Advertisement

الأيوبيون بعد صلاح الدين 001



الكتاب: الأيوبيون بعد صلاح الدين
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: 1
عدد الصفحات: 680 صفحة
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] موسوعة الحروب الصليبية (4)

الحملات الصليبية

الرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة

"الأيوبيون بعد صلاح الدين"

د. علي محمد محمد الصَّلاَّبيَّ
(/)

الإهداء
إلى كل مسلم حريص على إعزاز دين الله تعالى اهدي هذا الكتاب سائلا المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً لوجه الكريم

قال تعالى: "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادة ربه أحداً" (الكهف: 111)

د. علي محمد محمد الصَّلاَّبي
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

"يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تُموُتُنَّ إلا وأنتم مسلمون" (آل عمران: 102).

"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " (النساء، آية: 1).

"يا أيها الذين ءامنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذُنُوبكم ومن يطع الله ورسوله فق فاز فوزاً عظيما " (الأحزاب، آية: 70، 71).
(1/2)

أما بعد:
يا رب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، هذا الكتاب امتداد لما سبقه من كتب درست عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة وعهد الدولة الأموية، وعهد السلاجقة وعصر الدولة الزنكية، ودولة المرابطين والموحدين، وعهد صلاح الدين الأيوبي، والدولة العثمانية وقد صدر منها: السيرة النبوية وأبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والحسن بن علي، ومعاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز، وفقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، والوسطية في القرآن الكريم، والثمار الزكية للحركة السنوسية، والسلطان محمد الفاتح، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والإمام الغزالي، وحقيقة الخلاف بين الصحابة، وفكر الخوارج والشيعة في ميزان أهل السنة والجماعة وعقيدة المسلمين في صفات رب العالمين، وقد سميت هذا الكتاب: الحملات الصليبية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والأيوبيون بعد صلاح الدين ويعتبر حلقة مهمة في سلسلة الحروب الصليبية والتي خرج منها: السلاجقة والزنكيون وصلاح الدين، والتي نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن تكون لوجهه خالصة ولعباده نافعة، ويطرح فيها القبول والبركة، ويرزقنا حسن القصد وإخلاص النية لوجهه الكريم، ويوفقنا لإكمال الموسوعة التاريخية التي نسعى لإخراجها وهذا الكتاب يتحدث عن استمرار صراع المشاريع بين المشروع الصليبي والمشروع الإسلامي، وظهور المشروع المغولي على مسرح الأحداث، فقد لخص الفصل الأول الأيوبيون بعد صلاح الدين، فتحدث عن أقاليم الدولة والنزاع بين خلفاء صلاح الدين وبين الأخوين الأفضل والعزيز، وتآمر الملك العادل على الأفضل، وجهود القاضي الفاضل في الإصلاح بين البيت الأيوبي والتحالف بين الملك العادل والعزيز ابن صلاح الدين، وجهاد الملك العادل للصليبيين وتشجيع القاضي الفاضل له على التصدي للغزاة وتعرض الكتاب لعهد الملك العادل بالتفصيل فذكر الأحلاف السياسية ضد
(1/3)

الأيوبيين في الجزيرة والعلاقات مع الزنكيين في عهد الملك العادل والعلاقات السلجوقية الأيوبية في عهد العادل والعلاقات بين الخوارزميين والأيوبيين، وبين الأيوبيين والفرقة الإسماعيلية، والعلاقات مع الخلافة العباسية وآثار الكتاب الحديث عن الحملة الصليبية الرابعة وسقوط القسطنطينية، وإلى جذور الصراع بين الأمبراطورية البيزنطية وبابا الفتيكان، ومقتل الإمبراطور ميخائيل الثالث وتجدد العداء بين البابوية وبيزنطة والمشكلة الأنطاكية، وجهود البابا أنوسنت الثالث في الحملة الصليبية الرابعة، وبعض المصاعب والمشاكل التي أثرت في مسيرة الحملة، وسقوط القسطنطينية وإقامة إمبراطورية لاتينية والسياسة الخارجية للبابوية والحملات الصليبية، ومسؤولية سقوط القسطنطينية ونتائج الحملة الصليبية الرابعة، ومحاولة الصليبيين السيطرة على بلاد الشام، وفصل الكتاب مجريات الحملة الصليبية الخامسة وموقف أباطرة وملوك أوروبا من الحملة واستعدادت التجهيز، ونزول الصليبيين لدمياط، وبداية العمليات العسكرية والصراع على برج السلسلة ووفاة الملك العادل أخو صلاح الدين، وتحدثت عن دور العلماء والفقهاء في الجهاد في عهد الملك العادل وعن أهم معاهدات الملك العادل مع الفرنج وعن سياسة دول المدن الإيطالية تجاه الأيوبيين وعن أهم الدروس والعبر والفوائد والوفيات في عهد الملك العادل والتي من أهمها؛ غلاء وفناء ووباء بمصر عام 597هـ، وزلزلة عظيمة في سنة 597هـ في بلاد الشام والجزيرة والروم والعراق ووفاة الشيخ أبو الفرج بن الجوزي، ووفاة العماد الكاتب الأصبهاني والحافظ عبد الغني المقدسي وفخر الدين الرازي ومحمد بن أحمد بن قدامة وإبراهيم عبد الواحد المقدسي، وطبيعة البيت الأيوبي في الصراع الداخلي، وإعلان الباطنية رجوعهم إلى الإسلام عام 608هـ، وعمارة قلعة الطور عام 609هـ وتخلل عهد الملك العادل وقفات تربوية وعلمية وتأملات في بعض سنن الله في طبيعة الصراع بين
(1/4)

المشاريع وفي الفصل الثاني كان الحديث عن عهد الملك الكامل بن العادل الأيوبي، وجهوده للتصدي للغزاة الصليبيين في الحملة الصليبية الخامسة ومرابطته في العادلية، ومساومات الملك الكامل على القدس، وإعداده لمصر والشام لقتال الصليبيين، وسقوط مدينة دمياط وإضطرار الصليبيين للصلح، وأسباب فشل الحملة الخامسة، منها توفيق الله للمسلمين ثم الخطط العسكرية الجيدة التي وضعها الكامل محمد ونفذها جنوده وتعاون الملوك الأيوبيين، ودعم الجبهة الإسلامية بالمال والرجال والعتاد وإقامة التحصينات الكافية في الأماكن المناسبة، والاختلاف بين الصليبيين، واعتدادهم بالنفس وجهلهم بالوضع الطبيعي لأرض مصر، وعدم استغلال عامل الوقت، والخلافات التي نشبت بين أفراد الجيش الصليبي وغيرها، وتكلمت عن السياسة الأيوبية الداخلية في عهد الملك الكامل ابن الملك العادل، وكيف تولى السلطة وما هي المحاولات التي بذلت لخلعه؟ كمؤامرة ابن المشطوب وتخوف الملك الكامل من الأمراء، وشرحت سياسة الملك الكامل الإدارية والأمنية والقضائية والاقتصادية والمالية وإصلاح النظام النقدي وسياسته التعليمية وأصول ثقافته الدينية، وترجمت لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامه من مشاهير عصر الدولة الأيوبية في عهد الملك العادل والملك الكامل، فذكرت علمه ومصنفاته وجهوده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد النصارى ومكانته وثناء الناس عليه ومنهجه في باب الأسماء والصفات والمحبة عند ابن قدامة والنذر ومسألة الإمامة والجهاد والغزو معهم والصلاة خلفهم وتحريم الخروج عليهم والصحابة، ووصية ابن قدامة، وأشرت إلى الملك الكامل وسياسته العمرانية والحياة الاجتماعية وبعض رجالاته في الدولة وسياسته الخارجية مع الخوارزميين وسلاجقة الروم والأراتقة والتتار والخلافة العباسية وتمّ ترجمت الخليفة العباسي الناصر لدين الله وسياسته المالية والاقتصادية ونظام الفُتُّوة وصحوة الخلافة وتصديها
(1/5)

للنفوذ السلجوقي وعلاقته بالخوارزميين والإسماعيلية الشيعية، وعلاقته بحكام بلاد الشام وترجمت للخليفة الظاهر بن الناصر، والخليفة المستنصر بالله في المبحث الرابع من الفصل الثالث تحدثت حديثاً مستفيضاً عن الحملة الصليبية السادسة، وعن شخصية الإمبراطور فردريك الثاني وطموحاته وسير الحملة الصليبية السادسة والمفاوضات بين الملك الكامل والأمبراطور فردريك الثاني وصلح يافا وزيارة الأمبراطور بيت المقدس، وردود فعل الأمة الإسلامية من تسليم بيت المقدس ومعالجة الملك الكامل لموقف المسلمين الرافضين للصلح، وموقف الصليبيين من صلح يافا وذكرت نتائج الحملة السادسة وفي الفصل الثالث تكلمت عن عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب وماذا حدث بعد وفاة الملك الكامل؟ وعن الأحلاف بين بعض الأيوبيين والصليبيين، والخوارزمية واسترداد بيت المقدس والصالح أيوب وتوحيد الدولة الأيوبية وعلاقة الملك الصالح أيوب بالخلافة العباسية، وتطوير الملك الصالح أيوب للجيش الأيوبي واهتمامه بتربية المماليك على تعاليم الدين الإسلامي ودخلت في المبحث الثاني من الفضل الثالث وتركت القارئ وجهاً لوجه مع الحملة الصليبية السابعة وسردت أحداثها بشيء من التفصيل مع وقفات تربوية واستخراج دروس وعبر وفوائد من هذا الحدث الكبير، كوقوع لويس التاسع في الأسر وشروط الصلح وأسباب هزيمة الحملة الصليبية السابعة، كالتطوير العسكري في الجيش الأيوبي ووحدة الصف الإسلامي وأهمية القيادة في أحراز النصر، ونزول العلماء والفقهاء أرض الجهاد، وجهل الفرنجة بجغرافية البلاد الإسلامية، وخطأهم في تقدير العامل الزمني والعصيان وعدم الطاعة في صفوفهم، وانحلال الحملة السابعة خلقياً، وفتور الروح الدينية عند الصليبيين، والتهور وقصر النظر ولخصت أهم نتائج الحملة الصليبية السابعة والتي كانت؛ عجز فرنسا عن تحقيق أهدافها، وأهمية دور المماليك في إفشال الحملة وسندهم التاريخي للوصول للحكم، تميز
(1/6)

شجرة الدّر في قيادة الأحداث، تضرر الاقتصاد الأوروبي، والحزن العظيم الذي أصاب الأوروبيين واضطرابات سياسية في أوروبا، تخريب مدينة دمياط عدم الاستجابة للبابا أنوسنت الرابع، انقطاع الإمدادات ضعف الروح الصليبية، وذكرت مقتل تورنشاه وزوال الدولة الأيوبية وفي المبحث الثالث من الفصل الثالث كان الحديث عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، فتحدثت عن اسمه ونشأته وشيوخه في طلب العلم وتلاميذه ومؤلفاته وسمات التأليف عنده، وأعماله في التدريس والافتاء والقضاء والخطابة وأهم صفاته، كالشجاعة، والزهد والقناعة والورع والتقوى والبلاغة والفصاحة، وأهم محاور التجديد عنده، كسعيه لتقنين أصول الفقه، ومجالات التربية والآداب والتصوف وابداعاته الجميلة فيها وجهاده ثم وفاته وثناء العلماء عليه قديماً وحديثاً وفي المبحث الرابع كان الحديث عن الجدل الثقافي بين المسلمين والنصارى في عهد الحروب الصليبية، فتكلمت عن أهم موضوعات دعوة المسلمين للنصارى كالدعوة إلى التوحيد، وإعتناق الإسلام والإيمان بالقرآن الكريم، ومناقشة عقائد النصارى، كنقض الأمانة، واختلاف الأناجيل، ومناقشة قولهم في المسيح عليه السلام، وإبطال التثليث، ونفي الألوهية عن المسيح، ونفي بنوة المسيح لله سبحانه وتعالى، وإبطال الصلب، ومناقشة شعائر النصارى وطقوسهم، كالتعميد والاعتراف وصكوك الغفران وأعياد النصارى، وصلاة النصارى وصيامهم، وتشريع النصارى في الزواج ومناقشة النصارى في تركهم الختان، وتعظيم النصارى للصور والتماثيل، وحقيقة خوارق العادات لدى النصارى وأهم الشبه التي أثارها النصارى في عصر الحروب الصليبية، كدعوى خصوصية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالعرب ودعوى أن القرآن ورد بتعظيم النصارى والثناء عليهم، وشبهات تعدد الزوجات في الإسلام، ودعوى انتشار الإسلام بالسيف ودعوى عدم جزم المسلمين بصحة القرآن الكريم لإختلاف الصحابة
(1/7)

في جمعه وتعدد قراءاته وانتقادهم للطلاق في الإسلام، ودعوى أن المسلمين وثنيون كفار، وذكرت جهود القائمين على دعوى النصارى في عصر الحروب الصليبية، من القادة والولاة، وجهود صلاح الدين ونور الدين والملك العادل، ويوسف بن تاشفين في دعوى النصارى ودور العلماء، مثل صالح بن الحسين بن طلحة الجعفري وأحمد بن إدريس القرافي، ومحمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي في قيادة المعركة الثقافية ضد الصليبيين، ووضحت وسائل الدعوة الإسلامية في عصر الحروب الصليبية، من الكتب كالإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام للقرطبي، والأجوبة الفاخرة للقرافي، ووسيلة الجهاد كالتي قام بها عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين والملك العادل والمرابطون والموحدون، ووسيلة الرسل، والمسجد، والرسائل، وشرحت أساليب المسلمين في دعوى النصارى، كالأساليب العقلية، من السبر والتقسيم، وقياس الأولى، والقياس المساوي والمحاكمات العقلية، وأسلوب القلب وتناقض الخصوم وأسلوب المقاربة والاستدلال بمسلمات الخصم، والأساليب العاطفية، كأسلوب الترهيب، وأسلوب الاستهزاء والتهكم وأسلوب اللين والتلطف بالخطاب وأسلوب القسم، والأساليب الفنية، كأسلوب ضرب الأمثال، وأسلوب القصة وأسلوب التكرار، وأسلوب الأستفهام وأسلوب التعجب، وأسلوب استخدام الشعر في تأدية بعض المعاني، وبينت آثار دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية، كدخول أعداد كبيرة من النصارى في الإسلام، وتأثر النصارى بعادات المسلمين وأخلاقهم وتقاليدهم، وتحسن نظرة كثير من النصارى للإسلام والمسلمين ونجاح المسلمين في كسب بعض النصارى، وحسن معاملة النصارى لمن تحت أيديهم من المسلمين وظهور عزة الإسلام وتغير التكتيك الصليبي، وإعجاب بعض القادة الأوروبيين بالحضارة الإسلامية، واهتمام كثير من علماء الغرب بثقافة الشرق، وتأثر النصارى باللغة العربية، وفقدان الثقة بالبابا ورجال الدين ولخصت أهم الدروس والعبر
(1/8)

والفوائد من دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية والتي من أهمها:
1 - وجوب الحذر من خصوم الإسلام في كل زمان ومكان وإن تغيرت الوسائل وتنوعت الأساليب.
2 - وجوب الدعوة إلى الله على بصيرة، ولا يكون ذلك إلا بوجود العلماء الربانيين.
3 - أهمية التدرج في الدعوة وعدم استعجال النتائج خاصة في المجال الدعوي.
4 - إن المقاومة الهادئة للغزاة على منهج سليم أساس النجاح والانتصار على الأعداء وتحصين الصف الداخلي.
5 - للأقليات الإسلامية في ديار الغرب رسالة هامة، ولذلك علينا الاتصال بها وتقوية العلاقة بيننا وبينها لتحقيق المقاصد المرجوة على المدى الطويل.
6 - إن ثبات المسلمين في ديارهم لمقاومة الغزاة من أهم أسباب بقاء الإسلام فيها، ومن ثم دحر العدو وهزيمته.
7 - كان لحركة التأليف التي قام بها علماء المسلمين أثر كبير في تقرير عقيدة الإسلام وبيان السنة وإبراز محاسن الدين وإبطال شبهات الأعداء حوله بمختلف اللغات.
8 - ظهر مبدأ التخصص في دعوة النصارى والتصدي لشبهاتهم وكان من أبرز العلماء القرافي والقرطبي.
9 - إن الالتزام بالإسلام وأحكامه له تأثير في نشر الإسلام وقبوله عند الآخرين.
10 - خطورة الاختلاف والتناحر على الأمة وأثر الوحدة في عزتها وقوتها وهزيمة أعدائها.
(1/9)

11 - عدم القنوط واليأس مهما كبرت الرزايا وكثرت الفتن ونحب أن نبين أنه في الوقت الذي كانت تجري فيه رحى المعارك الحربية بين المسلمين والصليبيين، كان هناك معارك أخرى بين الطرفين في صورة السجال الديني والجدل الثقافي والردود المتبادلة ومحاولة كل طرف إثبات أفضلية معتقدة الديني وقد برز في هذا الجدال والسجال أعلام وقادة من أشهرهم القرطبي والخزرجي والقرافي، وغيرهم، فدافعوا عن ثقافة الأمة وعقيدتها وخلد الله ذكر مساعيهم الحضارية الرائعة التي لا تزال آثارها إلى يومنا هذا ونصر الله بهم الإسلام في المجال الفكري والدعوي وتحقق بهم قول الله تعالى: "ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرين" (التوبة، 32) قول الله تعالى: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" (الصف، آية: 9).
(1/10)

وقد لفت نظري أسلوب علماء الأمة في مناصرة الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد الحروب الصليبية ونحن في أشد الحاجة إليه بحيث تكون مناصرتنا لرسول الله شاملة وفق رؤية استراتيجية متكاملة، ونخرج من موقع المدافع إلى الهجوم حيث أنه خير وسيلة للدفاع، فلنشغل القوم بأنفسهم، وندعوهم إلى الدين الصحيح، والعقيدة السليمة وخاتم النبيين والمرسلين، إن لدى أمتنا رصيداً زاخراً وتراثاً كبيراً، مما كتبه، القرطبي، والقرافي والخزرجي وابن تيمية وابن القيم والجهد المشكور الذي قام به الداعية أحمد ديدات – رحمه الله – وغير ذلك كثير، إذن فلتكن رؤيتنا واستراتيجيتنا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وديننا العظيم يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه قدائف الحق: أن القوم لو شغلوا بترهات دينهم، ومضحكات عقيدتهم، لأجهدناهم أي جهد، وشغلناهم كل مشغل (1) وهذا الكلام صحيح ولكنني أذهب إلى دعوتهم والحرص على سلامتهم، والأخذ بأيدي الباحثين عن الحقيقة منهم إلى بر السلام، وعلينا أن نترك أسلوب الدفاع ولنتقل إلى الهجوم على عقائدهم الفاسدة، يقول أبو الحسن الندوي – في تقديمه لكتاب العلامة رحمة الله الكيرانوي (إظهار الحق) مادحاً أسلوبه وخطته الهجومية: وهكذا ظهر هذا الكتاب إلى حيز الوجود ويمتاز بعدة ميزات منها: أن المؤلف آثر خطة الهجوم على خطة الدفاع، التي لا تزال أقوى وأكثر تأثيراً في النفس؛ فإنها تلجئ الخصم إلى أن يتخذ موقف الدفاع وأن يقف في قفص الاتهام ويدافع عن نفسه وينفي التهمة، لذلك لما طبع كتاب العلامة رحمة الله الكيرانوي أثار ضجة كبرى في الأوساط النصرانية والأوروبية ناهيك عما كتبته صحف إنجلترا تعليقاً على هذا الكتاب: لو دام الناس يقرأون هذا الكتاب لوقف تقدم المسيحية في العالم (2).
__________
(1) التنصير، الشيخ أكرم كساب ص 381.
(2) إظهار الحق (1/ 16، 17) التنصير ص 382.
(1/11)

وقد اشترى القساوسة كميات كبيرة من طبعات الكتاب، وأتلفوها إحراقاً وإبادة، ليتغيب الكتاب عن السوق (1).

إننا اليوم في حاجة ماسة في إعادة النظر في التعامل مع المشاريع الغازية، سواء صليبية، أو غيرها، ولابد من المواجهة الشاملة وترتيب الأولويات في ذلك فالمشروع الصليبي الفكري والسياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي والأعلامي ... إلخ بداية هزيمته في تحقيق انتصارات ساحقة في المجال الفكري والعقدي والثقافي، وهذا يسبق الانتصار العسكري والسياسي، كما بينا في كتبنا السابقة.
__________
(1) التنصير ص 382.
(1/12)

هذا وفي المبحث الخامس والأخير، وقفت متأملاً ومتدبراً في أسباب سقوط الدولة الأيوبية والتي كان جامعها الابتعاد عن شرع الله في أمور الحكم، فقد وقع الظلم على الأفراد وتورط بعض السلاطين في الترف، وحدث بينهم نزاع عظيم، سفكت فيه الدماء بين المسلمين وأدى ذلك إلى زوالهم، فعندما يغيب شرع الله تعالى في أمور الحكم – كما حدث للدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين – يجلب للأفراد والدولة تعاسة وضنكاً في الدنيا وإن آثار الابتعاد عن شرع الله لتبدو على الحياة في وجهتها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وإن الفتن تظل تتوالى وتترى على الناس حتى تمس جميع شؤون حياتهم قال تعالى " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (النور، آية: 63). لقد كان في ابتعاد سلاطين الأيوبيين بعد وفاة صلاح الدين عن تحكيم الشرع والعقل الذي يقود إليه في نزعاتهم وخلافاتهم آثار على أفراد البيت الأيوبي والأمراء والملوك والدولة، فقد أصيبوا بالقلق والجزع والخوف والشقاق والخلاف ونزع منهم الأمن وأصبحوا في ظنك من الحياة إن هلاك الأمم وسقوط الدول، وزوال الحضارات لا يحدث عبثاً في حركة التاريخ، بل نتيجة لممارسة هذه الأسرة الحاكمة، أو الدولة الظالمة، وأصناف الظلم والجور والانحراف وبعد أن يعطوا الفرصة الكافية حتى تحق عليهم الكلمة فيدفعوا ثمن انحرافهم وإجرامهم وطغيانهم وفسقهم والآيات صريحة في ذلك فالله إذا أنعم على دولة نعمة أيّا كانت فهو لا يسلبها حتى يكفر بها أصحابها قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الأنفال، آية: 53).
(1/13)

والآيات في هذا كثيرة سواء ما يخص الفرد أو الأمة، بل إن القرآن الكريم ليذكر أن بعض ما يصيب الأمم والأفراد من استدراج حين يمهلهم الله تعالى وتواتيهم الدنيا وتفتح عليها خيراتها، فينسوا مهمتهم وما خلقوا له، بل ينسون المنعم جل جلاله وينسون ما عندهم لجهدهم وذكائهم وقد يفلسفون الأمر فيقولون: لو لم نكن نستحق هذه النعم لما منحت لنا وفي هؤلاء يقول تعالى: "فلما نسُوا ما ذُكرُّوا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" (الأنعام، آية: 44 - 45). لقد نسى هؤلاء أن الله يمنح خيرات الدنيا لمن يطلبها ويجدّ فيها قال تعالى: "ومن يرُد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يُردِ ثواب الآخرة نؤته منها" (آل عمران، آية: 145) ولكن هناك من يريد الآخرة بحق ويسعى لذلك فهو الفائز: " من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كُلاَّ نُمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظور " (الأسراء، آية 18 - 20).

وقال تعالى: "وضرب الله مثلاً قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون" (النحل، آية: 112 - 113) ولنستمع لهذه الدعوة الكريمة "ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قّوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين" (هود، آية: 52). فكل إنسان وكل مجتمع وكل أمة مسؤولة عما يصدر عنها، ولا يتحمل أحد جريرة غيره (1) "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسئلون عمّا كانوا يعملون" (البقرة، آية: 134).
__________
(1) التفسير الإسلامي للتاريخ عماد الدين خليل ص 47.
(1/14)

والمهم أن الله تعالى لا يحجب نعمة عن أحد، بل يوزعها على المؤمن والكافر، ثم يراقب تصرف الكل فيها، فمن طغى وظلم ومن كفر بها واستعملها استعمالاً سيئاً فإن العقاب العادل سينزل به في الوقت المناسب وقد يطول ذلك العهد قبل نزول العقاب ولكنه يكون في الطريق وبعد هذا وذلك فإنه: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (البقرة، آية: 86). ومثل هذا في الأمم والمجتمعات وعلى مستوى الأفراد، فإن الله خلق النفوس ملهما إياها طريق الخير والشر يقول تعالى: "ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها" (الشمس، آية: 7 – 10 وقال تعالى: "وهديناه النجدين" (البلد: 10) ومن الملاحظ في دراسة أسباب سقوط الدول والحضارات بأنها لا تسقط بسبب واحد، كما لا تقوم بسبب واحد، بل تتجمع عدة أسباب لقيامها، وعدة أسباب لتدهورها وسقوطها، بعضها يعمل ببطء بينما يعمل البعض بسرعة أكبر، ولا تسقط الدولة أو الحضارة بضربة واحدة، بل يتظافر جملة من العوامل، وهذا ما حدث للدولة الأيوبية التي زالت من الوجود في مصر عام 648هـ وأهم هذه الأسباب في نظري:
1 - توقف منهج التجديد الإصلاحي.
2 - الظلم.
3 - الترف والإنغماس في الشهوات.
4 - تعطيل الخيار الشوري.
5 - النزاع الداخلي في الأسرة الأيوبية.
6 - موالاة بعض الأيوبيين للنصارى.
7 - فشل الأيوبيين في إيجاد تيار حضاري.
8 - ضعف الحكومة المركزية.
9 - ضعف النظام الاستخباراتي.
10 - غياب العلماء الربانيين عن القرار السياسي.
11 - وفاة الملك الصالح أيوب وعدم كفاءة وريثه.
(1/15)

وقد شرحت كل سبب من هذه الأسباب في هذا الكتاب وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الخميس الساعة السابعة إلا خمس دقائق ليلاً من تاريخ 25 ربيع الآخر/1429هـ/01/ 05/2008م بالدوحة والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل عملي لوجهه خالصاً ولعباده نافعاً ويشرح صدور العباد للانتفاع به ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يصله هذا الكتاب أن لا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه "رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " (النمل، آية: 19).

وقال تعالى "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم" (فاطر، آية:2).

وقال تعالى " سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد الله رب العالمين" (الصافات، آية: 180 - 182).

"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".

الأخوة الكرام: يسرني أن تصل ملاحظاتم وانطباعاتكم حول هذا الكتاب وغيره من كتبي من خلال دور النشر، وأطلب من إخواني الدعاء في ظهر الغيب بالإخلاص لله رب العالمين، والصواب للوصول للحقائق ومواصلة المسيرة في خدمة تاريخ أمتنا.

Mail: abumohamed2@maktoob.com
(1/16)

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأول

الأيوبيون بعد صلاح الدين:
المبحث الأول: خلفاء صلاح الدين:
عندما توفي صلاح الدين وأصبح في ظل رحمة الله، كانت الظروف التي أفرزته لاتزال قائمة، وكانت الأمة الإسلامية في مسيس الحاجة إلى شخصيته المتميزة، وإيمانه الكبير، وعبقريته العسكرية (1) الفذة، وقد ترك دولة مترامية الأطراف تشمل مصر والجزيرة العربية وبلاد الشام والجزيرة الفراتية وخلّف فراغاً لم يستطع أحد من أبنائه السبعة عشر أو إخوانه أن يملأه (2) وظهر خلفاء صلاح الدين الأيوبي على مسرح الأحداث التاريخية وكانوا مختلفين عنه سلوكاً وخلقاً وكان مستواهم العسكري والسياسي، لا يرقى إلى مستواه، ومن هنا ترك صلاح الدين الأيوبي فراغاً سياسياً كبيراً بموته (3).

أولاً: تقسيم أقاليم الدولة: اتسعت شقة الخلاف بين أبناء صلاح الدين الأيوبي على السلطة وتدخل بينهم أصحاب الرأي والمشورة لإصلاح ذات البين واستقر الأمر في البداية على تقسيم الأقاليم على النحو التالي:
1 - ملك الملك الأفضل بن صلاح الدين دمشق والقدس وبعلبك وصرخد وتبنين وبصرى إلى الداروم (4) (دير البلح) حتى حدود مصر (5).
2 - استولى الظاهر غياث غازي بن صلاح الدين على حلب وجميع أعمالها وشمال سوريا كحارم وتل باشر واعزاز ومنيج (6).

4 - أخذ الملك العادل سيف الدين أبو بكر شقيق صلاح الدين والكرك والجزيرة الفراتية (7)، أي حران والرها وسميساط وقلعة جعبر وميافارقين وديار بكر، وكانت هذه المنطقة لا تتناسب مع مكانته وقدراته (8).
__________
(1) صلاح الدين والصليبيون د. أحمد الشامي ص 161.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 30.
(3) الداروم قلعة قرب غزة على الطريق المؤدي إلى مصر.
(4) الكامل لابن الأثير (9/ 227).
(5) النجوم الزاهرة (6/ 103).
(6) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 30.
(7) مرآة الزمان (8/ 279) القدس بين أطماع الصليبيين ص 30.
(8) مفرج الكروب (2/ 378 (القدس بين أطماع الصليبيين ص 30.
(1/17)

5 - احتفظ سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين باليمن وجزيرة العرب (1).
6 - أخذ الملك الأمجد مجد الدين بهرامشاه بن فرخشاه بعلبك وأعمالها.
7 - استمر الملك المنصور الأول محمد بن تقي الدين عمر في في حكم حماه.
8 - تولي الملك الظافر خضر بن صلاح الدين بصرى من قبل أخيه الملك الأفضل. وكان ثمة بعض البلدان والحصون بأيدي جماعة من أمراء الدولة فاحتفظ كل بولاية إذ استمر عز الدين مسعود الأول الزنكي في حكم الموصل، كما احتفظ أخوه عماد الدين زنكي الثاني في حكم سنجار (2)، وقطب الدين سقمان الثاني الأرتقي في حكم حصن كيفا وآمد (3)، وكذلك تولى ناصر الدين منكوريوس منطقة صهيون (4).
__________
(1) الفتح القسي ص 136 القدس بين أطماع الصليبيين ص 30.
(2) الكامل في التاريخ 09/ 243) القدس بين أطماع الصليبيين ص 31.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 31.
(4) المصدر نفسه ص 31 أبو الفداء، المختصر (3/ 63) ..
(1/18)

ثانياً: النزاع بين خلفاء صلاح الدين: عندما توفي صلاح الدين حضر أخوه الملك العادل وشارك في تقبل التعازي مع أبناء أخيه، وكان صلاح الدين قد قدم ابنه الملك الأفضل لتولي السلطنة من بعده وبعد انتهاء العزاء طلب الملك الأفضل من بعض الأمراء والمماليك أن يجددوا مبايعته ويحلفوا له يمين الولاء والطاعة، فاشترط بعضهم (1)، أن يكون له خبز يرضيه، وامتنع قسم آخر عن البيعة قائلاً: أنا ليس لي خبز (اقطاع) فعلى أي شيء أحلف؟ وكان بعض العلماء ممن نشأوا في ظل الدولة الصلاحية يتخوفون من أن تصير حال الدولة بعد صلاح الدين إلى الشقاق والنزاع وممن أوجس خيفة من ذلك القاضي الفاضل، فقد كتب إلى الملك الظاهر غياث صاحب حلب، إثر وفاة السلطان، كتاب تعزية جاء فيه: إن وقع اتفاق بينكم، فما عدمتم شخصه الكريم، وإن غير ذلك فالمصائب المستقبلية أهونها موته وهو الهول العظيم (2) ولم تنفع وصية القاضي وأمنية الأصدقاء المخلصين، كما لم تنفع الملك الأفضل تلك المبايعة التي دعا إليها القادة والأمراء في دمشق، بينما كان أبوه يعاني سكرات الموت: معتذراً بأن المرض قد اشتد وما يعلم ما يكون، وما يفعل هذا إلا احتياطاً على جاري عادة الملوك (3)، وتهيأت فرص النزاع بين خلفاء صلاح الدين، وتتابعت مقدماتها فكان من الواضح أن يصيب الملك العادل من ذلك الإرث العظيم فقد كان داهية وليس في البيت الأيوبي من يدانيه في حسن السياسة وكثرة التجربة وبعد النظر (4) واغتنم الفرنج وفاة صلاح الدين وانشغال الأيوبيين بالعزاء فقاموا بخطوة استطلاعية جريئة للتعرف على مدى قدرة خلفاء صلاح الدين على الاحتفاظ بوحدتهم واستولوا على مدينة جبيل وقلعتها عام 590هـ/1194م (5)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 31.
(2) خطط الشام (2/ 73) القدس بين أطماع الصليبيين ص 31.
(3) النوادر السلطانية ص 148.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 32.
(5) مفرج الكروب (3/ 26) ..
(1/19)

وخرج الملك الأفضل وخيم على البقاع ليستخلصه فتعذر ذلك عليه، فقالت الأمراء للملك العزيز: توانيت، فطُرقت البلاد واستولى عليها الفرنج، فحينئذ صمم على الحركة وخرج بمضاربه وجحافله لقصد الشام (1)، وانتهز صاحب الموصل عزالدين مسعود بن مودود زنكي فرصة موت صلاح الدين فتحرك لإحتلال البلاد الشرقية، وعندما علم الملك العادل بذلك اتجه إلى الشرق، وأقام في قلعة جعبر، لشل أي حركة يحاول صاحب الموصل القيام بها (2) تقسيم أقاليم الدولة.

ثالثاً: النزاع بين الأخوين الأفضل والعزيز: خالف الملك الأفضل سيرة أبيه، وأقدم على عدة إجراءات أساءت إليه فكرهه الناس ومن هذه الإجراءات:
1 - خالف نهج والده صلاح الدين في الحكم، فأقصى أمراء والده ومستشاريه بتأثير الوزير ضياء الدين ابن الأثير أخ المؤرخ المشهور، فهربوا إلى القاهرة مستنجدين بالعزيز عثمان الذي رفعهم وأعزهم، فالتقوا من حوله، واعترفوا به زعيماً على الأيوبيين وزينوا له الاستيلاء على دمشق.
2 - بعد اختياره ضياء الدين ابن الأثير وزيراً، تركه يسيء التصرف في أمور الرعية وقد أثار سخط الأمراء بسوء تصرفاته ومضايقاته لهم، كما زين للأفضل التنازل عن بيت المقدس لأخيه العزيز عثمان بذلك وشكر للأفضل علي، ولكن الأمراء ولاة القدس خشوا من محاسبة العزيز لهم، فاتفقوا مع الأفضل علي على بقاء القدس بأيديهم دون الحاجة إلى أمواله، فوافق وكتب إلى أخيه بذلك، فتغير لذلك الملك العزيز عثمان وتكدَّر باطنه وبدأت العلاقة تسوء بين الأخوين.
3 - عجز "الأفضل علي" عن مجابهة الصليبيين الذين أخذوا جبيل (3).
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 26).
(2) الكامل لابن الأثير (9/ 229) القدس بين أطماع ص 32.
(3) موسوعة تاريخ العرب العصر الأيوبي ص 246.
(1/20)

ويبدو أن الأفضل ساءة سيرته، وضعفت إرادته ولا يصلح أن يتولى السلطنة بعد والده إذ أقبل على اللعب وسماع الأغاني وتظاهر بلذاته (1).

استاء الملك العزيز لسوء تصرف الملك الأفضل وتركه أمر الدولة في يد وزيره (2)، وهم بانتزاع الشام منه إثر تشجيع الأمراء الصلاحية له، وعندما علم الملك الأفضل بذلك هم بمراسلة أخيه العزيز يستعطفه فمنعه وزيره ضياء الدين ابن الأثير وحسن له محاربته، فمال الأفضل لرأي وزيره (3) وزادة الوحشة بين الأخوين (4). قصد الملك العزيز الشام عام 590هـ/1194م فنزل بالقصير من الغور ثم حاصر دمشق، وضيق الخناق عليها، فاستنجد الملك الأفضل بعمه الملك العادل (5) والواضح أن هذا الأخير لم يكن راضياً عن وضعه، ولاسيما وأن نصيبه من الإرث الصلاحي لم يتناسب مع أهمية الدور الذي أدّاه في خدمة الدولة الأيوبية، كما لم يشأ أن يتعجَّل الأحداث عقب وفاة أخيه صلاح الدين، بإعادة توحيد الدولة الأيوبية تحت حكمه، وهو الهدف الذي وضعه نصب عينيه لذلك اتجه بتمهل إلى تحقيق هذا الهدف، وأخذ يتصرف بأناة ريثما تتضح الأمور، وفعلاً أتيحت له الفرصة باستغاثة الأفضل علي، فاستجاب لنداء الاستغاثة، وساند كل من الظاهر غازي صاحب حلب، وناصر الدين محمد، صاحب حماة، وأسد الدين شيركوه الثاني، صاحب حمص، والأمجد، صاحب بعلبك، وكلهم ساندوا الأفضل علي، واتفق الجميع على منع العزيز عثمان من الاستيلاء على دمشق (6): علماً منهم أن العزيز عثمان إن ملكها أخذ بلادهم (7).
__________
(1) السلوك للمقريزي (1/ 36) القدس بين أطماع 33.
(2) كتاب الروضتين (2/ 227) القدس بين أطماع الصليبيين ص 33.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 33.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 34.
(5) المصدر نفسه ص 33.
(6) الكامل في التاريخ نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 33.
(7) مفرج الكروب (3/ 29،30).
(1/21)

وهكذا تكّون حِلْف أيوبي مناهض لحركة التفرد التي قادها العزيز عثمان انطلاقاً من مصر، عندئذ أدرك العزيز عثمان أنه لا قِبَلَ له بمواجهة قوى التحالف فمال إلى التفاهم، واجتمع بعمه العادل في صحراء المزة غربي دمشق في 24 شعبان سنة 590هـ/15 آب عام 1194م، وقد نصحه عمه بالعودة إلى مصر قائلاً له: لا تخرَّب البيت وتُدخل الآفة، والعدوّ وراءنا من كل جانب وقد أخذوا جَبَلة، فارجع إلى مصر واحفظ عهد أبيك، وأيضاً فلا تكسر حرمة دمشق وتطمع فيها كل أحد، وعاد الملك العادل عنه إلى دمشق، وأقام في منزلته، وبعث العادل إلى العزيز في منزلته، وقدمت العساكر على الأفضل وبعث العادل إلى العزيز يقول له: إرْحل إلى مرج الصُّفَّرة، فرحل وهو مريض وكان قصد العادل أن يبُعده عن البلد ... واشتد مرض العزيز فاحتاج إلى المصالحة، ولولا المرض ما صالح، فأرسل الملك العزيز كبراء دولته فخر الدين إياز جَهَاركس وغيره يحلّف الملوك وطلب مصاهرة عمّه العادل فزوَّجه ابنته الخاتون، ورجع كل واحد إلى بلده، وذلك في شعبان سنة تسع وثمانين (1) وقال العماد الكاتب الأصفهاني: خرج الملوك لتوديع الملك العزيز إلى مرج الصُّفَّر واحد بعد واحد وأوّل من خرج إليه أخوه الملك الظاهر غازي صاحب حلب، فبات عنده ليلة وعاد، فخرج إليه أخوه الأفضل صاحب الواقعة، فقام إليه واعتنقا وبكيا، وأقام عنده أيضاً يوماً وكان قد فارقه منذ تسع سنين فلما عاد كتب إلى العزيز من إنشائه من عدة أبيات:
نَظَرْتُك نظرة من بعد تِسِع ... تقضَّت بالتفرُّق من سنين
وغَضَّ الدَّهُر عنها طرفَ غَدْرِ
مسافة قُربِ طَرْفِ من جبين ... وعاد إلى سَجيَّته فأجرىِ
بفرقَتناِ العيون من العيُون ... فويح الدَّهْرِ لم يَسْمَحْ بِوَصْلٍ
يُعيِدُ به الهُجوعَ إلى الجُفُون ... فراقاً ثم يُعقِبهُ بَبيْنٍ
يُعيدُ إلى الحشَا عَدمَ السُّكون ... ولا يُبْدي جيُوشَ القُرب حتى
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 122).
(1/22)

يُرتَب جَيْشَ بُعدٍ في الكمين ... ولا يُدْنى محلىَّ منك إلا
إذا دارت رحى الحرب الزَّبون ... فليت الدهُر يَسْمحُ لي بأخرى
ولو أمضى بها حُكم المنُون (1)

وقد تقرر وضع ترتيب جديد لحكم الأسرة الأيوبية ويقضي بأن:
- يحتفظ الأفضل علي بدمشق وطبريه وأعمال الغور.
- يتخلى الأفضل علي عن بيت المقدس وما جاوره لأخيه العزيز عثمان.
- يتخلىَّ الأفضل علي عن جبلة واللاذقية لأخيه الظاهر غازي.
- يعترف العزيز عثمان بسيادة الأفضل علي.
ولم يحظ العادل من الصفقة بشيء سوى ما جازه من مكانة بأن أصبح الحكم بين أفراد الأسرة الأيوبية (2).
__________
(1) مفرج الكروب في أخبار بني أيوب (3/ 239).
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين في مصر ص 233.
(1/23)

ولما انفصل العساكر عن دمشق شرع الأفضل على عادته في اللهو واللعب، فاحتجب عن الرعية فسُمَّى "الملك النّوام" وفّوض الأمر إلى وزيره ضياء الدين الجَزّرِي وحاجبه الجمال محاسن بن العجميّ، فأفسد عليه الأحوال، وكانا سببا لزوال دولته وهذا الأمر من الآفات التي تصيب بعض الملوك، واستمر الملك العزيز هذا بمصر وأمره ينمو ويزداد إلى سنة تسعين (1) وفيها عاد الاختلاف ثانياً وسببه إغراء الجند والوسائط وكان أكبر المحرضين الأمير عز الدين أسامه - صاحب عجلون وكوكب - الذي فارق الأفضل وانضمّ للعزيز وهو من أجلاء الأمراء الصلاحية، فإنه لما رأى من الأحوال مالا يعجبه فارق الأفضل وتوجه إلى الملك العزيز، ففرح بوصوله إليه وأكرمه غاية الإكرام ولما استقر عز الدين أسامه عند الملك العزيز أخذ في تحريضه على الملك الأفضل، وتقوية عزمه على قصده وأخذ دمشق منه قال له: إن لم تَنصر الدولة الصلاحية خُذلت، وإن لم تصُنها ابتذلت، وأخوك (الملك الأفضل) قد غُلب على اختياره وحكم عليه وزيره الضياء الجزري، وقد أفسد أحوال الدولة، فهو يتصرف فيها برأية الفاسد، ويحمل أخاك على مقاطعتك ومباينتك، فإن أغفيت أُغفلت، وإن أمهلت أهملت، وإن لنت غلظوا، وإن نمت تيقظوا ولا تلتزم باليمين فإن من شرطها صفو الوداد وصحة النيَّة، ولم يوجد ذلك، فحنثهم في أيمانهم قد تحقق وبَرِئت أنت من العهدة، فاقصد البلاد فإنها في يدك قبل أن يحصل للدولة من الفساد مالا يمكن تلافيه (2)، ثم فارق الملك الأفضل الأمير شمس الدين ابن السلار وهو من أكابر الدولة الصلاحية.
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 122).
(2) مفرج الكروب (3/ 39).
(1/24)

وتوجَّه إلى الملك العزيز، فساعد عز الدين أسامة على التحريض على الملك الأفضل، وتقوية عزم الملك العزيز على قصده، ثم وصل إلى الملك العزيز القاضي محي الدين بن الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون، فاحترمه الملك العزيز وولاه القضاء بالديار المصرية، وضم إليه النظر في أوقافها (1) وحث القاضي بن أبي عصرون العزيز على ضم دمشق وقال له: لا تسلم يوم القيامة (2). وبلغ الأفضل قول أسامة وابن أبي عصرون فأقلع عمّا كان عليه وتاب وندم على تفريطه وعاشر العلماء والصلحاء، وشرع يكتب مصحفاً بخطّه وخطّه في النهاية، فلم يُغن عنه ذلك وتحّرك العزيز يقصده، فسار الأفضل إلى عمه العادل (3).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 40).
(2) النجوم الزاهرة (6/ 123).
(3) المصدر نفسه (6/ 123).
(1/25)

رابعاً: تآمر الملك العادل على الأفضل:
استغل العادل هذه الفرصة للتدخل في شؤون أبناء أخيه، لتعزيز وضعه على الأرض، فغادر قلعة جعبر إلى دمشق ودخلها قبل عودة الأفضل علي من حلب (1) وبما عُرف عنه من مكر ودهاء راح يبذر بذور الشقاق بين صاحب مصر وأمرائه من الأكراد والأسدية الذين كانوا على جفاء معه بسبب ميله إلى الصلاحية واتفق معهم على نبذ طاعته والدخول في طاعة حكام بلاد الشام (2)، كاتب الملك العزيز سراً يخوفه من الأسدية ويغريه بإبعادهم، وكاتب الأسدية بالتنفير من الملك العزيز وتخويفهم منه واستمالهم إليه، فاستوحش الملك العزيز من الأسدية واستوحشوا منه، فكانوا إذا لقوه عرفوا في وجهه التنكر، وعرف في وجهوههم بمثله وتمادى الأمر إلى أن تمكن الخوف منه في قلوبهم والخوف منهم في قلبه، ولما تمكن الاستيحاش منهم، عزموا على مفارقته وحسَّنوا ذلك للأكراد المهرانية فوافقوهم عليه (3)، فلما علم الملك العزيز بذلك، فما تحلل ولا تزعزع من مكانه، ولا أظهر أرتياعاً لما وقع من هذه الحادثة، بل ثبت مكانه، فقالت الأمراء: الصلاحية دعنا نتبعهم ونقاتلهم ونتركهم عبرة للمعتبر (4). فقال لهم الملك العزيز: لا تُرهبُوهم واتركوهم يذهبوا أين شاءوا لعلنا نصفو من كدرهم، وهذا ليل، ولا يُؤمَنُ فيه الاختلاط، ولا يَعرف الإنسان فيه صديقه من عدوه والأولى الأخذ بالحزم والاحتياط (5).
__________
(1) الكامل لابن الأثير (9/ 492).
(2) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 234.
(3) مفرج الكروب (3/ 47).
(4) مفرج الكروب في أخبار بني أيوب (3/ 48).
(5) المصدر نفسه (3/ 48).
(1/26)

وكان المفارقون للملك العزيز معظم العسكر وثبت الملك العزيز في معسكره بالفَّوار ومعه خواص أصحابه على الخطر وبات تلك الليلة ثابت الجأش والجَنان، وما أظهر أسفاً على فراق مَن فارقه من عسكره، واستدعى رُسل الملوك الذي عنده وأجاب كُلاًّ منهم عن رسالته وخلع عليهم وسَّرحهم (1) وأصبح الملك العزيز راحلاً بمن بقي معه من عساكر إلى الديار المصرية وسار إليها على تيقظ وتحفظ - وحذر - وسلك طريق اللجون والرملة، وخاف من الأسدية المقيمين بالقاهرة، أن يوافقوا أصحابهم الغادرين ويسلكوا سيرتهم في الغَدر به، فقدم بين يديه أمراء على النُجُب وكان نائبه بالقاهرة الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي فبقى على الصفاء للملك العزيز وخلوص النيّة وتبعه على ذلك من بقى من الأسدية، ووصل الملك العزيز إلى البلاد وأمّن كلَّ من وجده من مُخلفَّي الخارجين عليه وطيب قلوبهم وأكرمهم وأحسن إليهم وأستقر في كرسي مُلكْهَ ومدحه القاضي السعيد ابن سناء الملك بقصيدة ذكر فيها نفاق الأسدية وفراقهم له (2)، منها:
من فرَّ منك فلا يُلامُ ... وشَرِيُد بأسِكَ مَا يَنامُ
وجنابُ عِزَّك ما يُرام ... من الخطوب وما يُضاَمُ
فرت لخوفك غِلمةٌ ... ولربما خاف الغلام
هابوا مَقَامك ذا العظيم ... فلم يكن لهم مقام
وهُمُ الأسُودُ فما لهم ... طاروا كما طار النعام
سَخرِتَ بهم بهم أوهامُهُم ... هُزواً وبالأوهام هاموا
لا ينفعون ولن يَضُرُّوا ... إن مضوا أو إن أقاموا
فلإن عفوتَ فإنما يعفو ... عن الذنب الكرام
وإن انتقمت فإنّ ... أيسر ما استحقوا الانتقام
ما دراهم حَرَمُ ولا في ... الشام صَيْدُهُم حرام
وهم به سكرى وليس ... سوى الهُموم لهم مُدَامُ

إلى أن قال:
ونزيل راحتك الندَّى ... وحليفُ دولتك الدَّوام (3)
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 48).
(2) المصدر نفسه (3/ 49).
(3) مفرج الكروب (3/ 50)
(1/27)

1 - رحيل الملك العادل والأفضل إلى مصر: قرّر العادل والأفضل علي المضي في خطتهما القاضية في الاستيلاء على مصر، واتفقا على أن يملك الأفضل في مصر ويتخلىَّ عن دمشق إلى عمه العادل، وهذا مطمح طالماً تطلع العادل إلى تحقيقه، لأن دمشق كانت آنذاك قلب الدولة الأيوبية، ومحور العلاقات العامة في الشرق الأدنى الإسلامي، فاستوليا على بيت المقدس، وتابعا زحفهما إلى مصر بمن معهما من الأكراد والأسدية، فوصلا إلى بلبيس وحاصرها (1) وهنا توضحت نوايا العادل بشكل جليَّ، فهو الذي شجع الصراعات بين ولدي أخيه، ويبدو أنه خشي في هذا الدور أن يأخذ الأفضل علي مصر ولا يسلمَّه دمشق وفقاً لبنود الاتفاق المُبرم بينهما وبخاصة أنه كان يشك في نواياه، لذلك أرسل إلى العزيز عثمان سراً يشجعه على الثبات في موقفه، ويتعهد بأن يمنع الأفضل علي من مصر ولا يسلمَّه دمشق وفقاً لبنود الاتفاق المبُرم بينهما وبخاصة أنه كان يشك في نواياه، ولذلك أرسل إلى العزيز عثمان سراً يشجعه على الثبات في موقفه، ويتعهد بأن يمنع الأفضل علي من دخول مصر (2)، وتنفيذاً لهذا التوجه السياسي رفض العادل ما عرضه عليه الأفضل علي من مقاتلة الأمراء الصلاحية في بلبيس، أو تركهم والرحيل إلى مصر للاستيلاء عليها متذرعاً بأنه قد ينتج عن ذلك تشتيت القوى الإسلامية وإضعافها، فيطمع فيها الأعداء، ثم تدخل القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني في التوفيق بين الأخوين بإيعاز من العادل (3).
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 52).
(2) الكامل في التاريخ (9/ 493).
(3) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 234.
(1/28)

2 - جهود القاضي الفاضل في الإصلاح: استمر الفقهاء والعلماء في دورهم القيادي البارز في الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين ولم ينقطعوا عن العطاء، وواصلوا مسيرتهم لمساندة أبناء صلاح الدين وتأييدهم ونصحهم لتخطي العقبات التي تعترض طريقهم حفاظاً على وحدة الدولة الأيوبية وسلامتها لتقف صامدة متماسكة أمام التحدي الصليبي بعد فقد عاهلها وقائدها صلاح الدين فقد ظل القاضي ابن شداد بدمشق مع الملك الأفضل يشاوره في جليل الأمور ودقيقها (1)، ويعتمد عليه اعتماداً كبيراً ولكنه تنازل عنه إلى أخيه الملك الظاهر غازي الذي أخذ يرجوه أن يتحفه بالقاضي ابن شداد ليكون عنده بحلب ويتيمن برأيه ويستفيد من خبرته، ولما وصل ابن شداد إلى حلب استقبله الملك الظاهر أحسن استقبال، وفوض إليه قضاء بلاده، وصار أقرب الناس إليه منزلةً، وأعظمهم مكانةً عنده وأصبح له الإقطاع الجليل، والحرمة التي لم يصل إليها أحد من المعممين (2)، وكان ابن شداد طوال إقامته بحلب يعتني بترتيب أمورها وتنظيمها، وجمع بها الفقهاء، واهتم ببناء المدارس الكثيرة بها، حتى أصبحت حلب مقصد الفقهاء، والعلماء من البلاد (3) وكان القاضي الفاضل آنذاك مقيماً بدمشق عند الملك الأفضل، وقد رأى في تصرفاته ما استنكره، مثل وضعه لكل ثقته في وزيره الجديد القاضي ضياء بن الأثير (4)، الذي حسن للملك الأفضل أبعاد أمراء أبيه وأكابر أصحابه (5)،
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 3،8).
(2) مفرج الكروب نقلاً عن دور الفقهاء والعلماء ص 172.
(3) دور الفقهاء والعلماء في الشرق الأدنى ص 172.
(4) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى ص 172.
(5) مفرج الكروب (3/ 10) ..
(1/29)

ولكن الملك الأفضل لم يستجب لنصح القاضي الفاضل وعندئذ عزم القاضي الفاضل عن ترك دمشق والتوجه إلى الديار المصرية، فاستأذنه وتوجه إلى الملك العزيز عثمان بمصر الذي أحسن استقباله وجعله عنده في محل والده، احتراماً وتعظيماً له، لما يعرفه من مكانته، وصار الملك العزيز لا يصدر أمراً إلا عن رأيه ومشورته (1)، وعلى عكس ما كان الملك الأفضل يفعل من استبعاد أمراء الدولة أصحابه، قام الملك العزيز بتقريبهم إليه وأحسن إليهم، فعظم بذلك شأنه، وأجمعوا كلمتهم على نصرتهم وتقرير قواعد ملكه (2). بل شجعوه على أخيه الأفضل الذي وقف عاجزاً أمام تسلم الفرنج لثغر جبيل من بعض مستحفظيه (3)، وكان للقاضي الفاضل دور كبير في فض منازعات البيت الأيوبي في كثير من الأحيان، فكان يخشى عليهم من أطماع الأعداء فيهم، ويصف لنا ابن واصل حالة القاضي الفاضل قائلاً: وكان القاضي الفاضل قد تنزه عن ملابستهم ومخالطتهم، واعتزل بنفسه عنهم لما رأى من اختلال أحوالهم وفساد أمورهم وأحوجه الملك العزيز أن يلبي دعوة عمه الملك العادل ويخرج إليه ليفرج هذه الغمة (4) فركب من القاهرة وخرج إليه ولما علم بذلك الملك العادل، ركب وتلقاه أحسن تلقٍ، واجتمع به، واتفق معه على ما فيه المصلحة الشاملة للكل (5) واستقر الصلح على الشكل التالي:
- أن يقيم العادل بمصر عند العزيز ليقرر قواعد ملكه، وأن يرجع الأفضل إلى دمشق، وتعاهد الجميع على ذلك (6).
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 12) دور الفقهاء والعلماء ص 173.
(2) كتاب الروضتين نقلاً عن دور الفقهاء ص 173.
(3) مفرج الكروب (3/ 53) دور الفقهاء ص 173.
(4) المصدر نفسه (3/ 53).
(5) المصدر نفسه (53، 54).
(6) المصدر نفسه (53، 54).
(1/30)

وفي الوقت نفسه كان القاضي بهاء الدين بن شداد دور كبير في تهدئة الأمور وفض كثير من المنازعات بين العزيز عثمان صاحب مصر والملك العادل من جانب، والملك الأفضل من جانب آخر (1)، ومما يؤكد استياء القاضي الفاضل وتألمه من هذه الأوضاع وتلك المنازعات التي انجرف فيها أبناء البيت الأيوبي، ذلك الكتاب الفاضلي الذي ذكره أبو شامه، والذي جاء فيه: أما هذا البيت، فإن الآباء منه اتفقوا فملكوا، وإن الأبناء منهم اختلفوا فهلكوا، وإذ غرب نجم فما الحيلة في تشريقه، وإذا بدأ تخريق في ثوب فما يليه إلا تمزيقه، وهيهات أن يسد على قدر طريقه وقد قدر طروقه، وإذا كان الله مع خصم على خصم فمن كان الله معه فمن يقدر عليه (2). ويتضح مما تقدم أن الفقهاء والعلماء كانوا أكثر من أهتم بتصفية الخلافات والمنازعات بين أبناء البيت الأيوبي ليتفرغوا لقضية الجهاد ويكملوا ما بدأه والدهم الناصر صلاح الدين خاصة وأن هؤلاء الفقهاء والعلماء كانوا يدركون بثاقب بصرهم وبسريرتهم النافذة أن العدو الصليبي يراقب بكل دقة وبكل شغف ما يجري على الساحة الإسلامية من منازعات بعد وفاة صلاح الدين، ويترقب اللحظة المناسبة كي ينقض ليسترد البلاد وينتقم من المسلمين (3).
__________
(1) دور الفقهاء والعلماء في المشرق الأدنى ص 174.
(2) كتاب الروضتين نقلاً عن دور الفقهاء والعلماء ص 174.
(3) دور الفقهاء والعلماء في الشرق الأدنى ص 175.
(1/31)

3 - التحالف بين الملك العادل والعزيز: عاد الأفضل علي إلى دمشق واستقر العادل في مصر، وقد جعل من نفسه حكماً بين الأخوين المتنازعين، ممّا ممكنه من فرض كلمته عليهما ليصبح سيد الموقف (1) ونزل الملك العادل بأحدى قصور القاهرة وأمر ونهي وحكم وتصرف في كبير الأمور وحقيرها وعزل القاضي محي الدين ابن أبي عصرون عن قضاء الديار المصرية وولى القضاء زين الدين يوسف الدمشقي (2). وأما الأفضل علي فقد لزم الزهد والقناعة، وأقبل على العبادة ولكنه للأسف لم يصحح الخطأ القاتل الذي وقع فيه سابقاً وضيع ملكه حيث أن الأمور كلها بقيت مفوضة إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزري، وقد اختلت الأحوال به غاية الاختلال، وكثر شاكوه وقل شاكروه وبلغ ذلك الملك العادل فأنكره وتقرر بينه وبين الملك العزيز الخروج إلى الشام لتمهيد العزيز الملك بمصر، وعَّين الإقطاعات وثمن الارتفاعات وعمَّر الأعمال ووفَّر الأموال (3)
__________
(1) مفردات في عهد الأيوبيين (2/ 916).
(2) مفرج الكروب (3/ 54).
(3) مفرج الكروب (3/ 54،55) ..
(1/32)

وكان الملك العادل يؤثر مسير الملك العزيز ليتمكن من أغراضه ولأن العساكر مع اختلافها تجتمع مع الملك العزيز لعلو همته، وسمو قدره، وسماحة يده وسعة صدره، فاجتمع الملك العادل والملك العزيز وأشار عليه أن يسافر بنفسه وقال له ما معناه: إن الدولة الصلاحية بإدارتك صلاحها، وبفلاحك فلاحها، وبنهضتك ينهض جناحها، وبسعدك يسعد نجاحها وإن لم تجتمع الكلمة عليك لم تجتمع كلمة الإسلام، ولم تستقر العصمة من الكفر بالشام، وفي كل بلد من إخوتك سلطان، ما منه لأمرك إذعان، وغداً عند الحاجة إلى الاستنفار والاستنفار، وكلُّ منهم على سِمَةِ النفار، تنزل النوازل والدوائر بالديار، فاستخر الله تعالى وانشط ولدولتك احَتط، وسر مستقبل النصر سارّا، وللجحفل المجرّ جارّا وللدولة الناصرية ناصراً، ولأيدي المتعدي عنها قاصراً، وأنت سلطانناً ونحن الأتباع، والأنصار والأشياع (1)، وسار الملكان: العادل والعزيز إلى دمشق فنازلاها ولم يحدث قتالاً، والملك العادل مظهر أنه على عهده وميثاقه، لم يتغير عنه ولم يَحُلْ، وأنه ليس مقصوده إلا إصلاح ذات البين وانتظام الشمل وكتب الأمراء بدمشق والأكابر متواصلة إلى الملك العادل والملك العزيز، لأن بعضهم كانت قد حصلت عنده نفرة من الملك الأفضل لأسباب وقعت منه ومن وزيره توجب الاستيحاش وبعضهم كوتبوا من جهة الملك العادل والملك العزيز بما طيَّب به قلوبهم وبسط في آمالهم، فكتبوا يحثونهما على معالجة الزحف إلى البلد وانتهاز الفرصة ويعدون من أنفسهم المساعدة وفتح الأبواب لهم (2).

4 - استيلاء الملك العزيز على دمشق: ولما جرى ما ذكرناه من المخابرة، من الأمرءا المقيمين بدمشق وتوثق منهم الملك العزيز والملك العادل ولم يشعر الملك الأفضل إلا وقد دخل الملك العزيز وعمه داخل المدينة، فاضطر إلى قبول ما فرضه عمه وأخوه عليه بحيث:
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 55).
(2) المصدر نفسه (3/ 62).
(1/33)

- يأخذ الأفضل صرخد الواقعة شرقي بصرى (1).
- ويملك الملك العادل دمشق وأواسط الشام (2).
- يتولى الملك العزيز السلطنة ويذكر اسمه في الخطبة وينقش على السكة وتبقى له مصر وبيت المقدس (3).

ثم تحايل العادل على العزيز عثمان فأخلى له دمشق وأواسط الشام مقابل:
- حصوله على لقب سلطان بني أيوب.
- يستمر في حكمه في مصر وبيت المقدس.
- يذكر اسمه في الخطبة في البلاد الواقعة تحت سيطرة العادل، وينقش اسمه على السكة (4).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 62).
(2) كتاب الروضتين نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 37.
(3) السلوك (1/ 166) النجوم الزاهرة (6/ 126).
(4) الكامل في التاريخ عن موسوعة تاريخ العرب العصر الأيوبي ص 253.
(1/34)

كان قرار الملك العادل مع الملك العزيز أن يقيم الملك العزيز بدمشق، وأن يكون الملك العادل نائباً عنه بمصر، ويفوَّض تدبيرها إليه، فلما ملك العزيز دمشق، وظهرت الأمور وانكشف المستور ندم على ما كان قررَّه مع عمه، فبعث إلى أخيه الملك الأفضل في السر وقال: إذا طلبناك فاثبت على الامتناع، ولا تبذل الرضى لنا إلا بإقامة الخطبة والسكَّة ولا تنزل عن رتبتك، فإني لك الرضا وأفعل ما تريد ويكون امتناعك عذراً عند عمي (1). فلما وصلت الرسالة بذلك إلى الملك الأفضل أظهر هذا السَّر لنصحائه المختصين؛ فقالوا: لا تنخدع بهذا القول، فربما كان هذا خديعة من أخيك .. وهلا كان هذا القول منه قَبلُ في أول الأمر؛ والمصلحة أن تطلع عّمك الملك العادل على هذا السر، فإنه كأبيك في الشَفقة، وعلى كل حال لا يترك بِرَّك، فإذا استشرته أشار عليك بالمصلحة وقد جاء لك من السعادة مالم يكن لك في حساب فإن الملك العادل يحصل له بإطلاعه على هذا الارتياب في الملك العزيز، وتتأكد نفاره منه (2)، فأرسل الملك الأفضل الحاجب جمال الدين محاسن بن عجم الموصلي إلى الملك العادل، فأعاد عليه ما ذكره الملك العزيز، فقامت قيامته وغضب غضباً شديداً، واجتمع بالملك العزيز، وعاتبه أشَّد العتب وقرَّعه التقريع، وقال: أنا أبني وأنت تهدم، وذكر له ما أنهى إليه، فأنكر الملك العزيز ذلك، وحقَّق عند عمه بطلان هذا القول، وأنه لم يرسل إلى الملك الأفضل، ولم يقل له من هذا القول حرفاً، وانحرف عن أخيه الملك الأفضل، وبعث إليه من أزعجه وأحرجه وإلى صَرْخَد أحوجه، وأخذ من الملك الظافر بُصْرى - وكانت بيده - فرحل إلى حلب، فأقبل إليه الملك الظاهر وأحسن إليه، وسار الملك الأفضل إلى صَرْخَد بأهله وحريمه (3)،
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 66).
(2) مفرج الكروب (3/ 66).
(3) المصدر نفسه (3/ 67) ..
(1/35)

ومعه أخوه الملك المفضل قطب الدين موسى فتسلموها واستوطنوها، وعندما دخل الملك العزيز دمشق، أظهر العدل وأبطل المكوس، وأزال المظالم، واعتقد الناس أن مقامه عندهم يطول، وفرحوا به لما كانوا يعرفونه به من الكرم والبذل، وإقامة منار العدل، ولم يشعروا به إلا وقد تقدم بالتبريز وأجمع على الرحيل إلى الديار المصرية (1).

وكان الملك الأفضل عندما خرج من دمشق بأهله وأصحابه أخرج معه وزيره ضياء الدين بن الأثير مختفياً في صندوق من بعض صناديقه، خوفاً عليه من القتل، وكان قد ترقبه أقوام ليقتلوه فلم يظفروا به (2). وقال عماد الدين الأصفهاني الكاتب: وكنا نظن أن للملك الأفضل مالاً مجموعاً فلم يظهر شيء لسوء تدبير وزيره، فأقام الملك الأفضل بعد خروجه من القلعة نازلاً بمسجد خاتون ووزيره مختفٍ عنده إلى أن هرب إلى الموصل (3) وقال: ومن العجب أن الملك الأفضل مع علمه بشؤم وزيره وأن كل ما هو فيه من النقص بادباره وسوء تدبيره، ضمه إليه وترفرف بجناحه عليه، فأخرجه في قماشه، وسّرحه بريشه ورياشه، وكان أدعى عليه بمال فأقَّر الملك الأفضل بوصوله إلى خزانته، وبرّأه من حسابه وخيانته، وانفصل إلى الموصل بمال دمشق وأعمالها ثلاث سنين، وجمع آلافا مؤلفة ولم يُفرقَّ الأفضل منها مائين (4). وقال: وعهدي بقوم دخلوا عليّ متأسفين على سلامته واستقامة أمره في ظعنه وإقامته، فقلت: إنما سألنا الله تعالى كفاية شره وسوءه لاسواه فقد أبعده الله فلا قرَّب نواه (5).
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 67).
(2) المصدر نفسه (3/ 64).
(3) المصدر نفسه (3/ 64).
(4) مفرج الكروب (3/ 65).
(5) المصدر نفسه (3/ 65).
(1/36)

5 - رجوع العزيز إلى مصر: سلّم الملك العزيز دمشق إلى عمَّه الملك العادل، ورجل من دمشق عشية يوم الاثنين تاسع شعبان من هذه السنة، (592هـ) فنزل بمسجد القدم ثم أرتحل إلى الكسوة (1)، وسافر بالعساكر إلى الديار المصرية وخرج الملك العادل لوداع الملك العزيز ولما عاد من وداعه أمر فقرئ منشوره بالجامع بتفويض دمشق وأعمالها إليه وكانت مدة مقام الملك العزيز بدمشق بعد أخذها أربعة عشر يوماً وكانت مدة مُلك الأفضل لها ثلاث سنين وأشهراً، وأبقى الملك العادل السكة بدمشق والخطبة للملك العزيز وأشاع أنه نائبه (2).
وفي سنة 593هـ تحركت الفرنج لقصد بلاد الشام، فخرج الملك العادل بالعساكر، فخيم بالقصبة، وهي قريب من صور، وجهَّز إلى بيروت جماعة من العسكر ومعهم الحجارون والنقَّابون، وأمرهم بهدم رَبضَ بيروت ففعلوا وحصَّن عز الدين الدين أسامة القلعة وترك فيها جماعة من الأجناد ليحفظوها (3).

6 - منازلة الأيوبيين للفرنج: كان عز الدين أسامة قد ترك جماعة من الأجناد في قلعة بيروت يحفظونها وذلك بعد أن خرَّب رَبَضها، فخافوا من الفرنج وانهزموا، وبقيت القلعة خالية ليس فيها من يذبُّ عنها، وعلم الفرنج بذلك فملكوها واستولوا عليها فلعن الناس أسامة لتفريطه فيها وقال.
عماد الدين الكاتب:
إن بيع الحصون من غير حرب ... سُنَّةٌ سنَّها ببيروت سامة
لعن الله كلَّ من باع ذا البيع ... وأخزى بخِزْيه من سَامَه (4)
__________
(1) قرية هي أول منازل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر.
(2) المصدر نفسه (3/ 69).
(3) المصدر نفسه (3/ 71).
(4) مفرج الكروب (3/ 74).
(1/37)

وسير الملك العادل إلى الملك العزيز يطلب منه النجدة فوصلت إليه العساكر من مصر، ووصل إليه سنقر الكبير - صاحب القدس - وميمون القصرى - صاحب نابلس - ونزل بهم على تل العجول بالقرب من غزة وكان قبل ذلك قد وقع جمع من الفرنج بأجناد في أطراف بلد القدس فقتلوا منهم جماعة، وأسروا جماعة، ورجعوا بغنائم (1) كثيرة ثم قصد الملك العادل بالعساكر يافا، فدخلها عنوة بالسيف وقتل مقاتلتها وأعيان من بها من الفرنج، فامتلأت أيدي المسلمين بالسبى والغنائم وكان هذا الفتح ثالث فتح لها، لأنها فتحت أولاً في أول الفتوح وثانياً وجاء ملك الانكلتير في جموعه فاسترجعها وهذا الفتح في الأيام الناصرية وفتحت هذا الفتح الثالث على يد الملك وفتحت في زمن جمال الدين محمد بن سالم بن واصل صاحب كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب في سنة أربع وستين وستمائة على يد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس - صاحب الديار المصرية والشام.
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 74).
(1/38)

ولما جرى ما قام به الملك العادل من فتح يافا عظم ذلك على الفرنج، فقصدوا تِبنْين، وكانت بيد حسام الدين بشارة، فنازلوها بفارسهم وراجلهم وأحدقوا بها وضايقوها ونزل الملك العادل قبالتهم، وبعث إلى الملك العزيز يحثه على الخروج إليه بنفسه، فتقدم الملك العزيز إلى من عنده من العساكر بالخروج وسار في آخرهم لا يلوي على شيء حتى وصل إلى تِبْنين واجتمع بعمه الملك العادل على مناجزتهم ساعة وصوله، فمنعه من ذلك عمّه الملك العادل، فلما جُنَّ الليل رحل الفرنج عن تبنين عائدين إلى صور وسار في أثرهم الملك العزيز والملك العادل بالعساكر يلتقطون من ظفروا به منهم وغنموا شيئاً كثيراً من عسكرهم وأمر الملك العزيز بنقل الغلال إلى تبنين وإصلاح ما تهدم بالمنجنيقات من أسوارها (1) ثم أبقى الملك العزيز العساكر برمتها عند عمه الملك العادل، وجعل إليه أمر الحرب والصلح وعاد إلى مصر في جمع قليل ولما قدم الملك العزيز مصر مدحه القاضي السعيد بن سناء الملك بقصيده هنأه فيها بالنصر والقدوم أولها:
قدمت بالسْعِد وبالمغنم ... كذا قدوم الملك المقَّدم
يا قاتل الكُفر واحزابه ... بالسيف والدينار والدرهم
قميصك الموروث عن يوسف ... ما جاء إلا صادقاً في الدمِ
أغثتَ تِبنْين وخلصَّها ... فريسة من مَاضِغَى ضَيْغَم (2)

ومنها:
ولا عدم الإسلام عثمانه ... مُصْطلَىِ الداهية الصَّيْلَمِ
شِنْشِنَةٌ تُعرف من يُوُسفٍ ... في النصرِ لا تعرف من أخزمِ
ثم انثنى من وجهه ظافراً ... والسيف لم يُثْلَب ولم يُثْلَمِ
وجاء لما جاءنا بالحيَا ... وعاد لما عاد بالأنعْمُِ
مَقْدِمُهُ صار جُمادى به ... كمثل ذي الحجة ذا موسم (3)
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 76).
(2) المصدر نفسه (3/ 77).
(3) المصدر نفسه (3/ 77).
(1/39)

وأقام الملك العادل يوالي الغارات على الفرنج، ويقصدهم بنفسه وجموعه مرة بعد أخرى، إلى أن أضجرهم وأسأمهم فراسلوه في طلب الصلح فأجاب إليه وحلّف أمراء عسكره لهم، وأنفذ إلى مقدمي الفرنج من استخلفهم واستقرت الهدنة ثلاث سنين، وأمن الناس شرَّهم، ورجع الملك العادل إلى دمشق، وتفرقت الجند جميعها إلى بلادها (1).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 78).
(1/40)

7 - القاضي الفاضل يحث الملك العادل على الجهاد: عندما أعاد الصليبيون سيطرتهم على بيروت للمرة الثانية عام 593هـ/1197م، مما ترتب عليه إغارات شديدة ضدهم من قبل المسلمين بقيادة العادل سيف الدين انتقاماً مما فعلوه في بيروت - كما مرّ معنا - نجد القاضي الفاضل يبادر بإرسال رسالة من مصر إلى الملك العادل في دمشق يحثه فيها على مواصلة القتال ضد الصليبيين، ويشكره في نفس الوقت على جهوده في محاربتهم في البلاد الساحلية وهنا نرى القاضي الفاضل يقوم بدور تحريضي وتعبئوى، فقال: وقد تجدد من وصول العدو اللعين وحركته إلى جانب بيروت وخطر البلاد ما أذهل كل مرضعة، وأوقع في ضائقة نتفق الأفكار فيها من سعة، وللإسلام اليوم قدم، إن زلت زل وهمة إن ملت فإن النصر منه مل، وتلك القدم القدم العادلية، وتلك الهمة الهمة المسابقة السيفية، فالله الله ثبتوا ذلك الفؤاد، ودمثوا ذلك المهاد، وأسهروا في الله فليست بليلة رقاد، ولا ينظر في حديث زيد ولا عمرو، ولا أن فلاناً نفع ولا ضر، ولا أن من الجماعة من جاء ولا أن فيهم من مر، انظروا إلى أنكم الإسلام كله قد برز إلى الشرك كله وإنكم ظل الله فإن صححتم تلك النسبة فإن الله لا ناسخ لظله واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا تهونوا وإن ذهب الناصر فإن الله خير الناصرين، فما هي إلا غمرة وتنجلي، وهيعة وتنقضي وليلة وتصبح وتجار وتربح (1)
__________
(1) كتاب الروضتين (4/ 438) ..
(1/41)

ثم أعاد القاضي الفاضل وأرسل رسالة أخرى إلى الملك العادل يحثه فيها على عدم الملل من المرابطة أمام العدو ويهون عليه مشقة الحرب ضد الصليبيين، وما ينفقه من تكاليف على هذه الحرب مبشراً أياه بأن الله سوف يجزي خيراً المحسنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فقال له: فلا يسأم مولانا نية الرَّباط وفِعلها، وتجشُّمَ الكُلفِ وحملها فهو إذا صرف وجهه إلى وجه واحد هو وجه الله صرف الله إليه الوجوه كُلَّها (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا وإن الله لمع المحسنين) "العنكبوت، آية 69).

ومن كتاب له آخر إلى الملك العادل يحثه على قتال الفرنج ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، وحفظ حوزة الإسلام ويذكره بالله واليوم الآخر ويرغبه بالأجر والثواب من الله فمن ذلك قوله: هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وتوفيقه الذي ما كلُّ من طلبه وصل إليه، وسواد العَجاج في هذه المواقف بياض ما سوّدته الذنوب من الصَّحائف، فما أسعد تلك الوقعات وما أعود بالطُّمأنيتة تلك الرّجفات (1)، فقد كان القاضي الفاضل حاضراً في تلك المشاهد بقلمه وتوجيهاته وحثه وتذكيره للملك العادل.
__________
(1) البداية والنهاية (16/ 676).
(1/42)

8 - وصف القاضي لسحاب فيه ظلمات متكاشفة وبروق خاطفة:
في عام 593هـ ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادي الأخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوى لهُوبُها، واشتَّد هبُوُبها فتدافعت لها أعنّةٌ مطلقات وارتفعت لها صَعَقات فرجفت لها الجُدران واصطفقت، وتلافت على بُُعدها واعتنقت وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل: لعلّ هذه على هذه قد انطبقت، ولا تحسب إلا أن جهنّم سال منها وادٍ وعدا منها عادٍ، وزاد عصف الريح إلى أن أطفأ سُرُجَ النُّجوم، ومزقت أدِيَم السماء ومحت ما فوقه من الرقوم فكنّا كما قال الله تعالى: "يجعلون أصابعهم في ءاذانهم من الصواعق" (البقرة:19) وكما قلنا: يَردُّون أيديهم على أعينهم من البوارق لا عاصم من الخطف للأبصار ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار، وفَّر الناس نساءً ورجالاً وأطفالاً ونفروا من دورهم وخِفافاً وثقالاً لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة بوجوه عانية ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرفٍ خفي ويتوقعون أيَّ خطب جَلىَّ، قد انقطعت من الحياة عُلقَهم (1)
__________
(1) العُلَقُ: جمع علقه وهي ما يتبلغ به ..
(1/43)

وعميت عن النجاة طرقهم ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادِمون، وقاموا إلى صلاتهم وودُّوا لو كانوا من الذين هم عليها دائمون، إلى أن أذن الله في الركود وأسعف الهاجدين بالهجود، وأصبح كلُّ يُسَلَّمُ على رفيقه، ويُهنَيهَّ بسلامة طريقه ويرى أنه قد بُعث بعد النفخة وأفاق بعد الصيحة والصرخة وأن الله قد ردّ له الكرة، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غّرة ووردت الأخبار بأنها قد كسَرتِ المراكب في البحار والأشجار في القفِار وأتلفت خلقاً كثيراً من السُّفَّار، ومنهم من فرَّ فلم ينفعه الفرار إلى أن قال: ولا يحسب المجْلِسُ أنَّى أرسلتُ القلم مُحَرَّفا والقول مُجرَّفاً فالأمر أعظم ولكنّ الله سِلَّم ونرجو أن الله قد أيقظنا بما وعظنا ونبَّهنا بما وَلَّهنا، فما من عباده من رأى القيامه عياناً ولم يلتمسِ عليها من بعد ذلك بُرهانا إلا أهل بلدنا، فما قصَّ الأوَّلون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات والحمد لله الذي من فضله أن جعلنا نُخبرُ عنها ولا تُخبُر عنَّا ونسأل الله أن يصرف عنا عارِض الحرص وَالغرور إذا عنَّا (1).

9 - وفاة ملك اليمن سيف الإسلام طغتكين: في عام 593هـ توفي سيف الإسلام أخو السلطان صلاح الدين وكان قد جمع أموالاً جزيلة جّداً وكان يسبك الذًّهب مثل الطواحين ويدَّخره كذلك (2)، وكان ملكاً جواداً ممُدَّحاً وممن مدحه من الشعراء، شرف الدين بن عُنَيْن ومن مدائحه فيه قصيدة منها:
دمشق وبي شوق إليها مبُرَّحُ ... وإن لام واشٍ أو ألَحَّ عذول
ب ... بلاد بها الحصباء دُرٌ وتربها
عبير وأنفاس الشمال شَمُولُ ... تسلل منها ماؤها وهو مطلق
وصَحَّ نسيم الروْضِ وهو عليل

ومنها:
وكيف أخاف الفقَر أو أُحرَمَ الغنى ... ورأىُ ظهير الدين فيَّ جميل
مِنَ القَوْمِ أما أحنفٌ فمُسَفَّهُ ... لديهم وأما حاتم فبخيل
فتى المجِد أما جارُه فممُنعٌ ... عزيزٌ وأما جندُّهُ فذليل
__________
(1) البداية والنهاية (16/ 675).
(2) المصدر نفسه (16/ 677).
(1/44)

وأما عطايا ماله فمباحة ... عِذابٌ وأما ظِلهُّ فظليل (1)

وقد قام في الملك بعده ولده إسماعيل وكان أهوج قليل التدبير، فحمله جهلهُ على أن أدَّعى أنه قرشي أموِىُّ وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك ويتهدده بسبب ذلك، فلم يقبل منه ولا التفتَ إليه، بل تمادى في ذلك وأساء إلى الأمراء والرَّعيّة، فقُتِل وتولّى بعده مملوك من مماليك أبيه (2).

10 - محاصرة الفرنج لتِبنْين عام 594هـ: في هذا العام جمعت الفرنج جمُوعها وأقبلوا فحاصروا تِبْنين، فاستدعي العادل بنى أخيه لقتالهم، فجاءه العزيز من مصر والأفضل من صرخد، فأقلعتِ الفرنج عن الحصن وبلغهم موت ملك الألمان فطلبوا من العادل الهُدنة والأمان فهادنهم ورجعت الملوكُ إلى أماكنها، وقد عظم المعُظَّم عيسى بن العادل في هذه المدة واستنابه أبوه على دمشق وسار إلى ملكه بالجزيرة، فأحسن فيهم السيَّرة (3).
11 - وفاة عماد الدين زنكي بن مودود صاحب الموصل: 594هـ
كان من خيار الملوك وأحسنهم شكلاً وسيرة، وأجودهم طوية وسريرة وكان شديد المحبة للعلماء ولاسيما الحنفية وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار وشرط لهم طعاماً يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم، وهذا نظر حسنٌ، والفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير، لاِشِتغال الفقيه بتكراره ومُطالعته عن الفكر فيما يُقِيته، فغدا على أولاده ابنُ عمَّه صاحب الموصل، فأخذ الملك منهم، فاستغاث بنوه بالملك العادل، فَردَّ فيهم الملك، ودرأ عنهم الضَّيْمَ واستقرت المملكة لولده قطب الدين محمد، ثم سار العادل إلى ماردين، فحاصَرها في شهر رمضان فاستولى على رَبَضِها ومُعَامَلتِها وأعجزته قلعتها، فصاف عليها وشتا وما ظن أحدُ أنه تَملكَّها، حتى هنَّته الشعراء بذلك؛ لأن ذلك لم يكُن مثبوتاً ولا مقدَّرا (4).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 72).
(2) البداية والنهاية (16/ 678).
(3) المصدر نفسه (16/ 680).
(4) البداية والنهاية (16/ 681).
(1/45)

12 - وفاة الأمير عزُّ الدين جُرْديك عام 594هـ:
كان من أكابر الأمراء في زمان نور الدين وكان ممَّن شَرِكَ في قتل شاور وحظي عند صلاح الدين، وقد استنابه على القدس حين افتتَحها، وكان يَسْتنِد بُه للمُهّمِات الكبِار فيسدُّها بنهضته وشجاعته، ولما ولي الأفضل عَزله عن بيت المقدس، فترك بلاد الشام وانتقل إلى الموصل، فمات بها في هذه السنة (1).

خامساً: وفاة الملك العزيز بن صلاح الدين:
هو السلطان الملك العزيز، أبو الفتح، عماد الدين، عثمان بن السلطان صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر، ولد في سنة سبع وستين وخمس مئة في جُمادى الأولى وحدّث عن: أبي طاهر السَّلفىَّ، وابن عوف، عاش ثمانياً وعشرين سنة، مات في العشرين من المحرَّم سنة خمس وتسعين وخمس مئة (2) وكان العزيز شاباً، حسن الصورة، ظريف الشمائل، قوياً، ذا بطشٍ، وأيدٍ وخفة حركة، حَييّاً، كريماً، عفيفاً عن الأموال الفروج بلغ من كرمه أنه لم تبق له خزانة ولا خاصٌّ ولا فرس وبيوت أمرائه تفيض بالخيرات وكان شجاعاً مقداماً (3) وكانت مدة حكمه لمصر أقل من ست سنين بست وثلاثين يوماً (4). ومن المعروف أن العزيز عثمان ولد بالقاهرة، فهو يمثل أول حاكم من البيت الأيوبي يولد بمصر ويتولى حكمها ومع أن مصر بقيت في عهد العزيز عثمان، كما كانت على عهد أبيه صلاح الدين الأيوبي، من حيث كونها قلب الأمة الإسلامية، إلا أنها تأثرت في أحوالها الاقتصادية إلى حد كبير لعدة أسباب من أهمها:

- انخفاض فيضان النيل 592هـ/1194م وما ترتب على ذلك من نقص في الغلال، وكثر الزحام في الأسواق طلبا للخبز ولكنه كان قليلاً.
__________
(1) البداية والنهاية (16/ 683).
(2) سير أعلام النبلاء (21/ 292).
(3) المصدر نفسه (21/ 293).
(4) كتاب الروضتين نقلاً عن صلاح الدين والصليبيون ص 171.
(1/46)

- فشت الأوبئة والأمراض، فهلكلت المواشي، وكثرت الأموات طرحى على الطرقات، وزاد عددهم في القاهرة في كل يوم عن مائتي نفس وبقى بمصر من لم يوجد من يقوم على كفنه ودفنه، وكان أكثرهم يموت جوعاً (1) ويبدو لنا أن ما حدث من نزاع في البيت الأيوبي بين العزيز عثمان وأخيه الأفضل علي، ومكائد ودسائس عمهما الملك العادل التي زادت من شقة الخلاف بينهما لصالحه الذاتي، شغلت العزيز عثمان عن وضع حد لتلك الضائقة الاقتصادية، ولم تساعده على تفادي هذه الكارثة التي أثرت تأثيراً كبيراً في حياة المصريين اجتماعياً واقتصادياً (2).

