Advertisement

البدء والتاريخ 001



الكتاب: البدء والتاريخ
المؤلف: المطهر بن طاهر المقدسي (المتوفى: نحو 355هـ)
الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، بور سعيد
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] المجلد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم وبه الحول والقوة [1] تسلّق الزائغون عن المحجّة في التلبيس على الضعفاء وتعلّق المنحرفون عن نهج الحقّ في إفساد عقيدة الأغبياء من طريق مبادي الخلق ومبانيه وما اليه معاده ومآله تعلقا به ينبّهون غرّة الغافل ويحيرون فطنة العاقل وذلك من أنكى مكايدهم للدين واثخن لبلوغهم في انتقاض الموحّدين وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [1] 9: 32 ويعلى كلمته ويفلج حجّته وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ 9: 32 [1] وانّ من عظيم الآفة على عوامّ الأمّة تصدّيهم لمناظرة من ناظرهم بما تخيّل في اوهامهم وانتصب في نفوسهم من غير ارتياض بطرق العلم ولا معرفة بأوضاع
__________
Qor. ,sour.IX ,V.32. [1]
(1/1)

القول ولا تحكّك بأدب الجدل ولا بصيرة بحقائق الكلام ثم إلقاؤهم بأيديهم عند أوّل صاكّة تصكّ أفهامهم وقارعة تقرع أسماعهم ضرعين خاشعين مستجدين مستقلّين الى ما لاح لهم بلا اجالة رويّة ولا تتعير (؟) عن خبيئة وعلى أهل الطرف والشرف منهم التخصيص بالنادر الغريب والرغبة عن الظاهر المستفيض والإيجاب بغوامض الألفاظ الرائقة والكلم الرائعة وان كانت ناحلة المعاني نحيفة المغاني ضعيفة الضمائر واهية القواعد فقصارى نظرهم الاستخفاف بالشرائع والأديان التي هي وثاق الله تعالى في سياسة خلقه وملاك امره ونظام الألفة بين عباده وقوام معاشهم والمنبّه على معادهم الرادع لهم عن التباغي والتظالم والمهيب بهم الى التعاطف والتواصل والباعث لهم على اعتقاد الذخائر من مشكور صنائع العاجل ومحمود ثواب الآجل فتعرّض الى ما هو منهيّ عنه في حكمة العقل التعرض له من الاستهداف بقدح القادح واستدعاء مقت الماقت والسعي في إفساد ذات البين والاستشراف للفتنة وتلبيس الحق على الضعفة وأكثر ما يعترى هذه البليّة طبقة أهل اللسان والبيان يظنون ظنونا كاذبة ويسمّون بهم قاصرة
(1/2)

الى حيث يحجم همه البارز النقّاب عن التطلّع الى أدناه ويحقّ ما ذكره العتبى في كتابه وان كان دخيلا في صناعته متكلّفا ما ليس من بزّته حيث قال في صفة هذه الطبقة قد رضى من الله ومن عباده عوضا ان يقال فلان دقيق وفلان لطيف يذهب إلى انّ لطف النظر قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به علم ما جهلوه فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر وهو لعمر الله بهذه الصفات أولى وهي به أليق في أخوات لهذه كثيرة ويا لها من فضيحة إذا أخذت الحجة يكظم أحدهم واسبل الحقّ جناحه عليه بقي مبهوتا منقطعا قد خانته معرفته وكذّبته أمنيته وبدت عورته وظهرت حيرته وصار ضحكة للناظرين ومثلا سائرا في السامعين بعد أن كان يظنّ ضحكة لفضل علم أو بيان وكفى ذلّا وحزنا ودناءة ونقصا لراض بهذه المنزلة ومعترّ بتفريط السفلة مقبلا على لحمه وعظمه مضيّعا أيّام أدبه وعلمه ومن كانت هذه حاله فحقّ له النكال والنكير في العاجل مع ما يبوء به من ناهض الإثم وعظيم الإصر في الآجل ومن أعظم ذلك على أرباب القلانس وأصحاب المجالس الذين طلبهم العلم لا للَّه ولا لأنفسهم ولكن
(1/3)

للتصدّر والتقدّم فهم يأخذونه من غير مظانّه ويترشحون له [Fo 2 Ro] بلاد واعية مقدّماته مستحلبين أفئدة العامّة بإطراء مذاهبهم مفسدين عليهم أذهانهم بما يقصّون من غرائب العجائب الّتي رووها مستأكلة القصّاص عن أحدوثة في العقل مردودة واعجوبة عن الفهم محجوبة حتى شحنوا صدورهم بترّهات الأباطيل وضيّعوا نفوسهم بالأسمار والأساطير فهم الى كلّ ناعق سراع وعن كلّ ذي حقّ بطاء وللمتّبع متعرضون وعن الواجب معرضون المحق فيهم مبطل والمدقّ ملحد والمخالف لهم ومقهور والناظر مهجور والحديث لهم عن جمل طار أشهى اليهم من الحديث عن جمل سار ورؤيا مريّة آثر عندهم من رواية مرويّة فهذه الخطّة كانت سبب حرمان العلم وتهجين اهله وفوت الحظ واستحقاق الخذلان والتوسيع للطاعن في اللين وتسهيل القادحين بالصخب والشغب والشنعة وردّ العيان وجحد البرهان ويأبى العلم ان يضع كنفه أو يخفض جناحه أو يسفر عن وجه إلّا لمتجرّد له بكلّيته ومتوفّر عليه بأينيته [1] معان بالقريحة الثاقبة [2] والرويّة الصافية مقترنا
__________
[1] . بأمنيتهMS.
[2] . الباقبه MS.
(1/4)

به التأييد والتسديد قد شمّر ذيله واسهر ليله حليف النصب ضجيع التعب يأخذ مأخذه متدرّجا ويتلقّاه متطرّفا لا يظلم العلم بالتعسّف والاقتحام ولا يخبط فيه خبط العشواء في الظلام ومع هجران عادة الشرّ والنزوع عن نزاع الطبع ومجانبة الإلف ونبذ المحاكلة واللجاجة واجالة الراعي عن غموض الحقّ والتأتّي [1] بلطيف المأتى وتوفيقه النظر حقّه من التمييز بين المشتبه والمتّضح والتفريق بين التمويه والتحقيق والوقوف عند مبلغ العقول فعند ذلك إصابة [2] المراد ومصادفة المرتاد وباللَّه التوفيق والرشاد، ولمّا نظر فلان أطال الله في طاعته بقاه وبلغ من العلوم مناه الى أحوال هذه الطبقة وما قد يقسمهم من الهمم وتوزّعهم من أنواع النحل وتصفّح مذاهبهم اشتاقت [3] نفسه الى تحصيل الأصحّ من مقالاتهم وتمييز الأصوب من اشاداتهم فأمرنى لا زال أمره عاليا وجدّه صاعدا أن أجمع له كتابا في هذا الباب منحطّا عن درجة العلو خارجا عن حدّ التقصير مهذبا من شوائب التزيّد مصفّى عن سقاط الغسالات [4]
__________
[1] . التاليMS.
[2] . أصابهMS.
[3] . واشتاقتMS.
[4] . العسالات MS.
(1/5)

وخرافات العجائز وتزاوير القصّاص وموضوعات المتّهمين من المحدّثين رغبة منه في الحبر الّذي طبعه الله عليه وامتعاضا للحق ومناضلة [1] عن الدين واحتياطا له وذبّا عن بيضة الإسلام وردا لكيد مناويه وإرغاما لأنف فاشخيه [2] وتحرّزا عن أن يصيب الحنق الموتور يلدغ ناره أو يجلد الطاعن مطعنا فتسارعت الى امتثال ما مثّل وارتسام ما رسم وتتبّعت صحاح الأسانيد ومتضمّنات التصانيف وجمعت ما وجدت في ذكر مبتدإ الخلق ومنتهاه ثم ما يتبعه من قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبار الأمم والأجيال وتواريخ الملوك ذوى الاخطار من العرب والعجم وما روى من امر الخلفاء من لدن قيام الساعة الى زماننا هذا وهو سنة ثلاثمائة وخمس وخمسين من هجرة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وما حكى أنه واقع بعد من الكوائن والفتن والعجائب بين يدي الساعة على نحو ما بيّن وفصّل في الكتب المتقدّمة [Fo 2 vo] والاخبار المورّخة من الخلق والخلائق وأديان أصناف الأمم ومعاملتهم ورسومهم وذكر العمران من الأرض
__________
[1] . مناصلةMS.
[2] . فاشحيه -MS.
(1/6)

وكيفية صفات الأقاليم والممالك ثم ما جرى في الإسلام من المغازي والفتوح وغير ذلك ممّا يمرّ بك في تفصيل الفصول وانّما نبهنا على ما أردنا قول الحكماء أوّل العمل آخر التفكر وذاك انّا لما جمعنا جمع ابتداء الخلق ثم لم نجد بدّا من تصحيح الحجاج في إيجاب ابتدائه ولم يصحّ لنا تثبيت [1] ذلك الّا بإثبات مبديه سابقا بخلقه ولا أمكن إثباته الّا بعد بيان طرق التوصّل اليه فابتدأنا بذكر ذرو من حدود النظر والجدل ثم إيجاب إثبات القديم المبدئ المعيد ثمّ ابتداء الخلق ثمّ ما يتلو ذلك فصلا فصلا وبابا بابا حتّى أتينا على آخر ما كان الغرض والمقصود به، ولم يزل أهل الفضل والتحصيل من العلماء والعظماء والملوك في قديم الزمان وحديثه يرغبون في تخليد ذكرهم ويتنافسون في إبقاء رسمهم ويحرصون ان يورثوا من بعدهم ما يؤثر عنهم من منقبة حميدة وحكمة بليغة ترغّبا في اقتناء الفضل واعتقاد الذخائر توخّيا منهم لعموم نفع الخير وتحرّيا لشمول الصلاح والرشد وذلك ثمرة الانسانيّة وغاية ما يؤمّله العقل وتطمح اليه النفس حتّى أن فيهم من
__________
[1] مثبت Ms.
(1/7)

اقتحم الممالك آنفا لذكر شجاعته ومنهم من خرق بمضنون النفائس ومنهم من تكلّف لطائف النوادر بالأثارة [1] والاستنباط ومنهم من رفع منارا أو بنى بناء أو انبط ماء كلّ يجرى على قدر الهمم والإرادات لم يوجد واحد منهم خاليا عن خصلة من الخصال وان عميت الأبناء دونها ل الّذي دعا فلانا ادام الله تمكينه الى الاقتداء بهم والارتياح الى الأخذ بأخذهم والتأسي باسوتهم لما خصّه الله به من كريم الطبع وشرف الهمّة وبعد الغور وبغية الصلاح وحبّ الخير ثم ما يرجوه من حسن الثواب وكريم المآب بما عسى الله ان يبصّر به مستبصرا أو يرشد مسترشدا ويهدى ضالّا ويردّ غاويا وقد وسمت هذا الكتاب بكتاب البدء والتاريخ وهو مشتمل على اثنين وعشرين فصلا يجمع كلّ فصل أبوابا واذكارا من جنس ما يدلّ عليه، الفصل الأوّل في تثبيت النظر وتهذيب الجدل، وهو يجمع القول في معنى العلم والجهل والقول على كمية العلوم ومراتبها وأقسامها والقول في العقل والمعقول والقول في الحسّ والمحسوس
__________
[1] . بالاثاره Ms.
(1/8)

والقول في درجات المعلومات والقول في الحد والدليل والعلّة والمعارضة والقياس والنظر والاجتهاد والقول في الفرق بين الدليل والعلّة والقول في الحدود والقول في الاضداد والقول في حدث الاعراض والقول على أهل العنود [1] ومبطلى النظر والقول في مراتب النظر وحدوده والقول في علامات الانقطاع [FO 3 RO] الفصل الثاني في إثبات الباري وتوحيد الصانع، وهو يجمع الدلائل البرهانيّة والحجج الاضطراريّة والقول في جواب من يقول ما هو ومن هو وكيف هو والقول بأن الباري واحد وفرد لا غير والقول بإبطال التشبيه، الفصل الثالث في صفات الباري وأسمائه، وهو يجمع القول في الصفات والقول في الأسامي وما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز واختلاف الناس فيه، الفصل الرابع في تثبيت الرسالة وإيجاب النبوّة، وهو يجمع اختلاف الناس فيه وإيجابه بحجّة العقل والقول في كيفيّة الوحي والرسالة على ما جاء في الأخبار،
__________
[1] . المعهود Ms.
(1/9)

الفصل الخامس في ذكر ابتداء الخلق، وهو يجمع إيجاب حدث الخلق وإيجاب ابتدائه بالدلائل والحجج وقول القدماء في إيجاب الخلق وابتدائه وذكر حكايات أهل الإسلام عنهم وذكر مقالات الثنوية والحرّانية والمجوس وذكر مقالات أهل الكتاب فيه وذكر قول أهل الإسلام في المبادي وذكر ترجيح أصوب المذاهب وذكر ما خلق في العالم العلوي من الروحانيّات وأول ما خلق في العالم السفلي من الجسمانيّات وسؤال السائل ممّ خلق الخلق وفيم خلق وكيف خلق ومتى خلق ولم خلق، الفصل السادس في ذكر اللوح والقلم والعرش والكرسيّ وحملة العرش والملائكة وصفاتها واختلاف الناس فيها والقول في الملائكة أمكلّفون هم أم مجبورون وانهم أفضل من صالح وذكر ما جاء في الحجب وما جاء في سدرة المنتهى وذكر الجنّة والنار وذكر صفة النار وذكر اختلاف الناس في الجنة والنار وذكر صفة أهل النار وذكر اختلاف الناس في بقاء الجنّة [والنار] وفنائهما وذكر اختلاف الناس في هذا الفصل وذكر الصراط والميزان والحوض والصور
(1/10)

[fo 3 vo] والأعراف وغيرها، الفصل السابع في خلق السماء والأرض، وهو يجمع صفة السموات وصفة الفلك وصفة ما فوق الفلك وصفة ما في الأفلاك والسموات كما جاء في الخبر وصفة الكواكب والنجوم وصفة صورة الشمس والقمر والنجوم وما بينهما واختلاف الناس في أجرامها وأشكالها وذكر طلوع الشمس والقمر وغروبهما وكسوفهما وانقضاض الكواكب وغير ذلك ممّا يعرض في السماء وذكر الرياح والسحاب والأنداء والرعد والبرق وغير ذلك ممّا يحدث في الجوّ وذكر مقالة الشمس والقمر والكواكب والشهبان وقوس قزح والزوبعة والزلازل وذكر الليل والنهار وذكر الأرض وما فيها واختلافهم في البحار والمياه والأنهار والمدّ والجزر والجبال واختلافهم فيما تحت الأرض وذكر قوله تعالى الله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أَيَّامٍ 32: 4 [1] وذكر ما حكى في المدّة قبل خلق الخلق وذكر مدّة الدنيا [قبل آدم عليه] السلام وذكر خلق الجنّ والشياطين وذكر ما وصفوا من عدد العوالم،
__________
Qor. ,passim [1]
(1/11)

الفصل الثامن في ظهور آدم وانتشار ولده، وهو يجمع اختلاف الفلاسفة في تأليف الحيوانات واختلاف المنجّمين وسائر الناس في ذلك وذكر خلق آدم وذكر اختلاف أين خلق آدم وذكر قولهم كيف نفخ الروح في آدم وذكر سجود الملائكة لآدم وذكر قوله عزّ وجلّ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ 2: 31 [1] وذكر دخول آدم الجنّة وخروجه منها وذكر أخذ الذرّية من ظهر آدم وذكر اختلاف الناس في آدم وقصّته وذكر صورة آدم وخبر وفاته وذكر الروح والنفس والحياة واختلاف الناس فيها وفي الحواسّ من القدماء وأهل الكتاب وما جاء في القرآن من ذكرها وفي الاخبار ومناظرات الناس فيها، الفصل التاسع في ذكر الفتن والكوائن الى قيام الساعة وما ذكر من امر الآخرة، وهو يجمع القول بوجوب فناء العالم وانتهائه وذكر قول من قال من القدماء بفناء العالم وذكر قول أهل الكتاب في هذا الباب وذكر ما جاء في مدة الدنيا وكم مضى منها وكم بقي منها وذكر التأريخ من لدن آدم إلى يومنا هذا على ما وجدناه في كتب أهل الأخبار وذكر ما بقي
__________
QOR. ,Sour.II ,v.29. [1]
(1/12)

من العالم وكم مدّة [أمّة] محمّد صلى الله عليه وسلم [في] ما رواه أهل الأخبار وذكر ما جاء في أشراط الساعة وعلاماتها وذكر الفتن [fo 4 ro] والكوائن الى آخر الزمان وخروج الترك والهدّة في رمضان والهاشمي الّذي يخرج من خراسان مع الرايات السود وخروج السفيانىّ وخروج القحطانى وخروج المهدي وفتح قسطنطينيّة وخروج الدجّال ونزول عيسى بن مريم عليه السلم وطلوع الشمس من مغربها وخروج دابّة الأرض وذكر الدخان وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الحبشة وذكر فقدان الكعبة وذكر الريح التي تقبض أرواح أهل الإيمان وذكر ارتفاع القرآن وذكر النار التي تخرج من قعر عدن تسوق الناس الى المحشر وذكر نفخات الصور الثلاث وذكر صفة الصور واختلاف أهل الكتاب في صفة ملك الموت وذكر ما بين النفختين وذكر اختلافهم في قوله تعالى إِلَّا ما شاءَ الله 6: 128 [1] وذكر المطرة التي تنبت أجساد الموتى وذكر الحشر وذكر اختلاف الناس في كيفيّة الحشر وذكر الموقف وذكر تبديل الأرض وذكر طىّ السماء وذكر يوم
__________
QOR. ,Sour.VI ,v.128. [1]
(1/13)

القيامة وذكر ما قيل ممّا هو كائن بعد ذلك وذكر ما حكى عن القدماء في خراب العالم وذكر ما يجب على المرء اعتقاده في هذا الباب الفصل العاشر في ذكر الأنبياء والرسل عليهم السلم ومدة أعمارهم وقصص أممهم وأخبارهم على نهاية الإيجاز والاختصار، الفصل الحادي عشر في ذكر ملوك العجم وما كان من مشهور أيّامهم الى مبعث نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم، الفصل الثاني عشر في ذكر أديان أهل الأرض ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم من أهل الكتاب وغيرهم وهو يجمع ذكر [1] المعطّلة وذكر أصناف الهند وشرائعهم ومللهم وأهوائهم وذكر أهل الصين وذكر ما حكى من شرائع الترك وذكر شرائع الحرانيّين وذكر أديان الثنويّة وذكر عبدة الأوثان وذكر مذاهب المجوس وذكر مذاهب الخرميّة وذكر شرائع أهل الجاهليّة وذكر شرائع اليهود والنصارى، الفصل الثالث عشر في ذكر أقسام الأرض ومبلغ أقاليمها، وهو يجمع ذكر الأقاليم السبعة وذكر المعروف من البحار
__________
[1] (؟) البير Lems.intercaleici
(1/14)

والأودية والأنهار وذكر الممالك المعروفة من الهند وتبت ويأجوج ومأجوج والترك والروم وبربر والحبشة [fo 4 vo] وذكر بلاد الإسلام من الحجاز والشام واليمن والمغرب والعراق والجزيرة والسواد وآذربيجان وارمينية والأهواز وفارس وكرمان وسجستان ومكران والجبل وخراسان وما وراء النهر وذكر المساجد والبقاع الفاضلة مثل مكّة والعراق وذكر الثغور والرباطات وذكر ما حكى من عجائب الأرض وعجائب أصناف الناس وذكر ما بلغنا من المدن والقرى ومن بناها وأنشاها وذكر ما جاء في خراب البلدان، الفصل الرابع عشر في أنساب العرب وأيّامها المشهورة، الفصل الخامس عشر في مولد النبيّ ومنشاه ومبعثه الى هجرته صلى الله عليه وسلم، الفصل السادس عشر في ذكر مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعدد سراياه وغزواته الى يوم وفاته، الفصل السابع عشر في صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه وسيرته وخصائصه وشرائعه ومدة عمره وذكر أزواجه وأولاده وقراباته وخبر وفاته وذكر معجزاته،
(1/15)

الفصل الثامن عشر في ذكر أفاضل الصحابة وأولى الأمر منهم، من المهاجرين والأنصار وذكر حلاهم ومدة أعمارهم وابتداء إسلامهم وذكر أولادهم ومن أعقب منهم ومن لم بعقب، الفصل التاسع عشر في اختلاف مقالات أهل الإسلام، وهو يجمع ذكر فرق الشيعة وفرق الخوارج وفرق المشبّهة وفرق المعتزلة وفرق المرجيّة وفرق الصوفيّة وفرق أصحاب الحديث رضي الله عنهم، الفصل العشرون في مدة خلافة الصحابة وما جرى فيها من الفتوح والحوادث الى زمن بنى أميّة وهو يجمع خلافة ابى بكر رضي الله عنه وما كان في أيّامه من الردّة والتنبّي والفتوح وخلافة عمر رضي الله عنه وما كان في أيّامه من الفتوح وخلافة عثمان وما كان في أيّامه من الفتوح والفتن وخلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما كان في أيّامه من الفتن وذكر الجمل وصفّين والنهروان [5] وخروج الخوارج عليه وذكر الحكمين وخلافة الحسن بن على رضي الله عنهما إلى أن غلب معاوية على الأمر، الفصل الحادي والعشرون في ذكر ولاية بنى أميّة على الإيجاز والاختصار وما كان منها من الفتن من فتن ابن الزبير
(1/16)

والمختار بن ابى عبيد وهو يجمع قصّة زياد وموت المغيرة وعمرو ابن العاص ووفاة الحسن بن على رضي الله عنهما وأخذ معاوية البيعة ليزيد وولاية يزيد بن معاوية عليهما اللعنة ومقتل الحسين ابن على رضي الله عنهما وقصّة عبد الله بن الزبير وذكر وقعة الحرّة وموت يزيد بن معاوية وولاية معاوية بن يزيد وذكر فتنة ابن الزبير الى ان قتله الحجّاج في ولاية عبد الملك ابن مروان الى آخر أيّامهم، الفصل الثاني والعشرون في عدد خلفاء بنى العبّاس من سنة اثنتين وثلاثين ومائة الى سنة خمسين وثلاثمائة، فالناظر في هذا الكتاب كالمشرف المطّلع على العالم مشاهدا حركاته وعجيب أفعاله والسابق له قبل تركيبه وحدوثه الباقي بعد انجلائه ودثوره وفيه لطرق العلم توطئة ولأهل الدين قوّة وللمبتدي رياضة وللمستأنس به سلوة وللمتفكّر فيه تبصرة وعبرة وهو الى مكارم الأخلاق داع وعن الدناءة ناه والله نسأل أن ينفعنا ومن نظر فيه بما ضمّن وأودع وان ينبّهنا عن سنة الغفلة ويوفّقنا توفيقا بحسن الإصابة إنّه سميع قريب [1]
__________
Qor. ,s.XI ,v.64. [1]
(1/17)

الفصل الأوّل في تثبيت النظر وتهذيب الجدل
أقول وباللَّه التوفيق وَمَن عندَهُ العصمة والتسديد إن معرفة هذا الفصل من أعوان الأسباب على درك الحقّ والتمييز بينه وبين ما يضادّه لا غناء بأحدٍ عن مطالعته والإشراف عليه ليعرف الصدق من نفسه ومن غيره إذْ قد يعترض من الفكر والتخايل والأوهام الفاسدة والخطرات الردئة ما يلتبس معها الحقّ ويتغلّب عندها الظنّ والشكّ وليس ما يميّز بينها ويدلّ على صّحة الصحيح وبُطلان الباطل منها إلاَّ النظر وبه يعترف السؤال الساقط من السؤال اللازم والجواب الجائز من الجواب العادل فلنذكر الآن منه لمعاً لهام ما نحن قاصدوه يكون عُدّة للناظر وقوّة للمناظر ثّم من بعد يستقصيه إن [شاء] الله في
(1/18)

كتاب استسناه على هذا النوع وسمّيناه كتاب العلم والتعليم ومن عند الله العصمة والتوفيق،،، أقول أنّ العلمَ اعتقادُ الشيء على ما هو به إن كان محسوساً فبالحسّ وإن كان معقولاً فبالعقل والحسّ والعقل أصل ما تردّ إليه العلوم كلّها فما قضَيَا بإثباته ثبت وما قضيا بنَفْيه انتفى هذا إذا كانا سليمّيْن من الآفات برئَيْنِ من العاهات وعوارض النقص غسيلين من عشق عادة الألف والنشو [5] لا يكاد يقع حينئذ في محسوسه ومعقوله اختلاف إلا من مخالف أو من معاند لأنهما على ضرورة لا يعترض للحاسّ شكٌّ في هيئّة المحسوس وصورته ولا يقدر المضطّر ببديهة عقله أن لا يعلم ما يعلمه ويتيقنه ولا يُصدّق مّنْ يدّعي خلافه ولو كان مضطّر إلى دعواه كما اضطّر في حواسّه لما ظهر من أحد خلاٌف ولا احتيج إلى كسر قوله والكشف عن عُوار كلامه ألا ترى أنّه يستحيل ان تجد الحاسّة النار باردّة والثلج حارًّا في الظاهر كما يستحيل إن يكون المعلوم متحرّكاً ويعلم ساكناً أو يكون في نفسه أبيض ويقع العلم بأنّه أسود ولو جاز هذا لبطلت العلوم كلّها رأساً وفسدت الاعتقادات فساغ لكل قائل ما أراد من
(1/19)

ادّعاء السمع البصر والبصر السمع والحيّ ميتاً والميّت حياً وهذا محال لأن العلم إذا كان إدراك الشيء على ما هو به من حدٍ وحقّه ثم لم يُدرك ذاته كما هو لم يكن معلوماً وكذلك الحسّ إذا لم يدرك طبعه طبع ما يقع تحته لم يكن محسوساً وهذا لا خلاف فيه بين المتميّزين العاقلين قاطبةً إلاّ رجلّيْن اثنَيْن أحدهما العامي الذي لا نظر له لإغفاله آخذاً له استعماله ومتى لاح له الحقّ اتبعه وانقطع خلافه لأن قوله ذاك عن حَدْس وظنّ وسماع وتقليد فإذا قرع سمعه ما يشهد بتصديقه قلبه مال إليه وقبله والثاني الجاحد المعاند الذي يسمّيه القدماءُ السوفسطاني وسنذكر فساد مذهبهم في موضعه إن شاء الله تعالى، وضدّ العلم الجهل ومعناه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به وليس كلّ من لا يعلم جاهلاً بالإطلاق ولكنّ الجاهل في الحقيقة التارك طلب حدّ الشيء وحقّه المعتقد له على غير ما هو به ولولا ذاك لما استحق اللائمة والمذمّة على جهله،،،
القول في كمية العلوم ومراتبها،
أقول أنّ اسم العلم قد يطلق في الجملة على الفهم والوهم والذهن والفطنة واليقين والخطرة
(1/20)

والمعرفة وكلّ ما يحصل منه إدراك شيء ظاهراً أو باطناً ببديهة عقل أو مباشرة حاسّة أو استعمال آلة كالاستدلال والفكرة والبحث والتمييز والقياس والاجتهاد لأنّ هذه الخصال كلّها آلات ادراك العلم وطُرُق التوصّل إليه وممّا يصاب من هذه الجهة فروع بالإضافة إلى علم البدائه والحواسّ [أ] لا ترى أن الإنسان العاقل المميّز مضطرّ إلى شواهد عقله وحسّه غير مضطّر إلى استدلاله وبحثه أو لا ترى أن لا سبيل إلى البحث والاستدلال لمن عرى من عقله أو أصيب بحسه فأوّل العلم الخطرة الصادقة وهو كالبديهة مثلا بل بقوة البديهة وآخره اليقين وهو استقرار الحقّ وانتفاء الشك والشبهة عنه وإنما اشترطنا في الخطرة الصدق لأنه قد يخطر النفس والهوى والطبع والعادة بما لا حقيقة له فلا يجوز أن يعدّ من آخر العلم اليقين الذي يُحيط بالأشياء على وجهها ويدركها بكنهها والمعرفة ادراك أينية [1] الشيء وذاته فمن قائل انّها ضرورة وآخر أنّها [6] مكتسبة والفرق بينها وبين العلم إن العلم الإحاطة بذات الشيء عينه وحده والمعرفة ادراك ذاته
__________
[1] . أبنية MS.
(1/21)

وثباته وإن لم يدرك حدّه وحقيقته فالعلم اعمّ وابلغ لأن كلّ معلوم معروف وليس كلّ معروف معلوماً ألا ترى أنّ الموحّدين يعرفون ربّهم ولا يعلمونه إلا بالإثبات لأنَّ الكيفيّة والكميّة عنه منفيتانِ، والوّهْم اعتقاد صورة شيء محسوس أو مظنون وان كان منفياً وجودُه في الظاهر لأنَّ قوة الوهم في انبساطها تضعُف فلذلك [ترى] ما لا تراه العيون وكذلك العين إذا امتدت قوّة بصرها وبعدت مسافة المرئيّ عنها رأته على خلاف ما هو به من الصغَر والعظم والصورة واللون وغير ذلك من الهيئات وما خلا عن الهيئات والصفات والحدود كلّها فلا يمسّها الوهم ولا يتصوّر في النفس والفهم هو المعرفة وقوّة الذهن قريبة من قوّة العقل غير أنّ الذهن والفهم تطبّع والفطنة قريبة المعنى من الذهن وانّما احتجنا إلى هذا لأن كثيراً من الناس يولعون بالبحث عن هذه الأسامي ويستفرقون بينها وأما الأسباب التي يتوصّل بها إلى ما خفى من العلم فالفكرة وهي البحث عن علّة الشيء وحدّه الرأي والرويّة والاستنباط انتزاع ما في طي المعقول والمحسوس والاستدلال والاجتهاد وقد عدّ قومٌ ميل العادة والطبع إلا ما يميلان إليه
(1/22)

أو ينفران منه علماً فهذه جملة أصول العلم وطُرقها ومحصولها راجع إلى ثلاثة أصناف إلى المعقول بديهةً والمحسوس ضرورة لأن ما يدرك بهما يدرك بلا واسطة ومقدّمات والثالث المستدلّ عليه المستنبط بالبحث والإمارة فهذه يقع فيها الاختلاف والإضطراب لخروجه عن حيّز الحاسة والبديهة وتفاوت قُوى المستدلّين والناظرين وتفاوت أرائهم وعقولهم.
وهذا يكثر حدّاً وفيه صُنفت الكتب ودُونت الدواوين من علمي الحكمة والملّة مُذ قامت الدنيا على ساقها ولا يزال كذلك إلى انقضاء الدهور وتخرُّم الأيام وكثير من الناس أبوا أن يسمّوا علم البديهة والحسّ علماً على الحقيقة لاشتراك الناس كلّهم فيه واستواء درجاتهم في ذلك ثم هو غير مستفاد ولا مكتسب بل أوجبه الطبع العزيزة وقوّة التمييز والخلقة،
القول في العقل والمعقول،
أقول أنّ العقل قوّة إلهية ممّيزة بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح وأمّ العلوم وباعث الخطرات الفاضلة وقابل اليقين وقد قيل إنما سمّى عقلاً لأنه عقال للمرء عن التخطّى إلى ما خُطر عليه وقد أكثرت الفلاسفة الاختلاف في ذكره ووصفه قال ارسطاطاليس في كتاب
(1/23)

البرهان أن العقل هو القوة التي بها يقدّر الإنسان على الفكرة والتمييز وبها يلتقط المقدّمات من الأشياء الجزئيّة يؤلف منها القياسات وقال في كتاب الأخلاق أن العقل هو ما يحصل في الإنسان بطريق الاعتياد من أنواع الفضائل حتّى يصير له ذلك خُلقاً وملكة متمكنة في الناس وقال في كتاب النفس بخلاف هذا وقسّمه إلى ثلاثة أقسام إلى العقل الهيولاني والعقل الفعّال والعقل المستفاد وفسّره لاسكندر [1] فقال إن العقل الهيولاني هو ما يوجد في شخص الإنسان من إمكان التهيؤ لتأثير العقل الفعّال وان العقل المستفاد [6] هو المصوَّر والعقل الهيولاني بمنزلة العنصر وان العقل الفعّال هو المخرج للعقل المستفاد على الوجوه بالفعل وزعم بعضهم أن العقل هو النفس وبعضهم يقول هو البارئ جلّ جلاله مع تخليط كثير منهم في هذا الباب وممّا توارثناه عن الأسلاف قولهم العقل مولود والأدب مستفاد وإنما سمّاه بعضهم باسم أفعاله فلا يضايقه بعد أن أتى المعنى المطلوب منه ألا ترى انه يقال لكتب المتّصفين أخبار الأوائل والأشعار أنها عقولهم والمعنى نتائج
__________
[1] . الإسكندر Ms.
(1/24)

عقولهم وأذهانهم وقيل ظن الرجل قطعة من عقله فكل هذا على التمثيل والاستعارة ولا يختلف قول القدماء في أن العقل الهيولاني أصفى جوهر النفس وحسّه فوق حسّ النفس ورتبته على رتب الجواهر ودون رتبة البارئ جل جلاله وهو أقرب الأشياء منه المسلمون لا يعلمون من العقل إلا ما هو مركب في الإنسان خاصّةً دون سائر الحيوان في العالم السُفلي فأما ما يحكى عن غيرهم فموقوف على الجواز ما لم يردّه العقل أو كتاب الشريعة وقد ذهب قوم أن حجّة الطبع فيما يوجبه ويسلبه أولى من حجّة العقل وادعوا ذلك من جهة اشتياق إلى ما وافقه ويلائمه وإنقباضه عمّا يعافه وينافره وان الله عزّ وجلّ خلقه إذ خلقه كذلك ولا يجوز ان يخلق شيئاً عبثاً أو لغير حكمة وفائدة والعقل مستحسن وهو يستحسن الشيء ثم يستقبحه ويستصوبه ثمّ يستحطئه والطبع لا يستحلى مُراً ولا يستمر حلواً ولا يجد الشيء عن خلاف ما هو به فأجابهم مخالفوهم أن الطباع لا تعرف إلا ما يحسّ وتباشر وقد تغيرها العادات والعوارض عن أصل جبلّتها فتميل في بعض الأوقات إلى ما كانت تنفر عنه وينفر عمّا كانت تميل إليه وليس من قوّتها التمييز بين
(1/25)

الحسن والقبيح بالاستدلال كما في قوّة العقل وقد صحّت طبائع البهائم وسلمت أخلاطها ثم لم يحسن خطابها وامتناع الطبع عن استحسان الحسن واستقباح القبيح غير محلى له من الحكمة ولا موجب العبث في خلقه كما أنّ الموات لا تحسّ بشيء من الأعراض ثمّ لم يخلُ من الحكمة بل دلالته وما تحويه من المنافع والمضار الذي خصّ به جنسه فائدته وحكمته فدلّنا ان موجب العقل هو المعوّل عليه في الاعتبار والاستدلال لإسقاط التكليف ووضع الامتحان على البهائم التي سلمت طباعها وأخلاطها فإن قيل بمّ عرفتم العقل قيل بنفس العقل لأنه الأصل والبديهة وأمّ علوم الاستدلال كما عرفنا الحسّ نفس الحسّ لأنه الطبع ولو كنَّا عرفنا العقل بعقل لأفضى الأمر إلى ما لا نهاية له ولمّا كان العقل أصل العلوم ورأسه فإن قيل فَبِمَ يفرقون بين دلالة العقل ودلالة الهوى والعادة قيل بالرد إلى الأصل لأن الفرع يشاكل الأصل ولو لم يشاكله لم يكن فرعاَ له ومن الدليل على وجوب حجّة الطبع تعظيم الناس كلّهم العقل وتبجيلهم إيّاه وتفضيلهم مراتب العقلاء ورفعهم أقدارهم واستنامتهم إلى
(1/26)

آرائهم واعتمادهم على إشارتهم وتمنّيهم درجاتهم والاستخفاف بمن ذلّ عقله وبدا سخفه ولم يفعلوا [7] ذلك بمن استقامت طباعه وكملت أخلاطه فعلمنا أنه معنى غير معنى الطبع وهو العقل
القول في الحسّ والمحسوس،
أقول أنّ الحواس طُرُق وآلات مهيّأة لقبول التأثيرات كما وضعها الله عزّ وجلّ عليه فإذا باشرت الحاسّة المحسوس أثرت فيه بقدر قبوله وقبلت منه بقدر تأثيره فبدرت به النفس وأدّته إلى القلب واستقر فيه ثم تنازعته أنواع العلم من الفهم والوهم والظن والمعرفة وبحث عنه العقل وميزه فما حققه صار يقيناً وما نفاه صار باطلا والحواسّ الخمس أولا يوجد شيء لا يمكن وجوده بشيء من الحواس فيحتاج إلى حاسّة سادسة ويزعم قومٌ أنها أربع ويجعلون الذوق ضرباً من اللمس وبعض يقول ستّ ويعدون فعل القلب حاسّةً سادسةً وهذا سهل واسع بعد أن اقروا بصحة وجود فعل الحواس لأن من الناس من ينكر حقيقة فعلها تتغير أحوالها ويحتج برؤية من يرى وجهه في السيف طويلاً وقامته في الماء الذي لا يكون مساحة عمقه كمساحة قامته منكسة ويرى الصغير كبيراً والكبير
(1/27)

صغيراً والواقف سائراً وهذا من رأى المعاندين والمموّهين إذ لا توجد هذه التغيرات في غير حاسّة البصر وذلك للعلل العارضة من بُعد المسافة وتكاثف الهواء فيقع الغلط من جهة الكيفية والكمية لأن الحاسّة لا تضبط الهئاة إذا بُعدت فأمّا الاينية فلا يقع فيها غلط ما لم يفرط بُعدها فلا تحصر شخصها الحاسّة وأما سائر الحواسّ التي فعلها بالمضامّة والمباشرة فلا يقع فيها اختلاف ما صحّت وسلمت وأهون ما يقابل به صاحب الرأي إنكار الحواسّ نفسها عروضّا لإنكار فعل الحواسّ وما أعلم أنا عقلاً [1] يشتغل بردّ هذا الرأي وإنكاره ولظهور فساده وفُحش خطابه
القول في درجات العلوم [2]
أقول أنّ الأشياء كلّها في العقول على ثلاثة أضرُب واجبٌ وسالبٌ ومُمكن فالواجب في العقل بنفس العقل واستدلاله كعلمنا بأن البناء يقتضي بانياً والكتابة يقتضي كاتبا ولا بدّ لكلّ صنعةٍ من صانع وأن الواحد والواحد اثنان وأن الشيخ كان شباباً والصغير كان رضيعا وما أشبه ذلك والسالب الممتنع المستحيل في العقل بنفس العقل واستدلاله
__________
[1] . أنا عقلMs.
[2] . المعلومات Ms.
(1/28)

وهو أن يوجد كتاب بغير كاتب وصنعة من غير صانع فإن هذا لا يوجبه العقل ولا يتصوره الوّهمْ ولا يستقرّ عليه الطبع والممكن الجائز الموهوم في العقل بنفس العقل كما حكى عن القرون السالفة والبُلدان النائية وما يذكر أنه سيكون بعدُ فإن ذلك ممّا يجوز في العقل أنّه كذلك ويجوز أنه ليس كذلك لأنه لا يدل خاطر على تحقيق شيء من ذلك ألا ويجوز أن يدلّ خاطر على إبطاله لدخوله في حدّ الجواز والإمكان فلمّا تكافأت الأدلّة به قصر على حدّ الوقوف فلا شيء ألا وهو معقول معلوم أو معروف أو موهوم أو محسوس
في الحدّ والدليل [7] والمعارضة والقياس والاجتهاد والنظر وغير ذلك،
أقول أنّ الحدّ ما دلّ على عين الشيء وغرضه باحاطة وإيجاز كحدود الدار والأرضين التي تميز حصّة كل مالك من حصّة صاحبة فيعرف به داره فأرضه والزيادة في الحدّ نقصان والنقصان منه زيادة يبطل الحدّ المطلوب كقولك الإنسان حىّ ميّت ناطق هذا حدّه فإن زيد فيه شيءٌ أو نقص انتقض لأن الاعتبار صحّة الحدود في الاطّراد بالعكس
(1/29)

والقلب فمتى لم ينعكس لم يستقِم هذا الذي اختاره في الحدود وإن كان للناس فيه أقوال ومذاهب لأن من رأى بعضهم أن حدّ الشيء وصفه له في ذاته كالعلّة وعند بعضهم حدّ الشيء من ذاته واسمه واعتبر بعضهم طرده من جانبين كما قُلنا وبعضهم اقتصر في جانب واحد إذا [صحّ] الطرد وهذا لا يستقيم إلا في باب الشرع والإلزام التي حجب عن الناس عللها الموجبة كقول من زعم مثلاً أنّ حدّ الصلاة أنّها طاعة ثم يقول وليس كلّ طاعة صلاةً فالأولى في هذا أنْ نسميه صفةً لا حداً لأنه لو كان حداً لسلم في الطرفين كما قال أن حدّ الإنسان أن يكون حياً ميتاً ناطقاً فكل حي ميت ناطق إنسان وكل إنسان حي ميت ناطقٌ وقد قيل الحدّ جامع لما يفرّقه التفصيل وأقول أن الدليل ما دّل على المطلوب ونبّه على المقصود كائناً ما كان من جميع المعاني. التي تتوصّل بها إلى المدلول عليه وقد يدلّ الدليل على فساد الشيء كما يدل على صحته فإذا دل على صحة شيء فهو دليل على فساد شيء والدليل على فساد الشيء فهو دليل على صحّة ضدّه ويدّل الدلائل الكثيرة المختلفة على العين الواحدة كالطُرُق المؤدية إلى مكان
(1/30)

واحد وكلّ ما هدى إلى شيء فهو دليل عليه فالبارئ سبحانه وتعالى دليل خلقه والرسول عليه السلم دليل أمّته والكتاب دليل والخبر دليل والأثر دليل والحركة والصواب دليل وما أشبه ذلك هذا الذي اختاره في الدليل الذي يستدلّ أهل النظر به وقد زعم بعض الناس أن الدليل هو المستدلّ نفسه فناقضه مخالفة بأنّه لو كان كذلك لجاز للمدّعى إذا طُولب بالدليل أن يقول أنا الدليل وهذا سهل قريب التفاوت لمن تأمّل أن اللغة لا تمنع أن يكون الدليل فاعل الدلالة كالشريب والسمير وأن يكون عين الدلالة والمدلول عليه كالصريع والقتيل يقول المدّعى أنا الدليل إذا أراد فاعل الدلالة غير خطاءٍ وإنما يستحيل إذا أراد به عين الدلالة على ما يطالب به وقد يكون عينه دليلاً على الصانع إذا سُئل لأنه ما من مدلول عليه إلا وهو دليل على شيء آخر وإن لم يكن دليلاً على نفسه وأقول أن العلّة السبب الموجب وهي ضربان عقليّة وشرعيّة فالعقلية الموجبة بذاتها غير سابقة لمعلولاتها كحركة المتحرك وسكون الساكن فالشرعية التي تطرى على الشيء فتغير حكمه ويكون مقدّماً لها معلولاً بعلة قبلها
(1/31)

وشرط صحة العلة جريانها في معلولها فمتى ما تقاعست عن الإطراد تهافت ذلك كوجود عين أو حكم لعلة من العلل ثم وجود تلك العين والحكم مع زوال تلك العلّة أو زوال العين [8] والحكم مع بقاء العلّة وصحّة العلّة كصحّة الحدّ سواء مع أنّ كثيراً من الناس يسمّون العلّة الحدّ وليس ببعيد لاتفاق المعنى وقيل أن العلة ذات وصف واحد وذات وصفين وذات أوصاف كثيرة ولا يصح الحكم بها إلا بإجتماع أوصافها كقولنا في الإنسان أنه حي ميّت ناطق لو اختزلت صفة من هذه الصفات لبطلت أن تكون حدّاً للإنسان وعلّة له وأقول أن المعارضة تصحيح ما رام خصمك إفساده من مذهبك بمثل مذهبه ومعنى المعارضة والمقابلة على السواء والمماثلة فإذا وقعت على خلاف ما يذهب الخصم إليه فهي ساقطة فاسدة وقد أنكر قوم هذا الباب وأبطلوه وزعموا أنه خارج عن حدّ الجواب والسؤال فأجابهم مخالفوهم بأنه ضربٌ من السؤال أو زيادة فيه واستدلّوا بأنّ المعارض مجيب أو مرئى مناقصه ولو جاز ان تمسك المعارض له عن جواب ما عورض فيه لجاز ان تمسك
(1/32)

المسئول عن جواب [1] ما سئل إذا السائل مستجير والمعارض مجير ثم نزل المعارضة من صححها أربع منازل يصحّ منها ثلاث [2] ويبطل واحدة وهي معارضة السؤال بالسؤال كسائل رجلاً ما قولك في كذا فيكُرُّ عليه وما قولك أنت في كذا فهذا لأنه ليس فيه شيء من جواب ما سئل والثانية معارضة الدعوى بالدعوى كقائل إن العالم قديم فيقول له الخصم ما الفرق بينك وبين من يدّعى أنه مُحدث فيلزم مدّعى القدم إقامة البرهان والتفريق بين المدعوين ومتى بطل قول من ادّعى أنه محدث صحت له دعواه في القدم لأنّ في صحّة الشيء فساد غيره والثالثة معارضة العلّة بالعلّة كقول الموحّد للمجسّم إذا قلت أنّ البارئ جسم لأنك لا تعقل فاعلاً إلا جسماً فَلِمَ لم تقل مركّب مؤلف لأنك لم تَرَ إلا جسماً مركباً مؤلفاً والرابعة معارضة الدليل بالدليل فهو أن يقال إذا كان دليلك كيت وكيت فما الفرق بينك وبين من يزعم أن الدليل شيءٌ آخر غير ذلك فالجواب أنك لا تقابل علّة بعلّة ومطالبتك بالفرق مطالبة بتصحيح الدليل وأقول أن
__________
Ms.repetedeuxfois. [1]
Ms.repetedeuxfois. [2]
(1/33)

القياس ردّ الشيء إلى نظيره بالعلّة المشاركة ويقال القياس معرفة المجهول بالمعروف وقيل كلّ ما عُلم بالاستدلال من غير بديهة ولا حاسة فهو قياس وقيل القياس التقدير واحتج قائلوه بقول الفرزدق [وافر]
ونحن إلى زفوف مغوّراتٍ ... نقيس على الحصا نطقاً يقينا
وهذه الأقوال قريبة المعاني كأنها في مشكاةٍ واحدةٍ وقد أجاز بعض القائسين القياس على الإسم كما أجازوه على المعنى والقياس الصحيح الذي يوافق المقيس عليه من جميع معانيه أو أكثرها وتسمَّى القياس البرهاني لدخوله في حيّز علوم الإمكان وقد أنكر بعض الناس القياس فلزمه أن ينكر ما فات حواسه وبدائهه ويقر بصحة كل ما جاء من حق وباطل وقضية العقول توجب أن تكون كل مشتبهين واحداً من حيث اشتبها وإلا فلا معنى للاشتباه ألا ترى أنه مستحيل أن توجد نار حارة ونار باردة لاشتراك النيران في طبع الحرارة وهو المعنى الموجب لهما في القضية وأقول أن الاجتهاد هو إمعان الفكرة والاستقصاء [8] في البحث عن وجه الحق
(1/34)

الذي لا يصاب بالبديهة ولا بالحس لكن بالطلب والاستدلال وهو مقدّمة القياس وكان القياس القضاء بالشيء على التمثيل والاجتهاد طلب وجه ذلك القضاء من أصح وجوهه والتحرز من وقوع الغلط فيه لأن القياس من غير اجتهاد كالقول بالظن من غير استدلال وأقول أن النظر فعل الناظر بقلبه ليرى ما خفي عليه فكما أن العين قد تقع على الشيء ولا يتبينه إلا بعد النظر والتفكر فكذلك القلب قد تعرض له الخطرة فلا يثبتها إلا بعد النظر والتفكر والمناظرة المفاعلة منه وقد تكون من تشبيه النظير بالنظير فيكون معناه القياس المحض،
القول في الفرق بين الدليل والعلّة،
أقول أن الدليل ما هدى إلى الشيء وأشار إليه والعلة ما أوجبه وأوجده ويوصل إلى الشيء بدليله لا بعلته لأن علته أيضاً مما يوصل إليها وتعلم بدليل لأن الذي يدل على العالم وقد يزول الدليل ولا يزول عينه ومتى زالت العلة زالت العين وتختلف الأدلّة على العين الواحدة ولا تختلف العلة ومحال وجود ما يفوت الحواسّ والبدائه بغير دليل وغير محال وجود ما لا علة له،
(1/35)

القول في الدليل،
أقول أن من الدليل ما يوافق المدلول عليه بوجه أو وجوه كثيرة كرؤيتنا بعض الجسم والبعض يدل على الكل متصلاً كان أو منفصلاً ومنها ما لا يوافق المدلول عليه بوجه من الوجوه وسبب من الأسباب كالصوت يدل على المصوت ولا يشبهه والفعل يدلّ على الفاعل ولا يشبهه والدخان يدل على النار ولا يشبهها ويلزم من يزعم أنّ الدليل لا بدّ أن يوافق المدلول عليه بجهة من جهاته وإن خالفه في أكثرها فإما إذا لم يكن بينهما مناسبة وارتفع الاشتباه ارتفع التعلق وإذا سقط تعلق الدليل بالمدلول عليه بطل أن يكون دليلاً إلا أن لا شيء في الغائب إلا جسم أو عرض لأنه لا يرى في الشاهد غير حدث وإن ينكر ما في العالم الأعلى لأن ما في العالم الأسفل مخالف له فلا يكون دليلاً عليه فإن زعم زاعم أنه كذلك لا شيء في جسم أو عرض أو حدث غير أنه مخالف لما في الشاهد طولب بالفرق لأن المخالفة تقطع التعلق والاشتباه والزم معارضه من عارضه بأن لا شيء في الغائب إلا وهو حادث ولا في الشاهد إلا غير حادث
(1/36)

القول في الحدود،
أقول أن الشيء اسم عام يطلق على الجوهر والعرض وما يدرك بالبديهة والحاسة والاستدلال من جميع ما مضى وانقضى وما هو ثابت في الحال وما سيكون فيما بعد وحدّ الشيء ما يصح أن يعلم أو يذكر أو يوجد أو يخبر عنه فإذا كان هذا حد الشيء فقد ثبت أن المعدوم شيء لأنه يصح الخبر عنه وأنكر قوم أن يكون المعدوم شيئاً وجعلوا حد الشيء أن يكون مثبتاً موجوداً لأن الموجود والمثبت يعمان الأشياء كما يعم الشيء ولا نقيض لهما قالوا فلو كان حدّ الشيء المعلوم لوجد له [9] نقيض وهو المجهول وزعم بعضهم أن حد الشيء المثبت لا غير ولا شيء منفي والمعدوم غير مثبت واحتج بعضهم بكتاب الله عز وجل أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً 19: 67 [1] فنفى أن يكون الإنسان قبل ان يخلق شيئا وبقوة تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 76: 1 [2] والشيء يذكر قبل الوجود ولو لم يكن شيئا غير المثبت الموجود
__________
(sic) . [1] أو لم يرQor. ,s.XIX ,v.68.Ms.
Qor. ,ch.LXXVI ,v.1. [2]
(1/37)

أوجب أن يكون ما يخبر عنه من أخبار العالم والقرون مذ قامت الدنيا باطلاً هذراً فإن قيل أن ذلك قد خرج مرة إلى الوجود قيل وما يدريك أن ما هو كائن بعد غير خارج إلى الوجود وقيل إذا خرج إلى الوجود فهو شيء قيل فما خرج عن الوجود فلا شيء فإن قيل محال تقدم الاسم على المسمى قيل ذلك في الخواصّ فامّا العامّ فغير ممتنع لأنا نقول سيكون في الدنيا أمور وأسباب وحيوان فتقدم أسماءها قبل وجود شخصها وقد كان أبو الهذيل يغايظهم بقوله في المعدوم أنه جسم خياط على رأسه قلنسوة يرقص ونقيض الموجود المعدوم ونقيض المثبت المنفي وليس نقيض الشيء لا شيء لأن المنفي والمعدوم شيئان قد نفى وعدم ولا شيء لا يوصف بالعدم والنفي فإن قيل فجسم هو أم عرض أم حركة أم سكون قيل هو شيء معلوم مقدور عليه لا غير وحد الجسم أن يكون طويلاً عريضاً عميقاً مؤلفاً مركباً من أجزاء وأبعاض شاغلاً للمكان حاملاً للأعراض ولا يوجد بتة خالياً منها أو من بعضها فإن أنكر منكر أن يكون الموصوف بهذه الصفات جسماً سلم له وسوهل في التسمية بما شاء وطولب بالفرق
(1/38)

بينه وبين ما لا يوجد بهذه الصفات وكان هشام بن الحكم يزعم في حد الجسم أنه ما قام بنفسه لأنه كان يقول البارئ جل وعز عن قوله جسم فالجسم في اللغة ما غلظ وكثف وكذلك يقولون للجثة العظيمة جسيمة وإنما أطلق هذا الاسم على ما الموصوف به معناه فإن غير اسمه لم يتغير معناه وإنما يتبين الفرق عند تفصيل الأسماء والأشخاص وحد العرض أن لا يقوم بنفسه ولا يوجد إلا في جسم فإن أنكره منكر قوبل بما يقابل به منكر الجسم وطولب بالفرق بينه وبين غيره ثم كلم على ما أشار إليه من المعنى وقد زعم قوم أن لا عرض في العالم وأن الأشياء كلها أعراض مجتمعة متفرقة وحد الجوهر حد بعينه لأنه جسم ولأن ما خلا عن حدود الجسم والعرض والجزء لم يضبطه الوهم ولا يتصور في الظن الذي هو اضعف أجزاء العلوم ودخل في خبر الامتناع وقد يسمى الجوهر الطينة والمادة والهيولى والجزء والعنصر والاسطقس واختلف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ من الأجسام فقال كثير من الناس أنه لا يزال مجزأ حتى يصير في الصغر الى حيث
(1/39)

لا يجوز أن يتجزأ ولا يكون له ثلث ولا ربع ولا نصف قالوا ولولا ذلك لما كان للأجسام تناه ولما كان شيء أكبر من شيء ولا أصغر منه ولما جاز لقائل أن يقول أن الله قادر على أن يرفع من الجسم كل اجتماع خلقه فيه فأقلّ الاجتماع بين جزءين قال ابن بشار النظام وهشام بن الحكم انه يتجزّأ تجزّؤا بلا نهاية ولم يتهيأ بالفعل فأنه موهوم واحتجوا بأنه كما لا يجوز أن يخلق الله شيئاً لا شيء أكبر منه فكذلك لا يجوز [9] أن يخلق شيئاً لا شيء أصغر منه وقالوا لو كان قول من قال أن الجزء لا يتجزأ صحيحاً كان في نفسه لا طول له ولا عرض فإذا حدث له ثان حدث لهما طول فلن يعدوا الطول أن يكون لأحدهما دون الآخر أو لهما معاً فلما ثبت أنه لهما [1] علم أنه يتجزأ وقال الحسين النجار الجزء يتجزأ حتى يعود إلى جزء لا يقبله الوهم فيبطل حينئذ وقال قوم لا ندرى كيف القول فيه واختلفوا في جواز الرؤية عليه وحلول الأعراض فيه من اللون والحركة والسكون وغير ذلك فأجازه
__________
[1] . و Ms.ajoute
(1/40)

قوم ونفاه آخرون والقدماء مختلفون في هذا الفصل على خلاف قول أهل الإسلام فيزعم بعضهم أنه يرى قبل الاسطقسات الأربعة اسطقسات آخر صاغر الأجزاء غير متجزئة في غاية الصغر منها تركيب الاسطقسات التي منها تركيب العالم وأما ارسطاطاليس يقول أما التجزئة بالقوة فإنها [1] بلا نهاية وأما بالفعل فلها نهاية وقال بعضهم لا يتجزأ لا يقبل الانفعال مع اختلاف كثير بينهم، وحد الزمان حركة الفلك ومدى ما بين الأفعال هذا قول المسلمين وحكى عن افلاطن أنه يرى الزمان كوناً في الوهم وحكى ارسطاطاليس في كتاب السماع الطبيعي أن جميع القدماء كانوا يقولون بسرمدية الزمان ألا رجلاً واحداً يعنى افلاطن وروى عنه افلوطرخس [2] أنه قال جوهر الزمان هو حركة السماء هذا وفاق قول المسلمين وبعضهم يقول أن الزمان ليس بشيء مع اختلاف كثير بينهم وإنما ذكر ما ذكر من مذاهبهم لتطمئن نفس الناظر إلى خلاف القائلين بالعقل والتمييز وليستفيد يقينا بما
__________
[1] . فإنهMS.
[2] . افلوطوخس MS.
(1/41)

يعضده من وفاق قولهم لأن في الإجماع قوة وهو من أوكد أسباب الاستظهار [1] عليهم، وحدّ المكان ما اعتمد عليه الجسم أو أحاط به أو حله العرض وهذا أراده ارسطاطاليس حيث قال المكان نهاية المحتوى الذي يماس ما يحتوي عليه واختلفوا في الخلاء والفضاء فقال قوم العالم لا خلاء فيه وإن الهواء جسم منتشر بسيط ويمتحن بالآلة التي هي على هيئة [2] الرطل في أسفلها نقب فإذا شدّ اعلاها لم يخرج الماء من أسفلها وإذا فتح سال فعقل أن الماء دفعة دافع وهو الهواء الداخل في الكوز وقال آخرون لا يخلو الأجسام من خلاء وهو الفرج بين الأجزاء واستدلوا بالماء الذي يصب على الأرض فيغوص فيها وفرق قوم بين الفضاء والخلاء فقالوا الخلاء هو الفراغ من الجسم والفضاء هو المحتوى على الخلاء بلا نهاية ويزعم قوم أن الخلاء والفضاء شيء واحد ويقول آخرون أنه ليس بشيء وحد المتغايرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر وقال بعضهم حدهما ما اختلف أوصافهما وحدّ
__________
[1] . الاستطهارMS.
[2] . هيأة MS.
(1/42)

الضدين ما لا يجوز وجود أحدهما إلا مع عدم الآخر وحد الموجود ما ثبت علما أو حسّا أو وهما وهو معنى الشيء وحدّ الاسم ما دلّ على المسمّى بالتمييز من جنسه والصفة كالاسم في بعض الأحوال إلا أن خاصية حدها الأخبار عما في الشيء كالعلم في العالم وقد يفرق قوم بين الوصف والصفة فيجعلون الصفة ما هو ملازم للموصوف والوصف قول الواصف ذلك وحد الإرادة ما يضطمره الإنسان [10] في قلبه من فعل أو قول أو حركة وحد القول ما يبديه القائل بلسانه وقد يقال للإشارة قول على المجاز وحد المعنى عقد القلب على ما أبدى بلفظه فزعم ابن كلاب أن معنى القول نفس القول ولو كان كذلك ما سأل السامع القائل ما معنى قولك وحد الحركة زوال وانتقال وهي على ضروب فمنها الحركة الذاتية والمكانية وقد قيل الحركة اختلاف وتغيير وحد السكون لبث واستقرار وزعم بعضهم أن السكون ليس بشيء وحد الجنس ما يجمع أشياء مختلفة الصور كالحيوان والنبات وقد قيل الجنس ما استوعب الأنواع وحد النوع تخصيص النظائر من الجنس والشخص تمييز الذات من النوع والشخص تحت النوع
(1/43)

والنوع تحت الجنس وهذا المقدار من هذا الباب لإغناء بأحد عن مطالعته فانّه كالمادّة للنظر والآلة للجدل،
القول في الأضداد،
أقول أن قول من يزعم أن الشيء لا يعرف إلا بضده محال لأن معرفة الشيء بحدوده ودلائله بل شكله ونظيره أسكن [1] من معرفته بضده ونديده لأن الشيء يدل على جنسه ونوعه ما لا يدل على ضده ولكن الضدين لا يجتمعان وعند صحة الشيء فساد ضده ولا يقع التضاد إلا بين الموجودات فبطل قول القائل أن ضد الجسم لا جسم وضد العرض لا عرض وضد الزمان لا زمان وضد المكان لا مكان وضد الشيء لا شيء لأن الأضداد أشياء متنافية وقول القائل لا جسم ولا عرض لا شيء في الحقيقة فكيف يضاد الشيء بلا شيء ولكن الأجسام والأعراض أشياء مضادة كالأسود ضد الأبيض والقديم ضد المحدث لأن القديم الموجود لا إلى أول والحادث ما يوجد بعد أن لم يكن [2]
القول في حدث الأعراض،
أقول أنّ معرفة حدث الأعراض
__________
[1] . اسكنMS.
[2] . لم يمكن MS.
(1/44)

من أوائل العلوم القائمة في النفس البديهة وما المنكر لها إلا بمنزلة المنكر للظاهر المحسوس لمعاينتنا تعاقب الألوان المتضادة على الأجسام كالسواد بعد البياض والبياض بعد السواد وكذلك الروائح المتضادّة [1] كالكريهة والطيّبة وسائر الحالات الّتي لا يخلوا الجواهر منها كالحر والبرد والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة والحركة والسكون والاجتماع والاقتران والافتراق والطعوم الملاذّ والمكاره وما نجده من أنفسنا من الحب والبغض والإرادة والكراهية والشوق والملامة والجبن والشجاعة والقوة والضعف والشبيبة والمشيب والنوم واليقظة والجوع والشبع وما نراه من حال القيام والقعود والقرب والبعد والحياة والموت والفرح والحزن والرضا والغضب وسائر العوارض التي تطرأ على الأجسام وبعد أن لم يكن وتزول [2] بعد أن كانت وهذا باب يستكمل جميع أوصاف العالم وما فيه لو تكلفه متكلف لأنه الدليل على الحدث والكون وقليل الشيء يدل على كثيره فإن زعم زاعم أن هذه الأعراض
__________
[1] . التضادهMS.
[2] . نزول MS.
(1/45)

أجسام طولب بالفصل بين الحامل والمحمول ولا بدّ من التفصيل بينهما ثم من الدليل على أن العرض غير الجسم جواز الاختلاف عليه وعين الجسم باقية كالبسرة الخضراء مثلاً تراها تصفر [f 10 v] فتبطل خضرتها ثم تحمر بعد صفرتها وعينها قائمة وكالراضي يغضب فيختلف حاله وعينه لا تختلف والشاب يشيب والحي يموت فلما لم يجز أن يقال لمن قد شاب أنه ليس بذاك الشاب ولمن مات أنه ليس بذاك الحي مع ورود حال وارتفاع حال أخرى عقل أن العرض ليس بجسم ولا بعض الجسم لأنه لو كان كذلك لتغير الجسم كما تغير الأعراض الحادثة فإذا ثبت أن الأعراض غير الأجسام وجب إن ننظر أحادثة هي أم قديمة فلما رأيناها كائنة بعد أن لم تكن وزائلة بعد أن كانت دلنا ذلك على حدوثها وكونها كوجودنا الجواهر متفرقة بعد أن كانت مجتمعة ومجتمعة بعد أن كانت متفرقة ولن يخلو أن [تكون] مجتمعة بأنفسها أو باجتماع فيها فإن كانت مجتمعة بأنفسها لم يجز وجودها متفرقة ما دامت أنفسها قائمة فعلمنا أنها مجتمعة باجتماع ثم نظرنا أذلك الاجتماع جوهر أو عرض فدلنا أنه لو كان
(1/46)

جوهراً لكان مجتمعاً باجتماع آخر ثم كذلك إلى ما لا نهاية فلما بطل ما قلنا علمنا أنه مجتمع باجتماع هو عرض لا جوهر وكذلك القول في الحركة والسكون فإن قيل أن الأعراض كانت كامنة في الجسم ثم ظهرت بعد ظهورها حادث أم غير حادث مع استحالة أن يكون الاجتماع والافتراق والحركة والسكون كامنة في الجسم فيكون الجسم في حال واحدة ووقت واحد ساكناً متحرّكا ومجتمعا متفرّقا فإن التجئوا إلى مذهب من يقول بالهيولى وأنه كان جوهراً قديماً لم يزل خالياً من الأعراض ثم حدثت فيه الأعراض فحدث فيه هذا العالم بما فيه قيل لا يخلو حدوث الأعراض فيه من أن يكون كانت كامنة فظهرت أو كانت في جوهر آخر فانتقلت أو لم تكن بتة فأحدثت فلما استحال كمون الأعراض في الجوهر الذي يزعمونه خالياً من الأعراض أن يكون مثل أجسام العالم أو دونها أو أعظم منها أو يكون جزءاً لا يتجزأ أو كيف ما كان فإن الصغر والكبر والمثل أعراض لم ينفك منها ولم ينفك من الحوادث فحادث، واعلم أن أحكام هذا الفصل من الفرض الواجب والحق اللازم وخاصة معرفة حدث الأعراض وإن
(1/47)

الجوهر لا ينفك منها لأنها الدليل الظاهر على الحدث والحادث والاختراع ونسأل الله التوفيق والتسديد وأن يعصمنا برحمته ويزيدنا بصيرة في طاعته،
القول على أهل العنود ومبطلي النظر،
أقول أن طائفة من الجاحدين سماهم السوفسطانية معنى هذه اللفظة عندهم المموّهون الممخرقون وقد سماهم ارسطاطاليس الملحدين أبطلوا العلوم كلها رأساً وزعموا أن لا حقيقة لشيء من العلوم والمعلومات فأنكروا موجود الحواس ومعقول البدائه ومستنبطات الاستدلال وزعموا أن الأشياء على الخيلولة والحسبان وكما يراه النائم في المنام وقد أعرض كثير من الناس عن مناظرتهم وعيت على من اشتغل بالرد عليهم لأن ما أنكروه ضرورة المشاعر والبدائه التي يستغنى فيها عن الدليل لأنها أصل العلوم ومتى ذهب ذاهب يدل على صحته فقد أوجب الدليل لما لا يحتاج فيه حتى يقوده ذلك الى ما لا نهاية له وناقضهم من ناقضهم مرئي [1] العامة فساد مذهبهم فقال الحس أوجدكم [11] ما تدعون أم النظر
__________
Sic ,ms. [1]
(1/48)

قادكم إلى ما تزعمون فإن ادعوا الحس كذبهم العيان وإن ادعوا النظر قالوا لعلكم غالطون في نظر عقولكم ولعل نظر مخالفيكم يدل على خلاف نظركم فإن سلموا الأمر لزمهم أن لا يناظروا مخالفاً ولا يخطؤا مخطئا ولا يحمدوا محسناً ولا يذموا مسيئاً وهذا خلف من القول ووهن في الرأي وإن ادعوا ترجيح نظرهم فقد اثبتوا النظر ونقضوا الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم وقد احتبس هذا الرأي صنفان من هذه الأمة مقلد مبطل النظر ومدعي أن لا دليل على النافي فلزمهما من ذلك ما لزم أصحاب العنود وقيل لهم أبنظر وحجّة أفسدتم نظر العقول وحججها أم بغير حجة فإن قالوا بنظر فكيف يبطلون النظر وهم يثبتونه وإن زعموا بغير نظر فالسؤال والجواب من النظر ولا يلقى به من ليس من أهل النظر وكل كلام من غير نظر فجحود أو عنود أو سهو أو غلط أو عبث وبمثله يقابل الزاعم أن لا دليل على النافي ثم نفيت الدليل مع أنك مع نفيك ما نفيته أحد المدعيين إذ أنت لو عارضك خصمك بمثل قولك وابطل دعواك ثم إذا طالبته بتصحيح مذهبه أحال على مذهبك فهل غير إثبات الدعويين
(1/49)

أو إسقاطهما ولنظار أهل الإسلام وفقهائهم حجاج كثيرة في هذا الباب وليس هذا من غرض هذا الكتاب ومما يستدل به على وجوب النظر أنه لما لم تكن الأشياء كلها موجودة حقاً ولا كلها باطلة حقاً ولكن حقاً وباطلاً ثم وجد الاختلاف فيها شائعاً على النظار إما من عالم معاند أو جاهل عاجز ولم يكن الأخذ به على اختلافه وجب عليه بالنظر الذي يميز بين الحق والباطل وأيضاً لما لم تكن الأشياء كلها ظاهرة لأنها لو ظهرت لما جهل شيء ولا كانت خفية لأنها لو خفيت كلها لما علم شيء وكان منها ظاهر جلي وباطن خفي وجب طلب علم ما خفي منها ولا يوجد ذلك إلا بالنظر،
القول في مراتب النظر وحدوده،
أقول أن العلماء الذين وطّئوا للنظار سبيل النظر ومهدوا لهم سبيل الجدل أضربوا في ذلك حد من تعداه أو قصر دونه تبين تنكبه [1] وتعسفه وخلل مذهبه وفساد بينته فجعلوا السؤال أربعة أقسام لا يقع فيها صدق ولا كذب لأنها استخبار عن مائيّة [2] المذهب
__________
[1] . تبتن نكبهMS.
[2] . مابنة MS.
(1/50)

أولاً ثم عن الدليل ثم عن العلة ثم عن تصحيح العلة وذلك نهاية فصول النظر واستقرار صحة الدعوى وفسادها وقابلوا أقسام السؤال بعددها من الجواب وكلها أخبار تحتمل الصدق والكذب لأنّ الصدق الإخبار عن الشيء بما فيه والكذب الإخبار عنه بما ليس فيه والسؤال ليس بإخبار فيحتمل الصدق والكذب وانّما يوجب السؤال أحد الشيئين إما الجهل به وإما إمتحان المسئول عنه والجواب يوجب القبول والتسليم والرد والإنكار بمعارضة أو مطالبة بالدليل والدليل يوجب العلة والعلة تحقق الجواب إذا طردت صحت وحيثما انتهى الخصم وسلم انتهى الكلام،
[11] القول في علامات الانقطاع،
أقول المناقضة والانتقال والعجز عن بلوغ الغاية وجحد الضرورة ودفع المشاهدة والاستعانة بالغير والسكوت للعجز كلها من دلائل الانقطاع وكل سائل مخير في سؤاله متفقهاً كان [أو] متعنتاً أحق في سؤاله أو أحال وليست كذلك حال المجيب بل عليه القصد للحق وتعريف السائل وجه سؤال من إصابة وإحالة ولا عليه أن يجيبه عن مسألة هي فرع
(1/51)

لمسألة يخالفه فيها حتى يقرره بإيجابها وتأخذ ميثاقه على القول بها لأن الخلاف إذا كان واقعاً في الأصل لم يطرد القياس في الفرع وذلك في التمثيل كسائل عن الرسالة منكر للتوحيد وإنما تصح النبوة بصحة التوحيد لأنه الموجب لها وكل سؤال يرجع إلى السائل بمثل ما يريد أن يلزمه المسئول فغير لازم لأنّ المعارضة فيه قائمة فطلب الدليل على الدليل والعلة على العلة إلى ما لا نهاية له فاسد لأن محصول الظواهر المحسوس ومحصول البواطن المعقول وما لا نهاية له غير موجود ولا معلوم ولا موهوم وقد يستحسن لابن الهذيل قوله إن صحة الصحيح وانتقاض المنقوض في جميع ما اختلف فيه المختلفون يعلم في ثلاثة أوجه أحدهما إجراء [1] العلة في المعلول والثاني نقض العلة بالتفسير والثالث جحد الاضطرار فأما ترك إجراء 1 العلة في المعلول فكقول الرجل فرسي هذا جواد فيقال ولم قلت ذلك قال لأني أجريته كذا فرسخاً فيقال له أكل فرس جرى في اليوم كذا فرسخاً فهو جواد فإن قال نعم أجرى علّته وان
__________
[1] . أجزاء بن Ms.lesdeuxfois
(1/52)

قال لا فقد نقضها وهو يحتاج إلى علة أخرى وأما نقض الجملة بالتفسير فكقول القائل إذا اشتد حر الصيفة اشتد [1] برد الشتوة التي تليها وإذا اشتد برد الشتوة اشتد حر الصيفة التي تليها ثم يقول وقد يشتد حر الصيف ولا يشتد برد الشتاء الذي يليه فيكون قد نقض بهذا التفسير الجملة التي تقدمت لأنها لو صحت لم يشتد حر الصيف إلا باشتداد برد الشتاء أبداً وأما جحد الاضطرار ففي البدائه والحواس وذلك كسؤالنا الدهرية عن شيخ رأيناه على كرسي في هيئته وخضابه أيزعمون أنه لم يزل هكذا قاعداً في مكانه بحالة التي هو عليها من الكسوة والخضاب فإن قالوا نعم جحدوا الاضطرار بشهادة العقول بإبطالهم، وأعلم أن السكوت بعد استقرار الحق أبلغ من الكلام في الذبّ عنه وزيادة البياني هجنه وربما أورثت فرصة لأن الإفراط نقص وعلم بفلج [2] الحجة ودحوصها [3] أبلغ من إفصاحك
__________
[1] . واشتدMs.
[2] . بفلجMs.
[3] . ودحوضها Ms.
(1/53)

بها لأن الشاهد شاهد القلب لا شاهد اللسان وليس كل من لزمه قول مناظره أو عجز عن جوابه في الوقت وجب عليه المصير إلى مذهب خصمه ولكن بعد التبين والتثبيت واستبراء الحال والرجوع إلى الأصول الموطودة والأعلام المنصوبة فإذا انكشف الغطاء عن وجهه وصرح المحض عن زبده وأومض الحق سيره فلا يسع حينئذ غير الإقرار والانقياد له وليس من الحق تكليف الخصم إظهار ما هو خفي في نفسه لأنه غير ممكن كما يمكنه إخفاء ما هو ظاهر في نفسه ولأن ذلك [12] إزالة الشيء عن وجهه فهذه مقدمات قدمناها نظراً للناظر في كتابنا ونصحاً لمن احتاط لدينه وتحرز من تمويه الملحدين وتلبيس الممخرقين وخطرات المجان ووساوس الخلعاء الذين أفسد الفراغ فكرهم وأخمدت الكفاية قرائحهم وحلت عن الدقائق عقولهم وعاشت بصنوف الشهوات نفوسهم وملكهم الهزل وركبهم الجهل واسترقهم الباطل وهجرتهم الفكر وعميت عليهم مواقع النظر فاحتالوا في إسقاط التكليف عنهم ليمرحوا في ميادين الشهوات وليركبوا ما يهوونه من اللذات بإنكار علوم الأصول من البديهة
(1/54)

والحواس والله المستعان وهو خير معين، وبعد فإنّ لأهل الإسلام أصولا من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليها ما يقوم لهم الحجة بها بينهم ويقنعون بشهادتها ودلائلها وكذلك أهل كل ملة ودين وكتاب غير أن ذلك لتصحيح فروع دينهم وشرائع ملتهم فلذلك أضربنا عن ذكره صفحا
(1/55)

الفصل الثاني في إثبات البارئ وتوحيد الصانع بالدلائل البرهانية والحجج الإضطرارية
أقول أن الدلائل التي تدل على إثبات الله عز وجل غير محصاة ولا متناهية في أوهام الخلائق لأنها بعدد أجزاء أعيان الموجودات من الحيوان والنبات وغير ذلك مما خفي من الأبصار لأنه ما من شيء وإن صغر جسمه ولطف شخصه إلا وفيه عدة دلائل تعبر عن ربوبيته وتصرح عن إلهيّته تصريحاً ينتفى مع أدناها الشبهة ويزاح العلة وإلى هذا المعنى نظر بعض المحدثين وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ولن يجوز غير ما قلنا لأنه لما كان هو خالق الخلق وصانع الصنع ومخترع الأعيان ومخرجها من العدم إلى الوجود لم نخل من آثار خلقه واختراعه فهي الدلائل المقترنة بها الشاهدة على صانعها ومنشئها فمن الدليل على إثبات البارئ سبحانه
(1/56)

وتعالى أنه خلاف بين الأوائل والأواخر إن الأرض منها عامر مسكون معلوم وعامر مسكون غير معلوم وخراب مجهول غير مسكون وأن عظم المسكون المعلوم منها العرب وفارس والروم والهند وهم ذوو [1] الآداب والأخلاق من سائر أهل الأرض لهم السير والسنن والآئين والحكمة والهمة والنظر والخصال المحمودة والعلوم المأثورة من الطبّ والتنجيم والحساب والخطّ والهندسة والفراسة والكهانة والأديان والكتب وغير ذلك مما يستعملونها في معاملاتهم وموضوعاتهم وما سواهم رعاع وهمج سافلو الرتبة عن رتب من قدمنا ذكرهم وناقصوا الحظ من حظوظهم إما بهيمي الطبع في قلة التمييز والفطنة وإما سبعية في الجفوة والغلظة حتى أن منهم من ينزو بعضهم على بعض ومنهم من يأكل بعضهم بعضاً لعلل قد ذكرها القدماء ليس هذا موضع شرحها بقول الله سبحانه وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ 16: 8 [2] ثم إن هذه الأمم [3] المحمودة أخلاقهم مع اختلاف أصنافهم وافتراق ديارهم وتفاوت آرائهم في المذاهب
__________
[1] . ذوMs.
[2] . الأمّةMs.
Qor. ,ch.XVI ,v.8. [3]
(1/57)

التي ابتجلوا والأديان [12] التي اعتقدوا لم يختلفوا في وجود آثار الصانع الحكيم في هذا العالم وما يشاهدونه في أجزائه وأبعاضه واختلاف طباعه وتعاقب أعراضه فإذا صح وجود البارئ الأزلي القديم الأول السابق ببدائه العقول وشهادة النفوس واضطرار الفطرة والجاء الخلقة بذلك بني تأسيسهم وعليه بني تركيبهم إلا من شد من جاهل أو جاحد مئوف في نفسه أو مغلوب على عقله إذ غير مفهوم ولا موهوم أثر من غير مؤثر ولا صنع من غير صانع ولا حركة من غير محرك كما يجحد الضرورة وجود كتاب بلا كاتب وبناء بلا بان وصورة بلا مصور فسبحان من لا انتهاء له إذ لا ابتداء له منه البداية وإليه النهاية مبدع القوى وممدّ الموادّ وسابق العلل ومنش ئ البسائط ومركب العناصر وحافظ النظام ومدبر الأفلاك ومحدث الزمان والمكان ومحيل الأركان الحكيم العدل القائم بالقسط الناظر للخلق البريء من المعايب الغني عن اجتلاب المنافع مدبر الأمور ومدهر الدهور أرخى على الأوهام ستور ربوبيته وضرب على مطالع العقول حجب إلهيّته فليس يعرف إلا بما عرف به الخلق نفسه ولا يدرك أحد
(1/58)

من صفاته كنهة الأبصار عن بدائع صنعه خاسئة والبصائر عن ملاحظتها نابئة والقلوب في آثار الدلائل عليه حائرة والنفوس مع حيرة القلوب إليه والهة والعقول عند محافطة الأشراف عليه مضمحلة متلاشية معبود في كل زمان معروف بكل لسان مذكور بكل اللغات موصوف بتضاد الصفات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 42: 11 نحمده على ما هدانا ولدينه اجتبانا ونشهد أن لا إله إلا الله نتميز به عن المشركين ونتزيل عدد الجاحدين ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق غير حادس ولا ساحر ولا كاهن ولا شاعر ولا محتال ولا متنب كذاب ولا مريد دنيا ولا قائل بالهوى فأبلغ وأدى وانذر وأهدى وصدع بأمر الله حتى أتاه اليقين فصلوات الله على روحه غادية وبردات [1] رحمته مترادفة على آله أجمعين، هذا التحميد الذي وجب أن نصدر به كتابنا أخرناه إلى حيث قدرنا أنه أولى به وأليق، ومن الدليل على إثبات البارئ سبحانه وله النفوس وفزع القلوب إذا حزبت الحوادث إليه اضطرارا إذ لا يوجد
__________
[1] ؟ بركات Lisez
(1/59)

مضطرّ وقد عضّته نائبة ولد غته ناكبة يفزع إلى حجر أو شجر أو مدد أو شيء من الخلائق إلا إليه ويدعوه بما هو معروف عنده من اسم أو صفة هذا مشاهد عياناً كما تفزع النفس عند المكاره المخوفة إلى طلب المهرب والنجاة وكما يفزع الطفل إلى ثدي أمه ضرورة وخلقه كذاك الله في معرفة خلقه إياه لأن أثر الدلالة في الخلق عليه أعظم من أثر الطبع إلى ما لا يلائمه وينافره ولا يمكن الملحد المنكر وان غلا وتعمّق في الإلحاد الامتناع [1] في معرفة الله وإجراء ذكره واسمه على لسانه شاء أم أبى في حال عمده ونسيانه لأن قلبه ولسانه على ذلك الخلق كما أنّ طبعه على الميل إلى المحبوب والازورار عن المكروه حبل [13] ومن الدليل على إثبات البارئ جل وعز أنه لا يخلو لسان أمة من الأمم في أقطار الأرض وآفاقها إلا وهم يسمونه بخواص من أسمائه عندهم ومستحيل وجود اسم لا مسمى له كاستحالة وجود دليل على غير مدلول عليه بل المدلول موجب لدليل كذلك المسمى موجب الاسم وما هو في التمثيل إلّا بمنزلة
__________
[1] . والامتناع Ms.
(1/60)

الحامل والعرض المحمول فكما يستحيل وجود عرض إلا في جوهر كذلك يستحيل وجود اسم إلا لمسمى فمن ذلك قول العرب له الله مفرداً من غير أن يشاركوه في هذا الاسم بأحد من معبوداتهم لأنه خاص لهم عندهم وكانوا يطلقون على غيره على التنكير وأما الرب بالتعريف والرحمن فلم يكونوا يجيزونه إلا للَّه تعالى وإنما تسمى [1] مسيلمة الكذاب بالرحمن مضادة للَّه جل وعز ومعاندة لرسوله عليه السلم ذلك مشهور مستفيض في قوافي أوائلهم قبل قيام الإسلام فمن ذلك قول بعضهم في الجاهليّة [طويل]
ألاَ ضَرَبَتْ تِلكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ... ألا قَطَعَ الرَّحمنُ منها يَمِينَهَا
فأضاف فعل القطع إلى الرحمن لأنه أراد به الدعاء وعلم أنه لا يجيب الدعاء إلا الله وقول أمية بن ابى الصلت [بسيط]
والحَيَةُ الحَتْفَةُ الرِّقشاء أخرجها ... مِنْ جُحرها آمنات الله والقَسَمُ
إذا دَعَا باسمه الإنسان أو سَمِعَتْ ... ذَاتَ الإله يُرَى في سَعْيِهَا زَرَمُ
__________
[1] . [؟] سمّى Ms.
(1/61)

وإنما أتينا بهذا البيت حجة لإثبات اسم الإلهيّة لا لرقية الحية وقول زيد بن عمرو، [طويل]
إلى الله أهدى مدحتي وثنايايا [1] ... وقولا رضينا لابني الدهر باقيا
إلى المَلِكَ الأعلَى الذي ليس فوقَهُ ... إلهٌ ولا ربٌّ سواه مُدَانِيا
وقول فارس هرمز وايزد ويزدان ويزعمون أن عبادتهم النار يقرب إلى البارئ عز وجل لأنها أقوى الإسطقسات وأعظم الأركان كما قال مشركو العرب في عبادتهم الأوثان ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله 39: 3 زلفى ولا يجوز أن يكون غير هذا حالة من يعبد شيئاً من دون الله لأنه يعلم أن معبوده من خشب أو حجر أو نحاس أو ذهب أو شيء من الجواهر غير خالقه ولا صانعه ولا مدبر أمره ولا محوله ولقد دخلت بيت نار خوز وهي كورة من كور فارس قديمة البناء وسألتهم عن ذكر البارئ في كتابهم فأخرجوا إلى صحفاً زعموا أنها الأبسطا وهو الكتاب الذي جاءهم به زردشت فقرءوا علي بلسانهم وفسروه علي بمفهومهم الفارسيّة
__________
[1] . ثناييا Ms.
(1/62)

فيكمازهم بهسته هرمز وبشتاسبندان فيكمازهم رستخيز قالوا وهرمز هو البارئ بلسانهم وبشتاسبندان الملائكة ومعنى رستخيز فني فقم وقول الأعاجم بلسان الدرية خذاي وخذاوند وخذايكان وقد سمعت غير واحد قال في تأويله خذست وخوذ بوذ منعاه أنه هو بذاته لم يكونه مكون ولا يحدثه محدث وقول الهند والسند شيتاوابت ومهاديو وأسماء كثيرة غير هذه يصفونه بخواص أفعاله [13] وقول الزنوج ملكوي وجلوي قالوا معناه الربّ الأعظم وقول الترك بير تنكرى يعنون الرب واحد وزعم بعضهم أن تنكري اسم لخضرة السماء فإن كان كما ذكروا فإنهم قد ءامنوا بالمعنى المطلوب من الإلهية وإنما شكوا في الصفة وقال بعضهم تنكري هو السماء واسم البارئ عندهم بالغ بايات معناه الغنى الأعظم وقول الروم والقبط والحبشة وما يدانيها من البلدان بالسريانية لأن عامتهم نصارى لاها ربا قدوسا ولا فرق بين السريانية والعربية إلا في أحرف يسيرة فكأن السريانية سلخت من العربية والعربية سلخت من السريانية وقول اليهود بالعبرانية ايلوهيم ادناي اهيا شراهيا
(1/63)

ومعنى ايلوهيم الله وأوّل [1] التوراة برشيت بارا ايلوهيم يقول أول شيء خلقه الله هذا الذي عليه معظم الأمم والأجيال من أهل الكتاب وغيرهم فأما أقاطيع الناس في مجاهيل الأقاليم فمن يحيط بلغاتهم إلا الذي خلقهم وقسم بينهم ألسنتهم وسمعت قوما من برجان يسمونه ادفوا فسألتهم عن اسم الصنم فقالوا فع وسألت القبط من صعيد مصر عن اسم البارئ بلغتهم فزعموا أحد شنق كذا ظني والله أعلم، ومن الدليل على إثبات البارئ سبحانه هذا العالم بما فيه من عجيب النظم وبديع الترتيب ومحكم الصنع ولطيف التدبير والاتساق والإتقان فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما أنه لم يزل كما هو وإما أنه لم يكن فكان بنفسه وإما أنه كونه مكون هو غيره فلما استحال أن يكون قديماً لم يزل لمقارنة الحوادث إياها وإن لم يخل من حادث فحادث مثله واستحال أن يكون الشيء نفسه لاستحالة الكائن أن يبقى نفسه فكيف يجوز توهم المعدوم من أن يتركب فيصير عالماً لم يبق غير الوجه الثالث وهو أنّ كوّنه مكوّنٌ هو غيره غير معدوم ولا محدث وهو
__________
Ms.repetedeuxfois. [1]
(1/64)

