Advertisement

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 001



الكتاب: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)
الناشر: دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه نستعين
الْحَمد لله الَّذِي جعل النّظر فِي أَخْبَار من غبر من أعظم العبر وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على صفوة الصفوة من الْبشر وعَلى آله قرناء الْقُرْآن كَمَا صَحَّ بذلك الْخَبَر وعَلى أَصْحَابه الَّذين أرْغم الله بفضائلهم وفواضلهم أنف من كفر
وَبعد فانه لما شاع على ألسن جمَاعَة من الرعاع اخْتِصَاص سلف هَذِه الْأمة باحراز فَضِيلَة السَّبق فِي الْعُلُوم دون خلفهَا حَتَّى اشْتهر عَن جمَاعَة من أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة تعذر وجود مُجْتَهد بعد الْمِائَة السَّادِسَة كَمَا نقل عَن الْبَعْض أَو بعد الْمِائَة السَّابِعَة كَمَا زَعمه اخرون وَكَانَت هَذِه الْمقَالة بمَكَان من الْجَهَالَة لَا يخفى على من لَهُ أدنى حَظّ من علم وأنزر نصيب من عرفان وأحقر حِصَّة من فهم لِأَنَّهَا قصر للتفضل الالهى والفيض الربانى على بعض الْعباد دون الْبَعْض وعَلى أهل عصر دون عصر وَأَبْنَاء دهر دون دهر بِدُونِ برهَان وَلَا قرَان على أَن هَذِه الْمقَالة المخذولة والحكاية المرذولة تَسْتَلْزِم خلو هَذِه الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة عَن قَائِم بحجج الله ومترجم عَن كِتَابه وَسنة رَسُوله ومبين لما شَرعه لِعِبَادِهِ وَذَلِكَ هُوَ ضيَاع
(1/2)

الشَّرِيعَة بِلَا مربة وَذَهَاب الدَّين بِلَا شكّ وَهُوَ تَعَالَى قد تكفل بِحِفْظ دينه وَلَيْسَ المُرَاد حفظه فِي بطُون الصُّحُف والدفاتر بل ايجاد من يُبينهُ للنَّاس فِي كل وَقت وَعند كل حَاجَة
حدانى ذَلِك الى وضع كتاب يشْتَمل على تراجم أكَابِر الْعلمَاء من أهل الْقرن الثَّامِن وَمن بعدهمْ مِمَّا بلغنى خَبره الى عصرنا هَذَا ليعلم صَاحب تِلْكَ الْمقَالة أَن الله وَله الْمِنَّة قد تفضل على الْخلف كَمَا تفضل على السّلف بل رُبمَا كَانَ فِي أهل العصور الْمُتَأَخِّرَة من الْعلمَاء المحيطين بالمعارف العلمية على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا من يقل نظيرة من أهل العصور الْمُتَقَدّمَة كَمَا سيقف على ذَلِك من أمعن النّظر فِي هَذَا الْكتاب وَحل عَن عُنُقه عرى التَّقْلِيد وَقد ضممت الى الْعلمَاء من بلغنى خَبره من الْعباد وَالْخُلَفَاء والملوك والرؤساء والأدباء وَلم أذكر مِنْهُم إِلَّا من لَهُ جلالة قدر ونبالة ذكر وفخامة شَأْن دون من لم يكن كَذَلِك
فَالْحَاصِل ان الْمَذْكُورين فِي هَذَا الْكتاب هم أَعْيَان الْأَعْيَان وأكابر أَبنَاء الزَّمَان من أهل الْقرن الثَّامِن وَمن بعدهمْ الى الان وَرُبمَا أذكر من أهل عصرى مِمَّن أخذت عَنهُ أَو أَخذ عَنى أَو رافقنى فِي الطّلب أَو كاتبنى أَو كاتبته من لم يكن بِالْمحل الْمُتَقَدّم ذكره لما جبل عَلَيْهِ الانسان من محبَّة أَبنَاء عصره ومصره وَرُبمَا أذكر من أهل عصرى من لم يجر بينى وَبَينه شئ من ذَلِك وَقد استكثر الْمُتَأَخّرُونَ من المشتغلين بأخبار النَّاس المؤلفين فِيهَا من تسجيع الْأَلْفَاظ والتأنق فِي تنقيحها وتهذيبها مَعَ اهمال بَيَان الاحوال والمولد والوفاه وَمثل ذَلِك لَا يعد من علم التَّارِيخ فان مطمح نظر مُؤَلفه وقصارى مَقْصُوده هُوَ مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ وابراز النكات
(1/3)

البديعة وَهَذَا علم آخر غير علم التَّارِيخ إِنَّمَا يرغب اليه من أَرَادَ أَن يتدرب فِي البلاغة وَيتَخَرَّج فِي فن الانشاء فَرُبمَا ألجأتنى الضَّرُورَة الى نقل تَرْجَمَة بعض الْأَعْيَان من مثل تِلْكَ المؤلفات وَلم أجد لَهُ ذكرا فِي غَيرهَا فأذكره مهملا عَن ذكر المولد والوفاة منبها على عصره اجمالا مُبينًا لما أمكن بَيَانه من أَحْوَاله وَهَذَا هُوَ الْقَلِيل النَّادِر
والمرجو من الله جلّ جَلَاله الاعانة على اتمام هَذَا الْكتاب وبروزه فِي الْخَارِج على مادار فِي الْخلد من التَّصَوُّر فَيكون ان شَاءَ الله من أنفس الْكتب وأنفعها لطَالب هَذَا الْفَنّ وَيصير من أمعن النّظر فِي مطالعته بعد امعانه فِي مطالعة تَارِيخ الاسلام والنبلاء وكامل ابْن الْأَثِير وتاريخ ابْن خلكان محيطا باعيان أَبنَاء الزَّمَان من سلف هَذِه الامة وَخَلفهَا وسميته الْبَدْر الطالع بمحاسن من بعد الْقرن السَّابِع قَالَ مُؤَلفه الحقير أَسِير التَّقْصِير مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد الشوكانى غفر الله لَهُ ذنُوبه وَستر عيوبه وَهَذَا أَوَان الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود بمعونة الْملك المعبود
وَقد جعلته على حُرُوف المعجم مقدما لمن قَدمته حُرُوف اسْمه وان كَانَ غَيره أقدم مِنْهُ مبتدئا بقطب الْيمن وجنيد ذَلِك الزَّمن الناسك المتأله
(1) إبراهيم بن احْمَد بن علي بن أَحْمد الكينعي
بلّ الله بوابل الرَّحْمَة ثراه وَلم أَقف على تَارِيخ مولده بعد الْبَحْث عَنهُ وَبَنُو الكينعي عرب لَهُم رياسة وَكَانُوا يسكنون قَرْيَة من قرى الْيمن بَينهَا وَبَين ذمار مِقْدَار بريد وَبهَا مولده وانتقل بِهِ أَبوهُ إلى قَرْيَة معبر وَكَانَ قريع أَوَانه وفريد زَمَانه فِي الإقبال على الله والاشتغال بِالْعبَادَة والمعاملة الربانية وبيته معمور بِالْعلمِ والزهد وَالصَّلَاح وَقد تَرْجمهُ بعض معاصريه
(1/4)

بمجلد ضخم وقفت عَلَيْهِ فِي أَيَّام مُتَقَدّمَة وَأَطْنَبَ فِي ذكره جَمِيع من لَهُ اشْتِغَال بِهَذَا الْعلم مُنْذُ عصره إلى الْآن فَمنهمْ السَّيِّد الْعَلامَة الهادي بن إبراهيم الْوَزير وَالسَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن المهدي بن قَاسم بن المطهر وَغَيرهمَا
وَكَانَ أحسن النَّاس وَجها وأتمهم خلقَة وَقد غشيه نور الإيمان وسيماء الصَّالِحين وَإِذا خرج نَهَارا ازْدحم النَّاس على تَقْبِيل يَده والتبرك بِرُؤْيَة وَجهه وَهُوَ يكره ذَلِك وينفر عَنهُ يغْضب إِذا مدح ويستبشر إِذا نصح ارتحل بعد موت وَالِده وَهُوَ فِي سن الْبلُوغ إلى صنعاء ولازم ولي الله الزَّاهِد العابد حَاتِم بن مَنْصُور الحملاني فَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْفِقْه وَقَرَأَ فِي الْفَرَائِض على الشَّيْخ الْخضر بن سُلَيْمَان الهرش وَفِي الْجَبْر والمقابلة وفَاق فِي جَمِيع ذَلِك حَتَّى أقر لَهُ أقرانه وَقَالَ عَن نَفسه أَنه يقتدر على تَقْدِير مَا فِي الْبركَة الْكَبِيرَة من المَاء بالأرطال وَكَانَ يتكسب بِالتِّجَارَة مَعَ قنوع وعفاف واشتغال بأنواع الْعِبَادَة فَجمع مَالا حَلَالا عَاد بِهِ على أَهله وإخوانه وَمن يَقْصِدهُ وَكرر السفر إلى مَكَّة المشرفة وَهُوَ يزْدَاد فِي أَوْصَاف الْخَيْر على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا حَتَّى خالط الْخَوْف قلبه وشغل بوظائف الْعِبَادَة قالبه واستوحش من كل معارفه وَمَال إلى الانعزال عَن النَّاس وانجمع عَن المخالطة لَهُم وَعَكَفَ على معالجة قلبه عَن مرض حب الدُّنْيَا وَلزِمَ المحاسبة لنَفسِهِ عَن كل جليل ودقيق وَصَامَ الْأَبَد إِلَّا الْعِيدَيْنِ والتشريق وَأَحْيَا ليله بِالْقيامِ لمناجاة ربه وتناقل النَّاس عَنهُ كَلِمَات نافعة هِيَ الدَّوَاء المجرب لاصلاح الْقُلُوب القاسية كَقَوْلِه لَيْسَ الزَّاهِد من يملك شَيْئا إِنَّمَا الزَّاهِد من لَا يملك شَيْئا وَكَقَوْلِه لبَعض إخوانه يَا أخي جدد السَّفِينَة فإن الْبَحْر عميق وَأكْثر الزَّاد فإن الطَّرِيق بعيد وأخلص الْعَمَل فان النَّاقِد بَصِير
(1/5)

بَصِير وَكَقَوْلِه بالفقر والافتقار والذل والانكسار تحيى قُلُوب العارفين وَمن شعره الَّذِي تحيى بِهِ الْقُلُوب قَوْله
ببابك عبد وَاقِف متضرع ... مقل فَقير سَائل متطلع)
(حَزِين كئيب من جلالك مطرق ... ذليل عليل قلبه مُنْقَطع)
وَمِنْهَا
(فُؤَادِي محزون ونومي مشرد ... ودمعي مسفوح وقلبي مروع)
وَكَانَ مجاب الدعْوَة فِي كل مَا يتَوَجَّه لَهُ وَله فِي ذَلِك حكايات وَرِوَايَات وَكَانَ إِذا دعي إلى طَعَام لَيْسَ من الْحَلَال الْخَالِص يَبِسَتْ يَده وَلم يقدر على مدها إليه وَقد رَآهُ بعض الصَّالِحين بعد مَوته وَهُوَ فِي مَكَان أرفع من مَكَان إبراهيم بن أدهم فَقَالَ سُبْحَانَ الله منزلَة إبراهيم الكينعي أرفع من منزلَة إبراهيم بن أدهم فَسمع قَائِلا يَقُول لَوْلَا أَن منَازِل الْأَنْبِيَاء لَا يحل بهَا غَيرهم لَكَانَ بهَا إبراهيم الكينعي وجاور فِي آخر عمره ثَلَاث سِنِين بِالْبَيْتِ الْحَرَام فوصل إلى جازان وَكَانَ قد انْقَطع عَنْهُم الْمَطَر مُدَّة طَوِيلَة فَسَأَلُوهُ أَن يَدْعُو لَهُم بالمطر فَدَعَا لَهُم فَحصل من الْمَطَر مَا عَم نَفعه وبركته جَمِيع تِلْكَ الْبلدَانِ ثمَّ وصل إلى صعده وَكَانَ بهَا مَوته رَحمَه الله فِي صبح نَهَار الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة 793 ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَوهم الصَّفَدِي فِي كِتَابه الوافي بوفيات الأعيان فَقَالَ إنه توفي فِي سنة 784 أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ وقبر بِرَأْس الميدان غربي مَدِينَة صعدة وَعمر عَلَيْهِ مشْهد وَهُوَ مَشْهُور يزأر فِي تِلْكَ الديار وَقد رثاه جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْهَادِي إبراهيم بقصيدة طنانة مطْلعهَا
(1/6)

(شجر السَّلامَة والكرامة أينعي ... للقاء سيدنَا الإمام الكينعي)
والإحاطة بِبَعْض الْبَعْض من مَنَاقِب هَذَا الإمام تقصر عَنْهَا ألسن الأقلام فَمن رام الْوُقُوف على مَا يكون لَهُ من أعظم العبر فَلْينْظر فِي سيرته الَّتِى قدمت الإشارة إليها وَقد بسط فِيهَا الْكَلَام على أَحْوَاله ووظايف عباداته
(2) إبراهيم بن احْمَد اليافعي الصَّنْعَانِيّ المولد وَالدَّار والوفاة
الشَّاعِر الْمَشْهُور الْمجِيد الْفَائِق فِي جَمِيع الأنواع فَمن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(هَذَا العذيب بدا فَقل بشرا كَا ... والزم اخائي لاعدمت أخاكا)
وَمن شعره القصيدة الَّتِي مطْلعهَا
(أعيدوا على سمعي الحَدِيث وكرروا ... قديم اللِّقَاء وَالْوَقْت كالعيش أَخْضَر)
وَمِنْهَا فِي الِاسْتِخْدَام
(وأصبوا إلى وَادي العقيق وسفحه ... على وجنتي من مقلتي يتحدر)
وَقَبله فِي الِاسْتِخْدَام أَيْضا
(أميل إلى ذكر الغضا وأنثني ... ونيرانه فِي مهجتي تتسعّر)
وَمَا أحسن قَوْله فِيهَا
(أهيم بِذكر المنحنا وسويلع ... وأنشق أنفاس الصباحين تعبر)
(وَمَا هَمت فِي قد وجيد ومقلة ... وَلَا شاقني ثغر شنيب معطر)
وَهُوَ مَوْجُود فِي دولة الإمام الْمهْدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب وَفِي دولة من قبله من الْخُلَفَاء وَمَات يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين فِي شهر رَجَب سنة 1110 عشر وَمِائَة وَألف وَقد بَالغ فِي حَقه صَاحب
(1/7)

نسمَة السحر وَقدمه على شعراء عصره فَلم يُصِيب فَهُوَ لم يرتق إلى منزلَة رَفِيقه ومعاصره الشَّيْخ إبراهيم الْهِنْدِيّ الْآتِي ذكره وَلَا كَاد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ منسجم الشّعْر قَلِيل التَّكَلُّف
(3) إبراهيم بن أَحْمد خَان سُلْطَان الروم
استولى على السلطنة فِي أَيَّام أَخِيه السُّلْطَان مُرَاد بن احْمَد وَتمّ لَهُ الدست وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن السُّلْطَان مُرَاد تجهز بجيوشه إلى محاصرة بَغْدَاد وَقد كَانَ استولى عَلَيْهَا الشاه سُلْطَان الْعَجم وَهِي كَانَت من ممالك السُّلْطَان مُرَاد فَلَمَّا بلغه أَن أَخَاهُ السُّلْطَان إبراهيم قد استولى على الدست مَاتَ كمداً واستقرت قدم صَاحب التَّرْجَمَة فِي السلطنة وَكَانَ قعوده على دستها فِي سنة 1050 خمسين وَألف وَله جهادات وفتوحات مَشْهُورَة وَاسْتمرّ سُلْطَانا إلى أَن مَاتَ فِي سنة 1063 ثَلَاث وَسِتِّينَ وألف وَصَارَت السلطنة إلى وَلَده مُحَمَّد بن إبراهيم وَكَانَ يَوْمئِذٍ فِي سنّ الْبلُوغ وابتدأء سلطنته بمصاولة الإفرنج وغزوهم إلى دِيَارهمْ
(4) إبراهيم بن احْمَد بن نَاصِر بن خَليفَة بن فرج بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن
الْمَقْدِسِي الناصري الباعوني الدمشقي الصَّالِحِي الشافعي وباعون بِالْمُوَحَّدَةِ والمهملة المضمومة قَرْيَة من قرى حوران بِالْقربِ من عجلون والناصرة قَرْيَة من عمل صفد ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر رَمَضَان سنة 777 سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بصفد وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن تجويدا على الشهَاب حسن بن حسن الفرغني إمام جَامعهَا وَحفظ بعض الْمِنْهَاج ثمَّ انْتقل مِنْهَا قَرِيبا من سنّ الْبلُوغ مَعَ أَبِيه إلى الشَّام فَأخذ الْفِقْه عَن الشرف الغزي وَغَيره
(1/8)

ولازم النُّور الأنباري حَتَّى حمل عَنهُ الْكثير من الْفِقْه والعربية واللغة وَبِه انْتفع فِي عُلُوم الْأَدَب وَغَيرهَا وَدخل مصر لَعَلَّه قَرِيبا من سنة 804 أَربع وثمان مائَة فَأخذ عَن السراج البلقيني ولازمه سنة وَأخذ عَن الْكَمَال الدميري شَيْئا من مصنفاته ولازمه وَسمع إِذْ ذَاك على العراقي والهيثمي وَتردد بهَا إلى غير وَاحِد من شيوخها ثمَّ عَاد إلى بَلَده فَأَقَامَ بهَا على أحسن حَال وأجمل طَريقَة وَسمع على أَبِيه وَالْجمال ابْن الشرائحي والتقى صَالح بن خَلِيل بن سَالم وَعَائِشَة ابْنة عبد الهادى وَالشَّمْس بن حطاب وباشر نِيَابَة الحكم عَن أَبِيه والخطابة بِجَامِع بني أُمِّيّه ومشيخة الشُّيُوخ وَنظر الْحَرَمَيْنِ ثمَّ صرف وجهز إليه الْقَضَاء حِين اسْتَقر الْكَمَال بن البارزي في كِتَابَة سر الديار المصرية فَامْتنعَ وصمم وراجعه النَّائِب وَغَيره من أَعْيَان الرؤساء فَمَا أذعن وتكرر خطبه لذَلِك مرة بعد أُخْرَى إلى أَن قيل لَهُ فعين لنا من يصلح فعين أَخَاهُ وَولى مشيخة الخانقاه الباسطيه من صالحية دمشق وروي عَنهُ حِكَايَة عَجِيبَة وهي أَنه دخل على واقفها قبل أَن يَجْعَلهَا مدرسة فَأَعْجَبتهُ وَقَالَ فِي نَفسه إنه لَا يتهيأ لَهُ سُكُون مثلهَا الا فِي الْجنَّة فَلَمَّا انْفَصل عَنهُ بعد السَّلَام عَلَيْهِ لم يصل إلى بَابهَا إلا وَبَعض جمَاعَة صَاحبهَا قد تبعه وَأخْبر أَنه تحدث عقب خُرُوجه بأنه سيجعلها مدرسة ويقرره في مشيختها ثمَّ جعلهَا كَذَلِك وَقَررهُ فِيهَا وَهُوَ مَحْمُود الْمُبَاشرَة في جَمِيع مَا تولاه يصمم على الْحق وَلَا يلْتَفت إلى رسائل الكبراء في شفاعات وَنَحْوهَا
وَله مؤلفات مِنْهَا مُخْتَصر الصِّحَاح للجوهري وَهُوَ مُخْتَصر حسن وَله ديوَان خطب ورسائل وديوان شعر ومؤلف سَمَّاهُ الْغَيْث الهاتن في وصف العذار الفاتن أَتَى فِيهِ بمقاطيع فائقة نَحْو مائَة وَخمسين مَقْطُوعًا
(1/9)

أودع كلاً مِنْهَا معنى غَرِيبا غير الآخر مَعَ كَثْرَة مَا قَالَ النَّاس فى ذَلِك وَله رسائل عاطلة عَن النقط من عجائب الْوَضع في السلاسة والانسجام وَصَارَ شيخ الْأَدَب بالبلاد الشامية بِغَيْر مدافع كَذَا قَالَ السخاوي في تَارِيخه وَابْن حجر في مُعْجَمه وَقَالَ المقريزي أَنه مهر في عدَّة فنون سِيمَا الأدب فَلهُ النظم الْجيد وَكَانَ يحْكى أَن الزيني عبد الباسط قَالَ لَهُ إن مراسلاتك المسجعة إلينا تبلغ أَربع مجلدات وإذا كَانَ هَذَا مِقْدَار مَا كتبه إلى فَرد من أَفْرَاد النَّاس فَمَا ظَنك بِمَجْمُوع مَا كتبه وَالْحَاصِل أَنه وَقع الِاتِّفَاق من جَمِيع من تَرْجمهُ على أَنه لم يكن في عصره من يدانيه فى النّظم والنثر مَاتَ يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر ربيع الأول سنة 870 سبعين وثمان مائَة وَصلى عَلَيْهِ بالجامع المظفري وَدفن بالروضة من سفح قاسيون يوصية مِنْهُ وَمن شعره
(سل الله رَبك مَا عِنْده ... وَلَا تسْأَل النَّاس مَا عِنْدهم)
(وَلَا تبتغي من سواهُ الْغِنَا ... وَكن عَبده لَا تكن عبدهم)
وَله
(سئمت من الدُّنْيَا وصحبة أَهلهَا ... وأصبحت مرتاحا الى نقلتى مِنْهَا)
(وَوَاللَّه مَا آسى عَلَيْهَا وأننى ... وَإِن رغبت فِي صحبتى رَاغِب عَنْهَا)
وَله
(اذا اسْتغنى الصّديق وصا ... رذا وصل وَذَا قطع)
(وَلم يبد احتفالابى ... وَلم يحرص على نفعى)
(فأنأى عَنهُ استغى ... بجاه الصَّبْر والقنع)
(وأحسب أَنه مَا مرّ ... في الدُّنْيَا على سمعي)
(1/10)

(5) إبراهيم بن حسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد اليعمري
زاهد الْعَصْر وناسك الدَّهْر
ولد سنة 1164 أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وتلى الْكتاب الْعَزِيز على شيخ الْقُرْآن الْعَظِيم صَالح الجرادي وَأخذ في الْآلَات على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن علي بن حُسَيْن بن علي بن المتَوَكل وَأخذ الْفِقْه والفرائض على السَّيِّد بن حسن الصعدى وَأخذ في علم السنّة على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي وانتفع بِعِلْمِهِ فَعمل بِهِ وَعَكَفَ على الْعِبَادَة وتحلّى بالزهد وَصَارَ عَابِد الْعَصْر وزاهده وانْتهى إليه الْوَرع وَحسن السمت والتواضع والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَاتفقَ النَّاس على الثَّنَاء عَلَيْهِ والمدح لشمائله فَصَارَ الْمشَار إليه في هَذَا الْبَاب وانتفع النَّاس بصلاح دعواته وقصدوه لذَلِك وَهُوَ الْآن حَسَنَة الزَّمن وزينة الْيمن مَعَ الْمُحَافظَة على الشَّرْع والاقتداء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم والاستكثار من النَّوَافِل والأوراد وَكَانَ جده أَحْمد على هَذِه الصفة الَّتِى حفيده هَذَا عَلَيْهَا زَاده الله مِمَّا أولاه ونفع بِهِ وَمَات رَحمَه الله لعشرين خلت من شهر شَوَّال سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف
(6) إبراهيم بن حسن بن شهَاب الدَّين الكوراني
الشهرزوري الشهراني الكردي
الشافعي الإمام الْكَبِير الْمُجْتَهد ولد فِي سنة 1025 خمس وَعشْرين وَألف بِبِلَاد شَهْرَان من جبال الكرد وَنَشَأ في عفة طَاهِرَة فَأخذ في بِلَاده الْعَرَبيَّة والمنطق والحساب والهيئة والهندسة وَغير ذَلِك وَكَانَ دأبه إذا
(1/11)