1 - سبب وفاته: توفي الملك العزيز بداره بالقاهرة وكان على عَزْمِ الصَّيد في أعمال الفيُّوم، فخَيَّم تلك الليلة عند الأهرام فقيل، إنه أصبح وركض خلف صيد، فكبابه، الفرس مّرة بعد أخرى، .. فتفاقم ألمه، وأقام يومين أو ثلاثة لا يستطيع له مخلوق إعانة ولا إغاثة ثم حُمَّ حِمامُهُ، وأظلمت بفجيعته أيامه، وقبر في دار، لينقلَ منها إلى دار قراره (3).
__________
(1) صلاح الدين والصليبيون ص 172.
(2) المصدر نفسه ص 172.
(3) كتاب الروضتين (4/ 444).
(1/47)

2 - تعزية الملك العادل من القاضي الفاضل: ورد كتاب القاضي الفاضل تعزية به للملك العادل: أدام الله سُلْطان مولانا الملك العادل، وبارك في عمره، وأعلى أمره بأمره وأعزَّ نصر الإسلام بنصره، وفدت الأنفس نفسه الكريمة وأصغر الله العظائم بنعمته فيه العظيمة وأحياه الله حياة طيبة، يقف هو فيها والإسلام في مواقف الفتوح الجسيمة وينقلب عنها بالأمور المُسَلَّمة والعواقب السَّليمة، ولانقَّض له رجالاً ولا عدداً، ولا أعدمه نفساً ولا ولداً، ولا قَصَّر له ذيلاً ولا يداً ولا أسْخَنَ له قلباً ولا كبداً ولا كدَّر له خاطراً ولا مورداً ولما قدّر الله ما قَّدرَ في الملك العزيز رحمة الله عليه وتحيَّاته مكرَّرة إليه من انقضاء مَهلِهِ، وحضور أَجَلِه، كانت بديهة المُصاب عظيمة، وطالعة المكروه أليمة، فرحم الله ذلك الوجه ونضَّره، ثم السَّبيل إلى الجنة يسره
وإذا محاسنُ أوجه بَليتَْ ... فعفا الثَّرى عن وجهه الحَسَنِ
(1/48)

فأعْززْ على الملوك وعلى الأولياء، بل على قلب مولانا - لاَ سلبه الله ثواب العزاء - بسرعة مصرعه وانقلابه إلى مضجعه ولباسه ثوب البِلَى قبل أن يَبْلَى ثوبُ الشباب وزفَّه إلى التراب وكانت مدة المرض بعد العود من الفيُّوم أسبوعين، وكانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد العشرين من المحَّرم، ووجع أطراف وغليل كَبدِ وقد فجع بهذا المولى والعهد بوالده - رحمه الله - غير بعيد والأسى عليه في كل يوم جديد (1). وقد وصل قبل هذا إلى العماد كتاب من القاضي الفاضل فيه: وأنا على ما يعلمه من العُزلة إلا أنّها بلا سكون، وفي الزاوية المسنوُنة لأهل العافية إلا أني على مثل حدَّ المنون، وكيف يعيش العاقل في الزَّمان المجنون؟ ونحن على انتظار البرق الشامي أن يمُطر، وحاش ذِِمَّةِ الوعد به أن تُخْفَر واشتغال سَيَّدنا في هذا الوقت باَلدَّرس والتدريس والتصوير والتكييف والتصانيف التي تُصرف فيها البلاغة أحسن التصاريف نعمة عين شُكرُها على العلماء، ويختص باللَّذة بها سادتهم من الفُقهاء (2).
__________
(1) كتاب الروضتين (4/ 445).
(2) المصدر نفسه (4/ 445).
(1/49)

3 - الملك العزيز والقاضي الفاضل: لما قصد الملك العادل والملك الفاضل الملك العزيز ونازلاً بلبيس وحاصراها، وأشرف ملكه على الزوال بذلت له الرعية أموالاً ليذبَّ بها عن نفسه فامتنع مع شدة حاجته في ذلك الوقت إلى الملك وأشير عليه بأن يقترض من القاضي الفاضل، فإن أمواله عظيمة، وهو غير محتاج إليها، فامتنع من مخاطبة القاضي الفاضل في ذلك، فألحوا عليه في ذلك حتى أجاب وأرسل إلى القاضي الفاضل يستدعيه، فحَضر وكان الملك العزيز في منظره من دار الوزارة مطلة على الطريق، فلما رأى القاضي الفاضل مقبلاً لم يتمالك من شدة الحياء ودخل إلى دار الحرم فراسلت الأمراء الملك العزيز وشجعوه حتى خرج واستدعى القاضي الفاضل وقال له - بعد أن أطنب في الثناء عليه والتقريظ له -: قد علمت أن الأمور قد ضاقت عليّ وقلَّت الأموال عندي وليس لي إلا حسن نظرك وإصلاح الأمر لنا بمالك أو برأيك أو بنفسك. فقال له القاضي الفاضل: جميع ما أنا فيه من نعمتكم، ونحن نقدم أولاً الرأي والحيلة ومتى احتيج إلى المال فهو بين يديك (1).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 85).
(1/50)

ولقد حُكي عنه ما هو أبلغ من هذا وأحسن، وهو أن عبد الكريم البيساني أخا القاضي الفاضل كان يتولى الحكم والإشراف بالبحيرة مدة طويلة، وحصَّل من ذلك أموالاً جليلة وكان الناس يحترمونه لأجل القاضي الفاضل، فجرت بينه وبين أخيه نَبْوةٌ أوجبت اتضاع حاله عند الناس، فصرف عن عمله وكان متزوجاً بامرأة من قومٍ ذوي قدر ويسار، يعرفون ببني ميسَّر، فلما صُرف عن عمله انتقل إلى الإسكندرية ومعه زوجته، فضايقها وأساء عشرته معها لسوء خلق كان فيه واتصل ذلك بأبيها، فتوجه نحو الإسكندرية، وأثبت عند حاكمها ضررها، وأنه قد حصرها في محل ضيق من داره، فمضى القاضي بنفسه إلى الدار التي فيها الزوجة، ورام فتح الباب الذي هي فيه فلم يقدر عليه، فأحضر شهوداً، وأحضر نقّابا، فنقب جانب الدار، واستخرج المرأة وسُلمت إلى أبيها ثم أحضر بنَّاءً فسد ذلك النقب واتصل ذلك بعبد الكريم فاهتاج إلى قاضي الإسكندرية بسببه وعزم على أن يبذل بذلاً، ويأخذ منه قضاء الإسكندرية، فقصد الأمير فخر الدين جهاركس ومعه خمسة وأربعون ألف دينار مصرية، وقال له: هذه خمسة آلاف دينار لخزانتك وهذه أربعون ألف دينار برسم خزانة السلطان، وأُوَلىَّ قضاء الإسكندرية، فأخذ جهاركس المال ووعده بقضاء الشغل، واجتمع بالملك العزيز ليلاً وأحضر المال بين يديه، والملك العزيز حينئذ في غاية الضرورة إلى بعض ذلك المال وقال: هذه خزانة مال أتيتك بها من غير طلب ولا تعب. فقال: من أي الجهات؟ فذكر له الحال فأطرق ملياً، ثم رأسه وقال: أعد المال إلى صاحبه وقل له: إياك والعود إلى مثلها، فما كل ملك يكون عادلاً وعرَّفه أنني إذا قبلت هذا القدر منه إنما أكون بعت به أهل الإسكندرية وهذا لا أفعله أبداً. قال فخر الدين جهاركس: فلما سمعت ذلك منه وجمت وجمعةً ظهرت سِمَتُها في وجهي، فقال لي: أراك واجماً، وأظنك أخذت شيئاً على الوساطة له؟ فقلت: نعم. فقال: كم أخذت؟ فقلت له: أخذَتُ خمسة آلاف دينار.
(1/51)

فأطرق كإطراقه أولاً، ثم قال: أعطاك مالا تنتفع به إلا مرة واحدة، وأنا أعطيك ما تنتفع به مرات عديدة، ثم أخذ القلم، ووقَّع لي بخط يده بإطلاق جهة تعرف بطنبذا، كنت استغلها في السنة سبعة آلاف دينار (1).

4 - تمليك الملك المنصور بن الملك العزيز: لما مات الملك العزيز اتفقت كلمة الأمراء على تنفيذ ما وصَّى به الملك العزيز وهو إقامة الملك المنصور في الملك وقيام بهاء الدين قراقوش بأتابكيته: فأجلسوا الملك المنصور في مرتبة أبيه، وترتب بين يديه قراقوش، وحلفت الأمراء كلهم للملك المنصور وامتنع عمّاه: الملك المؤيد، والملك المعز من الحلف إلا بشرط أن تكون الأتابكية لهما، وجرت بينهما منازعة ومشاققة كثيرة وأجابا بعد ذلك إلى الحلف وحلفا، ثم وقع الاختلاف بين أمراء الدولة فقال قوم منهم: لابد لهذا الملك من رجل فحل مهيب يدبرهّ، وقراقوش مضطرب الآراء، ضيق العطن لا يصلح لهذا الأمر.
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 86).
(1/52)

وقال قوم: نرضى بهذا الخادم، فإنه أطوع وأساس مقادة ولا نحضر من يستطيل بسطوته وقدرته وقال آخرون: لا تحفظ هذه الديار إلا بملك مرهوب مخوف، وإن فيها بقايا من جند المصريين الذين انتزعت البلاد من أيديهم قهراً، ويقصدها أعداء الدين من جهة البحر، فمتى لم يقم بأمرها ملك قاهر لا تحفظ وطال النزاع بينهم في ذلك ففزعوا إلى رأى القاضي الفاضل فقال لهم القاضي الفاضل: إني لا أشير عليكم بعزل أحد ولا ولاية أحد أن ذلك مما لا يوافق بعضكم فأستجلب عداوته ولكن اجتمعوا بعضكم ببعض وامخضوا بينكم الرأي، فإذا رضيتم أمراً فاعرضوه عليّ، ففعلوا ما أشار به، وتحاولوا بينهم الآراء ثلاثة أيام، فاتفقت كلمتهم على مكاتبة الملك الأفضل على أن يقدم البلاد، ويكون أتابكا للملك المنصور سبع سنين، فإذا انتهى هذا الأجل سُلمَّ الأمر إليه والتدبير، ويشترط على الملك الأفضل أن لا يرفع فوق رأسه سنجق، ولا يذكر إسمه في خطبة ولا سِكَّة، ولما اتفقوا على ذلك عرضوه على القاضي الفاضل، فقال: قد أصبتم الرأي، وأخترتم الذي اختاره السلطان الناصر - رحمه الله - لكم وهو ألين عريكة، وأسهل تناولا من غيره، فأرسلوا القُصّاد إلى الملك الأفضل يستدعونه، فلما وصلته القُصَّادُ توجه إليهم مجدا (1).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 90).
(1/53)

فلما حصل عندهم مُنع رفدهم، ووجدوا الكلمة مختلفة عليه، ولم يتَّم له ما صار إليه وخامر عليه أكابر الأمراء النَّاصَّرية وخرجوا من ديار مصر فأقاموا في بيت المقدس وأرسلوا يستحثُون الجيوش العادلية (1)، وكتب الملك الأفضل إلى عمه الملك العادل بأنه غير خارج عن الذي يأمره به، وأنه تحت حكمه ويستطلع أوامره ونواهيه فيما يعتمده، فورد جوابه عليه بأن الملك العزيز إن كان قد مات عن غير وصية فليكتب الأعيان خطوطهم له بذلك وشهادتهم له حتى يرى رأيه وإن كان قد مات عن وصية فلا يعدل عنها، ولا ينبغي له التعرض إلى ديار مصر (2).
__________
(1) البداية والنهاية (16/ 686).
(2) مفرج الكروب (3/ 93).
(1/54)

5 - تحالف الأخوين الأفضل والظاهر ضد العادل: يبدو أن الملك الظاهر غازي صاحب حلب كان قد أدرك أهداف عمه الملك العادل في إبقاء الخلاف بين أخويه الملك الأفضل والملك العزيز، فقرر معاندة عمه ومحاولة التخلص منه، ولذلك غضب الظاهر غازي على أخيه الأفضل لأنه كتب لعمه أنه وصل مصر، ولن يخرج عن أمره، فكتب إلى الأفضل يقول: أخرج عمنا من بيننا، فإنه لا يجيء علينا منه خير وأنا أعرف به منك، وأقرب إليه، فإنه عمي كما هو عمك، وأنا زوج ابنته، ولو علمت أنه يريد لنا خيراً لكنت أولى به منك (1) وأشار عليه بقصد دمشق وأخذها من عمه العادل وأن ينتهز الفرصة لإنشغال عمه بحصار ماردين وارتاح الملك الأفضل لرسالة أخيه السابقة، واتفق الأخوان على القضاء على سيادة عمهما الملك العادل (2)، وتعاون معهما أسد الدين شيركوه بن محمد صاحب حمص، واغتنم الأفضل بُعد عمهما عن دمشق، وانشغاله في محاصرة ماردين، فسار بعساكر مصر إلى الشام، بعد ما استناب بمصر الأمير سيف الدين أركش وحاصر دمشق وسرعان ما وصلت عساكر حلب لدعم جند مصر، فضيقوا الخناق على المدينة، ولكنهم لم يحاولوا اقتحامها، وعندما علم الملك العادل بالأمر، ترك ابنه الملك الكامل على حصار ماردين، واندفع مسرعاً إلى دمشق، وأخذ يبذر بذور الشك والخوف بين الأخوين، فأرسل إلى الملك الظاهر غازي وقال له: أنا أسلم إليك دمشق وأنت السلطان فطمع الظاهر واختلف الأخوان ورحل الملك الأفضل إلى مصر (3). والظاهر إلى حلب بعد ما حرقوا ما عجزوا عن حمله (4).
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 147) القدس بين أطماع الصليبيين ص 39.
(2) المختصر لأبي الغداء (3/ 97) المصدر نفسه ص 39.
(3) السلوك للمقريزي (1/ 81).
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 40.
(1/55)

6 - عزل الملك الأفضل: ولما سافر الملك الأفضل راجعاً إلى مصر لحقه عمّه الملك العادل ووصل الملك العادل، وضرب مع الملك الأفضل مصافاً فانكسر عسكر الملك الأفضل وولوا منهزمين لا يلوون على شيء ثم سار الملك العادل بالعساكر ونزل بركة الجُبّ، وسيَّر إلى الملك الأفضل يقول له: أنا لا أحب أن أكسر ناموس القاهرة، لأنها أعظم معاقل الإسلام ولا تحوجني إلى أخذها بالسيف، وأذهب إلى صرخد وأنت آمن على نفسك، فأستشار الملك الأفضل الأمراء فرأى منهم تخاذلا، فأرسل إلى عمه يطلب منه أن يعوَّضه عن الديار المصرية بالشام فامتنع من ذلك، فطلب أن أن يعوَّضه حّران والرُّها فامتنع، فطلب منه جاني وجبل حور، وميَّافارقين وسميساط فأجابه إلى ذلك وتسلم القاهرة (1) منه.
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 109).
(1/56)

7 - استقلال الملك العادل بالسلطنة الأيوبية: أصبح الملك العادل أتابكا لابن الملك العزيز، المنصور، ولكنه بعد مدة قصيرة كان قد أحضر جماعة من الفقهاء والقُضاء والولاة وقال لهم قول المستفتي المستثير: هل تصح ولاية الصغير؟ فقالوا: هذا مولىَّ عليه فلا يلي، وغيابات الحوادث بنظره لا تنجاب ولا تنجلي فقال فهل يجوز للمولّى الكبير أن ينوب عنه إلى أن يكبر، ويرتب الأمور بحكم النَّيابة ويدبر؟ فقالوا: إذا كانت الولاية غير صحيحة فلا تصح النيابة ومن رآه صواباً أخطأ به الإصابة لاسيما في السلطنة التي هي خلافة الخليفة، فلا حق منها إلا للكبير الذي يعيَّنُ على الحقيقة، وجرى منهم في هذا المعنى الإمعان فلما عرف الشرع أحضر الأمراء، والتمس منهم الطاعة والسمع، وخاطبهم في اليمين له والميثاق وألزمهم بالوفاء والوفاق ... وقال لهم: قد علمتم ما هو الواجب من التظافر على حفظ ثغور الإسلام وتدبير الممالك بمصر والشام وما هذا أمر يناط بالصبيان أو يُحاط بغير ذي القدرة والسلطان فأذعنوا وأطاعوا وحصل الإئتلاف ورفع الخلاف (1)
__________
(1) كتاب الروضتين (4/ 460، 461) ..
(1/57)

أحضر الأمر وقال لهم: إنه قبيح بي أن أكون أتابكاً مع الشيخوخة والتقدم، مع أن المُلْكَ ليس هو بالميراث وإنما هو لمن غلب، ولقد كان يجب أن أكون بعد أخي السلطان الملك الناصر - رحمه الله - صاحبَ الأمر، غير أني تركتُ ذلك إكراماً لأخي ورعاية لحقه، فلما حصل من الاختلاف ما حصل خفت أن يخرج المُلْكُ من يدي ويد أولاد أخي، فمشًّيت الأمر إلى آخره، فلم أرَ الأمر يصلح إلا بقيامي فيه ونهوضي بأعبائه ولما ملكت هذا البلد وطنَّت نفسي على القيام بأتابكية هذا الصبي حتى يبلغ أشدَّه، فرأيت العصيان غير مقلعة والفتى ليست زائلة فخشيت أن يطرأ عليَّ ما طرأ على الأفضل، ولا آمن أن يجتمع جماعة ويطلبون إقامة آخر، وما أعلم ما يكون عاقبة ذلك وأنا أرى أن هذا الصبي يمضي إلى الكتُّاب وأقيم له من يؤديه ويعلمّه فإذا بلغ أشده نظرت في أمره وقمت (1) بمصالحه. ولما استقر المُلُك بمصر للملك العادل استدعى أبنه الملك الكامل ناصر الدين محمداً من الشرق وجعله نائباً عنه بالديار المصرية ولم يزل الملك الكامل ينوب عن أبيه بالديار المصرية إلى أن توفي أبوه وذلك قريب من عشرين سنة واستقل بالملك بعده عشرين سنة وكسراً فملكها نائباً ومستقلاً قريباً من أربعين سنة (2).

8 - دخول الملك المنصور صاحب حماة تحت سيادة العادل:
أرسل الملك المنصور - صاحب حماة - إلى عمه الملك العادل يعتذر إليه من مساعدته الأفضل والظاهر ويطلب رضاه عنه، وكان رسوله إليه زين الدين المعروف "بالمهيطليّة" فلما قدم عليه تلقاه بالترحيب والإكرام وخلع عليه وأحسن إليه، وأظهر الرضى عن الملك المنصور وكتب إليه هذه الأبيات الشعرية:
أتظننى من جَفْوَةٍ اتعتّبُ ... قلبي عليك أرقُّ مما تَحْسَبُ
لا يوُحِشَنَّك ما جنيت فتنثني ... مُتَجَنَّياً وهواك لا يُتجنَّبُ
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 111).
(2) المصدر نفسه (3/ 113).
(1/58)

ما أنت إلا مُهجتي وهي التي ... أحيا بها فترى عليها أغضب
أنت البريء من الإساءة كلَّها ... ولك الرضى وأنا المسئ المذنبُ

وقال لزين الدين هذا المولى الملك المنصور إن كان قدر صدرت منه هذه الزلة الواحدة فله من الحسنات ما يمحوها ويمحقها:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع

ثم حلف الملك المنصور، ووقعت الوُصلة بعد ذلك بين الملك المنصور وعمه الملك العادل، فتزوج ابنته عصمة الدين ملكة خاتون والدة الملك المظفر (1) رحمه الله وفي هذه السنة 596هـ وصل إلى مصر الأمير شمس الدين محمد بن قِلج، ونظام الدين محمد بن الحسين الأصفهاني - وزير الملك الظاهر - رسولين منه إلى الملك العادل في أن يحلف للملك الظاهر على مابيده من البلاد ويقيم الملك الظاهرُ على ما بيده من البلاد ويقيم الملك الظاهرُ للملك العادل بحلب الخطبة والسكَّةٍ، فركب الملك العادل إلى لقائهما وأكرمهما إكراماً تاماً، وقررَّ الملك العادل للملك الظاهر على ما بيده وحلف له عليه وألزمه خمسمائة فارس تكون في خدمة الملك العادل في كل سنة من خيار عسكر حلب فرجع الرسولان إلى الملك الظاهر، فأقيمت الخطبة والسِكّة بحلب وبلادها للملك العادل (2).

9 - وفاة الحاجب لؤلؤ في عام 596هـ:
توفي في هذا العام الحاجب لؤلؤ، وكان في الأيام الصلاحية أشجع الشجعان وأفرس الفُرسان، وله مقامات في الغزاة، ومواقف مع العُدَاة، وهو الذي نهض وراء مراكب الفرنج النّاهضة في بحر أَيْلَة إلى بَرَّ الحجاز، وأتى في كسرهم وأسرهم بالإعجاب والإعجاز وكانوا قطعوا الطريق في بحر عيذاب على التجار وحصلت أموالهم تحت الاستيلاء بعد حصولهم تحت الإسار فأنقذ واستنقذ، وما نزل حتى أخذ، وساق إلى القاهرة أولئك الكُفَّار مقهورين واعتقلهم بها مأسورين.
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 114).
(2) المصدر نفسه (3/ 115).
(1/59)

وقد قال فيه الرَّضي بن أبي حِصينه المِصري يخاطب الفرنج
عَدوُّكم لؤلؤ والبحر مَسْكنُةُ ... والدُّرُّ مُذ كان منسوبٌ إلى النُحُرِ (1)

وقال العماد الأصفهاني: ومن دلائل سماحه ما شاهدته بالقاهرة في سنة إحدى وتسعين من مبَّراته الظَّاهرة أنه لما حطَّ القَحْط رَحْلهَ ووصل المَحْلُ مَحَلَّه، وتمَّ الغلاء، وعمّ البلاء، ابتكر هذا الحاجب الكبير مَكْرُمة لم يُسبق إليها، وذلك أنهَّ كان يَخبزُ كل ليلةٍ اثني عشر ألف رغيف، فإذا أصبح جلس على باب الموضع الذي فيه حُشِرَ الفقراء ثم يفتح من الباب مقدار ما يخرج منه واحد، ويعلم أنه غير عائد، فيتناول كلُّ منهم قُرصَة ويرى ذلك من خيراته فُرصة، فما يزال قاعداً حتى يفرق الألوف على الألوف وكان هذا دابه في هذا الغلاء حتى هبَّ رخاءُ الرخاء، فحينئذ تنّوعت صدقاته، واستغرقت بالصَّلات أوقاته وكان بهيَّ الشَّيب نقيَّ الجيب، قد جعل الله البركة في عمره، وخصَّه مُدَّة حياته بإمرار أمره، فأنجده في أوان ضعفه بتضعيف برَّه (2).
__________
(1) كتاب الروضتين (4/ 466).
(2) المصدر نفسه (4/ 467).
(1/60)

10 - وفاة القاضي الفاضل 596هـ: أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني ثم العسقلاني ثم المصري محي الدين صاحب ديوان الإنشاء وشيخ البلاغة ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، أصله من بيسان وكان يحب الكتابة، فقصد مصر لينشغل بالأدب، فاشتغل به، وحفظ القرآن، وقال الشعر والمراسلات، وخدم الأكابر فلما ملك أسد الدين احتاج إلى كاتب فأحضر إليه فأعجبه نفاده وسمته ودينه ونصحه، فلما تملكَّ صلاح الدين استخلصه لنفسه، وحسَّنَ اعتقاده فيه ووجد البركة في رأيه، ولذلك لم يكن أحد في منزلته وكان نزيهاً عفيفاً نظيفاً، وقليل اللذات، كثير الحسنات، دائم التهجد، ملازم القرآن، والإشتغال بعلوم الأدب، غير أنه كان خفيف البضاعة من النحو لا عريا منه، لكن قوة الدًّربه توجب له عدم اللحن وكتب مالم يكتبه أحد، ولما عظم شأنه أَنِفَ من قول الشعر، وكان لباسه لا يُساوي دينارين، وثيابه البياض، ولا يركب معه أحد ولا يصحبه سوى غلام له، ويكثر زيارة القبور، وُيَشَّيعُ الجنائز ويعود المرضى، وكان له صدقات ومعروف كثير في الباطن، وكان ضعيف البنية رقيق الصورة، له حدبة يسترها الطيلسان، وكان لأصحاب الفضائل عنده موقع، يحسن إليهم ولا يمنُّ عليهم، ويؤثر أرباب البيوت ومن كان خملاً من ذوي النباهة، ويحب الغرباء، ولم يكن له انتقام من أعدائه بل يحسن إليهم، وكان دخله كل سنة من إقطاعه ورباعه وضياعه خمسون ألف دينار، هذا سوى التجارات من الهند والمغرب، وغير ذلك وسوى ضيعة من السلطان تسمَّى تُرُنجه تعمل إثنى عشر ألف دينار، وكان يقتني الكتب من كل فنَّ ويجتلبها من كل جهة وله نُسَّاخ لا يفترون ومجلدَّون لا يَسأمون (1) وقد ذكر عبد اللطيف البغدادي في تاريخه: قال لي بعض من يخدمه في الكتب: إن عدد كتبه قد بلغ مائة ألف وأربعة عشر ألف كتاب، هذا قبل أن يموت بعشرين سنة (2)
__________
(1) شذرات الذهب (63/ 532).
(2) المصدر نفسه (6/ 532) ..
(1/61)

ولم يزل معظَّماً بعد موت صلاح الدَّين عند ولده العزيز، ثم الأفضل، ومات فجأة أحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإقبال واستيلاء الإدبار، كان أمر بإصلاح الحمَّام وقت السحر فأصلح وجاءته ابنته تخبره بذلك فوجدته جالساً ساكتا فهابته لأنه كان مُهَاباً، فطال سكوته حتى ارتابت فقدمت قليلاً قليلاً فلم تَرَ عليه أثر حركةٍ فوضعت يدها عليه فخرَّ صريعاً وأخذ في النزع وقبض وقت الظهر وقت رجوع عسكر مصر مهزوماً، ودخل الملك الأفضل فصلىّ عليه ودُفن بالقُرافة وكان له يوم مشهود (1).
__________
(1) شذرات الذهب (6/ 532).
(1/62)

قال عنه العماد الأصفهاني عنه: ثم قضى سعيداً، ومضى شهيداً حميداً، فوقاه الله تعالى الوصية، فكانت له بسيد الأولين والآخرين أُسوة وأن يُعَرَّى عن راداء العمر فله من حُلل البقاء في علييَّن كُسْوَة ولأنه لم يُبْقِ في مُدَّة حياته عملاً صالحاً إلا قدمه ولا عهداً في الجنة إلا أحكمه ولا عقداً في البَّر إلا أبرمه فإن صنائعه في الرقاب، وأوقافه على سبيل الخيرات متجاوزة عن الحساب، لاسيما أوقافه لفكاك أسارى المسلمين إلى يوم الحساب وأعان طلبة العلم الشافعية والمالكية عند داره بالمدرسة والأيتام بالكُتَّاب والخيرات الدَّارَّة على الأيام فكانت حياة له ثانية إلى يوم البعث وإعادة حياة الأنام ... وكنت من حسناته محسوباً .. وكانت كتابته كتائب النّصر، وبراعته رائعة الدَّهر، وبراعته بارية للبرَّ وعبارته نافشة في عُقَد السَّحْر، وكانت بلاغته للدَّولَة مُجمَّلة، وللمملكة مُكمَّلة، وللعصر الصَّلاحي على سائر الأعصار مَفَضَّلة (1) ومفتتحاته في الفتوحات البديعة بديعة، ومخترعاته في الصنّائع المخترعة صنيعة، وإنما نسجت على منْواله ومزجت من جِرْياله (2) ورويت بزُلاله وهو الذي نسخ أساليب القدماء بما أقدمه من الأساليب وأغربه في الإبداع وأبدعه من الغريب وما ألفيته كرّر دعاء ذكره في مكاتبة، ولاردَّدَ لفظا في مخاطبة، بل تأتي فصوله مبتكرة مُبتدعة (3) وكانت الدولة بإدالته تُدال والزّلة بإزالته تُزال، والكرام في ظله يقيلون، ومن عثرات النَّوائب بفضله يستقيلون وبعزَّ حمى حمايته يَعِزُّون، ولهَزَّ عطف عطفه يهتزون، فإلى من الوفادة بعده؟ وممن الإفادة؟ وفيمن السَّيادة؟ ولمن السعادة؟ والحمد لله الذي له الغيب والشهادة و "إنا لله وإنّا إليه راجعون" ولأمره منقادون (4)
__________
(1) كتاب الروضتين (4/ 474).
(2) الجريال: الخمر الشديدة الحمرة (معجم متن اللغة (1/ 514).
(3) كتاب الروضتين (4/ 474).
(4) كتاب الروضتين (4/ 475) ..
(1/63)

وللقاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك فيه من قصيدة:
عبد الرحيم على البَرَّيةِ رحمة ... أَمِنَت بصُحْبَتِها حلولَ عقابها
يا سائلاً عنه وعن أسبابه ... نال السَّماء فَسَلْهُ عن أسبابها
والدهر يعلمُ أن فيصلَ خطبه ... بخُطا يراعته وفصلٍ خطابها
ولقد عَلَتْ رتبُ الأجلَّ على الورى ... بسموَّ منصبها وطيب نصابها
وأتته خاطبة إليه وزارة ... ولطالما أعْيَتْ على خُطَّابِها

ما لقَّبُوه بها لأن يعلوُ بها ... أسماؤه أغَنَتْه عن ألقابها
قال الزمان لغيره إذ رامها ... ترِبَت يمينُك لست من أترابها
أذهب طريقك لست مَن أربابها ... وأرجع وراءك لست من أصحابها
وبعز سيدنا وسيَّد غيرنا ... ذلت من الأيام شمسُ صعابها
وأتت سعادته إلى أبوابه ... لا كالذي يسعى إلى أبوابها
تعنُو الملوكُ لوجهه بُوجوهها ... لا بل تساقَ لبابه برِقابها
شُغِلَ الملوكُ بما يزول ونفسه ... مشغولة بالذكر من محرابها
في الصَِّوم والصَّلوات أتعب نفسه ... وضمان راحته على إتعابها
وتعجل الأقلاع عن لذّاته ... ثقة بحسن مالَها ومآبها
فلتفخر الدنيا بسائس مُلْكِها ... منه ودارس عِلْمها وكتابها
صّوامها قوّامها وعَلاَّمها ... عمّالها بذَّالِها وهّابها (1)
__________
(1) كتاب الروضتين (4/ 481).
(1/64)

وكان السلطان صلاح الدين يقول: لا تظنُّوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل (1)، وقد اتفق يوم مات القاضي الفاضل دخول السلطان العادل إلى مصر وأخذها من ابن أخيه الأفضل، وقد دخل العادل من باب وخرج بجنازته من باب آخر (2) وقال الملك المحسن أحمد بن السلطان صلاح الدين سمعت قاضي القضاة ضياء الدين القاسم بن يحي الشهرزوري ببغداد أيام ولايته يحدَّث أن القاضي الفاضل لما سمع أن العادل أخذ الديار المصرية دعا على نفسه بالموت خشية أن يستدعيه وزيره صفي الدين بن شكر إليه، أو يجري في حقه إهانة، وكان بينهما مقارضة، فأصبح ميتاً وكانت له معاملة حسنة مع الله تعالى وصلاة بالليل كما ذكروا (3) وقال أبو شامة وأخبرني القاضي الشهيد ضياء الدين ابن أبي الحجَّاج صاحب ديوان الجيش - رحمه الله - أن القاضي الفاضل بعد صلاح الدين لم يخدم أحداً من أولاده وكانت الدولة بأسرها تأتي إلى خدمته إلى أن توفي (4) وفضل الفاضل وبلاغته وفصاحته أشهر من أن يذكر، ومن شعره قوله:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهَّن آمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عِنَانُ

وقد استشهد علماء البديع بكثير من شعره:

كقوله:
أهذي كَفُّه أم غوتُ غَيْتٍ ... ولا بلغ السحاب ولا كرامة
وهذا بُشره أم لمع برق ... ومَن للبرق فينا بالإقامة
وهذا الجيش أم صرف الليالي ... ولا سبقت حوادثها زِحامة
وهذا الدهر أم عبدٌ لديه ... يُصَرَّف عن عزيمته زمامه
وهذا نصلِ غمد أم هلال ... إذا أمسى كنُونٍ أم قُلاَمه (5)

وكقوله:
وهذا الدرٌّ منثور ولكن ... أروني غير أقلامي نِظامه
وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصِنٌ وقافيتي حمامة
وهذا الكأس رُوَّق من بَنَانىِ ... وذكرك كان من مسك ختامه (6)
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 157).
(2) كتاب الروضتين (4/ 482).
(3) المصدر نفسه (4/ 483).
(4) المصدر نفسه (4/ 483).
(5) النجوم الزاهرة (6/ 158).
(6) المصدر نفسه (6/ 158).
(1/65)

وكقوله:
سبقتم بإسداءِ الجميل تكرُّماً ... وما مثلكم فيمن تحدَّث أو حكى
وقد كان ظنَّ أن أسابتكم به ... ولكن بكت قبلى فهيبحَ لى البكا (1)

وله في بُدوَّ أمره:
أرى الكتّاب كلهَّمُ جميعاً ... بأرزاقٍ تعُمّهُم سِنينا
ومالي بينهم رزق كأنيَّ ... خُلقِتُ من الكرام الكاتبينا (2)

وذات يوم سأله الملك العزيز عثمان بن الناصر عن جارية من حظاياه أرسلت إليه زِرَّا من ذهب مُغلَّفٍ أسود، فأنشأ الفاضل يقول:
أهدت لك العنبر في وسطه ... زرُّ من التَّبرِ رقيقُ اللَّحام
فالزَّرُّ في العَنْبَرِ معْناها ... زُرْ هكذا مختفياً في الظلام (3)

والقاضي الفاضل له من الصدقات الجارية الشيء الكثير منها؛ أنه كان له بمصر (4) ربعُ عظيم يؤجَّر بمبلغ كثير، فلما عزم على الحج ركب ومرّ به ووقف وقال: اللهمَّ إنك تعلم أن هذا الرّبْعَ ليس شيء أحب إليَّ منه، اللهم فأشهد أني وقفته على فكاك الأسرى يقول ابن شهبه في تاريخه وهو إلى يومنا هذا وقف (5).
__________
(1) البداية والنهاية (16/ 700).
(2) المصدر نفسه (16/ 701).
(3) البداية والنهاية (16/ 702).
(4) شذرات الذهب (6/ 533) الربع: الدار وجمعها رِبَاع انظر مختار الصحاح.
(5) شذرات الذهب (6/ 533).
(1/66)

المبحث الثاني: عهد الملك العادل: السلطان الكبير العادل سيف الدين أبو الملوك وأخو الملوك، أبوبكر محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُّويني الأصل التكريتي ثم البعلبكي المولد، كان أصغر من أخيه صلاح الدين الدين بعامين (1)، نشأ في خدمة الملك نور الدين، ثم شهد المغازي مع أخيه، وكان ذا عقل ودهاء وشجاعة وتؤدة وخبرة بالأمور، وكان أخوه يعتمد عليه ويحترمِه استنابه بمصر مدة ثم ملَّكَهُ حلب، ثم عوَّضه عنها بالكَرك وحرّان وأعطى حلب لولده الظاهر (2) قال عنه الذهبي: وكان سائساً، صائب الرأي، سعيداً، استولى على البلاد، وامتدت أيامه، وحكم على الحجاز، ومصر والشام، واليمن، وكثير من الجزيرة وديار بكر، وأرمينية، وكان خليقاً للملك، حسن الشكل، مهيباً حليماً، ديَّنا فيه عِفَّه وصفح وإيثار في الجمُلة.
أزال الخمور والفاحشة في بعض أيام دولته وتصدق بذهب كثير في قحط مصر حتى قيل: إنه كفن من الموتى ثلاث مئة ألف والعُهدة على سبط الجوزي في هذه (3) وسيرته مع أولاد أخيه مشهورة، ثم لم يزل يراوغهم ويلقي بينهم حتى دَحاهم، وتمكن واستولى على ممالك أخيه .. ثم إنه قسم الملك بين أولاده وكان يصَّيف بالشام غالباً ويشتو بمصر (4). نجب له عدة أولاد سلطنهم وزوّج بناته بملوك الأطراف وقد احتيل على الفتك به مرات، ويسلَّمُه الله (5) وحدّث العادل عن السَلفي وكان مائلاً إلى العلماء حتى صنف له الرازي كتاب "تأسيس التقديس" فذكر اسمه في خطبته (6).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 116).
(2) المصدر نفسه (22/ 116).
(3) المصدر نفسه (22/ 117).
(4) المصدر نفسه (22/ 117).
(5) المصدر نفسه (22/ 118).
(6) المصدر نفسه (22/ 120).
(1/67)

أولاً: الأحلاف السياسية ضد الأيوبيين في الجزيرة
بعد وفاة السلطان صلاح الدين انتقض الأمراء والملوك المعاهدين على خلفائه وكان أوّلهم بكتمر صاحب خِلاط ثم أيَّده صاحب ماردين وراسلوا أتابكة الموصل وسنجار وتحالفوا وأصبحت المناطق الأيوبية مهَّددة من الشمال ومن الشَّرق وتحركت الجيوش صوبها، وأرسلوا للعادل: أن أخرُج من بلادنا. وباتت السيطرة الأيوبية في الجزيرة مهّددة تماماً، وكان امتحاناً مُبكراً يتعَّرض له العادل، بل الدولة الأيُّوبيَّة بكاملها بعد موت مُؤسَّسها، لكن الإرادة الإلهية أوّلا، وعزيمة العادل، والتفاف الأيوبيَّة حوله ثانياً، حّول كل ذلك إلى نصر كبير للأيوبية وتأكيد على إحكام قبضتها في الجزيرة (1).

1 - في معسكر الحُلفاء:
كانت الضربة الأولى التي وجُهَّت للخلفاء هي مقتل بكتمر صاحب خلاط، إذ اغتالته الباطنية وهو في أوج تنمرُّه وشماتته بموت صلاح الدَّين، فقد ظهر شعار السَّلطنة، وتلقَّب بالملك النّاصر وراسل الأمراء والملوك، وعندما بدا وكأن السعد يجاريه، سقط بخناجر الباطنية، لتنهار دعامة قويّة من الحلف المناوي للأيوبية (2).

تردَّد عز الدَّين مسعود صاحب الموصل وتلكّا في التحرك العسكري ضَّد الأيوبيَّة لاحتلال بلادهم الجزرية، وعندما تحّرك في الجيش داهمه المرض، فعاد محمولاً في محفة إلى الموصل وتبعه جيش التحالف الأتابكي بدُون أن يحرز أيَّ نتيجة وجد صاحب ماردين نفسه وحيداً في الميدان "فتضرَّع، وتدّرع وتشفع، حتى عفا عنه العادل.

تحرك العادل بسرعة "فكتب إلى بني أخيه يستنجدهم، فأنجدوه وتحرّكت الفرق الأيوبية نحو الجزيرة من كُلَّ مكان وأوَّلها وأقربها نجدة حلب، ثم، حمص وبعلبك ودمشق.
__________
(1) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 219).
(2) المصدر نفسه (1/ 220).
(1/68)

ولم يعد هذا التجمع الأيوبي بلا مكسب، فقد استغلَّ العادل تجمَّع النجدات، وتراجع الأتابكة، فأمر ابنه الظافر بقيادة الجنُد، واحتلال مدينة سروج، وكانت لعماد الدين، فاحتلهَّا ثم احتلّ الرَّقة، واستولى على بلاد الخابور (1)، وتبلور الوضع السياسي بعد هذا الاختبار للدولة الأيوبية بتأكيد سلطنة العادل على كامل أراضي الجزيرة، كما تأكدت على الشام فملوك الجزيرة وأمراؤها إمَّا يتبعون مبُاشرة لولاة العادل أو مُخالفون له، خاضعون، يخطبون له على منابرهم ويسكُّون اسمه على نقودهم (2).
__________
(1) الموسوعة الشاملة (13/ 436).
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 220).
(1/69)

2 - موقف حلب: وفي عام 594هـ - 1198م، أنجد الظّاهر عمَّه العادل في هجومه على ماردين ولمّا وقع الخلاف بينه وبين عمَّه إثر وفاة العزيز وتحرّك الظاهر مع أخيه الأفضل لأخذ دمشق، دعم الظاهر تحالف أتابكة سنجار والموصل، فهزموا جيش العادل، وأجلوه عن ماردين (1) وبعد فشل خُطَّة الظَّاهر بأخذ دمشق من عمَّه العادل راسل حسام الدين يولق صاحب ماردين وحاول تأليف حلف معه ومع أمراء الجزيرة بمن فيهم أخوه الأفضل، وعندما عاد العادل للهُجُوم على ماردين عام 599هـ - 1202م تدخَّل الظَّاهر إنما هذه المرّة بوساطة سلمية، كانت لمصلحة كل الأطراف فقد سار الأشرف نائب والده العادل في حَرَّان إلى ماردين وحاصرها عام 599هـ فأدرك صاحبها أنَّه سيكون الخاسر الأكبر باعتماده على حلف مُتفكَّك أصلاً، لا يجمعه إلا المصلحة، وتفرَّقه المصلحة، فأرسل للظاهر صاحب حلب، الذي وافق على السعي بالصُّلح موافقة العادل تدلُّ على عدم تأكُّده من النجاح العسكري، فقد فشل ابنه الأشراف بتحقيق نصر عسكري تجاه ماردين (2)، ورُبمَّا لا العادل ولا الأشراف كانا يتوقّعان نصراً عسكرياً ضدَّ بلدة محصنة كماردين، وقلعتها الشهيرة (3)، وبالمقابل ضمن العادل حُصُوله على 150 ألف دينار نقداً، والخطبة والسَّكة في ماردين مع نجدة عساكر له عند الطلب، وحصل الظَّاهر على عمولة هي 20ألف دينار، وإقطاع قرية القرادي (4)، من صاحب ماردين (5).
__________
(1) تاريخ ابن خلدون (5/ 588).
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 220).
(3) الإمارات الأرتقية عماد الدين خليل ص 164.
(4) القرادي: قرية من أعمال شيختان.
(5) مفرج الكروب (3/ 139) شفاء القلوب ص 213 العلاقات الدولية (1/ 220).
(1/70)

3 - القوى السّياسية في الجزيرة الشّامية (مشكلة خلاط) (1):
لم يتمكَّن صلاح الدين من ضَّم أخلاط إلى مملكته، فقد كانت حكم سيف الدَّين بكتمر، الذي استولى على السُّلطة بها بعد موت شاهر - من شاه أرمن - بن سكمان ملك أخلاط واستطاع بكتمر حفظ مملكته من توسُّع السلطان صلاح الدين في الجزيرة، وعرف نواياه تجاه خِلاط لذلك حقد عليه، وعند وفاة السلطان أظهر الابتهاج، وتلقب بالملك النّاصر، وهو لقب صلاح الدين (2)، وتحالف مع أتابك الموصل، ويُقال إن بكتمر هُو مَن شَكَل الحلف ضّد الأيوبية ولكن قتله المفاجئ عام 589هـ /1193م بعد شهرين من وفاة صلاح الدين بأيدي الإسماعيليةَّ، أنهى كُلَّ خطر كان يشكله بكتمر على الأيوبييَّن (3)، ومقتله وفّر على الأيوبّية الكثير من المتاعب، وفكّك - فعليَّاً - تحالف ملوك الأطراف ضدهم بعد قتل المحَّرك والمدبر والأشد حقد عليهم، فملك خِلاط بعده مملوكه آق سنقر ولقبه هزاز ديناري، وتسمَّى: الملك بدر الدَّين، لكنه لم يعش طويلاً بعدها فقد توفي عام 595هـ، فتولىَّ الأمراء محمد بن صاحب خلاط السابق بكتمر وكان شاباً فاسداً (4) جاهلاً قتل أتابكة شجاع الدين قتلغ، الذي كان حسن السيرة مع الجند والرعية واشتغل هو باللهو والشراب، فانتقض عليه الناس، وملكَّوا سيف الدَّين بلبان، وكان مملوكاً لشاه أرمن وتسلم خلاط (5)،
__________
(1) يُفسر ناصر خسرو سبب تسميتها، فيقول: هي بين بلاد المسلمين والأرمن ويتكلمون بها ثلاث لغات، العربية والفارسية والأرمينية وأظن أنها سميت أخلاط لهذا السبب.
(2) الموسوعة الشاملة للحروب الصليبية (13/ 436).
(3) الفتح القِسَّي، العماد الأصفهاني الموسوعة الشاملة (13/ 436).
(4) تاريخ البغّداي ورحلته، الموفق عبد اللطيف الموسوعة الشاملة د. سهيل زكار (14/ 84).
(5) الكامل في التاريخ لابن الأثير (9/ 518،517، 518) ..
(1/71)

فكتب جماعة ابن بكتمر للملك الأوحد ابن العادل صاحب مَيَّا فارقين يستدعونه إلى خِلاط، فسار إليه (1). وكان قد طلب النجدة من أبيه العادل، فأرسل له جيشاً كبيراً (2)، وتمكّن بواسطته الأوحد من هزيمة بلبان (3). لكن بلبان استنجد بمغيث الدَّين طغرل شاه بن قلج أرسلان السلجوقي (4)، صاحب أرزن الروم، فسار إليه بنفسه ومعه العسكر، فهزموا الأوحد (5)، فعاد إلى ميَّافارقين وطمع طغرل شاه بأخلاط، وغدر بلبان، فقتله، ليملك خلاط، لكنّ أهلها لم يُسلَّموها له، وقاوموه، فعاد إلى بلادَه، واستدعوا الملك الأوحد، وسلَّموه المدينة سنة 604هـ (6) وتخَّوف أصحاب المدن المجاورة من قّوة الأوحد التي تُعدُّ امتداداً لقوة والده العادل وأخيه الأشرف، وهي أكبر القوى العسكّرية والسَّياسَّية في الجزيرة، فحاولوا النيل منه، ولكنّ دعم أخيه الأشرف جعلهم يتراجعون (7) واستفاد الأوحد من وجود قّوات أخيه الأشرف، فهاجم قلعة أوان وهي للكرج فملكها (8)، فخاف ملوك المدن المجاورة واتفقوا على ترك طاعة العادل، وأعلنوا طاعة خسرو شاه بن قلج أرسلان سُلطان سلاجقة الرّوم، وخطبوا له، وراسلوا الكرج يُحَّرضونهم ضدَّ الأوحد (9)،
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 176).
(2) المصدر نفسه.
(3) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 222).
(4) مفرج الكروب (3/ 176) العلاقات الدولية (1/ 222).
(5) المصدر نفسه (3/ 176) المصدر نفسه (1/ 222).
(6) المصدر نفسه (3/ 176) المصدر نفسه (1/ 222).
(7) المصدر نفسه (3/ 176) المصدر نفسه (1/ 222).
(8) المصدر نفسه (3/ 176) المصدر نفسه (1/ 822).
(9) شفاء القلوب ص 274 المصدر نفسه (1/ 222) ..
(1/72)

فتحرك ملك الكرج 607هـ/1210م، إلى خلاط وحاصرها بقُوَّاته، وفي إحدى الهجمات الجيشَ الكرج على أبواب خلاط سقط ملكهم عن جواده، فأسرع المدافعون عن الباب وأسروا الملك واقتادوه إلى الأوحد الذي فاوضه على إطلاق سراحه مقابل عدة شروط، منها: تسليم بعض القلاع، وإطلاق خمسة آلاف أسير مسلم، ودفع مائة ألف دينار، وتزويج ابنة الملك الكرج للملك الأوحد، وإقامة هُدنه بينهما مُدَّتها ثلاث سنوات (1).

فتخاذل مُلُوك المُدُن المجاورة لِخلاط المتُحالفين ضَّد الأوحد وأبيه العادل، وقصدوا العادل وهو في حَرَّان، واعتذروا إليه، وعادوا إلى طاعته (2)، وبعد مرض عُضال تُوفيَّ الملك الأوحد نجم الدَّين أيوب ابن العادل في مدينة ملاذكُرد، ودفن بها (3)، سنة 605هـ/1208م (4)، فتسلّمها أخوه الملك الأشرف صاحب الجزيرة، واستقرتَّ في ملكه (5)، وأُضيفت ميَّا فارقين إلى المظُفَّر شهاب الدين غازي (6)، فعظم شأن الأشرف بمُلكه خِلاَط وهي قصبة أرمينيا (7)، فعظم أمره، وتلقَّب شاهر من بعد أن ملكها (8)
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 222).
(2) المصدر نفسه (1/ 223).
(3) مفرج الكروب (3/ 175) العلاقات الدولية، منذر الجايك (7/ 223).
(4) الموسوعة الشاملة (20/ 158) العلاقات الدولية (1/ 223).
(5) تاريخ البغدادي ورحلته نقلاً عن العلاقات الدولية (1/ 223).
(6) مفرج الكروب (3/ 208) العلاقات الدولية (1/ 223).
(7) العلاقات الدولية (1/ 223).
(8) المصدر نفسه (1/ 223).
(1/73)

4 - الملك الأفضل في الجزيرة: كان الأفضل أكبر أولاد صلاح الدين ووليّ عهده، وبعد وفاة والده كّون مملكة دمشق التي كانت إقطاعاً له في حياه والده السُّلطان، وهي تمتد من حدود حمص شمالاً إلى حدود العريش جنوباً يفصلها عن بعض السواحل المناطق المحتلة من قبل الفرنج وفي عام 592هـ تمّكن الملك العادل من إخراج ابن أخيه الأفضل من دمشق إلى صرخد وبعد موت العزيز ابن صلاح الدين صاحب مصر تمكّن الأفضل من الوصول إلى حُكم مصر عام 595هـ، لكن؛ نتيجة التحاسد بين الأخوة أبناء صلاح الدَّين وشخصية الأفضل غير القيادية فقد طرد الأفضل من مصر - كما مرّ معنا - وعاد إلى صرخد، ثم خسرها - أيضاً - بعد مُغامرته الفاشلة لأخذ دمشق 597هـ 1201م وأثناء حصار الأفضل وأخيه الظاهر للعادل بدمشق، راسل العادل الأفضل، ووعده بالبلاد الشرقية، فانسحب من الحصار وعمل على تفشيله وسلمَّه العادل مَيَّا فارقين، وسُمَيساط وسروج وقلعة نجم (1) ويبدو أن العادل كان يُدرك تماماً ما يفعل، فقد وضع الأفضل في الجزيرة، ليبعده أولاًَ عن مراكز القوى في دمشق ومصر وليضعه تحت إشراف ومراقبة ولده الأشرف صاحب إقطاع الجزيرة وكانت لدى العادل مخططات أخرى تتعلَّق بالأفضل، ربَّما لم يطلع عليها سوى ابنه الأشرف صاحب إقطاع الجزيرة الذي سُينفذها لاحقاً، ففي عام 599هـ، طلب الأشرف من الأفضل القدوم بعساكره للتوجه معه في الحملة ضَّد ماردين وبالفعل وصل الأفضل إلى حّران ورافقه الأشرف الذي كان يظهر الود والاحترام للأفضل، حتى إنَّه عندما استولى على رأس عين الخابور سلمها له وبعد الصلح مع ماردين والعودة إلى حرّان بلغ كرم الأشرف غايته مع ابن عمه، حيث أعطاه بلدين جملين (2)،
__________
(1) زبدة حلب لابن العديم ص 444 العلاقات الدولية (1/ 225).
(2) العلاقات الدولية (1/ 226) المنصوري ابن نطيف ص 38 ..
(1/74)

إلا أن الملك العادل أرسل عسكره ونوابه واستعاد جملين من الأفضل وانتزع منه سروج وشبختان والموزر والسن (1)، ثم تابع الملك العادل وابنه الأشرف تنفيذ مخططهما، ضّد الأفضل فأخذوا رأس عين الخابور من الملك الأفضل وكذلك جملين بكذبه كذبوها عليه لاستعادة البلاد منه ولم يبُقوا عليه سوى سُمَيساط (2)، كانت محاولة الأفضل الأخيرة، قبل أن يفقد كُلَّ أمل له ضمن أسرته الأيوبيَّة، هي التذلُّل لعَّمه العادل، واستعطافه، فأرسل والدته إلى حماة، لتشفع صاحبها المنصور عند العادل لإبقاء بلاده عليه لكن العادل لم يلتفت إلى ذلك (3)، عندما وجد الأفضل نفسه وحيداً ضمن البيت الأيوبي فأعداؤه هم أخوه وعمّه وأبناء عمَّه، مما زاد الأفضل حنقاً ودفعه باتجاه معاكس، فالتفت خارج البيت ليجد كيكاوس (4) سلطان سلاجقة الروم قريباً منه، ومرحباً به وربما لأنه عدو البيت الأيوبي انتمى إليه وخطب له على منابر سُمَيساط (5)، فكان انتقام الضعيف من القوي (6) وعندما تُوفَّي الملك الظاهر صاحب حلب، في عام 613هـ - 1216م وجد كيكاوس في الأفضل ضالتهَّ، فهو وسيلته للسيطرة على الجزيرة، ومن ثمَّ الدخول إلى الشام (7)، فأثار مطامع الأفضل ووعده بأخذ حلب، وتسليمها له: وكان كيكاوس يُريد الملك لنفسه ويجعل الأفضل ذريعة للتوصل إليه (8)، ففي عام 615هـ طالب كيكاوس من الأفضل، أن يكاتب أمراء حلب الذين يميلون إليه، فكاتبهم، ووعدوه (9)،
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 226).
(2) العلاقات الدولية (1/ 226) المختصر أبو الفداء (3/ 104).
(3) المصدر نفسه (1/ 227).
(4) هو السلطان عز الدين سليمان بن قلج أرسلان صاحب الروم.
(5) العلاقات الدولية (1/ 227).
(6) المصدر نفسه (1/ 227).
(7) العلاقات الدولية (1/ 227).
(8) زبدة حلب (2/ 644) العلاقات الدولية (1/ 227).
(9) زبدة حلب (2/ 644) العلاقات الدولية (1/ 228) ..
(1/75)

وكأن عدد من مستشاري عز الدين كيكاوس قد "حسَّنوا له قصد حلب وقالوا: المصلحة أن تستعين بالأفضل، فإنه في طاعتك، ويخطب لك، والناس مائلون إليه، فاستدعاه وأكرمه واتَّفقا على قصد البلاد، وأن حلب وأعمالها للأفضل وبلاد الأشرف لعز الدَّين (1) وساند الأفضل كيكاوس ورافقه في هجومه على ممتلكات حلب "وساروا فملكوا رعبان، وسُلمَّت للأفضل لكن؛ لمَّا مُلكت تل باشر أخذها عز الدين كيكاوس لنفسه، وكذلك منبج، فنفر الأفضل وقال: هذا أول الغدر، ونفرت أهل البلاد، فقد كانوا فرحين بُملك الأفضل (2) ولما تحقق الأفضل من سوء نيَّة كيكاوس، أشار عليه بقصد البلاد، وتأخير حلب، لمرور الزمن في غير فائدة، لئلا بتحصل لعزّ الدين مقصوده (3)، وكان تراجع الأفضل عن دعم كيكاوس من الأسباب القَّوية لهزيمته أمام قوات حلب والأشرف موسى (4)، فقد تراجع منهزماً واستردوا كُلَّ ما استولى عليه، وعاد الأفضل ليقبع في سُمَيساط ولم يتحرك - بعدها - في طلب مُلك، إلى أن مات عام 622هـ (5)، 1225م وكان موته فجأة وله من العمر سبع وخمسين سنة (6).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 263) العلاقات الدولية (1/ 228).
(2) مفرج الكروب (3/ 263) العلاقات الدولية (1/ 228).
(3) مفرج الكروب (3/ 265) العلاقات الدولية (1/ 228).
(4) العلاقات الدولية (1/ 228).
(5) المختصر، أبو الفداء (3/ 119).
(6) العلاقات الدولية (1/ 228).
(1/76)

وهكذا أكمل العادل مُخططَّه تجاه الأفضل الذي كان يتصَّوره الأقوى بين أبناء صلاح الدين ولكنه كان - على ما يبدو - بعيداً عن مغاور السياسية وألاعيبها بسيطاً مع أنه جمع الفضائل والأخلاق الحسنة؛ وعلَّل أبو الفداء بأنه كان: قليل الحظَّ (1)، لكن الأرجح أنه سوء تدبير أكثر منه قلّة حظَّ، فله من الخبرة والتجربة في دولة أبيه، وربما ما يفوق ما كان لأخيه الظاهر غازي أو العزيز ونلاحظ أن العادل قد تجاوز صلاح الدين بحسن التدبير لتدريب أبنائه، وربما كان ذلك بسبب انشغال صلاح الدين الدائم بالجهاد، فقد أمضى جُلَّ عمره على صهوة جواده، وكان يرى أن تحرير ديار المسلمين رسالة عليه أن يُؤدَّيها، فلم يلتفت إلى ما سواها، بينما التفت العادل لترتيب شُؤون أولاده بعد موت صلاح الدين، وساعده على ذلك توقف الأعمال الحربية الكبرى مع الفرنج (2).
__________
(1) المختصر أبو الفداء (3/ 135).
(2) العلاقات الدولية (1/ 229).
(1/77)

ويعتبر النزاع الداخلي في الأسرة الأيوبية من أسباب ضعفها واضمحلالها وزوالها، فمن سنة الله تعالى في الشعوب والأمم وأسباب زوالها وهلاكها الاختلاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا، وفي رواية "فأهلكوا" (1). وعند ابن حيان عن ابن مسعود رضي الله عنه: فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف (2). إن من الدروس المهمة في هذه الدراسة التاريخية أن نتوقى الهلاك بتوقي أسباب الاختلاف المذموم، لأن الاختلاف كان سباباً من الأسباب التي ساهمت في ضياع الدولة الأيوبية وكان لهذا الاختلاف الذي وقع في البيت الأيوبي أسبابه منها: الوازع الديني عند بعض أمراء الأيوبيين والأناينة وحب الذات والتكالب على المصالح الدنيوية، والتناحر من أجلها، والحرص على السلطان والجاه والمناصب وتحكيم بعض الملوك أهواءهم في الأمور، فهذه الأسباب كانت وقوداً للمنازعات والخلافات التي وقعت بين أفراد البيت الأيوبي، فكانت من أكبر معاول الهدم وأسباب الضعف وتلاشي الدولة وقصر عمرها وقد استقرأ هذه الحقيقة ابن خلدون حيث ذكر أن من آثار الهرم في الدولة انقسامها وأن التنازع بين القرابة يقلص نطاقها كما يؤدي إلى قسمتها ثم اضمحلالها (3).
__________
(1) صحيح البخاري يشرح العسقلاني (9/ 101، 102).
(2) المصدر نفسه (9/ 102) الدولة الأموية للصَّلاَّبي (2/ 582).
(3) العبر (1/ 517) الضعف المعنوي وأثره في سقوط الأمم ص 118.
(1/78)

إن حوادث الخلاف والمنازعات الداخلية بين أبناء البيت الأيوبي - حول تقسيم التركة التي خلفها صلاح الدين - لتملأ معظم تاريخ الدولة الأيوبية، ويرجع ذلك إلى تطبيق مبدأ اعتبار المملكة إرثا خاصاً يقسم أنصبة متساوية وغير متساوية بين أبناء البيت المالك، كما يرجع إلى صلاح الدين نفسه، الذي فضل أبناءه، وأثرهم على أخيه العادل على الرغم من أنه أقدر القادرين على امتلاك ناصية الدولة بعده، فبينما حرص صلاح الدين على أن تكون أهم أقاليم المملكة لأبنائه، عين أخاه العادل على أطراف مبعثرة مثل الكرك والشوبك، على أن عوامل الانقسام والشقاق ما لبثت أن دبت بين أبناء صلاح الدين أنفسهم كما رأينا ولقد انتهز العادل تلك الفرصة ورأى أن يجمع هذا الشتات تحت إمرته، فلم يتردد في فرض سلطانه على مصر إلى جانب أملاكه في الشام، وهكذا لم يمضي على وفاة صلاح الدين سوى سبع سنوات حتى طوى العادل معظم أولئك الأبناء فحل محلهم في دولة موحدة (1)، وقد سلك العادل في سبيل تحقيق هذا الهدف الطرق المشروعة وغير المشروعة، ولم يعدم وسيلة إلا اتخذها، مادمت توصله إلى مأربه وتظهر لنا سياسته بوضوح في تصريحه الخطير الذي ألقاه على من حوله من أمراء الدولة الأيوبية بمصر، مبرراً خلعه الملك منصور بن العزيز بن صلاح الدين: إنه قبيح بي أن أكون أتابك صبي مع الشيخوخة والتقدم والملك ليس هو بالإرث وإنما هو لمن غلب (2).
__________
(1) قيام دولة المماليك الأولى في مصر د. أحمد العبادي ص 88.
(2) المغول في التاريخ ص 87، السلوك (1/ 155).
(1/79)

5 - العلاقات الأيوبية الزنكية في عهد العادل:
دخلت العلاقات الأيوبية - الزنكية مرحلة جديدة عقب وفاة صلاح الدين في عام 589هـ/1193م) استغل خلالها حكام الموصل الصراع الداخلي بين ورثته لاستعادة نفوذهم المسلوب، وقضت مصلحتهم التحالف مع طرف ضد الطرف الآخر أثار تقسيم المملكة الأيوبية، مطامع عز الدين مسعود الأول، فاستغل الفرصة، وراسل أمراء الأطراف، وحكام المدن للتنسيق معهم، فلم يستجب له منهم سوى أخيه عماد الدين زنكي الثاني صاحب سنجار (1) ويبدو أن هؤلاء الأمراء لاسيما مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، وسنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر، خشوا من طموحاته، ووجدوا أنه ليس من مِصلحتهم أن يستعيد نفوذه وقوته، والأفضل أن يظل ضعيفاً حتى يستمر الوضع كما هو، فلا يطمع بما في أيديهم من البلاد التي كانت تابعة للنفوذ الزنكي من قِبل (2) ورأي عز الدين مسعود الأول أن يجتمع مع أخيه، لوضع خطة مشتركة تهدف إلى استعادة ما كان صلاح الدين قد اقتطعه من دولة الموصل لاسيما حران والرها، وكان بيد العادل، فخرج إلى نصيبين واجتمع بأخيه فيها (3)، لكن المرض سرعان ماداهم عز الدين وأجبره على العودة نحو الموصل، تاركاً جيشه مع أخيه عماد الدين لإكمال المهمَّة التي خرجا من أجلها وهي احتلال الجزيرة، لكنّ عماد الدين قرر الصلح مع الملك العادل رُبَّما لأنه كان مسالماً في طبعه، ليَّن العريكة، يؤثر السلامة أو لأن مرض أخيه جعله يفكر في مشاكل البيت الزنكي، ورأى أن عودته نحو سنجار غدت ضرورية، ومهما كان الأمر فقد قّرر الصلح (4).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 16 - 17) تاريخ الأيوبيين، طقوس ص 243.
(2) دولة الأتابكة في الموصل، رشيد الجميلي ص 170 - 170.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 243.
(4) العلاقات الدولية (1/ 273).
(1/80)

أ- الاصطدام الأيوبي الزنكي في ماردين: تراوحت العلاقات الأيوبية الزنكية في عهد أرسلان شاه الأول 589هـ - 607هـ/1193 - 1211م والعادل بين التعاون والعداء وقد تابع العادل زحفه باتجاه الجزيرة بعد أن استدعاه قطب الدين محمد صاحب سنجار لمساعدته ضد ابن عمه أرسلان شاه الأول صاحب الموصل الذي هاجم نصيبين وانتزعها منه، وفي نيته (العادل) إخضاع المنطقة وتأديب بلك أرسلان الأرتقي صاحب ماردين الذي أوشك أن يحطم ما للأيوبيين من سلطان عليه، فحاصر المدينة واستولى على ربضها، وكادت تسقط في يده لولا أن تغيرت الظروف السياسية فجأة لغير صالحه ذلك أنه حدث أن توفي العزيز عثمان صاحب مصر، فسارع أخوه الأفضل علي إلى مصر وضَّمها إلى أملاكه، وكان بين الأفضل علي والعادل وحشة، فعمل الأول على عرقلة مشاريع الثاني في الجزيرة وتصّرف على محورين:
(1/81)

الأول: استدعى العسكر المصري الذي كان يرافق العادل في مهمته في الجزيرة.
الثاني: كتب إلى صاحب الموصل، وصاحبي سنجار، وجزيرة ابن عمر، عارضاً عليهم التحالف معه لطرد العادل من الجزيرة (1). الواقع أن هؤلاء الأمراء كان يخشون من أن يغلبهم العادل على أمرهم، ويتمكن من بلادهم بعدما رأوا قواته تجوب المنطقة، فأجابوه إلى طلبه وتحرك الأفضل علي باتجاه دمشق، في حين تأهب آل زنكي في الجزيرة لمساعدته (2)، ونتيجة لهذه التطورات غادر العادل ماردين باتجاه دمشق مع بعض قواته لقطع الطريق على الأفضل علي تاركاً ابنه الكامل محمد على حصارها (3) وتوالت الأحداث سريعة بعد ذلك، فقد انتهز نور الدين أرسلان شاه الأول صاحب الموصل انهماك العادل بمشكلة دمشق فخرج بعساكره في شهر شعبان عام 595هـ/شهر حزيران عام 1199م قاصداً ماردين فنزل دُنَسيْر حيث وافته قوات صاحبي سنجار وجزيرة ابن عمر، وبعد أن نسَّقوا فيما بينهم ساروا إلى بلدة حرزم (4)، وعسكروا فيها استعداداً لبدء القتال مع جيش الكامل محمد، وإجباره على فك الحصار عن ماردين (5).
__________
(1) تاريخ الزمان ص 231 لابن العنبري، تاريخ الأيوبيين ص 245.
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 245.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 245.
(4) المصدر نفسه ص 245: اسم بليدة في واد ذات نهر جار وبساتين بين ماردين ودُنسير.
(5) تاريخ الأيوبيين ص 245 نقلاً عن الكامل في التاريخ.
(1/82)

وكان أهل ماردين قد أجهدهم الحصار حتى أوشكوا على التسليم لولا وصول القوات الزنكية، فقويت نفوسهم وامتنعوا عن الدخول في الصلح، واشتبك الجانبان في رحى معركة شديدة انتهت بهزيمة الكامل محمد، وأسر عدد كبير من عسكره، وانسحب بمن معه إلى ميافارقين ومنها إلى حّران حيث استدعاه والده إلى دمشق، وعاد صاحب الموصل إلى دُنَيسر، ثم رحل عنها إلى رأس عين وفي نيته مهاجمة حّران لانتزاعها من يد الفائز إبراهيم بن العادل لكنه فوجئ برسل الظاهر غازي صاحب حلب يطلب منه أن يخطب باسمه في الموصل وأعمالها وأن يضرب السكة باسمه فيها (1)، فنفر من هذا الطلب، وتوقف عن مواصلة الزحف وكان قد أصيب بمرض فقررّ العودة إلى الموصل في شهر ذي الحجة عام 596هـ/شهر تشرين الأول عام 1200م وأرسل إلى كل من الظاهر غازي والأفضل علي يعتذر لهما عن عودته (2).
__________
(1) التاريخ الباهر ص 195 تاريخ الأيوبيين ص 246.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 246 نقلاً عن الكامل في التاريخ.
(1/83)

ب- التكتل الرباعي ضد العادل: شجع اشتداد حدة النزاعات داخل الأسرة الأيوبية، أمراء الجزيرة على خلع طاعة العادل وإخراج نوابه من ديارهم، وقد أثارت سيطرة هذا الأخير على مصر خوف الظاهر غازي صاحب حلب، فأراد أن يدعم موقفه بتكتل ثلاثي يضمه مع كل من صاحب الموصل وماردين على أن يكونا جميعاً يداً واحدة لمواجهة مطامع العادل، ومالبث أن انضم الأفضل علي إلى هذا التحالف بعد أن أزاحه العادل عن الحكم في دمشق، ولما توجه الأخوان، الظاهر غازي والأفضل علي، لحصار دمشق لانتزاعها من يد العادل، أرسلا إلى نور الدين أرسلان شاه الأول يحَّثانه على مهاجمة البلاد الجزرية التابعة للعادل وهي الرها وحّران، حتى يخفَّفا الضغط عنهما، أثناء مدة الحصار (1). وفعلاً سار صاحب الموصل في شهر شعبان عام 597هـ/شهر أيار 1201م إلى مدينة حّران، وكان يحكمها الفائز إبراهيم بن العادل، وسانده ابن عمّه صاحب سنجار، ونصيبين، وصاحب ماردين، ونزل في رأس عين (2) وكان الفائز عاجزاً عن الوقوف في وجه الحشود الضخمة، التي حشدها الخلفاء، فمال إلى الصالح، وكان المتحالفون قد تلقوا أنباء عن قرب عقد صلح بين الأمراء الأيوبيين المتنازعين، كما تفشَّت الأمراض في صفوفهم، فحصدت كثيراً من جندهم وكان الوقت صيفاً، فأصابهم الإرهاق، واضطروا إلى الموافقة على عقد الصلح (3) وكانت هذه الاستجابة نابعة من قناعتهم في إبقاء العلاقات الطيبة مع أولاد صلاح الدين لمناوأة مطامع العادل من جهة، والتخلص من المعاناة التي أصيبوا بها نتيجة تفشَّي الأمراض والإرهاق من جهة أخرى (4)، وتقَّرر الصلح على أساس احتفاظ الفائز إبراهيم بما في يده من البلاد الجزرية.
__________
(1) المصدر نفسه ص 246.
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 246.
(3) ابن العبري ص 233 تاريخ الأيوبيين ص 246.
(4) تاريخ الأيوبيين ص 247.
(1/84)

وافق العادل على هذا المبدأ وعاد نور الدين أرسلان شاه الأول إلى الموصل في شهر ذي القعدة/شهر آب (1).

ج- التعاون الأيوبي الزنكي في حصار ماردين: اتسمت سياسة نور الدين أرسلان شاه الأول تجاه الأيوبيين بالتقلبات السريعة وفقاً للمصالح المتبادلة بين الجانبين. وتطبيقاً للمبدأ السياسي الذي يقول بأنه لا توجد سياسات دائمة بل مصالح دائمة وهذا مبدأ قديم عند الكثير من السياسيين كما نرى وليس اكتشاف غربي كما يرى البعض؛ وتعاون صاحب الموصل مع العادل في مهاجمة الأراتقة في ماردين في شهر محرم عام 599هـ/شهر أيلول عام 1202م ذلك أن العادل لم ينس الهزيمة التي مُنيت بها قواته في ماردين في عام (595هـ/1199) ولم يغفر للماردينيين جرائمهم بحق جنده، لذا قرر الانتقام، وكان قد حصَّن موقفه نتيجة اتفاق الصلح الذي عقده مع أبني أخيه الأفضل علي والظاهر غازي من جهة، واستقطاب صاحبي الموصل وسنجار من جهة أخرى والراجح أن انضمام نور الدين أرسلان شاه الأول إلى جانب العادل من شأنه أن يكسبه بعض المغانم، وقد يؤدي إلى التوسع على الأرض على حساب الأراتقة وأرسل العادل عساكره إلى ماردين بقيادة ابنه الأشرف موسى، فحاصرت المدينة، وانضمت إليهم عساكر من الموصل وسنجار، ويبدو أن الحصار استغرق وقتاً طويلاً دون أن يحصل المتحالفون على مكاسب، فتدخل الظاهر غازي في الصلح الذي تَّم على الأسس التالية:
- يدفع صاحب ماردين مائة ألف دينار إلى العادل.
- يضرب السكة باسم العادل، ويخطب له في بلاده.
- يتعهد بإرسال العساكر إلى العادل متى طلب منه ذلك (2)
__________
(1) التاريخ الباهر ص 196، مفرج الكروب (8/ 127).
(2) تاريخ الأيوبيين ص 247.
(1/85)

ح- تجُّدد الصراع مع العادل: لم يكف العادل عن محاولاته لعزل الموصل عن بقية الإمارات الجزرية، ومنع أي تحالف ينشأ بينها وذلك بهدف السيطرة عليها، وقد أثاره ذلك الاتفاق الذي تم بين نور الدين أرسلان شاه الأول وبين ابن عمه قطب الدين محمد صاحب سنجار ونصيبين في المدة الواقعة ما بين (595 - 600هـ/1199 - 1203م) فسعى إلى فصمه، وتمكَّن من استقطاب قطب الدين محمد واتفق معه بأن تكون الخطبة له في بلاده (1) مما أدّى إلى تدهور العلاقات مع الموصل وبدأ نور الدين أرسلان شاه الأول أعماله العسكرية ضد ابن عمه بمهاجمة نصيبين وما كاد يستولي عليها، ويتأهب لدخولها، حتى جاءته الأنباء بقيام مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل بمهاجمة بلاده مستغلاً فرصة غيابه عنها، فاضطر إلى رفع الحصار عن نصيبين وعاد إلى بلاده للدفاع عنها، فلما وصل إلى مدينة بَلَد (2) علم أن كوكبوري عاد إلى إربل وأن ما بلغه من أخبار مبالغ فيها (3) وواجه نور الدين أرسلان الأول في عام 600هـ/1204م تكتلاً عسكريا ضمَّ الأشرف موسى بن العادل الذي عيَّنه والده نائباً عنه على شمالي الجزيرة، وأخاه الأوحد نجم الدين أيوب صاحب ميافارقين وقطب الدين محمد صاحب سنجار ومظفر الدين كوكيوري صاحب إربل، وصاحب جزيرة ابن عمر، وصاحب كيفا وآمد وادرا، وكان هدف هذا التكتل مساعدة صاحب سنجار (4) ومُني نور الدين أرسلان شاه الأول بهزيمة قاسية أمام الحِلف، وكان لذلك أثر كبير في أضعاف قوته، فلم يَسْعَ إلى استئناف القتال، وجنح إلى السلم، وتقَّرب من العادل، ومن مظاهر هذه السياسة اشتراكه مع قوات العادل في عام 604هـ/1207م في قتال الصليبيين في إمارة طرابلس (5)
__________
(1) المصدر نفسه ص 248 مفرج الكروب (3/ 156).
(2) بَلَد: مدينة قديمة على دجلة وفوق الموصل.
(3) مفرج الكروب (3/ 153).
(4) الكامل في التاريخ، تاريخ الأيوبيين ص 248.
(5) مفرج الكروب (3/ 172 - 173) تاريخ الأيوبيين ص 249 ..
(1/86)

وحدث في العام التالي أن توثَّقت العلاقات بين الطرفين بالتقارب الأسري فقد زوَّج العادل أحد أبنائه من إبنة صاحب الموصل (1). وظن نور الدين أرسلان شاه الأول أنه، في ظل هذا التقارب، يمكنه أن يستعيد قوته ونفوذه على حساب قطب الدين محمد صاحب سنجار، ومحمود سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر الدين تربطه بهما علاقات عدائية وتأثر بآراء بعض مستشاريه، فأجرى مباحثات مع العادل وعرض عليه اقتسام أملاكهما، على أن يأخذ هو جزيرة ابن عمر، ويأخذ العادل سنجار (2) وجاءت الفُرصة للعادل تسعى، فقد هاجم الكرج مملكة خِلاط واحتلُّوا أرجيش (3) وكانت للأوحد بن العادل الذي استصرخ أباه (4)، فأعلن العادل التعبئة ضّد الكرج،: وكتب إلى البلاد يطلب العساكر وأظهر أنه يريد قَصْد الكُرج فوصل إليه الملك المنصور صاحب حماة والملك المجاهد صاحب حمص والملك الأمجد صاحب بعلبك، وعسكر من الملك الظاهر صاحب حلب ونزل بحّران ووصل إليه ولده الملك الأوحد - صاحب خلاط وميّا فارقين والملك الأشرف والملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان الارتقي صاحب آمد وحصن كيفا، ووصل إليه صاحب السويداء وصاحب دارا (5) وعندما وصل العادل رأس عين بلغه انسحاب الكرج (6)، وذلك: أن الكرج لّما عرفوا بحركته، خافوا، وكّروا عائدين إلى بلادهم (7).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 49، سبط ابن الجوزي ص 249.
(2) تاريخ ابن خلدون (5/ 593) تاريخ الأيوبيين ص 249.
(3) مفرج الكروب (3/ 183) العلاقات الدولية (1/ 278).
(4) العلاقات الدولية (1/ 278).
(5) مفرج الكروب (3/ 190، 191).
(6) زبدة حلب (2/ 630).
(7) مفرج الكروب (3/ 192) العلاقات الدولية (1/ 279).
(1/87)

س- قصد الملك العادل سنجار وحصارها: عندما رجع الكرج إلى بلادهم خائفين، التفت العادل لتحقيق هدفه الرئيسي ولابد أنه قد حار في أمره، فكيف يتوجَّه نحو سنجار لأخذها وقّوات أميرها قطب الدين معه في حملته؟ وكيف يبُرَّر ذلك أمام الملوك والأمراء من آل بيته؟ فلم يجد أفضل من إعلان الغضب على قطب الديَّن، لأنَّه تخلَّف عن الحُضور بنفسه واكتفى بإرسال قّواته، وقال إنه: تّجدد له قصد سنجار لتخلفُّ صاحبها عن وصوله بنفسه (1)، مع أن الظاهر غازي - أيضاً - لم يصل بنفسه فالأمر مُبيَّت، وأساس جميع الجيوش، هو قصد سنجار، وعلى الغالب، فإن تحُّرك الكرج جاء عَرضَاَ فأحسن العادل استغلاله، وأعلن العادل أنه سيتوجهَّ لمعاقبة صاحب سنجار أوّلاً، وأرسل إليه يطلب تسليم سنجار مقابل عوض، فرفض ذلك وفي عام 605هـ/1208م كان العادل يتحرك صوب سنجار وفي طريقه أخذ نصيبين والخابور ثم نصب المجانيق وقاتل سنجار وأشرف على أخذها عنوة (2)
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 278).
(2) مفرج الكروب (3/ 193) ..
(1/88)

وأرسل صاحبها قطب الدين نساءه وحرمه يضرعن إليه ويسألنه إبقاء المدينة عليهن، فلما حصل النسوة عنده أمر باعتقالهن إلا بتسليم سنجار، فاضطر قطب الدين إلى إلقاء المقاليد إليه، وأجاب على تسليم البلد على أن يعوض عنها الرقة وسروج وضياع من بلد حّران وأطلق الملك العادل النسوة؛ وأمر بإدخال علمه إلى البلد، فلما حصلت النسوة بالبلد ودخل عَلَمُ الملك العادل أمر قطب الدين بكسر العلم، وعُلقَّ على الباب واستعد للحصار، وأرسل إلى الملك العادل يقول له: غدرة بغدرة والبادي أظلم، فجّد الملك العادل في مضايقة البلد ومحاصرته، واصطلى أهلُ سنجار الحرب بأنفسهم وصبروا أحسن صبر وأمر الملك العادل بقطع ما على البلد من البساتين والجواسيق، ونصب على البلد عدة مجانيق وأخذ قطب الدين في مكاتبة الملوك والاستنجاد بالخليفة الناصر لدين الله وكان نور الدين صاحب الموصل قد عزم على تسيير عسكر نجدة للملك العادل مع ولده الملك الظاهر عز الدين مسعود (1)، لتنفيذ الاتَّفاق المسبق بينهما وإذ برسول مظفَّر الدين كوكبوري صاحب إربل، الذي كانت له وجهة نظر أخرى، فقد شعر بأن العادل قَّوة كُبرى في مجاورتها خطر شديد عليه، وعلى الموصل، فأنفذ رسوله إلى صاحب الموصل، وشرح وجهة نظره، وعرض عليه التحالف لإنقاذ سنجار، التي ستكون حاجزاً أمام أطماع العادل بممالكهم هُنا، وخاف نور الدين مغبة ما بعد سيطرة العادل على سنجار فوافق على طلب مظفر الدين كوكبوري وراسلا الظاهر في حلب فوافق وانضم إليهم (2)
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 193، 194).
(2) العلاقات الدولية (1/ 280) ..
(1/89)

ونقض ما كان بينه وبين العادل وكانت للملك الظاهر في عمل ماردين ضيعة يقال لها القرادي أعطاه أياها صاحب ماردين لما أصلح بينه وبين الملك العادل فصارت في يد الملك الظاهر يستغلها، فلما كانت هذه السنة والملك العادل على سنجار أقطعها الملك العادل للملك الصالح محمود الأرتقي - صاحب آمد، فجعل الملك الظاهر ذلك حجة في نقض ما بينه وبين الملك العادل وأحضر فقهاء حلب عنده، وقال: ما تقولون في رجل حلف لرجل يميناً على أشياء فخان أحد الرجلين في بعض تلك الأشياء، أينحل عقد تلك اليمين ويبطل حكمها، فأظهر لهم صورة الحال، فأفتوه بأن اليمين قد بطلت، ولا يلزمه إذا نقض ما بينه وبينه حنث وأجابهما سلطان سلاجقة الروم وأخوه إلى ذلك (1) وكان الملك الظاهر لديه شك دائم بنوايا عمَّه خاصة بعدما فعله بأخويه الأفضل والعزيز وراسل الحلفاء الخليفة ليشفع لدى العادل بصاحب سنجار وما ذلك إلا لزيادة الضغط على العادل، وعزله سياسياً (2) وأرسل مظفر الدين إلى العادل يشفع في صاحب سنجار "فلم يقبل، وقال: لا يجوز لي في الشرع تمكين هؤلاء من أخذ أموال بيت المال في الفساد وترك خدمة الأجناد وفي مصلحة الجهاد (3) فكانت حُجته هي المصلحة العامة التي لا يراعيها صاحب سنجار وفساده وإتلافه للأموال العامة، كما اتًّهمه بالتقصير بحقَّ الجيش، وبواجب الجهاد، إنَّها تهمة كبيرة وحُجَّة مسوغة في ذلك الزمان، وكان ردُّ مظفر الدين أن أفسد جماعة من عسكر العادل (4)، بأن استمالهم بالأموال والوعود بإقطاعات ففسدت نيّاتهم عن مناصحة العادل بالقتال معه، وهذه طريقة للتعامل كانت شائعة جداً، فمعظم الجند جاهز للاتَّفاق مع من يدفع أكثر (5)
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 195).
(2) العلاقات الدولية (1/ 280).
(3) المصدر نفسه (1/ 280).
(4) زبدة حلب (2/ 630).
(5) العلاقات الدولية (1/ 281) ..
(1/90)

واستمر حصار العادل لسنجار حتى عام 606هـ - 1209م، فطلب صاحبها قطب الدَّين مساعدة ابن عمَّه نور الدَّين بعساكرها نحوه (1) كذلك خرج الظاهر في حلب بقّواته وأرسل للعادل يشفع بصاحب سنجار وقال لرسوليه: إن لم يقبل الشفاعة، فأعلما، أني خارج إلى بلاده وأن يأمرا عسكر حلب أن يفارقوه إلى الموصل، أو إلى حلب (2)، وأرسل يُغري المجاهد صاحب حمص والمنصور صاحب حماة بالعادل، فكانت الضربة القاسمة لوحدة البيت الأيوبي واجتماعه في القتال على سنجار، فتخاذل قَّواد العادل على القتال، وتآمر ملوك الأيوبية الذين معه، لاسيما المجاهد الذي كان يُدْخِل من جانبه الأقَوات إلى سنجار (3)، وغالباً فقد كانت للمُجاهد دوافعه الخاصّة ضَّد العادل، ولم يتصَّرف بذلك من أجل الأتابكة، أو بتحريض الظاهر له (4)، وفي هذه الأثناء، أرسل الخليفة الناصر رسوله، أبو نصر هبة الله بن المبارك بن الضّحاك وهو أستاذ داره، والأمير آقباش وهو من خواصَّ مماليك الخليفة، للشفاعة بصاحب سنجار، وترك حصارها (5). فلاحت فرصة الخلاص من هذا المأزق للعادل، فأظهر قبول وساطة الخليفة ووافق شريطة احتفاظه بنصيبين والخابور (6).
__________
(1) مفرج الكروب ابن واصل (3/ 196).
(2) المصدر نفسه (3/ 196).
(3) مملكة حمص الأيوبية، منذر الحايك ص 167.
(4) الموسوعة الشاملة (14/ 355).
(5) مفرج الكروب (3/ 197) العلاقات الدولية (1/ 281).
(6) المصدر نفسه.
(1/91)

ك- وقفة مع تحركات الحلفاء ضد العادل في حصار سنجار:
إن قبول العادل لوساطة الخليفة ما هو إلا مخرج حفظ به ماء وجهه، فقد أيقن بفشل الحصار وتأكد من تخاذل بني أيوب من حوله، وأن الأمور تكاد أن تنقلب عليه، فكانت وساطة الخليفة إنقاذاً له بالدرجة الأولى، ونستنتج من كل ذلك أن البيت الأتابكي (الزنكي) بعلاقاته السياسية والعسكرية لم يكن مُكافئاً للبيت الأيوبي، لا من حيث القوة والتأثير، ولا من حيث وحدة البيت الأتابكي، فلم يكن لهم وزن إقليمي مؤثَّر قادر على إحداث تغيُّرات جذرية في شمال العراق والجزيرة، حتى في حال استغلالهم خلافات البيت الأيوبي، ونجد - على الدوام - أن مُعظم أمراء الأتابكة يخضعون لسلطان الأيوبية ويدعمونهم بالنجدات ويخطبون لهم وينقشون اسمهم على السّكة في بلادهم في معظم هذه المرحلة من الزمن إلا أن عهد التفوق الأيوبي الكامل، والإنفراد بالزعامة قد تم بوفاة نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل عام 607هـ - 1210م واقتسام طفليه الصغيرين مملكته (1)، وبدء وصاية بدر الدَّين لؤلؤ مملوك أرسلان شاه (2)، على الموصل وبأبسط الطُّرُق زالت عقبة كأداء من أمام الملك العادل، وتحقَّق له الأطمئنان والراحة على حدوده الشَّرقيَّة (3).
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 283).
(2) المصدر نفسه (1/ 283).
(3) المصدر نفسه (1/ 283) الأيوبيون في شمال الشام للتكريني ص 152.
(1/92)

ل - وفاة نور الدين صاحب الموصل: في سنة 607هـ توفي نور الدين أرسلان بن مسعود بن مودود بن زنكي صاحب الموصل في آخر رجب وكان مرضه قد طال ومزاجه قد فسد، وكانت مدة ملكه بالموصل سبع عشر سنة وأحد عشر (1) شهراً. كان رحمه الله - أسمر خفيف اللحية والعارضين جداً، مليح الوجه، قد أسرع إليه الشيب وكان شهماً شجاعاً عادلاً، ذا سياسة للرعية، شديداً على أصحابه يمنع بعضهم أن يتعدى على بعض، وكانوا يخافونه خوفاً شديداً، فلا يجسرون بسبب الخوف منه على الظلم والتعدي وكانت همته عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكي ووجاهته وحرمته بعد أن كان قد ذهب، وخافته الملوك وكان سريع الحركة في طلب الملك، إلا أنه لم يكن له صبر، فلهذا لم يتسع ملكه ومن محاسن ما يُنقل عنه أنه لما توجه من الموصل في نجدة صاحب ماردين حين، كان الملك الكامل قد ملك رَبضَها وكا يستولي على قلعتها وضرب المصاف مع الملك الكامل وكسره، وكسرة قبيحة، وسافر الملك الكامل إلى حرّان، ولم يبق من عسكره بالمكان أحد، قال أصحاب نور الدين له؛ أصعد بعسكرك إلى رَبَض ماردين فما دونه مانع، وأملكه، وأملك القلعة ويكون هذا موضع المثل السائر: رب ساعٍ لقاعد: فقال حاشى لله أن يتحدث الناس أن ناساً اعتقدوا بي واستنفروا بي أغدر بهم: ثم قال لمجد الدين ابن الأثير - وكان من أكبر أصحابه: ما تقول يا مجد الدين؟ فقال: الغادرون كثير وقد أوعت غدراتهم الكتب، وهي باقية إلى الآن، ولم يؤرخ عن أحد أنه قدر على مثل ماردين وتركها وفاء وإنعاماً وإحساناً. وقال لمجد الدين: أرسل إلى صاحب ماردين ليرسل نوابه إلى ولاياته وكان قد أقطعها للعساكر التي معه وأمر بكفَّ أيديهم عنها، وتسليمها إلى صاحبها، فقال مجد الدين: إن أصحابنا لم يأخذوا درهما واحداً لتأخر إدراك الغلات، فلو بقي الإقطاع في أيديهم إلى أن يأخذوا ما ينفقون عليهم في بيكارهم (2).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 203).
(2) بيكارهم: في الحرب (3/ 204) ..
(1/93)

فقال - رحمه الله -: لا نكدر إنعامنا وإحساننا إليهم، ونحن نكفي أصحابنا. قال مجد الدين: ما قلت له عن شيء قط من عدل وبذل مال وغير ذلك من الصلاح، فقال لا؛ وكنت معه في بعض أسفاره وله سرادار، قد سَرقَ ولده من داره قماشاً، وكانت مفاتيح الدارِ مع السرادار، فأرسل إلىَّ ليلاً فأمرني أن أكتب كتاباً إلى الموصل بقطع يده، فأعدت الجواب: أنني ما أكتب هذا الكتاب الليلة، وإذا اجتمعت به غداً عرفته في هذا فأعاد مرة ثانية وثالثة وأنا امتنع، فاستدعاني وقال لي: لم تكتب الكتاب؟ فقلت له: عادتي معكم أنني لا أكتب إلا ما تجيزه الشريعة فقال لي: هذا سارق، توجب الشريعة المطهرة قطع يده. فقلت: لا قطع عليه لأنه سرق من غير حرز ولأن المفاتيح بيده (1).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 205).
(1/94)

6 - العلاقات الأيوبية - السلجوقية في عهد العادل:
عندما كان السُّلطان صلاح الدين يُوحَّد مصر والشَّام ويُركزَّ اهتمامه على محاربة الفرنج وتحرير الأرض، كان سلطان سلاجقة الروم في الأناضول، قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان (1)، يوزع مملكته على بنيه العشرة: فقوى كل منهم في ثغره، واستقل بأمره، ودبَّ في طبعه حُبَّ الاستيلاء والاستبداد، ومّد عينيه إلى ما في يد صاحبه من البلاد (2) وكان أكبر هؤلاء الأنباء قطب الدين ملكشاه وهو صاحب سواس: فهاجم قونية عاصمة أبيه وقتل أُمره، وأبقاه معه كالمعتقل، واستكتبه أنّه وليّ عهده، والقائم بالسلطنة معه ومن بعده وذهب لحصار أخيه سلطان شاه في قيسارية، فتمكّن الأب من الفرار إلى غياث الدين كيخسرو صاحب يرغلو، فجمع له، وحشد، وسار معه إلى قونية، فدخلها، ثم ماثت، فتولىَّ غياث الدَّين فيها (3) ويبدو أن أبناء البيت السلجوقي - أثناء صراعهم - قد طلبوا تدخل السلطان صلاح الدين فأرسل قاضي العسكر ابن الفَّراش يتوسط بين السلطان قلج أرسلان وأولاده، فتردد، يُسفر بينهم سنة (4) وبعد وفاة صلاح الدين، كان يلوح في أفق الشام أن ابنه الظاهر غازي صاحب حلب سيشكل أكبر قوّة أيوبية شمالية، وفي عهده تطابقت السياستان الحلبية، والسلجوقية، وغلب على علاقتهما التحالف والتعاون، وعندما هدَّد ليون ملك الأرمن أمن مملكة السلاجقة بقوته العسكرية وحصونه المنيعة، والأهّم من ذلك تمكنُّه من فتح ميناء بحري على المتوسط لاستقطاب التجارة العالمية (5)، وقدم الظّاهر غازي نجدة عسكرية قويّة فيها عدد من كبار أمراء حلب دعمت الجيش السلجوقي في هجومه على مملكة الأرمن (6)
__________
(1) الكامل في التاريخ (9/ 553) العلاقات الدولية (1/ 410).
(2) الموسوعة الشاملة (13/ 426) العلاقات الدولية (1/ 410).
(3) العلاقات الدولية (1/ 41).
(4) المصدر نفسه (1/ 410).
(5) هو ميناء أياس على البحر المتوسط.
(6) مفرج الكروب (3/ 187) العلاقات الدولية (1/ 410) ..
(1/95)