البارئ جلّ جلاله واعلم أن البارئ عزّ وجلّ ليس بمحسوس فيحصره الحواسّ ولا معلوم بالإحاطة فيدرك كيفيّته وكميته وأينيّته ولا مقيّس بنظير له أو شبيه فُيعلم بأكثر الظنّ والحزر ولا موهوم بصورة من الصّوَر لكنّه معروف بدلائل أفعاله وآيات آثاره موجود في العقول لا غير ولا تُوجَدُ آثاره وأفعاله إلاّ في خَلْقه ومن الدليل على إثبات البارئ سبحانه تفاضل الخلق في الدرجات والطباع والهمم والإرادات والصُوَر والأخلاق وتمايز الأشخاص والأنواع من أجناس الحيوان والنبات فلو أنها مكونة [1] بالطباع لاستوت أحوالها وتكافأت أسبابها وكانت تكون في أنفسها مختارة ولما يُوجَد فيها ناقص ولا عاجز ولا مذموم ولا متأخّر عن درجة صاحبه فلمّا وجدنا الأمر بخلافه علمنا أنّ مدبّراً دبّره ومرتّباً رتّبه وهو البارئ سبحانه، وقد قلنا في صدر هذه المقالة إن عدد الدلائل عليه تعالى وتقدّس غير محصاة ولا متقصّاة لأنّك لو عمدتَ إلى أصغر شخص من أشخاص الحيوان وأعملت فكرك في تعداد ما يوجدك من آثار صنع الصانع فيه لرجعت حسيرا عييّا
__________
[1] . مكون Ms.
(1/65)

وأعجزتك حجج الباري جلّ وعز وحيّرتْك آثار صُنعه وذلك في المثل كناظر في بَعُوضةٍ أو نملةٍ [14] أو ذُباب كيف بنى البارئ جلّ وعزّ جسمه في لطفه وصغر أجزائه وكيف أطلق له القوائم والأجنحة وكيف ركّب فيه من الأعضاء ما لو فُرِّقَتْ لما كان الطَرْف يدركها ولا الوهم يمسّها ولا الحاسّة تحدها وكيف ركّب فيه من الطبائع ما تمّ به قوام أركانه واستواء نظامه وكيف أودعه معرفة ما فيه صلاحه من طلب منافعه واجتناب مضارّه وكيف سلك في جوفه مداخل غذائه ومنافذ طعامه مع خفّة جسمه وقلّة ذاته وكيف حمل عليه الأعراض وصبغه بألوان الصِبْغ وكيف ركّب الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والصوت والصورة وكيف ركّب فيه العين بل كيف ركّب في عينه البصر هذا في صغار هوّام ما يتولّد وإن كان طبع الزمان علّةً لبعثه وإثارته فإنه لم يتركب هذا التركيب العجيب والنضيد الأنيق إلاّ من تدبير قادر حكيم وكذلك لو نظر إلى أدون نبت من النبات وما جُمع فيه من اختلاف ألوانه من نوره وورقه وفرقه وجذعه وعرقه واختلاف طعوم أجزائه ورائحتها ومنافعها ومضارها
(1/66)

لدلّ ذلك على تدبير قادر حكيم وكيف لو رجع إلى نفسه فنظر إلى كمال صورته وحسن هيئته [1] واعتدال بنيته مع ما خُصَّ به من الحكمة والعلم والفطنة والبحث والفكرة بلطيف الأُمور وجليلها وحذقه بأنواع الصناعات وحسن اهتدائه إليها وخبرته بالأمور الغامضة واستيلائه على جميع الحيوان بفضل عقله وزيادة فطنته ثم هو مع ما وصفناه به من الكمال والتمام مبني [2] على الضعف والحاجة إلى ما صغير ما في العالم وكبيره مضمن بالنَصَب والتعب عاجز عن دفع ما يحلّ به من الآفات جاهل بأسباب كونه وتصرفه في نشوه ونمائه وزيادته ونقصانه محتاج إلى ما يقيمه ويعينه لدلّه ذلك على تدبير قادر حكيم وكذلك إذا نظر إلى هذا العالم وما يرى فيه من شواهد التدبير وآثار التركيب في الهيئة والشكل والصُور مع اتّصال بعضه في بعض وحاجة بعضه إلى بعض من اعتقاب الحرّ والبرد واختلاف الليل والنهار واتفاق الأركان وتقاومها على تضادّها وتباينها علم أنّه من تدبير
__________
[1] . هيأتهMs.
[2] . منىّ Ms.
(1/67)

قادر حكيم ولو جاز لمتوّهم أن يتوهّم حدوث هذا العالم من غير محدث لجاز لغيره أن يتوهّم وجود بناء من غير بانٍ وكتابةٍ من غير كاتب ونقش من غير نقّاش وصورةٍ من غير مصوّر ولساغ له إذا نظر إلى قصر مشيّد وبناء وثيق أن يظنّ أنّه انساب إلى كومة من الترب مجتمعة لم يجمعها جامعٌ فاختلط بها من غير خالط حتّى التفّت ونديت ثم انسبكت لبنا على أكمل التقدير وآنق التربيع من غير سابق ولا ضارب ثم تأسّس أساس القصر وتمكنت قواعده وارتفعت ساقاته وأعراقه حتّى إذا تطاولت حيطانه وتكاملت أركانه وتطايرت اللبن وتراكمت على حواشيها وتناضدت أحسن التراكم والتناضد ثم تساقطت الجذوع والجوائز من أشجارها على قدر البيوت والخطط والمحتطّة للأبنية بلا حاصد لها ولا عاضد ثم انتجرت بلا ناجر [14] وانتشرت بلا ناشر واسفنت بلا سافن فلما تهيّأ منه الكمال واستقام المائل ترفّعت بأنفسها فانغرزت في مغارزها وتسقفت فوق بيوتها وفاقت أساطينها تحتها ثم انطبقت عليها صفائحها وانتصبت أبوابها فانغلقت بذاتها ثم تكلّس القصر وتسيّع وتبلّط وتجصًّص وتنقّش بأنواع
(1/68)

التزاويق والنقوش واستوى أمره وشاد بناؤه واجتمع متفرّقه على أحسن التقدير وأكمل التدبير حتَّى لا تعرّى منه ناحية ولا لبنة ولا قصبة إلا ومفهوم للناظر إليه موضع الحكمة والحاجة إليه من غير فاعل فعله ولا صانع صنعه ولا ساعٍ سعى فيه ولا مدبّر دبّره وكذلك [1] لو نظر إلى سفينة مشحونة موقّرة بألوان الحمولات وأصناف السِلَع راكدة في لُجّة البحر أو سائرة أنها تركّبت ألواحها وأعضادها وتسمّرت مساميرها ودُسُرها وانضمّت حتّى اسفنت بذاتها ثم نقلت الحمولة إلى نفسها حتّى امتلأَت ثم ركدت في الماء فسافرت عند الحاجة وكذلك لو نظر إلى ثوب منسوج أو ديباج منقوش أنه انحلج قطنه وخلص قزّه ثم انغزل وانفتل وانصبغ والتأمت الوشائع [2] وامتدّت الأشراع والتفّت إلى منوالها وانضمّت الخيوط بعضها إلى بعض فانتسج وانتقش فإذا لم يجُزْ هذا المتوهّم فكيف يتوّهمه على هذا العالم العجيب النظم الباهر التركيب فإن ذهب ذاهبٌ إلى الفرق بين تركيب العالم وتركيب
__________
[1] . وذلكMs.
[2] . الوسائغ Ms.
(1/69)

ما يركبّه الإنسان بأنّ العادة لم تجوّز بابتناء الدور وانتساج الأثواب وانصباغ الأواني ولم يوجد مثل ذلك في الامتحان والطبائع قيل فكيف جوّزتم ما هو أعجب ممّا ذكرنا وأعظم من غير فاعل مختار ولا حكيم قادر فإن زعم أنّ تركيبّ هذا العالم على هذا النظم ولتركيب [1] من فعل الطبائع فالطبائع إذاً أحياء قادرة حكيمة عالمة ولم يبق بيننا وبينه من الخلاف إلى تحويل الاسم وتغيير الصفة وإن أنكر حياة الطبيعة وحكمتها وقدرتها فكيف يجوز وجود فعل محكم متّقن من غير حكيم حيٍّ قادر فإن زعم بالحدّ والاتّفاق على هذا الاتّساق غيرُ موهوم وإنّما وقوعه في النوادر ولو جاز ذلك لجاز أن من له ساحة ولا بناء فيها ولا عمارة يتّفق اتّفاق ليلة فتُصبح مبنيّة دوراً مغروسة أشجاراً على أحسن الابنية واعجب التركيب ولا محيص للملحد من حجج الله وآياته فكيف وهو حجّة بنفسه ولغيره وليس نورد من هذا الباب هاهنا إلا ما يضاهي الفصل وما يصّح ويجلّ دون ما يغمض ويدقّ لأن من عزمنا أن نبالغ في الاستقصاء والإيضاح لهذه المسائل في كتاب
__________
[1] . والتي بت Ms.
(1/70)

سمّيناه بالديانة والأمانة شكراً لمن أنعم علينا بالتوحيد ومناضلةً عن الدين وتبصّراً للمستبصرين ومن عند الله التوفيق، واعلم أنّه لو جاز أَنْ يُوجَد شيءٌ من الأَجسام لا من خلق الله لجاز أن يوجد عارياً من دلالة عليه فإذا لم يوجد إلا من خلقه لم يخلُ من دلالة عليه فإن قيل وكيف يعلم أَنَّه مصنوع مخلوق قيل بآثار الحدث فيه فإن قيل فما آثار الحدث قيل الأعراض الّتي لا تعرى الجواهر منها من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون واللون والطعم والرائحة وغير ذلك فإن أنكر الأعراض وحدوثها كُلّم بما ذكرناه في موضعه [15] من الفصل الأوّل فبحدوث الأعراض يصحّ حدوث الأجسام وبحدوث الأجسام يصح وجود المحدث البارئ لها سبحانه ولقد قرأتُ في بعض كتب القدماء إن ملكاً من ملوكهم سأَل حكيماً من الحكماء ما أدلُّ الأُمور على الله فقال له الدلائل كثيرة وأوّلها مسألتك [1] عنه لأنّ السؤال لا يقع على لا شيء قال الملك ثم ماذا قال شكّ الشاكّين فيه فإنّما يشكّ فيما هو لا فيما لا هو قال الملك ثم ماذا قال وله
__________
[1] . مسألتك Ms.
(1/71)

الفطن [1] إليه الذي لا يستطيع الامتناع منه قال الملك زدني قال حدوث الأشياء وتنقّلها على غير مشيّتها قال زدني قال الحياة والموت اللّذان يسمّيهما الفلاسفة النشؤ والبِلَى فلستَ واجداً أحداً أحيا نفسه ولا حيّاً إلا كارهاً للموت ولن ينلْ [2] منهم يعني لا ينجو قال زدني قال الثواب والعقاب على الحسنة والسيئة الجاريان على ألسنة الناس قال زدني قال أّجِدُ مزيداً، وجاء في الأخبار أن بني إسرائيل اختلفوا في هذا الباب ففزعوا إلى عالم فسألوه بِمَ عرفت البارئ قال بفسخ العزم ونقض الهمّة وكتب الله المنزّلة مملوءة بدلائل الإثبات والتوحيد تأكيداً للحجّة لأنّه موضوع في نفس الفطرة وخاصّةً القرآن وقال الله لرسوله حيث سُئِل عن الدلالة عليه إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ الله من السَّماءِ من ماءٍ فَأَحْيا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها من كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 2: 164
__________
[1] . الفطرMs.
[2] . سل Ms.
(1/72)

[1] فدلّ على نفسه بخواص أفعاله ومعجزات آثاره التي لا سعى لغيره في شيءٍ منها وقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ [2] 23: 12- 13 إلى قوله فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ 23: 14 [3] هل ترى أحداً يدّعى فعل شيء من ذلك وقال أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا به حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ الله [4] 27: 60- 61 إلى آخر الآى الخمس وقوله أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [5] 56: 58- 59، دلّهم على نفسه بصُنعه بإِعجازهم في آخر الآيات فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [6] 56: 86- 87 وتكلّف غير ما
__________
Qor. ,sour.II ,v.159. [1]
Qor. ,sXXIII ,v.12 -13. [2]
Ibid. ,v.14. [3]
Qor. ,XXVII ,v.61 etsuiv. [4]
Qor. ,sour.LVI ,v.58 -59. [5]
Ibid. ,v.85 -86 [6]
(1/73)

في كتاب الله فضل لأنّه معرض ممكن لمن تدبّره وتأمّله وقال وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ 51: 21 [1] إنكم توجدوها ولم تحدثوها ولستم تملكون شيئاً من أمرها من الصحة والسقم والشباب وقال سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ 41: 53 [2] يعني بما ضمّنها من آثار الصنع وشواهد التدبير ودلائل الحدث ورُوينا في حديث أنّ رجلاً سأل محمّد بن عليّ أو ابنه جعفر بن محمّد يا ابن رسول الله هل رأيت ربّك حين عبدته فقال ما كنت لا أعبدُ ربًّا لم أرَه فقال الرجل وكيف رَأيته قال لم [3] تَرَه العيون بمشاهدة العيان ولكن رأَتْه القلوب بحقائق الإيمان لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالقياس [4] معروف بالدلالات موصوف بالصفات له الخلق والأمر يُعزّ بالحقّ ويُذلَ [15] بالعدل وهو على كلّ شَيءٍ قدير وسُئِل عليّ بن الحسين رضى الله عنهما متى كان ربّك قال ومتى لم يكن ربّنا وحكى عن بعض
__________
Qor. ,LI ,v.21. [1]
Qor. ,XLI ,v.53. [2]
[3] . ألمMs.
[4] . بالناس Ms.
(1/74)

الحكماء أنّه كان يقصّر [1] الناس على هذا القدر من التوحيد ولم يرخص لهم الخوض في أكثر منه فيقول التوحيد أربعة أشياء معرفة الوحدانيّة والإقرار بالربوبيّة وإخلاص الالهيّة والاجتهاد في العبوديّة وكانت حكماء العرب في كفرها وجاهليّتها يُشيرون إليه في أشعارهم ويمدحونه بالآئهِ ونعمائه فمن ذلك قول زيد بن عمرو بن نفيل [طويل]
وَأَنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولاً مناديا
فقلت له فأذهب وهارون فادعو ... إلى الله فرعون الّذي كان طاغيا
وقولا له أأنت سمكت هذه ... بلا عمد حتى استقرت كما هيا
وقولا له أأنت سوّيت هذه ... بلا وتد حتّى استقرّت كماهيا
وقولا له من يرسل الشمس غدوةً ... فتصبح ما مست من الأرض صاحيا
وقولا له من ينبت الحي والثرى ... فتصبح منه البقل يهتز راسيا
وكان يقول [متقارب]
وأسلمت وجهي لمن اسلمت ... له الأرض يحمل صخرا ثقالا
__________
[1] . [؟] قصير Ms.
(1/75)

دحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سوقت إلى بلدة ... أطاعت فصبّت عليها سجالا
فجعل يصفه بالصفات الّتي يَعجز عنها المخلوقون معرفةً منه باستحالة فعل لا من فاعل وأذكُر أَنّي سألتُ بعضَ الأَعاجم بنواحي سنجار على نواحي المزاح والمهازلة إذ كنت أراه جلف الجثّة ثقيل اللهجة ما الدليل على أنّ لك خالقاً قال عجزي عن خلق نفسي فكأنما ألقمت حجراً وما شبّهتُه إلاّ بخبر عامر بن عبد قيس إذ خرج عليه عثمان بن عفّان رضى الله عنه وهو في شملّة اشعث اغبر في زي الأعاريب فقال أين ربّك يا اعرابي قال بالمرصاد فهال ذلك عثمان فارعد له ومن ذلك قول صرمة بن انس بن قيس قبل الإسلام [خفيف]
وله الراهبُ الحبيس تراه ... رهن يونس وكان ناعم بال
وله هودت يهود وكانت ... كل دين وكل أمر عضال
وله شمس النصارى وقاموا ... كل عيدٍ لهم وكل احتفال
(1/76)

وله الوحش في الجبال تراه ... في حقاف وفي ظلال الرمال
[16] يعني أنّ من مخافته هُوِدّت اليهود وحبست الرهبان أنفسها في الصوامع ومن دلائله عرفت الوحوش منافعها ومناكحها وليست بذات عقول مميّزة وإنَما يعرفه كلّ واحد بمقدار فهمه وكيفيّة استدلاله وأنشدني النهريبندي في جامع البصرة [طويل]
ولو حل أقطار السماوات عاقلٌ ... أو احتل في أقصى بلاد تباعد
ولم ير مخلوقاً يدل على هدىً ... ولم يأته وحى من الله قاصد
ولم ير إلاّ نفسه كان خلقها ... دليلاً على بار له لا يعاند
دليلاً على إبداعها واختراعها ... منيراً على مرّ الدهور يشاهد
وفي هذا المقدار مقنَعٌ وبلاغ لمن ناصَح نفسَه وأعطى النَصفة وجانب الجحود والعنود وَمن لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ 24: 40 وإذا صحّ إثبات الباري ووجود الصانع فلنقل الآن في صفاته
القول في جواب من يقول من هو وما هو وكيف هو
(1/77)

أقول أن السؤال عن المائيّة والمنيّة والهويّة محالٌ من وجه التفتيش عن ذاته لأنّ الإشارة إلى هذه الأشياء تصوّرها في الوهم ولا يتصوّر في الوهم غير محدود أو نظير محسوس وهذه من صفات الحدث فإمّا أن أراد السؤال عن إثباته وإثبات صفاته فلا وذلك كقائل يزعم أنه قد ثبت عندي وجود البارئ سبحانه فما هو فالجواب الصواب أنه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ 57: 3 القديم الخالق حتى يُعدُّ جميع أسمائه وصفاته فإن زعم أنه سأل عن هويّة ذاته قيل غير محسوسة ولا موهومة ولا معلومة بالإدراك والإحاطة فإن زعم أن هذا من صفاته الاشيّة والبطلان فهذا من وساوس الجهل وهذيان الخطل ويكلّم في إيجاب الصنعة الصانع والفعل الفاعل بما قد سبق ذكره فإن طلب نظيراً أو شبيهاً بهذه الصفات فهذا يكلّفنا أن نتّخذ إلهين [1] اثنين محسوساً وغير محسوس ثمّ نشبّه الغائب بالشاهد ليتحقّقه وما من إلهٍ إلّا إله واحد وليس يجب علم ما تيقّنّاه لجهل ما جهلنا ألا ترى أنّا إذا آنَسْنا شخصاً في السواد ولم نعلم ما هو ومن هو لم يجب ان
__________
[1] . الاهين Ms.
(1/78)

نُبطِل علمنا في ذات الشخص بما خفي علينا من بعض هيئاته كذلك لمّا قامت الدلالة أن يستحيل وجود فعل لا من فاعل ثم وجدنا فعلاً لم نشاهد فاعله لم يجب أن نُبطل علمنا البديهيّ بجهلنا وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هويّته فنزل الجواب في صفاته قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 112: 1- 4 [1] فأخبر أنّه أحد لا كأحدٍ وصَمَد لا كصمد لم يلد ولم يولد يعني الملائكة وسائر الناس من الخلائق الروحانيّين بقوله ولم يكن له كفؤاً أحد فنفى النظير والشبيه عنه وقال الرسول عليه السلم فيما رُوِيَ لرجل من الأعراب سأله عنه هو الذي إذا مسّك ضرٌّ فدعوتَه أجابك وإذا أصابتك سنةً فدعوتَه امطر السحاب وأنبت النبات [16] وإذا ضلَّتْ راحلتُك بفلاةٍ من الأرض فدعوتَه ردّها إليك فجعل يدلّ على ربّه بدلالة فعله وشهادة الكتاب تُغْنِيْ [2] عن طلب الأسانيد لمثل هذه الأخبار بقول الله تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ 27: 62
__________
Qor. ,sour.CXII. [1]
[2] . يغنى Ms.
(1/79)

[1] وفي رواية المَقْبريّ عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] أنّ الشيطان يأتي أحدكم فلا يزال يقول له مَنْ خَلَقَ هذا فتقول الله حتّى يقول فمن خلق اللهَ فإذا سمعتم ذلك فافزعوا إلى سورة الإخلاص فقال أبو هريرة رضى الله عنه فبينا أنا قاعد إذ أتاني آتٍ فقال مَن خلق السماء فقلت الله قال فمن خلق الأرض قلت الله قال فمن خلق الخلق قلتُ الله قال فمن خلق الله فقُمْتُ وقلت صدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 112: 1- 4 ولهذا نهى عن التفكّر فيه إذ لا مطلع للوهم والفكر عليه من طلب ما لا سبيل إليه رجع بأحد الأمرَيْن إِمّا شاكًّا وإمّا جاحداً والجحود والشكّ فيه كُفْر وقد قيل تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق لأنّ الخلق يدلّ عليه والخالق لا يُدْرَك ولا أَعلمُ أحداً من أصناف الخلق والأمم إلاّ وهو مقرّ بوجود شيء في الغائب خلاف الحاضر فمن ذلك قول الفلاسفة الهيولي وإنه خلاف الأجرام العلويّة والسُّفليّة ومنهم من يقول بحيٍّ ناطق لا يجوز عليه
__________
Qor. ,sour.XXVII ,v.63. [1]
(1/80)

الموت وهو لم يشاهده حيًّا ناطقاً إلاّ ميتاً ومنهم من قال بأنّ جوهرَ الأفلاك من غير الطبائع الأربع وهو لم يشاهد شيئا من عين الطبائع ومن قال بمواضع من الأرض يبلغ طول النهار بها أربعة وعشرين ساعة ومواضع يغيب الشمس عنها ستّة أشهر وهو لم يشاهدها ومن قال بأنّ النطفة تنقلب علقةً والعلقة تنقلب مضغةً ولم يشاهدها عياناً ومن قال بأرض لا بتركب منها حيوان ولا نبات ومن قال من الثنويّة بنور خالصٍ في الغائب وظلمة خالصة غير مماسَّيْن ولا ممتزجّيْن وهو لم يشاهد جسماً إلاّ مؤلّفاً مركّباً في أَشْباهٍ لهذا يطول الكلام بذكرها حتّى تعلم ان قول القائل لا شيء غير ما يعاينه [1] ولا شيء غاب عنه إلاّ كما يشاهده محال باطل وبعد فانّا نجدُ الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والفَرَح والحُزْن واللذّة والكراهية والحبّ والبُغض وغير ذلك من كثير من الأعراض ولا يمكن صفتها بطول ولا لون ولا عَرْضٍ ولا ريح ولا طعم أو صفة من الصفات ثمّ لم يجب إبطالها لعدم صفاتها وكذلك العقل والفهم والنفس والروح
__________
[1] . يعانيه Ms.
(1/81)

والنوم لا شكّ أنّها أشياء ثابتة ولها ذوات قائمة من الأعراض ثم لا يُحاط بكميتها ولا بكيفيتها غير وجودها فإذا كانت هذه الأشياء قُربها منّا وتمكّنها فينا ونعجز عن الاحاطة بها ولم يجز إنكارها لوجوهها وكيف بمُبْدِعها ومُنْشئها ومُقيمها على مراتبها وكلّ صانع لا شكّ أَعْلى رتبةً من مصنوعاته وأَرفع درجةً فإن قال قائل سَوَّيْتَ بين صفات العقل والروح والنفس وسائر ما ذكرت وبين البارئ الذي يدعونا إليه وتساوي الصفات يوجب تساوي الموصوفات فما ينكر ممّن يزعم أنه هو النفس أو العقل لا من الناس من يقول هو نفس [17] الخلائق ومنهم من يقول هو عقولهم قيل إنما يجب تساوي الموصوفات إذا تساوت حدود الصفات فأمّا الألفاظ فمشتركة والمعاني مختلفة ألا ترى أنّا نقول له هو ولغيره هو ونقول هو واحد ولغيره ممّا يتميّز من الأعداد واحد ونقول ذاته ولغيره من الحيوان والنبات ذواتها ونقول قال الله وفعل الله فقال فلان وفعل فلان لأنّ الألفاظ سِمَاتٌ للمعاني لا يمكن العبارة إلاّ بها فإذا جِئْنا إلى التفصيل قلنا فِعْلُ الإِنسان بجارحةٍ وفِعْله ليس بجارحة وفعل
(1/82)

الإنسان بآلةٍ وفِعْله ليس بآلةٍ وفعل الإنسان في زمان ومكان وفعل الله قبل الزمان والمكان فهَلْ بقى بين الفعلَيْن من التشابه غير سمة اللفظ وهكذا سائر الأوصاف ثمّ من الدلائل على أنّ البارئ جلّ جلاله ليس بالنفس ولا بالعقل ولا بالروح كما ذهب إليه من ذهب أن الأنفس متجزّئة قد فرّقت بينها الهياكل والأشخاص والتجزّي تفرُّق والتفرُّق عارض ولا متفرّق إلاّ ومتوهّم تجمعه والتجمّع عارض وقد يعيش عائش ويموت مائت ولا يخلو [1] من أن تبطُل نفسٌ بموت صاحبها أو ترجع إلى كلّيتها أو تنتقل إلى غيره والبطلان والرجوع كلّها أعراض وقد أَوضَحْنا الدلالة على حدث الأعراض وهكذا القول في الأرواح على السواء وكذلك تفاوت العقول واختلافها وما يعرِضُ فيها من الخلل والنقص والسهو والغلط كلّها من دليل الحدث وما العقل في قصور المعرفة إلاّ بمنزلة سَمْع الأذن وبصر العين وشمّ الأنف كلّها موجودة غير معلومة الكيفيّة والكميّة فإن قيل أَلَهُ هُويّة وإن لم نعلمها قيل الهويّة إضافة هو الى
__________
[1] . [؟] لي Ms.
(1/83)

معناه [1] وهو إشارة فإما معنى الهويّة فالذات وأي لعمري له ذات عالمة سميعة بصيرة قادرة حيّة غير معلومة كيفيّتها فإن قيل فهو عالم بذاته قيل له ليس هو غير ذاته فتكون معلومة له غير علمه ويكون له من ذاته علم ومعلوم وقد قال قوم أنه هو الطبائع ومنه حّدّثُ العالم وتركّبه فالطبائع أشياء متنافرة متضادّة مقهورة مجبورة وهذه هي علامات الحدث ثمّ هي غير حيّة ولا عالمة ولا مختارة ولا قادرة فيصحّ منها هذه الأفعال المحكمة المُتْقَنَة فإن أطلقوا عليها هذه الصفات فهي البارئ بزعمهم وإنّما غلطوا في التسمية وإن أَبَوْا في الفعل لا يصحّ إلاّ ممّن هذه صفاتُه واختلف أهل الإسلام في أشياء من هذا الباب فأنكر كثير منهم القول بالأَيْنيّة والمائيّة ولا يخلوان من أن يكونا إياه أو غيره أو بعضه فإن كانا غيره أو بعضه انتقض التوحيد وإن كانا إيّاه فهو إذاً أشياء كثيرة وقال ضرار بن عمرو وأبو حنيفة رضى الله عنهما له أينيّة ومائيَة لأنّه لا يكون شيء موجود إلاّ وله أينيّة ومائيّة وعلّة الأينيّة غير علّة
__________
[1] . معناها Corr.marg. ,ms.
(1/84)

المائية وذلك أنك تسمع الصوت فتعلم أنّ له مُصوّتاً وتجهل ما هو ثمّ تراه بعد ذلك فتعلم ما هو فعِلْمُك ما هو غير علمك بأينيّته ومعنى المائية عندهما أنه يعلم نفسَه بالمشاهدة لا بدليل كما نعلمه واختلف المُشبّهة فزعمت النصارى أنه جوهر قديم وزعم هشام بن الحكم وابو جعفر الأحول الملقّب بشيطان الطاق انه جسم محدود متناهٍ وقال هشام هو جسم مُصْمَتٌ له قدر من الأقدار من العَرْض كأنه [17] سبيكة تلأْلأْ كالدُرّة من جميع أطرافها واحدة ليس بمجوّف ولا متخلخل وحُكى عن مُقاتل أنه قال على صورة إنسان لحمٍ ودمٍ وسُئل هشام كيف معبودُك فأوقد سراجاً وقال هكذا إلاّ أنّه لا ذُبالة له وقال قومٌ جسم فضاء مكان الأشياء كلّها وأكبر من كلّ شيء وقال قوم هو الشمس بعينها وزعم قوم إنه المسيح وقال قوم هو علي بن أبي طالب وذهب قومٌ إلى أشياء كثيرة متبعّضة مختلفة القوى والفعل إلاّ أنّ بعضها متّصل ببعض وبعضها أعلى من بعض فأعلاها البارئ سبحانه ويزعمون أنه لا جسم له ولا صفة ولا يُعرف ولا يعلم ولا يجوز أن يُذْكَر ودونه العقل
(1/85)

ودون العقل النفس ودون النفس الهيولي ودون الهيولي الأثير ثم الطبائع ويرون كلّ حركة أو قُوّة حسّاسة أَو نَامية منه وسيمرّ بك النقض عليهم مجملاً في باب التوحيد إن شاء الله وأحسن ما أختاره في هذا الفصل أَلاّ يخوض الإنسان في شيء منه إلاّ بإثبات الذات بدلائل الصفات فإمّا ما سِوَى ذلك فيسكت عنه وليقتَدِ نبيّ الله موسى حيثُ قال له الكافر وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ 26: 23- 24 [1] هذا طريق السلامة فإن سأل بعضُ مَنْ لا يعلم كيف هو وأين هو وكم هو فإنّ كيف يوجب التشبيه ولا شبه له وكم استخبار عن العدد وهو واحد وأين طلب المكان وليس بجسم فيُشْغِل الأماكن،
القول في أن البارئ واحد لا غير
أقولُ أنّه لما صحّ وجود البارئ بالدلائل العقليّة وجب ان ينظر أواحد هو أم أكثر لأنّ الفعل قد يفعله الواحد والاثنان وقد يشترك الجماعة في بناء دار ورفع منار ونظرنا فإذا الدلائل على وحدانيّته بإذاء الدلائل على إثباته وذلك أنّه
__________
Qor. ,sour.XXVI ,v.22 -23. [1]
(1/86)

لو كانا اثنّيْن لم يخلُ من أن يكونا متساوِيَيْن في القوّة والقُدرة والعِلم والإرادة والقِدَم والمشيَّة حتَّى لا يُفْرق بينهما بصفةٍ من الصفات فإن كانا كذلك فهذه صفة الواحد لا يثبت في العقول غيره أو يكون أحدُهما أَقْدم من الآخر وأَقدر فَالإِْلَهُ إِذاً القديمُ القادر إِذ العاجز الحادث لا يستحقّ الإلهيّة أو يكونا معا متقاومين مُتضادَّيْن فأذَنْ لا يجوز وجود خَلقٍ ولا أمرٍ لأنّه لو كانا كذلك لم يخلُقْ أَحدُهما خَلْقاً إلاّ أفناه الآخر ولم يُحْيِ حيّاً إلاّ أماته الآخر فلمّا وجدنا الأمر بخلافه علمنا أنّه واحد قدير وهذا ضمْنُ قول الله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ (إِلَّا الله) لَفَسَدَتا 21: 22 ف سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ 43: 82 [1] وقال قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا 17: 42 [2] ولو كانا اثنين لكانا قادرَيْن على التمانع والتقاوم أو عاجزَيْن عن ذلك فإن كانا قادرَيْن لم يتّصل تدبير ولم يتم وجود خَلْق وإنْ كانا عاجزَيْن فوجود الخَلْق عن العاجز
__________
Qor. ,sour.XXVI ,v.22. [1]
[2] . سبيلا Qor. ,sour.XXVII ,v.44.Lisez
(1/87)

مُحالٌ أَو كان أحدهما عاجزاً والآخر قادراً فهو كما قلناه آنفاً ولو جاز القول باثنين لوجود الشيء وضدّه لجاز القول بعدد أعيان الموجودات لاختلاف أجناسها وأنواعها وأنّها تمام القُدرة جوازها على الشيء وضدّه ففاعل الشيء إذا كان عاجزاً عن ضدّه غير كامل القُدرة والبارئ عزّ وجلّ دلّ على كمال قُدرته بإيجاد الشيء وضدّه ومن هاهنا تفرّقت المجوس والثنويّة والدَهْرية وسائر فرق الضلالة فزعمت المجوس بأنّ فاعل الخير لا يفعل الشرّ وأنّ الشرّير لا يفعل الخير لأنّ الجنس الواحد لا يَقَعُ منه إلا الفعل الواحد كالنّار لا يكون منها إلاّ التسخين والثلج لا يكون منه إلّا التبريد [18] فسمّوا الإله الخير هرمز والشرّير الخبيث آهرمَن وأَضافوا كلّ حُسْنٍ وجميل وفعل حميد إلى الخير [1] وكل قبيح وذميم إلى الشرّير الخبيث المضادّ له ثمّ اختلفوا بعد إجماعهم على أنّ الخير منهما قديم لم يزل وزعم بعضهم أن الشرّير قديم أيضاً كقول الثنويّة بقدم الكونين من النور والظلمة وزعمت طائفةٌ أُخرى انّه حادث ثم اختلف الذين قالوا بحدوث الشرير الخبيث كيف
__________
[1] . الخير Ms.
(1/88)

كان حدوثه فزعمت فرقة منهم أنّ القديم الخير تفكّر فكرةً رديئة فاسدة فحدث من فكرته هذا الخبيث الشرير وهذا نقض أصلهم بأنّ جوهر القديم جوهرٌ خير لا يشوبه شيء من الشرور والآفات وزعم آخرون أنّ الخير هفا هَفْوةً فحدث منه هذا الضدّ بلا إرادةٍ منه ولا مشيّة فجعلوا الخير كالمغود الجاهل الذي لا يملك نفسه وأمره وقد أقرّ هذان الصنفان بوقوع الشرّ من الخير المحمود ووجود جنسَيْن مختلفَيْن منه فما حاجتهما إلى إثبات فاعلَيْن مختلفَيْن فإذا جاز وقوع الشرّ من هذا الخير المحمود فما يؤمنهم وقوع الخير من هذا الشرّير المذموم وزعمت فرقة ثالثة منهم أنه لا يدري كيف حدث هذا الشرّير المنازع [1] للخير القديم فأفصحوا بالحَيْرة ونادوا على أنفسهم بالشبهة وبم ينفصون ممّن يعارضهم إذا جاز حدوث شرير فاعل للشرّ لِمَ لَمْ يُجْز حدوث خير فاعل للخير حتّى يكون خالقهم اثنين حادثَيْن وقد زعموا جميعاً أنّ هذا الشرير كايدَ الخير ونازعه الأمر وجمع الخير جنوده من النور والشرير جنوده من أبعاض الظلمة فاقتتلا مدَةً من
__________
[1] . والمنازع Ms.
(1/89)

الدهر طويلة ثمّ توسّطت الملائكة بينهما ودعَوهما إلى الهُدْنة والموادعة إلى أن يضع بينهما مدّة سبعة آلاف سنة وهي مدّة قوام العالم فاصطلحا على أنْ يكون أكثر الأمر والحكم والغلبة في هذه المدّة المضروبة للجوهر الشرّير فإذا انقضت المدّة أفضى الأمر إلى القديم الخير فأخذ الشرّير يستوثق منه إلى أن ينقضي عالم الشرّ والفتنة والفساد ويصير الحكم إلى الخير المحض وهذا ظاهر الانتقاض والاختلاف وكيف تطمئن النفس إلى عبادة عاجز مغلوب على أمر وكيف يؤمن الشرير الخبيث على الوفاء بالعهود والمواثيق وهل هي منه ألا أفضل الخير وأتم الإحسان فقد وجد من جوهره الخير وهو من غير جنسه كما وجد من جوهر الخير العجز والغلبة وهو شر وليس من جنسه واختلفت الثنوية فزعم ماني وابن أبي العوجاء أن النور خالق الخير والظلمة خالق الشر وأنهما قديمان حيان حساسان وأن فعلهما في الخلق اجتماعهما وامتزاجهما بعد أن لم يكونا ممتزجين فحدث هذا العالم من نفس الامتزاج فأقرّا بحادث حدث في القديم من غير سبب أوجبه ولا إرادة منه فضاهيا المجوس في قولهم أن الخير حدث منه الشر بلا
(1/90)

إرادة منه ولا مشية وزعم ديصان أن النور حىّ والظلمة موات فأحال أشدّ الإحالة إذ أجاز من الموات الفعل في خلق الشرور والآفات فناقضوا بأجمعهم في نفس الامتزاج لأنه لو كان بدأبه النور فقد أساء في مخالطة الظلام وإن كان بدوه من الظلام فقد غلب النور وأفسده وعندهم أن النور لا يكون منه ألا الخير والظلمة لا يكون منها [1] إلا الشر فكل خير منسوب إلى النور وكل شر منسوب إلى الظلمة واكتفى من جوابهم بما يومض عن مناقضاتهم كفاء ما يشاكل [18] كتابنا هذا بعد أن نستقصيه في كتاب المعدلة ونشبع القول فيه بمشية الله وقد سألهم جعفر بن حرب عن مسألة قليلة الحروف عظيمة الخطر فقال لهم أخبرونا عن رجل قتل رجلا ظلما فسئل أقتلته قال نعم من القائل نعم قالوا النور قال فقد كذب النور والنور عندكم لا يفعل الشر قالوا فهو الظلمة قال فقد صدقت والظلمة لا تفعل الخير وقال هل اعتذر أحد من شيء قط قالوا نعم والاعتذار حسن جميل قال فمن المعتذر قالوا
__________
[1] . منه Ms.
(1/91)

النور قال فصنع شيئاً يجب الاعتذار منه قالوا فالظلمة قال فقد أحسنت إذا اعتذرت فقطعهم واستعظم قوم القول بإيجاد أعيان لا من سابق فقالوا بقدم البارئ وشيء قديم معه أم الأشياء وآخر الهويات ومادة العالم والأصل الذي حدثت منه الأجسام والأشخاص فأنه جوهر بسيط عار من الأعراض ثم أحدث الصانع فيه أعراضاً من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فتركب من حركاته العالم بأجزائه فهولاء قد أجبوا شيئين قديمين مختلفين إلى الذات والصفة أحدهما حي والآخر ميت ودخلوا في مذاهب الثنوية وناقضوا أصلهم بأن البارئ لم يزل يصنع فيه فأبطلوا قولهم بأنه علة والعلة لا تفارق المعلول وجملة القول في الإعتقاد في المعدوم والموجود أن الموجود ما يعقل أو يعلم أو يحس أو يعرف أو يصح منه تأثير أو فيه أو معه أو به فإذا خلا من هذه المعاني فهو المعدوم ولولا ذلك لكان كيف يعتقد المعتقد المعدوم من الموجود فإن قيل فقد اعتقدتم القديم أفعدم هو وأنتم لا تصفونه بشيء من الحدوث والأعراض قيل افتسوون أنتم بينه وبين الهيولى في المعنى أم لا وأنتم لا تصفونها بشيء من
(1/92)

الحدود والأعراض ونحن إنما نعتقد وجود البارئ بدلائل صنعه وآثاره وليس يصح الهيولى أثر ويوجب اعتقاده موجوداً بل لو وصفتموه بأفعال خاصية وجب اعتقاده وسنزيد إيضاحا لهذه المسألة في فصل ابتداء الخلق إن شاء الله تعالى،
القول بإبطال التشبيه
أقول أن التشبيه يوجب الاتفاق في الحكم والمعنى على قدر المواقع من الاشتباه وذلك يزعم أن حد الجسم أنه طويل عريض عميق يلزمه أن يقتضي على كل ذي طول وعرض وعمق بالتجسيم لأن الاشتباه بينهما واقع في جميع الوجوه فإذا قال جسم لا كالأجسام وأراد أن يبطل الحدود المضروبة فيه فكأنه يقول جسم لا جسم ويلزمه أن يحكم على كل ذي طول بحد من حدود الجسم لأنه من حيث استحق بعض أوصافه استحق الحكومة به كما أنه إذا حد العرض بأنه لا يقوم بنفسه لزمه القول بأن كل ما لا يقوم بنفسه فهو عرض فإن قيل أليس قلتم أنه شيء لا كالأشياء فما تنكرون من يقول أنه جسم لا كالأجسام أو له وجه لا كالوجوه وجارحة لا كالجوارح فإن الشيء اسم عام
(1/93)

للموجود والمعدوم والقديم والمحدث وحده ما قد ذكرناه في موضعه فإذا سمع السامع به لم يذهب به إلى جسم دون عرض ولا إلى قديم دون محدث حتى يفرق به إلى التفسير ما يدل [19] على المراد فإذا سمع بالجسم لم يعقل منه إلا المؤلف المركب فلذلك لم يجز إطلاق أسماء المحدثات عليه لأن استواء أحكام المثلين من حيث تماثلا وإلى هذا المعنى ذهب الناشي في قوله [بسيط]
لو كان للَّه شبه من خليقته ... كانت دلائله من خلقه فيه
قد كان مقتضياً من نشو صانعه ... ما يقتضي النشو من آثار ناشيه
لكنه جل عن أوهام واصفه ... فالحس يعدمه والعقل يبديه
(1/94)

الفصل الثالث في صفاته وأسمائه وكيف يجب أن يعتقد القول والفعل منه سبحانه
أقول أنه إذا ثبت وجود البارئ عز وجل وثبتت وحدانيته بالدلائل التي قامت وجب أن ينظر في صفاته وما يليق به أن يضاف إليه ويعرف به فنظرنا فإذا من صفاته خاص وعام فالخاص ما لا يجوز أن يوصف بضده كالحياة والعلم والقدرة ولا أن يوصف بالقدرة عليها ألا ترى أنه لا يصح القول بأنّه يقدر أن يحيا أو يقدر أن يعلم أو يقدر أن يقدر ولا القول بأنه يعلم كذا ولا يعلم كذا أو يقدر على كذا ولا يقدر على كذا لأن ما كان موصوفاً بنفسه ثم وصف بضدها كان الضد راجعاً إلى نفسه ولا تستقيم الإلهية بغير حياة وقدرة وعلم وهذه تسمى صفات الذات والعام ما يجوز أن يوصف
(1/95)

بضدها ويوصف بالقدرة عليها كالإرادة والرزق والخلق والرحمة وهي صفات الفعل وللمسلمين ومن قبلهم في هذا الفصل تشاجر كثير واختلاف يدعو إلى ضلال من خالف صاحبه في ذلك فقال بعض الناس لا اسم للبارئ ولا صفة ولا ذكر وإنما ينبغي أن ينسب كل عدل ورحمة وفضل وجود إليه بمعرفة القلوب أنه منه وقالت المعتزلة أن صفات الله أقوال وكنايات وهي كلها من قول القائلين ووصف الواصفين وقال قوم لا معنى لصفات الفعل وإنما المعنى لصفات الذات والصفة ما قامت في الموصوف ولا تباينه ولا يجوز أن يوجد الموصوف مع عدمها قالوا فلم يزل الله خالقاً بارئاً رازقاً مريداً متكلّما رحيما حتى أتوا على آخر صفاته وفرق ناس منهم بين الوصف والصفة فجعلوا الصفة ما يلاصق الموصوف كالعرض للجوهر والوصف قول الواصف تلك الصفة فصفات الله غير مخلوقة لأنه بها موصوف وهو غير مخلوق وهو واحد بصفاته كلّها وصفاته لا هو ولا بعضه ولا غيره واحتجوا بأنها ليست هو ولو كانت هو لكان صفة ولدعي فقيل يا علم يا قدرة يا سمع يا بصر ولما قام بذاته
(1/96)

كما أن الصفات لا تقوم بأنفسها ولا هي غيره لأن حد المتغايرين جواز وجود أحدهما مع عدم الآخر [19] فلو كان علمه وقدرته وسمعه وبصره غيره لجاز عدم العلم والقدرة وغيرها مع وجود البارئ فيحصل بلا علم ولا قدرة ولاهى بعضه لأن التبعيض من دلائل الحدث والله لا يوصف بالابعاض والأجزاء وقالت المعتزلة في صفات الذات أنها ليست من غير الذات شيئاً فذات البارئ عالمة حكيمة قادرة سميعة بصيرة وهو عالم بذاته قادر بذاته سميع بذاته بصير بذاته وإنما الصفات ما وصف الله به نفسه أو وصفه العباد بها قالوا ولا يجوز أن يكون علمه وقدرته هو ولا غيره لأنها لو كانت هو لكان أشياء كثيرة مختلفة ولعبدت ودعيت فلو كانت غيره لكانت قدماء كثيرة وإن لم يزل مع البارئ وإن كانت محدثة فكان قبل أحداث العلم غير عالم وقبل أحداث القدرة غير قادر وكذلك سائر الصفات فثبت أن ذاته عالمة قادرة إن كان له علم به يعلم وقدرة بها يقدر ولم يخل من أن يكون هي هو أو غيره وقالوا لا فصل بين من زعم أنه هو أو غيره أو بعضه قالوا وقول
(1/97)

القائل لا هو هو نفي وقوله لا غيره رجوع عن ذلك النفي وإثبات له فهولاء يزعمون أنه لو كان له علم لكان معه غيره ومخالفوهم يزعمون ان لو لم يكن له علم لكان جاهلاً قالوا وهو موصوف بالقدم والقدرة والعلم فلو كان عالماً بنفسه قديماً لما جاز أن يوصف بنفسه كما لا يصور المصور بنفسه ولا يكتب المكتوب بنفسه ولا يشتم المشتوم بنفسه وإنما يشتم المشتوم بشتم ويصوّر المصوّر بصورة فصح أنه موصوف بصفات والصفات يشتق منها الأسامي فالقديم من القدم والقدير من القدرة والعالم من العلم كما أن الحمرة للأحمر والصفرة صفة للأصفر ثم هولا هي ولا غيرها قالوا ولو لم يشاهد عالماً إلا بعلم ولا قادراً إلا بقدرة فكذلك ما غاب عنا فقال لهم مخالفوهم أليس الحمرة والصفرة عرضان في الأحمر والأصفر أو ليس العالم منا بعلم علمه عارض فيه فهل [1] إلى تمثيل البارئ بجسم ذي عرض وبم ينفصلون ممن يزعم أنه جسم أو عرض لوجود الفعل منه لأنه لا يظهر الفعل فيما يشاهد إلا من جسم حدث فهل يجب علينا القضاء
__________
[1] . كذا في الأصل LacuneMs.
(1/98)

بأنه جسم ذو أعراض وأبعاض إذا لم نشاهد الفعل إلا من جسم ذي أعراض وأبعاض كذلك لا يجب القضاء بأنه عالم بعلم إذا لم نشاهد عالماً إلا بعلم فإن قيل إذا أجزت عالماً لا يعلم فأجز جسماً لا بصفات الجسم قيل لو لزم ذا للزمك هو بعينه في إجازتك عالما بعلم لا هو ولا غيره ولا بعضه وأما قولهم أن المصور لا يصور بنفسه والمكتوب لا يكتب بنفسه وإنما يصور بصورة ويكتب بكتابة والصورة والكتابة لا شكّ غيرهما وقولهم من الصفات يشتق الأسامي فالصفات هي الأسامي بعينها ليست أنها أشياء كامنة فيه كالأعراض في الجواهر ولكنه إذا أبدى فعلاً من أفعاله تسمى به أو سماه العباد به والكلام يطول في هذا ويمتد ومتى اعمل الناظر فكره في هذا المقدار [20] تبين له وجه الصواب بحول الله وقوته
القول في الأسامي
أقول أن اختلافهم في الأسامي كاختلافهم في الصفات وعامة المعتزلة على أن الأسامي هي الصفات وأن الاسم غير المسمى وهو قول المسمى وحد الاسم ما دل على المعنى وقالت فرقة أن الاسم والمسمى واحد واحتجّوا بقوله بعالى سَبِّحِ اسْمَ
(1/99)

رَبِّكَ الْأَعْلَى 87: 1 فلو كان الاسم غيره لكان قد أمر بعبادة غيره وقد قال سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 57: 1 فدل على أن اسم الله هو الله وقال اذْكُرُوا الله 2: 203 ثم قال في موضع وَاذْكُرُوا اسْمَ الله 5: 4 وناقضهم مخالفوهم بأن الاسم لو كان المسمى لكان إذا غير تغير المسمى وإذا أحرق أو خرق أو غرق أثر ذلك كله في المسمى وكل مسمى سابق اسمه وجائز تبدل الاسم عليه والأسماء مختلفة كثيرة والمسمى واحد غير مختلف وقد قال الله عز وجل وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها 7: 180 وما هو له فهو به يدعى وهو غيره لا شك وأجمعت الأمة أنه غير جائز أن يقال له يا حسن على أن يكون حسنه في ذاته وإنما يوصف بحسن القول والفعل وقد أخبر أن له أسماء حسنة في غاية الحسن ونهايته فعقل أنه غير أسمائه وأسماؤه معلومة محدودة معدودة الحروف ولا يجوز إطلاق شيء من ذلك على البارئ سبحانه وتعالى وأسماؤه تختلف باختلاف اللغات فكما أن لغة الفرس هي غير لغة العرب ولغة العرب غير لغة الحبش لقول الله تعالى وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ 30: 22 كذلك التسمية بها
(1/100)

مختلفة فإذا اختلف الاسم وهو واسمه واحد فذاك الاختلاف شائع فيه لا شك اللَّهمّ إلا أن ينكر أن لا يكون له غير اسم واحد وأن لا يختلف ذلك الاسم باختلاف اللغات فهذا جاحد ضرورة لا غير وقوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى 87: 1 أي اذكره باسمه وصفته لأنه غير ممكن ذكر شيء إلا باسمه ثم قوله سبح للَّه واذكروا الله واذكر ربك على ما يتعارفه الناس أن الشيء إذا لم يكن ذكراً في نفسه لم يكن ذكره إلا باسمه وقول القائل الله معلوم أنه اسم عربي لمعرفة معناه واشتقاقه وغير جائز القول بأن الله عربي أو عجمي فإن قال قائل إذا كان الأسماء والصفات من أقوال العباد وكناياتهم فلم يكن له اسم ولا صفة قبل الخلق وكان عطلاً غفلاً إلى أن سماه العباد قيل قد قلنا أن صفاته على وجهين صفة ذات وصفة فعل فما كان من صفات الذات لم يزل بها موصوفاً وإن لم يصفه بها واصفه كما أنه لم يزل واحداً فرداً وإن لم يكن خلق يوحده وعالماً وإن لم يكن المعلوم موجوداً وقادراً وقديماً فإما القول بأنه لم يزل مدعواً أو معبوداً أو مشكوراً فالشاكر والعابد والداعي
(1/101)

ليسوا لم يزالوا وكذلك القول بأنه لم يزل خالقاً رازقاً يقتضي أزلية المخلوق والمرزوق اللَّهمّ إلا على جهة القدرة على الخلق والرزق فإنه يستقيم له ذلك وكذلك لو قال لم يزل سميعاً بصيراً على معنى سيبصر وسيسمع وأجمع المسلمون أن الله حي قادر قديم سميع بصير واحد فرد عالم حكيم متكلم جواد فاعل مختار موجود رحيم عدل متفضل غني واختلفوا في تفصيل هذه الصفات وعللها فزعمت طائفة أنه عالم لأن له علماً وزعم آخرون أنه عالم بذاته لأنه يدرك الأشياء كما هي وقد تقدم حجج [1] الفريقين مجملاً وكذلك قولهم في القدم والقدرة فمن أبى [2] القول بأن حد القديم والقادر أن يكون له قدم وقدرة قال حد القديم الموجود لا إلى أول وحد القادر الذي لا يمتنع الفعل عليه باختياره وأجمع هؤلاء أنه موجود [20] بعينه وذاته ولا يوجد لأنه لو كان موجوداً بوجود لم يخل ذلك الوجود من أن يكون موجوداً أو ليس بموجود فإن كان غير موجود فقد
__________
[1] . حجاجMs.
[2] . الى Ms.
(1/102)

دخل في باب العدم وإن كان موجوداً فقد وجب أن يوجد بوجود آخر إلى ما لا نهاية والقول بما ليس له نهاية يؤدي الى قول أهل الدهر وقالت طائفة أنه حي بحياة عالم بعلم وزعم آخرون أن معنى الحي وجود الأفعال منه على اتفاق واتساق واختلفوا في ذاته ألها نهاية أم لا فقال أكثرهم أنه غير متناه لأنه لا بجسم ولا عرض ولا حد له فيقتضي النهاية وهو مبدع النهايات والحدود وزعم هشام بن حكم أنه متناه وكذلك يلزم كل مجسم وقد قال أصحاب القضاء أنه غير متناهي الذات واختلفوا أذاته مرئيّة أم غير مرئيّة فمن قال بالتشبيه أو رأى الرؤية العلم قال هو مرئيّ كما هو موجود معلوم ومن أبى ذلك قال غير مرئيّ كما هو غير محسوس ولا ملموس بقى الاختلاف في التوفيق بين الرؤية والعلم واللمس والتفريق بينهما واختلفوا في الكلام فمن قال هو من صفات الذات قال غير محدث ولا مخلوق لأن الله لم يزل متكلما بكلام لا هو هو ولا هو غيره ولا بعضه ومن قال من صفات الفعل قال هو محدث لأن الكلام يقتضي متكلماً واختلفوا في الإرادة
(1/103)

بحسب اختلافهم في الكلام واختلفوا في المكان فقال أكثرهم أنه بكل مكان حافظاً مدبراً وعالماً وقادراً وليست ذاته بجسم فيشغل الأماكن ولا بعرض فيحل الأجسام ومن كان بهذه الصفة فغير محتاج إلى المكان وقال هشام بن الحكم والمشية أنه في كل مكان ذو مكان وذلك مطّرد على أصله لما يراه جسماً وقال قوم أنه في السماء فوق العرش بذاته بلا نهاية لا ككون الشيء على الشيء بالمماسة والاظلال وزعم ابن كلّاب انه على العرش لا في مكان وإذا أجازوا أن يخلق الله جسماً لا في مكان وأن يقيم العالم لا في مكان فما ينكرون من كونه لا في مكان وليس هو بجسم ولا عرض واختلفوا في العلم فقال قوم عالم بما كان قبل ان كان وبما يكون قبل أن يكون ولا يجوز أن يخفى عليه شيء إلا بأنه استفاد علماً أو أحدثه لنفسه بل ذاته متنبهة عالمة وزعم قوم من الإمامية أن الله لا يعلم ما هو كائن حتى يكون قالوا ولو كان يعلم أن من يخلقه يكفر به ويعصيه ويؤذيه لما خلقه وأجازوا فسخ الخبر والبداء وأول من أبدع هذا الرأي في هذه الأمة المختار بن أبي عبيد كان يزعم أنه يعلم ما يحدث من جهة الوحي فيخبر
(1/104)

أصحابه بكوائن فإن اتفقت فهو ما أراد وإن خالف قد ابدأ لربكم وكان جهم بن صفوان ينفى الصفات كلها عن الله سبحانه وينكر القول بأنه شيء زعم فراراً من التشبيه ويقول علم الله محدث وجملة الرد على هؤلاء أن الجاهل منقوص ومستحق المذمة لا يستحق الإلهيّة وأجاز المعتزلة كون ما علم الله أنه لا يكون لأن علم الله ليس بعلة ككون الشيء ولا حامل للمعلوم على الكون كما أنه لم يزل عالماً بخلقه العالم قبل خلقه ثم لم يجز القول بأن علمه علة الخلق وحامل له على إيجاده قالوا ومما علم الله أنه لا يكون أمور علم أنها لا يكون لاستحالة كونها [fol 21] ككون إله معه أو كون شريك أو كون غالب يغلبه أو كون نهاية وانقضاء له ومنها أمور علم أنها لا تكون لاستحالة كونها فلا يجوز كونها بحال قالوا وغير جائز أن يأمر عبداً بما يعلم أنه لا يكون منه ما يأمره به ولا يقدر عليه لاستحالته أو لعجزه وإنما يجوز الأمر لمن علم أنه قادر على الفعل لأن القدرة هي التي تقتضي التكليف لا العلم وقال مخالفوهم لا يجوز كون خلاف ما علم الله ويجوز الأمر بخلاف ما علم لأنه لو جاز كون خلاف
(1/105)

ما علم كان عاجزاً جاهلاً وهذه هي مناظرة بين الفريقين مليحة مفيدة قالوا لهم أليس في قولكم أن الله لم يزل عالماً بأن فرعون لا يؤمن قالوا بلى قالوا فكان فرعون يقدر أن يؤمن وقد علم الله أنه لا يؤمن قالوا نعم قالوا فكان فرعون يقدر على إبطال علم الله وتجهيله قالوا لو علم الله أن فرعون لا يقدر أن يؤمن كما علم انّه لا يؤمن ثمّ قلنا أنه آمن أو يؤمن لكنا مبطلين مجهلين ولكنا قلنا علم الله أنه لا يؤمن وعلم أنه يقدر أن لا يؤمن ولم يؤمن فلم نكن مبطلين ولا مجهلين ثم قلبوا عليهم السؤال فقالوا أليس الله عالماً بأنه يقيم القيامة في وقتها وهو القادر على أن لا يقيمها قالوا بلى قالوا فهل يجوز القول بأن الله قادر على إبطال [علمه] علمه وتجهيل نفسه إذا كان قادراً على أن لا يفعل ما علم أنه يفعله وعلى أن يفعل ما علم أنه لا يفعله قالوا وليس علم الله أن فرعون لا يؤمن وأمره بأن يؤمن فهل أمره بتجهيل علم الله فيه واختلفوا في جواز وصف الله بالقدرة على المحال كإدخال العالم في جوزة أو بيضة فقال الجمهور من أهل العلم لا يجوز ذلك لأنه يقتضي العلم مقدوراً كما يقتضي العلم معلوماً فكل ما هو غير مقدور
(1/106)

عليه محال إجازة القدرة عليه وزعم بعضهم أنه قادر عليه واختلفوا في وصف الله تعالى بالقدرة على الظلم والجور فأحاله قوم لأن ذلك مذموم لا يفعل إلا عن نقص أو حاجة ولو جاز ذلك لم يكن مأموماً أن يقع ولجاز وصفه بالقدرة على الجهل والعجز وكان أبو هذيل يقول هو قادر على ذلك ولكن لا يفعله لرحمته وحكمته وليس يفعل الظلم والكذب غير مقدور عليه فيكون محالاً واختلفوا في قدرة الله تعالى هل هي علم الله أم غيره وكذلك الحيرة فالقدم وسائر صفات الذات وزعمت طائفة أن علم الله ليس قدرته ولا غيرها لأنه لو كان العلم والقدرة لكان ما علم فقد قدر عليه وهو يعلم نفسه ولا يصلح القول بأنه يقدر على نفسه ولو كان علمه غير قدرته لكن يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر ولو جاز هذا لجاز أن يكون البارئ في حال عالماً غير قادر أو قادرا غير عالم وزعم داود بن على أنّ علمه غير قدرته وأما المعتزلة فليس من قولهم أن له علماً وقدرة حتى يلزمهم التفصيل بينهما واختلفوا في التعديل والتجويز من خلقه أفعال العباد وما هم يكتسبوه من المعاصي والمآثم وقضائه إياها عليهم وإرادته منهم وعقوبته لهم
(1/107)

عليها بعد أن أوجدها منهم فقال قوم كل ذلك منه وفعله وهو عدل وحكمة لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يكون منه ظلم ولا جور ولو جاز حدوث حادث بغير مراده أو مشيته وإيجاده لكان عاجزاً مغلوباً وقال آخرون لو كان كما يزعمون لما كان الخلق ملومين ولا معاقبين ولا من يفعل بهم هذا حكيماً ولا عالماً [21] ولا رحيماً وهذا من باب الحير والقدر والاختلاف فيه قائم مذ وجد في العالم حيان ناطقان ولا يجوز غير ذلك لتكافئ الدلالة وأعدل الأمور أوساطها فقد قيل الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس لا يزداد على طول النظر ألا حيرة ودهشاً ومن طاوعته نفسه بالإمساك عن الخوض فيه والاقتصار على ما في الكتاب رجوت أن يكون من الفائزين
(1/108)

الفصل الرابع في تثبيت الرسالة وإيجاب النبوة
أقول أن منكري الرسل صنفان أحدهما المعطلة الذين ينكرون إثبات البارئ سبحانه فلا وجه للكلام معهم إلا بعد إقرارهم بالتوحيد والثاني البراهمة أقروا بالصانع وأنكروا الرسالة واحتجوا بأن الرسول لا يأتي إلا بما في العقل أو بخلافه فإن كان يأتى بموجب العقل فما في العقل كاف مما يجب للَّه تعالى على العباد من معرفته وتوحيده وشكره وعبادته واستعمال الحسن واستقباح القبيح وأن كان يأتي بخلافه فلا وجه لقبوله لأن الخطاب وقع على نوى العقول والقضيّة لها والتمييز اودعتاها فأجابهم المسلمون بأن الرسول أبداً لا يأتي إلّا بما في العقول إيجابه أو تجويزه وحاشا للَّه ولرسوله أن يأتوا بخلاف ما في العقول ولكن من الأشياء مما يغمض ويلطف حتى يخطئه العقل أو يخفى ويحتجب حتى
(1/109)

يقصر دونه العقل كانتفاع الإنسان بما ينزع إليه نفسه ويشتاق إليه طبعه من ملاذ الاغذية والملاهي المقوّية فإنه حسن في العقل الأخذ منها بقدر الحاجة بل واجب وغير حسن إذا كان لا يملكها الإنتفاع بشيء منها إلا بعد الإذن من مالكها فصار فعل العقل في حال خلاف فعله في حال فدل أن العقل لا يستغني بنفسه ولم يضامه شيء من السمع مع أن العقل محتاج إلى الرياضة والتمييز والسمع والتجارب لا غير موهوم لو أن أكمل الخلق عقلاً وأوفاهم فطنة غيب عن الناس وليداً حتى لم يسمع شيئاً إلى أن بلغ فأدرك أنه يمكنه استخراج علم الفلسفة والهندسة والطبّ والتنجّم وغير ذلك فدل هذا كله أن العقل غير مكتف به ولا بد من معلم ومعرف وهاد ومذكر ولا يجوز أن يقع العلم بهذه الأشياء إلهاماً ضرورياً لأنا ليس نشاهد ذلك في أجناسها وأمثالها وأن لا يكون كلها بالاستخراج والاستنباط من غير مقدمة وأصل سابق فإن قيل إذا كان البارئ مريداً لصلاح خلقه غير بخيل [1] ولا عاجز ولا يمسه تكلف ولا علاج فيما يفعله فهلا جعل خلقه رسلا وألهمهم من
__________
[1] . بحيل Ms.
(1/110)

العلم ما استغنوا به على الرسل أو حبس طباعهم عن التخطي إلى محظور قيل لو فعل ذلك لم ينزلهم دار البلوى والامتحان ولا عرضهم لشرف الثواب وما هو إلا كقول من يزعم لم خلق الله الخلق وأسقط عنهم التكليف وابتدأهم في الجنة وهذا باب التجويز [22] والتعديل وليس كتابنا هذا بنينا له [1] ولكن لو فعل كان له ما فعل فإذا لم يفعل فنقول أساء أو جهل أو عجز وهذا الظن نقض التوحيد وإبطال الدين فيعاد الكلام فيه وتقرر بأنه عادل حكيم لا يفعل إلا الأصلح بخلقه والأعود عليهم ولو جعلهم كلهم رسلاً لوجب أن يسوى بينهم في الفضل والعقل والجاه والمال والقوة ولو فعل لما عرف فاضل فعله ولا قوى قوته ولما شكر وحمد في إسقاط موجبات الشكر والحمد وإباحة الفكر والذم وهذا قبيح في العقل فدل أنه لم يجز التسوية بين الخلق لا في الحال ولا في المال ولا في الرسالة فإن طعنوا في الرسالة بما يوجد فيها من سفك الدماء وذبح البهائم وإيلام الناس فإن العقل لا يرد شيئاً من ذلك إذا كان فيه ضرب من الصلاح كما
__________
[1] . لهذا بنيناه Corr.marg.
(1/111)

يكره الإنسان على شرب الأدوية الكريهة وعلى الفصد والحجامة وقطع بعض الجوارح عند انتظار مخوفة وتأديب الأطفال وغير ذلك فيوجب عليه أن لا يردع ظالماً ولا يفتص من جارحة وهذا قبيح وترخيص في الفساد ومن أعظم الدلائل على وجوب الرسل هذه اللغات المختلفة التي تلفظ الناس بها ويتعارفون بها ما يحتاجون الى معرفته ولا بدّ من معرف ومعلم لها أسماء المسميات باختلاف اللغات وكذلك الصناعات والآلات التي يتوصل بها إليها وليس في وسع الناس استخراج لغة ووضع لفظ يتفقون عليه إلا بكلام سابق به يتداعون ويتواضعون ما يريدون وليس في المعقول معرفة ذلك ولا بدّ من معلّم قال الله عزّ وجلّ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 2: 31 ثمّ إذا صحّت النبوّة ووجبت الرسالة بقى أن يُعلم الفرق بين النّبي وبين المتنبّي لأنّ الأشخاص متساوية متماثلة ففرّق الله تعالى لما أراد من أقامه حجّته وإظهار دعوته بين الصادق والكاذب منهم بما خصّه به من الآيات الباهرة والعلامات المعجزة الخارجة عن العادة والحسّ وذلك معروف معدود كما
(1/112)

يُحكى عن موسى وعيسى ومحمّد عليهم السلم وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين
القول في كيفيّة الوحي والرسالة،
أقول أنّ المسلمين ومن قبلهم اختلفوا في هذا الباب اختلافاً كثيراً فزعمت طائفة أنّ الوحي إلهام وتوفيق وزعم آخرون أنّه قوّة الروح القُدسيّ وعند الفلاسفة النبوّةُ علم وعمل والمسلمون يقولون الوحي على وجوه فمنه الإلهام ومنه الرويا ومنه تلقين ومنه تنزيل وهذه مسألة من فصل الصفات أغفلناها في موضعها فحرّرناها في هذا الفصل وهي كيفيّة القول والفعل من الله لأنّ أهل الإسلام في ذلك مختلفون فزعم بعضهم أنّ كلام الله فعل منه فهو به متكلّم وكذلك إرادته ومشيّته وحبّه وبُغضه وقوله كُنْ فَيَكُونُ 2: 117 تكوين منه للشيء والقول زيادة قالوا لأنّ هذه الأشياء أعراض تحلّ في مواضع لها معلومة وليس هو بمحلّ الأعراض وقال عامّتهم أن الفعل تكوين [22] وإيجاد من غير معالجة بجارحةٍ إلاّ مَنْ شَذّ فزعم أنّه يخلق بيدَيْه والأفعال على وجوه كثيرة فمنه الفعل بالقصد والاختيار ومنه الفعال من غير قصد على السَهْو ومنه الفعل بالاتّفاق والبحث
(1/113)

وكلّها حركات ومنه فعل التولّد كما ينفعل الشيء بطبعه وفعل الله تعالى غير مُشبّه بشيء ممّا ذكرنا وزعم قوم أنّ كلامه ليس من أفعاله وفرقوا بين القول والفعل ولقد امتدّ بنا القول إلى هذه وما كان قصدُنا أن نبلغ كلّه ولكن لما رجونا من الخير وأمّلناه من هُدَاتِهِ الناظر في كتابنا واهتدائه به ولمّا نرى من فساد الزمان وأهله وتحرم طالع الإلحاد والنفاق وإعجاب كلّ ذي حرفين بنفسه لانتقاض العلماء ودروس آثارهم وما قدّمت من عمل هو أَوْكَدَ في نفسي أم لا [1] وأوثق عُدّة من جميع هذا الكلام والاجتهاد في شرحه وأسئل الله الذي منّ وأعان أن يعصم من نزعات الشيطان وينفع به الناظرين والمستفيدين وإن يرحم من عذرنا في تقصير إن كان منّا وقام بتقويم أَوَدِهِ وإصلاح غلطة مشاركاً لنا في ثوابه وأجره فلم يتعمّد فيه خطاءً وتحريفاً ولا حملتنا الحميّة والتعصّب على تزيّد أَو إبطال أو تغيير رواية أو حكاية بل سُقناها على وجهها وأدّيناها بأوجز لفظها لعلمنا بعموم الحاجة إليه من الأعاجم والأمّيّين مبتدئ المتعلّمين،
__________
[1] . املا Ms.
(1/114)

الفصل الخامس في ذكر ابتداء الخلق
قال أنّ الموحّدين في معنى إيجاد الخلق مختلفون لأنّ الله خلق الخلق لا لاجتلاب منفعةٍ ولا لدفع مضرّة وكلّ فاعل من غير نفع ولا ضرّ فسفيهٌ غير حكيم قال المسلمون هذا إذا كان الفاعل يلحقه المنافع والمضارّ فأمّا إذا كان غنيًّا من احتراز منفعةً ممتنعاً من لحوق ضرر فغير سفيه ولا عابث وقد قامت الدلالة على أنّ البارئ كذلك حكيم غير سفيه ومحال وجود العَبَث من الحكيم فلا يخلو خلقه من الحكمة وإن خفي علينا وجهه لعلمنا بأنّ الحكيم لا يفعل ما هو غير حكمة واختلف آراء الناس في ما لاح لهم من الحكمة في خلقه وإن كان لا يجوز القطع على شيء منه لظنّه معظم علمه عنهم فقال قوم خلق الله الخلق لجوده ولرحمته إذ الجواد بإفاضة
(1/115)

الجودُ على المجود عليه يظهر جوده والقادر بإظهار المقدور يظهر قدرته وقال قوم خلقهم لينفعهم وينفع بهم يعنون لتعبر [1] المتكلّفون بالمخلوق غير المكلّف وقال قوم ليأمرهم وينهاهم وقال قوم خلقهم لاستدعاء الشكر والثناء وقيل لعِلم علمّهُ أَنّه يخلقهم وقال قوم لا نقول شيئاً من ذلك خلقهم لما شاء ولا علم لنا بمشيّته هذا قول من أقرّ بحدوث العالم وأنّ له مُحدثاً سابقاً له فأمّا من أنكر ذلك فإنّه احتجّ للقِدَم والإهمال بأنّه لو كان للعالَم صانع أو مدبّر ناظر لما كان فيه تفاوت خلق ولا تعادي سباع ولا شمول بوار ولا وقوع فساد ولا اعتراض أسقام وأَوْجاع ولا هَرَم ولا موت ولا حزَن ولا فاقة وأيّة حكمة في إنشاء صورة حيوانيّة أو ناميّة ثم في إفنائها ولما استوى حال المعاند والمجيب ولما فضل العالِمَ الجاهلُ بالجاه والمال والمنزلة [23] وهل لا [2] أخبر الخلق أن كان له خالق على التناصف والتواصل ولِمَ خُلّى بينهم وبين التعادي والتظالم والتباغي والتهارج وهذا كلّه مضمحلّ متلاش بشهادة آثار الخلق
__________
[1] . لنعبرMs.
[2] . هل ,corr.marg. هلّا Ms.
(1/116)

على تفاوته واختلافه في الظاهر من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والأعراض والمقارنة له بمعرفة كمال القدرة ووجوب العبرة في خلق الأضداد وللكاره وإعطاء الخلق القوّة والقدرة والاختيار ليستحقّوا بأعمالهم أشرف الثواب وليرتدعوا بالاعتبار عن الظلم والفساد ولو كانوا مجبورين كما يزعمون أو مجبولين على فعل واحد دون ضدّه لكانوا جماداً مواتاً ولو كانوا على طبع واحد لما عرفوا بحواسّهم ولا وجدوا بعقولهم إلّا الشيء الواحد الّذي يلايم طبعهم فلم يصلح حينئذٍ تكليف ولا وقع منهم تمييز وترك إلحادهم على هذه الصورة أنفع لهم وأبلغ في الحكمة ولا يفعل الله إلاّ الأصلح الأحكم وأمّا فضل الجاهل العالم بالمال والجاه فالعلم أفضل من المال لأنّه السعادة اللازمة والمال من السعادة المفارقة فلو أنصف هذا الزاعم في القضيّة لفضّل الجاهل بالمال على العالم لفضّل العالم على الجاهل بأضعاف علمه لتساوي حالَيْهما وقد سُئل جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه عن هذه القضيّة قال ليعلم العاقل أن ليس إليه من أمره شيء وأي لعمري هو من أدلّ دليل على مُدبّر قدير قاهر وهؤلاء المعطّلة أقلّ الناس عدداً
(1/117)

وأوهنهم عُدّةً وأفيلهم رأياً وأوهاهم عزماً وأنقصهم حجّةً وأخسّهم دعوىً وأدناهم منزلةً وأغربهم ذهناً لا يظهر واحد في أمّة وجيل إلاّ في الدهر والحين لأنّه رأى مشرذل وعقيدة مهجورة وعزم مدحول لا يبدو إلّا من فَدْمٍ جاهلٍ أو معاندٍ وما أَراه انتشر في أمّة من الأمم وزَمَن من الأزمنة انتشاره في زماننا هذا وأمّتنا هذه لتستّر أهله بالإسلام وتحلّيهم تحلية شرائعهم ودخولهم في غمار أهله واحتال من احتال لهم بلطيف التمويه في تسليم الأصول الظاهرة والمصير به إلى التأويلات الباطنة فهم يرقّقون عن صَبُوح ويحتسون في إرتغاء وذلك الذي حقن دماءهم وغمد سيف الحقّ عنهم نابغ في قديم الدهر وحديثه وأبدا صفحته إلاّ عوجل بالاستئصال واحثت منه الأوصال واستنجز العدّة فيهم سنّة الله في الدين خلَو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً زعموا أنّ هذه الدنيا قديمة لم تزل [1] على ما هي عليه ولا تزال [2] كذلك من صيفةٍ بعد شتوةٍ وشتوةٍ بعد صيفة وليل بعد نهار ونهار بعد ليل ونطفة
__________
[1] . يزلMs.
[2] . يزال Ms.
(1/118)

من إنسان وإنسان من نطفة ووالد من ولد وولد من والد وبيض من طير وطير من بيض وكذلك جميع الأشياء الحسّاسة والنامية بعضها من بعض بلا صانع ولا مدبّر لا أوّل لها ولا آخر فإنّ هذه دعوى جائزة ومقالة باطلة ولو كان هذا المدَّعى لم يزل مع أزليّة العالم بزعمه لما ساغت له دعواه إن لم يقُمْ له دليل من غيره على أزليّته فكيف وليس هو ممّن هو لم يزل ولا هو ممّن لا يزال وإن اعتمد فيه خبر من كان قبله وإن من أخبره لهو في حاله وحدوثه لم يشاهد من ذلك إلاّ ما شاهد من كان قبله مع معارضة الخصم له [23] في الكون والحدوث لأنّ الدعاوى تصحّ بالحجج لا بالصفات وإن زعم أنّه قاس ما مضى منه بما هو مُستقبَل فيما بعدُ وأنّه غير مُنْقَضٍ فهذا القضاء أجود من الأوّل وأضعف مدّة بل هو نفس دعواه التي خولف فيها والمعارضة قائمة فإن زعم الحال والوقت الذي هو فيه فإنّ هذا رأيُ مَنْ قَصُر عِلمه وسَخُفَتْ معرفته وأوجب أن يكون هو بنفسه لم يزل على ما هو عليه في الحال والوقت لم يكن قط نطفة ولا علقة ولا مضغة ولا جنيناً ولا رضيعاً ولا يتغيّر فيما بعدُ فيكتهل ويشيب ويهرم وتجرى عليه
(1/119)

الحوادث وتنتقل به الأحوال ومعاينة هذه يضطّره إلى الإقرار ويبيّن عنه وجه العناد وإن زعم أنّ حكمه في نفسه خلاف حكم العالم قيل ولِمَ زعمتَ ذلك وهل أنت إلاّ جُزْءٌ من العالم بل قد شبّهت في جميع معانيه فسُمِيّتَ العالم الأصغر وكذلك كلّ ما يعاين من الأشخاص والأنواع العُلويّة والسُفلية من الحيوان والنبات ألا ترى أنّك لو عمدت إلى كلّ جزء من أجزاء العالم فاختصصتَه باسمٍ لحصل العالم لا شيء كما أنّك لو فرقت الجوارح والأعضاء لحصل الإنسان لا شيء فهذا يدُلّك أنّ الكلّ اجتماع الجزء لا غير فإن قال لا يقوم في الوهم ولا يتصوّر في النفس حدوث هذا العالم ولا فناؤه وانقضاؤه عُورض بأنّه لا يقوم في الوهم ولا يتصوّر في النفس قدم العالم ولا بقاؤُه مع أنّ القضاء عليه بالحدث والانقضاء أقرب إلى الأوهام وأشدّ ارتباطاً لنفوس لقيام الدلائل الواضحة والبراهين الشافية فإن قال كيف يمكن اعتقاد حدوث هذا العالم لا من شيء ولا في زمان ولا مكان فإنّ هذا اشتطاطٌ في المطالبة وجَوْرٌ في القضيّة لأنّه تكليف تمثيل ما لا مثل له وإحساس شيء غير محسوس وليس نعلم
(1/120)

كالدنيا دُنياً غيرها فنشبّه هذه بهذه وإنما نحكم بحدوثها لشهادة أَثَر الحدوث بها والعامّي الّذي لا رأى له ولا نظر عنده يطلب الدلائل الظاهرة على الأشياء الخفيّة وذلك مُحال بمنزلة مَنْ يجب أن يرى ما لا يُرى وأن يَسمع ما لا يُسمع أو يسمع ما يُرى ويُرى ما هو مسموع ومن أنصف نفسه أنزل المعلومات منازلها واكتفى من الموهوم بالوهم ومن المحسوس بالحسّ ومن المدلول عليه بالدلالة وقد لعمري لا يتصوّر في الوهم إحداث هذه الجواهر والأعراض لا من غير سابق ثمّ لا يتصور وجود حدث لا من مُحدث فإذا تكافأت الصورتان لزم المصير إلى أشيعهما دلالةً وأدناها إلى الحقّ درجةً فإنّ الدلائل شاهدة بآثار الحدث والقدم موهوم وقضيّة الدلالة عليه من قضيّة الوهم والدليل على أنّ العالم حادث غير قديم كما يزعمون وأنّه لا أوّل له ولا حركة إلاّ وقبلها حادثة لو كان كذلك لما جاز وجود ما هو حاضر في الحال من حركة أو ليل أو نهار أو شخصٍ ما لأنّ ما لا نهاية له في وجوده وعدمه فمحال أن يوصف بأنه قد تناهى وانقضى حدوثه وفُرِغ منه ولأنّ ما لا أوّل له فغير جائز وجود ثانيه
(1/121)

ولا وجود ثالثٍ ما لا ثاني له ولا وجود رابعٍ ما لا ثالثَ له على هذا القياس كما أنّ ما لا غاية له ولا نهاية في المستقبل [24] محال أن يُوصَف بأنّه ينقضي أو ينقطع يوماً كذلك من زعم من الحوادث لم يزل يحدُثُ بلا أوّل فهذا الحادث في الحال والوقت المشاهد لا يخلو من وجود ثلاثة [1] إمّا أن يكون هو الأوّل أو بعد الأوّل ولا أوّل ولا بعد الأوّل فإن كان هو الأوّل وإن كان بعد الأوّل فقد ثبت الأوّل وإن كان لا أوّل ولا بعد الأوّل فهذا فسادة ظاهرة فكأنّه قال شيء لا شيء ولو جاز وجود ما لا أوّل له لجاز وجود العشرات من غير تقدّم الآحاد ووجود المئين من غير تقدّم العشرات ووجود الألوف من غير تقدّم المئّين [2] لأنّ بالأحد يتمّ الاثنان وبالاثنين يتم الثلاثة ألا ترى أنّ قائلاً لو قال لا تُنبِت الأرض حتّى تمطر السماء ولا تمطر السماء حتّى تتغيّم ولا تتغيّم حتّى يثور البُخار ولا يثور البخار حتى تهبّ الرياح ولا تهبّ الرياح حتّى يحرّكها الفلك ولا يحركها الفلك حتى تكون كذا ويمدّ
__________
[1] . بلبهMs.
[2] . المائين Ms.
(1/122)

في هذا الاشتراط شيئا قبل شيء أبداً إلى غير نهاية ولا غاية لم يجز وجود نبت ولا مطر ولا غيم ولا ريح لأنّه مُعلّق بشرط ما قبله غير جائز وجوده لأنّه غير متناهٍ وكذلك من زعم أنّه لم يكن حركة إلاّ وقبلها حركة ولا إنسان إلاّ وقبله إنسان ولا نَبْت ألاّ وقبله نبت إلى ما لا غاية ولا نهاية فمحال وجود هذا الإنسان والنبت لأنّ وجوده كان معلّقاً بشرائط لا أوّلها وما لا غاية له لا يُوجد ولا يُعلم ولا يُوهم وكذلك لو قال قائل لا أدخلُ هذه الدار حتّى يدخلها زيد ولا يدخل زيد حتّى يدخل عمرو ولا يدخلها عمرو حتى يدخلها فلان ثم كذلك إلى غير غاية لم يجز دخول زيد ولا غيره أبداً وكذلك لو قال لا آكل تفّاحاً حتى آكل قبلها تفّاحة لم يصحّ له اكل تفاحة ابدا لأنّه كلّما ضرب يده الى تفّاحة يأكلها منعه شرط أكل تفاحة قبلها، ومن الدليل على حدث العالم أو أنّ له أوّلاً أنّا لو توهَمنا عند كلّ حركة مضَتْ من حركات الجسم حدوث حَدَثٍ أو ظهور شخص لكان ذلك أجساماً حاضرةً يحضرها العَدَدُ ويأتي عليها الحسابُ وكذلك لو توّهمنا هذا العالم حيّاً عالماً لجاز أن يُعدّ حركاته
(1/123)

وسكناته فيكون ذلك عدداً قائماً معروفاً لمبلغ وما له مبلغ وأتى الحساب عليه فمتناه وكلّ متناه له أوّل وإن لم يتناه ومن الدليل على حدث العالم وأن له أولاً أن ما مضى من حركات الفلك لا يخلو من أن يكون مثل سكناتها متساوية أو أكثر منها أو أقل فإن كانت مثلها فالمثل كالنصف وما له نصف فمتناه والأكثر والأقل تدل الكثرة على تضاعف أجزاء الأكثر على الأقل فإذا ثبت تقدم إحدى الحركات على الأخرى وما له تقدم فمتناه وله أول وهذا من الحجج الواضحة التي يفهمها كلّ سامع وللموحدين في هذا الباب من دقائق النظر بما ألهمهم الله من توفيقه ما لا يظهر عليها إلا اللقن الفطن ولها موضعها من كتابه فإن قيل أليس الحوادث عندكم في المستقبل لا تزال إلى الآخر وإن كان لها أول يريدون قول أهل التوحيد ببقاء الآخرة على الأبد فما أنكرتم أن ما مضى من الحوادث لا أول لها وإن كان لها آخر قيل أنا لا نزعم أن ما له أول لا يجوز أن يكون له آخر وإن الحوادث غير متناهية [24] ولكنّا نقول أن الحوادث لا يزال يحدث منها حادث بعد حادث لا إلى غاية ولا يخرج كلها إلى
(1/124)

الوجود حتى يرى موجوداً لم يبق منه شيء لم يوجد وليس أول الشيء بموقوف على صحة وقوع آخره كما أن آخره موقوف على صحة وقوع أوله لأنه يستحيل وقوع آخر لا أول له ولا يستحيل وقوع آخر بعد آخر أبداً كما يستحيل وقوع فعل لا من فاعل متقدم ثم لا يجب وجود الفاعل بعد فعله باقياً أبداً أو كما أن الأعداد مفتقرة أبداً إلى أول تنشؤ منه وتبتدئ ثم لم يجب وجود تناهيها لتناهى أولها ومن الفرق بين المستقبل والمستدير أنه يجوز وجود ما لا يزال يتحرك ولا يجوز وجود ما لم يزل يتحرك كما أنه يجوز وجود من لا يزال يعتذر من ذنب ولا يجوز وجود من لم يزل معتذراً لأن الاعتذارات لا بدّ لها من أول وقد يجوز أن يكون لا آخر لها كذلك الأفعال لا بدّ أن لها أولاً ولا يجب أن يكون لها آخر ومن هاهنا التزم بعض الموحدين بأن الحوادث لها آخر آخر العلة الحدث وإن زعم أن هذا العالم وما فيه من فعل الطبائع وما أوجبته ذواتها فالطبائع مركّبة من البسائط والتركيب عرض وهو دلالة الحدث فالطبائع إذاً محدثة ثم هي جماد وموات كالحجر والشجر ثم هي مسخرة مقهورة بدلالة أن من شأنها
(1/125)

التنافر والتضادّ فلمّا رأيناها متواطئة متوافقة علمنا أنه بقهر قاهر وضبط ضابط ثم هي غير عالمة ولا مميزة وإذا كان هذا هكذا استحال وجود هذه الصنعة المحكمة المتقنة العجيبة البديعة من مسخر غير عالم وليس ننكر فعل الطبائع وتأثيراتها في المطبوعات من الحرّ والبرد في الفصول والأرباع لأن الله تعالى وضعها على ذلك وركب فيها تلك القوة وسخرها لما أراد أن يصرفها عليه وجعلها سبباً لتلك المسببات ومتى شاء سلبها تلك القوة وأبطل فعلها كما جعل الطعام مشبعاً والماء مروياً وكثير من الناس يأتون القول بما أطلقناه تحرزاً لمذهبهم وأن يصح فعل من حي قادر فأما الاختيار والتدبير فغير جائز إلا من قادر حكيم وكذلك على من يزعم أن هذا العالم وما فيه من فعل الفلك والنجوم وغيرها فإن قيل إذا لم تروا حياً قادراً فعل إنساناً وصورة وركب فيه العقل والقوة والسمع والبصر ثم قضيتم بأن في الغائب حياً قادراً يفعل ذلك ما أنكرتم أن يكون الطبائع تصور مثل هذا الإنسان وإن لم تروا مثل هذا في الشاهد قيل وما سواء لأنّا وإن لم نشاهد حيّا قادراً فعل إنساناً فقد شاهدنا
(1/126)

