عليك شيئا في أمانه وما ذكر لك من تسليم أمير المؤمنين أو التماس الخديعة والمكر بك وإدخال المكروه عليك أو نوى غير ما جعل لك من الوفاء لك به فلا قبل الله منه صرفا ولا عدلا وهو بريء من محمد بن علي وهو يخلع أمير المؤمنين ويتبرأ من طاعته وعليه ثلاثون حجة يمشيها من موضعه الذي هو به من مدينة واسط إلى بيت الله الحرام الذي بمكة حافيا راجلا وكل مملوك يملكه من اليوم إلى ثلاثين حجة بشراء أو هبة أحرار لوجه الله وكل امرأة له طالق ثلاثا وكل ما يملكه من ذهب أو فضة أو متاع أو دابة أو غير ذلك فهو صدقة على المساكين وهو يكفر بالله وكتابه المنزل على نبيه والله عليه بما وكد وجل على نفسه في هذه الأيمان راع وكفيل وكفى بالله شهيدا
قالوا وكان من رأي أبي جعفر الوفاء لابن هبيرة وأصحابه قدوم ابن هبيرة على أبي العباس
قال وذكروا أن ابن هبيرة وأصحابه لما جاءهم الكتاب بالأمان ترددوا فيه أربعين يوما يتدبرونه ويستخيرون الله في الخروج إليهم ثم عزم الله له في القدوم على أبي العباس وأبي جعفر وكان أبو مسلم كثيرا ما كتب لأبي العباس إنه قل طريق سهل يلقى فيه حجارة إلا أضر ذلك بأهله ولا ولا الله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة وأصحابه وكان أبو الجهم بن عطية عين أبي مسلم على أبي العباس فكان يكتب إليه بالأخبار وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون رأي أبي مسلم
وقد كان ابن هبيرة في تلك الأربعين ليلة يجمع لذلك الكتاب ممن يعبر الكلام والفقه طرفي النهار فيترددون فيه حتى بلغوا فيه الغاية التي يريدون ثم خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاث مئة
فلما قدم أراد أن يدخل دار الإمارة على دابته
فقام الآذن فقال مرحبا بك أبا خالد انزل راشدا وقد طاف بالدار يومئذ نحو من عشرة آلاف رجل من أهل خراسان متلئمين في السلاح أعينهم تزهو من تحت المغافر على عواتقهم السيوف مشهورة وعمد الحديد بأيديهم
فأتى ابن هبيرة بوسادة فطرحت له فجلس عليها ثم دعا الحاجب بالقواد فدخلوا على أبي جعفر ثم خرج سلام بن سلام فقال ادخل يا أبا خالد
قال ومن
____________________
(2/303)

معي قال إنما استأذنت لك فدخل فوضعت له وسادة فجلس فحدثه أبو جعفر طويلا ثم نهض فركب فأتبعه أبو جعفر بصره حتى انصرف قتل ابن هبيرة
قال وذكروا أن أبا العباس كتب إلى أبي جعفر أن اقتل ابن هبيرة فراده أبو جعفر بالكتاب فكتب إليه أبو العباس والله لتقتلنه أو لأبعثن إليك من يخرجه من عندك ويتولى ذلك عليك
وكان ابن هبيرة إذا ركب إلى أبي جعفر ركب في ثلاث مئة فارس وخمس مئة راجل فقدم يزيد بن حاتم على أبي جعفر فقال أصلح الله الأمير ما ذهب من سلطان ابن هبيرة شيء يأتينا فيتضعضع به العسكر
فقال أبو جعفر يا سلام قل لابن هبيرة لا يركب في مثل تلك الجماعة وليأتينا في حاشيته
قال عدي فأصبحنا فخرج ابن هبيرة أيضا في مثل تلك الجماعة الذين كانوا يركبون معه فخرج إليه سلام فقال يقول لك الأمير ما هذه الجماعة لا تسيرن إلا في حاشيتك فتغير وجه ابن هبيرة
فلما أصبح أتى في نحو من ثلاثين رجلا قال له سلام كأنك إنما تأتينا مباهيا
فقال ابن هبيرة إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا
فقال سلام ما نريد بذلك استخفافا بك ولكن أهل العسكر إذا رأوا جماعة من معك غمهم ذلك فكان هذا من الأمير نظرا لك فمكث طويلا جالسا في الرواق
فقيل له إن الأمير يحتجم فانصرف راشدا فلم يزل يركب يوما ويقيم آخر لا يجيء إلا في رجلين أو غلامه وقد ختموا على الخزائن وبيوت الأموال وجعل القواد يدخلون على أبي جعفر فيقولون ما تنتظر به فيقول ما أريد إلا الوفاء له حتى إذا اجتمع أمرهم على قتلته بعث إلى الحسين بن قحطبة فأتاه
فقال لو سرت إلى هذا الرجل فأرحتنا منه
فقال لا نريد ذلك ولكن ابعت إليه رجلا من قومه من مضر حتى يقتله فتتفرق كلمتهم عند ذلك فدعا حازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة
قال لهم أبو جعفر ائتوا إلى ابن هبيرة فجددوا على بيوت المال الختم وعلى الخزائن وبعث معهما من المضرية والقيسية أن يحضروا الإذن وأريحونا من الرجل ففعلوا
ثم دخلوا رحبة القصر في مئة رجل فأرسلوا إلى ابن هبيرة إنا نريد حمل ما بقي في الخزائن
فقال ادخلوا فدخلوا الخزائن فطافوا بها ساعة وجعلوا يخلفون عند كل
____________________
(2/304)

باب عدة حتى دخلوا عليه
فقالوا أرسل معنا من يدلنا على المواضع وبيوت الأموال
فقال يا عثمان أرسل معهم من يريدون فطاف حازم وأصحابه في القصر ساعة وابن هبيرة عليه قميص له مصري وملاءة موردة وهو مسند ظهره إلى حائط المسجد في رحبة القصر ومعه ابن داود وحاجبه وكاتبه عمر بن أيوب وعدة من مواليه وبنيه وفي حجر ابن هبيرة ولد صغير
فلما توثقوا من كل شيء أقبلوا نحوه فلما رآهم قد أقبلوا إليه قال والله إن في وجوه القوم لشرا
فلما دنوا منه قام أبو عثمان فقال ما وراءكم فنضحه الهيثم بالسيف فأصاب حبل عاتقه فصرعه وقام ابنه داود فقاتل فتفرقوا عليه فقتلوه ومواليه ثم مضوا نحو ابن هبيرة فخر ساجدا وقال ويحكم نحوا عني هذا الصبي لا يرى مصرعي
قال فضرب حتى مات ساجدا ثم أخذوا رؤوسهم فأتوا بها أبا جعفر ونادى المنادي بواسط أمن الأمير خلق الله جميعا إلا الحكم بن بشر وعمرو بن ذر
قال فضاقت علي والله الأرض بما رحبت حتى خرجت على دابتي مالي هجير إلا آية الكرسي أتلوها والله ما عرض لي أحد حتى تواريت فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله بن العباس فأمنه وهرب الحكم بن عبد الله بن بشر إلى عسكره وضاقت بخالد بن مسلمة الأرض حتى أتى أبا جعفر فاستأذن عليه فأمنه
وبلغ ذلك أبا العباس
فكتب إلى أبي جعفر والله لو كانت له ألف نفس لأتيت عليها أضرب عنقه فهرب أبو علاقة الفزاري وهشام بن هبيرة وصفوان بن يزيد فلحقهم سعد بن شعيب فقتلهم وقبض على أصحاب ابن هبيرة فقتل من وجوههم نحوا من خمسين ثم أمن الناس جميعا ونادى منادي أبي جعفر من أراد أن يقيم فليقم بالجابية ومن أحب أن يشخص فليشخص وهرب القعقاع بن ضرار وحميد وعدة حتى أتوا زياد بن عبد الله فاستأمن لهم فأمنوا جميعا وقوي ملك بني العباس واستقرت قواعده
فلما قتل ابن هبيرة ونودي في أهل الشام الحقوا شامكم فلا حاجة لنا بكم فسار أهل الشام حتى قدموا الكوفة منهم من قدم ومنهم من أخذ على عين
____________________
(2/305)

التمر ومنهم من أخذ على طريق المدائن ثم لحقوا بالشام على طريق الفرات
واستعمل أبو جعفر على واسط ومن فيها الهيثم بن زياد وخلف معه خيلا ثم انصرف أبو جعفر إلى أبي العباس وهو يومئذ بالحيرة ثم وجه داود بن علي إلى الحجاز فقتل من ظفر به من بني أمية وغيرهم فتوجه إلى المثنى بن زياد بن عمر بن هبيرة باليمامة فقتله وأصحابه ثم تبعهم محمد بن عمارة وكان على الطائف فقتلهم وتحول أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار فأمر أبو العباس برأس ابن هبيرة فوضع بالحيرة على خشبة ومعه غيره من عمال مروان وبها رفع رأس مروان بن محمد وعن يمينه رأس ثعلبة بن سلامة ورأس عثمان بن أبي شعيب عن يساره وانقطعت شيعة بني أمية وطلبوا تحت كل حجر ومدر اختلاف أبي مسلم على أبي العباس
قال وذكروا لنا أن أبا معلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه فقدم عليه
فتلقاه الناس جميعا ومعه القواد والجماعة والخيل والنجائب ثم استأذن أبا العباس في الحج فقال لولا أن أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم
واستعمل أبا جعفر على الموسم فقال أبو جعفر لأبي العباس أطعني واقتل أبا مسلم فوالله إن في رأسه لغدرة
فقال له أي أخي قد عرفت بلأه وما كان منه
فقال أبو جعفر هو أخطأ بذلك والله لو بعثت سنورا مكانه لبلغ ما بلغ في ميل الدولة
قال أبو العباس كيف تقتله قال إذا دخل عليك فحادثه فإذا أقبل عليك دخلت فأتيت من خلفه فضربته ضربة آتي منها على نفسه
فقال أبو العباس أي أخي فكيف تصنع بأصحابه الذين يؤثرونه على أنفسهم ودينهم قال يؤول ذلك إلى خير وإلى ما تريد
قال يا أخي إني أريد أن تكف عن هذا
فقال أبو جعفر أخاف أن لم تتغده يتعشاك فقال أبو العباس فدونكه يا أخي
قال وكان مع أبي مسلم من أهل خراسان عشرة آلاف قد قدم بهم يأخذون العطاء عند غرة كل شهر أوفر ما يكون من الأرزاق سوى الأعاجم
فلما دخل أبو مسلم على أبي العباس دعا أبو العباس خصيا له
فقال إذهب فاعرف ما يصنع أبو جعفر فأتاه فوجده محتفيا بسيفه
فقال أبو جعفر أجالس أمير المؤمنين فقال الوصيف قد
____________________
(2/306)

تهيأ للجلوس ثم رجع الوصيف فذكر ذلك لأبي العباس فرده أيضا إلى أبي جعفر وقال قل له عزمت عليك أن لا تنفذ الأمر الذي عزمت عليه فكف عن ذلك
فسار إلى مكة حاجا وللموسم
وخرج أبو مسلم فكان إذا كتب إلى أبي جعفر يبدأ بنفسه ثم يكتب إليه لا يهولنك ما في صدر الكتاب فإني لك بحيث تحب ولكني أحب أن يعلم أهل خراسان أن لي منزله عند أمير المؤمنين كتاب أبي مسلم إلى أبي جعفر وقد هم أن يخلع ويخالف
قال وذكروا أن أبا مسلم لما رجع من عند أبي العباس وقد قيل له بالعراق إن القوم أرادوك لولا توقعوا ممن معك من أهل خراسان فلما كان في بعض الطريق كتب إلى أبي جعفر أما بعد فإني كنت اتخذت أخاك إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه وكان في محله من العلم وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث كان فقمعني بالفتنة واستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد نعاه الله إلى خلقه فمثل لي الضلاة في صورة الهدى فكان كالذي دلي بغرور حتى وترت أهل الدين والدنيا في دينهم واستحللت بما كان من ذلك من الله النقمة وركبت المعصية في طاعتكم وتوطئة سلطانكم حتى عرفكم من كان يجهلكم وأوطأت غيركم العشواء بالظلم والعدوان حتى بلغت من مشيئة الله ما أحب
ثم إن الله بمنه وكرمه أتاح لي الحسنة وتداركني بالرحمة واستنقذني بالتوبة فإن يغفر فقديما عرف بذلك وإن يعاقب فيما قدمت يداي وما الله بظلام للعبيد
فكتب إليه أبو جعفر يا عم أروم ما رمت وأزول حيث زلت ليس لي دونك مرمى ولا عنك مقصر الرأي ما رأيت إن كنت أنكرت من سيرته شيئا فأنت الموفق للصواب والعالم بالرشاد أنا من لا يعرف غير يدك ولم يتقلب إلا في فضلك فأنا غير كافر بنعمتك ولا منكر لإحسانك لا تحمل علي إصر غيري ولا تلحق ما جناه سواي بي إن أمرتني أشخص إليك وألحق بخراسان فعلت الأمر أمرك
والسلطان سلطانك والسلام موت أبي العباس واستخلاف أبي جعفر
قال وذكروا أن أبا جعفر لما انقضى الموسم وانصرف راجعا جاءه موت أبي العباس وكان بينه وبين أبي مسلم مرحلة
فكتب إلى أبي مسلم إنه قد حدث
____________________
(2/307)