وإزاء هذا التحالف سارع ليون ملك الأرمن - الذي لم يكن غريباً عن معرفة توزع القوى السياسية في المنطقة وتناقصاتها، فاتَّصل بالملك العادل صاحب القُوَّة الأيوبية الأكبر، فوجد العادل بهذا الطلب إقرار بقوتَّه وبفاعلِتَّها على مختلف الساحات فأجابه، وراسل كيخسرو، الذي لبّى طلب العادل وعقد صلح مع ليون بشروط يستفيد منها كل الأطراف (1) وفي عام 608هـ/1211م قُتل غياث الدين كخسرو في معركة الآشهر ضد تيودور لاسكاريس أمبراطور نيقية (2)، فتنازع ولداه عز الدين كيكاوس وعلاء الدين كيقباذ، فيمن يخلفه، فاستنجد الأول بالعادل، لمساعدته ضد أخيه وضد عمه طغرل شاه الذي دخل في غمرة الصراع على العرش وقد هاجم هذا الأخير أملاك عز الدين كيكاوس في سيواس، ورحَّب العادل بطلب المساعدة، ولما اقترب من حدود سيواس، خشي طغرل شاه، واضطر إلى فك الحصار عن المدينة (3)، بعد أن استقر عز الدين كيكاوس في الحكم حاول التوسع في منطقة كيلكية، فاصطدم بليون الثاني صاحب أرمينية الصغرى وحتى يقّوي موقفه جدَّد الحلف السابق، وإذ لا زالت أسباب التحالف مع الأيوبيين قائمة عرض الظاهر غازي، القيام بعمل مشترك ضد ليون الثاني، وانتزاع أنطاكية منه وكان هذا قد نجح في الاستيلاء على أنطاكية في عام 613هـ/1216م ونصَّب ريموند روبين، حفيد بوهيموند الثالث، أميراً عليها واتصل ببوهيموند الرابع صاحب طرابلس لتقديم يد العون على أن يأخذ أنطاكية (4)، واتفق الحلفاء على أن يدخل عز الدين كيكاوس إلى بلاد الأرمن من ناحية مرعش، ويدخل الظاهر غازي من جهة درساك، أما بوهيموند الرابع فيهاجم أنطاكية ومعه قوات من دمشق وحماة، وحمص لإغلاق الممرات الجبلية على قواته (5)،
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 411).
(2) تاريخ الأيوبين في مصر وبلاد الشام ص 254.
(3) مفرج الكروب (3/ 217).
(4) المصدر نفسه (3/ 234) تاريخ الأيوبيين ص 254.
(5) مفرج الكروب (3/ 234) ..
(1/96)

أخذ الظاهر غازي يستعد للحملة وأرسل في الوقت نفسه رسالة جوابية إلى عز الدين كيكاوس حملها عبد الرحمن المنجي، فأدى الرسالة وحرّف فيها وزاد فيها شروطاً تضر الملك الظاهر وتوافق عز الدين لعدم كفايته، فسير الملك الظاهر، إلى الملك العادل يستثيره في ذلك، فهجَّن عليه الملك العادل رأيه، وأشار إليه بأن لا يجتمع إليه أصلاً، وعرّفه ما في ذلك من المفاسد، فوقع الملك الظاهر في حيرة عظيمة، بين أن يغدر بما وعد به عز الدين وبين أن يخالف عمَّه الملك العادل وترددت الرسل من عز الدين تستحثه على سرعة الحركة ووصل ابن لاون إلى الملك الظاهر برسالة مضمونها: إلى مملوك السلطان وغرس دولته وقد دخلتُ عليه دخول العرب، وأطلب منه إنقاذي من هذه الورطة، وأكون مملوكه ما عشتُ وقد حفظت بلاد السلطان غير مرة وخدمته، ومنها أن السلطان لما حاصر دمشق المرة الأولى وبقيت البلاد شاغرة من العساكر، ما شغلتُ قلبه ولا أذيت بلده، بل ساعدته وعاونته بمالي ورجالي (1)، وكذلك لما حاصر دمشق المرة الثانية، وقد بُذلت لي الأموال كلها لأشغل قلبه ويفتر عن الحصار فلم أفعل وإن كان الإبرنس قد خدم السلطان، فخدمتي أكثر من خدمته وسوف يبصر السلطان خدمتي وملازمتي بابه الشريف وقد أوصيت ابن أختي الذي نصبته بأنطاكية بملازمة خدمته (2). وبعث ابن لاون مع هذه الرسالة هدية عظيمة فاخرة، فمال الملك الظاهر، إلى قوله، وبقي متردداً (3)
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 235).
(2) المصدر نفسه (3/ 235).
(3) المصدر نفسه (3/ 235) ..
(1/97)

وأبطا الظاهر غازي في الخروج من حلب، وأرسل إليه كيكاوس قاضي آخراً يحثه على الإسراع بالخروج وفي الوقت الذي كان فيه القاضي مجتمعاً به، وصلت إليه أخبار بأن القوات السلجوقية المعسكرة في مرعش، أغارت على البلاط وهي من أعمال حلب وقتلت جماعة من الأرمن وأسرت جماعة أخرى، فأدرك عندئذ نصيحة عمه العادل، فانسحب من الحلف وامتنع عن مساعدة السلاجقة (1) وقال للرسول: أول الدية دُرْديّ؟ (2) لعجب أنكم تطلبون منا المعاونة وتخربون بلادنا (3). واهتم الملك الظاهر بتقوية علاقاته مع عمَّه وفي سنة 613هـ سيّر الملك الظاهر القاضي بهاء الدين بن شداد - إلى السلطان الملك العادل، وكان قبل ذلك قد أرسل القاضي نجم الدين بن الحجاج - نائب القاضي بهاء الدين في الحكم بحلب -، فوجد من الملك العادل قبولاً عظيماً، طيَّب قلبَ الملك الظاهر، وبسط أمله، فأنفذ الملك الظاهر القاضي بهاء الدين شاكراً لإنعامه وطلب منه أموراً ثلاثة: أحدها: أن يكون الملك العزيز محمد ولده ولىَّ عهد أبيه وقائماً بمُلك حلب وبلادها بعده. وثانيها: أن يزَّوج الملك العزيز ابنة الملك الكامل وثالثها: أن يكون صُلح الملك الظاهر وصُلح الملك العادل مع الفرنج واحداً، وفكسهما (4) معهم واحداً (5). قال القاضي بهاء الدين - رحمه الله -: فتوجهت إلى الديار المصرية، فأنهيت إلى السلطان الملك العادل هذه الفصول، فأجاب إلى تولية الملك العزيز عهد أبيه، وإلى الموافقة في الصلح والفكس مع الفرنج، وأما فصل الترويج فقال: هذا لا يتعلق بي، فاجتمع بالملك الكامل وتحدث معه فيه قال: فاجتمعت بالسلطان الملك الكامل، وخاطتبه فيه، فأجابني إليه وأخذت يده على ذلك (6).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 255.
(2) الدردي: هو السم.
(3) مفرج الكروب (3/ 236).
(4) فكسهما: نكثهما.
(5) مفرج الكروب (3/ 237).
(6) المصدر نفسه (3/ 237).
(1/98)

أ- محاولة عز الدين كيكاوس التوسع باتجاه حلب: بعد أن أخضع مملكة أرمينية الصغرى، التفت عز الدين كيكاوس للتوسع باتجاه حلب وضَّم إمارتها إلى أملاكها وجاءته الفرصة التي طالما انتظرها بوفاة الظاهر غازي في عام 613هـ/1216م واعتلاء ابنه العزيز غياث الدين، البالغ من العمر سنتين وبضعة أشهر عرش الإمارة بوصاية والدته ضيفة خاتون ابنة العادل وأتابكة شهاب الدين طغرل (1) وتحركت رغبة التوسع في نفس عز الدين كيكاوس، وقرر الاستيلاء على حلب قبل ترسيخ الحكام الجدد أقدامهم في الحكم مدّعياً بأن المدينة كانت يوماً تحت حكم أعمامه (2)، وحتى يحكم الطوق على المدينة، استغل عز الدين كيكاوس النزاع الذي نشب آنذاك بين أمراء شمالي الشام لاقتسام تركة عز الدين مسعود صاحب الموصل الذي توفي في عام 615هـ/1218م وكان قد أوصى بالملك من بعده لابنه الأكبر نور الدين أرسلان شاه الذي لم يكن يتجاوز آنذاك العاشرة من عمره، على أن يقوم بالوصاية عليه بدر الدين لؤلؤ غير أن عمه عماد الدين طمع بالملك وبخاصة بعد وفاة نور الدين أرسلان شاه المبكرة واعتلاء أخيه ناصر الدين محمود سدة الحكم في الموصل، فهاجم بعض قلاعه بمساعدة مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ بالأشرف موسى بن العادل، بينما طلب مظفر الدين كوكبوري مساعدة كل من عز الدين كيكاوس وناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان الأرتقي، صاحب آمد وحصن كيفا، وصاحب ماردين، واتفق الجميع على الانضواء تحت راية عز الدين كيكاوس، وخطبوا باسمه في بلادهم تعبيراً عن هذه التبعية (3)
__________
(1) المصدر نفسه (3/ 237) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 256.
(2) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 256.
(3) مفرج الكروب (3/ 261 - 263) ..
(1/99)

وسنحت لصاحب قونية فرصة البدء بالتحرك، فالأشرف موسى كان منهمكاً في محاربة الصليبيين في إمارة طرابلس حيث أغار على حصن صافيتا وحصن الأكراد، وأشار عليه بعض أتباعه بأن يصحب معه أحد ملوك الأيوبيين حتى يسهل انقياد الناس والعسكر فلا يشعروا بالتغيير فاستدعى الأفضل علي صاحب سميساط، وكان في طاعته ويخطب باسمه، فلما قدم عليه أكرمه وأهداه الكثير من الخيل والسلاح وتحالفا على التعاون والمسير إلى حلب، واتفقا على أن ما يستولي عليه عز الدين كيكاوس من حلب وأعمالها يكون للأفضل علي وهو في طاعته والخطبة له والسكة باسمه وما يستولى عليه من إقليم الجزيرة، مما في يد الأشرف موسى مثل حران والرها وغيرها، يكون لعز الدين كيكاوس (1)، واستدعى عز الدين كيكاوس أمراء الأطراف وأقام لهم احتفالاً عاماً سمّى خلاله لكل أمير بلدة بالشام تكون إقطاعاً له وذلك تشجيعاً لهم (2)، ثم عقد مجلساً حربياً لاختيار أنجع السبل للتحرك نحو حلب، فتقرَّر سلوك طريق راوندان - رعبان - حلب - نظراً لسهولة طبيعة الأرض (3)، والواقع أن صاحب قونية، عزم على ضّم كافة الأراضي التي سيستولى عليها إلى مملكته وإنما جعل الأفضل علي ذريعة لتحصيل غرضه على الرغم من أنه كان قد راسل جماعة من أمراء حلب يستميلهم واعداً إياهم بمنحهم إقطاعات (4) وتحّرك الجيش السلجوقي باتجاه قلعة رعبان واستولى عليها، ومنحها عز الدين كيكاوس إلى صهره نصرة الدين صاحب مرعش، بينما ذكر ابن الأثير أنه سلَّمها إلى الأفضل على حسب الاتفاق المبُرم بينهما (5)
__________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 57.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 257.
(3) المصدر نفسه ص 257.
(4) ابن العديم (2/ 644) تاريخ الأيوبيين ص 257.
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 257 ..
(1/100)

وتابع الجيش زحفه فوصل إلى تل باشر وحاصرها حتى استسلمت وضمَّها إلى أملاكه ولم يسلمها إلى الأفضل علي، فقلق عندئذ هذا الأخير وفترت همته وقال: هذا أول الغدر، وخشي إن ملك عز الدين كيكاوس مدينة حلب أن يحرمه منها فيكون بذلك قد سعى إلى نقل الحكم من الأيوبيين إلى السلاجقة، لذلك أخذ يسعى لإبعاده عن بلوغ هدفه (1)، فاقترح عليه أن يهاجم بعض المدن والقلاع مثل منبج وغيرها، قبل مهاجمة حلب حتى يؤمن خطوطه الخلفية وهو بذلك يريد أن يشتَّت جهوده ويُضعف قواه (2)، وحتى يقطع الطريق عليه سار إلى منبج ودخلها سلماً، وشرع في ترميم سورها استعداداً لمواجهة محتملة معه (3).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 257.
(2) المصدر نفسه ص 257.
(3) المصدر نفسه ص 257.
(1/101)

ولما علمت الملكة والأتابك طغرل بمسير السلاجقة اضطربا نظراً إلى أن القوات الحلبية ضعيفة لا تقوى على مواجهة الجيش السلجوقي القوي، كما خشي، الأتابك أن يسلم أهل حلب مدينتهم إلى الأفضل علي لميلهم إليه (1)، لذلك كتب إلى الأشرف موسى يستدعيه لنجدة ابن أخته العزيز وكان يعسكر على بحيرة قُذس في مقابلة الصليبيين ونصحه بالتعاون مع أخته لمواجهة الخطر السلجوقي، لأن السلاجقة سوف لا يقفون عند حلب، ووعده بأن يجعل الخطبة والسكة باسمه، ويعطيه ما يختار من أعمال حلب وفي رواية لابن العديم أن الأتابك أرسل إلى القاضي زين الدين إلى العادل يستصرخه على عز الدين كيكاوس والأفضل علي، فكتب العادل إلى ابنه الأشرف موسى يأمره بأن يرحل إلى حلب مع قواته، وأحلّ مكانه المجاهد أسد الدين شيركوه الثاني صاحب حمص في مقابلة الصليبيين (2)، جمع الأشرف موسى قواته وسار بهم إلى حلب، وخيّم بالميدان الأخضر واجتمع مع الأمراء والأعيان واستوثق منهم، ثم تابع طريقه فنزل وادي بزاعة (3)، وانضّم إليه الأمير العربي مانع بن حُدَيثة مع قواته وهو من عرب طي (4) وحارب الحلبيون على جبهتين عسكرية وسياسية وقاد الجبهة العسكرية الأشرف موسى، بينما قادة الملكة الجبهة السياسية بالدها والحيلة، فبذرت بذور الشقاق بين عز الدين كيكاوس وأمرائه (5)
__________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 258.
(2) زبدة حلب (2/ 644) تاريخ الأيوبيين ص 258.
(3) بزاعة: بلدة من أعمال حلب في وادي بطنان.
(4) تاريخ الأيوبيين ص 258.
(5) المصدر نفسه ص 258 ..
(1/102)

واصطدمت طليعة الجيش السلجوقي بالجيش الأيوبي في رحى معركة انتهت بخسارتها وأسر قادتها ولما وصل عز الدين كيكاوس إلى ساحة المعركة على رأس الجيش السلجوقي البالغ أربعة عشر ألفاً، هاله انهزام طليعة جيشه، فتردَّد في خوض المعركة وأمر الجيش بالإنسحاب وانسحب عز الدين كيكاوس إلى البستان وهو يطوي المراحل هارباً لا يلوي على شيء خائفاً يترقب وطارد الأشرف موسى قواته المنسحبة يتخطف أطرافها حتى وصل إلى تل باشر فحاصرها واستولى عليها، كما استولى على رعيان، وتل خالد، وبرج الرصاص، ثم عاد إلى حلب (1).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 259.
(1/103)

ب- وفاة الملك الظاهر صاحب حلب: في عام 613هـ هو سلطان حلب، الملك الظاهر، غياث الدين، أبو منصور، غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب، مولده بمصر في سنة ثمان وستين وخمس مئة وسمع من: أبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن برّيَّ النحويَّ والفضل ابن البانياسي وحدَّث تملك حلب ثلاثين سنة وكان بديع الحسن في صباه، مليح الشكل في رجوليّته، له عقل ودهاء وفكر صائب كان يصادق الملوك الأطراف ويباطنهم ويُوهمهم أنه لولاه، لقصدهم عمه العادل، ويوهم عّمه أنه لولاه، لتعامل عليه الملوك، ولشقُّوا العصا، وكان كريماً معطاءً يتحف الملوك بالهدايا السنيَّة، ويكرم الرُّسُل والشعراء والقُصَّاد وكان عمُّه يرعَى له بمكان بنته، فماتت، فزوجَّه بأختها والدة ابنه الملك العزيز، فلما ولدت زُيَّنت حلب مدة شهرين، وأنفق على ولادته كرائم الأموال وكان قد انضَّم إليه إخوته وأولادهم فزَّوج ذكرانهم بإناثهم، بحيث أنه عقد بينهم في يوم نيفاً وعشرين عقداً وعمّر أسوار حلب أكمل عمارة. وكان مهيباً سائساً، فطناً، دولته معمورة بالعلماء مزينة بالملوك والأمراء وكان محسناً إلى الرعية، وشهد معظم غزوات والده، وكان يزور الصالحين، ويتفقدهم وله ذكاء مفرط وأوصى في موته بالملك لولده من بنت العادل، وأراد أن يُراعيها أخوتُها، ثم من بعده لأحمد، ثم للمنصور محمد ابن أخيه الملك العزيز وفوَّض القلعة إلى طغريل الخادم الروميَّ، توفي سنة ثلاث عشرة وست مئة عن خمس وأربعين سنة وكان في سكرات موته يفيق ويتشهد ويقول: اللهم بك استجير (1) وفي رواية: واشتد مرضه جداً، فذكُر أنه كان يفيق في بعض الأوقات، ويستشهد ويقرأ قوله تعالى: "ما أغني عَني مالية هلك عَنيَّ سُلطانية" ثم يقول اللهم بك أستجير وبرحمتك اثق (2) رحمه الله ورثاه شاعره راجح الحليَّ فقال:
__________
(1) سير أعلام النبلاء (21/ 297، 298).
(2) مفرج الكروب (3/ 240).
(1/104)

سل الخطب إن أصغى إلى من يخاطبه ... بمن عَلقِت أنيابه ومخالبه
نشدتُك عاتبه على نائباته ... وإن كان لا يلوي على من يعاتيه
ج ... إلى الله أرِمي بطرفي ضلالة
إلى أُفق مجد قد تهاوت كواكبه (1)

وفي قصيدة أخرى قال:
منع التأسف قلبي المتبولا ... أن يستطيع إلى السُّلُّو سبيلا

ومنها:
يا دهر قد أسرفت فيما ساءني ... عمداً فخفَّف من أذاك قليلا
ألبستني ثوب الأسى وسلبتني ... عزَّا عدمت له العزاء ذليلا
وضعفتُ من نكبات صرفك بعدما ... قد كنت جلداً للخطوب حَمُولا
غازي بن يوسف لا وحقَّك ما خبت ... نازي ولا نقع البكاء غليلا
أبقيت لي من بعد فقدك أنّة ... تفري الضلوع ورنة وعويلا
مالي أرى الإيوان أصبح بابه ... قفراً وكان جنابه مأهولا
فإن اكتسى ذُلاَّ فكم قد ذُلَّلتْ ... للسائلين قطوفه تذليلا (2)
__________
(1) سير أعلام النبلاء (3/ 298).
(2) مفرج الكروب (3/ 246،247).
(1/105)

7 - العلاقات بين الخوارزميين والأيوبيين:
كانت بداية العلاقات السياسية بين الدولتين الخوازمية والأيوبية بدأت في سنة (615هـ/1218م) قبل وفاة العادل، ففي هذه السنة وصل رسول خوارزم شاه علاء الدين محمد إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر ولم تذكر المصادر عن الغاية التي قدم بها هذا الرسول ومن الراجح أن تكون غايته إقامة علاقة ودية بين الجانبين لأن الملك العادل، بعث بالجواب إلى خوازم شاه، فأوفد إليه جمال الدين محمد الدولعي الشافعي خطيب جامع دمشق، ونجم الدين خليل بن علي الحنفي قاضي العسكر (1)، وكان خوارزم شاه آنذاك في همذان وعندما وصل الرسولان إليهما لم يلتقيا به بسبب مغادرته المدينة إلى بخاري لمجابهة الخطا والمغول، ومع هذا فإنهما اجتمعا بولده جلال الدين الذي أبلغهما بوفاة الملك العادل فرجعا إلى دمشق دون أن تتحقق مهمة لقائهما بخوارزم شاه علاء الدين محمد (2)، وهكذا شاءت الظروف أن يموت الملك العادل في سنة (615هـ/1218م) فشغل خوارزم شاه بمشاكله وفي مقدمتها الغزو المغولي وكان لذلك أثره في عدم تطور العلاقات بين الخوارزميين والأيوبيين في عهد خوازم شاه علاء الدين محمد (3).
__________
(1) الدولة الخوارزمية، د. نافع العبود ص 146.
(2) المصدر نفسه ص 147.
(3) المصدر نفسه ص 147.
(1/106)

8 - العلاقات بين السُّلطنة الأيوبية والفرقة الإسماعيلية:
اقتصرت العلاقات الأيوبية الإسماعيلية على علاقة الأيوبيين بإسماعيلية الشام فقط، ولم يكن لهم أي صلة بإسماعيلية فارس وكان زعيم الإسماعيلية في الشام - أو كما يسمَّونه صاحب الدعوة عندما أسَّس صلاح الدين الدولة الأيوبية - هو راشد الدين سِنان بن سلمان وكان أصله من حصن الإسماعيلّية الرئيسي في الموت بفارس فرأى منه صاحب الأمر هُناك نجابة وشهامة وتدبيراً، فسيره إلى حصون الشام، فوصلها، وجَدَّ في إقامة الدعوة واستجلاب القلوب أيّام السُّلطان، وعزم نور الدين على قصده، لكنه توفي قبل ذلك وفي عهد صلاح الدين حاولوا اغتياله عّدة مرّات ولذلك جعلهم همَّه الأول، وتوجّه نحو أكبر قلاعهم ومقّر قيادتهم في مصياف وألقى الحصار عليهم عام 572هـ، وكله عزم على استئصال شأفتهم من الشام، فشعر الإسماعيّليَّة أنهم أمام خطر حقيقي لم يمكن مواجهته بالاغتيال، ولن يمكن لقلاعهم الصمود أمام قوّاته، مما اضطّرهم لأن يعقدوا اتفقاً مع صلاح الدين بواسطة خاله شهاب الدين الحارمي وبعد ذلك الاتفاق لم نعد نسمع عن اغتيال، أو حتى محاولة الاغتيال أي أمير أو قائد أيوبي من قِبل الإسماعيلية منذ عام 572هـ/1177م، وحتى نهايت الدولة الأيوبية، وبالمقابل لم تُّجرَّد أيُّ حملة أيوبية ضَّد معاقل الإسماعيلية، بل على العكس، دعمت الممالك الأيوبية هذه المواقع كلما تعَّرضت إلى هجوم الفرنجة وعبّر الإسماعيلية عن تحالفهم للأسرة الأيوبية بعد صلاح الدين وذلك عندما تدخلت خناجرهم لتُنهي حياة بكتمر صاحب خلاط الذي أقام تحالفاً معادياً للأيوبيين مع صاحب آمد ومع أتابكة الموصل وسنجار، وساهم ذلك التدخل في إنهاء أخطر تحالف واجه الأسرة الأيوبية في الجزيرة بعد صلاح الدين (1).
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 343).
(1/107)

9 - العلاقات مع الخلافة العباسية: ويبدو أن تقليد الخلفاء دخول الفرنج إليها، يعني تنصيبهم وُلاة حرب وقادة مجاهدين ضَّد الغزاة الفرنج، وربما لم يكن يُوجد ما ينص على ذلك لكنه الشائع والمتعارف عليه في ذلك الوقت، فعندما توفيَّ السلطان صلاح الدين عام 589هـ/1193م، قام ابنه وخليفته الملك الأفضل بتسيير رسول إلى الخليفة في بغداد يحمل له "لامة الحرب التي لصلاح الدين وفرسه وستة وثلاثين درهماً، لم يخلف من المال سواها (1)، إنها رسالة واضحة، فصلاح الدين الدَّين أُعيد إلى الخليفة بعد انتهاء مهمَّته الجهادية وما خلفَّه من مال أعيد - أيضاً - كرمز لولايته الإدارية على البلاد (2) وكان الخلفاء العباسيون غالباً ما يحُاولون استمالة الملوك والأمراء الأُيوبيون بالهدايا وغيرها (3) وكان ملوك بني أيوب يقومون بكل واجباتهم المعنوية تجاه منصب الخليفة، فعندما ما تُوفي علي ابن الخليفة الناصر عام 612هـ/1515م أرسل الخليفة يُعلم ملوك بني أيوب وكان الخليفة يحب ابنه المتوفي أبي الحسن علي حباً شديداً وقد رشحه لولاية العهد من بعده، وكان رحمه الله كثير الصدقة، كريماً كثير المعروف، حسن السيرة، محبوباً عند الخواص والعوام، وكان مرضه الإسهال، فحزن عليه الخليفة حزناً لم يسمع بمثله (4) ولما توفي أخرج نهاراً ومشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدته الخيزران وهي عند قبر معروف الكرخي، فدفن هناك وأغلقت الأبواب وسمع الناس الصراخ العظيم ويقال أن ذلك كان صوت الخليفة ودامت عليه المناحات في أقطار بغداد ليلاً ونهاراً أياماً، فلم يبق في بغداد محله إلا وفيها النوح ولم تبق امرأة إلا وأظهرت الحزن الشديد، ولم يُسمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان ولا حديثه (5)
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 303).
(2) العلاقات الدولية (1/ 306).
(3) المصدر نفسه (1/ 306).
(4) المصدر نفسه (1/ 306).
(5) مفرج الكروب (3/ 330) ..
(1/108)

ولما سمعت الملوك بموته جلسوا في العزاء لابسين شعار الحزن خدمة للخليفة، ورثته الشعراء، فأكثروا؛ فمن رثاه شرف الدين الحليَّ عندما عمل الملك الظاهر غازي - صاحب حلب - عزاءه بقصيدة مطلعها:
أكَذَا يُهدُّ النّيراتُ وَينَطفي ... ويردُّ بالنكبات شاردة الورى
أكذا تغيبُ النيّراتُ وَيَنطَفي ... ما كان من أنوارها متوقَّدا؟

إلى أن قال:
لو كنت بالشهباء يوم تواترت ... أنباؤها لرأيتَ يوما أسودا
يوماً تزاحمت الملائكة العُلَى ... فيه فعزَّ عن عليّ أحمدا
قصدت أميَر المؤمنين رزيهٌ ... عادتُ وقع سِهامِها أن تقصد
هي ضعفت شُمَّ الجبال وأخضعت ... من لم يكن لمذلةٍ متعوَّدا
شنَّت على حرم الخليفة غارة ... شعواءَ غادرت الفخار معَّردا
فسقى أبا حَسَنٍ ثراك ضائعٌ ... لك ليس تَبْرَحُ غاديات عُوَّدَا (1)

ورثاه القاضي كمال الدين بن النبيه المصري لما عمل الملك الأشرف ابن الملك العادل عزاءه بقصيدة مطلعها:
الناس للموت كخيل الطِراد ... فالسابقُ السابق منها الجواد
والله لا يدعو إلى داره ... إلا من استصلح من ذا العباد
والموت نقّاد على كَفَّهِ ... جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظَّلِ ولابد أن ... يزول ذاك الظلُّ بعد امتداد
لا تَصُلُح الأرواح إلا إذا ... سرى إلى الأجساد هذا الفساد

ومنها:
خليفة الله اصطبر واحتسب ... فما وهي البيت وأنت العماد
بالحلم والعلم بكم يُقتدى ... إذا دجا الخطبُ وضَلَّ الرَّشاد (2)
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 230).
(2) المصدر نفسه (3/ 232).
(1/109)

وما فعله الخليفة العباسي من الحزن على ابنه بالصورة التي ذكرنها يتنافى مع الإسلام من إدامة المناحات في أقطار بغداد ليلاًونهاراً أياماً إلا وأظهرت الحزن الشديد ولم يسمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان ولا حديثه، فمن آداب الإسلام في المصائب الصبر عليها لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى (1). واحتساب المصيبة والصبر عليها؛ فينبغي أن يلتمس الأجر من الله تعالى من هذا الصبر، فيصبر ابتغاء موعود الله من الأجر والثواب ويصبر لأن أمره بالصبر، فقال عز وجل "واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" (لقمان:17) ويتذكر أن فقد عزيزاً لديه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة (2)، ومن الآداب أيضاً: الاسترجاع ودعاء المصيبة، فيقول المرء عند نزول المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خير منها، فقد قال الله عز وجل " وبشر الصابرين الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون أولئَك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون" (البقرة، آية:155 - 157). وقال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها (3). قالت أم سلمة: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله (4)
__________
(1) البخاري رقم 1283.
(2) البخاري رقم 4624.
(3) مسلم رقم 918.
(4) المصدر نفسه رقم 918 ..
(1/110)

وكذلك اجتناب كل ما يغضب الله من جنس الجهر بالسوء من القول، واللطم، وشق الجيوب، وحلق الشعور، والنياحة والشكوى إلى الناس والدعاء بالموت والويل والثبور وغير ذلك، فهذا كله يغضب الله تعالى، وينافي الصبر على، المصائب والرضا بها (1) ومن ذلك تذكر القضاء السابق، فإن المسلم متى ما أيقن إن هذه المصائب مكتوبة ومقدرة ومتى ما استحضر في ذهنه أن كل ما قدره الله فهو لابد كائن واقع لا محيد عنه وأن لله تعالى حكمة في تقدير هذه المصائب هانت عليه المصائب قال تعالى "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" (الحديد، آية: 22،23). هذا تعليق على موقف الخليفة العباسي الناصر من وفاة ابنه.
__________
(1) موسوعة الآداب الإسلامية (2/ 788).
(1/111)

وكان ملوك بني أيوب يقومون بُكل واجباتهم المعنوية تجاه منصب الخليفة، وكان ملوك بني أيوب يُجدَّدون الولاء للخُلفاء العباسيين عبر أداء قسم الولاء أو ما كان يعرف بالتحليف (1)، ولم تنقطع الرّسل بين ملوك بني أيوب وبين ديوان الخلافة، فكان يندر أن يخلو عام من رُسُل تتردَّد برسائل وغيرها منذ أيَّام الملك العادل، فقد أرسل العادل إلى الخليفة الناصر عام 614هـ/1217م وعاد جوابها مع الشيخ صدر الدين بن حموية (2)، وكان رسول الخليفة - في ذهابه، وإيابه في أداء مهمته يقابل الملوك الواقعين على طريقه، فعندما مّر مرّ شهاب الدين السهروردي رسول الخليفة الناصر بحلب عام 601هـ/1205م يحمل التشريفات للملك العادل استُقبل فيها استقبالاً عظيماً، وجلس في مسجدها الجامع للوعظ، وحضر مجلسه كبار رجال حلب (3)، ولابد أن الاستقبال نفسه كان له في حماة وحمص (4) ولم تكن سفارات الخليفة إلى بني أيوب لأمور تتعلق بالخلافة ودولتها، فقط، بل كان قسم كبير من هذه السفارات يتعلق بأمور داخل البيت الأيوبي أو يتعلق بأمور بين الأيوبييَّن وملوك آخرين فعندما كان الملك العادل يُحاصر سنجار عام 606هـ / 1210م قِدم هبة الله بن المبارك بن الضحاك رسولاً من الخليفة الناصر يطلب منه ترك حصار سنجار، ويشفع في صاحبها (5)، فوافق العادل وانسحب، وفي الحقيقة، كانت استجابته لطلب الخليفة تغطية لانسحابه من حصار فاشل (6)،
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 307).
(2) السلوك للمقريزي (1/ 308).
(3) مفرج الكروب (3/ 180).
(4) النظم الدبلوماسية ص 59 صلاح الدين المنجد.
(5) السلوك للمقريزي (1/ 289).
(6) العلاقات الدولية (1/ 309) ..
(1/112)

ومع انقسام دولة الخلافة العبّاسية الفعلي وسيطرة ملوك وأمراء وقادة وزعماء وشيوخ وغيرهم على مناطق مُتعددَّة من جسم الدولة، منها ما كان يشكل دول كبيرة جداً، ومنها إمارات صغيرة وأحيانا، قلعة أو بلدة لها حاكمها الخاص، وهو يتصَّرف بكل الشُّوُون السياسية والعسكرية والداخلية باستقلالية تامة، ومع كل هذا الانقسام بقيت هناك سلطةٍ اسمية للخليفة على كل الدولة والدويلات المستقلة، انطلاقاً من أن الخلافة هي منصب ديني والخليفة هو إمام المسلمين ومرجعهم الأعلى دينياً وسياسياً؛ لأن البلاد بكاملها كانت لدولة الخلافة، وكل سيطرة على أيّ منطقة منها ليست شرعية، وصاحبها لا يملك الحق الشرعي في الحكم، لذلك كان كل منهم مُضطرّّاً - بشكل أو بآخر - أن يُقرَّ سلطة اسمية للخليفة في بلاده، وكان خلفاء بني العبّاس المتأخرَّون يرضون بهذه السيطرة الإسمية التي لا تتعدَّى ذكر اسمهم في خطبة الجمعة على منابر المساجد، بحيث يسبقه اسم الملك المحلي، ونقش اسمهم على العملة التي يسكّها هذا الملك، أو ذاك، ضمن أراضي البلاد، التي كانت - فيما مضى - تسُمَّى أراضي الخلافة العبَّاسية وكان هناك شكل رسمي بُروتوُكُولي لموافقة الخليفة التي كانت مضمونة دائماً على أن يشمل بشرعية حكم الملوك المنتُفَّذين في أطراف الدولة (1).
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 313).
(1/113)

أ- التقليد: ويعني التولية، وهي من قلَّدتُهُ أمر كذا؛ أي وليُتهُ عليه، فالتقليّد هو مرسوم سياسي يصدر من ديوان الخلافة لتكليف شخصي ما بالحكم في بلد، أو بلاد مُعينَّة وقد حرص الملوك الأيوبيون حرصاً كبيراً على أن يتولىَّ كُلُّ منهم عمله بمباركة شريفة من الخليفة تتجليّ بمنحه التقليد، ففي عام 604هـ عندما سيطر العادل على مملكة مصر وعلى دمشق والبلاد الجزرية أرسل أستاذه داره الدكز العادلي والقاضي خليل بن المصمودي قاضي العسكر إلى الخليفة في بغداد: لطلب التقليد على مصر والشام والجزيرة فأكرما، وأُجيبا (1)، وزيادة في التكريم أرسل الخليفة معهما الشيخ شهاب الدين السهروردي ونور الدين التركي الخليفتي (2)، يحملان من الخليفة إلى العادل: تقليداً بالبلاد التي تحت حكمه (3)، وقرأ صفي الدَّين بن شكر وزير العادل التَقليد الذي أرسله الخليفة على كرسي نُصب له (4)، مما يوضح لنا بأن التقليد هو مرسوم سياسي إداري ديني يصدره الخليفة بتولية جُزء من أراضي الخلافة إلى شخُص يذكر اسمه في التقليد مقروناً بصفات التقدير والتعظيم (5).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 180).
(2) الموسوعة الشاملة د. سهيل زكار (21/ 256).
(3) المختصر، أبو الفداء (3/ 109) العلاقات الدولية (1/ 314).
(4) مفرج الكروب (3/ 180).
(5) العلاقات الدولية (1/ 314).
(1/114)

ب- التشريف: أو خلعة التشريف، وهو جُبَّة أو عباءة بلون أسود، لذلك قد يُسمى التشريف الأسود (1)، والسواد هو شعار بني العبّاس (2)، وتكون خلعة التشريف مُذهَّبة عادة، وتسمَّى التشريف الإمامي (3)، فهي تشريف من الإمام، أيْ الخليفة العَّباسي للشخص المُرسَل إليه. وكان رسول الخليفة يقوم بوضع التشريف على أكتاف الملك المُرسَل إليه، بعد قراءة التقليد فيلبسه، ويسير به في شوارع بلده أو بين خواصَّه (4) فعندما وصل إلى السلطان النَّاصر صلاح الدَّين التقليد والتشريف من الخليفة عام 576هـ 1180م "ركب الناصر بالتشريف (5) ". وفي عام 604هـ - 1208م، وصل تشريف من الخليفة النّاصر إلى السُّلطان العادل، وإلى أولاده ووزيره "فركب العادل وولداه ووزيره بالتشريفات إلى ظاهر البلد، ثُمَّ عادوا إلى (6) القلعة.
__________
(1) السلوك للمقريزي (1/ 425) العلاقات الدولية (1/ 315).
(2) رسوم دار الخلافة، الصابيء ص 93 العلاقات الدولية (1/ 315).
(3) مفرج الكروب (5/ 350) العلاقات الدولية (1/ 315).
(4) مفرج الكروب (3/ 180) العلاقات الدولية (1/ 315).
(5) الموسوعة الشاملة (21/ 256) العلاقات الدولية (1/ 315).
(6) مفرج الكروب (3/ 180) العلاقات الدولية (1/ 315).
(1/115)

ج- الخلعة: وهي ما يخلعه الخليفة أو الملك على أحد من الناس وكان خلفاء بني العبّاس كثيراً ما يهبون الخلع لأتباعهم وأنواع الخلع التي كات تُرسل إلى ملوك بني أيوب كانت – غالباً – ما ترافق التقليد وتكمل التشريف وهي خلع أصحاب الجيوش وولاة الحروب، فملوك بني أيوب كانوا وُلاة دار الحرب في مواجهة الفرنج منذ أن قامت دولتهم والخلعة – في كثير من الأحيان – كانت تعني موافقة الخليفة على تقليد الملك في بلاده، وهي عادة – تتكون من عمامة سوداء ورداء فضفاض – عباءة – أسود مُبطَّن، مُوشَّى بالذهب، وسيف مُحلىَّ بالفضَّة والذهب، له حمائل مُوشَّاة أيضاً. ثم يأتي الحملان، وهو حصان، سرج مُزيَّن، وكانت هُناك زيادة على هذه الخلع المتعارف عليها تُزاد لأصحاب الفتوح من القُوَّاد وهي طوق وسوارين من الذهب (1)، وهذه الزيادة أُعطيت لقَّواد دولة الخلافة، ولم تُرسل مع الخلع إلى ملوك بني أيُّوب إلا نادراً، ففي عام 599هـ/1203م، أرسل الخليفة الخلعَ إلى الملك العادل، وأولاده فلبسوها (2)، ولم يُذكر أنها تضُّم الطَّوف والسوارَين. أمَّا في عام 605هـ، فقد وصل إلى بغداد من دمشق قاضي عسكر الشَّام ابن المعمودي (3)، رسولاً من الملك العادل، وتسلَّم الخلع للعادل وأولاده، وكان في خلعة العادل الطَّوق والسوارات (4)، وأرسل معهم الخليفة الشيخ شهاب الدَّين السهروردي رسولاً لحمل الخلعة، واهتَّم العادل كثيراً بهذا الخلعة، فقد أرسل العسكر للقاء الرسول، فتلقوه في الغسولة (5)، وخرج العادل وتلقّاه في القصير (6)
__________
(1) رسوم دار الخلافة الصابئ ص 93 العلاقات الدولية (1/ 316).
(2) الموسوعة الشاملة د. سهيل زكَّار (20/ 61).
(3) النجوم الزاهرة (6/ 348) العلاقات الدولية (1/ 317).
(4) الموسوعة الشاملة (20/ 122) العلاقات الدولية (1/ 317).
(5) الغسولة: قرية تقع شمال دمشق.
(6) القصيرة: قرية على طريق حمص، شمال دمشق ..
(1/116)

مع ولديه الأشرف والمعظم، وغُلقَّت الأسواق وخرج الناس كلهم وكان يوماً مشهوداً "ثم جلس العادل بقلعة دمشق ولبس الخلعة" وطوَّق بطوق ذهب ثقيل (1). إنه تقدير كبير من الخليفة النَّاصر للملك العادل، واهتمام أكبر من العادل يدل على مستوى أهميَّة تقليده بالخلعة والطَّوق، فقام العادل وأولاده وملوك بني أيوب بإغداق الهدايا والتحف (2).

المبحث الثالث: الحملة الصليبية الرابعة وسقوط القسطنطينية:
دخلت الأسرة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين في نزاع وخلاف وصراع على السلطنة الأيوبية مما أضعف تنفيذ مشروع الدولة النورية ودولة صلاح الدين في تحرير بلاد الشام من الوجود الصليبي، وحاول الصليبيون الاستفادة من الصراع في البيت الأيوبي، وبالمقابل لم تخل هذه الفترة من ردود أيوبية على اعتداءات الصليبيين الموجودين في بلاد الشام أو المجموعات الصليبية التي كانت تزج بهم البابوية إلى ساحات الشرق الإسلامي بهدف إعادة السيطرة الصليبية على بيت المقدس وإذا كانت هذه الفترة قد شهدت نشاطاً صليبياً قادماً من الغرب الأوروبي إلا أنها لم تخل من محاولات صليبي الشرق من الاعتداء على مناطق مختلفة في بلاد الشام (3) وكانت القوى الصليبية رغم الظروف التي مرت بها، كانت تطبق جزءاً من استراتجيتها العامة والتي من خطوطها العريضة
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 317) القصير قرية على طريق حمص شمال دمشق.
(2) العلاقات الدولية (1/ 317).
(3) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 149.
(1/117)

1 - محاولة الصليبيين الدائبة للسيطرة على المواقع الإستراتيجية لإتخاذها نقاط ارتكاز لتهديد المناطق الإسلامية وقد وضح ذلك في غاراتهم المتكررة على منطقة حماه بهدف السيطرة على قلعة بارين (بعرين).
2 - منع وإعاقة أي أعمال تحصينية في الجانب الإسلامي وقد وضح ذلك من موقفهم المعادي من عمليات التحصين التي قام بها الملك المعظم عيسى صاحب دمشق حين عمل على بناء وتحصين قلعة على جبل الطور، رأى فيه الصليبيين تهديداً جديداً لمواقع سيطرتهم وعملوا على مقاومة ذلك بشتى الوسائل والسبل (1).

3 - محاول استغلال الهدن والإتفاقيات التي تعقد مع طرف آخر، كما وضح ذلك بعد توقيعهم هدنة مع الملك العادل سنة 601هـ/1203م فاستغلوا ذلك لمهاجمة حماه.

4 - حرص الصليبيون على إبقاء الروح الصليبية فاعلة على الساحة الأوروبية، وقد تمثل ذلك بنجاحهم في العمل على جعل الغرب الأوروبي يرسل حملات صليبية جديدة.

5 - عملت القوى الصليبية في هذه الفترة على تركيز جهودها على الجبهة المصرية، استمراراً للاسترتيجية الصليبية التي بدأت تتبلور بعد هزائمهم منذ أيام صلاح الدين، هذه الاستراتيجية التي ترى ضرورة السيطرة على مصر بما يشكل للصليبيين ضماناً لاستمرار وجودهم في بلاد الشام (2).

وقد كانت الغارات بين القوى الصليبية والدولة الأيوبية في هذه الفترة مستمرة، باستثناء الفترات التي توقع فيها معاهدات صلح أو هدن بين الطرف الصليبي وأحد حكام الأيوبيين، كما حصل تقدم من جانب الصليبيين سيطرتهم على بعض المواقع إما رداً على تقدم إسلامي أو استغلال لحالة ضعف إسلامية، وكذلك الحال فيما يتعلق بالجبهة الإسلامية التي استولت على بعض المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة الصليبية كما أنها أجبرت أحياناً على التنازل على مناطق أخرى (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 150.
(2) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 150.
(3) المصدر نفسه ص 150.
(1/118)

أولاً: جهاد الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر: ففي سنة 599/ 1203م حاولت القوى الصليبية المتواجدة في حصن الأكراد والمرقب الاعتداء على ممتلكات حماه، وبالأخص لمحاولة منهم للسيطرة على قلعة بارين (بعرين) ولكن الملك المنصور بن تقي الدين عمر حاكم حماة الملك المنصور تمكن بمساعدة القوى الأيوبية في حمص وبعلبك وحلب من الانتصار عليهم (1) وكانت المعركة التي خاضها الملك المنصور بعد أن تجمع الصليبيون من حصن الأكراد وطرابلس والحصون التي حولهّا وجاءوا في فارسهم وراجلهم وركب المنصور في العساكر التي معه، وتقدم إليهم، وقاتلهم، فهزمهم، وأخذ جماعة من مقدميهم وخيّالتهم، وبعث بهم إلى حماة، فدخلوها راكبين خيولهم لابسين عُدَدَهم وبأيدهم رماحهم وكان يوماً مشهوداً وفي ذلك يقول بهاء الدين أسعد يحي السنجاري قصيدة يمدحه بها، ويهنئه بهذا الفتح الجليل:
المجُد يُدرَكُ بالعسَّالة الذُيل ... والمشرفية لا بالوعد والأمل
والجَدُّ في الجِدَّ، فاجْنُبها مُسَوَّمة ... يقود أسدُ بالأَينْقِ الذُلُل
ماَلَّذةٌ العيش إلا صوت مَعُمَمعةٍ ... يُنَالُ فيها الُمن بالبيض والأسل
يا أيها الملك المنصور نصح فتى لم يَلُوه ... عن وفاء كَثرةٌ العَذَلِ
اعْزمْ ولا تترك الدنيا بلا مَلِكِ ... وجَدَّ فالملك محتاج إلى رجُل
وأبرز إلى الموت يوم الرَّوع مُدَّرِعاً ... قلبا إذا زالت الأفلاك لم يَزُلِ
وهمَّ في طلب العلياء مرتقباً ... وأرسل الجيش أبدالاً من الرَُسُل
واهصر عِداك، كهصر الليث طعمته ... وصل إذا الليث في الهيجاء لم يصل (2)

ومنها:
يا أوحد العصر، يا خير الملوك ومن ... فاق البرية من حاف ومنتِعلِ
أسهرت عَيْنَيْكَ في كسب العُلا ولكم ... من بات يسهرها في اللهو والجذل
جاهدت في الله طوعاً والملوك غدوا ... يستهترون بذات الحَلْى والحُلَلَ
يداك باطنها للجود منذ خلقت فينا ... وطاهرها للثُمِ والقُبل
__________
(1) المصدر نفسه ص 150.
(2) مفرج الكروب (3/ 145).
(1/119)

وأنت شرفت أيوبا على شَرَفٍٍ ... فيه وفقت كرام السادة الأوَل
أغمدت بيض المواضى في الرَّقاب وقد ... حَليَّتَ عاطِلها ضرباً من القُلَلِ
عاجلتهم بالمنايا والحتوف فلا تترك ... لهم أجلاً يبقى إلى الأجل
صَفَّدهم عاجلاً واجعل حصونهم ... سجونهم فهم في غاية الفَشَلِ (1)

ولما كسر الملك المنصور - صاحب حماة - الفرنج كتب إلى عمَّه السلطان الملك العادل يعَّرفه ذلك فورد عليه كتاب الملك العادل ثامن عشر شهر رمضان ومنه: وردت مكاتبة المجلس، ووقف الخادم عليها، وفهم ما أشار إليها من يُمن حركته، وسعادة وجهته، وبركة نصرته، ودخوله إلى بلاد الكفار، وما أثَّره فيها وفيهم من جميل الآثار فاستبشر بما دلتَّ عليه من هذه النعم الراهنة والعوارف الظاهرة والباطنة، والله تعالى يجازيه أحسن الجزاء، ويضاعف له من الحسنات أوفر الأجزاء، ويرحم سلفه الكريم، ويحسن له في الحديث والقديم، ويؤيده في كل حركة بأحزاب الملائكة (2)،
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 145).
(2) المصدر نفسه (3/ 145) ..
(1/120)

ووصل في هذه المدة رسول من الداويَّة إلى الملك المنصور يخبر فيه بوصول الفرنج إلى عكا من داخل البحر في نحو ستين ألف فارس وراجل، وأنهم يقصدون جهة جبلة واللاذقية وحاول ذلك الرجل تضخيم أمر الصليبيين وأنهم تجمعوا في حلف عظيم مع بعض الصليبيين في الشرق، واصطلحوا فيما بينهم وأنهم خارجون إلى الشام في عيد الصليب، وإنما قصدت الداويّة بهذه الأخبار الإرهاب ليُصالح الملك المنصور بيت الاسبتار، فإن الداوية سألهم الاستبار التوسط بينه وبينهم فأجاب الملك المنصور: بأنا لا نجزع بما تقول ولا نكترث، ولو أنهم أضعاف ذلك لناجزتهم، فقد تحققنا قصدهم لنا، وعلمنا ذلك ولا سبيل إلى مصالحة الاسبتار بوجه فضرع الرسول حينئذ، وسأله تقليد الداوية المائة في صلحهم واعتذر من قوله الأول، فأجابه إلى ملتمسه، فَسُرَّ الرسول بذلك وقام وكشف رأسه وقبَّل يده وورد كتاب الملك العادل يخبره فيه بالفرنج الخارجين من البرح وتوجههم إلى جهة اللاذقية وغيرها من البلاد (1).

وفي الحادي وعشرين من شهر رمضان سنة 599هـ خرج جمع من الصليبيين من حصن الأكراد والمرقب ومن وصل إليهم وأغاروا على عمل بعرين، فرتب الملك المنصور صاحب حماة، عسكره وقصدهم والتقاهم فكسرهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر منهم وانهزم آخرون لا يلوون على شيء، وكانوا قد كمنوا لهم كمينا، هم: مائة فارس، وألف وخمسمائة راجل، فلما علموا بالكسرة ولوا هاربين وحمل الأسرى إلى حماة (2).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 147).
(2) المصدر نفسه (3/ 149).
(1/121)

ثانياً: جذور الصراع بين الأمبراطورية البيزنطية وبابا الفاتيكان:
تحدثت كتب كثيرة على الحملة الصليبية الرابعة، مثل، أثر العامل الديني في توجيه الحركة الصليبية للدكتور محمد صالح منصور، وتاريخ الحروب الصليبية، سعيد عبد الله البيشاوي ومحمد مؤنس والجهاد ضد الصليبيين في العصر الأيوبي د. فايد حماد عاشور، والعلاقات الدولية في الحروب الصليبية للدكتور منذر الحايك، وتاريخ الحروب الصليبية، لمحمود سعيد عمران والغزو الصليبي والعالم الإسلامي للدكتور علي عبد الحليم وغيرهم كثير وفي حقيقة الأمر، أن ما يعرف بالحملة الصليبية الرابعة ليس من اليسير على الباحث أن يجعل بداياتها مرتبطة بأوائل القرن الثالث عشر الميلادي/السابع الهجري، بل من المتصور أن تلك الحملة لها بدايات مبكرة امتدت على مدى قرون عديدة من تاريخ القارة الأوروبية في المرحلة القروسطية، ومن الأفضل تتبع الجذور التاريخية التي أدت إلى حدوث ما حل بالقسطنطينية من مصيبة (1).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب د. محمد عوض ص 253.
(1/122)

1 - الأمبراطور قسطنطين الكبير: غادر الأمبراطور قسطنطين الكبير (305 - 337م) روما القديمة، على ضفاف التيبر، واتجه إلى إقامة عاصمة جديدة هي القسطنطينية أوروما الجديدة على ضفاف البسفور التي افتتحها بالفعل في 11 مايو 330م، وقد عاشت الأخيرة في قلب حضارات العالم القديم المصرية والفارسية واليونانية ونهلت من ذلك الميراث الحضاري الخصب، وبمرور القرون ازدهرت تلك المدينة ازدهاراً بالغاً ومع انهيار روما القديمة عاصمة الإمبراطورية الرومانية على أيدي العناصر الجرمانية بقيادة ادواكر، وإسقاط حكم رومولوس، أوجستيلوس عام 476م، ثم بقاء القسطنطينية بعيدة عن التأثير الجرماني الكاسح المدمر، بدأنا ندرك أن هناك فوارق حضارية أخذت في الاتساع بين الطرفين الشرق البيزنطي والغرب الأوروبي ولا يستطيع الباحث المنصف حتى القرن الثاني عشر الميلادي/السادس الهجري إلا ويدرك أن هناك ما يمكن وصفه بالفجوة الحضارية بين الجانبين، مع ملاحظة أنه منذ القرن المذكور بدأت تلك الهوة تضيق نسبياً بينهما من خلال ظهور ما يعرف بنهضة القرن الثاني عشر؛ وهي أخطر النهضات الأوروبية في مرحلة القرون الوسطى بصفة عامة، ومع ذلك ظل البيزنطيون ينظرون إلى الغرب الأوروبي نظرة ازدراء واحتقار، لقد شعروا بأنهم خلفاء الرومان، وحتى الإمبراطور البيزنطي نفسه كان يصف نفسه بالإمبراطور الروماني، ولم تكن بيزنطة تعترف بوجود إمبراطور آخر في الغرب الأوروبي ومعنى ذلك أن كلا من الجانبين افتقد القدرة على الاعتراف بالآخر وهذه زاوية محورية من أجل فهم أبعاد الصدام الذي حدث في عام 1204م/602هـ (1).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 254.
(1/123)

2 - الصراع العقائدي بين الشرق البيزنطي والغرب اللاتيني:
لم تكن الهّوة الحضارية هي كل ما في الأمر، بل إن الصراع العقائدي، لعب دوراً بارزاً هو الآخر، من أجل تعميق التباعد بين الجانبين ولعل من الأحداث البارزة التي تجعلنا ندرك حجم الموقف التدهور بينهما، قطيعة فوشميوس عام 869م/268هـ ثم الانشقاق الأعظم 1054م/446هـ وقد أدت إلى نتائج بعيدة المدى في العلاقات بين الشرق البيزنطي والغرب اللاتيني، وقد وقعت القطيعتان المذكورتان بعد مقدمات لهما منها؛ نجد أنه في أواخر القرن السادس الميلادي تزايد الخلاف بين الجانبين عندما اتخذ بطريرك القسطنطينية لقب المسكوني، وبذلك أعطى لنفسه صفة العالمية، وهي صفة ارتبطت كنيسة روما بها على اعتبار أن مؤسسها هو القديس بطرس وأنها بالتالي سيدة الكنائس، وقد أظهر اعتراضه على ذلك بابا جريجوري الكبير الذي عمل من قبل عدة سنوات في القسطنطينية بوصفه وكيلاً للبابا قبل توليه منصبه البابوي، ولا ريب في أن ذلك يعكس لنا أن التنافس والصراع بين الكنيستين حول الزعامة العالمية له جذوره التاريخية الفاعلة (1)، زد على ذلك، أن القرن الثامن الميلادي/الثاني الهجري، شهد مرحلة مهمة من الخلاف بين الطرفين، وذلك من خلال السياسة التي أتبعها بعض أباطرة الأسرة الأيسورية (717 - 741م/99 - 124هـ) ومن بعده ابنه قسطنطين الخامس (741 - 775م -124 - 159هـ) وقد غضبت البابوية في الغرب وتمثل ذلك في البابا جريجوري الثاني 0715 - 731م/113هـ) (2)، الذي رأى في تلك السياسة البيزنطية نوعاً من التأثر باليهود والمسلمين (3) وقد اجتمع مجلس من الأساقفة في الغرب الأوروبي دعا إليه البابا المذكور، وصب ذلك المجلس اللعنة على الأباطرة الأيسوريين الذين حطموا الأيقونات (4)،
__________
(1) العلاقات السياسية والكنيسة بين الشرق البيزنطي ص 326.
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 25.
(3) المصدر نفسه ص 255.
(4) معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية ص 102 ..
(1/124)

وبصفة عامة عد الصراع حول الإيقونات مرحلة مؤثرة في زيادة الهوة بين الطرفين البيزنطي واللاتيني (1).

3 - البابوية توجه لطمة قوية للإمبراطورية البيزنطية:
وجهت البابوية لطمة قوية للإمبراطورية البيزنطية من خلال اتجه البابا ليو الثالث (2) (795 - 816 - 201هـ) إلى تتويج شارلمان (768 - 813م/105 - 198م) امبراطوراً في عام 800م/184هـ في كنيسة القديس بطرس في روما وكان ذلك يعني ظهور امبراطور في الغرب الأوروبي ينافس الإمبراطور البيزنطي، وأرادت البابوية، ممارسة لعبة توازن القوى بين الإمبراطورين، غير أن الإمبراطورية البيزنطية لم تكن لتعترف بذلك الإمبراطور الجديد، ولم يكن لإمبراطور القسطنطينية أن يقبل بكونه نصف إمبراطور ومن المؤكد أن البابوية بتتويجها شارلمان امبراطورا؛ قطعت آخر الخيوط التي تربطها بالإمبراطورية البيزنطية، ويعلق أحد المؤرخين على الموقف قائلاً: لا شك في أن تتويج شارلمان كان طعنة نجلاء، صوبتها البابوية إلى الأباطرة الرومانية من جهة وينظرون إلى كل الفرنجة على أنهم برابرة، لا أكثر من جهة ثانية، ولذا رفضت الحكومة الإمبراطورية في القسطنطينية الاعتراف بالإمبراطور الجديد (شارلمان)، وبدأ في نظرها مدعياً ومغتصباً بل "وتافهاً وسخيفاً" على حد قول باراكلاف، وفي نفس الوقت أصبح البابا في نظر البيزنطيين مجرد مواطن متمرد، وجاحد لأنه قام بتتويج شارلمان الفرنجي (3).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بني الشرق والغرب ص 255.
(2) الحروب الصليبيةة العلاقات بين الشرق والغربب ص 256.
(3) العلاقات السياسية والكنيسة ص 328.
(1/125)

4 - قطيعة فوشيوس في عصر الأسرة المقدونية:
أحداثها في عصر الأسرة المقدونية (867 - 1057م) (253 - 490هـ) وخاصة في عهد الإمبراطور بازل الأول (867 - 886م/253 - 273هـ) ويلاحظ أن الأسقف البيزنطي فوشيوس (858 - 867م/244 - 253م). (877 - 886م/264 - 273هـ) كان قد كتب مقالاً، هاجم فيه ما أسماه بانحراف قانون الإيمان عند اللاتين بسبب إضافة كلمة أو الروح القدس المنبثق من الابن أيضاً " وقد أوضح أن تلك الإضافة تعد انحرافاًً عما اتفق عليه آباء الكنيسة الأوائل في المجامع المسكونية التي عقدت من أجل الاتفاق على صيغة محددة حول طبيعة السيد المسيح، وقد اعتقد فوشيوس أن تلك الإضافة تعد بدعة تؤدي إلى الخلط بين طبيعتي كل من الآب والابن (1).

5 - مقتل الإمبراطورر ميخائيل الثالث: وقع انقلاب في القسطنطينية عام 867م/253هـ انتهى بالفتك بالإمبراطور ميخائيل الثالث واعتلاء بازل الأول العرش وقد تم تعيين اغناطيوس اسقفاً وعزل فوشيوس، ومن بعد ذلك تم عقد مجمع في العاصمة البيزنطية عام 869م/256هـ وفيه تم إدانة فوشيوس ولعنه (2)، ويلاحظ أن الباباا يوحنا الثامن (872 - 882م) (259 - 269هـ) اتجه إلى فوشيوس ولعنه (3)، وشاركه في ذلك جمع من البابوات، بل أنه في نهاية القرنين التاسع الميلادي/الثالث الهجري، وأوائل العاشر الميلادي/الرابع الهجري ظهرت موجة عدائية في الغرب الأوروبي ضد بيزنطة بسبب قضية فوشيوس وتم لعنه وكذلك كنيسة القسطنطينية التي ظهرت على أنها مهرطقه ومارقة (4).
__________
(1) روما وبيزنطة نقلاً عن الحروب الصليبية د. محمد مؤنس عوض ص 2257
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 257.
(3) المصدر نفسه ص 257.
(4) المصدر نفسه ص 257.
(1/126)

6 - الإنشقاق الأعظم: وقع الإنشقاق الأعظم عام 1054/ 446هـ ويلاحظ أن عناصر النورمان في جنوب إيطاليا زحفوا على ممتلكات البابوية بعد أن توسعوا في أملاك الإمبراطورية البيزنطية هناك واتجه البابا ليو التاسع (1049 - 1054م/441هـ-446هـ) إلى التحالف مع الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع موناخوس (1049 - 1055م/441 - 447هـ) من أجل العمل ضد النورمان عسكريا، ويلاحظ أن بطريرك القسطنطينية في ذلك الحين تمثل في ميخائيل الأول كيرولاريوس (1043 - 1058م/435 - 450هـ) وقد رفض التحالف بين بيزنطة والبابوية على اعتبار أن ذلك من شأنه الإضرار بمصالح بيزنطة لأنه سيفتح الأبواب على مصاريعها من أجل التدخل البابوي في الشؤون الكنسية الخاصة بها (1)، وقد بدأ النزاع عندما وصلت إلى مسامع كيرولاريوس أخبار تفيد بأن النورمان أعاقوا اليونانيونين في جنوب إيطاليا عن ممارسة شعائرهم الدينية والخطير في الأمر أن ذلك بموافقة كنيسة روما، وكرد على الموقف أمر بطريرك البيزنطي الكنائس الاتينية في العاصمة البيزنطية بأن تتبع الشعائر اليونانية، عندما أثبت ذلك أصدر أوامره بإغلاقها في نهاية 1053م/445هـ.
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 258.
(1/127)

7 - تجدد العداء بين البابوية وبيزنطة: لم يستطع البابا ليو التاسع أن يقف مكتوف اليدين أمام ذلك الموقف فقد أرسل إلى الإمبراطور البيزنطي يتهم كيرولاريوس، ومن ثم تجدد العداء بين الكنيستين من جديد وبصورة أشرس من ذي قبل ووصل الأمر إلى حد أن أصدر البابا ليو التاسع قراراً بالحرمان، لم يشتمل كيرولاريوس فقط بل كنيسة القسطنطينية أيضاً، ووضع قرار الحرمان في مذبح كنيسة أبا صوفيا، بالعاصمة البيزنطية، ويلاحظ أن الشعب البيزنطي تعاطف مع بطريركه ضد كنيسة روما، غير أن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً وزادت الهوة بين كنيستي روما والقسطنطينية، ومع ذلك، هناك من يرى أن أحداث قطيعة عام 1054/ 446هـ، كانت أكثر إثارة من النتائج التي ترتبت عليها، فالأمر لم يكن انشقاقاً بصورة نهائية ومن زاوية أخرى، من المهم ملاحظة أن تلك القطيعة لم تؤثر على المركز البابوي في الغرب أو في الشرق على حد سواء؛ كما أنها لم تؤد إلى التأثير على حركة العناصر الكاثوليكية في الإمبراطورية البيزنطية، واستمر قدوم الغربيين بعد تلك القطيعة في صورة تجار أو حجاج أو عابري سبيل واستمر هؤلاء يقومون بتشييد كنائسهم على الأرض البيزنطية، كما ظل المرتزقة اللاتين يعملون في الجيش البيزنطي (1)،
__________
(1) المصدر نفسه ص259 العلاقات السياسية ص 349 ..
(1/128)

وقد يكون لدى صاحب هذا الرأي بعض الحق، على اعتبار أن الإمبراطورية البيزنطية حرصت على إبقاء قدر من الاتصال مع روما، إلا أن من المؤكد أن العلاقات بين الطرفين لم تكن كسابقتها، وتفاعلت أحداث الانشقاق الأعظم، مع قطيعة فوشيوس مع الفجوة الحضارية بين بيزنطة والغرب الأوروبي على نحو أوجد نفسية عدائية عامة لدى الطرفين، وليس في مقدورنا إلغاء تلك الزاوية على الرغم من وجود "مصالح متبادلة" بين الشرق البيزنطي والغرب الأوروبي وحرص الطرفان على الاحتفاظ بها، وجاءت الحملات الصليبية كي تزيد الهّوة اتساعاً (1).
__________
(1) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 259.
(1/129)

8 - المشكلة الأنطاكية: في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي/ الخامس الهجري، وقعت التطورات السياسية والعسكرية في الشرق الإسلامي على نحو أدى إلى هزيمة الإمبراطورية البيزنطية في ملاذكر 463هـ وتسارعت الأحداث لنجد أنفسنا أمام الحملة الصليبية الأولى والتي تحدثنا "عنها في كتابنا عن السلاجقة" وقد اتجه الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنينوس (1081 - 1118م/474 - 512هـ) إلى عقد اتفاقية القسطنطينية من أجل أن يعيد الصليبيون إليه المناطق التي فقدت منهم من جراء التوسع السلجوقي وكان من أهم تلك المناطق درة شمال الشام، أنطاكية، إلا أن النورمان أسسوا فيها إمارة نورمانية ورفضوا عودتها للإمبراطورية البيزنطية، ومن ثم وجد ما يعرف بالمشكلة الأنطاكية في السياسة البيزنطية؛ وتعني تسعى بيزنطة بسعيها الدءووب من أجل استعادة أنطاكية بكافة الوسائل المتاحة لها سواء السياسية أو الدبلوماسية بل، والتلويح بالقوة في مواجهة الأطماع النورمانية التي لا تجد وبصفة عامة: تأكد للإمبراطورية البيزنطية أنها استعانت بطامع في أراضيها من أجل مواجهة الخطر السلجوقي، ولا ريب في أن عدم تنفيذ الصليبيين لإتفاقية القسطنطينية قد جعل الأباطرة البيزنطيين يحاولون استعادتها دون جدوى في صورة الكسيوس كومنين، وحنا كومنين، ومانويل كومنين (1)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 60 ..
(1/130)

إن إخفاق الأباطرة الكبار الثلاثة في إيجاد للوجود الصليبي فيما تراه بيزنطة تابعاً لها من قبل مقدم الصليبيين إلى المنطقة وكذلك إيجاد حل ما لتنامي الخطر الاتيني الجامح القادم من الغرب كل ذلك كان بمثابة المقدمة المنطقية الطبيعية لما حدث عام 1204م/602هـ وفي نفس الحين، صار البيزنطيون ينظرون إلى كل حملة صليبية قادمة عبر أراضيهم نظرة عداء ويلاحظ أنه عندما فشلت الحملة الصليبية الشعبية وأجهزت سيوف السلاجقة على العامة بعد عبورهم البسفور اتهم الغرب الأوروبي بيزنطة وجعلها العامل الأساسي وراء ذلك الإخفاق، وفيما بعد، عندما قدمت الصليبية الثانية وعلى رأسها الملك الفرنسي لويس السابع والأمبراطور الألماني كونراد الثالث قابلت بعض المصاعب على الأرض البيزنطية ومن زاوية أخرى تعرضت الممتلكات البيزنطية إلى السلب والنهب على أيدي أفراد تلك الحملة، وهو نفس الأمر الذي وقع خلال الصليبية الأولى، وعندما أخفقت الحملة الصليبية الثانية كسابقتها، اتهمت بيزنطة أنها ساهمت في ذلك الإخفاق من خلال سلوكها المعادي لجند المسيح (1).
__________
(1) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 260.
(1/131)

9 - التحالف بين صلاح الدين والإمبراطور البيزنطي:
وفي الحملة الصليبية الثالثة كان هناك تحالفاً قد تم بين السلطان الأيوبي صلاح الدين والإمبراطور البيزنطي إسحاق الثاني انجليوس ومن المنطقي تماماً أن تسعى تلك الإمبراطورية إلى إيجاد توازن ما مع القوى الإسلامية المجاورة، فلم تكن لتقبل بانتصار ساحق للصليبين على المسلمين في بلاد الشام، على نحو يؤدي إلى زيادة قوتهم وبالتالي يواجهون تلك الإمبراطورية بشراسة أكبر، لقد أرادت بيزنطة أن تجعل كافة الأطراف تحتاجها سلمياً أو حربياً من خلال لعبة توازن القوى التي برعت فيها في أحيان عديدة وقد كشفت الحملة الصليبية الثالثة على مدى العداء الذي كنته الجيوش الصليبية لبيزنطة، فقد فكر فردريك بارباروسا في غزو القسطنطينية، كما أن ريتشارد قلب الأسد استولى على قبرص في مؤشر واضّح دال على تزايد حجم الأطماع اللاتينية في أملاك الإمبراطورية البيزنطية لقد كانت شهية الغرب في أملاكها لا تحد، ولم يعد الأمر مسألة النورمان، بل انضم لهم الألمان، والإنجليز وفي ذلك ما يعكس كيف أن الأطماع الغرب أوروبية أحاطت بيزنطة من كافة الاتجاهات الممتدة وتنامت الأطماع اللاتينية في أملاك بيزنطة وقد بدأت تلك الأطماع بالأطراف البعيدة نسبياً ثم اقتربت أكثر فأكثر حتى وصلت إلى القلب، ولا ريب في أن ميراث العداء، والكراهة تجاه تلك الإمبراطورية وكذلك الاختلافات العقائدية، ثم الفجوة الحضارية، كل ذلك صنع لنا كافة تلك التطورات المتلاحقة، فإذا أدركنا أن الإمبراطورية المذكورة وقعت في مرحلة ضعف بعد وفاة بازل الثاني 1025م/416هـ حتى عام 1081م/474هـ ثم شهدت صحوة الأسرة الكومنيئية من 1081 حتى 1180م 474 - 576هـ ومن بعدها مرت بمرحلة ضعف جديدة، أدركنا أن أوضاعها ذاتها كانت تشجع الطامعين على الانقضاض عليها (1)،
__________
(1) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 261 ..
(1/132)

وبالتالي فليس هناك ما يدعو إلى القول بالخيانة البيزنطية للقضية الصليبية، ومثل ذلك التصور تصور غربي أوروبي صرف في ذلك العصر، ومن الأفضل تصور الأمر على أن بيزنطة كانت لها قضيتها الخاصة بها، ومن غير المنطقي أن تتخلى عن قضيتها من أجل الغرب الذي أكدت وقائع التاريخ أن قدم إليها طامعاً وليس مُخلصاً (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 261.
(1/133)

ثالثاً: التفكير في الحملة الصليبية الرابعة: فكرة إرسال هذه الحملة نبتت في قلعة تيبالد كونت شامباني في نوفمبر سنة 1199م (596هـ) عندما دار الحديث بينه وبين بعض أصدقائه انتهى باستدعاء فولك أسقف نيللي (1) وهو من دعاة الحروب الصليبية ليتحدث إلى هؤلاء الضيوف. وتمكن فولك بفصاحته أن يثير الحاضرين، الذين وعدوا بالإشتراك في الحروب الصليبية، وبعثوا برسول إلى البابا انوسنت الثالث ليعرض عليه مشروع الحملة، وليعطي القرار الصالح السليم (2)، كان البابا انوسنت الثالث قد أعرب علنا عن رغبته في الدعوة إلى حرب صليبية جديدة، فكتب في سنة 1199م إلى إيمار بطريرك بيت المقدس يطلب منه تقريراً مسهباً عن مملكة الفرنج (3)، وعن أحوال المسلمين وقوتهم في بلاد الشام ومصر ولذلك أبدى ارتياحه وترحيبه الحار لمشروع الحملة التي اقترحها كونت شامباني، وتزعم بنفسه الدعوة لقيام هذه الحملة الصليبية الرابعة وكان من أهم الأسباب التي دعت البابا انوسنت الثالث لقيام هذه الحملة، رغبته ورغبة الأوروبيين في محو العار الذي لحق بهم في الحروب الصليبية الثالثة على يد صلاح الدين الأيوبي، وذلك باسترداد بيت المقدس من أيدي المسلمين ولذلك حشدت البابوية كل إمكاناتها لتوجيه الصليبيين إلى مصر لاحتلالها، لأنها أكبر عدو للصليبيين، ولأنها مركز الثقل في العالم الإسلامي، ولن يتمكن الصليبيون من استرداد بيت المقدس طالما ظلت مصر بعيدة عن أيديهم ولكي يمهد لنجاح هذه الحملة أصدر مرسوماً يحرم على التجار الأوروبيين التعامل مع المسلمين وحرم عليهم تزويد المسلمين بكل المواد التي تعينهم على القتال المسيحيين وخصوصاً مواد الحديد والخشب وما يستعان به في الحروب (4).
__________
(1) يعتبر فولك نيللي أكبر مبشر للبابا في فرنسا واشتهر بأنه لا يخشى الأمراء.
(2) رنسمان الحروب الصليبية (3/ 195).
(3) صلاح الدين والأيوبيون، أحمد الشامي ص 184.
(4) المصدر نفسه ص 184.
(1/134)

1 - جهود البابا انوسنت الثالث: استعادت البابوية سلطتها في جنوب إيطاليا، بعد ما أدى إليه تشابك المصالح من نزاع بين ملوك أوروبا العظام، وأخذ انوسنت الثالث يمهد لهذه الحملة، فبدأ بإجراء المفاوضات مع الأمبراطور البيزنطي الكسيوس الثالث لتوحيد الكنيستين الشرقية والغربية (1) وأعطى تعليماته إلى فولك أن يطوف بالبلاد، ويحث أهل الريف على الإنخراط في الحرب المقدسة وحمل السلاح لاستعادة بيت المقدس من أيدي المسلمين، واحتلال مصر، وإنضم عدد كبير من البارونات للاشتراك في هذه الحملة بغرض امتلاك أراضي جديدة بعيدة جداً عن أوروبا وليس بدافع من الدين فقط قبل جميع البارونات أن يتولى تيبالد كونت شامباني قيادة الحملة الصليبية، ولكنه مات فجأة في مارس سنة 1201م/598هـ واجه بونيفاس أول مشكلة من المشاكل التي واجهت الحملة وهي عدم وجود سفن عند أمراء الحملة من الصليبيين، فاتفقوا على أن ينوب عنهم جفرى هاردوين في الاتفاق على تأجير سفن لنقل جنود الحملة إلى سواحل الشام (2) وسافر جفرى إلى جنوه وفاوض المسؤولين فيها لمساعدتهم في نقل 4500فارس بمعداتهم وحوالي 30ألف راجل بأسلحتهم وآلاتهم، ولكن الجنويين أبدوا أسفهم لعدم قدرتهم، فتوجه جفرى إلى البندقية وخاطب حاكمها الدوق هنري داندلو الذي استشار حاشيته وقبل ذلك، وطلب مائة ألف مارك إيجاراً للسفن، ثم شرط عليهم أن يمضي معهم بنصف أهل البندقية القادرين على حمل السلاح وأن يكون لهم النصف في جميع الغنائم، وسوف يكون لأهل البندقية مراكبهم الخاصة بهم (خمسين غراباً) يتولى البنادقة الإنفاق عليها وسوف يتم نقل جنود الحملة في مدى عام من اليوم الذي نحدده إلى أي بلد شئتم (3)
__________
(1) المصدر نفسه ص 185.
(2) صلاح الدين والصليبيون ص 185.
(3) المصدر نفسه ص 185 ..
(1/135)

تم الاتفاق بين الطرفين على تخفيض المبلغ إلى 85 ألف مارك فضية كولونية، وأقسم دوق البندقية وجفري هاردوين على تنفيذ هذه الاتفاقية التي عقدت بينهما في يونيه 1202م ثم شرع الصليبيون في المجئ إلى البندقية لكي تنقلهم السفن إلى المشرق، فلما اكتملت أعدادهم وطلبوا من البندقية أن تبحر السفن بهم، طلب الدوق داندلو المبلغ الذي اتفق عليه قبل رحيل السفن، وعجز الصليبيون عن دفع كل المبلغ المحدد (1).

2 - بعض المصاعب والمشاكل التي أثرت في مسيرة الحملة:
ظهرت بعض المصاعب والمشاكل التي أثرت في مسير الحملة من أهمها:
- اشتد ضجر مجموعات من الصليبيين لتأخرهم هذه المدة الطويلة في البندقية دون الرحيل إلى الأراضي المقدسة وخاصة عندما علموا أن وجهة الحملة هي مصر وليس بيت المقدس.
- عمل أهل البندقية على تشجيع هذا التذمر بين الصليبيين لأن البنادقة لم يكن في نيتهم تقديم مساعدة ما لمهاجمة مصر، نظراً للامتيازات الكثيرة، والجليلة التي منحها الملك العادل للتجار الإيطاليين في مصر.
- أوفد الدوق هنري داندلو حاكم البندقية سفراءه إلى القاهرة في نفس الوقت الذي كان ساوم الصليبيين حول نقل الحملة، وثم عقد اتفاق تجاري في ربيع سنة 1202م-598هـ مع نائب الملك العادل، وقد أكد الدوق داندلو لمبعوث الملك العادل أنه لن يساعد أي حملة تتجه إلى مصر (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 186.
(2) صلاح الدين والصليبيون ص 186.
(1/136)

3 - توجيه الحملة ضد المجر: استغل دوق البندقية هذه الظروف لصالح بلاده، فعمل على توجيه الحملة ضد المجر لتخليص مدينة زارا عاصمة الساحل الدلماش من يد ملك المجر والتي استمرت الحروب من أجلها عشرات السنين بين جمهورية البندقية والمجر (1) وأعلن الصليبيون في سبتمبر 1202م قبولهم لكل ما تعرضه البندقية عليهم، لكي يتم نقلهم بعد ذلك إلى الأراضي المقدسة أبحر الأسطول من البندقية في 8 نوفمبر 1202م فوصل زارا بعد يومين، وهاجمها الصليبيون بعنف، فاستسلمت بعد خمسة أيام واستباحها العساكر، وبعد ثلاثة أيام وقع القتال بين البنادقة والصليبيين بسبب اقتسام الغنائم غير أن الأمور سويت بين الجانبين، وقرر داندلو مع بونيفاس قائد الحملة البقاء حتى ينتهي فصل الشتاء وفي خلال هذا الوقت اتفق زعماء الحملة على توجيه الحملة إلى القسطنطينية (2)، ويذكر البعض أن فيليب دوق سوابيا أرسل إلى قائد الحملة بونيفاس عرضاً محدداً من صهره الكسيوس الصغير يطلب منه أن تتوجه الحملة الصليبية إلى القسطنطينية وتثبته على عرش الإمبراطورية، وفي مقابل ذلك يقوم الكسيوس بسداد ديون الحملة إلى البنادقة ويمدهم بالمال والمؤن لمساعدتهم على فتح مصر، ويرسل معهم فرقة من الجيش البيزنطي قوامها عشرة آلاف جندي، ويتولى الانفاق على 500فارس صليبي في الأرض المقدسة ويخضع كنيسة بيزنطة إلى الكنيسة الأم في روما وعلى الرغم من أن البابا أنوسنت الثالث كان قد أصدر قرار الحرمان لأفراد الحملة لمهاجمتهم ملك المجر في زارا، إلا أنه عاد وأصدر قراراً بالعفو عنهم، بل أنه ساند الرأي بذهاب الحملة لمهاجمة القسطنطينية، لضم كنيستها وتوحيد العالم المسيحي تحت سلطانه (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 187.
(2) المصدر نفسه ص 187.
(3) الصليبيون وصلاح الدين ص 188.
(1/137)

4 - الحملة تبحر نحو القسطنطينية 1203م: وصل الكسيوس الصغير ابن الإمبراطور السابق المخلوع إسحاق قادماً من ألمانيا ورافق الحملة التي ستعيد له عرش أبيه وتم عقد معاهدة بينه وبين حلفائه الصليبيين والبنادقة لتأكيد ما سبق أن عرضه بواسطة صهره فيليب دوق سوابيا، وفي 24 يونيه 1203م 600هـ وصلت سفن الحملة أمام القسطنطينية (1)، ولم يتخذ الإمبراطور الكسيوس الثالث، الذي استولى على العرش عن طريق مؤامرة خبيثة ضد أخيه الإمبراطور السابق إسحاق، أي تدابير لمنع وصول جنود الحملة إليه، واعتقد الصليبيون والبنادقة فيما قاله الكسيوس الصغير من أن بيزنطة كلها سوف تهب للترحيب به ولكن الدهشة استبدت برجال الحملة حينما اكتشفوا أن جميع أبواب القسطنطينية أغلقت في وجوههم، وأن الجنود البيزنطيين مرابطون فوق أسوارها وفشلت المحاولات الأولى التي قام بها أسطول الصليبيين لمهاجمة الأسوار وبعد قتال عنيف تمكن البنادقة من فتح ثغرة بالأسوار في 17يوليو، وفكر الكسيوس الثالث في الفرار مع ابنته التي يكن لها معزةً خاصاً، ولجأ إلى مدينة موزينو في تراقيا، فما كان من حاشية القصر إلا أنهم أخرجوا الإمبراطور السابق إسحاق - الذي سلمه أخوه - من السجن وأعادوه على عرشه وبذلك توقف القتال، وتم الاتفاق على تنصيب الكسيوس الصغير قسيما لابيه في حكم الإمبراطورية وتسمى الكسيوس الرابع سنة1203م (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 188.
(2) المصدر نفسه ص 189.
(1/138)

مارس الكسيوس الرابع شؤون الإمبراطور منفرداً لأن أباه قد فقد بصره، وبدأ في تنفيذ وعوده السابقة فحاول أرغام رجال الدين بقبول سيادة بابا روما ولكنه وجد مقاومة عنيفة وفشلت محاولته، أغدق الهدايا الوافرة على الصليبيين فأثار نهمهم إلى المزيد، فقل مال الخزانة ولم يتمكن من دفع ديون الصليبيين للدوق داندلو حاكم البندقية بقية قيمة إيجار السفن، فاضطر إلى فرض ضرائب جديدة فغضب عليه البيزنطيون وصادر كميات ضخمة من ممتلكات الكنيسة "ذهب وفضه" وأمر بصهرها وضربها نقوداً وتسليمها للبنادقة، فحقد عليه رجال الكنيسة وغضبوا منه وزاد من غضب الشعب البيزنطيي وتحريك الثورة في نفسه ما ارتكبه الصليبيون من سلب ونهب في القرى المحيطة بالمدينة، وتدمير حي بأكمله بسبب حماقة بعض الفرنسيين من جنود الحملة الذين حرقوا مسجداً للتجار المسلمين في المدينة، فامتدت النار منه ودمرت الحي بأكمله، واحترق فيه ناس كثير بالإضافة إلى كل ذلك لم يكن الكسيوس الرابع (الصغير) على مستوى حكم الإمبراطورية، إذ كان مبتذلاً في حياته محباً للهو، مما أدى إلى وقوع ثورة في القصر الإمبراطوري في فبراير سنة 1204م رجب 600هـ وتم عزل الكسيوس الرابع وإلقي به في السجن حيث توفي، ولحق أبوه به، فمات كمداً بعد فترة قصيرة وتولى العرش مورتسوفلوس، وتسمى الكسيوس الخامس (1).
__________
(1) صلاح الدين والصليبيون ص 189.
(1/139)

5 - سقوط القسطنطينية وإقامة إمبراطورية لاتينية:
وقف الكسيوس الخامس موقفاً مضاداً من الصليبيين وأيدا الاتجاه الشعبي الكاره لهم، وأمام ذلك التطور اتجاه الأخيرون إلى مهاجمة القسطنطينية في عام 1204/ 602هـ والواقع؛ أن تلك العاصمة العالمية المجيدة والتي شيدت منذ القرن الرابع الميلادي احتوت على العديد من النفائس، والتحف على مدى ثمانية قرون كاملة ولذلك وجدت بها ثروات وفيرة، والعديد من الأواني الذهبية، والفضية، والكثير من الأحجار الكريمة (1)، ولا ريب في أنها كانت ذات ثراء عريض جديد بعاصمة إمبراطورية مثل الإمبراطورية البيزنطية، وقد حل بالمدينة القتل والسلب والنهب والتدمير ولدينا (2) ما كتبه مؤرخ بيزنطي معاصر هو نيكيناس خونيتاس، حيث انتحَب على مدينته ورثاها قائلاً: أيتها المدينة، يا حديث العالم، يا منار الأرض، يا حامية الكنائس ويا سيدة الإيمان، يا قلعة العلم؛ لقد تجرعت كأس غضب الله حتى الثمالة، ولقد حاق بك آتون أكثر بشاعة من ذلك الذي أصاب قديماً المدن الخمس. وفي الواقع، تم قتل العديدون من البيزنطيين واغتصبت الراهبات في الأديرة، ودخل الجنود الذين لعبت الخمر برؤوسهم كنيسة آيا صوفيا، وأحضروا إحدى العاهرات لتجلس على العرش البطريركي وجعلوها تنشد الأغاني البذيئة وترقص الرقصات الرخيصة أمام مذبح الكنيسة، واستعملت الأواني الطاهرة من أجل احتساء الخمور، ويلاحظ أن ذلك السلوك المتوحش والمتبربر استمر في مدينة قسطنطين مدة ثلاثة أيام (3)، وقد تمنى نيكتاس فونياتس أن تسقط مدينته على أيدي المسلمين لأنهم ما كانوا ليفعلوا بها ما فعل اللاتين (4).
__________
(1) الحروب الصليبية، العلاقات بين الشرق والغرب ص 266.
(2) المصدر نفسه ص 266.
(3) ما هية الحروب الصليبية الأيديولوجية. الدوافع ص 148.
(4) الحروب الصليبية، محمد مؤنس عوض ص 267 دراسات في تاريخ الدولة البيزنطية ص 256 حسنين ربيع ..
(1/140)

وصدق نيكتاس فيما ذهب إليه: فعندما سقطت القسطنطينية في عام 857هـ/1453م على يد السلطان محمد الفاتح، توجه إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفاً عظيماً وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة، فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا استسلامهم (1)، ولقد عاملهم السلطان محمد الفاتح معاملة رحيمة وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم، وافتدى عدداً كبيراً من الأسرى، من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان، ورجال الدين، واجتمع مع الأساقفة وهدأ من روعهم وطمأنهم على عدم المساس بعقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد فانتخبوا أجناديوس بطريرك، وتوجه هذا بعد انتخابه في موكب حافل من الأساقفة إلى مقر السلطان فاستقبله السلطان محمد الفاتح بحفاوة بالغة وأكرمه أيما تكريم، وتناول معه الطعام وتحدث معه في موضوعات شتى دينية وسياسية واجتماعية، وخرج البطريرك من لقاء السلطان، وقد تغيرت فكرته تماماً على السلاطين العثمانيين وعن الأتراك، بل على المسلمين عامة، وشعر أنه أمام سلطان مثقف صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة، وإنسانية رفيعة، ورجوله مكتملة، ولم يكن البيزنطيون أنفسهم أقل تأثراً ودهشة من بطريقهم، فقد كانوا يتصورون أن القتل العام لاحقهم، فلم تمضي أيام قليلة حتى كان الناس يستأنفون حياتهم المدنية العادية في أطمئنان وسلام (2).
__________
(1) الدولة العثمانية للصَّلاَّبي ص 150.
(2) السلطان محمد الفاتح ص 134، 135.
(1/141)

كان العثمانيون حريصين على الإلتزام بقواعد الإسلام، ولذلك كان العدل بين الناس من أهم الأمور التي حرصوا عليها، وكانت معاملتهم للنصارى خالية من أي شكل من أشكال التعصب والظلم، ولم يخطر ببال العثمانيين أن يضطهدوا النصارى بسبب دينهم (1).

