Advertisement

الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبي بكر الصديق 002



الكتاب: الانشراحُ وَرَفعُ الضِّيق في سِيرة أبي بَكْر الصِّديق شخصيته وَعَصره
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة - مصر
عام النشر: 1423 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] القلوب بقدر ما أضاء انتصار المسلمين غيابات النفوس، وقوى من إيمانهم، وغرس الثقة
في أعماقهم (1).

سابعًا: خدعة مجاعة وزواج خالد من ابنته ورسائل بينه وبين الصديق:
أ- خدعة مجاعة:
بعد انتصار جيش المسلمين في حديقة الموت، بعث خالد - رضي الله عنه - الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي، ثم عزم على غزو الحصون، ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالاً مقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كلوا من كثرة الحروب والقتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقوني على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رؤوس الناس فظنهم كما قال مجاعة، فانتظر الصلح ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى الحق، وردَّ عليهم خالد بعض ما كان من السبي وساق الباقين إلى الصديق، وقد تسرى علي بن أبي طالب بجارية منهم وهي أم ابنه محمد الذي يقال له: محمد ابن الحنفية (2).
وكانت وقعة اليمامة في سنة إحدى وعشرة، وقال الواقدي وآخرون: كانت في سنة
ثنتي عشرة، والجمع بينهما أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة والفراغ منها في سنة
ثنتي عشرة (3).

ب- زواجه بابنة مجاعة والرسائل بينه وبين الصديق:
طلب خالد بن الوليد من مجاعة بعدما تم الصلح أن يزوجه بابنته، فقال له مجاعة: مهلاً، إنك قاطع ظهرك وظهري معك عند صاحبك. فقال خالد: أيها الرجل زوجني ابنتك، فزوجه مجاعة ابنته (4).
وكان الصديق قد أرسل سلمة بن وقش إلى خالد إن أظفره الله أن يقتل من جرت
_________
(1) الصديق أول الخلفاء: ص 117.
(2) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية، خلافة أبي بكر: ص 115.
(3) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية، خلافة أبي بكر: ص 115.
(4) الصديق أول الخلفاء: ص 110.
(1/278)

عليه الموسى (1) من بني حنيفة، فوجده قد صالحهم وأتم خالد عقده معهم ووفى لهم (2).
وكان الصديق يستروح الخبر من اليمامة، وينتظر رسول خالد، فخرج يومًا بالعشي ومعه نفر من المهاجرين والأنصار إلى ظهر الحرة فلقي أبا خيثمة النجاري قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ما وراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير يا خليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة وهذا كتاب خالد، فسجد الصديق شكرًا لله، وقال: أخبرني عن الوقعة كيف كانت؟ فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد وكيف صف أصحابه ومن استشهد من الصحابة، وقال أبو خيثمة: يا خليفة رسول الله: أتينا من قبل الأعراب، انهزموا بنا وعودونا ما لم نكن نحسن (3).
ولما علم الصديق بزواج خالد كتب إليه: يا ابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك عن قومه وقد أمكن الله منهم. (4) وإزاء هذا التعنيف الذي وصل إلى خالد من الخليفة بسبب مصالحته لمجاعة وزواجه بابنته بعث خالد إليه كتابًا جوابيًا مع أبي برزة الأسلمي يدافع فيه عن موقفه دفاعًا يتسم بوضوح الحجة وقوة المنطق (5)، يقول فيه: أما بعد، فلعمري ما تزوجت النساء حتى تم لي السرور وقرت بي الدار, وما تزوجت إلا إلى أمري لو عملت إليه من المدينة خاطبًا لم أبل، دع أني استثرت خطبتي إليه من تحت قدمي، فإن كنت قد كرهت لي ذلك لدين أو لدنيا أعتبتك، وأما حسن عزائي عن قتلى المسلمين فو الله لو كان الحزن يبقى حيًّا أو يرد ميتًا لأبقي حزني الحي ورد الميت، ولقد اقتحمت حتى أيست من الحياة وأيقنت بالموت، وأما خديعة مجاعة إياي عن رأيي فإني لم أخطئ رأيي يومي ولم يكن لي علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرًا: أورثهم الأرض والعاقبة للمتقين. (6)
فلما قدم الكتاب على أبي بكر - رضي الله عنه - رق بعض الرقة وقام رهط من قريش فيهم أبو برزة الأسلمي فعذروا خالدًا وقال أبو برزة:
_________
(1) أي: بلغ الحلم.
(2) الكامل: 2/ 38.
(3) حروب الردة، شوقي أبو خليل: ص 97.
(4) حروب الردة: ص 97، نقلا عن الاكتفاء: 2/ 14.
(5) حركة الردة للعتوم: ص 233.
(6) حروب الردة، شوقي أبو خليل: ص 98، نقلا عن الاكتفاء: 2/ 15.
(1/279)

يا خليفة رسول الله ما يوصف خالد بجبن ولا خيانة، ولقد أقحم في طلب الشهادة حتى أعذر وصبر حتى ظفر، وما صالح القوم إلا على رضاه، وما أخطأ رأيه بصلح القوم إذ هو لا يرى النساء في الحصون إلا رجالاً. فقال أبو بكر: صدقت لكلامك، هذا أولي بعذر خالد من كتابه إلي. (1)
ونلحظ في رسالة خالد إلى أبي بكر بعض النقاط التي دافع بها عن نفسه والتي تمثلت بما يلي:
1 - إنه لم يتزوج إلا بعد أن كسب النصر واطمأن به المقام.
2 - إنه أصهر إلى رجل من زعماء قومه وأشرافهم.
3 - إنه لم يتكلف أدنى مشقة في هذا الإصهار.
4 - إن هذا الزواج ليس فيه مخالفة دينية أو دنيوية.
5 - إن الامتناع بسبب الحزن على قتلى المسلمين تصرف غير مجد؛ لأن الحزن لا يُبْقي حيًا ولا يرد ميتًا.
6 - إنه لم يكن يقدم على الجهاد أي أمر آخر، ولقد أبلى فيه بلاء لم يعد -بسببه- بينه وبين الموت أي حاجز.
7 - إنه في مصالحته لمجاعة لم يأل جهدًا في تحقيق الخير للمسلمين، وإذا كان مجاعة لم ينقل له الصورة عن قومه على حقيقتها، فعذره أنه إنسان لا يدري من أمر الغيب شيئًا، وعلى ذلك فالعاقبة كانت في صالح المسلمين؛ إذ استولوا على أرض بني حنيفة ومن ثم فاءت بقيتهم إلى الإسلام دون قتال. وعلى هذا فإن الزواج ببنت مجاعة كان أمرًا طبيعيًا لا على خالد فيه بأس، وليس صحيحًا أنه كان ناشئا عن إعجابه بمجاعة لغيرته على قومه، ولذا: أحب أن يصهر إليه ويوثق الصلة بينه وبينه, وطاب له أن يعزز صلة الدين بصلة البيت والنسب (2) كما يقول العقاد ذلك؛ لأن خالدًا لم يكن ليقدم على رابطة الدين أو يجمع إليها في التعامل مع الناس
رابطة أخرى (3).
أما أسلوب الدكتور محمد حسين هيكل في الاعتذار لخالد فإنه مرفوض؛ لأنه
_________
(1) حروب الردة: ص 98.
(2) عبقرية خالد «العبقريات الإسلامية»: ص 92.
(3) حركة الردة للعتوم: ص 235.
(1/280)

يتنافى مع أحكام الإسلام، فقد قال هيكل: ومن تكون بنت مجاعة في أعياد النصر التي يجب أن تقام لخالد؟! إنها لن تزيد على قربان يطرح على قدمي هذا العبقري الفاتح الذي روى أرض اليمامة بالدماء لعلها تطهر من رجسها (1).
فهذه الكلمات تصور خالدًا الصحابي الكريم وكأنه أخيل أو هكتور أو أغاممنون من قادة حرب طروادة الوثنيين، الذين لا يحارب الواحد منهم إلا إذا أشير إليه بالبنان أو أمطر بالقبلات والتوسلات؛ لأنه لا يحارب إلا للزعامة والوجاهة، أو كأنه أحد أصنام العرب الذين تسفح على جنباتهم دماء القرابين تقربًا وتذللاً، أو كأنه إله النيل الذي كان يعتقد المصريون أنه لن يفيض عليهم بالخير إلا إذا قذفوا في بحره أجمل بنات مصر، فحاشا أبا سليمان ثم حاشاه من قبل ومن بعد من مثل هذه الروح وتلك النفسية، فخالد مؤمن موحد لا يحارب إلا لإعلاء كلمة الله لا يبغي عليها جزاء ولا شكورًا من أحد من خلق الله، ومرفوض أيضا ما ذهب إليه الجنرال أكرم في تعليله لما وقع فيه خالد من ملامات من جراء قصص زواجه في حروب الردة، إذ يعيدها إلى لياقته البدنية: التي سببت له كثيرًا من المشاكل بين حسناوات شبه الجزيرة العربية (2) على حد زعمه، وكأن خالد تحول إلى زير نساء أو (دون جوان)، وهو الذي لم يكن يهوي شيئًا هواه الجهاد في سبيل الله، ولكنها التوجيهات الباطلة التي تفسر الأمور بعيدًا عن طبيعة الظروف ومعطيات المبادئ وشواهد الأخبار. (3)
إن خالدًا - رضي الله عنه - كان يقاتل عن دين، ويحتسب الأجر عند الله تعالى، وكان يقتحم المعامع بنفسه، وقد وصف بأنه له أناة القطة ووثوب الأسد (4)، وما كان يومًا بالذي يؤثر نفسه عن جنده؛ بل كانوا يجدونه أمامهم في كل معترك؛ ففي معركة بزاخة: ضرَّس في القتال فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله! فإنك أمير القوم ولا ينبغي لك أن تقدم، فيقول: والله إني لأعرف ما تقولون، ولكن ما رأيتني أصبر وأخاف هزيمة المسلمين (5).
_________
(1) الصديق أبو بكر: ص 157.
(2) سيف الله خالد بن الوليد، ترجمة العميد الركن صبحي الجابي: ص 20.
(3) حركة الردة للعتوم: ص 236.
(4) تاريخ اليعقوبي: 2/ 108.
(5) خالد بن الوليد، صادق عرجون: ص 744.
(1/281)

وفي معركة اليمامة لما اشتد القتال ولم يزد بني حنيفة ما قتل منهم إلا عنفًا وضراوة، برز حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى المبارزة ونادى الناس بشعارهم يومئذ وكان: يا محمداه، فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ولا شيء إلا أكله (1)، فقد كان يرغب في النصر ويتحرى الشهادة، ولنترك لخالد يصف لنا جولة من المصارعة بينه وبين أحد جنود مسيلمة داخل حديقة الموت قال: ولقد رأيتني في الحديقة وعانقني رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر في سيفي وجعل يجؤني بمعول في سيفه، فجرحني سبع جراحات، وقد جرحته جرحًا أثبته به فاسترخى في يدي وما بي حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقني بالأجل فالحمد لله على ذلك. (2) وقد شهد خالد لبني حنيفة على قوتهم وشدة بأسهم فقال: شهدت عشرين زحفًا فلم أر قومًا أصبر لوقع السيوف ولا أضرب بها ولا أثبت أقدامًا من بني جنيفة يوم اليمامة ... وما بي حركة من الجراح، ولقد أقحمت حتى أيست من الحياة وتيقنت الموت (3).

ثامنًا: محاولة قتل خالد بن الوليد وقدوم وفد بني حنيفة للصديق - رضي الله عنه -:
1 - محاولة قتل خالد بن الوليد:
على الرغم من وضوح باطل الجاهلية وزيفه فإنها لا تتخلى عنه بسهولة لأنه به ديمومة حياتها، ولذا ما إن تواجه بالحقيقة حتى تأخذ في الدفاع عن نفسها بشراسة ولا تلقي سيف القتال من يدها إلا بعد أن يسقط بالقوة (4)، وبعد ذلك تحاول الغدر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ فهذا سلمة بن عمير الحنفي يدلل بفعله على صحة ما ذهبت إليه، فقد حاول اغتيال خالد بن الوليد بعد الصلح الذي أجراه خالد مع بني حنيفة بشكل عام، إلا أنه من حقده الناقع للمسلمين فقد دبر خطة اغتيال خالد بن الوليد كجزء من سياسته في رفض التصالح معهم، ولما قبض عليه أول مرة وعاهد بني حنيفة ألا يعود مثلها نكث بعده، إذ أفلت ليلاً من وثاقه الذي أوثقوه به مخافة غدره، فعمد إلى عسكر خالد فصاح به الحرس وفزعت بنو حنيفة فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط
_________
(1) البداية والنهاية: 6/ 329.
(2) خالد بن الوليد، صادق عرجون: ص 180.
(3) خالد بن الوليد، صادق عرجون: ص 180.
(4) حركة الردة للعتوم: ص 292.
(1/282)

«الحدائق»، فشد عليهم بالسيف فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلقة فقطع أوداجه «عروق رقبته»، فسقط في بئر فمات (1)، فهذا مثال على عناد الجاهلية في الدفاع عن باطلها (2).

2 - قدوم وفد بني حنيفة على الصديق:
ولما قدمت وفود بني حنيفة على الصديق قال لهم: أسمعونا شيئًا من قرآن مسيلمة فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا بد من ذلك، فقالوا: كان يقول: يا ضفدع بنت الضفدعين، نقي لكم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذَنَبك في الطين. وكان يقول: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا. ويقول: لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه والمعتر فآووه، والناعي فواسوه. (3) وذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون، فيقال: إن الصديق قال لهم: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ إن هذا الكلام لم يخرج من إل (4) ولا بر.
وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبلغه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية، وفي أخرى فصار ماؤه أجاجًا وتوضأ فسقي بوضوئه نخلاً فيبست وهلكت، وأتى بولدان يبرك عليهم، فجعل يمسح رؤوسهم فمنهم من قرع رأسه ومنهم من لثغ لسانه، ويقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمي. (5)

تاسعًا: جمع القرآن الكريم:
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفاظ القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر - رضي الله عنه - بمشورة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بجمع القرآن
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 117، 118.
(2) حركة الردة للعتوم: ص 292 - 295.
(3) عند الطبري: والباغي فناوئوه، تاريخ الطبري: 4/ 102 - 104.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 118، (إل) من إله (البداية والنهاية: 6/ 331).
(5) البداية والنهاية: 6/ 331.
(1/283)

حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال. (1) وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -، يروي زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيقول: بعث إليَّ أبو بكر - رضي الله عنه - لمقتل أهل اليمامة (2)، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر (3) يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن (4) كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (5)؟! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك (6)، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتتبع القرآن فاجمعه. (7) قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب (8)، واللخاف (9)،
وصدور الرجال والرقاع (10) والأكتاف (11) قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، حتى خاتمة براءة، وكانت الصحف عند
أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم (12).
_________
(1) حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، أحمد سعيد: ص 145.
(2) يعني: واقعة يوم اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وأعوانه.
(3) استحر: كثر واشتد.
(4) أي: في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار.
(5) يحتمل أن يكون - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألهم الله الخلفاء الراشدين بذلك. «سيرة وحياة الصديق: ص 120».
(6) هذه الصفات جعلت زيدًا يتقدم على غيره في هذا العمل.
(7) أي: من الأشياء التي عندي وعند غيرك.
(8) العسب: هو جريد النخل.
(9) اللخاف: جمع لخفة: وهي صفائح الحجارة ..
(10) الرقاع: جمع رقعة وهي قطع الجلود.
(11) الأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة.
(12) البخاري رقم: 4986.
(1/284)

وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح؛ فالصحابة -رضي الله عنهم- جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه شيئًا، والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث، وهو أنه كان مفرقًا في العسب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا شيئًا أو أخروا، أو وضعوا له ترتيبًا لم يأخذوه من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلقي أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا. (1)
وهكذا يتضح للقارئ الكريم أن من أوليات أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أنه أول من جمع القرآن الكريم. يقول صعصعة بن صوحان -رحمه الله-: أول من جمع بين اللوحين وورث الكلالة (2) أبو بكر (3).
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: يرحم الله أبا بكر، هو أول من جمع بين اللوحين (4).
وقد اختار أبو بكر - رضي الله عنه - زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة، وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها، وهي:
1 - كونه شابًا؛ حيث كان عمره 21 سنة فيكون أنشط لما يطلب منه.
2 - كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له؛ إذ من وهبه الله عقلاً راجحًا فقد يسر له سبيل الخير.
3 - كونه ثقة فليس هو موضعًا للتهمة، فيكون عمله مقبولاً وتركن إليه النفس ويطمئن إليه القلب.
_________
(1) شرح السنة: 4/ 522، للبغوي.
(2) الكلالة في رأي أبي بكر الصديق: من لا ولد له ولا والد، فقال - رضي الله عنه -: رأيت في الكلالة رأيًا، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن قِبَلي والشيطان، الكلالة ما عدا الولد والوالد، أي: هم الأخوة. انظر: موسوعة فقه أبي بكر الصديق: ص 36.
(3) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة: 7/ 196.
(4) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة: 7/ 196.
(1/285)

4 - كونه كاتبا للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر وممارسة عملية له، فليس غريبا عن هذا العمل ولا دخيلاً عليه (1).
هذه الصفات الجليلة جعلت الصديق يرشح زيدًا لجمع القرآن، فكان به جديرًا وبالقيام به خبيرًا.
5 - ويضاف لذلك أنه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك - رضي الله عنه -: من جمع القرآن على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. (2)
وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لا يثبت شيئًا من القرآن إلا إذا كان مكتوبا بين يدي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومحفوظًا من الصحابة، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضا لم يقبل من أحد شيئًا جاء به إلا إذا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن. (3) وعلى هذا المنهج استمر زيد - رضي الله عنه - في جمع القرآن حذرًا متثبتًا مبالغًا في الدقة والتحري.
كما كان زيد في طليعة من وحد المصاحف في زمن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - (4)، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
* * *
_________
(1) التفوق والنجابة على نهج الصحابة: حمد العجمي: ص 73.
(2) سير أعلام النبلاء: 2/ 431.
(3) التفوق والنجابة على نهج الصحابة: ص 74.
(4) التفوق والنجابة على نهج الصحابة: ص 74.
(1/286)

المبحث الخامس
أهم الدروس والعبر والفوائد من حروب الردة
أولاً: تحقيق شروط التمكين وأسبابه وآثار شرع الله وصفات المجاهدين:
1 - تحقيق شروط التمكين:
إن الاستخلاف في الأرض والتمكين لدين الله وإبدال الخوف أمنًا، وعد من الله تعالى متى حقق المسلمون شروطه، ولقد أشار القرآن الكريم بكل وضوح إلى شروط التمكين ولوازم الاستمرار فيه، قال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 55، 56]، ولقد أشارت الآيات الكريمة إلى شروط التمكين وهي: الإيمان بكل معانيه وبجميع أركانه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه، والحرص على كل أنواع الخير وصنوف البر، وتحقيق العبودية الشاملة، ومحاربة الشرك بكل أشكاله وأنواعه وخفاياه.
وأما لوازم التمكين فهي: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1)، وقد تحققت هذه الشروط واللوازم كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده، وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط، ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم، وأصر على بعث جيش أسامة، والتزم بالشرع كاملاً، ولم يتنازل عن صغيرة ولا كبيرة، قال عبد الله بن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقامًا كدنا نهلك فيه لولا أن مَنَّ علينا بأبي بكر؛ أجمعنا على أن لا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون وأن نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله بأبي بكر على قتالهم، فوالله ما رضي منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية (2).
_________
(1) فقه التمكين في القرآن الكريم للصلابي: ص 157.
(2) الكامل في التاريخ: 2/ 21.
(1/287)

2 - الأخذ بأسباب التمكين:
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 6]، وقد لاحظت أن الصديق - رضي الله عنه - كان إعداده شاملاً؛ معنويًا وماديًا، فجيَّش الجيوش وعقد الألوية واختار القادة لحروب الردة، وراسل المرتدين، وحرض الصحابة على قتالهم وجمع السلاح والخيل والإبل وجهز الغزاة، وحارب البدع والجهل والهوى، وحكّم الشريعة وأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع، وأخذ بمبدأ التفرغ، وساهم في إحياء مبدأ التخصص؛ فخالد لقيادة الجيوش، وزيد بن ثابت لجمع القرآن، وأبو برزة الأسلمي للمراسلات الحربية وهكذا، واهتم بالجانب الأمني والإعلامي وغير ذلك من الأسباب.

3 - آثار تحكيم الشرع:
تظهر آثار تحكيم شرع الله في عصر الصديق في تمكين الله للصحابة، فقد حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسهم وأهليهم، وأخلصوا لله في تحاكمهم إلى شرعه، فالله -سبحانه وتعالى- قواهم وشد أزرهم ونصرهم على المرتدين، ورزقهم الأمن والاستقرار، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، وتحققت فيهم سنة الله في نصرته لمن ينصره؛ لأن الله ضمن لمن استقام على شرعه أن ينصره على أعدائه بعزته وقوته، قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 40، 41].
وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت مجموعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف ... » (1). وقد انتشرت الفضائل وانحسرت الرذائل في
عهد الصديق - رضي الله عنه -.

4 - صفات جيل التمكين:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
_________
(1) في ظلال القرآن: 4/ 270.
(1/288)

وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين، فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى الميزات (1)، فهذه الصفات:
أ- {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ":
مذهب السلف في المحبة المسندة له سبحانه وتعالى أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها. (2) لقد أحب المولى -عز وجل- ذلك الجيل لما بذلوه من أجل دينهم، وبما تطوعوا به بما لم يفرض عليهم فرضًا تقربًا إلى الله وحبًا لرسوله واتخاذهم المندوبات والمستحبات كأنها فروض واجبة التنفيذ (3)، ولقد اتصف هذا الجيل بصفات الإحسان والتقوى والصبر التي ذكر المولى -عز وجل- بأنه يحبها، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 76]، وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]، ولقد أحب الصحابة المولى -عز وجل- حبًّا عظيمًا فقدموا محابه على كل شيء، وبغضوا ما أبغضه، ووالوا ما والاه وعادوا من عاداه، واتبعوا رسوله واقتفوا أثره. لقد أحب الصحابة ربهم وخالقهم ورازقهم؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وأي إحسان كإحسان من خلق فقدر، وشرع فيسر، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، ووعد من أطاعه بجنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لهذا كله ولأكثر منه أحب ذلك الجيل ربهم حبًّا لا مثيل له، فقدموا أنفسهم وأهليهم وأموالهم في سبيل الله بلا تردد أو منَّة، بل اعتبروا ذلك تفضلاً من الله عليهم، أن فتح لهم باب الجهاد والاستشهاد في سبيله ويسر لهم أسبابه، فقاموا بذلك الواجب خير قيام (4).
_________
(1) عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام: 2/ 534.
(2) تفسير القاسمي: 6/ 253.
(3) كيف نكتب التاريخ الإسلامي، لمحمد قطب: ص 90.
(4) الإيمان وأثره في الحياة للقرضاوي: ص 5 - 12.
(1/289)

ب- قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ":
فهذه صفات المؤمنين الكمل؛ أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه. (1) ولذلك قام الصديق وجنوده الكرام بمناصرة المسلمين وخرج بنفسه يقاتل المرتدين، وسير أحد عشر لواء لرفع الظلم عن المؤمنين وكسر شوكة المرتدين، ولم يقبل من المرتدين الذين عذبوا المستضعفين من مواطنيهم المسلمين إلا أن يأخذ بحقهم منهم فيفعل بهم كما فعلوا بهم، وكذلك فعل قادة جيوشه، وكان - رضي الله عنه - حريصا على مراعاة أحوال الرعية في المجتمع، فقد مر بنا كيف كان يعامل الجواري والعجائز وكبار السن - رضي الله عنه -، لقد سادت هذه الصفات في عصر الصديق وتجسدت في حياة الناس.
ج- {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ":
وقد ظهرت صفة المجاهدة لأعداء الله في عصر الصديق في حربهم للمرتدين وكسرهم لشوكتهم، ومن بعد في الفتوحات الإسلامية التي سيأتي تفصيلها بإذن الله تعالى، ولقد جاهد الصحابة أعداءهم من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا, وتحقيق عبادة الله وحده، وإقامة حكم الله ونظام الإسلام في الأرض، ودفع عدوان المرتدين، ومنع الظلم بين الناس، وبالجهاد في سبيل الله تحقق إعزاز المسلمين وإذلال المرتدين، ورجع الناس إلى دين الله، واستطاعت القيادة الإسلامية بزعامة الصديق - رضي الله عنه - أن تجعل من الجزيرة العربية قاعدة للانطلاق لفتح العالم أجمع، وأصبحت الجزيرة هي النبع الصافي الذي يتدفق منه الإسلام ليصل إلى أصقاع الأرض، بواسطة رجال عركتهم الحياة وأصبحوا من أهل الخبرات
المتعددة في مجالات التربية والتعليم والجهاد وإقامة شرع الله الشامل لإسعاد بني الإنسان حيثما كان (2).
لقد كان الجهاد الذي خاضه الصحابة في حروب الردة إعداد ربانيًا للفتوحات الإسلامية، حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات، وتفجرت الطاقات، واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات الجندية الصادقة المطيعة المنضبطة الواعية التي تقاتل وهي تعلم على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء
_________
(1) تفسير القاسمي: 6/ 255.
(2) فقه التمكين في القرآن الكريم: ص 491.
(1/290)

وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل، ولذا كان الأداء فائقا والتفاني عظيمًا (1).
لقد توحدت شبه الجزيرة العربية بفضل الله ثم جهاد الصحابة مع الصديق تحت راية الإسلام لأول مرة في تاريخها بزوال الرؤوس أو انتظامها ضمن المد الإسلامي، وبسطت عاصمة الإسلام (المدينة) هيمنتها على ربوع الجزيرة، وأصبحت الأمة تسير بمبدأ واحد وبفكرة واحدة، فكان الانتصار انتصارًا للدعوة الإسلامية ولوحدة الأمة بتضامنها وتغلبها على عوامل التفكك والعصبية، كما كنت برهانا على أن الدولة الإسلامية بقيادة الصديق قادرة على التغلب على أعنف الأزمات (2).
وهكذا كان الصحابة يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة أحد واعتراضه ونقده؛ لصلابتهم في دينهم ولأنهم يعملون لإحقاق الحق وإبطال الباطل (3).
د- {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ":
الإشارة إلى ما ذكر من حب الله إياهم وحبهم لله وذلتهم للمؤمنين وعزتهم على الكافرين، وجهادهم في سبيل الله وعدم مبالاتهم للوم اللوام، فالمذكور كله فضل الله الذي فضل به أولياءه، يؤتيه من يشاء؛ أي: ممن يريد به مزيد إكرام من سعة جوده، والله واسع كثير الفواضل جل جلاله (4)، عليم بمن هو أهلها، فهو تعالى واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرم منه (5).

ثانيًا: وصف المجتمع في عصر الصديق:
حين ندرس المجتمع المسلم في صدر الخلافة الراشدة تتضح لنا مجموعة من السمات منها:
1 - أنه -في عمومه- مجتمع مسلم بكامل معنى الإسلام، عميق الإيمان بالله واليوم الآخر، مطبق لتعاليم الإسلام بجدية واضحة والتزام ظاهر، وبأقل قدر من المعاصي وقع في أي مجتمع في التاريخ، فالدين بالنسبة له هو الحياة وليس شيئًا هامشيًا يفئ
_________
(1) تاريخ صدر الإسلام للشجاع: ص 142، 143.
(2) تاريخ الدعوة الإسلامية، د: جميل المصري: ص 256.
(3) تفسير المنير: 6/ 233.
(4) تفسير القاسمي: 6/ 258.
(5) تفسير المنير: 6/ 233.
(1/291)

إليه بين الحين والحين، إنما هو حياة الناس وروحهم ليس فقط فيما يؤدونه من شعائر تعبدية يحرصون على أدائها على وجهها الصحيح، وإنما من أخلاقياتهم وتصوراتهم واهتماماتهم وقيمهم وروابطهم الاجتماعية، وعلاقات الأسرة وعلاقات الجوار والبيع والشراء والضرب في مناكب الأرض والسعي وراء الأرزاق، وأمانة التعامل وكفالة القادرين لغير القادرين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرقابة على أعمال الحكام والولاة، ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل أفراد المجتمع هم على هذا الوصف، فهذا لا يتحقق في الحياة الدنيا ولا في أي مجتمع من البشر. وقد كان في مجتمع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كما ورد في كتاب الله- منافقون يتظاهرون بالإسلام، وهم في دخيلة أنفسهم من الأعداء، وكان فيه ضعاف الإيمان والمعوقون والمتثاقلون والمبطئون والخائنون، ولكن هؤلاء جميعًا لم يكن لهم وزن في ذلك المجتمع ولا قدرة على تحويل مجراه؛ لأن التيار الدافق هو تيار أولئك المؤمنين الصادقي الإيمان، المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، الملتزمين بتعالم هذا الدين (1).
2 - أنه المجتمع الذي تحقق فيه أعلى مستويات المعنى الحقيقي (للأمة)، فليست الأمة مجرد مجموعة من البشر جمعتهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة المصالح، فتلك هي الروابط التي تربط البشر في الجاهلية، فإن تكونت منهم أمة فهي أمة جاهلية، أما الأمة بمعناها الرباني، فهي الأمة التي تربط بينها رابطة العقيدة بصرف النظر عن اللغة والجنس واللون ومصالح الأرض القريبة، وهذه لم تتحقق في التاريخ وحده كما تحققت في الأمة الإسلامية، فالأمة الإسلامية هي التي حققت معنى الأمة أطول فترة من الزمن عرفتها الأرض، أمة لا تقوم على عصبية الأرض ولا الجنس ولا اللون ولا المصالح الأرضية، إنما هو رباط العقيدة يربط بين العربي والحبشي والرومي والفارسي، يربط بين البلاد المفتوحة والأمة الفاتحة على أساس الأخوة الكاملة في الدين، ولئن كان معنى الأمة قد حققته هذه الأمة أطول فترة عرفتها الأرض فقد كانت فترة صدر الإسلام أزهى فترة تحققت فيها معاني الإسلام كلها بما فيها معنى الأمة على نحو غير مسبوق. (2)
_________
(1) كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ص 100.
(2) نفس المصدر السابق: ص 101.
(1/292)

3 - أنه مجتمع أخلاقي يقوم على قاعدة أخلاقية واضحة مستمدة من أوامر الدين وتوجيهاته، وهي قاعدة لا تشمل علاقات الجنسين وحدها، وإن كانت هذه من أبرز سمات هذا المجتمع فهو خال من التبرج ومن فوضى الاختلاط، وخال من كل ما يخدش الحياء من فعل أو قول أو إشارة، وخال من الفاحشة إلا القليل الذي لا يخلو منه مجتمع على الإطلاق، ولكن القاعدة الأخلاقية أوسع بكثير من علاقات الجنسين؛ فهي تشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والتعبير، فالحكم قائم على أخلاقيات الإسلام, والعلاقات الاقتصادية من بيع وشراء وتبادل واستغلال للمال قائمة على أخلاقيات الإسلام، وعلاقات الناس في المجتمع قائمة على الصدق والأمانة والإخلاص والتعاون والحب، لا غمز ولا لمز ولا نميمة ولا قذف للأعراض. (1)
4 - أنه مجتمع جاد مشغول بمعالي الأمور لا بسفاسفها، وليس الجد بالضرورة عبوسًا وصرامة، ولكنه روح تبعث الهمة في الناس وتحث على النشاط والعمل والحركة، كما أن اهتمامات الناس هي اهتمامات أعلى وأبعد من واقع الحس القريب، وليست فيه سمات المجتمع الفارغة المترهلة التي تتسكع في البيوت وفي الطرقات تبحث عن وسيلة لقتل الوقت من شدة الفراغ (2).
5 - أنه مجتمع مجند للعمل في كل اتجاه، فيه روح الجندية واضحة لا في القتال في
سبيل الله فحسب، وإن كان القتال في سبيل الله قد شغل حيزًا كبيرًا من حياة هذا المجتمع، ولكن في جميع الاتجاهات؛ فالكل متأهب للعمل في اللحظة التي يطلب منه فيها العمل، ومن ثم لم يكن في حاجة لأي تعبئة عسكرية ولا مدنية، فهو معبأ من تلقاء نفسه بدافع العقيدة وبتأثير شحنتها الدافعة لبذل النشاط في كل اتجاه (3).
6 - أنه مجتمع متعبد، تلمس روح العبادة واضحة في تصرفاته، ليس فقط في أداء الفرائض والتطوع بالنوافل ابتغاء مرضاة الله، ولكن في أداء الأعمال جميعًا؛ فالعمل في حسه عبادة يؤديه بروح العبادة، الحاكم يسوس رعيته بروح العبادة، والمعلم الذي يعلم القرآن ويفقه الناس في الدين يعلم بروح العبادة، والتاجر الذي يراعي الله في بيعه وشرائه يفعل ذلك بروح العبادة، والزوج يرعى بيته بروح العبادة، والزوجة ترعى بيتها
_________
(1) كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ص 102.
(2) كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ص 102.
(3) كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ص 102.
(1/293)

بروح العبادة، تحقيقًا لتوجيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (1).
هذه من أهم سمات عصر الصديق الذي هو بداية الخلافة الراشدة، وهذه السمات جعلته مجتمعًا مسلمًا في أعلى آفاقه، وهي التي جعلت هذه الفترة هي الفترة الثالثة في تاريخ الإسلام، كما أنها هي التي ساعدت في نشر هذا الدين بالسرعة العجيبة التي انتشر بها، فحركة الفتح ذاتها من أسرع حركات الفتح في التاريخ كله، بحيث شملت في أقل من خمسين عامًا أرضًا تمتد من المحيط غربا إلى الهند شرقا، وهي ظاهرة في ذاتها تستحق التسجيل والإبراز، وكذلك دخول الناس في الإسلام في البلاد المفتوحة بلا قهر ولا ضغط، وقد كانت تلك السمات التي اشتمل عليها المجتمع المسلم هي الرصيد الحقيقي لهذه الظاهرة، فقد أحب الناس الإسلام لما رأووه مطبقًا على هذه الصورة العجيبة الوضاءة، فأحبوا أن يكونوا من بين معتنقيه (2).

