Advertisement

الأيوبيون بعد صلاح الدين 002



الكتاب: الأيوبيون بعد صلاح الدين
المؤلف: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي
الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: 1
عدد الصفحات: 680 صفحة
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] وعندما استكمل الخليفة الناصر تنظيمه الجديد نظرياً، بدا بتسيير رُسُله إلى ملوك المسلمين، وطالبا منهم الانتماء إليه عبر نظام الفُتُوَّة، وقد قبل الجميع ذلك، وانتسبوا للخليفة الناصر (1)، فهذا لا يُنقص من مُلكهم شيء وما سُلطة الفُتُوة إلا سلطة معنوية، لذلك لم يتخلف منهم أحد وقد "لبس السلطان العادل سراويل الفُتُوَّة للخليفة الناصر (2)، وكذلك أولاده الملك المعُظمَّ والملك الكامل والملك الأشرف، ولبسها المجاهد صاحب حمص، والملك الظَّاهر غازي ابن السُّلطان صلاح الدين صاحب حلب، وكذلك أرسل لباس الفُتُوَّة إلى كيخسرو سلطان الرُّوم (3)، واعتقد الخليفة النَّاصر بذلك أنَّه قد جمع الأمَّة حوله، وبالفعل، فقد أسبغت الفُتُوَّة مزيداً من الهيبة على منصب الخليفة (4)، فقد كان الملك الذي ينتسب إلى الخليفة يتبعه كُلُّ أركان دولته وأكابر بلاده، ولكن اهتمام الخليفة النَّاصر بتنظيم الفُتُوَّة جعله يعتقد أنهّا كُلّ ما يربطه بُملوُك المسلمين، حتى إنَّه لم يُبصر أعظم المخاطر التي تحيق بهم، ففي عام 615هـ/1218م وصلت رُسُلُ الخليفة الناصر إلى الملك الكامل (5)، وهو مرابط على دمياط أمام قّوات الفرنجة التي احتلتَّ المدينة، وأخذت تتقدّم باتجاه القاهرة فظنَّ الناس الظنون الجميلة يؤمئذ في الخليفة، فتبيَّن أنه لأجل رمي البُنُدق، وكونه يُريد أن يكون هو قبلته فتعجَّب الناس من إمام العصر وهمَّته (6) فكأن الكامل كان بحاجة إلى زعامة الخليفة لرمي البُنُدق ليُقاوم جحافل الفرنج الزاحفة على مصر (7).
__________
(1) الموسوعة الشاملة د. سهيل زكار (14/ 74).
(2) العلاقات الدولية (1/ 299).
(3) المصدر نفسه (1/ 299).
(4) الموسوعة الشاملة (20/ 134).
(5) العلاقات الدولية (1/ 299).
(6) العلاقات الدولية (1/ 299).
(7) العلاقات الدولية (1/ 299).
(1/383)

ب- من نشاطات الفُتُوَّة: وكان من اهتمامات الفتيان الرمي بالبُنُدق، وتدريب الحمام، وقد تفنن الناس في ذلك سواء الأمراء أو الملوك (1)، وفي العصر الأيوبي كان الرمي بالبُنُدِق (2)، قد شاع في معظم أنحاء الدولة الإسلامية وهو رياضة رمي وتدريب على التسديد ويُستخدم للرمي على الطيور من أجل الصيد أو الرياضة، وكان الخليفة العبَّاسي النَّاصر لدين الله قد منع رمي البُندُق إلا لمن ينتمي له (3).

لقد قصد الخليفة النَّاصر من اهتمامه الكبير بنظام الفتوة تقوية مركزه وزيادة فاعلية منصب الخليفة وربط ملوك الأطراف والرعايا بشخص الخليفة، من حيث كونه زعيماً فعلياً، إضافة لكونه خليفة وإماماً شرعياً (4) ولكنَّ كُلَّ ما قام به النّاصر لتنظيم الفُتُوَّة تهاوى بعد (5) موته، ويرى بعض الباحثين إن نظام الفُتُوة استمر بالقوة والاندفاع نفسهما بعد وفاة الخليفة الناصر لدين الله سنة 622هـ إذ اهتم الخلفاء العباسيون بعده في العناية بالفتوة والقيام برسومها ورعاية الفتيان في البلاد الإسلامية على اختلاف الحماسة لها (6).
__________
(1) نكت الهميان للصفدي ص 91.
(2) البندق: كرات صغيرة من حجر أو معدن أو طين، تقذف من مأسورة.
(3) العلاقات الدولية (1/ 300).
(4) المصدر نفسه (1/ 300).
(5) المصدر نفسه (1/ 300).
(6) سياسة الخليفة الناصر لدين الله الداخلية ص 159.
(1/384)

6 - صحوة الخلافة العباسية: كان الخليفة النَّاصر يتمتع بشخصية قوية، فتمكَّن من إعادة الهيبة لمنصب الخلافة، وأعاد السيطرة على عدَّة مناطق لم يمتدَ إليها نُفوُذ الخلفاء منذ زمن طويل: وكان الناصر قد ملأ القُلُوب هيبة وخيفة، فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيا بهيبته الخلافة، وكانت قد ماتت بموت المعتصم (1)، واستولى مع العراق على إقليم خوزستان وغيرهما من الأطراف، وملك همذان، وأصفهان (2)، وكان للخليفة النَّاصر: أصحاب أخبار في العراق، وسائر الأطراف، يُطالعونه بجُزئيات الأمور وكُلَّيَّاتها (3) وأمضى الخليفة الناصر مُدة حياته في عزة وجلالة وقمع للأعداء وكان شديد الاهتمام بمصالح الملك ... واستمر خليفة سبعاً وأربعين سنة (4) إلا شهراً ولم يقم أحد من الخلفاء العباسيين في الخلافة هذه المَّدة الطويلة، ولم تَطُل مدة أحد من الخلفاء مُطلقاً أكثر من المستنصر العبيدي أقام بمصر حاكماً بها ستين سنة (5)، وكذا وليَ الأندلس الناصر المروانيّ - الأموري - خمسين سنة (6).
7 - التصدي للنفوذ السلجوقي: حرص الخليفة الناصر لدين الله على تقليص النفوذ السلجوقي ببغداد، فهدم دار السلطنة السلجوقية ورفض طلب طغرل الثالث بذكر اسمه على الخطبة ووسع نفوذ الخلافة العباسية، فشملت العراق بأجمعه، كما استرد الأحواز واعقبها بأصفهان وهمدان (7) وتوجت هذه الإنجازات بإنهاء السيطرة السلجوقية رسمياً على العراق سنة 590هـ/1193م.
__________
(1) العلاقات الدولية (1/ 293).
(2) المصدر نفسه (1/ 293).
(3) العلاقات الدولية (1/ 294).
(4) المصدر نفسه (1/ 294).
(5) البداية والنهاية (17/ 134).
(6) سير أعلام النبلاء (22/ 193).
(7) الخلافة العباسية في عصورها المتآخرة ص 91، 92.
(1/385)

وقد عمد الناصر لدين الله إلى استخدام أساليب عديدة لتحقيق هدفه، منها؛ استغلال المنافسة بين الأمراء السلاجقة الجدد من أجل أضعاف النفوذ السلجوقي على أقاليم الخلافة واستطاع تحريك القوّة الخوارزمية للصطدام بطغرل الثالث الذي حاول النيل من الخلافة العباسية، مضيفاً الشرعية على علاء الدين تكشي الخوارزمي واعداً أياه بمنحة الأراضي والأقاليم كافة التي كانت في حوزة السلاجقة في بلاد فارس وهكذا ضرب الناصر عصفورين بحجر واحد، محاولاً انهاك قوتهما عسكرياً وبالتالي إنهاء طموحاتهم بالاستيلاء على العراق والخلافة العباسية، ولقد كانت معركة الري بين طغرل الثالث وتكش الخوارزمي حاسمة حيث خسر طغرل المعركة وقتل فيها سنة 590هـ/1193م وانتهى بمقتله نفوذ سلاجقة الروم (1)
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 224).
(1/386)

8 - الناصر والخوارزمية: استعان الخليفة الناصر بعلاء الدين تكش خوارزمشاه للقضاء على النفوذ السلجوقي في بلاد فارس على أن خوارزمشاه هذا اعتبر نفسه وريث السلاجقة حيث سيطر على الأقاليم التابعة لهم، بذلك أصبح أكبر قوة بين أمراء المنطقة، وطمع في الخلافة العباسية ونازعها على الأحواز وطلبها لكي تكون كفاية لاتباعه إلا أن الناصر رفض التنازل عن الأحواز، بل أرسل جيشاً احتل اصفهان وسير جيشاً لإحتلال همدان وأكثر من هذا حاول الناصر الاستعانة بأعداء خوارزمشاه تكش من الأمراء الخوارزمية واتصل بالخزر وطلب منهم أن يتحركوا ليمنعوا تكش من دخول العراق، ثم كتب الخليفة الناصر إلى غياث الدين الغوري "يأمره بقصد بلاد خوارزم ليعود (تكش) عن قصد العراق" وهكذا نجح الناصر في خلق مشاكل عديدة وإثارة الاضطرابات في تخوم الخوارزميين الشرقية وبذلك أبعد الخطر الخوارزمي عن العراق ولو إلى حين إن خطر الغوريين على الخوارزميين أرجأ الهجوم الخوارزمي أكثر من عشرين سنة وخلال هذه الفترة توفي علاء الدين تكش وأعقبه في حكم الإمارة الخوارزمية ابنه علاء الدين محمد ولكن مشاغله في الأقاليم الشرقية أرجأت تحركه نحو العراق لبعض الوقت وبدأ خوازمشاه علاء الدين محمد في التخطيط لتنفيذ طموحاته وطموحات أبيه من قبله في احتلال العراق وإقامة الخطبة له في بغداد ومساجدها منذ 607هـ وقد طلب خوارزمشاه بصراحة من الخليفة الناصر لدين الله العباسي لا تخلو من وقاحة: أن يكون أمر بغداد والعراق لعلاء الدين ولا يكون إلى الخليفة إلا الخطبة ولما رفض الخليفة الناصر هذا الطلب عمد خوازمشاه علاء الدين إلى اختلاق أنواع الُمبررات لتبرير شن حرب على العراق، فأثار القلاقل والاضطرابات الداخلية حيث شجع مماليك الخلافة على التمرد داخل بغداد ولكن الخلافة سحقت التمرد (1)،
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 226) ..
(1/387)

وجمع خوارزمشاه فقهاء وعلماء الأقاليم التابعة له وأمرهم بإصدار فتوى بعدم شرعية الخلافة العباسية وأن خلفاء بني العباس أهملوا أمر الجهاد ولم يتتبعوا أهل البدع والضلال بالقمع، وبعد صدور الفتوى أمر خوارزمشاه باسقاط اسم الناصر من الخطبة والسكة كما وأنه عمد إلى إثارة الرأي العام الإسلامي ضد الخلافة العباسية بالعراق، حيث نظم دعاية واسعة للتشهير بالخلافة معلناً أنه عثر على رسائل من الخليفة الناصر فيها تحريض للغوريين على مهاجمة خوارزمشاه مطالباً لعزل الناصر لأنه يقسم جماعة المسلمين ويحرض بعضهم على البعض الآخر!!

وقد سار خوارزمشاه علاء الدين محمد بجيش جرار سنة 614هـ/1217م نحو العراق مستهدفاً احتلال بغداد ولم تفد معه رسل الخليفة الناصر التي أرسلها لترده عن قصده وتنصحه بطاعة الخليفة واتخذ الخليفة الناصر حملة من الإجراءات لحماية العراق من الهجوم المرتقب وتمكن من كسب أتابكة إقليم فارس وأذربيجان ضده كما وأن الحشيشية النزارية الذين دانوا بطاعة الخلافة العباسية خلال هذه الفترة ولمدة قصيرة من الزمن استطاعوا اغتيال "أوغلمش" عامله في غربي بلاد فارس وبهذا استطاع الناصر أن يكون حاجزاً بينه وبين خوارزمشاه ومع ذلك فقد فرق الناصر السلاح وصرف الأموال للتحصين وإقامة المتاريس حول بغداد ولكن خوارزمشاه لم يتمكن من دخول العراق حيث صادفته بعد تركه همدان عاصفة ثلجية عاتية أهلكت دوابه والكثير من رجاله المقاتلين، كما تعرضوا لغارات من السكان المحليين مما جعل خوارزمشاه مضطراً إلى الإنسحاب بالبقية الباقية من جيشه منهار العزيمة خائر القوى (1).
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 227).
(1/388)

ولم يكّرر خوارزمشاه علاء الدين محمد محاولته لغزو بغداد حيث توفي سنة 617هـ/1220م وخلفه في حكم الخوارزميين ابنه جلال الدين منكبرتي وكانت سياسته معادية للخليفة الناصر العباسي حيث توسل كأبيه بالوسائل كافة لاسقاط الخلافة العباسية مع أنه كان يدرك بأن الخطر المغولي بات على أبواب العالم الإسلامي، وكان جلال الدين منكبرتي يحاول إيجاد الأعذار والتبريرات من أجل غزو العراق اتماماً لخطة أبيه ولما فشل في إيجاد خلفاء له بين أمراء المسلمين عز على التقدم بنفسه نحو العراق فاستولى على إقليم الأحواز "عربستان" التابع إدارياً للخلافة المركزية في بغداد، ولكن منكبرتي فشل في احتلال عاصمة الأحواز آنذاك تستر وأرسل الخليفة الناصر جيشه لحرب جلال الدين منكبرتي في الأحواز وجرت المعركة في الأحواز سنة 622هـ/1225م وانتصر منكبرتي على جيش الخلافة العباسية الذي انسحب نحو العراق، ثم أعاد الكرة على تستر ولكن الجيش العباسي صمد مدافعاً عن عاصمة الأحواز مما اضطر منكبرتي وجيشه إلى دخول حدود العراق الشرقية، فاصطدموا بالجيش المدافع عن البصرة الذي أوقع بهم ومنعهم من دخولها (1).
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 230).
(1/389)

إن فشل منكبرتي في احتلال أية مدينة مهمة في الأحواز وجنوبي العراق جعله ينهب ويدمر كل ما تقع عليه يده في القرى والمزارع التي مر بها، فانتشر السلب والنهب واضطرب حبل الأمن وقطعت الطرق وقطعت الطرق على الطريق بين بغداد والبصرة، واندفع منكبرتي شمالاً باتجاه بغداد وأرسل إلى الخليفة الناصر رسولاً حمل رسالة إلى دار الخلافة وصفها أحد المؤرخين بأنها: رسالة تعنت وتعتب، مما يدل على الحالة النفسية السيئة التي كان يعيشها وحين أصبح قاب قوسين أو أدنى من بغداد لم يهاجمها بل واصل سيره شمالاً وعسكر في بعقوبة (1) وأما الخليفة العباسي الناصر فقد استعد تمام الاستعداد للدفاع عن سيادة العراق وكرامة أبنائه وتأهب أهل بغداد أهل الصولات والجولات، واستعدوا للدفاع واصلحوا السلاح وهيأوا النفط ونصبوا المجانيق على الأسوار وفرق الخليفة الناصر المال والسلاح، كما اتصل الخليفة الناصر بحاكم أربل زين الدين كوكبري وطلب إليه مهاجمة جيش منكبرتي وقطع خطوط تمونيه ومواصلاته وتجاه هذه الظروف وأدرك منكبرتي استعدادات العراقيين وخليفتهم الناصر، انسحب منكبرتي شرقاً بعد أن أمضى ثمانية عشر يوماً في بعقوبة، وبعد أن نهب بعض القوى المحيطة ببغداد من أجل تموين جيشه الذي قطعت ميرته، كما هاجم منكبرتي داقوقا وحاصرها ثم دخلها وأباها لجنوده الذين عاشوا فيها فساداً وقتلاً ونهباً وهكذا فشل الهجوم الثاني للخوارزمية أمام صمود بغداد والخليفة العباسي، لقد أبعد جلال الدين منكبرتي بسياسته العدوانية على الخلافة الكثير من أمراء المسلمين وعلى رأسهم الخليفة العباسي الناصر لدين الله وجعلهم جميعاً خصوماً له يشكون في أهدافه التوسعية وأطماعه في أقاليمهم ولهذا كله ترك وحيداً في الميدان يجابه مصيره المحتوم أمام جموع المغول الذين قضوا عليه وعلى إمارته سنة 628هـ/1231م (2).
__________
(1) المصدر نفسه (2/ 229).
(2) الخلافة العباسية (2/ 230).
(1/390)

9 - الناصر لدين الله والإسماعيلية الشيعية: تمثل الحركة الحشيشية الباطنية جهوداً متطرفة "غالية" للتغلغل إلى العقيدة الإسلامية وتخريبها وتدمير أصولها وإحلال عقيدة ومثل وقيم أخرى محلها، وقد استطاعت هذه الحركة أن تحقق مكاسب سياسية مهمة في بلاد فارس على يد الحسن بن الصباح منذ سنة 483هـ/1190م حيث نجح هذا الداعية المتطرف في كسب سكان من بلاد الديلم وقزوين وأذربيجان وشكلت خطراً كبيراً على العراق والخلافة العباسية وهددوا الناس بما ارتكبوه من اغتيالات وعمليات إرهاب في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي إلا أن سياسات الناصر لدين الله وشعور الحشيشية بقوة الخلافة العباسية في عهد الناصر أجبرهم على إعادة تقويم موقفهم في الأقل خلال تلك المرحلة، فقد أظهر الحسن الثالث بن محمد بن الحسن تمسكه بالإسلام وإقامة الفرائض وبناء المساجد وراسل الخليفة الناصر من أجل التحالف معه في صراعه ضد الخوارزمية، ولكن الحشيشية اغتالوا إمامهم المعتدل وعادوا إلى عقيدتهم الباطنية الملحدة وهكذا فإن قوة الناصر وسياسته أثبتت فاعليتها حتى مع الحشيشية الذين اتبعوا خطة تنقذهم من سطوته ولو لبعض الوقت حيث اظهروا ميلهم إلى التضامن ووحدة الصف مع العالم الإسلامي بقيادة الخليفة الناصر ولكن هذا التظاهر لا يمكن أن يستمر طويلاً حيث تذبذبوا بين العباسيين والخوارزمية، كما حاولوا أن يتقربوا إلى المغول أثناء زحفهم في بلاد فارس، ولكن هولاكو دمر قلاعهم عن آخرها (1).
ومن الدروس المستفادة، العمل على استيعاب أهل البدع ومحاولت إدخالهم ودمجهم في جمهور الأمة العريض عن طريق التعليم والتربية والحوار، والنقاش والدفع باللتي هي أحسن وإذا كانوا شوكة وقوة تشكل خطر على عقيدة الأمة وأخلاقها وثقافتها وحضارتها يجب التصدي لهم بكل حزم وقوة وكسر تلك الشوكة والعمل على إزالت مشروعهم السياسي والعسكري من الوجود.
__________
(1) المصدر نفسه (2/ 231).
(1/391)

10 - الناصر وحكام بلاد الشام: كان موقف الخليفة الناصر من بلاد الشام واضحاً فهو مع كل دعوة إلى وحدة الصف والتضامن بين القوى الإسلامية ضد الحركة الباطنية الهدامة في الداخل، وضد الإفرنج المتسترين بالدين في الخارج فقد كان التعاون الفرنجي الباطني أمراً واقعاً قبيل هذه الفترة وخلالها سواء كان هذا التعاون سرياً أم علنيا فإنه لم يكن يخفى على الخليفة الناصر الذي يمتلك جهاز مخابرات فعال ونشط تحركات الأعداء ولقد تم التعاون بين راشد الدين سنان زعيم الحشيشية السورية - الباطنية - وأملريك ملك بيت المقدس الذي تمثل بإرسال الوفود بين الطرفين من أجل التفاهم والتنسيق ضد القوى الإسلامية، كما كونت الحشيشية حلفاً مع فرسان الاسبتارية الإفرنج ضد صلاح الدين والأمراء التابعين له، وإن الحشيشية كانت تنشر دعوتها في بلاد الشام تحت حماية هؤلاء الفرسان الصليبيين مقابل تعهد الحشيشية باغتيال الأمراء الذين يعارضون الاسبتارية، فقد أثار تبنيامين التطيلي الذي زار المنطقة في ذلك الوقت إلى تعاون اليهود مع الحشيشية وإلى وجود أربعة آلاف يهودي يقاتلون مع الحشيشية السورية بموافقة رأس الجالوت "زعيم اليهود الروحي" (1)
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 232) الحركة الشعوبية ص 134 ..
(1/392)

وإزاء هذا الموقف الخطير كان الناصر يدرك ضرورة دعم القوى الإسلامية التي تدعو إلى الوحدة والإسلام الصحيح، كما وأن صلاح الدين وبقية الأمراء كانوا بحاجة ماسة إلى مساندة الخلافة العباسية من خلال عهود التولية والاعتراف بشرعية حكمهم ومراسم التقليد والتشريف ولم يكن الأمر بالنسبة للخليفة الناصر سهلاً فعملية حفظ التوازن بين أمراء بلاد الشام عملية دقيقة وحساسة، ذلك لأن بعض الأمراء من الأتابكة وغيرهم كانوا لا يفهمون مقاصد صلاح الدين ويخشون من مشاريعه ونفوذهم واستقلاليتهم في القرار السياسي في المناطق التي يحكمونها، ويبدو أن الخليفة الناصر كان يفضل العمل السياسي والتدريجي على العمل العسكري الحاسم، ولهذا كان كثير ما يتوسط بين صلاح الدين والأمراء الأيوبيين من بعده وبين حكام الأتابكيات الآخرين من أجل الوصول إلى تفاهم سياسي وتجنب سفك الدماء بين المسلمين (1).

وفي عهد الملك الكامل الأيوبي استمرت العلاقة على ما كانت عليه بين الخليفة الناصر والأيوبيين ولم تنحصر علاقة الخليفة لدين الله بالملك الكامل بل امتدت لتشمل باقي ملوك الأيوبيين فلم يقبل الملك المعظم مساعدة جلال الدين الخوارزمي في محاربة الخليفة (2)، عندما طلب منه الخوارزمي ذلك (3).
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 233).
(2) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 183.
(3) المصدر نفسه ص 183.
(1/393)

11 - بدايات الاحتكاك المغولي بحدود "دار الإسلام":
بدأ المغول الاحتكاك بالعالم الإسلامي في السنوت الأخيرة من عهد الخليفة الناصر لدين الله، ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا قد شكلوا خطراً على "دار الإسلام" كما وأن خططهم وطموحاتهم لم تكن معروفة فيما يتعلق بالخلافة أو أقاليمها رغم أنهم دخلوا في صراعات محدودة في البداية مع كيانات إسلامية محايدة لهم (1). لقد كانت الصفحة الأولى (2)، من الاحتكاك المغولي بالعالم الإسلامي والتي تبدأ من سنة 616هـ/617هـ إلى سنة 620هـ وهي السنة التي توفي فيها جنكيز خان عبارة عن غارات متعددة وغزوات مفاجئة على مدن وأقاليم بلاد ما وراء النهر وخراسان وهدفها جس النبض وتحسس قوة أمراء المسلمين ولم يذكر التاريخ للخليفة الناصر أي دور معين تجاهلها خاصة، وأنه كان في أواخر حياته مشلولاً أنهكه المرض حيث توفي سنة 622هـ (3).

12 - أقول المؤرخين فيه وأيامه الأخيرة:
- قال الذهبي: وكان مستقلاً بالأمور بالعراق، متمكناً من الخلافة يتولى الأمور بنفسه ما زال في عزَّ وجلالة واستظهار وسعادة (4) وكان: شديد الاهتمام بالملك، لا يخفى عليه كبير شيء من أمور رعيته، أصحاب أخباره في البلاد، حتى كأنه شاهد جميع البلاد دفعة واحدة، كانت له حيل لطيفة وخِدع لا يفطن إليها أحد، يوقع صداقة بين ملوك متعادين، ويوُقع عداوة بين ملوك متوادَّين ولا يُفطنون (5)
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 235).
(2) المصدر نفسه (2/ 235).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 242) الخلافة العباسية (2/ 2356).
(4) سير أعلام النبلاء (22/ 192 إلى 242).
(5) المصدر نفسه (22/ 195).
(1/394)

- قال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلتَّ له العتاة والطًّغاة وانقهرت لسيفه الجبابرة، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك مالم يملكه أحد ممن تقدّم من السلاطين والخلفاء والملوك وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أسد بني العباس تتصدع لهيبته الجبال، وكان حسن الخَلْقِ، لطيف الخُلُق كامل الظرف، فصيح اللسان، بليغ البيانَ، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة، كانت أيامه غُرَّةً في وجه الدهر، ودُرَّةً في تاج الفخر (1).

وقال ابن واصل: .. وكان مع ذلك ردئ السيرة في الرعية، مائلاً إلى الظُّلم والعَسْفِ وكان يفعل أفعالاً متضادة، وكان يتشيَّعُ ويميل إلى مذهب الإمامية، بخلاف آبائه، حتى إن ابن الجوزي سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أفضلهم بعده من كانت ابنتُه تحته فكنّى بفضل الصَّدِيق ولم يقدر أن يصرح (2).

وهذا بعيد مع وجود الممالك السنية، كالأيوبية وغيرها والحاكم همه جمع الرعية والملوك حّوله وربما يكون قد وسع على الشيعة الإمامية أكثر من غيره وأحسن إليهم.
__________
(1) شذرات الذهب (7/ 173).
(2) المصدر نفسه (7/ 173) مفرج الكروب (4/ 167).
(1/395)

- وقال ابن الأثير: وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة بالكلية، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصاراً ضعيفاً، وفي آخر الأمر أصابه دوسنطاريا عشرين يوماً ومات، ووزر له عدة وزراء، وقد تقدم ذكرهم، ولم يطلق في طول مرضه شيئاً كان أحدثه في الرسوم الجائرة، وكان قبيح السيرة في رعيته ظالماً، فخرب في أيامه العراق، وتفرق أهله في البلاد، وأخذ أملاكهم وأموالهم، وكان يفعل الشيء وضده، فمن ذلك أنه عمل دور ضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها، في رمضان، فبقيت مدة، ثم قطع ذلك، ثم عمل دور الضيافة للحجاج، فبقيت مدة ثم أبطلها، وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة، ثم أعادها وجعل جل همه في رمي البندق، والطيور والمناسيب، وسراويلات الفتوة، فبطل الفتوة في البلاد جميعها، إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه، ولبس كثير من الملوك منه بسراويلات الفتوة وكذلك أيضاً منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره ومنع الرمي بالبندق إلا من ينتمي إليه، فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك إلا إنساناً واحداً يقال له ابن السفت من بغداد، فإنه هرب من العراق ولحق بالشام، فأرسل إليه يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه، وينسب في الرمي إليه فلم يفعل، فبلغني أن بعض أصدقائه نكر عليه الإمتناع من أخذ المال، فقال يكفيني فخراً إنه ليس في الدنيا رمي للخليفة إلا أنا، فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعجب الأمور وإن كان سبب ما ينسبه العجم إليه صحيحاً من أنه هو الذي أطمع التتر في البلاد وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم (1).
__________
(1) الكامل في التاريخ (9/ 476).
(1/396)

- وقال ابن كثير: وقد ذُكَر عنه أشياءُ غريبة؛ من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه: فعلتم في مكان كذا كذا وكذا، وفي الموضع الفُلانيَّ كذا، حتى ظنَّ بعض الناس أو أكثرهم أنه كان يُكاشف، أو أن جنَّياً يأتيه بذلك (1).

وقال: وكان مرضه قد طال به، وجُمهوُره من عَسار البول، مع أنه قد كان يُجْلَبُ له الماء من مراحل عن بغداد ليكون أصفى، وشُقَّ ذكرهُ مرات بسبب ذلك، ولم يغن عنه هذا الحذر شيئاً، وكان الذي ولى غسله محي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزيَّ وصُلىَّ عليه ودفن في دار الخلافة، ثم نقل إلى التُّرابِ من الرُّصافةِ في ثانَي ذي الحجة من هذه السنة - 622هـ - وكان يوماً مشهوداً (2).

- وقال الدكتور فاروق عمر فوزي: لقد كان نظام الفتوة محاولة جادة من قبل خليفة داهية وسياسي محنك لبث روح جديدة وعزيمة فتية في نفوس الشباب والقادة في المجتمع العربي الإسلامي من خلال انخراطهم في تنظيم يتزعمه الخليفة ويقوده بنفسه من أجل مواجهة المخاطر التي تهدد الدولة كخطر الباطنية والغلو في الداخل والمغول التتار والإفرنج في الخارج، ولتحقيق روابط جديدة ومتينة بين ملوك الأطراف المسلمين للثبات أمام المحن والشدائد (3).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 134).
(2) المصدر نفسه (17/ 134).
(3) الخلافة العباسية (2/ 216).
(1/397)

إن خليفة مثل الناصر أعاد هيبة الخلافة وقضى على النفوذ السلجوقي الأجنبي في العراق وهدم دار السلطنة السلجوقية في بغداد حتى أطلق عليه لقب "أسد بني العباس تتصدع لهيبته الجبال"، إن خليفة يمثل هذه المواصفات والإنجازات لابد وأن ينتقدوه منافسوه، وأعداؤه الذين كانوا يتوقون إلى ضعف الخلافة وسقوطها لكي يخلو لهم الجو السياسي، ومن هنا نلاحظ بعض الروايات التي تشكك في إجراءاته وسياساته وخاصة نظام الفتوة الناصرية حيث اعتبرته دلالة طيش ولهو أدى إلى أهمال الخليفة لشؤون الدولة والإنشغال برسوم الفتوة مثل الرمي بالبندقية وتربية الطيور وما إلى ذلك، ليس في هذه الروايات شيء من الصحة (1)، إن النتائج السياسية والعسكرية للفتوة التي أعادت للدولة هيبتها وللتضامن الإسلامي بين أمراء الأطراف قوته ومتانته أكبر دليل على ضعف تلك الافتراءات، إن هذه المبالغات هي حلقة من سلسلة التشكيك الذي تعرضت إليه شخصية الناصر وسياساته من أعدائه ومنافسيه داخل دار الإسلام وخارجها وقد وصلت هذه الحملة ذروتها في اتهامه بمراسلة المغول (2) وحثهم على غزو دار الإسلام وهو أمر لا يعقل أن يقوم به خليفة عربي عباسي هاشمي (3)، لقد كان الخليفة الناصر لدين الله من خلفاء بني العباس المتأخرين الذين يستحقون التقدير لأنهم حققوا مكاسب مهمة للخلافة والمجتمع في وقت صعب اشتدت فيه الأزمات (4).
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 217).
(2) المصدر نفسه (2/ 217).
(3) المصدر نفسه (2/ 217).
(4) الخلافة العباسية (2/ 237).
(1/398)

ثامناً: خلافة الظاهر بن الناصر لدين الله عام 622هـ:
لما توفي الخليفة الناصُر لدين الله كان قد عهد إلى ابنه أبي نصر محمد هذا، ولقَّبه بالظاهر، وخُطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه علي، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتى عشرة، فاحتاج إلى إعادة هذا إلى ولاية العهد، فخُطب له ثانيا، فحين توفي أبوه بُويع له بالخلافة، وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، فلم يَلِ الخلافة أحدٌ من بني العباس أسنُّ منه، وكان عاقلاً وقوراً ديناً عادلاً محسناً ردَّ مظالم كثيرة، وأسقط مكوساً كان قد أخذها أبوه وسار في الناس سيرة حسنة، حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدل منه لو طالت مدته، لكنه لم يَحُلْ عليه الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر، أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطَّلت، ووضع عن أهل بلدةٍ واحدةٍ - وهي بعقوبا - سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخرَاجِ وكانت ضجة المخزن تزيد على ضجة البلد نصف دينار في كل مائة إذا قبضوا، وإذا أقبضوا دفعوا بضجة البلد، فكتب إلى الدَّيوان: "ويلٌ للمطففين * الذين إذا أكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوُهم أو وزنوهم يُخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين" (المطففين (1/ 6) فكتب إليه بعض الكُتاب يقول: يا أمير المؤمنين، إن تفاوت هذا عن العام الماضي خمسة وثلاثة ألفاً، فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإن كان تفاوته ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا (1)
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 136،137) ..
(1/399)

وأمر القاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعيَّ يُوصَلُ إليه بلا مُراجعة وأقام في النظر على الأموال الحشرية رجلاً صالحاً، واستخلص على القضاء الشيخ العَّلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرَّزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلىَّ، الحنبليَّ، ن في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، وكان من خيار المسلمين ومن خيار القُضاة العادلين رحمهم الله أجمعين، ولم عُرض عليه القضاء لم يقبل إلا بشرط أن يُوَرَّث ذوي الأرحام، فقال: أعط كل ذي حق حقَّه وأنفق لله ولا تَتَّقِ سواه. وكان من عادة أبيه أن يرفع إليه حُرَّاسُ الدُّروب في كل صباح بما كان عندهم في المحالَّ من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فلما ولى الظاهر أمر بتبطيل ذلك كلهَّ وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرّعية فقال: نحن ندعو الله لهم أن يُصلحهم وأطلق من كان في السجون مُعتقلاً على الأموال الدَّيوانية، وردَّ عليهم ما كان استخُرج منهم قبل ذلك من المظالم، وأرسل إلى القاضي بعشرة آلاف دينار يُوَفَّى بها دُيون من في سجونه من المدينين الذين لا يجدون وفاء وفرَّق في العلماء بقية المائة ألف، وقد لامه بعض الناس في هذه التُّصرفات فقال: إنما فتحت الدُّكان بعد العصر وفذروني أعمل صالحاً وأفعل الخيَر، فكم مقدار ما بقيت أعيش (1).
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 137).
(1/400)

قال ابن كثير: وكان من أجود بني العباس سيرة، وأحسنهم سريرة، وأكثرهم عطاء وأحسنهم منظراً ورُواء ولو طالت مدته لصلحت الأمة صلاحاً كثيراً على يديه، ولكن أحبَّ الله تقريبه وإزلافه لديه، فاختار له ما عنده وأجزل له إحسانه ورفده (1)، ... فقد اعتمد في أول ولايته من إطلاق الأموال الدَّيوانية، وردَّ المظالم، وإسقاط المكوس، وخفيف الخراج عن الناس، وأداء الديون عمَّن عجز عن قضائها والإحسان إلى العلماء والفقراء، وتولية ذوي الديانة وقد كان كتب كتاباً لوُلاة الرعية فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالاً، ولا إغضاؤنا احتمالاً ولكن لنبلوكم أيكم أحسنُ عملا، وقد غفرنا لكم ما سلف من إخراب البلاد، وتشريد الرَّعايا وتقبيح السمُّعة، وإظهار الباطل الجَلىَّ في صورة الحقَّ حِيلة ومكيدة، وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاءً واستدراكاً، لأغراض انتهزتم فُرَصَها، مختلسة من براثن ليث باسل، وأنياب أسد مَهيب تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أُمناؤُه وثقاتُه فُتمِيلون رأيه إلى هواكم وتمزُجون باطلكم بحقَّه، فيُطيعُكم وأنتم له عاصون، ويُوافقكم وأنتم له مخالفون، والآن قد بَّدل الله بخوفكم أمنّا وبفقركم غنىً وبباطلكم حقاً، ورزقكم سُلطاناً يُقيلُ العثرة، ولا يُؤاخذُ إلا من أصَّر، ولا ينتقم إلا ممن استمَّر يأمركم بالعدل، وهو يريد منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله فيُخوَّفُكم مكره ويرجو الله تعالى ويُرَغبَّكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خُلفاء الله في أرضه وأُمنائه على خلقه وإلا هلكتم والسلام (2).
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 149).
(2) البداية والنهاية (17/ 150).
(1/401)

وجاء في بعض الروايات، بل أنتم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى أمام قوال (1)، ... ثم لقد أعلن عفوه عما سلف من خراب البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح الشريعة وإظهار الباطل بصورة الحق وأمرهم بأن يبدوأ صفحة جديدة من العمل تقوم على العدل والطاعة (2) إن من أسباب صلاح الأمة مجئ الخليفة أو الحاكم المصلح الذي يقيم العدل ويتبع المنهج الرشيد الذي يسهم في تقوية الدولة والقيام بدورها الحضاري كما مرَّ معنا في الحديث عن عمر بن عبد العزيز ومشروعه الإصلاحي الكبير وكانت وفاة الخليفة الظاهر رحمه الله يوم الجمعة ضُحىَ الثالث عشر من رجب من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين وستمائة ولم يعلم الناس بموته إلا بعد الصلاة فدعا له الخطباءُ يومئذ على المنابر على عادتهم وكانت خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوماً وعمره ثنتان وخمسون سنة (3)، وكان نعم الخليفة خشوعاً وخضوعاً لربه وعدلاً في رعيته، وازدياداً في وقت من الخير ورغبة في الإحسان (4) وكان أبيض جميل الصورة مشرباً حمرة، حلو الشمائل، شديد القوى (5)، وحكي عنه أنه دخل إلى الخزائن، فقال له خادم: في أيامك تمتلئ، قال: ما عُلمت الخزائن لتُملأ، بل لتفرغ وتنفق في سبيل الله، إن الجمع شُغل التَّجار (6).

تاسعاً: الخليفة المستنصر بالله (623هـ - 640هـ): بُويع بالخلافة يوم مات أبوه جمعة ثالث عشر رجب في هذه السنة سنة ثلاث وعشرين وستَّمائة، استدعوا به التاج، فبايعه الخاصة والعامّة من أهل الحَلَّ والعقد، وكان يوماً مشهوداً وكان عمره يؤمئذ خمساً وثلاثين سنة وخمسة أشهر وأحد عشر يوماً، وكان من أحسن الناس شكلاً وأبهاهم منظراً وهو كما قال القائل:
__________
(1) الخلافة العباسية (2/ 247).
(2) المصدر نفسه (2/ 247).
(3) البداية والنهاية (17/ 148، 149).
(4) سير أعلام النبلاء (22/ 266).
(5) المصدر نفسه (22/ 266).
(6) المصدر نفسه (22/ 266).
(1/402)

كأن الثُّريَّا عُلَّقت في جبينه ... وفي خدَّه الشَّعْرَى وفي وجهه القمر (1)

وكانت مدة ولايته ستَّ عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة وعشرين يوماً ودفن بدار الخلافة، كان كثير الصدقات والبر والصَّلات، محسناً إلى الرعية بكل ما يقدر عليه، كان جده الناصر قد جمع ما يتحصَّل من الذهب في بركة بدار الخلافة، فكان يقف على حافَّتها ويقول: أتُرى أعيش حتى أملأها وكان المستنصر يقف على حافتها ويقول: أتُرى أعيش حتى أنفُقها كلَّها وكان يبَنْي الرُّبُط والخانات والقناطر في الطرُّقات من سائر الجهات، وقد عمل بكل محلَّةِ من محالَّ بغداد دار ضيافة للفقراء، لاسيمَّا في شهر رمضان وكان يتقصَّد الجواري اللاتي قد بلغن الأربعين فيُشترين له فيُعتِقُهن ويُجَهَّزُهن ويُزَوَّجُهن، وفي كل وقت يبُرِْزُ صِلاِته ألوف متعدَّدة من الذهب تُفَرَّقُ في المحالَّ ببغداد على ذوي الحاجات والأرامل والأيتام (2)، وغيرهم وقد وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة، وجعل فيها دار حديث ومارستاناً وحماماً ودار طِبَّ وجعل لمستحقيها من الجوامك والأطعمة والحلاوات والفواكه وما يحتاجون إليه في أوقاته، وأوقف عليها أوقافاً عظيمة حتى قيل: إن ثمن التَّبْنِ من غَلاَّتِ ريعها يكفي المدرسة وأهلها ووقف فيها كُتُباً نفسية ليس لها في الدنيا نظير فكانت هذه المدرسة جمالاً لبغداد، بل لسائر البلاد (3) وقد احترق في عهد المستنصر عام 640هـ المشهد الذي بسامّرا المنسوب إلى عليَّ الهادي والحسن العسكري، وقد كان بناه أرسلان البساسيريُّ في أيام تغلبُّهِ على تلك النّواحي في حدود سنة خمسين وأربعمائة، فأمر الخليفة المستنصُر بإعادته إلى ما كان عليه ..
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 151).
(2) المصدر نفسه (17/ 260).
(3) البداية والنهاية (17/ 261).
(1/403)

وهو المشهد الذي يزعمون أنه يخرج منه المنتظر الذي لا حقيقة له ولا عينَ ولا أثَر، ولو لم يُبْنَ لكان أجود، وهو الحسن بن علي بن محمد الجَوَاد بن عليَّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بكربلاء، ابن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، وقبَّح من يغلو فيهم ويبُغِضُ بسببهم من هو أفضل منهم (1) وكان المستنصر رحمه الله، كريماً حَليماً رئيساً متودَّداً إلى الناس، وكان جميل الصورة وحسن الأخلاق بَهيَّ المنظر، عليه نور بيت النبوة، رضي الله عنه تعالى وأرضاه وحُكي أنه اجتاز راكباً في بعض أزقة بغداد قبل غروب الشمس من رمضان، فرأى شيخاً كبيراً، ومعه إناء فيه طعام، قد حمله من مَحَلَّةٍ إلى محلة أخرى فقال: أيها الشيخ، لمَ لا أخذت الطعام من مَحَلتَّكِ؟ أوَ أنت محتاجٌ فتأخذ من المحَلتَّين؟ فقال: لا والله يا سيدي - ولم يَعرِف أنه الخليفة ولكنيَّ شيخ كبير وقد نزل بي الوقت، وأنا أستحي من أهل مَحَلَّتي أن أُزاحِمهم وقت الطعام، وأتحَّينُ وقت كون الناس في صلاة المغرب، فأدخل بالطعام إلى منزلي حيث لا يراني أحد، فبكى الخليفة رحمه الله، وأمر له بألف دينار فلما دفعت إليه فرح الشيخ فرحاً شديداً حتى قيل: إنه انشقَّ قلبه من شدة الفرح، ولم يَعْش بعد ذلك إلا عشرين يوماً، ثم مات فحُملت الألف دينار إلى الخليفة، لأنه لم يخلف وارثاً وقد أنفق منها ديناراً واحداً، فتعجَّب الخليفة من ذلك وقال شيء قد خرجنا عنه لله لا يعَود إلينا، تصدَّقوا بها على فقراء محَلتَّه (2)
__________
(1) المصدر والنهاية (17/ 261).
(2) المصدر نفسه (17/ 262) ..
(1/404)

لقد كانت سيرتهه رحمه الله من أحسن سير العدل والإحسان إلى الرعية والعطف عليهم والحنو بهم وكان سالكاً في ذلك كله سيرة أبيه الإمام الظاهر بأمر الله وكذلك سلك مسلكه في اعتقاد مذهب أهل السنة والجماعة والكراهية لمذهب الروافض (1)، وكان ذا همة عالية، وشجاعة وافرة، وإقدام عظيم (2)، وقصدّت التتر بلاد العراق، فلقيهم عسكره، وانتصف منهم وهزمهم وكان له أخ يعرف بالخفاجي كان يزيد عليه في الشهامة والشجاعة وكان يقول: إن ملكني الله أمر الأمة، لأعبرن بالعساكر نهر جيحون، وانتزع البلاد من أيدي التتر، وأستأصلهم قتلا وسبياً (3)، وقد توفي المستنصر عام 640هـ ولما بلغت الملك الناصر داود الأيوبي صاحب الكرك وفاة الخليفة المستنصر بالله، رثاه ومدح ولده المستعصم بالله بقصيدة مطلعها:
أيا رنَّة الناعي عبثتِ بمسمعيم ... فأجّجت نار الحزن ما بين أضلعي
وأخرست مِنى مِقولا ذا براعة ... يصوغ أفانين القريض الموشّع
نعيتِ إلىّ البأس والجود والحجى ... فأوقفت آمالي وأجريتِ أدمعي
رويداً فقد فاجأتني بفظيعة ... يضيق بها صدُر الفضاءِ الموسّع
أبا جعفر ياباني المجد بعدما ... تهدّم ركن المجد من كل موضع
ويا كافل الإسلام في كل موطن ... وراعي رعاة الدين في كل مجمع (4)

وهي قصيدة طويلة في رثاء المستنصر.
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 315، 316).
(2) المصدر نفسه (5/ 317).
(3) المصدر نفسه (5/ 318).
(4) المصدر نفسه (5/ 319).
(1/405)

عاشراً: وفاة كاتب الديوان في عهد المستنصر: 626هـ ت:
وقد خصصنا بالترجمة لوجود عبارات له تدل على عمق الإيماق وصدق التوجه، وحرارة الأخلاص عبّر على تلك المعاني بعبارات فائقة الجمال هو أبو الفضل جبريل بن منصور بن هبة الله بن جبريل بن الحسن بن غالب ابن يحي بن موسى بن يحي بن الحسن بن النعمان بن المنذر، المعروف بابنِ زُطينا البغداديَّ، كان كاتب الديوان بها أسلم، وكان نصرانياً، فحسُن إسلامه، وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة، فمن ذلك قوله: خيرُ أوقاتك ساعة صفت لله، وخلصت من الفِكرة لغيره والرجاء لسواه، وما دمت في خدمة السلطان، فلا تغتَرَّ بالزمان، اكفُف كفَّك، واصرف طَرْفَك، وأكثر صومك، وأقْلِلْ نومك وأشكُر ربَّك يحمد أمُرك (1)، وقال: زاد المسافر مقدم على رحيله، فأعدَّ الزاد تبلغُ المراد. وقال: إلى متى تتمادى في الغفلة؟ كأنك قد أمِنْتَ عواقب المهُلة، عمُر اللهوِ مضى، وعمر الشبيبَّةِ انقضى، وما حصلت من ربك على ثقة بالرَّضا، وقد انتهى بك الأمر إلى سنَّ التَّخاذُلَ، وزمن التكاسُل وما حظيِتَ بطائل (2) وقال: رُوحُك تَخْضع، وعينك لا تدمع، وقلبَكِ لا يخشع، ونفسُك لا تشبع وتظلم نفسك وأنت لها تَتوَجَّع وتظهر الزهد في الدنيا وفي المال تطمع وتطلب ما ليس له بحقَّ وما وجب عليك من الحقَّ لا تدفع وتدُوم فضل ربك وللماعون تمنع، وتَغيبُ نفسك الأمّارة وهي عن اللهو لا ترجع، وتوقظ الغافلين بإنذارِك وتتناوم عن سهمك وتهجع وتَخُصُّ غيرَك بخيرك ونفسك الفقيرة لا تنفع وتَحُومُ على الحق وأنت بالباطل مُولع، وتتعثر في المضايق وطريق النجاة مَهْيَع (3).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 177).
(2) المصدر نفسه (17/ 178).
(3) المصدر نفسه (17/ 178) المهيع من الطريق: البين الوسيط.
(1/406)

وتتهجم على الذنوب وفي المجرمين تشفع، وتركن إلى دار السلامة وأنت بالعطب مُرَوَّع، وتحرص على زيادة الاكتساب وحسابك في كِفْلِ غيرك يُوضع، وتُظهُر القناعة بالقليل وبالكثير لا تشبع وتُعمَّرُ الدار الفانية ودارُك الباقية خراب بلقع، وتستوطن في منزل رحيل كأنك إلى ربك لا ترجع، وتظُن أنك بلا رقيب وأعمالك إلى المراقب تُرفع، وتقدم على الكبائر وعن الصغائر تتورَّع، وتؤمَّلُ الغُفَران وأنت عن الذنوب لا تُقلع، وترى الأهوال محيطة بك وأنت في ميدان اللهو ترتع، وتستقبل أفعال الجُهاّل وباب الجهل تقَرَع وقد آن لك أن تأنف من التَّعَسُّفِ، وعن الدَّنايا تترفع، وقد سار المُخِفُّون وتخَلقتَّ فماذا تتوقع؟ (1).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 179).
(1/407)

المبحث الرابع: الحملة الصليبية السادسة:
لم تحقق الحملة الخامسة التي قادها الملك جان برين هدفها، وانتهت بمعاهدة صلح وقعها الملك الكامل وقادة الصليبيين عام 618هـ/1221م إلا أن نتائج الحملة لم تطمئن الملك جان دي برين، ولم تصرفه عن محاولات احتلال بيت المقدس فذهب بنفسه عام 619هـ/1222م إلى إيطاليا لمقابلة البابا، ليشرح له ما آلت إليه أوضاع الفرنجة من سوء في بلاد الشام بعد فشل الحملة السابقة كذلك التقى الإمبراطور فردريك الثاني، وحثه على القيام بحملة جديدة على الشرق (الحملة السادسة) تنقذ موقف الصليبيين المتدهور (1)، ثم زار فرنسا وإسبانيا لإثارة حماس مليكهما للمساهمة في تخليص بيت المقدس من المسلمين وقد تحسنت مكانة الملك الكامل بعد خروج الصليبيين من دمياط عام 618هـ/1221م واكتسب احترام العالم الإسلامي، وفرض سلطانه على الممالك الأيوبية، وتوقع أن يسير الأمراء والملوك الأيوبيون في فلكه، وأن يؤيدوا سياسته ومشاريعه المستقبلية، غير أن أخاه الملك المعظم حاول الخروج على طاعته، وتطلع لتوسيع أملاكه، فهاجم حماه واستولى على بعض أعمالها (2)، فأمره الملك الكامل بوقف العمليات العسكرية، ضد حماة، فامتثل الملك المعظم لتعليمات أخيه، وكظم غيظه (3)، إلا أن التوتر بين الملك المعظم وأخويه الكامل والأشرف استمر إذ اعتقد الملك المعظم أن أخويه السابقين تمالا عليه، وترجم ذلك إلى خلاف شديد، عندما عاد الملك الأشرف من مصر إلى خلاط ماراً بدمشق ولم يقبل ضيافة أخيه الملك المعظم، ونزل في سرادق والده (4)
__________
(1) الحركة الصليبية (2/ 994) القدس بين أطماع ص 272.
(2) مفرج الكروب (4/ 129) القدس بين أطماع ص 272.
(3) السلوك (1/ 250) القدس بين أطماع ص 272.
(4) النجوم الزاهرة نقلاً عن القدس بين أطماع ص 273 ..
(1/408)

وسعى الملك المعظم إلى إضعاف شوكة أخويه الكامل والأشرف، فدعم التمرد الذي قام به أخوه شهاب الدين على أخيه الملك الأشرف في خلاط، إلا أن الأخير نجح في احتواء التمرد، كذلك نجح الملك الكامل في عزل أخيه الملك المعظم عن سائر الأمراء الأيوبيين، ولما شعر المعظم بالخطر الذي يتهدده اتصل بخوارزم شاه لدعمه، فأعانه على أخيه الملك الأشرف موسى، ووعده بأن تكون له الخطبة والسكة في دمشق (1)، وأقام الملك المعظم حلفاً مع صاحب إربل، وأرسل ولده الملك الناصر داود ليكون رهينة (2) لديه دلالة على صدقه وأحس الملك الأشرف بخطر الدولة الخوارزمية الذي باتت تهدد الممالك الأيوبية قاطبةً، إذ أصبحت أملاكها تجاور أملاك الأيوبيين، فهرع الأشرف عام 623هـ/1226م إلى أخيه المعظم طالباً منه العمل بسرعة لتوحيد جبهة البيت الأيوبي، أمام الخطر الخوارزمي (3)، فاستغل الأخير الفرصة وتمكن من إجباره على التعهد بمساعدته في الاستيلاء على حمص وحماه ومهاجمة الملك الكامل في مصر، ولكن الأشرف ما كاد يفلت من يد أخيه المعظم حتى "رجع عن جميع ما تقرر بينه وبين أخيه المعظم وتأول في إيمانه التي حلفها أنه كان مكرها عليها، وأكد تحالفه مع الكامل وأخبره بكل ما حدث (4). أدرك الملك الكامل الخطر الذي يتهدده من تحالف أخيه المعظم من خوارزم شاه، فكان أن رد على ذلك، بأن استعان بالإمبراطور فردريك الثاني، وأرسل له الأمير فخر الدين يوسف وتعهد له بمنحه بيت المقدس، وجميع فتوحات صلاح الدين بساحل الشام (5)، ليشغل سر أخيه المعظم (6)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 273.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 273.
(3) المختصر (3/ 135).
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 274.
(5) المصدر نفسه ص 274.
(6) مفرج الكروب (4/ 234) ..
(1/409)

لإضعاف شوكة المعظم وتحجيمه وقد أحسن الإمبراطور استقبال مبعوث الملك الكامل، ورد بسفارة مماثلة تحمل؛ هدية سنية وتحف غريبة، كان فيها عدة خيول، منها فرس الملك، بمركب ذهب مرضع بجوهر فاخر، واستقبل الملك الكامل مبعوث الإمبراطور بيراردوا بالسرور البالغ خارج القاهرة بنفسه وأكرمه إكراماً زائداً وأعد له هدية فاخرة فيها الكثير من تحف اليمن والهند وسرج من ذهب، وجوهرة بعشرة آلاف دينار (1)، وكلف جمال الدين بن منقذ الشيرازي للسير بهذه الهدية (2) وعرج مبعوث الإمبراطور على دمشق وطلب من الملك المعظم تسليم بيت المقدس، ولكن المعظم أغلظ له القول، وقال" قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، وماله عندي سوى السيف (3) وبادر الملك المعظم بتجهيز العساكر إلى نابلس (4)، لحماية القدس من مطامع الإمبراطور، وأنفق في هذه العساكر مبلغ تسعمائة ألف درهم (5). ولكن الموت عاجله عن عمر يقارب السابعة والأربعين عام 624هـ/1227م وخلفه ابنه الملك الناصر داود، ولا شك أن وفاة الملك المعظم عيسى وضعت حداً لمشاكل الملك الكامل، فزالت مخاوفه، وأنهار التحالف بين خوارزم شاه وصاحب إربل والمعظم، فبدأ الملك الكامل يتطلع إلى ضم بلاد الشام تحت سلطانه (6).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 274.
(2) المصدر نفسه 274.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 275.
(4) إمارة الكرك الأيوبية ص 215 يوسف غوانمة القدس بين ص 275.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 275.
(6) صلاح الدين الأيوبي، قدري قلعجي ص 383.
(1/410)

أولاً: شخصية الإمبراطور فردريك الثاني وطموحاته:
اشتد في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي التنافس الذي وصفنا نشأته في الفصل الأول من هذا الكتاب، بين البابوية والإمبراطورية المقدسة، فبينما كان الصراع على أشده بين الإسبانيين والمسلمين في الأندلس والمغرب، وبين الصليبيين والمسلمين في الشرق الأدنى، كان ثمة صراع آخر يدور في غرب أوروبا بين السلطة الكنسية والسلطة الزمنية، للفصل في أمر طالما أثار النزاع والجدل، أمر يلخصه هذا السؤال: من هو السلطان الأكبر البابا أم الإمبراطور؟ وكان بطل هذا الدور الجديد من أدوار ذلك الصراع الإمبراطور فردريك الثاني "الأنبرور" (1).
__________
(1) أوروبا العصور الوسطى، عاشور (1/ 163) القدس بين أطماع ص 275.
(1/411)

وتعد حياة فردريك الثاني من أهم النقاط المثيرة للجدل في تاريخ أوروبا بأسرها، فقد عاش عند مفترق الطرق التي تفصل الشرق عن الغرب، وشملت إمبراطورية ألمانيا بكل مقاطعاتها فضلاً عن إيطاليا وصقلية وهو ينحدر من عائلة (1) هنشتاوفن من أب ألماني هو هنري السادس ملك ألمانيا وأم نصف إيطالية ونشأ وتربى في صقلية على مقربة من المؤثرات الإسلامية والبيزنطية، فنشأ فيلسوفاً محباً للجدل والرياضيات وأجاد ست لغات من بينها اللغة العربية، ونظم الشعر، وأغدق من ماله وعنايته لتشجيع العمارة والنحت والتعليم وهو إلى جانب ذلك جندي بارع وسياسي لبق إلى أقصى درجات اللباقة، مع الجرأة التي لا تخشى شيئاً، والنزعة الفكرية الجانحة إلى ميادين الفلسفة والفلك والهندسة والجبر والطب والتاريخ، وألف فردريك في البيزرة، علم تربية الطيور الجوارح وتدريبها على الصيد والقنص، كتاباً يعتبر أصلاً من أصول العلوم التجريبية في غرب أوروبا، واصطحب في أسفاره مجموعة من الفيلة والهجائن وعجايب المناطق الإستوائية الحارة من أنواع الحيوان، ولم تكن التقاليد المسيحية التي التزمها الناس في ذلك العصر مما يأبه له فردريك الثاني وفي الوقت الذي كان للبابا في الغرب الأوروبي المكانة الرفيعة السامية باعتباره خليفة القديس بطرس، نجد فردريك ينعته بالدجال (2)،
__________
(1) أوربا العصور الوسطى، عاشور (1163) القدس بين أطماع ص 275.
(2) الدولة الأيوبية، سمير فرج ابن الشاطئ ص 200 ..
(1/412)

وقد عرف عن فردريك الثاني حبه للمسلمين الذين نشأ بينهم في صقلية وقد دفع ذلك بعض الكتاب إلى اتهام فردريك بمحاباة الإسلام على حساب المسيحية، في حين ذهب البعض الآخر مثل فولتير ومونتسكيو إلى القول بأن كراهية فردريك الثاني للبابوية والكنيسة الغربية هي التي دفعته إلى حب الإسلام والمسلمين وعلى الرغم من أن فردريك الثاني قد بدا حياته السياسية بتحالفه مع البابوية وهو التحالف الذي أفاده إلى حد كبير ضد خصومه ومنافسيه في ألمانيا، إلا أن الأمور لم تلبث أن تعقدت بين الطرفين، بعد أن تأكدت البابوية أن فردريك غير قانع بصقلية وجنوب إيطاليا، وإنما أخذ يعمل على توطيد نفوذه في شمال إيطاليا، أي في إقليم لمبارديا وأنه اتخذ إيطاليا وصقيلة مسرحاً أساسياً لجهوده والتمكين لنفسه حقيقة أن فردريك قد حرص آنذاك على احترام مركز البابوية في إيطاليا، ولكن سيطرته على جنوب إيطاليا وشمالها كان نذيراً بوقوع الأملاك البابوية في وسط إيطاليا بين فكي الكماشة، مما جعل البابا يرتاب في سياسة فردريك وينظر إليها بعين ملؤها الشك والخوف وفي سنة 1215م أقسم فردريك للبابا انيوسنت الثالث أن يقوم بحملة صليبية ضد المسلمين ولما كان فردريك الثاني يميل للمسلمين ويعطيهم حقهم من الاحترام والتقدير لذلك لم يجد الدافع الذي يدفعه للخروج من بلاده على رأس حملة صليبية ضدهم، ومن ثم أخذ يعتذر للبابا مرة بعد مرة، والبابا يقبل عذره، وبعدما أصاب الحملة الصليبية الخامسة من الفشل حاول البابا هو نوريوس الثالث أن يوجد الدافع لدى فردريك للخروج في حملة صليبية ضد المسلمين، وأن يزيد في توطيد صلة فردريك بالأراضي المقدسة في فلسطين، فرتب البابا زواج فردريك من بولاند ابنة حنا دى برين، ووريثة عرش مملكة بيت المقدس الصليبية، واشترط البابا أن يتم الزواج في الشام وقد نفذ فردريك رغبة البابا وتم زواجه من بولاند، ولكن بدلاً من أن يذهب فردريك إلى الشام ويتم الزواج
(1/413)

هناك، استدعى عروسه إلى صقلية، وعقب هذا الزواج اتخذ فردريك لقب ملك بيت المقدس باعتباره من حقوق زوجته (1) وعلى الرغم من أن البابا جريجوري التاسع (1227 - 1241م) كان طاعناً في السن، إلا أنه امتاز بإرادة حديدية لا تفل فلم يقبل الأعذار التي دأب فردريك الثاني على ابتكارها من أجل تأجيل حملته الصليبية، وأصر على ضرورة رحيل الإمبراطور إلى الشرق فوراً، وإلا تعرض لعقوبة الحرمان ولم يجد الإمبراطور فردريك الثاني مفراً من الخروج في خريف سنة 1227م قاصداً بلاد الشام، خصوصاً بعد أن اتصل به الملك الكامل الأيوبي وأرسل له سفارة على النحو الذي سبق توضيحه، ووعده بتسليمه مدينة القدس مقابل بذل المساعدة العسكرية له ضد شقيقه المعظم وبذلك أوجد للإمبراطور الدافع الذي يخرج من أجل تحقيقه (2).

وهكذا تهيأت الظروف لقيام الإمبراطور فردريك الثاني بحملة، ولم يكن استنجاد الملك الكامل الوحيد الذي حرك الإمبراطور فردريك الثاني للذهاب إلى الشام، وإنما كانت البابوية تضغط عليه ضغطاً شديداً للقيام بحملة صليبية جديدة، تصلح الوضع الذي نجم من فشل الحملة الصليبية الخامسة، وغني عن البيان أن تلك الفترة تعرف في التاريخ الأوروبي باسم عصر البابوية والإمبراطورية، نظراً لما احتدم من خلاف وما نشب من حروب بين السلطتين الدينية والعلمانية في غرب أوروبا، وكان الإمبراطور فردريك متخوفاً من تنفيذ وعده الصليبي لئلا يترك البابا حراً طليق اليد في العدوان على مصالح الإمبراطور أثناء غيابه، ولذلك أخذ فردريك الثاني يماطل البابوية ويؤجل مشروعه الصليبي (3).
__________
(1) الدولة الأموية، سمير فرج ص 201.
(2) المصدر نفسه ص 201.
(3) القدس بين أطماع ص 280.
(1/414)

1 - سير الحملة الصليبية السادسة: ظل البابا هو نوريوس الثالث يلح على الإمبراطور فردريك للوفاء بوعده، والأخير يتباطأ، وفي عام 624هـ/1227م (1)، أراد أن يلبي رغبة البابا، فأبحر من ميناء برنديزي (جنوب إيطاليا) على رأس حملة ضخمة ولكن الحمى أصابته، كذلك انتابت صفوف الجيش نوبة مرض مدة قصيرة من الزمن أثناء انتظارهم لعبور البحر، فعاد فردريك لكي يسترد صحته، وأثناء ذلك مات هو نوريوس الثالث، وتولى غريغوري التاسع، فاعتقد أن فرديك يتمارض ويتعمد المراوغة فأصدر قرار حرمان من الكنيسة ضده (2)، لقد فتح قرار الحرمان باب النزاع بين الطرفين الإمبراطور والبابا ولكن الإمبراطور أدرك أن مصلحته تقتضي القيام بحملة على بلاد الشام حتى يفوت على البابا إظهاره في صورة مسيحي عاق، ويبدو أن ظروف الشرق هيأت الجو للأمبراطور للقيام بحملته، كذلك، فإن شخصية الإمبراطور وافقت عقلية الملك الكامل وشخصيته، إذ توثقت العلاقات بينهما في عصر اشتد فيه العداء بين ملوك الصليبيين والمسلمين، وازدادت الحركة الصليبية عنفاً، إلا أن شخصية الملكين وما كان يحيط بهما من ظروف كان لها أثر كبير في توثيق هذه العلاقة الودية (3).
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) مفرج الكروب (4/ 249) القدس بين أطماع ص 280.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 280.
(1/415)

2 - إقلاع الإمبراطور إلى بلاد الشام: أقلع الإمبراطور بحملته الصليبية في صيف 625هـ/1228م على رأس جيش صليبي صغير (1)، استجابة للدعوة التي تلقاها من الملك الكامل بمنحه القدس، ولم ينس أنه خرج من بلاده محروماً من الكنيسة، وأنه اعتمد وعود الكامل له بإعطاء بيت المقدس لذلك لم يحضر جيشاً قوياً، فعرض بذلك على أوروبا التي استبدت بها الدهشة، صورة محارب قطعته الكنيسة خلف وراء أملاكه التي تعرضت لغزو جند البابا، الذين أعلن البابا غريغوري التاسع، كونهم محاربين صليبيين يقاتلون ملكاً غير مسيحي (2)، عرج فردريك الثاني على قبرص في طريقه إلى الشام، ليجعل الجزيرة تابعة للأمبراطورية الغربية بتبعية فعلية، وليقوى مركز في نظر الملك الكامل، واستقبل فردريك الثاني، استقبالاً طيباً، وأصبحت الجزيرة تابعة له وفقاً لقانون الإقطاع الحرماني، فبادر بتعيين نائب صقلي عنه في قبرص، وبث الحاميات في مختلف أنحاء الجزيرة، وعين موظفين ماليين لجمع الدخل والضرائب (3)، وأبحر الإمبراطور فردريك الثاني في قبرص قاصداً عكا، فوصلها بعد أربعة أيام (4) ولم يجد من غير اتباعه المباشرين إلا حظاً ضيئلاً من الطاعة وقدراً كبيراً من الإهانة (5)، ولعله من الغريب أن البابا أخذ يعمل على ألا ينجح الإمبراطور فردريك الثاني في احتلال بيت المقدس، حتى لا يكسبه ذلك شرفاً ونصراً بعد ما حرم، بل أن البابا حرض الملك الكامل على عدم تسليم المدينة المقدسة للأمبراطور (6).
__________
(1) المصدر نفسه ص 281.
(2) الحروب الصليبية ص 113 آرنست باكر.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 282.
(4) الحركة الصليبية (2/ 610) القدس بين أطماع الصليبيين ص 282.
(5) القدس بين طمع الصليبيين ص 282.
(6) أوروبا في العصور الوسطى، سعيد عاشور (1/ 402.
(1/416)

3 - وفاة الملك المعظم: استغل الإمبراطور وفاة الملك المعظم سنة 624هـ/1226م فقام سنة 625هـ/1227م بالاستيلاء على صيدا التي كانت مناصفة بين المسلمين والإفرنج (1) وكان لهذه الوفاة، أثر كبير في تغيير مجريات الأحداث، فنحن نعرف أن الملك الكامل كان قد استدعى الإمبراطور عندما كان خائفاً من أخيه الملك المعظم، أما الآن وقد توفي الملك المعظم فقد زال الخطر الذي يشكله أكبر منافس له، فانتفت الحاجة إلى مثل هذا القرار (2).
__________
(1) الكامل في التاريخ نقلاً عن القسد بين طمع الصليبيين ص 282.
(2) السلوك (1/ 228 - 229)، الدولة الأيوبية د. عرب دعكور ص 211.
(1/417)

ثالثاً: المفاوضات بين الملك الكامل والأمبراطور فردريك الثاني:
عندما وصل الإمبراطور فردريك إلى عكا بعث رسوله إلى الملك الكامل، وأمره أن يقول له: "الملك يقول لك كان الجيد والمصلحة للمسلمين أن يبذلوا كل شيء .. ولا أجيء إليهم والآن فقد كنتم بذلتم لنائبي - في زمن حصار دمياط - الساحل كله، وإطلاق الحقوق بالإسكندرية وما فعلناه وقد فعل الله لكم ما فعل من ظفركم، وإعادتها إليكم، ومن نائبي؟ إن هو إلا أقل غلماني، فلا أقل من إعطائي ما كنتم بذلتموه له (1)؟
__________
(1) المصدر نفسه ..
(1/418)

وحار الملك الكامل في الموقف الذي يجب أن يتخذه من الإمبراطور لأنه هو الذي دعاه إلى الشام، وألح عليه في المجيء إليها ليناصره على أخيه المعظم، واعداً إياه بقسم من أملاك هذا الخصم، فلما وصل إليها لم يعد في حاجة إلى مساعدته لأن المعظم كان قد توفي، وغدت الأملاك الموعودة جزءاً من مملكته وأصبح من واجبه أن يدافع عنها، إن لم يكن بعامل الرغبة في المحافظة عليها فبعامل الحفاظ على سمعته أمام جماهير المسلمين يصف ابن واصل الموقف فيقول: تحير الملك الكامل، ولم يمكنه دفعه ولا محاربته، لما كان تقدم بينهما من الإتفاق، فراسله ولاطفه ويبدو أن الكامل أحس بأنه ليس من مصلحته ولا مصلحة البيت الأيوبي أن يصطدم بالصليبيين بالشام في تلك المرحلة التي تعرض فيها لتهديد الخوارزمية ومن ورائهم المغول، فأراد أن يطيل أمد المفاوضات بينه وبين فردريك والمعروف أن الهدنة التي تمت عقب جلاء الصليبيين عن مصر لا ينتهي أجلها إلا في نهاية 626هـ/1229م وأدرك الأمبراطور أن موقف الملك الكامل أصبح على غير ما كان ينتظر ولكن ما العمل؟ وهو الذي خرج من بلاده محروماً من الكنيسة، مغضوباً عليه من البابوية، معتمداً على وعد الكامل به بإعطائه بيت المقدس لاستعادة نفوذه في أوروبا، ولو كان الأمبراطور يعلم أن الكامل سينكث بوعده لما خرج إلى الشرق أصلاً أو لكان استقدم معه جيشاً قادراً على الغزو والحرب ضد المسلمين، أما الآن فإن عدد جنوده لا يزيد على خمسمائة فارس وهو لا يعتمد على أية مناصرة من القوى الصليبية في الشام، لأن هذه القوى تأبى القتال تحت لواء محروم من الكنيسة مطرود من رحمتها، أما إذا عاد إلى أوروبا بدون أن يحقق أي انتصار، فإنه سيعطي خصومه، وبالأخص بالبابوية سلاحاً قوياً للسخرية منه والتشهير به، فالمسألة بالنسبة إليه إذن: كانت تعني مستقبل عرشه في الغرب الأوروبي ومصير المعركة بينه وبين البابوية (1)،
__________
(1) الحركة الصليبية (2/ 1008) ..
(1/419)

وهو لم يتردد في التصريح لأصدقائه من المسلمين في الشرق بأنه: ماله غرض في القدس ولا غيره، وإنما قصده حفظ ناموسه عند الفرنج (1)، وزاد من حرج موقف الإمبراطور فردريك أن البابا غريغوري التاسع أخذ يرسل الكتب سراً إلى ملوك بني أيوب بوجه عام - والسلطان الكامل بوجه خاص - محرضاً إياهم على عدم تسليم بيت المقدس للأمبراطور، ولا عجب في ذلك الموقف الذي اتخذته البابوية إذ كانت المعركة بينهما وبين الأمبراطورية في الغرب أهم في نظرها من المعركة بين المسلمين والصليبيين في الشام (2)، وأنه لو قدر لفردريك الانتصار في مهمته، فإن ذلك سيكون في نظر المعاصرين بمثابة حكم الله للأمبراطور المحروم (3)، لم يبق للأمبراطور فردريك الثاني أمام هذا الموقف الحرج سوى سلاح المفاوضة والاستعطاف واستخدام كافة وسائل الدبلوماسية للوصول إلى غرضه والعودة إلى الغرب الأوروبي مرفوع الرأس، فأرسل إلى الملك الكامل سفارة من رسولين تحمل له هدايا نفيسة من منسوجات حريرية وأواني ذهبية وفضية، مطالباً إياه بتحقيق وعده تسليم بيت المقدس، فبعث إليه الكامل رسوله الأمير فخر الدين الذي سبق أن حمل إليه دعوة ملك مصر للقدوم إلى الشام، مرحباً به ومقدماً إليه هدايا ثمينة، ومصارحاً إياه في الوقت نفسه بأنه كان سيعطيه بيت المقدس ثمناً لمناصرته إياه على أخيه المعظم، أما وقد تبدلت الظروف ولم يعد في حاجة إلى هذه المناصرة، فإنه لا يستطيع التفريط في بيت المقدس، لأن ذلك سيثير عليه نقمة المسلمين (4)،
__________
(1) الدولة الأيوبية د. عرب دعكور ص 212 السلوك (1/ 230).
(2) أوروبا في العصور الوسطى (1/ 402 - 403).
(3) الدولة الأيوبية د. دعكور ص 212.
(4) الإمبراطور فردريك الثاني والشرق العربي ص 206 ..
(1/420)

وإزاء تنكر الكامل لوعوده ساء موقف فردريك الثاني لاسيما بعد أن جاءته الأخبار من الغرب بأن البابا استغل فرصة غيابه واعتدى على ممتلكاته، فأخذ يرجو الملك الكامل ويستعطفه، حتى قيل أنه كان يبكي في بعض مراحل المفاوضات وليس أدل على تذلل الإمبراطور من الكلام الذي جاء في رسائله إلى الملك الكامل: أنا أخوك واحترام دين المسلمين احترامي لدين المسيح، وأنا وريث مملكة القدس، وقد جئت لأضع يدي عليها، ولا أروم أن أنازعك ملكك، فلنتجنب إراقة الدماء (1). وجاء في رسالة أخرى: أنا مملوكك وعتبقك، وليس لي عما تأمره خروج، وأنت تعلم أني أكبر ملوك البحر، وقد علم البابا والملوك باهتمامي وطلوعي فإن رجعت خائباً انكسرت حرمتي بينهم، وهذه القدس فهي أهل اعتقادهم وضجرهم، والمسلمون قد أخرجوها فليس لها دخل طائل، فإن رأى السلطان أن ينعم علي بقبضة البلد الزيارة، فيكون صدقة منه، ويرتفع رأسي بين ملوك البحر (2) .. واستمر الأمبراطور في الاستعطاف، ولم تلبث الاستعطفات أن أتت أكلها وأفلحت في التأثير في الكامل كان الكامل يريد أن يتنصل من وعوده، إذ كانت هذه الحملة لا تشكل أي خطر على المسلمين لذا تجمدت الاتصالات بين الملك الكامل والإمبراطور خمسة أشهر وأثناء ذلك شرع الإمبراطور في عمارة صيداً وكانت مناصفة بين المسلمين والفرنج، وسورها خراب فاستولى عليها وعمرها، ثم عاود الاتصال بالملك الكامل وتدلل إليه وأخذ يرجو ويستعطف (3)
__________
(1) الدولة الأيوبية د. دعكور ص 213.
(2) الحركة الصليبية (2/ 1010) سعيد عاشور الدولة الأيوبية د. دعكور ص 213.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 286 ..
(1/421)

كما مّر معنا وقام فردريك الثاني بتحصين يافا، جاء بمثابة مظاهرة عسكرية، جعلت الملك الكامل يخشى قيام فردريك وبقية الجموع الصليبية بالشام بعمل حربي ضده، وهو الشعور الذي فسره المقريزي بقوله: إن الكامل خاف من عائلته عجزاً عن مقاومته (1) وكان الدخول في حرب ضد الإمبراطور والصليبيين عندئذ تعني بالنسبة للملك الكامل وقوعه بين ثلاثة أعداء هم: ابن أخيه الملك الناصر داود من ناحية، والخوارزمية التي استنجد بها الناصر داود من ناحية ثانية، وفي ضوء هذه الحقائق كلها، وتحت تأثير رسول الملك الكامل في المفاوضات الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ، تنازل عن بيت المقدس (2).

رابعاً: صلح يافا: أخيراً عقد الملك الكامل في ربيع الأول 627هـ/شباط 1229م اتفاقية مع الإمبراطور فردريك الثاني، عرفت بصلح يافا (3)، وحضر مراسيم توقيع الاتفاقية من الجانب الأيوبي فخر الدين وأخوه كمال الدين ولدي شيخ الشيوخ، والشريف شمس الدين الأرموي ت 630هـ/1232م قاضي العسكر، والصلاح الأربلي والأمير صفي الدين بن سودان (4) ومن الجانب الإفرنجي هرمان سلزا رئيس الطائفة الألمانية، وتوماس فون أكوين والجراف فون أكبر (5) وكتبت صيغة الاتفاقية باللغتين العربية والفرنسية (6)، ووقع عليها الطرفان وحلفا على التزامها ووقع الإمبراطور عليها بعد أسبوع، فيما وقع على بنودها الملك الكامل في الوقت نفسه (7)، وتم تسليم بيت المقدس للصليبيين في شهر ربيع الأول 626هـ/شباط 1229م وشمل الاتفاق البنود التالية:
1 - مدة الاتفاق عشرة سنوات ميلادية (8).
__________
(1) السلوك (1/ 228) القدس بين أطماع ص 287.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 288.
(3) الحركة الصليبية (2/ 364) القدس بين أطماع ص 228.
(4) المصدر نفسه ص 289.
(5) المصدر نفسه ص 289.
(6) المصدر نفسه ص 289.
(7) المصدر نفسه ص 289.
(8) صبح الأعشى (3/ 429) القدس بين أطماع ص 289.
(1/422)

2 - تبقى المناطق التي أخذها الصليبيون قبل الصلح بأيديهم وتشمل قلاع الشقيف، وتبنين وجبلة وكوكب وبيروت، وصيدا، ويافا، والمجدل، واللد، والرملة وعسقلان، وبيت جبريل (1).
3 - تبقى بيت المقدس خربة، ولا يجدد سورها (2)، وتكون قراها للمسلمين، وتكون تابعة للوالي بالبيرة الواقعة شمال القدس.
4 - يبقى المسجد الأقصى والصخرة بيد المسلمين ويمارسون فيها الشعائر الدينية من أذان وصلاة (3)، ويتولاها قوام مسلم، ولا يدخلها الصليبيون إلا للزيارة (4).
5 - يأخذ الصليبيون بيت المقدس، والناصرة، وبيت لحم.
6 - يعطي للصليبيين بعض القرى الواقعة على الطريق من عكا إلى القدس (5)، حتى لا يتعرض الصليبيون القادمون من عكا لزيارة القدس للعدوان، وتبقى سائر المدن والقرى بين المسلمين (6).
7 - إطلاق سراح الصليبيين ومن ضمنهم الأطفال الذين أسروا في حملة الأطفال السابقة (7)
8 - تعهد الإمبراطور المشاركة في الدفاع عن الملك الكامل ضد أي عدو حتى ولو كان من الإفرنج، كذلك تعهد أيضاً عدم تقديم أية مساعدة لحكام انطاكيا وطرابلس، وحكام المناطق الإفرنجية الأخرى في بلاد الشام (8).
__________
(1) مفرج الكروب (4/ 241) القدس بين أطماع ص 289.
(2) المختصر (3/ 141) القدس بين أطماع ص 289.
(3) الأنس الجليل للحنبلي (1/ 406).
(4) مرآة الزمان (8/ 431) البداية والنهاية نقلاً عن القدس ص 290.
(5) القدس بين أطماع الصليبيين ص 290.
(6) المصدر نفسه ص 290.
(7) المصدر نفسه ص 290.
(8) مفرج الكروب (04/ 343) السلوك (1/ 231).
(1/423)

وسرعان ما وضعت هذه الاتفاقية موضع التنفيذ، فنودي بالقدس بخروج المسلمين منه، وتسليمه إلى الفرنج (1)، وأعلن فردريك الثاني في جنوده: أشكروا الله وأحمدوه، إذ أتم عليكم نعمته، وإن إتمامها كان معجزة من الله وليس نتيجة الشجاعة أو الحروب، وما أتمه الله لم تستطع قوة من البشر على الأرض إتمامه لا بكثرة العدد، ولا بالقوة ولا بأية وسيلة أخرى (2) وأطمأن الملك الكامل من ناحية الفرنج، ولكي يضمن ولاء أمراء البيت الأيوبي قام بتوزيع الأموال عليهم، فمنح أخاه العزيز عثمان صاحب بانياس خمسين ألف دينار (3)، وأعطى ابنه الظاهر غازي عشرة آلاف دينار وقماشاً نفيساً وخلعاً سنية، وقدم إلى الأمير عز الدين ايدمر المعظمي عشرين ألف دينار وأقطعه بمصر، فتستروا على تسليم بيت المقدس وتفريط الملك الكامل بها، أخذ القادة المسلمون بأسلوب الملك الكامل في توزيع الملك لكسب ولاء المتنفذين في مختلف الأقطار والتستر عليهم لقد أرضى الملك الكامل الإمبراطور خوفاً من غائلته، وعجزاً عن مقاومته، وصار يقول: إنا لم نسمح للفرنج إلا بكنائس والمسجد على حاله، وشعار الإسلام قائم، ووالي المسلمين متحكم في الأعمال والضياع (4)، واعتذر ملك الفرنج للأمير فخر الدين بقوله: ولولا أخاف انكسار جاهي، ما كلفت السلطان شيئاً من ذلك، وأنه ماله غرض في القدس، ولا غيره وإنما قصد حفظ ناموسه عند الفرنج (5) وقد رأى الكامل أن شقاق الإمبراطور يفتح له باب محاربة الفرنج، ويتسع الخرق، ويفوت عليه هدف ما خرج بسببه فرأى أن يرضى الفرنج بمدينة القدس خراباً، وأنه قادر على انتزاعها متى شاء (6).
__________
(1) شمس العرب ص 427، القدس بين أطماع ص 290
(2) المصدر نفسه.
(3) السلوك (1/ 272) القدس بين أطماع الصليبيين ص 291.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 291.
(5) مفرج الكروب نقلاً عن القدس بين أطماع الصليبيين ص 291.
(6) القدس بين أطماع الصليبيين ص 291.
(1/424)

- زيارة الإمبراطور بيت المقدس: استأذن الإمبراطور فردريك الثاني من الملك الكامل زيارة بيت المقدس فأجابه الملك الكامل إلى ما طلبه، وسير القاضي نابلس في خدمته، ومرافقته، فسلمه مفاتيح المدينة المقدسة، وسار معه إلى المسجد الأقصى، طاف معه المزارات (1) التي في الصخرة، وقد وصف سبط ابن الجوزي زيارة الإمبراطور فقال: ولما دخل الأنبرور قبة الصخرة، رأى قسيساً قاعداً عند الصخرة يأخذ من الفرنج قراطيس فجاء إليه الأنبرور كأنه يطلب منه الدعاء، فلكمه فرماه إلى الأرض وقال يا خنزير: السلطان تصدق علينا بزيارة هذا المكان، وأنتم تفعلون فيه هذه الأفاعيل؟ لئن عاد ودخل واحد منكم على هذا الوجه لا قتلته (2)، ونظر الأنبرور إلى الكتابة في القبة وهي: طهّر هذا البيت المقدس صلاح الدين من المشركين "فقال": ومن هم المشركون؟ ثم قال الانبرور للقوم، هذه الشباك التي على أبواب الصخرة من أجل أيش؟ قالوا لئلا يدخلها العصافير فقال أتى الله إليكم بالخنازير (3)
__________
(1) السلوك (1/ 237) القدس بين أطماع الصليبيين ص 292.
(2) مرآة الزمان (8/ 134) القدس بين أطماع ص 292.
(3) مرآة الزمان (8/ 134) القدس بين أطماع ص 292 ..
(1/425)

وكان الملك الكامل قد أمر القاضي شمس الدين قاضي نابلس أن يأمر المؤذنين ما دام الأنبرور في القدس أن لا يصعدوا المنابر ولا يؤذنوا في الحرم، فنسي القاضي أن يُعْلم المؤذنين، فصعد المؤذن عبد الكريم تلك الليلة، وقت السحر والأنبرور في دار القاضي، فجعل يقرأ الآيات التي تختص بالنصارى كقوله" ما اتخذ الله من ولد" ونحوها، فلما طلع الفجر استدعى القاضي المؤذن عبد الكريم، وقال له " ايش عملت؟ السلطان رسم كذا، وكذا، فلما كانت الليلة التالية ما صعد عبد الكريم المأذنة، فلما طلع الفجر استدعى الانبرور القاضي شمس الدين فقال له: يا قاضي أين ذلك الذي طلع بارحة أمس المنارة، فعرفه أن السلطان أوصاه بوقف الأذان، فقال الانبرور: أخطأتم يا قاضي، تغيرون أنتم شعاركم وشرعكم ودينكم لأجلي، فلو كنتم عندي في بلادي، هل كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم، الله الله لا تفعلوا هذا، هذا أول ما تنقصون عندنا (1)، ويلاحظ أن الملك الكامل أخطأ بوقف الأذان والتسبيح حتى أن الإمبراطور عاب عليه هذا التصرف، وأوضح أنه كان يرغب في سماع أذان المسلمين وتسبيحهم في الله، وقد اعتقد العيني أن الأمبراطور كان يبطن السلامة ويتلاعب بالنصرانية (2)، وذكر المقريزي أن الأمبراطور قال: والله إنه كان أكبر غرضي في المبيت بالقدس أن أسمع أذان المسلمين وتسبيحهم في الليل وعندما دخل الأمبراطور بيت المقدس اتجه إلى كنيسة القيامة، وتوج نفسه بيده، وقد فسر المؤرخون ذلك بما يلي:
- رفض رجال الدين تتويج إمبراطور محروم من الكنيسة.
__________
(1) المصدر نفسه (8/ 434) القدس بين أطماع ص 293.
(2) عقد الجمان (8/ 83) القدس بين أطماع ص 293.
(1/426)

- آثر الإمبراطور تتويج نفسه حتى يثبت للبابا ورجال الدين أنه تسلم التاج في هذا المكان البالغ الأهمية "كنيسية القيامة" دون حاجة لرجال الدين أو البابا (1) وأثناء وجود الإمبراطور في بيت المقدس وصلها أسقف قيسارية، ليوقع قرار الحرمان على المدينة المقدسة، فاستاء الإمبراطور لذلك، وعدها إهانة كبيرة لشخصه وعلم بمؤامرة ضده، فغادر المدينة بعد يومين، ولم يغير من شعائر الإسلام شيئاً وأحسن إلى أهلها، فذهب إلى يافا، ثم اتجه إلى عكا، ومن ثم غادرها بحراً إلى قبرص ليقضي فيها بضعة أيام، وأخيراً سافر إلى إيطاليا فوصلها 626هـ/1229م (2).
__________
(1) أوروبا العصور الوسطى، عاشور ص 398 القدس بين أطماع ص 293.
(2) القدس بين أطماع الصليبيين ص 294.
(1/427)

خامساً: ردود فعل الأمة الإسلامية من تسليم بيت المقدس:
أثارت هذه المعاهدة موجة عارمة من السخط والأسى في الرأي العام الإسلامي كله، وعند الفقهاء والعلماء بوجه خاص، وقد اعتبر المسلمون أن تسليم بيت المقدس للصليبيين بهذه السهولة يعتبر تفريطا في حق الإسلام والمسلمين وأصبحت هذه المعاهدة وصمة عار في جبين البيت الأيوبي بصفة عامة، وللملك الكامل محمد بصفة خاصة (1) وأخذ العلماء يحركون العامة للضغط على أمرائهم لإستعادتها وكان لكثير منهم مجالس علمية ركزوا في بعضها على ذكر فضائل بيت المقدس، وفضائل الجهاد، كما أن بعضهم عمد إلى إنشاد الشعر في هذه الحادثة والتشنيع على الكامل وتحريك العامة والخاصة للعمل على إستعادة القدس، ومن ذلك ما كان يجري في جامع دمشق من تجمعات ودروس لتحريك الناس للضغط على الكامل، كما كانت تنشد فيه الأشعار لهذه الغاية (2) وعندما وصلت هذه الأنباء إلى دمشق توغرت قلوب المسلمين بها على الملك الكامل محمد واجتاحتها حالة عارمة من السخط العام، لدرجة أن المسلمين أقاموا المآتم حزناً على تسليم القدس للصليبيين وأخذ الملك الناصر داود بن المعظم في التشنيع على عمه الكامل محمد وطلب من العالم الشيخ شمس الدين يوسف سبط ابن الجوزي الواعظ، أن يجلس بجامع دمشق للوعظ، ويندد بما فعله عمه الكامل، ويثير الناس ضده، وأمره أن يذكر في وعظه فضائل القدس، وما ورد فيها من الأخبار والآثار، ويوضح للناس العار والوصمة التي لحقت بالمسلمين من جراء ذلك التصرف، فنفذ ما طلب منه وكان يوماً مشهوداً لم يتخلف من أهل دمشق أحد (3)
__________
(1) دور الفقهاء والعلماء المسلمين في الشرق ص 194.
(2) الفتوح الإسلامية عبر العصور ص 310.
(3) مفرج الكروب (4/ 245) السلوك (1/ 233) ..
(1/428)

وكان قد ورد في وعظه: وانقطعت عن البيت المقدس وفود الزائرين يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت لهم على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيوناً لما وفت، ولو انقطعت قلوبهم أسفاً لما شفت، أحسن الله عزاء المؤمنين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، ولمثلها تنقطع القلوب من الحسرات (1)، كما ذكر سيف ابن الجوزي في مجلسه هذا قصيدة تائيه جاء فيها:
على قبة المعراج والصخرة التي ... تفاخر ما في الأرض من صخرات
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات (2)

ويذكر القاضي ابن واصل أنه كان حاضراً في هذا المجلس، فيصفه بقوله: وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم، وحضرت أنا هذا المجلس (3). وحضر المؤذَّنون والأئمة الذين كانوا في الصخراء والمسجد الأقصى إلى باب دهليز الملك الكامل، فأذنَّوا على باب الدهليز في غير وقت الأذان، فعسر ذلك على الكامل وأمر أتباعه بأخذ ما معهم من أثاث المسجد وطردهم ورُبمَّا كان هذا الاعتراض المباشر الوحيد الذي جُوبه به الكامل من قبل مؤذَّنين والأئمَّة لا حول لهم، ولا قوَّة، وإذا كان الاستحكار الرَّسمي معدوماً أو خجلاً فقد كان الاستنكار الشعبي قوياً جداً إلى درجة اضطر الملك الكامل لتسيير رسله إلى البُلدان لتسكين الناس، وكذلك أرسل إلى الخليفة يُبَّرر له ما فعل (4).