إن مِلل النصارى تحت الحكم العثماني تحصلت على كافة حقوقها الدينية وأصبح لكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة وأماكن العبادة والأديرة، كما أنه كان لا يتدخل أحد في ماليتها، وكان تطلق لهم حرية في تكلم اللغة التي يريدونها (2)، إن السلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره من التسامح مع نصارى القسطنطينية إلا بدافع التزامه الصادق بالإسلام العظيم وتأسياً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم بخلفائه الراشدين من بعده، الذين امتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم (3).
__________
(1) جوانب مضيئة ص 274.
(2) المصدر نفسه ص 283.
(3) المصدر نفسه ص 287.
(1/142)

هذا ومن الملاحظ إن زعماء وقادة الحملة الصليبية الرابعة نقلوا العديد من التحف والنفائس التي بيعت في أسواق دمشق، والقاهرة وحلب، وكذلك الأسواق الأوروبية حتى أن الجياد البرونزية الأربعة التي كانت تزين ميدان السباق في العاصمة البيزنطية، قام داندلو بحملها إلى البندقية، وحتى اليوم تزين واجهة كاندرائية القديس مارك في فينيسيا (1)، دليلاً على واحدة من أكبر عمليات السلب والنهب التي شهدتها القرون الوسطى، وهكذا؛ يثبت لنا الصليبيون من جديد، أنهم أهل قتل، وتدمير، وسلب ونهب، وها هي مدينة قسطنطين الرائعة تتعرض للمصير المأساوي الذي تعرضت له مدينة بيت المقدس منذ ما يزيد على القرن من الزمان، غير أن الفارق الجوهري أن بيت المقدس كانت مدينة مقدسة للسيادة الإسلامية، أما القسطنطينية فهي مدينة مسيحية وعاصمة الإمبراطورية البيزنطية الإرثوذكسية، والتي قامت بدور درع المسيحية الشرقية في مواجهة الإسلام لعدة قرون وفي هذا دليل واضح على أن الصليبيين في سبيل أطماعهم الجشعة التي لا تحد، لم يفرقوا بين مدن إسلامية أو مسيحية (2).
__________
(1) الحروب الصليبية، العلاقات بين الشرق والغرب ص 268.
(2) المصدر نفسه ص 269.
(1/143)

6 - السياسة الخارجية للبابوية والحملات الصليبية:
إن سقوط القسطنطينية على مثل هذه الصورة كان بمثابة كارثة على فكرة، الحملات الصليبية، وكأن الحركة تنتحر، فمن قبل كان الإعلان عن ميلادها موجهاً لحرب "الكفار" وقصد بهم البابا حينذاك المسلمين، أما الآن؛ فإن نطاق "الكفار" امتد ليشمل المخالفين لكنيسة روما في المعتقدات الدينية، ويلاحظ هنا أن أنوسنت الثالث شهد عهده تطور الصليبيات بصورة ملفته للانتباه، فقد شن حملة صليبية ضد العناصر التي رأتها البابوية مهرطقة في جنوب فرنسا، في صورة الوالدنسيين اتباع بيتر والدو والكثاربين (الأطهار)، أما الآن، فإن الحملة الصليبية اتجهت إلى الإمبراطورية البيزنطية، ودل ذلك بجلاء، على أن الحركة الصليبية ليست ضد المسلمين فقط بل ضد كل من يناصب البابوية العداء، وكل من يرفض الخضوع لسلطان كنيسة روما سيدة الكنائس، وصاحبة السيادة العالمية على عالم المسيحية، على نحو يؤكد بالفعل أن الحملات الصليبية هي السياسية الخارجية للبابوية (1).

إننا لأول مرّة منذ أعلان مشروع أوربان الثاني 1095م/489هـ، نجد أن الحركة الصليبية تتجه إلى تلك الوجهة وتسقط عاصمة أكبر إمبراطورية مسيحية في المنطقة على مدى المرحلة الواقعة من القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري إلى القرن الثالث عشر الميلادي/ السابع الهجري وطوال هذه القرون لم تسقط بيزنطة على أيدي الفرس والروس، والنورمان، والمسلمين وغيرهم، إلا أن سقوطها كان على يد قوة مسيحية ممثلة في الغرب الأوروبي، ولذلك لا عجب والأمر كذلك أن تعتبر عام 1204م/602هـ عاماً فارقاً في تاريخ الحملات الصليبية (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 269.
(2) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 269.
(1/144)

إن أنوسنت الثالث كان يدرك إدراكاً يقينياً أن الصليبية الرابعة كان تستهدف الهجوم على القسطنطينية كما وأنه قد توطأ في إدانة اتجاهم نحو زارا ومدينة قسطنطين وبذلك يكون قد سمح لقادة الحملة الصليبية الرابعة بالإتجاه قدماً في مخططاتهم العدوانية ضد الإمبراطورية البيزنطية (1)، إن البابوية ومنذ زمن بعيد كانت تحلم بتوحيد الكنائس وإخضاع كنيسة القسطنطينية المارقة لسيطرة كنيسة روما، ويلاحظ أن البابا أنوسنت الثالث أمر رجال الدين اللاتين في الصليبية الرابعة بضرورة إدخال الطقوس اللاتينية في كافة الكنائس البيزنطية (2) على نحو عكس إن ذلك الاحتلال اللاتيني توغل في كل مناحي الحياة البيزنطية من السياسة إلى الاقتصاد وإلى الدين (3) أيضاً.

7 - مسؤولية سقوط القسطنطينية: من الأهمية بمكان التقرير بأن مسؤولية العاصمة البيزنطية موزعة بين البنادقة، والبابا أنوسنت الثالث، والبيزنطيين أنفسهم ويتصور البعض أن البيزنطيين هم الضحية في كافة تلك الأحداث التي وقعت على أرض إمبراطوريتهم غير أن الواقع التاريخي يؤكد أن بيزنطة سقطت من الداخل قبل سقوطها من الخارج، فالصراع على المنصب الإمبراطوري الذي سمح بالتدخل الأجنبي مثل فرصة ذهبية أمام الغرب الأوروبي أحسن استغلالها من أجل توجيه ضربة قاضية لبيزنطة ثم إن الضعف العام لتلك الإمبراطورية شجع أعداءها على الانقضاض عليها في غير هوادة (4).
__________
(1) روما بيزنطة، إسحاق عبيد ص 347.
(2) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 271.
(3) المصدر نفسه ص 271.
(4) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 272.
(1/145)

إن طوال القرن الثاني عشر الميلادي/السادس الهجري وقعت عدة شواهد دالة على حجم الأطماع اللاتينية، في تلك الإمبراطورية التي توهمت أن من الممكن مسالمة الغرب اللاتيني وأن بإمكانه إعادة أملاكها التي سيطر عليها السلاجقة وتصورت أن لعبة توازن القوى ستظل تلعبها بكفاءة تامة غير أن الأيام أثبتت عكس ذلك تماماً، وقد افتقد الأباطرة البيزنطيون على مدى ذلك القرن المذكور أية خطة استراتيجية عامة لدعم دفاعات إمبراطوريتهم، على نحو يمكنهم من مواجهة الخطر الخارجي كما ظل المنصب الإمبراطوري مطمعاً لكل طامع ومتمرد يرى أنه جدير بذلك المنصب، وكأننا أمام تاريخ مكرر وحصاد عشرات الأحداث، انقلابات، صراعات، واعتقالات، دونما تغير إلا في أسماء الأشخاص فقط القائمين على تلك الأدوار وواقع الأمر أن المؤرخين الذين تباكوا على المصير الدموي لتلك الإمبراطورية وهي تذبح بسكين الغرب الأوروبي عام 1204م/602هـ لم ينظروا إلى الأمور بنظرة موضوعية، لقد صنعت بيزنطة تاريخها أحيانا بقوة غير أنها الآن ضعفة بضعف كامل وهوان مرير، لقد ولى زمن الأباطرة الكبار مثل هرقل، وليو الثالث الأيسوري، وقسطنطين الخامس، وبازل الثاني، والآن لم يكن في جعبة بيزنطة في عصر هوانها إلا أباطرة صغار والأحداث كبار، وبعبارة أخرى؛ أباطرة يصحبونها إلى مثواها الأخير مع ملاحظات أن مقدمات ذلك التاريخ كانت بالغة الطول على مدى قرون عديدة، كما أفصحت بجلاء تلك الصفحات السابقة، ودل كل ذلك على حقيقة مهمة وهي المسؤولية البيزنطية عن كارثة العام المذكور (1)
__________
(1) المصدر نفسه ص 272 ..
(1/146)

وقد يرد البعض بأن يعد تحميلاً للأمور أكثر مما تحتمل على اعتبار أن الكيان السياسي الضعيف لا يشارك في صنع التاريخ، وأن القوة الفاعلة حينذاك كان لدى الغرب الأوروبي غير أن من الممكن الرد على أصحاب ذلك التوجه على اعتبار أن قوة الغرب الغرب الأوروبي ما كان لها مجال حيوي تتوسع فيه اقتصادياً وسياسياً وكنسياً إلا على أطلال ذلك الجسد الإمبراطوري المريض في صورة الإمبراطورية البيزنطية وهكذا صدقت تلك المقولة التي قالها يوماً أيوستاشيوس السالونيكي ومفادها أن الغرب الأوروبي يعتقدون أن ذلك العالم ليس كبيراً على نحو كاف لكي يتسع لهم ولنا "أي البيزنطيين" ولذلك كان الإجهاز على بيزنطة يمثل تلك الصورة السالفة الذكر (1).

8 - نتائج الحملة الصليبية الرابعة: كان للحملة الصليبية الرابعة نتائج عديدة منها:
أ- كان للحملة الرابعة تأثير بالغ على مسار المشروع الصليبي بأكمله ويكفي أنه نتج عنه سقوط القسطنطينية لأول مرة في تاريخها منذ أن شيدها قسطنطين الكبير وافتتحها عام 330م وبالتالي فقد أدت الحملة الصليبية الرابعة إلى تغيير خريطة التوزيعات السياسية لشرق أوروبا إلى حد كبير وأزالت السيادة البيزنطية قسمتها إلى عدة مناطق وأعادت تركيب المنطقة على أساس المصالح الاقتصادية، والسياسية الجديدة.

ب- إن تلك الحملة جعلت الكثيرين من الصليبيين في بلاد الشام يقدمون إلى الإمبراطورية اللاتينية في القسطنطينية، بحثاً عن غنائم لهم على نحو أضعف الكيان الصليبي في بلاد الشام (2).

ج- ظهر العامل الاقتصادي ليمثل عنصراً مؤثراً في تلك المرحلة، ولا ريب في أن الدور البندقي الفعال والتنافس مع الإمبراطورية البيزنطية حسم لصالح البندقية (3).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين المشرق والمغرب ص 273.
(2) المصدر نفسه ص 273.
(3) المصدر نفسه ص 273.
(1/147)

س- إن النكبة التي نكبت بها الإمبراطورية البيزنطية عام 1204م/602هـ أدت إلى التمهيد - بصورة أو بأخرى - لحدوث الإنهيار النهائي لها على أيدي الأتراك العثمانيين عام 1453م/857هـ في عهد قسطنطين الحادي عشر (1449م - 1453م/853 - 857هـ) بقيادة السلطان محمد الفاتح، ونستطيع وصف مرحلة القرنين والنصف قرن بين التاريخين المذكورين بأنها مرحلة احتضار بيزنطي طويل الأجل انتهى بأن خرجت بيزنطة بعده من التاريخ بجدارة، مثلما دخلته من قبل بجدارة أيضاً (1) وأصبحت عاصمة الدولة العثمانية وعادت إلى مركز الريادة العالمي من جديد وساهمت في اشعاع نور الحضارة والعلم والمعرفة في أنحاء المعمورة.

ش- ومن نتائج سقوط القسطنطينية في العام المذكور أنفاً، قيام عدد من الدول والإمارات البيزنطية، ففي طربيزون قامت إمارة بيزنطية تنتسب إلى آل كومنين وقد مدت نفوذها ليشمل الشريط الساحلي للبحر الأسود من هرقلية حتى القوقاز، وفيما بعد امتد العمر بتِلك الإمارة حتى عام 1461م/866هـ (2) أي حتى بعد سقوط القلب البيزنطي السقوط الذي لا قيام من بعده، وفي أبيروس أقام ميخائيل أنجلو كومنينوس إمارة بيزنطية امتدت من ليبانتو حتى دورازوه كذلك قام تيودور لإسكارس الذي كان صهراً لا لكسيوس الثالث يجمع ما تبقى من الإستقراطية البيزنطية، وكبار رجال الكنيسة، وقام بترويج نفسه على أنه امبراطور الرومان وذلك عام 1206م/603هـ. أي بعد عامين فقط من سقوط القسطنطينية، بالإضافة إلى إمارات بيزنطية ثانوية في جابلاس في جزيرة رودس، وما نكافاس في فيلادلفيا (3).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 274.
(2) تاريخ الدولة البيزنطية ص 211 - 212 عمر كمال توفيق.
(3) الحروب الصليبية العلاقات بني الشرق والغرب ص 274.
(1/148)

والجدير بالذكر هنا؛ أن البيزنطيين تمكنوا من استعادة عاصمتهم الجريحة في عام 1261م/660هـ على يدي ميخائيل الثامن باليولوغوس (1259 - 1282م) حيث استمرت المملكة اللاتينية هناك من 1204م/602هـ/1261م/660هـ) حيث استمرت المملكة اللاتينية هناك من 1204م/602هـ إلى 1261/ 660هـ، سبعة وخمسين عاماً غير أن الإمبراطورية البيزنطية العائدة لم تكن قط نفس تلك الإمبراطورية السابقة، لقد عادت ظلاً شاحباً بعد أن هدها الغزو اللاتيني لمدينة القسطنطينية (1) ومن أراد التوسع في النتائج فليراجع الحركة الصليبية صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد الإسلامي في العصور الوسطى (2)، للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، وقضايا العالم الإسلامي ومشكلاته السياسية بين الماضي والحاضر (3) للدكتورة فتحية النبراوي والدكتور محمد نصر مهنا.
__________
(1) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 275.
(2) الحركة الصليبية صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد الإسلام ص 740.
(3) قضايا العالم الإسلامي ومشكلاته السياسية ص 65.
(1/149)

خامساً: محاولة الصليبيين السيطرة على بلاد الشام: على ما يبدو أن أحوال الصليبيين بالشام، كانوا ينتظرون وصول الحملة الصليبية الرابعة ليقوموا بعدها بنقض الهدنة، كعادتهم، ومحاربة المسلمين والغدر بهم وكان الملك عموري الثاني، من جانبه حريصاً على عدم استفزار المسلمين (1). إلا أن بعض الصليبيين الفلمنكيين والفرنسيين الذين وصلوا في نهاية سنة 1202م وسنة 1203م إلى عكا تحالفوا مع الفرسان الداوية، بقيادة رجال الدين من النصارى، واتجهوا نحو جبلة واللاذقية، ثم أرسلوا مخاطبين الملك المنصور الأيوبي أمير حماة مخوفين أياه بأن ستين ألف محارب صليبي قادم إلى الشام لمحاربتهم، غير أن الملك المنصور رد على رسول الداوية بعزم وثبات وأخبرهم بأن عزيمة المسلمين لا تقهر وأن الحرب القادمة لا محال، وعلى السرعة جهز جيوشه وتقدم نحو اللاذقية، وهناك أنزل الصليبيين هزيمة منكرة حيث ساق أسراهم بعدها إلى حماة (2)، وفي تلك الفترة هاجم الملك عموري أسطولاً إسلامياً قادماً من مصر إلى موانيء الشام واستولى عليه بما فيه من بضائع وأمتعة قدرت بنحو ستين ألف دينار، ثم شرع بعد ذلك إلى مهاجمة الأراضي الإسلامية حيث قطع الطريق بين عكا وطبرية واستولى على ما هناك من أموال، وبذلك تأكد للملك العادل أن الملك عموري نقض العهد وعليه فقد كتب إلى سائر البلاد الإسلامية يستدعي العساكر للحرب، إلا أن حرباً حاسمة لم تقع بين الطرفين لأن كلاً منهما كان متريثاً ولا يرغب بالقيام بعمل حربي حاسم ضد الطرف الآخر بسبب الاعتقاد بقرب وصول الحملة الصليبية الرابعة، ويرى المؤرخ الفرنسي غروسيه أن الملك العادل كان لا يريد أن يستنفذ قواته مع الملك عموري (3)
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي ص 201.
(3) تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي ص 201 ..
(1/150)

في مناوشات محلية، في حين أن الجهد يجب أن يدخر ضد الحملة الصليبية (وهي الرابعة) (1). التي وصل خبرها إلى بلاد الشام وظن الجميع بأنها ستصل إلى بلاد الشام بعد خروجها من القسطنطينية، ولم يكن ذلك إلا أمنية الصليبيين التي لم تتحقق ولما تأكد للملك عموري الثاني عدم وصول الحملة الصليبية الرابعة إلى الشام وأنها استقرت نهائياً في القسطنطينية عمد إلى الإسراع بعقد صلح مع الملك العادل الذي فضل التعامل معهم على أساس التسامح الديني والمصالح التجارية المشتركة (2)، وهكذا تم تجديد الصلح بين الطرفين وعلى ما يبدو فإن الصليبيين استفادوا كثيراً من امتيازات هذا الصلح (3)، وعلى الرغم من أن فترة الهدنة بين المسلمين والصليبين مرت بشكل عام بسلام، إلا أنه حدث عدة مناوشات بين الطرفين كان منها زحف الملك العادل على مدينة طرابلس وحصارها حصاراً شديداً انتهى بعقد صلح مع أميرها بوهيموند الرابع الذي سير للملك العادل هدايا ثمينة وثلاثمائة أسير مقابل موافقته على الصلح (4)، وهنا لابد من الإشادة بموقف الجمهور الإسلامي في بلاد الشام والذي كان بدرجة من الحماس لا يقل عما كان عليه أيام الحروب الصليبية الأولى، فقد تجمع أكثر من ثلاثين ألفاً من المسلمين في كل من دمشق، وغيرها من المدن الشامية الإسلامية الأخرى، مطالبة بالجهاد في سبيل الله، ومشجعة الملك العادل على الاستمرار في حرب التحرير، حتى إن امرأة مسلمة قطعت شعر رأسها وأرسلتها للملك العادل وقالت له: أجعله قيداً لفرسك في سبيل الله (5).
__________
(1) المصدر نفسه ص 202.
(2) المصدر نفسه ص 202.
(3) المصدر نفسه ص 202.
(4) المصدر نفسه ص 202.
(5) المصدر نفسه ص 202.
(1/151)

سادساً: الحملة الصليبية الخامسة في عهد الملك العادل:
شهدت الساحة السياسية في أوروبا انقسامات حادة نتيجة الصراعات الداخلية بين البابوية والأمبراطورية في الربعين الثاني والثالث من القرن الثالث عشر الميلادي، وهو صراع كانت له انعكاسات على الحملات الصليبية، فاستعادت آنذاك المبادرة فبدلاً من توجيه الحملات إلى بلاد الشام مباشرة، برزت مصر في حساب الغربيين وبدأ الاتجاه العام في المجتمع الغربي يتحول إلى مصر كنقطة انطلاق في الطريق إلى بيت المقدس، وغدت اهتمام دعاة الحرب الصليبية وزعمائها والمتحمسين لها، بعد أن أدرك هؤلاء أنها أضحت مركز المقاومة الحقيقية في العالم الإسلامي ضد الحركة الصليبية (1)، بالإضافة إلى مواردها الاقتصادية والبشرية الضخمة التي تزود الجيوش الإسلامية بمعين لا ينضب. وقد أدرك المؤرخون المسلمون هذه الحقيقة فابن واصل يقول: إن الصليبيين اجتمعوا بمرج عكا: للمشورة في ماذا يبدؤون بقصده فأشار عقلاؤهم بقصد الديار المصرية أولاً وقالوا: إن الملك الناصر صلاح الدين إنما استولى على الملك، وأخرج القدس والساحل من أيدي الفرنج بملكه ديار مصر وتقويته برجاله، فالمصلحة أن نقصد أولاً مصر ونملكها، وحينئذ فلا يبقى لنا مانع عن أخذ القدس وغيره من البلاد. (2) وإذا كانت الحملة الصليبية الرابعة التي وجهت أصلاً إلى مصر قد انحرفت عن مسارها إلى القسطنطينية بفعل دوافع اقتصادية ودينية وسياسية، فإن الحملة الخامسة جُدَّد لها أن تغزو مصر بعد أن اقتنع القادة الصليبيون بضرورة ضرب مصر لتأمين ممتلكاتهم في بلاد الشام واستعادة السيطرة على بيت المقدس (3)،
__________
(1) الحملة الصليبية الخامسة ص 139 - 140 تاريخ الأيوبيين ص 285.
(2) مفرج الكروب (3/ 258).
(3) تاريخ الأيوبيين ص 286 ..
(1/152)

كان الملك العادل قد تمكن من السيطرة على مقاليد الأمور وصارا الشخصية البارزة في البيت الأيوبي واتبع سياسة سلمية تجاه الصليبيين بصفة عامة وفضل الحلول الدبلوماسية أو التلويح باستخدام القوة دون استخدامها فعلياً من ذلك؛ أنه عقد اتفاقاً للهدنة مع الملك عموري الثاني لوزينبان في عام 1198م/594هـ (1)، وعندما قام فرسان الاسبتارية في عام 1207م/604هـ بشن الإغارات الحربية على مدينة حمص وكذلك استيلاء الصليبيين في قبرص في نفس العام على عدد من السفن المصرية: اكتفى العادل الأيوبي بتوجيه الإنذار للملك الصليبي، برد الأسرى المسلمين (2) وفي الحقيقة: أن العادل الأيوبي بتلك السياسة ابتعد كثيراً عن سياسة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، ويبدو أنه كان يخشى أن يؤدي تعامله العسكري مع الصليبيين إلى قدوم حملة صليبية بنفس الثقل العسكري والسياسي للحملة الصليبية الثالثة، ومع ذلك فلا تبرر له تلك السياسة التي ستلحق الضعف بالمسلمين، وخاصة أن توجهه هذا أتى في وقت لم يكن فيه الصليبيون يتبعون تلك السياسة السلمية من جانبهم كسياسة عامة، كما أن الاتجاه السلمي له سيتزايد من بعده على نحو سيورد المسلمين إلى موارد ساحة التنازلات الغير مسبوقة، كما سيأتي بيانه في عهد ابنه الملك الكامل بإذن الله تعالى، ويعلق أحد المؤرخين البارزين على الموقف قائلاً: إن ما قام به صلاح الدين من أعمال تعتبر من المنجزات ذات الأهمية البالغة ولو أعقبه حاكم آخر من طرازه لتيسر انجاز ما تبقى من العمل ... غير أن مأساة المسلمين في العصور الوسطى كانت تتمثل في الافتقار إلى النظم الثابتة اللازمة للاضطلاع بالسلطة بعد وفاة الزعيم (3)،
__________
(1) العادل الأيوبي صفحة من تاريخ الدولة الأيوبية ص 77.
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 278.
(3) المصدر نفسه ص 278 ..
(1/153)

على أية حال؛ فمن الأمور المؤكدة أن الروح الصليبية ظلت تحرك الغرب الأوروبي، بل وضمنت لها قطاعات لم يسبق لها الإسهام في تاريخ الحروب الصليبية وخير مثال دل على ذلك نجده في صورة حملتي الأطفال عام 1212م/609هـ.

1 - حملة الأطفال: وقد حدث أن صبياً فرنسياً يدعى ستيفن من مدينة كلويس، رأى رؤية منامية مؤداها؛ أن السيد المسيح عليه السلام؛ أتى إليه في المنام، وأمره بأن يدعو إلى قيام حملة صليبية إلى بلاد الشام وقد تجمع حوله عشرات الآف من الأطفال، وتصور أن البحر سينشق لكي يعبر هو ورفاقه إلى القدس، واتجه الجميع إلى مرسيليا، وهلك الكثيرون من مشقة الطريق، ولما وصلوا إلى البحر لم يجدوه قد انشق، وانتهى الأمر بأن تم نقلهم بالسفن إلى فلسطين ويلاحظ أن تلك الظاهرة الطارئة الجديدة، لم تكن خاصة بالصبية الفرنسيين فقط، بل أنها شملت كذلك الصبية الألمان، إذ أن صبياً يدعى نيقولا، ظهر في كولونيا بألمانيا، وتصور أن بإمكانه تحرير بيت المقدس، وجمع حوله الآلاف من الصبية وسلكوا طريقاً إلى إيطالياً من خلال جبال الألب، وقد هلك الكثيرون منهم في الطريق وهناك رأى يرى أن أولئك الصبية انتهى بهم الأمر بأن بيعوا في أسواق النخاسة في عدد من المدن الإسلامية والواقع: أن حملة الأطفال تحتاج منا إلى وقفة، لأنها من أكثر الحملات الصليبية التي تعكس لنا روح ذلك العصر وطبيعته ومن الجلي البين أن الغرب الأوروبي في العصور الوسطى تعاظمت لديه الجوانب الغيبية وكذلك الرؤى والأحلام وكل ذلك من خلال تدين عاطفي لا يعطي للعقل أي مساحة فيه إلا القليل النادر، وهكذا أن آتون الحروب الصليبية يزجَ فيه بأطفال صغار أبرياً، كانوا جزء من الهوس الديني الذي شمل الغرب الأوروبي حينذاك، ودفعوا حياتهم ثمناً لكل ذلك، ويقرر البعض أن المستوى الفكري للناس في أوروبا العصور الوسطى حينذاك ساعد على الاعتقاد في صليبية الأطفال (1)
__________
(1) الحركة الصليبية (2/ 954) سعيد عاشور.
(1/154)

والجدير بالذكر: أن القيادات السياسية وكذلك الكنيسة؛ لم تستطع دفعاً لذلك التوجه من جانب الأطفال، إذ أن ستيفن هذا لم يتمكن الملك الفرنسي فيليب أغسطس من أثنائه عن عزمه، وتكرر ذات الأمر بالنسبة لنيقولا الذي لم يتمكن البابا أنوسنت الثالث من إبعاده عن تلك الحملة الصليبية، على نحو يكشف لنا من حقيقة مهمة وهي، أن الهوس بالصليبية على مستوى الجماهير كان كبيراً وأصاب ذلك الهوس حتى الأطفال البسطاء بذلك، وقد صدقهم الرجال والنساء على الرغم من عدم معقولية تصوراتهم تلك، غير أن ذلك العصر، بأبنائه وتصوراتهم، لم يكن ليقبل التنازل عن ذلك النمط القاصر من التفكير، ويلاحظ أنه فيما بعد تردد لدى البعض القاصر من التفكير، ويلاحظ أنه فيما بعد تردد لدى البعض في الغرب الأوروبي أن شيخ الجبل قد شجع اثنين من الأساقفة المنشقين على الكنيسة اللاتينية على أن يهيئوا للصليبيين المذكورين تلك الرؤية (1)، ومن الواضح أن ذلك التصور جاء تبريراً لتلك السقطة التي انجرف إليها المجتمع الأوروبي في ذلك العصر، والأمر المؤكد؛ أن الصليبيية حينذاك اغتالت براءة الطفولة بصورة غير مسبوقة والحقيقة الأخرى أن قطاعات المجتمع الغرب أوروبي سواء الرجال والنساء والأطفال شاركوا في تلك الحركة التاريخية الكبرى ذلك شأن الحملة الصليبية للأطفال، غير أن الحركة الصليبية كان في جعبتها المزيد من سهام العدوان لتطلقها على المسلمين في الشام ومصر (2) ونرى أن القادة للحملات الصليبية استغلوا العاطفة الدينية المتوهجة عند العامة وشيوع الرؤى والأحلام ووظفوها لخدمة مشروعهم الصليبي.
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 280.
(2) المصدر نفسه ص 280.
(1/155)

2 - مجمع اللاتيران وجهود البابا إنوسنت الثالث: أدّت البابوية دوراً مهماً في الحملة الصليبية الخامسة فقد قام البابا إنوسنت الثالث (594 - 613هـ/1198 - 1216م) بعمل صليبي ضخم وسعى جاهداً طوال مدة جلوسه على البابوية، أن يفرض سيطرته على الممالك النصرانية في أوروبا يوجَّهها وفق المصلحة النصرانية العامة، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير لدرجة أنه أصبح سيداً على كل ربوع أوروبا تقريباً، كما أن انتصار النصارى على المسلمين في موقعة العقاب (609هـ/1212م) في أسبانيا شجعه على الدعوة للحملة الصليبية الخامسة، فأراد أن يتبع هذا الانتصار في الغرب بنصر آخر في الشرق (1)، ورحبّت المدن الإيطالية التجارية بدعوة البابا نظراً لما يعود عليها من منافع تجارية على الرغم من أن العادل منح هذه الجمهوريات بعض الامتيازات في بعض الموانيء الإسلامية، وبخاصة في الإسكندرية، إلا أنهم كانوا يطمعون في الاستيلاء على هذه الموانيء وهناك عامل اجتماعي آخر، أدَّى دوراً بارزاً في الاستجابة للدعوة البابوية، ذلك أن الحملات الصليبية كانت متنفساً للعامة في أوروبا ووسيلة للتخلص من الظلم الاجتماعي، ومن دفع الديون وفوائدها، فضلاً عن البحث عن مناخ أفضل للحياة، بالإضافة إلى التكفير عن خطاياهم للقيام بالحملة المنتظرة (2)،
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 286.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 287 ..
(1/156)

وبدأ البابا يعد لعقد مجمع اللاتيران الكنسي في عام (612هـ/1215م) والواقع أن الدعوة للمؤتمر والحملة بدأت في عام 610هـ/1213م حين أرسل البابا مندوباً عنه إلى فرنسا، هو الكاردينال روبرت كورسون، من أجل هذه الغاية، وانتشرت الأنباء في فرنسا عن الحملة المرتقبة، وأبدى كثير من العامة، عن استعدادهم، للإنضمام إليها، وأعلن البابا أن المسلمين يستعدون على ما تبقَّى من الوجود الصليبي في الشرق، وأنه لا سبيل لصمود الصليبيين إلا بالمال والرجال، وطلب من كافة النصارى حمل السلاح للقضاء على المسلمين، وكتب إلى العادل في عام 612 هـ/1215م) يطلب منه تسليم بيت المقدس (1)، ولم يعبأ الملك العادل بهذا الطلب، ولم يتوقع وصول حملة صليبية في القريب العاجل، بدليل أنه لم يستعد عسكرياً للتصدي للحملة المرتقبة وأنه كان في مصر عندما وصلت طلائعها إلى بلاد الشام في صيف عام 614هـ/1217م (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 287.
(2) المصدر نفسه ص 287.
(1/157)

انعقد المجمع في كنيسة لاتيران في روما بتاريخ 20رجب 612هـ/11تشرين الثاني 1215م للنظر في بعض الشؤون الكنسية ومسألة توحيد الكنيستين الشرقية والغربية، فضلاً عن الإعدد للحملة الصليبية، وهو الهدف الرئيسي لانعقاد المؤتمر وحضر المؤتمر كبار رجال الدين، وكبار العلمانيين من الشرق والغرب وحشد كبير من المهتمين بالشؤون الدينية والسياسية. وألقى البابا خطاب الافتتاح عبّر فيه عما تعانيه مدينة بيت المقدس تحت حكم المسلمين، وأن هؤلاء ينتهكون حرمات كنيسة القيامة ويتهكَّمون على صليب المسيح، وهذا تعبير تقليدي كلما أراد الصليبيون في الغرب، إرسال حملة صليبية إلى الشرق، وهو بعيد كل البُعد عن الحقيقة، وأوضح البابا أن المسلمين بنوا حصناً جديداً على جبل الطور، وهو المكان الذي شهد عظمة المسيح ومجده، وأنهم باتوا يهدَّدون عكا وهي آخر ما تبقّى من مملكة بيت المقدس (1) وناقش المؤتمرون عّدة إقتراحات فيما يتعلق بإرسال حملة صليبية إلى الشرق، وقرروا أخيراً، أن تكون وجهتها مصر، فإذا نجحوا في طرد المسلمين من هذا البلد، فإنهم يفقدون أغنى إقليم لديهم، كما أنهم لن يستطيعوا المحافظة على أسطولهم في شرقي البحر المتوسط، والاحتفاظ ببيت المقدس، إذا تعرَّضوا للهجوم المزدوج من عكا ومن السويس وكان البابا يتجه إلى إرسال الحملة إلى بلاد الشام مباشرة، لتعويض الجهد الذي بدَّده رجال الحملة الصليبية الرابعة في القسطنطينية (2)، وتحَّدد تاريخ "ربيع الأول 614هـ/حزيران 1217م، موعداً لانطلاق الحملة، وهو تاريخ انتهاء الهدنة مع المسلمين، على أن يكون ميناء برنديزي أو مسَّينا في صقلية مكاناً للتجمُّع، وأما الذين يفضَّلون الذهاب بطريق البر، فعليهم أن يكونوا مستعدين في ذلك التاريخ (3)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 287.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 288.
(3) المصدر نفسه ص 288 ..
(1/158)

وطلب البابا من رجال الدين يتخلّوا عن منازعتهم وأحقادهم، وأن يكونوا قدوة حسنة للصليبيين ومن العلمانيين والكفَّ عن منازعاتهم وحروبهم لمدة ثلاث سنوات، حتى يسود السلام ربوع أوروبا وتتمكّن الحملة من القيام بالموعد المحَّدد وقَّدم إغراءات دينية لتشجيع الاشتراك في الحملة، ومنع التعامل التجاري مع المسلمين، وهدَّد كل من يخالف هذا القرار بالحرمان من الكنيسة (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 288.
(1/159)

3 - موقف أباطرة وملوك أوروبا من الحملة: أرسل البابا، بعد اختتام أعمال المؤتمر، الدعاة إلى أوروبا للدعوة للحملة، وتركز هؤلاء في فرنسا وألمانيا، كما طافوا في إنكلترا وإيرلندا، وأسكتلندا، وكان على اتصال دائم بهم للوقوف على مدى نجاحهم في هذه المهمة (1)، لكن البابا إنوسنت الثالث توفي في 28 ربيع الآخر 613هـ/16تموز 1216م قبل أن يحقَّق أعز أمنياته، وهي استرداد بيت المقدس، ولم يمضي يومان على وفاته حتى تّم انتخاب خلف له وهو البابا هونوريوس الثالث (1216 - 1227م) الذي كرّس جهده، وجهد المجتمع الغربي نحو الحرب الصليبية (2)، ورأى بأنه لابد من تهيئة المجتمع اللاتيني في الشرق، وإعداده لاستقبال الحملة المرتقبة، فأرسل الكاردينال جيمس فيتري إلى الشرق، وعيّنه أسقفا لمدينة عكا، وكلفّه الدعوة للحملة، وكتب إلى الملك يوحنا بريين يشجعه، ويؤكد له عزمه على إرسال الحملة، وأنه سوف يتمَّم العمل الذي بدأه سلفه، كما كتب إلى جميع الأساقفة ورجال الدين يحثُّهم على الاستمرار في الدعوة (3). ومن الملاحظ أن وفاة البابا إنوسنت الثالث لم تؤثر تأثيراً بالغاً على قيام الحملة (4) وحث ملوك أوروبا على الاشتراك بالحملة، غير أنه لم يستجب إلا عدد ضئيل منهم، فقد وعد هنري الثالث ملك انكلترا بالذهاب مع الحملة، واعتذر فيليب أغسطس عن قيادة الحملة، وهو الذي أبد اهتماماً زائداً بالقضية الصليبية، وذلك بسبب انهماكه بمحاربة ما يسمى في ذلك العصر بظاهرة الهرطقة التي انتشرت آنذاك في جنوب فرنسا وفي أقصى الشمال، وعد الملك النرويجي أنجي الثاني في قيادة الحملة، لكنه توفي في أوائل عام 614هـ/ربيع عام 1217م).
__________
(1) المصدر نفسه ص 289.
(2) المصدر نفسه ص 289.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 289.
(4) المصدر نفسه ص 289.
(1/160)

أما الأمبراطور الألماني فريدريك الثاني فقد وعد البابا بالاشتراك في الحملة، وقام بنشاط ملحوظ لتعبئة المجتمع الألماني، وعلى الرغم من الآمال المعقودة عليه، فلم تظهر بوادر الوفاء بوعده، ثم اعتذر عن قيادة الحملة ووعد باللحاق بها، بحجة أن أوتوا الرابع ظهر مرة أخرى ليطالب بعرش ألمانيا؛ مما شكَل صدمة كبيرة للبابا، ولم يبق في أوروبا ممن وعدوا بالاشتراك في الحملة سوى أندريه الثاني ملك المجر (1).

4 - طلائع الحملة - ملك المجر في بلاد الشام: تُعدُّ الجموع المجرية طليعة للحملة الصليبية الخامسة، فقد وصل الجيش المجري بقيادة الملك اندريه الثاني إلى سبالاتو في دالماشيا في شهر جمادي الآخرة عام 614هـ/شهر أيلول 1217م ولحق به فيها ليوبولد السادس دوق النمسا، وأبحرا منها إلى عكا، حيث هبطا فيها في خريف عام 1217م ولحق بهم هيو ملك قبرص بكل ما استطاع أن يجنّده من العساكر (2)، وأرسل ليوبولد السادس فور وصوله إلى عكا، سفارة إلى بوهموند الرابع وأحضر معه بعض الأمراء الصليبيين، وتجمَّع لدى الصليبيين أكبر جيش عرفه الشرق الإسلامي منذ الحملة الصليبية الثالثة (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 290.
(2) المصدر نفسه ص 290.
(3) المصدر نفسه ص 290.
(1/161)

وعُقد مجمع للحرب في عكا في أواخر شهر رجب/أوائل شهر تشرين الثاني) لتحديد خطة التحرك، وتتلخَّص في قيام بعض القوات الصليبية بمهاجمة مدينة نابلس للتمويه على هدف الحملة وهو غزو مصر، بوصفها الطريق الوحيدة لهزيمة المسلمين في بلاد الشام واستعادة بيت المقدس، ولكن المجتمعين أرجأوا تنفيذ هذه الخطة بسبب قلة عدد القوات ولعدم توفر السفن اللازمة لنقل الجنود بحراً إلى دمياط، وهي المدينة التي حدّدوها لنزول قواتهم فيها (1) وتناقش المؤتمرون في خطة أخرى تقضي بمهاجمة بيت المقدس، ولكن تبين تعذُّر تنفيذها لعدم توفر الماء الكافي لقواتهم عند هذه المدينة، وبعد أن تعذَّر على المجتمعين تنفيذ خطة مهاجمة دمياط، وبيت المقدس، قرروا مهاجمة مدينة دمشق (2)، فارتحلوا من عكا في 4 شعبان/6تشرين الثاني، وسلكوا مرج ابن عامر، وعندما علم العادل بتحركهم، وكان في مصر، خرج منها إلى فلسطين، فوصل إلى اللد والرملة، وتابع طريقه إلى نابلس آملاً في أن يقطع الطريق عليهم عند عين جالوت، وعندما علم الصليبيون بقدومه غيَّروا خطتهم واتجهوا نحوه ليقصدوه، وساروا إلى مدينة نيسان، في الوقت الذي سار فيه العادل إلى هذه المدينة أيضاً "لحماية أطراف البلاد مما يلي عكا" وقد سبقهم إليها (3) وصعد إلى تلك المدينة يراقب تقدمهم، وقد بلغ عددهم ما يقرب من خمسة عشر (4) ألفا. ونتيجة لتفوق الصليبيين عليه في العدد أثر العادل تجنبُّ الاشتباك مع العدو، وانسحب من المدينة، فعارضه ابنه المعظم عيسى، فشتمه العادل وقال له: بمن أُقاتل؟ أقطعت الشام مماليكك، وتركت من ينفعني من أبناء الناس (5)
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 290.
(2) المصدر نفسه ص 291.
(3) المصدر نفسه ص 291.
(4) المصدر نفسه ص 291.
(5) ذيل الروضتين نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 291 ..
(1/162)

وعسكر في مرج الصَّفر وهو يتهيأ للدفاع عن دمشق، وعندما وصل الصليبيون إلى بيسان نهبوها، واستولوا على كل ما وقعت عليه أيديهم (1)، وتشجعوا بهذا النجاح فتمادوا في مهاجمة المنطقة الواقعة بين بيسان وبانياس، وتوغلوا في داخل الأراضي الإسلامية، وانتشرت جنودهم في القرى فوصلت إلى خسفين ونوى في حوران، وأطراف السواد، وقاموا بأعمال السلب والنهب، وحاصروا بانياس وتوغلوا في داخل الأراضي الإسلامية مدة ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى عكا محملين بالغنائم والأسرى (2) وبعد استراحة ثلاثة أيام بمرج عكا، توجهوا إلى مدينة صيدا، فأغاروا عليها، كما هاجموا شقيف أرنون ونهبوها، قبل أن يعودوا إلى عكا في 12شعبان/14تشرين الثاني (3) والواضح أن الصليبيين لم يكن لهم هدف محددَّ، وساروا على غير هدى ولا شك بأن هذه الغارات المحدودة أزعجت المسلمين، وتسبَّبت في إرتفاع الأسعار، وخاف الناس، على أنفسهم وعزموا على مغادرة البلاد" واجتمعوا في المساجد للدعاء، ولم يطمئن أهل دمشق إلا بعد أن جاء المجاهد صاحب حمص إلى مدينتهم لنجدة عمه العادل الذي خرج لاستقباله، وكان يوماً مشهوداً (4)، كما أن العادل قلق أيضاً حتى أنه بعث "بأثقاله ونسائه إلى بصرى (5) وأخذ يستعد للتصدي للصليبيين بعد أن جاءته الإمدادات، فجهَّز ابنه المعظمم عيسى صاحب دمشق بقوة من الجند، وأرسله إلى نابلس لمنع الصليبيين من الوصول إلى بيت المقدس (6)،
__________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 291.
(2) مفرج الكروب (3/ 255) تاريخ الأيوبيين ص 291.
(3) المصدر نفسه (3/ 255) تاريخ الأيوبيين ص 291.
(4) كتاب الروضتين نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 292.
(5) سبط ابن الجوزي (8/ 583) تاريخ الأيوبيين ص 292.
(6) مفرج الكروب (3/ 256) تاريخ الأيوبيين ص 292 ..
(1/163)

لم يكن الملك يوحنا بريين راضياً بما حدث، ولم يقنع بضياع الجهود الصليبية في الغارات التي لا تعود إلا بالأسلاب والغنائم وكانت قلعة الطور من القلاع المتقدمة التي تهدَّد كيان مملكته، والتي من أجلها طلب مساعدة من الغرب الأوروبي، فرأى القيام بعمل عسكري ضدها، ويبدو أن هذا الرأي لم يحظ بموافقة الجميع فقد رفض كل من أندريه الثاني وهيو التعاون معه، وسانده بوهيموند الرابع، لذلك أعد من جانبه حملة لتدميرها، ولم ينتظر قدوم المساعدة من قِبل الجماعات الدينية العسكرية، مما أثَّر سلباً على قدرته القتالية (1).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 292.
(1/164)

وصلت هذه القوة إلى القلعة يوم الأربعاء في "18شعبان/20تشرين الثاني" ونفَّذت ضدها هجومين جاءت نتائجهما فاشلة ومن الواضح أن صمود المسلمين قد فتَّ في عضد الملك الصليبي فقرر الإنسحاب، وعاد إلى عكا في 6رمضان/7كانون الأول ومعه بعض الأسرى (1)، لم يركن الصليبيون إلى الهدوء، ولم يقتنعوا بفشلهم العسكري، فرأوا القيام بعمل آخر لعلهم يحقَّقون من ورائه نصراً يستر دون به كرامتهم، فاتجهوا إلى مرجعيون وشقيف أرنون، وأثناء تواجدهم في هذه المنطقة، قرر دبونيس، ابن أخت الملك اندريه الثاني، مهاجمة منطقة البقاع، دون أن يحفل بنصيحة صاحب صيدا ودون أن يحصل على موافقة الملك يوحنا بريين، فتعرَّض لمصاعب جمَّة بسبب وعورة المنطقة وتلقَّى أهل البقاع قواته، وفاجأوهم واستولوا على خيولهم، فقتلوا قسماً منهم، وأسروا جماعة أخرى، وكان ديونيس من بين القتلى ولاذ من نجا منهم بالفرار (2)، ولم يقم الصليبيون بعمل عسكري ضد المسلمين بعد ذلك حتى قدومه الحملة الكبرى التي هاجمت دمياط. وقرَّر الملك أندريه الثاني في تلك الأثناء العودة إلى بلاده، أما ليوبولد السادس دوق النمسا، فإنه بقي في الشرق حيث تعاون مع الملك بريين وعلى هذا الشكل انتهت جهود الجموع المجرية دون أن تحقق أي إنجاز يُذكر فيما يتعلق، بالموقف في بلاد الشام سوى تدمير قلعة الطور، وقد هدمها العادل بنفسه نظراً لأنها سهلة المتناول، وليس ثمة ما يدعو للإبقاء عليها (3)، كما أن الملك أندريه الثاني تسببَّ في إلحاق الضرر بالصليبيين عندما رحل إلى بلاده ومعه عدد كبير من جنوده (4)،
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 292.
(2) كتاب الروضتين نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 293.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 293.
(4) المصدر نفسه ص 293 ..
(1/165)

فقد كان الموقف يحتم عليه البقاء في بلاد الشام للإنضمام إلى القوات الصليبية القادمة، لمهاجمة دمياط أو للدفاع عن الممتلكات الصليبية، أثناء تواجد القوى الصليبية في مصر، والراجح أن تصُّرفه هذا كان أحد أسباب فشل الحملة الصليبية الخامسة (1).

5 - استعدادات التجهيز: ظل العادل، الذي أضحى شيخاً متقدماً في السن، حتى آخر لحظة، يأمل في ألا تبلغ الحماقة بالصليبيين أن ينقضوا الصلح وبخاصة أنه توثَّقت العلاقات بينه وبين البنادقة الذين عقد معهم معاهدة تجارية في عام (604هـ/1208م) (2)، وشاركه في هذه الآمال ابنه الكامل محمد، نائبه في مصر وفي الوقت الذي كان فيه القادة الصليبيون في عكا، يخططون لغزو مصر، بدأت القوات الصليبية القادمة من أوروبا تتوافد على عكا ابتداء من 27محرم 615هـ/26 نيسان 1218م) وتجمّع في هذه المدينة عدد كبير من الصليبيين القادمين من أوروبا، وقد بلغ عددهم حوالي ثلاثين ألفاً، تألفوا من مجريين وإسكندنافيين ونمساويين وألمان، بالإضافة إلى القوات المحلية وبعض القوات من قبرص وعقد الملك يوحنا بريين مجلساً حربياً لترتيب الخطة العسكرية، كتحديد خط سير الحملة، وتدبير مسألة التموين، وإعداد العدد الكافي من السفن لنقل الجنود وتوفير المعدات العسكرية، وتحديد مهام كل مجموعة من الجند، كافة ما يلزم من الترتيبات لمثل هذا الهجوم الكبير الذي كانت أوروبا تخطط له منذ زمن بعيد (3)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 293.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 293.
(3) المصدر نفسه ص 293 ..
(1/166)

ففيما يتعلق بخط سير الحملة، فقد تقرر أن تسلك الحملة طريق البحر لأن ذلك يُعطي الصليبيين قدراً أكبر من الأمان، لعدم وجود قاعدة كالتي توفرت لعموري الأول في عسقلان، وذلك يجعلهم يصلون بقواتهم كاملة دون التعرض لأخطار الطريق البري، كما أن هذه القوات تصل إلى هدفها وهي في حالة من الراحة تمكنَّها من القيام بعملياتها العسكرية بنشاط والجدير بالذكر أن هدف الحملة، مدينة دمياط، إحدى المدن الثلاثة الرئيسية في مصر، بالإضافة إلى أنها أفضل المواقع للهجوم على مصر كلها، فهي أقرب الموانيء المصرية إلى الصليبيين في بلاد الشام، كما أن فرع دمياط يمثل أيضاً طريقاً سهلاً للمواصلات التي تربطهم بقواعدهم في بلاد الشام من جهة وتمكنَّهم من غزو الدلتا كلها قبل التقدم إلى القاهرة للاستيلاء عليها (1).

وفيما يتعلق بقضية تموين الحملة، فقد زُوَّدت بالمؤن التي تكفيها لمدة ستة أشهر (2)، وتحمَّلت قبرص العبء الأكبر من هذه المواد التموينية وتقرر كذلك استعمال السفن الراسية في سواحل بلاد الشام وعددها حوالي ثلاثمائة سفينة؟ لنقل الجنود ودوابهم وآلاتهم ومعداتهم (3) وفي هذا الوقت، الذي كانت تنُظم فيه الترتيبات، وصلت رسالة من البابا هونوريوس الثالث في 21 صفر عام 615هـ/18آيار عام 1218م، تتضمَّن تعيين الكاردينال بيلا جيوس، أسقف ألبانو، مندوباً عنه في الحملة الصليبية، وطلب من الجميع طاعته (4).
__________
(1) المصدر نفسه ص 294س.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 294.
(3) المصدر نفسه ص 294.
(4) المصدر نفسه ص 295.
(1/167)

6 - الصليبيون ينزلون دمياط: استقل الجيش الصليبي، الذي تعداده حوالي أربعين، ألفاً، السفن في عكا بقيادة الملك يوحنا بريين بتاريخ (26صفر 615هـ/23آيار 1218م) حيث وصل إلى دمياط بعد بضعة أيام، فنزل أفراده إلى البر، ونصبوا معسكرهم على الضفة الغربية للنيل المواجهة للمدينة، وقد وجدوها محصَّنة تحصيناً قوياً (1)، وتقع دمياط على مسافة ميلين من مصب نهر النيل، وتحميها من الخلف بحيرة تنيس (2)، كما كانت تمتد بعرض النيل، سلاسل من حديد عظام القدر والغلظ لتمنع المراكب الموصلة في بحر الملح من عبور أرض مصر (3)، هذا بالإضافة إلى إلى برج السلسلة، وهو بمثابة حصن وسط مجرى النيل لحماية المدينة، وصدَّ أي عدوان يقع عليها (4)، وقد حال دون تقدمهم، لذلك كانت مهمتهم الأولى هي الاستيلاء على هذا البرج ليتمكَّنوا من النزول على الضفة الشرقية للنيل جنوبي المدينة فيسهل عليهم مهاجمتها (5)، وقد فوجئ سكان دمياط بتواجد الصليبيين أمامهم يتحفزون للهجوم عليهم فاستعدوا للدفاع عن مدينتهم وقاموا بتخزين المؤن، وأرسلوا في الوقت نفسه، إلى الكامل محمد الذي تحرك على رأس جيشه، واتخذ طريقه صوب المدينة، كما طلب من وإلي الغربية أن يجمع سائر العربان وينضَّم إلى قواته، واستقر الجميع في المكان الذي سُمي بالعادلية (6)، جنوبي دمياط ليكون على اتصال بالمدينة من جهة ويمنع الصليبيين من العبور إليها من جهة أخرى (7).
__________
(1) المصدر نفسه ص 295.
(2) تنيس هي بحيرة المنزلة حالياً.
(3) المقريزي (1/ 309) تاريخ الأيوبيين ص 295.
(4) تاريخ الأيوبيين ص 295.
(5) المصدر نفسه ص 295.
(6) تقع العادلية بين دمياط وفارسكو على الضفة للنيل.
(7) المقريزي (1/ 309).
(1/168)

7 - الوضع في بلاد الشام: عندما علم العادل بنزول الصليبيين في دمياط، وكان بمرج الصَّفر، انتقل إلى عالقين بظاهر دمشق، وبدأ بإرسال العساكر إلى مصر، حتى أنه لم يبق عنده من العساكر إلا القليل (1)، وطلب من ابنه المعظم عيسى أن يغير على معاقل الصليبيين في بلاد الشام ليشغلهم عن دمياط (2)، كما طلب منه تخريب قلعة الطور على الرغم من أهميتها البالغة، وذلك لسببين:
الأول: استغلال ما فيها من الرجال والعتاد لنجدة دمياط.
الثاني: خشيته من استيلاء الصليبيين عليها، إذا ملكوا دمياط، فتكون سبباً في خراب الشام (3).

نفَّذ المعظم عيسى أمر والده بعد تردُّد، وأرسل من في قلعة الطور إلى بيت المقدس، وعجلون، والكرك، تمهيداً لنقلهم إلى دمياط (4)، وطلب العادل من ابنه الآخر الأشرف موسى أن يدخل الأراضي الصليبية لمهاجمتها وفعلاً هاجم الأشرف موسى، صافيتا: فخربَّ ربضها، ونهب رستاقها وهدم ما حولها، ثم هاجم ربض حصن الأكراد، لكنه اضطر إلى التوقف، وعاد إلى بلاده بفعل أن ابن عمه الأفضل علي استغل فرصة انهماكه بأمر الصليبيين وهاجم حلب للاستيلاء عليها، فأرسل العادل المجاهد أسد الدين شيركوه الثاني بدلاً عنه (5)، وفور عودة الأشرف موسى إلى حلب، أرسل قوة عسكرية إلى دمياط نجدة لأخيه بقيادة أبرز أمرائه، وهم سيف الدين كهذان، والمبارز بن خطلح ومبارز الدين سُنْقُر الحلبي (6).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 261).
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 296.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 296.
(4) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 296.
(5) مفرج الكروب (3/ 265 - 266) تاريخ الأيوبيين ص 296.
(6) مفرج الكروب (4/ 23 - 32) تاريخ الأيوبيين ص 297.
(1/169)

8 - بداية العمليات العسكرية والصراع على برج السلسلة: لم تنقطع المناوشات بين الطرفين منذ أن وطأت أقدام الصليبيين البر في دمياط، ولكنها لم تكن فعالة، وأدرك هؤلاء بنتيجتها فداحة الخطأ الذي ارتكبوه برسَّوهم على الضفة الغربية للنيل بدلاً من الضفة الشرقية، هذا فضلاً عن أنهم أضاعوا كثيراً من الوقت حيث نزلوا، مما أعطى المسلمين فرصة كافية للاستعداد والدفاع (1)، حتى صار عند الكامل من المقاتلة مالاً يكاد ينحصر عدده (2) وقام الصليبيون في 26 ربيع الأول 615هـ/22حزيران 1218م، بأول محاولة لاقتحام المدينة واقتربت قواتهم المهاجمة من أسوارها وقد تسبَّب هذا الهجوم الكبير في إثارة الرعب في نفوس السكان، ولكنهم صمدوا للدفاع عن مدينتهم عندئذ أدرك الصليبيون أنهم عاجزون عن الوصول إلى المدينة، فعادوا إلى معسكرهم، بينما ظلَّت قذائف المنجنيق تنهال عليها لإلحاق الضرر بها (3) وتبين للقادة الصليبيين، بعد محاولتهم الأولى، أن برج السلسلة هو العقبة الرئيسية التي تحول دون تقدُّم السفن الصليبية، ويجب عليهم تذليلها، لذلك جهَّز فرسان الداوية سفينة، شحنوها بثلاثمائة مقاتل، ودفعوها للاصطدام ببرج السلسلة وتحطيمه، لكن محاولتهم هذه فشلت في تحقيق الغاية، واضطر المهاجمون إلى التراجع تحت ضغط الحجارة والنبال التي انهالت عليهم (4)،
__________
(1) عاشور (267) تاريخ الأيوبيين ص 297.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 297.
(3) المصدر نفسه ص 297.
(4) المصدر نفسه ص 297 ..
(1/170)

وكرّر الصليبيون هجومهم في أواخر ربيع الأول وأوائل ربيع الآخر/الأسبوع الأخير من حزيران، فقام ليوبولد السادس، دوق النمسا، ومعه بعض الفرسان من الأسبتارية، بمحاولة لتسلق أسوار المدينة، واستعمل في هذه المحاولة السلالم المتحركة المثَّبتة على السفن وانفصلت عنهم قوة عسكرية هاجمت برج السلسلة، لكن هذه المحاولة فشلت بفعل عدم تحملّ السلالم ثقل القوات الصليبية المهاجمة، كما أن النار الإغريقية التي استعملها المدافعون أبعدت الصليبيين عن البرج (1) ولم ييأس الصليبيون، نتيجة فشلهم في اقتحام البرج والمدينة وأعدوا في "5ربيع الآخر/تموز" خطة أخرى لاقتحامها فجهزوا أربع سفن زوَّدوها ببعض الأبراج الصغيرة وثبتَّوها فوق سلالم متحركة لتضيق إلى الأبراج مزيداً من الارتفاع فهاجمت ثلاث سفن برج السلسلة وتمكنت من الرسو أمامه في حين هاجمت السفينة الرابعة المدينة، وبذل المهاجمون مجهوداً كبيراً كي يكفلوا النجاح لهذا الهجوم، إلا أن الخيبة كانت إلى جانبهم في هذه المحاولة أيضاً بفعل استماتة المدافعين وكانت خسارة الصليبيين كبيرة حيث غرف عدد كبير منهم نتيجة تحطُّم السلاسل، بفعل ثقل الجنود المزوَّدين بالدروع الحديدية وابتهج المسلمون بهذا النصر (2)، نتيجة للتجارب الفاشلة السابقة، عرض أوليفر بادن بورن مشروعاً جديداً للاستيلاء على برج السلسلة، يُعدُّ مبتكراً في الفنون العسكرية في ذلك الوقت المبكر، ويقي بإقامة برج على سفينتين أُحكم ربطهما معاً بالحبال، وجرت تغطيته بالجلد والنحاس الأحمر لحمايته من النار الإغريقية، ووضعوا فوقه سلمَّاً متحركاً حتى أضحى كالقلعة العائمة (3)،
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 298.
(2) المصدر نفسه ص 298.
(3) المصدر نفسه ص 298 ..
(1/171)

هكذا أمكن مهاجمة برج السلسلة براً وبحراً ونُفَّذ الهجوم في 29 جمادي الأولى/ 24 آب) ونجح الصليبيون في الرسو في الجانب الشمالي الشرقي منه وأسندوا السلم المتحرك إلى جداره، كان يحمي البرج ثلاثمائة من المسلمين وجرى قتال عنيف بين الطرفين، ونجح الصليبيون في دخول برج السلسلة واستولوا عليه، وقطعوا السلاسل التي تعترض مجرى النهر، فأضحى بوسع سفنهم أن تجتاز النهر إلى أسوار (1) دمياط ولا شك بأن سقوط برج السلسلة في قبضة الصليبيين، وتحطيم تلك السلاسل التي تحمي مجراه، جاء خسارة كبرى للمسلمين (2)، وقد عد ذلك البرج، قفل الديار المصرية (3).

9 - وفاة الملك العادل: أرسل الكامل محمد إلى أبيه العادل، الذي كان لا يزال معسكراً قرب دمشق، يخبره بسقوط برج السلسلة، ويستنجد به، لكن هذا الأخير لم يتحمَّل الصدمة، فدق بيده على صدره أسفاً وحزناً، ومرض لساعته مرض الموت، ثم توفي يوم الخميس في 7 جمادي الآخرة 615هـ/31 آب 1218م (4)، ونظراً لما قد يحدثه خبر وفاة العادل من تأثير على الروح المعنوية للجنود المسلمين المرابطين أمام دمياط، فقد أخُفي خبر الوفاة واستقر أولاده في إقطاعاتهم التي أعطاها لهم أبوهم، واتفقوا فيما بينهم على توحيد كلمتهم لمواجهة الموقف الصعب الذي نتج عن الغزو الصليبي لمدينة دمياط، والجدير بالذكر أن ابن العادل الأصغر، وهو المعظم عيسى، استقر في دمشق بينما خلف الكامل محمد أباه في حكم مصر، وقد وقع عليه عبء الدفاع عن دمياط وطرد المعتدين (5).
__________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 298.
(2) عاشور (2/ 967) تاريخ الأيوبيين ص 299.
(3) كتاب الروضتين نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 299.
(4) تاريخ الأيوبيين ص 299.
(5) الكامل في التاريخ نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 299.
(1/172)

كان الملك العادل - رحمه الله - حازماً متيقظاً، غزير العقل سديد الأراء، ذا مكر شديد وخديعة، وصبوراً، حليماً، ذا أناة وتؤدة، يسمع ما يكره ويغضي عنه كأنه لم يسمعه، كثير البذل والخرج عند الحاجة لا يقف في شيء، وأما في غير وقت الحاجة فلا، عظمت هيبته في القلوب، واتسع ملكه وواتته السعادة، وكثير أولاده، ورأى فيهم ما يحب من اتساع الممالك والظفر بالأعدام وقال ابن واصل ولم يبلغنا عن أحد من الملوك الماضين أنه رأى في أولاده ما رأى، فإنه اجتمع في كل واحد منهم من النجابة والكفاية والشهامة والفضيلة مالاً مزيد عليه فهم كما قال الشاعر:
من تَلْقَ منهم تَقُل لا قيت سَيَّدَهُم ... مِثلُ النجوم التي يَسْرى بها الساري (1)

وكان للملك العادل فيما ذكره ابن واصل ستة عشر ولداً ذكراً سوى البنات (2)، ومن العجائب أنه لم يحضر وفاته أحد من أولاده وخلف سبعمائة ألف دينار عينا احتوى عليها المعظم (3).
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 272).
(2) المصدر (3/ 273).
(3) شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ص 202س.
(1/173)

10 - دور العلماء والفقهاء في الجهاد في عهد الملك العادل:
إن الفقهاء والعلماء في تلك الفترة حثوا أولى الأمر على التصدى للصليبيين، ونزلوا إلى ميدان الجهاد مقاتلين في سبيل الله، خالعين العمائم متزيين بزي الجند، حاملين السلاح دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، فكان في مقدمتهم الفقيه شهاب الدين بن البلاعي (1)، الذي كان أحد الجنود المقاتلين في صد الضربات العنيفة التي وجهها الصليبيون بغتة ضد مدينة حماة عام 601هـ/1204هـ ناقضين الهدنة المنعقدة بينهم وبين صاحب حماة في العام الماضي (2)، فخرج إليهم صاحب المدينة الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وقاتلهم وانضم إليه جموع العامة من أهل حماة، ولكن استطاع الصليبيون بعد قتال مرير أن يأسروا خلقاً كثيراً من أهل حماة وعادوا إلى بلادهم وكان الفقيه شهاب الدين أحمد بن البلاعي قد أبلى بلاءاً حسناً في ميدان المعركة، ورمى فارساً ووقعت فرسه، ولكنه سقط أسيراً، وحمل إلى طرابلس مع غيره من الأسرى، ولكن الظروف ساعدته على الهرب، ورمى بنفسه في البحر، ثم تعلق بجبال بعلبك، وجاء بعد شدائد إلى أهله سالماً (3) والجدير بالذكر أن ابن واصل قال إن هذا الفقيه، كان أول أمره معمما ثم خلع العمامة وتزينا بزي الجند (4)، ولعل هذا يؤكد حمية وحرص الفقهاء على الجهاد بأنفسهم في سبيل الله، حماية للإسلام والمسلمين، ويضيف أبو شامة في عرضه لبطولة الفقيه ابن البلاعي قائلاً: ولولا وقوفه ما أبقوا من المسلمين أحداً (5)
__________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق الأدنى ص 177.
(2) مفرج الكروب (3/ 154) النجوم الزاهرة (6/ 186، 187).
(3) مفرج الكروب (3/ 163) دور الفقهاء والعلماء ص 178.
(4) مفرج الكروب (3/ 163) دور الفقهاء والعلماء ص 178.
(5) كتاب الروضتين نقلاً عن دور الفقهاء والعلماء ص 178 ..
(1/174)

وهناك أيضاً الفقيه سبط ابن الجوزي الذي قدم من بغداد عام 600هـ/1203م واتخذ من جامع دمشق مكاناً للوعظ، فكان الناس يتزاحمون على مجالسه للاستفادة منه (1)، وحظي عند ملوك بني أيوب، وقدموه وأحسنوا إليه (2)، ولم يكتف سبط ابن الجوزي بالوعظ بل شارك في الجهاد، ونزل إلى ساحة المعارك فيذكر في تاريخه أنه قبل خروجه ضمن جيش المسلمين المتجه من دمشق إلى نابلس عام 607هـ/1210م، جلس بجامع دمشق وأخذ يعظ الناس ويحثهم على الجهاد ضد الغزاة، وقد تجمع عنده أعداد هائلة للاستمتاع إليه فحكى لهم حكاية لحثهم على الجهاد فقال: وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة، وقد وقفت على حكاية أبي قدامة الشامي مع تلك المرأة التي قطعت شعرها، وبعثت به إليه، وقالت: أجعله قيداً لفرسك في سبيل الله، فعملت من الشعور التي اجتمعت عندي شكلاً للخيل للمجاهدين وكرفسات ولما صعدت المنبر أمرت بإحضارها، فحملت على أعناق الرجال وكانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس صاحوا صيحة واحدة، وقطعوا مثلها وقامت القيامة. ثم يستطرد السبط في وصف ما حدث بعد نزوله من المنبر بعد وعظه للناس في ذلك اليوم قائلاً: فلما نزلت من المنبر قام المبارز (والي دمشق) يطرق لي ويمشي بين يدي إلى باب الناطفائيين، فتقدم إلى فرسي وأمسك بركابي وأركبني، وخرجت من باب الفرج إلى المصلى، وجميع من كان بالجامع بين يدي وسرنا من الغد إلى الكسوة ومعنا خلق مثل التراب وكان معنا قرية واحدة يقال لها زملكا من قرى دمشق ثلاثمائة رجل بالعدد والسلاح وأما من غيرها فخلق كثير والكل خرجوا احتسابا وجئنا إلى عقبة فيق (3)،
__________
(1) سبط ابن الجوزي (8/ 336).
(2) دور الفقهاء والعلماء ص 179.
(3) عقبة فيق: مدينة بالشام بين دمشق وطبريه ..
(1/175)

وعندما ما اقترب السبط وهذا الحشد الهائل من المسلمين الذين معه من نابلس، خرج إليهم الملك المعظم عيسى بن العادل واستقبلهم بفرحة غامرة، ثم جلس السبط للوعظ بجامع نابلس لتحميس الناس على قتال الصليبيين، وحضر الملك المعظم هذا الوعظ مع المسلمين، وبعد أن انتهى السبط من وعظه قال: وخرجنا إلى نحو بلاد الفرنج فخربنا وهدمنا وقطعنا إشجارهم، وأسرنا جماعة، وقتلنا جماعة، وقتلنا جماعة، ولم يتجاسروا أن يخرجوا من عكا. فأقمنا أياماً ثم عدنا سالمين غانمين إلى الطور المطل على الناصرة، والمعظم معنا (1)، ويتضح مما تقدم إلى أي حد كان لوعظ سبط بن الجوزي تأثيره العميق في قلوب المسلمين، مما جعلهم يتدافعون وراءه طلباً للجهاد في سبيل الله وأنه لم يكتف بالجلوس في المسجد للوعظ، بل خرج تحت قيادة المعظم عيسى، وقاتل وشارك يداً بيد مع المجاهدين في كل ما فعلوه ببلاد العدو ثم عادوا جميعاً سالمين، وهكذا دائماً كان الفقهاء، والعلماء سباقين إلى كل عمل يعود بالنفع والخير على الإسلام والمسلمين وكانوا القدوة الحسنة لبقية المسلمين (2)، وهناك مواقف أخرى لهذه الصفوة المختارة من الفقهاء والعلماء كان لها أكبر الأثر في ازدياد الحماسة عند المسلمين وإحراز النصر على الأعداء، فكان من أهمها ذلك الموقف الذي وقفه هؤلاء الفقهاء أزاء العدوان الصليبي على دمياط بقيادة ملك بيت المقدس حنا دي بريين عام 615هـ/1218م في الحملة الصليبية الخامسة، فعندما نجح الصليبيون في الاستيلاء على برج السلسلة (3)، مدخل دمياط أرسل الملك الكامل محمد، الفقيه شيخ الشيوخ صدر الدين بن حموية إلى أبيه الملك العادل يخبره بحقيقة الأوضاع ويستصرخ به (4)
__________
(1) سبط ابن الجوزي (8/ 355 - 356) دور الفقهاء ص 180.
(2) دور الفقهاء والعلماء المسلمين ص 181.
(3) برج السلسلة: من شمال دمياط يصب ماء النيل إلى البحر المالح.
(4) النجوم الزاهرة (6/ 222) دور الفقهاء ص 182 ..
(1/176)

فلما وصل الشيخ صدر الدين إلى العادل وأخبره بذلك، تألم تألما شديداً ودق بيده على صدره ومرض مرض الموت، كما كان وقع هذا الخبر السيء شديداً بالنسبة للفقهاء والعلماء ويقول أبو شامة: وأذكر وأنا بدمشق حين بلغ الناس أخذ برج السلسلة، وقد شق على من يعرفه مشقة شديدة منهم شيخنا أبو الحسن السخاوي (1) رحمه الله ورأيته يضرب يداً على يد، ويعظم أمر ذاك، وسمعت الفقيه عز الدين بن عبد السلام يسأل عنه، فقال: هو قفل الديار المصرية، وصدق رحمه الله تعالى، فإني حين رأيته في سنة ثمان وعشرين، بأن لي صحة ما أشار الشيخ إليه (2).

11 - أهم معاهدات الملك العادل مع الفرنج: بعد وفاة صلاح الدين تعرض المشروع الوحدوي الصلاحي لضعف شديد إذ لم يلبث أن دب النزاع والخلاف بين الأخوة الثلاثة إلى درجة الصراع المسلح وقد أدى ذلك إلى إقصاء أبناء صلاح الدين عن السلطة واستقلال الملك العادل في الملك دونهم، وحصل ما كان يخشاه صلاح الدين وهو نقل السلطة من أبنائه إلى أخيه العادل، وقد تم له ذلك بعد أن تقرر الصلح بينه وبين أبناء أخيه، وبذلك أصبح سيد الموقف في مصر وبلاد الشام 598هـ/1201م وفي خضم هذا الضعف للوحدة والصراع على السلطة بين الأيوبيين، انتهز الفرنج هذه الفرصة، وحصلوا على مكتسبات على الأرض من خلال المعاهدات والاتفاقات التي عقدوها مع الملوك الأيوبيين (3).
__________
(1) دور الفقهاء والعلماء ص 182.
(2) المصدر نفسه ص 182.
(3) معاهدات الصلح والسلام بين المسلمين والفرنج د. غواتمه ص 62.
(1/177)

أ- ففي سنة 594هـ/1198م عقد الملك العادل صلحاً مع الملك عموري الثاني ملك مملكة بيت المقدس في عكا ومدة هذا الصلح ثلاث سنين وكان الفرنج قد استولوا على بيروت وجبيل، فبقيت بأيديهم واحتفظوا بها، أما العادل فقد احتفظ بمدينة يافا، وكان قد انتزعها من الفرنج، أما مدينة صيدا فقد قسمت بين الطرفين، وكانت ظروف العادل والصراع على السلطة بين القادة الأيوبيين قد أملت عليه القبول بالصلح بعد أن راسله الفرنج بذلك (1).

ب- وفي سنة 601هـ/1204م، عقد العادل مع الفرنج صلحاً وشرطوا أن تكون يافا لهم، واستنزلوه عن مناصفات اللد والرملة، فأجابهم على ذلك، وعقد الهدنة بينه وبينهم (2) والظاهر أن سبب منح هذه الامتيازات للفرنج هو ظروف الخلافات في دولته بالإضافة إلى أن حركة الفرنج كانت نشطة، سواء في أوروبا، أو في داخل الأراضي القسطنطينية بسبب قدوم جماعات فرنجية جديدة إلى عكا وبعض الإمارات الفرنجية الأخرى.

ج- وفي سنة 603هـ/1207م أبرم الملك العادل صلحاً مع بوهيمند الرابع، وكان العادل قد حاصرها وضيق عليها، فبعث إليه صاحب طرابلس يخضع له وبعث له مالاً وهدايا، وثلاثمائة أسير، ورغب في الصلح فصالحه (3).

د- وفي سنة 607هـ كانت معاهدة أخرى للملك العادل مع الفرنج، حدث في هذه السنة أن تحركت القوات الفرنجية على الساحل الفلسطيني، واجتمع في عكا أعداد كبيرة منهم، فخرج الملك العادل من دمشق، واستمرت الهدنة مدة معلومة (4) ونلاحظ أن خسارة المسلمين تكون أكثر عندما يكونون الطرف الأضعف فتملى عليهم الشروط وعندما يكونون الأقوى لا يخسرون بل يفرضون على عدوهم ما يريدونه هم ما لا يريده العدو (5).
__________
(1) المصدر نفسه ص 63.
(2) مفرج الكروب (3/ 163) الدبلوماسية الإسلامية ص 369.
(3) الدبلوماسية الإسلامية ص 396.
(4) مفرج الكروب (3/ 201).
(5) معاهدات الصلح والسلام ص 64.
(1/178)

12 - سياسة دول المدن الإيطالية تجاه الأيوبيين: في عصر الممالك الأيوبية كانت إيطاليا تتشكل من جمهوريات مستقلة وكانت كل جمهورية منها تقوم في مدينة كبرى، مثل؛ البندقية، بيزا، جنوة، وأمالفي، ولكنها كُلها تتبع نمطاً اقتصادياً واحداً، يقوم على التجارة البحرية وقد تمكنوا جميعاً، بفضل الأساطيل المتنوعة الضخمة من أن يحَّققوا أرباحاً خيالية، وأن تصل هذه المدن إلى مستويات عالية من الثروة (1) وقد أدركت الدولة الأيوبية حاجتها لكسب التجار الإيطاليين، فلَّوحت لهم بالمكاسب، وعقدت معهم الاتفاقات على أساس الفائدة المشتركة، فتحدوا كلَّ قرارات المنع وكُل التزام ديني، ونقلوا البضائع من وإلى الموانيء الإسلامية، وخاصَّة موانيء مصر، وعلى ما يبدو، أدرك المسلمون ما للمصالح الإيطالية من أهمية في بقاء الإمارات اللاتينية وأدركوا التنافس القائم بين الجمهوريات الإيطالية وما يحدث بينهم من خلافات، وعلى هذه الأسس ركزوا اهتمامهم على التجارة الإيطالية، فمنذ أوائل عهد الدولة الأيوبية نشط التجار الإيطاليون فيها وخاصة في مصر، بعد تأمينها طريق البحر الأحمر، فموانيء الشَّام، -بمعظمها - بيد الفرنج، وما هو بيد المسلمين إمَّا مُهدَّم، أو غير آمن، فزادت موارد الدولة الأيوبية من جهة، وأضعف النشاط التجاري للفرنجة وبالتاَّلي مواردهم المالية وكان للملك العادل دور كبير في تشجيع التجارة عبر مصر، ففي سنة 608هـ/1211م، كان يجتمع في مدينة الإسكندرية وحدها ثلاثة آلاف تاجر من (الفرنج) ما عدا مُرافقيهم، ومساعديهم، وعمّالهم وبحَّارة سُفُنهم، مما شكّل حركة تجارة نشطة، كانت الدولة الأيوبية بأمس الحاجة إليها لحاجتها إلى كثير من الموادَّ المجلوبة، وللرسوم (2).
__________
(1) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 271).
(2) المصدر نفسه (2/ 274).
(1/179)

سابعاً: أهم الدروس والفوائد والعبر:
1 - غلاء وفناء ووباء: في سنة 597هـ اشتد الغلاء بأرض مصر جداً، فهلك خلق كثير جَّدا من الفقراء والأغنياء ثم أعقبه فناء عظيم، حتى حكى الشيخ أبو شامة في الذيل (1) أن العادل كفّن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحوا من مائتي ألف وعشرين ألف ميَّت (2) وأكلت الكلاب والميتات في هذه السنة بمصر، وأُكل من الصَّغار والأطفال خلق كثير يشويه والِدَاه ويأكلانه، وكثر هذا في الناس حتى صار لا ينُكر بينهم، ثم صاروا يحتالون على بعضهم بعضاً، فيأكلون من يقدرون عليه ومن غلب من قِوىَّ ضعيفاً ذبحه وأكله وكان الرجل يُضيف صاحبهَ فإذا خلا به ذبحه وأكله وُوجد عنده بعضهم أربعمائة رأس وهلك كثير من الأطبَّاء الذين يُستدعون إلى المَرضى، فيذبحون ويؤكلون، وقد استدعى رجل طبيباً فخاف الطبيب وذهب معه على وجَلٍ، فجعل الرجل يتصدق على من وجده في الطريق ويذكر ويسبح ويكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب وتخيَّل ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه، فلمَّا وصل إلى الدار إذا هي خربة، فارتاب أيضاً، فخرج رجل من الدار، فقال لصحابه: ومع هذا البُطءِ جئت لنا بصيد. فلمَّا سمعها الطبيب هرب، فخرجا خلْفهَ سِراعاً فما خلص إلا بعد جهد جهيد وفيها وقع وباء شديد ببلاد عنزة بين الحجاز واليمن وكانوا يسكنون في عشرين قرية، فبادت منها ثماني عشرة قرية، ولم يبق فيها ديَّار ولا نافخُ نار، وبقيت أنعامهم وأموالهم لا قانِيَ لها، ولا يستطيع أحد أن يسكن تلك القرى ولا يدخلها، بل كان من اقترب إلى شيء من هذه القرى هلك من ساعته، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يَمُت منهما أحد، ولا عندهم شعور بما جرى على من حولهم، بل هم على ما كانوا عليه لم يفقد منهم أحد (3).
__________
(1) ذيل الروضتين ص 19 البداية والنهاية (16/ 703).
(2) جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك لابن إياس ص 100.
(3) البداية والنهاية (16/ 704).
(1/180)

2 - زلزلة عظيمة: في سنة 597هـ كانت زلزلة عظيمة، ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة وبلاد الرّوم والعرَاق وكان جمهورها وعُظْمُها بالشَّام، تهدمت منها دور كبيرة وخَُسِف بقرية من أرض بُصرى، وأما السواحل فهلك فيها شيء كثير، وخربَت محِال كثيرة من طرابلس وصور وعكَّا ونابلس، ولم يبق بنابُلَس سِوَى حارة السَّامَّرةِ ومات بها وبقُراها ثلاثون ألفا تحت الرّدم وسقط طائفة كثيرة من المنارة الشرقية بجامع دمشق، وأربع عشرة شُرفة منه، وغالب الكلاّسَةِ والمارستان النوري، وخرج الناس إلى الميادين يستغيثون، وسقط غالب قلعة بعلبكَّ مع وثاقةِ بنائهاِ، وانفرق البحر إلى قبرس وحذف بالمراكب إلى ساحله وتعّدى إلى ناحية الشرق فسقط بسببها دور كثيرة، ومات أمم لا يُحصون حتى قال صاحب مرآة الزمان: إنه مات في هذه السنة بسبب الزلزلة نحو من ألف ألف ومائة ألف إنسان (1).
__________
(1) البداية والنهاية (16/ 607).
(1/181)

3 - وفاة الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن جعفر الجوزي قال عنه الذهبي الإمام العَّلامة، الحافظ المفسَّر، شيخ الإسلام، مفخرة العراق، جمال الدين، ويرجع في نسبه إلى الفقيه القاسم بن محمد ابن خليفة رسول الله أبي بكر الصديق، القرشي التَّيمِىُّ البكري البغدادي، الحنبلي، الواعظ صاحب التصانيف ولد سنة تسع أو عشرين وخمس مئة (1)، كان رأساً في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق والنثر الفائق بديها، ويُسِهبُ، ويُعجِبُ، ويُطربُ، ويُطنِبُ، لم يأت قبله ولا بعده مثله، فهو حامل لواء الوعظ، والقيَّم بفنونه مع الشكل الحسن، والصوت الطيَّب، والوقع في النفوس، وحسن السيرة، وكان بحراً في التفسير، علامةً في السير والتاريخ، موصوفاً بحسن الحديث ومعرفة فنونه، فقيهاً عليماً بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنُّن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، وأكباب على الجمع، والتصنيف، مع التعوث والتحِمل، وحسن الشارة، ورشاقة العبارة، ولطف الشمائل والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام، ما عرفت أحداً صنف ما صنف (2) ... وكان ذا حظ عظيم وصيت بعيد في الوعظ، يحضر مجالسه الملوك والوزراء وبعض الخلفاء والأئمة والكبراء، لا يكاد المجلس ينقص عن ألوف كثيرة، حتى قيل في بعض مجالسه: إن حُزِرَ الجمع بمئة ألف، ولا ريب أن هذا ما وقع، ولو وقع، لما قدر أن يُسمعهم، ولا المكان يسعهم (3) قال وسبطه أبو المظفر: سمعت جَّدي على المنبر يقول: بأصبعيّ هاتين كتبتُ ألفي مجلدة، وتاب على يديَّ مئة ألفٍ، وأسلم على يديَّ عشرون ألفاً، وكان يختم في الأسبوع، ولا يخرج من بيته إلاَّ إلى الجمعة أو المجلس (4)، علق الذهبي فقال: فما فعلت صلاة الجماعة (5).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (21/ 366).
(2) المصدر نفسه (21/ 367).
(3) سير أعلام النبلاء (21/ 370).
(4) المصدر نفسه (21/ 370).
(5) المصدر نفسه (21/ 370) ..
(1/182)

أ- من غرر ألفاظه: عقارب المنايا تلسع، وخَدَران جسم الآمال يمنع، وماء الحياء في إناء المر يرشح (1) يا أمير: أذكر عند القدرة عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك ولا تشف غيظك بسقم دينك (2) وقال لصديق: أنت في أوسع العذرِ من التأخر عني لثقتي بك، وفي أضيقه من شوقي إليك (3) وسأله آخر في أيام ظهور الشيعة، أيهما أفضل أبو بكر أم علي؟ فقال: أفضلها من كانت بنته تحته وهذه عبارة محتملة تُرضي الفريقين (4)، وسأله آخر: أيمُّا أفضل: أسبَّحُ أو استغفرُ؟ قال: الثوبُ الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور (5) وقال: من فتح طاب عيشه، ومن طمع، طال طيشه (6) والتفت يوما ناحية الخليفة وهو في الوعظ فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خِفتُ منك وإن سكتُّ خِفتُ عليك وإن قول القائل: اتق الله، خيرٌ لكم من قوله: إنكم أهل بيت مغفور لكم وكان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل أنه ظالم فلم أُغيرَّه، فأنا الظالم. يا أمير المؤمنين وكان يوسف لا يشبع في زمن القحط حتى لا ينْسَى الجيعان، وكان عمر يضرب بطنه عام الرمادة ويقول قرقر أولاً تُقرِقرْ والله لاسمناً ولاسَميناً حتى يُخضب الناس قال: فتصدق الخليفة المستفيء بمال جزيل، وأطلق المحابيس، وكسى خلقاً من الفقراء (7).
__________
(1) المصدر نفسه (21/ 371).
(2) المصدر نفسه (21/ 371).
(3) المصدر نفسه (21/ 371).
(4) المصدر نفسه (21/ 371).
(5) المصدر نفسه (21/ 375).
(6) المصدر نفسه (21/ 375).
(7) البداية والنهاية (16/ 709).
(1/183)

ب- مصنفاته: وله من المصنَّفات في ذلك ما يضيق هذا المقام عن تعدادِها، وحصر أفرادها، منها كتابه في التفسير الشهير يزاد المسير، وله أبسط منه ولكنَّه ليس بمشهور ولا منكور وله "جامع المسانيد" استوعب فيه غالب "مسند الإمام أحمد" و"صحيحي البُخاري ومسلم" و"جامع الترمذي" وله كتاب "المنتظم في تواريخ الأمم من العرب والعجم" في عشرين مجلداً ... فلم يزل يؤرَّخ أخبار العالم حتى صار هو تاريخاً وما أحقه بقول الشاعر:
ما زلتَ تدأب في التاريخ مُجتهداً ... حتى رأيتُك في التاريخ مكتوباً (1)

وله مقامات وخطب وله "الأحاديث الموضوعة" و"العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" وغير ذلك (2).

ج- من أشعاره: قال ابن كثير: .. وقد كان فيه بهاء، وترفع في نفسه، ويسمُو بنفسه أكثر من مقامه وذلك هو ظاهر في نثره ونظمه، فمن ذلك قوله:
ما زلت أدرك ما غَلا بل ما علا ... وأُكابد النَّهج العسِيَر الأطْوَلا
تجري بي الآمال في حَلَباته ... طلق السَّعيد جَرى مدَى ما أمَّلا
يُفضي بي التوفيق فيه إلى الذي ... أعمى سِوَاى تَوصُّلاً وتَغَلغُلا
لو كان هذا العلم شخصاً ناطقاً ... وسألته هل زُرت مثلى قال لا (3)

ومن شعره أيضاً قوله:
يا ساكن الدُّنيا تأهَّب ... وانتظر يوم الفِراق
وأَعِدَّ زاداً للرّحيل ... فسوف يُحدى بالرَّفاق
وابكِ الذُّنوب بأدُمع ... تنهل من سُحُب المآقي
يا من أضاع زمانه ... أرضيت ما يفنى بباق (4)

س- وفاته: كانت وفاته في ليلة الجمعة بين العِشاءين الثاني عشر من شهر رمضان من سنة 597هـ وله سبع وثمانون سنة وحُملت جنازته على رؤوس الناس، فدفن بباب حربِ عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد، وكان يوماً مشهوداً، حتى قيل إنَّه أفطر جماعة من الناس بسبب شدة الحر وكثرة الزحام، رحمه الله وفد أوصى أن تكتب على قبره هذه الأبيات
__________
(1) المصدر نفسه (16/ 707).
(2) البداية والنهاية (16/ 707).
(3) المصدر نفسه (16/ 708).
(4) سير أعلام النبلاء (21/ 373) س.
(1/184)

يا كثير العفِو عمَّن ... كَثُر الذنبِ لديه
جاءت المذنبُ يرجو ... الصَّفح عن جُرمِ يديه
أنا ضيف وجزاء ... الضيف إحسان إليه (1)

وقد كان للشيخ جمال الدين ابن الجوزي من الأولاد الذكور ثلاثة: عبد العزيز وهو أكبر أولاده، مات شاباً في حياة والده، ثم أبو القاسم عليُّ وقد كان عاقاً لوالده إلباً عليه في زمن المحنة وغيرها، وقد تسلطَّ على كتبه في غيبته بواسط، فباعها بأبخس الأثمان، ثم محي الدين يوسف وكان أنجب الأولاد وأصغرهم، ولد سنة ثمانين وخمسمائة ووعظ بعد أبيه، واشتغل وحررّ وأتقن وساد أقرانه، ثم باشر حسبة بغداد ثم كان رسول الخلفاء إلى الملوك بأطراف البلاد، ولاسيما إلى بني أيوب بالشَّام، وقد حصل منهم من الأموال والكرامات ما ابتني به المدرسة الجوزية التي بالنَّشابين بدمشق، ثم صار أستاذ دار الخليفة المستعصم في سنة أربعين وستمائة واستمر مُباشرها إلى أن قتُل مع الخليفة عام هولاكو بن تُورلى بن جنكيز خان وكان لأبي الفرج عدّةُ بنات منهن رابعة أم سبطه أبي المظفر بن قزاو علي صاحب "مرآة الزمان" وهي كتاب من أجمع التواريخ وأكثرها فائدة وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، فأثنى عليه ومدحه وشكر تصانيفه وعلومه (2).
__________
(1) المصدر البداية والنهاية (16/ 710).
(2) البداية والنهاية (16/ 711).
(1/185)

4 - العماد الكاتب الأصبهاني: القاضي الإمام العلامة المفتي، المنشئ البليغ، الوزير، عماد الدين، أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي ابن محمود الأصبهاني الكاتب، ويعرف بابن أخي العزيز، قدم بغداد، فنزل النظامية، وبرع في الفقه، وأتقن العربية والخلاف وساد في علم التَّرسُّل، وصنف التصانيف واشتهر ذكره (1) ورحل إلى الشام، فحظي عند نور الدين محمود زنكي وكتب بين يديه وولاّه المدرسة التي أنشأها داخل باب الفَرجِ التي يقال لها العمادية نسبة إلى العماد هذا لكثرة إقامته بها (2) ولما توُفي نور الدين، أهمل، فقصد الموصل، ومرض، ثم عاد إلى حلب وصلاح الدين محاصر لها سنة 570هـ فمدحه ولزم ركابه، فاستكتبه وقّربه، فكان القاضي الفاضل ينقطع بمصر لمهمَّات، فيسدُّ العماد في الخدمة مسده (3) ولم يزال العماد على مكانته إلى أن توفي صلاح الدين، فاختلف أحواله، فلزم بيته، وأقبل على تصانيفه (4) وتوفي في الأول رمضان سنة سبع وتسعين وخمس مئة ودفن بمقابر الصوفية (5).
5 - مكلبة بن عبد الله المستنجدي: كان تركيا عابداً زاهداً، سمع المؤذَّن وقت السحر وهو ينشد على المنارة:
يا رَجالَ الليِلِ جدُّوا ... رُبَّ صْوتٍ لا يُرَّدُّ
ما يقوم الليل إلا ... من له عزم وجِدُّ

فبكى مكلبة وقال للمؤذن زِدني فقال المؤذَّن:
قد مضى الليلُ وَولىَّ ... وحبيبي قد تجلىَّ

فصرخ مكلبة صرخة كان فيها حتفه، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه، فالسعيد من وصل إلى نعشه (6) وقد توفي 597هـ.
__________
(1) سير أعلام النبلاء (21/ 345).
(2) البداية والنهاية (16/ 345).
(3) سير أعلام النبلاء (21/ 346).
(4) المصدر نفسه (21/ 347.
(5) المصدر نفسه (21/ 348).
(6) البداية والنهاية (16/ 714)
(1/186)

6 - الحافظ عبد الغني المقدسي: توفي عام 600هـ: الإمام العالم الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثرِيُّ المتبع عالم الحفاظ تقيُّ الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي سمع الكثير بدمشق والإسكندرية، وبيت المقدس، ومصر وبغداد، وحّران، والموصل وأصبهان، وهمذان، وكتب الكثير (1) ولم يزل يطلب ويسمع ويكتب ويَسهَر ويدأب، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتقي الله، ويتعبد ويصوم ويتهجد، وينشر العلم إلى أن مات، رحل إلى بغداد مرتين، وإلى مصر مرتين، سافر إلى بغداد وهو ابن خاله الشيخ الموفّق في أول سنة إحدى وستين، فكانا يخرجان معاً ويذهب أحدهما في صحبة رفيقه إلى درْسه وسماعه، كانا شابين مُختطين (2) وخّوفهما الناس من أهل بغداد، وكان الحافظ ميله إلى الحديث والموُفّق يريد الفقه، فتفقه الحافظ وسمع الموفق معه الكثير، فلما رآهما العقلاء على التصَّون وقلة المخالطة أحبّوهما وأحسنوا إليهما، وحصَّلا علماً جمّاً، فأقاما ببغداد أربع سنين، ونزل أولاً عند الشيخ عبد القادر - الجيلاني- فأحسن إليهما، ثم مات بعد قدومهما بخمسين ليلة، ثم اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المنَّي ورحل الحافظ إلى السَّلفي (3) في سنة ست وستين، فأقام مدة، ثم رحل أيضاً إلى السَّلفي سنة سبعين (4)، وكان ليس بالأبيض الأمهق (5)، بل يميل إلى السُّمرة حسن الشعر كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأنَّ النور يخرج من وجهه، وكان قد ضعف بصره من البكاء والنسَّخ والمطالعة (6).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (21/ 444).
(2) يعني: أول ظهور الشعر في وجهيهما.
(3) كان السَّلفِيَ آنذاك مقيماً بالإسكندرية.
(4) سير أعلام النبلاء (21/ 446).
(5) الأمهق: الأبيض لا يخالطه حُمرة.
(6) سير أعلام النبلاء (21/ 446).
(1/187)

أ- تصانيفه: من تصانيفه، المصباح في عيون الأحاديث الصحاح، نهاية المراد، تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين، فضائل خير البرية، الروضة، التهجد، الفرج، الصَّلات إلى الأموات، الصَّفَات، محنة الإمام أحمد، ذمم الرياء، ذم الغيبة، الترغيب في الدعاء، فضائل مكة، الأمر بالمعروف، فضل رمضان، فضل الصَّدقة، فضل عشر ذي الحجة، فضل الحج، وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، الأقسام التي أقسم بها النبي صلى الله عليه وسلم، اعتقاد الشافعي، الحكايات، تحقيق مشكل الألفاظ، الجامع الصغير في الأحكام، ذكر القبور، مناقب عمر بن عبد العزيز، مناقب الصحابة، الأدعية الصحيحة، الكمال في معرفة رجال الكتب الستة، تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نُعَيم في معرفة الصحابة (1) وغيرها الكتب.