حدث ليس مثلك غائب عنه فالعجل العجل
قال إسحاق بن مسلم فقلت لأبي جعفر وأنا أسايره ونحن مقبلون من مكة أيها الرجل لا ملك لك ولا سلطان مع هذا العبد
فقال أبو جعفر ظهر غشك وبدا منك ما كنت تكتم بأبي مسلم يفعل هذا قلت نعم فإني أخاف عليك منه يوم سوء فقال كذبت
قال إسحاق فسكت ثم لقيته بعد ذلك من الغد ولا والله ما عرفتها فيه وعاودني بمثل كلامه الأول فقتل له أكثر أو أقل إن لم تقتله والله يقتلك
قال فهل شاورت في هذا أحدا قلت لا قال اسكت فسكت فقدم الكوفة فإذا عيسى بن موسى قد سبقه إلى الأنبار وغلب على المدينة والخزائن وبيوت الأموال والدواوين وخلع عبد الله وتوثب على أبي جعفر ودعا أهل خراسان فالحقهم باليمن وجعل لهم الجعائل الجليلة والعطايا الجزيلة فلما قدم أبو جعفر سلم الأمر لعيسى بن موسى وتوثب عبد الله بن علي على أهل خراسان بالشام فقتلهم ودعا إلى نفسه وأتاه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي
فقال إن أردت أن يصفو لك الأمر فاقتل أهل خراسان وابدأ بي
فلما قدم أبو جعفر من مكة قال لأبي مسلم إنما هو أنا وأنا وأنت والأمر أمرك فامض إلى عبد الله بن علي وأهل الشام
فلما سار إليه أبو مسلم سار معه القواد وغيرهم فلقي عبد الله بن علي وأهل الشام فهزمهم وأسر عبد الله بن علي وبعث به إلى أبي جعفر فاستنكر أبو جعفر قعود أبي مسلم عنه فبعث إليه يقطين بن موسى ورجلا معه على القبض
فقال أبو مسلم لا يوثق بي بهذا ونحوه فوثب وشتم وقال قولا قبيحا
فقال له يقطين بن موسى جعلت فداك لا تدخل الغم على نفسك إن أحببت رجعت إلى أمير المؤمنين فإنه إن علم أن هذا يشق عليك لم يدخل عليك مكروها
ثم قدم أبو جعفر من الأنبار حتى قدم المدائن وخرج أبو مسلم فأخذ طريق خراسان مخالفا لأبي جعفر
فكتب إليه أبو جعفر قد أردت مذاكرتك في أشياء لم تحملها الكتب فأقبل فإن مقامك عندنا قليل
فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتابه
فبعث إليه أبو جعفر جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي وكان أبو مسلم يعرفه
فقال له أيها الأمير ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت ثم تنصرف على مثل هذه الحال إن الأمر عند أمير المؤمنين لم يبلغ ما تكره ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال فيقول أبو مسلم ويحك إني دليت بغرور وأخاف عدوه
____________________
(2/308)

قتل أبي مسلم
قال وذكروا أن جريرا لم يزل بأبي مسلم حتى أقبل به وكان أبو مسلم يقول والله لأقتلن في الروم فأقبل منصرفا فلما قدم على أبي جعفر وهو يومئذ بالرومية من المدائن أمر الناس يتلقونه وأذن له فدخل على دابته ورحب به وعانقه وأجلسه معه على السرير وقال له كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما تريد
فقال قد أتيت يا أمير المؤمنين فليأمرني بأمره
قال انصرف إلى منزلك وضع ثيابك وادخل الحمام ليذهب عنك كلال السفر وجعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم فيريه من الإكرام ما لم يره قبل ذلك حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجني
فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى فقال اركب معي إلى أمير المؤمنين فإني قد أردت عتابه بمحضرك
فقال عيسى أنت في ذمتي فأقبل أبو مسلم فقيل له ادخل
فلما صار إلى الزقاق الداخلي قيل له إن أمير المؤمنين يتوضأ فلو جلست فجلس وأبطأ عيسى بن موسى عليه وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك وهو على حرسه في عدة فيهم شبيب بن رياح وأبي حنيفة حرب بن قيس فتقدم أبو جعفر إلى عثمان فقال له إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا
وجعل عثمان وأصحابه في ستر خلف أبي مسلم في قطعة من الحجرة وقد قال أبو جعفر لعثمان بن نهيك إذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان فقيل لأبي مسلم أن قد جلس أمير المؤمنين فقام ليدخل فقيل له انزع سيفك فقال ما كان يصنع بي هذا
فقيل وما عليك فنزع سيفه وعليه قباء أسود وتحته جبة خز فدخل فسلم وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها وخلف ظهره القوم خلف ستر
فقال أبو مسلم صنع بي يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد نزع سيفي من عنقي
قال ومن فعل ذلك قبحه الله ثم أقبل يعاتبه فعلت وفعلت فقال يا أمير المؤمنين لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي وما كان مني فقال له أبو جعفر يا بن الخبيثة والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في دولتنا ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا
ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك والكاتب إلي تخطب آمنة ابنة علي ابن عمي وتزعم أنك أبو مسلم بن سليط بن عبد الله بن العباس لقد ارتقيت لا أم لك مرتقي صعبا
قال وأبو جعفر ترعد يده فلما رأى أبو مسلم غضبه قال يا أمير المؤمنين لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا
____________________
(2/309)


فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن نهيك فضربه ضربة خفيفة فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول أنشدك الله يا أمير المؤمنين استبقني لأعدائك فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق فأسرعت فيه فقال أبو مسلم وانفساه ألا قوة ألا مغيث وصاح أبو جعفر أضرب لا أم لك فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه فأمر به أبو جعفر فكفن بمسح ثم وضع في ناحية ثم قيل إن عيسى بن موسى بالباب فقال أدخلوه فلما دخل قال يا أمير المؤمنين فأين أبو مسلم قال كان ها هنا آنفا فخرج
فقال عيسى يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي إبراهيم الإمام فيه
قال له أبو جعفر يا أنوك والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه ها هو ذا في البساط فقال عيسى إنا لله وإنا إليه راجعون فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم بما صنع
فأمر أبو جعفر برأسه فطرح إلى من بالباب من قواد أبي مسلم فجالوا جولة وهموا أن يبسطوا بسيوفهم على الناس
ثم ردهم عن ذلك انقطاعهم من بلادهم وتغربهم وإحاطة العدو بهم فبعضهم اتكأ على سيفه فمات وبعضهم ناصب وأراد القتال
فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك أمر بالعطاء لأصحاب أبي مسلم وأجزل الصلات للقواد والرؤساء منهم ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن يكون معنا ها هنا نأمر بإلحاقه في الديوان في ألف من العطاء ومن أحب أن يلحق بخراسان كتبناه في خمس منه ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته
قال فكأنها نار طفئت
فقالوا رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت فأنت الموفق
فمنهم من رضي بالمقام معه ومنهم من لحق بخراسان ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين
قال وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم واستولى على ملك العراقين والشام والحجاز وخراسان ومصر واليمن ثار عليه عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقاتله فيما بين الكوفة وبغداد ولقيه في جموع كثيرة نحوا من عشرين ومئة ألف فأقام أياما يقاتله في كل يوم حتى هم أبو جعفر بالهزيمة وركب فرسه ليهرب ثم جعل يشجع أصحابه ويعدهم بالعطايا الواسعة والصلاة الجزيلة فقاتلوا
____________________
(2/310)


ثم إن ابن جعفر غلبته عيناه وهو على فرسه فرأى في نومه أنه يمد يديه ورجليه على الأرض
فاستيقظ ودعا عبارا كان معه فأخبره بما رأى
فقال له أبشرا يا أمير المؤمنين فإن سلطانك ثابت وسيليه بعدك جماعة من ولدك وهذا الرجل منهزم فما كان بأسرع من أن نظر إلى عيسى بن زيد منهزما هروب مالك بن الهيثم
وذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان وعليها يومئذ زهير بن التركي مولى خزاعة فكتب إليه أبو جعفر إن الله مهرق دمك إن فاتك مالك فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم فقال له جعلت فداك قد أعددت لك طعاما فلو أكرمتني بدخولك منزلي
فقال له نعم
وكان قد هيأ له زهير أربعين رجلا فلما دخل مالك قال لزهير عجل طعامك وقد توثق زهير من الباب وهيأ أصحابه فخرج عليه الأربعون فشدوه وثاقا ثم وضعوا القيود في رجله ثم قال أبا نصر جعلت فداك والله ما عرفت هذه الدعوة حتى أدخلتني فيها ودعوتني إليها فما الذي يخرجك منها والله ما أخليك حتى تزور أبا جعفر فبعث به إليه فعفا عنه أبو جعفر وولاه الموصل
قال الهيثم وكان يقال إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بني أمية وإن أبا جعفر كان أحزم بني العباس وأشدهم بأسا وأقواهم قلبا ألا ترى أن عبد الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره وأبوابه مغلقة وأبو جعفر قتل أبا مسلم في داخل سرادقه وليس بينه وبين أهل خراسان إلا خرقه
وقال الهيثم ذكر ابن عياش أن أبا جعفر قال لحاجبه عيسى بن روضة تقدم إلى كل من دخل أن لا يذكر أبا مسلم في شيء من كلامه
قال ابن عياش فاغتممت لذلك فوقفت له خلف ستر ومر راكبا مع هشام بن عمرو وعبد الله فلما طلع عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطته وبيده الحربة ركبت
قال أبو الجراح مالك فقلت أسلم على أمير المؤمنين
قال دونك فدنوت والنهر بيني وبينه
فقلت يا أمير المؤمنين هنيئا لك وقفة أقعدت كل قائم
فقال بيده على فيه ولم يتلفت كالكاره لما سمع وأقبل على صاحبيه
قال ابن عياش وكان هذا في سنة خمس وأربعين ومئة ثم انصرف أبو جعفر إلى الحيرة ومعه عمه عبد الله بن علي في غير وثاق وعليه الأحراس وقد هيأ له أبو جعفر بيتا فحبسه فيه فلما قدم به قيل إنه سمه
قال الهيثم بل كان أساس البيت الذي حبسه
____________________
(2/311)

فيه من لبن والحيرة كثيرة السواقي ندبة الأرض
فيقال إنه أمر من الليل بجدول فسرح حول البيت فتهدم عليه فمات
قال ابن عياش أقبل رجل من همدان إلى أبي جعفر في وفد من العرب فدخلوا عليه فلما خرجوا وفاتوا بصره قال للآذن علي بالهمداني فلما مثل بين يديه قال له يا أخا همدان أخبرني عن خليفة اسمه على عين قتل ثلاثة أسماؤهم على عين
فقال الهمداني نعم يا أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد الأشدق اسمه على عين وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن محمد الأشعث وأنت يا أمير المؤمنين اسمك على عين وقتلت عبد الرحمن بن مسلم أبا مسلم أول اسمه على عين وعبد الجبار الخولاني وسقط البيت على عمك عبد الله
فقال وما يدخل سقوط البيت على عمي لا أم لك
ثم استعمل أبو جعفر على خراسان أسيد بن عبد الله الخزاعي وأمره بتطلب عمال أبي مسلم ثم عفا عنهم ثم عزل الخزاعي وولي أبا عون عبد الملك بن يزيد ثم ولي بعد أبي عون حميد قحطبة ثم ولي المسير بن زهير حتى مات أبو جعفر المنصور قصة سابور ملك فارس
قال وذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلي فقال له حدثني عن الملك الذي كنت حدثتني عنه بحران
فقال نعم أكرمك الله أخبرني أبي عن حصين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الأكبر كان له وزير ناصح قد أخذ أدبا من آداب الملوك وشاب ذلك بفهم في الدين فانتصف من أهلها فعلا ولسنا فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان وكانوا قوما يعظمون الدنيا جهالة بالدين واستكانة لحب الدنيا وذلا لجبابرتها فجمعهم على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا واعتز بقتل ملوكهم وتخوله إياهم وكان يقال لكل ذليل دولة ولكل ضعيف صولة
فلما استوثقت له البلاد جعل إليه سابور أمرهم وأحال عليه طاعتهم فساس قوما لا يرامونه إلى ما سبق إليه قبلهم فلم ينتصف سابور من طاعتهم واستمالة أهوائهم مع مالا يأمن من زوال القلوب وغدرات الوزراء فاحتال على قطع رجائه عن قلوبهم فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم فقتله فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم فوقف بهم بين الفرقة وتخطف الأعداء ونأى الرجعة واليأس من صاحبهم فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور ويتعوضوه من الفتنة فملكهم ثمانين عاما
فأطرق أبو جعفر مليا ثم قال متمثلا
____________________
(2/312)


( لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ** وما علم الإنسان إلا ليعلما ) خروج شريك بن عون على أبي جعفر وخلعه
قال وذكروا أن أبا جعفر لما استقامت له الأمور واستولى على الملك خرج عليه شريك بن عون الهمداني وقال ما على هذا بايعتك ولا بايعنا آل محمد على أن تسفك الدماء وأن يعلموا بغير الحق فخالف أبا جعفر وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا فوجه أليه أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعي فقاتله شهورا ونهى أبو جعفر أن يسبي أحد منهم أو يقتل أحد من رجالهم لأنه كان فيهم قوم أخيار ورجال أشراف وكان خروجهم ديانة وإنكار للدماء وللعمل بغير الحق فلذلك لم يقتلوا
وكتب إليهم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا وقد عفونا عنكم مرتكم هذه فالله الله على دمائكم احقنوها اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته وبعدها
قال وذكروا أن شبيب بن شيبة قال حججت عام هلك هشام بن عبد الملك فبينما أنا مريح ناحية المسجد إذا طلع علي من بعض أبوابه فتى أسمر رقيق السمرة موقر اللمة خفيف اللحية رحب الجبهة كأن عينيه لسانان ناطقان عليه أبهة الأملاك في زي النساك تقبله القلوب وتتبعه العيون يعرف الشرف في تواضعه والعفو في صورته واللب في مشيته فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره فتحرم بالطواف
فلما قضى طوافه قصد المقام ليركع وأنا أرعاه ببصري ثم نهض منصرفا فكأن عينا أصابته فكبا كبوة دميت منها أصبعه فدنوت منه متوجعا لما ناله متصلا به أمسح عن رجله عفر التراب لا يمتنع علي ثم شققت حاشية ثوبي فعصبت على رجله فلم ينكر ذلك ثم نهض متوكئا علي وانقدت له حتى أتى بناء بأعلى مكة فابتدره غلامان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته ففتحا له الباب فدخل واجتذبني فدخلت بدخوله فخلي يدي وأقبل على القبلة فصلى ركعتين ثم استوى في صدر مجلسه فحمد الله وصلى على نبيه ثم قال لم يخف علي مكانك منذ اليوم فمن تكون فقلت شبيب بن شيبة التميمي
فقال الأهتمي فقلت نعم
فرحب وقرب ووصف قومي بأبين وصف وأفصح لسان
فقلت أصلحك الله أحب المعرفة وأجل عن المسألة فتبسم وقال بلطف أهل العراق أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عباس فقلت بأبي أنت وأمي ما أشبهك بنسبك وأدلك على سفلك وقد سبق إلى قلبي من محبتك
____________________
(2/313)