حياً قادراً فعل شيئاً وأبدعه فدلنا أنه لا يجوز فعل في الغائب إلا من حي وليست الطبائع بحية ولا قادرة فإن قيل أليس النار تحرق والماء يرطب قيل فقد يقولون فلان يحرق ويبرد ويضيفون الفعل إلى المختار الحي والموات المضطر ولو كانت الطبائع بذاتها لما جاز عليها الاتفاق مع تضادها فإن قيل شيء تعلمونه خالياً من الطبائع أو غير متولد منها قيل الطباع نفسها متولدة منها وأكثر القدماء على أن الأفلاك ليست من جنس الطبائع وهل يصح القول بأن الحركة والسكون والصوت والعجز والقدرة [25] والعلم والجهل والحبّ والبغض والألم واللذّة والكراهة والإرادة وغير ذلك من الأضداد والأشكال من الطبائع أو أنها ليست بشيء لخروجها من أنواع الطبائع وأما احتجاجهم بالاستحالة فذلك محال إلا بمحيل [1] لأنه لو جاز أن يستحيل الشيء بنفسه لجاز أن يتلاشى بنفسه ولو جاز أن يتلاشى بنفسه لجاز أن يتركب ويخرج إلى الوجود من العدم وهو عدم فلما لم يجز هذا لم يجز ذاك وباللَّه التوفيق، ومن الدليل على حدث العالم أنّه لا يخلو
__________
[1] . كذا في الأصل Notemarginale:
(1/127)

من أحد الأمرين إما أن قد كان وإمّا أن لم يكن فكان فإن كان قد كان فهذه الحوادث المقارنة له شاهدة بأنه ما كان فدل أنّه لم يكن فكان ثمّ لم يخل هذا من أحد الأمرين إما أنه كان بنفسه وإما أنه كان بمكون غيره فإن كان بنفسه فمحال أن يكون العدم وجوداً لعجز الكائن عن تكوين مثله فكيف يقدر على تكوين ذاته وهي معدوم بقي الوجه الآخر وهو أنه كونه مكون ومن الدليل على حدث العالم أنه لا يخلو أن يكون قديماً أو حادثاً أو قديماً حادثاً أو لا قديماً ولا حادثاً فاستحال القول بأنه لا قديم ولا حادث لمشاهدتنا إياه فاستحال أن يكون قديماً حادثاً لاستحالة اجتماع الضدين بقي القول بالقديم والحدث والدعوى يتساوى فيه لأنه ليس قول من زعم أن العلم كان أولى من قول من زعم بأنّه لم يكن ولا جواب من قال لِمَ لَمْ يكن بأسعد من قول مَنْ قال لِمَ كان فنظرناه فإذا دلائل الحدث يشهد بما لا يشهد دلائل القدم ومتى أراد الملحد أن يعارضك في قولك بالقديم فطالبه بصفات القديم فإن أعطاك فقد أقرّ بالمعنى وبقي الخلاف في التسمية وهذه مناظرة
(1/128)

جرت بين الموحد والملحد من أوضح المسائل وأنفعها لا بد لكل مسلم من تحفظها، إن سأل سائل فقال ما الدليل على حدث العالم قيل الدليل على حدثه أنه جواهر وأعراض والجواهر لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرقة أو ساكنة أو متحركة إلا في حال واحدة ولن يجتمع المجتمع بالاجتماع ولا يفترق المفترق بالافتراق وكذلك المتحرك والساكن والاجتماع والافتراق والحركة محدثة وهو إذا كان كذلك ولم تخل الجواهر منها فهي محدثة لأن ما لم يسبق الحوادث ولم يتقدمها فحادث مثلها مثال ذلك أن فلاناً لو قال أنّ عمروا لم يوجد قطّ في هذه الدار إلّا وزيد معه ثم قال وإنّما وجد فيها زيد أمس فوجب أن عمروا إنما أوجد فيها أمس فإن قيل ليس قد وجدتم الباقي الذي ليس بمنتقض لا يخلو مما لا يبقى وينقضي ولا يوجد بعده متعرياً منه فما أنكرتم أن القديم الذي لم يزل لا يخلو من حادث ولا يوجد سابقا له متعرّيا منه قيل المعارضة فاسدة من قبل أنه ليس مما لا يبقى وينقضي عروضاً للحدث أو المحدث وإنما عروض ذلك لم يبق وانقضى وذلك أن قولك لا يبقى
(1/129)

وينقضي الحالة على وقت يأتي به يستحق الحكم بأنه منقض غير باق فلم يكن منكراً لأن يقارن الباقي حتى لا يخلو منه إذ لم يسبق الوصف المضاد لوصفه وقولك قد حدث حكم قد وجب له في وقته لا ينتظر وجوبه في وقت فاستحال أن يقارن القديم حتى لا يكون [25] القديم سابقاً له فإن قيل فأوجبوا أن يكون الباقي متغرباً ممن لم يبق وانقضى كما أوجبتم أن يكون القديم سابقاً للمحدثات موجوداً قبلها قيل ذلك يفعل وهو الواجب كما أنه سابق للحوادث فكذلك يجب أن يكون باقياً متأخراً عنها ومتى ما لم يكن كذلك لم يكن باقيا كما أنّه لو لم يسبقها لم يكن قديماً فإن قال إذا زعمتم أن المقارن للحوادث حوادث فما ينكرون أن يكون المقارن للحوادث أمس حادثاً أمس قيل لأنا نقول أن الذي يقارن للحوادث حادث بالإطلاق ولكن نقول ما لم يسبقها فحادث مثلها والجسم فإن قارن الحوادث أمس كان موجوداً قبله فلذلك لم يجب أن يكون حادثاً معه وهذه يؤكد ما قلنا له كما وجب أن يكون ما لم يسبق الحادث أمس حادثاً أمس فكذلك يجب أن يكون ما لم يسبق الحوادث
(1/130)

بإطلاق حادثاً بالإطلاق فإن قيل أليس لم نشاهد والأجسام مقارنة لحوادث إلا وقد كانت موجودة قبلها مقارنة لحوادث غيرها فهلا زعمتم أن ذلك سبيلها وأنها لم تزل كذلك قبل هذا غير واجب لأنا وإن كنا حكمنا بأن الأجسام التي شاهدناها كانت متقدمة للحوادث المقارنة لها مقارنة لغيرها فلم نحكم بذلك من طريق الوجوب ولا لأن الجسم إنما كان جسماً موجوداً لأنّه لا بدّ من أن يكون متقدماً للحوادث المقارنة لها مقارناً لغيره لأن هذا حد [1] الجسم وحقيقته بل إنما حكمنا بذلك لأنا لم نشاهد جسماً حدث في وقت مشاهدتنا له ولأنه صح عندنا بالخبر والدليل أن هذه الأجسام التي شاهدناها قد كانت موجودة قبل مشاهدتنا لها وصح أن الجسم لا يخلو من حادث ولو أنا شاهدنا جسماً في وقت لم نشاهده قبله ثم لم يقم لنا دليل على أنه كان موجوداً قبل تلك الحال ولا خبر صادق بذلك لما حكمنا بأنه قد كان موجوداً قبل الحوادث المقارنة له مقارناً لغيرها بل كنا نخبر [2] ذلك ونخبر [3] ان لا يكون سبق ما
__________
[1] . أحدMs.
[2] . بحيرMs.
[3] . بحر Ms.
(1/131)

هو موجود معه منها، فإن قيل ولم جوزتم هذا وهلا قضيتم على كل جسم غاب أو حضر ورد فيه خبراً ولم يرد قام على تقدمه دليل أو لم يقم بمثل [1] ما شاهدتم عليه هذه الأجسام وقضيتم بها عليها من تقدمها الحوادث الموجودة منها ومقارنتها [2] لغيرها وإلا فكيف تزعمون [3] أنكم تقضون بالشاهد على الغائب قيل ليس القضايا بالشاهد على الغائب على ما ظننتموه لأنه ليس يجب إذا شاهدنا جسماً على صفة من الصفات أن تقضي كل جسم غاب عنا كذلك إنما يجب إذا شاهدناه على صفة ما أن ينظر هل هو عليها من جهة الوجوب الذي هو حده وحقيقته أم لا فإن كان كذلك قضينا على كل جسم غاب عنا بحكمه وإلا فلا كما قلتم أن لا جسم في الشاهد إلا مركباً من الطبائع الأربع ولا مركبا من الطبائع إلّا جسما ثم قلتم بأن الأفلاك من طبيعة خامسة ولم يشاهدوا ذلك فكذلك إذا لم نر إنساناً إلا أبيض لم يجب القضاء بأنّ كلّ إنسان
__________
[1] . بمثلMs.
[2] . مقاربتهاMs.
[3] . يزعمون Ms.
(1/132)

أبيض أو لم نر رمّانا إلّا حلوا لم يلزم أن لا يكون رمّان إلّا حلو وكذلك إذا لم نر جسما مقارنا لحادث إلاّ وقد كان عندنا متقدّماً له مقارناً لحادث غيره فلم يكن جسماً لأنّه كذلك ولا ذلك حدّه بل حدّه أن يكون طويلاً عريضاً عميقاً فلمّا لم يكن جسماً لأنّه يسبق الحوادث فيُوجد مع غيرها لم يجب أن يكون ذلك [26] حال كلّ جسم في كلّ وقت وهذا أيضاً جواب قولهم إذا لم يروا أرضا إلاّ ومن ورائها أرض ولا بيضة إلاّ من دجاجة ولا دجاجة إلاّ من بيضة فكيف قضيتم بخلاف ما شاهدتم فيقال ليس حدّ البيضة أن تكون من الدجاجة ولا حدّ الدجاجة أن تكون من البيضة وإنّما الدلائل قامت على حدثها فإن قال ولِمَ زعمتم أن الجواهر لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرّقة قيل هذا من أوائل العلوم التي تُعرف بالبديهة ولا يعترض عليها بالشبه فإن قال ما الدليل على المجتمع اجتماعاً به كان مجتمعاً وللمفترق افتراقاً دونَ أن يكون مفترقاً ومجتمعاً بنفسه قيل لو كان مجتمعاً بنفسه لما جاز وجوده مفترقاً ما دام نفسه موجودة وكذلك المفترق فدلّ أنّ المجتمع مجتمع باجتماع وكذلك
(1/133)

الافتراق، فإن قيل وما الدليل على الاجتماع والافتراق مُحدَثان قيل الدليل على ذلك أنّا نقصد الجسم المجتمع مفترقة فيُوجد فيه افتراق فلا يخلو ذلك الافتراق من أن كان موجوداً فيه قبل ذلك أو لم يكن فحدث فإن كان موجوداً فيه فقد كان مجتمعاً مفترقاً وهذا محال فثبت أنه حدث عند الافتراق وبطل أن يكون الاجتماع والافتراق كامنين في الجسم فإن قال ما أنكرتم أن يكون الاجتماعات والافتراقات لا نهاية لها وأنّه لا اجتماع إلاّ وقبله اجتماع ولا افتراق إلاّ وقبله افتراق قيل هذا فاسد لأنّه لو كان كذلك لما جاز أن يوجد واحدٌ منهما كما أنّ قاصداً لو قصد إلى جماعة فقال لا يدخلنّ هذا البيت أحدٌ منكم حتّى يدخله قبله آخر ما جاز أن يوجد واحدٌ منهم في ذلك البيت ولو وجد كان في ذلك انتقاض الشرط فإن قيل فما تنكرون أن يكون الاجتماع والافتراق خمسين قيل لو كانا كذلك لم يخلُ من أن يكونا مجتمعين أو مفترقين باجتماع وافتراق هما هما أو غيرهما فإن كانا مجتمعين باجتماع هو هما استحال وجود الافتراق فيهما ما دامت أعيانهما قائمةً وإن كانا مجتمعين باجتماع هو غيرهما
(1/134)

احتاج ذلك الاجتماع إلى اجتماع إلى ما لا نهاية له ولا غاية وكلّ ما لا نهاية له ولا غاية فغير جائز وجود ما في الحال منه وهذه مسألة جارية منذ قديم الزمان ولقد رأيتُ أهل النظر يقحّمون أمرها ويرفعون من شأنها ووجدتها في عدّة كتب بألفاظ مختلفة فلم أجدها أكمل وأتمّ من قول أبي القاسم الكعبي في كتاب أوائل الادلّة فانبثّ بها على وجهها وقد ثبت حدث العالم كما ترى فيجب أن يُنظر أَأَحدث جملةً واحدةً وضربة واحدة أم شيئاً بعد شيء لأنّ ذلك كلّه مجوز في العقل فإن أوجد كما هو فابتداؤه حدوثه وإن أوجد منه شيء بعد شيء فابتداؤه ما أوجد منه وليس ذلك إلى العقل فيُعتمد ولكن سبيله السمع والخبر والناس مختلفون فيه القدماء ومَنْ بعدهم من أهل الكتاب والمسلمون وأنا ذاكر من ذلك ما رُوى ومُرجّح ما وافق الحقّ إن شاء الله عزّ وجلّ،
القول في ابتداء الخلق
قرأت في كتاب منسوب إلى رجل من القدماء يقال له افلوطرخس [1] ذكر فيه اختلاف
__________
[1] . افلوطوخس Ms.
(1/135)

مقالات الفلاسفة ووسمه بكتاب ما يرضاه الفلاسفة من الآراء الطبيعيّة حُكى عن تاليس الملطي [1] أنّه كان يرى مبدأ الموجودات الماء منه بدأ وإليه ينحلّ وإنّما دعاه إلى توهّم [26] هذا الرأي أنّه وجد جميع الحيوان من الجوهر الرَطْب الذي هو المنّى فأوجب أن يكون مبدأ جميع الأشياء من الرطوبة ومتى ما عدمت الرطوبة جفّت وبطلت وحكى انّ فيثاغورس من أهل شاميا وهو أوّل ما سمّى الفلسفة بهذا الاسم وتاليس أوّل من ابتدأ الفلسفة أنّه كان يرى المبادي هي الأعداد المتعادلات وكان يسمّيها تأليفات وهندسيّات ويسمّى من جملة ذلك اسطقسات ويقول الواحدة والثانية لا حدّ لهما في المبادي ويرى أنّ أحد هذه المبادي هي العلّة الفاعلة الخاصّة [2] وهي الله عزّ وجلّ والثاني العقل والثالث العنصر وهو الجوهر القابل للانتقال وعنه كان العالم المدرك يحسّ البصر وأنّ طبيعة العدد تنتهي [3] إلى العشرة وإذا بلغها
__________
[1] . المطلىّMs.
[2] . في الأصل الحاصبهicationmarginale:
[3] . ينتهى Ms.
(1/136)

رجع إلى الواحد وأنّ العشرة بالقوّة في الأربعة وذلك إذا اجتَمعت الأعدادُ من الواحد إلى الأربعة استكملت عدد العشرة وقد ذكر ابن رزام هذا الفصل في كتاب النقض على الباطنيّة قال افلوطرخس وكذلك كان الفيثاغوريّون [1] يقولون في الأربعة قسماً عظيماً ويأتون في ذلك بشهادة الشِعْر إذْ يقولون لا وحقّ الرباعية التي تدبر أنفسنا التي هي أصلٌ لكلّ طبيعة التي تسيل دائماً كذلك النفس التي فينا مركّبة من أربعة أشياء وهي العقل والعلم والرأي والحواسّ ومنها تكون كلّ صناعة وكل مِهْنَة وبها كنّا نحس أنفسنا فالعقل هو الواحدة وذلك أنّ العقل إنّما يجري وحده وإمّا الثانية التي ليست بمحمودة فالعلم وذلك أن كلّ برهان وكلّ إقناع فمنه وأمّا الثالثة فالرأي لأنّ الرأي لجماعة والرابعة الحواسّ وحكى عن نرافليطس أنّه كان يرى مبدأ كلّ شيء النار واليها انتهاؤها وإذا انطفأت النار يشكّل به العالم وأوّل ذلك أنّ الغليظ منه إذا تكاثف واجتمع بعضه إلى بعض صار أرضاً وإذا تحلّلت الأرض وتفرّقت أجزاؤها بالنار صارت ماء والنار يحللّ الأجسام ويثيرها وحُكى عن
__________
[1] . الفوياعوريّون Ms.
(1/137)

انعمامس انه كان يرى الهواء أوّل الموجودات منه كان الكلّ وإليه ينحلّ الموجودات مثل النَفْس التي فينا وانّ الهواء هو الذي يحفظ فينا الروح والهواء يُمسكان العالم كلّه والروح والهواء يقالان جميعاً لأنّ على معنى واحد قولاً متواطئاً وحُكى عن فيثاغورس [1] أنّه كان يرى أنّ مبدأ الموجودات هو المتشابه الأجزاء وأن الكائنات يكون بالغذاء الذي تغتذي به ومن هذه الكائنات يكون معنى المتشابه الأجزاء وعنده أنّ الأشياء [2] يدرك بالعقل لا بالحسّ وهي أجزاء الغذاء وإنّما سمّيت متشابه الأجزاء من أجل أنّ هذه الأعضاء المكوّنة من الغذاء متشابهة بعضها يشبه بعضاً فسميّت متشابهة الأجزاء وجعلها مبادي الموجودات وصيّر المتشابه الأجزاء عنصراً وحُكى عن ارسلاوس أنّه يرى مبدأ العالم ما لا نهاية له وقد يعترض فيه التكاثف والتخلخل فمنه ما يصير ماءً ومنه يصير ناراً وحكى عن أبيقورس أنّه كان يرى الموجودات أجساماً مدركة عقولاً لا خلاء فيها ولا كون سرمديّة غير فاسدة لا يحتمل التكسّر والتهشّم
__________
[1] . انفساغورسMs.
[2] . الاسياء Ms.
(1/138)

ولا يعترض في أجزائها خلاف ولا استحالة وهي مدركة بالعقل لا بالحواسّ وهي لا يتجزّأ وليس معنى قوله لا يتجزّأ أنّها في غاية الصغر لكن لا تقبل الانفعال والاستحالة وحُكى عن اثمادقليس أنّه [27] لا يرى الاسطقسات الأربع التي هي الماء والنار والهواء والأرض وأنّ المبدأ مبدءان [1] وهما المحبّة والغلبة واحدهما يفعل الإيجاد والآخر يفعل التفرقة وحكى عن سقراط بن سقريقس وأفلاطون بن آرسطو الإلهيّ أنّهما يريان المبادئ ثلاثة [2] الله والعنصر والصورة زعم المفسّرون أنّ معنى قولهم الله هو العقل العالم ومعنى العنصر هو الموضوع الأوّل للكون والفساد ومعنى الصورة جوهر لا جسم في التخييلات وحُكى عن ارسطاطاليس بن توماجس صاحب المنطق أنّه يرى المبادئ الصورة والعنصر والعدم والاسطقسات الأربع وجسم خامس هو الأمر غير المستحيل وحكى عن دينوهرماوس أنّه يرى المبادئ هي الله تعالى وهي العلة الفاعلة والعنصر المنفعل والاسطقسات الأربع فهذا جملة ما حكاه
__________
[1] . مبديانMs.
[2] . ثلاثة Ms.
(1/139)

افلوطرخس [1] من أقاويل الفلاسفة في المبادئ وزعم أيوب الرهاوي في كتاب التفسير أنّ المبادئ هي العناصر المفردة يعني الحرّ والبرد والبلّة واليُبْس فكُوِّنت النارُ من تركيب الحرّ مع اليُبْس وكُوِّن الهواء من تركيب البرد مع البلّة وكوّن الماء من تركيب البرد مع البلّة وكُوِّنت الأرض من تركيب البرد مع اليبس فصارت هذه العناصر المركّبة ثم كُوِّنَ من تركيب هذه العناصر المركبّة الحيوانُ والنباتُ،
ذكر ما حكى أهل الإسلام عنهم،
حكى زُرقان في كتاب المقالات أنّ ارسطاطاليس قال بهيولي قديم وقوة معه لم يزل وجوهر قابل للأعراض وأنّ الهيولي حرّك القوّة فحدث البرد ثم حرّكها فحدث الحرّ ثم قبلهما الجوهر قال وشبّه إحداث [2] الهيولى الحركة بإحداث الإنسان الفعل بعد أن كان غير فاعل له والفعل عَرَض وهو غير الإنسان فكذلك الهيولي أحدث أعراضاً هي غيره ولا يقال كيف أحدثها كما لا يقال كيف حدثت هذه الحركة من الإنسان وحُكى [عن] جالينوس أنّه قال
__________
[1] . افلوطوخسMs.
[2] . باحداث Ms.
(1/140)

بأربع طبائع لم ينفكّ العالم منها قال وقال سائر الفلاسفة بأربع طبائع وخامس معها خلافها لولا هو لما كان للطبائع ائتلاف على تضادّها قال وقال هرمس [1] بمثل مقالة هؤلاء فاثبت العالم ساكناً ثم تحرّك والحركة معنىً وهو زوال وانتقال والسكون ليس بفعل قال وقال بلعم بن باعوراء العالم قديم وله مدّبر يدبّره وهو خلافه من جميع المعاني وأثبت الحركات فقال أنّ الحركة الأولى هي الثانية معاودة لأنّ من قوله أنّ الحركة مع أصل العالم والعالم قديم عنده قال وقال أصحاب الأصطرلاب بمثل مقالة بلعم إلاّ أنّهم زعموا أنّ العالم لم يزل متحرّكاً بحركات لا نهاية لها وأنكروا أن يكون الحركة لها أوّل وآخر لأنّها ليست بمحدثة قال وقال أصحاب الجثّة أن العالم لم يزل مصوّراً قديماً جُثّةً مُصْمتةً فانقلعت الجثّةً وكان الخلق كامناً فيها فظهر على نحو ما يظهر في النطفة والبيضة والنواة قال وقال أصحاب الجوهرة أن العالم جوهرة قديمة وأحديّة الذات وإنما اختلفت على قدر التقاء [2] الجوهرة وحركاتها فإذا كانا جزءين كانا حرّا
__________
[1] . هومسMs.
[2] . البقاء Ms.
(1/141)

وإذا كان ثلاثة أجزاء صار برداً وإذا كانت أربعة صارت رطوبة وزعم أنّ حركة قبل حركة إلى ما نهاية وقد جمع الناشي مذاهب هؤلاء كلّهم بلفظة واحدة فقال هم أربع طبقات فطبقة قالت [27] بِقدَم الطينة وحَدَث الصبغة وطبقة قالت بحدث الطينة والصبغة وطبقة شكّت فلم تدرِ أقديمة هي أم حديثة لتكافئ الأدلّة عندها وقد قال جالينوس وما على أنْ لم أدرِ أقديمة هي أم حديثة وما حاجتي إلى ذلك في صناعة للطبّ،
ذكر مقالات الثنويّة والحرّانيّة
أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أنّ المبدأ شيئان اثنان نور وظلمة وأنّ النور كان في أعلى العُلْو وأنّ الظلمة كانت أسفل السُفْل نوراً خالصاً وظلمةً خالصةً غير مماسّين على مثال الظلّ والشمس فامتزجا فكان من امتزاجها هذا العالم بما فيه هذا الذي يجمع أصل عقائدهم ثم اختلفوا بعد ذلك فزعم ابن ديصان أن النور خالق الخير والظلمة خالقة الشرّ بعد قوله بأنّ النور حيّ حسّاس والظلمة موات فكيف يصحّ الفعل من الموات ولما رأى من فنون ما لحق المانويّة والديصانيّة من التناقض والفساد أحدث مذهباً زعم أنّ الكونين النوري والظلامي قديمان ومعهما شيء
(1/142)

قديم ثالث لم يزل خلافها وخارجاً عن خارجهما وهو الذي حمل الكونين على المشابكة والامتزاج ولولا ذلك المُعَدّلُ بينهما لما كان من جوهر هما إلّا التباين والتنافر وزعم كنّان أنّ أصل القديم ثلاثة أشياء الأرض والماء والنار غير أنّ المدبّر لها اثنان خير وشرّ، وأمّا الحرّانيّة فمختلف عندهم في الحكاية زعم أحمد ابن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أنّ القوم مجمعون على أنّ للعالم علّة لم يزل ويقولون المدبّرات سبع واثنا عشر ويقولون في الهيولي والعدم والصورة والزمان والمكان والحركة والقوّة بقول ارسطاطاليس في كتاب سمع الكيان وزعم زرقان أنّهم يقولون مثل قول المانيّة وقال بعضهم أنّ مذهب الحرّانيّة ناموس مذهب الفلاسفة وما لم يكن يجسر أحدٌ أنْ يُظهر خلافهم، وأمّا المجوس فأصناف كثيرة ولهم هوس عظيم وترّهات متجاوزة الحدّ والمقدار لا يكاد يوقف عليها فبعضهم يقول بقول الثنوية وبعضهم على مذهب الحرّانيّة والخُرّميّةُ جنسٌ منهم يتستّرون بالإسلام ويقولون مبدأ العالم نور وأنّه نسخ بعضه فاستحال ظلمةً وأمّا أهل الصين فعامّتهم الثنويّة إلى كثير ممّن يليهم من التُرك وفيهم المعطّلة الذين يقولون بقدم الأعيان وأنّ العالم لا صانع
(1/143)

له ولا مدبّر والهنود أصناف كثيرة وتجمعهم البراهمة والسمنيّة والمعطلّة الأخرى يقولون بالتوحيد غير أنّهم يُبطلون الرسالة ومنهم المهادرزيّة يزعمون أنّ المبدأ ثلاثة أخوة أحدهم مهادرز فاحتال أخواه في المكر به فعثرت به دابّته فسقط ميتاً فسلخا جلده وبسطاه على وجه العالم فصار من جلدته هذه الأرض ومن عظامه الجبال ومن دمائه الأودية والأنهار ومن شَعْره الأشجار والنبات هذا ما بلغنا من مذاهب سكّان الأرض والقدماء في هذا الباب وقد أشرنا إلى فساد مذهبهم ومذهب مَنْ يقول بقدم العالم أو شيء مع الله تعالى بما فيه كفاية وغُنية وهذه الحكايات كلّها إن لم يكن شيء منها زُمراً أو ألغازاً أو تمثيلاً أو روايةً عن كتاب من كتب الله عزّ وجلّ أو رسول من رُسل الله أو بوفاق ما جاء منهم أو بشهادة العقول قاطبةً فمردودة غير مقبولة ومحمولة على تمويه واضعها وتزوير مبتدعها وليس في كثرة الترداد والتكرار كثير فائدة ومتى مرّنْتَ نفسك على تحفّظ مسألة إحداث العالم استغنيتَ عن كثرة الخوض في الفروع التي بنيت على أصل القدم [28] لأنّه إذا وَهَى البناء وضعُف لم يَثْبُت فروعُه ولا قامت أركانه،
(1/144)

ذكر مقالات أهل الكتاب في هذا الباب،
قرأت في كتاب موسوم بشرائع اليهود أن جماعة من علمائهم نهوا عن التفحص عن هذا الباب والشروع فيه وزعموا أنه لا ينبغي للإنسان أن يبحث عما يتعجب منه ويخفى عليه وزعم بعضهم أن الشيء الذي خلقه الله تعالى في الابتداء سبعة عشر شيئاً خلقها الله بلا نطق ولا حركة ولا فكرة ولا زمان ولا مكان وهي المكان والزمان والريح والهواء والنار والماء والأرض والظلمة والنور والعرش والسموات وروح القدس والجنة وجهنم وصور جميع الخلائق والحكمة قال ومخلوقه ذو جهات ست وهو محصور بين هذه الجهات التي هي الأمام والخلف والعلو والسفل واليمين والشمال وزعم بعضهم أن أول ما خلق الله سبعة وعشرون شيئاً فذكر هذه السبعة عشر وأضاف إليها كلام موسى الذي سمعه وجميع ما رأته الأنبياء والمن والسلوى والغمام والعين التي ظهرت لبنى إسرائيل والشياطين واللباس الّذي ألبس آدم وحوّاء وكلام الجبّار الذي كلم به بلعام هكذا الحكاية عنهم والمسطور في أوّل سفر من التوراة بالعبرانيّة برشست بارا ايلوهيم ايث هشومائم وانث هو اورس وهو اورس هو ننو ثوهم
(1/145)

وحوشخ على هي تهوم يقول أول شيء خلقه السماء والأرض وكانت الأرض جزيرة خاوية مظلمة على الغمر وريح الله يزف على وجه الأرض كذا فسره المفسرون فلا أدري كيف خالفته الحكاية عنهم ضمن التورية ولعل ما ذكروه في بعض أسفارهم لأنّ التوراة مشتملة على عدة كتب من كتب الأنبياء والله أعلم وأما النصارى فدينهم في هذا دين اليهود لانّهم يقرءون التوراة ويقرون بما فيها والصابئون محرون في مذهبهم فأكثر الناس على أن دينهم بين دين اليهود والنصارى فإن كان كذلك فقولهم قولهم وحكى زرقان أن الصابئين يقولون بالنور والظلمة على نحو ما يقوله المنانيّة والله أعلم،
ذكر قول أهل الإسلام في المبادئ وما جاء من الروايات فيها،
حدثنا الحسن ابن هشام ببلد قال حدثني ابراهيم بن عبد الله العبسي حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي طبيان عن ابن عباس رضي الله عنه قال أول ما خلق الله من شيء القلم قال اكتب فقال أي ربي وما أكتب قال القدر فجرى القلم بما هو كائن من ذلك اليوم إلى يوم القيامة قال ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات فاضطربت النون
(1/146)

فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال تنفجر على الأرض إلى يوم القيامة وحدثنا عبد الرحمن بن أحمد المروزي بمرو حدثنا السراج محمد بن إسحاق حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا خالد بن عبد الله بن عطاء عن أبي الضحا عن ابن عباس رضي الله عنه قال أول شيء خلق الله تبارك وتعالى القلم فقال له اكتب ما يكون إلى يوم القيامة ثم خلق نون فكبس عليها الأرض يقول الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ 68: 1 وحدثني محمد بن سهل باسوار حدثنا أبو بكر بن زيان حدثنا [؟] عنه عيسى بن حماد [28] عن الليث بن سعد عن ابى هانئ عن ابى عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كتب الله بقادر [1] كل شيء قبل أن خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام وقد اختلفت الروايات عن ابن عبّاس رضى الله عنه فروى عنه أول ما خلق الله القلم وروى عنه سعيد بن حبير أول ما خلق الله العرش والكرسي وروى أول ما خلق الله النور والظلمة وروينا خلاف ذلك كله عن الحسن أنه قال أول ما خلق من شيء العقل وروى عنه أوّل ما خلق الله
__________
[1] . كذا في الأصل Notemarginale:
(1/147)

الأرواح وفي رواية أبي الوليد عن أبي عوانه عن أبي بشر عن مجاهد قال بدء الخلق العرش والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء وحدثني حاتم بن السندي بتكريت حدثنا أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم كما وصف لكم وأما حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطا عن وكيع بن حرس عن عمه أبي رزين العقيلي أنه قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن خلق السموات والأرض قال كان في عماء ما تحته هواء ولا فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء فإنه إن صح وصح تأويل من تأول العماء السحاب والغمام دل أن خلق الغمام المذكور في الخبر والقرآن كان قبل خلق السموات والأرض وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام [1] ووضعه على العرش فإن صحت الرواية دل أن خلق العرش كان قبل سائر الخلق وفي كتاب أبي حذيفة عن حبير عن الضحاك عن ابن عباس رضى
__________
[1] . سبقت رحمتي غضبى polationdanslems.:
(1/148)

الله عنه أن الله لما أراد أن يخلق الماء خلق من النور ياقوتة خضراء ووصف في طولها وعرضها وسمكها ما الله به عليم قال فلحظها الجبار لحظة فصارت ماء يترقرق لا يثبت في ضحضاح ولا غير ضحضاح يرتعد من مخافة الله ثم خلق الريح فوضع الماء على متن الريح ثم خلق العرش فوضعه على متن الماء فذلك قوله تعالى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ 11: 7 وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن ابن حبير قال سألت ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى وكان عرشه على الماء فعلام كان الماء قبل أن يخلق شيئاً قال على متن الريح فإن صحت الرواية عن الضحاك دل أن النون قبل خلق الماء وامّا محمّد بن إسحاق فإنّه يقول في كتابه وهو أول كتاب عمل في بدء الخلق لقول الله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ 11: 7 فكان كما وصف نفسه تبارك وتعالى إذ ليس إلا الماء عليه العرش ذو الجلال والإكرام والعزة والسلطان فكان أول ما خلق النور والظلمة ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً ثم سمك السموات السبع من دخان الماء حتى استقللن ثم دحا الأرض
(1/149)

وأرساها بالجبال وقدر فيها الأقوات ثم استوى الى السماء وهي دخان، لا يختلف أحد من المسلمين ومن يدين الله بالكتاب والرسالة أن ما دون الله تعالى مخلوق محدث وإن لم يذكر خلقه وإحداثه وإنما مرادنا أن نعرف أول ما خلق الله منه إن كان ذلك ممكناً منه اختلف الرواة عن وهب بن منبه وغيره من منى [29] أهل الكتاب فروى عن عبد الله بن سلام أنه قال خلق الله نوراً وخلق من ذلك النور ظلمةً وخلق من تلك [1] الظلمة نوراً وخلق من ذلك النور ماءً يخلق من ذلك الماء الأشياء كلها وعن وهب بن منبه قال وجدت فيما أنزل الله على موسى بن عمران عليه السلم أن الله لما أراد خلق الخلق خلق الروح ثم خلق من الروح الهواء ثم خلق من الهواء النور والظلمة ثم خلق من النور الماء ثم خلق النار والريح وكان عرشه على الماء وسمعت بعض الشيعة يزعمون أن أول ما خلق الله نور محمّد وعليّ ويروون فيه رواية والله اعلم بحقها وقد ذكرت حكماء العرب ومن كان يدين الله منهم بدين الأنبياء في أشعارها وخطبها كيف كان مبدأ الخلق
__________
[1] . ذلك Ms.
(1/150)

فمنه قول عدي بن زيد العبادي وكان نصرانيّا يقرأ الكتب [بسيط]
اسمع حديثاً لكي يوماً تجاوبه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
إن كيف أبدى إله الخلق نعمته ... فينا وعرفنا آياته الأولا
كانت رياحا وماء ذا عرانية ... وظلمة لم يدع فتقاً ولا خللا
فأمر الظلمة السوداء فانكشفت ... وعزل الماء عما كان قد شغلا
وبسط الأرض بسطاً ثمّ قدّرها ... تحت السماء سواء مثل ما فعلا
وجعل الشمس مصيراً لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فضلا
قضى لستة أيام خلائقه ... وكان آخر شيء صور الرجلا
وقد حكى الفرس عن علماء دينهم وموبذيهم أول ما خلق الله السموات والأرض ثم النبات ثم الإنسان،
ذكر تصويب أرجح المذاهب،
أقول أن رأى من رأى تقديم [1] أحد الأركان على غيره هو محتلّ واه لأنّهم يختلفون في الاستحالة والفساد وكيف يصح على رأي تاليس الماء وهو عنده مستحيل من الأرض وعلى رأي يراقليطس [2] النار وهي مستحيلة عنده
__________
[1] . بقديمMs.
[2] . براطيطس Ms.
(1/151)

من الهواء وكذلك سائر الأركان أم كيف يجوز عندهم تولّد حيوان أو تركّب نبات من غير اجتماع هذه الأخلاط الأربع فيها لأن ما تفرد بطبع واحد لا يوجد منه غير حركته الطبيعية أو من زعم بابتداء البسائط ثم العناصر المركبة فإنه يفحش قوله لأن البسائط أعراض لا تقوم بذواتها ولا بد لها من حامل فكيف يصح وجودها بلا حامل وكذلك من زعم النور والظلمة لأنهما عرضان لا جسمان والأصح على مذهب هؤلاء ما رأى اثمادقليس من تقدم الاسطقسات الأربع وفساد هذا ظاهر عند المسلمين بأن الاسطقسات لا تخلو أن تكون أعراضاً فإن كانت أعراضاً فالعرض لا يقوم بنفسه أو يكون أجساماً وحد الجسم ما ذكرناه وإثر الحدث مقارن له أو يكون لا أجساماً ولا أعراضاً فهذا غير معقول عند المسلمين إلا البارئ جل جلاله فإنه خلاف خلقه من جميع الوجوه وإذا لم تكن [29] أجساماً ولا أعراضا عندهم فلا بدّ أن يكون هو الهيولى الموهوم في مذهبه وهذا شيء لو كان موهوماً لما جاز وقوع الاختلاف فيه إلا من معاند كما لا يجوز وقوع الاختلاف في المعقول إلا من معاند مع أن الوهم لا يحصر ما لا حدّ له ولا صفة من
(1/152)

لون أو مقدار أو شيء من الأعراض المحسوسة وجملة هذا القول في هذا الباب مراعاة إثر الحدث فيما سوى البارئ جل جلاله فإذا ثبت ذلك علم أن ما كان محدثاً فلا بد له من ابتداء وإذا كان لا يقول بحدث العالم إلا الموحدون لم يوجد ابتداء ذلك إلا من جهتهم وهم يختلفون في الرواية عن علمائهم في الظاهر ومتفقون في المعنى إذا انعموا النظر فأما أهل الكتاب وما حكى عنهم فمحتمل غير أنه لا يجوز القطع به ما لم يصدقه كتابنا أو خبر نبينا صلى الله عليه وسلم لما وقع فيهم من التحريف والتبديل ولأنه خلاف ما ذكر في أوّل التوراة في ابتداء الخلق فالذي يوجبه العقل أن يكون مكان كل متمكن سابق له وإن لا يحل حركة إلا في جسم ولا يوجد إلا في زمان وإن لا يصح فعل اختيار وتدبير إلا من حي عالم وإن لا يحدث شيء إلا من شيء وإن الأركان الأربع سابقة للأجسام فمن قال بقدم هذه المذكورات دخل في جملة المخالفين ونقضت عليه آثار الحدث فيها ومذهبه ومن قال بحدثها فما حاجته إلى تقديم ما قدم منها وقد أقر بأن الله أحدث الزمان من غير زمان والمكان في غير مكان والأركان من غير أركان اللَّهمّ إلا أن يعمد فيه شيئاً
(1/153)

من كتب الله فليس يجد في كتاب أول ما خلق ما هو فيقضي على ما خالفه بالرد والإنكار ولا بد لكل حادث من غاية ينتهي إليها كقولنا الساعة من اليوم واليوم من الأسبوع والأسبوع من الشهر والشهر من السنة والسنة من الزمان والزمان من الدهر فقد انتهى إلى الزمان والزمان غايته وكما نقول فلان من فلان وفلان من فلان كما ترفع مثلاً نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أدم ثم يقال وآدم من تراب فالتراب آخره وكذلك سائر الأشياء الحادثة لا بدّ لها من غاية هذا ما يعاينه ويشاهده فلذلك وضعنا ما روينا عن أهل الكتاب على وجه الاحتمال فقد ذهب بعض أهل الإسلام إلى أن أول ما أحدث الزمن العلوي وهو وقت يظهر فيه الفعل ليس السفلي الذي هو من حركات الفلك ثم المكان الذي هو غير متجزئ ولا متماسك وهو فضاء وبسيط ذاهب خلاء محيط بالعالم قال وليس الهواء من الفضاء في شيء لأن الهواء جسم متجزئ ومنتشر وليس الخلاء بمتجزّئ ولا محسوس ومعنى قوله التجزّي أن الخلاء لا يدخل العالم منه شيء إلا يتحلله بتةً والهواء ما بين السماء والأرض ولا يخلو منه شيء والخلاء ما فيه السماء والأرض
(1/154)

والهواء ثم الأجسام بأعراضها كذا رأيت في بعض كتبهم والله أعلم فإذا سأل سائل عن ابتداء الخلق فجوابه أن ما دون الله مخلوق نعم سؤالك عن العالم العلوي أم العالم السفلي أم عن الآخرة الموعودة أم عن الدنيا الفانية [30] لأن كل شيء من هذه الأشياء ابتدأ منه ابتداء ونشو فإن قيل هل غير الدنيا والآخرة شيء قيل العرش والكرسي والملائكة واللوح والقلم وسدرة المنتهى مخلوقة كلها ولا تعد [1] من الدنيا ولا من الآخرة وكذلك الجنة والنار والصراط والميزان والصور والأعراف والرحمة والعذاب مخلوقة عند كثير من الأمة ثم من بعدهم من أهل الكتاب ولا يعد من الدنيا ولا من الآخرة فإن قيل فقد قال الله تعالى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى 53: 25 ولم يذكر شيئاً غيرهما قيل ولم يذكر الأشياء غيرهما مع أكثر أهل التفسير يقولون معناه للَّه الحكم في الآخرة والأولى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا إلا الجنة والنار لأنه لا شيء غيرهما وإنما يصح هذا إذا عرفت الدنيا والآخرة ما هما على انّه لا عتب
__________
[1] . يعدّ Ms.
(1/155)

على من عد ما ذكرناه من أمر الآخرة ولا مضايقة فيه بعد أن اعتقدها كما جاءت به كتب الله وينبغي أن يعلم أن كلما دون الدنيا روحاني حيواني خلق للبقاء والخلود على الأبد لا يجوز عليه الانحلال والدثور بقول الله تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، 29: 64
ذكر أول ما خلق في العالم العلوي من الحيوانات
يدل على أن أول ما أوجده الله تعالى القلم واللوح على رواية أبي ظبيان عن ابن عباس ثم العرش والكرسي على رواية مجاهد وقد قال قائل أن أول ما خلق الروح والعقل على رواية الحسن لأن في رواية ابن عباس أنه قال للقلم اكتب فقال أي رب وما اكتب والأمر في الحقيقة والجواب لا يصح إلا من حي عاقل قال ثم الحجب ومنها الغمام والنور والملائكة ثم الرحمة والعذاب يعني الجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك مما ذكر وأول ما خلق في العالم السفلي من الحيوانات الماء والهواء كما قال مجاهد وخلقت الأرض من الماء فهذه أركان العالم ثم النور والظلمة ومن الناس من يفرق بين النور العلوي
(1/156)

والنور السفلي بأن هذا جسم لطيف وذلك روح خالص مع اختلافهم في الروح أجسم هو أم غير جسم وسيمر بك في بابه مشروحاً مفسراً إن شاء الله عز وجل فإذا سأل سائل مم خلق الخلق قيل أن الخلق أجزاء مختلفة فعن أي جزء من أجزاء الخلق سؤالك ولن يجاب حتى يشير إلى ما أردنا فإن سأل عن الأرض قيل من زبد الماء كما جاء في الحديث والخبر وان سأل سائل عن السماء قيل من دخان الماء وإن سأل عن الكواكب قيل من ضوء النهار وإن سأل عن الأركان المركبة قيل من البسائط المفردات وإن سأل عن البسائط قيل يمكن أن يكون خلقت مما خلق قبلها ويمكن أن يكون خلقت لا من شيء لأنا نرى الله يخلق الشيء من الشيء ويخلق من لا شيء وقد دللنا على أن لا شيء غير الله تعالى إلا مخلوق وأن الله ابتدعه بدئاً لا من شيء كما شاء ما لا حاجة إلى إعادة القول فيه بقول الله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 2: 117 وقال الله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من ماءٍ 24: 45 وقال الله خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ 4: 1 وقال خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ
(1/157)

من نارٍ 55: 14- 15 مع سائر ما وصفت أنه خلقه من خلق خلقه قبله [30] وكذلك يفعل الشيء بسبب ويفعله بلا سبب موجب قال الله تعالى وَأَنْزَلَ من السَّماءِ ماء فَأَخْرَجَ به من الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ 2: 22 فأخبر عز وجل أنه جعل سبب إخراج الثمر والنبات إنزال الماء وكذلك جعل سبب كون الإنسان النطفة وسائر ما يوجده ويحدثه وقد أوجد أمهات هذه الأسباب بغير سبب موجب لها بل بقدرته وحكمته وإن سأل سائل فيم خلق قيل فيم سؤال عن المكان ولا مكان ألا وهو مفتقر إلى مكان وقد سبقت الدلالة على فساد الحلول بما ليست له نهاية فلو قال القائل أن العالم لا في مكان لكان قولاً لأنه ليس بأعجب من إقراره بإيجاد الأعيان لا من غير سابقة وقد قيل أنه في خلاء وهو مكان له وزعم آخرون أن العالم بعضه مكان لبعض وفي كتاب وهب بن منبه أن السموات والجنة والنار والدنيا والآخرة والريح والنار كلها في جوف الكرسي فإن صحت الرواية كان الكرسي مكاناً لهذه الأشياء والله اعلم وأحكم،
(1/158)

وإن سأل كيف خلق قيل كيف سؤال يقتضي التشبيه في الجواب وليس نعلم العالم مثلاً غيره فنشبهه به ولكنا مشاهدين له عند أحداثه ولا فعل الله تعالى بحركة ولا معالجة والكيفية منتفية عن فعله كما هي منتفية عنه سبحانه فإن أردت كيف أوجده من عدم فكيف تراه أجساماً وجواهر حاملة للأعراض قال له كن فكان كما أخبرنا عنه وإن أردت شكلاً وهيئة لفعله فهذه من حالات الأعراض التي تتعاقب على المخلوقين فإن سأل سائل متى خلق قيل متى سؤال عن المدة والوقت من الزمان والمدة عندنا من حركات الفلك ومدى ما بين الأفعال وقد قامت الدلالة على حدث الفلك ولا يطلق المسلمون القول بأن الله تعالى لم يزل يفعل لأن ذلك يوجب أزلية الخلق ويؤدي إلى قول من يرى المعلول مع العلة حتى يكون بين فعل سابق له إلى أن فعل العالم مدة وقد زعم بعض الناس أنه أحدث زماناً أوجد فيه العالم كمن قال أنه أحدث مكانا أوجد فيه العالم فقال قوم الزمان ليس بشيء وإن سأل سائل لم خلق قيل لم سؤال عن العلة الموجبة للفعل وفاعل ذلك مضطر غير مختار والمضطر مقهور مغلوب ولا يجوز ذلك في
(1/159)

صفة القديم فإن أردت بالعلّة الغرض المقصود في الخلق فهو ما ذكرناه في أول هذا الفصل أنه خلق الخلق لرأفته ورحمته وجوده وقدرته لينفعهم وليأكلوا من رزقه وليتقلبوا في نعمته ويستحقوا شرف الثواب بطاعته،
(1/160)

الفصل السادس في ذكر اللوح والقلم والعرش والكرسيّ والملائكة والصور والصراط والميزان والحوض والأعراف والثواب والعقاب والحجب وسدرة المنتهى وسائر ما يرويه الموحدون مما يعد من أمور الآخرة واختلاف من اختلف فيها،
ذكر اللوح والقلم
قال الله تعالى في محكم كتابه ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ 68: 1 وقال في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 56: 78- 79 وقال وَكُلَّ شَيْءٍ [31] أَحْصَيْناهُ في إِمامٍ مُبِينٍ 36: 12 وقال ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْءٍ 6: 38 وقال في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ 85: 22 قال أكثر المفسرين أنه لوح وقلم خلقهما الله كما شاء وألهم القلم أن يجري بما أراد وجعل اللوح واسطة بينه وبين ملائكته كما جعل الملائكة واسطة بينه وبين رسله ورسله واسطة بينه وبين خلقه وهذا لا يختلف فيه موحد ولا يسوغ الاختلاف فيه الظاهر
(1/161)

النص من الكتاب والسنة فإن خطر خاطر بأنه أية فائدة في اللوح والقلم فليقل له بأنّ أسرار حكمة الله عز وجل عن العباد محجوبة إلا ما أطلعهم عليه وما طوى عنهم فليس إلا التصديق به والاستسلام له لقول الله عزّ وجلّ يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ 13: 39 واعلم ان الكلام في هذا الفصل مع من يؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله لأن هذا سبيله سبيل الخبر والسمع والمسلمون وأهل الكتاب قاطبة قد تلقوه بالقبول وقد قال قائل أن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هو كائن وما هو مكونه فأجرى القلم به في اللوح وروى فيه أخبار مسطرة في كتب أهل الحديث رضينا بما صح منها واستسلمنا له وجاء في ذلك القلم أن طوله ما بين السماء والأرض وأنه خلق من نور وفي صفة اللوح أنه لوح محفوظ طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب معقود بالعرش يصك ما بين عيني إسرافيل وهو أقرب الملائكة إلى العرش فإذا أراد الله تبارك وتعالى أن يحدث في خلقه شيئاً قرع اللوح جبهة إسرافيل فأطلع فيه فإذا فيه ما أراد الله تعالى بقول الله يَمْحُوا الله ما يَشاءُ
(1/162)

وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ 13: 39 فيأمر به جبرئيل أو من يليه من الملائكة وأكثر أهل الدين على أنّ البارئ لا يسمع كما أنه لا يلمس وإنما يسمع كلامه كما يلمس خلقه هذا قول أهل الإسلام وقد ذهب قوم من المتسترين بالدين إلى تأويلات مكروهات مردودات فزعم بعضهم أن معنى القلم العقل لأنه دون البارئ جل وعز في الرتبة وجرى بنفسه لأن العقل يدرك الأشياء بغير واسطة قال ومعنى اللوح المحفوظ النفس لأنه دون العقل في الرتبة يدبرها العقل كما جرى القلم في اللوح المحفوظ وزعم أن القلم واللوح غير محدثين ولا مخلوقين وقد دللنا على حدث العقل والنفس في الفصل الثاني بما يجري عليهما من الزيادة والنقصان والسهو والضعف والثقلة [1] والتجزّي بتفرق الهياكل والأجسام وحاجة العقل إلى التجربة والامتحان وحاجة النفس إلى الغذاء والقوام ما فيه كفاية وبلاغ وذلك أن القديم البارئ لا يجوز عليه شيء من هذه العوارض وزعم آخرون أن اللوح هو العالم السفلي والقلم العالم العلوي يؤثر في السفلي وبعضهم يزعم أن القلم هو الروح واللوح الجسد وأهون
__________
[1] . والقلة Ms.
(1/163)

الأمور إنكار اللوح والقلم وسائر ما وصف من أمر الآخرة والدخول في الإلحاد المحض حتى يقع الكلام معهم من حيث ينبغي أن يقع لأن هذه الأشياء من شرائع الأنبياء عليهم السلم فكما لم يوجبها العقل فكذلك لا يرد تأويلها إلى العقل بل تسلم كما جاءت، وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكلامه بر [31] ينظر الله فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة يحيي بكل نظرة ويميت بكل نظرة ويرفع ويضع ويعز ويذل ويخلق ما يشاء ويحكم ما يريد والله أعلم واحكم وقد دللنا لك أن كل ما كان من أمر الآخرة فروحاني حيواني وإن شارك جسمانياً في الأسامي فمن ذلك قوله درة بيضاء وياقوتة حمراء.
ذكر العرش والكرسي وحملة العرش
قال الله تبارك وتعالى وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ من حَوْلِ الْعَرْشِ 39: 75 وقال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ 69: 17 فذكر العرش في غير موضع من كتابه وقال وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ 2: 255 فلم يجز وقوع الاختلاف فيه بين المسلمين لظاهر شهادة الكتاب وإنما اختلفوا في
(1/164)

التأويل فقال بعضهم أن العرش شبه السرير واستدلوا على قولهم بقوله أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها 27: 38 وبقوله وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ 12: 100 وكثير من أهل التشبيه يذهب إلى إنه كالسرير له وهو مذهب أهل الكتاب ومن كان من العرب بدينهم يدل عليه قول أميه بن ابى الصلت [كامل]
شد القطوع على المطايا ربنا ... كل بنعماء الإله مقيّد
فاصحن [1] وافترش الرحائل شرجع ... نفح على اثباجهن مؤكد
بفصوص ياقوت وكظ بعرشه ... هول ونار دونه تتوقد [2]
فعلا طوالات القوائم فاستوى ... فوق الجلود ومن أراد مخلد
وقال أيضا [خفيف]
مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا
ذلك المنشئ الحجارة والموتى ... وأحياهم وكان جديرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا
شرجعاً لا يناله بصر الناس ... ترى دونه الملائك صورا
__________
[1] . كذا في الأصلNotemarginale:
[2] . يتوقد Ms.
(1/165)

وقال لبيد [كامل]
للَّه نافلة الأجل الأفضل ... وله العلى ولبيت كل مؤثل
سوى فأغلق دون غرفة عرشه ... سبعاً طباقاً دون فرع المعقل
وقال كثير من المسلمين أن العرش شيء خلقه الله لمنتهى علم عباده وتعبد الملائكة بتعظيمه والطواف حوله ومسألته الحوائج عنده كما تعبد الناس بتعظيم الكعبة واستنجاح الحوائج لديها والصلاة [1] له إليها لا أن يكون ذلك مكاناً له أو حاملاً جل وتبارك البارئ أن يكون محمولاً أو محدوداً أو محاطاً وبعضهم يقول العرش الملك ويتأول قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى 20: 5 قال استولى على الملك واحتج بقول الشاعر [طويل]
إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم ... وأودت كما أودت إياد وحمير
[32] وأما الكرسي فخلق مثل العرش وقد روينا عن الحسن أنه قال الكرسي هو العرش وجاء في بعض الروايات أن الكرسي بين يدي العرش كدرة بأرض فلاة والسموات السبع
__________
[1] . الصلاة Ms.
(1/166)

والأرضون السبع وما فيها بجنب الكرسي كحلقة من حلق الدرع في أرض فيحاء ومن المسلمين خلق كثير يذهبون إلى أن الكرسي هو العلم واستدلوا بقوله تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ 2: 255 قالوا معناه أحاط علمه بها وبما فيها والكراسي العلماء وانشدوا بيتا [طويل]
تحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسي بالإحداث حين تنوب
وقد روى أصحاب الحديث أن الكرسي موضع القدمين والله أعلم بصدقه وتأويله إن صح لأن مذهبنا تسليم ما قصر عنه علمنا، وأما حملة العرش الملائكة خلقوا لذلك فيوصف من أقدارها وأجسامها ما الله به عليم قالوا وهم اليوم أربعة وجه أحدهم على صورة وجه النسر والثاني كوجه الأسد والثالث كوجه الثور والرابع كوجه الرجل فإذا كان يوم القيمة ضمت إليهم أربعة أخرى بقول الله سبحانه وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ 69: 17 وفي رواية ابى إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشد قول أميّة بن ابى الصلت [كامل]
(1/167)

حبس السرافيل الصوافي تحته ... لا واهن منهم ولا مستوغد
رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال عليه السلم صدق هكذا الرواية والله أعلم بصدقها وقد يستدرج أهل الزيغ الأغمار من الأحداث بالأول والثاني والثالث والرابع يعنون بالأول القلم وهو عندهم العقل وبالثاني اللوح وهو عندهم النفس وبالثالث العرش وهو عندهم الفلك المستقيم والضابط للأفلاك وبالرابع الكرسي وهو فلك البروج عند بعضهم لأن المنجمين مختلفون في هذا التقسيم والملائكة الّذين هم حملة العرش الأركان الأربع وهذه الأشياء عندهم لم يزل ولا يزال فكيف يصح الخبر عنها بالأول والثاني والثالث لأن كلها أوائل عندهم كما يزعمون وما الفرق بينهم وبين من عارضهم من المشبهة بأن العرش ممهد والكرسي مستقر القدمين مع وفاق ظاهر اللفظ لتأويلهم لبعده عن تأويل الزائغين لأنا لم نجد شيئاً في كتب المنجمين وأهل الطبائع بأنهم سموا العقل قلماً والنفس لوحاً والفلك عرشاً يعرفونها بأسمائها المشهورة عند سامعيها ونعوذ باللَّه من الخذلان والحرمان وسوء الاختيار والعجز عن إتباع الحق،
(1/168)

في ذكر الملائكة وما قيل في صفاتها،
روى المسلمون أن الملائكة خلقت من نور وذكر ابن إسحاق أن أهل الكتاب يزعمون أن الله خلق الملائكة من نار والنار والنور واحد في معنى اللطافة والضوء ويمكن التوفيق بين الخبرين بأن ملائكة الرحمة خلقوا من نور وملائكة العذاب خلقوا من نار ولا نعلم أحداً ممن يدين الله بدين إلا وهو مقر بالملائكة وإن كانوا مختلفين في قدمها وحدوثها وهيئاتها فمنه قول أمية بن أبي الصلت [كامل]
يتنابه المتنصفون بسجرة ... في ألف ألف من ملائك [1] يحشد
[32] رسل يجوبون السماء بأمره ... لا ينظرون ثواء من يتقصد
فهم كأوب الريح بينا أدبرت ... رجعت بوادي وجهها لا تكرد
حذّ مناكبهم على أكتافهم ... زف يزف بهم إذا ما استنجدوا
وإذا تلاميذ الإله تعاونوا ... غلبوا ونشطهم جناح معتد
نهضوا بأجنحة فلم يتواكلوا ... لا مبطئ منهم ولا مستوغد
واختلف المسلمون في عدم البصر والحواس لهم فمن قائل أنّ
__________
[1] . ملائكة Ms.
(1/169)

البصر يفقدهم [1] للطافة أجسامهم وأجزائهم لا لون لها البصر لا يدرك إلاّ ذا لونٍ وكذلك قالوا أليس نحسّ بها وهي معنا حَفَظة علينا والهواء أغلظ وأكثف من الملائكة فإذا كنّا لا نُحِسّ به حادثاً من حركة واضطراب فكيف بالروحانيّين الذين هم ألطف وألطف وقالوا فيما ناقضهم المخالفون به من صفة الله إيّاهم في كتابه بالغلظة والشدّة فقال مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ 66: 6 وما جاء من عظيم صفاتهم وعُظم أجسامهم وإن الملك كان يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى آله في صورة الرجل وكذلك سائر الأنبياء أنه غير منكر أن يُحدث الله تعالى في الملك شيئاً ومعنىً يُرى ويُشاهَدُ إذا أراد ذلك كما يحدث في الجوّ فيتركّب وينعقد غمامٌ من أجزاء الهباء لا يدركها البصر ثم ينحلّ ويتفرّق حتى لا يُرى كما كان أوّلاً وكذلك حال الجنّة والشياطين وسائر الروحانيّين من الخلق وأيضاً فإنّ الملك سُمّى هذا الاسم لدُؤُوبه في الطاعة وانقياده لِما يُراد منه تخصيصاً وتفضيلاً فغير بعيد أن يكون الملائكة أصنافاً روحانيًّا وجسمانيًّا ونامياً وجامداً وقد جاء في بعض الأخبار أنّ
__________
[1] . تقدهم Ms.
(1/170)

الرعد مَلَك والنار ملك والملائكة يسجدون جنودُ الله ورُسُلُه وسفراؤه وأولياؤه بقول الله عزّ وجلّ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 48: 4 وقيل الجراد جند من جنود الله والنمل جند من جنود الله ألا ترى أنّه لمّا بلغ معاوية أنّ الاشتر قد أُمّر فسُقي سمًّا في سَوِيق وعَسَل قال ما أبردها على الفؤاد إن للَّه جنودا من عسل وقيل الأرض ملك والسماء ملك حتّى عدد أكثر أجسام العالم واحتجّوا بقول الله عزّ وجلّ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ 41: 11 والقول هو الأوّل فإن كان جائزاً إطلاق اسم الملك على هذه الأشياء فيكون مجازاً لا حقيقةً،
ذكر اختلاف الناس في الملائكة ما هي
أمّا المسلمون وأهل الكتاب فيقولون هم خلق روحانيّون كما ذكرناه آنفاً وكان مشركو العرب يزعمون أنّ الملائكة بنات الله وأنّه صاهر الجنّ فولدت له قال الله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ 6: 100 وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً 43: 19 وقالت الحرّانيّة الملائكة النجوم وهي المدبّرات للعالم وهو أحدث الباطنيّة فزعمت انّها سبعة واثنا عشرة وتأوّلت قوله عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ 74: 30 والخُرَّميّة يُسمّون رُسُلهم الذين يتردّدون فيما بينهم
(1/171)

ملائكة وأمّا المجوس فلا ينكرون الملائكة وأنهم خلق غائب عنهم ويسمّونهم شتاسبندان في ملّتهم الإقرار بهم والتصديق وزعم قوم أنّ الملائكة هي النفوس الصافية وذلك وانّ الإنسان إذا بالغ في الارتياض [33] بمعرفة حقائق الأشياء واجتهد في اقتناء الفضائل واختيار المحامد اتّصل بالعالم العلويّ فصار عند مفارقة الهيكل عقلاً خالصاً ونفساً صافيةً فيسمّونه حينئذٍ المَلَك قالوا وأقصى الدرجات في الأسفل النبوّة وهي تنال بالعلم والعمل وفي الأعلى الملائكة وهي ينالها من نال النبوّة في الأسفل وزعمت فرقة أنّ الملائكة أبعاضٌ من الله وأجزاء وعندهم أنّه تبارك وتعالى شيءٌ بسيط روحانيّ وسمّاهم أُميّة في شعره تلاميذ الله وأعوانه مع مقالات كثيرة متباينة وليس هذا الباب ممّا يدرك بالعقل ولكنّه يُعرَف فإذا كان هذا سبيله فلا معنى لردّ ما سبيله الخبر إلى غير الخبر،
ذكر صفات الملائكة
روى ابن اسحاق الواقديّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلّم قال أَلاَ أُحدّثكُم عن مَلَكٍ من ملائكة الله أذن لي ربّي في الحديث عنه قالوا بِلى يا رسول
(1/172)

الله قال إنّ للَّه ملكاً قد نفذ بقدمه الأرض السُفلى ثمّ خرج من هواء ما بين ذلك حتّى أنّ هامته لتحت العرش والذي نفس محمّد بيده لو سُخّرت الطير فيما بين عُنُقه إلى شحمة أُذنه لحففت فيه سبعمائة عام قبل أن يقطعه وروى ابن جُريح عن عكرمة عن ابن عبّاس رضى الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لجبرئيل إنّي أُحبّ أن أراك في صورتك الّتي تكون عليها في السماء قال لا تقوى على ذلك قال بلى قال فأين تُحب أن أتخيّل لك قال في الأبطح قال لا يَسعُني قال بعرفات قال ذلك بالحَرَى فواعده [1] ذلك وخرج النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم للوقت فإذا هو بجبرئيل قد اقبل من جبال عرفات وقد ملأ بين المشرق والمغرب وسدّ الخافقين رأْسُه في السماء ورجلاه في الأرض وله كذا ألف جناح ينتثر منها التهاويل فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه وسلم خرّ مغشيًّا عليه فتحوّل جبرئيل عن صورته إلى صورة التي كان يأتيه فيها وهي صورة دحية الكلبيّ وهو ابن خليفة بن فروة الكلّبي فضمّه إلى صدره فلمّا أفاق قال ما ظننتُ أن للَّه تعالى خلقا يشبهك قال يا
__________
[1] . فواعداه Ms.
(1/173)

محمد فكيف لو رأيت اسرافيل رأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة وإن العرش لعلى كاهله وأنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتّى يصير كالصعوة وما يحمل عرش ربّك إلاّ عظمته وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال أنّ للَّه ملكاً البحار كلّها في نقرة إبهامه وعن كعب الأحبار أنه قال أن للَّه ملكا السموات على منكبه يدور بها كما تدور الرحا وعن ابن مسعود رضي الله عنه في صفة ملائكة العذاب قال ما منهم ملك إلاّ ولو أمره الله أن يلتقم السموات والأرض وما فيهما من شيء لهان ذلك عليه لما عظّم الله من أجسامهم وقد جاء في صفة ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وصفة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وغير هؤلاء [1] من الملائكة ما يعتقد المؤمن الإيمان به والتسليم له وجاء في صفة حملة العرش أنّهم ملائكة قدرُ قَدَم أحدهم مسيرة سبعة ألف سنة ولهم قرون كقرون الوعول وقيل العرش على كواهلهم وقيل على مناكبهم ناشية في العرش والله أعلم وأحكم، وروى أبو حُذيفة عن مقاتل عن عطاء أنّ الله يبعث
__________
[1] . هاولآء Ms.
(1/174)

جبرئيل كلّ يوم إلى جنة العدن فيغمس بجناحيه في نهرها ثمّ يجيء فينفُضها [33] فيسقط من كلّ جناح سبعون ألف قطرة يخلق الله من كلّ قطرة ملكاً قال وما يُقطر من السماء إلى الأرض قطرة إلاّ ومعها مَلَكٌ ينزل إلى الأرض ثم لا يعود إليها قال وما في السموات موضعُ شبرٍ إلاّ وفيه مَلَك قائم أو ساجد أو راكع لم يرفع رأسه منذ خُلِقَ فإذا كان يوم القيامة رفع رأسه فيقول سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك قال وللَّه ملك موكّل بالبحار فإذا وضع قدمه في البحر مدّ وإذا رفعها جزر قال والملائكة أربعة جبرئيل ملك الرسالة واسرافيل ملك الصُور وعزرائيل ملك الموت وميكائيل ملك الرزق ورُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال الرعد ملك موكّل بالسحاب يسوقه من بلد إلى بلد معه كذا من حديد كلّما خالفت سحابة صاح بها والبرق مصعه السحاب به وروى ابن الأنباريّ في كتاب الزاهر أنّ السحاب ملك يتكلّم بأحسن الكلام ويبكى ويضحك والرعد كلامه والبرق ضحكه والمطر بكاؤه وعن كعب لولا أنّ الله وكّل بطعامكم وشرابكم في نومكم ويقظتكم مَن يذبّ عنكم ليحفظكم بقول الله تعالى لَهُ مُعَقِّباتٌ
(1/175)

من بَيْنِ يَدَيْهِ وَمن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ من أَمْرِ [الله] 13: 11 وروى هشام ابن عمّار بن عبد الرحيم بن مطرف عن سعيد بن سلمة عن ابان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنّ للَّه ملكاً له ألف رأس في كلّ رأس ألف وجه في كلّ وجه ألف فم في كلّ فم ألف لسان يُسبّح الله ويُقدسّه كلُّ لسان بألف لغة من التسبيح فهذا وما أشبهه موقوف على صحّة الخبر وصدق الراوي إذ ليس يمتنع عن البارئ سبحانه وتعالى شيء وما عسى أن يقوله قائل وهو مُصَدق بابتداع الله أعيان هذا العالم لا من عين سابقة فمن لم يعجز عن هذا فليس عن اعجب منه بعاجز وإذا كانت أحوال الملائكة كما وصفنا من إطلاق اسم الملائكة على الجماد والموات فغير بديع ما حُكى عنهم وقد قيل الريح ملك وقيل من نَفَسِ مَلَك وأَذْكُرُ أنّي حاجنّي رجل من البهافريديّة [1] وهم صنف من المجوس أطلبهم للخير وآلفهم عن الأذى في دفننا موتانا ما تعنينا بذلك فقال أنّ الأرض مَلَكٌ وانتم تلقمونه الموتى فكيف تستحسنون ذلك وقد يرى بعض الناس انّ الشياطين كلّ
__________
[1] . البهاقردية Ms.
(1/176)

شرّير داعر [1] والملك كلّ خير فاضل ومذهب الدنانير ما حكيناه ووصفناه،
القول في الملائكة أمكلّفون أم مجبورون وهم أفضل أم صالحو المسلمين
قال قوم هم مضطرّون إلى أفعالهم مجبورون عليها وروي عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ 21: 20 أن التسبيح لهم بمنزلة النفس لنا وقال آخر هم مكلّفون مجبورون لأنّ الله تعالى يقول وَمن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ من دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ 21: 29 ولا يصحّ الوعيد على غير المقدور عليه وقد قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ 2: 30 فدلّ هذا القول منهم على اختيارهم وقال لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ 66: 6 ولو لم يكونوا قادرين على المعصية لما كان يمدحهم بترك المعصية ومعنى قوله يسبحون الليل والنهار لا يفترون مدح لهم على المواظبة على الطاعة أو لا يقطعهم عنها ما يقطع الناس من الحوائج والأشغال وقول ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ
__________
[1] . كذا في الأصل Ms.marg.
(1/177)

التسبيح سهل عليهم كالنفس [34] في سرعة المؤاتاة والمطاوعة ويجوز أن يكون من تسبيحهم ما هو اضطرار ومنه ما هو اختيار فإن قيل إذا كانت الطاعة منهم باختيار فهل لهم على ذلك من ثواب فمن قائل أن ثوابهم تقريب المنزلة ورفع الدرجة وآخر أنه زيادة القوّة على الطاعة وتجديد الجِدّ والنشاط في العبادة وآخر أنه اخدامهم أهل الجنّة وليس الثواب كلّه المطعمُ والمشربُ لأنهم ليسوا بذوي أجسام مجوّفة فيُلجئهم الحاجة إلى ما يحتاج إليه ذوو الأجسام المجوّفة وقد قيل أنّ ثوابهم أن يستجيب دعاؤهم في الموحّدين وذلك قوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ به 40: 7 ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شيءٍ رحمة وعلما الآية فطاعتهم مذخلقوا ان يستجاب في الموحّدين ولهم مسألة وتضرّع وطاعتهم بعد ذلك بشكر وبعرف [1] واختلفوا في الملائكة وصالحي المؤمنين أيّهم أفضل فذهب كثير من المسلمين إلى تفضيل الملائكة واحتجّوا بقوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ 6: 50
__________
[1] . كذا في الأصل Indicationmarg.
(1/178)

وقوله تعالى فيما يحكى عن الشيطان ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا من الْخالِدِينَ 7: 20 وقول صواحب يوسف ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ 12: 31 وقوله تعالى لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ 66: 6 وقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ 21: 20 وقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ من الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا 17: 70 فلمّا لم يقُلْ على من خلقنا علمنا أن هاهنا من هو أفضل منهم قالوا وهل يستوي حال من لا يُعصى قطّ وحال من لا يتعرّى عن معصيته وكيف بفضيلة عمل مَنْ أقصى عُمره مائة سنة وفضيلة مَنْ عُمره الأبد وذهب إلى أنّ صالحي المؤمنين أفضل لمكابدتهم مشقّة الطاعة مع منازعة الشهوة وممانعة الشيطان والعمل بالغيب خوفاً وطمعاً وإنّى يقع طاعة من أُصْفِي عن شوائب الهوى وأُخْلص من مزاحمة [1] الشهوة وأُمِدّ بظلّ العصمة وحُرسَ من الوساوس من طاعة مجبول على الهوى مطبوع على الشهوات موكّل به أعداء من نفسه وجنسه وشيطانه وانّما يستحقّ
__________
[1] . مزاج Corr.marg.
(1/179)

العمل تمام الفضيلة باحتمال الكدّ والعناء والمشقّة فيه قالوا وليس ينكر [1] أن الملائكة أفضل من الناس ومن كثير من أهل الإسلام حتّى تكرمنا [2] ما تلاه خصمنا من الآيات وإنّما تفضيلنا فاضلي المؤمنين وصالحيهم وقد أسجدهم الله لصفيّه آدم عم فهلاّ كان ذلك على سَبْقه بالفضيلة وقال جلّ وعزّ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ الله هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ 66: 4 فقدّم صالحي المؤمنين بالذكر لفضيلتهم على كثير من الملائكة وليس في وجوب الإيمان بهم أكثر فضيلة من وجوب الإيمان بالمؤمنين قال الله عزّ وجلّ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ 9: 61 ثم هم مع ذلك خَوَلٌ لبني آدم وحفظة عليهم وقد رُوي في الحديث أنّ الملائكة سألوا الجنّة فقال الله سبحانه لا أجعل صالح من خلقتُ بيديّ كمن قلتُ له كن فكان ورُوينا عن كعب أنّه قال ركب الله في الملائكة العقل بلا شهوة وفي البهائم الشهوة بلا عقل وفي ابن آدم كليهما فمن غلب عقله
__________
[1] . [؟] نكرMs.
[2] . [؟] كرمنا Ms.
(1/180)

شهوتَه فهو خير [34] من الملائكة ومن غلب شهوتُه عقلَه فهو شرٌّ من البهائم واحتجّ بعضُ المتأخّرين بقول شاعر يمدح ابن موسى الرضا ويقال هي لأبى نواس [خفيف] قيل لي أنت أوحد النّاس في كلّ مقالٍ من الكلام النَبيهِ
لك من جيدَ الكلام نظامٌ ... يُجتَنَى الدُرُّ من يَدَي مُجْتَنِيهِ
فلماذا تركتَ مَدْحَ ابن موسى ... والخصالَ الّتي يجمعْنَ فيهِ
قُلْتُ لا أَهتدي لمدح إمامٍ ... كان جبرئيل خادماً لأبيهِ
ذكر ما جاء في الحجب
أعلم أنّ الحجاب لا يوجب حدًّا على الإرسال لأنّ الله محجوب عن خلقه ولا يطلق القول بأنه محدود لأنّ الحجاب يحتمل وجوهاً من المعاني وروى وهب بن أبي سلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات فقال نَعَمْ بينَه وبين الملائكة الذين هم حملة العرش سبعون حجاباً من نور وسبعون حجاباً من نار وسبعون حجاباً من ظلمة حتّى عدّ خمسة عشر وفي حديث المعراج فانتهيتُ إلى بحر من بحر أخضر فنودي ان ارج محمّدا في النور رجا وذكر عدّة بحار من أنوار ومن المسلمين من يستعظم
(1/181)

القول بالحجاب كيف وقد روى حمّاد بن سلمة عن عمران الحرّاني عن زُرارة بن أوفي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبرئيل هل رأيتَ ربّك قال يا محمّد بيني وبينه سبعون حجاباً من نور لو دَنَوتُ من أدناها لاحترقتُ وفي حديث أبي موسى الأشعريّ لو انكشفت سُبُحاتُ وجهه لاحترق ما عليها من شيء ويسير هذا كلّه ما روي عن الحسن أنه قال ليس شيء أقرب إلى الله تعالى من اسرافيل وبينه وبين ربّ العزّة سَبْع حجب من حجاب العزّة وحجاب الجبروت والعظمة وليست ممّا يوجب الحد في الاحتجاب لأنّها ليست بأجسام حاملةٍ بين الحاجب والمحجوب ولكنّه يمتثل في بُعد وقوع الحواسّ وقطع الأطماع في الإحاطة به والاختصاص بالعظمة والسلطان دون خلقه ومثل هذا أبلغ عند العبّاد وتعظيم البارئ وتفخيم قدره للرغبة إليه والرهبة منه إذ أكثرهم يرون ما لا يُدركه حواسّهم ولا يتصوّر في أوهامهم بإطلاق لا شيء ويدلّ على هذا التأويل ما روى في الخبر العظمة إزارى والكبرياء ركابي [1] فمن نازعنيهما أَلقَيْتُه في النار ولا أبالى فهل
__________
[1] . ردائي Ms.enmarge
(1/182)

يعرض لسامع شك في أنّ العظمة لا يتّزر بها والكبرياء لا يتردّى بها ولكنّ الوجه ما ذهبنا إليه والله اعلم، وصفة الحجب موجودة في أشعارهم قال بعضهم [طويل]
لك الحمدُ والنعماءُ والشكرُ رَبَّنَا ... فلا شيء أَعْلَى مِنْكَ حَدًّا وأَمْجَدُ
مليكٌ على عرش السماء مُهيمِنٌ ... لِعزَته تَعْنُوا الوجوهُ وتسجُدُ
فلا بَشَرٌ يسمو إليه بطَرْفه ... ودُونَ حجاب النور خَلْقٌ مُؤَيَّدُ
ذكر ما جاء في سدرة المنتهى
وهي مذكورة في كتاب الله عزّ وجلّ روى أنها على هيئة شجرة [35] يمرّ الراكب في ظلّ فَنَنٍ منها [1] سنة قبل أن يقطعها ثمرها كالقلال وورقها كآذان الفيلة يأوي إليها أرواح الشُهداء والصِدِّيقين في صورة فراش من ذهب بقول الله عزّ وجلّ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى 53: 14- 16 وقد ذكرها حَسّانُ في شعره
مقام لدى سدرة المنتهى ... لأحمد لا شكّ للمرتضى
__________
[1] . كذا في الأصل Lacune ;notemarginale
(1/183)

وقوله تعالى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى 53: 15 يرُدُّ قول من يزعم أنّ السدرة الشجرة التي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم [تحتها بحراء إذ نزل عليه جبرئيل بالوحي اللَّهمّ ألا أن يشبهه بقوله] [1] إِنّ منبري هذا [نزعة] [2] من نزع الجنّة وقوله عم بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة فيكون مذهبا وكذلك قوله عم الجنّة تحت ظلال السيوف غير أنّ الأخذ بالظاهر على القول الأوّل أعرف وأشهر والأخبار به أكثر قالوا وإنّما سُميّت سدرة المنتهى لأنّها منتهى علم العلماء فلا يعلم أحدٌ من الملائكة والأنبياء ما وراءها إلاّ الله وحده وسمعتُ بعض القرامطة يتأوّلها نعلهم [3] بحرّاء محمّد صلى الله عليه وسلم ما علمه وأفشاه السرّ إليه لما رأى فيه من الامارات وتوسّمه فيه فضّ الله أفواههم وخيّب آمالهم،
ذكر الجنّة والنار
لا أعلم أحداً من أهل الأديان يُنكر الجزاء من الثواب والعقاب وإن اختلفوا في صفته واسمه ومكانه ووقته لأنّ في إبطال الجزاء إبطال الأمر والنهي والوعد والوعيد وإجازة إهمال الخلق وارسالهم ويؤدّى ذلك
__________
dditionmarginale. [1]
Lacune. [2]
[3] . كذا في الأصل Notemarginale
(1/184)

إلى تسفيه الصانع وتجهيله أو الإلحاد والتعطيل وهذه المسألة مُعَلّقة بأصل التوحيد وذلك أنّه لمّا قامت الدلالة على إثبات البارئ جلّ وعزّ وقدرته وحكمته لم يجز أنْ يكون شيء من أفعاله غير حكمة وصواب فعلمنا أنّ الحكيم لم يخلق هذا الخلق عبثاً ولا لعباً ولا سهواً ولم يأمرهم ولم ينهّهم إلاّ للثواب الذي عرضهم له والعقاب الذي حذّرهم وحاشى للَّه سبحانه وتعالى على أن نظنّ به غير الحقّ فالجزاء يوجبه مُوجب التوحيد وحجّته حجته ثم لطباق أكثر أهل الأرض على الإقرار به من أعظم الحجج إذا كانت العارضة يكشفها حجّة العقل واجتماع الخلق فأيّ عذر بعدها لمتخلّف عنها أو مائل إلى ضدّها وإن أحسّ من نفسه بنفرة فأَولى به أن يَتهم عقله دون عقل المؤمنين والأمم والأجيال فإمّا القول في أينيّة الجزاء وماهيّته أجنّة ونار [أم] غيرهما فشيء يتبع فيه الأخيار ولو شاء الله يجزئ بغيرهما كما شاء ولكن المعلوم من الثواب النعمة والاغتباط والمعلوم من العقاب المكروه والنكال ولا نعمة أعظم من دوام البقاء ولا عقوبة أبلغ من النار التي هي آكلة الأضداد
(1/185)

ذكر اختلاف الناس في الجنّة والنار
قرأتُ في شرائع الحرّانيّة أنّ البارئ عزّ وجلّ وعد من أطاع نعيماً لا يزول وأوعد من عصى العذاب بقدر استحقاقه وهذا ناموس أكثر القدماء ومنهم من يزعم أن النفس الشرّيرة الّتي عاثت في هذا العالم وأفسدت وآذت إذا فارقت هيكلها حُبست في الأثير وهي نار في أعلى علو العالم والنفس الخيّرة التي استفادت الفضائل تعود إلى عنصرها الأزليّ ومنهم من زعم أنّ الفاضل يعلو في العُلو والراذل يتسافل فيبقى في الظلمة والخمود وقد قال أرسطاطاليس [35] أن العُلُو الأعلى محلّ الخلود وإنّ السفل [1] الأسفل محلّ الموت وعامّة أهل الهند يُقرّون بالجزاء والذين يهلكون أنفسهم بأنواع العذاب من القتل والحرق والغرق يزعمون أن جواري الجنّة يختطَفْنَهُ قبل زهوق نفسه وإنّما أثبتُ هذا لأُبَيّن لك إقرارهم بالجنة في كفرهم وجهلهم وأهل الكتاب مجمعون على الإقرار به لأن ذكر الجنة والنار في غير موضع من كتابهم إلا أنهم مختلفون في صفاتها بالجنة فتسمى بالعبرانية برديسا وبالعبريّة كنعاذن ويزعم طائفة
__________
,estdonneeenmarge. [1] سفل Ms.
(1/186)

من اليهود أنه إذا كان يوم القيمة أظهرت جهنم من وادي [1] وأحرثت ناراً في الوادي ونصب عليه جسر وأظهرت الجنة من ناحية بيت المقدس وأمر الخلق أن يسيروا عليه فمن كان منهم برئاً جرى مثل الريح ومن كان منهم آثماً تهافت في النار وزعمت فرقة منهم أن الجنة والنار يفنيان وذلك بعد ألف سنة من وقت أن صار الناس إليهما ثم يصير أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً وزعم آخرون أنهما لا يفنيان أبداً وأما المتناسخة وأنهم يرون الجزاء في النسخ والمسخ ويزعمون أن من استمر على طبع من طباع السباع والبهائم حول إلى صورته عقوبة له ومن تعاطى الحق وكف عن الأذى وتجمّل بالجميل حول في صورة ملك أو قائد أو رئيس وهذا مذهب كثير من القدماء، ومن المعطلة من لا ينكر الجزاء في الدنيا بالفقر والفاقة والآلام والأحزان ما ارتكبه من قبيح والسعة في الدنيا والراحة والفرح واللذة جزاء ما عمله من جميل ويزعم السمنية من الهنود أن من كان قليل الخير
__________
[1] كذا في الأصل.emplaceedansIems.setnotemarginale
(1/187)

يصير كاسف البال رث الهيئة يأتي لأبواب فلا يتصدّق عليه ومن كان كثير الخير يصير ملكاً عظيماً عزيزاً فمن أطعم الطعام أصاب القوة لأن البدن تقوى بالطعام ومن كسا الثياب أصاب الجمال ومن أوقد في الظلم أصاب حسن العيش لأن الصباح يطرد الظلمات،
ذكر اختلاف المسلمين في الجنة والنار
اعلم أنهم فيها على ثلث فرق فزعمت المعتزلة إلا أبا الهذيل وبشر بن المعتمر أنهما لم يخلقا بعد وأنهما يخلقان يوم القيامة وأجاز النجار أن يكونا خلقتا وأن لم يخلقا بعد وأنهما يخلقان يوم القيامة وقال سائر المسلمين أنهما مخلوقتان مفروغ منهما واحتجوا بأي من القرآن وأحاديث من السنة فمنها قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ 36: 26 وقوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 3: 169 وقوله تعالى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ 3: 133 فهل يجوز أن يعد غير مخلوق وجاء في الحديث أن الله خلق الجنة كذا وكذا بصفات مضبوطة في الكتب وقال وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ 3: 131 وقال النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا 40: 46 وقال وَيا آدَمُ اسْكُنْ
(1/188)

أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 7: 19 وقال مخالفوهم أن الجنة والنار ثواب وعقاب والثواب والعقاب لا يستحقان إلا بعد وجود الأعمال الموجبة لهما قالوا ولو كانت الجنة مخلوقة فأين مكانها وهي لا تسعها السموات والأرض لقوله عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ 3: 133 وتأولوا كل ما في القرآن والسنة من ذكرهما على العدة المنتظرة وقد قال الله عز وجل إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ 82: 13- 14 فأخبر عنهم وليسوا في الوقت قالوا وغير ممتنع على الله تعالى أن يخلق كل يوم جناناً ويفنيها أو يبقيها [1] [36] كما يشاء وأن ينعم أرواح المطيعين في جنة يخلقها لهم أو في غير جنة ويعذب أرواح الظالمين في نار أو في غير نار وقالوا وقد سبقت عدته في إفناء ما خلق وثوابه وعقابه غير فانيين أبداً فإن كانا موجودين فلا بدّ من فنائهما وذلك خلاف وعده لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ 18: 27 قال خصماؤهم ليست الجنة والنار ثواباً ولا عقاباً إنما هما مقر الثواب والعقاب فيهما يثاب ويعاقب والاستثناء قد تناولهما من الفناء والهلاك لقوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ 11: 107 ولحكمه عليها بالسرمديّة
__________
[1] . يفنها Ms.
(1/189)

والأبدية وكما أنه وعد أن يفنى الخلق فكذلك وعد أن لا يفنيهما ثم اختلف هؤلاء في مكان الجنة فقال بعضهم هي في الآخرة والآخرة مخلوقة وقال بعضهم بل هي في عالم لها وللَّه عوالم الخلق ما يشاء وقال بعضهم بل هي في السماء السابعة سقفها عرش الرحمن وروى خبراً وزعم بعضهم أنها مخلوقة ولا يدري أين هي وليس بعجب أن يمسكها الله في مكان كما أمسك العالم لا في مكان قالوا والنار تحت الأرض السابعة السفلي وروى فيه خبراً
ذكر صفة الجنة والنار
أجمع ما في القرآن لوصفها قوله تعالى وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ 43: 71 وأجمع خبر فيها خبر أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وبله ما اطلعتم عليه قال أبو هريرة رضي الله عنه ومصداق هذا في كتاب الله عز وجل فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ 32: 17 ورواه حمزة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن محمّد بن
(1/190)