ب- حفظه: كان الحافظ عبد الغني لا يكاد يُسأل عن حديث إلاّ ذكره وبينه وذكر صحَّته أو سقمه، ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفُلاني ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث (2) وقال رجل للحافظ عبد الغني رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق وقال إسماعيل بن مظفر ورأيت الحافظ على المنبر غير مرة يقول له إقرأ لنا من غير كتاب فيقرأ أحاديث بأسانيده من حفظه (3) وسمعت ابنه عبد الرحمان يقول: سمعت بعض أهلنا يقول: إن الحافظ سُِئل: لم لا تقرأ من غير كتاب؟ قال: أخاف العجب (4)، وسمعت خالي أبا عمر، أو والدي قال: كان الملك نور الدين بن زنكي يأتي إلينا وكنا نسمع الحديث، فإذا أشكل شيء على القارئ قاله الحافظ عبد الغني ثم ارتحل إلى السَّلفيَّ فكان نور الدين يأتي بعد ذلك، فقال: أين ذاك الشاب؟ فقلنا: سافر (5).
__________
(1) المصدر نفسه (21/ 447).
(2) المصدر نفسه (21/ 447).
(3) المصدر نفسه (21/ 449).
(4) المصدر نفسه (21/ 449).
(5) سير أعلام النبلاء (21/ 450).
(1/188)

ج- إفادته واشتغاله: وكان رحمه الله مُجتهداً على الطلب يكرم الطَّلبه ويُحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب يَفْهَم أمره بالرَّحلة ويفرح لهم بسماع ما يحصلونه يقول الضاء: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ يقول: ما رأيت الحديث في الشام كلَّه إلا ببركة الحافظ، فإنني كل من سألته يقول: أوّل ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرَّضني (1) وكان رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق وليلة الخميس ويجتمع خلق وكان يقرأ ويبكي ويُبكي الناس كثيراً، حتى إن من حضره مَّره لا يكاَّد يتركه، وكان إذا فرغ دعا دُعاءً كثيراً.
ح- أوقاته: كان لا يُضَّيع شيئاً في زمانه بلا فائدة، فإنه كان يُصلي الفجر، ويلقَّن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث تلقيناً، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي الظُّهر، ويشتغل إما بالتسميع أو بالنسخ إلى المغرب فإن كان صائماً أفطر وإلا صلىّ المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأنَّ إنساناً يوقظه، فيصلَّي لحظة ثم يتوضأ ويصلَّي إلى قُرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانياً بالليل، وقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت اعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر وهذا دأبه (2)، قال أخوه الشيخ العماد: ما رأيت أحداً أشد محافظة على وقته من أخي (3).
__________
(1) المصدر نفسه (21/ 450).
(2) المصدر نفسه (21/ 452).
(3) المصدر نفسه 021/ 453).
(1/189)

س- قيامه في المنكر واحترام الملك العادل له: كان لا يرى منكراً إلا غيَّره بيده أو بلسانه وكان لا تأخذه في الله لومة لائم قد رأيته مرة يهريق خمراً فجبذا صاحبه السيف فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قوياً في بدنه، وكثيراً ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطَّنابير والشَّبابات (1) وذات يوم دخل الحافظ عبد الغني على العادل فقام له فلما كان اليوم الثاني جاء الأمراء إلى الحافظ مثل سركس وأُزكشي، فقالوا آمنّا بكراماتك يا حافظ وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد ما خفت من هذا، فقُلنا: أيها الملك هذا رجل فقيه قال: لما دَخل ما خُيّل إليَّ إلا أنه سبع (2) قال الضياء: رأيت بخط الحافظ: والملك العادل اجتمعت به وما رأيت منه إلاَّ الجمَيل، فأقبل عليَّ، وقامَ لي، والتزمني ودعوت له ثم قلت: عندنا قصور هو الذي يوجب التقصير، فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنُّة فقال: ما عندك شيء تُعاب به لا في الدين ولا الدنيا، ولابد للناس من حاسدين (3) وقال الضياء: كانوا قد وغروا عليه صدر العادل، ويتكلموا فيه، وكان بعضهم أرسل إلى العادل لبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار (4). قال الذهبي: جرّ هذه الفتنة نشر الحافظ أحاديث النزول والصفات فقاموا عليه، ورموه بالتَّجيسم، فما دارى كما كان يداريهم الشيخ المُوَفَّق (5) وقال سمعت بعض أصحابنا يحكي عن الأمير درباس أنه دخل مع الحافظ إلى الملك العادل فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتكلم في أمر ماردين وحصارها فسمع الحافظ فقال: أيش هذا، وأنت بعُد تريد قتال المسلمين ما تشكر الله فيما أعطاك، أما .... ؟
__________
(1) سير أعلام النبلاء (21/ 455).
(2) المصدر نفسه (21/ 455).
(3) المصدر نفسه (21/ 455).
(4) المصدر نفسه (21/ 455).
(5) المصدر نفسه (21/ 455).
(1/190)

قال فما أعاد ولا أبدي ثم قام الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السُّلطان، فمضى الرسول وخفنا، فما جاء أحد (1).

ش- ومن شمائله: قال الضياء: ما أعرف أحداً من أهل السُّنة رآه إلا أحَبّه ومَدَحه كثيراً، سمعت محمود بن سلامة الحّرانيَّ بأصبهان قال: كان الحافظ يصطف الناس في السُّوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد، أن يملكها لملكها. قال الضياء: ولّما وصل إلى مصر كُنّابها، فكان إذا خرج للجُمعة لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به ويجتمعون حوله، وكُنّا أحداثاً نكتب الحديث حوله، فضحكنا من شيء وطال الضحك، فتبسم ولم يَحْرَد (2) علينا، وكان سخيّاً جواداً لا يدخر ديناراً ولا درهماً مهما حصَّل أخرجه، لقد سمعت عنه أنه يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى بيوت مُتنكراً في الظلَّمة، فيعطيهم ولا يُعرْفَ وكان يُفْتَح عليه بالثَّياب فيعطي الناس وثوبُه مُرقع وبعث الأفضل ابن صلاح الدين إلى الحافظ بنفقه وقمح كثير ففرّقه (3) كله وقال الضياء: سمعت أحمد بن عبد الله العراقي: حدثني منصور الغضاري قال: شاهدت في الغلاء بمصر وهو ثلاث ليال يؤثر بعشائه ويطوي ورأيت يوماً قد أهدي إلى بيت الحافظ مشمش فكانوا يفرقون، فقال من حينه: فرَّقوا "لن تنالوا البَّر حتى تنفقوا مما تحبون " (آل عمران، آية: 92) وقد فتح له بكثير من الذهب وغيره فما يترك شيئاً حتى قال لي ابنه أبو الفتوح والذي يعطي الناس الكثير ونحن لا يبعث إلينا شيئاً، وكنا ببغداد (4).
__________
(1) المصدر نفسه (21/ 455).
(2) سير أعلام النبلاء (21/ 457).
(3) المصدر نفسه (21/ 457).
(4) المصدر نفسه (21/ 458).
(1/191)

و وفاته: قال أبو موسى: مرض أبي في ربيع الأول مرض شديد منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يوماً، وكنت أسأله كثيراً: ما يشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك، فجئته بماء حار فمّد يده فوضأته وقت الفجر، فقال: يا عبد الله قم صل بنا وخفف، فصليت بالجماعة، وصلى جالساً، ثم جلست عند رأسه، فقال: إقرأ يَس، فقرأتها، وجعل يدعو وأنا أؤمّن، فقلت: هنا دواء نشربه، قال يا بني ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئاً، قال: أشتهي النَّظر إلى وجه الله سبحانه، فقلت: ما أنت عني راضي؟ قال: بَلَى والله. فقلت: ما توصي بشيء، قال: مالي على أحد شيء ولا لأحد عليَّ شيء قلت: توصيني؟ قال: أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته، فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فردّ عليهم، وجعلوا يتحدثون، فقال: ما هذا؟ أذكروا الله، قولوا لا إله إلاَّ الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه ويشير بعينيه، فقمت لأناول رجلاً كتاباً من جانب المسجد فرجعت وقد خرجت روحه رحمه الله وذلك يوم الاثنين والعشرين من ربيع الأول سنة ست مئة (600هـ) (1).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (21/ 467،468) جهود علماء السلف ص 673.
(1/192)

6 - فخر الدين الرازي (توفي 606هـ):
العلامة الكبير ذو الفنون فخر الدين محمد بن عمر بن الحُسين القُرشيُّ الكبريُّ الطبرستاني الأصولي المفسر كبير الأذكياء والحكماء والمصنَّفين (1) ولد سنة أربع وأربعين وخمس مئة واشتغل على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الرَّي، وانتشرت تواليفه في البلاد شرقاً وغرباً، وكان يتوقُد ذكاءً، ترجمته وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفَّي على طريقة حميدة والله يتولى السَّرائر (2) وقد كان معظماً عند ملوك الخوارزمية وغيرهم وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى وملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار، وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والأثاث والملابس وكان له خمسون مملوكاً من الترك، وقد كان يعقد مجلس الوعظ فيحضره عنده الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقهاء، والعامة والغوغاء وكانت له عبادة وأوراد وقد وقع بينه وبين الكّرامية في أوقات شتَّى، فكان يُبغضهم، ويبغضونه ويبالغ في ذمَّهم ويبالغون في الحَطََّ عليه، وكان مع غزارة علمه وتبحره في فنَّ الكلام يقول: من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز وقد رجع في آخر حياته إلى طريقه السلف وتسليم ما ورد على الوجه المراد اللائق بجلال الله تعالى (3) فقد قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فمار رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات "الرحمن على العرش استوى" (طه، آية: 5) "إليه يصعد الكلم الطيب" (فاطر، آية: 10) وأقرأ في النص: "ليس كمثله شيء" (الشورى، آية: 11) ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي (4).

ومما كان يُنشِدهُ في بعض مصنَّفاته:
نهايةَُ إقدام العقول عِقال ... وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جُُسومنا ... وحاصل دُنيانا أذى ووبال
__________
(1) المصدر نفسه (21/ 500، 501).
(2) المصدر نفسه (21/ 501).
(3) البداية والنهاية (17/ 12).
(4) سير أعلام النبلاء (21/ 501).
(1/193)

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قِيل وقالوا (1)

وقال ابن الصلاح: أخبرني القطب الطوعاني مّرتين، أنه سمع فخر الدين الرّازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى (2). وأنشد يوماً معاتباً لأهل هراة:
المرء ما دام حياً يستهان به ... ويعظم الرُّزْءُ فيه حين يفتقُد (3)

د- وصية الفخر الرازي: حين مرض الفخر رحمه الله، وأحسن بدنو الأجل أملى وهو في شدة مرضه على تلميذه إبراهيم ابن أبي بكر بن علي الأصفهاني وصيته، وذلك في يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر محرم سنة "606" هـ وامتد مرضه بعدها إلى أن توفي (4) ونص وصية الرازي هي

بسم الله الرحمن الرحيم

- يقول العبد الراجي رحمة ربه، الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وهو في آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجه إلى مولاه كل آبق.
- إنني أحمد الله تعالى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم، بل أقول كل ذلك من نتائج الحدوث والإمكان فأحمده بالمحامد التي تستحقها ألوهيته، ويستوجبها كمال ربوبيته، عرفتها أولم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب، مع جلال رب الأرباب.
- وأصلي على الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وجميع عباد الله الصالحين، ثم أقول بعد ذلك:
- اعلموا إخواني في الدين وإخواني في طلب اليقين أن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين، الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سبباً للدعاء، والدعاء له أثر عند الله والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال، والأولاد، والعورات وأداء المظالم والجنايات.
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 13).
(2) شذرات الذهب (7/ 41).
(3) المصدر نفسه (7/ 42).
(4) وصايا وعظات قيلت في آخر الحياة ص 172.
(1/194)

- أما الأول فأعلموا أني كنت رجلاً محباً للعلم، فكنت أكتب في كل شيء شيئاً لا أقف على كمّية وكيفيهّ، سواء كان حقاً أو باطلاً أو غثّا أو سميناً، إلا أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة لي، أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبر، منزّه عم مماثلة المتحيزات والأعراض وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
- ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمّحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.
- فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به، وألقى الله تعالى به.
- وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن، والأخبار الصحيحة، المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد، فهو كما هو، والذي لم يكن كذلك، أقول:
- يا إله العالمين، إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فكل ما مرَّ به قلمي، أو خطر ببالي، فأستشهد علمك، وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل، أو إبطل حق، فأفعل بي ما أنا أهله وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما أعتقدت أنه هو الحق، وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك قصدي لا مع حاصلي، فذاك جهد المقّل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في الزلة فأغثني وأرحمني، واستر زلتي، وامحُ حوبتي، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين ولا ينتقص بخطأ المجرمين (1).
- وأقول: ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما.
__________
(1) هو السلطان محمد علاء الدين تكشن - تلميذ الفخر الرازي.
(1/195)

- اللهم يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقبل العثرات ويا راحم العبرات، ويا قيام المحدثات والممكنات، أنا كنت حسن الظن بك عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: أنا عند ظن عبدي بي وأنت قلت "أمّن يجيب المضطر إذا دعاه" وأنت قلت: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب". فهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم.

- وأعلمُ أنه ليس لي أحد سواك، ولا أحد محسناً سواك وأنا معترف بالزلة والقصور، والعيب والفتور، فلا تخيب رجائي، ولا تردّ دعائي، وأجعلني آمناً من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت، وسهُل عليّ سكرات الموت، وخففَّ عني نزول الموت، ولا تضييق علي بسبب الآلام والأسقام، فأنت أرحم الراحمين.
- وأما الكتب العلمية التي ضفتها، أو استكثرت في إيراد السؤالات على المتقدمين فيها، فمن نظر في شيء منها، فإن طابت له تلك السؤالات فليذكرني في صالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول الشيء، فإني ما أردت إلا تكثير البحت وتشحيذ الخاطر والاعتماد في الكل على الله.
- وأما المهم الثاني: وهو إصلاح أمر الأطفال والعورات فالاعتماد فيه على الله ثم على نائب الله (محمد) (1)، اللهم اجعله قرين محمد الأكبر في الدين والعلو، إلا أن السلطان الأعظم لا يمكنه أن يشتغل بإصلاح مهمات الأطفال، فرأيت الأولى أن أفوض وصاية أولادي إلى فلان، وأمرته بتقوى الله تعالى: "فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".
- قال ابن أبي أصيبعة: وسرد الوصية إلى آخرها، ثم قال: وأوصيه ثم أوصيه، ثم أوصيه بأن يبالغ في تربية ولدي "أبي بكر" فإن آثار الذكاء والفطنة ظاهرة عالية، ولعل الله تعالى يوصله إلى خير.
__________
(1) مدينة صغيرة من مدن قهستان وقيل بليدة من نواحي الري.
(1/196)

- وأمرته وأمرت كل تلامذتي، وكل من بي عليه حق أني إذا مت يبالغون في إخفاء موتي، ولا يخبرون أحداً به، ويكفنوني، ويدفنوني على شرط الشرع ويحملونني إلى الجبل المصاقب لقرية "مزداخان" (1)، وإذا وضعوني في اللحد قرأوا عليّ ما قدروا عليه في إلهيات القرآن، ثم ينثرون التراب عليّ وبعد الإتمام يقولون: يا كريم جاءك الفقير المحتاج، فأحسن إليه، وهذا منتهى وصيتي في هذا الباب والله تعالى لما يشاء، وهو على ما يشاء قدير، وبالإحسان جدير (2).
__________
(1) وصايا وعظات ص 177، عيون الأنباء (2/ 27 - 28).
(2) سير أعلام النبلاء (22/ 5).
(1/197)

7 - محمد بن أحمد بن قُدامه: توفي 607هـ: الإمام العالم الفقيه المقرئ المُحَدَّث البَركَة شيخ الإسلام أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجمَّاعيلي الحنبلي الزاهد واقف المدرسة (1)، كان مولده في سنة ثمان وعشرين وخمس مئة بقرية جمّاعيل من عمل نابلس، وتحَّول إلى دمشق هو وأبوه وأخوه وقرابته مهاجرين إلى الله، وتركوا المال والوطن لاستيلاء الفرنج، وسكنوا مدة بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي ثلاث سنين، ثم صعدوا إلى سفح قاسيون، وبنو الدَّير المبُارك والمسجد العتيق، وكتب وقرأ، وحصَّل وتقدمَّ وكان من العلماء العاملين، ومن الأولياء المتقين وكان قدوة صالحاً، عابداً قانتاً لله، ربانياً، خاشعاً، مخلصاً، عديم النظر، كبير القدر، كثير الأوراد والذكر، والمروءة والفتوة والصَّفات الحميدة، قلّ أن ترى العيون مثله، وكان يكثر الصيام ولا يكاد يسمع بجنازة إلا شهدها، ولا مريض إلا عاده، ولا جهاد إلا خرج إليه، ويتلو كل ليلة سُبعْاً مرتلاً في الصلاة وفي النهار سبعا بين الصلاتين، وإذا صلىَّ الفجر تلا آيات الكرسي ويَس والواقعة وتبارك، ثم يُقرئ ويُلقَّن إلى إرتفاع النهار، ثم يصلًّي الضُّحى، فيطيل، ويصلي طويلاً بين العشائين (2)، وكان حسن الشكل، نحيل الجسم، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسماً (3) وقال ابن كثير: وكان يقرأ كل يوم سُبعاً بين الظهر والعصر ويصلي الضُّحى ثماني ركعات يقرأ فيهنَّ ألف مرّة "قل هو الله أحد" وكان يزور مغارة الدم (4)،
__________
(1) المصدر نفسه (22/ 6، 7).
(2) المصدر نفسه.
(3) البداية والنهاية (17/ 21).
(4) مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل ..
(1/198)

في كل يوم اثنين وخميس، ويجمع في طريقه الشَّيحَ فيُعطيه الأرامل والمساكين، ومهما تهيَّأ له من فتوح وغيره يُؤثِرُ به أهله والمساكين وكان مُتقللاَّ في الملبس، وكان هو وأخوه وابنُ خالهم الحافظ عبد الغني وأخوه الشيخ العماد لا ينقطعون من غزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج وقد حضروا معه فتح القدس الشريف وغيرها، وجاء الملك العادل أبو بكر يوماً إلى خيمتهم لزيارة الشيخ أبي عمر، وهو قائم يُصليَّ، فما قطع صلاته ولا أوْجزها، بل استمر فيها وهو الذي شرع في بناء الجامع أولاً بمال رجل من الناس فنفدِ ما كان بيده، وقد ارتفع البناء قامة، فبعث صاحب إربل الملك المظفُّر كُوكُبُري مالاً، فكمَل وولى خطابته الشيخ أبو عمر، فكان يخطب به وعليه لباسه الضّعيف وعليه أنوار الخشية والتقوى (1) وقد ذكر أبو المظفر الكثير من مناقب أبي عمر وكراماته، وما رآه هو وغيُره من أحواله الصالحة قال: وكان على مذهب السلف الصالح، حسن العقيدة، متمسّكاً بالكتاب والسنة والآثار المروية، يُمُّرها كما جاءت منِ غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين وينهي عن صحبة المبتدعين ويأمر بصحبة الصالحين (2) قال: ربما أنشدني لنفسه في ذلك:
أوصيكم بالقول في القرآن ... بقول أهل الحقَّ والإتقان
ليس بمخلوقٍ ولا بفان ... لكن كلامُ الملكِ الدّيَّان
آياته مشرقة المعاني ... متلوة لله باللسان
محفوظة في الصَّدرِ والجنان ... مكتوبة في الصُّحْفِ بالبَنان
إمرارُها من غير ما كُفران ... من غير تشبيه ولا عطُلان (3)
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 21).
(2) المصدر نفسه (17/ 23).
(3) المصدر نفسه (17/ 23)
(1/199)

قال: ومرض أياماً، فلم يترك شيئاً مما كان يعمله من الأوراد، حتى كانت وفاته، وقت السَّحَرِ في ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول، فغُسَّل بالدَّير، وحُمِل إلى مقبرته في خلق كثير، لا يعلمهم إلا الله عز وجل، ولم يَبْقَ أحدَ من الدولة والأمراء والعلماء والقضاة وغيرهم إلا حضر جنازته، وكان يوماً مشهوداً، وكان الحرُّ شديداً، فأظلت الناس سحابة من الحرَّ كان يُسمُع منها كَدوِىَّ النحل، وكاد الناس ينتهبون أكفانه، وقد رثاه الشعراء بمراتٍ حسنة ورُئيَت له منامات صالحه رحمه الله (1) وكان آخر كلامه "إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " (البقرة، آية: 132) (2) وكان يقول: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر ويقول: إذا لم تتصدقوا لا يتصدق عنكم، وإذا لم تعطوا السائل أنتم أعطاه غيركم (3) وكان إذا خطب تَرِقُ القلوب وتبكي الناسُ بكاءً كثيراً، وكانت له هيبة عظيمة في القلوب، وأحتاج الناس إلى مطر سنة فطلع إلى مغارة الدم ومعه نساء من محارمه، واستسقى ودعا، فجاء المطر حينئذ وجرت الأودية شيئاً لم يره الناس من مدة طويلة (4) وقال عبد الله بن النحاس: كان والدي يحب الشيخ أبا عمر، فقال لي يوم جمعة: أنا أصلي الجمعة خلف الشيخ، ومذهبي أن "بسم الله الرحمن الرحيم" من الفاتحة، ومذهبه، أنها ليست من الفاتحة، فمضينا إلى المسجد، فوجدنا الشيخ، فسلمّ على والدي وعانقه وقال: يا أخي صلَّ وأنت طيب القلب، فإنني ما تركتب "بسم الله الرحمن الرحيم" في فريضة ولا نافلة مذ أممت بالناس (5).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 24).
(2) شذرات الذهب (7/ 53).
(3) المصدر نفسه (7/ 53).
(4) المصدر نفسه (7/ 54) س.
(5) المصدر نفسه (7/ 54).
(1/200)

8 - إبراهيم عبد الواحد المقدسي (توفي 614هـ): الشيخ الإمام العالم الزّاهد القدوة الفقيه بركة الوقت عماد الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد علي بن سرور المقدسي الجمّاعيلي، نزيل سفح قاسيون، وأخو الحافظ عبد الغني سافر إلى بغداد مرتين وحفظ القرآن وحفظ الخِرقيَّ وألقى الدُّرس من التفسير ومن الهداية واشتغل في الخلاف وكان عالماً بالقراءات والنحو والفرائض، قرأ بالروايات على أبي الحسن بن عساكر البطائحي، وصنف الفروق في المسائل الفقهية، وصنف في الأحكام كتاباً لم يتمه، وكان يتفرغ للتصنيف من كثرة اشتغاله وإشغاله، أقام نجَّران مدة فانتفعوا به، وكان يشغل بالجبل إذا كان الشيخ موفق الدين بالمدينة، فإذا صَعِدَ الموفق، نزل هو وأشغل (1) وقال الموفق: ما نقدر نعمل مثل العماد (2) قال الموفق: ما نقدر نعمل مثل العماد (3)
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 47، 48) اشغل: يعني في المدينة.
(2) المصدر نفسه (22/ 48).
(3) المصدر نفسه (22/ 49) ..
(1/201)

قال الضياء: وكان يجلس في جامع البلد من الفجر إلى العشاء لا يخرج إلا لحاجة، يُقرئ القرآن والعِلَم، فإذا فرغوا اشتغل بالصلاة فسألت الشيخ موفق الدين عنه فقال: كان من خيار أصحابنا وأعظمهم نفعاً، وأشدهم ورعاً، وأكثرهم صبراً على التعليم، وكان داعية إلى السنّة أقام بدمشق مدة يُعلمَّ الفقراء ويُقرئهم ويُطعمهم، ويتواضع لهم، وكان من أكثر الناس تواضعاً واحتقاراً لنفسه، وخوفاً من الله، ما أعلم أنني رأيتُ أشد خوفاً منه، وكان كثير الدعاء والسؤال لله، يطيل السجود والركوع، ولا يقبل ممن يعذله، ونقلت له كرامات ثم قال الضياء: لم أر أحداً أحسن صلاة منه، ولا أتّم، بخشوع وخضوع، قيل: كان يُسبح عشراً يتأنَّى فيها، وربما قضى في اليوم والليلة صلوات عدة، وكن يصوم يوماً، ويُفطر يوما، وكان إذا دعا كان القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، وكان يمضي يوم الأربعاء إلى مقابر باب الصغير عند الشهداء، فيدعو ويجتهد ساعة طويلة ومن دعائه المشهور: "اللهم اغفر لأقسانا قلباً، وأكبرنا ذنبا، وأثقلنا ظهراً، وأعظمنا جرما (1)، وكان يدعو: يا دليل الحياري دُلنَّا على طريق الصادقين، وأجعلنا من عبادك الصالحين وكان إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازاً كثيراً (2) وقال: وأما في زهده، فما أعلم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا، ولا تعَّرض لها، ولا نافس فيها، وما علمت أنه دخل إلى سُلطان ولا والٍ، وكان قوياً في أمر الله، ضعيفاً في بدنه لا تأخذه في الله لومة لائم، أمّاراً بالمعروف، لا يرى أحداً بشيء صلاته إلاَّ قال له وعلمَّه قال: وبلغني أنه أتى فُسّاقاً فكسر ما معهم، فضربوه حتى غُشِيَ عليه، فأراد الوالي ضربهم، فقال: إن تابوا ولازموا الصلاة، فلا تؤذهم، وهم في حل، فتابوا (3)،
__________
(1) المصدر نفسه (22/ 49).
(2) المصدر نفسه (22/ 49).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 50) ..
(1/202)

وقال الضياء: أعرف وأنا صغير أن جميع من كان في الجبل يتعلمَّ القرآن كان يقرأ على العِماد، وختم عليه جماعة وكان يبعث بالنَّفقة سراً إلى الناس، ويأخذ بقلب الطالب، وله بشر دائم (1).

قال الضياء توفى: العماد رحمه الله عليه ليلة الخميس سابع ذي عشر ذي القعدة سنة أربع عشرة وست مئة عشاء الآخرة فجأة وكان صَلىَّ بالمغرب بالجامع وكان صائماً، فذهب إلى البيت وأفطر على شيء يسير، ولما أخُرجت جنازته اجتمع خلقٌ فما رأيت الجامع إلا كأنهَّ يوم الجمعة من كثرة الخلق وكان الوالي يطرد الخَلق عنه، وازدحموا حتى كاد بعض الناس أن يَهلك، وما رأيت جنازة قط أكثر خلْقاً منها وحُكي عنه أنه لما جاءه الموت جعل يقول: يا حيُّ يا قيوم لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، واستقبل القبلة وتشهد (2).

9 - طبيعة البيت الأيوبي في الصراع الداخلي:
كان البيت السلجوقي في الصراع الداخلي إذا ظفر واحد منهم بأخيه أو ابن عمه أعدمه، وأحسن أحواله أن يعتقله حتى يموت وكان بنو أيوب يتحاربون، وتجري بينهم العداوة الشديدة، ثم يجتمع بعضهم ببعض، وربما صعد بعضهم إلى قلاع بعض، ثم يفارقه بعد المقام عنده على حال جميلة، والعداوة والمنافرة باقية بحالها (3).
__________
(1) المصدر نفسه (22/ 50).
(2) المصدر نفسه (22/ 51).
(3) مفرج الكروب (3/ 219).
(1/203)

10 - فتنة بمكة وأعلان الباطنية رجوعهم إلى الإسلام:
في سنة 608هـ كانت فتنة عظيمة بمكة وسببها أن باطنياً وثب على قريب للشريف أبي عزيز قتادة - صاحب مكة - فقتله وكانت أم الكيا حسن - صاحب الألموت - قد قدمت حاجة مع الحاج العراقي، فركب الشريف، أبو عزيز في الأشراف والعربان وقصد الحاج العراقي فنهبهم نهباً ذريعاً ورموهم بالحجارة والنبل، فانتقل الحاج العراقي إلى الحاج الشامي واستجاروا بهم وكان في الحاج الشامي ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل "زوجة مظفر الدين صاحب إربل"، فأجارت الحاج العراقي ومنعت أبا عزيز منهم ولولا إجارتها لهم لاستؤصلوا عن آخرهم وذلك بعد أن نهب من الحاج العراقي من الأحمال والجمال مالاً يمكن وصفة (1)، ثم لما أرادوا دخول مكة منُعوا منها، فما زالت ربيعة خاتون بأمير، مكة حتى أذن لهم، فدخلوا وقضوا حجهم (2)، وفي هذه السنة أظهر الكيا جلال الدين حسن - إمام الباطنية صاحب الألموت - شعائر الإسلام، وأمر رعيته بالصلوات والحج وصيام رمضان، وإقامة وظائف الشريعة (3) وكتب إلى الخليفة والملوك يعلمهم ذلك، وبعث والدته إلى مكة لتحج، فحجت، كما ذكرنا، وأكرمت ببغداد لما دخلتها إكراماً عظيماً، وبعث جلال الدين حسن إلى الحصون التي لهم بالشام يلزمهم أن يفعلوا نظير ما فعله ببلاد العجم، فأعلنوا بالأذان والإقامة الجمع وأظهروا أنهم قد التزموا بمذهب الشافعي رحمه الله (4) وهناك من الباحثين من يشكُّ بما فعله جلال الدَّين حسن، ويعُّد إعلانه العودة إلى الإسلام ما هو إلا تظاهر ويوجد من يعتقد بصدق ما قام به جلال الدين، وكلا الطرفين يقدَّرون أسباباً لتحول جلال الدين عن تعاليم القيامة منها.
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 211).
(2) المصدر نفسه (3/ 211).
(3) المصدر نفسه (3/ 211).
(4) المصدر نفسه (3/ 211).
(1/204)

- كان جلال الدين حسن الاعتقاد، وكان يكاتب الخليفة والسلاطين سرّاً ويُظهر لهم أنه يدين بالإسلام وكان جاداً بالسعي نحو تصالح إسلامي، وكان قد اعترض منذ صغره على موضوع القيامة الذي مقصوده انتهاء الشريعة وسقوط الفرائض، والتحلل من المحَّرمات.
- عودة جلال الدين لحظيرة السُّنةَّ كانت بتأثير أُمَّه التي كان يرتبط بها بشَّدة، وهي سنية مؤمنة وقد قصدت الحجاز وأثناء مرورها ببغداد نالت من التكريم والاهتمام في العاصمة العباسية من الخاصَّة ومن الخليفة بالذات الشيء الكثير وكذلك أكرمت بطريق مكة (1).
- ربما كان دافع حسن "عن طريق العناد لأبيه (2)، فعلاقتهما الشخصية لم تكن على ما يرام، وعداؤه لأبيه وتآمره المبكَّر ضدَّه لم يكونا ليخفيا على أحد، إضافة إلى مراسلته الخليفة العبَّاسي للإتَّفاق معه أثناء حكم أبيه.
- أمُر إلغاء الباطنية برمته كان مجرد تظاهر بالعودة إلى حظيرة الإسلام لضرورات مرحيلة، وقد حللَّ حسن لنفسه ذلك وفقاً لمبدأ التقية (3)، فالإسماعيلية فرقة باطنية كما هو معلوم، وتُعللَّ عودته لحظيرة الإسلام بأنها نتيجة لخوفه من جلال الدين خوارزم شاه، فما وحده مُخلصَّا إلا التظاهر بالإسلام وإقامة شعائره، فقد كان الخليفة الناصر يراسل جلال الدين باستمرار لإعادة شعائر الإسلام، فيرفض ذلك (4) ولكن يبدو أن نيّة جلال الدين، بإعادة التصالح مع محيطه الإسلامي هي الاحتمال الأرجح في رجوعه للإسلام لوجود دوافع كثيرة اضطرته إلى ذلك منها.
- العُزلة التي كان يعيشها الإسماعيلية في حصونهم.
- انحسار الدعوة الإسماعيليةَّ وعدم انتشارها في مناطق جديدة.
- الضعف الذي بدأ يدبُّ في كيان الفرقة الجديدة.
- تراجع فاعلية سلاحها القديم "الاغتيال".
__________
(1) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 331).
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 331).
(3) المصدر نفسه (1/ 331).
(4) المصدر نفسه (1/ 332).
(1/205)

ورُبمَّا كان كُلُّ ما سبق من الأسباب مجتمعة هي ما دفع جلال الدَّين للإقدام على خطوته الإنقلابية في العقيدة والتي كانت لها تأثيرات سياسيَّة وعسكرية كبيرة في علاقات الإسماعيلية في فارس والشَّام (1).

11 - عمارة قلعة الطور: في سنة 609هـ أو التي قبلها عمّر السلطان الملك العادل قلعة على جبل الطور وهو جبل عالٍ مطل على عكا بالقرب منها ولم يكن بناؤه مصلحة، فإن الفرنج بعد ذلك قصدوه وكادوا يملكونه، ولو ملكوه تعذر انتزاعه منهم، وتمكنوا به من بلاد الإسلام، وقطعت غاراتهم الطريق على الديار المصرية وكان على هذا الجبل قلعة من أيام الفرنج وملكت في الفتوح الصلاحية، ثم خرّبه المسلمون لما ملكوا عكا وعفوا.
- أثرها ثم ترجَّح عند الملك العادل تخريب حصن كوكب وعمارة قلعة الطور، فنزل بعساكره حولها، وأحضر الصناع من كل بلد واستعمل جميع أمراء العسكر في البناء ونقل الحجارة ... ولم يزل مقيماً عليه حتى بناه (2).
- هذه بعض الدروس والعبر والفوائد المتفرقة في عهد الملك العادل جمعت في نهاية حياته رحمه الله تعالى.

الفصل الثاني
عهد الملك الكامل بن العادل الأيوبي
السلطان الكبير الملك الكامل ناصر الدُنيا والدين أبو المعالي وأبو المظفر محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب مصر والشام وميّافارقين وآمد وخِلاط والحجاز واليمن وغير ذلك (3)، ولد في سُنة ست وسبعين وخمس مئة، فهو من أقران أخويه المُعظمَّ والأشرف، وكان أجل الثلاثة وأرفعهم رُتبة (4)، وتملكَّ الديار المصرية أربعين سنة شطرها في أيام والده، وكان عاقلاً مهيباً، كبير القدر (5).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 332).
(2) مفرج الكروب (3/ 215، 216).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 127).
(4) المصدر نفسه (22/ 127).
(5) المصدر نفسه (22/ 127).
(1/206)

المبحث الأول: الحملة الصليبية الخامسة:
تحدثنا عن الحملة الصليبية الخامسة والإعداد لها وموقف الملك العادل من تلك الحملة في عهد العادل نواصل الحديث عن الحملة وجهود الملك الكامل للتصدي لها بعد وفاة أبيه.

أولاً: جهود الملك الكامل للتصدي للغزاة:
1 - مرابطة الملك الكامل في العادلية: عندما علم الملك الكامل بنزول الصليبيين في جيزة دمياط، اتجه بجنده والعربان إلى دمياط وعسكر بالعادلية (1)، واتخذ كل الترتيبات لعدم تمكين الصليبيين من الاستيلاء على برج السلسلة الذي يعد مفتاح مصر، أو العبور إلى ضفة النيل الشرقية (2)، وأخذ يرسل الإمدادات لأهل دمياط، فضلاً عن قيامه ببعض العمليات العسكرية التي كان الغرض منها إشغال الفرنج وإشعارهم بوجود مقاومة من قبل المسلمين (3) وصار يركب كل يوم مرات عديدة من العادلية إلى دمياط، لتدبير الأمور، وأعمال الحيلة في مواجهة الفرنج (4)، حاول الصليبيون اقتحام دمياط، فقاموا بهجوم مكثف عليها، إلا أنهم عجزوا عن الاقتراب من السور، فلما أدركوا أنه يصعب احتلال المدينة إلا بالسيطرة على برد السلسلة (5).
__________
(1) العادلية: قرية قديمة تقع على ضفة النيل الشرقية قريبة من دمياط.
(2) البداية والنهاية (7/ 73) القدس، إبراهيم الخطيب ص 230.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 230.
(4) السلوك نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 230.
(5) الحملة الصليبية الخامسة، محمود عمران ص 234.
(1/207)

لأنه كما قيل "قفل الديار المصرية" شن الصليبيون هجوماً عنيفاً عام 615هـ/1218م على جدران مدينة دمياط شارك فيه حوالي ثمانين سفينة، فسببت ذعراً كبيراً للسكان، ولكن المحاولة لم تكن فعالة إزاء تحصينات المدينة، ولم تنقطع محاولات الفرنج للاستيلاء على برج السلسلة، فقد مد دوق النمسا وفرسان الداوية سلمين على بارجة ضخمة، فيما هيأ الألمان سفينة للقيام بهجوم جديد على برج المدينة المحصنة (1)، لكن كرات النار والحجارة التي قذفها المسلمون عليهم، واستبسال جيش الملك الكامل في الضفة الشرقية لنهر النيل (2) وأجبرت السفينة على الإنسحاب وأثناء ذلك انكسر السلمان تحت وطأة جنوده الفرنج فسقطوا في البحر وأنشأ الصليبيون قلعة قوية من السفن وجسراً متحركاً سحبوه بمحاذاة نهر النيل على حافة برج السلسلة، وقاموا بهجمات متلاحقة على البرج إلى أن تمكنوا من تحطيم السلسلة وتسيير السفن في مجرى النيل والاستيلاء على البرج 615هـ/1218م بما فيه من مؤن وذخيرة وسلاح بعد قتال مستمر أربعة أشهر وظهر خلل واضح في العمليات الحربية بعد سقوط برج السلسلة، إذ اعتقد كثير من المحاربين الصليبيين أن مهمتهم قد انتهت، وأنهم أوفوا بقسمهم الصليبي، فانسحبوا عائدين إلى بلادهم، وأصبح الملك جان دي برين ينتظر وصول امدادات جديدة، وهي الإمدادات التي وصلت فعلاً بعد شهور وكان على رأسها الكاردينال بلاجيوس مندوبا عن البابا وقائداً للحملة (3).
__________
(1) الحملة الصليبية الخامسة ص 234 القدس بين أطماع الصليبيين ص 230.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 230.
(3) المصدر نفسه ص 230.
(1/208)

وأعاد الملك الكامل حساباته بعدما لاحظ تزايد عدد الصليبيين يوماً بعد يوم، بسياسة الهجوم لا بسياسة الدفاع، محاولاً استنزاف القوات الصليبية وحرمانها من الراحة والهدوء فجهز قوة برية تدعمها عشرات السفن، هاجمت المعسكر الصليبي إلا أنها اصطدمت بخنادق الفرنج، وبهجوم معاكس يقوده الملك جان دي برير، فانسحب المسلمون (1) وفشلت خطة الملك الكامل الهجومية، إلا أنه استمر في المقاومة وأرسل الرسل إلى مختلف مناطق العالم الإسلامي يطلب النجدة ونصب جسراً عظيماً ليمنع العدو به من سلوك النيل، فقاتلت الفرنج عليه قتالاً عظيماً حتى قطعوه، فأمر السلطان عند ذلك بتغريق عدة من المراكب في النيل، فمنعت مراكب الفرنج من سلوك النيل، فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجاً هناك يعرف بالأزرق (2)، كان النيل يجري فيه قديماً، فحفروه وعمقوه فوق المراكب التي جُعلت في النيل، فأجروا الماء فيه إلى البحر المالح وأصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يسمى بوره (3) على أرض جيزة دمياط (4)، مقابل المنزلة التي بها السلطان ليقاتلوه من هنالك، فلما صاروا في بوره حاربوه وقاتلوا في الماء وزحفوا إليه غير مرة، فلم يظفروا بطائل، ولم يتغير على أهل دمياط شيء لأن الميرة والإمداد متصلة إليهم، والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج وأبواب المدينة مفتحة وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر (5).

وعاود الصليبيون محاولاتهم اختراق دفاعات المسلمين ولكنهم لم ينجحوا، فتوقف القتال بعض الوقت لسوء الأحوال الجوية وأعاد المسلمون أنفسهم واستمرت دمياط آمنه بضعة أشهر (6).
__________
(1) المصدر نفسه ص 230.
(2) كان الخليج الأزرق يجري من بورة إلى شمال المنزلة العادلية.
(3) بورة كانت حصناً على ساحل البحر من عمل دمياط.
(4) تعرف الآن بالسنانية.
(5) مفرج الكروب (4/ 16).
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 234.
(1/209)

2 - آثار وفاة الملك العادل: لما علم العسكر بموت السلطان الملك العادل بالشام حصل عند بعضهم الطمع وكان في العسكر عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب، وكان معظماً عظيماً في الأكراد الهكارية، فاتفق مع جماعة من جند والأكراد يتفادون إليه يطيعونه، على خلع الملك الكامل من السلطنة وأن يمُلكّوا الديار المصرية أخاه الملك الفائز إبراهيم بن الملك العادل ليصير لهم الحكم عليه وعلى البلاد ولما أحس الملك الكامل بذلك فارق منزلته المعروفة بالعادلية ليلاً جريدة وتوجه إلى أُشمون (1) طناح فنزل عندها، وساد الفزع أرجاء المعسكر الإسلامي ودبت الفوضى بين صفوف العسكر، وتركوا خيامهم وأسلحتهم وأموالهم ودوابهم (2)، وعندما وجد الجند أنفسهم دون قيادة انسحبوا من العادلية، تاركين وراءهم كل معداتهم وذخيرتهم وتمويناتهم التي كانوا قد أعدوها لقتال طويل ولما أصبح الفرنج ولم يروا أحداً من المسلمين على شاطئ النيل، فعبرو إلى بر دمياط، وملكوه آمنين بغير منازع ولا مدافع وكان ذلك في ذي القعدة، من هذه السنة وغنموا كل ما في معسكر المسلمين وكان شيئاً لا يُحدّ ولا يوصف (3) وأصبح الملك الكامل في وضع حرج، وأصبحت الجبهة الإسلامية مهددة بالإنهيار إلا أن وصول الملك المعظم عيسى من الشام نجدة لأخيه بعد يومين من تمرد ابن المشطوب أنقذ الموقف، (4)
__________
(1) تقع الشاطئ الشرقي في البحر أشموم.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 235.
(3) مفرج الكروب (4/ 17).
(4) المصدر نفسه (4/ 17) ..
(1/210)

فقوى قلب الملك الكامل واشتد به أزره، ووعده الملك المعظم بإزالة جميع المفاسد وكان الملك الكامل قد عزم قبل وصول أخيه - على ما يقال - على مفارقة البلاد وتركها بيد الفرنج والتوجه إلى بلاد اليمن وكانت بيد ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف ولو ذهب إلى اليمن لكان كارثة كبرى ربما غيرت الموازين في مصر لمدة فثبته الملك المعظم وشجعه وركب الملك المعظم إلى خيمة عماد الدين بن المشطوب فاستدعاه ليركب معه ويسايره، فاستنظر ليلبس خفيه وثيابه فلم ينظره ولم يمهله، فركب معه وسايره إلى أن خرج به من العسكر، ثم سلمه إلى جماعة من أصحابه وأمرهم أن لا يفارقوه حتى يخرجوه من الديار المصرية وينفوه إلى الشام ووصل إلى حماة، وأقام عند صاحبها الملك المنصور مُديدة .. ثم بعدئذ بمدة أمر الملك الكامل أخاه الملك الفائز أن يمضي رسولاً لإحضار العساكر للجهاد، فمضى الفائز إلى حماة وحمل إليه الملك المنصور صاحبها شيئاً كثيراً، ثم مضى إلى الشرق فمات به ولما أخُرج عماد الدين بن المشطوب والملك الفائز من العسكر الكاملي، انتظم أمر السلطان الملك الكامل وقوى جنانه (1) وكتب الملك الكامل إلى أخيه الأشرف موسى يستحثه على سرعة الحضور وصدرّ المكاتبة بهذه الأبيات:
يا مسعدي إن كنت حقاً مسعفي ... فانهض بغير تلبث وتوقف
واحثث قلوصك مرقلا أو موجفا ... بتجشم في سيرها وتعسف
واطو المنازل ما استطعت ولا تنخ ... إلا على باب المليك الأشرف
وأقر السلام عليه من عبد له ... متوقع لقدومه متشوف
وإذا وصلت إلى حماة فقل له ... عني بحسن توصل وتلطف
إن تأت عبدك عن قليل تلقه ... ما بين كل مهند ومثقف
أو تبط عن إنجادة فلقاؤه ... بل في القيامة في عراض الموقف (2)
__________
(1) المصدر نفسه (4/ 18).
(2) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 315).
(1/211)

وكتب إلى إخوانه يستعجلهم ويقول: الوحا الوحا العجل العجل، أدركوا المسلمين قبل تملك الفرنج جميع أرض مصر (1) وظلت كتب الملك الكامل متواصلة في طلب النجدة لمساعدته على مقاومة الصليبيين المحاصرين لدمياط (2)، وهذا يدل على حرج موقف الملك الكامل وصعوبة أوضاع المسلمين وتوافدت النجدات على مصر، فوصل الملك الأشرف، ولكنه غادر مصر بعد ما ترك عساكره عند أخيه الملك الكامل (3)، وتتابع وصول المدد فتحسن موقف الملك الكامل، وأخذ يستعد لشن هجوم على الصليبيين، ولكنه تراجع لهبوب عاصفة شديدة عام 616هـ/1219م (4) وأما الفرنج فإنهم لما ملكوا بر دمياط احتاطوا بها براً وبحراً وأحدقوا بها، وأخذوا في محاصرتها، والتضييق عليها وامتنع دخول الأقوات إليها بالكلية، وكل ما جرى على المسلمين من مصائب كان بسبب حركة ابن المشطوب ونيته الردية، وحفر الفرنج على معسكرهم المحيط بدمياط خندقاً وبنوا عليه سوراً على عادتهم، وأهل دمياط يقاتلونهم أشد قتال ويمانعونهم، وصبروا صبراً لم يُر مثله، وقلتَّ عندهم الأقوات وغلت الأسعار (5) ولم رتب الملك المعظم القواعد بمصر عاد إلى بلاده واستمر الملك الكامل إلى آخر هذه السنة محارباً للفرنج منازلاً لهم، وهم محاربون لأهل دمياط منازلون لهم محدقون بدمياط، حائلون بينها وبين عساكر المسلمين، على ما كانت عليه الحال بعكا في أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين وكان الذي يدخل إلى دمياط من أصحاب الملك الكامل إنما يدخل عليهم بمخاطرة عظيمة، بأن يسبح في بحر النيل، وهو مملوء من مراكب العدو وشوانيهم وكان عند السلطان جاندار (6)
__________
(1) المختصر (3/ 121) القدس بين أطماع الصليبيين (136).
(2) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 236.
(3) المصدر نفسه ص 236.
(4) الحملة الصليبية الخامسة ص 234.
(5) مفرج الكروب (4/ 19).
(6) الجاندار: هو الذي يستأذن السلطان قبل دخول الأمراء عليه للخدمة ..
(1/212)

يسمى شمايل (1) من أهل قرية من قرى حماه تسمى معرذفتين (2)، كان من فلاحي هذه القرية، فوصل إلى أن خدم في الركاب السلطاني جانداراً وكانت عنده قوة نفس وشهامة، فكان يخاطر بنفسه ويسبح في النيل ومراكب الفرنج محيطة ويدخل إلى دمياط فيقوي قلوب أهلها عن السلطان ويعدهم وصول النجد لإزاحة العدو عنهم، ثم يأتي السلطان سباحة ويعلمه بأخبار أهلها عن السلطان، فحظي بذلك عند السلطان وتقدم عنده تقدماً كثيراً، حتى آل أمره، إلى أن جعله من أكبر الأمراء، وجعله أمير جاندار له وسيف نقمته وولاه القاهرة (3).

ثانياً: مساومات الملك الكامل على القدس:
تبين للملك الكامل محمد، بعد اصطدامه بالصليبيين، أن من الصعب عليه هزيمتهم، وإجلاءهم عن مصر بالقوة العسكرية وبالإمكانات المتوفرة لديه، فتحول من سياسة الهجوم أو الدفاع إلى فكرة عرض الصلح عليهم والواقع أن عدة عوامل دفعته للإقدام على هذه المبادرة لعل من أهمها:

1 - استمرار تدفق الإمدادات والمؤن من الغرب الأوروبي وقبرص على الصليبيين، فقد حضر جوتييه، قائد جيش قبرص، ومعه بعض الفرسان، وانضم إلى القوات الصليبية المحاصرة مدينة دمياط، مما أعطى هؤلاء دفعا معنوياً وعسكريا، وقوَّى مركزهم أمام دمياط (4).
2 - تعثر القوات الإسلامية في فارسكور، إذ أن مؤامرة ابن المشطوب، على الرغم من إحباطها، وإبعاد محركها، قد تركت تأثيراً سيئاً على الوضع المعنوي للقوات الإسلامية، فضلاً عما سادها من الاضطراب والفوضى (5).
3 - تواتر الأخبار من الشرق عن تقدم الجيوش المغولية بقيادة جنكيز خان باتجاه الدولة الخوارزمية، مما أثار مشكلة الدفاع عن الجبهة الشرقية للعالم الإسلامي ضد المغول (6).
__________
(1) شمايل: هو الأمير علم الدين شمايل.
(2) قرية تبعد مسافة 6 كيلو متر غربي مدينة حماه.
(3) مفرج الكروب (4/ 20).
(4) تاريخ الأيوبيين ص 305.
(5) تاريخ الأيوبيين ص 305.
(6) المصدر نفسه ص 305.
(1/213)

4 - أنعشت أخبار ظهور المغول آمال الصليبيين، فقد اعتقدوا أنهم سيجدون في الزعيم المغولي حليفاً لهم ضد المسلمين.
5 - تمُّدد الدولة الخوارزمية باتجاه الغرب حيث سيطر جلال الخوارزمي على الخليفة العباسي في بغداد، وتمادى في توغله في شمالي بلاد الشام لتحقيق أطماعه التوسعية على حساب الأيوبيين، وسلاجقة الروم.
6 - حَرص المعظم عيسى على أن يعود إلى بلاد الشام، لأنه لم يكن راضياً عن تحركات أخيه الأشرف موسى في أقصى الشمال، لذلك ساند أخاه الكامل محمد في السعي الودي للتفاوض مع الصليبيين (1) اقترح الملك الكامل على الصليبيين الصلح بشروط بالغة السخاء، تدل على حالة اليأس التي كانت تنتاب الملك الكامل، والتي تؤكد فقدان الأمل بالانتصار على الصليبيين وشملت الشروط التالية.
- تنازل الملك الكامل للصليبيين عن الأراضي التي كانت بأيديهم قبل معركة حطين عام 583هـ/1187م وما تلاها من فتوحات عدا الكرك والشوبك (2).
- انسحاب الصليبيين من دمياط.
- عقد هدنة بين المسلمين والصليبيين ثلاثين عاماً. ولكن الكامل لم يعرض التنازل عن الكرك والشوبك ليبقى على الاتصال براً مع الشرق، حتى لا يسيطر الصليبيون على طريق الشام والحجاز (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 306.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 238.
(3) معارك الغرب ضد الغزاة محمد عمارة (9/ 329).
(1/214)

كان هذا العرض مثيراً للدهشة، إذ سوف يستعيد الصليبيون من دون قتال مدن بيت المقدس، وبيت لحم، والناصرة، بالإضافة إلى صليب الصلبوات - جاء في بعض الروايات - وبذلك تحيا مملكة بيت المقدس القديمة (1) وعقد الصليبيون مجلساً لمناقشة عرض الكامل محمد، فنصح الملك يوحنا بريين بقبول العرض، وسانده أمراؤه والأمراء القادمون من الغرب الأوروبي، إذ أن هذا الملك لم يكن إلا وصياً على مملكة بيت المقدس، في الوقت الذي لم تكن فيه هذه المملكة موجودة أصلاً، لذلك نراه يوافق على العرض حتى تصبح مملكة بيت المقدس حقيقة واقعية وعارض المندوب البابوي بيلاجيوس، قبول العرض، وسانده بطريرك بيت المقدس، واعتقد:
- أنه من الخطأ التوصل إلى اتفاق مع الكفار.
- أن الاستيلاء على مصر سوف يُقسم العالم الإسلامي إلى قسمين: القسم الشرقي، ويشمل الشام والجزيرة العربية، واليمن، والعراق وما يقع في شرق هذه البلاد، والقسم الغربي، ويشمل الممالك التي تقع غرب مصر حتى المحيط.
- أنه بعد الاستيلاء على مصر سيتمكَّن من نشر الديانة النصرانية على المذهب الكاثوليكي داخل مصر كلها، ثم إن النصارى في إسبانيا سيواصلون انتصاراتهم على المسلمين وسوف يعبرون مضيق جبل طارق، ويسيطرون على شمال إفريقية حتى مصر، أما الجبهة الشمالية، فإن مملكة أرمينية الصغرى أصبحت قوية وفي استطاعتها السيطرة على شمال بلاد الشام والعراق، أما الجبهة الشرقية، فقد تكّفل بها المغول، وقد أمل مندوب البابا في استقطابهم وتحويلهم إلى الديار النصرانية (2).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 306.
(2) المصدر نفسه ص 307.
(1/215)

- أنه كان يشك في نوايا الكامل محمد واعتقد أنه لم يتقدم بهذا العرض عن حسن نية، وإنما لجأ إليه كوسيلة من وسائل الخداع وبث التفرقة بين الصليبيين، فإذا عاد الصليبيون إلى بلادهم، وتفرقوا، فيسهل عندئذ استعادة الأراضي التي منحهم إياها (1). ومن الواضح أن أفكاره هذه كان لها أثر كبير في ضياع الفرصة لاستعادة بيت المقدس وأيَّد فرسان الداوية والأَسبتارية موقف المندوب البابوي الرافض لعرض الكامل محمد وذلك لأسباب تكتيكية، إذ جرى تدمير استحكامات بيت المقدس، والقلاع الواقعة في الجليل ومن المستحيل المحافظة على المدينة المقدسة مالم تتم السيطرة الكاملة على إقليم ما وراء الأردن وعارضت المدن التجارية الإيطالية عرض الكامل محمد وهم عارضوا في السابق مهاجمة مصر، وحوَّلوا حملة صليبية، هي الحملة الرابعة، إلى القسطنطينية، فعلى الرغم من حرص بيزا وجنوة والبندقية، على ألا تقطع علاقاتها مع مصر، فقد رأوا وقتئذ أن احتلالهم الدلتا يُعدُّ مكسبا تجارياً ضخماً يفوق استرداد بيت المقدس، وأنهم يودون اتخاذ دمياط مركزاً لتجارتهم، لذلك كان من الطبيعي أن يرفضوا شروطاً تقضي بعدم لقائهم فيها، وهي المدينة التجارية الهامة التي تخدم مصالحهم التجارية، ويستطيعون من خلالها أن ينفذوا إلى عمق الأراضي المصرية، ولم يهتموا بإضافة الإقليم الداخلي إلى أملاك الصليبيين (2)، وهناك رأى آخر يتعلق برفض الصليبيين بعامة عرض الصلح الذي تقدم به الكامل محمد وهو أن القوات الصليبية كانت في وضع متقدم على جبهة القتال إذ نجحت في الاستيلاء على برج السلسلة والعبور إلى الضفة الشرقية للنيل وحصار مدينة دمياط، فضلاً عن تضعضع أحوال المسلمين، كما أملوا بوصول الأمبراطور فريدريك الثاني بقواته إلى ساحة المعركة، وبالتالي فإن امتلاك مصر أصبح شيئاً مضمونا (3)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 307.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 307.
(3) المصدر نفسه ص 308 ..
(1/216)

ويتبين من هذا الرفض أن الحرب الصليبية في الثالث عشر الميلادي انحرفت عن هدفها الرئيسي الذي قامت من أجله، وهو استرداد بيت المقدس، وتحَّولت إلى أهداف دنيوية استعمارية (1).

ثالثاً: إعداد الملك الكامل مصر والشام لقتال الصليبيين:
وعندما علم الكامل محمد بنوايا الصليبيين، تصميمهم على الاستمرار في القتال، اتخذ الإجراءات الضرورية التي من شأنها مساعدته على الصمود في وجه هذا الخطر الذي يهَّدد مصر بخاصة والعالم الإسلامي بعامة منها:
- جمع الأموال اللازمة لسد نفقات الحرب.
- إعداد وتجهيز خطوط الدفاع الأمامية.
- حثُّ الأمراء الأيوبيين لإمداد مصر بما تحتاجه من الرجال إلى مصر بقيادة ابنه المظفر محمود، ولما وصل إلى المعسكر الإسلامي أكرمه الكامل محمد، وأعظم قدره، وأنزله على ميمنته، وهي منزلة أبيه وجدَّه عند صلاح الدين (2) وتشجّع الكامل محمد بعد وصول هذه الإمدادات، وجمع عدداً من خبرة القوات الإسلامية وأغار بهم على المعسكر الصليبي، وحرقت بعض أجزاء الأبراج الخشبية، ثم أغار ثانية على المعسكر، ويبدو أن الغارتين كانتا غير فعالتين، إذ أحاط الصليبيون معسكراتهم بخنادق تمتد على ضفتي النهر لفرع دمياط وأقاموا بعض الأبراج وزودوها، مقاتلين، وربطوا بين ضفتي النهر بجسر من القوارب وحاول الملك الكامل تخريب الجسر الذي يصل بين المعسكرين لشطرهما إلى قسمين ليسهل عليه مهاجمة أخوهما فخرب جزءاً من الجسر، ولكن الصليبيين كشفوا ذلك، فشددوا الحراسة عليه (3).
__________
(1) عاشور (2/ 275) تاريخ الأيوبيين ص308.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 308.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 242.
(1/217)

1 - تخريب بيت المقدس عام 616هـ/1219م: اتجه الملك المعظم إلى دمشق لإمداد مصر بما تحتاج إليه من الرجال لدفع الخطر عن دمياط وسرعان ما بدأت الإمدادات تتقاطر على مصر، ولكنه خشي وصول بعض الإمدادات الصليبية إلى بلاد الشام، وبلغة أن الفرنج عازمون على أخذ القدس، بعد ما خلت الشام من العساكر، وكان بالقدس أخوه العزيز عثمان وعز الدين أيبك، فكتب إليهما المعظم بخرابه فقالا: نحن نحفظه: لذلك كتب إلى أخيه العزيز عثمان ثانية بتخريب بيت المقدس وقال: لو أخذوه (بيت المقدس) لقتلوا كل من فيه، وحكموا على بلاد الشام، وبلاد الإسلام، فألجأت الضرورة إلى خرابه (1)، اقنع العزيز عثمان برأي المعظم وشرع في تخريب سور مدينة القدس عام 616هـ/1219م فضج أهالي المدينة وخرجوا إلى المسجد الأقصى وقبة الصخرة وقطعت النساء شعورهن، ثم هرب الجميع بأموالهم، معتقدين أن الصليبيين في أثرهم "فامتلأن بهم الطرق، ومنهم من اتجه إلى مصر، أو إلى حصن الكرك، وذهب بعضهم إلى دمشق سائرين على الأقدام، والبنات المخدرات مزقن ثيابهن، وربطنا على أرجلهن من الحصا (2) ومات خلق كثير من الجوع والعطش ونهبت الأموال التي كانت بالمدينة المقدسة وقد تم تخريب المدينة كلها، عدا المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وكنيسة القيامة وبرج داود (3) وأصبحت المدينة مفتوحة لا يمكن الدفاع عنها، ونقل الملك المعظم آلات القتال منها، وأنشد الشعراء في هذه المناسبة فقال قاضي الطور مجد الدين محمد بن عبد الله:
مررت على القُدس مُسلَّماً ... على ما تبقّى من ربوع وأنجم
ففاضت دُموع العين منَّي صبابة ... على ما مضى من عصره المتقدم
وقد رام علجٌ أن يُعفّى رسومه ... وشمّر عن كَفىَّ لئيم مُذَمَّمِ
فقلت له شُلَّت يمينُك خَلَّها ... لمُعتَبر أو سائل أو مسُلمَّ
__________
(1) المصدر نفسه ص 241 النجوم الزاهرة (6/ 224).
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 241.
(3) مفرج الكروب (4/ 32).
(1/218)

فلو كان يُفدى بالنفوس فديتَه ... بنفسي وهذا الظن في كل مسلم (1)

2 - عرض الملك الكامل التنازل عن القدس:
مضى حتى الآن أحد عشر شهراً على نزول الصليبيين أمام دمياط، دون أن يحققوا هدفهم، ويبدو أن بعضهم ملَّ من طول هذه المدة، وأعتقد البعض الآخر بمتانة الوضع الصليبي على الأرض، وبالتالي فلا حاجة للبقاء أكثر من ذلك بعيداً عن أوطانهم، فعادوا إلى بلادهم. كان من بينهم ليوبلد السادس دوق النمسا الذي غادر مصر في 14صفر/أول آيار (2)
__________
(1) شذرات الذهب (7/ 119).
(2) تاريخ الأيوبيين ص 308 ..
(1/219)

والحقيقة أن عودة بعض القوات إلى أوطانها لم تؤثر على الوضع الصليبي العام، لأن الصليبيين تلقَّوا إمدادات أخرى أرسلها البابا هونوريوس الثالث في 29صفر/16 آيار فتحددَّ نشاطهم ويبدو أن الكامل محمد علم بقدوم هذه الإمدادات، فرأى أن يقوم بهجوم على المعسكر الصليبي قبل أن تنظم هذه الإمدادات، وتبادر بشنَّ هجوم على المسلمين والواقع أن الطرفين قاما بتنفيذ عدة هجمات، لكن دون نتيجة إيجابية ويبدو أن فشل القيادة الصليبية في الاستيلاء على دمياط، بعد خمسة عشر شهراً من المحاولات والمعارك أدّى إلى تذمر القوات الصليبية وانهيار روحهم المعنوية فاتهموا القادة بالجبن والخيانة وطالبوا بشنَّ هجوم عام على المعسكر الإسلامي في فارسكور وحتى يخفَّفوا من حدة هذه التشنُّجات، اتفق الزعماء على القيام بتنفيذ هجوم عام على المسلمين، لكنهم اختلفوا في اختيار الهدف، فرأى الملك يوحنا بريين تشديد الحصار على دمياط، في حين طلب بيلاجيوس شنَّ هجوم على المعسكر الإسلامي في فارسكور، وسانده رجال الدين وبعض الفرسان، وانتصر الرأي الأخير، وشن الصليبيون هجوماً عاماً على معسكري الكامل محمد والمعظم عيسى في فارسكور في 16 جمادي الآخرة/19آب مرتكبين خطأ تكتيكياً، لأن النتيجة جاءت عكسية، إذ صُدَّ الهجوم، وفَّرت القوات الصليبية من ساحة المعركة بعد أن تكبدت خسائر فادحة في الأرواح، ووقع الكثير في الأسر، وقد دعَّم هذا الانتصار موقف المسلمين، وأعاد الثقة إلى نفوسهم (1) وأراد الكامل محمد أن يستغل ذلك النصر ليستأنف ضغطه على الصليبيين لقبول عرض الصلح الخاص بالجلاء عن مصر وكان يعتقد أن الهزيمة الأخيرة سوف تدفعهم إلى تغيير موقفهم المتشَّدد، لكن عرضة قوبل بالرفض أيضاً (2)، ويبدو أنه لم ييأس، فعرض عليهم الصلح للمرة الثالثة، وقدّم لهم تنازلات سخية جداً وهي:
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 309.
(2) المصدر نفسه ص 310.
(1/220)

- تنازله عن كل الأراضي التي فتحها صلاح الدين، من بيت المقدس وعسقلان، وطبرية، وجبلة واللاذقية، وسائر ما فتحه من مدن الساحل، باستثناء الكرك والشوبك.
- دفع مبلغ خمسة عشر ألف دينار مقابل الكرك والشوبك.
- دفع تكاليف إعادة تحصين بيت المقدس، وباقي القلاع التي خرَّبها المسلمون في بلاد الشام.
- تشكيل لجنة رباعية لتحديد تكاليف إعادة البناء.
- إعادة صليب الصلبوت.
- تستمر الهدنة لمدة ثلاثين سنة.

وضمانا لحسن تنفيذ ذلك، تعهد الكامل محمد بتقديم عشرين رهينة من أقاربه ليحتفظ بها الصليبيون مدة سنتين يتم خلالها إعادة تحقيق ما تهدم (1).

ولا شك بأن الكامل محمد كان متساهلاً جداً عندما قدّم هذا العرض للصليبيين، وهو يشكل إغراء كبيراً للقبول به، لكن هؤلاء، لم يختلف موقفهم عن السابق، فقد وافق عليه الملك الصليبي وأمراء بيت المقدس، ورفضه المندوب البابوي وفرسان الداوية والأسبتارية، الذين كانوا يمكلون قلعتي الكرك والشوبك من قبل، وعدُّوا الإنسحاب من أمام دمياط عاراً، فضلاً عن أنهم لم يثقوا بالمسلمين، وانضم الإيطاليون إلى جماعة الرافضين (2).

رابعاً: سقوط مدينة دمياط: تتابع وصول القوات الفرنسية والإنجليزية وكانت محملة على ما يقرب من عشر سفن جنوية فارتفعت معنويات القوات الصليبية وصممت على مواصلة الحصار لمدينة دمياط، وسرعان ما أغار الملك الكامل على المعسكر الصليبي وعرض الصلح على الصليبيين مرة رابعة ولكنه لم يلق قبولاً (3).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 310.
(2) المصدر نفسه ص 311.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك العادل ص 245.
(1/221)

1 - إحكام حصار دمياط: بدأ الصليبيون بإحكام الحصار حول مدينة دمياط، من البر والبحر، وضيقوا على أهلها، ومنعوا وصول الأقوات إليهم، وبدأت حاميتها بالإنهيار، وارتفعت الأسعار فبيعت البقرة بعد ذبحها بـ 800 دينار ولم يبق داخل دمياط سوى القليل من القمح والشعير (1). ولكن سكان المدينة استمروا في قتال الصليبيين، وثبتوا مع قله الأقوات وكان الملك الكامل يرسل بعض العوامين ليتحس أخبار الأهالي في دمياط ويطمئنهم على وصول النجدات إليهم وكان قائد دمياط الأمير جمال الدين الكناني من دمياط فرمى قصيدة على رأس سهم إلى الملك الكامل تصف حالة دمياط، السيئة وانهيار معنويات الأهالي وقرب انهيار المقاومة وتطالب بالمدد بسرعة لإنقاذ المدينة منها (2):
يا مالكي دمياط ثغر هدمت ... الله ضامن أجره وكفيله شرفاته
يقريك من أزكى السلام تحية ... كادت تجث أصوله
ويقول عن بعد وإنك سامع ... كالمسك طاب دقيقة وجليله
يا أيها الملك الذي ما إن يرى ... حتى كأنك جاره ونزيله
هذا كتاب موضح من حالتي ... بين الملوك شبيهه وعديله
أشكو إليك عدو سوء أحدقت ... ما ليس يمكنني لديك أقوله
فالبر قد منعت إليه طريقه ... بجميعه فرسانه وخيوله
فخضوعه باد على أبراجه ... والبحر عز لنصره أسطوله
ولو استطاع لأمَّ بابك لائذا ... وحنينه وبكاؤه وعويله
ورسوله في أن تجيب دعاءه ... لكنه سدت عليه نحوله
فاحرس حماك بعزمة تشفى بها ... أن يشتفى لما دعاك عليله
فالله أعطاك الكثير بفضله ... داء لمثلك يرتجى تعليله
فالعذر في نصر الإله ودينه ... ورضاه من هذا الكثير له
والثغر ناظره إليك محدق ... ما ساغ عند المسلمين قبوله
ولئن قعدت عن القيام بنصره ... ما إن يمل من الدموع هموله
ووهت قوى القرآن فيه ورفعت ... جفت نضارته وبان ذبوله
وعلا صدى الناقوس في أرجائه ... صلبانه وتلى به إنجيله
هذا وحقك وصف صورة حاله ... وخفى على سمع الورى تهليله
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 32).
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 246.
(1/222)

وكفاك يا ابن الأكرمين بأنه ... حقاً وجملته وذا تفصيله
حقق رجاء فيك يا من لم يخب ... أضحى عليك من الورى تعويله
وأذخر ليوم البعث فعلاً صالحاً ... أبداً لراجي جوده تأميله

فلما وقف السلطان على هذه الأبيات أمر أهل القاهرة ومصر بالنفير للجهاد (1) وحاول مساعدة سكان المدينة، وحث حاميتها على الصمود، وأخذ يرسل بعض المتطوعين لرفع معنويات السكان ولم يستسلم المسلمون لليأس، فلجأوا إلى كل الحيل لإيصال المؤن إلى مدينة دمياط، فكان الملك الكامل يدفع برجاله ليلا وهم يحملون المؤن المحفوظة داخل الجلود والمشمعات، فوضع الصليبيون حبالاً مزودة بالأجراس تدق عندما يصطدم السباحون بها، فيتجه الفرنج إلى المكان، ويقبضون على العوامين (2) أو يقتلونهم وكان المسلمون يعبئون الجمال بالأغذية بعد تفريغ بطونها، ويلقونها في النهر مع بعض الجيف فيجذبها أهالي دمياط ويأخذونها، ولكن الصليبيون نجحوا في وقف ذلك بوضع شباك في النهر (3) ونجح الصليبيون في عزل دمياط كلياً، وأصبحت المدينة في وضع شيء، ولم يعد الملك الكامل يعرف ما يدور بداخلها (4).
__________
(1) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 316،317).
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 246.
(3) السلوك نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 246.
(4) مفرج الكروب نقلاً عن بيت المقدس بين أطماع الصليبيين ص 247.
(1/223)

2 - سقوط دمياط: شدّد الصليبيون الحصار على دمياط، وضيَّقوا على أهلها، ومنعوا وصول الأقوات إليها، وفي المقابل كانوا متحصنين داخل معسكراتهم المحاطة بالخنادق والأسوار وتعذر على الكامل محمد إمداد المدينة بالرجال والمؤن وبدأت حاميتها بالإنهيار وأخيراً سقطت دمياط في 25 شعبان 616هـ/5 تشرين الثاني 1219م بعد حصار دام تسعة أشهر ودخلها الصليبيون بعد يومين (1)، كان أهل دمياط قد طلبوا من الفرنج الأمان وأن يخرجوا منها بأهلها وأموالهم في القَساقِسَة وحلفوا لهم على ذلك، ففتحوا لهم الأبواب فدخلوا وغدروا بأهلها، ووضعوا فيهم السيف، قتلاً وأسراً وباتوا في الجامع يَفْجُرُون بالنساء ويفتضون البنات (2) وحولوا مسجدها كنيسة (3) وكأنهم بذلك يثبتون أنه أينما أقام الصليبيون في موقع من مواقع دار الإسلام أو غير من المناطق إلا ونجد الدموية والبربرية، بل أن ذلك صار سمة من سماتهم، سواء في بلاد الشام أو مصر وكأنه تاريخ دموي متواصل الحلقات وأن اختلفت مواقعه الجغرافية (4)،
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 311.
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 312.
(3) شذرات الذهب (7/ 119).
(4) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 285 ..
(1/224)

ويضاف إلى ذلك، أن الغزاة قاموا بسك عملة صليبية في دمياط مما يدل على أنهم اعتقدوا في استقرارهم، واستمرار وجودهم فيها، وفي هذا المجال نعرف أن الصليبيين عندما استولوا على دمياط كان أمامهم أن يتعاملوا بالعملة الإسلامية التي تم تداولها في المدينة من قبل، أو أن يقوموا بسك عملة جديدة وقد فضلوا الحل الثاني، وبالفعل تم سك نقود صليبية عليها كتابات لاتينية حاول الغزاة فرضها على الأهالي المسلمين بدمياط، وأطلق البعض على تلك النقود نقود الضرورة، وتم سكها في دار ضرب وصفت بأنها طارئة أملتها الظروف الجديدة الناجمة عن الاحتلال الحملة الصليبية لدمياط (1)، ومن الملاحظ أن تلك النقود لم يتم التعامل بها أمداً طويلاً، ونجد أنها وصفت بالندرة على اعتبار أنها سكت من أجل الأغراض الحياتية خلال الظروف التي عاشها الصليبيون بدمياط، ثم أن الغزاة نجحوا في فرض الحصار حولها، ولذلك لم تتسرب تلك النقود إلى الأسواق المصرية (2). وإلى جانب ذلك، نجد أن الصليبيين عملوا على تنصير الأطفال المسلمين في دمياط، وقد أقر بذلك المؤرخ الصليبي جاك دي فترى، على نحو دل دلالة واضحة على أن المنصرين ساروا وراء الفرسان الصليبيين، وأن الحركة الصليبية بعد أن أخفقت في غزو البالغين وجعلهم يتحولون عن الإسلام إلى المسيحية اتجهت إلى غزو قلوب الصغار الأبريا، الذين ليس لهم ناقة ولا جمل في ذلك الصراع المحموم بين الطرفين (3)
__________
(1) النقود الصليبية ص 234، رأفت النبراوي.
(2) المصدر نفسه ص 235.
(3) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 286 ..
(1/225)

لقد كان أسلوب الصليبيين في دمياط بربرياً همجياً، متخلفاً بعيد عن الحضارة والقيم الإنسانية النبيلة، كان لسقوط دمياط أبلغ الأثر في نفوس المسلمين، مما جعلهم يتكاتفون لصّد الخطر الداهم وإجلاء المعتدين في الوقت الذي استعّد فيه الصليبيون للزحف نحو القاهرة للاستيلاء عليها وتحقيق الهدف الأسمى للحملة، وهكذا أضحى العالم الإسلامي في الشرق الأدنى مطّوقاً بخطر المغول من الشرق والصليبيين من الغرب، الأمر الذي دفع المؤرخ ابن الأثير للتعبير عن حزنه قائلاً: ولقد بُلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يُبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر قبحهم الله، أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها ... ومنها خروج الفرنج، من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرقت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها (1).

3 - ذيول سقوط دمياط: كان من أثر الصدمة التي أصيب بها العالم الإسلامي بسقوط دمياط، أن تدفق الناس على المساجد يتضَّرعون إلى الله أن ينصرهم على أعدائهم، وأدرك الملك الكامل محمد أن المهمة الملقاة على عاتقه ثقيلة، وأن مسؤوليته أصبحت أخطر من قبل وبدأ يُخطَّط من جديد، لدفع خطر الصليبيين عن مصر قبل أن يستفحل، وتصَّرف على أربعة محاور:
أ- بادر بإرسال السفراء إلى بغداد، لحثَّ الخليفة الناصر لدين الله على الدعوة للجهاد، ودفع المسلمين إلى حمل السلاح للدفاع عن الإسلام، فكتب الخليفة إلى الأمراء المسلمين لنجدته، لكن تصرفه وقف عند هذا الحد، وربما كان منهمكاً في تتبُّع أخبار الزحف المغولي باتجاه غربي آسيا الأمر الذي منعه من إرسال العساكر إلى مصر، تاركاً الجبهة الموجهة للمغول مفتوحة (2).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 312.
(2) السلوك نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 313.
(1/226)

ب- أرسل إلى أخيه المعظم عيسى في دمشق لمهاجمة المعاقل الصليبية في بلاد الشام لتخفيف الضغط عن الجبهة المصرية (1).
ج- قَّرر تجنيد مزيد من القوات من كافة أنحاء مصر، واستحضار أكبر عدد ممكن من العساكر الشرقية، فتمكَّن من جمع عشرين ألف مقاتل.
س- اختار مكاناً أكثر ملاءمة للقتال لوقف الزحف الصليبي باتجاه القاهرة، فنقل معسكره إلى المنطقة التي تقع جنوب بحر أشموم طنّاح والشاطئ الشرقي للنيل، قبالة قرية جوهر، وبنى فيها قلعة جديدة أطلق عليها المنصورة (2) ومن الواضح أن اختيار هذا المكان كان موفقاً فهو:
- محصَّن تحصيناً طبيعياً، ولا يتيسر للصليبيين الوصول إليه إلا تحت حراسة برية وبحرية مكثَّفة وقوية، نظراً لبعده عن قواعدهم في دمياط، مما سيّعرضهم لهجمات المسلمين.
- أقرب المواقع لاستقبال النجدات القادمة من بلاد الشام عبر شبه جزيرة سيناء.
- أقرب طريق للمواصلات الرئيسية إلى القاهرة.
- قرية من ميناء سمنُّود التجاري ذي المحاصيل الوفيرة والمركز الجغرافي المتصل بمختلف بلاد الدلتا.

وأما الصليبيون، فعمدوا إلى إعادة بناء دمياط وتحصينها وبالغوا في ذلك، ثم كتبوا إلى البابا هونوريوس الثالث يطلبون:
- مزيداً من القوات العسكرية، وبخاصة أن بعض الصليبيين الموجودين في مصر بدأوا يفكرون في العودة إلى أوطانهم.
- إرسال الأمبراطور فريدريك الثاني.
- إرسال الأموال التي جُمعت لصالح الحملة (3).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 313.
(2) بدائع الزهور في وقائع الدهور (1/ 79).
(3) تاريخ الأيوبيين ص 213، 314.
(1/227)

4 - الخلافات بين الصليبيين: تباينت آراء الصليبيين بعد سقوط دمياط على الألويات الواجب اتخاذها، فقد اختلفوا على ملكية دمياط، إذ رأى الملك جان دي برين يسانده بارونات بيت المقدس أن دمياط أصبحت جزءاً من مملكة بيت المقدس، فيما رأى بلاجيوس المندوب البابوي ضرورة خضوع المدينة لسلطة الكنيسة، أي لسلطته بالذات لأنه ممثل البابا، ولكن الرأي العام للحملة عارض بلاجيوس في ادعائه ملكية المدينة، وتأزمت الأمور بين الملك جان دي برين، ومندوب البابا، فأيد الفرسان الداوية، والاسبتارية والفرنسيون وصليبيو بيت المقدس الملك دي برين فيما أيد الإيطاليون بلا جيوس، وانتهى الأمر بعرض الأمر على البابا هونوريوس الثالث، فأيد الملك في موقفه في ضم المدينة إلى مملكة بيت المقدس، واختلف الصليبيون لدى تقسيم الغنائم، إذ شعر الإيطاليون بالغبن الذي أصابهم، وأعلنوا العصيان وطالبوا بمزيد من الغنائم، وأشهروا سلاحهم في وجه الجند الفرنسيين إذ لم يؤيدهم بلاجيوس في طلبهم وإنقاذاً للموقف أخرجت القوات الفرنسية من دمياط حتى لا تشتبك مع الإيطاليين وأخيراً اتفق على:
أ- طرد القوات الإيطالية من دمياط، وتولي أمر ذلك فرسان الداوية، والقوات الفرنسية، وفرسان الإسبتارية.
(1/228)

ب- إعادة توزيع الغنائم، وزيادة نصيب الإيطاليين منها (1) وانقسمت آراء الصليبيين حول الزحف على القاهرة، فقد رأى قلة من الجند التوجه إلى بيت المقدس، والاستيلاء عليها، إذ كانت بلاد الشام مكشوفة تماماً ولا قوات إسلامية فيها، ورأى الملك جان دي برين تحصين مدينة دمياط، ومنح الصليبيين قسطاً من الراحة، ريثما يصل الإمبراطور فردريك الثاني، ورأى بلاجيوس أن الطريق متيسر إلى القاهرة، وأن الزحف عليها، ومطاردة الأيوبيين في هذا الوقت مناسب ويمكنهم من السيطرة على مصر، ومن ثم على بلاد الشام وتفاقم الخلاف بين بلاجيوس والملك الصليبي الذي حاول توضيح صعوبة السيطرة على مصر والقاهرة، لقلة عدد الصليبيين بالنسبة إلى سكان مصر وبعد مدينة القاهرة عن دمياط، فآثر الملك مغادرة دمياط إلى عكا عام 617هـ/1220م (2).