عرضت لَهُ مَسْأَلَة في فن أتقن ذَلِك الْفَنّ غَايَة الإتقان ثمَّ قَرَأَ في الْمعَانى وَالْبَيَان والأصول وَالْفِقْه وَالتَّفْسِير ثمَّ سمع الحَدِيث عَن جمَاعَة في غير بِلَاده كالشام ومصر والحجاز والحرمين وَقد ذكر مشايخه في الْأُمَم وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهُم
وَله مصنفات كَثِيرَة حَتَّى قيل إِنَّهَا تنيف على ثَمَانِينَ مِنْهَا إتحاف الْخلف بتحقيق مَذْهَب السّلف واتحاف الْمُنِيب الأواه بِفضل الْجَهْر بِذكر الله واعمال الْفِكر وَالرِّوَايَات في شرح حَدِيث إِنَّمَا الأعمال بِالنِّيَّاتِ ولوامع اللآل فى الْأَرْبَعين العوال ومسلك الارشاد الى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فى الْجِهَاد وانباه الإنباه في إعراب لَا إِلَه إِلَّا الله وَقصد السَّبِيل وَغير ذَلِك وبرع في جَمِيع الْفُنُون وأقرأ باللغة الْعَرَبيَّة والفارسية والتركية وَسكن بعد ذَلِك مَكَّة المشرفة وانتفع بِهِ النَّاس ورحلوا اليه وَأخذُوا عَنهُ في كل فن حَتَّى مَاتَ في ثامن عشر شهر جُمَادَى الأولى سنة 1101 وَاحِدَة وَمِائَة وَألف وَدفن بعد الْمغرب ببقيع الْغَرْقَد وَأَنا أروي عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين عَن أَبِيه عَن جده عَنهُ بِالسَّمَاعِ من عَلَاء الدَّين مِنْهُ
(7) إبراهيم بن خَالِد بن أَحْمد بن قَاسم العلفي ثمَّ الصنعاني
ولد على رَأس الْقرن الحادي عشر تَقْرِيبًا وَقيل سنة 1106 سِتّ وَمِائَة وَألف أوفى الَّتِى بعْدهَا وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَطلب علم الْفُرُوع وحققه ثمَّ طلب بَقِيَّة عُلُوم الِاجْتِهَاد فشارك فِيهَا مُشَاركَة قَوِيَّة واشتهر بِصَنْعَاء وَبعد صيته وقصده طلبة علم الْفُرُوع فَأخذُوا عَنهُ وتنافسوا في ذَلِك واستفادوا وصاروا أعياناً وَكَانَ يقْصد بالفتاوى من الْعَامَّة والخاصة
(1/12)

ويعارض باجتهاداته وصحيح أنظاره أنضار أكَابِر عُلَمَاء عصره كالسيد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وَغَيره وَلِلنَّاسِ بِمَا يصدر عَنهُ من الْفَتَاوَى اشْتِغَال ورغبة عَظِيمَة وهي مَجْمُوعَة في مُجَلد جمعهَا الْعَلامَة حَامِد بن حسن شَاكر الآتي ذكره وَشرع في جمع حَاشِيَة على الأزهار وَلم تكمل وَهُوَ مِمَّن يضْرب بزهده الْمثل وَمَات وَلم يتَزَوَّج وَكَانَ مَوته في وسط الْقرن الثاني عشر وأرّخه بَعضهم في ثامن عشر شعْبَان سنة 1156 سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف وَمن مشايخه السَّيِّد الْعَلامَة هَاشم ابْن يحيى الشامى وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم ومولده برداع ثمَّ هَاجر إلى ذمار وارتحل بعد ذَلِك إلى صنعاء وَاسْتقر بهَا حَتَّى مَاتَ
(8) إبراهيم بن شيخ الأمير صارم الدَّين بن السُّلْطَان شيخ
الآتي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى ولد بالبلاد الشامية فِي أوائل الْقرن الثَّامِن تَقْرِيبًا وَأمه أم ولد اسْمهَا نور مَاتَت قبل سلطنة أَبِيه ذكره ابْن خطيب الناصرية فَقَالَ كَانَ مَعَ أَبِيه وَهُوَ صَغِير حِين كَانَ نَائِب حلب ثمَّ
(1/13)

قدمهَا مَعَه فِي أَيَّام سلطنته ثمَّ لما جرده أَبوهُ فِي سنة 822 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة لفتح الْبِلَاد القرمانية وَمَعَهُ عدَّة من المقدمين كططر وجقمق وَغَيرهمَا فَفَتحهَا وَفتح غَيرهَا وَأقَام هُنَالك ثَلَاثَة أشهر ثمَّ عَاد إلى حلب فِي أثْنَاء رَجَب وَنزل بقلعتها وَأقَام بهَا إلى الْعشْر الأخيرة من شعْبَان إلى أَن رسم لَهُ بِالرُّجُوعِ إلى الديار المصرية فَرجع بالعساكر فِي أَوَاخِر شعْبَان وبرز أَبوهُ لملاقاته فِي سَابِع عشر رَمَضَان وتيمن بطلعته فَلم يلبث أَن مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة 823 ثَلَاث وَعشْرين وثمان مائَة مسموماً وَكَانَ شَابًّا حسنا شجاعاً عِنْده حشمة وملوكية كَرِيمًا عَاقِلا مائلاً إلى الْخَيْر وَالْعدْل والعفة عَن أَمْوَال النَّاس وَلما لقِيه الأمراء سلم عَلَيْهِم وَهُوَ رَاكب وبمجرد أَن عاين النَّاصِر بن البارزي كَاتب السِّرّ نزل عَن فرسه وتعانقا لعلمه بتمكنه عِنْد أَبِيه ثمَّ عَاد الْجَمِيع في خدمته إلى منزله فَلَقوا السُّلْطَان هُنَالك فَنزل الْأُمَرَاء القادمون صُحْبَة الأمير إبراهيم ثمَّ نزل هُوَ وَقبل الأَرْض ثمَّ قَامَ وَمَشى حَتَّى قبل ركاب أَبِيه فبكي لفرحه بِهِ وَبكى النَّاس لبكائه وَكَانَت سَاعَة عَظِيمَة ثمَّ سارا بموكبهما إلى خانقاه سريا قوسي وباتا بهَا لَيْلَة الْخَمِيس تَاسِع عشر وَركب السُّلْطَان من اللَّيْل فَرمى الطير بِالْبركَةِ واصطاد وَدخل السُّلْطَان الْقَاهِرَة من بَاب النَّصْر وَقد احتفل النَّاس بالزينة لوَلَده وَهُوَ بتشريف هائل وَخَلفه الأسرى الَّذين جاءبهم وهم نَحْو الْمِائَتَيْنِ فى الأغلال وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَنزل إلى دَاره وَاسْتمرّ على حَاله فَدس كَاتب السِّرّ إِلَى أَبِيه فى غُضُون ذَلِك من يُخبرهُ أَنه صَار يتوعد أَبَاهُ بِالْقَتْلِ وأنه يتَمَنَّى مَوته لكَونه يحب بعض حظاياه وَلَا يتَمَكَّن مِنْهَا إِلَّا
(1/14)

خُفْيَة وَبرهن على ذَلِك بأمارات وعلامات وأنه صمم على قَتله بالسم أَو غَيره إن لم يمت عَاجلا من الْمَرَض مَعَ مَا فِي نَفسه من محبَّة الاستبداد وإنه يعد الأمراء بمواعيد فَحِينَئِذٍ أذن السُّلْطَان لبَعض خواصه أَن يُعْطِيهِ مَا يكون سَببا لقَتله من غير إسراع فدسوا إليه من سقَاهُ من المَاء الذي يطفى فِيهِ الْحَدِيد فَلَمَّا شربه أحس بالمغص فِي جزفه فعالجه الْأَطِبَّاء مُدَّة وَنَدم السُّلْطَان على مَا فرط مِنْهُ وَأمر الْأَطِبَّاء بِالِاجْتِهَادِ فِي علاجه فلازموه نصف شهر إلى أَن تراجعت إليه بعض الصِّحَّة وَركب فِي محفة وَكَاد أَن يتعافى فدسوا عَلَيْهِ من سقَاهُ ثَانِيًا من غير علم أَبِيه فانتكس وَاسْتمرّ إلى خَامِس عشر جُمَادَى الأولى وَنزل أَبوهُ لعيادته ثمَّ مَاتَ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَاشْتَدَّ جزع أَبِيه عَلَيْهِ إلا أَنه تجلد وأسف النَّاس كَافَّة على فَقده وشاع بَينهم أن أَبَاهُ سمه إِلَّا أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّصْرِيح بذلك قَالَ السخاوي وَلم يَعش أَبوهُ بعده سوى سِتَّة أشهر وأياماً كدأب من قتل أَبَاهُ أَو ابْنه على الْملك فَتلك عَادَة مُسْتَقِرَّة وَطَرِيقَة مستقرأة وَكَذَا قَالَ ابْن حجر وَصَارَ الَّذين حسّنوا لَهُ ذَلِك الْفِعْل يبالغون فِي ذكر معايبه وينسبونه إلى الإسراف على نَفسه والتبذير والمجاهرة بِالْفِسْقِ من اللواط وَالزِّنَا وَالْخمر والتعرّض لحرم أَبِيه وَغير ذَلِك مِمَّا كَانَ برَاء عَن أَكْثَره وَعند الله يجْتَمع الْخُصُوم وخطب ابْن خطيب الناصرية يَوْم مَوته وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة خطْبَة حَسَنَة سبك فِيهَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب وإنا عَلَيْك يَا إبراهيم لَمَحْزُونُونَ فأبكى السُّلْطَان وَمن حضر وَبعد مَوته وَقع الْخلَل فِي دولة وَالِده السُّلْطَان وَمَات
(1/15)

الساعون فِي هَلَاك وَلَده وَاحِدًا بعد وَاحِد وَلم يستكمل بعده ابْن البارزى أَرْبَعَة أشهر
(9) الشَّيْخ ابراهيم بن صَالح الهندى الصَّنعاني الشَّاعِر الْمَشْهُور
كَانَ أشعر أهل عصره غير مدافع وَله ديوَان شعر فِي مُجَلد ضخم رَأَيْته فِي أَيَّام قديمَة فَوجدت فِيهِ مَا هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعليا والمتوسطة والسافلة وَلَكِن الْجيد أغلب وَكَانَ يتشبه فِي مدحه وحماسته بأبي الطيب وَمن فائق مقطعاته قَوْله
(أشبه ثغره والقات فِيهِ ... وَقد لانت لرقَّته الْقُلُوب)
(لآل قد نبتن على عقيق ... وَبَينهمَا زمردة تذوب)
وَمن مقطعاته فِي مليح يسبح فِي مَاء
(وأبيض عاينته سابحاً ... فِي لجة للْمَاء زرقاء)
(فَقلت هَذَا الْبَدْر فِي لجة ... أم ذَا خيال الشَّمْس فِي المَاء
وَكَانَ وَالِده من جملَة البانيان الواصلين إلى صنعاء فَأسلم على يَد بعض آل الإمام وَحسن إسلامه وَنَشَأ وَلَده هَذَا مشغوفاً بالأدب مُولَعا بعالي الرتب وَأكْثر مدائحه فِي الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ومدح الإمام المتَوَكل إسماعيل بن الْقَاسِم وَابْنه علي بن المتَوَكل وَمُحَمّد ابْن الْحسن وَلما صَارَت الْخلَافَة إلى المهدي صَاحب الْمَوَاهِب وَفد إليه صَاحب التَّرْجَمَة وَقد كَانَ بلغه عَنهُ شئ فَقَالَ لَهُ بأيِّ شَفِيع جِئْت فَقَالَ لَهُ بِهَذَا وَأخرج الْمُصحف من صَدره فَقَالَ قد قبلنَا هَذَا الشَّفِيع وَلَكِن لَا أَرَاك بعد الْيَوْم فتغيب عَنهُ من ذَلِك الْيَوْم ولازم الْعِبَادَة والتزهد وَكَانَ إِذا
(1/16)

قَامَ إلى الصَّلَاة اصفر لَونه وَحج وَمَات عقب عوده فِي سنة 1100 مائَة وألف أَو فِي الَّتِى قبلهَا
(10) السَّيِّد إبراهيم بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين الْعَلامَة ابْن شَيخنَا الإمام
الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى ولد فِي لَيْلَة ثامن عشر رَمَضَان سنة 1169 تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَتخرج بشيخنا وَالِده رَحْمَة الله فِي النَّحْو
(1/17)

وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالْعرُوض واللغة والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع فِي جَمِيع هَذِه المعارف وَصَارَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين المجيدين ارتحل مَعَ وَالِده من كوكبان إلى مَدِينَة صنعاء وَمَا زَالَ مكبّا على الْقِرَاءَة على وَالِده ورافقني فِي بعض مَا سمعته مِنْهُ وَبعد موت وَالِده في تَارِيخه الآتي قَصده الطّلبَة إلى منزله وقرأوا عَلَيْهِ فِي فنون مُتعَدِّدَة وَله رسائل ومسائل مفيدة مَعَ تواضع وَحسن أَخْلَاق وكرم وعفاف وشهامة نفس وصلابة دين وَحسن محاضرة وَقُوَّة عارضة وفصاحة ورجاحة وقدرة على النّظم والنثر وسيلان ذهن جمَّل الله بِوُجُودِهِ ونفع بِعُلُومِهِ وَهُوَ الْآن فِي قيد الحيوة مَا بَين الْأَرْبَعين وَالْخمسين وَله تلامذة نبلاء فضلاء تخْرجُوا بِهِ ولزموا طَرِيقَته فصاروا من أعيان الْعلمَاء والمترجم لَهُ عافاه الله لَا تقيد بِمذهب وَلَا يُقَلّد فِي شَيْء من أُمُور دينه بل يعْمل بنصوص الْكتاب وَالسّنة ويجتهد رَأْيه وَهُوَ أهل لذَلِك وَله معرفَة بعلوم أُخْرَى غير مَا قدمنَا ذكره مِنْهَا مَا اسْتَفَادَ عَن وَالِده وَمِنْهَا مَا عرفه بفاضل ذهنه وقويم فكره وَتُوفِّي رَحْمَة الله فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لَعَلَّه ثَالِث عشر شهر رَمَضَان سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ والف
(1/18)

(11) السَّيِّد إبراهيم بن عبد الله بن إسماعيل الحوثيِّ ثمَّ الصَّنعاني
ولد ثامن شهر شَوَّال سنة 1187 سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وألف وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَلَعَلَّه أَخذ عَن شَيخنَا الإمام السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد في آخر مدَّته واستفاد صَاحب التَّرْجَمَة فِي عدَّة عُلُوم مِنْهَا النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع فِي هَذِه الْعُلُوم وتاقت نَفسه إلى مطالعة فنون من علم الْمَعْقُول فادرك فِيهِ إدراكاً جيداً لجودة فهمه وَحسن تصَوره وَهُوَ الْآن ملازم للسَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر الْمَذْكُور قبله وَلَا يُفَارِقهُ فِي غَالب الْأَوْقَات فيستفيد مِنْهُ ويفيد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الزَّمن وَمن الضاربين بِسَهْم وافر في كل فن وَهُوَ الْآن يشْتَغل بِجمع تراجم عُلَمَاء الْقرن الثاني عشر من أهل الْيمن وَقد بعث إليَّ بَعْضهَا فرأيته قد جوّد غَالب تِلْكَ التراجم وطولها وَهُوَ كمشايخه في اجْتِهَاد رَأْيه وَالْعَمَل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله فِي يَوْم الْأَحَد ثامن شهر شَوَّال سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
(12) إبراهيم بن عمر بن حسن بن الرِّبَاط
بِضَم الرَّاء بعْدهَا مُوَحدَة خَفِيفَة ابْن علي بن أَبى بكر البقاعي نزيل الْقَاهِرَة ثمَّ دمشق الإمام الْكَبِير برهَان الدَّين ولد تَقْرِيبًا سنة 809 تسع وثمان مائَة بقرية من عمل الْبِقَاع وَنَشَأ بهَا ثمَّ تحوَّل إلى دمشق ثمَّ فَارقهَا وَدخل بَيت الْمُقَدّس ثمَّ الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على التَّاج بن بهادر فِي الْفِقْه والنحو وعَلى الجزرى فِي القرا آتٍ جَمِيعًا للعشرة على أثْنَاء سُورَة الْبَقَرَة
(1/19)

وَأخذ عَن التقي الحصني والتاج الغرابيلي والعماد بن شرف والشرف السبكي والْعَلَاء القلقشندي والقاياني والحافظ ابْن حجر وأبي الْفضل المغربي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران لَا كَمَا قَالَ السخاوي أَنه مَا بلغ رُتْبَة الْعلمَاء بل قصارى أمره إدراجه فِي الْفُضَلَاء وَأَنه مَا علمه أتقن فَنًّا قَالَ وتصانيفه شاهدة بِمَا قلته قلت بل تصانيفه شاهدة بِخِلَاف مَا قَالَه وَأَنه من الْأَئِمَّة المتقنين المتبحرين فِي جَمِيع المعارف وَلَكِن هَذَا من كَلَام الأقران فِي بَعضهم بعض بِمَا يُخَالف الإنصاف لما يجري بَينهم من المنافسات تَارَة على الْعلم وَتارَة على الدُّنْيَا وَقد كَانَ المترجم لَهُ منحرفاً عَن السخاوي والسخاوي منحرفاً عَنهُ وَجرى بَينهمَا من المناقضة والمراسلة والمخالفة مَا يُوجب عدم قبُول أَحدهمَا على الآخر وَمن أمعن النظر فِي كتاب المترجم لَهُ فِي التَّفْسِير الَّذِي جعله فِي الْمُنَاسبَة بَين الآي والسور علم أَنه من أوعية الْعلم المفرطين فِي الذكاء الجامعين بَين علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَكَثِيرًا مَا يشكل على شئ فِي الْكتاب الْعَزِيز فأرجع إلى مطولات التفاسير ومختصراتها فَلَا أجد مَا يشفي وأرجع إلى هَذَا الْكتاب فأجد مَا يُفِيد فِي الْغَالِب وَقد نَالَ مِنْهُ عُلَمَاء عصره بِسَبَب تصنيف هَذَا الْكتاب وأنكروا عَلَيْهِ النَّقْل من التَّوْرَاة والإنجيل وترسلوا عَلَيْهِ وَأغْروا بِهِ الرؤساء وَرَأَيْت لَهُ رِسَالَة يُجيب بهَا عَنْهُم وينقل الْأَدِلَّة على جَوَاز النَّقْل من الْكِتَابَيْنِ وفيهَا مَا يشفي وَقد حجّ ورابط وانجمع فَأخذ عَنهُ الطّلبَة فِي فنون وصنَّف التصانيف وَلما تنكر لَهُ النَّاس وبالغوا فِي أَذَاهُ لمّ أَطْرَافه وَتوجه إلى دمشق وَقد كَانَ بلغ جمَاعَة من أهل الْعلم فِي التَّعَرُّض لَهُ بِكُل مَا يكره إلى حد التَّكْفِير حَتَّى رتبوا عَلَيْهِ دَعْوَى عِنْد
(1/20)

القاضي المالكي أَنه قَالَ إن بعض المغاربة سَأَلَهُ أَن يفصل في تَفْسِيره بَين كَلَام الله وَبَين تَفْسِيره بقوله أي أَو نَحْوهَا دفعاً لما لَعَلَّه يتَوَهَّم وَقد كَانَ رام المالكي الحكم بِكُفْرِهِ وإراقة دَمه بِهَذِهِ الْمقَالة حَتَّى ترامى المترجم لَهُ على القاضي الزيني بن مزهر فعذره وَحكم بإسلامه وَقد امتحن الله أهل تِلْكَ الديار بقضاه من الْمَالِكِيَّة يتجرون على سفك الدِّمَاء بِمَا لَا يحل بِهِ أدنى تَعْزِير فأراقوا دِمَاء جمَاعَة من أهل الْعلم جَهَالَة وضلالة وجرأة على الله وَمُخَالفَة لشريعة رَسُول الله وتلاعباً بِدِينِهِ بِمُجَرَّد نُصُوص فقهية واستنباطات فروعية لَيْسَ عَلَيْهَا اثارة من علم فانا لله وإنا إليه رَاجِعُون وَلم يزل المترجم لَهُ رَحمَه الله يكابد الشدائد ويناهد العظائم قبل رحلته من مصر وَبعد رحلته إلى دمشق حَتَّى توفاه الله بعد أَن تفتت كبده كَمَا قيل في لَيْلَة السبت ثامن عشر رَجَب سنة 885 خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة وَدفن خَارج دمشق من جِهَة قبر عَاتِكَة وَقد ترْجم لَهُ السخاوي تَرْجَمَة مظْلمَة كلهَا سب وانتقاص وطولها بالمثالب بل مَا زَالَ يحط عَلَيْهِ فى جَمِيع كِتَابه الْمُسَمّى بالضوء اللامع لِأَن المترجم لَهُ كتب لأهل عصره تراجم ونال من أَعْرَاض جمَاعَة مِنْهُم لاسيما الأكابر الَّذين أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَكَانَ السخاوي ينْقل قَوْله في تَرْجَمَة أُولَئِكَ الأكابر ويناقضه وينتقصه ولشعراء عصره فِيهِ أمداح وأهاجى
وَمَا زَالَت الأشراف تهجى وتمدح
وَهُوَ كثير النظم جيد النثر في تراجمه ومراسلاته ومصنفاته وَهُوَ مِمَّن رثى نَفسه فى حيوته فَقَالَ
(نعم إنني عَمَّا قريب لمَيت ... وَمن ذَا الذي يبْقى على الْحدثَان)
(1/21)

(كَأَنَّك بي أنعى عَلَيْك وَعِنْدهَا ... ترى خَبرا صمّت لَهُ الأذنان)
(فَلَا حسد يبْقى لديك وَلَا قلى ... فينطق في مدحي بأي معَان)
(وَتنظر أوصافى فتعلم أَنَّهَا ... علت عَن مدان في أعز مَكَان)
(ويمسي رجَالًا قد تهدّم ركنهم ... فمدمعهم لي دَائِم الهملان)
(فكم من عَزِيز بي يذل جماحه ... ويطمع فِيهِ ذُو شقا وهوان)
(فيارب من تفجأ بهول يوده ... وَلَو كنت مَوْجُودا لَدَيْهِ دعانى)
(ويارب شخص قد دهته مُصِيبَة ... لَهَا الْقلب أَمْسَى دَائِم الخفقان)
(فيطلب من يجلو صداها فَلَا يرى ... وَلَو كنت جلتها يدي ولساني)
(وَكم ظَالِم نالته مني غَضَاضَة ... لنصرة مظلوم ضَعِيف وجنان)
(وَكم خطة سامت ذووها معرة ... أُعِيدَت بِضَرْب من يَدي وطعان)
(فإن يرثني من كنت أجمع شَمله ... بتشتيت شملي فالوفاء رثاني)
وَمن محاسنه الَّتِى جعلهَا السخاوي من جملَة عيوبه مَا نَقله عَنهُ أَنه قَالَ في وصف نَفسه أَنه لَا يخرج عَن الْكتاب وَالسّنة بل هُوَ متطبع بطباع الصَّحَابَة انْتهى وَهَذِه منقبة شريفة ومرتبة منيفة
(13) السَّيِّد ابراهيم بن الْقَاسِم بن المؤبد بِاللَّه مُحَمَّد بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْعَلامَة الْحَافِظ المؤرخ
مُصَنف طَبَقَات الزيدية وَهُوَ كتاب لم يؤلَّف مثله في بَابه جعله ثَلَاثَة أَقسَام الْقسم الأول في من روى عَن أَئِمَّة الْآل من الصَّحَابَة وَالْقسم الثانى فِيمَن بعدهمْ الى رَأس خَمْسمِائَة وَالْقسم الثَّالِث في أهل الْخَمْسمِائَةِ وَمن بعدهمْ إلى أَيَّامه وَذكر جمَاعَة من أَعْيَان الْقرن الثاني عشر وَمَات فِيهِ وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة وَقد ذكر فى الْكتاب الْمَذْكُور مشايخه
(1/22)

وماسمعه مِنْهُم وكل طبقَة من الطَّبَقَات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة جعلهَا على حُرُوف المعجم
(1/23)

(14) السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد ابْن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن احْمَد بن عَامر وَغَيرهمَا وجدَّ فِي ذَلِك حَتَّى صَار من أَعْيَان الزَّمن ومحاسن بني الْحسن لَهُ مَكَارِم وفضائل وَحسن أخلاق واشتغال بالعلوم والعبادات وَالْقِيَام بوظائف الطَّاعَات وَقَضَاء حوائج المحتاجين والسعى فى صَلَاح الْمُسلمين مَالا يقدر على الْقيام بِهِ غَيره وَكم تصل إليَّ مِنْهُ رسائل ونصائح فِيمَا يتَعَلَّق بشأن الدولة وَيَأْخُذ عليَّ أَنه لَا يحل السُّكُوت وَله رَغْبَة في المباحثات العلمية شَدِيدَة بِحَيْثُ أَنه لَا يعرض الْبَحْث في مَسْأَلَة من الْمسَائِل إِلَّا وفحّص عَنهُ وَسَأَلَ وراجع وَكَثِيرًا مَا تفد عليّ مِنْهُ سُؤَالَات أُجِيب عَنْهَا برسائل كَمَا يحْكى ذَلِك مَجْمُوع رسائلي مَعَ أَنه نفع الله بِهِ إِذْ ذَاك عالى السن قد قَارب السّبْعين وَأَنا في نَحْو الثَّلَاثِينَ وَهَذَا أعظم دَلِيل على تواضعه ثمَّ مَا زَالَ هَذَا دأبه إلى الْآن وَهُوَ صديقي وحبيبي يدعوني إلى بَيته الْمرة بعد الْمرة وَله في المكارم مَسْلَك لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَفِي حسن الْأَخْلَاق وتفويض الأمور إلى الْمُهَيْمِن الخلاق أَمر عَجِيب وَقد
(1/24)