ثالثًا: سياسة الصديق في محاربة التدخل الأجنبي:
أدت حركة الدولة الإسلامية الضاربة في الجزيرة العربية إلى لجوء كثير من القبائل المجاورة لكل من الروم والفرس وأبوا التسليم للدولة الإسلامية، وما إن سمعوا بوفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى سعوا للتقرب من الدولتين، واستغل الفرس والروم هذه القبائل بالحض والتشجيع والدعم لتقف ضد الدولة الإسلامية (3)، فكانت سياسة الصديق للتصدي لهذا الدعم الخارجي بأن أرسل حملة أسامة بن زيد إلى الشام بعد وفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكانت تلك الحملة بمثابة الضمان لعدم استرسال تلك القبائل على مهاجمة الدولة الإسلامية، وأرسل أبو بكر أيضًا خالد بن سعيد بن العاص على رأس جيش إلى الحمقتين من مشارف الشام، وعمرو بن العاص إلى تبوك ودومة الجندل، وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى البحرين «أي: ساحل الخليج العربي كله»، ثم تابع المثنى بن حارثة الشيباني إلى جنوب العراق بعد القضاء على ردة البحرين، واضطرت سجاح التميمية -وقد كانت من نصارى العرب في العراق التي كانت تحت سيطرة الفرس- أن ترتد عائدة
__________
(1) كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ص 102.
(2) كيف نكتب التاريخ الإسلامي: ص 103.
(3) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 311.
(1/294)

إلى العراق لما رأت قوة المسلمين.
لقد كان المسلمون بقيادة أبي بكر على مستوى اليقظة والمسئولية، فحفظوا الحدود الشمالية بدقة، فمن الشرق إلى الغرب على طول الحدود الشمالية المتاخمة للفرس والروم نجد العلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد شمال نجد، ثم عمرو بن العاص في دومة الجندل، وخالد بن سعيد على مشارف الشام، ناهيك عن جيش أسامة (1).
كان الفرس يتربصون بالإسلام الدوائر، ولكنهم كمنوا كمون الأفعى، وخاصة أنهم كانوا يرون المد الإسلامي يكتسح من أمامه كل أقزام التاريخ، ويزيح من وجهه جميع قوى الشر والطغيان، وعندما حانت الفرصة بارتداد بعض القبائل عن الإسلام، وتوجهت قبيلة بكر بن وائل إلى كسرى بعد وفاة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تعرض عليه إمارة البحرين فلاقى العرض قبولاً لديه، وأرسل معهم المنذر بن النعمان على رأس قوة مؤلفة من سبعة آلاف فارس وراجل وعدد من الخيل تقارب في أعدادها المائة لمساعدتهم في مواجهة المسلمين، وهم شرذمة لا يخشى خطرهم كما يقول الكلاعي (2)، وكان مسيلمة الكذاب تتطلع إليه الأعين من بلاط فارس (3)، وقد ذكر الدكتور محمد حسين هيكل: من أن سجاح لم تنحدر من شمالي العراق إلى شبه الجزيرة يتبعها رهطها إلا مدفوعة بتحريض الفرس وعمالهم في العراق، كي يزيدوا الثورة في بلاد العرب اشتعالاً (4).
هذا عن دور الفرس، أما دور الروم فقد كان أظهر وأخطر؛ ذلك لأن موقف الروم من الإسلام ودولته كان أصلب وأعتى، فهم أمة ذات فكر وعقيدة وذات نظم وقوانين متقدمة، ولهم من العدد والعُدد مدد لا يكاد ينقطع، ومن الحلفاء والأتباع دول ودول، ولذا كانت العلاقات بينهما في أعلى درجات سخونتها وتوترها منذ فترات مبكرة (5)، وقد لجأ الروم ومنذ وقت مبكر بعد وصول كتب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى محاولة الصدام مع المسلمين، فكان من جراء ذلك غزوتا: مؤتة وتبوك اللتان أثبتتا لهم ماديًا أن الدولة الإسلامية ليس من السهل ابتلاعها أو شراء أصحابها، كما أثبتتا للمسلمين من جهة
_________
(1) حروب الردة: ص 174، 175.
(2) الاكتفاء في تاريخ المصطفى والثلاثة الخلفاء: (3/ 318، 319).
(3) الإسلام والحركات المضادة: ص 146، للدكتور الخربوطلي.
(4) الردة، غيداء خزنة كاتبي: ص 49، مخطوطة نقلا عن حركة الردة: ص 146.
(5) حركة الردة للعتوم: ص 146.
(1/295)

أخرى إخلاص متنصرة العرب من قبائل الشام لأبناء دينهم من الروم، وعلى الرغم من الاتفاقيات التي عقدها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنفسه إثر غزوة تبوك مع أمراء الشام من أتباع الروم، فإن الروم كانوا لا يكفون عن مناوشة الدولة الإسلامية ومحاولة قص أجنحتها، وبالتالي القضاء عليها، وكان الصديق - رضي الله عنه - متنبها لهذا الأمر جيدًا، وقد تمثل ذلك في إصراره الشديد على إنفاذ جيش أسامة لوجهته، وقد رأى قبائل العرب في شمالي الجزيرة من لخم وغسان وجذام وبلى وقضاعة وعذرة وكلب تعود للانقضاض على عهود رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي أبرمها معها، ومَنْ غير الدولة الرومية يمدهم بوقود المعركة من سلاح ورجال ومال ومخططات؟ وكأنه كان يريد أن يقول للروم بلسان الحال: إنه على الرغم من انتقاض العرب داخل بلادي فإن ذلك لن يفت في عضدنا نحن المسلمين، ونحن قادرون أن نصد عن دولتنا أكبر هجمة عالمية ولو كانت من جانبكم (1).
إن انتقاض الجزيرة العربية جدد الأمل عند الفرس والروم بأن العرب سيقضون على الإسلام، وقدمت الفرس والروم للعرب الثائرين على الحكم الإسلامي كثيرًا من المساعدات, وآوت الفارين منهم، ولذلك لم يكد المسلمون يعيدون الجزيرة العربية إلى وحدتها حتى كان الأوان قد آن للزحف نحو الشمال لمواجهة العدوين الكبيرين اللذين يتربصان بالإسلام (2).
لقد تحرك الصديق من قاعدته الأمينة (المدينة المنورة)، وبعث منها الجيوش وزودها بكل ما من شأنه أن يجعلها ذات هيبة في عيون أعدائها وفي قلوبهم، وقد استطاع الصديق أن يفيض من قاعدته الخير على بقية أرجاء الجزيرة العربية، وما كان له أن ينطلق لفتح بلاد الشام والعراق لولا أنه أمَّن قاعدته الكبرى الجزيرة العربية؛ موالية للإسلام، موحدة على أساسه، وقد تمثل أمن هذه القاعدة في ثلاثة مستويات هي:
أولاً: عزم الخليفة على مواصلة الجهاد وإيمانه الوطيد بصلاحية فكره وتميزه واستعلائه به. وثانيًا: نظافة مجتمعه الأصغر -مجتمع المدينة- من مهاجرين وأنصار. وثالثًا: تطهير مجتمعه الأكبر -وهو المجتمع العربي- من أدران الشرك وعقابيل الردة، وقد أنبتت هذه المستويات بعضها على بعض حتى سما البناء شامخًا قويًا واستطاع أن يرمي به ثغور
_________
(1) نفس المصدر السابق: ص 150.
(2) موسوعة التاريخ الإسلامي، د: أحمد شلبي: 1/ 388.
(1/296)

العراق والشام رميًا زعزع كيانات الروم والفرس زعزعة شديدة في أمد قصير، وما ذلك إلا لأن الجيوش المنطلقة من الجزيرة كانت موحدة الصفوف موحدة الفكر موحدة الراية، محمية الظهر، مؤمنة
مراكز التموين (1).

رابعًا: من نتائج أحداث الردة:
خلفت حروب الردة آثارًا ونتائج لم تكن محدودة الزمان والمكان، وإنما شملت أجيالاً وآمادًا وتصورات وأفكارًا وسلوكيات وأحكامًا ما زالت تغذي الأجيال من بعدها وتمدها بالكثير، ومن أهم تلك النتائج:

1 - تميز الإسلام عما عداه من تصورات وأفكار وسلوك:
بعد وفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اختلطت الأمور ببعضها، وسارعت الأعراب إلى الردة، فكان منهم المؤلفة قلوبهم أو من المنافقين أو الذين أسلموا رغم أنوفهم، وفي وقت متأخر، أو من الذين لم يسلموا أصلاً، ومن أمثلة الصنفين الأولين إسلام عيينة بن حصن الفزاري الذي أسلم إسلامًا فيه دخن كبير، ولذا ما إن هبت نار الفتنة حتى استجاب لها وباع دينه بدنيا طليحة الأسدي، ولما أسر وبعث إلى أبي بكر مقيدًا بالأغلال كان فتيان المدينة يمرون عليه فينخسونه بالجريد ويقولون: أي عدو الله! أكفرت بعد إيمانك؟! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قط. (2) ومن هؤلاء الذين يقال إنهم لم يسلموا أصلاً قبيلة عنس اليمنية، وهي قبيلة الطاغية الأسود الذي ادعى النبوة وفعل في بلاد اليمن الأفاعيل ونكل بالمسلمين.
ومن أمثلة سوء الفهم لنصوص الإسلام التي أدت بهؤلاء إلى الكفر أن بعضًا منهم أنكر الزكاة محتجًا بمدلول قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103].
فقد جاء في التعليق على هذه الآية في تفسير ابن كثير -رحمه الله- قوله: «اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفعها إلى الإمام لا يكون وإنما كان هذا خاصًّا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد احتجوا بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً" وقد رد عليهم هذا
_________
(1) حركة الردة للعتوم: ص 323.
(2) تاريخ الطبري: 3/ 260، حركة الردة للعتوم: ص 114.
(1/297)

التأول «السقيم» والفهم الفاسد أبو بكر وسائر الصحابة رضوان الله عليهم، وقاتلوهم حتى أدوها إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1).
وظهرت العصبية القبلية بقوة، فهذا مسيلمة الكذاب يقول لبني حنيفة محرضًا إياهم على اتباعه وإنكار حق قريش بالنبوة: أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحق بالنبوة والإمامة منكم؟ والله ما هم بأكثر منكم ولا أنجد، وإن بلادكم لأوسع من بلادهم وأموالكم أكثر من أموالهم (2).
وهذا الرَّجَّال بن عنفوة الحنفي الذي أضله الله على علم بعد أن قرأ القرآن وفقه في الدين يقول في حقيقة النبوة بين رسول الله ومسيلمة: كبشان انتطحا فأحبهما إلينا كبشنا. (3) وهذا طلحة النمري قال لمسيلمة عندما رآه وسمع منه ما عَلِمَ به كذبه: أشهد أنك كذاب، وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. (4)
بل إن مسيلمة يعرف كذب نفسه، فلما كانت معركة اليمامة وبدت الغلبة للمسلمين قال له أصحابه محنقين عليه: أين ما كنت تعدنا به من النصر والآيات؟ فقال: قاتلوا على أحسابكم، فأما الدين فلا دين. (5) واختلطت عليهم التصورات والأفكار والسلوكيات والآمال، وعمل المرتدون على إنهاء الإسلام ومحوه من الوجود، وتكالبت قوى الشر على ذلك، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، وأحبطت جميعها بتوحد المسلمين وتجمعهم وتكتلهم حول القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي التي تربت على يد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأصبحت تشبه القطب المغناطيسي الضخم الذي قام -بحكم طبيعته وخصائصه- بجذب كل من كان مؤهلاً للإسلام ويحمل خاصية الانجذاب إلى هذا القطب المغناطيسي الضخم الفعال، فقد أدى هذا التجمع إلى إظهار قوة الإسلام ليس بكثرة العدد والعدة، وإنما في قوة تفرده تصورًا وفكرًا وسلوكًا في لبانته الصلبة وتربيتها الفذة التي تربت عليها تلك اللبنات مجتمعة، والقوة في وضوح التعامل مع الحدث دون مواربة أو تربيت أو إغماض عين وفتح الأخرى، وإنما كانوا واضحين وضوح
_________
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 386، طبعة الحلبي.
(2) حركة الردة للعتوم: ص 124.
(3) الإصابة لابن حجر رقم: 2761.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 104.
(5) نفس المصدر السابق: 4/ 112.
(1/298)

عبارة أبي بكر الصديق للمسلمين جميعًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت (1).
إن من نتائج أحداث الردة حفظ التصور الإسلامي من التحريف والتشويه، وأنْ تجردت الراية الإسلامية من العصبية الجاهلية والولاء المختلط، وصارت خالصة من أية شائبة، وأن التصور الإسلامي لا يقبل المداهنة مهما كانت الظروف المحيطة، وأن القوة الإسلامية لا ترتبط بالعدد ولا العدة ولكن بقوة الإيمان والروح المعنوية، وأن الأصل دعوة الناس إلى الإسلام وليس مقاتلتهم، فالدعوة أولاً، وأن الحرص على الناس هو المقدم على كل شيء (2).

2 - ضرورة وجود قاعدة صلبة للمجتمع:
أظهرت أحداث الردة معادن أصيلة في بنية قاعدة هذه الدولة، وكشفت عن عناصر صلبة، فلم يكونوا أفرادا متناثرين ولكنهم كانوا يشكلون القاعدة لهذا المجتمع ولهذه الدولة، ولم تكن قاعدة رخوة أو هشة أو ساذجة، وإنما كانت قاعدة صلبة واعية، تدرك حقيقة نفسها وحقيقة عدوها وتعي أبعاد المخاطر من حولها، وتخطط بانتباه ويقظة كاملة في مواجهة كل الصعاب، وهي مع هذا وذاك موصولة بالقوي العزيز، ولهذا انتصرت على كل خصومها وأزالت كل العوائق من طريقها؛ فقد حافظت هذه القاعدة على الإسلام ودولته، وساهمت في جمع الحشود لكسر شوكة أهل الردة، وعملت على لَمِّ شمل الناس من حولها، وتم بفضل الله ثم جهود هذه القاعدة الصلبة حفظ كيان الأمة وبقائها وتنميتها. (3)

3 - تجهيز الجزيرة كقاعدة للفتوح الإسلامية:
بمجرد وفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تناثرت التجمعات، وتمردت كثير من القبائل على الخليفة، وقام الصديق - رضي الله عنه - مع الصحابة بعمل شاق عظيم استطاعوا أن يُخضعوا القبائل للدولة، وأشرف الصديق على تنفيذ الخطط التربوية والتعليمية والحربية والإدارية، ونجح نجاحًا باهرًا، والتحمت القبائل العربية مع الدولة الإسلامية وأصبحت جزيرة العرب
_________
(1) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 323.
(2) نفس المصدر السابق: ص 324.
(3) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 325.
(1/299)

بسكانها قاعدة الفتوح الإسلامية بعد ذاك، وصارت هي النبع الذي يتدفق منه الإسلام ليصل إلى أصقاع الأرض فاتحًا ومعلمًا ومربيًا (1).
إن جزيرة العرب هي قاعدة الفتوح، فكيف يتسنى الفتح إذا لم تكن له قاعدة أو كانت هذه القاعدة مضطربة غير مستقرة، أما الآن فقد أصبح ممكنًا, تعبئة كل طاقات شبه الجزيرة وشحذها للأعمال الحربية التي تلت (2).

4 - الإعداد القيادي لحركة الفتوح الإسلامية:
ومن خلال أحداث الردة التي ميزت الصفوف وامتحنت الطاقات والقدرات، وكشفت عن الطبقة التي كانت تغطي معادن الأمة، ظهرت المعادن الخسيسة على حقيقتها وأعطيت القيادة للمعادن النفيسة الصلبة المصقولة لتمسك بزمام الأمور في حركة الفتوح، فالمصادر التاريخية تمدنا بمعلومات جمة عن قيادات لم تكن من المهاجرين، ولا من الأنصار ولا من الصحابة، ولكنهم تربوا من خلال كتاب الله مباشرة، ثم صقلتهم أحداث الردة وميزتهم عن غيرهم، ليصلوا إلى صدارة الجيوش الفاتحة وشهد لهم الجميع بالحنكة والأداء المتفاني والإيمان الصادق.
هذا وقد كانت القيادة المركزية في المدينة وميادين القتال تديرها قيادات غاية في التفاهم والتعاون والتحاب على الرغم من بعد المسافات، إلا أن التوازن الرائع بين دور كل من القيادة المركزية وقيادات ميادين القتال كان واضحًا وبارزًا (3).

5 - الفقه الواقعي للردة:
وردت العديد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحدثت على الردة كحالة تعتري بعض البشر، وكل ما ورد من النصوص ظلت في إطارها العام النظري الثابت، ولم تكن قد مورست بشكل عام في الواقع، ولما وقعت الردة وعاشها المسلمون عمليًا واستنبطوا لها أحكامًا على ضوء تلك النصوص، كانت تلك الاستنباطات معالم هادية لفقه تلك النصوص، ويتضح هذا من نقاش بين الصحابة حول موقفهم من هؤلاء القوم، فكانوا يعودون إلى النصوص يدرسون ويتحاورون حولها، وسرعان ما يتفقون على صورة
_________
(1) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 366.
(2) الطريق إلى المدائن، أحمد عادل كمال: ص 182.
(3) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 328.
(1/300)

واحدة سواء في تقييمهم وتوصيفهم الوصف المنطبق عليهم، أم في طريقة معاملتهم. فهذه الوقفات العملية أمام الحدث والنص أنتجت أبوابًا في كتب التشريع الإسلامي ضمت تفصيلات تشريعية دقيقة عن أحكام الردة، ثم صار عمل الصحابة سابقة فقهية تؤخذ في الاعتبار عند استنباط اجتهاد أو تطبيق حكم فيما بعد (1).

6 - {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}:
إن أية محاولة للتمرد على دين الإسلام سواء أقام بها فرد أم جماعة أم دولة، إنما هي محاولة يائسة مآلها الإخفاق الذريع والخيبة الشنيعة؛ لأن التمرد إنما هو تمرد على أمر الله المتمثل بكتابه الذي تكفل بحفظه وحفظ جماعة تلتف حوله، وتقيمه في نفوسها وواقعها مدى الدهر، وبحكمه القاضي بالعاقبة للمتقين وبالمن على المستضعفين أن يديل لهم من الظالمين.
إن مصير الكائدين لدين الله هو البوار في الدنيا والآخرة، وما أجمل ما قال الشاعر:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (2)

7 - استقرار التنظيم الإداري في الجزيرة:
استقر التقسيم الإداري بعد انتصار الصديق في حروب الردة على نظام الولايات وهي: مكة وكان أميرها عتاب بن أسيد، والطائف وأميرها عثمان بن أبي العاص، وصنعاء وأميرها المهاجر بن أبي أمية، وحضرموت وواليها زياد بن لبيد، وخولان وواليها يعلى بن أمية، وزبيد ورقع وواليهما أبو موسى الأشعري، أما جَنَد اليمن فأميرها معاذ بن جبل، ونجران وواليها جرير بن عبد الله، وجرش وواليها عبد الله بن ثور، والبحرين وواليها العلاء بن الحضرمي، وعمان وواليها حذيفة الغلفاني، واليمامة وواليها سليط بن قيس (3).
* * *
_________
(1) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 329.
(2) حركة الردة للعتوم: ص 334.
(3) الدولة العربية الإسلامية لمنصور أحمد الحرابي: ص 97.
(1/301)

الفصل الرابع
فتوحات الصديق واستخلافه
لعمر رضي الله عنهما ووفاته
تمهيد:
إن غاية وجود الأمة المسلمة في هذه الدنيا هي توحيد الله وتحقيق عبوديته الشاملة في هذه الحياة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فإذا كان خلق الجن والإنس الغاية منه عبادة الله وحده سبحانه وتعالى، فكان لزامًا على الأمة المسلمة أن تسعى لتحقيق هذه الغاية وتحمل هذه الأمانة وأعباء تبليغها للناس أجمعين، بالدعوة إلى الله وتعليم الناس وتربيتهم على منهج الله، والعمل على إزالة كل العقبات التي تقف في وجه أداء هذه الأمانة إلى الناس أجمعين، وبذلك يتحقق بسط سيادة الشرع الحكيم على كل بني البشر، ويصبح الجميع يدينون بحاكمية الله سبحانه المطلقة المتمثلة في خضوع الجميع لشرع الله تعالى (1)، ولذلك شرع الله تعالى الجهاد لإزالة الحواجز والعقبات المانعة من سماع دين الفطرة التي فطر الناس عليها.
قال ابن تيمية: وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد بقصد أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع قوتل باتفاق المسلمين (2)، وقد قام - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتبليغ واجب الدعوة إلى الله، فأرسل الكتب والرسل إلى القادة والملوك والزعماء، وبعث السرايا والجيوش لإزالة الحواجز البشرية والأعراف الجاهلية والموانع النفسية والعوائق المادية المانعة من سماع الإسلام وتفهمه، بل قاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذاته بعض البعوث والغزوات، والتي كان آخرها غزوة تبوك سنة 9 هـ، والناس في كل هذه المعارك والغزوات مخيرون بين ثلاثة: إما أن يدخلوا في الإسلام ويكونوا للمسلمين إخوانًا، وإما أن يختاروا البقاء على كفرهم ويدفعوا الجزية، وإما أن يرفضوا هذا وذاك فيكون السيف فاصلاً بيننا وبينهم. (3)
وسار الصديق - رضي الله عنه - على هذا المنهج وشرع إرسال الجيوش لتحقيق بشائر الرسول بفتح
_________
(1) صفحات من تاريخ ليبيا الإسلامي للصلابي: ص 167.
(2) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 18.
(3) صفحات من تاريخ ليبيا الإسلامي للصلابي: ص 168.
(1/303)

كثير من الممالك والبلاد كفتح العراق وغيرها من البلاد، فقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعدي بن حاتم: «فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز». (1) وقد وضع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الخطوط العريضة لتلك الفتوحات، وأضافت تلك المبشرات رصيدًا ماديًا ومعنويًا وحسيًّا للأمة، وقد حاول المستشرقون وأذنابهم وأعداء الإسلام أن يجردوا الفتوحات الإسلامية من دوافعها الدعوية وأهدافها الربانية ومقاصدها السامية, وألصقوا بحركات الفتوحات تهمًا باطلة لا تقوم أمام الدليل والبرهان والحجة.
إن الهدف الرفيع والمقصد السامي لحركة الفتوحات التي قادها الصديق - رضي الله عنه - كان غرضها نشر دين الله تعالى بين الناس، وإزاحة الطواغيت من على رقاب الناس، وكان الصديق والمسلمون معه على يقين بما أخبر الله ورسوله من النصر والتمكين، وهذا اليقين من أخلاق جيل النصر، فقد كانوا على يقين بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9]، وبقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [غافر: 51]. ولنترك الأحداث في حركة الفتوحات تخبرنا عن الحقائق وتوضح الطريق لأبناء الأمة الصالحين.
* * *
_________
(1) صحيح السيرة النبوية: ص 580.
(1/304)

المبحث الأول
فتوحات العراق
أولاً: خطة الصديق لفتح العراق:
ما إن انتهت حرب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميدانًا لها، حتى شرع الصديق في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجيَّش الصديق لفتح العراق جيشين:
1 - الأول بقيادة خالد بن الوليد وكان يومئذ باليمامة، فكتب إليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربي، وقال له: سر إلى العراق حتى تدخلها وابدأ «بفرج الهند» أي ثغرها وهي الأبلة. (1) وأمره بأن يأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله عز وجل، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم, وأمره أن لا يكره أحدًا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد على الإسلام وإن كان عاد إليه، وأمره أن يستصحب (2) كل امرئ مر به من المسلمين، وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادًا لخالد - رضي الله عنه - (3).
2 - الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم وكان بين النباج (4) والحجاز، فتكب إليه بأن يغزو العراق من شماله الشرقي بادئا بالمصيخ (5) وقال له: سر حتى المصيخ وابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها حتى تلقى خالدًا، ثم أردف أمره هذا بقوله: وأذن لمن شاء بالرجوع، ولا تستفتحا بمتكاره، أي: لا تجبرا أحدًا على السير معكما للقتال إكراهًا فمن شاء فليقدم ومن شاء فليحجم (6).
_________
(1) الأبلة: على شط العرب في زاوية الخليج الذي يدخل في مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة وكانت بها مسالح كسرى.
(2) يستصحب: يطلب صحبته دون إلزام.
(3) البداية والنهاية: 6/ 347.
(4) قرية في بادية البصرة، في منتصف الطريق بين مكة والبصرة.
(5) موضع على حدود الشام مما يلي العراق.
(6) الفن العسكري الإسلامي، د. ياسين سويد: ص 83، تاريخ الطبري: 4/ 162.
(1/305)

وكتب الصديق - رضي الله عنه - إلى خالد وعياض: ... ثم يستبقان إلى الحيرة، فأيهما سبق إلى الحيرة أمير على صاحبه. وقال: إذا اجتمعتما إلى الحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم، المدائن (1).
3 - وكان المثنى بن حارثة قد قدم على أبي بكر وحث الصديق على محاربة الفرس وقال له: ابعثني على قومي ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنى وشرع في الجهاد بالعراق ثم إنه بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يستمده، فكتب معه أبو بكر إلى المثنى: أما بعد، فإني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك، ثم ساعده ووازره وكانفه ولا تعصين له أمرًا ولا تخالفن له رأيًا فإنه من الذين وصف الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29]، فما أقام معك فهو الأمير، فإن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه (2)، وكان من قوم المثنى رجل يدعى مذعور بن عدي، خرج عن المثنى بن حارثة وراسل الصديق وقال له: أما بعد، فإني امرؤ من بني عجل أحلاس الخيل -أي يلزمون ظهورها- وفرسان الصباح -أي يغيرون صباحًا- ومعي رجال من عشيرتي الرجل خير من مئة رجل، ولي علم بالبلد وجراء على الحرب وبصر بالأرض، فولني أمر السواد أكفكه إن شاء الله. (3)
وكتب المثنى بن حارثة - رضي الله عنه - بشأن مذعور بن عدي إلى الصديق فقال له: ... فإني أخبر خليفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن امرءا من قومي يقال له مذعور بن عدي أحد بني عجل في عدد يسير، وإنه أقبل ينازعني ويخالفني، فأحببت إعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك. (4) ورد الصديق على مذعور بن عدي فقال له: أما بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك، وقد رأيت لك أن تنضم إلى خالد بن الوليد فتكون معه
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 163.
(2) الوثائق السياسية، حميد الله: ص 371.
(3) مجموعة الوثائق السياسية: ص 372.
(4) مجموعة الوثائق السياسية: ص 373.
(1/306)

وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إذا شخص. (1) وكتب إلى المثنى بن حارثة: ... فإن صاحبك العجلي كتب إليَّ يسألني أمورًا فكتبت إليه آمره بلزوم خالد حتى أرى رأيي، وهذا كتابي إليك آمرك أن لا تبرح العراق حتى يخرج منه خالد بن الوليد، فإذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك الذي كنت به، وأنت أهل لكل زيادة وجدير بكل فضل. (2) وممن سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر والفوائد، فمنها:
1 - كان تاريخ بعث خالد إلى العراق في شهر رجب وقيل في المحرم سنة اثنتي عشرة (3).

2 - الحس الاستراتيجي عند الصديق:
إن الأوامر التي وجهها الصديق إلى قائديه خالد وعياض تشير إلى الحس الاستراتيجي المتقدم الذي كان يملكه الصديق - رضي الله عنه -، فقد أعطى جملة تعليمات عسكرية استراتيجية وتكتيكية، فحدد لكل من القائدين المسلمين جغرافيًّا منطقة للدخول على العراق، كأنما هو يمارس القيادة من غرفة العمليات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكل تضاريسها ومسالكها فيأمر أحدهما «خالدًا» بدخول العراق من أسفلها جنوبًا بغرب «أي الأبلة» ويأمر الثاني «عياضًا» بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق «أي المصيخ» ويأمر الاثنين معًا أن يلتقيا في وسط العراق، ولا ينسى الخليفة مع ذلك أن يأمرهما بأن لا يكرها الناس على الانخراط في جيشهما وأن لا يجبرا أحدًا على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التجنيد في نظره إلزاميًا وإنما كان طوعيًا واختياريًا (4).

3 - تحديد الحيرة كموقع استراتيجي:
كان هدف الخليفة الصديق السيطرة على الحيرة وذلك لأهميتها العسكرية، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميال جنوب «الكوفة» وتبعد عن «النجف» مسيرة ساعة للفارس إلى الجنوب الشرقي للنجف، والناظر على الخارطة يرى لأول وهلة أهمية هذا الموقع الاستراتيجي؛ فالحيرة كانت «عقد مواصلات» في نقطة تتصل بها الطرق من جميع
_________
(1) مجموعة الوثائق السياسية، ص 372.
(2) نفس المصدر السابق، ص 373.
(3) البداية والنهاية: 6/ 347
(4) الفن العسكري الإسلامي: ص 83، 84.
(1/307)

الاتجاهات؛ فهي تتصل بالمدائن من الشرق عبر نهر الفرات وتتصل شمالاً بـ «هيت» وتتصل بـ «الأنبار» على جسر الأنبار، وتتصل بالشام من الغرب، كما تتصل بـ «الأبلة» في منطقة «البصرة» بالعراق، وفي «كسكر» في «السواد» وفي «النعمانية» على نهر دجلة.
ومن هذا يتضح جليًّا أهمية السيطرة على هذا الموقع المهم، وكان الصديق مصيبًا عندما جعلها هدفًا لجيشين هما جيش خالد وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق وأقرب منطقة مهمة إلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تدرك هذه القيمة الاستراتيجية للحيرة، ولذا كانت ترسل القوات باتجاهها دائمًا لاستعادتها؛ لأن المسيطر على الحيرة يؤمن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها، وهي عدا هذا كانت مهمة للقوات الإسلامية في قتالها الروم في بلاد الشام (1).
إن تخطيط الصديق للوصول إلى الحيرة في الفتوحات يعرف في الخطط العسكرية للجيوش الحديثة بحركة فكي الكماشة أو عملية الالتفاف الدائري بأكثر من جيش، وهذا يؤكد أن عملية فتح العراق وضم أطراف شبه الجزيرة العربية عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفة أو نتيجة لمجريات الحوادث. (2) ويظهر للباحث فقه أبي بكر - رضي الله عنه - في التخطيط الجهادي بأنه كان يرتكز على اتخاذ القرارات بتنظيم الجيوش وتوجيهها، وتحديد واجباتها وأهدافها، وتنسيق التعاون فيما بينها، وتحقيق التوازن على مسارح العمليات، غير أنه يترك لقادته حرية العمل العسكري لإدارة العمليات القتالية بالأساليب التي يرونها مناسبة، وبالطرائق التي تستجيب لما يجابهونه من مواقف (3).

4 - نكران الذات عند المثنى بن حارثة:
ومن المواقف التي تذكر في الجهاد في العراق ما كان للمثنى بن حارثة الشيباني وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سره ما كان منه فأمَّره على مَنْ بناحيته وذلك قبل مجيء خالد، فلما توجهت همة الصديق لغزو فارس رأى أن خالدًا أجدر القواد بهذه المهمة فوجهه لها، وكتب كتابًا إلى المثنى يأمره بالانضمام إلى خالد وطاعته، فما كان منه إلا أن سارع في الاستجابة ولحق بخالد هو وجيشه، وإن هذا موقف
_________
(1) معارك خالد بن الوليد ضد الفرس، عبد الجبار السامرائي: ص 35.
(2) أبو بكر الصديق، نزار الحديثي، وخالد الجنابي: ص 45.
(3) مشاهير الخلفاء والأمراء، الصديق، بسام العسلي: ص 127.
(1/308)

يذكر للمثنى؛ حيث لم يَغُرُّه كثرة جيشه ولا كونه أقدم من خالد في إمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنه أحق بالقيادة من خالد (1).

5 - احتياط الصديق لأمر الجهاد في سبيل الله:
وقد جاء في كتاب أبي بكر لخالد وعياض بن غنم: أن استنفروا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا يغزون معكم أحد ارتد حتى أرى رأيي، فلم يشهد الأيام مرتد. (2) يعني في أول الأمر، وقد شهدوا الأيام بعد ذلك حينما ثبتت استقامتهم كما سيأتي بإذن الله تعالى. وهذا الموقف لأبي بكر مبني على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى، حتى لا يشترك فيه طلاب الدنيا فيكونوا سببًا في فشل المجاهدين واختلال صفوفهم، وهذا درس تربوي من أبي بكر استفاد من الدروس النبوية الغالية وذلك في تنقية الصف الإسلامي من الشوائب وتوحيد هدفه، حتى يكون خالصًا لوجه الله تعالى، في أمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة التي تحدث بسبب تعدد الأهداف. ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السامي مع شدة احتياج الجيش الإسلامي آنذاك إلى الرجال، مما يدل على قناعته التامة بأن العبرة بسمو الهدف والإخلاص لا بكثرة العدد (3).

6 - الرفق بالناس والتوصية بفلاحي العراق:
وفي قول الصديق لخالد: وتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الأمم. (4) وهذا القول بين لنا الهدف من الجهاد الإسلامي خارج بلاد الإسلام فهو جهاد دعوي يقصد به دعوة الناس إلى الدخول في الإسلام، ولما كانت الدعوة غير ممكنة مع بقاء الحكومات، فإنه لا بد من إزالتها لتمكين شعوبها من الدخول في الإسلام، وهذا الهدف ظاهر في جميع المعارك التي خاضها الصحابة رضي الله عنهم؛ حيث كانوا يدعون أعداءهم إلى الإسلام فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا فليستسلموا لحكم الإسلام ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإن أبوا فلا بد من القتال حتى
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 130.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 163.
(3) التاريخ الإسلامي: 9/ 131.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 159.
(1/309)

تكون كلمة الله هي العليا (1)، وقد وصى الصديق - رضي الله عنه - قادة جيوشه بفلاحي العراق وأهل السواد، حرصًا منه على هداية الناس وعلى منابع الثروة وعلمًا منه أن العمران لا تقوم بدونه دولة، كما أن الفلاحة مصدر من مصادر الثروة وهي المتصلة بحياة الناس ومعايشهم (2).

7 - لا يهزم جيش فيهم مثل هذا:
عندما استمد خالد أبا بكر أثناء سيره للعراق أمده الصديق بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له: أتمد رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجل؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا. (3) وهذه فراسة من أبي بكر بينتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم الناس بالرجال وما يتصفون به من طاقات وكفاءات مختلفة (4).

ثانيًا: معارك خالد بن الوليد بالعراق:
لم يلبث خالد أن قدم العراق ومعه ألفا رجل ممن قاتل المرتدين وحشد ثمانية آلاف رجل من قبائل ربيعة، وكتب إلى ثلاثة من الأمراء في العراق قد اجتمعت لهم جيوش لغرض الجهاد وهم: مذعور بن عدي العجلي، وسُلمى بن القين التميمي، وحرملة بن مُريطَة التميمي، فاستجابوا وضموا جيوشهم التي بلغ تعدادها مع جيش المثنى ثمانية آلاف، فأصبح جيش المسلمين ثمانية عشر ألفًا. (5) وقد اتفقوا على أن يكون مكان تجمع الجيوش الأبلة (6)، وقبل أن يسير خالد إلى العراق كتب إلى هرمز صاحب ثغر الأبلة كتاب إنذار يقول فيه: أما بعد: فأسلم تسلم أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقررْ بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة. (7) وقد لجأ إلى هذا الأسلوب وهو نوع من الحرب النفسية ليدخل الخوف والرعب في قلب هرمز وجنوده، وليوهن من قوتهم ويضعف من عزيمتهم، وحين قارب خالد العدو جعل
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 130.
(2) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 342.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 163.
(4) التاريخ الإسلامي: 9/ 129.
(5) تاريخ الطبري: 4/ 163.
(6) أبو بكر الصديق، خالد الجنابي، نزار الحديثي: ص 46.
(7) تاريخ الطبري: 4/ 164.
(1/310)

الجيش ثلاث فرق وأمر أن تسلك كل فرقة طريقًا، ولم يحملهم على طريق واحد؛ تحقيقًا لمبدأ مهم من مبادئ الحرب وهو أمن القطعات، فجعل المثنى على فرقة المقدمة ثم تلتها فرقة عليها عدي بن حاتم الطائي، وخرج خالد بعدهما وواعدهما الحضير (1)، ليجتمعوا به ويصمدوا لعدوهم (2).

1 - معركة ذات السلاسل:
سمع هرمز بمسير خالد وعلم أن المسلمين تواعدوا الحضير، فسبقهم إليه وجعل على مقدمته القائدين قباذ وأنو شجان، ولما بلغ خالد أنهم يمموا الحضير عدل عنها إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها، ونزل على الماء واختار المكان الملائم لجيشه، وجاء خالد فنزل على غير ماء، فقال لأصحابه: حطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين (3).
وحط المسلمون أثقالهم والخيل وقوف، وتقدم الراجلون وزحفوا إلى الكفار، ومنَّ الله تعالى بكرمه وفضله على المسلمين بسحابة فأمطرت وراء صفوف المسلمين، ونهلوا من غدرانها فتقوى بذلك المسلمون، وهذا مثل من الأمثلة الكثيرة الشاهدة على معية الله -جل جلاله- لأوليائه المؤمنين بنصره وإمداده.
وواجه المسلمون هرمز وكان مشهورًا بالخبث والسوء حتى ضُرب المثل بخبثه، فعمل مكيدة لخالد وذلك أنه اتفق مع حاميته على أن يبارز خالدًا ثم يغدروا به ويهجموا عليه، فبرز بين الصفين ودعا خالدًا إلى البراز فبرز إليه، والتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد فحملت حامية هرمز على خالد وأحدقوا به، فما شغله ذلك عن قتل هرمز، وما أن لمح ذلك البطل المغور القعقاع بن عمرو حتى حمل بجماعة من الفرسان على حامية هرمز وكان خالد يجالدهم فأناموهم (4)، وحمل المسلمون من وراء القعقاع حتى هزموا الفرس، وهذا هو أول المشاهد التي ظهر فيها صدق فراسة أبي بكر حينما قال عن القعقاع: «لا يهزم جيش فيه مثل هذا». (5) وأما خالد فقد ضرب أروع الأمثال في البطولة ورباطة الجأش، فقد أجهز على قائد الفرس
_________
(1) الحضير: ماء لباهلة على أربعة أمثال من البصرة، المعجم، ياقوت: 2/ 277.
(2) أبو بكر الصديق، خالد الجنابي: ص 46.
(3) الكامل لابن الأثير: 2/ 51، تاريخ الطبري: 4/ 165.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 165.
(5) نفس المصدر السابق: 4/ 163.
(1/311)

وحاميته من حوله، فلم يستطيعوا تخليصه منه، ثم ظل يجالدهم حتى وصل إليه القعقاع ومن معه فقضى عليهم، وقد كان الفرس ربطوا أنفسهم بالسلاسل حتى لا يفروا فلم تغن عنهم شيئًا أمام الليوث البواسل، وسميت هذه المعركة بذات السلاسل (1).
وغنم المسلمون من الفرس حمل ألف بعير، وبعث خالد سرايا تفتح ما حول الحيرة من حصون فغنموا أموالاً كثيرة، ولم يعرض خالد لمن لم يقاتلوه من الفلاحين بل أحسن معاملتهم كما أوصاه الصديق، وأبقاهم في الأرض التي يفلحونها ومكنهم من إنتاجها ومتعهم بثمرات عملهم، فمن دخل في الإسلام حدد له نصيب الزكاة ومن بقي على دينه فرض عليه الجزية، وهو أقل بكثير مما كان ينهبه المالكون الفرس. ولم ينتزع الأرض من أيدي أصحابها الفرس، ولكنه أنصف العاملين فيها فأحسوا بأن عنصرًا جديدًا من العدل والإخاء الإنساني يشرف عليهم من خلال هذا الفتح المجيد، وأرسل خالد خمس الغنائم والأموال إلى الصديق ووزع الباقي على المجاهدين، وكان مما أرسله إلى الصديق قلنسوة هرمز ولكن الصديق أهداها إلى خالد مكافأة له على حسن بلائه (2)، وكانت قيمتها مائة ألف وكانت مفصصة بالجوهر، فقد كان أهل فارس يعملون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، فكان هرمز ممن تم شرفه (3) في الفرس.

2 - معركة المذار «الثنى»:
كان هرمز قد كتب إلى كسرى بكتاب خالد فأمده كسرى بجيش بقيادة (قارن)، ولكن هرمز استخف بجيش المسلمين فسارع إليهم قبل وصول قارن فنكب ونكب جيشه، وهرب فلول المنهزمين فالتقوا بجيش (قارن) وتذامروا فيما بينهم وتشجعوا على قتال المسلمين، وعسكروا بمكان يسمى المذار، وكان خالد قد بعث المثنى بن حارثة وأخاه المعني في آثار القوم ففتحا بعض الحصون، وعلما بمجئ جيش الفرس فأبلغا خالدًا الخبر، وكتب خالد إلى أبي بكر بمسيره إليه، وسار وهو مستعد للقتال حتى لا يفاجأ بهم، والتقى المسلمون معهم في (المذار) فاقتتلوا، والفرس قد أغضبهم وأثار حفيظتهم ما وقع لهم قبل ذلك، وخرج قائدهم (قارن) ودعا إلى البراز، فبرز إليه خالد ولكن سبقه
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 133؛ تاريخ الطبري: 4/ 165.
(2) الصديق أول الخلفاء: ص 131.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 166.
(1/312)

إليه معقل بن الأعمش بن النباش فقتله. وكان قارن وضع على ميمنته «قباذ» وعلى ميسرته (أنوشجان) وهما من القواد الذين حضروا اللقاء الأول وفروا من المعركة، فتصدى لهما بطلان من أبطال المسلمين، فأما قباذ فقتله عدي بن حاتم الطائي، وأما أنوشجان فقتله عاصم بن عمرو التميمي، واشتد القتال بين الفريقين، ولكن الفرس انهزموا بعد مقتل قادتهم وقتل منهم ثلاثون ألفا ولجأ بقيتهم إلى السفن فهربوا عليها، ومنع الماء المسلمين من ملاحقتهم، وأقام خالد بالمذار وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفئ ونفل من الأخماس أهل البلاء، وبعث ببقية الأخماس (1) إلى المدينة.