ومما قيل من شعر في المصير الذي آلت إليه القدس:
قول شاعر مجهول:
عزيز علينا أن نرى القدس تَخْْربُ ... وشمسُ مبانيه تزول وتغُربُ
وقلت له منا الدموع لأنَّه ... على مثله تجري الدُّموع وتسكبُ (5)

وقد تّم التعريض بأولئك الحكام الذين تنازلوا عن بيت المقدس:
__________
(1) مرآة الزمان (8/ 432) دور الفقهاء ص 197.
(2) مفرج الكروب (4/ 246).
(3) مفرج الكروب (4/ 245 - 246) دور الفقهاء ص 198.
(4) العلاقات الدولية (2/ 313) السلوك (1/ 232).
(5) المصدر نفسه.
(1/429)

إن يكن بالشام قلَّ نصيري ... وتهدَّمتُ ثم دام هُلوكي
فلقد أصبح الغداة خرابي ... سمة العارِ في حياة الملوك (1)

ومما قيل ما قاله صلاح الدين الإربلي أرسله إلى الملك الكامل:
زعم اللعين الانبرور بأنّه ... سلم يدوم لنا على أقواله
شرب اليمين فإن تعَّرض ناكثا ... فلنأكلنَّ لذاك لحم شماله (2)
__________
(1) بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية ص 202
(2) وفيات الأعيان (1/ 186).
(1/430)

1 - معالجة الملك الكامل لموقف المسلمين الرافضين للصلح:
أدرك الملك الكامل محمد أن الرأي العام الإسلامي كله ضد تسليمه بيت المقدس للصليبيين وأنه في مركز حرج لا يحسد عليه ولذلك أخذ يدافع عن سبب لجوئه إلى هذا التصرف وبعث رسله إلى بعض الأقطار الإسلامية لتسويغ ذلك فأرسل جمال الدين الكاتب الأشرفي إلى البلاد الشرقية .. وإلى الخليفة العباسي: لتسكين قلوب الناس وتطمين خواطرهم من انزعاجهم لأخذ الفرنج القدس (1)، وكان الملك الكامل يعتقد أن الفرنج لا يمكنهم الامتناع بالقدس مع خراب أسواره، وأنه إذا قضى غرضه واستتبت الأمور له، كان متمكنا من تطهيره من الفرنج وإخراجهم منه وقال الكامل: وإنا لم نسمح لهم إلا بكنائس، وأدر خراب، والحرم، وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله وشعائر الإسلام قائم على ما كان عليه ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله (2). لقد أساء التصرف الملك الكامل في تفرطه في القدس، إذ كان يساوم عليه كلما أحس بالخطر الذي يهدد مركزه، فكان حريصاً على الاحتفاط بحكم مصر، ومستعداً لتقديم التنازلات للإفرنج، وهذا يتناقض مع قوله أنه غير مستعد للتفريط بالمدينة المقدسة في رسالة بعث بها لأخيه الملك الأشرف عام 625هـ/1227م: إنني ما جئت إلى هذه البلاد إلا بسبب الإفرنج، فإنهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما يريدونه .. وأنت تعلم أن عمنا صلاح الدين فتح بيت المقدس، فصار لنا بذلك الذكر الجميل .. فإن أخذه الإفرنج حصل لنا من ذلك سوء الذكر ... وأي وجه يبقى لنا عند الناس وعند الله (3).
__________
(1) التاريخ المنصوري ص 179 القدس بين أطماع ص 296.
(2) مفرج الكروب (4/ 244).
(3) الكامل في التاريخ (9/ 379) القدس بين أطماع ص 296.
(1/431)

ولا شك أن قول الملك الكامل كان للاستهلاك، وينافي استعداده للتفريط في القدس لقد كان جيش الإمبراطور فردريك الثاني ضعيفاً، قليل العدد، وتأييد الصليبيين له ضعيفاً، فلم يحسن الكامل استغلال هذا الموقف وقدم بيت المقدس للفرنج على طبق من ذهب، من أجل تحقيق أطماعه في الشام، ولم يغفر له معاصروه هذه الزلة الشنيعة (1) حتى أن بعض أمراء جيشه عارضوه ومنهم الأمير سيف الدين بن أبي زكري الذي أشار عليه بإبقاء دمشق لابن أخيه الناصر داود، والاتحاد مع أخيه الأشرف، فيجتمع الثلاثة ويقاتلون العدو "فإما لنا وإما علينا، ولا يقال عن السلطان إنه أعطى الفرنج القدس (2) ولكن السلطان غضب عليه، وأمر باعتقاله وأرسله إلى مصر حيث سجنه (3) واستمر رفض الجماهير الإسلامية للاتفاقية، وامتد إلى درجة جزع منها الملك الأشرف فأرسل إلى أخيه الكامل يلومه ويعاتبه (4).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين ص 297.
(2) مرآة الزمان (8/ 654) القدس بين أطماع ص 297.
(3) المصدر نفسه ص 297.
(4) المصدر نفسه ص 297.
(1/432)

2 - تبدل موازين القوى العسكرية عند الأيوبيين:
كانت وفاة صلاح الدين الأيوبي نهاية مرحلة تاريخية وبداية مرحلة جديدة وثمة مراحل تاريخية ترتبط فيها أمور البلاد والعباد بالشخصية الكارزمية للحاكم أو الصفوة الحاكمة، وتتمثل خطورة مثل هذه المراحل في أن غياب الحاكم ذي الصفات الأخلاقية السامية، وعدم وجود خليفة له يحمل نفس صفاته، يؤدي بالضرورة إلى تدهور المشروع الذي كّرس نفسه له، أو سير الأمور في اتجاه معاكس للاتجاه الذي يسير فيه والناظر في تواريخ الأمم والشعوب، سيجد أن هذه الحقيقة تصدق على كافة شعوب الأرض، ولم تنج منها غير الشعوب التي تمكنت من أن تقيم المؤسسات الدستورية والقانونية (1)، فحين توارت شخصية صلاح الدين من على مسرح الأحداث حدث فراغ عسكري وسياسي كبير أضّر بالجانب الإسلامي وعاد بالفائدة على الجانب الصليبي، إذ كانت شخصيته ومواهبه وأداؤه السياسي والعسكري هو الذي يحفظ الدولة من التفكك، ولم تكن هناك مؤسسات تضمن استمرار بقاء هذه الدولة الكبرى من ناحية، كما أن صلاح الدين قسَّم دولته، كما يُقسَّم الإرث، بين أبنائه وأخوته وبني عمومته، على نحو ما كان مألوفاً في تلك العصور وكان طبيعياً أن تعود المنطقة إلى الوراء مرة أخرى نتيجة المنازعات والتشرذم السياسي الناجم عن الخلاف بين ورثة صلاح الدين وتفككت عُرى الدولة الإقليمية الكبرى التي جاهدت ثلاثة أجيال في إقامتها بالمنطقة، عماد الدين، ونور الدين، وصلاح الدين (2)،
__________
(1) في تاريخ الأيوبيين والمماليك د. قاسم عبده قاسم ص 79.
(2) في تاريخ الأيوبيين والمماليك د. قاسم عبده ص 79، 80 ..
(1/433)

وتطورت المشروعات الصليبية في الغرب الأوروبي وانتهج خلفاء صلاح الدين سياسة مهادنة إزاء الصليبيين تقوم على رد الفعل أكثر مما تقوم على المبادأة والمبادرة، فقد كان لإنشغال الأيوبيين بمنازعتهم من جهة، واهتمامهم بالهدنة مع الفرنج وتجديدها من جهة أخرى أثر إيجابي على الصليبيين الذين وجدوا الفرصة لالتقاط أنفاسهم وحشد المساعدات من الغرب الأوروبي لمساعدتهم (1) ولم يحدث تطور عسكري، أو فكر سياسي متقدم عند الأيوبيين وغابت روح الحسم العسكرية التي أقامت الدولة الأيوبية بل تلاشت وخصوصاً في عهد الكامل وتظهر بعض الملامح العسكرية التي أقامتها الممالك الأيُّوبية بعد صلاح الدَّين ويتجلىَّ منها:
أ- لم يبتكر الأيُّوبيون أسلحة قتال جديدة، أو يُطوَّروا تكتيكاً عسكرَّياً مُتميزاً، كما كان متوقَّعاً، نتيجة لاحتكاكهم بالفرنجة.
ب- لم يحرصوا على الجهاد وتحرير المناطق المحتلةَّ، بل إنهّم سلمَّوا كثيراً من الفتوح الصَّلاحَّية للفرنج.
ج- لم يُطوَّروا اقتصاداً حربياً يخدم الآلة العسكرّية، ويدعمها باستمرار وكفاءة.
س- أهمل الأيُّوبيون الأسطول، ولم يستخدموه إلا جُزئياً، وعند الحاجة الماسة.
ك- كان لكُلَّ من الملوك الأيوبيَّيْن مشروعه السياسي الخاصّ الذي وظَّف له كُلَّ قواه العسكرية المتاحة وأهمل كل ما عداه من مشاريع عامة (2)، فكان تسليم الملك الكامل القدس نتيجة طبيعية للإنحدار السياسي والعسكري بعد صلاح الدين.
__________
(1) المصدر نفسه ص 85.
(2) العلاقات الدولية (2/ 2525).
(1/434)

سادساً: رفض الصليبيين للصلح: لم يعجب الصليبيين استرداد فردريك الثاني بيت المقدس، وأخذوا يعبرون عن غضبهم بشتى الصور فقالوا: إن كرامة المسيح كانت تحتم أن تؤخذ المدينة المقدسة بحد السيف وليس بطريق الاستجداء والبكاء كما فعل الإمبراطور (1)، وعلى الرغم من أن الذي حققه فردريك الثاني بإتفاقه مع الملك الكامل كان أنجح مما حققته الحروب الصليبية كلها بعد معركة حطين 583هـ/1187م، فإن أعداء الإمبراطور لم يتركوا فرصة للعمل ضده إلا استغلوه، فقد أرسل فرسان المعبد سراً برسالة يبدو أنها كانت بإيحاء من البابا غريغوري التاسع: يخبرونه فيها بأنهم أي الفرسان قد عملوا أن الإمبراطور سيخرج بصحبة نفر من اتباعه من بيت المقدس إلى نهر الأردن للصلاة وهم يدعون السلطان الكامل لإنتهاز هذه الفرصة للفتك بالإمبراطور وقتله .. اشمأز الكامل من خيانة هؤلاء الفرسان، فأرسل إلى الإمبراطور نفسه هذا الخطاب المختوم بختم رئيس فرسان المعبد (2).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الكامل ص 298.
(2) تاريخ جماعة الفرسان التيوتون ص 205.
(1/435)

وبقي الأمبراطور يومين في القدس، ثم عاد إلى يافا خوفاً من الداوية (1) وغادر فريدريك أرض فلسطين بعد إبرامه الاتَّفاقية مع السلطان الكامل، فقد وصلته الأخبار أن جنود البابا قد هاجموا ممتلكاته في جنوب إيطالية، وتمكَّن فريدريك بعد وصوله إيطالية من التصَّدي لقوَّات البابا، وهزيمتها عام 627هـ - 1230م وأجبر البابا على عقد معاهدة سان جرمانوا، حيث ألغى حرمانه وصادقا البابا - في السنة التالية - على معاهدته مع السلطان الكامل وأرسل البابا أوامره إلى طوائف الرُّهبان الفُرسان الدَّاوية والاسبتاريَّة لمراعات نصوص اتّفاقية فريدريك مع المسلمين (2) ولكن الهدنة لم تمنع البابا من توجيه نقد كبير لاتَّفاقية فريدريك مع المسلمين، فاتَّهمه البابا غريغوري بأنَّه وحده يعرف شروط المعاهدة (3)، لقد أشارت المعاهدة مع السلطان الكامل والتي تسلمَّ بموجبها الإمبراطور فريدريك مدينة القدس البابا، وأقامته، ولم تقعده وشنع على فريدريك وقال واصفاً معاهدته مع الكامل: إنها تتوافق مع شريعة المسلمين، أكثر من توافقها مع شريعة إيماننا، واتبّع عاداتهم في عدة نقاط منها: مساعدة السُّلطان ضّد جميع الناس من مسلمين ومسيحيين (4)،
__________
(1) مرآة الزمان (8/ 655) القدس بين أطماع ص 299.
(2) العلاقات الدولية (2/ 313).
(3) المصدر نفسه (2/ 314).
(4) الموسوعة الشاملة (45/ 899) ..
(1/436)

وفي رسالة أرسلها البابا لمندوبه في فرنسا، يقول: أخذ فريدريك بوسائل المسلمين، وهاجم ميراث الكرسي الرسولي، والذي هو أكثر مقتا، إنَّه يبُرم - الآن - معاهدة مع السلطان ومع مسلمين آخرين، ويظهر اللُّطف نحوهم، ويبُدي الكراهية المكشوفة تجاه المسيحيين، ثم يذكر أن فريدريك يُشجَّع المسلمين على الإغارة على طائفتي الاسبتارية والدَّاوية فعندما هاجم المسلمون أراضيهم وبعد أن قتلوا عدداً كبيراً من أتباعهم، حملوا معهم كمَّيَّات كبيرة من الغنائم، فهاجم الدّاوية، وانتزعوا منهم بعضاً من الغنائم، فقام وزير الإمبراطور بمهاجمتهم عندما كانوا عائدين، وانتزعوا منهم بالقوّة هذه الغنائم، وأعادها للمسلمين، كما أنه جمع مائة عبد كانوا لدى الاسبتاريَّة والدَّاوية، وأعطاهم للمسلمين وضمَّن البابا رسالته اتَّهامات كبيرة ضدَّ فريدريك حتى إنَّه يسميه نائب محمد (1). ولكن الصلح بين الفريقين كان قصير الأجل، إذ لم يلبث الخلاف أن اشتد بين البابوية والإمبراطورية بعد وفاة البابا غريغوري التاسع سنة 1243م إذ عقد خلفه البابا انوسنت الرابع مجمعاً في ليون سنة 1245م قرر فيه حرمان فردريك الثاني من جديد وفي قرار حرمان البابا أنوسنت الرَّابع للإمبراطور فريدريك الصادر في مجمع سليون يُعدَّد البابا ذُنُوبَ فريدريك وخطاياه العظيمة، ومنها:
1 - التحالف بحلف مقيت مع المسلمين.
2 - إرسال الرُّسُل والهدايا إليهم، وتلقَّي الهدايا منهم.
3 - تبنيَّ عادات المسلمين والاعتماد على مُسلمين في خدماته اليومية.
4 - سمح لاسم محمد أن يُذكر علنا في هيكل الرب.
5 - استقبل سُفراء سُلطان مصر، الذي يُلحق الأذي بالأرض المقدسة (2).
__________
(1) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 264).
(2) تاريخ أوروُبا في العصور الوُسطى، فيشر ترجمة مصطفى زيادة ص 255.
(1/437)

إن هذه الذُّنُوب التي يُعددَّها البابا لفريدريك تُعطينا فكرة واضحة عن نظرية البابوية إلى المسلمين وإلى التعامل معهم، ومدى الحقد والكراهية التي كانت تزرعها البابويَّة في نفوس المسيحيين الأوروبيين لتدفعهم ضَّد المسلمين في حملات ظاهرها الدفاع عن الدَّين وباطنها إعلاء سُلطة البابويَّة وزيادة ممتلكاتها وثرواتها، فقد وظفَّ علاقته بالمسلمين من خلال السلطان الكامل ليتقوَّى شعبياً في أوروبا ضَّد البابا، ولم يخسر فريدريك من علاقته بالسلطان الكامل، بقدر ما ربح في أوساط الشعوب الأُورُوبية، التي كانت تتملل من ظُلم البابوات، وانحرافهم الواضح عن مهامَّهم الدَّينيَّة وانغماسهم بأمور الحكم والسياسة فقد ساعد فرديريك في وُقُوفه بوجه البابوّية الخيال الشعبي الأُورُوبي، الذي اعتبره خلفاً لبربروسا، ومُحرَّراً للضريح المقدس وصحيح أن البابويَّة حرمته كَنسيَاً، واعتبرته مُهرطقاً ومُجحفاً وحانثاً بالقسم، لكن فريدريك حرم البابويّة من ثرواتها، ومن كثير من أملاكها، فتحوَّل في الخيال الشعبي الأُورُوبي إلى شخصية تُعاقب رجال اللاهوت في أيام الدُّنيا الأخيرة؛ أما في ألمانيا فقد اعتبر المُخلصّ ضدَّ ظلم الكنيسة، لذلك ردَّ البابا بوضع كُلَّ ألمانيا تحت الحرمان، وردَّ على البابا الوُعاَّظ المتجوَّلون الذين أعلنوا البابا أنوسنت الرّابع شرَّيراً إلى درجة أن حرمانه لا يعني شيئاً، وأن البابا والأساقفة مُهرطقين، وطلبوا مِن الناس الصلاة للإمبراطور فريدريك وإبنه كونراد الصالحين الكاملين (1) معاً.
__________
(1) السعي وراء الفترة الألفية السعيدة فورمان كوهين الموسوعة الشاملة (4/ 143).
(1/438)

لقد كان للصراع بين البابا أينوسنت الرّابع والإمبراطور فريدريك الثاني أثرً واضحاً في الشرق تعدَّى الإمارات الفرنجية إلى الممالك الأيُّوبية، فبعد فشل الحملة الخامسة، حملة البارونات على مصر، مباشرة، أصدر مجمع ليون 642هـ/1245م قراراً بتوجيه حملة جديدة لكنَّ انشغالَّ البابا بالصراع مع فريدريك جعله يُوجَّه هذه الحملة ضدَّه، لذِلك لَعنَهُ، وحرمه كنسيا وعدّه ملحداً، ليستحقَّ أن تتوجَّه حملة صليبية ضدَّه، فأخذ البابا التبرُّعات المالية للحملة الصليبية واستخدمها ضدَّ فريدريك (1). إن صراع البابوية َّ ضدَّ فريدريك كان مُنَّبهاً لكثير من الفُرسان والنُّبلاء الأوروُبيين لاستغلال البابويةَّ لهم فقد رفض البارونات الإنكليز - صراحة - الاشتراك في الحملة التي دعا إليها مجمع ليون، وقال هنري الثالث ملك إنكلترا لمبعوث البابا، إن وُعَّاظ الحملة يخدعون الشعب، ولن نسمح لهم بعد ذلك، وحتى في أوساط اللاهوتيين إرتفعت أصوات المعارضة للحملات الصَّليبيَّة نحو فلسطين، فقد صّرح اللاهوتي رادولف نيفر قائلاً: من الجُنون التدخل في شؤون فلسطين حين تتعرَّض المسيحيَّة في الغرب لخطر الهرطقة، وقال: أيُّ معنى لتحرير القدس من المسلمين حين يتجذَّر الكفر في أرض الوطن وكان الشاعر المغنَّي الجّوال الفرنسي ريمون جوردان يتغنىَّ في إحدى قصائده قائلاً: إن ليلة مع الحبيبة أفضل من جميع أطايب الجنَّة، يُوعَد بها المشارك بحملة صليبية، أمَّا الشاعر الجَّوال بيرود، فكان يتغنَّى بمقطع يقول فيه:
من صلاح الدَّين شبعنا ... أرض الوطن عزيزة على الناس
__________
(1) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 266).
(1/439)

وتعدَّى الأمر إلى التفكير في أُورُوبة بشرعية الحملات أصلاً، فنقدوها بشكل لاذع، وعبَّر الشاعر الجوّال الألماني فولغرام فون إيشتنباخ عن رأي عدد من الفُرسان حين قال: إنه من المشكوك فيه أن يكون من العدل قتل أتباع الأديان الأخرى، إضافة إلى أن الصراع بين البابويَّة والإمبراطوُر قد مزّق إيطالية وألمانيا (1) وأمَّا إنكلترا، فقد حزم ملكها هنري الثالث أمره بعدم المشاركة في أيَّ حملة، ودفع للبابا أنوسنت الرّابع ليس لإعفائه من السفر بنفسه فقط، بل لمنع الإنكليز كافَّة من الإبحار الشَّرق، وفرض حراسة مُشدَّدة على شواطئ بلاده لمنع أيَّ صليبي من المغادرة، أمّا الحملة الفرنسية نحو مصر، فلم تتّم إلا بضغط شديد يُشبه الهَوَس من قِبل لويس التاسع ملك فرنسا إن البابويَّة وازنت بين مصالحها في أوُرُوبة وما تُحقَّقه الحملات إلى الشرق، فتبيَّن لها أن الكفّة تميل بشدة نحو أورُوبا إضافة إلى المقاومة التي كانت تلقاها فكرة الحملات الجديدة أما الوعَّاظ البابويون؛ فقد طوَّروا أُسلُوبهم في الدعوة، ولأن الجانب المالي من رسالتهم هو المهُمُّ، لذلك غفروا خطايا من يتبرَّع بالذهب والفضَّة كفداء لنفسه في الاشتراك الشخصي بالحملة، أما البابا، فكان تطويره لأفكار الحملات وأهدافها أكبر من ذلك، فقد أعلن: أن القُدْس لم تعد هدف الحملة (2)، فهو يريد تحقيق مشاريعه السياسية والعسكرية أولاً فالهدف السياسي للبابا أزاح بسُهولة الهدف الدَّيني للحملة، ولذلك عندما قام لويس التاسع بحملته الصليبية على مصر لم يقم البابا بأيَّ خُطوة إيجابية لمساعدته، فقد كان البابا يخوض حربه الصَّليبَّية الخاصَّة ضدَّ فريدريك وانشغل - تماماً - عن القديس لويس (3)،
__________
(1) الصليبيون في الشّضرق، زاباروف ترجمة إلياس شاهين ص 305.
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 267).
(3) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 267) ..
(1/440)

وقام فريدريك بإرسال المؤن إلى لويس عندما هدَّدته المجاعة في قبرص، فكتب لويس إلى البابا يرجوه إيقاف الحرب، ضَّد فريدريك، لإنقاذ الجيش الصليبي، فلم يلتفت له، ثم كتبت بلانشي أمّ الملك لويس إلى البابا تلتمس عفوه عن فريدريك، فرفض البابا كُلَّ ذلك، وضايق فريدريك أكثر، فأكثر (1)، وبعد الفشل المأساوي لحملة لويس، وأسره في مصر، تمّ أطلاق سراحه، عاد أخوا الملك كوُنت أنجو وكونت بواتيه إلى ليون، وقابلا البابا أنوسنت الرَّابع، وأبلغاه طلب لويس المساعدة والصُّلح مع فريدريك؛ ليتفرَّغا من حربهما لمساعدته، لكنَّ البابا - على ما يبدو - لم يتحمسّ للطلب فهدَّدا بإخراجه من مدينة ليون الفرنسيةَّ، (2) واتهماه بالتسبب بهزيمة لويس في مصر؛ لتصُّرفه بالأموال التي جمعها باسم الحملة في أغراض أخرى (3).
__________
(1) الموسوعة الشاملة (27/ 1057).
(2) العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2/ 268).
(3) المصدر نفسه (2/ 268).
(1/441)

سابعاًً: تحليل شخصيتي الملك الكامل والإمبراطور فردريك الثاني:
واختلفت الآراء في تحليل شخصيتي الملك الكامل والإمبراطور فردريك الثاني وأثرهما في تسليم بيت المقدس، فقد ذكر الشيال أن الملك الكامل والإمبراطور فردريك شخصيتهما وثقافتهما يجسدان صورة واحدة تختلف عن العصر الذي عاشا فيه، فغلبت عليهما شخصيه، فالملك الكامل صورة شرقية من الإمبراطور، إن لم يكن الإمبراطور صورة غربية من الملك الكامل (1)، فيما شبه باركر الحملة السادسة بأنها نوع من المساومة الحقيرة تمت بين الأمبراطور فردريك المشهور بحربته الفكرية وميله نحو الشرق وبين الملك الكامل، فهي ذات مظهر دنيوي ودبلوماسي مجرد من الدين (2) وأكد لين بول أن هذه الاتفاقية على الرغم من أن بنودها أثارت استياء المتطرفين في المعسكرين الإسلامي والمسيحي إلا أن مراعاة بنودها تجعل الملك الكامل يستفيد أكثر مما يخسر، فالأرض التي ضحى بها لم تكن ذات قيمة كبيرة، أنه تمكن من الإبقاء على الأماكن المقدسة في القدس للمسلمين، بينما كانت فوائد تعهد الإمبراطور بالدفاع عن الملك الكامل مدهشة وكبيرة (3)، ومع كل موجات السخط والإنكار التي حدثت فقد تمت السيطرة عليها بمرور الأيام ووافقت جميع الأطراف عليها من تصالح الباب مع الإمبراطور عام 628هـ/1230م، وأخذت الإتفاقية طريقها بوصفها واقعة تاريخية قبل بها الجانبان (4)
__________
(1) دراسات في التاريخ الإسلامي ص 47.
(2) الحروب الصليبية، بارك ص 115.
(3) القدس بين أطماع الصليبيين ص 301.
(4) القدس بين أطماع الصليبيين ص 301 ..
(1/442)

وعدت الاتفاقية نقطة تحول في التفكير العالمي، فقد ظهر أنصار يدعون إلى السلام وحل المشكلات عن طريق المفاوضات لا القوة، فالسلام الذي حل بين أصحاب الديانتين الإسلامية والمسيحية جعلهم يسخرون من الحروب التي دارت بين الطرفين، والشاهد على ذلك ما قاله سفير الإمبراطور للبابا في مدينة ليون في القدس وعلى مشهد من العالم اثبتت سياسة فردريك أن صداقة الأمراء العرب وفرت كثيراً من إراقة الدماء المسيحية (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 301.
(1/443)

ثامناًً: القدس بعد المعاهدة ونتائج الحملة السادسة:
لم يتعرض أحد من مؤرَّخي الإسلام المعاصرين للمعاهدة، لتطبيق الفرنج لبُنودها التزاماً، أو مخالفة وربما كان ذلك تجنباً، كُلَّيَّاً لذكر المعاهدة، لعدم إزعاج الكامل أو أبنائه من بعده وأمّا مؤرَّخو الفرنجة، فقد تضاربت أقوالهم فقد روى بعضهم أن الفرنجة أعادوا المدينة، وأحاطوا الأسوار بالخنادق ورمَّموا شرفات الأبراج، وكذلك عمَّروا جميع المدن والقلاع (1) وجاء في رواية أخرى ما يناقض ذلك تماماً، يقول متىَّ باريس: إن سكان عكاَّ خائفون تماماً ومحصورون ضمن مدينتهم مع نقص المؤن، لأن فريدريك أصبح مطرقة رعب الكنيسة ولم يعد يسمح بأيَّ مُؤن أو قوَّات عسكرية أن تنقل إلى عكَّا .. عسقلان محاصرة، وبالكاد تُدافع عن نفسها، وأصبحت الحُصُون الصَّليبية سُجُوناً لأهلها، وليست أماكن للحماية (2) وبغضَّ النظر عن ما يكتبه مؤيَدو فريدريك، أو ما يكتبه معارضوه، فإنَّنا نستنتج أن وضع الفرنج في فلسطين أصبح أكثر سوءاً بعد المعاهدة، فانقسام الولاء بين البابا والإمبراطور صاحب المملكة، ومنع الطوائف الدينية من فرض هيمنتها، وتوقف الدعم البابوي، كل ذلك أدَّى - بلا شكَّ - إلى زعزعة الوجود الفرنجي في فلسطين، الذي هو ضعيف أصلاً منذ معركة حطين، والذي منع اجتثاث هذا الوجود هو ضعف السَّلطنة الأيوبيَّة، والتفات ملوك الأيوبَّيين إلى خلافاتهم ويبدو أن السياسة الأيُّوبية كانت ترى ترك الفرنج بحالهم ما أمكن، رُبمَّا لاعتبارهم أصبحوا لا يُشكَّلون أيَّ خطر حقيقي على الأيُّوبيَّين (3)
__________
(1) الموسوعة الشاملة (45/ 898) العلاقات الدولية (2/ 315).
(2) المصدر نفسه (48/ 892) العلاقات الدولية (2/ 315).
(3) العلاقات الدولية (2/ 316) ..
(1/444)

وتعد حملة فريدريك الحملة السادسة من الحملات الفرنجية على الشرق الإسلامي، من أغرب الحملات وأكثرها إثارة للجدل في مجراها وفي نتائجها، فمن حيث الواقع كان قائد الحملة فريدريك في أسوأ وضع عرفه قائد يقدم على معركة، فقد أبحر نحو الشرق محروماً من الكنيسة وما كاد يبتعد حتى هاجم جنود البابا ممتلكاته الإيطالية ولما وصل فلسطين: وجد قدراً ضئيلاً من الطاعة وقدراً كبيراً من الإهانة، وتعرَّض لتآمر فرنج سُورية عليه، فقد عرضوا على السلطان الكامل تسليمه إليه في المعركة، وأمّا لدى المسلمين، فقد وجد أن السلطان الكامل الذي استدعاه ووعده بالقُدس، قد استغنى عنه فالخطر قد زال عن مملكته بوفاة أخيه المعظم، لذلك أصبح قُدُوم فريدريك عبثاً عليه، فحاول التملصُّ من وعده (1)، ولكنَّ فريدريك أثبت أنه سياسي محنّك ومفاوض جيد، فقد حصل من الملك الكامل، مهما كانت الظروف أو الأسباب على القُدس، ووقع مع اتَّفاقية عام 626هـ/1229م وكان فيها ما هو أهمَّ أسباب نجاح فريدريك كانت تكمن في شخصيته الفريدة التي قرَّبته كثيراً إلى المسلمين، الذين كانوا يُكنُّون له كل احترام، حتى إنهَّم اعتقدوا أنه أميل للإسلام (2) لقد بهرت شخصية فريدريك المسلمين وسُلطانهم الكامل لأنَّهم وجدوا فيه العلم وسعة الأفق والتحرُّر من سيطرة الكنيسة (3) كما اعتقدوا أنه تغلب عليه روح التسامح والاحترام تجاه كل الأديان (4).
__________
(1) المصدر نفسه (2/ 316).
(2) المصدر نفسه (2/ 316).
(3) المصدر نفسه (2/ 316).
(4) المصدر نفسه (2/ 316).
(1/445)

تاسعاً: سياسة فريدريك تجاه مسلمي صقلية:
ربما كان التناقض هو السمة الأوضح في شخصية هذا الإمبراطور الأُعجُوبة فالإمبراطور الذي أقام أوثق العلاقات مع المسلمين في الشرق، وحالفهم وحالفوه، كان له تصرف آخر مع مسلمي صقلية أيضاً؛ فيه من التناقض الشيء الكبير، فهو الذي وصف بالتسامح الدَّيني في الشرق وعد أميل للإسلام، ويؤثر القرآن على الإنجيل (1)، ويستقدم علماء المسلمين ويستفيد من علمهم (2)، ولكن ما وجه الحقيقة في كلَّ ذلك؟ كانت هذه النظرة إلى فريدريك من قِبل مؤرَّخي المسلمين لخلافة مع البابا، دون أن يعرفوا حقيقة معتقده، ومع أن فريدريك كان يعتمد في قصره على حاشية المسلمين، لكنهم كانوا للخدمات فقط، وهي عادة جرى عليها ملوك صقلية منذ عهد ملوك النورمان وفريدريك متبع لهم في صقلية لم يأت بجديد (3)، فماذا فعل الإمبراطور الألماني فريدريك عندما تولىَّ عرش صقلية بالمسلمين فيها؟ ففي عام 627هـ/1230م، كانت قد اشتهرت علاقة الملك الكامل بفريدريك بعد تسليم القدس، وكان الملك الكامل في حرّان، فوصل إليها فيها: شخص يُقال له أحمد بن أبي القاسم المعروف بالرّمان من جزيرة صقلية، من أهل مشائخ من جبال صقلية والجزيرة كلها بيد الإمبراطور إلا هذه الجبال (4)، وسبب وصوله أن الإمبراطور غدر بأهل الجبال هناك، وذكر الحاج أنه أخذ إلى البَّر الكبير، أي بلاد إيطالية، مائة ألف وسبعون ألفاً أخرجهم من أوطانهم، وأخذ أموالهم، وقتل من الشُّطار مثلهم، وخلت هذه الجبال وطلب المسلم الصقلي من الكامل التوسط لدى الإمبراطور ليردَّهم إلى أوطانهم أو يمُكنهم من الخروج إلى مصر، فكتب له الكامل كتاباً إلى الإمبراطور (5) وكانت النتيجة لا شيء (6)،
__________
(1) العلاقات الدولية (2/ 321).
(2) عقد الجمان (1/ 290) العلاقات الدولية (2/ 321).
(3) العلاقات الدولية (2/ 321).
(4) المصدر نفسه (2/ 322).
(5) المصدر نفسه (2/ 323).
(6) المصدر نفسه (2/ 323) ..
(1/446)

فقد أنهى فريدريك قضيَّة المسلمين في صقلية إلى الأبد، إذ نفاهم إلى منطقة لُوسيرا في إيطالية الجنوبية حيث حوصروا من قِبل المسيحيين من كل الجهات وكان مصيرهم الهلاك (1).

عاشراًً: هل الملك الكامل رجل سياسة قدير سبق عصره؟ وهل كان محقاً في فكرة تدويل القدس في ذلك العصر؟
إن المؤرخين تباينت وجهات نظرهم تجاه ذلك الاتفاق، وبصفة عامة؛ فإن الأغلبية عارضته بشدة، غير أن هناك من أيده على اعتبار أن الكامل الأيوبي - أمام الأخطار المتعددة التي واجهته، أيوبية، وخوارزمية، وصليبية، - رأى أن يقدم بيت المقدس للصليبيين دونما أسوار، حتى يحتفظ بمصر وهي قلب الدولة بعيدة عن الخطر، على اعتبار أن بإمكانه متى شاء استردادها، وعند أصحاب ذلك التوجه فإن الكامل الأيوبي رجل سياسة قدير سبق عصره وأظهر تسامحاً في عصر التعصب، بل أنه اتجه إلى فكرة تدويل القدس في ذلك العصر (2) ويجدر بنا أن نلاحظ ملاحظات مهمة ويمكن إجمالها في النقاط الآتية:
__________
(1) المصدر نفسه (2/ 323).
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 293.
(1/447)

1 - من الجلي البين؛ أن الكامل الأيوبي لم تتوافر لديه الحنكة السياسية التي تجعله نداً للسياسي الألماني فردريك الثاني، لقد تغير الوضع السياسي بالنسبة للكامل عقب وفاة المعظم عيسى، ولم يكن هناك مبرر لتنفيذ ذلك الوعد المتسرع والمتهور الذي قطعه على نفسه بتقديم القدس للإمبراطور الألماني طالما لم يساعده في مواجهة خصومه من البيت الأيوبي أساساً، وقد أشار إلى تلك الحقيقة، الدكتور سعيد عاشور في معرض تناوله لذلك الاتفاق (1) والدليل على عدم حنكة الكامل الأيوبي، أن أبسط قواعد اللعبة السياسية في أية مفاوضات، ألا يقوم طرف من الأطراف باللعب بكافة أوراق مباشرة دفعة واحدة، بل يحتفظ بها ويتعامل بصورة جزئية وفق مقتضيات الحال (2)، ومن الواضح أن الكامل لعب بكافة الأوراق دفعة واحدة وبصورة غير مسبوقة، أما الإمبراطور فردريك الثاني فكان على درجة عالية من الذكاء. وقد عبَر أحد المؤرخين تعبيراً صادقاً على الموقف قائلاً: إن الإمبراطور فردريك كان داهية إلى الحد الذي يستطيع به أن يحقق الكثير بالأسلوب الدبلوماسي (3) من خلال صداقاته.
__________
(1) مصر والشام والصليبيون ص 907.
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 294.
(3) المصدر نفسه ص 294 العلاقات السياسية عادل عبد الحفيظ ص 290.
(1/448)

2 - عندما ننظر إلى عصر صلاح الدين الأيوبي، ولم يكن مر على اتفاقية صلح الرملة 1192م/588هـ، واتفاقية يافا 1229م/627هـ سوى سبعة وثلاثين سنة، نجد أن صلاح الدين الأيوبي يحارب الصليبيين بشراسة ولا يفرط بالقدس أبداً، وتعليل ذلك واضح وهي أن لها مكانتها الدينية، كما أنها رمز لقضية الجهاد أضف إلى ذلك أنه رأى أنه ليس من حقه كقائد لحركة الجهاد حينذاك أن يقدم القدس للصليبيين ويلاحظ هنا أن وضعه القتالي كان أصعب بمراحل إذا ما قارناه مع الكامل الأيوبي ويكفي أنه على مدى الأعوام 1187م/583هـ/إلى 1192م/588هـ لم يتوقف عن الصراع مع الصليبيين ومن أمثلته معركة عكا المريرة على مدى عامين كاملين، ورفض تماماً أن يحصل الصليبيون على القدس، ودل ذلك على الحنكة السياسية الحقيقية والبطولة الصادقة، وهكذا فإن الجيل الذي استشهد رجاله من أجل عودة المدينة المقدسة للمسلمين، لم يفكر للحظة في التفريط فيها، أما الجيل الذي وجد نفسه أمام المدينة المذكورة دونما مشقة فلم تكن تعنيه في قليل أو كثير، وكان من السهل عليه أن يقدمها للصليبيين دون عناء (1).

3 - توافرت لدى الكامل الأيوبي النية لتقديم القدس على طبق من ذهب للصليبيين من قبل مقدم فردريك الثاني، ولا أدل على ذلك ما حدث خلال الصليبية الخامسة، وقد كرر عرضه على الصليبيين عدة مرات، على نحو عكس عدم حنكته السياسية وأنه لم يكن لديه القدرة على التعامل مع الصليبيين سياسياً، وكل مديح توافر لدى المصادر التاريخية العربية لذلك السلطان الأيوبي ربما يكون صادقاً على صعيد السياسة الداخلية وما أحدثه من مشاريع حضارية واستتباب الأمن إلا أن السياسة الخارجية والتعامل مع الصليبيين جعلته لا يحظى بتقدير المؤرخ المنصف. (2)
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 294.
(2) المصدر نفسه ص 295.
(1/449)

4 - قد يتم الاحتجاج بأن فتوى دينية قدمها أحد الفقهاء وهو القاضي ابن أبي الدم الحموي (ت 1244م/642هـ) عكست أن هناك من أيد تلك الاتفاقية من خلال أحكام الإمام الشافعي التي وردت في كتابه الشهير "الأم" غير أنه مع تقديري الوافر لأصحاب ذلك التوجه إلا أن من المهم ملاحظة أن فقهاء السلطان في بعض الأحيان كانوا نكبة على المسلمين عندما برروا لقادتهم تصرفاتهم ولم يعارضوهم، والاحتجاج هنا بابن أبي الدم وما أورده في مخطوطة التاريخ المظفري مردود على اعتبار أنه ألف تاريخه في عهد السلطان الكامل، ومنطقي أنه تحول ليكون بوقاً دعائياً لذلك السلطان، كما أنه عاش في كنف ابن أخت ذلك السلطان وزوج ابنته وهو الملك المظفر صاحب حماة، ويعبر أحد المؤرخين عن ذلك الموقف قائلاً: يجدر بنا التحذير بعدم أخذ رواياته عن بني أيوب على علاتها حتى لا تضلل الدارس (1)، وينبغي ألا تغفل الرأي الآخر، الذي وجد حتى في عصر الكامل غير أنه قمعه في قسوة، ومثال ذلك أن أحد قادة جيشه ويدعى سيف الدين ابن أبي زكرى حيث حذره من التفريط في بيت المقدس وحقوق المسلمين، وطالب بمحاربة صديقه الألماني ومن ذلك قوله: ابعد دمشق على ابن أخيك الملك الناصر، وأطلبه وأطلب أخاك الملك الأشرف وعسكر حلب ونقاتل هذا العدو فإما لنا وإما علينا، ولا يقال عن السلطان أنه أعطى الفرنج القدس (2)، وعلى الرغم من تلك النصيحة الصادقة التي حفظها التاريخ لابن أبي زكرى إلا أن الكامل اعتقله وأرسله إلى مصر حيث سجن هناك (3)،
__________
(1) بلاد الشام قبيل الغزو المغولي للغامدي ص 268.
(2) بلاد الشام قبيل الغزو المغولي ص 269.
(3) الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة ص 224 الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 296 ..
(1/450)

ومن المهم أن نذكر هنا أن ذلك القائد العسكري الذي عارض سلطانه اقترح عليه الحل العسكري، وهي فكرة تدل على أن ذلك ممكناً لأنه وبالبداهة - لو لم يكن ممكناً لما عرضه ذلك القائد الذي تتصور أن له خبرة قتالية يعتد بها بدليل وصوله إلى أن يكون أحد القادة العسكريين للكامل، وتصوره كان منطقياً من خلال قلة قوات فردريك الثاني، غير أن السلطان الذي عشق التفريط، واستمتع بالتنازلات، رأى رؤيته التي عارضتها الجماهير الحاشدة، ومن غير المنطقي، تصور أن كافة تلك الجماهير الغفيرة التي عارضته كان يحركها الناصر داود عدو الكامل الأيوبي، حقيقة أنه شيء ضد قراره ما يوصف بحملة إعلامية (1)، عنيفة، غير أنه كان محقاً تماماً في ذلك، لأن اتفاق يافا كان يحتوى على التنازل عن تلك المدينة المقدسة، ومساحات شاسعة أخرى تعطى للغزاة ولم يكن من الممكن الوقوف دون أن يحرك ساكناً على ما أقدم عليه الكامل الأيوبي.
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 296.
(1/451)

5 - من زاوية أخرى نعارض الخلط بين التسامح والتفريط، فمن حق الكامل الأيوبي، أن يتسامح مع الصليبيين بأن يسمح لهم بالحج إلى المحارم المسيحية المقدسة في أمن وأمان كاملين، أما أن يقدم لهم القدس على اعتبار أنها بلا أسوار، وأنه متى أراد استرجاعها تمكن من ذلك فهو أمر لا يدخل ضمن باب التسامح بل في غير موضعه يظهر التهاون الذي لا مبرر له ويلاحظ هنا أن السلطان الأيوبي صلاح الدين تسامح مع الصليبيين ولم يفرط، فقد جنبهم الفتك بهم عندما دخل القدس فاتحاً في أعقاب حطين 1187م/583هـ وسمح لهم في أعقاب صلح الرملة 1192م/558هـ بالحج، غير أنه في مواقف أخرى كان حازماً صارماً لأن الأمر احتاج منه ذلك، وحادثة فرسان الاسبتارية والداوية والفتك بهم عقب حطين أمر مؤكد، وخير دليل على أن تسامحه الواعي كانت له حدود، وهكذا لم يفرط السلطان العظيم مؤسس الدولة الأيوبية وإنما كان تكفل بذلك خير قيام وعلى نحو كامل (1).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق ص 297.
(1/452)

6 - إن ما يمكن تصوره من أن الكامل اتجه إلى وجهة خاصة بتدويل القدس، وأن الفكرة اتجه إليها السلطان صلاح الدين الأيوبي من قبل عندما وافق على مشروع زواج العادل أبو بكر من جوانا شقيقة ريتشارد الأول قلب الأسد، فيه الكثير من تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، لقد كان مشروع الزواج المذكور الذي تضمن أن يحكم الزوجان القدس مناصفة حماية للسلام وتجنباً للحرب، كان مشروعاً مخفقاً من البداية، لعدم معقوليته بالنسبة للصليبيين، ومن المتصور أنه كان مجرد مناورة من جانب الملك الإنجليزي كي يكسب بها الوقت لا أكثر ولا أقل، وهو أمر لم يغب عن فطنة القيادة الأيوبية ولم يكن صلاح الدين الأيوبي يفكر في تدويل القدس، إن الفكرة الأخيرة فكرة حديثة للغاية من خلال الصراع العربي الصهيوني وتقديم مقترحات بتدويل القدس، وهكذا فمن الممكن القول أن تلك الفكرة لم يكن لها سابقة تاريخية في عصر الحروب وقد اعتقد المسلمون تماماً، وما زالوا - أن القدس عربية إسلامية وأنها عاشت في كنف الإسلام خمسة قرون كاملة، وتمتع غير المسلمين فيها - بصفة عامة - بالتسامح الديني الذي عجز عنه الصليبيون أنفسهم عندما قدموا إلى المنطقة، وهكذا، فلم يكن أمر "التدويل" قائماً حينذاك، وكيف يفكر السلطان الأيوبي صلاح الدين في ذلك الأمر وهو الذي استعادها بقوة السلاح وهزم الصليبيين في حطين؟ من قبل أن يفكر في التدويل من المؤكد أنه لا يستند إلى قوة عسكرية تدعم موقفه، وهكذا ظل ما فعله الكامل نسخة وحيدة للهوان لم تحدث قبل عصره، ولم تتكّرر من بعده لتكون الحادثة نفسها دليل إدانة في حد ذاتها (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 297.
(1/453)

7 - كان من الممكن أن نجد بعض - لا كل - العذر للكامل في حالة مواجهته لقوات ضخمة مرافقة للإمبراطور فردريك الثاني، وعجز إمكانات الأيوبيين الحربية حينذاك، ومن ثم يفكر مثل ذلك التفكير، غير أن فردريك قدم ومعه خمسمائة فارس إلى حد تصور معه بعض المؤرخين أنه قدم في نزهة إلى المنطقة وبديهي أن ذلك العدد الضئيل كان من الممكن لذلك السلطان أن يستغل نقطعة الضعف التي لذلك الإمبراطور في صورة قوته العسكرية ومحدوديتها، ناهيك عن إنه يقاتل على أرض أجنبية وأن الأيوبيين يقاتلون على أرضهم، وملعون من البابا كان من الممكن الاستفادة من كل ذلك لصالح المسلمين ولصالح عدم التفريط فيما لا يفرط فيه، وبدلاً من ذلك وجدناه يقبل التوقيع على اتفاق مهين مثل اتفاقية يافا 1229م/627هـ (1).

8 - أتصور أن من غير المنطقي الأخذ بتأييد عدد قليل من الفقهاء الرسميين، وإغفال البعد الشعبي الجماهيري الذي صنع تاريخ حركة الجهاد الإسلامي في ذلك العصر، إذ أن الجماهير كانت تقف بجوار القائد الذي يعبر عن آمالها وآلامها في مواجهة الغزاة وهو ما وجدناه مع صلاح الدين الأيوبي وأما في حالة الكامل؛ فقد رفضته الجماهير الصادقة الشعور والتعبير، لأنها أدركت أن تضحياتها التي بذلتها على مدى العقود السابقة تذهب أدراج الرياح على يد السلطان الكامل الذي انتزع منه ثعلب الدبلوماسية الألمانية فردريك الثاني نصراً عزيزاً يندر مثاله دون أن يخسر شيئاً من رجاله.
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 298.
(1/454)

9 - من الملاحظ أن هناك اتجاهاً يتحدث عن "التسامح الأيوبي" لينطلق من ذلك إلى تصوير سلوك الكامل الأيوبي على أنه جاء من خلال تلك الزاوية التسامحية، إذا جاز التعبير ومع ذلك، غير أن هناك ناحية على جانبها من الأهمية وتتمثل في طرح تساؤل وهو: لماذا يطلب من المسلمين ذلك؟ وإذا كان ذلك هو حال المسلمين حينذاك فماذا قدم الصليبيون ليكون دليلاً على أن هناك تسامحاً متبادلاً؟ والإجابة هي لا شيء لأن تاريخهم مع المسلمين على مدى أعوام طويلة مضت معارك، ومذابح، ورغبة جارفة من جانبهم في امتلاك الأرض بأي ثمن، وفرض سيادتهم السياسية عليها، وأخلص من ذلك إلى أن التسامح الغير مدروس جيداً ضمن الرؤية السياسية العامة؛ لا يعد تسامحاً، بل تهاوناً بالغاً وتنازلاً أبلغ (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 298.
(1/455)

10 - قد يتصور البعض أن ما أقدم عليه الكامل الأيوبي في اتفاقية يافا عام 1229م/627هـ، وتقديمه القدس له على هذا النحو قد تم استرداده عام 1244م/642هـ وعندما دخل الخوارزميون المدينة المقدسة وقضوا على السيادة الصليبية بها، غير أن الأمر بذلك يكون من قبيل "تهوين" ما أقدم عليه الكامل، إذ أنه أقدم على ذلك عام 1229م/627هـ ولم يكن المعاصرون الذين رفضوا في غالبيتهم الغالبة هذا الموقف يدركون إلا ضياع رمز الجهاد الإسلامي في عصر الصليبيات في صورة تلك المدينة المقدسة على نحو خاص، ولم يكن أحد قط - وهو أمر بديهي - يدرك أنه سيتم استردادها لصالح المسلمين بعد ذلك بخمسة عشر عاماً، ومن ناحية أخرى؛ علينا ألا نجمل أخطاء حكام المسلمين السابقين فها هو خطأ قتَّال صحيح بعد خمسة عشرة عاماً، مع ملاحظة أن الذي يدفع الثمن دائماً الشعوب التي يخذلها حكامها أحياناً جرياً وراء ديكتاتورية ترى أنها على حق، وأن الحشود الحاشدة المعاصرين لا يستحقون أن يلتفت إلى تصورهم على الرغم من أنهم المشاركون الفعليون في صنع تلك المرحلة (1).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 299.
(1/456)

11 - في واقع الأمر؛ أن قضية الكامل الأيوبي واتفاقه المذكور مع فردريك الثاني، يعكس لنا الفجوة الكامنة بين الأجيال الأيوبية ورؤيتها للتعامل مع الوجود الصليبي في بلاد الشام وتحالفه الاستراتيجي مع الغرب الأوروبي، ومن الممكن تصور الأمر كالآتي، جهاد، سياسة دفاعية، تنازل وهو ترتيب متفق مع عهود كل من صلاح الدين الأيوبي، ثم العادل، ومن بعده الكامل وأتصور أن جذور القضية بدأت مع السياسة الدفاعية للعادل والطرح المتعدد المرات لتقديم القدس للصليبيين حتى خلال الحملة الصليبية الخامسة، وصولاً إلى أحداث عام 1229م/627هـ على نحو عكسي لنا سبق الإصرار والترصد من جانب الكامل في بيع القدس على هذا النحو المزري والتباين الحاد في السياسة الأيوبية من خلال تباين تلك الأجيال، ومن الواضح أن الجيل الذي قدم التنازلات لم يقدر جيل التضحيات والجهاد البارز ضد الصليبيين، وهكذا ففجوة الأجيال الأيوبية تلك تمثل واقعاً تاريخياً وليس من الممكن إنكاره بمثل تلك الصورة من شأنه ابعادنا (1) عن قلب الحقيقة التاريخية، مع تقديري الكامل لكل الآراء المخالفة.
__________
(1) المصدر نفسه ص 299.
(1/457)

12 - في الواقع أتصور أن المؤرخين الأوروبيين من متى الباريسي حتى كانتروتز، لهم تصوراتهم في تقويم فردريك الثاني على أنه أعجوبة العالم وأنه سبق عصره، ولديهم مبرراتهم من وجهة نظرهم في ذلك التقويم، أما الكامل الأيوبي، فلم يكن سابقاً على عصره في شيء، بل كان متخلفاً بمراحل عن ذلك العصر بدليل ظاهرة "النكوص" التي ظهرت بجلاء في اتفاقية 1229م/627هـ وفي حالة كونه سابقاً لعصره بالفعل لأقدم على ما فيه صالح أمته، وهو أمر كان يتأتى بالحفاظ على ما حققه الجيل الأيوبي الأول والتقويم الختامي لذلك السلطان أنه كان محباً للعلم والعلماء (1)، وضل طريق العلم واتجه إلى عالم السياسة، ولم يكن بالسياسي الداهية، أو الحصيف، كما لم يكن بالعسكري القدير إلا في أضيق نطاق، أما وصف ابن واصل له بأنه خافته ملوك الأرض قاطبةً (2)، فهو من قبيل الدعاية السياسية الخرقاء، والمتصور أنه اقتحم عالم السياسية ولم تكن له مؤهلات لذلك وقد ظهر ذلك جلياً خاصة عندما تعامل مع أحد كبار عصره في أوروبا في صورة فردريك الثاني (3).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 300.
(2) المصدر نفسه ص 300.
(3) المصدر نفسه ص 300.
(1/458)

13 - ليس هنا مقام عرض كافة الآراء التي أوردها قطاع بارز من المؤرخين المسلمين المحدثين بشأن اتفاقية يافا، وأكتفى هنا إلى جانب ما أوردته من قبل عن رأى العلامة سعيد عاشور من قبل - بأن أذكر (1) ما أورده المؤرخان أحمد رمضان وقاسم عبده وهما من المختصين في عالم الحروب الصليبية يقول أحمد رمضان عاشور: فرط الكامل وبدون قتال ولا هزيمة ودون إراقة قطرة دم واحدة في مناطق لا يحق له أن يدعي أنها ملكاً له بل هي ملكاً للمسلمين جميعاً أراقوا فيها دماءهم تحت راية عمه صلاح الدين الأيوبي في حطين وبعدها في معارك يشهد الله على عنفها وضروراتها ومهما أدعى الكامل من أسباب دعته إلى قبول الصلح في يافا سنة 1229م إلا أنها أسباباً شخصية لا علاقة لها بالإسلام والمسلمين وبدل أن يرفع راية الجهاد بعد صلاح الدين يأتي برفع راية الاستسلام في قبوله هذه المعاهدة (2).

وأما قاسم عبده قاسم، فأورد مانصه: أما العالم الإسلامي فقد رأى - بحق أن الهدنة التي عقدها الكامل الأيوبي كارثة حقيقية، وكان رد الفعل الشعبي عنيفاً ضد السلطان الذي بعث سفراءه إلى كل مكان لتبرير فعلته، وقد علق ابن الأثير على ذلك بقوله: واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه، يسر الله، فتحه وعوده إلى المسلمين بمنه وكرمه (3).
__________
(1) الذاكر هو الدكتور محمد مؤنس عوض المصدر نفسه ص 300.
(2) العلاقة بين الشرق والغرب ص 179.
(3) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 301.
(1/459)

وفي حقيقة الأمر أن النتيجة الكبرى، التي تمخضت عنها تمثلت في عودة بيت المقدس للصليبيين دون إراقة الدماء ومن خلال حملة صليبية عجيبة خرجت ولعنات البابا تلاحق زعيمها فردريك الثاني، وإذا كانت قد حققت ذلك الهدف الكبير إلا أنها - من ناحية أخرى - تمكنت من زرع بذور الإنشقاق والاختلاف بين المسلمين بشأن اتفاقية يافا 1229م 627هـ المثيرة لأكبر قدرة من الجدل بين المعاصرين وحتى المتأخرين ومن زاوية أخرى؛ نجد أن تلك الحملة جعلت لألمانيا موقعها الجديد الفعال على خريطة القوى السياسية الأوروبية المشاركة في المشروع الصليبي، ويلاحظ أننا بذلك لدينا ثلاثة أباطرة من الألمان شاركوا في ذلك المشروع منذ بدايته، فهناك كونراد الثالث الذي شارك في الصليبية الثانية، ثم فردريك بارباروسا الذي شارك في الثالثة أما فردريك الثاني فحقق إنتصاراً كبيراً عجز عن تحقيقه من قبل ملك فرنسا فيليب أغسطس، وملك انجلترا ريتشارد الأول قلب الأسد، وبذلك تدعم النفوذ الألماني شرق البحر المتوسط حيث رأى أنه لا حل لمشكلة الحرمان الكنسي الذي فرضه البابا جريجوري التاسع إلا بالاشتراك في حملة صليبية في بلاد الشام، على نحو عكسي أن السياسة الخارجية الألمانية حينذاك كانت على صلة وثيقة بالسياسة الداخلية وأنهما كانا وجهي عملة واحدة وأن المستقبل السياسي لذلك الإمبراطور الألماني لم يكن في ألمانيا ذاتها؛ بل في بلاد الشام ذاتها وكذلك نتج عن تلك الحروب الصليبية أن اتضح لنا أن البابوية جعلت من القدس لعبة سياسية، فهي، لا تقبل عودتها على يد رجل فرض عليه الحرمان الكنسي بل لابد من أن يكون ذلك من خلال رجل أداءه طيعة في يدها على نحو أوضح لنا الدور السياسي الذي لعبته البابوية التي كانت تتباكى من قبل على ضياع تلك المدينة المقدسة في أيدي المسلمين، وها هي الآن تضع العراقيل لتحول دون عودتها للمسيحيين. (1)
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 301 ..
(1/460)

الحادي عشرً: استمرار العلاقة بين الملك الكامل والإمبراطور فردريك:
لم تتوقف الصلة بين الملك الكامل والإمبراطور، بل استمرت الرسل تتردد بين الطرفين، فبعد عودة الإمبراطور إلى بلاده أرسل رسالة إلى فخر الدين يبين له فيها شوقه إليه (1)، ويدعو له بالخير ودوام حكم الملك الكامل، ويشكو له ما فعله البابا (2) وبينما كان الملك الكامل بالجزيرة عام 627هـ/1230م وصله رسول الإمبراطور فردريك الثاني، ورسالة إلى فخر الدين بن شيخ الشيوخ (3)، يبلغه أخبار بلاده، وخلافه مع البابا واستمرت العلاقة قائمة بين الإمبراطور فردريك وأبنا الملك الكامل بعد وفاته (4)، وقد تعدّت العلاقة بين الطرفين التحالف السياسي إلى حَدَّ التبادل الفكري والثقافي والتمازج الحضاري، الذي كان أباطرة الدولة المقدسة مهيَّئين له بسبب تواجدهم في صقلية التي كانت مرجل تفاعل حضارات المتوسط (5).
__________
(1) القدس بين أطماع الصليبيين وتفريط الملك الكامل ص 304.
(2) المصدر نفسه ص 304.
(3) المصدر نفسه ص 304.
(4) المصدر نفسه ص 305.
(5) العلاقات الدولية (2/ 317).
(1/461)

الثاني عشر: حروب الملك الكامل بعد انتهاء الحملة الصليبية السادسة:
- هيأت معاهدة يافا مع الصليبيين الملك الكامل كي يتفرغ لتصفية الخلافات الداخلية في الدولة الأيوبية، وقرر الزحف على دمشق لمحاربة ابن أخيه الملك الناصر داود فوصل إلى ظاهرها في جمادي الأولى سنة 626هـ/1229م، وكان أخوه الملك الأشرف يحاصرها، فاتفق معه على تضييق الخناق على المدينة، وقطع عنها نهري بانياس والقنوات، ورغم ذلك أهل دمشق يخرجون كل يوم ويقاتلون أشد قتال، وطالت فترة الحصار إلى شهر رجب سنة 626هـ/1229م فاشتد ذلك على أهل دمشق لإقبال الصيف، وغلاء الأسعار، كما نفذت أموال الملك الناصر داود فتخلى عنه جماعة من الأمراء والعساكر وانضموا إلى الكامل والأشرف لأنه لم يدفع لهم من المال ما يكفي لدفع نفقاتهم (1)، واضطر الملك الناصر إلى ضرب أوانية من الذهب والفضة دنانير ودراهم، وفرقها على الباقي من جيشه حتى أتى على أكثر ما عنده من الذخائر، فرأى الملك الناصر أن العناد ليس من مصلحته والأصلح الخروج إلى عمه الملك الكامل فخرج ليلاً من قلعة دمشق في أواخر رجب سنة 626هـ/حزيران 1229م في نفر يسير من أصحابه وألقى نفسه على باب مخيم الكامل معلنا خضوعه وإذعانه، فلما بلغ الكامل مجيئه، خرج إليه وتلقاه وأكرمه إكراماً كبيراً وتحدث معه وباسطة وطيب خاطره بعد أن عاتبه عتاباً كبيراً، ثم أمره بالرجوع إلى قلعة دمشق فعاد إليها (2)،
__________
(1) موسوعة تاريخ مصر (2/ 658) أحمد حسين.
(2) الدولة الأيوبية، د. عرب دعكور ص 218 ..
(1/462)

ثم تقرر عقد اتفاق جديدين الكامل وابن أخيه داود، وترتب عليه أن اتسعت أملاك ملك مصر، فأخذ الأشرف إمارة دمشق، أما الناصر داود فعوضه الكامل بالكرك والشوبك وأعمالههما، والصلت والبلغاء والأغوار جميعها، ونابلس وبيت المقدس وبيت جبريل، واحتفظ الكامل بما تبقى من فلسطين فضلاً عن جهات الجزيرة التي حصل عليها من الأشرف مقابل التنازل عن دمشق، فعين من قبله ولاة على حران والرها والرقة وسروج والأماكن الواقعة بأعالي الفرات، وبلغ من شدة اهتمام الملك الكامل بهذه المناطق أن توجه إليها بنفسه، غير أن الكامل لم يستطع أن يبقى طويلاً بعيداً عن حضرة ملكه، إذ بلغه خبر وفاة ابنه مسعود الذي يحكم اليمن، وبعض الاضطرابات في مصر، فقّرر الكامل العودة إلى مصر ودخلها في رجب سنة 627هـ/1230م (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 218.
(1/463)

الثالث عشر: وفاة الطاغية جنكيز خان سنة 624هـ في عهد الملك الكامل:
من الشخصيات العالمية في عهد الملك الكامل والتي كان له تأثير كبير على المجتمع الدولي حينذاك جنكيز خان تحدث عنه ابن كثير فقال: السلطان الأعظم عند التَّتار، والد ملوكِهم اليوم، الذي ينتسبون إليه، من عظَّم القان إنما يُريدُ هذا الملِكَ وهو الذي وضع لهم "الياسَاق" (1) التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها، وأكثرهم مخالف لشرائع الله تعالى وكتبه، وإنما هو شيء اقترحه من عند نفسه وتبعوه في ذلك، وقد كانت أمُّه تَزُعمُ أنها حملت به من شُعاع الشمس، فلهذا "لا يعرف له أبٌ، والظاهر أنه مجهول النّسب، وقد رأيت مجلدَّا جمعه الوزير ببغداد علاء الدين الجُوينيُّ في ترجمته فذكر فيه سيرته وما كان يشتمل عليه من العقل السياسي والكرم والشَّجاعة والتّدبير الجيد للملك والرَّعايا والحروب، فذكر أنه كان في ابتداء أمره خصيصاً عند الملك أُزبَك خان وكان إذ ذاك شابَّا حسناً وكان اسمه أولا تمرجي، ثم لما عظُم سمَّي نفسه جنكزخان، وكان هذا الملك قد قرَّبه وأدناه، فحسده عظماءُ الملكِ، ووشَوْا به إليه حتى أخرجوه عليه وهمَّ بقتله، ولم يَجِدْ له طريقاً في ذنب يتسلَّطُ به عليه، فهو في ذلك إذ تَغضَّب الملك على مملوكين صغيرين فهربا منه، ولجأ إلى جنكز خان، فأكرمهما وأحسن إليهما فأخبراه بما يُضمِرُه الملك أُزبَك خان من قتله والهّم به، فأخذ حذره وتحيز بدولة واتبعه طوائف من التتار، وصار كثير من أصحاب أُزبك خان ينفرون إليه، ويَفدِون عليه، فيُكرمهُم ويُعطيهم، حتى قويت شوكته، وكثرت جنوده، ثم حاربَ بعد ذلك أُزبك خان، فظفر به وقتله، واستحوذ على مملكته ومُلكه وانضاف إليه عُدَدُ وَعَددُه، وعظم أمره، وبُعد صيتَه، وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج كلَّها، حتى صار يركب في ثمانمائة ألف مقاتل وأكبر القبائل قبيلته التي هو من أصلها يُقال لها: قيات.
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 161).
(1/464)

ثم أقرب القبائل إليه بعدَهم قبيلتان كبيرتا العدد وهما أويرات وقنقورات (1) ثم نشبت الحرب بينه وبين الملك جلال الدين خُوَارزم شاه صاحب بلاد خُراسان والعراق وأذربيجان وغير ذلك من الأقاليم والممالك، فقهره جنكيزخان وكسره وغلبه، واستحوذ على سائر بلاده هو بنفسه وبأولاده في أيسر مدة وكان ابتداءُ ملك جنكيز خان في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وكان قتاله لخوارزم شاه في حدود سنة ستَّ عشرة وستَّمائة ومات خوارزم شاه في سنة سبع عشرة فاستحوذ حينئذ على الممالك بلا منُازع ولا مُمانع، وكانت وفاته في سنة أربع وعشرين وستَّمائة فجعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقَّوه بين جبلين هنالك وأما كتابه "الياساق" فإنه يُكتب في مجلدين بخطَّ غليظ، ويُحملُ على بعير معظم عندهم، وقد ذكر بعضهم عنه أنه كان يصعد جبلاً، ثم ينزل، ثم يصعد ثم ينزل حتى يعي ويقع مغشياً عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يُلقى على لسانه حينئذ، فإن كان هذا هكذا فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها وذكر الجُويني أن بعض عُبّادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلاً يقول له: إنا قد ملّكنا جنكزخان وذريته وجه الأرض.
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 161).
(1/465)

قال الجويني فمشايخ المغول يُصدَّقون بهذا، ويأخذونه مسلماً ثم ذكر الجويني شيئاً من الياساق، من ذلك، أنه من زنى قتل محصناً كان أو غير مُحصن، وكذلك من لاط قُتل، ومن تعمَّد الكذب قُتِل، ومن سحر قتل، ومن بال في الماء الواقف قُتل، ومن انغمس فيه قُتل، ومن أطعم أسيراً أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل ومن وجد هارباً لم يردَّه قتل، ومن رمى إلى أحد شيئاً من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده، ومن أطعم أحداً شيئاً، فليأكل منه أولاً ولو كان المطعم أميراً لأسير، ومن أكل ولم يُطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيواناً دُبح مثله، بل يشق، ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولاً وفي هذا كله مخالفة لشرائع الله المنزَّلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزَّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى "الياساق" وقدّمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى" أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون "المائدة:50" وقال تعالى "فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويُسلمَّوا تسليما ... " (النساء: 65) ومن آدابهم الطاعة غاية الاستطاعة، وأن يعرضوا عليه أبكارهم الحسان ليختار لنفسه، ومن شاء من حاشيته ما شاء منهن، ومن شأنهم أن يُخاطبوا الملك باسمه، ومن مّر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم بغير استئذان ولا يتخطىَّ موقِد النار ولا طبق الطعام، ولا يقف على أُسكُفَّةِ الخَرْكاه (1)
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 1654) ..
(1/466)

ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخُها ولا يكلفَّون العلماء من كلَّ ما ذُكر شيئاً من الجنايات، ولا يتعرَّضون لمال ميت، وقد ذكر علاء الدين الجويني طرَفاً كبيراً من أخبار جنكيزخان ومكارم كان يفعلها لسجيَّته وما أدَّاه إليه عقله، وإن كان مشرِكا بالله يعبد معه غيره، وقد قتل من الخلائق ما لا يعلم عدَدَهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البدَاءة من خوارزم شاه، فإنه لما أرسل جنكيز خان تُجّاراً من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده، فانتهوا إلى إيران، فقتلهم نائبُها من جهة خوارزم شاه، وهو والد زوجته كَشْلى خان، وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيزخان إلى خوارزم شاه يستعلمه هل وقع هذا الأمر عن رِضاً منه أو أنه لم يعلم به فأنكره، وقال له فيما أرسل إليه: من المعهود من الملوك أن التجار لا يُقتلون؛ لأنهم عمارة الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك التُّحَفَ والأشياءَ النفيسة، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك فقتلهم نائبُك، فإن كان أمراً أنكرته، وإلا طلبْنا بدمائهم، فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكزخان لم يكن جوابه سوى أنه أمر بضرب عنقه، فأساء التدبير، وقد كان خرف وكبرت سنه .. فلما بلغ ذلك جنكز خان تجهزَّ لقتاله وأخذ بلاده، فكان بقدر الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يُسمع بأغرب منها ولا أبشع (1)
__________
(1) المصدر نفسه ..
(1/467)

وممّا ذكره الجويني عنه أنه قدّم له بعض الفلاَّحين بالصيد ثلاث بطيخات، فلم يتفق أن عند جنكزخان أحداً من الخزندارية فقال لزوجته خاتون: أعطيه هذين القرطين اللذين في أذُنيك وكان فيهما جوهرتان نفيستان جداَّ فشحَّت المرأة بهما وقالت: انظر إلى غيره فإن هذا لا يدري ما هما فقال لها: ادفعيهما إليه فإنهما لا يبيتان هذه الليلة إلا عندك، وهذا الرجل لا يمكننا أن ندعه يذهب عنا مُقلقل الخاطر، وربما لا يحصل له شيء بعد هذا، وإن هذين لا يمكن أن أحداً إذا اشتراهما إلا جاء بهما إليك، فانتزعتهما فدفعتهما إلى الفلاَّح، فطار عقله بهما، وذهب بهما، فباعهما لبعض التُّجار بألف دينار ولم يعرف قِمتها، فحملها التاجرُ إلى الملك، فردّهما على زوجته ثم أنشد الجويني عند ذلك.
ومن قال إن البحر والقطر أشِبها ... نَدَاه فقد أثنى على البحر والقطر
(1/468)

قال: واجتاز يومً في سوق، فرأى عند بقَّال عُنَّاباً، فأعجبه لونه ومالت نفسه إليه، فأمر الحاجب أن يشترِىَ منه ببالس، فاشترى الحاجُب منه بربع بالسٍ، فلما وضعه بين يديه أعجبه وقال: هذا كلهُّ ببالس؟ فقال: وبقى منه هذا وأشار إلى ما بقى معه من المال، فغضب وقال متى يجد من يشتري منه مثلي؟ تممَّوا له عشرة بوالس (1). وقيل له: إن في هذا المكان كنزاً عظيماً، فلو فتحته أخذت منه مالاً كثيراً، فقال: الذي في أيدينا يكفينا، ودعوا هذا يفتحه الناس ويأكلونه، فهم أحقُّ به منا. ولم يتعرَّض له (2). قال: واشتهر عن رجل في بلاده أنه يقول: أنا أعرف موضع كنز، ولا أقوله إلا للقان وألحَّ عليه الأمراء أن يعُلمهم - فلم يفعل، فذكروا ذلك للقان فأحضره على خيل الأولاق - يعني البريد - سريعاً، فلما حضر إلى بين يديه سأله عن الكنز فقال: إنما كنت أقول ذلك حيلة لأرى وجهك، فلما رأى تغيُّرَ كلامه غضب وقال له: قد حصل لك ما طلبت فارجع إلى موضِعك، وأمر بردَّه سالماً، ولم يُعطه شيئاً. قال الجويني وهذا غريب. قال: وأهدى له إنسان رُمَّانة فكسرها وفرّق حبَّها على الحاضرين، ثم أمر له بعدد حَبَّها بَوالَس ثم أنشد عند ذلك:
فلذلك تزدحمُ الوفود ببابه ... مثل ازدحام الحبَّ في الرُّمانِ
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 167).
(2) المصدر نفسه (17/ 167).
(1/469)

قال: وأمر بقتل ثلاثة قد قضت "الياسَقُ" بقتلهم، فإذا امرأة تبكي وتلطم فقال: ما هذه؟ أحضروها. فقالت: هذا ابني، وهذا أخي، وهذا زوجي: فقال: اختاري واحداً منهم حتى أُطْلقه لك. فقالت: الزوج يَجىءُ مثله، والابنُ كذلك، والأخ لا عِوَض له. فاستحسن ذلك منها، وأطلق الثلاثة لها (1). قال: وكان يُحبُّ المصارعين وأهل الشَّطارةِ، وقد اجتمع عنده منهم جماعة، فذُكر له إنسان بخُراسان، فأحضره، فصرع جميع من عنده، فأكرمه وأعطاه، وأطلق له بنتاً من بنات المغول، حسناء، فمكثت عنده مدة لا يتعرَّضُ لها، فاتّفق مجيئهُا زائرة بيتَ القان، فجعل السلطان يُمازحُها، ويقول كيف رأيت المستعرب؟ فذكرت أنه لم يَقربها فتعجبَّب من ذلك وأحضره فسَأله عن ذلك فقال: يا خُوندُ أنا إنما حظيتُ عندك بالشًّطاره، ومتى قرِبتها نقصت منزلتي عندك (2) قال: ولما احتُضر أوصى أولاده بالاتفاق وضرب لهم في ذلك الأمثال، وأحضر بين يديه نُشَّاباً، ويأخذ السهم فيُعطيه الواحد منهم، فيكسُره، ثم أحضر حُزمة أخرى ودفعها مجموعة إليهم، فلم يُطيقوا كسْرَها فقال: هذا مثلكم إذا اجتمعتم واتَّفقتمُ، وذلك مثلكم إذا انفردتم، واختلفتم (3)، قال: وقال كان له عِدّة أولاد ذكور وإناث منهم أربعة هم عُظماءُ الأولادِ، وأكبرهم تولى، وهم تولى وباتو وبركة وتركجار، وكان كلُّ منهم له وظيفة عنده، ثم تكلمَّ الجويني على ملك ذريته إلى زمان هولاكو خان .. وذكر ما وقع في زمانه من الأوابد والأمر المزعجة (4).
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه (17/ 167).
(3) البداية والنهاية (17/ 167).
(4) المصدر نفسه (17/ 167).
(1/470)

الرابع عشر: فوائد متفرقة وتراجم مهمة قبل وفاة الملك الكامل:
1 - أبو يوسف يعقوب المنجنيقي توفي 626هـ:
كان فاضلاً في فنَّه، وشاعراً مُطبَّقاً، لطيف الشَّعرِ، حسن المعاني، وقد أورد له ابن الساعي قطعة صالحة، ومن أحسن ما أورد له قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس وهي قوله:
هل لمن يرتجى البقاء خلود ... وسوى الله كلُّ شيءٍ يَبيدُ
والذي كان من تراب وإن ... عاش طويلاً للتراب يعود
فمصيُر الأنام طُرَّا إلى ما ... صار فيه آباؤهم والجدود
أين حوّاءُ أين آدم إذ ... فاتهم الخُلدُ والثَّوَى والخلود
أين هابيل أين قابيلُ إذ ... هذا لهذا مُعاندُ وحسود
أين نوح ومن نَجَا معه ... بالفلك والعالمون طُرَّاً فقيدُ
أسلمته الأيام كالطفل ... للموتِ ولم يُغن عمره الممدود
أين عادُ بل أين جنة عادٍ ... أم ترى أين صالح وثمود
أين إبراهيم الذي شاد بيت ... الله فهو المعظم المقصود
حسدوا يُوسُفاً أخاهم فكادوه ... ومات الحسود والمحسود
وسليمانُ في النُّبوَّةِ والملكِ ... قضى مثل ما قض داودُ
وابن عِمران بعد آياته التسع ... وشقَّ الخِضَمَّ فهو صعيد
والمسيح ابنُ مريم وهو روح ... الله كادت تقضى عليه اليهود
وقضى سيُد النَّبيَّين والهادي ... إلى الحقَّ أحمد المحمود
ونجوم السماءِ منتشِرات ... بعد حين وللهواء ركود
ولنارِ الدنيا التي تُوقِدُ الصَّخْرَ ... خُمودٌ وللمياه جُمودُ
وكذا للثَّرَى غداة يؤُمُّ ... الناس منها تزلزلٌ وهُمودُ
هذه الأُبَّهات نارٌ وتربٌ ... وهواء رَطْبٌ وماء ترودٌ
سوف تفنى كما فنِينا فلا ... يبقى من الخلق والد ووليدٌ
لا الشَّقىُّ الغوِىُّ من نُوَاب ... الأيام ينجو ولا السعيد الرّشيُد
ومتى سَلَّتِ المنايا سيوفا ... فالموالي حَصيُدها والعبيد (1)
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 181).
(1/471)

2 - الاستئناس برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 627هـ:
في سنة 627هـ تسلم الملك الأشرف قلعة بَعْلَبكَّ من الملك الأمجد بهرام شاه بعد حصار طويل، ثم استخلف على دمشق أخاه الصالح إسماعيل، ثم سار إلى الشرق بسبب أن جلال الدين الخُوارزمي استحوذ على بلاد خلاط، وقتل من أهلها خلقاً كثيراً، ونهب أموالاً كثيرة، فالتقى معه الأشرف واقتتلوا قتالاً عظيماً، فهزمه الأشرف هزيمة منكرة وهلك من الخوارزمية، فإنهم كانوا لا يفتحون بلداً إلا قتلوا من فيه ونهبوا أمواله فكسرهم الله تعالى، وقد كان الأشرف رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قبل الوقعة وهو يقول له: يا موسى، أنت منصور عليهم، ولما فرغ من كسرهم عاد إلى بلاد خِلاط، فرمَّم شَعثَها، وأصلح ما كان فسد منها ولم يحج أحد من أهل الشام في هذه السنة، ولا في التي قبلها، وكذا فيما قبلها أيضاً، فهذه ثلاثُ سنين لم يَسِرْ من الشام حاجُّ إلى الحجاز (1).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 181).
(1/472)

3 - سنة 628هـ: استهلت هذه السنة والملك الأشرف موسى بن العادل ببلاد الجزيرة مشغول بإصلاح ما كان جلال الدين الخوارزمي قد أفسده في بلاده وقد قدِمت التِتار في هذه السنة إلى الجزيرة وديار بكر، فعاثوا بالفساد يميناً وشمالاً، فقتلوا ونهبوا وسَبْوا على عادتهم (1) وفيها حبس الملك الأشرف الشيخ عليَّاً الحريري بقلعةِ عزَّتا وفيها كان غلاء شديد بديار مصر وبلاد الشام وحلب والجزيرة بسبب قلة المياة السمَّاوية والأرضية، فكانت هذه السنة كما قال الله تعالى: "ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنّا إليه راجعون " (البقرة، آية 155، 156) وحج الناس في هذه السنة من الشام وكان فيمن خرج الشيخ تقّي الدين أبو عمرو بن الصَّلاحِ ثم لم يَحٌجَّ الناس بعد هذه السنة أيضاً لكثرة الحروب والخوف من التَّتَر والفرنج، فإنا لله وإنا إليه راجعون (2).
4 - مقتل محمود بن علاء الدين خوارزم سنة 628هـ: كانت التَّتار قد قهروا أباه حتى شرَّدوه في البلاد، فمات ببعض جزائر البحر ثم ساقوا وراء جلال الدين هذا حتى مزّقوا عساكره شذر مذر وتفَّرقوا عنه أيْدِى سَبَا، وانفرد هو وحده فلقيه فلاح من قرية بأرض مَيَّا فارقين، فأنكره لِما عليه من الجواهر والذهب، وعلى فرسِه فقال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الخوارزمية، وكانوا قد قتلوا للفلاح أخاً، فأنزله وأظهر إكرامه، فلما نام قتله بفأس كانت عنده، وأخذ ما عليه، فبلغ الخبر إلى شهاب الدين غازي بن العادل، صاحب مَيَّافارقين فاستدعى بالفلاح، فأخذ ما كان عليه من الجواهر والحُلِيَّ وأخذ الفرس أيضاً، وكان الملك الأشرف يقول: هو سدُّ بيننا وبين التتَّار، كما أن السَّد بيننا وبين يأجوج ومأجوج (3).
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 183).
(2) المصدر نفسه (17/ 185).
(3) المصدر نفسه (17/ 185).
(1/473)

5 - آخر ملوك الموصل من البيت الأتابكي توفي سنة 630هـ:
توفي الملك ناصر الدين محمد بن عزَّ الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي آقسنقر صاحب الموصل، كان مولده في سنة ثلاثة عشرة وستَّمائة، وقد أقامه صدر الدين لؤلؤٌ صورة حتى تمكن أمُره وقويت شوكته ثم حجر عليه، فكان لا يَصِلُ إلى أحد من الجواري ولا شيءٍ من السَّراري، حتى لا يُعْقبَ وضيَّق عليه في الطعام والشراب فلمَّا توفيَّ جدُّه لأمه مَظفَّرٌ الدين كُوكُبُرى صاحب إرْبلَ، منعه حينئذ من الطعام والشراب ثلاثة عشر يوماً، حتى مات كَمداً وجُوعاً وعَطشاً، رحمه الله، وكان من أحسن الناس صورة وهو آخر ملوك الموصل من البيت الأتابكي (1)

6 - وفاة القاضي شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي 630:
أحد مشايخ الحنفية وله مصنفات في الفرائض وغيرها وهو ابنُ خالة القاضي شمس الدين بن الشَّيرازيَّ الشافعي، وكلاهما كان ينوب عن ابن الزَّكيَّ وابن الحرستاني، وكان يُدَرَّسُ بالطرخانية، وبها مسكنه، فلما أرسل إليه المُعظم أن يُفْتى بإحة لنبيذ التمر وماء الرّمان امتنع من ذلك، وقال: أنا على مذهب محمد بن الحسن في ذلك، والرواية عن أبي حنيفة شاذَّةٌ، ولا يصح حديث ابن مسعود في ذلك، ولا الأثر عن عمر أيضاً، فغضب عليه المعظم وعزله من التدريس، وولاه لتلميذه الزَّيْن بن العتَّال، وأقام الشيخ بمنزله حتى مات رحمه الله (2).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 203).
(2) المصدر نفسه (17/ 204).
(1/474)

7 - ابن عنُين الشاعر، أبو المحاسن محمد بن نصر توفي 630هـ:
أصله من الكوفة ووُلد في دمشق ونشأ بها، وسافر عنها سنين، فجاب الأقطار والبلاد شرقاً وغرباً، ودخل الجزيرة وبلاد الروم والعراق وخراسان وما وراء النهر والهند والحجاز ومصر وبغداد ومدح أكثر أهل هذه البلاد، وحصَّل أموالاً جزيلة وكان ظريفاً شاعراً مُطبَّقاً مشهوراً، حسن الأخلاق، جميل المعاشرة وقد رجع إلى بلده دمشق، فكان بها حتى مات في هذه السنة في قول ابن الساعي وقد نفاه الملك الناصر صلاح الدين إلى الهند، فامتدح ملوكَها، وحصَّل أموالاً جزيلة، وصار إلى اليمن، فيُقال، إنه وزر لبعض ملوكها ثم عاد في أيام العادل إلى دمشق، ولما مَلك المعظَّمُ استوزره، فأساء السيرة واستقال هو من تلقاء نفسه فعزله وكان قد كتب إلى الدَّماسقة من بلاد الهند:
فعلام أبعدتهم أخاثقةٍ ... لم يجترم ذنباً ولا سَرَقَا
انفوا المؤذَّن من بلادكم ... إن كان يُنفى كلُّ من صَدَقا

ومما هجا به الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله:
سلطاننا أعرجٌ وكاتبه ... ذو عَمَشٍ والوزيرُ منُحِدبُ
والدَّولعيُّ الخطيبُ معتكفٌ ... وهو على قِشرِ يبضة يَثِبُ
ولابن باقا وعظٌ يغُرُّ به ... الناسَ وعبُداللطيف محتسبِ
وصاحبُ الأمر خُلْقُه شَرِسٌ ... وعارض الجيش داؤه عَجَبُ

وقال في الملك العادل سيف الدين، رحمه الله تعالى:
إن سلطاننا الذي نرتجيه ... واسع المال ضيقُ الإنفاق
هو سيف كما يُقال ولكن ... قاطعٌ للرسوم والأرزاق

وقد حضر مّرة مجلس الفخر الرازي بخراسان وهو على المنبر يَعظُِ الناس، فجاءت حمامة خلفَها جارح، فألقت نفسها على الفخر الرازيَّ كالمُستجيرة به، فأنشأ ابن عُنَيْنٍ يقول:
جاءت سليمان الزمان حمامةٌ ... والموت يَلمَعٌ من جَنَاحَيْ خاطف
قرِمٌ لواه الجوع حتى ظلُّه ... بإزائة يَجرى بقلب واجف
من أعلم الورقاءَ أن مَحَلَّكم ... حرم وأنك ملجأٌ للخائف (1)
__________
(1) البداية والنهاية (13/ 208).
(1/475)

8 - إتمام بناء مدرسة المستنصرية 631هـ: وفيها أي سنة 631هـ كمَل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد ولم نُبن مدرسة قبلها مثلها ووُقفت على المذاهب الأربعة، من كلَّ طائفة اثنان وستون فقيهاً وأربعة معيدين، ومدرس لكلَّ مذهب وشيخ حديث، وقارئات، وعشرة مستمعين وشيخ طبَّ وعشَرةٌ من المسلمين يشَتغلون بعلم الطبَّ، ومكتب للأيتام وقرَّر للجميع من الخبز واللحم والحلْوى والنَّفقة ما فيه، كقاية وافرة لكلَّ واحد، ولما كان يوم الخميس خامس رجب حُضرت الدروس بها، وحضر الخليفة المستنصر بالله بنفسه الكريمة وأهل دولته، من الأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء والصوفية والشعراء ولم يتخلف أحدٌ من هؤلاء وعَملِ سماط عظيم بها، أكل منه الحاضرون وحُمل منه إلى سائر دروب بغداد من بُيوتات الخواصَّ والعوامَّ وخلع على جميع المدرَّسين بها والحاضرين فيها، وعلى جميع الدولة والفقهاء بها والمعيدين وكان يوماً مشهوداً، وأمراً محموداً وأنشدت الشعراء الخليفة المدائح الفائقة والقصائد الرائقة ..
(1/476)

وقُرَّر لتدريس الشافعية بها الشيخ الإمام العلاَّمة محي الدين أبو عبد الله بن محمد بن فضلان، وللحنفية الشيخ الإمام العلامَّة رشيد الدين أبو حفص عمر بن محمد الفرْغاني وللحنابلة الشيخ العلامة الرئيس محي الدين يوسف بن الشيخ أي الفرنج بن الجوزي، ودرّس عنه يومئذ ابنه عبد الرحمن نيابة لغيبته في بعض الرسالات إلى الملوك ودرَّس للمالكية يومئذ الشيخ الصالح العالم أبو الحسن المغربي المالكي نيابة أيضاً حتى يُعينَّ شيخ غيره ووقفت فيها خزانة كتب لم يسمع بمثلها في كثرتها وحسن نسُخها وجودة الكتب الموقوفة بها وكان المتولىَّ لعمارة هذه المدرسة مؤيَّدُ الدين أبو طالب محمد بن العلْقميَّ الذي وزَر بعد ذلك، وقد كان إذ ذاك أستاذ دار الخلافة وخُلع عليه يومئنذ وعلى الوزير نصير الدين خلعه، ثم عُزل مدرسُى الشافعية في رابع عشر ذي القعدة بقاضي القُضاة أبي المعالي عبد الرحمن بن مُقبل مضافاً إلى ما بيده من القضاء وذلك بعد وفاة محي الدين بن فضلان (1).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 214).
(1/477)

9 - وفاة الملك الكامل الأيوبي: 635هـ:
لما بلغ الملك الكامل موت أخيه المعظم جاء ونازل دمشق وأخذها من الناصر، وجعل فيها الأشرف، ولما مات الأشرف، بادر الكامل إلى دمشق وقد غلب عليها أخوه إسماعيل، فانتزعها منه، واستقر بالقلعة، فما بلغ ريقهُ حتى مات بعد شهرين تعلَّلَ بسعال وإسهال وكان به نقرس، فبهت الخلق لما سمعوا بموته وكان عدله مشوباً بعسف، شنق جماعة من الجند في بطيخة شعير (1)، ونازل دمشق فبعث صاحب حِمص لها نجدة خمسين نفساً فظفر بهم وشَنقهم بأسرهم قال الشريف العماد البصرويّ، حكي لي الخادم قال: طلب مني الكامل طستاً ليتقيأ فيه، فأحضرته وجاء الناصر داود فوقف على الباب ليعوده، فقلت: داود على الباب، فقال: ينتظر موتي:؟ وانزعج وخرجت فنزل داود إلى دار سامة، ثم دخلت إلى السُّلطان، فوجدته قد مات وهو مكبوب على المِخَدَّة (2)، وقال ابن واصل: حكى لي طبيبه قال: أخذه زكام فَدخل الحمَّام، وصَبَّ على رأسه ماء شديد الحرارة اتباعاً لما قال ابن زكريا الرازي: إن ذلك يحل الزُّكمة في الحال، وهذا ليس على إطلاقه، قال: فانصَبَ من دِماغه إلى فم المعِدة مادة فتورمت وعرضت الُحمىَّ وأراد القيء فنهاه الأطباء، وقالوا: إن تقيأ هلك فخالف وتقيَّأ ومات بدمشق في الحادي والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وست مئة ودفن في تابوت (3).