الخفيّة [1] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثوا عن الجنة بما شئتم فلن تحدثوا عنها بشيء إلا وهي أشد منه فمن هاهنا استجاز من استجاز صفة الجنة والنار بما لم يأت في الرواية لأن الواصف وإن أفرط في الوصف لم يعد مدى خاطر همته وغاية معرفته لا بلغ كنه ما فيها ولا بعضه لأن نعم الله ونقمه فوق ما يحصيه المحصون إذ لا غاية لها ولا نهاية أبداً وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الجنة فقال جرد مرد مكحلون من أبناء ثلث وثلاثين سنة هذا من طريق حماد بن سلمة عن علي بن مريد عن المسيب عن أبي هريرة وفي رواية أخرى من أبناء ثلث وثلاثين سنة على سن عيسى وصورة يوسف وقلب إبراهيم وطول آدم وصوت داود ولسان محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين وقال أبو هريرة إن أهل الجنة ليزدادون جمالاً وحسناً كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرماً وأنكر قوم من أهل الكتاب الأكل والوطىء في الجنة وذلك أن منهم من لا يرى البعث إلا للأرواح فكذبهم الله في القرآن بذكر الطعام الحواري التي وصفها في الجنة وروى [2] عن النبيّ ضلعم
__________
[1] . الحنفيّهMs.
[2] . ورو Ms.
(1/191)

لما يذكر الجنّة قال إن الرجل منهم يعطي قوة ألف رجل في الطعام والجماع قالوا وكيف المس يا رسول الله قال دحماً دحماً إذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع فقال يهود من أكل يغوط فقال النبي صلى الله عليه وسلم [36] ولا يتغوطون وانّما هو عرق يفيض من أعراضهم مثل المسك فتضمر له بطونهم وسئل عن النوم فقال صلى الله عليه وسلم النوم أخو الموت وأهل الجنة لا يموتون وسئل عن الولد قال فتنة وروى أنه قال لو أرادوا لكان حمله ووضعه ونشوه في ساعة واحدة وسئل عن المرأة التي يكون [1] لها زوجان لمن تكون في الجنة ففي رواية حذيفة أنه قال تكون لآخر زوجيها ولما خطب معاوية أمّ الدرداء قالت لست أبغي بأبي الدرداء بديلاً سمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة لآخر زوجيها ولذلك حرم أزواج النبي صلى الله عليه من بعده ليكن أزواجه في الجنة وروى عن الحسن أنه قال تخير المرأة فتختار أحسنهما خلقاً وسئل ضمرة بن حبيب أيدخل الجنة فقال نعم واستدل بقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ 55: 56
__________
[1] . تكون Ms.
(1/192)

فللأنس أنسيات وللجن جنيات وسئل أبو العالية عن أوقات الجنة قال كمثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لا شمس فيها ولا قمر ولا ليل ولا نهار وهم في نور أبداً وإنما يعرفون مقادير الليل والنهار بإرخاء الحجب وفتح الأبواب وسئل الحسن عن الحور العين فقال عجائزكم هؤلاء العمش الرمص وتلا إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً 56: 35- 36 الآية فقال ويعطون أزواجا غيرهنّ من الحور العين وفي حديث ابن المبارك عن رشيد بن سعد عن ابن أنعم أن من دخل من نساء أهل الدنيا الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في دار الدنيا وهذه الأخبار أتينا بها لشهرتها عند عوام الأمة واستغنائها عن الأسانيد وسئل عن قوله عز وجل وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ 43: 71 فلو اشتهت ما يستقبحه العقول كالقتل والغضب [1] والظلم ونكاح الأخوات والبنات فأجابهم المسلمون بأن هذا وما أشبهه مما لا يشتهون في الجنة لأنها ليس فيها كما لا يشتهون الموت والمرض والذل والفاقة لأنها ليست فيها فتحبس طباعهم عن التشوق إلى ما يستقبح في العقول وينسون
__________
[1] . العضب Ms.
(1/193)

ذكرها واعلم هداك الله أن كل ما وصف به من ذهبها وفضتها وجواهرها وطيبها وطعامها وسائر ما وصف منها كلها على الحقيقة في الأسماء الكثيفة كما خلقت جواهر الأرض وثمارها بقول الله عز وجل وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ 29: 64 وروى عن ابن عباس رضي الله عنه عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الجنة فقال نور يتلألأ وحدثنا الحسن بن هشام العبسي عن وكيع عن الأعمش عن ابن عباس رضي الله عنه قال ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء،
ذكر صفة النار وأهلها
أجمع أية في وصف النار قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عَذابِها 35: 36 وأجمع خبر فيها خبر محمد بن الحنفية وإن كان مرسلاً حدثوا عن النار بما شئتم فلن تحدثوا عنها بشيء إلا وهي أشد منه والذي يوجب القياس الشديد أن يكون كلّ ما وصف به النار من أغلالها وإنكالها وحياتها وعقاربها وأوديتها ومقامعها وسائر ما ذكر في القرآن والأخبار خلاف ما هو في الدنيا كما قلنا في صفة الجنة وأن يكون الجمع بينهما من جهة الاسم
(1/194)

لا من جهة المعنى لأن النار دار خلود كما أن الجنة دار خلود [37] وسئل إبراهيم النخعي عن صفة نار جهنم فقال ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولقد ضرب بها البحر مرتين ولولا ذلك لما انتفعتم بها وسئل الحسن عن النار فقال يصير البحر ناراً ثم تلا وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ 81: 6 فقال يفجر بعضها من بعض ثم يرسل عليها من الجنوب ريحاً ويسلط عليها الشمس حتى يسجرها فتصير [1] ناراً فجعلها الله محبساً لأهل المعاصي وزعم قوم أن النار مخلوقة اليوم وأنها تحت تخوم الأرضين السفلى والبحار هي الحاجزة عن الخلق وأن حرارة الشمس وحمى الصيف مؤخرها [2] ورووا أن النار اشتكت فقالت أكل بعضي بعضاً فأذن لها في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء وأراك أشد ما يكون في الحر والبرد وفي الصحاح من الحديث ابردوا بالظهر فإن في شدة الحر من فيح جهنم واستعظم قوم بقاء ذي روح في النار وذلك لقصور علمهم لأن النار ضروب كالأثير الّذي يزعمون في علو الهواء
__________
[1] . فيصيرMs.
[2] . موحّرها Ms.
(1/195)

وكالنار الكامنة في الحجر والشجر وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه فيما رووا فقال النيران أربع نار تأكل وتشرب وهي ناركم هذه ونار لا تأكل ولا تشرب وهي النار في الحجر ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر ونار تأكل ولا تشرب وهي نار جهنم تأكل لحومهم ولا تشرب دماءهم فلذلك يبقى أرواحهم فأخبر أن نار جهنم خلاف النيران التي ذكرها بقول الله بعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها 4: 56 فأخبر سبحانه أنه يبدل لهم الجلود لتبقى لهم الأرواح لا تأتي عليهم النار فيفنيهم وقد أرانا الله من قدرته فيما ركب عليه طباع بعض الحيوانات ما دلنا به على جواز بقاء ذي روح بالنار كالنعام التي تأكل النار ولا يضرها والطائر الذي يدخل النار فلا تحرقه وما أراه جعل ذلك إلا عبرة فدلنا على جواز بقاء الحياة في أهل النار وإلا فما جاز في طباع الحيوان الاغتذاء بالنار والحديدة المحماة وجاء في صفة أهل النار بالعجيب الفظيع فمن ذلك ما روى أنه سئل أبو هريرة رضى الله عنه عن قوله تعالى وَمن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ 3: 161 وكيف يأتي من غل مائة بعير ومائتي شاة فقال
(1/196)

أرأيت من كان ضرسه مثل الأحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل البيضاء ومجلسه ما بين المدينة إلى الرَّبَذَة وعن الربيع بن أنس قال مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه وأنه ليبكي حتى يصير في وجهه أخاديد من الدمع لو طرح فيها السفن لجرت كذا الرواية والله أعلم، وأعلم أن كل ما يوصف من الجنة والنار فسبيله السمع والخبر وما موجب العقل فالأصل الذي هو الجزاء فلا تشتغل بجواب السائل عن الصفات إذا كان منكراً للأصل حتّى يقرّبه،
ذكر اختلاف الناس في بقاء الجنّة والنار وفنائهما
قرات في شرائع الحرانيين أن للعالم علّة لم يزل وأنه واحد لم يتكثر ولا يلحقه وصف شيء من المعلومات كلف أهل التمييز الإقرار بربوبيّته وبعث الرسل للدلالة وتثبيت الحجّة فوعدوا من أطاع نعيماً لا يزول وأوعدوا من عصى عذابا بقدر استحقاقه ثم ينقطع وقال بعض أوائله أنه يعذب سبعة [37] آلاف دور ثم ينقطع العذاب ويصير إلى رحمة الله تعالى والهند على كثرة اختلافها يجمعها نحلتان السمنية المعطلة والبراهمة الموحّدة
(1/197)

وكلهم مقرون بالجزاء وأن العذاب سينقطع يوماً والسمنية تقول أن الثواب والعقاب موجودان في هذا العالم بالحواس جزاء ما اكتسبته النفوس باقية خالدة فاعلة وفعلها الإيجاد بالأجساد وأنها لا يزال ساكنة الأبدان فإذا فارقت جسداً لم تعد فيه أبداً وأنها تتناسخ على فعالها لا يأتي أمراً إلا على قدر هواها وهمتها فإذا اجترحت السيئات أثرت تلك الأفعال في جوهرها وصار غرضاً لازماً لها فإذا فارقت الجسد ذهبت بذلك التأثير إلى الجنس الذي لا يلايم همتها فتلابسه فيصير بذلك السبب إلى المكروه وهو التناسخ في أجساد الحيوان كله من الهوام والأنعام والآنام والطير في البر والبحر قالوا وأشد ذلك كله إذا حولت في جسد حيوان تحت الأرض حيث لا ماء ولا معمورة ويطول عذابها بالجوع والعطش والحر والبرد ثم تجوء [1] إلى جهنم وعذابها وذلك نهاية العذاب وأخراه ثم يعود من جهنم القهقرى إلى وجه الأرض للعمل قالوا والتي عملت الصالحات والأفعال الفاضلة بالضد مما وصفنا فيلابس الجمال والكمال والصحّة والأمن والقوّة والإنس والنشاط
__________
[1] . تحوّ Ms.
(1/198)

والملك والعز وطيب النفس ويصير آخر ذلك كله إلى الجنة فيمكث فيها بقدر استحقاقها ثم يرجع إلى الدنيا للعمل قالوا والجنة اثنتان وثلاثون مرتبة ويمكث أهلها في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف سنة وثلث وثلاثين ألف سنة وستمائة وعشرين سنة وكل مرتبة أضعاف ما دونها بحساب يطول عدده قالوا والنار اثنتان وثلاثون مرتبة ثم وصفوها بعجائب الصفات من الحريق والزمهرير وزعموا أن من قتل شيئاً من الحيوان دون الناس قتل به مائة مرة ومرة ومن قتل إنساناً قتل به ألف مرة ومرة قالوا وليس عضو من الأعضاء قبح أو سمج خلقته إلا وقد أتى صاحبة بذلك العضو داهية من الدواهي هذا أصل التناسخ ومنهم انتشر في سائر الأمم وليس من أمة من الأمم إلا وهي مقرة بالجزاء كما ذكرنا إما التناسخ وإما الذخر في الآخرة وأجمعوا أن العذاب بقدر الاستحقاق ثم ينقطع وزعم كثير من اليهود أنه إذا أتى على الجنة والنار ألف سنة بعد ما صار إليهما أهلهما فنيتا وتعطلتا وصار أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً واحتجوا بقول الأنبياء الاثنى عشر [1]
__________
Ms. [1]
(1/199)

أنه مكتوب في سفر يهوشوع [1] أن الله يقول إن تمسكت أمري وأتممت ميثاقي أعطيتك موضعاً وسط هؤلاء الواقفين قدامي وقال في أهل النار يصيرون رميماً تحت أرجل معاشر أهل الجنة وسمعت رجلاً من يهود عليهم اللغة يزعمون أن منهم من يقول أن العالم ينقضي في كل ستة ألف سنة ويجدد وأن يوم السبت يوم الحساب ومقداره ألف سنة ويوم الأحد يوم الابتداء والله أعلم بما قال وكثير منهم يقول ببقاء الجنة والنار على الأبد ويحتجون بقول شعيا في سفره أن أهل الجنة يخرجون ويرون أجساد الذين عصوني لا يموت أرواحهم ولا تخمد نارهم والمجوس يزعم أن المسيء يجازى بقدر استحقاقه بعد موته [38] بثلاثة أيام كفاء ما فعل سواء لا زيادة ولا نقصان ومنهم من يزعم أن الجنة والنار في الدنيا بأرض الهند مع هوس كبير وتخليط ظاهر،
ذكر اختلاف الناس في هذا الفصل
زعمت طائفة منهم أنه لا بدّ من فناء النار وانقضائها يوماً ما رووا فيه روايات فرووا عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال يأتي على جهنم
__________
[1] . بهرشوع Ms.
(1/200)

زمان تخفق [1] أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما لبثوا أحقاباً وعن الشعبي جهنم أسرع الدارين خراباً وعن عمر رضي الله عنه وأرضاه لو لبث أهل النار في عدد رمل عالج لكان لهم يرجون واحتجوا بأشياء من باب التعديل ولم يختلفوا في بقاء الجنة على الأبد وقالوا آخرون أنهما مؤبدتان دائمتان لا تفنيان ولا تزولان واحتجوا بأنه لم يكن لنعم الله انتهاء وجب أن لا يكون لنقمه انقضاء ورووا عن الأوزاعي أنه ذكر هذه الروايات التي احتج بها الأولون وقال قد كان الناس يرجون لأهل النار الخروج عند قوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ 11: 107 وقوله لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً 78: 23 فلما نزلت في المائدة وهي آخر ما نزل في القرآن يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا من النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ 5: 37 علموا أنها لا تفنى أبداً فإن قيل كيف يجوز على الحكم العدل أن يعاقب على جرم منقض بعقوبة غير منقضية قيل هو الجزاء على السواء وكما أنه لم تقصر مدة عمره على الكفر في دار الدنيا وجب أن لا يقصر عنه العذاب مدة عمره في الآخرة
__________
[1] [؟] حقق Ms
(1/201)

وأيضا فإنّ نعمة ما لم تكن منتهية وجب ان لا يكون نقمة منتهية وقد كانت العرب في جاهليتها تؤمن بالجزاء ومن نظر منهم في الكتب كان مقراً بالجنّة والنار فمنه قول أميّة [وافر]
جهنم تلك لا تبغي بقيا ... وعدن لا يطالعها رجيم [1]
إذا جهنم ثم فارت ... وأعرض عن قوابسها الجحيم
يحب بصندل صمّ صلاب ... كأن الصاحيات لها قضيم [2]
فتسموا ما يعنيها ضواء ... ولا يحبو فيبردها السموم
فهم يطفون كالاقذاء فيها ... لئن [3] لم يغفر الرب الرحيم
بدانية من الآفات نزه ... برآء لا يرى فيه سقيم
سواعدها تحلب لا تصرّى ... بها الأيدي محلّلة تحوم
يغيض حلابها من غير ضرع ... ولا بشم ولا فيها جزوم
فيحرم عنهم ولكل عرق ... عجيج [4] لا أحذ ولا يتيم [5]
فذا عسل وذا لبن وخمر ... وقمح في منابته صريم
ونخل ساقط الأكتاف عد ... خلال أصوله رطب قميم
وتفّاح ورمّان وموز ... وماء بارد عذب سليم
__________
[1] . رحيمMs.
[2] . [؟] ضيمMs.
[3] . لينMs.
[4] . عجMs.
[5] . [؟] ييم Ms.
(1/202)

وفيها لحم شاهدة ونحر [1] ... وما فاهوا لهم فيها مقيم
وحور لا يرين الشمس فيها ... على صور الدمى فيها سهوم
نواعم في الأرائك قاصرات ... فهن عقائل وهم قروم
على سرر ترى متقابلات ... الاثم النضارة والنعيم
عليهم سندس وجناب ريط ... وديباج يرى فيها فيوم
وحلوا من أساور من لجين ... ومن ذهب وعسجدة كريم
ولا لغو ولا تأثيم فيها ... ولا غول ولا فيها مليم
وكأس لا يصدع شاربيها ... يلذ بحسن رويتها النديم
يصفوا [2] في صحاف من لجين ... ومن ذهب مباركة رذوم
إذا بلغوا التي اجروا إليها ... تقبلهم وحلل من يصوم
وخفقت البدور وأردفتهم ... فضول الله وانتهت القسوم
[38] اعلم أن هذه الأشياء ممّا جاءت به الرواية والخبر فمنها ما هو ثواب ومنها ما هو عقاب ومنها ما هو تمييز وتفريق والمسلمون لا يختلفون في أساميها وإنما الخلاف في معانيها فإما الصراط فقد جاء في الحديث أنه ينصب جسر على ظهر
__________
[1] . [؟] حرMs.
[2] . [؟] صفو Ms.
(1/203)

جهنم ويحمل الخلق عليه فمن كان من أهل الجنة جازه ومن كان من أهل النار تهافت فيها وقيل في صفته أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة دحص [1] مزلة وفيه كلاليب وخطاطيف وسعدان مضرسة وحسك مفلطحة مسيرة كذا سنة صعوداً وهكذا هبوطاً وكذا وطأ والناس يجوزونه بقدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح العاصف ومنهم من يمر كالطير الهادي ومنهم من يمر كالجواد المضمر ومنهم من يمر عدواً ومنهم من يمر هرولة ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يزحف زحفاً ومنهم من يحبو حبواً ومنهم من يحتضنه بكشحه وصدره والزالون والزالات [2] كثير وقد أجيب من يزعم أي ظلم أعظم من حمل الناس على ما هذه صورته أنه جعل تمييزاً بين أهل الطاعة وأهل المعصية وعلامة للحق على هلاك من هلك ونجاة من نجا وقد جاء في بعض الأخبار أن أهل الطاعة يجوزونه ولا يشعرون به وقيل ينزوي تحت أقدامهم كما ينزوي الجلدة من النار فإذا استقروا في الجنة قالوا ما بالنا لم نجز الصراط ولم نرد النار التي وعدنا فيقال انكم جزتم الصراط
__________
[1] . دحضMs.
[2] . الرالون والرالات Ms.
(1/204)

في الدنيا بأعمالكم ووردتم النار وهي خامدة ومن هاهنا ذهب من ذهب الى تأويل الصراط وما الزم الإنسان وكلف من مشقة الطاعة ومجاهدة النفس فيما ينزع إليه وعلى هذا فسر بعضهم فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ 90: 11- 13 الآية وأما المعتزلة وأهل النظر فإنهم يذهبون إلى أن الصراط هو الدين الذي أمر الله بلزومه والتمسك به وكان أبو الهذيل من بينهم يجيز ما جاء في الخبر كما جاء ويحتج بما ذكرناه بدئاً وأما الميزان فروى كثير من المسلمين أنه خلق على هيئة الميزان التي يتعاطاه الناس بينهم في معاملاتهم ومبايعاتهم يوزن به أعمال العباد والأعمال عندهم مخلوقة وفي كتاب وهب عن ابن عباس ان له كفّتين وعمودا كلّ كفّة طباق الأرض إحداهما من ظلمة والأخرى من نور وعموده ما بين المشرق والمغرب وهو معلق بالعرش وله لسان وصيح ينادي الأسعد فلان والأشقى فلان فإن صحت الرواية فالمعنى فيه ما ذكرناه في الصراط أنه جعل مميزاً فارقاً وهو قول أبي الهذيل يجوز أن ينصب [1] ميزان يجعل رجحانه علامة لمن نجا وخفّته
__________
[1] . ينضب Ms.
(1/205)

علامة لمن هلك وقالت المعتزلة غيره وكثير من الأمة أن الميزان مثل لتسوية الجزاء وتحقيق العدل وهو قول مجاهد والضحاك الشعبي واحتجوا بقول الناس للرجل الأمين العدل ما هو إلا كالميزان المستقيم ألا ترى إلى ما يرثى به عمر بن عبد العزيز رحمه الله [بسيط]
قد غيب [1] الدافنون الترب إذ دفنوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين
وانشد الفرّاء بيتا [كامل] قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزان [39] ويسمى الحجة ميزاناً والله اعلم واحكم واختلفوا في الموزون فقال قوم يوزن عين الأعمال فتخف السيئة لأنه يأتيها الإنسان بخفة ونشاط وتثقل الحسنة لأنه يأتيها بعناء وكلفة وقالت طائفة بل يوزن صحف الأعمال وهو قول ابن عباس رضي الله عنه ويعضد رواية عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى برجل يوم القيامة ويؤتى بتسعة وتسعين سجلّا
__________
corriged ,aqciteparMasoudi ,prairiesd ,Or ,t.V ,p.445 [1] بن عيب Ms.
(1/206)

كل سجل مد البصر فيها ذنوبه وخطاياه فيوضع في كفة ثم يخرج له قرطاس مثل واشد بطرف سبابته على بعض إبهامه فيه شهادة أن لا إله إلا الله فيوضع في الكفة الأخرى فيرجح به وقال قوم يوزن ثواب الأعمال وذلك أن الله يظهره في صورة ويحدث عند الوزن ثقلاً في الطاعة وخفة في المعصية وكل ما حكى وروى ممكن والله أعلم بالحق وأحكم وأما الأعراف فذكر أنه كسور بين الجنة والنار يوقف عليها قوم إلى أن يقضي الله تعالى بين خلقه مع اختلاف كثير في من يقام عليه ويدل على أنه من الجنة قوله عز وعلا وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا من الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله 7: 50 [1] وفيه يقول أميّة بن ابى الصلت [بسيط]
وآخرون على الأعراف قد طمعوا ... بجنة حفها الرمان والحصر
منهم رجال على الرحمن رزقهم ... مكفر عنهم [2] الأخباث والوزر
وأما الصور فإن الرواة مختلفة فيه فروى أنه كهيئة القرن
__________
[1] . ربكمMs.
[2] . عنه Ms.
(1/207)

يجمع فيه الأرواح ثم ينفخ منه في الأجساد عند البعث وقال قوم يخلق الصور يوم القيامة وتأوّلوا قوله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ 6: 73 قال يقول للسماوات كوني صوراً ينفخ فيه وقال بعضهم الصور جمع الصورة وإن صح الخبر كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وحنا جبهته ينظر متى يؤمر فينفخ لزم التسليم والقول به وأما الحوض جاء في الحديث بروايات مختلفة وقال كثير من أهل التفسير أن الكوثر اسم حوض النبي صلى الله عليه وسلم وروى ما بين جنبي حوضي كما بين صنعاء وايلة وآنيته [1] في عدد نجوم السماء ماءه أحلى من العسل وأبرد من الثلج وأشد بياضاً من اللبن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً وقال قوم في تأويل الحوض أنه عمله ودينه وطريقته والله أعلم،
تمّ الجزء الأوّل
__________
[1] . وانيته Ms.
(1/208)

المجلد الثاني
الفصل السابع في خلق السماء والأرض وما فيها
قد بينا مقالات الأمم في حدث العالم وقدمه وقد ذكرنا آراءهم في المبادي وكشفنا عن عوار كل من خالف الحق ودللنا على أن مأخذ هذا العالم لا يصح إلا من جهة الوحي والنبوة بما لا مزيد عليه في مقدار الشريطة التي نصبناها في كتابنا هذا والله أعلم والموفق والمعين وقد اختلفت الروايات في هذا الباب عن ابن عباس ومجاهد وابن إسحاق والضحاك وكعب ووهب وابن سلام والسندي والكلبي ومقاتل وغيرهم [39] ممّن يتحرى [1] هذا العلم وينحو نحوه فلنذكر الأصح من رواياتهم والأقسط للحقّ
__________
[1] . ل [؟] حرى Ms.
(2/1)

والأشبه بالصواب ونسوق ما يحكيه أهل الكتاب ولا يكذبهم إلا فيما يتيقنه من وفاق كتابنا أو خبر نبينا صلى الله عليه وسلم وروى أبو حذيفة عن رجال أسماءهم أن الله تعالى لما أراد أن يخلق السماء والأرض سلط الريح على الماء حتى خربته فصار موجاً ودهنا ودخأنا فأجمد الزبد فجعله أرضاً وأجمد الموج فجعله جبالاً وأجمد الدخان فجعله سماء وربما يقع تغيير في العبارة لزيادة بيان فليراع الناظر المعنى لا اللفظ وزعم محمد بن إسحاق أن أول ما خلق الله النور والظلمة فجعل الظلمة ليلاً وجعل النور نهاراً ثم سمك السماوات السبع من الدخان دخان الماء حتى استقللن ولم يحبكهن وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها واخرج ضحاها فجرى منها الليل والنهار وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال وقدر فيها الأوقات ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ 41: 11 قال فحبكهن وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها وأوحى في كل سماء أمرها وقريب من هذا ما روى عن عبد الله بن سلام أنه حكى عن التوراة أن خلق البخار [1] الذي خرج من الماء والجبال والأرض من
__________
[1] . البحار Ms.
(2/2)

الأمواج ودحا الأرض من تحت موضع الكعبة عن الكلبي والسندي أن الأرض كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فأشمخ الله جبالها وأرساها بالأوتاد حتى استقرت وتوطدت لقول الله تعالى وَأَلْقى في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ 16: 15 وفي صدر التوراة [1] التي في أيدي أهل الكتاب أن أول ما خلق الله السماء والأرض وكانت الأرض خربة خاوية وكانت الظلمة على الأرض وريح الله تعالى يزف على وجه الماء فقال الله ليكن [2] النور فكان النور فرأى الله حسناً فميزه من الظلمة وسماه نهاراً وسمى [3] الظلمة ليلاً وقال ليكن رفيعاً وسط السماء فليحل [4] بين الماء والسماء [5] فكان سقفاً يميز بين الماء الذي أسفل وبين الماء الذي هو أعلى وسماه سماء وقال الله ليجمع الماء الذي تحت السماء وليكن اليبس فكان كذلك فسمى مجتمع الماء البحار وسمى اليبس الأرض وقال الله ليخرج الأرض الزهر والعشب والشجر ذا
__________
[1] . التوراةMs.
[2] . ليلىMs.
[3] . وسمّىMs.
[4] . فل [؟] حلMs.
[5] . المساء Ms.
(2/3)

الحمل فأخرجت الأرض ذلك ثم قال الله تعالى ليكن نوران في سقف السماء ليميزا بين الليل والنهار وليكونا آيتين للأيام والشهور والسنين فكان نوران الأكبر والأصغر فالأكبر لسلطان النهار والأصغر والنجوم لسلطان الليل فرأه الله حسناً وقال الله تعالى ليحرك الماء كل نفس حية وليطر الطير في جوف السقف وخلق الله ثمانين عظاماً وحرك الماء كل نفس حية لجنسها وكل طائر لجنسه فرأى الله ذلك حسنا فقال انموا وأكثروا واملئوا الأرض وقال الله تعالى نخلق بشراً كصورتنا وشبهنا ومثالنا ويكون مسلطاً على سمك البحار وطير السماء ودواب الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله وشبهه، وامّا الفرس فإنّهم يحكون عن علمائهم وموبذيهم [1] أنّ الله خلق في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً ووضع ذلك على أزمنة كاه انبار دين ماه [2] وأن أول ما خلق الله السماء في خمسة وأربعين يوماً وهو كاه أنبار [دي] ماه وخلق الماء في ستين يوماً وهو كاه أنبار ارديبهشت ماه وخلق النبات في ثلاثين يوما
__________
[1] . وموبذهمMs.
[2] . على ارمنه كاه انبار Ms.
(2/4)

وهو كاه أنبار ابان ماه هذا ما عليه عامة من يعرفهم [40] من أهل الأرض بحدث العالم والأصدق من ذلك ما نطقت به كتب الله أو جاءت به رسله لأنه لم يشاهد الخلق أحد فيخبر عنه ولا العقل موجب كيفية ذلك ثم لا شيء أحمل للزيادة واخلط في الرواية وأكثر تشويشاً واضطراباً من هذا الباب قال الله تبارك وتعالى خَلْقِ السَّماواتِ 2: 164 فبدأ بذكر السماء على الأرض في غير موضع من كتابه ثمّ قال أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً 41: 9 [1] الآية إلى قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ 41: 11 [2] وقال أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها 79: 27- 28 [3] إلى قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها 79: 30 [4] فأخبر أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض وبسط الأرض كان قبل تسوية السماء وما فيها كما ذكره ابن إسحاق،
صفة السماوات
قال الله تعالى خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً 67: 3 [5]
__________
Qor. ,ch.XLI ,v.8. [1]
Qor. ,ch.XLI ,v.10. [2]
Qor. ,ch.LXXIX ,v.27 -28. [3]
Qor. ,ch.LXXIX ,v.30. [4]
Qor. ,ch.LXVII ,v.3 ,etch.LXXI ,v.14. [5]
(2/5)

فأخبر أن بعضها فوق بعض وزعم الكلبي أنّ السماوات فوق الأرض كهيئة القبة الملتصق منها أطرافها وقول الله أحق أن يتبع ما لم يرد تخصيص صادق أو تبيين وروى وهب عن سلمان الفارسي رحمه الله أن الله خلق السماء الدنيا من زمردة خضراء وسماها برقع [1] وخلق السماء الثانية من فضة بيضاء وسماها كذا وخلق السماء الثالثة من ياقوتة حتّى عدّ سبع سماوات بأسمائها وجواهرها وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال إن السماء الدنيا من رخام أبيض وإنما خضرتها من خضرة جبل قاف وروى أن السماء موج مكفوف واختلف القدماء فيه فزعم بعضهم أن جوهر السماء من حديد وزعم بعضهم أنه جوهر صلب وجمد بالنار حتى صار مثل الجليد ومنهم من يزعم أنه جوهر ناري وبعضهم يراه جوهراً مركباً من حار وبارد وبعضهم يقول هو دخان من بخار الماء تكاثف وتصلب وبعضهم يراه جواهرا خارجاً من مزاج الطبائع فكلهم يسمون السماوات الأفلاك فالذي يحب أن يعتقد منه أنه جوهر ما آن لو لم يكن كذلك ما قبلت الأعراض التي تراها من سواد الليل
__________
[1] . برقعا Ms.
(2/6)

وخضرة واختلاف القدماء فيه دليل على قصور فهمهم عنه وروايات أهل الإسلام لا يوجب اعتقادا ما لم يكن إجماع أو شهادة نص من كتاب أو خبر نبي صادق مؤيد بالمعجزات الباهرة اللَّهمّ إلا أن يكون وفاق في الأسامي لا في المعاني لمخالفة أجسام السفل أجسام العلو وقد شبه أمية السماء بالزجاج من جهة لونه ولم يرو عن أحد من الفلاسفة ولا من أهل الكتاب [كامل]
فكأن برقع والملائك حوله ... سدد تواكله القوائم مجرد
خضراء [1] ثانية تظلّ رءوسهم ... فوق الذوائب فاستوت لا يحصد
كزجاجة الغسول أحسن صنعها ... لما بناها ربنا يتجرد
صفة الفلك
قال الله تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 36: 40 [2] قال بعض المفسرين تدور كدوران الرحا وأهل النجوم يزعمون أنه [40] الفلك الأعظم المحيط بالأفلاك السبعة ولها في كلّ يوم وليلة
__________
[1] . وخضراءMs.
Qor. ,ch.XXXVI ,v.40. [2]
(2/7)

دورة واحدة من المشرق إلى المغرب وسائر الأفلاك في جوفها تدور من المغرب إلى المشرق كمشي النمل على الرحا الدائرة بالعكس ومنهم من يقول هو الفلك الثابت وهي التاسعة من الأفلاك الضابطة لها وأكثرهم على أنها الثامنة وفيها الكواكب الثابتة وفي رواية المسلمين أن من سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة سنة وما بين كل سماء مسيرة خمس مائة سنة وللقدماء في هذا تقدير فزعم الفزاري أن بين فلك وفلك مسيرة ثلاثة آلاف سنة وقد ذكر في كتاب المجسطي مقادير أجرام الكواكب وأبعادها من نقطة الأرض وبعد بعضها من بعض في العلو وكم قطر فلك يدور بها وعظم الأفلاك وسعتها وحال الأرض وكميتها في الطول والعرض والاستدارة ما الله به عليم فإن كان حقاً فهو الوحي لأن قوى الخلق تقصر عن أمثاله وإن كان حزراً وتخميناً فرواية أهل الإسلام أحق وأصدق وإذا صحت فهي تحتمل وجهين من التأويل أحدهما البعد في المسافة والثاني العجز عن الترقي إليه ومن العجب ضرب من لا يرى السماوات والأفلاك أجراماً مركّبة ولا أجساما متحرّكة [1] حدّا
__________
[1] . متجربه Ms.
(2/8)

لها في البعد والقرب والبسائط غير محصورة ولا متناهية واختلف في ذات الفلك الذين زعموا أنها جرم فزعمت منهم أنها من تركيب الطبائع الأربع وقال قوم بل هي طبيعة خامسة خارجة عن هذه الطبائع والطبائع خفيفيّات [1] النار والهواء وثقليات الأرض والماء والفلك لا خفيف ولا ثقيل وزعم قوم أنه لحم ودم وقال أعظمهم عندهم رأياً أن الفلك حي ناطق والكواكب لها النفس الناطقة ورأيت في كتب بعض المفسرين ميلاً إلى هذا الرأي واحتج له بقول الله تعالى قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ 41: 11 [2] والنطق قد يكون بالعبارة والبيان وبالدلالة والأثر،،،
صفة ما فوق الفلك
قال المسلمون فوق الأفلاك العرش وفوق العرش ما الله به عليم ومنهم من يقول فوق العرش البارئ عز وجل وهذا قول سديد وهو من شعار الإسلام ما لم يوصف بالمكان والتمكن لأن فوق يحتمل وجوهاً من التأويل ومن قال بوجود الجنة في الوقت قال هي في السماء السابعة واحتج بقوله عز وجل وَفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ 51: 22 [3] قال كثير من
__________
[1] . حقيقياتMs.
Qor. ,ch.XLI ,v.10. [2]
Qor. ,ch.LI ,v.22. [3]
(2/9)

أهل التفسير أنه الجنة وقال قدماء في ترتيب العوالم بعد ذكر الفلك المستقيم وأنه الثامن أو التاسع على اختلافهم ان فوق الأفلاك كلّها عالم النفوس محيط بجميعها ثم فوقه عالم العقل مسبول على هذه العوالم والبارئ سبحانه وتعالى فوق ذلك كله فإن أرادوا المسافة فقريب من قول بعض المسلمين [1] وإن أرادوا الرفعة والعظمة والعلو كان أقرب إلى الحق والله أعلم وأحكم وفي أخباره أصدق،،،
صفة ما في الأفلاك والسماوات كما جاء في الخبر
وروى في الخبر أن في السماء الدنيا بيتاً بحذاء الكعبة يقال له الضراح [2] يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبداً وقال هو البيت المعمور وروى أن أرواح الصالحين تصعد إليه قالوا وتحت العرش بحر من ماء أخضر كمنى الرجال يحيي الله به الموتى بين النفختين وهو الذي قال الله عز وجل ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ 38: 1 [3] وروى [41] عن الضحاك أن في السماء جبالاً من برد خلقه الله مقداراً معلوماً لكل سنة فإذا فنى ذلك
__________
[1] . انMs.ajoute
[2] . الصراحMs.
Qor. ,ch.XXXVIII ,v.1. [3]
(2/10)

قامت القيامة وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ليست سنة بأقل مطراً من سنة ولكن الله قسم هذه الأرزاق فجعلها من هذا القطر فإذا عمل قوم بالمعاصي حول ذلك إلى غيرهم وقد فسر بعضهم وَفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ 51: 22 [1] المطر وزعم وهب أن الله خلق في الهواء طيراً أسود فهي التي طارت بالحجارة على لوط وعلى أصحاب الفيل وروى ابن إسحاق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن مما خلق الله ديكاً براثنه تحت الأرض السابعة وعرفه منطو تحت العرش قد أحاط جناحاه بالأفقين فإذا بقي ثلث الليل الأخير ضرب بجناحيه ثم قال سبحان ربنا الملك القدوس فيسمعها من بين الخافقين فترون أن الديكة إذا سمعت ذلك وروى أن في السماء موجاً مكفوفاً وقيل دون السماء بحر مكفوف فيه مجاري الشمس والقمر والجواري الخنس وزعم بعضهم أن ذلك قوله وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ 52: 6 [2] قالوا وليس في السماوات السبع موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد وجاء في حديث المعراج بعجيب الصفة للخلق الذي في السماوات والله أعلم وهكذا جاءت
__________
Qor. ,ch.LI ,v.22. [1]
Qor. ,ch.LII ,v.6. [2]
(2/11)

الأخبار في غير حديث المعراج وهكذا كله جائز في حد الإمكان لأنا قد علمنا أن ما تعالى عن وجه الأرض دخل في حد الروحانيين فكل ما ارتفع درجة ازداد لطافة ورقة وليس البيت [1] كله من طين وخشب ولا البحر الماء المجتمع وقد قلنا هذا إن ما خرج عن هذا العالم الأسفل فقد انقطعت النسبة إلا في التسمية ولا يختلف مخالفونا أن المطر قبل أن ينزل أجزاء متفرقة لطيفة ومن لطف أجزائه ممسك في السماء فغير مستنكر أن يكون في السماء بحر على هيئة أجزاء المطر وكذلك البرد والثلج مع هذه رواية الضحاك وأكثر المسلمين على خلافها وكذلك رواية وهب في الطير والحجر وإنما الاجتماع في كون الملائكة في السماء قد أجازت جماعة من القدماء أن يكون في العلو سباع وبهائم غير محسوسة للطافة أجسامها فما ينقمون ممن أقر بصورة الملائكة،،،
صفة الكواكب والنجوم
قال الله تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً من كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ 37: 6- 7 وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ 6: 97
__________
[1] . النث Ms.
(2/12)

فأخبر أنّ في النجوم زينة وحراسة وهداية وقال عز ذكره فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ 81: 15- 16 وقال كثير من أهل التفسير أنهن الكواكب السيارة المتحيرة فأولهن زحل في السماء السابعة بارد الطبيعة وهو أبطأ الكواكب سيراً والثاني المشتري في السماء السادسة معتدل الطبع والثالث المريخ في السماء الخامسة حار الطبع والرابع الشمس في السماء الرابعة حارة الطبع والخامس الزهرة في السماء الثالثة رطبة الطبع والسادس عطارد في السماء الثانية ممازج الطبع والسابع القمر في السماء الدنيا بارد الطبع وهو أسرع الكواكب سيراً وكل هذه الكواكب سعود إلا زحل والمريخ وقد تميز عنهن الشمس والقمر فيقال سعدان ونحسان وممازج فالسعدان المشتري والزهرة والنحسان زحل والمرّيخ والممازج عطارد مع النحوس نحس ومع السعود سعد والنيران الشمس [41] والقمر فالشمس مثل الملك والقمر مثل الوزير له وزحل كالشيخ ذي الرأي السديد والمشتري كالقاضي العادل والمريخ كالشرطي المعذب والزهرة كالمرأة الحسناء وعطارد كالكاتب ولكل كوكب من هذه الكواكب بيتان من البروج الإثنى عشر إلا النيرين فإن لكل واحد
(2/13)

منهما بيتاً واحداً ومعنى البيت أنه يحله في فصله ويزيد سلطانه وشرفه فيه فالأسد بيت الشمس والسرطان بيت القمر والجدي والدلو بيتا زحل والقوس والحوت بيتا المشتري والحمل والعقرب بيتا المريخ والثور والميزان بيتا الزهرة والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد وسنفرد بمشيّة الله وعونه كتاباً لطيفاً في ذكر النجوم وما يصح فيها ويوافق قول أهل الحق فأني أرى الجهال قد استخفوا بها كل الاستخفاف ووضعوا من شأن متعاطيها وصغروا من أقدارها لتحلي الزراق والكهان بها وتنزع أبواعها إلى الأحكام التي عينها الله عن خلقه واستأثر نفسه بعلمها دونهم وكيف المدخل إليها والمأخذ فإن جحد البرهان ورد العيان نقص عظيم عند أهل البيان وذوي الأديان قال الله عز وجل وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ 85: 1 وقال تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً 25: 61 وقال تعالى أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها من فُرُوجٍ 50: 6 وقال سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ 41: 53 وقال تعالى إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ 3: 190 مع آي كثيرة ودلالات
(2/14)

ظاهرة ولقد استدلّ المحقّقون من أهل التنجّم على التوحيد بدلالة ما أعظم خطرها وأسنى رتبتها قالوا لما رأينا الفلك متحركاً فباضطرار علمنا أن حركته من شيء غير متحرك لأنه إن كان المحرك له متحركاً لزم أن يكون ذلك إلى ما لا نهاية له والفلك دائم الحركة فقوّة المحرك له غير ذات نهاية فليس يمكن أن يكون جسماً بل يجيب أن يكون محركاً لأجسام وكما لا نهاية لقوته فليس إذاً هو بزائل ولا فاسد قالوا فانظروا كيف أدركنا الخالق الصانع المبدئ المبدع المحرك للأشياء من الأشياء الظاهرة المعروفة المدركة بالحواس وأنه أزلي ذو قوة وقدرة غير ذات نهاية ولا متحرك ولا فاسد ولا متكون تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، فالبروج اثنى عشر ينزل الشمس كل شهر من شهور السنة برجا منها فأوّلها الحمل ثم الثور ثم الجوزاء ثم السرطان ثم الأسد ثم السنبلة ثم الميزان ثم العقرب ثم القوس ثم الجدي ثم الدلو ثم الحوت، وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين جزءاً تسمى منازل القمر ينزل القمر منها كل ليلة منزلاً وهي الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة
(2/15)

والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزباني والإكليل والقلب والشولة [1] والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع [2] وسعد السعود وسعد الأخبية وفرغ [3] الأول وفرغ [3] الثاني وبطن الحوت، كل برج منها منزلان وثلث منزل فيما يقطعه الشمس في السنة ويقطعه القمر في الشهر يقول الله تعالى وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ 36: 39 فمن البروج ثلاثة ناريّة [42] الحمل والأسد والقوس وثلاثة هو آئيّة الجوزاء والميزان والدلو وثلاثة مائيّة السرطان والعقرب والحوت وثلاثة أرضية الثور والسنبلة والجدي وذلك أنها خلقت من هذه الطبائع وأعلم إن إضافة الفعل الاختياري إلى البروج والنجوم من أعظم الخطاء والخطل إنما هي مخلوقة مسخرة [4] موضوعة على ما أراد الله منها كسائر السموات والجوامد المخلوقة على طباعها وكما جعلت النار محرقة والماء مرطبة قال الله تعالى
__________
[1] . والشوكةMs.
[2] . مبلعMs.
[3] . وفوعMs.
[4] . مستحرة Ms.
(2/16)

وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ 14: 33 وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ 7: 54 وقد رويت في النجوم روايات ما يحكى بعضها ويضيف [1] العلم إلى الله عز وجل،،،
ذكر صورة الشمس والقمر والنجوم وما فيها
روى أبو حذيفة عن عطاء أنه قال بلغني أنه قال الشمس والقمر طولهما وعرضهما تسع مائة فرسخ في تسع مائة فرسخ قال الضحاك فحسبناه فوجدناه تسع آلاف فرسخ والشمس أعظم من القمر قال وعظم الكواكب اثنا عشر فرسخاً في اثني عشر فرسخاً وروينا عن عكرمة أنه قال سعة الشمس مثل الدنيا وثلثها وسعة القمر مثل الدنيا سواء وعن مقاتل [أنه] قال الكواكب معلقة من السماء كالقناديل قالوا وخلقت الشمس والقمر والنجوم من نور العرش هذا قول أهل الإسلام من غير رواية من كتاب ولا خبر صادق واختلف القدماء في ذلك فحكى افلوطرخس [2] عن بعضهم أنه كان يرى الشمس مساوية في عظمها الأرض وأن الدائرة التي يصير عليها هي مثل الأرض تسعاً وعشرين مرة وعن بعضهم أنه قال هي تسعة أقدام الرجل وعن بعضهم أنها في
__________
dditionmarginale. [1]
[2] . افلوطوخس Ms.
(2/17)

المقدار الّذي يراها وعامّة المنجّمين على أن الشمس أعظم من الأرض مائة وست وستين مرة وربع ثمن مرة فانظر إلى هذا الاختلاف الظاهر والتفاوت البين وهل يستجيز ذو عقل عيب المسلمين في روايتهم مع ما يرى من اختلاف أصحابه واختلاف قولهم واختلفوا في جرم الشمس فحكى عن ارسطاطاليس أنه كان يرى جرم الشمس من العنصر الخامس وكذلك جرم الفلك وعن أفلاطن أنه كان يرى أكثر جوهر الشمس ناراً وعن الرواقيين أنهم يرون الشمس جوهراً عقلياً يرتفع من البحر ومنهم من يزعم أنّ جرم الشمس كالخضرة المستنيرة [1] ومنهم من يراه كالزجاج تقبل استنارة النار التي في أعلى العالم ويبعث الضوء إلينا فيكون الشمس على رأيه ثلاثاً [2] إحداها التي في أعلى العالم في السماء وهي ناريّة والثانية التي تكون على سبيل المرآة والثالثة الانعكاس الذي ينعكس إلينا بضوئه ومنهم من يقول أنّ جوهر الشمس أرضيّ متخلخل كالغيم يلتهب ناراً وأمّا المسلمون فإنهم يقولون إنما خلقت من نور ومنهم من يقول من نار والنار
__________
[1] . المسرةMs.
[2] . ثلاثا Ms.
(2/18)

والنور قريب في المعنى والله أعلم واختلفوا في شكل الشمس والقمر والكواكب فحكى عن الرواقيين أنهم يرون هذه الأشكال كريّة كما العالم كرىّ وعن بعضهم أنّ شكلها شكل السفينة المقعرة المملوءة ناراً وقال طائفة منهم أن النجوم بمنزلة المسامير المسمرة في الجوهر الجليدي والفصوص [42] المركبة وقال قوم هي صفائح دقاق والله أعلم واختلفوا في جرم القمر فحكى بعضهم ان جرم القمر سحاب مستدير وافلاطن يقول الجوهر الناريّ في تركيب القمر جسم صلب مستنير فيه سطوح وجبال وأودية ويحتج ما يرى في وجهه من الأثر وأكثر المنجمة يزعمون أنه عين صقيلة تقبل من ضوء الشمس ولذلك يتسق [1] في المقابلة وكذلك النجوم فأخذ ضوءها من الشمس والله أعلم واختلفوا في عظم القمر والكواكب فحكي عن بعضهم أنه مثل الشمس وعن بعضهم أنه أصغر منها وزعم قوم أنه أعظم من الأرض وزعم الآخرون أن الأرض أعظم منه والمنجمة منهم من يزعم أن أصغر كوكب من الكواكب الثابتة هو أعظم من الأرض ستّ عشر مرّة وأكبرها أربع مائة وعشرين مرّة
__________
[1] . تسق Ms.
(2/19)

وأما السيارة فالشمس أعظم من الأرض مائة مرة وستين مرة ونيفاً كما قلنا وزحل مثل الأرض تسعاً وتسعين مرة ونيفاً والمشتري مثل الأرض احدى وثمانين مرّة ونصفا وربعا والمرّيخ مثل الأرض [1] مرة ونصفاً والزهرة مثل الأرض أربعاً وأربعين مرة وعطارد مثل الأرض اثنين وستين مرة والقمر مثل الأرض تسعة وثلاثين مرة وربعاً والله أعلم واختلفوا في أجرام الكواكب وأشكالها كما اختلفوا في الشمس والقمر فزعم أنّها أنوار كريّة وكان أرسطاطاليس يرى الكواكب حية ولها النفس الناطقة قال فلذلك يدل على اتفاق النفس الناطقة الحيوانيّة وزعم بعضهم أنّ الكواكب لها صور كصور الخلق ومنهم من يزعم أنّها إلهة وزعم آخرون أنّها ملائكة وقال قوم أن الكواكب والشمس والقمر تنشأ في المشرق وتبلى في المغرب وزعم قوم أن الكواكب والشمس والقمر في فلك واحد لا في أفلاك مختلفة وقرأت في كتاب الخرمية أن الكواكب كرىً وثقب وأنها تنزع أرواح الخلائق وتسلمها إلى القمر فذلك زيادة القمر حتى إذا انتهى في الكمال والتمام غايته سلمها الى من
__________
[1] . كذا في الأصل Lacune ;Ms.
(2/20)

فوقه واستفرغ ثم عاد في تسلم الأرواح من الكواكب حتّى يعود ممليا فاعتبر بهذه العجائب واتبع كتاب الله عز وجل وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله يقول الله تعالى وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً 71: 16 وَالْقَمَرَ نُوراً 10: 5 لأن السراج يجمعها وكذلك خبره عن الكواكب حيث قال فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ 37: 10 قال وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً 71: 16 وجملة القول أن كل ما روى في هذا الباب عن القدماء وأصحاب النجوم ممّا لم يكن نقصا التوحيد وإبطالاً للشريعة أو جحداً للعيان فموقوف على سبيل الجواز والامكان قال الله تعالى رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ 55: 17 وقال تعالى بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ 70: 40 على الجميع ورَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ 26: 28 على الإرسال وذلك أن للشمس مائة وثمانين مشرقاً ومائة وثمانين مغرباً تطلع كل يوم من مشرق وتغرب في مغرب يقابله والمشرقان مشرق أطول يوم في السنة عند حلول الشمس برأس السرطان وأقصر يوم عند حلولها برأس الجدي ومغرباها محاذياً بهما على السواء وقال لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ 36: 40 فأخبر أنهما يتقاربان ولا يتداركان وكلما دنا من الشمس منزلة انمحق ضوءه حتى
(2/21)

يستتر [1] وكلما بعد ازداد ضوءاً حتى إذا قابلها كمل واتسق قال بعض المفسرين في قوله فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ 17: 12 فهو ما امتهن القمر به من الزيادة [43] والنقصان والله أعلم،،،
ذكر طلوع الشمس والقمر وكسوفهما وانقضاض الكواكب وغير ذلك مما يتعرض في السماء
وروي في الأخبار أن الشمس إذا غربت مرت حتى تقطع الأرض فتخر ساجدة بين يدي العرش فتسلب ضوءها فتكتسى نوراً جديداً ثم تؤمر أن ترجع فتطلع فتأبى [2] ذلك وتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله حتى ينخسها ثلث مائة وستة وستون ملكاً فإذا طلعت خلع عليها ثلاث حلل حمراً وبيضاً وصفراً وكذلك ما يرى من تغير ألوانها عند طلوعها وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى قول أمية [كامل]
والشمس تصبح كل آخر ليلة ... حمراء تضحى لونها يتوقد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إما معذبة وإما تجلد
فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله صدق وعند أهل النجوم الشمس
__________
[1] . يستسترMs.
[2] . فتأتى Ms.
(2/22)

لا تزال طالعة على قوم وغاربة على قوم لأنها دائرة على كرة الأرض دوراً مستقيماً وقد ينكر كثير من الناس نخس الشمس وإباءها الطلوع لأنها مسخرة جماد غير مكلفة ولا مختارة مع أن الخبر ما أراه يصح وإن صح فالتأويل والتمثيل من ورائه لأن العرش محيط بالعالم فحيث ما سجدت تحت العرش ولكن ربما فضل بعض البقاع على بعض فوصف بالتقريب كقولنا فلان يعين الله وكل شيء يعينه وكقولنا بيوت الله وما أشبه ذلك وأما سجدة الشمس والقمر والنجوم والشجر وغير ذلك مما يوصف به الأرض والسماء وسائر الخلق الذي ليس بمميز ولا عاقل فهو انقياد لما يراد منها وتذللها لما وضعت عليه من طبع أو حركة وقلة امتناعها على صانعها وقد قيل بل أثر الصنع فيها يدلّ ويحمل الناظر على السجود لصانعها فأضيف السجود إليها لما كانت هي سببه ومن يرى الشمس والقمر والكواكب أحياء ناطقة فما ينكر من سجودها وتسبيحها مع أنّا نجيز أن يحدث الله في الجماد معنىً يسجد به ويطيع لأن ذلك على الله غير عزيز وقد سبق ذكر هذه الأشياء ومعنى حقائقها على التقصي والبيان في كتاب معاني القرآن
(2/23)

وإما نخس الملائكة إياها فيشبه أن يكون تمثيلاً ليكون كما قال الشاعر [وهو طرفة بن العبد [1]] [طويل]
ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقى اللون لم يتخدد
فإن كان الخبر محتملاً للتأويل فلا معنى للتسرع إلى التخطئة والتكذيب وزعم وهب أن الشمس على عجلة لها ثلاثمائة وستون عروة قد تعلق بكل عروة ملك من الملائكة يجرونها في السماء وكذلك القمر وعجلة القمر من نور الشمس قال وللبحر موج مكفوف في الهواء كأنه جبل ممدود [2] ولو بدت الشمس من ذلك البحر لأفتن أهل الأرض حتى يعبدوه من دون الله وروى غيره أن الله تعالى قد وكل بعين الشمس حتّى تغرب فقال في نار حامية لولا ما يزعها من ملائكة الله لأحرقت ما عليها وقيل أن الشمس يضيء وجهها لأهل السماء وظهرها لأهل الأرض قالوا والشمس إذا هبطت من سماء إلى سماء انفجر الصبح حتى إذا انتهت الى سماء الدنيا اسفر قال وهب
__________
otationmarginale. [1]
[2] . مدود Ms.
(2/24)

فإذا أراد الله أن يرى العباد آية يستعتبهم زالت الشمس عن تلك العجلة في ذلك البحر وإذا أراد الله أن يعظم الآية [43] وقعت كلها وكذلك القمر وقد قلت لك في غير موضع أن الاعتماد على شيء من هذه الأخبار ما لم يكن نص كتاب أو صدق خبر ولكن يوقف ولا يقطع على شيء منه حتى يصح والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كسفت الشمس يوم مات ابنه ابراهيم عم فقال الناس إنما كسفت الشمس لموته فخطب وقال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة والقدماء مختلفون في الكسوفات كما حكى افلوطرخس [1] زعم أن بعضهم يرى كسوف الشمس بمسير القمر تحتها وبعضهم يرى ذلك لانقلاب جسم الشمس الشبيه بالسفينة فيصير مقعّرة الى فوق ومحدودبه إلى أسفل وبعضهم يرى الشمس شموساً كثيرة والقمر أقماراً كثيرة في كل إقليم من أقاليم الأرض وفي كل قطعة ومنطقة وزمان وزعم بعضهم أنّ كسوف القمر [2]
__________
[1] . افلوطوخسMs.
[2] . الشمس القمر Ms.
(2/25)

بانسداد القعر الّذي في تقويسه وأمّا افلاطن وارسطاطاليس والخلاف منهم فيرون الكسوفات بدخولها تحت ظل الأرض وذلك إذا كانت الشمس تحت الأرض والقمر في مقابلتها وكانا في طريقة واحدة وقع ظل الأرض على جرمه فحال بينه وبين الشمس المضيئة له لأن ضوءه من الشمس وأما كسوف الشمس فبمرور القمر تحتها فيعتبر منكر أن يجعل الله كسوفه بظلّ الأرض آية للحقّ يستعتبهم وإن كان سقوطه عن العجلة كما روى تمثيلاً لدخوله تحت ظل الأرض وقوله أن عجلة القمر من نور الشمس رمز إلى اقتباس القمر من نور الشمس وقولهم الشمس على عجلة لها ثلاثمائة وستون عروة يعني به الفلك ودرجاته الثلاثمائة والستين والله أعلم وقوله كلما هبطت الشمس من سماء إلى سماء انفجر الصبح يعني بها مسيرها في درجاتها وارتفاعها من منزلة إلى منزلة لأن أهل التنجيم لا يختلفون أنها في سماء واحدة واختلفوا في السواد الذي يرى في وجه القمر فروى المسلمون أنه لطخه ملك ورووا أن القمر كان مثل الشمس فلم يكن يعرف الليل من النهار فأمر الله الملك أن يمرّ جناحه عليه فمحاه فهو ما يرى من السواد
(2/26)

في وجهه وحكى عن ديمقريطيس [1] أن جسم القمر مستنير صلب فيه سطوح وأودية وجبال فلذلك ما يرى في وجهه وزعم بعضهم أنه سحاب مستنير يلتهب وقال قوم أنه عين صقيلة كالمرآة يقبل ضوءه من الشمس إذا ما قابلها فذاك الحبال في وجهه ما قابله من عين الشمس والأمر في هذا سهل وذلك أنه لو كان كما زعم القوم كان يمحو الله إياه كما جاء في الخبر إمّا لخلق حبال [2] فيه أو بإظهار جبال أو بما شاء واختلفوا في انقضاض الكواكب فقال المسلمون هو رجوم للشياطين كما قال الله تعالى وقلما ينكر الصور الروحانية في السماء إلا أهل التعطيل والإلحاد ثم هم مقرون بتأثير الفلك والكواكب وما فيها فلا معنى لإنكارهم استراق من يسترق السمع مع من أنكر الصور السماوية فهو الأرضية من الجن والشياطين أنكر فإن قيل لم تزل الكواكب تنقض وأنتم تزعمون أن السماء حرست عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قيل انقضاض الكواكب ليس كله رجوماً للشياطين ولعل الذي يرجمون به لا يشعر به أحد ولا يراه أو ينقضّ
__________
[1] . دعقريطسMs.
[2] . حال Ms.
(2/27)

الكواكب لعلة من العلل أو يقرن الله إليه عذاباً للشياطين [44] وقد سئل الزهري هل كانت السماء تحرس في الجاهلية قال نعم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم غلظ وشدر ومن المنجمين من يزعم أنه يجلد [1] السماء وحكى عن بعضهم أنه قال بمنزلة الشرارة تسقط من الأثير فيطفأ على المكان وزعم بعضهم أنه برغوث من الشمس مع اختلاف كثير واختلفوا في المجرة فحكى افلوطرخس [2] عن بعضهم أنه فلك وسحاب وعن بعضهم أنّه استنارة كواكب كثيرة صغار متّصلة بعضها ببعض وعن بعضهم أنه تخييل في العين وعن بعضهم أن مسير الشمس كان أولاً عليه وقال أرسطاطاليس أنه التهاب بخار يابس كثير متصل في صورة النار تحت الكواكب المتحيرة ومن المسلمين من يسميها باب السماء ومنهم من يسميها شرج السماء،
ذكر الرياح والسحاب والأنداء والرعد والبرق وغير ذلك مما يعترض في الجو،
اختلفوا في الرياح قال الله تعالى وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ 7: 57 فأخبر أنّها بشرى المطر
__________
[1] . [؟] حلدMs.
[2] . افلوطوخس Ms.
(2/28)

وقال عز ذكره الله الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً 30: 48 فأخبر أنها باعثة الغيم ومثيرة السحاب وقال تعالى وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ 15: 22 فأخبر أنها تلقح الشجر والأرض قال الله تعالى وَفي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ 51: 41 فأخبر أنها ضد الرياح اللاقحة لأنها عذاب واللاقحة رحمة وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال نصرت بالصبا وأهلك عاداً بالدبور وما جنوب إلا صب الله بها غيثا وروى لا تسبوا الرياح فإنها نفس الرحمن وقال المفسرون أن الله تنفس بها عن كمد الأرض وكربة [1] الخلق بما ينزل بها من الغيث ويروح من الهواء وقيل الريح نفس ملك والله أعلم والرياح أربع الصبا والجنوب والشمال والدبور ويقال الريح واحدة وانّما يختلف في المهب من الجهات فالصبا هي القبول ومخرجها بين المشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء من مطلع الذراع إلى مطلع سعد الذابح والدبور يقابلها والجنوب مخرجها ما بين مشرق الشتاء إلى مغرب الشتاء من مطلع سعد الذابح إلى مسقط العقرب والشمال يقابلها والمطالع مائة وثمانون والمغارب مائة وثمانون لكل مطلع ريح ولكل مغرب ريح وكلها داخلة في
__________
[1] . كرية Ms.
(2/29)

هذه الأربع والريح هي الهواء بعينه فإذا أحدث الله فيه حركة هبت واضطربت وكذا يقول أكثر القدماء أن الريح سيلان الهواء ويزعمون أن هبوبها مرور الشمس بالأرض فيرتفع منها البخار فإذا كان البخار رطباً كان مادة الأمطار وإن كان يابساً كان مادة الرياح وهذا جائز أن يجعل الله مرور الشمس علة لإثارتها إذا شاء كما جعل السحاب سبباً للمطر وقد جاء في بعض الأخبار أن الصبا من الجنة والدبور من النار وروينا عن الحسن أنه قال الجنوب يخرج من الجنة فيمر [1] بالنار فمن ثم حرها والشمال تخرج من النار فتمر بالجنة فمن ثم بردها وهذا والله أعلم وإن صح إضافة التمثيل لا من التبعيض [2] كما يقال للرجل الفاضل هو من الملائكة وللشرير هو من الشياطين يراد به التشبيه بهم لا من جنسهم وجملتهم والمنجمون يزعمون أن حرارة الجنوب لمجيئها من بلاد حارة فتقرب الشمس منها وبرد الشمال [44] لبعد الشمس عن تلك النواحي والله أعلم، فأما الغيوم والسحاب والأنداء والضباب فهي بخار يرتفع من الأرض
__________
[1] . فتمرّMs.
[2] . كذي في الأصل Add.marg.
(2/30)

فما غلظ منها صار سحاباً وما رق صار ضباباً وقتاماً قال الله تعالى الله الَّذِي [1] يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً 30: 48 والمنجمون يزعمون أن الشمس تمر بمواضع ندية وبطائح غمر فتثير سحاباً بحرارة مرورها فإذا تكاثف ذلك البخار صار غيماً قالوا والمطر اجتماع ذلك البخار وانعصاره فيقطر كما يقطر طبق القدر لأن كل شيء ند إذا حمي ثار منه البخار وذلك أن الحرارة إذا خالطت الرطوبة لطفت أجزاءها فصيرتها هواء فإذا كثر في ذلك البخار برد الهواء رده البرد إلى الأرض فتكاثف وانعصر وصار ماء فانحدر فإن كان ذلك المنحدر شيئاً صغيراً يسيراً سمي نداً ولذلك تكون الأنداء في الشتاء وفي الليالي أكثر لكثرة برودة الهواء فإن كان البخار الصاعد خفيفاً يسيراً وكان البرد الذي هجم عليه من فوق شديداً صار ذلك البخار جامداً وإن كان البخار كثيراً والبرد شديداً صار ذلك ثلجاً وإن ألح البرد على السحاب انقبض الماء الذي فيه فجمد وصار برداً وإنما الاختلاف في صغره وكبره لبعد مسافة الغيم من الأرض وقربه فإذا قرب نزل بسرعة لم يذب عن جوانبه شيء فبقي كبير الحبّ
__________
[1] . والّذي Ms.
(2/31)

والقطر وكذلك المطر وهذا كله ممكن جائز لا نعلم في شيء منه رداً للكتاب ولا إبطالاً للدين وقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله تبارك وتعالى يرسل الرياح فتثير سحاباً وينزل عليه المطر فتمخضه الريح كما تمخض [1] النتوج بولدها فإما حكاية وهب أن الأرض شكت الى الله أيّام الطوفان [و] انّه جددها فجعل السحاب غربالاً للمطر فإن صح فالمعنى أنه زيد في كثافة السحاب وغلظه [2] كما كان قول ذلك وقوله تعالى وَيُنَزِّلُ من السَّماءِ من جِبالٍ فِيها من بَرَدٍ 24: 43 فأكثر أهل اللغة على أن البرد في الأرض كالجبال إذا نزل من السماء والسماء السحاب لا يختلف أهل اللغة في ذلك وقال قوم أن الأمطار كلها من بخار الأرض و [ما] البخار إلا [3] مطرة واحدة ينزلها الله من السماء في كل سنة فيحيي بها الأرض والشجر والنبات وهو قوله وَنَزَّلْنا [4] من السَّماءِ ماءً مُبارَكاً 50: 9 الآية والله اعلم،
فأما الرعود والبروق والصواعق والشهبان وقوس قزح والهدّات والزلازل
__________
[1] . يمخضMs.
[2] . وغلطهMs.
[3] . كذا في الأصلAnn.marg.
[4] . وأنزلنا Ms.
(2/32)

جاء في بعض الأخبار أن الرعد ملك موكّل بالسحاب معه كذا من حديد يسوقه من بلد إلى بلد كما يسوق الراعي الإبل كلما خالف سحاب صاح به فصوته زجره السحاب والبرق مصعه والصواعق شراره وفي الحديث الآخر أن السحاب ملك يتكلم بأحسن الكلام ويضحك بأحسن الضحك فالرعد كلامه والبرق ضحكه والله اعلم بصحة هذه الأخبار لأن [1] محمد ابن جرير الطبري رحمه الله روى في كتاب التفسير أن ابن عباس رضي الله عنه كتب إلى ابن الجلد يسأله على الرعد والبرق فقال الرعد الريح والبرق الماء قال الله تعالى يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ من خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها من يَشاءُ 13: 13 فأخبر عن تسبيح الرعد وإرساله الصواعق كما أخبر عن قول السماوات والأرض قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ 41: 11 والقدماء مختلفون في هذه الأشياء وأرضاهم عندهم ارسطاطاليس وهو يزعم أن الشمس إذا مرت بالأرض فأثارت البخار اليابس والبخار الرطب فانعقد غيماً فإذا اجتمع ذلك البخار الرطب [45] هناك حصر ما فيه من البخار اليابس في جوف السماء فقرع السحاب وحكّه
__________
[1] . لا محمد Ms.
(2/33)

وصدعه فيكون من ذلك الصدم والاحتكاك الرعد ويكون من ذلك الخرق والصدع البرق والصواعق في المثل كما يتطاير من شرار الزند وذلك إذ اجتمع الى ذلك الاحتكاك جرارة الشمس واليبوسة فعند ذلك يحدث الصواعق وقد بينّا فيما مضى أنّ اسم الملك قد يقع على الصور الروحانية وعلى الجماد من جهة الانقياد والاستسلام لما وضع له فغير بعيد أن يسمى الرعد وهو ريح أو صدم سحاب ملكاً على هذه الوجوه والله اعلم وقد شبه ارسطاطاليس الصوت [1] الذي يكون في السحاب بالحطب الرطب الذي يستعمل في النار فيسمع له صوت وقعقعة ويجوز أن يكون الله يخلق من اضطراب الريح في السحاب ملكاً يسميه الرعد ونحن نوفق بين مقالات أهل الإسلام وأراء القدماء ما لم نجد النص من كتابنا والخبر الصادق عن نبينا صلى الله عليه وسلم فمتى وجدنا شيئا من ذلك بخلاف آرائهم فذاك الرأي منبوذ مهجور، وأما هالة الشمس والقمر والكواكب فمن اجتماع البخار في الجو وتكاثفه فإذا سطع نور الشمس والقمر في الهواء عطف ذلك النور راجعاً في الهواء
__________
[1] . بالصوت Ms.
(2/34)

على ذلك البخار فترى تلك الدارات وقد يقول قوم بخلاف هذا والله اعلم، وأما الشهبان والأعمدة فهي من البخار اليابس إذا علا في الجو حتى قرب من فلك القمر فلينحن هنالك ويلتهب بحركة الفلك فإذا كان ذلك البخار متصلاً بعضه ببعض يرى كالشهاب والعمود والكوكب ذي الذؤابة وقال قوم أن ذلك تخيل في البصر لا حقيقة له وأما قوس قزح فمن شعاع الشمس الراجع إلى البخار الرطب كمثل ما يشرق الشعاع في الماء ثمّ يرجع الى الحائط وقد يعرض مثل ذلك لغربة [1] رمد إذا نظر الى السراج ويمكن أن يمتحن ذلك بأن يقف واقف بحذاء الشمس ويأخذ ماء فيريقه فيما بينهما ويفعل ذلك متصلاً حتى إذا كان انعكاس وجد من ذلك قوس قزح وأما حمرته وصفرته فمن قبل الرطوبة واليبس وقياس ذلك النار فإنها إذا كانت من حطب رطب كان لون تلك النار أحمر كدرا وإن كانت من حطب يابس كان لونها أصفر صافياً والخضرة التي فيه بعد الصفرة فلأن الجسم الذي ينعكس عنه يكون أكبر كدورة وزعم بعضهم أن ذلك تخيّل لا حقيقة له كراكب
__________
[1] . لعزبه Ms.
(2/35)

السفينة يتخيل إليه أن الأرض تسير معه وروى أن ابن عباس كان يكره أن يقول قوس قزح ويقول قوس قزح للشيطان وحكى وهب أن الله أظهر ذلك بعد الطوفان أماناً من الغرق والله أعلم، وأما الزوبعة فهي التقاء ريحين مختلفين من جهتيهما ومهابهما فيرتفع منها إعصار مستطيل في الهواء وقد يقال أنه شيطان والله اعلم، وأما الهدة فمن وقفات الريح في الهواء وفي الأرض، وأما الزلازل فعلى وجوه وذلك أن الأرض يابسة الطبيعة فإذا مطرت رطبت فيعمل فيها الشمس ويتولد منها بخار رطب وبخار يابس فالبخار الرطب مادة الأنداء والبخار اليابس مادة الرياح ومن طبع البخار الحركة إلى فوق فإذا تحرك وصادف أرضاً صلبة اضطرت الأرض لذلك وإن صادف أرضاً رخوة خرجت من غير زلزلة فإن كانت الأرض حجارية صلبة وتزعزعت [45] الريح في جوفها ولم يجد منفذاً فربما شقته وصدعته وربما خرجت على أثر الزلزلة الهدة الهائلة والصوت الشديد وذلك لاحتقان البخار في جوف الأرض فإذا انشقت أصاب مخرجاً وربما قلبت الأرض فيصير أعلاها أسفلها وربما شق عن عيون ومياه فأغرقت كثيراً من
(2/36)

الأرض وللقدماء في عله الزلزلة كلام كثير ومذاهب مختلفة وأما المسلمون فيقولون أنها من فعل الله إذا أراد أن يرى العباد أنّه يستعتبهم وليس بعجيب أن يجعل الله هذه الآية بتحريك الريح الأرض وزلزلت الأرض بدمشق فخطب [1] أبو الدرداء فقال إن الله يستعتبكم فأعتبوا أو أما ما روى من القصص أن لكل أرض عرقاً متصلاً بجبل قاف والملك موكل به فإذا أراد الله أن يخسف بقوم أومى إليه أن حرك ذلك العرق فإن صح وما أراه يصح إلا من جهة أهل الكتاب وليسوا بأمناء على ما في أيديهم فهو تشبيه وتقريب من إفهام الخلق وتعليم بأن ذلك كله من فعل الله لا من ذات نفسها،،،
ذكر الليل والنهار عند القدماء
الليل غيبوبة الشمس والنهار طلوعها وكثير من المسلمين يقولون الليل والنهار خلقان للَّه غير الشمس والقمر قالوا لأنا نرى الشمس أشياء كثيرة فيها جرمها ومنها ضوؤها ومنها حرها وقد نشاهد حرارة فلا ضوء وضوءاً [2] بلا حرارة فنعلم أن كل واحد منها معنى منفرد بذاته وقد
__________
[1] . فحطبMs.
[2] . وضوء Ms.
(2/37)

قال الله تعالى وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها 91: 1- 4 قال بعض المفسرين النهار يحلي الشمس فيكسوها ضوءاً وفي رواية أهل الكتاب أن أول ما خلق الله النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلاً والنور نهاراً ثم سمك السماوات السبع من دخان الماء حتى استقللن وأغطش [1] في السماء الدنيا ليلها وأخرج ضحاها فجرى فيها الليل والنهار وليس فيهما شمس ولا قمر ولا نجوم ثم دحا الأرض فأرساها بالجبال وهكذا روى محمّد بن إسحاق في المبتداء فهذا كله يدل على أن الليل والنهار ليستا من الشمس في شيء وإن كانت الشمس تعطي النهار ضوءاً وحرارة بالشمس عرفنا حر النهار من حر الليل وروى في بعض القصص أن الله خلق حجاباً من ظلمة مما يلي المشرق ووكل به ملكاً يقال له شراهيل فإذا غربت الشمس قبض الملك قبضة من تلك الظلمة واستقبل بها المغرب فلا يزال يخرج الظلمة من خلل أصابعه ويرسلها وهو يراعي الشفق فإذا غاب الشفق يبسط كفه فطبقت الدنيا ظلمة ثم نشر جناحه فساق ظلمة الليل بالتسييح إلى المغرب فذلك
__________
[1] . واعطش Ms.
(2/38)

كل ليلة حتى تنقل تلك الظلمة من الشرق إلى المغرب فإذا نقلها قامت القيامة وحكى وهب عن سلمان في هذه القصة أن ملك الليل يقال له شراهيل بيده خرزة سوداء قد دلاها من قبل المغرب فإذا نظرت الشمس إليها وجبت وبذلك أمرت وملك النهار يقال له هراميل بيده خرزة بيضاء يعلقها من قبل المطلع فإذا رأها شراهيل [1] مدها إلى خرزته السوداء فينظر الشمس إلى الخرزة البيضاء فتطلع وبذلك أمرت فإن كان شيء من هذا حقاً آمنا به وصدقنا وإن كان غير ذلك فاللَّه اعلم فمحمول على التأويل والتمثيل،،،
صفة الأرض وما فيها
قال الله تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً 78: 6- 7 وقال تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً 2: 22 وقال الله تعالى وَالله جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ [46] بِساطاً 71: 19 وقال قوم في معنى المهاد والبساط القرار عليها والتمكن منها والتصرف فيها وقد اختلف القدماء في هيئة الأرض وشكلها فذكر بعضهم أنها مبسوطة مستوية السطح في أربع جهات والمشرق والمغرب والجنوب والشمال ومن هؤلاء من زعم أنّها
__________
queporteletexte. [1] هراميل Corr.marg.pour
(2/39)

كهيئة الترس ومنهم من زعم أنها كهيئة المائدة ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل وذكر بعضهم تشبيه بنصف الكرة كهيئة القبة وأن السماء مركنة [1] على أطرافها وقال بعضهم هي في جانب من الفلك الأوسط وقال قوم هي مستطيلة كالأسطوانة الحجرية كالعمود وقال قوم أن الأرض إلى ما لا نهاية وأن السماء يرتفع إلى ما لا نهاية وقال قوم أن الذي يرى من دوران الكواكب إنما هو دور الأرض لا دور الفلك والذي يعتمده جماهيرهم أن الأرض مستديرة كالكرة وأن السماء محيطة بها من كل جانب إحاطة البيضة بالمحة فالصفرة بمنزلة الأرض وبياضها بمنزلة الهواء وجلدها بمنزلة السماء غير أن خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستوية الخرط حتى قال مهندسوهم لو حفر في الوهم وجه الأرض لأدى إلى الوجه الآخر ولو نقب مثلاً بفوشنج [2] لنفذ بأرض الصين قالوا والناس على وجه الأرض كالنمل على البيضة واحتجوا لقولهم بحجج [3] كثيرة منها برهانىّ ومنها إقناعىّ
__________
[1] . مركّبةMs.
[2] . بفوسنجMs.
[3] . بججاج Ms.
(2/40)

فالذي يجب على المسلم اعتقاده إجازة ذلك على الإمكان لأن البسيط يحتمل نشر الشيء ومده كالثوب وغيره ويحتمل التمكن منه فإن كان الناس على الأرض كما زعموا فالأرض لمن هي تحته بساط كمثل من هي فوقها وما نبأ وللَّه الحمد علينا معاندة الحق ومعاداة أهله ولا الإزراء بشيء من العلوم والآداب وإن كانت تتخيله [1] الديانة يقطع وثبت الولاية ولا نصرة للدين أعظم من تنزيل الحق منزلته وإعطاء كل ذي حق حقه وزعم بعضهم أن الأرض مقعرة وسطها كالجام واختلفوا في كمية عدد الأرضين قال الله تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمن الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ 65: 12 فاحتمل هذا التمثيل أن يكون في العدد والأطباق فروى في بعض الأخبار أن بعضها فوق بعض غلظ كل أرض مسيرة خمس مائة عام وما بين أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام وحتى عد بعضهم لكل أرض أهلاً على صفة وهيئة عجيبة وسمى كل أرض باسم خاص كما سما كل سماء باسم خاص وزعم بعضهم أن في الأرض الرابعة حيات أهل النار وفي الأرض السادسة حجار أهل النار فمن
__________
[1] . ل [؟] له Ms.
(2/41)

نازعته نفسه إلى الإشراف عليه نظر في كتب وهب وكعب ومقاتل وطبقه هذا العلم فاستوفى فيها حظه فإنها معرضة ممكنة وعن عطاء بن يسار في قول الله تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمن الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ 65: 12 قال في كل أرض آدم ونوح مثل نوحكم وإبراهيم مثل إبراهيمكم والله اعلم وأحكم وليس ذا بأعجب من قول الفلاسفة أن الشموس شموس كثيرة وأن القمر أقمار كثيرة في كل إقليم شمس وفي كل إقليم قمر ونجوم وقالت القدماء أن الأرض سبع على المجاورة والملاصقة وافتراق الأقاليم لا على المطابقة والمكاسبة وأهل النظر من المسلمين يميلون [1] إلى هذا القول ومنهم من يرى أن الأرضين سبع على الانخفاض والارتفاع كدرج المراقي ويزعم بعضهم الأرض مقسومة بخمس مناطق وهي المنطقة الشمالية والجنوبية والمستوية والمعتدلة [46] والوسطى واختلفوا في مبلغ الأرض وكميتها فروى عن مكحول أنه قال مسيرة ما بين أقصى الدنيا إلى أدناها خمس مائة سنة مائتان من ذلك البحر ومائتان ليس يسكنها أحد وثمانون فيه يأجوج ومأجوج وعشرون فيه سائر الخلق وعن
__________
[1] . مم [؟] لون Ms.
(2/42)

قتادة قال الدنيا عشرون وأربع آلاف فرسخ فملك السودان اثنا عشر ألف فرسخ وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ وملك العجم ثلاثة آلاف فرسخ وملك العرب ألف فرسخ وعن عبد الله بن عمر قال ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر [1] من جميع الناس وقد أخرج بطلميوس مقدار قطر الأرض واستدارتها في المجسطي بالتقريب قال استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف اسطاديوس [2] وهي أربعة وعشرون ألف ميل ويكون ثمانية آلاف فرسخ بما فيها من البحار والجبال والفيافي والغياض [3] والفرسخ ثلاثة أميال والميل ثلاثة ألف ذراع بذراع الملك والذراع ثلاثة أشبار وثلاثة أشبار ستّة وثلاثون أصبعاً والأصبع الواحدة خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض والاسطاديوس [4] أربع مائة ذراع قال وغلظ الأرض وهي قطرها سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلاً يكون ألفين وخمس مائة فرسخ وخمسة وأربعين فرسخا وثلثا قال فبسيط الأرض
__________
[1] . أكثرMs.
[2] . اسطاربوسMs.
[3] . والعياضMs.
[4] . والاسطاربوس Ms.
(2/43)

كلّها مائة واثنان وثلاثون ألف [ألف] وستّمائة ألف ميل يكون مائتي ألف وثمانية وثمانين فرسخاً فإن كان حقاً فهو وحي من الحق أو إلهام وإن كان قياساً واستدلالاً فقريب أيضاً من الحق وإن كان غير ذلك من تنجيث [1] وتنجيم فاللَّه أعلم وأما قول قتادة ومكحول فلا يوجب العلم اليقيني الذي يقطع على الغيب به واختلفوا في البحار والمياه والأنهار فروى المسلمون أن الله خلق البحار مراً زعافاً وأنزل من السماء الماء العذب كما قال وَأَنْزَلْنا من السَّماءِ ماء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ [2] في الْأَرْضِ 23: 18 وكل ماء عذب من بئر أو نهر أو غير ذلك فمن ذلك الماء فإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكاً معه طست فجمع تلك المياه فردها إلى الجنة وزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة الفرات وسيحان وجيحان ودجلة وذلك أنهم يزعمون أن الجنة من مشارق الأرض وروى أن الفرات جزر زمن معاوية فرمى برمانة مثل البعير البازل فقال كعب أنه من الجنة فإن صدقوا فليست هي بجنة الخلد ولكنّها من جنان
__________
[1] . تنحببMs.
[2] . ماء القدر فأرسلناه Ms.
(2/44)

الأرض وعند القدماء أن المياه من الاستحالات فطعم كل ماء على طعم تربته ونحن لا ننكر قدرة الله سبحانه على إحالة الشيء على ما يشاء كما يحول النطفة علقة والعلقة مضغة ثم كذلك حالاً بعد حال إلى أن يفنيه كما أنشأه واختلفوا في ملوحة ماء البحر فزعم قوم أنه لمّا طال مكثه وألحّت الشمس عليه بالإحراق صار مراً ملحاً واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو نقيه [1] ما صفته الأرض من الرطوبة فغلظ وزعم آخرون أن في البحر عروقاً تغير ماء البحر ولذلك صار مرّا زعافا واختلفوا في المدّ والجزر فزعم ارسطاطاليس أن علة ذلك من الشمس إذا حركت الريح فإذا ازدادت الرياح كان منها المد وإذا نقصت كان عنها الجزر وزعم كيماوس أن المد بانصباب الأنهار في البحر والجزر بسكونها وزعم بعضهم أن ذلك من تحرّك الأرض وسكونها والمنجّمون منهم من يزعم أنّ المد بامتلاء القمر والجزر [47] بنقصانه وقد روى في بعض الأخبار أن للَّه ملكاً موكلاً بالبحار فإذا وضع يده في البحر مد وإذا رفعه جزر فإن صح ذلك والله أعلم كان
__________
[1] . [؟] نقيه Ms.
(2/45)

اعتقاده أولي من المصير إلى ما لا يفيد حقيقة ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك يهب [1] الرياح التي تكون سبب المد ويزيد في الأنهار أو يفعل [2] ذلك عند امتلاء القمر حتى يكون توفيقاً بين الروايات والآراء لكان هذا مذهباً والله أعلم، واختلفوا في الجبال قال الله عز وجل وَأَلْقى في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ 16: 15 وقال تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً 78: 6- 7 وقال تعالى ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ 50: 1 قال قوم من المفسرين أنه جبل محيط بالعالم من زمردة خضراء ثم اختلفوا فقال بعضهم أن منه إلى السماء مقدار قامة رجل وقال آخرون بل السماء مطبقة عليه وقال قوم وراءه عوالم [3] وخلائق لا يعلمها إلا الله ومنهم من يقول ما وراءه من حد الآخرة ومن حكمها وإن الشمس تغرب فيه وتطلع منه وهو الساتر لها عن الأرض ويسميه القدماء بالفارسية [4] كوه البرز وحكى أفلوطرخس [5] عن
__________
[1] . تهبّMs.
[2] . يفعلMs.
[3] . عواليمMs.
tenmargedanslems. [4]
[5] . افلوطوخس Ms.
(2/46)

ديمقريطيس [1] أن الأرض كانت في الابتداء تكفأ لصغرها وخفتها على طول الزمان فتكاثفت وثبتت وهذا قول المسلمين بعينه لو أنّه زاد فيه ثبت بالجبال ومنهم من يزعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها واختلفوا فيما [2] تحت الأرض أما القدماء فأكثرهم يزعمون أن الأرض يحيط بها الماء والماء يحيط به الهواء والهواء تحيط به النار والنار يحيط بها السماء الدنيا ثم الثانية إلى السبع ثمّ فوقها فلك الكواكب الثابتة محيط بهذه السماوات والأركان التي ذكرنا ثم فوقها الفلك الأعظم المستقيم ثم فوقه عالم النفس وفوق عالم النفس عالم العقل وفوق عالم العقل البارئ جل جلاله ليس وراءه شيء وهو فوق كل شيء فعلى مذهبهم أن تحت الأرض سماء كما فوقها وفي كتب قصاص المسلمين أشياء يضيق الصدر عنها وروى أن الله تعالى لما خلق الأرض كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فبعث الله ملكاً فهبط حتى دخل تحت الأرض فوضع الصخرة على عاتقه [3] ثمّ أخرج
__________
[1] . ديمقرطرطبيسMs.
[2] . فيهاMs.
[3] . عاتقه Ms.
(2/47)

يديه إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها فاستقرت ولم يكن لقدمه قرار فأهبط الله ثوراً من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة فجعل قرار قدمي الملك على سنامه فلم تصل قدماه إليه فبعث الله ياقوتة خضراء من الجنة غلظها مسيرة كذا ألف عام فوضعها على سنام الثور فاستقرت عليها قدماه وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض مشبكة تحت العرش ومنخر الثور في ثقبين من ملك الصخرة تحت البحر فهو يتنفس كل يوم نفسين فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه جزر البحر قال ولما لم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله كمكما كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرّت عليه قوائم الثور ثمّ لو لم يكن للكمكم مستقر فخلق الله حوتاً يقال له بهموت [1] فوضع الكمكم على وتر [2] الحوت والوتر [3] الجناح الذي يكون في وسط ظهره وذلك الحوت [على الريح] العقيم وهو مزموم بسلسلة كغلظ السماوات
__________
.RESTiTUEd ,apresQazwini ,Adjatb ,p.145. [1] بلهوتMs.
[2] . وترMs.
[3] . والوتر Ms.
(2/48)

والأرضين معقودة قال ثم انتهى إبليس عليه اللعنة إلى ذلك الحوت فقال ما خلق الله خلقاً أعظم منك فلم لا نزيل [1] الدنيا [47] فهم بشيء من ذلك فسلط الله عليه بقة في عينه فشغلته وزعم بعضهم أن الله سلط عليه سمكة كالشطبة فهو ينظر إليها ويهابها قالوا ثم أنبت الله من تلك الياقوتة جبل قاف وهو من زمرّد خضراء وله رأس ووجه وأسنان وأنبت من جبل قاف الشواهق كما أنبت الشجر من عروق الشجر وزعم وهب أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصب من مياه الأرض فإذا امتلأت أجوافهما قامت القيامة قالوا والأرض على ماء والماء على الصخرة والصخرة على سنام ثور والثور على كمكم من الرمل متلبد والكمكم على ظهر الحوت والحوت على الريح العقيم والريح في حجاب من الظلمة والظلمة على الثرى وإلى الثرى انتهى علم الخلائق لا يعلم أحد ما دون ذلك إلا الله بقوله تعالى لَهُ ما في السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى 20: 6 وحكى وهب فيما روى عن عيسى عليه السلام أنه سئل عما تحت الأرض فقال ظلمة الهواء وقيل فما تحته قال انقطع علم
__________
[1] . نريل Ms.
(2/49)