أَعَانَهُ الله على بر وَالِده وَالْقِيَام بِوَاجِب حَقه والمشي على مَا يُريدهُ وَكَانَ وَالِده رَحمَه الله رَئِيس آل اسحق والمتولي لأمورهم بعد أَن دَعَا إلى نَفسه وَبَايَعَهُ النَّاس قاطبة ثمَّ اخْتَار الله لَهُ التَّخَلُّص من ذَلِك فَمَا زَالَ على رئاسة أهل بَيته حَتَّى مَاتَ ثمَّ قَامَ وَلَده هَذَا مقَامه أَيَّامًا فَلم تطب نفس أَخِيه الأكبر السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد فَخرج من صنعاء مغاضبّا للإمام المهدي رَحمَه الله وسيأتي شرح ذَلِك في تَرْجَمته إن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِله أَنه صَار مَكَان وَالِده وَرغب صَاحب التَّرْجَمَة عَن الرِّئَاسَة الدُّنْيَوِيَّة فاستبدل بِالْخَيْلِ والخول الزّهْد والتقشف وَترك زي أَبنَاء جنسه من بَيت الْخلَافَة والمملكة وَمَعَ هَذَا فَلهُ جلالة في الْقُلُوب ونبالة في النُّفُوس وضخامة زَائِدَة عِنْد جَمِيع النَّاس إِذا مرَّ بِهِ رَاكب من آل الامام أَو من أكَابِر الوزراء والأمراء وَالْقَضَاء ترجل لَهُ وَسلم عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْت مَوْلَانَا الْخَلِيفَة يجلُّ أحداً كإجلاله لَهُ وَهُوَ حقيق بِذَاكَ وَهُوَ الْآن حيٌّ ينْتَفع بِهِ النَّاس
(1/25)

(15) إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علي بن مَسْعُود بن رضوَان
المقدسي ثمَّ القاهري الشافعي أَخُو الْكَمَال مُحَمَّد الآتي ذكره
ولد لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن عشر ذي الْقعدَة سنة 836 سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِبَيْت الْمُقَدّس ونشأبه فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع وتلاه تجويداً لِابْنِ كثير وأبي عَمْرو وَأخذ عَن سراج الرومي في الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول والمنطق وَعَن يَعْقُوب الرومي فِي الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان بل سمع عَلَيْهِمَا كثيراً من فقه الْحَنَفِيَّة وَسمع على التقى القلقشندى المقدسى والزين ماهر وَآخَرين وَأَجَازَ لَهُ خلق ثمَّ لما قدم الْقَاهِرَة قَرَأَ على الإمامين الأقصراني في شرح العقائد والجلال الْمحلى فى شَرحه لجمع الْجَوَامِع وَقَرَأَ على جمَاعَة كَثِيرَة في فنون مُتعَدِّدَة ثمَّ حجّ سنة 853 ثَلَاث وَخمسين وثمان مائَة وَقَرَأَ في مَكَّة على التقي بن فَهد وابى الْفَتْح المراغى والمحب الطبري وَجَمَاعَة وبرع فِي الْفُنُون وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالإقراء والإفتاء وصنَّف التصانيف مِنْهَا شرح الحاوي فِي مُجَلد ضخم وَمِنْهَا شرح قَوَاعِد الاعراب فِي نَحْو عشرَة كراريس وَشرح العقائد لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَشرح الْمِنْهَاج الفرعي ونظم النخبة ومختصرات كَثِيرَة كتهذيب الْمنطق للتفتازانى والورقات لامام الْحَرَمَيْنِ وشذورالذهب وعقائد النسفي وَاخْتصرَ الرسَالَة القشيرية وَله مصنفات غير هَذِه ودرس في عدَّة فنون
(1/26)

وَأخذ عَنهُ الطّلبَة وَاسْتقر في تدريس التَّفْسِير بِجَامِع ابْن طولون وَفِي غَيره من الْجَوَامِع والمدارس وَولى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِالْقَاهِرَةِ في ذِي الْحجَّة سنة 906 عوض عبد الْقَادِر بن النَّقِيب وَاسْتمرّ إلى ثَالِث ربيع الأول سنة 910 عشر وَتِسْعمِائَة فعزل بقاضي الشَّام الشهابي وَصَارَ رَئِيس مصر وعالمها وَعَلِيهِ الْمدَار فِي الْفتيا وَمن صلابته في الدَّين أَنه اتفق للقضاة محنة مَعَ الْأَشْرَف الْمَذْكُور بِسَبَب اقرار الزَّانِيَيْنِ اللَّذين أَرَادَ الْأَشْرَف رجمهما قَاصِدا لإحياء هَذِه السنة فصمم صَاحب التَّرْجَمَة على عدم مُوَافَقَته في ذَلِك فعزل الْقُضَاة الْأَرْبَعَة وشنق الزَّانِيَيْنِ فَوقف صَاحب التَّرْجَمَة عَلَيْهِمَا وَقَالَ أشهد بَين يدي الله بظلمهما وَأَن قاتلهما يقتل بهما فَبلغ الْأَشْرَف ذَلِك فَعَزله عَن مشيخة مدرسته ثمَّ بلغه الله إلى أَن كَانَ قتل الْملك فِي حَيَاته وانقراض دولته فَرد إليه معلومهما من أول ولَايَته لَهما وعد ذَلِك من شهامته وَكَمَال دينه فَعظم بِهِ عِنْد الْخَاص وَالْعَام مَعَ لُزُوم منزله وَتردد النَّاس إليه للِانْتِفَاع بِهِ فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة ثاني شهر الْمحرم سنة 923 ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَصلى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة المتَوَكل على الله العباسي صَاحب مصر عقب صَلَاة الْجُمُعَة وَدفن بتربته الَّتِى أعدهَا فِي ساباط وَله نظم فَمِنْهُ من قصيدة
(دموعي قد نمت بسرِّ غرامي ... وباح بوجدي للوشاة سقامي)
(فأضحى حديثي بالصبابة مُسْندًا ... بمرسل دمعى من جفون دوامى)
وَمن أُخْرَى
(مَا خلت برقاً بأرجاء الشآم بدا ... إِلَّا تنفست من أشواقي الصعدا)
(وَلَا شممت عبيراً من نسيمكم ... إِلَّا قضيت بَان أقضي بِهِ كمدا)
(1/27)

(16) إبراهيم بن مُحَمَّد بن خَلِيل الْبُرْهَان الطرابلسي
الأَصْل الشامي المولد وَالدَّار الشافعي
ولد في ثاني عشر رَجَب سنة 753 ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة بالجلوم بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد اللَّام المضمومة وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فكفلته أمه وانتقلت بِهِ إلى دمشق فحفظ بهَا بعض الْقُرْآن ثمَّ رجعت بِهِ إلى حلب فَنَشَأَ بهَا وأدخلته مكتب الْأَيْتَام فأكمل بِهِ حفظه وَصلى بِهِ على الْعَادة التَّرَاوِيح فِي رَمَضَان وتلا تجويدا على الْحسن السايس المصري وعَلى الشهَاب ابْن أبي الرضى والحراني وَقَرَأَ في الْفِقْه على ابْن العجمي وَجَمَاعَة كالبلقيني وَابْن الملقن وفي اللُّغَة على مجد الدَّين صَاحب الْقَامُوس وفي الحَدِيث علي الزين العراقي والبلقيني وَابْن الملقن أَيْضا وَجَمَاعَة كَثِيرَة وارتحل إلى مصر مرَّتَيْنِ لقي بهَا جمَاعَة من أعيان الْعلمَاء وإلى دمشق وإسكندرية وَبَيت الْمُقَدّس وغزة والرملة ونابلس وحماه وحمص وطرابلس وبعلبك وروي عَنهُ أَنه قَالَ مشايخي في الحَدِيث نَحْو الْمِائَتَيْنِ وَمن رويت عَنهُ شيئاً من الشّعْر دون الحَدِيث بضع وَثَلَاثُونَ وفي الْعُلُوم غير الحَدِيث نَحْو الثَّلَاثِينَ وَقد جمع الْكل النَّجْم ابْن فَهد في مُجَلد ضخم وَكَذَلِكَ الْحَافِظ ابْن حجر وَاسْتقر بحلب وَلما هجمها تيمور لنك طلع بكتبه الى القلعة فَلَمَّا دخل الْبَلَد وسلبوا النَّاس كَانَ فِيمَن سلب حَتَّى لم يبْق عَلَيْهِ شئ ثمَّ أسروه وبقي مَعَهم إلى أَن رحلوا إلى دمشق فَأطلق وَرجع إلى بَلَده فَلم يجد أحداً من أَهله وَأَوْلَاده قَالَ فَبَقيت قَلِيلا ثمَّ تَوَجَّهت إلى الْقرى الَّتِى حول حلب مَعَ جمَاعَة فَلم أزل هُنَالك إلى أَن رَجَعَ الطغاة جِهَة بِلَادهمْ فَدخلت بيتى فَعَادَت إِلَى أمتى نرجس وَلَقِيت زَوْجَتي وأولادي مِنْهَا وصعدت حِينَئِذٍ القلعة
(1/28)

فَوجدت أَكثر كتبي فأخذتها وَرجعت وَقد اجْتهد المترجم لَهُ فى الحَدِيث اجْتِهَاد كَبِيرا وَسمع العالي والنازل وَقَرَأَ البخاري أَكثر من سِتِّينَ مرة وَمُسلمًا نَحْو الْعشْرين واشتغل بالتصنيف فَكتب تَعْلِيقا لطيفاً على سنَن ابْن مَاجَه وشرحّا مُخْتَصرا على البخاري سَمَّاهُ التلقيح لفهم قَارِئ الصَّحِيح وَهُوَ في أَرْبَعَة مجلدات والمقتضى فِي ضبط الفاظ الشفا فى مُجَلد وَنور النبراس على سيرة ابْن سيد النَّاس فِي مجلدين والتيسير على ألفية العراقي وَشَرحهَا مَعَ زِيَادَة أَبْيَات فى الأَصْل غير مُسْتَغْنى عَنْهَا وَنِهَايَة السؤل في رُوَاة السِّتَّة الْأُصُول في مُجَلد ضخم والكشف الحثيث عَمَّن رمى بِوَضْع الحَدِيث في مُجَلد لطيف والتبيين لأسماء المدلسين فِي كراستين وَتَذْكِرَة الطَّالِب الْمعلم فِيمَن يُقَال انه مخضرم كَذَلِك والاعتباط فِيمَن رمي بالاختلاط قَالَ السخاوي وَكَانَ إماماً عَلامَة حَافِظًا خيراً ديّناً ورعاً متواضعاً وافر الْعقل حسن الْأَخْلَاق متخلقا بجميل الصِّفَات جميل الْعشْرَة محبا للْحَدِيث وَأَهله كثير النصح والمحبة لأَصْحَابه سَاكِنا منجمعاً عَن النَّاس متعففاً عَن التَّرَدُّد إلى بني الدُّنْيَا قانعاً باليسير طارحاً للتكلف رَأْسا في الْعِبَادَة والزهد والورع مديم الصيام وَالْقِيَام سهلاً في التحدث كثير الانصاف والبشر لمن يَقْصِدهُ للأخذ عَنهُ خُصُوصا الغرباء مواظباً على الِاشْتِغَال والإشغال والإقبال على الْقِرَاءَة بِنَفسِهِ حَافِظًا لكتاب الله كثير التِّلَاوَة لَهُ صبوراً على الإسماع رُبمَا أسمع الْيَوْم الْكَامِل من غير ملل وَلَا ضجر عرض عَلَيْهِ قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِبَلَدِهِ فَامْتنعَ وأصرّ على الِامْتِنَاع فَصَارَ بعد ذَلِك كل وَاحِد من قاضيها الشافعي والحنفي من تلامذته وَاتفقَ أَنه في بعض الْأَوْقَات حوصرت
(1/29)

حلب فَرَأى بعض أَهلهَا في الْمَنَام السراج البلقيني فَقَالَ لَهُ لَيْسَ على أهل حلب بَأْس وَلَكِن رح إلى خَادِم السنّة إبراهيم الْمُحدث وَقل لَهُ يقْرَأ عُمْدَة الْأَحْكَام ليفرج عَن الْمُسلمين فَاسْتَيْقَظَ فَاعْلَم الشَّيْخ فبادر إلى قرَاءَتهَا في جمع من طلبة الْعلم وَغَيرهم يَوْم الْجُمُعَة بكرَة النَّهَار ودعا للْمُسلمين بالفرح فاتفق أَنه في آخر ذَلِك النَّهَار نصر الله أهل حلب وَقد حدث بالكثير وَأخذ عَنهُ الْأَئِمَّة طبقَة بعد طبقَة وَألْحق الأصاغر بالأكابر وَصَارَ شيخ الحَدِيث بالبلاد الحلبية بلامدافع وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من الأكابر ابْن خطيب الناصرية والحافظ ابْن حجر وامتحنه فَأدْخل عَلَيْهِ شَيخا في حَدِيث مسلسل رام بذلك اختباره هَل يفْطن أم لَا فَتنبه الْبُرْهَان لذَلِك وَقَالَ لبَعض خواصه إن هَذَا الرجل يعْنى ابْن حجر لم يلقني إِلَّا وَقد صرت نصف رجل إِشَارَة إِلَى أَنه قد كَانَ عرض لَهُ قبل ذَلِك الفالج وأنسي كل شئ حَتَّى الْفَاتِحَة ثمَّ عوفي وَصَارَ يتراجع إليه حفظه كالطفل شَيْئا فَشَيْئًا وَلما دخل التقي الحصني حلب بلغني أَنه لم يتَوَجَّه لزيارته لكَونه كَانَ يُنكر على لابسي الأثواب النفيسة وعَلى المتقشفين فَمَا وسع المترجم لَهُ إِلَّا المجئ إليه فَوَجَدَهُ نَائِما بِالْمَدْرَسَةِ الشرفية فَجَلَسَ حَتَّى انتبه ثمَّ سلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ لَعَلَّك التقي الحصني ثمَّ سَأَلَهُ عَن شُيُوخه فسماهم فَقَالَ لَهُ إِن شيوخك الَّذين سميتهم عبيد ابْن تَيْمِية أَو عبيد من أَخذ عَنهُ فَمَا بالك تحط أَنْت عَلَيْهِ فَمَا وسع التقي إِلَّا أَن أَخذ نَعله وَانْصَرف وَلم يَجْسُر يرد عَلَيْهِ وَلم يزل على جلالته وعلو مَكَانَهُ حَتَّى مَاتَ مطعوناً في يَوْم الاثنين سادس عشر شَوَّال سنة 841 إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَهُوَ يَتْلُو وَلم يغب لَهُ عقل وَدفن بالجبيل عِنْد أَقَاربه
(1/30)

(17) إبراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزيرى
الْعَلامَة الْكَبِير مُصَنف الْهِدَايَة والفصول اللؤلؤية ولد تَقْرِيبًا سنة 860 سِتِّينَ وثمان مائَة وَقَرَأَ بِصَنْعَاء وصعدة على جمَاعَة من الشُّيُوخ في الْأُصُول والعربية وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَسَائِر الْفُنُون وَمن مشايخه السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن المرتضى وَالسَّيِّد عبد الله بن يحيى بن المهدي والإمام المتَوَكل على الله المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان والقاضى على بن مُوسَى الدوَّاري والغزولي المصري الْوَاصِل إلى الْيمن وَغير هَؤُلَاءِ وبرع في جَمِيع الْفُنُون وَصَارَ الْمرجع في عصره والمشار إليه بالفضيلة وَله مصنفات أشهرها وأجلّها مَا تقدم وَله نظم رائق فَمِنْهُ
قَوْله
(وإني وحبِّي للنبي وَآله ... وَمَا اشْتَمَلت مني عَلَيْهِ ضلوع)
(وَأَن أفلت مِنْهُم شموس طوالع ... يكون لَهَا بعد الأفول طُلُوع)
(1/31)

وَقد تَرْجمهُ السّخاوي في الضَّوْء اللامع فَلم يزدْ على أن قَالَ السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الله الصّنعاني الآتي أَبوهُ وَابْنه علي كهل فَاضل من أدباء صنعاء الْمَوْجُودين بهَا بعد السّبْعين وثمان مائَة أنشدني وَلَده الْمشَار إليه عَنهُ من قَوْله في أَبْيَات
(وَلَا صدعنى ماجد ذُو حفيظة ... وَلَا هجرتني زَيْنَب وسعاد)
(وَلَكِن شعري مِثْلَمَا قَالَ شَاعِر ... حَكِيم زُهَيْر دونه وَزِيَاد)
(إِذا أنكرتني بَلْدَة أَو نكرتها ... خرجت مَعَ البازي عليّ سَواد)
(أَبَت لي نفس حرَّة أَن أهينها ... وَقد شرفتها طيبَة ومعاد)
(فَلَيْسَتْ على خسف تقيم ببلدة ... وَلَا بزمام الاحتقار تقاد)
انْتهى ماذكره السخاوي وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَقد وهم في قَوْله وَلَده علي فَلَيْسَ لَهُ ولد اسْمه علي بل أَوْلَاده هم احْمَد وَمُحَمّد والهادي شيخ الْأَمَام
(1/32)

شرف الدَّين وَهَذِه الأبيات لَيست لَهُ بل هى لجده الهادى بن ابراهيم ابْن علي بن المرتضى وفي الأبيات خلط وَلم يزل المترجم لَهُ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ قبل الْعشَاء الْأَخِيرَة من لَيْلَة الْأَحَد ثاني شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 914 أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة
(18) السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير
سيأتي ذكره في تَرْجَمَة وَلَده السَّيِّد علي بن إبراهيم (19) إبراهيم بن يحيى بن مُحَمَّد بن صَلَاح السحولي الشجري
سيأتي ذكره في تَرْجَمَة وَلَده مُحَمَّد
ذكر من اسْمه أَحْمد
(20) أَحْمد بن إبراهيم بن الزّبير بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن عَاصِم بن مُسلم بن كَعْب
الْعَلامَة أَبُو جَعْفَر الأندلسي الْحَافِظ النحوي ولد سنة 627 سبع
(1/33)

وَعشْرين وسِتمِائَة وتلى بالسبع على أَبى الْحسن الساوي وَسمع مِنْهُ وَمن إسحاق بن إبراهيم الطوسي بِفَتْح الطَّاء وإبراهيم بن مُحَمَّد بن الْكَمَال والمؤرخ أَحْمد يُوسُف وأبي الْوَلِيد إسماعيل بن يحيى الأزدي وأبي الْحُسَيْن بن السراج وَمُحَمّد بن أَحْمد بن خَلِيل السلوي وَغَيرهم وَجمع وصنّف وَحدث بالكثير وَبِه تخرّج الْعَلامَة أَبُو حَيَّان وَصَارَ عَلامَة عصره فِي الحَدِيث وَالْقِرَاءَة وَله ذيل على تَارِيخ ابْن بشكوال وَجمع كتاباً في التَّفْسِير سَمَّاهُ ملاك التَّأْوِيل وَقَالَ أَبُو حَيَّان كَانَ يحرر اللُّغَة وَكَانَ أفْصح عَالم رَأَيْته وتفقه عَلَيْهِ خلق وَقَالَ غَيره إنه انفرد بالإفادة وَنشر الْعلم وَحفظ الحَدِيث وتمييز صَحِيحه من سقيمه وصنّف تَارِيخ عُلَمَاء الأندلس وَله كتاب الإعلام فِيمَن ختم بِهِ الْقطر الأندلسي من الْأَعْلَام وَمَا زَالَ على حَاله الْجَمِيل الى أَن توفى سنة 708 ثَمَان وَسَبْعمائة في ثاني عشر شهر ربيع الأول مِنْهَا وَمن مناقبه أَن الفازاري السَّاحر أدعى النُّبُوَّة فَقَامَ عَلَيْهِ فاستظهر عَلَيْهِ بتقربه الى أميرها بِالسحرِ وأوذى أَبُو جَعْفَر فتحول الى غرناطه فاتفق قدوم الفازاري رَسُولا من أمير مالقة فَاجْتمع أَبُو جَعْفَر بِصَاحِب غرناطه وَوصف لَهُ حَال الفازارى فأذن لَهُ إذا انْصَرف بِجَوَاب رسَالَته أَن يخرج إليه بِبَعْض أهل الْبَلَد ويطالبه من نَائِب الشَّرْع فَفعل فَثَبت عَلَيْهِ الْحَد وَحكم بقتْله فَضرب بِالسَّيْفِ فَلم يُؤثر فِيهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر جرّدوه فجردوه فوجدوا جسده مَكْتُوبًا فَغسل ثمَّ وجد تَحت لِسَانه حجراً لطيفاً فَنَزَعَهُ فَعمل فِيهِ السَّيْف فَقتله قَالَ بعض من تَرْجمهُ كَانَ ثِقَة قَائِما بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر
(1/34)

دامغاً لأهل الْبدع وَله مَعَ مُلُوك عصره وقائع وَكَانَ مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة
(21) أَحْمد بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْغنى ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سَالم
ابْن دَاوُد بن يُوسُف بن خَالِد الشَّيْخ شهَاب الدَّين الأذرعيّ
ولد بأذرعات الشَّام في سنة 708 ثَمَان وَسَبْعمائة وَسمع من الحجاري والمزي وَحضر عِنْد الذهبي وتفقه على ابْن النَّقِيب وَدخل الْقَاهِرَة فَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الْفَخر المصري ثمَّ ألزم بالتّوجه إلى حلب وناب عَن قاضيها نجم الدَّين بن الصَّائِغ فَلَمَّا مَاتَ ترك ذَلِك وَأَقْبل على الِاشْتِغَال والأشغال وراسل السبكي بالمسائل الحلبيات وهي في مُجَلد مَشْهُور واشتهرت فَتَاوِيهِ بالبلاد الحلبية وَكَانَ سريع الْكِتَابَة منطرح النَّفس صَادِق اللهجة شَدِيد الْخَوْف من الله وَله مُصَنف سَمَّاهُ جمع التَّوَسُّط وَالْفَتْح بَين الرَّوْضَة وَالشَّرْح فِي عشْرين مجلدا وَشرح الْمِنْهَاج بشرح سَمَّاهُ غنية الْمُحْتَاج وباخر سَمَّاهُ فَوت الْمُحْتَاج وفي كل مِنْهُمَا مَا لَيْسَ في الآخر وَقدم الْقَاهِرَة بعد موت الشَّيْخ جمال الدَّين الأسنوى وَذَلِكَ فِي جماد الأولى سنة 772 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة وَأخذ عَنهُ بعض أَهلهَا وَلما قدم دمشق أَخذ عَنهُ جمَاعَة وَحكى عَن نَفسه أَنه كَانَ يكْتب في اللَّيْل كراساً تصنيفاً وفي النَّهَار كراساً تصنيفاً لَا يقطع ذَلِك وَلَو كَانَ ذَلِك مَعَ الْمُوَاظبَة لكَانَتْ تصانيفه كَثِيرَة جداً وَكَانَ فَقِيه النَّفس لطيف الذَّوْق كثير الإنشاد للشعر وَكَانَ يَقُول الْحق وينكر الْمُنكر ويخاطب نواب حلب بالغلظة وَكَانَ محباً للغرباء محسناً إليهم مُعْتَقدًا لأهل
(1/35)