وقال ابن واصل: ولم أجد في شيء من التواريخ أن ثلاثة إخوة من الملوك اجتمع لهم من الشجاعة والنجابة والفضائل ما اجتمع أولاد الملك العادل الثلاثة وهم الملك الكامل، والملك المعظم والملك الأشرف، وكان الملك الكامل أحزمهم وأسوسهم، والملك المعظم أشجعهم وأعلمهم، والملك الأشرف أسمحهم وأنداهم كفا، رحمهم الله أجمعين.
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 130) بطيخة شعير: أي أكيال شعير.
(2) سير أعلام النبلاء (22/ 130).
(3) المصدر نفسه (22/ 131).
(1/478)

وكانت أولاد الملك الكامل الذكور ثلاثة: الملك المسعود صلاح الدين يوسف صاحب اليمن، وتوفي في حياة أبيه وقد ذكرنا أخباره، والملك العادل سيف الدين أبو بكر، وولي الملك بعده، والملك الصالح نجم الدين أيوب، وولي بعد الملك العادل على ما سنذكره بإذن الله وأكبرهم الملك المسعود وأصغرهم الملك العادل وكان له عدة بنات ودفن بالقلعة (1) في دمشق وكان ينشد في مرضه كثيراً.
يا خليليَّ خبَّراني بصدق ... كيف طعم الكَرى فإني عليل

وقال ابن الأهدل: وللكامل هفوة جرت منه - عفا الله عنه - وذلك أنه سلمَّ مرة بيت المقدس إلى الفرنج اختياراً نعوذ بالله من سخط الله وموالاة أعداء الله (2).

الفصل الثالث
عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب
المبحث الأول: اسمه ونسبه والخطوات التي اتخذها للوصول للسلطنة:
هو السلطان الكبير الملك الصالح نجم الدين أبو الفتوح أيوب ابن السلطان الملك الكامل ابن العادل، وأمه جارية سوداء أسمها ورد المُنى مولده سنة ثلاث وست مئة بالقاهرة وناب عن أبيه لما جاء لحصار الناصر داود، فلما رجع انتقده أبوه على أشياء، ومال عنه إلى ولده الآخر العادل، فلما استولى الكامل على آمد وحصن كيفا وسنجار سلطن نجم الدين، وجعله على هذه البلاد، فبقي بها إلى أن جاء وتملك دمشق (3).
__________
(1) مفرج الكروب (5/ 170، 171).
(2) شذرات الذهب (7/ 303 - 304).
(3) سير أعلام البنلاء (23/ 187، 188).
(1/479)

أولاً: ماذا حدث بعد وفاة الملك الكامل: بعد وفاة الملك الكامل في شهر رجب سنة 635هـ، تعاقب على زعامة الدولة الأيوبية ثلاثة اثنان منهما من أبنائه، أما الثالث فهو حفيدة، والسمة المشتركة بين عهود هؤلاء الثلاثة هي احتدام الصراع والوصول إلى أبعد مما وصل إليه في العهود السابقة وقد حدث بعد وفاة الملك الكامل أن اختلفت الآراء وتعددة الاتجاهات حول الشخص الذي كان سيخلفه في زعامة الدولة الأيوبية، فتحيز فريق إلى الناصر داود بن المعظم عيسى، وتحزب فريق آخر من الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود بن العادل بينما ذهب فريق ثالث إلى مناصرة أبي بكر الابن الأصغر للملك الكامل (1) وبعد سلسلة من الجدل والنقاش بين أصحاب هذه الاتجاهات انتصر الفريق الأخير وبالتالي بويع أبو بكر، الذي كان يعرف بالملك العادل الصغير، خلفاً لأبيه الراحل في الحكم المباشر لمصر، وفي زعامة البيت الأيوبي، وذلك في الثاني والعشرين من رجب سنة 635هـ (2)، كما اتفق أيضاً أن يكون الملك الجواد يونس نائباً عن ابن عمه العادل الصغير في حكم دمشق وعلى أن يكون الملك الصالح نجم الدين أيوب نائباً عن أخيه العادل الصغير في حكم الشرق وديار بكر (3)، ولم تنعم الدولة الأيوبية الهدوء في ظل هذا الاتفاق طويلاً، فقد سجل التاريخ في أحداث الفترة الأخيرة من سنة 635هـ خروج كل من الناصر والجواد على طاعة العادل الصغير، ووصل الناصر داود إلى غزة، وخطب بها لنفسه، وسرعان ما وقع الخلف بينه وبين الجواد، فأظهر الأخير أنه عاد إلى طاعة الملك العادل (4).
__________
(1) الجبهة الإسلامية د. حامد غنيم ص 377.
(2) المصدر نفسه ص 377.
(3) النجوم الزاهرة (6/ 303) الجبهة الإسلامية ص 377.
(4) السلوك (1/ 268) الجبهة الإسلامية ص 377.
(1/480)

أما الناصر فإنه استولى على غزة والسواحل، وبعث إلى الملك العادل يطلب منه المساعدة على أخذ دمشق، ولكنه عوجل من الجواد، والتقى الجيشان الأيوبيان بالقرب من نابلس، ومني الناصر بهزيمة مريرة في منتصف ذي الحجة، فعاد مثقلاً بالآمه في معقله، قلعة الكرك (1) وأما في الشرق حيث الملك الصالح نجم الدين أيوب فإنا نجد مسرحاً من مسارح الصراع، مع اختلاف في الوجوه والأغراض، ففي سنة 635هـ شق الخوارزمية عصى الطاعة على الملك الصالح، ولما رأى الأخير أن كفة المنشقين هي الراجحة هرب إلى سنجار، ونتيجة لذلك تطلع مناهضوه للاستيلاء على بلاده فمن ناحية تحكم الخوارزمية في البلاد الجزرية، ومن نايحة أخرى أخذ السلطان غياث الدين كيخسر - صاحب الروم - يتصرف في منطقة نفوذ الملك الصالح كما لو كانت قد أصبحت تحت نفوذه هو وبعث إلى الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف، صاحب حلب، توقيعاً بالرها وسروج ... وأقطع المنصور ناصر الدين الأرتقي، صاحب ماردين، مدينة سنجار ومدينة نصيبين، وأقطع المجاهد أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، بلده عانة وغيرها من بلاد الخابور وعزم السلطان غياث الدين كيخسروا أن يأخذ لنفسه من بلاد الصالح أيضاً آمد وسميساط (2)، ونلتفت إلى الملك الصالح نفسه وهو سنجار فنجد أن المتاعب لم تبتعد عنه، فقد حاصره بها بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ولما شعر الزعيم الأيوبي أنه لا طاقة له بلؤلؤ ومن معه أرسل إليه ملتمساً الصلح، وقد قابل لؤلؤ هذه المبادرة بالرفض، والإصرار على أن يحمل الملك الصالح في قفص إلى بغداد، وحينئذ لجأ الأخير إلى الاستعانة بأعدائه الخوارزمية، فبعث إليهم حيث كانوا بحران فأسرعوا لنجدته، وأرغموا حاكم الموصل على رفع الحصار والعودة إلى بلده (3).
__________
(1) الجبهة الإسلامية ص 377.
(2) السلوك (1/ 271) الجبهة الإسلامية ص 378.
(3) النجوم الزاهرة (5/ 271) الجبهة الإسلامية ص 378.
(1/481)

1 - تحرك الملك الصالح نجم الدين أيوب لضم دمشق:
إن تحرر الملك الصالح من حصار لؤلؤ لم يكن يعني أن الزعيم الأيوبي قد تخلص نهائياً من المتاعب، بل كان يعني أنه تحرر من سنجار لكي يخوض غمار صراع جديد، صراع على ما كان يعتقده حقَّا له ألا وهو خلافة أبيه، وفي سبيل هذه الغاية زحف صوب دمشق، وهناك أخذت الأحداث تتحرك لصالحه (1).

وكان أول هذه الأحداث هو استسلام الملك الجواد وتتحدث المصادر التاريخية عن الملك الجواد أنه لم تكن له رغبة في الملك وأنه كاتب الملك الصالح، عارضاً عليه تسليم دمشق في مقابل عدة مناطق ثانوية (2)، وهذا ما حدث بالفعل، فقد اتفق الاثنان على مقايضة دمشق بحصن كيفا وسنجار وعانة وفي ضوء هذا الاتفاق دخل الملك الصالح مدينة دمشق في مستهل جمادى الأولى سنة 636هـ، حينئذ شعر الملك الجواد بالندم وإرتفعت حرارة العداء بين الرجلين، غير أنها لم تصل إلى درجة الإنفجار، وذلك للمحاولات التي بذلها البعض، وفي النهاية قبل الملك الجواد مرغماً ما سبق الاتفاق عليه (3) ومن دمشق سار الملك الصالح على رأس قواته صوب مصر، وفي الطريق دخل في صراع مع الملك الناصر داود، وقد اسفر هذا الصراع عن استيلاء الملك الصالح على منطقة نفوذ الملك الناصر (4)، ونتيجة لذلك توجه الأخير إلى مصر، وأعلن انضمامه إلى جانب العادل (5).
__________
(1) الجبهة الإسلامية في مواجهة المخططات ص 378.
(2) تاريخ ابن خلدون (5/ 271) الجبهة الإسلامية ص 378.
(3) النجوم الزاهرة (6/ 305، 306).
(4) كانت منطقة نفوذه تشمل الكرك والصلت والبلقان والأغوار.
(5) النجوم الزاهرة (6/ 306) الجبهة الإسلامية ص 379.
(1/482)

2 - الملك الصالح إسماعيل بن العادل: وعند هذا الحد يقفز إلى ساحة الصراع داخل البيت الأيوبي وجه جديد، ذلك هو الصالح إسماعيل بن العادل، صاحب بعلبك، فإنه لم يستجب لما طلبه منه ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب من الانضمام إليه، بل أنه على العكس زحف على مدينة دمشق، واستولى عليها هو وأسد الدين شيركوه، صاحب حمص، وذلك في الأيام الأخيرة من صفر سنة 637هـ ولم يقف عند هذا الحد، بل إن الصالح إسماعيل وأسد الدين شيركوه اتفقا على أن تكون البلاد بينهما مناصفة (1) وفي الوقت الذي كان تجري فيه هذه الأحداث، كان الملك الصالح مقيماً بنابلس، فلما سقطت دمشق في قبضة الصالح إسماعيل وأسد الدين شيركوه أخذ يتحرك، واستقر الرأي بينه وبين عميه مجير الدين وتقي الدين على مهاجمة دمشق، ولكن حدث حينما شارفوا المدينة أن تخلى العمان بأتباعهما عن الملك الصالح فعاد إلى نابلس من جديد (2)، وازداد الموقف تفاقماً بالنسبة للملك الصالح فقد حدث في تلك الأثناء أن هجر الملك الناصر داود مصر مغاضباً للعادل (3).
__________
(1) السلوك (1/ 28) (6/ 306).
(2) الجبهة الإٍسلامية ص 2798.
(3) المصدر نفسه ص 279.
(1/483)

3 - اعتقال الملك الصالح نجم الدين أيوب بالكرك:
وتغيرت الأمور على الملك الصالح نجم الدين أيوب وتفرّق عنه أصحابه والأمراء خوفاً على أهاليهم من الصالح إسماعيل، وبقي الصالح أيوب وحده في مماليكه وجاريته أم خليل، وطمع فيه الفلاّحون والغوارنة، وأرسل الناصر داود صاحب الكَرَكِ إليه من أخذه من نابُلُس مهاناً على بغلة بلا مهماز ولا مقرعة (1)،
__________
(1) المهماز - حديدة تكون في مؤخر خُفَّ الرائض، والمقرعة: إلجام الدابة ..
(1/484)

فاعتقله عنده سبعة أشهر، وأرسل العادل من مصر إلى الناصر يطلب منه أخاه الصالح أيوب، ويُعطيه مائة ألف دينار، فما أجابه إلى ذلك، بل عكس ما طلب منه بإخراج الصالح من سجنه والإفراج عنه وإطلاقه مع الجيش يركب وينزل فعند ذلك حاربت الملوك من دمشق ومصر وغيرهما الناصر داود، وبرز العادل من الديار المصرية بُلبُيس قاصداً قتال الناصر داود، فاضطرب الجيش عليه، واختلف الأمراء، وقيَّدوا العادل واعتقلوه في خَرْكاه وأرسلوا إلى الصالح أيوب يستدعونه إليهم فامتنع الناصر داود من إرساله حتى اشترط عليه أن يأخذ له دمشق وحمص وحلب وبلاد الجزيرة وديار بكر ونصف مملكة مصر ونصف ما في الخزائن من الحواصل والأموال والجواهر قال الصالح أيوب،: فأجبتُ إلى ذلك مُكرها؟ ولا يقدر على جميع ما اشترط عليَّ ملوك الأرض وسرنا فأخذته معي خوفاً أن يكون هذا الكتاب من المصريين مكيدة، ولم يكن لي به حاجة وذكر أنه كان يسكر ويخبط الأمور ويخالف الآراء السَّديدة، فلما وصل الصالح إلى المصريين ملكَّوه عليهم، ودخل الديار المصرية سالماً مؤيداً منصوراً مظفَّرا، محبوراً، مسروراً، فأرسل إلى الناصر داود عشرين ألف دينار، فردّها عليه ولم يقبلها منه، واستقر ملكه بمصر، وأما الجواد فإنه أساء السَّيرة في سنجار، وصادر أهلها وعسفهم وكاتبوا بدر الدين لؤلؤاً صاحب الموصل فقصدهم - وقد خرج الجوادُ للصيد - فأخذ البلد بغير شيء وصار الجواد إلى عانه، ثم باعها للخليفة بعد ذلك (1)
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 248) ..
(1/485)

وكان الجواد هذا ظالماً جائراً عسوفاً سلط خادماً لزوجته يقال: الناصح، فصادر الدماشقة، وأخذ منهم نحواً من ستمائة ألف دينار، وقلق من مُلك دمشق وقال أيش أعمل بالملك؟ بازٌ وكلب أحبُّ إلىَّ من هذا، ثم خرج إلى الصيد، وكاتب الصالح نجم الدين أيوب فتقايضا من حصن كيفا وسنجار وما يتبع ذلك إلى دمشق، فملك الصالح أيوب دمشق - كما مرّ معنا - وخرج الجواد منها والناس يلعنونه في وجهه، بسبب ما أسداه إليهم من المصادرات، وأرسل إليه الصالح أيوب ليَُردَّ إلى الناس أموالهم فلم يلتفت إليه، وسار وبقيت في ذمته، ولما استقرَّ الصالح في ملك مصر، كما سيأتي، حبس الناصح الخادم فمات في أسوأ حالة من القلة والقملِ جزاءً وفاقاً "وما ربك بظلام للعبيد" (1) (فصلت:46).

4 - وفاة صاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شيركوه 637هـ:
ابن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادي، ولاّه إياها الملك الناصر صلاح الدين بعد موت أبيه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، فمكث فيها سبعاً وأربعين سنة وكان من أحسن الملوك سيرة طهّر بلاده من الخمور والمكوس والمنكرات، وهي في غاية الأمن والعدل، لا يتجاسر أحدٌ من الفرنج ولا العرب يدخل بلاده إلا أهانه غاية الإهانة، وكانت ملوك بني أيوب يتَّقونه، لأنه كان يرى أنه أحق بالأمر منهم، لأن جِدهّ هو الذي فتح مصر، وأول من ملك منهم وكانت وفاته رحمه الله لحمص وعُمل عزاؤه في بجامع دمشق، عفا الله عنه بمنه (2).
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 243).
(2) المصدر نفسه (17/ 249).
(1/486)

5 - الفتح الناصري الداودي للقدس سنة 637هـ:
بعد اعتقال الملك الناصر داود صاحب الكرك للملك الصالح أيوب بالكرك، قصد الملك الناصر داود القدس وكان الإفرنج قد عمروا قلعتها بعد موت الملك الكامل 635هـ أي نقضوا شروط العهد والهدنة بينهم وبين المسلمين التي وقعها معهم الملك الكامل سنة 626هـ فحاصرها وفتحها، وخرَّب القلعة، وبرج محراب داود أيضاً، فإنه لما فتحت القدس سنة 583هـ في الفتح الصلاحي، لم يخرب برج محراب داود، فخربه في هذه المرة وذلك في سنة 637هـ، بعد أن بقي في أيدي الأفرنج نحو إحدى عشرة (11سنة) من حين تسليم الكامل له في سنة 626هـ، فأنشد في ذلك الفتح في مدح الملك الناصر داود، ومقارنة للقدس سنة 637هـ بفتح صلاح الدين الأيوبي للقدس سنة 583هـ؛ أنشد الشاعر الوزير الأيوبي جمال الدين بن مطروح قصيدة جاء فيها:
المسجد الأقصى له آية ... سارت فصارت مثلاً سائراً
إذا غدا للكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصراً
فناصرُ ظهوره أولاً ... وناصر ظهوره آخراً (1)

6 - هجرة الشيخ العز بن عبد السلام إلى مصر:
سلمّ الصالح إسماعيل صاحب دمشق حصن شقيق أرنون لصاحب صيداً الفرنجي، فاشتد الإنكار عليه بسبب ذلك من الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب البلد، والشيخ أبي عمرو بن الحاجب شيخ المالكية، فاعتقلهما مدة، ثم أطلقهما وألزمهما منازلهما، وولىَّ الخطابة وتدريس الغزَّالية لعماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسيَّ خطيب بيت الآبار ثم خرج الشيخان من دمشق، فقصد أبو عمر والناصر داود بالكرك ودخل الشيخ عز الدين الديار المصرية فتلقَّاه صاحبها الصالح أيوب بالاحترام والإكرام، وولاّه خطابة القاهرة وقضاء مصَر، واشتغل عليه أهلها، فكان ممّن أخذ عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، رحمهما الله تعالى (2) وسيأتي الحديث عن عز الدين بن عبد السلام بإذن الله مفصلاً.
__________
(1) تاريخ مصر الإسلامية زمن سلاطين بني أيوب ص 325.
(2) البداية والنهاية (17/ 521).
(1/487)

7 - وفاة محي الدين ابن عربي صاحب النصوص وغيرها 638هـ:
قال عنه الذهبي: العلامة صاحب التواليف الكثيرة محي الدين أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائيُّ الحاتمي المرسيُّ ابن العربيَّ، نزيل دمشق وكان ذكياً كثير العلم، كتب الإنشاء لبعض الأمراء بالمغرب، ثم تزهّد وتفرَّد، وتعبَّد وتوحَّدَ، وسافر وتجرَّد، وأتهم وأنجد، وعمل الخلوات وعلقَّ شيئاً كثيراً في تصوف أهل الوحدة، ومن أردا تواليفه كتاب "الفصوص" فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كُفر، نسأل الله العفو والنجاة فواغوشاه بالله، وقد عظمه جماعة وتكلَّفوُا لِمَا صدر منه ببعيد الاحتمالات، وقد حكى العلامة ابن دقيق العيد شيخنا أنه سمع الشيخ عز الدين ابن عبد السلام يقول عن ابن العربيَّ: شيخ سوءٍ كذابٌ، يقول بِقِدَم العالم ولا يُحرَّمُ فرجاً (1). قال الذهبي: إن كان محي الدين رجع عن مقالاته تلك قبل الموت فقد فاز، وما ذلك على الله بعزيز، توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستَّة مئة وقد أوردت عنه في "التاريخ الكبير" وله شعر رائق، وعلم واسع، وذهن وقّاد، ولا ريِب أن كثيراً من عباراته له تأويل إلا كتاب "الفصوص" (2) وقال ابن كثير: طاف البلاد وأقام بمكة مدة، وصنَّف فيها كتابه المسمىَّ بالفتوحات، المكية في نحو عشرين مجلداً، فيه ما يُعْقَلُ ومالا يُعْقَلُ، وما ينُكرُ ومالا يُنكرُ، وما يعرف ومالا يعرف (3).
__________
(1) سير أعلام البنلاء (23/ 49).
(2) المصدر نفسه (23/ 49).
(3) البداية والنهاية (17/ 253).
(1/488)

ثانياً: الأيوبيون بالشام يستعينون بالصليبيين: ما كاد الصالح أيوب يتولى ملك مصر حتى أبدى أمراء الأيوبية في الشام استياءهم ورفضوا الخضوع لسلطانه، وكان أشدهم تصلباً عمه إسماعيل صاحب دمشق، الذي اتفق مع الملك المنصور صاحب حمص أن يكونوا حلفاً ضد نجم الدين، ومدوا يدهم إلى الصليبيين وطلبوا مخالفتهم ضد سلطان مصر والناصر داود في الأردن، وفي مقابل ذلك تعهدوا بإعطاء الصليبيين مدينة القدس وإعادة مملكة الصليبيين على ما كانت عليه قديماً بما فيها الأردن ولكي يبرهن صاحب دمشق على صدق نيته تجاه الصليبيين بادر فوراً بتسليم القدس وطبرية وعسقلان، فضلاً عن قلعة الشقيف وأرنون وأعمالها، وقلعة صفد وبلادها ومناصفة صيداً وطبريكة وأعمالهم وجبل عاملة وسائر بلاد الساحل (1).
__________
(1) السلوك (1/ 303) النجوم الزاهرة (6/ 322) الدولة الأيوبية دعكور ص 233.
(1/489)

وأمام هذا السخاء العجيب ثار الرأي العام الإسلامي في مصر والشام على الصالح إسماعيل، حتى إن حاميات بعض القلاع رفضت إطاعة الأوامر الصادرة إليها من الصالح إسماعيل، فسار هو بنفسه ليؤدب تلك الحاميات ويسلم الحصون للصليبيين في تلك الأثناء أسرع الصليبيون إلى تسلم بيت المقدس، وأعادوا تعمير قلعتي طبرية، وعسقلان، ثم رابطو بعد ذلك بين يافا وعسقلان استعداداً للخطوة التالية. وهنا وعدهم الصالح إسماعيل بأنه إذا ملك مصر أعطاهم جزءاً منها، فسال لعابهم لذلك واتجهوا صوب غزة عازمين على غزو مصر (1) وسار الصالح إسماعيل صاحب دمشق والملك المنصور إبراهيم الأيوبي صاحب حمص على رأس جيوشهما في مهمة غزو مصر (2). ولكن قادة القوات الشامية رفضوا طعن إخوانهم المصريين، فما كادوا يلتقون بجيش الملك الصالح أيوب قرب غزة حتى تخلوا عن الصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم وساقت عساكر الشام إلى عساكر مصر طائعة ومالوا جميعاً على الفرنج فهزموهم، وأسروا منهم خلقاً لا يحصون (3)، بحيث أطلق على هذه المعركة اسم حطين الصغرى وقد استولى جيش الملك الصالح أيوب على أثرها على مدينة غزة في حين انسحب فلولا الإفرنج إلى عسقلان حيث عقدت صلحاً مع الملك الصالح أيوب الذي قبل ذلك بهدف القضاء على التحالف بين الصالح إسماعيل والصليبيين، وكان من شروط الصلح إطلاق الصالح أيوب سراح الأسرى الذين يسقطوا في يده مقابل التزام الصليبيين الجياد، غير أن الراوية والنبلاء الصليبيين ظلوا على عهدهم في المحافظة على المعاهدة مع دمشق ومقاومة الغزو المصري (4)
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 322) الدولة الأيوبية د. دعكور ص 233.
(2) النجوم الزاهرة (6/ 323) الدولة الأيوبية ص 233.
(3) السلوك (1/ 305) الدولة الأيوبية ص 233.
(4) الدولة الأيوبية ص 234 ..
(1/490)

والواقع أن انحياز طائفة من عساكر دمشق إلى المعسكر المصري في معركة غزة وازدياد كراهية أهل دمشق للصالح إسماعيل، دفعت سلطان دمشق إلى إعلان الخطبة باسم سلطان سلاجقة الروم، مما أدى ذلك إلى تفاقم النقمة عليه، ولم ير الصالح إسماعيل بداً من مصالحة ملك مصر فذكر اسمه في الخطبة في سنة 1243م، ثم لم يلبث أن تم الاتفاق بين الصالح إسماعيل والصالح أيوب على حساب الناصر داود، فانتزعا منه إمارة الكرك (1) ومن شروط الاتفاق أيضاً أن يصبح الصالح إسماعيل سلطاناً على دمشق والكرك، على أن يذكر اسم الصالح أيوب في خطبة الجمعة وينقش اسمه على النقود غير أن الاتفاق فشل في اللحظة الأخيرة (2).
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) الدولة الأموية دعكور ص 234.
(1/491)

ثالثاً: الخوارزمية واستردد بيت المقدس: بعد فشل عملية الصلح بين الصالح أيوب وعمه الصالح إسماعيل عمد الصالح أيوب إلى استدعاء الخوارزمية وتحريضهم على مهاجمة دمشق فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن استعان بالناصر داود مرة أخرى واتفق الملكان على الاستنجاد بالصليبيين مقابل تعهدهم، بأن تكون سيطرة الصليبيين على بيت المقدس تامة مطلقة، بمعنى أن يستولى الصليبيون على الحرم الشريف بما في فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة (1) وهي الأماكن التي ظلت في حوزة المسلمين وتحت إشرافهم منذ استيلاء الصليبيين على بيت المقدس بمقتضى اتفاقية يافا سنة 627هـ/1229م (2) لقد أدى النزاع في البيت الأيوبي إلى التفريط ببيت المقدس قال ابن واصل: في إحداث سنة 641هـ: .. ودخل الفرنج القدس وتسلموا الصخرة المقدسة والأقصى وما في الحرم الشريف من المزارات، وضمنوا للفرنج - على ما اشتهر - أنهم إذا ملكوا الديار المصرية أن يكون لهم بها نصيب، وجمع الفرنج الفارس والراجل وحشدوا ... وسافرت في أواخر هذه السنة إلى الديار المصرية، ودخلت البيت المقدس، ورأيت الرهبان والقسوس على الصخرة المقدسة وعليها قناني الخمر برسم القربان ودخلت الجامع الأقصى، وفيه جرس معلق، وأُبطل بالحرم الشريف الأذان والإقامة وأعلن فيه بالكفر (3)، وكان الناصر داود فتح بيت المقدس في سنة 637هـ ثم فعل هذه الفعلة القبيحة، وقد انتقم الله منه فيما بعد (4)
__________
(1) خطط الشام (2/ 103) الحركة الصليبية (2/ 1042).
(2) الدولة الأموية دعكور ص 235.
(3) مفرج الكروب (5/ 333).
(4) الأنس الجليل (2/ 6) لمجير الدين العليمي الحنبلي ..
(1/492)

وكان الصليبيون آثروا محالفة الصالح إسماعيل والناصر داود، لأن توطيد أواصر الصداقة مع ملكي دمشق والأردن كان أجدى عليهما من مخالفة ملك مصر، لاسيما وأن غزو مصر بالتعاون مع هذين الملكين يجدد أمامهم الأمل في احتلالها والاستيلاء على كنوزها وخيراتها، مما دفع الملك الصالح أيوب إلى الاستعانة بالخوارزمية ودعوتهم لمساندته في صد الهجوم الثلاثي الموجه على مصر، فعبروا نهر الفرات في عشرة آلاف مقاتل، وأمعنوا في سيرهم حتى بلغوا دمشق، وهم ينهبون ويقتلون ويسبون (1)، وارتكبوا من الفواحش ما ارتكبه التتار (2) فساد الذعر واشتد الخوف في جميع البلاد والأراضي التي اجتازوها، وصار الناس يهربون من وجوههم، ثم سار الخوارزمية إلى طبرية فاستولوا عليها، ومنها توجهوا إلى نابلس وبيت المقدس وأحس الصليبيون بما يحيق بهم من الخطر فسارع بطريرك المدينة ومن معه من مقدمي الراوية والاسبتارية إلى تعزيز الحاميات التي تحصنت وراء الاستحكامات التي شيدها من جديد الراوية، غير أن جميع الجهود ذهبت سدى وفي الثاني من صفر سنة 642هـ/الحادى عشر من تموز 1244م اقتحم الخوارزمية المدينة وجرى القتال في الشوارع واستنجد الصليبيون بأمير أنطاكية وطرابلس، وبملك قبرص، وبإخوانهم في عكا، وبحلفائهم المسلمين في دمشق والأردن، فلم ينجدهم أحد، وكل ما قام به الناصر داود أنه توسط في خروج من يرغب منهم في مغادرة المدينة إلى الساحل غير أنه لم يصل منهم إلى يافا سوى ثلاثمائة (3)، لقد كان مسلك الخوارزمية في القدس وفي مطاردة الصليبيين الذين غادروها إلى يافا يتناقض مع مسلك صلاح الدين صاحب الشمائل الكبيرة والمرؤة الكريمة، والتسامح الجميل (4)
__________
(1) السلوك (1/ 316) الأيوبيون د. دعكور ص 235.
(2) خطط الشام (2/ 102).
(3) النجوم الزاهرة (6/ 323) الأيوبيون ص 236.
(4) الأيوبيون دعكور ص 236 ..
(1/493)

يوصف هذا الفتح بالفتح الصلاحي النجمي، نسبة إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، إذ تم الفتح في عهده (1).

رابعاً: الصالح أيوب وتوحيد الدولة الأيوبية: بعد أن استولى الخوارزمية على بيت المقدس ساروا إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب يخبرونه بقدومهم فأمرهم بالإقامة في غزة، وفي الوقت ذاته سير نجم الدين أيوب عسكراً من مصر بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس، فسار إلى غزة وانضم الخوارزمية وفي الثاني عشر من جمادي الأولى سنة 642هـ/السابع عشر من تشرين الأول سنة 1244م حدث اللقاء عند غزة بين الجيش المصري ومعه الخوارزمية من ناحية والصليبيون وجيوش حمص ودمشق من ناحية أخرى وتمكن الجيش المصري والخوارزمي بإلحاق هزيمة ساحقة بالتحالف الشامي الصليبي (2)،
__________
(1) بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية ص 221.
(2) الدولة الأيوبية د. دعكور ص 236 ..
(1/494)

قال ابن كثير عن هذه الوقعة في أحداث سنة 642هـ كانت فيها وقعة عظيمة بين الخوارزمية الذين كان الصالح أيوب صاحب مصر قد استقدمهم ليستنجِد بهم على الصالح إسماعيل أبي الحسن صاحب دمشق، فنزلوا على غَزَّة، وأرسل إليهم الصالح أيوب الأموال والخِلعَ والخيل والأقمشة والعساكر، فاتفق الصالح إسماعيل والناصر داود صاحب الكرك والمنصور صاحب حمص مع الفرنج واقتتلوا مع الخوارزمية قتالاً شديداً فهزمتهم الخوارزمية كسرة منكرة فظيعة، هزمت الفرنج بصلبانها وراياتها العالية على رؤوس أطلاب المسلمين، وكانت كئوس الخمر دائرة بين الجيوش، فنابت كئوس المنون على تلك الخمور، فقتل من الفرنج في يوم واحد زيادة عن ثلاثين ألفاً، وأسروا جماعة من ملوكهم وقسوسهم وأساقفتهم، وخلقاً من أمراءِ المسلمين، وبعثوا بالأسارى إلى الصالح أيوب بمصر، وكان يؤمئذ يوماً مشهوداً وأمراً محموداً، وقد قال بعض أمراء المسلمين؛ قد علمت أنّا لمّا وقفنا تحت صلبان الفرنج أنا لا نُفلِحُ وغنمت الخوارزمية من الفرنج وممّن كان معهم شيئاً كثيراً، وأرسل الصالح أيوب إلى دمشق ليُحاصرها، فحصّنها الصالح إسماعيل، وخَّرب من حولها رِباعاً كثيرة، وكسر جسر باب تُوما، فكسر النهر، فتراجع الماء حتى صار بُحيرة من باب تُوماء وباب السَّلامةَ، فغرق جميع ما كان بينهما من العمُران وافتقر كثير من الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون (1)
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 274) ..
(1/495)

بعد معركة غزة سارع القائد المصري بيبرس إلى الإسيتلاء على غزة والساحل، والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار ثم حاصر دمشق وفيها صاحبها الصالح إسماعيل وإبراهيم بن شيركوه صاحب حمص، ولما ضاق صاحب دمشق بالحصار ذرعاً سير وزيره أمين الدولة إلى العراق متشفعاً بالخليفة العباسي ليصلح بينه وبين ابن أخيه الصالح أيوب، فلم يجبه الخليفة إلى ذلك، وبعد حصار دام ستة أشهر استسلمت دمشق في الثامن من جمادى الأولى سنة 643هـ/الأول من تشرين الأول سنة 1245ن وعوض الصالح إسماعيل عنها ببعلبك وبصرى وأعمالها (1) وأما الخوارزمية، فقد انقلبوا على الصالح نجم الدين أيوب لأنهم لم يحصلوا على ما كانوا يطمحون إليه، فهم ظنوا أنهم بعد أن ساعدوه في التغلب على خصومه وفي تملك بلاد الشام سوف يقاسمهم الغنائم ويشاطرهم الملك، لكن ظنهم خاب عندما منعهم دخول دمشق وأقطعهم بلاد الساحل، فتغيرت نياتهم واتفقوا على الخروج عن طاعة السلطان (2)، وأعلنوا الثورة وسارع الناصر داود صاحب الكرك، والملك الصالح إسماعيل بالإنضام إليهم، وزحفوا جميعاً على دمشق وحاصروها وقطعوا عنها الإمدادات، فاشتد الغلاء بها، ومات كثير من الناس جوعاً، وأكل الناس القطط والكلاب والميتات، واستمر هذا البلاء ثلاثة أشهر، وهنا أظهر الصالح أيوب صبراً ومهارة فلجأ إلى أعمال الحيلة والتدبير، فأغرى الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص على الانضمام إليه فضلاً عن استمالة الحلبيين، كما تحايل على بعض الأمراء وفك التحالف وبفضل - الله - ثم هذه الإجراءات تمكن الصالح أيوب من إنزال الهزيمة بالخوارزمية بالقرب من حمص في أول المحرم سنة 644هـ (3)
__________
(1) السلوك (1/ 317 - 318) الدولة الأيوبية د. دعكور ص 237.
(2) السلوك (1/ 322) الدولة الأيوبية دعكور ص 237.
(3) السلوك (1/ 324) الدولة الأيوبية دعكور ص 238 ..
(1/496)

/1246م ولقي زعيمهم مصرعه، فتبدد شملهم، ولم تقم لهم بعد ذلك (1) قائمة وبعد القضاء على الخوارزمية قام الصالح أيوب برحلة إلى الشام ليقف على ما ناله من نصر، وليعزز مركزه، فتوجه إلى دمشق حيث لقي بها استقبالاً حافلاً في سنة 645هـ/26 آذار سنة 1347م، ثم سار إلى بعلبك وبصرى وبيت المقدس، ثم عمر ما تخرب من المباني، وأقام عمائر جديدة في البلاد التي خضعت له، وتشهد النقوش على ما قام به من مبان وإنشاءات في دمشق والشوبك وصرخد وبصرى وبيت المقدس (2).
__________
(1) خطط الشام محمد كرد علي (2/ 104) الدولة الأيوبية ص 238.
(2) الدولة الأيوبية ص 238.
(1/497)

1 - الشيخ تقي الدين بن الصلاح: توفي 643هـ: هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوريُّ الموصليُّ الشافعي، صاحب علوم الحديث مولده في سنة سبع وسبعين وخمس مئة (1) ... ودرّس بالمدرسة الصَّلاحية ببيت المقدس مُديدةً، فلما أمر المعظم بهدم سور المدينة نزح إلى دمشق فدّرس بالرواحية مدة عندما أنشأها الواقف، فلما أنشئت الدار الأشرفية صار شيخها، ثم ولي تدريس الشاميّة الصَّغرى وأشغَّل وأفتى وجمع وألف، وتخّرج به الأصحاب، وكان من كبار الأئمةِ وكان تقي الدين أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وله مشاركة في عدة فنون، وكانت فتاويه مُسددّه، وهو أحد شيوخي (2) الذين انتفعت بهم، أقمت عنده للاشتغال ولازمته سنة (3) وقال الذهبي: كان ذا جلالة عجيبة، ووقارٍ وهيبة وفصاحةن وعلم نافع، وكان متين الديانة، سلفيَّ الجُملة، صحيح النَّحله، كافاً عن الخوض في مزلاّت الأقدام، مؤمناً بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزَّة وافر الحرمة، معظَّما عند السلطان (4) ...
__________
(1) سير أعلام النبلاء (23/ 140).
(2) وفيات الأعيان (3/ 243 - 244).
(3) سير أعلام النبلاء (23/ 142).
(4) المصدر نفسه (23/ 142).
(1/498)

وكان مع تبّحرِه في الفقه مجوَّداً لما ينقله، قويَّ المادة من اللغة والعربية، متفنّنا في الحديث متصوناً مُكباَّ على العلم، عديم النُظير في زمانه وله مسألة ليست من قواعده شّذ فيها وهي صلاة الرغائب قّواها ونصرها مع أن حديثها باطلُ بلا ترددٍ ولكنَّ له إصابات وفضائل ومن فتاويه أنه سُئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة فأجاب: الفلسفة أُسُّ السَّفَهِ والانحلال ومادة الحيرة، والضَّلال، ومثارُ الزيغ والزَّندقة ومن تفلسف، عَميِتْ بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيّدة بالبراهين، ومن تلبسَّ بها قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان، وأظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: واستعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من المنكرات المستبشعة، والرقاءات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية - ولله الحمد - افتقار إلى المنطق أصلا، وهو قعاقع قد أغنى الله كُلَّ صحيح الذهن، فالواجب على السلطان أعزّه الله أن يدفع عن المسلمين شَّر هؤلاء المشائيم ويخرجهم من المدارس ويبعدهم (1) وتوفَّي الشيخ تقيّ الدين - رحمه الله - في سنة الخُوارزميّة في سحر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستَة مئة، وحمل على الرؤوس، وأزدحم الخلق على سريره، وكان على جنازته هيبة وخُشوع، فصُليّ عليه بجامع دمشق، وشيعَّوه إلى داخل باب الفَرجَ فصلوُّا عليه بداخله ثاني مرة؛ ورجع الناس لمكان حصار دمشق بالخوارزمية وبعسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب لعمَّه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فخرج بنعشه، نحو العشرة مشمّرين، ودفنوه بمقابر (2) الصوفية وقال السبط: أنشدني الشيخ تقيُّ الدين بن الصلاح من لقطه.
احذر من الواوات ... أربعة فهنَّ من الحتوف
واوَ الوصية والوديعة ... والوكالة والوُقوف (3)
__________
(1) المصدر نفسه (23/ 143).
(2) المصدر نفسه (23/ 143).
(3) البداية والنهاية (17/ 282).
(1/499)

وحكى ابن خلّكان عنه أنه قال: أُلهمت في المنام هؤلاء الكلمات أدفع المسألة ما وجدت التَّجُمل يمكنك، فإن لكل يوم رزقاً جديداً والإلحاحُ في الطلب يُذهب البهاءَ، وما أقرب الصَّنيع من الملهوف وربما كان الغِيرَُ نوعاً من آداب الله تعالى، والحظوظ مراتبُ فلا تعجل على ثمرة قبل أن تُدركِ فإنك ستنالُها في أوانها، ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعاً ويغشاك القُنوطُ (1).

2 - وفاة شيخ القرّاء بدمشق عام 643هـ: الشيخ الإمام العلامة شيخ القراء والأدباء علمُ الدين أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبد الصمد عطّاس السخاوي الشافعي نزيل دمشق (2) وكان إماماً في العربية بصيراً باللغة فقيها مفتيا، عالماً بالقراءات وعِللها، مجّوداً لها، بارعاً في التفسير، صنَّف وأقرأ وأفاد، وروي الكثير وبعد صيته، وتكاثر عليه القرّاء (3)، وكان مع سعة علومه وفضائله ديناً، حسن الأخلاق، محبباً إلى الناس، وافر الحرمة، مُطرَّحاً للتكلفُّ، ليس له شغل إلا العلم ونشره (4).
قال عنه ابن كثير: ختم عليه ألوف من الناس وكان قد قرأ على الشاطبي وشرح قصيدته وله شرح المفُصّل وله تفسيرٌ وتصانيفُ كثيرة ومدائحٌ في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له حلقة بجامع دمشق، وولى مشيخة الإقراءِ بتربه أمَّ الصالح وبها كان مسكنه، وبه توفي ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة ودفن بقاسيون (5).
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 283).
(2) سير أعلام النبلاء (23/ 123).
(3) المصدر نفسه (23/ 123).
(4) المصدر نفسه (23/ 123).
(5) البداية والنهاية (17/ 285).
(1/500)

3 - جمال الدين أبو الحسن المخرمي توفي سنة 646هـ: كان شاباً فاضلاً أديباً، ماهر صنَّف كتاباً مختصراً وجيزاً جامعاً لفنون كثيرة في الرياضية والعقل وذمَّ الهوى وسمَّاه نتائج الأفكار، قال فيه من الكلم المستفادة الحكيمة: السلطان إمام متبوع، ودين مشروع، فإن ظلم جارت الحكام لظلمه، وإن عدل لم يَجُرْ أحد في حكمه، من مكَّنه الله في أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده وبسط يده وسلطانه، ورفع محلهَّ ومكانه، فحقيق عليه أن يؤدَّىَ الأمانة، ويُخْلِصَ الديانة ويُحمَّلَ السَّريرة، ويُحْسِنَ السَّيرة، ويجعل العدل دأبه المعهود والأمن بحر عرضه المقصود فالظلم يُزِلُّ القَدَم ويُزيلُ النَّعم، ويَجْلُبُ النَّقم ويُهلكُ الأمم وقال أيضاً: معارضة الطبيب توجب التَّعذيب، رُبَّ حيلة أنفع من قبيلة، الموت في طلب الثأر خير من الحياة في العار، سَمينُ الغضب مهزول، ووالي الغدر معزول، قلوب الحُكماءِ تستشِفُّ الأسرار من لمحات الأبصار، أرضَ من أخيك في ولايته ما كَنت تعهده من مودته، التواضع من مصائد الشرف، ما أحسن حسن الظن لولا أن فيه العجز، ما أقبح سوء الظن لولا أن فيه الحزم (1) وذكر في غبُون كلامه أن خادماً لعبد الله بن عمر أذنب، فأراد ابن عمر أن يعاقبه على ذنبه فقال: يا سيدي، أما لك ذنبٌ تخاف الله تعالى منه؟ قال بلى. قال: فبالذي أمهلك لّما أمهلتني، ثم أذنب العبد ثانياً، فأراد عقوبته فقال له مثل ذلك، فعفا عنه، ثم أذنب الثالثة، فعاقبه وهو لا يتكلَّمُ، فقال له ابن عمر: مالك لم تَقُل ما قلت في الأَوَّلتين فقال: يا سيدي، حياءً من حِلْمِك مع تكرار جُرمي، فبكى ابن عمر وقال: أنا أحقُّ بالحياء من ربيَ، أنت حُّر لوجه الله تعالى ومن شعره يمدح الخليفة:
يا من إذا ضمَّ السُّحابُ بمائِه ... هطلت يداه على البَرِيَّة عَسْجَدا
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 299.
(1/501)

جوَّزتَ كسرى يا مُبَحَّلَ حاتمٍ ... فغدت بنو الآمال نحوَك سُجَّدا (1)

خامساً: علاقة الملك الصالح أيوب بالخلافة العباسية:
كانت سياسة الملك الصالح نجم الدين أيوب تجاه الخلافة العباسية تتتسم بنفس التوجيهات التي تبناها أسلافه السلاطين الأيوبيين من حيث الاعتراف بمؤسسة الخلافة وشرعية سيادتها على العالم الإسلامي، والالتزام بتطبيق ذلك في الخطبة وسك النقود والأمور الرسمية الأخرى (2).

سادساً: تطوير الملك الصالح أيوب للجيش الأيوبي:
ينسب إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إدخال تشكيلات جديدة على القّوة العسكرية التي كان يتكون منها جيش السلطان الأيوبي فقد اتخذ جملة من الإجراءات العسكرية تبناها السلطان الملك الصالح نجم الدين لتقوية الجيش الذي كان يترأسه ومن أهمها؛ اهتمامه الكبير بشراء المماليك والغلمان الأتراك بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ السلطنة الأيوبية، فخلال مدة حكمه أضاف إلى الجيش في دفعة واحدة ما تعداده من أكثر من ألف مملوكاً تركياً جلبهم من إقليم التركستان (خوارزم) ومن مناطق شمالي البحر الأسود وبحر قزوين (3)، وغيرها من الأماكن وقد أصبح العنصر التركي في عهد الملك الصالح هو الغالبية المتميزة للجيش الأيوبي وسرعان ما شكلوا نواة عسكرية - سياسية نشطه تحولت إلى دولة المماليك البحرية، بعد أقل من بضع سنين على وفاة الملك الصالح لتختفي تدريجياً العناصر المتكون منها الجيش الأيوبي، كالبربر والسودان، ومن أهم معالم التطوير في البنية العسكرية الأيوبية في عهد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب الآتي:
__________
(1) المصدر نفسه (17/ 300).
(2) الملك الصالح أيوب وانجازاته السياسية والعسكرية ص 101.
(3) الملك الصالح أيوب وانجازاته السياسية والعسكرية ص 109.
(1/502)

1 - الصالحية: وهي القوة العسكرية الجديدة من المماليك الأتراك باسم "الصالحية" نسبة إلى الملك الصالح أيوب نفسه، ومن الواضح أن الملك الصالح نجم الدين أيوب هو صاحب الفضل في تكوين هذه الفرقة الجديدة من المماليك التي تحمل أيضاً اسم البحرية والتي قدر لها أن تنهض بدور خطير في تاريخ مصر السياسي لمايقرب من قرنين ونصف ومما يقوله: ابن تغرى بردى نقلاً عن ابن واصل مؤرخ الأيوبيين: اشترى من المماليك الترك ما لم يشتره أحد من أهل بيته حتى صاروا معظم عسكره وأرجحهم على الأكراد وأمرهم (1)، ويبدو أن الملك الصالح أراد أن يشكر المماليك في جهودهم في الوصول إلى دست السلطنة، ولذلك عمل منهم جيش قوي يسانده في فرض إرادته على الأقاليم الأيوبية بعد أن لمس غدر الطوائف الأخرى من الجند المرتزقة مما دفعه إلى الاعتماد على تلك الفرقة الجديدة وترجيحهم على العناصر الأخرى السائدة (2)
__________
(1) المصدر نفسه ص 110.
(2) المصدر نفسه ص 110 ..
(1/503)

وأما عن السبب في تسمية هذه الفرقة بالبحرية فالمرجح أن ذلك يرجع إلى اختيار السلطان الملك الصالح نجم الدين جزيرة الروضة على بحر النيل مركزاً لهم ولثكناتهم العسكرية - وكان معظم هؤلاء المماليك من الأتراك المجلوبين من بلاد القفجاق، شمال البحر الأسود، ومن بلاد القوقاز، قرب بحر قزوين، وقد كان للأتراك القفجاق، ميزاتهم الخاصة بين طوائف الترك العامة من حيث حسن الطلعة وجمال الشكل وقوة البأس فضلاً عن الشجاعة النادرة، ولاشك في ولاء هؤلاء لسيدهم وكانوا قد شكلوا نواة لقوة عسكرية ضاربة في الجيش الأيوبي واحتلوا نتيجة لنيلهم ثقة واعتماد السلطان رتباً عسكرية كبيرة في جيش الملك الصالح نجم الدين أيوب، مثل المكانة التي كان يتمتع بها مقدمهم ركن الدين بيبرس والذي لعب دوراً كبيراً في صعود الملك الصالح إلى السلطنة وفيما بعد في المعارك ضد الصليبيين الفرنج وخاصة معركة المنصورة (1). وكان هؤلاء الصالحية يتولى شؤونهم في التعليم والإعداد العسكري جهاز إداري محكم من الموظفين المختصين بشؤون الجيش وبخلفيات الأمم، التي ينتمون إليها وبالدين الإسلامي الحنيف، ولذا كان الإعداد العسكري يتم على مراحل حيث أن المماليك الداخلين في السلك العسكري يخضعون لمراحل من التعليم والتربية الشاملة بين الجندية ومعرفة دين الإسلام، بما يؤهلهم للتخرج وخدمة السلطان مستقبلاً حيث يشكلَّون الرافد الأساسي لجهاز السلطنة المركزي (2)، ويتم تخرجهم بعد إجادة استعمال مختلف الأسلحة واتقان فنون القتال، والفروسية المختلفة، وبعد دخولهم في السلطنة العسكرية يخضعون لنظام التربية على حسب كفاءتهم وقدراتهم وخدماتهم التي بقدمونها، كما أن التدرج الطبيعي من رتبة أولى إلى أخرى أعلى منها هو أسلوب الترقية السائد (3)
__________
(1) الملك الصالح أيوب وانجازاته السياسية والعسكرية ص 111.
(2) المصدر نفسه ص 111.
(3) المصدر نفسه ص 111 ..
(1/504)

وبالنسبة إلى زيهم العسكري، فالمماليك الصالحية كأمراء فرسان كانوا يلبسون زياً يختلف عن زي رجال المشاة وكان هذا الزي مأخوذاً عن الجيش الأيوبي لأنهم ضمن تشكيلات هذا الجيش، التي بدورها تعكس ما كان سائداً لدى العباسيين (1).

- ثكنات المماليك الصالحية في جزيرة الروضة: اتخذ الملك الصالح أيوب لمماليكه قاعدة في جزيرة الروضة تعرف قلعة الجزيرة أو قلعة الروضة، وجعلها مقراً لهم وشرع في حفر الأساس وبنائها بين عامي 637هـ/1239م و638هـ/1240م ولتطوير هذه الثكنات هدم الكثير من الدور والقصور والمساجد التي كانت في الجزيرة وأدخلت في نطاق القلعة مشيداً فيها مبان كثيرة منها ستين برجاً، وأقام بها مسجداً وغرس بداخلها أنواعاً شتى من الأشجار، ومن شحنها بالسلاح والآلات الحرب وما يحتاج إليه من الغلال والأزواد والأقوات وقد انفق السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على عمارتها أموالاً كثيرة، وكان السلطان يقف بنفسه ويرتب ما يعمل بها وقد عمل كل ذلك من أجل أن ينتقل من قلعة الجبل ويسكن مع مماليكه البحرية (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 113.
(2) الملك الصالح أيوب وانجازاته السياسية والعسكرية ص 114.
(1/505)

2 - الخوارزمية: كانت الخوارزمية قوة تركية دخلت الأراضي الشرقية التي في حوزة الملك الصالح في أعقاب هزيمة السلطان الخوارزمي جلال منكبرتي أمام المغول في سنة 628هـ/1230م وهي فرقة من الفرسان قوامها اثنا عشر ألف فارس أو يزيد (1)، يترأسها مقدمهم بركة خان، ثم أصبحت احدى تشكيلات جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بعد التفاهم الذي توصل إليه معهم في ذلك عندما كان ملكاً في المشرق الأيوبي، وهم يشبهون الصالحة من ناحية جنسهم التركي إلا أن ولائهم السياسي ظل مرتبطاً بمصالحهم الشخصية والسياسية، ولعبوا دوراً كبيراً أبان إمارة وسلطنة الملك الصالح أيوب، ويلاحظ بأن قوة الخوارزمية قد احتفظت بتقاليد الجيش الخوارزمي وتنظيماته التي نقلتها بدورها إلى مفردات الجيش الأيوبي وتنظيماته وبالرغم من اسهامات الخوارزمية في خدمة السلطان الصالح أيوب إلا أنه كان قليل الثقة بهم لعدم الإخلاص في ولائهم له (2)، إلا أنه استخدامهم إلى حين ثم تخلص منهم كما مرّ معنا.
3 - عرب بنو كنانة: لم يكن عرب بنو كنانة قوة نظامية بل كانوا يشكلون احدى القوى الاحتياطية لجيش الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان لهم دور كبير في حماية مدينة دمياط أثناء الحملة الصليبية عليها في سنة 646هـ/1249م وكان دورهم في الشام أكبر وإسهاماتهم أكثر في حماية المدن المختلفة (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 115.
(2) المصدر نفسه ص 116.
(3) المصدر نفسه ص 117.
(1/506)

4 - اهتمام الأيوبيين بتربية المماليك الإسلامية: فأول ما يبدأ به تعليم المماليك ما يحتاجون إليه من القرآن الكريم ولكل طائفة فقيه يأتيها كل يوم، ويأخذ في تعليمها القرآن ومعرفة الخط، والتمرين بآداب الشريعة الإسلامية وملازمة الصلوات والأذكار وصار الرسم إذ ذاك إلا تجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا صار إلى سنة البلوغ أخذ في تعليمه فنون الحرب في زمن السهام ولعب الرمح ونحو ذلك، فيتسلم كل طائفة معلم حتى يبلغ الغاية من معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النشاب لا يجسر جندي ولا أمير أن يحدثهم أو يدنو منهم، عند ذلك ينقل إلى الخدمة وينتقل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء فلا يبلغ هذا إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت أدابه وأمتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، وأشتد ساعده في رماية النشاب وحسن لعبه بالرمح ومرن على ركوب الخيل، وقد كان لهم خداماً وأكابر من النواب يفحصون الواحد منهم فحصاً شافياً ويؤاخذونه أشد المؤاخذة، ويناقشونه على تحركاته وسكناته فإن عثر أحد مؤدبيه الذي يعلمه القرآن أو رأس النوبة الذي هو حاكم عليه، على أنه اقترف ذنباً، أو أحل برسم أو ترك أدباً من آداب الدين أو الدنيا، قابله على ذلك بعقوبة شديدة بقدر جرمه فلذلك كانوا سادة يدبرون الممالك وقادة يجاهدون في سبيل الله وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل ويردعون من جار أو تعدى (1)
__________
(1) الخطط (2/ 213 - 214) في التاريخ الأيوبي والمملوكي ص 84 ..
(1/507)

وللمماليك الصالحية النجمية بالقاهرة خانات ودروب وحمامات ومدارس على غرار منشآت المماليك الأسدية والصلاحية، نذكر منها المدرسة الغزنوية التي بناها الأمير علاء الدين البند قدارى الصالحي النجمي ومطبخ سكر الأمير فارسى أقطاي الصالحي النجمي، وحمام الرومي بجوار حارة برجوان نسبة إلى الأمير سنقر الرومي الصالحي (1) وكل هذا يدل على أن الدولة الأيوبية استخدمت المماليك الأتراك استخداماً واسعاً بدليل كثرة المباني والعمائر التي شيدها هؤلاء المماليك (2).

5 - هل السلطان الصالح نجم الدين هو أول من سمّى المماليك البحرية بذلك؟
بقيت مسألة تستحق التصحيح في موضوع المماليك البحرية هي أن معظم المؤرخين السابقين والمحدثين أجمعوا على أن السلطان الصالح نجم الدين أيوب هو من أول من رتب المماليك البحرية وأول من سماهم بذلك نسبة إلى بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة غير أن هذا الرأي لا يسند على أساس صحيح للأسباب التالية:
- المؤرخون المعاصرون للصالح أيوب أمثال ابن واصل والي شامه لم يشيروا إلى بحر النيل كأصل لكمة بحرية، هذه النسبة أوردها بعض المؤرخين المتأخرين أمثال المقريزي، وأبي المحاسن (3).
- من المعروف أن الفاطميين من قبل، كانت لهم طائفة من الجند تعرف بالغز البحرية، كذلك كان للسلطان العادل الأول جد الصالح فرقة من المماليك، أسماها البحرية العادلية، وهذا بدل على أن الملك الصالح أيوب لم يكن أول من اخترع هذا اللفظ.
__________
(1) الانتصار لواسطة عقد الأمصار (4/ 44) في التاريخ الأيوبي والمملوكي، أحمد العبادي ص 84.
(2) في التاريخ الأيوبي والمملوكي، أحمد العبادي ص 84.
(3) في التاريخ الأيوبي والمملوكي، أحمد مختار العبادي ص 85.
(1/508)

- يروى الخزرجي أن سلطان اليمن نور الدين عمر بن رسول (ت647هـ) الذي كان معاصراً للصالح أيوب في مصر، استكثر من المماليك البحرية حتى بلغت عدتهم ألف فارس وكانوا يحسنون من الفروسية والرمي مالاً يحسنه مماليك مصر وكان معه من المماليك الصغار قريب متهم في العدد خارجاً عن حلقته وعساكر امرائه هذا النص يدل على أن لفظ بحرية استخدم في بلاد إسلامية بعيدة كل البعد عن بحر النيل.
(1/509)

- أطلق المؤرخون العرب المعاصرون على بعض الفرق المسيحية العسكرية التي جاءت من أوروبا إلى الشام أثناء الحروب الصليبية اسم الفرنج الغرب البحرية، فيروى أبو شامة أنه في سنة 593هـ فتح الملك العادل يافا ومن عجيب ما بلغني أنه كان في قلعتها أربعون فارساً من الفرنج البحرية فلما تحققوا نقب القلعة وأخذها دخلوا كنيستها وأغلقوا عليهم بابها وتجالدوا بسيوفهم بعضهمم لبعض إلى أن هلكوا وكسر المسلمون الباب وهم يرون أن الفرنج ممتنعون فالفوهم قتلى عن آخرهم، فعجبوا عن حالهم (1)، فلفظ بحرية أذن لم يكن جديداً على مصر حينما أنشأ الملك الصالح أيوب فرقته البحرية، بل كان لفظا عاماً أطلق على المسلمين والمسيحين سواء كما استخدم في مصر وفي خارج مصر قبل عهد الصالح أيوب وهذا يؤيد القول بأن نسبة هذا اللفظ إلى بحر النيل أمر مشكوك في صحته، وأغلب الظن أنهم سموا بحرية لأنهم جاءوا من وراء البحار (2)، وجوانفيل الذي حارب المماليك البحرية الصالحية في حملة لويس التاسع وأسر عندهم وتحدث إليهم رواتبهم لها قيمتها بصفته رجلاً معاصراً وشاهد عيان، وإذا علمنا أن المماليك البحرية زمن الأيوبيين والمماليك عبارة عن فئة من الغرباء الذين حلبوا من أسواق النخاسة بالقوقاز وآسيا الصغرى وشواطئ البحر الأسود ثم بحر القرم إلى خليج القسطنطينية ومنه إلى البحر الأبيض المتوسط حيث يسيرون فيه إلى ميناء الإسكندرية أو دمياط تأيدت لدينا عبارة جوانفيل (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 86.
(2) المصدر نفسه ص 86.
(3) في التاريخ الأيوبي والمملوكي للعبادي ص 87 نقلاً عن صبح الأعشى.
(1/510)

المبحث الثاني: الحملة الصليبية السابعة:
أولاً: أسبابها:
لم تمضي ثلاث سنين على انتهاء الحملة الصليبية السادسة التي استهدفت مصر، حتى توجهت الحملة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا إلى هذا البلد بهدف الاستيلاء عليه وتحقيق الحلم الصليبي القديم وهو استعادة بيت المقدس وأراضي بلاد الشام، وتدعيم الكيان الصليبي المتداعي، وحدث عقب المعركة التي انتصر فيها الملك الصالح أيوب وحلفاؤه الخوارزميون على التحالف الدمشقي الصليبي والتي سمي معركة أرِبيا، أن أرسل روبرت، بطريرك بيت المقدس، سفارة إلى أوروبا الغربية مؤلفة من جاليران، أسقف بيروت، وألبرت بطريق أنطاكية، لتشرح للبابا إنوسنت الرابع (1242 - 1254م) خطورة الموقف في بلاد الشام وتطلب منه المساعدة العاجلة حتى لا يتعرض الصليبيون للفناء (1).
__________
(1) رنسيمان الحروب الصليبية (3/ 440 - 441).
(1/511)

وفي شهر محرم عام 643هـ/شهر حزيران عام 1245م، عقد البابا مجمعاً في مدينة ليون الفرنسية للتباحث فيما ينبغي اتخاذه من تدابير لمقاومة أطماع الأمبراطور، ولحق به أعضاء السفارة وقدَّموا للجميع تقريراً عن أوضاع الصليبيين في الشرق، فتقرر إرسال حملة صليبية جديدة لتدارك الموقف قبل فوات الأوان (1) وكان عند الملك الفرنسي لويس التاسع من الدوافع ما حمله على الاشتراك بها، بينما أحجمت ألمانيا وإيطاليا عن مساندتها، بفعل الصراع الذي كان قائماً آنذاك بين البابوية والأمبراطورية والحقيقة أن الأمبراطور فريدريك الثاني انتهج سياسة مزدوجة تجاه الحملة، حيث قام بتزويدها بالمؤن عند مرورها بصقلية في طريقها إلى قبرص، كما احتفظ بعلاقات طيبة مع حلفاء الكامل محمد، فاتصل سراً بالصالح أيوب وأرسل إليه سفارة يعلمه بتحرك الصليبيين ونواياهم، لقد تعَّدت وتشعَّبت أسباب هذه الحملة، فمنها أسباب رئيسية تنطوي على الدوافع الحقيقية لقيامها، كما أن هناك عوامل ثانوية ساعدت على التنفيذ (2) ولعل من أهم الدوافع الحقيقية التي أثارت المجتمع الغربي بعامة شعور الملك الفرنسي بخاصة وحضَّرت الجميع للثأر هي:
1 - تعُّرض الصليبيين في الشرق إلى مضايقات خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي على يد الخوارزميين، بشكل خاص.
2 - ضياع بيت المقدس منهم، حيث استعادها الصالح أيوب بمساعدة الخوارزميين الذين نكَّلوا سكانها النصارى، ونهبوا دورهم وأموالهم، حتى أضحى وضعهم مقلقاً من وجهة النظر الصليبية.
3 - لقد أنزل المسلمون ضربات قاسية بباقي الممتلكات الصليبية في بلاد الشام تمثَّل بعضها باستعادة الصالح أيوب، طبرية وعسقلان، حتى أضحت باقي ممتلكاتهم ومعاقلهم مهَّددة بالخطر والضياع (3).
__________
(1) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 377.
(2) العدوان الصليبي على مصر، هزيمة لويس التاسع ص 47 - 56.
(3) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 378.
(1/512)

وأما فيما يتعلق بالعوامل الثانوية فلعل أهمها:
1 - لقد حدث أن مرض لويس التاسع حتى أشرف على الموت، ولما أفاق من شدة المرض، نذر إن منَّ الله عليه بالشفاء أن يحمل الصليب ويذهب لغزو الأراضي المقدسة.
2 - يرى بعض المؤرخين أن الملك الفرنسي حمل الصليب، وتعهد بالقيام بحرب مقدسة لإنقاذ صليبي الشرق، إثر رؤيا ظهرت له أثناء مرضه فحواها أنه رأى فيما يرى النائم شخصين يتقاتلان أحدهما مسلم والآخر نصراني، وقد انتصر الأول على الثاني، ففسّر هذه الرؤيا بحاجة صليبي الشرق للمساعدة، وأن الله أناط به هذه المهمة.
3 - كان للآثار والذخائر الدينية المقدسة التي حصل عليها لويس من حنادي بريين، الملك الإسمي لبيت المقدس، وبلدوين الثاني، أمبراطور القسطنطينية اللاتيني، أثر غير مباشر، دفعه للقيام بحملته على مصر من أجل استعادة بيت المقدس.
4 - نتيجة لوقوع الكوارث بالصليبيين في الشرق، فقد أرسل هؤلاء الرسل إلى الغرب الأوروبي يستنجدون به، كما أشرنا، وأنذروا الأوروبيين باحتمال ضياع ما تبقَّى من ممتلكاتهم إذا لم يلبوا نداء الاستغاثة (1).
5 - ساند البابا إنوسنت الرابع مشروع لويس التاسع، فدعا إلى الاشتراك بالحملة الصليبية السابعة، خشية أن يطغى نفوذ الملك الفرنسي، الذي اشتهر بالورع والتقوى، وعُرف بمواقفه الحازمة حيال الكنيسة ورجال الدين، على نفوذه كرجل دين ورئيس أعلى للكنيسة اللاتينية (2).
__________
(1) المصدر نفسه 378.
(2) تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص 379.
(1/513)

ومن الأهمية بمكان، دراسة دوافع الملك لويسع التاسع الفرنسي في مشاركته للمشروع الصليبي، ويلاحظ أن مؤرخ سيرته جان دي جوانفيل، قد أضفى عليه طابعاً دينياً على نحو فعل العديد من الباحثين يتصورون ذلك الجانب في الملك الفرنسي المذكور، وجاء المؤرخون الفرنسيون المحدثون ليعمقوا الفكرة بشأن القديس لويس، فهل صفة القداسة التي ارتبطت بلويس التاسع تعني أننا أمام قائد صليبي يحركه الدين في المقام الأول؟ خاصة أنه الملك الوحيد من بين الذين شاركوا في دعم الحركة الصليبية من بين ملوك أوروبا من وصف بالقداسة، ونجد له - على ذلك - مادة مستقلة في الدراسات الخاصة بمعاجم القدسين (1)؟ وفي تصور المؤرخ الدكتور محمد مؤنس عوض: أن ذلك الملك الفرنسي من التجني على الموضوعية التاريخية الواجبة أن نتعامل معه مع الرؤية الجوانقيلية التي صيغت في القرن الثالث عشر الميلادي/السابع الهجري والمنطق يدعونا إلى تصور البواعث الحقيقية المحركة لذلك الملك الفرنسي، وفي هذا النطاق نعرف أن لويس التاسع أراد تدعيم نفوذ آل كابيه الفرنسية فيما وراء البحر لدى ذلك الملك رؤية اقتصادية لتكوين مستعمرات فرنسية جديدة في النطاق البحر المتوسط كذلك لا تغفل رغبته في زعامة أوروبا للمشروع الصليبي في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي/السابع الهجري، ولا تغفل زاوية أخرى على جانبها الكبير من الأهمية في صورة رغبة ذلك الملك الداهية الذي اتشح بثياب الدين في تكوين حلف مغولي/صليبي ضد المسلمين (2).
__________
(1) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 306.
(2) المصدر نفسه ص 306.
(1/514)

وهذا الموقف يكشف لنا كيف أن ذلك الملك الفرنسي اتبع أسلوباً جديداً في صنع التحالفات السياسية مع القوى الدولية حتى تلك الواقعة خارج النطاق الجغرافي الأوروبي من أجل تطويق المسلمين على نحو يكشف لنا مدى تنامي الحركة الصليبية ودخولها أطواراً جديدة، تعكس استعار العداء الأوروبي تجاه الإسلام وأهله والتفكير في أساليب جديدة للصراع، خاصة بعد أن فشلت العديد من الحملات الصليبية في تحقيق أهدافها، ولا ريب في أن ما أورده مؤرخ سيرته في هذا الصدد خير دليل يدعم ذلك التصور (1) ويتضح لنا بجلاء، أن لويس التاسع حركته عدة دوافع مجتمعه كل منها له شأنه في الصراع الإسلامي - الصليبي حينذاك أما اتجاه المؤرخين الأوروبيين ولاسيما الفرنسيين على نحو خاص - لإضفاء طابع المجد حول ذلك الملك الفرنسي على نحو خاص، فكان الهدف منه خلق نموذج للبطولة الأوروبية في المرحلة القروسطية لتعميق فكرة الحروب الصليبية والتضحية من أجل المسيحية حتى في عصرنا الحالي وقد ساهم الجانب الدعائي على نحو كبير في جعل ذلك الملك وكأنه أسطورة أوروبية، وقد بدأ ذلك الجانب منذ جان دي جوانقيل، وحتى الآن على الرغم من أن انجازاته في عالمي الحرب والسياسة لا تضمن له البتة، ذلك المستوى الرفيع الذي صورته به أقلام الغرب (2) الأوروبي.
__________
(1) المصدر نفسه ص 306.
(2) الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص 307.
(1/515)

ثانياً: الإعداد للحملة: تبنى البابا أنوسنت الرابع هذه الحملة وأعلن تأييده لها وكانت دعواه عاملاً فعالاً في إعدادها فضلاً عن لويس التاسع الذي أخذ على عاتقه مهمة النهوض بالحملة، وقد استغرق إعداد الحملة ثلاث سنوات، وفرضت ضرائب استثنائية على الجميع بما فيهم رجال الدين للإنفاق على الحملة، كما عقد لويس التاسع مجلساً كبيراً في باريس حضره كبار رجال المملكة والكنيسة ودعاهم إلى حمل الصليب والإنضمام إلى صفوف الحملة، ونجح في إثارة حميتهم الدينية وبادر بالإنضمام للحملة أخوته الثلاثة، روبرت كونت أرتو، والفونس كونت بواتيه، وشارل كونت أنجو، وعدد كبير من الشخصيات التي تركت فرنسا بمقاطعاتها المختلفة - تسهاهم - للإنضمام إلى صفوف الحملة، ومن جانب آخر قام لويس بتجهيز أسطول كبير لنقل الجنود والعتاد عبر البحر بعدما تقرر استبعاد الطريق البري حتى يضمن نجاح حملته واستأجر عدد من السفن من جنوه ومرسيليا لهذا الغرض، كما عمل لويس على توفير العتاد والمؤن فضلاً عن المال لتغطية نفقات الحملة، واستعان بالبابا في هذا الصدد لأن البابا هدد بإنزال قرارات الحرمان على كل من يخالف التعليمات التي أصدرها من أجل إعداد الحملة، وبعد أن انتهى لويس من المشاكل الخاصة بالنقل والتموين وموارد الحملة، عمل على تنظيم مملكته وإقرار الأمن والنظام بداخلها قبل سفره، وأناب عنه في الحكم والدته الملكة بلانش، وأحضر من يعملون في بلاطه ليقسموا بمين الولاء والطاعة له وللملكة الأم أثناء غيابه (1).
__________
(1) تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد عمران ص 307.
(1/516)

ثالثاً: رحيل الحملة إلى مصر: غادر الملك والحملة مدينة باريس إلى مدينة ليون حيث كان البابا أنوسنت الرابع فحصل منه، على والبركة والغفران - بالمفهوم المسيحي - تم اتجه إلى ميناء إيجسمورت جنوب فرنسا في الثالث عشر من يونيه عام 1548م ومن جنوب فرنسا أبحرت الحملة إلى جزيرة قبرص حيث مكثت بالجزيرة حوالي ثمانية أشهر، وخلال هذه الفترة تسربت أخبار الحملة إلى مصر، فاستعدت القيادة - الأيوبية - لمواجهة الغزاة وحصنت مدينة دمياط التي كانت تتوقع الهجوم عليها وزودت المدينة بالمقاتلة والمؤن (1)
__________
(1) تاريخ الحروب الصليبية د. محمود سعيد ص 308 ..
(1/517)

وكان السلطان الأيوبي الصالح أيوب في بلاد الشام عندما وصلت إليه الأبناء بتحركات الصليبيين، فأسرع بالعودة إلى مصر بعدما عقد صلحاً مع صاحب حمص، ونزل ببلدة أشموم طناح في الثالث في صفر عام 647هـ/الثامن عشر من مايو عام 1249م ليكون في مواجهة القوات الصليبية إذا ما وصلت إلى دمياط، وزاد الصالح أيوب في تحصين المدينة وإعداد الجيوش وعهد إلى طائفة من بني كنانة لما عرف عنهم بالشجاعة لحماية المدينة من الداخل والخارج، كما أصدر أوامره إلى نائبه في حكم مصر حسام الدين بن علي لإعداد قطع الأسطول وإرسالها إلى دمياط تباعاً وأوفد السلطان الأمير فخر الدين يوسف مقدم العساكر على رأس جيش كبير إلى البر الغربي لدمياط "جيزة دمياط" حتى يكون في مواجهة الصليبيين عند وصولهم إلى بر المدينة الغربي، كما حدث في الحملة الصليبية الخامسة، ويروي ابن تغري أنه في يوم السبت من ذي القعدة وقع الشروع في عمل عدة مراكب للرد على غزو الفرنج واستمر العمل فيهم كل يوم إلى أن نزل السلطان في يوم الثلاثاء الحادي عشر من صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة وكشف عمل المراكب وأضاف وفي هذه الأيام كثرت الأطيار بحركة الفرنج فخرج عدد من الأمراء المماليك لحراسة الثغور وفي هذا الشهر أخذ السلطان في تجهيز الغزاة وعيّن جماعة كبيرة من المماليك السلطانية والأمراء وألزم كل أمير أن يجهز عشرة من مماليكه (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 308.
(1/518)

وعندما خرجت الحملة من إيجسمورت أسند لويس التاسع قيادة الأسطول إلى الجنوبيين لخبرتهم في شؤون الملاحة، وتقدم الأسطول السفينة التي تحمل عمل القديس دنيس شعار فرنسا، ورست الحملة في ميناء ليماسول جنوب قبرص في السابع عشر من سبتمبر عام 1248م وفي الوقت نفسه أبحر بعض الصليبيين ومن بينهم مؤرخ الحملة جوانفيل من مرسيليا في سبتمبر من العام نفسه ولحقوا بإخوانهم في قبرص بعد رحلة شاقة وفي قبرص تناقش الصليبيون في تحديد وجهة الحملة وبعد دراسة مستفيضة تقرر أن تكون مصر هدف الحملة بسبب ما أدركه الصليبيون من أهمية مصر لقوتها وثروتها وقيامها بالدفاع عن الأراضي المقدسة (1) وأمضت الحملة في قبرص حوالي ثمانية أشهر (سبتمبر 1248م - مايو 1249م رغم رغبة الملك في التقدم بسرعة نحو مصر ولكنه نزل عن رغبته لنصيحة قواده الذين آثروا الانتظار حتى يلحق بالحملة بقية الجيش الذي لم يصل بعد إلى قبرص، وقد عاد التأخير بالفائدة على القيادة الإسلامية في مصر لأنها سارعت بالاستعداد لمواجهة الحملة (2) وأثناء وجود قوات الحملة السابعة في قبرص حدثت تطورات غاية في الأهمية أثرت على مجريات الحملة فيما بعد ومن هذه التطورات.

1 - الأخبار التي وصلت إلى مصر معلمة بأخبار الحملة الصليبية السابعة وقد كان ذلك عن طريق الإمبراطور فريدريك تحذر الصالح أيوب من هذه الحملة، حيث يقول فريدريك: إنه وصل "ريد فرانسس" - لويسع التاسع - في خلق كثير، وقد اجتهدت غاية الاجتهاد على رده عن قصده وخوفته فلم يرجع لقولي فكن على حذر منه (3).
__________
(1) تاريخ الحروب الصليبية د. محمود سعيد ص 308.
(2) المصدر نفسه ص 308.
(3) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك، جبران والعبادي ص 210.
(1/519)

2 - المصاعب التي رافقت الحملة منذ إبحارها من شواطئ فرنسا وحتى وصولها قبرص، ومنها الأمراض التي ألمت بالجيش الفرنسي، والخوف والضجر الذي رافق مسيرة الحملة، وقد عبر عن ذلك مؤرخ الصليبية السابعة جوانفيل بقوله: لم نعد نرى الأرض، ما نراه هو الماء والسماء وفي كل يوم تأخذنا الريح بعيداً عن الأرض التي ولدنا فيها ولاحقت الأمراض الجيش الفرنسي أثناء وجوده في قبرص ويشير أحد المؤرخين، الأوروبيين إلى ذلك بقوله إن 240 من السادة وكبار القوم قد تعرضوا للموت بسبب المرض (1).

3 - الاختلاف بين قائد الحملة والأمراء حول تاريخ التحرك إلى مصر وقد كانت الآراء ما بين الدعوة إلى التحرك السريع لهدفهم وهو مصر، ورأي آخر يدعو إلى التريث والبقاء في قبرص لفترة يتم خلالها استكمال الاستعدادات والراحة للجيش الصليبي، واستقر الرأي على تأخير موعد تحرك الجيش إلى فصل الربيع، وبذا تكون الحملة قد أمضت في قبرص من سبتمبر 1248 - مايو 1249م حصلت خلالها القوات الصليبية على بعض المساعدات من القبارصة (2).