ما لا أبلغه بوصفي لك
قال فاحمد الله يا أخا تميم فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا ويشقي ببغضنا من يبغضنا ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله ومهما ضعفنا عن جزائه الله على أدائه
فقلت له أنت توصف بالعلم وأنا من حملته وأيام الموسم ضيقة وشغل أهله كثير وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها أفتأذن فيها جعلت فداك قال نحن من أكثر الناس مستوحشون وأرجو أن تكون للسر موضعا وللأمانة واعيا
فإن كنت على ما رجوت فهات على بركة الله
فقدمت إليه من وثقائق الأيمان ما سكن إليه فتلا قول الله { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } الأنعام 19 ثم قال سل
فقلت ما ترى في من على الموسم وكان عليه يوسف بن محمد الثقفي خال الوليد بن زيد فتنفس الصعداء ثم قال عن الصلاة خلفه تسأل أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول من ليس منهم قلت عن كلا الأمرين أسأل
قال إن هذا عند الله عظيم أما الصلاة ففرض الله على عباده فأد عليك في كل وقت فإن الذي ندبك لحج بيته ومجاهدة عدوه وحضور جماعته وأعياده لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك ولو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك فأسمح يسمح لك
ثم كررت عليه السؤال فما احتجت إلى أن أسأل عن أمر ديني أحدا بعده
ثم قلت له يزعم أهل العلم بالكتاب أنها ستكون لكم دولة لا شك فيها تطلع مطلع الشمس وتظهر بظهورها فاسأل الله خيرها ونعوذ به من شرها
قال فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها
قلت أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها قال نعم قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ونأبى إلا طلبا لحقنا فننصر ويخذلون كما نصر أولنا بأولهم وخذل لمخالفتنا من خذل منهم فاسترجعت
قال هون عليك الأمر سنة الله التي قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم وحفظ أعقابهم فقلت كيف تسلم لهم قلوبكم وقد قاتلوكم مع عدوكم فقال نحن قوم حبب إلينا الوفاء وإن كان علينا وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا وإنما يشذ عنا منهم الأقل فأما أنصار دولتنا ونقباء شيعتنا وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم معنا فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسيء ووهب للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه فتذهب المثابرة وتخمد الفتنة وتطمئن القلوب
فقلت ويقال إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة
فقال قد روي أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره
قلت لم أرد هذا
قال فما الذي تريد قلت
____________________
(2/314)

توقعون بالولي وتحظون العدو
فقال من يسعد بنا من الأولياء أكثر ومن يسلم معنا من الأعداء أقل إنما نحن بشر ولا يعلم الغيب إلا الله وربما استترت عنا الأمور فنوقع بمن لا نريد وإن لنا لإحسانا يجازي الله به مداواة ما تكلم ورتق ما تثلم فنستغفر الله بما يعلم وما أنكر من ألا يكون الأمر على ما بلغك
ومع الولي التعزز والإدلال والثقة والإسترسال ومع العدو التحرز والتذلل والإحتيال وإنك مسؤول يا أخا بني تميم
قلت إني أخاف ألا أراك بعد اليوم
قال لكن أرجو أن أراك وتراني قريبا إن شاء الله
قلت عجل الله ذلك ووهب لي السلامة منكم فإني محبكم
فتبسم وقال لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاثة
قلت وما هي قال قدح في الدين وهتك للملوك وتهمة في حرمة واحفظ عني ما أقول لك اصدق و إن ضرك الصدق وانصح وإن باعدك النصح ولا تخالطن لنا عدوا وإن أحظيناه فإنه محذول ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة وتواضع إذا رفعوك وصل إذا قطعوك ولا تستخف فيمقتوك ولا تنقبض فيحتشموك ولا تخطب الأعمال ولا تتعرض للأموال وأنا رائح من عشيتي هذه فهل من حاجة فنهضت لوداعه فودعته ثم قلت أوقت لظهور الأمر ومتى قال الله الموقت والمنذر فخرجت من عنده فإذا مولى له يتبعني فأتاني بكسوة من كسوته
وقال لي يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه ثم افترقنا فوالله ما رأيته إلا وحر سيان قابضان علي يدفعانني إلى بيعتي في جماعة من قومي لنبايعه
فلما نظر إلي أثبتني وقال للحرسيين خليا عمن صحت مودته وتقدمت قبل اليوم حرمته وأخذت بيعته فأكبر الناس ذلك من قوله
ثم قال لي أين كنت أيام أبي العباس أخي فذهبت أعتذر
فقال أمسك فإن لكل شيء وقتا لا يعدوه ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك وحق مشايعتك واختر مني رزقا يسعك أو خطة ترفعك أو عملا ينهضك
فقلت أنا لوصيتك حافظ
فقال وأنا لها أحفظك إني نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك
فقلت الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلي
فقال وذلك أحب إلي لك وهو أجم لقلبك وأودع لك وأعفى إن شاء الله فهل زدت أحدا في عيالك بعد
وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه
فقلت زدت الفرس والخادم فقال قد ألحقنا عيالك بعيالنا وخادمك بخادمنا ولو لم يسعني حملت لك على بيت المال فهل تحملك مئتا دينار لك غرة أو نزيدك فقلت يا أمير المؤمنين إن شطرها ليحملني العاملين
قال فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت وإن شئت فقد ضممتك إلى المهدي فإنه أفرغ لك مني وأرضاه لك إن شاء الله
____________________
(2/315)

حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له
ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة
فلما كان بمنى أتاه الناس يسلمون عليه ويهنؤونه بما أنعم الله عليه وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم وفقهائهم وعلمائهم ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه وراوية الحديث
فكان فيمن دخل عليه منهم مالك بن أنس
فقال له أبو جعفر يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا
فقال مالك يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي ويلهمه الرشاد من القول ويعينه على خير الفعل فما رأي أمير المؤمنين فقال أبو جعفر رأيت أني أجلسك في هذا البيت فتكون من عمار بيت الله الحرام وأحمل الناس على علمك وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم ويرسلون إليك رسلهم في أيام حجهم لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق إن شاء الله وإنما العلم علم أهل المدينة وأنت أعلمهم
فقال مالك أمير المؤمنين أعلى عينا وأرشد رأيا وأعلم بما يأتي وما يذر وأن أذن لي أقول قلت فقال أبو جعفر نعم فحقيق أنت أن يسمع منك ويصدر عن رأيك
فقال مالك يا أمير المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية وأما أهل مكة فليس بها أحد وإنما العلم علم أهل المدينة كما قال الأمير وإن لكل قوم سلفا وأئمة
فإن رأي أمير المؤمنين أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل
فقال أبو جعفر أما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا وإنما العلم علم أهل المدينة وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها
فقال مالك أجل يا أمير المؤمنين فأعفني يعف الله عنك
فقال أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص على أبي جعفر وما قالا له
قال وذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذي حج فيه سفيان الثوري وسليمان الخواص قال أحدهما لصاحبه ألا ندخل على هذا الطاغي الذي كان يزاحمنا بالأمس في مجالس العلم عند منصور والزهري فنكلمه ونأمره بحق وننهاه عن باطل
____________________
(2/316)

فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع الله به المسلمين ويأجرنا عليه
فقال سليمان الخواص إني لأخشى أن يأتي علينا منه يوم سوء
فقال الثوري ما أخاف ذلك فإن شئت فادخل وإن شئت دخلت
فدخل سليمان الخواص فأمره ونهاه ووعظه وذكره الله وما هو صائر إليه مسؤول عنه
فقال له أبو جعفر أنت مقتول ما تقول في كذا وكذا لشيء سأله عنه من باب العلم فأجابه فلما خرج قال سفيان الثوري ما صنعت قال أمرت ونهيت ووعظت وذكرت فرضا كان في رقابنا أديناه مع أنه لا يقبل وسألني عن مسألة فأجبته
قال سفيان ما صنعت شيئا فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه
فقال له ها هنا أبا عبد إلي إلي ادن مني
فقال إني لا أطأ ما لا أملك ولا تملك
فقال أبو جعفر يا غلام أدرج البساط وارفع الوطاء فتقدم سفيان فصار بين يديه وقعد ليس بينه وبين الأرض شيء وهو يقول { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } طه 55 فدمعت عينا أبي جعفر
ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن فوعظ وأمر ونهى وذكر وأغلظ في قوله
فقال له الحاجب أيها الرجل أنت مقتول فقال سفيان وإن كنت مقتولا فالساعة فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه ثم قال سفيان فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقت من مال الله ومال أمة محمد بغير إذنهم وقد قال عمر في حجة حجها وقد أنفق ستة عشر دينارا هو أو من معه ما أرانا إلا وقد أجحفنا ببيت المال
وقد علمت ما حدثنا به منصور بن عمار وأنت حاضر ذلك وأول كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم عن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( رب متخوض في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غدا ) فقال له أبو عبيدة الكاتب أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا فقال له سفيان اسكت فإنما أهلك فرعون هامان وهلمان فرعون
ثم خرج سفيان فقال أبو عبيدة الكاتب ألا تأمر بقتل هذا الرجل فوالله ما أعلم أحدا أحق بالقتل منه
فقال أبو جعفر اسكت يا أنوك فوالله ما بقي على الأرض أحد اليوم يستحيا منه غير هذا ومالك بن أنس دخول ابن أبي ذؤيب ومالك بن أنس وابن سمعان على أبي جعفر
قال وذكروا عن مالك بن أنس قال لما ولي أبو جعفر الخلافة وافى إليه الملاقون المشاؤون بالنميمة عني بلاكم كان قد حفظ علي فأتاني رسوله ليلا ونحن بمنى قال أجب أمير المؤمنين وذلك بعد مفارقتي له وخروجي عنه فلم أشك أنه للقتل ففرغت من عهدي واغتسلت وتوضأت و لبست ثياب كفني وتحنطت ثم نهضت فدخلت عليه في السرداق وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الأبيض والياقوت الأحمر والزمرد الأخضر حكى له أنه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد أهداه
____________________
(2/317)

إليه صاحب القسطنطينية لا يعلم ثمنه ولا يدري ما قيمته والشمع يحترق بين يديه وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه وهو ينظر في صحيفة في يده
فلما صرت بين يديه سلمت فرفع رأسه فنظر إلي وتبسم تبسم المغضب ثم رمي بالصحيفة وأشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه
فلما قعدت وأخذت مقعدي وسكن روعي رفعت رأسي أنظر تلقائي فإذا أنا بواقف عليه درع وبيده سيف قد شهره يلمع له ما حوله فالتفت عن يميني فإذا أنا بواقف بيده جرز من حديد ثم التفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع وبيده سيف قد شهره وهم أجمعون قد أصغوا إليه ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد أمرا فيجده غافلا
ثم التفت إلينا وقال أما بعد معشر الفقهاء فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف من ألسنتكم والأخذ بما يشبهكم وأولى الناس بلزوم الطاعة والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم
قال مالك فقلت يا أمير المؤمنين قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } الحجرات 6 فقال أبو جعفر على ذلكم أي الرجال أنا عندكم أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور فقال مالك فقالت يا أمير المؤمنين أنا متوسل إليك بالله تعالى وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم وبقرابتك منه إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا
قال قد أعفاك أمير المؤمنين
ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له أيها القاضي ناشدتك الله تعالى أي الرجال أنا عندك فقال ابن سمعان أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين تحج بيت الله الحرام وتجاهد العدو وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي وبك قوام الدين فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة
ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له ناشدتك الله أي الرجال أنا عندك قال أنت والله عندي شر الرجال استأثرت بمال الله ورسوله وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وأهلكت الضعيف وأتعبت القوي وأمسكت أموالهم فما حجتك غدا بين يدي الله فقال له أبو جعفر ويحك ما تقول أتعقل انظر ما أمامك
قال نعم قد رأيت أسيافا وإنما هو الموت ولا بد منه عاجله خير من آجله
ثم خرجا وجلست قال إني لأجد رائحة الحنوط عليك
قلت أجل لما نمي إليك عني ما نمي وجاءني رسولك في الليل ظننته القتل فاغتسلت وتطيبت ولبست ثياب كفني
فقال أبو جعفر سبحان الله ما كنت لأثلم الإسلام وأسعى في نقضه أو ما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذا بالله مما قلت يا أبا عبد الله انصرف إلى مصرك راشدا مهديا وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا ولا يعدل بك مخلوقا
فقلت إن بجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة وإن يخيرني أمير
____________________
(2/318)