3 - معركة الولجة:
وصل نبأ نكبة الفرس في المذار إلى كسرى فبعث الأندرزغر على رأس جيش عظيم، وأردفه بجيش آخر عليه بهمن جاذويه، وتحرك الأندرزغر من المدائن حتى انتهى إلى (كسكر) ومنها إلى الولجة، وخرج بهمن جاذويه سالكًا وسط السواد يريد أن يحشر جيش المسلمين بينه وبين الأندرزغر، واستطاع أن يحشر في طريقه عددًا من الأعوان والدهاقين، وتجمعت القوة الفارسية في الولجة، وعندما شعر الأندرزغر أن حشوده أصبحت كبيرة قرر الزحف على خالد، ولما بلغ خالد وهي بالثنى «مكان قرب البصرة ومعناه منعطف النهر والجبل» تجمع الفرس ونزولهم الولجة رأى أن من الأفضل للمسلمين أن يهاجموا هذه الحشود الكبيرة من ثلاث جهات حتى يفرقوا جموعهم، وتكون المفاجأة للفرس مربكة، وأخذ يعد العدة لتنفيذ خطة الهجوم، ولكي يؤمن خطوطه الخلفية أمر سويد بن مقرن بلزوم الحفير، وتحرك بجيشه حتى وصل الولجة وبعد أن قام باستطلاع واف للمنطقة وجد أن ميدان المعركة أرض مستوية وواسطة تصلح للقتال وتسمح بحرية الحركة، ولما كان خالد قد قرر أن يهاجم قوات الفرس من ثلاث جبهات فقد نفذ خطته وبعث بفرقتين لمهاجمة حشود الفرس من الخلف والجانبين، وبدأت المعركة واشتد القتال بين الفريقين وشدد خالد بهجومه من المقدمة، وفي الوقت المناسب انقض الكمينان على مؤخرة جيش العدو فحلت به الهزيمة المنكرة، وفر الأندرزغر مع عدد من رجاله ولكنهم ماتوا عطشًا (2)،
وقام خالد في الناس خطيبًا فرغبهم في بلاد
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 168، التاريخ الإسلامي: 9/ 134.
(2) الكامل لابن الأثير: 2/ 52، أبو بكر الصديق، خالد الجنابي: ص 48 ..
(1/313)

الأعاجم وزهدهم في بلاد العرب وقال: ألا ترون ما ها هنا من الأطعمات؟ وبالله لو لم يلزمنها الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الإسلام ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه، ثم خمس الغنيمة وقسم أربعة أخماسها وبعث الخمس إلى الصديق وأسر من أسر من ذراري المقاتلة وأقر الفلاحون بالجزية. (1) وفي خطبة خالد بن الوليد للناس إشارة إلى أن العرب وهم في جاهليتهم إضافة إلى أنهم ليسوا من طلاب الآخرة فإنهم لم يظفروا بالدنيا لتفرقهم وتناحرهم فيما بينهم، فخالد يقول: نحن طلاب الآخرة ولنا هدف سام نسعى إليه من أجله ندعو ومن أجله نجاهد، ولو فرض أننا لا نحمل هذا الهدف، ولا نجاهد من أجله فإن العقل يقتضي أن نقاتل من أجل أن نصلح أحوالنا المعيشية، وخالد حينما يذكر ذلك لا يجعل هذا الموقف ثنائيا مع الهدف السامي الذي ذكره، وإنما يذكر ذلك على أنه مجرد افتراض يفرض نفسه لو لم يوجد الهدف السامي المذكور، وكأنه يقول: إذا كنا سنقارع هؤلاء من أجل الهدف الدنيوي أفلا نقارعهم من أجل الهدف الأخروي وابتغاء مرضاة الله جل وعلا؟
وهذا الكلام يشحذ الهمم ويقوي العزم ويحيي القلب ويفجر الطاقات، فتنطلق بعد ذلك النفوس المؤمنة مجاهدة في سبيل الله تعالى بكل طاقاتها وإمكاناتها وقدراتها (2).
وجاء في رواية: أن في يوم الولجة بارز خالد رجلاً من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه (3)، وهذا التصرف الجليل من سيف الله - رضي الله عنه - فيه إذلال للفرس وتحطيم لجبروتهم وتغطرسهم وإضعاف لعزائمهم (4).

4 - معركة أُلَّيْس وفتح أمغيشيا:
في هذه الموقعة انضم بعض نصارى العرب إلى الأعاجم، وصاروا عونًا للفرس على المسلمين، وكان عليهم عبد الأسود العجلي وعلى الفرس جابان، وكان قد أمره (بهمن جاذويه) ألا ينازل المسلمين إلا أن يعجلوه، وبعد أن بلغ خالد تجمع نصارى العرب وعرب الضاحية من أهل الحيرة سار إليهم، وكان همه متجهًا لمواقعتهم ولا علم له بانضمام
_________
(1) البداية والنهاية: 6/ 350.
(2) التاريخ الإسلامي: 9/ 139.
(3) البداية والنهاية: 6/ 350.
(4) التاريخ الإسلامي: 9/ 138.
(1/314)

الفرس لجموع العرب، فلما أقبلت جنود المسلمين طلب جابان من جنده مهاجمتهم، فأظهروا عدم الاكتراث بخالد والتهاون بأمره وتداعوا إلى الطعام إلا أن خالدًا لم يدعهم يهنأون بطعامهم، واقتتلوا أشد القتال، وقد زاد في كلب الأعداء وشدتهم ما يتوقعون من لحاق بهمن جاذويه بهم في مدد كبير، وصبر المسلمون على هذا القتال العنيف، وقال خالد: اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم. ثم إن الله كشفهم للمسلمين ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه فنادى في الناس: الأسر الأسر لا تقتلوا إلا من امتنع، فأقبلت الخيول بهم أفواجًا مستأسرين يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم، يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جانب أُليس فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان ونهيت الأرض عن نشف الدماء، فأرسل عليها الماء تبر يمينك، وقد كان صد الماء عن النهر، فأعاده فجرى دمًا عبيطًا فسمي نهر الدم لذلك الشأن. (1)
ولما هُزموا وأجلوا عن عسكرهم ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه وقف خالد على الطعام فقال: فقد نفلتكموه فهو لكم، وقال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتى على طعام مصنوع نفله، فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل وجعل من لم ير الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاق البيض؟! وجعل من قد عرفها يجيبهم ويقول لهم مازحًا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا، فسمي الرقاق، وكانت العرب تسميه القرَى. (2)
وبعد أن فرغ خالد من (أليس) نهض حتى أتى (أمغيشيا)، وقد جلا عنها أهلها وأعجلوا عما فيها وتفرقوا في السواد، فأمر بهدمها وهدم كل شيء كان في حيزها، وأصابوا بها ما لم يصيبوا مثله، فقد بلغ سهم الفارس ألفًا وخمسمائة درهم سوى أنفال أهل البلاء، ولما وصلت الأخماس وأخبار النصر إلى الصديق - رضي الله عنه - وما صنعه خالد والمسلمون قال: يا معشر قريش -يخبرهم بالذي أتاه- عَدَا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله (3)، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد. (4) وكان خالد قد بعث
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 173.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 173.
(3) الخراذيل: قطع اللحم.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 175.
(1/315)

بالخبر مع رجل يدعى جندلاً من بني عجل وكان دليلاً صارمًا، فقدم على أبي بكر بالخبر وبفتح (أليس) وقدر الفيء وبعدة السبي وبما حصل من الأخماس وبأهل البلاء من الناس، فلما قدم على أبي بكر فرأى صرامته وثبات خبره، قال: ما اسمك؟ قال: جندل، قال: ويهًا جندل:
نفس عصام سودت عصاما ... وعودته الكر والإقداما

وأمر له بجارية من ذلك السبي فولدت له (1).
وفي قول الصديق عن خالد: عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد (2)، وسام شرف لخالد واعتراف بالجميل ورفع لأهل البلاء والفضل والهمم العالية، ودفع لأصحاب الهمم الضعيفة ليضاعفوا من جهودهم وينافسوا على معالي الأمور ومكارمها. (3) هذا القول من أبي بكر -وكان أعلم بالرجال- أعظم شهادة وأجل تقدير يناله رجل في تاريخ الإسلام، فالصديق هو خليفة المسلمين الأعظم لا يرى لخالد - رضي الله عنه - في الناس عدلاً في عبقريته وشجاعته، ولا نظير في بطولته ومهارته، وحسبك بها لخالد من الصديق. (4)

5 - فتح الحيرة:
علم مرزبان الحيرة بما صنع خالد بـ (أمغيشيا) فأيقن أنه آتيه، فاستعد لذلك وأرسل جيشًا بقيادة ابنه ثم خرج في إثره، وأمر ابنه بسد الفرات ليعطل سفن المسلمين، وفوجئ المسلمون بذلك واغتموا له، فأرسلوا الفلاحين فأخبروهم بضرورة سد الأنهار حتى يسيل الماء، فماذا فعل خالد؟
نهض خالد في خيل يقصد ابن المرزبان فلقي خيلاً من خيله ففاجأهم فأنامهم بالمقر، ثم نهض قبل أن تصل أخباره إلى المرزبان حتى لقي جندًا لابنه على فم الفرات فقاتلهم وهزمهم، وسد الأنهار وسلك الماء سبيله، ثم طلب خالد عسكره واتجه إلى الحيرة. وعلم المرزبان بموت ابنه وخبر موت أزدشير، فهاله الأمر فعبر الفرات هاربًا من غير قتال،
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 174
(2) نفس المصدر السابق: 4/ 175.
(3) التاريخ الإسلامي: 9/ 144.
(4) خالد بن الوليد، صادق عرجون: ص 216.
(1/316)

فعسكر خالد مكانه وأهل الحيرة متحصنون وأدخل خالد الخيل من عسكره، وتمت خطته حول قصور الحيرة بمحاصرتها على هذا النحو:
أ- ضرار بن الأزور لمحاصرة القصر الأبيض وفيه إياس بن قبيصة الطائي.
ب- ضرار بن الخطاب لمحاصرة قصر العدسيين، وفيه عدي بن عدي العبادي.
ج- المثنى بن حارثة لمحاصرة قصر ابن بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح.
وعهد خالد إلى أمرائه أن يدعوا القوم إلى الإسلام، فإن أجابوا قبلوا منهم وإن أبوا أجَّلوهم يومًا وأمرهم أن لا يمكنوا عدوًا منهم بل عليهم أن يناجزوهم، ولا يمنعوا المسلمين من قتال عدوهم ففعلوا، واختار القوم المنابذة وعمدوا لرمى المسلمين بالحذف (1)، فرشقهم المسلمون بالنبل وشنوا غاراتهم وفتحوا الدور والديارات، فنادى القسيسون: يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم، فنادى أهل القصور: يا معشر العرب قبلنا واحدة من ثلاث فكفوا عنا، وخرج رؤساء القصور فقابلهم خالد، كل أهل قصر على حدة ولامهم على فعلهم، وتصالحوا مع خالد على الجزية، وصالحوه على مائة وتسعين ألفا، وبعث خالد بالفتح والهدايا إلى أبي بكر فقبل الهدايا وعدها لأهل الحيرة من الجزية تعففًا عما لم يأذن به الشرع، وقطعًا لدابر العادات الأعجمية التي كان يحتال بها على سلب أموال الناس (2).
وكتب خالد في عهده لأهل الحيرة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديًّا وعمرًا ابني عدي، وعمر بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال -وهم نقباء أهل الحيرة- ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به وعاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة، جِزَاءً عن أيديهم في الدنيا، رهبانهم وقسيسيهم، إلا من كان منهم على غير ذي يد، حبيسًا عن الدنيا تاركا لها وسائحا تاركا الدنيا، وعلى المنعة فإن لم يمنعهم شيء فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة. وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة 12 هـ (3)، وقد جاء في رواية: أن خالدا عرض على أهل الحيرة واحدة من ثلاث: أن
_________
(1) الحذف: الرمي بالحصى عن جانب والضرب عن جانب.
(2) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 348.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 181.
(1/317)

تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية أو المنابذة والمناجزة، فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة. فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبًّا لكم ويحكم، إن الكفر فلاة مضلَّة، فأحمق العرب من سلكها (1).
ففي حديث خالد - رضي الله عنه - تنضح بعض الصفات الإيمانية التي تجسدت في جيش فتح العراق، فهذا الجيش يتحرك من أجل هدف سام ألا وهو دعوة الناس إلى الإسلام وتبليغ الهداية للبشرية، وليس التوسع في الممالك وفرض السلطان والتمتع بالحياة الدنيا. كما بَيَّن خالد أهم مقومات نجاح المسلمين في حروبهم؛ ألا وهو الحرص الأكيد على طلب الشهادة وابتغاء ما عند الله تعالى في الآخرة، كما بين النص السابق حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على تطبيق سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذلك بالرغبة القلبية في هداية البشرية؛ حيث إن خالدًا وبَّخهم على اختيار البقاء على الكفر مع أن بقاءهم على الكفر ودفع الجزية فيه مصلحة مالية للمسلمين، ولكن خالدًا من قوم هانت عليهم الحياة الدنيا وفضلوا ما عند الله -جل وعلا- في الآخرة، وقد سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم هذا المبدأ السامي (2)، في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» (3).
وفي قبول الصديق لهدية أهل الحيرة وقد أهدوها طائعين مختارين، فعدها من الجزية عدلاً وتعففًا وخشية أن يظلم أهل ذمته أو يكلفهم شططًا، درس عظيم في إقامة العدل بين الناس، وقد قارن الشيخ على طنطاوي بين فتوح الاستعمار التي أثارتها أوربا وبين فتح المسلمين مقارنة متميزة، ثم استدل بقول الشاعر:
ملكنا فكان العدل منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطحُ
وحللتم فكان العدل منا سجية ... غدونا على الأسرى نَمُنُّ ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... فكل إباء بالذي فيه ينضح (4)
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 178.
(2) التاريخ الإسلامي: 9/ 148.
(3) البخاري، كتاب المغازي رقم: 4210.
(4) أبو بكر الصديق، طنطاوي: ص 33.
(1/318)

الحيرة قاعدة الجيوش الإسلامية:
كان فتح الحيرة عملاً حربيًا عظيم القيمة, وسع أمل المسلمين في فتح بلاد فارس؛ لمكان هذا البلد الجغرافي والأدبي من العراق والمملكة الفارسية، فقد اتخذها القائد العام للجيوش الإسلامية مقرًا لقيادته ومركزًا رئيسيًا تتلقى منه جيوش الإسلام أوامر الهجوم والدفاع والإمداد والنظم، وكذلك جعلها قاعدة عامة للتدبير والسياسة التي يقوم عليها تنظيم من وقع في يد المسلمين، وبث خالد عماله على الولايات لجباية الخراج والجزاء، ووجه أمراءه إلى الثغور لحمايتها، وأقام هو ريثما يتم ما أراده من الاستقرار والنظام، وترامت أخباره إلى الدهاقين والرؤساء فأقبلوا إليه يصالحونه حتى لم يبقَ ما بين قرى سواد العرق إلى أطرافه من ليس مولى للمسلمين أو على عهد منهم (1)، وقد كان من عماله على الأقاليم:
1 - عبد الله بن وثيمة النضري الفلاليج.
2 - جرير بن عبد الله البجلي على بانقيا.
3 - بشير بن الخصاصية على النهرين.
4 - سويد بن مقرن المزني على تُستُر.
5 - أُطّ بن أبي أُطّ على روذستان.
وكان من قادة الثغور:
1 - ضرار بن الأزور الأسدي.
2 - المثنى بن حارثة الشيباني.
3 - ضرار بن الخطاب الفهري.
4 - ضرار بن مقرن المزني.
5 - القعقاع بن عمرو التميمي.
6 - بُسر بن أبي رهم الجهني.
_________
(1) خالد بن الوليد، صادق عرجون: ص 222.
(1/319)

7 - عُتيبة بن النهاس (1).

الرسائل التي أرسلها خالد إلى خاصة الفرس وعامتهم:
أجمع خالد أمره على منازلة الفرس في ساحات ملكهم بعد أن صفا له الجو في العراق وأمن ظهره بانحسار أمر فارس عن العرب, فيما بين الحيرة ودجلة، وكان أهل فارس في هذه الفترة على خلاف شديد فيمن يولونه عليهم بعد موت كسراهم أزدشير، فانتهز خالد هذه الفرصة وكتب إلى خاصتهم يقول: من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس: أما بعد، فالحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم وأوهن بأسكم وسلب أموالكم وأزالَّ عزكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا أو اعتقدوا منا الذمة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا.
وكتب إلى عامتهم فقال: من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس: الحمد لله الذي فض خدمتكم وفرق جمعكم وأوهن بأسكم وسلب أموالكم وأزال عزكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا أو اعتقدوا منا الذمة وأجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون
في الدنيا. (2)
وبفتح الحيرة تحقق شطر من أمل أبي بكر - رضي الله عنه - في فتح العراق وإخضاعه تمهيدًا لغزو فارس في عقر دارهم، وقد قام خالد بن الوليد - رضي الله عنه - بمهمته في ذلك خير قيام، ووصل إلى الحيرة في وقت قياسي؛ حيث بدأ صراعه مع الأعداء في شهر محرم من العام الثاني عشر في معركة الكاظمة وانتهى من فتح الحيرة في شهر ربيع الأول من العام نفسه (3).

كرامة خالد بن الوليد في فتح الحيرة:
وقد أخرج الإمام الطبري بإسناده ... وكان مع ابن بُقَيلة (4)، منصف له (5) فعلق
_________
(1) أبو بكر الصديق، خالد الجنابي، نزار الحديثي: ص 51، 52.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 186.
(3) التاريخ الإسلامي: 9/ 150.
(4) يعني: عمرو بن عبد المسيح، وهو سيد قومه.
(5) أي: خادم.
(1/320)

كيسا في حقوة، فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه في راحته فقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمانة الله سُمُّ ساعة، قال: لِمَ تَحْتقب السم؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت، وقد أتيت على أجلي والموت أحب إليَّ من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي، فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، وقال: بسم الله خير الأسماء رب الأرض ورب السماء -الذي ليس يضر مع اسمه داء- الرحمن الرحيم، فأهووا إليه يمنعونه منه وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن. (1) وأقبل على أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالاً (2)، وقد ذكر هذه الرواية الحافظ ابن كثير ولم يضعفها (3)، وذكرها الحافظ ابن حجر وقال: رواه أبو يعلى ورواه ابن سعد من طريقين آخرين ولم يضعفها (4)، وذكرها ابن تيمية مثالاً من أمثلة الكرامات. (5)
وقد أنكر بعض الكتاب المعاصرين هذا الخبر واعتبروه من نسج خيال بعض الرواة حول شخصية خالد، وقد ثبتت هذه الرواية من ناحية الإسناد؛ فقد ارتضاها الطبري وابن سعد وابن كثير وابن حجر وابن تيمية ولم يضعفوا إسنادها، وهم أعلم وأنصف في علم التاريخ الإسلامي من الكتاب المعاصرين.
إن خالدًا - رضي الله عنه - عندما أقدم على شرب السم، كان في قمة اليقين والإيمان بأن الله -جل جلاله- هو الذي خلق كل شيء وأودع في كل شيء خصائصه، وأنه القادر على أن يلغي مفعول هذه الخصائص إذا أراد لحكمة عالية وهدف عظيم، كما أذهب فعالية النار حينما ألقي فيها إبراهيم - عليه السلام - وجعلها عليه بردًا وسلامًا، وقد حصل ذلك لغير الأنبياء عليهم السلام؛ كما حصل لأبي مسلم الخولاني لما رفض أن يقر بنبوة الأسود العنسي الكذاب؛ فألقاه في النار فوجوده فيها قائمًا يصلي ولم تضره. (6) كما أن خالدًا حينما قدم على ذلك لم يخالج قلبه ذرة من إرادة حظ النفس وكسب السمعة والجاه؛ لأنه لو نوى شيئًا من ذلك لعلم أن الله تعالى سيتخلى عنه، وهو لا حول له ولا قوة على
_________
(1) يعني: أهل الجيل المعاصر.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 180.
(3) البداية والنهاية: 6/ 251.
(4) الإصابة لابن حجر: 2/ 218 رقم: 2206.
(5) الفتاوى: 11/ 154.
(6) التاريخ الإسلامي: 9/ 153.
(1/321)

انتزاع أثر السم الضار، وهذه تجربة فذة لا يطلب من أي مسلم أن يخوضها، ولو كان هدفه نفس الهدف الذي رمى إليه
خالد؛ لأنه يندر أن يوجد من يبلغ إيمانه وثقته بالله تعالى إلى المستوى الذي بلغ إليه
خالد - رضي الله عنه - وأرضاه (1).

6 - فتح الأنبار «ذات العيون»
استقام الأمر لخالد في تلك الجهات فاستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو التميمي، واتجه بتعبئة لإغاثة عياض بن غنم الذي أرسله الصديق لفتح العراق من الشمال ويلتقي بخالد، وصل خالد إلى الأنبار فوجد القوم قد تحصنوا وخندقوا على أنفسهم وأشرفوا على أعلى الحصون (2)، فضرب المسلمون عليهم الحصار وأمر خالد جنوده أن يصوبوا إلى عيون أهل الأنبار، فلما نشب القتال أصابوا في أول رمية ألف عين من عيونهم، ولذلك سميت هذه الوقعة (ذات العيون). (3)
واخترق خالد الخندق الذي حول الأنبار بفطنة وذكاء؛ حيث عمد إلى الضعاف من الإبل بجيشه فنحرها وملأ الخندق في أضيق نقطة فيها بجثث الإبل، واقتحم المسلمون الخندق وجسرهم جثث الإبل، وصاروا مع عدوهم داخل الخندق، فالتجأ العدو إلى الحصن (4)، واضطر شيراز قائد جند الفرس إلى قبول الصلح بشروط خالد على أن يخرج من الأنبار في عدد من الفرسان يحرسونه، فقبل خالد منه ذلك بشرط ألا يأخذ معه من المتاع أو من الأموال شيئًا (5).
وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد، كانوا في زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب، وأنشدوا خالدًا قول بعض إياد يمتدح قومه:
قومي إياد إنهم أمم ... أولو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعا واللوح والقلم (6)
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 154.
(2) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 350.
(3) البداية والنهاية: 6/ 353.
(4) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 350.
(5) تاريخ الطبري: 4/ 191.
(6) البداية والنهاية: 6/ 353.
(1/322)

7 - عين التمر:
استخلف خالد الزبرقان بن بدر على الأنبار وسار إلى عين التمر، فوجد عقة بن أبي عقة في جمع عظيم من النمر وتغلب وإياد ومن حالفهم، ومعهم من الفرس مهران بقواته (1)، وطلب عقة من مهران أن يتركه لقتال خالد وقال له: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدًا، فقال له: دونكم وإياهم، وإن احتجتم إلينا أعنَّاكم فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال: دعوهم فإن غلبوا خالدًا فهو لكم وإن غلبوا قاتلنا خالدًا وقد ضعفوا ونحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم، وسار خالد وتلقاه عقة، فلما تواجهوا قال خالد لمجنبته: احفظوا مكانكم فإني حامل، وأمر حماته أن يكونوا من ورائه، وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره، وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر. وقصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة عقة وجيشه نزل من الحصن وهرب وتركه، ورجعت فلول نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحًا فدخلوه واحتموا به، فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، واضطر أهل الحصن أن ينزلوا على حكم خالد، فأمر بضرب عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أجمعين، وغنم جميع ما في ذلك الحصين ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلامًا يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء.
وكان (حمران) مولى عثمان بن عفان من ذلك الخمس، ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين، أخذه مالك بن أنس، وأرسل خالد الخمس إلى الصديق، ثم أرسل أبو بكر الوليد بن عقبة إلى عياض مددًا له وهو محاصر دومة الجندل، فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قومًا، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضًا، فقال عياض للوليد: إن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد: اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض: إياك أريد، لبِّث قليلاً تأتك الحلائب (2) يحملن آسادا عليها القشائب (3)، كتائب تتبعها كتائب (4).
_________
(1) نفس المصدر السابق: 6/ 354.
(2) الحلائب: ما يحمل عليه من دواب.
(3) القشائب: السموم، جمع قشب.
(4) البداية والنهاية: 6/ 354.
(1/323)

8 - دومة الجندل:
رحل خالد بجنده من عين التمر بعد أن خلف عليها عويم بن الكاهل الأسلمي، ووصلت أنباؤه إلى أهل دومة الجندل فاستنجدوا بحلفائهم من قبائل بهراء وكلب وغسان وتنوخ (1)، وكان أمر أهل دومة الجندل إلى زعيمين هما: أكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة فاختلفا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرًا منه، ولا أحدَّ في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قلُّوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه فقال: لئن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم (2).
وهذه شهادة خصم في خالد والحق ما شهدت به الأعداء، وقد كان خالد أسره قبل ذلك حينما أرسله إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك، فأخذه وأتى به إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمنَّ عليه وكتب له كتاب عهد، ولكنه خان العهد بعد ذلك. ولقد بقي الرعب في نفسه منذ يوم أسره خالد إلى جانب سمعته الشهيرة في حروبه مع العرب والعجم، وخرج أكيدر مفارقًا قومه، وبلغ خالدًا خبره وهو في طريقه إلى «دومة» فأرسل إليه عاصم بن عمرو معارضًا له فأخذه، فقال: إنما تلقيت الأمير خالدًا، ولكن خيانته السابقة جعلت خالد ينفذ فيه حكم الإعدام، وهكذا قتله الله بخيانته ونقضه العهد ولم يغن الحذر من القدر (3).
ونزل خالد على دومة الجندل وجعل أهلها ومشايعيهم من بهراء وكلب وتنوخ بين فكي (كماشة) ذراعها الأولى عسكره والثانية عسكر عياض بن غنم (4)، وتقدم الجودي بن ربيعة بجنوده نحو خالد، وتقدم ابن الحدرجان وابن الأيهم بجنودهما ناحية عياض، ودارت المعركة وأنزل خالد الهزيمة بالجودي وأتباعه، وانتزع عياض النصر من ابن الحدرجان ومن معه بصعوبة، وحاولت فلول المنهزمين الاحتماء بالحصن ولكنه كان قد عج بمن فيه فأغلقوه عليهم وتركوا أصحابهم حوله في العراء، ولم يلبث خالد أن هاجم من بداخل الحصن بعد أن اقتلع بابه فقتل منهم جموعًا كثيرة. (5)
وبفتح دومة الجندل
_________
(1) البداية والنهاية: 6/ 354.
(2) البداية والنهاية: 6/ 355، تاريخ الطبري: 4/ 195.
(3) التاريخ الإسلامي: 9/ 163.
(4) خالد بن الوليد، صادق عرجون: ص 231.
(5) تاريخ الطبري: 4/ 196. أبو بكر الصديق، خالد الجنابي: ص 54.
(1/324)

أصبح للمسلمين موقع استراتيجي ذو أهمية فريدة؛ لأن دومة الجندل تقع على ملتقى الطرق إلى ثلاث جهات؛ فشبه الجزيرة العربية من الجنوب، والعراق من الشمال الشرقي، والشام من الشمال الغربي. ومن الطبيعي أن تنال هذه المدينة مثل هذه العناية من الخليفة أبي بكر الصديق وجنوده التي تقاتل بالعراق وتقف على تخوم الشام، وتلك هي العلة في أن عياضًا لم يبرحها بل ظل مرابطًا أمامها إلى أن خف إليه خالد، ولو أن دومة الجندل لم تذعن للمسلمين لبقي أمرهم في العراق تحفه المخاطر (1).
وبذلك استطاع خالد أن يعين عياضًا على فتح دومة الجندل، ولئن كانت حروب خالد - رضي الله عنه - في جنوب العراق مثالاً للبراعة في الهجوم السريع واغتنام الفرص وإثارة الرعب لدى الأعداء، فإن ثبات عياض - رضي الله عنه - هذه المدة الطويلة في وجه أعداء قد تكالبوا عليه من كل مكان دليل على تمتع الجيش الإسلامي أيضًا بالصبر والمصابرة وطول الأمل، والثقة بنصر الله تعالى في النهاية.
وكان عياض - رضي الله عنه - من أفاضل المهاجرين ومن سادة قريش، وكان سمحًا جوادًا، وقد وثق به الخلفاء وولاتهم بعد ذلك، فكان أحد قادة اليرموك وكان على مقدمة جيش أبي عبيدة، ثم فتح بعد ذلك الجزيرة بأكملها وهي المناطق التي بين الشام والعراق، واستخلفه أبو عبيدة - رضي الله عنه - على الشام لما حانت وفاته، فأقره عمر - رضي الله عنه - على الشام إلى أن احتاج إليه في الفتوح فوجهه إليها (2).

9 - وقعة الحُصيد (3):
أمر خالد الأقرع بن حابس بالرجوع إلى الأنبار، وأقام بدومة الجندل فكانت إقامته مدعاة لطمع الأعاجم وظنهم به الظنون، وكذلك ظنها عرب المنطقة فرصة، فكاتبوا الأعاجم ليكونوا معهم على خالد غضبًا لـ «عقة» الذي لم ينسوا مصرعه بعد، فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبة يريدان الأنبار، وتواعدا في الحصيد والخنافس، فوصل خبرهم الزبرقان بن بدر وهو على الأنبار، فاستمد القعقاع بن عمرو خليفة خالد على الحيرة، فأمده بأعبد بن فدكي السعدي «أبو ليلى» وأمره بالحصيد، وبعروة بن الجعد البارقي
_________
(1) أبو بكر الصديق، نزار الحديثي، خالد الجنابي: ص 54.
(2) التاريخ الإسلامي: 9/ 164.
(3) الحصيد: موقع في أطراف العراق من جهة الجزيرة.
(1/325)

وأمره بالخنافس. وعندما علم خالد بتحرك بعض القبائل ورغبتهم بالانضمام إلى روزبة في الحصيد جعل القعقاع أميرًا على الناس في الحصيد بعد أن ترك مكانه عياض بن غنم على الحيرة، فلما علم روزبة بتوجه القعقاع إليه استمد زرمهر فانضم إليه، والتقى المسلمون بجموع الفرس وقتلوا منهم مقتلة عظيمة من بينهم زرمهر وروزبة وغنموا غنائم كثيرة (1)، وقد قال القعقاع بن عمرو في هذه المعركة:
ألا أبلغا أسماء أن حليلها ... قضى وطرًا من روزمهر الأعاجم
غدا صبحنا في حصيد جموعهم ... لهندية تفرى فراخ الجماجم (2)

10 - وقعة المصيَّخ:
بعد أن وصلت أخبار المسلمين في الْحُصَيد إلى خالد واعد قادة جيوشه في ليلة وساعة يجتمعون فيها عند المصيخ قرب حوران، فلما توافوا في موعدهم بيتوا بعض القبائل ومن آوى إليهم من ثلاثة أوجه فأوقع بهم خسائر كبيرة (3)، ثم علم خالد بتحشد بعض القبائل في «الثَّنِي» وهو موضع قرب الرقة «والزُّمَيل» في ديار بكر استعدادًا لقتال المسلمين، فباغتهم في «الثني» من عدة اتجاهات فشتت جموعهم، وكذلك هاجم المتحشدين في «الزميل» فأوقع بهم خسائر هائلة (4).
يقول عدي بن حاتم: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، وحوله بنوه وبناته وامرأته، وقد وضع لهم جفنة من الخمر، وهم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرًا بعدها، فشربوا وجعل يقول:
ألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر ... بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر
وقبل منايانا المصيبة بالقدر ... لحين لعمري لا يزيد ولا يجري (5)
_________
(1) البداية والنهاية: 6/ 355.
(2) الكامل في التاريخ: 2/ 59.
(3) أبو بكر الصديق، خالد الجنابي، نزار الحديثي: ص 55.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 199، 200.
(5) تاريخ الطبري: 4/ 199.
(1/326)

فسبق إليه وهو في ذلك في بعض الخيل فضرب رأسه، فإذا هو في جفنته وأخذنا بناته وقتلنا بنيه (1).
وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصديق بالأمان، ولم يعلم بذلك المسلمون فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما وبعث بالوصاة بأولادهما، وقال فيهما الصديق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم؛ أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين (2).