العلماء فهذه القصص ما تولع بها العوام ويتنافسون فيه ولعمري انه لممّا يريد المرء بصيرة في دينه وتعظيماً لقدرة ربه وتحيراً في عجائب خلقه فإن صحت فما خلقها على الله بعزيز وإن لم يكن من اختراع أهل الكتاب وتزوير القصاص فكلها تمثيل وتشبيه والله أعلم وقد روى شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم [كان] جالساً في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال [النبي] [1] اعلموا أن هذه زوايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما الذي فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف قال هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمس مائة عام ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فوقه العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين سماءين ثم قال أتدرون ما تحتكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمس مائة عام ثم قال
__________
Lacunedansl ,original. [1]
(2/50)

والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل لهبطتم على الله ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ 57: 3 الآية فهذا الخبر يشهد بصدق كثير مما يروون إن صح والله أعلم وليس فيه ذكر الكمكم والصخرة والثور وغير ذلك وأما أهل النظر فمختلفون فيما تحت الأرض فزعم هشام بن الحكم أن تحت الأرض جسماً من شأنه الارتفاع والعلو كالنار والريح وأنه المانع للأرض من الانحدار وهو نفسه غير محتاج إلى ما يعمده من تحته لأنه ليس مما ينحدر بل يطلب الارتفاع وزعم أبو الهذيل أن الله وقفها بلا عمود ولا علاقة وقال بعضهم أن الأرض ممزوجة من جنسين خفيف وثقيل فالخفيف شأنه الارتفاع والصعود والثقيل شأنه الهبوط فيمنع كل واحد منهما صاحبه من الذهاب في جهة لتكافئ تدافعهما [1] والله أعلم واختلف القدماء في ذلك فزعم قوم منهم أن الأرض تهوي إلى ما لا نهاية وزعم آخرون أن بعضها يمسك بعضاً وزعم بعضهم أنها في خلاء لا نهاية لذلك الخلاء وعامتهم أن دوران الفلك عليها يمسكها في المركز [48] من جميع نواحيها ويقول
__________
[1] . تدافعهما Ms.
(2/51)

أرسطاطاليس [1] أن خارج العالم من الخلاء مقدار ما يتنفس السماء فالذي ينبغي أن يعتقد من هذا أن العالم لو كان في مكان احتاج ذلك المكان إلى مكان آخر فإذا جاز أن يخلق الله المكان لا في مكان فأي عجب أن يخلق الأرض لا في مكان ولو كان ما فيه الأرض من خلاء أو فضاء شيئاً لوجب أن يكون مخلوقاً بدلالات أثر الخلق فيما دون الخالق سبحانه وقد سبق ذكر هذا فيما قبل،
ذكر قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ 11: 7
فروي عن ابن عباس أنه قال في مقادير ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة من أيام الدنيا وروى عن الحسن أنه قال في ستة أيام من أيام الدنيا ولو شاء بساعة ولو شاء بأسرع من طرفة عين ولكنه أراد إظهار قدرته لخلقه وآيات حكمته لملائكته ما يرون من ظهور آثار صفته شيئاً بعد شيء وقد قيل أن مدة الدنيا ستة أيام فلذلك خلقت في ستة أيام وروى طائفة من اليهود أن الدنيا تنقضي [2] في كل ستة آلاف سنة وتعاد في السابعة قال ابن إسحاق يقول أهل
__________
[1] . ليسMs.ajoute
[2] . ينقضي Ms.
(2/52)

التوراة ابتداء الخلق يوم الأحد وفرغ منه يوم السبت فجعله عيداً لعباده وعظمة شرفه وكرمه ويقول أهل الإنجيل الابتداء يوم الإثنين وكان الفراغ يوم الأحد ويقول المسلمون ابتداء الخلق يوم السبت وكان الفراغ يوم الجمعة وإنما سميت يوم الجمعة لاجتماع الخلق فيه [و] كثير من المسلمين ينكرون هذه الرواية ويقولون ابتداء الخلق يوم الأحد وإما المجوس فإنهم يعظمون يوم الإثنين وهم يزعمون أن الله خلق الخلق في ثلاثمائة وستين يوماً وسمعت بعض أهل العلم يزعم ما من يوم إلا وهو عيد لقوم والله اعلم قال الله تعالى أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ 41: 9 قال الأحد والإثنين وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ من فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ 41: 10 الى قوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ 41: 12 الخميس والجمعة [1] وهكذا روى عكرمة عن ابن عباس خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين وشق الأنهار وغرس الأشجار وقدر الأقوات يوم الثلثاء ويوم الأربعاء وخلق السماوات وما فيها يوم الخميس ويوم الجمعة قال
__________
[1] . الجمع Ms.
(2/53)

عدىّ بن زيد [بسيط]
قضى لستة أيام خلائقه ... وكان آخر شيء صور الرّجلا
فإن قيل إذا كان اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها فكيف يجوز القول بأنه خلق في اليوم قبل اليوم قيل قد بيّنّا قول المسلمين أن النهار والليل خلقا قبل الشمس والقمر وأنهما ليسا من الشمس والقمر في شيء وليست أيام الخلق كأيام الدنيا ولكنها المقادير كان يظهر الخلق فيها وقد سمى الله يوم القيامة ولا شمس ثم ولا قمر يوماً وقال لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا 19: 62 ويقال أن الله خلق الشمس يوم الأحد والقمر يوم الاثنين والمرّيخ يوم الثلثاء وعطارد يوم الأربعاء والمشتري يوم الخميس والزهرة يوم الجمعة وزحل يوم السبت فلذلك نسبت الأيام إليها فيقال رب يوم الأحد الشمس [1] وربّ يوم الإثنين [2] القمر وربّ يوم الثلثاء المريخ ورب يوم الأربعاء عطارد [48] ورب يوم الخميس المشتري ورب يوم الجمعة الزهرة ورب يوم السبت زحل ويستحب ابتداء الأعمال يوم الأحد لعظم قوة
__________
dditionmarginale. [1]
douxfoisdanslems. [2]
(2/54)

الشمس وسلطانها والسفر يوم الاثنين لسرعة سير القمر والحجامة والفصد يوم الثلثاء لمكان المريخ والدواء يوم الأربعاء لممازجة عطارد والخميس قضاء الحوائج وطلبها لفضل المشتري واللهو والفرح يوم الجمعة لأجل الزهرة والصيد يوم السبت وفيه يقول بعض المتأخّرين [وافر]
لنعم اليوم يوم السبت حقاً ... لصيد إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء لأن فيه ... تبدّا الرب في خلق السماء
وفي الاثنين إن سافرت فاعلم ... سترجع بالنّجاح وبالثّراء
وإن ترد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته سفك الدماء
وإن ترد الدواء فنعم يوماً ... لشرب المرء يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاجٍ ... وفيه الله يأذن بالقضاء
وفي الجمعات تزويج وعرس ... ولذات الرجال مع النساء
ذكر ما حكي من المدة قبل خلق الخلق
[1] روى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار [2] عن طاووس [3] عن عكرمة عن ابن
__________
itsinseresparIbn -al -rdtdanssaKhartda (voirlapreface) .ellequeBindiqueI ,eeauCaireetPIems.desaint -Petersbourg. [1]
ManquedansBetP. [2]
[3] . طاوس B
(2/55)

عباس رضي الله عنه [1] قال قيل [2] لموسى [3] مذ [4] كم خلق الله الدنيا [5] فقال موسى يا رب ما تسمع [6] ما يقول [7] عبادك فأوحى الله [8] إليه [9] إني خلقت أربعة عشر ألف مدينة من فضة وملأتها خردلاً وخلقت لها طيراً وجعلت رزقه كل يوم حبة [10] حتى أفني ذلك ثم خلقت الدنيا فقيل لابن عباس فأين كان عرشه قال على الماء قيل فأين كان الماء قال [11] على متن الريح وروى مثل هذا عن [12] علي بن أبى طالب عليه
__________
[1] . عنهماB ,P
[2] . قالت بنو إسرائيلB ,P
[3] . بن عمران عليه السلام سل ربّكBetPajoutent:
[4] . منذB
ManquedansP. [5]
[6] . اما تسمعP
[7] . تقولP
[8] . سبحانه وتعالى P بن سبحانهB
[9] . يا موسىB ,Pajoutent:
etn entreasterisques. [10] من ذلك الخردل فأكل الخردل حتى فنى ما في الخزائن من تلك الخردل ,P ومات الطير بعد استيفاء رزقه ثمّBajoute: ...
ManquedansP. [11]
[12] . طاووس مرفوعا عن BetPajoutent:
(2/56)

السلم [1] فهذا [2] شيء غامض صعب موكل [3] إلى علم الله إذ ليس يدري ما الذي كان قبل هذا الخلق [4] مثل هذا الخلق أو [5] على خلافهم وهل تعيد [6] الدنيا بعد فناء هذه الدنيا أم لا لأنه لم يخبرنا في كتابه ولا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك ولا في قوة العقل والاستدلال عليه فأما الخبر فغير معتمد عليه وغير عجيب ما ورد فيه ولا خارج من القدرة ولا مبطل الحكمة ولو كان أضعاف ذلك [7] وزعم بعض الناس أنه عد قبل آدم هذا الذي ينسب إليه ابتداء الشيء [8] ألف ومائتا آدم [9] والله
__________
[1] . رضى الله عنهما P بن رضى الله عنهB
[2] . فقال هذاB etP
[3] . موكولB
[4] . أمثلB ,P
[5] . أمB ,P
[6] . يعيدB
gurequedansBseul. [7] والاخبار واردة بأشياء عجيبة والقدرة صالحة لأضعاف [أضعاف] ذلكToutcepassage ,depuisl ,asterisque ,nsBetPparcesmots:
[8] . ننسب.BetP
[9] . ألف آدم ومائة [ومائتا [B آدم P
(2/57)

أعلم وكأنه [1] جائز كونه [2] وداخل في حد الإمكان [3] فأما الذي لا يسع [4] القول إلا به ويلزم [5] اعتقاده انفراد الله تعالى [6] عن خلقه سابقاً من غير شريك ولا جوهر قديم [7] ثم أبدع الأشياء لا من شيء ولو كان بين شيئين من المدد ما لا يأتي عليه الإحصاء والعدد إلا أنه لا يصح إلا من جهة خبر صادق لأنا نخبر بقاء الحوادث على الأبد إلى ما لا نهاية فليس ذكر تلك المدة بأعجب من هذا وكون أهل الجنة في الجنة وكون أهل النار في النار،
ذكر مدّة [8] الدنيا واختلاف الناس فيها
قال الله تعالى
__________
[1] . وكلهB ,P
[2] . تحت الإمكان BetPajoutent: بن لكونهB
[3] . الإيجادBetP
[4] . لا يسوغ ,corrigedapresP ;B لا يسمعMs.
[5] . لا يلزم إلّاBetP
[6] . جل جلالهBetP
[7] وابداعه الأشياء لا من شيء سبحانه لا إله الا هوLepassagesuivant ,afinduparagraphe ,dansBetPparcelui -ci:
[8] . هذه P.
(2/58)

خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ 7: 54 فزعم قوم أن مدة الدنيا ستة آلاف سنة مكان كل يوم ألف سنة وروي عن كعب [1] أن الله [2] وضع الدنيا [49] على [3] سبعة أيام [4] وروى ابو المقوّم الأنصاريّ عن ابن جبير عن ابن عباس [5] قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة وروى ابن أبي نجيح [6] عن مجاهد وأبان عن عكرمة في قوله تعالى في يَوْمٍ كانَ [7] مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ 70: 4 قالا [8] هي الدنيا من أولها إلى آخرها وجاء خبر آخر في أمد الدنيا [9] أنه مائة ألف سنة وخمسون ألف سنة وخبّرنى [10]
__________
[1] . رضى الله عنه BetP بن الأحبارBajoute:
[2] . تعالىPajoute:
[3] . فيP
[4] . مكان كل يوم ألف سنةBetPajoutent:
[5] . رضى الله عنهماBetP
[6] . يحيحMs.
[7] . في كلّ يومMs.
[8] . قالBetP
[9] . وجاء في خبر اخرBetP
[10] . قال البلخي رحمه الله أخبرنى BetP
(2/59)

هربذ [1] المجوس [2] بفارس أن في كتاب لهم أن مدة الدنيا أربعة أرباع فأولها ثلث مائة ألف سنة وستون ألف سنة عدد أيام السنة وقد مضت والثاني [3] ثلاثون ألف سنة عدد أيام الشهر [4] وقد مضت [5] والثالث [6] اثنا [7] عشر ألف سنة عدد شهور السنة وقد مضت [8] والرابع [9] سبعة آلاف سنة عدد أيام الأسبوع ونحن فيها وللهند وأهل الصين فيه حساب يطول نذكره في موضعه إن شاء الله [10] ووجدت [11] في كتاب رواية عن وهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل
__________
[1] . وحترنى هربدMs.
[2] . وهو اعلم من الموبذان [الموبد ,PetBajoutent: [P المجوسيP
[3] . والربع الثانيPetB
[4] . الشهورP
[5] . أيضاBetPajoutent:
[6] . والرابع الثالثBetP
[7] . اثنىMs.
[8] . أيضاBetPajoutent:
[9] . والرابع الرابعBetP
Toutcepassage ,epuislasterisque ,manquedansBetP. [10]
[11] . قال البلخي رحمه الله وجدت BetP
(2/60)

مذ [1] كم خلقت الدنيا فقال أخبرني ربي [2] انه خلقها منذ سبع مائة ألف سنة إلى اليوم الذي بعثني [3] فيه رسولاً إلى الناس ثم زعم صاحب الكتاب [4] أن مما يدل على ذلك ما جاء في الخبر أن إبليس عبد الله [5] خمسة وثمانين ألف سنة وإنه [6] خلق بعد ما خلق السماوات والأرض بما شاء [7] وهذا كله ممر على وجهه إن لا يقوم يقطع [8] العلم به وما على إذا علمت أن الدنيا محدثة مكونة ولها انتهاء وانقضاء إن لا أعلم كم مضى منها وكم بقى فكيف تطمئن النفس إلى قول من يزعم أنه قد أحصى سني [9] الدنيا وشهورها وأسابيعها وعدد أيامها
__________
[1] . مندBetP
[2] . عزّ وجلّPajoute:
ManquedansP. [3]
[4] . وزعم أيضاBetP
[5] . قبل ان يخلق آدمBetP
ManquedansB. [6]
.reauteurparIbnal -Wardt. [7] من المدد ما شاء الله والله B] سبحانه و] تعالى بغيبه اعلمP
[8] . [؟] قطعMs.
[9] . سنىّ Ms.
(2/61)

ولياليها وساعاتهما ودقائقها وثوانيها وهل يقول مثل هذا عاقل،
ذكر الدنيا وما هي
وجدت في كتاب باباً منفرداً في اختلاف الناس في الدنيا فحكى عن قوم أنهم يقولون الدنيا العالم بأسره وجميع أجزائه في السماء والأرض وما فيهما ومن قوم أنهم يقولون الدنيا تعاقب الفصول الأربعة وبقاء النماء والتناسل فإذا بطل هذا بطلت الدنيا وعن قوم أنهم قالوا أن الدنيا ضوء النهار وظلمة الليل وعن قوم أنهم قالوا أن الدنيا هذا الخلق لا غير فإذا فني فنيت الدنيا وعن قوم أنهم يقولون أن الدنيا سلطان ومال وجاه ودعة وعن قوم الدنيا هي ما بين السماء والأرض وقالوا قوم الدنيا هي الزمان فمن قال أن الدنيا هي هذا الجنس من الخلق قال ابتداؤها عند ظهور النشو ولا بعد ما قبلها من الدنيا من خلق السماوات والأرضين والملائكة وما ذكر من أصناف الخلائق قبل آدم ومن قال هو هذا العالم بأسره عد ما وجد قبل آدم من الدنيا وكذلك من حدها بحد [1] فابتدأ من حيث حدّ قال الله تعالى
__________
[1] . بحدّ Ms.
(2/62)

فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ [1] الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ 31: 33 [2] وقال تعالى يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي 89: 24 [3] فأخبر أن الدنيا حياة والآخرة حياة ثم أضاف الفانية إلى الدنيا لفنائها وأضاف الباقية إلى الأخرى لبقائها وإنما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق والآخرة آخرة لتأخرها إلى أن تفنى الدنيا فكل ما هو فانٍ أو سيفنى يوماً من الخلق والأمر كائناً ما كان فهو دنيا وكل ما هو غير فان فهو من الآخرة ألا ترى أنه يقال لمن شاب وانصرم شبابه ذهبت دنياه ولمن ذهب ماله وسقط جاهه [49] ذهبت دنياه ولمن مات هلك دنياه فلا تسمى دنيا إلا كل ما هو فانٍ ذاهب ومثال دنيا فعلى من الدنو كالصغرى والكبرى قال [وافر]
هب الدنيا تساق عليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى الزوال
وما دنياك إلا مثل فيء ... أظلّك ثمّ آذن بالزّوال
ومن هاهنا قيل أن الدنيا دنية كاسمها وأن الدنيا دنى كثيرة
__________
[1] . حياةMs.
[2] . العزيزMs.
[3] . لحياتي Ms.
(2/63)

فكل إنسان له دنيا في نفسه على حدته فماله دنيا له وجاهه دنيا له وأيّامه دنيا له ومكانه دنيا له وكل ما يناله ويسر به مما لا يبقى دنيا له وأنشدنى بعضهم [رمل]
أنت دنيا كيف ذمك لدنيا [1] ... ألتي أنت هي ومنتهاكا [2]
ويدل خبر علي بن أبي طالب عم أن الأرض من الدنيا حيث قال [3] للذي يسمعه يذم، الدنيا مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه ويدل أن السماء من الدنيا قوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 21: 104 [4] فلو كانت من الآخرة لم تطو لأن الآخرة غير فانية،
ذكر ما وصف من الخلق قبل آدم
[5] روى في الحديث أن كل شيء خلق الله قبل آدم عم [6] وأنّ آدم وجد بعد إيجاد
__________
nvientpasaumetre. [1] بن للدنياMs.
[2] . وهي منتهاكاMs.
[3] . قال حيث قالMs.
[4] . للكتابMs.
.geinsereparIbnal -Wardt. [5] عليه السّلامBajoute:
[6] . خلقه الله P] تعالى] من الخلق كان قبل آدم B
(2/64)

الخلق لأنه خلق في الأيام [1] التي خلق فيها الخلق وقد ذكرنا ما قيل في خلق الملائكة فلنقل الآن في خلق الجان قال الله عز وجل خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ من نارٍ 55: 14- 15 وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى خلق الملائكة من نور قال الله تعالى وَالله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من ماءٍ 24: 45 وقال تعالى وَنَزَّلْنا من السَّماءِ ماء مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا به جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ 50: 9 وقال جل ذكره وَأَنْبَتْنا فِيها من كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ 15: 19 قال بعض أهل التفسير أنه الجواهر التي توزن فأخبر سبحانه عن جميع خلقه ممن خلق من الماء والنار والطين [2] وروى بقية [3] بن الوليد عن محمد بن نافع عن محمد بن عبد الله بن عامر المكّي أنّه قال خلق الله [4] خلقه من أربعة أشياء الملائكة من نور والجان من نار والبهائم من ماء وبنى آدم [5]
__________
[1] . لانه خلق آدم آخر الأيامB
Toutcepassage ,epuislasterisque ,manquedansBetP. [2]
[3] . بقيصة ,P بقيّهMs.
[4] . تعالىPajoute:
[5] . وآدم BetP
(2/65)

من طين [1] فجعل [2] الطاعة في الملائكة والبهائم لأنهما [3] من النور والماء وجعل المعصية في الجن والإنس لأنهما من الطين والنار وروينا عن شهر بن حوشب أنه قال [4] خلق الله في الأرض خلقا [5] ثم قال لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً 2: 30 فما أنتم صانعون قالوا نعصيه ولا [6] نطيعه فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم ثم خلق الجن فأمرهم بعمارة الأرض فكانوا يعبدون الله [7] حتى طال عليهم الأمد فعصوا وقتلوا نبياً لهم يقال له يوسف وسفكوا الدماء فبعث [8] عليهم جندا من الملائكة عليهم إبليس واسمه [9] عزازيل فأجلوهم عن الأرض وألحقوهم بجزائر
__________
[1] . وذريته كذلك بالتبعيةBetPajoutent:
[2] . سبحانهBetPajoutent:
;corrigedapresB. [3] لأنهاMs.etP
[4] . قيلB
[5] . وأسكنهم فيهاBetPajoutent:
[6] . فلاBetP
[7] . تعالى P بن حق عبادتهBajoutent:
[8] . اللهBetPajoutent:
[9] . من الملائكة جندا وجعل عليهم إبليس رئيسا وكان اسمه BetP
(2/66)

البحور وسكن إبليس ومن معه [1] الأرض فهانت عليه العبادة وأحبوا المكث فيها فقال الله عزّ وجل لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً [2] قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها [3] من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [4] وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ 2: 30 وروى عن ابن عباس رضي الله عنه [5] أن الله تعالى لما خلق الجن [6] من نار سموم [7] جعل [8] منهم الكافر والمؤمن [9] ثم بعث إليهم رسولاً من الملائكة وذلك قوله تعالى الله يَصْطَفِي من الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمن النَّاسِ 22: 75 [50] قال فقاتل [10] الملك [11] بمؤمنى [12] الجنّ كفّارهم فهزموهم
__________
[1] . من الملائكةBetPajoutent:
[2] فصعب عليهم العزل ومفارقة المألوف وقالواiciuncommentaire:.
[3] . على طريق الاستفهام من الله سبحانهBetP ,commentaire:
4 Leresteduversetn ,tpascitedansBetP. [4]
[5] . رضى الله عنهماBetP
[6] . الجانBetP
[7] . السمومBetP
[8] . وجعلMs.
[9] . المؤمن والكافرBetP
[10] . قا فقاتلMs.
[11] . المرسلBajoute:
[12] . بمؤنى Ms.
(2/67)

وأسروا إبليس وهو غلام وضيء اسمه الحارث [1] أبو مرة فصعدت الملائكة به إلى السماء ونشأ بين الملائكة في الطاعة والعبادة وخلق [2] خلقاً في الأرض فعصوه فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فنفوهم عن الأرض ثم خلق [3] آدم فأشقى إبليس وذريته به وزعم بعضهم أنه كان قبل آدم في الأرض خلق لهم لحم ودم واستدلوا بقوله تعالى قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ 2: 30 فلم يقولوا [4] إلا عن معاينة واحتجوا أيضاً بقول حوبر [5] أنه كان خلق [6] فبعث إليهم نبي [7] يقال له [8] يوسف فقتلوه هذه ثلاث أمم سكنوا الأرض قبل آدم التي [9] إبليس من نسلها [10] والذين قتلوا
__________
[1] . الحرثBetP
[2] . اللهBajoutent:
[3] . الله تعالى P بن اللهBajoutent:
[4] . ذلكBetPajoutent:
[5] . جوبين، P جويبرB
[6] . انهم كانوا خلقاBetP
[7] . نبياP
[8] . اسمهBetP
[9] . والذين سكنوا الأرض قبل آدم ثلاث أمم الذينBetP
[10] . نسلهم BetP
(2/68)

نبيهم [1] والذين أجلاهم إبليس من الأرض مع ما قيل أنه كان قبل آدم ألف آدم ومائتا ألف [2] آدم ونوح ألف [3] آخر وهو [4] آخر الآدمين وروى أن آدم لما خلق قالت له الأرض يا آدم جئتني بعد ما ذهبت جدتي [5] وشبابي وقد خلقت قال عدى بن زيد [6] [بسيط]
[قضى لستة أيام خلائقه] ... وكان آخر شيء صور الرجلا [7]
ذكر خلق الجن والشياطين
اعلم أن أصل الخلق وقع في شيئين من لطيف وكثيف فما خلق من الكثيف كثيف كالجوامد والموات والثواني من الجواهر والأشجار وما خلق من اللطيف لطيف كالهواء والرياح والملائكة والجنّ وما خلق من
__________
[1] . يوسفBetPajoutent:
dditionmarginale ;manquedansBetP. [2]
ManquedansBetP. [3]
ManquedansB. [4]
[5] . جدّتىMs.
[6] . مفرداBajoute:
.emprunteparIbnal -Wardt. [7] كذا في الأصل.Enmarge: ران جلا Lems.secondhemistiche ,otsainsideformes:
(2/69)

لطيف وكثيف اجتمع فيه المعنيان كأجناس الحيوان ثم خص منها بالروح الحقيقي والعقل المميز والنفس الناطقة كان إنساناً فضل على غيره بذلك وقد ذكر الله تعالى أنه خَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ من نارٍ 55: 15 فزعم قوم أنّه ماء ورج ونار قالوا والرج الضباب فكمل خلقهم من أربعة أشياء من الماء والرج والضوء والحرارة وأكثرهم على أن المارج [الغير] المختلط من لهب النار فما فيهم من خفة وسرعة واختطاف وتسويل بالشر فمن جهة طباعهم النارية وما كان فيهم من خير وفضيلة فمن جهة الضوء واختلاف ألوانهم وتأويلهم في التخييلات والتمثيلات لاختلاف أجزاء عناصرهم وفاتوا الحواس للطافة أجسامهم كما فاتته الملائكة والعلة في ذلك العلة في الملائكة والهواء أغلظ وأكثف من الجن فإذا كفا لم يحس به ما لم يحدث [1] به حركة واضطراب فكيف بالذي هو ألطف منه وأخف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم فما هو إلا بمنزلة العوارض التي تخلص إلى أجسامنا وتباشر أنفسنا من الحرّ والبرد والحزن والفرح وغير ذلك
__________
[1] . [؟] حدث Ms. ;annot.marg.
(2/70)

فلا نعلم كيف وصلت إلينا ونعلم يقينا أنها حادثة فينا وجاء في بعض الأخبار أن اسم أبي الجن سوم كما اسم ابى البشر آدم قالوا وخلق سوم وزوجته من نار السموم فتناسلوا وكثر ولده وكانت الجن سكان الأرض قبل آدم والملائكة سكان السماء واختلفوا في الشياطين فقال أكثر المسلمين أن من عصى من الجن صار شيطاناً وزعم بعضهم أن الشيطان من ذرية إبليس خاصة بعد اختلافهم في إبليس أمن الجن هو أم من الملائكة وكل ما اجتن عن الأبصار فهو جن ملكاً كان أو جنياً أو شيطاناً والشيطنة الخبث والنكارة [50] فيقال لعتاة الإنس شياطين كما يقال لعتاة الجن شياطين وللغرس السريع شيطان ولكل داهية أو خفيف فطن شيطان وجاء في الحديث أن الكلب الأسود البهيم شيطان وقد قال الشاعر
ما ليلة الفقير إلا شيطاناً
فسمى ما يقاسيه الفقير من الضعف والشدّة شيطانا وروى عن مجاهد أنه قال مسكن الجن الهواء والبحار وأعماق الأرض وطعامهم روائح الطعام وشرابهم روائح الشراب قال ولما خلق الله تعالى أبا الجن قال له تمن قال أتمنى أن لا نرى ولا نرى وأنا ندخل تحت الثرى
(2/71)

وأن شيخنا يعود فتى فأعطى ذلك ثم لما خلق آدم قال له تمن قال أتمنى الحيل فأعطى ذلك قالوا وللجن شياطين كما للإنس شياطين وعلى الملائكة حفظه يقال لهم الروح كما للناس حفظه من الملائكة وكثير من الفلاسفة يقرون بالخلق الروحاني وإن خالفوا في صفتهم فمن ذلك ما ذكره افلاطن في آخر كتابه المعروف بسوفطيقا أن الشياطين هي النفوس التي كانت ملابسة لهذه الأبدان فتشيطنت لرداءة أعمالها وزعم أن السحرة يستعينون بهذه النفوس في الأعمال التي يعملونها فيجيبونهم ويظهرون لهم ما أرادوا وأجاز قوم أن يكون في عالم سباع وبهائم غير محسوسة للطافة أبدانها وزعم بعضهم أن صور العدم قائمة بذاتها فهولاء قد أقروا بالصور الروحانية [1] واختلفوا في الصفة وكفوا بعض المئونة،
ذكر ما وصفوا من عدد العوالم ولا يعلمها إلا الله
روى جبير عن الضحاك أنه قال للَّه في الأرض ألف عالم منها ستمائة بالبحر وأربعمائة في البر وعن الربيع بن أنس للَّه أربع عشر ألف عالم ثلاثة آلاف وخمسمائة في المشرق وثلاثة
__________
dutexte. [1] الروحانيّ Corr.marg.pour
(2/72)

آلاف [1] وخمسمائة في المغرب وثلاثة آلاف [1] وخمسمائة هكذا وثلاثة آلاف [1] وخمسمائة هكذا وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال للَّه ثمانية آلاف عالم الدنيا وما فيها عالم واحد وروى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إنّ للَّه أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوماً مملوءة خلقاً من خلق الله لا يعصون الله طرفة عين قيل فأين إبليس عنهم يا رسول الله قال وما تدرون أن الله خلق إبليس ثم قرأ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ 16: 8 والله أعلم بصحة الرواية مع ما يذكر من أصناف الأمم مثل ناسك ومتنسك وتاويل وهاويل ويأجوج ومأجوج وسائر الخلق في جنبتي الأرض اللتين يسميان جابلقا وجابلسا،
__________
[1] . ألف Ms.
(2/73)

الفصل الثامن في ظهور آدم وانتشار ولده
اعلم أن الناس في هذا الفصل رجلان اثنان ملحد منكر للابتداء قائل بأزلية المعلول مع العلة وموحد مقر بالابتداء قائل ضد صاحبه ثم من أقر بابتداء الخلق اختلفوا في كيفية ظهور أوله وأنا ذاكر مقالاتهم ومنبه عن موقع منه بمشيّة الله وعونه فليكن مسألة إثبات حدث العالم من بال [1] الناظر في هذا الفصل فالذي يدل على حدث آدم هو الدليل المضطر إلى الإقرار بابتدائه،
ذكر اختلاف الفلاسفة في تولد الحيوانات وكيف كان كونها
فإما الذين يرون [51] أن العالم لا كون له فإن كون الحيوان عندهم من استحالة بعضه إلى بعض لأنه أجزاء العالم وكذلك يرى فيثاغورس وأما الفسمد فيرى أن الحيوان
__________
[1] . بال Ms.
(2/74)

تولد من الرطوبة وأن كان يغشاه [قشر] مثل قشور السمك ولما أتت عليه السنون صارت إلى الجفاف واليبس فانقشر عنها ذلك القشر وصار حياتها زماناً يسيراً وأما ديمقرطيس فيرى أن الحيوانات تولدت وأن كونها من جوهر حارّ وأنّ أوّل ما أحياها هي الحرارة وأما انباذقليس فيرى أن لحون الحيوان والنبات لم يكن في أول الأمر دفعة واحدة لكنها شيء بعد شيء كأنها كانت أعضاء غير مؤتلفة ولا متصلة ثم صارت بعد ذلك متصلة في كون ثان في صورة التماثيل وفي كون ثالث كان بعضها في بعض وفي كون رابع بالاجتماع والتكاثف وكثرة الغذاء فهذا جملة قولهم في ظهور الحيوانات وآدم حيوان فعند بعضهم أن آدم تولد من رطوبة الأرض كما يتولد سائر الهوام وكان جلده كقشر السمك ثم لما أتى الزمان عليه جف وسقط عنه وعند آخر لم يظهر بكماله وأنها ظهر شيئاً بعد شيء ثم تركبت واتصلت على مرور الزمان وصار إنساناً تاماً واختلف المنجمون في ذلك فمنهم من يزعم أن الفلك دار كذا وكذا ألف سنة فكلما دار على استقامة ظهر نوع من الخلق إلى أن دار على أتمّ [1]
__________
[1] . أ [؟] م Ms.
(2/75)

الاستقامة وأكمل الاعتدال فظهر هذا الإنسان الذي لا شيء أكمل ولا أفضل منه ومنهم من يزعم أن الكواكب السبعة لما اجتمعت كلها في أول درجة من الحمل ظهر جنس البهائم ثم لما اجتمعت في أول درجة من الجوزاء ظهر جنس الناس ولما اجتمعت كلها في أول درجة من الثور ظهر جنس من النبات ومنهم من يزعم أن الفلك لما دار على استقامة ظهرت البهائم ثم دار على أعدل من ذلك فأظهر القرد وكاد يكون إنساناً ولا شيء أشبه به منه ثم دار على غاية العدل فأظهر الإنسان واختلف سائر الأمم في ذلك فزعمت فرقة من الهند أن أول ما كان من ظهور الإنسان أن السماء ذكر والأرض أنثى وأنه مطرت السماء فقبلت الأرض ماءها بمنزلة قبول المرأة ماء الرجل في رحمها وأجلها الفلك بسرعة جريه ودورانه فبدأ أول ما بدأ هذا النبت الشبيه بالإنسان الذي يسمى يبروح [1] الصنمي ثم ألح عليه الفلك بدورانه حتى أقلع من منبته وأفاده حركة مكانته فصار إنساناً يسعى كما ترى وفي كتاب الفرس أن الله خلق الخلق في ثلاثمائة
__________
[1] . [؟] بروح Ms.
(2/76)

وستين [1] يوماً ووضع ذلك على أزمنة الكاه انبار فخلق السماء في خمسة وأربعين يوماً والماء في ستين يوماً والأرض في خمسة وستين يوماً والنبات في ثلاثين يوماً وخلق الإنسان في سبعين يوماً وسماه كيومرث وأنه كان في جبل يسمى كوشاه ولم يزل يعمل الخير والعبادة وكان في سياحته ثلاثين سنة ثم طعنه إبليس فقتله فسال من طعنته دمه وصار ثلاثة أثلاث فثلث منه أخذته الشياطين وثلث أمر الله روشنك الملك أن يأخذه ويصونه وثلث قبلته الأرض فصارت محفوظة أربعين سنة ثم أنبت الله منه نباتاً كهيئات الريباس وظهر في وسط ذلك النبات صورتان ملتفان بورق ذلك النبات [51] أحدهما ذكر والآخر أنثى واسم الذكر منها ميشي [2] واسم الأنثى ميشانه [3] ومرتبة هذين عند الفرس مرتبة آدم وحواء عند أهل الكتاب وسائر الأمم قالوا ثم ألقى الله في قلوبهما شهوة المباضعة بعد ما أجرى فيهما روح الحياة فاجتمعا وتوالدا وصار نسل الناس
__________
[1] . ستّونMs.
[2] . مبشىMs.
[3] . مبشانه Ms.
(2/77)

منهما وقال قوم أن الفلك لحركاته ابتداء وتوسط وغاية فظهر من ابتداء حركته النبات وفيه أدنى القوى ثم انضمت إلى القوتين قوة الغاية والتمام فظهر الإنسان قالوا ولا قوّة في الفلك أتم وأبلغ من هذه القوة التي أظهرت الإنسان ولا صورة أتم وأكمل منه ولذلك اجتمعت فيه القوى كلّها قوّة النماء وقوة الحس والحركة وقوة النطق والتمييز ومن هاهنا قالوا الإنسان ثمرة العالم وقالوا هو العالم الأصغر إذ لا يوجد في العالم شيء إلا وجد له شبيه في الإنسان لأن فيه ظاهراً هو جسمه وباطناً هو روحه وأربع طبائع من اسطقساته فالسوداء باردة يابسة من طبع الأرض والصفراء حارة يابسة من طبع النار والبلغم بارد رطب من طبع الماء والدم حار رطب من طبع الهواء ولحمه كالأرض وعظامه كالجبال وشعره كنبات الأرض وأعضاءه كالأقاليم وعروقه كالأنهار ومنافذه [1] ومفاوز [2] عرقه كالعيون ورأسه الفلك محيط به وفيه نيّرانه كنجوم الفلك وظهره كالبر وبطنه كالبحر وفي بطنه ألوان مختلفة
__________
[1] . ومنافدهMs.
[2] . ومفاور Ms.
(2/78)

من المياه والحيوان كنحو ما في بطن الأرض وفي يديه الدوابّ المتولّدة كالدواب المتولدة في الأرض وفيه النماء كما في النبات والحركة الكامنة كالبهائم والغضب كما في السباع وفيه عقله وحيوته كالإله المدبر له المعرف له قالوا ولا متفرق لو جمع كان منه إنسان إلا العالم ولا مجتمع لو فرق كان منه [العالم] إلا الإنسان [1] والعالم الأكبر عالم بالفعل إنسان بالقوة فالإنسان إنسان بالفعل وهو العالم بالقوة [2] وفي النبات امتزاج ضعيف فلذلك لم يبلغ درجة الحساسة وفي البهائم امتزاج أقوى من ذلك فلذلك تحركت وأحست وفي الإنسان امتزاج على تعديل ونظام قالوا وقد صح حكم الحكماء أن آخر العمل أول الفكرة وأول الفكرة آخر العمل فلما كان الإنسان آخر عمل الصانع صح أنه أول فكرة الصانع وهذا رأي أكثر الفلاسفة وقال بعضهم في تفصيل الإنسان وقسمة أجزاء الحيوان فالعالم فيه يداه جناحاه وأظفاره مخالبه وعيناه شمسه وقمره ورجلاه قوائمه ورأسه سماؤه ومثانته بحاره
__________
dditionmarginale. [1]
dditionmarginale. [2]
(2/79)

وأضراسه طواحنه ومعدته خزانته حتى عد جميع أجزائه وأعضائه الظاهرة والباطنة وهذا كله سهل يسير لأنا لا ننكر خلق الإنسان في هذا العالم من العالم والكلام فيه حرفان إما أن كان هو بنفسه من غير مكون فهو محال وإما أن كان كونه غيره مكون فهو الذي يقطع الشغب بيننا وبينهم وإما أن يكون هو لم يزل فأثر الحدث فيه يرد هذا القول وقد سبق من الحجة في الفصل الأول ما يدل على فساد هذه الدعوى بقي الكلام في كيف أوجد وليس ممكن مشاهدة الخبر في مثله إلا عن وحي أو رسالة فانتصر إلى ما في كتب الله وأخبار رسله صلوات الله عليهم وروى ابن إسحاق أنّ أهل التوراة يدرسون فيها أن خلق [الله] آدم على صورته لما أراد يسلطه على الأرض وما فيها [52] وقد روى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله آدم على صورته ثم اختلفوا في التأويل وقرأت في نسخة زيادة على ما ذكره ابن إسحاق فقال بعد ذكر خلق السماوات والأرض فال الله يخلق إنساناً بصورتنا وشبهنا ومثلنا فيكون مسلطاً على سمك البحار والطير والأنعام وكل ماشية على الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله ونفخ في وجهه
(2/80)

نسمة الحياة وسلطه على ما في الأرض وذلك يوم الجمعة واستراح يوم السابع وهو يوم السبت وفسر لي يهودي بالبصرة فزعم في خلق آدم أن الله صوره على الأرض ثم نفخ فيه والله أعلم وروى ابن إسحاق قال بينا آدم يمشي منتصباً ولم يكن مشى في الأرض حيوان مثله إذ جاء النسر إلى البحر فقال للسمكة إني رأيت خلقاً يمشي على القدمين وله يدان يبطش بهما في يده خمس أصابع فقالت السمكة إني أراك تنعت خلقاً ما أراه يدعك في جو السماء ولا يدعني في قعر البحار وهذا تمثيل والله أعلم وفي كتاب الله الذي لم يلحقه تغيير ولا تحريف وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ 23: 12- 13 يعني ولده وقال عز ذكره إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ من تُرابٍ ثُمَّ قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 3: 59 وقال تعالى حكاية عن الشيطان خَلَقْتَنِي من نارٍ وَخَلَقْتَهُ من طِينٍ 7: 12 فأخبر عن ابتداء خلق آدم أنه كان من التراب ثم ضم إليه الماء فكان طيناً ثم سل خلاصة الطين بدلالة قوله تعالى وَإِذْ قال رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من صَلْصالٍ من حَمَإٍ مَسْنُونٍ 15: 28 ثم ترك حتى جف وصلصال كما قال خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ
(2/81)

كَالْفَخَّارِ 55: 14 وهذه أحوال كان الله تعالى يحولها على الإنسان تصفيه لطينته وإخلاصاً لنيته إذ لم يخلق كل طين كما يتولد منه الحيوان وينبت منه النبات ولا جعله في جميع الأحوال والهيئات كما يوجد منه ذلك ولو شاء لأوجده ولكن لم يدع حكمته وتدبيره في إظهار قدرته وإبداء حكمته في كل جزء من أجزاء ترتيبه كما يخلق تنسله من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولو شاء لأتم خلقه من غير النطفة مع أن أسرار حكمته وعلمه لا مطلع عليها للعباد وجاء فيها من الأحاديث والأخبار ما لو تكلفناها لطال الكتاب بها وخرج عن الغرض المقصود له ولا من بعضها لما فيه من التقريب والتمثيل فزعم بعضهم أنه إنما سمى آدم لأنه خلق من أديم الأرض وقال الضحاك سمى آدم لأنه خلق من الأرض السادسة واسمها كاماً والرواية الأولى أشهر وأعرف وزعم بعضهم أن الله قبض من جميع وجه الأرض من سباخها وبطائحها وأسودها وأحمرها قبضة فلذلك جاء ولد آدم على تلك الألوان أبيض وأسود وأحمر وروى بعضهم أن [الله] جمع في آدم المياه كلها فموضع العذب في فمه والمالح في عينه والمر في أذنه والمنتن في خيشومه وروى في
(2/82)

خبر أن الله تعالى خمر طينة آدم وأنها لتخرج من أصابعه والله أعلم،
ذكر خلق آدم
قال ابن إسحاق فلما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلى به لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه وكان أول بلاء ابتليت به الملائكة مما لها فيه ما تحب وتكره البلاء والتمحيص بما فيهم ممّا لو تعلموا أو أحاط به علم الله منهم جميع الملائكة من سكان السماوات والأرض ثم قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً 2: 30 إلى قوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ 2: 30 أي أن فيكم ومنكم ولم يبدها لهم منه المعصية والفساد وسفك [1] الدماء [52] وقال الله تعالى ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ 38: 69 فلما عزم الله تعالى على خلق آدم قال للملائكة إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ 38: 71- 72 فحفظت الملائكة وعده ووعوا قوله وأجمعوا لطاعته إلا ما كان من عدو الله إبليس فإنه صمت على ما في نفسه من الحسد والبغي والتكبر وخلق الله آدم من أدمة الأرض من طين لازب من حمإ
__________
[1] . واسفك Ms.
(2/83)

مسنون بيده تكرمه له وتعظيماً لأمره فيقال والله أعلم خلقه ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاماً قبل أن ينفخ فيه الروح حتّى عاد صلصالا كالفخّار ولم تمسّه نار وكان خلقه يوم الجمعة في آخر ساعة منها وذلك قوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 76: 1 هذا كله قول محمد بن إسحاق صاحب المبتدإ والمغازي وقد خولف منه في حروف ليس هذا موضع شرحها،
ذكر اختلافهم في خلق آدم
قال كثير من المسلمين أنه خلق في الأرض كما خلق من الأرض وخلقت منه زوجته حواء وفي نسخة التورية [1] أن الله نصب الفردوس في عدن وأسكنها آدم وأنبت فيها من كل شجرة طيبة وانطلق الرب بآدم فأنزله الفردوس ليعمره ويتعاهده وقال ولا تأكل [2] من شجرة الفقه للخير والشر فإنك يوم تأكل تموت موتاً وقال تعالى لا يحسن أن يكون آدم وحيداً فألقى عليه النوم وأخذ ضلعاً من أضلاعه فجعل منه حواء وقال بعض الناس أن الله خلق آدم في السماء وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أن الجنة التي
__________
[1] . التوراةMs
[2] . [؟] اكل Ms.
(2/84)

أسكنها آدم بين السماء والأرض ومن المسلمين من يقول أنها خلقت للابتداء ثم أفنيت ومنهم من يقول أنها جنة الخلد والله أعلم قالوا وكان خلق آدم يوم الجمعة وأسكن الجنة في ذلك اليوم وأخرج منها فما لبث فيها إلا مقدار ما بين الصلاتين ويذكر هذه القصة ابن جهم في قصيدته [سريع]
يا سائلي عن ابتداء الخلق ... مسألة القاصد قصد الحقّ
أخبرنى قوم من الشقات ... أولو [1] علوم وأولو هيئات
تفرعوا في طلب الآثار ... وعرفوا موارد الأخبار
ودرسوا التّوراة والإنجيلا ... وأحكموا التأويل والتنزيلا
أن الذي يفعل ما يشاء ... ومن له القدرة والبقاء
أنشأ خلق آدم إنشاء ... وقد منه زوجه حواء
مبتدياً وذاك يوم الجمعة ... حتى إذا أكمل فيه الصنعة
أسكنه وزوجه الجنانا ... فكان من أمرهما ما كانا
غرهما الشيطان فاغترا به ... كما أبان الله في كتابه
غرهما الشيطان فيما صنعا ... فأهبطا منها إلى [2] الأرض معا
فوقع الشيخ أبونا آدم ... بجبل الهند يدعى واسم
لبئس ما اعتاض من الجنان ... والضعف من جبلّة الإنسان
__________
[1] . الوMs
[2] . لا Ms
(2/85)

فشقيا وورثا الشقاء ... نسلهما والكد والعناء
ولم يزل مفتقرا من ذنبه ... حتّى تلقّى كلمات ربه
فأمن السخطة والعذابا ... والله تواب على من تابا
ثم تنسلا وأحب النسلا ... فحملت منه حواء حملا
وولدت ابناً فسمى قاينا ... وعاينا من أمره ما عاينا
وفي الحديث أن الله تعالى لما خلق آدم ألقى عليه النوم فأخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم بينهما وآدم نائم ثم لم يهب فخلق زوجته فلما هب رآها إلى جنبه فقال لحمى ودمى وروحى فسكن [1] إليها قال ابن عبّاس احفظوا نساءكم فإن المرأة خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل [53] وإن الرجل خلق من الطين فنهمته في الطين وفي التوراة أن الله أسكن آدم الجنة قال لا يحسن أن يكون آدم وحيداً فلنخلق له عوناً يعني امرأة فخلق حواء كما جاء في الحديث وفي رواية الكلبي أن الله خلق آدم من طين فكان مطروحاً بين مكة والطائف أربعين سنة لا يدري ما يصنع به وذلك قوله عزّ وجلّ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً، 76: 1
__________
[1] . فسكر Ms.
(2/86)

ذكر قولهم كيف نفخ فيه الروح
قال أهل الأخبار لما خلق الله طينة آدم وأتى عليه حين من الدهر وصارت صلصالاً كالفخار أرسل إليه روحاً من عنده على مائدة من موائد الجنة فلما رأى الروح ضيق مدخله وظلمة هيكله كره الدخول فيه فقيل أدخل كرهاً وأخرج كرهاً فنفخ الروح في منخره فدار في رأسه لضيق مكانه وجرى روح الحياة فيه ففتح عينه وانطق لسانه وسمعت أذناه وعطس فقال الحمد للَّه فقال له ربه جل ذكره يرحمك ربك فكان أول ما تكلم به آدم التوحيد والتحميد لربه فعلمت الملائكة عند ذلك أن الله لم يخلقه [1] إلا لأمر عظيم قالوا وجعل الروح تمر في جسد آدم وهو ينظر إليه فلا يأتي على شيء منه إلا صار لحماً ودماً وشعراً قال سلمان الفارسي ثم وثب قبل أن يخلق الرجل منه وذلك قوله تعالى وَكانَ [2] الْإِنْسانُ عَجُولًا، 17: 11
ذكر سجود الملائكة لآدم عم
قال ولما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود ليبتليهم ويبتلى
__________
[1] . يخلقRECTIONmarginale ,lems.a
[2] . وخلق Ms.
(2/87)

إبليس بما في ضميره سجدة تحية لا سجدة عباده وفيل بل أمروا بالسجود للَّه إليه كسجود المسلمين إلى القبلة فسجدوا كلهم كما قص الله علينا في القرآن إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ من الْكافِرِينَ 2: 34 واختلفوا في المعنى الذي أمروا بالسجود من أجله فقال قوم كان الله في سابق علمه أن يستخلف آدم ذريته في الأرض ليعمروها ويأكلوا من رزقه ويعبدوه ويطيعوه فلما أراد أن يخلق آدم قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ 2: 30 أن في ذريته أنبياء وأولياء وأنه يعصى فاغفر له فيظهر الرحمة والمغفرة وأنه يأكل من رزقه [1] فيظهر الفضل والجود والقدرة فلما نفخ فيه الروح قال الحمد للَّه قال الله تعالى يا آدم أحسنت أحسنت لهذا خلقتك لكي تحمدني وتمجدني ثم أمرت الملائكة بالسجود له بحمده وقال قوم أن إبليس عبد الله خمس وثمانين ألف سنة وكان يدعى بين الملائكة خازن الجنان فلما قال الله عز وجل إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً 2: 30 استعظم ذلك إبليس
__________
[1] . رزقي Ms.
(2/88)

واعتقد الخلاف والمعصية فلما خلق الله طينة آدم جعل إبليس يمر بها ويقول للملائكة أرأيتم هذا الخلق الذي لم تروا فيما مضى مثله أن أمرتم بطاعته ما صانعون فقالوا نطيع ونأتمر فقال في نفسه لئن فضل على لأعصينه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فأمروا بالسجود حتى ظهر ما أضمر المرء في نفسه من المعصية وزعم الكلبي أن الله تعالى لما قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً 2: 30 قالوا ألن يجعل الله خلقاً أعلم منا ولا أكرم عليه منا فابتلوا بالسجود لآدم وزعم بعضهم أن الله تعالى لما خلق آدم لم يكن في خلقه أحسن وأكمل وأتم وأفضل منه فأمرت الملائكة بالسجود له لفضيلته لقول الله عز وجل [53] بعد أقسام أربعة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 95: 4 وقيل أمروا بالسجود له لفضل علمه عليهم وقد قال بعض الناس أن الروح هو الذي أوجب السجود لآدم لأنه منه وزعم أن الحيوانات كلها صنف واحد في الحياة والأرواح شيء واحد وإنما الأشخاص والأجسام والهياكل كلها آلات ومساكن [1] قالوا فالحيوان مجموع من شيئين خفيف وثقيل فما كان من
__________
[1] . والمساكن Ms.
(2/89)

ثقيل فإنه ينحل ويعود إلى التراب وما كان من خفيف فإنه يصعد ويبقى وهو لا يفسد أبداً وهو نطق الإنسان وبصر العينين وسمع الأذنين وبطش اليدين ومشى القدمين وأجناس الحواس كلها من الشم والذوق والطعم والرائحة وهو حفظ القلب والمعرفة والفهم والوهم والعقل والذكر وكل ما هو موجود غير معلوم الحدود في الكمية والكيفية قالوا فالأشخاص والأجسام كاللباس وفيها لا يرى ولا يحس ولا يسمع وهو يرى ويسمع ويحس قالوا وإنما أمروا بالسجود له لهذه الحال فكفر من أبى واستكبر وكان حكم هذه المسألة أن تكون في باب من هو وما هو من الفصل الثاني في إثبات البارئ عز وعلا ولكن الإنسان مغلوب على أمره دلالة على فساد قول هذه الطبقة إذ لا كمال إلا للَّه وغير جائز وجود النقص في الكمال وحدثت [1] عن رجل في بلاد سابور من حدود فارس يجتمع إليه قوم ويذهبون مذهباً يخالفون عوام الناس فقصدته متصفحاً ما عنده ولزمته أياماً كالمصفى المسترسل لما عنده متبالهاً متجاهلاً وكان الرجل يرجع إلى شيء من علم
__________
[1] . وحديث Ms.
(2/90)

اللغة ومعرفة مذاهب القدماء إلى أن أنس بي ووثق بناحيتي ثم أبدى مكتوم أمره ودفين سره وإذا هو على هذا المذهب الذي ذكرته مع طول تهجد وقيام وكثرة صلاة وصيام وأذكر مما حفظته عنه أنه كان يوما يشير إليه بالدلائل فقال وهو الذي تراه في عيني وأراه في عينك ثم أنشد بيتاً [خفيف]
حجبته العيون عن كل عين ... وهو فيها أنيس كلّ وحيد
وحدّثنى عن بعض مشايخه عن أبي يزيد البسطامي أنه قال طلبت الله ستين سنة فإذا أنا هو وعن ارسطاطاليس وجدت صورة مصورة في بعض المواضع وفي يده كتاب مكتوب فيه كنت أشرب شراباً ولا أروى فلما عرفت البارئ جل وعز رويت بلا شرب ولبعض المتصوفة مذهب قريب من هذا بل هو بعينه لأن منهم من يقول بالحلول وإذا رأوا صورة حسنة خروا له سجدا وكثير من أهل الهند يفعلون هذا وأنشدني ابن عبد الله للحسين بن منصور المعروف بالحلاج ما يدل على هذا القول [منسرح]
يا سر سر يدق حتى ... يخفى على وهم كل حي
(2/91)

وظاهراً باطناً تجلى ... لكل شيء بكل شيء
إنّ اعتذاري إليك جهل ... وعظم شكى وفرط عي
يا جملة الكل لست غيري ... فما اعتذاري إذا إلي
وكم للَّه علينا من الفضل والمنة بإلهام التوحيد وتسهيل التعريف وأي نفس مميزة تطمئن إلى مثل هذه المذاهب وأي عقل يسمح بقبولها،
ذكر قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ [1] عَلَى الْمَلائِكَةِ 2: 31
[54] قالوا وكان الله خلق كل شيء قبل آدم وكانت الملائكة ترى الأشجار والثمار والوحوش والبهائم وسائر الحيوانات تمشي ولا تأكل ولا يدرون لمن خلق ولمن خلقت هذه وما أسماؤها ومنافعها فلما قال لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً 2: 30 وبدلاً منكم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ليس يردون على الله ولكن يستخبرونه ويطلبون معرفة حكمته وأنه يخلق خلقاً يفسد وهو تعالى يكره الفساد فقال الله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ 2: 30 وهذا ليس جواب الملائكة عن قولهم وإنّما جوابهم
__________
[1] . اعرضهم Ms.
(2/92)

حيث أنبأهم آدم أسماء [1] المسميات وقد يكون جواب القول قولاً وفعلاً وحركة وعلم آدم الأسماء كلها تعليم إلهام ويقال تلقين وأما الحسن فإنه كان يقول تعليم استدلال واجتهاد خلقها الله إذ خلقه مستنبطاً مستدلاً فاستدل بالآثار على المراد من المسميات وانبأها وأغفلت الملائكة ذلك ففضل آدم عليهم واستحق شرف الرتبة باستعمال الاجتهاد وزعم قوم أنه علم آدم الأسماء ولم يعلمها للملائكة ثم أعادهم إلى معارضته وأجازوا تكليف ما لا يطاق بظاهر هذه الآية والله أعلم وأحكم فإما ذكر تلك المسميات وما أختلف أهل التأويل فمستقصاة في كتاب معاني القرآن من نظر فيه شفاه وكفاه،
ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها
ولما أبى إبليس أن يسجد لآدم قال الله تعالى يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا من الظَّالِمِينَ 2: 35 وقد ذكرنا قول أهل العلم في تلك الجنة ما هي وأين هي واختلفوا في هذه الشجرة فمن قائل أنها الحنطة وآخر أنها الكرمة وآخر أنها الحنظل وروى ابن إسحاق عن بعضهم
__________
[1] الأسماء Ms.
(2/93)

أنه قال الشجرة التي يحتك [1] بها الملائكة الخلد وأن آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة والنعيم قال لو أن خلداً فاغتنم [2] منه الشيطان ذلك فأتاه من قبل الخلد وقال ما نهاكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين فقد جعل الله للشيطان وأعوانه سلطاناً يخلصون بها إلى بني آدم ونقطهم [3] وهم لا يرونهم يقول الله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ 114: 1- 2 إلى قوله يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ 114: 5 وروى أن صفية بنت حي أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مجاور في المسجد فتحدثت عنده ساعة من العشاء وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليردها إلى البيت فمر بها رجل من الأنصار فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فلان إنها صفية بنت حي فقال يا رسول الله إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156 أظننت أني أظن قبيحاً قال إن الشيطان يجري من آدم مجرى الدم خشيت أن تظن فتهلك فهذا الخبر دليل على وصول
__________
[1] . كذا في الأصل [؟] ، etenmarge: حكMs.
[2] . فاعتمMs.
[3] . كذا في الأصل Sie.Ms.etenmarge:
(2/94)

الشيطان إلى الإنسان كوصول الأعراض من الحر والبرد وغير ذلك وزعم القصاص وأهل الكتاب مراجعات كثيرة وعجائب في هذه القصة وأن إبليس عرض نفسه على دواب الأرض كلها فأبى [1] ذلك حتى كلم الحية وقال أمنعك من ابن آدم وأنت في ذمتي أن أدخلتني الجنة فجعلته في فمها أو بين نابيها وكانت الحية من أحسن الدواب وخزان الجنة فكلّمهما [2] من فيها وقيل ناح عليهما [3] نوحة شبحية [4] حتى افتتنا قال ابن عباس اخفروا ذمة عدو الله فيها واقتلوها حيث وجدتموها قال الله تعالى قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً 2: 38 الآية وفيما قص الله تعالى في القرآن كفاية [54] عن زيادة رواية غيره وقال الله تعالى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى 20: 121- 122 وجاء في صفة توبته وما يلقى [5] من كلمات ربه روايات قد ذكرتها في كتاب المعاني وأحسن ذلك ما روى عن الحسن
__________
SicinMs. [1]
[2] . فكلّمهاMs.
[3] . عليهاMs.
[4] . كذا في الأصلEnmarge:
[5] . [؟] لقي Ms.
(2/95)

رحمه الله أنه قوله رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ من الْخاسِرِينَ، 7: 23
ذكر أخذ الذرّيّة من ظهر آدم عم
قال الله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [1] وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 7: 172 أهل النظر يرون أن أخذ هذا الميثاق من بني آدم عند بلوغهم واستجمام عقولهم فليس من بالغ إلا وتلك الشهادة ساطعة عليه بأنه مخلوق محدث وأن له خالقاً يستحق منه [2] العبادة لإحداثه إياه وإيجاده فأهل الأخبار يروون فيه روايات أنه اخرج الذرية من ظهر واحد وجعل لهم فهماً وعقلاً ولساناً ينطقون فقال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا فأشهدهم على أنفسهم وأشهد الملائكة عليهم وأعادهم في صلبه واختلف هؤلاء أين أخذ الذرية من ظهره ومن هو مولود إلى يوم القيامة فزعم الكلبي أنه مسح ظهره بين مكة وطائف وهذه أشياء أكتفي منها بنبذ لأني قد وفّيتها حقّها في كتاب المعاني،
__________
[1] . ذريّاتهمMs.
[2] . امنه Ms.
(2/96)

ذكر اختلاف الناس في آدم وذريته
اعلم أن من أنكر حدث العالم وقال بقدم المعلول مع العلة لم يقل في ابتداء شيء من الخلق وإنما حدوثه وكونه استحالة بعد استحالة إلى ما لا نهاية وأما الفرس فإنهم استعظموا وجود النسل من ذكر دون أنثى فوضعوا في المبادي ذكراً وأنثى وسموها ميشى وميشانه وحكى عن بعض أهل الهند أنهم يزعمون أن آدم خرج من عندهم هارباً فتناسل في ناحية الشمال ومن القدماء من يسميه زاوش وحكى عن علي بن عبد الله القسري في كتاب القرانات عن بوداسف [1] الفيلسوف من أهل بابل العتيقة كان عالماً بالأدوار والأكوار واستخراج سنى العالم التي هي ثلاثمائه وستون ألف سنة فحكى أن في نصف هذه السنين يقطع الطوفان فحذّرهم ذلك وان هرمس الأول وهو أخنوخ أدريس النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل آدم بزمان طويل وكان يسكن الصعيد الأعلى المتصل ببلاد السودان إلى الإسكندرية وحول الناس إليه وأنقذهم من الغرق فهذا يزعم أن بوداسف كان قبل هرمس وهرمس كان قبل آدم بزمان طويل وإلى هذا يذهب
__________
[1] . بوراسف Ms.
(2/97)

من يرى آدم غير واحده والفرس زعموا أن ميشى وميشانه من دور كيومرث فهذا أقدم منهما وجملة [1] الأمر أن هذا وما يروونه المسلمون كله أخبار والأصح من ذلك ما كان عن أمين صادق ولا أصدق من كتاب الله ولا آمن من رسوله صلى الله عليه وسلم ولا بدّ في العقل من ابتداء المحدثات وبعض هؤلاء المحدثة المستترة بالإسلام يجرون تأويل هذه القصة إلى ما يؤدي إلى الإلحاد فيستغمرون الضعفى العقول بأن كيف يخرج حيوان من الأرض وكيف يخرج من الجنة من دخلها وكيف خلص الشيطان إليه في الجنة ولم نهى عن شجرة ولم كان كذا ولِمِ لَمْ فإذا كانت مسألة حدث العالم من بالك رددت كلّ ما أورد عليه من هذه الترهات بحجج بينه وبراهين نيره [55] والجواب أنّ النهى عن الشجرة للابتلاء [و] أنّ تلك لم يكن بدار خلد وأن خلوص الشيطان إلى الإنسان كخلوص الأعراض وأنّ خلقه من الأرض كتولّد الحيوان عياناً وإياك والاحتجاج بشيء مما يروونه القصاص فإنه هو الذي أوجد الملحد للسبيل إلى الطعن والشنعة،
__________
[1] . وجملت Ms.
(2/98)

ذكر صورة آدم وخبر وفاته
روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن أباكم آدم كان طويلاً كالنخلة السحوق ستين ذراعاً كثير الشعر موارى العورة وإن كان لما أكل الحنطة بدت عورته فخرج هارباً من الجنة فتلقته شجرة فأخذت بناصيته وناداه ربه أفراراً مني يا آدم قال لا يا رب ولكن حياء منك فأهبطه الله تعالى إلى الأرض فلما حضرته الوفاة بعث بحنوطه وكفنه من الجنّة رواه ابن إسحاق عن الحسن عن أبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما قيل أن هامته كانت تمس السماء فمن ذلك الصلع وأن الملائكة كانوا يتأذون مخشاة [1] فشكوه إلى الله تعالى فبعث جبرئيل فهمزه همزه طأطأ منه إلى ستين ذراعاً فليس ممّا يعتمد وكثير من المسلمين ينكرون طول ستين ذراعاً لخروجه عن العادة اللَّهمّ إلا أن نتأول على وجه آخر لأن ما تصاعد [2] عن وجه الأرض فهو من السماء وما أظلك فهو السماء والصلع عند الأطباء من الرطوبة في الدماغ وزعم وهب أن آدم كان أجمل البرية أمرد وإنّما نبتت اللحية لولده
__________
[1] . يتادون فخشاهMs.
[2] . تصاغر Corr.marg. ;leMs.a
(2/99)

من بعده وروى وهب عن أبي أن آدم لما احتضر [1] اشتهى قطفا من قطف الجنة فانطلق بنوه ليطلبوه فتلقاهم الملائكة فقالت ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبرئيل والملائكة.
خلفه وبنوه خلف الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم يا بني آدم هكذا الرواية والله اعلم،
ذكر الروح والنفس والحياة والموت
اعلم أنّ هذا باب مستصعب مستغلق كثير التخبط [2] والإختلاف وأنا ذاكر من كل طبقة ذرءاً [3] قال الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي 17: 85 قال بعض أهل التأويل حجب الخلق عن الخوض فيه ولم يطلع [4] أحداً عليه وقال في بني آدم ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ من رُوحِهِ 32: 9 وقال في مريم فَنَفَخْنا فِيها من رُوحِنا 21: 91 وقال تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا 42: 52 وقال تعالى نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ 26: 193 وقال تعالى تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها 97: 4
__________
[1] . احتصرMs.
[2] . التحبطMs.
[3] . درواMs.
[4] . يطّلع Ms.
(2/100)

فذكر الروح في غير موضع من القرآن ومعنى الروح المنفوخ في مريم غير معنى الروح الموحّى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بل لكل واحدة معنى على حدة وقال الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ 67: 2 وقال يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي 89: 24 وقال إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ 29: 64 وقال إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ 47: 36 وقال تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ 3: 169 والفرق بين حياة الدنيا وحياة الآخرة بين ظاهر وإنما اجتمعتا في اللفظ وقال يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً 89: 27- 28 وقال حكاية عن قول النفس أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله 39: 56 الآية وقال تعالى [55] وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها 91: 7 وقال تعالى الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها 39: 42 الآية وقال إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ 12: 53 وقال وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى 79: 40 فاثبت [1] هاهنا أشياء آخر بنهي النفس عن هواها وقال وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ 51: 21 وقال سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ 41: 53 وقال ثُمَّ [أَنْتُمْ] هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ 2: 85 وقال أَوْ أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ 2: 235 وقال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً 12: 18
__________
[1] . فأنبت Ms.
(2/101)

يخبر بمثلها عن الروح والحياة وقال وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ 23: 80 وقال الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها 39: 42 وقال فَقالَ لَهُمُ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ 2: 243 وقال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ 32: 11 وقال فَأَماتَهُ الله مِائَةَ عامٍ 2: 259 وقال وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ 2: 28 وقال [1] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ 3: 169 وقال وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ 3: 144 فوصفه بالموت بعد ما نهى عن تسمية الشهداء أمواتاً وقال في ذكر الحواس ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ من رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، 32: 9
ذكر ما جاء في الأخبار في هذا الباب
حدثنا عبد الرحيم ابن احمد المروزي حدثنا العبّاس السراج عن قتيبة حدثنا خالد ابن عبد الله عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وروى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي شابت عن أبي الطفيل عن علي مثله وروى هيثم عن أبي بشر عن مجاهد عن
__________
,ertanceducopiste. [1] الله Ms.
(2/102)

ابن عباس قال الأرواح أمر من أمر الله وخلق من خلق الله صورهم على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح وروى الثوري عن مسلم عن مجاهد قال الروح يأكلون ويشربون ولهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة وروى أنهم حفظة على الملائكة وروى الثوريّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال الأرواح [1] يشتهون الناس وليسوا بناس وروى الثوري عن أيوب عن أبي قلامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الروح إذا خرج اتبعه البصر ألم تروا إلى شخوص عينيه وفي حديث صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أرواح المؤمنين في حجرات من حجرات الجنّة يأكلون طعامها و [يشربون من] شرابها ويلبسون من ثيابها ويقولون ربنا آتنا ما وعدتنا والحق بنا إخواننا وأرواح الكفار في حجرات من حجرات النار يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويلبسون من ثيابها ويقولون ربنا لا تؤتنا ما وعدتنا ولا تلحق [2] بنا إخواننا وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله في قوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ 3: 169
__________
[1] . الروحMs.
[2] . [؟] لحق Ms.
(2/103)

أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ من خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 3: 169- 170 قال أرواح الشهداء في طير تسرح في الجنة كيف شاءت وتأوى إلى قناديل معلّقة بالعرش قال فاطلع عليهم ربك اطلاعه فقال هل تستريدون شيئا فأزيدكموه [56] قالوا ربّنا وماذا نستريد ونحن في الجنة نسرح حيث نشاء فاطلع عليهم فقال لهم مثل ذلك فقالوا أتعيد أرواحنا في أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا فنقتل في سبيلك مرة أخرى وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأرواح في بيت البراء بن معرور هم يأكلون لحماً وتمراً حتى أمسكوا على الطعام قال أرواح المؤمنين طيور خضر [1] وقال في طير خضر في حجر من الجنة يأكلون ويشربون ويتعارفون في الجنة كما يتعارفون في الدنيا وأرواح في حجر من النار وذكر قصة طويلة وروى كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن أرواح المؤمنين في طيور خضر تعلق بشجر الجنة وروى مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنّ
__________
[1] . خضرا Ms.
(2/104)

النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله تعالى [إلى] جسده يوم يبعثه وعن عبد الله بن عمر أن أرواح المؤمنين في طير كالزرازير وهو جمع الزرزور يتعارفون يرزقون من ثمار الجنة وعن سلمان الفارسي قال الأرواح جنود مجنده فما كان للَّه ائتلف وما كان لسواه اختلف [وعن] أبي الزبير عن جابر قال كنا نحدث أنه ليس أحد يدخل النار والجنة بجسده قبل يوم القيامة إنما هي أرواح في عليين وسجين فإذا روحت النفوس وبعث من في القبور صارت الأرواح والأجساد إلى الجنة والنار [وعن] الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى وَنُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ 56: 61 قال في طير سود من النار وقرى على خيثمة بن سليمان القرشي [1] باطرابلس عن [2] عبد الجبار بن العلاء عن سفيان الثوري عن فرات بن الفرات عن [2] أبي الطفيل عن علي عليه السلم قال نشر واديين وادي الأحقاف وواد بحضر موت يقال له برهوت يأوي إليه أرواح الكفار وروى سفيان عن أبان بن تغلب عن رجل قال بت في برهوت وكأنما حشرت أرواح
__________
[1] . الفرشيMs.
[2] . عند Ms.
(2/105)

الناس وهم يقولون يا دومه يا دومه قال فحدثني رجل من أهل الكتاب أن دومه هو الملك [الموكل] على أرواح الكفار وروى عن أبي أمامة أنه قال أرواح المؤمنين تجتمع ببيت المقدس وقد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بدر في القليب فقيل أتنادي قوماً قد حتفوا فقال أما أنتم فلستم بأسمع منهم ولكن لا يقدرون أن يجيبوني وقال صلى الله عليه وسلم كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حيا والأخبار المتواترة عن المسلمين في مغازيهم أن كلما قتل من كافر قالوا قد عجل الله بروحه إلى النار وكلما استشهد مؤمن قالوا قد عجل الله بروحه إلى الجنة وروى أبان عن عباس عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن أعمالكم تعرض على أقاربكم فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان شراً كرهوه وتلقى روح المؤمن أرواح المؤمنين فيقول اتركوا صاحبكم حتى يستريح فقد خرج من كرب شديد ثم يقولون ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل نكح فلان هل نكحت فلانة فإن قال إن ذاك قد مات [56] قبلي أما قدم عليكم فيقولون إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156 ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم
(2/106)

وبئست المربية [1] وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال أهل القبور يتوكفون الأخبار فإذا أتاهم الميت يقولون ما فعل فلان وما فعلت فلانة فيقول أولم يأتكم فيقولون إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 2: 156 سلك به غير سبيلنا وفي رواية عبد الله بن عمر أن الأرواح ليتلقون على مسيرة يوم وما رأى أحدهم صاحبه قط وروى أن الأعمال تعرض يوم الأثنين ويوم الخميس على الله ويعرضون يوم الجمعة على الأقارب فاتقوا الله ولا تختروا موتاكم وروى زيد بن اسلم عن أبي هريرة أنه مر هو وصاحب له بقبر فقال أبو هريرة سلم فقال الرجل اتسلم على قبر فقال أبو هريرة أن كان رآك في الدنيا يوماً قط فانّه يعرفك الآن وروى ابن المؤمن لا يزال يسمع الآذان في قبره ما لم يطين ومر النبي صلى الله عليه وسلم بالبقيع فقال السلم عليكم أهل ديار قوم مؤمنين وأنا إن شاء الله بكم لاحقون ولما دفن عثمان بن مظعون [2] وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة قال صلى الله عليه وسلم خرجت ولم تتلبّس [3] منها بشيء
__________
[1] . كذا في الأصل etnotemarginale: بن المرتّبةMs
[2] . مطعونMs.
[3] . [؟] تلبّس Ms.
(2/107)

وما جاز عليه أن يخاطب من لا يعنهم ولما ابتدى بشكواه التي قبض فيها خرج من الليل مع أبي مويهبة [1] حتى قام بين ظهراني [2] القبور فقال ليهنئكم [3] ما أصبحتم فيه ما أصبح الناس عليه اقبلت الغين كقطع الليل المظلم وفي رواية مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 3: 169 الآية قال أرواح الشهداء على بارق نهر الجنّة يأكلون من ثمارها ويشربون من مائها [4] ويستنشقون روائحها وليسوا فيها وهذه الأخبار كلها وما شاكلها عند من يرى الجنة غير مخلوقة اليوم ولا موجودة [إلا] على الاستقبال فيما بعد ومنهم من يجيز أن يحدث الله الأرواح جنة يتنعم فيها غير الجنة الموعودة وكذلك النار وهي كلها حجة للقائلين بوجود الجنة والنار في الحال،
ذكر ما جاء في القرآن والنص والدلالة على أحوال الأرواح
__________
[1] . مويهةMs.
[2] . طهرانىMs.
[3] . ليهنكمMs.
[4] . مايها Ms.
(2/108)

قال الله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا 78: 38 قال الحسن هو الخلق ذوو الأرواح وقيل هم خلق أكثر من الملائكة قال الله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ 40: 46 فأخبر أن أرواحهم تعرض على النار قبل مصيرهم إلى نار جهنم وقال في صاحب ياسين قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ 36: 26 فلم يكن بقوله إلا روحه [1] لأن جسده كان مطروحاً لديهم وقال كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ 83: 18 ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ 83: 7 قال بعض المفسرين يعني أرواحهم قال إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ 7: 40 وروى السري عن البراء بن عازب [2] أن أرواح المؤمنين إذا قبضتها الملائكة رفعوها إلى السماء فلا تمر بملك من الملائكة إلا قالوا [57] ريح طيب خرج عن نفس طيب حتى ينتهي بها إلى حيث يشاء الله فيسجد وروح الكافر إذا قبض رفع إلى السماء فلا يفتح له أبواب السماء ويقولون روح
__________
[1] . الأرواحrectionmarginale ;Ms.
[2] . البر بن عارب Ms.
(2/109)

خبيث خرج من نفس خبيثة فيرد إلى سجين في قصة طويلة وقال فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ 44: 29 قال لكل مؤمن من السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يصعد فيه علمه وروحه فإذا مات انقطع ذلك فبكت السماء والأرض عليه وقال الله يَتَوَفَّى. الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى 39: 42 وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن الرجل إذا مات قبض الله روحه وبقى نفسه لأن النفس موصولة بالروح فإذا أراد الله قبض روحه للموت قبض نفسه مع روحه فمات وإذا أراد الله بعثه رد إليه روحه وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه قال اللَّهمّ باسمك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما يحفظ به الصالحين وكان إذا استيقظ من نومه قال الحمد للَّه الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه المصير وروى ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنه قال في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس والنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها اليقين والتحريك فإذا نام العبد قبض الله نفسه وروحه وقال مجاهد تجيء
(2/110)

الروح إلى الرجل في منامه فإذا لم يحضر أجله استيقظ وإذا حضر أجله ذهب الروحان وروى حصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كل نفس لها سبب تجري فيه فإذا قضى عليها الموت قامت حتى ينقطع السبب والتي لم تمت يرد وروى عن علي عليه السلم أنه قال إذا نام الإنسان امتد روحه مثل الخيط فيكون بعض أجزائه في النائم وبه يتنفس وبعضها مختلط بأرواح الأموات مقبوضاً معها إلى وقت انتباهه فترجع إليه وروى ابن عجلان عن سالم عن أبيه أن عمر رضي الله عنه قال لعلىّ يا با الحسن وربما شهدت سهدة [1] وعتباً اسئلك عن ثلاثة أشياء قال وما هن قال الرجل يحب الرجل وما يرى منه خيراً والرجل يبغض الرجل وما يرى منه سوءاً قال نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة يلتقى فيشام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف قال عمر والرجل يحدث الحديث إذ ينساه فبينا هو [2] قد نسيه إذ ذكره قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينا القمر
__________
[1] . كذا في الأصل.Annot.marginalc: سهدتMs.
[2] . هو هو Ms.
(2/111)

يضيء إذا غلبته السحابة فينسى أو تجلت عنه فذكره قال عمر والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد ولا أمة ينام فيشتغل نوماً إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فهي الرويا التي تكذب،
ذكر قول أهل اللغة في الروح والنفس والحياة
قد يسمى ذات الشيء وعينه كائناً ما كان [57] من جسم أو عرض أو جوهر أو غير ذلك نفساً فيقال نفس هذا الخشب ونفس الأرض ونفس السماء ونفس الكلام ونفس الحركة قال الله تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي 20: 41 وقال تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ 5: 116 وسمى الهمة نفساً فيقال لفلان نفس وليس لفلان نفس وسمت نفسه إلى كذا كما يقال سمت همّته وكذلك يسمّى الطمع والحرص والمراد النفس قال [رجز]
وأكذب النفس إذا حدّثتها
وقال [كامل]
والنفس راغبة إذا رغبتها، ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
(2/112)

وقال [سريع]
شاور [1] نفسي طمع ورهبة ... تقول هاتي لا وهاتيك بلى
فشجعته نفس حرص طمعت ... وحذرته نفسه الأخرى الردى
فسمى الجبن والشجاعة نفساً ويسمي الدم نفساً وكذلك قيل الهوام لها نفس سائلة ومنه نفاس المرأة لما سال من دمها ويسمى أصحاب العين النفس وقيل سميت النفس نفساً لتنفسها ويعبر عن القلب بالنفس كما قال الله تعالى فَأَسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ 12: 77 وقال أَوْ أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ 2: 235 هذه الوجوه كلّها خاصّة للنفس لا شركة بينها وبين الروح في شيء منها اللَّهمّ إلا في حالة واحدة قالوا خرجت نفسه وخرجت روحه إذا مات وقال الشاعر [طويل]
سميت عياطاً ولست بعائط ... عدوا ولكن الصديق تعيط
فلا حفظ الرحمن روحك حية ... ولا هي في الأرواح حين تغيط [2]
وأنشد ابو زيد الأنصاريّ [سريع]
__________
[1] . ساورMs.
[2] . تغيظ Ms.
(2/113)

اجتمع الناس وقالوا عرس ... ففقئت عين [1] وفاضت نفس
واختلفوا في الروح فحكى ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال في الحديث لكل إنسان نفس وروح فأما النفس فتموت وأما الروح فيفعل به كذا وكذا وقد تسمى العرب الريح والروح والنفخ روحاً قال ذو الرمّة [طويل]
فقلت له ارفعها إليك وأخيها ... بروحك وأفتنه [2] لها فتنة [3] قدرا
ويسمى الهواء الروح والملك الروح والوحي الروح وكل لطيف خفيف متعال روحاً ويقال [4] في الحيوانات أنها ذات أرواح وفلان خفيف الروح وفلان ثقيل الروح إذا كان يخف على القلوب أو يثقل ويقال لكل ما ينبت وما يشاهد كالملائكة والجان الروحانيون والأرواح تبقى والأنفس تموت ولا تبقى وأما الحياة فهي شيء يضاد الموت حيث ما حلت ارتفعت وهي
__________
[1] . فقفيتMs.
[2] . وافتبهMs.
[3] . فتبهMs.
[4] . وقال Ms.
(2/114)

في الجملة على كل تام حساس ومتحرك من ذوي الأرواح وغيرها ألا ترى إلى قوله تعالى فَأَحْيَيْنا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها 35: 9 فجعل الأرض حياة إذا نزل عليها الماء وقال وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ 22: 66 فجعلنا بما أحيانا به وقال يُخْرِجُ الْحَيَّ من الْمَيِّتِ 6: 95 فمن قائل أنه الولد من النطفة والطير من البيض والنخلة من النواة فسمى النخلة لما فيها من قوة الحياة حياً ثم وصف نفسه بالحياة فقال هُوَ الْحَيُّ 2: 255 ولا يجوز أن يقال هو ذو روح وذو نفس لأن الحياة أعم وأعلى فيقال روح حي وقد أحييت روحي بكذا وكل ما له بقاء ودوام يدعى حياً كما قيل للشعر [58] أنه كلام حي لبقائه ومروره على الألسن واختلفوا في مكان الروح والنفس والحياة من البدن ألكل واحد منها [1] موضع على حدته أو كلها متداخل أو متصل بعضها ببعض وأيها ألتابع للآخر وأيها المتبوع وكيف ما أنظر فلا أجد بداً من جمع [2] ما يحتاج إليه في كتاب مفرد أسميه كتاب النفس والروح لأني إن أطنبت فيه إذ لا يغنى الاختصار والإيجاز نقضت ما
__________
[1] . منهماMs.
[2] . جميع Ms.
(2/115)

اشترطت في صدر الكتاب وهذا باب لا يصح الكلام فيه وإن طال وأما الموت فسكون دائم وخمود بانقطاع الحياة وذهاب الروح وقد سمى الله تعالى الجوامد مواتاً عند فقد النماء والحركة وقيل النوم أخو الموت وقالوا للشيء الخامل المنسي هذا ميت وأنشدني بعضهم [مجتثّ]
نوم اللبيب بقدر ... رتبته ذا [1] المقيل
والنوم موت قصير ... والموت نوم طويل
وفي التوراة الفقر الأكبر وفي تأويل القرآن الكافر ميت والجاهل ميت،
ذكر ما جاء عن أهل الكتاب في الأرواح
زعم بعض أهل اليهود أن أرواح الخلائق متصلة في الهواء على شبه نار أو شعاع الشمس عند غروبها وطلوعها ومع ملك الموت سيف يقطع به أرواح من يريد أن يقبضه واحتجوا بقول شمويل في كتابه أن الله بعث الموت على بني إسرائيل فمات منهم بشر كثير فخرج داود ومشايخ بني إسرائيل فرأى داود ملك الموت واقفا
__________
[1] . وكذا Ms.
(2/116)

على قرب أوريشلم قد اتكأ على سيفه فسأل ربه أن يرفع السيف عنهم فرأى الملك قد أدخل سيفه في غلافه وسكن الموت وقالت فرقة منهم أنّ أرواح البررة الصديقين إذا فارقت جثتها صارت إلى الفردوس تحت شجرة الحياة وأرواح الفجرة والفسقة إلى ظلمة الأرض وأرواح ما كان بين ذلك إلى الهواء وقالت فرقة أخرى أن الله لم يوكل أحداً بقبض أرواح الخلائق ولكن إذا ذبل جسم الإنسان وضعفت أعضاؤه فارقتها وصارت أرواح الأبرار إلى الموضع الذي جاءت منه وأرواح الأشرار إلى ظلمة الأرض قالوا فلما إن صارت فيه من غير أن يدخلها أحد كذلك إذا كانت الأجساد عن قبول قوى النفس خرجت من غير أن يخرجها أحد وكثير منهم يقول أن أرواح الصديقين والصالحين إذا هي فارقت أجسادها جعلت في صرة وتركت إلى يوم القيامة وأرواح العاصين والمسيئين إذا فارقت أجسادها بقيت في ظلمة الأرض إلى يوم القيامة واحتجوا بقول سليمان بن داود في كتابه قوها أن ترجع الأجساد إلى التراب والأرواح إلى الرب الذي أعطاه وقال فيه أيضاً من كان منكم عالماً علم أن أرواح ولد آدم
(2/117)

صاعدة إلى الهواء والعلى وأن أرواح الذين يشبهون الدواب ينزل إلى أسفل الأرض واحتجوا بقول ابيغايل النبيه [1] وهو مكتوب في كتاب شمويل إذ تقول [2] لداود روح سيدي داود مجتمع في صرة الحياة وروح أعدائه يرمي بها بالمقاليع [3] وزعم بعضهم أن الروح مما خلق في الابتداء وقد روينا عن بعض علماء الأمة أن أول ما خلق الروح وروينا أن الأرواح خلقت من قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة والله أعلم وفي رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الخصومة يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد [58] فيقول الروح يا ربّ إنّما كنت بمنزلة الريح لولا الجسد ويقول الجسد يا رب إنما كنت بمنزلة جذع ملقى لولا الروح فيضرب لهما مثلاً أعمى حمل مقعداً،
ذكر مقالات سائر الأمم في الروح والجسد
كانت العرب تزعم أن روح الميت تخرج من قبره فتصير هامة تزقو وتقول [4]
__________
[1] . سفايل النّبهMs.
[2] . يقولMs.
[3] . بألمقاريعMs.
[4] . يدفو ويقول Ms.
(2/118)

اسقوني اسقوني وفيه يقول [ذو] الأصبع العدواني [1] [بسيط]
يا عمرو إن لم تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتّى تقول الهامة اسقوني
وقال [خفيف]
سلط الموت والمنون عليهم ... فهم في صدى المقابر هام
وقال ابو الغموص [وافر]
أتخبر يا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حيوة أصداء وهام
قال النبي صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا هامة ولا صفر ومن ثم كان يستسقون للأموات وأما الهند فظاهر فيهم القول برجوع أرواح موتاهم في صدورهم ويزعمون أنهم يكلمونهم ويسألون بهم وأما الفرس فأيام الفروردجان عندهم أيام رجوع الأرواح فيهيئون ألوان الطعام ويبخرون المباذل بالطيب ويفرشون الرياحين ويقولون هم لا يصيبون من الطعام إلا الرائحة وروى المسلمون أن الميت يسمع كلام أهله وبكاهم عليه وأنّه يسئل في
__________
[1] . الإصبع العدوي Ms.
(2/119)

قبره وهو يسمع خفق النعال وروى عن حذيفة أنه قال أن الجسد ليغسل والروح بيد ملك فإذا وضع في لحده سلك الروح فيه وروى أن الميت إذا حمل إلى حفرته فإن كان صالحاً قال عجلوا بي عجلوا بي وإن كان غير ذلك قال لا تعجلوا بي فإنكم لا تدرون على ما تقدمون بي وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات إبراهيم عم قال عصفور من عصافير الجنة وهذا كله دليل على حياة الروح وبقائه بعد النفس والناس قاطبة يندبون موتاهم وينادونهم ويخاطبونهم ولولا الأصل الموثل في حياة الأرواح لما اجتمعوا عليه وليس ينقص هذا مخاطبتهم الديار والآثار لأن هذا خاص في العرب وذلك عام في الأمم،
ذكر اختلاف نظار أهل الإسلام في النفس والروح
قال بعضهم النفس جسم لطيف له مساحة البدن على طوله وعرضه وعمقه وأنه متداخل بعضه في بعض وكل في كل واستدلوا على أن جميع أجزاء النفس في جميع أجزاء البدن بأنّك كلّما قطعت جزءاً من أجزاء البدن وجدت له ألماً ولولا النفس لم يألم وقال معمر أن النفس موجودة لا مساحة لها وليست بجسم ولا طول ولا عرض ولا عمق وليست بحاله في الأمكنة
(2/120)