المؤمنين اخترت العافية
فقال ما كنت لأجبرك ولا أكرهك انقلب معافى مكلوءا
قال فبت ليلتي فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير في كل صرة خمسة آلاف دينار ثم دعا برجل من شرطته
فقال له تقبض هذا المال وتدفع لكل رجل منهم صرة أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله وإن ردها لا جناح عليه فيما فعل وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأيه وإن ردها عليك فبسبيله لا جناح عليه وإن يكن ابن سمعان ردها فأتني برأسه وإن أخذها فهي عافيته
فنهض بها إلى القوم فأما ابن سمعان فأخذها فسلم وأما ابن أبي ذؤيب فردها فسلم وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها
ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق كتاب عبيد الله العمري إلى أبي جعفر
قال وذكروا أن أبا جعفر لما قفل من حجه سنة ثمان وأربعين ومئة سأل عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو الفقيه المعروف بالعمري
فقيل له إنه لم يحج العام يا أمير المؤمنين ولو حج لكان أول داخل عليك فلا تقبل عليه أحدا يا أمير المؤمنين ولا يقدح فيه عندك إلا باطلي أو كذاب فإنه من علمت
فقال أبو جعفر والله ما تخلف عن الحج في عامه هذا إلا علما منه بأني حاج فلذلك تخلف ولا والله ما زاده ذلك عندي إلا شرفا ورفعة وإني من التوقير له والإجلال بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك لشرفه في قريش وعظيم منزلته من هذا الأمر والموضع الذي جعله الله فيه والمكان الذي أنزله به
فلما قدم أبو جعفر بغداد ورد عليه كتاب عبيد الله العمري فيه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله أبي جعفر أمير المؤمنين من عبيد الله بن عمر
سلام الله عليك ورحمة الله التي اتسعت فوسعت من شاء
أما بعد فإني عهدتك وأمر نفسك لك مهم وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها وأبيضها وشريفها ووضيعها يجلس بين يديك العدو والصديق والشريف والوضيع ولكل حصته من العدل ونصيبه من الحق فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر وإني أحذرك يوما تفنى فيه الوجوه والقلوب وتنقطع فيه الحجة لملك قد قهرهم بجبروته وأذلهم بسلطانه والخلق داخرون له يرجون رحمته ويخافون عذابه وعقابه
وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة وإني أعوذ بالله أن تنزل كتابي سوء المنزل فإني إنما كتبت به نصيحة والسلام
____________________
(2/319)

فأجابه أبو جعفر المنصور
من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن عمر بن حفص
سلام عليك أما بعد فإنك كتبت إلي تذكر أنك عهدتني وأمر نفسي لي مهم فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة بأسرها وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة ولست إن شاء الله من أولئك وليس هذا زمان ذلك إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم
وكتبت تحذرني ما حذرت به الأمم من قبلي وقدما كان يقال اختلاف الليل والنهار يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار وكتبت تتعوذ بالله أن ننزل كتابك سوء المنزل وأنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت وبررت فلا تدع الكتب إلي
فإنه لا غنى بي عن ذلك والسلام اجتماع أبي جعفر مع عبد الله بن مرزوق
قال وذكروا أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين لما حج ودخل في الطواف بالبيت الحرام أمر بالناس فنحوا عن البيت ثم طاف أسبوعه فوثب إليه عبد الله بن مرزوق وقال من جرأك على هذا فليبه بردائه وهزه ثم قال له من جعلك أحق بهذا البيت من الناس تحول بينه وبينهم وتنحيهم عنه فنظر أبو جعفر في وجهه فعرفه
فقال عبد الله بن مرزوق قال نعم فقال من جرأك على هذا ومن أقدمك عليه فقال عبد الله بن مرزوق وما تصنع بي بيدك ضر أو نفع والله ما أخاف ضرك ولا أرجو نفعك حتى يكون الله عز وجل يأذن لك فيه ويلهمك إلى فعله فقال له أبو جعفر إنك أحللت بنفسك وأهلكتها فقال عبد الله بن مرزوق اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته علي وإن كان بيده منفعتي فاقطع عني كل منفعة منه أنت يا رب بيدك كل شيء ومليك كل شيء فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد فسجنه بها
وكان يسجنه بالنهار ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ويسامره يلبث نهاره أجمع بالسجن ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض عليه لئلا يجترئ الجاهل فيقول قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا أفلا يسعني فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره وانقطع خبره ثم خلي سبيله فلحق بمكة فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر وولي ابنه المهدي
فلما حج المهدي فعل مثل ذلك ففعل به عبد الله بن مرزوق مثل ذلك أيضا فأراد قتله فقيل له يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك فكان من صنيعه أن حمله
____________________
(2/320)

إلى بغداد فسجنه بالنهار وسامره بالليل وأنت أحق من أخذ بهديه واحتذى على مثاله وورث أكروماته فحمله المهدي معه فمات ببغداد رحمه الله ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان
قال وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس ليسكن هيجها وفتنها ويحدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم فأظهر الغلظة والشدة وسطا بكل من ألحد في سلطانهم وأشار إلى المنازعة لهم وأخذ الناس بالبيعة
وكان مالك بن أنس رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه في علمه أو عمله أو فهمه أو ورعه فكيف بمن جمع الله ذلك فيه ولم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه الله تعالى العلم والعمل والفهم واللب والنبل ووصل له ذلك بالدين والفضل عرف منه ذلك صغيرا وظهر فيه كبيرا واستلب الرياسة ممن كان قد سبقه إليها بظهور نعمة الله عليه وسموها به على كل سام فاستدعى ذلك منهم الحسد له وألجأهم ذلك إلى البغي عليه فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له إن مالكا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحل ولا تلزمهم لمخالفتك واستكراهك إياهم عليها وزعموا أنه يفتى بذلك أهل المدينة أجمعين لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ) فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ينحل عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة وهم أن يبدر فيه بما عافاه الله منه وأنعم على المسلمين ببقائه
فقيل له لا تبدر فيه ببادرة فإنه من أكرم الناس على أمير المؤمنين وآثرهم عنده ولا بأس عليك منه فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله ومن مأمنه يؤتى الحذر فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه وحسبة فيه
فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان يأتيه فأتوا به إليها منتهك الحرية مزال الهيبة فأمر به فضرب سبعين سوطا فلما سكن الهيج بالمدينة وتمت له البيعة بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك
قال وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس وما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا وأنكره ولم يرضه وكتب بعزل جعفر بن سليمان عن المدينة وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب
وولي على المدينة رجلا من قريش من
____________________
(2/321)

بني مخزوم وكان يوصف بدين وعقل وحزم وذكاء وذلك في شهر رمضان من سنة إحدى وستين ومائة
وكتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس ليستقدمه إلى نفسه ببغداد فأبي مالك وكتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك ويعتذر له ببعض العذر إليه
فكتب أبو جعفر إليه أن وافني بالموسم العام القابل إن شاء الله فإني خارج إلى الموسم دخول مالك على أبي جعفر بمنى
قال وذكروا أن مالكا حج سنة ثلاث وستين ومائة ثم وافى أبا جعفر بمنى أيام منى فذكروا أن مطرفا أخبرهم وكان من كبار أصحاب مالك قال قال لي مالك لما صرت بمنى أتيت السرداقات فأذنت بنفسي فأذن لي ثم خرج إلي الآذن من عنده فأدخلني فقلت للآذن إذا انتهيت بي إلى القبلة التي يكون فيها أمير المؤمنين فأعلمني فمر بي من سرادق إلى سرادق ومن قبة إلى أخرى في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة والأجزرة المرفوعة حتى قال لي الآذن هو في تلك القبة ثم تركني الآذن وتأخر عني فمشيت حتى انتهيت إلى القبة التي هو فيها فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذي يكون فيه إلى البساط الذي دونه وإذا هو قد لبس ثيابا قصدة لا تشبه ثياب مثله تواضعا لدخولي عليه وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت فلما دنوت منه رحب بي وقرب
ثم قال ها هنا إلي فأوميت للجلوس
فقال ها هنا فلم يزل يدنيني حتى أجلسني إليه ولصقت ركبتي بركبتيه
ثم كان أول ما تكلم به أن قال والله الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذي كان ولا علمته قبل أن يكون ولا رضيته إذ بلغني يعني الضرب
قال مالك فحمدت الله تعالى على كل حال وصليت على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم نزهته عن الأمر بذلك والرضا به
ثم قال يا أبا عبد الله لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وأني إخالك أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها قاتلهم الله أني يؤفكون وقد أمرت أن يؤتي بعدو الله منا لمدينة قتب وأمرت بضيق مجلسه والمبالغة في امتهانه ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه
فقلت له عافي الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم منك قال أبو جعفر وأنت فعفي الله عنك ووصلك
قال مالك ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء فوجدته أعلم الناس بالناس ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه وأعرفهم بما اختلفوا فيه حافظا لما
____________________
(2/322)

روى واعيا لما سمع ثم قال لي يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتبا وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشواذ بن مسعود واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم لنحمل الناس إن شاء على علمك وكتبك ونبئها في الأمصار ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها
فقلت له أصلح الله الأمير إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا
فقال أبو جعفر يحملون عليه ونضرب عليه هاماتهم بالسيف وتقطع طي ظهورهم بالسياط فتعجل بذلك وضعها فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى المدينة ليسمعها منك فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله قال مالك فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة بظهر القبة التي كنا فيها
فلما نظر إلي الصبي فزع ثم تقهقهر فلم يتقدم
فقال له أبو جعفر تقدم يا حبيبي إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز ثم التفت إلي فقال يا أبا عبد الله أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم فقلت لا
فقال والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحدا قط فلذلك قهقهر
قال مالك ثم أمر لي بألف استنكر قرب مجلسك مني إذا لم ير به أحدا غيرك قط فلذلك قهقهر قال مالك ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا وكسوة عظيمة وأمر لا بني بألف دينا ثم استأذنته فأذن لي فقمت فودعني ودعا لي ثم مشيت منطلقا فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكبي وكذلك يفعلون بمن كسوه وإن عظم قدره فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها ثم يسلمها إلى غلامه فما وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي كراهة احتمالها وتبرؤا من ذلك فناداه أبو جعفر بلغها رحل أبي عبد الله ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبي داود
قال وذكروا أن أبا جعفر لما دخل في الطواف بالبيت لقي عبد العزيز بن أبي دواد في الطواف فقبض على يده ثم قال له أتعرفني قال لا
إلا أن قبضتك قبضة جبار
فقال له أنا أبو جعفر أمير المؤمنين فسلني من حوائجك ما شئت أقضها
قال أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إلي بشيء حتى آتيك طوعا
فقال له أبو جعفر ذلك لك فأقبل يمشي بمشيته في طوافه وكان شيخا كبيرا ضعيفا
فتأنف بقربه وثقل عليه كلامه
فقال أسألك بحرمة هذا البيت إلا تنحيت عني فتنحى عنه أبو جعفر وخلي سبيله
وكان عبد العزيز بن أبي دواد هذا لا يرفع رأسه إلى السماء تخشعا لله فأقام كذلك أربعين سنة قدوم المهدي إلى المدينة
قال وذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه ووضع علمه قدم عليه
____________________
(2/323)

المهدي بن أبي جعفر فسأله عما صنع فيما أمره به أبو جعفر فأتاه بالكتب وهي كتب الموطأ فأمر المهدي بانتساخها وقرئت على مالك
فلما أتم قراءتها أمر له بأربعة آلاف دينار ولابنه بألف دينار موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي
قال وذكروا أنه لما كانت سنة ست وستين ومائة قدم أبو جعفر مكة فلما قضى حجة احتضر ثلاثة أيام ثم توفي في اليوم الرابع وولي ابنه محمد المهدي وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ببغداد وكان قد عهد إليه أبو جعفر
فلما قفل المهدي إلي بغداد أتاه رجل فقال له أدرك أخاك جعفرا فإنه قد هم بمنازعتك وهو يريد خلعك فأخذ في السير ومعه الجنود والأموال وصناديد الرجال من العراق ورجال العرب ووجوه قريش
فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه وحلف أنه ما نوي ولا أراد منازعته ولا أشار إلى خلافه ولا هم به فقبل منه المهدي ذلك وعفا عنه وكان كريما سخيا حليما فلما كان سنة سبع وستين ومائة قدم حاجا فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه مالك فحضه على الإحسان إلى أهل المدينة وحدثه بفضلها وفضل أهلها ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ثم قال يا أمير المؤمنين أفليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها وعلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المهدي بلى والله يا أبا عبد الله حتى لا أجد إلا مثل هذا ومد يده ليأخذ من الأرض شيئا فلم يجده ثم قال صدقت فيهم وبررت وحضضت على الرشد فأنت أهل أن يطاع أمرك ويسمع قولك فأمر له بخمسة أبيات مال والبيت عندهم خمسمائة ألف وأمر مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم ويعتمد عليهم يقسمونها على أهل المدينة ويؤثرون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيت أبي بكر وعمر وعثمان ثم أهل بيوت المهاجرين والأنصار ثم الذين اتبعوهم بإحسان ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك ذكر استخلاف هارون الرشيد
قال وذكروا أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين ومائة توفي المهدي وذلك أنه
____________________
(2/324)