الْخَيْر وَقد ذكر عَنهُ كرامات ومكاشفات وَبَالغ ابْن حبيب في الثَّنَاء عَلَيْهِ وَمن نظمه
(يَا موجدي من الْعَدَم ... أقل فقد زلّ الْقدَم)
(واغفر ذنوباً قد مضى ... وُقُوعهَا من الْقدَم)
(لَا عذر في اكتسابها ... إِلَّا الخضوع والندم)
(إِن الْجواد شَأْنه ... غفران زلات الخدم)
مَاتَ رَحمَه الله في خَامِس عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 783 ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة
22 - السَّيِّد أَحْمد بن أَحْمد الأنسي القهدة اليماني الْمَعْرُوف بالزنمة الشَّاعِر الْمَشْهُور
نَشأ بِصَنْعَاء ومدح الإمام الْمُؤَيد مُحَمَّد بن إسماعيل بن الْقَاسِم وَكَانَ حاد الطَّبْع سريع الانجراف فعامله الْمُؤَيد بِاللَّه بالحلم ومدح المهدى صَاحب الْمَوَاهِب مُحَمَّد بن احْمَد وَجَرت لَهُ مَعَه خطوب كَثِيرَة فلحق بِمَكَّة ومدح أميرها الشريف أَحْمد بن غَالب بقصيدة طنانة حثه فِيهَا على أَخذ الْيمن لما جبل عَلَيْهِ من القحة وأولها
(عج بالكثيب وحيِّ الحي من كثب ... فثمّ يذهب مَا بالصب من وصب)
(وَانْزِلْ بِحَيْثُ ترى الآرام سانحة ... بَين الخميسين والهندية القضب)
فَأحْسن الشريف نزله وَاجْتمعَ هُنَالك بِجَمَاعَة من أدباء الْعَصْر من مَكَّة ومصر والهند وَالشَّام وَمِنْهُم حفيد الخفاجى صَاحب الربحانه وَابْن مَعْصُوم وَالسَّيِّد حُسَيْن بن عبد الْقَادِر فَاجْتمعُوا فِي منزل الشريف فَقَالَ الخفاجي هَا نَحن قد اجْتَمَعنَا هَذَا الِاجْتِمَاع وَهَؤُلَاء أدباء الْيمن
(1/36)

المشهورون وأدباء الْهِنْد وَالشَّام ومصر وَأَنا أعمل ذيل الربحانه فَهَلُمُّوا فلينظم كل وَاحِد منا قصيدة نبوية هَذِه اللَّيْلَة وَمن أحرز قصبات السَّبق حكمت بانحياز الْأَدَب إلى قطره فنظم كل وَاحِد مِنْهُم قصيدة ونظم صَاحب التَّرْجَمَة قصيدته الْمَشْهُورَة
(أَلا حى ذَاك من ساكني صنعا ... فكم أَحْسنُوا بالنازلين بهم صنعا)
فَحكم الخفاجي لَهُ بِالسَّبقِ فحسدوه وتعصبوا فَفَارَقَ مَكَّة وَعَاد إلى حَضْرَة المهدي صَاحب الْمَوَاهِب تَائِبًا ومدحه بغرر القصائد ونال مِنْهُ دنيا عريضة وَمن محَاسِن شعره مَا رَاجع بِهِ بعض أَصْحَابه قَائِلا في مطلع قصيدته
(أعقود نظمك أم حباب الراح ... قد رَاح يجلوها خضيب الراح)
وَمن قصائده الفائقة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(ألمت تهادى والمعنف قد أغفى ... )
وَالْقَصِيدَة الَّتِى مطْلعهَا
(أفي أوج الْمَوَاهِب أصفهان ... أم التخت الرفيع وشاهجان)
مدح بهَا المهدي لما وصل إليه رَسُول ملك الْعَجم وَجَرت لَهُ وقائع مَعَ المهدي تَارَة يغْضب عَلَيْهِ وَتارَة يرضى عَنهُ إلى أَن توفي في سنة 1119 تسع عشرَة وَمِائَة وألف بِجَزِيرَة زيلع وشعره تَارَة يكون فِي أعلا طبقَة وَتارَة يكون سافلاً وَرُبمَا وجد فِيهِ لحن ووالده شَاعِر مَشْهُور مدح المتَوَكل على الله اسماعيل وَهُوَ دون وَلَده هَذَا فِي الشّعْر
(23) أَحْمد بن إسماعيل بن أَبى بكر بن عمر بن بُرَيْدَة
بموحدة وَرَاء ودال مُهْملَة ثمَّ هَاء مُصَغرًا الشهَاب الابشيطى ثمَّ
(1/37)

القاهري الأزهري الشافعي نزيل طيبة وَأحد السادات ولد فى سنة 802 اثْنَتَيْنِ وثمان مائَة بابشيط بِكَسْر الْهمزَة ثمَّ مُوَحدَة سَاكِنة بعْدهَا مُعْجمَة ثمَّ تَحْتَانِيَّة وطاء مُهْملَة قَرْيَة من قرى الْمحلة من الغربية وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَكَذَا الْعُمْدَة والتبريزي وأخذ الْفِقْه عَن ابْن الصَّواف وَابْن حميد وَابْن قطب الدَّين وتلى الْقُرْآن على الرمسيسي ثمَّ انْتقل إلى الْقَاهِرَة في سنة 820 عشْرين وَثَمَانمِائَة فقطن جَامع الْأَزْهَر مُدَّة وَأخذ بهَا الْفِقْه عَن الْبُرْهَان البيجوري وَالشَّمْس البرماوي والولي العراقي وَجَمَاعَة وَأخذ الْمنطق عَن الْعِزّ بن عبد السَّلَام والنحو عَن الشهَاب أَحْمد الصنهاجي وَالشَّمْس الشنطوفي والمحلي والمحب بن نصر الله والشرف السبكي وَسمع الحَدِيث عَن جمَاعَة مِنْهُم الولي العراقي والحافظ ابْن حجر وبرع فِي الْفِقْه وأصوله والعربية والفرائض والحساب وَالْعرُوض والمنطق وَغير ذَلِك وتصدر للإقراء فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة كالبكري والجوجري وصنَّف تصانيف مِنْهَا نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه ونظم أَبى شُجَاع والناسخ والمنسوخ للبارزي وَشرح الرحبية والمنهاج الآصلي ومختصر ابْن الْحَاجِب وتصريف ابْن مَالك وايساغوجي والخزرجية وَغير ذَلِك وَعرف بالزهد وَالْعِبَادَة ومزيد التقشف والإيثار والانعزال والإقبال على وظائف الْخَيْر مَعَ قلَّة ذَات يَده بِحَيْثُ لم يكن فى بَيته شئ يفرشه لَا حَصِير وَلَا غَيره بل ينَام على بَاب هُنَالك ثمَّ جح في سنة 757 سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وزار النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَانْقطع بِالْمَدِينَةِ الْمُبَارَكَة وَعظم انْتِفَاع أَهلهَا بِهِ وحفظوا من كراماته وبديع إشاراته مَا يفوق الْوَصْف وَكَانَ ذَلِك كلمة
(1/38)

إجماع وَصَارَ فِي غَالب السنين يحج مِنْهَا بل جاور بِمَكَّة في سنة 771 إحدى وَسبعين وَسَبْعمائة وَامْتنع من التحديث في الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة أدباً مَعَ أَبى الْفرج المراغي فِيمَا قيل قَالَ السخاوي وَالظَّاهِر أَنه للأدب مَعَ النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم مَاتَ بعد عصر يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع رَمَضَان سنة 783 ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَدفن بِالبَقِيعِ بِالْقربِ من قبر الإمام مَالك وَمن نظمه فِي السَّبع المنجيات
(المنجيات السَّبع مِنْهَا الواقعة ... وَقبلهَا ياسين تِلْكَ الجامعة)
(وَالْخمس الانشراح وَالدُّخَان ... وَالْملك والبروج والإنسان)
(24) أَحْمد بن إسماعيل بن عُثْمَان بن أَحْمد بن رشيد ابْن إبراهيم شرف الدَّين

التبريزي الكوراني القاهري ثمَّ الرومي الشافعي عَالم بِلَاد الروم ولد في سنة 813 ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة بقرية من كوران وَحفظ الْقُرْآن وتلي السَّبع على القزويني البغدادي وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكَشَّاف وحاشيته للتفتازاني وَأخذ عَنهُ النَّحْو مَعَ علمي الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْعرُوض وَكَذَا اشْتغل على غَيره فِي الْعُلُوم وتميّز في الْأَصْلَيْنِ والمنطق وَغَيرهَا وفى النَّحْو والمعاني وَالْبَيَان وَغير ذَلِك من العقليات وشارك فِي الْفِقْه ثمَّ تحوّل إلى حصن كيفا فَأخذ عَن الْجلَال الحلواني في الْعَرَبيَّة وجال فى بَغْدَاد ودياربكر وَقدم دمشق في حُدُود الثَّلَاثِينَ فلازم الْعَلَاء البخاري وانتفع بِهِ وَكَانَ يرجح الْجلَال عَلَيْهِ وَكَذَا قدم مَعَ الْجلَال بَيت الْمُقَدّس وَقَرَأَ عَلَيْهِ في الْكَشَّاف ثمَّ قدم الْقَاهِرَة في حُدُود سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَهُوَ فَقير جداً فَأخذ عَن ابْن حجرٍ فِي البخاري وَشرح الألفية للعراقي ولازمه وَغَيره
(1/39)

وَسمع صَحِيح مُسلم عَن ابْن الزركشي ولازم الشرواني كثيراً وَقَرَأَ عَلَيْهِ صَحِيح مُسلم والشاطبية وأكبّ على الاشتغال والأشغال بِحَيْثُ قَرَأَ على الْعَلَاء القلقشندي في الحاوي ولازم حُضُور الْمجَالِس الْكِبَار كمجلس قِرَاءَة البخاري بِحَضْرَة السُّلْطَان وَغَيره واتصل بالكمال البارزي فَنَوَّهَ بِهِ وبالزيني عبد الباسط وَغَيرهمَا من المباشرين والأمراء بِحَيْثُ اشْتهر وناظر الأماثل وَذكر بالطلاقة والبراعة والجرأة الزَّائِدَة فَلَمَّا ولي الظَّاهِر جقمق وَكَانَ يَصْحَبهُ تردّد اليه فاكثر وَصَارَ أحد ندمائه وخواصه فانثالت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَتزَوج مرة بعد أُخْرَى لمزيد رغبته فى النِّسَاء مَعَ كَونه مطلاقا قَالَ السخاوي وَظهر لما ترفَّع حَاله مَا كَانَ كامناً عَلَيْهِ من اعْتِقَاد نَفسه الَّذِي جرّ إليه الطيش والخفة وَلم يلبث أَن وَقع بَينه وَبَين حميد الدَّين النعماني الْمَنْسُوب إِلَى أَبى حنيفَة والمحكي أَنه من ذُريَّته مبَاحث تسطَّا فِيهَا عَلَيْهِ وتشاتما بِحَيْثُ تعدى هَذَا الى ابائه وَوصل علم ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وسجنه بالبرج ثمَّ ادعى عَلَيْهِ عِنْد قاضي الْحَنَفِيَّة ابْن الديرى وأقيمت الْبَيِّنَة بالشتم وبكون المشتوم من ذُرِّيَّة الإمام أَبى حنيفَة وعزر بِحَضْرَة السُّلْطَان نَحْو ثَمَانِينَ ضَرْبَة وَأمر بنفيه وَأخرج عَن تدريس الْفِقْه بالبرقوقية فاستقر فِيهِ الْجلَال الْمحلى اه قلت وَقد لطف الله بالمترجم لَهُ بمرافعته إِلَى حَاكم ضفى فَلَو روفع إِلَى مالكي لحكم بِضَرْب عُنُقه وقبَّح الله هَذِه المجازفات والاستحلال للدماء والأعراض بِمُجَرَّد أشياء لم يُوجب الله فِيهَا إِرَاقَة دم وَلَا هتك عرض فان ضرب هَذَا الْعَالم الْكَبِير نَحْو ثَمَانِينَ جلدَة ونفيه وتمزيق عرضه والوضع من شَأْنه بِمُجَرَّد كَونه شاتم من شاتمه ظلم بَين وعسف ظَاهر وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا يدري بانتساب من
(1/40)

ذكر إِلَى ذَلِك الإمام لَا جرم قد أبدله الله بسُلْطَان خيّر من سُلْطَانه وجيران أفضل من جِيرَانه ورزق أوسع مِمَّا منعُوهُ مِنْهُ وجاه أرفع مِمَّا حسدوه عَلَيْهِ فإنه لما خرج توجه الى مملكة الرّوم وَمَا زَالَ يترقى بهَا حَتَّى اسْتَقر في قَضَاء الْعَسْكَر وَغَيره وتحول حنفياً وَعظم اخْتِصَاصه بِملك الروم ومدحه وَغَيره بقصائد طنانة وَحسنت حَاله هُنَالك جداً بِحَيْثُ لم يصر عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد مُرَاد أحظى مِنْهُ وانتقل من قَضَاء الْعَسْكَر إلى منصب الْفَتْوَى وَتردد إليه الأكابر وَشرح جمع الْجَوَامِع وَكثر تعقبه للمحلي وَعمل تَفْسِيرا وشرحاً على البخاري وقصيدة في علم الْعرُوض نَحْو سِتّمائَة بَيت وَأَنْشَأَ باسطنبول جَامعا ومدرسة سَمَّاهَا دَار الحَدِيث وانثالت عَلَيْهِ الدِّينَا وَعمر الدور وانتشر علمه فَأخذ عَلَيْهِ الأكابر وَحج فى سنة 861 إحدى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَلم يزل على جلالته حَتَّى مَاتَ فى أَوَاخِر سنة 893 ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَصلى عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه وَمن مطالع قصائده في مدح سُلْطَانه
(هُوَ الشَّمْس إلا أَنه اللَّيْث باسلاً ... هُوَ الْبَحْر إلا أَنه مَالك الْبر)
وَقد تَرْجمهُ صَاحب الشقائق النعمانية تَرْجَمَة حافلة وَذكر فِيهَا أن سُلْطَان الروم السُّلْطَان مُحَمَّد عرض عَلَيْهِ الوزارة فَلم يقبلهَا وَأَنه أَتَاهُ مرة مرسوم من السُّلْطَان فِيهِ مُخَالفَة للْوَجْه الشرعي فمزقه وَأَنه كَانَ يُخَاطب السُّلْطَان باسمه وَلَا ينحني لَهُ وَلَا يقبل يَده بل يصافحه مصافحة وانه كَانَ لَا يأتى الى السُّلْطَان إِلَّا إِذا أرسل اليه وَكَانَ يَقُول لَهُ مطعمك حرَام وملبسك حرَام فَعَلَيْك بِالِاحْتِيَاطِ وَذكر لَهُ مَنَاقِب جمّة تدل على أَنه من الْعلمَاء العاملين لَا كَمَا قَالَ السخاوي
(1/41)

(25) أَحْمد بن أويس بن الشَّيْخ حسن بن الْحُسَيْن بن اقبغا أبن ايلكان ابْن القان غياث الدَّين
صَاحب بَغْدَاد وتبريز وسلطانهما ملك بعد أَبِيه الْمُتَوفَّى بتبريز فِي سنة 676 سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة فَأَقَامَ إلى سنة 695 خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ قدم حلب وَمَعَهُ نَحْو أَرْبَعمِائَة فَارس من أَصْحَابه جافلاً من تيمورلنك حِين استيلائه على بَغْدَاد لائذاً بالطاهر برقوق فأرسل الْأَمر بإكرامه ثمَّ استقدمه الْقَاهِرَة وَبَالغ في إكرامه بِحَيْثُ تَلقاهُ وَأرْسل لَهُ نَحْو عشرَة آلاف دِينَار ومائتي قِطْعَة قماش وعدة خُيُول وَعشْرين جَارِيَة وَمثلهَا مماليك وَتزَوج السُّلْطَان أُخْتا لَهُ وَأقَام في ظله إِلَى أَن سَافر مَعَه حِين توجهه بالعساكر إلى جِهَة الشَّام وحلب فَلَمَّا رَجَعَ عَاد أَحْمد إلى بِلَاده بعد أَن ألبسهُ تَشْرِيفًا وتزايدت وجاهته وجلالته فَلم يلبث أَن ساءت سيرته وَقتل جمَاعَة فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْبَاقُونَ وأخرجوه وكاتبوا نَائِب تيمورلنك بشيراز ليستلمها فَفعل وهرب هَذَا إلى قرا يُوسُف التركماني بالموصل فسافر مَعَه إلى بَغْدَاد فَالتقى بِهِ أَهلهَا فكسروه وانهزما نَحْو الشَّام وقطعا الْفُرَات ومعهما جمع كَبِير من عَسْكَر بَغْدَاد والتركمان وَنزلا بالساجور قَرِيبا من حلب فَخرج إليهما نَائِب حلب وَغَيره من النواب فَكَانَت وقعة فظيعة انْكَسَرَ فِيهَا الْعَسْكَر الحلبي وأسر نَائِب حماه وتوجها نَحْو بِلَاد الروم فَلَمَّا كَانَ قَرِيبا من بهسنى التقاه نائبها وَجَمَاعَة فكسروه واستلبوا مِنْهُ سَيْفا يُقَال لَهُ سيف الْخلَافَة وَغير ذَلِك وَعَاد إلى بَغْدَاد فَدَخلَهَا وَمكث بهَا مُدَّة حَاكما ثمَّ جَاءَ إليها التتار فَخرج هَارِبا بمفرده
(1/42)

وَجَاء إلى حلب في صفر سنة 706 سِتّ وَسَبْعمائة وَهُوَ بزي الْفُقَرَاء فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ رسم النَّاصِر باعتقاله فاعتقل بهَا ثمَّ طلب إلى الْقَاهِرَة فَتوجه إليها واعتقل في توجهه بقلعة دمشق ثمَّ أطلق بِغَيْر رِضَاء السُّلْطَان وَعَاد إلى بَغْدَاد ودخلها بعد أن نزل التتار عَنْهَا بوفاة تيمور لنك وَاسْتمرّ على عَادَته وتنازع هُوَ وقرا يُوسُف فَكَانَت الكسرة عَلَيْهِ فَأسرهُ وَقَتله خنفا في لَيْلَة الْأَحَد سلخ شهر ربيع الآخر سنة 713 ثَلَاث عشر وَسَبْعمائة وَقد طوّل ابْن حجر تَرْجَمته في أنبائه وَقَالَ أَنه سَار السِّيرَة الحائرة وَقتل في يَوْم وَاحِد ثَمَانمِائَة نفس من الأعيان قَالَ وَكَانَ سفاكاً للدماء متجاهراً بالقبائح وَله مُشَاركَة في عدَّة عُلُوم كَالنُّجُومِ والموسيقى وَله شعر كثير بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيرهَا وَكتب الْخط الْمَنْسُوب مَعَ شجاعة ودهاء وحيل ومحبة لأهل الْعلم وَقَالَ ابْن خطيب الناصرية كَانَ مهيباً لَهُ سطوة على الرعية فتاكاً منهمكاً على الشّرْب وَاللَّذَّات لَهُ يَد طولى فِي علم الموسيقى
(26) الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
سيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة وَالِده ولد رَحمَه الله سنة 1029 تسع وَعشْرين وَألف ثمَّ لما بلغ مبلغ الرِّجَال ظَهرت مِنْهُ شجاعة وبراعة وَقُوَّة جنان وإقدام زَائِد وَوَقع مِنْهُ في أَيَّام عَمه الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم بعد موت وَالِده الْمُجَاهِد الْحسن بن الإمام بعض مُخَالفَة ثمَّ عَاد الْأَمر إِلَى الْمُوَافقَة وَاسْتمرّ فِي أَيَّام الْمُؤَيد إِلَى آخرهَا ثمَّ في أَيَّام عَمه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل وجاهد في أَيَّامه الجهادات الْمَشْهُورَة وأوقع بِأَهْل البغي الوقعات المأثورة وَدخل بالجيش مرة بعد أُخْرَى الى خضرموت ودوخ تِلْكَ
(1/43)

الممالك وأذعن لَهُ سلاطين يافع بل وصلوا تَحت ركابه إلى الإمام ثمَّ دخل الْجوف مرّة بعد مرّة وَمَا زَالَ في مجاهدة ومناصرة للحق ومدافعة للظلمة والبغاة حَتَّى مَاتَ عَمه المتَوَكل على الله فاجتمعت الْكَلِمَة من الْعلمَاء والرؤساء والسادة والأكابر عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ وَوَقع من قَاسم بن الْمُؤَيد بعض الْمُخَالفَة ثمَّ عَاد الأمر إلى الْمُوَافقَة وَكَانَت بيعَته عِنْد موت الإمام المتَوَكل على الله في التَّارِيخ الآتي في تَرْجَمته وَاسْتمرّ كَذَلِك مُجَاهدًا قَائِما بِالدفع عَن الْمُسلمين إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى في جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1092 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وقبر بمشهده الْمَشْهُور بالغراس ومازال مَقْصُودا بالزيارة من كثير من النَّاس إلى هَذَا التَّارِيخ وَهُوَ من أعظم الْأَئِمَّة الْمُجَاهدين الباذلين نُفُوسهم لدفع المعاندين بل الله ثراه بوابل رضوانه
(1/44)

(27) السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد بن حميد الدَّين ابْن المطهر بن الامام شرف الدَّين
الشَّاعِر الأديب الصَّنعاني مؤلف ترويح المشوق في تلويح البروق
(1/45)

ذكر فِيهِ مادار بَينه وَبَين جمَاعَة من أهل عصره وَقد ترْجم لَهُ مُحَمَّد أَمِين في نفحة الريحانة وَترْجم لَهُ صَاحب مطلع البدور وَمن نظمه الْفَائِق القصيدة الَّتِى أَنْشَأَهَا على روي قصيدة ابْن مطروح
(بأبي وبي طيف طرق ... عذب اللما والمعتنق)
(فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة
(إياك من سود الحدق ... فهي الَّتِى تكسو القلق)
(لَا يخدعنك حسنها ... فالأمن يتبعهُ الْفرق)
(وَاحْذَرْ ملاطفة الغوا ... نى بالتذلل والملق)
(يَا أَيهَا الْمولى الذي ... أَنا من موَالِيه ارق)
ثمَّ أَطَالَ من هَذَا وَهُوَ لَيْسَ بطائل وَمن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(يارشاء أشمت بي العواذلا ... مَالك جانبت الْوَفَاء عادلا)
(مازلت توليني صدوداً دَائِما ... قد نصبت لي هدبك الحبائلا)
(أوقعتني فِيهَا فَلَمَّا وَقعت ... نفسي مَا حصلت مِنْهَا طائلا)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَمن نظمه القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(1/46)

(لله أَيَّام الْغَزل ... مابين معترك الْمقل)
(أَيَّام ركضى فِي ميا ... دين المسرة والجذل)
وهي قصيدة طَوِيلَة وَمن شعره الأبيات الَّتِى أَولهَا
(سبقى الأثل كل سَحَاب مظله ... عَلَيْهِ وَلَا بَرحت مستهله)
وَمن شعره
(قدم الربيع وَخير مقدم ... والغيث أثجم ثمَّ أثجم)
(ومقدم الأنواء لَو ... صلى الولي وَرَاه سلّم)
(والجوُّ ينشر مطرفاً ... لَك فاختي اللَّوْن معلّم)
(والسحب مدّ رواق ديباج بساحتنا وخيّم)
(وَالرَّوْض نمقه الغما ... م بِحسن صَنعته ونمّم)
(فَبَدَا يروق الناظرين ... كَأَنَّهُ برد مسهم)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وَتُوفِّي في سنة 1080 ثَمَانِينَ وَألف
(28) أَحْمد بن الْحسن الْمَعْرُوف بالجاربرّدي
نزيل تبريز أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين أَخذ عَن الشَّيْخ عمر بن نجم الدَّين وَعَن نظام الدَّين الطوسى وَغَيرهمَا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة وَلَعَلَّ من جملَة من أَخذ عَنهُ الْعَضُد شَارِح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب قَالَ الأسنوي كَانَ عَالما ديّناً وقوراً مواظباً على الِاشْتِغَال والتصنيف وَقَالَ غَيره كَانَ اُحْدُ الشُّيُوخ بِتِلْكَ الْجِهَات وَله مصنفات مِنْهَا شرح منهاج البيضاوي وَشرح الحاوي الصَّغِير وَشرح شافية ابْن الْحَاجِب وَله على الْكَشَّاف حواش مفيدة وَمَات سنة 742 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
(1/47)