4 - ما وصل إلى لويس من أخبار عن صراعات بين القوى المسيحية في الشرق وبخاصة الصراع الذي نشب بين ملك أرمينيا وأمراء أنطاكية، وما كان لذلك من تأثير على الجبهة الصليبية التي يريد لويس التاسع أن تكون في وضع يؤهلها لتقديم المساعدات له عند وصوله إلى مصر وبلاد الشام (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 21.
(2) الحركة الصليبية (2/ 1008).
(3) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 211.
(1/520)

5 - واجهت الحملة في قبرص بعض الصعوبات، ومنها الصعوبات المالية نظراً لطول الفترة الزمنية التي قضتها جيوش الحملة في قبرص، وكان ممن تعرض إلى ضائقة مالية مؤرخ الحملة جوانفيل والذي اضطر للاستدانة، وطلب المساعدة من لويس التاسع وحصل منه على أقل مما يكفيه، ويقول روبرت نايني حول ذلك: لقد كان من حسن الحظ أن تمكن جوانفيل من الحصول على هذه المساعدة والإ لكان غادر قبرص عائداً إلى فرنسا، وحينها لم يكن استطاع أن يكتب كتابه الهام، عن هذه الحملة (1)، وإضافة إلى الصعوبات المالية، فقد واجهت القوات الصليبية ولويس التاسع علاقات متذبذبة مع ملك قبرص (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 211.
(2) المصدر نفسه ص 212.
(1/521)

6 - من الأحداث الهامة والمرتبطة بالحملة الصليبية السابعة أثناء وجود قائدها وقواتها في قبرص الاتصالات التي جرت مع المغول، وفقاً لرواية مؤرخ الحملة الصليبية السابعة جوانفيل، فإن حاكم المغول قد أرسل رسولين من قبله وصلاً إلى قبرص وكان من جملة ما ورد في الرسائل التي يحملانها: أن ملك التتار يبدي استعداده لمعاونة لويس التاسع في التحرك لغزو الأرض المقدسة بهدف تخليص القبر المقدس من أيدي المسلمين (1)، ويهمنا أن نشير إلى أن المبعوثين من قِبل المغول هما شخصيتان من المسيحيين النساطرة، أحدهم يسمى داوود والثاني مارك وقد استقبل بحفاوة من قِبل الصليبيين ومكثا في قبرص من ديسمبر 1248 - يناير 1249م حيث غادر ومعهما وفد من قبِل لويس لمقابلة القائد العسكري المغولي الجيغداي والذي بدوره سيؤمن وصول الوفد المبعوث من قِبل لويس التاسع إلى الحاكم المغولي في قراقوم (2) وعلى أية حال فإن هذه الاتصالات لم تثمر عن أي مساعدة فعلية، للطرف الصليبي في غزوه لمصر وبلاد الشام، وأحد أسباب فشل محاولات التحالف المغولية الصليبية يعود إلى النظرة المغولية المتعالية حيال القوى المختلفة، حيث كان المغول يرون ضرورة تبعية جميع القوى لهم، ولم يقبلوا مبدأ الندية أو التماثل في التعامل، وفيما يتعلق بهذه المحاولة فتشير المصادر إلى أن ردود المغول على لويس التاسع جعلته يندم على إرساله الرسل والهدايا للمغول، إضافة إلى أن رد المغول على لويس التاسع جاء متأخراً حيث وصلته ردودهم في قيسارية فلسطين سنة 1251م أي بعد انتهاء الحملة الصليبية السابعة وفشلها (3)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 212.
(2) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 212.
(3) المصدر نفسه ص 213 ..
(1/522)

وحين قرر لويس التاسع التحرك من قبرص إلى هدفه وهو مصر صادفته صعوبات أخرى ومنها أن الأسطول الذي كان يستعد للإبحار به قد تعرض إلى عاصفة دمرت الكثير من سفنه، وهذا دعاه إلى توجيه نداء إلى الصليبيين في عكا لتزويده بسفن لنقل جنوده إلى ميدان المعركة إلا أن ظروف الصراع والاقتتال بين مجموعات الجنوية والبنادقة في عكا حال دون تقديمهم أية مساعدة في هذا المجال وزاد من تعقيد الأمور أن خطته لغزو الأراضي المصرية أصبحت معلومة لدى الطرف الأيوبي مما جعل الصالح أيوب يتحرك من بلاد الشام إلى مصر، وقد سبق أن أشرنا إلى أن تحركات الحملة الصليبية السابعة أصبحت معروفة للطرف الأيوبي من خلال رسائل فريدريك الثاني، وجواسيس الصالح أيوب في قبرص (1)، هذه الظروف المحيطة بالحملة جعلت أحد المؤرخين الأوروبيين يقول أن هذه الأحداث وكأنها إشارة من الرب للويس التاسع تقول له: عليك العودة إلى فرنسا فالحملة التي تقود فاشلة وحاول انقاذ ما يمكن إنقاذه.
__________
(1) المصدر نفسه ص 213.
(1/523)

رابعاً: احتلال دمياط: أبحرت سفن لويس التاسع مغادرة الموانئ القبرصية "لمياسول" في 13 مايو 1249م ووصلت إلى قبالة دمياط في يوم 4 حزيران 1249م، وبدأت أولى جهود الصليبيين موجهة إلى مدينة دمياط للسيطرة عليها ورغم ما قام به الأيوبيون من تحصين سابق للمدينة إلا أن دمياط سقطت بيد الصليبيين في اليوم السادس من حزيران 1249م من عام 647هـ وقد كانت سهولة سيطرة الصليبيين عليها مثار استغراب عند الصليبيين والمسلمين، وقد عبر المؤرخون المسلمون والصليبيون (1) عن ذلك، فالمقريزي يقول أصبح الفرنج يوم الأحد لسبع بقين من صفر سائرين إلى مدينة دمياط، فعندما رأوا أبوابها مفتحة، ولا أحد يحميها خشوا أن تكون مكيدة، فتمهلوا حتى ظهر أن الناس قد فروا وتركوها، فدخلوا المدينة بغير كلفة ولا مؤنة حصار (2)، وقد ألقت المصادر باللائمة على أحد القادة العسكريين في الطرف الإسلامي في سبب سقوط دمياط وهذا القائد هو الأمير فخر الدين بن الشيخ، إضافة إلى أن بعض أفراد القبائل العربية والتي عهد إليها الصالح أيوب بالدفاع عن المدينة وهم بني كنانة قد تركوها وانسحب هؤلاء جميعاً إلى حيث يوجد معسكر الملك الصالح أيوب في منطقة أشموم طناح (3). كما هرب بعض عرب كنانة الذين عهد إليهم الملك الصالح أيوب بالدفاع عن المدينة: وتركوا أبواب المدينة منفتحة، وفاتهم عند فرارهم أن يقطعوا الجسر الذي يربطها بالضفة الغربية للنيل وأصبحت دمياط بذلك مدينة مفتوحة، فدخلتها القوات الصليبية في 23صفر/6حزيران وتملكتها بغير قتال (4)
__________
(1) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 214.
(2) السلوك (1/ 335 - 336).
(3) ماهية الحروب الصليبية ص 157.
(4) الوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ ص 70 ..
(1/524)

وابتهج الصليبيون باستيلائهم على دمياط بتلك السهولة وفي المقابل، أرتاع المسلمون لسقوطها، وحزن الصالح أيوب حزناً شديداً، فعنَّف مماليكه، ووبخَّهم لإهمالهم في الدفاع عنها، وشنق ما يزيد عن خمسين من رجال بني كنانة الذين تركوا مواقعهم الدفاعية وهربوا (1)، بعد أن استفتى الفقهاء وأفتوا بقتلهم (2)، والواقع أن فخر الدين يوسف بتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية (3)، وقد أطنب المقريزي في وصف ما حدث فقال: فلما رأى أهل دمياط رحيل العسكر، خرجوا كإنما يسحبون على وجوههم طول الليل، ولم يبق بالمدينة أحد البتة، وصارت دمياط فارغة من الناس جملة، وفروا إلى أشموم مع العسكر، وهم حفاة عراة جياع فقراء، حيارى بمن معهم من الأطفال والنساء وساروا إلى القاهرة، فنهبهم الناس في الطريق، ولم يبق لهم ما يعيشون به فُعدَّت هذه الفعلة من الأمير فخر الدين من أقبح ما يشنع به وقد كانت دمياط في أيام الملك الكامل، لما نازلها الفرنج، أقل ذخائر وعدداً منها في هذه النوبة، ومع ذلك لم يقدر الفرنج على أخذها إلا بعد سنة، عندما فنى أهلها بالوباء والجوع، وكان فيها هذه المرة أيضاً جماعة من شجعان بني كنانة فلم بغني ذلك شيئاً (4) ... وعندما وصلت العساكر إلى أشموم طناح ومعهم أهل دمياط اشتّد حنق السلطان على الكنانيين، وأمر بشنقهم فقالوا: وما ذنبنا إذا كانت عساكره جميعهم وأمراؤه هربوا وأحرقوا الزرخاناه، فأي شيء نعمل نحن؟ فشنقوا لكونهم خرجوا من المدينة بغير إذن، حتى تسلمها الفرنج، فكانت عدّة من شنق زيادة على خمسين أميراً من الكنانيين، وكان فيهم أمير حَشيم وله ابن جميل الصورة، فقال أبوه: بالله اشنقوني قبل ابني.
__________
(1) السلوك (1/ 438).
(2) الوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ ص 70.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 382.
(4) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 438).
(1/525)

فقال السلطان: لا بل اشنقوه قبل أبيه، فشنق الابن، ثم شنق الأب من بعده بعد أن استفت السلطان الفقهاء فأفتوا بقتلهم، وتغير السلطان على الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وقال: أما قدرتم تقفون ساعة بين يدي الفرنج؟ وما قتل منكم إلا هذا الضيف الشيخ نجم الدين وكان الوقت لا يسع إلا الصبر والتغاضي وقامت الشناعة من كل أحد على الأمير فخر الدين، فخاف كثير من الأمراء وغيرهم سطوة السلطان، وهموا بقتله، فأشار عليهم فخر الدين بالصبر حتى يتبين أمر السلطان: فإنه على خُطَّة وإن مات كانت الراحة منه وإلا فهو بين أيديكم (1) ويجدر الإشارة أهمية اختيار الشخص القادر على قيادة المقاومة بدمياط ويفترض في الملك الصالح أيوب أن يدقق في اختيار الرجل المناسب لإمتصاص الصدمات الأولى من الصليبيين وبذلك يتحمل الملك الصالح أيوب المسؤولية في هذه الجبهة المشتعلة مع الصليبيين.
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 439).
(1/526)

1 - مراسلة لويس التاسع للسلطان الصالح أيوب: قبل سيطرة القوات الصليبية على دمياط أرسل الملك لويس رسائل تهديد إلى الصالح نجم الدين أيوب يتضح من خلالها الثقة البالغة التي عبر عنها بمطالب طلبها من الطرف الأيوبي كدعوة الاستسلام وإرجاع الأراضي المقدسة للصليبيين، بل واعتبار الصالح أيوب أحد نواب لويس التاسع، وقد أوردت المصادر الإسلامية بعض نصوص هذه الرسائل، ومنها النص الذي ذكره صاحب كتاب كنز الدرر، وهو كالتالي: أما بعد فإنه لم يخف عنك أني أمين الأمة العيسوية، كما أني أقول إنك أمين الأمة المحمدية، وإنه غير خاف عنك أن أهل جزائر الأندلس يحملون إلينا الأموال والهدايا، ونحن نسوقهم سوق البقر ونقتل منهم الرجل ونرمل النساء ونستأسر البنات والصبيان، ونخلي منهم الديار، وقد أبديت لك ما فيه الكفاية، وبذلك لك النصح إلى النهاية، فلو حلفت لي بكل الإيمان ودخلت على القسوس والرهبان وحملت قدامي الشمع طاعة للصلبان، ماردني ذلك عن الوصول إليك، وقتلك في أعز البقاع عليك، فإن كانت البلاد لي، فيا هدية حصلت في يدي وإن كانت البلاد لك والغلبة عليّ، فيدك العليا ممتدة إلى، وقد عرفتك وحذرتك من عساكر قد حضرت في طاعتي، تملأ السهل والجبل، وعددهم كعدد الحصى، وهم مرسلون إليك بإسياف القضاء (1).
__________
(1) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 438).
(1/527)

2 - رد السلطان الملك الصالح على لويس التاسع:
فلما وصل الكتاب إلى السلطان وقرئ عليه، اغرورقت عيناه بالدموع واسترجع، فكتب الجواب بخط القاضي بهاء الدين زهير بن محمد كاتب الانشاء، ونسخه بعد البسملة وصلواته على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه أجمعين: أما بعد فإنه وصل كتابك وأنت تهدد فيه بكثرة جيوشك، وعدد أبطالك، فنحن أرباب السيوف وما قتل منا قرن إلا جددناه، ولا بغى علينا باغ إلا دمرناه، فلو رأت عينك أيها المغرور - حد سيوفنا وعظم حروبنا وفتحنا منكم الحصون والسواحل، وإخرابنا منكم ديار الأواخر والأوائل، لكان لك أن تعض على أنا ملك بالندم، ولابد أن تزَّل بك القدم في يوم أوله لنا وآخره عليك، فهنالك ننسئ بك الظنون "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلون" فإذا قرأت كتابي هذا، فكن فيه على أول سورة النحل" أتى أمر الله فلا تستعجلوه" وكن على آخر على سورة ص "ولتعلمنَّ نبأه بعد حين" ونعود إلى قول الله تعالى، وهو أصدق القائلين "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" (البقرة، آية: 249) وإلى قول الحكماء إن الباغي له مصرع، وإلى البلاء يقلبك، والسلام (1).
__________
(1) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 438).
(1/528)

3 - تمركز المسلمين في المنصورة: تجمعت القوات الإسلامية في المنصورة وشرعت في شحن المدينة بالعتاد وإعدادها للمعركة المقبلة، ومن ذلك إصلاح سور المدينة المحيط بها وزودت المدينة بالعتاد والمقاتلة وساعد على ذلك تطوع عدد كبير من العربان والعامة استعداداً لملاقاة الصليبيين وخلال هذه المرحلة كان الصليبيون يعملون على تدعيم مركزهم في دمياط (1)، وأخذوا يعملون بسرعة على تحويلها إلى مدينة ذات طابع نصراني، فحوَّلوا المسجد إلى كنيسة باسم نوتردام وعيّنوا عليها أسقفاً كاثوليكيا، واختصت الفئات الدينية الثلاث الداوية والاسبتارية والتيوتون بعمارة المدينة، وتمّ توزيع الإقطاعات على الأمراء والتجار وظلت دمياط طول شهور صيف عام 1249م عاصمة الصليبيين في الشرق (2) وتوقفت الأعمال العسكرية بين الطرفين لمدة تقرب من خمسة أشهر ونصف عمل كل طرق أثنائها على تدعيم مركزه، وكان بقاء القوات الصليبية في دمياط طول هذه الفترة قد عمل على اختلال الحملة، فقد عملت هذه الفترة على فساد النظام وساد الإفراد في الملذات حتى أصبح الملك لويس التاسع عاجزاً عن السيطرة على القوات الصليبية وإذا كان هذا هو الحال في المعسكر الصليبي فقد كان العكس في المعسكر الإسلامي، فقد نجح المسلمون في إعادة تنظيم صفوفهم وبدأوا المناوشات مع القوات الصليبية ونجحوا في أسر بعضهم ويذكر ابن واصل أن المسلمين نجحوا في أسر ما يقرب من ثلاثمائة أسير (3).
__________
(1) الحروب الصليبية محمود سعيد ص 310.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 383.
(3) الحروب الصليبية ص 311.
(1/529)

4 - وفاة الملك الصالح نجم الدين: وعندما قرر الصليبيون الزحف نحو القاهرة توفي الملك الصالح أيوب وكانت محنة عظيمة ألمت بالمسلمين (1) وكان عمره عند وفاته 44 سنة وقد عهد لولده الملك المعظم تورانشاه، وحلفّ له فخر الدين بن الشيخ ومحسن الطواشي، ومن يثق به وبعدما علّم قبل موته عشرة آلاف علامة، يستعان بها في المكاتبات على كتمان موته حتى يقدم ابنه تورانشاه من حصن كيفا وكانت مدة ملكه في مصر عشر سنين إلا خمسين يوماً، فغسله أحد الحكماء الذين تولوا علاجه لكي يخفي موته، وحمل في تابوت إلى قلعة الروضة، وأخفي موته ولم يشتهر إلى ثاني عشر رمضان، ثم نقل بعد ذلك بمدة إلى تربته بجوار المدارس الصالحية بالقاهرة (2)، والملك الصالح لما استولى على مملكة مصر أكثر من شراء المماليك وجعلهم وجعلهم معظم عسكره، وقبض على الأمراء الذين كانوا عند أبيه وأخيه، واعتقلهم وقطع أخبارهم وأعطى مماليكه الإمريات، فصاروا بطانته والمحيطين بدهليز (3)
__________
(1) المصدر نفسه ص 311.
(2) السلوك (1/ 441).
(3) المصدر نفسه (1/ 441) ..
(1/530)

وكان ملكاً شجاعاً حازماً مهيبا، لشدة سطوته وفخامته، مع غزة النفس وعلو الهمة، وكثرة الحياء وطهارة الذيل عن الخنا وصيانة اللسان من الفحش في القول، والإعراض عن الهزل والغيث بالكلية وشدة الوقار ولزوم الصمت، حتى إنه كان إذا خرج من عند حرمه إلى مماليكه، أخذتهم الرعدة عندما يشاهدونه - خوفاً منه - ولا يبقى أحد منهم مع أحد وكان إذا جلس مع ندمانه كان صامتاً، لا يستفزه الطرب ولا يتحرك وجلساؤه كأنما على رءوساهم الطير، وإذا تكلم مع أحد من خواصه، كان ما يقوله كلمات نزره وهي في غاية الوقار، وتلك الكلمات لا تكون إلا في مهم عظيم، من استشاره أو تقدم بأمر من الأمور المهمة، لا يعدو حديثه قط هذا النحو، ولا يجسر ابتداء البتة، ولا أنه جسر على شفاعة ولا مشورة ولا ذكر نصيحة، مالم يكن ذلك بابتداء من السلطان، فإذا انفرد بنفسه لا يدنو منه أحد (1)، ولم يُسمع منه قط في حق أحد من خدمه لفظة فخشي، وأكثر ما يقول إذا شتم أحداً: "متخلف"، ولا يزيد على هذه الكلمة، ولا عرف قط من النكاح سوى زوجته وجواريه (2) وكانت البلاد في أيامه آمنة مطمئنة والطرق سابلة إلا أنه كان عظيم الكبر زائد الترفع من كبره وترفعه أن ابنه الملك المغيث (3)
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 442).
(2) المصدر نفسه (1/ 442).
(3) المصدر نفسه (1/ 442) ..
(1/531)

لما حبسه الملك الصالح إسماعيل عنده، لم يسأله فيه ولا طلبه منه، حتى مات في حبسه، وكان يحب جمع المال، بحيث أنه عاقب عليه أم أخيه الملك العادل، إلى أن أخذ منها مالا عظيماً وجواهر نفيسة وقتل السلطان الملك الصالح أيوب أخاه الملك العادل، ومن حين قتله ما انتفع بالحياة ولا تهنَّى بها، فنزل به المرض وطرقه الفرنج، وقبض على جميع أمراء الدولة، وأخذ أموالهم وذخائرهم ومات في حبوسه ما ينيف على خمسة آلاف نفس، سوى من قتل وغرق من الأشرفية في البحر، ولم يكن له مع ذلك ميل إلى العلم ولا مطالعة الكتب، إلا أنه كان يجرى على أهل العلم والصلاح المعاليم والجرايات، من غير أن يخالطهم، ولم يخالط غيرهم، لمحبته في العزلة، ورغبته في الانفراد، وملازمته للصمت ومداومته على الوقار والسكون وكان يحب العمارة ويباشر الأبنية بنفسه، وعمر بمصر مالم يعمره أحد من ملوك بني أيوب فأنشأ قلعة الروضة تجاه مدينة فسطاط مصر، وأنفق فيها أموالاً جمة، وهدم كنيسة كانت هناك لليعاقبة من النصارى وأسكن بهذه القلعة ألف مملوك من الترك - وقيل ثمانمائة - وأقام جسراً من مصر إلى الروضة، يمّر عليه الأمراء وغيرهم إذا جاءوا إلى الخدمة، ولم يكن أحد يمّر على هذا الجسر راكباً احتراماً للسلطان فجاءت هذه القلعة من أجل مباني الملوك وبني أيضاً على النيل بناحية اللوق (1)،
__________
(1) أطلق اسم ناحية اللوق في الأصل - ومعنى اللوق الأرض اللينة - على الجهة التي انحسر عنها ماء النيل من ساحل المقس إلى منشأة المهراني بالقاهرة وعرفت تلك الناحية باسم باب اللوق خطط المقريزي (2/ 137 - 138) ..
(1/532)

قصوراً بلغت الغاية في الحسن، جعلها إلى جانب ميدانه الذي يلعب فيه بالكرة، وكان مغرم بلعبها وبني قصراً عظيماً فيما بين القاهرة ومصر، سماه الكبش على الجبل بجوار جامع ابن طولون، وبنى قصراً بالقرب من العَلاَ قِيمة في أرض السانح، وجعل حوله مدينة سماها الصالحية فيها جامع وسوف، لتكون مركزاً للعساكر بأول الرمل الذي بين الشام ومصر وكان له من الأولاد الملك المغيث فتح الدين عمر وهو أكبر أولاده، مات في سجن قلعة دمشق، والملك المعظم غياث الدين تورانشاه، وملك مصر بعده، والملك القاهر ومات في حياته أيضاً وولد له أيضاً من شجرة الدر ولد سماه خليلاً، مات صغيراً، ولما طال مرضه من الجراحة الناصورية - وفسد مخرجه، وامتد الجرح إلى فخذه اليمنى، وأكل جسمه - اجتهد في مداواتها، وحدث له مرض السل من غير أن يفطن به، فورد كتابة إلى الأمير حسام الدين بن أبي علي بالقاهرة: إن الجراحة قد صلحت وجفت رطوباتها، ولم يبق إلا ركوبي ولعبي بالصولجة، فتأخذ حَظَّك من هذه البشرى. وفي الحقيقة لم تجف الجراحة إلا لفراغ المواد وتزايد عليه بعد ذلك المرض حتى مات وقيل إنه لم يعهد إلى أحد بالملك، بل قال للأمير حسام الدين بن أبي علي: إذا مت لا تسلم البلاد إلا للخليفة المستعصم بالله، ليرى فيها، رأيه؛ فإنه كان يعرف ما في ولده المعظم تورانشاه من الهوج (1).
__________
(1) السلوك (1/ 444).
(1/533)

5 - زحف الصليبيين نحو القاهرة: وقرر الصليبيون الزحف صوب القاهرة بعدما وصلت إليهم بعض الإمدادات، ورتب الملك لويس حراسة قوية لحراسة المدينة بعد تحرك القوات الصليبية وفي هذه المرحلة مات السلطان الصالح أيوب، وكانت محنة عظيمة ألمت بالمسلمين ولكن زوجته شجرة الدر ظهرت على مسرح الأحداث وأدركت خطورة إذاعة هذا الخبر على الجند، فقررت إخفاء خبر الوفاة ولم يعرف بذلك إلا الخاصة وزودت وثيقة تحمل توقيع السلطان بتعيين ابنه توارانشاه قائداً عاماً للجيوش ونائباً للسلطان أثناء مرضه وخلال ذلك كان الصليبيون يتحركون جنوباً فوصلوا إلى مدينة فارسكور في الثاني عشر من ديسمبر 1049م ومنها تقدموا إلى شار مساح ثم البرامون وأصبح بحر أشموم هو الفاصل بين المسلمين والصليبيين وعند هذه المرحلة توقفت القوات الصليبية وأقامت معسكرها على الضفة الشمالية وعملت على تأمين معسكرها بحفر الخنادق وإقامة المتاريس وظلوا على هذا حوالي شهر ونصف، ثم شرعوا في بناء جسر ليعبروا عليه على الضفة الجنوبية لبحر أشموم، ولم تكن عملية إقامة الجسر بالأمر الهين فقد أمطرهم المسلمون وابلاً من القذائف، ولم يتمكنوا من إقامته، وأخيراً نجح الصليبيون في التعرف على مخاضة - دلهم عليهم أحد العربان وفي رواية أحد الأقباط (1)
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 85 ..
(1/534)

بعد ما رشوه بالمال - تمكنهم من العبور إلى المعسكر الإسلامي وكانت خطة الملك لويس أن يعبر هو وأخوته وجزء كبير من الجيش المخاضة إلى الجنوب ويقوم بقية الجيش الصليبي بحراسة المعسكر الصليبي، وبعد إتمام عملية العبور تقوم الفرقة المخصصة للحراسة باستكمال عملية إقامة الجسر، وإذا ما تم النصر على القوات الإسلامية في المنصورة يتقدم الجيش الصليبي إلى القاهرة وعبرت القوات الصليبية في عجز الثامن من فبراير عام 1250م وكانت عملية شاقة وبطيئة بسبب عمق المخاضة وكان في طليعة القوات الصليبية الكونت أرتو الذي شن على القوات الإسلامية المواجهة له هجوماً، وحقق نصراً عليها، وعندما وصلت هذه الأخبار إلى الأمير فخر الدين أسرع بدعوة القوات الإسلامية والتحم مع الصليبيين في معركة عنيفة وقع فيها فخر الدين شهيداً، فغسل بذلك عار انسحابه من جيزة دمياط واغتر الكونت أرنو بالنصر الذي أحررزه ولم يبال بأوامر الملك لويس ونصائح القادة الصليبيين بالتريث حتى تتكامل القوات الصليبية، وأراد أن ينفرد بشرف النصر لنفسه (1).
__________
(1) تاريخ الحروب الصليبية محمود سعيد ص 312.
(1/535)

خامساً: معركة المنصورة وتورنشاه يقود المعركة النهاية: وأضحى لروبرت أرتوا السيطرة على المعسكر الأيوبي، فاغتر بقوته، وتابع زحفه إلى المنصورة لاقتحامها، والقضاء على الجيش الأيوبي، وأعرض عن توسلات الداوية بأن ينتظر وصول الملك والجيش الرئيسي، ونصحه بعضهم بالحيطة والحذر، ثم بادر باقتحام المنصورة (1)، فأضحت المنصورة ساحة لحرب الشوارع، وتولى قيادة المصريين الأمير بيبرس البندقارى فأقام جنده في مراكز منيعة داخل المدينة، وانتظروا حتى تدفق الصليبيون بجموعهم إلى داخلها ولما أدركوا أنهم بلغوا أسوار القلعة التي اتخذها المصريون مقراً لقيادتهم، خرج عليهم المماليك في الشوارع والحارات والدروب، وأمعنوا في قتالهم، ولم يستطع الصليبيون أن يلتمسوا لهم سبيلاً إلى الفرار، فوقع الاضطراب بين الفرسان، ولم يفلت من القتل إلا من القى بنفسه في النيل فمات غريقاً، أو كان يقاتل في أطراف المدينة (2)، وكانت المنصورة مقبرة الجيش الصليبي (3)، وأول ابتداء النصر على الفرنج (4)،
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 368.
(2) الشرق الأدنى في العصور الوسطى، الأيوبيون ص 150.
(3) السلوك (1/ 448) تاريخ الأيوبيين ص 386.
(4) مذكرات جوانفيل ص 131 - 136 ..
(1/536)

وجزع لويس التاسع لتلك الصدمة، لكنه تملك نفسه، وبادر إلى إقامة خط أمامي لمواجهة ما يتوقعه من هجوم، من قِبلَ فرسان المماليك ضد قواته، كما أقام جسراً من الصنوبر على مجرى البحر الصغير عبر عليه النيل مع رجاله، ووزعَّ رماته على مجرى البحر الصغير عبر عليه النيل مع رجاله، ووزَّع رماته على الطرف البعيد للنهر حتى يكفلوا الحماية للجند عند عبورهم متى دعت الضرورة إلى ذلك لكن المماليك لم يتركوه وشأنه، وبادروا إلى شن هجوم على المعسكر الصليبي وقاد الملك الفرنسي المعركة بنفسه وأجبر المسلمين على التراجع نحو المنصورة وعلى الرغم من الانتصار الصليبي، إلا أن موقف الصليبيين أخذ يزداد سوءاً بسرعة واضحة، بعد أن قلت المؤن، كما فقدوا نسبة مرتفعة من فرسانهم في معركة المنصورة، وانتشرت الأمراض في معسكرهم، وظل الملك الفرنسي، زهاء ثمانية أسابيع، في معسكره أمام المنصورة، آملاً بأن يحدث انقلاب في مصر أو يقوم المصريون بثورة على الحكم الأيوبي وصل تورانشاه إلى المنصورة في 17 ذي القعدة 647هـ/21 شباط 1250م، بعد أن أُعلن سلطاناً في دمشق، وهو في طريقه إلى مصر فأعلنت عندئذ وفاة الصالح أيوب، وسلمَّته شجرة الدر مقاليد الأمور، فأعَّد خطة عسكرية كفلت له النصر النهائي على الصليبيين (1) وكان وصوله إلى مصر إيذاناً بإعادة إرتفاع الروح المعنوية عند المصريين، وبين صفوف المماليك "وتيمَّن الناس بطلعته" (2).
__________
(1) السلوك (1/ 449) تاريخ الأيوبيين ص 387.
(2) النجوم الزاهرة (6/ 364) تاريخ الأيوبيين ص 387.
(1/537)

وأمر بإنشاء أسطول من السفن الخفيفة نقلها إلى فروع النيل السفلى، وأنزلها في القنوات المتفرعة، فأخذت تعترض طريق السفن الصليبية التي تجلب المؤن للجنود من دمياط، فقطع، بذلك، الطريق عليها، وحال دون اتصال الصليبيين بقاعدتهم دمياط (1)، وفقد الصليبيون عدداً كبيراً من سفنهم قدَّرتها المصادر بما يقرب من ثمان وخمسين سفينة: انقطع المدد من دمياط عن الفرنج، ووقع الغلاء عندهم، وصاروا محصورين لا يطيقون المقام، ولا يقدرون على الذهاب، وتشجع المسلمون وطمعوا فيهم، وأدرك لويس التاسع استحالة الزحف نحو القاهرة في ظل هذه الأوضاع وبدأ يفكر في العودة إلى دمياط وفعلاً أمر بالإرتداد وأحرق الصليبيون ما عندهم من الخشب، وأتلفوا مراكبهم ليفرُّوا إلى دمياط، كما أدرك أن عملية الانسحاب لن تكون سهلة، وأن المماليك سوف يطاردون جيشه لذلك لجأ قبل أن يبدأ بعملية الإنسحاب إلى فتح باب المفاوضات مع تورانشاه، على أساس ترك دمياط مقابل أخذ بيت المقدس (2)،
__________
(1) الحركة الزاهرة (6/ 364) تاريخ الأيوبيين ص 387.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 288 ..
(1/538)

غير أن الوقت قد فات على مثل هذه المساومة، وكان طبيعياً لأن يرفض تورانشاه هذه الاقتراح، وبخاصة أنه علم بحرج موقف الملك وفي صباح (1محرم عام 648هـ/نيسان عام 1250م بدأت عملية الإنسحاب المهندسون الصليبيون أن يدمَّروا الجسر الذي أقاموه لاجتياز البحر الصغير فلم يلبث المماليك أن عبروه وراءهم، وقاموا بعملية مطاردة منظمة، وهاجموهم من كل ناحية (1)، وبفضل ثبات الملك الفرنسي وحسن إدارته بعملية الإنسحاب، وصل الصليبيون إلى شرمساح عند منتصف الطريق بين المنصورة ودمياط، لكن هذا الملك مريضاً، وأحاط المماليك بجيشه من كل جانب، وراحوا يتخطفونهم، وشنوا عليهم هجوماً عاماً عند فارسكور ولم يقوا الملك على القتال، وتمّ تطويق الجيش بأكمله، وحلت به هزيمة منكرة، ووقع كل أفراده تقريباً بين قتلى وجرحى وأسرى، وكان الملك لويسع التاسع نفسه من بين الأسرى، حيث سيق مكبَّلاً إلى المنصورة، وسُجن في دار فخر الدين إبراهيم بن لقمان، وعُهد إلى الطواش صبيح المعظمى بحراسته وخُصَّص من يقوم بخدمته وكانت معظم الحرب في فارسكور، فبلغت عدّة القتلى عشرة آلاف في قول المقل وثلاثين ألفاً في قول المكثر، وأسر من الفرنج عشرات الألوف بما فيهم ضاعتهم وسوقتهم، وغنم المسلمون من الخيل والبغال والأموال مالاً يحصى كثرة، وأبلت الطائفة البحرية - لاسيما بيبرس البندقداري - في هذه النوبة بلاء حسان وبان لهم أثر جميل (2)، وتعددت صور شجاعة هؤلاء المماليك في التصدي لأعداء الإسلام وشهد التاريخ ببسالة الدور الذي لعبه المماليك في مقاومة الصليبيين فذكر جوانفيل أن الكونت بواتييه والكونت فلاندر وبعض قادة قواتهم كانوا يرسلون إلى الملك لويس يتوسلون إليه: أن يقصر عن الحركة لعجزهم عن متابعته لضغط المماليك الشديد عليهم (3) ويقول: ..
__________
(1) النجوم الزاهرة (6/ 364) تاريخ الأيوبيين ص 388
(2) نهاية الأرب في فنون الأدب (29/ 356).
(3) السلوك (1/ 455)
(1/539)

ثم جاء للكونستابل جندي كان يحمل صولجانا ويرتجف خوفاً وأخبره أن الترك قد أحدقوا بالملك وأنه في خطر عظيم فرجعنا، فأبصرنا بيناوبينه ومالا يقل عن ألف مملوك والملك قريباً من النهر والمماليك يدفعون قواته ويضربون السيوف والصولجانات وأرغموا القوات الأخرى على التقهقر (1) وقد وصفهم أحد المؤرخين في تلك المعركة بقوله: والله لقد كنت أسمع زعقات الترك كالرعد القاصف ونظرت إلى لمعان سيوفهم وبريقها كالبرق الخاطف فلله درهم لقد أحيوا في ذلك اليوم الإسلام من جديد بكل أسد من الترك قلبه أقوى من الحديد، فلم تكن إلا ساعة وإذا بالإفرنج قد ولوا على أعقابهم منهزمين وأسود الترك لأكتاف خنازير الإفرنج ملتزمين (2)، وتضمنت انتصارات المماليك على الصليبيين أنهم استطاعوا الإستيلاء على ثمانين سفينة من سفن الصليبيين بعد أن قاموا بسحب بضعة سفن من سفن المسلمين إلى اليابسة ثم أنزلوها ثانية إلى الماء على بعد فرسخ من شمال معسكرهم، فاستحالت عودة الفرنج الذين ذهبوا إلى دمياط لجلب المؤنة وتم قتل جميع بحارة الثمانين سفينة كما استولوا على اثنين وثلاثين مركباً مما أضعفهم وطلبوا الصلح (3).
__________
(1) الجواري والغلمان في مصر، نجوى كمال ص 403.
(2) الجواري والغلمان في مصر 404، كنز الدرر (7/ 376).
(3) الجواري والغلمان في مصر ص 405، 406.
(1/540)

1 - بشائر النصر تعلن للمسلمين: كتب تورانشاه في أعقاب المعركة إلى الأمير جمال الدين بن يغمور نائب دمشق كتاب بخطه نصه: من ولده تورانشاه الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن (وما النصر إلا من عند الله" (الأنفال، آية: 10) "يؤمئذ يفرح المؤمنون بنصر الله" (سورة الروم، آية:4) "وأما بنعمة ربك فحدث" (الضحى، آية:11) "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (النحل، آية: 18) نبشر المجلس السّامي الجمَالي، بل نبشر المسلمين كافة، بما من الله به على المسلمين من الظفر بعدون الدين، فإنه استفحل أمره واستحكم شره، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد، فنودوا لا تيأسوا من روح الله، ولما كان يوم الاثنين مستهل السنة المباركة، تمم الله على الإسلام بركتها، فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال وفَّرقنا السلاح وجمعنا العربان والمطوعة وخلقاً لا يعلمهم إلا الله، فجاءوا من كل فج عميق ومكان سحيق، فلما كان ليلة الأربعاء تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم، وقصدوا دمياط هاربين، وما زال السيف يعمل في أدبارهم عامة الليل، فيوحلَّ بهم الخزي والويل، فلما أصبحنا يوم الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفاً، غير من ألقيى نفسه من اللجج، وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج والتجأ الفرنسيين إلى المنية، وطلب الأمان فأمناه وأخذناه وأكرمناه وتسلمنا دمياط بعون الله وقوته وجلاله وعظمته وذكر كلاماً طويلاً وبعث المعظم مع الكتاب غَفَارة (1)، الملك لويسع التاسع فلبسها الأمير جمال الدين بن يغمور (2).
__________
(1) الغفارة: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.
(2) السلوك (1/ 456).
(1/541)

2 - لويس التاسع في الأسر وشروط الصلح: لم يهتم المسلمون كثيراً، بعد انتصارهم، بأمر دمياط، ونظروا إلى أبعد من ذلك، ففكرَّوا باسترداد ما بأيدي الصليبيين في بلاد الشام، فاستغلوا وجود الملك الفرنسي في الأسر لتحقيق هذه الغاية، لكن لويس التاسع أجاب بأن هذه البلاد ليست في أملاكه، بل تخص الملك كونراد ابن الأمبراطور فريدريك الثاني (1)، وعبثا حاول تورانشاه، إرغامه على الاعتراف وأصَّر لويس التاسع على رأيه وقال: إنه أسيرهم، ولهم أن يفعلوا به ما يشاؤون (2)، فبادر تورانشاه إلى إغفال هذا الموضوع لكنه قرَّر غزو بلاد الشام، وغالى في شروط الصلح إذ كان لزاماً على الملك الفرنسي أن:
- يفتدي نفسه بأن يؤدي مليون بيزنته وهذا مبلغ كبير.
- يُطلق سراح عدد كبير من الأسرى المسلمين.
- يسلم دمياط إلى المسلمين.
- يستمر الصلح مدة عشر سنوات (3).
وافق الملك الفرنسي على هذه الشروط، وأقسم الطرفان على احترامها (4)، وانتظر لويس لبعض الوقت حيث كانت زوجته تعاني آلام الوضع، وأرسل بعض رجاله إلى دمياط لتسليمها للمسلمين ودخلت القوات المدينة في السابع من مايو بعدما ظلت في أيدي قوات لويس ما يقرب من عام ودفع لويس نصف الفدية حسبما اتفق عليه وأطلق سراح الصليبيين من البر الشرقي إلى جيزة دمياط، ثم تبعهم باقي الصليبيين وفي يوم الأحد الرابع من صفر عام 648هـ الموافق الثامن من مايو عام 1250م أقلعت سفن الفرنج واتخذت طريقها إلى عكا حاملة فلول الحملة بعد أن أنهكتها الهزائم، وحلت بها الكوارث (5).
__________
(1) مذكرات جوانفيل ص 157، 159 - 161.
(2) تاريخ الأيوبيين ص 389 حملة لويس التاسع على مصر ص 206.
(3) تاريخ الأيوبيين ص 389.
(4) المصدر نفسه ص 389.
(5) تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد ص 315.
(1/542)

سادساً: - أسباب الهزيمة: ساهمت مجموعة من الأسباب في هزيمة الحملة الصليبية السابعة، والتي من أهمها:
1 - التطوير العسكري في الجيش الأيوبي: فقد قام الملك الصالح أيوب، بإصلاح عسكري في الدولة وضع سياسة جديدة تقوم على استخدام الأتراك المماليك بشكل لم يسبق له مثيل من قبل أسلافه الأيوبيين، مكنته من متابعة حروبه الخارجية مع مملكة بيت المقدس والتصدي للحملة الصليبية السابعة (1)، ورافق ذلك التطوير العسكري الاهتمام الديني به من حيث التربية والتعليم حتى أصبح كتائب المماليك تدافع عن عقيدة الإسلام، وأصبحت الدولة تحتفظ بجيش عقائدي ومنظم مدرب أحسن تدريب صناعته الحرب والقتال وأيدي من المهارة والبسالة في قتال القوات الصليبية، رغم هزيمتهم في بداية الأمر وتميز القواد المسلمون بوضع الخطط الحربية الممزوجة بالمكر والخدع الحربية والمثال على ذلك الخطة التي وضعها توران شاه عقب وصوله إلى المنصورة لقطع خطوط الإمدادات الصليبية عن الصليبيين المقيمين جنوب بحر أشموم تم مهاجمة القوات الصليبية في الوقت المناسب (2).
__________
(1) الملك الصالح أيوب وإنجازاته السياسية والعسكرية ص 151.
(2) الحروب الصليبية، محمود سعيد ص 317.
(1/543)

2 - وحدة الصف الإسلامي: فقد كانت مصر والشام تحت زعامة واحدة ولاحت بشائر النصر منذ وصول الجيوش الشامية إلى مصر (1)، وكانت روح الجهاد تسرى في قلوب المسلمين حيث أن المتطوعين من المسلمين في مصر جاءوا من جميع أنحاء مصر بدأو يقاتلون العدو بالهجوم فيقتلون ويأسرون ففي أول شهر ربيع الأول بدأت الأعمال الفدائية ضد العدو فوقع في يد الفدائيين ست وثلاثين أسيراً كان من بينهم اثنان من فرسان العدو، أرسلا إلى القاهرة مكبلين بالحديد (2)، ثم تتابعت الأعمال الفدائية ضد العدو تتابع أيضاً سقوط مزيد من الأسرى، فسقط في اليوم الخامس من نفس الشهر تسعة وثلاثين أسيراً ثم اثنان وعشرون في اليوم السابع وخمسة وأربعون في اليوم السادس عشر في بينهم ثلاثة من فرسان العدو، وبلغ عدد الأسرى في شهر جمادى الأولى خمسين أسيراً واستمر العمل الفدائي الشعبي في تكبيد العدو خسائر فادحة وعندما أعلن الجهاد المقدس من فوق منبر الجامع الأزهر في 26 شعبان 647هـ سرعان ما انتشر نبأ الجهاد في أنحاء مصر كلها واشتد حماس الجماهير في مصر للتطوع للجهاد، فخرج الناس من القاهرة، وسائر المدن والقرى فاجتمع عالم عظيم لا يقع عليه حصر، واستطاع الفدائيون من عامة المسلمين أن يزعجوا الصليبيين ومنعوهم من الاستقرار والراحة (3)، ويصف المقريزي هذا الدور العظيم الذي قام به الأهالي من العرب وغيرهم ضد الفرنج فيقول: وأبلى عوام المسلمين في قتال الفرنج بلاء كبير، وانكوهم نكاية عظيمة وصاروا يقتلون منهم ويأسرون (4) وقد سقط الشهداء من عامة المسلمين والمماليك - جنباً إلى جنب دفاعاً عن مصر (5).
__________
(1) تاريخ القبائل العربية في عصر الدولتين الأيوبية والمماليك ص 95.
(2) المصدر نفسه ص 91 بدائع الزهور (1/ 69).
(3) تاريخ القبائل العربية في عصر الدولتين الأيوبية والمماليك ص 93.
(4) المصدر نفسه ص 93.
(5) المصدر نفسه ص 94 الخطط (1/ 219 - 222).
(1/544)

3 - هيبة القيادة الإسلامية: كان السلطان الصالح أيوب يتمتع بنفوذ حقيقي على رجال دولته وقادة جيوشه، وكانت أهم صفة يتحلى بنها الجند الإسلامي هي الطاعة لأوامر قائدهم، فقد كان للسلطان هيبة بالغة في نفوس مماليكه حتى أنهم كانوا يرتجفون رعباً عن المثول في حضرته:
ملاء القلوب مخافة ومحبة ... فاليأس يرهب والمكارم تعشق (1)

واستمرت هيبة القيادة بعد وفاة الملك الصالح أيوب بفضل الله ثم شجرة الدر، فقد قامت بدور مجيد في هذه المرحلة، وقد كتمت خبر موت زوجها وتحملت الموقف بكل شجاعة ورابطت جأش وسارت الأمور كأن لم يحدث ودارت العمليات العسكرية، كأن السلطان لم يمت حتى وصل توران شاه الذي تولى القيادة في مصر، ولم تشر المصادر إلى وقوع أي خلل في الفترة الواقعة بين موت السلطان الصالح أيوب وحضور توران شاه (2) وهذا يدل على نجاح مهمتها في ذلك الحدث الخطير.
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر، د. جوزيف نسيم ص 251.
(2) تاريخ الحروب الصليبية ص 318.
(1/545)

4 - نزول العلماء والفقهاء أرض الجهاد: قام العلماء بدور كبير في تحريض الناس على القتال وانضم إلى صفوف المجاهدين كوكبة مباركة من ألوان الطيف الإسلامي، كالعز بن عبد السلام والشيخ محي الدين بن سراقه والشيخ مجد الدين علي بن وهب القشيري، وكان كبار المتصوفة متواجدون في معركة المنصورة ومن أشهرهم الشيخ أبو الحسن الشاذلي وكان يقضي وقته كله في المنصورة ولا تشغل باله وفكره إلا هذه الحرب الطاحنة بين عدو وافد وجيش مجاهد، وكان يثير روح الجهاد في نفوس اتباعه والناس وبقي إلى تحقيق نصر الله على الصليبيين وكان من أشد الناس فرحاً بهزيمة الصليبيين ورحيلهم عن مصر وقد عاد بعد ذلك إلى الإسكندرية، وتابع سيرته الأولى في الحياة يدرس ويعظ ويتعهد أرواح تابعيه ومريديه بالتهذيب (1) وكان الشيخ الشاذلي من كبار متصوفة عصره وقد تميزت طريقته بالملامح الآتية:-
- كانت دعوته عامة للناس جميعاً، وجدت في تونس وفي مصر وفي الجزائر، وفي المغرب، وفي اليمن وفي الحجاز، كما أن.
- أن المدرسة الشاذلية لم تعن بالتنظير الفكري بقدر ما عنيت بالأفكار من حيث تطبيقاتها في الحياة العلمية.
- إن الدعوة الشاذلية، لم تكن دعوة للانقطاع إلى العبادة، أو الإنغمار في حياة الربط والتكايا، وإنما كانت دعوة إلى العبادة بمفهومها الشامل في الحياة (2).
__________
(1) أعلام الإسكندرية في العصر الإسلامي ص 185.
(2) سيدي أبو الحسن الشاذلي د. عبد الوهاب فرجات ص 276.
(1/546)

- كان الشيخ الشاذلي يدعو اتباعه بالتمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة البدع المحدثة في الدين وكان يلزم أتباعه بالصلوات الخمس في المساجد وفي هذا يقول: إذا لم يواظب الفقير على الصلوات الخمس في الجماعة، فلا تعبأن (1). ويقول أيضاً: كل علم تسبق إليك فيه الخواطر، وتميل إليه النفس وتلذ به الطبيعة، فارم به وخذ بالكتاب والسنة (2). والشيخ الشاذلي رحمه الله عارضه مجموعة من العلماء منهم ابن تيمية - رحمه الله - الذي انتقده في بعض أحزابه زاعماً بأن أقواله تفضي إلى تعطيل الأمر والنهي (3)، ونحب أن نشير إلى أن ابن تيمية لم يحمل على الشيخ حملته على ابن عربي وابن سبعين والقونوى وعفيف الدين التلمساني، والجربي، كما أنه لم يتهمه صراحة بأنه يقول بسقوط التكليف ولكنه قال: بأن لوازم أقواله تقضي إلى ذلك (4)، وغير خاف لدى الفقهاء بأن لازم المذهب ليس مذهباً لصاحبه (5)، وثمة ناقد آخر للشيخ الشاذلي هو المؤرخ الكبير شمس الدين الذهبي الذي يقول عنه: وله عبارات في التصوف مشكلة توهم، ويتكلف له في الاعتذار عنها (6)، ومنهم أيضاً المؤرخ "ابن الوردي" الذي قال عنه له عبارات في التصوف مشكلة رد عليها ابن تيمية (7).
__________
(1) المصدر نفسه ص 276.
(2) المصدر نفسه ص 276.
(3) الفتاوى (8/ 232).
(4) المصدر نفسه (8/ 232).
(5) سيدي أبو الحسن الشاذلي ص 85.
(6) العبر في أخبار من غبر (5/ 232، 233).
(7) سيدي أبو الحسن الشاذلي ص 86.
(1/547)

ومن أراد المعرفة المفصلة عن حياة الشيخ أبي الحسن الشاذلي، فليراجع الكتاب للدكتور عبد الوهاب فرحات والذي سمّاه "سيدي أبو الحسن الشاذلي حياته ومدرسته في التصوف" وقد انتصر الدكتور عبد الوهاب إلى أن الشاذلي من أعلام مدرسة التصوف السني وقد نقل لنا من أقوال الشاذلي الشيء الكثير في هذا المعنى، ولابد من التفريق بين المؤسسة والأتباع الذين غلوا فيه بعد وفاته ومما نقله الدكتور عبد الوهاب في هذا المعنى قول الشيخ الشاذلي - رحمه الله -: إذا ثقل الذكر على لسانك وكثر اللغو من مقالك، وانبسطت الجوارح في شهواتك وانسد باب الفكرة في مصالحك، فأعلم أن ذلك من عظيم أوزارك أو لكمون إرادة النفاق في قلبك، وليس لك إلا طريق التوبة والإصلاح والاعتصام بالله، والإخلاص في دين الله ألم تسمع قوله تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين" (النساء، آية: 146) ولم يقل من المؤمنين فتأمل هذا القول، إن كنت فقيهاً والسلام (1) وكان يقول: إذا عارض كشفك الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك أن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها في جانب الكشف ولا الإلهام (2): وممن مدح الشيخ الشاذلي، سلطان العلماء الفقيه الكبير العز بن عبد السلام فقد قال عندما سمعه يتحدث في مجلسه عن الأسرار العجيبة والعلوم الجليلة،: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله (3)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 87.
(2) المصدر نفسه ص 87.
(3) المصدر نفسه ص 88 ..
(1/548)

وكذلك السبكي وجلال الدين السيوطي، فقد كتب فيه كتيب صغير سماه: تأييد الحقيقة العاليةّ في تشييد الطريقة الشاذلية، دافع فيه عن الشيخ الشاذلي وعن طريقتها مبرزاً فضائلها ومحاسنها وهو يقول: وكان الشيخ أبو الحسن يحضر عنده الأئمة مثل سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد هذا مع ما صح عن ابن دقيق من تشديد النكير على الاتحادية، وتضليل عقولهم فلو رأى في كلام الشاذلي من ذرة من ذلك لكان أول مبادر إلى إنكارها (1)، بل أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد قال: ما رأيت أعرف بالله من الشيخ (2) الشاذلي وقال الشيخ بدر الدين بن جماعة: إن بركة الشيخ حلت بالديار المصرية منذ أقام فيها (3).
__________
(1) سيدي أبو الحسن الشاذلي ص 91.
(2) أعلام الإسكندرية في العصر الإسلامي ص 181.
(3) المصدر نفسه ص 181 البطولة والفداء ص 123.
(1/549)

إن الشيخ الشاذلي في معركة المنصورة وهي من المعارك الكبرى التي خاضتها الأمة في الدفاع عن دينها وعقيدتها وأرضها وعرضها، كان حاضراً في ساحة الوغى، فقد أبت عليه همته إلا أن يحضر إلى المنصورة ليحرض الجند والسلطان على القتال حينما تملك الرعب قلوب الأهلين، بعدما استولى الفرنجة على ثغر دمياط ولقد كان لهذه الوقفة أثرها المحمود في إذكاء الروح الإسلامية لدى مريديه وعامة الناس، فقد كان لموقف أبي الحسن الشاذلي أثره العميق، وعاقبته الطيبة في نفوس الجند، ومن ثم ندرك أن أبا الحسن الشاذلي شخص فعال في دنيا الناس، لا كشأن الكثيرين من علمائنا في هذا الزمان على اختلاف ألوان طبيعتهم (1) فحضوره في معركة المنصورة من الفضائل الكبرى التي سجلت بماء الذهب في صفحات تاريخه، كما أنني أطلعت على تسبيح ومناجاة وثناء على الله عز وجل للشيخ الشاذلي قمة في التوحيد، وعمق في التضرع والإنكسار أمام الواحد الديان فقد قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. ولقد شكا إليك يعقوب فخلصته من حزنه، ورددت عليه ما ذهب من بصره، وجمعتُ بينه وبين ولده، ولقد ناداك نوح من قبل فنجيته من كربه، ولقد ناداك أيوب من بعد فكشفت ما به من ضره، ولقد ناداك يونس فنجيته من غمه، ولقد ناداك زكريا فوهبت له ولدا من صُلْبه بعد يأس أهله وكبر سنه، ولقد علمت ما نزل بإبراهيم فأنقذته من نار عدوه، وأنجيت لوطاً وأهله من العذاب النازل بقومه، فهأنذا عبُدك: إن تعذبني بجميع ما علمت فأنا حقيق به، وإن ترحمني كما رحمتهم - مع عظيَم إجرامي - فأنت أولى بذلك، وأحق من أكرم به (2).
__________
(1) سيدي أبو الحسن الشاذلي ص 69.
(2) تسبيح ومناجاة وثناء على ملك الأرض والسماء للشيخ محمد بن حسن بن عقيل الشريف ص 136.
(1/550)

وقال أيضاً: ربَّ: لمن أقصد، وأنت المقصود، وإلى من أتوجه وأنت الموجود، ومَن ذا الذي يعطي وأنت صاحب الكرم والجود، ومن ذا الذي أسأل وأنت الرب المعبود، وهل في الوجود ربُّ سواك فيُدعى أم هل في الملك إله غيرك فيُرجى وإليه يُسعى، أم هل كريم غيُرك يطلب منه العطا، أم جواد سواك فيُسأل منه الرضا، أم هل حليم غيُرك فيُنال منه الفضل والنعُمى، أم هل رحيم غيرك في الأرض والسماء، أم هل حاكم سواك فترفع إليه الشكوى، أم هل رؤوف غيرك للعبد الفقير يعتمد عليه، أم هل مليك سواك تبسط الأكف بالدعاء إليه، فليس إلا كَرمُك وجودك لقضاء الحاجات، وليس إلا فضلك ونعمك لإجابة الدعوات، يا من لا ملجأ لا منجى منه إلا إليه، يا من يُجبر ولا يُجار عليه (1) ربَّ:
__________
(1) المصدر نفسه.
(1/551)

إلى من أشتكي وأنت العليم القادر، أم إلى من ألتجئ وأنت الكريم الساتر، أم بمن أستنصر وأنت الولي الناصر، أم بمن أستغيث وأنت الولي القاهر، أم من ذا الذي يجبر كسري وأنت للقلوب جابر، أم من يغفر ذنبي وأنت الرحيم الغافر وأنت العليم فيما في السرائر، الخبير بما تخفيه الضمائر، على المطلع على ما تحويه الخواطر، يا من هو فوق عباده قاهر، يا من هو مطلع عليهم وناظر، يا من هو قريب وحاضر، يا من هو الأول والآخر، والباطن والظاهر، يا إله العباد، يا كريم يا جواد يا صاحب الجود والكرم والإحسان، يا ذا الفضل والنِعمَ والغفران يا من عليه يتوكل المتوكلون، يا من إليه يلجأ الخائفون، يا من بكرمه، وجميل عوائده يتعلق الراجون، يا من سلطان قهره وعظيم قدرته يستغيث المضطرون، يا من بوسيع عطائه وسعة رحمته وجزيل فضله وجميل منته تبُسط الأيدي، ويسأل السائلون، يا مفَّرج الكربات، وغافر الخطيئات وقاضي الحاجات، ومستجيب الدعوات، وكاشف الظلمات، ودافع البليات، وساتر العورات، ورفيع الدرجات وإله الأرض والسموات، يا من عليه المتُكل، يا من إذا شاء فعل، ولا يُسأل عما يفعل، يا من لا يُرْمه سؤال من سأل يا من أجاب نوحاً في قومه، يا من نصر إبراهيم على أعدائه، يا من رد يوسف على يعقوب، يا من كشف الضَّر عن أيوب، يا من أجاب دعوة زكريا، يا من قِبَل تسبيح يونس بن مَتىَّ:

إلهي: قد وجدتك رحيماً فكيف لا أرجوك، ووجدتك ناصراً معيناً فكيف لا أدعوك مَن لي إذا قطعتني، ومن ذا الذي يضرني إذا نفعتني، ومن الذي يعذبني إذا رحمتني، ومن ذا الذي يَقْرَبُني بسوء إذا نجيتني، ومن ذا الذي يمرضني إذا عافيتني (1).
__________
(1) تسبيح ومناجاة وثناء على مَلكِ الأرض والسماء ص 134 إلى 137.
(1/552)

بمثل هذا الدعاء والتسبيح والثناء على الله عز وجل يفتح الله رحماته على عباده، ويأتي نصر الله وتوفيقه، وتحفظ بيضة الإسلام من الأعداء، فوجود هذا الشيخ وأمثاله في معركة المنصورة من أسباب نصر الله للمسلمين ويذكر بعض المؤرخين أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي قام بعمل أوراد في تلك المعركة، وأوصى مريديه بقرائتها في الليل بعدما تهدأ المعارك وهما "حزب النصر" وحزب الطمس على عيون الأعداء (1)، فأما حزب النصر فأوله: بسم الله الرحمن الرحيم، بسطوة جبروت قهرك وسرعة إغاثة نصرك، وبغيرتك لانتهاك حرماتك وبحمايتك لمن احتمى بآياتك نسألك يا الله، يا قريب، يا سميع يا مجيب (2) .. وأما حزب الطمس، فأوله: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله السميع القريب المجيب تجيب دعوة الداعي، إذا دعاك، وتجيب المضطر وتكشف السوء (3).
__________
(1) البطولة والفداء عند الصوفية ص 123، 124.
(2) سيدي أبو الحسن الشاذلي ص 79.
(3) المصدر نفسه ص 79.
(1/553)

5 - جهل الفرنجة بجغرافية البلاد الإسلامية: ومن الأسباب في هزيمة الصليبيين جهلهم بجغرافية البلاد المصرية، وطبيعة الطرق التي اتخذوها للوصول إلى القاهرة بعد احتلالهم لمدينة دمياط، فقد ارتكبوا نفس الخطأ الذي وقعت فيه حملة جان دي برين منذ ثلاثين سنة، إذا استخدم نفس الطريق المائي الوعر الذي استخدمه جان برين من قبله، أي الطريق من دمياط إلى القاهرة ماراً بالمنصورة، فبنها وكان هذا الطريق يعترضه قنوات وترع تتفرع عن الفرع الشرقي للنيل هي أشبه بشبكة الصائد وتصلح أن تكون أفخاخاً للإيقاع بالجيش الفاتح، وغير ذلك، فإنه يمر بعدد من مراكز الدفاع القوية التي يمكن للقوات المصرية استغلالها ضد الفرنج (1) وإن المصير الذي آلت إليه حملة لويس التاسع ومن قبلها حملة جان دي برين لهو دليل كاف على صحة ما نقول، فلم يستولى قائد الحملة الصليبية الخامسة على دمياط إلا بعد حصار دام زهاء 17شهراً، وعندما تقدم داخل الدلتا كانت قواته قد أنهكت بعد هذا الحصار الطويل، وقد توقفت أمام بحر أشموم حيث كان يعسكر قبالته من الناحية الأخرى وأحسوا بخيبة الأمل عندما تبينوا أن الأرض التي كانت تفصل بينهم وبين قاعدتهم في دمياط قد غمرتهم مياه الفيضان، إذ كان النيل في ازدياد واستغل - المسلمون - هذه الفرصة وقطعوا السدود، فأسرع الفرنج بالتراجع صوب دمياط، لكن المياه كانت تحيط بهم من كل جانب، وتعقبهم المسلمون بشده، ولكي ينج الصليبيون بأنفسهم من المجاعة أو الغرق، اضطروا إلى طلب فتح باب المفاوضات وقد سمح لهم السلطان بالرحيل بعد أن أخلوا دمياط (2).
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر د. جوزيف نسيم ص 241.
(2) العدوان الصليبي على مصر ص 242.
(1/554)

أما مصير حملة لويس التاسع فكان أسوأ من تلك بكثير عندما اتبع نفس الطريق (1)، ويبدو أن نابليون بونابرت في حملته على عام 1798م، استفاد من أخطاء من سبقه، فأختار طريق أخرى، من خلال الرسو في الإسكندرية مع الاحتفاظ بخط سير على غربي فرع النيل الغربي (فرع رشيد) ويمر هذا الطريق بدمنهور والجيزة (2)، ولذا يمكننا القول بحق إن السبب الأكبر في فشل الحملة الصليبية السابعة يرجع إلى قلة المعلومات الجغرافية واختيار الطريق الوعر غير العملي، ولو أن القوات الصليبية اضطرت للقتال بعيداً عن مجرى ماء، كبحر أشموم وفي خلاء الصالحية أو بلبيس مثلاً لكانت هناك فرصة أكبر للنجاح وإن استحال هذا الطريق، فإن الطريق الآخر هو النزول في الإسكندرية ومتابعة خط سير بونابرت في 1798م (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 242.
(2) المصدر نفسه ص 243.
(3) المصدر نفسه ص 245.
(1/555)

6 - خطأ كبير في تقدير العامل الزمني: وكما أخطأ لويس التاسع في اختيار الطريق السليم إلى القاهرة، كذلك لم يقدر بوصفه قائد الحملة أهمية العامل الزمني في الحروب ودخله في تقرير مصير البلاد (1)، فالحروب عادة تقوم على السرعة والمباغته، لأن هذه السياسة هي أحسن ما يمكن اتباعها لبث الاضطراب في معسكر العدو ولكن حوادث الحملة أثبتت أن الصليبيين لم يراعوا على الإطلاق قيمة هذا العامل الهام وما يترتب على التباطئ والتأخير من أضرار بالغة (2)، فالوقت الذي أضاعه الصليبيون في قبرص كان سبباً في تسرب أنباء تحرك الحملة والوقت الذي أضاعوه في دمياط كان سبباً في إعطاء الفرصة للقوات الإسلامية في التقاط أنفاسهم وإعادة تنظيم قواتها، وفضلاً عن ذلك فإن هذا الوقت الذي ضاع في قبرص ودمياط قد أدى إلى نفاذ المؤن والأموال ودفع بالقوات الصليبية إلى اللهو والإنغماس في الملذات، مما أدى إلى إنهاك القوات الصليبية واختلال توازنها وانتشار الأمراض وموت عدد من الصليبيين وكان على الصليبيين الاتعاظ من ضياع الوقت في قبرص ولكنهم عادوا وكرروه في دمياط دون قتال واعتقادهم أن الطريق أصبح مفتوحاً أمامهم إلى القاهرة وأنهم سيستولون على القاهرة بنفس السهولة التي استولوا بها على دمياط (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 245.
(2) المصدر نفسه ص 246.
(3) تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد ص 316.
(1/556)

7 - العصيان وعدم الطاعة: ومن العوامل التي تسببت في انهزام الصليبيين العصيان وعدم الطاعة، فلم يكن الملك لويس قائد هذه الحملة صاحب السلطة المطلقة، ومن ثم لم يكن قادراً على فرض إرادته على قواده ورجاله، وإلزامهم باتباع أوامره (1)، فكان رجال الحملة من جند وقواد على السواء يتصرفون حسبما يتراءى لهم ضاربين بأوامر قائدهم الأعلى عرض الحائط مما أضر بالقضية الصليبية، ويذخر تاريخ الحملة بالأمثلة التي تؤيد هذا، فعندما وصل الفرنج إلى قبرص، كان الملك شديد الرغبة في الزحف السريع إلى مصر دون التوقف بالجزيرة، لكنه اضطر إلى الإقامة بها فترة طويلة نزولاً عند رغبة قواد جيشه (2) وكذلك في فترة إقامة الجيش بدمياط، انغمس رجال الحملة في الملذات على مرأى من مليكهم حتى أنه أصبح عاجزاً عن السيطرة عليهم ووضع حد لاستهتارهم (3)،
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 249.
(2) المصدر نفسه ص 249.
(3) المصدر نفسه ..
(1/557)

وعندما اغتصب روبرت كونت ارتوا من وليم كونت سالسبري الغنيمة التي كان قد استولى عليها، توجه الأخير إلى لويس متظلماً من تصرفات شقيقه، راجياً منه أن يعيد إليه ما اغتصبه روبرت منه، لم يسع الملك لويس التاسع أن يفعل شيئاً حتى أن الفارس الإنجليزي استشاط غضباً وترك المعسكر هو ورجاله إلى عكا قائلاً للويس إنه ليس ملكاً إلا بالإسم وإنه ليس له أي سلطة فعلية على رجال جيشه ولعل أبلغ مثل على عصيان الأوامر الملكية ما فعله روبرت بعد عبوره بحر الشموم؛ إذ اندفع نحو المنصورة غير مبال بأوامر أخيه، ولقد بذل الملك ما في وسعه لمنعه من التقدم، وأرسل إليه عشرة فرسان يأمرونه بالتوقف والانتظار ولكن روبرت أختار أن يقوم بهجومه المتهور مخالفاً أوامر قائده، ذلك الهجوم الذي باء بالفشل وأودى بحياته هو ورجال المقدمة كلهم تقريباً وغير هذا وذاك فالحملة مليئة بالمعارك التي مات فيها كثير من الصليبيين نتتيجة تمردهم وعصيانهم لأوامر مليكهم (1)، قد يفسر هذا العصيان بأنه لم يكن للفرنسيين جيشاً قوياً موحداً، وأنهم كانوا ينظمون قواتهم على الطريقة الإقطاعية التي كانت متبعة في العصور الوسطى، وأن الملك ما زال هو الأول بين أقرانه، ليس له عليهم سلطة حقيقية ولكن كيفما كان الأمر فإن قائد جيش إقطاعي كلويس التاسع لم يكن يعقل أو يتوقع أن تتحطم خططه وتتكسر تعليماته من جراء عصيان كهذا (2).
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 250.
(2) المصدر نفسه ص 251.
(1/558)

8 - انحلال الحملة السابعة خلقياً: ومن العوامل التي ساهمت في هزيمة الحملة الانحلال والتدهور الخلقي الذي كان متفشياً في نفوس الصليبيين مما أدى إلى انهماك قواهم وضعف الروح المعنوية عندهم، فقد انغمسوا في الملذات وحياة الفجور بدلاً من السعي في تنظيم صفوفهم وإعداد خططهم وإحكامها وإن سلوك الفرنج وتصرفاتهم الشاذة في قبرض ودمياط وفي شتى مراحل الحملة لأبلغ دليل على ما نقول، كما أن هناك حادثة رواها جوانفيل في مذكراته تدل على مدى استهتار الفرنج وخلاعتهم، فقد حدث في مساء الثلاثاء 8 فبراير 1250م أن وورى التراب أحد فرسان جوانفيل وبينما هم في رقدته الأخيرة داخل تابوته، أخذ ستة من فرسان جوانفيل يتحادثون بصوت مرتفع حتى أنهم أزعجوا القس الذي كان يقوم بتلاوة الصلاة الجنائزية، فذهب إليهم جوانفيل راجياً منهم أن يخلدوا إلى الهدوء والسكينة واحتراماً لروح زميلهم المتوفى، ولكنهم أخذوا يتضاحكون ويتغامزون فيما بينهم قائلين إنهم إنما يبحثون عن زوج آخر لأرملته (1) وهكذا نرى أنه في الوقت الذي كان فيه الفرنج منصرفين إلى اللهو والمرح، كان - المسلمون - منهمكين في تنظيم جيوشهم وإعدادها لمواجهة العدو والحيلولة بينه وبين التوغل في الأراضي المصرية (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 251.
(2) المصدر نفسه ص 254.
(1/559)

9 - فتور الروح الدينية عند الصليبيين: وعلى الرغم من اتسام هذه الحملة الصليبية بالطابع الديني، فإننا نلاحظ فتور هذه الروح بين كثير من المقاتلين، وتدخل المصالح المادية في الحركة الصليبية، وإن موقف البحارة الجنوية والبيازنة وجماعة الرهبان الداوية لدليل كاف على ذلك، فقد غلبت على الجنوية والبيازنة الذين بقوا في دمياط لحراستها، عندما تقدم الجيش الفرنسي جنوباً صوب العاصمة - الضفة التجارية، ورأوا ألا يعرضوا أنفسهم للخطر عندما علموا بوقوع لويس التاسع ورجاله في أسر - المسلمين - فتراهم يقرون ترك دمياط والنجاة بأنفسهم ولم يعدلوا عن رأيهم إلا بعد أن ابتاعت لهم الملكة مرجريت كل ماهم في حاجة إليه، وأدخلتهم تحت نفقة الملك الخاصة، فقد كانت حرفتهم التجارة وهمهم الأول والأخير هو الكسب المادي وأما الداوية - الذي من مبادئهم الفقر والطاعة، فقد أظهروا جشعهم وأنانيتهم عندما رفضوا إقراض لويس التاسع المال اللازم لاتمام دفع الفدية - للمسلمين - ولم يحصل الملك على المبلغ المطلوب إلا بعد مناقشات حامية بينه وبينهم اشترك فيها جوانفيل، وهكذا يمكن القول إنه لم يكن لكثير من الصليبيين رغبة صادقة في - القتال الديني - وإن إخلاص المسلمين لمبدأ الجهاد في سبيل الله، كان يفوق إخلاص المسيحيين له (1).
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 255.
(1/560)

10 - التهور وقصر النظر: ومن العوامل في هزيمة الحملة السابعة، التهور وقصر النظر والإهمال الشديد من جانب الفرنج، فلولا تهور كونت أرتوا واندفاعه داخل المنصورة بعد عبوره قناة أشموم لما حدثت تلك الهزيمة المنكرة التي قضت على مقدمة الجيش المسيحي، أما قصر النظر وعدم التقدير لخواتيم الأمور، فيبدوا جلياً في القرار الذي اتخذه مجلس الحرب الصليبي الذي عقد بدمياط، بالتوجه جنوباً صوب العاصمة بدلاً من التوجه إلى الإسكندرية، ذلك القرار الذي كان حلقة جديدة في سلسلة الأخطاء التي انتهت بفشل الحملة وأما إهمال الفرنج وتهاونهم فيتضح في نسيانهم تحطيم الجسر الموجود على بحر أشموم عند تراجعهم من المنصورة إلى قاعدتهم في دمياط في الخامس من أبريل 1250م مما ترتب عليه أسوأ النتائج بالنسبة للصليبيين الهاربين (1) وإلى جانب هذا كله، فقد كان الشقاق والغيرة وتفرق الكلمة وعدم التعاون متوفراً في الجانب المسيحي (2)، بينما كان الجانب الإسلامي متحد الكلمة ومتفق الرأي، فقد وقف المسلمون أمام القوات الصليبية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا (3). هذه أهم الأسباب التي ساهمت في فشل الحملة الصليبية السابعة.
__________
(1) المصدر نفسه ص 256.
(2) المصدر نفسه ص 256.
(3) المصدر نفسه ص 256.
(1/561)

سابعاً: نتائج الحملة الصليبية السابعة: وقد ترتب على هزيمة لويس التاسع عام 1250م/648هـ وفشل الصليبية السابعة مجموعة من النتائج من أهمها:
1 - عجز فرنسا عن تحقيق أهدافها: والملاحظ أن فعاليات الدور الفرنسي في دعم الحركات الصليبية وفي التوجه إلى البعد الأفريقي نالها الخسران المبين وعجزت فرنسا عن صنع واقع حربي وسياسي في المنطقة على حساب الأيوبيين، وبذلك تأكد للدارسين كيف أن كافة المحاولات الصليبية لأخضاع مصر سواء في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين/ السادس والسابع الهجريين لم تحقق أدنى نجاح، ولا شك في أن صورة أسرة آل كايبه الحاكمة في فرنسا، ضعف أمرها بين الأسر الحاكمة في أوروبا بسبب الهزيمة الشنيعة التي تعرض لها لويس التاسع ووقوعه في الأسر (1).
2 - السند التاريخي للمماليك للوصول للحكم: تبين بوضوح الدور البارز الذي قام به المماليك في معركة فارسكور وكيف أن جهادهم أعداء الإسلام كلل بالنجاح، وفي حقيقة الأمر؛ أن ذلك الدور كان له أثره في ارتفاع شأنهم وبذلك سيصبح لهم السند التاريخي في الوصول إلى العرش، وليس غريباً أن العام الذي شهد الانتصار على الغزاة وهو عام 1250/ 648هـ، هو ذاته العام الذي شهد نهاية تورانشاه حريقاً غريقاً لتنتهي الدولة الأيوبية، ويتم إفساح الطريق لدولة المماليك المدافعة عن الإسلام (2) بقوة وعزم ونشاط.
3 - المرأة في صفوف المجاهدين: فقد أثبتت لنا تلك الحملة دور المرأة المسلمة خلال ذلك الصراع العنيف بين المسلمين والصليبيين على أرض مصر كما تجدر الإشارة إلى دور شجرة الدر التي حفظ لها التاريخ حكمتها في أصعب المواقف التي مرت بها الدولة الأيوبية حينذاك ومن الممكن القول بأن المرأة المسلمة كانت تعمل في الجبهة الداخلية التي هي أساس نجاح جبهات الصراع الحربي مع الصليبيين وساهمنّ في صنع تاريخ الأمة الجهادي (3).
__________
(1) الحروب الصليبية بين الشرق والغرب ص 310.
(2) المصدر نفسه ص 310.
(3) المصدر نفسه ص 310، 311.
(1/562)

4 - تضرر الاقتصاد الأوروبي: تحدث بعض المؤرخين عن كلفة الحملة الصليبية السابعة، فقدرها بما يزيد على 1300.000ليرة تورية "عملة نقدية مسكوكة في مدينة تور الفرنسية" موزعة كما يلي:
- 200.000ليرة مصروفات ملكية.
- 210.000 ليرة دفعها الملك فدية.
- 750.000 ليرة، مصروفات عسكرية.
- 40.000 ليرة مصروفات لبناء السفن.
- 120.000 ليرة، مصروفات بناء تحصينات في الأراضي المقدسة.
- 1300 ليرة، تضاف نفقات لبعض الأسرى.
وهذا المبلغ يعادل، 30 مليون مارك ذهبي ألماني أو ما يعادل تقريباً 100مليون مارك ألماني حالي وهذا المبلغ يعادل دخل الخزينة الفرنسية بحسب تقديرات السنوات 1256 - 1259م ما مقداره ميزانية إحد عشر إلى اثنى عشر سنة (1)، ولاشك أن هذا الحجم الهائل من الأموال الذي أنفق دون طائل أي دون تحقيق الهدف الذي انطلقت من أجله الحملة الصليبية كان مؤشراً على أوضاع قطاعات واسعة من الأوروبيين الذين تضرروا نتيجة السياسة التي اختطتها لهم الكنيسة مما جعلهم فيما بعد يتراجعون عن تأييد الكنيسة في الكثير من قراراتها بل، ويوجهون لها النقد في إدارتها للحروب الصليبية (2).
__________
(1) دراسات في تاريخ الأيوبيين والمماليك للعمادي وجبران ص 226.
(2) المصدر نفسه ص 227.
(1/563)

5 - حزن عظيم في فرنسا وأوروبا: عّم الحزن واليأس والجزع في فرنسا وأوروبا الغربية، لما منيت به الحملة من هزيمة منكرة، فلم يقتصر الأمر على فشلها في تحقيق رسالتها التي قامت من أجلها، لكنها فقدت في مصر عدداً لا يستهان به من رجالها بين قتيل وأسير وجريح وتروي بعض المراجع العربية أن النصارى ببعلبك عندما بلغهم ما نزل بالجيش المسيحي من الهزائم سودوا وجوه الصور في كنيستهم حزناً على ذلك (1)، ويصف المؤرخ الغربي المعاصر للحملة متى الباريزي حالة فرنسا حينذاك، فيقول إنه شملها الحزن من أقصاها إلى أقصاها وتحول كل شيء في المملكة إلى أنين وبكاء، فالآباء والأمهات يندبون أبناءهم، والصغار واليتامى يبكون آباءهم والأصدقاء ينوحون على أقاربهم وأصدقاءهم ويستمر نفس المؤرخ في وصف هذه الحالة فيقول إن عدداً كبيراً من المسيحيين قد تزعزعت عقيدتهم وكانوا على وشك الارتداد عن دينهم لو لم يعمل رجال الدين على تهدئة خواطرهم وإقناعهم أن جميع الذين قتلوا في هذه الحملة الصليبية أصبحوا في مرتبة الشهداء (2) ويقول الكاتب الفرنسي لافيس: إن هذه الهزيمة تعتبر بحق من أشد الهزائم التي نزلت بالفرنج حتى أنهم انصرفوا تماماً عن فكرة الاشتراك في حرب صليبية جديدة (3).
__________
(1) نهاية الأرب عن العدوان الصليبي على مصر ص266.
(2) العدوان الصليبي على مصر ص 266.
(3) المصدر نفسه ص 266.
(1/564)

6 - تخريب مدينة دمياط: ومن النتائج التي ترتبت على هذه الحملة أيضاً تخريب مدينة دمياط التي قاست الأمرين من حملات الفرنج المتتابعة عليها في عهد الدولة الأيوبية، حتى أن الملك المعز أبيك والمماليك البحرية اتفقوا على تخريبها في شعبان 648هـ/نوفمبر 1250م، أي بعد نحو ستة أشهر من مغادرة الفرنج أرض مصر - وابتنوا دمياط الجديدة إلى الداخل بعيداً عن شاطئ البحر، حتى تخلص من شر اعتداء الصليبيين عليها (1)، ولم يكتف - المسلمون - بهذا، فعندما اعتلى الملك الظاهر بيبرس عرش مصر، نراه يلجأ إلى طريقة فعالة لحماية مدخل النيل عند دمياط من اعتداء الغزاة وهجماتهم، ففي السنة الثانية من حكمه وهي سنة 659هـ/1261م، أخرج من مصر عدة من الحجارين لردم فم بحر دمياط، فمضوا وقطعوا كثيراً من القرابيص (2)، وألقوها في النيل الذي ينصب من شمال دمياط في البحر الملح حتى ضاق وتعذر دخول المراكب فيه (3)، وهكذا نرى أن حملة لويس التاسع كانت سبباً في إزال مدينة دمياط القديمة التي وصفها ابن واصل، بأنها عقيلة الإسلام وثغر الديار المصرية (4).
__________
(1) المصدر نفسه ص 267.
(2) المصدر نفسه ص 267.
(3) خطط المقريزي (1/ 223 - 224) العدوان الصليبي ص 267.
(4) مفرج الكروب نقلاً عن العدوان الصليبي ص 267.
(1/565)

7 - اضطرابات سياسية في أوروبا: أبحر الملك لويس من دمياط في مساء يوم السادس من مايو 1250م واتخذ طريقة إلى عكا فوصلها بعد سنة مخلفاً وراءه في مصر العديد من الأسرى الذين لم يتمكن الملك من دفع فديتهم وفي عكا ساعدت الظروف الملك ليتولى عرش مملكة بيت المقدس الإسمية عن طيب خاطر من يوحنا إبلين الصغير سيد أرسوف وابن عم الملك هنري الأول ملك قبرص ونائبه في حكم المملكة الصليبية، وعقب وصول الملك جاءته الأخبار من والدته الملكة بلانشى صاحبة قشتالة تستدعيه للرجوع إلى مملكته التي طمع الإنجليز في الوثوب عليها أثناء غيبته في الشرق حينئذ عقد لويس مجلساً حربياً من بارونات فرنسا ورجال الدين وجماعات الفرسان الداوية والاسبتارية والتيوتونية وبارونات مملكة بيت المقدس للتداول، فيما يجب اتخاذه، وقد اجتمع المجلس ثلاثة آحاد متتالية من 19 يونيو إلى 3 يوليو 1250م وانقسم الأعضاء فريقين، فريق يتألف من غالبية الصليبيين يرى ضرورة العودة إلى فرنسا، وفريق آخر على رأسه جوانفيل يرى أنه يجب البقاء بالشام لحماية الإمارات الفرنجية بها من غائلة المعتدين وبعد تمحيص الآراء قرر الملك لويس البقاء في فلسطين إلى أن يفتك باقي الأسرى المسيحيين الذين لا يزالون في قبضة المصريين، كما رأى أن بقاءه قد يعود بالنفع على المسيحيين في الشرق خصوصاً بعد الخلاف الذي نشب بين الأيوبيين في الشام والمماليك في مصر بعد قتل المعظم توران شاه (1) لكنه على أي حال أنفذ أخويه كونت انجو وكونت بواتييه إلى فرنسا، للدعوة إلى التئام القوى للقيام بحملة صليبية جديدة تمحو عار الهزيمة التي مني بها في المنصورة وفارسكور (2).
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 269.
(2) المصدر نفسه ص 269.
(1/566)

8 - عدم الاستجابة للبابا انوسنت الرابع: لم تكن أوروبا حينذاك في حالة تمكنها من إيفاد قوات إلى الشرق للقيام بحرب صليبية جديدة تعوض ماخسره الفرنسيون في مصر، فقد كان الصراع، على أشده بين البابوية والإمبراطورية؛ إذ استمر الصدام بين البابا انوسنت الرابع وبين كونراد الرابع ابن فريدريك الثاني بعد موت الأخير في 13 ديسمبر 1250م ودعا البابا إلى حرب صليبية ضد الإمبراطور الجديد وأعوانه، وقد شل هذا النزاع حركة العالم المسيحي في أوروبا بعامة، وفي كل من إيطاليا وألمانيا على وجه أخص، أما في انجلتر فقد قيد مليكها هنري الثالث اسمه في سجل الحرب المقدسة متعهداً بحمل الصليب لنجدة الأرض المقدسة، ولكنه انتهز فرصة غياب لويس التاسع عن مملكته للوثوب عليها وضم بعض أقاليمها إلى بلاده، ودفع إلى البابوية مبلغاً كبيراً ليصبح في حل من العهد الذي أخذه على نفسه بحمل الصليب، لم يكتف هنري بكل هذا، بل فرض أيضاً حراسة شديدة على الموانئ والثغور الإنجليزية لمنع رعاياه الذين حملوا الصليب من الإبحار إلى الشرق (1)، كذلك كان المسيحيون في إسبانيا في قتال مستمر ضد المسلمين بها، مما حال بينهم وبين المساهمة في حرب صليبية خارج شبه الجزيرة (2)
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 270.
(2) المصدر نفسه ص 270 ..
(1/567)

أما في فرنسا فقد صادقت المجهودات التي بذلك لجميع نجدات منها نجاحاً ضئيلاً، فقد قامت حركة شعبية كان يمكن أن تمد الملك الفرنسي بعدد كبير من المتطوعين لو أحسن تنظيمها، وقيادتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة، إذ أدعى أحد الرعاة أن المولى أناط إليه مهمة تحرير الأراضي المقدسة، وأطلق على نفسه لقب "سيد هنغاريا" لأنه كان هنغاري المولد، وانتشرت حركته بسرعة في أنحاء فرنسا، وقد عرفت في التاريخ باسم صليبية الرعاة، لأن الذين اشتركوا فيها كانوا من المزارعين ورعاة الأغنام، لكن هذه الجموع الغفيرة غير النظامية أخذت تعيث فساداً في البلاد التي مرت بها داخل فرنسا، مما دفع الملكة النائبة بلانشى صاحبة قشتالة إلى كبح جماحهم ووضع حد لأعمال العنف التي كانوا يقومون بها، فتعقبتهم وشتت شملهم وقبضت على الكثيرين منهم، حتى أن القليلين هم الذين تمكنوا من الأفلات والعودة إلى ديارهم سالمين (1).

9 - انقطاع الإمدادات: وعبثا انتظر الملك لويس التاسع خلال وجوده بعكا وصول الإمدادات والنجدات التي بعث في طلبها من الغرب الكاثوليكي، فضلاً عن أنه كان في حاجة ماسة إلى المال للصرف على قواته، لأن الفدية التي دفعها للمصريين أرهقت موارده المالية، وقد أرسلت إليه الملكة بلانشى مبالغ كبيرة، لكن السفينة التي كان يوجد بها المال غرقت في طريقها إلى عكا، أضف إلى ذلك أنه لم يبق مع الملك الفرنسي من القوات التي هاجم بها الديار المصرية سوى بضع مئات من الفرسان، مما لا يكفي للقيام بأي عمل إيجابي حاسم (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 270.
(2) المصدر نفسه ص 271.
(1/568)

10 - عودة لويس التاسع: بقي لويس في الأراضي المقدسة مدة تقرب من أربع سنوات (مايو 1250 - أبريل 1254) وساعد على بقاء لويس التاسع حالة الشرق الأدنى السياسية في ذاك الحين، بعد ثورة المماليك في مصر التي أدت إلى تغير نظام وانتقاله من سلالة بني أيوب إلى المماليك البحرية، فكان من جزاء هذا نشوب الخلاف بين هؤلاء المماليك وأمراء بني أيوب في الشام الذين لم يقبلوا عليهم ملكاً من مماليك أسرتهم، وقد استغل الملك لويس التاسع هذا الخلاف الناشب بينهما لصالح القضية الصليبية إذ كان كل من الفريقين يسعى إلى اكتساب وده واجتذابه إلى جانبه في صراعه ضد خصمه وكان لويسع يطمع في اتساع هوة الخلاف بينهما حتى يخلو له الجو ويمكنه حينئذ تحقيق مطامعه التي أخفق في الحصول عليها عن طريق الحرب (1) وباءت جهود لويس التاسع بالفشل في إثارة الفتنة بين الأيوبيين في الشام والمماليك - بعد الصلح الذي تّم بينهم عام 651هـ/1253م - والواقع أن ذلك الصلح كان ضربة قاسية أصابت آمال الملك الفرنسي، إذ انهار ما كان يرجوه من وراء الشقاق الناشب بين القوتين من حيث إضعافها معاً واستفادة الصليبيين وحدهم من ذلك وأدرك أن مهمته في الأراضي المقدسة قد أذنت الانتهاء، كما أدرك أيضاً أن هذا الصلح عاد بالضرر على معاقل اللاتين وممتلكاتهم في الشام التي باتت مهددة بالخطر والضياع بعد أن خلا الجو للناصر يوسف باتفاقه مع من بيدهم السلطة في مصر (2)،
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 272.
(2) المصدر نفسه ص 279 ..
(1/569)

لذا نرى لويس التاسع يعمل على إصلاح وتقوية بعض المدن الساحلية والقلاع الداخلية خوفاً من هجوم مفاجئ قد يشنه عليه المسلمون، فكان مما حصنه عكا وقيصرية ويافا وصيدا وفي الوقت الذي كان فيه الملك الفرنسي في صيدا يشرف بنفسه على العمليات الخاصة بتحصينها، بلغة النبأ الأليم بوفاة والدته الملكة بلانش، التي كانت تنوب عنه في تدبير المملكة وحفظها سالمة من عواصف السياسة الأوروبية في ذاك الحين وأصبحت عودة لويس إلى فرنسا ضرورة تحتمها الظروف، فقد كانت البلاد مهددة من انجلترا الطامعة فيها، كما سببت مطامع البابا انوسنت الرابع ونزاعه مع الإمبراطورية بعض القلق في فرنسا، وأخيراً في 24 أبريل 1254م غادر لويس - بلاد الشام - بعد أن ترك فيها مجموعة قليلة من الفرسان (1) وبعد أن نجح في عقد هدنه مع دمشق لمدة سنتين وسبعة أشهر إبتداء من الحادي والعشرين من فبراير 1254م، كما عقد لويس أيضاً هدنة مع القاهرة، لمدة عشرة سنوات بداية من عام 1255م، وعقب رحيل لويس في عام 1254م تجددت إشتباكات محدودة بين الصليبيين والمسلمون ولكن الهدنة تجددت مرة أخرى لمدة عشر سنوات مع دمشق والقاهرة من جانب والصليبيون من جانب آخر (2)،
__________
(1) المصدر نفسه ص 280.
(2) تاريخ الحروب الصليبية ص 322 ..
(1/570)

وعاد لويس إلى فرنسا مجروحاً في كرامته وعزته وكبريائه بعد هزيمة المصريين له في المنصورة، وفارسكور، ولتنكيلهم بفرسانه ومشاته، ولكنه مع ذلك لم يفقد الأمل الذي ظل يراود خياله منذ صغره في امتلاك المدينة المقدسة وضمها إلى حظيرة اللاتين، فنراه في سنة 1267م بعد ثلاثة عشر عاماً من انتهاء حملته على مصر والشام - يحمل الصليب مرة أخرى، ويقوم في سنة 1270م/660هـ - بعد ثلاث سنوات أمضاها في الاستعداد - بحملته الصليبية الثالثة والأخيرة على تونس بقصد استمالة صاحبها محمد بن يحي الملقب بالمستنصر إلى المسيحية، ومواصلة الزحف على مصر خط الدفاع الأول عن بلاد الشام وبيت المقدس - وبلاد الشرق الأدنى آنذاك، وبالقضاء على هذا المعقل الأشب يمكنه استخلاص البيت المقدس بسهولة من أيدي المسلمين، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، إذ قضى لويس التاسع نحبه وهو على أبواب قرطاجنة دون أن يتأتى له أن يمحو عن جبينه عار هزيمته على ضفاف النيل وإخفاق محاولاته في بلاد الشام - وكان آخر ما هتف به وهو على فراش الموت - نقلاً عن شاهد عيان يدعى غليوم دي شارنز - هيا إلى أورشليم (1).
__________
(1) العدوان الصليبي على مصر ص 281.
(1/571)

11 - ضعف الروح الصليبية: لقد عجل موت لويس التاسع - بضعف - الروح الصليبية، ويمكن الاستدلال على هذا الفتور الذي طرأ على الحركة الصليبية من قصيدة كتبها شاعر فرنسي معاصر لأحداث تلك الفترة يدعى رتبوف، يقول فيها إنه من الحماقة أن يخاطر الإنسان في حرب دينية خارج بلاده، طالما كان بوسعه أن يتصل بالله في وطنه ويعيش في نعمة وسلام، ويسخر الشاعر في القصيدة من رجال الدين الذين جعلوا من الحروب الصليبية وسيلة لابتزاز الأموال، ويعلق الكاتب جوستاف ماسون، من علماء أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، على هذه القصيدة، بأن الشاعر كان يعبر تعبيراً صادقاً عن موقف ذوي التعقل في ذاك العصر (1)، وهكذا زال أمل الإمارات اللاتينية بالشام في أية مساعدة يقدمها لها أهل الغرب الكاثوليكي حتى يمكنها الدفاع عن نفسها وصد هجمات المسلمين وما لبثت بعد ذلك بفترة وجيزة حتى تقلص ظلها ثم زالت في نهاية الأمر (2)، على يد المماليك كما سيأتي تفصيله في كتابنا القادم بإذن الله تعالى في بيان جهود المماليك للتصدي للمشروع المغولي والوجود الصليبي في ديار الإسلام.
ثامناً: ما قيل من شعر في هزيمة الحملة الصليبية السابعة:
بعد أن انتصر المسلمون على الحملة الصليبية السابعة واعتقل لويس التاسع في دار ابن لقمان سنة 648هـ ووكل به خادم يسمى صبيحاً، قال ابن مطروح أبو الحسن يحي بن عيسى بن إبراهيم بن مطروح وهو من شعراء عهد الملك الصالح أيوب هذه القصيدة:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مَقَال صْدقٍ من قؤول فصيح
آجَرَكَ الله على ما جَرىَ ... من قَتْل عُبَّادِ يسوغ المسيح
قد جئتَ مِصراً تبتغي أخذها ... تحسب أن الزَّمْرَ يا طَبْلُ ريح
فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح
رُحْتَ وأصحابك أودعتهم ... بقُبح أفعالِك بظن الضَّريح
خمسون ألفاً لا يُرى منهم ... إلا قتيل أو أسير جريح
__________
(1) المصدر نفسه ص 282.
(2) العدوان الصليبي على مصر ص 282.
(1/572)

أَلهمك الله إلى مِثَّلهِا ... لعلَّ عيسى منكم يستريح
إن كان باباكُمُ راضياً ... فَرُبَّ غُبْنٍ قد أتى من نَصيح
فاتَّخِذُوهُ كاهناً إنه ... أنصح من شِقَّ لكم أو سطيح
وقل لهم إن أضمروا عودةً ... لأخذ ثأر أو لقصد صحيح
دار ابن لقمانٍ على عهدها ... والقيد باق والطَّواشي صبيح (1)

1 - من شعر ابن مطروح في الاسترضاء والعتاب: قال ابن مطروح هذه الأبيات من قصيدة من قصائد الاسترضاء والعتاب التي نظمها عندما حدثت الجفوة بينه وبين الملك الصالح نجم الدين أيوب:
من مبلغ عني المليك الأروْعا ... عن عبده يحي مقالاً مُقْنعِا
يا ابن الملوك الأكرمين ومن لهم ... هِممٌ بها سَدُّا الفضاء الأوسعا
وإذا النجومُ سعت لتدَرِك مجدهم ... رجعت ولم تبلع نداهم ضُلَّعا
أيجوز أن أبقى ببابك ظامئاً ... ونداكَ قد وسع الخلائقَ أجمعا
ولو أدعيت بأن مالك ناصح ... مثلي شهدت بصدق ذاك المدَّعى
ومع النصيحة فالتخُّلقُ بالوفا ... خُلْقٌ خُلِقْتُ عليه لا متطبَّعا
ومحبة لِدَمي ولحمي ما زجَت ... وهوىً حنيتُ عليه مني الأضْلعُا
ولطالما جرّبتني فوحدتني ... أجدى من الملاء الكثير وأنفعا
وأَسَدَّ آراءً وأثقبَ فِكرة ... وأشدَّ عارِضةً وألطف موقِعا
ولكم ليالٍ بتُّ في ديجُورِها ... لله أدعو خاشعاً متضرعا
حتى رأيتك فوق كِسْرَى رفعة ... ورأيت دونك في الجلالة تُبَّعا
فعلام بعد الاصطفاءِ نبذتني ... نبذ النَّواة بقوْلِ واشيٍ قد سعى
وسمعت في حقَّي كلام معاشِر ... أقصى مُناهم أن أبيت مُضيَّعا
حقُّ العذولِ بأن يقول فيفترِي ... لكن أُحِلُّك أن يقول فتسمعا
وإن كنت خنتك ظاهراً أو باطناً ... فخسرت دنيائي وآخرتي معا
أَأَودُّكُم في عُنْفُوان شبيبتي ... وأحول إذ عهُد الشبيبة (2) ودّعا

2 - نزل ببعض أسفاره بمسجد وهو مريض فقال:
ياربَّ قد عجز الطَّبيبُ فَدَاوني ... بلطيف صُنعك واشفني يا شافي
__________
(1) السلوك (1/ 460) والأدب العربي من الإنحدار إلى الإزدهار ص 101.
(2) الأحب العربي من الانحدار إلى الإزدهار ص 102.
(1/573)

أنا من ضيوفك قد حُسبِتُ وإن من ... شيم الكرام البر بالأضياف (1)

3 - وفاته: قال ابن كثير في وفيات سنة 650هـ وفيها كانت وفاة جمال الدين بن مطروح، وقد كان فاضلاً رئيساً كَيَّساً شاعراً من خيار المتعمَّمين، ثم استنابه الملك الصالح أيوب في وقت على دمشق، فلبس لبُس الجند، ومن شعره في الناصر داود صاحب الكَرَك لما استعاد القدس من الفرنج بعد أن سلمها الملك الكامل قال هذا الشاعر ابن مطروح:
المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلاً سائراً
إذا غدا للكفرِ مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصراً
فناصٌر طهره أوّلاً ... وناصر طهَّره آخراً

ولما عزله الصالح عن النَّيابة أقام خاملاً وكان كثير البَّر بالفقراء والمساكين، وكانت وفاته بمصر (2) وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان ودفن بسفح المقطَّم، وأوصى أن يكتب عند رأسه بيت شعر نظمه في مرضه:
أصبحت بقُعرِ حفرتي مُرْتهنا ... لا أملك من دنيايَ إلا كَفَنَا
يا من وسعت عبادَهُ رحَمتُه ... من بعض عبادِكَ المُسيئين أنا (3)

4 - وقال شاعر آخر لم تذكر المصادر اسمه قصيدة في هزيمة الحملة السابعة نقتطف منها الأبيات التالية:
قل للفرنسيس إن كلا ... له من المسلمين شاكر
لأنه محسن إلينا ... يقوده نحونا العساكر
أركبهم أدهما خضما ... ورابح الشر فهو خاسر
ورام بابا همو أموراً ... فأخلفت ظنه المقادر
وأذهل القوم هول حرب ... تشخص من خوفه النواظر
فإن يعد طالباً لثأر ... من أرض دمياط فليبادر
فذلك البحر تعرفوه ... والسيف ماض والجيش حاضر
أعاده الله عن قريب ... لمثلها إنه لقادر
بحيث لم يبق للنصارى ... من بعد كسر الصليب جابر
ويستريح المسيح منهم ... من كل علج (4) وكل كافر
__________
(1) الأدب العربي من الانحدار إلى الأزدهار ص 102.
(2) البداية والنهاية (17/ 317).
(3) شذرات الذهب (7/ 429).
(4) المقصود بالعلج هنا: الكافر.
(1/574)

ومن الطريف أنه عندما ترك لويس التاسع وجيشه على تونس في 1270م/668هـ وهي الحملة - التي تسمى الثامنة - قال شاب من أهل تونس اسمه أحمد بن إسماعيل الزيات:
يا فرنسيس هذه أخت مصر ... فتأهب لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبر ... وطواشيك منكر ونكير (1)

ففي هذين البيتين تذكير، لما لاقاه لويس التاسع في مصر من هزائم وضائقات، كما كان هذا فألا حسناً، فإنه مات وهو على محاصرة تونس (2).