5 - الوضع العسكري في بلاد الشام بعد سقوط دمياط:
على الرغم من الخلافات الداخلية بين الصليبيين والركود العسكري الذي وقعوا فيه، فقد كان عليهم تأمين وجودهم ضد القوات الإسلامية، لذلك رأوا الاستيلاء على تنيس فأغاروا عليها في 14 رمضان 616هـ/23تشرين الثاني 1219م ودخلوها قهراً (3)، وفي بلاد الشام، هاجم المسلمون المعاقل الصليبية لتخفيف الضغط عن الجبهة المصرية، ذلك أن المعظم عيسى غادر مصر بعد سقوط دمياط عائداً إلى بلاد الشام لسببين:
الأول: حشد العساكر وإرسالها إلى مصر.
الثاني: الضغط على أملاك الصليبيين في بلاد الشام.
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 249.
(2) بيت المقدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك العادل ص 250.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 315.
(1/229)

وفعلاً هاجم في شهر محرم 617هـ/شهر آذار 1220م، قياسرية وفتحها عنوة، ثم توجه إلى قلعة عثليث (1)، لفتحها لكنه جوبه بمقاومة الداوية فيها، فاضطر إلى الانصراف عنها (2) وحذا الأشرف موسى حذوا أخيه المعظم عيسى، فأغار على إمارة طرابلس، وهاجم صافيتا، وحصن الأكراد، غير أنه لم يتمكن من المضي طويلاً في عملياته العسكرية بسبب الحرب بينه وبين سلاجقة الروم، لكنه رابط بالقرب من طرابلس وأنطاكية (3) والواقع أن الهجمات الإسلامية على ممتلكات الصليبيين في بلاد الشام بالإضافة إلى مرابطة الأشرف موسى، قد حرم الصليبيين الموجودين في دمياط من الإمدادات التي يمكن أن تأتي إليهم من الإمارات الصليبية في بلاد الشام، ليس هذا فحسب، بل أدّن إلى سحب بعض القوات الصليبية من دمياط لمساعدة إمارات بلاد الشام (4)، إذ أن الملك يوحنا بريين اتخذ من هذه الهجمات حجة لمغادرة دمياط إلى عكا، على الرغم من تعُّدد أسباب هذه العودة التي كان من بينها استمرار تدهور العلاقات بينه وبين المندوب البابوي، ومشكلة الوراثة في أرمينية الصغرى بعد وفاة ليو الثاني في منتصف عام 616هـ/صيف عام 1219م (5). ومما يلفت النظر خطورة الصراع بين القوة الإسلامية السلاجقة والخورازميين والأيوبيين بينما ملوك أوروبا يتفقون، فكان لذلك التفرق أثر على الإسلام والأمة.
__________
(1) المصدر نفسه ص 315: اسم حصن بسواحل الشام.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 315.
(3) المصدر نفسه ص 315.
(4) تاريخ الأيوبيين ص 316.
(5) المصدر نفسه ص 316.
(1/230)

6 - المناوشات بين الملك الكامل والصليبيين: استغل الملك الكامل الخطر الذي فرضه بلاجيوس على حركة السفن الصليبية، وأرسل بعض السفن الحربية عبر فرع رشيد إلى قبرص فهاجمت السفن الراسية في ليماسول، فأغرقت بعضها، وأسرت البعض الآخر واستجاب البابا لنداءات الصليبيين في دمياط بإمدادهم المال والرجال ففي محرم 617هـ آذار 1220م وصلت قوات صليبية إلى دمياط يرافقها بعض رجال الدين وعلى رأسهم رئيس أساقفة ميلان هنري وأرسل البابا الأموال من خزانة البابوية، وتتابع وصول الإمدادات من ألمانيا وفرنسا بالإضافة إلى ثماني سفن أرسلها الإمبراطور فردريك الثاني على رأسها منى كونت بوليا وحاول بلاجيوس استغلال الإمدادات المتزايدة عام 617هـ/1220م للزحف على القاهرة، إلا أن القوات الفرنسية والألمانية والإنجليزية لم توافقه، فأغارت القوات العسكرية المؤيدة للمندوب البابوي على البرلس، ونهبتها، فأعد لهم المسلمون كميناً، وتمكنوا من أسر الكثير منهم وفر الباقون إلى دمياط (1).
__________
(1) شذرات الذهب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 253.
(1/231)

7 - حشد الملك الكامل للقوات للمواجهة الحاسمة: ظل الملك الكامل مرابطاً في المعسكر الذي أطلق عليه فيما بعد المنصورة، وقد اتخذ الكثير من الإجراءات لإشغال الصليبيين، ووقف زحفهم على القاهرة، فوضع بعض السفن الإسلامية في بحيرة تنيس لمناوشته الصليبيين، وكلف الكثير من الفرسان والعربان بالإغارة على القوات الصليبية باستمرار وشجع على أسر أو قتل الصليبيين وخصص المكافآت لكل مسلم يأسر عدواً، وقد نجح المسلمون من أسر الآلآف من العساكر الصليبية أثناء هذه المناوشات والغارات وبادر الصليبيون إلى بناء حصن تورون في جيزة دمياط، وأحاطوه بسور من الطين لخلو المنطقة من الحجارة، وشيدوا برجاً خشبياً شديد الارتفاع لإرشاد السفن الذاهبة إلى دمياط، وأقام الصليبيون حصناً آخر اسمه بوتا فأتت بين دمياط وقلعتها، فحد هذا الحصن من نشاط السفن الإسلامية في بحيرة تنيس ووفر كميات من السمك للصليبيين كانوا يصيدونها من البحيرة، وأطمأن الصليبيون على أنفسهم من الهجمات الخاطفة، التي كان المسلمون يقومون بها، مع أنها كلفتهم أكثر من ثلاثة آلاف أسير (1) وتدفق الصليبيون عام 617هـ/1220م على دمياط حتى أصبحت دار هجرتهم، فقد قدم إليها الأسقف الألماني أولريخ، وأسقف باسو، وعاد رئيس هيئة فرسان التيوتون "هرمان فون سالز" على رأس 500 فارس، وأخذ عدد الصليبيين يزداد يوماً بعد يوم، متشجعين بامتلاك الإفرنج للمدينة، وتمكنهم من الديار المصرية (2).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 255.
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 255.
(1/232)

8 - الزحف الصليبي على القاهرة والمعركة الفاصلة:
تحركت القوات الصليبية في 7 جمادي الأولى 618هـ/29حزيران 1221م من دمياط إلى العادلية استعداداً للتقدم جنوب دمياط بحذاء النيل، وظل الجيش الصليبي خارج دمياط أربعة أيام انتظاراً لوصول الملك ذي برين، وما أن وصل الملك حتى بادر مجلس الحرب الصليبي إلى التشاور في الأمر، فأمر بلاجيوس بالزحف على القاهرة للقضاء على قوات مصر العسكرية وتجهزت القوات الصليبية للدخول مع المسلمين في معركة فاصلة فأعدت البحرية الصليبية أكثر من 600 سفينة من مختلف الأحجام، حملت الفرسان، ورماة السهام، وعدداً كبيراً من المشاة بالإضافة إلى القوات البرية التي سارت بحذاء النهر إلى جانب السفن وتقدمت هذه القوات جنوباً للتوغل في ديار مصر (1)، فوصلت إلى فارسكور في 25 جمادي الأولى 618هـ/17 تموز 1221م.
__________
(1) مفرج الكروب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 255.
(1/233)

ولما علم الملك الكامل بزحف الصليبيين اتجه شمالاً، فعبر بحر أشموم، وتقدم نحو شار مساح، ولكنه تراجع إلى المنصورة وجعل منها محور الارتكاز لجميع خططه، تابع الصليبيون زحفهم فوصلوا إلى شار مساح واستولوا عليها بعد مناوشات بسيطة، وتقدموا إلى أن وصلوا طرف جزيرة دمياط (1)، وأقاموا معسكرهم وكلف الملك الكامل أمراءه جمع الناس من كل مكان لمواجهة خطر الصليبيين فقام الأمير حسام الدين يونس والي الإسكندرية والفقيه تقي الدين طاهر الحلي بجمع الناس من المنطقة الواقعة بين القاهرة وأسوان وقام الأمير علاء الدين جلدك والأمير جمال الدين بن صيرم بجمع المقاتلين من المنطقة الشرقية، ونشط الملك المعظم بجمع أعداد كبيرة، وكذلك الملك الأشرف (2) الذي قال: خرجت بنية الجهاد ولابد من اتمام هذا الأمر (3)، واتّجه الجميع إلى مصر، وبدأت الاستعدادات الإسلامية نشاط، وكان الجميع مندفعاً لدعم قوات الملك الكامل فوصلت هذه الإمدادات إلى المنصورة (4) يتقدمها الملك الأشرف موسى، وفي مؤخرتها الملك المعظم وبينها الملك الناصر ابن الملك المنصور صاحب حماة (5)، والمجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص، والأمجد بهرام صاحب بعلبك فخرج الكامل واستقبلهم "وأيقن بحصول النصر، والظفر بالعدو، وقويت معنويات المسلمين، وقدرت القوات الإسلامية بحوالي 40ألف فارس (6). ورأى الفرنج من العساكر الإسلامية ما هالهم وفتَّ في أعضادهم؛ واشتد القتال بين الفريقين براً وبحراً (7)
__________
(1) النجوم الزاهر (6/ 231) القدس بين أطماع ص 257.
(2) القدس بين أطماع ص 57.
(3) مفرج الكروب (4/ 93).
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 257.
(5) السلوك نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 257.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 257.
(7) مفرج الكروب (4/ 95) ..
(1/234)

واستطاع الملك الكامل؛ أن ينزل قوات خلف الجيش الصليبي المتقدم، فقطع عليه خط الرجعة وعزله عن دمياط، كما أجهز على سفنه الراسية بين المقدمة والمؤخرة، وحاصره براً وبحراً، ثم أرسل قوة عسكرية عبرت إلى الأراضي التي يعسكر فيها الصليبيون، ففجَّروا سدود المياه، فلم يشعر هؤلاء إلا وقد غرقت أكثر الأرض المحيطة بهم (1)، وهكذا سُدت جميع المنافذ أمام الصليبيين باستثناء جهة واحدة يسلكونها، وهي الشريط الضيق الملاصق للنيل، ويمتد من معسكرهم شمالاً حتى دمياط، وأدرك الكامل محمد ذلك، فأمر بنصب الجسور على النيل عند أشموم طنّاح، فعبرت القوات الإسلامية هذه الجسور وسيطرت على هذا الطريق (2)، الذي كان أمل الصليبيين الوحيد لعودتهم براً إلى دمياط، وهكذا سيطر المسلمون على الموقف وإذ تعذَّر على القوات الصليبية التقدم أو الإنسحاب، أدرك بيلاجيوس أنه ارتكب خطأ عسكرياً بمغادرة دمياط، ولم يبق أمامه للخروج من هذا المأزق سوى الصلح (3) وأحس القادة الصليبيون بخطورة موقفهم فالمياه تمنعهم من القتال والجوع عضهم بنابه، والمسلمون يسيطرون على الموقف سيطرة تامة، واستمرارهم في المعسكر سيؤدي إلى هلاكهم، وسرعان ما أرسل المندوب البابوي بلاجيوس للملك دي برين يدعوه للتشاور وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعندما اجتمع الإثنان اتفقا على أخذ رأي القادة الصليبيين لعرض الصلح على المسلمين (4)، ومال الكامل محمد إلى قبول عرض الصلح، ولعله كان مدفوعاً بعدة عوامل من أهمها:
- فقد كان يخشى حضور الأمبراطور الألماني فريدريك الثاني على رأس قوته، فينتقم لما حلَّ بالصليبيين ويحتفظ بدمياط (5).
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 96).
(2) المصدر نفسه (4/ 96) تاريخ الأيوبيين ص 318.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 318.
(4) شذرات الذهب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 261.
(5) عاشور (2/ 983) تاريخ الأيوبيين ص319.
(1/235)

- إن استعادة دمياط تحتاج إلى مجزرة لا داعي لها، وربما لا يقدر عليها وبخاصة أن القوات الإسلامية ضجرت من طول مدة الحرب التي استمرت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر (1).
- استمرار وصول الإمدادات الصليبية إلى دمياط، مما سيجعل مهمة القوات الإسلامية صعبة ومعقَّدة وربما لا تحقق النتائج التي عرضها الصليبيون، ولو أقام، الصليبيون يومين لأخذوا المسلمين برقابهم.
- توارد الأنباء من الشرق عن تقدم المغول باتجاه غربي آسيا، فأراد أن يدّخر قواته، ويتفرغ للخطر المغولي، إذا ما استمر في التقدم إلى قلب العالم الإسلامي (2).
__________
(1) مفرج الكروب نقلاً عن تاريخ الأيوبيين ص 319.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 319.
(1/236)

9 - قبول الصلح: استشار السلطان الملك الكامل ملوك أهل بيته في ذلك، فأشار بعضهم بأن لا يؤمنهم ويأخذهم أخذاً باليد فإنهم قد صاروا في قبضته، وهم جمهور أهل الشرك وأنه إذا فعل ذلك أخذ منهم دمياط وجميع ما بقي لهم من البلاد الساحلية فلم ير السلطان الملك الكامل ذلك مصلحة وقال: إن هؤلاء ليسوا جميع الفرنج، وإذا أبدناهم لا نقدر على أخذ دمياط إلا بمطاولة وحروب كثيرة مدة، ويسمع ملوك ما وراء البحر من الفرنج وما نالهم بما يجري على الفرنج، فيقدم إلينا أضعاف هؤلاء وتعود للحرب خدعة، وقد ضجرت العساكر من الحرب وكلّت ...
(1/237)

فاتفق رأي الكل على بذل الأمان لهم، وتسلم دمياط منهم، فأجيبوا إلى ما طلبوا على أن يأخذ منهم السلطان الملك الكامل ملوكهم رهائن إلى أن يسلموا دمياط، وطلبوا هم أن يأخذوا ولد السلطان وجماعة من خواصه رهائن إلى أن يرجع ملوكهم إليهم، فتقررت القاعدة على ذلك والإيمان سابع رجب من هذه السنة، أي سنة ثمان عشرة وستمائة، وكانت رهائن الفرنج: ملك عكا، واللوكان نائب البابا صاحب رومية الكبرى، وغير هؤلاء من الملوك تتمة عشرين ملكاً وكانت رهائن السلطان الملك الكامل ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجماعة من خواصه وكان عمر الملك الصالح يؤمئذ خمس عشرة سنة، ولما قدم هؤلاء الملوك إلى السلطان الملك الكامل جلس لهم مجلساً عظيماً ووقف بين الملوك من إخوته وأهل بيته جميعهم ورأى الفرنج من عظمته وناموسه ما هالهم، ثم أرسلت الفرنج قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط لتُسلم إلى المسلمين، فسلمت إليهم تسع عشر رجب من هذه السنة وكان يوم تسليمها يوماً مشهوداً عاد به الدين الإسلامي جديداً بعد أن كانت قد ساءت به الظنون، وخيف على الديار المصرية والشامية من الفرنج خوفاً شديداً وفي اليوم الذي سلمت فيه دمياط وصل إلى الفرنج نجدة عظيمة من البحر، فلو سبقوا المسلمين إليهم لامتنعوا من تسليمها ولم دخلها المسلمون رأوها وقد حصنها الفرنج تحصيناً عظيماً بحيث بقيت لا ترام، ولا يوصل إليها، ورجعت رهائن الفرنج إليهم ورهائن المسلمين إليهم وولاها السلطان الأمير شجاع الدين جلدك المظفري التقوى وكان رجلاً خيراً شهماً (1) وهنت الشعراء الملك الكامل وإخوته بفتح دمياط وأكثروا، فمما قيل في ذلك، قصيدة لشرف الدين بن عينين يمدح بها السلطان المعظم عيسى - رحمه الله - ومطلعها:
سلوا صهوات الخيَل يوم الوغى عنا ... إذا جُهلت آياتنا والقنا اللُّدنا
غداة لقينا دون دمياط جحفلا ... من الروم لا يُحصى يقينا ولا ظنَّا
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 100).
(1/238)

قد اتفقوا رأيا وعزماً وهمة ... ودينا وإن كانوا قد اختلفوا لُسنا
تداعوا بأنصار الصليب فأقبلت ... جموع كأن الموج كان لهم سفنا
عليهم من الماذى كل مُفاضَةٍ ... دلاص كقرن الشمس قد أحكمت وضنا
وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا ... إلينا سراعاً بالجياد وأَرْقَلْنا
فما برحت شمر الرماح تنوشهم ... بأطرافها حتى استجاروا بنامنّا
سقيناهم كأساً نفت عنهم الكرى ... وكيف ينام الليل من عدم الأمنا
لقد صبروا صبراً جميلاً ودافعوا ... طويلاً فما أجدى دفاع ولا أغني
لقوا الموت من زُرق الأسنة أحمراً ... فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنا
وما برح الإحسان منا سجية ... توارثها عن صيد آبائنا الأبنا
وقد جربونا قبلها في وقائع ... تعلمّ غُمر القوم منا بها الطعنا
أسود وعن لولا قراع سيوفنا ... لما ركبوا قيداً ولا سكنوا سجنا
وكم يوم حرَّ ما لقينا هجَيره ... بستر وقُرّ ما طلبنا له كنَّا
فإن نعيم الملك في شظَف الشقا ... ينُال وحلَو العيش من مُر يُجنى
يسير بنا من آل أيوب ماجد ... أبي عزمه أن يستقر به مغنى
كريم الثنا عار من العار باسل ... جميل المحيا كامل الحسن والحسنى
سرى نحو دمياط بكل سميدع ... نجيب يَرى ورد الوغى المورد الأهنا
مآثر مجد خلدتها سيوفه ... لها نبأ يفني الزمان ولا يفنى
وقد عرفت أسيافنا جديدة ... فعاشوا بأعناق مقلدة مِنّا
ولو ملكوا لم يأتوا في دمائنا ... وَلُوغا ولكنا ملكنا فأسجحنا

ومن ذلك قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك الأشراف (بن الملك العادل) مطلعها:
جعل العتاب إلى الصدود توصُّلا ... ريم رمى فأصاب منى المقتلا
أغراه بي واش تَقوَّل كاذبا ... فأطاعه وعصيت فيه العُذَّلا
ما عمَّه بالحُسْن عنبُر خاله ... إلا ليُصبح بالسواد مجملا
صافي أديم الحسن ما خطت يد ... الأيام في خديه سطراً
كل مقر بالجمال له فما ... يحتاج حاكم حسنه أن يُسجلا (1)
ما عمَّه بالحُسْن عنبُر خاله ... إلا ليُصبح بالسواد مجملا
صافي أديم الحسن ما خطت يد ... الأيام في خديه سطراً مشكلاً
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 101).
(1/239)

كل مقر بالجمال له فما ... يحتاج حاكم حسنه أن يُسجلا (1)

ومنها
لولاك لا نفصمت عُرى الإسلام في ... مصر وأهمل ذكره وتبدّلا
وتحكمت فيها الفرنُج وغادرت ... أعلاجُها محرابَ عمرو هيكلا
أنت الذي أجلبت عن حلب العدا ... وحَميتَ بالسُّمر اللدان الموصلا
كم موقف ضَنكٍ فرجت مضيقه ... وطريقه لخفائه قد أَشكلا
ونثرت بالبيض المهندةِ الطُّلي ... ونظمت بالسُّمر المثقفة الكُلا
فالله يخرق في بقائك عادة ... الدنيا ويُعطيك البقاء الأطول

وقد أبدع بعض الشعراء في ذكر إنجاد السلطانين الملك المعظم والملك الأشرف أخاهما السلطان الملك الكامل في قوله:
أعبّاد عيسى إن عيسى أتاكم ... وموسى جميعاً ينصران محمداً (2)

ولما فتحت دمياط دخلها السلطان الملك الكامل، وفي خدمته إخوته وملوك أهل بيته، وكان يوم دخوله إليها يوماً مشهوداً، ثم توجه إلى القاهرة، وأذن للملوك في الرجوع إلى بلادهم، فرجع كل ملك إلى بلاده (3).

10 - أسباب فشل الحملة الصليبية الخامسة: يعود فشل الحملة الصليبية الخامسة إلى عدة عوامل، منها ما يتعلق بالمسلمين، ومنها ما يتعلق بالصليبيين، ومنها ما يتعلق بالأوروبيين أما ما يتعلق بالجانب الإسلامي فيمكن رصد العوامل التالية:
- الخطط العسكرية الجيدة، التي وضعها الكامل محمد ونفَّذها جنوده، فقد أعدَّ، في بادئ الأمر، دفاع العادلية الذي صمد مدة ثمانية أشهر، لكنه اضطر للتراجع نتيجه مؤامرة ابن المشطوب التي أتاحت للقوات الصليبية العبور إلى الضفة الشرقية وحصار دمياط، كما تمكَّن من تطويق الصليبيين بحراً بواسطة السفن التي سيَّرها في بحر المحلة وضرب مقدمة ومؤخرة الأسطول الصليبي، بالإضافة إلى حسن اختيار الوقت المناسب لتفجير السدود والجسور، وإغراق السفن الصليبية.
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 101، 201).
(2) مفرج الكروب (4/ 105).
(3) مفرج الكروب (4/ 105).
(1/240)

- تعاون الملوك الأيوبيون، فقد أدّى المعظم عيسى دوراً بارزاً في إحباط مؤامرة ابن المشطوب، ولم يتوانَ لحظة عن إنجاد أخيه، وتولىَّ الضغط على الصليبيين بمهاجمة ممتلكاتهم في بلاد الشام، وهدم القلاع الإسلامية خشية من استيلاء الصليبيين عليها، وتركها في حالة يتيسر على المسلمين استردادها إذا ما سقطت في أيدي هؤلاء، وكذلك فعل الأشرف موسى.
- دعم الجبهة الإسلامية بالمال والرجال والعتاد وإقامة التحصينات الكافية في الأماكن المناسبة.
وفيما يتعلق بالجانب الصليبي فيمكن رصد الملاحظات الآتية:
- أخطأ رجال الدين في إدارة الحملة، كما انتابهم الغرور والاعتزاز بالنفس، وعلى رأسهم المندوب البابوي بيلاجيوس الذي وصفته المصادر بالغباء، والعجرفة، وعدم الحيلة، فضلاً عن تشبُّثه برأيه، وقد تجاهل وضعه كرجل دين وتصرف كقائد عسكري، ولم يسمح للخبراء العسكريين مشاركته.
- الاختلاف في وجهات النظر بين الصليبيين بسبب سوء تصرف المندوب البابوي، وبخاصة بينه وبين يوحنا بريين الذي هددَّ بترك الحملة أكثر من مرة، وقد أدّى هذا الاختلاف إلى إضاعة الفرصة الذهبية التي أتيحت لهؤلاء لتحقيق هدف الحملة وبخاصة بعد أن عرض عليهم الكامل محمد شروطاً سخية للجلاء عن دمياط، والواضح أن موقف كلاً الرجلين كشف عن أطماعهما وتطلعاتهما إلى الزعامة والقيادة، مما أضَّر بالحملة ضرراً بالغاً (1).
- جهل الصليبيين بالوضع الطبيعي لأرض مصر، والخطأ الذي ارتكبوه باختيار طريق الزحف نحو القاهرة، وهو الطريق المحاذي لفرع النيل الشرقي، على الرغم من علمهم بمواعيد ارتفاع وانخفاض مياه، إذ كان يعترض هذا الطريق الكثير من النزع والقنوات المتفرعة التي شكَّلت كمائن أوقفت تقدم جيشهم.
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 321.
(1/241)

- عدم استغلال عامل الوقت؛ فلو أن الصليبيين بدأوا زحفهم على القوات الإسلامية عندما كانت ترابط في فارسكور، مما تسَّبب في قتل المئات ممن الصليبيين، كما كانت هذه القوات ترحل إلى بلادها متى يحلو لها غير عائبة بالأوامر التي تصدر عن قادتها.
- الخلافات التي نشبت بين أفراد الجيش الصليبي حول تقسيم الغنائم وقد أدّت إلى صدام مسلح بينهم.
- عدم اكتراث لويس دوق بافاريا بتعليمات الأمبراطور فريدريك الثاني بعدم القيام بأية عملية عسكرية كبيرة إلا بعد حضوره (1).

وأما فيما يتعلق بالجانب الأوروبي فيلاحظ ما يلي:
- محاولة البابا هو نوريوس الثالث الهيمنة على الحملة حتى لا تتعرض لما تعرضت له الحملة الصليبية الرابعة؛ من ذلك أنه منح مندوبه صلاحيات مطلقة تعلو على صلاحيات القادة الزمنيين والخبراء العسكريين.
- عدم حسم الخلاف الذي نشأ بين بيلاجيوس ويوحنا بريين الذي تصاعد وتطور إلى صراع بين السلطتين الزمنية والدينية على حساب الحملة.
- لم تكّن شخصية البابا من القوة التي يخشاها بيلاجيوس لذلك تصرف من تلقاء نفسه عندما رفض عرض الصلح الذي تقدم به الكامل محمد، مخالفاً بذلك أوامر البابا بعرض الأمر عليه قبل اتخاذ القرار.
- عدم اختيار الوقت المناسب للقيام بالحملة، إذ أن الروح الصليبية تراجعت لدى الأوروبيين بشكل عام، ولم يعد لديهم الحماس الكافي لإنخراط بالحملة (2).
انهماك بعض القوات الصليبية في القتال الدائر بين المسلمين والنصارى في أسبانيا، مما حرم الحملة من قوات كانت ضرورية آنذاك للاستفادة من إمكاناتها المادية والمعنوية.
- الصراع الدائر بين ملوك أوروبا من أجل تدعيم مراكزهم، وعجز البابا عن حملة الأمبراطور فريدريك الثاني، السفر إلى دمياط، واكتفى بمعاتبته مع الأمراء الذين ساندوه (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 321.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 322.
(3) المصدر نفسه ص 322.
(1/242)

11 - نتائج الحملة الصليبية الخامسة: من أهمها:
أ- كشفت بجلاء أن الصليبيين لديهم الإصرار على التوسع جنوباً في مصر وما جهود دي برين إلا الصورة الصليبية في القرن الثالث عشر الميلادي/السابع الهجري لعموري الأول ملك المملكة الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي/السادس الهجري.

ب- كشفت تلك الحملة عن الطابع التنصيري للحركة الصليبية وأن ذلك الجانب من الممكن فهم أبعاد المطامع الصليبية في المنطقة من خلاله، إذ هدف الغزاة تحويل مسلمي المنطقة إلى مسيحيين يتبعون الكنيسة الأم في روما، وبذلك يكونوا قد استهدفوا الهوية الدينية ذاتها.

ج- تلك الحملة كشفت لنا عن العلاقة الأبدية بين مصر والشام إذ أن كلا منهما عمق استراتيجي للآخر، وعندما تعرضت أرض الكنانة للخطر قدم إليها الدعم والعون الحربي من شقيقتها الجغرافية والتاريخية بلاد الشام، وهكذا وجد الخطر الصليبي المشترك تاريخ المنطقتين المتجاورتين بصورة أكدتها مراحل التاريخ السابقة وكذلك التالية.

س- كشفت قصر نظر الملك الكامل الأيوبي فيما يتعلق بالعروض البالغة السخاء، والسذاجة للصليبيين، وقد توافر لديه إصرار مثير للعجب على تقديم بيت المقدس للغزاة في مقابل خروجهم من مصر، ويلاحظ أنه كرر ذلك الأمر عدة مّرة وكأن بيت المقدس التي عادت بدماء الشهداء وخاض صلاح الدين المعارك الشرسة من أجلها، كأن تلك المدينة المقدسة مثلت عبئاً على ذلك السلطان الأيوبي، وبالتالي أراد التخلص منها بأي صورة، وقد توهم الرجل أن بإمكانه التصرف في تلك المدينة، وأن يعرضها كجارية في سوق النخاسة، ومن حسن الحظ - هذه المرة فقط - أن عناد المندوب البابوي الذي طمع في المزيد رفض العرض، وأنقذت القدس من جانب الصليبيين، وظلت في أيدي أبنائها من المسلمين؛ وكشفت تلك الحادثة عن مدى إنفراد القادة أحياناً بقرارات مصيرية خاطئة يمكن أن تجلب أخطر النتائج وأسوأها على مصير أمتهم (1).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 288.
(1/243)

ع- آثار الفشل الذريع الذي منيت به الحملة الصليبية الخامسة ثائرة البابا هو نوريوس الثالث، وأخذ يدعو من جديد هو وخليفته البابا جريجوري التاسع للقيام بحملة صليبية كبرى لتعويض تلك الخسارة التي خسرها الصليبيون، وعهد إلى الأمبراطور فردريك الثاني أمبراطور الدولة الرومانية، وملك الصقليتين بأمر قيادة هذه الحملة والتي عرفت بالحملة الصليبية السادسة (1) وسيأتي الحديث عنها مفصلاً بإذن الله.

ك- كان رد الفعل الإسلامي عظيماً إزاء هذه النتيجة التي أسفرت عنها الحملة الصليبية الخامسة، فكانت فرحة المسلمين عظيمة بعودة دمياط إليهم، خاصة الفقهاء والعلماء والشعراء الذين أخذوا يتبارون في إنشاد قصائد التهاني بهذا النصر الكبير معبرين فيها عن مدى فرحتهم ومدى إحساسهم بأهمية عودة دمياط إلى المسلمين (2).

هـ- أبرم الملك الكامل اتفاقية مع الصليبيين مدتها ثمان سنوات نصت على إطلاق كل فريق ما عنده من الأسرى وتم للأيوبيين القضاء على الحملة الصليبية الخامسة نتيجة لتعاونهم وخطتهم (3) المحكمة

المبحث الثاني: السياسة الأيوبية الداخلية في عهد الملك الكامل
أولاً: تولي الملك الكامل السلطنة ومحاولات خلعه:
كان الملك الكامل نائباً لوالده الملك العادل في حران وكلفه عام 595هـ/1199 باحتلال ماردين وفي عام 596هـ/1200م استدعى الملك العادل ابنه الملك الكامل إلى مصر ليستنيبه عليها وكان بحران نائباً لوالده هناك فسلم تلك الولاية إلى أخيه الفائز، وانطلق إلى القاهرة، ومعه شمس الدين المعروف بقاضي داراً، وهو وزيره ومستحثه على المكارم، ومشيره (4)، فأنشده:
أنتم تُحبون بالإعراض تَعذيبي ... وتقصدون بخلق الصّدِ تهذيبي
ساروا فيا صحتي من مهُجتي ارتحلي ... غابوا فيا سنتي عن مُقلتى غِيبي
__________
(1) دور الفقهاء والعلماء ص 269.
(2) المصدر نفسه ص 268.
(3) الدولة الأيوبية، سمير فراج ص 195.
(4) كتاب الروضتين (4/ 458،459).
(1/244)

قد كان يهضمني دهري فأدركني ... محمد بن أبي بكر بن أيوب
الكامل المالك الإملاك حيث له ... رقم الأعاجم منهُم والأعاريبُ
معطَّرٌ عرفه عُزفاً ومكرهة ... مخمرٌ طينه بالطُّهر والطَّيب
لا يدَّعِي جُودَه البحر الخِضمّ ولا ... يَلقى تابيه في الشُّم الشَناخيب
دعتك مِصُر إلى سُلطانها فأجب ... دُعاءها فهو حق غير مكذوب (1)
__________
(1) المصدر نفسه (4/ 459).
(1/245)

وصل الملك الكامل القاهرة 22 رمضان 596هـ/1200م ونصبه والده نائباً له بديار مصر وركب الملك الكامل مثل والده، معقوداً سنجقه بمعاقده والمناصل مجذوبه، والصواهل مجنوبة، والأعين ناظرة والألسن ذاكرة ومشى في ركابه من إليه تحبب (1) وبعد أيام غادر الملك العادل القاهرة متجها إلى نابلس لمواجهة الصليبيين وفي عام 604هـ/1206م أعطى الملك الكامل مملكة مصر، ورتب عنده القاضي الأعز فخر الدين مقدم بن شكر (2) وفي عام 609هـ/1212م فوض الملك العادل تدبير مصر، والنظر في أموالها ومصالحها إلى ابنه الملك الكامل وقد رافق الملك الكامل والده في كثير من المواقف في حران ومصر واكسبته المصاحبة خبرة سياسية وتجربة عسكرية (3) وتوفي الملك العادل في قرية عالقين عام 615هـ/1218م ولم يعلم بموته إلا مرافقه الكريم الخلاطي فأرسل إلى ابنه الملك المعظم في نابلس، فحضر يوم السبت السابع جمادي الآخرة واحتاط على الخزائن (4)، وصبّر العادل، ووضعه في محفة وأظهر أنه مريض ونقله إلى دمشق حيث دفن بالقلعة، فاختبط الناس حتى ركب المعظم وسكنّهم ونادى في البلد "ترحموا على السلطان الملك العادل، وادعوا لسلطانكم الملك المعظم أبقاه الله، فبكى الناس واشتد حزنهم لفقده (5) وعلم الملك الكامل بوفاة والده، وهو بالعادلية على محاربة الفرنج فجلس للعزاء ثلاثة أيام، ثم تفرد بالخطبة في ديار مصر وأعمالها واستقل بأمورها، وتدبير أحوالها، وذلك يوم الجمعة السابع من جمادي الآخرة 615هـ/1218م واتخذ الملك الكامل الراية الصفراء وفيه يقول البهاء زهير:
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 81.
(2) السلوك للمقريزي (1/ 202) القدس بين أطماع الصليبيين ص 82.
(3) مفرج الكروب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 82.
(4) النجوم الزاهرة (6/ 236).
(5) السلوك (1/ 226) القدس بين أطماع ص 83.
(1/246)

بك اهتزَّ عطف الدين في حُللِ النَّصر ... ورُدَّت على أعقابها ملة الكفر
وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكَرىَ ... لَمَا حلمت إلا بأعلامكَ الصُّفرِ
ثلاثة أعوام أقمت وأشهراً ... تُجاهد فيهم لا بزيد ولا عمرو
وليلة غزوٍ للعدو كأنها ... بكثرة من أرديته ليلة النَّحر
فيا ليلة قد شّرف الله قدرها ... فلا غَرْوَ إن سميتها ليلة القدر (1)

واتسعت دولة الملك الكامل قبل وفاته، فقال ابن خلكان ولقد قال لي من حضر الخطبة يوم الجمعة، بمكة أنه لما وصل الخطيب إلى الدعاء للملك الكامل قال: سلطان مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العلامتين وخادم الحرمين الشريفين الملك الكامل أبو العالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين (2)، وكانت مدة حكم الملك الكامل حوالي عشرين سنة، وشبهت الفترة الزمنية لحكم الملك الكامل بحكم معاوية بن أبي سفيان، فإنه تولى الشام عشرين، وحكم البلاد مدة عشرين سنة أخرى وكذلك الملك الكامل حكم مصر عشرين عاماً ومثلها كان نائباً لوالده في مصر (3).

ثانياً: محاولات خلع الملك الكامل: كثرت محاولات خلع الملك الكامل والتمرد عليه بالرغم من شجاعته، وحسن تدبيره، فكثر عنده الشك في مدى إخلاص العملين من القادة والوزراء، فكان كلما شك في إخلاص بعضهم عزلهم وصادر أموالهم (4).
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 107).
(2) وفيات الأعيان (4/ 175).
(3) مفرج الكروب (5/ 155) القدس بين أطماع الصليبيين ص 84.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 84.
(1/247)

1 - مؤامرة ابن المشطوب: ظهر ابن المشطوب على ساحة الأحداث السَّياسيَّة، مثل مُعظم أمراء العسكر، بعد وفاة السُّلطان، وبدء الخلافات بين أولاده وعمَّهم العادل على اقتسام التركه، كان الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب قد ورث إقطاع ثلثيْ نابلس، وذلك بعد وفاة والده الأمير سيف الدَّين عليَّ، الذي كان له إقطاع نابلس بكاملها، لكن، بعد وفاته قام السلطان صلاح الدَّين برصد ثُلث إقطاعها لمصالح القدس الشريف، وأقطع الباقي إلى عماد الدين أحمد بن أبي الخليل الهكاري، وبعد وفاة السلطان صلاح الدين كانت نابلس تتبع مملكة الأفضل الذي استقل بدمشق (1) وعندما نزل الفرنج على دمياط لأخذها من أجل السيطرة على مصر، في أواخر الملك العادل ووصلت أثناء وفاة الملك العادل كان ابن المشطوب أحد كبار أمراء العسكر، فاعتقد أن الفرصة قد لاحت له لتحقيق مشروع ربما كان يحلم به من سنوات طويلة، وهو الوصول إلى قمّة السُّلطة في الدولة فعندما بلغه موت العادل عزم على خلع الملك الكامل من السَّلطنة وتولية أخيه الفائز إبراهيم (2)، وكان ابن المشطوب يعتمد على كونه: من أجل الأمراء الأكابر، وله لفيف من الأكراد الهكارية ينقادون إليه ويطيعونه، واتَّفق مع مجموعة من الأمراء (3)، منهم الأمير عز الدين الحميدي، والأمير أسد الدين الهكاري والأمير مجاهد الدين، كذلك أفسد قلوب جماعة من الجُند (4)، وكان عسكر مصر أكثره من الأكراد وابن المشطوب ملكهم (5)،
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 107).
(2) السلوك المقريزي (1/ 314).
(3) المصدر نفسه (1/ 405) العلاقات الدولية (1/ 110).
(4) مفرج الكروب (4/ 16) العلاقات الدولية (1/ 110).
(5) العلاقات (1/ 111) ..
(1/248)

فاجتمع مع من وافقه وقال لهم عن الملك الكامل: هذا صبّي خفيف، فلما بلغ الكامل دخل عليهم، فإذا هم مجتمعون وبين أيديهم المصحف وهم يحلفون لأخيه الفائز، فعندما رأوه، تفرَّقوا فخشي على نفَسه منهم، فخرج (1).

أ- مشروع ابن المشطوب:
- فضّل ابن المشطوب سلوك التآمر ليحقَّق هدفه بالوُصول إلى السلطة وبالتأكيد، كان يقدَّر أنه مع شخصية قويّة كالكامل لن يكون إلا واحداً من الأمراء في أحسن الأحوال، لذلك فكرَّ بتبديل السلطان واختار أخاه الفائز لتقديره - أيضا - أنه سيكون أسهل قياداً ومطيَّة مناسبة لحُكم الدولة بواسطته، أو حتىَّ بدونه بعد مُدَّة فهدفه، من العملية هو أن "يصير له التحكم في المملكة" (2).
- اختار ابن المشطوب أسوأ الأوقات بالنسبة للدولة وللأمة، فقد مات السلطان العادل، والفرنج يرابطون بقُوَّات عظيمة أمام دمياط، وبالتأكيد، كقائد عسكري كان يعرف معنى الانقلاب السياسي الذي كان ينوي تنفيذه في مثل تلك الظروف، وانعكاسه على الموقف العسكري، وهذا ما تمَّ فعلاً مع أن المؤامرة قد انكشفت للكامل الذي هرب من المعسكر إلى أشموم طناح، لأنَّه لم يعد يعرف من معه ومن هو ضدَّه من العسكر، فلمَّا أصبح الجيش، ولم يجدوا الملك الكامل، تركوا معسكرهم في العادلية بما فيه، ولحقوا بالكامل، ممَّا مكَّن الفرنج من أخذ المعسكر بما فيه والعبور إلى ضفة دمياط ومحاصرتها من البرد والبحر، ولو تابع الكامل هربه من مصر لكانت بكاملها لقمة سائغة للفرنج (3)
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 111).
(2) المصدر نفسه (1/ 111).
(3) العلاقات الدولية (1/ 111).
(1/249)

- إن التصُرف غير المتوقع من الكامل، بدُخُوله المفُاجئ على المتآمرين وهم يتعاهدون ويُقسمون، ثم مغادرته المفاجئة للمعسكر، أربك ابن المشطوب وجماعته، وأفشل الخُطة بكاملها ولكن الذي قلب ميزان القوى، ومنع من تجديد محاولة ابن المشطوب مّرة أخرى، هو وصول الملك المعظم إلى أخيه الكامل في معسكره الجديد بإشموم طناح (1) واستطاع الملك المعظم نفيه من مصر - كما مّر معنا - وكان لابن المشطوب صولات وجولات ووقع في يدي بدر الدين لؤلؤ من أمراء الملك الأشرف الذي أرسل الحاجب علي، وهو من أكبر أصحابه، ليطلبه من بدر الدين، ويأتيه به، فسلمَّه إلى الحاجب الذي حمله إلى الأشرف في حرّان، فأمر الأشرف بإلقائه في جُبَّ بقلعة حّران عام 617هـ - 1220م وبقي المشطوب في سجنه الرهيب مدة عامين، حتى توفَّي عام 619هـ/ 1222م (2)، من القمل، والجوع، ومن ضغط القيود عليه (3).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 111).
(2) ذيل الروضتين نقلاً عن العلاقات الدولية (1/ 119).
(3) المصدر نفسه (1/ 1/119).
(1/250)

2 - الملك الصالح نجم الدين أيوب: ومؤامرة مزعومة:
ولد نجم الدين أيوب سنة 603هـ/1206م وأمه جارية سوداء تسمى ورد المنى غشيها الملك الكامل فحملت الصالح أيوب، تولى الأخير الشرق ودياربكر وفي عهد والده الملك الكامل لعدة سنوات (1)، وفي عام 625هـ/1228م عهد الملك الكامل إلى ابنه الملك الصالح أيوب بالسلطنة له من بعده بديار مصر، وأركبه بشعار السلطنة (2)، وشق به شوارع القاهرة، وحملت الغاشية بين يديه، ونزل بدار الوزارة وأقام معه الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ ليحصل الأموال، ويدبر أمور الدولة وخرج الملك الكامل في نفس العام في عساكره، ومعه المظفر تقي الدين بن المنصور، والملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود ين الملك العادل في زيارة تفقدية إلى البلاد الشرقية وديار بكر (3)، وعندما عاد الملك الكامل إلى مصر عام 627هـ/1230هـ عزل ابنه الملك الصالح أيوب من ولاية العهد دون أن يتحقق من صحة رواية زوجته في محاولته التمرد على أبيه (4)، وملخص القصة، في عام 627هـ/1230م عاد الملك الكامل إلى الرقة يريد مصر، فوصلته رسالة من زوجته أم العادل تشكو فيها ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وتتهمه فيها أنه عزم التوثب على أخذ الملك (5)، وأنه أخذ مالاً جزيلاً من التجار، واستنفد قسماً مما في الخزينة من مال، واشترى جماعة كبيرة من المماليك الأتراك، وألف منهم حرسه الخاص به، وقالت في رسالتها (6) ومتى لم تتدارك البلاد وإلا غلب عليها وأخرجني أنا وابنك العادل منها (7)،
__________
(1) السلوك (1/ 263) العلاقات الدولية (1/ 77).
(2) النجوم الزاهرة (6/ 319).
(3) السلوك (1/ 206) القدس بين أطماع الصليبيين ص 78.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 78.
(5) مفرج الكروب (4/ 278) القدس بين أطماع الصليبيين ص 88.
(6) السلوك (1/ 277) القدس بين أطماع الصليبيين ص 89.
(7) القدس بين أطماع الصليبيين ص 89 ..
(1/251)

وانزعج الملك الكامل وغضب، غضباً شديد، ومالبث أن وصلته رسالة ثانية من زوجته، وتستعجل فيها عودته، وتقول فيها: بأن إبنه الصالح اشترى ألف مملوك ورتب الملك الكامل أمور البلاد الشرقية وعين الطواشي شمس الدين صواب العادلي نائباً له في أعمال المشرق، وأعطاه إقطاع أمير فارس زيادة على ما بيده من الديار المصرية وتوجه الملك الكامل إلى مصر، فوصلها في رجب عام 627هـ/1230م وتغير على ابنه الملك الصالح تغيراً كثيراً، وقبض على جماعة من أصحابه وسجنهم، وألزمه في إحضار الأموال التي فرط فيها الملك الصالح، ثم خلع ابنه من ولاية العهد (1)، وعهد إلى ابنه الملك العادل، وكان في الحادية عشر من عمره وكان شديد الميل إليه وإلى والدته (2) وفي عام 630هـ/1233م أنعم الملك الكامل على ابنه نجم الدين أيوب بحصن كيفا وسيره إليه ويعتقد أن الكامل أراد أن يبعد ابنه عن مصر ليخلو بذلك الجو له ولولده الملك العادل (3) وفي عام 634هـ/1237م سمح الملك الكامل لابنه نجم الدين باستخدام الخوارزمية في جيشه (4)، فتقوى بهم مما مكنه من الاستيلاء على سنجار ونصيبيين والخابور بعد ذلك وتولى الملك الصالح أيوب عام 637هـ/1240م وبقي ملكاً حوالي تسع سنوات وثمانية شهور، وتوفي عن أربعة وأربعين عاماً، فتولى الحكم بعده ابنه تورانشاه، ثم مملوكته وزوجته شجرة الدر (5).
__________
(1) الخطط (3/ 338) القدس بين أطماع الصليبيين ص 89.
(2) مفرج الكروب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 89.
(3) وفيات الأعيان (4/ 178) القدس بين أطماع الصليبيين ص 78.
(4) النجوم الزاهرة (6/ 319) القدس بين أطماع ص 78.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 78.
(1/252)

3 - تخوف الملك الكامل من الأمراء: كان الملك الكامل كثير الوهم من الأمراء والعاملين معه، ففي عام 622هـ/1225م تخوف من أمرائه لميلهم إلى أخيه الملك المعظم صاحب دمشق وقبض على جماعة منهم، من أمرائه لميلهم إلى أخيه الملك المعظم صاحب دمشق، وقبض على جماعة منهم، وأرسل إلى الطرقات من يحفظها (1) وفي عام 623هـ/1226م كثر وهم الملك الكامل من عسكره إذ أرسل الملك المعظم إليه في جملة الكلام (2)، وإن قصدتني لا آخذك إلا بعسكرك، فوقع الخوف في نفس الملك الكامل ممن معه، ولم يجسر الخروج من مصر وفي عام 624هـ/1227م أراد الملك الكامل أن يقصد دمشق لدى سماعه أن الملك المعظم قطع الخطبة له، فبعث إليه المعظم رسالة يقول فيها (3): إني نذرت لله تعالى أن كل مرحلة ترحلها لقصدي أتصدق بألف دينار، فإن جميع عسكرك معي وكتبهم عندي، وأنا آخذك بعسكرك، عاد الملك الكامل إلى قلعة الجبل وقبض على عدة أمراء، ومماليك أبيه لمكاتبتهم الملك المعظم، منهم (4)، فخر الدين الطنبا الخبيشي، وفخر الدين الطن الصوفي، وكان جانداره، وقبض أيضاً على عشرة أمراء من البحرية العادلية، وأعتقلهم، وأخذ سائر موجودهم، وأنفق في العسكر ليسير إلى دمشق وفي عام 630هـ/1233م قبض على جماعة من الأمراء المصرية شك في إخلاصهم له (5)، وقبض الملك الكامل على كثير من الأمراء والموظفين الذين شك في إخلاصهم كأولاد الصاحب صفي الدين بن شكر، تاج الدين يوسف وعز الدين محمد (6).
__________
(1) السلوك (1/ 252) القدس بين أطماع الصليبيين ص 89.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 89.
(3) السلوك (1/ 290) القدس بين أطماع الصليبيين ص 90.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 90.
(5) المصدر نفسه ص 90.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 90.
(1/253)

ثانياً: سياسة الملك الكامل الإدارية والأمنية والقضائية:
1 - الإدارية: كان الملك الكامل يتمتع بجميع السلطات، إذ كان يشرف على جميع شؤون الدولة الداخلية، والخارجية ويرسم سياستها، فهو الذي يعين ويعزل ولي العهد (1)، ونائب الملك والوزير وأمراء الجيش والقضاة، ونظار الدواوين، وكبار الموظفين ويعقد المعاهدات ويعلن الحرب، وكان يساعده عدد من القادة، والوزير، ونواب الولايات والولاة وكان يساعد الملك الكامل نائب له في كل ولاية، وكان النائب يقوم مقام الملك في شؤون ولايته كافة، فهو النائب، وقائد الجيش، وينفذ القوانين، ويوقع المراسيم (2)، وحافظ الملك الكامل على التقسيمات الإدارية التي كانت سائدة في عهد والده العادل، فكان والي القاهرة هلال الدولة وشاب بن رزين 605هـ/1208م، وكان الأمير فخر الدين بن علي إسماعيل بن كهذا والياً على الإسكندرية ت 610هـ/1213م (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 98.
(2) المصدر نفسه ص 98.
(3) السلوك (1/ 301) القدس بين أطماع الصليبيين ص 100.
(1/254)

2 - توفير الأمن الداخلي: حرص الملك الكامل على توفير الأمن الداخلي في البلاد، وأقام في كل طريق خضراء (حراسا) للمحافظة على سلامة المسافرين، وضرب على أيدي اللصوص بيد من حديد فأطمأن الناس في سفرهم، ولاسيما أثناء أدائهم فريضة الحج، ونقل تجارتهم وقد عرف الملك الكامل بأنه كان "حازماً سديد الرأي حسن التدبير (1) "، وبلغ من مهابته أن الشخص كان يمر بالذهب الكثير، والأحمال من الثياب والقماش في الرمل دون خوف من قاطع طريق أو سراق وحدث أن سُرق بساط من مسافر على الطريق بين القاهرة والإسكندرية فأحضر الملك الكامل العربان الذين يحرسون الطريق وألزمهم إحضار السارق والبساط، فبذلوا له عوضه مالاً كثيراً ولكنه لم يقبل، وأصر على إحضار السارق وهددهم إذا لم يفعلوا ذلك بأن يودعهم السجن، ويصادر أموالهم، فاضطروا إلى إحضار اللص، وعندما ثار بعض العربان بنواحي أرض مصر، وكثر خلافهم واشتد ضررهم، وقف الكامل لهم وعاقبهم (2)، وكان يتدخل أحياناً في اختيار شيوخ العربان حرصاً على ضمان ولائهم للدولة، فعندما مات حسام الدين مانع بن حديه أمير العربان من آل فضل (3)، عام 630هـ/1233م عين ابنه مكانه (4)،
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 227).
(2) الخطط (3/ 353) القدس بين أطماع الصليبيين ص 101.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 101.
(4) صبح الأعشى (1/ 324) القدس بين أطماع ص 101 ..
(1/255)

وتحفظ الملك الكامل عن بعض أفراد طائفة الإسماعيلة، ولاسيما عن أبناء الخليفة الفاطمي العاضد، وحصر نشاطهم، فعندما توفي الأمير داود بن العاضد استأذن بعض عناصر الطائفة لندب الأمير المتوفي والنواح عليه، أذن الكامل لهم، فخرجت النساء حاسرات الرأس في ثياب الصوف، وأخذن ندبه والنياحة عليه، واجتمع دعاة الإسماعيلية في السر، فلما تكامل عددهم وجمعهم، أرسل الملك الكامل إليهم مجموعة من الجند قبضوا على المشهورين منهم، وصادروا أموالهم (1)، ففر من بقي، ولم يجسر أحد بعدها على أن يتظاهر بمذهب الإسماعيلية الباطنة الرافضية.
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 157) المصدر نفسه ص 101.
(1/256)

وكان الملك الكامل يتفقد المدن والثغور بين الحين والآخر ليطمئن على أحوال الرعية، ففي عام 628هـ/1231م اتجه إلى الإسكندرية وتفقدها واصطحب معه صاحب الجزيرة الذي كان في زيارة لمصر بعدما أنعم عليه أنعاماً كثيرة وكان الملك الكامل يتقبل شكاوي الناس وينصف المظلوم أثناء جولاته المختلفة على التجمعات السكانية (1) وكان المذنبون يعاقبون بقسوة تتناسب وما اقترفوه من ذنوب، فكان المذنب يطاف به في المدينة وهو راكب بالعكس على حمار، وأمامه من ينادي بما اقترف لتعريف الناس بذنبه وللتشهير به وكان يُحكم على المجرمين المحترفين بالسجن مدداً متفاوته طبقاً لذنوبهم وأعمالهم وفي عام 627هـ/1230م عاد الملك الكامل إلى القاهرة، وأعاد إلى التجار ما اغتصبه ابنه الملك الصالح من أموال (2) وأقام الملك الكامل سجناً بجوار باب زويلة، أطلق عليه خزانة شمائل نسبة إلى اسم والي القاهرة علم الدين شمائل (3)، الذي اشتهر أثناء حصار دمياط عام 615هـ/1228م وكان يحبس فيها قطاع الطرق، وأصحاب الجرائم العظيمة ومن يحكم عليه بالإعدام وكانت هذه الخزانة من أسوأ السجون في مصر لشمولها أصحاب الجرائم الكبيرة، إذ كانوا يعاقبون ويضيق عليهم، واستمرت هذه الخزانة قائمة إلى أن هدمها الملك المؤيد شيخ الجودي عام 818هـ/1415م (4) وبني مدرسته مكانها (5).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 101.
(2) الأيوبيون، الباز العريني ص 128.
(3) الخطط (2/ 234) القدس بين أطماع الصليبيين ص 102.
(4) المصدر نفسه (2/ 188) المصدر نفسه ص 103.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 103.
(1/257)

3 - القضاء: واهتم الملك الكامل بالقضاء، وقد اعتمدت أصول المحاكمات، والقضاء على التشريع الإسلامي في عهده واشتهر معظم القضاة بالنزاهة والعدل، فلم يقبل قاضي قضاة مصر، محمد بن عين الدولة ت 629هـ/1231م شهادة الملك الكامل في إحدى القضايا وقال له: أنت تحكم ولا تشهد (1)

4 - وقف الفساد في الدواوين: كان الملك الكامل يتابع الدواوين لوقف الفساد فيها، ومنع الرشوة، والسرقة، حفاظاً على جودة عطاء الدواوين وسيرها، فقد طلب من النابلسي أن يتولى النظارة على الدواوين فرفض الأخير، بحجة عدم درايته بالعمل وقال: متى علم المستخدمون في البلاد بأنه قد ولي عليهم جاهل بالديوان اتفقوا على المستوفين بالباب ونهبوا الأموال .. فأعفاه الملك الكامل معجباً بإخلاصه وأمانته (2)، وقد كشف الملك الكامل ألاعيب موظفي ديوان الأهراء من رشوة وسرقة وإهمال، فقبض على صاحب الديوان الغربي، إذ كان به 11 ألف أردب من القمح والفول، فطلب ديوان الأهراء خمسين ألف أردباً، فتبين أنه لا يوجد شيء مما جلب لهذا الديوان، فأمر الملك الكامل أن يؤخذ من حاصل غلاته التي في القلعة لسد النقض، كذلك أمر بالقبض على صاحب الديوان (3)، الظهير الطمبذاوي وعماله وأصدر عقوبة بحقهم، تمثلت بوضعهم في أقفاص، والطواف بهم في القاهرة على أن يعادوا إلى السجن في آخر النهار (4).
__________
(1) شذرات الذهب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 103.
(2) لمع القوانين للنابلسي (1/ 62) القدس بين أطماع ص 104.
(3) المصدر نفسه (1/ 62) المصدر نفسه ص 104.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الكامل ص 104.
(1/258)

واصل الملك الكامل مراقبة الدواوين والعناية بها، فعين عام 628هـ/1230م معين الدين بن شيخ الشيوخ صدر الدين في خدمته فكان يقرأ عليه الدواوين فيقول: هذا الديوان يضاف إلى ديوان كذا، وبذلك تمكن من ترتيب الدواوين (1) وعقد الملك الكامل اجتماعاً عام 630هـ/1232م بحضرة النابلسي وعدد كبير من كبار موظفي الدولة لترتيب الدواوين بعد ما تبين له أن بعض الكتب المتعلقة بالدواوين تصل إليه بخط غير مقروء، وأن هناك بعض السرقات والرشاوي، والإهمال في بعض هذه الدواوين (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 104.
(2) المصدر نفسه ص 104.
(1/259)

5 - معالجة الأزمة في الكنيسة القبطية: توخى الملك الكامل رعاية مصالح أهل الذمة وتابع مشاكلهم وعاملهم معاملة جيدة وحاول حل الأزمة التي تعرضت لها الكنيسة القبطية عندما خلا مركز البطركية، إثر وفاة بطريك اليعاقبة شوروس بن أبي غالب عام 612هـ/1215م (1)، الذي اشتهر بآمانته، وصدقاته وحرصه على مصلحة طائفته، وكان قد وزع أمواله على الفقراء وأبطل الديارية (2)، ومنع الشرطونية (3)، ولم يأكل في ولايته كلها لأحد من النصارى خبزاً ولا قبل هدية وكان القس داود بن يوحنا ملازماً للشيخ ينشيء الخلافة أبي الفتوح بن الميقاط كاتب الجيوش العادلية، فلما مات ابن شوروس سأل أبو الفتوح الملك العادل أن يولي القس داود البطركية، فأجابه وكتب له توقيعاً بذلك دون أن يعلم الملك الكامل (4) ولم يعجب بعض النصارى ولاية داود وقام الأسعد ابن صدقة كاتب دار التفاح (5)
__________
(1) السلوك (1/ 218) القدس بين أطماع الصليبيين ص 105.
(2) الديارية: ضريبة تدفع لرئيس الدير، الخطط (2/ 501).
(3) الشرطونية: ما يدفعه للكنيسة عند ترسميه.
(4) السلوك (1/ 219) القدس بين أطماع الصليبيين ص 105.
(5) فندق تجاه باب زويله الخطط للمقريزي القدس بين أطماع ص 105 ..
(1/260)

بمصر وجمع كثيراً من النصارى واتجه الجميع إلى قلعة الجبل واستغاثوا بالملك الكامل وقالوا "أن هذا الذي يريد أبو الفتوح بعمله بطريكا بغير أمرك ما يصلح، ونحن في شريعتنا لا يقدم البطرك إلا بإتفاق الجمهور عليه وركب الملك الكامل في اليوم التالي إلى أبيه العادل، وعرفه أن النصارى لم يتفقوا على بطركية داود ولا يجوز عندهم تقدمه إلا باتفاق جمهورهم، فأحضر الملك الكامل الأساقفة، ولم تحقق من الأمر، أوقف تعيين داود بطريكاً، وخلا الكرسي من بطريك تسع عشرة سنة ومائة وستين يوماً وفي عام 633هـ/1235م بارك الملك الكامل تعيين داود بن يوحنا انبا ولقب كيرلس الثالث - على الإسكندرية لليعاقبة فأقام في البطركية سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام، وكان عالماً محباً للرياسة وجمع المال، وكان الراهب عماد في دير مرشار لوادي النطرون قد دعم داود للوصول إلى البطركية، وشرط عليه إلا يقدم اسقفاً إلا برأيه، فلم يف البطريك داود بوعده، ولا التفت إليه بعد توليه البطركية (1).

ثالثاً: سياسة الملك الكامل الاقتصادية والمالية: كان الوضع الاقتصادي في مصر والشام والجزيرة الفراتية في عهد الملك الكامل امتداداً طبيعياً للفترة السابقة إلى حد ما، مع بعض التغيرات التي أحدثها الملك الكامل بسبب الظروف التي تعرضت لها البلاد ولاسيما انحباس الأمطار أحياناً وانخفاض مياه النيل في بعض السنوات، أو بسبب الحروب التي شنها الصليبيون والخوازميون والسلاجقة الروم (2).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 105، 106.
(2) المصدر نفسه ص 106.
(1/261)

1 - الزراعة: وكانت الزراعة تشكل نسبة كبيرة من دخل مصر والشام والجزيرة وقد تعرضت هذه البلاد إلى عدة أزمات زراعية في عهد الملك العادل وانبه الملك الكامل ولقد غز الجراد مصر والشام مرات عديدة منها عام 620هـ/1223م وعام 626هـ/1229م، فأكل الزرع وقل الإنتاج وانتشر الغلاء، وازداد الفقر، والأمراض (1) وارتبطت الزراعة بالمياه، فكلما ازداد سقوط الأمطار في بلاد الشام ازداد الإنتاج، وكذلك كلما ازدادت مياه النيل، انتعشت الزراعة، ولكنها كانت تنتكس إذا انحبست الأمطار أو قلت مياه نهر النيل وتغير طعم الماء فيه، وقلت الأقوات بمصر وتزايدت الأسعار واستمر هذا الحال ثلاث سنوات متوالية، فلم تمد المياه نهر النيل إلا مداً يسيراً، فتزايدت الأسعار وانتشر الغلاء وعظم البلاء وفتكت الأمراض بالناس (2)، وانتشر الجوع حتى أكل الناس بعضهم، بل أكلوا الأموات (3) وتكرر نقصان مياه النيل عام 618هـ/1221م، 622هـ/1225م، 626هـ/1229م ودام ذلك إلى سنة 628هـ/1230م فأدى إلى غلاء مصر (4) وعالج الملك الكامل أزمة الزراعة ومنع قطع الأشجار وكلف المسؤولين في الديوان بعملية مسح جميع بساتين مصر والجزيرة وسجلها في الديوان كي يعرف مقدار ما قطع من الأشجار، وأماكن قطعها وشجع زيادة الإنتاج الزراعي وزراعة النخيل ووضع تسعيرة حدد فيها سعر بيع المحاصيل الزراعية (5)
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 253) القدس بين أطماع ص 108.
(2) مفرج الكروب (3/ 221) القدس بين أطماع الصليبيين ص 109.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 109.
(4) البداية والنهاية نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 109.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 109 ..
(1/262)

وحاول الملك الكامل حفر قنوات للري وزيادة الأراضي الزراعية ففي عام 628هـ/1230م شرع في حفر قناة للري بين المقياس وبر مصر حرصاً على استمرار تدفق المياه بغزارة وافتتح بنفسه هذا العمل، ثم قسم حفر هذه القناة على الدور بالقاهرة والروضة بالتساوي (1)، وكان الملك الكامل يخرج بنفسه عندما تبدأ زيادة مياه النيل، فيكشف الجسور، ويرتب في كل جسر عدداً من الأمراء ممن يتولاه ويجمع الرجال لعمله، ثم يتفقد العمل في الجسور بين الحين والآخر، فمتى اختل جسر عاقب متوليه أشد العقاب (2)، وبهذا عمرت أرض مصر في أيامه عمارة زائدة (3) وقد حرص الكامل على الحد من ارتفاع الأسعار والغلاء ولاشك أن اهتمام الملك بغرس الأشجار، وشق القنوات للري، ومراقبة الجسور يظهر اهتمامه بتحسين الإنتاج الزراعي، وتوفير الأمن الغذائي (4).
__________
(1) السلوك (1/ 281) القدس بين أطماع الصليبيين ص 110.
(2) الخطط (1/ 345) القدس بين أطماع الصليبيين ص 110.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 110.
(4) المصدر نفسه ص 110.
(1/263)

2 - الصناعة: ازدهرت الصناعة أثناء حكم الملك الكامل، فكانت منظمة، وفي بيوت خاصة، ولاسيما دور الطراز التي كانت تابعة للدولة وكان لها ديوان، خاص، يشرف عليه ناظر، وموظفون وعمال يوفرون المواد الصناعية (1)، وقد اعتمدت الصناعة على المنتجات الزراعية، فتحسنت صناعة المنسوجات لتوفر القطن، والكتان وصوف الغنم، ووبر الجمال واشتهرت مدينة دمياط بصناعة الثياب البيض، فيما اشتهرت مدينة تنيس بصناعة الثياب الملونة (2)، والثياب المطرزة بالذهب، واشتهرت بها بحياكية الأقمشة الصوفية (3)، أما أسيوط فاهتمت بحياكة البسط، والكتاب لصناعة الحبال وازدهرت صناعة السكر في مصر وكذلك صناعة الزجاج، والفخار، وتميزت الصناعات الزجاجية بالدقة والشفافية وبهاء المظهر، ولاسيما المطلية بالميناء، وانتشرت صناعة الزيوت والصابون، والدباغة، والورق، والزيت الحار المستخرج من اللفت (4) وتميزت مصر بالصناعات المعدنية البديعة، كالنحاسيات، والسيوف، والخناجر، والسهام، والسفن وكان عصر الملك الكامل غنياً بالتحف المعدنية وما زال بعضها معروضاً في بعض متاحف العالم (5)، منها تحفتان نحاسيتان تحملان اسم الملك الكامل، صنعتا عام 635هـ/1237م موجودتان في المتحف الإسلامي بالقاهرة، وعثر على أسطرلاب مصنوع من النحاس، ومزين بزخارف منزلة بالفضة تمثل عناصر نباتية، وصور حيوانية وآدمية (6)، وعثر على شمعدان نحاسي محلى بالفضة زين بزخارف بديعة من الأشكال صنع عام 622هـ/1225م (7).
__________
(1) قوانين الدواوين لابن مماني ص 330 القدس بين أطماع ص 110.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 111.
(3) السلوك (1/ 77) القدس بين أطماع الصليبيين ص 111.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 111.
(5) الفن الإسلامي في العصر الأيوبي ص 71.
(6) المصدر نفسه ص 71 القدس بين أطماع الصليبيين ص 111.
(7) القدس بين أطماع الصليبيين ص 111.
(1/264)

وقد ظهر النشاط الزراعي والصناعي في التجارة الداخلية، فنشطت التجارة بين القرى والمدن، وأقيمت الأسواق في أيام محدودة كسوق الجمعة لبيع المواشي في معظم مدن مصر، وتميزت بعض المدن بإحدى الصناعات، فأقبل الناس على شراء هذه المواد فكانت مدينة تونة تقوم بصناعة كسوة الكعبة، وكان الصعيد المصري يصدر الكتان إلى معظم المدن لصناعة الحبال (1).
__________
(1) المختصر (3/ 132) القدس بين أطماع الصليبيين ص 112.
(1/265)

3 - إصلاح النظام النقدي: كانت العملة السائدة في مصر والشام والجزيرة في العهد العباسي الدينار الذهبي والدرهم الفضي، وعندما، تولى الفاطميون الحكم ضرب جوهر الصقلي الدينار (1) المعزي (نسبة إلى خليفة الفاطمي المعز لدين الله) من الذهب الخالص وفي أثناء الحروب الصليبية تداول السكان العملة العربية البيزنطية وهي عملة ذهبية ذات نقوش عربية، عليها بعض الآيات القرآنية بالإضافة إلى التاريخ الهجري، وكان الصليبيون يسكونها في مدينة عكا (2)، تشجيعاً للمسلمين على تداولها وعندما جاء صلاح الدين أبطل النقود السائدة في مصر والشام (3)، وضرب الدينار الذهبي المصري، كذلك ضرب الدراهم الناصرية الفضية، وكتب عليها اسم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله والسلطان العادل نور الدين محمود زنكي الوجه الآخر (4) وبقيت النقود التي سكها صلاح الدين متداولة في الدولة الأيوبية من بعده مع تغير اسم الملك الأيوبي، إلى أن تولى الملك الكامل حكم مصر إذ اعتبرت فترة حكمه بداية عصر جديد للنظام المالي في مصر، وذلك للعناية الفائقة التي أولاها للدينار والدرهم إذ حافظ على نقاء الذهب (5) في الدينار الذي ضرب عام 616هـ/1219 (6).
__________
(1) شذور العقود للمقريزي ص 78 القدس بين أطماع ص 112.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 112.
(3) المصدر نفسه ص 112.
(4) المصدر نفسه ص 113.
(5) دراسات في التاريخ والنظم الإسلامية ص 189.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 113.
(1/266)

وقد حاول الملك الكامل إضفاء نوع من الاستقرار على العملة، فعندما انتهت الحملة الصليبية الخامسة بالصلح بين المسلمين والصليبيين، استقرت الأوضاع الاقتصادية، وسرعان ما ازدهرت العلاقات التجارية مع أوروبا، بعد صلح يافا الذي عقد بين الملك الكامل والإمبراطور فردريك الثاني، فتدفق الذهب إلى مصر، إذ جلبه التجار الأوروبيون لاستخدامه لأغراض التجارة، فإزدادت شهرة الدينار الكاملي، وازدادت الثقة به، وانتشر استخدامه خارج مصر، ومما يؤكد ذلك أن العملات المسكوكة في مكة كانت تضرب في مصر، ولها نقش عبارة الدينار الكاملي (1)، وتحت رقابة دار السكة الكاملية (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 114.
(2) المصدر نفسه ص 114.
(1/267)

وفي عام 630هـ/1233م ازداد عرض النقود مما ادى إلى انخفاض قيمتها، فأصبح الناس يتحفظون عن تداولها ووصل النظام النقدي إلى درجة الإنهيار، ولذلك أمر الملك الكامل الناس بتسليم ما بحوزتهم من الفلوس النحاسية إلى الصيارفة، فخسر الناس كميات كبيرة من ثرواتهم، ولا شّك أن التباين في النقود التي تداولها الناس في مصر يُظهر لنا أثر الظروف السياسية والاقتصادية التي رافقت حكم الملك الكامل في سياسة النقود، فقد حاول من خلال سكّه لهذه النقود بما فيها الدينار والدرهم والفلوس توفير الأموال للدولة، إلا أن هذه النقود، باختلاف قيمتها أثرت بشكل سلبي في المستوى المعاشي، والقوة الشرائية للناس الذين كانوا يرغبون ببقاء المستوى العام للأسعار ثابتاً، من أجل إبقاء المستوى المعاشي على ما هو عليه، أو بعبارة أخرى منع تدهوره، فالعلامة عكسية بين النقود والقوة الشرائية، غير أن الملك الكامل أراد من هذا التلاعب بقيمة النقود، وإطلاقها بين فينة وأخرى بأسعار مختلفة إبقاء خزينة الدولة مملؤة بالأموال، لم يخزنها لصالحه وإنما لصرفها في أوجه مختلفة، وذلك لمعرفته أن هذه الأموال لها أثر كبير في تحديد متطلبات الحروب المستمرة التي كان يخوضها، لقد كانت ظروف الحرب تقتضي توفير هذه الأموال، وكان للكوارث الطبيعية التي تعرضت لها البلاد في السنوات التي سبقت حكمه أثر كبير في جعله يحاول التغلب عليها بتوفير المواد الغذائية وتحديد أسعارها، فضلاً عن صرفها لإقامة الإنجازات المعمارية، التي أعطت الدولة الأيوبية تراثاً كبيراً ما زالت آثاره قائمة إلى الوقت الحاضر وقد أسهم بهذه الأموال في مساعدة الخلافة العباسية، بإعطاء 200ألف دينار للإنفاق على الجيش الذي أرسله لمساعدة الخليفة لمقاومة المغول، فيما كان الملك الكامل نفسه يعاني أحوالاً صعبة، بعد أن تجدد خلافه مع الملوك الأيوبيين، ولاسيما بعد وفاة الملك الأشرف سنة 635هـ/1237م (1)
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 115.
(1/268)

وقد اهتم الملك بديوان المال وعين فيه موظفين امتازوا بحسن الإدارة والفضيلة يميزون بين الحلال والحرام، ويقومون بعمل سجلات منظمة ودقيقة ولاسيما للإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية (1).

رابعاً: ثقافة الملك العادل وسياسته التعليمية:
اهتم الملك العادل بتثقيف أولاده، بوصف الثقافة من الأمور الضرورية لتوسيع المدارك والآفاق، لمواكبة روح العصر الذي كانوا يعيشون فيه، فقد درس الملك المعظم عيسى صاحب دمشق الفقه الحنفي في دقة وعناية (2)، فيما اهتم الملك الكامل بنواحي الحياة الثقافية المختلفة وكان اهتمامه منصباً بشكل واضح على النواحي الدينية والأدبية، بالإضافة إلى العلوم العقلية، ودرس الملك الكامل القرآن الكريم والحديث النبوي والفقه، وكان متمسكاً بالسنة النبوية، حسن الاعتقاد يميل إلى الصوفية، محباً للحديث وأهله، معظماً للسنة النبوية وأهلها، راغباً في نشرها والتمسك بها، حريصاً على حفظها ونقلها (3) وكان ملازماً لعلماء الحديث، فقد أكثر من سماع الحديث، ولاسيما عن فخر الدين ابن الشيوخ وإخوته الذين كانوا من أكابر دولته، والذين حازوا على فضيلة السيف والقلم، يباشر أحدهم التدريس، ويتقدم على الجيش (4)، وكان من نتائج اهتمامه بالحديث، وسماعه له أن توافرت لديه إمكانية روايته، فقد أجاز له مفتي الإسكندرية ومقرءوها، أبو القاسم الصفراوي ت 636هـ/1238م رواية الحديث، وخرج له أربعين حديثاً (5)، وسمعها جماعة، وأجاز له العلامة النحوي عبد الله بن بري ت 584هـ/1188م (6)
__________
(1) المصدر نفسه ص 116.
(2) المختصر (3/ 138) القدس بين أطماع الصليبيين ص 63.
(3) النجوم (6/ 230) القدس بين أطماع الصليبيين ص 63.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك العادل ص 63.
(5) السلوك (1/ 114) القدس بين أطماع الصليبيين ص 63.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 63 ..
(1/269)

وأبو عبد الله بن صدقة الحراني ت 584هـ/1188م (1)، كما استطاع الملك الكامل أن يعلق على صحيح مسلم بكلام مليح (2)، وقد نال الملك الكامل مكانة كبيرة عند الفقهاء، فقد امتدحه الفقيه إبراهيم بن حضر برهان الدين المعروف بابن الفقيه بقصيدة مطلعها:
إليك وإلا دُلنّي كيف نصنع ... وفيك وإلاّ فالثناء مُضّيعُ
ومنك استفدنا كل مجد وسنودِدِ ... وعنك أحاديثُ الحُكَامِ نسمع
__________
(1) المصدر نفسه ص 63.
(2) المصدر نفسه ص 63.
(1/270)

ولم يقتصر اهتمام الملك الكامل على رواية الحديث وإنما جاوزها إلى مناقشة العلماء في البدع التي تظهر في البلاد فينطل بعضها وينتشر وكان اهتمامه بالعقيدة شديداً، حتى أنه سافر إلى دمشق لحل الخلاف الذي حدث بين أصحاب المذهب الشافعي، والحنابلة، وتقدم عنده المحدث أبو الخطاب بن دحية، وبنى له دار الحديث الكاملية بالقاهرة وكان يكره المشتغلين بالمنطق وعلوم الأوائل (1) وأولى الملك الكامل الأدب اهتماماً كبيراً وشغف به، وكان يعتقد مجالس للمناقشة يجمع النحاة وغيرهم، ويمتحنهم "فمن أجاب منهم بجواب صحيح حظي عنده وقّربه (2)، وكان اهتمام الملك الكامل بالنحو كبيراً، لأنه مادة أساسية من مواد الثقافة فضلاً عن اشتراك المثقفين في المناظرة ضروري إذ يعدونه وسيلة لدراسة العلوم الشرعية (3)، ومن المسائل الطريفة التي حصلت للملك الكامل في النحو ما حدث في دمشق حين استحضر جماعة من العلماء وكان فيهم الشيخ زين الدين بن معطي النحوي وسألهم عن قولهم "زيد ذهب به" هل يجوز في زيد النصب فقالوا: لا يجوز إلا الرفع، فقال زين الدين يجوز النصب، فاستحسن الملك الكامل جوابه، وطلب منه مرافقته إلى مصر، وقرر له معلوماً "جيداً" (4) وقد صنف أبو الحزم مكي عبد الملك ابن حمدان العروض وغيرها للملك الكامل عندما رأى اهتمامه باللغة العربية (5).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 64.
(2) مفرج الكروب (5/ 158) القدس بين أطماع الصليبيين ص 64.
(3) الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام ص 198.
(4) مفرج الكروب (5/ 158) القدس بين أطماع الصليبيين ص 65.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 65.
(1/271)

وقد اهتم الملك الكامل بتطوير التعليم في عهده، إذ كان حريصاً على نشر العلم والأخذ بأسباب الحضارة، فشيد دار الحديث عام 621هـ/1224 (1)، ووقف عليها وكانت أشبه بالجامعة إذ كانت تدرس فيها علوم المذاهب الأربعة، كذلك أسست المدرسة المهذبية لتدريس الطب في القاهرة عام 620هم1223م وقد بناها الطبيب مهذب الدين أبو سعيد بن أبي الوحش، وكان مدرساً في البيمارستان المنصوري، ورئيس الأطباء في عهد الملك الكامل، ولم يقتصر التعليم على المدارس، بل شمل الزوايا والربط والخوانق، وكتاب الأطفال، وكانت المدارس مفتوحة لجميع، الطلاب دون تمييز، كما كانت الحلقات الدراسية عديدة في المساجد، وانتشرت في عهد الملك الكامل المكتبات العامة الملحقة بالمدارس والمساجد والمكتبات الخاصة، فكان في مكتبة القاضي الفاضل 68 ألف مجلد (2) واستمر الإقبال على التعليم وكان لإهتمام الملك الكامل بنشر العلم أن حافظت الثقافة على انتعاشها، وبرز عدد من الأدباء والعلماء والأطباء، كالفقيه جمال الدين بن شاش المصري ت 616هـ/1219م، وكان مدرساً في الصلاحية، وصنف كتاب الجواهر الثمينة في مذهب أهل المدينة (3) والفقيه ابن ظافر الأزدي الإسكندراني علي بن ظافر بن حسين ت 623هـ/1226م، وقد برع بالأدب والتاريخ ودرس بمالكية مصر، وصنف التشبيهات، أخبار الشجعان، أخبار السلجوقية، أساس السياسة (4)، وزين يحيي بن المعطي بن عبد النور ت 628هـ/1231م، عالم في النحو؛ شاعر، له منظومة نحوية في 1021 بيتاً سماها الدرة الألفية وقد شهد الملك الكامل جنازته (5)،
__________
(1) مساجد القاهرة ومدارسها (2/ 67) القدس بني أطماع الصليبيين ص 117.
(2) التربية الإسلامية، أحمد شلبي ص 98.
(3) وفيات ابن خلكان (1/ 215) القدس بين أطماع ص 117.
(4) النجوم الزاهرة (6/ 314) القدس بين أطماع ص 118.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 118 ..
(1/272)

وبرز ابن الصفراوي، جمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن إسماعيل بن عثمان الإسكندراني بعلم القراءات والفقه، وسمع الحديث عن السلفي، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى بالإسكندرية وتوفي عن 92 سنة 636هـ/1238م (1) وتميز القاضي الأشرف أبو العباس أحمد بن القاضي الفاضل بالحديث سمع من فاطمة بنت سعد الخير والقاسم بن عساكر، وحصل له في الكهولة غرام زائد بطلب الحديث، فسمع الكثير وكتب واستنسخ وكان رئيساً نبيلاً، وافر الجلالة، استوزره الملك العادل، فلما مات عرض عليه الملك الكامل الوزارة فلم يقبل، وتوفي عام 643هـ/1245م (2)، واشتهر ابن الفارض شرف الدين أبو حفص عمر بن الحسن بشعره، فكان سيد شعراء عصره على الإطلاق وهو القائل:
وحياة أشواقي إليك ... وحرمة الصبر الجميل
لا أبصرتْ عيني سواكَ ... ولا صبوت إلى خليل

ومن قصائده المشهورة منها هذه الآبيات:
سائق الأظعانِ يطوِى البيدَطىّْ ... مُنعِماً عرَّج على كُثبان طيّ
وبذات الشَّيح عنَّى إن مررت ... بحىَّ من عُرين الجزع حيّ
وتَلَطَّف واجر ذِكرى عندهم ... علّهم أن ينظروا عطفاً إلي (3)

ومن شعره:
خلص الهوى لك واصطفتك مودّتي ... إني أغارُ عليك من مَلِكَيْكَا
ولو استطعتُ منعتُ لفظك غيرةً ... إني أراه مُقبَّلاً شَفَتَيْكا
وأراك تخُطُر في شمائلك التي ... هي فتنة فأغار منك عليكا (4)

ومن شعره في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أرى كل مدْح في البني مُقَصَّراً ... وإن بالغ المثُني عليه وكثَّرا
إذا الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى (5)

ويقال: إنه لما نظم قوله:
وعلى تَفَنُّنِ واصفيه وبُحسنه ... يفنى الزمان وفيه مالم يُوصَفِ (6)
__________
(1) القدس بين أطماع ص 118.
(2) شذرات الذهب (7/ 378).
(3) النجوم الزاهرة (6/ 288).
(4) شذرات الذهب (7/ 267).
(5) المصدر نفسه (7/ 267).
(6) المصدر نفسه) (7/ 268).
(1/273)

وقال بن خلَّكان: أخبرني عنه بعض أصحابه أنه ترنم يوماً فقال: بيت الحريري صاحب المقامات وهو:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسن فقط

قال: نسمع صوتا ... وقد أنشد:
محمد الهادي الذي ... عليه جبريل هبط (1)

جاء بن الفارض من حماة إلى مصر ودرس الخطابه بالجامعة الأزهر، وعكف عليه الأئمة، حتى كان الملك الكامل ينزل لزيارته، وتوفي عام 632هـ/1234م (2) قال عنه الذهبي: شاعر الوقت شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحمويُّ ثم المصريُّ صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية ... فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، اللهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى فيا أئمة الدين ألا تغضبون لله؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله ... وقد حج وجاور وشعره في الذروة ولا يُلْحَق شأوُه (3) وقد تفوق العالم علم الدين بن قيصر ت 649هـ/1251م في الهندسة والرياضيات وقد عرض عليه الملك الكامل بعض المسائل التي أرسلها الإمبراطور فردريك الثاني والعالم جمال الدين علي بن القفطي ت 646هـ/1248م، الذي تفوق في التفسير والحديث والفقه والنحو والمنطق، والتاريخ، وله عدد من المصنفات منها أخبار العلماء بأخبار الحكماء أنباء الرواة على أنباء النحاة الضاد والظاء تاريخ المغرب، تاريخ اليمن (4) واعتنى موفق الدين عبد اللطيف البغداد ت 629هـ/1232م ببضاعة الطب، وكان يتردد الطلاب عليه لدراسة الطب في الأزهر، وله عدة مصنفات أبرزها: شرح كتاب الفصول لابقراط وشرح كتب جالينوس (5)،
__________
(1) وفيات الأعيان (3/ 455).
(2) وفيات الأعيان (3/ 454).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 368، 369).
(4) تتمة المختصر لابن الوردي (2/ 273).
(5) معجم الأدباء (15/ 187) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 119 ..
(1/274)

واشتغل شمس الدين أبو عبد الله بن عبد الواحد الليودي 621هـ/1224م في الطب، وله المدرسة اللبودية في الطب، وخدم الملك الكامل، كذلك خدمة الطبيب أبو الفضل بن أبي سليمان ت 644هـ/1246م وكذلك رشيد الدين أبو سعيد بن موفق الدين ت 646هـ/1248م، وله كتاب عيون الطب، وتعاليق على كتاب الحاوي للرازي (1)، وخدم الملك الكامل أطباء آخرون منهم أسعد الدين ابن أبي الأسعد وتوفي عام 635هـ/1238م نوادر الآلاء في امتحان الأطباء وكان أبو الوحش ابن أبي الخير، الحكيم الرشيد طبيباً نشيطاً خدم الملك الكامل وكان العيدلي ضياء الدين ابن البيطار ت 646هـ/1248م أشهر العشابين في عهد الملك الكامل وله كتاب المغني في الأدوية المفردة (2)، وشرح كتاب أدوية كتاب ديموقريدس (3).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 119.
(2) شذرات الذهب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 120.
(3) عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ص 60.
(1/275)

1 - الشيخ عبد الله اليُونينيُ: أسد الشام توفي 617هـ:
الزاهد العابد أسد الشام الشيخ عبد الله بن عثمان بن جعفر اليُونينُي كان شيخاً طويلاً مهيباً شجاعاً حادّ الحال، كان يقوم نصف الليل إلى الفقراء، فمن رآه نائماً وله عصا اسمها العافية ضربه بها، ويحمل القوس والسلاح ويلبس قُبعاً من جِلْدِ ماعز بصوفه، وكان أمّاراً بالمعروف لا يهابَ الملوك، حاضَر القلب، دائم الذَّكر، بعيد الصَّيت، كان في حداثته يخرج وينطرح في شَعْراء يُونين، فيردُّه السَّفّارة إلى أمه، ثم تَعبَّدَ بجبل لبنان وكان يغزو كثيراً، قال الشيخ عليُّ القصَّار: كنت أهابه، كأنه أسد، فإذا دنوت منه وددتُ أن أشق قلبي وأجعله فيه (1)، وقيل جلس بين يديه المعظمَّ وطلب الدُّعاء منه، فقال: يا عيسى لا تكن نحس مثل أبيك أظهر الزّغل (2)، وأفسد على الناس المعاملة (3) وكانت له كرامات ورياضات وإشارات وكان لا يقوم لأحد تعظيماً لله ولا يَدخَّر شيئاً له ثوب خام، ويلبس في الشتاء فروة، وقد يؤثِر بها في البرد، وكان ربما جاعَ ويأكل من ورق الشجر، وكان الشيخ شجاعاً لا يُبالي بالرجال قلوَّا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلاً، وما فتته غزاة (4)، توفي في ذي الحجة سنة سبع عشرة وست مئة وهو صائم وقد جاوز ثمانين سنة رحمه الله ولأصحابه فيه غلو زائد، وقد جعل الله لكل شيء قدراً (5).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 102).
(2) المصدر نفسه (22/ 102).
(3) المصدر نفسه (22/ 102).
(4) المصدر نفسه (22/ 103).
(5) المصدر نفسه (22/ 103).
(1/276)

2 - السيف الآمدِيُّ توفي: 631هـ: العلامة المصنف فارس الكلام سيف الدين علي بن أبي عليَّ بن محمد ابن سالم التَّغلبي الآمدي الحنبليُّ ثم الشافعي (1)، صاحب المصنَّفات في الأصلين وغير ذلك، من ذلك "أبكارُ الأفكار" في الكلام و "دقائق الحقائق" في الحكمة، و"إحكام الأحكام" في أصول الفقه، وكان حنبليًّ المذهب، فصار شافعياً أصولياَّ منطقياً جدلياَّ خِلافيَّا، وكان حسنَ الأخلاق، سليم الصدر، كثير البكاء، رقيق القلب، وقد تكلموا فيه بأشياء الله تعالى أعلم بصحتها، والذي يغلبُ على الظنَّ أنه ليس لغالبها صحة، وقد كانت ملوك بني أيوب كالمعظم والكامل يكرمونه، وإن كانوا لا يُحبونه كثيراً، وقد فَّوض إليه الملك المعظم تدريس العزيزية، فلما ولى الأشرف دمشق عزله عنها ونادى في المدارس أن لا يشتغل أحد بغير التفسير والحديث والفقه ومن اشتغل بعلوم الأوائل نفيته، فأقام الشيخ سيف الدين بمنزله إلى أن توفيَّ بدمشق في صفر من هذه السنة ودفن بتربته بسفح قاسِيونَ (2) قال القاضي ابن خلكان: ... انتقل إلى الشام، واشتغل بعلوم المعقول، ثم إلى الديار المصرية، فأعاد بمدرسة الشافعية بالقَرَافة الصغرى، وتصدَّر بالجامع الظافرىَّ، واشتهر فضله، وانتشرت فضائله، فحسده أقوام، فسِعوا به، وكتَبوا خُطوطَهم باتَّهامه بمذهب الأوائل والتعَّطيل والإنحِلالِ، فطلبوا من بعضهم أن يوافقهم، فكتب:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصوم (3)

ويحكى عن ابن عبد السلام أنه قال: ما تعلمنا قواعد البحث إلا منه، وأنه قال: ما سمعت أحداً يلقي الدَّرس أحسن منه، كأنه يخطب وأنه قال: لو ورد على الإسلام متزندق يشكك ما تعَّيَّن لمناظرته غيره لاجتماع الآت فيه (4).
__________
(1) المصدر نفسه (22/ 364).
(2) البداية والنهاية (17/ 215).
(3) وفيات الأعيان (3/ 293).
(4) شذرات الذهب (7/ 254).
(1/277)

وقال الذهبي: قال لي شيخنا ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف، حتى إنه أورد على نفسه سؤالاً في تسلسل العِلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جواباً، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يُقَرَّر في كتبه إثبات الصانع، ولا حُدوث العالم ولا وحدنية الله، ولا شيئاً من الأصول الكبار قال الذهبي: هذا يدل على كمال ذهنه، إذ تقرير ذلك بالنظَّر لا ينهض، وإنما ينهض بالكتاب والسنة، وبكل قد كان السيف غاية، ومعرفته بالمعقول نهاية، وكان الفضلاء يزدحمون في حلقته (1).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 366).
(1/278)

3 - القاضي ابن شداد توفي 632هـ: الشيخ الإمام العلاّمة قاضي القضاة بقية الأعلام بهاءُ الدين أبو العِزَّ وأبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الحلبيُّ الأصل والدار الموصلىُّ المولد والمنشأ الفقيه الشافعي المقرئُ المشهور لابن شداد وهو جدّه لأمه (1) حّدث بمصر، ودمشق وحلب، كان ثقة حجة، عارفاً بأمور الدين اشتهر اسمه، وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادة، وكان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه، دبَّر أمور الملك بحلب واجتمعت الألسن على مدحه أنشأ دار حديث بحلب، وصنَّف كتاب "دلائل الأحكام" في أربع مجلدات (2) قال ابن خَلكّان: انحدر ابن شدَّاد إلى بغداد وأعاد بها ثم مضى إلى الموصل فدّرس بالكمالية، وانتفع به جماعة ثم حج سنة 583هـ وزار الشام فاستحضره السلطان صلاح الدين وأكرمه وسأله عن جزء حديث ليسمع منه، فأخرج له جزءاً فيه أذكار من البخاري، فقرأ عليه بنفسه، ثم جمع كتاباً مجلداً في فضائل الجهاد وقدّمه له ولازمه فولاه قضاء العسكر، ثم خدم بعده ولده الملك الظاهر غازيا فولاّه قضاء مملكته ونظر الأوقاف سنة نّيف وتسعين، ولم يُرزق ابناً ولا كان له أقارب، واتفق أن الملك الظاهر أقطعه إقطاعاً يحصل له منه جملة كثيرة، فتصمّد له مال كثير فعمَّر منه مدرسة سنة إحدى وست مئة ودار حديث وتُربه قصده الطلبة واشتغلوا عليه للعلم وللدنيا، وصار المشار إليه في تدبير الدَّولة بحلب إلى أن استولت عليه البرودات والضعف فكان يتمثل قول الشاعر:
من يتمنَّ العُمر فَلْيدَّرِع ... صبراً على فقد أحبابه
ومن يُعمَّر يَلْقَ في نفسه ... ما قد تَمنَّاهُ لأعدائه (3)
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 384).
(2) المصدر نفسه (22/ 385).
(3) المصدر نفسه (22/ 386).
(1/279)

إلى أن قال ابن خلكان: أخذت عنه كثيراً وكتب إليه صاحب إربل في حقي وحق أخي، فتفضل وتلقّانا بالقول والإكرام ولم يكن لأحد معه كلام ولا يعمل الطوشي شيئاً إلا بمشورته، وكان للفقهاء به حرمة تامة .. توفي سنة 632هـ وله ثلاث وتسعون سنة (1)
__________
(1) وفيات الأعيان (7/ 99).
(1/280)

خامساً: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامه من مشاهير عصر الدولة الأيوبية في عهد الملك العادل والملك الكامل: توفي سنة 620هـ:
هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامه بن مقدام بن نصر الجمّاعيلي الصالحي الدمشقي الحنبلي (1) وقد اتفقت معظم المصادر التاريخية وكتب التراجم على اسم ابن قدامه السابق وبعضها زاد حتى أوصل نسبه إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب القرشي - رضي الله عنه (2)، ولذا ينسب ابن قدامه فيقال: القرشي وأما نسبته المقدسي: فنسبة إلى أسرة المقادسة، نسبوا بذلك لقرب موطنهم من بيت المقدس (3) وأما نسبته الجمَّاعيلي، فنسبة إلى القرية التي ولد بها، وهي جمّاعيل: قرية في جبل نابلس من أرض فلسطين (4) وأما نسبته الصالحي: فلأنه نزل مع أهله في مسجد أبي صالح (5) وأما نسبته الدمشقي: فلأنه نزل بدمشق وعاش بها أكثر حياته، ومات بها ويلقب بموفق الدين ويعرف كذلك بأبي محمد المقدسي، وبابن قدامة المقدسي، وإن كان يحصل بينه وبين غيره خلط في الأسمين الأخيرين (6)، وأما أسرته: فهي كريمة مشهورة بالفضل والصلاح والتقى والورع والعلم فوالده كان عالماً فاضلاً صالحاً، ربى ولديه: محمد وعبد الله، فأحسن تربيتهما، وعلمهما الحديث وغيره من العلوم وكان - رحمه الله - خطيب جمَّاعيل، كما كان ذا مهابة عظيمة، وقد توفي سنة 558هـ (7).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 165 - 166).
(2) منهج ابن قدامه في تقرير عقيدة السلف ص 21.
(3) معجم البلدان (2/ 159 - 160).
(4) منهج ابن قدامه في تقرير عقيدة السلف ص 21.
(5) القلائد الجوهرية لابن طولون (1/ 25).
(6) منهج ابن قدامه في تقرير عقيدة السلف ص 21.
(7) النجوم الزاهرة (5/ 364).
(1/281)

1 - علمه ومصنفاته: أمضى ابن قدامه وقتاً طويلاً من حياته في رياض العلم والمعرفة، يلازم الشيوخ والعلماء ويأخذ عنهم، حتى برز في جوانب علمية كثيرة، فذاع صيته بين العلماء وسار الركبان بإنتاجه الوفير، الذي كان شاهداً حيَّاً على سعة إطلاعه ووفرة علمه وتنوع ثقافته، ولم يقتصر ابن قدامه على الأخذ بنوع واحد من العلوم، بل حاول الأخذ قدر الإمكان من العلوم المختلفة، حتى برز في علوم كثيرة، دل على ذلك تنوع إنتاجه العلمي، فقد ألفَّ في التفسير والحديث والتوحيد والفقه وأصوله والأنساب وغيرها وبلغ فيها درجة من العلم قلَّ أن تتوفر لغيره من العلماء (1)
__________
(1) ذيل طبقة الحنابلة (2/ 136) ..
(1/282)

وهذا التنوع في العلوم لدى ابن قدامة كان بسبب عوامل كثيرة، لعلَّ من أبرزها كثرة الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم، وقد كان فيهم الفقيه والمحدث والمفسر والمؤرخ واللغوي، كما أن البيئة التي عاش فيه كانت بيئة علمية، ساعدته على تحصيل العلوم المختلفة، فقد عاش معظم حياته في دمشق، وكانت حينذاك زاخرة بالعلماء وطلبة العلم، كما عاش فترة في بغداد حاضرة العلم والعلماء في وقته يضاف إلى ذلك الفترة التي عاش فيها بان قدامة من 541هـ - 620هـ فإنها كانت من أفضل الفترات العلمية في عهد الزنكيين والأيوبيين، أضف إلى ما سبق همة ابن قدامة العالية، وحرصه على طلب العلم وتفانيه في الحصول على الكم الوافر من العلوم المختلفة والعلم الذي اشتهر فيه ابن قدامة أكثر، وبرّز فيه حتى أصبح علماً من أعلامه هو علم الفقه وكتابة "المغني" يكاد يكون فريداً في كتب الفقه الإسلامي، حيث يحمل بين طيّاته من العلم والفقه في الدين، والاستدلال بنصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف، والترجيح بين الأدلة ومناقشة الآراء والتوفيق بينها، ما يدل دلالة أكيدة على سعة علم مؤلفه، وبروزه في هذا المجال، حتى قال عنه الشيخ ابن تيميه - رحمه الله - ما دخل الشام بعد الأوزاعي، أفقه من الشيخ الموفق (1) ورغم بروز ابن قدامه في علم الفقه، فإن له كذلك جهود كبيرة، وتصانيف نافعة في علم العقيدة، وعلم الحديث، وغيرها، ولكن هذه الجهود لم تأخذ حقها من البيان كما هو الحال في الفقه (2)، وتعّذر ابن قدامه للتدريس والإفتا، وكانت حلقات تدريسه مشهورة، وبقي زمانا يجلس بعد الجمعة للمناظرة، ويجتمع إليه الفقهاء، وكان لابن قدامه اهتمامات أخرى، ومن ذلك الجانب الأدبي واللغوي وخصوصاً قرض الشعر وله في هذا المجال نظم كثير حسن مثل قوله:
أتفضل يا ابن أحمد والمنايا ... شوارع تَخْتَرمِْنَكَ عن قريب
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 38.
(1/283)

أغرَّك أن تخطيك الرازيا ... فكم للموت من سهم مصيب
كؤوس الموت دائرة علينا ... وما للمرء بدُّ من نصيب
إلى كم تجعل التسويف دأباً ... أما يكفيك إنذار المشيب
أما يكفيك أنك كل حين ... تمر بغير خلَّ أو حبيب
كأنك قد لحقت بهم قريباً ... ولا يغينك إفراط النحيب (1)

ومع تفرغ ابن قدامة للتدريس والإفتاء والمناظرة فإنه قام كذلك بتأليف الكتب النافعة المشهورة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه وأصوله والأنساب والرقائق وقد انتفع المسلمون بتصانيفه وانتشرت واشتهرت ومن هذه التصانيف، الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار، البرهان في بيان القرآن، التبيين في أنساب القرشيين، تحريم النظر في كتب الكلام، ذم التأويل، ذمّ الوسواس الرقة والبكاء في أخبار الصالحين، روضة الناظر وجنة المناظر وهو كتاب في أصول الفقه، ويعتبر من الكتب الجليلة في هذا العلم، حيث عرض فيه آراء العلماء على اختلاف مذاهبهم في المسائل الأصولية، وناقش آراءهم، وحقَّق المسائل المختلف فيها، وأوضح النهج السليم فيما سلك، لذا فإن الروضة من أهم المراجع في الأصول عند الحنابلة وكان من بعده يرجعون إليها وينقلون عنها (2)، ومن كتبه المشهورة المغني شرح مختصر الخرقي وهو من أجل الكتب في الفقه الإسلامي ذكر فيه ابن قدامة المذاهب بأدلتها فقد أورد ما دوّن في فقه الحنابلة، كما ذكر مذاهب الفقهاء الثلاثة المشهورة ومذاهب الصحابة والسلف ممن لم تدوّن مذاهبهم الفقهية فغد الكتاب موسوعة فقهية قيَّمة وقد وصفه عز الدين بن عبد السلام بقوله: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلي، وكتاب المغني للشيخ موفق الدين ابن قدامة في جودتهما وتحقيق ما فيهما (3)
__________
(1) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 29.
(2) المصدر نفسه ص 42.
(3) سير أعلام النبلاء (18/ 193) ..
(1/284)

وقد علق الإمام الذهبي وهو يترجم للإمام ابن حزم على كلام العز هذا فقال: لقد صدق الشيخ عز الدين، وثالثهما "السنن الكبير" للبيهقي ورابعهما: "التمهيد" لابن عبد البر (1)، فمن حصَّل هذه الدواوين وكان من أذكياء المفتين وأدمن المطالعة فيها، فهو العالم حقاً" (2)، كما نقل عن العز أيضاً قوله: لم تطب نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة من المغني (3). وقد ألف غير ذلك من الكتب التي جاوزت الأربعين كتاباً (4).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (18/ 153 - 163).
(2) المصدر نفسه (18/ 193).
(3) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 46.
(4) المصدر نفسه ص 46.
(1/285)

2 - جهوده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد النصارى:
كان ابن قدامه رحمه الله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وكان كثيراً ما يحث على القيام بهذا الواجب ويعتبره فرضاً فها هو يقول: إذا دعي إلى وليمة فيها معصية، كالخمر والزمر والعود ونحوه، وأمكنه الإنكار وإزالة المنكر، لزمه الحضور والإنكار، لأنه يؤدي فرضين، إجابه أخيه المسلم، وإزالة المنكر، وإن لم يقدر على الإنكار لم يحضر، وإن لم يعلم المنكر حتى حضر، أزاله، فإن لم يقر انصَرف (1) وأمّا جهاده في سبيل الله فلقد كان مشهوداً؛ إذ أنَّ ابن قدامة لم يكن من العلماء الأبرار فقط، بل كان من المجاهدين الأخيار كذلك، فقد جاهد بلسانه وقلمه كما جاهد بنفسه ودمه وقد تحدث عن الجهاد كثيراً وعقد له فصولاً خاصة في بعض كتبه، بيَّن فيها أهمية الجهاد، وفضله وذكر الأحاديث التي تبيَّن منزلته من الدين، كما شرح بعض الأحكام المتعلقة به، ولم يكتف ابن قدامة بذلك، بل كانت له مشاركة فعليَّه في الجهاد وكان ذلك ضد النصارى في الحروب الصليبية تحت إمرة القائد صلاح الدين الأيوبي الذي جنَّد المسلمين لجهاد الصليبيين، وتطهير الأرض المقدسة من رجسهم، فقد شارك ابن قدامة وأخوه أبو عمر وكثير من تلاميذهما في هذه المعارك وكانت لهم خيمة يتنقلون بها مع المجاهدين، ويرغبونهم في الجهاد ويشاركون معهم في القتال (2) وكان فيه من الشجاعة، ويتقدم إلى العدو وقد أصيب في القدس بجرح في كفه (3).