ولا يحيط بها المواضع وقد يقال في مجاز اللغة أن النفس في البدن على التدبير والأحداث للأفاعيل ولا يقال هي البدن على السكون والحركة وذلك أن السكون والحركة إنما تجوز على كل ذي مساحة وجسم على ما يحويه الأمكنة ويجوز عليه النقلة من موضع إلى موضع ولا تجوز النقلة على شيء إلا بأحد أمرين إما بجسم يرفع الجسم من مكان إلى مكان فإذا لم يكن جسماً لم يمكن منه على الرفع والجر وقال إبراهيم النظام الروح هي الحياة المشابكة بهذا الجسم وقال هشام بن الحكم الروح نور من الأنوار والجسد موات وقال ابن الروندي الروح عرض والإنسان هو أعراض مجتمعة ومنهم من يقول الروح هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو لا في مكان [59] ، ثم اختلف هؤلاء في الإنسان المكلف المثاب المعاقب من هو وما هو قال بشر ابن المعتمر وهشام بن الحكم وأبو الهذيل العلاف وأبو الحسين الخياط هو الروح مع هذا الشخص المرئي وقال إبراهيم النظام الإنسان هو الروح وهو الحياة المشابكة لهذا الجسم ولأنه لا شيء غيره وقال أحمد بن يحيى الإنسان مقدار ما في القلب من الروح وقال بعضهم الإنسان هو الجوهر بين
(2/121)

الجوهرين ومحصول أمرهم على قولين أحدهما أنه الروح وحده والآخر أنه الروح مع البدن واحتج من قال أنه الروح بقوله تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله 39: 56 ويا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ 89: 27 فكل ما وقع من الخطاب فمع النفس وهي الروح لا غير واحتج مخالفوهم بقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ 23: 12 الآية فأخبر أن الإنسان هو هذا المخلوق وأنه مختص مرئي واختلفوا أهل يحس الميت [1] بعد مفارقة روحه بشيء أم لا ثم اختلف قالوا أنه يحس أو روحه تحس بذلك أم جسده أم روحه مع جسده فأنكر بعضهم أن يكون الميت يشعر بشيء دون يوم القيامة واحتج بقولهم يوم البعث يا وَيْلَنا من بَعَثَنا من مَرْقَدِنا هذا 36: 52 وبقوله وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً 78: 40 وقال بعضهم تحسّ روحه واحتجّ بقوله النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا 40: 46 وبسائر الآيات التي تلوناها في الشهداء والأخبار التي رويناها وقال ابن
__________
[1] يجى بالألم كما ورد في قوله عليه الصلاة Notemarginale: والسلام يألم الميت كما يألم الحىّ فلذلك قيل للغاسل يغسل الميت برفق في مغسله،
(2/122)

الروندي بل يحس [1] الجسد والروح عرض قد بطل قال فالميت يعلم ضربين من العلم ويحس بضرب من الحس قال ولو لم يكن هكذا ما علم إذا أحس أنه كان ميتاً فاحتج بالخبر المروي أن الميت على النعش يسمع نوح أهله وهذه مناظرة جرت بين النظام وبين هشام بن الحكم سأل النظام هشاماً فقال لم زعمت أن الروح إذا بطل استعمالها للجسد رجعت ففعلت في نفسها إدراك الأشخاص والأشكال بالقوة الروحية قال هشام لأنها ليست بجسم فيدخلها التضاد الذي أحدهما مزيل للإدراك وهو السكون قال النظام فإذا لم يكن جسماً ولم يدخلها التضاد على قولك فما الذي يوجب لها إدراك ما ليس بحضرتها قال هشام قوة الانبساط وارتفاعهما على السترات وأنها لم تدرك الأشياء توهماً وتقديراً على الانفراد إذا كانت إنما تدركها [2] ملامسة وحساً على الاجتماع قال النظام وهل يوجب التوهم والتقدير إيجاد الشيء وحضوره قال هشام إن كنت تريد ما يوجب مشاهدة إنه وإن وصفته إدراك فنعم قال النظام فإن كان يوجب إنه وإن وصفته ادراك
__________
[1] . تحسMs.
[2] . يدركها Ms.
(2/123)

فما حاجته إلى الحاسة للإدراك قال هشام ليجتمع له إدراك المائية والصفة في الوهم والتقدير وفي المشاهدة والعيان قال النظام وما حاجته إلى هذا وإنما يطلب الإدراك الذي قد وجده بلا حاسة قال هشام ليعلم ما هيئته في الإعلان بالصفة والهيئة كما علمها في الضمير توهماً وتقديراً قال النظام وهل يزيده علمه بماهيّته علما بما في الضمير قال هشام نعم يزيده لأن الإدراك بالحواس أولاً والإدراك بالتوهم ثانياً وذلك إن من لم ير طولاً قط لا يتوهمه حتى يتصور في ضميره فإذا رآه ثم فقده كان مصوراً في الضمير قائماً لإدراك الروح إذا ترك استعمال الحاسة [وهذه مناظرة ثانية] [1] جرت بين من زعم أن الروح في البدن على معنى التدبير والأحداث [59] للأفاعيل لا على معنى السكون والحلول فيه قالوا لهم خبرونا عن البدن إذا قطعت منه جارحة [2] هل قطع من الروح شيء قالوا لا ولكن الجزء من الروح الذي كان ساكناً في اليد إذا قطعت صار في الذراع بمنزلة الشمس في الكوة إذا سدّ الكوّة عاد الشعاع
__________
Cettephrase ,uimanquedanslema. ,estretablied ,apreslecontexte. [1]
[2] . جارحة Ms.
(2/124)

النافذ إلى جنسه وشكله قالوا فينبغي على قولك إذا قطعت الجوارح والأعضاء كلها أن يزداد بروحه قوة ما يبقى من أجزائه لجمعه فيه إذا كان الروح له مساحة من الطول والعرض والعمق في الجسم وهو جسم لزم أن يكون جسمان في مكان واحد قالوا نقول [1] بالمداخلة والمجاورة وهذه مناظرة ثالثة جرت بين النظام وبين مخالفيه قالوا له أخبرنا عن الإنسان هل يرى قال نعم قد يرى معقولاً قيل فهل يدرك بالبصر قال نعم يدرك بالبصر مفعولا كما يقول القائل قد رأيت الحائط ولم ير غير صفحته التي تليه ويقول رأيت على فلان سيفاً وإنما رأى غمده ويقول رأيت ميّتا وإنّما رأى بدنه قيل له فأخبرنا عن الإنسان ما هو قال لا يخلو هذا السؤال من أحد أمرين إما أن أردتم عن اسمه أو عن خواصه التي يعرف بها وبها يفصل بينه وبين غيره فإن أردتم الاسم فهذا إنسان وإن أردتم الخواص فهو الحياة والموت والنطق والضحك قال وليس نعني بهذا الكلام أنه أبداً ميت أو ضاحك أو ناطق أو حي وإنما نريد به أن من شأنه وغريزته أنه ممن يموت وأن من شأنه الحياة والضحك
__________
[1] . [؟] قول Ms.
(2/125)

وإن لم يضحك قالوا فأخبرنا عن هذا الإنسان الحي الذي وصفته بالحياة أهو هي أم غيره قال قد وصفته بحياة هي غيره وكذلك إذا مات وصفته بموت هو غيره وحياته وموته عرضان يتضادان فبأحدهما كان حياً وبالآخر كان ميتاً قالوا فما الحياة والموت قال أما الحياة فمعنى له أمكن أن يكون به محركاً لما حرك ومريداً لما أراد من أعماله التي يجوز أن يكون منه قيل له وما الأعمال التي يجوز أن يكون منه قال أما ما كان بالاستطاعة فالإرادة لاستخراج الأشياء والعلم والفكرة وما أشبههما وكل فعل كان منه على المفاجأة وليس قبله له فيه إرادة ولا تمثيل فإن ذلك لغريزة قال والموت بخلاف ذلك وهو إذا دخل بالحي بطل معه كل ما ذكرناه لأنه تبطل [1] بحلوله القدرة على ما كان تقدر عليه قبل ذلك فإذا أحياه الله فحي بطبعه وإذا أماته مات وفعله بطبعه قال وليس الموت فناء له لو كان فناء لم يجز أن يقوم الموت فيه وهو بشر وإنما الموت آفة حلّت به فحالت بينه وبين التدبير وهذه مناظرة رابعة
__________
[1] . [؟] بطل Ms.
(2/126)

[جرت] [1] بين من أثبت [2] الروح جسماً وبين من نفى أن يكون جسماً قالوا لهم ما الدليل على أنه ليس بجسم قالوا الدليل عليه أن الأجسام لا يخلو أن تكون ساكنة أم متحركة ولا يكون الساكن والمتحرك إلا بإسكان وتحريك من غيره فلو كان الإنسان جسماً لكان ساكناً أو متحركاً ولو كان المسكن له والمحرّك في مثل حاله لزمه ما يلزمه ووجب قود الكلام فيه إلى مسكن له أو محرك ليس بجسم قالوا فهل يسكنه الأعراض قال أما الأعراض التي هي إرادات وغضب [3] وعلم وشهوة وألم وما أشبه ذلك فنعم وأما الأعراض [60] التي هي ألوان وطعوم وأراييح فلا لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يدرك بالمذاقات ويرى بالأبصار ولحاذته الأمكنة قالوا فإذا قلتم إن الإنسان لا تحويه الأمكنة وليس بجسم ولا يوصف بطول ولا عرض ولا عمق قد [4] شبهتموه باللَّه تعالى قال ليس التشبيه في نفي الأعراض والصفات وإنما التشبيه بين الأعيان بالأعراض المركبة فيها نحو الرجلين القائمين اللذين يوصفان بالقيام الّذي
__________
dapreslecontexte. [1]
[2] . أ [؟] بتMs.
[3] . غصبMs.
[4] . وقد Ms.
(2/127)

هو غير هما فيكون كلّ واحد منهما مشبّها لصاحبه في قيامه أو يكون أحدهما جالساً والآخر قائماً فيخالفان بالأعراض المركبة فيهما بالتشابه يقع في الإثبات لا في النفي ولو كان التشابه يكون في النفي لكان الإنسان يكون مشبهاً للحيزية [1] إذا كان الحيزية [2] تنفى [3] عن الكلية وينفى [4] ذلك عن الإنسان،
ذكر أراء الفلاسفة في النفس والروح
على ما حكاه افلوطرخس [5] في حد النفس، زعم افلاطن أنه يرى النفس جوهراً عقلياً يتحرك ذاته وأن ارسطاطاليس يرى النفس كمال جسم طبيعي إلى حي بالقوة وإن فيثاغورس يرى النفس عدداً تحرك ذاته ويعني بالعدد العقل وأن تاليس يرى النفس طبيعة دائمة الحركة وأنها محركة ذاتها قال وبعضهم يرى النفس تأليف الأسطقسات الأربعة وامّا استعلوس الطبيب فإنه كان يرى النفس شيئاً يحدث تدرّب الحواسّ وارتياضها ولهم
__________
[1] . للحترتهMs.
[2] . الحيزّيّةMs.
[3] . تنفىMs.
[4] . وينفىMs.
[5] . افلوطوخس Ms.
(2/128)

اختلاف كثير في النفس ما هي أجسم أو جوهر وكم أجزاؤها وأين مسكنها من البدن وما جزؤها الرئيس وهل هي باقية بعد مفارقة البدن أم متلاشية ما يدل اختلافهم على قصور معرفتهم وعجزهم عن الإحاطة بها،
ذكر أصوب الوجوه فيها
يدل أن الروح والنفس معان مختلفة الأفعال والأعراض فكل ذي نفس ذو روح وحياة وكل ذي روح ذو [1] حياة وليس كلّ ذي حياة ذا روح ونفس لأن الأرض تحيا بالنبات وليست بذات روح والبهائم حيوانات ذوات أرواح وليست بذوات أنفس فالإنسان له نفس وروح وحياة فتمييزه وعقله وفطنته وفهمه من قبل نفسه وعيشه وبقاؤه ونماؤه من قبل روحه وحسه وإدراكه المحسوسات من قبل حياته فالذي يبطل بموته حياته والنفس والروح ينتقلان عنه إلى أن يأذن الله في البعث والحشر وقد جرى في هذا الباب من الأخبار ما فيه مقنع وكفاية وقد زعم إفلاطن فيما يحكى عنه لأن الروايات عنه مختلفة أنه قال أن النفوس المفارقة لأبدان الحيوان غير مائتة ولا فاسدة بل
__________
[1] . ذي Ms.
(2/129)

لها أحوال تلذ فيها وتألم وحكى يحيى [1] النحوي عن افلاطن أنه قال النفس جوهر قائم بنفسه والنطق والحياة لها بذاتها فإذا فارقت بدنها وكانت خيرة بقيت مغبوطة مسرورة وإن كانت شريرة بقيت تائهة في الأرض متحيرة تحول حول قبر صاحبها إلى النشأة الأخرى وهذا قول سديد ورأي صواب يشبه أن يكون من مشكاة النبوة والوحي لأنه مقارب لقول الربانيين والله أعلم،
[60] ذكر قولهم في الحواسّ
قال افلاطن أنّ الحواسّ اشتراك النفس والبدن في إدراك الشيء الذي من خارج وإن القوة للنفس والآلة للبدن واختلفوا في البصر كيف يبصر فزعم بعضهم أن الشعاع يخرج من العين وينبسط في المبصرات فيكون كاليد التي تلمس ما كان خارجاً عن البدن ويؤدي ذلك إلى القوة البصرية وافلاطن يرى ذلك اجتماع الضياء ويقول أن البصر يكون باشتراك الضوء البصري والضوء الهوائي وسيلانه فيه بالمجانسة التي بينهما وأن الضوء الذي ينعكس عن الأجسام ينبسط في الهواء لسيلانه وسرعة استحالته فيلقى
__________
[1] . يحيى Ms.
(2/130)

الضياء الناري البصري واختلفوا في السمع فزعم بعضهم أن السمع يكون بالخلاء الذي يكون داخل الأذن ومنهم من يزعم أن الهواء يدخل الأذن في صورة الصنوبرة وتصادمها وافلاطن يرى أن الهواء الذي في الرأس يصدمه الهواء الخارج فينعطف إلى العضو الرئيس فيكون من ذلك حسّ السمع واختلفوا في الصوت كيف هو فزعم بعضهم أنّ الصوت جسم واحتجوا بأن كل فاعل وكل مفعول جسم وأن الصوت يفعل لأنا نسمعه ونحس به وألحان الموسيقى تحركنا والأصوات التي ليست على الموسيقى تؤذينا والصوت يتحرك ويصدم المواضع اللينة ويرجع عنها مثل الكرة التي يضرب بها الحائط وافلاطن يرى أن الصوت ليس بجسم لأنه يعرض في الهواء وينبسط وكل بسيط فغير جسم واختلفوا في الشم كيف يشم فزعم بعضهم أن العضو الرئيس يكون في الدماغ وأنه يجذب الروائح بالنفس وزعم آخرون أن الشم يكون بممازجة هواء النفس ببخار الشيء المشموم واختلفوا في الذوق كيف هو فزعم بعضهم أن الذوق يكون بممازجة [1] الجوهر الرطب الّذي في اللسان بالجوهر الرطب
__________
[1] . ممازجة Ms.
(2/131)

الذي في الشيء الذي يذاق وزعم آخرون أن الذوق يكون بالتخلخل واللين اللذين يكونان في اللسان بالعروق التي ينبعث إليه من الفم بقول الله تعالى وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ 16: 78 فنبهنا على هذه الحواس وبعثنا على شكرها ولم يبين لنا علل إدراكها ولا كيفية تركيباتها وقد تحار العقول إذا نظرت فيها وترتد خاسرة [1] لعظم أمرها وصعوبة شأنها وما هي إلا بمنزلة النفس والروح اللذين يعجز الخلق عن إدراكها فإن كان شيء مما قالوا حقاً فهو الصواب وإن كان غير ذلك فاللَّه أعلم،
__________
[1] . حاسرة Ms.
(2/132)

الفصل التاسع في ذكر الفتن والكوائن وقيام الساعة وانقضاء الدنيا وفناء العالم ووجوب البعث
اعلم أن الناس مختلفون في هذا الفصل بحسب اختلافهم في إحداثه وابتدائه فمن أنكر له ابتداء أنكر أن يكون له انتهاء وعلة جواز الابتداء حدوث الابتداء وقد دللنا على وجوب الابتداء للحوادث فليس بواجب وجود انتهاء لها لكن جائز عليه ذلك ثم واجب بورود الخبر الصادق فيه مع أن جميع ما دل على حدث العالم دال على تناهي ذاته ومساحته لأن دليل حدثه [61] قد دل على إنقطاع ما حدث منه إلى هذا الوقت وما انقطع حدوثه فهو متناهي الأجزاء لأنه لو أضيف إليه حادث كبعضه لكان زائداً مقدار أجزائه ولكان بوجود ذلك الزائد أكثر مما كان قبل حدوثه ولو كان العالم غير متناهي الذات لكان السائر منا من وسط الأرض لو سار تلقاء
(2/133)

وجهه ألف فرسخ لم يكن ما خلف وراءه من العالم أكثر مساحة مما بين يديه منه ولو كان ذلك كذلك لكان لو أحدث الله تعالى أجساماً بمقدار ألف فرسخ لم يكن العالم بعد زيادة ذلك أكثر مساحة منه قبل تلك الزيادة ولو كان هذا جائزاً لجاز مثله في عدد الناس والدواب والشجر حتى لو خلق الله في هذا الوقت مائة ألف إنسان ودابة وشجرة لم يزد بذلك في الناس أحد ولا في الدوابّ دابّة ولا في الشجر شجرة ولكان من نظر إلى جبال يابسة وصحارى [1] ملس لا نبات فيها ولا شجر ثم نظر أيام ربيع في عشبها ولمع زهرها لجاز له أن يحكم بأنه ما زاد في هذه الجبال والصحارى شيء البتة وكذلك لو نظر إلى نخلة تولدت من نواة وإنسان تولد من نطفة بأنه لم يزد في النواة والنطفة شيء وهذا ظاهر الإحالة والفساد فدل وجود الزيادة على وجود النقصان ووجود الابتداء على وجود الانتهاء وانقطاع حادث بعد حادث على انقطاع الحوادث ومن زعم أن البارئ علة للعالم والعالم معلول لا يجوز وجود العلّة بلا معلول ولولا البارئ جل وعز لم يكن العالم موجوداً وليس لولا العالم لم
__________
[1] . صحار Ms.
(2/134)

يكن البارئ موجوداً عورض ما الفصل بينك وبين من زعم أن العالم هو العلة والبارئ هو المعلول ولولا العالم لم يكن البارئ موجوداً وليس لولا البارئ لم يكن العالم موجوداً ليعلم أن اعتلالهم عند أهل النظر مبهرج ساقط والقول في حدوث آخر العالم وأن البارئ له علة متناقض لأن العلة لا تفارق المعلول وكأن قال قديم وقديم أحدهما محدث وأدنى ما يلزمه القول بحدوث العلّة كما قال بحدوث المعلول وإن زعم أنّه لا يعقل حدوث شيء لا من شيء وإنما هو لكون الخاتم من الفضّة والسرير من الخشبة وما أشبه ذلك والحادث هيئة وصنعة لم يحدث من نفس الفضة ولا من نفس الخشبة لأن [1] نفس الفضة والخشبة قد كانت موجودة والهيئة معدومة وإنما حدثت من فاعلها الحقيقة على معنى أنه اخترعها وأوجدها بعد أن لم يكن من شيء فإذا جاز حدوث عرض لا من شيء فلم لا جاز حدوث جسم لا من شيء مع أن كثيراً من الناس يقولون ليس الجسم غير أعراض مجتمعة وإنما النكتة في نفس ظهور الشيء أحادث أم غير حادث فإن كان غير حادث فظهوره محال لأنّ
__________
[1] . لا Ms.
(2/135)

الظهور حادث وإن كان حادثاً فقد تبينت المراد وبعد فلم يوجد جسم إلا من جسم ولا عرض إلا من عرض لوجب أن لا يوجد جسم ولا عرض البتة ولوجب أن لا يوجد في الرطب لون ولا طعم يخالف البسرة ولا في البسرة ما يخالف الطلع ولا في الطلع ما يخالف النخلة ولا في النخلة ما يخالف النواة ووجود خلاف ما ذكرنا دليل على حدوث تلك الألوان والطعوم وسائر الزيادات التي ليست من النواة وأنها ليست من نفس تلك النواة [61] وإن أنكروا الأعراض لزمهم أن ينكروا الصيف والشتاء والليل والنهار وأن يكون الليل سرمداً والنهار سرمداً والشتاء دائماً والصيف كذلك فإن زعموا أن هذا لا يلزمهم لأن النهار ظهور الشمس والليل غيبوبتها والشتاء نزول الشمس بعض البروج والصيف كذلك قيل إذا كنتم لا ترجعون في ظهور الشمس وغيبوبتها وقربها وبعدها فيلزمكم أن يكون من أمر إنساناً أو أراده منه فقد أمره بنفسه أو بنفس جسم من الأجسام وكذلك إذا حمده على شيء أو ذمه أن يكون ذلك نفسه من غير سبب أوجب فيجب أن لا يزال حامدا دائما أو يكون حمده وذمه لجسم من الأجسام وهذا كله دليل على
(2/136)

حدوث الأعراض وأنها غير الأجسام وإن الأجسام لا تعرى منها وكل حادث فله ابتداء وانتهاء لا محالة وهذه المسألة قد مرت في صدر الكتاب على الإتقان والإحكام وأمّا قولهم بجوهر قديم لم يزل عارياً من الأعراض التي هي الصور والهيئات والحركة والسكون وغير ذلك فإنّه كلام فاسد لأنه لو جاز ذلك على الأجسام فيما مضى لجاز أن يعرى منها فيما يستقبل وأن يكون بحضرتنا أجسام غير ذات طول ولا عرض ولا عمق ولا تأليف ولا تركيب ولا لون ولا رائحة ولا طعم ولا حركة ولا سكون حتى تكون مبنية موجودة [1] قائمة بلا عرض ولو جاز ذلك لجاز أن يوجد إنسان منا مخلي السرب غير ممنوع أن يخلو من الحركة والسكون والقيام والقعود والمشي والفعل والإرادات والألوان والحياة والموت وغير ذلك فهذا ظاهر الفساد فإن زعم أن ذلك كله كامن فيه بالقوة قيل وظهور هذا الكامن أزلي منه فإن زعم أنه فيه لزمه أن يكون هذه الكوامن فيه ظاهرة لم تزل وإن زعم أن ظهور الكوامن بالقوة فيه كما أن هذه الأشياء التي عددنا بالقوة
__________
[1] . موجودا Ms.
(2/137)

فيه سئل عن هذه القوة ما هي وكيف هي وأين هي ومم هي أفيه هذه القوة أم لا فإن زعم أنها فيه لزمه أن يكون العوارض التي عددناها كلها ظاهرة لم يزل لأن القوة والظهور علة لها وهي كالمعلول والعلة معها والعيان إلا ما ترى في النطفة والبيضة والنواة إذ تراها تحدث الشيء بعد الشيء وإن زعم أنها ليست فيه وإنما حدثت بعده وأحدثها محدث فقد أقر بالحدث وأن الجواهر لا تخلو من الحوادث ومن أقر بالحدث فقد أقر بالمحدث والسلام وإن زعم أن العالم حكمة بارئ وجوده وفضله وغير جائز أن يوصف بحل [1] حكمته وإبطال جوده [2] وفضله لزمه لا يجوز على البارئ إحداث ضد لشيء من موت بعد حياة وسقم بعد صحة وليل بعد نهار وضعف بعد قوة وقبح بعد حسن لأن في هذا كله إبطال الحكمة في قولهم فإن قال ليس يكون شيء من ذلك حكمة إلا وقت وجوده دون وجود ضده قيل فكذلك يجب أن ينكروا أن يكون العالم على ما هو عليه لأنّ حكمه في وقت
__________
[1] . [؟] حلّMs.
[2] . وجوده Ms.
(2/138)

وجوده دون وقت فنائه وانتقاله من حال إلى أخرى أو ليس ينسج الإنسان الثوب ثم يقطعه خرقاً لضرب من المصلحة ويهيئ المائدة وينضد عليها الألوان من الأطعمة ثم يشوشها ويفسدها بالأكل والتكسير ولا يكون ذلك قبيحاً ولا إبطالاً للحكمة بل هو من أحسن الأشياء وأولاها بالحكمة فمن أين أنكرتم أن ينقض البارئ هذا العالم في الوقت الذي يكون [62] نقضه [1] أولي بالحكمة وأبين في التدبير وأن يعيد الناس في دار سوى هذه الدار ليجازيهم على أعمالهم فإن قيل أن الأجسام باقية والباقي لا يجوز فناؤه إلا بضد يحله وذلك الضد لا يخلو من أن يكون جسماً أو عرضاً فإن كان جسماً فحيزه غير حيز هذا الجسم وكيف يضاده وإن كان عرضاً وجب أن يقوم فيه وكيف يقوم فيه في حال [2] يكون الجسم فيها فانياً معدوماً قيل لهم كيف جاز لكم أن تتطرقوا إلى إبطال القوة لفناء الأجسام مع قول من يقول من المسلمين أن فناء الجسم عرض لا يحتاج إلى محل وأن في حال وجوده انتقال الجسم
__________
[1] . نقصهMs.
[2] . حلل Ms.
(2/139)

وعدمه ومن يقول منهم أن الجسم يفنى بفقد بقائه وأن لا يحدث الله بقاء ومن يقول منهم أن فناء الجسم يوجد في الجسم فيصير فائتاً في الحال الثانية وبعد فما معنى إنكاركم فناء الأجسام وإنما ينكرون حياة الموتى وامر الموتى وخبر الجنة والنار وهذا كله غير ممتنع كونه مع بقاء الأجسام وتبديل صورها ونقض بنيتها [1] إلى بنية [2] أخرى يكون منها جنة ونار ودار على خلاف سبيل هذه الدار وإن كنا نخالفكم في أشياء منها وقد يشاهدون الاستحلال [3] والفساد في الأركان فيما يؤمنكم إشاعة الفساد في كلياتها وأجزائها كما زعمتم في أجزائها وأبعاضها وأن يكون طبيعة العالم موجبة للإنقاض بعد مدة من المدد والتغيير من هيئة إلى هيئة كالإنسان مثلاً إذا بلغ أقصى ما في طبيعته في بلوغه تفرقت عناصره ولحق كل نوع من جسده بشكله ثم يتركب أجزاؤه بعد ذلك على ضرب آخر فيكون كذلك العالم على هذا الترتيب إذا بلغ أقصى مدّته انتقض [4]
__________
[1] . ونقص منتهاMs.
[2] . [؟] نيةMs.
[3] . الاستخلالMs.
[4] . انتقص Ms.
(2/140)

وانقلب إلى هيئة أخرى يكون منه جنة ونار بل يلزمكم أعظم من هذا وهو إجازة فناء العالم وعدم ذاته ثم عوده ورجوعه بعد ذلك وتكونه وتكون طبيعته هو الذي يوجب له ذلك إذا كان ليس موجب وجوب بقائه من وجوب فنائه بطبعه فإن زعموا أن هذا لا يصح لنا على مذهبنا لأنا نقول بتركيب الأجسام من هذه الأركان وانحلالها إليها وكذلك الأركان من الأسطقسات غير المركبة البسائط من الهيولى قيل وأجود لنا أن يكون مناقضتكم من نفس مذهبكم وقد أريناكم فساد مذهبكم في الهيولى وفي فساد ذلك وجوب صحة القول بحدث الأجسام وكل حدث غير مستنكر له الانحلال والدثور والعود إلى حال التلاشي والبطلان وإذا فنى وبطل فأعاده خلق كابتدائه بل هو أهون،
ذكر من قال من القدماء بفناء العالم
على ما حكى أفلوطرخس [1] زعم اماشهيدوس الملطي أن مبدأ الموجودات هو الذي لا نهاية له وإليه ينتهي الكل ويفسد ويرجع إلى الّذي عنه كان [2] وان انقمامس يرى مبدأ الموجودات هو الهواء
__________
[1] . افلوطوخسMs.
[2] . عنه Ms. ,unesecondefois
(2/141)

منه كان الكل وإليه ينحل قال الروح والهواء يمسكان العالم والروح والهواء يقالان على معنى واحد قولاً متواطئاً وإن تاليس الملطي يرى المبدأ الماء وإليه ينحل وهؤلاء قد أقروا بفساد العالم وإن كانوا رأوا له صلاحا يرجع إليه وحكى عن أ [؟] ثاغورس أنه كان يرى العالم يكون والله يكون ذاته وأنه إما من قبل الطبيعة ففاسد لأنه محسوس جسم مجسم وإما من سياسة الله وحفظه فقير فاسد وهؤلاء قد حكموا عليه بالفساد من قبل طبعه وأجازوا أن لا يفسده الله وكذلك المسلمون [62] يجيزون ذلك إلا أن الخبر ورد بخلافه وأما ارسطاطاليس فإنه يرى الفساد في الحر المنفعل الذي تحت فلك القمر وحكى عن جماعة منهم أنهم يقولون بالكون والفساد وهذا كله من الدليل على ابتداء الحدث وجواز انتهائه من مذهبهم وقد احتج من احتج منهم في إبطال العالم أنه من الاسطقسّات الأربع ولا بدّ لها من التمايز والانحلال كما الإنسان مجموع من الطبائع الأربع وتمايزها سبب هلاكه وفنائه وأما الثنوية فإنهم يقولون ببطلان من امتزاج الكونين وجواز افتراقهما وتباينهما بعد امتزاجهما حتى تعود
(2/142)

كما كانا بلا حادث من مزاج وأما الحرانية فيقولون بالثواب والعقاب ولا أدري كيف قولهم في فناء العالم غير أنهم ينتمون إلى اغثاديمون [1] وهرمس وسولون [2] جد افلاطن لأمه ومن هؤلاء من كان يقول بفناء العالم والبعث وكثير من المجوس يقرون بالبعث والنشور وخبرني بعض مجوس فارس أنه إذا انقضى ملك اهرمن وأفضى الأمر إلى هرمز ارتفع الكد والعناء والظلمة والموت والسقم والكراهة وصار الخلق كلهم روحانيين باقين خالدين في ضياء دائم وسكون دائم ولا أعرف مذاهب فرقهم ولا اختلاف أرائهم وكلمتهم وسمعت بعضهم يقول إذا انقضت للعالم تسعة آلاف تساقطت النجوم وفتّتت [3] الجبال وغاضت المياه وصار كذا وكذا بصفات هائلة،
ذكر قول أهل الكتاب في هذا الباب
اعلم أن قولهم وقول أهل الإسلام سواء في انقضاء الدنيا وفناء العالم وكون البعث والحساب ووجوب الجزاء من الثواب والعقاب لا خلافا
__________
corriged ,apresleFihrist ,t.I ,p.318. [1] بن اعياديموسىMs.
,id. [2] سولفMs.
[3] . وفتّت Ms.
(2/143)

في شيء من الصفات وقع من جهة التأويل وأجمعت اليهود أن المسيح لم يجيء بعد وأنه جاء لا محالة في زمان يأجوج ومأجوج واختلفوا بعد ذلك فزعمت فرقة منهم أن ملك المسيح يكون ألف سنة ثمّ ينفخ في الصور وزعم آخرون أنّ ملك المسيح ألف سنة ومائتا سنة وخمس وتسعون سنة وقد كان كثير من مشركي العرب يؤمنون بالبعث والنشور ويزعمون أن من عقرت مطيته على قبره يحشر عليها وفيه يقول جريبة [1] بن الأشيم الفقعسيّ [كامل]
يا سعد إما أهلكن فإنني ... أوصيك إن أخا الوصية أقرب
لا تتركن أباك يعثر خلفكم ... تعباً يجر على اليدين وينكب
وأحمل أخاك على بعير صالح ... ويقى [2] الخطيئة إنه هو أقرب
ولعل ما قد [3] تركت مطية ... في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا
وكان أمية بن أبي الصلت قد قرأ الكتب واتّبع أهل الكتاب وهو يقول [بسيط]
__________
[1] . حزيّةMs.
[2] . كذا في الأصل etnotemarginale: بن وبقيMs.
lmanqueunelongue. [3]
(2/144)

والناس راث عليهم أمر ساعتهم ... فكلهم قائل للدين إيانا
أيام يلقى نصاراهم مسيحهم ... والكائنين له ودّا وقربانا
هم ساعدوه كما قالوا إلههم ... وأرسلوه كسوف الغيب دسفانا [1]
وهو يقول أيضا [بسيط] [63]
ويوم موعدهم أن يحشروا زمراً ... يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر
مستوسقين مع الداعي كأنهم ... رجل الجراد [2] رقته الريح تنتشر
وأبرزوا بصعيد مستو حزر ... وأنزل العرش والميزان والزبر
وحوسبوا بالذي ما يحصه أحد ... منهم وفي مثل ذاك اليوم معتبر
فمنهم فرح راض بمبعثه ... وآخرون عصوا مأواهم السقر
يقول خزانها ما كان عندكم ... ألم يكن جاءكم من ربّكم نذر
قالوا بلى فأطعنا سادة بطروا ... وغرنا طول هذا العيش والعمر
قالوا أمكثوا في عذاب الله ما لكم ... إلا السلاسل والأغلال والسعر
فذاك عيشهم لا يبرحون به ... طول المقام وإن صحوا وإن ضجروا
ذكر ما جاء في مدّة الدنيا وكم مضى منها وكم بقي
من أنكر
__________
[1] . الدسفان الرسولNotemarginale:
[2] . جراد Ms.
(2/145)

ابتداء العالم وانتهاءه أنكر أن يكون لما مضى عدد [1] ويكون لما بقي أمد وزعم أن الحركة الثانية هي الحركة الأولى معادة وقد مضى من النقض على هذه المقالة ما فيه كفاية روى في الخبر أن الله وضع الدنيا على سبعة أيام من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة وروى ثمانية أيام وروى ستة أيام وروى خمسون يوماً وروى مائة ألف سنة وخمسون ألف سنة هذا ما رواه المسلمون وأما اختلاف أهل الأرض في سني العالم في الكثرة والقلة وكمية ما يقع فيه من الاجتماعات والقرانات فشيء يطول وصفه وقد ذكر ابن عبد الله القسري في كتاب القرانات قول خمس فرق أوّلهم السند والهند الذين ادّعوا أنّ أصل كلّ فرقة مأخوذ من أصلهم وأن عدد سني عالمهم وأدوارهم أربعة ألف ألف ألف وثلاثمائة وعشرون ألف ألف سنة وهذا رسمه 5555555 حم ححم عم والصنف الثاني أصحاب الارجبهز [2] جعلوا سني عالمهم أربع مائة ألف واثنين وثلاثين ألف سنة وسنو هذه الفرقة جزء من عشرة ألف جزء من السند والهند والصنف الرابع أهل الصين جعلوا سنىّ عالمهم مائة وخمسة
__________
[1] . عدداMs.
[2] . الارجيهر Ms.
(2/146)

وسبعين ربوة وثلث ربوة ونصف عشر ربوة كلّ ربوة عشرة آلاف سنة يكون سني المدار ألف ألف وسبع مائة ألف وثلاثون [1] ألف وثماني مائة وثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر والصنف الخامس الفرس وأهل بابل وكثير من الهند والصين معهم جعلوا سني عالمهم ثلاثمائة وستين ألف سنة وهذه السنون مناسبة لدرج الفلك وإذا قسمتها على عشرة خرج ستّة وثلاثون ألف سنة مقدار ما يقطع الكواكب الثابتة جميع الفلك لأن الكواكب الثابتة يقطع كل برج في ثلاثة آلاف سنة قال ووقع الطوفان في نصف سنة العالم في أول دقيقة من الحمل فعلمت العلماء عليه وجعلوا هذه السنة أصلاً محفوظاً عندهم وسموه سنى الألوف المغيرة للزمان [63] والدهور والأديان والملل والأحداث العظيمة في العالم من خراب وعمارة وزوال ملك على ما ذكره أفلاطن وارسطاطاليس ومن قبلهما من اليونانيين قال ويقال أن هذه الأحداث لم يزل تأثيره قديماً مذ أول خلق الله أيام العالم إلى وقتنا هذا وأنه كان قبل آدم أمم كثيرة وخلق وآثار ومساكن وعمارات وأديان وملك
__________
ecalculsoitexact. [1] ثلاث وخمسون Lisez
(2/147)

وأملاك وخلائق على خلاف هذا الخلق في الطباع والأخلاق والكسب والمعاش والمعاملات وأنه كان قد يتصل العمارة في بعض المواضع ألوف فراسخ لا ينقطع مع مآكل عجيبة ولغات غريبة وطول القامات وصغرها وغير ذلك ما لا يدري كيف كان وأنه قد أبادهم الطوفانات والرجفات والزلازل والهدات والنيران والعواصف ثم خلق الله آدم الذي انتشر منه أهل هذا العالم الذي نحن منه وفيه بعد تلك الأمم والأجيال التي لا يعلم عددهم ولا يحصيهم إلا الله وعلمه العلوم من الآثار العلوية والسفلية وذلك قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها 2: 31 هي أسماء الكواكب الحائرة المؤثرة في العالم بتركيب الله إياها كذلك فعلم ما ينال ذريته من الشدة والبلاء فحذرهم وبين لهم مواضع الآفة حتى أووا [1] إليها وتخلصوا من البلايا التي تحدث في الأركان من النار والماء وغير ذلك من وجوه الفساد قال وقد كان هرمس الهرامسة وهو أخنوخ أدريس النبي صلى الله عليه وسلم قبل آدم بزمان طويل وكان ينزل الصعيد الأعلى والصعيد إلى الاسكندرية ليعتصموا بها من الغرق وقد أفسدهم الطوفان والنيران والنبات
__________
[1] . آووا Ms.
(2/148)

والحيوان غير مرة هكذا وجدت في كتابه وكتب الله تعالى وأخبار الرسل [1] أصدق وأصح شيء ممّا ذكروا و [إن] وافقته رواية أهل الإسلام وأهل الكتاب قلنا به [وإلا] لا فهو مضاف إلى حد الجواز والإمكان قال وربما عملت القرانات والاجتماعات في خراب العمران وعمارة الخراب حتى جعلت البحور مفاوز والمفاوز بحورا وربّما غاضت قنىّ وآبار وعيون وأنهار فصارت البقاع قفراً خلاء وربما نبع بالقفر عيون ومياه فصارت مسكونة مأهولة ولا ينبغي أن يحكم ببطلان ما لا يرى في مدة عمر وعمرين وثلاثة أعمار كما يرى في المفاوز بين الشام وبلاد اليونانيين من الآثار العادية والبنيان الخراب المعدوم فيه النبات والحيوان والماء ثم ما نشاهده في إقليمنا بالعيان قبل مفازة سجستان وما فيها من آثار البنيان والمدن والقرى والدكاكين ورساتيق الأسواق قال وقرا على بعض المجوس أن هذه المفاوز كانت عامرة والماء جارياً عليها من سجستان وأن افراسياب التركي عور [2] تلك العيون وكبسها حتّى انقطع الماء عنها وسار إلى زره فصار بحيرة ويبست
__________
[1] . الرسول صلى الله عليه وسلمcoormarginaleMs.
[2] . عور Ms.
(2/149)

المفازة وذكر ابن المقفع أن بادية الحجاز كانت في الزمان الأول كلها ضياعاً وقرى ومساكن وعيوناً جارية وأنهاراً مطردة ثم صارت بعد ذلك بحراً طافحاً تجري فيه السفن ثم صارت قفراً يابساً ولا يدري كيف اختلف عليها الأحوال ولا كم يختلف إلا الله تعالى،
ذكر التأريخ [1] من لدن آدم [2] إلى يومنا هذا [3] على ما وجدناه [64] في كتب أهل الأخبار
روينا عن وهب بن منبه أنه قال الله خلق السماوات في ستة أيام فجعل مكان كل يوم منها ألف سنة وقد خلت منها ستة ألف سنة وستمائة وإني لأعرف كل زمان ما كان فيه من الملوك والأنبياء [4] وروى عبد الله بن مسلم بن قتيبة [5] في كتاب المعارف أن آدم [6] عاش ألف سنة وكان بين موته والطوفان ألف [7] سنة ومائتا سنة واثنان
__________
.eextraitparIbnal -Wardi. [1] التواريخBetP
[2] . عليه السلامBajoute:
ManquedansB. [3]
Toutcepassage ,depuisl ,asterisque ,manquedansBetP. [4]
[5] . عبد الله بن قتيبة P بن عبد الله ابى قتيبةB
[6] . عليه السلامPajoute:
[7] . الفا B
(2/150)

وأربعون سنة وبين الطوفان وبين [1] موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة [2] وبين نوح وإبراهيم عم ألفا [3] سنة [4] ومائتا سنة [5] وأربعون سنة وبين إبراهيم وموسى تسع مائة سنة وبين موسى وداود خمس مائة سنة وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة وبين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم [6] ستمائة سنة [7] وعشرون سنة فكان [8] من عهد آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة ألف [9] سنة وثمان مائة عام [10] وفي كتاب تأريخ ابن خرداد [به] قال أنه كان من هبوط آدم إلى الطوفان ألفان ومائتا سنة وست وخمسون سنة ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم عم اثنى وثلاثين سنة خلت من عمر
__________
ManquedansB. [1]
ManquedansP. [2]
[3] . ألفP
ManquedansBetP. [4]
[5] . ألف ومائةP
[6] . صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينBetP
ManquedansP. [7]
[8] . فيكونB
[9] . آلافBetP
.Icis extraitdanslbnal -Wardi ,nceduPropheteetl anneedel hegire 822. [10] سنة BetP
(2/151)

موسى وذلك عند خروج بني إسرائيل من مصر خمس مائة وخمسون سنة ومن خروجهم إلى سنة أربع من ملك سليمان وذلك وقت ابتدائه ببناء بيت المقدس ستمائة وست وثلاثون سنة ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبع مائة سنة وسبع عشر سنة ومن ملك الإسكندر إلى مولد المسيح ثلاث مائة وسبع وستون سنة ومن مولد المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم خمس مائة وأربع وستون سنة ومن الهجرة إلى يومنا هذا وهو سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فذلك سبعة آلاف وأربع مائة وخمس عشر سنة وأصبت في كتاب أخبار زرنج قال كان بين آدم والطوفان ألفا سنة وست وخمسون سنة وكان بين نوح وإبراهيم تسع مائة سنة وثلاث وأربعون سنة وبين إبراهيم وموسى خمس مائة وست وسبعون سنة وبين موسى وسليمان ستّمائة واحدى وثمانون سنة وبين سليمان وشامل وفارس وبين سند مائتان وستون سنة وبين سيذ وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم خمس مائة وثمان وتسعون سنة ومن مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أربع مائة وخمس وستون سنة وعمر آدم ألف سنة فذلك سبعة آلاف وتسع مائة وتسعون سنة وفي
(2/152)

رواية محمد بن إسحاق فيما يرويه عنه يونس بن بكير قال كان من [1] آدم إلى نوح ألف ومائتا سنة ومن نوح إلى إبراهيم ألف ومائة واثنتان [2] وأربعون سنة ومن إبراهيم إلى موسى خمس مائة وخمس وستون سنة ومن موسى إلى داود خمس مائة وتسع وستون سنة ومن داود إلى عيسى ألف وثلاثمائة وخمسون سنة ومن عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة فذلك خمس آلاف وأربع مائة وست وعشرون سنة سوى مدة عمر آدم وتأريخ النبي صلى الله عليه وسلم ورأيت في كتب بعض أهل التنجيم [64] ذكروا تواريخ الأنبياء إلى أول سنة خمسين وثلاثمائة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم سنة ستّ آلاف وسبع مائة وستّين لآدم عم سنة خمسة آلاف وسبعين وثلاثمائة لمولد نوح عم سنة أربعة آلاف وأربعة وستّين وثلاثمائة وثلاثة وعشرون يوما لغرق نوح عم سنة ثلاثة ألف وستّ وأربعين وأربع مائة لإبراهيم عم سنة ألفين وأربع [3] وتسعين وتسع مائة لموسى عم سنة ألف وثلث
__________
[1] . بينMs.
[2] . وإنسانMs.
[3] . مائة Msajoute:
(2/153)

وسبعين ومائتين لذي القرنين سنة ألف وستين وستمائة لبخت نصر سنة ألف وخمس وثمانين ومائتين لبطلميوس صاحب المجسطي سنة ألف وثمان وستين وتسع مائة لعيسى عم ستّة آلاف وثلاثمائة وثلاثين ليزدجرد بن شهريار آخر ملوك العجم سنة ثمان وأربع مائة للفيل قال وفيه هذا هذا [1] النشو وخرجت الكواكب من أول دقيقة في الحمل إلى أوّل يوم من هذه السنة ألفا ألف ألف وثلاثمائة وتسعة وأربعون ألف ألف واحد وعشرون ألفاً وتسع مائة وخمسون سنة وثلاثمائة [و] تسعة وخمسون يوماً وإحدى عشر دقيقة وثوان والله أعلم وأحكم لا يعلم غيره وقد روى همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق وتلا كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً 2: 213 الآية وروى الواقدي كان بين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون وبين إبراهيم وموسى عشرون قرناً وروى وهب قال كان [بين] آدم ونوح عشرة أباً وبين إبراهيم ومحمد ثلاثون أباً هذا ما رواه المسلمون وأهل الكتاب وأمّا الفرس والمجوس فإنّ الروايات
__________
[1] . كذا في الأصل Notemarginale:
(2/154)

عنهم مختلفة ففي كتب بعضهم أن من انقضاء ملك بني ساسان أربعة آلاف سنة وأربع وأربعون سنة وعشرة أشهر وخمسة أيّا [م] ومنهم من يحسب هذا الحساب عن هوشنك بعد الطوفان ومنهم من يحسب عن كيومرث ويزعم أنه كان قبل آدم وأن آدم نبت من دمه وبعضهم يقول هو ابن آدم وحكى عن [بعض] علمائهم أنه قرأ في عظة لزردشت ذكر ملوك ملكوا الأرض قبل هوشنك منهم رتّى ملك الناس رقابهم وأموالهم ومنهم رتى ومنهم افرهان والله أعلم وأحكم فليس لنا في كتاب الله الذي في أيدينا ولا في الخبر الصادق عن نبينا صلى الله عليه وسلم ما يوجب القطع عليه ويوجب اليقين بشيء منه فليس إلا الرواية كما جاءت وإجازة ما هو ممكن منها والسلم،
ذكر ما بقى من العالم وكم مدّة أمّة محمّد عم
فيما رواه أهل الأخبار روى عبد المنعم [1] بن إدريس عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما عمر هذه الأمّة عمر بنى إسرائيل ثلاثمائة سنة قال الراويّ قبل أن يصيبهم الفتن والبلايا وعبد المنعم غير ثقة ومع ما فيه من الهمة لم يلق ابن عبّاس ويشبه إن
__________
[1] . المؤمن Ms
(2/155)

كانت الرواية عن ابن عباس أن يكون ذكر ثلاثمائة سنة زيادة ليس من نفس الرواية لإحاطة العلم بأنّ عمر بنى إسرائيل زاد على ثلاثمائة بأضعافها وروى أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال يكون لأمتي نصف يوم مقداره خمس مائة سنة وهذه الرواية في الضعف والوهم ليست بدون الأولى [65] وروى أبو جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس أنّه قال في آلم وآلمر وآلمص وسائر الحروف التي في أوائل السور ما منها حرف إلا وهو في مدة قوم وفي رواية الكلبي أن حيي بن أخطب لمّا تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آلم قال إن كنت صادقاً فإني أعلم ما أنحل [1] أمتك من السنين وهو إحدى وسبعون سنة من حساب الجمل فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آلمر وآلمص وآلر وحروفاً آخر فقال لهم بعضهم ما يدريك لعله يجمع له ذلك كله فنزل وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله 3: 7 قال الكلبي يعني منتهى أجل هذه الأمة فإن صحت الرواية فضرب الحد فيه باطل وحدثني أبو نصر الحرشي بفرجوط [2] قرية من الصعيد وكان يقرأ كتب الأوائل في كتاب
__________
[1] . الحل:Ms. أجل بنmarginalemoderne
[2] . بفرجوط Ms
(2/156)

دانيال مسطوراً بقاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ألف سنة وفناؤهم بالسيف وقال بعضهم وجدت في كتاب إن أحسنت هذه الأمّة فبقاؤها ألف سنة وإن أساءت فبقاؤها خمس مائة سنة وأجمعوا أن هذه الأمة آخر الأمم ولا بد لها من نهاية كما انتهت الأمم قبلهم وصح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت والساعة كهاتين وأشار بسبابته والوسطى قال الله تعالى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ 42: 17 وقال لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً 7: 187 وقال لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ 6: 59 فأخفاها وقربها واستأثر بعلمها دون علمه ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عم قال ما المسئول بأعلم من السائل قال صدقت فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه وجبريل أنهما لا يعلمان شيئاً من ذلك وصدقه في ذلك جبريل فمن ادعى أنه يعلم كم ما مضى منها وكم بقى فقد صرح بعلم ما طوى الله علمه عن العباد اللَّهمّ إلا أن يذهب في أن يجعل سبعة آلاف سنة مدة من المدد ابتداؤها هبوط آدم وانقضاؤها ابتداء سبعة آلاف سنة ثم الله أعلم بما هو كائن بعد فهذا مذهب إذ لا يعلم أحد ما كان قبل آدم وما هو كائن بعد انقضاء هذا العالم إلا الله تبارك وتعالى وروي عن
(2/157)

عبد [1] الله بن عمر قال يطعم هذه الأمّة ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة وثلاثين شهراً وثلاثين يوماً ثم ينقضي،
ذكر ما جاء في أشراط الساعة وعلاماتها
[2] حدثنا محمد بن الحسين حدثنا عمر بن موسى العرار حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن أبي نصر [3] عن أبي سعيد الخدري [4] رضي الله عنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ثم قام خطيباً فلم يدع شيئاً يكون إلى يوم القيامة [5] إلا خبر [6] به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه في حديث طويل قال في آخره [7] وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء فقال إلا أنه [8] لم يبق من الدنيا إلا كما بقي من يومكم هذا وروينا [9] عن الحسن [10] أنّ
__________
orrectionmoderne. [1] كذا في الأصلMs.
ManquedansBetP. [2]
[3] . روىupprimesdansBetP ,etremplacespar
[4] . ابى سعد الخدريّMs.
[5] . قيام الساعةBetP
[6] . أخبرBetP
[7] . والحديث طويل في آخرهBetP
ManquedansBetP. [8]
[9] . وروىBetP
[10] . بن علي [بن أبي طالب [B رضي الله عنهما P
(2/158)

النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما مثلي ومثلكم كقوم خافوا عدواً فبعثوا ربئةً [1] لهم فلما فارقهم إذا هو بنواصي الخيل فخشي أن يسبقه العدو [2] إلى أصحابه فلمع بثوبه [3] وقال يا صباحاه وإن الساعة كادت تسقني [4] إليكم، واعلم أنه ليس من شريطة هذا الكتاب رواية الأسانيد وتصحيح الأخبار لأن عامتها مستغنية بظهورها عن السند قال الله تعالى اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُرْ [5] نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ 59: 18 ومن هذا الباب حديث أبي الطفيل عن أبي سريمة عن [6] حذيفة ابن أسيد [7] [65] قال أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر [8] الساعة فقال أما أنها لا تقوم حتى تكون [9] عشر آيات
__________
[1] . ربيبة، P رئيةB
[2] . الخيلP
,corriged ,apresBetP. [3] فلم بثوبهMs.
[4] . تسبقنيBetP
[5] . كلMs ajoute
[6] . وعنgeManquedansBetP ,quin ,ontque
[7] . رضى الله عنهBetP
[8] . نذكرBetP
[9] . يكون ,P قبلها BetPajoutent:
(2/159)

فذكر الدخان والدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها وثلاث خسوفات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار [1] من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر فيقال غدت النار فاغدوا وراحت [2] فروحوا وتغدوا وتروحوا [3] ولها ما سقط ومنه حديث سعيد بن المسيب [4] عن علي بن ابى طالب عم [5] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا [6] عملت أمتي خمس عشر خصلة حل بها البلاء إذا اتخذوا [7] المغانم دولاً والأمانة مغنما والزكاة مغرماً والتعلم [8] لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعصى أمّه [9] وأدنى صديقه وأقصى أباه [10]
__________
[1] . تخرجBetPajoutent:
[2] . النارBajoute:
[3] . وتغدو وتروحBetP
[4] . وروىBetP
[5] . رضى الله عنهBetP
[6] . إذاBetP
[7] . اتخذP
[8] . تعلم العلمBetP
ManquedansBetP. [9]
[10] . وأمّه BetP ajoutent:
(2/160)

وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم [1] الرجل مخافة شره وظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور ولبس الحرير ولعن آخر هذه الأمة أولها فتوقعوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً وقذفاً [2] وفي حديث ابن عمر عن عمر [3] رضي الله عنه أن جبريل [4] لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أمر الدين فقال متى الساعة قال ما المسئول [5] بأعلم بها [6] من السائل قال فما إماراتها [7] قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة [8] و [9] يتطاولون في البنيان قال صدقت وفي حديث أبي شجرة الحضرمي [10] عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله رفع إلى الدنيا وأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى
__________
[1] . وإكرامP
[2] . وفرقاP
ManquedansB. [3]
[4] . عليه السلام.BetP ajoutent: جبرئيلMs.
[5] . عنهاBetPajoutent:
ManquedansBetP. [6]
[7] . ما امارتهاBetP
[8] . رعاء الشاءBajoute:
ManquedansBetP. [9]
ManquedansBetP ,quiont ,alaplace. [10]
(2/161)

يوم القيامة كما أنظر إلى كفي هذه [1] حلتان من الله حلاه لنبيه كما حلى للنبيين قبله [2] ومنه خبر خروج [3] الهاشمي والسفياني والقحطاني والترك والحبشة والدجال ويأجوج ومأجوج وخروج الدابة والدخان ونفخ [4] الصور [5] ثم ما ذكر بعد ذلك من أحوال الآخرة ليس ينبغي أن يضيق [6] صدر الإنسان بما يورد عليه من مثل هذه الأخبار أو يروى له لأن ذلك كله ممكن جائز وإذا جاز أن يظن الرجل شيئاً [7] فيصدق ظنه ويركن فيصح ركانته ويتكلم بشيء فيقع بوفاق كلامه أو يحكم من جهة الحساب فيصح حكمه أو يرى رأياً فيرشد في رأيه أو تخيل إليه أو في منامه أو يؤيد بقوة الروح فيوجد له تصديق فيما يحدث له فلا يجوز أن يصيب فيما يخبر به من
__________
[1] . هذاB
gemanquedansBetP. [2]
ManquedansBetP. [3]
[4] . نفخةB
.aphemanqueaIbnal -Wardi. [5] الشمس من مغربها و [نزول [B عيسى وطلوعManquedansP ,quiajoute ,ainsiqueB:
[6] . نضيقMs.
[7] . ثنثيا Ms.
(2/162)

جهة الوحي والنبوة أية [1] حالة تؤخر درجة النبوة عن درجة ما ذكرناه مع وجود الغلط الظاهر المتفاوت البيّن في كلّ ما ذكرنا إلا النبوة وحدها التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها اللَّهمّ إلا أن يكون المستترون بالإسلام دسوا في الأخبار مناكير وفواحش حدها تفاد في الحديث وتهذبها دلائل القرآن والله المستعان ومن أعوز الأشياء على قود النفس إلى قول هذه الروايات وحبس القلب عليها معرفة وجوب النبوة وصدق الأنبياء وجواز كون ما هو ممتنع في العقل بوجود الدلالة على حدث العالم وإيجاده لا من غير سابقه فمن تيقن ما ذكرناه لم يحدس قلبه ما يرد عليه بعد ذلك والسلم،
ذكر الفتن والكوائن في آخر الزمان
في رواية الزهري [2] عن أبي ادريس الخولاني [3] عن حذيفة بن اليمان [4] [66] قال أنا أعلم الناس بكل فتنة هي [5] كائنة إلى يوم القيامة
__________
[1] . وايةMs.
ManquedansBetP. [2]
[3] . الحولانيBetP ;Ms.
[4] . اليمانيP
ManquedansBetP. [5]
(2/163)

وما لي [1] أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلي [2] في ذلك شيئاً [3] لم يحدث به [4] غيري ولكنه حدث مجلساً أنا فيه عن الفتن [5] التي يكون منها صغار ومنها [6] كبار فذهب أولئك الرهط كلّهم [7] غيري وفي حديث ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن كرز [8] ابن علقمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فتناً فقال رجل كلا والله إن شاء الله فقال والذي نفس محمد بيده لا يعوزن فيها أساود حياً يضرب بعضكم رقاب بعض قال الزهري الأسود الحية إذا نهشت ترت ثم ترفع رأسها ثم تنتصب قال حذيفة كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر وقد جاء الله بهذا الخير فهل بعد الخير من شرّ قال
__________
[1] . بىBetP
[2] . ليBetP
[3] . اشياP
[4] . بهاP
[5] . الكوائن والفتنBetP
ManquedansBetP. [6]
ManquedansBetP. [7]
[8] . كرر Ms.
(2/164)

نعم وفيه دخن من جلدتنا يتكلمون [1] بألسنتنا دعاه على أبواب جهنم من أطاعوه أفخموه فيما رواه نعيم عن الوليد بن مسلم عن أبى جابر عن بشر بن عبد الله عن أبي ادريس الخولاني عن حذيفة رضي الله عنه وفي رواية ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن أسامة قال أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم فقال إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر فهل ترون ما أرى حدثنا نعيم ابن حماد حدثنا محمد بن يزيد عن أبى جلدة عن أبى العالية قال لما فتحت تستر [2] وجدنا في بيت مال الهرمزان مصحفاً عند رأس ميت على سرير يقال هو دانيال فيما يحسب قال فحملناه إلى عمر فأنا أول العرب قرأته فأرسل إلى كعب فنسخة بالعربية فيه ما هو كائن يعني من الفتن إلى يوم القيامة [حدثنا] نعيم عن عبد القدوس عن أرطاة بن المنذر عن حمزة بن حبيب عن سلمة بن نفيل أن النبي صلى الله عليه قال بين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل [حدثنا] نعيم عن بقية عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير [3]
__________
[1] . نتكلمونMs.
[2] . تشترMs.
outcelongpassage ,depuisl asterisque ,manquedansBetP. [3]
(2/165)

عن [1] عوف بن مالك الأشجعي [2] قال قال لي [3] رسول الله صلى الله عليه وسلم اعدد ستاً بين يدي الساعة أولهن موتي [4] فاستبكيت حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكتني [5] ثم قال [6] إحدى والثانية فتح بيت المقدس قل [7] اثنتان [8] والثالثة موتان يكون في أمتي كمعاض العتم [9] قل [7] ثلاث [10] والرابعة فتنة عظيمة تكون [11] في أمّتى لا تبقى بنت [12] في العرب إلا دخلته [13] والخامسة هدنة
__________
[1] . وعنBetP
[2] . رضى الله عنهBetP
ManquedansBetP. [3]
[4] . صوتيBetP ,Ms.
[5] . يسكبنىP
[6] . قل احدى فقلتBetPajoutent:
,asuitedudiscours. [7] قالMS.
[8] . فقلت قلBetPajoutent:
[9] . كعقاص الغنمBetP
[10] . فقلت etajoute: ثلاثا P بن ثلاثةB
[11] . تكونMs.
[12] . بيتاBetP
[13] . قل أربعة [فقلت BetPP
(2/166)

[بين العرب] [1] وبين بني الأصفر ثم يشرون [2] إليكم فيقابلونكم [3] قل خمس والسادسة يفيض المال فيكم حتى يعطي أحدكم المائة الدينار [4] فيتسخطها [5] [حدثنا] نعيم عن أبى عيينة عن مجالد عن عامر عن صله عن حذيفة يقول في الإسلام أربع فتن تسلمهم الرابعة إلى الدنيا الارفاض [6] الظلمة [حدثنا] نعيم حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن الحسن عن الشعبي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في أمتي أربع فتن يكون في الرابعة الفناء وروى انه تكون فتنة يفرج فيها عقول الرجال [حدثنا] نعيم عن حمزة عن ابراهيم بن أبي عبلة قال بلغني أن الساعة تقوم [7] على قوم أخلاقهم أخلاق العصافير [حدثنا] نعيم عن محمد بن الحارث عن ابن السليماني عن أبيه
__________
BetP. [1]
[2] . يسرون P بن يسيرونB
[3] . فيقاتلونكمBetP
[4] . من الدنانيرBetP
[5] . فيسخطها قل ست [ستةBetP [P
llisibledanslems. [6]
[7] . تقوم Ms.
(2/167)

عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر صاحبه فيقول لوددت أنّى مكانه لما يلقى من الفتن [حدثنا] نعيم [1] عن [2] أبي ادريس عن أبيه [3] [66] عن أبي هريرة [4] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الناس هلاكاً [فارس] [5] ثم العرب على أثرهم وفي رواية معاوية بن صالح عن على بن أبى طالب [6] عن ابن عبّاس رضي الله عنهما فال النجوم أمان لأهل السماء فإذا طمست النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون [7] وأنا [8] أمان لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمان لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى
__________
passageprecedent ,epuislasterisque ,manquedanslbnal -Wardi. [1]
[2] . وعنBetP
[3] . جدهBetP
[4] . رضى الله عنه [عنهماBetP [P
Restitued ,apresIbnal -Wardi. [5]
[6] . رضى الله عنهBajoute:
[7] . توعدونMs.
[8] . يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم BetPajoutent:
(2/168)

أمتي [1] ما يوعدون والجبال أمان للأرض [2] فإذا نسفت [3] الجبال أتى أهل الأرض [4] ما يوعدون وقد رواه [5] عطاء عن ابن عباس وسلمة بن الأكوع [6] عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه عبد الله بن المبارك عن محمد بن سوقة عن علي بن أبي طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم [7] أنّه قال لا تقوم الساعة إلا على شرار [8] الخلائق يتسافدون على ظهر الطريق تسافد البهائم يقول أمثلهم لو نحيتموه عن الطريق [9] وأخبر أبو [10] العالية لا تقوم الساعة حتى يمشي إبليس في الطريق [11] والأسواق ويقول [12] حدّثنى فلان
__________
deuxfoisdanslems. [1]
[2] . لأهل الأرضBetP
[3] . انشقتB
[4] . أهلهاB
[5] . وآه P بن روىB
[6] . رضى الله عنهمBetPajoutent:
MadquedansBetP. [7]
[8] . اشرP
ManquedansBetP. [9]
[10] . وفي رواية ابى ,BetP ابىMs.
[11] . الطرقB
[12] . يقول BetP
(2/169)

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا [1] وقال بعض أهل التفسير في [2] حم عسق أن الحاء حرب [3] والميم ملك بني أمية والعين عباسية والسين سفيانية [4] فمن هذه الفتن [5] ما قد [6] مضى وانقضى [7] ومنها [8] ما هو منتظر،
خروج الترك
[حدثنا] يعقوب بن يوسف قال حدثنا أبو العباس السراج قال قتيبة [9] بن يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندري عن سهيل عن أبي صالح [10] عن أبيه عن أبى هريرة [11]
__________
[1] . افتراء وكذباBetPajoutent:
[2] . قوله تعالىBetPajoutent:
[3] . في آخر الزمانBetPajoutent:
[4] . والقاف القيامةBetPajoutent:
[5] . ذلكBetP
ManquedansBetP. [6]
ManquedansBetP. [7]
[8] . ومنهB
[9] . قتيبةMs.
[10] . روى ابو صالحToutcepassage ,upprimedansIbnal -Wardi ,mplaceparcesmots:
[11] . رضي الله عنه BetPajoutent:
(2/170)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم [1] الساعة حتى تقاتل المسلمون [2] الترك قوم وجوههم كالمجان المطرقة صغائر [3] الأعين خنس الأنوف يلبسون الشعر ويمسون في الشعر وعن ابن عبّاس رضي الله عنه قال ليكوننّ [4] في ولدى حتّى يغلب عزّهم الحمر الوجوه كالمجانّ المطرقة واختلفت الناس في تأويل هذا الخبر فزعم قوم [5] أن هلاك سلطان بني هاشم على أيدي الأتراك الإسلامية وزعم آخرون أنه يكون على أيدي كفرة الترك ويأخذونه عن الأتراك الإسلامية [6] وقال قوم بل [7] هم أهل الصين يستولون على هذه [8] الأقاليم والله اعلم [9] وسمعت من يزعم أنه مضى وكان يقول مذ دخل تحكّم الماكاني بغداذ ضعف سلطان بنى هاشم،
__________
[1] . يقومMs.
[2] . يقاتل المسلمينB
[3] . صغارBetP
[4] . ليكوننMs.
,lcrestemanque. [5] وقيلBetP
B] . [6] وهلاك الأتراك الإسلامية] على أيدي كفرة التركBetP
[7] . وقيلBetP
ManquedansBetP. [8]
emanquedansIbnal -Wardi. [9]
(2/171)

الهدة [1] في رمضان وهي من أشراط الساعة
[حدثنا] البيروتي [2] عن الأوزاعي عن عبد الله بن لبانة [3] عن فيروز الديلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون [4] هدة في رمضان توقظ النائم وتفزع [5] اليقظان هذا في رواية قتادة [6] وفي رواية الأوزاعيّ يكون صوت في رمضان في نصف من الشهر [7] يصعق فيه سبعون ألفاً ويعمى فيه سبعون ألفاً ويصم سبعون ألفاً [8] ويخرس سبعون ألفاً ويتفلق [9] له سبعون [10] ألف بكر قال ثم [11] يتبعه صوت آخر فالأول صوت جبريل عم [12] والثاني
__________
[1] . ذكر الهدّةBetP
[2] . العيروتىB
[3] . لبانة P بن لبابة B بن لبابةMs.
[4] . تكونBetP
[5] . ويفز P بن تفزعMs.
ManquedansBetP. [6]
[7] . في نصف [من [P شهر رمضانBetP
ManquedansBetP. [8]
[9] . وينفتق P بن وتنفتق B بن يتفلقMs.
.corriged ,apresBetP. [10] سبعينMs.
[11] . ثم قالP
ManquedansBetP. [12]
(2/172)

صوت [1] إبليس عليه اللعنة [2] قال [3] الصوت في رمضان والمعمعة في شوّال وتميّز [4] القبائل في ذي القعدة ويغار على الحاجّ في ذي الحجة والمحرم أوله بلاء وآخره فرح [5] قالوا يا رسول الله من يسلم منه قال من يلزم بيته ويتعوّذ [6] بالسجود وفي رواية قتادة تكون هدة في رمضان ثم يظهر [7] عصابة في شوال ثم تكون معمعة في ذي القعدة ثمّ تسلب [8] الحاجّ في ذي الحجة ثم تنهتك [9] المحارم في المحرم ثم يكون صوت في صفر ثم تتنازع [10] القبائل في شهر ربيع الأول ثم العجب كل العجب بين جمادى ورجب ثم يا فئة مغنية [11] خير من دسكرة تعل [12] مائة ألف،
__________
ManquedansP. [1]
ManquedansBetP. [2]
[3] . وقيلBetP
[4] . وتمييزB
[5] . فرجB
[6] . ويتعوّدP
[7] . تظهرBetP
[8] . يسلمB
(sic) . [9] تنتهكP
[10] . يتنازعB
[11] . فيه مغنية P بن فئة مغنية B بن يافئة مغنيةMs.
ManquedansBetP. [12]
(2/173)

[67]
الهاشميّ [1] الّذي يخرج من خراسان مع الرايات السود [2]
[حدثنا] يعقوب بن يوسف السجزي حدثنا أبو موسى البغوي حدثنا الحسن بن ابراهيم البياضي بمكة حدثنا حماد الثقفي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف حدثنا خالد الحذاء [3] عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان [4] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأيتم الرايات السود من قبل خراسان فاستقبلوها مشياً على أقدامكم لأن فيها خليفة الله المهدي وفي هذا أخبار كثيرة هذا أحسنها وأولاها إن صحت الرواية [5] وقد روى [6] فيه عن ابن العباس [7] بن [عبد] [8] المطلب أنه قال إذا أقبلت الرايات السود من المشرق توطئون [9] للمهدىّ
__________
[1] . ذكر الهاشميBetP
ManquedansP. [2]
[3] . روى.etestremplacepar الخلداMs.
[4] . يونانBetP ,Ms.
ManquedansBetP. [5]
[6] . وروىBetP
[7] . بن عباس P بن عباسB
stituedapresBetP. [8]
[9] . يوظئون أصحابها P يوطى أصحابها B
(2/174)

سلطانه واختلف الناس في تأويل هذه الأخبار [1] فقال [2] قوم قد نجزت هذه وهو خروج [3] أبي مسلم وهو أول من عقد الرايات السود وسود ثيابه وخرج من خراسان فوطأ لبني هاشم سلطانهم قالوا وهذا كما يقال فتح عمر السواد وقطع الأمير اللص فيضاف إليهم ما كان من فعل غيرهم إذ كان ذلك بأمرهم [4] وقال آخرون بل هو لم يأت بعد [5] وإن أول انبعاث [6] ذلك من قبل الصين [7] من ناحية يقال لها ختن [8] بها طائفة من ولد فاطمة عليها السلم [9] من ظهر الحسين ابن علي [10] ويكون على مقدمته رجل كوسج من تميم يقال
__________
ManquedansBetP. [1]
[2] . وقالBetP
[3] . بخروجBetP
ManquedansBetP. [4]
[5] . بل هذه لم تأت بعد P بن بل هذه تأتى بعدB
[6] . الكوائنBetP
[7] . [ذلك [P ملك يخرج من الصينB
[8] . خنن P محتنB
ManquedansBetP. [9]
[10] . رضى الله عنهم BetPajoutent:
(2/175)

له شعيب بن صالح مولده بالطالقان مع حكايات وأقاصيص فيها العجائب [1] من القتل والأسر والله أعلم،
[2] خروج السفياني
في رواية هشام بن الغار [3] عن [4] مكحول عن ابي عبيدة بن الجراح [5] عن رسول الله صلى الله عليه [6] قال لا يزال هذا الأمر قائماً بالقسط حتى يثلمه [7] رجل من بني أمية وفي رواية أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن [8] رسول الله صلى الله عليه وسلم [9] ذكر ولد [10] العباس فقال يكون هلاكهم على يدي [11] رجل من أهل بيت هذه وأومى [12] إلى حبيبة [13] بنت أبى سفيان
__________
[1] . حكايات كثيرة وأخبار عجيبةBetP
[2] . ذكرBetPajoutent:
ManquedansBetP. [3]
[4] . روى P روى عنB
[5] . رضى الله عنهBetPajoutent:
[6] . وسلمBetPajoutent:
[7] . يتعلمهP
[8] . عنBetP
[9] . انهBetPajoutent:
[10] . من ولدP
[11] . يدBetP
[12] . واوصى P بن وأومأB
[13] . أم حبيبة BetP
(2/176)

وفيما خبر [1] عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه [2] في ذكر الفتن بالشام قال فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد على اثره ليستولي على منبر دمشق فإذا كان ذلك [3] فانتظروا خروج المهدي وقد قال بعض الناس أن هذا قد مضى وذلك خروج زياد بن عبد الله بن خالد بن يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان بحلب وبيضوا ثيابهم وأعلامهم وادّعوا الخلافة فبعث أبو العباس عبد الله [بن محمد] بن علي بن عبد الله بن عبّاس أبا جعفر إليهم فاصطلموهم عن آخرهم ويزعم آخرون أن لهذا الموعود شاباً وصفه لم يوجد لزياد بن عبد الله ثم ذكروا أنه مع [4] ولد يزيد بن معاوية عليهما اللعنة [5] بوجهه [6] آثار الجدرىّ وبعينه نكتة [7] بياض يخرج من ناحية دمشق
__________
[1] . ومما خبر P ومما أخبرB
[2] . رضى الله عنهBetP
ManquedansBetP. [3]
[4] . ثم ذكر السفياني وأنه منdemanquedansBetP ,tremplaceparceci:
ManquedansBetP. [5]
[6] . بوجهMs.
[7] . فكتة، P نقطة B
(2/177)

ويثيب [1] خيله وسراياه في البر والبحر فيبقرون بطون الحبالى وينشرون الناس بالمناشير [2] ويطبخونهم [3] في القدور ويبعث جيشاً له إلى المدينة فيقتلون ويأسرون ويحرقون ثم ينبشون [4] عن [قبر] [5] النبي صلى الله عليه وسلم وقبر فاطمة رضي الله عنها ثم يقتلون كل من [6] اسمه محمد وفاطمة ويصلبونهم على باب المسجد فعند ذلك يشتد غضب الله عليهم [7] فيخسف بهم الأرض وذلك قوله تعالى وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا من مَكانٍ قَرِيبٍ 34: 51 أي من تحت أقدامهم وفي خبر آخر إنهم يخربون المدينة حتّى لا يبقى رائح ولا سارح [67] وروى أن [8] النبي صلى الله عليه وسلم [9] قال ليتركنّ [10] المدينة
__________
[1] . ويبث P بن ويبعثB
[2] . ويحرقونBetPajoutent:
[3] . ويطبخون الناسBetP
[4] . بتنونBetPMs.
stituedapresBetP. [5]
[6] . كانBajoutent:
[7] . عليهم غضب الجبارBetP
[8] . عنBetP
[9] . انهBetPajoutent:
[10] . لتتركن BetP
(2/178)

أحسن [1] ما كانت حتّى يجيء الكلب فيشغر على سارية المسجد قالوا فلمن تكون الثمار يومئذ [2] يا رسول الله قال لعوافي السباع والطير قالوا في الخبر [3] ثم تسير خيل [4] السفيانىّ تريد مكة [5] تنتهي إلى موضع يقال له بيداء فينادي مناد من السماء يا بيداء بيدي [6] بهم فيخسف بهم فلا ينجو منهم إلّا رجلان من كلب يقلب [7] وجوههما [8] في أقفيتهما يمشيان القهقرى على أعقابهما حتى يأتيا السفياني فيخبرا به [9] ويأتى البشير [10] المهدي [11] وهو بمكّة فيخرج معه اثنا عشر ألفاً فهم [12] الأبدال والأعلام حتّى ياتى
__________
[1] . كأحسن ,BetP كذي في الأصلNotemarginale:
ManquedansP. [2]
ManquedansBetP. [3]
[4] . سريةBetP
[5] . حتىBetPajoutent:
[6] . أبدىP
[7] . تقلبBetP
[8] . وجوههمP
[9] . فيخبرانهBetP
ManquedansBetP. [10]
[11] . للمهديBetP.
[12] . فيهم BetP
(2/179)

المباء [1] فيأسر [2] السفياني ويغير على كلب لأنهم تباعه [3] ويسبى نساءهم قالوا فالخائب يومئذ من خاب [4] عن غنائم كلب كذا الرواية مع حشو [5] كثير ومحالات مردودة والله أعلم بما روى [6] ،
[7] خروج المهدي
قد روي فيه روايات مختلفة وأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي وابن عباس [8] وغيرهم إلا أنّ فيها نظرا وكذلك كلّ ما يروونه من حادثات الكوائن إلا أنها نسوقها كما جاءت [9] وأحسن ما جاء في هذا الباب خبر أبي بكر بن عياش عن عاصم بن ذر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تذهب الدنيا حتى يلي [10] أمتي رجل من أهل
__________
[1] . المبآهBetP
[2] . فيسارP
[3] . لا اتباعه P بن اتباعهB
[4] . غابBetP
(sic) . [5] كرام P بن كلامB
[6] . والله اعلمManquedansP ;Bn ,aque
[7] . ذكرBetPajoutent:
[8] . رضى الله عنهمBetPajoutent:
ManquedansBetP. [9]
[10] . يلي على P بن ياتى على B
(2/180)

بيتي يواطئ اسمه اسمي وفي رواية أخرى لو لم يبق من الدنيا إلا عصر لبعث الله رجلاً من أهل بيتي [1] يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا ليس فيه يواطئنى اسمه [2] وللشيعة فيه أشعار كثيرة وأسطار [3] بعيدة وقد حدثني أحمد بن محمد بن الحجاج المعروف بالسجزي بالشيرجان سنة خمسة وعشرين وثلاثمائة قال حدثنا محمد بن أحمد بن راشد الأصفهاني حدثني يونس بن عبد الله [4] الأعلى الشافعيّ [5] حدثني محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ولا تقوم الناس إلا على شرار الناس ولا مهدي إلا عيسى بن مريم ثم اختلف من أثبت الخبر الأول فقال بعضهم هو كان علي بن أبي طالب عم وتأولوا عليه قوله وجدتموه هادياً مهدياً وزعم قوم أنه كان المهدي محمد بن أبي جعفر لقبه المهدي واسمه محمد وهو من
__________
ManquedansBetP. [1]
[2] . [تواطى [P تواطؤ اسمه اسمىBetP
[3] . اسقابP
[4] . كذا في الأصلNotemarginale:
Idem. [5]
(2/181)

أهل البيت ولم يأل جهداً في إظهار العدل ونفى الجور وقيل لطاوس هو المهدي الذي سمع به يعنى عمر بن عبد العزيز قال لا إن هذا لا يستكمل العدل وإن ذاك يستكمله وأنكرت الشيعة أن يكون إلا من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم اختلفوا فقالوا هو محمد بن الحنفية لم يمت وسيعود حتى يسوق العرب بعصاً واحدة واحتجوا بأن علياً دفع إليه الراية يوم الجمل وقال قوم يكون من ولد حسين بن علي رضوان الله عليهما من بطن فاطمة رضي الله عنها لأنه جاهد في طلب الحق حتى استشهد وقال آخرون بل يكون من ولد الحسن [1] عم ثمّ اختلفوا في حليته وهيأته فقال بعضهم يكون ابن أمة أسمر العينين براق الثنايا في خده خال وقال قوم مولده بالمدينة ومخرجه بمكة يبايع بين الصفا والمروة وزعم آخرون أنه يخرج من الموت ومن ثم سموا بنو إدريس قيروان المهديّة طمعا في أن يكون منهم قالوا [2]
__________
[1] . الحسينMs.
.sparnotrecopiste. [2] ومن حلية المهدي أنه أسمر [اللون كث اللحية أكحل] العينين براق الثنايا في خده خال supprimeparIbnal -Wardi ,esdAmirbenAmirel -Bacri ,etn ,ecesquelquesmots:
(2/182)

ورفع [1] الجور عن أهل الأرض ويفيض المعدلة عليهم [2] ويسوي بين الضعيف والقوي [3] ويبلغ الإسلام مشارق الأرض [68] ومغاربها ويفتح القسطنطينية ولا يبقى أحد في الأرض إلا دخل [4] الإسلام أو أدى الفدية [5] وعند ذلك يتم وعد الله [6] لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ 9: 33 واختلفوا في مدة عمره فقيل يعيش سبع سنين وقيل تسعاً وقيل عشرين وقيل أربعين وقيل سبعين [7] ،
خروج [8] القحطاني
في رواية عبد الرزاق عن معمر عن أبي قريب [9] عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لا تقوم الساعة حتى يقفل [10] القافل [11] من رومية ولا تقوم
__________
[1] . يرفعBetP
[2] . على الخلقBetP
[3] . في الحقBetPajoutent:
[4] . فيBetPajoutent:
[5] . الجزيةBetP
[6] . لهPajoute:
[7] . والله اعلمBajoute:
[8] . ذكر خروجBetP
[9] . روىManquedansBetP ,quiontsimplement:
[10] . تقفلMs. ,BetP
[11] . القوافل BetP
(2/183)

الساعة حتى يسوق [1] الناس رجل من قحطان واختلفوا فيه من هو فروي عن ابن سيرين أنه قال القحطاني رجل صالح وهو الذي يصلى خلفه عيسى وهو المهدي وروي عن كعب أنه قال يموت المهدي ويبايع [2] بعده القحطاني وروي عن عبد الله بن عمر [3] أنه قال رجل يخرج بعد [4] ولد العباس [5] ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج يسمى بالقحطاني [6] وكتب إلى العمال من عبد الرحمن ناصر أمير المؤمنين فقيل له إنّ اسم القحطانيّ على ثلاثة أحرف فقال اسمي عبد وليس الرحمن من اسمي فدل أن هذا القحطاني كان مشهوراً عندهم وقد قال كعب ما هو بدون المهدي في العدل،
فتح قسطنطينية [7]
روينا عن أسباط عن السري [8] في قوله
__________
[1] . يسوقMs.
[2] . الناسBajoute:
[3] . رضى الله عنهماBetPajoutent:
[4] . منBetP
eManquedansIbnal -Wardi. [5]
[6] . بالقحطانMs.
[7] . ذكر فتح القسطنطينيةBetP
[8] . عن السري P بن روى عن السدي B
(2/184)

عز وجل لَهُمْ في الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ 2: 114 قال فتح قسطنطينية [1] وبعض المفسرين يفسرون [2] آلم غُلِبَتِ الرُّومُ 30: 1- 2 على هذا [3] أنه كائن [4] وذكروا [5] أنه يباع [6] الفرس من لا [؟] ها [7] بدرهم ويقتسمون الدنانير بالجحف قالوا وبين فتح قسطنطينية [8] وخروج الدجال سبع سنين فبينا هم [9] كذلك إذ جاء [10] الصريخ أن الدجال [11] في داركم قال فيرفضون ما في أيديهم [12] وينفرون إليه [13] ،
__________
[1] . وخروج الدجالBetPajoutent:
[2] . ذهب في تفسيرBetP
[3] . وهم منManquedansB ;P
[4] . وعنى به فتح قسطنطينيّةBetPajoutent:
[5] . وذكرB
[6] . تباعB
ManquedansB. [7]
ManquedansP. [8]
[9] . فبينا همBetP
[10] . جاءهمB
[11] . قد خلفكمBetPajoutent:
[12] . من ذلكBetPajoutent:
[13] . وهي كذابة BetPajoutent:
(2/185)

خروج [1] الدجال
الأخبار الصحيحة متواترة بخروجه بلا شك [2] وإنما الاختلاف في صفته وهيأته قالوا [3] قوم هو صائف بن صائد اليهودي عليه اللعنة [4] ولد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحياناً يربوا [5] في مهده وينتفخ في بيته حتى يملأ بيته فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأتاه في نفر من أصحابه فلما نظر إليه عرفه فدعا الله سبحانه وتعالى فرفعه إلى جزيرة من جزائر البحر إلى وقت خروجه وفي رواية أخرى أن المسيح الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق وروي أن اسمه عبد الله [6] وهو يلعب مع الصبيان فقال ابن صياد أتشهد [7] أني رسول الله فقال له النبي أشهد أني رسول الله فقال ابن صياد أتشهد [7] أني رسول الله
__________
[1] . ذكر خروجBetP
[2] . ولا ريبBetPajoutent:
[3] . وقال P بن قالB
ManquedansBetP. [4]
[5] . يزفوBetP ;Ms.
,Pn cinqderniersmots. [6] وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهssageestremplace ,dansB ,parcesmots
[7] . اشهد B
(2/186)

فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني [1] قد خبأت لك خبئاً قال ما هو قال هو [2] الدخ يعني الدخان فقال [3] النبي صلى الله عليه وسلم أخسأ ولن [4] تعدو قدرك [5] قال عمر [6] أئذن لي فأضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه دعه [7] فإن يكنه [8] فلن [9] تسلط عليه [10] وإلا يكنه [11] فلا خير [12] في قتله [13] ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاختطف [14] وجاء في الحديث أنّه اغمّ جفال الشعر بمكتوب [15]
__________
ManquedansB ;toutcepassage ,depuisl asterisque ,ManquedansP. [1]
ManquedansBetP. [2]
[3] . لهBetPajoutent:
[4] . فلنB
[5] . وقتك P بن طوركB
[6] . رضى الله عنهBetPajoutent:
ManquedansB. [7]
,ManquedansP. [8] ان يكنه ,B فإنه نكتةMs.
[9] . فلاP
[10] . كذا في الأصلNotemarginale:
,ManquedansP. [11] وان لا يكنهB
[12] . لكBajoute:
[13] . كذا في الأصل ,notemarginale: قتلهMs.
[14] . فاختلفP
[15] . مكتوب BetP
(2/187)

بين عينيه ك ف ر يقرأه كل أحد كاتب وغير كاتب واختلفوا في [1] مخرجه فقال قوم يخرج من أرض كوثي [2] بالكوفة [3] واختلفوا في من يتبعه [4] قال قوم يتبعه اليهود والنساء [5] والأعراب وأولاد الموسومات [6] واختلفوا في العجائب التي تظهر على يديه فقال قوم يسير حيث سار معه جنة ونار فجنته نار وناره جنة وإنه [7] يدعى أنه رب الخلائق فيأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت ويبعث الشياطين في صورة [8] الموتى [9] ويقتل رجلاً ثم يحييه فيفتتن الناس [68] ويؤمنون به ويبايعونه قالوا ولا يسخر له [10] من الدواب إلا الحمار واختلفوا في هيئة
__________
[1] . موضعBetPajoutent:
[2] . كوتىMs.
[3] من المشرق من ارض خراسان وقالت طائفة يخرج من يهود BetP أصفهان وقال قوم يخرج من أرض الكوفة.
[4] . اتباعهBetP
[5] . قالوا النساءBetP
[6] . والموسومات وأولادهنBetP
ManquedansBetP. [7]
[8] . صورBetP
[9] . موتىP
[10] . يتبعه BetP
(2/188)