11 - وقعة الفِراض:
بعد أن بسط خالد راية الإسلام على العراق، واستسلمت له قبائل العرب قصد الفِرَاض، وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة؛ حتى يحفظ ظهره ويأمن من أن تكون وراءه عورة عند اجتيازه أرض السواد إلى فارس، فلما اجتمع المسلمون بالفراض غضب الروم وهاجوا واستعانوا بمن يليهم من مسالح الفرس، فلبسوا سراعًا لأنهم كانوا حانقين على المسلمين الذين أذلوهم وكسروا شوكتهم، كما استمدوا العرب من تغلب وإياد والنمر فأمدوهم؛ لأنهم لم ينسوا بعد مصرع رؤسائهم وأشرافهم. فاجتمعت جيوش الفرس والروم والعرب على المسلمين في تلك الموقعة، فلما بلغوا الفرات قالوا للمسلمين: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال خالد: بل اعبروا إلينا، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، فقال خالد: لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة. فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل على دين وله عقل وعلم، والله ليُنْصرن ولنُخْذَلَن، ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح من أينا يجيء! ففعلوا فاقتتلوا قتالا شديدًا طويلاً، ثم إن الله -عز وجل- هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم ولا ترفهوا عنهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم
قتلوه، وقتل من الأعداء عشرات الألوف، وأقام خالد في الفراض عشرة أيام،
ثم أمر بالرجوع للحيرة (3).
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 199.
(2) البداية والنهاية: 6/ 356.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 201.
(1/327)

وهكذا واجه المسلمون لأول مرة جيشًا مكونا من الفرس الذين يمثلون دولة المشرق العظمى، والروم الذين يمثلون دولة المغرب العظمى، والعرب الموالين لهؤلاء وهؤلاء، ومع ذلك انتصر المسلمون عليهم انتصارًا ساحقًا، ولا شك أن هذه المعركة تعتبر من المعارك التاريخية الفاصلة، وإن لم تنل من الشهرة ما نالته المعارك الكبرى؛ لأنها حطمت معنويات الكفار على مختلف انتماءاتهم حيث هزموا جميعًا، وهذه المعركة تعتبر خاتمة المعارك التي خاضها سيف الله المسلول خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في العراق (1)، وانكسرت شوكة الفرس بعد هذه المعركة، ولم تقم لهم قوة حربية يخشاها الإسلام بعد هذه الموقعة (2).
ومما قاله القعقاع بعد عمرو في هذه المعركة:
لقينا بالفراض جموع روم ... وفرس غَمَّها طول السلام
أَبَدْنَا جمعهم لما التقينا ... وبيَّتنا بجمع بني رزام
فما فتئت جنود السلم حتى ... رأينا القوم كالغنم السوام (3)

ثالثا: حجة خالد وأمر الصديق له بالخروج إلى الشام، وتسلم المثنى لقيادة جيوش العراق:
1 - حجة خالد «12 هـ» وأمر الصديق له بالخروج إلى الشام:
أقام خالد بالفراض عشرة أيام، ثم أذن بالقفول إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة، وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، وأظهر خالد أنه يسير في الساقة، ثم انطلق في كوكبة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام وسار إلى مكة في طريق لم يُسلك قبله قط وتأتى له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفًا على غير جادة حتى انتهى إلى مكة، فأدرك الحج هذه السنة «12 هـ»، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الحيرة، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضًا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 173.
(2) خالد بن الوليد: ص 36.
(3) معارك خالد بن الوليد ضد الفرس، عبد الجبار السامرائي: ص 123.
(1/328)

الجيش (1)، وأمره بالذهاب إلى الشام، وجاء في خطاب الصديق لخالد: أنْ سِرْ حتى تأتي جمع المسلمين باليرموك؛ فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عُجْب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل؛ فإن الله له المن وهو ولي الجزاء (2).
هذا الخطاب الجليل من الخليفة الحكيم - رضي الله عنه - يصور مدى حرص الصديق - رضي الله عنه - على القواد الناجحين، فيمدهم بالمشورة والنصائح التي تأخذ بيدهم إلى الفوز والتمكين بفضل الله ..
أ- يأمر الصديق - رضي الله عنه - سيف الله خالدًا أن يترك العراق ويتوجه إلى الشام لعل الله يفتح على يديه هذا الموقع.
ب- ينصحه ألا يعود في مثل ما حدث، في حجه بدون إذن من الخليفة.
ج- يأمره أن يسدد ويقارب ويجتهد مخلصًا النية لله وحده.
د- يحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر، فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل ويرده في وجهه، كما يحذره أن يدل ويمن على الله بالعمل الذي يعمله؛ فإن الله هو المانُّ به؛ إذ التوفيق بيده سبحانه. (3)
هذا وقد ظهرت في معارك العراق مقدرة الجيوش الإسلامية على تطبيق مبادئ الحرب، من مباغتة وصد الهجوم وتثبيت الأعداء، وحشد القوات، وإدامة المعنويات وجمع المعلومات، ورسم الخطط وتنفيذها بكل قوة ودقة واحتياط منقطع النظير، فهو لم يذهب إلى الشام لمجاهدة الروم إلا بعد خبرة واسعة في فتوحات العراق، وكان المرشح للبقاء على جيوش العراق بعد سفر خالد المثنى بن حارثة الشيباني لخبرته الواسعة بأرض العراق، ومهارته الفائقة في حرب الفرس، ويظهر للباحث أن الخطط التي وضعها خالد في حروب العراق كانت تعتمد على الله ثم على جمع المعلومات الدقيقة التي تدل على نشاط مخابراته واستكشافاته في الميدان، والذي يبدو أن هذه المخابرات قد قام بتنظيمها
_________
(1) البداية والنهاية: 6/ 357.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 202.
(3) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 295.
(1/329)

القائد الفذ «المثنى ابن حارثة الشيباني»، ليس فقط لألمعيته وقدرته الفائقة على التنظيم، وإنما لمعايشته للمنطقة، فهو ينتمي إلى «بني شيبان» من «بكر بن وائل» الذين كانت منازلهم بتخوم العراق وحوض الفرات التي تمتد شمالاً إلى «هيت»، فكانوا بحكم مساكنهم واتصالاتهم مؤهلين لأن يكونوا عيونًا «مخابرات»، فما وجدنا تحركًا لجيش من جيوش الفرس إلا وكان خبر ذلك التحرك منذ بدئه على لسان «المثنى» في الوقت المناسب، وما من شاردة ولا واردة تحدث في بلاط الفرس إلا وكان «المثنى» على علم بها في حينها (1).
وكان في خطاب الصديق إلى خالد: دع العراق واخلف فيه أهله الذي قدمت عليهم، ثم امض مخففًا في أهل قوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة، وصحبوك في الطريق وقدموا عليك من الحجاز، ثم تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، وإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، والسلام عليك ورحمة الله. (2)
وتهيأ خالد للسير إلى الشام، وقسم خالد الجند نصفين: نصفًا يسير به إلى الشام ونصفًا للمثنى، ولكنه جعل الصحابة جميعًا من نصيبه، فقال له المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة وإبقاء النصف، فوالله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنت تعريني منهم. وكان خطاب الصديق قد وصل إلى خالد قبل سفره يأمره فيه بمن يأخذ من الجند ومن يدعهم للمثنى، قال: يا خالد لا تأخذ مجدًا إلا خلفت لهم مجدًا، فإذا فتح الله عليك فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك (3).
فما زال خالد يسترضي المثنى ويعوضه عن الصحابة بمقاتلين من سادة أقوامهم من أهل البأس وممن عرفوا بالشجاعة والصبر وشدة المراس، فرضي المثنى آخر الأمر. (4) وحشد خالد جنوده وانطلق ليعبر إلى الشام صحاري رهيبة غائبة النواحي مترامية الآفاق كأنما هي التيه، وسأل الأدلاء: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؟ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين! قالوا له: لا نعرف إلا طريقًا لا يحمل الجيوش،
_________
(1) معارك خالد بن الوليد ضد الفرس: ص 134.
(2) الصديق أول الخلفاء: ص 169.
(3) الصديق أول الخلفاء: ص 170.
(4) الصديق أول الخلفاء: ص 170.
(1/330)

فوالله إن الراكب المفرد ليخافه على نفسه! إنك لن تطيق ذلك الطريق بالخيل والأثقال، إنها لخمس ليال لا يصاب فيها ماء.
قال خالد: إنه لا بد من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم، وعزم خالد على سلوك هذا الطريق مهما تكن مخاطره، فكم فاز باللذة الجسور، فنصحه رافع بن عمير أن يستكثر من الماء حتى يجتاز ذلك الطريق، فأمر خالد جنوده أن يخزنوا الماء في بطون الإبل العطاش، ثم يشدوا مشافرها لكيلا تجتر فتستنزف الماء (1)، وقال لرجاله: إن المسلم لا ينبغي أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له (2).
وسار به الدليل رافع بن عمير في طريق تمتاز بوعورتها وقلة مائها وضياع معالمها وقلة سكانها ولا سيما الجزء الممتد بين قراقر وسوى (3)، إلا أنها أقصر الطرق، فأوضح خالد لجنده الاعتبارات التي تجعله يفضل سلوك هذا الطريق على غيره، وهي السرعة والسرية والمباغتة. وكان رافع قد طلب من خالد أن يهيئ عشرين ناقة كبيرة، فأعطاه ما أراد، فمنع عنها الماء أيامًا حتى عطشت، ثم أوردها إياه فملأت جوفها فقطع مشافرها وكممها فلا تجتر، ثم قال لخالد: سر الآن بالخيول والأثقال، وكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الإبل وشرب الناس مما تزودوا. فسار الجيش من قراقر -وهي آخر قرى العراق على حدود الصحراء- إلى سوى وهي أوائل قرى الشام، والمسافة بينهما خمس ليال يستريحون بالنهار ويسيرون بالليل، واعتمد خالد على رافع بن عمير دليلاً بعد أن وثق به ومن صحة دلالته, واختار محرز المحاربي لحذقه في الدلالة على النجوم، لذلك كان مسيرهم ليلاً وصباحًا مع تحاشي السير عند ارتفاع النهار والظهيرة لقطع مرحلتين في اليوم الواحد، ولم يترك خالد أحدًا من جنده يسير راجلاً وإنما أركب الجند الإبل للمحافظة على قابليتهم البدنية. وسار خالد في الطريق وكلما نزل منزلاً نحر عددًا من النوق فأخذ ما في أكراشها فسقاه الخيل، ثم شرب الناس مما حملوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس نفد الماء، فخاف خالد على أصحابه من العطش، وقال لرافع وهو أرمد: ما عندك؟ فطلب رافع من الناس أن يبحثوا عن شجرة عوسج صغيرة في تلك المنطقة فلم يجدوا إلا جزءًا
_________
(1) الصديق أول الخلفاء: ص 171.
(2) الحرب النفسية، د: أحمد نوفل: 2/ 155.
(3) القراقر: ماء لكلب في بادية السماوة. وسوى: ماء لبهراء في بادية السماوة، (ياقوت، المعجم، 3/ 271، 4/ 317).
(1/331)

صغيرة من ساقها، فأمر رافع أن يحفروا هناك، فحفروا فظهرت عين للماء فشربوا حتى روى الناس، فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل. (1)
وقد قال بعض العرب لخالد في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السُّرى فأرسلها مثلاً وهو أول من قالها - رضي الله عنه - (2):
وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد:
لله در رافع أنَّي اهتدى ... فوَّزَ من قراقر إلى سوى
خمسًا إذا ما سارها الجيش بكى ... ما سارها قبلك إنسي يُرَى (3)

وهذه القصة تدل على أن القائد المحنك لا يبالي بالأخطار، وأنه أعمل الحيلة في سبيل الحصول على الماء لقطع الصحراء حتى وصل إلى غرضه، وفي اليوم الخامس وصل جيش خالد إلى سوى -وهو أول تخوم الشام- تاركًا وراءه حاميات الروم على الطرق الرئيسة العامة تواجه العراق، وكانت حركته في قطع الصحراء بخمسة أيام أعجوبة من أعاجيب المخاطر المحسوبة، ذللتها إرادة القائد وإيمانه وإقدامه (4).
وصل خالد إلى «أدك» وهي أول حدود الشام، فأغار على أهلها وحاصرهم فحررها صلحًا، ثم نزل «تدمر» فامتنع أهلها وتحصنوا، ثم طلبوا الأمان فصالحهم وواصل سيره فأتى «القريتين»، فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم قصد «حوارين»، وصار إلى موضع يعرف بالثنية، فنشر رايته وهي كانت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسمى العُقَاب، فسمي ذلك الموضع بثنية العقاب (5)، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالاً عظيمة وخرج من شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى، فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد. وبعث خالد بأخماس ما غنم من
_________
(1) أبو بكر الصديق، د: نزار الحديثي، خالد الجنابي: ص 68.
(2) البداية والنهاية: 7/ 7.
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) معركة اليرموك، اللواء خليل سعيد، بحث مقدم إلى ندوة الفكر العسكري العربي، نقلا عن أبي بكر الصديق، خالد الجنابي: ص 68.
(5) أبو بكر الصديق، د: نزار الحديثي، خالد الجنابي: ص 68.
(1/332)

غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق، ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص، وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور، فكانت واقعة أجنادين (1).
وهكذا نجح خالد بن الوليد في الوصول إلى الشام لمساندة الجيوش الإسلامية بعد مغامرة ومباغتة فذة في التاريخ العسكري الإنساني، يقول اللواء محمود شيت خطاب عن ذلك: « ... وعبور خالد للصحراء من الطريق الخطر مباغتة فذة في التاريخ العسكري لا أعرف لها مثيلاً، ولست أعتقد أن عبور هانيبال للألب، وعبور نابليون للألب أيضًا، ولا تفويز نابليون من صحراء سيناء، أو قطع الجيش البريطاني لهذه الصحراء في الحرب العالمية الأولى، يمكن أن تعتبر شيئًا إلى جانب مغامرة خالد؛ لأن عبور الجبال أسهل بكثير من عبور الصحراء؛ لتيسر الماء في الجبال وعدم تيسره في الصحراء؛ ولأن صحراء سيناء فيها كثير من الآبار والأماكن المأهولة وعدم تيسر ذلك في الصحراء التي قطعها خالد، فكان نجاح خالد في عبور الصحراء مباغتة كاملة للروم لم يكونوا يتوقعونها بتاتًا (2)، مما جعل حاميات المدن والمواقع التي صادفته في طريقه بين العراق وأرض الشام تستسلم لقوته بعد قتال طفيف أو بدون قتال؛ لأنها لم تكن تتوقع أبدًا أن تلاقي قوة جسيمة من المسلمين تظهر عليهم من هذا الاتجاه في هذا الوقت بالذات (3).
لقد تأثر القادة العسكريون على مر التاريخ وتوالي الأزمان بالعبقرية العسكرية الخالدية حتى قال عنه الجنرال الألماني «فون درغولتيس» مؤلف كتاب «الأمة المسلحة»، قائد إحدى الجبهات التركية الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى: «إنه أستاذي في فن الحرب» (4).

2 - خبر المثنى بن حارثة بالعراق بعد ذهاب خالد:
كان المثنى شجاعًا مقدامًا شهمًا غيورًا، وكان ميمون النقيبة حسن الرأي، وكان راسخ العقيدة قوي الإيمان شديد الثقة بالله، بعيد النظر، يؤثر المصلحة العامة على مصلحته
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 6، 7.
(2) قادة فتح العراق والجزيرة: ص 193، نقلا عن الحرب النفسية: 2/ 163.
(3) الحرب النفسية، د: أحمد نوفل: 2/ 162.
(4) معارك خالد بن الوليد ضد الفرس: ص 167.
(1/333)

الخاصة، وكن يشارك أصحابه في السراء والضراء وكان يمتلك موهبة إعطاء القرارات الصحيحة السريعة، وكان ذا إرادة قوية ثابتة يتحمل المسئولية الكاملة في أخطر الظروف والأحوال، يثق بقواته وتثق به قواته ثقة لا حدود لها، ويحبهم ويحبونه حبًّا لا مزيد عليه، ذا شخصية قوية نافذة، فهو بحق كما يقول عنه عمر بن الخطاب: مؤمر نفسه. (1)
كانت له قابلية فائقة تعينه على أعباء القتال، وله ماض ناصع مجيد، وكان دائمًا أول من يهاجم وآخر من ينسحب، وكان خبيرًا بمناطق العراق، جريئًا على الفرس سريع الحركة واسع الحيلة، وكان أول من اجترأ على الفرس بعد الإسلام وجرأ المسلمين عليهم، وأبلى في حروب العراق بلاء لم يبله أحد، وهو الذي رفع معنويات المسلمين وحطم معنويات الفرس. (2) وقد وصف المثنى جنود الفرس فقال: قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والإسلام والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد عليَّ من ألف من العرب، ولمائة من العرب اليوم أشد عليَّ من ألف من العجم، إن الله أذهب بأسهم وأوهن كيدهم فلا يروعَنَّكم زهاء ترونه ولا سواد ولا قسي فج ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كانوا كالبهائم أينما وجَّهتموها اتجهت (3).
كان تعيين الصديق للمثنى على العراق في محله ويدل على معرفته بأقدار الرجال ومعادنهم، وعندما حان وقت رحيل خالد بجيشه إلى الشام خرج معه المثنى لوداعه، ولما حانت لحظة الفراق قال له خالد: ارجع -رحمك الله- إلى سلطانك غير مقصر ولا وان. (4) وتسلم المثنى قيادة العراق بعد خالد، وما إن علم كسرى بذهاب خالد حتى حشد آلاف الجنود بقيادة «هرمز جاذويه» وكتب للمثنى يهدد ويتوعد، فقال: إني قد بعثت إليكم جندًا من وحش أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم. (5) وأجابه المثنى بعقل وفطنة، ولم ينس شجاعته في الرد على هذا المجوسي، فكتب يقول في رسالة لكسرى: إنما أنت أحد رجلين: إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردَّ كيدكم إلى رعاة الدجاج
_________
(1) الحرب النفسية: 2/ 164.
(2) الحرب النفسية: 2/ 164.
(3) من ذي قار إلى القادسية، صالح عماش: ص 124، نقلا عن الحرب النفسية: 2/ 168.
(4) عصر الصحابة، عبد المنعم الهاشمي: ص 189.
(5) الكامل لابن الأثير: 2/ 73.
(1/334)

والخنازير. (1) فجزع أهل فارس من هذا الكتاب ولاموا ملكهم على كتابه، واستهجنوا رأيه. وسار المثنى من الحيرة إلى بابل ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصَّراة الأولى (2) اقتتلوا قتالاً شديدًا جدًا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلاً ذريعًا، وغنموا منهم مالاً عظيمًا، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة ووجدوا الملك قد مات. (3)
وعاد الاضطراب إلى بلاد فارس، وطارد المثنى أعداء الله حتى بلغ أبواب المدائن، ثم كتب إلى أبي بكر بانتصاره على الفرس، واستأذنه في الاستعانة بمن تابوا من أهل الردة لكن انتظاره طال وأبطأ عليه أبو بكر في الرد لتشاغله بأهل الشام وما فيه من حروب، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي (4)، فلما وصل المدينة وجدوا أبا بكر - رضي الله عنه - على فراش المرض وقد شارف على الموت، واستقبله أبو بكر واستمع إليه واقتنع برأيه، ثم طلب عمر بن الخطاب فجاءه، فقال له: اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفَّى رسول الله وما صنعت ولم يصب الخلق بمثله، وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة بهم والجراءة عليهم (5).
* * *
_________
(1) الكامل لابن الأثير: 2/ 73.
(2) الصراة: بالفتح، وهو نهر يستمد من الفرات.
(3) البداية والنهاية: 7/ 18.
(4) البداية والنهاية: 7/ 18.
(5) الكامل لابن الأثير: 2/ 74.
(1/335)

المبحث الثاني
فتوحات الصديق بالشام
تمهيد:
كان اهتمام المسلمين بالشام منذ زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ حيث كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابًا يدعوه إلى الإسلام، وكتب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان بالبلقاء (1) من أرض الشام، وعامل قيصر على العرب يدعوه إلى الإسلام، فأدركته العزة بالإثم فأراد أن يغزو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتاه أمر من قيصر ينهاه عن ذلك، وأرسل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جيشًا بقيادة زيد بن حارثة فاستشهد في مؤتة هو وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وتولى بعدهم خالد ابن الوليد الذي قام بمناورة عسكرية ناجحة تركت أثرًا بعيدًا في نفوس أهالي تلك المناطق. ونستطيع أن نقول إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتلك الغزوة وضع أسسًا وقطع خطوة نحو القضاء على دولة الروم المتجبرة في بلاد الشام، وهز هيبتها من قلوب العرب، وحمس المسلمين للاستعداد المعنوي والمادي لإتمام بقية الخطوات المباركة، بل قاد غزوة تبوك بنفسه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ومن خلال الاحتكاك الميداني استطاع المسلمون أن يتعرفوا على حقيقة قوات الروم ومعرفة أساليبهم في القتال، وأعطت تلك الغزوات الفرصة لأهالي بلاد الشام على أن يتعرفوا على أصول هذا الدين ومبادئه وأهدافه، فآمن كثير من أهالي تلك البلاد واستمر الصديق على المنهج الذي وضعه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولذلك أصر بعد وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إنفاذ جيش أسامة. ولما عقد الصديق الألوية من ذي القصة عقد منها لواءً لخالد بن سعيد بن العاص ووجهه إلى مشارف الشام، ثم أمره أن يكون ردءًا للمسلمين بتيماء (2)، لا يفارقها إلا بأمره ولا يقاتل إلا من قاتله، فبلغ خبره هرقل ملك الروم فجهز جيشًا من العرب التابعين للروم من بهراء وسليح وكلب ولخم وجذام وغسان، فسار إليهم خالد بن سعيد فلقيهم على منازلهم فافترقوا، وأرسل هو لأبي بكر بالخبر فكتب إليه يأمره بالإقدام، وأن يزحف على الروم قبل تنظيم صفوفهم، ونصحه أن يحافظ على خط رجعته وأن لا يتوغل كثيرًا في بلاد العدو، وجاء في جواب الخليفة
_________
(1) البلقاء: من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، عاصمتها عمان.
(2) تيماء: بلدة في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى.
(1/336)

له: أن «أقدم ولا تحجم، واستنصر بالله». فتقدم خالد حتى بلغ القسطل في طريق البحر الميت فهزم جيشًا من الروم على الشاطئ الشرقي للبحر، ثم تابع مسيرته، عند ذلك هاج الروم فجمعوا قوات تزيد على ما جمعوا في تيماء، ورأى خالد تجمعهم فكتب إلى الخليفة يستمده ليتابع تقدمه، فبعث إليه عكرمة بن أبي جهل بجيش البدال، (1)
كما بعث إليه الوليد بن عقبة بجموع أخرى، فلما وصلت هذه القوات إلى خالد بن سعيد أمر بالهجوم على الروم وأخذ طريقه إلى مرج الصفر، وانحدر القائد الرومي ماهان بجيشه يستدرج جيوش المسلمين التي اتجهت إلى جنوب البحر الميت، ووصلت إلى مرج الصفر شرقي بحيرة طبرية، واغتنم الروم على المسلمين الفرصة وأوقعوا بهم الهزيمة، وصادف ماهان سعيد بن خالد بن سعيد في كتيبة من العسكر فقتلهم وقتل سعيدًا في مقدمتهم، وبلغ خالد مقتل ابنه، ورأى نفسه قد أحيط به فخرج هاربًا في كتيبة من أصحابه على ظهور الخيل، وقد نجح عكرمة في سحب بقية الجيش إلى حدود الشام (2).

أولاً: عزم أبي بكر على غزو الروم ومبشرات في الطريق:
كان أبو بكر يفكر في فتح الشام، ويجيل النظر ويقلب الرأي في ذلك، وبينما كان الصديق مشغولاً بذلك الأمر جاء شرحبيل بن حسنة -أحد قواد المسلمين في حروب الردة- فقال: يا خليفة رسول الله، أتحدث نفسك أنك تبعث إلى الشام جندًا؟ فقال: نعم، قد حدثت نفسي بذلك وما أطلعت عليه أحدًا وما سألتني عنه إلا لشيء، قال: أجل إني رأيت يا خليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خَرْشفة من الجبل -يعني مسلكًا وعرًا- حتى صعدت قُنَّة من القنات العالية فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنات إلى أرض سهلة دمثة -يعني لينة- فيها الزرع والقرى والحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم ففتح الله لك وألقوا إليك السلم، ووضع الله لك مجلسًا فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر فاشكر ربك
_________
(1) كان عكرمة قد رجع من كندة وحضرموت عن طريق اليمن ومكة، فلما بلغ المدينة أمره الخليفة أن يسير مددًا لخالد بن سعيد، وكان عكرمة قد سرح الجند الذين قاتلوا معه في جنوب شبه الجزيرة، فاستبدل الخليفة بهم غيرهم وأمرهم أن يسيروا تحت لواء عكرمة إلى الشام ..
(2) أبو بكر الصديق، د: نزار الحديثي، خالد الجنابي: ص 58.
(1/337)

واعمل بطاعته، ثم قرأ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3]، ثم انتبهت.
فقال له أبو بكر: نامت عينك، خيرًا رأيت، وخيرا يكون إن شاء الله، ثم قال: بشرت بالفتح ونعيت إليَّ نفسي، ثم دمعت عينا أبي بكر وقال: أما الخرشفة التي رأيتنا فيها حتى صعدنا إلى القنة العالية فأشرفنا على الناس، فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا، وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش، وأما قولي للمسلمين: شنوا على أعداء الله الغارة فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة، فإن ذلك دنو المسلمين إلى بلاد المشركين وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأما الراية التي كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها فاستأمنوا فأمنتهم، فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك، وأما الحصن الذي فتح الله لي فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالسًا فإن الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله تعالى {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف: 100]، وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عليَّ السورة فإنه نعى إليَّ نفسي، وذلك أن
النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة، وعلم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سالت عيناه وقال: لآمرن بالمعروف ولأنهين عن المنكر ولأجهدن فيمن ترك أمر الله ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله -يعني المشركين به- في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد أحد لا شريك له، أو يؤدوا الجزية عن يد وهو صاغرون، هذا أمر الله وسنة
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإذا توفاني الله -عز وجل- لا يجدني الله عاجزًا ولا وانيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهدًا. (1)
فهذه الرؤيا الصالحة من المبشرات التي حدث بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ حيث قال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات». قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» (2)، فهذه الرؤيا جاءت على قدر لتدفع الصديق إلى العزم على ما همَّ به وإعلان ما أضمره، فدعا إلى عقد مجلس شورى بخصوص غزو الشام، فقد أخذ الصديق بالعزيمة والعمل والتوكل على الله واستأنس بالرؤيا.
_________
(1) تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 61، 62، فتوح الشام للأزدي: ص 14، نقلا عن التاريخ الإسلامي للحميدي: 9/ 177، 178.
(2) البخاري، كتاب التعبير، رقم: 6990.
(1/338)

ثانيًا: مشورة أبي بكر في جهاد الروم واستنفار أهل اليمن:
1 - مشورة أبي بكر في جهاد الروم:
لما أراد أبو بكر - رضي الله عنه - أن يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه فقال: إن الله -تبارك وتعالى- لا تحصى نعمه، ولا تبلغ الأعمال جزاءها، فله الحمد كثيرًا على ما اصطنع عندكم من جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلهًا غيره، فالعرب أمة واحدة، بنو أب وأم، وقد أردت أن أستنفركم إلى الروم بالشام، فمن هلك هلك شهيدًا وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعا عن الدين، مستوجبًا على الله -عز وجل- ثواب المجاهدين. هذا رأيي الذي رأيت، فليشر عليَّ كل امرئ بمبلغ رأيه، فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي ذكرت، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت، أصاب الله بك سبل الرشاد. سرِّب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال تتبعها الرجال، والجنود تتلوها الجنود، فإن الله -عز وجل- ناصر دينه ومعز الإسلام وأهله، ومنجز ما وعد رسوله. ثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال: يا خليفة رسول الله، إنها الروم وبنو الأصفر، حد حديد وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحامًا، ولكن تبعث الخيل فتغير في أدنى أرضهم، ثم تبعثها فتغير، ثم ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بعدوهم وغنموا من أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصي أهل اليمن وإلى ربيعة ومضر فتجمعهم إليك، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت بعثت على غزوهم غيرك، ثم جلس وسكت الناس.
فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون رحمكم الله؟ فقام عثمان بن عفان -رضوان الله عليه- فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قال: رأيي أنك ناصح لأهل هذا الدين، عليهم شفيق، فإذا رأيت رأيًا علمته رشدًا وصلاحًا وخيرًا، فاعزم
(1/339)

على إمضائه غير ظنين ولا متهم. (1) فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فامضه فإنا سامعون لك مطيعون لا نخالف أمرك، ولا نتهم رأيك ولا نتخلف عن دعوتك، فذكروا هذا وشبهه، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في القوم لا يتكلم، فقال له أبو بكر: ما ترى يا أبا الحسن؟
فقال: أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة (2)، وإنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله. فقال أبو بكر: بشرك الله بخير، فمن أين علمت هذا؟ قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهرًا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون» (3) فقال أبو بكر: سبحان الله ما أحسن هذا الحديث! لقد سررتني سرك الله في الدنيا والآخرة.
ثم إن أبا بكر - رضي الله عنه - قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله، وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام وأعزكم بالجهاد، وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإنني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسيرتكم وطعمتكم؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. (4) وأمر أبو بكر بلالاً فنادى في الناس: أن انفروا إلى جهاد عدوكم الروم بالشام (5).
من هذه المشورة تبين لنا منهج أبي بكر - رضي الله عنه - في مواجهة الأمور الكبيرة، حيث لم يكن يبتُّ فيها برأي حتى يجمع أهل الحل والعقد فيستشيرهم، ثم يصدر بعد ذلك عن رأي ممحص مدروس، وهذه هي سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما مر معنا في السيرة النبوية، وحينما نتأمل في تفاصيل هذه المحاورة نجد أن الصحابة -رضي الله عنهم- قد أجمعوا على موافقة أبي بكر في غزو الروم، وإنما تنوعت وجهات نظر بعضهم في كيفية هذا الغزو؛ فكان رأي عمر إرسال الجيوش تلو الجيوش حتى تتجمع في الشام فتكون قوة كبيرة تستطيع أن تصدر للأعداء، وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يبدأ الغزو بقوات
_________
(1) يعني: لا نظن بك التقصير، ولا نتهمك في إخلاصك.
(2) النقيبة: الرأي والمشورة.
(3) البخاري، كتاب الاعتصام، رقم: 7311. مسلم، كتاب الإمارة رقم: 1533.
(4) تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 63 - 65، نقلا عن الحميدي.
(5) تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 63 - 65، نقلا عن الحميدي.
(1/340)

صغيرة تغير على أطراف الشام ثم تعود إلى المدينة، حتى إذا تم إرهاب العدو وإضعافه تبعث الجيوش الكبيرة، وقد أخذ أبو بكر برأي عمر في هذا الأمر، واستفاد من رأي عبد الرحمن بن عوف فيما يتعلق بطلب المدد بالجيوش من قبائل العرب، وخاصة أهل اليمن (1).

2 - استنفار أهل اليمن:
كتب الصديق إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، وهذا هو نص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن: سلام عليكم. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد وأمرهم أن ينفروا خفافًا وثقالاً، وقال: جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، والجهاد فريضة مفروضة، وثوابه عند الله عظيم، وقد استنفرنا مَن قِبَلَنا من المسلمين إلى جهاد الروم بالشام، وقد سارعوا إلى ذلك، وعسكروا وخرجوا وحسنت بذلك نيتهم وعظمت في الخير حسبتهم، فسارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه ولتحسن نيتكم فيه؛ فإنكم إلى إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة، فإن الله -تبارك وتعالى- لم يرضَ من عباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم الكتاب. حفظ الله دينكم وهدى قلوبكم وزكَّى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين. (2) وبعث الصديق هذا الكتاب مع أنس بن مالك - رضي الله عنه -، وفي هذا الكتاب يظهر دور أبي بكر - رضي الله عنه - في حث المسلمين وجمعهم للجهاد في سبيل الله وهو ما يمكن أن يسمى بـ (التعبئة العامة) (3).
ومن خطاب الصديق لأهل اليمن يتضح أن الجهاد من أجل تحقيق غرضين: تحقيق إسلام المسلمين؛ لأن الله لا يرضى لعباده بالقول دون العمل، ومقاتلة غير المسلمين حتى يدينوا بدين الحق ويقروا لحكم كتاب الله، وهذا هو السبب الذي جعل أهل اليمن ينساحون من جميع أرجاء اليمن بأعداد هائلة، ولم يصل إلى علمنا أن أحدًا منهم خرج
_________
(1) التاريخ الإسلامي للحميدي: 9/ 188.
(2) تاريخ فتوح الشام للأزدي: ص 48، تهذيب تاريخ دمشق: 1/ 129.
(3) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 294.
(1/341)

مستكرهًا بل خرجوا طواعية، وأقبلت جموعهم بنسائهم وأولادهم وكانوا من أسرع المستجيبين للنداء حبًّا ورغبة في الجهاد. ويعبر عن هذا أنس بن مالك حامل رسالة الصديق إلى أهل اليمن، والذي تنقل بين أحيائهم قبيلة قبيلة وجناحًا جناحًا يقرأ عليهم كتاب أبي بكر ويحثهم على الإسراع، فقال: فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع هذا القول يحسن الرد عليَّ ويقول: نحن سائرون وكأنا قد فعلنا، حتى انتهيت إلى ذي الكلاع، فلما قرأت عليه الكتاب وقلت هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض في قومه من ساعته ولم يؤخر ذلك، وأمر بالعسكر، فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن، وقد قام فيهم خطيبًا فقال فيما قاله: ثم قد دعاكم إخوانكم الصالحون إلى جهاد المشركين واكتساب الأجر العظيم، فلينفر من أراد النفير معي الساعة. (1) فعاد أنس بن مالك في حوالي 11 رجب 12هـ وبشر أبا بكر بقدوم القوم، فقال: قد أتوك شعثًا غبرًا أبطال اليمن وشجعانها وفرسانها، وقد ساروا إليك بالذراري والحرم والأموال (2)،
وما لبث إلا أيامًا حتى قدم ذو الكلاع الحميري وقومه في حوالي 16 رجب 12 هـ (3)، ولم تكن هذه الاستجابة الفورية الراغبة خاصة بأهل «حمير»؛ بل كل من جاء من اليمن كان على نفس المستوى؛ وعلى سبيل المثال فقد قدم من «همدان» أكثر من ألفي رجل وعليهم حمزة بن مالك الهمداني (4)، وعندما قدم أهل اليمن على المدينة ودخلوا المسجد على أبي بكر فلما سمعوا القرآن اقشعرت جلودهم من خشية الله وجاشت أنفسهم، وجعلوا يبكون خاشعين، فبكى أبو بكر وقال: هكذا كنا، ثم قست القلوب. (5) وعندما رأى ذو الكلاع الحميري الصديق وجده شيخًا نحيلاً معروق الوجه وعليه ثوب خشن ولا شيء يسطع من ثيابه! لا شيء على الإطلاق غير الورع يضيء وجهه الأبيض، وكان ذو الكلاع قدم على الصديق من اليمن ومن خلفه ومن حوله ألف عبد من الفرسان، وعلى رأسه التاج وعلى حلته الجواهر المتلألئة وبردته تسطع بخيوط الذهب المرصع باللآلي والياقوت والمرجان، فلما شاهد ما عليه الصديق من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة، تأثر ذو الكلاع ومن معه من
_________
(1) الكامل لابن الأثير: 2/ 64؛ اليمن في صدر الإسلام: ص 301، 302.
(2) اليمن في صدر الإسلام: ص 302 ..
(3) اليمن في صدر الإسلام: ص 302 ..
(4) اليمن في صدر الإسلام: ص 302 ..
(5) الصديق أول الخلفاء: ص 114، أبو بكر للطنطاوي: ص 218.
(1/342)

السادة فذهبوا مذهب الصديق ونزعوا ما كان عليهم. (1) وقد تأثر ذو الكلاع بالصديق وتَزيَّا بزيه حتى إنه رئي يومًا في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة ففزعت عشيرته،
وقالوا له: فضحتنا بين المهاجرين والأنصار! قال: فأردتم أن أكون جبارًا في الجاهلية
جبارًا في الإسلام؟ لا ها الله (أي لا والله) لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع والزهد في هذه الدنيا (2).
وصنعت ملوك اليمن كما صنع ذو الكلاع الحميري، فتخلوا عن التيجان المثقلة بالجواهر، وتركوا حلل المخمل الموشى بخيوط الذهب والياقوت والدر والمرجان، واشتروا من سوق المدينة ثيابًا خشنة، ووضع الصديق في بيت المال ما تخلوا عنه جميعًا من نفائس (3).
كان أبو بكر - رضي الله عنه - خير من تمثل بالإسلام في حياته بعد رسول الله، وكان لسان حاله دعوة إلى الله تعالى، وأبلغ نصيحة تلك التي يشاهدها الناس من طريق العين لا من طريق الأذن، وخير الناصحين من ينصح بأفعاله لا بأقواله، فلما رأى ملوك اليمن أن أبا بكر خليفة رسول الله وصاحب الأمر والنهي في الجزيرة العربية يمشي في الأسواق ويلبس العباءة والشملة، علموا أن هناك شيئًا أعظم من الثياب المزركشة والذهب واللآلئ؛ هو النفس العظيمة فسعوا ليتشبهوا بأبي بكر، واستحيوا من الله والناس أن يقابلوا خليفة رسول الله بالتاج والبرود والحلي وهو بعباءة، فقد صغرت عليهم نفوسهم وهانت وهدأت ثورتها وانطفأت سورتها كما ينطفي النجم الصغير إذا واجه الشمس! رحم الله أبا بكر؛ فقد كان عظيمًا في تواضعه، متواضعا في عظمته (4).

ثالثًا: عقد الصديق الألوية للقادة وتوجيه الجيوش:
عزم الصديق على تسيير الجيوش لبلاد الشام فدعا الناس إلى الجهاد، وعقد الألوية لأربعة جيوش أرسلها لفتح الشام، وهي:

1 - جيش يزيد بن أبي سفيان:
وهو أول الجيوش التي تقدمت إلى بلاد الشام، وكانت مهمته الوصول إلى دمشق
_________
(1) مروج الذهبي للمسعودي: 2/ 305.
(2) مروج الذهبي للمسعودي: 2/ 305.
(3) الصديق أول الخلفاء: ص 137، 138.
(4) أبو بكر الصديق، على طنطاوي: ص 219.
(1/343)

وفتحها ومساعدة الجيوش الأربعة عند الضرورة، وكان جيش يزيد أول الأمر ثلاثة آلاف، ثم عززه الخليفة بالإمدادات حتى صار معه بحدود السبعة آلاف رجل، وقبل رحيل جيش يزيد أوصاه الخليفة أبو بكر وصية بليغة عالية المستوى تشتمل على حِكَم باهرة في مجالي الحرب والسلم، وشيَّعه ماشيًا وأوصاه بما يأتي: إني قد وليتك لأبلونك وأجربك وأخرِّجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك. فعليك بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم توليًا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد (1)، فإياك وعِبِّيَّة الجاهلية (2) فإن الله يبغضها ويبغض أهلها. إذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليكم رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لُبْثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به ولا ترينهم فيروا خللك (3)، ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك (4)،
وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تَخْزُن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق ولا تلجَّنَّ فيها، ولا تسرع إليها ولا تتخذ لها مدفعًا، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتفِ بعلانيتهم، ولا تجالس العبَّاثين وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول؛ فإنه يقرب الفقر
_________
(1) يعني: عمل خالد بن سعيد بن العاص، وكان قد استعفى أبا بكر فأعفاه.
(2) يعني التعصب لما كان عليه أهل الجاهلية.
(3) يعني: لا تطلعهم على دخيلة أمرك فيطلعوا على عيوبك.
(4) يعني: ليروا قوة المسلمين ..
(1/344)

ويدفع النصر، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له. قال ابن الأثير: وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعا لولاة الأمر (1).
من فوائد هذه الوصية:
* أن الولايات والمناصب ليست حقًّا ثابتًا لأصحابها، وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلى أن يعزلهم إذا أساءوا، وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلى مضاعفة الجهد في بذل الطاعة ليصل إلى مستوى أعلى من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلى الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا فيخل بمسئوليته ويعرض من تحت ولايته إلى أنواع من الفساد والفوضى والنزاع.
* إن تقوى الله -عز وجل- هي أهم عوامل النجاح في العمل؛ لأن الله تعالى مطلع على ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فحري بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لا تلتزم بتقوى الله تعالى.
* التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان على الانحراف عن الطريق المستقيم، إذا كان ما عليه الآباء والأجداد مخالفًا للاستقامة، إضافة إلى أنه يضعف من الانتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله تعالى.
* الإيجاز في الموعظة؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا فيضيع المقصود، ويغلب على السامع الإعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغًا عن استيعاب ما يقول، والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغا فإن الملل يأخذ بالسامع فلا يعي ما يقول المتكلم.
* إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجًا صالحًا للقدوة الحسنة، فإن ذلك يكون سببا في صلاح مَنْ هم تحت رعايته.
* الاهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهرًا ومخبرًا، مظهرًا من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومخبرًا من ناحية الخشوع فيها وحضور القلب مع الله تعالى، فإن هذه الصلاة
_________
(1) الكامل لابن الأثير: 2/ 64، 65.
(1/345)

الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذب السلوك وتقوي القلوب، وتبعث على ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذًا للمسلم عند الشدائد.
* إكرام رسل العدو إذا قدموا، مع الاحتراس منهم وتمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلى الإسلام فيما إذا عرف العالم ما يتحلى به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لا يصل هذا الإكرام إلى حد إطلاعهم على بطانة أمور المسلمين؛ بل ينبغي إطلاعهم على قوة جيش المسلمين ليرهبوا بذلك أقوامهم.
* الاحتفاظ بالأسرار وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيها يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التصرف في الأمور وإن تغيرت وجوهها ما دام سره حبيسًا في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور ولم يستطع التحكم فيها.
* إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها، فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر فإنه لا يستطيع أن يفيد مَنْ استشاره حتى ينكشف له أمره بغاية الوضوح،
فإذا أخفى المستشير بعض تفاصيل القضية، فإنه يكون قد جنى على نفسه؛ حيث قد يتضرر بهذه المشورة.
* أن على القائد وكل مسئول أن يكون مخالطًا لمن ولي أمرهم على مختلف طبقاتهم؛ ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له على تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولا يختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لا يصل إليه من المعلومات إلا ما كان من طريق هؤلاء، وقد لا يكشفون له الأمور على غير وجهها الصحيح.
* الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة في مكامن الخطر، واختبار الحراس الأمناء من ذوي النباهة، وعدم وضع الثقة الكاملة بهم؛ بل لا بد من الرقابة عليهم حتى لا يؤتى المسلمون من قبلهم.
* أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكًا وسطًا فلا يتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرئه على مزيد من المخالفة ويجرئ غيره على ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضى وينفلت الأمر، ولا يشتد في العقوبة فينفر الرعية، ويدفعهم إلى التسخط والتحزب؛ بل تكون عقوبته بحكمة واتزان وبعد النظر والتروي؛ بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة ولا دفع إلى النقد والتسخط.
(1/346)

* أن يكون لدى المسئول يقظة وانتباه لكل ما يجري في حدود المسئولية المناطة به؛ حتى يشعر أفراد الرعية بأن هناك اهتمامًا بأمورهم فيزيد المحسن إحسانًا ويقتصر المسيء عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم؛ فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر على الجميل، وهذا الخيط ما دام قائمًا فإنه يمنع أصحاب الجنوح من ارتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضى، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوى الله تعالى، فإن أهم الحواجز التي تحول دون الانطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور؛ لأنها تحتاج إلى قوة رادعة، وهذه لها سلبياتها المعروفة.
* أن يحرص المسئول على مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة، وإن سمع منهم ما يكره أحيانًا من النقد والتوجيه؛ فإن ذلك يعود عليه وعلى من استرعاه الله أمرهم بالنفع. وأن لا يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية، فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم، فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.
* أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لا يجبن؛ فإن جبنه يسري على جنده، فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسئول شجاعًا في مواجهة المواقف، وأن لا يضعف فيسري ضعفه على من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوى الأداء ويضعف الإنتاج.
* أن يتجنب القائد الغلول (وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها)، هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسئول أية استفادة دنيوية من عمله لا تحل له شرعًا؛ مثل: أخذ الهدايا التي يقصد بها من دفعها الاستفادة من المسئول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب إلى الفقر ويدفع النصر.
* ومن هذه الفوائد تبين لنا عظمة هذه الوصية التي أوصى بها أبو بكر أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين، وأنه كان يتصور ما قد يواجهه قواده، فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة الأنواع، فإذا تأملت
(1/347)

إدارته للحكم وجدت رجلاً بارعًا في أمور السياسة، وإذا رأيت توجيهه للقادة العسكريين تجده رجلاً بارعًا في شئون الحرب وكأنه مع القادة في الميادين، وإذا رأيت رحمته وتأليفه للقلوب رأيت رجلاً بارعًا في الدعوة إلى الله تعالى، فهو الرجل الرحيم بالمؤمنين، الرافع لشأن أهل البلاء والصدق منهم، الخبير بأهل الكفاءة والقدرة، القوي الحازم على أعداء الله من المنافقين والكافرين (1).