(29) الْفَقِيه أَحْمد بن حسن الزهيري
أديب الْعَصْر وشاعره ولد تَقْرِيبًا سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَله في النظم الْيَد الطُّولى وجميعه غرر والسافل مِنْهُ قَلِيل وَقد وقفت على ديوانه فى مُجَلد لطيف وَأكْثر فى مدح أهل كوكبان السَّيِّد أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وأخيه عبد الْقَادِر وإبراهيم وَعِيسَى وَقَلِيل مِنْهُ في غير هَؤُلَاءِ من أَعْيَان كوكبان كأولاد الْأَرْبَعَة الْأُخوة الْمَذْكُورين وَله في مدح مَوْلَانَا الْأَمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن رَحمَه الله قصائد وَمَعَ طول بَاعه فِي الْأَدَب لَهُ في الْوَعْظ مَسْلَك حسن ويأتى فِيهِ بالرقائق ويستطرد كثيراً من الْأَشْعَار الَّتِى لَهَا موقع في الْقُلُوب ومطابقة في الْمقَام وَكَانَ يجْتَمع عَلَيْهِ بِجَامِع صنعاء جم غفير ولوعظه فِي الْقُلُوب قبُول وَله معرفَة تَامَّة بِعلم الآلة والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْأَدب وَفِيه ميل إِلَى الطَّرِيقَة وتشبه بِأَهْلِهَا وَله في حسن المحاضرة وحلاوة المفاكهة وملاحة النادرة وإملاء غرائب الْأَخْبَار والأشعار مَا لَيْسَ لغيره فَهُوَ لَا يمل جليسه وَقد وَفد إليّ مَرَّات مُتعَدِّدَة وَجرى بيني وَبَينه من المطارحات الأدبية والمسائل العلمية مَا لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر وَلَا أقدم عَلَيْهِ فِي جودة الشّعْر أحدا مِمَّن أَدْرَكته من أهل الْعَصْر وشعره مَشْهُور بأيدي النَّاس وَلَهُم إليه رَغْبَة كَامِلَة وَهُوَ حقيق بِذَاكَ فإنه جَامع بَين الجزالة والجودة وَحسن السبك وَقُوَّة الْمعَانى وَكَثِيرًا مَا يمشي فِي شعره على نمط الْعَرَب ويتشبه بهم وينتحي طريقهم من غرر شعره قصيدته الَّتِى يَقُول فِيهَا
(بُلُوغ المنى وصل الْأَحِبَّة فَاعْلَم ... وَلم تلْتَفت عَن مغنمٍ خوف مغرم)
(1/48)

(وَمن حاول الْأَمر الْمحَال بعزمه ... ينله وَمن يعجز عَن الحزم يحرم)
(معاهد أنس من أراكة أسلم ... أصخت لَهَا أذني فَلم تَتَكَلَّم)
(دعتنى فلباها فؤادى وأدمع ... سقى وادييها مثل صوب مثجم)
(أسائلها عَن أَهلهَا فتجيبني ... فأصغي وَلَكِن الصدى صَوت أعجم)
(وَمَا الْعِزّ إِلَّا فَوق كل مطهم ... من الجرد مابين الخميسين أدهم)
(من الصخر إِلَّا أَنه فَوق أَربع ... من الهوج قد شدّت بِخلق مطهم)
(إِذا قلت من حرّ الهجير بظلّه ... فَقل أَنا ضاح تَحت ظل المقلم)
(وَخير النُّفُوس السايلات على القنا ... وَخير المنايا تَحت أَزْرَق سلجم)
وَمن قصائده الطنانة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(وعدت بوصل عميدها بشر ... صدقت وَمَا صدق المنى صَبر)
وَكم لَهُ من قصائد فرائد وَهُوَ الْآن فى الحيوة إِلَّا أَنه قد ضعف عَن الْحَرَكَة بِسَبَب فالج أَصَابَهُ وَلَعَلَّه قد جَاوز السّبْعين وَمَات يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن محرم سنة 1214 أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف بِصَنْعَاء
(30) أَحْمد بن حُسَيْن بن حسن بن على بن يُوسُف ابْن علي بن أرسلان
بِالْهَمْزَةِ وَقد تحذف في الْأَكْثَر بل هُوَ الذي عَلَيْهِ الْأَلْسِنَة الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس الرملى الشافعي نزيل بَيت الْمُقَدّس وَيعرف بِابْن رسْلَان ولد فِي سنة 773 ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة وَقيل في سنة 775 خمس وَسبعين وَسَبْعمائة برملة وَنَشَأ بهَا لم يعلم لَهُ صبوة فحفظ الْقُرْآن وَله نَحْو عشر سِنِين وَكَانَ فِي الِابْتِدَاء يشْتَغل بالنحو واللغة والشواهد وَالنّظم وَقَرَأَ الحاوي على القلقشندي وَابْن الهائم وَأخذ عَنهُ الْفَرَائِض
(1/49)

والحساب وَولى تدريس الخاصكية ودرس بهَا مُدَّة ثمَّ تَركهَا وَأَقْبل على الله وعَلى الاشتغال تَبَرعا وعَلى التصوف وَجلسَ في الْخلْوَة مُدَّة لَا يكلم أحداً وَأخذ عَن جمَاعَة من أهل الطَّرِيقَة وَسمع من جمَاعَة فِي الحَدِيث وَغَيره حَتَّى صَار إِمَامًا فِي الْفِقْه وأصوله والعربية مشاركاً في الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْكَلَام وَغير ذَلِك مَعَ حرصه على سَائِر أَنْوَاع الطَّاعَات من صَلَاة وَصِيَام وتهجد ومرابطة بِحَيْثُ لم تكن تَخْلُو سنة من سنيه عَن إِقَامَة على جَانب الْبَحْر قَائِما بِالدُّعَاءِ إِلَى الله سراً وجهراً آخذاً على أيدي الظلمَة مؤثراً محبَّة الخمول والشغف بِعَدَمِ الظُّهُور تَارِكًا لقبُول مَا يعرض عَلَيْهِ من الدُّنْيَا ووظائفها حَتَّى أَن الْأَمِير حسام الدَّين حسن جدد بالقدس مدرسة وَعرض عَلَيْهِ مشيختها وقررله فِيهَا كل يَوْم عشرَة دَرَاهِم فضَّة فَأبى بل كَانَ يمْتَنع من أَخذ مَا يُرْسل بِهِ هُوَ وَغَيره إليه من المَال ليفرقه على الْفُقَرَاء وَرُبمَا أَمر صَاحبه بتعاطي تفرقته بِنَفسِهِ وَله مُحَافظَة على الْأَذْكَار والأوراد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر معرضاً عَن الدُّنْيَا وبنيها جملَة حَتَّى أَنه لما سَافر الْأَشْرَف إِلَى آمد هرب من الرملة إِلَى الْقُدس في ذَهَابه وإيابه لِئَلَّا يجْتَمع بِهِ وَمَا زَالَ فى ازدياد من الْخَيْر وَالْعلم حَتَّى صَار الْمشَار إليه بالزهد فِي تِلْكَ النواحى وَقصد للزيارة من سائرالآفاق وَكَثُرت تلامذته ومريدوه وتهذب بِهِ جمَاعَة وعادت على النَّاس بركته قَالَ السخاوي وَهُوَ في الزّهْد والورع والتقشّف وَاتِّبَاع السنّة وَصِحَّة العقيدة كلمة إجماع بِحَيْثُ لَا أعلم فِي وقته من يدانيه في ذَلِك وانتشر ذكره وَبعد صيته وَشهد بخيره كل من رَآهُ انْتهى وَقَالَ ابْن أَبى عذيبة وَكَانَ شَيخا طَويلا تعلوه صفرَة حسن المأكل والملبس
(1/50)

والملتقى لَهُ مكاشفات ودعوات مستجابات وَلما اجْتمع مَعَ الْعَلَاء البخاري الآتي ذكره إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ في ضِيَافَة عِنْد ابْن أَبى الْوَفَاء بَالغ الْعَلَاء فِي تَعْظِيمه بِحَيْثُ أَنه بعد الْفَرَاغ من الْأكل بَادر يصب المَاء على يَدَيْهِ ورام الشَّيْخ فعل ذَلِك مَعَه فَمَا مكنه وَصرح بِأَنَّهُ لم ير مثله واجتمعا اجتماعاً آخر عِنْد قدوم الْعَلَاء البخاري إِلَى الْقُدس فإنه اجْتمع بِهِ ثَلَاث مَرَّات الأولى جَاءَ إليه مُسلما وجلسا ساكتين فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ ابْن أَبى الْوَفَاء يَا سيدي هَذَا ابْن رسْلَان فَقَالَ اعرف ثمَّ قَرَأَ الْفَاتِحَة وتفارقا وَالثَّانيَِة أول يَوْم من رَمَضَان اجْتمعَا وَشرع الْعَلَاء يُقرر أَدِلَّة ثُبُوت رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان بِشَاهِد وَيذكر الْخلاف في ذَلِك وَابْن رسْلَان لَا يزِيد على قَوْله نعم وانصرفا ثمَّ أن الْعَلَاء في اللَّيْلَة الْعَاشِرَة سَأَلَ ابْن أَبى الْوَفَاء في الْفطر مَعَ ابْن رسْلَان فَسَأَلَهُ فَامْتنعَ فَلم يزل يلح عَلَيْهِ حَتَّى أجَاب فَلَمَّا أفطر أحضر خَادِم الْعَلَاء الطشت والإبريق بَين يدي الْعَلَاء فَحمل الْعَلَاء الطشت بيدَيْهِ مَعًا وَوَضعه بَين يدي ابْن رسْلَان وَأخذ الإبريق من الْخَادِم وصب عَلَيْهِ حَتَّى غسل وَلم يحلف عَلَيْهِ حَتَّى وَلَا تشوش وَلَا توجه لفعل نَظِير مَا فعله الْعَلَاء مَعَه غير أَنه لما فرغ الْعَلَاء من الصب عَلَيْهِ دَعَا لَهُ بالمغفرة فشرع يُؤمن على دُعَائِهِ ويبكي وَله مصنفات مِنْهَا في التَّفْسِير قطع مُتَفَرِّقَة وَشَرحه لسنن أَبى دَاوُد وَهُوَ في أحد عشر مجلداً وَشرع في شرح البخاري وَوصل فِيهِ إِلَى آخر الْحَج في ثَلَاثَة مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع في مُجَلد ومنهاج البيضاوي في مجلدين ومختصر ابْن الْحَاجِب وَله غير ذَلِك مِمَّا يكثر تعداده وَله نظم في أَنْوَاع من الْعلم كالمنظومة فى الثَّلَاث القرا آتٍ الزَّائِدَة على السَّبع وفي الثَّلَاث الزَّائِدَة
(1/51)

على الْعشْر وَمَا زَالَ رَحمَه الله على وَصفه الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ في يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر شعْبَان سنة 844 أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَحكى السخاوي فِي الضَّوْء اللامع أَنه قيل لما الْحَد سَمعه الحفّار يَقُول ربِّ أنزلني منزلاً مُبَارَكًا وَأَنت خير المنزلين وَرَآهُ حُسَيْن الكردي أحد الصَّالِحين بعد مَوته فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ أوقفني بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا أَحْمد أَعطيتك الْعلم فَمَا عملت بِهِ قَالَ عَلمته وعملت بِهِ فَقَالَ صدقت يَا أَحْمد تمنَّ عليَّ فَقلت تغْفر لمن صلى عليَّ فَقَالَ قد غفرت لمن صلى عَلَيْك وَحضر جنازتك وَلم يلبث الرائي أَن مَاتَ
(31) أَحْمد بن الْحُسَيْن الرقيحي
نِسْبَة إِلَى الرقيح بِضَم الرَّاء وَفتح الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بعْدهَا مُهْملَة وَهُوَ بَلْدَة من أَعمال يحصب ثمَّ الصنعاني الأديب صَاحب المقطعات الفائقة الرائقة وَكَانَ يتعيش بالصباغة فَلَا تزَال كَفه سَوْدَاء كأكف الصباغين فعوتب على ذَلِك فَقَالَ
(الْمجد في الْعلم والكف المسود من ... فن الصباغة لَا في صُحْبَة الدول)
(فَمَا سعيت إلى هَذَا وَذَاكَ مَعًا ... إلا لأجمع بَين الْعلم وَالْعَمَل)
وَمن مقطعاته
(قد بلغت الْكَمَال في كل معنى ... ثمَّ ترجو أَن تسلم الحسادا)
(أَنْت أمرضتهم فَدَعْهُمْ فَمن حق لئيم الطباع أَن لَا يعادا)
وَله
(هَذِه الأطماع رِجْس وَبهَا ... سل إِذا مَا شِئْت أَرْبَاب الْوَرع)
(فاصرف الراحات عَن إمساكها ... إِنَّمَا الرَّاحَة في ترك الطمع)
(1/52)

وَمن شعره
(أفدي الَّذِي صلى بميدانه ... ثمَّ تَلا التَّسْلِيم بِالْوَاجِبِ)
(قلت وَقد كلمني طرفه ... لَا يتبع الْمسنون بِالْوَاجِبِ)
وَله
(أَرَاك جهلت أصُول الرِّجَال ... فأنعمت يَا عَمْرو في سكرها)
(وَلَكِن من بعد بالاختبار ... ستعرف مَا الحلو من مرّها)
(فسل عَن معادنها عَارِفًا ... يبين لَك الصفر من تبرها)
(فإن الصداقة محتاجة ... إلى عَارِف بانتها أمرهَا)
وَكَانَت وَفَاته آخر دولة الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم رَحمَه الله
(32) أَحْمد بن حُسَيْن الْوزان الصّنعاني المولد والمنشأ
ولد سنة وَأخذ الْعلم عَن مَشَايِخ الْعَصْر فبرع في الْعُلُوم الآلية ثمَّ
(1/53)

اشْتغل بِالْحَدِيثِ فَسمع الْكثير مِنْهُ وَهُوَ قوي الْحِفْظ جيد الْفَهم حسن التَّصَوُّر سمع مني سنَن الترمذي وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا يقْرَأ عليّ فِي الْكَشَّاف وحواشيه وَقد صَار مدرساً فِي الْعُلُوم الآلية والكتب الحديثية وَهُوَ من أفراد عُلَمَاء الْعَصْر جمّله الله بِوُجُودِهِ وَله شعر في غَايَة الْجَوْدَة يعجز عَنهُ غَالب أهل الْعَصْر مَعَ طول نفس وَحسن انسجام وَقُوَّة معَان ثمَّ سمع عليَّ بعد هَذَا في الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وفي كثير من مؤلفاتي وفي الْكَشَّاف والمطول وَغير ذَلِك وَهُوَ إِلَى الْآن مُسْتَمر على السماع عليَّ مَعَ عناية قَوِيَّة وَفهم صَادِق وتصور تَامّ وَمن مشايخه شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَغَيرهمَا من أَعْلَام الْعَصْر
(33) أَحْمد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عِيسَى ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُسلم الشهَاب
المكي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن العليف بِضَم الْعين الْمُهْملَة تَصْغِير علف ولد فِي جُمَادَى الأولى سنة 851 إِحْدَى وَخمسين وثمان مائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والألفية النحوية وَالْأَرْبَعِينَ النووية وعرضهما وَبَعض الْمِنْهَاج وَسمع بِمَكَّة على التقي ابْن فَهد وَولده النَّجْم والزين عبد الرَّحِيم الآميوطي وأبي الْفضل المرجاني وَيحيى العلمى ولازم
(1/54)

النُّور الفاكهاني فِي كثير من دروسه الْفِقْهِيَّة والنحوية وَسمع بِالْقَاهِرَةِ على الخضيري والجوجري وَجَمَاعَة ودخلها مرَارًا وَله نظم مَقْبُول وَمِنْه هَذِه القصيدة الطنانة
(خُذ جَانب الْعليا ودع مَا ينزل ... فرضى الْبَريَّة غَايَة لَا تدْرك)
(وَاجعَل سَبِيل الذل عَنْك بمعزل ... فالعز أحسن مَا بِهِ يتَمَسَّك)
(وامنح مودتك الْكِرَام فَرُبمَا ... عز الْكَرِيم وَفَاتَ مَا يسْتَدرك)
(وَإِذا بَدَت لَك من عَدو فرْصَة ... فافتك فإن أَخا الْعلَا من يفتك)
(ودع الأماني للغبي فإنما ... عقب المنى للْحرّ دَاء منهك)
(من يقتضي سَببا بِدُونِ عَزِيمَة ... ضلت مذاهبه وَعز الْمدْرك)
(تعست مداراة الْعَدو فإنها ... دَاء تحول بِهِ الجسوم وتوعك)
(لَا يدْرك الغايات إِلَّا من لَهُ ... في كل حيّ من عداهُ منسك)
(ندب غريق لَا يرام مرحب ... ضرب جزيل في الورى محكك)
(ذُو هضبة لَا ترتقي وشكيمة ... عزت يدين لَهُ الألد الأمحك)
(لَا فائل عِنْد الحفيظة رَأْيه ... لَكِن بتجريب الزَّمَان محنك)
(واركب سَنَام العزفى طلب العلى ... حتام تسكن والنوى تتحرك)
(واستفرغ المجهود فى تَحْصِيل مَا ... فِيهِ النُّفُوس تكَاد حبا تهْلك)
(وَإِذا نبابك منزل فانبذ بِهِ ... ودع المطية تستقل وتبرك)
(وارغب بِنَفْسِك إِن ترى في ساحة ... يشقى بهَا الْحر الْكَرِيم المرمك)
(وارحل عَن الأوطان لَا مستعظماً ... خطراً وَلَو عز المدى والمسلك)
(فالحر يُنكر ضد مَا يعتاده ... ويميط ثوب الذل عَنهُ ويبتك)
(وَإِذا تغشاه الهوان ببلدة ... يَأْبَى الْأَذَى أَو سيم خسفاً يفتك)
(1/55)

(وَمَتى تنكرت المعارف خلته ... يثنى الْعَنَان عَن الديار ويعنك) وَمِنْهَا
(بهراً لنَفس لَا تكون عزيزة ... وَلها الى طرق لمعالى مَسْلَك)
(ولواجد سبل الْكِرَام وَلم يزل ... يغضى الجفون عَن القذى ويفنك)
(تبت يَد الْأَيَّام تلقى للفتى ... سلماً وتسلبه غَدا مَا يملك)
(تبكي اللبيب على تقاعس حَظه ... حينا وتطعمه الرجا فيضحك)
وهي قصيدة فريدة طَوِيلَة وَفِي هَذَا الْمِقْدَار دلَالَة على الْبَقِيَّة وَله رد على السيوطي في مُصَنفه الَّذِي سَمَّاهُ الكاوي لدماغ السخاوي فأجاب عَنهُ صَاحب التَّرْجَمَة بمؤلف سَمَّاهُ الهاوي على الكاوي وَألف لسلطان الروم بايزيد عُثْمَان كتاباً سَمَّاهُ الدر المنظوم ومدحه وَغَيره من أمرائه فرتب لَهُ خمسين دِينَارا في كل سنة فتجمل بهَا ومدح صَاحب مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات بن مُحَمَّد الْحسنى وَاقْتصر على مدحه فَأتى بِهِ وَقرر لَهُ مبلغاً لبلاغته وَحسن نظمه قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد وَصَارَ متنبي زَمَانه والمشار إليه فِي نظمه مَعَ سُكُون وَقلة حَرَكَة وبقي فِي مَكَّة حَتَّى مَاتَ في ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء من ذي الْحجَّة سنة 926 سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة
(34) أَحْمد بن رَجَب بن طنبغا الْمجد بن الشهَاب القاهري الشافعي
وَيعرف بِابْن المجدي نِسْبَة لجده ولد في الْعشْر الأولى من ذي الْقعدَة سنة 767 سبع وَسِتِّينَ وسبعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَبَعض الْمِنْهَاج ثمَّ جَمِيع الحاوي وألفية النَّحْو وَغير ذَلِك وتفقه
(1/56)

بالبلقيني وَابْن الملقن والكمال الدميري والشرف مُوسَى بن البابا وَبِه انْتفع في الحاوي لمزيد تقدمه فِيهِ وَالشَّمْس العراقي وَعنهُ أَخذ الْفَرَائِض وَغَيرهَا وَكَذَا أَخذ الْفَرَائِض والحساب عَن التقي بن عز الدَّين الجنبلى والعربية عَن الشَّمْس العجيمي وجد فِي الطلب واجتهد وَتقدم فى الْفُنُون مَعَ ذكاء مفرط وأشير إليه بالتقدم وَصَارَ رَأْسا في أَنْوَاع الْحساب والهندسة والهيئة والفرائض وَعلم الْوَقْت بِلَا مُنَازع وَلَا مدافع وانتفع بِهِ الْأَعْيَان ولازموه فِي فنونه وصنف التصانيف المفيدة مِنْهَا إبراز لطائف الغوامض فِي إحراز صناعَة الْفَرَائِض وَشرح الجعبرية والرسالة الْكُبْرَى وهي سِتُّونَ بَابا لشيخه المارواني وَشرح أيضاً تَلْخِيص ابْن الْبناء في الْحساب وَهُوَ عَظِيم الْفَائِدَة وَله إرشاد الحائر فِي الْعَمَل بِربع الدَّوَائِر وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي جَامع الْأُصُول والمواليد والمنهل العذب الزلَال فِي معرفَة حِسَاب الْهلَال والفصول فى الْعَمَل بالمقنطرات والرسالة فى الْعَمَل بالجيب والضوء اللائح في وضع الخطوط على الصفائح ورسالة في الربع الْمسير وَأُخْرَى في الربع الهلالي وكراسة في معرفَة الأوساط وَأُخْرَى فِي اسْتِخْرَاج التواريخ بَعْضهَا من بعض وَغير ذَلِك من التصانيف المفيدة كل ذَلِك مَعَ التَّوَاضُع والأمانة والسكون والسمت الْحسن وإيراد النُّكْتَة والنادرة والطرف والانجماع عَن النَّاس بمنزله المجاور للأزهر والاستغناء عَنْهُم بإقطاع بِيَدِهِ وَكَانَ يبرُّ الطّلبَة والفقراء ودرّس في الْمدرسَة الجانبكية وَمِمَّا حكي عَنهُ أَنه صعد القلعة للاجتماع بِالْملكِ الْأَشْرَف في قَضِيَّة ضَاقَ بهَا صدره فَمَا تيَسّر وَرجع وَقد تزايد كربه فاتفق أَنه دخل مدرسة قريبَة من القلعة فَتَوَضَّأ وَصلى
(1/57)

رَكْعَتَيْنِ وَرفع رَأسه فَوجدَ بِجَانِب مِحْرَابهَا مَكْتُوبًا
(دعها سَمَاوِيَّة تجري على قدر ... لَا تعترضها بِأَمْر مِنْك تنفسد)
فَاسْتَبْشَرَ بذلك وآلى إِن قضى أمره أَن ينظمه فِي أَبْيَات فَلم يشْعر إِلَّا وَقد جَاءَ قَاصد السُّلْطَان يَطْلُبهُ وَحصل الْغَرَض فَقَالَ
(فَقلت للقلب لما ضَاقَ مضطرباً ... وخانني الصَّبْر والتفريط وَالْجَلد)
(دعها سَمَاوِيَّة تجري على قدر ... لَا تعترضها بِأَمْر مِنْك تنفسد)
(فخفنى بخفيَّ اللطف خالقنا ... نعم الْوَكِيل وَنعم العون والمدد)
وَمَا زَالَ مستمراً على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ لَيْلَة السبت حادي عشر ذي الْقعدَة سنة 850 خمسين وثمان مائَة وَلم يخلف بعده في فنونه مثله
35 - أَحْمد بن سعد الدَّين بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن علي بن غَانِم بن يُوسُف ابْن الهادي بن علي بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْوَاحِد بن عبد الحميد الْأَصْغَر ابْن عبد الحميد الْأَكْبَر
المسورى الزيدى القاضى الْفَاضِل المترسل البليغ المنشئ الْعَارِف شَارك في الْفُنُون وتميَّز فِي كثير مِنْهَا وحرر رسائل وفتاوى واتصل في أول عمره بالإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَأخذ عَنهُ وَكتب لَدَيْهِ وَكَانَ يؤثره ثمَّ اتَّصل بعد ذَلِك بولده الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه فارتفعت دَرَجَته لَدَيْهِ وَصَارَ أَكثر الْأُمُور مَنُوطًا بِهِ وَلم يكن لغيره مَعَه كَلَام ثمَّ اتَّصل بعد موت الْمُؤَيد بِاللَّه بأَخيه الإمام المتَوَكل على الله وشارك في أُمُور وَنقص حَظه قَلِيلا بِسَبَب أَنه بَادر إلى مبايعة أَحْمد بن الإمام الْقَاسِم عِنْد موت الْمُؤَيد ثمَّ لم تتم تِلْكَ الْبيعَة وَتمّ الْأَمر للمتوكل على الله ومازال على جلالته وفخامته حَتَّى مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر شهر محرم سنة 1079 تسع
(1/58)