3 - مكانته وثناء الناس عليه: احتل ابن قدامة - مكانة بارزة بين علماء عصره وقد تقدم به علمه حتى بلغ درجة الاجتهاد، وصار علماً يشار إليه بالبنان، ولا زال كذلك إلى يومنا هذا فآراؤه وكتبه مصدر هام للعلماء الذين جاؤوا بعده وقد أثنى العلماء عليه (4).
__________
(1) المغني (10/ 198) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 57.
(2) ذيل طبقة الحنابلة (2/ 56).
(3) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 58.
(4) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 58.
(1/286)

أ- قال عنه ابن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وخصه الله بالفضل الوافر، والخاطر العاطر، والعلم الكامل وطنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية، فأما الحديث فهو سابق فرسانه، وأما الفقه: فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا، وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمن يسمح بمثله متواضع عند الخاصة والعامة حسن الاعتقاد، ذو أناه وحلم ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدثين، وكان كثير العبادة، دائم التهجد، لم نر مثله ولم يَرَ مثل نفسه (1).
ب - وقال عنه ابن الصلاح: ما رأيت مثل الشيخ الموفق (2).
ج- وقال عنه سبط ابن الجوزي: كان إماماً في التفسير والفقه والحديث والفنون ولم يكن في زمانه بعد أخيه أبي عمر والعماد أزهد ولا أروع منه، وكان كثير الحياء، هيناً متواضعاً، محباً للمساكين، حسن الأخلاق، جواداً سخياً من رآه فكأنما رأى بعض الصحابة، كان النور يخرج من وجهه كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعاً من القرآن، ولا يصلي ركعتي السنة في الغالب إلا في بيته، اتباعاً للسنة، وكان صحيح الاعتقاد مبغضاً (3) للمشبهة.
س- ووصفه الذهبي فقال: الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام (4) وقال عنه: كان عالم أهل الشام في زمانه (5).
ك- ومدحه الحافظ ابن كثير: فقال: إمام عالم بارع، لم يكن في عصره، بل ولا قبل دهره بمدة أفقه منه .. وبرع وأفتى، وناظر في فنون كثيرة مع زهد وعبادة، وورع وتواضع وحسن أخلاق وجود وحياء وحسن سمت ونور وبهاء وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام وطريقة حسنة واتباع للسلف الصالح (6).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 167).
(2) مرآة الجنان (4/ 48).
(3) مرآة الزمان (8/ 628).
(4) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 60.
(5) سير أعلام النبلاء (22/ 167).
(6) البداية والنهاية (17/ 117).
(1/287)

4 - منهج ابن قدامة في باب الأسماء والصفات: سار بن قدامه على مذهب السلف في هذا الباب وقرر في أكثر من موضع ذلك فقد قال رحمه الله: ومذهب السلف - رحمه الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى، وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة عليها، ولا نقص فيها ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمورها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها (1).
5 - الدعاء عند ابن قدامه: الدعاء هو أعظم أنواع العبادة وأشرفها وقد ورد الحديث عليه في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة قال تعالى: "ادعوا ربكم تضُّرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وأدعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين" (الأعراف، آية: 55، 56) وقال صلى الله عليه وسلم " الدعاء هو العبادة: ثم قرأ "وقال ربكم أدعوني أستجب لكم" (غافر، آية: 60) وقد بين ابن قدامة أن الدعاء ملاك الأمر، لأن الأمر كله بيد الله وحده، فوجب على الإنسان أن يدعو من الأمر بيده (2)، قال: وملاك الأمر الدعاء، فإن الأمر كله بيد الله، يهدي من يشاء ويستعمله، ويضل من يشاء ويخذله، فينبغي لك أن ترغب إلى من الأمر بيديه، وتفوض أمرك إليه (3) وأشار ابن قدامه إلى جملة من آداب الدعاء ينبغي على المسلم أن يلتزم بها في دعائه فقال: وليكن دعاؤك بخضوع وخشوع وبكاء وتضرع فإن بعضهم قال: إني لأعلم حين يستجيب لي ربي - عز وجل - إذا وجل قلبي، أو أقشعر جلدي، وفاضت عيناي، وفتح لي في الدعاء (4).
__________
(1) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 94.
(2) المصدر نفسه ص 135.
(3) الوصية ص 63.
(4) المصدر نفسه ص 63.
(1/288)

6 - المحبة عند ابن قدامة: إن نصوص الكتاب والسنة التي تدل على وجوب محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً منها قوله تعالى: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدُّ حباً لله" (البقرة، آية: 165) فمحبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم من أعظم أنواع العبادة، بل إنها ركن من أركانها، فأصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه، وملائكته وأولياءه (1) وقد اهتم ابن قدامة بهذا النوع من أنواع العبادة، فصنف كتاباً خصصه لبيان فضل المحبة، وعظم منزلتها من الدين، سماه "المتحابين في الله" وقد ضمَّن كتابه هذا الكثير من الأحاديث والآثار التي توجب محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتبين فضل الحب في الله والبغض في الله، وأنه أوثق عرى الإيمان (2) وقد افتتح ابن قدامه كتابه هذا ببيان أن محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والحب في الله وكراهية الكفر؛ هي الطريق إلى حلاوة الإيمان فقد ساق بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يقذف الرجل في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، وأن يحب العبد لا يحيه إلا لله، أو قال: في الله (3)، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم جزاء من أحب الله ورسوله، فقد أخبر أن من تحقق فيه كذلك كان مع من أحب، وقد عقد ابن قدامه باباً لبيان هذا سماه "باب المرء مع من أحب (4)،
__________
(1) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 137.
(2) المصدر نفسه ص 137.
(3) المتحابين في الله ص 23، البخاري (1/ 22).
(4) المتحابين في الله ص 69 ..
(1/289)

ساق فيه بإسناده إلى أنس رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددتُ لها من كثير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب (1) وقد بينّ ابن قدامه في كتابه، هذا أهمية المحبة وفضلها وجزاء من أدَّاها وقام بمضمونها، كما أورد كثيراً من الأحاديث التي تحثنا على الحب في الله والبغض في الله وقد أوضح ابن قدامة وبين أن محبة الله تقتضي السير على ما أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أما من عمل أعمالاً مخالفة للشرع، وأدعى أنه بعمله هذا محب لله، فهو كاذب (2).

وقد بين ابن قدامة وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أن الوصول إلى الله، وإلى مراد الله والظفر بمحبته ورضوانه لا يتحقق إلا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه - من غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو بعيد من الوصول إلى المراد (3) وبين أن محبة الله تستلزم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم أما من خالف الرسول صلى الله عليه وسلم فغير موعود بالمحبة: قال: فمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله وفعله، فهو متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعده الله بالمحبة والمغفرة والإحسان (4).
__________
(1) مسلم، ك البر والصلة والآداب (4/ 2032).
(2) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 138.
(3) ذمّ ما عليه مدعو التصوف ص 6 - 7.
(4) ذمّ الوسواس ص 48.
(1/290)

7 - النذر: وهو في الإصطلاح: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئاً غير لازم بأصل الشرع (1)، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع وأما الكتاب فقوله " يُوفون بالنذر" (الإنسان، آية:7) وأما السنة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه أنه قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه (2) وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به (3) والنذر نوع من أنواع العبادة لا يصرف إلا لله وحده، فمن نذر لغير الله فقد أشرك (4) وقد قسم ابن قدامة النذر إلى سبعة أقسام وذكر منها تدر الطاعة والتبرر فقال "القسم الثاني " نذر طاعة وتبرر، ... فهذا يلزم الوفاء به (5) ثم بين أنواعه وحكم كل نوع (6) وقال في موضع آخر: وإن نذر فعل طاعة، وما ليس بطاعة؛ لزمه فعل الطاعة، كما في خبر أبي إسرائيل (7)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإتمام الصوم وترك ما سواه، لكونه ليس بطاعة (8)، وهذا الخبر عن أبي إسرائيل رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد وليتم صومه (9)،
__________
(1) كشاف القناع للبهوني (6/ 273).
(2) البخاري، ك باب النذر في الطاعة (4/ 228).
(3) المغني (13/ 621).
(4) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 140.
(5) المغني (13/ 622) باختصار.
(6) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 140.
(7) قيل اسمه يسير، وقيل قشير الأنصاري رجل من الصحابة.
(8) المغني (13/ 629) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 140.
(9) البخاري، في باب النذر فيما لا يملك، ك الإيمان والنذور (4/ 229) ..
(1/291)

فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على الصيام فقط، لأنه طاعة وقربة إلى الله - سبحانه - بخلاف البواقي (1).

وأما نذر المعصية فقد ذكره ابن قدامة ضمن أقسام النذر فقال: نذر المعصية، فلا يحل به إجماعاً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: .. ومن نذر أن يعصى الله فلا يعضه (2)؛ ولأن معصية الله تعالى لا تحل في حال (3)، فقد ذكر ابن قدامة هنا الإجماع على عدم جواز نذر المعصية (4).

8 - مسألة الإمامة: ذهب ابن قدامة إلى وجوب طاعة الإمام في غير معصية الله، وقرر أنّ كل من ثبتت إمامته، فمن السنة السمع والطاعة له بَّراً كان أو فاجراً وحرمت مخالفته مالم يأمر بمعصية (5) وتحدث ابن قدامة في مواضع متفرقة من كتبه، عن بعض الأمور التي ينبغي مراعاتها، والقيام بها، ومن هذه الأمور.
أ- الجهاد الغزو معهم، والصلاة خلفهم: حيث قال: ونرى الحج والجهاد ماضياً مع طاعة كل إمام، بّراً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفهم جائرة (6)، وقال: ويغزى مع كل بَّر وفاجر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برّاً كان أو فاجراً (7)، ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تعطيل الجهاد، وظهور العدو (8).
__________
(1) الفتح الرباني لأحمد البنا (14/ 191).
(2) البخاري في: باب النذر في الطاعة (4/ 228).
(3) المغني (13/ 624) منهج ابن قدامه في تقرير العقيدة ص 141.
(4) الكافي لابن عبد البر (1/ 454 - 455) فتح الباري (11/ 581).
(5) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 372.
(6) لمعة الاعتقاد ص 39 منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 373.
(7) ضعيف سنن أبي داود ص 249.
(8) الكافي (4/ 281) المغني (13/ 14).
(1/292)

ب- تحريم الخروج عليهم: قرر ابن قدامة أنَّه يحرم الخروج على من ارتضاه المسلمون إماماً وبايعوه، ودانوا له بالسمع والطاعة معللاً ذلك بما في الخروج من مفاسد عظيمة، أخطرها شق عصا المسلمين، وتفريق كلمتهم وإراقة دمائهم (1) وقال كل من ثبتت إمامته، حرم الخروج عليه وقتاله، سواء ثبت بإجماع المسلمين عليه، كإمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه أو بعهد الإمام الذي قبله إليه، كعهد أبي بكر إلى عمر (2) - رضي الله عنهما - أو بقهره الناس حتى أذعنوا له ودعوه إماماً؛ كعبد الملك بن مروان (3)، وقد استدل ابن قدامه على تحريم الخروج بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من خرج على أمتي، وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف، كائناً من كان (4) ثم، عقب على هذا الحديث بقوله: فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغياً، وجب قتاله (5).
__________
(1) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 374.
(2) أبو بكر رشح والأمة وافقت وهذه أحدى صور الشورى.
(3) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 375.
(4) مسلم، ك الإمارة (3/ 1479).
(5) المغني (12/ 243).
(1/293)

9 - الصحابة: تحدث ابن قدامة عن الصحابة مبيناً فضلهم، ومقرراً وجوب محبتهم والاستغفار لهم، والسكوت عن ذكر مساوئهم فقال: من السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم (1) وقال وهو يتحدث عن حب الصحابة وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحب أهل بيته، ونحب من يحبهم، ونبغض من يبغضهم، ونوالي من والاهم ونعادي من عاداهم، مع محبتنا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وموالاتهم والاستغفار لهم، وتقديمنا من قدم الله تعالى ورسوله، متبعين في ذلك أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين (2) وقد حظيت مسألة الصحابة من ابن قدامه باهتمام كبير، حيث ألف عدداً من الكتب كتابه: التبيين في أنساب القرشيين، ذكر فيه الصحابة من قريش بأنسابهم، وتطرق فيه إلى فضائل هؤلاء الصحابة ومن ذلك قوله في مقدمة هذا الكتاب: هذا كتاب ذكرت فيه نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من أقاربه وذكرت لكل امريء منهم شيئاً من أخباره وفضائله وبعض من اشتهر من أولاده، وأولاد أولاده، ليعرف الواقف عليهم محله من الدين وموضعه من الفضل (3).
__________
(1) منهج ابن قدامة ص 380.
(2) التبيين في أنساب القرشيين ص 51.
(3) المصدر نفسه.
(1/294)

كما ألف كتاباً كاملاً عن الأنصار - رضي الله عنهم - سمّاه: الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار، قال في مقدمته: هذا كتاب ذكرت فيه أنساب الصحابة من الأنصار، وطرفاً من أخبارهم على سبيل الاختصار، ليعرف به منزلتهم من الإسلام، وتأسيسهم للدين، وما خصهم الله تعالى من نصرة وإظهار دينه، وإيواء رسوله وصحابته، وسبقهم إلى إجابة دعوته، وبذلهم المنهج في طاعة ربهم وطاعته ليعظم في القلوب محلهم، ويكثر بالترحم عليهم فضلهم، ويزداد الإيمان بمحبتهم (1) وردت أدلة كثيرة تبين فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة، وقد أورد ابن قدامة كثيراً من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك وهذه بعضها (2):
- قال تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا" (الحشر، آية: 10".
- قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشدَّاء على الكُفّار رُحماء بينهم" (الفتح، آية: 29).
- وقال صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحُد ذهباً، ما بلغ مّد أحدهم ولا نصيفه (3).
- وقال صلى الله عليه وسلم: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (4).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: آية الإيمان حب الأنصار (5) وقد تحدث ابن قدامة عن عدالة الصحابة، وقرر ما عليه أهل السنة من أن الصحابة عدول جميعاً، كما بين أن السلف الصالح وجمهور الأمة مقرون بعدالة الصحابة وقال: والذي عليه سلف الأمة، وجمهور الخلف، أن الصحابة - رضي الله عنهم - معلومة عدالتهم بتعديل الله تعالى وثنائه عليهم (6).
__________
(1) الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار ص 23.
(2) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 381.
(3) البخاري، ك فضائل الصحابة (3/ 6).
(4) البخاري، ك فضائل الصحابة (3/ 39).
(5) روضة الناظر (1/ 290).
(6) المصدر نفسه.
(1/295)

10 - وصية موفق الدين ابن قدامة: قال الشيخ موفق الدين: الحمد لله ذي الوجه الكريم، والفضل العظيم، والمن القديم، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
- فقد سألني بعض إخواني الصالحين أن أكتب له وصية، فامتنعت عن ذلك، لعلمي أني غير مستوص في نفسي، ولا عامل بما ينبغي، ثم بدا لي أن أجيبه إلى مسألته، رجاء ثواب قضاء حاجة الأخ المسلم، ودعائه لي، وأن يجري لي أجر إذا عمل بوصيتي، وأن أكون من الدالين إلى الخير، حين عجزت عن عمله لأكون بدلالتي عليه كفاعله، والأعمال بالنيات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب (1).
- اعلم رحمك الله، أن هذه الدنيا مزرعة الآخرة، ومتجراً رباحها، وموضع تحصيل الزاد منها، والبضائع الرابحة بها بذر السابقون، وفاز المتقون، وأفلح الصادقون، وربح العاملون، وخسر المبطلون، وإن هذه الدار هي أمنية أهل الجنة وأهل النار، قال الله تعالى في أهل النار "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل" (فاطر، 37) وقال سبحانه: "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين" (الأنعام،: 27) وقال في حق أهل الجنة "ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين" (النحل،: 30) قال الحسن: هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة، ذكر ذلك البغوي رحمه الله وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما يرونه: إن أرواح الشهداء كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فبينما هم كذلك إذ أطّلع عليهم ربك إطلاعة فقال: يا عبادي سلوني ما شئتم. قالوا ربنا نسألك أن تردّ أرواحنا في أجسادنا، ثم تردنا إلى الدنيا، فنقتل مرة أخرى، فلما رأى أنهم لا يسألون إلا ذلك تركوا حقيقة الدنيا كما يرأها ابن قدامه.
__________
(1) وصايا وعظات قيلت في آخر الحياة ص 180، 181.
(1/296)

وأعلم يا أخي رحمك الله تعالى، أن الله تعالى قد علم أنهم يسألون ذلك وأنهم لا يردون إلى الدنيا، وإنما أراد إعلام المؤمنين الذين في الدنيا أمنيتهم في الجنة القتل في سبيله ليرغبهم في ذلك، وقال إبراهيم التيمي، رحمه الله تعالى: مثلت نفسي في الجنة مع حورها، وألبس من سندسها، وإستبرقها آكل من ثمارها، وأعانق أبكارها وأتمتع بنعيمها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تتمنين؟ فقالت: أردُّ إلى الدنيا، فأزداد من العمل الذي نلت به هذا، ثم مثلت نفسي في النار أعالج أغلالها وسعيرها أحرق بجحيمه، وأجزع من حميمها، وأطعم من زقومها، فقلت لنفسي: أي شيء تتمنين؟ فقلت لنفسي أردّ إلى الدنيا، فأعمل أتخلص به من هذا العذاب، يا نفسي، فأنت في الأمنية فقومي فاعملي صالحاً.

- وكان بعض السلف قد حفر لنفسه قبراً، فإذا فتر من العمل نزل في قبره، فتمدد في لحده ثم قال: يا نفس قدّري أني قدمتّ، وصرت في لحدي، أي شيء كنت تتمنين؟
- وأعلم رحمك الله، أن أهل القبور أمنية أحدهم أن يسبح تسبيحه تزيد في حسناته، أو يقدر على توبة من بعض سيئاته، أو ركعة ترفع في درجاته، وقد روينا أن رجلاً ركع ركعتين إلى جانب قبر، ثم اتكأ عليه فأغفى، فرأى صاحب القبر في المنام يقول: تنَّح عني، فقد آذيتني والله إن هاتين الركعتين اللتين ركعتهما لو كانتا لي كانتا أحب إلي من الدنيا وما فيها، إنكم تعملون، ولا تعلمون ونحن نعلم، ولا نعمل (1).
__________
(1) وصايا وعظات قيلت في آخر الحياة ص 181.
(1/297)

- فاغتنم رحمك الله حياتك النفيسة، واحتفظ بأوقاتك العزيزة، وأعلم أن مدة حياتك محدودة، وأنفاسك معدودة، فكل نفس ينقض به جزء منك، والعمر كله قصير، والباقي منه هو اليسير، وكل جزء منه جوهرة نفسية لا عدل لها، ولا خلف منها، فإن بهذه الحياة السيرة خلود الأبد في النعيم، أو العذاب الأليم وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد علمت أن كل نفس بعدل أكثر من ألف عام في النعيم المقيم الذي لا حصر له، أو خلاف ذلك، وما كان هكذا فلا قيمة له، فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير عمل، ولا تذهبها بغير عوض، واجتهد أن لا يخلو نفس من أنفاسك إلا في عمل طاعة او قرية تتقرب بها، فإنك لو كانت معك جوهرة من جواهر الدنيا، فضاعت منك، لحزنت عليها حزناً شديداً، بل لو ضاع منك دينار لساءك؛ فكيف تفرط في ساعتك وأوقاتك؟ وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟
- فاجتهد رحمك الله تعالى في الكون من الفرقة الأولى الذين استوعبوا الساعات بالطاعات، ولم يفرطوا في شيء من الأوقات.
- وألزم قلبك الفكر في نعم الله لتشكرها، وفي ذنوبك لتستغفرها، وفي تفريطك لتندم، وفي مخلوقات الله وحكمه لتتعرف عظمته وحكمته، وفيما بين يديك لتستّعد له أو في حكم شيء تحتاج إليه لتعلمه.
- وألزم لسانك ذكر الله تعالى ودعاءه واستغفاره أو قراءة قرآن، أو علماً أو تعليماً، أو أمراً بمعروف أو نهيا عن منكر، أو إصلاحاً بين الناس.
- وأشغل جوارحك بالطاعات، وليكن من أهمها الفرائض في أوقاتها على أكمل أحوالها، ثم ما يتعدى نفعه إلى الخلق وأفضل ذلك ما ينفعهم في دينهم لتعليمهم الدين، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
(1/298)

- واحترس من مفسدات الأعمال، لئلا يفسد عملك ويخيب سعيك، فلا تحصل على أجر العاملين، ولا راحة الباطلين، وتفوتك الدنيا والآخرة، فمن ذلك الرياء، والعمل لمحمدة الناس، فإن هذا أشرك وقد روينا عن الله عز وجل أنه قال: من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء. وقد لا يحصل للمرائي ما قصده فيخيب بالكلية، فقد روينا أن رجلاً كان يرائي بعمله فإذا مّر بالناس قالوا: هذا مرائي فقد روينا أن رجلاً كان يرائي بعمله، فإذا مَّر بالناس قالوا: هذا مرائي، فقال يوما في نفسه: والله ما حصلت على شيء، فلو جعلت عملي لله، فما زاد على أن قلب نيته، فكان إذا مر بهم بعد قالوا: هذا رجل صالح، ومن ذلك العجُب فقد روي: إن المدلّ لا يجاوز عمله رأسه وروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: يا موسى قل للعاملين المعجبين بعملهم اخسروا، وقل للمذنبين التائبين النادمين أبشروا". وقال بعضهم: لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليّ من أبيت قائماً وأصبح معجباً (1).
- ولا تحقرنَّ مسلماً، ولا تظنن أنك خير منه، فإن ذلك ربما أحبط عملك.
__________
(1) وصايا وعظات قيلت في آخر الحياة ص 182.
(1/299)

- وأعلم - رحمك الله - أن هذه الدنيا سوق متجر الأبرار، وحلبة السباق بين الكرام الأخيار، ومزدرع التقوى ليوم القرار، ومحل تحصيل الزاد للسفر الذي ليس هو كالأسفار، فبادر رحمك الله تعالى قبل فوات إمكان البذار، واغتنم أنفاسك العظيمة المقدار، وأذرف من دموعك الغزار على ما سلف منك في تفريط الأوزار، فإن القطرة من الدموع من خشية الله تعالى تطفئ البحور من النار، وتيقظ في ساعات الأسحار عند نزول الجبار، وأحضر بقلبك قول العزيز الغفار هل من سائل فأعطيه هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر، فأغفر له، قل: نعم يارب، أنا السائل المحتاج الفقير، أنا الضعيف الكسير، أنا الداعي الراجي، أنا المستغفر المذنب المقر المعترف، يا صاحب الصدقة، هأنذا أرحم ضعفي، وكِبرَ سني، أرحم فقري وفاقتي وحاجتي ومسكنتي، يا كثير الخير، يا دائم المعروف، لا تخيب حسن ظني بك، ولا تحرمني سعة معروفك، ولا تطردني عن بابك، ولا تخرجني من أحبابك، أسألك يا عظيم فإنك قلت وقولك الحق: "وأسألوا الله من فضله" (النساء، آية:32).

- إلهي، ما أمرتني أن أسألك إلا وأنت تريد أن تعطيني ولا دللتني عليك إلا وأنت تريد أن تهديني، ولا أمرتني بدعائك إلا وأنت تريد أن تجيبني.
- أسألك من فضلك أن تجعلني مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن تجعلني من الذين تحبهم ويحبونك، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، ومن الأئمة الذين يهدون بأمرك وأرزقنا فعل الخيرات، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأجعلنا من العابدين لك، ومن الذين يسارعون في الخيرات ويدعونك رغباً ورهباً، وأجعلنا لك من الخاشعين، ومن الذين يطيعوك، ويطيعون رسولك، ويخشاك ويتقيك، وأجعلنا من الفائزين.
(1/300)

- رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني في عبادك الصالحين وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (1).
- رب أنت أصلحت الصالحين، وفضلت الصديقيين، وسبَّقت السابقين وقّربت المقربين وتفضَّلت عليهم، ثم أثنيت عليهم، ومنحتهم، ثم مدحتهم، لولاك ما وصلوا إليك، ولولا إحسانك ما فازوا لديك، فأسألك بوجهك الكريم، ومنّك القديم، وفضلك العظيم، أن تتفضل علينا بما تفضلت به عليهم، وتصلحنا بما أصلحتهم وتمنحنا كما منحتهم، وتعطينا كما أعطيتهم، وتجود عليهم بما جدت عليهم، والكل عبيدك، وفي قبضتك، يارب دعوتنا إلى دار السلام، فأهدنا إلى الصراط المستقيم لنجيب دعوتك، فإننا لا نستطيع إجابتك إلا بهدايتك ولا نصل إلى دعوتك إلا بعنايتك (2).
- إلهي عممت بدعوتك، وخصصت بعنايتك من شئت فأجعلنا من خاصتك، ومنّ علينا بالتوفيق لإجابتك وأدخلنا في أهل ولايتك، يارب أمرتنا بما لا يُصدر على فعله إلا بك، ونهيتنا عما لا نقدر على تركه إلا بتوفيقك، ورغبتنا فيما لانناله إلا بفضلك، وحذرتنا مما لا نسلم منه إلا بجودك وكرمك، اللهم فوفقنا لامتثال أمرك، وأجتناب زجرك، وأعطنا ما رغبتنا فيه، وجنبنا ما حذرتنا منه، اللهم إنك سألتنا من أنفسنا مالا نقدر على فعله إلا بك اللهم فخذ لنا منها ما ترضى به عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
- اللهم إنك أخذت بقلوبنا ونواصينا فلم تملكنا شيئاً منها، فإذا فعلت ذلك بهما فكن أنت وليهما، وأهدنا إلى سواء السبيل (3).

هذه من الوصايا العظيمة التي قيلت في عهد الملك الكامل الأيوبي والتي كان لها أثر عظيم في تلاميذ ابن قدامه رحمه الله.
__________
(1) وصايا وعظات قيلت في آخر الحياة ص 184.
(2) وصايا وعظات قيلت في آخر الحياة ص 185.
(3) المصدر نفسه ص 185.
(1/301)

11 - وفاته: توفي ابن قدامة - رحمه الله - يوم السبت يوم عيد الفطر سنة 620هـ بمنزله بدمشق (1) وقد اتفقت كافة المصادر على أنَّ وفاة ابن قدامة كانت في هذا التاريخ وكان له من العمر عند وفاته قريباً من تسعة وسبعين عاماً، حمل ابن قدامه إلى سفح جبل قاسيون فدفن به وقد امتد الناس في طرق الجبل فملؤوه، وكان الخلق الذين حضروا جنازته لا يحصون فقد حصل جمع عظيم لم يُرَ مثله (2)، وقد رؤيت له منامات صالحة فرحمه الله تعالى، وأجزل مثوبته وغفر لنا وله، وحشرنا جميعاً في زمرة المتقين إنَّه على ذلك قدير (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 185.
(2) سير أعلام النبلاء (22/ 172) ذيل طبقة الحنابلة (2/ 142).
(3) منهج ابن قدامة في تقرير عقيدة السلف ص 62.
(1/302)

سادساً: الملك الكامل وسياسته العمرانية والحياة الاجتماعية:
1 - سياسته العمرانية: اهتم الملك الكامل بتحسين المرافق العامة في مصر، وتحسين الخدمات المهمة لرعيته، ولاسيما في المجال الاقتصادي والعمراني، فقد أنهى بناء القلعة، وبنى دار الوزراء التي تعرف بقاعة الصاحب لتكون مقراً للوزير صفي الدين، وبها قاعة الإنشاء، وديوان الجيش وبيت المال. (1) وأنشأ الملك الكامل خزانة الكتب في القلعة، فحوت عدداً من الكتب والمجلدات النفيسة، وأقام خزانة شمائل (سجن شمائل) (2)، تابع الملك الكامل سياسة إعمار البلاد، ولاسيما في مصر، فأمر الملوك الأيوبيين بإعمار بلادهم، ففي 624هـ/1227م كلف المظفر محمود صاحب حماة بناء برج في السلمية وشجعه عام 631هـ/1233م على بناء قلعة في المعرة لحمايتها (3)، وطلب من صاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شيركوه حفر خندق حول القلعة، وتعميقه، وتوسيعه وإعمار قلعة شميس، واهتم الملك الكامل بتحصين البلاد، ولاسيما الثغور وذلك ببناء القلاع والحصون، كما اهتم بالقضاء والخدمات العامة وكان المحتسب يرتبط بالقضاء ويتولى المخالفات التي تتعلق بالآداب العامة ونظام الأسواق، والمعاملات التجارية، والمكاييل والمقاييس والخانات، والحمامات والفنادق ومنح رخص مزاولة الأطباء والصيادلة، ومن أبرز الأعمال التي قام بها الملك الكامل والتي كان لها مساس لحياة الشعب على نحو وثيق.
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 120.
(2) نسبة إلى علم الدين شمائل الذي برز دوره فدائياً عظيماً.
(3) تتمه المختصر ص نقلاً عن القدس بين أطماع ص 120.
(1/303)

أ- بناء الجسور: نهج الملك الكامل نهج الحكام الأيوبيين الذين سبقوه في بناء الجسور التي تحتاج إليها مصر وبلاد الشام، وكانت الجسور التي في مصر تتحكم بمجرى النيل وتحفظ البلاد من الفيضان، وتستخدم لتصريف مياه النهر (1) وكان المصريون يحتفلون بعيد وفاء النيل (2) لأهميته في حياة البلاد الاقتصادية وكان الملك يخرج من يوم العيد من القلعة إلى المقياس (3)، فيقام احتفال يحضره عدد من المسؤولين والناس (4) وكانت الجسور في مصر على نوعين هما:

- الجسور السلطانية: وهي الجسور العامة النفع في حفظ البلاد من خطر فيضان النيل، وتتولى الدولة إقامتها، ويكون لسلطان البلاد مسؤولاً عن تعميرها، وإدارتها، وتقام من بيت المال، وتصان باستمرار ويشرف على الجسور، كاتب خاص، مسؤول عن الإنفاق على هذه الجسور (5)، من الأموال المخصصة لها.

- البلدية: وهي الجسور الخاصة النفع بناحية دون ناحية، يتولى إقامتها وإدارتها المقطعون والفلاحون بما ينتفعون بها من عندهم، وهي بمثابة البيت الذي يمتلكه الشخَّص أي مثل سور منزله، فكل صاحب دار ينظر في مصلحتها ويلتزم تدبير أمره فيها (6).
__________
(1) المقريزي (2/ 188).
(2) صبح الأعشى (4/ 47).
(3) المقياس: بركة وسطها عمود طويل فيه علامات الأذرع والأصابع.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 121.
(5) صبح الأعشى (3/ 445) القدس بين أطماع الصليبيين ص 121.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 122.
(1/304)

ب- تأسيس دار الحديث: تابع الملك الكامل سياسة دعم التعليم وتشييد المدارس، والإنفاق عليها وتوفير الخدمات اللازمة، فأقام 622هـ/1225م دار الحديث الكاملية في القاهرة، وتقع الدار بين القصرين (1)، ووقف هذه الدار على المشتغلين بالحديث النبوي، ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية، ووقف عليها الربع الذي بجوارها على باب الحرنشف ويمتد إلى الدرب المقابل للجامع الأزهر، وكان موضع المدرسة سوقاً للرقيق وداراً تعرف بابن كستول (2) ودرس في الكاملية الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية ثم أخوه أبو عمر عثمان الحافظ عبد العظيم المنذري، وما برحت بيد أعيان الفقهاء إلى أن تتلاشت في العهد المملوكي، وتشير أطلال الدار عام 1321هـ/1903م إلى أنها كانت تتكون (3)، من قاعة مستطيلة طولها عشرة أمتار ونصف المتر تقريباً، وعرضها تسعة أمتار ونصف، وهي مسقوفة بقبة مدببة مبنية بالآجر، تتكون من مداميك أفقية تعلوها مداميك رأسيه، وتبلغ فتحة القبة تسعة أمتار ونصف (4)، ويبلغ ارتفاعها عند مستوى انحنائها ستة أمتار ونصف، وأما ارتفاعها عند سطح الأرض فهو معروف لأن تربة مكدسة إلى إرتفاع كبير فوق أرضية البناء وجدران القاعة مبنية من الحجارة وهي سميكة يقرب سمكها من مترين، أما سمك القبة فهو متدرج، يبلغ عند المنبت "الإنحناء" فوق الجدران متراً، ويرق عند القبة إلى نصف متر (5).
__________
(1) تتمة المختصر (2/ 238).
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 122.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 122.
(4) المصدر نفسه ص 122.
(5) المصدر نفسه ص 123.
(1/305)

ج- تشييد مدينة المنصورة: لم يقتصر اهتمام الملك الكامل على النواحي الاقتصادية بل شمل الميدان العمراني، وتشييد المدن فقد أقام مدينة المنصورة عام 616هـ/1219م عندما ملك الفرنج مدينة دمياط (1)، وهي تقع بين القاهرة ودمياط في المنطقة المحصورة بين فرعي نهر النيل المتجهين إلى دمياط، وأشمون طناح (2)، الذي يصب في بحيرة تنيس، وجعلها قاعدة لعسكره وسمّاها المنصورة تيمناً بانتصاره على الصليبيين، واستعادة دمياط، ولم يزل بها إلى أن خرج الفرنج من الأراضي المصرية فأقام بها احتفالاً ضخماً وقد بنى الملك الكامل فيها قصراً وأمر من الأمراء والعساكر ببناء مساكن لهم، ونصبت الأسواق وأصبحت المدينة فيما بعد كثيرة القصور والفنادق والحمامات وأحيط بسور من الجهة البرية، وزودت مواقعها بالآت حربية للدفاع عنها (3).
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 15) القدس بين أطماع ص 124.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 124.
(3) المختصر (3/ 93) القدس بين أطماع الصليبيين ص 124.
(1/306)

2 - الحياة الاجتماعية: حاول الملك الكامل رعاية الشعب وتقديم الخدمات إليه، غير أن ظروف الحرب التي شهدتها البلاد مدة من الزمن أثرت في حياة الأهالي السياسية والاقتصادية فازداد الفقر وكان للحرب بين الصليبيين والمسلمين من جانب، والحروب التي أقامها الكامل وأخوته، لانتزاع دمشق من الملك المعظم وابنه، ومن الملك الصالح إسماعيل، أثر كبير في استنزاف أموال الناس، وكثرة الضرائب، واستشهاد الألوف وانتشار الأمراض، وازدياد الفزع بين صفوف الأطفال والنساء وتشريد الأهالي، ولاسيما لدى تخريب مدينة تنيس وإخلائها من السكان وتخريب مدينة القدس، وقلعة الطور فضلاً عن الدمار الذي كان يصيب المدن والقرى بين الحين والآخر، نتيجة العدوان الصليبي والخوارزمي السلجوقي (1) وقد اتسمت الحياة الاجتماعية في عهد الملك الكامل بطابع الجد، ومناهضة الصليبيين، ذلك أن البلاد تعرضت إلى هجمات صليبية، ومخاطرها المتكررة بالإضافة إلى الحروب الداخلية التي خاضها الملك الكامل في المناطق الشرقية، ولذلك غلبت فكرة الحرب وتحصين الثغور، مما لم يترك مجالاً كبيراً للتوسع في حياة الترف، إلا أن الحياة الاجتماعية لم تكن خشنة كل الخشونة فحافظ الملك الكامل على إحياء الأعياد الدينية الإسلامية، دون إسراف أو تهتك (2)، وقد اعتمد الملك الكامل على الأقليات من الأتراك والأكراد والتركمان في تسيير شؤون البلاد (3)،
__________
(1) الأيوبيون ص 213، الباز العريني ص 213.
(2) العدوان الصليبي على مصر، جوزيف نسيم يوسف ص 241.
(3) وفيات الأعيان (4/ 127) القدس بين أطماع الصليبيين ص 126 ..
(1/307)

فعانى العامة والحرفيون وصغار التجار من تسلط رجال الملك في كثير من الأحيان، واعتداءات الأعراب أحيانا على بعض المدن وقطع الطرق، واغتصاب الجند الأموال، فشنع العامة على الملك، واتهموه بالخيانة لدى تسليمه بيت المقدس عام 625هـ/1228م، بل أنهم أعلنوا بصراحة وشجاعة رفضهم استمرار حكمه، وأظهروا مشاعر الحقد عليه من خلال الأغاني والأهازيج التي كانوا يرددونها في المحافل العامة (1).

واشتهر الملك الكامل بعطفه على رعاياه فوزع الصدقات على الفقراء والمرضى واليتامى والأرامل والمقعدين منهم (2)، وعامل الملك الكامل أهل الذمة معاملة جيدة "إذ عرف بتسامحه الديني" (3)، فقد ذكر ابن عبري "إن موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي أكره على الإسلام إلى مصر، وابتلى برجل من الأندلس يعرف بأبي العرب وصل إلى مصر، فرامى إيذاءه فمنعه القاضي الفاضل وقال له: رجل لا يصح إسلامه شرعاً إذا أكره (4)، واحتل العنصر القبطي مكانة مرموقة في الدولة، فقد أسلمت أسر قبطية، وبرع أفرادها في ميادين شتى، ونبغ الكثير منهم، وعملوا في الدواوين لكفاءتهم وكان معظم الأطباء لدى السلاطين من اليهود والنصارى، وشغل بعضهم المناصب المالية في الدولة، وكانت الكنيسة القبطية تعد الملك الكامل من أكثر الملوك إحساناً إلى أبنائها (5) وقد أثرت هذه الأوضاع في العامة، وبرزت الظواهر التالية.
__________
(1) مرآة الزمان (8/ 708) القدس بين أطماع الصليبيين ص 126.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 127.
(3) تاريخ مختصر الدول ص 239 لابن العبري.
(4) النجوم الزاهرة (6/ 110).
(5) المصدر نفسه (6/ 170) القدس بين أطماع ص 128.
(1/308)

أ- ظاهرة الغلاء والأوبئة والمجاعات: تعد الحياة الاقتصادية في أي مجتمع إنساني أكثر تأثراً بالوضع السائد في المجتمع، إذ يرتبط الاستقرار الاقتصادي طردياً بالإزدهار السياسي في المجتمع، وتعد الأزمات السياسية الحروب سبباً في حدوث الاضطراب الاقتصادي وارتفاع الأسعار، والتهافت على شراء الأقوات، وكان الغلاء من أكثر الظواهر الاقتصادية إضراراً بالعامة، فعانى الناس من الجوع والمرض، فقد انخفضت مياه النيل في عامي 1200م/1201م وانتشرت المجاعة والأمراض وهجر كثير من الناس مصر إلى أقطار أخرى بحثاً عن الطعام (1) ويمكن أن نعزو أسباب الغلاء وإرتفاع الأسعار إلى عاملين رئيسين:
- يعتبر منسوب مياه النيل العامل الأول: إذ أن هبوط النيل أو زيادته على المنسوب العادي للفيضان في فصل الصيف يمثل خطراً حقيقياً على الحياة المصرية آنذاك، إذ لم يعتمد الأهالي خزن المياه الزائدة في سدود لاستخدامها في وقت التحاريق لذلك كان السكان يخشون الفيضان ويعدونه كارثة عليهم، إذا أن النيل هو مصدر المياه الوحيد في مصر تقريباً، فإذا قصر الوفاء فإن وقت الزراعة، وإذا زاد على حده العادي أغرق الحقول، وجعلها غير صالحة للزراعة، وعندما تقل مياه النهر عن الحد اللازم للزراعة تنتاب الناس مخاوف من حدوث المجاعة، ويكثر قلقهم، خوفاً من الجوع لعدم زراعة المحاصيل، لذلك كان السكان يسارعون لتخزين الغلال طمعاً في الحصول على مزيد في الأرباح من طريق رفع الأسعار ونتيجة لذلك يشتد الإقبال على شراء الغلال، بينما يقل المطروح منها في الأسواق ويشتد التزاحم على حوانيت الغلال، والأفران، مما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار في البضائع المختلفة سواء المأكولات أو المشروبات أو الملبوسات (2).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 128.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 128.
(1/309)

- ويتمثل هذا العامل بسياسة الدولة الاقتصادية المرتبطة بطبيعة النظام الإقطاعي ذي الطابع العسكري، فأصحاب الإقطاعات من قادة وأمراء جند لم يعيروا اهتماماً كبيراً لاستصلاح أراضيهم وجعلها أكثر مردوداً بسبب عدم استقرار هذه الإقطاعات في أيديهم (1)، وقد ذكر المقريزي: أنه كان لأسرة بني خيار بقرة فذبحوها، وباعوها أثناء حصار دمياط عام 615هـ/1218م بثمانمائة دينار (2)، وأن سعر رطل السكر ارتفع إلى 450ديناراً والدجاجة إلى 30ديناراً وأن الجوع انتشر بشكل كبير إلى درجة إحدى السيدات المحسنات شقت جوف جمل، وملأته بالدجاج والفواكه وخاطته، ورمته في البحر، وكتبت بذلك إلى أهل دمياط ليوزعوا ما فيه إلى المحتاجين (3) وكان الغلاء في مصر عام 633هـ/1236م شديداً لنقص مياه النيل، فخرج العامة، وأئمة المساجد لتأدية صلاة الاستسقاء فأكل الناس الكلاب والقطط وانتشر المرض، واستمر حوالي ثلاثة أشهر، فمات خلق كثير تجاوز الحد، وقدره المقريزي بحوالي 12ألف نفس في القاهرة، عدا من مات في الريف (4)، وقدره ابن تغري، بردي بحوالي ثلاثين ألفا (5).

ب- السخرة: استخدم الملك الكامل الناس للعمل دون أجر لبناء الجسور العامة والسدود والعمل في الإقطاعات، والمرافق العامة التي تظهر فائدتها في السكان (6).

ج- الرشوة: انتشرت بين بعض كبار المسؤولين، وليس أدل على ذلك من قول المقريزي: تقدم الأنباء كيرلس داود بن لقلق بطرك الإسكندرية بالرشوة، وأنه أخذ الشرطونية عام 633هـ/1235م (7).
__________
(1) المصدر نفسه ص 129.
(2) الخطط (1/ 399) القدس بين أطماع ص 129.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 129.
(4) السلوك (1/ 291)
(5) النجوم الزاهرة (6/ 287) القدس بين أطماع ص 129
(6) القدس بين أطماع ص 130.
(7) القدس بين أطماع الصليبيين ص 130.
(1/310)

د- المصادرة والظلم الاجتماعي: انتشرت المصادرة والظلم الاجتماعي في عهد الملك الكامل، فقد كثرت مصادرة الوزير الصاحب صفي الدين بن شكر أرباب الأموال بمصر والقاهرة من التجار، والكتاب، وكان يفرض على الناس التبرع بأملاكهم، وأحدث ابن شكر حوادث كثيرة، وحصل مالاً جماً وقد وصف بأنه كان جباراً أفقر، خلقاً كثيراً عاتياً بتقدمه الأراذل وتأخر الأماثل وكان الملك الكامل فيه جبروت ويحب تحصيل المال وجمعه والسيطرة (1)، وقبض الملك الكامل على الناصر قلّج أرسلان عام 630هـ/1232م واعتقله في قلعة الجبل حتى مات، وكان الناصر حاكم حماه فانتزعها الملك الكامل منه (2)، وسلمها إلى الملك المظفر محمود بن المنصور زوج ابنته غازية خاتون وعوضه بقلعة بارين، ومالبث أن انتزع الملك المظفر هذه القلعة منه، فذهب إلى مصر يشكو أمره للملك الكامل فقبض عليه (3).

هـ - سرقة الأموال العامة: تفشت السرقة والإهمال في بعض دواوين الدولة، ولاسيما المواد الغذائية التي يعتمد عليها أبناء الشعب، فقد نهب ناظر ديوان الأهراء حوالي أحد عشر ألف أردب من القمح (4) ومع تسلط الملك الكامل وجبروته، فإنه لم يكن منعزلاً عن شعبه تماماً، وإنما كان يحاول مساعدة الشعب، ومشاركته في كثير من الأمور ومن ذلك:
- مشاركة الملك الكامل في صلوات الاستسقاء التي كانت تؤدى بين الحين والآخر، كلما قلت مياه النيل وصلاة العيد و ...
- إبطال بعض الضرائب عند انتشار المجاعات.
- توزيع الصدقات والزكوات على الفقراء ولاسيما في رمضان.
- مصادرة أموال بعض المسؤولين الذين أساؤوا استخدام الوظيفة، وقبلوا الرشوة، أو سرقوا من الدواوين (5).
__________
(1) المصدر نفسه ص 130.
(2) المصدر نفسه ص 131.
(3) المصدر نفسه ص 131.
(4) المصدر نفسه ص 131.
(5) المصدر نفسه ص 131.
(1/311)

سابعاً: وفاة خاتون بنت الملك العادل 616هـ:
توفيت خاتون بنت الملك العادل سنة616هـ وهي زوجة الملك المنصور صاحب حماة وحزن عليها حزناً عظيماً، ولبس الحداد، وأمر بصعود أكابر حماة إلى القلعة للصلاة عليها، فصلوا عليها، وعمل السلطان عزاها بالمدرسة المنصورية حماة وكان مكتئباً حزيناً لابساً الحداد وهو ثوب أزرق وعمامة زرقاء، وإلى جانبه أولاده الملك الناصر قلج أرسلان وأخوته وعليهم كلهم الحداد، وقرأ القُراء بين يديه ووعظت الوعاظ وانشدت الشعراء المراثي وكان اقترح له أن تنظم المراثي على وزن قصيدة أبي العلاء المعري ورويّها التي مطلعها:
يا ساهر البرقِ أيقظ راقد السَّمرُ ... لعل بالجِزْعِ أعواناً على السَّهر

فعمل جماعة من الشعراء قصائد على هذا الوزن والروى (1) وللملك المنصور زوجها في رثائها عدة قصائد، من ذلك قصيدة مطلعها:
دموع كالغيوث الهاطلات ... لماضى من كآباتي وآتي
ولو عات علي لها إحتكام ... يرق لها ملام اللائمات
على من في الضريح لها أنيس ... صلاة واصلتها بالصلات
أيا من وجهُها عندي عزيز ... ويا من موتُها أوهي حياتي
سلام الله كل صباح يوم ... على تلك العظام الباليات
أساكنة اللحود عليك مني ... دموع دونها ماء الفرات
لقد كانت بك الساعات تزهو ... لعيني كالنجوم الزاهرات
وفقدك صير الأيام عندي ... لبعدك كالليالي الحالكات
وكنت بعصمة الدين المهنى ... بعصمتها العلية عن صفات

إلى أن قال:
ولكني أذبت سواد عيني ... فسال مع الدموع السائلات (2)

ومنها:
وتبكي الصالحات عليك حُزناً ... بكاءَ الأمهات على البنات (3)
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 60، 61).
(2) مفرج الكروب (4/ 68).
(3) المصدر نفسه (4/ 69)
(1/312)

ثامناً: وفاة ست الشام بنت أيوب 616هـ: ست الشام واقفة المدرستين البَّرانية والجَّوانية، الخاتون الجليلة ست الشام بنت أيوب بن شاذي، أخت الملوك وعمة أولادهم، كان لها من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكاً، منهم شقيقها المُعظَّمُ تورنشاه بن أيوب صاحب اليمن، وهو مدفون عندها في تربتها في القبر القبليَّ من الثلاثة، وفي الأوسط منها زوجها وابن عمَّها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي، صاحب حمص، وكانت قد تزَوَّجته بعد أبي ابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين، وكانت ست الشام من أكثر النساء صدقة وإحساناً إلى الفقراء والمحاويج، وكانت تعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقيَر وغير ذلك وتُفَّرقُه على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة آخر النهار السادس عشر من ذي القعدة من هذه السنة في دارها التي جعلتها مدرسة وهي عند المارستان وهي الشامية الجوانية، ونُقلت منها إلى تُربتها بالشامَّية البّرانية، وكانت جنازتها عظيمة حافلة رحمها الله (1).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 84).
(1/313)

تاسعاً: وفاة، صاحب أربل مظفر الدين أبو سعيد كُوكَبرى 630هـ:
السلطان الدَّينَّ الملك المعظم مُظَفرَّ الدَّين أبو سعيد كُوكُبرى بن علي ابن بكتكين بن محمد التركماني، صاحب إربل وابن صاحبها ومُمصّرها الملك زين الدين علي كوجك (1)، وكوجك هو اللطيف القّد، كان كوجك شهماً شجاعاً مهيباً، تملك بلاداً كثيرة، ثم وهبها لأولاد صاحب الموصل، وكان يوصف بقوة مفرطة، وطال عمره وحج هو والأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي وتوفي سنة ثلاثة وستين وخمس مئة، وله أوقاف وبّر ومدرسة بالموصل، فلما مات تملك إربل إبنه هذا وهو مراهق، وصار أتابكه مجاهد الدين قيماز، فعمل عليه قيماز وكتب محضراً بأنه لا يصلح للملك وقبض عليه ومَلَّكَ أخاه زين الدين يوسف، فتوجه مظفر الدين إلى بغداد فما التفتوا عليه فقدم الموصل على صاحبها سيف الدين غازي بن مودود، فأقطعه حّران، فبقي بها مُدَيْدَة، تم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين، وغزا معه، وتمّكن منه، وأحبه، وزاده الرُّها، وزوجه بأخته ربيعة واقفة الصاحبية، وأبان مظفر الدين عن شجاعة يوم حطّين، وبيَّن، فوفد أخوه صاحب إربل على صلاح الدين نجدة فتمرَّض ومات على عكَّا فأعطى السلطان مظفر الدين إربل وشهرزور، واسترد منه حّران والرُّها وكان محباً للصدقة، له كل يوم قناطير خبز يفرقها ويكسو في العام خلقاً ويعطيهم ديناراً ودينارين، وبنى أربع خوانك للزّمن والأضراء، وكان يأتيهم كل اثنين وخميس ويسأل كل واحد عن حاله ويتفقده ويباسطه ويمزح معه، وبنى داراً للنساء، وداراً للأيتام، وداراً، وداراً للقّطاء ورتَّبَ بها المراضع، وكان يدور على مرضى البيمارستان، وله مضيف ينزلها كل وارد، ويُعْطَي كل ما ينبغي له وبنى مدرسة للشَّافعية والحنفية وكان يمّد بها السماط ويحضر السماع كثيراً، لم يكن له لذة في شيء غيره، وكان يمنع من دخول مُنكر بلده وبنى للصوفية رباطين ...
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 334).
(1/314)

وكان في السنَّة يفتك أسرى بحملة ويخرج سبيلاً للحج ويبعث للمجاورين بخمسة آلاف دينار وأجرى الماء إلى عرفات وكان متواضعاً خيّراً سُنيَّاً يحب الفقهاء والمحدثين، وربما أعطى الشُّعراء، وما نُقل أنه انهزم في حرب وقد عاش اثنين وثمانين سنة (1).

عاشراً: بعض رجالات الملك الكامل: اعتمد الملك الكامل على عدد من الرجال في تسيير دفة الحكم وإدارة الدواوين وقيادة الجيش وقد برز عدد من الرجال في الميادين المختلفة منهم شمس الدين صواب الطواشي، الذي كان مقدم عسكر الكامل وتولى بلاد المشرق إلى أن مات في حران عام 632هـ/1234م وأبو الوحش أبي الخير أبو حليقة ت 654هـ/1256م طبيب الملك الكامل، الذي أحكم معرفة نبضه، حتى أن الكامل أخرج يده ذات يوم من خلف ستارة إلى الطبيب ليجس نبضه فقال: هذا نبض مولانا السلطان، وابن البيطار الذي كان رئيسي العشابين عند الكامل وتوفي 646هـ/1248م واستخدم الملك الكامل في كتابه الإنشاء عدداً من الأشخاص أبرزهم الوزير بن شكر ت (622هـ/1225م) (2).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 334، 335، 336).
(2) صبح الأعشى (1/ 91) القدس بين أطماع الصليبيين ص 132.
(1/315)

وبهاء الدين زهير، والفخر سليمان بن محمود بن أبي غالب الدمشقي، وعندما توفي الأخير عام 630هـ/1232م استحضر الملك الكامل ناسخاً يقال له الأمين الحلبي، كان في خدمة الأمير عز الدين أبيك استداراً الملك المعظم، فلما حضر الأمين ليكتب بين يديه، خلع عليه، وأعاده إلى الأشرف صاحب دمشق (1)، وبعث الملك الكامل إلى ميافارقين فأحضر جلال بن نباته ليستكتبه، فلما حضر خلع عليه، وأعاده ولم يستكتبه، فعمل لدى الملك الأشرف، وعندما فتح الملك الكامل آمد عام 632هـ/1234م استخدم فخر الدين بن لقمان كانت عرصة القمح ونائب ناظر آمد وكان بهاء الدين زهير كاتب الإنشاء عند الملك الكامل قد استدعى من ناظر آمد بعض الحاجات، فكانت الرسائل ترد إليه بخط بن لقمان، فأعجب وكثر رجالات الملك الكامل وقد مر ذكر بعضهم في مواضع مختلفة من الكتاب ولكني أثارت إبراز شيخ الشيوخ وابن دية وابن المنذر بتفصيل أكثر لما بهم من أثر كبير في سياسة الملك الكامل واعتماده عليهم (2).
__________
(1) السلوك (1/ 28).
(2) القدس أطماع الصليبيين ص 133.
(1/316)

1 - أولاد شيخ الشيوخ: كان الشيخ صدر الدين من بيت كبير من خراسان وكان فقيها فاضلاً وكان له حرمة وافرة عند الملك الكامل، يعتمد عليه في كثير من الأمور، وقد أرسله عام 617هـ/1220م إلى الخليفة العباسي يستنصره على الفرنج في دمياط، فأصيب بالأسهال وتوفي بالموصل عن أربعة وسبعين عاماً (1) وخلف الشيخ صدر الدين أربعة أبناء عرفوا بأولاد شيخ الشيوخ وتقدموا عند الملك الكامل، واثروا في سلوكه، إذ كانوا إخوته في الرضاعة (2)، وكانوا يتولون مشيخة الخانقاه سعيد السعداء والتدريس في المدرسة الناصرية التي شيدها الناصر صلاح الدين يوسف عام 566هـ/1170م وكانت بجوار قبر الشافعي بالقرافة، وكذلك التدريس في المشهد الحسيني بالقاهرة، وقد حاز أبناء الشيخ فضيلة السيف والقلم يباشر أحدهم التدريس ويتقدم على الجيش، ويباشر الحرب (3)، وهم الأمير فخر الدين يوسف، وعماد الدين عمر، وكمال الدين أحمد، ومعين الدين حسن (4)، وكان الأمير فخر الدين يوسف أميراً عالي الهمة، فاضلاً ومتأدباً وسمحاً وجواداً، ومحبوباً إلى الخاص والعام، خليقاً بالملك لما فيه من الأوصاف الجيدة وكانت أمه ابنة المظهر بن أبي عصرون وكان الملك الكامل لا يطوي سراً عن فخر الدين ويثق به ويعتمد عليه، وكان أول أمره معمما، فالزمه الملك الكامل أن يلبس الشربوشي وزي الجند (5)، فأجابه إلى ذلك، فأقطعه الملك منية السودان بالديار المصرية، ثم طلب منه أن ينادمه فأجابه إلى ذلك وكان رئيساً محتشماً ذا عقل ورأي ودهاء وشجاعة وكرم (6)
__________
(1) البداية والنهاية نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 133.
(2) السلوك (1/ 302) القدس بين أطماع الصليبيين ص 133.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 133.
(4) المصدر نفسه ص 133.
(5) فوات الوفيات (4/ 366) القدس بين أطماع ص 134.
(6) شذرات الذهب نقلاً عن القدس بين أطماع ص 134 ..
(1/317)

وبعث الملك الكامل الأمير فخر الدين يوسف في عدة بعثات فقد أرسله إلى الأمبراطور فردريك الثاني عام 624هـ/1227م، يستقدمه إلى عكا ليشغل سر أخيه الملك المعظم (1) وفي عام 625هـ/1228م أرسله لتسلم حران والرها وسروج واستشهد في دمياط عام 647هـ/1249م (2).

وأما عماد الدين الحسن فكان من أكابر أعيان الدول والمقربين عند الملك الكامل (3) وساهم كمال الدين بن شيخ الشيوخ في خدمة الملك الكامل، فقد عين عام 627هـ/1229م نائباً بالجزيرة، ثم عينه الملك الكامل وزيراً له وخدم الملك الصالح أيوب إلى أن توفي عام 640هم1242م وقيل أنه مات (4) مسموماً وخدم معين الدين بن شيخ الشيوخ دولة الملك الكامل، فبعث عام 624هـ/1227م إلى الملك المعظم، ثم بعث إلى الخليفة لتوضيح أمر الخلاف بين الكامل والمعظم (5)، وتولي معين الدين نيابة الوزارة لدى الملك الكامل، ثم تولى الوزارة لدى الملك الصالح أيوب، وتوفي عام 643هـ/1245م (6).

2 - ابن دحية: أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد بن فرج بن دحية ولد عام 544هـ/1149م (7)، كان شيخ الحديث في عهد الملك الكامل، فولاه مشيخة دار الحديث الكاملية وكان الملك الكامل مقبلاً عليه، ثم أخذ منه دار الحديث وأهانه إذ كان يثلب علماء المسلمين ويقع فيهم ويزيد في كلامه، فترك الناس الرواية عنه وابتعدوا عنه وكذبوه ت عام 633هـ/1235م (8).
__________
(1) السلوك (1/ 58) القدس بين أطماع ص 134.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 135.
(3) المصدر نفسه ص 135.
(4) المصدر نفسه ص 135.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 135.
(6) البداية والنهاية نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 135.
(7) وفيات الأعيان نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 135.
(8) النجوم الزاهرة (6/ 295) القدس بين أطماع ص 136.
(1/318)

3 - الحافظ زكي الدين المنذري: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة الإمام العلامة محمد أبو زكي الدين المنذري، كان شافعياً، شامي الأصل (1)، ولد بمصر عام 581هـ/1185م، كان شيخ الحديث بمصر مدة طويلة ولى دار الحديث الكاملية (2)، وكانت له اليد الطولى في الفقه واللغة والتاريخ، زاهداً، وتوفي عام 656هـ/1258م اختصر صحيح مسلم، وسنن أبي داود، وله كتاب الترغيب والترهيب في مجلدين، وكتاب التكملة لوفيات النقلة (3). ونلاحظ اهتمام الملك الكامل بالشؤون الداخلية لمملكته، فسعى إلى توفير الأمن في البلاد وحد من نشاطات اللصوص وقطاع الطرق، وشمل برعايته الناس وحاول حل مشاكلهم وحاول مراقبة العلاقات بينهم، فتدخل لحل خلافات الأقباط ومنع الإسماعيلة من الدعوة لعقيدتهم، وعين بعض أمراء القبائل لضمان السير في ركابه، وعدم مخالفة أمره وأطلع على أحوال الدواوين، وحاول تنظيم سجلاتها ومحاكمة كل من يخون الوظيفة التي يعمل بها، كذلك حاول منع الرشوة والسرقة في الدواوين وأعاد العمل والنشاط لديوان التحقيق عام 612هـ/1227م ... ثم أنه ألغى هذا الديوان بعد عامين عندما استقامت الأمور (4)، وعني الملك الكامل بالمرافق العامة التي توفر حياة أفضل للسكان، فمد قنوات الري وشيد دار الحديث وأصلح قبة الشافعي، وأدخل زراعة اليلسا، وركز على إصلاح النظام النقدي في البلاد لتوفير الأموال اللازمة فحاول تنمية أموال الدولة وحد من تزييف النقود (5)
__________
(1) البداية والنهاية نقلاً عن القدس بين أطماع ص 137.
(2) الخطط (3/ 197) القدس بين أطماع ص 137.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 137.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 137.
(5) المصدر نفسه ص 137 ..
(1/319)

وبالرغم من محاولات الملك الكامل السابقة إلا أن الظروف الطبيعية من نقص لمياه النيل في بعض السنوات وكثرة الحروب في عهده ألقت بظلالها على حياة الشعب فظهرت المجاعات في بعض السنوات، وانتشرت الأوبئة وتفشت بعض أنواع الفساد، كالسخرة، والرشوة والسرقة، وغني عن البيان أن الملك الكامل اعتمد على مجموعة من الرجال الذين أسدوا له النصيحة وقدموا له المشورة في المواقف المختلفة، فكانت لهم اليد الطولى في إدارة البلاد، وتنظيم الدواوين، وتشييد العمران، وإصلاح النظام المالي، ومختلف الشؤون (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 138.
(1/320)

المبحث الثالث: سياسة الملك الكامل مع الممالك في عصره:
ترتَّب على زوال الخطر عن مصر، وانحسارهه في بلاد الشام، أن عاد الأمراء الأيوبيون إلى ما درجوا عليه من صرف أيامهم في المنازعات الداخلية لتحقيق مطامع إقليمية والواضح أن ما انعقد من التحالف بين أبناء العادل الثلاثة الكامل محمد في مصر، والمعظم عيسى في دمشق، والأشرف موسى في إقليم الجزيرة، لم يدم طويلاً بعد انتصارهم على الحملة الصليبية الخامسة، ولم يلبث أن انفرط عقده في نهاية عام 619هـ/1223م إذ كان المعظم عيسى يخشى من أخويه الكامل محمد والأشرف موسى، ويطمع في حكم مصر والتوسع في إقليم الجزيرة (1) والحقيقة أن الأيوبيين كانوا أحوج إلى الاتحاد في ذلك الوقت منهم في أي وقت مضى، بفعل ظهور خطر جديد هدّدهم هو الخطر الخوارزميين، وقد ظهر ذلك الخطر نتيجة مباشرة لحركة التوسع المغولي (2)
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 324.
(2) المصدر نفسه ص 324، مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك ص 92 ..
(1/321)

وكان الأشرف موسى، أكثر شعوراً بذلك الخطر الخوارزمين لمتاخمة بلاده في الجزيرة وخلاط ممتلكات الخوارزميين في أذربيجان وأرّان وبعض بلاد الكرج وعراق العجم وغيرها، لذلك عمل جاهداً على إعادة توحيد الأسرة الأيوبية لمجابهته، فقام بزيارة لأخيه المعظم عيسى في دمشق وطلب منه أن يعمل بسرعة على توحيد البيت الأيوبي لمجابهة خطر الخوارزميين المتزايد، الذي بات يهدد أملاك الأيوبيين ويبدو أن صاحب دمشق لم يأبه لهذا الخطر، وأن كل ما يعنيه هو التوسع على حساب إخوته، لذلك استغل وجود أخيه في دمشق وقبض عليه، وأجبره على التعهد بمساعدته في التوسع شمالاً باتجاه حمص وحماة، ثم في مهاجمة مصر، لكن ما كاد الأشرف موسى يتخلص من قبضة أخيه حتى نقض ما بينه وبين أخيه المعظم عيسى وتأوَّل في إيمانه التي حلفها، بأنه كان مكرهاً عليها، ثم زار مصر دون أن يخبر المعظم عيسى أو يصطحبه معه، وأكّد تحالفه مع أخيه الكامل محمد، وأخبره بكل حدث (1).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 324.
(1/322)

أولاً: موقف الملك الكامل محمد من الملوك الأيوبيية: كان الملك الكامل محمد قد أضحى آنذاك من النفوذ والسلطان ما جعله يفرض على أمراء الشام بأن يلتزموا الهدوء والسكينة، ولم يخرج عن طاعته إلا المعظم عيسى صاحب دمشق، الذي ظن أن أخاه الأشرف موسى يهدف، من وراء هذه الزيارة، إلى التحالف مع أخيه الكامل محمد ضده، وشعر بأنه واقع تحت ضغط أخويه، فحرص على أن يثير لهما المتاعب في بلاد الشام وإقليم الجزيرة، فحرص على أن يثير لهما المتاعب في بلاد الشام وإقليم الجزيرة، فهاجم حماة في عام (620هـ/1223م) واستولى على بعض أعمالها مثل المعرة وسليمة، وكانت حماة وأعمالها لابن عمه الناصر صلاح الدين قلج أرسلان، مما أشار الأشرف موسى والكامل محمد، فأرسل هذا الأخير إليه يطلب منه الرحيل عن حماة، فتركها وهو (1) حنق، وكان ذلك فاتحة الخلاف بين المعظم عيسى من جهة وأخويه الأشرف موسى والكامل محمد من جهة أخرى، وتحقّقت الآن مخافة من أن أخويه ينويان اقتسام بلاده وكان يمكن لهذا النزاع أن يبقى محصوراً داخل الأسرة الأيوبية، لولا استغاثة الأطراف المتنازعة بقوة خارجية، مما أعطاه بُعداً إقليمياً (2).
1 - أصداء التحالف في الجزيرة: عندما شعر الملك المعظم بالتقارب بين أخويه، قدَّر أنه سيدفع من مملكته ونفوذه ثمن هذا التقارب، فبدأ يلتمس طُرُقاً للرَّدَّ على تحالف أخويه، وفكَّر الملك المعظم بكُلَّ من حوله من الملوك وكانت الساحة أمامه كما يلي:
- إخوته الآخرون: معظمهم أصحاب قلاع وبُلدان صغيرة ولا يشكلون إلا قوة تأثير بسيطة ما عدا أخيه المظُفَّر غازي صاحب خِلاطَ، فاتَّصل به وحسَّن له الخروج على الملك الأشرف.
- ملوك بني أيوب وابن عمَّهم المجاهد، وكانوا كلهم مخالفين للأشرف، ويداً واحدة معه (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 324.
(2) المصدر نفسه ص 235.
(3) مفرج الكروب (4/ 176).
(1/323)

- صاحب حلب الملك العزيز محمد طفل صغير ووصيه طغريل متفق بشكل كامل مع الملك الأشرف.
- في حماة الملك الناصر قلج أرسلان متحالف مع الملك الأشرف، الذي يضمن له مُلكه، فقد اغتصب حق أخيه المظفَّر في ملك حماة بعد موت أبيه.
- الملك المجاهد صاحب حمص، كان أفضل حُلفاء الكامل وأقواهم، يُطلعه الكامل على مُراسلاته ويشاوره ولا تنقطع هدايا الكامل إليه (1).

وأمام هذه الخارطة السياسية للوضع الأيوبي التفت الملك المعظم خارج البيت الأيوبي من أجّل تأمين دعم قوى يكسر عنه طوق أخويه من الشمال والجنوب، فامتدت أنظاره إلى مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كجك، صاحب إربل فالمودة بينهما سابقة وكان كوكبري قد طلب من الملك المعظم عام 622هـ - 1225م، إرسال ابنه ووليّ عهده الناصر داود ليُقيم لديه في إربل (2)، فاعتمد الملك المعظم على وجود ابنه في بلاط المظفَّر وأرسل له عام 623هـ/1226م رسولاً يشرح له حال الشام ويعرض عليه التحالف معه، وعاد الرسول بالموافقة واستطاع الملك المعظم ضم الملك المسعود بن الصَّالح الأرتقي صاحب آمد في التحالف ضد الملك الأشرف (3).
__________
(1) السلوك للمقريزي (1/ 262).
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 237).
(3) المصدر نفسه (1/ 238).
(1/324)

واتفق الملك المعظَّم مع أكبر قّوة خارجية كانت تتلوح في الأفق الشمالي الشرقي وهي الدولة الخَوَازرمية، فقد راسل السلطان جلال الدين، وخالفه، ونتيجة للخوف من قدوم جلال الدين إلى المنطقة تحركت القُوَّة الخارجية الثانية وهي دولة سلاجقة الرُّوم، فحالف سُلطانها كَيْقُبَاذ الملك (1) الأشرف واتَّضح في المنطقة معالم حليفين كبيرين الأول دبَّره ورتَبه الملك المعظمَّ وأكبر قوة فيه الدولة الخوارزمية ومعهم مظفر الدَّين صاحب إربل، والمسعود صاحب آمد، والمظفر غازي صاحب خلاط وأما الحلف الثاني، فهو حلف انتظم فيه معارضوا الحلف الأوّل، وفيه - حُكما - الملك الكامل وأخاه الملك الأشرف، وحليف الملك الأشرف القديم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وانضَّم إليهم كيقبُاد سُلطان سلاجقة الروم، بدأ التحُّرك لحلف المعظم، بإعلان المظفر شهاب الدين غازي العصيان على أخيه الملك الأشرف في خلاط فسار الملك الأشرف، وحاصره، وأنزله من قلعتها بالأمان فاستردها منه وأبقى عليه ميّافارقين فقط (2) وبدأ الصراع المسلح بين الأخوة وكل من أحلافهم وتعقد الوضع السياسي والعسكري في شمال الشام واتفق الملك الأشرف والملك المعُظم على اللقاء وأن: يرحل كلُّ منهما عن الموضع الذي يحاصره " فالتقيا في القريتين وسار الملك الأشرف مع الملك المعظمَّ حتى دخلا دمشق (3)، ويبدو من هذه الأحداث وتطوراتها أن الملك الأشرف هو صاحب فكرة الاجتماع قصداً لقطع مادة الشَّر (4)، ونتيجة لتطور الأحداث وافق الملك الأشرف أخاه على ما طلبه منه، وعاد الملك الأشرف للجزيرة (5).
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 203).
(2) المصدر نفسه (4/ 138).
(3) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 240).
(4) مفرج الكروب (4/ 179).
(5) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (1/ 241).
(1/325)

2 - وفاة الملك المعظم 624هـ: السلطان الملك المعُظَّم ابن العادل شرف الدين عيسى بن محمد الحنفيُّ الفقيه صاحب دمشق وكان مولده بالقصر من القاهرة في سنة ست وسبعين وخمس مئة، ونشأ بدمشق، وحفظ القرآن وبرع في المذهب، وعُني بالجامع الكبير، وصنف له شرحاً كبير بمعاونة غيره، ولازم التاج الكندي وتردَّد إليه إلى درب العجم من القلعة، وتحت إبطه الكتاب، فأخذ عنه "كتاب سيبويه" وكتاب "الحجة في القراءات" و "الحماسة" وحفظ عليه "الإيضاح" وسمع "مُسند الإمام أحمد بن حنبل" وله "ديوان شعر" سمعه منه القوضيُّ فيما زعم، وله مُصَنفَّ في العَرُوض، وكان ربما لا يقيم الوزن وكان يتعصَّب لمذهبه، وقد جعل لمن عرض "المُفَضَّل" مئة دينار صُورّية ولمن عرض "الجامع الكبير" مئتي دينار (1) ولما وقف الملك المعظم على تاريخ بغداد الذي صنفه الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن ثابت وفيه مطاعن على أبي حنيفة رحمه الله رواها الخطيب عن جماعة من المحدثين، رد عليه الملك المعظم في ذلك، وصنف كتاباً سماه " السهم المصيب في الرد على الخطيب" وأجاب الملك المعظم في هذا الكتاب عن كل مطعن ذكره بأحسن جواب وذكر فيه مباحث جليلة دقيقة في الفقه والنحو، وكان الكتاب في غاية الحُسن (2).
وحج المعظم في سنة 611هـ، وأنشأ البَرك وعمل بمُعان دار مضيف وحّماماً، وكان يبحثَ ويناظر، وفيه دهاء وحزم، وكان يوصف بالشجاعة والكرم، والتواضع، ساق مّرة إلى الإسكندرية في ثمانية أيام على فرس واحد، واعد القصَّاد وأصحاب الأخبار ... (3) وكان يركب وحده مراراً ثم يلحقه مماليكه يتطاردون، وكان عالماً بعدة علوم، نفق سوق العلم في أيامه، وقصده الفقُهاء، فأكرمهم، وأعطاهم وكان يقول:
__________
(1) سير أعلام البنلاء (22/ 121).
(2) مفرج الكروب (4/ 121).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 121).
(1/326)

اعتقادي في الأمصول ما سطره الطحاوي (1) ومن جملة ما كتبه الطحاوي في العقيدة الإسلامية السنية:
قال العلامة أبو جعفر الطحاوي المتوفي سنة 321هـ وهو من علماء مصر في المذهب الحنفي: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين، نقول في توحيد الله - معتقدين بتوفيق الله- أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إله غيره، قديم بلاء ابتداء دائم بلا انتهاء لا يفنى ولا يبيدُ، ولا يكون إلا ما يريد لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشببه الأنام، حي لا يموت قيوم لا ينام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مُميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة ما زال بصفاته قديماً قبل خَلقه لم يزَدد بكونهم شيئاً لم يكن قَبَلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياَّ كذلك لا يزال عليها أبديَّا عليها أبدياَّ، ليس بعد خلق الخلق اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الإسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمرِ عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الشورى،: 11) خَلقَ الخلَق بعلمه، وقدرَّ لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته وكل شيءٍ يجري بتقديره، ومشيئته، ومشيئته تنفيذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان ومالم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافى فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلى عدلاً وكلهم يتقلبَّون في
__________
(1) المصدر نفسه (22/ 121).
(1/327)

مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، ولا راد لقضائه ولا معقَّب لحكمه ولا غالب لأمره، آمنَّا بذلك كله وأيقنَّا أن كلاً من عنده، وأن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين وكل دعوى النبوة بعده فغيُّ وهوى وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضَّياء وأن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً.
(1/328)

وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوف ككلام البريَّة، فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمّه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى "سأصليه سقر" (المدثر، آية: 226)، فلما أوعد الله بسقر لمن قال" إن هذا إلا قول البشر" (المدثر، آية: 25) عَلِمنا وأيضاً أنه قول خلق البشر ولا يُشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر، والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا" وجوه يومئذ ناضره إلى ربها ناظرة" القيامة (22 - 23) وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعَلَمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على، ما أراد، لا ندخل في ذلك متأوَّلين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلمَّ لله عز وجل ولرسوله، وردَّ علمَ ما اشتبه عليه إلى عالمه ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حُظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمُهُ، حَجَبهُ مرامُهُ عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار موسوساً تائها، زائغاً شاكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السَّلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التَّأويل ولُزوُم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوقَّ النَّفي والتشبيه زلّ ولم يُصِب التنَّزيه، فإن ربنا عز وجل موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البريَّة، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات السَّتُ كسائر المبتدعات والمعراج حق وقد أسرى النبيَّ صلى الله عليه وسلم،
(1/329)

وعرج شخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العُلا وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه "ما كذب الفؤاد ما رأى" (النجم، آية: 11) فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى، والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته - حقُّ والشفاعة التي أدَّخرها لهم حق كما رُويَ في الأخبار، والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذَّريته حَقَّ، وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جمله واحدة فلا يزاد في ذلك العَدَدُ ولا ينقص منه وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكُلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقى بقضاء الله، وأصل القدر سر الله في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلمَّ الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مَرَامه، كما قال الله تعالى في كتابه " لايُسألُ عّما يفعل وهم يُسألون" (الأنبياء، 23).
(1/330)

فمن سأل، لم فعل، فقد ردَّ حكم الكتاب، ومن ردَّ حكم الكتاب كان من الكافرين، فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منورَّ قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان؛ علم في الخَلْقِ موجود وعلم في الخَلْقِ مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وإدّعاء العلم المفقود كُفُر، ولا يثبت الإيمان العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود، وبجميع ما فيه قد رُقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنّهُ كائن، ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة وما أخطأ العبد لم يكن ليُصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدَّر ذلك تقدير مُحكما مُبرماً، ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغيرَُّ ولا ناقصٌ ولا زائد من خلقه في سماوته وأرضه وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وبربوبيته، كما قال تعالى في كتابه "وخلق كلَّ شيء فقدره تقديراً" (الفرقان، آية:2) وقال تعالى"وكان أمر الله قدراً مقدوراً" (الأحزاب، آية: 38) فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرَّاً كتيما، وعا بما قال فيه أفاكاً أثيماً والعرش والكرسي حق محيط بكل شيء وفوقه وتقول: إن الله اتَّخذ إبراهيم خليلاً وكلَّم الله موسى تكليما، إيماناً وتصديقا وتسليما (1).
__________
(1) جامع شروح العقيدة الطحاوية تقلت منه المتن.
(1/331)

ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين، ونُسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدَّقين ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله، ولا نجادل في القرآن ونشهد أنه كلام ربَّ العالمين، ونزل به الروح الأمين فعلمه سَيَّد المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ولا تخالف جماعة المسلمين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب مالم يستحله ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم، ويدخلهم الجنَّة برحمته ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنَّطهم والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام (1) وسبيل الحقَّ بينهما لأهل القبلة ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه، والإيمان، هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان (2)، وجميع ما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كُلُّه حقُّ والإيمان في أصله وأحد وأهله في أصله سواء (3)،
__________
(1) من جامع شروح العقيدة الطحاوية، محموعة من العلماء.
(2) الإيمان: الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان.
(3) الحقيقة أن أهل الإيمان متفاوتون تفاوتاً عظيماً ..
(1/332)

والتفاضل بينهم بالخشية ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى والمؤمنون كلهم أولياء الرحمان وأكرمهم عند الله أطوعهم واتبعهم للقرآن، والإيمان، هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرهَّ وحُلْوِه ومرَّهِ من الله تعالى، ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله ونصَّدقهم كلهم على ما جاءوا به، وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحَّدُون وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم، وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (النساء، آية: 48، 116) وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نُكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من هدايته اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به، ونرى الصلاة خلف كل برَّ وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم، ولا نُنزَّلُ أحداً منهم جنة ولا ناراً، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق مالم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف، ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، مالم يأمُرُوا بمعصية، وندعو لهم بالصّلاح والمعافاة، ونتبَّعُ السنة والجماعة ونجتنب الشُّذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة، ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر، والحج والجهاد ماضيان مع أولى الأمر من المسلمين، بَرهِم وفاجرهِم إلى قيام الساعة، ولا
(1/333)

يُبطلهما شيء ولا ينقضهما، ونؤمنَ بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين، ونؤمن بملك الموت، الموكَّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكرونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيَّه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراء الكتاب والثَّواب والعقاب والصراط والميزان والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً، ولا تبيدان، وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهم أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه وكل يعمل لما قد فُرغ له، وصائرُ إلى ما خلُق له، والخير والشَّرُّ مَقدَّران على العباد (1)
__________
(1) جامع شروح العقيدة الطحاوية مجموعة من العلماء أخذت من الكتاب متن الطحاوية ..
(1/334)

وجاء في العقيدة الطحاوية: ونُحبُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولانُفِرط في حب أحدٍ منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم ولا تذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، نثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم لعثمان رضي الله عنه ثم لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديُّون وإن العشرة الذين سّماهم رسول الله وبشرّهم بالجنة نُشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحقُّ وهم أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وسعد، وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أَمين هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين، ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كلَّ رجُس، فقد برئَ من النفاق وعلماء السَّلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنّظر، لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل (1)،
__________
(1) جامع شروح العقيدة الطحاوية لمجموعة من العلماء أخذت متن الطحاوية ..
(1/335)

ولا يفضل أحداً من الأولياء على أحدٍ من الأنبياء عليهم السَّلام، ونقول: نبيُّ واحد أفضل من جميع الأولياء، ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصحَّ عن الثقات من رواياتهم ونؤمن بأشراط الساعة، من خروج الدّجَّال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها ولا نصَّدق كاهناً ولا عّرافاً ولا من يدّعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمّة ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام قال تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران، 19) وقال تعالى: "ورضيت لكم الإسلام ديناً" (المائدة: 3) وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتَّعطيل وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس، فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً ونحن براء إلى الله من كلَّ من خالف الذي ذكرناه وبينَّاه (1) لعقيدة أهل السنة وكتابه في هذا الباب قد وضع الله له قبولاً إلى يومنا هذا وكان الملك المعظم ممن تأثروا بالعقيدة الطحاوية واعتقدها ودعاً إليها.
__________
(1) المصدر نفسه.
(1/336)

3 - مرحلة الوفاق الأيوبي والاعتراف بسلطنة الكامل: بدأت بوفاة المعظم عام 624هـ/1227م وأخذ الأشرف دمشق وتسليمه بعض مدن الجزيرة للكامل عام 626هـ/1229م لم يكن الناصر داود بن المعظمَّ مؤهَّلات والده، فبعد أن خلفه في حكم مملكة دمشق، عرض عليه الأشرف الإنضمام إلى حلف الشَّام ضد الكامل، فأبى، وانحاز إلى الكامل (1)، لكنَّ الكامل، كشف سريعاً عن أطماعه بدمشقن وسار نحوها عام 625هـ/1228م، فاستنجد داود بعمه الأشرف، فسارع إليه مع المجاهد، ولكنهما بدل دُخول دمشق أو الإقامة حولها للدفاع عنها، التقيا الكامل، وعقدا مؤتمر العوجا الذي تقرَّر فيه نزع دمشق من داود وتسليمها للأشرف مقابل، تسليم الأشرف للكامل عدَّة بُلدان في الجزيرة منها: الرقة، والرُّها، وغيرها (2)، وتمتاز هذه المرحلة بنزوع الأشرف إلى حياة الترف والدعة بدمشق، وتحوُّل القُوَّة الكُبرى في الجزيرة من الأشرف إلى الكامل، الذي كانت مشكلته مع الجزيرة هي مشكلة المسافة والبُعد عنها، وغالباً ما كانت تسبقه الأحداث بها وكان الكامل قد أرسل إلى فريدرك بعده بالقدس إلى حضر لنصرته ضدَّ أخيه الملك المعظًَّم، ولكنَّ أيام الملك المعظم لم تطل، فقد توفي 624هـ/1227م وخلفه ولده الناَّصر داود في دمشق، ممَّا سهل مهمَّة الملك الأشرف والكامل في أخذ مملكته ففي سنة 625هـ/1228م، تحرّك الكامل من مصر: وأرسل داود يستدعى الملك الأشرف من بلاده الشرقيَّة .. ودخل الملك الأشرف دمشق، فأعجب بها، وعمل في الباطن على انتزاعها لنفسه (3)،
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 125).
(2) الكامل في التاريخ نقلاً عن العلاقات الدولية (1/ 241).
(3) السلوك المقريزي (1/ 250) العلاقات الدولية (1/ 241) ..
(1/337)

بينما وثق داود بالملك الأشرف لمَّا خدعه بعذوبه لسانه، فَسيَّره إلى الملك الكامل، معتمداً في إصلاح أموره عليه، فلم يألُ جهداً أن ساق الحصار (1) وفي عام 626هـ/1229م، تسلمَّ الملك الأشرف دمشق وأعطى للكامل - عوضاً عنها - حَّران والرّها، ورأس عين، والرقَّة والموزر، وبذلك، دخل الكامل عالم الجزيرة الشامَّية من أوسع أبوابه، وأصبح القوة السَّياسيَّة والعسكرية الأكبر في البلاد الجزرية، بعد أن تخلىَّ الملك الأشرف له عن مواقعة بها، ويبدو أن الملك الأشرف: اقتنع بدمشق، واشتغل باللهو والملاذ (2) وفي عام 627هـ/1230م، تمكن خوارزم شاه من دخول خلاط بخيانة من القائد المكلفَّ بحراسة أحد الأبواب، ولحنقه من المقاومة الشرسة التي واجهته " فعل بأهلها ما يفعله التَّتر (3)، فقتل كُلَّ من وجد في البلد وسبى عسكُرهُ الحريم وباعوا الأولاد كما يُفعل بالكفرة (4)، وبلغ الملك الأشرف أخذ الخوارزميين خلاط وهو بدمشق، فخرج على وجهه، حتى أتى الرقَّة ثم سار إلى حرَّان، وكتب إلى حلب والموصل والجزيرة، فجاءته العساكر ورحل يُريد الروم (5)، واتفق مع كيُقباذ سُلطان سلاجقة الروم وتمَّكنا من هزيمة جلال الدين الخوارزمي واسترجع الملك الأشرف خلاط عام 628هـ/1231م وبعد استرجاع خِلاط، وكفّ شّر الخوارزمي بالإتفاق معه، والحلف القديم مع الرُّومي، وجد الملك الأشرف أن الوقت قد صفا له، فتخلىَّ عن الجزيرة ومشاكلها للكامل وتفرَّغ للهوه وملذَّاته بدمشق (6)،
__________
(1) الفوائد الحلية، الأمجد حسين بن داود ص 219 العلاقات الدولية في الحروب الصليبية (1/ 242).
(2) المختصر (3/ 147) العلاقات الدولية (1/ 242).
(3) المختصر (3/ 146) العلاقات الدولية (1/ 242).
(4) مفرج الكروب (4/ 294) العلاقات الدولية (1/ 242).
(5) كنز الدُّرر ابن آيبك (7/ 299) العلاقات الدولية (1/ 243).
(6) المختصر (3/ 147) العلاقات الدولية (1/ 243) ..
(1/338)

مفسحاً المجال لأخيه الكامل للتحرُّك في الشام والجزيرة ومحاولة تحقيق مشروعه الكبير بضمَّ الشام إلى مصر وتشكيل مملكة واحدة منهما تحت حكمه (1) ولم تمتّد ممتلكات الكامل من مصر حتى الجزيرة، وحسب، بل اعترف به جميع ملوك بني أيُّوب سُلطاناً أعظم عليهم، ومرجعاً للبيت الأيوبي دون أن يخرج أيُّ منهم عن طاعته، وتحقَّق بذلك القسم الأوَّل من مشروع الكامل، وهو ضَمُّ الشَّام إلى مصر تحت حكمه، وهذا الحُلم كان يراود كُلَّ من شعر بتفوقه من ملوك بني أيوب، ولتحقيق كامل المشروع تحرَّك الكامل بقوَّاته من مصر عام 629هـ-1231م بعد أن مهَّد لنجاح مشروعه بسلسلة من المصاهرات ربط بها، من يخشى معارضتهم من الملوك الأيوبية، فقد زوَّج ابنته فاطمة خاتون من الملك العزيز صاحب حلب، كما زوج الكامل ابنته الأخرى غازية خاتون من الملك المظُفرَّ صاحب حماة، وفي طريقه مرَّ بالكرك، فعقد لصاحبها ابن أخيه النَّاصر داود بن المعظمَّ على ابنته الثالثة عاشوراء خاتون، وغطىَّ الكامل تحركه العسكري بإظهار هدف يُمكن قبوله في الشَّام، ويُسوّغ به خُروُجه بهذه القوة فقد أعَّلن أنَّه يريد انتزاع آمد من يد ملكها المسعود بن الصَّالح محمود وكانت آمد مع قوَّة حُصوُنها لا تستحق هذا الجمع العسكري الهائل الذي وصل مع الكامل والذي قال عنه ابن واصل في أحداث 631هـ/1234م ما يلي " شاهدت مع العساكر وكثرتها ما غلب على ظني إنه لم يجتمع مثله في الأعصار القريبة منَّا لملك من الملوك (2) وحاصر الكامل مدينة آمد بقوات هائلة الحجم والفعَّالية، وهاجمتها العساكر، ونقبت الأسوار، فطلب أهلها الآمان، فأجابهم الكامل (3)، ونزل صاحبها إلى الكامل، فاعتقله وسجنه في حصن كيفا (4)
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 243).
(2) مفرج الكروب (5/ 74) العلاقات الدولية (1/ 245).
(3) العلاقات الدولية (1/ 245).
(4) المصدر نفسه (1/ 245) ..
(1/339)

وسلمَّ الكامل آمد لابنه الصالح أيوب ليكون نائباً عنه فيها (1)، ورتبَّ معه الطواشي شمس الدين صواب العادلي لأنَّه كان من أكابر الخدم العادلية، وأوثقهم عنده وجعل إليه النقض والإبرام في جميع الأمُور والملك الصالح معه صورة (2). وقّرر الكامل تنفيذ الجزء الثاني من مشروعه الكبير وذلك بالهجوم على دولة سلاجقة الروم واحتلالها لنقل إقطاعات ملوك الشام الأيوبية إليها وضمّ الشام بشكل كامل - إلى مصر بدولة واحدة وملك واحد لكن يبدو أن حسابات الكامل كانت غير دقيقة، فإمّا أنهّ قد بالغ في ثقته بنفسه بالسيطرة الكاملة على الملوك الأيُّوبية أو سوء تقديره لقوَّة خصمه الرُّومي، وبالأخص لطبيعة بلاده وحصانتها، واتساعها (3).
__________
(1) أخبار الأيوبيين لابن العميد نقلاً عن العلاقات الدولية (1/ 246).
(2) مفرج الكروب (5/ 34) العلاقات الدولية (1/ 246).
(3) العلاقات الدولية (1/ 246).
(1/340)

4 - حلف الشام ضد السلطان الكامل والانقسام الأيوبي:
قيل: إنه كان في معسكر الكامل ستَّة عشر دهليزاً لستة عشر ملكاً (1)، لكنَّ كُلَّ ذلك لم يغن الكامل فيروي لنا الأمجد بن الملك الناصر داود ما حصل بين الملوك الأيوبية بقوله: إلاَّ أن الكامل - فيما بلغني - كان قد تفوَّة بما وعز صدور أهله عليه وسدَّد بالتخاذل إليه وذلك إنه قال: أريد أن أجعل البلاد سفقتين، فأضم الشام إلى مصر وأعوَّض ملوكه في الروم فَجذرِ كل منهم مفارقة إلفه، وخشي أن يكون في مناصرته كالبالحث عن حتفه بظلفه، فخبرت أن المجاهد انتصب لهذه القضية، فكان ابن بجدتَها وشيخ، فاجتمع بوالدي وبالملك الأشرف وجماعة من الملوك مُقدَّ من النُجُد، فحذرهم عاقبة التغرير، وقَّرر معهم أن الحزم كُلَّ الحزم في التلكَّؤ والتقصير، فتنسم الملك الكامل الأخبار، وطار تخيُّله منهم كُلَّ مطار (2) ويبدو أن السلطان الكامل قد شعر باختلاط الأوراق، بعد علمه بانتشار إشاعة نقل الملوك الأيوبية إلى أرض الروم بعد أخذها وأيقن أن مشروعه بات في مهب الريح ... وبعد أمور جرت تراجع الكامل لأنه يرَ المقارعة بأنصار قد تفرَّقت عزماتهم (3)، ولم يستطع الكامل فعل شيء مع الملك المجاهد المدبَّر الحقيقي للتحرك ضدَّه، ولا مع الأشرف أقوى ملوك الشام، فصبَّ جام غضبه على الناصر داود، ويصف ذلك الأمجد بن الناصر داود بقوله: ورتبَّ قوات تلك المملكة على سعي والدي، فعدّ، عليه أكبر ذنب، فلمَّا فارقه من دمشق آذنه بحرب (4)، وألزمه بطلاق ابنته عاشوراء فطلقَّها (5)،
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 75 - 76).
(2) الفوائد الجلية، الأمجد حسن بن داود ص 218.
(3) مفرج الكروب (5/ 77، 81) العلاقات الدولية (1/ 251).
(4) الفوائد الجلية ص 219 العلاقات الدولية (1/ 251).
(5) أبو الفداء (3/ 155) العلاقات الدولية (1/ 251) ..
(1/341)

وبدا على الساحة وكأن الأمور قد انعكست على سعي الكامل الذي خرج يطلب بلاد الرُّوم ومعه كل ملوك بيته فعاد، وقد انقلبوا عليه جميعاً، وأرسلوا يطلبون منه عدم الخروج إلى الشام (1).