خرج يوما إلى بعض المنازل ومعه أهله وبعض بنيه وكان قد ذكر أن يستخلف ابنه عبد الله بعده ثم غفل عن ذلك وتركه فحمل عبد الله الحرص والطيش إلى أن دس على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه بسمه وبذل لها على ذلك الأموال ومناها أماني الغرور
فلما سمته ووصل إليه السم عرف المهدي أنه قد قتل فدعا كاتبه فقال له عجل واكتب عهد هارون الرشيد وخذ بيعة الجند وأمراء الأجناد واكتب بذلك إلى ولاة الأمصار وكان الرشيد أصغر بنيه وكان ابن أمة لا يطمع في خلافه ولا يظن بها فأدخله على نفسه وهو يجود بها والرشيد لا يعلم أنه مستخلف
فقال له المهدي أي بني والله ما أردت استخلافك ولا هممت به لحداثة سنك وقد كان قال لي جدك أبو جعفر وأنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك إن ابني هذا الأعين سيلي هذا الأمر ويسير فيه سيرة صالحة فقلت يا أبت أتظن ذلك قال ما هو بالظن ولكنه اليقين ويكون ملكا بضعا وعشرين سنة وتقتله الحمى الربع فاندفع الرشيد باكيا فقال له ما يبكيك يا فتى قال يا أبت إنك والله نعيت لي نفسي وعرفتني متى أموت ومم أموت قال هو ذاك فشمر واجتهد وجد وخذ بالحزم والكرم ودع الإحن وانظر أخاك عبد الله فلا يناله منك مكروه فقد عفوت عنه
فقال الرشيد يا أبت وتعفو عنه وقد أتي ما ذكرت وصنع ما وصفت قال يا بني وما علي أن أعفو عمن أكرمني الله على يديه وأرجو أن يغفر لي بصنيعته بي إن شاء الله
عليك يا بني بتقوى الله العظيم وطاعته فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجاره وأوصيك بإخوتك خيرا وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل حسناتهم وتجاوز عن سيآتهم واغفر زلاتهم وأوصيك بأهل الحرمين خيرا فقد علمت من هم وأبناء من هم أجزل لهم العطاء وأحسن لهم الجزاء يكافئك الله في الآخرة والأولى
ثم توفي المهدي من يومه ذاك واستخلف الرشيد وخرج إلى الناس يبايعهم بوجه
____________________
(2/325)

طلق ولسان سلط فبايعوه ببغداد وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ثلاث وسبعين ومائة وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع فلم يختلف عليه أحد
ولا كره خلافته مخلوق فأحسن السيرة وأحكم أمر الرعية وكان أوحد أهل بيته ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله رحمه الله قدوم هارون الرشيد المدينة
قال وذكروا أنه لما كانت سنة أربع وسبعين ومائة خرج هارون حاجا إلى مكة فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام فبعث إلى مالك بن أنس فأتاه فسمع منه كتابه الموطأ وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الذي وضع وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد
فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق هل أنكرتم شيئا من هذا العلم قالوا ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء والتدمية في القتل فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله يقول الرجل قتلني فلان فيقبل منه ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا ثم يقتل ولعل أولياءه لم يحضروا ولم يكونوا بمصر فيعرض بهم الحنث في الإيمان فيقبل قول رجل على غيره وهو لا يقبل في ربع دانق يدعيه إلا ببينة تقوم إن هذا لهو الضلال
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عباس حيث قال ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر )
قال الرشيد ويحكم إن في كتاب الله ما يصدق ذلك ولا أخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه
فأرسل إليه فأقبل
فقال هارون يا أبا عبد الله إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الإنكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية وتصديق قول من ادعى وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقول له فأخبر القوم وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك فقال مالك يا أمير المؤمنين إن مما يصدق القسامة ما في كتاب الله من القتل والأخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل
قال الله عز وجل { اضربوه ببعضها } البقرة 73 فذبحت البقرة ثم ضربوه بعضو من أعضائها
____________________
(2/326)

فحي القتيل ثم تكلم
فقال فلان قتلني فقتله موسى بن عمران عليه السلام بقوله ذلك وهو حكم التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا فالذين أسلموا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد حكم بالتوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرجوم اليهودي الذي زنى فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهوديا لقي جارية من جواري الأنصار في بعض أنقاب المدينة وعليها أوضاح من ذهب وورق فأخذ الأوضاح منها وشدخ رأسها بين حجرين فأدركت الجارية وبها رمق فاتهم بها اليهود فأتى بهم فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم حتى أتى بصاحبها الذي قتلها فعرفته
فقيل لها هذا الذي قتلك فأومأت برأسها أن نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدخ رأسه بين حجرين فهذا يا أمير المؤمنين حكم الدماء والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء فقنعوا منه بذلك وصاروا إلى الرضا بقوله والتصديق لروايته والتسليم لتأويل ما تأول من القران الكريم
ثم قال له مالك إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي وحدثته بما حدثتك به في شأن أهل المدينة وما يصبرون عليه من البلاء وشدة الزمان وغلاء الأسعار صبرا على ذلك واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هارون ذلك هو أبي وأنا ابنه وسوف أفعل ما فعل وأمر لأهل المدينة بعشرة أبيات مال ضعف ما أمر به المهدي وكان أبو يوسف القاضي مع الرشيد يومئذ فسأله أن يجمع بينه وبين مالك ليكلمه في الفقه
فقال الرشيد لمالك كلمه يا أبا عبد الله فأنف من ذلك مالك وتنزه عنه وقال لهارون هاهنا من فتيان قريش من تلامذتنا من يبلغ حاجة أمير المؤمنين ويخصمه فيما يتكلم به ويذهب إليه فسر ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش
فقال من هو فقال المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي فبعث إليه الرشيد فجمعه بأبي يوسف فقال كلمني بما بدا لك أجاوبك
فقال أبو يوسف القاضي يا أمير المؤمنين إن هؤلاء يعني مالكا وأصحابه يقضون بغير ما في كتاب الله يقول الله عز وجل { وأشهدوا ذوي عدل منكم } الطلاق 2 وقال { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } البقرة 282 وهؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد ولا نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى به وإنما يدور هذا الحديث الذي روى فيه سهيل عن أبي صالح عن أبيه ثم نسبه سهيل
____________________
(2/327)

فكان يحدث ويقول حدثني ربيعة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد فلما نسبه سهيل بطل الخبر وأثبت أصله فلا معنى لذكره
قال المغيرة قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى به علي بالكوفة
فقال أبو يوسف أنا أكلمك بالقرآن وأنت تكلمني بأفعال الناس أتراك تعرفني بهذا وبما قضى به علي وغيره فقال المغيرة فأنت كافر بنبي قضى باليمين مع الشاهد أو مؤمن به فسكت أبو يوسف فحجه المغيرة
فسر بذلك الرشيد وأمر للمغيرة بألف دينار
ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال ما تقول في هذا المنبر فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان وأرده إلى الثلاث درجات التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته المسامير فإن نقضته تفكك وذهب أكثره ومع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل عن المدينة يأتي بعدك أحد فيقول أو يقال له ينبغي لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون معك حيث كنت فإنما المنبر للخليفة فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان بها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعلم أنه ترك له عليه الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا فراش ولا عصا ولا قدح ولا شيء مما كان له هاهنا من آثاره إلا وقد انتقل فأطاعه الرشيد وانتهى عن ذلك برأي مالك بن أنس وكان ذلك رحمة من الله لأهل المدينة وتثبيتا لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم مسير الرشيد إلى الفضل بن عياض
قال وذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما يتلثم فيحضر مجالس العلماء بالعراق وهو لا يعرف
وكان قد قسم الأيام والليالي على سبع ليالي فليلة للوزراء يذاكرهم أمور الناس ويشاورهم في المهم منها وليلة للكتاب يحمل عليهم الدواوين ويحاسبهم عما لزم من أموال المسلمين ويرتب لهم ما ظهر من صلاح أمور المسلمين وليلة للقواد وأمراء الأجناد يذاكرهم أمر الأمصار ويسألهم عن الأخبار ويوقفهم على ما تبين له من صلاح الكور وسد الثغور وليلة للعلماء والفقهاء يذاكرهم العلم ويدارسهم الفقه وكان من أعلمهم وليلة للقراء والعباد يتصفح وجوههم ويتعظ برؤيتهم ويستمع لمواعظهم ويرقق قلبه بكلامهم وليلة لنسائه وأهله ولذاته يتلذذ بدنياه ويأنس بنسائه وليلة يخلو فيها بنفسه لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع ولا يشك أحد أنه يخلو فيها بربه يسأله خلاص نفسه وفكاك رقه
فبينما هو يوما في مجلس محمد بن السماك وقد قصد لرؤيته يسمع لموعظته ولا يعلم أحد بمكانه فسمع بعض أهل المجلس يذكر الفضل بن عياض ويصف فضله
____________________
(2/328)

وعبادته وعلمه وروعه فاشتهى النظر إليه وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته فتوجه من العراق إلى الحجاز قاصدا إليه ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم وكان الفضل بن عياض يسكن الغيران
فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك يا أمير المؤمنين إن الفضل إن عرفك وعرف مكانك لم يأذن لك عليه ويسفر عنك
فقال هارون تستأذن أنت عليه وتخفى مكاني عنه حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك
قال الفضل من بالباب قال ابن المبارك
قال مرحبا يا أخي وصاحبي فقال ابن المبارك ومن معي يدخل فقال الفضل ومن معك قال رجل من قريش
فقال الفضل لا إذن لا حاجة لي برؤية أحد من قريش
فقال له ابن المبارك إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان فقال له الفضل أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس فقال له ابن المبارك إن سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم وإنما عني أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم فقال له الفضل فإن كان كما تقول فليدخل فدخل الرشيد فسلم عليه ثم جلس بين يديه فتحدثوا ساعة
فقال له ابن المبارك يا أبا الحسن أتدري من هذا قال لا أدري
فقال له هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين فنظر إليه الفضل بن عياض ساعة ثم قال هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه إن هذا لهو الفضل المبين وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا وأحسنهم نطقا وأبلغهم لسانا وأعذبهم كلاما وأكثرهم علما وفهما ثم جعل الفضل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا
قال ابن المبارك ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ ثم أفاق من بكائه فجعل الفضل يذكر مثالبه ومثالب أهل بيته ورداءة سبرتهم وخلافهم الحق ثم لم يدع شيئا يعيبه به ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به
فقال له الرشيد يا أبا الحسن أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك فقال الفضل بلى
فقال الرشيد فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة مني وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات ومع ذلك فإني والله ما كنت لأخير بين شيء وبين الله إلا اخترت الله تعالى على ما سواه الله الشاهد على قولي والمطلع على نيتي وضميري وكفى به شهيدا وأما مع هذا ألى من الإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا تليه أنت فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني فسكت الفضل ساعة ثم قال ما ظلمك من حجك ثم قام هارون للخروج
فقال الفضل يا أمير المؤمنين إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا فقال الرشيد أجل إنه ما قلت
____________________
(2/329)


فلما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها وإلى أمراء الأجناد أما بعد فانظروا من التزم الأذان عندكم فاكتبوه في ألف من العطاء ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم ومقاعد الأدب فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء ومن جمع القرآن وروى الحديث وتفقه في العلم واستبحر فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر من المعروفين به من علماء عصركم وفضلاء دهركم فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم فإن الله تعالى يقول { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } النساء 59 وهم أهل العلم
قال ابن المبارك فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن ولا سابقا للخيرات ولا حافظا للمحرمات بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم ويروي الحديث ويجمع الدواوين ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة ذكر الحائك المتطفل
قال وذكروا أن الرشيد لما انصرف من الحجاز وصار بالرقة قال لوزيره عمرو بن مسعدة ما زلت تكلمني وتستلطفني في الرحجي حتى وليته الأهواز فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما وقضما ولم يوجه إلي درهما فاخرج إليه من ساعتك هذه حتى تحل ساحته ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها ولا أكرومة إلا أهنتها ثم لا تسمع له حجة يرفعها ولا تقبل منه كلمة ينهيها إن اعتذر فلا تقبل له عذرا وإن قال فلا تقبل له قولا فشر قائل
وأكذب متظلم فقلت في نفسي أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين إذ كانت ولايته بسببي فقلت أخرج يا أمير المؤمنين قال فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما فحلفت له ثم انحدرت إلى بغداد ثم خرجت فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول إذا رجل يصيح يا ملاح يا ملاح رجل منقطع
فقلت للملاح قرب إلى الشط
فقال يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك قال الوزير فلم يلتفت إليه ولقوله وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد فلما حضر الغداء دعوته فكان يأكل أكل جائع
____________________
(2/330)

بنهامة إلا أنه نظيف الأكل فلما رفع الطعام أردت أن يقوم ويغسل يديه في ناحية فلم يفعل فغمزه الغلمان فلم يفعل فتشاغلت عنه ليقوم ثم قلت له يا هذا ما صناعتك قال لي حائك فقلت في نفسي هذه شر من الأولى ما ألوم غير نفسي إذ لم أقبل ممن نصحني وصرت أواكل الحوكة
فقلت توضأ يا أخي فتوضأ ثم قال لي جعلت فداك قد سألتني عن صناعتي فما صناعتك أنت فقلت في نفسي هذه شر من الأولى وكرهت أن أذكر الوزارة وقلت أقتصر على الكتابة فقلت له كاتب فقال إن الكتابة على خمسة أصناف كاتب رسائل يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل والصدور ورقيق الكلام والتهاني والتعازي والترهيب والترغيب والمقصور والممدود وجملا من العربية
وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير وشيات الدواب وحلي الناس ونعوتهم وكاتب قاض يحتاج أن يكون عالما بالشروط والأحكام عارفا بالناسخ والمنسوخ من القرآن والحلال من الحرام والفروع والمواريث
وكاتب شرطة يحتاج أن يكون عالما بالجروح والقصاص والديات فقيها في أحكام الدماء عارفا بدعوى التعدي وكاتب خراج يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة وضروب الحساب فأيهم أنت أعزك الله قلت فوالله ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي وأحبهم إلي وصار كلامه عندي أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن
فقلت له أصلحك الله تقدم إلي وادن مني أكلمك وأقعدك المقعد الذي يقعده مثلك فلولا أن من البر ما يكون عقوقا لأقعدتك مقعدي هذا
قال مقعدي الذي أنا به أولى بي
فقلت أمتع الله بك أنا كاتب رسائل قال فأخبرني لو كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه ويكتب إليك في جميع الأسباب فتزوجت أمه كيف كنت تكتب إليه تهنئة أم تعزية قلت والله ما أدري كيف الوجه في هذا وهو بالتعزية أولى منه بالتهنئة قال صدقت كيف كنت تعزيه فقلت والله ما أقف على ما تقول قال فلست بكاتب رسائل فأيهم أنت قلت كاتب خراج قال فما تقول أصلحك الله وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك فأردت أن تنظر في أمرهم وتنصفهم إذا كنت تحب العدل وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر وكان لأحدهم براح فأردت مساحة كيف كنت تمسحه قلت أضرب العطوف في العمود وأنظر إلى مقدار ذلك
قال إذا تظلم الرجل قلت فأسح العمود على حدته
قال إذا تظلم السلطان قلت والله ما أدري
قال لست بكاتب خراج فأيهم أنت قلت كاتب جند
قال فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد أحدهما مقطوع الشفة العليا والآخر مقطوع الشفة السفلى كيف كنت تنعتهما وتحليهما فقلت كنت أكتب أحمد الأعلم وأحمد
____________________
(2/331)