تاسعاً: مقتل تورنشاه وزوال الدولية الأيوبية:
تبيانت الآراء واختلف المؤرخون حول شخصية تورانشاه، وتعددت أسباب قتله في نظرهم ولكنهم اجتمعوا على قتله على يد مماليك أبيه البحرية (3)، ويرى الدكتور قاسم عبده قاسم: بالرغم من الانتصار الإسلامي الرائع على الحملة الصليبية فإن السلطان الأيوبي تورانشاه كان إخفاقاً أيوبياً جديداً مهد الطريق أمام نهاية الدولة الأيوبية وصعود الدولة الجديدة التي شادها المماليك، لقد فشل تورانشاه في الاستجابة للتحديات التي كانت تفرضها الظروف التاريخية وبدلاً من تكريس جهوده لتوحيد المسلمين للقضاء على الخطر الصليبي تماماً، بدأ يدبر للتخلص من "شجرة الدر" وكبار أمراء المماليك (4) وقد ذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب أدّت لقتل تورنشاه منها:
1 - أن هؤلاء المماليك خدموه أتم خدمة وانتظروا مجازاتهم واعتقدوا أنه سيملأ فراغ والده ولكنه قدم أمراءه وتوعد مماليك أبيه - الذين رباهم كأولاده - وقطع أخبارهم ونهب أموالهم ولم يعمل بوصية أبيه تجاهم (5).
__________
(1) فوات الوفيات (1/ 84 - 85) العدوان الصليبي ص 264.
(2) خطط المقريزي (1/ 223) العدوان الصليبي ص 265.
(3) الخطط (2/ 236) النجوم الزاهرة (6/ 364).
(4) في تاريخ الأيوبيين والمماليك ص 148.
(5) الجواري والغلمان في مصر ص 408، كنز الدرر (7/ 381).
(1/575)

2 - ومن الأسباب التي ذكرت في قتله أن مماليكه أشاروا عليه بصلح الفرنج بعد أن كان ملكهم في يديه حتى لا يحتاج إلى شجرة الدر أو مماليك أبيه لأنهم مسيطرين على الحكم وسولوا له أن هؤلاء هم أعداءه وإن في صلح الملك وتركه وأخذ الأموال والجواهر صلاح الحال وتسليم دمياط، فشعر أمراء أبيه بتغيره عليهم واستهتاره بما قاسوه حتى وصلوا إلى هذا النصر على الصليبيين فدبروا قتله (1).
3 - وقيل أن في أسباب قتله أنه كان قد وعد أقطاي حين ذهب إليه يستدعيه من حصن كيفا أن يؤمره ولم يف بوعده فحقد عليه أقطاي (2)، ولما ذكره بوعده، على لسان بعض خواصه رد قائلاً "أعطيه جباً مليحاً يليق به (3) "
4 - وقيل من أسباب قتل المماليك له أنه تعرض لحظايا أبيه (4)، فلماذا حظايا أبيه وقد كان في عصر من الممكن الحصول فيه على أكبر عدد من المماليك والجواري والحظايا وكان طبيعياً أن لكل سلطان حظايا، فلم تكن ثروة ثمينة لا يستطيع الحصول على مثلها (5).
5 - وقيل من أهم أسباب قتله أنه طالب زوجة أبيه شجرة الدر بمال أبيه والجواهر (6)، وهددّها فخافت منه فتلاقت مخاوفها مع مخاوف زعماء المماليك وغضبهم بعد أن حرمهم السلطان الجديد من إقطاعتهم، فاستقر الرأي على ضرورة التخلص من آخر السلاطين الأيوبيين في مصر (7).
__________
(1) السلوك نقلاً عن الجواري والغلمان ص 409.
(2) نهاية الأرب (29/ 360) الجواري والغلمان ص 409.
(3) كنز الدرر (7/ 381 - 382) الجواري والغلمان ص 409.
(4) شفاء القلوب نقلاً عن الجواري ص 409.
(5) الجواري والغلمان في مصر ص 409.
(6) السلوك نقلاً عن الجواري والغلمان ص 410.
(7) في تاريخ الأيوبيين والمماليك، قاسم عبده ص 148.
(1/576)

6 - وكان حبه لشرب الخمر أحد تصرفات تورانشاه التي أشارت حنق المماليك البحرية عليه وذكرها معظم من أرخ لتلك الفترة، فقد كان يشرب الخمر حتى تدور رأسه ويأتي بالشموع ويسميها باسم مماليك أبيه ويطيح بها بسيفه وقد حذره أبوه في وصيته بترك شرب الخمر، ولكن يبدو أنه لم يسمع النصيحة وقد جاء في الوصية: يا وليد قلدت إليك أمور المسلمين، فأفعل فيهم ما أمرك به الله به ورسوله يا ولدي إياك والشراب، فإن جميع الآفات وما تأتي على الملوك إلا من الشراب (1).
7 - وذكر ابن العبري، أن أحد تصرفات تورانشاه التي أثارت حفيظة البحرية ضده حين علم أن الملكة زوجة الملك لويس التاسع المعتقل لديه ولدت له إبناً في دمياط فسير إليها المعظم عشرة آلاف دينار ذهباً ومهداً للطفل ذهبياً وحللاً ملكية (2)، وغير ذلك من الأسباب، والمهم أن نعرف حقيقة هامة وهي أنهم شعروا باختلاف شديد في معاملة السلطان لهم ومعاملة تورانشاه المختلفة فقد كان الملك الصالح يحب مماليكه ويهتم بهم ويغدق عليهم الكثير من الإنفاق وقد بلغ من شدة اهتمامه بهم أنه ذكرهم في وصيته لابنه تورانشاه: الولد يتوصى بالخدم محسن ورشيد والخدام المقدمين لا تغيرهم، فما قدمت أحد من الخدام ولا من المماليك إلا بعد ما تحققت نصحه وشفقته واستاذ الدار وأمير جاندار تتوصى بهم وكذلك الحسام لا تغييرهم فإني اعتمد عليهم في جميع أموري (3).
__________
(1) نهاية الأرب (29/ 347) الجواري والغلمان ص 410.
(2) الجواري والغلمان ص 410.
(3) المصدر نفسه ص 411 نهاية الأرب (29/ 350).
(1/577)

وقد عينت في ورقة عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدمهم تعطي كل واحد كوسى (1)، وعلم وتحسن إليهم وتتوصى بالمماليك غاية الوصية، فهم الذين كنت اعتمد عليهم وأثق بهم وهم ظهري وساعدي، تتلطف بهم وتطيب قلوبهم وتوعدهم بكل خير، ولا تخالف وصيتي ولولا المماليك ما كنت قدرت أركب فرسي ولا أروح إلى دمشق ولا إلى غيرهم فتكرمهم وتحفظ جانبهم (2)، وجاء في الوصية: والوصية بجميع الأمراء وأكرمهم واحترامهم وأرفع منزلتهم فهم جناحك الذي تطير به وظهرك الذي تركن إليه، وطيب قلوبهم وزيد في إقطاعهم، وزيد كل أمير على ما معه من العدة عشرين فارساً، وأنفق الأموال، وطيب قلوب الرجال يحبوك وتنال غرضك في دفع هذا العدو (3) ومن الراجح أن هؤلاء المماليك توقعوا بعد الانتصارات التي حققوها والصعاب التي واجهوها في سبيل تخليص البلاد من ذلك الخطر الصليبي وحفظ البلاد للسلطان وحتى مجيئه وحلفهم له وتنصيبهم إياه سلطاناً على البلاد أن يقدر ذلك الجميل ويكافئهم كما تعودوا من أبيه (4)، ويبدو أن الأمر كان مغايراً تماماً لما توقعوه وبعد أن كان لهم الحل والعقد والأمر والنهي آثر مماليكه ودأب على تهديد هؤلاء ووعيدهم، فلم يستطيعوا تقبل الأمر كما هو فقتلوه (5)،
__________
(1) الكوس: من شعارات السلطنة والإمارة وهي ضوج من نحاس.
(2) نهاية الأرب (29/ 351) الجواري والغلمان ص 411.
(3) نهاية الأرب (29/ 351) الجواري والغلمان ص 411.
(4) مرآة الزمان نقلاً عن الجواري والغلمان ص 413.
(5) الجواري الغلمان ص 414 ..
(1/578)

وكانت أكبر أخطاء تورانشاه أنه أقام بنيابة السلطنة الأمير جمال الدين أقوش النجيبي، بدلا من الأمير حسان الدين أبي علي الذي كانت له هيبة في عهد الصالح وهو الذي كان قد أمر الخطباء بالدعوة لتورانشاه على المنابر يوم الجمعة بعد الدعاء لأبيه وأن ينقش اسمه على السكة بعد اسم أبيه وهو الذي حرضّ على استدعائه في سرعة حتى لا يتغلب الأمير فخر الدين على البلاد عقب وفاة الصالح (1)، فكان من الممكن أن يسانده ويتقوى به (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 414.
(2) المصدر نفسه ص 414.
(1/579)

1 - كيفية مقتل تورانشاه؟ ونتيجة لبعض التصرفات الغير مسؤولية وعدم أخذ الحيطة اللازمة من تورانشاه، قرّر المماليك البحرية التخلص من تورانشاه وتزعم المؤامرة مجموعة من الأمراء البحرية منهم فارس الدين أقطاي، وبيبرس البندقداري، وقلاوون الصالحي، وأبيك التركماني، وتمَّ تنفيذ المؤامرة في صباح يوم الاثنين 28 محرم 648هـ/2أيار 1250م وكان السلطان آنذاك في فارسكور يحتفل بانتصاره، ويتهيأ لإستعادة دمياط (1)، وجلس على عادته ليتناول طعامه، فتقدم إليه بيبرس البندقداري، وضربه بسيفه ضربة تلقاها بيده، فقطعت بعض أصابعه، فأسرع توران شاه إلى البرج الخشبي الذي أقامه على النيل ليمضي فيه بعض وقته واحتمى به وهو يصبح، من جرحني؟ فقالوا: "الحشيشية" فقال:، لا والله إلا البحرية! والله لا أبقيت منهم بقية، وضمد جراحة، فاجتمع أمراء المماليك وقرروا قتله وقالوا: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها ودخل ركن الدين بيبرس وفارس الدين أقطاي وغيرهما من أمراء المماليك البحرية إلى البرج وهم شاهرون سيوفهم ففر توران شاه إلى أعلى البرج، وأغلق بابه، والدم يسيل من يده، فأضرموا النار في البرج ورموه بالنشاب، فألقى توران شاه نفسه من أعلى البرج، وهو يصيح مستنجداً: ما أريد ملكاً دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين، أما فيكم من يصطعني ويجيرني (2) فلم يحبه أحد وأخذ يركض نحو النيل ونبال المماليك تأخذه من كل جانب حتى ألقى بنفسه في الماء على أمل أن يسبح إلى إحدى سفنه الراسية ليعتصم بها، ولكن سرعان ما لحق به أقطاي فقتله وتركت جثته على شاطئ النيل ثلاثة أيام دون أن يتجاسر أحد على دفنه، إلى أن شفع فيه رسول الخليفة العباسي، فحمل إلى الجانب الآخر من النهر ودفن، بعد أن حكم واحداً وستين يوماً (3)،
__________
(1) تاريخ الأيوبيين ص 390.
(2) النجوم الزاهرة (6/ 371).
(3) كتاب الروضتين نقلاً عن الدولة الأيوبية دعكور ص 262 ..
(1/580)

وقيل كانت مدة سلطته بالمنصورة نحو أربعين يوماً، لم يدخل فيها إلى القاهرة ولا طلع قلعة الجبل ولم يعتلي سرير الملك (1)، وبوفاة تورانشاه انقضت دولة بني أيوب بعد أن أقامت إحدى وثمانين سنة وسبعة عشر يوماً، وكان تورانشاه آخر من تولى السلطنة من بني أيوب (2)، على أن بعض المصادر ذكرت أن الدولة الأيوبية انتهت بخلع شجرة الدر (3)، فقد ذهب مجموعة من المؤرخين أنه بتولي عز الدين أبيك التركماني انتهى حكم الدولة الأيوبية من مصر، فقد اعتبر بعض المؤرخين، أن حكم شجرة الدر، استمراراً للحكم الأيوبي وأما في بلاد الشام فقد حكم الدولة الأيوبية لعدة سنوات أخرى (4)

وسيأتي الحديث مفصلاً بإذن الله تعالى عن شجرة الدر والأيوبيين في بلاد الشام في كتابنا القادم عن المماليك وبيان جهودهم العظيمة للتصدي للمشروعين المغولي والصليبي، ودورهم في إحياء الحركة العلمية الكبيرة التي لا زالت الأمة عالة على علماء ذلك العصر.

المبحث الثالث: الشيخ عز الدين بن عبد السلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:
أولاً: اسمه ونسبه: هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي المغربي أصلاً، الدمشقي مولداً، ثم المصري داراً ووفاة والشافعي مذهباً (5)، يكنى بأبي محمد، ولقب بعدة ألقاب، بعز الدين، وشاع بين الناس، الإمام العز، ولقب بسلطان العلماء، لقبه به تلميذه ابن دقيق العيد، كما لقب بشيخ الإسلام (6) واتفق أنه ولد في دمشق، واختلف في تحديد سنة ولادته، فقيل بدمشق سنة 577هـ.
__________
(1) بدائع الزهور، ابن اياس (1/ 285) الجواري ص 416.
(2) بدائع الزهور نقلاً عن الجواري والغلمان ص 416.
(3) عجائب الآثار (1/ 51) للجبرتي الجواري ص 416.
(4) الدولة الأيوبية د. دعكور ص 266.
(5) مقاصد الشريعة عند الإمام العزّ بن عبد السَّلامَ ص 41.
(6) العز بن عبد السلام، محمد الزحيلي ص 39.
(1/581)

ثانياً: نشأته: كان العز بن عبد السلام بعيش في أسرة فقيرة مغمورة لم يكن لها مجد أو سلطان أو منصب، أو علم، فقد ولد العز بن عبد السلام في دمشق الشام، وهي وقتئذ مركز هام للعلم والمعرفة وقبلة للعلماء والفقهاء، وخط مواجهة أمامي مع الصليبيين الغزاة الذين احتلوا مدناً وحصوناً عديدة في فلسطين وساحل بلاد الشام كما كانت دمشق ممتليئة بنعم الله وخيراته الوفيرة من ماء عذب وزراعة وصناعة وتجارة درت عليها الرزق الواسع والخير الوفير، في هذه المدنية العريقة ولد العز بن عبد السلام ونشأ في ربوعها وتنسم هواءها وترعرع في أجوائها، وقد انشغلت أسرته بطلب الرزق عن طلب العلم، إلا أن العز كان منذ نشأته الأولى عفيفاً شريفاً يملك نفساً أبيه، إذ لم يعرف عنه أنه امتهن مهنة تزري بصاحبها، أو تحط من شأنه، وكان رحمه الله شاباً متديناً، متعبداً رغم فقره، وكده على رزقه، ولا أدل على ذلك من مبيته في المسجد الليالي الطوال (1)، ينتظر الصلاة كي لا تفوته الجماعة، أو يغيب عن الصلاة والعبادة فيه، وقد ذكر السبكي ت 771هـ قوة إيمان هذا الشاب وشدة فقره وتدينه حيث قال: سمعت الشيخ الإمام يقول: كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيراً جداً، ولم يشتغل إلا على كبر، وسبب ذلك أنه كان يبيت في الكلاسة (2) من جامع دمشق، فبات بها ليلة ذات برد شديد فاحتلم فقام مسرعاً، ونزل في بركة الكلاسة (3) من جامع دمشق، فبات بها ليلة ذات برد شديد، فاحتلم فقام مسرعاً، ونزل في بركة الكلاسة فحصل له ألم شديد، وعام فنام فاحتلم ثانياً، فعاد إلى البركة لأن أبواب الجامع مغلقة وهو لا يمكنه الخروج، فطلع فأغمى عليه من شدة البرد" ...
__________
(1) النجوم الزاهرة (7/ 209)، مرآة الجنان (4/ 158).
(2) الكلاسة: زاوية في الجانب الشمالي من جامع دمشق.
(3) فتاوي شيخ الإسلام العز بن عبد السلام ص 66.
(1/582)

ثم سمع النداء في المرة الأخيرة، يا ابن عبد السلام: أتريد العلم أم العمل؟ فقال الشيخ عز الدين: العلم لأنه يهدي إلى العمل فأصبح، وأخذ التنبيه فحفظه في مدة يسيرة، وأقبل على العلم فكان أعلم أهل زمانه ومن أعبد خلق الله (1). في هذه الرواية دلالة واضحة على تدين العز، وقوة إيمانه، ونشأته الصالحة التقية، حيث لا يحتمل مثل هذه المشاق إلا من عرف ربه، وسلك منهج الحق، وتعلق قلبه بالمساجد لا يخرج منها إلا ليعود إليها، فكان مثال الشاب الذي نشأ في طاعة الله، عازفاً عن طيش الشباب، وهوى النفس، فالشاب الذي يتحرج من الاستسلام إلى دفء المفراش جُنُباً في ليلة شديدة البرد، لا شك يعرف قيمة عمله، ويتحلى بوعي ديني كبير، وحس إيماني عميق يجعله يبادر إلى التطهر عقب اكتشاف الأثر دون تباطؤ أو كسل (2).
__________
(1) طبقات الشافعية.
(2) المصدر نفسه.
(1/583)

ثالثاً: شيوخه في طلب العلم: انقطع سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام للعلم والتعلم بعدما ناهز الاحتلام كما تدل على ذلك حادثة مبيته في الكلاسة من جامع دمشق وشمّر عن ساعد الجد وشحذ الهمة، فحفظ المتون، ودرس الكتب، وتردد على كبار الشيوخ في عصره ليعوض مافاته في صغره، كما أن كبر سنه وذكاءه أعاناه على التفوق في تحصيل العلم وإدراك مسائله الغامضة، وتحليل رموزه والذي ساعده أيضاً على الاستزادة من العلم والمعرفة الجو العلمي الذي كانت تعيشه بلاد المشرق بصفة عامة ومدينة دمشق بصفة خاصة، حيث كانت موطناً لعدد كبير من فحول العلماء ومشاهيرهم فنهل منهم، العلم والمعرفة، وتحلى بمكارم أخلاقهم، واقتدى بحسن سلوكهم حتى أصبح كما قال السبكي رحمه الله: أعلم أهل زمانه ومن أعبد خلق الله تعالى (1)، قال الداوودي ت 945هـ: كان العز بن عبد السلام يقول: ما احتجت في علم من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه، وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنت أقرأ عليهم إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيت عني، فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرح حتى أكمل الكتاب الذي أقرؤه في ذلك العلم (2)، وكان يقول: مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حتى أمر أبواب الأحكام على خاطري (3) وقد تلقى العز رحمه الله علوم الحديث والفقه والأصول والتفسير والتصوف واللغة على أكابر وجهابذة علماء دمشق التي كانت قبلة طلاب العلم وموطن العلماء الأفذاذ، البارعين في شتى العلوم والفنون فتردد عليهم الشيخ عز الدين فنهل من علمهم الصافي الفياض، فانصقلت مواهبه، وتميزت شخصيته وتأثر بهم وسار على منهجهم في الورع والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4)
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (5/ 83) فتاوى العز ص 69.
(2) طبقات المفسرين للداودي (1/ 313) المصدر نفسه ص 69.
(3) رفع الإصر عن قضاة مصر ص 70 فتاوى العز ص 70.
(4) فتاوي شيخ الإسلام العز بن عبد السلام ص 70 ..
(1/584)

وقال ابن كثير: وسمع كثيراً واشتغل على فخر الدين بن عساكر وغيره، وبرع في المذهب، وجمع علوماً كثيرة، وأفاد الطلبة، ودرَّس بعده مدارس بدمشق، وولي خطابتها، ثم سافر إلى مصر، ودرّس وحكم وانتهت إليه رياسة الشافعية وقصد بالفتوى من الآفاق (1).

رابعاً: شيوخ العز رحمه الله:
1 - فخر الدين بن عساكر: هو أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، الملقب فخر الدين، المعروف بابن عساكر، شيخ الشافعية بالشام، وفقيه زمانه، وكان محدثاً صالحاً، زاهداً كثير التهجد، حسن الخلق والخُلقُ، كثير الأدب والذكر، منقطعاً للعلم والعبادة، وجمع بين العلم والعمل، وهو من أسرة اشتهرت بالعلم والفضل والحفظ، وكان قوياً في الحق لا يهاب سطوة ظالم، ولا يسكت على منكر أو مخالفة للشرع، وتوفي سنة 620هـ وطلب للقضاء فامتنع، وعرضت عليه مناصب ولايات دينية فأباها، وأنكر على الملك المعظم بيع الخمور بدمشق، فمنعه من التدريس في أهم المدارس، وهو ابن أخي الحافظ أبي القاسم علي بن عساكر، صاحب "تاريخ دمشق" لازمه العز كثيراً، وأخذ منه الفقه والحديث، وتأثر به في علمه وأخلاقه وسلوكه (2).
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 441).
(2) وفيات الأعيان (2/ 316) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 57.
(1/585)

2 - جمال الدين الحرستاني: هو عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل بن علي، قاضي القضاة، جمال الدين، أبو القاسم الخزرجي الأنصاري، الدمشقي، المعروف بابن الحرستاني، قاضي دمشق، من ذرية سعد بن عبادة رضي الله عنه، جمع الحديث، وسمّاه الذهبي: مسند الشام، شيخ الإسلام وكان إماماً فقيهاً عارفاً بالمذهب، ورعاً، صالحاً، محمود الأحكام، حسن السيرة كبير القدر: .. وولي القضاء بدمشق نيابة ... ثم إنه ولي قضاء القضاة استقلالاً في سنة 612هـ (1) وكان عالماً صالحاً زاهداً على طريقة السلف في لباسه وعفته وكان صارماً، عادلاً، ولا تأخذه في الله لومة لائم وله حكايات عظيمة مع الملك المعظم عيسى في أحكامه، ولم تفته صلاة بجامع دمشق في جماعة إلا كان مريضاً، وعمَّراً دهراً طويلاً وتوفي سنة أربع عشرة وستمائة وله 95 سنة وكان من أعدل القضاء وأقومهم بالحق تتلمذ عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام وسمع منه الحديث وأخذ عنه الفقه وقال فيه الشيخ عز الدين: أنه لم ير أفقه منه وعليه كان ابتداء اشتغاله، ثم صحب فخر الدين ابن عساكر ورجح الشيخ عز الدين ابن الحَرستاني - في علمه - على ابن عساكر وكان الحرستاني حفظ "الوسيط" للغزالي (2) وقال سبط بن الجوزي: كان زاهداً، عفيفاً، ورعاً، نزِها، لا تأخذه في الله لومة لائم، اتفق أهل دمشق على أنه ما فاتته صلاة بجامع دمشق في جماعة إلا إذا كان مريضاً، ثم ساق حكايات من مناقبه وعدله في قضاياه، وأتى مرة بكتاب، فرمى به وقال: كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب فبلغ العادل قوله، فقال: صدق، كتاب الله أولى من كتابي وكان يقول للعادل: أنا ما أحكم إلا بالشرع وإلا فأنا ما سألتك القضاء، فإن شئت، فأبصر غيري (3)
__________
(1) سير أعلام النبلاء (22/ 80 - 82).
(2) المصدر نفسه (22/ 82).
(3) سير أعلام النبلاء (22/ 83) ..
(1/586)

وقال أبو شامة: ابنه العماد هو الذي ألحَّ عليه حتى تولى القضاء وحدثني ابنه قال: جاء إليه ابن عُنَيْن، فقال: السلطان يُسلمَُّ عليك ويوصي بفلان فإن له محاكمة، فغضب وقال: الشَّرع ما يكون فيه وصية (1) وقال المنذري: سمعت منه وكان مهيباً، حسن السَّمت، مجلسه وقار وسكينة، ويبُالغ في الإنصات إلى من يقرأ عليه (2).
__________
(1) المصدر نفسه (22/ 83).
(2) المصدر نفسه (22/ 83).
(1/587)

3 - سيف الدين الآمدي: هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن المعروف بسيف الدين الآمدي أحد أذكياء العالم وُلد بعد سنة 550هـ بيسير بمدينة آمد، وقرأ بها القرآن، وحفظ كتاباً في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ثم قَدِم بغداد، فقرأ بها القراءات، وتفقه على أبي الفتح بن المنى الحنبلي، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وصحب أبا القاسم بن فضلان، وبرع عليه في الخلاف، وتفنَّن في علم النظر، وأحكم الأصلين والفلسفة وسائر العقليات، ثم دخل مصر وتصدَّر للإقراء وتخرّج به جماعة، ثم وقع التعصَّب عليه، فخرج من القاهرة متخفياً ثم قدم دمشق، ودرس بالمدرسة العزيزية، ثم أخذت منه وتوفي بدمشق سنة 631هـ، له تصانيف تربو على العشرين كلها منقّحة حسنة، منها "الأبكار" في أصول الدين و"الأحكام" في أصول الفقه و"شرح جدل الشريف" وقد درس عليه العزّ الأصول واستفاد منه كثيراً، وتأثر به، ويبدو ذلك في كتاب العزّ "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" وكان من المعجبين به، وبطريقة تدريسه ومناظرته، وقد تفلت عنه عبارات تشيد بذلك منها قول العزّ: ما سمعت أحداً يُلقي الدرس أحسن منه، كأنه يخطب، وإذا غيّر لفظاً في "الوسيط" للغزالي كان لفظه أمسّ بالمعنى من لفظ صاحبه وقال: ما علمنا قواعد البحث إلا من سيف الدين الآمدي (1). وقال: لو ورد على الإسلام متزندق يشكّك ما تعيّن لمناظرته غير الآمدي لاجتماع أهليّة ذلك فيه (2).
ولما توفي سيف الدين الآمدي خرج الإمام العز في جنازته وحضر دفنه في سفح جبل قاسيون (3).
__________
(1) العز بن عبد السلام العلماء فاروق عبد المعطي ص 18.
(2) طبقات السبكي (8/ 306 - 308).
(3) النجوم الزاهرة (6/ 285).
(1/588)

4 - القاسم بن عساكر: هو القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله وهو الحافظ أبو محمد بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر بهاء الدين، كتب الكثير حتى أنه كتب تاريخ والده "تاريخ دمشق" مرتين، وهو من أسرة علمية وله كتاب "فضل المدينة" و "فضل المسجد الأقصى" و"الجهاد" وتولى مشيخة دار الحديث النورية بعد والده، ولم يتناول أجراً على ذلك، بل كان يدفعه للطلبة، وكان ناصر السنة في إماتة البدعة، سمع منه خلق كثير، وأملى كثيراً، وحدث، ودخل مصر وانتفع به أهلها وعاد إلى دمشق ومات بها سنة 600هـ وكان يحب المزح، وكثير النوافل والذكر، معرضاً عن المناصب بعد عرضها عليه، وكان حسن المعرفة، شديد الورع، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قليل الإلتفات إلى الأمراء وأبناء الدنيا، سمع العز منه الحديث، وانتفع به في منهجه وسلوكه (1).
5 - عبد اللطيف بن شيخ الشيوخ: ومن شيوخ العز رحمه الله عبد اللطيف بن شيخ الشيوخ وهو: عبد اللطيف بن إسماعيل ابن شيخ الشيوخ أبي سعد، وكنيته أبو الحسن، ولقبه ضياء الدين، وهو أخو شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل الذي قدم رسولاً على صلاح الدين الأيوبي من بغداد مراراً، سمع الحديث من شيوخ عصره ومن والده وآخرين، كان صالحاً، ثقة، رحل إلى مصر والقدس والخليل، وقدم دمشق ولقي شيوخها وأخذ عنه العز رحمه الله الحديث، وسمع منه، وتأثر بأخلاقه الفاضلة وهمته العالية، توفي رحمه الله في دمشق ودفن فيها سنة 596هـ (2).
__________
(1) طبقات الشافعية (8/ 352) الأعلام (6/ 12).
(2) النجوم الزاهرة (6/ 159) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 74.
(1/589)

6 - الخشوعي: ومن شيوخ العز أيضاً أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي عن مسند الشام في عصره وطال عمره، حتى شاخ تلامذته، وقد انتفع به خلق كثير منهم العز بن عبد السلام الذي تلقى العلم على يديه منذ أيامه الأولى، وقد اختلف في تاريخ وفاته، فذكر ابن كثير أنه توفي سنة 597هـ (1)، وقال ابن تغْري بردي توفي الخشوعي سنة 598هـ (2).
7 - حنبل الرصافي: هو أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة المكبر بجامع الرصافة، وكان فقيراً جداً في أول حياته ثمّ حصل مالاً طائلاً، وقد سمع مسند الإمام أحمد من ابن الحصين، وهو آخر من رواه عنه، وقد رحل إلى إربل والموصل ودمشق، وأسمع المسند بهذه البلاد وقد سمع منه الملك المعظم عيسى بن العادل في جمع كثير في الجامع الأموي، وكان كثير الأمراض، توفي ببغداد سنة أربع وستمائة وله تسعون سنة وآل ماله إلى بيت المال لأنه لا وارث له وقد سمع منه العز بن عبد السلام (3).
8 - عمر بن طبر زد: هو أبو حفص عمر بن محمد بن يحي المعروف بان طبرزد الدّار قري، ولد سنة 516هـ وسمع حديثاً كثيراً من أبي غالب بن البنّاء وأبي القاسم بن الحصين وكان معلماً للصبيان بدار القزّ ببغداد، وسافر مع حنبل إلى الشام، ثم عاد إلى بغداد وقد جمعا مالاً كثيراً وتوفي سنة 607هـ وعاد ماله إلى بيت المال، لأنه لا وارث له (4).
__________
(1) البداية والنهاية نقلاً عن فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 74.
(2) النجوم الزاهرة (6/ 181) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 74.
(3) تاريخ دول الإسلام (2/ 111).
(4) النجوم الزاهرة (6/ 201) العز بن عبد السلام سلطان العلماء ص 20.
(1/590)

9 - شهاب الدين السُّهروردي: ومن شيوخ العز الذين أثروا به، وتأثر بهم الإمام العارف أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن عمويه بن سعيد بن الحسن السهروردي ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولد سنة 530هـ، بسهرورد، وقدم بغداد، فصحب عمه وأخذ عنه التصوف والوعظ، وسمع الحديث على شيوخ عصره، وتفقه على علماء بغداد، كما صحب الشيخ عبد القادر الجيلاني ت 561هـ رحمه الله فكان عالماً فاضلاً، ومحدثاً حافظاً، وعابداً زاهداً، أقبل على الله، وسلوك طريق الآخرة، واستغرق أوقاته بالعبادات والأوراد والأذكار ولزم باب الله تعالى، ففتح الله عز وجل عليه حتى صار أوحد زمانه، وفريد عصره، دعا الخلق إلى الله تعالى الناس له، كان كلامه آخذاً بمجامع القلوب، ويدخل إلى زوايا النفوس، فيحرك مكامنها ... وإليه المنتهي في تربية المريدين، من أهم كتبه "عوارف المعارف" فانتفع به خلق كثير، منهم إمامنا العز بن عبد السلام، حيث لازمه وأخذ عنه العفة والورع والزهد والتصوف توفي ببغداد سنة 632هـ فهولاءهم أهم شيوخ العز بن عبد السلام الذين أخذ عنهم العلم والفقه والحديث والأصول والتفسير واللغة والتصوف، وتأثر بسلوكهم في الحياة وهناك شيوخ آخرون، سمع منهم العز، وأخذ عنهم، لا يمكن حصرهم لكثرتهم (1) وهذا الشيخ شهاب الدين السهروردي يختلف عن الذي قتل في عهد صلاح الدين.
__________
(1) فتاوي شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص 75، 76.
(1/591)

خامساً: تلاميذ العز بن عبد السلام: لقد قصد العز بن عبد السلام تلاميذ نجباء، اجتمعوا عليه من شتى أقطار الأرض، لينهلوا من علمه، ويتعلموا من فقهه، وليشربوا من نبعه الفياض، حتى تخرج على يديه فحول العلماء، وجهابذة الفقهاء، وساعده على ذلك تفرفه للتدريس والتعليم في شتى فروع علم الشريعة، فألقى دروساً في الفقه والتفسير والأصول والتصوف، والوعظ والإرشاد، فتعلقت به العامة والخاصة، وطمع كل طالب علم أن يرى هذا الشيخ لينال من بركاته وفيوضاته، وعلومه الغزيرة في كل فن، فمن العسير أن نحيط علماً بكل تلامذته وطالبي علمه، فيفترض أن كل طلاب العلم في مصر ومن حولها أو مربها في ذلك العصر تتلمذ على يد الشيخ وذلك لذيوع وانتشار سمعته (1).
قال العماد: ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد (2)، ومن أهم تلاميذ العز بن عبد السلام الذين نهلوا من علمه وتربوا على يديه هم:
__________
(1) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 85.
(2) شذرات الذهب (7/ 523، 524).
(1/592)

1 - شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: هو تقي الدين أبو الفتح محمد بن مجد الدين علي بن وهب بن مطيع القشيري، وُلد في الخامس والعشرين من شعبان سنة 625هـ وتفقه ببلده قوص - إحد مدن صعيد مصر - على والده وكان مالكي المذهب، ثم رحل إلى القاهرة، وتفقّه على العزّ بن عبد السلام، فحقَّق المذهبين قال ابن السبكي في ترجمته: شيخ الإسلام الحافظ الزاهد الورع الناسك المجتهد المطلق ذو الخبرة التامّة بعلوم الشريعة الجامع بين العلم والدين والسالك سبيل السادة الأقدمين، أكمل المتأخرين (1)، وقد وُليَّ قضاء القضاة على مذهب الشافعي بمصر بعد تقيَّ الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ بعد إباءٍ شديد، وعزل نفسه أكثر من مرة ثم يُعاد (2)، توفي في حادي عشر صفر سنة 702هـ وكان جرئياً في الحق متأثراً بشيخه العز في هذا المجال، حيث كان ينادي عامة الناس السلطان فما دون "يا إنسان" دون ألقاب ومقدمات، وله مواقف مع ملوك عصره تدل على جرأته وصرامته وقوله الحق لا يخاف في الله لومة لائم، متشبها بشيخه العز بن عبد السلام وكان يجله ويقتفي أثره ويسير على نهجه توفي رحمه الله سنة 702هـ، ودفن بالقرافة تاركاً خلفه ثروة علمية هائلة أهمها "الإلمام في أحاديث الأحكام" وغيره (3) وكانت له مواقف شجاعة من السلطان محمد بن قلاوون حينما أراد أن يجمع المال من الرعيّة لحرب التتار، وقد أفتاه بجواز ذلك ابن الخشَّاب ولكن ابن دقيق العيد منعه من ذلك، لأن الأمراء لديهم الأموال والذهب وأن فيهم من جهّز ابنته لتُزَفّ إلى زوجها وأنه عمل في شوارها الجواهر واللآلئ والحليّ والذهب واتخذ فيها الأواني من الفضة، وأن منهم من رصّع مدارس زوجته بالجواهر (4)
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (9/ 207).
(2) العز بن عبد السلام، سلطان العلماء ص 23.
(3) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص 858.
(4) العز بن عبد السلام، سلطان العلماء ص 24 ..
(1/593)

وهذا شبيه بموقف العزّ من الملك المظفر قطز حينما أراد أن يأخذ المال من الرعيَّة لحرب التتار فمنعه العزّ من ذلك حتى يحضر الأمراء ما عندهم من الذهب والفضة والسّروج المذهبية (1) وغيرها.

2 - القرافي: هو أحمد بن عبد الرحمن القرافي، أبو العباس، شهاب الدين الصنهاجي، من علماء المالكية، نسبته إلى صنهاجة من برابرة المغرب (2) عالم زمانه، أحد الأعلام، انتهت إليه رياسة المالكية في عصره وبرع في الفقه والأصول والعلوم العقلية والتفسير، ولا عجب فهو تلميذ العز بن عبد السلام النجيب الذي عاش فقيراً ونشأ في أسرة مغمورة ثم بعلو همته وجده، وعزيمته التي لا تلين ملاء الدنيا علمه، تخرج على يديه عدد من العلماء الأفاضل، وكتب وألف حتى أصبحت كتبه أعلاماً للسالكين ومن أجلها: " الذخيرة" و"الفروق" و"شرح التهذيب" وغيرها.
أ- وقد تأثر القرافي بالعز من خلال الموازنات الفقهية التي عقدها القرافي في الذخيرة بين المذهبين المالكي والشافعي، وحتى في كتابه الفروق، وكان منهج الإمام العزّ الذي تتلمذ على يديه عدد كبير من الطلبة مع اختلاف مدارسهم الفقهية، عدم الإنسلاخ عن مذاهبهم التي يتمذهبون بها والأخذ بمذهبه الشافعي، بقدر ما كان يحاول رسم الطريق والمنهج في التعامل مع الأحكام الشرعية، والنصوص استنباطا واجتهاداً وتعليلاً.
__________
(1) المصدر نفسه ص 24.
(2) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 61.
(1/594)

ب- التفريق بين القواعد الفقهية: فكرة التفريق بين القواعد الفقهية أخذها القرافي من العز بن عبد السلام - رحهمها الله - حيث يذكر في ثنايا كتابه "قواعد الأحكام" فروقاً بين الفروع الفقهية المتشابهة في الظاهر ولكن بينهما وجه مفارقة ومثاله: من سقى الأشجار بماء مغصوب من حين غرسها حين بسَقَت ضَمِن الماء بمثله، ولاحقَّ لمالكه فيما استحال إلى صفات الأشجار لأنه صار ملكاً لصاحب الشجرة، كما صار الغذاء ملكا لصاحب الحيوان لمَّا تعذر وصول مالكه إليه .. حتى قال: فإن قيل: كيف يملك الغاصب ذلك بتعدَّيه بسقي الماء المغصوب للشجر، وإطعام الطعام المغصوب للحيوان، ومن مذهب الشافعي رحمه الله - أن الغاصب لو أتلف أكثر منافع المغصوب لم يملكه؟ قلنا: الفرق بينهما إمكان الرَدَّ إذا أُتلف معظم منافع المغضوب، وتعذر الردَّ ههنا مع حدوث المالية فيما بقي بقوى الأشجار والحيوان، المختصين بملك الغاصب (1).

ج- النظر إلى سبب تأليف القرافي للفروق: بالنظر إلى سبب تأليف القرافي للفروق على أنه في القواعد خاصة، التي نثرها في الذخيرة ثم جمعها في الفروق، وزاد في شرحها، وبيانها، والكشف عن أسرارها وحِكمها وأمّا كتاب قواعد الأحكام فقد صرّح العز بسبب تأليفه فقال: الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات، وسائر التصرفات ليسعى العباد في اكتسابها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وبيان مصالح المباحات ليكون العباد على خِيَرة منها، وبيان ما يقَدَّم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد عن بعض، مما يدخل تحت اكساب العباد، دون مالا قدرة لهم عليه (2).
__________
(1) قواعد الأحكام (1/ 273).
(2) قواعد المصلحة والمفسدة عند شهاب الدين القراني ص 73.
(1/595)

ح- نبذ القرافي للتعصب المذموم للمذهب: تأثر القرافي - رحمه الله - بمنهج شيخه في نبذ التعصب المذموم للمذاهب، والدعوة إلى الاجتهاد المبني على أسس علمية متينة، فاصبغت آراؤه الاجتهادية بمحاربة التقليد، وضرورة مراقبة المذاهب الفقهية، خاصة الفتاوى المبنية على الأعراف والمصالح مما كانت في عصر الأئمة على اعتبار معين، ثم زال ذلك الاعتبار (1) قال الإمام العز - رحمه الله - والفقيه من رأى الواضح واضحاً، والمشكل مشكلا، ومن تكلف أن يجعل المشكل واضحاً، فقد كلفّ نفسه شططاً، فإن كان عاقلاً كان أوّل ما قتِ لنفسه والتعصب للحق على الرّجال أولى من التعصب للرّجال على الحق (2) ووضَّح القرافي كلام شيخه غاية التوضيح فقال: تنبيه: كل شيء أفتى فيه المجتهد، فخُرجَّت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النَّص أو القياس الجِليَّ السَّالمِ عن المعارض الرّاجح لا يجوز لمقلدّه أن ينقله للنّاس ولا يفتي به في دين الله، فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضاه، حتى قال: فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكل ما وجدوه من هذا النوع، يحرم عليهم الفتيابه ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يَقِلُّ وقد يكثر (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 73.
(2) قواعد المصلحة والمفسدة عند شهاب الدين القرافي ص 74
(3) المصدر نفسه ص 74.
(1/596)

خ- توظيف القواعد المقاصدية في الاجتهاد: لم يَضع القرافي - رحمه الله - كتاباً خاصاً بمقاصد الشريعة وأسرارها، بحيث يعّرفها ويذكر فروعها ويفُصَّلُ القول في قواعدها ومباحثها، كما فعل شيخه العز بن عبد السلام، لكنه اتجه إلى توظيف هذه القواعد المقاصدية للاجتهاد، وتعليل الفروع الفقهية، وجزئيات الأحكام ويكون بذلك قد فَعَّلَ من مُهمةَّ هذه القواعد وأعطاها صفة عملية وأخرجها من النظرية إلى التطبيق، خاصة في الفروق عندما قصد إظهار هذه النظرة المصلحية بين القواعد الفقهية التي تظهر عند المقارنة بينها مناسبات الأحكام وعللها، أكثر مما إذا كانت فروعاً جزئية، فإذا كان للشيخ العزّ، فضل السبَّق والتنظيم والتبويب فللقرافي - رحمه الله - شرف الاجتهاد والمواصلة والتفعيل:
وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجبٌ ثنائَي الجميلا
والله يقضي بهبات وافره ... لي وَلَهُ في دَرَجَات الآخرة (1)

س- التمثيل للقاعدة بالفروع الفقهية: على عكس القرافي، يكثر الشيخ عز الدين بن عبد السلام، من التمثيل للقاعدة التي بصَدَدِ دراستها بالفروع الفقهية حتى يقرّرها في ذهن المطالع، ونجد القرافي يكثر من حشد القواعد التي تكون في محل الخلاف بين طرفين متنازعين أو تدعم فرقاً يعتقده أو يدافع عنه، فالعزّ لما مثل لقاعدة رُجحان المصالح والمفاسد ذكر لها 63 مِثالاً ولما مثَّل لقاعدة اجتماع المصالح المجرّدة عن المفاسد ذكر لها 63مثالاً، ولما مثَّل لأنواع الحقوق المتعلقة بالقلوب ذكر لها 29 مثالاً، ولما مثل تساوي المصالح وتعذر جمعها ذكر لها "مثالاً (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 76.
(2) قواعد المصلحة والمفسدة عند شهاب الدين القرافي ص 76.
(1/597)

ش- حرص القرافي على نقل وتدوين آراء شيخه، حتى لو خالفه في الرأي والاجتهاد ويظهر هذا التأثير البالغ من القرافي عند ما يذكر شيخه العزّ، فيغدق عليه عبارات الثناء والإعجاب، فهو يقول مَثلاً في الفرق الخامس والتسعين: ولم أرَ أحداً حرَّره - هذا الفرق - هذا التحرير إلا الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام - رحمه الله وقدّس روحه الكريمة - فلقد كان شديد التحرير لمواضع كثيرة في الشريعة، معقولها، ومنقولها، وكان يُفْتَحُ عليه بأشياء لا توجد لغيره رحمه الله رحمة واسعة (1)، ورغم المكانة العظيمة التي أحلّها القرافي شيخه من نفسه، فإنه في كثير من المواضع يناقشه في مسائل يختلف معه فيها كل ذلك بأدب وتواضع كبيرين (2).

ومن القواعد التي ذكرها القرافي في كتاب الفروق:
- تصرف الولي منوطٌ بالمصلحة.
- اعتماد الأوامر المصالح، والنواهي المفاسد.
- خمس اجتمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها وهي وجوب حفظ النفوس والعقول، والأعراض، والأنساب والأموال.
- درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
- تقدم المفسدة الخاصة على العامة عند التعارض.
- إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما بإرتكاب أخفَّهما.
- احتياط الشارع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من خروجه من الإباحة إلى الحرمة.
- الوسائل لها حكم المقاصد.
- الوسائل أخفض رتبة من المقاصد.
- الوسيلة إذا لم تقض إلى المقصود سقط اعتبارها.
- المقصد إذا كان له وسيلتان يُخيرَّ بينهما.
- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
- المشقة تجلب التيسير.
- الضرورات تبيح المحظورات.
- الأجر على قدر المصلحة والعقاب على قدر المفسدة.
__________
(1) المصدر نفسه ص 77.
(2) المصدر نفسه ص 77.
(1/598)

وقد قام الشيخ قندوز محمد الماحي بتقديم رسالة ماجستير اسمها، قواعد المصلحة والمفسدة عند شهاب الدين القرافي من خلال كتابه الفروق، فتحدث عن القواعد المتعلقة بجلب المصالح ودرء المفاسد، فتحدث عن صياغة القاعدة وشرحها وأدلتها وضابط القاعدة وفروعها، ومستثنياتها، وتكلم عن قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد وقواعد الوسائل وقواعد المشقة والتيسير، وقام بتعريف المشقة، وبيان القاعدة وأدلتها وأقسامها وضابطها وفروعها (1) ... إلخ.

إن ميراث الأمة الإسلامية في عهد العز بن عبد السلام، والقرافي في ميراث علمي زاخر، مستمد من الأصول التشريعية المعتمدة عند علماء الشريعة ومجتهديها، كان منطلقهم الكتاب والسنة وما يلحق بهما من أصول اجتهادية، بحيث عاشوا واقعهم وتفاعلوا مع أحداث أزمانهم ورسموا لمن يأتي بعدهم رُؤى ومعالم يسيرون عليها حتى لا يحيدوا عن الجادة المستقيمة والمحجة البيضاء الناصعة، فعلى خطاهم يسير الخلف من هذه الأمة وعلى اجتهاداتهم يبنون، فأي محاولة لتخطي التراث العلمي الزاخر وتلك الاجتهادات الفقهية، والمدونات العلمية، تحت دعوة التجديد والتطوير؛ إنما هي ضرب من المسخ لهذه الأمة، وتجريد لها عن سلفها الذين جمعوا بين فقه الواقع وفقه التنظير، وفواجهوا مستجدات عصرهم بالحلول الشرعية السليمة (2).

- إن دراسة تاريخ الأمة الإسلامية، وأوضاع كل قرن له دورُهُ الفَعَّال في الاستفادة من تاريخ السابقين وتجاربهم حتى لا نقع في نفس الأخطاء التي وقعوا فيها، لأن عدونا قد أحسن قراءة تاريخنا، وأمسك بمفاصل الضّعف فينا، فأخذ يحرّكها كيف يشاء، وواقعنا خير شاهد على ذلك.
__________
(1) قواعد المصلحة والمفسدة عند شهاب الدين القرافي ص 344.
(2) المصدر نفسه ص 344.
(1/599)

- التركيز على الشخصيات التي كانت لها قدرات علمية كبيرة، وكانت متحرّرة من ربقة التقليد والجمود بحيث أثرت في واقعها التي عاشت فيه، إما بالجهاد القولي أو العلمي، وهذا ما لمسناه في شخصية الإمام القرافي وشيخه العز بن عبد السلام، فالأول كان قائد حركة علمية جهادية كبيرة في مصر، والثاني جمع بين الجهاد باللسان والبنان (1).
- كل اجتهاد فقهي عار عن النظرة المصلحية والبعد المقاصدي ومرتكزات الواقع المعاش لا سبيل إلى التفاعل معه، لأنه أبعد ما يكون عن روح الشريعة ومقاصدها.
- الخروج عن النمط التقليدي في الدّراسات الفقهية والأصولية وهذا ما لمسناه في فروق القرافي - حيث ابتدع نمطاً تعقيديا في الدراسات الفقهية، نلمسه من خلال تفريقه بين القواعد الفقهية في حّد ذاتها، لا بين الفروع الجزئية، وفي هذه العملية تظهر أسرار الشريعة ومقاصدها الكلية.
- لقد جمع الإمام القرافي - رحمه الله - بين معارف عصره الفقهية، والأصولية، واللغوية والمادية والفلكية، بحيث أعطته زاد علمياً فاق به كثيراً من أقرانه وتحرّر من ربقة التقليد، وكانت فتاواه ملائمة ليسر التشريع وسماحته.
- لم يكتف القرافي، بتقعيد القواعد الفقهية بل تعّداها إلى تقعيد القواعد الأصولية والمقاصدية، واللغوية والمنطقية وتفعيل هذه القواعد في عملية الاجتهاد والاستنباط.
- في التكوين العلمي لشخصية القرافي، نلمس التحرّر من المذهبية الضيّقة، والعصبية الممقوته، وهذا ما نعيشه في عصرنا من الانفتاح على الثقافات المختلفة ومحاولة إلزام قوم بمذهب واحد إعنات لهم، فلا بأس من الأخذ من المذاهب السنية - شرط أن يكون الأخذ له أهلية الأخذ والترجيح حتى لا تختلط الأحكام وتتسيب الفتاوى (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 344.
(2) قواعد المصلحة والمفسدة ص 345.
(1/600)

- استخلاص القواعد الفقهية، واستخراجها من بُطون الموسوعات الفقهية وإفرادها بالدّراسة والتدليل لها وإيراد المستثنيات منها، يسهل على الباحث الإطلاع على الفروع الفقهية في كل مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة.
- أهمية إدراج علم الفروق في المناهج الدّراسية، لطُلاب التخصصات الشرعية، لأنه يجمع بين التقعيد والتفريع والتقصيد (1).

- وفاة القرافي: بعد حياة حافلة بالتدريس والتعليم والتأليف، توفي شهاب الدين القرافي - رحمه الله - بدير الطين؛ وهي قرية على شاطئ النيل قرب الفسطاط بظاهر مصر وكان ذلك سنة 684هـ على أرجح الأقوال ولنا عودة مع القرافي في حديثنا عن الصراع الثقافي في عهد الحروب الصليبية، بإذن الله تعالى.

3 - جلال الدين الدشناوي: ومن تلاميذ العز بن عبد السلام الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكندي الدشناوي، الفقيه والأصولي ولد سنة 615هـ في صعيد مصر، وأخذ العلم والفقه والحديث والأصول على علماء عصره، وكان صديقاً لابن دقيق العيد، تلميذاً نجيباً عند العز والمنذري وغيرهما من جهابذة العصر حتى بلغ مرتبة الرياسة في المذهب الشافعي، كان ورعاً زاهداً، عابداً، تقيا، له تصانيف عديدة أهمها كتاب في المناسك سماه "مناسك الحج" كما صنّف شرحاً على "التنبيه" وصل فيه إلى الصيام، ومقدمة في النحو، وغيرها، توفي رحمه الله سنة 677هـ (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 345.
(2) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 20 - 22) حسن المحاضرة (1/ 417).
(1/601)

4 - أحمد بن فرح الأشبيلي: هو الإمام أحمد بن فرح بن أحمد الأشبيلي، المحّدث الفقيه، العالم العامل ولد بأشبيلية سنة 625هـ، وأسره النصارى، ثم نجاه الله ورحل إلى دمشق، وأخذ من علمائها ثم ارتحل إلى القاهرة والتقى بسلطان العلماء فنهل من معينه، وأخذ من فقهه وعلمه حتى شاخ على أقرانه، ثم استوطن دمشق، كان له سكينة ووقار، قال الذهبي ت 765هـ حضرت مجالسه وأخذت عنه، ونعم الشيخ كان سكينة ووقاراً وديانة واستحضاراً توفي سنة 699هـ رحمه الله (1).
5 - شرف الدين أبو محمد الدمياطي: هو الإمام الحافظ عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسين بن شرف بن الخضر الدمياطي، كان إمام أهل الحديث في عصره، ولد بدمياط سنة 613هـ وقرأ فيها القرآن والأصول والفقه والفرائض على علمائها الأمجاد ثم ارتحل إلى القاهرة، فلازم المنذري واستمع منه الحديث حتى صار إماماً فيه، جمع بين الرواية والدراية بالسند العالي وتتلمذ على سلطان العلماء، وأخذ منه الفقه والأصول وسائر العلوم، وخرج له أربعين حديثاً عوالي، ثم اشتغل بالتدريس وقصده الطلاب في الآفاق، وتتلمذ عليه طلاب العلم فنهلوا من علمه الغزير وصنّف الكتب المفيدة أهمها "الصلاة الوسطى" "وقبائل الخزرج"، وغيرها توفي عام 705هـ (2) رحمه الله.
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (2/ 291) النجوم الزاهرة (8/ 191).
(2) تذكرة الحفاظ (2/ 118) فتاوى شيخ الإسلام ص 87س.
(1/602)

6 - شهاب الدين أبو شامة: هو الإمام عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المكنى بأبي القاسم، وأبي شامة، الملقب بشهاب الدين المقدسي الشافعي، المقري النحوي الأصولي، المؤرخ الذي برع في فنون العلم، وقيل بلغ رتبة الاجتهاد ولد سنة 599هـ وختم القرآن وهو دون العشر سنوات، وتفقه على العز بن عبد السلام، ولازمه، وأحبه، وحفظ كثيراً من أخباره، ورحل إلى مصر، وتفقه على علمائها، وعاد إلى دمشق وزار بيت المقدس، وحج مرتين، له مصنفات عديدة مفيدة أهمها؛ كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، والذيل على الروضتين واختصر تاريخ دمشق، قال الأسنوي: كان عالماً راسخاً في العلم، فقيها مقرئاً محدثاً نحويا، يكتب الخط المليح المتقن، وفيه تواضع (1)، وقد امتحن في موته، بأن دخل عليه رجلان في صورة المستفتيين، فضرباه ضرباً مبرحاً، فاعتل به، إلى أن مات في سنة 665هـ وسجل في تاريخ هذه المحنة، وذكر تفويض أمره لله، وعدم مؤخذة من فعل ذلك رحمه الله (2).
7 - تاج الدين الفركاح: هو الإمام عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الشيخ تاج الدين المعروف بالفركاح، ولد سنة 624هـ وتفقه على العز، وسمع من ابن الصلاح وغيره من علماء عصره حتى أصبح فقيه الشام في عصره، وكان إماماً مدققاً نطاراً، توفي سنة 690هـ رحمه الله (3).
__________
(1) طبقات الأسنوي (2/ 118) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 87.
(2) فوات الوفيات (1/ 527) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 88.
(3) شذرات الذهب نقلاً عن فتاوى شيخ الإسلام ص 88.
(1/603)

8 - صدر الدين ابن بنت الأعز: هو الإمام العادل الورع الصالح القاضي الصارم عمر بن عبد الوهاب بن خلف العلامي ابن قاضي القضاة تاج الدين بنت الأعز أخو تقي الدين سالف الذكر، ولد سنة 625هـ، وسمع من المنذري وغيره من شيوخ عصره وأخذ الفقه والأصول عن الإمام عز الدين وتأثر به وتخلف بأخلاقه وسار سيرته في القضاء والشدة على الظلمة والطغاة وعزل نفسه من القضاء واقتصر على التدريس، توفي سنة 680هـ (1).
9 - أبو أحمد بن زيتون: هو أبو أحمد بن أبي بكر بن مسافر بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الرفيع اليمني المالكي الشهير بابن زيتون كان قاضي الجماعة بتونس، ورحل إلى المشرق مرتين، وتفقه على عز الدين بن عبد السلام، كما تفقه على علماء عصره، وولي قاضي القضاة فعظم أمره وانتفع به الناس، توفي سنة 691هـ ودفن في تونس (2)، كما أن هناك الكثير من تلاميذ العز بن عبد السلام ذكرنا هؤلاء خوفاً من الإطالة.
__________
(1) البداية والنهاية (17/ 580).
(2) الديباج ابن فرحون ص 99.
(1/604)

خامساً: مؤلفاته: ترك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثروة من المصنفات والرسائل المفيدة، والفتاوى السديدة (1)، تبين لنا منزلته الرفيعة، وإطلاعه الواسع على حقائق الشريعة وغوامضها، وباعه الطويل، في معرفة مقاصد الشريعة، وفهمه السليم لمعاني القرآن الكريم ومراميه السامية التي رعاها الشارع الحكيم من أجل إسعاد البشرية عامة بإخراجها من ظلمات المفاسد ومضارها إلى نور المصالح وخيراتها، فاستحق أن يكون من الذين قيل فيهم: علمهم أكثر من تصانيفهم، لا من الذين عبارتهم دون درايتهم ومرتبته في العلوم الظاهرة مع الصادقين في الرعيل الأول، وأما في علوم المعارف والعلم بالله فهو معروف عند أهله، فصنف في شتى العلوم، منها ما طبع ومنها مالا يزال مخطوطاً، وقد أفاضى المعاصرون في الحديث عن هذه المصنفات (2) المؤلفات تنقسم إلى:

1 - التفسير وعلومه: مما ألفه الإمام في التفسير.
أ- مختصر تفسير " النكت والعيون للماوردي"، حققه الدكتور عبد الله الوهيبي كجز لنيل أطروحته في الدكتوراء في التفسير، وقدم له دراسة عن العز بن عبد السلام، حياته، وآثاره ومنهجه في التفسير، وقدم دراسة عن منهج العز في هذا المختصر (3).

ب- تفسير القرآن العظيم: بدأ فيه العز بتفسير الاستعاذة، والبسملة، ثم شرع في تفسير سور القرآن الكريم، سورة سورة، مع العناية الواضحة بالنحو والإعراب (4)، ولا يزال هذا الكتاب مخطوطاً، ويوجد منه خمس نسخ خطية في تركياً (5).
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العزّ بن عبد السلام ص 48.
(2) المصدر نفسه ص 48.
(3) العز للوهيبي ص 10، 117.
(4) طبقات الشافعية (8/ 248).
(5) شجرة المعارف للعز، مقدمة المحقق ص 21.
(1/605)

ج- الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، ويختصر أحياناً باسم "مجاز القرآن" وطبع هذا الكتاب عدة مرّات واختصر هذا الكتاب ابن القيم الجوزية مع زيادات في كتابه "الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان" كما لخص السيوطي كتاب العز مع زيادات عليه وسما "مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن" ويعتبر كتاب العز هذا مع كتاب قواعد الأحكام، أهم كتبه على الإطلاق (1).
ح- أمالي عز الدين بن عبد السلام: وهي تشمل: الأمالي في تفسير بعض آيات القرآن الكريم، والأمالي في شرح بعض الأحاديث المنتقاة، والأمالي في مناقشة بعض المسائل الفقهية، وهذه الأمالي كان العز يلقيها في دروس تفسير القرآن الكريم ووجدت عدة مخطوطات لها وتجمع الأمالي الثلاث، بينما اقتصرت بعض النسخ الخطية على القسم الأول وبعنوان "فوائد العز بن عبد السلام"، ولذلك قام الاستاذ رضوان الندوي بتحقيق هذا القسم في رسالته للدكتوراه ثم طبعته وزارة الأوقاف الكويتية سنة 1967م، ثم أعيد طبعة في دار الشروق بجدة سنة 1402هـ/1982م اعتماداً على نسخ خطية بعنوان الفوائد في مشكل القران (2).

2 - الحديث والسير والأخبار:
أ- شرح حديث " لا ضرر ولاضرار": نسبه إليه رضوان الندوي (3).
ب- شرح حديث "أم زَرْع" الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، يوجد منه نسخة خطية بمكتبة الفاتح باسطنبول برقم 1141م ويقع في ثلاث ورقات ملحقة في آخر مجلد كبير لنسخة خطية عن "مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري" (4).
__________
(1) العز بن عبد السلام، الزحيلي ص 136.
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 138.
(3) العز للندوي ص 75.
(4) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 138.
(1/606)

ج- مختصر صحيح مسلم: ذكره ابن السبكي في كتب العز، وذكره الداودي، ولم يرد له ذكر في فهارس المخطوطات الموجودة، فإما أنه لازال ضمن المخطوطات الخاصة والمبعثرة في أنحاء العالم، أو فقد وضاع مع ما فقد من تراث المسلمين العظيم أيام المحن والنكبات والحروب والاحتلال لبلاد المسلمين.
ح- بداية السول في تفضيل الرسول: وهو رسالة صغيرة طبعت في مصر قديماً، وعلق عليها الشيخ عبد الله بن محمد الصديق الغماري، ثم حققها الدكتور صلاح الدين المنجد، وطبعتها دار الكتاب الجديد ببيروت سنة 1401هـ ثم حققها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وطبعها المكتب الإسلامي ببيروت سنة 1403هـ، ثم حققها السيد محمد أديب كلكل، وطبعها بدار الدعوة بحماة، وساق العز اثنين وثلاثين وجهاً لتفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تعداد الخصائص التي خصه الله بها (1).

س- قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: وتوجد منها نسخة في مكتبة برلين برقم 9614 (2).
ش- ترغيب أهل الإسلام في سكن الشام: وفيها بيان فضل الشام والترغيب بالسكن فيها، وطبعت عدة مرات، الأولى في المطبعة التجارية بالقدس سنة 1359هـ/1940م بعناية أحمد سامح الخالدي الديري، ثم طبعت ببغداد وعمان بتحقيق محمد شكور بن محمود الحاجي أمرير الميادني سنة 1987م، وقام الأستاذ الشاب إياد الطباع بتحقيقها أيضاً (3) هذه هي أهم الكتب والرسائل في الحديث والسيرة والأخبار.

3 - الإيمان والعقيدة وعلم التوحيد: ومن أهم هذه الكتب
أ- رسالة في علم التوحيد.
ب- وصية الشيخ عز الدين.
ج- نبذة في الرد على القائل بخلق القرآن.
س- الفرق بين الإسلام والإيمان.
ش- بيان أحوال الناس يوم القيامة.
د- ملحمة الاعتقاد أو العقائد (4).
__________
(1) المصدر نفسه ص 139.
(2) المصدر نفسه ص 139.
(3) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 139.
(4) العز بن عبد السلام سلطان العلماء د. فاروق عبد المعطي ص 52 إلى 55.
(1/607)

4 - الفقه وأصوله أهم كتبه في هذه العلوم:
أ- قواعد الأحكام في مصالح الأنام: هذا الكتاب اسمه في المصادر القديمة "القواعد الكبرى" ويوجد منه نسخ خطية كثيرة في مكتبات العالم وموضوع هذا الكتاب بيان الأحكام الشرعية باعتبار جلب المصالح ودرء المفاسد وقد أوضح العز مقاصد كتابه بقوله: الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات ليسعى العباد في تحصيلها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خبر منها، وبيان ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد على بعض، وما يدخل تحت اكتساب العبيد دون مالا قدرة لهم عليه ولا سبيل إليه (1) وقال في بيان حقيقة المصالح والمفاسد: المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية، فأما لذات الدنيا وأسبابها وأفراحها والآمها وأسبابها وعمومها وأسبابها، فمعلومة بالعبادات، ومن أفضل لذات الدنيا لذات المعارف وبعض الأحوال، ولذات بعض الأفعال في حق الأنبياء، فليس من جعلت قرة عينه في الصلاة كمن جعلت الصلاة شاقة عليه، وليس من يرتاح إلى ايتاء الزكاة كمن يبذلها وهو كاره (2) وأما لذات الآخرة وأسبابها وأفراحها وأسبابها، وآلامها وأسبابها وغمومها وأسبابها، فقد دل عليه الوعيد والزجر والتهديد، وأما اللذات فمثل قوله: " وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين" (الزخرف، آية: 71) وقوله: "يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين" (الصافات: 45، 46).
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 10).
(2) المصدر نفسه (1/ 11، 12).
(1/608)

وأما الأفراح ففي مثل قوله: "ولقاهم نضرة وسرورا " (الإنسان، آية 11) وقوله: "فرحين بما آتاهم الله من فضله" (آل عمران: 170) وفي مثل قوله: "يستبشرون بنعمة من الله وفضل" (آل عمران: 171) وأما الآلآم ففي مثل قوله: "ولهم عذاب أليم" (المائدة: 36) وقوله " ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ" (إبراهيم: 17) وأما الغموم ففي مثل قوله: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها" (الحج، آية: 22) ثم شرع بعد ذلك يذكر قواعد في المصالح والمفاسد ويقررها بالشرح ثم يوضحها بالأمثلة الكثيرة المتنوعة ومن أمثلة ذلك ما ذكره في اجتماع المصالح المجردة عن المفاسد فقال: إذا اجتمعت المصالح الأخروية الخالصة، فإن أمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح، والأفضل فالأفضل لقوله تعالى: "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" (الزمر، آية: 17، 18).

"واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم" (الزمر:55) وقوله: "وأمر قومك يأخذوا بأحسنها" (الأعراف، آية: 145) فإذا استوت مع تعذر الجمع تخيرنا، وقد يقرع، وقد يختلف في التساوي، والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين المصالح والواجبات والمندوبات، لبيان الأفضل وتقديم الفاضل على المفضول (1) وضرب أمثلة كثيرة نذكر منها مثالاً واحداً، كتقديم كل فريضة على نوعها من النوافل كتقديم فرائض الطهارات على نوافلها، وفرائض الصلوات على نوافلها، وفرائض الصدقات على نوافلها (2)، واستمر يذكر أمثلة لتوضيح هذه القاعدة ويفرع عليها فروعاً حتى ذكر ثلاثة وعشرين مثالاً في تقديم الفاضل على المفضول (3).
__________
(1) العز بن عبد السلام حياته وآثاره ومنهجه في التفسير ص 136.
(2) المصدر نفسه ص 136.
(3) المصدر نفسه ص 136.
(1/609)

وقال في تساوي المصالح مع تعذر جمعها: إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير للتنازع بين المتساويين (1) ثم ذكر فصلاً في اجتماع المفاسد المجردة عن المصالح فقال: إذا اجتمعت المفاسد المحضة فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل، فإن تساوت، فقد يتوقف وقد يتخير وقد يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين مفاسد المحرمات والمكروهات (2) ثم ذكر فصلاً في اجتماع المصالح مع المفاسد فقال: إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن، آية: 16) وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولانبالي بفوات المصلحة قال الله تعالى: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما، إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" (البقرة: 219) حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما، أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها وأما منفعة الميسر فيما يأخذه المقامر من المقمور، وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تحدثه من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما مفسدة القمار، فبإيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها، وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد (3)،
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 88).
(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 93).
(3) المصدر نفسه (1/ 98) ..
(1/610)

ثم ذكر فصلاً في بيان الوسائل إلى المصالح فقال: يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها، فالوسيلة إلى المقاصد أفضل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه، والتوسل إلى الجهاد أفضل من التوسل بالسعي إلى الجمعات، والتوسل بالسعي إلى الجمعات أفضل من التوسل بالسعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات (1)، ثم ذكر فصلاً في بيان وسائل المفاسد فقال: يختلف وزن المخالفات باختلاف رذائل المقاصد ومفاسدها، فالوسيلة إلى أرذل المقاصد، أرذل من سائر الوسائل، فالتوسل إلى الجهل بذات الله وصفاته أرذل من التوسل إلى الجهل بأحكامه، والتوسل إلى القتل أرذل من التوسل إلى الزنا، والتوسل إلى الزنا أقبح من التوسل إلى أكل بالباطل، والإعانة على القتل بالإمساك أقبح من الدلالة عليه وكذلك مناولة آلة القتل أقبح من الدلالة عليه (2) وقال في آخر الجزء الثاني مؤكداً ما سبق من أن الله أمر بكل خير ونهى عن كل شر فالخير يعبر به عن جلب المصالح والشر يعبر به عن جلب المفاسد، ومن المصالح والمفاسد، مالاً يعرفه إلا كل ذي فهم سليم وطبع مستقيم (3)،
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 123).
(2) المصدر نفسه (1/ 126).
(3) العز بن عبد السلام، حياته وآثاره ومنهجه في التفسير ص 138 ..
(1/611)

فقد قال: ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دِقهَّ وجله وزجر عن كل شيء دقه وجله فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبربه عن جلب المفاسد ودرء المصالح وقد قال الله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" (الزلزلة: 7، 8) وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر المحض، وإنما الإشكال إذا لم يعرف خير الخيرين وشر الشرين، أو يعرف ترجيح المصلحة على المفسدة، أو ترجيح المفسدة على المصلحة أو جهلنا المصلحة والمفسدة، ومن المصالح والمفاسد مالا يعرفه إلا كل ذي فهم سليم وطبع مستقيم يعرف بهما دق المصالح والمفاسد وجلهما وأرجحهما من مرجوحهما، .. إلى أن قال: وأجمع آية في القرآن للبحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها (1) قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" (النحل، آية: 90).
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 189).
(1/612)

وأسلوب الشيخ العز خالي من تعقيدات الفقهاء، وفيه سجع غير متكلف وفي بعض المواضع يغلب عليه أسلوب الوعظ ومن أمثلة ذلك ما قاله في كلام طويل نختصر منه: وعلى الجملة فمن أقبل على الله أقبل الله عليه ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن تقرب إلى الله شبراً تقرب منه ذراعاً، ومن تقرب منه ذراعاً تقرب منه باعاً، ومن مشى إليه هرول إليه، ومن نسب شيئاً إلى نفسه فقد زل وضل، ومن نسب الأشياء إلى خالقها المنعم بها كان في الزيادة لأن الله تعالى قال: "لئن شكرتم لأزيدنكم" (إبراهيم، آية: 7) "وسنجزي الشاكرين" (آل عمران: 145) وأفضل ما تقرب به التذلل لعزة الله والتخضع لعظمته والإيحاش لهيبته والتبرى من الحول والقول إلا به، وهذا شأن العارفين ومن خرج عنه فهو طريق الجاهلين أو الغافلين، وقد تمت الحكمة وفرغ من القسمة وسينزل كل أحد في دار قراره حكماً عدلاً وحقاً قصداً وفضلاً، وما ثبت في القدم لا يخلفه العدم، ولا تغيره الهمم بعد أن جرى به القلم وقضاه العدل الحكم، فأين المهرب وإلى أين المذهب، وقد عز المطلب، ووقع ما يذهب فيا خيبة من طلب مالم تجر به الأقدار، ولم تكتبه الأقلام، يا لها من مصيبة، ما أعظمها، وخيبة ما أفحمها، أين المهرب من الله، وأين الذهاب عن الله، وأين الفرار من قدرة الله؟ بينما يرى أحدهم قريباً دانياً إذ أصبح بعيداً نائياً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولاخفظاً ولا رفعاً (1).
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 13).
(1/613)

وروح العز بارزة في كتابه هذا، فالقارئ له يشعر كأن العز أمامه يناقش الأقوال ويرجح ويستدل ويرد قول المخالف، كما يلحظ القارئ سعة علمه وقوة جدله في بيان ما ترجح له والكتاب يركز على الأحكام الفقهية يجمعها تحت قواعد أصولية، فهو من كتب الفقه والأصول ولكنه أحياناً، يستطرد، فيبحث أموراً في العقيدة أو التصوف (1)، ويلاحظ في كتابه تكرار بعض الأمور في مواضع متعددة وقد اعتذر عن ذلك بقوله: وإنما أتيت بهذه الألفاظ في هذا الكتاب التي أكثرها مترادفات، وفي المعاني متلاقيات حرصاً على البيان والتقرير في الجنان، كما تكررت المواعظ والقصص والأمر والزجر والوعد والوعيد والترغيب والترهيب وغير ذلك في القرآن، ولا شك أن في التكرير والإكثار من التقرير في القلوب ما ليس في الإيجاز والاختصار، ومن نظر إلى تكرير مواعظ القرآن ووصاياه ألقاها كذلك، وإنما كررها إلاله لما علم فيها من إصلاح العباد، وهذا هو الغالب المعتاد ولو قلت في حق العباد هو أن يجلب إليهم كل خير، ويدفع عنهم كل ضير لكان ذلك جامعاً، عاماً ولكن مالا يحصل به من البيان ما يحصل بالتكرير وتنويع الأنواع، وكذلك لو قلت في حق الإله هو أن يطيعوه ولا يعصوه لكان مختصراً عاماً ولكن لا يفيد ما يفيده الإطناب والإسهاب، وكذلك لو قتل في بعض حقوق المرء على نفسه هو أن ينفعها في دينها ودنياها ولا يضرها في أولاها وآخراها لكان ذلك شاملاً لجميع حقوق المرء، وقد يظن بعض الجهلة الأغبياء أن الإيجاز والاختصار أولى من الإسهاب والإكثار، وهو مخطئ في ظنه لما ذكرنا من التكرير الواقع في القرآن والعادة شاهدة بخطئه في ظنه، وما دلت العادة عليه، وأرشد القرآن إليه أولى مما وقع للأغبياء الجاهلين الذين لا يعرفون عادة الله ولا يفهون كتاب الله، وفقنا الله لإتباع كتابه وفهم خطابه (2)،
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 140، 141).
(2) المصدر نفسه (1/ 161) ..
(1/614)

وخلاصة القول: أن العز بحث في كتابه هذا مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات ليسعى العباد في تحصيلها، ومقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وطريقته في ذلك أنه يذكر القاعدة الأصولية في المصالح والمفاسد، ويقررها بالشرح، ثم يوضحها بالأمثلة الفقهية الكثيرة المتنوعة، فهو من كتب الفقه التي تربط الفروع الفقهية بالقواعد الأصولية (1).

ب- الإمام في بيان أدلة الأحكام: وموضوع الكتاب بيان وجه دلالة آيات الأحكام على الأحكام من أمر ونهي وتخيير وإباحة وهو من كتب أصول الفقه، وليس من كتب العقيدة وقد قسم العز الأحكام إلى قسمين في هذا الكتاب فقال: والأحكام ضربان: أحدهما؛ ما كان طلباً لإكتساب فعل أو تركه والثاني: مالا طلب فيه، كالإباحة ونصب الأسباب والشرائط والموانع والصحة والفساد وضرب الآجال وتقدير الأوقات والحكم بالقضاء والأداء والتوسعة والتضيق والتعيين والتخيير، ونحو ذلك من الأحكام الوضعية الخبرية، ثم قسم أدلة الأحكام إلى قسمين، فقال: ثم أدلة الأحكام ضربان. أحدهما: لفظي يدل بالصيغة تارة، وبلفظ الخبر أخرى. والثاني: معنوي يدل دلالة لزوم إما بواسطة، وإما بغير واسطة، فكل فعل طلبه الشارع أو أخبر عن طلبه أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو نصبه سبباً لخير عاجل، أو آجل فهو مأمور به وكل فعل طلب الشارع تركه أو أخبر أنه طلب تركه أو ذمه أو ذم فاعله لأجله أو نصبه سبباً لشر عاجل أو آجل فهو منهي عنه، وكل فعل خير الشارع فيه مع استواء طرفيه أو أخبر عن تلك التسوية فهو مباح، عرض هذا الكلام بعشرة، فصول، الفصل الأول في الدلالة اللفظية: أما الصيغة فقوله تعالى: "خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" (الأعراف: 31) فخذوا أمر، وكلوا واشربوا إباحة، ولا تسرفوا نهي ... إلخ.
__________
(1) العز بن عبد السلام حياته وآثاره ومنهجه في التفسير ص 142.
(1/615)

والفصل الثاني في تقريب أنواع الأمر: كل فعل كسبي عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله أو فرح به أو أحبه أو أحب فاعله أو رضى به أو رضى عن فاعله أو وصفه بالاستقامة أو البركة أو الطيب أو أقسم به أو بفاعله، أو نصبه سبباً لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل أو نصبه سبباً لذكره أو لشكره أو لهدايته أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه أو لتكفيره أو لقبوله أو لنصرة فاعله أو بشارته، أو وصف فاعله بالطيب أو صفه بكونه معروفاً أو نفي الحزن أو الخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن أو نصبه سبباً لولاية الله تعالى أو وصف فاعله بالهداية أو وصفه بصفة مدح، كالحياة أو النور والشفاء، أو دعا الله به الأنبياء فهو مأمور به، فتذكر بعض الأمثلة هذه الأنواع، وهي ثلاثة وثلاثون مثالاً: المثال الأول: تعظيم الفعل وتوقيره "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" (فاطر، آية: 10) "هي أشد وطأ وأقوم قيلا" (المزمل، آية: 7) وكذلك الأقسام بالفعل ضرب من تعظيمه وتوقيره "وإنك لعلى خلق عظيم" القلم، آية 4 " ... إلخ. وهكذا استمر في ذكر بقية الأمثلة والفصول، ويتخلل هذه الفصول فوائد كثيرة، ونلاحظ وهذا الكتاب يدل على طول باع العز في أصول الفقه، وسعة علمه بمقاصد كتاب الله تعالى، ومعرفته لدلالة الألفاظ واختلافها وتمكنه من اللغة العربية (1).
__________
(1) العز بن عبد السلام حياته وآثار ص 145.
(1/616)

ج- مقاصد الصلاة: وموضوعها فضل الصلاة وبيان شرفها وأنها أفضل العبادات بعد الإيمان بالله لأنها قد اشتملت من أفعال القلوب واللسان والجوارح، ندبا وفرضاً مالم تشتمل عليه عبادة أخرى وفيها من الأعمال ما هو خاص لله تعالى وخاص بالعبد وخاص بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، ثم فصل ذلك في سورة الفاتحة التي تقرأ في الصلاة وتكلم عن أفعال الصلاة حتى ختمها (1) وقد حظيت هذه الرسالة النفيسة بعناية السلطان الملك الأشرف فكان يأمر بتلاوتها كلما دخل عليه أحد من خواصّه، ونصح شمس الدين سِبط ابنُ الجوزي الناس بها وهو على المنبر (2)، قال ابن السبكي في: قرئت عليه – أي السلطان الملك الأشرف – "مقاصد الصلاة" في يوم ثلاث مرات، تقرأ عليه، وكُلّما دخل عليه أحد من خواصَّه يقول للقارئ: إقرأ "مقاصد الصلاة" لابن عبد السلام، حتى يسمعها فلان، ينفعه بسماعها.

- من كتب الشيخ، مقاصد الصوم، ومناسك الحج، وأحكام الجهاد وفضله، والغاية في اختفاء نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني، والجمع بين الحاوي والنهاية (3).
5 - الفتاوى: ومن أهم الكتب في هذا المجال.
أ- الفتاوى الموصلية.
ب- الفتاوى المصرية.

6 - التصوف:
أ- شجرة العارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال:
وقد تكلم العز في هذا الكتاب على صفات الله وكيفية توحيده وتنزيهه، والوجه الأسلم في ذلك، وكيفية التخلق بصفات الله سبحانه وتعالى، وجاء هذا الكتاب في عشرين باباً، وفصولاً تمهيدية (4) وقد تحدث في هذا الكتاب عن كيفية التخلق بالأسماء والصفات، فقال:
__________
(1) مقاصد الصلاة ص 3.
(2) المصدر نفسه ص 3.
(3) المصدر نفسه ص 4.
(4) العز عبد السلام ص 153 حياته وآثاره ومنهجه في التفسير.
(1/617)

أ- التخلق بالقدوس: فقال الشيخ عز الدين: القدوس: هو الطاهر من كل عيب ونقصان، وثمرة معرفته: التعظيم، والإجلال، والتخلق به بالتطهير من كل حرام ومكروه وشبهه وفضل مباح شاغل عن مولاك (1).

ب- التخلق بالسلام: إن أُخِذَ من تسليمه على عباده فعليك بإفشاء السلام، فإنَّه من أفضل خِصال الإسلام وإن أخذ من السلامة من العيوب، فهو كالقدوس وإن أُخِذَ من الذيِ سَلِمَ عباده من ظُلمه، فليسلم الناس من غشمك وظلمك وضَرَّك وشرَّكَ، فإن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (2).

ج – التخلق بالإيمان: المؤمن، إن أخذ من تصديق الله نفسه فعليك بالإيمان بكل ما أنزله الرحمن وإن أخِذ من أمنه العباد من ظلمه فأظهر من بَِرك وخيرك ما يؤمن الناس من شرك وضَيْرِك، وإنَ أخذ من خالق كل أمن فاسع لعباد الله في كل أمن (3).

ح- التخلق بالهيمنة: المهيمن؛ هو الشهيد، فإن أخذ من مشاهدته لعباده، فهو كالبصير، وثمرته كثمرته، والتخلق به كالتخلق به، وإن أخذ من شهادته لعباده وعليهم في القيامة، فثمرة معرفته خوفك وحياؤك من شهادته عليك إن عصيته، ورجاؤك شهادته لك إن أطعته والتخلق به أن تقوم بالشهادة في كل ما نفع وضرّ، وساء وسَّر، ولو على نفسك أو الوالدين والأقربين.

خ- التخلق بالعزَّة: العزيز؛ إن أخِذَ من العلبة فهو كالقهار وثمرة معرفته الخوف، وإن أخذ من الامتناع من الضيمَّ فلا تخلق به إلا في بعض الضُيوم، كَضْيمْ الكُفَّار الفُجّار، وإن أُخذ من الذي يَعِزُّ وجود مثله فهو سالب للنظير، فلا تخلق به إلا بالتوحد بالطاعة والعرفان على حسب الإمكان، بالنسبة إلى أبناء الزمان (4).
__________
(1) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ص 37.
(2) المصدر نفسه ص 38.
(3) المصدر نفسه ص 39.
(4) المصدر نفسه ص 39.
(1/618)

د- التخلق بالجبر: الجبار، إن أُخذ من جبرت العظم والفقير إذا أصلحتهما، فثمرة معرفته رجاءُ جبره وإصلاحه والتخلق به، بأن تعامل عباده بكلَّ خير وإصلاح تقدر عليه، أو تصل إليه وإن أُخذ من العُلُو فهو كالعَليَّ، وثمرة معرفته كثمرات معارف جميع الصفات وإن أخذ من الإجبار فهو كالقهّار (1).

ذ- التخلق بالتكبر عن الرَّذائل: المتكبر؛ إن أُخذ من تكبره عن النقائص فهو كالقدوس، فتكبّر عن كل خلق دنيء وإن جعل شاملاً لجميع الأوصاف، فثمرة معرفته الإجلال والمهابة في جميع الأحوال الحادثات من سائر الصفات، وكذلك العظيم، والجليل والعلي والأعلى (2).

ذ- التخلق بالحلم: الحليم هو الذي لا يعجل بعقوبة المذنبين فاحلمُ، عن كلَّ من آذاك وظلمات، وسَبَّك وشتمك، فإنَّ مولاك صبور حليم، بَرُّ كريم، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون.

ر- التخلق بالصبر: الصبور: هو الذي يعامل عباده معاملة الصابرين، فعليك بالصبر على أذيَّةِ المؤذين، وإساءة المسيئين، فإن الله يحب الصابرين (3).

ز- التخلق بالإعزاز: المعز: خالق العِزَّ وثمرة معرفته الطمعُ في إعزازه بالمعارف والطاعات والتخلق به، بإعزاز الدين ومن تبعه من عباد الله المؤمنين.

س- التخلقُّ بالإذلال: المذل: خالق الذُّل وثمرة معرفته خوف الإذلال بالمعاصي والمخالفات، والمعاملة به بإذلال الباطل، وأشياعه وإخمال العُدوان وأتباعه (4).
ش- التخلق بالانتقام: المنتقم: هو المعذب لما يشاء من عباده عدلا وثمرة معرفته الخوف من انتقامه والتخلق به لمن ابتُلي بشيء من الولايات بالانتقام من الجُناة بالحدود والتعزيرات والعقوبات المشروعات (5).
__________
(1) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ص 39.
(2) المصدر نفسه ص 39.
(3) المصدر نفسه ص 41.
(4) المصدر نفسه ص 39.
(5) المصدر نفسه ص 43
(1/619)

ع- التخلق بالعدل: الحكم، العدل، المقسِطُ، هو المنصف في وصله وقطعه وبذله ومنعه وضَرَّه ونفعه وثمرة معرفته خوف الظالم من عدله، ورجاء المظلوم لفضله والتخلق به لمن ابتُلى في ذلك أن يَعْدِل فيما حكم به مسَّويا بين الفقير والغنيّ والضعيف والقويّ، والقريب والأجنبي، والعُدوَّ والوليّ، وكذلك يعدل، فيما يختص به من أهله وعياله ورقيقه وأطفاله.

غ- التخلق باللطف: اللطيف: إن أخذ من معرفة الدقائق، فثمرة معرفته خوفُك ومهابتُك وحياؤك من معرفته بدقائق أحوالك، وخفايا أقوالك وأعمالك إذ لا يعزب عن خالق الأشياء مثقالُ ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" (الملك، آية: 14) وإن أخذ من الرفق فثمرةُ معرفته رجاءُ رفقهِ فيما قضاه ولطفه فيما أمضاه والتخلق به بالرفق بكل من أُمرت به من عباد الله، فإنّ الله لطيف بعباده " وما كان الرفق في شيء إلا زانه (1).

ق- التخلق بالشكر: الشكور؛ إن أخُذ من ثنائه على عباده فثمرةُ معرفته رجاؤك الدّخول في مدحته بطاعته ومعرفته والتخلق به بشكر مولاك وشكر أبويْك، وشكر كل من أحسن إليك (2)، "من لا يشكر الناس لا يشكر (3) الله.

ف- التخلق بالحفظ: الحفيظ؛ إن أُخِذَ من العلم فقد سبق، وإن أخذ من ضبط الأشياء وحفظها، فَثمرةُ معرفتِهِ رجاؤك حفظهَُ في أولاك وأُخراك والتخلق به بحفظ ما أمرت به من الطاعات والأمانات، فإن الله قد مدح الحافظين لحدوده، وبشَّرَهُم بإنجاز وعوده، فقال: "هذا ما توعدُون لكل أوَّاب حفيظ " (ق، آية: 32).
__________
(1) مسلم رقم 2594.
(2) شجرة المعارف والأحوال ص 45.
(3) سنن أبي داود رقم 4811
(1/620)

ص- التخلق بالإقَاته: المقُيتُ: إن أخذ من القُدرة فلا تخلقُّ به وإن أخذ من إقاته الأقوات، فثمرة معرفته رجاء الإقاتةِ والأرزاق والتخلق به بإقاته كل محتاج تقدر على إقاتته من قريب أو أجنبي وضعيف وقويَ، مقدَّماً لمن تلزمُك إقاتته الأقرب فالأقرب (1). "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت (2) ".

ض- التخلق بالحِكمةِ والحُكم: الحكيم؛ إن أُخِذَ من الحِكمة فثمرة معرفته المهابة والإجلال والتخلق به بمعرفة حُكم الكتَاب والسنة " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً" (البقرة، آية 269) وإن أُخذِ من الإحكام والإتقان فثمرة مُعرفته إجلال من غمّت الأشياء حكمته وحيَّرت الألبَّاءَ صنعته، والتخلق به، بإتقان أحوالك وأعمالك، فيما يُصْلحِك في عاجِلِك ومآلكِ.