حماره فقيل [1] ما بين أذني حماره اثني عشر شبراً وقيل أربعون ذراعاً تظل [2] إحدى أذنيه سبعين ألفا [3] وخطوه مسير [4] ثلاثة أيّام فيبلغ [5] كلّ منهل الا اربعة مساجد مسجد [6] الحرام ومسجد الرسول [7] ومسجد الأقصى ومسجد الطور ويمكث أربعين صباحاً يقصد [8] بيت المقدس وقد اجتمع الناس لقتالهم [9] فعمّهم [10] ضبابة من غمام ثم ينكشف [11] عنهم مع الصبح فيرون عيسى بن مريم [12] قد نزل على ضرب [13] من ظراب بيت المقدس [14] فيقتل الدجّال،
__________
[1] . فقال P بن فقالواB
[2] . تطلBetP ;Ms.
[3] . رجلاB
[4] . وخطوته مسيرة P بن وخطوته مدى البصرB
[5] . يبلغ P بن ويبلغB
[6] . اللهBetPajoutent:
[7] . عليه أفضل الصلاة والسلام P بن عليه الصلاة والسلامB ajoutent:
[8] . ويقصدBetP
[9] . لقتاله P بن بقتاله.B
[10] فتعمهمBetP
[11] . تنكشفB
[12] . عليه السلامBajoute:
[13] . كذا وجدتNotemarginale:
[14] . المنارة البيضاء في جامع بنى أمية B
(2/189)

نزول [1] عيسى عليه [2] السلم
المسلمون لا يختلفون في نزول عيسى عم آخر الزمان وقد قيل في قوله تعالى وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها 43: 61 أنه نزوله [3] وجاء [4] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عيسى نازل فيكم وهو خليفتي عليكم فمن أدركه فليقرئ به [5] سلامي فإنه يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويحج في سبعين ألفاً فيهم أصحاب الكهف فإنهم يحجون ويتزوج امرأة من يزد [6] ويذهب [7] البغضاء والشحناء والتحاسد وتعود الأرض إلى هيأتها [8] على عهد آدم [9] حتى يترك المقلاص [10] فلا يسعى عليها [11] أحد
__________
[1] . ذكر نزولBetP
[2] . بن مريم عليهماBetP
[3] . نزول عيسىBetP
[4] . في الحديثBetPajoutent:
[5] . فليقريه، P فليقرئهB
[6] . الأزد BetP بن نردMs.
[7] . تذهبP
[8] . وبركاتهاBetP ajoutent:
[9] . عليه السلامBetP ajoutent:
[10] . تترك القلاصBetP
[11] . اليها B
(2/190)

وترى [1] الغنم مع الذئب ويلعب [2] الصبيان مع الحيات فلا تضرهم ويلقى [3] الأرض في زمانه حتّى لا تقرض الفأرة [4] جرابا وحتى يدعى الرجل إلى المال فلا يقبله ويشبع [5] الرمّانة السكن [6] قال [7] وينزل عيسى [8] في [9] يده مشقص [10] فيقتل به الدجال وقيل إذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص واتبعهم المسلمون يقتلونهم فيقول الحجر والشجر يا مسلم [11] هذا يهودي خلفي إلا الغرقد من شجر [12] اليهود قال [13] ويمكث عيسى [14] أربعين
__________
[1] . ترعىBetP
[2] . وتلعبB
[3] . الله العدل في PetBajoutent: ويكفىP
[4] . فأرةBetP
[5] . وتشبعBetP
[6] . أهل الدار بأجمعهمGlosemarginale:
[7] . قالواBetP
[8] . عليه السلامB
[9] . وفيBetP
[10] . مشقضMs.
ManquedansBetP. [11]
[12] . سجرMs.
[13] . قالواBetP
[14] . عليه السلام Bajoute:
(2/191)

سنة ويقال ثلاثا وثلاثين [1] ويصلي خلف المهدي ثم يخرج يأجوج ومأجوج،
بقية خبر الدجال
في رواية سفيان عن مجالد عن الشعبي [2] عن فاطمة بنت قيس قال [3] خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر الظهيرة فخطبنا فقال إني لم أجمعكم لرغبة ولا لرهبة ولكن لحديث حدثنيه تميم الداري [4] منعني سروره [5] القائلة حدثني [6] أن نفراً من قومه أقبلوا [7] في البحر فأصابتهم ريح عاصف وألجأتهم [8] إلى جزيرة فإذاهم بدابة قالوا لها ما أنت [9] الجساسة قلنا اخبرينا الخبر قالت إن أردتم الخبر فعليكم بهذا
__________
[1] . سنةBetPajoutent:
ManquedansBetP. [2]
[3] . قالتBetP
[4] . الدارP
[5] . سرورBetP
[6] . حتىP
[7] . ركبواBetP
[8] . الجاتهمBetP
[9] . قالت أنا BetP
(2/192)

الدير فإن فيه رجلاً بالأشواق إليكم قالوا [1] فأتيناه فقال إني بعيم [2] فأخبرناه فقال ما فعلت بحيرة طبريّة قلنا تدفق بين جانبها [3] قال ما فعلت [4] نخل عمان وبيسان [5] قلنا يجتنيها [6] أهلها قال فما فعلت عين زغر [7] قلنا يشرب منها أهلها قال [8] فلو يبست هذه نقذت [9] من وثاقي فوطئت قدمي [10] كل منهل إلا المدينة ومكة [11] وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال ما كانت [12] بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجّال
__________
ManquedansBetP. [1]
.ManquedansBetP. [2] بغيمMs.
B] . [3] الماء] من جانبيهاBetP
[4] . فعلBetP
[5] . وبلسانBetP ;Ms.
[6] . يجنيهاBetP
[7] . زعرBetP ;Ms.
[8] . قالواBetP ;Ms.
[9] . نفذتBetP
[10] . ثم وطيت بقدميBetP
[11] . مكة والمدينةBetP
ManquedansBetP. [12]
(2/193)

وقال إنه لم يكن نبي إلا أنذر [1] قومه بالدجال [2] ووصفه فقال إنه [3] قد بين لي ما لم يبين لأحد أنه أعور كيت وكيت فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجتكم وإن لم يخرج إلا بعدي فاللَّه خليفتي عليكم فما اشتبه عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور والدجال يسميه [4] اليهود موشح كوايل [5] ويزعمون أنه من نسل داود وأنه يملك الأرض ويرد الملك إلى بني إسرائيل فيهود [6] [9] أهل الأرض كلهم وسمعت المجوس يذكرون واحداً منهم يخرج فيرد الملك إليهم فقد صار هذا الأمر مشتركاً متنازعاً فيه بقي الاعتماد على أصدق الأخبار وأصحها وذلك ما روى عن كتب الله ورسله من غير تحريف ولا تبديل فالذي هو ممكن جائز من هذه الصفة خروج رجل مخالف للإسلام مفسد فيه وأما سائر ما ذكر فموكول إلى علم الله لأنّه قد
__________
[1] . نذرB ;Ms.
[2] . فتنة الدجالBetP
[3] . وانهBetP
[4] . تسميهBetP
[5] . موشيح كوايل، P مواطيح كوائيلB
[6] . فيتهودوا، P فيتهود B
(2/194)

جاء أنه قد قال إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالاً فأقل ما في هذا الباب أن يكون كأحد هؤلاء [1] ،
بقية خبر عيسى عليه السلام
قال بعض المفسرين في قوله تعالى وَإِنْ من أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ به قَبْلَ مَوْتِهِ 4: 159 إنه عند نزوله [2] وقد قال الله [3] عز وجل بَلْ رَفَعَهُ الله إِلَيْهِ 4: 158 ... وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ [4] وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ 4: 157 ولا يختلف أهل الكتاب أنه جاء احتجوا بأنه مكتوب في كتب الأنبياء للاثنى عشر إني موجه إليكم النبي قبل مجيء الرب وفي كتاب شعيا يا بيت اللحم منك يخرج الصدّيق المخلص يكون الصدق على هميانه والحقّ على حقوبه يسكن الذئب مع الخروف [5] ويلعب الصبي مع الأفاعي الصماء وعيسى عندكم مسيح والدجال مسيح وهما مسيحان وفي زمانه يخرج يأجوج ومأجوج قالوا ويكون
__________
afinduparagraphe ,depuisl asterisque ,manquedansBetP. [1]
[2] عند نزول عيسى.B كذا في الأصل etnotemarginale: بن عيد نزولهMs.
[3] . وقالBetP
lesdeuxcitations. [4]
[5] . الحروف Ms.
(2/195)

من ولد شعيا بن افرائيم [1] ثم اختلف المتأوّلون له فقال أكثرهم [2] هو عيسى عم بعينه يرد إلى الدنيا وقالت فرقة نزول عيسى خروج رجل شبيه بعيسى [3] في الفضل والشرف كما يقال للرجل الخير هو [4] ملك وللشرير هو [4] شيطان يراد به التشبيه [5] لا [6] الأعيان وقال قوم يرد [7] روحه في رجل يسمى [8] عيسى [9] والله أعلم،
طلوع [10] الشمس من مغربها
قال بعض المفسرين في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ 6: 158
__________
.Toutcepassage ,depuisl asterisque ,manquedansBetP. [1] افرائيمMs.
[2] . وأحقهم بالتصديقBetPajoutent:
[3] . يشبه عيسىBetP
ManquedansBetP. [4]
[5] . تشبيها بهماBetP
[6] . ولا يرادBetP
[7] . تردBetP
[8] . اسمهBetP
[9] . والآخران ليسا بشيءBetPajoutent:
[10] . ذكر طلوع BetP
(2/196)

أنه [1] طلوع الشمس من مغربها وروينا عن أبي هريرة [2] أنه قال ثلاث إذا خرجت لم [3] ينفع [4] نفساً إيمانها طلوع الشمس من مغربها والدابّة والدجّال قالوا [5] في صفة طلوعها [6] أنه إذا كانت الليلة التي تطلع الشمس في صبحتها [7] من مغربها حبست فيكون [8] تلك الليلة قدر ثلاث ليال قالوا فيقرأ الرجل جزءه [9] وينام [10] ويستيقظ والنجوم راكدة والليلة كما هي فيقول بعضهم لبعض هل رأيتم مثل هذه الليلة قط ثم تطلع الشمس من مغربها كأنها علم أسود حتى تتوسّط في [11] السماء
__________
[1] . قيل هوBetP
[2] . رضى الله عنهBetP
[3] . لاBetP
[4] . تنفعP
[5] . وقالواBetP
[6] . من مغربهاBetPajoutent:
[7] . صبيحتهاBetP
[8] . فتكونBetP
[9] . جزؤهMs.
[10] . ثم ينامB
ManquedansBetP. [11]
(2/197)

ثم تعود بعد ذلك فتجري في مجراها الذي [1] كانت تجري فيه وقد أغلق باب التوبة إلى يوم القيامة وروى عن على أنه قال فتطلع [2] بعد ذلك من مشرقها عشرين ومائة [3] سنة لكنها سنون قصار السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة وكان كثير من الصحابة يترصدون الشمس [4] منهم حذيفة بن اليمان [5] وبلال وعائشة رضي الله عنهم،
خروج دابّة الأرض [6]
قال الله عزّ وجل وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ 27: 82 قال كثير من أهل الأخبار [7] إنها دابة [8] ذات وبر وريش وزغب وفيها [9] من كل لون ولها أربع قوائم رأسها رأس ثور وآذانها
__________
[1] . التيB
[2] . فيطلع Ms. بن تطلعP ;B
[3] . مائة وعشرون P بن مائة وعشرينB
[4] . طلوع الشمس من مغربهاB
[5] . اليمانيP
[6] . ذكر خروج الدابةBetP
[7] . العلم [العلوم [P بالاخبارB
ManquedansBetP. [8]
[9] . فيها BetP
(2/198)

أذن [1] فيل وقرنها قرن [2] إيل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد وقوائمها قوائم بعير ومعها عصى موسى وخاتم سليمان [69] ويرتفع إلى السماء [3] فلا يعرف أحد باسمه وهو يجلو [4] وجه المؤمن بالعصا فيبيض ويختم على أنف الكافر فيغشو [5] السواد فيه فيقال يا مؤمن ويا كافر [6] وروى عن عبد الله بن عمر [7] أنه [8] قال هي الدابة الغلباء [9] التي أخبر التميم [10] الداري عنها وعن الحسن [11] قال سأل موسى عم [12] ربّه أن يريه
__________
[1] . آذانBetP
[2] . وقرونها قرونBetP
[3] . وترتفع الأسماء P بن وترفع الأسماءB
[4] . وهي تجلوB
[5] . فيفشوB
opulemanquedansB. [6]
[7] . رضى الله عنهماBetPajoutent:
ManquedansBetP. [8]
,manquedansBetP. [9] العلباءMs.
[10] . تميمBetP
[11] . انهBetPajoutent:
ManquedansBetP. [12]
(2/199)

الدابة فخرجت ثلاث [1] أيام لم يدر أي طرفها [2] فقال [3] يا ربّ ردها ردها [4] ويقال أنها تخرج بأجناد [5] في عقب [6] الحاج والله أعلم [7] تسير بالنهار وتقف بالليل يراها كل قائم وقاعد وأنها لا تدخل [8] المسجد [9] وقد عاذ به المنافقون فتقول [10] أترون المسجد ينجيكم مني هلا كان بالأمس [11] هذا قول الظاهر ولعمري ما خروج مثل هذه الدابة ولا طلوع الشمس من مغربها أو من أي ناحية من نواحي السماء كانت على الله بعزيز ولا هي أصعب وأعسر من إبداعها نفسها ووضعها على مجراها التي تجرى فيه
__________
[1] . ثلاثةBetP
[2] . خرجBetPajoutent:
[3] . موسىBetPajoutent:
[4] . ردّ هذا المتاع النفيس الى مكانه لا حاجة لنا فيه [بنا اليهBet P [P
[5] . بجمادين P بن بأجنادينB
[6] . عقيب P بن عقبB
ManquedansBetP. [7]
[8] . لتدخلBetP
[9] . للمسجدP
[10] . فتقولMs.
tedeceparagraphe. [11] والله اعلم BetPajoutent:
(2/200)

ولا طلوعها من مغربها أعجب من نقض [1] بنيتها ومحو صورتها واستلاب ضوءها وهدم مسيرها وكلّ ذلك قد قامت الدلائل على جواز [هـ] بحلول هذه الآفات والبلايا مع فناء العالم بأسره وعدم عينه بعد وجوده ويذهب قوم ممن أنكروا حدث العالم وانتقاضه إلى أن طلوع الشمس من مغربها ظهور سلطان ثم يستولي على الأرض ويقهر كل سلطان دونه وهذا محال لا تجيزه العقول للَّه بوجه من الوجوه وسبب من الأسباب أن يكون في قوة أحد من الناس أو عمره أو مبلغه أو يتناول مشارق الأرض ومغاربها ويعطيه أهلها الطاعة والانقياد وينفذ فيها أمره وحكمه أن الإنسان الواحد وإن طال عمره وامتدت أيامه لم يقطع العالم كله ولا نصفه ولا بعضه وأن الذي يذكر من الملوك الذين أحاطوا بالأرض هو شيء من جهة الخبر وما يذكر من أمر سليمان عم معجزة له لا يخبر مثلها هذا الخصم المخالف لنا فإذا بطل ما قلناه وجب أن طلوعها من مغربها كطلوعها من مشرقها أو ينكر ذلك لتكلم على إثباته من جهته وطريقه فهذا يقع في باب صدق الأنبياء
__________
[1] . نقص Ms.
(2/201)

وإن التجأ [1] إلى أن هذا وما أشبهه خارج عن العادة اضطر إلى إيجاده وما أشبهه من غير مجانسة له خارج عن العادة حتى ينكشف في الحال أمره عن التعطيل والإلحاد ويعود القول في إثبات البارئ وإحداث العالم ولهذا ما اشترط في غير موضع في هذا الكتاب التحفّظ لهذه المسألة والتمرن عليها لأنها القاعدة الموطودة والعمدة الموثوق بها وأما الدابة فهو اسم يقع على ما دب ودرج من أجناس الحيوان من إنسان وسبع وبهيمة وطائر وهامة وقال الله تعالى وَالله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من ماءٍ 24: 45 فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع وقال ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها 11: 6 وقال إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ 8: 22 فلم يرد هاهنا إلا الناس خاصة فلو قال قائل إنها كناية عن إنسان أو ملك لكان قولاً محتملاً هذا إذا لم يصح ما روى في الخبر من صفاتها ونعوتها كما ذكرنا فإما إن صح الخبر فليس إلا إتباعه وقد سمعت من يقول معنى الدابة العلامة يظهر الله كلامه كيف شاء يعجزهم بها وروى أن علياً صلوات الله
__________
[1] . ل [؟] أو Ms.
(2/202)

عليه وسلامه قال [70] أنا دابة الأرض أنا كذا أنا كذا والله أعلم وقيل عبد الله بن الزبير دابة الأرض،
ذكر الدخان
قال تعالى [1] فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ 44: 10 وروى عن الحسن [2] قال يجيء دخان [3] فيملاً ما بين السماء والأرض حتى لا يدري شرق ولا غرب [4] ويأخذ الكافر [5] فيخرج من مسامعه [6] ويكون على المؤمنين [7] كهيئة الزكمة ثم يكشف الله عنهم [8] بعد ثلاثة أيام وذلك قدام [9] الساعة وأكثر أهل التأويل على أنه [10] الجوع الذي أصابهم في أيام [11] النبي صلى الله عليه وسلم،
__________
[1] . قال الله عزّ وجلّBetP
[2] . انه ,Pajoute: رضى الله عنهBetPajoutent:
[3] . الدخانP
[4] . شرقا وغرباP
[5] . الكفارBetP
[6] . مسامعهمBetP
[7] . المؤمنBetP
[8] . عزّ وجلّBetP
[9] . بين يديBetP
[10] . هوBetPajoutent:
[11] . زمن BetP
(2/203)

خروج [1] يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى [2] فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [3] وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا 18: 98 وجاء في الأخبار من صفاتهم وعددهم ما الله به عليم ولا يختلفون [4] أنهم في [5] مشارق الأرض [6] وروى عن [7] مكحول أنه قال المسكون من الارض مسيرة مائة عام وثمانون [8] منها ليأجوج ومأجوج [9] أمتان في [10] كل أمة أربع مائة ألف أمة لا تشبه [11] أمة أخرى [12] وعن الزهرى أنهم [13] ثلاث أمم منسك وتاويل وتدريس فصنف
__________
[1] . في ذكر خروج P بن ذكر خروجB
[2] . عز وجلBetP
[3] . يعنى السدtationetajoutent:
[4] . في، B في كونPajoute:
[5] . بينBetP
[6] . وشمالها P بن وشماليهاPajoute:
ManquedansP. [7]
[8] . ثمانونBetP
[9] . وعشرة للسودان وعشرة لبقية الأممBetPajoutent:
ManquedansB. [10]
[11] . لا يشبهMs
[12] . امة امة الأخرى P بن الأخرىB
[13] . انهما B
(2/204)

منهم مثال [1] الأرز [2] والشجر الطوال [3] وصنف منهم عرض أحدهم وطوله سواء [4] وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف [5] بالأخرى وروى أن طول أحدهم شبر وأكثر [6] ويكون خروجهم بعد قتل عيسى الدجال وإذا جاء الوقت جعل الله السد دكاً كما ذكر [7] فيخرجون [8] وروى أنهم تكون [9] مقدمتهم بالشام وساقتهم [10] ببلخ قالوا [11] فيأتي أولهم البحيرة ويشربون [12] ماءها ويأتي أوسطهم فيلحسون ما فيها [13] ويأتى آخرهم
__________
[1] . كأمثالBetP
,manquedansBetP. [2] الاررMs.
[3] . من الأرض P بن من الارزB
[4] . بالسواءBetP
[5] . ويلتحقP
[6] . وأكبرBetP
[7] . ذكره عز وجل في كتابهBetP
[8] . وينتشرون في الأرضBetPajoutent:
[9] . يكون P بن يكون أولB
[10] وساقيهمP
[11] . قالBetP
[12] . فيشربونBetP
[13] . من النداوة BetPajoutent:
(2/205)

فيقول [1] لقد كان هنا [2] مرة ماء ويكون مكثهم في الأرض سبع سنين ثم يقولون قد قهرنا أهل الأرض فهل [3] نقاتل ساكن [4] السماء فيرمون بنشابهم [5] فيردها الله مخضبة دماً [6] فيقولون قد فرغنا من أهل السماء فيرسل الله عليهم النغف [7] في رقابهم فيصبحون موتى ويسكر عليهم الدواب داخس ما سكرت من شيء [8] ثم يرسل الله عليهم السماء فتجرفهم إلى البحر وفي رواية كعب أنهم ينقرون السد بمناقيرهم كل يوم فيعودون [9] وقد عاد كما [10] كان حتى إذا بلغ الأمر الغاية [11]
__________
[1] . فيقولونBetP
[2] . هاهنا P بن هاهناB
[3] . فهلمواBetP
[4] . نقلقل سكانB
[5] . نحو السماءBetPajoutent:
[6] . عليهم ملطخة بدمBetP
,corr.d apresIbnal -Wardi. [7] النعفMs.
manquedansBetP. [8]
[9] . من الغدا P بن من الغدB
[10] . لماB
[11] . الأجل المعلوم BetP
(2/206)

ألقى [1] على لسان أحدهم إن شاء الله فيخرجون حينئذ وروى أنهم يلحسونها [2] وقالوا في صفاتهم أن منهم من يفترش أذنه ومنهم من طوله وعرضه سواء ومنهم من كالارزة الطويلة ومنهم من له [3] أربع [4] أعين عينان في رأسه وعينان في صدره ومنهم من له رجل واحدة ينقز نقز الظباء [5] ومنهم من هو ملبس شعراً كالبهائم ومنهم من يأكل الناس ومنهم [من] لا يشرب غير الدم شيئاً [6] ولا يموت الرجل [7] منهم حتى يرى لصلبه ألف عين تطرف [8] وفي التوراة مكتوب أن يأجوج ومأجوج يخرجون في أيام المسيح ويقولون أنّ بنى إسرائيل أصحاب
__________
[1] . القى اللهBetP
[2] . يلحسون السدBetP
[3] . وقيل ان فيهم طائفة لكل [كل [P. منهمBetP
[4] . اربعةBetP
[5] . ينقر بها نقرا P بن يقفز بها قفزاB
[6] ومن طوائفهم [طوائفها [P طائفة لا تأكل الا لحوم الناس BetP ولا تشرب الا الدماء.
[7] . الواحدBetP
[8] . بطرف Ms.
(2/207)

أموال وأوان كثيرة فيقصدون أوريشلم [1] وينتهبون نصف القرية [2] ويسلم النصف الآخر ويرسل الله عليهم صيحة فيموتون عن آخرهم ويصيب بني [3] إسرائيل من أواني [4] عسكرهم ما يستغنون [5] سبع سنين عن الحطب هذا [6] المقدار من حديثهم في كتاب زكريّا عم فأما ما رويناه والله أعلم بحقها وباطلها ولا تختلف الناس أن يأجوج ومأجوج أمم من مشارق الأرض وجائز أن يرث أرض قوم ويستولون عليها دونهم فروى الربيع عن أبي العالية قال يأجوج ومأجوج رجلان وقيل هو الترك والديلم فهذا ما لا ينكره القلوب وأمّا سائر الصفات فممرّ على وجهه [7] قالوا [8]
__________
[1] . أوريسلمB
[2] . نصفهاBetP
[3] . وتصيب بنوBetP
[4] . أدواتBetP
[5] . بهBetPajoutent:
[6] . وهذاB
supprimeparIbnal -Wardi. [7]
[8] . قيل BetP
(2/208)

ويمكث الناس بعد [1] يأجوج ومأجوج عشرين [2] سنة [70] يحجون ويعتمرون [3] ،
خروج [4] الحبشة
قال أصحاب هذا العلم ويمكث الناس بعد هلاك يأجوج ومأجوج في الخصب والدعة ما شاء الله [5] ثم تخرج الحبشة وعليهم ذو السويفتين [6] فيخربون مكة ويهدمون الكعبة ثم لا تعمر أبداً وهم الذين يستخرجون كنوز فرعون وقارون قال فيجمع [7] المسلمون ويقاتلونهم فيقتلونهم ويسبونهم حتى يباع الحبشي بعباءة ثم يبعث الله عز وجل [8] ريحاً فتلفت [9] روح كلّ مسلم [10] ،
__________
[1] . هلاكBetPajoutent:
(sic) . [2] عشرونB
[3] . والله اعلمBetPajoutent:
[4] . ذكر خروجBetP
[5] . تعالىBajoute:
[6] . السويقين P بن السويقتينB
[7] . فتجتمعBetP
ManquedansBetP. [8]
[9] . فيقبضBetP
[10] . والله تعالى اعلم Bajoute:
(2/209)

ذكر فقد [1] مكة
[2] وروى عن [3] على صلوات الله عليه وسلامه [4] قال حجوا قبل أن لا تحجّوا فو الّذي خلق الحبة وبرأ النسمة ليرفعن هذا البيت من بين أظهركم حتى لا يدري أحدكم أين كان مكانه بالأمس وقال كأني أنظر إلى أسود حمش [5] الساقين قد علاها وينقضها طوبة طوبة،
ذكر الريح التي تقبض أرواح أهل الإيمان
روى أن الله تعالى [6] ابتعث [7] ريحاً يمانية ألين من الحرير وأطيب نفحة من المسك فلا [8] تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته [9] ويبقى الناس بعدها [10] مائة عام لا يعرفون دينا ولا
__________
[1] . فقدانB
[2] . المشرفةBetPajoutent:
[3] . الحسن عنBajoute:
[4] . بن ابى طالب رضى الله عنهBetP
[5] . خمش P بن أحمشB
[6] . عزّ وجلّBetP
[7] . يبعثBetP
[8] . ولاP
,corriged apresBetP. [9] قبضهMs.
[10] . بعد BetP
(2/210)

ديانة وهم شرار خلق الله عليهم [1] تقوم الساعة وهم في أسواقهم يتبايعون وفي رواية عبد الله بن يزيد [2] عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تقوم الساعة حتى [3] يعبد الله في الأرض [4] مائة سنة وعن عبد الله بن عمر [5] قال يؤمر صاحب الصور أن ينفخ [6] فيسمع رجلاً يقول لا إله إلا الله فيؤخر مائة عام،
ذكر ارتفاع القرآن
روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال القرآن أشد بغضاً [7] على قلوب الرجال من النعم على عقله [8] قيل يا أبا عبد الرحمن كيف وقد أثبتناه [9] في صدورنا ومصاحفنا قال يسرى عليه فلا يذكر ولا يقرأ،
__________
[1] . وعليهمBetP
[2] . بريدةBetP
[3] . لاBetPajoutent:
[4] . بعدBajoute:
[5] . رضى الله عنهماBajoute:
[6] . في صورهBajoute:
[7] . يعصبا eta أشد Psupprime بن تفصياB
[8] . على عقلها P بن في عقلهاB
[9] . أتيناه P
(2/211)

ذكر النار التي تخرج من قعر [1] عدن تسوق [2] الناس إلى المحشر،
روى حذيفة بن أسيد [3] عن النبي صلى الله عليه وسلم [4] عشر آيات بين يدي الساعة هذه هي [5] إحداهن وفي رواية أخرى لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء [6] أعناق الإبل ببصرى وفي رواية أخرى لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من حضرموت مع اختلاف كثير في الروايات،
ذكر نفخات الصور
وهي ثلاث نفثتان [7] منها في [8] الدنيا والثالثة في [9] الآخرة قال الله عز وجل ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ 36: 49- 50 وروى الحسن عن شيبان عن قتادة من عكرمة
__________
ManquedansP. [1]
[2] . فتسوقBetP
[3] . رضى الله عنهBetPajoutent:
[4] . انه قالBetPajoutent:
ManquedansBetP. [5]
[6] . لها ,PetBajoutent يضىMs.
[7] . مرات اثنان P بن مرات ثنتانB
[8] . آخرBetPajoutent
[9] . وواحدة في أول الآخرة TBetP
(2/212)

عن ابن عباس رضي الله عنه [1] قال تهيج [2] الساعة والرجلان يتبايعان قد نشرا ثوبهما [3] فلا يطويانه [4] والرجل يلوط حوضه فلا يسقى [5] منه والرجل قد انصرف بلبن لقحته [6] فلا يطعمه والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يأكلها ثم تلا تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ 36: 49 وقال لا تأتيهم إلا بغتة
، النفخة [7] الأولى
يقال أن [8] صاحب الصور [9] إسرافيل [10] وهو أقرب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى [11] وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش
__________
[1] . رضي الله عنهماBetP
[2] . يهيجMs.
[3] . أثوابهماBetP
[4] . يطويانهاBetP
[5] . يستقىBetP
[6] . نعجتهBetP
[7] . ذكر النفخةBetP
ManquedansBetP. [8]
[9] . هو السيدBetPajoutent:
[10] . عليه السلامBetPajoutent:
[11] . عزّ وجلّ BetP
(2/213)

على كاهله وإن [1] قدميه قد مرقت [2] الأرض السفلى حتى بعدتا [3] مسيرة مائة عام على ما رواه وهب ومثل هذا مما يزيد [4] في يقين [5] العامي ويبلغ في تجويفه [6] وتعظيمه لأمر الله تعالى وقد بينا في صفة الملائكة أنهم روحانيون الروح بسيط لا يضيق الصدر في صفة الأجسام المركبة قيل صاحب [71] [الصور] عزرائيل [7] و [8] عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى [9] كيف أنعم [10] وصاحب الصور قد التقمه وحنى جبهته [11] ينظر [12] متى يؤمر [13] فينفخ [14] ،
__________
[1] . فانP
[2] . مرقتا منBetP
[3] . عنهاBetPajoutent:
[4] . يريدMs.
[5] . تعين ,P يقينMs.
[6] . تخويفهBetP
supprimeparIbnal -Wardi. [7]
[8] . قد روىBajoute:
[9] . انه قالB
[10] . أنتمB
ManquedansB. [11]
[12] . ينتظرB
[13] . لهBajoute:
afinduparagraphe ,depuisl asterisque ,ManquedansP. [14]
(2/214)

ذكر ما جاء في [1] الصور
روى أنه كهيئة قرن فيه بعدد كل ذي [2] روح [3] داره [4] وله ثلاث شعب شعبة تحت الثرى يخرج [5] منها الأرواح [6] وترجع إلى الأجساد [7] وشعبة تحت العرش منها يرسل الله الأرواح إلى الموتى وشعبة في فم الملك فيها ينفخ قالوا [8] فإذا مضت الآيات والعلامات التي ذكرنا أمر صاحب الصور أن ينفخ نفخة الفزع ويديمها ويطولها فلا تعتر [9] كذا عاماً وهي التي يقول الله عزّ وجل [10] ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها من فَواقٍ 38: 15 ويقول [11]
__________
[1] . صورة الصور وهيئتهBetP
ManquedansBetP. [2]
ManquedansP. [3]
[4] . نقب P بن ثقبB
[5] . تخرجB
[6] . أرواحP
[7] . أجسادهاBetP
ManquedansBetP. [8]
[9] يبرحBetP
.Ibnal -iscitationsduQor ,anaulieudedeux. [10] وهي المذكورة في قوله تعالىBetP
[11] . وفي قوله تعالى BetP
(2/215)

وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله 27: 87 قالوا [1] فإذا بدأت [2] الصيحة فزعت الخلائق وتحيرت وتاهت [3] وهو يزداد [4] كل يوم فظاعة [5] وشناعة فيحار [6] أهل البوادي والقبائل إلى القرى والمدن ثم يزداد [7] الصيحة حتى ينتقلوا [8] إلى أمهات الأمصار ويعطلوا الرواعي والسوائم [9] وجاءت [10] الوحوش والسباع [11] من هول الصيحة فاختلطت [12] بالناس
__________
ManquedansB. [1]
[2] . وإذا بدتBetP
[3] . فهامتP
[4] . والصيحة تزداد ,BetP يزادMs.
[5] . وشدة ,Pajoute: مضاعفة وشدةB
[6] . فتنجاز P بن فتنحازB
[7] . تزدادBetP
[8] . وتشتد حتى تتجاوز [يجازواBetP [P
[9] . وتعطل الرعاة السوائم وتفارقهاBetP
[10] . وتأتىBetP
[11] . وهي مذعورةBetP ajoutent:
[12] . فتختلط BetP
(2/216)

واستأنست [1] بهم وذلك قوله [2] وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ 81: 4- 5 ثم تزداد الصيحة [3] حتى تسير الجبال عن [4] وجه الأرض وتصير سراباً جاريا وذلك قوله تعالى وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ 81: 3 وقوله [5] وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ 101: 5 وتزلزلت [6] الأرض وانتقضت [7] وذلك قوله تعالى إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها 99: 1 وقوله إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [8] 22: 1 ثم تكور [9] الشمس وتنكدر النجوم وتسجر البحار والناس أحياء [10] ينظرون إليها وعند ذلك يذهل [11] المراضع عما أرضعت [12] وتواضع الحوامل
__________
[1] . وتستأنسBetP
[2] . تعالىBetPajoutent:
[3] . هولا وشدةBetPajoutent:
[4] . علىBetP
[5] . سبحانه P بن تعالىBajoute:
[6] . وزلزلتB
[7] . وانتفضتB
ferentedansIbnal -Wardi. [8]
[9] . تكونP
[10] . احياء Pour حيارى ,Ba كالوالهينBetP ajoutent:
[11] . تذهلBetP
[12] . ارتضعت P
(2/217)

حملها [1] ويشيب [2] الولدان وترى الناس سكارى من الفزع [3] وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [روى عن] أبي [4] جعفر الرازي عن أبيه [5] عن الربيع [6] عن أبي العالية عن أبي ابن كعب قال بينا [7] الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس [8] وبيناهم [9] كذلك إذ تناثرت النجوم وبيناهم [9] كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض وبيناهم [9] كذلك إذ تحركت الأرض فاضطربت لأن الله تعالى جعل الجبال أوتادها ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلفت [10] الدواب والطيور والوحوش فماج بعضهم في بعض فقالت [11] الجن نحن نأتيكم
__________
[1] . وتضع كل ذات حمل حملهاBetP
[2] . وتشيبP
[3] . بسكارىBetPrejeteapres
[4] . حكى ابوBetP
ManquedansBetP. [5]
[6] . ربيعB
[7] . بيناBetP
[8] . ذهبت الشمسBetP
[9] . وبينما همBetP
[10] . واضطربتBetP
[11] . فقال P
(2/218)

بالخبر [1] فانطلقوا فإذا هي نار تتئج [2] فبينا هم [3] كذلك إذ جاءتهم ريح فأهلكتهم وهذه كلها [4] من نص [5] القرآن ظاهرة لا يسع [6] لأحد مؤمن ردها والتكذيب بها وفي هذه الصيحة يكون [7] السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً 70: 8- 10 وفيها ينشق [8] السماء فيصير [9] أبواباً وفيها تحيط [10] سرادق من النار [11] بحافات الأرض فتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي أقطار السموات [12] فتتلقّاها [13]
__________
[1] . اليقينBetPajoutent:
[2] . تأج P بن تأجج B بن تتئجMs.
[3] . فبينما همBetP
ManquedansBetP. [4]
[5] . بعضP
[6] . يسمعP
[7] . تكونBetP
[8] . تنشقBetP
[9] . فتصيرBetP
[10] . ويحيطB
[11] . نارBetP
[12] . السماء والأرضBetP
[13] . فتتلقاهم الملائكة BetP
(2/219)

يضربون [1] وجوهها [2] حتى يرجعوا وذلك قوله يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا من أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا 55: 33 الآية قالوا [3] والموتى [4] لا يشعرون بشيء [5] من هذا ثم النفخة الثانية،
ذكر النفخة الثانية وهي نفخة [6] الصور
وذلك قوله تعالى في نفخ الصور [7] فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله 39: 68 قالوا [8] فيموتون في هذه النفخة إلا من تناولته الشاء [9] من الله وهم مختلف فيهم فزعم بعض أهل الكتاب أن قبض الأرواح والله اعلم واختلف أهل الكتاب في صفة ملك الموت [71] فزعم بعضهم أنّ الله جعل قبض الأرواح
__________
[1] . فيضربونP
[2] . وجوههمBetP
ManquedansBetP. [3]
[4] . في القبورBetPajoutent:
,Lerestemanque. [5] بهذهBetP
[6] . فيBetP
[7] . ونفخ في الصورBetP
ManquedansBetP. [8]
,Lerestemanque. [9] تناوله الاستثناء في قوله الا من شاء الله ,BetP تناولته السا Ms.
(2/220)

إلى فاني وهو الذي يسمى ملك الموت وقال بعضهم أن ملك الموت معه سيف إذا شهر سيفه لم يره أحد إلا مات على مكانه وقال بعض منهم أنّه يقطع بذلك السيف الأرواح من السماء وكثير منهم خالفوهم وقالوا أنّ الله لم يوكّل أحداً بقبض الأرواح ولكن إذا ذبل جسد الحيوان وضعفت أعضاؤه القابلات للفعل فارقها الروح فأما المسلمون فمنهم من يقول الدنيا بين يدي ملك الموت كالسفرة أو كالطست أو كالآنية يتناول منها حيث شاء ومنهم من يقول له أعوان ينتزعون الأرواح فإذا بلغت التراقي تولاها بنفسه ومنهم من يقول بل جعل طبعه ضدّا للحياة فحيث ما حضر بطلت الحياة عنده والله أعلم،
ذكر ما بين النفختين [1]
يقال هو [2] أربعون سنة تبقى الأرض على حالتها [3] بعد ما مرّ لها [4] من الأهوال [5] والزلازل
__________
[1] . من المدةBetPajoutent:
[2] . ان ما بين النفختينBetP
[3] . حالها مستريحةBetP
[4] . بهاBetP
[5] . العظام BetPajoutent:
(2/221)

تمطر [1] سماؤها وتجري مياهها وتطعم أشجارها ولا حي على ظهرها [2] ولا في بطنها ثم يحييهم الله للبعث،
ذكر اختلافهم [3] في قوله تعالى هو الأول والآخر
وقال تعالى [4] كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ 21: 104 وقال تعالى [5] كُلُّ من عَلَيْها فانٍ [6] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ 55: 26- 27 وقال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ 28: 88 وقال [7] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ 3: 185 فبدلت [8] هذه الآيات على هلاك كل شيء دونه لما [9] قال تعالى [10] وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله 39: 68 دل أنه لا تعم الصعقة [11] جميع الخلائق
__________
[1] . وتمطرBetP
,lerestemanque. [2] من سائر المخلوقاتBetPajoutent:
[3] . ما وردBetP
[4] . الله تعالى P بن الله عزّ وجلّB
[5] . سبحانهB
etmanquedansBetP. [6]
[7] . جل وعلاBetPajoutent:
[8] . فدلّتBetP
ManquedansBetP. [9]
[10] . عز وجل P بن جل وعزB
[11] . دل [على [B ان الصعقة لا تعم BetP
(2/222)

فالتمسنا التوفيق بين الآيات بعد أن أمكن أن تكون آية الاستثناء مفسرة لتلك الآي فقلنا الإستثناء عند نفخة الصعق وعموم الفناء بين النفختين كما جاء في الخبر لئلا يظن ظان أن القرآن متناقض وروى الكلبي [1] عن أبي صالح [2] عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [3] كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ 28: 88 قال كل شيء وجب عليه الفناء إلا الجنة والنار والعرش والكرسي والحور العين والأعمال الصالحة وقيل في قوله [3] إِلَّا من شاءَ 39: 68 الشهداء حول العرش سيوفهم [4] بأعناقهم وقيل الحور العين وقيل موسى عم لا [5] صعق مرة وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل [6] وملك الموت [7] وحملة العرش [8] قالوا فيأمر الله
__________
ManquedansP. [1]
[2] . طالحP
[3] . تعالىBetPajoutent:
[4] . بسيوفهمP
[5] . لانهBetP
[6] . صلوات الله عليهم أجمعين [صلى الله على نبينا وعليهم [P وقيلB
[7] . عليه السلام وقيلBetP
[8] . عليهم السلام BetPajoutent:
(2/223)

تعالى ملك الموت فيقبض أرواحهم ثم يقول [1] مت فيموت فلا يبقى [2] حي إلا الله تعالى [3] فعند ذلك يقول لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ 40: 16 فلا يجيبه أحد فيقول لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ 40: 16 هكذا روى في الأخبار [4] والمسلمون يختلفون منه في أشياء،
ذكر المطرة التي تنبت أجساد الموتى [5]
قالوا فإذا مضى بين النفختين أربعون عاماً أمطر الله [6] من تحت العرش ماء خاثراً كالطلاء وكمنى [7] الرجال يقال له ماء الحيوان فينبت [8] أجسامهم كما ينبت البقل قال كعب ويأمر الله الأرض والبحار وتؤمر [9] الطير والسباع [بأن] تردّ [10] ما اكلت
__________
[1] . لهBetPajoutent:
[2] . في الملكBetPajoutent:
ManquedansB. [3]
esteduparagraphe. [4] والله اعلمBetPajoutent:
[5] . الأجسادBetP
[6] . سبحانه وتعالى P بن سبحانهB
[7] . وكالمنى منBetP
[8] . فتنبتBetP
ManquedansBetP. [9]
[10] . برد BetP
(2/224)

من [1] بني آدم حتى الشعرة [2] فما فوقها حتى [3] تتكامل [4] أجسامهم قالوا وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب فإنه يبقى مثل عين الجراد [5] لا يدركه الطرف فينشئ الله [6] الخلق منه [7] وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في [8] الشمس فإذا تم وتكامل نفخ فيه الروح ثم انشق عنه القبر ثم قام [9] ،
ذكر النفخة الثالثة [10]
وذلك قوله تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ 39: 68 وقوله إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ 36: 53 ويجمع الله أرواح الخلائق في
__________
[1] . أجسادBetPajoutent:
[2] . الواحدةBetPajoutent:
ManquedansBetP. [3]
[4] . فتتكاملBetP
[5] . الجرادةBetP
[6] . فينشئ P بن فينشأB
[7] . من ذلك العجبBetP
[8] . شعاعBetPajoutent:
[9] . خلقا سوياBetPajoutent:
[10] . وهي نفخة القيامة [القيام BetPajoutent: [P
(2/225)

الصور ثم يأمر الملك أن ينفخها [1] فيهم [2] ويقول [3] أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة [4] والشعور المتمزقة [5] إن الله [6] يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فيجتمعن ثم ينادي قوموا للعرض على الجبار فيقومون وذلك قوله [7] يَوْمَ [8] يَخْرُجُونَ من الْأَجْداثِ سِراعاً [9] كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ 70: 43 وقوله [10] يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ 50: 44 فإذا خرجوا من قبورهم يلقى المؤمن بمركب [11] من رحمة الله كما وعد [12] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً 19: 85
__________
[1] . ينفخBetP
[2] . فهمP
[3] . قائلاBetP
[4] . المتقطعةB
[5] . والأعضاء المتمزقة والشعور المنتثرةBetP
[6] . المصور الخلاقBetPajoutent:
[7] . تعالىBetPajoutent:
ManquedansBetP. [8]
onManquedansBetP. [9]
,passagesuivantdu [10] وقال تعالى P بن تعالى Bajoute: يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين الى الداع وقوله Qor an: عز من قائل.
[11] . تلقى المؤمنون بمراكب [المؤمنينBetPP
[12] . سبحانه P بن سبحانه وتعالى 12 B
(2/226)

والفاسق يمشي على قدمه [1] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [2] 19: 86 وفي القرآن من آثار الحشر ودلائل البعث ما لا يوجد في شيء من كتب الله المنزلة لأن القوم كانوا منكرين له،
ذكر بعث الخلق
روى الحسن رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة بهما عزلاً فقالت إحدى نسائه أما يستحيون فقال لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ 80: 37 وعن سعيد بن جبير في قوله عز وجل وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ 6: 94 قال يرد كل واحد إلى ما انتقض منه حتى الظفر قص والشعرة سقطت وفي رواية معاذ بن جبل والمقدام بن معديكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يبعث الناس يوم القيامة أولهم وآخرهم ما بين السقط إلى الشيخ الفاني كأنها ثلاث وثلاثين سنة وهو سنّ عيسى عم ومما احتج الله به على منكري البعث قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ من الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ من تُرابٍ ثُمَّ من نُطْفَةٍ ثُمَّ من عَلَقَةٍ ثُمَّ من مُضْغَةٍ 22: 5
__________
[1] . والفاسقون يمشون على أقدامهم سوقا وهو قوله تعالىBetP
esteduparagraphe ,agraphessuivants ,anquentdanslbnal -Wardi. [2]
(2/227)

إلى قوله وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ 22: 5 فشبه حياة الخلق بعد موتهم ونشورهم من قبورهم بحياة الأرض بعد موتها ونبات عشبها وشجرها وقال أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من نُطْفَةٍ 36: 77 إلى قوله قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ 36: 79 وقال تعالى ذكره وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً 17: 49- 50 فانّى باعثكم وقال تعالى ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ 31: 28 وقال وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، 30: 27
ذكر اختلافهم [1] في كيفيت الحشر
لا خلاف بين أهل الأديان قاطبة في أصل البعث والحشر ولا ينكره أحد من أهل الأرض إلا الملحد المعطل الذي لا يعد [2] قوله خلافاً وإنما الاختلاف في أشياء من صفاته نحن ذاكروها إن شاء الله تعالى فإن النفس على أخذ [3] أمر النشأة الأخرى فليقسها على
__________
[1] . أخلاقهمMs.
[2] . كذا في الأصلotationmarginale:
[3] . أحد Ms.
(2/228)

نشأة أول الخلق من جمع طين وما ضم إليه من حرارة الحياة وحرك بمادة الروح وأنطق بالنفس المميزة فصار إنساناً يسعى وقد جاء في الخبر من نظر إلى الربيع فليكثر ذكر النشور ونبات أهل القبور وروى ما أشبه الربيع بالنشور وأكثر أهل الإسلام على أن يحشر أصناف الخلائق من الجنّ والإنس والبهائم للقصاص والانتصاف وقد روينا عن الحسن وعكرمة أنهما كانا يقولان حشر البهائم موتها فكانا لا يريان لها بعثاً وزعم قوم من أهل الكتاب أنه إذا كان يوم القيامة أمر الله إسرافيل أن يجمع أرواح من كان مستحقاً للثواب والعقاب في سفود ثم ينفخ فيه وأنكروا بعث البهائم والأطفال والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة وقوم منهم ينكرون الصور والصراط والميزان وقالوا [72] إذا مات الناس بعث المسيح فأحياهم وصار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وقال كثير من علمائهم البعث للأرواح دون الأجساد على غير هذه الخلقة التي تراها ولكن على خلقه الخلود البقاء الأبدي وليس الإنسان جسداً وروحاً لا غير ولكن روح وريح ونفس وصورة وعدم وقوة ونطق وحياة تسعة أشياء العاشر وهو هذا الهيكل الأرضىّ
(2/229)

المظلم وقد نشاهد من أحوال الجواهر وإن كانت منبعثة من الأرض ثمّ إذا سبكت وأذيبت وصفيت تحولت إلى حالة ألطف منها وأكرم وأشرف وكذلك الإنسان لا ينكر أن يكون فناؤه وبلاؤه وحشره معنى يزيده لطافة ورقة وحالاً غير هذه الحالة لأنه يخلق للخلود والله أعلم،
ذكر الموقف [1]
روى المسلمون أن الناس يحشرون إلى بيت المقدس وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هو المحشر والمنشر وكذا يقول كثير من اليهود [2] وروى عن كعب أن الله [3] نظر إلى الأرض فقال [4] إني واطئ على بعضك فاستبقت [5] الجبال وتضعضعت الصخور [6] فشكر الله لها ذلك فقال هذا مقامي ومحشر خلقي وهذه [7] جنّتى وهذه ناري وهذه [8] موضع ميزاني
__________
[1] . واين يكونBetPajoutent:
[2] . ووافقت اليهود على ذلكBetP
[3] . تعالىPajoute:
[4] . وقالBetP
[5] . فانّسفتB
[6] . وارتجت [وارتجبت [P الصخرة وتضعضعت وارتعدتBetP
[7] . هذهB
[8] . وهذا BetP
(2/230)

وأنا ديان يوم الدين وقال بعضهم فصير [1] الله الصخرة [2] من مرجانة [3] طباق الأرض يحاسب [4] عليها الخلق [5] وسمعت من يقول هذا من موضوعات أهل الشام يبعث الله الخلق إلى حيث يشاء،
ذكر تبديل الأرض [6]
قال الله تعالى [7] يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [8] 14: 48 أي قد برزوا قال قوم التبديل أن يرفع الله هذه الأرض ويبسط غيرها كما جاء في الخبر تمد أرض بيضاء كالأديم العكاظى لم يسفك عليها دم حرام ولم يعمل بالخطيئة وقيل تبسط أرض من فضّة كنقىّ [9]
__________
[1] . وقيل يصيرBetP
[2] . الشجرةP
eicileparagraphe. [3]
[4] . ويحاسبB
[5] . والله اعلمragrapheetajoute.
[6] ذكر يوم القيامة والحشر والنشر وتبديل الأرض غير الأرض BetP وطىّ السماء وأحوال ذلك اليوم.
[7] . عز وجلBetP
ntsfaitsparIbnal -Wardi. [8]
[9] . كنقى Ms.
(2/231)

الملة يأكلون من تحت أقدامهم وروى أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية وقالت أين تكون [1] الناس قال على جسر جهنم وروى أنه قال أضياف الله فلن يعجزوه وعن عكرمة أنه قال تطوى هذه الأرض وإلى جنبها أرض يحشر الناس عليها وقال آخرون تبديل الأرض تغيير صفاتها وهيأتها من تسيير جبالها وتغوير مياهها وذهاب أشجارها وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كما يقال للرجل تبدلت وإنما تبدلت ثيابه واحتج بقول العباس ابن عبد المطلب [طويل]
إذا مجلس الأنصار حف بأهله ... وفارقها فيها غفار وأسلم
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعلم
وقال قوم تبدل ثم يرفع لقول الله الفناء عليها وكل هذا جائز لأنه أقررنا بأن الله تعالى أوجدها من عدم لا من غير سابقة [2] لزمنا أن نجيز عليه أن يعيدها كما بدأها والله أعلم،
__________
[1] . تكونMs.
[2] . سابقه Ms.
(2/232)

ذكر طي السماء
قال قوم طيها تغيير شمسها وقمرها ونجومها وهيأتها وهي باقية وكذلك الأرض واحتجوا بقول الله تعالى في بقاء الجنّة والنار ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ 11: 107 قالوا وليس في القول ببقائهما نقض [1] [73] للدين فقد قلنا ببقاء العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار والأرواح والأعمال الصالحة ومن خالفنا ألزمه أن يكون الأرواح إذا أفنيت فأعيدت غير ما كانت لأنها لو كانت هي لما أفنيت وإن كانت أفنيت ثم أعيدت أرواحاً آخر كان الثواب والعقاب واقعين على غير استحقاق منها وكذلك الأجساد قد تعاد من تربتها التي كانت خلقت منها ثم تبقى في الجنة والنار على الأبد السرمد وزعم قوم أن السماء ليست بجسم ولا يكون معنى طيها إلا ما ذكرنا وقال آخرون بل هي جسم يطوى كطىّ الكتب بظاهر قول الله سبحانه كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا 21: 104 وقوله الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ 39: 67 حتى روى بعضهم وأشار بكفه وقد قبضها أنّها يفضل من هاهنا ومن هاهنا شيء وتختلف أحوال السماء وتصير
__________
[1] . نقص Ms.
(2/233)

كالمهل وكالوردة وتنشق وتصير أبواباً [1] ثم تطوى بعد ذلك فهذا من القول ظاهر وذلك ممكن وقد قال قوم ممن يذهب مذهب الطائفة الأولى كما ذكر من أمر السماء والأرض وتغيير أحوالهما فإنه يراد به أهلهما وهما مقرران كما هما والله أعلم،
ذكر يوم القيامة
يقال أن طول ذلك اليوم ألف سنة من مقادير أيام الدنيا بقول الله تعالى وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ 22: 47 فيصف ذلك اليوم من حكم الدنيا وهو من النفخة الأولى إلى أن يفضي الله بين خلقه فيدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم بعد ذلك من حكم الآخرة وكذا سمعت بعض أهل العلم بقوله وزعمت فرقة أن قوله في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ 70: 4 أنه يوم القيامة وأكثرهم على أنه من التمثيل من الشدة والمكروه الذي يصيب بعض الناس حتى يعده [2] خمسين ألف سنة وقيل ذلك اليوم خمسون موقفاً يسأل العبد فيها فإذا جمعهم الموقف ردّت الشمس إليهم
__________
[1] . أبواباMs.
[2] . يعدّه Ms.
(2/234)

وضوعف حرّها وأذيبت من فوق رءوسهم حتّى يلجمهم الفرق ثمّ ينزل العرش بحملة الملائكة ثم تعلق الميزان ويؤتى بالجنة والنار وينصب الصراط ويأتي الله كيف شاء بقول الله عز وجل وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا 25: 25 ويقول [1] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الْأُمُورُ 2: 210 قال المسلمون ثم يبقى أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار خالدين مخلدين ودائمين أبد الآبدين ولا يدري هل يحدث الله خلقاً جديداً أو عالماً آخر وأرضاً وسماء ويبعث إليهم الرسل ويكلف بما كلف من كان قبلهم أم لا وقد روى عن بعضهم أنه كان يرى فناء أهل النار بعد ما مضى أحقاب ومن أهل الكتاب قوم يزعمون أنه إذا مضى للجنة والنار ألف سنة بادتا وفنيتا وصار أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً وحدثني رجل من علماء اليهود أن فيهم فرقة يزعمون أن العوالم [2] لا يدري كم مضى منها وكم بقي وأن مدة كل عالم ستة ألف سنة ثمّ يحشر الخلائق
__________
[1] . ويقولونMs.
[2] . العواليم Ms.
(2/235)

ويحاسبون وذلك يوم السابع قال يوم السبت فيدخلون الجنة والنار ثم يصير [1] أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً ويعاد خلق آخر [73] وأمر آخر لا يزال كذلك وكل سبت عندهم قيامة كذا ومن القدماء من يزعم أن خلق الخلق بفضل وجود وامتنان ولا يجوز على الجواد المفضل أن يظهر جوده في كل وقت ولكنه إذا أفنى هذا العالم ابتدع عالماً آخر وكم من عالم قد ابتدعه وأفناه ومنهم من يقول بنقل [2] الخلق إلى الآخرة فكل يوم قيام قيامة وابتداء عالم وسمعت منهم من يحتج بالخبر المروي عن المغيرة بن شعبة من مات فقد قامت قيامته،
ذكر ما حكى عن القدماء في خراب العالم
حكى جابر بن حيان [3] أنه إذا انتهى مسير الكواكب إلى غاية وتفرقت في أبراجها وتشوشت حركات الفلك واضطربت كما كانت قبل اجتماع الكواكب في أوّل دقيقة من الحمل اختلفت أحوال العالم وتفاوتت أرباع السنة وفصولها فلا يستقرّ شتاء [4] ولا صيف
__________
[1] . يصيرMs.
[2] . نقلMs.
[3] . جبارMs.
[4] . شاء Ms.
(2/236)

وتهبّ [1] الرياح العواصف وتهلك الحيوان والنبات لمجيء الأمطار في غير وقتها وشدة الزلازل وكثرة الرياح وتعادي الأركان فيغلب الماء على اليبس واليبس على الماء والنار على النبات والحيوان ويفسد مزاج التركيبات ويقفر الأرض ويخلو إلى أن تجتمع الكواكب في حيث منه تفرّقت وعنده بدء الخلق والنشوء ثانياً وحكى أفلاطن في كتاب سوفسطيقا [2] في ذكر النفوس وأحوالها بعد مفارقة الأبدان قال وإن النفس الشريرة إذا تفردت عن البدن بقيت تائهة متحيرة في الأرض إلى وقت النشأة الآخرة قال وفي هذا الوقت تسقط الكواكب من أفلاكها ويتصل بعضها ببعض فيصير حول الأرض كدائرة من نار فتمنع تلك النفوس من الترقي إلى محلها وتصير الأرض سجناً لها قال المفسر عن شرح [3] افلاطن بالقيامة والبعث والنشأة الآخرة وكذا رأى ارسطاطاليس في بقاء ما فوق فلك القمر وأنه لا يقبل الاستحالة وأنه أراد به إلى ذلك الوقت ولا
__________
[1] . يهبّMs.
[2] . سوفطيقاMs.
[3] . عن صرح ariantemarginale:
(2/237)

تلتفت إلى تأويل كفار المتفلسفة لأرائهم مع شهادة الدلائل على ما قلنا ومعاونة كتب الله وأخبار رسله في ذلك واعلم رحمك الله أن كل ذي عقل محجوج بعقله مضطرّ إلى الإقرار بالابتداء للخلق وابتداعه وتجويز فنائه وانقضائه هذا ما لا بدّ منه فأما معرفة ذلك كيف أبغلبة إحدى الطبائع أو بشمول فاسد أو وقوع قحط وموتان أو قتل أو ما كان على نحو ما حكاه أهل الإسلام وأهل الكتاب أو من دونهم فشيء سبيله الخبر والسمع يقع فيه الاختلاف والتفاوت ولا يبطل وقوع الاختلاف فيه ما توجبه العقول وأما الأخبار التي روينا فهي شعار الدين ومحض الديانة وصريح الحق ومن لم يعتقدها على وجهها ظاهراً أو باطناً ولم يعتصم بها ولا رأي اليدين بحقيقتها والنجاة فيها وإن كان أكمل الناس عقلاً وأيقنهم [1] فهماً وأصوبهم رأيا وأصلبهم عوداً وأكرمهم حسباً وأسناهم بيتاً وأقدمهم شرفاً وأغيرهم غيرةً وأحماهم حمية وأحمدهم سيرة وأعظمهم حياء وأرقهم فؤاداً وأسخاهم نفساً وأطلبهم للخير وأعمّهم نفعا وأموتهم حقداً وأحملهم للضيم وأقنعهم بالكفاية وأكفهم أذى وأبدلهم
__________
[1] . ايقنهم Ms.
(2/238)

ندى [74] وأهداهم للفضائل وأقدرهم عليها وأبسطهم يداً وأجمعهم لكل خصلة حميدة ومأثرة كريمة مع شدة رغبة في اقتناء الخير وإبقاء الذكر الجميل وادخار الثناء الحسن فهو إلى النقص والسفه وضعف العقيدة ومخالفة الظاهر للباطن واتباع الهوى وإيثار الرياء والإمام بالفواحش والاستخفاف بمعتقدي خلافهم واستجمالهم ونكس ما عددنا من الفضائل إلى الرذائل وقلبها إلى الأضداد [1] أقرب وأدنى وبها أحق وأولى لأن المراد لم يكن له باعث من نفسه وحاقر من ذنبه فهو [إلى] ما يصطنعه وينتزع به غير نشط ولا صادق الرغبة ولا متسارع ولا متشح [2] منافس ومن كان كذلك لم يكن لعلمه رونق ولا لمذهبة بهاء ولا عند ذوى الصنائع قبول وتزكية وناهيك من دين معتقد الديانة وإن قلت أفعاله وقصرت يداه من حسن هيأته وخمود شرته وسكون أطرافه وجميل تواضعه وحسن بشره وشدة سطوته على من خالف دينه أو يتأوّل بنيّته [3] وبذله
__________
[1] . الاضداضMs.
[2] . متساحMs.
[3] . بنيته Ms.
(2/239)

ماله ومهمة دونه فاحذروا عباد الله أنفسكم وأهواءكم وأصنافاً من أشباهكم أنا واصفها لكم في نحل المسلمين إن شاء الله وألزموا الدين الذي أحل [1] الله خلقه ودعاهم إلى التمسك به وأخذ عليهم المواثيق والعهود في المحافظة عليه وأنزل به الكتب وأرسل الرسل ووعد من أجاب إليه وأوعد من حاد عنه فقد وضحت دلائل برهانه وصحت آثار حكمته وإياكم والاغترار بالجهل والمجان والخلعاء ومستنقلي الأمانة لغلبة حظ البهيمية والسبعية عليهم حتى صار أقصى همة أحدهم امتلاء بطن واكتساء ظهر ومنال شهوة وإنفاذ غيظ والنكابة في عدو فموهوا أباطيل مزخرفة وأساطير مزورة ظاهرها التشكيك والتلبيس وباطنها الكفر والإلحاد يقتنصون بها الأغمار والأحداث ويحيرون العوام الذين ليس عندهم فضل معرفة ولا كثير تميز ومهما اشتبه عليكم من أمرهم شيء فلا تغفلوا عن فعل الله بهم مذ قامت الدنيا على ساقها لم يطمح منه طامح في جاهلية ولا في الإسلام إلا وهضه الله بقارعة ولا أقاموا راية إلا وهلها الله بالنكس والخمول ولا نجم ناجم
__________
[1] . حل Ms.
(2/240)

إلا سلط الله عليه أضعف خلقه ولا كاد للدين كيداً إلا رده الله في نحره ينجز وعده منه تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 9: 33 فأصل ديانة كل ذي دين من أهل الأرض أن الله خالقه ومفنيه ومحييه ومميته وهو يأمره بالعدل والإحسان وينهاه عن الفحشاء والمنكر والبغي ويبعثه بعد موته فيجاوبه [1] الثواب على إحسانه والعقاب على سيئاته لا يختلف فيه مختلف إلا المعطلة الدهرية وهم شرذمة قليلة وأما أهل الكتب فلزمهم أن يعتقدوا ما ذكرنا أن الله سابق خلقه خلق كل شيء دونه وأنه واحد لا شريك له ولا شيء قديم معه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالبشارة والإنذار وأنه يفنى الخلق ويبيده ثم يعيده كما أبداه إذا شاء [2] فمن كان هذا عقيدته رجى له أن يكون من الفائزين الأمنين الذين لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. 10: 62
تمّ الجزء الثاني
__________
[1] . فيحاوبهMs.
[2] . ساء Ms.
(2/241)

المجلد الثالث
الفصل العاشر في ذكر الأنبياء ومدة أعمارهم وقصص أممهم وأخبارهم على نهاية الإيجاز والاختصار
[75] في أخبار المسلمين أنه كان مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي والجم الغفير منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيا مرسلا ويقال خمسة عشر وقال وهب منهم خمسة عبرانيون آدم وشيث وادريس ونوح وابراهيم وخمسة من العرب هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمّد صلى الله عليه وسلم قال وكان أنبياء بني إسرائيل ألف نبي أوّلهم موسى وأخرهم عيسى قال وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر لأصحابه انتم على عدة أصحاب طالوت وعلى عدة الرسل فمن الأنبياء من يسمع الصوت ومنهم من يوحى
(3/1)

إليه في المنام ومنهم من يكلم وفي الحديث أن جبريل ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوف باللؤلؤ واليواقيت رأسه كالحبك وشعره كالمرجان ولونه كالثلج جناحاه أخضران ورجلاه مغموستان في الخضرة وكيت وكيت،،،
ذكر عدد ما نزل من الكتب
قال وهب والكتب الذي أنزلت من السماء على جميع الأنبياء مائة كتاب وأربعة كتب منها على شيث بن آدم كتاب في [1] خمسين صحيفة وعلى ادريس كتاب في ثلاثين صحيفة وعلى موسى التوراة وعلى داود الزبور وعلى عيسى الإنجيل وعلى محمّد صلى الله عليه وسلم القرآن وروينا عن غير وهب أن الله تعالى أنزل على آدم إحدى وعشرين صحيفة فيها تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقيل لم يكن فيها غير الحروف المقطعة وهي كل حرف يلفظ بها اللافظ من العربية والعجمية فيها ألف لغة من أمهات اللغات حدّ الله تعالى عليها الألسنة كلّها والتوراة تجمع كتبا كثيرة للأنبياء وهي خمسة أسفار وأربعة وعشرون وقد روى ثمانية عشر كتيفى [2] يعنون كتب الأنبياء وقد قص الله تعالى في القرآن ما أوحى إلى
__________
[1] . فيهMs.
[2] . كيفى Ms.
(3/2)

نوح وهود ولوط وغيرهم من الأنبياء عم فلا أدري إنهم لم يؤمروا بنسخها والتحفظ لها أو كانت مثبتة عندهم فنسخت بكتاب بعدها أو كان الوحي والصوت لا يعد كتابا أو كان علمهم وأحكامهم على موجب العقل أو كانوا يتبعون صحيفة آدم وسنته لأن هذا كله محتمل بقول الله تعالى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ 2: 213 فعموم هذه الآية يوجب أن يكون لكل نبي كتاب يعمل به وراثة عن من قبله وتخصيصا به وحده وقد كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى [76] يعلّمون بالتوراة ويحكمون بها إلى أن أنزل الفرقان ومع ذلك يوحى إليهم وينزل الكتب عليهم،
ذكر عدد الأنبياء جملة
قال الله تعالى مِنْهُمْ من قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ من لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ 40: 78 فممن سماه [1] لنا القرآن قوله بعد ذكر إبراهيم عم وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا من قَبْلُ وَمن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ 6: 84- 85
__________
[1] . سماه Ms.
(3/3)

وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ [1] من الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ 6: 84- 86 وسمى لنا آدم ومحمدا وهودا وصالحا وشعيبا وذا الكفل وعزيزا [ومن] لم يسمه لنا منهم قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ من بَنِي إِسْرائِيلَ من بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ في سَبِيلِ الله 2: 246 قال أهل التفسير اسمه اسماويل بن هلقانا [2] وقالوا في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا من دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ الله مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ 2: 243 أن نبيهم حزقيل بن بوزى [3] وقال قوم في قوله تعالى أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها 2: 259 أنه ارميا وقيل بل هو عزيز وقال في أسماء الأسباط وهم [4] اثنا عشر رجلا روبيل وشمعون ولاوى ويهودا ويستاخر [5] وذان [6] ونفتالى [7]
__________
[1] . وكلّMs.
[2] . هلقاياMs.
[3] . يورىMs.
[4] . وهماMs.
[5] . بستاخرMs.
[6] . وكانMs.
[7] . وبغبالى Ms.
(3/4)

وجاد [1] واسترقفا وزبالون [2] ويوسف وابن يامن كلهم أنبياء وزعم بعضهم في قوله تعالى إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ 36: 14 انهم كانوا أنبياء بعد عيسى عم ومنهم من يزعم أنهم [3] كانوا رسل عيسى وهم يحيى وتومان [4] وشمعون وذكر أهل الأخبار أن شيث بن آدم كان نبيا وموسى بن ميشي بن يوسف كان نبيا قبل موسى بن عمران وذو القرنين كان نبيا وبلعم بن باعوراء كان نبيا ثم ذهبت نبوته ويوشع بن نون وكالب بن يوفنا [5] وبوشاماسن بن كالب وشعيا بن [آ] موص وجرجيس كانوا أنبياء وأما أهل الكتاب فيزعمون أنّ دانيال وعلياء ومشيائيل وعيلوق وحبقوق أنبياء وفي التوراة سفر لأثني عشر نبيا كانوا في زمن واحد عد أسماءهم إلى رجل من اليهود هو يسع ويوايل [6] وعاموس وعوديا [7] وميخا [8] وناحوم
__________
[1] . وحادMs.
[2] . وريألونMs.
[3] . انهMs.
[4] . توما بن ,cf.Mas oudi ,Prairiesd or ,t.I ,p.128 تومانMs.
[5] . بوقياMs.
[6] . نوايلMs.
[7] . عويدياMs.
[8] . ميخا Ms.
(3/5)

وحبقوق [1] وصفنيا [2] وهكاي وزخريا وملاخي وفي كتب بعض الحواريين أنه كان بعد المسيح بانطاكية أنبياء منهم برنبا ولوقيوس [3] وماثانيل واغابوس [4] ويزعمون أنّ عدّة من النساء تنبّأت منهن [5] مريم المجدلانية وحنا بنت فانوئل وابيغايل [6] وغيرهن ممن ذكرنا أسماءهن وذكروا نبيا يقال له شمسون وفي كتاب أبى حذيفة أن ادرياسين كان نبي المجوس وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر أصحاب الكهف فقال كان المجوس أهل كتاب ولهم نبي وساق القصة إلى آخرها وقد قال بعض المحدثين أن الخضر كان نبيّا وزعم وهب أنّ الله بعث ثلاثة وعشرين نبيا إلى سبا فكذبوهم وروى في الأخبار أنه كان نبي باليمن يقال له حنظلة [7] بن افيون الصادق وكان في الفترة نبي يقال له خالد بن سنان العبسىّ وروى جبير [8]
__________
[1] . حنقوقMs.
[2] . وصفياMs.
[3] . برياولوفيوسMs.
[4] . اغنايوسMs.
[5] . منهمMs.
[6] . وحنا [؟] فأفرد وابتعاملMs.
[7] . حنطلةMs.
[8] . جوبير Ms.
(3/6)

أنه كان قبل خلق آدم نبي بعثه الله إلى أرض اليمن ومنهم بنو الجان اسمه يوسف فهولاء ثمانون نبيا على ما حكى وروى عن أهل الكتاب وغيرهم والله أعلم وقد روينا عن الحسن أنه قال كان العجائب في بني إسرائيل وكانوا يقتلون مائة نبي في غداة واحدة ثم يقوم يسوق أهلهم [76] ولا يكترثون وأولو العزم من الرسل خمسة نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلم كانوا أهل أمم وكتب بقول الله عزّ وجلّ وَإِذْ أَخَذْنا من النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمن نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً، 33: 7
ذكر أراء المجوس وسائر الملل في الرسل،
أعلم أنهم يقرّون بنوّة جم شاذ ونبوة كيومرث ونبوة افريذون ونبوة زردشت وكتابه [أ] لابسطا ومنهم طائفة يقرون بنبوة به افريذ معناه خير ما خلق وفي كتابهم أنه كان بعد زردشت ثلاثة من الأنبياء فآمنوا بهم وأتبعوهم وأما الحرانية فإنهم يقولون لن تحصى أسماء الرسل الذين دعوا إلى الله وان مشهور هم أراني واغثاذيمون [1] وهرمس
__________
[1] . اغاثاذيمون ,Fihrist راى واغثاديمون Ms.
(3/7)

وسولن [1] جد أفلاطن لأمه ومن القدماء من يقول بنبوّة افلاطن وسقراط وأرسطاطاليس وهؤلاء يقولون النبوة علم وعمل وأما الهند فمن أثبت منهم الرسالة فإنهم يزعمون أن الرسل ملائكة فمنهم بهابود وتبعه البهابودية وشب وأمته الكابلية ورامان وأمته الرامانية وراون وأمته الراونية وناشد وأمّته الناشديّة وهؤلاء فرق البراهمة الذين يثبتون [2] الرسالة ومنهم مهادر وأمّته المهادرية مع فرق وأهواء كثيرة يمر بك في موضعها وأما الثنوية فإنهم يقولون بنبوة ابن ديصان [3] وابن شاكر وابن ابى العوجاء وبابك الخرّمى وعندهم أن الأرض لا تخلو من نبي قط ومن المسلمين من يقول أن في الجن أنبياء كما في الإنس ويحتج بقوله تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي 6: 130 وزعم ابن حائط أن في كل خلق من الخلائق أنبياء حتى في الحمر والطير والبراغيث واحتج بقوله
__________
[1] . سولون بن ,corriged apresleFihrist ,t.I ,p.318 وسولفMs.
[2] . يبثونMs.
[3] . ابن ديمان Ms.
(3/8)

وَما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ 6: 38 وبقوله عز وجل وَإِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ 35: 24 وكان يقول بالتناسخ وجملة القول في الأنبياء والنبوة أنها كلها من مشكاة واحدة لا يجوز عليها أن يختلف في أصل الديانة والتوحيد ولا فيما يأتى به من الأخبار وإن اختلفت فروعه وانتسخت شرائع بعضهم ببعض بقول الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ 42: 13 وقال تعالى وَسْئَلْ من أَرْسَلْنا من قَبْلِكَ من رُسُلِنا أَجَعَلْنا من دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ 43: 45 فما روى قوم من شيء يخالف أصل الديانة والتوحيد مثل كفر النعم والإشراك باللَّه واستحلال الظلم والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ولا دعوة من قبل نبي أو رسول فهم [1] كاذبون في دعواهم أو نبيهم كاذب متنبئ لأن هذا خلاف التوحيد ومجيزو العقل ما رووا من شريعة يجوز أن بتعبد الله بها وبضدها فلم نجدها في كتابنا [2] ولا فيما [في] أيدي أهل الكتاب أمررناها على وجهها لأنه ممكن أن يكون ذلك شريعة نبيّ إذ لم يبيّن
__________
[1] . فيهمMs.
[2] . كتابها Ms.
(3/9)

لنا شرائع جميع الأنبياء وأخبارهم ولا وقفنا على جميع أسماءهم والله أعلم،
قصة آدم عم،
قد مضت أخباره عم عند ذكر خلقه يقال له آدم بن التراب وكنيته أبو البشر وأبو محمد وجاء في الحديث أنه كان نبيا مرسلا وكلمه الله قيلا وأسجد له الملائكة وأسكنه الجنة وخلقه بيده [77] ثم هبط إلى الأرض فتناسل وأعقب فلما كثروا [و] أولدوا وعمّروا الأرض نبّأه الله إلى ولده بعد مضي خمس مائة سنة [1] من عمره وكان يكلمه من السماء بلا واسطة وينزل عليه مع ذلك الوحي وأنزل عليه احدى وعشرين صحيفة فيها تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وهو أول من علمه الله الخط بالقلم ثم لم يكتب من ولده أحد إلى زمن إدريس عم وفرضت الصلاة عليه خمسين ركعة وفي بعض الروايات أنه لم يكن له شريعة غير التوحيد والله أعلم وكان من معجزاته نظره إلى جسده وهو تجري فيه الروح وخلق زوجته من ضلعه وسجود الملائكة له وسكونه الجنة وكلام الله له قيلا وزعم وهب أنّ آدم كان أجمل
__________
[1] . عام Corr.marg.
(3/10)

خلق الله وأنه كان أمرد وإنما نبتت اللحية لولده وأنه عاش ألف سنة وفي التوراة كان عمر آدم عم ألف سنة إلا سبعين سنة والله أعلم،
قصة شيث بن آدم،
زعم أهل الكتاب أن ترجمة شيث العوض والهبة وذلك أنه لما قتل قابيل هابيل عوض الله آدم من هابيل شيث وانقرض نسل قابيل وجملة [1] أسباب سائر ولد آدم إلا شيث وكان وصى آدم وولي عهده وخليفته من بعده،
قصة ادريس النبي عم،
يزعم أهل هذا العلم أنه أخنوخ بن يارد [2] بن مهلائيل بن قينان [3] بن انوش [4] بن شيث بن آدم وأمه بركيا بنت الدرمسيلا بن محويل [5] بن أخنوخ بن قين بن آدم وإنما سمي إدريس لكثرة درسه وهو أول نبي أعطي الرسالة بعد آدم وكان مستخلفا خلافة نبوة لا خلافة رسالة وإدريس أول من خط بالقلم بعد آدم وأول من خاط الثياب ولبسها
__________
[1] . وحملتMs.
[2] . [؟] أردMs.
[3] . فيناMs.
[4] . انوشMs.
[5] . 168 بن 167 بن ,cf.Tabari ,I مجويل Ms.
(3/11)

وكان من قبله يلبسون الجلود وكان ولد آدم حي ونبأه [1] الله بعد وفاة آدم وأنزل عليه النجوم والطب واسمه عند اليونانيين هرمس وكان يصعد له من العمل في كل يوم مثل عمل بني آدم كلهم فشكر الله ذلك له فرفعه مكانا علياً واختلف الناس كيف رفع، في كتاب أبي حذيفة أن الملائكة كانوا يصافحون بني آدم في زمن ادريس ويزورونهم في رحالهم ومجالسهم لطيب الزمان وصلاح أهله فاستأذن ملك الشمس في زيارته فأذن له فسأله ادريس أن يرفعه إلى السماء ليعبد الله فيها مع الملائكة فرفعه الله فهو في السماء الرابعة وروى عن عبد الله بن الع [باس] أنه سأل ملك الشمس أن يعلمه الاسم الذي يصعد به إلى السماء فعلمه فرقى به إلى السماء الرابعة وبعث الله ملك الموت فقبضه هناك وروى أنه رفع إلى السماء الدنيا كما رفع عيسى وروى عن زيد بن أرقم خلاف هذا كله أنه رفع الى الجنة وفي حديث أنه أذيق الموت وأورد النار فإن صحت الرواية فبها ونعمت لأن هذا الخبر نظائر دخول آدم وزوجته الجنّة ورفع عيسى فإن
__________
[1] وناه Ms.
(3/12)

استعظم رفع أجسام إلى السماء فأعظم منه هذا الغيم الراكد في الجو وهذه الأرض في ثقلها وكثافتها واقفة في السماء كما ترى ولن يعتل بهذا شيء إلا أمكن صرفه إلى ذلك مع أن كثيرا من نظار المسلمين يرون الرفع للأرواح دون الأشباح أو يكون رفع القدر وتعظيم المنزلة كما قال الله تعالى يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ 58: 11 وقال تعالى في الشهداء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 3: 169 وأجسامهم في الأرض جيف [77] وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ابراهيم وموسى وعيسى ونوحا وآدم ليلة المعراج وهي ليلة عرج به إلى السماء لم يختلفوا أنهم لم يرفع أجسامهم فهذا هو الحق وذلك ممكن والله أعلم ويدل على أن هوشنك الملك كان قبل ادريس أو في زمنه أن الفرس زعمت أنه أول من أمر بقتل السباع الضارية وأن يتخذ من جلودها ملابس ومفارش ويدل أيضا أن طهمورث الملك كان في زمنه وعهده وان كان عاش بعده كيومرث الذي هو بمنزلة آدم عند أكثرهم ويزعمون أنه أول من كتب الكتاب وفطر الناس إليه كما يقول أهل الإسلام أن ادريس أول من خط بالقلم وفي زمانه قصة هاروت وماروت،
(3/13)

قصة هاروت وماروت،
اختلفوا المسلمون [1] فيه اختلافا كثيرا فروى بعض أهل الأخبار أن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ 2: 30 فلما خلق آدم وتعاطت ذريته الفساد قالت الملائكة يا ربّ أهؤلاء الذين استخلفتهم في الأرض فأمرهم الله أن يختاروا من أفاضلهم ثلاثة ينزلهم إلى الأرض ليحملوا الناس على الحقّ ففعلوا وقالوا جاءتهم امرأة فافتتنوا بها حتى شربوا الخمر وقتلوا النفس وسجدوا لغير الله سبحانه وعلموا المرأة الاسم الذي كانوا يصعدون به إلى السماء فصعدت حتى إذا كانت في السماء مسخت كوكبا وهي هذه الزهرة قالوا وخيّر الملكان من عذاب الدنيا والآخرة فاختاروا عذاب الدنيا فهما معلقان بشعورهما في بئر بأرض بابل يأتيهم السحرة فيتعلّمون منهما السحر وأهل النظر لا يثبتون كثيرا من هذه القصّة منها أمر الزهرة لأنها من الكواكب الخنس التي جعلها الله قطبا وقواماً للعالم ومنها ركوب الملائكة مثل هذه الفواحش مع ما وصفهم
__________
[1] . المسلمين Ms.
(3/14)

الله به من طول العبادة وابتغاء الزلفة ثم هم ليسوا بذوي أجسام شهوانية مجوفة فيجوز عليهم مثل هذا وقد قال قوم أنهم أعطوا الشهوة وجعل لهم مذاكير ومنها تعليمهم الناس السحر وهم في العذاب والأولى بمن تلك حالته طلب التوبة والمخلص ولا توبة للمذنب ما لم يقلع فإن كان هاروت وماروت ملكين كما يزعمون فإنهما أنزلا ليبينا للناس وجوه السحر ويحذراهم وبيل عاقبته لا غير وكان الحسن يقرأ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ 2: 102 بكسر اللام ويقال علجان ببابل وأما الزهرة فإن كان من أمرها شيء فإنها أفتن بها أناس يعبدونها كما افتتنوا بالشمس والقمر وكوكب الشعري وقد روينا عن الربيع بن أنس أنه قال في هذه القصة كانت امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة مع أنه ليس في كتاب الله شيء من هذا وبمثل هذه الأخبار ينظرون الملحدون إلى فساد القلوب والله المستعان وقد استقصينا هذه القصة في كتاب المعاني والله ولي الإعانة وولي التسديد والتوفيق،
قصة نوح النبي،
يقال هو آدم الأخير واسمه سكن لأن الناس سكنوا إليه بعد آدم وانما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه
(3/15)

وقومه وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وأمه قينوش [1] بنت براكيل [2] بن محويل [3] بن قين بن آدم قال وهب وكان رجلا نجارا دقيق الوجه طويل اللحية غليظ الفصوص في رأسه طول قال جوبير أنه كان ولد في حياة آدم وذلك أن آدم لما كبر سنه ودق عظمه قال يا رب إلى متى أكد وأشقى قال يا آدم حتى يولد لك ولد مختون فيولد نوح بعد عشرة أبطن وادم حينئذ ابن ألف سنه إلا خمسين عاما ثم مات آدم وكثرت الجبابرة وضيعوا وصاة الأنبياء ونصبوا صور المتوفين من آبائهم وأخوتهم يسجدون لها ويعبدونها بعد ما كانوا يتسلون بالنظر إليها ويتعزون بلقائها فنبأ الله تعالى نوحا وأرسله إليهم يأمرهم بعبادة الله وحده والكف عن المظالم فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فما آمن معه إلا قليل يقال ثمانون إنسانا أربعون رجلا وأربعون امرأة وروينا عن الأعمش أنه قال كانوا سبعة نوح وثلاثة بنين وثلاث كنائن [4] وأما ابن إسحاق فإنّه
__________
[1] . فينوسMs.
[2] . براكيلMs.
[3] . مجويلMs.
[4] . كنائين Ms.
(3/16)

روى أنه كان نوح وحام وسام ويافث وأزواجهم وستّة أناس فأمر الله بعد ما دعا على قومه باتخاذ السفينة فبناها وسواها وحمل فيها من كل زوجين اثنين إلا امرأته وابنها ويقال بل كان ابنه واسمه يام ويقال كنعان وأمره أن يركب السفينة إذا فار التنور بناحية الكوفة ويقال بأرض الهند وكان ذلك علما للغرق ففعل كما أمره الله عز وجل واغرق الله الظالمين قال الضحاك إن من غرق من الولدان مع أبائهم بذنبهم وليس كذلك وإنما هو بمنزلة الطير [1] من البهائم وسائر ما غرق بغير ذنب ولكن بآجالهم وقال قوم قبض الله أرواح الحيوان والأطفال قبل الغرق وأغرق الله الكافرين عقوبة لهم وقال آخرون أعقم أرحام نسائهم فلم يحمل منهن واحدة خمس عشرة سنة حتى لم يأت الغرق إلا على مستحق العذاب وقد أستعظم أمر الطوفان وما ذكر من طول مدة عمر نوح وسائر مدة عمر المعمرين وطول ما يروون من قامة آدم وقامات عاد وغيرهم مما جاءت به الأخبار حتى أنكره قوم رأسا وصرفه قوم إلى تأويل منحول والموحّد
__________
[1] . كذا في الأصل Glosemarginale:
(3/17)

المصدق بابتداع هذه الأجسام لا من شيء واضع ما يرد عليه من مثل هذا إذا كان من مخبر صادق على حد الإمكان والجواز ويزداد قوة بما يجد له من نظير أو تمثيل مع أن كتاب الله أصدق شاهد وأطباق الأمم أوثق عصمة وليس ممتنع وقوع الطوفان في العقل ولا مكث الناس في السفينة ولا هلاك قرن وابتداء نشو ولا بعجيب امتداد الحياة ببعض الناس وإن كان خارجا عن العادة والطبع المعهود وقد قالت المنجمة أن الطوفان الذي وقع أيام نوح كان [1] في القران الأعظم وكانت الكواكب مجتمعة في دقيقة من الحوت والعدد متناسبة من السنة الألفي والقراني فأقروا بالطوفان وإن لم يذكروا السبب الموجب له من قبل العباد وحكي عن ارسطاطاليس وافلاطن أن الطوفان قد وقع دفعات كثيرة فمنها ما دام يوما أو يومين أو أكثر وزعمت طائفة منهم أن الطوفان [2] لم يعمّ الأرض كلّها ولعمري ليس ذلك في كتابنا وإنما يروى أنه عم الأرض كذا صباحا وحكم العاقل أن لا يعد [3] هذا مثل نصّ الكتاب
__________
[1] . وكانMs.
[2] . الطوفان فانMs.
[3] . و Ms.ajoute
(3/18)

ومعروف الخبر في مخاطبة المخالف له وما حاجته إلى تمحل الحجج [1] لرواية كفاه الله مئونتها وأزال عنه شغلها فإن كان الطوفان عم الأرض وغمرها والتقى ماء الأرض وماء السماء كما روى فممكن وغير بديع من قدرة الله عز وجل وأن علا بقعة من البقاع وأباد قوما من الأقوام وكذلك والله أعلم آمنا بما صح منها وصدقنا بقول الله عز وجل فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ 7: 133 وأجمعوا أنه لم يعم الأرض كلها فإن قال قائل كيف يجوز في العقل هلاك قوم على ذنب يسير كما أجاز العقل بل أوجب هلاك كل مفسد وفاسد وقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال ما أهلك الله قوما على شرك ما لم يتظالموا بقول الله تعالى وما كان الله مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [2] وإذا جاز أن ينالهم من تأثير الكواكب فيهم ما يغرقهم على مذهب قوم هلا جاز أن يحملهم بتأثيرها فيهم على عمل يستحقون به الغرق والعقوبة وأما مدة عمر نوح فمختلف فيها [3]
__________
[1] . الحجاجMs.
[2] . صالحونCorrect.marginale ;ms.
[3] . فيه Correct.marg. ;ms.
(3/19)