الأعلم قال فكيف يكون هذا ورزق هذا مئتا درهم ورزق ذاك ألف درهم فيقبض هذا عطاء ذلك وذاك عطاء هذا فتظلم صاحب الألف قلت والله ما أدري قال فلست بكاتب جند فأيهم أنت قلت كاتب قاض
قال فما تقول في رجل خلف سرية وزوجه وكان للزوجة بنت وللسرية ابن فلما كان تلك الليلة التي مات فيها الرجل أخذت الحرة ابن السرية فادعته وجعلت ابنتها مكانه فتنازعتا فيه فقالت هذه ابني وقالت هذه ابني كيف كنت تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي قلت والله ما أدري
قال فلست بكاتب قاض فأيهم أنت فقلت كاتب شرطة
قال فما تقول في رجل وثب على رجل فشجه شجة موضحة فوثب عليه المشجوج فشجه شجة مأمومة كيف كنت تقضي بينهما فقلت ما أعلم
قال فلست بكاتب شرطة
فقلت أصلحك الله قد سألت ففسر لي ما ذكرت
فقال أما الذي تزوجت أمه فتكتب إليه أما بعد فإن أحكام الله تجري بغير محاب المخلوقين والله يختار للعباد فخار الله لك قي قبضها إليه فإن القبر أكرم لها والسلام
وأما البراح فتضرب واحدا وثلثا في مساحة العطوف فمن ثم بابه
وأما أحمد وأحمد فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا أحمد الأعلم
والمقطوع الشفة السفلى أحمد الأشرم
وأما المرأتان فيوزن لبن هذه ولبن هذه فأيهما كانت أخف فهي صاحبة البنت
وأما صاحب الشجة فإن في الموضحة خمسا من الإبل وفي المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا فيرد صاحب المأمومة ثمانية وعشرين وثلثا
فقلت أصلحك الله فما أتى بك هاهنا قال ابن عم لي كان عاملا على ناحية فخرجت إليه فألفيته معزولا فقطع بي فأنا خارج أضطرب في المعاش
قلت ألست قد ذكرت أنك حائك فقال جعلت فداك إنما أحوك الكلام ولست بحائك الثياب
قال فدعوت المزين فأخذ من شعره وأدخل الحمام وطرحت عليه من ثيابي فلما صرت إلى الأهواز كلمت فيه الرحجي فأعطاه خمسة آلاف درهم ورجع معي فلما صرت إلى أمير المؤمنين ألفيته قد توقد علي نارا وامتلأ غيظا وقد حلف بالمشي إلى الكعبة أن ينالني منه يوم سوء لطول مقامي واشتغالي عنه بالرجل
فلما دخلت عليه قال ما كان من خبرك في طريقك وما الذي شغلك بعد أمري لك أن لا تلبث ببغداد إلا يوما واحدا ويمينك على ذلك فأخبرته خبري حتى حدثته بحديث الرجل وقصتي معه قال لقد جئتني بأعظم الفوائد فلأي شيء يصلح ويحك قلت هو والله يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالفقه والعلم والحلال والحرام والهندسة والفلسفة والحساب والكتابة فولاه هارون البناء والمرمة والمهم من
____________________
(2/332)

الأمور وأولاه على عمال الخراج يتقاضاهم ويحاسبهم فكنت والله ألقاه في المواكب العظيمة فينحط عن دابته ساعيا حتى يقبل على يدي يقبلها فأحلف عليه فيقول سبحان الله إنما هذه نعمتك وبك نلتها ويقول
( فلو أن للشكر شخصا يرى ** إذا ما تأمله الناظر )
( لمثلته لك حتى تراه ** فتعلم أني امرؤ شاكر )
قال عمرو بن مسعدة ثم قال لي هارون ويحك لما أبطأت حلفت بالمشي إلى الكعبة أن ينالك مني يوم سوء ولا والله ما هذا جزاؤك لدي فما الرأي فقلت يا أمير المؤمنين أنت أعلى عينا وأولى من بر يمينه
فقال والله ما أريد ذلك
قلت فليكفر أمير المؤمنين عن يمينه فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر وليأت الذي هو خير فقال ويحك إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا وإنما تأولوا قوله عليه الصلاة والسلام في الإيمان بالله تعالى وقد أجمعت على المشي والمضي إلى الكعبة راجلا
فقلت أني لك بذلك وكيف تصل راجلا قال لا بد من ذلك
فقال عمرو يا أمير المؤمنين فأمهل عامك هذا حتى أسهل لك طريقا وأحدد لك مراحا وأوقت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء الله قال ذلك لك
فأمر عمرو بالأنهار فعرجت عن مسيلها وبالآكام والجبال فسويت وبالخنادق والأودية فردمت حتى صار ما بينه وبين مكة كالراحة الموزونة وصارت الأنهار والأودية تسايره على طريقه ثم صنع له مراحل قد حدد له عند كل مرحلة حدا وابتنى في كل مرحلة دارا وكانت المرحلة بريدا قدرها اثنا عشر ميلا ثم أمر بالمراحل ففرشت بالبسط الرهاوية ونصب له جدارا بالستور وسمكها بأكسية الخز الرفيع الملون وقد ضرب عند كل فرسخ قبة مزوقة قد أقام فيها الفرش الممهدة وقد أحاط بها الظلال الممدودة بالرواقات الكثيفة فيها أنواع الطعام والشراب وألوان الفواكه
فلما تم صنعه ذلك وأبرم أمره قال يا أمير المؤمنين قد تم ما أردته وكمل ما حاولته فانهض على اسم الله العظيم وكانت زبيدة زوجته التي أغرته عليه وحملته على اليمين لمعاقبته فخرج الرشيد ماشيا ومعه دابته وزبيدة فكانت المرحلة تفرش والستور تنصب والسمك ترفع فيمشي ثلاثة أميال ثم ينزل في قبة أمامها رواق فينال راحته ويصيب ما اشتهى من لذة في مأكل ومشرب ثم ينهض ثلاثة أخرى فينزل على مثل ذلك فإذا استكمل مشي أربعة فراسخ نزل في قصر قد شيد له ودار قد بنيت فيها حمام طيب ينال فيها راحته مع أهله ويصيب لذته مما شاء وكيف شاء ثم يكسر
____________________
(2/333)

فيه يوميا ثم يخرج في اليوم الثاني إلى مثل ذلك قد شايعه في طريقه الوزراء والقواد وأمراء الأجناد والعلماء والفقهاء والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه
إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله بحيث يسمعون كلامه ولا يرون شخصه فلا يشتهي شيئا من معرفة أخبار الأمصار والبلدان إلا وخط فيه كتابا يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الأماكن مسيرة الأيام والليالي فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجو ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الأرض وينقض على وطنه وموضع فراخه فإذا نزل لا يستقر نزوله حتى يؤخذ الكتاب من جناحه فيجاوب بما أحب ثم يسرح غيره فيرتفع في الجو حتى يوازي وطنه وموضعه من بعد تلك الأماكن التي عليها طريق أمير المؤمنين فيؤخذ الجواب منه وقد صار الموكلون بذلك لا يهتمون بغير ما قلدوا ولا يتشاغلون بغير ما حملوا فلم يزل كذلك ماشيا حتى وصل إلى مكة في ثلاثة أشهر فقضى حجه وشهد مناسكه ومشاعره
ثم انصرف قافلا إلى بغداد وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومئة
فلما هم بالإنصراف وذكر القفول إلى العراق رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولي عليهم قاضيا عدلا فأدخلهم على نفسه فقال إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا فخرجوا فاختاروا رجلا فاختلفوا فيه فاختارت طائفة منهم رجلا واختارت أخرى رجلا آخر فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم
فقال لهم هارون أدخلوا علي هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما فإذا برجلين أحدهما شيخ من قريش والآخر غلام حدث من الموالي
فلما نظر إليهما الرشيد قال للشيخ ادن مني فدنا منه فقال له الرشيد أيها القاضي إن بيني وبين وزيري هذا خصومة وتنازعا فاقض بيننا بالحق
فقال الشيخ قصا علي قصتكما فقصا عليه فقال الشيخ تقيم البينة يا أمير المؤمنين على ما ذكرته أو يحلف وزيرك هذا
فقال له هارون إن أخي لا يدافعني ما أقول ولا ينكر إلا قليلا مما أدعي فلم يزالا يرددان القول بينهما ويتنازعان حتى قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير
فقال له قم فقام عنه
ثم دعا بالغلام الحدث الذي دعته الطائفة الأخرى فدخل عليه فقال له ادن مني فدنا منه
فقال له هارون إن بيني وبين وزيري تنازعا وخصومة فاسمع منا قولنا ثم اقض بيننا بالحق
قال لهما إن مقعدكما مختلف ومجلسكما متناء وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول وكان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحجته وأدحض لحجة صاحبه وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر وإليه أميل ولكن تقومان من مجلسكما هذا الذي قد استعليتما فيه فتجلسا
____________________
(2/334)

بين يدي ثم اسمع منكما قولكما وأقضي لمن رأيت الحق له ثم لا أبالي على من دار منكما
فقال الرشيد صدقت وبررت في قولك فقام الرشيد وقام عمرو بن مسعدة حتى صارا بين يديه جالسين
فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم
فقال له القاضي لو تركت هذا يتكلم فإنه أسن منك
فقال الرشيد إن الحق أسن منه
فقال القاضي بلى ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة كبر كبر
يريد ليتكلم عمكما لأنه أسن منكما وأكبر فتكلم عمرو بن مسعدة ثم تكلم الرشيد وتنازعا الخصومة وترافعا الحجة بينهما حتى رأى القاضي أن الحق لعمرو فقضى له به على الرشيد فلما قضى عليه قال لهما عودا إلى مجلسكما فعادا فعجب الرشيد من قضائه وعدله واحتفاظه وقلة ميله فالتفت إلى عمرو فقال إن هذا أحق بقضاء القضاة من الذي استقضيناه
فقال عمرو بلى والله ولكن القوم أحق بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه فدعا الرشيد برجال مكة فأدخلهم على نفسه وأجزل لهم العطاء وأحسن على قاضيهم الثناء
ثم قال لهم هل لكم أن تأذنوا أولية قضاء القضاة فيسير إلى العراق يقضي بينهم فقالوا نعم يا أمير المؤمنين أنت أحق به نؤثرك على أنفسنا فأرسل إليه الرشيد فقال إني قد وليتك قضاء القضاة فسر إلى العراق لتقضي بينهم وتولي القضاة في البلدان والأمصار من تحت يدك وتوليتهم إليك وعزلهم عليك
فقال القاضي إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة وإن يخيرني في نفسي اخترت العافية وجوار هذا البيت الحرام
فقال الرشيد ما ينبغي لي أن أدع المسلمين وفيهم مثلك لا أوليه عليهم فخذ على نفسك فإني مصبح على ظهر إن شاء الله فخرج الرشيد ومعه الفتى حتى قدم العراق فولاه القضاء وجعل إليه قضاء القضاة فلم يزل بها قاضيا حتى توفي وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليته
فلما توفي اغتم الرشيد وشق عليه فجعل الناس يعزونه فيه علما منهم بما بلغ منه الغم عليه
فسأل عن قاضي يوليه قاضي القضاة في العراق بعد ذلك فرفعت إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس وعلمائهم وأشرافهم فلما رفعت إليه التسمية أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا رجلا ليتفرس فيهم من يوليه القضاء فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير والعلم فأمر به فقدم إليه
فلما صار بين يديه قال له ما اسمك قال معشوق قال فما كنيتك قال أبو الهوى قال فما نقش خاتمك قال دام الحب دام وعلى الله التمام
فقال له قم لا قمت
ثم دعا بالآخر وكان قد تفرس فيه ما تفرس في صاحبه فقال له ما نقش خاتمك { فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين } فقال له اخرج فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك وكان ممن رفع إليه أسماءهم فعنفه بهم وقال رفعت إلي أسماء المجانين
قال له والله ما في
____________________
(2/335)

العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سالت ولا أفضل منهما
فقال ويحك إني اختبرت منهما جنونا
قال يحيى إنهما والله كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أرادا التخلص منك
قال ويحك أعدهما علي فطلبا فلم يوجدا ذكر الأعرابي مع هارون الرشيد
قال وذكرا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا فأراد الدخول عليه فلم يمكنه ذلك فلما رأى أنه لم يؤذن له أتى عبد الله بن الفضل الحاجب فقال له توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين وكان الرشيد قد عهد إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد فأعطاه الأعرابي كتابا فيه أربعة أسطر
السطر الأول فيه الضرورة والأمل قاداني إليك
والثاني العدم يمنع من الصبر
والثالث الإنقلاب عنك بلا فائدة شماتة الأعداء
والرابع فإما نعم مثمرة وإما لا مريحة فلما وصل الكتاب إلى الرشيد قال هذا رجل قد ساقته الحاجة ووصلت إليه الفاقة فليدخل فدخل فقال له الرشيد إرفع حاجتك يا أعرابي
فقال الأعرابي إن مع الحاجة حويجات
فقال له الرشيد ارفع حاجتك وحويجاتك تقض كلها قال الأعرابي تأمر لي يا أمير المؤمنين بكلب أصيد به فضحك الرشيد ثم قال له قد أمرنا لك بكلب تصيد به فقال تأمر لي يا أمير المؤمنين بدابة أركبها فقال الرشيد قد أمرنا لك بدابة تركبها
فقال تأمر لي يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة فقال له الرشيد قد أمرنا لك بغلام
قال الأعرابي تأمر لي يا أمير المؤمنين بجارية تطبخ لنا الصيد وتطعمنا منه فقال الرشيد قد أمرنا لك بجاريتين جارية تؤنسك وجارية تخدمك
فقال الأعرابي لا بد لهؤلاء من دار يسكنونها
فقال له الرشيد قد أمرنا لك بدار فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين يصيرون فيها عالة على الناس وعلي كلالة لا يد لهم من ضيعة تقيمهم
فقال له الرشيد قد اقتطعتك مئة جريب عامرة ومئة جريب غامرة فقال الأعرابي ما الغامرة يا أمير المؤمنين قال الرشيد غير معمورة تأمر بعمارتها
فقال الإعرابي أنا أقطعتك ألف ألف جريب من أرض أخوالي بني أسد بالحجاز تأمر معمارتها فضحك الرشيد وقال قد أقطعتكها عامرة كلها
ثم قال الرشيد تمت حويجاجتك كلها يا أعرابي فقال نعم وبقيت حاجتي العظمى فقال له الرشيد ارفعها تقض فقال اقبل رأسك يا أمير المؤمنين فقال له الرشيد هذا لا سبيل إليه فقال الأعرابي أتمنعني حقا هو لي وتدفعني عما بذلت لي أمير المؤمنين فقال الرشيد هذا الأمر لا يكون يا أعرابي ولا سبيل إلى مثل هذا
فقال الأعرابي لا بد من أن أصل إلى حقي إلا أن اغصبه فقال له الرشيد يا أعرابي أشتري منك هذا الحق الذي وجب لك فقال له الأعرابي هذا الحق مما لا
____________________
(2/336)

يشتري وهل في الأرض من المال ما يكون ثمنا لهذا أو عوضا منه لا والذي نفسي بيده ما في الدنيا صفراء ولا بيضاء يشتري بها هذا
فقال الرشيد تبيعه ببعض ما تراه من الثمن فإنه لا يكون ولا يتوصل إليه
فقال له الأعرابي فإذا قد أبيت فأعطني مما أعطاك الله فأمر له بمئة ألف دينار فأتى بها إليه فقال الأعرابي ما هذه فقيل له هذه مئة ألف دينار تأخذها
فقال الأعرابي هي للغرماء علي وهم أولى بها مني فضحك الرشيد ثم أمر له بمئة ألف أخرى
فقال ما هذه فقيل له مئة ألف ثانية والأولى للغرماء وهذه لك
فقال الأعرابي هذه لضعفاء أهلي يصلهم بها أمير المؤمنين فبم أوسع على نفسي فأمر له الرشيد بمئة ألف ثالثة فقيل له هذه مئة ألف ثالثة توسع بها على نفسك في معيشتك أرضيت يا أعرابي فقال نعم رضيت فرضي الله عنك يا أمير المؤمنين وابني فضالة يقرأ السلام عليك ويسألك مئة ألف يستعين بها في نكاحه ويتزين بها في دنياه وإنه قد جمع القرآن وعرف شرائعه وأحكامه وعلم ناسخه ومنسوخه وتفنن في ضروب من العلم وأحكم أنواع الأدب وقد جمع الدواوين والكتب وتبحر في فهم الحديث والأثر قد أخذ من كل علم أهذبه ومن كل ضرب أمحضه إلى لب لبيب وعقل رصين وعلم ثابت ونظر عجيب وفضل ودين يصوم النهار كله ويقوم الليل أكثره وقد صار في كثير من الأهل والعيال وعدد من البنين والصبيان
فقال الرشيد أو لست تذكر يا أعرابي أنه يريد الإستعانة على النكاح والتوسع في المعاش ثم أراك تصفه بكثرة العيال وعدد البنين والصبيان فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين إنه ذو ثلاث نسوة من حرائر النساء وتسعة من سرائر الإماء وهو ذو خمسة من الولد من كل حرة ذو سبع بنات من كل أمة ويبتغي نكاح الرابعة الحرة استتماما لما أمر الله به في التنزيل المحكم وأباح في كتابه الناطق بكلامه الصادق
فقال الرشيد يا أعرابي لقد سألت كثيرا فهلا سألت مئة ألف درهم فتعطاها
قال الأعرابي فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ألف دينار واحطط عنك عشرة آلاف دينار
فقال الرشيد والله لقد سألت كثيرا وحططت قليلا قال الأعرابي إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك وحططت على قدري فاختر ما شئت فقال الرشيد يا أعرابي إنما تريد مغالبتي لا غلبتني اليوم فأمر له بمئة ألف دينار ذهبا
فقال له أمير المؤمنين أرضيت يا أعرابي فقال ما بقي لي شيء يا أمير المؤمنين إلا الحملان والكسوة وطرائف الكوفة وتحف البصرة وجوائز الضيافة وحقها
فقال الرشيد وما يصلح لك من الحملان يا أعرابي فقال اقصد ما يكون دابة للجمال وأخرى للحملان وثلاثة للإسترحال ولا بني مثل ذلك ومن الكسوة ما لا بد منه من ثياب المهنة
____________________
(2/337)

والإستشعار وما لا غنى عنه من الوطاء والدثار مع رائع الثياب التي تكون للجمال والجماعات والأعياد ولا بني وبني ابني مثل ذلك
فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى وقال أرحني من هذا له وأمر بما سأل من الحملان وما أراد به من ثياب المهنة والجمال وأغدق عليه من التحف والطرائف ما ترضيه به وأخرجه عني فخرج جعفر فأمر له بما سأل وأعطاه ما أراد
ثم انصرف الأعرابي راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة لا يوصف أكثرها ولا يعرف أقلها وكل هذا يقل عندما عرف من جود الرشيد وسخائه وجزيل عطائه قتل جعفر بن يحيى بن برمك
قال عمرو بن بحر الجاحظ حدثني سهل بن هارون قال والله إن كان سجاعو الخطب ومحبرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن يحيى ولو كان كلام يتصور درا ويحيله المنطق السري جوهرا لكان كلامهما والمنتقى من لفظهما ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد في بديهته وتوقيعاته في أسافل كتبه عيين وجاهلين أميين ولقد عبرت معهم وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم ولم تكن مقصورة إلا عليهم ولا انقادت إلا لهم وأنهم محض الأنام ولباب الكرام وماعح الأيام عتق منظر وجودة مخبر وجزالة منطق وسهولة لفظ ونزاهة أنفس واكتمال خصال حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور وانبعاث أهل القبور حاشا أنبياء الله المكرمين وأهل وحيه المراسلين لما باهت إلا بهم ولا عولت في الفخر إلا عليهم ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم وكريم أعراقهم وسعة آفاقهم ورفق ميثاقهم ومعسول مذاقهم وسني إشراقهم ونقاوة أعراضهم وطيب أغراضهم واكتمال خلال الخير فيهم إلى ملء الأرض مثلهم في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر وكالخردلة في المهمة القفر
قال سهل إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه وهو مع الرشيد بالرقة وهو يعقدها جملا بكفه إذ غشيته سآمة وأخذته سنة فغلبته عيناه
فقال ويحك يا سهل طرق النوم شفري عيني فأظلمت وأكلت السنة خواطري فما ذاك قلت طيف كريم إن أقصيته أدركك وإن غالبته غلبك وإن قربته روحك وإن منعته عنتك وإن طردته طلبك
فنام أقل من فواق بكية أو نزح ركية ثم انتبه مذعورا فقال يا سهل لأمر ما كان ذهب والله ملكنا وذل عزنا وانقطعت أيام دولتنا
فقلت وما ذاك أصلح الله الوزير قال كان منشدا أنشدني
____________________
(2/338)


( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر )
فأجبته عن غير روية ولا إجالة فكر
( بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ** صروف الليلي والجدود العواثر )
فوالله ما زلت أعرفها فيه وأراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك فإني لفي مقعدي ذلك بين يديه أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه فقد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها إذ وجدت رجلا ساعيا إليه حتى ارتمى مكبا عليه فرفع رأسه وقال مهلا ويحك ما اكتتم خير ولا استتر سر
قال له قتل أمير المؤمنين الساعة جعفرا قال أو فعل قال نعم فما زاد أن رمي بالقلم من يده وقال هكذا تقوم الساعة بغته
قال سهل فلو انكفأت السماء على الأرض ما تبرأ منهم الحميم أو استبعد عن نسبهم القريب وجحد ولاءهم المولى واستعبرت لفقدهم الدنيا فلا لسان يخطر بذكرهم ولا طوف ناظر يشير إليهم وضم يحيى وبقية ولده الفضل ومحمدا وخالدا بنيه وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى والعاصي ويزيد ومعمرا بني الفضل بن يحيى ويحيى وجعفرا وزيدا بني محمد بن يحيى وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمرا بني خالد بن يحيى ومن لف لفهم أو هجس بنفسه أمل فيهم
قال سهل وبعث إلى الرشيد فوالله لقد أعجلت عن النظر فدخلت ولبست ثياب أحزاني وأعظم رغبتي إلى الله الإراحة بالسيف وإلا نعيت كما نعي جعفر فلما دخلت عليه ومثلت بين يديه عرف الذعر في تجريض ريقي والتمايد في طريقي وشخوصي إلى السيف المشهور ببصري
فقال هارون إيها يا سهل من غمط نعمتي واعتدى وصيتي وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي
فوالله ما وجدت جوابها حتى قال ليفرج روعك وليسكن جأشك ولتطب نفسك ولتطمئن حواسك
فإن الحاجة إليك قربت منك وأبقت عليك بما يبسط منقبضك ويطلق معقولك فاقتصر على الإشارة قبل اللسان فأنه الحاكم الفاصل والحسام الناصل وأشار إلى مصرع جعفر وهو يقول
( من لم يؤدبه الجميل ** ففي عقوبته صلاحه )
قال سهل فو الله ما أعلمني أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ فما عولت في شكره والثناء عليه إلا على تقبيل يديه وباطن رجليه
____________________
(2/339)

ثم قال لي اذهب فقد أحللتك محل يحيى بن خالد ووهبتك ما ضمته أبنيته وحوى سرادقه فاقبض الدواوين وأحص جباءه وجباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله
قال سهل فكنت كمن نشر عن كفن وأخرج من حبس فأحصيت جباءهما فوجدت عشرين ألف ألف دينار ثم قفل إلى بغداد راجعا وفرق البرد إلى الأمصار بقبض أموالهم وغلاتهم وأمر بجيفة جعفر فنصبت مفصله على ثلاثة جذوع رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الفرات وبعض جسده في جذع آخر في آخر الجسر الأول وأول الجسر الثاني مما يلي بغداد قال سهل فلما دنونا من بغداد طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر لنا أولا واستقبلنا وجهه واستقبلته الشمس فوالله لخلتها تطلع من بين حاجبيه وأنا عن يمينه وعبد الملك بن الفضل عن يساره
فلما نظر إليه الرشيد كأنه قنيء شعره وطلي بنور بشره واربد وجهه وأغمض بصره قال عبد الملك بن الفضل لقد عظم ذنب لم يسعه عفو أمير المؤمنين
فقال الرشيد واغرورقت عيناه حتى لعرفنا الجهش في صدره من يرد غير مائة يصدر بمثل دائه ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته
علي بالنضاحات
قال سهل فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها وهو يقول أما والله لئن ذهب اثرك لقد بقي خبرك ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك
قال سهل وأمر بضم أموالهم فوجد من العشرين ألفا التي كانت مبلغ جبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك مختومة بتفسيرها وفيمن حبوا بها فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدق يحيى بها وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها وساعات أعطياتها فكان ديوان إنفاق واكتساب فائدة وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وست مئة ألف وستين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلائهم ودورهم ورباعهم ورياشهم والدقيق والجليل من مواعينهم فإنه لا يصف أقله ولا يعرف أكثره إلا من أحصى الأعمال وعرف منتهى الآجال
وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدي فو الله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه وصار من موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه
وكانت أم جعفر بن يحيى فاطمة بنت محمد بن الحسين بن الحسين بن قحطبة بن شبيب قد أرضعت الرشيد مع جعفر وكان ربي في مجرها وغذي برسلها لأن أمه ماتت عن مهده فكان الرشيد يشاورها مظهرا لأكرامها والتبرك برأيها وكان قد
____________________
(2/340)