??التَّخلُّق بالقُوَّة: القوي المتين، وثمرةُ معرفته مهابته وإجلاله والاعتماد على قُوَّتِهِ، والتخلق به بأن تكون قوياً في دينك، متيناً في يقينك، مَليّاً بطاعة مولاك.
??التَّخَلُّق بالتقديم والتأخير: المقدم والمؤخّر، ثمرة معرفتهما المهابة والإجلال والاعتماد عليه في تقديمه وتأخيره، ورجاء أن يُقدَّمَك بطاعته، وخوف أن يؤخَّرك بمعصيته والتخلق بهما بتقديم ما أمرت بتقديمه وتأخير ما أمرت بتأخيره، بأن تقدم الأماثل على الأراذل، وأن تقَّدم أوجب الطاعات على واجبها، وأفضلها على فاضِلِها، ومضيَّقَها على موسَّعها وبأن تقدم القُرُبات والطاعات إلى أوائل الأوقات، فإنّ الله مدح الذين يسارعون في الخيرات (3).
??التخلُّق بالبَرَّ: البُّر، هو المنعم وثمرة معرفته رجاءُ أنواع برَّه، والتخلق به بأن تبرَّ كُلَّ من تقدر على بَّره بأحبَّ أموالك – إليك وأنفسِها لديك، فإنَّ مولاك يقول: لن تنالوا البِرَّ حتى تتفقوا ممّا تحبون" (آل عمران: آية 92).
__________
(1) شجرة المعارف والأحوال ص 45.
(2) مسلم رقم 996.
(3) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال ص 47.
(1/621)

التخلق بالتوبة: التّواب، إن جُعل بمعن الموفَّق للتوبة فثمرة معرفته رجاء توبته عليك والتخلق، بأن تَحُثَّ المسيءَ على التوبة وتحرَّضَهُ على الأوْبَة وإن جُعل بمعنى قابل التوبة، فأقبل عذر من أساء إليك وندم على جرأته عليك (1).
??التخلق بمعنى المغني: والتخلق به بأن تُغني كلّ محتاج بما تقد عليه من علم وغيره، فتذكَّرَ الغافل وتُعلم الجاهل، وتُقيم المائل وتُسَّير العائل.
??التَّخُّلق بالضُّر والنَّفع: الضار والنافع، ثمرةُ معرفتهما خوف الضَّررَّ ورجاءُ النفع والتخلق بهما بنفع كل من أُمرت بنفعه وضرَّ كلَّ من أُمرت بضرَّه، بحدَّ أو قتل أو غيره، والخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، فعليك ببذل المنافع لكلَّ دان وشاسِع (2).
??التَّخَلُّق بهداية الضال: النور الهادي؛ ثمرة معرفتها رجاؤك أن يُنَّورَ جَنَاتك بمعرفته ويُزَّينَ أركانك بآثار هدايته، والتخلق بهما بأن تكون نوراً من أنوار الله، هادياً، إلى صراط الله (3). فوالله لأن يهدي الله بك رَجُلاً واحداً خيرٌ لك من أن تكون لك حُمرُ النَّعَم (4).
??التخلق بالقبض والبسط: القابض الباسط، ثمرة معرفتهما الخوف من قبض منافع الدُّنيا والآخرة، ورجاء بسط الخيرات العاجلة والآجلة، والتخلق بالبسط بأن تبسط بَّرك ومعروفك على كلَّ محتاج حتى على الدّواب والكلاب والذَّرَّ إذ (5) " في كل كبد – رطبة أجر" (6)، والتخلق بالقبض بأن تقبض عن كل أحدٍ ما ليس له أهلاً، من مال وولاية وعلم وحكمة فلا تؤتوا السُّفهاء أموالهم فيتلفوها (7).
__________
(1) المصدر نفسه ص 47.
(2) المصدر نفسه ص 48.
(3) المصدر نفسه ص 48.
(4) البخاري رقم 2942.
(5) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال ص 48.
(6) البخاري رقم 2363.
(7) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال ص 49.
(1/622)

التخلق ببذل الهبات: الوهاب، ثمرة معرفته رجاء أنواع هباته وصلاته، والتخلق به بكثرة الهبات والصَّلات مُقَدَّما للآباء والأُمهات، والبنين والبنات.
??التخلُّق بالجود والكرم، الجواد الكريم؛ ثمرة معرفتهما الطَّمعُ في آثار جودهِ وكرمه والتخلق بهما لمن أرادَ الُوصول إليه بأن تَجُود بكلَّ ما يقدِرُ عليه من مال وجاه، وعلم وحكمة، وبِرَّ ومساعدة.
??التخلق بالإجابة: المجيب؛ ثمرةُ معرفته رجاء إجابةِ وعائك لعِلمه بافتقارك إليه واعتمادك عليه وأنه سامعٌ لدعائك عالم ببلائِك، خابر لسرَّائِك وضرَّائِك والتخلق به بإجابة مولاك فيما دعاك إليه من قُرُباته، وبإجابة كلَّ داع إلى ما يُرضي مولاك في طاعاته وعباداته (1).
??التخلق بالمجد: المجيد الذي كثر شرفه، وتمّ كماله وجلاله في ذاته وصفاته وثمرة معرفته المهابة والإجلال والتخلق به يمكن التخلق به مما سبق ذكره، فإنه شامل لجميع الصفات كما شِملَها ذو الجلال والإكرام (2).

فهذه إشارات إلى كيفية التخلقُّ بالصَّفات ولا يحصل التخلق بالصفات إلاّ لمن واظب على التحديق إليها والإقبال عليها ولذلك أمرنا الله تعالى بإكثار ذكره لنُلابس ما يثمره ذكره من الأحوال والأقوال والأعمال (3).

ومن أفضل التخلُّقات أن تُحسِن إلى عباد الله بمثل ما أَحسنَ به إليك وأن تنُعم عليهم بمثل ما أنعم به عليك قال الله تعالى: "فأمَّا اليتيم فلا تقهر" (الضحى، آية: 9) أي عامِلُه بمثل ما عامَلناك، فإنّا وجدناك يتيماً فآويناك "وأمّا السَّائل فلا تنهر" (الضحى، آية: 10) أي عامل العائِلَ السائلَ بمثل ما عاملناك، فإنا وجدناك عائلاً فأغنيناك" "وأما بنعمة ربك فحَّدث" (الضحى، آية: 7): أي حَدَّثهم بها أنعمنا به عليك من هدايتنا ليهتدوا بذلك، فإنَّا وجدْناك ضالاً فهديناك (4).
__________
(1) المصدر نفسه ص 49.
(2) المصدر نفسه ص 49.
(3) المصدر نفسه ص 50.
(4) شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال ص 51.
(1/623)

وقد جاء كتاب شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأفعال في عشرين باباً وفصولاً تمهيدية وتكلم عن الفصول التمهيدية عن القربات وآداب القرآن، وبيان فضائل الأعمال الظاهرة والباطنة وبيان رتب الوسائل والأسباب وثمرات المعارف وفوائدها وما يتفاضل به العباد وهذه الفصول موجودة في مقدمة وخاتمة كتابه" قواعد الأحكام في مصالح الأنام" ثم تكلم في الباب الأول في التخلق بصفات الرحمن على حسب الإمكان أما الباب الثاني، فقد تكلم فيه عن كل صفة من صفات الرب مع ذكر دليلها وثمرة معرفتها وكيفية التخلق بها وفي الباب الرابع تكلم عما يتعلق بالقلوب والجوارح من الأحكام من المأمورات والمنهيات والمعفوات والمباحات وأما الباب الخامس ففي المأمورات الباطنية وفيه ستة وخمسون مائة فصل، تتعلق بكل ما أمر الله به من الأعمال الباطنة كالتوكل على الله والتعزز بالله، والتذلل لأولياء الله، وذكر الدليل على كل خُلق من هذه الأخلاق من القرآن والسنة وأما الباب السادس، فقد تكلم فيه عن المنهبات الباطنية كالجهل، بما يجب تعلمه، وانشراح الصدر بالباطل، وفي محبة الكفار والأنداد، وما شابه ذلك، وتكلم فيه في ثلاثة ومائة فصل وأما الباب الثامن عشر في تعرف المصالح والمفاسد وما يقدم فيها عند التعارض وهذا تكرار، لما هو موجود في أول كتاب "قواعد الأحكام" وفي الباب التاسع عشر تكلم عن حسن العمل بالظنون الشرعية وهو تكرار لما هو موجود في قواعده أيضاً، وختم الكتاب بالباب العشرين في الورع في العبادات والمعاملات انتهى باختصار (1)،
هذه هي أهم مصنفات ومؤلفات الشيخ عز الدين بن عبد السلام.

7 - سمات التأليف عند الإمام عز الدين بن عبد السلام:
يتسم التأليف عند الإمام بسمات أبرزها:
__________
(1) العز بن عبد السلام حياته وآثاره ص 53.
(1/624)

أ- تنوع الموضوعات التي ألف فيها الإمام: كما مر معنا من ذكر مؤلفاته ومن هذه المؤلفات ما هو مطول، كتفسير القرآن العظيم وقواعد الأحكام في مصالح الأنام ومنها ما هو مختصر، كمختصر النكت والعيون ومختصر الرعاية لحقوق الله للمحاسبي والقواعد الصغرى ومنها ما هو على شكل رسائل، كالفرق بين الإسلام والإيمان وملحة الاعتقاد ومنها ما فتاوى كالفتاوى الموصلية والمصرية.

ب- تنوع القضايا التي يتعرض لها الإمام: في المؤلف الواحد من مؤلفاته – غير الرسائل والفتاوى – فنجده أحياناً يتطرق لبحث مسائل تتعلق بالعقيدة، أو التصوف، أو اللغة أو البلاغة وهذا النهج في الاستطراد من الأمور التي اشتهر بها الإمام في تأليفه وتدريسه.
(1/625)

ج- تكرير بعض الموضوعات في العديد من مؤلفاته، ولعل ذلك من باب التأكيد عليها تستقر في الأذهان، وترسخ حتى في أضعف العقول، وقد يكون هذا نابعاً من دربته في صحبة القرآن الكريم، فأخذ عنه التكرير لما في التكرير من فوائد، كالتأكيد، وزيادة التنبيه، وتجديد العهد بالموضوع الأول إذا طال الكلام وخشي تناسيه (1)، وها هو الإمام يوضح لنا الغرض من ذلك فيقول: حرصاً على البيان والتقرير في الجنان كما تكررت المواعظ والقصص والأمر والزجر، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وغير ذلك في القرآن، ولا شك أن في التكرير، والإكثار من التقرير في القلوب ما ليس في الإيجاز والاختصار (2) ولا يترك الإمام فرصة للمعترضين على أسلوبه هذا فيرد عليهم قبل أن يواجهوه بأنه: يظن بعض الجهلة الأغبياء أن الإيجاز والاختصار أولى من الأسهاب والإكتار وهو مخطئ في ظنه لما ذكرنا من التكرير في القرآن، والعادة شاهدة بخطئه في ظنه، وما دلت العادة عليه، وأرشد القرآن إليه أولى مما وقع للأغبياء الجاهلين الذين لا يعرفون عادة الله ولا يفهمون كتاب الله (3).
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 52.
(2) قواعد الأحكام (1/ 136).
(3) مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام ص 52.
(1/626)

ح- اهتمامه البالغ بالمقصد العام والأساس للشريعة: وهو، جلب المصالح ودرء المفاسد والتدليل عليه والإكثار من التمثيل له حتى يكون دوماً حاضراً في أذهان المكلفين أثناء أقوالهم وأفعالهم وجميع تصرفاتهم، غير غافلين عنه في أي لحظة من لحظات أعمارهم وهذه الروح – روح المقاصد – تسري في معظم كتبه مثل "قواعد الأحكام" واضحة وضوح الشمس وكذلك في "شجرة المعارف" واضحة بما يعرضه من نماذج وأمثلة تكاد تكون في معظمها وسائل لتحقيق مقاصد الشريعة الغراء وإقامتها في واقع الناس، ولا يقتصر تحقيق المصلحة عند الشيخ العز على المسلم فقط، بل يتعداه إلى الكافر وحتى الحيوان (1) عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: في كل كبد رطبة أجر (2)، قال الشيخ عز الدين: والتخلق بالبسط، أن تبسط برك ومعروفك على كل محتاج حتى على الدواب والكلاب، والذر (3)، وأفرد الباب السابع في كتابه "شجرة المعارف" لبيان أن الإحسان: عبارة عن جلب مصالح الدارين أو إحداهما، ودفع مفاسدهما أو مفاسد إحداهما (4) وتحدث فيه كذلك عن الإحسان القاصر والمعتدي وبين في كتابه: الإمام في بيان أدلة الأحكام وأن الترغيب في الفعل أو التحذير منه، راجع إلى المنافع والمضار (5)، وهذه نظرة كلية منه – رحمه الله – إلى مقاصد الشريعة التي جاءت لتحكم بسلطان الدين الحياة البشرية تحقيقياً لمصالح العباد، ودرء للمفاسد عنهم (6).

خ- كتبه في متناول العالم والجاهل، ولا تحتاج إلى كبير عناء في فهمها لسلاسة تعابيرها وإشراقة عبارتها وكثرة التمثيل، فيها مما يزيد معانيها توضيحاً وبياناً وبهذا يكون قد فاق الشاطبي الذي جعل كتابه: "الموافقات" لفئة خاصة من الناس كما ذكره في المقدمة (7).
__________
(1) المصدر نفسه ص 53.
(2) المصدر نفسه ص 53.
(3) المصدر نفسه ص 54.
(4) المصدر نفسه ص 54.
(5) المصدر نفسه ص 54.
(6) المصدر نفسه ص 54.
(7) المصدر نفسه ص 54.
(1/627)

د- توخي أسلوب الوعظ: أحياناً مع تجنب السجع المتكلف رغم فُشوَّه في عصره وقد تحاشاه الإمام حتى في خطبه.

ذ- اعتماده في مؤلفاته على الكتاب والسنة حرصاً منه على التلقي من النبع الصافي، وقلما نجده يعتمد على آراء من سبقه من العلماء اعتداداً بملكته العلمية المستقلة وبلوغه رتبة الاجتهاد وتحرره من قيود المذهبية الضيقة، وقد نص بعض من ترجم له أنه كان في آخر عمره لا يتقيد بالمذهب، بل اتسع نطاقة وأفتى بما أدى إليه اجتهاده (1)، وما ذلك إلا حرصاً منه على توحيد الأمة واجتناب الخلافات.

س- تمتاز كتبه بالطابع العلمي، والتعليقات الدقيقة على النصوص، والنظرات العميقة فيها، استوحاها الإمام من مقاصد الشريعة وأهدافها النبيلة.

ش- استقلاليته في التأليف، وبروز شخصيته شخصية مميزة في استقلالها، مبرزة في نبوغها، قوية في تأثيرها في المجتمع، يظهر ذلك في نبذه للتقليد ودعوته للإجتهاد، واستفادات العز من غيره لم تذهب بشخصيته (2).

ولقد تبوأت مؤلفات عز الدين بن عبد السلام مكانه عالية تجلت في اهتمام السابقين واللاحقين بها ومن مظاهر هذا الاهتمام؛ إشادة السابقين واللاحقين بها، والحرص على نسخها في القديم وطبعها بعد تحقيقها في عهدنا، وتدريس مؤلفاته وتداولها والعمل على شرحها، وكثير من العلماء من ينقل من مؤلفاته عند الاستدلال، مثل ابن كثير، والشاطبي، وابن حجر والمناوي والسيوطي والفتوحي (3) وغيرهم كثير

8 - الشيخ العز بن عبد السلام وتطوير الفقه السياسي والعلاقات الدولية:.
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 55.
(2) المصدر نفسه ص 55.
(3) المصدر نفسه ص 56 إلى 61.
(1/628)

رغم أن سلطان العلماء، الفقيه عز الدين بن عبد السلام لم يقصد عند كتابته لمؤلفاته تخصيصها للقانون الدولي والعلاقات الدولية إلا ن مطالعتها تبين لنا انشغاله، بطريقة أو بأخرى، بأمور تدخل في إطارها سواء تعلقت بها مباشرة أو لكونها تمثل قواعد عامة أصولية تنطبق عليها أيضاً وأهم الوسائل التي عالجها ابن عبد السلام تتمثل في الأمور الآتية:
أ- السلطة الحاكمة في نظر عز الدين بن عبد السلام:
عالج الإمام عز الدين بن عبد السلام السلطة الحاكمة، كعنصر من عناصر الدولة الحديثة من زوايا متعددة أهمها.

- ضرورة توفر العدل لدى الحكام:
يقرر عز الدين بن عبد السلام أن العادل من الأئمة والولاة من الحكام، أعظم أجراً من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام، لأنهم يقومون بجلب كل صالح كامل، ودرء كل فاسد شامل (1) واشتراط العدالة يعد أمراً لازماً لتكون وازعة عن الخيانة والتقصير في الولاية ولأن العدل – وهو التسوية لغة مع إعطاء كل ذي حق حقه – يعتبر عنصراً لازماً لحياة أي مجتمع ومع ذلك يقرر العز بن عبد السلام، أن اشتراط العدالة في الإمامة الكبرى فيها اختلاف لغلبة الفسوق على الولاة (2)، فيقرر: ولو شرطناها لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تولية من يولونه من القضاء والولاة والسعادة وأمر الغزوات وأخذ ما يأخذونه، وبذل ما يعطونه، وقبض الصدقات والأموال العامة والخاصة المندرجة تحت ولايتهم، فلم تشترط العدالة في تصرفاتهم الموفقة للحق لما في اشتراطها من الضرر العام وفوات هذه المصالح أقبح من فوات عدالة السلطان (3).
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 143).
(2) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي (13/ 278).
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 79).
(1/629)

- تولية الصالح أو الأصلح (مع عزل المريب): يعتبر الحاكم رأس الدولة أو الإقليم الذي يحكمه وبالتالي بات من الواجب أن يكون أصلح من تتوافر فيه الشروط اللازمة للقيام بهذه المهمة لذلك يرى سلطان العلماء أن على الإمام أن يعزل الحاكم إذا أرابه منه شيء، لما في إبقاء المريب من المفسدة، إذ لا يصلح في تقرير المريب على ولاية خاصة، لما يخشى من خيانته فيها، وإذا سلم تكن هناك ريبة، وجب التفرقة بين فروض ثلاثة:
الأول: أن يعزله بمن هو دونه، ففي هذا الفرض لا يجوز عزله لما فيه من تفويت المسلمين المصلحة الحاصلة من جهة فضله على غيره، ولأنه ليس للإمام تفويت المصالح من غير معارض.
الثاني: أن يعزله بمن هو أفضل منه، وهذا جائز لما فيه من تقديم الأصلح على الصالح، ولتحصيل المصلحة الصالحة للمسلمين.
الثالث: أن يعز له بمن يساويه، وهذا جائز في نظر البعض لما له من حق الاختيار عند تساوي المصالح ولما له من حق التخير بينهما في ابتداء الولاية، بينما يرى آخرون عدم جوازه لما فيه من كسر العزل وعاره بخلاف ابتداء الولاية (1).

- التصرفات الصادرة من غير ولاية صحيحة: تعرض العز بن عبد السلام كذلك للتصرفات التي قد تصدر من أشخاص ليس لهم الحق في القيام بها، ولكن نظراً لصدورها في ظروف معينة فإنها تعتبر صحيحة (2)، وقد تعرض لصنفين من التصرفات هما:

- تصرفات الأئمة البغاة: تعتبر هذه التصرفات نافذه مع القطع بأنه لا ولاية لهم، وإنما نفذت تصرفاتهم لضرورة الرعايا، كما أنه إذا نفذ ذلك مع ندرة البغي، فأولى أن ينفذ تصرف الولاة، والأئمة مع غلبة الفجور عليهم وأنه لا انفكاك للناس عنهم (3).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 81).
(2) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية (13/ 279).
(3) المصدر نفسه (13/ 379).
(1/630)

أ- تصرف الآحاد في الأموال العامة عند جور الأئمة: إذا كانت القاعدة العامة تقضي بأن الأموال العامة لا يتصرف فيها إلا الأئمة ونواياهم، فإنه إذا تعذر قيامهم بذلك وأمكن القيام بها بواسطة فرد أو أكثر جاز ذلك، على أن ذلك مشروط بصرفه إلى مستحقيه على الوجه الذي يجب على الإمام العادل أن يصرفه فيه: بأن يقدم الأهم فالأهم، والأصلح فالأصلح فيصرف كل مال خاص في جهاته أهمها، فأهمها، ويصرف ما وجد من أموال المصالح العامة في مصارفها أصلحها، فأصلحها لأنا لو منعنا ذلك لفاتت مصالح صرف تلك الأموال إلى مستحقيها، فكان تحصيل هذه المصالح ودرء هذه المفاسد أولى من تعطيلها .. وإذا جوز الشرع لمن جحد حقه أن يأخذ من مال جاحده، إذا ظفر به إن كان من جنسه، وأن يأخذه، ويبيعه، إن كان من غير جنسه، مع أن هذه مصلحة خاصة فجواز ما ذكرناه مع عمومه أولى (1).

ب- بعض القواعد التي يمكن تطبيقها في إطار العلاقات الدولية عند الإمام عز الدين بن عبد السلام:
تتميز العلاقات الدولية الحالية بصفتها الاجتماعية وبترابط وتداخل أواصر العلاقات الموجودة بين مختلف أشخاص القانون الدولي، والعلاقات الدولية أو السياسية الخارجية لأي بلد معين تنبع أو يجب أن تنبع، من المصلحة العليا لشعبه مع مراعاة ظروف البيئة التي يتم في داخلها اتخاذ القرار وسنجد – بإذن الله – بأن الإمام عز الدين بن عبد السلام قد عالج بطريقة عامة ما قلناه ويمكن أن نركز فكره حول ثلاثة أفكار أساسية نطلق عليها المسميات الآتية، ترابط العلاقات الدولية، ونظرية تدرج العلاقات الدولية، وأخيراً نظرية الضرورة (2).

- ترابط العلاقات الدولية:
__________
(1) المصدر نفسه (13/ 380).
(2) المصدر نفسه (13/ 380).
(1/631)

تقوم العلاقات الدولية المعاصرة على أساس فكرة الترابط أو التداخل أو التشابك والتي يرجع تفسيرها أساساً إلى حاجة أفراد المجتمع الدولي بعضهم لبعض، وإذا كان العز بن عبد السلام لم يتحدث عن المجتمع الدولي صراحة إلا أن ذلك يمكن استنباطه مما قاله في الفقرة الآتية: أعلم أن الله تعالى خلق الخلق وأحوج بعضهم إلى بعض لتقوم كل طائفة بمصالح غيرها، فيقوم بمصالح الأصاغر الأكابر والأصاغر بمصالح الأكابر، والأغنياء، بمصالح الفقراء والفقراء بمصالح الأغنياء، والنظراء بمصالح النظراء، والنساء بمصالح الرجال، والرجال بمصالح النساء، والرقيق بمصالح السادات والسادات بمصالح الرقيق، وهذا القيام منقسم إلى جلب مصالح الدارين أو أحدهما أو إلى دفع مفاسدها أو أحدهما (1).
- ضرورة تدرج العلاقات الدولية لبلد ما: نحن نعتقد أن العلاقات الدولية إذا كانت تتسم حالياً بصفة الشمولية أو الكلية إلا أنها – بالنسبة لبلد معين – يجب أن يتم تخطيطها في إطار ظروف هذا البلد وعلى ضوء إمكانياته ومقدراته، والنتيجة اللازمة والمترتبة على ذلك المفهوم هو منع التهور أو التخبط في رسم أو اتخاذ سياسة خارجية معينة، ولعل ذلك ما قصده الإمام ابن عبد السلام حينما قرر أنه إذا اجتمعت المصالح فإن أمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل (2)، ويضرب لذلك أمثلة دولية من بينها:

- أن الجهاد لو وجب في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام لقلة المؤمنين وكثرة الكافرين.
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 68).
(2) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي (13/ 381).
(1/632)

- أن القتال في الشهر الحرام لو أحل في ابتداء الإسلام لنفروا منه لشدة استعظامهم لذلك وكذلك القتال في البلد الحرام كل ذلك دلالة قاطعة على أنه لا يجوز تقرير شيء أو اتخاذ قرار إلا على ضوء البيئة التي سيطبق فيها ومع مراعاة كافة الظروف والمواقف وأن اتخاذ قرار في إطار العلاقات الدولية قد تحتم الظروف ضرورة تدرجه (1).
- نظرية الضرورة: تعتبر حالة الضرورة من المبادئ المسلم بها في إطار النظرية العامة للقانون وهي مبدأ مطبق في مختلف النظم القانونية، بما في ذلك النظام القانوني الدولي (2)، فالضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلباً لمصالحها، ذلك أنه إذا اجتمعت المفاسد مع تعذر درئها جميعاً درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل ويضرب الإمام عز الدين بن عبد السلام مثالاً لذلك بما جرى في إطار العلاقات الدولية أيام الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص صلح الحديبية: فإن قيل لم التزم في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين وإعطاء الدنية في الدين؟ قلنا: التزام ذلك دفعاً لمفاسد عظيمة وهي قتل المؤمنين والمؤمنات فاقتضت المصلحة إيقاع الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إلى المؤمنين وذلك أهون من قتل المؤمنين الخاملين (3).

ج- أسس العلاقات بين المسلمين وغيرهم مع الأعداء في تقدير الإمام عز الدين بن عبد السلام:
تحدث الإمام عز الدين بن عبد السلام عن بعض الأسس التي تحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم وأهم هذه الأسس ما يلي:
__________
(1) المصدر نفسه (13/ 381).
(2) المصدر نفسه (13/ 382).
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 95).
(1/633)

- الجزية: اتهم كثير من غير المسلمين الإسلام بأنه دين يهدف إلى تقرير أمور مالية على غير المسلمين تعتبر وسيلة لإجبارهم على الدخول فيه؛ ومن بين هذه الوسائل الجزية التي يدفعها أهل الكتب السماوية ويعتبر ما قال الإمام ابن عبد السلام في هذا الصدد رداً حاسماً: ولا تؤخذ الجزية عوضاً عن تقريرهم على الكفر، وشتمه ونسبته إلى مالا يليق بعظمته، ومن ذهب إلى ذلك فقد أبعد، وإنما الجزية مأخوذة عوضاً عن حقن دمائهم وصيانة أموالهم وحرمهم وأطفالهم، مع الذب عنهم إن كانوا في ديارنا، وليست مأخوذة عن سكن دار الإسلامُ إذ يجوز عقد الذمة مع تقريرهم في ديارهم (1).

- مراعاة القواعد الإنسانية: تلعب قواعد القانون الدولي الإنساني الآن دوراً هاماً في إطار المنازعات المسلحةن باعتبار أنها تهدف إلى تجنيب المشتركين فيها أو الذُين قد يتورطون، بطريقة أو بأخرى في إرتكابها أو يتعرضون لويلاتها، لمظاهر المعاناة غير المفيدة باعتبار أنهم في النهاية كائنات بشرية يجب احترام آدميتها لذلك يقرر مثلاً الإمام عز الدين بن عبد السلام: إذا اختلط قتلى المسلمين بقتلى الكفار فإنا نغسل الجميع ونكفنهم توسلاً إلى إقامة حقوق المسلمين من الغسل والدفن والتكفين، وكذلك إذا تعارضت شهادتان في كفر الميت وإسلامه فإنا نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه في قبور المسلمين (2).

ويضيف الإمام في موضع آخر عدم جواز قتل غير المشاركين في الحرب إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة فيقول: قتل الكفار من النساء والمجانين والأطفال مفسدة، لكنه يجوز إذا تترس بهم الكفار بحيث لا يمكن دفعهم إلا بقتلهم (3).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 110).
(2) المصدر نفسه (2/ 20).
(3) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي (13/ 384).
(1/634)

- أسرى الحرب: غالباً ما يترتب على الحرب وقوع أسرى من الجانبين أو على الأقل من جانب واحد، ودائماً ما تبذل محاولات من أطراف محايدة لحمل الأطراف المتحاربة على إجراء عمليات تبادل الأسرى بالعدد وفي المكان المتفق عليه، وللإمام عز الدين بن عبد السلام رأي في هذا الصدد، إذ يقول: وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان لا من جهة كونه معصية، بل من جهة كونه وسيلة إلى مصلحة وله أمثلة منها ما يبذل في افتكاك الأسارى فإنه حرام على آخذيه مباح لباذليه وليس هذا على التحقيق معونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان وإنما هو إعانة على درء المفاسد، فكانت المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان فيها تبعاً لا مقصوداً (1).

ح- استيلاء الأعداء على إقليم من أقاليم المسلمين:
- أثر تصرفات سلطة الاحتلال في مجال الإدارة والقضاء:
من آثار الحرب المحتملة قيام أحد الطرفين بالاستيلاء على جزء من إقليم الطرف الآخر، وقد يقوم المحتل بإجراء تغييرات في الإدارة والقضاء والتشريع بما يتفق ونزعته الإحتلالية وبما يضمن له الإستقرار والولاء وقد عالج الإمام عز الدين أحد المظاهر بقوله: ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء، لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر، إنفاذ ذلك كله جلباً للمصالح العامة ودفعاً للمفاسد الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد (2).

- موقف ابن عبد السلام من احتلال إقليم مسلم:
__________
(1) المصدر نفسه (13/ 384) نقلاً عن قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (13/ 385).
(1/635)

قدم العز بن عبد السلام سلطان العلماء سنة 639هـ إلى مصر من دمشق بسبب أن سلطانها الصالح إسماعيل استعان بالفرنج وأعطاهم مدينة صيدا وقلعة الشقيف، فأنكر عليه الشيخ عز الدين وترك الدعاء، له في الخطبة، وساعده في ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمر المالكي، فغضب منهما السلطان، فخرجا إلى الديار المصرية، فأرسل السلطان إلى الشيخ عز الدين وهو في الطريق قاصد يتطلف به في العودة إلى دمشق، فاجتمع به ولاينه، وقال له: ما نريد منك شيئاً إلا أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير، فقال له الشيخ: يا مسكين، ما أرضاه يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل يده يا قوم أنتم في واد وأنا في واد والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم به (1).

- ضرورة الإنشغال بالأعداء وعدم محاربة المسلمين: هناك موقف آخر مشهور للعز بن عبد السلام يتمثل في المبدأ القاضي بضرورة: الإنشغال بالأعداء، ومحاربتهم بدلاً من الإلتفات للمسلمين ومعاداتهم، ذلك أنه لما مرض الملك الأشرف من بني أيوب أرسل للشيخ يتحلل ويسأله أن يعوده ويوصيه بما ينفعه، فأنعم الشيخ وكان السلطان قد وقعت بينه وبين أخيه الكامل وحشة فأمر وهو في مرضه أن ينصب دهليزه صوب مصر: فقال الشيخ للسلطان: إن الملك الكامل أخوك الكبير ورحمك وأنت مشهور بالفتوحات، والتتار قد خاضوا بلاد المسلمين فتترك ضرب دهليزك إلى أعداء الله وأعداء الإسلام وتضربه صوب أخيك؟ غير الحال ولا تقطع رحمك وانو مع الله نصر دينه، وإعزاز كلمته فإن منّ الله بعافيتك رجونا من الله إدالتك على الكفار وكانت في ميزانك هذه الحسنة العظيمة، وإن قضى الله بانتقالك كان السلطان في خفارة نيتك، فقال جزاك الله خيراً عن إرشادك ونصيحتك، وأمر بنقل دهليزه صوب التتر (2).
__________
(1) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولية (13/ 385).
(2) المصدر نفسه (13/ 387).
(1/636)

س- حقوق الإنسان عند الإمام ابن عبد السلام: تعرض الإمام ابن عبد السلام للعديد من مسائل حقوق الإنسان، يمكن أن تجمعها في أمرين؛ مسؤولية السلطة الحاكمة، وأنواع حقوق الإنسان.

- مسؤولية السلطة الحاكمة: يقول ابن عبد السلام: وأما ولاة السوء وقضاة الجور فمن أعظم الناس وزراً وأحطهم درجة عند الله لعموم ما يجري على أيديهم من جلب المفاسد العظام ودرء المصالح الجسام، وإن أحدهم ليقول الكلمة الواحدة، فيأثم بها ألف إثم وأكثر على حسب عموم مفسدة تلك الكلمة، وعلى حسب ما يدفعه بتلك من مصالح المسلمين، فيالها من صفقة خاسرة وتجارة بائرة (1). ويشير ابن عبد السلام إلى أمر هام يعاجل نفوس كثير من الحكام وهو وقوعهم في المظالم فيحثهم على فعل العدل وترك الظلم حيث ابن عبد السلام: أن ما فوتوه من الأموال مضمون عليهم في الدين، فإن فنيت حسناتهم طرح عليهم من سيئات من ظلموه وكذلك الحكم في الدماء والإبضاع والأعراض وفيما أخروه من الحقوق التي يجب تقديمها أو قدموه من الحقوق التي يجب تأخيرها فقد قال رب العالمين: "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً".

- تقسيمات الحقوق والأمور التي تتعلق بها:
يقسم ابن عبد السلام حقوق الرب وحقوق العباد أقسام: أحدها متساوي وثانيها متفاوت، والثالث مختلف في تساويها وتفاوتها.
- فقد تطرق إلى تقديم حقوق بعض العباد على بعض لترجيح التقديم على التأخير في جلب المصالح ودرء المفاسد، مثال ذلك تقديم نفقة زوجه وكسوتها وسكناها على نفقة أصوله وكسوتهم وسكناهم.
- وأشار ابن عبد السلام أيضاً إلى حالة التساوي في حقوق العباد، فيتخير فيه المكلف جمعاً بين المصلحتين ودفعاً للضررين، مثال ذلك التسوية بين الزوجات في القسم والنفقات وتسوية الحكام بين الخصوم في المحاكمات (2).
__________
(1) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي (13/ 387).
(2) المصدر نفسه (13/ 387).
(1/637)

- وأشار كذلك إلى تقديم حقوق الرب على حقوق عباده إحساناً إليهم في أخراهم، مثال ذلك التغرير بالنفوس والأعضاء في قتال من يجب قتاله.
- وأشار أيضاً إلى تقديم بعض حقوق العباد على حقوق الرب رفقاً بهم في دنياهم، كالأعذار المجوزة لقطع الصلوات ولترك الجهاد (1).

وتعرض ابن عبد السلام لأمور أخرى تتعلق بحقوق الإنسان منها:
- قاعدة لا يجوز تعطيل الإنسان عن منافعه وأشغاله إلا ما استثنى كاستدعاء الحاكم للمدعي بناء على طلب خصمه، أو استدعائه للشهود (2).
- ويقول ابن عبد السلام: إنما شرعت القرعة عند تساوي الحقوق دفعاً للضغائن والأحقاد، وللرضا، بما جرت به الأقدار وقضاء الملك الجبار (3)، وتعليقاً على قوله تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" يقول ابن عبد السلام: وإذا كان هذا في حقوق اليتيم فأولى أن يثبت في حقوق عامة المسلمين فيما يتصرف فيه دائماً من الأموال العامة، لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة (4).

- قواعد ومبادئ أخرى قررها ابن عبد السلام: يمكن إيجاز بعض القواعد والمبادئ التي قررها ابن عبد السلام، والتي يمكن الاستفادة منها في مجال القانون الدولي والعلاقات الدولية، كما يلي:
__________
(1) المصدر نفسه (13/ 13/387) نقلاً عن قوعد الأحكام.
(2) المصدر نفسه (13/ 387) المصدر نفسه.
(3) كتاب الإعلام بقواعد القانون الدولي (13/ 389).
(4) المصدر نفسه (13/ 390) نقلاً عن قواعد الأحكام (2/ 89).
(1/638)

- قاعدة: وأما مصالح الدنيا وأسبابها، ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن المسرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك، وبذلك تعرف حسن الأعمال وقبحها.

- الإمام والحكم: إذ أتلف شيئاً من النفوس أو الأموال في تصرفها للمصالح فإنه يجب على بيت المال دون الحاكم والإمام ودون عواقلهما لأنها لما تصرفا للمسلمين صار كأن المسلمين هم المتلفون ولأن ذلك يكثر في حقهما فيتضررون به ويتضرر عواقلهما ..

- ويرى ابن عبد السلام: أن من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحهما على مفاسدها؛ وجوب إجارة رسل الكفار مع كفرهم، لمصلحة ما يتعلق بالرسالة من المصالحة الخاصة والعامة، ولعل ابن عبد السلام يكون - بهذه القاعدة الأخيرة، قد أشار إلى مبدأ حصانة وحرمة السفراء والمبعوثين الدبلوماسيين وهو مبدأ استقر عليه القانون الدولي المعاصر (1).

هذه بعض الخطوط العريضة فيما يتعلق في جهد الشيخ عز الدين في تطوير قواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية.
__________
(1) المصدر نفسه (13/ 391).
(1/639)

سادساً: أعماله في التدريس والإفتاء والقضاء والخطابة:
1 - في التدريس: قام العز بن عبد السلام بالتدريس في مدارس دمشق ومساجدها، وهو أول عمل قام به العز رحمه الله وأول مدرسة عمل بها هي المدرسة العزيزية حيث كان للعز مجلس فيها يدرس فيه العلوم الشرعية، كما كان يدرس فيها الآمدي ت 631هـ واستمر العز في التدريس مع استاذه الآمدي وبعده، كما درس في المدرسة الشبلية، ثم تولى التدريس في الزاوية الغزالية وهي مكان صغير، بجانب الجامع الأموي من جهة الغرب وسميت بذلك نسبة إلى الإمام الغزالي ت 505هـ، كان يعتكف فيها، ثم استعملت للعبادة والتدريس والأذكار، وتولى العز التدريس فيها بعد وفاة شيخها جمال الدين الدولعي سنة 635هـ (1)، ومع علمه ونبوغه وذيوع صيته، وبروزه على الأقران، حتى إنه كان مفتياً قبل هذا التاريخ، والتدريس مرحلة متقدمة على الإفتاء، فلابد أن يكون العز قام بالتدريس قبل تولية الملك الكامل له في سنة 635هـ وبعد هجرته إلى مصر ولاه السلطان التدريس في الصالحية (بالقاهرة) وكانت مدرسة كبيرة خصصت لتدريس المذاهب الأربعةن فأسند تدريس المذهب الشافعي، للإمام العز رحمه الله فبقي إلى أن توفي 660هـ ولم يكتف بالتدريس فيها، بل عقد حلقات العلم في المساجد وقصده الطلاب من الآفاق، وتخرج عليه في هذه الفترة معظم تلامذته الذين بزوا الأقران كابن دقيق العيد، والدمياطي، وغيرهم ممن سبق ذكرهم، وقد عرض عليه الملك الظاهر بيبرس بعد بنائه المدرسة الظاهرية أن يتولى أمر التدريس فيها إضافة إلى تدريسه في الصالحية، فأبى وقال: إن معي تدريس الصالحية، فلا أضيق على غيري، وسأله الملك أن يشترط في وقفها أن يكون التدريس لأولاده فقال: إن في هذا البلد من هو أحق منهم، فقال: لابد أن يكون لهم فيها وظيفة بالشرط، ففكر وقال: إن كان لابد فتكون الإمامة، فشرط لهم (2)،
__________
(1) طبقات السبكي (8/ 242) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين ص 131.
(2) طبقات الفقهاء للأسنوي (2/ 197) ..
(1/640)

وقد عرض عليه الظاهر بيبرس أيضاً أن يعين مناصبه لمن يريد من أولاده فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين ابن بنت الأعز (1)، وكان أحد تلاميذه فضرب مثلاً نادراً في الحرص على الدين والورع، وعدم إيثاره أولاده على مصلحة المسلمين، فأسند الأمر إلى أهله ومن هو أهله، وكان العز رحمه الله مجيداً في تدريسه، جاداً في عطائه وقد أثنى أبو الحسن الشاذلي على مجلس العز بن عبد السلام فقال: ... ما على الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام (2). وكان مهيباً وقوراً، مع حسن محاضرة وبشاشة، لا يهتم بمظهر ولا ملبس، فقد كان يلبس قبع لباد، ويحضر فيه المواكب السلطانية، وأحياناً يلبس العمامة دون تكلف أو تصنع (3)، ويعطي درسه مسترسلاً وهو أول من درس التفسير في حلقاته، كما درّس الفقه والأصول وغيرها من العلوم الشرعية وفاق أقرانه حتى قال ابن الحاجب أحد أقرانه: ابن عبد السلام أفقه من الغزالي (4).
__________
(1) فوات الوفيات (1/ 596).
(2) حسن المحاضرة (1/ 127) فتاوى عز الدين بن عبد السلام ص 129.
(3) طبقات السبكي (8/ 214) فتاوى عز الدين بن عبد السلام ص 129.
(4) طبقات السبكي (8/ 214) المصدر نفسه ص 129.
(1/641)

2 - الإفتاء: لقد مارس الإمام العز الإفتاء بدون تعيين من ملك أو سلطان، بل إن هذا المنصب الرفيع لم يكن يخضع لمراسيم الملوك، وإنما هو مهمة يقوم بها العالم إذا رأى نفسه أهلاً لذلك، وقال العز رحمه الله في أيام محنته مع الملك الأشرف: أما الفتيا فإني كنت والله متبرماً منها وأكرهها وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم، ولولا أني أعتقد أن الله أوجبها علي لتعينها على في هذا الزمان لما كنت تلوثت بها (1)، والآن قد عذرني الحق، وسقط عني الوجوب وتخلصت ذمتي ولله الحمد والمنة. كان هذا الكلام قاله العز لمن جاء من طرف السلطان يبلغه بعزله عن الإفتاء، وزاد العز فقال لرسول السلطان: يا غرز، من سعادتي لزومي لبيتي، وتفرغي لعبادة ربي والسعيد من لزم بيته وبكي على خطيئته واشتغل بطاعة الله تعالى وهذا تسليك من الحق، وهدية من الله - تعالى - إلىَّ أجراها على يد السلطان وهو غضبان وأنابها فرحان، والله يا غرز لو كانت عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعت عليك، ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صلَّ عليها، فَقبِلها وقبَّلها، وودعه وانصرف إلى السلطان، وذكر له ما جرى بينه وبينه فقال لمن حضره، قولوا لي ما أفعل به، هذا رجل يرى العقوبة نعمة اتركوه بيننا وبينه الله (2)
__________
(1) طبقات السبكي (8/ 237) المصدر نفسه ص 129.
(2) العز بن عبد السلام حياته وآثاره ومنهجه ص 56 ..
(1/642)

وبقى العز على تلك الحال ثلاثة أيام، ثم إن الشيخ العلامة جمال الدين الحصري شيخ الحنفية في زمانة ذهب إلى الأشرف فقال له: إيش بينك وبين ابن عبد السلام" وهذا رجل لو كان في الهند، أو في أقصى الدنيا كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حلوله في بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده ويفتخر به على سائر الملوك وكان لتدخل الشيخ جمال الدين الحصري أثر في احترام وتقدير الشيخ العز حتى أن السلطان قال: نحن نستغفر الله مما جرى، ونستدرك الفارطة في حقه، والله لأجعلنه أغنى العلماء، وأرسل إلى الشيخ واسترضاه وطلب محاللته ومخاللته (1)، فكان بعد ذلك يأخذ بفتواه ومشورته وقد طلبه في مرض موته كما ذكرنا وسأله محاللته ونصحه، فنصحه العز بأن يحول عسكره الذين استعدوا لقتال أخيه الملك الكامل حاكم مصر إلى جهة العدو المشترك التتار، وكانوا قد ظهروا في شرق بلاد الإسلام في ذلك الوقت، فأمر الأشرف بذلك كما نصحه بإبطال المنكرات التي يرتكبها نوابه من الزنا وإدمان الخمور وتمكيس المسلمين، وظلم الناس، فأمر الأشرف بإبطال ذلك، كما باشر العز بنفسه تبطيل بعضها وبعد هذه النصيحة قال الأشرف: جزاك الله عن دينك وعن نصائحك وعن المسلمين خيراً، وجمع بيني وبينك في الجنة بمنه وكرمه، وأطلق له ألف دينار مصرية، فردها عليه، وقال: هذه اجتماعه لله لا أكدرها بشيء من الدنيا (2)،
__________
(1) طبقات السبكي (8/ 218) العز بن عبد السلام للوهيبي ص 56.
(2) العز بن عبد السلام للوهيبي ص 57 طبقات السبكي (8/ 241) ..
(1/643)

ثم لم يمض أخوه الصالح إسماعيل تبطيل المنكرات وكان نائبه يومئذ، ثم استقل بالملك بعد موته ثم لم يلبث إلا يسيراً حتى قدم أخوه الملك الكامل من الديار المصرية بجيوشه إلى دمشق وحاصر أخاه إسماعيل، ثم اصطلح معه، وأكرم الكامل العز غاية الإكرام وقد اجتمع مع العز بحضور أخيه إسماعيل، فقال الكامل: إن هذا له غرام برمى البندق، فهل يجوز له ذلك؟ فقال الشيخ: بل يحرم عليه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: إنه يفقئ العين ويكسر العظم (1)، فيلاحظ أن ملوك بني أيوب كانوا يعزون الشيخ ويكرمونه غاية الإكرام ويحبون مجالسته والاستماع إلى نصحه، والعمل بمشورته، بما فيه خير الإسلام والمسلمين، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولا يهابهم ولا يجاملهم (2)، وقد اشتهر العز بالإفتاء حتى أن الناس كانت ترد عليه من البلاد لتستفتيه، كما أن شهرته بذلك قد وصلت إلى مصر قبل أن يذهب إليها بدليل أنه لما ذهب إليها سنة (639هـ) امتنع مفتيها الحافظ المنذري من الفتيا وقال: كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين عليه (3)، وقد بادله العز نفس الإكرام والتقدير فامتنع عن التحديث لوجود حافظ عصره المنذري، وكان كل منهم يجل الآخر ويحضر دروسه (4). وكان العز حريصاً كل الحرص في فتاويه يتحرى الدقة فيها حتى أنه مّرة أفتى بشيء ثم تبين أنه أخطأ فنادى في الأسواق في مصر والقاهرة على نفسه: أنه من أفتاه فلان بكذا فلا يعمل به فإنه (5)
__________
(1) المصدر نفسه ص 57 نقلاً عن طبقات السبكي.
(2) العز بن عبد السلام للوهيبي ص 57.
(3) الشيخ العز بن عبد السلام حياته وآثاره ص 57.
(4) فتاوي الشيخ عز الدين بن عبد السلام ص 129.
(5) المصدر نفسه ص 133 ..
(1/644)

خطأ وهذا يدل على شدة ورعه ومراقبته لله وخشيته منه، وحرصه الشديد أن لا يضل أحد من عباد الله بسببه ولم يأبه لمن سيوصمه بالجهل وعدم المعرفة، لأنه آثر الآخرة على الدنيا، وثواب الله على مدح الناس، لذلك أكرم الله سبحانه، وجعل له القبول في قلوب عباده، فقصد بالفتوى من سائر البلاد (1)، وسارت فتاويه مع الركبان وتحدث الناس بها وعملوا بها من الخلفاء والملوك والسلاطين إلى العامة والضعفاء والمساكين وترك لنا تراثاً في الفتاوى، سميت بعضها بالفتاوى المصرية والأخرى بالفتاوى الموصلية وقد قال عنه ابن كثير: انتهت إليه رئاسة المذهب، وقصد بالفتوى، سائر الآفاق، ثم كان في آخر عمره لا يتعبد بالمذهب، بل اتسع نطاقه وأفتى بما أدى إليه اجتهاده (2).
__________
(1) المصدر نفسه ص 123، 130.
(2) البداية والنهاية (17/ 442).
(1/645)

3 - القضاء: ذكر ابن السبكي عن رسالة ولد العز الشيخ عبد اللطيف في أخبار والده، أن الملك الكامل لما حاصر دمشق واستولى عليها من أخيه الملك الصالح إسماعيل ولى والده الشيخ تدريس زاوية الغزالي بجامع دمشق، وذكرَّ بها الناس، ثم ولاة قضاء دمشق بعدما اشترط عليه الشيخ شروطاً كثيرة ودخل في شروطه، ثم عينه للرسالة إلى الخلافة المعظمة، ثم اختلسته المنية رحمه الله في 22 رجب سنة 635هـ، فكانت مدة ملكه دمشق شهرين ونصف تقريباً (1)، وذكر الداودي: أن الكامل وَلىَّ الشيخ تدريس الزاوية الغزالية بجامع بني أمية وعزم على ولايته قضاء دمشق، وإرساله في الرسالة إلى بغداد، فمات دون إمضاء ذلك بدمشق (2)، فعباره الداودي، تفيد أن الشيخ لم يتول منصب القضاء، ولم يقم بالرسالة، لأن الكامل مات قبل تنفيذ ذلك الأمر، بينما عبارة ولده تخالف ذلك حيث أفادت أنه تولى القضاء، وليست قاطعة بذلك، فهي محتملة أنه عينه، ولم يباشر حيث مات الكامل بعد شهرين ونصف وجاء بعده أخوه الملك إسماعيل فلم ينفذ ذلك وهذا الاحتمال هو الراجح ويقويه نص عبارة الداودي، ولو أن الدكتور رضوان أطلع على هذا النص لما قال: ولعل عز الدين بقي في منصب قضاء دمشق برهة من الزمن خلال هذه الفترة القصيرة من حكم الكامل لدمشق، إذ كم بعد أخوه الصالح إسماعيل، ولم يكن يعجب بالشيخ، ولا يرضى أن يبقيه في القضاء، وقد حرم عليه اللعب بالبندق ولعل قصر فترة بقائه بهذا المنصب جعل أصحاب التراجم، وابن طولون لا يذكرونه بين قضاة دمشق (3)
__________
(1) ذيل الروضتين لأبي شامة ص 166 الشيخ العز بن عبد السلام للوهيبي ص 58.
(2) العز بن عبد السلام للوهيبي ص 58.
(3) المصدر نفسه ص 58 ..
(1/646)

ولما هاجر إلى مصر أسند إليه الملك نجم الدين أيوب الخطابة، والقضاء حيث توفي قاضي قضاة مصر شرف الدين بن عين الدولة سنة 639هـ، فولى السلطان العز القضاء مكانة وحدد له قضاء مصر والصعيد وأبقى قضاء القاهرة والوجه البحري مع قاضي غيره، كما فوّض إليه مع القضاء الإشراف على عمارة المساجد المهجورة في مصر والقاهرة، وسار بالعدل والإنصاف ورفع الجور والحيف مهما كلفه الثمن (1).

4 - الخطابة: لما تولى الشيخ عز الدين الخطابة بدمشق أزال كثيراً من البدع التي كان يفعلها الخطباء من دق السيف على المنبر، ولبس السواد، والسجع المتكلف، والثناء على الملوك، بما ليس فيهم، بل كان يدعو لهم، وأبطل صلاتي الرغائب والنصف من شعبان، وقد وقع بينه وبين ابن الصلاح ت 643هـ خلاف ووحشة بسبب صلاة الرغائب، لأنه كان يؤيدها واستمر العز في خطبة بالجامع الأموي سنة ونيفا حتى عزله الصالح إسماعيل بسب إنكاره عليه تحالفه مع الصليبيين سنة 638هـ (2) ولما هاجر إلى مصر استقبلها صاحبها نجم الدين أيوب أعظم استقبال، وقربه وأدناه وأكرمه وولاه خطابة جامع عمرو بن العاص، وقد قام بمهمته أعظم قيام، وأدى رسالة المسجد التي عاش من أجلها على أحسن وجه، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، صادعاً بالحق، منكراً للباطل، وكان حريصاً أن لا يعزل نفسه عن الخطابة، كما فعل في عزل نفسه عن القضاء، لأنه لا يخشى الحيف وظلم الناس في الخطابة خلافاً للقضاء وكان الملك نجم الدين يخشى من سلاطة لسانه وجرأته لذلك سارع إلى عزله عن الخطابة، عندما عزل نفسه عن القضاء بعد حادثة إسقاط عدالة وزيره معين الدين ابن شيخ الشيوخ (3)، وتولى الخطابة بعده المجد الأحميمي (4)، كما سيأتي معنا بإذن الله تعالى.
__________
(1) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص 127.
(2) المصدر نفسه ص 125.
(3) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص 127.
(4) المصدر نفسه ص 127.
(1/647)

سابعاً: أهم صفات العز بن عبد السلام:
تميزت شخصية الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمجموعة من الصفات من أهمها:

1 - الشجاعة: من الصفات التي لازمت العز بن عبد السلام طيلت حياته الشجاعة في الحق ذلك لأنه كان مع الحق يدور حيث دار، وما قصته مع نائب السلطان عندما عزم على بيع المماليك إلا دليل ساطع على شجاعته، وجرأته وأنه لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يخشى سلطانا، ولا يهاب الموت في سبيل الله وقد ذكر ابن السبكي: أن جماعة من المفسدين قصدوه في ليلة معتمة وهو في بيت عالم في بستان متطرف عن البساتين وأحاطوا بالبيت، فخاف أهله خوفاً شديداً، فعند ذلك نزل إليهم، وفتح باب البيت، وقال: أهلاً بضيوفنا، وأجلسهم في مقعد حسن، وأخرج لهم ضيافة حسنة فتناولوها وطلبوا منه الدعاء، إذ كان مهيباً له موقع حسن في القلوب فهابوه وعصم الله أهله وجماعته منهم بصدق نيته وكرم طويته وانصرفوا عنه (1) ومن المواقف التي تدل على شجاعته.
__________
(1) طبقات السبكي (8/ 229) فتاوى شيخ الإسلام ص 109.
(1/648)

- إنكاره على الملوك التنازل عن ديار المسلمين وعقد الصلح مع الصليبيين المعتدين:
لما تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين، وأسلمهم قلعة صفد وقلعة الشقيف، وصيدا، وبعض ديار المسلمين؛ ليساعدوه على الصالح نجم الدين أيوب، حاكم مصر، لأن الصالح إسماعيل خاف منه، فكاتب الفرنجة، ليساعدوه ضد ابن أخيه حاكم مصر، فكان الثمن تسليم ديار المسلمين، وتطبيع العلاقات وفتح الحدود، فدخل الصليبيون دمشق (1) وكان ذلك في عام 638هـ وزيادة على ذلك أذن الصالح إسماعيل للصليبيين بدخول دمشق لشراء السلاح لقتال المسلمين في مصر، وهذه خيانة عظمى، واستسلام ذليل، وخروج عن الدين والشرع، وجاء دور الشيخ العز الذي يغضب لله، وينتصر لدينه، ويدافع عن أرض الإسلام وحقوق المسلمين، ويجاهر بالنهي عن المنكر لا يخشى في الله لومة لائم، وتصدى كالأسد الهصور للمواجهة والنزال، وشق عليه ما حصل مشقة عظيمة وبدأت الجولة الأولى باستفتاء الشيخ العز في مبايعة الفرنج للسلاح، فقال: يَحْرم عليكم مبايعتهم، لأنكم تتحققون أنهم يشترونه، ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين، ثم صعد الشيخ العز منبر المسجد الأموي الكبير، وذمَّ موالاة الأعداء، وقبّح الخيانة وذمَّ الأعمال المشينة التي حصلت، وشنَّع على السلطان، وقطع الدعاء له بالخطبة وصار يدعو أمام الجماهير بما يوحي بخلعه واستبداله، ويقول: اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رَشَداً، تُعِزّ فيه وليَّك وتذل فيه عدوك وُيعمل فيه بطاعتك ويُنهى فيه عن معصيتك والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين، والنصر على أعداء الله الملحدين (2).
__________
(1) صفحات مطوية من حياة سلطان العلماء ص 19.
(2) طبقات الشافعية (8/ 243) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 176.
(1/649)

وكان الملك الصالح إسماعيل خارج دمشق، فلما وصله الخبر أحسَّ بالخطر الذي يحدق به والثورة المتوقعة عليه، فسارع إلى إصدار الأمر الكتابي بعزل الشيخ العز من الخطابة والإفتاء وأمر باعتقاله، واعتقال الشيخ ابن الحاجب المالكي الذي شاركه الأنكار على فعل السلطان ولما قدم إسماعيل إلى دمشق أفرج عنهما، وألزم الشيخ العز بملازمة داره، وألا يفتي (1).
__________
(1) المصدر نفسه (8/ 243) المصدر نفسه ص 176.
(1/650)

- العز يرفض المساومة، ولو قبَّل السلطان يده:
توجه الصالح إسماعيل إلى مصر، تحرسه الجيوش الصليبيةَّ الحاقدة، ليحارب الصالح أيوب، وكأنه تأسف لإطلاق الشيخ وأوجس في نفسه خيمته، فأرسل إلى سلطان العلماء بعض أعوانه وأمره أن يستنزله على وجه السياسة في زعمه، ليقع منه مداهنة، ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال، فقال السلطان لرسوله: تتلطَّف به غاية التلطَّف، وتستنزله وتعده بالعودة إلى مناصبه على أحسن حال؛ فإن وافقك فتدخل به علي، وإن خالف، فاعتقله في خيمنه إلى جانب خيمتي، فلما اجتمع رسول السلطان مع سلطان العلماء، شرع في مسايسته وملاينته، ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة، أن تنكسر للسلطان وتقَّبل يده لاغير. فقال له: يا مسكين، ما أرضاه أن يقبل يدي، فضلاً أن أقبَّل يده، ياقوم، أنتم في وادٍ، وأنا في واد والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، فقال له: قد رسم لي إن لم تُوافق على ما يطلب منك وإلا اعتقلتك فقال: فعلوا ما بدا لكم، فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان (1)، فأخذ سلطان العلماء - رحمه الله - يقرأ القرآن، والسلطان يسمع، فقال يوماً لملوك الصليبيين: أتسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا: نعم. قال السلطان - هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته، لإنكاره علي تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق، وعن مناصبه، ثم أخرجته، فجاء القدس وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم (2). فقال ملوك الفرنجة: والله لو كان هذا قسيسنا؛ لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها (3) ولله در القائل:
ومَن يَهُن يَسْهُلُ الهوان عليه ... ما لِجُرحٍ بميَّتٍ إبلام

ثم جاءت الجيوش الإسلامية من مصر، ففرَّقوا عساكر الصليبيين، ونصر الله أهل طاعته، وخذل المنافقين، ونجّى الله الشيخ من كيد الشيطان وحزبه، ودخل مصر (4) آمناً.
__________
(1) صفحات مطوية من حياة سلطان العلماء.
(2) المصدر نفسه ص 27
(3) المصدر نفسه ص 26.
(4) المصدر نفسه ص 26.
(1/651)

- نصحه للملوك: دخل سلطان العلماء العز بن عبد السلام يوم العيد القلعة، والسلطان نجم الدين أيوب بن الكامل في زينته، وجنوده بين يديه، وأمراء الدولة تقبَّل الأرض له؛ فالتفت سلطان العلماء إليه منادياً باسمه المجرَّد: يا أيُّوبُ؛ ما حُجَّتُك عند الله، إذا قال لك: ألم أُبَوَّئ لك مصر، تبيح الخمور؟ فتجاهل أيوب حقيقة السؤال تجاهل العارف وتنمُّرَ المريب قائلاً: هل جرى هذا؟ فرفع الشيخ عز الدين بن عبد السلام صوته: نعم، الحانة الفلانية يُباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة. فقال: سَّيدي هذا أنا ما عملته، هذا من زمن أبي، فأجابه الشيخ عز الدين: أنت من الذين يقولون: "إنا وجدنا آباءنا على أمة ويتسلل الرعب إلى نفس السلطان؛ فيرسم بإبطال بتلك الحانة وبدأ الناس يتساءلون عن سر هذه الجرأة ويوجَّه هذا الاستغراب والتساؤل إلى سلطان العلماء على لسان تلميذه الباجي:

يا سيدي؛ كيف الحال؟ فقال الشيخ - رحمه الله: يا بني رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أهينهُ، لئلا تكبر نفسه، فتؤذيه فقال تلميذه، أما خفته؟ قال الشيخ والله يا بني، استحضرت هيبة الله، فصار السلطان قدَّامي كالقط (1).
__________
(1) صفحات مطوية من حياة سلطان العلماء العز ص 28.
(1/652)

- سلطان العلماء وبيع الأمراء في المزاد: رأى سلطان العلماء أن المماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب ودفع ثمنهم من بيت مال المسلمين، واستعملهم في خدمته وجيشه، وتصريف شؤون الدولة يمارسون البيع والشراء وهو تصرف باطل؛ لأن المملوك لا ينفذ تصرفه، فأخذ سلطان العلماء لا يمضي لهم بيعاً ولا شراءً فضايقهم، ذلك وشجر بينهم وبينه كلام حول هذا المعنى فقال لهم بائع الملوك: أنتم الآن أرقَّاء لا ينفذ لكم تصرف، وإن حكم الرق مستصحب عليكم لبيت مال المسلمين، وقد عزمت على بيعكم فاحتدم الأمر، وبائع الملوك مصمَّم، لا يصحَّح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً، فتعطلت مصالحهم، وكان من جملتهم نائب السلطان الذي اشتاط غضباً، واحمر أنفه، فاجتمع مع شاكلته، وأرسلوا إلى بائع الملوك فقال: نعقد لكم مجلساً، ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه، فلم يرجع، فخرجت من السلطان كلمة فيها غلظة، حاصلها الإنكار على الشيخ - رحمه الله - في دخوله في هذا الأمر، وأنه لا يتعلق به (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 31.
(1/653)

وهنا أدرك الشيخ العز أن أعوان الباطل تمالؤوا عليه، ووقفوا في وجه الحق وتطبيق الشرع، وتنفيذ الأحكام التي لا تفرق - في الدين - بين كبير وصغير، وحاكم ومحكوم وأمير ومواطن فلجأ إلى سلاحه الضعيف الباهت في ظاهره، القوي الفعال المدمر في حقيقته وجوهره وسنده، وأعلن الإنسحاب وعزل نفسه عن القضاء وقرر الرحيل عن القرية الظالم أهلها، والتي ترفض إقامة شرع الله، ونفذ العز قراره فوراً، وحمل أهله، ومتاعه على حمار، وركب حماراً آخر، وخرج من القاهرة، وما أن انتشر الخبر بين الناس في مصر، حتى تحركت جموع المسلمين وراءه، فلم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه إليه يتخلف، ولاسيما العلماء، والصالحين، والتجار، وأمثالهم ولسان حالهم يقول: لا خير في مصر إن لم يكن فيها العز بن عبد السلام وأمثاله، القائمون بالكتاب والسنة، والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، المجاهدين في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، ولا شماته شامت ورُفِعَت التقارير حول هذه الظاهرة إلى القاهرة، وكانت التوصيات: متى راح ذهب ملكك فركب السلطان بنفسه، ولحقه واسترضاه، وطيبَّ قلبه، فرجع بشرط أن يُنادي على ملوك مصر وأمرائها ويبيعهم، فأرسل إليه كبيرهم - نائب السلطان - بالملاطفة والشيخ لم يتغير؛ لأنه يريد إنفاذ حكم الله، عندئذ، انزعج نائب السلطان، وأصدر قراره بتصفية الشيخ جسدياً وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبُيعنا ونحن ملوك الأرض، والله لأضربنَّه، بسيفي هذا، بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ، والسيف في يده صلتاً، فطرق الباب فخرج إليه ولد الشيخ، فرأى أمراً جلداً، فعاد إلى أبيه، وأخبره الحال، فقال بائع الملوك ممتلئاً، إيماناً بربه؛ قائلاً لولده: يا ولدي: أبوك أقلُّ من أن يُقْتل في سبيل الله، فلما رآه نائب السلطان؛ اهتزت يده وارتعدت فراصه وسقط أرضا، فبكى، وسأل الشيخ أن يدعوا له قائلاً:
(1/654)

يا سيدي! خيرا، أي شيء العمل؟ فقال الشيخ: أنادي عليكم وأبيعكم. قال نائب السلطان: ففيم تصرف ثمننا؟ قال الشيخ: في مصالح المسلمين. قال نائب السلطان: من يقضيه؟ قال الشيخ: أنا. وأنفذ الله أمره على يد الشيخ - رحمه الله - فباع الملوك منادياً عليهم واحد تلو الآخر، وغالى سلطان العلماء في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير التي تعود بالنفع على البلاد والعباد (1).

ومن هنا عرف الشيخ العز، بأنه "بائع الملوك" واشتهر أمره في الآفاق، وسجل له التاريخ موقفاً فريداً لم يشهده العالم أجمع، وعلا صوت الحق، وعزَّ العلماء، وتمّ تطبيق شرع الله تعالى، وهزم الباطل وطاشت سهام السلطة والقوة المادية، أمام سلطان الله تعالى، وأحكامه، وصدق على العز حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر (2)، وعاد العز إلى عرينه في كنف الله تعالى ورعايته، وهو القائل: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خّوان كفور" (الحج، آية: 38) والقائل: "والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (يوسف، آية 21).
__________
(1) صفحات مطويات من حياة سلطان العلماء ص 33، 34.
(2) العز بن عبد السلام ص 182 للزحيلي.
(1/655)

العز يهدم قاعة المنكر، ويسقط عدالة الوزير:
لم تمض سنة واحدة على حادثة بيع الأمراء في المزاد العلني حتى وصل إلى علم الشيخ عز الدين ما فعله أستاذ الدار عند السلطان، وهو ما يعادل اليوم "كبير أمناء الملك أو الرئيس"، وهو معين الدين بن شيخ الشيوخ، والذي كان يجمع إلى منصبه، اختصاصات الوزير، وقائد الجيش في المعارك وفتح دمشق لكنه كان متحللاً وعابثاً ومعتداً بقوته ومنصبه، ولذلك تجرأ على منكر كبير، يخالف أحكام الدين ويسخر بالشرع، ويسيء إلى مشاعر المسلمين، فبنى فوق أحد مساجد القاهرة طبلخانة أي قاعة لسماع الغناء والموسيقى وذلك سنة 640هـ وما أن ثبت ذلك عند الشيخ العز وهو يتولى منصب قاضي القضاة، حتى غضب لله تعالى وإهانة بيت الله، وإعلان المنكر، وإرتكاب الفواحش، وأصدر أمره بهدم البناء، ولكنه خشي من جبن الناس في التنفيذ، أو المعارضة في الهدم، فقام بنفسه، وجمع معه أولاده والموظفين عنده، وذهب إلى المسجد، وحمل معوله معهم، وقاموا بإزالة المنكر، وهدم البناء المستحدث فوق المسجد، ولم يكتف العز بهذا التحدي للوزير والسلطان معاً، بل أسقط عدالة الوزير بما يعني عدم قبول روايته وشهادته، وعزل نفسه عن القضاء، حتى لا يبقى تحت رحمة السلطان، وتهديده بالعزل أو غيره وكان لهذا العمل دوي هائل، أثر عجيب، وتنفس الناس الصعداء من تسلط الحكام، وإرتكاب المخالفات وممارسة التجاوزات الشرعية، ولم يجرؤ أحد أن يمس الشيخ العز بسوء، بل أدرك السلطان نجم الدين أنّ الحق مع الشيخ وتلطف معه للعودة إلى القضاء ولكن الشيخ أصر على ذلك، وظن الوزير رسمياً وشعبياً في ذلك، وأن كلام الشيخ العز سيذهب مع الرياح، ولكن الواقع غير ذلك، وطار الخبر في الآفاق حتى وصل إلى الخليفة في بغداد وأخذ صداه الواسع في العالم الإسلامي (1)
__________
(1) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 183 ..
(1/656)

قال السبكي: واتفق أن جهزّ السلطان الملك الصالح رسولاً من عنده إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل الرسول على الديوان، ووقف بين يدي الخليفة، وأدى الرسالة، خرج إليه وسأله: هل سمعت هذه الرسالة من السلطان؟ فقال: لا ولكن حملنيّها عن السلطان معين الدين ابن شيخ الشيوخ استاذ داره، فقال الخليفة: إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام فنحن لا نقبل روايته فرجع الرسول إلى السلطان بمصر حتى شافهه بالرسالة، ثم عاد إلى بغداد وأدَّاها (1).

- معارضته لشجرة الدر سلطنتها على مصر: قال ابن إياس فلما وقع الاتفاق على سلطنتها حضر القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، وبايعها بالسلطنة على كره منه، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لما تولت شجرة الدر على الديار المصرية، عملت في ذلك مقامه، وذكرت فيها بماذا ابتلى الله به المسلمين بولاية امرأة عليهم، وكانت سلطنتها يوم الخميس ثاني صفر سنة ثمان وأربعين وستمائة (2)، وفي هذا رد على من يزعم بأنه لا أحداً من علماء الدين لم يبد اعتراضاً على ذلك (3) وسيأتي الحديث عن حكم تولي المرأة للسلطنة في كتابنا القادم بإذن الله تعالى عن المماليك.
__________
(1) طبقات الشافعية (8/ 211) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 184.
(2) بدائع الزهور (1/ 286).
(3) طبقات السبكي (8/ 215) فتاوى شيخ الإسلام العز ص 120.
(1/657)

- في حرب التتار وفتاويه الشجاعة: ومن مواقفه رحمه الله: في حرب التتار الذين داهموا البلاد الإسلامية ودمروا بغداد، وأبادوا المسلمين وعظم خطرهم على العالم الإسلامي وجبن الناس عن ملاقاتهم وحربهم، وخاف أهل مصر، وضاقت بالسلطان وعساكره الأرض، عندها تدخل الشيخ رحمه الله وبث الهمة في نفوس الناس وذكرهم بضرورة الجهاد، وعندما استشاره السلطان قطز بأمر المملكة وحرب التتار قال رحمه الله: أخرجوا وأنا ضامن لكم على الله النصر، فقال السلطان له: إن المال في خزانتي قليل، وأنا أريد أن أقترض من أموال التجار ما استعين به على قتال التتار (1)، وكان في مجلس السلطان كبار العلماء والفقهاء والقضاة فكان الرأي ما ذهب إليه ابن عبد السلام حيث قال: إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على الإمام قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص المذهبة، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوب وسلاحه ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقائه في أيدي الجند من الأموال والآلآت الفاخرة فلا (2). فنفذ الملك والأمراء والجند فتوى العز وامتثلوا أمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم، وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئاً في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال وضربت سكت ونقداً وأنفقت في تجهيز الجيش، ولم تكف هذه الأموال نفقة الجيش أخذ السلطان قطز ديناراً واحداً من كل رجل قادر في مصر، فجمع بذلك الأسلوب الفريد المال الحلال الذي لا ظلم ولا عدوان فيه، ومع الاستعداد النفسي الذي قام به العز واخوانه من العلماء تنزَّل نصر الله على عباده المؤمنين، وهزم الله التتار في عين جالوت سنة 658هـ (3).
__________
(1) السلوك (1/ 428) النجوم الزاهرة (7/ 72).
(2) المصدر نفسه.
(3) فتاوى شيخ الإسلام العز بن عبد السلام ص 120.
(1/658)

ومن أساب النصر شعور الناس بقيمة العدل التي ساهمت في جعل روح جديدة تسري في كيان الشعب المسلم تحت قيادة السلطان قطز، من خلال الفتاوى الفذة التي أفتى بها الشيخ عز الدين بن عبد السلام وهكذا كانت مواقف العز بن عبد السلام من حكام عصره، في حياته المديدة كلها آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، صادعاً بالحق، حرباً على الباطل وأهله عاش أحداث عصره فأثر به وتفاعل معها، وتأثر بها، فجاهد باليد، كما جاهد بالقلم واللسان، حتى كتب اسمه بأحرف من نور في سجل الخالدين، وترك خلفه مدرسة غنية لكل باحث وسيرة عبقة يقتدي بها الباحثون عن الحق وأنصار الشرع، والعدالة (1).
__________
(1) المصدر نفسه ص 120.
(1/659)

2 - زهده: لقد ضرب لنا العز مثلاً للزهد بسيرته ومواقفه، فكان رحمه الله زاهداً في الدنيا مع مشاركته في أحداثها، وانخراطه في حل مشكلاتها ومعضلاتها فلم يكن منعزلاً عن الناس، بل كان يعيش بينهم رافضاً دنياهم يذكرهم بأخراهم، فكان أغنى الناس رغم فقره إذ لم يكن يتطلع إلى ما في أيديهم بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، عطاء الواثق بربه، يعطي الأغنياء والفقراء رغم فقره ولا يرد سائلاً سأله رغم حاجته، فإذا لم يجد ما يعطي ما في جيبه خلع شيئاً من لباسه، أو جزءاً من عمامته، أو شيئاً من أثاث بيته وأعطى لسائله، كان زاهداً في متاع الدنيا رغم أنه كان ملء سمعها وبصرها، يعمل فيها للآخرة رغم أنها جاءته تسعى راغمة والدليل (1) على ذلك مواقف كثيرة منها، عندما عرض عليه رسول الملك الصالح إسماعيل أن ينكسر للسلطان ويقبل يده ويعتذر إليه من موقفه من التحالف مع الصليبيين وتسليم حصون المسلمين لهم - كما مرّ معنا قال الشيخ: والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلاً أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد، وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به (2) به ومن زهده وورعه رحمه الله أن نصح للملك الأشرف وهو في مرضه الذي مات فيه، امتثل أمره وعمل بنصحه وأمر له بألف دينار مصرية فردها الشيخ عليه ولم يقبلها وقال: هذه اجتماعة لله لا أكدرها بشيء من الدنيا وودع الشيخ السلطان ومضى (3).
__________
(1) طبقات السبكي (8/ 230) وما بعدها.
(2) المصدر نفسه (8/ 243).
(3) طبقات الشافعية (8/ 240) العز بن عبد السلام ص 107 للزحيلي ..
(1/660)

ولما هاجر الشيخ العز من دمشق وقد ناهز الستين لم يحمل شيئاً من حطام الدنيا ومتاع البيت، أو ما كدَّسه من مناصبه وأعماله، ولما استقال العز من القضاء عند فتواه ببيع الأمراء ورفض السلطان لذلك، خرج من القاهرة، وكل أمتعته في الحياة مع أسرته، حمْل حمار واحد، مما يدل على قناعته بالقليل، وزهده في المال والمتاع، ولما مرض الشيخ العز، وأحس بالموت، أرسل له الملك الظاهر بيبرس أن يعين أولاده في مناصبه وقال: .. أن يكون ولدك مكانك بعد وفاتك "في تدريس الصالحية"، فقال العز: ما يصلح لذلك، قال له: فمن أين يعيش؟ قال: من عند الله تعالى، قال له: نجعل له راتباً؟: قال هذا إليكم (1)، ثم أشار إلى تعيين تقي الدين بن بنت الأعز (2)، والحقيقة أن ولد العز الشيخ عبد اللطيف كن عالماً فقيهاً، يصلح للتدريس، ولكن ورع العز وزهده منعه من جعل منصب التدريس وراثة لأولاده (3).
__________
(1) طبقات الشافعية للأسنوي (2/ 84) العز بن عبد السلام ص 107 للزحيلي.
(2) العز بن عبد السلام، للزحيلي ص 107.
(3) المصدر نفسه ص 108.
(1/661)

3 - حبه للصدقة: كان كثير الصدقات، باسط اليد فيما يملك يجود بماله ولو كان قليلاً، طمعاً بالأجر والثواب، وادخار ذلك إلى يوم الدين، حكى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة رحمه الله، أن الشيخ لما كان، بدمشق، وقع مرة غلاء كبير حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مصاغاً لها وقالت: اشتر لنا به بستاناً، نَصِيفَ به، فأخذ ذلك المصاغ، وباعه وتصدق بثمنه، فقالت: يا سيّدي اشتريت لنا؟ قال: نعم بستانا في الجنة، إني وجدت الناس في شدة فتصدقت بثمنه، فقالت له: جزاك الله خيراً (1). فجدد سيرة أصحاب رسول الله والسلف الصالح (2) وحكى ابن السبكي عن حب العز للتصدق: وحكي أنه كان مع فقره كثير الصَّدقات، وأنه ربمَّا قطع من عمِامته، وأعطى فقيراً يسأله إذا لم يجد معه غير عمِمامته (3).
4 - ورعه وتقواه: كان العز صاحب ورع متعد، إذ كان ورعاً ويعلم الناس الورع، بمواقفه أولاً، ثم بعلمه الفياض ثانياً، ومما يدل على ذلك قوله: يجب على الخنثى المشكل أن يستتر في الصلاة كالتستر للنساء احتياطاً (4)، وقوله: من نسي ركعتين من السنن الرواتب، ولم يعلم أهي سنة الفجر أم سنة الظهر، فإنا نأتي بالسنتين لنحصل على المنسية، ولمن نسي صلاة من صلاتين مفروضتين أيضاً (5).
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 214).
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 108.
(3) المصدر نفسه ص 108.
(4) فتاوى شيخ الإسلام العز بن عبد السلام ص 106.
(5) قواعد الأحكام (2/ 25).
(1/662)

5 - تواضعه وعدم التكلف: كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام متواضع النفس، مع ربه، ومع الناس، ومع نفسه، ولا يتكلف لشيء في حياته، ومعيشته، ولباسه وسلوكه مع الجميع، فعندما كتب له الملك الأشرف رسالته، وفيها ما يَلمْزه بالاجتهاد لمذهب خامس في العقيدة؛ "إن كنت تدّعي الاجتهاد، فعليك أن تثبت ليكون الجواب على قَدْر الدعوى لتكون صاحب مذهب خامس" إجابه العز بكل تواضع، وقال عن هذه النقطة: وأمّا ما ذُكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس فأصول الدين ليس فيها مذاهب، فإن الأصل واحد (1)، وعندما جاءه نائب السلطنة في مصر حاملاً سيفه ليقتل العز لفتواه ببيع الأمراء المماليك، كما مّر معنا، فقام لاستقباله، فاعترضه ابنه خشية عليه من القتل، فقال له: يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله (2)، وكان العز يترك التكلف في لباسه، فكان يلبس مرة العمامة ومرة قبعة من لبّاد، بحسب ما يتيسر له، ويحضر بها المناسبات والمواكب، قال: ابن السبكي بعد حكاية تصدقه بالعمامة: وفي هذه الحكاية ما يدل على أنه كان يلبس العمامة، وبلغني أنه كان يلبس قبّع لبّاد، وأنه كان يحضر المواكب السلطانية به، فكأنه كان يلبس تارة هذا، وتارة هذا، على حسب ما يتفق من غير تكلف (3).
6 - بلاغته وفصاحته: كان العز بن عبد السلام بليغاً فصيحاً قوي العبارة ذات المعاني المتعددة وقد ترك لنا أقوالاً مأثورة منها:
أ- في نصرة الحق: ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرهما، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق، فظهر، الصواب، أن يستظل، بظلهما وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما (4).
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 231، 233).
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 110.
(3) المصدر نفسه ص 110.
(4) المصدر نفسه ص 110.
(1/663)

ب- الشرع هو الميزان: والشرع ميزان يوزن به الرجال، وبه يتيقن الربح من الخسران، فمن رجح في ميزان الشرع، كان من أولياء الله، وتختلف مراتب الرجحات، ومن نقص في ميزان الشرع، فأولئك أهل الخسران، وتتفاوت خفتهم في الميزان , وأخسها مراتب الكفار، ولا تزال المراتب تتناقص حتى تنتهي إلى منزلة مرتكب أصغر الصغائر، فإذا رأيت إنساناً يطير في الهواء ويمشي على الماء، أو يخبر بالمغيبات، ويخالف الشرع بارتكاب المحرمات، بغير سبب محلل، أو يترك الواجبات بغير سبب مجَّوز؛ فأعلم أنه شيطان، نصبه الله فتنه للجهلة، وليس ذلك ببعيد من الأسباب التي وصفها الله للضلال، فإن الدجال يحيي ويميت فتنتة لأهل الضلال، وكذلك يأتي الخربة، فتتبعه كنوزها كيعاسيب (1) النحل، وكذلك يظهر للناس أن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، وكذلك من يأكل الحيَّات، ويدخل النيران، فإنه مرتكب للحرام بأكل الحيات وفاتن للناس بدخول النيران ليقتدوا به في ضلالته ويتابعوه على جهالته (2).
__________
(1) ذكور النحل.
(2) قواعد الأحكام (2/ 194) صفحات مطوية ص 106.
(1/664)

ج- الطريق إلى حياة القلوب: والطريق في إصلاح القلوب التي تصلح الأجساد بصلاحها، وتفسد بفسادها؛ تطهيرها من كل ما يبعد عن الله، وتزيينها بكل ما يقرب إليه، ويزلفه لديه، من الأحوال، والأقوال، والأعمال، وحسن الآمال، ولزوم الإقبال عليه، والإصغاء إليه والمثول بين يديه في كل وقت من الأوقات، وحال من الأحوال، على حسب الإمكان من غير أداء إلى السآمة والملال ومعرفة ذلك هي الملقبة بعلم الحقيقة، وليست الحقيقة خارجة عن الشريعة، بل الشريعة طافحة، بإصلاح القلوب بالمعارف والأحوال، والعزوم والنيات، وغير ذلك مما ذكرنا من أعمال القلوب، فمعرفة أحكام الظواهر معرفة بجلَّ الشرع، ومعرفة أحكام البواطن معرفة لدقَّ الشريعة، ولا ينكر شيئاً منهما إلا كافر أو فاجر، وقد يتشبه بالقوم من ليس منهم، ولا يقاربهم في شيء من الصفات، وهم شرُّ من قطاع الطريق، لأنهم يقطعون طرق الذاهبين إلى الله تعالى وقد اعتمدوا على كلمات قبيحات، يطلقونها على الله، ويسيئون الأدب على الأنبياء والرسل وأتباع الأنبياء من العلماء والاتقياء، وينهون من يصحبهم من السماع من الفقهاء، لعلمهم بأن الفقهاء ينهون عن صحبتهم وعن سلوك طريقهم (1).
كما أن للعز صفات كثيرة تحدثت عنها في ثنايا ترجمته، كالعلم والفقه، والتوكل والهيبة ... إلخ.
__________
(1) قواعد الأحكام نقلاً عن صفحات مطوية ص 107.
(1/665)

ثامناً: أهم محاور التجديد عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام:
ليس المراد بالتجديد تغيير حقائق الدين الثابتة القطعية لتلائم أوضاع الناس وأهواءهم ولكنه تصحيح للمفاهيم المترسبة في أذهان الناس عن الدين، وتعديل لأوضاعهم وسلوكهم وفقاً لتعاليمه وإرجاعه غضاً طرياً بعد أن تراكمات عليه البدع والإنحرافات وكل هذا ينطبق على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، فقد أمات البدع، وأحيا السنن، كما حارب التقليد وأحيا الاجتهاد، ومارس دور العالم المجاهد في قيادة الأمة، فالتف الناس حوله، واتخذوه إماماً بدون منازع، وهو جدير بذلك، فقد كان يدافع عن مصالح الأمة بيده وبلسانه، وبقلمه ويحفظ حقوقها، ويدرأ عنها كل المفاسد، ومن نقاط التجديد عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
(1/666)

1 - سعيه لتقنين أصول الفقه: يظهر سعي الشيخ عز الدين لتقنين أصول الفقه فيما نلاحظه أثناء دراسة كتابة "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" من تفريعات واستثناءات، وشواهد، وضوابط، انظر مثلاً حديثه عن النسيان، وما يتعلق به، وما يسقط به، ومالاً يسقط به وضابطه (1)، وكذلك في حديثه عن المشقة وأنواعها وضوابها (2)، وكل ما يحتاج إلى ضابط، فإن الشيخ عز الدين لا يغفل عن تجديد ضابطه، فها هو يقول مثلاً: والضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة فإن لم يختص وجوبه بالصلاة كالستر، فإن كان في قوم يعمهم العري فلا قضاء عليه لما فيه من مشقة (3)، ويواصل في تحديد ضابط ما يتدارك إذا فات بعذر، وما لا يتدارك مع قيام العذر وهكذا توجهت همة الإمام إلى تجديد بناء العقلية الإسلامية بالتأكيد على العقلية الأصولية التي لا ينبغي أن تفرق في الجزئيات وإنما تختصرها في كليات، وتضبطها في قواعد لمواجهة مستجدات الحياة مهما تعقدت وتشعبت، ويبدو هذا جلياً في الثروة الهائلة من القواعد التي خلفها الشيخ عز الدين - متناثرة في كتبه، هذه القواعد التي تتوجه بالهمم والأنظار نحو المستقبل لتواكب تطور الحياة عن وعي وإدراك، وتلبي احتياجات العصر المتغيرة عبر الزمان والمتنوعة عبر المكان، وأما الفروع فغالباً ما تعني بالماضي لتحكم له أو عليه والقواعد التي ذكرها الشيخ عز الدين كثيرة نذكر منها نماذج
أ- القواعد الفقهية:
- في جلب المصالح ودرء المفاسد:
- تحصيل مصلحة الواجب أولى من دفع مفسده المكروه.
- تصرف الولاة ونوابهم بما هو الأصلح للمَوْلِيَّ عليه.
- لا يُقَدَّمُ في أي ولاية إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها.
- حفظ البعض أولى من تضييع الكل.
__________
(1) قواعد الأحكام (2/ 2، 3) مقاصد الشريعة عند الإمام العز ص 519.
(2) المصدر نفسه (2/ 7، 8، 12) المصدر نفسه ص 519.
(3) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 520.
(1/667)

- حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود.
- تحمل أخف المفسدتين دفعاً لأعظمها.
- دفع الضرر أولى من جلب النفع.
- الأصل في الأموال التحريم مالم يتحقق السبب المبيح (1)
ويمكن القول بأن الإمام بن عبد السلام قد ألقى أوسع ما يمكن من الضوء على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد وأظهر باستقرائه جريانها في مسائل لا تحصى، وأحكام لا تعد أصليها وفرعيها، حتى أستطاع أن يرجع الفقه كله إلى هذه القاعدة الشاملة الجامعة الأصيلة، اعتبار المصالح ودرء المفاسد.

ب- في مراعاة التخفيف ورفع الحرج:
- لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه.
- الأشياء إذا ضاقت اتسعت.
- قد وسع الشرع في النوافل مالم يوسعه في الفرائض.
- الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلباً لمصلحتها.
- ما أحل لضرورة يقدر بقدرها، ويزول بزوالها.

ج- في المقاصد والوسائل:
- مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
- كل ما كان أقرب إلى تحصيل المقصود من العقود كان أولى بالجوز لقربه إلى تحصيل المقصود.
- لا تقدم التتمات والتكملات على مقاصد الصلاة.
- الوسائل تسقط بسقوط المقاصد.
- كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل.
- إذا كان المطلوب محرماً فسؤاله حرام.
- يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع (2).

د- في مقاصد المكلفين:
- مقاصد الألفاظ على نية اللافظين ويستثنى من ذلك اليمين فإنه على نية المستحلف.
- من أطلق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه.
- العقود مبنية على مراعاة المقصود.
- الأغلب على الناس هو الجزم.

هـ- في أمور متفرقة:
- المتوقع كالواقع.
- ما لايمكن ضبطه، يجب، الحمل على أقله.
- القليل يتبع الكثير في العقود.
- من لا يمكن تصرفاً، لا يملك الإذن فيه، وذكر لهذه القاعدة مستثنيات.
- من ملك الإنشاء ملك الإقرار.
- القواعد الأصولية:
__________
(1) مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام ص 521 نقلاً عن قواعد الأحكام.
(2) المصدر نفسه ص 522 نقلاً عن قواعد الأحكام.
(1/668)

أ- في الأحكام التكليفية:
- لا تكليف بما لا يتعلق به قدرة ولا إرادة.
- لا يجوز تأخير حق يجب على الفور لأمر محتمل.
- إذا كان المطلوب محرماً فسؤاله حرام.
- لا يترك الحق لأجل الباطل.

ب- في تعليل الأحكام:
- الأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها.
- الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلباً لمصلحتها.
- في العموم والخصوص: دلالة العادات وقرائن الأحوال، بمنزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق.

ج- في الدلالات:
- تقدير ما ظهر من القرآن أولى في بابه من كل تقدير.
- يقدم من المحذوفات أخفها، وأحسنها وأفصحها وأشدها موافقة للغرض.
- الكلام الصريح لا يفتقر إلى نية، لأنه بصراحته منصرف إلى ما دل عليه.

هـ- في سد الذرائع:
- يحتاط لدرء مفاسد الكراهة والتحريم، كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب ولهذه القاعدة مستثنيات ..
- تنزيل الموهوم (من المصالح والمفاسد منزلة المعلوم (1).

ز- في العرف والعادة:
- دلالة العادات وقرائن الأحوال بمنزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق.
- ينزل الاقتضاء العرفي الاقتصاء اللفظي.
- دلالة العرف كدلالة اللفظ.