2 - جيش شرحبيل بن حسنة:
حدد أبو بكر الصديق لمسير شرحبيل ثلاثة أيام بعد مسير يزيد بن أبي سفيان، فلما مضى اليوم الثالث ودع أبو بكر شرحبيل وقال له: يا شرحبيل ألم تسمع وصيتي ليزيد بن أبي سفيان؟ قال: بلى، قال: فإني أوصيك بمثلها وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن ليزيد: أوصيك بالصلاة في وقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل، وبعيادة المرضى وبحضور الجنائز وذكر الله كثيرًا على كل حال. فقال شرحبيل: الله المستعان، وما شاء الله أن يكون كان. (2) وكان جيش شرحبيل ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، وأمره أن يسير إلى تبوك والبلقاء ثم بصرى، وهي آخر مرحلة. وتقدم شرحبيل نحو البلقاء حيث لم يلق مقاومة تذكر وكان يسير على الجناح الأيسر لجيش أبي عبيدة والجناح الأيمن لجيش عمرو بن العاص في فلسطين، فأوغل في البلقاء حتى بلغ بصرى فأخذ يحاصرها، فلم يوفق في فتحها لأنها كانت من المراكز الحصينة (3).

3 - جيش أبي عبيدة بن الجراح:
لما عزم الصديق على بعث أبي عبيدة بن الجراح بجيشه دعاه فودعه، ثم قال له: اسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له ثم يعمل بما أمر به، إنك تخرج في أشراف الناس وبيوتات العرب وصلحاء المسلمين وفرسان الجاهلية، كانوا يقاتلون إذ ذاك على الحمية، وهم اليوم يقاتلون على الحسبة والنية الحسنة. أحسن صحبة من صحبك، وليكن الناس عندك في الحق سواء، واستعن بالله وكفى بالله معينًا، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً،
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 192 - 197.
(2) فتوح الشام للأزدي: ص 15.
(3) أبو بكر الصديق، نزار الحديثي: ص 62.
(1/348)

اخرج من غد إن شاء الله. (1) وكان جيشه يتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف مجاهد، وهدف ذلك الجيش حمص، سار أبو عبيدة من المدينة مارًّا بوادي القرى، ثم اطلع إلى الحجر «مدن صالح»، ثم إلى ذات منار، ثم إلى زيزا، ومنها إلى مأمؤاب، فالتقى بقوة للعدو فقاتلهم، ثم صالحوه فكان أول صلح عقد في الشام، ثم واصل تقدمه نحو الجابية (2)، وكان هذا الجيش الجناح الأيسر للجيش الأول والجناح الأيمن للجيش الثاني (3)، وكان في صحبة أبي عبيدة بن الجراح فارس من فرسان العرب المشهورين، قيس بن هبيرة بن مسعود المرادي فأوصى به الصديق أبا عبيدة قبل سفره وقال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف، فارس من فرسان العرب ليس بالمسلمين غناء عن رأيه ومشورته وبأسه في الحرب، فأدنه وألطفه وأره أنك غير مستغن عنه ولا مستهين بأمره، فإنك تستخرج بذلك نصيحته لك وجهده وجدَّه على عدوك.
ودعا أبو بكر قيس بن هبيرة فقال: إني بعثتك مع أبي عبيدة الأمين الذي إذا ظُلم لم يظلم، وإذا أُسيء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، فلا تعصين له أمرًا، ولا تخالفن له رأيا، فإنه لن يأمرك إلا بخير، وقد أمرته أن يسمع منك فلا تأمره إلا بتقوى الله، قد كنا نسمع أنك شريف ذو بأس سيد مجرب في زمان الجاهلية الجهلاء؛ إذ ليس فيهم إلا الإثم، فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك في الإسلام على المشركين وعلى من كفر بالله وعبد معه غيره، فقد جعل الله في ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل والعز للمسلمين. فقال قيس بن هبيرة: إن بقيت وأبقاك الله فسيبلغك عني من حيطتي عن المسلم وجهدي على الكافر ما تحب ويسرك ويرضيك، فقال له أبو بكر - رضي الله عنه -: افعل ذلك رحمك الله. قال: فلما بلغ أبا بكر مبارزة قيس بن هبيرة البطرقين بالجابية وقتله إياهما قال: صدق قيس وبر ووفى (4).
ونلحظ أن أبا بكر - رضي الله عنه - شحذ همة قيس بن هبيرة وفجر طاقاته الكامنة في نفسه، واستخرج منه أعلى ما أمكن من طاقة وصرفها في حماية الإسلام والجهاد في
_________
(1) فتوح الشام للأزدي: ص 17.
(2) الكامل لابن الأثير: 2/ 66.
(3) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين، نهاد عباس: ص 141.
(4) فتوح الشام للأزدي: ص 26، 27.
(1/349)

سبيله، ولا شك أن الثناء على العظماء والنبلاء بذكر فضائلهم يرفع من معنوياتهم ويمنحهم قوة عالية تدفعهم إلى التضحية والفداء (1).

4 - جيش عمرو بن العاص:
وجه الصديق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين، وكان الصديق قد خيره بين البقاء في عمله الذي أسنده إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبين أن يختار له ما هو خير له في الدنيا والآخرة إلا أن يكون الذي هو فيه أحب إليه، فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به. (2) فلما قدم المدينة أمره أبو بكر - رضي الله عنه - أن يخرج من المدينة وأن يعسكر حتى يندب معه الناس، وقد خرج معه عدد من أشراف قريش، منهم: الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل. فلما أراد المسير خرج معه أبو بكر يشيعه وقال: يا عمرو إنك ذو رأي وتجربة بالأمور وبصر بالحرب، وقد خرجت مع أشراف قومك ورجال من صلحاء المسلمين، وأنت قادم على إخوانك فلا تألهم نصيحة، ولا تدخر عنهم صالح مشورة، فرب رأي لك محمود في الحرب مبارك في عواقب الأمور. فقال عمرو بن العاص: ما أخلقني أن أصدِّق ظنك، وأن لا أفَيِّل رأيك. (3)
وخرج عمرو بقواته وكان تعداده يتراوح من ستة إلى سبعة آلاف مجاهد وهدفها فلسطين، وسلكت طريقًا لساحل البحر الأحمر حتى وادي عربة في البحر الميت، ونظم عمرو ابن العاص قوة استطلاع مؤلفة من ألف مجاهد ودفعها باتجاه محور تقدم الروم، ووضع على قيادتها عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، واصطدمت هذه القوة بقوات الروم، واستطاعت انتزاع النصر وتمزيق قوة العدو، وعادت ببعض الأسرى فاستنطقهم عمرو بن العاص، وعلم منهم أن جيش العدو بقيادة «رويس» يحاول مباغتة المسلمين بالقيام بالهجوم، وعلى ضوء المعلومات الجديدة نظم عمرو قواته. وشن الروم هجومهم، واستطاع المسلمون صده ونجحوا في رد قوات الروم، وبعد ذلك شنوا هجومهم المضاد ودمروا قوة العدو
وأرغموهم
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 206.
(2) إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء: ص 55.
(3) أي: أن لا يخطئ رأيك في، فتوح الشام للأزدي: ص 48 - 51.
(1/350)

على الفرار وترك ميدان المعركة، وتابع الفرسان المطاردة وانتهت بسقوط الألوف القتلى من الروم (1).
وأمر الصديق - رضي الله عنه - كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح، وكأن الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب (2) حين قال لبنيه: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67].

رابعًا: تأزم الموقف في بلاد الشام:
كانت الجيوش المكلفة بفتح بلاد الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها؛ فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها، وقد بنت الحصون والقلاع للدفاع عن مراكز المدن، واستخدمت أسلوب الكراديس في تنظيم جيوشها. لقد كان للروم في الشام جيشان كبيران أحدهما في فلسطين والآخر في أنطاكية، وتمركز هذان الجيشان في ستة مواضع على الشكل الآتي:
أ- أنطاكية: وهي عاصمة الشام في العهد الرومي.
ب- قنسرين: وتقع بين حماة وحلب على مسافة خمسة وعشرين كيلو مترا جنوبي غربي حلب، وهي حدود بلاد الشام التي تحاذي فارس في الشمال الغربي.
ج- حمص: ويمتد نفوذها العسكري حتى تدمر وصحراء الشام، وهي حدود بلاد الشام التي تحاذي فارس من الشمال الشرقي.
د- عمان: قاعدة البلقاء، وفيها قلعة محصنة.
هـ- أجنادين: قاعدة الروم العسكرية في جنوب فلسطين وعلى حدود بلاد العرب الشرقية والغربية، وعلى حدود مصر.
وقيسارية: في شمال فلسطين، وتبعد عن حيفا ثلاثة عشر كيلو مترًا ولا تزال أنقاضها قائمة.
_________
(1) العمليات التعرضية الدفاعية عند المسلمين: ص 143.
(2) البداية والنهاية: 7/ 4.
(1/351)

أما مقر القيادة العامة فهو أنطاكية أو حمص، وعندما شهد قائد الروم هرقل الذي كان يشرف على الموقف بنفسه في «إيليا» توغلَ الجيوش الإسلامية، أصدر أوامره إلى قواته بالتوجه لتدمير هذه الجيوش، وكانت خطة مواجهة الجيوش الإسلامية كالآتي:
- يتراجع الروم أمام المسلمين ويتخلون لهم عن الحدود الشامية الحجازية.
- تتجمع وحدات الجيش الأول في فلسطين بعد تقريرها بقيادة سرجون.
- تتجمع وحدات الجيش الثاني في أنطاكية بقيادة تيدور.
- تتحرك هذه الجيوش وتهاجم أمراء الإسلام الأربعة الواحد بعد الآخر؛ وذلك لتسهيل تصفية جيوش الإسلام على انفراد. وعلى أساس هذه الخطة التي وضعها هرقل تحركت جيوش الروم وحسب الترتيب الآتي (1):
- توجيه أخيه تذارق في تسعين ألفا للقضاء على جيش عمرو بن العاص.
- توجيه بن توذر إلى يزيد بن أبي سفيان.
- توجيه القبقار بن ننطوس في ستين ألفا إلى جيش أبي عبيدة.
- توجيه الدارقص نحو شرحبيل بن حسنة (2).
استطاع المسلمون الحصول على المعلومات الدقيقة عن هذه الجيوش ونواياهم بكل تفاصيلها، وعن تفاصيل الخطة الرومية التي كان قد وضعها هرقل لتدمير الجيوش الإسلامية كل على انفراد، وراسل قادة المسلمين الخليفة بالمدينة، فكتب أبو عبيدة إلى أبي بكر -رضي الله عنهما- يخبره بما بلغه مما جمع هرقل ملك الروم من الجموع، وهذا نص كتاب أمين الأمة إلى الصديق: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي بكر خليفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أبي عبيدة ابن الجراح، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله عزا متينا، وأن يفتح لهم فتحا يسيرا، فإنه بلغني أن هرقل ملك الروم نزل قرية من قرى الشام تدعى أنطاكية، وأنه بعث إلى أهل مملكته فحشرهم إليه، وأنهم نفروا إليه على الصعب والذلول (3)، وقد رأيت أن
_________
(1) معارك خالد بن الوليد، العميد ياسين سويد: ص 77، 78.
(2) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين: ص 147.
(3) يعني: الخيل بأنواعها، ما يصعب قياده منها وما يسهل، والمراد وصفهم بالكثرة.
(1/352)

أعلمك ذلك فترى فيه رأيك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه أبو بكر - رضي الله عنه -: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم، فأما منزله بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه وفتح من الله عليك وعلى المسلمين، وأما ما ذكرت من حشره لكم أهل مملكته وجمعه لكم الجموع، فإن ذلك ما قد كنا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، وما كان قوم ليدعوا سلطانهم ويخرجوا من ملكهم بغير قتال، وقد علمت والحمد لله، قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحبون الموت حب عدوهم للحياة، ويرجون من الله في قتالهم الأجر العظيم، ويحبون الجهاد في سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم وعقائل أموالهم، الرجل منهم عند الفتح خير من ألف رجل من المشركين، فالقهم بجندك ولا تستوحش لمن غاب عنك من المسلمين، فإن الله معك، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال، حتى تكتفي ولا تريد أن تزداد إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1).
وكتب يزيد بن أبي سفيان إلى أبي بكر - رضي الله عنه - بنفس مضمون كتاب أبي عبيدة بن الجراح ورد الصديق على يزيد رضي الله عنهم جميعا، وهذا نص الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر فيه تحول ملك الروم إلى أنطاكية، وأن الله ألقى الرعب في قلبه من جموع المسلمين، فإن الله -وله الحمد- قد نصرنا ونحن مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالرعب وأمدنا بملائكته الكرام، وإن ذلك الدين الذي نصرنا الله به بالرعب هو هذا الدين الذي ندعو الناس إليه اليوم، فوربك لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين، ولا من يشهد أن لا إله إلا الله كمن يعبد معه آلهة آخرين ويدين بعبادة آلهة شتى، فإذا لقيتموهم فانهد إليهم بمن معك وقاتلهم فإن الله لن يخذلك، وقد نبأنا الله -تبارك وتعالى- أن الفئة القليلة منا تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال في إثر الرجال حتى تكتفوا ولا تحتاجوا إلى زيادة إنسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله. وبعث الصديق بهذا الكتاب مع عبد الله بن قرط الثمالي، حتى قدم على يزيد فقرأه على المسلمين ففرحوا به وسُرُّوا (2).
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 213، نقلا عن فتوح الشام للأزدي: 30، 31.
(2) فتوح الشام للأزدي: 30 - 33، نقلا عن الحميدي.
(1/353)

وجاء كتاب من عمرو بن العاص بخصوص جموع الروم، ورد عليه الصديق فقال: سلام عليك، أما بعد: فقد جاءني كتابك تذكر ما جمعت الروم من الجموع، وإن الله لم ينصرنا مع نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكثرة جنود، وقد كنا نغزو مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما معنا إلا فَرَسان، وإن نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا يوم أحد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وما معنا إلا فرس واحد كان رسول الله يركبه، ولقد كان يظهرنا ويعيننا على من خالفنا. واعلم يا عمرو أن أطوع الناس لله أشدهم بغضًا للمعاصي، فأطع الله ومر أصحابك بطاعته (1).

خروج هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى الشام:
وشرع الصديق في إمداد الجيوش الإسلامية ببلاد الشام بالرجال والسلاح والخيول وما يحتاجونه، ودعا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وقال له: يا هاشم، إن من سعادة جَدِّك ووفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوها من المشركين، وممن يثق الوالي بنصيحته ووفائه وعفافه وبأسه، وقد بعث إليَّ المسلمون يستنصرون على عدوهم من الكفار، فسر إليهم فيمن تبعك، فإنني نادب الناس معك، فاخرج حتى تقدم على أبي عبيدة أو يزيد قال: لا، بل على أبي عبيدة! قال: فاقدم على أبي عبيدة.
وقام أبو بكر - رضي الله عنه - في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن إخوانكم من المسلمين معافون مدفوع عنهم مصنوع لهم، وقد ألقى الله الرعب في قلوب عدوهم منهم، وقد اعتصموا بحصونهم وأغلقوا أبوابها دونهم عليهم، وقد جاءتني رسلهم يخبرونني بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من قرى الشام في أقصى الشام وقد بعثوا إلي يخبرونني أنه قد وجه إليهم هرقل جندًا من مكانه ذلك، فرأيت أن أمد إخوانكم المسلمين بجند منكم يشدد الله بهم ظهورهم، ويكبت بهم عدوهم، ويلقي بهم الرعب في قلوبهم، فانتدبوا رحمكم الله مع هاشم ابن عتبة بن أبي وقاص واحتسبوا في ذلك الأجر والخير؛ فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة، وإن تهلكوا فهي الشهادة والكرامة، ثم انصرف أبو بكر - رضي الله عنه - إلى منزله ومال الناس على هاشم حتى كثروا عليه، فلما أتموا ألفًا أمره أبو بكر أن يسير فجاء فسلم عليه، وودعه، فقال له أبو بكر - رضي الله عنه -: يا هاشم، إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره، وكنا ننتفع من الشباب بصبره وبأسه ونجدته، وإن الله -عز وجل- قد جمع لك الخصال كلها وأنت حديث السن مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوك فاصبر
_________
(1) خطب أبي بكر الصديق: محمد أحمد عاشور: ص 92.
(1/354)

وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق نفقة ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلا كتب الله به عملاً صالحًا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين.
فقال هاشم: إن يرد الله بي خيرًا يجعلني كذلك وأنا أفعل ولا قوة إلا بالله، وأنا أرجو إن أنا لم أقتل أن أَقْتل ثم أُقْتَل إن شاء الله، فقال له عمه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: يا ابن أخي، لا تطعنن طعنة، ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله، واعلم أنك خارج من الدنيا رشيدًا وراجع إلى الله قريبًا، ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته أو عمل صالح أسلفته، فقال: أي عم، لا تخافن مني غير هذا، إني إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلي وارتحالي وغدوي ورواحي وسيفي وطعني برمحي وضربي بسيفي رياء للناس. ثم خرج من عند أبي بكر - رضي الله عنه - فلزم طريق أبي عبيدة، حتى قدم عليه فتباشر بمقدمه المسلمون وسرُّوا به (1).

خروج سعيد بن عامر إلى الشام:
وبعد ذهاب هاشم بن عتبة بمدة أمر أبو بكر بلالاً فنادى في الناس ألا انتدبوا أيها المسلمون مع سعيد بن عامر بن حذيم إلى الشام فانتدب معه سبعمائة رجل في أيام يسيرة، فلما أراد سعيد بن عامر الشخوص بالناس أتى بلال أبا بكر، فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنت إنما أعتقتني لأقيم معك وتمنعني مما أرجو لنفسي فيه الخير أقمت معك, وإن كنت إنما أعتقتني لله لأملك نفسي وأضرب فيما ينفعني فخلِّ سبيلي حتى أجاهد في سبيل ربي؛ فإن الجهاد أحب إليَّ من المقام. فقال له أبو بكر: أما إذا كان هواك في الجهاد فلم أكن لآمرك بالمقام، إنما كنت أريدك للأذان وإني لأجد لفراقك وحشة يا بلال، فما بد من التفرق, فرقة لا لقاء بعدها أبدًا حتى يوم البعث، فاعمل عملاً صالحًا يا بلال يكن زادك من الدنيا ويذكرك الله به ما حييت، ويحسن لك به الثواب إذا توفيت. فقال بلال: جزاك الله من ولي نعمة وأخ في الإسلام خيرًا، فوالله ما أمرك لنا بالصبر على طاعة الله والمداومة على الحق والعمل الصالح ببدع، وما أريد أؤذن لأحد بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر بن حذيم، وكان أبو بكر قد أمر سعيد بن عامر أن يسير حتى يلحق بيزيد بن أبي سفيان فسار حتى لحقه فشهد معه وقعة العَرَبة والداثنة (2).
_________
(1) فتوح الشام للأزدي: ص 33 - 35.
(2) نفس المصدر السابق: ص 35 - 38 بتصرف.
(1/355)

وكانت وفود الجهاد تتوافد على المدينة، ويقوم الصديق بتوجيهها إلى الجهات، وكانت بعض الوفود من أهل القرى فيهم جهل وجفاء، فكان أهل المدينة من صحابة وتابعين يحتملون أذى بعض الوفود الذين لم يتلقوا تربية إسلامية كافية، ويرفعون أمر ما يلاقونه منهم إلى خليفة رسول الله، ولم يذكر أنه حصل نزاع بينهم مع كثرة الوفود التي وفدت على المدينة. وكان أبو بكر الصديق قد ناشد المجتمع المدني، (1) وقال لهم: نشدتك الله أمرًا مسلمًا سمع نشدي لما كف عن هؤلاء القوم، ومن رأي لي عليه حقا فليحتمل ذرب (2) ألسنتهم، وعجلة يكرهها منهم ما لم يبلغ ذلك الحد، فإن الله مهلك بهؤلاء أعداءنا جموع هرقل والروم، وإنما هم إخوانكم، فإن كانت منهم عجلة على أحد منكم فليحتمل ذلك، ألم يكن ذلك أصوب في الرأي وخيرًا في المعاد من أن يُنْتصر منهم؟
قال المسلمون: بلى.
قال: فإنهم إخوانكم في الدين وأنصاركم على الأعداء، ولهم عليكم حق فاحتملوا ذلك لهم، ثم نزل من على المنبر (3).

خامسًا: توجيه خالد إلى الشام ومعركة أجنادين واليرموك:
كانت قيادة الجيوش الإسلامية بالشام تتابع تطور حركة الجيوش الرومانية، وشعر القادة بخطورة الموقف فعقدوا مؤتمرًا بالجولان، وكتب أبو عبيدة إلى الخليفة يشرح له الموقف، وفي الوقت نفسه قرروا الانسحاب من جميع الأراضي التي تم فتحها وتجمعوا في مكان واحد ليتمكنوا من إحباط خطة الرومان وإجبارهم على خوض معركة فاصلة تخوضها كل الجيوش الإسلامية. وكان عمرو بن العاص أشار على القادة أن يكون التجمع باليرموك، وجاء رأي الصديق مطابقًا لرأي عمرو بن العاص (4) في اختيار مكان التجمع، واتفقوا أن يتم الانسحاب مع تجنب الاشتباك مع العدو، فانسحب أبو عبيدة من حمص، وانسحب شرحبيل بن حسنة من الأردن، وانسحب يزيد بن أبي سفيان من دمشق، وأخذ عمرو بن العاص في الانسحاب تدريجيًا من فلسطين (5)، ولكنه لم
_________
(1) التاريخ الإسلامي: 9/ 224.
(2) يعني: حدتها وشدتها.
(3) التاريخ الإسلامي للحميدي: 9/ 223.
(4) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين: ص 148.
(5) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين: ص 148.
(1/356)

يستطع الانسحاب منها حتى نجده خالد بن الوليد قبل اليرموك، فظل يناور في بئر السبع لمتابعة الروم له، وبذلك شن المسلمون هجومًا مضادًا فكانت معركة أجنادين (1).
عندما تسلم الصديق رسالة أبي عبيدة وشرح له فيها الموقف أمره بالانسحاب إلى اليرموك والتجمع هناك، وقال له: بث خيلك في القرى والسواد وضيق عليهم بقطع الميرة والمادة، ولا تحاصروا المدائن حتى يأتيك أمري فإن ناهضوك فانهد لهم واستعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم (2)، وجاء في رواية: إن مثلكم لا يؤتى من قلة إنما يؤتى العشرة الآلاف إذا أوتوا من تلقاء الذنوب، فاحترسوا من الذنوب واجتمعوا باليرموك متساندين، وليصل كل رجل منكم بأصحابه. (3) وكان توجيه الصديق للجيوش بأنه يجتمعوا ويكونوا عسكرا واحدا، وأن يلقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين، وقال لهم: بأنكم أعوان الله، والله ناصر من نصره وخاذل من خذله (4).
ونرى من خلال رسائل الصديق بأنه وضع أساس النصر للجيوش بطاعتها لله أولاً، فالخذلان يأتي بالمعاصي والذنوب. وعمل الصديق على تجميع الجيوش في مكان واحد حتى لا يستغل العدو فترة انتشارهم في البلاد لينهك قواهم الواحد بعد الآخر، كما أن تعيينه لليرموك دال على دراسة الصديق لجغرافية الأرض في عصره وإدراكه لمواقعها، وهذا فقه حربي عظيم وفقه الله -عز وجل- له. وقرر الصديق أن ينقل خالد بن الوليد بجيشه إلى الشام وأن يتولى قيادة الجيوش بها، فالأمر بالشام يحتاج إلى قائد يجمع بين قدرة أبي عبيدة ودهاء عمرو وحنكة عكرمة وإقدام يزيد، وأن يكون صاحب قدرة عسكرية فائقة مع قدرة على حسم الأمور وصاحب دهاء وحيلة وإقدام، وصاحب حنكة ودراية مع دقة في تقدير المواقف، وصاحب تجربة طويلة في المعارك (5)، فوقع اختيار الصديق على خالد بن الوليد فكتب إليه بالعراق ونفذ ابن الوليد تعاليم الخليفة، ووصل بجيشه إلى الشام بعد رحلة عبر الصحراء لم يذكر التاريخ شبيهًا لها، وقد بينت ذلك, فكانت إمدادات الصديق تتواصل على الشام، ويضع الخطط المتطورة ويرد على أساليب الأعداء
_________
(1) حروب الإسلام في الشام، أحمد محمد: ص 45.
(2) العمليات التعويضية والدفاعية عند المسلمين: ص 148.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 211.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 211.
(5) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 359، 360.
(1/357)

التكتيكية والمعنوية والمادية التي كان هدفها إشغال الصديق عن هدفه حتى قال قادة الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا (1)، وكان رد الصديق: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. (2) وقد حققت توجيهات الصديق عدة أمور، منها: توحيد جيش المسلمين في الشام، وتوحيد قيادة هذا الجيش بإمرة خالد، وتحديد موقع اللقاء، وهذا يؤكد وضوح الرؤية عند الخليفة أبي بكر في تحريك الجيوش، فكان عندما أرسلها من المدينة خرجت في طرق متباعدة نسبيًا فكانت على شكل رؤوس حراب أو على شكل مروحة، وهو عادة ما يعرف بحركة الانتشار في الجيوش الحديثة، وعندما حان وقت الاشتباك واللقاء الفاصل جمعها مع بعضها في موقع اختاره لها، فقد ظهرت قدرته البارعة في استعمال الجيوش وهو ما اتفق على تسميته «بالاستراتيجية» في العلم العسكري الحديث (3)، وكان الصديق كقائد عام للجيوش الإسلامية يحرص على حضوره المعنوي في ميدان القتال بالأوامر، مع ما كانت تتميز به تلك الأوامر من تبصر وبعد نظر، ونفاذ في البصيرة وبداهة في فهم الوضع العسكري على أرض المعركة، وبالتالي سرعته في تحريك القوى وفقا لهذا الوضع وبما يلائمه تمام الملاءمة، وحسن اختياره للقادة الذين كانوا بفعل الثقة المتبادلة بينه وبينهم يقرءون أفكاره ويحسون برغباته ونواياه، فتتجسد في مخيلتهم فكرة المناورة التي يعتزم تنفيذها ويقومون بتنفيذها كما لو كان الخليفة ينفذها، وبواسطة هذه الوسائل كان الخليفة يدير المعارك على الجبهات المختلفة كأنما هو حاضر في كل منها، بحيث يحس الجيش قادة وجنودًا كأن الخليفة نفسه معهم يقودهم ويوجههم، فيأتي عملهم مطابقًا تمام المطابقة لما يريد ويرغب، ووفقا لأوامره وتوجيهاته (4).
وعندما أرسل الصديق إلى خالد يأمره بالتوجه إلى الشام وتولي الجيوش هناك، قام الصديق بإرسال رسالة إلى أبي عبيدة يخبره فيها بتولية خالد عليه ويأمره فيها بالسمع والطاعة، وبيَّن فيها سبب تولية خالد: أما بعد، فإني قد وليت خالدًا قتال الروم بالشام، فلا تخالفه واسمع له وأطع أمره، فإني وليته عليك وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبيل الرشاد، والسلام عليك ورحمة الله
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 5.
(2) البداية والنهاية: 7/ 5.
(3) الفن العسكري الإسلامي: ص 89. أبو بكر الصديق، الحديثي: ص 60.
(4) الفن العسكري الإسلامي: ص 98.
(1/358)

وبركاته. (1) وكانت رسالة خالد إلى أخيه أبي عبيدة قد قطعت المسافات من العراق إلى الشام واستقرت في قلبه الغني بالإيمان والزهد في هذه الدنيا الفانية، وهذا نصها:
لأبي عبيدة بن الجراح من خالد بن الوليد، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة في دار الدنيا، فقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمر فيه بالمسير إلى الشام وبالمقام على جندها والتولي على أمرها، والله ما طلبت ذلك ولا أردته ولا كتبت إليه فيه، وأنت رحمك الله على حالك الذي كنت به: لا تُعْصى في أمرك ولا يخالف رأيك ولا يقطع أمر دونك، فأنت سيد من سادات المسلمين لا ينكر فضلك ولا يستغنى عن رأيك، تمم الله ما بنا وبك من نعمة الإحسان، ورحمنا وإياك من عذاب النار، والسلام عليك ورحمة الله. (2)
وكان مع حامل الرسالة خطاب من خالد موجها إلى المسلمين بالشام، جاء فيه: ... أما بعد: فإني أسأل الله الذي أعزنا بالإسلام وشرفنا بدينه وأكرمنا بنبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفضلنا بالإيمان رحمة من ربنا لنا واسعة، ونعمة منه علينا سابغة أن يتمم ما بنا وبكم من نعمته، واحمدوا الله عباد الله يزدكم، وارغبوا إليه في تمام العافية يدمها لكم، وكونوا له على نعمة من الشاكرين. وإن كتاب خليفة رسول الله أتاني يأمرني بالمسير إليكم، وقد شمرت وانكمشت وكأن خيلي قد أطلت عليكم في رجال، فأبشروا بإنجاز موعود الله وحسن ثوابه. عصمنا الله وإياكم بالإيمان، وثبتنا وإياكم على الإسلام، ورزقنا وإياكم حسن ثواب المجاهدين، والسلام عليكم (3).
فلما قدم حامل الرسالتين عمرو بن الطفيل بن عمرو الأزدي على المسلمين وقرأ عليهم خطاب خالد بن الوليد وهم بالجابية دفع إلى أبي عبيدة كتابه، فلما قرأه قال: بارك الله لخليفة رسول الله فيما رأى، وحيا الله خالدًا بالسلام. (4) إن هذا التعامل الرفيع بين هذين العظيمين يكشف لنا عن معاني الأخوة المنبثقة عن التوحيد الصحيح، والمحفوفة بسياج الأخلاق الحميدة التي كان يتصف بها صحابة رسول الله، فإن خالد لم تتغير نفسه أو يشعر بعلو على إخوانه بسبب فتوحاته في العراق وثقة الخليفة
_________
(1) مجموع الوثائق السياسية: ص 392، 393.
(2) نفس المصدر السابق: ص 392.
(3) فتوح الشام للأزدي: ص 68 - 72، نقلا عن الحميدي.
(4) فتوح الشام للأزدي: ص 68 - 72، نقلا عن الحميدي.
(1/359)

به، بل يعترف بالفضل لأهله ويعلن طاعته لأبي عبيدة بن الجراح الذي ولي الأمر من بعده، وفي مقابل ذلك نجد أبا عبيدة بن الجراح الذي يبارك هذا الأمر ويحيي خالدًا، وهذا يدل على تجرد خالد وأبي عبيدة من حظوظ النفس وإيثارهم لمصلحة الأمة، وإرادتهم وجه الله في أعمالهم. (1) وفي هذا درس عظيم لأبناء الأمة على مستوى الحكومات والحركات والشيوخ والدعاة والقادة والزعماء في التعامل فيما بينهم عند التعيين أو العزل أو الفصل.

1 - معركة أجنادين:
وصل خالد إلى الشام وفتح بصرى واجتمع بقيادة المسلمين أبي عبيدة وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، ودرس الموقف العسكري واطلع على أدق تفاصيله، كما اطلع على موقف عمرو بن العاص الذي كان ينسحب محاذاة ضفة نهر الأردن لكي يلتقي بجيوش المسلمين الأخرى، ومحاذرًا للاشتباك معه في معركة فاصلة، إلا أن عَمْرًا كان في تمام اليقظة والحذر وعلى علم تام بأنه ليس من مصلحته الاشتباك في مثل هذه المعركة؛ لأن جيشه لم يكن يتجاوز السبعة آلاف بينما كان جيش الروم يقارب السبعين ألف، وبعد أن درس خالد الموقف العسكري رأى أن أمامه خيارين، فإما أن يسرع وينضم إلى جيش عمرو ويخوض وإياه معركة فاصلة فيقضي على قوة الروم الكبيرة فيتعزز الموقف العسكري للجيش الإسلامي ويصون خط رجعته ويحمي جناحه الأيسر ويثبت أقدام المسلمين في فلسطين، وإما أن يقف مكانه ويوعز إلى عمرو بالانضمام إليه، ثم ينتظر قوات الروم التي كانت تزحف نحوه من دمشق ليخوض معها معركة فاصلة، وقد فضل خالد أن يأخذ الخيار الأول؛ لأن التغلب على جيش الروم في فلسطين وتشتيته يحفظ للمسلمين خط رجعتهم ويعزز مركزهم، ويجعلهم في موقف يستطيعون معه تهديد الجيش الرومي، ويجعلونه يتوقع حصول حركة التفاف من خلفه، فيضطر للأخذ بتدابير خاصة للحماية تشغل جانبًا من قواته، فيصبح بذلك مدافعًا بعد أن كان مهاجمًا.
فانحدر من اليرموك إلى سهل فلسطين بعدما أصدر أمره إلى عمرو بأن ينسحب متدرجًا جيش الروم حتى يصل جيش خالد فيطبقان عليه فارتد عمرو إلى
_________
(1) التاريخ الإسلامي للحميدي: 9/ 231.
(1/360)

أجنادين (1)، وعندما وصلت قوات خالد أصبح جيش المسلمين بحدود ثلاثين ألف مقاتل، وكان وصول خالد في الوقت المناسب، فما أن اصطدمت قوات عمرو بالروم حتى انقض خالد بقواته الرئيسة، وجرت معركة عنيفة، وكان لمهارة القائدين خالد وعمرو العسكرية دور كبير في تحقيق النصر الحاسم؛ حيث تم توجيه قوة اقتحامية اخترقت صفوف العدو حتى وصلت إلى قائد الروم فقتلوه، وبمقتل القائد انهارت مقاومة الروم وهربوا في اتجاهات مختلفة (2).
وقد كانت أجنادين أولى المعارك الكبيرة في بلاد الشام بين المسلمين والروم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى قيصر الروم هرقل وهو في حمص شعر بمدى الكارثة (3).
وكتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر - رضي الله عنه - بفتح الله -عز وجل- عليه وعلى المسلمين: لعبد الله أبي بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد سيف الله المصوَّب على المشركين، أما بعد: سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أخبرك أيها الصديق أنا التقينا نحن والمشركون وقد جمعوا لنا جموعًا جمة كثيرة بأجنادين، وقد رفعوا صُلُبهم ونشروا كتبهم وتقاسموا بالله لا يفرون حتى يصيبونا أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله فطاعناهم بالرماح ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم في كل فج وشعب وغائط، فأحمد الله على إعزاز دينه وإذلال عدوه، وحسن الصنع لأوليائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر -رحمة الله عليه- فرح به وأعجبه، وقال: الحمد لله الذي نصر المسلمين وأقر عيني بذلك (4).