آلى على نفسه وهو في كفالتها أن لا يحجبها وأن لا تستشفعه لأحد إلا شفعها وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها ولا تشفعت لأحد لغرض دنيا
قال سهل فكم أسير فكت ومبهم عنده فتحت ومستغلق منه فرجت قال واحتجب الرشيد بعد قدومه فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة ومتت بوسائلها إليه فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها مختفية في مشيتها حتى صارت بباب قصر الرشيد فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب فقال ظئر أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد فقال له الرشيد ويحك يا ابن الفضل أو ساعية فقال نعم أصلح الله الأمير حافية فقال أدخلها يا عبد الملك فرب كبد كريم غدتها وكربة فرجتها وعورة سترتها
قال سهل فو الله ما شككت في شيء قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها بحاجتها
فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس فأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثديها ثم أجلسها معه
فقالت يا أمير المؤمنين أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الإخوان يحردك بنا البهتان ويوسوس لك بأذانا الشيطان وقد ربيتك وأخذت برضاعي لك الأمان من دهري
فقال لها وما ذلك يا أم الرشيد قال سهل فآيسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني منه في برة بها أولا
قالت له ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك ولا أرشحه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له وإشفاقه عليه وتعرضه للتحف في شأن موسى أخيه
فقال يا أم الرشيد قدر سبق وقضاء حم وغضب من الله نزل قالت يا أمير المؤمنين يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فقال الرشيد صدقت فهذا مما لا يمحوه الله
فقلت الغيب محجوب عن النبيين فكيف عنك يا أمير المؤمنين فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال
( وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع )
فقالت بغير روية ما أنا ليحي بتميمة يا أمير المؤمنين وقد قيل
( وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ** ذخرا يكون كصالح الأعمال )
هذا بعد قول الله { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } آل عمران 134 فأطرق هارون قليلا ثم قال
( ذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ** إليه بوجه آخر الدهر تقبل )
فقالت يا أمير المؤمنين وهو يقول
____________________
(2/341)


( ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ** يمينك فانظر أي كف تبدل )
قال الرشيد رضيت فقالت يا أمير المؤمنين فهبة لله تعالى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ترك شيئا لله لم يوجده الله ) فأكب الرشيد مليا ثم رفع رأسه وهو يقول لله الأمر من قبل ومن بعد
قالت يا أمير المؤمنين { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } الروم 504
واذكر يا أمير المؤمنين أليتك ما استشفعت إلا شفعتني
قال واذكري يا أم الرشيد أليتك أن لا شفعت لمقترف ذنبا
قال سهل بن هارون فلما رأته صرح بمنعها ولاذ من طلبها أخرجت له حقا من زمردة خضراء فوضعته بين يديه فقال الرشيد ما هذا ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه خفضه وذوائبه وثناياه وقد غمست جميع ذلك في المسك فقالت يا أمير المؤمنين أستشفع إليك وأستعين بالله عليك وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحي عبدك
فأخذ هارون ذلك فلثمه ثم استعبر وبكى بكاء شديدا وبكى أهل المجلس ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ورجوع عنه
فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق وقال لها لحسن ما حفظت الوديعة قالت وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين
فسكت وطبع الحق ودفعه إليها وقال { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } النساء 58 قالت يا أمير المؤمنين وقال عز وجل { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } النساء 58 وقال تعالى { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } النحل 91 فقال لها وما ذاك يا أم الرشيد قالت ما أقسمت لي به يا أمير المؤمنين أن لا يحجبك عني حاجب فقال لها يا أم الرشيد أجب أن تشتريه محكمة فيه قالت أنصفت يا أمير المؤمنين وقد فعلت غير مستقيلة لك ولا راجعة عنك قال بكم قالت برضاك عمن لم يسخطك قال يا أم الرشيد أمامي عليك من الحق مثل الذي لهم قالت بلى يا أمير المؤمنين إنك لأعز علي وهم أحب إلي قال إذا فتحكمي في ثمنه بغيرهم
قالت بلى وقد وهبتكه وجعلتك في حل منه وقامت عنه فبقي الرشيد مبهوتا ما يحير لفظة
قال سهل وخرجت عنه فلم تعد إليه ولا والله إن رأيت عيني لعينها عبرة ولا سمعت أذني لنعيها أنه
قال سهل وكان الأمين رضيع يحيى بن جعفر فمت إليه يحيى بن خالد بذلك فوعده استيهاب أمه إياهم ثم شغله اللهو عنهم فكتب إليه يحيى وقيل إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد
( يا ملاذي وعصمتي وعمادي ** ومجيري من الخطوب الشداد )
____________________
(2/342)


( بك قام الرجاء في كل قلب ** زاد فيه البلاء كل مزاد )
( إنما أنت نعمة أعقبتها ** أنعم نفعها لكل العباد )
( وعد مولاك أتممتة فأبهى الدر ** ما زين حسنه بانعقاد )
( ما أظلت سحائب اليأس إلا ** خلت في كشفها عليك اعتمادي )
( إن تراخت بذاك عني فواقا ** أكلتني الأيام أكل الجراد )
وبعث بها إليه فبعثها الأمين إلى أمه زبيدة فأعطتها الرشيد وهو في موضع لذاته وفي إقبال من أريحيته وتهيأت للإستشفاع لهم وهيأت جواريها ومغنياتها وأمرتهن بالقيام إليه معها
فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته حتى وقع في أسفلها عظيم ذنبك أمات خواطر العفو عنك
ورمى بها إلى زبيدة فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه
قال واعتل يحيى فلما شفى دعا برقعة فكتب في عنوانها ينفذ أمير المؤمنين أبقاه الله عهد مولاه يحيى بن خالد وفيه بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدم الخصم لموضع الفصل وأنت على الأثر والله الحكم العدل
فلما ثقل قال للسجان هذا عهدي توصله إلى أمير المؤمنين فإنه ولي نعمتي وأحق من نفذ وصيتي فلما مات أوصل السجان عهد يحيى إلى الرشيد
فلما قرأه استمد فكتب ولا أدري لمن الرقعة
فقلت يا أمير المؤمنين ألا أكفيك قال فلا إني أخاف عادة الراحة أن يقوى سلطان العجزة فيحكم الغفلة ويقضي بالبلادة
قال سهل فوقع فيها الحكم الذي رضيت به في الآخرة لك هو أعدى الخصوم عليك في الدنيا وهو من لا ينقض حكمه ولا يرد قضاؤه ثم رمى الكتاب إلي فلما رأيته علمت أنه ليحيى وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه
قال سهل قلت لبعض من أثق بوفائه وأعتقد صدق إخائه من خصيان القصير المتقدمين عند أمير المؤمنين والمتمكنين من كل ما يكون لديه
ما الذي نعي جعفر بن يحيى وذويه عند أمير المؤمنين وما كان من ذنبه الذي لم يسعه عفوه ولم يأت عليه رضاه فقال لم يكن له جرم ولا لديه ذنب كان والله جعفر على ما عرفته عليه وفهمته عنه من اكتمال خصال الخير ونزاهة النفس من كل مكروه ومحذور إلا أن القضاء السابق والقدر النافذ لا بد منه
كان من أكرم الخلق على أمير المؤمنين وأقربهم منه وكان أعظمهم قدرا وأوجبهم حقا فلما علم ذلك من حسن رأي أمير المؤمنين فيه وشديد محبته له استأذنته أخته فاختة بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته فأذن لها وكانت قد استعدت له بالجواري الرائعات والقينات
____________________
(2/343)

الفاتنات فتهدي له كل جمعة بكرا يفتضها إلى ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة وأنواع الكسوة والطيب كل ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه فاستمرت بذلك زمانا ومضت به أعواما
فلما كانت جمعة من الجمع دخل جعفر القصر الذي استعدت به ولم يرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدي في القصر كأنها جارية من الجواري اللاتي كن يهدين له فأصاب منها لذته وقضى منها حاجته ولا علم له بذلك
فلما كان المساء وهم بالإنصراف أعلمته بنفسها وعرفته بأمرها وأطلعته على شديد هواها وإفراط محبتها له فازداد بها كلفا وبها حبا ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك وانقبض عما كان يناله من جواريها واعتذر بالعلة والمرض فأعلم جعفر أباه يحيى
فقال له يا بني أعلم أمير المؤمنين ما كان معجلا وإلا فأذن لي فأعلمه فإني أخاف علينا يوم سوء إن تأخر هذا وبلغه من غيرنا وإعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب فهي أحق بالعقوبة منك قال جعفر لا والله لا أعلمته به أبدا فالموت علي أيسر منه وأرجو الله أن لا يطلعه عليه فقال له يحيى لا تظن هذا يخفى عليه فأطعني اليوم وأعلمه
فقال جعفر والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم به وبالله أستعين فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة وأعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها واعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه فغفل عنه الرشيد ولم ير لذلك جفوة ولا زاد له إلا كرامة ولا لديه إلا حرمة ورفعة حتى قرب وقت الهلاك ودنا منقلب الحتف والله أعلم
قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا وكمل وصف ما قصصنا من أيام خلفائنا وخير أئمتنا وفتن زمانهم وحروب أيامهم وانتهينا إلى أيام الرشيد ووقفنا عند انقضاء دولته إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده ونقل حديث ما دار على أيديهم وما كان في زمانهم كبير منفعة ولا عظيم فائدة وذلك لما انقضى أمرهم وصار ملكهم إلى صبية أغمار غلب عليهم زنادقة العراق فصرفوهم إلى كل جنون وأدخلوهم إلى الكفر فلم يكن لهم بالعلماء والسنن حاجة واشتغلوا بلهوهم واستغنوا برأيهم
وكان الرشيد مع عظم ملكة وقدر شأنه معظما للخير وأهله محبا لله ورسوله ولما دخلت عليه سنة تسعين ومئة أخذته الحمى التي أخبر بها جده أبو جعفر المنصور وهو في المهد صغيرا فعرف أنه قد دنا أجله وحان هلاكه فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه ثم استعان بأطباء الروم والهند واستجلبهم من الآفاق فلم يزالوا يداوونه حتى مضت له ثلاثة أعوام وما أقلعت عنه ولم يزده العلاج إلا شدة
____________________
(2/344)


فلما دخلت سنة أربع وتسعين ومئة أثرت به وأنهكت بدنه واشتد ألمه وتمادى به وجعه فذكر البيعة لابنه المأمون
فلما سمعت بذلك زبيدة وكان ابنها منه محمد الأمين هجرته وتغاضت عنه وأكربها ذلك وغمها حتى ظهر ذلك عليها وبدا أثر الغم في وجهها ودخلت عليها تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة وتؤاخذه أعنف المؤاخذة
فقال لها الرشيد ويحك إنما هي أمه محمد ورعاية من استرعاني الله تعالى مطوقا بعنقي وقد عرفت ما بين ابني و ابنك ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة ولا يصلح للرعاية قالت ابني والله خير من ابنك وأصلح لما تريد ليس بكبير سفيه ولا صغير فهيه وأسخى من ابنك نفسا وأشجع قلبا
فقال هارون ويحك إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الأبوين فاتقي الله فوالله إن ابنك لأحب إلي إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا ولها مستحقا ونحن مسؤولون عن هذا الخلق ومأخوذون بهذا الأنام فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم وننقلب إليه بإثمها فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك فقعدت معه على الفراش فدعا ابنه عبد الله المأمون فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة فأذن له بالجلوس فجلس وأمر له فتكلم فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه ورغب إليه في تعجيل الفرج مما به ثم استأذن في الدنو من أبيه فدنا منه وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل باطن راحتيه
ثم انثتى ساعيا إلى زبيدة فأقبل على تقبيل رأسها ومواضع ثدييها ثم انحى إلى قدميها ثم رجع إلى مجلسه
فقال الرشيد يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة وأقعدك مقعد الخلافة فإني قد رأيتك لها أهلا وبها حقيقا فاستعبر عبد الله المأمون باكيا وصاح منتحبا يسأل الله العافية من ذلك ويرغب إليه أن الا يريه فقد أبيه
فقال له يا بني إني أراني لما بي وأنت أحق وسلم الأمر لله وارض به واسأله العون عليه فلا بد من عهد يكون في يومي هذا
فقال عبد الله المأمون يا أبتاه أخي أحق مني وابن سيدتي ولا أخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني ثم أذن له فقام خارجا
ثم دعا هارون بابنه محمد فأقبل يجر ذيله ويتبختر في مشيته فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام وذهل عن الكلام نخوة وتجبرا وتعظما وإعجابا فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش
فقال هارون ما تقول أي بني فإني أريد أن أعهد إليك فقال يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني وأنا أسن ولدك وابن قرة عينك
فقال هارون اخرج يا بني ثم قال لزبيدة كيف رأيت ما بين ابني وابنك فقالت ابنك أحق بما تريد فكتب عهد عبد الله المأمون ثم محمد الأمين بعده
____________________
(2/345)


فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة توفي الرشيد رحمه الله وعبد الله المأمون خارج عن العراق وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشيء بلغه عنهم فلظ بمحمد الأمين قوم من شرار أهل العراق
فقيل له معك الأموال والرجال والقصور فادفع في نحر أخيك المأمون فإنك أحق بهذا الأمر منه وأعانته على ذلك أمه زبيدة فقدم أخوه عبد الله من بغداد ومعه الجيوش قد أخذ بيعتهم فنهض إليه الأمين قاصدا ومعه الجيوش فلم يرجع ولم يمانع ولم يختلف عليه أحد ثم إنه غدر بأخيه الأمين لما بلغه عنه
فنهض المأمون إلى القصر فدخله فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه وأشار إلى أمه لما أعانته عليه فهرب محمد من الحبس فبعث المأمون في طلبه فأخذ وقتل والله تعالى أعلم
وإلى هنا تم الجزء الثاني من الإمامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد كمل كله نسأل الله تعالى النفع به والتوفيق إلى إتمام مثله إنه سميع الدعاء وهو نعم المولى ونعم النصير وكان الفراغ من طبعه في الخامس من شعبان سنة 1378 هـالموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م
____________________
(2/346)