ر- في الاستصحاب:
- استصحاب الأصول، مثاله، من لزمه طهارة أو .. ثم شك في أداء ذلك، لزمه ذلك لأن الأصل بقاؤه في عهدته.
- الأصل براءة الذمة، مثاله؛ من شك هل لزمه شيء لا يلزمه شيء من ذلك لأن الأصل براءة ذمته.

س- في الخروج من الخلاف:
- الخروج من الخلاف مستحب.

ط- في الاجتهاد: ويعد الإمام أول من فتح باب التأليف في القواعد، ثم تبعه من جاء بعده.
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 525 بالاعتماد على كتب الشيخ عز الدين بن عبد السلام وخصوصاً قواعد الأحكام.
(1/669)

2 - النقطة الثانية: من تجديدات الإمام؛ ربط الأصول بأهدافها الحيوية، وإعادة دمج ثمارها في واقع الحياة، فقد اتجه الإمام بأصول الفقه اتجاها عملياً بعيداً عن التكلُّف النظري، إذ إنه لا يؤمن بأن هناك قضايا فلسفية نظرية، لذا نجده يكثر من التمثيل والتطبيقات الفقهية في قواعد الأحكام ومصالح الأنام خاصة.
3 - النقطة الثالثة: تقسيم المصالح والمفاسد تقسيمات كثيرة، الواقف على كلام العز في كتابه، قواعد الأحكام يجده أفاض في المصلحة "وكذلك المفسدة" تقسيماً وتمثيلاً، وأتى في هذا الموضوع بما يأت به غير ممن تكلموا فيها، بل كثير منهم اتخذوه قدوة ورائداً في هذا الشأن (1).
ومما راعاه الإمام في تقسيمه عظم المصلحة وشر المفسدة، فقدم من المصالح ما هو أعظم خيراً للمكلف، وأبعد من المفاسد ما هو أكثر شراً للمكلف، فجاء ترتيبه حسب نفع المكلف من حيث الإقدام على المصالح والإحجام عن المفاسد، فدفع الكفر - مثلاً وفي أعلى المراتب، ودفع القتل بعده، ثم تترتب فضائل الدفع بمراتب المدفوع في سوئه وقبحه (2)، وعدَّ هذا معروفاً بالعضل قبل ورود الشرع، ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به (3).

4 - النقطة الرابعة: إبراز تعدد الوسائل وتنوعها لتحقيق مقاصد الشريعة حتى لا يصيب المكلف ملل ولا ضيق، أو يعتريه فتور في تحقيقها والمحافظة عليها.
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 256.
(2) شجرة المعارف ص 227.
(3) قواعد الأحكام (1/ 8) مقاصد الشريعة عن العز بن عبد السلام ص 527.
(1/670)

5 - النقطة الخامسة: كثرة الطرق الموصلة إلى معرفة المصالح الدنيوية عند الإمام.
6 - النقطة السادسة: النظرة الشاملة من الإمام لتحقيق المقاصد العامة، إذ يرى إصلاح القلوب، وتزكية النفوس، والتخلق بصفات الله، والاتصاف بها عامل مهم في تحقيق المقاصد، لذا نجده يؤكد على ذلك كثيراً في مؤلفاته، ويعُدُّ أن معيار التمييز بين قصد المكلف الصحيح وقصده السيء هو مدى موافقة القصد المكلف لقصد الشارع.

7 - النقطة السابعة: تحريره تحريراً شافياً كافياً لمسألة الثواب في المصائب فكان بذلك استاذ لمن جاء بعده كالشاطبي.
8 - النقطة الثامنة: اتسام منهج الإمام التغيير بالشمولية بحيث نجده يتراوح بين اللين والشدة، وبين الموعظة والقتال، ذلك بأن الإمام ينظر إلى كل الظروف التي يحتمل أن تواجه الداعية في دعوته لتطبيق شرع الله وتحقيق مقاصده (1).
دروس مهمة في مجال التجديد والإصلاح:
- لابد من الاعتراف بجهود هذا الإمام، ولفت الأنظار إلى فضله العظيم في تأسيس المقاصد، واهتمامه بها، الأمر الذي مهد الطريق للذين جاؤوا بعده، ويمكن القول بأن مشروعه هذا يعد مشروعاً تجديدياً إحيائياً لترميم تصدعات الحياة الإسلامية ولكن لم تتهيأ له الأجواء السياسية والثقافية والاجتماعية ليعطي ثماره الحضارية تجديداً ونهضة، ذلك بأن عصره، عصر انقسامات واستعانة بالكفار وإعانة لهم على المسلمين.
- محاربة التقليد والركود والجمود، والدعوة إلى الاجتهاد المتعمق الذي يستوعب كل الحياة بجميع تطوراتها ومتغيراتها الاجتماعية والسياسية - من أسباب نهوض الأمة - ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالتعمق في فهم النصوص الشرعية في أبعادها الأصولية والفقهية والمقاصدية.
__________
(1) مقاصد الشريعة ص 527.
(1/671)

- المقاصد العامة ثابتة لا تتغير ولا تختلف باختلاف الأمم والعوائد والأزمنة وإن اختلفت بعض مصالح الناس باختلاف الأمم والعوائد والأزمنة، وإن اختلفت بعض مصالح الناس باختلاف الأزمان والأعراف، ومن هنا كانت دعوة ابن عاشور لفهم مسائل أصول الفقه وإعادة ذوبها في بوتقه التدوين وتسميتها بمقاصد الشريعة (1).
__________
(1) مقاصد الشريعة الإسلامية ص 8.
(1/672)

- تعد مقاصد الشريعة الركن الثان من أركان أصول الفقه - وكنه الأول هو: الفهم الذي يقوم على جانب الاستكشاف والتجريد والتعميم - وهي بمثابة تنزيل الأحكام المجردة على واقع الأحداث ومستجدات الأمور بمعطياتها الزمانية والمكانية وملابساتها الشخصية، فمثل ما يتوقف استنباط الأحكام الشرعية على الألفاظ، فإنه يتوقف على مقاصد اللافظ (1)، ومع كون المقاصد مبحثاً أصولياً إلا أنه يكاد يكون مفقوداً في كتب الأصول، كمبحث مستقل قائم الذات إلا من بعض الإشارات في مباحث العلة أو المناسبة، أو الاستصلاح، وإذا اعتبرنا أصول الفقه قانوناً يتوصل به إلى استنباط الأحكام، وكيفية التطبيق السليم، فإن الاهتمام اليوم بالمقاصد أكثر من ذي قبل يُعدُّ خطوة نحو تلبية متطلبات الحياة، ومسايرة قضاياها المستجدة لاستيعاب جميع متغيراتها، ومن المعلوم أن التشريع وليد الحاجة، فما قام تشريع في أمة ولا نشر فيها قانون إلا وقد قام في البلاد قبلهما حاجة تدعو إليهما، فيأتي التشريع، ويصاغ القانون على قدر تلك الحاجة (2) الداعية، والقونين في جميع أنحاء العالم لا تلبث بعد مدة من وضعها أن تصبح غير وافية بالنسبة لبعض الأحداث، فالاهتمام بالمقاصد يساعد على إيجاد الحلول المناسبة مدخل في استنباط الأحكام أو تطبيقها وقد بين ابن عاشور شدة حاجة الفقيه إلى معرفة المقاصد في مثل هذه الحالة فقال: فاحتياجه فيها ظاهر، وهو الكفيل بدوام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا (3).
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص.
(2) المدخل غلى علم أصول الفقه ص 5.
(3) مقاصد الشريعة الإسلامية ص 15.
(1/673)

- المقاصد العامة متداخلة لا يكاد ينفك بعضها عن بعض، ولقد تبين - للدارسين - أنها خادمة لبعضها، فقد يكون المقصد وسيلة مفضية إلى مقصد أعلى منه، كما أن المقاصد الجزئية للأحكام تندرج بدورها في دوائر تنتهي إلى المقاصد الكلية التي تنتهي بدورها إلى المقصد الأعلى وهو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والمعاد.
- المقاصد العامة معان حقيقية تهدف الشريعة إلى تحقيقها في واقع الحياة حتى تكون على تلبية حاجيات المسلمين، وساعية نحو الأفضل في تنظيم مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإلى تحقيق كل ما ينفع الأفراد والأمة من خير يعود على خدمة الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
- المقاصد العامة منسجمة مع الفطرة، وهي أساس هام بني عليه هذا الدين؛ قال تعالى: "فأقم وجهك للدَّين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" (الروم: 30) ومما يؤكد عليه الإمام أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء المفاسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد نظراً لهم من رب الأرباب (1).
- ينبغي أن تكون الاجتهادات الفردية أو الجماعية المؤقتة أو الدائمة، مرتبطة بواقع الحياة، وبمقاصد الشريعة الإسلامية كضابط لهذه الاجتهادات من الزيغ والانحراف وليكون أقرب ما تكون إلى الصواب، وأجدر بالتطبيق العملي في الحياة (2).
- ولابد من ربط الاجتهاد بالمقاصد ولذلك قرّر الإمام ابن عبد السلام: أن المقاصد مرجوع إليها وأن كل غافل عنها في حكمه أو فتواه يلزمه أن ينقضى حكمه، ويرجع عن فتواه وأما من أفتى على ما تقتضي قواعد الشريعة وإقامة مصالحها، فكيف يحتاج إلى نقل جزئي مخصوص من كلي اتفق على إطلاقه من غير استثناء (3) وربط الاجتهاد بالمقاصد يؤدي إلى عدة أمور منها:
__________
(1) قواعد الأحكام (1/ 5).
(2) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 530.
(3) فتاوى سلطان العلماء ص 145.
(1/674)

- إضفاء صفتي الشمولية والاستمرارية على الشريعة، فلا تعرف حدود الزمان ولا للمكان.
- استعمال الأقيسة المعتبرة والاستنتاجات العقلية السليمة بشكل يتلاءم مع واقع الناس ويراعي ظروفهم دون إبطال للنص، أو تحريف له.
- تطلع المتعاملين فيما بينهم إلى أعلى مثل العدل، والإحسان والتعاون لبلوغ المصلحة الشرعية من التعامل فيتوفر بذلك جو من الثقة؛ والنية الحسنة بين الناس، ويؤمن الغش والاحتكار، وأكل مال الغير بالباطل.
- الحد من الخلافات المذهبية بين المسلمين التي منشؤها - في الغالب - سوء فهم مقاصد الشريعة، أو عدم فهمها على الإطلاق وتوحيد المسلمين مقصد من مقاصد هذا الدين، وضرورة من ضرورياته.
- تحديد مفاهيم الحقوق، وتعيين مواقعها حتى لا يبقى الحق الشخصي المطلق، ولا للأنانية البغيضة مكان في نفوس الناس، ذلك بأن المقاصد العاملة شاملة، بحيث تندرج في مضمونها كافة الحقوق، ما كان منها ذا مضمون ديني، أو خلقي، أو سياسي، أو اقتصادي، وما إلى ذلك، مما يتعلق بجميع نواحي الحياة مادياً ومعنوياً، فكانت كل الحقوق الجديدة التي لم يعرفها العالم الغربي إلا في هذا العصر مقررة في الشريعة الإسلامية فيما رسم من مقاصدها وغاياتها وشرع من وسائل علمية لتحقيقها، وتنميتها، والمحافظة عليها.
- تنظيم حياة المجتمع البشري، والموازنة بين حاجيات الناس فلا تطعن حاجة إنسان على آخر، ولا تصطدم حريته مع حرية غيره.
- إيجاد الحلول لكثير من المسائل الطارئة في حياتنا المعاصرة.
- علم المقاصد علم دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه، واستقام فهمه، لذا أكد الإمام العز بن عبد السلام على ضرورة الفهم السليم والطبع المستقيم (1).
__________
(1) مقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام ص 533.
(1/675)

- لا يزال فن المقاصد مهمة مطروحة تنتظر من ينجزها، فعليا، ويتوغل فيها إلى أقصى دلالاتها فهي مادة ثرية لا غنى عنها لأي باحث أو مجتهد، إلا أن هذا الإنجاز يتطلب شيئاً من الإحاطة بثقافة العصر، وقيمة خاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
- ضرورة معرفة المقاصد، وإيضاحها في نسق عقلي، ومنهج علمي سليم، وأن يجعل منها مادة تربوية علمية، يُرَبَّي عليها أبناء الأمة وتقام على أساسها كياناتهم النفسية وغذائهم الفكري ووضوح المقاصد يوفر لنا أمرين:
- الوضوح في أولويات العمل الإسلامي، لتطبيق شرع الله في أرضه، وإعلاء كلمته.
- القضاء على الغبش، والتخبط مما لا يدع مجالاً ولا موضعا يعتد به للنظر الجاهل بالنصوص، وأولوياتها، وغايتها.
- الشريعة لعمل على تحقيق المقاصد العامة والمحافظة عليها فهي:
- تحافظ على المصلحة أبداً وفق نظام ثابت لا يتأثر بوجود شخص أو موته (1)، قال تعالى: "أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم" (آل عمران، آية: 144).
__________
(1) المصدر نفسه ص 533.
(1/676)

وسواء كانت هذه المصلحة عامة أم خاصة، صغيرة أم كبيرة، حفظاً للحق العام والحق الخاص في آن واحد، وحتى إن الإنسان لا يعتبر حراً في نفسه وأعضائه، فلا يحق له أن يتصرف إلا وفق ما يرضي الله؛ لأن الحق في ذلك مشترك بينه وبين ربه على حد قول الإمام (1). ومن هنا يمكن القول بأن المصالح متداخلة، فالمحافظة على المصلحة العامة محافظة على مصلحة الأفراد، بحيث يستطيع كل من يتمكن من الانتفاع بها أن ينتفع بها وفقاً للوجوه المعروفة شرعاً، وكذلك القول في المصلحة الخاصة، بها يتحقق صلاح المجتمع تبعاً؛ فحفظ مال اليتيم، - مثلاً - حتى سن الرشد، فيه نفع لليتيم عند رشده إذ يجد ماله كاملاً غير منقوص، وفيه نفع لغيره سواء كان وارثاً أم غير وارث بما يحققه ذلك المال من نفع عام بإقامة مشاريع أو صدقات خاصة أو عامة، ولعل هذا هو معنى قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً " (النساء، آية: 5) فعدَّ أموال اليتيم كأنها أموال من يرعاها وكذلك في حفظ النفس فإنها مصلحة خاصة، ولكن المحافظة عليها محافظة على النظام العام، وإذا نزلت بالأمة نازلة أو طرأت بعض الطوارئ وجب اعتبار مصالح هذه الأمة كلاً متكاملاً لا كدويلات متفرقة: وطريق المصالح أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة، عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك، كما قال ابن عاشور (2)،
__________
(1) قواعد الأحكام (1/ 111).
(2) مقاصد الشريعة الإسلامية ص 87 ..
(1/677)

وتداخل المصالح يستدعي إيجاد قواعد وخطط تشريعية يلتزمها المجتهد لإعطاء كل ذي حق حقه فلا يظلم أحد، وأساس هذه القواعد هي: الموازنة بين ما يعود على صاحب الحق من نفع مشروع، وبين ما يلحق الغير من ضرر لازم أو فساد ممنوع وفي هذه الموازنة يتفاوت نظر النظار، وتتعارض فيه الخواطر والأفكار، لذا أكد الإمام على الفهم السليم والطبع المستقيم، ولقد استطاع أن يستنبط من استقرائه للشريعة سلماً للمصالح يندرج بحسب آثارها في دنيا الناس فتحدث عن الضروري، والحاجي، والتحسين، وبنى على ذلك مواقف عملية حتى يتمكن الناس من الموازنة بين المصالح وترتيبها، فلا يقعوا أمام طريق مسدود يجعلهم مخيرين بين مصالح الدنيا أو الآخرة، ولو وضع المسلمون هذا السلم نصب أعينهم قبل اتخاذ بعض القرارات أو تبين بعض المواقف لسلمت الأمة - الآن - من كثير مما هي فيه من المشاكل.

- كما أنها تراعي التخفيف والتيسير، وترفع الحرج عن الناس باعتبارها شريعة عملية واقعية تسعى إلى أن تكون واقعاً حيا في نفوس أتباعها، ولا يتم ذلك إلا بسلوك الرفق والتيسير، ذلك بأن اليسر من الفطرة، والنفوس مجبولة على حب الرفق، والنفور من الشدة والإعنات، ومن هنا كان الحرج مرفوعاً والمشقة منضبطة؛ وليس لمراد بنفي المشقة أن لا مشقة ولا كلفة في شيء من التكاليف الشرعية أصلاً، بل المراد أن تكون المشقة في حدود طاقة المكلفين، كما أن الدعوة إلى التيسير ليست على إطلاقها، بل المراد أن يكون التيسير بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة، وإلا لزم إرتفاع جميع التكاليف أو أكثرها.
(1/678)

- وتقيم العدل، وتدعو إلى أن تكون إقامة العدل عن إدراك وتفهم عميق لإبعاده ومراميه، وللمسالك والوسائل المفضية إليه، فمن راعى ذلك وفق إلى جني ثماره، إذ لا ثمرة تجنى دون تصور سليم، وتنفيذ واع حكيم، كما بينت الشريعة أن عاقبة العدل كريمة، وعاقبة الظلم وخيمة (1)، ولهذا نرى: أن الله ينصر الدولة العدالة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة (2).
- شرعت الشريعة من الوسائل ما يتلائم مع تحقيق مقاصدها ويحافظ عليها، ولولا ذلك لفات الكثير، ولذا كان اعتناؤها بالوسائل، كاعتنائا بالمقاصد أولى (3)، واعتبرت الوسائل بمثابة التممات والتكملات (4)، وصارت كل وسيلة تخدم مقتصداً مطلوبة التحصيل، وكل وسيلة لا تؤدي إلى ذلك مطلوبة الترك (5)، كما أنه قد تتحد الوسائل إلى المقصد الواحد، فيقدم أقواها تحصيلاً للمقصد المتوسل إليه، بحيث يحصل كاملاً ميسوراً يقدم على ما هو دونه في هذا التحصيل (6).
__________
(1) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام ص 535.
(2) مجموع الفتاوى (28/ 26).
(3) الفروق 4/ 35) مقاصد الشريعة عند الإمام العز ص 535.
(4) قواعد الأحكام (1/ 86) مقاصد الشريعة ص 535.
(5) مقاصد الشريعة عند الإمام العز ص 535.
(6) المصدر نفسه ص 535.
(1/679)

إن الله عز وجل قد أكرم الأمة بهذا العالم الجليل صاحب الفهم السليم، والطبع المستقيم، والعلم المتين، في مرحلة حرجة من المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية، من تمزق سياسي، وصراع بين المشاريع، المشروع المغولي، والمشروع الصليبي، وبقايا المذهب الباطني، وكان الابتلاء الكبير بسقوط بغداد في يدي التتار عام 656هـ، فكان للاجتهادات المقاصدية، وفقه المصالح ومراتبه والمفاسد ودراجته أثر كبير في نهوض الأمة من كبوتها وإعادة دورها الحضاري، فبفضل الله ثم جهود العلماء من أمثال العز بن عبد السلام، وسلاطين المماليك، استطاعت الأمة التصدي للمشروع المغولي والمشروع الصليبي ثم القضاء على المشروعين وانتصار الإسلام العظيم في عهد المماليك وهذا ما سوف نعرف تفاصيله بإذن الله تعالى في كتابنا عن المماليك.

تاسعاً: التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبد السلام:
1 - نماذج من المبادئ التربوية عند العز: عرض العز رحمه الله تعالى رؤيته لمبادئ التربية الإسلامية، المستقاة من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتمثل جانباً من المنهج الفريد للتربية الإسلامية، وذكر العز هذه المبادئ في مختلف كتبه ويمكن جمعها واستخلاص نظرية متكاملة منها، ونكتفي هنا، بالإشارة إلى جانب منها للإرشاد إليها والعمل بها فمن ذلك.
أ- أصول التربية لمرحلة الحضانة: حيث يقول: وذلك بحسن التربية، واللطف، والرفق والحُنوُ، ودفع المضار، وتحسين الحسن للصغير، وتقبيح القبيح، وتعليم الآداب، وتلقين الكتاب وتعليم الخط والعلم إن كان متأهلاً لذلك، أو صناعة تليق بأمثاله، والأمر بالصوم والصلاة، والنهي عن كل خلق ذميم وعمل غير مستقيم واجتناب الضرب إن تأدب بالقول والتهديد، والضرب الذي لا يصلح إلا به، إلا أنه لا يصلحُ بالضرب الشديد فيجتنب الخفيف والشديد (1).
__________
(1) شجرة المعارف ص 170، العز بن عبد السلام للزحيلي ص 305.
(1/680)

ب- تأديب الأهل بآداب الشرع: حيث يقول: تأديب الأهل إنعام عليهم، وإحسان إليهم، وفضيلة الدعاء إلى الآداب مأخوذة من فضل ذلك الأدب، فأفضل التأديبات التأديب بأفضل القربات، وأشرف الطاعات وكذلك الأفضل، فالأفضل، والأمثل فالأمثل (1).

ج- الوسائل التربوية مع الأطفال والتدرج في الأحوال: حيث يقول: وإذا تعلم الصبي ما ينبغي أن يتعلمه من غير زجر فلا يُزجر، وإن لم يتعلم إلا بالزجر زُجر، فإن لم ينجح فيه الزجر ضُرب ضرباً يحتمله مثله وتغلب فيه السلامة وإن لم ينزجر إلا بالضرب المبَّرح حَرُم المبَّرح لأدائه إلى قتله، ولم يجز غير المبَّرح لأنه إنما جاز لكونه وسيلة إلى الإصلاح، فإن لم يحصل الإصلاح حرم، لأنه إضرار غير مفيد (2).

ح- المزج بين قواعد الأصول ومبادئ التربية: يقول في هذا المزج: إذا كان الصبي لا يُصلحه إلا الضرب المبَّرح، فهل يجوز ضربه تحصيلاً لمصلحة تأديبه؟ قلنا: لا يجوز ذلك، بل لا يجوز أن يضربه ضرباً غير مبَّرح، لأن الضرب الذي لا يبّرح مفسدة وإنما جاز لكونه وسيلة مصلحة التأديب، فإن لم يحصل التأديب سقط الضرب الخفيف، كما يسقط الضرب الشديد لأن الوسائل تسقط بسقوط المفاسد سقط (3).
__________
(1) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 306.
(2) شجرة المعارف والأحوال ص 264 العز بن عبد السلام للزحيلي ص306.
(3) قواعد الأحكام (1/ 121)
(1/681)

د- مداعبة الصبيان والإحسان إلى البنات: ومن هذه الأصول التربوية دعوة العز إلى مداعبة الصبيان، فقد قال: مداعبة الصبيان بَسْط لهم، وتطبيب لقلوبهم وترويح عن نفوسهم ومن هذه الأصول التربوية الدعوة إلى الإحسان إلى البنات، وإبطال عادات الجاهلية الجائرة، فقال العز: لما كان الحمقى ينفرون من البنات، ويكرهونهنَّ، عظّم الله ثواب من خرج من عادة الناس في ذلك بالصبر عليهن والإحسان إليهن (1)، ثم يرشد العز إلى أن من الإحسان إلى البنات المبادرة بهن إلى الأكفاء، فيقول: المبادرة إلى إنكاح الأكفاء، والرغبة فيهم، مسارعة إلى إحصان المرأة، ودفع العار عنها، بالتزويج بالكفؤ، مع أن البعل الصالح يدعوها إلى كل خير، ويزعها عن كل شر (2). وقام ببيان وظيفة المرأة وأثرها في التربية، فقال: شفقة المرأة على مال زوجها أداء للأمانة، وحُنوُها على طفلها حامل على اللطف به، والإحسان إليه بحسن التغذية والتربية (3).
__________
(1) شجرة المعارف ص 241.
(2) المصدر نفسه ص 307.
(3) قواعد الأحكام (1/ 77، 78) فتاوى سلطان العلماء ص 151.
(1/682)

ذ- الوازع الفطري والشرعي: وبين أن قوة الوازع الفطري عند الإنسان، وأنه أقوى من الوازع الشرعي، لذلك جاءت الأحكام الشرعية منسجمة مع الفطرة وأن الفطرة السليمة بها وازع في داخلها لا يحتاج إلى توجيه الشرع الذي جاء مطابقاً للواقع والفطرة، فأسقط العدالة في بعض الولايات، فعقد العز رحمه الله فصلاً: فيما تشترط فيه العدالة من الولايات، فقال: العدالة شرط في بعض الولايات، وإنما شرطت لتكون وازعة عن الخيانة والتقصير في الولاية ولا تشترط العدالة في ولاية القريب على الأموات في التجهيز والدفن والتكفين والحمل، والتقدم في الصلاة، لأن فرط شفقة القريب ورحمته على المبالغة في الغسل والتكفين والدعاء في الصلاة وكذلك إنكساره بالحزن على التضرع في دعاء الصلاة، فتكون العدالة في هذا الباب من التتمات والتكملات وكذلك ولاية النكاح لا تشترط فيها العدالة على قول؛ لأن العدالة إنما شرطت لتنتزع الولي عن التقصير والخيانة وطبع الولي في النكاح يزعه عن التقصير والخيانة في حق موليته لأنه لو وضعها في غير كف - كان ذلك عاراً عليه وعليها وطبعه يزعه عما يدخله على نفسه ووليته من الأضرار والعار، وكذلك لو كان الولي مستوراً صح النكاح في ظاهر الحكم اعتماداً على العدالة الظاهرة مع قوة الوازع (1)، ولذلك أمثلة كثيرة في الشرع كقبول إقرار الشخص على نفسه ولو كان فاسقاً أو كافر.
__________
(1) شجرة المعارف ص 361 العز بن عبد السلام للزحيلي ص 308.
(1/683)

س- من القواعد التربوية في الدعوة إلى الله: وذكر العز بعض القواعد التربوية في الدعوة والتي سار عليها الأنبياء ويجب الاقتداء بهم، والالتزام فيها، لأنها المنهج الإلهي في الدعوة، فمن ذلك الموعظة الحسنة، فيقول العز: الموعظة الحسنة أدعى إلى قبول الحق من الموعظة المنفرَّة، وما أغلظ الأنبياء في مواعظهم إلا لمعاندٍ جريء على الله (1)، ومن ذلك الدعوة باللين وعدم الغلظة، فيقول العز رحمه الله تعالى: للّين مواطن لا يليق بها غيره، وللغلظة مواطن لا يُناسبها سواه، فمن استعمل أحد الأمرين في موضع الآخر فقد أخطأ، .. وفيه تأليف القلوب، وتطيب للنفوس، مُوجِب للإتفاق على مصالح الدارين (2)، ويذكر العز الأدلة والأمثلة من القرآن الكريم ويؤكد العز أن الغضب لا يصح من الداعية إلا إذا انتهكت حرمات الله ومقدساته، فيقول: العاقل يعرف مظان الغضب لله، فيها، ويعرف مظان التلطف، فيتلطف فيها، ألا ترى أن موسى تلطف في أول الأمر بفرعون بقوله: "هل لك إلى أن تزكى" (النازعات، آية: 158).
__________
(1) شجرة المعارف ص 361 العز بن عبد السلام للزحيلي ص 308.
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 309.
(1/684)

"إني رسول من رب العالمين" (الأعراف، آية: 104) وغير ذلك من القول اللًّين الذي أمر به، فلما أصر وأظهر العناد مع تيقنه صدق موسى لقوله "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً" ثم قال لموسى "إني لأظنك يا موسى مسحوراً " (الإسراء، آية: 101) فأجابه بما يقتضيه الحال في الجواب، فقال (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ربُّ السموات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً" (الإسراء، آية: 102)، أي مُهْلكاً ثم يقول العز: وكذلك جميع الرسل إذا استقرئ أمرهم في بَدء الإرسال وجدت فيه الرفق واللين والشفقة على قومهم، فإذا أصروا وعاندوا أغلظوا لهم حينئذ، لما ركّب الله تعالى في رسله من العقول الوافرة، والأحلام الكاملة "الله أعلم حيث يجعل رسالته" (الأنعام، آية: 124) بخلاف الغبي يلين في مواطن الإغلاظ، ويغلظ في مظان اللين، معتقداً، أنه مقتد بالرسل في غلظتهم ولينهم، فنعوذ بالله من الجهل بمظان خطابه، ومن تحريف كلامه وتنزيله على غيره مراده (1).
__________
(1) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 309.
(1/685)

ش- تغيير الأحكام بتغير الزمان: يمزج العز رحمه الله تعالى في الأحكام التي تؤدي إلى التطور فإنه يعتد به في تغيير الأحكام بتغير الأزمان، فيقول: فلو حكم الحاكم في محل يسوع فيه الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده فحكم بما أدى إليه اجتهاده ثانياً كان ذلك قطعا لما حكم به أولا، ولا يبطل الأول بذلك، بل ينقطع من حين تغير الاجتهاد، ويبقى الأول على ما كان عليه (1). فالحكم الشرعي يتغير في نفس المجتهد ويشمل السابقة واللاحقة ولكن لا يبطل الحكم الأول إذا أفتى به المفتي أو حكم به القاضي بل يبقى الحكم الأول لوقته فقط، وللسائل أو المحكوم عليه به، لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وهذا ما قرَّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ميراث المسألة المشتركة بعدما تغير اجتهاده، وطلب أصحاب القضية الأولى بنقض اجتهاده السابق، أجابهم بقوله المشهور: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي، وهذا ما قرره الفقهاء في المذاهب الأربعة بعدم نقض الحكم السابق إذا كان مبنياً على اجتهاد، ثم تغير الاجتهاد، وهو المقرر في جميع محاكم النقض في العالم (2).

وهكذا نلاحظ المبادئ التربوية في فكر العز وذهنه وكتبه وكيف يراعى الفطرة الإنسانية، ويعتد بالوازع الفطري، وأنه أصيل في الإنسان، وله بواعثه الذاتية، ودوافعه الخفية التي تحرك صاحبها تلقائياً في معظم الحالات، لذلك يخفف الشرع من توجيهه فيها، معتبراً أن الوازع الفطري المطبوع عليه الإنسان داخلياً أقوى من الوازع الشرعي، لذلك اعتبر الشرع الحكيم تناول الطعام والشراب والشبع وغيرها مجرد أحكام مباحة أو مندوبة، مع أنها ضرورية للحياة، لأن الوازع الفطري كفيل بتأمينها ورعايتها، وهذا ما أكده الشاطبي فيما بعد في كتابه الموافقات (3).
__________
(1) قواعد الأحكام (2/ 48).
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 310.
(3) المصدر نفسه ص 310.
(1/686)

ك- إنسانية الإنسان عند العز بن عبد السلام:
وضع الشيخ عز الدين نصب عينيه شيئاً واحداً، جنَّد فقهه لتربيته وتهذيبه، وهو إنسانية الإنسان، فأحاطها بالرعاية والرفق والتستر، وأخيراً .. بالجمال (1)، ونذكرَّ أيضاً بكتاب العز رحمه الله تعالى: أحوال الناس، فهو في التربية الإسلامية للروح والنفس ومراقبة الله تعالى، والخوف منه، والاستعداد لملاقاته، ومحاسبة النفس في أعمالها وخطواتها محاسبة ذاتية، ورقابة داخلية "بل الإنسان على نفسه بصيرة" (القيامة، آية: 14) ليزن أعماله قبل أن توزن عليه، ويقدر نتائجه سلفاً، ليحتاط عند التقصير، ويرتدع عند الندم، ويزداد في العمل الطيب ويقول العز فيه: ما من برّ ولا فاجر، ومؤمن وكافر، إلا ينظر في البرزخ إلى منزله بكرة وعشية إن كان من أهل النار فمن أهل النار، وإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة (2). ويقول: من الغموم والآلآم وأسبابها وأفراحها أفضل الأفراح، ولذاتها أفضل اللذات وأفضل لذة رضا الرب والنظر إليه، وسماع كلامه والأنس بقربه وجواره (3).
__________
(1) عز الدين بن عبد السلام، بائع الملوك، لمحمد حسن ص 141.
(2) أحوال الناس ص 46 العز بن عبد السلام للزحيلي ص 311.
(3) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 311.
(1/687)

2 - التصوف عند العز بن عبد السلام: اتفقت آراء العلماء والكتاب والمصنفين قديماً وحديثاً على معظم أخبار العز وصفاته وأحواله وكتبه، ولكنهم اختلفوا اختلافاً واسعاً في وصفه بالتصوف أو براءته منه، وتشعب القول في ذلك، لاختلاف الناس في حقيقة التصوف، ومشروعيته، واتفاقه مع الإسلام أو مخالفته، واختلاف صورته في التاريخ الإسلامي، ووجود الجذور الأصيلة لمعاينة في القرآن والسنة من جهة، وخلطه بالمصطلحات والمبادئ الدخيلة من جهة ثانية، والتستر وراءه من ذوي النوايا الخبيثة والماكرين والحاقدين من جهة ثالثة، وهل تتفق هذه الأحوال مع حياة العز ومواقفه وكتبه؟ وذهب معظم المؤرخين القدامى، وبعض المعاصرين إلى إثبات نسبة التصوف للعز، واتفاقه مع الكتاب والسنة، واستندوا إلى أدلة كثيرة، أهمها صلته بكبار علماء الصوفية في زمانه كأبي الحسن الشاذلي والسهروردي وحضور مجالسهم وقراءة كتب الصوفية وممارسته لبعض أعمالهم (1) ونقل ابن السبكي: أن الشيخ عز الدين لبس خرقة التصوف من الشيخ السُّهروردي، وأخذ عنه وذكر أنه كان يقرأ بين يديه "رسالة القشيري" ثم السبكي: وقد كان للشيخ عز الدين لبس خرقة التصوف من الشيخ السُّهروردي، وأخذ عنه، وذُكر أنه كان يقرأ بين يديه "رسالة القشيري" ثم قال ابن السبكي: وقد كان الشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك (2)، وقال ابن العماد الحنبلي: وله مكاشفات، قال الذهبي: كان يحضر السماع، ويرقص (3)، وقال السيوطي: وله كرامات كثيرة ولبس خرقة التصوف من الشهاب السُّهروردي، وكان يحضر عند الشيخ أبي الحسن الشاذلي، ويسمع كلامه في الحقيقة ويعظمّه (4)
__________
(1) المصدر للزحيلي ص 318.
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 318.
(3) شذرات الذهب نقلاً عن العز بن عبد السلام للزحيلي ص 318.
(4) حسن المحاضرة (1/ 315) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 319 ..
(1/688)

وذهب فريق من المعاصرين إلى نفي التصوف عن العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، وأن التصوف يتنافى مع عقلية العز الفكرية والاجتهادية، القائمة على إعمال العقل في النصوص، وتتعارض مع سيرة العز في الحياة ومواقفه وفتاويه وكتبه ومصنفاته، ومما يؤيد أصحاب هذا الرأي ما صدر عن العز رحمه الله تعالى من شدة وصراحة في بعض أمور التصوف، فمثلاً قوله عن بعض الدخلاء: قد يتشبه بالقوم من ليس منهم ولا يقاربهم في شيء من الصفات وهم شر من قطاع الطريق، لأنهم يقطعون طرق الذاهبين إلى الله تعالى، وقد اعتمدوا على كلمات قبيحة (1). ويندد العز رحمه الله بكثير من اصطلاحات الصوفية والرموز التي يستعملها المتصوفة ويُشكل ظاهرها، ويخفي باطنها فيقول: ولهم ألفاظ يستطعمها سامعها منها: التحلي، وهو عبارة عن العلم والعرفان وكذلك المشاهدة ومنها الذوق، وهو عبارة عن وحدات لذة الأحوال ووقع التعظيم والإجلال، ومنها الحجاب، وهو عبارة عن الجهل والغفلة والنسيان، ومنها قولهم: قال لي ربي، وإنما ذلك عبارة عن القول بلسان الحال دون لسان المقال، كما قالت العرب: امتلأ الحوض ومنها قولهم، القلب بيت الرب، ومعناه القلب بيت معرفة الرب، شبهوا حلول المعارف بالقلوب بحلول الأشخاص في البيوت، ومنها: القرب، وهو عبارة عن الأسباب الموجبة للأبعاد ومنها: المجالسة، وهو عبارة عن لذة يخلقها الرب سبحانه وتعالى مجانسة للذة الأنس، وبمجالسة الأكابر (2)، ويقول: الفناء الناشيء عن الاستغراق ببعض هذه الأحوال، وحقيقة الفناء غفلة وغيبة (3)
__________
(1) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 323، قواعد الأحكام (2/ 212).
(2) قواعد الأحكام (2/ 219، 220) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 223.
(3) المصدر نفسه (2/ 214) ..
(1/689)

ويصل العز قمة الإنكار والاستهجان لما يصدر عن المتصوفة من الرقص والسماع فيقول: وأما الرقص والتصفيق فخفه ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن، أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرفض المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه، وذهب قلبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم! ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما استحوذ الشيطان على قوم، يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله عز وجل ولقد مالوا فيما قالوا، وكذبوا فيما أدعوا .. ومن هاب الإله وأدرك شيئاً من تعظيمه لم يتصور منه رقص ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق والرقص إلا من غبي جاهل ولا يصدران من عاقل فاضل (1) ولما سئل العز عن الإنشاد والتواجد والرقص والسماع أجاب: الرقص بدعة، لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، وأما سماع الإنسان المحرك للأحوال السنية بما يتعلق بالآخرة، فلا بأس به، بل يندب إليه عند الفتور، وسامة القلوب وهذا شبيه بما يعرف في يومنا هذا بالأناشيد الإسلامية، لأن الوسائل إلى المندوب مندوبة والسعادة كلها في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واقتفاء أصحابه الذين شهد لهم بأنهم خير القرون، ولا يحضر السماع من قلبه هوى خبيث، فإن السماع يحرك ما في القلوب من هوى مكروه أو محبوب والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم وهم أقسام (2).
__________
(1) قواعد الأحكام (2/ 220 - 221) العز بن عبد السلام ص 324.
(2) فتاوى سلطان العلماء ص 324.
(1/690)

إن العز بن عبد السلام امتداد لمدارس التزكية السنية التي سبقه إليها كبار الصحابة وسادة التابعين، ومن أمثال الحسن البصري، ومالك بن دينار وأيوب السختياني واستمرت مدرسة التصوف السني إلى يومنا هذا، فهي تهتم بالورع والتقوى والزهد والثقة بالله والاعتماد عليه ودوام الصلة به، وشدة مراقبة العبد لربه في الخلوة والجلوة، والسر والعلن ولا يقصد إلا مرضاته في كل ما يصدر عنه ولقد ضرب العز بن عبد السلام في عصره أروع الأمثلة لهذه المعاني الإسلامية الثابتة في القرآن والتي طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وعبادته وتربيته، وسار عليها معظم السلف الصالح وأولياء الله، وعبَّاده الأتقياء ويوافق عليها كل مسلم يزداد في هذا المحال وازداد في هذا المجال تعلقاً والتزاماً وقرباً وشوقاً كلما تقدمت به السن وعرف حقيقة الحياة وجرب ما فيها، وأيقن مصيره إلى لقاء الله وحسابه وجنته ورضوانه وهذه المعاني الإسلامية الثابتة والمهمة والجليلة يدعو إليها كل عالم عامل ومسلم صادق وداعية مخلص ومن هذا الإطار صنف العز كتبه التي وصفت من غيره وصُنَّفت بعنوان "كتب التصوف، كما كثرت هذه المعاني في سائر كتبه في التفسير والعقيدة والفقه وأصول الفقه، والتربية، وفضائل الأعمال، وفي الأخلاق والآداب، لأنها انعكاس عن سريرته وما يكنه في قلبه وما يلتزمه في حياته وسلوكه، كما أن المسلم الصادق يقدر من يتصف بهذه المعاني الإسلامية السامية ويحترم أشخاصهم ويتقرب منهم، ويثني عليهم، ومن هذا المنطلق نعلل احترام العز لمعاصريه من علماء التصوف كالسُّهروردي والشاذلي، وأبي العباس المرسي، وصداقته لهم، والتقاءه معهم، وحضور مجالسهم ومشاركتهم في بعض الجوانب التربوية والسلوكية، بل حتى في قبول الشارات الشكلية التي يتعلقون بها، ما دامت لا تخالف الكتاب والسنة، ومن هذا المنطلق نقبل جميع ما ذكره مترجمو العز باعتباره متصوفاً، وأنه كان يقرأ "رسالة القشيري" في
(1/691)

التصوف، وأن له اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك، وإن أريد بالتصوف معناه الإصطلاحي، كمذهب وطريقه بحسب السائد والمعروف والمألوف في العصور المتأخرة، فنستطيع أن نجزم أن الشيخ العز لم يكن متصوفاً ولا صوفياً على الإطلاق ونستدل على ذلك بأمور كثيرة وواضحة، منها أن كتب العز الموسومة بالتصوف هي بذاتها إما للرد على المفاهيم الباطلة التي تسربت باسم الصوفية إلى الإسلام، فهدم العز وجودها ونسبتها إلى الدين والإسلام كالقطب والأبدال، وإما لتقريب المتصوفة إلى الطريق الصحيح والإيمان السليم، والعمل بالشرع، مثل كتابه "مسائل الطريقة" إن صحت نسبته إليه، فلعله أراد أن يأخذ بيدهم - وهو يحبهم ويحترمهم - إلى الطريق الأقوم، والمنهج السديد، والإلتزام بالكتاب والسنة والسيرة وأعمال السلف الصالح، وإما للتخفيف من غلواء المتصوفة، لبيان المعنى الصحيح للمصطلحات الشرعية التي عرضها الحارث المحاسبي في كتابه "مقاصد الرعاية". (1)
__________
(1) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 326، 327، 328.
(1/692)

والخلاصة، إننا نرى أن العز كان صوفياً حسب قواعد الشرع ومن الناحية الفكرية والقلبية والروحية، وبحسب المعنى العام الوارد في الشرع عن هذا الجانب التربوي في الإسلام، وأنه ملتزم بكل ما جاء في القرآن والسنة من التربية الروحية والقلبية والتهذيب النفسي، ولم يكن متصوفاً بالمعنى الإصطلاحي والعرفي ولم يتلزم بطريقة يلتزم طقوسها ومصطلحاتها وقواعدها، ولم يدخل في المتاهات الغامضة التي تحتمل الظاهر والباطن، والصحيح والفاسد وفيها ركام طيب وخبيث وغث وسمين وبساطة وغموض وشك وحقيقة وارتياب، وطعن أو سوء ظن بإطلاق الكلمات، مهما كان معناها، ومهما كان المراد منها .. إلخ فالعز مع الشرع والدين والنصوص والأحكام، فما أجازه الشرع قال بحله، ولو كان سماعاً، وما حرمه الشرع قال بمنعه، ووقف بشكل صلب في وجه البدع والمنكرات وفي وجه التطرف والمغالاة التي تسربت إلى المسلمين بصور عديدة (1)، فالصوفي عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من صفت سريرته ونارت بصيرته وعلت همته ونطقت حكمته وارتفعت رتبته، وتعلم العلم وعلمه وطلبته من الله لا من غيره وأن يكون متصفاً بالرضا والسير في الطريق ومراعاة الرفيق، والهدى والتحقيق وفعل الخيرات وترك المنكرات، وإقالة العثرات، وأن يكون مجتهداً في العمل الصالح المرفوع وأن يكون متأدباً مع شيخه وإخوانه، حافظاً غالباً على شيطانه (2).

وملخص القول في تصوف العز بن عبد السلام في النقاط الآتية:
- درس الشيخ عز الدين التصوف كعلم من علوم الشريعة في مرحلة الطلب واستفاد منه كثيراً.
- قام العز بحركة إصلاح في التصوف عموماً وصحح الكثير من المفاهيم الموهمة، وجعل مقياسه الشرع الإسلامي في قبول مفردات التصوف.
- رفض الشيخ عز الدين بعض السلوكيات التي يمارسها بعض مدعي التصوف، كالرقص وغيرها من الأمور.
__________
(1) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 329.
(2) العز بن عبد السلام للوهيبي ص 97 مسائل الطريقة في علم الحقيقة ص 37.
(1/693)

- يعتبر تصوف العز بن عبد السلام امتداد للتصوف السني الذي مارسه الحسن البصري ومالك بن دينار وغيرهم كثير.

وقد قام الاستاذ محمد حسن عبد الله بدراسة جميلة عن عز الدين بن عبد السلام في كتابه عز الدين بن عبد السلام بائع الملوك وانتهى إلى القول بأن العز بن عبد السلام لم ينتسب إلى طريقة صوفية مما شاع في عصره ولم يلبس خرقة الصوفية من السهروردي ولم يبايع الشاذلي وإن كان صديقاً له وإنما كان متصوفاً على طريقة السلف في التصوف وكان بعيد عن الرقص والتواجد والتصفيق لئن ذلك خفه ورعونه، لقد كان العز رجل كفاح ونضال وكان يهتم بالتصوف السني من طهارة القلب وصفاء النفس وخلوص النية لله تعالى وتخلية الذكر من غير الله وتحليته بذكره (1).
__________
(1) عز الدين بن عبد السلام، عبد الرحمن مراد ص 63 إلى 65.
(1/694)

3 - جهاد العز بن عبد السلام: نال الشيخ العز بن عبد السلام شرف الجهاد وكان يدعو إليه ويكتبه في كتبه ورسائله، وهو القائل في رسالة الاعتقاد: الجهاد ضربان، ضرب بالجدل والبيان وضرب بالسيف والسنان .. ولكن قد أمرنا الله بالجهاد في نصرة دينه، إلا أن سلاح العالم علمه ولسانه، كما أن سلاح الملك سيفه وسنانه، فكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن الملحدين والمشركين، لا يجوز للعلماء إعتماد أسلحتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن ناضل عن الله، وأظهر دين الله كان جديراً أن يحرسه الله بعينه التي لا تنام ويُعزَِّه بعزّه الذي لايضام ويحوطه بركنه الذي لا يُرام، ويحفظه من جميع الأنام وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق، وأخمد الصواب أن يبذل جُهده في نصرهما وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما .. والمخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين، ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمر في صفوف المشركين وكذلك المخاطرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة قواعد الدين بالحجج والبراهين مشروعة (1) وقام العز بجهاد العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعرّض نفسه للمخاطر الشديدة، والأهوال العجيبة، كما مرّ معنا - وعزل بسبب ذلك، وكان مجاهداً جرئياً، ومناظراً قوياً، ومدافعاً صلباً عن دين الله وشرعه، مطبقاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأوه أبو الوليد عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العُسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم (2)
__________
(1) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 223، 226) وما بعدها.
(2) البخاري، كتاب الفتن (6/ 2588) ..
(1/695)

وجاهد الشيخ عز الدين في الحياة والمجتمع لإقامة شرع الله ودينه وحارب البدع، ووقف في وجه الفرق المنحرفة والآراء الباطلة، والعقائد الضالة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ونصح أئمة المسلمين وعامتهم كما مرّ معنا، وجاهد أمام الظلمة والطغاة والمستبدين، وخاطر بنفسه تطبيقاً لما قال، وامتثالاً للحديث الشريف الذي رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيَّدُ الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله (1) وقد قام الشيخ العز بن عبد السلام بهذا الجهاد والنصح للحكام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعلن الثورة عليهم، ولم يطلب العصيان ضدهم، ما داموا مسلمين ويقيمون الصلاة، ويطبقون الإسلام مع الخطأ أو الانحراف (2)، ويطول بنا الحديث عن جهاد العز بعلمه وبيانه ولسانه وقلمه فالعز رحمه الله لم يتأخر عن الدعوة إلى الجهاد والمشاركة في الإعداد له عندما يهدد العدو بلاد المسلمين وأرضهم وأنفسهم وأموالهم ودينهم، وقد رأيناه لبى دعوة قطز، وهو في الثمانين من عمره، للمشاورة في لقاء التتار، ودعوة المسلمين لذلك، وبيان الحكم الشرعي، وكان الاعتماد في الاجتماع على فتوى العز رحمه الله تعالى التي تحقق أثرها بالنصر المبين في عين جالوت على التتار ولما كانت همة العز أقوى، وجسمه أصلب، وسنه أقل بقليل شارك عملياً في الجهاد والقتال وملاقاة الصليبيين الذين اتجهوا لاحتلال دمياط وسائر مصر بعد أن وصلوا إلى المنصورة، واستظهروا على المسلمين، فهب الجيش المسلم في مصر لمواجهة الغزاة (3)
__________
(1) المستدرك صحيح الإسناد (3/ 195).
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 123.
(3) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 124 ..
(1/696)

قال ابن السبكي: وكان الشيخ مع العسكر، وقويت الريح، فلما رأى الشيخ حال المسلمين نادى بأعلى صوته مشيراً بيده إلى الريح، يا ريح خُذيهم عدة مرات، فعادت الريح، على مراكب الفرنج فكسرتها وكان الفتح وغرق أكثر الفرنج، وصرخ من بين يدي المسلمين صارخ: الحمد الله الذي أرانا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً سخّر له الريح (1) وكان النصر المبين للمسلمين، واعتبر المؤرخون هذه الصيحة من كرامات العز رحمه الله (2) والكرامة في معتقد أهل السنة تظهر على يد أولياء الله الصالحين تكريماً من الله تعالى لهم ومصدر الكرامة هو الإيمان الصادق، والإخلاص الكامل، والعبودية التامة، والاعتماد الحقيقي على الله تعالى، والإلتزام بشرع الله تعالى، وكثرة التقرب إليه وقال الله تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (يونس، آية: 62 - 64) وهذا ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة فيما رواه البخاري عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عاد لي ولياً فقد أذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه (3)
__________
(1) حسن المحاضرة (2/ 35) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 124.
(2) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 124.
(3) صحيح البخاري (5/ 2384)، كتاب الرقاق، باب التواضع ..
(1/697)

وكان العز بن عبد السلام - رحمه الله - لا يبغي إلا رضاء الله تعالى - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد - ولا يخاف إلا منه ولا يتوكل إلا عليه، فكان الله معه وكان الله له حافظاً ومعيناً وكان الله عنه مدافعاً من أذي المعتدين وتسلط الظالمين، وسطوه الحكام والأمراء " إن الله يدافع عن الذين آمنوا" (الحج، آية: 38) وكفاه الله هَّم الدنيا والآخرة "وكفى بالله وكيلاً" (النساء، آية: 81) وكفى بالله حسيبا" (الأحزاب/39).
(1/698)

وكان العز حريصاً على تطبيق شرع الله والسير على جادته وتفنيد ما أمر به، فكان ينظر بنور الله، ويبصر ببصر الله ويتكلم بقوة الله وجبروته، ويبطش بيد الله، ويمشي في سبيل الله، وعلى بركة الله، كما جاء في الحديث القدسي السابق ومن هنا أكرمه الله تعالى بأمور خارقة للعادة، مر معنا قصته مع اللصوص في البستان، وقصته في تغيير اتجاه الريح بسبب دعائه في معركة دمياط ضد الفرنج وقصته مع نائب السلطنة الذي جاء العز وهو شاهر السيف ليقتله، فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب، وسقط السيف منها وأرعدت مفاصلة، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له (1) ونضيف هنا قصة جديدة وطريقة، نقلها ابن السبكي فقال: كان في الريف شخص يقال له: عبد الله البلتاجي من أولياء الله وكانت بينه وبين الشيخ عز الدين صداقة، وكان يُهْدي إليه في كل عام، فأرسل إليه مرة جمل هدية، ومن جملته وعاء فيه جُبْن، فلما وصل الرسول إلى باب القاهرة؛ انكسر ذلك الوعاء وتبددّ ما فيه، فتألم الرسول لذلك، فرآه شخص ذمي، فقال له: لم تتألم؟ عندي ما هو خير منه قال الرسول: فاشتريت منه بَدَله وجئت، فما كان إلا يقدر أن وصلت إلى باب الشيخ، ولم يعلم بي ولا بما جرى لي غير الله تعالى، وإذا بشخص نزل من الشيخ، وقال: أصعد بما جئت به فناولته شيئاً فشيئاً إلى أن سلمته ذلك الجبن، فطلع ثم نزل، فقلت أعطيته للشيخ؟ فقال: أخذ الجميع إلا الجبْن ووعاءه فإنه قال لي: ضعه على الباب، فلما طلعت أنا، قال لي: يا وليد ليْش تفعل هذا؟ إن المرأة التي حَلَبت لبن هذا الجبن كانت يدها متنجسة بالخنزير، وردَّه وقال: سلمّ على أخي (2).
__________
(1) العز بن عبد السلام، للزحيلي ص 127 طبقات الشافعية (8/ 217).
(2) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 213) العز بن عبد السلام ص 128.
(1/699)

4 - وفاته: بعد عمر مديد ناهز الثالثة والثمانين عاماً في الجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام ونشر دعوته، توفي العز بن عبد السلام في العاشر من جمادي الأولى سنة ستين وستمائة هجرية 660هـ وقد ذكر ابن السبكي عن ابن العز الشيخ عبد اللطيف أن وفاة والده في التاسع من جمادى الأولى 660هـ وذكر في رواية أخرى أنها في 10 جمادي 660هـ (1)، وهو ما عليه عامة المؤرخين، وهناك رواية لتلميذ العز الدمياطي توفق بني الروايتين وهي قوله: توفي العز يوم السبت 9جمادي الأولى 660هـ ودفن من الغد في سفح المقطم حضرت ذلك وكان درسه الأخير، الذي ألقاه على الناس تفسير قول الله "الله نور السموات ... " (2) قال أبو شامة وهو تلميذ العز أيضاً ومؤرخ حياته: يوم الأحد عاشر جمادي الأولى، أو حادي عشر جمادي الأولى حياته: يوم الأحد عاشر جمادي الأولى أو حادي عشر جمادي الأولى توفي العز بن عبد السلام في مصر وعمل عزاؤه في جامع العقيبة يوم الاثنين 25 جمادي الأولى سنة 660هـ، حضر جنازته الخاص والعام، وصلى عليه الظاهر بيبرس بالقرافة، ودفن في آخر القرافة مما يلي الجبل من ناحية البركة، وصُليَّ عليه صلاة الغائب في جامع دمشق وغيرها من الجوامع بالشام، يوم الجمعة آخر جمادى الأولى ونادى النصير المؤذن بعد الفراغ من صلاة الجمعة: الصلاة على عز الدين بن عبد السلام (3) وقال ابن كثير: توفي في العاشر من جمادى الأولى وقد نيف على 80سنة ودفن في الغد بسفح المقطم (4).
وقال الذهبي: توفي بمصر في جمادى الأولى سنة 660هـ وحضر جنازته الخاص والعام، السلطان فمن
__________
(1) طبقات السبكي (8/ 248) فتاوى شيخ عز الدين بن عبد السلام ص 154.
(2) العز بن عبد السلام، سلطان العلماء ص 179
(3) الذين على الروضتين ص 216 فتاوى شيخ الإسلام العز ص 154.
(4) البداية والنهاية (13/ 442).
(1/700)

دونه، ودفن بالقرافة في آخرها، ولما بلغ السلطان خبر موته قال: لم يستقر ملكي إلا الساعةن لأنه لو أمر الناس فيّ ما أراد لبادروا إلى امتثال أمره (1) وقال السبكي نقلاً عن ولده الشيخ عبد اللطيف: وكانت وفاة الشيخ في تاسع جمادى الأولى في سنة ستين وستمائة فحزن عليه - الظاهر - كثيراً حتى قال: لا إله إلا الله ما اتفقت وفاة الشيخ إلا في دولتي وشيّع أمراءه وخاصته وأجناده لتشييع جنازته وحمل نعشه، وحضر دفنه (2)، وقد اختلف في عمره روايتين احداهما أن عمره: اثنتان وثمانون سنة والأخرى ثلاث وثمانون سنة وهذا الاختلاف راجع إلى الخلاف في ولادته، فمن قال إنه ولد سنة 577هـ جعل عمره 83سنة ومن قال إنه ولد سنة 578هـ جعل عمره 82سنة وأما ما ذكره المقريزي من أن عمره اثنتان وستون فهو خطأ لأنه مخالف لما ذكره عامة المؤرخين، ولعله تحريف من النساخ أو خطأ منهم والله أعلم وبالجمع بين هذه الروايات أرى أن أقربها للصحة والصواب ما ذكره السبكي من أن عمر العز ثلاث وثمانون سنة (3)، والله أعلم.

5 - أقوال العلماء فيه: لقد شهد العلماء قبل العامة للعز بن عبد السلام بالإمامة والرياسة وعلو المقام يدل على ذلك مواقفه التي ذكرنا طرفاً منها ومؤلفاته وتلامذته الذين طبقت شهرتهم الآفاق وقد شهد للشيخ علماء عصره ومن جاء بعدهم من جهابذة العلم ومشاهير الرجال وهذه نبذة من أقوالهم (4):
أ- ثناء المعاصرين له:
- قال العلامة ابن الحاجب صديق العز ومعاصره ورفيقه في السفر والرحلة عن العز: ابن عبد السلام أفقه من الغزالي (5).
__________
(1) العبر (5/ 260).
(2) طبقات الشافعية (8/ 245) فتاوى شيخ الإسلام ص 155.
(3) طبقات الشافعية (8/ 245) فتاوى شيخ الإسلام ص 155.
(4) فتاوى شيخ الإسلام ص 156.
(5) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 214) حسن المحاضرة (1/ 315).
(1/701)

- قال العلامة، جمال الدين الحصري: ت 637هـ شيخ الحنفية في زمانه مخاطباً سلطان دمشق عن العز: هذا رجل لو كان في الهند، أو في أقصى الدنيا، كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حُلوله في بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده، ويفتخر به على سائر الملوك (1).
- وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: ت 656هـ معاصر العز يمدح مجلسه في الفقه: ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس عز الدين بن عبد السلام (2).
- وقال الحافظ زكي الدين المنذري ت 656هـ: مفتي الشافعية بمصر ومعاصر العز: كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه.

ب- ثناء بعض التلاميذ على العز: قال أبو بكر بن مسدي الأندلسي: 663هـ، تلميذ العز عن شيخه: أحد فقهاء هذا المذهب، ممن فرَّع على أصوله، وهذَّب، ورأس فقهاء بلده (3).
- قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة 665هـ أحد تلاميذة الشيخ: وكان أحق الناس بالخطابة والإمامة وأزال كثيراً من البدع التي كان الخطباءُ يفعلونها، من دقَّ السيف على المنبر، وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرغائب ونصف شعبان، ومنع منهما.
- قال القاضي الفقيه الأصولي الأديب الحافظ ابن دقيق العيد 702هـ: تلميذ العز عن شيخه، كان ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء (4).
- قال عز الدين الحسيني تلميذ العز عن شيخه: كان عالم عصره في العلم جامعاً لفنون متعددة، مضافاً إلى ما هو عليه من ترك التكلف مع الصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في (5) وصفه.
__________
(1) المصدر نفسه (8/ 237) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 195.
(2) حسن المحاضرة (1/ 315) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 195.
(3) تاريخ علماء بغداد ص 105 العز بن عبد السلام للزحيلي ص 195.
(4) حسن المحاضرة (1/ 315) العز بن عبد السلام للزحيلي ص 195.
(5) شذرات الذهب نقلاً عن العز بن عبد السلام للزحيلي ص 196.
(1/702)

ج- ثناء العلماء والمنصفين على العز:
- قال الذهبي ت 748هـ عن العز: .. بلغ رتبة الاجتهاد وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين (1).
- وقال فخر الدين بن شاكر الكتبي ت 764هـ عن العز: شيخ الإسلام، وبقية الأعلام، الشيخ عز الدين .. سمع .. وتفقه .. ودرّس وأفتى، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، وتخرج به أئمة وله الفتاوى السديدة، وكان ناسكاً ورعاً، وأمّاراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم (2).
- وقال اليافعي اليمني ت 764هـ عن العز: سلطان العلماء، وفحل النجباء، المقَّدم في عصره على سائر الأقران، بحر العلوم والمعارف، والمعظم في البلدان، ذو التحقيق والإتقان والعرفان والإيقان ... وهو من الذين قيل فيهم: علمهم أكثر من تصانيفهم، لا من الذين عبارتهم دون درايتهم، ومرتبته في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول (3).
- وقال العلامة تاج الدين ابن السبكي ت 771هـ في ترجمته العز: شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في زمانه، المَّطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها لم ير مثل نفسه، ولا رأى من رآه مثله، عِلمْاً وورعاً وقياماً في الحق، وشجاعة وقوة جنان، وسلاطة لسَان (4).
__________
(1) العبر في أخبار من غير (5/ 260) العز بن عبد السلام ص 196.
(2) فوات الوفيات (1/ 594 - 595) العز بن عبد السلام ص 197.
(3) مرآة الجنان (4/ 153) العز بن عبد السلام ص 197.
(4) طبقات الشافعية الكبرى (8/ 209) العز بن عبد السلام ص 197.
(1/703)

- وقال العلامة الفقيه الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي: (772هـ) في ترجمة العز: الشيخ عز الدين ... كان رحمه الله شيخ الإسلام علماً وعملاً، وورعاً، وزهداً وتصانيف، وتلاميذ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يهين الملوك فمن دونهم، ويغلظ القول .. وكان فيه مع ذلك حسن محاضرة بالنوادر والأشعار (1).
- وقال المؤرخ الفقيه الأديب العماد الحنبلي عن العز: عز الدين، شيخ الإسلام .. الإمام العلامة، وحيد عصره، سلطان العلماء وبرع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وصنف التصانيف المفيدة (2).

س- ثناء بعض المتأخرين على العز:
أ- الشيخ عبد الله مصطفى على العز: عبد العزيز .. الملقب بعز الدين، المعروف بسلطان العلماء، شيخ الإسلام والمسلمين وإمام عصره بلا مدافع، وفريد زمانه بلا منازع، كان ابن عبد السلام علماً من الأعلام، شجاعاً في الحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر فقيها أصولياً، محدثاً، خطيباً، واعظاً، أديباً شاعراً، رقيق الحاشية، حاضر النادرة، محترماً، وقوراً، تخشى السلاطين والأمراء صولته وسلطانه (3).
__________
(1) طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 84) العز بن عبد السلام ص 197.
(2) شذرات الذهب نقلاً عن العز بن عبد السلام للزحيلي ص 199.
(3) الفتح المبين في طبقات الأصوليين (2/ 73).
(1/704)

- وقال العلامة مصطفى السباعي: بعد أن عرض العصر الذي سبق العز، وسكوت أكثر العلماء عن الجهر بالحق، أو مسايرة الحكام، أو اعتزال الحياة العامة قال: في هذا الوسط المضطرب نشأ العالم العظيم "سلطان العلماء" عز الدين بن عبد السلام، فكان وجوده نسمة من نسمات الرجاء تهبُّ على قلوب اليائيسين, وعزمة من عزمات الإيمان، تنبعث في أوساط المتخاذلين، وومضة من ومضات النور تضيء الطريق للمدلجين في دياجير الظلام، وسوطاً من سياط الحق يلهب الله به ظهور المتكبرين والمتجبرين والظالمين، إن العز بن عبد السلام من أعظم علماء الإسلام الذين تهزني دراسة آثارهم وسيرتهم هزاً عنيفاً (1).
- وقال الأستاذ رضوان علي الندوي: ... وهناك جانب لشخصيته آخر مشرق .. وهو ملكته الأصيلة في فهم الشريعة وروحها ومقاصدها فهماً راسخاً شاملاً عقلياً دقيقاً مبتكراً بعض الابتكار وهو من السابقين الأول في حركة "التقعيد" في الفقه الإسلامي وتطويره .. إلى أن قال في الخاتمة:"انتهينا من البحث في حياة سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام، فرأيناه عالماً جليلاً يدرس ويؤلف ويفتي وقاضياً عدلاً يحكم ويقضي، وعرفناه عالماً مجاهداً يوجه ويرشد ويعترض وينتقد الملوك والأمراء والعامة على السواء، وهو في هذا يتحمل الأذى والمشقة ويتعرض للخطر والاضطهاد، فلا يبالي ولا يقف ويواصل النشاط، ويدأب على العمل، ويقيم على الحق ويحاول إقامته في المجتمع حتى قضى ... وكان بذلك رجل عصره وموجّه زمانه وقدوة لمن بعده (2).
__________
(1) العز بن عبد السلام للندوي تقديم مصطفى السباعي ص 5 - 6.
(2) المصدر نفسه ص 177، 178.
(1/705)

- وقال محمد حسن عبد الله في ختام بحثه عن عبد العزيز بن عبد السلام بائع الملوك: بعد معرفتنا بهذا كله ندرك أيَّ حياة الحركة كان هذا الرجل الذي زلزل قواعد الظلم في زمانه، وجددَّ حياة الحركة العلمية الإسلامية وأعاد الدماء الحارة الحرة إلى شرايينها، فأعاد إلينا ذكر المصطفين الأخيار من علماء صدر الإسلام، وقادته الاجتماعيين، ومتصوفته العارفين (1).
- العز يعرف نفسه:
وقبل كل هذا الثناء من الآخرين، وبعد هذا الثناء، يأتي ثقة العز العالم الواثق بربه والعارف لما أعطاه الله من علم وفقه وحرصه على نشره بين الناس ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولذلك لما هاجر من دمشق، ورحل في طريقه إلى مصر، هرع إليه أمراء المدن لاستضافته في إماراتهم لكي يحظوا بوجوده عندهم، ويسابقوا غيرهم، ويفخروا به؛ ومن بين هؤلاء صاحب الكرك وهي قلعة قوية، ومدينة صغيرة فجاء سلطانها وسأل العز الإقامة عنده، فأجابه بصراحة الرجال، وثقة: بلدك صغير على علمي، وقصدي نشره وتابع سيره إلى أرض الكنانة، وعاصمة الأيوبيين في القاهرة.
وصدق الشاعر عندما قال:
هم الرَّجال وعيبٌ أن يُقال لمن ... لم يتصف بمعاني وصفِهم رَجُلُ (2)

ك- ما قيل فيه من شعر:
قال فيه تلميذه ابن الطباخ:
مجلسكم بحر وإني أمرؤ ... لا أحسن العوم فأخشى الفرق

وقال يحي بن عبد العظيم الجزار بمدح الشيخ ذكر ابن السبكي بيتين من ذلك هما:
سار عبد العزيز في الحكم سيراً ... لم يسره سوى ابن عبد العزيز
عمنا حكمه بفضل بسيط ... شامل للورى ولفظ وجيز

وقال قاضي أسوان عمر بن عبد العزيز يمدحه في مجلسه:
مولاي عز الدين عز بك العلا ... فخراً فدون حذاك منه الهام
لما رأينا منك علماً لم يكن ... في الدرس قلنا إنه إلهام
جاوزت حد المدح حتى لم يطق ... نظما لفضلك في الورى النظام
__________
(1) من بائع الملوك ص 197.
(2) العز بن عبد السلام، للزحيلي ص 203.
(1/706)

وهذا فيض من غيض مما ذكره العلماء فيه (1) رحمه الله رحمة واسعة وأعلى ذكره في المصلحين وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في دار الخلود مع الأنبياء والصديقيين والشهداء والصالحين.

المبحث الرابع: الجدل الثقافي بين المسلمين والنصارى في عهد الحروب الصليبية:
إن من خصائص الدعوة الإسلامية عالميتها، وقد وردت آيات كثيرة تدل على ذلك منها:
- بعض الآيات التي ورد فيها لفظ "العالمين"
قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء، آية: 107) أي: وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس (2).

وقال سبحانه: "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً" (الفرقان، الآية:1): أي ليكون محمد لجميع الجن والإنس (3).
- وقال تعالى "قل لا أسئلكم عليه أجراً إن هو إلاَّ ذكرى للعالمين" (الأنعام، آية: 90).
- وقال: "فأين تذهبون * إن هو إلا ذكرٌ للعالمين" (الكوثر، ن الآية: 26 - 27) إلى غير ذلك من الآيات ووجه الاستدلال لهذه الآيات ظاهر من جهة كون الإنس والجن هم المكلفون من العالمين، فالدعوة، إذن متوجهة إليهما (4).
__________
(1) فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص 158.
(2) فتح القدير، محمد علي الشوكاني (3/ 616).
(3) جامع البيان للطبري نقلاً عن دعوة المسلمين للنصارى (1/ 849).
(4) دعوة المسلمين في عصر الحروب الصليبية (1/ 50).
(1/707)

- بعض الآيات التي ورد فيها لفظ "الناس": قال تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً" (الأعراف، آية: 158) أي قل يا محمد للناس كلهم "إني رسول الله إليكم جميعاً" لا إلى بعضكم دون بعض كما كان من قبلي من الرسل (1) وقال أبو السعود. لما حكي ما في الكتابين من نعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف من يتبعه من أهلها ونيلهم لسعادة الدارين، أمر عليه الصلاة والسلام ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم بل شاملة لكل من يتبعه كائناً من كان ببيان عموم رسالته للثقلين (2) والآيات أيضاً، قوله تعالى: "ياأيها الناس قد جاءَكم برهان من ربكم "النساء، آية: 174) وقوله: "قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم" (يونس، الآية: 108) وقوله "هذا بلاغٌ للناس وليُنذروا به" (إبراهيم، آية: 52) إلى غير ذلك ووجه الاستدلال بهذه الآيات هو توجيه الخطاب في عموم الناس (3).
وقال تعالى: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً" (سبأ، الآية: 28) وغير ذلك من الآيات التي تدل على عموم الرسالة الإسلامية.
__________
(1) إرشاد العقل السليم (2/ 280).
(2) المصدر نفسه.
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 851) جل هذا المبحث مختصر من هذا الكتاب.
(1/708)

- الأحاديث التي تدل على عالمية الإسلامية: ورد الكثير من الأحاديث التي تدل على عالمية الدعوة الإسلامية منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكان النبي يبعث إلى قومه: خاصة وبعثت إلى الناس كافة (1)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأرسلت إلى الخق كافة وختم بي النبيوّن (2)، وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله وسلم قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بن أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (3)، ودلت السنة كذلك على شمول دعوته صلى الله عليه وسلم للجن، فمن ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: "فبأيّ ءالاء ربكما تكذبان" قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد (4). فهذا الحديث يدل على مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن، وقراءته القرآن عليهم، وإنصاتهم له، وإيمانهم بنعم الله سبحانه وتعالى عليهم والتي من أعظمها الإسلام (5) وفعله صلى الله عليه وسلم كذلك يدل على عالمية الدعوة، فبعد دعوته عليه الصلاة والسلام لقومه "وعشيرته الأقربين أخذ يعرض نفسه على القبائل في أسواق العرب وفي المواسم، فعن رجل من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف ذي المجاز يتخللها يقول: أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا (6)،
__________
(1) البخاري رقم 335.
(2) مسلم رقم 523.
(3) مسلم رقم 523.
(4) صحيح سنن الترمذي (3/ 342).
(5) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 54).
(6) مسند أحمد رقم 16023 صحيح لغيره ..
(1/709)

ثم إرساله الكتب والرسائل إلى الملوك والأمراء، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى (1).
- فعل الصحابة رضي الله عنهم بعده صلى الله عليه وسلم: فبعد وفاته صلى الله عليه وسلم واستلام أبي بكر رضي الله عنه الخلافة وبعد قضائه على فتنة الردة في السنة الحادية عشرة من الهجرة بدأ بالفتوحات الإسلامية نشراً للدعوة، حيث أرسل الجيوش إلى العراق ضد الدول الفارسية وإلى الشام ضد الروم، ثم متابعة ذلك من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث امتدت الدولة الإسلامية من حدود الصين إلى طرابلس الغرب شرقاً وغرباً، ومن أرمينية إلى اليمن شمالاً وجنوباً ولما ارتضى سبحانه وتعالى دين الإسلام للثقلين الإنس والجن، وكانت الدعوة الإسلامية متوجهة كما سبق إيضاحه، لذلك ميّز جلّ وعلا هذا الدين لكي يصلح لهذه العالمية بمميزات أهمها:

1 - سلامته من التحريف بحفظ الكتاب والسنة: قال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون" (الحجر، آية: 9).
2 - شموله الموضوعي والزماني والمكاني: والمقصود بالشمول الموضوعي أي وفاؤه بجميع حاجات الإنسان الاعتقادية والعملية قال سبحانه وتعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا، فمن اضُطرَّ في مخمصة غير متجانفٍ لا إثم فإن الله غفور رحيم" (المائدة، آية: 3) وقال: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيءٍ" (النحل، آية: 89).
3 - الوسطية: قال تعالى: "وكذلك جعلناكم أمّة وسَطَاً" (البقرة، آية: 143).
4 - أنه دين الفطرة: فكل إنسان يولد مستعداً لقبول الإسلام مهيأ له قال صلى الله عليه وسلم: ما من مولد إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
__________
(1) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصَّليبية (1/ 54).
(1/710)

5 - الكمال، وكذلك الوضوح (1).

أولاً: أهمية دعوة النصارى إلى الإسلام:
يمكن أن نبرز أهمية دعوة النصارى خاصة من خلال النقاط الآتية:
1 - توجيه الخطاب في القرآن في كثير من الآيات لأهل الكتاب وتخصيصهم في ذلك أمراً لهم بالتوحيد أو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأو بياناً لتحريفهم الكلام عن مواضعه أو رداً على

شبههم أو غير ذلك ومن هذه الآيات قوله تعالى: قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" (آل عمران، آية: 64) وقوله تعالى: ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل" (آل عمران، آية:71) إلى غير ذلك من الآيات ولا شك أن النصارى من أهل الكتاب.

2 - حث القرآن على مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن كما قال تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتَّي هي أحسن" (العنكبوت، آية: 46) - بالجميل من القول وهو الدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه (2)، وذلك تقديراً لما عندهم من بقية أثر الرسل (3)

3 - تخصيص القرآن للنصارى وتوجيه الخطاب لهم وذلك في قوله تعالى: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه " (المائدة: الآية: 47)، قيل: هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم (4).

4 - تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب في كثير من الأحاديث دعوة لهم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم (6).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 56 إلى 61).
(2) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 64).
(3) المصدر نفسه (1/ 64).
(4) الجامع لأحكام القرآن (3/ 136).
(5) مسلم رقم 153.
(6) البخاري رقم 97.
(1/711)

5 - تميز النبي صلى الله عليه وسلم لأسلوب دعوة أهل الكتاب بمراعاة التدرج حسب الأهمية وذلك في وصيته لمعاذ بن جبل حينما أرسله إلى اليمن حيث قال له صلى الله عليه وسلم: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فأدعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ... إلى أن قال فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (1).

6 - تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم للنصارى في الدعوة كما في قصة وفد نصارى نجران (2).

7 - عناية الإسلام بمعاملة أهل الذمة سواء يهوداً أو نصارى، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة ذمة المعاهد، ووجوب الوفاء له قال صلى الله عليه وسلم: من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً (3) وحرم الإسلام ظلم المعاهد أو تكليفه فوق طاقته أو أخذ شيء من ماله بغير طيب نفس، لقوله صلى الله عليه وسلم: ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة (4)، وأباح الزواج منهم وأحل الله طعامهم.

8 - إن دين النصارى دين عالمي - بمعنى أنه يعده أتباعه ديناً للبشرية جمعاً، ولذلك ينشطون في الدعوة إليه، بعكس كثير من الديانات والمذاهب الأخرى التي يراها أتباعها دينا لهم وحدهم، ولذلك لا يسعون لنشرها، كاليهودية والهندوسية وعلى ذلك ففي دعوة النصارى واهتداء البعض منهم حد لانتشار النصرانية في مجتمعات غير نصرانية، ومن ثم إتاحة الفرصة لنشر الإسلام في مثل هذه المجتمعات.
__________
(1) البخاري رقم 1496.
(2) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 65).
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 66).
(4) صحيح سنن أبي داود (2/ 261).
(1/712)

9 - كون النصارى ذوي قوة وكثرة وانتشار في الوقت الحاضر وكثير من المجتمعات غير النصرانية تسعى لتقليدهم ومتابعتهم منخدعة بما بلغوه من حضارة مادية وقوة عسكرية وبهداية هؤلاء النصارى أو البعض منهم وهم بهذا النفوذ بالنسبة للعالم سوف يكون في ذلك صلاح أقوام كثيرين كانوا يرونهم المثال لهم.

10 - أن أكثر الشبه تثار حول الإسلام خصوصاً في الوقت الحاضر إنما هي من قبلهم وباهتداء البعض منهم فيه رد على مثل هذه الشبه.

11 - إن اهتداء بعض النصارى يساعد كثيراً في فضح باطل إخوانهم السابقين في الديانة، لخبرتهم فيها، وما في ذلك من مساعدة للدعاة ودعم لجهودهم.

12 - إن حروب المسلمين في أغلب فترات التاريخ الإسلامي كانت مع النصارى، كحروب المسلمين في الأندلس، وصقلية، والحروب الصليبية في الشام ومصر، بل لا تزال هذه الحروب مستمرة في بعض الجهات من العالم، وباهتداء بعض النصارى يساعد ذلك في كشف عدوان إخوانهم السابقين في الديانة وربما يساعد في إزالة ذلك العدوان (1).

13 - وبالإضافة إلى ما سبق، فإن النصارى أهل ملة سماوية قبل أن يطرأ عليه النسخ والتحريف وهي آخر الملل قبل رسالة الإسلام وفي كتبهم من البشارات بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا تصدى المختصون لإبراز هذه البشارات وشرحها فربما يكون ذلك سبباً في إسلام الكثيرين منهم، بل ويكون هؤلاء أيضاً عوناً في دعوة بني ملتهم السابقة (2).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 67).
(2) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 68).
(1/713)

ثانياً: أهم موضوعات دعوة المسلمين للنصارى: اتجهت جهود المسلمين في دعوتهم للنصارى في هذه الفترة إلى معالجة الموضوعات الأساسية في الدين الإسلامي، وذلك بالدعوة إلى أصول الدين وأسسه التي لا يتم إسلامهم إلا بها، كالتوحيد، والتصديق بالقرآن، وقبول الإسلام بعمومه، والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار بنبوّة عيسى عليه السلام ونفي ألوهيته وإليك شيء من التفصيل:
(1/714)

1 - الدعوة إلى التوحيد: كان أمر التوحيد أهم أمور العقيدة الإسلامية التي دعا المسلمون النصارى إليها في فترة الحروب الصليبية وذلك من خلال الدعوة المباشرة بالحث على توحيد الله سبحانه وتعالى ونفي الشريك عنه، أو من خلال إبطال عقيدة التثليث، أو من خلال نفي الألوهية عن المسيح عليه السلام (1)، وقد جعل العلماء دعوة النصارى إلى التوحيد هي أولى ما تصرف فيه الهمم، حيث بين ذلك القرآن في وأكد على أهمية إقامة الأدلة على وحدانية الله سبحانه وتعالى، ولهذه الغاية ألف كتاباً خاصاً بذلك سماه: أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية (2). وكثيراً ما تتكرر الدعوة إلى التوحيد في ثنايا مناقشات العلماء المسلمين للنصارى وردودهم عليهم، فمن ذلك مثلاً دعوة القرطبي لصاحب كتاب تثليث الوحدانية إلى نبذ الشرك وتوحيد الباري سبحانه وتعالى، وبيان براءة عيسى عليه السلام من تثليث النصارى وأنه ما بلغهم إلا أن الله واحد فرد صمد لا شريك له سبحانه وتعالى (3) وفي هذا السياق وبعد أن عرض الجعفري شيئاً من الأدلة على توحيد الله سبحانه وتعالى من التوراة والإنجيل وجه كلامه إلى النصارى قائلاً: .. فمن أشرك مع الله غيره فقد كفر بالتوراة والإنجيل (4)، وكانت دعوة النصارى إلى التوحيد بالإضافة إلى الطريقة المباشرة من خلال دعوتهم الصريحة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ونفي الشريك عنه كانت أيضاً من خلال إبطال عقائدهم الشركية المنافية للتوحيد وذلك بإبطال عقيدة التثليث لديهم وهدمها وإبراز تناقضها، وكذلك من خلال نفي الألوهية عن المسيح عليه السلام وإقامة الأدلة المختلفة على ذلك (5).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 174).
(2) أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية ص 20، 21.
(3) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 176.
(4) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الصليبية (1/ 176).
(5) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 176).
(1/715)

2 - الدعوة إلى اعتناق الإسلام بشكل مجمل: كان من موضوعات دعوة المسلمين للنصارى في هذا الفترة دعوتهم إلى اعتناق، أو من خلال ذكر الأدلة على صحته وبيان محاسنه، أو من خلال رد الشبه عن تشريعاته.
أالدعوة المباشرة إلى اعتناق الإسلام: ومن الأمثلة على ذلك دعوة صلاح الدين لأرناط الصليبي الذي نقض الصلح مع المسلمين، فغدر بقافلة مسلمة قادمة من مصر إلى الشام، فلما ناشده أصحابها الله وذكروه بالصلح الذي بينه وبين المسلمين رد بكلام يتضمن الاستخفاف برسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك لما علم صلاح الدين أقسم إن ظفر به ليقتلنه لاستخفافه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جيء بهذا الصليبي مع الأسرى بعد معركة حطين في منتصف شوال سنة 583هـ ذكره صلاح الدين بما صدر منه ثم عرض عليه الإسلام فأبى فقتله (1)، والشاهد من ذلك هو عرض الإسلام على هذا القائد الصليبي ودعوته إلى اعتناقه ومثل ذلك عرض الإسلام على صاحب صيدا وقد شهد ذلك ابن شداد حيث قال: ... ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب صيدا بالناصرة، فاحترمه وأكرمه، وأكل معه الطعام، ومع ذلك عرض عليه الإسلام فذكر له طرفاً من محاسنه، وحثه عليه (2) ومن نماذج عرض الإسلام على النصارى في هذه الفترة ودعوتهم إلى اعتناقه استغلال صلاح الدين للقاءاته بوفود الفرنج لإيضاح محاسن الإسلام ثم دعوتهم إليه (3)، وقد بين الجعفري أن من أسباب تأليفه كتاب - تخجيل من حرف التوراة والإنجيل - هو دعوة النصارى إلى الإسلام، حيث قال: فعسى الله أن يقدر هداية بعضهم، ونحن مأمورون بدعائهم إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة (4)
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 178) النوادر السلطانية ص (130 - 131).
(2) المصدر نفسه ص 66.
(3) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 179).
(4) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل صالح بن الحسين (1/ 103) ..
(1/716)

وتكرر في ثنايا مناقشة القرطبي لكتاب أحد القساوسة النصارى دعوته لهذا القسيس إلى اعتناق الإسلام، ومن ذلك قوله: .. فالله الله، أدرك بقية نفسك قبل حلول رمسك، واستعمل عقلك، ولا تعول على تقليد فاسد، واتبع الدين القويم، دين الأب إبراهيم "ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين" (1) (آل عمران، آية: 67) وفي موضع آخر من مناقشته لهذا القسيس في كتابه: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام بين له أنه لولا رجاء استنقاذه من الضلال إلى الهدى لما ناقشه، ولما أعطى الحكمة إلى غير أهلها، حيث يقول: ... فلعل مقلب القلوب يستنقذك من عبادة إله مصلوب، ويبدلك بها إخلاص العبادة لعلام الغيوب، ولولا رجاء ذلك لما كان ينبغي لي أن أعطي الحكمة غير أهلها (2).
__________
(1) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 101.
(2) المصدر نفسه ص 106.
(1/717)

ب الدعوة إلى الإسلام من خلال بيان محاسنه: اهتم العلماء المسلمون في عصر الحروب الصليبية ببيان محاسن الإسلام وسماحته لعل ذلك يكون للهداية واعتناق الإسلام ومن هؤلاء: القرطبي الذي عقد فصلاً في كتابه - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام - مبيناً فيه محاسن الإسلام ومبرزاً الهدف من ذلك بقوله: الغرض من هذا الفن أن نبين فيه عقيدة الإسلام، وجملاً من أصوله وأحكامه، ومواضع من فروع دينه أنكرتها النصارى عليه، وإنما فعلنا ذلك لغرضين (1)، ثم وضح أن أحد الغرضين هو: .. إنه لا يبعد أن يقف على هذا الكتاب نصراني أو يهودي لم يسمع قط من ديننا تفصيلاً ولا تصريحاً، بل إنما سمع له سباً وتقبيحاً، فأردت أن أسرده على الجملة، ليتبين حسنه لمن كان ذكي العقل، صحيح الفطرة، فلعل ذلك يكون سبب هداه، وجلاء عماه (2) وبعد ذلك عرض القرطبي شيئاً من محاسن الإسلام من خلال ثلاثة جوانب هي:

- مراعاته لمصالح العباد في الآخرة: حيث جاءت تشر يعاته بإيضاح كل ما يتعلق بها مما يحتاج إليه العباد وغاية الوضوح، وتعبدنا الله سبحانه وتعالى بعبادة محصنة، كالصلاة والحج وغير ذلك تعظيماً له سبحانه وتعالى، وخضوعاً له بالظاهر والباطن (3).
- مراعاته لمصالح العباد الدنيوية: فجاءت تشريعاته في هذا الجانب حماية للدين، والنفس والمال، والنسب، والعرض والعقل، ولأجل ذلك شرع العقوبات، وحرم كل ما يؤثر على هذه الضرورات كالغيبة، والقذف، وقول الزور، والغش والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وحرم الخمر لأنها تذهب العقل الذي هو مناط التكليف وغير ذلك من أنواع الفساد (4).
__________
(1) دعوة المسلمين النصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 180).
(2) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 438.
(3) المصدر نفسه ص 439.
(4) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 441.
(1/718)

- اتمامه لمكارم الأخلاق: يقول القرطبي: .. وأما مكارم الأخلاق التي تضمنها شرعنا فلا تخفي على متأمل، وذلك أن شرعنا أمرنا بها ظاهراً وباطناً، ونهانا عن رذائلها وسفاسفها (1) ثم وضح القرطبي أمثلة على مكارم الأخلاق في الإسلام، هذه المكارم التي تسعى للتحلي بها كل نفس طاهرة، للخير، مبغضة للشر، فمن المكارم الظاهرة عدد القرطبي النظافة والطهارة والتطيب وتحسين الهيئة وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وغير ذلك وبين أن من النظافة الباطنية التخلي عن مذموم الأخلاق كالغضب، والحسد، والبخل، ومهانة النفس، والكبر، والرياء والتحلي بالأخلاق المحمودة كالتوبة من المعاصي وحسن الصحبة والنصيحة والعدل، والتواضع، والإخلاص، والصبرن والصدق، والتوكل، ومحبة الله ورسله إلى غير ذلك (2). وأخيراً أكد القرطبي على أن المتدبر لهذه المحاسن سيعلم من غير شك أنها حق من الله، وأن الذي جاء بها لا يجوز عليه الغلط والكذب، وعلى ذلك فلا يسعه إلا قبولها والإيمان بالذي دعا إليها وهو الإسلام (3).
__________
(1) المصدر نفسه ص 444.
(2) المصدر نفسه ص 445.
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 182).
(1/719)

ج- الدعوة إلى الإسلام من خلال رد الشبه عن تشريعاته: قد يكون سبب عدم قبول الحق شبهة في ذهن المدعو، وبإزالة هذه الشبهة تزول العقبة ويتحقق القبول، وهكذا الحال مع النصارى فإنما كانت كثير من الشبة التي يثيرها بعض مضليهم مانعة من العلماء في فترة الحروب الصليبية للذود عن الإسلام بدحض الشبه التي يروج لها أئمة الضلال من النصارى ومن الأمثلة على ذلك رسالة أحد القساوسة إلى أبي عبيدة الخزرجي التي تتضمن الكثير من الشبه والمفتريات حول تشريعات الإسلام ورد أبي عبيدة الخزرجي التي تتضمن الكثير من الشبه والمفتريات حول تشريعات الإسلام، ورد أبي عبيدة على هذا القسيس داحضاً شبه ومفترياته (1)، ومثله القرافي الذي عرض كثيراً من شبه النصارى في هذه الفترة وأبطلها (2).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 182).
(2) المصدر (1/ 183).
(1/720)

3 - الدعوة إلى الإيمان بالقرآن: أدرك العلماء في عصر الحروب الصليبية الخطر الذي تتعرض له الأمة من جراء تكاليف أعدائها عليها، خصوصاً النصارى وما يقومون به من حرب عسكرية وفكرية ضد الإسلام في هذه الفترة، وبالتحديد ما يثيرونه حول القرآن رغبة منهم في زعزعة ثقة الأمة بكتابها، لذلك اشتد عنايتهم بكتاب الله دفاعاً عنه أولاً، ودعوة لهؤلاء النصارى ثانياً، وذلك بتنفيذ مفترياتهم حوله، وتصحيح شبههم التي قد تمنع الكثيرين منهم من التصديق به ولا شك أن التصديق بالقرآن والإيمان به يعني الدخول في الإسلام واعتناقه، إذ أن القرآن والسنة بينا كل ما يتعلق بهذا الدين من عقائد وتشريعات يجب على المسلم الالتزام بها والقرآن قد أمر بالأخذ بالسنة، كما قال تعالى: "وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب" (الحشر، آية: 7) ومن ثم فإن تسليم النصارى بصحة القرآن وإقتناعهم بذلك، وقبولهم لأوامره ونواهيه، يعني نبذهم لما هم عليه من عقائد باطلة ودخولهم في الإسلام وكانت عناية الأمة في هذه الفترة بدعوة النصارى إلى الإيمان بالقرآن من خلال ما يلي:
أ- عناية القرآن بخدمة كتاب الله بشكل عام: من خلال المؤلفات في تفسيره، أو قراءته، أو إيضاح غريبه، أو بيان محكمة ومتشابهه، أو ما يتعلق بناسخه ومنسوخه، أو أحكامه أو إبراز فضائله، أو بلاغته، أو إعرابه إلى غير ذلك ولا شك أن هذه المؤلفات حول كتاب الله سبحانه وتعالى تساعد على فهمه وإيضاحه، ولا يخفى أثر ذلك في زيادة ترسيخ إيمان المسلمين بكتاب ربهم، ومن ثم صمودهم أمام شبهات أعدائهم من النصارى وغيرهم، كما أن هذه الدراسات حول كتاب الله قد تزيل غشاوة الجهل عن كثير من النصارى فيفهمون كتاب الله سبحانه، وقد يكون ذلك سبباً في إسلامهم (1).