بقول الله تعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاما 29: 14 ومعلوم أنه عاش بعد الطوفان مدة فزعم وهب أن نوحا بعث وهو ابن خمسين سنة وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين [1] سنة وروى ابن إسحاق عن أهل التوراة أنهم يزعمون أن نوحا بعث وهو ابن أربع مائة سنة وستين سنة وعاش بعد الغرق سبعين سنة وكثير من القائلين بالطباع أجازوا أن يكون في الأيّام [2] السالفة والزمان الماضي أعمار الناس وأشخاصهم أطول وأعظم ممّا في زماننا هذا وزعموا أنّه ما دام الحكم الأغلب لزحل كانت الأعمار أطول والقامات أتم ثم [لما] صار إلى المشتري انتقص ذلك لأنه دونه وكذلك لم يزل يتراجع درجة درجةً إلى زماننا هذا وهم يجيزون انتقاص أعمار الناس عما هي عليه اليوم إذ صار الحكم على قولهم للقمر ثم حار الحور [3] يراجع فصح إلى أقصى غاية النقص والقصر وهذا إن كان هكذا فاللَّه فاعله بهذه الأسباب التي جعلها الله مؤثّرة فيه وإذا جاز أن يسكن إلى
__________
[1] . وخمسونMs.
[2] . أيامMs.
[3] . كذا في الأصل Enmarge:
(3/20)

مثل هذا ساكن كان السكون إلى ما وردت به كتب [1] الله عز وجل ورسله وشاهدت القرون والأمم أجوز ثم مع ذلك غير ممتنع أن يختص نوع من أنواع الجنس بشيء تباين فيه طبع جنسه ويعمى الناس عن معرفة علّته كالخواصّ المعدودة المعهودة التي خفيت علتها ولم يوقف على أسرارها أو ليس قد قالت كثير من فلاسفتهم في فشاراتهم بأن الفلك حي ناطق لحم ودم فكيف أجاز عليه البقاء ولم يجزه على ما هو في حكمه أو ليس الأركان أشياء متضادة [2] ثم ما هي باقية على اختلافها وتعاديها وهل الإنسان غير الأخلاط الأربعة [78] وقد أجمع هؤلاء أنه غير جائز في موجب الطبع زيادة عمر ساعة واحدة على مائة وعشرين سنة لعلل ذكروها فشاهدنا وشاهد من قلنا يقضى عليهم بخلاف قولهم فإذا جاز وجود الزيادة القليلة فيما يوجبه الطبع لم لا جاز وجود الزيادة الكبيرة مع أن المسلمين يستغنون عن مثل هذه الحجج [3] بإخبار الله وإخبار
__________
[1] . كتابMs.
[2] . متضاضدةMs.
[3] . الحجاج Ms.
(3/21)

رسوله ومعرفتهم بقصور علمهم عن أسرار حكم الله في خلقه ونفاذ قدرته فيهم وكما قلنا في الأعمار فكذلك في الأجسام والقامات والأمم وما يرى من فضل ذي طول على ذي قصر يجوز لنا الحكم بأطول من كل طويل يتوهمه حتى يبلغ به المقدار الذي ورد به الخبر في آدم والصحيح أنه كالنخلة السحوق وكم من نخلة دون قامة الرجل فإذا زادت عليها فهي سحوق والذي روى ستون ذراعا فممكن أنه تفسير الراوي والله أعلم ومما يدل على جواز هذا تفضل [1] هذا النوع في الأشخاص والصور كحوت وحوت كم بينهما في المقدار وهو نوع من الجنس وقد زعم زاعم أن سفينة نوح مثل لدينه ولبثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما مثل لبقاء شريعته واحتج بما روى أن النبي صلى الله عليه قال مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك فلزمه أن يتأول جميع ما في القرآن من قصة نوح وخبره على خلاف ظاهره مثل قوله تعالى فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ 54: 11- 13 وقوله
__________
[1] . تفاضل Ms.
(3/22)

تعالى يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ قال سَآوِي إِلى جَبَلٍ [1] 11: 42- 43 إلى قوله وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ من الْمُغْرَقِينَ 11: 43 وما أشبه ذلك وإذا جاز لنا أن نتأول السفينة دينا جاز لنا أن نتأول القصر والحبل والسلاح والكراع والمال والطعام دينا لأن في هذه نجاة ظاهرة كما في السفينة مع أن هذه الطبقة قل ما يؤمنون بالكتاب ولكنه من دساتين الزنادقة يتلعبون بالدين ويتقلبون في التلبيس ولقد سمعت بعض الناس يقول معناه لو لبث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما لأخذهم الطوفان ولا بدّ أن الطوفان كان آخذا لهم لأنهم كانوا لا يؤمنون وشبهه بقوله يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ من الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ 2: 96 قالوا واستثناءه الخمسين من الألف لأنه بعث على رأس خمسين من عمره ولا يعلم في لغة العرب إضمار حروف الشرط وإظهار فعله وجاء في الخبر أن نوحا عم لم يدع [2] بقوله لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ من الْكافِرِينَ دَيَّاراً 71: 26 الآية إلا بعد وحي الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وتدلّ تواريخ الفرس
__________
[1] . الجبلMs.
[2] . يدع Ms.
(3/23)

أن الملك في زمن نوح كان جم شاذ أخو طهمورث أو طهمورث نفسه لموافقة بعض أخباره والله أعلم وزعم وهب أن نوحا خرج من السفينة يوم عاشوراء وبنى قرية بقردا [1] وسماها ثمانين [2] وقد احتج أصحاب هذا العلم بأشعار المتقدمين في هذه القصص فمنها قول أمية بن أبي الصلت [طويل]
إلى أن يفوت المرء رحمة ربه ... وإن كان تحت الأرض سبعين واديا
[79] كرحمة نوح يوم حل سفينة [3] ... لشيعته كانوا جميعا ثمانيا
فلما استنار الله تنور أرضه ... ففار وكان الماء في الأرض ساحيا
فهذا يقوّى مذهب من زعم أنهم كانوا ثمانية أنفس وقوله أيضا [خفيف]
منج ذي الخير من سفينة نوح ... يوم بادت لبنان من أخراها
فار تنوره وجاش بماء ... طمّ فوق الجبال حتّى علاها
__________
[1] . بقروداMs.
[2] . ثمانينMs.
[3] . سيعة Ms.
(3/24)

قيل للعبد سر فسار وباللَّه ... على الهول سيرها وسراها
قيل فأهبط فقد تناهت بك الفلك ... على رأس شاهق مرساها
وقوله أيضا [وافر]
وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تزل على المهالك لا تهاب
[و] تلمس هل ترى في الأرض عينا ... به تيبس أو اضطراب
فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليه الثلط والطين الكتاب
فلما فرشوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب
إذا ماتت تورثها بنوها ... وإن قتلت فليس لها استلاب
فجازى [1] الله بالأجل المرء نوحا ... جزاء البر ليس لها كذاب
بما حملت سفينته وأنجت ... غداة أتاهم الموت القلاب
. وفيها من أرومته عيال ... لذيه لا لظمآء ولا السّغاب
وإذ هم لا لبوس لهم عراة ... وإذ صخر السلام لهم رطاب
عشيّة أرسل الطوفان تجرى ... وفاض الماء ليس له جراب
على أمواج أخضر ذي حبيك ... كأن سعار زاخرة الهضاب
بأنه [2] قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب
__________
[1] . كذا في الأصل ,Enmarge: فجاذىMs.
[2] [؟] انتهى Ms.
(3/25)

قصة من كان بعده إلى [1] زمن عاد،
قرأت في ترجمة التوراة أنّه ولد لنوح سام وحام ويافث بعد خمس مائة سنة مضت من عمره وأما المتخلف عنه المخالف لأمره فهو يام والناس من ولده الثلاثة وسأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كعب الأحبار لأي ابنى آدم كان النسل قال ليس لواحد منهما نسل فأما المقتول فقد درج وأما القاتل فهلك نسله في الطوفان والناس من بني نوح ونوح من بني شيث بن آدم فسكن حام الجنوب ومنه السودان وسكن يافث الشمال ومنه الشقران وسكن سام وسط الأرض ومنه العرب وفارس وذكر ابن إسحاق فيما حكى عن أهل التوراة أنه نكح يافث بن نوح اريسيمه [80] بنت مرازيل بن الدرمسيل بن أخنوخ بن قين [بن] آدم وولدت له سبعة رجال وامرأة جومر ومارح ووائل وحوار وتوبل [2] وهوشل [3] وترس وسبكه بنت يافث فمنهم الترك والخزر والصقالبة وبرجان واشبان [4] وياجوج وماجوج ستة وثلاثون لسانا ونكح حام بن نوح حل بنت يارب بن
__________
[1] . فيMs.
[2] . وبوتلMs.
[3] . وهوشنكMs.
[4] . وأشنان Ms.
(3/26)

الدرمسيل بن محويل بن أخنوخ بن قين بن آدم فولدت له ثلاثة نفر كوش وفوط [1] وكنعان فولد كوش الحبشة والسند والهند وولد كنعان السودان [و] نوبة وفزان والزنج وزغل وزغاوة وبربر وولد فوط [1] القبط وفيهم سبعة عشر لسانا ونكح سام بن نوح صليب بنت ثوايل بن محويل بن أخنوخ بن قين بن آدم فولدت خمسة نفر ارفخشذ [2] وأشور [3] ولاوذ وارم [4] وعويلم وفيهم تسعة عشر لسانا فمن ولد لاوذ اجناس الفرس كلها وجرجان وطبرستان وطسم وجديس وعملاق وأميم وأما عملاق فأبو العمالقة تفرقت منهم الجبابرة والعتاة الذين كانوا بأرض الشام يقال لهم الكنعانيون ومنهم فراعنة مصر إلى فرعون يوسف وموسى عليهما السلام ومنهم ملوك فارس وخراسان وعظماء المشرق ومنهم أمة كانوا بعمان يسمون جاسم [5] ومنهم بالحجاز بنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق ومنهم بنجد بديل وراحل وغفار
__________
t.Ier ,P.212. [1] بن قوط ,Tabaria قرطMs.
[2] . افخشدMs.
[3] . اسودMs.
[4] . وآدمMs.
[5] . جاشم Ms.
(3/27)

قالوا وكان نزل عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح أكناف الحرم ومصر والشام ونزل طسم وجديس جو اليمامة وما يليها ونزل ولد ارم بن سام بن نوح الاحقاف إلى عالج ويبرين والحجر بين الحجاز والشام قال ابن إسحاق ولد ارم بن سام بن نوح ثلاثة نفر عوص [1] وغاثر [2] وحويل فولد عوص عادا وعبيلا وولد غاثر ثمود وجاسم [3] وطسم وجديس فأما عاد وثمود فقد ذكر في القرآن هلاكهما وأما جديس فكثرت وتربت ورئيسها رجل منهم يقال له الأسود بن غفار وكان ملكهم إذ ذاك رجل من طسم يقال له عمليق وكان يبدأ بالعروس قبل زوجها حتى تزوجت غفيرة بنت غفار وأراد عمليق أن يصيبها فاستصرخت أخاها الأسود بن غفار وخرجت حاسرة وهي تقول [سريع]
لا أحد أذل من جديس ... ، أهكذا يفعل بالعروس
، فأحفظ صراخها جديس،
وأزعجهم فخرجوا مع الأسود بن غفار ففتكوا بطسم فقتلوهم كلهم وملكهم إلا رجلا واحدا أفلت بخديعة دقيقة [4] حتّى أتى
__________
notee. [1] بن 214 بن ,cfTabari ,I عوضMs.
[2] . عاثرMs.
[3] . جاشمMs.
[4] . بخدعة دقنه Ms.
(3/28)

ملك اليمن وهو ذو غسان بن تبع الحميري فاستنجده فوجه [1] ذو غسان بن تبع جيشا إلى جديس يطلب بثأر طسم وكانت في جديس جارية زرقاء يقال لها اليمامة وبها سميت اليمامة وكانت كاهنة تبصر الراكب من مسيرة يوم ويقال من مسيرة ثلاث فخاف الجيش أن تبصرهم اليمامة فتخبر القوم بهم فقطعوا الشجر وجعل كل رجل بين يديه شجرة يمشي خلفها يستتر بها عن اليمامة ونظرت اليمامة فرأت الشجر فنادت يا آل جديس سارت إليكم الشجر أو أتتكم حمير قالوا وما ذاك قالت أرى رجلا في يده كتف [2] يأكلها أو نعل يخصفها فكذبوها فصبحتهم الخيل فقتلتهم وأقصتهم وانقضى أمر جديس وطسم وفيه يقول الأعشى [بسيط]
[80] قالت أرى رجلا في كفه كتف [2] ، ... أو يخصف النعل لهفى أية صنعا
فكذبوها بما قالت فصبّحهم، ... ذو آل غسّان يزجى [3] السمر والسلعا
__________
[1] . فوجدMs.
[2] . كتفMs.
[3] . يزجّى Ms.
(3/29)

فاستنزلوا أهل جوّ من مساكنهم، ... وهدّموا شاخص البنيان فاتضعا
قالوا وسار وبار بن أميم فنزل بأرض وبار برمل عالج فهلكوا وأما ابن إسحاق فإنه يزعم أن بني أميم بن لاوذ بن سام بن نوح نزلوا وبار فكثروا وربلوا [1] وعصوا فأصابتهم من الله نقمة فهلكوا وبقيت منهم بقية يقال لهم النسناس للرجل منهم يد ورجل من شق واحد ينقزون نقز الظباء ووبار بلاد لا يطأها أحد من الإنس لما فيها من حسّ الجن وهي أكثر أرض الله نخلا وشجرا فيما يزعمون وحكي أن رجلا وقف في الجاهلية بعكاظ على بعير له مثل الشاة وهو يقول [طويل]
ومن يعطني ستا وستين بكرة ... هجانا وأدما أهده لوبار
ثم ضرب بعيره فتلمع به تلمع البرق وفيه يقول الأعشى من بني قيس والله أعلم [منسرح]
ومر دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار
وحال على جديس يوم [2] ... من الدهر مستطار
__________
[1] . وربلواMs.
Manqueundemi -pied. [2]
(3/30)

وأهل جو أتت عليهم ... فأفسدت عيشهم فبادوا
وقبلهم غالت المنايا ... طسما ولم ينجهم حذار
بادوا كما باد أولوهم ... عفا على إثرهم قدار
قالوا إن فارس والعرب والروم يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح غير أن فارس لم تحفظ [1] أنسابها إلا ما يذكر من ملوكهم على اختلاف وانقطاع وأما العرب فإنّهم يسردونها إلى قحطان ابن عابر فولد فوط [2] جرهم وجديل فاقرضوا وأما جرهم فنزلوا مكّة وصاهروا إسماعيل بن ابراهيم عم،
قصة عاد الأولى وهم عشر قبائل،
عاد بن عوص [3] بن ارم بن سام ابن نوح وكانوا قدماء قد أعطوا بسطة في الخلق وقوّة في البسط والبطش نزلوا بهذا الرمل من عمان إلى حضر موت وهي إذ ذاك أخصب بلاد الله وأمرعها فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز ورمالا وغياضا وذلك أنهم نصبوا الأوثان يعبدونها فمما يذكر من أسمائها صمود، صدا، دهنا، وأخذوا مع عبادة الأوثان في
__________
[1] . حفظMs.
[2] . فرطMs.
[3] . عوض Ms.
(3/31)

ظلم الناس بفضل قوتهم فبعث الله عز وجلّ اليهم هودا عم وهو من أوسطهم حسبا وأفضلهم موضعا وقال وهب كان هود رجلا تاجرا جميل المحيا أشبه خلق الله بآدم وهو هود بن عبد الله بن رباح بن حاور بن عاد بن عوص [1] بن ارم فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته وحده لا شريك له وأن يكفوا عن ظلم الناس وقد يبين الله في القرآن تذكيره إياهم ومراجعتهم له بما فيه كفاية فلمّا أبطئوا عليه بالإيمان والإجابة وعتوا على الله أمسك عنهم القطر حتّى أجهدهم الجدب فبعثوا وفدا إلى الحرم يستسقون فيهم لقمن [81] بن عاد ولقيم بن هزال وقيل ابن عثر [2] ومرثد بن سعد وكان مسلما يكتم إيمانه وكان الناس إذ ذاك إذا نزل بهم بلاء أو جهد فزعوا إلى الدعاء في الحرم فسار الوفد حتى نزلوا على خالهم معاوية بن بكر وأقاموا عنده يشربون الخمر ويغنيهم الجرادتان وهما قينتان له ثمّ هيّأ معاوية ابن بكر شعرا ودسه إلى الجرادتين لتغنياه [3] قومه [وافر]
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يصبحنا الغماما
__________
[1] . عوضMs.
[2] . عندMs.
[3] . ليغنّيانه Ms.
(3/32)

فيسقي أرض عاد [1] إن عادا ... قد أمسوا ما يبينون الكلاما
وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عياما
فإن الوحش يأتيهم جهارا ... ولا يخشى لعادي سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما
فلما غنتهم الجرادتان تلاوموا في تمكثهم وخرجوا يستسقون فنشأت ثلاث سحائب بيضاء وسوداء وحمراء ثم نودي من السحاب يا قيل اختر لنفسك ولقومك فاختار السوداء لأنها أكثر ماء فنودي اخترت رمادا رمددا [2] لا يبقى من عاد أحدا [3] إلا بنو اللوذية وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال وكانوا نزلوا بمكة مع أخوالهم و [هم] عاد الأخرى في الخبر ومثل هذا جائز في زمن الأنبياء مع أنه ليس في القرآن منه شيء فإن صح الخبر فمعنى النداء من السحاب ما رئي فيه من اثر المطر لا غير وساق الله السحابة السوداء فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا 46: 24 كقول الله تعالى لهم أو نبيهم بَلْ هُوَ 46: 24
__________
[1] . عاMs.
[2] . 238 بن ,corriged apresTabari ,I ورمدّاMs.
denxfoisdanslems. [3]
(3/33)

ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ورجع الوفد إلى معاوية ابن بكر فأتاهم راكب مسيرة ثالثة فأخبرهم بمصاب عاد قالوا وكان تخلف عنهم لقمان بن عاد ومرثد بن سعد ثم قدما بعد الوفد فقيل لهما أعطيتما مناكما فاختارا لأنفسكما إلا أنه لا سبيل إلى الخلد فقال مرثد أعطني يا رب برا وصدقا فأعطاه وقال لقمان أعطني يا رب عمرا فقيل له اختر لنفسك أبعار ضأن عفر في جبل وعر لا يغالبه إلا القطر أو سبعة أنسر إذا مضى نسر خلوت إلى نسر فاختار النسور فجعل يأخذ منه الفرخ حتى إذا مات أخذ آخر فلم يبق إلا السابع فقال له ابن أخ له يا عم ما بقي من عمرك غير هذا فقال يا ابن أخي هذا اللبد ولبد بلسانهم الدهر وزعموا أن النسور تعيش خمس مائة سنة هكذا في الخبر وفي كتاب المعمرين من قصة لقمان وخبره شيء كثير ومن شهرة أمره في العرب كالإجماع على ذلك لكثرة ما يذكرونه في وصاياهم وخطبهم وأشعارهم فإن كان الخبر حقا احتمل أن يكون التأويل أنه تمنى ذلك فخطر بقلبه خاطر وقاله بذلك أو أرى في المنام أو رأى آية أو علامة دلته على ما خبر به عنه فعمل ذلك بأكثر الرأي
(3/34)

فأصاب فيه مناه وهذا كثير مما يقع بالاتّفاق والجدّ وغير بديع ان يعمّر إنسان عمر مائة سنة ومن حكم للنسر بعمر مقصور على مقدار لا يزيد ولا ينقص وفيه يقول الشاعر وهو أعشى من بنى قيس بن ثعلبة [طويل]
وأنت الذي ألهيت قيلا بكأسه ... ولقمان إذ خيرت لقمان في العمر
[81] فقلت منيت الضأن يبحث في الشرى ... بأرعن ينفي رأسه ليلة القطر
لنفسك أو تختار [1] سبعة أنسر ... إذا ما خلا نسر خلوت إلى نسر
فقال نسور حين خال بأنه ... خلود وهل تبقى النفوس على الدهر
فقال له لقمان إذ خل [2] ريشه ... هلكت وأهلكت ابن عاد وما تدري
فأصبح مثل الفرخ أطول ريشه ... قصار القدامى بعد مطرد حشر
وفيه يقول أيضا [منسرح]
ألم تروا إرما وعادا ... أودى بها الليل والنهار
بادوا كما باد أوّلوهم ... غدا على إثرهم قدار
لخلفه من أبي رباح [3] ... يسمعها الاهة [4] الكبار
__________
[1] . يختارMs.
[2] . ادخلMs.
[3] . رياحMs.
[4] . الاهه Ms.
(3/35)

إن لقيما وإن قيلا ... وإن لقمان حيث ساروا
لم يدعوا بعدهم عريبا ... ففنيت بعدهم نزار
وفي كتاب أبي حذيفة أنّ هودا عم عاش أربع مائة وأربعين سنة وزعم وهب أن عادا لما أهلكت لحق هو بمكة حتى مات وروى ابن إسحاق عن عليّ عم أنّ قبر هود بحضر موت تحت كثيب أحمر عند رأسه شجرة تقطر إما سدر وإما سلم وسمعت غير واحد من السياحين يخبرون [1] بموضع قبره وكان هلاك عاد وثمود إذ ذاك بأرض حجر [2] وقرح وهي وادي القرى وبين هود وثمود مائة سنة،
قصّة عاد الأخرى،
ذكر ابن إسحاق عن اثر عاد الأولى وعاد الأخرى ولم يحك كلامهم وإنما ذكر حربا كانت بينهم ثم اصطلحوا قال وكان من حديثهم أن سالم بن هذيمة من بني هذيمة بن لقيم سب لقمان بن عاد أحد بني عمرو بن لقيم وهاج الشر بينهم ثم حكّموا بينهما درما الطسمي فأصلح بينهم وقال الحسن عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى قوم لقمان الجبّار
__________
[1] . يحيرونMs.
[2] . حجز Ms.
(3/36)

وحكي عن عاد الأولى أنهم لما هاجت الريح قام نفر منهم فأدخلوا عيالهم شعبا من شعاب الجبل ثم اصطفوا على باب الشعب ليردوا عنهم الريح فلما ألحت عليهم حفروا [الأرض] بسيوفهم وغاصوا فيها إلى أنصافهم وكان للقوم قامات وأجسام لقول الله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في الْبِلادِ 89: 6- 8 يقال أنه كان يبلغ طول أحدهم اثنتي عشرة ذراعا وفي كتاب أبي حذيفة ستين ذراعا والله أعلم فجعلت الريح تقلعهم وتجعفهم لقول الله تعالى تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، 54: 20
قصة ثمود
وهم ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح قال ابن إسحاق فلما هلكت عاد عمرت ثمود بعدها وكثروا وربلوا وانتشروا ومنازلهم بين المدينة والشام ونحتوا البيوت في الصخور لطول أعمارهم ثم عتوا على الله وعبدوا غيره وتغالبوا وتظالموا [82] فبعث الله إليهم صالحا وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا وزعم وهب أن صالح بن عبيد بن عامر بن سام بن نوح وكان رجلا أحمر إلى البياض قال فخرجوا إلى عيد لهم ومعهم صالح فقال له [1]
__________
[1] . لهم Ms.
(3/37)

عظيم ثمود جندع بن عمرو إن أخرجت لنا من هذه الصخرة مخترجة [1] جوفاء [2] وبراء عشراء والمخترجة [3] ما شاكلت البخت آمنا بك واتبعناك فنظروا إلى الهضبة تمخض بالناقة [4] تمخض النتوج بولدها ثم انتقضت [5] فانصدعت عن ناقة كما سألوا بين جنبيها [ما] لا يعلمه إلا الله فآمن به جندع ومن كان معه قال فمكثت الناقة ترعى ما شاء الله من الشجر ويشرب اللبن ثم ينتج لها فيحتلبون ما شاء الله من لبن وكان امرأتان من أشراف ثمود ذواتي أموال من المواشي يقال لإحديهما عنيزة بنت غنم وللأخرى صدوف بنت المحيا أضر بهما شرب الناقة الماء فاحتالتا في عقر الناقة فدعت صدوف مصدع بن بهرج لعقر الناقة وعرضت نفسها عليه ودعت عنيزة قدار بن سالف وكان لها بنات فائقات في الحسن والجمال فقالت أزوجك أي بناتي شئت إن أنت عقرت الناقة فانطلق قدار ومصدع
__________
[1] . محترجهMs.
[2] . حوفاءMs.
[3] . المحترجهMs.
[4] . بمحض بالفاقةMs.
[5] . انتقضت Ms.
(3/38)

واستغويا تسعة نفر كما قال الله تعالى وَكانَ في الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ 27: 48 قال فرصدوا الناقة حين صدرت إلى الماء وقد كمن لها قدار بسهم فانتظم [1] عضلة ساقها ثم كشف قدار عرقوبها [2] فخرت ورغت رغاء واحدة تحذر سقبها [3] ثم نحروها وعضبوها وانطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا لاذ به ففزع من آمن [من] قوم صالح إليه وقد كان حذرهم عقر الناقة ووعدهم العذاب إن هم مسوها بسوء فقال لهم أدركوا السقب فان أنتم أدركتم السقب فلعل العذاب يؤخر عنكم فراموا كل المرام وتشامخت [4] بهم الصخرة ودعت عليهم ثلاث دعوات فأخبر صالح بذلك فقال ابشروا بالعذاب قالوا ومتى هو قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فأصبحوا غداة يوم المؤنس وجوههم مصفرة وأصبحوا يوم العروبة وجوههم محمرة وأصبحوا يوم شيار وجوههم مسودة ثم صبحهم العذاب غداة يوم أول وهو صيحة وريح وهدة أهلكتهم ولهم في قصة عاد وثمود وطسم وجديس أشعار كثيرة
__________
[1] . فانتظمMs.
[2] . عرقوبتهاMs.
[3] . تحدّر سقبهاMs.
[4] . تسامحت Ms.
(3/39)

لأنّ هؤلاء كانوا عربا عادية وقد ذكرت تلك الأشعار في قصصهم فمنها قول بعضهم [وافر]
وقالت أم غنم يا قدار ... عزيز ثمود شد ولا تهابا
ولا تجبن فإن الجبن عيب ... وكان أبوك يكره أن يعابا
إن أنت عقرتها وأرحت منها ... بلاد ثمود أنكحك [1] الدّبابا
فأهوى [2] سيفه للخر طعنا ... وفرّ السقب يطّلع الشعابا
وحنّت بعد ما خرّت [3] صويتا ... تحذّر [4] سقبها كيلا يصابا
فأتبعه غواة بني عدي ... ونادوا مصدعاً وأخاه ذابا
[82] فيرميه شقي بني عبيد ... بسهم لم يريشه لغابا
ونادى صالح يا رب أنزل ... بآل ثمود [منك] غدا عذابا
فكانت صيحة تركت ثمودا ... ديارهم لثالثة خرابا
وقال أمية بن أبى الصلت [خفيف]
كثمود الّتي تفتّكت الدّين ... عتيّا وأمّ سقب عقيرا
__________
[1] . أنكحتكMs.
tindiqueeenmarge. [2] فأهوى ,lalecon فاهرفMs.
[3] . حرّتMs.
[4] . تحدّر Ms.
(3/40)

ناقة للإله تسرح في الأرضِ ... وينتاب حول ماء مديرا
فأتاها أحيمر كأخي السهم ... بعضب فقال كوسى عقيرا
فأبت [1] العرقوب والساق منها ... ومضى في صميمه مكسورا
فرأى السقب أمه فارقته ... بعد إلف حنية وظؤورا
فأتى صخرة فقام عليها ... صعقة في السماء تعلو الصخورا
فرغا [2] رغوة فكانت عليهم ... رغوة السقب دمروا تدميرا
فأصيبوا إلا الذريعة فاتت [3] ... من جواريهم وكانت جرورا
سنفة أرسلت تخبر عنهم ... أهل قرح بأن قد أمسوا ثغورا
فسقوها بعد الحديث فماتت ... وانتهى دبنا [4] واوفى حقيرا
وفي كتاب أبى حذيفة أنّ صالحا عاش ثلاثمائة سنة إلا عشرين عاما وزعم وهب أن ثمود لما هلكت أحرم صالح بن موسى قومه وأتوا مكة وأقاموا بها إلى أن ماتوا وأصيب في كتاب تأريخ ملوك اليمن أن الله بعث هودا إلى عاد وصالحا إلى ثمود في زمن جم شاذ الملك بأرض بابل والله أعلم،،،
__________
[1] . فابتMs.
[2] . فدعاMs.
[3] . فاتMs.
[4] . دبنا Ms.
(3/41)

ذكر اختلاف الناس في هذه القصة
سأل سائل كيف يجوز أن يصطلم أمة من الأمم في عقر ناقة أبيح عقر جنسها وأي عدل ورحمة في الاقتصاص من ناس لبهيمة أم كيف يجوز توهم خروج ناقة من صخرة على الصفة التي يصفونها به وأي دابة تسد ماء جبلين حتى يضيقا عنها أو تشرب [1] ماء عين وتسقي أمة فأنكر ذلك كلّه وأباه ثمّ أخذ في التأويل فزعم أنه يحتمل أن يكون خروج الناقة من الصخرة حجة دامغة وسلطانا قاهرا من بعض العظماء أذعن له القوم واستدلوا بأن يكون شربها ماء العين إبطال تلك الحجة جميع من خالفهم واعتلاؤها عليهم [2] بالوضوح والقوة وأن يكون عقرهم إياها معاندتهم لتلك الحجة وامتناعهم عن قبولها وكذلك قالوا في عصى موسى والتقافها عصى السحرة وأذكر أني سمعت بعضهم وهو يسأل عن ناقة صالح كيف خرجت من هضبة فقال يشبه أن يكون خبأها تحت الصخرة ثم أخرجها وسمعت غيره يزعم أن اسم الناقة [83] كناية عن رجل وامرأة وهذه رحمك الله مذاهب الملحدين المنكرين معجزات الأنبياء ووجوب النبوة ومجيئهم
__________
[1] . يشربMs.
[2] . عليها Ms.
(3/42)

بالآيات الخارجة عن الحس وابعاده وفرقانا بينهم وبين المتنبئين المتقولين [1] المخترعين المتشكلين [2] التي تبهر عندها العقول ويتحير في كيفيتها النفوس كذا حيرتها في إبداع أجسام هذا العالم بكليتها وأجزائها لا من غير سابق ولذلك قلنا أن أصل التوحيد يوجب إثبات النبوة ولا يلزم مسألة أيجاب النبوة من لم يقر بوجود البارئ سابقا لخلقه فإذا صح وجود هذا العالم محدثا بالدلائل البرهانية ولم ندر كيف جاز وجودها فكذلك ينبغي أن يرد إليه معجزات الأنبياء لأنها كلها منه وقد مضى لك هذا في غير موضع من الكتاب فليكن ذلك من بالك وباللَّه التوفيق ثم إنا نقول لو كان الأمر كما وصف فأية فائدة حينئذ في ذكر الناقة وعقرها وأي تعجيب بما هو جار في العادات معروف متعارف عند الجميع وأي فرق بين الصادق والكاذب والقادر والعاجز ولعمري ليس في القرآن خروج الناقة من الصخرة ولا أنها تسقى أمة ولا أنّ الفجّ تصدم جنبيها لانتفاخ بطنها ونحن لا نجاوز في هذا وأشباهه نص الكتاب وظاهر صحيح السنة من غير إنكار شيء ممّا يقع
__________
[1] . المنقولينMs.
[2] . عن المستكالين Ms.
(3/43)

تحت القدرة ويشبه أن يكون صالح عم أشار إلى ناقة من الإبل بأمر الله فجعلها علامة بينهم لطاعة المطيع ومعصية العاصي وامتحنهم بوردها وشربها ولو أشار إلى بقرة أو حجارة أو طير وهو مثلا لكان كذلك كما امتحن آدم بالشجرة امتحننا بالكعبة وأنواع الفرائض وقد كانت الملوك يفعلون مثل هذا في الزمن الأول اختبارا لطاعة العوام وتخويفا للرعية كما حكي عن النعمان ابن المنذر أنه كان أرسل كبشا في البيوت والأسواق وعلق مدية في عنقه وسماه كبش الملك يبلو بذلك طاعة الناس هل يجترئ عليه أحد بالعيث وإنما كانت الناقة لصالح ونسبت إلى الله عز وجل لنهي الله عن عقرها وأما قولهم كيف جاز إهلاك قوم وإفناء أمة بناقة فإنهم أهلكوا بكفرهم وتكذيبهم وتظالمهم فيما بينهم وكانت الناقة حدا حاجزا عن هذه المعاصي فلما أشكوا حرمتها انتهك [1] كل ما كان محجوزا بها وأما إنكارهم أن يكون ناقة تسقي أمة فإن الأمة من بين الثلاثة إلى ما بلغ وإنكارهم مصادمة حافتي الفج جانبيها فكم عهدنا من شعب يضيق عن مسلك شاة عن مسلك ناقة وأمّا
__________
[1] . انهتكوا Ms.
(3/44)

تعجبهم من هلاكهم فهلاك الحيوان بأنواع الآفات والبلايا الطبيعية والسماوية من طغيان ماء أو نار أو ريح أو غير ذلك معاين مشهور لا ينكره أحد ولا يمكنه الإنكار وقد يجوز بل يمكن أن يكون عذاب عاد وثمود وقوم لوط وسائر المغلبين من الأمم ألح عليهم أياما وشهورا وأعواما ودام أوقاتا كثيرة وقد يجوز أن يكون حرفا واجتياحا فإذا جاز جميع ما ذكرنا فلا معنى لسرعة الرد والتكذيب والله المستعان، هذا ما وجدنا من القصص والأخبار بعد نوح إلى زمن ابراهيم عليهما [1] السلام وقد روينا في بعض التواريخ أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائتا سنة وأربعون سنة وروينا في بعضها [83] أنه كان من الطوفان إلى مولد ابراهيم عم ألف سنة وتسع مائة سنة وسبعون سنة وروينا أنه كان بينهما عشرة قرون وعلماء المسلمين يرون أن الملك كان في زمن ابراهيم نمروذ الجبار صاحب الصرح ببابل والله أعلم،،،
قصة ابراهيم عم
[ورد] في الأخبار أنه ملك الأرض كلها أربعة نفر مؤمنان وكافران وسيملك من هذه الأمة خامس فأوّلهم
__________
[1] . عليهم Ms.
(3/45)

نمروذ بن كنعان [1] بن كوش بن حام بن نوح ويقال نمروذ بن كوش بن سنحاريب بن كنعان بن سام بن نوح والله اعلم والثاني اژدهاق ذو الحيتين والأفواه الثلاثة والأعين الست والعرب تسمّيه الضحاك هو نمروذ بعينه وإنما سمي ضحاكا لأنه ضحك كما سقط من بطن أمه فطرحته أمه بقفر وقبض له نمرة ترضعه لما أريد به وقيل بل جز ثدي أمه فاسترضعته بلبن نمرة فسمي نمروذ لذلك وقيل بل الثاني [2] نصر وأهل اليمن يزعمون أن الثاني تبع بن ملكيكرب فأما المؤمنان فأحدهما سليمان بن داود عليهما السلم والفرس يزعمون أنه جم شاذ والآخر ذو القرنين وقد اختلفوا في ذي القرنين أهو الاسكندر الرومي أم غيره وفيهم يقول الشاعر [كامل]
ملكوا المغارب والمشارق كلها ... وتوثقوا لم يتركوا أمرا سدى
واعلم أنّ لو تكلفنا هذه الأخبار والأقاصيص كلها على وجهها وأتينا بها على كنهها لاحتجنا إلى أن نسرد الروايات كلها الحق منها والباطل والمحال والمجاز ثم لم يحصل الناظر فيها على
__________
[1] . كنعاشMs.
[2] . بحت Ms.
(3/46)

غير ما كان ممكنا من غير ذلك وإنما المراد في ذكر ما يجوز ويمكن ويتوهم مما اختلف فيه الناس وخالفه الملحدون وخفى ما فيه عن طلاب الحق وملتمسي الهداية فيما كان منها في كتاب الله عزّ وجلّ ظاهرا جليّا كفى به هاديا ومفيدا وما كان في الصحاح من الأخبار فمنزل منزلة الكتاب في الإيمان والتصديق وما كان غير ذلك من آية مشكلة أو خبر مشتبه فالغرض في كشفه وحله مع أنا لا ندع الإتيان بجمل [1] منها لأن الكتاب عليها ولها أسس وبها رسم والله الموفق المعين، ذكر أهل هذا العلم أنه ابراهيم بن تارح بن ناحور [2] بن ساروج [3] بن ارغو بن فالج [4] ابن عابر [5] بن شالح بن ارفخشذ بن سام بن نوح وأنه لما أظل وقت ظهوره أخبرت المنجمة الكهان نمروذ بأنه يولد مولود في هذه السنة يكون هلاك ملكك على يديه وهذا يمكن لأنه يروى أن علم النجوم كان حقا إلى أن نسخ وأيضاً فإن علم الغيب الذي تفرد الله به واستأثر به نفسه دون خلقه
__________
[1] . بجملMs.
[2] . باجورMs.
[3] . ساروحMs.
[4] . فألحMs.
[5] . عابر Ms.
(3/47)

لا يتناوله [1] هذا الباب ويمكن أن يكون أدركوه في بعض كتب الله كما ذكر للنبي عم مشهوراً في الكتب قبله فأمر الملك بقتل كل مولود ذكر مخافة أن يقع تصديق ما قد ذكر وحملت أنيلة أم ابراهيم ويقال أبيونا فكتمت حملها إلى أن دنا حملها فوضعته وأخفته في سرب [2] وجعلت تأتيه متخبئة ترضعه وتتعهده إلى أن فطمته وبلغ مبلغ المراهق خمسة عشر سنة واجتمعت لحيته وكان من حسن بيانه [3] وسرعة شبابه يستغاب [4] مولده وقت ذبح الولدان فنزل ومشى [84] في الناس وطالع أحوالهم ومذاهبهم وما توزعتهم النحل به من عباداتهم فمنهم من عكف على حجر ومنهم من عكف على شجر فتفكر في مستحق العبادة منه لقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ من قَبْلُ وَكُنَّا به عالِمِينَ 21: 51 فدلته الفكرة والاجتهاد على صانعه ومدبره فصرف الرغبة إليه وأخلص العبادة له بقول الله تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ من الْمُوقِنِينَ 6: 75 ثم احتال في تعريف
__________
[1] . لا ساولهMs.
[2] . سربMs.
[3] . بيانهMs.
[4] . كذا في الأصل enmarge: يستغاب Ms.
(3/48)

القوم سوء احتيالهم وقبح اختيارهم وخطاء اعتقادهم بألطف الوجوه وأحسن الحيل بقول الله تعالى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قال هذا رَبِّي 6: 76 مخادعا مماكرا لهم أي إن كان هذا الصنم أو هذا الشخص لكم ربّا فهذا الكوكب في علو مكانه وشعاع نوره وحسن منظره وبعده من آفات الأرض ربي وهو أولى بالعبادة من غيره على هذه الشريطة ولعمري إن عابدي الأجرام العلوية أعذر من عابدي الأجرام السفلية في القياس فوقع للقوم أنه أحسن اختيارا منهم وأبعد معرفة وعلما يقول الله تعالى فَلَمَّا أَفَلَ قال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ 6: 76 لأنه علم أن الطلوع والأفول عرضان حادثان ولا يستحق العبادة الحادث العارض لأنه العاجز المنقوص المقارن بما لا يبقى ويزول ثم لما رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قال هذا رَبِّي 6: 77 فجعل ابراهيم يريهم النقص في عقولهم والنقض في مذاهبهم بما اجتنبه [1] على جهة الخبر عن نفسه مخادعا مماكرا لما قرر عندهم الحجة البالغة جاهرهم بالخلاف ونبه [2] بالتوحيد فقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ 6: 79
__________
[1] . اجنم بهMs.
[2] . ونبه Ms.
(3/49)

وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ 6: 79 ولهذا لما كان دين ابراهيم معقولا فطريا لا يحتاج في إدراكه ومعرفته إلى سماع وخبر حد الله عليه أنبياءه ورسله وأمرهم باتباعه وما من أهل دين إلا وهم يقولون [بدين] ابراهيم عم ويتبعونه في دعاءهم [1] قالوا وإن أباه آزر كان [2] ينحت الأصنام ويتبعها ويعبدها فجادله ابراهيم عم كما حكاه الله تعالى عنه في القرآن يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً 19: 42 الآية ثم أظهر عيب آلهتهم والقدح فيهم والوضع من شأنهم وكان لهم عيد ومجمع يخرجون فاحتال ابراهيم عم في التحلف لتحلة يمينه فلما راودوه للخروج معهم نظر نظرة في النجوم يعني في علم النجوم وكان القوم يعلمون به وينزلون عند دلائله فقال إني سقيم أي أراني سأسقم وكانوا يتطيرون في كل ذي سقم وآفة فقال أني مطعون فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون يريد بكلامهم أن يظهر للسدنة والخدم عجزهم وضعفهم فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ 21: 58 وذلك حيلة منه في
__________
[1] . دعواهمMs.
[2] . كان آزر Ms.
(3/50)

تعريفهم خطاياهم عليه وإقرارهم بألسنتهم ضلالة أرائهم فلما رجعوا [قالُوا] من فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا 21: 59 يا ابراهيم قال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا 21: 63 غضبا وأنفا أن لا يعبد من هو دونه فَسْئَلُوهُمْ [] إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ 21: 63 هو فعله ويقال أراد بكسرهم نفسه لأنه فعله وجرى بينه وبينهم ما جرى إلى أن قال أُفٍّ لَكُمْ [وَلِما تَعْبُدُونَ] من دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ 21: 67- 68 فأوقدوا ناراً عظيمة [1] وقذفوا ابراهيم فيها فجعلها الله بردا وسلاما عليه وأمره بالهجرة من أرض بابل إلى الشام فرارا بدينه [84] وكان مولده بقرية من سواد الكوفة يقال لها كوثا ربّا [2] فخرج إلى حران ومعه ابن أخيه لوط ابن هاران بن آزر وابنة أخيه سارة بنت هاران وكانت من أحسن نساء العالمين عقيما لا تلد وقيل أن سارة كانت ابنة عمّه توهر بن ناحور [3] وزعم وهب أنه آمن بابراهيم يوم ألقى في النار رهط منهم هاران وشعيب وبلعم وهاجروا معه ثمّ خرجوا
__________
estrousdeteignes. [1]
[2] . كوثا ريّا ,leconmarginale كوفان ريّاMs.
[3] . باحور Ms.
(3/51)

من حران إلى أرض فلسطين ومر بحدود مصر وفرعونها يومئذ صاروف بن صاروف أخو الضحاك وقيل أنه كان غلاما لنمروذ بن كنعان على مصر ويقال هو سنان بن علوان أخو الضحاك فهم بأن يغصب إبراهيم امرأته سارة فتعوذ منه وقال إنها أختي أراد به أخوة الديانة والتشابه وقد قيل أنّه من كلماته الثلاث اللواتي تمنعه الشفاعة يوم القيامة وجاء في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات ما منهن واحدة إلا وهو تماحل عن الإسلام قوله لسارة [1] أنها أختي وقوله أني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا قالوا فأطلق عنها بعد ما أظهره الله من الآيات الموجبة له تخلية سبيلها فأعطاها نعماً ومالا وجارية كانت عندهم من سبي جرهم وقال خذيها أجرك فسميت هاجر وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال إذ افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم رحماً وذمة أراد بالرحم أمومة هاجر وبالذمة أمومة مارية فعاد إبراهيم عم إلى أرض فلسطين فسكنها وكثرت ماشيته ونعمه وغلمانه وابتاع مزرعة حبرون [2] وفيها قبره وقبر إسحاق ويعقوب
__________
[1] . السارةMs.
[2] . جيرون Ms.
(3/52)

وسارة ورفقا وليا وأما هو لأنسه بهم لم يرغب في الولد فقالت سارة لإبراهيم إني أراك لا يولد لك فخذ هذه الجارية تقع عليها لعلنا نصيب منها ولدا فحملت باسماعيل وعلقت به فلما وضعته شعف إبراهيم به وبأمه هاجر وغارت سارة غيرة شديدة وشق عليها مشقة عظيمة فحلفت ليقطعن منها ثلاثة أشرافها فأمرها إبراهيم عم أن تخفضها وتثقب أذنيها في تحلّة قسمها ففعلت وحملت سارة بإسحاق بعد عشر سنين من مولد إسماعيل وكان إبراهيم حمل إسماعيل وأمه إلى موضع الكعبة وأنزلهما به وهو طفل فرارا بهما من سارة بأمر الله تعالى ولما ماتت سارة تزوج إبراهيم امرأة من الكنعانيين يقال [لها] قطورا فولدت له أربعة نفر وتزوج امرأة أخرى فولدت له سبعة نفر وكان جملة ولده ثلاثة عشر رجلا وعاش فيما روى مائة وخمسا وسبعين سنة وزعم وهب أنه عاش مائتي سنة ومات فدفن في مزرعة حبرون [1] ،،،
ذكر اختلاف الناس في هذه القصة
جاء في بعض الأخبار أن إبراهيم عم لما أخفته أمّه في السرب أتاه جبريل فأمصّه
__________
[1] . جيرون Ms.
(3/53)

السبّابة والإبهام فجعل يشرب من إحداهما لبناً ومن الأخرى عسلاً وروى عن نوف [1] البكالي أنه قبضت له ظبية ترضعه إذا أبطأت عليه أمه وفسر بعضهم قوله تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 6: 75 أنه رفع فوق السموات حتى نظر إلى ما فيها وإليها وذكروا من صفة النار وعظم بنيانها [85] وجمع الحطب لها سنين ما الله به عليم قالوا وقد كانت المرأة إذا حملت نذرت لئن وضعته ذكرا حملت مقدارا من الحطب إلى ذلك الموضع وانه لم يحمل شيء من الدواب ذلك الحطب إلّا البغل وأعقم الله نسله وحرثه وان الخطاف كانت تأتي بالماء فترشه على النار فجعلها آية ألوفاً للمساكن وأن الوزغة كانت تنفخ النار وتضرمها فأمر الله بقتلها وأنهم أوقدوا أياماً حتى احترقت طير السماء ونفرت الوحوش والسباع وإن إبليس جاءهم فعلمهم عمل المنجنيق فسووا ورَمَوا بإبراهيم عم في النار فقال الله عز وجل يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ 21: 69 فبردت النيران كلها على وجه الأرض حتى لم ينضح كرعا وقال بعضهم حتى بردت نار جهنم قالوا ولو لم يتبع الله قوله
__________
[1] . انوف Ms.
(3/54)

كُونِي بَرْداً وَسَلاماً 21: 69 لتقطعت أوصاله من البرد فهذه أخبار جاءت ليس في الكتاب منها إلا قوله كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ 21: 69 وإنما جعلها معجزة لنبيه وإبانة لشرفه وإجهاضاً للكافر الذي يمكر به وقد زعم بعض من لم يخلص في الإسلام نيته أنهم لم يطرحوا إبراهيم في النار وإنما هموا به واحتج بأنه ليس في الكتاب ذلك قال وإنّما معنى قوله للنار كُونِي بَرْداً وَسَلاماً 21: 69 أنهم كانوا توامروا في إحراقه بالنار ثم بدا لهم خلافه فكان خلاف ما أرادوا بإبراهيم بردا وسلاما من النار والبلاء الّذي همّوا وزعم غيره من أشكاله أن إبراهيم عم سحرهم وأطلي ببعض الأدوية التي يبطل معها عمل النار واحتال في الفوت بنفسه وساق قصة لبعض الهند وشبهه بها وقال بعضهم بل النار مثلا لاجتماع كلمتهم عليه ومجادلتهم إياه وكونها بردا وسلاما عجزهم عن حجته وانكسارهم عن معارضته كما قال في عصى موسى وناقة صالح وسائر معجزات الأنبياء عم وقد مضى وجه الجواب لهذه الأشياء في غير موضع فلا فائدة في التكرار والله المستعان وجملة القول كيفية إبداع المعجزة غير معقولة فمن أقرّ بهذا لزمه الإقرار بالمعجزات قاسيا ومن أنكر المعجزة
(3/55)

فهو لحدث العالم منكر وأن أظهر خلافه والسلام ويقال أنه أوقد له النار ببرقوة [1] من أرض فارس وأن أثر الرماد باق إلى اليوم ويقال بل كان ذلك بكوثى [2] ربا وذكروا أن نمروذ هو الذي حاج إبراهيم في ربه وهو أول من لبس التاج وبنى الصرح ببابل يقال سبعة آلاف [3] درجة ويقال ثلاثة آلاف وشيء وجعل يرمي في السماء فيرجع نبله إليه مختضبا وذلك بعد ما عمل النسور وطارت به في السماء فزلزل الله بقواعده فهدمها من أصلها قالوا وعاش في ملكة مائتي سنة وسبعين سنة فأهلكه الله ببعوضة دخلت في خيشومه فجعلوا يضربون هامته بالجرز حتى تناثر دماغه وفي رواية الواقدي أنه لبث معمورا في ملكه سبعين سنة ويزعم بعض المتأولين أن بناء الصرح كان إرصادا منه للكوكب وطلبا لمعرفة سير النجوم ومطالعها والله أعلم.
قصة لوط بن هاران بن آزر
وهو ابن أخي إبراهيم عم وكان هاجر مع إبراهيم عم إلى الشام فلما نزل إبراهيم عم أرض فلسطين
__________
[1] . بترقوةMs.
[2] . بكوىMs.
[3] . ألف Ms.
(3/56)

بعثه الله إلى أرض سدوم وكاروما وعمورا [1] وصبوايم أربع قرى من فلسطين على مسيرة يوم وليلة قالوا وأجدبت الأرض واقحطت وكانت [85] قرى لوط أخصب بلاد الله فانتابهم الغرباء ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم وسنوا تلك السنة الخبيثة ردعا للناس عن تناول شيء من ثمارهم وطعامهم ثم مرنوا على ذلك وأصروا وخرجوا مع ما كانوا فيه من الكفر باللَّه والظلم لعباده والاعتداء عليهم فنهاهم لوط عم وعرض عليهم تزويج البنات والاكتفاء بهن عن إتيان الذكور لما فيه من نفور النفس وانقطاع النسل فأبوا عليه وكفروا به وفي رواية سعيد عن قتادة عن الحسن قال عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا كانوا يأتون الرجال ويلعبون بالحمام ويضربون بالدفوف ويرمون بالجلاهق ويخذفون بالأصابع ويلبسون الحمرة ويصفقون بأيديهم ويصفرون بأفواههم ويشربون الخمر ويقصرون اللحى ويطولون الشوارب وروى غيره كانوا يضرطون في النادي وينزو بعضهم في وجه بعض ويمضغون العلك ومع ذلك يقطعون الطريق ويغصبون [2]
__________
[1] . وعمرراMs.
[2] . وليغصبون Ms.
(3/57)

الناس ويستهزءون بلوط ولما بعث الله الملائكة إلى إبراهيم يبشّرونه بإسحاق أخبروا بأنهم مأمورون [1] بإهلاك قرى لوط وذلك قوله تعالى وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ 29: 31 إلى آخر الآيات كلها في شأنهم وقصصهم وكانت امرأة لوط تدل الناس على ضيفه وتخبرهم بمجيئهم فلما جاءت الرسل لوطا ذهبت العجوز تخبرهم وذلك قوله تعالى وَلَمَّا 11: 77 [أن] جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً 11: 77 إلى تمام القصة وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ 11: 78 إلى قوله فَاتَّقُوا الله وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ 11: 78 قال قتادة لا والله لو كان فيهم واحد رشيد لما عذبوا فزلزل الله بهم الأرض وجعل عالِيَها سافِلَها 11: 82 وأمطر عليهم حِجارَةً من سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ 11: 82- 83 وأمر الله تعالى لوطا فلحق بإبراهيم مع ابنتيه رتبا ورعورا إلى أن قبضه الله تعالى وفيه يقول أمية بن أبي الصلت [خفيف]
ثم لوطا أخا سدوم أتاها ... إذ أتاها برشدها وهداها
__________
[1] . مأمرون Ms.
(3/58)

راودوه عن ضيفه ثم قالوا ... قد نهيناك أن يقيم قراها
عرض الشيخ عند ذاك بنات ... كظباء بأجرع فرعاها
غضب القوم عند ذاك وقالوا ... أيها الشيخ خطبة نأباها [1]
أجمع القوم أمرهم وعجوز ... خيب الله سعيها ولحاها
ارسل الله عند ذاك عذابا ... جعل الأرض سفلها أعلاها
ورماها بحاصب ثم طين ... ذي جروف مسوّم إذ رماها
ذكر اختلاف الناس في هذه القصّة
روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال كان في كل قرية من قرى لوط مائة ألف رجل مقاتل وأنهم كانوا إذا ارتكبوا من إنسان الفاحشة غرموه [2] أربعة دراهم فسار المثل في حكم سدوم فأبوا وانّ ابليس أتاهم في هيئة غلام فدعاهم إلى نفسه فصار ذلك عادة لهم في الغرباء وزعم الكلبي أن جبريل أتاهم فأدخل جناحيه تحت الأرض فحمل القرية وحلق بها حتى سمع أهل السماء أصوات الكلاب [86] والديكة ثم قلبها وأرسل الله الحجارة على شذاذهم ومسافريهم وروينا عن محمد بن كعب أن الذين
__________
[1] . ناباهاMs.
[2] . عزموه Ms.
(3/59)

فعلوا منهم ذلك كانوا سبعة نفر رأسهم رجل يقال له نمروذ والله اعلم
قصة اسماعيل عليه السلام
قالوا ولما اشتدت غيرة سارة على إسماعيل وأمه أمر الله إبراهيم أن يسير بها إلى الحرم وأنبأه أن عمارة البيت على يديه وأنه ينبط لاسماعيل سقايته فسار بهما حتى أنزلهما موضع الكعبة اليوم ودعا لهما فقال رب إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ 14: 37 الآية ولا أشك أنه كان معهما من يخدمهما ويرعاهما وأقبل راجعا إلى الشأم قالوا وفحص إسماعيل برجله الأرض فنبع الماء من تحت عقبه وقيل بل أتاه جبريل فركضه ركضة فار منه الماء وجاء ركب [1] من جرهم إلى اليمن فرأوا بلدا ذا ماء وشجر فقالوا لهاجر لمن هذا قالت [لي] ولعقبي من بعدي فنزلوا حول البيت وهو يومئذ ربوة حمراء ولهاجر عريش في موضع الحجر فنشأ إسماعيل وسط جرهم وتكلم بلسان العربية وأعطوه عنزا من ثماني مائة وكان ذلك أصل [2] ماله فلمّا بلغ تزوّج منهم امرأة وكان
__________
[1] . راكبMs.
[2] . أصل ذلك Ms.
(3/60)

إبراهيم عم يأتيه كل سنة معتمرا ومجددا بإسماعيل العهد وولد لإسماعيل اثنا عشر رجلا ثابت وقيدار واذبل ومنشى ومسمع وماش وماء وآذر وصهباء و [؟] طور ونبش وقيدما وأمّهم ابنة مضاض بن عمر [و] الجرهمي وجدهم من قحطان وقحطان أبو اليمن كلّها فمن ثابت وقيدر نشر الله العرب ولما ماتت هاجر دفنها إسماعيل في الحجر ثمّ لمّا مات إسماعيل دفنه بنوه مع أمّه في الحجر فقبورهما فيه وكان عمر إسماعيل مائة وسبعا وثلاثين سنة وهذا مكتوب في ترجمة التوراة،،،
ذكر اختلاف الناس في هذه القصة
جاء في بعض الأخبار أن إبراهيم عم لما وضع هاجر وإسماعيل بموضع الكعبة وكر راجعا أقبلت عليه هاجر فقالت إلى من تكلنا قال إلى الله قالت حسبنا الله فرجعت وأقامت عند ولدها حتّى نفد ماؤها وانقطع درها فارتقت إلى الصفا حتى تنظر هل ترى عينا أو شخصا فلم تر شيئا فدعت ربها واستسقته ثم نزلت حتى أتت المروة ففعلت مثل ذلك ثم سمعت أصوات السباع فخشيت على ولدها فأسرعت تشتد [1] نحو إسماعيل فوجدته يفحص الماء بيده
__________
[1] . يشتدّ Ms.
(3/61)

عن عين قد انفجرت من تحت خده وقيل بل من تحت عقبه وزعم بعضهم أن جبرئيل أتاه فركض برجله الأرض ركضة وفيه تقول [1] صفيّة بنت عبد المطّلب [رجز]
نحن حفرنا لحجيج زمزم ... سقيا نبي الله في المحرم
ركضة جبريل ولما يفطم
فجعلته هاجر حسيا [2] وروي لو لم يحطه لكان عينا معينا وفيه يقول قوم [رجز]
وجعلت تبنى لها الصفائحا ... لو تركته كان ماء سائحا
وقد أنكر هذا قوم وزعموا أنّ إسماعيل حفرها بمعول ومعالجة قالوا ويمكن أنه أسرع الماء إلى إجابته لقرب غزره لأن الوادي عميقه من كبس السيول وهذا من أيسر الأمور وأسهلها إن كان إسماعيل حفرها أو حفرت من أجله أو كانت نبعت بنفسها معجزة وكرامة كما كانت وليس شيء منه في الكتاب وإنما الأخبار [86] وردت كما وردت والله أعلم.
__________
[1] . يقولMs.
[2] . حسيّا Ms.
(3/62)

قصّة إسحاق عليه السلام
قال الواقديّ ولدت سارة إسحاق بين العماليق بالشآم وهم الكنعانيون وكان بينه وبين إسماعيل ثلاثون سنة وفي كتاب أبي حذيفة أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بعشر سنين وتزوّج إسحاق ربقا [1] بنت بوهر فولدت له عيصو [2] ويعقوب توأمين ويزعم أهل الكتاب أن عيصو سمي به لأنه عصى في بطن أمه وذلك أنه خرج قبل يعقوب وخرج يعقوب على إثره آخذا بعقبه فلذلك سمي يعقوب وهذا ما لا أعرف له تأويلا وأصلا اللَّهمّ إلا أن يكون مثلا وتشبيها وتزوج عيصو بسمة بنت إسماعيل وكان رجلا أشقر فولدت له الروم،،،
ذكر الذبيح
قال قوم هو إسماعيل واحتجّوا بأنّ الله لمّا فرغ من قصّة الذبيح استقبل قصّة إسحاق فقال وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ 37: 112 وروى الفرزدق الشاعر قال سمعت أبا هريرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الذبيح هو إسماعيل وقال آخرون بل هو إسحاق ويروى عن العباس [3] بن عبد المطلب وعبد الله بن
__________
[1] . زيقاMs.
[2] . عيصورMs.
[3] . ابن العبّاس Ms.
(3/63)

مسعود وأهل الكتاب لا يختلفون أنّه إسحاق وزعم بعضهم أنّه قرّب إسحاق مرّة ذبيحا ومرّة إسماعيل والله أعلم واختلفوا أين قرب فأكثر العلماء على أنّه كان بمنى وأن إبراهيم أري في المنام بمكة وهو وإسحاق مقيمان بها أن قرب ابنك إلى هذا قربانا وذلك بعد ما بنى البيت وروى عن عطاء أنه قال كان ذلك بالبيت المقدس واختلفوا في الذبح الذي فدى به فقال كثير من الناس أنه فدى بكبش كان يرعى في الجنة سبعين خريفا وكان الحسن يحلف باللَّه ما فدي إلا بكبش من الأروى [1] واختلفوا في معنى الذي أري في المنام ذلك لأجله فقال قوم لما بشر إبراهيم بالولد على كبر سنه [2] نذر ليذبحنه للَّه قربانا فلما بلغ الغلام السعي أراه الله في نومه أوف بنذرك وقال آخرون بل أمر في المنام ابتلاء من الله واختبارا ليعلم الخلق حسن طاعته لربه وانقياده لأمره واستحقاقه شرف المنزلة وعلوّ الرتبة وليقتدوا به في طلب الوسيلة وابتغاء القربة والزلفة والله أعلم فأما القصة فكيف كان ذلك
__________
,corriged apresIbnel -Athir ,t.I ,p.80. [1] الازدواءMs.
[2] . نفسه Ms.
(3/64)

وكيف خاطبه فواضحة وكيف نبت المدية [1] عنه يطول وقد ذكرها أميّة في شعره [خفيف]
ولإبراهيم الموفي بالنذر ... احتسابا [2] وحامل الاجذال
أبنىّ إنّي نذرتك للَّه ... سحيطا فاصبر فدى لك حالي
فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء للَّه غير انتحال
جعل الله جيده [3] من نحاس ... إذ رآه زولا من الأزوال
بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش جلال
قال خذه فأرسل ابنك عنه ... انّى ما قد فعلتما غير قال
ربما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحلّ العقال
وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة كما روى والله أعلم وأحكم،،،
قصة يعقوب
[87] قال أهل هذا العلم فأكثر ما يرونه أهل الكتاب الأول والعلم القديم إلا ما نطق به كتابنا أو صحّ
__________
[1] . المذيةMs.
[2] . كذا في الأصلEnmarge:
[3] . حيده eindiqueeenmarge:
(3/65)

الخبر فيه عن نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يمت حتى بعث الله إسحاق إلى أرض الشام ويعقوب إلى أرض كنعان وإسماعيل إلى جرهم ولوطا إلى سدوم وكما يزعم وهب ينبغي أن يكون شعيب مبعوثا أيضا إلى مدين والله أعلم قالوا وكانت لخال [1] يعقوب ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل ورعى لهم في صداقها سبع سنين فلمّا كان ليلة الزفاف أدخل عليه ليا فأصبح مغروراً مدلسا عليه فخدم خاله سبع سنين أخر حتى دفع إليه راحيل وكان حينئذ يجوز الجمع بين الأختين فولدت له راحيل يوسف وابن يامين وولدت له ليا سائر الأسباط والأسباط اثنا عشر رجلا روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا ويساخر [2] ودان ونفتالي وجاد [3] واشترقفا وزبالون [4] ويوسف وابن يامين وقد يعبر عن هذه الأسماء بخلاف ما ذكرنا وعاش يعقوب مائة وسبعين سنة،،،
قصة يوسف بن يعقوب
أعلم أنه لا يوجد في كتاب قصة أجمع
__________
[1] . لخالةMs.
[2] . وتساخرMs.
[3] . وحادMs.
[4] . وربالون Ms.
(3/66)

وأتم في موضع واحد من قصة يوسف ويذكر أنّها كذلك في التوراة وفي ذلك مقنع وبلاغ غير أنّا نسوق منها ما يضاهي غرض كتابنا إن شاء الله وروينا عن ابن مسعود أنه قال أعطى يوسف وأمه شطر الحسن وكان أحب ولد يعقوب إليه فرأى الرؤيا التي قص الله في القرآن وتأويلها وقوعهم له سجدا بمصر فقال أبوه يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ 12: 5 الآية وغاظ أخوة يوسف وجد [1] يعقوب به من بينهم وشفقته عليه دونهم فاحتالوا بالمكر به ف قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا 12: 8 الآية اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ 12: 9 الآية قال قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ 12: 10 فقال هو روبيل أكبرهم وقال ابن جريج هو شمعون وليس يضر الجهل بمن كان منهم بعد أن علمنا أنه أحدهم وأقربهم إلى الرقة والرحمة وَأَلْقُوهُ في غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ 12: 10 قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ 12: 11 أرسله معنا غدا يرتع ويلعب قال إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا به وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ 12: 13 وإنما قال لأنه كان رأى كأن ذئبا قد جاء فأخذ يوسف فأرسله
__________
[1] . وحده Ms.
(3/67)

معهم بقول الله عز وجل فَلَمَّا ذَهَبُوا به وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 12: 15 هذا وحي الإلهام والرؤيا لأنه لم يكن حينئذ بلغ مبلغ الرجال فينزل عليه الوحي ويجوز أن يكون كلمه الملائكة بذلك وليس كل كلام الملائكة نبوة فطرحوه في بئر وجاءت سيّارة يقال صاحبها مالك بن الذعر فأخرجوا يوسف من الجب فجاء اخوته فباعوه منهم يقال بعشرين درهما فلذلك لم يوزن وحملوه إلى مصر فاشتراه اظيفر بن رويحب العزيز وكان على خزائن مصر وامرأته زليخا وهي التي راودته عن نفسه وقدت قميصه لما استلبث الباب وهذه القصة لا تتم إلا بتفسير السورة على الولاء قال الله عز وجل ثُمَّ بَدا لَهُمْ [87] من بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 12: 35 وذلك لما أرجف الناس بأمر زليخا وخبرها ومراودتها يوسف عن نفسه واحتالوا في حبسه ليكون [في] ذلك عذر للمرأة عند الناس فلبث في السجن بضع سنين إلى أن أرى الملك الرؤيا التي هالته وفسرها يوسف فدعاه وقلده أموره ونصبه منصب اظيفر وعم الجدب حتّى بلغ أرض كنعان ف جاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ 12: 58 ممتارين فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ
(3/68)

مُنْكِرُونَ 12: 58 فمارهم وردّ إليهم أثمان ما جاءوا به وطالبهم بأخيه ابن يامين فذهبوا ورجعوا بأخيه فاحتال في حبسه عنده زمانا بأن دس الصواع في رحله ثم صرح لأخيه بالنسب وكان ما قص الله عز وجل في القرآن إلى أن جمع بينه وبين أخوته وأبويه وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقال يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا 12: 100 قالوا ودخل يعقوب مصر وهم ثمانون إنسانا وخرج موسى ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف ونيف وطرح يوسف في الجب وهو ابن سبع سنين وحبس وهو ابن خمسة عشر سنة وأقام في السجن بضع سنين وكان غيتبه [1] عن أبيه أربعين سنة وعاش يعقوب بعد ما دخل مصر ثماني عشرة سنة ثم مات هو وعيصو في يوم واحد وسن واحد فحملهما يوسف إلى حبرون فدفنهما بها وعاش يوسف بعد موت يعقوب ثلاثاً وعشرين سنة وفي التوراة أن يوسف مات وهو ابن مائة وعشرون سنة وكان تزوج زليخا فولدت له اثنين افرايم بن يوسف جد يوشع بن نون وكان ولي عهد موسى من بعده ومنشا [2] بن يوسف أبا موسى صاحب الخضر كما يزعم أهل الكتاب
__________
[1] . غيبتهMs.
[2] . ميشا Ms.
(3/69)

وكان بين دخول يعقوب مصر إلى وقت خروج موسى بهم أربع مائة سنة ولما مات يوسف جعل في صندوق من رخام ودفن في جوف النيل حيث يتفرق الماء رجاء أن تمر عليه فتصيب الأرض بركة منه ثم استخرجه موسى عم لما خرج من مصر،،،
ذكر اختلافهم في هذه القصة
وزعم بعضهم أن بني يعقوب لما قالوا أكله الذئب كذبهم في دعواهم فذهبوا وأخذوا ذئبا وجاءوا به فقال له يعقوب بئس ما صنعت إذا أكلت ولدي فكلمه الذئب وأنكر ذلك وللقصاص في الذئب الآكل ليوسف عجائب في اسمه ولونه وكذلك في كلب أصحاب الكهف وقيل في قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ به وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ 12: 24 أنه رأى يعقوب عاضا على شفته وقيل بل رأى جبريل يقول أتيت بعمل وأنت مكتوب عند الله عز وجل من الأنبياء وروى محمد بن كعب القرظي قال رأى كتابا بالسريانية في صفحة الحائط وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً 17: 32 ومقتا وَساءَ سَبِيلًا 17: 32 قال بعضهم خرجت شهوته من أنامله وكل واحد من ولد ولد له عشرة أولاد إلا يوسف فإنه ولد تسعة لانتقاض الشهوة وقالوا في قوله عز وجل وَشَهِدَ شاهِدٌ
(3/70)

من أَهْلِها 12: 26 انه كان صبيا في المهد نطق ببراءة ساحته وفي قوله عز وجل وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ 12: 31 حتّى أبى ولم يشعرن [و] في قوله عز وجل قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ 12: 41 انه كانا تحالما عليه ولم يكونا رأيا شيئا فوقع بهما التأويل وفي قوله عز وجل [88] نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ 12: 72 أنه كان ينقره فيطن فيقول إن هذا الصواع [1] يخبرني أنكم سرقتم أخا لكم من أبيكم فبعتموه وفي قوله عز وجل لا تَدْخُلُوا من بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا من أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ 12: 67 أنه كان يخاف عليه العين وفي قوله عز وجل اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً 12: 93 أنه كان قميص الحياة أخرجه آدم من الجنة وكساه الله إبراهيم فورثه يعقوب وعلقه على يوسف كالمعاذة وفي قوله عز وجل فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ الله 12: 80 لي أنه كان يهوذا وكان إذا غضب قامت شعرة بدنه يقطر منها الدم وإذا صاح لا تسمع صوته حامل إلا وضعت ولا يسكن غضبه ما لم يمسه أحد من ولد [2] يعقوب فغضب يهوذا وهمّ بالصياح فأمر
__________
[1] . الصاعMs.
[2] . من أولاد rectionmarginale:
(3/71)

يوسف ابنه منشا [1] أن يضع يده عليه ففعل وسكن غضبه فقال يهوذا إن بهذا الوادي مع أشياء يحكونها والأصح ما نطق به الكتاب من غير رد لما خرج من العادة من معجزات الأنبياء عم قالوا ولما مات اظيفر زوج زليخا شابت زليخا وكف بصرها وجدا بيوسف ومحبة له فدعا يوسف لها رد الله إليها شبابها وبصرها ونكحها فولدت له،،،
قصة أيوب عم
زعم وهب أنه هو أيوب بن موص بن رعويل وكان أبوه ممن آمن بإبراهيم يوم حلق في النار وكان أيوب صهر يعقوب وكان تحته ابنة ليعقوب اسمها ليا وهي التي ضربها بالضغث وأم أيوب ابنة لوط وكانت له حوران والبثنية [2] مدينتان ومال عظيم ونعم وشاء وثلاثة عشر ولداً وألف غلام في زرعه وضرعه وخدمته فابتلاه الله بالبلاء وضربه بالضر وهلكت أمواله وماشيته ومات ولده وكانت امرأته ليا تسعى عليه وتكتسب قوته فباعت خصلة من شعرها بطعام وأتته به فاتهمها أيوب فحلف ليضربنها مائة [ضرب] إن هو برأ من علّته
__________
notea. [1] بن commedanslesmss.deTabari ,I ,p.414 بن ميشاMs.
[2] . والبثيّة Ms.
(3/72)

وقيل بل الشيطان أتاها فقال لها لو أن أيوب شرب شربة ماء لا يذكر اسم الله عليها لعوفي فأخبرت أيوب بذلك فحلف إلى أن انقضت المدة أتاه جبريل فقال له ارْكُضْ بِرِجْلِكَ 38: 42 فركض فندا ماء فاغتسل فيه وشرب فبرأ وعوضه الله من ولده الثلاثة عشر ستة وعشرين [1] ولدا وذلك قوله تعالى وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا 38: 43 وأمره أن يضرب امرأته بضغث فيه مائة عود ليبر قسمه وأثنى عليه بحسن الصبر فلا يزال يتلى [2] ما قامت الدنيا وروى جوبير عن الضحاك أنه أيوب بن موص بن العيص فلم يزالوا متمسكين بالحنيفيّة إلى أن اختلفوا فبعث الله إليهم عيسى عم،،،
ذكر اختلافهم في هذه القصة
زعم وهب وما أراه كما زعم أن ابليس كان يصعد حتى يقف من السماء موقفا فصعد وقال يا رب إنك قد أعطيت أيوب ما أعطيت ووسعت عليه ولم تبتله ببلاء فينظر كيف صبره وتمسكه قال فسلطه عليه فجاء وهو في سجوده فنفخ في وجهه فصار كذا وكذا وتناطحت جنبات بيته فقتلت أولاده وموّتت [88] وانتغش الدود في
__________
[1] . وعشرونMs.
[2] . تبلى Ms.
(3/73)

جسده فجعل يختلف فيه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام وسبع ساعات وتأذى أهل القرية فطرحوه على كناسة ووارت امرأته عورته بالتراب فصبر في ذلك أحسن الصبر ولم يشك بتة إلى أحد إلا إليه بقول الله عز وجل إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ 38: 44 وقال بعضهم أن رجلا مظلوما لهف إليه واستغاث به وكان في الصلاة فلم يقطع صلاته حتى فاته ذلك وقتل الرجل وغصب فلم يرض الله ذلك منه وابتلاه كفارة لما كان منه وقيل في بلية يعقوب أنه ذبح شاة وشواها وأصاب رائحتها بعض الجيران فلم يطعمه فعوقب بغيبة يوسف وزعم بعضهم أن أيوب لما من الله عليه بالعافية أحيى [1] له ولده كلهم ومواشيه وغلمانه وقد روينا عن سعيد بن جبير أنه قال من زعم أنّ الله أحيى له ولده كلّهم ومواشيه وغلمانه فقد كذب قالوا وأظل الله عليه غمامة ونودي أن ابسط كساك فأمطر الله عليهم جرادا من ذهب من لدن العصر إلى أن توارت بالحجاب فجعل كل ما سقط من الكساء ناحية يحثوه ويضمه إليه فنودي ما هذا الحرص فقال
__________
[1] . وأحيى Ms.
(3/74)

لا غناء عن بركاتك ومن يشبع من الخير هكذا الرواية والله أعلم،،،
قصة شعيب عم
زعم وهب أن شعيبا وبلعما كانا من ولد رهط واحد آمنا بإبراهيم عم يوم حلق في النار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما إبراهيم ببنات لوط بعد هلاك قومه وكل نبي بعد إبراهيم وقيل بنو [1] إسرائيل فمن أوليك الرهط وحده وأخذ شعيب ابنة لوط ولم يكن مدين قبيلة شعيب ولما لحقهم العذاب ذهب شعيب بن نويب بن رعويل بن هرا بن عنقا بن مدين بن إبراهيم ومن كان آمن معه بمكة حتى ماتوا وفي كتاب محمّد بن إسحاق انه هو شعيب بن نويب بن رعويل بن هرا بن عنقا بن مدين [بن] إبراهيم وفي التوراة اسم شعيب ميكائيل وكان فيما بين يوسف وموسى وقال بعض الناس أنه زوج ابنته من موسى عم ويقال كان أعرج أعمى فلذلك قال له قومه إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً 11: 91 وكان أهل مدين في كفرهم وتكذيبهم أهل بخس ونقص في مكاييلهم وموازينهم فنهاهم شعيب عن ذلك وجادلهم كما يسمع في القرآن وشعيب خطيب الأنبياء
__________
[1] . بنى Ms.
(3/75)

لحسن محاورته وتأنّى مخاطبته قال ابن عبّاس رضي الله عنه ما أهلك الله قوما على معصية حتى كفروا باللَّه وروينا عن محمد بن كعب أن قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم والدنانير وكانت مدين متجر الغرباء ومضرب الأعراب [1] زيوف ثم يشرونها بالبخس قال الله عز وجلّ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله 7: 86 قال الضحاك كانوا يعشرون أموال الناس وكان لهم كاهنان يزيّنان لهم صنيعهم يقال لأحدهما سمير وللآخر عمران وفيهم يقول قائلهم كما روى والله أعلم [بسيط]
يا قوم إن شعيباً مرسلاً فدعوا ... عنكم سميراً وعمران بن مداد
إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت ... تدعو بضرب الأصم [2] ابنة [3] الوادي
وروينا عن عكرمة أنه قال بعث شعيب إلى مدين مرة فأخذتهم الصيحة ومرة إلى أصحاب الأيكة [4] ولم يكونوا من قبيله فأخذهم عذاب يوم الظلة وعند أهل الرواية أنهم أهل مدين ألح عليهم
__________
[1] . كذاNotemarginale:
[2] . الأصمّيMs.
[3] . ابنهMs.
[4] . الملائكة Ms.
(3/76)

الوهج والحمى [1] فالتجئوا إلى [89] غيضة لهم ثم رفعت لهم سحابة فظنوا فيها ماء وبردا فتنادوا الظلة حتى إذا تيامنوا بطحتهم [2] ،،،
اختلاف الناس في هذه القصة
زعم قوم أن اباجاد وهوز وحطي وكلمن أسماء ملوك مدين وهم من ولد محصن بن جندل بن مدين بن إبراهيم وفي هلاكهم يقول الشاعر [طويل]
ملوك بنى حطّى وسعفص في الندى ... [وهوز] سادات الثنية والحجر
وروى أن خالفه بنت كلمن رثته بعد موته [رمل]
كلمون هد ركني هلكه وسط المحلة ... سيد القوم أتاه [الحتف] ثاو [3] تحت ظله
قصة موسى والخضر
زعم وهب أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن بالغ بن عابر بن ارفخشد بن سام بن نوح وكان أبوه ملكا وقال قوم الخضر بن عاميل من ولد إبراهيم وفي كتاب أبي حذيفة أن ارميا هو الخضر صاحب موسى وكان الله أخّر نبوّته إلى أن
__________
[1] . الحمّىMs.
[2] . مامؤا بصحتهمMs.
[3] . نار Ms.
(3/77)

بعثه نبيا زمن ناشية الملك قبل أن يغزو نصر بيت المقدس وكثير من الناس يزعمون أنه كان مع ذي القرنين وزيراً له وابن خالته وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أن الخضر هو اليسع وإنما سمي خضرا لأنه لما شرب من عين الجنة لم يدع قدمه بالأرض إلا اخضر ما حوله فهذا الاختلاف في الخضر قالوا وهو لم يمت لأنه أعطى الخلد إلى النفخة الأولى موكل بالبحار ويغيث المضطرين واختلفوا في موسى الذي طلبه فقيل هو موسى بن عمران وقال أهل التوراة أنّه موسى بن منشا [1] ابن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل موسى بن عمران [2] كان قد قصّ الله خبرهما في القرآن المجيد عز من قائل وَإِذْ قال مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً 18: 60 إلى آخر القصة وقد ذكرتهما بمعانيها ودعاويها في المعاني،،،
قصّة ذي [3] القرنين
قال الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً 18: 83 فأخبر الله تعالى أنه بلغ مطلع
__________
[1] . ميشاMs.
ertanceducopiste. [2] بن وقال أهل التوراةMs.ajouteici
[3] . ذو Ms.
(3/78)

الشمس ومغربها وبنى السد على ياجوج وماجوج واختلف الناس في اسمه وبلده وزمانه وسنته ودينه ونبوّته قال الضحّاك هو قيصر القياصرة وكان رجلاً صالحاً وملك مشارق الأرض ومغاربها وزعم مقاتل أنّه كان نبيا يوحى إليه طاف في الأرض وقال ابن إسحاق حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر اسمه مرزبان ابن مدربة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح وروى عن خالد بن معدان الكلاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذو القرنين ملك مسح الأرض من تحت بالأسباب [1] قال وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا ينادي يا ذا القرنين فقال اللَّهمّ غفرا أما رضيتم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة وزعم وهب أن ذا القرنين ابن عجوز من عجائز الروم روينا عن الضحاك أنه [2] كان بعد موت نمروذ بن كنعان وفي بعض التواريخ أنه كان قبل مولد المسيح بثلاثمائة سنة وقال بعضهم بل كان في الفترة وعند الفرس وأصحاب النجوم أنّه الإسكندر الّذي أزال ملك
__________
[1] . كذا في الأصل etnotemarginale: بن بالأسبابMs.
[2] . لما Ms.ajoute
(3/79)

العجم وقتل دارا بن دارا وفال قوم إنّما سمي ذا القرنين لأنه أتى عليه قرنان من الدهر وقيل كانت له ذؤابتان وقيل كانت صفحتا رأسه من نحاس وروينا عن على رضي الله عنه [89] أنه سئل عنه فقال عبد صالح ناصح الله ودعا قومه فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله ثم ضربوه على قرنه الآخر فمات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي عم وانك لذو قرنيها وقيل بل كان رأى في المنام كأنه يتناول قرني الشمس وقيل بل سمّى به لبلوغ، في طوافه مشرق الشمس ومغربها وأهل النجوم يزعمون أنه عاش أربعا وعشرين سنة وفي كتاب أبي حذيفة رواية عن الحسن أن ذا القرنين وجد في الكتب أن رجلا من ولد سام بن نوح يشرب من عين البحر وهي من الجنة فيعطى الخلد إلى يوم القيمة فخرج في طلب تلك العين والخضر كان وزيره وابن خالته فهجم على تلك العين فشرب منها وتوضأ وأخبر ذا القرنين بذلك فقال أنا طلبت وأنت أصبت وقال ذاك الذي كان حمله على أن طاف في الأرض وهذا الخبر يتأوله [1] قوم على معنى وجود حقيقته علم مطلوب خفى ويروون عن أرسطاطاليس
__________
[1] . يتناوله Ms.
(3/80)

ما قد مضى ذكره فيما قبل وأهون الأشياء فمنع هؤلاء الجهال بإنكار كل ما ليس في الكتاب والسنة الطاهرة فإن مثل هذه ما أسرع باناله القلوب وأرث الشبه والله المستعان وعليه التكلان،،،
قصة موسى وهارون ابني عمران
قال أهل هذا العلم أنه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وأمه اباخة من ولد لاوى بن يعقوب وفي التوراة أن اسم أمه يوخابذ [1] وأخت موسى مريم بنت عمران بن يصهر وكانت تحت كالب بن يوفنا [2] بن فارص بن يهوذا بن يعقوب وامرأة موسى صفراء بنت شعيب وكان فرعون مصر في زمانه الوليد بن مصعب أبو مرة رجل من العماليق وكان ابن أخت فرعون يوسف وقيل بل كان فرعون موسى فرعون يوسف قال ابن إسحاق حدثني من لم اتهم أنه ملك أربع مائة سنة شاب السن أخضر الشارب لم يصدع ولم يصبه هم ولا ناواه عدو وقرأت في تأريخ اليمن أنه كان عاملا للضحاك على مصر وسمعت القصاص يزعمون أن فرعون كان من أهل بلخ وهامان
__________
l.12. [1] بن 443 بن ,corriged apresTabari ,I نوخابذMs.
[2] . بوقيا Ms.
(3/81)

من سرخس وأنهما أول من حمل بزر البطيخ إلى مصر فزرعا وتمولا واستوليا على المقابر لا يدعان ميتا يقبر إلا بجعل ثمّ ملك فرعون واستوزر هامان والله أعلم وقد قلت لك في غير موضع من هذا الكتاب أن ما من هذه الأقاصيص والأخبار فاستمعها واعرض عنها ولا تشتغل [1] بالاعتدال بها وطلب المخرج لمعانيها لأنها لا توجب علما ولا عملا وقد حكى الله عز وجل أنه قال أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي من تَحْتِي 43: 51 وقال ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي 28: 38 وقال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى 79: 24 وفيه يقول أميّة [خفيف]
ولفرعون إذ تساق له الماء ... فهلا للَّه كان شكورا
قال أني أنا المجير على الناس ... ولا رب لي علي مجيرا
فمحاه الله من درجات ... ناميات ولم يكن مقهورا
[90] سلب الذكر في الحياة جزاء ... وأراه العذاب والتغييرا
وتداعى عليهم البحر حتى ... صار موجا ورأه مستطيرا
فدعى الله دعوة لا تهنا ... بعد طغيانه فصار مشيرا
__________
[1] . يشتغل Ms.
(3/82)

ذكر مولد موسى عم
ذكروا أن بني اسرائيل لما كثروا وتناسلوا بمصر وطال عليهم الأمد بعد يوسف أحدثوا الأحداث العظيمة في الدين وآتوا القبط على أمورهم وطابقوهم على آثارهم إلا بقايا متمسكين بدين إبراهيم فسلط الله عليهم فرعون فاستعبدهم واستذلهم وسامهم سوء العذاب من نقل الطين وتشييد الأبنية وسلخ الأساطين من الجبال ونقب البيوت في الصخور فلما أراد الله أن يستنقذهم كما ذكر في القرآن وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الْأَرْضِ 28: 5- 6 فكان منهم موسى وهارون ويوشع والياس واليسع وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى وحزقيل وشمعون وشمويل واشعيا ويونس فهولاء أنبياء بني اسرائيل الذين جعلهم الله أئمة للخلق وورثة للنبوة أري [1] فرعون في المنام أن الله واهب لعبد من عبيدك غلاما يسلبك ملكك فأمر حتى فرق بين الرجال والنساء وأن يذبح كل مولود ذكر وصنع الله ليوخابذ فحملت بموسى ووضعته ولم يشعر به أحد وأوحى الله إليها وحي إلهام أَنِ اقْذِفِيهِ في التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ في الْيَمِّ 20: 39 ففعلت
__________
[1] . وأرى Ms.
(3/83)

والتقطه [1] آل فرعون من بين الماء والشجر فسمي موسى بذلك لأن الماء بلغه القبط مو والشجر سا وهم فرعون بقتله فقالت امرأته آسية بنت مزاحم لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً 28: 9 وطلبوا له الرضعاء فلم يقبل ثدي امرأة حتى قالت أخته مريم هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ 28: 12 فردّوه إلى أمّه ترضعه بأجر قالوا فبينا موسى في حجر فرعون ألقى الله عليه محبة منه إلى أن بلغ وراهق فبينما هو ذات يوم يمشي في المدينة وذلك أن قصر فرعون كان خارج البلد فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ 28: 15 على الدين قبطي واسرائيلي فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي من شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي من عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ 28: 15 فندم موسى على صنيعه إذ لم يتعمد ذلك ولا أمر به فَأَصْبَحَ في الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ 28: 18 الآيات مفهومة على وجهها وائتمر [2] القوم على قتله فجاء من أقصى المدينة رجل يسعى حزسل بن بوخاسل وهو الذي قال الله عز وجل في حاميم المؤمن وَقال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ من آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ 40: 28
__________
[1] . التقطهMs.
[2] . وائتمرا Ms.
(3/84)