2 - اليرموك:
عادت بواكير النصر من وقعة أجنادين بعد الانتصار الكبير الذي حققه المسلمون في هذه الموقعة وهزيمة الروم، واطمأن المسلمون إلى ما حققوه من نصر في أجنادين، واجتمعت جيوش المسلمين في اليرموك تنفيذًا لأمر الخليفة الصديق، وتحركت جيوش الروم بقيادة تيدور ونزلت في منزل واسع الطعن واسع المطرد ضيق المهرب، فسارت
_________
(1) أجنادين: موضع معروف من نواحي فلسطين، ياقوت: 1/ 203.
(2) أبو بكر - رضي الله عنه -، نزار الحديثي: ص 70.
(3) نفس المصدر السابق: ص 71.
(4) فتوح الشام للأزدي: ص 84 - 93.
(1/361)

حشود الروم حتى نزلوا الواقوصة قريبًا من اليرموك.
قوات الطرفين:
المسلمون أربعون ألف مقاتل وقيل: خمسة وأربعون ألفًا بقيادة خالد بن الوليد.
الروم: يقدر عدد الروم بمائتين وأربعين ألفا بقيادة تيدور.
قبل المعركة:
المسلمون: وصل المسلمون بقيادة خالد بن الوليد اليرموك فعسكروا بها حتى اجتمعت الروم مع أمرائها على الضفة الجنوبية للنهر، وقال عمرو بن العاص: «أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم وقلما جاء محصور بخير» (1).
وخرج خالد بن الوليد بأسلوب جديد لم يستخدمه العرب من قبل ذلك (2)، فاستخدم أسلوبا جديدا وهو الكراديس، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى أربعين ورتب جيشه الترتيب الآتي:
- فرقًا، وفيها من عشرة إلى عشرين كردوسًا ولها قائد وأمير.
- كراديس: ألف مقاتل، وله قائد وأمير (3).
- وقسم جيشه إلى أربعين كردوسا كما يلي:
فرقة القلب: مؤلفة من ثمانية عشر كردوسًا بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو.
فرقة الميمنة: مؤلفة من عشرة كراديس بقيادة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة.
فرقة الميسرة: مؤلفة من عشرة كراديس بقيادة يزيد بن أبي سفيان.
فرقة الطليعة «المقدمة» من الخيالة والمخافر الأمامية ومهمتها المراقبة والاستطلاع والاحتفاظ على التماس مع العدو، ولذلك تكون فرقة صغيرة وخفيفة.
_________
(1) العمليات التعرضية والدفاعية: ص 163.
(2) البداية والنهاية: 7/ 8.
(3) العمليات التعرضية والدفاعية: ص 163.
(1/362)

فرقة المؤخرة: مؤلفة من خمسة آلاف مقاتل (خمسة كراديس) بقيادة سعيد بن يزيد، ومهمتها قيادة الظعن «الأمور الإدارية»، وكان القاضي «أبو الدرداء»، وعلى الأقباض
عبد الله بن مسعود ومهمته تأمين الأمور الإدارية والإعاشة وجمع الغنائم، والقارئ المقداد بن الأسود وكان يدور على الناس ويقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد لرفع المعنويات، وخطيب الجيش أبو سفيان بن حرب وهو يطوف على الصفوف (1) يحث الجند على القتال، والقائد العام خالد بن الوليد في الوسط وحوله كبار الصحابة، وأعد الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد في الوسط لكل شيء عدته، وأخذ كل قائد من القواد يمر على جنده ويحثهم على الجهاد والصبر والمصابرة، ورأى قادة المسلمين أن هذه المعركة هي معركة يتوقف عليها نتائج كبرى وأنها الحاسمة، وكان خالد يعلم أنه إن رد الروم إلى خندقهم فسيظل يردهم وإن هزموه فلن يفلح بعدها؛ أي أن هزيمة الروم في هذه المعركة تعني هزيمتهم في أرض الشام كلها وتفتح أبواب الشام على مصراعيها للمسلمين دون حواجز ولا عراقيل، والانطلاق منها إلى مصر, فآسيا وأوربا (2).
التعبئة الإيمانية:
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين، فقال: عباد الله،
انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فإن وعد الله حق. يا معشر المسلمين: اصبروا، فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدءوهم بالقتال وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم، حتى آمركم إن شاء الله تعالى. وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول: يا أهل القرآن ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى، وأولياء الحق: إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تُدخل بالأماني, ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق، ألم تسمعوا لقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 55]، فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارًا من عدوكم وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره.
وقال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون: غضوا الأبصار واجثوا
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 8.
(2) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين: ص 164.
(1/363)

على الركب وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويعاقب عليه ويجزي بالإحسان إحسانًا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرًا كفرًا وقصرًا قصرًا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشَّدة تطايروا تطاير أولاد الحجل. وقال أبو سفيان: يا معشر المسلمين، إنكم قد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم وديارهم. والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا، ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصاهن، (1) ثم عاد فنادى: يا معشر أهل الإسلام: حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، ثم سار إلى موقفه (2) رحمه الله.
وقد وعظ الناسَ أبو هريرة فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم -عز وجل- في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم من موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، لا وإن للصابرين فضلهم. وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: الله الله، إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك. اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. (3) قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين!! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجِّيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان فرسه قد حفيَ واشتكى في مجيئه من العراق (4).
وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء وأرضنا بالقضاء (5).
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 9.
(2) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 162.
(3) البداية والنهاية: 7/ 10.
(4) البداية والنهاية: 7/ 10.
(5) أبو بكر رجل الدولة: ص 88.
(1/364)

5 - الروم:
أقبلت الروم في خيلائها وفخرها وقد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال. (1) ونزلت الروم الواقوصة قريبًا من اليرموك، وصار الوادي خندقا عليهم، وتعبأ الروم باستخدام أسلوب الكراديس في خطين، كل خمسة في دائرة يفصل بينهما وبين الخمسة الأخرى فاصل، ثم يأتي الخط الثاني وراء فرجات الخط الأول، واتبع الروم في قتالهم الترتيب التالي:
- الرماة في المقدمة، واجبهم أن ينشبوا القتال ثم الانسحاب إلى الوراء والأجنحة.
- الخيالة بالجناحين، واجبهم حماية الرماة حتى انسحابهم من الخلف.
- الكراديس «المشاة»، واجبهم الاقتحام.
- قائد المقدمة جرجه.
- قائد الجناحين: ماهان والدارقص (2).
المفاوضات قبل القتال:
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان نحو جيش الروم، ومعهما ضرار ابن الأزور، والحارث بن هشام، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير، فقال الصحابة: لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفراش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبوا، وتفاوضوا على الصلح ورجع عنهم الصحابة بعدما دعوهم إلى الله -عز وجل- فلم يتم ذلك (3).
وذكر الوليد بن مسلم: أن ماهان طلب خالد ليبرز إليه فيما بين الصفوف فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الْجَهْد والجوع، فهلموا إليَّ أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعامًا وترجعون إلى بلادكم،
_________
(1) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 163.
(2) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين.
(3) البداية والنهاية: 7/ 10.
(1/365)

فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب (1).
إنشاب القتال:
لما تكامل الاستعداد ولم تنجح المفاوضات تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع ابن عمر، وهما على مجنبتي القلب أن ينشبا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال وتجاولوا وحميت الحرب وقامت على ساق.
هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون بين يديه وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم التدبير (2).
إسلام أحد قادة الروم في ميدان المعركة:
وخرج جرجة -أحد الأمراء الكبار- من الصف واستدعى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما فقال جرجة: يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا. قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعًا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: «أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين» (3). ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا أشد المسلمين على المشركين، فقال جرجة: يا خالد، إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل، قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله، قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 10.
(2) البداية والنهاية: 7/ 10.
(3) نفس المصدر السابق 7/ 13.
(1/366)

شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إن قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا.
فقال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك، وأن الله وليُّ ما سألت عنه، فعند ذلك قلب جرجة الترس ومال مع خالد، وقال: علمني الإسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فَسَنَّ عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين، وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام (1).
ميسرة الروم تحمل على ميمنة المسلمين:
تقدمت صفوف الروم وأقبلت كقطع الليل للقيام بهجوم عام على الجيش الإسلامي، وحملت ميسرتهم على ميمنة المسلمين فانكشف قلب الجيش الإسلامي من ناحية الميمنة، واستطاع الروم إحداث ثغرة في صفوف المسلمين والتسلل إلى مؤخرتهم، فصاح معاذ بن جبل: يا عباد الله المسلمين إن هؤلاء شدوا للشد عليكم، ولا والله لا يردهم إلا صدق اللقاء والصبر في البلاء، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يأخذ فرسي ويقاتل عليه فليأخذه، وآثر بذلك أن يقاتل راجلاً مع المشاة. (2) وثبتت قبائل الأزد ومذحج وحضرموت وخولان حتى صدوا أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال فزال المسلمون من الميمنة إلى القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت سور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، ثم تنادوا فتراجعوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سَرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة، فتراجعوا إلى مواقفهم (3).
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 13.
(2) العمليات التعرضية والدفاعية، ص 169.
(3) فتوح الشام للأزدي، ص 222.
(1/367)

فقال عكرمة بن أبي جهل: قاتلت رسول الله في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثْبِتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور - رضي الله عنه - (1).
وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعًا، ولم يشربها أحد منهم رضي الله عنهم أجمعين.
ويقال: إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيأت لأمر فهل لك حاجة إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: نعم تقرئه عني السلام، وتقول: يا رسول الله، إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا. قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله. وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا، فلم تر يوم اليرموك إلا مُخًّا ساقطا ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن (2).
ميمنة الروم تحمل على ميسرة المسلمين:
حملت ميمنة الروم بقيادة قناطر على ميسرة المسلمين حملة شديدة، وكانت في ميسرة المسلمين قبائل كنانة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان، فأزيلت عن مواضعها، فانكشف قلب المسلمين من ناحية الميسرة وركب الروم أكتاف من انهرم من المسلمين، وتبعوهم حتى دخلوا معسكر المسلمين، فاستقبلتهم نساء المسلمين بالحجارة وأعمدة الخيام يضربنهم على وجوههم ويقلن لهم: أين عز الإسلام والأمهات والأزواج، أين تفرون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم خجل أحدهم من نفسه ورجع إلى القتال، وقتلوا من الروم خلقًا كثيرًا، واستشهد في هذه المرحلة سعيد بن زيد. وحاولت ميسرة الروم مرة أخرى بشن الهجوم على ميمنة المسلمين، فشدوا على عمرو بن العاص وجنده في محاولة اختراق الصفوف لكي يقوموا بعملية التطويق، وقاتل عمرو وجنده عن مواضعهم إلا أن الروم تمكنوا من دخول معسكرهم، ونزلت المسلمات من التل وأخذن
_________
(1) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 170.
(2) البداية والنهاية: 7/ 12.
(1/368)

يضربن وجوه الرجال المراجعين، وقالت ابنة عمرو: قبح الله رجلاً يفر عن حليلته، وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته. وقالت أخريات: لستم بعولتنا إن لم تمنعونا، وبذلك ارتدت إلى المسلمين عزائمهم،
ودخلوا للقتال مرة أخرى، وحمل المسلمون على الروم من جديد حتى أزاحوهم عن المواضع التي كسبوها (1).
الحركة الإفراجية والقضاء على مشاة الروم:
حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب، فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف، ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم. ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف، فما وصل إليهم حتى انقض جميعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا، وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم. (2) وقامت ميمنة المسلمين بإغلاق المنافذ والثغرات في وجوه الروم وحصروا بين وادي اليرموك ونهر الزرقاء، ودارت رحى المعركة وأبلى المسلمون بها بلاء حسنا، واستطاع المسلمون أن يفصلوا فرسان الروم عن مشاتهم، فحملوا على الروم وركبوا أكتافهم حتى أرهقوهم، وبذلك أراد فرسان الروم مخرجًا لهم للفرار منه، وبذلك أمر خالد عمرو بن العاص بفسح المجال لهم في طريق الهرب، وفعل ذلك وهرب فرسان الروم، وبذلك تحرك مشاة الروم دون غطاء من خيالتهم، فجاء المشاة إلى الخنادق وهم مقيدون بالسلاسل حتى صاروا كأنهم حائط وقد هدم، وجاءهم المسلمون إلى خندقهم في ظلال الليل وأخذ معظمهم ينهار بالوادي، فإذا منهم شخص قتل سقط معه الجميع الذين كانوا مقيدين معه، وقتل منهم المسلمون في هذه المرحلة خلقًا كثيرًا قدر عددهم بمائة ألف وعشرين ألفا، والناجون منهم قد انسحب قسم منهم إلى فحل، والقسم الآخر إلى دمشق داخل بلاد الشام (3).
وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالاً شديدًا، وذلك أن أباه مر به فقال له: يا بني، عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفا بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا المسلمون؟ أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة،
_________
(1) العمليات التعرضية والدفاعية: ص 176.
(2) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 171. فتوح البلدان للأزدي: ص 171.
(3) العمليات التعرضية والدفاعية: ص 175.
(1/369)

فاتق الله يا بني ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب، ولا أجرأ على عدو الإسلام منك. فقال: أفعل إن شاء الله. فقاتل يومئذ قتالاً شديدًا وكان من ناحية القلب - رضي الله عنه -. (1)
وقال سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتًا يكاد يملأ المعسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين. قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. (2) وأخر الناس صلاتي العشاء حتى استقر الفتح (3)، وأكمل خالد ليلته في خيمة تذارق أخي هرقل وهو أمير الروم كلهم يومئذ (4)، وهرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول حول خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا، وقتل تذارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم (5)، وكان عدد شهداء المسلمين ثلاثة آلاف بينهم من صحابة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشيوخ المسلمين وأقطابهم، وممن استشهد من هؤلاء: عكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وغيرهم. (6) وكان عدد قتلى الروم مائة وعشرين ألفا، منهم ثمانون ألفا مقيدون بالسلاسل وأربعون ألفا مطلقون سقطوا جميعهم في الوادي. (7)
لقد فرح المسلمون بهذا النصر العظيم، وعكر ذلك الفرح وصول خبر وفاة الصديق؛ حيث حزنوا عليه حزنًا شديدًا، وعوضهم الله تعالى بالفاروق رضي الله عنهم أجمعين. (8) وقد كان البريد قد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم، فكتم خالد ذلك عن المسلمين لئلا يقع في صفوفهم وهن أو ضعف، فلما تم النصر وأصبحوا أجلى لهم الأمر، وكان الفاروق قد عين أبا عبيدة بن الجراح بدلاً من خالد بن الوليد جيوش الشام، وتقبل خالد أمر الفاروق برحابة صدر (9)، وعزى المسلمين في خليفة رسول الله، وقال لهم: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إليَّ من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر كان أبغض إليَّ من أبي بكر وألزمني حبه. (10) وتولى أبو عبيدة القيادة العامة لجيوش الشام.
_________
(1) فتوح البلدان لأزدي: ص 228.
(2) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 173.
(3) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 173.
(4) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 173.
(5) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 173.
(6) العمليات التعرضية والدفاعية: ص 179.
(7) العمليات التعرضية والدفاعية: ص 179.
(8) البداية والنهاية: 7/ 14.
(9) البداية والنهاية: 7/ 16.
(10) البداية والنهاية: 7/ 14.
(1/370)

ومما قيل من الشعر في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو:
ألم ترنا على اليرموك فزنا ... كما فزنا بأيام العراق
وعذراء المدائن قد فتحنا ... ومرج الصفر بالجراد العتاق (1)
فتحنا قبلها بصرى وكانت ... محرمة الجناب لدى النعاق (2)
قتلنا من أقام لنا وفينا ... نهابُهُمُ بأسياف رقاق
قتلنا الروم حتى ما تساوى ... على اليرموك معروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استجالوا ... على الواقوص بالبتر الرقاق (3)
غداة تهافتوا فيها فصاروا ... إلى أمر يعضِّل بالذواق (4)
وقد أصاب هرقل هم وحزم لما أصاب جيشه في اليرموك، ولما قدمت على أنطاكية فلول جيشه قال هرقل: ويلكم، أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب ونظلم، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضى الله، ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني (5).
* * *
_________
(1) العتاق: الخيول.
(2) النعاق: صوت الغراب.
(3) الواقوص: اسم موضع. البتر الرقاق: السيوف القاطعة.
(4) البداية والنهاية: 7/ 15.
(5) نفس المصدر السابق: 7/ 51 - 61.
(1/371)

المبحث الثالث
أهم الدروس والعبر والفوائد
أولاً: من معالم السياسة الخارجية في دولة الصديق:
رسمت خلافة الصديق - رضي الله عنه - أهدافًا في السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، والتي كان من أهمها:

1 - بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى:
فقد حقت سياسة الصديق هذا الهدف بطرق عديدة، منها:
أ- وصول أخبار الانتصارات التي أيد الله بها الأمة المسلمة في حروب الردة، مما ساعد على وأد هذه الفتنة وتثبيت أركان الدولة، ومثل هذه الأخبار تصل إلى الدول المجاورة، وبخاصة إذا كانت تتابع أنباء الدول الإسلامية وترقب حركتها وترى فيها خطرًا جديدًا، وللفرس والروم في ذلك الوقت قدرة على معرفة الحوادث والأمور، فلما وصلت أنباء المرتدين وثبات الناس على الدين أدركت الدولتان أن بنيان هذه الأمة الجديدة يستعصي على المؤامرات ويتجاوز المحن والابتلاءات، وهذا له وقعه في نشر هيبة دولة الإسلام.
ب- جيش أسامة: ظهر لجيش أسامة الذي أنفذه الصديق أثر بالغ في نشر هيبة الدولة الإسلامية، وقد جعل الروم يتساءلون عن الجيش الذي حاربهم وعاد منتصرا إلى عاصمة دولته، فامتلأت قلوبهم فزعًا حتى حشد هرقل عشرات الألوف من جيشه على الحدود، فقد نقلت تلك الأخبار إلى بلاد كسرى وتناقلها الناس، مما كان له الأثر في نشر هيبة المسلمين في قلوب هذه الدول (1).

2 - مواصلة الجهاد الذي أمر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
قام الصديق بمواصلة الجهاد لتأمين الدعوة ووصولها للناس، فجهز الجيوش وندب الناس للخروج إلى الجهاد في سبيل الله لنشر دعوة الحق وإزاحة الطواغيت الذين رفضوا
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 260.
(1/372)

دعوة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم بالإسلام، وصمموا على حجب نور الحق عن شعوبهم، وقد خرج الناس يلبون هذه الدعوة الحبيبة إلى النفوس تحت لواء قادة أصحاب بلاء وجهاد في
سبيل الله، أمثال: خالد وأبي عبيدة وشرحبيل ويزيد - رضي الله عنه -، اختارهم خليفة محنك مجرب ذو ملكة عسكرية صقلتها الظروف التي أحاطت به والأزمات الخطيرة التي أحدقت بأمته، مما دفعه إلى العناية بهذه الناحية، فاختار القواد أحسن اختيار وأمدهم بتوجيهاته وإرشاداته، ففتحوا الشام والعراق في أقصر وقت ممكن وبأقل كلفة متاحة (1).

3 - العدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها:
كانت السياسة الخارجية للصديق قائمة على بسط لواء العدل على الديار المفتوحة ونشر الأمن بين أهلها؛ حتى يحس الناس بالفرق بين دولة الحق ودولة الباطل، وحتى لا يظن الناس أنه قد ذهب جبار ظالم ليحل مكانه من هو أشد منه أو مثله في ظلمه وجبروته. ووصى أبو بكر قواده بالرحمة والعدل والإحسان إلى الناس، فإن المغلوب يحتاج إلى الرأفة وتجنب ما يثير فيه حمية القتال. وحافظ المسلمون الفاتحون على الإنسان والعمران، فشاهدت الشعوب المفتوحة خُلُقا جديدًا في ذوق رفيع وإنسانية صادقة، فقام ميزان الشريعة بين الأمم المغلوبة بالقسط، وانتشر نور الإسلام فأخذ يعد له مجامع القلوب فسارعت الشعوب إلى اعتناق هذا الدين والانضواء تحت لوائه. وكان جند الأعاجم من الفرس أو الروم إذا وطئوا أرضا دنسوها ونشروا فيها الرعب والفزع وانتهكوا الحرمات، مما قاسى منه الناس الويل والثبور، وتناقلت الأجيال قصصه المرعبة والمفزعة جيلاً بعد جيل وقبيلاً إثر قبيل، فلما جاء الإسلام ودخل جنده هذه الديار فإذا بالناس يجدون العدل يبسط رداءه فوق رؤوسهم، ويعيد إليهم آدميتهم التي انتزعها الظلم والطغيان. وقد حرص الصديق على هذه السياسة حرصًا عظيمًا، وكان يقوِّم أي عوج يظهر أو خطأ يقع.
روى البيهقي: أن الأعاجم كانوا إذا انتصروا على عدو استباحوا كل شيء من ملك أو أمير، وكانوا يحملون رؤوس البشر إلى ملوكهم كبشائر للنصر وإعلان للفخر، فرأى أمراء المسلمين في حروب الروم أن يعاملوهم بنفس معاملتهم فبعث عمرو بن العاص
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 259، 260.
(1/373)

وشرحبيل بن حسنة برأس «بنان» أحد بطارقة الشام إلى أبي بكر مع عقبة بن عامر، فلما قدم عليه أنكر ذلك، فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله، إنهم يصنعون ذلك بنا، فقال: أفَنَسْتَنُّ بفارس والروم؟ لا يحمل إليَّ رأس، إنما يكفي الكتاب والخبر (1).

4 - رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة:
من معالم السياسة الخارجية عند الصديق - رضي الله عنه - رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة، فلم يُكْره أحد من الأمم أو الشعوب على دينه بالقوة، وهو في هذا ينطلق من قول الله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. والمسلمون أرادوا من الفتوحات إزالة الطغاة وفتح الأبواب أمام الشعوب لترى نور الإسلام، أما وقد أزيل كابوس الظلم عن الناس فليتركوا أحرارًا ولا يكرهوا على شيء طالما حافظوا على عهدهم مع المسلمين، والذي كان يشمل في بنوده:
أ- أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ب- أن لا يكون لهم مكان في بعض الوظائف كالجيش.
ج- أن لا يكونوا جهة معادية للإسلام في شعائره أو عبادته أو شريعته.
د- إذا غير أحدهم دينه السابق فلا يقبل منه إلا الإسلام.
وتقوم دولة الإسلام بتفسير الإسلام لهم عمليًّا ونظريًّا، بحيث يؤدي ذلك إلى اقتناعهم بهذا الدين؛ ليدخلوا فيه عن رغبة، فإن العقائد لا تستقر بالإكراه (2).

ثانيًا: من معالم التخطيط الحربي عند الصديق:
إن المطالع للفتوحات في عهد الصديق - رضي الله عنه - يمكن له أن يستنتج خطوطًا رئيسة للخطة الحربية التي سار عليها، وكيف تعامل هذا الخليفة العظيم مع سنة الأخذ بالأسباب؟ وكيف كانت هذه الخطة المحكمة عاملاً من عوامل نزول النصر والتمكين من الله -عز وجل- للمسلمين، ومن هذه الخطوط ما يلي:
_________
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 123.
(2) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 263.
(1/374)

1 - عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين:
كان الصديق - رضي الله عنه - حريصًا أشد الحرص على عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، وقد كان ذلك واضحًا تمام الوضوح في جبهات العراق والشام؛ ففي فتوح العراق أرسل الصديق - رضي الله عنه - إلى خالد وعياض بتكليفهما بغزو العراق من جنوبه وشماله، وجاء في الكتاب: وأيكما سبق إلى الحيرة فهو أمير على الحيرة، فإذا اجتمعتما بالحيرة -إن شاء الله- وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس (1)، وأمِنْتُما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم بالحيرة أحدكما وليقتحم الآخر على القوم، وجالدوهم عما في أيديهم واستعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم، ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما، واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة. (2) وهذا الكتاب الجليل يدل على فكر أبي بكر العالي وتخطيطه الدقيق، وقبل ذلك توفيق الله له، فقد جاء تخطيطه الحربي موافقًا تمامًا لما اقتضته مصلحة الجيوش الإسلامية أثناء تطبيق هذه الخطة الحكيمة، وقد شهد ببراعة أبي بكر في التخطيط الحربي أخْبَر الناس بالحروب آنذاك وهو خالد بن الوليد، فإنه لما نهض للقيام بمهمة عياض في فتح شمال العراق ونزل بكربلاء، واشتكى إليه المسلمون ما وقعوا فيه من التأذي بذبابها الكثيف، قال لعبد الله بن وثيمة: اصبر، فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنُسكنها العرب فنأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم، وتجيئنا العرب آمنة غير متعتعة، وبذلك أمرنا الخليفة ورأيه يعدل نجدة الأمة. (3)
وقد سار على هذه الخطة بالعراق المثنى بن حارثة؛ حيث يقول ذلك القائد الفذ: قاتلوا الفرس على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب، ولا تقاتلوهم بعقر دارهم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة، ثم يكونوا أعلم بسبيلهم وأجرأ على أرضهم، إلى أن يرد الله الكرة عليهم. (4) وأما في فتوحات الشام فقد كانت الصحراء من خلف المسلمين حماية لهم، ومع هذا كان المسلمون يتأكدون أولاً من أن عدوهم قد انقطع أمله في مفاجأتهم من خلف ظهورهم، وأن يستولوا على ما يقع
_________
(1) يعني تفريق التجمعات الحربية التي دون بلاد فارس.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 188، 189.
(3) نفس المصدر السابق: 4/ 189.
(4) الإصابة: 5/ 568، رقم: 7736. تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 331.
(1/375)

بيمينهم وشمالهم من المدن والبلاد، وسد كل ثغر بالمقاتلة، وقد كانت تلك القاعدة مرعية عندهم يحرصون عليها أشد الحرص (1).

2 - التعبئة وحشد القوات:
عندما تولى الصديق الخلافة وضع من خطوط الإعداد الحربي: التعبئة وحشد القوات، وقد نادى المسلمين لحروب الردة، ثم استنفرهم بعدها للفتوحات، وأرسل إلى أهل اليمن كتابه المعروف في ذلك (2).

3 - تنظيم عملية الإمداد للجيوش:
حينما تطورت معارك الجبهة الشمالية ووجد قائدا الجبهة -خالد والمثنى- أنهما في حاجة إلى مدد بشري؛ لأن الطاقة التي معهما لا تستطيع تلبية المعركة في متطلباتها وواجباتها، فكتبا إلى الصديق - رضي الله عنه - يلتمسان المدد فقال لهما: استنفرا من قاتل أهل الردة، ومن بقي على الإسلام بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا يغزون أحد ارتد حتى أرى رأيي. (3) وشرع في إمداد جبهات العراق والشام حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

4 - تحديد الهدف من الحرب:
وضعت هذه النقطة في خطة الحرب الإسلامية في الفتوحات، لتكون هدف العمليات الذي يسعى إليه الجميع، وقد وضع الصديق خطته في هذه القضية على أساس أن يعلم كل فرد مقاتل أن هدف المسلمين من هذه الفتوحات: نشر الإسلام وتبليغه إلى الشعوب؛ بإزالة الطواغيت الذين يحرمون شعوبهم من هذا الخير العميم، فقد كان القادة يعرضون على عدوهم قبل المعركة واحدة من ثلاثة: الإسلام أو الجزية أو الحرب. (4)

5 - إعطاء الأفضلية لمسارح العمليات:
قاد الصديق - رضي الله عنه - بنفسه أولى العمليات الحربية ضد المرتدين، ونظم الجيوش لحربهم، ولم يهمل بقية المسارح، فوجَّه أسامه إلى الشام، والمثنى إلى العراق، وكرس جهود
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 331.
(2) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 332.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 163.
(4) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 332.
(1/376)

المسلمين في السنة الأولى للقضاء على الردة، وعندما تمت عملية إعادة توحيد الجزيرة وأصبح بالإمكان الانطلاق من قاعدة قوية ومأمونة، وجه ثقل العمليات إلى الجبهتين العراقية والشامية، وعندما احتاجت الجبهة الشامية إلى المدد نقل الصديق محور ثقل الهجوم إلى الشام، ووجه خالدًا إليه، وترك المثنى في الجبهة العراقية.

6 - عزل ميدان المعركة:
عندما بدأ الصديق - رضي الله عنه - باستنفار القوات لحرب الروم والفرس أرسل خالد بن سعيد إلى تبوك بمهمة إلى مناطق الحشد ومحاور التقدم، وأمره أن يكون ردءًا للمسلمين، وعندما فشل في هذا الواجب وتجاوزه قام عكرمة بن أبي جهل به (1).

7 - التطور في أساليب القتال:
كتب الصديق إلى أبي عبيدة عندما بلغه تقدم جيوش الروم وانضمام أهل دمشق إليهم ما يلي: بث خيولك في القرى والسواد، وضيق عليهم الميرة والمادة، ولا تحاصرن المدائن حتى يأتيك أمري. (2) وعندما دعمه بقوات كافية كتب له: فإن ناهضوك فانهد لهم واستعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناك بمثلهم (3).

8 - سلامة خطوط الاتصال مع القادة:
كانت خطوط الاتصال بين الصديق وقادة المعارك منظمة ومنتظمة بحيث تصل المكاتبات من القادة في أمان، وتصل ردود الخليفة في سرية وسرعة متقدمة لا تسمح للعدو أن يفاجأ المسلمين بشيء لا يتوقعونه. وهكذا كانت الخطط الحربية عند المسلمين
محكمة دقيقة، بما كان عاملاً من عوامل دحر الأعداء والتغلب عليهم بفضل الله في
حركة الفتوح (4).

9 - ذكاء الخليفة وفطنته:
امتازت الخطط الحربية الإسلامية في بداية الفتوحات بوجود العقل المدبر ذي الفطنة والذكاء والكياسة والفراسة، وهو الصديق، وقد ساعد أبو بكر على فهمه الواسع
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 334.
(2) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين: ص 148.
(3) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 334.
(4) المصدر السابق نفسه.
(1/377)

للتخطيط العسكري طول ملازمته للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفقد تربى على تعليمه وتوجيهاته فكسب علومًا شتى وخبرات متنوعة، فقام بعد رحيل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مقام الخلافة خير قيام، فحمل البصيرة الواعية وزود الجيش بالنصائح الغالية، وأرسل الإمدادات في أوقاتها تسعف المجاهدين وتمدهم بالهمة والعزيمة الماضية (1).

ثالثًا: حقوق الله والقادة والجنود من خلال وصايا الصديق:
1 - حقوق الله:
بيَّن الخليفة في توجيهاته للقادة والجنود حقوق الله تعالى؛ كمصابرة العدو، وإخلاص قتالهم لله، وأداء الأمانة وعدم الممالاة والمحاباة في نصرة دين الله.
أ- مصابرة العدو:
حين وجه أبو بكر - رضي الله عنه - عكرمة بن أبي جهل - رضي الله عنه - إلى عمان كان مما أوصاه به قوله:
واتق الله، فإذا لقيت العدو فاصبر. (2) كما قال الصديق - رضي الله عنه - لهاشم بن عتبة بن أبي وقاص عندما وجهه مددًا لجند الشام: إذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق نفقة ولا يصيبك ظمأ ولا مخمصة في سبيل الله إلا كتب الله لك به عملاً صالحًا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين (3).
ب- أن يقصدوا بقتالهم نصرة دين الله:
فقد جاء في خطاب الصديق لخالد حين أمره بالذهاب للشام ما يفيد هذا المعنى؛ حيث ذكره بأن يجتهد ويخلص النية لله وحده، وحذره من العجب بالنفس والزهو والفخر؛ فذلك حظ النفس الذي يفسد العمل على العامل، ويرده في وجهه. كما حذره أن يدل ويمنَّ
على الله بالعمل الذي يعمله، فإن الله هو المانُّ به؛ إذ التوفيق بيده سبحانه. (4) وهذا بعض ما جاء في تلك الرسالة: « ... فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة،
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 336.
(2) عيون الأخبار: 1/ 188.
(3) فتوح الشام للأزدي: ص 34.
(4) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 295.
(1/378)

فاتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المن وهو ولي الجزاء». (1)
ج- أداء الأمانة:
وقد كانت توجيهات الصديق لأمرائه وجنوده واضحة في وجوب أن يؤدوا الأمانة فيما حازوه من الغنائم، ولا يغل أحد منهم شيئًا، بل يحمل جميعه إلى المغنم ليقسم بين جميع الغانمين ممن شهدوا الواقعة، وكانوا على العدو يدًا واحدة. (2) وعلى سبيل المثال ما جاء في وصية الصديق ليزيد بن أبي سفيان في النهي عن الغلول (3)، هذه بعض توجيهات الصديق مما يتعلق ببعض حقوق الله على القادة والجنود.

2 - حقوق القائد:
وقد بين الخليفة الصديق حقوق القادة على الجنود والرعية؛ كالتزام طاعته، والمسارعة إلى امتثال أمره، وعدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم، وغير ذلك.
أ- التزام طاعته:
فعندما تولى أبو بكر - رضي الله عنه - الخلافة كان أول شيء نبه المسلمين إليه في خطاب التولية أنه سائر على نهج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما ذكَّر بالطاعة؛ حيث قال: واعلموا أن ما أخلفتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها. (4) وألزم قادته بالطاعة لبعضهم، فمن ذلك ما كتبه إلى المثنى بن حارثة الشيباني بقوله: إني قد بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق فاستقبله بمن معك من قومك، ثم ساعده ووازره وكاتفه، لا تعصين له أمرًا ولا تخالفوا له رأيا، فإنه من الذين وصف الله -تبارك وتعالى- في كتابه فقال: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا" (5) [الفتح: 29]. كذلك أخذ أبو بكر - رضي الله عنه - يوصي في خلافته جيوش المسلمين المتجهة لفتح بلاد الشام بالطاعة، فقال لهم: أيها الناس إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 202.
(2) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 46.
(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 121.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 44.
(5) فتوح الشام للأزدي: ص 60، 61.
(1/379)

وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين عن كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لكم ألوية، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم، لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (1)، فكان جوابهم له بقولهم: أنت أميرنا ونحن رعيتك، فمنك الأمر ومنا الطاعة، فنحن مطيعون لأمرك وحيثما تُوجِّهنا نتوجه. (2) وعندما عين الصديق خالد بن الوليد لفطنته وعلمه بالحرب، ولما وصل خالد بن الوليد للشام طلب من أبي عبيدة بن الجراح بأن يبعث إلى أهل كل راية ويأمرهم أن يطيعوه، فدعا أبو عبيدة الضحاك بن قيس، فأمره بذلك فخرج الضحاك يسير في الناس طالبًا منهم طاعة القائد الجديد لجيوش الشام خالد بن الوليد فيما يأمرهم به، فأجاب الناس بالسمع والطاعة (3).
ب- أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه:
قول تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]، جعل الله تفويض الرعية الأمر إلى ولي الأمر سببًا لحصول العلم وسداد الرأي، فإن ظهر لهم صواب خفي عليه بيَّنوه له وأشاروا به عليه، ولذلك ندب إلى المشاورة ليرجع بها إلى الصواب. (4) وفي خلافة الصديق نرى أبا بكر - رضي الله عنه - كلف أمراء وقادة جيوشه بالتوجه إلى الشام، وفوض لهم أمر الجيوش حيث قال لهم: يا أبا عبيدة ويا معاذ ويا شرحبيل ويا يزيد: أنتم من حماة هذا الدين وقد فوضت إليكم أمر هذه الجيوش فاجتهدوا في الأمر واثبتوا، وكونوا يدًا واحدة في مواجهة عدوكم. (5) ثم أمر القادة بمراعاة أحوال الجنود وتقديم الإخلاص والاتحاد حتى لا تختلف آراؤهم. (6) وأضاف الصديق قائلا: فإذا قدمتم البلد ولقيتم العدو واجتمعتم على قتالهم فأميركم أبو عبيدة بن الجراح، وإن لم يلقكم أبو عبيدة، وجمعتكم حرب فأميركم يزيد بن أبي
_________
(1) نفس المصدر السابق: ص 5.
(2) الفتوح لابن أعتم: 1/ 83.
(3) فتوح الشام للأزدي: ص 189 ..
(4) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 48.
(5) فتوح الشام للأزدي: ص 7.
(6) الفتوح ابن أعثم: 1/ 84.
(1/380)

سفيان (1)، وهكذا فوض خليفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إدارة العسكر إلى رأي أحد قادته ووكله إلى تدبيره، حتى لا تختلف آراؤهم، وأكد على ذلك عندما قال لعمرو بن العاص: أنت أحد أمرائنا هناك، فإن جمعتكم حرب فأميركم أبو عبيدة بن الجراح. (2) وكان ذلك رأيه أيضا مع قادة العراق؛ حيث قال للمثنى بن حارثة: إني بعثت إليك خالد بن الوليد إلى أرض العراق ... فما أقام معك فهو الأمير، فإن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه، والسلام عليك. (3)
ج- المسارعة إلى امتثال أمره:
ففي حروب الردة كتب أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى خالد بن الوليد في أمر مسيلمة الكذاب، فقد أمره بالمسير إليه، فجمع خالد بن الوليد أصحابه وقرأ عليهم الكتاب وسألهم الرأي فأجابوه بقولهم: الرأي رأيك، وليس فينا أحد يخالف أوامرك. (4) كما كتب الصديق - رضي الله عنه - لخالد بن الوليد أثناء مقامه بالعراق بالخروج في شطر الناس إلى الشام، وأن يخلف على الشطر الباقي المثنى بن حارثة، وقال له: لا تأخذ نجدًا إلا خلفت له نجدًا، فامتثل خالد للأمر وقسم الجند نصفين. (5) وكتب إلى عمرو بن العاص بالسير من بلاد قضاعة إلى اليرموك ففعل، وبعث بأبي عبيدة ويزيد وأمرهما بالإغارة وألا يوغلوا في بلاد الشام حتى لا يكون وراءهم أحد من العدو، وقد استجاب القادة والجنود لتوجيهات وأوامر الصديق - رضي الله عنه -. (6)
د- عدم منازعته في شيء من قسمة الغنائم:
سار أبو بكر - رضي الله عنه - في خلافته على نهج الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تقسيم الغنائم؛ فبعد انتهاء خالد ابن الوليد - رضي الله عنه - من معركة اليمامة كتب إلى الصديق - رضي الله عنه - يخبره بما فتح الله عليه وما أغنمه منهم، فكتب إليه أبو بكر قائلاً: اجمع الغنائم والسبي وما أفاء الله عليك من مال بني حنيفة، فأخرج من ذلك الخمس ووجه به إلينا ليقسم فيمن
_________
(1) فتوح الشام: ص 7.
(2) نفس المصدر السابق: ص 48.
(3) الوثائق السياسية، حميد الله: ص 371.
(4) الفتوح، لابن أعثم: 1/ 29.
(5) الإدارة العسكرية الدولة الإسلامية، سليمان آل كمال: 1/ 112.
(6) نفس المصدر السابق: 1/ 113.
(1/381)

يحضرنا من المسلمين، وادفع إلى كل ذي حق حقه، والسلام. وهذا ما كان يفعله جميع قادة أبي بكر - رضي الله عنه - في إدارتهم العسكرية في قسمة الغنائم ولم ينازعهم الجند في شيء من قسمتها والتسوية بينهم فيها (1).