وَسبعين وَألف وقبر بجوار قبر الْأَمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد وَقد تَرْجمهُ تِلْمِيذه القاضي احْمَد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال في مطلع البدور تَرْجَمَة نفيسة وأطال الثَّنَاء عَلَيْهِ وَوَصفه بأوصاف فخيمة وَله شهرة كَبِيرَة بالديار اليمنية الى الآن وَلَعَلَّ ذَلِك بِسَبَب متاخمته للأئمة وارتفاع حَظه في تِلْكَ الدولة ومشيه في جَمِيع مُبَاشَرَته على طَريقَة الْعلمَاء
(36) أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال
وَصَالح هُوَ ابْن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن الْحسن الْمَعْرُوف بأبي الرِّجَال بن سرح بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله بن أَبى حَفْص عمر بن الْخطاب الْخَلِيفَة الصحابى ولد فى لَيْلَة الْجُمُعَة من شهر شعْبَان سنة 1029 تسع وَعشْرين وَألف في جِهَات الأهنوم وَأخذ عَن جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء مِنْهُم الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عز الدَّين المؤيدي وَالسَّيِّد عز الدَّين بن دريب وَالسَّيِّد الرئيس مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم والقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمَذْكُور قبله والقاضي إبراهيم بن يحيى السحولي وَجَمَاعَة غير هَؤُلَاءِ وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة وَآخَرُونَ وبرع فِي كثير من المعارف وَهُوَ صَاحب مطلع البدور وَمجمع البحور ترْجم فِيهِ لأعيان الزيدية فجَاء كتاباً حافلاً وَلَوْلَا كَمَال عنايته واتساع اطِّلَاعه لما تيَسّر لَهُ جمع ذَلِك الْكتاب لِأَن الزبدية مَعَ كَثْرَة فضلائهم
(1/59)

وَوُجُود أَعْيَان مِنْهُم فِي كل مكرمَة على تعاقب الْأَعْصَار لَهُم عناية كَامِلَة ورغبة وافرة في دفن محَاسِن أكابرهم وطمس آثَار مفاخرهم فَلَا يرفعون إلى مَا يصدر عَن أعيانهم من نظم أَو نثر أَو تصنيف رَأْسا وَهَذَا مَعَ توفر رغباتهم إلى الِاطِّلَاع على مَا يصدر من غَيرهم والاشتغال الْكَامِل بِمَعْرِِفَة أَحْوَال سَائِر الطوائف والإكباب على كتبهمْ التاريخية وَغَيرهَا وإني لأكْثر التَّعَجُّب من اخْتِصَاص الْمَذْكُورين بِهَذِهِ الْخصْلَة الَّتِى كَانَت سَببا لدفن سابقهم ولاحقهم وغمط رفيع قدر عالمهم وفاضلهم وشاعرهم وَسَائِر أكابرهم وَلِهَذَا أهملهم المصنفون في التَّارِيخ على الْعُمُوم كمن يترجم لأهل قرن من الْقُرُون أَو عصر من العصور وَإِن ذكرُوا النَّادِر مِنْهُم ترجموه تَرْجَمَة مغسولة عَن الْفَائِدَة عاطلة عَن بعض مَا يسْتَحقّهُ لَيْسَ فِيهَا ذكر مولد وَلَا وَفَاة وَلَا شُيُوخ وَلَا مسموعات وَلَا مقروءات وَلَا أشعار وَلَا أَخْبَار لِأَن الَّذين ينقلون أَحْوَال الشَّخْص إِلَى غَيره هم معارفه وَأهل بَلَده فإذا أهملوه أهمله غَيرهم وجهلوا أمره وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تجدني في هَذَا الْكتاب إِذا ترجمت أحداً مِنْهُم لم أدر مَا أَقُول لِأَن أهل عصره أهملوه فَلم يبْق لَدَى من بعدهمْ إِلَّا مُجَرّد أَنه فلَان بن فلَان لَا يدري مَتى ولد وَلَا فِي أَي وَقت مَاتَ وَمَا صنع فِي حَيَاته فَمن عرف مَا ذَكرْنَاهُ علم أَن المترجم لَهُ رَحمَه الله قد أَجَاد في ذَلِك الْكتاب فِي كثير من التراجم وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة من الْعلمَاء المشاركين فى فنون عدَّة وَله أبحاث ورسائل وقفت عَلَيْهَا وهي نفيسة ممتعة ونظمه ونثره في رُتْبَة متوسطة وَتوفى لَيْلَة الثُّلَاثَاء لَعَلَّه خَامِس ربيع الأول سنة 1092 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف ورثاه جمَاعَة من الْفُضَلَاء
(1/60)

بمراثٍ وَقد ذكر في تَارِيخه شَيْئا كثيراً من شعره مفرقا في تراجم شُيُوخه وَغَيرهم
(37) القاضي أَحْمد بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن صَالح الْمَذْكُور قبله الْمَعْرُوف بِابْن أَبى الرِّجَال
الصَّنعاني ولد يَوْم السبت خَامِس شهر محرم سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيانها مِنْهُم القاضي الْعَلامَة أَحْمد ابْن زيد الهبل وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَالسَّيِّد الْعَلامَة محسن بن اسماعيل الشامى وَالسَّيِّد عبد الله بن أَحْمد بن اسحاق ابْن المهدى وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي وَالسَّيِّد يُوسُف العجمي وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم وبرع في جَمِيع المعارف وَهُوَ شيخ مَشَايِخنَا وَله يَد طولى في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَالتَّفْسِير ومشاركة فِيمَا عدا ذَلِك وَقد عكف عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَعْيَان وَأخذُوا عَنهُ في فنون مُتعَدِّدَة وتخرجوا بِهِ وصاروا أَعْيَان عصرهم فَمنهمْ شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي رَحمَه الله وَمِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَمِنْهُم سيخنا الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن علي الْأَبْيَض وَمِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة على ابْن هادي عرهب وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسماعيل الْمُفْتى وسيأتي ذكرهم انشاء الله تَعَالَى وَقد اتَّصل المترجم لَهُ بالإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن رَحمَه الله ليقرئ أَوْلَاده فِيمَا يَحْتَاجُونَ إليه من الْعلم ثمَّ ارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد الإمام وَكَانَ يجالسه ويحادثه وَيَأْخُذ عَنهُ من فَوَائده وأركبه الْخَيل واختصه وَرفع مَنْزِلَته حَتَّى كَانَ تَارَة بِمَنْزِلَة الْوَزير وَأُخْرَى بِمَنْزِلَة
(1/61)

المشير وَمَعَ ذَلِك فَلم يَنْقَطِع عَن نشر الْعلم بِحَسب الطَّاقَة وَلم يزل على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ سنة 1191 إحدى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَله حواش على شرح الْغَايَة والكشاف وحواشيه مفيدة جدّاً في غَايَة من الدقة وَالتَّحْقِيق نقلهَا عَنهُ شَيخنَا المغربي الْمُتَقَدّم في كتبه
38 - السَّيِّد أَحْمد بن صَلَاح بن يحيى الْخَطِيب الكوكباني ثمَّ الصّنعاني
أَخذ الْعلم عَن السَّيِّد الْعَلامَة إسحق بن إبراهيم بن المهدي وَبِه تخرج وَعَلِيهِ عوّل وبرع فِي المعارف وَجمع رسائل مِنْهَا رِسَالَة في كَون الفرجين من أَعْضَاء الْوضُوء سَمَّاهَا الرياض الندية وَقد أجبْت عَلَيْهِ برسالة سميتها الصوارم الْهِنْدِيَّة المسلولة على الرياض الندية وَمِنْهَا رِسَالَة أجَاب بهَا على رِسَالَة السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير جمعهَا فِي مسَائِل ثَمَان وَمِنْهَا رِسَالَة فِي تَحْرِيم الْمُتْعَة وَحصل مَعَه خفَّة فِي الدِّمَاغ فَكَانَ يتَرَدَّد مَا بَين صنعاء وشبام ثمَّ تراجع عقله وتصوّف وَمَال إليه جمَاعَة من النَّاس وأخبروا عَنهُ بمكاشفات وأحوال وابتلى آخر الْمدَّة بذهاب بَصَره وَلَعَلَّ مَوته على رَأس الْقرن الثاني عشر أَو قبله بِقَلِيل
(39) أَحْمد بن عَامر الحدائى ثمَّ الصّنعاني
أَخذ علم الْفِقْه والفرائض بِصَنْعَاء عَن جمَاعَة من علمائها وتصدّر للتدريس فِي الفنين بِجَامِع صنعاء واستفاد عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَعْيَان وَكَانَ في لِسَانه ثقل لَا يكَاد يعرف عِبَارَته ويفهمها إلا من مارس ذَلِك
(1/62)

وَكَانَ زاهداً متقللاً من الدُّنْيَا مواظباً على الطَّاعَات آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر يغْضب إِذا بلغه مَا يُخَالف الشَّرْع وَفِيه سَلامَة صدر زَائِدَة قَرَأت عَلَيْهِ في الأزهار وَشَرحه مرَّتَيْنِ وفي الْفَرَائِض وَشَرحهَا للناظري مَرَّات وَكَانَ مواظباً على التدريس لَا يمنعهُ مِنْهُ مَانع فإنه يَقع الْمَطَر الْعَظِيم الَّذِي يمْنَع من خُرُوج من هُوَ في سن الشَّبَاب فَلَا يكون ذَلِك عذراً لَدَى صَاحب التَّرْجَمَة لرغبته فِي الْخَيْر وحرصه على إفادة الطّلبَة وَلَقَد اسْتمرّ انصباب الْمَطَر في بعض السنين من قبل الْفجْر إلى قريب وَقت الظّهْر وَكَانَ مَعنا درس عَلَيْهِ وَقت الشروق فَمَا تركت الذهاب إلى الْجَامِع لعلمي بَان مثل ذَلِك لَا يمنعهُ مَعَ علو سنه فانتظرت لَهُ فِي الْمَكَان الْمعد للدرس فَلم يأت هُوَ وَلَا أحد من الطّلبَة وهم كَثِيرُونَ فجَاء الْيَوْم الثاني وَقَالَ لي هَل أتيت إلى هُنَا قلت نعم قَالَ لَو علمت أَنَّك أتيت مَا اخْتلفت ثمَّ تأسف كثيرا على فَوت الدَّرْس وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى مَاتَ في شهر رَجَب أَو شعْبَان سنة 1197 سبع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَلَعَلَّه قد جَاوز السّبْعين ورثيته بِأَبْيَات غَابَتْ عَنى وَذكرت فِيهَا تَارِيخ مَوته وَهُوَ حط بجنات الخلود أَحْمد رَحمَه الله وإياي
(40) أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن عبد الله بن الْقَاسِم بن تَيْمِية
الحرّاني الدمشقي الحنبلي تقي الدَّين أَبُو الْعَبَّاس شيخ الإسلام إمام الْأَئِمَّة الْمُجْتَهد الْمُطلق ولد سنة 661 إحدى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وتحول بِهِ أَبوهُ من حران سنة 667 سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَسمع من ابْن عبد الدايم وَالقَاسِم الأريلى وَالْمُسلم ابْن عَلان وَابْن أَبى نمر وَالْفَخْر وَمن آخَرين قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر وَقَرَأَ بِنَفسِهِ وَنسخ سنَن
(1/63)

أَبى دَاوُد وَحصل الْأَجْزَاء وَنظر في الرِّجَال والعلل وتفقه وتمهّر وَتقدم وصنّف ودرس وَأفْتى وفَاق الأقران وَصَارَ عجباً في سرعَة الاستحضار وَقُوَّة الْجنان والتوسع فى الْمَنْقُول والمقعول والاطلاع على مَذَاهِب السلف وَالْخلف انْتهى وَأَقُول أَنا لَا أعلم بعد ابْن حزم مثله وَمَا أَظُنهُ سمح الزَّمَان مَا بَين عصر الرجلَيْن بِمن شابههما أَو يقاربهما قَالَ الذهبي مَا ملخصه كَانَ يقْضى مِنْهُ الْعجب إِذا ذكر مَسْأَلَة من مسَائِل الْخلاف الَّتِى يوردها مِنْهُ وَلَا أَشد استحضاراً للمتون وعزوها مِنْهُ وَكَانَت السنة نصب عَيْنَيْهِ وعَلى طرف لِسَانه بِعِبَارَة رشيقة وَكَانَ آية من آيَات الله في التَّفْسِير والتوسع فِيهِ وَأما أصُول الدّيانَة وَمَعْرِفَة أَقْوَال الْمُخَالفين فَكَانَ لَا يشق غباره فِيهِ هَذَا مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْكَرم والشجاعة والفراغ عَن ملاذ النَّفس وَلَعَلَّ فَتَاوِيهِ في الْفُنُون تبلغ ثَلَاثمِائَة مُجَلد بل أَكثر وَكَانَ قوالاً بِالْحَقِّ لَا تَأْخُذهُ بِاللَّه لومة لائم ثمَّ قَالَ وَمن خالطه وعرفه قد ينسبني إِلَى التَّقْصِير فِيهِ وَمن نابذه وَخَالفهُ قد ينسبني إِلَى التغالي فِيهِ وَقد أوذيت من الْفَرِيقَيْنِ من أَصْحَابه وأضداده وَكَانَ أَبيض اسود الرَّأْس واللحية قَلِيل الشيب شعره إِلَى شحمة أُذُنَيْهِ كَأَن عَيْنَيْهِ لسانان ناطقان ربعَة من الرِّجَال بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ جهوريّ الصَّوْت فصيحاً سريع الْقِرَاءَة تعتريه حِدة لَكِن يقهرها بالحلم قَالَ وَلم أرمثله في ابتهاله واستعانته بِاللَّه وَكَثْرَة توجهه وَأَنا لَا أعتقد فِيهِ عصمَة بل أَنا مُخَالف لَهُ في مسَائِل أَصْلِيَّة وفرعية فَأَنَّهُ كَانَ مَعَ سَعَة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدَّين بشراً من الْبشر تعتريه حِدة فِي الْبَحْث وَغَضب وصدمة للخصوم
(1/64)

تزرع لَهُ عَدَاوَة فى النُّفُوس وَلَولَا ذَلِك لَكَانَ كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بأنه بَحر لَا سَاحل لَهُ وكنز لَيْسَ لَهُ نَظِير وَلَكِن ينقمون عَلَيْهِ أخلاقاً وأفعالاً وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك قَالَ وَكَانَ محافظاً على الصَّلَاة وَالصَّوْم مُعظما للشرائع ظَاهرا وَبَاطنا لَا يُؤْتى من سوء فهم فإن لَهُ الذكاء المفرط وَلَا من قلَّة علم فإنه بَحر زاخر وَلَا كَانَ متلاعباً بِالدّينِ وَلَا ينْفَرد بمسائل بالتشّهي وَلَا يُطلق لِسَانه بِمَا اتفق بل يحْتَج بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث وَالْقِيَاس ويبرهن ويناظر أُسْوَة بِمن تقدمه من الْأَئِمَّة فَلهُ أجر على خطأه وأجران على إصابته انْتهى وَمَعَ هَذَا فقد وَقع لَهُ مَعَ أهل عصره قلاقل وزلازل وامتحن مرة بعد أُخْرَى في حَيَاته وَجَرت فتن عديدة وَالنَّاس قِسْمَانِ فِي شَأْنه فبعض مِنْهُم مقصر بِهِ عَن الْمِقْدَار الَّذِي يسْتَحقّهُ بل يرميه بالعظائم وَبَعض آخر يُبَالغ في وَصفه ويجاوز بِهِ الْحَد ويتعصب لَهُ كَمَا يتعصب أهل الْقسم الأول عَلَيْهِ وَهَذِه قَاعِدَة مطردَة في كل عَالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بِالْكتاب وَالسّنة فإنه لَا بُد أَن يستنكره المقصرون وَيَقَع لَهُ مَعَهم محنة بعد محنة ثمَّ يكون أمره الْأَعْلَى وَقَوله الأولى وَيصير لَهُ بِتِلْكَ الزلازل لِسَان صدق في الآخرين وَيكون لعلمه حَظّ لَا يكون لغيره وَهَكَذَا حَال هَذَا الإمام فإنه بعد مَوته عرف النَّاس مِقْدَاره واتفقت الألسن بالثناء عَلَيْهِ إلا من لَا يعْتد بِهِ وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته وَأول مَا أنكر عَلَيْهِ أهل عصره فِي شهر ربيع الأول سنة 698 أَنْكَرُوا عَلَيْهِ شيأ من مقالاته فَقَامَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَبَحَثُوا مَعَه وَمنع من الْكَلَام ثمَّ طلب ثاني مرة في سنة 705 إِلَى مصر
(1/65)

فتعصب عَلَيْهِ بعض أَرْكَان الدولة وَهُوَ بيبرس الجاشنكير وانتصر لَهُ ركن آخر وَهُوَ الْأَمِير سلار ثمَّ آل أمره أَن حبس في خزانَة البنود مُدَّة ثمَّ نقل في صفر سنة 9 إلى الإسكندرية ثمَّ أفرج عَنهُ وأعيد إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ أُعِيد إِلَى الإسكندرية ثمَّ حضر السُّلْطَان النَّاصِر من الكرك فأطلقه وَوصل إلى دمشق في آخر سنة 712 وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه المحنة أَن مرسوم السُّلْطَان ورد على النَّائِب بامتحانه في معتقده لما رفع إليه من أُمُور تنكر في ذَلِك فعقد لَهُ مجْلِس فِي سَابِع رَجَب فَسئلَ عَن عقيدته فأملى مِنْهَا ثمَّ أحضروا العقيدة الَّتِى تعرف بالواسطية فَقَرَأَ مِنْهَا وَبَحَثُوا في مَوَاضِع ثمَّ اجْتَمعُوا في ثاني عشرة وقرروا الصفي الهندي يبْحَث مَعَه ثمَّ أخروه وَقدمُوا الْكَمَال الزملكاني ثمَّ انْفَصل الْأَمر على أَنه أشهد على نَفسه أَنه شافعي المعتقد فأشاع أَتْبَاعه أَنه انتصر فَغَضب خصومه وَرفعُوا وَاحِدًا من أَتبَاع ابْن تَيْمِية إلى الْجلَال القزوينى نَائِب الحكم بالعادلية فعزره وَكَذَا فعل الحنفى بِاثْنَيْنِ مِنْهُم وفى ثاني عشر رَجَب قَرَأَ المزي فصلاً من الْكتاب أَفعَال الْعباد للبخاري في الْجَامِع فَسمع بعض الشَّافِعِيَّة فَغَضب وَقَالَ نَحن المقصودون بِهَذَا ورفعوه إلى القاضي الشافعي فَأمر بحبسه فَبلغ ابْن تَيْمِية فَتوجه إلى الْحَبْس فَأخْرجهُ بِيَدِهِ فَبلغ القاضي فطلع إلى القلعة فوافاه ابْن تَيْمِية فتشاجرا بِحَضْرَة النَّائِب فَأمر النَّائِب من يُنَادى أَن من تكلم فِي العقائد فعل بِهِ كَذَا وَقصد بذلك تسكين الْفِتْنَة ثمَّ عقد لَهُ مجْلِس في سلخ شهر رَجَب وَجرى فِيهِ من ابْن الزملكاني وَابْن الْوَكِيل مباحثة فَقَالَ ابْن الزملكاني لِابْنِ الْوَكِيل مَا جرى على الشَّافِعِيَّة قَلِيل حَيْثُ تكون أَنْت رئيسهم
(1/66)

فَظن القاضي ابْن صصري أَنه يعرض بِهِ فعزل نَفسه ثمَّ وصل بربد من عِنْد السُّلْطَان إلى دمشق أَن يرسلوا بِصُورَة مَا جرى في سنة 698 ثمَّ وصل مَمْلُوك النَّائِب وَأخْبر أَن بيبرس وَالْقَاضِي المالكي قد قاما في الإنكار على ابْن تَيْمِية وَأَن الْأَمر قد اشْتَدَّ على الْحَنَابِلَة حَتَّى صفع بَعضهم ثمَّ توجه القاضي ابْن صصري وَابْن تَيْمِية صُحْبَة الْبَرِيد إلى الْقَاهِرَة ومعهما جمَاعَة فوصلا في الْعشْر الْأَخِيرَة من رَمَضَان وَعقد مجْلِس في ثاني عشرينه بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَادّعى على ابْن تَيْمِية عِنْد المالكي فَقَالَ هَذَا عدوى وَلم يجب عَن الدَّعْوَى فكرّر عَلَيْهِ فأصرَّ فَحكم المالكي بحبسه فأقيم من الْمجْلس وَحبس فِي برج ثمَّ بلغ المالكي أَن النَّاس يَتَرَدَّدُونَ إليه فَقَالَ يجب التَّضْيِيق عَلَيْهِ ان لم يقتل والا فقد ثَبت كفره فنقلوه لَيْلَة عيد الْفطر إلى الْجب وَلَقَد أحسن المترجم لَهُ رَحمَه الله بالتصميم على عدم الإجابة عِنْد ذَلِك القاضى الجرئ الْجَاهِل الغبي وَلَو وَقعت مِنْهُ الإجابة لم يبعد الحكم بإراقة دم هَذَا الإمام الَّذِي سمح الزَّمَان بِهِ وَهُوَ بِمثلِهِ بخيل وَلَا سِيمَا هَذَا القَاضِي من الْمَالِكِيَّة الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن مخلوف فَإِنَّهُ من شياطينهم المتجرئين على سفك دِمَاء الْمُسلمين بِمُجَرَّد أكاذيب وكلمات لَيْسَ المُرَاد بهَا مَا يحملونها عَلَيْهِ وناهيك بقوله أَن هَذَا الإمام قد اسْتحق الْقَتْل وَثَبت لَدَيْهِ كفره وَلَا يساوي شَعْرَة من شعراته بل لَا يصلح لِأَن يكون شسعاً لنعله وَمَا زَالَ هَذَا القاضى الشَّيْطَان يتطلب الفرص الَّتِى يتَوَصَّل بهَا إلى إِرَاقَة دم هَذَا الإمام فحجبه الله عَنهُ وَحَال بَينه وَبَينه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ بعد هَذَا نودي بِدِمَشْق أَن من اعْتقد عقيدة ابْن تَيْمِية حلَّ دَمه وَمَاله خُصُوصا الْحَنَابِلَة فنودي بذلك وَقُرِئَ المرسوم قَرَأَهُ ابْن الشهَاب مَحْمُود في
(1/67)

الْجَامِع ثمَّ جمعُوا الْحَنَابِلَة من الصالحية وَغَيرهَا وَأشْهدُوا على أنفسهم أَنهم على مُعْتَقد الإمام الشافعي وَكَانَ من أعظم القائمين على المترجم لَهُ الشَّيْخ نصر المنبجي لِأَنَّهُ كَانَ بلغ ابْن تَيْمِية أَنه يتعصب لِابْنِ العربي فَكتب إليه كتاباً يعاتبه على ذَلِك فَمَا أعجبه لكَونه بَالغ في الْحَط على ابْن العربي وكفّره فَصَارَ هُوَ يحط على ابْن تَيْمِية ويغرى بيبرس الَّذِي يفرط في محبَّة نصر وتعظيمه وَقَامَ القاضي المالكي الْمُتَقَدّم ذكره مَعَ الشَّيْخ نصر وَبَالغ في أذية الْحَنَابِلَة وَاتفقَ أَن قاضي الْحَنَابِلَة كَانَ قَلِيل البضاعة في الْعلم فبادر إلى إجابتهم في المعتقد واستكتبوا خطه بذلك وَاتفقَ أَن قاضي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَهُوَ شمس الدَّين ابْن الجزرى انتصر لاين تَيْمِية وَكتب في حَقه محضراً بالثناء عَلَيْهِ بِالْعلمِ والفهم وَكتب فِيهِ بِخَطِّهِ ثَلَاثَة عشر سطرا من جُمْلَتهَا أَنه مُنْذُ ثلثمِائة سنة مَا رأى النَّاس مثله فَبلغ ذَلِك ابْن مخلوف فسعى في عزل ابْن الجزري فعزل وَقرر عوضه شمس الدَّين الأذرعى ثمَّ لم يلبث الأذرعي أَن عزل في السنة الْمُقبلَة وتعصّب سلاّر لِابْنِ تيمية وأحضر الْقُضَاة الثَّلَاثَة الشافعي والمالكي والحنفي وَتكلم مَعَهم فِي إخراجه فاتفقوا على أَنهم يشترطون فِيهِ شُرُوطًا وَأَن يرجع عَن بعض العقيدة فأرسلوا إِلَيْهِ مَرَّات فَامْتنعَ من الْحُضُور إليهم وَاسْتمرّ على ذَلِك وَلم يزل ابْن تَيْمِية في الْجب إلى أَن تشفع فِيهِ مهنّا أَمِير آل فضل فَأخْرج في ربيع الأول في الثَّالِث وَالْعِشْرين مِنْهُ وأحضر إِلَى القلعة وَوَقع الْبَحْث مَعَ بعض الْفُقَهَاء فَكتب عَلَيْهِ محْضر بأنه قَالَ أَنا أشعري ثمَّ اجْتمع جمَاعَة من الصُّوفِيَّة عِنْد تَاج الدَّين بن عَطاء فطلعوا في الْعشْر الأوسط من شَوَّال إِلَى القلعة وَشَكوا من ابْن تَيْمِية أَنه يتَكَلَّم فِي حق مَشَايِخ الطَّرِيقَة وَأَنه قَالَ لَا يستغاث
(1/68)