ب- عناية العلماء ببيان إعجازه القرآن الكريم بشكل عام وإبراز ذلك للنصارى بشكل خاص:
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 189)
(1/721)

حيث اعتنى العلماء في هذه الفترة ببيان إعجاز القرآن بشكل عام، فظهرت مؤلفات قصرت الحديث على هذا الجانب، ككتاب البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن (1)، وكتاب التنبيه على إعجاز القرآن (2)، ولا يخفى أن إظهار إعجاز القرآن له أثر كبير في إقناع غير المسلمين، لذلك أبرز بعض العلماء هذا الجانب للنصارى من خلال عدة أمور منها:

- إثبات إعجازه من خلال حفظه من التحريف والتبديل:
وهذا من أعظم الإعجاز، وما كان ذلك ليتحقق لو وُكل حفظه إلى البشر، حيث أشار القرافي إلى حفظ الله سبحانه وتعالى لكتابه، وذلك بتهيئة أسباب ذلك، من العناية بجمعه وألا يداخله غيره؛ حذراً مما وقع لأهل الكتاب، ثم نقله من السلف إلى الخلف نقلاً متواثراً، فصدق الله إذ يقول "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لله لحافظون" (الحجر، الآية: 9) (3).

قال القرطبي حول هذه الآية "وإنّا له لحافظون" - من أن يزاد فيه أو ينقص منه (4)، وبين - رحمه الله تعالى - في كتابه الإعلام حفظ الله سبحانه وتعالى لكتابه مقابل التحريف والتبديل الذي جرى على التوارة والإنجيل (5)، ثم أورد أمثله على ذلك (6).
__________
(1) لكمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني المتوفي سنة 651هـ.
(2) لمحمد بن أبي القاسم البقالي الخوارزمي المتوفيّ سنة 562هـ.
(3) الأجوبة الفاخرة، أحمد بن إدريس القارفي ص 95.
(4) الجامع لأحكام القرآن (5/ 5).
(5) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 189.
(6) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 190).
(1/722)

- إثبات إعجازه ببيان فصاحته: وفي ذلك قال الخزرجي مخاطباً النصارى ومبيناً إعجاز القرآن بفصاحته، وأن العرب الأوائل - وهم الفصحاء - أقروا له بذلك: يلتفت إلى مقال العجم الجهلاء (1)، ثم وضع أن العرب وقت نزول القرآن وهم أشد أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان منهم ما كان من سب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإيذائهم، بل وحربهم ما تكلموا في فصاحته، وقد جرى لهم التحدي أن يأتوا بمثله كما قال تعالى: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً" (الإسراء، آية: 88)، فما استطاعوا ذلك، ثم كان التحدي بعشر سور كما قال سبحانه "قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات" (هود، آية: 13) حتى صار التحدي إلى سورة واحدة " قل فأتوا بسورة مثله" (يونس، آية: 38) ومع ذلك عجزوا ولن يستطيعوا لو حاولوا كما أخبر سبحانه: "ولن تفعلوا" وفي مناقشة القرطبي للنصارى في كتابه الإعلام بين أن فصاحة القرآن أمر لا يقبل الشك: حتى أن العاقل الفصيح إذا سمعه قال: ليس هذا من كلام البشر (2)، ثم وضح نماذج من إعجازه، كقوله تعالى: "خُذِ العفو وأمُر بالعرُف وأعرض عن الجاهلين " (الأعراف؛ 199). وكيف أن هذه الآية لما نزلت قال أبو جهل: إن رب محمد لفصيح (3)، ثم لفت القرطبي النظر إلى جوانب من الفصاحة من هذه الآية، حيث تضمنت أحكاماً وتفسير الحلال والحرام، والإعراض عن أهل الجهل والأجترام والأمر بالتزام أخلاق الكرام، مع ما هي عليه من اللفظ الموجز الجزل الرصين (4)،
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 190).
(2) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 327.
(3) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 191).
(4) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 329 - 330 ..
(1/723)

ومثال آخر أورده القرطبي هو قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذِى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " (النحل، آية: 90).
وكيف أن الوليد بن المغيرة، لما سمع هذه الآية وهو من أفصح قريش وكان من أشد أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق وأن أعلاه لمثمر مورق وما يقول هذا بشر (1)، وقد جرت مناظرة بين أحد قساوسة بلنسية بالأندلس وأبي علي بن رشيق التغلبي، حول فصاحة القرآن، حيث بدأ القسيس يتكلم حول إعجاز القرآن، وأن العرب - وهم الفصحاء والبلغاء - عجزوا عن الإتيان بشيء مثله، وأن هذا التحدي باق إلى آخر الدهر فوافقه ابن رشيق على ذلك، بعد ذلك أفصح القسيس عما يريد الوصول إليه، فذكر كتاب المقامات للحريري مدعيا أن الأدباء والشعراء، عجزوا عن معارضته، وأن الحريري قد أنشد بيتين اثنين في إحدى المقامات وتحدى أن يعززهما أحد بثالث، وإن السنين انصرفت وما أتى أحد بثالث لهما رغم دَرْس الناس لتلك المقامات وتداولها بينهم، وانتهى إلى القول على ضوء ما سبق: أن ما أتى به الحريري كلام فصيح يصح أن يكون معجزة وليس هو بنبي، فإذا حصل ذلك فإن نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تثبت بمسألة التحدى المنصوص عليه بالقرآن، فلما أخذ ابن رشيق يرد عليه بالأدلة والبراهين العلمية، أخذ القسيس يرد عليه بقوله: قد سمعت هذا وناظرني فيه فلان في تلك الأثناء انقدح في ذهن ابن رشيق بيت ثالث على شاكلة بيتي الحريري، فساقه للقسيس، الذي راح يفهمه لمن معه، وعند ذلك انقطعت حجة القسيس، وكانت النتيجة كما يقول ابن رشيق: إنه انفصل عنهم وهم كالمسلمين في انقطاع شبهتهم (2).
__________
(1) المستدرك للحاكم (2/ 506) صحيح الإسناد على شرط البخاري.
(2) المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس (11/ 157).
(1/724)

- إثبات إعجازه يلفت النظر إلى طريقة نظمه وأسلوبه الغريب:
وفي معرض مناقشة القرطبي للنصارى لفت أنظارهم إلى نظم القرآن وأسلوبه الغريب: ... والذي خالف به أسلوب كلام العرب، حتى كأنه ليس بينه وبينه نسب ولا سبب، فلا هو كمنظوم كلامهما فيكون شعراً موزوناً ولا كمنثوره فيكون نثراً عرياً عن الفواصل محروما، بل تشبه رؤوس آيته وفواصله قوافي النظم، ولا تدانيها، وتخالف آية متفرقات النثر، وتناويها، فصار لذلك أسلوباً خارجاً عن كلامهم، ومنهاجاً خارجاً لعادة خطابهم (1) ثم ضرب للقرطبي مثالاً على ذلك موجهاً إلى النصارى وهو قوله تعالى: "وأذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا" (مريم، آية: 16 - 33) إلى قوله تعالى "والسّلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أُبعث حَيَّاً" (مريم، آية: 16 - 33)، طالباً منهم التأمل في معاني هذه الآيات، ولافتاً أنظارهم إلى نظمها البديع المنيف الذي عجزت العرب عن معارضته (2).

- إعجاز القرآن بإخباره عن بعض المغيبات فتقع كما أخبر:
ومن ذلك بيان الخزرجي لأحد القساوسة النصارى أن من إعجاز القرآن إخباره عن بعض المغيبات فتحصل كما أخبر، حيث أورد العديد من الأمثلة منها قوله تعالى: " الم غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم* وعد الله لا يخُلفُ الله وعده ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون *" (الروم، آية: 1 - 6) فما كان بضع سنين حتى تحقق ذلك وغلبت الروم الفرس (3).
__________
(1) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 333.
(2) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 333 - 334.
(3) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 207.
(1/725)

ومثال آخر هو قوله تعالى: "لقد صدق الله رسوله الرُّءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين رُءُوسَكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً" (الفتح، آية: 27) فصدق وعده فدخلوا مكة وتحقق الفتح القريب وهو فتح خيبر (1) ومن الأمثلة التي أوردها الخزرجي قوله تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (2) " فيظفر المسلمون بالنصر على قريش في بدر، وما كذب خبر القرآن، وبعد عدة أمثلة ذكرها الخزرجي على ذلك خاطب النصارى متعجباً من عدم تصديقهم بالقرآن، وبمن جاء به رغم إعجازه، وذلك بقوله: ومن أعجب الأشياء أنكم تؤمنون بنبوة مريم وحنة وهما امرأتان، بلا كتاب ومعجزة، ولا ذكرنا في صحف الأنبياء، وتكفرون بسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وله كتاب يعجز الإنس والجن (3) وأكد القرطبي في رده النصارى في كتابه الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام أن الأخبار عن المغيبات في القرآن فتقع كما أخبر به من وجوه إعجازه (4)، ثم عرض أمثلة كثيرة على ذلك (5).
وفي هذا السياق قال ابن الأنبارى: فإنه لما كان لا يجوز أن يقع ذلك على وجه الإنفاق دل على أنه من عند علام الغيوب (6)، ثم أورده أمثلة عديدة على ذلك (7).
__________
(1) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 208.
(2) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 195).
(3) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 213.
(4) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 195.
(5) الداعي إلى الإسلام ص 424.
(6) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 196).
(7) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 343.
(1/726)

- إعجاز القرآن بإخباره عن بعض الأمم السابقة:
تحدث القرطبي عن وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم، وهو ما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة التي يشهد العلماء بصحتها مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينل ذلك بتعليم بشري (1)، حيث أورد في رده على النصارى أمثلة على ذلك. خصوصاً ما كان يثيره أهل الكتاب في عهده صلى الله عليه وسلم من أسئلة ينزل القرآن مجيباً عليها، فما ينكرون منها شيئاً، مع شدة عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على تكذيبه ومن ذلك: سؤالهم عن الروح وعن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، وعن عيسى عليه السلام، وعن حكم الرجم، وعن ما حرم إسرائيل على نفسه، وغير ذلك من أمورهم، التي نزل القرآن مجيباً عنها فلم ينكروا منها شيئاً (2).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 196).
(2) المصدر نفسه.
(1/727)

ج- الدعوة إلى الإيمان بالقرآن من خلال رد الشبه التي أثيرت حوله:
وما أكثر الشبه والمفتريات التي أثارها ويثيرها أعداء الإسلام على القرآن، عبر التاريخ الإسلامي وأعداء الإسلام من النصارى في فترة الحروب الصليبية رددوا شبه من كان قبلهم، وافتروا غيرها طعناً في الدين، وإضعافاً للمسلمين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره وقد تصدى علماء الأمة في فترة الحروب الصليبية للرد على مطاعن النصارى ومفترياتهم حول كتاب الله، كالقرافي، والخزرجي، وابن الأنباري، وابن رشيق التغلبي، وغيرهم (1). ولا يخفى أثر إزالة الشبه في قبول الحق لدى من يمنعه من الهدى سوء فهم، أو تضليل معاند، يقول القرطبي في مقدمة نبذة كتبها عن محاسن الإسلام: .. إنه لا يبعد أن يقف على هذا الكتاب نصراني أو يهودي لم يسمع قط من ديننا تفصيلاً، ولا تصريحاً، بل إنما سمع له سباً وتقبيحاً فأردت أن أسرده على الجملة، لتبيين حسنه لمن كان ذكي العقل صحيح الفطرة، فلعل ذلك أن يكون سب هداه وجلاء عماه (2).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 196).
(2) المصدر نفسه (1/ 196).
(1/728)

س- الدعوة إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت ولا تزال أساس الحوارات والمناظرات التي تجري بين المسلمين وغيرهم، ففي الوقت الذي يسعى الدعاة المسلمون إلى الإقناع بصدقه صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته يسعى المعاندون إلى تكذيب ذلك بل وإثارة الشبه حول شخصه صلى الله عليه وسلم وحول رسالته، لذلك ما ترك علماء الأمة صغيرة ولا كبيرة في حياته صلى الله عليه وسلم إلا كتبوا عنها، وما غادروا شيئاً من أقواله وأفعاله إلا قيدوه وميزوا صحيحه من ضعيفه، فكتبوا في سيرته، ومغازيه، وأخلاقه، وشمائله، ومناقبه، وفضائله، وحقوقه ودلائل نبّوته، ومعجزاته، وهديه وصنفوا في أقواله وأفعاله فظهرت الموسوعات الحديثية كالصحيحين والسنن والمسانيد، والمصنفات، وغيرها من كتب الحديث، فصار القارئ في أي جانب من هذه الجوانب المتعلقة به صلى الله عليه وسلم كأنه عاش معه لدقة ما نُقِل عنه وفي عصر الحروب الصليبية كان من أهم الأمور التي دعا المسلمون النصارى إليها الإيمان بنبّوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا شك أن تصديق النصارى بذلك وإيمانهم به يعني بالضرورة نبذهم لما هم عليه من الكفر والضلال والدخول الإسلام وقد كانت الدعوة إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من خلال، إثبات نبوّته صلى الله عليه وسلم، ورد الشبه التي يثيرها النصارى حول شخصه أو نبوّته (1).

وقد اتجه العلماء في هذه الفترة إلى إثبات نبّوته عليه الصلاة والسلام من خلال ما يلي:
- من خلال تأليف الكتب عنه صلى الله عليه وسلم بشكل عام، خاصة ما يتعلق بدلائل نبّوته ومعجزاته، وشمائله وأخلاقه ومناقبه وفضائله والمؤلفات في ذلك كثيرة والحمد لله على ذلك.
- من خلال المؤلفات الموجهة إلى النصارى وفي ثناياها الحديث عن نبوَّته صلى الله عليه وسلم وكانت طريقة العلماء في ذلك على النحو التالي:
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 199).
(1/729)

- إثبات نبّوته صلى الله عليه وسلم من خلال دعواه النبّوة، حيث وضح الجعفري في كتابه الرد على النصارى أن مجئ محمد صلى الله عليه وسلم ودعواه النبّوة أمر مقطوع به، قد ثبت عن طريق التواتر فلا يسوغ النزاع فيه، وإن من أنكر ذلك كمن جحد وجود بغداد ومكة (1).
- إثبات نبّوتَه من خلال ذكر البشارات به صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل حيث أسهب العلماء في هذه الفترة بذكر البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وذلك إلزاماً للمعاندين من النصارى بما لا يستطيعون إنكاره وإيضاحاً لمن يجهل ذلك منهم، أوحال بينه وبين فهمه تضليل مبطل من قساوستهم حيث ساق الجعفري مثلاً أربعاً وثمانين بشارة بنبوةّ محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، ويسرد القرافي إحدى وخمسين بشارة في كتابه الأجوبة الفاخرة وقد أسهب الخزرجي والقرطبي والمتطبب في معرض ردودهم على النصارى بذكر البشارات به صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل (2).

وقد انبرى كثير من علماء عصر الحروب الصليبية للرد على علماء النصارى الذين جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته غرضاً لهم، فاستفرغوا الوسع في تفنيد شبههم ورد باطلهم، انتصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وطمعاً في هداية من كانت مثل هذه الشبه حجاباً بينه وبين قبول الحق (3).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 201).
(2) المصدر نفسه (1/ 201).
(3) المصدر نفسه (1/ 222).
(1/730)

ك- الدعوة إلى الإيمان بنبوة المسيح عليه السلام:
اعتنى الإسلام بالمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بصفته أحد أولي العزم من الرسل، فجاء القرآن بتكريمه وأمه وحتى عائلته وصحح الأخطاء ورد الاتهامات والافتراءات الباطلة التي كان يوجهها اليهود والنصارى للمسيح وأمه، فمن تكريم القرآن للمسيح عليه السلام أن جاءت إحدى السور باسم عائلته وهي سورة آل عمران، وسورة أخرى هي سورة مريم باسم أمه التي ورد أسمها في القرآن في مواضع كثيرة، كلها تتحدث عنها بكل التقدير والاحترام والتبجيل ومن ذلك قوله تعالى: "وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرَّكِ واصطفاك على نساء العالمين" (آل عمران، الآية: 42) وقوله تعالى: "ومريم ابنت عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصّدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين" (الزخرف، الآية: 59).

وتحدث القرآن عن حياة المسيح منذ ولادته وحتى رفعه إلى السماء فهو بشر مخلوق عبد للخالق عزّ وجل، قال تعالى "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل" (الزخرف، آية: 59)، وهو نبي ورسول من عند الله عز وجل، قال تعالى: "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرُّسُلُ" (المائدة، الآية: 75) والمسيح بارُّ بوالدته وليس بجبار ولا شقي قال تعالى:" وبرّا بوالدتي ولم يجعلني جبَّاراً شقياً" (مريم، الآية: 32).

وهو قدوة صالحة في العبادة والإخلاص لله سبحانه وتعالى: "قال إني عُبد الله ءاتني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصًّلاة والزكاة ما دمت حَياًَّ" (مريم، آية: 30، 31).
(1/731)

وقد أرسله الله إلى بني إسرائيل وأيده بالمعجزات التي منها إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ونزول المائدة من السماء، وغير ذلك قال تعالى: "ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئُ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبّئكم بما تأكلون وما تدخرون في بُيوُتِكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين" (آل عمران، آية: 49).

ولما بلغ رسالة ربه وأراد به أعداؤه كيداً نجاه الله من كيدهم فتوفاه ورفعه إليه (1) "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ) آل عمران، آية: 55).

وقال سبحانه: " وما قتلوه وما صلبُوُه ولكن شُبّه لهم" (النساء، آية: 157). هذا هو مجمل اعتقاد المسلمين بالمسيح عليه السلام وقد ضل النصارى في ذلك ضلالا بعيداً بجعلهم المسيح عيسى عليه السلام ابناً لله تعالى الله عن ذلك، قال سبحانه: "وقالت النصارى المسيح ابن الله" (التوبة، آية: 30)، بل ادعوا أن الله سبحانه هو المسيح ابن مريم قال جلّ وعلا: "لقد كَفَر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابنُ مريم" (المائدة، آية: 17) وقد كانت نبّوة المسيح عليه السلام منذ ظهور الإسلام إلى الوقت الحاضر من القضايا الرئيسية التي تناولها العلماء المسلمين في مناقشاتهم مع النصارى رجاء هدايتهم للحق في ذلك، وقد اعتنى العلماء في عصر الحروب الصليبية بيان ذلك للنصارى ودعوتهم إلى الإيمان بنبوته عليه السلام، ونبذ معتقداتهم الباطلة حوله، وذلك من خلال ما يلي:
__________
(1) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 224).
(1/732)

- الدعوة إلى الإيمان بنبوّة المسيح عليه السلام من خلال بيان معتقد المسلمين فيه على الإجمال، فما كتب أحد من علماء عصر الحروب الصليبية في مناقشة النصارى إلا ووضح معتقد المسلمين في المسيح صلى الله عليه وسلم، ونعي على النصارى ضلالهم في ذلك قال ابن الجوزي عند قوله تعالى: "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقه" (المائدة، الآية: 75) فيه رد على اليهود في تكذيبهم رسالته وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته والمعنى: أنه ليس بإله وإنما حكمه حكمم من سبق من الرسل (1).

وقال البغوي: أي ليس بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة (2).
__________
(1) زادر المسير في علم التفسير (2/ 306).
(2) معالم التنزيل (3/ 82).
(1/733)

وقال الرازي: أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبل (1)، وعند قوله تعالى: "كانا يأكلان الطعام" (المائدة الآية: 75) قال: وأعلم أن المقصود من ذلك الاستدلال على فساد قول النصارى (2). أي نفيهم نبّوته وإدعائهم الألوهية له. وهكذا كل مفسري هذا العصر لم يغفلوا بيان عقيدة المسلمين في المسيح عليه السلام وفضح ضلال النصارى فيه وذلك في تفسيرهم للآيات التي تتحدث عن عيسى عليه السلام أو النصارى بشكل عام (3). وبعد أن بين القرطبي حيرة اليهود والنصارى في عيسى عليه السلام، وتضارب أقوالهم حوله، وضَّح رحمه الله سبحانه وتعالى ومنّه علينا - نحن المسلمين - وعلى النصارى بأن بعث سيد المرسلين لينزه الله المسيح وأمه على لسان نبيه مما قالته اليهود فيهما، ويشهد ببراءتهما مما نسب إليهما، قال سبحانه. "ما المسيح ابنُ مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمُّهُ صديقه" (المائدة، آية: 75) ثم ذكرّ القرطبي النصارى بموقف النجاشي من عقيدة المسلمين بعيسى عليه السلام حينما أخبره بها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: نقول فيه - أي المسيح عليه السلام - الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فلما سمع النجاشي ذلك ضرب بيده الأرض، وأخذ عوداً منها وقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقة حوله فقال: وإن نخرتم والله (4). ثم خاطب القرطبي النصارى بعد ذلك قائلاً: ... فهذا - أي رأي النجاشي - قول أهل العلم من قبلكم، العارفين بشريعتكم، وما عدا ذلك فشجرته غثاء "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار " (إبراهيم، آية: 26).
__________
(1) التفسير الكبير (6/ 51 - 52).
(2) المصدر نفسه (6/ 52).
(3) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 226).
(4) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، ص 256.
(1/734)

وقد دعا الخزرجي القسيس الذي طلب منه الإيمان بألوهية عيسى إلى الإيمان بنبّوته بعد إيضاح عقيدة المسلمين فيه عليه السلام حيث قال: ونحن بالمسيح ابن مريم رسول الله أولى، قدرناه حق قدره، وقلنا بفضله المعلوم وفخره واعتقدناه بمنزلة تقبلها الأفهام وتليق بالعقول ... "لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً" (النساء، آية: 175)، وتبرأنا من قوم غدوا فيه على طُرفي نقيض: مفتون به ضال، وظالم بغيض (1) ... ثم دعاه إلى الإيمان بنبوة المسيح عليه السلام قائلاً: ... ما أزين بك أن تقول: إن الله خلق عيسى وأمه آية للناس، عبداً ورسولاً، وهي صديقة مباركة وكانا يأكلان الطعام (2).

- الدعوة إلى الإيمان بنبوةّ المسيح عليه السلام من خلال ذكر الأدلة على ذلك من كتب النصارى:
- تصريح المسيح نفسه في الإنجيل بأنه نبيّ مرُسل من الله سبحانه وتعالى، حيث أورد ابن الأنباري نقولا من الأنجيل صرح فيها المسيح بعبوديته ونبوته، ومن ذلك قول المسيح للحواريين: .. أخرجوني من هذه المدينة، فإنه ما أكرم نبيّ في مدينته، حيث أورد هذا النص مع شيء من الاختلاف اليسير الخزرجي في إثباته لنبّوة المسيح عليه السلام (3).
__________
(1) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 128.
(2) دعوة المسلمين للنصّارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 228).
(3) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 131.
(1/735)

- شهادة بعض أنبياء بني إسرائيل له بالنبوَّة، ومنهم أشعيا. قال لوقا: جاء يسوع إلى الناصرة حيث تربى، ودخل كعادته في مجامعهم يوم السبت ليقرأ فدفع إليه سفر أشعيا النبي، فلما فتحه إذا فيه مكتوب (روح الرب عليّ من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين، وأشفي منكسري القلوب، وأنذر المأسورين بالتخلية، والعميان بالنظر، وأبشر بالسنة المقبولة ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم فجعلوا ينظرون إليه، فقال: اليوم كمل هذا المكتوب في سماعكم (1)، قال الجعفري معلقاً على ذلك: فهذه نبوءة من أشعيا على تصديق ودعوى النبّوة والرسالة (2).
- شهادة بعض تلامذته وحوارييه له بالنبّوة: فهذا يوحنا الإنجيلي تلميذ المسيح عليه السلام وحبيبه وأحد مدوني الإنجيل يقول: كان الناس إذا رأوا يسوع وسمعوا كلامه يقولون: هذا النبيّ حقاً (3). قال الجعفري: هذا هو يوحنا الإنجيلي الذي سمي حبيب المسيح يشهد بنبّوته، وهو أحسن أقوال أهل زمانه فيه (4).
- اعتراف أهل زمانه له بالنبوة، وإقراره لهم وعدم الإنكار عليهم ومن ذلك قول متى في إنجيله: لما دنا المسيح وأصحابه من أورشليم، أرسل من جاءه بأتان وجحش، فركب وفرش الناس له ثيابهم، وأرتجت المدينة لدخوله، فقال الجميع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الخليل (5). وقد وضح الجعفري وجه الدلالة من هذا النص، وهو الشهادة للمسيح من أصحابه وأهل زمانه بالنّبوة وعدم إنكاره عليهم، وذلك رضا بما يقولون (6).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 228).
(2) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل للجعفري (1/ 198).
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 229).
(4) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 207).
(5) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 230).
(6) الرد على النصارى، صالح بن الحسين ص 88.
(1/736)

ثم توجه الجعفري باستفهام إلى النصارى غايته دعوتهم إلى الإيمان بنبوة المسيح عليه السلام وذلك بقوله: كيف يسمع - أي المسيح - آلافاً من الناس يشهدون أنه النبيّ الآتي من الناصرة ويقرهم على ذلك، ولا تقوم به الحجة؟ أفيظن متأخرو النصارى يومنا هذا أنهم أعلم بالمسيح ممن رآه وشاهده وصحبه (1)؟. وقد ورد في الإنجيل: أن امرأة رأت المسيح فقالت له: أنت ذاك النبي الذي كنا ننتظر مجيئة؟ فقال لها المسيح: صدقت، طوبى لك أيتها المرأة (2)، فهذه المرأة تسأل المسيح هل هو النبيّ المنتظر؟ ويصدقها المسيح إذ أقرت له بالنبوة، حيث أورد هذا النص المتطبب مستدلاً به على نبوّة المسيح وذلك في مناقشته للنصارى في كتابه النصيحة الإيمانية (3).

- الدعوة إلى الإيمان بنبوةّ عيسى عليه السلام من خلال نفي الألوهية عنه، وإثبات عبوديته لله سبحانه وتعالى، وتفنيد شبه النصارى وأدلتهم على ألوهيته، حيث أسهب علماء هذه الفترة في بحث هذه القضايا ومناقشاتها من خلال ما أورده من أدلة نقلية وعقلية على ذلك (4).

ثالثاً: مناقشة عقائد النصارى: تصدى علماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية لمناقشة معتقدات النصارى إبطالاً لها وتفنيداً لحجج النصارى عليها، وبياناً للحق الذي ضلّ عنه هؤلاء في ديانتهم، وقياماً بواجب الدعوة الذي حصلت به الخيرية لهذه الأمة ومن أهم هذه المعتقدات.
__________
(1) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 230).
(2) المصدر نهفس (1/ 230)
(3) النصيحة الإيمانية ص 109.
(4) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 231).
(1/737)

1 - نقض الأمانة: وثيقة الأمانة، أو ما يعرف بقانون الإيمان عند النصارى، هو أصل عقيدتهم، وهو الذي لا يتم إيمان نصراني إلا باعتقاده، ونص هذه الأمانة ما يلي: نؤمن بالله الواحد الأب ضابط الكل، مالك كل شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقننت العوالم، وخلق كل شيء الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنساناً، وحبل به وولد من مريم البتول، وأوجع وصلب أيام فيلاطس (1) النبطي، ودفن وقام في اليوم الثالث - كما هو مكتوب - وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجئ تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج عن أبيه روح محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية جاثليفية (2)، وبقيامه أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين (3).
ولقد اهتم علماء المسلمين في فترة الحروب الصليبية بهذه الأمانة لمكانتها في الديانة النصرانية حيث ناقشوها مبينين تناقضها وتهافتها، ومن ثم هدم ما يقوم عليها من معتقدات في الديانة النصرانية، ومن وجوه التناقض التي بينها هؤلاء العلماء في هذه الأمانة ما يلي:
- إن فيها الإقرار بوحدانية الله سبحانه ثم نقض ذلك بالشرك، فقولهم فيها: نؤمن بالله الواحد الأب .. " يناقض قولهم أيضاً: ... وبالرب الواحد يسوع المسيح (4).
- إقرارهم فيها بأن الله صانع ما يرى ومالا يرى، ثم قولهم، عن المسيح: .. الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء (5).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 231).
(2) الجاثليقية: والجمع: جثقالة، وهو متقدم الأساقفه (يونانية).
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 236).
(4) المصدر نفسه (1/ 237).
(5) المصدر نفسه (1/ 237).
(1/738)

- قولهم في الأمانة: إن يسوع المسيح ابن الله بكر الخلائق الذي ولد أبيه، مشعر بحدوثه، فلا معنى لكونه ابن الله إلا إذا تأخر عنه، إذ كونهما معاً كما يقر به النصارى مستحيل ببداهة العقول (1).
- قولهم فيها: إن يسوع بكر الخلائق كلها. لا يفهم منه إلا أن المسيح خلقه الله قبل كل الخلائق أي أنه مخلوق مصنوع، وهذا مناقض لما في أمانتهم وهو: ... وليس بمصنوع إله حق من إله حق (2).

وقد ذكر العلماء وجوه من التناقض كثيرة فصلها الدكتور سليمان بن عبد الله الرومي في كتابه القيم دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (3). وقد أبرز العلماء المسلمون كالجعفري والمتطبب والقرافي تهافت هذه الأمانة التي بعدها النصارى أساس ديانتهم والتي لا يصلح إيمان أحدهم إلا باعتقادها، فأصبحوا، بذلك، كما وصفهم القرافي هزأً للناظر ومصنفة للمناظر (4).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 237).
(2) المصدر نفسه (1/ 237).
(3) المصدر نفسه (1/ 237، 238، 239).
(4) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 240).
(1/739)

2 - اختلاف الأتاجيل: الإنجيل: من اللفظ اليوناني أو نجيلون ومعناه خبر طيب (1)، وتأتي بمعنى الحلوان - وهو ما يعطي لمن يأتي بالبشرى، ثم أريد بها البشرى عينها، واستعملها على الكتاب الذي يتضمن هذه البشرى عند النصارى منذ أواخر القرن الأول إلى الوقت الحاضر (2)، حيث يشمل الكتاب العهد القديم والعهد الجديد، فالعهد القديم يعني التوراة والكتب الملحقة بها حيث تضم تسعاً وثلاثين سفراً (3)، والعهد الجديد يعني الأسفار التاريخية والأناجيل الأربعة ورسالة أعمال الرسل والأسفار التعليمية حيث يبلغ تعدادها جميعاً سبعاً وعشرين سفراً والعهد القديم أو التوراة على الرغم من إيمان النصارى به إلا أنهم يفسرون كثيراً من نصوصه تفسيراً يوافق عقائدهم الباطلة كالتثليث وألوهية المسيح وغير ذلك، لعدم استطاعتهم التصرف بنصوصه كالإنجيل لأنه محفوظ عند أعدائهم اليهود (4)، والإنجيل في الأصل هو الكتاب الذي أنزل على عيسى عليه السلام، قال تعالى " وقفينا على ءاثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وءاتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين" (المائدة، الآية: 46). لكن هذا الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام ليس هو الذي بين النصارى اليوم. إذ بين أيديهم الآن أربعة أناجيل انتخبت من عدد غير محدود من الأناجيل، حيث اعتمدت الكنيسة هذه الأربعة بما يسمى بالأناجيل القانونية من بين أناجيل كثيرة تم استبعادها أطلق عليها الأناجيل غير القانونية (5)
__________
(1) نخبة من علماء اللاهوت النصارى ص 120.
(2) المسيحية د. أحمد ص 204.
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصَّليبية (1/ 241).
(4) المسيحية د. أحمد شلبي ص 204.
(5) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 241) ..
(1/740)

وقد كان ذلك سنة 170م وقد بين صاحب قصة الحضارة هذه القضية بقوله: أما الأناجيل فليس أمرها بهذه السهولة، وذلك أن الأناجيل الأربعة التي وصلت إلينا هي البقية من عدد أكبر منها كثيراً كانت في وقت ما منتشرة بين المسيحيين في القرنين الأول والثاني (1). وإذا كانت هذه الأناجيل الأربعة قد تم اختبارها من بين أناجيل كثيرة فلا يستبعد أن يكون الإنجيل الصحيح من بين ما تم استبعاده وحتى هذه الأربعة المعتمدة لم تسلم من الاختلاف فيما بينها بل والتناقض الذي لا يمكن التوفيق فيه وقد تساءل ابن القيم (2)، كيف يكون في الإنجيل الذي أنزل على عيسى قصة صلبه وما جرى له من الألم ثم الموت والقيام من القبر إلى غير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى (3)، وفيما يلي نبذة على ما يسمى عند النصارى بالأناجيل الأربعة القانونية التي أقروها لتوافق التحريفات التي أدخلوها على ديانتهم في مجامعهم المختلفة: مثل إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا (4).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 242).
(2) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصّليبية (1/ 242).
(3) هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص 48.
(4) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصَّليبية (1/ 242).
(1/741)

هذه هي أناجيل النصارى التي عليها عماد ديانتهم، وهي في اعتقاد المسلمين لا يمكن أن تكون الإنجيل الذي أنزله الله عزَّ وجل على عبده عيسى عليه السلام وأحسن أحوالها أن تكون متضمنه لبعض ما أنزله الله جلّ وعلا على عيسى، وكثير مما فيها حرف بلفظه أو بمعناه قال: "يُحرفون الكلم عن مواضعه" (المائدة، الآية: 13). قال القرطبي: أي يتأولونه على غير تأويله ويلقون ذلك إلى العوام (1). ولمكانة الأناجيل عند النصارى، لكونها عماد ديانتهم، وأساس ضلالهم بما حرفوا فيها، فقد اهتم بعض من العلماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية بدارستها مبينين تناقضها وعدم الطمأنينة إلى ما فيها، وإظهار ذلك للنصارى هدما لأساس عقائدهم الباطلة، ورغبة في هداية من شاء الله هدايته منهم، فهذا الجعفري يوضح أن مَن وقف على التناقض في الإنجيل، ومصادمة بعضه بعضاً يشهد بأنه ليس هو الإنجيل الحق المنزل من عند الله، وأن أكثره من أقوال الرواة وأقاصيصهم، وأن نقلته أفسدوه ومزجوه بحكاياتهم وألحقوا به أموراً غير مسموعة من المسيح ولا من أصحابه.
وهو ليس إنجيلاً واحداً بل أربعة أناجيل كتب كل واحد منها في قطر من الأقطار، بقلم غير قلم الآخر، وتضمن كل كتاب أقاصيص وحكايات أغفلها الكتاب وإذا كان الأمر كذلك فقد انخرمت الثقة بهذا الإنجيل، وعدمت الطمأنية بنقلته (2)، ثم أورد الجعفري نماذج عديدة تبين تحريف الإنجيل وتناقضه ومن ذلك:
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن (6/ 77).
(2) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصَّليبية (1/ 246)
(1/742)

- قال متى: من يوسف خطيب مريم - وهو الذي يسمى يوسف النجار ... إلى إبراهيم الخليل اثنتان وأربعون ولادة (1) وقال لوقا: لا ولكن بينهما أربع وخمسون ولادة (2). ثم عقب الجعفري على ذلك بقوله: وهذا تكاذب قبيح (3) ..
- نصان آخران أحدهما عند لوقا يصف المسيح عليه السلام بأنه سيملك على بني إسرائيل (4)، ونص آخر عند يوحنا يصف المسيح عليه السلام بأنه الضعيف الذليل (5). حيث عقب عليهما الجعفري بقوله: وهذا تكاذب قبيح، لأن أحدهما يقول: إن يسوع يملك على بني إسرائيل، والآخر يصفه بصفة ضعيف ذليل (6).
__________
(1) الكتاب المقدس، إنجيل متى، الإصحاح (1/ 16).
(2) الكتاب المقدس، إنجيل متى، الإصحاح (1/ 16).
(3) المصدر نفسه إنجيل لوقا، الإصحاح (3/ 23 - 34).
(4) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 285).
(5) الكتاب المقدس، إنجيل يوحنا (19/ 1 - 11).
(6) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 246).
(1/743)

وهكذا استطرد الجعفري بذكر نماذج من تحريف الإنجيل وتناقضه في اثنين وخمسين موضعاً، عقب بعد عرضها بقوله: فهذا كتاب قد تلاعبت به بنيات الطرق وتزاحمت به تراجمة الفرق، وولد من لسان إلى لسان، وعبث به التحريف والتصحيف في كل زمان (1)، وخاطب الخزرجي أحد قساوسة النصارى بقوله: ... أنا جيلكم إلا حكايات، وتواريخ، وكلام كهنة، وتلاميذ وغيرهم، حتى إني أحلف بالذي لا إله إلا هو أن تاريخ الطبري عندنا أصح نقلاً من الإنجيل، ويعتمد عليه العاقل أكثر، مع أن التاريخ عندنا لا يجوز أن ينبني عليه شيء من أمر الدين (2). ثم أورد الخزرجي في نقاشه مع القسيس أمثلة على تنقض الإنجيل مبتدئاً لها بقوله: وفي الإنجيل الذي بأيديكم كثير من المتناقضات (3)، ثم ذكر كثيراً من الأدلة على ذلك ثم وجه خطابه للقسيس قائلاً: أخبرني أيها المغرور عن هذا الخلاف، أتعده تتميماً أو نقصاً لشريعة من سبقه (4)؟ وأخيراً بعد أن انتهى الخزرجي من سرد الأمثلة الكثيرة على تناقض الإنجيل وبين أن فيها الكفاية على تهافت الأناجيل، والدليل على ما اشتملت ... عليه من الزلل والأباطيل، بعد ذلك تساءل قائلاً: فليت شعري أين هذا الإنجيل المنزل عند الله؟ وأين كلماته من بين هذه الكلمات (5). وقد بين القرافي أنه لكثرة التحريف والتبديل من الإنجيل وكثرة كتبته واختلاف طوائف النصارى فيه فلا يمكن والحال هذه تمييز الكلام الذي أنزله الله عن غيره حيث قال: وأما النصارى فلا يتعين لهم شيء مما أنزل الله تعالى أبداً (6) وفي موضع آخر وصف القرافي كتب النصارى بقوله: ...
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 248).
(2) المصدر نفسه (1/ 248).
(3) المصدر نفسه (1/ 248).
(4) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 155.
(5) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهلها الإيمان ص 157.
(6) الأجوبة الفاخرة ص 27.
(1/744)

ومن طالع كتبهم وأناجيلهم وجد فيها من العجائب ما يقضي له بأن القوم تفرقت شرائعهم وأحكامهم، ونقولهم، .. وأن القوم لا يلتزمون مذهباً، والعجب أن أناجيلهم حكايات، وتواريخ ومجريات وكلام كفرة وكهنة (1). ثم أورد بعد ذلك خمسة عشرة مثالاً من تناقضات الأناجيل تدل على تغييرها وتبديلها وعدم الوثوق بشيء منها (2)، وهكذا من ومصادمة بعضها بعضا وإبراز العلماء المسلمين لاختلاف الأناجيل وتناقضها ومصادمة بعضها بعضا وإيراد الأمثلة على ذلك، إيضاح بما لا يدع مجالاً للشك لضعف ما بنى عليه النصارى عقائدهم الذي يعدونه أساس ديانتهم (3).

3 - مناقشة قولهم في المسيح عليه السلام: المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بشر مخلوق ليس بإله ولا ابن إله، قال تعالى: "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل" (الزخرف، آية: 59) وقال سبحانه وتعالى"ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" (المائدة، آية 75). وما أدعى عليه السلام الربوبية ولا الألوهية، ولم يأمر أحداً باتخاذه إلهاً، بل إنه عبد الله ورسوله كما قال الله سبحانه فيما حكاه عنه: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم" (المائدة، آية: 117).
وقد عاش المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام يدعو إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وكان قدوة صالحة في ذلك قال تعالى: "قال إني عبد الله ءاتاني الكتاب وجعلني نبياً* وجعلني مباركاً، أين ما كنت وأوصاني بالصَّلاة والزكاة ما دمت حياً" (مريم، الآيتان: 30 - 31) ولما بلغ رسالة ربه وأراد به أعداؤه كيداً نجاه الله منهم، وذلك برفعه إليه قال الله تعالى: "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك ومُطهُركَ" (آل عمران، آية: 55).
__________
(1) المصدر نفسه ص 27
(2) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 250).
(3) المصدر نفسه (1/ 250).
(1/745)

وقال سبحانه وتعالى: "وما قلتوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم" (النساء، الآية: 157) وقد ضل النصارى في المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ضلالا بعيداً إذ اعتقدوا فيه الألوهية، وجعلوه إبنا لله نزل ليصلب ويقتل فداءً للبشرية، وتكفيراً لخطيئة أبيهم آدم (1) ولقد ناقش العلماء المسلمون في عصر الحروب الصليبية عقيدة النصارى بالمسيح نقاشاً مستفيضاً، فضحاً لباطل النصارى في ذلك، وبياناً للحق الذي لُبس على عامتهم فأسهبوا في ردودهم على النصارى في إبطال اتخاذهم المسيح أحد ثلاثة آلهة، ورد ادعائهم فيه الاتحاد والتجسد، ونفي الألوهية عنه، وهدم زعمهم نبوته لله - تعالى الله عن ذلك، وتفنيد ما أدعوه من قتله وصلبه وفيما يلي عرض لبعض جهودهم في ذلك:
__________
(1) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 251).
(1/746)

أ- إبطال التثليث: إتخذ النصارى المسيح عليه السلام إلهاً بجعله واحداً من ثلاثة وقد بدأ بذرة التثليث في النصرانية بولس، بعد المسيح عليه السلام، حيث استقرت فرقها المختلفة على هذه العقيدة بعد ذلك في مجمع نيقية عام 325م بتأليه الأب وتأليه الابن، ثم تأليه روح القدس في مجمع القسطنطينية عام 381م، وعرفت هذه العقيدة بالتثليث. وكان النصارى قبل مجمع نيقية مختلفين بين موحدين ومشركين على ديانة بولس حتى جمعهم قسطنطين (1)، على الشرك بالله في هذا المجتمع (2)، وإيمان النصارى بالتثليث سماعاً وتقليداً بما ورثوه عن آبائهم مع هدم الخوض في كنه هذه العقيدة أو التعمق فيها قال أحدهم: .. وهذه - أي التثليث - حقيقة تفوق الإدراك البشري عن إدراكها (3)، وقال أحد القساوسة: إن الثالثوث سر يصعب فهمه وإدراكه كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه (4) ولهذا التعقيد في فهم عقيدة التثليث لدى النصارى اختلفوا في تحديدها وفي المراد منها (5).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 252).
(2) مجموعة الشرع الكنْسي، حنانيا، إلياس كساب ص 40.
(3) حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص 53.
(4) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصّليبية (1/ 253).
(5) المصدر نفسه (1/ 253).
(1/747)

وقد عرض بعض العلماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية عقيدة التثليث لدى النصارى كما يعتقدونها، حيث قال نصر بن يحي المتطبب: إن الله سبحانه وتعالى جوهر واحد وثلاثة أقانيم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنها - أي الذات الإلهية - واحدة في الجوهر مختلفة الأقانيم (1) وقال القرافي في عرض عقيدة التثليث عند النصارى: ... النصارى مجمعون على القول بالثالوث، وهو أن ربهم أب، وابن، وروح فالأب الذات، والابن النطق الذي هو الكلام النفساني والروح الحياة، فالأب جوهر، واختلفوا في الكلام والحياة هل هما صفتان للأب أو ذاتان قائمتان بأنفسهما، أو خاصيتان لذلك الجوهر (2)؟ وبعد عرض هؤلاء العلماء لعقيدة التثليث لدى النصارى تصدوا لمناقشتها وتفنيد أدلتهم عليها على النحو التالي:

- بيان فساد هذه العقيدة وكفر من يعتقدها ابتداءً: ففي تفسير قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إلهٌ واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليَمَسَّسنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم* أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم" (المائدة، الآية: 73 - 74). قال ابن عطيه بعد أن بين أن هذا القول لبعض فرق النصارى: .. وهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الإلهية عدداً ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكماً إلهياً .. ثم توعد تبارك وتعالى هؤلاء القائلين هذه المقولة الكفرية العظيمة بمس العذاب بالدنيا من القتل والسبي، وبعذاب الآخرة بعد لا يفلت منه أحد (3) وبعد أن وضع الرازي تثليث النصارى عقب لقوله: .. ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى (4).
__________
(1) النصيحة الإيمانية ص 56 - 57 محمد الشرقاوي.
(2) الإجوبة الفاخرة ص111.
(3) المحرر الوجيز (5/ 161 - 162).
(4) تفسير الرازي (6/ 51).
(1/748)

وقال الجعفري: .. عند النصارى ثلاثة ألهة قديمة أزلية .. وذلك باطل وكفر (1). وقال القرطبي: .. وفيه - أي التثليث - خروج عن التوراة والإنجيل والمزامير والنبوات وسائر الكتب (2).

- إيراد الأدلة من كتب النصارى على وحدانية الله: حيث ساق كثير من العلماء في معرض مناقشتهم للنصارى وإبطالهم لعقيدة التثليث لديهم الأدلة من التوراة والإنجيل التي تثبت وحدانية الله سبحانه وتعالى وتنقص التثليث الذي يعتقدونه، فمنها أورده الجعفري من ذلك قول الله في التوراة: يا موسى أنا الله أنا إله غيور، أنا الله وحدي، وليس معي غيري (3).

وقوله لموسى عليه السلام: لا يكن لك إله غيري (4). ومن الأدلة التي أوردها القرافي من التوراة على التوحيد وإبطال التثليث قول الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل: أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر من بيت العبودية لا يكون لكم إله غيري (5). ومن الإنجيل قول يوحنا: إن المسيح رفع بصره إلى السماء وتضرع إلى الله وقال: إن الحياة الدائمة تجب للناس أن يعلموا أنك أنت الله الواحد الحق، وأنك أرسلت يسوع المسيح (6)، ثم علق القرافي على ذلك بقوله: وهذا هو التوحيد المحض (7)
__________
(1) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (2/ 582).
(2) الجامع لأحكام القرآن (3/ 161).
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 256).
(4) المصدر نفسه (1/ 256).
(5) المصدر نفسه (1/ 256).
(6) المصدر نفسه (1/ 257.
(7) أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية ص 59.
(1/749)

- إبطال عقيدة التثليث من خلال بيان اختلاف النصارى في تفسير هذه العقيدة اختلافاً شديداً، حتى أن بعض فرقهم تكفر البعض الآخر وفي مناقشة القرافي لذلك وضح أن اختلافهم في أصل ديانتهم دليل على أنهم ليسوا على دين، ولا في شيء من أمرهم على يقين (1) وقال القرطبي في ثنايا عرضه لعقيدة التثليث لدى النصارى، وسياقه لاختلافاتهم فيها: .. وهم مع ذلك فيما ذكرناه من الأقاليم مختلفون، وبالحيرة عمون (2). وقال: وإذا وقفت على هذه الأقاويل الضعيفة والآراء السخيفة لم تشك في تخبطهم في عقائدهم وحيرتهم في مقاصدهم (3).

- إبطال عقيدة التثليث من خلال تفنيد أدلة النصارى عليها:
حيث عرض بعض العلماء المسلمين أمثلة من أدلة النصارى على عقيدة التثليث، بياناً لهشاشتها، وإيضاحاً لضعفها ومن ثم: إبطالاً لهذه العقيدة المعتمدة عليها (4).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 258).
(2) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 80.
(3) المصدر نفسه ص 81.
(4) دعوة المسلمين للنّصارى (1/ 259).
(1/750)

- بيان فساد عقيدة التثليث بالأدلة العقلية: وقد توسع العلماء المسلمون في عصر الحروب الصليبية في إبطالة عقيدة التثليث من خلال طلبهم من النصارى عرض هذه العقيدة على العقل السليم المجرد من الهوى وتحكيمه فيها، وسيظهر لهم فساد ماهم عليه ومن ذلك أنه قد كتب أحد علماء النصارى في الأندلس كتاباً سماه – تثليث الوحدانية – وبعث به إلى المسلمين في قرطبة، فرد عليه القرطبي منتقداً عنوان الكتاب، وموضحاً، أن قوله: تثليث الوحدانية – مركب من مضاف ومضاف إليه، فالتثليث تعدد وكثرة والوحدانية مأخوذة من الوحدة، ومعناها راجع إلى نفي التعدد والكثرة، فمعنى هذا القول – تكثير مالا يتكثر – وتكثير مالا يتكثر باطل بالضرورة (1)، وألزم الجعفري النصارى بلوازم لا مفر لهم منها في قولهم بالتثليث، فإن كانوا يقولون: إن الثلاثة بمجموعها إله واحد، وإن كل واحد على انفراده ليس بإله فإنهم حينئذ يخالفون أمانتهم التي هي أصل إيمانهم والتي يقولون فيها: إن الأب إله واحد، وإن الابن إله واحد، وإن روح القدس إله واحد (2). وإن قالوا: إن الإله أحدهم والباقي صفات له أبطلوا ثالوثهم، وفسدت أمانتهم ووافقوا المسلمين في أن الإله تعالى واحد وله صفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وإن شيئاً من الصفات ليس بإله وإنما الإله ذات موصوفة بالصفات (3)،
__________
(1) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 47.
(2) الرد على النصارى، ص 78 - 79.
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 263) ..
(1/751)

وإن أثبتوا الإلهية لكل واحد من الثلاثة فإنهم حينئذ كالثنوية من المجوس الذين يقولون بأصلين قديمين مدبرين للعالم، حيث وضع ابن الأنباري استحالة ذلك وأن الله سبحانه وتعالى بين هذا الأمر بقوله جلّ وعلى:" ولعلا بعضهم على بعض" (المؤمنون، آية: 91) وقوله سبحانه وتعالى ""لو كان فيهما، ءالهة إلا الله لفسدتا" (الأنبياء، آية: 23) (1).

ب- إبطال الاتحاد والتجسد: بقصد بالإتحاد والتجسد: أن الأقنوم الثاني الابن قد صار جسداً لأجل بني الإنسان وتخليصهم من خطيئة أبيهم فاتخذ طبيعة البشر وحل بين الناس بصورة إنسان هو المسيح، فقبل الله اتخاذ الحالة البشرية والتقي الإنسان مباشرة بهذه الصورة (2)، حيث صار في السيد المسيح طبيعتان: طبيعة لا هوتية، التي هي طبيعة كلمة الله وروحه، وطبيعة ناسوتية التي اتخذت من مريم العذراء واتخذت (3) به قال الجعفري: ... وزعم النصارى أن ربهم عبارة عن لاهوت وناسوت واتحدا فصارا مسيحاً وكثيراً ما يقولون: اتحد اللاهوت بالناسوت، ويعبرون عن ذلك بالتأنس والتجسد (4) وكلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت متناقض ومضطرب ولهذا يقال: لو اجتمع عشرة من النصارى لتفرقوا على أحد عشر قولا. بل إن الأمر بلغ في ذلك أن كل فرقة منهم تكفر الأخرى (5) ومن خلال ردود العلماء المسلمين على النصارى في فترة الحروب الصليبية، ناقشوا هذه العقيدة إما بشكل مستقل، أو ضمن مناقشتهم لقضايا أخرى كألوهية المسيح عليه السلام، أو نبوته لله، أو في ردهم لعقيدة التثليث وكان من إبطالهم لدعوى الاتحاد والتجسد ما يلي:
__________
(1) الداعي إلى الإسلام للأنباري ص 362.
(2) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 264).
(3) الحروب الصحيح لمن يدل دين المسيح لابن تيمية (4/ 76).
(4) الرد على النصارى ص 65.
(5) الجواب الصحيح لمن يدل دين المسيح (4/ 76).
(1/752)

- إن الاتحاد الذي يدعونه لم يشاهدوه بالعيان، ولم يدعيه أوائلهم، حيث وضح الجعفري أنهم إن ادعوا شيئاً من ذلك فقد تحامقوا وأكذبهم عقلاؤهم (1).
- إن أقوال المسيح عليه السلام بأنه إنسان تكذبهم في هذه الدعوى ومن ذلك قوله لليهود: لم تريدون قتلي؟ وأنا إنسان من بني آدم كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله (2) وقوله: للثعالب أحجار، ولطير السماء أوكار وابن الإنسان ليس له موضع يسند رأسه (3). فبين الجعفري أن المسيح عليه السلام بهذه النصوص وغيرها أثبت أنه إنسان، وذلك تكذيب لمن يقول إنه إنسان وإله (4).
__________
(1) الرد على النصارى ص 65.
(2) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 265).
(3) المصدر نفسه (1/ 2654).
(4) المصدر نفسه (1/ 265).
(1/753)

- وأشار الجعفري إلى تصريح الإنجيل، بأن المسيح عليه السلام جاع وشبع وتألم واعترضته عوارض البشر، فذلك كله يبطل الاتحاد الذي يزعمه النصارى لأن هذه الأوصاف تنافي الألوهية (1). وأما من أبرز حجج النصارى على الاتحاد قول المسيح عليه السلام: أنا بأبي وأبي بي (2)، حيث يقولون: إن هذا تصريح من المسيح بأنه متحد بالله والله متحد به (3) فبعد أن أورد الجعفري هذه الحجة لهم رد عليهم بقول يوحنا: تضرع المسيح إلى الله في تلاميذه فقال: أيها القدوس أحفظهم باسمك ليكونوا هم أيضاً شيئاً واحداً كما أنا شيء واحد، قد منحتهم من المجد الذي أعطيتني ليكونوا شيئاً واحداً، فأنا بهم وأنت بي (4)، ثم وضح معنى ذلك بأنك يا إلهي معي وأنت لي، وأنا أيضاً مع أصحابي وأنا لهم، وكما أنك أرسلتني لأدعو عبادك إلى توحيدك فكذلك أنا أرسلتهم ليدعو إليك، فكن لهم كما كنت لي (5). ثم أكد الجعفري أن هذا هو التأويل الصحيح لقول المسيح، وإن عدل عنه فيلزم منه حلول الله سبحانه في رجل من خلقه وأن يكون التلاميذ أيضاً متداخلي مع المسيح ويكون المسيح متداخلاً معهم، ومعنى ذلك، أن الله أيضاً حال في التلاميذ حالون في الله، وهذا. مالا يقولون به النصارى (6).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 266).
(2) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 268).
(3) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 412).
(4) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 269).
(5) تخجيل من خرف التوراة والإنجيل (1/ 413).
(6) دور بولس في إفساد النصرانية ص 216.
(1/754)

ج- نفي الألوهية عن المسيح: قال تعال: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" (المائدة، آية:17) وتأليه المسيح قد بدأت بوادره في حياته عليه السلام، واستمر هذا الانحراف بتأثير الفلسفات القديمة والديانات الوثنية السائدة في المناطق التي انتشرت فيها النصرانية حيث تسربت إليها مع بولس اليهودي من دور كبير في هذا الانحراف بديانة النصارى وإفسادها عقيدة وشريعة (1)، وبذلك انقسم النصارى بعد المسيح عليه السلام إلى قسمين: طائفة جنحت للشرك بالله بتأليه المسيح ونبوته وقد استمر هذا الوضع والنزاع في طبيعة المسيح عليه السلام حتى مطلع القرن الرابع الميلادي حين حمل لواء التوحيد – أريوس المصري (2)، الذي أنكر معتقدات بولس وقرر أن المسيح ليس إلها ولا ابن إله (3) واشتد الصراع لذلك بين أتباع وثنية بولس وتوحيد أربوس، حتى دخل قسطنطين حاكم الرومان بالنصرانية فأمر بعقد مجمع ديني ضخم لجميع الكنائس، وذلك للفصل في أمر الخلاف بين أريوس ومعارضيه، حيث عقد مجمع نيقيه سنة 325م الذي حضره ألف وثمانمائة وأربعون من الأساقفة الذين اشتد الخلاف بينهم في طبيعة المسيح حتى انسحب أكثرهم ولم يبق إلا ثلاثمائة وثمانية عشرة أسقفاً وكان قسطنطين لخلفيته الوثنية يميل إلى رأي تأليه المسيح عليه السلام، فأيد هذا الرأي وانتهى هذا المجمع إلى قرارات أهمها القول بألوهية المسيح وتكفير أريوس وأتباعه (4).

وقد تصدى العلماء المسلمون في فترة الحروب الصليبية إلى مناقشة دعوى ألوهية المسيح عليه السلام وتفنيد أدلة النصارى وشبههم التي يعتمدون عليها في ذلك وكان إبطال هذه العقيدة على النحو التالي:
__________
(1) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 269).
(2) المصدر نفسه (1/ 270).
(3) المصدر نفسه.
(4) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 270).
(1/755)

- بيان كفر من يؤمن بهذه العقيدة ابتداءً، إذ وضح القرطبي كفر النصارى، إذ غلوا بالمسيح عليه السلام حتى جعلوه إلهاً (1). وذكر ابن الجوزي أن الذين كفروا من النصارى هم المقيمون على اعتقاد الألوهية بالمسيح (2) عليه السلام. وقال عطية عن النصارى: ... إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الإلهية عدداً، ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكماً إلهياً (3). وقال الجعفري: وأما النصارى فإنهم مجمعون على ألوهية المسيح واعتقاد ربوبيته وأنه الإله الذي خلق العالم وجبل بيده طينة آدم (4)، ثم ناقش فساد هذه العقيدة مبيناً كفرهم وبطلان معتقدهم، ومنزهاً الله عن كفرهم وضلالهم تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً (5).

- عدم ذكر عقيدة الألوهية في المسيح من الأنبياء السابقين: حيث وضح القرافي ذلك وعليه فالنصارى إما أنهم يكفرون بهؤلاء الأنبياء المذكورين في كتبهم لنسبتهم الجهل بخالقهم وإما أنهم يكذبون بكتبهم، إذ ليس فيها حرف واحد يدل على أن أحداً من هؤلاء الأنبياء قال: إن المسيح إله (6).
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن (3/ 176)
(2) زاد المسير (2/ 306)
(3) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 271)
(4) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 165)
(5) دعوة المسلمين للنصارى (1/ 271)
(6) المصدر نفسه (1/ 271)
(1/756)

- نفي المسيح عليه السلام الألوهية عن نفسه، وتصريحه بذلك في التوراة والإنجيل، حيث استشهد عدد من العلماء بنقول منهما توضح ذلك، منها ما أورده القرافي من أن الشيطان قال ليسوعَ: .. اسجد لي وأعطيك ملك الأرض، قال له يسوع: اذهب عني يا شيطان: إن الله أمر في التوراة ألا يسجد لغيره، ولا يعبد إله سواه (1)، فدل ذلك على أنه كان متعبداً بأحكام التوراة ولا متعبد إلا مكلف مربوب (2).

- إبطال ألوهية المسيح عليه السلام بأدلة عقلية منها:
- حاجة المسيح عليه السلام إلى الأكل والشرب واتصافه بالصفات البشرية الأخرى التي تستحيل على الإله:
قال البوصيري:
أسمعتم أن الإله لحاجة
يتناول المشروب والمأكولا ... وينام من تعب ويدعو ربه
ويرود من الحر الهجير مقيلا ... ويمسه الألم الذي لم يستطع
صرفاً له عنه ولا تحويلا (3)

وقال نصر بن يحيي المتطبب: ... تقولون – أي النصارى
- إنه بقي مدة الحمل في أحشاء مريم، واغتذى بدم طمثها ورضع لبنها، وأكل، وشرب، ويخضع، ويذل، ويمتهن، ويعذب بكل أنواع العذاب، ويتألم ... وهذه جميعها من صفات البشر وليس من صفات من يدعى له بالألوهية (4).
وبمثل ذلك احتج الجعفري على النصارى في نفي الألوهية عن المسيح (5).
__________
(1) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 272).
(2) أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية ص 60.
(3) منظومة البوصيري في الرد على النصارى ص 60.
(4) منظومة البوصيري في الرد على النصارى واليهود ص 7.
(5) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 273).
(1/757)

- عجز المسيح عليه السلام عن المدافعة عن نفسه حينما صلب بزعمهم ينفي عنه الألوهية: حيث وضح الرازي أنه إذا كان إلهاً، أو ابن إله، أو كان جزء من الإله حالاً فيه، فلم لم يدافع عن نفسه، ولم يهلك أعداءه المتربصين به مع قدرته على ذلك، وأي حاجة له بإظهار الجزع واحتمال الألم والتعرض للإهانة (1).

- وقرر الخزرجي النصارى بما يعتقدونه من أن الرب صعد فصار على يمين الرب وآثر الصلب. ثم ناقشهم متسائلاً عن هذين الربين أيهما خلق صاحبه، فالمخلوق إذا ضعيف عاجز ليس إله وهل هذان الربان إذا أرادا أمراً فلمن الحكم منهما، فالذي له الحكم هو الرب القادر، والآخر عاجز ليس بإله (2)، ثم خاطب الخزرجي النصارى بقوله تعالى: "لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عمّا يصفون" (الأنبياء، الآية: 22) وقوله: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إلهٍ إذا لذهب كُلُّ إلهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سُبحانَ الله عمّا يصفون" (المؤمنون، الآية:91).

- وعرض الجعفري قول النصارى إن المسيح عليه السلام هو إله العباد وخالقهم ورازقهم وبارئهم ومدبرهم في جميع أحوالهم، ثم تساءل: كيف كان حال الوجود والإله في اللحود (3)؟. ومن الذي كان يقوم برزق العباد ويدبر شؤونهم وإلههم مصلوب (4).

- وبين الجعفري زعم النصارى أن المسيح خلق آدم وذريته أجمعين، ثم اعترض عليهم بقوله: ... فمريم من خلقها؟ فإن قالوا: ليست من خلقه نقضوا مقالهم، وإن زعموا أنه خلقها فيقال لهم: .. كيف تلد المسيح وهو خالقها؟ أم كيف ترضعه وهو رازقها؟، أسمعتم يا معشر العقلاء بإمرأة ولدت خالقها، وأرضعت ثديها رازقها؟
__________
(1) المصدر نفسه ص 284 - 285.
(2) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 178 - 179.
(3) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 396).
(4) دعوة المسلمين للنصّاى في عصر الحروب الصليبية (1/ 275).
(1/758)

- وسأل القرافي النصارى، هل الإله يعلم الغيب أم لا، فإن قالوا: لا كذبتهم كتبهم لإثباتها ذلك وإن قالوا: نعم بطل اعتقادهم الألوهية بالمسيح لأن نصوص الإنجيل توضح عدم علمه بالمغيبات (1).
- إبطال ألوهية المسيح عليه السلام من خلال تنفيذ شبه النصارى التي يستدلون بها على ذلك.
- مما يستدل به النصارى في إثباتهم الألوهية للمسيح عليه السلام، أنه نفخة من روح الله بعد أن سواه من تراب (2).
ثم قال مخاطباً أحد قساوسة النصارى: ... فلماذا أوجب الألوهية لعيسى ولم توجبها لآدم وأنت تقر له بروح من الله في حجاب من تراب (3).
__________
(1) المصدر نفسه (1/ 275).
(2) الأجوبة الفاخرة ص 106، 107.
(3) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 129.
(1/759)

- مما يعتمد عليه النصارى في إثباتهم الألوهية للمسيح عليه السلام معجزته التي أجراها الله على يديه، تأييداً له، وتصديقاً لنبوته وقد ناقش نصر بن يحي المتطبب ذلك مبيناً أن يلزمهم في إثباتهم الألوهية للمسيح بسبب معجزاته إثباتها أيضاً لبقية الأنبياء الذين أجرى الله سبحانه وتعالى على أيديهم مثل هذه المعجزات ثم أورد أمثلة لمعجزات الأنبياء السابقين لعيسى عليه السلام من التوراة والإنجيل، ومع ذلك لم يكن أحد منهم بها إلهاً أو ينسبه أحد إلى الألوهية، ففي سفر الملوك ورد أن إلياس أحيا ابن الأرمل، واليسع أحيا الإسرائيلية وحزقيال أحيا خلقاً كثيراً، وأخبرت التوراة أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت، وموسى طرح العصا فصارت حية لها عينان تبصران بها وفي إنجيل لوقا ورد أن اليسع أبرأ أبرصا وأبرص صحيحاً، وهذا أعظم من فعل المسيح، ولم يكن واحد من هؤلاء الأنبياء بمعجزاته إلهاً، فلم تثبت الألوهية بها للمسيح فقط (1)؟ ووضح القرافي بطلان جعل المعجزة دليلاً على الألوهية من خلال إيراده مجموعة من معجزات الرسل عليه السلام ولم يكونوا بها آلهة أو يدعيها أحد لهم (2).
__________
(1) النصيحة الإيمانية ص 104 - 105.
(2) دعوة المسلمين في عصر الحروب الصليبية (1/ 276).
(1/760)

- نفي بنوة المسيح لله سبحانه وتعالى: مما يعتقده النصارى بنوة المسيح عليه السلام لله سبحانه وتعالى:"وقالت النَّصارى المسيح ابن الله" (التوبة، الآية: 30)، وأن الابن مساوٍ للأب في الوجود وأن الأب خلق العالم بواسطة الابن الذي نزل بصورته البشرية فداء لبني آدم، وهو الذي يتولى محاسبة الناس يوم القيامة، ويصرحون بذلك بأمانتهم التي لا يتم إيمان نصراني إلا بها: نؤمن بالله الواحد الأب ضابط الكل، مالك كل شيء، صانع ما يرى ومالا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوام كلها، وليس بموضوع إله حق من إله حق (1) وقد تصدى علماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية إلى مناقشة هذه العقيدة الضالة وبيان فسادها وكان ذلك على النحو التالي:

- بيان فساد هذه العقيدة وكفر من يعتقدها ابتداء:
قال القرطبي: .. وظاهر قول النصارى أن المسيح ابن الله إنما أرادوا نبوة النسل، كما قالت العرب في الملائكة .. هذا أشنع الكفر (2). وقال الجعفري بعد أن عرض عقيدة النصارى في بنوة المسيح لله: وأعلم أن هذه دعوى ملفقة وعقيدة هامتها بسيوف أدلة الإسلام مغلقة والدليل على فسادها المعقول والمنقول (3)، وقد بين الرازي: أن نسبة المسيح عليه السلام إلى البنوة لله سبحانه وتعالى أفحش أنواع الكفر، وأن ذلك من دسائس بولس في ديانه النصارى بعد رفع عيسى عليه السلام (4).
__________
(1) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (2/ 501).
(2) الجامع لأحكام القرآن نقلاً عن دعوة المسلمين للنصارى (1/ 277).
(3) الرد على النصارى ص 57.
(4) تفسير الرازي (8/ 28).
(1/761)

- ذكر الأدلة من كتب النصارى على نفي بنوة المسيح: حيث أورد بعض العلماء مجموعة من الأدلة من كتب النصارى تدل دلالة صريحة على نفي بنوة المسيح لله كما يدعيها النصارى، ومن ذلك ما أورده الجعفري من إنجيل مرقص حيث قال: خرج المسيح وتلاميذه إلى البحر وتبعه جمع كثير، فأبرأ أعلالهم وشفاهم، فجعلوا يزدحمون عليه ويقولون: أنت ابن الله؟ فكان ينهاهم (1)، ونص آخر أورده الجعفري وهو أن لوقا قال: كان كل من له مريض يأتي به إلى يسوع فيضع يده عليه فيبرأ فيقول: أنت ابن الله، فكان ينهرهم ولا يدعهم ينطقون بهذا (2). ثم علق الجعفري بعد هذه النصوص بقوله: فهذا الإنجيل يكذب من يدعي ذلك على السيد المسيح – أي أنه ابن الله (3).

وقد وضح العلماء بعض الأدلة العقلية في نفي بنوة المسيح لله عز وجل والتي منها:
- عجز المسيح عليه السلام عن المدافعة عن نفسه حينما أراد به أعداؤه كيداً حيث وضح الرازي أنه لو كان إلها أو ابن إله، أو كان جزء من الإله حالاً فيه لم يهلك أعداءه المتربصين به مع قدرته على ذلك، وأي حاجة إلى إظهار الجزع واحتمال الألم والتعرض للإهانة (4)، بل أين والده عنه وهو القادر على كل شيء، حيث ساق القرافي أبيات شعرية ضمن مناقشته للنصارى متسائلاً فيها عن ضعف ابن الإله وعدم مدافعة والده عنه:
عجبي للمسيح بين النصارى ... وإلى أي والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا
إنهم بعد قتله صلبوه ... وإذا كان ما يقولون حقاً
وصحيحاً فأين كان أبوه (5)
__________
(1) انجيل لوقا الإصحاح (3/ 7 – 12).
(2) انجيل لوقا الإصحاح (4/ 41).
(3) الرد على النصارى للجعفري ص 61.
(4) دعوة المسلمين للنّصارى (1/ 278).
(5) الأجوبة الفاخرة ص 59.
(1/762)

- ولعجز المسيح وهو ابن الله بزعم النصارى عن المدافعة عن نفسه، فالأولى لهم عقلاً أن يعبدوا عدوه الذي استطاع بزعمهم قتله وصلبه، فهم يقولون: إن المسيح بعد إيذائه وقتله وقيامه من بين الأموات صعد ليجلس على يمين أبيه يستريح ثم سيعود لمحاربة عدوه (1). وعلق القرافي على ذلك قائلاً: .. وما أجدرهم بأن يعبدوا الآن عدوه ويتركوه فإن الغلب الآن لعدوه والمتوقع في المستقبل لا يدري كيف هو، ولعل الكسرة في النوبة الثانية تكون أعظم (2).

- أن المسيح وهو ابن الله بزعم النصارى معترض على قضاء الله متبرم من لقائه وهو أولى الناس بالرضاء والرغبة في لقاء الله، إذ وضع القرافي أن النصارى مقرين أن المسيح تألم وتبرم عند قتله وصلبه وقال: إلهي إلهي لم خذلتني (3) ويعتقدون أنه نزل ليصلب إيثاراً للعالم بنفسه تخليصاً لهم من الشيطان ورجسه، ثم تساءل القرافي: كيف لا يرضى ابن الله بقضاء الله، وهو سوف يذهب للقاء والده، فينبغي أن يكون ولد الرب الأثبت عند المصائب، والأكثر رغبة في لقاء والده (4).

- وقد نفى نصر بن يحي المتطبب بنوة المسيح عليه السلام لله سبحانه وتعالى باعتراضه على النصارى من خلال أمانتهم التي يعتقدونها إذ يقولون فيها: إن المسيح مولود من أبيه أزلي .. وأنه خالق الخلائق كلها .. ، فإذا كان الأمر كما يقول النصارى، فالمسيح ليس أزلياً، لأنه حادث بولادته، وإذا كان هو خالق الخلائق كلها، فأي فضل للأبَ على الابن (5).
__________
(1) المصدر نفسه ص 117.
(2) المصدر نفسه ص 117.
(3) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 279).
(4) المصدر نفسه (1/ 279).
(5) المصدر نفسه (1/ 279)
(1/763)

- وقد عمل العلماء على إبطال بنوة المسيح لله سبحانه من خلال تفنيد أدلة النصارى على ذلك، فقد استدل النصارى على بنوة المسيح لله ولد من غير أب، وقد ورد القرافي على ذلك بأن الأولى إثباتها لآدم لأنه وجد من غير أب، ولم يباشر الأرحام، ولا تطور في أطوار البشر (1).

- وقد بين العلماء إبطال نبوة المسيح من خلال إيضاح المعنى الصحيح للبنوة والأبوة اللتين وردتا في كتب النصارى: فبعد أن أورد الجعفري مجموعة من النصوص التي فيها لفظة البنَّوة كما في النصوص السابقة وضح أنه إن كان النقل لها فاسداً فلا بنوّة، وإن صح فإن معناها العبودية والخدمة والاجتباء والاصطفاء، فقول الله في الإنجيل: "هذا ابني" أي عبدي: والدليل أنها لم ترد في كتب النصارى في الغالب إلا مقرونة بالعبودية والخدمة، وإن وردت مطلقة فيحمل المطلق على المقيد، مثال ذلك في التوراة قول الله تعالى: "يا موسى قل لفرعون: يقول لك الرب الإله: إسرائيل ابني بكري، أرسله يعبدني (2)، ففسر البنوة بالعبودية (3). ووضح القرافي أن معنى الأبوة لله إحسانه لخلقه إحسان الآباء للأبناء وهو المراد من قول المسيح: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم. والأبوة على هذا المعنى أمر مشترك بين عيسى وبقية الخلق وهو معنى قول اليهود في القرآن: "نحن أبنؤا الله وأحبّؤهُ" المائدة، الآية: 18). ثم إن النصارى يحكمون بأبوة الولادة بصدر الكلام وهو قوله: أبي، ويعقلون عن قوله: وأبيكم، وعن قوله: وإلهي وتصريحه عليه السلام بأنه مخلوق مربوب، له إله يعبده (4).
__________
(1) الأجوبة الفاخرة ص 102.
(2) التوراة، سفر الخروج الإصحاح (4/ 21).
(3) الرد على النصارى ص 61.
(4) الأجوبة الفاخرة ص 101.
(1/764)

س- إبطال عقيدة الصلب الفداء: تعد قضية الصلب والفداء من أهم عقائد النصارى، إذ يعتقدون أن هناك خطيئة ملازمة لكل إنسان يولد على هذه الأرض، وهذه الخطيئة موروثة منذ زمن آدم عليه السلام الذي أخطأ في حق ربه بأكله من الشجرة التي نُهي عن الأكل منها فاستحق لذلك العقوبة، وأورث هذه الخطيئة لذريته من بعده، ومن رحمة الله إنهاء الخطيئة المتوارثة بأن أنزل ابنه ليقتل ويُصلب فداء للبشرية وتكفيراً لخطيئة أبيهم آدم (1) وقال القرطبي في عرضه لعقيدة الصلوبية عند النصارى: لا خلاف عند النصارى أن أنكار صلب المسيح كفر، ومن شك فيه فهو كافر (2).

وفي رسالة أحد القساوسة إلى أبي عبيدة التي عرض عليه فيها دين النصرانية، ودعاه إلى الدخول فيه وضح له عقيدة الصلب بقوله: حمداً لله الذي هدانا لدينه، وأيدنا بيمينه وخصنا بابنه ومحبوبه، ومد علينا رحمته بصلب يسوع المسيح إلهنا الذي خلق السموات والأرض وما بينهن والذي فدانا بدمه المقدس، ومن عذاب جهنم وقانا، ورفع عن أعناقنا الخطيئة التي كانت في أعناق بني آدم بسبب أكله من الشجرة التي نُهي عنها، فخلصنا المسيح بدمه، وفدانا بدمه، ومن عذاب جهنم وقانا (3).

وقد ناقش العلماء المسلمون هذه القضية موضحين عدم وقوع الصلب على المسيح عليه السلام ومبطلين أساس هذه العقيدة – وهو الفداء بسبب الخطيئة – وذلك بتفنيد أدلة النصارى ومزاعمهم حولها، وفيما يلي عرض لذلك:
- إبطال الصلب: وقد كان إبطال هذه العقيدة على النحو التالي:
__________
(1) الجواب الصحيح لمن يدل دين المسيح (2/ 107 – 108).
(2) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 282.
(3) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 59 - 60.
(1/765)

- بيان عقيدة المسلمين في أن عيسى عليه السلام لم يُقتل ولم يصلب فعند تفسير قوله تعالى: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (النساء، آية: 157)، وضح ابن الجوزي أقوال العلماء في ذلك مبيناً فيها أن الذي قتل وصلب ليس المسيح عليه السلام وإنما هو شخص منهم ألقي عليه شبه المسيح، أما المسيح فقد رفعه الله إليه (1)، وبين القرطبي أن هذه الآية رد على النصارى وأنهم لم يقتلوا المسيح عليه السلام، بل ألقي شبه على غيره (2). وعند قوله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (الأنفال، الآية: 30) وضح القرطبي أن مكر الله هو إلقاء شبه عيسى على غيره، ورفعه عليه السلام إليه، حيث رفعه جبريل إلى السماء وذلك في كوة البيت الذي لجأ إليه، وألقي شبه عيسى على يهوذا الذي دخل في أثره فأخذ وقتل وصلب (3). وقال أيضاً: والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم، كما قال الحسن وابن زيد وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس (4). ومعنى الوفاة في قوله تعالى: "إني متوفيك ورافعك إليَّ" أي قابضك إليَّ (5)، وفي مناقشة القرطبي لعقيدة الصلب لدى النصارى قال: ... إن عيسى ابن مريم لم يقتله اليهود ولا غيرهم، بل رفعه الله إليه من غير قتل ولا موت (6). وبعد أن عرض الجعفري قصة صلب المسيح عليه السلام في رأي النصارى ختم بقول الله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (النساء، آية: 157).

وذكر الأدلة من كتب النصارى على عدم وقوع الصلب: وهي كثيرة فمن ذلك:
__________
(1) زاد المسير في علم التفسير (2/ 217 – 218).
(2) الجامع لأحكام القرآن (2/ 64).
(3) المصدر نفسه (2/ 65).
(4) المصدر نفسه (2/ 64).
(5) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 284).
(6) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص 284.
(1/766)

- ما أورده الجعفري أن متى قال في إنجيله: إن رئيس الكهنة أقسم بالله الحي على المأخوذ: أما قلت لنا إن كنت المسيح ابن الله الحي؟ فقال له: أنت قلت (1). حيث عقب الجعفري على ذلك بقوله: .. وذلك من أدل الدلالة على أن المأخوذ ليس هو السيد المسيح، ولو كان هو المسيح نفسه لم يوار في الجواب .. وكيف المسيح ويقسم عليه بالله تعالى: أين المسيح؟ فلا يقول له: إنا المسيح (2).

- إن مستند النصارى في إثبات الصلب هو نصوص من الإنجيل والإنجيل قابل للتحريف والتبديل وفيه من التناقض الشيء الكثير والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر.

- إن النصوص التي يستدل بها النصارى على صلب المسيح ليست قاطعة في ذلك بل يتطرق إليها الاحتمال الكبير في أن المصلوب غير عيسى ومن شوهد ذلك:
- جاء في الأنجيل أن المصلوب استسقى اليهود ماءً فأعطوه خلا ممزوجاً والأناجيل كلها مصرحة بأنه كان يطوي أربعين يوماً وليلة ويقول للتلاميذ: إن لي طعاماً تعرفونه، وبعد أن أورد الخزرجي ذلك عقب عليه متسائلاً كيف بمن يستطيع الصبر أربعين يوماً على الجوع والعطش بأن يظهر الحاجة والمذلة لأعدائه بسبب عطش يوم واحد؟ وهذا لا يفعله أدنى الناس فكيف بخواص الأنبياء؟ لذلك فإن المدعي للعطش غير المسيح عليه السلام (3).
__________
(1) دعوة المسلمين للنصّارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 285).
(2) الرد على النصارى ص 74.
(3) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 286.
(1/767)

- إن المسيح عند صلبه في زعم النصارى قال: إلهي إلهي لِمَ خذلتني، وقد ناقش الخزرجي ذلك بأن هذا القول من عيسى عليه السلام فيه اعتراض على قضاء الله، وهذا مما ينزه عنه، خصوصاً وإن النصارى يذكرون أن الصلب كان لتخليص الناس من الخطيئة، فكيف يفديهم بنفسه راضياً مختاراً وهذا القول منه فيه تبرم وعجز ورغبة في الخلاص من قبضة من أراد به السوء، مع ما يضاف إلى ذلك من أن النصارى يروون في كتبهم أن الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا مستبشرين عند الموت بلقاء الله ولم يهابوا مذاقه مع أنهم عبيد الله والمسيح ابن الله بزعم النصارى فينبغي أن يكون أثبت منهم، ذلك كله يدل على أن المصلوب غير عيسى ابن مريم (1).

وقد تصدى العلماء لعقيدة الصلب وهو الفداء بسبب الخطيئة وبينوا بطلانها وكان ذلك على النحو التالي:
- إيضاح مبدأ الإسلام في أن الإنسان لا يؤاخذ بذنب غيره، فبعد أن وضح الجعفري أن التوبة تكفر الذنب، وأن الإنسان لا يؤاخذ بخطيئة غيره ثم أورد على ذلك نصوصاً من كتب النصارى عقب بعدها بقوله: ... وذلك موافق لقول ربنا جلَّ اسمه: "ولا تزر وازرة وِزرَ أُخرى" (الأنعام، آية: 164).

- ذكر الأدلة من كتب النصارى والتي تنفي أن يعاقب الإنسان بذنب غيره حيث أورد الجعفري مجموعة من النصوص من كتب النصارى تهدم أساس اعتقادهم بالصلب وأنه كان تكفيراً لخطيئة آدم عليه السلام، فمن ذلك ما جاء في التوراة إن الله قال لقابيل: إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة ببابك (2). وقوله: لا آخذ الولد بخطيئة والده ولا الوالد بخطيئة ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطيئة الخاطئ عليه تكون (3).
__________
(1) مقامع الصلبان ومراتع أهل الإيمان ص 164.
(2) سفر التكوين الإصحاح (4/ 7).
(3) دعوة المسلمين للنّصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 287).
(1/768)

- وقد وضح كثير من علماء عصر الحروب الصليبية الذين ناقشوا النصارى ومنهم على سبيل المثال: الخزرجي والقرطبي أن الصلب الذي وقع على عيسى تكفيراً لخطيئة آدم يتنافى مع عدل الله، وأن هذا من الظلم الذي ينزه الله عنه، فلا يأخذ سبحانه وتعالى أحداً بذنب غيره (1).
- وعلى زعم النصارى أن البشرية غارقة في خطيئة أبيهم آدم عليه السلام، ثاوية بالجحيم حتى جاء عيسى عليه السلام وخلصهم من ذلك بصلبه، تساءل كل من الخزرجي والقرطبي هل من هؤلاء الثاوين بالجحيم أنبياء الله إبراهيم وموسى وغيرهم ثم يجيبان على ذلك التساؤل بأن هذا لو كان لصرحت به التوراة ونطقت به الأنبياء السابقين لعيسى عليه السلام (2).

- وبعد أن وضح القرافي أن صلب المسيح على قول النصارى إنما كان لخلاص العالم من خطيئة أبيهم آدم، سألهم ما معنى هذا الخلاص الذي يريدونه؟ هل هو من شرور الدنيا وآفاتها؟ فهاهم مشاركون لسائر البشر في الخير والشر. أو من تكاليف العبادة؟ فهاهم مخاطبون بالمبادرة. أو من أهوال يوم القيامة؟ فيكذبهم الإنجيل الذي ورد به قول الله: إني جامع الناس في يوم القيامة عن يميني وشمالي، فأقول لأهل اليمين: فعلتم خيراً، فاذهبوا إلى النعيم، وأقول لأهل الشمال؛ فعلتم شراً فاذهبوا إلى الجحيم (3) وبناء على ذلك فما فائدة الصلب والفداء إذن (4)؟

- وبعد أن قرر الجعفري النصارى بقولهم: إن سبب الصلب هو التكفير من خطيئة آدم عليه السلام، ثم قولهم بتوبة آدم من هذه الخطيئة كما تصرح بذلك كتبهم ألزمهم بلازمين لا مفرد لهم منها:
- إن اعترفوا بتوبة آدم فما فائدة الصلب الذي يعتقدونه.
__________
(1) مقامع الصلبان ص 183.
(2) مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان ص 174 - 175.
(3) الأجوبة الفاخرة ص 109.
(4) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 288).
(1/769)

- إن قالوا بعدم توبته كذبتهم، وكلا اللازمين ببطلان عقيدة الفداء من الخطيئة (1).

رابعاً: مناقشة شعائر النصارى وطقوسهم: تعد النصرانية فقيرة في تشريعاتها وأحكامها والعناية الكبرى فيها بالروحانيات التي أهملها اليهود حينما أفرطوا في ماديات الحياة، وهذا ما يؤكد أنها تكملة لأديان بني إسرائيل (2)، وقد عبر أحد العلماء المسلمين في عصر الحروب الصليبية عن ذلك بقوله: ليس للنصارى شيء من الأحكام والفرائض والسنن المحتاج إليها في المعاملات والمناكحات والأناجيل التي بأيديهم ليس فيها سوى مواعظ ووصايا قد خلطت بكفر بواح .. وأي شيء استحسنوه بعقولهم شرعوه وحكموا به (3). وقد كان النصارى الأوائل يوجبون على أنفسهم ما أوجبته التوراة والإنجيل، ويحرمون على أنفسهم ما حرمته، ولا يستثنون من ذلك إلا ما صرح المسيح نفسه بنسخه أو تعديله، واستمروا على ذلك حتى رفع المسيح حيث أخذ بعد ذلك دعاة النصرانية يغيرون ويبدلون في التشريع حسب أهوائهم وكان حجتهم في ذلك جذب أكبر عدد ممكن من الأمميين إلى الدخول في النصرانية (4)، ولذلك فغالب الشعائر والطقوس النصرانية اليوم من وضع بولس، ولا ينكر دور المجامع في الإلغاء أو الإضافة فيها، ثم لما أثبتت العصمة للبابا صار له الحق في إصدار القرارات والأحكام، ما تسرب للنصرانية من طقوس وعبادات وثنية انتقلت إليها من المناطق والشعوب التي امتدت إليها النصرانية في عهودها الأولى (5)
__________
(1) تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (1/ 369).
(2) دعوة المسلمين للنصارى في عصر الحروب الصليبية (1/ 289).
(3) المصدر نفسه (1/ 290).
(4) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (1/ 341 - 344).
(5) موقف ابن تيمية من النصرانية (2/ 764) ..
(1/770)