3 - حقوق الجند:
بيَّن الصديق - رضي الله عنه - من خلال وصاياه ورسائله حقوق الجند؛ كاستعراضهم، وتفقد أحوالهم، والرفق بهم في السير، وأن يقيم عليهم العرفاء والنقباء، واختيار مواضع نزولهم لمحاربة العدو، وإعداد ما يحتاج إليه الجند من زاد وعلوفة، والتعرف على أخبار العدو بالجواسيس الثقات لسلامة الجند، وتحريضهم على الجهاد، وتذكيرهم بثواب الله وفضل الشهادة، ومشاورة ذوي الرأي منهم، وأن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق، وأن ينهاهم عن الاشتغال عن الجهاد بتجارة وزراعة ونحوهما. (2) وإليك تفصيل بعض هذه النقاط:
أ- استعراضهم وتفقد أحوالهم:
فقد رأينا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما طرق المرتدين المدينة المنورة أخذ أهلها بحضور المسجد وقال لهم: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهارًا، وأدناهم منكم على بريد. (3) وأخذ - رضي الله عنه - يعرض أصحابه، ثم يعين منهم على أنقاب المدينة نفرًا للحراسة. (4) وعندما اجتمع جيش فتوح الشام صعد أبو بكر - رضي الله عنه - على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم وقد ملأوا الأرض، فتهلل وجهه وأخذ يعرضهم قبل سيرهم ويوصيهم ويدعو لهم، وعقد لهم الألوية، ومشى معهم نحوًا من ميلين. (5)
ب- الرفق بالجند في السير:
فقد أوصى أبو بكر خالد بن الوليد في حروب الردة بالرفق بمن معه وأن يتخذ الأدلاء
_________
(1) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 120.
(2) نفس المصدر السابق: 1/ 131 - 255.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 64.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 64.
(5) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 136.
(1/382)

في مسيره (1)، وأوصى سائر أمراء الردة بذلك. (2) وفي فتوح العراق عندما عقد خالد بن الوليد معاهدة الصلح مع أهل أُليس (3) وغيرهم، كان من ضمن شروط المعاهدة أن يبذرقوا (4) المسلمين، ويكونوا أدلاء وأعوانا لهم على الفرس؛ لأنهم أعرف وأعلم بطرق بلادهم من غيرهم. (5) وحين كلف أبو بكر - رضي الله عنه - خالد بن الوليد بالتوجه من العراق إلى الشام مددًا وعونًا لهم دعا خالد الأدلاء وتشاور معهم حول سيرهم في طريق المفازة إلى الشام؛ لأنه أسرع الطرق وأسرعها لنجدة إخوانه، ثم رافقه منهم رافع بن عميرة الطائي دليلاً (6)، وأوصى الصديق - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان عندما وجهه إلى الشام بقوله: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك (7)، وعندما جد الجند في السير ذكر أحدهم يزيد بوصية أبي بكر له بالرفق بهم في السير وأن يلتزم بها. (8) كما أوصى الصديق عمرو بن العاص عندما وجهه إلى فلسطين بقوله له: وكن والدًا لمن معك وارفق بهم في السير، فإن فيهم أهل ضعف. (9)
وقد امتثل قادة الصديق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأمره بالرفق بالجند في مسيرهم، وأصبحوا لا يسيرون إلى قتال الأعداء إلا ومعهم أدلاء يدلونهم على أسهل الطرق وأوفرها ماء وعشبًا، حتى يتمكنوا من مواصلة سيرهم نحو العدو ومن غير إهدار لقوتهم أو تحطيم لمعنوياتهم (10).
ج- أن يجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به:
ففي بعثه جيش أسامة لقتال الروم كان شعارهم: يا منصور أمت (11)، وفي حرب الردة عند مسير خالد بن الوليد نحو مسيلمة الكذاب باليمامة، كان شعارهم يومئذ:
_________
(1) المصدر السابق: 1/ 147.
(2) مآثر الإنافة للقلقشندي: 3/ 140.
(3) أليس: قرية من قرى الأنبار: ياقوت، معجم البلدان: 1/ 248.
(4) البذرقة: الخفارة والحراسة، وهي الجماعة تتقدم القافلة لتحرسها، وأصل الكلمة فارسية.
(5) الخراج لأبي يوسف: ص 294.
(6) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 148.
(7) فتوح الشام للواقدي: 1/ 23.
(8) المصدر السابق: 1/ 23.
(9) فتوح الشام للواقدي: 1/ 130 ..
(10) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 149.
(11) الطبقات لابن سعد: 2/ 191.
(1/383)

يا محمداه .. يا محمداه (1)، وشعار تنوخ في فتوح العراق: يا آل عباد الله (2)، وفي فتوح الشام باليرموك نجد أن لكل قائد وقبيلة شعارًا مميزًا يميزها عن غيرها اتخذته ليستدل به عليها، وكانوا يجهزون به عند القتال ويتعارفون به، فكان شعار أبي عبيدة: أمت .. أمت، وشعار خالد بن الوليد ومن معه: يا حزب الله، وشعار قبيلة عبس: يا لعبس، وشعار اليمن من أخلاط الناس: يا
أنصار الله، وشعار حمير: الفتح، وشعار دارم والسكاسك: الصبر .. الصبر، وشعار بني مراد: يا نصر الله انزل، فهذه كانت أبرز الشعارات في معركة اليرموك. (3)
د- أن يتصفحهم عند مسيرهم:
ومن وصايا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لقواده حين بعث بهم في حروب الردة: وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألا يدخل فيهم حشوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم؛ لئلا يكونوا عيونًا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم. (4) كما أمر قادته بعدم الاستعانة بالمرتدين في جهاد العدو؛ وذلك احتراسًا وحرصًا على سلامة جند المسلمين (5)، كذلك أوصى الصديق - رضي الله عنه - قادة فتوح الشام بالحذر والحيطة والتيقظ من رسل العدو حتى لا يتعرفوا على ما بجيشهم من ثغرات ومكامن ضعف، وأمرهم بأن لا يخالطوا العسكر ولا يحدثوهم، فمن ذلك قوله ليزيد بن أبي سفيان: وإذا قدمت عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم، فإنه أول خبرك إليهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج (6) عملك. (7)
هـ- حراستهم من غرة يظفر بها العدو في مقامهم ومسيرهم:
وظهر ذلك عندما وضع الصديق الحرس على أنقاب المدينة خشية أن تطرقها بعض
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 111.
(2) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 174.
(3) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 174.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 71، 72.
(5) نفس المصدر السابق: 4/ 163.
(6) المرج: الفساد، والقلق، والاختلاط، والاضطراب.
(7) مروج الذهب للمسعودي: 3/ 309.
(1/384)

القبائل المرتدة. وحين وجه - رضي الله عنه - خالد بن الوليد إلى حرب أهل الردة حذره من البيات والغرة، وقال له: واحترس من البيات، فإنه من العرب غرة. (1) كما أوصى أمراء وقادة فتوح الشام بالاحتراس ونشر الحرس على العسكر لحفظهم من الأعداء، وأن يقوموا بالتفتيش المفاجئ على الحرس حتى يتأكدوا من قيامهم بمهامهم المعدين لها، فمن ذلك ما قاله ليزيد بن أبي سفيان: وأكثر حرسك وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك (2)، وقال لعمرو ابن العاص: وأمر أصحابك بالحرس، ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم، وأطل الجلوس بالليل على أصحابك وأقم بينهم واجلس معهم. (3) وحذا قادة الصديق - رضي الله عنه - حذوه في اتخاذ الحرس على العسكر في مقامهم وسيرهم (4).
وإعداد ما يحتاج إليه العسكر من زاد وعلوفة:
فقد كان الصديق - رضي الله عنه - يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعلها في سبيل الله (5) إلى جانب ما يكسبه ويغنمه العسكر من العدو. (6) وحينما كلف الصديق خالد بن الوليد بمحاربة المرتدين، كان مما أوصاه به إذا دخل على أرض العدو أن لا يسير إليهم إلا وهو مستظهر بالزاد. (7) وكان قادة الصديق أثناء مصالحتهم للعدو يشترطون عليهم أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين، بما يحل من طعامهم وشرابهم. (8) وقد سمح أبو بكر لجند الشام أثناء ما أوصاهم بأنهم إذا عقروا شاة أو بعيرًا للعدو لا يعقرونها إلا للأكل (9).
ز- ترتيب الجند في مصاف الحرب:
استعمل قادة الصديق في معاركهم الحربية نظام الصف، والصفوف تزيد وتنقص
_________
(1) نهاية الأرب للنويري: 6/ 168.
(2) مروج الذهب: 2/ 309.
(3) فتوح الشام للواقدي: 1/ 23.
(4) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 196.
(5) نفس المصدر السابق: 1/ 215.
(6) الخراج لأبي يوسف: 286، 287.
(7) نهاية الأرب للنويري: 6/ 168.
(8) الخراج لأبي يوسف: ص 289.
(9) نهاية الأرب للنويري: 6/ 168.
(1/385)

بحسب ما يقتضيه الموقف، ويراه القائد في ميدان القتال (1)، إلا أن خالد بن الوليد في معركة اليرموك أدخل نظام الكراديس في أعينهم؛ وذلك لأن نظام الكراديس عبارة عن مجموعة من الجند تقف في صفوف لا تكون منفصلة عن الأخرى، بينها مسافات متباعدة مما يسهل ذلك عليها عملية الحركة وزيادة الانتشار، فمن قول خالد للجند لاستخدامه لنظام الكراديس: إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة تعبئة أكثر من رأى العين من الكراديس (2)، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة وعليها يزيد بن أبي سفيان، وهكذا خرج في ستة وثلاثين كردوسًا إلى الأربعين، وخرج في تعبئة لم تعبئها العرب قبل ذلك، ووزع المهام الإدارية بين القيادة (3)، إلا أن نظام الصف ظل قائمًا ومعمولاً به في النظام الحربي الإسلامي بعد اليرموك (4).
ح- تحريضهم على القتال:
كان الصديق - رضي الله عنه - يحرض المجاهدين على القتال، ويقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر، ويذكر لهم أسباب النصر ليقل العدو في أعينهم فيكونوا عليه أجرأ وبالجرأة يسهل الظفر (5)؛ فقد حرص وحض أبو بكر خالد بن الوليد على القتال بقوله: احرص على الموت توهب لك الحياة. (6) وعندما عقد الألوية لجيوش الشام أخذ يحرضهم ويحضهم على الجهاد في سبيل الله ويوصيهم، ويدعو لهم بالنصر على الأعداء (7).
ط- أن يذكرهم بثواب الله وفضل الشهادة:
فمما قاله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في تلك الجيوش المتوجهة إلى الشام قال: ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، لما ينبغي للمسلم أن يحب أن
_________
(1) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 231.
(2) تاريخ الطبري: 4/ 215.
(3) تاريخ الطبري: 4/ 215.
(4) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 232.
(5) نفس المصدر السابق: 1/ 234.
(6) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 238.
(7) فتوح الشام للأزدي: ص 11 - 15.
(1/386)

يخص به, هي التجارة التي دل عليها، ونجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة (1).
ي- أن يشاور ذوي الرأي منهم:
وهذا ما فعله الصديق في حروب الردة وفتوحات الشام وكثير من القضايا الفقهية والمستجدات التي تحدث في المجتمع المسلم، وقد طلب من القادة أن يتناصحوا ويتشاوروا. (2) وقد كان الصديق قدوة في ذلك؛ ففي حروب الردة دعا عمرو بن العاص وقال له: يا عمرو، إنك ذو رأي في قريش وقد تنبأ طليحة، فما ترى؟ واستشاره ثم سأله عن خالد بن الوليد عند اختياره لقيادة الجند فأجابه: يسوس للحرب، يصبر للموت، له أناة القطاة ووثوب الأسد، فعقد له. (3) وسار خالد بن الوليد لما كلف به، وأخذ يستشير من معه لإعداد الخطة لمحاربة المرتدين ويخبر القيادة العليا بما استقر عليه رأي الجند (4)، وحين أراد أبو بكر - رضي الله عنه - أن يغزو الروم ويعد الجيوش لفتح بلاد الشام، شاور في ذلك جماعة من أصحاب رسول الله، وبعد أن أخذ رأيهم وما أجمعوا عليه أمر الجند بالتجهيز للتوجه لما أمروا به (5)، وكان مما أوصي به الصديق - رضي الله عنه - أمراء وقادة جند الشام بأن يعملوا بالمشورة، فمن ذلك ما قاله ليزيد ابن أبي سفيان: هذا ربيعة بن عامر (6) من ذوي العلاء والمفاخر، قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمرتك عليه، فاجعله في مقدمتك، وشاوره في أمرك ولا تخالفه. (7) قال يزيد: حبًا وكرامة. وأضاف أبو بكر - رضي الله عنه - قائلا: إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك، ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك، وشاورهم في الأمر، واستعمل العدل. (8)
كما قال ليزيد: وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم
_________
(1) تاريخ الطبري: 4/ 208.
(2) العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين: ص 143.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2/ 129.
(4) الفتوح، ابن أعتم: 1/ 29.
(5) تاريخ فتوح الشام: ص 2. الفتوح، ابن أعتم: 1/ 81.
(6) ربيعة بن عامر القرشي العامري، له ذكر في الفتوح، صحابي، يعد من أهل فلسطين.
(7) فتوح الشام للواقدي: 1/ 22.
(8) فتوح الشام للواقدي: 1/ 22.
(1/387)

المستشار فتؤتى من قبل نفسك. (1) إلى غير ذلك مما قاله ليزيد بن أبي سفيان حول مبدأ الشورى والالتزام بها. وقد أوصى أمراء جند الشام بما لا يخرج عن ذلك (2)، وامتثل قادة الصديق بما أمروا به من إجراء المشورة فيما بينهم، فقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمرو بن العاص: يا عمرو، لرب يوم لك قد شهدته فبورك فيه للمسلمين برأيك ومحضرك، وإنما أنا رجل منكم ولست -وإن كنت الوالي عليكم- بقاطع أمر دونكم، فأحضرني رأيك في كل يوم بما ترى، فإنه ليس بي عنك غنى. (3) هذا بالإضافة إلى طلب القادة في أرض المعركة من القيادة العليا المركزية المشورة فيما أشكل عليهم من أمور الإدارة العسكرية لمرحلة وضع الخطط الحربية والتنفيذ ومعاملة الأسرى (4).
ك- أن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق:
فقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يوصي قادته بذلك؛ فحين بعث عمرو بن العاص إلى أرض فلسطين قال له: اتق الله في سرك وعلانيتك، واستحيه في خلوتك؛ فإنه يراك في عملك. قد رأيت تقدمي لك على من هو أقدم منك سابقة وأقدم حرمة، فكن من عمال الآخرة، وأرد بعملك وجه الله، وكن والدًا لمن معك. والصلاة ثم الصلاة، أذن بها إذا دخل وقتها، ولا تصلِّ صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر. واتق الله إذا لقيت العدو، وألزم أصحابك قراءة القرآن، وانههم عن ذكر الجاهلية وما كان منها، فإن ذلك يورث العداوة بينهم، وأعرض عن زهرة الدنيا حتى تلتقي بمن مضى من سلفك، وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن، إذ يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73] (5).
هذه أهم حقوق الله والقادة والجند التي تحدث عنها الصديق في وصاياه ورسائله لقادته - رضي الله عنه -.
_________
(1) مروح الذهب: 2/ 309 ..
(2) تاريخ فتوح الشام للأزدي: ص 13 - 15 - 20، 21.
(3) نفس المصدر السابق: ص 51 - 84.
(4) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 272.
(5) الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية: 1/ 251، هذا الكتاب لخصت واختصرت منه حقوق الله، والقادة والجنود.
(1/388)

رابعًا: السر في اكتساح المسلمين لقوات الفرس والروم:
إن المتأمل في حركة الفتح الإسلامي يرى توفيق الله تعالى لجيوش الخليفة أبي بكر - رضي الله عنه -، فقد اندفعت تلك الجيوش المظفرة نحو العراق والشام، واستطاعت أن تكسر شوكة الرومان والفرس، وتفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب، والسبب في سرعة هذا الفتح عوامل تتعلق بالمسلمين الفاتحين، وأخرى ترجع إلى الأمم التي فتح المسلمون ديارهم، فمن العوامل التي تتعلق بالمسلمين:
1 - إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله.
2 - يقين المسلمين بربهم في قضيتي الرزق والأجل، والقضاء والقدر.
3 - تأصل الصفات الحربية في المسلمين.
4 - سماحة المسلمين وعدالتهم مع الشعوب.
5 - رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج، ووفائهم بعهودهم.
6 - ثروة المسلمين الواسعة من الرجال والقواد العظام.
7 - إحكام الخطة الحربية الإسلامية (1).
وأما الأسباب التي تتعلق بالبلاد المفتوحة فأهمها: ضعف الروم والفرس، فقد ضعفوا وانتشر بينهم الظلم وعم الفساد، ودب فيهم سوء الأخلاق، وأصابت حضارتهم الشيخوخة، وقضى عليها إسراف ملوكها، وانحرافهم عن منهج الله، ومضت فيهم سنته التي لا ترحم ولا تجامل ولا تتبدل. وأما المسلمون فقد أكرمهم الله بمنهجه فساروا عليه، وأخذوا بأسباب التمكين وحققوا شروطه، وتعاملوا مع سنن الله في الشعوب وبناء الدول وإصلاح المجتمعات. ولا يفهم من كلامي أن ضعف الروم والفرس سهل السبيل أمام المسلمين بشكل كبير، فرغم ضعف الدولتين بسبب العوامل السابقة، إلا أنه لم يمنعهما من الإعداد الهائل لملاقاة المسلمين، فجهزتا مئات الآلاف من الجند المدربين الذين يفوقون جند المسلمين عددًا وعدة، كما أنهما أبرزتا أسلحة غير معهودة عند المسلمين كالفيلة والكلاليب المحماة، التي كانوا يرسلونها من خلف الحصون يصطادون
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 222 - 227.
(1/389)

بها من تقع عليه من المسلمين، كما أن الظن بأن الروم استهانوا بالمسلمين ولم يستعدوا لهم يدفعه الكلام السابق وترده رواية ابن عساكر: أن هرقل جمع بطارقته وهو بحمص وقال لهم: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني!! قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه: ابعث رباطًا إلى البلقاء، فبعث رباطًا واستعمل عليه رجلاً من أصحابه، فلم يزل حتى تقدمت الجيوش إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (1).
* * *
_________
(1) تاريخ الدعوة إلى الإسلام: ص 338.
(1/390)

المبحث الرابع
استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته
أولا: استخلافه لعمر:
في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، مرض الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - واشتد به المرض (1)، فلما ثقل واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتًا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا
تختلفوا بعدي (2).
وقد قام أبو بكر - رضي الله عنه - بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الخليفة القادم:
1 - استشارة أبي بكر الصحابة من المهاجرين والأنصار:
وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه؛ إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله، فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدتك. ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك؛ يرضى للرضا ويسخط للسخط، والذي يُسِرُّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه. وكذلك استشار سعيد بن زيد وعددًا من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريبًا كانوا برأي واحد في عمر إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدته فقد قال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن
_________
(1) البداية والنهاية: 7/ 18؛ تاريخ الطبري: 4/ 238.
(2) التاريخ الإسلامي: 9/ 258.
(1/391)

استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبا الله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خيرَ أهلك (1). وبيَّن لمن نبهه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرًا مما هو عليه (2).
2 - ثم كتب عهدًا مكتوبًا يقرأ على الناس في المدينة وفي الأنصار عن طريق أمراء الأجناد، فكان نص العهد:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: {وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] (3).
إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى، وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا لها استشرفتهم شهواتها فنكلت بهم واستبدت، وذاك ما حذرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه (4)، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم». (5) لقد أبصر أبو بكر الداء فأتى لهم - رضي الله عنه - بدواء ناجع .. جبل شاهق إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك» (6).
إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة قد بدأت بقتل
_________
(1) الكامل لابن الأثير: 2/ 79. التاريخ الإسلامي، محمود شاكر: ص 101، الخلفاء الراشدون.
(2) الكامل لابن الأثير: 2/ 79.
(3) تاريخ الإسلام للذهبي: عهد الخلفاء: ص 116 - 117.
(4) أبو بكر رجل الدولة: ص 99.
(5) البخاري، كتاب الجزية والموادعة، رقم: 3158.
(6) البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي، رقم: 3683.
(1/392)

عمر، هذه القواصم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وأبو بكر حين استخلف عمر. (1) فقال: كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين
أمواج الفتن (2).
3 - أنه أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة: فقد دخل عليه عمر فعرفه أبو بكر بما عزم فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان أمام عمر إلا أن قبل (3).
4 - أنه أراد إبلاغ الناس بلسانه، واعيًا مدركًا حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبو بكر على الناس وقال لهم: أترضون بما أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذات قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا (4).
5 - أنه توجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم، فهم عبادك (5).
6 - أنه كلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر، بعد أن ختمه بخاتمه لمزيد من التوثيق والحرص على إمضاء الأمر دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به. (6)
7 - البيعة لعمر بن الخطاب قبل أن يتوفى أبو بكر الصديق: بعد أن قرئ العهد على
_________
(1) مجمع الزوائد: 10/ 268، قال الهيثمي: رواه الطبرني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح. وأخرجه الحاكم: 3/ 90، وصححه ووافقه الذهبي.
(2) أبو بكر رجل الدولة: ص 100.
(3) مآثر الإنافة للقلقشندي: 1/ 49.
(4) تاريخ الطبري: 4/ 248.
(5) طبقات ابن سعد: 3/ 199. تاريخ المدينة لابن شبة: 2/ 665 - 669.
(6) طبقات ابن سعد: 3/ 200.
(1/393)

الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه (1)، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر - رضي الله عنه -. (2) ويلحظ الباحث أن عمر ولي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم، فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة، وجعلوه نائبًا عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة، ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب «الطبيعيون» عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر - رضي الله عنه - إلا على أصح الأساليب الشورية وأعدلها (3).
إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه (4)، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر - رضي الله عنه - بالشورى، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحد نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة (5).
8 - وصية الصديق لعمر بن الخطاب:
فقد اختلى الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شيء، حتى يمضي إلى ربه خاليًا من أي تبعة، بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده (6)، وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا.
_________
(1) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 272.
(2) المصدر السابق: ص 272.
(3) أبو بكر الصديق، على الطنطاوي: ص 237.
(4) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 273.
(5) النظرية السياسية الإسلامية، ضياء الريس: ص 181.
(6) دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة: ص 272.
(1/394)

وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لا ألحق بهم. وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون من هؤلاء، ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت
ولست تعجزه (1).

ثانيًا: وحان وقت الرحيل:
قالت عائشة -رضي الله عنها-: أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يومًا باردًا فحم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه (2)، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال: إني فعال لما أريد. (3) وقالت عائشة -رضي الله عنها-: قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح (4) كان يسقي بستانًا له، فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر، وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا (5).
وقالت عائشة -رضي الله عنها-: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج ما يعالج الميت ونفسه في صدره، فتمثلت هذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
فنظر إليَّ كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، ثم قال: يا عائشة، إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطًا (6)، وإن في نفسي منه شيئًا فرديه إلى الميراث، قالت: نعم، فرددته. وقال - رضي الله عنه -: أما إنا منذ ولينا أمر
_________
(1) صفة الصفوة: 1/ 264، 265.
(2) أصحاب الرسول، محمود المصري: 1/ 104.
(3) ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: ص 33.
(4) الناضح: هو البعير الذي يستقى عليه.
(5) صفة الصفوة: 1/ 265.
(6) حائطا: وفي رواية: جداد، وهي بمعنى: قطع ثمرة النخل، صفوة الصفوة: 1/ 266.
(1/395)

المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول إلى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. (1)
وقد جاء في رواية: أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وإن حائطي الذي بمكان كذا فيها، فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر، لقد أحب أن لا يدع لأحد بعده مقالاً (2).
ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام؛ فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته، وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين، وقيامًا بوظائف الخلافة، فيضطر إلى أخذ نفقته من بيت المال بما لا يزيد عن الحاجة إلى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن، ولما أشرف على وفاته وعنده فضلة من مال المسلمين، وهي ذلك المتاع الحقير يأمر بردها إلى المسلمين ليلقي ربه آمنا مطمئنا، نزيه القلب طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الإيمان، إن في هذا لبلاغا، وإنها لموعظة لقوم يعقلون. (3) كما أن ما قام به من الوصية بتعويض بيت مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ما أنفق على نفسه وعياله منه، وكان ورعًا منه ورغبة في أن يكون عمله في الولاية تطوعًا وخالصًا لله تعالى، بعيدًا عن أي حظ من حظوظ الدنيا.
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوما، حتى كان يوم الاثنين (ليلة الثلاثاء) في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت: في يوم الاثنين قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، ففيم كفنتموه؟ قالت: في ثلاثة أثواب
_________
(1) الطبقات لابن سعد: 3/ 146، 147، رجاله ثقات.
(2) المنتظم لابن الجوزي: 4/ 127. وأصحاب الرسول: 1/ 105.
(3) أشهر مشاهير الإسلام: 1/ 94.
(1/396)

بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين. (1) فقيل له: قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جديد. قال:
إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى. (2) وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" (3) [يوسف: 101].
وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يومًا أكثر باكيًا وباكية من ذلك المساء الحزين، وأقبل علي بن أبي طالب مسرعًا باكيًا مسترجعًا ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم يقينًا، وأشدهم لله يقينًا، وأخوفهم له، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء. صدَّقت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله صديقًا فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33]. واسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله: ضعيفًا في بدنك قويًّا في أمر الله تعالى، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله تعالى، جليلاً في أعين
_________
(1) أصحاب الرسول: 1/ 106.
(2) التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، الخلفاء الراشدون: ص 104.
(3) الشيخان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب برواية البلاذري في أنساب الأشراف، تحقيق د/ إحسان صدقي العمد: ص 69.
(1/397)

الناس، كبيرًا في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله -عز وجل- وأتقاهم، ... شأنك الحق والصدق والرفق، قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم. اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله، فسبقت -والله- سبقًا بعيدًا وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا مبينًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله -عز وجل- قضاءه، وسلمنا له أمره. والله لن يصاب المسلمين بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا وحرزًا وكهفًا، فألحقك الله -عز وجل- بنبيك محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك.
فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت. (1) وجاء في رواية: إن عليًّا قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سجي أنه قال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إليَّ من هذا المسَجَّى. (2)
هذا وقد توفي الصديق -رحمه الله- وهو ابن ثلاث وستين سنة، مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك (3)، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله (4)، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (5).
وهكذا خرج أبو بكر الصديق من الدنيا بعد جهاد عظيم، في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول بعد وفاته، وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية، وسقاها أزكى دماء الشهداء، فأتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً. حقق عبر التاريخ تقدما عظيمًا في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق؛ لأنه بجهاده
_________
(1) التبصرة لابن الجوزي: 1/ 477 - 479، نقلا عن أصحاب الرسول: 1/ 108.
(2) تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين: ص 120.
(3) الطبقات لابن سعد: 3/ 203، 204، وإسناده صحيح.
(4) تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، ص 120.
(5) أصحاب رسول الله: 1/ 106.
(1/398)

الرائع وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة، ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
وأختم هذا الكتاب بقول أبي محمد عبد الله القحطاني الأندلسي:
قل إن خير الأنبياء محمد ... وأجَلَّ من يمشي على الكُثبان
وأجَلُّ صَحْبِ الرسل صحب محمدٍ ... وكذاك أفضل صحبه العُمَران (1)
رجلان قد خلقا لنصر محمد ... بدمي ونفسي ذانك الرجلان
فهما اللذان تظاهرا لنبينا ... في نصره وهما له صهران
بنتاهما أسنى نساء نبينا ... وهما له بالوحي صاحبتان
أبواهما أسنى صحابة أحمد ... يا حبذا الأبوان والبنتان
وهما وزيراه اللذان هما هما ... لفضائل الأعمال مستبقان
وهما لأحمد ناظراه وسمعه ... وبقربه في القبر مضطجعان
كانا على الإسلام أشفق أهله ... وهما لدين محمد جبلان
أصفاهما أقواهما أخشاهما ... أتقاهما في السر والإعلان
أسناهما أزكاها أعلاهما ... أوفاهما في الوزن والرجحان
صِدِّيق أحمد صاحب الغار الذي ... هو في المغارة والنبي اثنان
أعني أبا بكر الذي لم يختلف ... من شرعنا في فضله رجلان
هو شيخ أصحاب النبي وخيرهم ... وإمامهم حقا بلا بطلان
وأبو المطهرة التي تنزيهها ... قد جاءنا في النور والفرقان (2)

«وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين»
«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت،
أستغفرك وأتوب إليك»
* * *
_________
(1) أي: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
(2) نونية القحطاني: ص 21، 22.
(1/399)

الخلاصة
1 - إن سيرة الخلفاء الراشدين وتاريخهم المجيد من أقوى مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة، التي لا تزال هذه الأمة تقتبس منها شعلة الإيمان وتحمل زاد الدعوة، فتشعل أنوار الحق في قلوب الناس حتى لا تنطفئ بريح الهدم التي يوجهها أعداء الأمة ضد دعوتها وتاريخها.
2 - إن المسلمين -بل الإنسانية كلها- أشد ما كانوا اليوم في حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكرم معدنهم، وأثر تربية رسول الله فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر.
3 - لقد تعرض التاريخ الإسلامي في عمومه وتاريخ صدر الإسلام على الخصوص للتزوير والتشكيك والتحريف والبتر والزيادة وسوء التأويل، من الروافض والمستشرقين والنصارى واليهود والعلمانيين، ولذلك أصبح من الفروض الكفائية على الأمة تصحيح الحقائق، فعلى كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له ويجتهد فيه ما استطاع؛ حتى يكون أمام أبناء الأمة مثالاً صالحًا من سلفهم، يقتدون به ويجددون عهده ويصلحون من سيرتهم بالسير على منهجهم.
4 - إن سيرة الصديق مليئة بالدروس والعبر؛ فهو أعظم شخصية في الإسلام بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقد كان هذا الصحابي الجليل قد اتصف بمكارم الأخلاق والصفات الحميدة منذ الجاهلية، فلم يعرف عنه أنه سجد لصنم أو شرب الخمر.
5 - كان الصديق - رضي الله عنه - عالمًا بالأنساب، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي أنه لم يكن يعيب الأنساب ولا يذكر المثالب، بخلاف غيره، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما فيها من خير وشر، وقد اشتهر بالتجارة، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عرف به في الجاهلية.
(1/400)

6 - كان أبو بكر كنزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله إياه، جعله من الموطئين أكنافًا، من الذين يألفون ويؤلفون.
7 - كان تحرك الصديق - رضي الله عنه - في الدعوة إلى الله يوضح صورة من صور الإيمان بهذا الدين، والاستجابة لله ورسوله، صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار ولا يهدأ له بال حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به.
8 - تعرض الصديق للابتلاء؛ فقد أوذي أبو بكر الصديق وحثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام بالنعال حتى ما يعرف وجهه من أنفه وحمل إلى بيته.
9 - من صفات الصديق التي تميز بها: الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحدًا في الحق، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
10 - ساهم الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين، وأصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة الإسلامية لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين، فدعم الدعوة بالمال والرجال والأفراد، فراح يشتري العبيد والإماء المملوكين من المؤمنين والمؤمنات وأعتقهم لوجه الله.
11 - استخدم الصديق - رضي الله عنه - علم الأنساب كوسيلة من وسائل الدعوة، ولذلك كان مرافقًا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثناء دعوته للقبائل في أسواق العرب في المواسم.
12 - رافق الصديق - رضي الله عنه - رسول الله في هجرته إلى المدينة، فكان الساعد الأيمن لرسول الله منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان - رضي الله عنه - ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكمة وإيمانًا ويقينًا وعزيمة وتقوى وإخلاصًا، فأثمرت هذه الصحبة صلاحًا وصديقية، ذكرًا ويقظة، حبًا وصفاء، عزيمة وتصميمًا، وإخلاصًا وفهمًا، فوقف مواقفه المشهورة بعد وفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سقيفة بني ساعدة، وغيرها من المواقف؛ كبعث جيش أسامة وحروب الردة، فأصلح ما فسد وبنى ما هدم، وجمع ما تفرق، وقوَّم ما انحرف.
(1/401)

13 - شهد أبو بكر مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المشاهد كلها ولم يفته منها مشهد، وثبت مع رسول الله يوم أحد حين انهزم الناس، ودفع إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء.
14 - كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر، وتركت لنا نموذجًا حيًّا لفهم الإسلام وتطبيقه في دنيا الناس. وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أحاديث كثيرة وبيَّن فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
15 - كان إيمان الصديق بالله عظيمًا، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلت كلمة التوحيد في نفسه وقلبه، وانعكست آثارها على جوارحه، وعاش بتلك الآثار في حياته فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة، وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان إيمانه بالله باعثًا له على الحركة والهمة والنشاط والسعي والجهد والمجاهدة والجهاد والتربية والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لا يساويه فيه أحد من الصحابة.
16 - كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له، وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فقد كان أدوم اجتماعًا به ليلاً ونهارًا وسفرًا وحضرًا، وكان يسمر عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد العشاء يتحدث معه في أمور المسلمين، وقد استعمله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أول حجة حجت من مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا علمه لم يستخلفه، ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر، وهو أصح ما روي فيها، وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة والمنسوخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم.
(1/402)

17 - لما مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضطرب الناس، فثبت الله الأمة بالصديق، فوقف موقفه العظيم وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وظهر موقفه العظيم في سقيفة بني ساعدة حيث استطاع أن يقنع الأنصار بما رآه وهو الحق، من غير أن يعرض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان فضلهم من الكتاب والسنة والثناء.
18 - بايع سعد بن عبادة الصديقَ بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة؛ إذ أنه نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالخلافة، وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصديق بالخلافة في اجتماع السقيفة، ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات لا بسيطة ولا خطيرة ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلافة، كما زعم بعض كتاب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي بل ازدادت توثقًا، كما يثبت النقل الصحيح.
19 - وردت أحاديث نبوية شريفة أشارت إلى خلافة الصديق، وأجمع أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبو بكر الصديق، لفضله وسابقته ولتقديم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياه في الصلوات على جميع الصحابة، وقد فهم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مراد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من تقديمه في الصلاة، فأجمعوا على تقديمه في الخلافة.
20 - الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوبًا للحكم، تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة
لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فالخلافة هي نظام حكم المسلمين، وقد استمدت أصولها من دستور المسلمين في القرآن الكريم ومن سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة، وهما أصلان قد أشير إليهما في القرآن الكريم.
21 - تحدث العلامة أبو الحسن الندوي عن شروط خلافة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومتطلباتها، وقد أثبت بالأدلة والحجج من خلال سيرة الصديق بأن أبا بكر كان شروط خلافة
(1/403)

النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - متحققة فيه.
22 - بعد البيعة العامة للصديق ألقى خطبة على الأمة تعتبر من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، فقد بيَّن فيها منهجه لقيادة الدولة وقرر فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد.
23 - أراد الصديق - رضي الله عنه - أن ينفذ السياسة التي رسمها لدولته واتخذ من الصحابة الكرام أعوانًا يساعدونه على ذلك، فجعل أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة «وزير المالية»، فأسند إليه شئون بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء «وزير العدل»، وباشر الصديق القضاء بنفسه أيضًا، وتولى زيد بن ثابت الكتابة «وزير البريد والمواصلات»، وأحيانًا يكتب له من يكون حاضرًا من الصحابة كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهم. وأطلق المسلمون على الصديق لقب خليفة رسول الله، ورأى الصحابة ضرورة تفريغ الصديق لمنصب الخلافة وتكفلت الأمة بنفقاته الخاصة.
24 - عاش الصديق بين المسلمين كخليفة لرسول الله، فكان لا يترك فرصة تمر إلا علَّم الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فكانت مواقفه تشع على مَنْ حوله مِنَ الرعية بالهدى والإيمان والأخلاق.
25 - يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة والجانب القضائي خاصة امتدادًا للقضاء في العهد النبوي، مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه.
26 - كان أبو بكر يستعمل الولاة في البلدان المختلفة ويعهد إليهم بالولاية العامة في الإدارة والحكم والإمامة وجباية الصدقات وسائر أنواع الولايات، وكان ينظر إلى حسن اختيار الرسول للأمراء والولاة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل، ولهذا نجده قد أقر جميع عمال الرسول الذين توفي الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم على ولايته، ولم
(1/404)