وبعث الملك الأشرف إلى أخيه الكامل: أنا قد اتفقت كلمتنا ونطلب منك ألا تخرج من مصر، ولا تنزل الشام وتحلف لنا على ذلك (2)، فلما قرأ الملك الكامل رسالة أخيه الأشرف أجابه: أنتم اتفقتم، فلم تطلبوا مني اليمين، احلفوا لي أنتم ألا تقصدوا بلادي، ولا تتعرضوا لشيء مما في يدي وأنا أوافقكم على ما تطلبون (3)، وأضاف: أبكاني اختلاف ملوك الإسلام، وأضحكني كوننا الجميع مشايخ، وما بقي لنا فسحة في الأجل نحتمل القال والقيل (4) وبما أن خيوط اللعبة السياسية منوطة بشخص الملك في الدُّول الأيوبية فقد كانت تتداخل الأمور، وقد بحث انهيار سياسي وعسكري بحال وفاة الملك، فلا تُوجد مُؤسَّسات سياسَّية أو عسكرية تتابع نهج الملك، الذي كان كخيط السبحة التي ينظم حبًّاتها، فإذا انقطع تبعثرت، وهذا ما حدث في الشام عندما تُوفيَّ الملك الأشرف بدمشق عام 635هـ/1238م (5).
__________
(1) شفاء القلوب ص 317 العلاقات الدولية (1/ 251).
(2) مفرج الكروب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 173.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 173.
(4) النجوم الزاهرة (6/ 297).
(5) ذيل الروضتين نقلا ًعن العلاقات الدولية (1/ 251).
(1/342)

5 - وفاة الملك الأشرف: عام 635هـ:
صاحب دمشق السلطان الملك الأشرف مظفرّ الدين أبو الفتح موسى شاه أرمن ابن العادل وسمع "الصحيح" في ثمانية أيام من ابن الزبيدي تملك القدس أولاً، ثم أعطاه أبوه حرّان والرُّها وغير ذلك، ثم تملكَّ خِلاط، وتنقلت به الأحوال، ثم تملك دمشق بعد حصار الناَصر بها، فعدل وخفَّف الجَورَ، وأحبته الرَّعية، وكان فيه دين وخوف من الله على لِعبه، وكان جواداً، سمحاً، فارساً شجاعاً لديه فضيلة (1).

أ- حسن خلقه وجميل عشرته: قال ابن واصل: كان ملكاً جواد مفرط السخاء، يطلق الأموال الجليلة، حتى قيل أنه كان يصل إليه الحمل الذي فيه المال المستكثر فيطلقه لأحد الحاضرين عنده ولم نسمع أن أحداً من الملوك والعظماء بعد آل برمك فعل فعله في التوسع في العطاء والكرم ونقل عنه مع ذلك من حسن الخُلق وجميل العشرة لأصحابه مالم ينقل مثله عن أحد من الملوك المتقدمين، فحكي لي بعض من كان يصحبه قال: أهدي إليه يوماً خيار في أول باكورته وأنا عنده، فوضعه بين يديه وشرع في تقشيره واحدة بعد واحدة، وكلما قشر واحدة أكلها حتى أتى على ذلك الخيار الذي أهدى إليه، وكان عدده قليلاً، ثم أمر لمن أتاه بذلك الخيار بخمسمائة درهم فأخذها وانصرف قال: فعجبنا من كونه لم يؤثر أحداً من الحاضرين بشيء منه وكانت عادته، أنه إذا أتُي بشيء أكل بعضه وآثر الحاضرين ببقيته، فلما لم يفعل هذا ذلك اليوم، وخالف عادته تعجبنا منه، فلما فرغ منه قال: هل علمتم ما السبب في أني لم أعطكم من هذا الخيار شيئاً؟ فقلنا: لا فقال: والله ما قشرت منه واحدة إلا ووجدتها مُرّة، فما أمكنني أن أذكر ذلك، ولا أن أرمي منه واحدة لئلاً ينكسر قلب الذي جاء به، فكنت كلما تطعمت بواحدة التزمت أكلها حتى أتيت على الجميع (2).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 123).
(2) مفرج الكروب (5/ 140).
(1/343)

ب- ميمون النقيبة، مظفر في حروبه: كان ميمون النقيبة، سعيداً إلى الغاية، مظفراً في حروبه ومصافاته، تأتيه السعادة وتواتيه بما لا يكون في حسابه ولا حساب أحد من الخلق، ووقعت له من ذلك أشياء خارقة لم يتفق مثلها لغيره منها أنه قدم إلى خلاط زائراً لأخيه الملك الأوحد، عائداً له من مرضه، فأقام عنده إلى أن أبلّ من مرضه ودخل الحمام فأراد الأشرف أن ينصرف إلى بلاده، فقال له طبيب الملك الأوحد: أقم الليلة فإن الملك الأوحد ميت لا محالة فأقام تلك الليلة، واتفق موت الملك الأوحد، واستولى على مملكة خلاط جميعها ومن مصافاته التي نُصر فيها أنه كسر عسكر الموصل على بُوشْره وكان جمع صاحب الموصل أكثر من جمعه بكثير، وخرج سلطان الروم في جمع عظيم ومعه الملك الأفضل بن صلاح الدين مقدراً في نفسه أنه يملك الشام والشرق جميعه ويستولى على ممالك بني أيوب، فقصده الملك الأشرف، فانكسر سلطان الروم بمقدمه عسكر الملك الأشرف وبعض الجند، وولى سلطان الروم منهزماً لا يلوى على شيء واستعاد منه الملك الأشرف كل ما أخذ من البلاد وأعطى الملك الأشرف كل ما فتحه للملك العزيز صاحب حلب لم يأخذ منه لنفسه شيئاً ولحسن سيرته التجى إليه صاحب الموصل وصاحب حماة وصاحب حمص وذبَّ عن الجميع وحماهم (1).
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 141).
(1/344)

ج- حسن العقيدة، جميل الطوية: كان رحمه الله حسن العقيدة، جميل الطوية، يميل إلى أهل الصلاح والدين والعلم ويكره الفتن والعصبية في المذاهب (1) وكان للأشرف ميل إلى المحدثين والحنابلة، قال ابن واصل: وقعت فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد، قال: وتعَصَّب الشيخ عز الدين ابن عبد السلام على الحنابلة .. وجرى بسبب ذلك خطب طويل وأوجب فرط العصبية من الشيخ عز الدين أن كتب إلى الملك الأشرف أن باب السلامة – لما حضر الملك الأفضل والملك الظاهر دمشق، والملك العادل محصور بدمشق، فتحه بعض الحنابلة المحاصرين حتى أوجب ذلك هجومهم إلى البلد، وقصد عز الدين بذلك إيذاء الحنابلة وإغراء الملك الأشرف بهم، ولم يكن هذا حسناً من عز الدين ولا أعجب الملك الأشرف بل غاظه عليه، وكتب في جواب ورقه: يا عز الدين الفتنة نائمة فلعن الله مثيرها وأما حديث باب السلامة فالأمر فيه كما قال الشاعر:
وجُرم جّره سفهاء قوم ... فحل بغير جارمه العذاب (2)

خ- صدقات دارّة، ومعروف كثير: وكانت له – رحمه الله – صدقات دارّة، ومعروف كثير جداً، وبنى بدمشق دار الحديث النبوي، ووقف عليها وقفاً جليلاً، وذكر الدرس فيها الشيخ العلامة تقي الدين ابن الصلاح – رحمه الله – إمام وقته في مذهب الشافعي والحديث النبوي، وهدم الملك الأشرف خاناً بالعقيبة (3) يعرف بخان ابن الزنجيلي كان تباع فيه الخمور ويعلن فيه بإرتكاب الفواحش فطهره من ذلك وبنى موضعه جامعاً تقام فيه الصلوات الخمس، ويصلي فيه الجميع، وجاء في غاية الحسن وسماه جامع التوبة، ووقف عليه ووقفا جليلاً، وأمر بإقامة الجميع في جامع خارج باب الصغير يقال له مسجد الجراحي (4).
__________
(1) المصدر نفسه (5/ 141).
(2) المصدر نفسه (5/ 142).
(3) العقيبة من أحياء دمشق المعروفة اليوم.
(4) مفرج الكروب (5/ 143).
(1/345)

س- أين الحياء والكرم والمروءة؟ قال ابن كثير: وكان من أعفَّ الناس وأحسنهم سيرة وسريرة، لا يعرف غير نسائه وجواريه مع أنه كان يعُاني الشراب، وهذا من أعجب الأمور (1) وحكى السَّبط عنه قال: كنت يوماً بهذه المنظرة من خلاط إذ دخل الخادم فقال: بالباب امرأة تستأذن: فدخَلت فإذا صورة لم أرَ أحسن منها، وإذا هي ابنة الملكِ الذي كان بخِلاط قبلى، فذكرت أن الحاجب عليَّا قد استحوذ على قرية لها، وأنها قد احتاجت إلى بيوت الكراءِ، وأنها تتقَّوتُ من عمل النّقُوش للنَساءِ فأمرت بردَّ ضَيعتها إليها وأمرت لها بدار تسكُنُها وقد كنت قمت لها حين دخلت وأجلستها بين يدي، وأمرتها بستر وجهها حين أسفرت عنه ومعها عجوز، فحين قضيت شُغلها قلت لها: انهضي على اسم الله تعالى فقالت العجوز: يا خَوَنْدُ، إنما جاءت لتحظى بخدمتك هذه الليلة، فقلت: معاذ الله لا يكون هذا واستحضرت في ذهني ابنتي ربما يصيبها نظير ما أصاب هذه فقامت وهي تقول: سترك الله مثل ما سترتني وقلت لها: مهما كان لك من حاجة فأنهيها إليَّ أقضيها لك، فدعت لي وانصرفت، فقالت لي نفسي: ففي الحلال مندوحة عن الحرام، فتَزَوَّجْها، فقلت: والله لا كان هذا أبداً، أين الحياء والكرمُ والمروءة (2)؟
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 232).
(2) المصدر نفسه (17/ 233).
(1/346)

و استحييتُ من الله أن أعارض شرعه بحظ نفسي: قال: ومات مملوك من مماليكي، وترك ولداً ليس يكون في الناس بتلك البلاد أحسن بشباباً ولا أحلى شكلاً منه، فأحببته وقربته وكان من لا يفهم أمري يتهمني به، فاتفَّق أنه عدا على إنسان فضربه حتى قتله، فاشتكى عليه أولياء المقتول، فقلت أثبتوا أنه قتله، فأثبتوا ذلك، وحاجفت عنه مماليكي، وأرادوا إرضاءهم بعشر ديات، فلم يقبلوا، ووقفوا لي في الطريق وقالوا: قد أثبتنا أنه قتله، فقلت: خُذوه فتسلموه فأخذوه فقتلوه، ولو طلبوا مني مُلكي فِداءً لدفعته إليهم ولكنني استحييت من الله تعالى أن أَعارض شرعه بحظَّ نفسي (1).

ك- اهتمامه بالحديث والتفسير والفقه: لما ملك دمشق في سنة ستَّ وعشرين وستمائة نادى مناديه بها أن لا يشتغل أحدٌ من الفقهاء بشيء من العلوم سوى الحديث والتفسير والفقه ومن اشتغل في المنطق وعلوم الأوائل نُفي من البلد، وكان البلد به في غاية الأمن والعدل وكثرة الصدقات والخيرات، وكانت القلعة لا تُغلق في ليالي رمضان كلَّها وصُحونُ الحَلاوات خارجة منها إلى الجامع والخوانق والرُّبط والصالحية، إلى الصالحين والفقراء والرّؤساء وغيرهم وكان أكثر جلوسه بمسجد أبي الدرداء الذي حدَّده وزخرفه بالقلعة (2).
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 233).
(2) البداية والنهاية (17/ 234).
(1/347)

هـ- خاتمة حسنة: اشتد مرض الملك الأشرف في أول سنة 635هـ وأخذت قواه في الضعف والإنحلال بسبب ماتواتر عليه من الاستفراغ فحكى أنه اشتهى لحم عجل فأحضر إليه وتناول منه مقداراً لم تف قواته الهاضمة بهضمه وكان هذا في آخر مرضه وأسرف به القيام، ووقع اليأس منه (1) واختلفت عليه الأدواء حتى كان الجرائحيُّ يُخرج العظام من رأسه وهو يُسَبَّحُ الله عز وجل، فلما كان آخر السنة تزايد به المرضى واعتراه إسهال مفرط، فخارت قوته، فشرع في التَّهيوُّءِ للقاء الله تعالى، فأعتق مائتي غلام وجاريه، ووقف دار فرُّخشاه التي يقال لها: دار السعادة وبستانه بالنيَّرْب على ابنته وتصِدق بأموال جزيلة، وأحضر له كفناً كان قد أعدَّه من ملابس الفقراء والمشايخ الذين لقيهم من الصالحين (2) وكان في مرضه قد أقبل على الابتهال إلى الله تعالى والاستغفار من ذنوبه وخطياه وأكثر من ذكر الله تعالى والإلتجاء إليه ولم يزل هذه حاله (3) إلى أن توفي تائباً من ذنبه مستغفراً لما سلف من ذنوبه وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله (4) ولما توفي رآه بعضهم في المنام وعليه ثيابُ خُضرٌ، وهو يطير مع جماعة من الصالحين، فقالوا له: ما هذا وقد كنت تعاني الشَّراب في الدنيا؟ فقال: ذاك البدن الذي كنا نفعل به ذاك عندكم في الدنيا، وهذه الروح التي كنا نُحبُّ بها هؤلاء فهي معهم (5) وعلق كثير على ذلك فقال: صدق رحمه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبَّ (6).
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 137).
(2) البداية والنهاية (17/ 231).
(3) مفرج الكروب (5/ 144).
(4) سير أعلام النبلاء (22/ 127).
(5) البداية والنهاية (17/ 234).
(6) البخاري رقم 6168 مسلم رقم 2640.
(1/348)

ثانياً: علاقة الملك الكامل مع الخوارزميين:
قامت الدولة الخوارزمية في أقليم خوارزم، ويرجع نسب أمرائها إلى مملوك تركي اسمه أنوشتكين الذي كان والياً على خوارزم في عهد السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي وتولى ابنه قطب الدين محمد بعد وفاة والده أبو شتكين ولقب خوارزم شاه أي ملك خوارزم، وقد نجح ابنه علاء الدين في كسب ثقة السلطان سنجر السلجوقي، إلا أنه استطاع الاستقلال بمملكته عن الأخير بعد حروب طاحنة انتصر فيها على السلاجقة، وبذلك استقل اتسز بن قطب الدين محمد بن أنوشتكين في ولاية خوارزم عن السلطان السلجوقي سنجر عام 538هـ/1143م وأصبح يسمى خوارزم شاه، واعترف به الخليفة العباسي، وأرسل إليه الخلع والتشريفات (1).
__________
(1) الدولة الخوارزمية ص 16 نافع العود.
(1/349)

وتابع خلفاء اتسيز توسيع دولتهم، فشملت بخاري والري وخراسان (1)، وتطلع الخوارزميون للسيطرة على الخليفة العباسي فطلب علاء محمد بن تكيش الدين خوازم شاه من الخليفة أن يذكر اسمه في الخطبة بدلاً من السلاجقة عام 613هـ/1216م ولكن الخليفة العباسي أبي، فزحف علاء الدين على بغداد، ولكنه تراجع لمواجهة الغزو المغولي لبلاده، وقدم الملك خوارزم شاه إلى همذان بقصد بغداد في 400ألف مقاتل عام 614هـ/1217م فاستعد الخليفة الناصر لدين الله، وفرق المال والسلاح وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي في رسالة فأهانه وأوقفه إلى جانب تخته ولم يأذن له بالجلوس (2) وحاول خوارزم شاه إقامة علاقة ودية مع الأيوبيين أملاً في تكوين حلف لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها بلاده، فأرسل عام 615هـ/1218م مبعوثاً إلى الملك العادل وهو في مرج الصفر (3) وأوفد الملك العادل سفارة إلى خوارزم شاه من خطيب جامع دمشق جمال الدين محمد الدولعي، وقاضي العسكر نجم الدين خليل بن علي الحنفي، ولكنهما لم يلتقياه لسفر خوارَزم شاه إلى همذان، فاجتمعا بولده هلال الدين وشاءت الظروف أن يمون الملك العادل عام 615هـ/1218م قبل أن تتبلور العلاقة بين الدولتين (4).
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 219) القدس بين أطماع ص 195.
(2) المصدر نفسه.
(3) مرج الصفر: اسم مكان بدمشق، معجم البلدان (4/ 488).
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك العادل ص 196.
(1/350)

1 - علاقة السلطان جلال الدين الخوارزمي والملك المعظم:
فرضت الظروف على الملك المعظم البحث عن حليف يد عمه لمعاندة أخويه الملكين الكامل والأشرف، فوجد ضالته في جلال الدين خوارزم شاه الذي كان في حاجة إلى حلفاء يدعمونه في تحقيق أهدافه لمواجهة المغول، والسيطرة على الخلافة العباسية فأرسل المعظم مبعوثاً إلى خوارزم بحجة استقدام بعض الطيور التي تأكل الجراد "تسمي السمرمر"، لمكافحة الجراد الذي غزا دمشق (1)، لكي لا يثير شكوك أخويه بتقربه إلى السلطان جلال الدين، وكان قصده ترتيب لقاء مع الأخير (2) وعندما استولى خوارزم شاه على أذربيجان عام 622هـ/1225م بعث رسولاً إلى ملوك الأيوبيين الكامل، والأشرف والمعظم لإقامة علاقات ودية معهم، وكسبهم كحلفاء له ضد المغول، واستغل الملك المعظم مبادرة جلال الدين الودية السابقة، فأرسل إليه وفداً يعرض عليه التحالف وصاحب إربل ضد أخيه الأشرف (3)، إلا أن ملوك الأيوبيين مع سلاجقة الروم تصدوا للخوارزميين وأطماعهم كما مرّ معنا - ودخلوا معهم في معارك طاحنة كانت لصالح الملك الكامل الأيوبي.
__________
(1) المصدر نفسه ص 196.
(2) المصدر نفسه ص 196.
(3) المصدر نفسه.
(1/351)

2 - الصلح بين الكامل والخوارزميين: اتفق الملك الكامل وأخوه الأشرف على الصلح مع الخوارزميين، وعندما عاد جلال الدين الخوارزمي إلى أذربيجان، ترددت الرسل بينه وبين الملك الأشرف وسلطان الروم، وجاء في رسالة الأشرف نيابة عن الملك الكامل: إن سلطانك سلطان الإسلام والمسلمين وسندهم والحجاب دونهم ودون التتر، وغير خاف علينا ما تم على حوزة الإسلام، ... ونحن نعلم أن ضعفنا ضعف للإسلام، فهلا ترغب جمع الكلمة لنا وأحسن سبيلا، وأقوم فيه، ... وها أنا ضامن السلطان من جهة علاء الدين كيقباذ، وأخي الملك الكامل ما يرضيه من الإنجاد والإسعاد، والنيات على حالتي بالقرب والبعاد والقيام بما يزيل عارض الوحشة، ويمحو سمعة الفرقة (1)، وما إن تّم الصلح بين الجانبين حتى تعرض الخوارزميون لخطر التتر، فطلب جلال الدين المساعدة من الحكام المسلمين ولكنهم لم يستجيبوا لطلبه، بل تركوه وحيداً أمام عدو جبار حتى لقي مصرعه عام 628هـ/1231م (2).
__________
(1) سيرة السلطان جلال الدين ص 333.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 200.
(1/352)

3 - علاقة الكامل مع القبائل الخوارزمية بعد سقوط دولتهم:
هامت جموع الخوارزميين بعد احتلال التتر لبلادهم في كثير من البلدان، ولم يعد في ميسورهم العودة، فأخذوا يعرضون خدماتهم على حكام المسلمين (1)، فاستخدم الخليفة المستنصر بالله قسماً منهم، وخدم قسم آخر لدى سلطان السلاجقة الروم (2)، إلا أنهم استاءوا منه وفارقوه، واستقروا في الجزيرة حول الرها وحران، فاستمالهم الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، واستأذن والده في استخدامهم فأذن له بذلك، وتقوى بهم وسر الملك الكامل بذلك (3) واختلف الخوارزميون على الملك الصالح أيوب عام 635هـ/1237م، وأراد القبض عليه فهرب إلى سنجار، وترك أثقاله، وخزائنه، فنهبوا كل ما يملك، فقدم إليه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل للقبض عليه، لأنه كان على عداء مع الملك الكامل وحاول الملك الصالح نجم الدين أيوب الصلح مع بدر الدين لؤلؤ ونسيان الماضي، ولكن الأخير قال: لابد من حمل الصالح بن الكامل في قفص، فاستنجد الصالح بالخوارزمية ثانية، وكانوا في حران، فساقوا جريدة منها، وكسبوا لؤلؤ ونهبوا أمواله وخزائنه وكل ما كان في عسكره (4) وهكذا الخوارزميون لخدمة الملك الصالح نجم الدين، فأحسن الاستفادة منهم، وتمكن من من احتلال سنجار وخابور ونصيبين (5)، وعندما علم الملك الكامل بذلك سر بما حقق ابنه (6).
__________
(1) السلوك (1/ 348).
(2) التاريخ المنصوري للحموي ص 251 القدس بين أطماع ص 200.
(3) النجوم الزاهرة (6/ 277).
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 201.
(5) السلوك (1/ 299) القدس بين أطماع الصليبيين ص 201.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 201.
(1/353)

ثالثاً: علاقة الملك الكامل مع سلاجقة الروم: حرص السلطان علاء الدين على إقامة علاقة ودية مع الملوك الأيوبيين ووقف الأعمال العدوانية التي كانت في عهد أخيه على بلاد الشام بموافقة صاحب آمد، وبالتعاون مع الملك الأفضل على بن صلاح الدين قبيل وفاته (1)، وقدم رسول السلطان علاء الدين بهدية لكل من الملك المعظم والملك الكامل، فلم يقبل الملك المعظم هذه التقدمة، وتابع الرسول سيره إلى مصر لمقابلة الملك الكامل حيث استقبله بحفاوة (2)، ويعتقد أن رفض الملك المعظم لهدية علاء الدين كيقباذ كان سببها العلاقة الطيبة بين جلال الدين الخوارزمي والمعظم، فيما كانت علاقة الخوارزمي بعلاء الدين سيئة وكان قد احتل الملك عز الدين كيكاوس السلجوقي سلطان الروم تل باشر، ووصل إلى منبج نكاية بالملك الكامل، وباتفاق مع الملك الأفضل على أمل أن تسلم هذه الأراضي إلى الملك الأخير، إلا أن كيكاوس نكث بالاتفاق وسلم ما فتحه لنوابه، فتقاعس عنه كثير من الناس، وأوقع العرب بطائفة من عسكره، وقتلوا قسماً منهم، فعاد إلى بلاده وتحسنت علاقة الملك الكامل مع سلاجقة الروم بعد وفاة الملك الأفضل، إلا أنها ركدت بعد ذلك بقليل حيث انشغل سلاجقة الروم في حرب أهلية بين أفراد الأسرة الحاكمة (3)، وانشغال الملك الكامل في مواجهة الملك المعظم ثم ابنه الناصر داود (4).
__________
(1) التاريخ المنصوري ص 121 القدس بين أطماع ص 203.
(2) مفرج الكروب (4/ 30) القدس بين أطماع ص 203.
(3) السلوك (1/ 225) القدس بين أطماع ص 204.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 204.
(1/354)

1 - دعم الملك الكامل للسلاجقة الروم: علم الملك السلجوقي علاء الدين كيقياد بالإتفاق الذي تم بين جلال الدين الخوارزمي وصاحب أرزن (1)، الرومي على حصار خلاط، فخاف ملك السلاجقة على بلاده وأرسل يطلب العون من الملك الكامل والملك الأشرف حيث كانا بحران يتدبران وسيلة لمواجهة خوارزم شاه الذي يحاصر مدينة خلاط عام 627هـ/1230م قدم رسول السلطان السلجوقي وقال له: إنه جهز 25ألف لأذربيجان وعشرة آلاف إلى ملطية، وأنا حيث تأمر (2) فطاب قلب السلطان الكامل وأرسل الملك الكامل لأخيه الأشرف عام 628هـ/1230م، فحضر ومعه عساكر الشام والجزيرة، وسار بنفسه إلى سيواس (3)، واجتمع بالسلطان علاء الدين كيقباد، فاتجها إلى خلاط وسرعان ما انهزم خوارزم شاه ورحل إلى أذربيجان وتابع السلطان السلجوقي علاء الدين الهجوم على أرزن فاحتلها، وأسر صاحبها واستولى على خزائنها (4)، وتنكر السلطان السلجوقي لاتفاقه مع الملك الكامل وانخدع بالانتصار الذي حققه على الخوارزميين بمساعدة العساكر الأيوبيين، فحاول عام 631هـ/1233م التوجه إلى خلاط للإستيلاء عليها (5)، وعندما علم الكامل بما يخطط له علاء الدين قرر وقفه عند حده وكان قد عاد إلى مصر عام 630هـ/1232م (6).
__________
(1) صاحب أرزن هو ابن عم السلطان علاء الدين كيقباد وأرزن مدينة في أرمينيا مفرج الكروب (4/ 298)
(2) السلوك (1/ 277) القدس بين أطماع الصليبيين ص 204.
(3) سيواس: حاضرة دولة سلاجقة الروم.
(4) مرآة الزمان (8/ 661) القدس بين أطماع ص 205.
(5) مفرج الكروب نقلا ًعن القدس بين أطماع ص 205.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 205.
(1/355)

2 - الاتفاق بين الملك الكامل والملك الأشرف:
اتفق الملك الكامل مع الملك الأشرف على الحد من أطماع سلطان سلاجقة الروم ومحاولة انتزاع بعض أراضي دولته عقابا له (1)، وخرج الملك الكامل من القاهرة بعسكره، واستناب بها ابنه الملك العادل أبابكر، فوصل دمشق، وكتب إلى ملوك بني أيوب يأمرهم بالتجهيز للسير بعساكرهم إلى بلاد الروم، ولما سمع الملوك الأيوبيون بالخطر الذي يتهددهم انضموا إلى الجيش المتجه إلى أراضي السلاجقة (2) ولم يجتمع مثلهم قبل الملك الكامل (3)، وقد مّر معنا ما حدث من خلاف في البيت الأيوبي وتفرق كلمتهم وشك الملوك الأيوبيين في نيات الملك الكامل بامتلاك بلاد الشام، فاتفقوا على عدم القتال، وبعد أمور ومعاركة حدثت بين الكامل وسلاجقة الروم أدرك الملك الكامل عقم الاستمرار في حربه مع سلاجقة الروم، فعرض الصلح على سلطان الروم، فاستجاب الأخير لذلك، وأحسن معاملة المظفر وأطلق سراحه، واحتفظ بخرتبرت، ومنح صاحبها إقطاعاً في بلاد الروم بدلاً منها (4) وعاد الملك الكامل إلى مصر، عام 632هـ/1234م، وقد ازداد خلافه مع أخيه الملك الأشرف واستغل السلطان الرومي اختلاف الأيوبيين وانفرط وحدتهم، فأخذ يتوسع في الأراضي الأيوبية، فاحتل حران والرّها وسروج في عام 632هـ/1234م (5).
__________
(1) المصدر نفسه ص 205.
(2) السلوك (1/ 287) القدس بين أطماع الصليبيين ص 205.
(3) مفرج الكروب (5/ 74) القدس بين أطماع الصليبيين ص 205.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 207.
(5) المصدر نفسه ص 207س.
(1/356)

3 - توسع الملك الكامل في الشرق: علم الملك الكامل بعدم التزام السلطان علاء الدين للاتفاق الذي عقده معه، فلم يطق لذلك صبراً، وحشد قواته، وانطلق بعساكره من مصر عام 633هـ/1235م مصطحباً الملك الأشرف والملك المجاهد، والملك المظفر، فعبروا نهر الفرات إلى الشرق فنازل الرها حتى أخذها وأسر منها الكثير من الأمراء، وهدم قلعتها، ثم هاجم حران، واستولى عليها، وأسر كل عساكر السلطان علاء الدين الموجودين هناك (1) وكذلك أمراءهم ومقدميهم، ثم استرجع سروج من يد السلطان السلجوقي، وانطلق الملك الكامل نحو دنيسر، فخربها وسلم البلاد الشرقية لابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب (2) وتابع الملك الكامل توسعه، فامتلك قلعة السويداء، عنوة، وأسر من بها، ونقل جميع الأسرى إلى مصر، وبعث نواب السلطان كيقباد مقيدين إلى القاهرة، فاستقبح الأخير ذلك منه، ثم سافر إلى دمشق فقضى بعض الوقت ضيفاً عند أخيه الأشرف، وأخيراً عاد إلى مصر، فاستقبل هناك رسول الخليفة محي الدين يوسف بن الجوزي، فأرسله الملك الكامل ومعه الحافظ زكي الدين عبد المنعم إلى السطان علاء الدين كيقباد صاحب الروم، ولكن الأخير توفي قبل اجتماعه برسول الملك الكامل (3)، وتولى غياث الدين كيخسرو بن علاء الدين السلطنة عام 634هـ/1236م فبعث إليه ملوك الشام رسلهم يعزونه في أبيه ويحلفونه على ما اتفقوا عليه مع والده على مخالفة الملك الكامل (4)، فوافق وأكد استمراره على سياسة والده، وأرسل الملك الكامل بعثة على رأسها أفضل الدين محمد الخونجي تعزي السلطان السلجوقي غياث الدين بوالده ومعه هدية له (5)،
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 293).
(2) السلوك (1/ 291) القدس بين أطماع ص 207.
(3) المختصر ص (3/ 159) القدس بين أطماع ص 208.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 208.
(5) السلوك (1/ 295) القدس بين أطماع الصليبيين ص 208 ..
(1/357)

غير أن الأخير استمر في تحالفه مع الملوك الأيوبيين، لذلك سمح الملك الكامل لابنه الملك الصالح نجم الدين باستخدام الخوارزميين الذين خرجوا على السلطان السلجوقي، لمواجهة عداء الأخير، بل إنه تمكن من احتلال لسنجار ونصيبين والخابور بهم ولم يقف العداء السلجوقي للملك الكامل، واستمروا في الاعتداء على الحدود وتمادوا في عدائهم عندما تدخلوا في شؤون الأيوبيين الداخلية، فدعموا الملك الصالح إسماعيل عام 635هـ/1237م لدى مهاجمة الكامل دمشق لانتزاعها، وقد أدى ذلك إلى خلافات داخلية في البيت السلجوقي، فضعفت دولتهم وتعرضت لهجمات المغول المستمرة إلى أن استولوا عليها (1).
__________
(1) السلاجقة في التاريخ ص 91.
(1/358)

رابعاً: علاقة الملك الكامل مع الأراتقة:
استمرت العلاقات بين الملك الكامل والإمارات الأرتقية على ما كانت، وذلك ببقاء العلاقة الودية مع صاحب آمد وحصن كيفا فيما كانت العلاقات مع ماردين ضعيفة، إذ اكتسب صاحب آمد ناصر الدين أرسلان ثقة الملك الأشرف بسبب ما قدم له من خدمات (1)، أما ماردين فقد كانت تنصب العداء الكامن للملك الكامل بسبب محاصرته لها فيما مضى، لذلك أصبحت ملجأ لمن يعادي الأيوبيين، فلجأ إليها الأمير مبارز الدين الصلاحي 618هـ/1221م (2)، ومع هذا لعبت المصالح الشخصية والمنافع الأقليمية دوراً كبيراً في تغيير هذه السياسة، فقد حاولت أمارتا حصن كيفا وماردين إضعاف الوجود الأيوبي في الشرق، فأعانتا شهاب الدين غازي بن الملك العادل لدى تمرده على أخيه الملك الأشرف، كذلك اتصل هذان الأميران بجلال الدين خوارزم شاه، وأعلنا طاعتهما له (3)، فهاجم الملك الأشرف ماردين وضربها بالمجانيق وضيق الخناق على أهلها، ومنع دخول الطعام إليها، فطلب صاحبها الصلح (4).

1 - الكامل يزحف على المنطقة الشرقية عام 629هـ:
بدأ الملك الكامل علاقات جديدة مع الأراتقة بعد عام 627هـ/1230م، إذ امتلك الشرق من أخيه، فأصبح اتصاله بأمراء الأراتقة مباشراً وفعالاً بعد ما كان هامشياً وثانوياً فاتجه الكامل إلى الشرق، وولى كمال الدين بن شيخ الشيوخ نائباً له بالجزيرة المتمثلة بحران والرقة وسروج ورأس العين (5)، وتمكن الملك الكامل من فرض سيطرته على هذه المنطقة، فأعلن أصحابها ولاءهم له، فقامت إمارة ماردين بالخطبة، وضربت السكة باسمه (6)، وبذلك اتسع نفوذ الملك الكامل.
__________
(1) مرآة الزمان (8/ 627).
(2) البداية والنهاية نقلاً عن القدس بين أطماع ص 210.
(3) الكامل في التاريخ نقلاً عن القدس بين أطماع ص 210.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 210.
(5) النجوم الزاهرة (6/ 233).
(6) التاريخ المنصوري ص 181.
(1/359)

2 - سيطرة الملك الكامل على إمارة حصن كيفا وآمد:
استأذن الملك الكامل الخليفة العباسي المستنصر بالله عام 629هـ/1231م في مهاجمة آمد، وانتزعها من الملك المسعود ركن الدين مودود الأرتقي، فأذن له الخليفة بذلك (1)، وقد تجمعت عدة أسباب جعلت الملك الكامل يهاجم هذه الإمارة منها؛
- كان الملك المسعود ظالماً يسعى لإشباع شهواته، وسيء السمعة يتعرض لحريم الناس، وكانت له عجوز قواده تؤلف بينه وبين نساء أكابر الناس والملوك والأمراء (2).
- خرج الملك المسعود على طاعة الملك الكامل، وانتمى إلى جلال الدين خوارزم شاه، وخطب له في بلاده آمد (3).
- أساء الملك المسعود إلى زوجة أبيه إساءة كبيرة وهي إبنه الملك العادل وأخت الكامل، فخرجت من عنده، وقصدت أخاها الملك المظفر شهاب الدين غازي في ميافارقين، وشكت إليه أمرها، فكتب الأخير إلى أخويه الملك الكامل والملك الأشرف بذلك.
__________
(1) الإمارات الأرتقية في الجزيرة والشام ص 183 عماد الدين.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 211.
(3) المصدر نفسه ص 211.
(1/360)

- رغبة الملك الكامل في توسيع نفوذه لمواجهة خطر التتر (1) اجتاز الملك الكامل والأشرف نهر الفرات ونزلا على آمد عام 629هـ/1232م وضربا عليه الحصار ونصبا المجانيق فبعث الملك المسعود الأرتقي إلى الملك الكامل يستعطفه، ويبذل له ولأخيه الأشرف فرفض الاستجابة له (2) وجد الملك الكامل في حصار آمد، ومنع عنها الطعام، فضعفت المقاومة، وعندئذ أحس الملك المسعود الأرتقي بأنه لا مفر له من تسليم آمد، لاسيما بعد ما وجد أن الأهالي يؤيدون الملك الكامل ويكرهون حكمه، فقرر التسليم (3)، وتسلم الملك الكامل أجبر الملك المسعود على الإيعاز لعساكره بتسليم الحصن في عام 630هـ/1232م (4)، ورتب نوابه في آمد، فولى شمس الملوك سيف الإسلام بن الملك الأعز شرف الدين بن صلاح الدين، إلا أن الأخير توفي بعد أسبوعين تقريباً (5)، فعين شهاب الدين غازي أتفق مع سلطان الروم على تسليم آمد عزله، وأمر بحبسه (6)، ثم ولى الملك الكامل ابنه الملك الصالح نجم الدين ووضع معه شمس الدين العادلي إلى سنة 633هـ/1235م، عام وفاة الأخير حيث استقل الملك الصالح، بحكم البلاد الشرقية (7)، ورحل الملك المسعود الأرتقي إلى مصر فأقام هناك، وأعطاه الملك الكامل إقطاعاً، إلا أنه تآمر على حياة الملك الكامل وكاتب الروم في هلاك الملك الكامل (8)، فاعتقل وبقي في السجن إلى أن توفي الملك الكامل، فأطلق الملك العادل بن الكامل سراحه، ولكن المغول قتلوه وهو في طريقه إلى الشرق (9).
__________
(1) الإمارات الأرتقية ص 211 القدس بين أطماع ص 211.
(2) السلوك (1/ 243) القدس بين أطماع ص 212.
(3) مفرج الكروب (5/ 17) القدس بين أطماع ص 212.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 212.
(5) المصدر نفسه ص 212.
(6) المصدر نفسه ص 212.
(7) المصدر نفسه ص 212.
(8) المصدر نفسه ص 212.
(9) القدس بين أطماع الصليبيين ص 213.
(1/361)

3 - تحالف صاحب مردين والسلاجقة: وقف صاحب ماردين من الملك الكامل موقفاً عدائياً بعد سقوط آمد وحصن كيفا، إذ استغل ضعف الملك الصالح نجم الدين أيوب نائب الملك الكامل في المنطقة الشرقية، فقد كان صبياً تعوزه القوة والدراية، والخبرة، فبادر صاحب ماردين إلى التحالف مع كيقياد سلطان سلاجقة الروم، وقاما بهجوم شديد على حران والرها والرقة واستولوا عليها عام 634هـ/1236م، وقد ذكرت سابقاً أن الملك الكامل اضطر لمهاجمة الأراضي السلجوقية لعدم التزام صاحبها الاتفاق بينهما، أما صاحب خرتيرت الارتقية فقد وقف بجانب الكامل في حربه مع سلاجقة الروم (1) واستمر عداء ماردين للأيوبيين بعد وفاة الملك الكامل (2).
خامساً: علاقة الملك الكامل باليمن: عامل الأيوبيين أهل اليمن معاملة طيبة، فكسبوا ودهم، مما أدى إلى استقرار الأوضاع مدة من الزمن، وتوالي عدد من الأيوبيين على حكم اليمن، إلا أن أوضاع البلاد اضطربت في عهد الملك المعز إسماعيل بن طغتكين في أواخر القرن السادس الهجري، إذ كان الملك يميل إلى اللهو والعبث، وكان فيه هوج، فأدعى أنه قرشي، وأنه من بني أمية ولبس الخضرة، وثياب الخلافة، ودعا بالخلافة إلى نفسه (3)، ففقد الملك المعز إسماعيل ثقة الناس، وخرج عليه بعض المماليك، واغتالوه عام 598هـ/1201م فتولى عرش اليمن أخوه الملك الناصر بن طغتكين، وكان صغير السن، فتولى أتابك والده سيف الدين سنقر الوصاية عليه، وتدبير شؤون البلاد، ولكن الأخير توفي بعد أربع سنوات، فتولى سليمان بن سعد الدين شاهنشاه الملك بعد ما تزوج أم الملك الناصر بن طغتكين (4)، فملاء سليمان البلاد بالجور والظلم وكثرت الفتن في اليمن (5).
__________
(1) المصدر نفسه ص 213.
(2) المصدر نفسه ص 188.
(3) المصدر نفسه ص 188.
(4) المصدر نفسه ص 188.
(5) العقود اللؤلؤية (1/ 30) للخزرجي القدس بين أطماع ص 188.
(1/362)

1 - احتلال الملك المسعود اليمن: عندما سمع الملك الكامل بالفوضى التي تعم أرجاء اليمن، واضطراب الأوضاع فيها، أرسل ابنه الملك المسعود الملقب أفسيس في جيش كثيف إلى اليمن، وكتب إلى الأمير شمس الدين علي بن رسول والي سائر الأمراء المصريين في البلاد يأمرهم بحسن صحبة الملك المسعود والقيام بخدمته (1)، وصل الملك المسعود مكة عام 611هـ/1214م وحج فيها ثم اتجه إلى مدينة زبيد باليمن فاحتلها عام 612هـ/1214م، ونزل بالدار السلطانية، وما لبث أن سيطر على تعز وصنعاء، وسائر أنحاء اليمن، وظفر بصاحبها الملك سليمان شاه بن سعد الدين شاهنشاه بن الملك تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب، فأرسله تحت الحراسة إلى مصر، فعاش في القاهرة إلى أن استشهد أثناء جهاده الصليبيين في معركة المنصورة التي حدثت أثناء الحملة الصليبية السابعة على دمياط (2)، والتي قادها الملك الفرنسي لويس عام 647هـ/1250م، عين الملك المسعود بعد فتحه اليمن نواباً ليساعدوه، فولى بدر الدين بن رسول على صنعاء، ونور الدين بن رسول على تعز (3).
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) السلوك (1/ 249) القدس بين أطماع ص 189.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 189.
(1/363)

2 - زيارة الملك المسعود لأبيه: لم تضعف الأحداث السابقة التي مرت بالملك المسعود علاقته مع والده الملك الكامل، ومما يؤكد على حسن العلاقة بنيهما، تفكير الملك الكامل نفسه بالهرب إلى اليمن عندما حاول ابن المشطوب خلعه عن الحكم (1)، وكذلك الزيارات المستمرة التي كان يقوم بها الملك المسعود لمصر، وكثرة الهدايا التي كان يحملها لوالده وقد اتجه الملك المسعود في عام 620هـ/1223م لمصر حاملاً معه عدداً كبيراً من الهدايا، والتحف الثمينة (2)، وقد عين نائباً له على اليمن، نور الدين عمر بن رسول في زبيد وأخاه بدر الدين في صنعاء (3)، ومكث في مصر مدة طويلة، واستطاع بهيبته أن يقيم حرمة وافرة لأبيه، فخافة الأمراء والجند، وذكر أن المسعود ذهب إلى القلعة ذات يوم فرأى بعض الأمر يلبسون الشرابيش (4)، فأنكر عليهم ذلك، وقال: إذا كنتم أنتم تلبسون الشرابيش، والسلطان يلبس الشربوش فبأي شيء يتميز عنكم السلطان ويعرف منكم، والله لا أعود أرى أحداً منكم في دار السلطان أو موكبه من يلبس شربوشاً إلا ضربت عنقه (5)، فلم يجروء أحد بعد ذلك على لبس شربوس في حضرة السلطان (6).
__________
(1) مرآة الزمان (8/ 602) القدس بين أطماع ص 190.
(2) التاريخ المنصوري ص 97 القدس بين أطماع ص 190.
(3) المختصر (3/ 146) القدس بين أطماع ص 190.
(4) الشرابيش، جمع شربوش، وهو قلنسوه طويله تلبس بدل العمامة إشارة إلى الأمراء.
(5) مفرج الكروب (4/ 261) القدس بين أطماع ص 190.
(6) القدس بين أطماع ص 190.
(1/364)

3 - وفاة الملك المسعود بن الكامل: استدعى الملك الكامل ابنه الملك المسعود عام 626هـ/1229م ليوليه دمشق بعد وفاة الملك المعظم، فسار الملك المسعود من اليمن قاصداً مصر من طريق مكة، وفي الطريق مرض مرضاً مزمناً، فوصل مكة وقد أفلج، ويبست يداه ورجلاه (1)، وما لبث أن مات، فدفن في المعلى قرب مكة المكرمة (2) وقد ذكر الذهبي عنه بأنه: .. كان شهماً شجاعاً زعراً ظلوماً، وقمع الزيديه والخوارج (3)، وقال ابن العماد: ونادى مَّرة في بلاد اليمن: من أراد السفر من التجار إلى الدّيار المصرية والشامية صحبة السلطان فليتجهز، فجاء التجار من السَّند والهند بأموال الدنيا والجواهر، ولما تكاملت المراكب بزَبيد قال: اكتبوا لي بضائعكم لأحميها من الزكاة، فكتبوها له، فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن، ويستولي على ماله، فاستغاثوا وقالوا: فينا من له عن أهله سنين، فلم يلتفت إليهم، فقالوا: خذ مالنا وأطلقنا، فلم يلتفت إليهم أيضاً، فعبَّأ ثقله في خمسمائة مركب ومعه ألف خادم ومائة قنطار عنبر، وعود ومسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق وأموال وجواهر، وركب الطريق إلى مكة، فمرض مرضاً مزمناً، فوصل إلى مكَّة وقد أفلج ويبست يداه ورجلاه، ورأى في نفسه العبر، ثم مات فدفنوه في المُعلىّ، وضرب الهواء بعض المراكب فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها (4). وقال الذهبي: ولما احتضر قال: والله ما أرضى من مالي كفناً، ثم بعث إلى فقير فقال: تصّدق عليّ بكفن، ودفن بالمعلى (5) وكان موته سنة 626هـ (6).
__________
(1) شذرات الذهب (7/ 211).
(2) المصدر نفسه (7/ 211).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 331).
(4) شذرات الذهب (7/ 211).
(5) سير أعلام النبلاء (22/ 331).
(6) المصدر نفسه (22/ 332).
(1/365)

4 - النزاع بين الملك الكامل وابن رسول على مكة: تولى اليمن بعد الملك المسعود نور الدين بن رسول وأبقى الخطبة والسكة للملك الكامل، ولكنه اتبع سياسة تتجه نحو دعم سلطته، فعزل الولاة الذين لا يثق بهم، وولى غيرهم، ثم أعلن استقلاله عن الأيوبيين عام 628هـ/1230م (1).
وبقيت الحجاز تابعة للملك الكامل إلا أن نور الدين بن رسول تطلع إلى السيطرة على مكة، فأرسل عام 629هـ/1231م بقيادة ابن عيدان مع الشريف واستمر الصراع على مكة بين الملك الكامل وصاحب اليمن إلى عهد الملك الصالح الأيوبي إلى عام 638هـ/1240م حين استقرت مكة لصاحب اليمن (2)، وقد كانت العلاقة طيبة بني الكامل ونوابه في اليمن ومكة إلا أنها أخذت طابع العداء عندما استقل نور الدين بن رسول باليمن عام 628هـ/1231م وضرب السكة باسمه، وخطب له على المنابر، فأضاف ذلك عبئاً كبيراً على سياسة الملك الكامل، وأخذ يرسل القوات تباعاً لإعادة مكة إلى حظيرة دولته حتى موته (3).

سادساً: الملك الكامل والتتار: كان أول خليفة عباسي شعر بالخطر الحقيقي للتتار هو الخليفة المستنصر بالله الذي اهتم بأمرهم غاية الاهتمام، ويرجع اهتمام هذا الخليفة الجدَّي بأمر التَّتار إلى عدة أسباب منها:
1 - أن غارات التتار قد اكتسحت مناطق واسعة من العراق.
2 - أنهم استولوا على مناطق في العراق، عدا عن كونها قريبة جداً من بغداد، فقد كانت - حتَّى وقت قريب - من أملاك الخليفة، مثل ششتر ودقوقا التي احتَّلها الخوارزمي، وأخذها التَّتار منه.
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 194.
(3) المصدر نفسه ص 195.
(1/366)

3 - رُبّما تأكد الخليفة أنه - في النهاية - هو المقصود، وأنه الهدف الأكبر لحملات التَّتار ولكل ذلك: تواترت رُسُلُهُ إلى الملك الكامل والملك الأشرف لقُدُومها إلى الشَّام، وفي عام 629هـ خرج الأشرف من مصر، وتبعه الكامل بجيوشه، وعلى مقدَّمته ابنه الصالح أيوب، وعلى العسكر فخر الدين ابن شيخ الشيوخ ثم خرج من دمشق وعسكر بسلمية ومعه عساكر يضيق بها الفضاء، وسار، فتفرقَّت العساكر لكثرتها، وأتته رسل ملوك الأطراف ويرى بعض الباحثين بأن خروج بني أيوب من مصر بهذا الجحفل كان لمجرَّد دعوة الخليفة لهم، فحتَّى الآن كانوا يعدُّون التَّتار يبغون النهب والعودة إلى قواعدهم بما نهبوه، وأنهم ليسوا طالبي مُلك، ولا أصحاب حُكم مدن، فيكفي لتجنُّب شرَّهم إغلاق أبواب المدن حتى ينتهي هجومهم ولكن الذي دفع الكامل والأشرف للاهتمام الجدّيّ بأمر التَّتار هو تبدُّل في خطة التَّتار أنفسهم، فبعد الغارات والسلب والنهب والقتل ثم العودة شرقاً قرَّروا فتح خِلاط عاصمة الجزيرة، وأغنى مدنها وأكبر المرتكزات الأيوبية فيها؛ وفي الحقيقة، لم يكن هذا تِبدُّلا حقيقياً في خُطة التتار، بل هو تطبيق للجُزء الثاني منها، فالغارات ليست للسلب فقط، بل للاستطلاع، ولكشف المناطق وترويع الناس، وترحيلهم، حتى لا يبقى من له قدره على المقاومة، لا مادياً ولا معنوياً، ثُمَّ يهاجمون الحواضر، ويقيمون مرتكزات حُكمهم فيها وقد وصلت الجيوش الأيوبية إلى الجزيرة، وأقام الكامل في حرَّان ووصلتهَ النجدات من أيُوبية الشام، وجاءت الأخبار برحيل التتار المحاصرين لخِلاط، ويُبَّرر ابن نظيف سبب رحيل التَّتار بقوله: فرحلوا عنها خوفاً من السُّلطان (1)،
__________
(1) المنصوري، ابن نظيف ص 234 العلاقات الدولية (2/ 41) ..
(1/367)

وبالفعل، فالقَّوة المحاصرة لخِلاط لا يمُكن أن تقاوم هذا التجمع للجيوش الأيوبية لأن التتار لم يكونوا قد وصلوا إلى المرحلة الثالثة من خطتهم وهي الزج بكامل قواتهم في المعركة، وسيتم ذلك مع هجوم هُولاكو بالقَّوة الرئيسية للتَّتار على الجزيرة وحلب بعد فراغه من أمر بغداد، وربما بسبب عدم وجود تصور شامل للصراع القادم مع التتار لدى الملوك الأيوبيَّة لم يتمكنوا من التعامل العسكري أو السياسي الصحيح معهم، فالكامل بعد أن سمع بعودة التَّتار عن خِلاط لم يقْم بتعقُّبهم أو حتى القيام بمسير استعراض خلفهم، بل، بدلاً من ذلك، استولى على آمد من الملك المسعود الأرتقي، وعاد دون أيَّ صدام مع التَّتار (1)، ومع هذه العودة للكامل التي دلت على جهله أو تجاهله لخطر التَّتار، فإن ما فعله أفضل ممَّا قام به الخليفة ومظفر الدين كوكبري صاحب إربل وبدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل عام 631هـ/1234م، فقد وصلت رُسُلُ التتار إلى إربل والموصل يطلبون شراء موادّ تنقصهم، فسمحوا لهم: واشتروا جمالاً وأقمشة وأُقيم لهم الراتب في الموصل بإذن الخليفة لهم في ذلك (2).
__________
(1) تاريخ المغول، عبّاس إقبال ص 167.
(2) المنصوري ابن نظيف ص 259 العلاقات الدولية (2/ 41).
(1/368)

إن التَّتَّار، وإن دفعوا ثمن ما أخذوه، فالأموال التي دفعوها، والمواد التي اشتروها سيستعينون بها، وإنّ كان وإن كان بشكل غير مبُاشر، على حرب المسلمين، وزادوا عليها في الموصل بتكريمهم وتقديم الراتب، أي المساعدات والضيافات فهل هي مكأفاتهم على الفظائع التي ارتكبوها بحقَّ المسلمين؟ وسيرتكبونها لاحقاً بحقَّ من أضافهم في إربل والموصل، وبحقَ ... الخليفة نفسه، الذي تمَّ كُلٌّ ذلك بإذنه، وحتى كُلّ ذلك، فهو أفضل من تصُّرف سُلطان سلاجقة الرُّوم علاء الدين كيقُياذ، الذي بادر إلى تقديم الطاعة للتَّتار مع سفير خاصّ أرسله عام 630هـ/1231م، إلى أقطاي قآان، والتفت بشنُّ الحرب على الأيوبيَّة بدل التحالف معهم، فهاجم خِلاط، واستولى عليها، وعاد الملك الكامل للخُروُج بجيشه من مصر عام 633هـ 1236م، وحشد معه كل الملوك الأيُّوبية بجيوشهم، فاستعاد خِلاط وما كاد يعود أدراجه حتىَّ رجع كيْقباذ، فاستولى على الرُّها وحرَّان، ثم عاد الكامل فاستعادها (1) وفي العام نفسه 633هـ/1236م، كان الملك الكامل مقيماً في دينسير، بعد أن استعاد الرُّها وحَراَّان من الرُّومي، وردَّ عليه كتاب بدر الدَّين لؤلؤ صاحب الموصل "يُعرَّفه أن التَّتَار قطعوا دجلة في مائة طلب، كُلّ طلب خمسمائة فارس، ووصلوا سنجار، فرجع السلطان والاشرف، وقطعا الفُرات إلى (2) دمشق وعلى رسالة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ملاحظات.

- أولاً: هُناك شك في مدى صحَّة رسالة لؤلؤ، فهل فعلاً كان هناك قُوَّة من التَّتار وبهذا الحجم؟! أم أنَّه تهويل للأمور من قبل لؤلؤ خوفاً من وجود قوة الكامل والأيُّوبية بجواره؟ قد يكون هُو ضحَّيتهم المُحتملة؟ وخاصَّة أنّه لم يسجَّل نشاطاً كبيراً للتَّتار بهذا الحجم، ضدَّ أيَّ مكان في تلك المنطقة، وفي ذلك العام بالتحديد.
__________
(1) مرآة الجنان لليافعي (4/ 67).
(2) كنز الدُّرر ابن آيبك (7/ 613) العلاقات الدولية (2/ 42).
(1/369)

- ثانياً: حتى لو كان الخبر صحيحاً، فبماذا تفسَّر عودة الكامل والأشرف السريعة نحو الشَّام؟ هل كان خوفاً من التَّتار؟ أم دفعاً وتسويفاً لصدام غير مأمون النتائج؟! على الأحوال كُلهَّا لن يكون الإنسحاب أسوأ من التناحر والصراع بين الأيُّوبييَّن وسلاجقة الروم، وهما أكبر قوتين إسلاميتين بينما التَّتار يعصفون بالبلاد الإسلامية الشرقية ويحيلونها دماراً مُرعباً، فهل كان ملوك الشَّام لاهين عن الخطر المحدق بهم؟ أم هي نقص المعلومات الاستخباراتية لديهم؟ وهل الخليفة غير قادر حتىَّ على وضع حَدَّ لهذه الصراعات التافهة بينهما، وإن كان الخطر المحدق بهم لم يوحَّدهم فهل يستطيع الخليفة - الذي لا يملك إلا حُرمة اسمه - أن يُوحَدهم؟ ولو حدث ذلك بمعجزة لكان الأمل الأخير لصدَّ التَّتار عند المعابر المنيعة بين أرمينيا وكردستان والشَّام (1) وكان أول من احتك عسكرياً - بشكل فعلي - مع التَّتار من بني أيوب هو شهاب الدين غازي فبعد هزيمة التتار لجلال الدين منكبرتي عام 628هـ/1231م هاجمت فرقة منهم مَيَّافارقين، فتصَّدى لهم شهاب الدين "وكسرهم وغنم أسلحتهم، ويبدو أنه كان أكثر بني أيوب معرفة بالتتار وبتقدير قوَّتهم الحقيقية، فمع تغلُّبه على فرقة منهم إلا أنّه طلب من السُّلطان الكامل الدعم، لأن التَّتار أصبحوا على حدوده، وربمَّا كان شهاب الدَّين موقناً بأن موجة من الصراع الدامي لا يُمكن لأحد أن يتنبَّأ بنتائجها ستضرب المنطقة، فطلب من الكامل - أيضاً - الإذن لنقل حريمه إلى مصر، وجاء جواب الكامل، جواب من لازال يعيش مرحلة قبلة التَّتَّار، فقد ردَّ عليه: إن أُخِذت مَيَّا فارقين أخذَتِ مصر، وكيف يليق ببني أيوب أن يفسحوا لك بذلك وراءهم خمسون ألف فارس (2)،
__________
(1) تاريخ المغول، عبّاس إقبال ص 168 العلاقات الدولية (2/ 42).
(2) العلاقات الدولية (2/ 43) ..
(1/370)

هذا هو حال بني أيُّوب وجوارهم في موُاجهة المرحلة الأولى من هجوم التَّتار على الجزيرة، صراعات محليَّة، وتناحر وتباغض، وطمع كل منهم بما بيد الآخر من البلاد، ولن تكون الأحوال في مواجهة المرحلة الثانية أفضل (1) وفي أوائل عام 635هـ/1238م بلغ الخليفة أن جُمُوع التَّتُار نحو بغداد فسيَّر رسوله إلى الملك الكامل ومعه مائة ألف دينار مصرية ليُجنَّد عسكراً من الشام، فأخرج الكامل من بيت المال مائتي ألف دينار لتجنيد العساكر، وأمر أن يسير معهم من عسكر مصر والشام عشرة آلاف فارس نجدة للخليفة، وأن تعادله أمواله وكان الخليفة قد طلب أن يقود الحملة الملك الناصر داود بن الملك المعُظَّم، وقرَّر الكامل معه الأميران ركن الدَّين الهيجاوي وعماد الدَّين بن مسوك (2)، وفسّر الدكتور منذر الحايك طلب الخليفة بتجنيد عساكر من الشُّام، بأن التَّتار اكتسحوا شمال وشرق العراق، وهي المناطق الأهلة بالسُّكان، وبقبائل الأكراد والتُّركما، الذين هم المجال الطبيعي للتجنيد في العراق وبسبب وفاة الناصر داود فشلت الحملة الشامية (3).
__________
(1) المصدر نفسه (2/ 43).
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 43).
(3) المصدر نفسه (2/ 43).
(1/371)

سابعاً: وفاة الخليفة العباسي الناصر لدين الله في عهد الملك الكامل 622هـ:
الخليفة أبو العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي الهاشمي العباسي البغدادي (1) وكانت أم الناصر أم ولد تركية، اسمها زمرد خاتون جلبها الجلابون من بلاد الترك الشرقية، إلى أن استقر بها المقام في دار الخلافة إذ أصبحت جارية الخليفة المستضيء بأمر الله، ثم اعتقها وتزوجها وكانت أثيرة عند الخليفة لاسيما بعد أن ولدت له ابنا سنة 553هـ/1178م سماه أحمد وكناه بأبي العباس وقد عاشت في خلافة ابنها 24سنة وكانت راغبة في الخير والصدقة، وأفعال البر ولها من الصدقات والوقوف ببغداد وغيرها شيء كثير (2). قال سبط ابن الجوزي: حجت وانفقت 300 ألف دينار على ما بلغني وكان معها نحو ألفي جمل وتصدقت على أهل الحرمين، وأصلحت البرك والمصانع وعمرت التربة عند قبر معروف الكرخي، والمدرسة إلى جانبها، وأوقفت عليها الأوقاف (3).

وفي جمادى الأولى من سنة 599هـ/1202م توفيت زمرد خاتون وحزن عليها ابنها الخليفة الناصر لدين الله حزناً شديداً، وفعل في حقها ما لم يفعله أحد، وصلى هو عليها في صحن السلام، ودفنت في تربتها المجاورة لمعروف الكرخي وأمر الخليفة أن يتصدق بجميع ما خلفته من ذهب وفضة، وجواهر وثياب على جواريها وذوي الحاجة، ومماليكها، فقسم بينهم وحمل ما في خزائنها من الأشربة والعقاقير إلى المارستان العضدي وكان يساوي ألوفاً، وحزن عليها أهل بغداد حزناً عظيماً لأنها كان محسنة إلى الناس (4).
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 192).
(2) سياسة الخليفة الناصر لدين الله الداخلية ص 28.
(3) المصدر نفسه.
(4) سياسة الخليفة الناصر لدين الله الداخلية ص 28.
(1/372)

1 - الناصر خليفة للمسلمين: يبدو أن الخليفة المستضيء، خطب للناصر بولاية العهد في أيامه الأخيرة، ولكنه سرعان ما عدل عنه إلى أخيه أبي منصور لتخوفه من الناصر مما دعا به إلى سجنه، ولكن المرض لم يمهل المستضيء طويلاً، حيث توفي قبل استقرار الأمور لولي العهد الجديد أبي المنصور، وهذا مما جعل الحاشية وعلى رأسها استاذ الدار والوزير وغيرهم يضطرون إلى أخذ البيعة للناصر (1)، وقد بويع الناصر صبيحة ليلة وفاة والده وكان أول المبايعين له أخوه الأمير أبو منصور هاشم وتبعه بقية الأمراء ورؤساء الدواوين والقضاة والفقهاء (2)، ثم جلس الناصر بعد ثلاثة أيام في دار الملك للبيعة العامة ولتلقي التهاني من وفود الأقاليم من وجوه وأعيان الناس فيها وكان من بينهم ضياء الدين الشهرزوري الذي جاء برسالة التهنئة من صلاح الدين الأيوبي، وكانت وفود بلاد الشام والثغور ومصر قد حضرت ومعها شعراؤها للتهنئة والبيعة، فكانت مناسبة أظهرت فيها مؤسسة الخلافة العباسية في بغداد مظاهر الأبهة والابتهاج والبشرى بالعاهل الجديد، كما شارك الناس في هذه الاحتفالات وتمنوا أن تكون أيام الناصر أيام خصب ورفاهية بعدما عانوه من سني البؤس واليأس في السنين (3) الماضية وقد استلم الناصر الخلافة في مستهل ذي القعدة سنة 575هـ/1189م وجعل نقش خاتمه "رجائي من الله عفوه" (4) وقد وصف الناصر الرحالة الشهير ابن جبير الذي زار بغداد في عهده بقوله " وهو ميمون النقيبة عندهم قد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلاً وطيب عيش فالكبير والصغير منهم داع له (5).
__________
(1) مرآة الزمان (8/ 354) الخلافة العباسية د. فاروق عمر (2/ 208).
(2) خلاصة الذهب المسبوك للاربلي ص 280 الخلافة العباسية (2/ 208).
(3) مختصر التاريخ ص 243 للكازروني الخلافة العباسية (2/ 209).
(4) رجلة ابن جبير ص 181 الخلافة العباسية (2/ 239).
(5) الخلافة العباسية (2/ 209).
(1/373)

2 - مساعدو الخليفة: وكان يساعد الخليفة الناصر في إدارة شؤون الدولة نخبة من المسؤولين السياسيين والإداريين (1)، وعلى رأسهم الوزير ونائبه واستاذ الدار "دار الخلافة" والحاجب وقاضي القضاة، وصاحب المخزن وصاحب المظالم والحسبة ورؤساء الدواوين المتنوعة وصاحب ديوان الزمام وكان لأستاذ الدار نفوذاً كبيراً في بداية خلافة الناصر ولكن الخليفة أوقع به بعد أن كثرت الشكاوي على تجاوزاته وسلبه أموال الرعية خاصة بعد أن تسلم الخليفة مذكرة من نائب الوزارة جلال الدين صدقة، وكان ذلك سنة 583هـ (2) وأما وزراء الخليفة الناصر، فكانوا وزراء تنفيذ لا سلطة لهم بوجود الخليفة الذي كان يباشر الأمور بنفسه ما عدا بضع سنين قبيل (3) وفاته ومن هنا جاءت كلمات ابن دحية في الناصر: أخذ الأمر حقاً وقوة وفتح البلاد طاعة وعنوة وطبقت دعوته جميع الآفاق وطلعت حكمته باهرة الأشراف وأوقع بوزراء السوء على الإطلاق وقام بما عليه من العهد والميثاق (4)، كما وأن الناصر لم يكن لديه وزير على الدوم، بل يختار حيناً وزيراً ويعين أحياناً أخرى نائب وزير حسب ما يراه ضرورياً (5)
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) الخلافة العباسية (2/ 209).
(3) المصدر نفسه (2/ 209).
(4) النبراس في خلفاء بني العباس ص 165 الخلافة العباسية (2/ 209.
(5) النظم الإسلامية فاروق عمر ص 92 الخلافة العباسية (2/ 209) ..
(1/374)

ويحدثنا صاحب كتاب الفخري في الآداب السلطانية عن اهتمام الناصر في اختيار الرجل المناسب في المحل المناسب وحرصه على معرفة معدن الرجال وسريرتهم قبل التعيين، أنه كان يطلق الدعايات والإشاعات بين الناس بواسطة أصحاب الأخبار وأعوانهم حول ترشيح شخص معين لمنصب معين فتكثر الأقاويل عليه من قبل أصدقائه وأعدائه من معارفه فيكتب أصحاب الأخبار إلى الخليفة بذلك كله وأي الفئتين على حق وصواب وعندئذن يوازن الخليفة بين الرأيين ويختار الشخص أو يتركه، وهذا ما كان يفعله حين يختار وزيراً أو قاضياً أو صاحب ديوان أو غيرهم من وجوه مؤسسة الخلافة في السياسة أو الإدارة (1) ومما يلاحظ في سياسة الخليفة الناصر لدين الله أنه اعتبر الوزراء منفذين لا مفوضين في الحكم ولذلك استوزر أربع عشرة شخصية حمل خمسة منهم فقط لقب الوزير أما البقية الباقية فلم يكونوا أكثر من نواب وزراء (2)، على أن ما يجدر ذكره فيما يتعلق هو جمعها رياستي السيف والقلم في آن واحد، ففي الوقت الذي يشرف فيه الوزير على الأمور المالية والإدارية كان يتقلد قيادة الجيش ويقود العساكر لقتال الأعداء والمتمردين وذوي النزعة الإنفصالية (3)، ولعل أشهر مثل على ذلك وزير الناصر المعروف "بابن القصاب" الذي قاد جيش الخلافة ودوخ السلاجقة وأعاد العديد من مدن بلاد فارس الغربية إلى نفوذ الخلافة العباسية في بغداد، وتوفي سنة 592هـ/1195م بعد أن أعاد همذان وأصفهان وحاصر الري (4)،
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 210).
(2) المصدر نفسه (2/ 210).
(3) الخلافة العباسية (2/ 210).
(4) الكامل في التاريخ نقلاً عن الخلافة العباسية (2/ 210) ..
(1/375)

لقد استمرت الخلافة العباسية في الأخذ بالنظام المركزي في الإدارة فكان الخليفة بمساعدة الوزير يعين من يراه مناسباً على الأقاليم التابعة للدولة وهي في تلك الفترة قليلة ومحصورة في العراق وبعض أقاليم بلاد فارس الغربية (1)، والمعروف أن ولاية مصر وولاية بلاد الشام والحجاز واليمن كانت تابعة لصلاح الدين الأيوبي وأسرته ومع اعتراف هؤلاء جميعاً بالخليفة العباسي إلا أنه لم يكن للخليفة العباسي نفوذ مؤثر فيهم، بل إن إقراره لهم كان اعترافاً بأمر قد وقع فعلاً، وقد ظهرت في العصور العباسية الأخيرة مناصب جديدة بسبب تبدل الظروف منها: منصب الشحنة وهو موظف يتولى سلطات إدارية وأمنية في المدن والمراكز الحضرية الأصغر من المدن، وهناك منصب "الحماة" وهم المسؤولون عن حفظ الأمن والنظام في الأرياف، ومناطق البادية ويختارون عادة من رؤساء العشائر المتنفذين في مناطقهم كي يتمكنوا من أداء مهامهم بيسر وسهولة (2).

3 - دواوين الدولة الرئيسية: لقد كانت دواوين الدولة الرئيسية مستمرة في تأدية واجباتها دون تغيير جذري، رغم أن بعضها قد تبدل اسمه فمثلاً ديوان الخراج تبدل إلى "المخزن" وصاحبه صاحب المخزن، وأصبح ديوان الجند ديواناً للجيش وديوان النفقات والضياع أصبح ديوان المقاطعات، وغدا لضريبة الجزئية التي تؤخذ من أهل الذمة ديوان خاص بها يسمى "ديوان الجوالي" وكانت مواريث من لا وراث له تذهب إلى بيت المال مباشرة أما في العصور العباسية الأخيرة، فأصبح لها ديوان ينظمها تحت اسم "ديوان التركات الحشرية" على أن الأهم من ذلك ظهور دواوين جديدة، تشير رواياتنا التاريخية إلى أسمائها وبعض مهامها في عهد الناصر لدين الله منها (3):
__________
(1) تلخيص مجمع الآداب لابن الفوضي (4/ 651 - 738).
(2) الخلافة العباسية (2/ 211).
(3) الخلافة العباسية (2/ 211).
(1/376)

أ- ديوان الأبنية: وهو ديوان يدل على مدى اهتمام الناصر بالعمران والبناء رغم كونه كان يواجه تحديات عديدة من الخارج وخاصة من بلاد فارس ولكنه كان يصر على إيجاد الأموال اللازمة لإعمار عاصمته بغداد وترميم أسوارها وأبوابها وبناء أسواق ومدارس وربط في أماكن عديدة من المناطق الواقعة تحت نفوذ الخلافة (1).

ب- ديوان المقاطعات: وهذا الديوان مسؤول عن المقاطعات التي يمنحها الخليفة للأمراء والمتنفذين حيث تسجل بأسمائهم في دفاتر خاصة مقابل شروط معينة يقبلها الأمير المقطع (2).

ج- ديوان الوقوف: ومع أن هذا الديوان كان موجوداً قبل عهد الناصر، وأن الاهتمام بالوقوف اهتمام إسلامي قديم، فقط نشط هذا الديوان في عهد الناصر بسبب كثرة الوقوف التي أوقفها الخليفة.

س- ديوان الطبق: وتنحصر مسؤوليته في الإشراف على توزيع الطعام والشراب على الفقراء والمحتاجين خاصة أولئك الذين يمنعهم التعفف من سؤال الناس أو التسول (3)، وكان صاحب الديوان يستعين بذوي الخبرة من أعيان الناس والنقباء للتعرف على المحتاجين في الأزقة والسكك والمحلات (4).

وأما ديوان البريد: فلعل من أهم صلاحيات صاحبه هو كونه عينا للخليفة يوافيه بأخبار الأقاليم والأحداث المهمة التي تقع فيه (5)، إلا أن هذه المهمة الخطيرة أصبحت في العصور العباسية الأخيرة تنحصر أكثر فأكثر بيد: صاحب ديوان الخبرة، الذي تداخلت صلاحياته مع بعض صلاحيات صاحب البريد الخاصة بتقصي الأخبار التي تهم الدولة (6).
__________
(1) مضمار الحقائق نقلاً عن الخلافة العباسية (2/ 240).
(2) سياسة الخليفة الناصر لدين الله الداخلية ص 89.
(3) ذيل طبقات الحنابلة (2/ 66) الخلافة العباسية (2/ 212).
(4) الخلافة العباسية (2/ 212).
(5) النظم الإسلامية ص 78، الخلافة العباسية (2/ 240).
(6) الخلافة العباسية (2/ 212).
(1/377)

4 - سياسة الناصر لدين الله المالية والاقتصادية:
مع لبثت الضائقة المالية أن خفت مع مجيء الناصر لدين الله، حيث كثرت الخيرات والزروع ورخصت الأسعار، فكانت أيامه على حد قول ابن جبير رخاءً وعدلاً وطيب عيش (1)، ويضيف ابن جبير الذي زار العراق في هذه الفترة كثرة المزارع والنخيل وبساتين الفواكه، فيقول مثلاً عن الطريق الزراعي بين بغداد إلى الحلة: إنها أحسن طريق وأجملها في بسائط من الأرض وعمائر تتصل بها القرى يميناً وشمالاً وتشق هذه البسائط فروع من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها وهي متسعة وفسيحة تشرح بها العيون وتنبسط فيها النفوس، والأمن فيها متصل (2) وأشار ابن جبير إلى اهتمام الناصر بالمحافظة على الأمن والاستقرار فقد لاحظ نقاط حراسة على طول الطريق لحماية القناطر والجداول المتفرعة على الأنهار وحماية القوافل خاصة وأن هذه الطريق كانت جزءاً من طريق الحج إلى الحجاز (3) يقول ابن جبير: فلايكاد المرء يمشي ميلاً إلا ويجد قنطرة على نهر متفرغ من الفرات فتلك الطريق أكثر الطرق سواقي وقناطير وعلى أكثرها خيام فيها رجال محترسون (4) للطريق. وقد منع الخليفة الناصر سوء استغلال المزارعين أو استخدامهم في أعمال السخرة، فحين علم الخليفة أن عامله على منطقة نهر الملك قد أجبر الفلاحين على العمل بالسخرة لحسابه الخاص أمر بقطع يده ليكون عبرة لمن يستغل نفوذه بصورة غير صحيحة (5)،
__________
(1) رحلة ابن جبير ص 181 الخلافة العباسية (2/ 213).
(2) المصدر نفسه ص 169 الخلافة العباسية (2/ 213).
(3) الخلافة العباسية (2/ 213).
(4) رحلة ابن جبير ص 170 الخلافة العباسية (2/ 213).
(5) الخلافة العباسية (2/ 213) ..
(1/378)

كما وأن هذا الإجراء يدل - ضمن إجراءات أخرى منها تحقيق عبء بعض الضرائب - على الأمل الذي كان يعلقهم الناصر على الفلاحين وهم الفئة المنتجة للغلة التي يقتات منها الشعب، وهذا يفسر إشارات ابن الساعي في كتابه الجامع المختصر إلى وفرة المواد الغذائية ورخص أسعارها في هذه الفترة (1) وهناك سبب آخر من أسباب كثرة الغلات وانخفاض الأسعار على عهد الخليفة الناصر لدين الله فقد أمر الخليفة بفتح خزائن الغلات وإطلاق البيع للناس، كما أعطى أرزاق الجند من الحبوب عيناً فكثر العرض من الحنطة والشعير والذرة في الأسواق (2)، مما أدى إلى تراخي أسعارها بسبب الفائض منها وكثرة نسبته على الطلب (3).
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 214).
(2) الخلافة العباسية (2/ 214)
(3) المصدر نفسه (2/ 214)
(1/379)

5 - الفتوة الناصرية: لعب نظام الفُتُوَّة دوراً كبيراً في العلاقات الدولية بين الخلافة العباسّية والعديد من الممالك الإسلامية وعلى الخصوص الممالك الأيُّوبيَّة، وذلك من خلال الهدف السياسي البعيد، الذي حاولت الخلافة العباسية - في عهد الناصر لدين الله - الوصول إليه عبر تنظيم الفُتوة وهو إعادة فرض سيطرتها على تلك الممالك بأسلوب جديد ويقوم نظام الفتوة - أساساً - على مكارم الأخلاق فهو: أن تُصَرب من يُبغضك وتكرم من يؤذيك وتحسن إلى من يُسيء إليك، وهذه أمور حسنة مطلوبة سُميَّت فُتُوَّة أم لم يُسمَّ، وقد شهد هذا النظام ذروة مجده مع الخليفة العباسي النَّاصر لدين الله: كان الخليفة النَّاصر شابَّاً مرحاً ممتلياً بالحيوية والرجولة، والناس يتهَّيبون لقُياه (1)، فانعكست قوَّة شخصيته على قوة منصب الخلافة والتمس الناصر طريقة جديدة لتقوية نفوذه على الممالك الإسلامية المختلفة، التي تدين له بنفوذ معنوي، وليس عليها أيُّ تأثير سياسي حقيقي، فسعى لتزويد منصب الخلافة بُسلطة أخرى غير سلطة الشرعية تتمثل بُسلطة اجتماعية سياسيَّة أخلاقية، تؤدَّي - بحال انتشارها - إلى التفاف الجميع حول منصب الخلافة الذي يرأس هذه السلطة أو المنظمة الجديدة (2) وكان صاحب الفُتُوَّة في بغداد أيام الخليفة الناصر هو الشيخ عبد الجبار، فأحضره الخليفة " وأعطاه خمسمائة دينار، وخلع عليه وعلى ولده، وكان شيخاً حسناً له أتباع كثيرون (3)،
__________
(1) الموسوعة الشاملة د. سهيل زكار (14/ 74).
(2) العلاقات الدولية (1/ 296).
(3) الموسوعة الشاملة (21/ 256) د. سهيل زكار ..
(1/380)

ممّا يعني أنه تنازل للخليفة عن منصب رئيس الفتيان، وما قام به الخليفة النّاصر - بعد ذلك - هو عملية إعادة تنظيم ورعاية لهذه المنظمة، فجعله ذلك رجلها الأول، ورئيسها ثم حدَّد قواعدها، ونشرها، وانتسب إليه في الفُتُّوة أكابر الناس والملوك، ففي عام 607هـ/1210م، طلب الخليفة الناصر من كُلَّ ملوك المسلمين أن ينتموا إليه في الفُتُوّة ويعُّدونه إمامهم بها، على أن تنتمي رعية كُلَّ منهم إلى ملكها (1).

أ- نظام الفُتُوَّة: وقد وُضع للفُتُوَّة شُرُوط خاصَّة يجب أن تنطبق على من ينتمي إليها، ومنها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم، ونصرة المظلوم، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد، وغيرها من قواعد الأخلاق التي حظَّ عليها الإسلام (2)، وكانت هُناك أمور عديدة يُطلَب تطبيقها من المنتسبين إلى تنظيم الفُتُوَّة وكلها يستدل عليها من ذكرها في الأحاديث النبوية الشريفة، منها:
- طاعة الرؤساء والمقدَّمين.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف.
- حفظ الجار.
- التعاضد والتناصر بين الأعضاء.
- حفظ الجار.
- كتمان السَّرَّ.
- صدق اللهجة.
__________
(1) مفرج الكروب (3/ 206) العلاقات الدولية (1/ 297).
(2) الفتوة عند العرب للدسوقي ص 229 العلاقات الدولية (1/ 297).
(1/381)

- العفة عن المحارم (1). وما كل ذلك إلا استجماع لمكارم الأخلاق العربيّة، وتعاليم الإسلام في التعامل، ولروح الشجاعة والإيثار (2) وكان المنتسبون لتنظيم الفتوة يسمّون الفتيان، أمّا من ينضُّم حديثاً لها، فيُدعى بالرفيق، ويُرشَّح الفتى الجديد لقبوله في التنظيم فتيان قدماء، ثّم يقام حفل تنسيب للمنُضمين الجُدُد، تلقى فيه كلمات، تشيد بالفُتُوَّة، وتربطها بتعاليم الإسلام من خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة (3)، ويشرب المنتُسبون الجُددُ كأس الفُتُوَّة وفيه ماء وملح (4)، وهو دليل قبول الأنظمة والتعاليم الخاصَّة بالفُتُوة - وكان الفتى عند تنسيبه يُلفُّ بملابس رقيقة من الكتَّان، أو القطن الأبيض، ثم يرتدي السروال الخاصَّ بالفُتُوَّة، وكان السروال هُو الشعار، أو الزي الخاص لهذا التنظيم، فجميع الفتيان يرتدون طرازاً خاصَّاً وموحَّداً من السراويل يميزهم عن بقية الناس (5)، ثم توضع على رأس الفتى طاقية صغيرة سوداء، وفوقها قلنسوة من الصوف الأبيض، ويضع على أكتافه قباء، أو عباءة خفيفة يُلفُّ عليها حزام، يُعلقَّ به سكَّين، أو خنجر، ويلبس في رجله خفيَّن (6) وربما كان من أشهر حفلات تنسيب الملوك لتنظيم هي الحفلة التي أقامها الملك المنصور صاحب حماة عام 622هـ/1223م، وأقام الخطبة فيها قاضي حماة سالم بن نصر الله والد المؤرَّخ ابن واصل (7).
__________
(1) الموسوعة الشاملة د. سهيل زكار (21/ 258).
(2) النظم الدبلوماسية، صلاح الدين المنُجَّد ص 151.
(3) العلاقات الدولية (1/ 298).
(4) المصدر نفسه (1/ 298).
(5) مجمع الآداب ابن الفوطي (1/ 1184) العلاقات الدولية (1/ 298).
(6) مفرج الكروب (4/ 164) العلاقات الدولية (1/ 299).
(7) العلاقات الدولية (1/ 299).
(1/382)