يعزل أحدا منهم إلا ليعينه في مكان آخر أكثر أهمية من موقعه الأول ويرضاه، كما حدث لعمرو بن العاص، وكانت مسئوليات الولاة في عهد أبي بكر الصديق بالدرجة الأولى
امتدادا لصلاحيتهم في عصر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خصوصا الولاة الذين سبق تعيينهم أيام الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
27 - وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق رضي الله عنهما، وكذلك تأخير الزبير بن العوام، وجل هذه الأخبار ليس بصحيح إلا ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إن عليًّا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله، من تغسيل وتكفين، وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول، وهو يوم الثلاثاء.
28 - عندما سئل الصديق عن ميراث رسول الله، قال للسيدة فاطمة والعباس عم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سمعت رسول الله يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال». وفي رواية قال أبو بكر - رضي الله عنه -: « ... لست تاركًا شيئًا كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ». ومن الثابت تاريخيا أن أبا بكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيهما أحكام الميراث عملا بما سمعه من
رسول الله.
29 - بيَّن الصديق - رضي الله عنه - في خطبته طبيعة خليفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنه ليس خليفة عن الله بل عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنه بشر غير معصوم لا يطيق ما كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطيقه بنبوته ورسالته، فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع.
30 - من الدروس والعِبَر في بعث جيش أسامة - رضي الله عنه -: أن الأحوال تتغير وتتبدل، والشدائد لا تشغل أهل الإيمان عن أمر الدين، والمسيرة الدعوية لا ترتبط بأحد، ووجوب اتباع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحدوث الخلاف بين المؤمنين ورده إلى الكتاب والسنة، وجعل الدعوة مقرونة بالعمل، ومكانة الشباب في خدمة الإسلام، وروعة الآداب الإسلامية في الجهاد وتحقيق جيش أسامة لأهدافه، فقد ضعفت جبهة الردة في الشمال وأصبحت من أضعف الجبهات.
(1/405)

31 - إن الردة التي قامت بها القبائل العربية بعد وفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها أسباب، منها: هول الصدمة بموت رسول الله، ورقة الدين والسقم في فهم نصوصه، والحنين إلى الجاهلية ومقارفة موبقاتها، والتفلت من النظام والخروج على السلطة الشرعية، والعصبية القبلية، والطمع في الملك، والتكسب بالدين، والشح بالمال، والتحاسد، والمؤثرات الأجنبية؛ كدور اليهود والنصارى والمجوس.
32 - وأما أصناف الردة: فمنهم من ترك الإسلام جملة وتفصيلاً وعاد إلى الوثنية وعبادة الأصنام، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من عاد إلى ترك الصلاة، ومنهم من بقي يعترف بالإسلام ويقيم الصلاة ولكنه امتنع عن أداء الزكاة، ومنهم من شمت بموت الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعاد أدراجه يمارس عادات الجاهلية، ومنهم من تحير وتردد وانتظر على من تكون الدبرة، وكل ذلك وضحه علماء الفقه والسير.
33 - كان موقف الصديق - رضي الله عنه - من المرتدين لا هوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل، يرجع إليه الفضل الأكبر -بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية ومحاولة نقض عرى الإسلام عروة عروة موقف الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبو بكر حقها، واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم إلى أن
يرث الله الأرض وأهلها.
34 - إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة، أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافي، بل إن هناك قادة وقبائل وجماعات وأفرادًا تمسكوا بدينهم في كل منطقة.
35 - في حروب الردة باليمن ظهرت صورتان مختلفتان للنساء؛ صورة المرأة الطاهرة العفيفة التي تقف مع الإسلام وتحارب الرذيلة، وتقف مع المسلمين لكبح جماح شياطين الإنس والجن مثل «آزاد» الفارسية زوج شهر بن باذان وابنة عم فيروز الفارسي. وصورة أخرى كالحة مظلمة، وهي ما قامت به بعض بنات اليمن من يهود ومن لف لفهن في حضرموت، فقد طرن فرحًا بموت رسول الله فأقمن الليالي الحمراء مع المجان والفساق يشجعن على الرذيلة ويزرين بالفضيلة، فقد رقص الشيطان فيها معهن وأتباعه طربًا لنكوص الناس عن الإسلام، والدعوة إلى التمرد عليه وحرب أهله.
(1/406)

36 - كان بعض أهل اليمن لهم مواقف عظيمة في الثبات على الحق والدعوة إلى الإسلام، وتحذير قومهم من خطورة الردة، ومن هؤلاء كان مران بن ذي عمير الهمداني أحد ملوك اليمن وعبد الله بن مالك الأرحبي، وكان من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشرحبيل بن السمط، وابنه في بني معاوية من كندة.
37 - بعد حروب الردة تجمعت اليمن تحت قيادة مركزية عاصمتها المدينة المنورة، وقسم اليمن إلى أقسام إدارية لا وحدات قبلية، فقد قسم إلى ثلاثة أقسام إدارية: صنعاء والجند وحضرموت، ولم تعد العصبية القبلية أساسًا في الزعامة أو في التولية، ولم تعد القبلية سوى وحدة عسكرية لا سياسية، وأصبحت المقاييس المعتبرة هي المقاييس الإيمانية؛ التقوى والإخلاص والعمل الصالح.
38 - كان لهزيمة طليحة الأسدي في معركة بزاخة أثر كبير في رجوع كثير من القبائل إلى حظيرة الإسلام، فقد أقبلت بنو عامر بعد هزيمة بزاخة يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل بزاخة من أسد وغطفان وطيء.
39 - إن مقتل مالك بن نويرة بسبب كبره وتردده فقد بقي للجاهلية في نفسه نصيب، ولذلك ماطل في التبعية للقائم بأمر الإسلام بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي تأديه حق بيت مال المسلمين عليه المتمثل بالزكاة.
40 - قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة، فقد كان الصديق في هذا الشأن أكثر اطلاعًا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة؛ لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار.
41 - إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به؛ لأنه كان شديدًا ليعتدل به أمره ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسد ومجرد الشدة يفسد، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله.
42 - كان للمثنى بن حارثة دور كبير في إخماد فتنة البحرين، والوقوف بقواته بجانب العلاء ابن الحضرمي، وقد سار بجنوده من البحرين شمالاً ووضع يده على القطيف وهجر حتى بلغ مصب دجلة، وقضى في سيره على قوات الفرس وعمالهم، وقد كانت أخباره تصل إلى الصديق، وسأل عنه أصحابه فقال له قيس بن عاصم
(1/407)

المنقري: هذا رجل غير خامل الذكر ولا مجهول النسب ولا ذليل العماد، هذا المثنى بن حارثة الشيباني.
43 - تعتبر هزيمة بني حنيفة في اليمامة أمام جيوش خالد قاصمة الظهر لحركة الردة، وكان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن. وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر - رضي الله عنه - بمشورة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بجمع القرآن من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال، وأسند الصديق هذا العمل العظيم والمشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -.
44 - تحققت شروط التمكين ولوازمه كلها في عهد الصديق والخلفاء الراشدين من بعده، وكان للصديق الفضل بعد الله في تذكير الأمة بهذه الشروط، ولذلك رفض طلب الأعراب في وضع الزكاة عنهم وأصر على بعث جيش أسامة، والتزم بالشرع كاملاً ولم يتنازل عن صغيرة ولا كبيرة.
45 - كان إعداد الصديق في حروب الردة شاملاً معنويًا وماديًّا؛ فجيَّش الجيوش وعقد الألوية واختار القادة لحروب الردة، وراسل المرتدين وحرض الصحابة على قتالهم، وجمع السلاح والخيل والإبل وجهز الغزاة، وحارب البدع والجهل والهوى، وحكَّم الشريعة، وأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع، وأخذ بمبدأ التفرغ، وساهم في إحياء مبدأ التخصص؛ فخالد لقيادة الجيوش، وزيد بن ثابت لجمع القرآن، وأبو برزة الأسلمي للمراسلات الحربية. واهتم بالجانب الأمني والإعلامي، وغير ذلك من الأسباب.
46 - تظهر آثار تحكيم شرع الله في عصر الصديق في تمكين الله للصحابة؛ فقد حرصوا على إقامة شعائر الله على أنفسهم وأهليهم، وأخلصوا الله في تحاكمهم إلى شرعه، فالله -سبحانه وتعالى- قوَّاهم وشد أزرهم ونصرهم على المرتدين، ورزقهم الأمن والاستقرار.
47 - كان الجهاد الذي خاضه الصحابة في حروب الردة إعدادا ربانيا للفتوحات الإسلامية؛ حيث تميزت الرايات وظهرت القدرات وتفجرت الطاقات واكتشفت قيادات ميدانية، وتفنن القادة في الأساليب والخطط الحربية، وبرزت مؤهلات
(1/408)

الجندية الصادقة المطيعة المنضبطة الواعية التي تقاتل وهي تعلم على ماذا تقاتل، وتقدم كل شيء وهي تعلم من أجل ماذا تضحي وتبذل، ولذا كان الأداء فائقا والتفاني عظيما.
48 - توحدت شبه الجزيرة العربية بفضل الله ثم جهاد الصحابة مع الصديق تحت راية الإسلام لأول مرة في تاريخها بزوال الرؤوس أو انتظامها ضمن المد الإسلامي، وبسطت عاصمة الإسلام (المدينة) هيمنتها على ربوع الجزيرة، وأصبحت الأمة تسير وراء زعيم واحد بفكرة واحدة، فكان الانتصار انتصارًا للدعوة الإسلامية ولوحدة الأمة بتضامنها وتغلبها على عوامل التفكك والعصبية، كما كانت برهانًا على أن الدولة الإسلامية بقيادة الصديق قادرة على التغلب على أعنف الأزمات.
49 - أثبتت أحداث التاريخ أن أية محاولة للتمرد على دين الإسلام سواء أقام بها فرد أم جماعة أم دولة إنما هي محاولة يائسة، مآلها الإخفاق الذريع والخيبة الشنيعة؛ لأن التمرد إنما هو تمرد على أمر الله المتمثل بكتابه الذي تكفل بحفظه وحفظ جماعة تلتف حوله وتقيمه في نفوسها وواقعها مدى الدهر، وبحكمه القاضي بالعاقبة للمتقين وبالمن على المستضعفين أن يديل لهم من الظالمين.
50 - ما إن انتهت حروب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية التي كانت ميدانًا لها، حتى شرع الصديق في تنفيذ خطة الفتوحات التي وضع معالمها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجيش الجيوش لفتح العراق والشام.
51 - إن الأوامر التي وجهها الصديق إلى قادة فتوح العراق «خالد وعياض» تشير إلى الحس الاستراتيجي المتقدم الذي كان يملكه الصديق - رضي الله عنه -، فقد أعطى جملة تعليمات عسكرية استراتيجية منها وتكتيكية؛ فحدد لكل من القائدين المسلمين جغرافيا منطقة للدخول إلى العراق، كأنما هو يمارس القيادة من غرفة العمليات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكل تضاريسها ومسالكها.
52 - خاض خالد في العراق عدة معارك كانت السبب في فتح العراق؛ كمعركة ذات السلاسل، ومعركة المذار والولجة وأليس وفتح الحيرة والأنبار وعين التمر ودومة الجندل ووقعة الحصيد ووقعة المصيخ ووقعة الفراض.
(1/409)

53 - عزم الصديق على فتح الشام فاستشار كبار الصحابة ثم استنفر أهل اليمن للجهاد، وعقد الألوية للقادة وأرسل أربعة جيوش لبلاد الشام، وكان قادة الجيوش كلا من: يزيد بن أبي سفيان، وأبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة.
54 - كانت الجيوش المكلفة بفتح الشام تلاقي صعوبة في تنفيذ المهمات الموكلة إليها، فقد كانت تواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية التي تمتاز بقوتها وكثرة عددها، فراسلوا الصديق وأعلموه بوضعهم الحرج، فأمر الصديق الجيوش بالانسحاب إلى اليرموك والتجمع هناك، وأمر خالدًا بالسير بنصف جيش العراق نحو جبهات الشام وأمره بقيادة الجيوش هناك.
55 - استطاع خالد بن الوليد أن يحقق انتصارات عظيمة على جيوش الشام من أهمها: معركة أجنادين واليرموك.
56 - يمكن للباحث أن يستنبط أهم معالم السياسة الخارجية في دولة الصديق، وهي: بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرى، مواصلة الجهاد الذي أمر به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والعدل بين الأمم المفتوحة والرفق بأهلها، ورفع الإكراه عن الأمم المفتوحة وإزالة الحاجز البشري بينهم وبين الإسلام.
57 - إن المطالع للفتوحات في عهد الصديق - رضي الله عنه - يمكن له أن يستنتج خطوطًا رئيسة للخطة الحربية التي سار عليها، وكيف تعامل هذا الخليفة العظيم مع سنة الأخذ بالأسباب؟ وكيف كانت هذه الخطة المحكمة عاملا من عوامل نزول النصر والتمكين من الله -عز وجل- للمسلمين، ومن هذه الخطوط ما يلي: عدم الإيغال في بلاد العدو حتى تدين للمسلمين، التعبئة وحشد القوات، تنظيم عملية الإعداد للجيوش، تحديد الهدف من الحرب، وإعطاء الأفضلية لمسارح العمليات، عزل ميدان المعركة، التطور في أساليب القتال، سلامة خطوط الاتصال مع القادة، ذكاء الخليفة وفطنته.
58 - بيَّن الصديق في توجيهاته للقادة والجنود حقوق الله تعالى؛ كمصابرة العدو، وإخلاص قتالهم لله، وأداء الأمانة، وعدم الممالأة والمحاباة في نصر دين الله. ووضع حقوق القادة على الجنود والرعية؛ كالتزام طاعته، والمسارعة إلى امتثال أمره، وعدم
(1/410)

مسارعته في شيء من قسمة الغنائم، وغير ذلك من الحقوق. وفصَّل الصديق - رضي الله عنه - من خلال وصاياه ورسائله في حقوق الجند؛ كاستعراضهم، وتفقد أحوالهم، والرفق بهم في السير، وأن يقيم عليهم العرفاء والنقباء، واختيار مواضع نزولهم لمحاربة العدو، وإعداد ما يحتاج إليه الجند من زاد وعلوفة، والتعرف على أخبار العدو بالجواسيس الثقاة لسلامة الجند، وتحريضهم على الجهاد، وتذكيرهم بثواب الله وفضل الشهادة، ومشاورة ذوي الرأي منهم، وأن يلزمهم بما أوجبه الله من حقوق، وأن ينهاهم عن الاشتغال عن الجهاد بزراعة أو تجارة، وكل هذه الحقوق قد استخرجت من رسائله ووصاياه للقادة.
59 - إن المتأمل في حركة الفتح الإسلامي يرى توفيق الله تعالى لجيوش الخليفة أبي بكر - رضي الله عنه -؛ فقد استطاعت تلك الجيوش المظفرة أن تكسر شوكة الرومان والفرس وفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب، ومن أهم أسباب تلك الفتوح: إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله، تأصل الصفات الحربية في المسلمين، سماحة المسلمين وعدالتهم مع تلك الشعوب، رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج ووفاؤهم بعهودهم، ثروة المسلمين الواسعة من الرجال والقادة العظام، إحكام الخطة الإسلامية الحربية، وغير ذلك من الأسباب.
60 - عندما نزل المرض بالصديق وأشرف على الموت قام بعدة إجراءات عملية لتتم عملية اختيار الخليفة القادم، وهي: استشار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبعد أن تم ترشيح الصديق لعمر ووافق معظم الصحابة على ذلك، كتب عهدًا مكتوبًا يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار، وأخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة وعرفه ما عزم عليه وألزمه بذلك، وأبلغ الناس بلسانه واعيًا مدركًا حتى لا يحصل أي لبس، وتوجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه، وكلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موته، وقام بتوجيه الفاروق عندما اختلى به.
61 - إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه، وهكذا تم عقد الخلافة لعمر بالشورى والاتفاق، ولم يرد في التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحدًا نهض طوال عهده
(1/411)

لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة.
62 - خرج أبو بكر الصديق من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد وفاته، وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية وسقاها أزكى دماء الشهداء، فآتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً، حقق عبر التاريخ تقدمًا عظيمًا في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق؛ لأنه بجهاده الرائع وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة، ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة.
63 - إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه، وما هي إلا محاولة متواضعة هدفها معرفة حقيقة عصر الخلافة الراشدة، لكي نستفيد منها في حركتنا المستمرة لتحكيم شرع الله ونشر دعوته في دنيا الناس، وبيني وبين الناقد قول الشاعر:
إن تجد عيبًا فسد الخللا ... جَلَّ مَنْ لا عيب فيه وعلا

وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل هذا الجهد قبولاً حسنًا، وأن يبارك فيه، وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه، وأن لا يحرمني ولا إخواني الذين أعانوني على إكماله من الأجر والمثوبة ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]، وبقول الشاعر ابن الوردي لابنه:
اطلب العلم ولا تكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسلْ
احتفل للفقه في الدين ولا ... تُشْغل عنه بمال وَخَوَلْ
واهجر النوم وحصِّلْه فمن ... يعرف المطلوب يُحَقِّر ما بذلْ
لا تقل قد ذهبت أربابه ... كل من سار على الدرب وصلْ

«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
«وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين».
(1/412)

المصادر والمراجع
1 - أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ، د: إبراهيم علي شعوط، المكتب الإسلامي.
2 - أبو بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين: محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية - بيروت: 1403 هـ - 1983م.
3 - أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، دار القاسم، الطبعة الأولى: 1417 هـ - 1996م.
4 - أبو بكر الصديق، د: نزار الحديثي، د. خالد جاسم الجنابي، دار الشئون الثقافية العامة - العراق، الطبعة الأولى - 1989م.
5 - أبو بكر الصديق، علي طنطاوي، دار المنارة، جدة - السعودية: 1406 هـ - 1986م.
6 - أبو بكر الصديق، محمد مال الله، مكتبة ابن تيمية: 1410 هـ - 1989م.
7 - أبو بكر رجل الدولة، مجدي حمدي، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى: 1415 هـ.
8 - الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي، دار الكتب العلمية - بيروت.
9 - أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ، استخلاف أبي بكر الصديق، د. جمال عبد الهادي محمد مسعود، دكتورة وفاء محمد رفعت جمعة، دار الوفاء، المنصورة - مصر.
10 - الأساس في السنة، سعيد حوى، دار السلام بمصر، 1409 هـ - 1989م.
11 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لأبي الحسن علي بن محمد الجزري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى: 1417 هـ - 1996م.
(1/413)

12 - أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة، رفيق العظم، دار الرائد العربي - بيروت - لبنان.
13 - أصحاب الرسول، محمود المصري، مكتبة أبي حذيفة السلفي 1420 هـ - 1999م.
14 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي، مطبعة المدني، 1386 هـ.
15 - أضواء على الهجرة لتوفيق محمد سبع، مطبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، 1393 هـ - 1973م.
16 - الأنصار في العصر الراشدي «سياسيا وعسكريا وفكريا» للدكتور حامد محمد خليفة، رسالة دكتوراه من كلية الآداب في جامعة بغداد، لم تطبع، من صورة مصورة.
17 - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، ط. الجامعة الإسلامية 1975م.
18 - الإحسان في صحيح ابن حبان، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى 1412 هـ - 1991م.
19 - الإدارة العسكرية في الدولة الإسلامية .. نشأتها وتطورها، الدكتور سليمان بن صالح بن سليمان آل كمال، جامعة أم القرى، معهد البحوث وإحياء التراث.
20 - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر، دار الكتب العلمية، بيروت.
21 - الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، عبد الله بن عمر بن سلمان الدميجي، دار طيبة، السعودية، الطبعة الثانية: 1409 هـ.
22 - الإيمان وأثره في الحياة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1405 هـ.
23 - الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام، مصطفى محمود منجود المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1996م.
(1/414)

24 - إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، محمد الخضري، دار المعرفة، بيروت، 1417 هـ - 1996م.
25 - أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية، نعمان عبد الرزاق السامرائي، دار العربية، 1968م.
26 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر ابن عبد البر، دار الكتاب العربي، بيروت.
27 - الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، لأبي بكر أحمد بن الحسيني البيهقي، الناشر حديث أكاديمي نشاط آباد، فيصل آباد، باكستان.
28 - الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، لأبي الربيع سليمان الكلاعي الأندلسي، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997م.
29 - البداية والنهاية، أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، دار الريان، القاهرة، 1988م.
30 - تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر الطبري، دار الفكر، بيروت، 1407 هـ - 1987م.
31 - تاريخ الأنصار السياسي، د. عبد المنعم الدسوقي، دار الخلفاء، مصر.
32 - تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، دار الكتاب العربي، 1407 هـ.
33 - التاريخ الإسلامي، الخلفاء الراشدون، محمود شاكر، المكتب الإسلامي، 1411 هـ.
34 - التاريخ الإسلامي مواقف وعبر، د. عبد العزيز عبد الله الحميدي، دار الدعوة، الإسكندرية، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى 1418 هـ - 1998م.
35 - تاريخ الخلافة الراشدة، محمد بن أحمد كنعان، مؤسسة المعارف، بيروت - لبنان.
36 - تاريخ الخلفاء، للإمام جلال الدين السيوطي، عُني بتحقيقه إبراهيم صالح، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى 1417 هـ- 1997م.
(1/415)

37 - تاريخ الدعوة إلى الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، د. يسري محمد هاني، الطبعة الأولى: 1418هـ، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث.
38 - تاريخ الدعوة الإسلامية في زمن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء الراشدين، د. جميل عبد الله المصري، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1407 هـ - 1987م.
39 - التاريخ السياسي والعسكري، د. علي معطي، مؤسسة المعارف، بيروت، 1998م.
40 - تاريخ القضاء في الإسلام، د. محمد الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1995م.
41 - تاريخ اليعقوبي، دار بيروت للطباعة والنشر، طبعة 1400 هـ - 1980م.
42 - تاريخ بغداد أو مدينة السلام، لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
43 - تاريخ صدر الإسلام وفجره، د. شحادة علي الناطور، 1995م.
44 - تاريخ فتوح الشام، لأبي زكريا يزيد بن محمد الأزدي، تحقيق عبد المنعم عبد الله عامر، مؤسسة القاهرة، 1970م.
45 - التبيين في أنساب القرشيين، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، عالم الكتب، بيروت.
46 - التحالف السياسي في الإسلام، منير الغضبان، دار السلام، 1408هـ - 1988م.
47 - تحفة الأحوذي بشرح الترمذي، عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، دار الاتحاد العربي للطباعة، الطبعة الثانية، 1385 هـ - 1965م.
48 - تراث الخلفاء الراشدين في الفقه الإسلامي، د. صبحي محمصاني، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1984م.
49 - التربية القيادية، للغضبان، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1998م.
(1/416)

50 - ترتيب وتهذيب البداية والنهاية: خلافة أبي بكر الصديق، د. محمد بن صامل السلمي، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997م.
51 - تفسير ابن كثير، دار الفكر للطباعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1389هـ - 1970م.
52 - تفسير الألوسي المسمى روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي «محمود الألوسي البغدادي»، إدارة الطبعة المصطفائية، بالهند.
53 - تفسير الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
54 - تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1398 هـ - 1978م.
55 - تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1965م.
56 - التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1991م.
57 - التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد بن بليه بن مرهان العجمي، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى.
58 - التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد محمد يوسف، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997م.
59 - تهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1407 هـ.
60 - الثابتون على الإسلام أيام فتنة الردة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، د. مهدي رزق الله أحمد، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1996م.
61 - جامع الأصول في أحاديث الرسول، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق عبد القادر الأرناؤط، طبع مكتبة الحلواني، سوريا عام 1392 هـ.
62 - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف بالرياض، 1403 هـ - 1983م.
(1/417)

63 - الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد خير هيكل، الطبعة الأولى، 1414 هـ - 1993م.
64 - الحجاز والدولة الإسلامية، د. إبراهيم بيضون، دار النهضة العربية، طبعة 1995م.
65 - الحرب النفسية من منظور إسلامي، د. أحمد نوفل، دار الفرقان، عمان، طبعة 1407 هـ.
66 - حركة الردة، د. علي العتوم، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان 1997م.
67 - الحركة السنوسية في ليبيا، على محمد الصلابي، دار البيارق، عمان 1999م.
68 - حركة الفتح الإسلامي، شكري فيصل، دار العلم للملايين، 1982م.
69 - حروب الإسلام في الشام، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، 1400هـ -1980م.
70 - حروب الردة من قيادة النبي إلى إمرة أبي بكر، شوقي أبو خليل، دار الفكر، دمشق.
71 - حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، أحمد سعيد بن سالم، دار المنار، 1415 هـ.
72 - حروب الردة، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، 1399هـ - 1979م.
73 - الحكم بغير ما أنزل الله .. أحواله وأحكامه، د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1420هـ - 1999م.
74 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت.
(1/418)

75 - حياة أبي بكر، محمود شلبي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1979م.
76 - خاتم النبيين، لأبي زهرة، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت، 1972م.
77 - خالد بن الوليد، صادق إبراهيم عرجون، الدار السعودية، 1407هـ - 1987م.
78 - الخراج، لأبي يوسف، منشورات مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ طبع.
79 - خطب أبي بكر الصديق، د. محمد أحمد عاشور، جمال عبد المنعم الكومي، دار الاعتصام.
80 - الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري، د. يحيى إبراهيم اليحيى، دار الهجرة السعودية، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1996م.
81 - الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية، سالم بهنساوي، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة الثانية، 1418 هـ - 1997م.
82 - الخلفاء الراشدون بين الاستخلاف والاستشهاد، صلاح عبد الفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1416هـ - 1995م.
83 - الخلفاء الراشدون، عبد الوهاب النجار، دار القلم، بيروت 1406هـ - 1986م.
84 - خلفاء الرسول، خالد محمد خالد، دار ثابت، القاهرة، دار الفكر، دمشق.
85 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الإمام السيوطي، الناشر محمد أمين دمج، بيروت - لبنان.
86 - دراسات في الحضارة الإسلامية، أحمد إبراهيم الشريف، دار الفكر العربي.
87 - دراسات في السيرة النبوية، عماد الدين خليل، بيروت، 1409هـ- 1989م.
88 - دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، د. عبد الرحمن الشجاع، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1999م.
(1/419)

89 - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر محمد البيهقي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1405 هـ.
90 - دواعي الفتوحات الإسلامية ودواعي المستشرقين، د. جميل عبد الله المصري، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ - 1991م.
91 - دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأول والثاني للهجرة، د. أحمد إبراهيم الشريف، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، 1977م.
92 - الدور السياسي للصفوة في صدر الإسلام، السيد عمر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1996م.
93 - الدولة العربية الإسلامية الأولى، عصام محمد سابور، دار النهضة العربية، بيروت.
94 - الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية الليبية، الطبعة الثانية، 1396 هـ - 1987م.
95 - ديوان الردة، د. علي العتوم، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان، 1408هـ - 1987م.
96 - ديوان حسان بن ثابت، تحقيق وليد عرفات.
97 - الرياض النضرة في مناقب العشرة، لأبي جعفر أحمد الشهير بالمحب الطبري، المتوفي 694 هـ، المكتبة القيمة، القاهرة.
98 - سلسلة الأحاديث الصحيحة، لمحمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي.
99 - سنن أبي داود، سليمان السجستاني، تحقيق وتعليق عزت الدعاس 1391 هـ، سوريا.
100 - سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، دار الفكر، 1398 هـ.
101 - السياسة الشرعية بين الراعي والرعية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
102 - سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة 1410هـ-1990م.
(1/420)

103 - السيرة الحلبية في سير الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، دار المعرفة.
104 - السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، د. علي محمد الصلابي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2001م.
105 - السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله أحمد، الطبعة الأولى 1412هـ، مركز الملك فيصل للبحوث الإسلامية، الرياض.
106 - السيرة النبوية لأبي شهبة، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1417هـ - 1996م.
107 - السيرة النبوية لابن هشام، دار إحياء التراث، الطبعة الثانية، 1417هـ - 1997م.
108 - السيرة النبوية دروس وعبر، د. مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة، 1406هـ - 1986م.
109 - السيرة النبوية لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1398هـ.
110 - سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، دار الصحابة للتراث، بطنطا.
111 - الشورى بين الأصالة والمعاصرة، عز الدين التميمي، دار البشير.
112 - الشيخان .. أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب برواية البلاذري في أنساب الأشراف، تحقيق د. إحسان صدقي العمد، المؤتمن للنشر، السعودية.
113 - صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار الفكر.
114 - صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1408 هـ - 1988م.
115 - صحيح السيرة النبوية، إبراهيم صالح العلي، دار النفائس، 1408 هـ - 1998م.
(1/421)

116 - الصحيح المسند من فضائل الصحابة، لأبي عبد الله مصطفى العدوي، دار ابن عفان، السعودية، الطبعة الأولى، 1416هـ - 1995م.
117 - صحيح سنن ابن ماجة، لمحمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي.
118 - صحيح سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، منشورات المكتب الإسلامي.
119 - صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر 1347هـ - 1929م.
120 - صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1972م.
121 - الصديق أول الخلفاء، عبد الرحمن الشرقاوي، دار الكتاب العربي، 1410هـ - 1990م.
122 - الصديق أبو بكر، محمد حسين هيكل، دار المعارف، مصر.
123 - صفة الصفوة، للإمام أبي الفرج ابن الجوزي، دار المعرفة، بيروت.
124 - صفحات من تاريخ ليبيا الإسلامي، علي محمد الصلابي، دار البيارق، عمان، 1418 هـ - 1998م.
125 - صور من جهاد الصحابة .. عمليات جهادية خاصة تنفذها مجموعات خاصة من الصحابة، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2000م.
126 - الطبقات الكبرى، لابن سعد، دار صادر، بيروت.
127 - عبقرية الصديق، عباس محمود العقاد، المكتبة العصرية، بيروت.
128 - عتيق العتقاء الإمام أبو بكر الصديق، محمود علي البغدادي، دار الندوة الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ - 1994م.
129 - العشرة المبشرون بالجنة، د. سيد الجميلي، دار الريان للتراث، بيروت.
(1/422)

130 - عصر الخلافة الراشدة، د. أكرم ضياء العمري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.
131 - عصر الخلفاء الراشدين، دكتورة فتحية عبد الفتاح النبراوي، الدار السعودية.
132 - عصر الصحابة، عبد المنعم الهاشمي، دار ابن كثير، 1421هـ - 2000م.
133 - عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، د. ناصر بن علي عائض حسن الشيخ، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1413 هـ - 1993م.
134 - العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط، د. سليمان بن سالم بن رجاء السحيمي، مكتبة الإمام البخاري، الطبعة الأولى، 1420هـ - 2000م.
135 - العمليات التعرضية والدفاعية عند المسلمين، الرائد نهاد عباس شهاب الجبوري، دار الحرية، بغداد.
136 - العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، إعداد محمد سعيد مبيض، دار الثقافة، الدوحة، الطبعة الثانية، 1989م.
137 - عيون الأخبار، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، دار الكتب العلمية.
138 - فتح الباري، المطبعة السلفية، الطبعة الثانية، 1401 هـ.
139 - فتوح البلدان، لأبي العباس أحمد بن يحيى البلاذري، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان 1407 هـ - 1987م.
140 - فتوح الشام، محمد بن عمر الواقدي، دار ابن خلدون.
141 - فرائد الكلام للخلفاء الكرام، قاسم عاشور، دار طويق، السعودية.
142 - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد بن حزم الظاهري، مكتبة الخانجي، مصر.
(1/423)

143 - فضائل الصحابة لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، دار ابن الجوزي، السعودية، الطبعة الثانية، 1420هـ - 1999م.
144 - فقه التمكين في القرآن الكريم، د. علي محمد الصلابي، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2001م.
145 - فقه الشورى والاستشارة، د. توفيق الشاوي، دار الوفاء بالمنصورة، 1412هـ - 1992م.
146 - الفن العسكري الإسلامي، د. ياسين سويد، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, لبنان.
147 - في التاريخ الإسلامي، د. شوقي أبو خليل، دار الفكر المعاصر، بيروت.
148 - في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة التاسعة، 1400هـ - 1980م.
149 - قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، دار النفائس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1416هـ - 1996م.
150 - قصة بعث جيش أسامة، د. فضل إلهي، دار ابن حزم، بيروت، 1420 هـ - 2000م.
151 - القيادة العسكرية في عهد الرسول، د. عبد الله محمد الرشيد، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1410 هـ - 1990م.
152 - الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي المكارم الشيباني المعروف بابن الأثير، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1408هـ - 1989م.
153 - كيف نكتب التاريخ الإسلامي؟، محمد قطب، دار الوطن، السعودية.
154 - لطائف المعارف، لابن رجب الحنبلي.
155 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة، للقلقشندي، تحقيق عبد الستار أحمد الفرج، عالم الكتب، بيروت.
(1/424)

156 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الريان، القاهرة - دار الكتاب العربي، بيروت.
157 - مجموعة الفتاوى، تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني، دار الوفاء، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997م.
158 - مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1405 هـ - 1985م.
159 - محمد رسول الله، محمد صادق عرجون، دار القلم، 1415هـ - 1995م.
160 - محنة المسلمين في العهد المكي، د. سليمان السويكت، مكتبة التوبة، الرياض.
161 - المرتضى .. سيرة أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب، لأبي الحسن الندوي، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1419هـ - 1998م.
162 - مرض النبي ووفاته وأثره على الأمة، خالد أبو صالح، دار الوطن، 1414 هـ.
163 - مروج الذهب ومعادن الجواهر، لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، دار المعرفة، بيروت، 1403 هـ - 1983م.
164 - مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، عصر الخلافة الراشدة، د. يحيى إبراهيم اليحيى، دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى، 1410 هـ.
165 - المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1990م.
166 - المستفاد من قصص القرآن، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، 1418 هـ - 1997م.
167 - المسلمون والروم في عصر النبوة، د. عبد الرحمن أحمد سالم، دار الفكر العربي.
(1/425)

168 - معارك خالد بن الوليد ضد الفرس، عبد الجبار محمود السامرائي، الدار العربية للموسوعات، لبنان، الطبعة الأولى، 1984م.
169 - معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، المؤسسة العربية للدراسة والنشر.
170 - معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت 1397هـ - 1977م.
171 - المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، 260 هـ - 360 هـ، دار مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية 1406هـ - 1985م.
172 - المغازي للواقدي، محمد بن عمر بن واقد، تحقيق مارسدن جوسن، عالم الكتب- بيروت، الطبعة الثالثة، 1404 هـ - 1984م.
173 - مقدمة ابن خلدون.
174 - مقومات النصر في ضوء القرآن والسنة، د. أحمد أبو الشباب، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ - 1999م.
175 - ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية، عدنان علي رضا النحوي، 1404هـ - 1984م.
176 - من دولة عمر إلى دولة عبد الملك، إبراهيم بيضون، دار النهضة العربية، بيروت، 1411هـ - 1991م.
177 - من معين السيرة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، 1413هـ - 1992م.
178 - منهاج السنة لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة.
179 - منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد صامل العلياني، دار طيبة، 1406 هـ - 1986م.
180 - مواقف الصديق مع النبي في مكة، د. عاطف لماضة، دار الصحابة للتراث بطنطا، مصر، الطبعة الأولى، 1413هـ - 1993م.
(1/426)

181 - مواقف الصديق مع النبي في المدينة، د. عاطف لماضة، دار الصحابة للتراث.
182 - موسوعة التاريخ الإسلامي، د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
183 - موسوعة فقه أبي بكر الصديق، د. محمد رواس قلعجي، دار النفائس، الطبعة الثانية، 1415هـ - 1994م.
184 - موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، مجموعة من العلماء، بإشراف صالح عبد الله بن حميد، إمام وخطيب الحرم المكي، دار الوسيلة، جدة.
185 - نسب قريش، أبو عبد الله مصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري، دار المعارف، القاهرة.
186 - نظام الحكم في الإسلام، عارف أبو عيد، دار النفائس، الأردن، 1416 هـ - 1996م.
187 - نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407 هـ - 1987م.
188 - نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، حمد محمد العمد، المؤسسة الجماعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ - 1994م.
189 - نظام الحكومة النبوية المسمى (التراتيب الإدارية)، محمد عبد الحي الكتاني الإدريسي الحسني الفاسي، شركة الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت.
190 - نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، محمد الطاهر بن عاشور.
191 - النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
192 - نونية القحطاني لأبي محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني، دار السوادي السعودية، الطبعة الثالثة، 1410هـ - 1989م.
(1/427)

193 - الهجرة النبوية المباركة، د: عبد الرحمن البر، دار الكلمة، المنصورة، مصر.
194 - الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون جزولي، مكتبة الرشد، الرياض، 1417هـ.
195 - الوحي وتبليغ الرسالة، د. يحيى اليحيى، أخذت من المؤلف صورة قبل الطبع.
196 - وقائع ندوة النظم الإسلامية، أبو ظبي، 1405 هـ - 1984م.
197 - ولاية الشرطة في الإسلام، العميد الدكتور نمر بن محمد الحميداني، دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الثانية، 1414هـ - 1994م.
198 - الولاية على البلدان في عصر الخلفاء الراشدين، د. عبد العزيز إبراهيم العمري.
199 - اليمن في صدر الإسلام، د. عبد الرحمن الشجاع، دار الفكر، دمشق.
* * *
(1/428)