بالنبى صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فاقتصى الْحَال أَن أَمر بتسييره إلى الشَّام فَتوجه على خيل الْبَرِيد وكل ذَلِك والقاضي زين الدَّين ابْن مخلوف مشتغل بِالْمرضِ وَقد أشرف على الْمَوْت فَبَلغهُ سير ابْن تَيْمِية فراسل النَّائِب فَرده من نابلس وَادّعى عَلَيْهِ عِنْد ابْن جمَاعَة وَشهد عَلَيْهِ شرف الدَّين ابْن الصابونى وَقيل ان عَلَاء الدَّين القونوى شهد عَلَيْهِ أَيْضا فاعتقل بسجن حارة الديلمة في ثامن عشر شَوَّال إلى سلخ شهر صفر سنة 709 فَنقل عَنهُ أَن جمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إليه وَأَنه يتَكَلَّم عَلَيْهِم في نَحْو مَا تقدم فَأمر بنقله إِلَى الإسكندرية فَنقل إليها في سلخ صفر وَكَانَ سَفَره صُحْبَة أَمِير مقدم وَلم يُمكن أحداً من جِهَته من السفر مَعَه وَحبس ببرج شرقي ثمَّ توجه إليه بعض أَصْحَابه فَلم يمنعوا مِنْهُ فتوجهت طَائِفَة مِنْهُم بعد طَائِفَة وَكَانَ مَوْضِعه فسيحاً فَصَارَ النَّاس يدْخلُونَ إليه ويقرأون عَلَيْهِ ويبحثون مَعَه فَلم يزل إِلَى أَن عَاد النَّاصِر إلى السلطنة فشفع فِيهِ عِنْده فَأمر بإحضاره فَاجْتمع بِهِ في ثامن عشر شَوَّال سنة 709 فَأكْرمه وَجمع الْقُضَاة فَأصْلح بَينه وَبَين القاضي المالكى فَاشْترط المالكي أَن لَا يعود فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان قد تَابَ وَسكن الْقَاهِرَة وَتردد النَّاس إليه إِلَى أَن توجه صُحْبَة النَّاصِر إِلَى الشَّام بنية الْغَزْو سنة 712 فوصل إِلَى دمشق وَكَانَت غيبته مِنْهَا أَكثر من سبع سِنِين وتلقاه جمع كثير فَرحا بمقدمه وَكَانَت والدته إِذْ ذَاك حَيَّة ثمَّ قَامُوا عَلَيْهِ في شهر رَمَضَان سنة 719 بِسَبَب قَوْله أن الطَّلَاق الثَّلَاث من دون تخَلّل رَجْعَة بِمَنْزِلَة طَلْقَة وَاحِدَة ثمَّ عقد لَهُ مجْلِس آخر في رَجَب سنة 720 ثمَّ حبس بالقلعة ثمَّ أخرج في عَاشُورَاء سنة 721 ثمَّ قَامُوا عَلَيْهِ مرة أُخْرَى
(1/69)

في شعْبَان سنة 722 بِسَبَب مَسْأَلَة الزِّيَارَة واعتقل بالقلعة فَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لعشرين من شهر الْقعدَة سنة 738 بِجَامِع دمشق وَصَارَ يضْرب الْمثل بِكَثْرَة من حضر جنَازَته وَأَقل مَا قيل في عَددهمْ أَنهم خَمْسُونَ ألفاً قَالَ ابْن فضل الله لما قدم ابْن تَيْمِية على الْبَرِيد إلى الْقَاهِرَة فِي سنة 700 حض أهل المملكة على الْجِهَاد وَأَغْلظ القَوْل للسُّلْطَان والأمراء ورتبوا لَهُ كل يَوْم دِينَارا وَطَعَامًا فَلم يقبل ذَلِك ثمَّ قَالَ حضر عِنْده شَيخنَا أَبُو حَيَّان فَقَالَ مَا رَأَتْ عيناي مثل هَذَا الرجل ومدحه بِأَبْيَات ذكر أَنه نظمها بديهة مِنْهَا
(لما أَتَانَا تقي الدَّين لَاحَ لنا ... دَاع إلى الله فَرد مَاله وزرُ)
(على محياه سيماء الأولى صحبوا ... خير الْبَريَّة نور دونه الْقَمَر)
قَالَ ثمَّ دَار بَينهمَا كَلَام فَجرى ذكر سِيبَوَيْهٍ فَأَغْلَظ ابْن تَيْمِية القَوْل في سِيبَوَيْهٍ فنافره أَبُو حَيَّان وقطعه وصير ذَلِك ذَنبا لَا يغْفر وَسُئِلَ عَن السَّبَب فَقَالَ ناظرته فى شئ من الْعَرَبيَّة فَذكرت لَهُ كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ مَا كَانَ سِيبَوَيْهٍ نبيّ النَّحْو وَلَا كَانَ مَعْصُوما بل أَخطَأ فِي الْكتاب في ثَمَانِينَ موضعاً مَا تفهمها أَنْت فَكَانَ ذَلِك سَبَب مقاطعته إِيَّاه وَذكره في تَفْسِيره الْبَحْر بِكُل سوء وَكَذَلِكَ في مُخْتَصره النَّهر وَقد ترْجم لَهُ جمَاعَة وبالغوا في الثَّنَاء عَلَيْهِ ورثاه كثير من الشُّعَرَاء وَقَالَ جمال الدَّين السرمدي فِي أَمَالِيهِ وَمن عجائب زَمَاننَا في الْحِفْظ ابْن تيميه كَانَ يمر بِالْكتاب مرّة مطالعة فينقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَحكى بَعضهم عَنهُ أَنه قَالَ من سألني مستفيداً حققت لَهُ وَمن سألني مُتَعَنتًا ناقصته فَلَا يلبث أن يَنْقَطِع فأكفى مُؤْنَته
(1/70)

وَقد ترْجم لَهُ الصفدي وسرد أَسمَاء تصانيفه في ثَلَاثَة أوراق كبار وَمن أنفعها كِتَابه فِي ابطال الْحِيَل فانه نَفِيس جدا وَكتاب الْمِنْهَاج فى الرَّد على الروافض فِي غَايَة الْحسن لَوْلَا أَنه بَالغ فِي الدفع حَتَّى وَقعت لَهُ عِبَارَات وألفاظ فِيهَا بعض التحامل وَقد نسبه بَعضهم إلى طلب الْملك لِأَنَّهُ كَانَ يلهج بِذكر ابْن تومرت ونظرائه فَكَانَ ذَلِك مولداً لطول سجنه وَله وقائع مَشْهُورَة وَكَانَ إِذا حوقق وألزم يَقُول لم أرد هَذَا وَإِنَّمَا أردْت كَذَا فيذكر احْتِمَالا بَعيدا وَلَعَلَّ ذَلِك وَالله أعلم أَنه يُصَرح بِالْحَقِّ فتأباه الأذهان وتنبوا عَنهُ الطبائع لقُصُور الأفهام فيحوله إِلَى احْتِمَال آخر دفعاً للفتنة وَهَكَذَا ينبغي للْعَالم الْكَامِل أَن يفعل يَقُول الْحق كَمَا يجب عَلَيْهِ ثمَّ يدْفع الْمفْسدَة بِمَا يُمكنهُ وَحكى عَنهُ أَنه لما وصل إِلَيْهِ السُّؤَال الَّذِي وَضعه السكاكيني على لِسَان يهودي وَهُوَ
(أيا عُلَمَاء الدَّين ذميُّ دينكُمْ ... تحيّر دلّوه بأعظم حجَّة)
(إِذا مَا قضى ربي بكفري بزعمكم ... وَلم يرضه مني فَمَا وَجه حيلتي)
إلى آخرهَا فَوقف ابْن تَيْمِية على هَذِه الأبيات فَثنى إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَأجَاب في مَجْلِسه قبل ان يقوم بِمِائَة وَتِسْعَة عشر بَيْتا أَولهَا
(سؤالك ياهذا سُؤال معاند ... مخاصم ربّ الْعَرْش ربّ الْبَريَّة)
وَقَالَ ابْن سيّد النَّاس اليعمري في تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية إنه برز في كل فن على أَبنَاء جنسه وَلم تَرَ عين من رَآهُ مثله وَلَا رَأَتْ عينه مثل نَفسه وَقَالَ الذَّهَبِيّ مترجماً لَهُ فِي بعض الإجازات قَرَأَ الْقُرْآن وَالْفِقْه وناظر وَاسْتدلَّ وَهُوَ دون الْبلُوغ وَبلغ في الْعُلُوم وَالتَّفْسِير وَأفْتى ودرّس وَهُوَ دون الْعشْرين وصنّف التصانيف وَصَارَ من أكَابِر الْعلمَاء فى حَيَاة مشايخه
(1/71)

وتصانيفه نَحْو أَرْبَعَة آلاف كراسة وَأكْثر وَقَالَ وَأما نَقله للفقه ومذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فضلاً عَن الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِير وَقَالَ أَنه لَا يذكر مَسْأَلَة إِلَّا وَيذكر فِيهَا مَذَاهِب الْأَئِمَّة وَقد خَالف الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة في عدَّة مسَائِل صنّف فِيهَا وَاحْتج لَهَا بِالْكتاب وَالسّنة وَقد أثنى عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء عصره فَمن بعدهمْ ووصفوه بالتفرد وأطلقوا في نَعته عِبَارَات ضخمة وَهُوَ حقيق بِذَاكَ وَالظَّاهِر أنه لَو سلم مِمَّا عرض لَهُ من المحن المستغرقة لأكْثر أَيَّامه المكدرة لذهنه المشوشة لفهمه لَكَانَ لَهُ من المؤلفات والاجتهادات مَا لم يكن لغيره قَالَ الصفدي وَكَانَ كثيراً مَا ينشد
(تَمُوت النُّفُوس بأوصابها ... وَلم يدر عوادها مَا بهَا)
(وَمَا أنصفت مهجة تشتكى ... أذاها إِلَى غير أَرْبَابهَا)
وَمِمَّا أنْشد لَهُ على لِسَان الْفُقَرَاء)
(وَالله مَا فقرنا اخْتِيَار ... وَإِنَّمَا فقرنا اضطرار)
(جمَاعَة كلنا كسَالَى ... وأكلنا مَاله عيار)
(تسمع منا إِذا اجْتَمَعنَا ... حَقِيقَة كلهَا فشار)
(41) أَحْمد بن عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم ابْن أَبى بكر بن إبراهيم الولي بن الزين العراقى
الآتى أَبوهُ انشاء الله تَعَالَى ولد في سحر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث ذي الْحجَّة سنة 792 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وأحضره وَالِده على جمَاعَة من الشُّيُوخ ورحل بِهِ إلى دمشق فَأحْضرهُ بهَا على أَعْيَان علمائها ثمَّ لما عَاد من الرحلة إلى مصر اجْتهد فِي اسْتِيفَاء شُيُوخ الديار المصرية وَأخذ
(1/72)

عَمَّن دبّ ودرج وَكتب الطباق وَضبط الْأَسْمَاء وتدرب بوالده في الحَدِيث وفنونه وَكَذَا في غَيره من فقه وأصول وعربيه وَمَعَان وَبَيَان وبرع في جَمِيع ذَلِك وشارك في غَيرهَا من الْفَضَائِل وَأذن لَهُ غير وَاحِد من شُيُوخه بالإفتاء والتدريس وَاسْتمرّ يترقّى لمزيد ذكائه حَتَّى سَاد وأبدا وَأعَاد وَظَهَرت نجابته ونباهته واشتهر فَضله وبهر عقله مَعَ حسن خلقه وخُلقه وَشرف نَفسه وتواضعه وانجماعه وصيانته وديانته وأمانته وعفته وضيق حَاله وكثرة عِيَاله ودرّس وَهُوَ شَاب فِي حَيَاة أَبِيه وَقَالَ أَبوهُ فِي دروسه
(دروس أَحْمد خير من دروس أبه ... وَذَاكَ عِنْد أَبِيه مُنْتَهى أربه)
وَلما توجه وَالِده لقَضَاء الْمَدِينَة وخطابتها قَامَ بِجَمِيعِ وظائفه إِلَّا مشيخة دَار الحَدِيث فإنه انتزعها مِنْهُ شَيْخه ابْن الملقّن فَتحَرك لمعارضته ثمَّ سكنه بعض مشايخه فسكن ثمَّ أضيفت إليه جِهَات أَبِيه بعد مَوته فزادت رئاسته وانتشرت في الْعُلُوم وجاهته وأضيف إليه في بعض الْأَوْقَات قَضَاء منوف وناب فى الْقَضَاء عَن الْعِمَاد الكركي نَحْو عشْرين سنة ثمَّ ترفع عَن ذَلِك وَفرغ نَفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف إلى أَن خطبه الطَّاهِر ططر بِغَيْر سُؤال إلى قَضَاء الديار المصرية فِي منتصف شَوَّال سنة 824 مَعَ وجود السعاة فِيهِ بالبذل وَذَلِكَ عقب موت الْجلَال البلقيني بأَرْبعَة أَيَّام فَسَار فِيهِ أحسن سيرة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة وصرامة وشهامة وَمَعْرِفَة وَكَانَ يحضّ أَصْحَابه على الاهتمام بإجابة من يلْتَمس مِنْهُم الشَّفَاعَة عِنْده عملاً بِالسنةِ وَقَامَ عَلَيْهِ جماعته حَتَّى ألزموه بتفضيل الرفيع من الثِّيَاب وقرروا لَهُ أَن في ذَلِك قُوَّة في الشَّرْع وتعظيماً
(1/73)

للقائم بِهِ والا فَلم يكن عزمه التَّحَوُّل عَن جنس لِبَاسه من قبل وَاسْتمرّ حَتَّى صرف لتصميمه على الْحق وَعدم مداراته لأهل الدولة فِي أُمُور لَا يحتملونها حَتَّى شقّ ذَلِك عَلَيْهِم فتمالئوا عَلَيْهِ وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة دون شَهْرَيْن فتمالئت وتكدرت الخواطر الصافية لعزله وتنغصت معيشته وَلكنه لزم طَرِيقَته فِي الاكباب على نشرالعلم وتصنيفه إِلَى أَن مَاتَ قبل استكمال سنة من صرفه مبطوناً شَهِيدا آخر يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر من شعْبَان سنة 826 سِتّ وَعشْرين وثمان مائَة ثمَّ دفن الى جنب وَالِده بتربته قَالَ ابْن حجر وَلما صرف من الْقَضَاء حصل لَهُ سوء مزاج من كَونه صرف بِبَعْض تلامذته بل بِبَعْض من لَا يفهم عَنهُ كَمَا ينبغى فَكَانَ يَقُول لَو عزلت بِغَيْر فلَان مَا صَعب عليَّ وَله مؤلفات مِنْهَا الْبَيَان والتوضيح لمن أخرج لَهُ في الصَّحِيح وَقد مس بِضَرْب من التجريح والمستجاد فى مهمات الْمَتْن والاسناد وتحفة التَّحْصِيل فى ذكر رُوَاة الْمَرَاسِيل وأخبار المدلّسين والذيل على الكاشف للذهبي وأضاف إليه رجال مُسْند أَحْمد والأطراف بأوهام الأطراف للمزي وَشرح السّنَن لأبي دَاوُد كتب قِطْعَة مِنْهُ وَعمل التعقيبات على الرافعي كتب مِنْهُ نَحْو سِتَّة مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع شرحاً مُخْتَصرا وَاخْتصرَ الْكَشَّاف مَعَ تَخْرِيج أَحَادِيثه وتتمات وَنَحْوهَا وَله تذكرة مفيدة فِي عدَّة مجلدات وأقرأ مصنفاته فِي حَيَاته وَكَانَ يسرّ بِذكرِهِ وَله نظم ونثر كثير
(1/74)

(42) أَحْمد بن عبد الله بن بدر بن مفرح بن بدر بن عُثْمَان بن كَامِل بن ثَعْلَب الشهَاب العامري الغزي ثمَّ الدمشقي الشافعي
ولد في ربيع الأول سنة 770 سبعين وَسَبْعمائة بغزة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والتنبيه ثمَّ في كبره الحاوي وَأخذ عَن قاضيها الْعَلَاء على ابْن خلف وَسمع عَلَيْهِ الصَّحِيح ثمَّ تحوّل إلى دمشق بعد الثَّمَانِينَ وَهُوَ فَاضل فقطنها وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من أَهلهَا ورحل إِلَى الْقُدس فَأخذ عَن التقي القلقشندي وبرع في الْفِقْه وأصوله وشارك في غَيرهمَا مَعَ مذاكرة حَسَنَة في الحَدِيث ومتعلقاته وناب في الحكم عَن الشَّمْس الاحنائى وَعين مرّة للْقَضَاء اسْتِقْلَالا فَلم يتم وَولى افتاء دَار الْعدْل والتدريس بعدة أَمَاكِن وتصدر للإقراء والإفتاء واشتهر برئاسة الْفَتْوَى بِدِمَشْق فَلم يبْق في أَوَاخِر عمره من يُقَارِبه وَله تصانيف مِنْهَا شرح الحاوي الصَّغِير فِي أَربع مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع وَشرح مُخْتَصر الْمُهِمَّات للأسنوي في خَمْسَة أسفار وَحج من دمشق غير مرة وجاور بِمَكَّة ثَلَاث سِنِين مُتَفَرِّقَة وَكَانَت وَفَاته بهَا مبطوناً في ظهر يَوْم الْخَمِيس سادس شَوَّال سنة 822 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة وَصلى عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَدفن في المعلاة قَالَ ابْن حجر في أنبائه وبلغني أَن صديقه النَّجْم المرجاني رَآهُ في النوم فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فتلى عَلَيْهِ {يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ} السَّيِّد أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن عز الدَّين بن الْحسن الشامي
ولد تَاسِع شهر ذي الْحجَّة سنة 1095 خمس وَتِسْعين وَألف وَكَانَ
(1/75)

من أكَابِر عُلَمَاء صنعاء قَرَأَ في فنون الْعلم على مشايخها فبرع في الْآلَات وَالْفِقْه والْحَدِيث ثمَّ إِن المتَوَكل قَاسم بن حُسَيْن أرسل لَهُ ورغّبه في أَن يَجْعَل بنظره من وصل من القاصدين من تهامة فأسعد وَكَانَ يُرْسل إليه بِمَا يَحْتَاجُونَ إليه من نقد وَكِسْوَة ثمَّ بعد ذَلِك ولاه الْقَضَاء الأكبر بِحَضْرَتِهِ في صنعاء فاستمر في ذَلِك إلى أَن توفي المتَوَكل ثمَّ اسْتمرّ على ذَلِك في أَيَّام وَلَده الْمَنْصُور حَتَّى مَاتَ ثمَّ اسْتمرّ فِي ذَلِك فِي أَيَّام الإمام الْمهْدي وَقد ارْتَفَعت دَرَجَته في أَيَّام الْمَنْصُور ارتفاعاً زَائِدا حَتَّى كَانَ مَقْبُول القَوْل فِي الْجَلِيل والدقيق وَصَارَ أَمر الْقَضَاء في جَمِيع جِهَات الْيمن مَنُوطًا بِهِ وَكَانَ يصدع بِالْحَقِّ مَعَ حسن صناعته فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَله شهرة كَبِيرَة وصولة عَظِيمَة فِي مملكة الْيمن وَكَانَ يضْرب بعقله ورصانته الْمثل وَإِلَى الْآن كَذَلِك وَله شغف بِالْعلمِ والتدريس وَله تلامذة مِنْهُم القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن الآتي ذكره إنْشَاء الله وَمن حسن أخلاقه وَقُوَّة اصطباره واحتماله أَنه سمّه رجل ظن أَنه غير عَلَيْهِ بعض أُمُور دُنْيَاهُ فاستمر الإسهال مَعَه مِقْدَار سنة وَلم يحدث بذلك أحداً وكافاً الَّذِي سمه بإيصاله إِلَى مطلبه وَالْقِيَام في قَضَاء غَرَضه فَللَّه در هَذِه الْأَخْلَاق الشَّرِيفَة وَتوفى رَحمَه الله يَوْم الْأَحَد السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1172 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة ألف
(44) أَحْمد بن عبد الله الضّمدي
ولد في سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا وَقَرَأَ بِبَلَدِهِ على
(1/76)

من بهَا من أهل الْعلم ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر علمائها كشيخنا السَّيِّد الامام عبد الْقَادِر بن أَحْمد والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَشَيخنَا الْعَلامَة قَاسم بن يحيى الخولاني وَغَيرهم وَعَاد إِلَى وَطنه وَقد برع في الْفِقْه والْحَدِيث والعربية ثمَّ بعد وُصُوله إلى بَلَده عكف عَلَيْهِ الطّلبَة من أَهلهَا وَرَغبُوا فِيهِ وَأخذُوا عَنهُ فنونا من الْعلم وَعظم شَأْنه هُنَالك وَصَارَ الْمرجع إِلَيْهِ في التدريس والإفتاء فِي ضمد وَغَيرهَا كصبيا وأبي عَرِيش ثمَّ ارتحل إلى صنعاء رحْلَة أُخْرَى فَقَرَأَ عليّ في شرح الْغَايَة وسألنى بمسائل عديدة أجبْت عَلَيْهَا بِجَوَاب سميته العقد المنضد فى جيد مسَائِل عَلامَة ضمد ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل فِي نشر الْعلم وَالْفَتْوَى والزهد والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله فِي سنة 1222 اثنتين وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف تَقْرِيبًا
(45) مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله أَحْمد بن الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الإمام المهدي الْعَبَّاس
ابْن الإمام الْمَنْصُور بن الْحُسَيْن بن الإمام المتَوَكل الْقَاسِم بن حُسَيْن ابْن أَحْمد بن حسن بن الْقَاسِم وسيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة جده الْحسن بن الْقَاسِم مولده حفظه الله حَسْبَمَا أخبرني بِهِ في أول شهر محرم سنة 1170 سبعين وَمِائَة وألف وَهُوَ أكبر أَوْلَاد أَبِيه وَلما صَارَت الْخلَافَة إِلَى
(1/77)

أَبِيه جعل إليه بعد مضي نَحْو نصف سنة إِمَارَة الأجناد وَولَايَة صنعاء وَمَا إليها فباشر ذَلِك بِحرْمَة وافرة ومهابة ونجابة وَحسن سياسة وَبَعثه وَالِده لِحَرْب من يناوئه غير مرّة فظفر وانتصر وَهُوَ مَيْمُون النقيبه مَا بَاشر حَربًا من الحروب إِلَّا وَكَانَ الغلب لَهُ وَله فِي ذَلِك مَوَاقِف لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها مِنْهَا حَرْب حَده بَينه وَبَين بكيل لما خرج بهم سيدي على بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي وَمِنْهَا خُرُوجه بجنده إِلَى بني الْحَارِث لما أفسدوا فاستولى على جَمِيعهم وَمِنْهَا حَرْب الرَّوْضَة لما خرج أَهلهَا عَن الطَّاعَة بِسَبَب تغرير جمَاعَة من السَّادة الكباسية وَال أبي طَالب عَلَيْهِم وعاضدهم على ذَلِك سيدي أَحْمد بن عبد الله بن المهدي فاستولى عَلَيْهِم مَوْلَانَا المتَوَكل على الله في أَيَّام وَالِده رَحمَه الله وَمَا زَالَ في خلَافَة وَالِده جَمِيعهَا يسوس أَمر النَّاس وينوب عَن أَبِيه فِي كثير من الْأُمُور ويفاوضه الوزراء في غَالب مَا تَدْعُو إليه الْحَاجة حَتَّى ولّيَ الوزارة الْفَقِيه حسن بن حسن عُثْمَان بعد وَالِده فَلم يسْلك مَسْلَك الوزراء بل مازال يواحش بَين الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه رَحمَه الله وَولده وتزايد الْأَمر مَعَ سوء تَدْبِير الْوَزير الْمَذْكُور وَضعف رَأْيه حَتَّى كَادَت الدولة أَن تذْهب وتقاصر ظلها وَهَلَكت الرعايا وانقطعت الطرق وَمَات كثير من أهل صنعاء جوعا بِسَبَب حصارها فَعِنْدَ ذَلِك وَقع من مَوْلَانَا المتَوَكل على الله مَا سيأتي في تَرْجَمَة وَالِده رَحمَه الله وَكَانَت الْبيعَة لَهُ في اللَّيْلَة الَّتِى مَاتَ فِيهَا وَالِده وَهِي لَيْلَة خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة 1224 أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكنت أول من بَايعه وتوليت قبض الْبيعَة لَهُ من أخوته وأعمامه وَسَائِر آل الإمام الْقَاسِم وأعيان الْعلمَاء والرؤساء وَكَانَ
(1/78)

تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْيَوْم الثاني من بيعَته وَتَوَلَّى وزارته الْفَقِيه على ابْن إسماعيل فارع وشاركه في بعض الْأَعْمَال القاضي حسن بن على عبد الْوَاسِع ثمَّ توفى رَحمَه الله لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لَعَلَّه سَابِع عشر شهر شَوَّال سنة 1231 إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقَامَ بعده وَلَده عبد الله وتلقب بالمهدي وَكنت المتولي لأخذ الْبيعَة لَهُ بعد مبايعتي لَهُ وستأتى لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة انشاء الله تَعَالَى
46 - أَحْمد بن علي بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن تَمِيم ابْن عبد الصَّمد بن أَبى الْحسن بن عبد الصَّمد بن تَمِيم
التقي أَبُو الْعَبَّاس الحسيني العبيدي البعلي الأَصْل القاهري وَيعرف بِابْن المقريزي وهي نِسْبَة لحارة فِي بعلبك تعرف بحارة المقارزة قَالَ السخاوي كَانَ مولده حَسْبَمَا كَانَ يخبر بِهِ ويكتبه بعد السِّتين يعْنى وَسَبْعمائة وَقَالَ ابْن حجر إنه رأى بِخَطِّهِ مَا يدل على تَعْيِينه فِي سنة 66 سِتّ وَسِتِّينَ بِالْقَاهِرَةِ ونشأ بهَا نشأة حَسَنَة فحفظ الْقُرْآن وَسمع من جمَاعَة من الشُّيُوخ كالا مدى والبلقيني والعراقي والهيثمي وَحج فَسمع بِمَكَّة من علمائها وَسمع في الشَّام من جمَاعَة واشتغل كثيراً وَطَاف على الشُّيُوخ ولقي الْكِبَار وجالس الْأَئِمَّة وتفقّه حنفيّاً على مَذْهَب جده لأمه ثمَّ تحول شافعياً قَالَ السخاوي وَلَكِن كَانَ مائلاً إِلَى الظَّاهِر وَكَذَا قَالَ ابْن حجر إنه أحب الحَدِيث فواظب عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ يتهم بِمذهب ابْن حزم انْتهى وَنظر في عدَّة فنون وشارك في الْفَضَائِل وَقَالَ النظم والنثر وناب في الحكم وَكتب التوقيع وَولى الْحِسْبَة بِالْقَاهِرَةِ غير مرّة والخطابة بِجَامِع عَمْرو والإمامة بِجَامِع الْحَاكِم وَقِرَاءَة الحَدِيث بالمؤيدة
(1/79)

وحمدت سيرته في مباشراته كلهَا وَكَانَ قد اتَّصل بِالظَّاهِرِ برقوق وَدخل دمشق مَعَ وَلَده النَّاصِر وَعرض عَلَيْهِ قَضَائهَا مرَارًا فَأبى وَصَحب بشيك الدوادار وقتاً ونالته مِنْهُ دنيا وَحج غير مرة وجاور وَكَذَا دخل دمشق مرَارًا وَتَوَلَّى بهَا تداريس ثمَّ أعرض عَن جَمِيع ذَلِك وَأقَام بِبَلَدِهِ عاكفاً على الِاشْتِغَال بالتاريخ حَتَّى اشْتهر بِهِ ذكره وَبعد فِيهِ صيته وَصَارَت لَهُ فِيهِ جملَة تصانيف كالخطط والْآثَار للقاهرة وَهُوَ من أحسن الْكتب وأنفعها وَفِيه عجائب ومواعظ وَكَانَ فِيهِ ينشر محَاسِن العبيدية ويفخم شانهم ويشيد بِذكر مناقبهم وَكنت قبل أَن أعرف انتسابه إليهم أعجب من ذَلِك كَونه على غير مَذْهَبهم فَلَمَّا وقفت على نسبه علمت أَنه استروح إلى ذكر مَنَاقِب سلفه قَالَ السخاوي أَن المترجم لَهُ ظفر بمسودة للأوحدي في خطط الْقَاهِرَة وآثارها فأخذها وَزَاد فِيهَا زَوَائِد غير طائلة ونسبها لنَفسِهِ انْتهى وَالرجل غير مَدْفُوع عَن فضل لَا سِيمَا فِي التَّارِيخ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَالله أعلم وَمن مؤلفاته دُرَر الْعُقُود الفريدة في تراجم الْأَعْيَان المفيدة ذكر فِيهِ من عاصره وإمتاع الاسماع بِمَا للرسول من الأنباء والحفدة وَالْمَتَاع وَعقد جَوَاهِر الاسفاط فى مُلُوك مصر والفسطاظ وَالْبَيَان والإعراب عَمَّا في أَرض مصر من الأعراب والالمام فِيمَا بِأَرْض الْحَبَشَة من مُلُوك الاسلام والطرفة الغريبة فى أَخْبَار وادى حَضرمَوْت العجيبة وَمَعْرِفَة مَا يجب لأهل الْبَيْت النبوي على من عداهم وايقاظ الحنفاء بأخبار الْأَئِمَّة الفاطميين الْخُلَفَاء والسلوك بِمَعْرِِفَة دوَل الْمُلُوك والتاريخ الْكَبِير وَهُوَ في سِتَّة عشر مجلداً وَله مؤلفات غير هَذِه وجد بِخَطِّهِ أَن تصانيفه
(1/80)

زَادَت على مائتي مُجَلد وَأَن كبار شُيُوخه بلغت سِتّمائَة نفس وَكَانَ متبحراً في التَّارِيخ على اخْتِلَاف أَنْوَاعه ومؤلفاته تشهد لَهُ بذلك وإن جَحده السخاوي فَذَلِك دأبه في غَالب أَعْيَان معاصريه وَكَانَ حسن الْخِبْرَة بالزايرجة والأسطرلاب والرمل والميقات قَالَ ابْن حجر فِي تَرْجَمته لَهُ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والتصانيف الباهرة خُصُوصا في تَارِيخ الْقَاهِرَة فإنه أَحْيَا معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وَترْجم أعيانها قَالَ وَكَانَ حسن الصُّحْبَة حُلْو المحاضرة مَاتَ في عصر يَوْم الْخَمِيس سادس عشر رَمَضَان سنة 845 خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَمن شعره
(سقى عهد دمياط وحيّاه من عهد ... فقد زادني ذكرَاهُ وجداً على وجدي)
(وَلَا زَالَت الأنواء يسقى سحابها ... دياراً حكت من حسنها جنَّة الْخلد)
(47) (أَحْمد بن علي بن عبد الْكَافِي بن يحيى بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام بن حَامِد بن يحيى بن سليم السُّبْكِيّ
أَبُو حَامِد بهاء الدَّين ولد بعد الْمغرب من لَيْلَة الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 719 تسع عشرَة وَسَبْعمائة وأحضر على الحجار في الْخَامِسَة وَسمع علي الدبوسي والبدر بن جمَاعَة وبدمشق على ابْن الجزري والمزي وَغَيرهمَا قَالَ الذهبي في المعجم الْمُخْتَص الْأَمَام الْعَلامَة الْمدرس لَهُ فَضَائِل وَعلم جيد وَفِيه أدب وتقوى وساد وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وأسرع إليه الشيب فاتقى وَهُوَ في حُدُود الْعشْرين قَالَ ابْن حجر وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى في علم اللِّسَان الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَله عروس الأفراح شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح أبان عَن سمعة دَائِرَة في الْفَنّ وَله تَعْلِيق
(1/81)

على الحاوى وَعمل قِطْعَة على شرح الْمِنْهَاج لِأَبِيهِ وَكَانَ أديباً فَاضلا متعبداً كثير الصَّدَقَة وَالْحج والمجاورة سريع الدمعة قَائِما مَعَ أَصْحَابه وَولى قَضَاء الشَّام عوضاً عَن أَخِيه في سنة 762 فأقام سنة وَلم يصنع ذَلِك إِلَّا حفظاً للوظيفة على أَخِيه ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر وَكَانَ شرع في شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فَكتب مِنْهُ قِطْعَة لَطِيفَة في مُجَلد وَلَو أتمه لَكَانَ عشر مجلدات أَو أَكثر وَقَالَ وَالِده الشَّيْخ تقي الدَّين لما درس وَلَده هَذَا
(دروس أَحْمد خير من دروس علي ... وَذَاكَ عِنْد عليّ غَايَة الأمل)
وَكَانَ من رحّالي الْعَالم وَكَانَ أَبوهُ قاضي الشَّام فكثرت جهاته واتسع مَاله لِأَنَّهُ نَاب عَن وَالِده في جَمِيع جهاته وَضم إِلَى ذَلِك وظايف عدَّة وَكَانَ إِذا مَاتَ من لَهُ تدريس أَو نَحوه سعى فِيهِ لنَفسِهِ وَمَات مجاوراً بِمَكَّة لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع عشر من شهر رَجَب سنة 763 ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله أَربع وَخَمْسُونَ سنة وَبَعض أشهر
(48) السَّيِّد احْمَد بن علي بن محسن بن الْأَمَام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف واشتغل بِطَلَب الْعلم بعد أَن قَارب الْخمسين من عمره ثمَّ قَرَأَ عليّ في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأدْركَ إدراكاً كَامِلا لاسيما في الْعُلُوم الآلية وفهمه جيد وفكره صَحِيح وتصوره حسن وإدراكه كَامِل وأكبَّ على الِاشْتِغَال عليّ نَحْو عشر سِنِين مَعَ جمَاعَة من الطّلبَة ثمَّ جرى بَينه وَبَين بَعضهم مَا يجري بَين أمثالهم من المنافسة فانزعج وَمَعَ كَثْرَة تحيله ظن أَنى مُؤثر لمن نافسه عَلَيْهِ فَصَارَ بعد ذَلِك يرْوى ماقد
(1/82)

حفظه عَنى من اجتهاداتي الْجَارِيَة على نمط الدَّلِيل الَّتِى يُخَالف مَا عَلَيْهِ غَالب من لَا تَمْيِيز لَهُ وَكَانَ لَدَيْهِ كتاب لي عَارِية أَحْسَنت إليه بعاريته فَرَأى فِيهِ بخطي في مَسْأَلَة الْفرْقَة النَّاجِية كلَاما مضمونه أَنهم لَيْسُوا بعض هَذِه الْمذَاهب الإسلامية على التَّعْيِين بل هم من تمسك بالشريعة المطهرة واهتدى بهدي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم على أى مَذْهَب كَانَ وفي أيّ عصر وجد وَدفعت قَول من قَالَ انهم فرقته كَمَا وَقع لكثير من المتعصبين فَأَقَامَ هَذَا الْقِيَامَة وَمَا زَالَ يعرضه على كل من لَهُ اشْتِغَال بِالْعلمِ فَلم يُوَافقهُ أحد على ذَلِك فَعَاد يعرضه على الْمُقَصِّرِينَ والعوام ويوهمهم بأوهام لَا حَقِيقَة لَهَا فَكَادَتْ تثور فتْنَة وقى الله شَرها ثمَّ طلبت مِنْهُ إرجاع كتابي فَمَا ساعد كل هَذَا وَله من الْفَهم والعرفان نصيب تَامّ وَهُوَ لَا يخفى عَلَيْهِ خطأ نَفسه وَبطلَان مَا زَعمه وَلم يرع حق التَّعْلِيم وَبعد ذَلِك ترك الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَلم يبْق عَلَيْهِ من رونقه شئ ورام أَن يعود للْقِرَاءَة عليّ فَمَا ساعدته وأرجع الْكتاب الْمشَار إليه بعد سِنِين ومدحني بِأَبْيَات وَأظْهر النَّدَم على مَا سلف مِنْهُ عفى الله عَنهُ وَمن جملَة مَا كتبه إِلَى هَذِه القصيدة وفيهَا إِشَارَة إِلَى مَا قَدمته
(ياقاضيا لفظ مَاض إِذْ تنَاوله ... زهى بِهِ كل مَنْقُوص من الْكَلم)
(وَلم يزل كلِّ مَمْدُود يمد إلى ... مَا نَالَ عَيْنَيْهِ من فَخر وَمن كرم)
(وكل مَا نَالَ مَقْصُور عَلَيْهِ فيا ... ذَا الْمَدّ اقصر وَلَا تطمع وَلَا تحم)
(فالاسم مرجع مَا يحويه من شرف ... إلى مُسَمَّاهُ من نعت وَمن علم)
(قَاض بهجته الْأَيَّام مشرقة ... كَالشَّمْسِ لَكِن نور الشَّمْس لم يدم)
(فَالْحَمْد لله دُنْيَانَا بهجته ... إشراقها غير مسلوخ عَن الظُّلم)
(1/83)

(قَاض إِذا جِئْته يَوْمًا لقِيت بِهِ ... كل الأفاضل من عرب وَمن عجم)
(يخْشَى الْخُصُوم ارتعاداً من مهابته ... حَتَّى كَأَن بهم ضرب من اللمم)
(لِأَن مَا أضمروه فِي فراسته ... من حسن إيمَانه نَار على علم)
(كم من أَلد بِلَا مَا زَالَ مُلْتَزما ... من خَوفه عادلاً عَنْهَا إِلَى نعم)
(فالمبتغون لغير الْحق في نقم ... مِنْهُ وكل محق مِنْهُ في نعم)
(صحبته زمن التدريس مقتطفاً ... من روض أملاه نور الحكم وَالْحكم)
(فَكَانَ براً رؤوفا بى ومغتفرا ... لزلتي لم يعاتبني وَلم يلم)
(أرَاهُ إِن طَال قولي فِي بشاعته ... كَأَنَّهُ عَن كلامي الغث فى صمم)
(وغبت عَنهُ زَمَانا واتصلت بِهِ ... فِي رُتْبَة هُوَ فِيهَا صَاحب الْعلم)
(قاضي قُضَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ على ... يَمِينه قَاعِدا فِي الصَّدْر لم يقم)
(فَقَامَ تَعْظِيمه فِي صدر كلّ فَتى ... مُسلم للأكف الطُّهْر مستلم)
(وشاع تَعْظِيمه في النَّاس ثمَّ غَدا ... عِنْد الْجَنِين كرأي الْعين فِي الرَّحِم)
(وَمثل ذَاك أعادي تواتره ... ... فِينَا وفي الْغَيْر من مُسْتَقْبل الْأُمَم)
(فَمَا تغير شئ كنت أعهده ... قبل التصدر في القاضي من الشيم)
(كأنه للندامى من تواضعه ... على جلالته من أَصْغَر الخدم)
(فَقَامَ ذَاك دَلِيلا أَن همته ... من فَوق ذَاك الَّذِي يعْطى ذَوُو الهمم)
(وَلَو أحلّ الْفَتى فِي النَّاس رتبته ... دهراً لأصبح ربّ السَّيْف والقلم)
(مملّكاً كلّ إقليم وناصية ... عمّاله فِي نواحي مصر وَالْحرم)
(يامن يرى أَن نظمي قد قضيت بِهِ ... حق المديح فقد أَخْطَأت فاستقم)
(لَيست مبالغتي فِيهِ مُبَالغَة ... وَلَا الغلو غلوا يَا أَخا الهمم)
(وَلَو أتيت بأنواع البديع لما ... قضيت حَقًا وَكَانَ الْعَجز ملتزمي)
(1/84)

وَهُوَ الآن في قيد الْحَيَاة لَعَلَّه قد صَار في سِتِّينَ سنة من عمره وَله إِلَى أشعار غيرهذه ومسائل سألني عَنْهَا وأجبته بأجوبة هي في مَجْمُوع جواباتي ثمَّ توفي رَحمَه الله لَعَلَّه في سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
(49) أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد طشِي الصّعدي
ثمَّ الرداعي ولد تَقْرِيبًا سنة 1190 تسعين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ في ذمّار وَغَيرهَا فَصَارَ عَارِفًا بالفقه والآلات يفهم ذَلِك فهماً جيداً وَله ذكاء عَظِيم وفطنة باهرة وَقُوَّة عارضة وَحسن محاضرة ورقة طبع وانسجام خلق عَجِيب ويشعر شعراً حسناً سمع مني مُدَّة إقامتي فِي مَدِينَة ذي جبلة عِنْد قدومي إليها مَعَ مَوْلَانَا المتَوَكل على الله فِي سنة 1226 فِي صَحِيح مُسلم وَسمع فِي غَيره وَكَانَ يحضر للْقِرَاءَة عِنْد إقامتي هُنَالك وَهُوَ الْآن مُقيم بِمَدِينَة رداع
(1/85)

(50) أَحْمد بن لطف الباري بن أَحْمد بن عبد الْقَادِر الْورْد
خطيب صنعاء وَابْن خطيبها ولد في شهر رَمَضَان سنة 1192 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وولاه الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس الخطابة مَكَان وَالِده الْعَلامَة التقى الْفَاضِل الْوَرع الزَّاهِد الْمسند وَكَانَ كل أحد من النَّاس لَا يظن أَنه يلْحق بِهِ فِي الخطابة أحد فَلَمَّا مَاتَ استشرف للخطابة جمَاعَة وَكَانَ سن صَاحب التَّرْجَمَة إِذْ ذَاك ثَمَان عشرَة سنة فَقَامَ بالخطابة قيَاما لَا يقوم بِهِ أحد وفَاق وَالِده عَن قرب وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على ذَلِك وَله شغلة بِطَلَب الْعلم كَبِيرَة مَعَ ذهن وقاد وطبع منقاد وَفهم سليم وفكر مُسْتَقِيم وَقد صَار معدوداً من الْعلمَاء مَعَ حَدَاثَة سنه قَرَأَ عليّ في شرح الْجلَال الْمَعْرُوف بضوء النَّهَار وفي شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على ذَلِك وعمره عِنْد تَحْرِير هَذِه الأحرف نَحْو الْعشْرين سنة وَمن أعلم مشايخه اللَّذين تخرج بهم وَالِده وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَحْمد بن يُوسُف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الزَّمن في غَالب أَوْصَافه بِحَيْثُ يقصر عَن حسن سمته ورصانة عقله وطهارة لِسَانه وعفته ونزاهته كثير من أهل الْأَسْنَان الْعَالِيَة ثمَّ انجمع وَاعْتَزل النَّاس أما زهدا أوفرارا من الْخطْبَة
(1/86)

كَمَا يَفْعَله كثير من عباد الله الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء العاملين أَو أَنه حدث فِي مزاجه سَوْدَاء أوجبت لَهُ الاستيحاش من النَّاس وَقَامَ مقَامه أَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن لطف الباري وَهُوَ تلوه فِي الْفَضَائِل وَله قِرَاءَة عليّ في أُمَّهَات الحَدِيث وَسمع مني بَعْضًا من تفسيري وقرأ على أخي يحيى فى الْأُصُول وَغَيرهَا وَصَارَ ثَابت الْقدَم فِي الخطابة بِحَيْثُ إنه يفوق كثيراً من الخطباء مَعَ حسن أَدَاء وفصاحة لِسَان وثبات جنان وَحسن أَخْلَاق وَعمل بِمَا في السنة المطهرة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الْعَصْر
(51) أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد الشهَاب أبو الْفضل الكنانى العسقلانى
القاهرى الشافعى الْمَعْرُوف بِابْن حجر وَهُوَ لقب لبَعض آبَائِهِ الْحَافِظ الْكَبِير الشهير الإمام الْمُنْفَرد بِمَعْرِِفَة الحَدِيث وَعلله في الْأَزْمِنَة الْمُتَأَخِّرَة
(1/87)

ولد في ثاني عشر شعْبَان سنة 773 ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة بِمصْر وَنَشَأ بهَا يَتِيما في كنف أحد أوصيائه فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن تسع ثمَّ حفظ الْعُمْدَة وألفية الحَدِيث للعراقي والحاوي الصَّغِير ومختصر ابْن الْحَاجِب فِي الْأُصُول والملحة وَبحث في ذَلِك على الشُّيُوخ وتفقه بالبلقيني والبرماوي وَابْن الملقن والعز بن جمَاعَة وَعَلِيهِ أَخذ غَالب الْعُلُوم الآلية والأصولية كالمنهاج وَجمع الْجَوَامِع وَشرح الْمُخْتَصر والمطول ثمَّ حبب الله إليه فن الحَدِيث فَأقبل عَلَيْهِ بكليته وَطَلَبه من سنة 793 وَمَا بعْدهَا فعكف على الزين العراقي وَحمل عَنهُ جملَة نافعة من علم الحَدِيث سنداً ومتناً وعللاً وَاصْطِلَاحا وارتحل إِلَى بِلَاد الشَّام والحجاز واليمن وَمَكَّة وَمَا بَين هَذِه النواحي وَأكْثر جداً من المسموع والشيوخ وَسمع العالي والنازل وَاجْتمعَ لَهُ من ذَلِك مالم يجْتَمع لغيره وَأدْركَ من الشُّيُوخ جمَاعَة كل وَاحِد رَأس فِي فنه الَّذِي اشْتهر بِهِ فالتنوخى فى معرفَة القرا آتٍ والعراقي في الحَدِيث والبلقيني فِي سَعَة الْحِفْظ وَكَثْرَة الِاطِّلَاع وَابْن الملقن فِي كَثْرَة التصانيف وَالْمجد صَاحب الْقَامُوس في حفظ اللُّغَة والعز بن جمَاعَة في تفننه فِي عُلُوم كَثِيرَة بِحَيْثُ كَانَ يَقُول أنا أقرأ في خَمْسَة عشر علماً لَا يعرف عُلَمَاء عصري أسمائها ثمَّ تصدى لنشر الحَدِيث وَقصر نَفسه عَلَيْهِ مطالعة واقراءً وتصنيفاً وإفتاءً وَتفرد بذلك وَشهد لَهُ بِالْحِفْظِ والإتقان الْقَرِيب والبعيد والعدو وَالصديق حَتَّى صَار إطلاق لفظ الْحَافِظ عَلَيْهِ كلمة إجماع ورحل الطّلبَة إليه من الأقطار وطارت مؤلفاته فِي حَيَاته وانتشرت في الْبِلَاد وتكاتبت الْمُلُوك من قطر إِلَى قطر في شَأْنهَا وهي كَثِيرَة جداً مِنْهَا مَا كمل وَمِنْهَا مَا لم يكمل وَقد عَددهَا السخاوي في الضَّوْء اللامع
(1/88)

وَكَذَلِكَ عدد مصنفاته فى الأربعينيات والمعاجم وَتَخْرِيج الشُّيُوخ والأطراف والطرق والشروح وعلوم الحَدِيث وفنونه وَرِجَاله في أوراق من تَرْجَمته وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ لست رَاضِيا عَن شئ من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الْأَمر ثمَّ لم يتهيأ لي من يحرّرها معي سوى شرح البخارى وقدمته والمشتبه والتهذيب ولسان الْمِيزَان وروى عَنهُ في مَوضِع آخر أَنه أثنى على شرح البخارى وَالتَّعْلِيق والنخبة ولاريب أَن أجلّ مصنفاته فتح الباري وَكَانَ شُرُوعه في تصنيفه سنة 817 على طَرِيق الإملاء ثمَّ صَار يكْتب من خطه يداوله بَين الطّلبَة شَيْئا فَشَيْئًا والاجتماع في يَوْم من الْأُسْبُوع للمقابلة والمباحثة إِلَى أَن انْتهى في أول يَوْم من رَجَب سنة 842 سوى مَا الْحق فِيهِ بعد ذَلِك وَجَاء بِخَطِّهِ في ثَلَاثَة عشرَة سفراً وبيض في عشرَة وَعشْرين وَثَلَاثِينَ وَأَقل وَأكْثر وَقد سبقه إِلَى هَذِه التَّسْمِيَة شَيْخه صَاحب الْقَامُوس فَأَنَّهُ وجد لَهُ فِي أَسمَاء مصنفاته أَن من جُمْلَتهَا فتح الباري في شرح صَحِيح البخاري وَأَنه كمل ربعه في عشْرين مجلداً وَله مؤلفات في الْفِقْه وأصوله وَالْعرُوض والآداب سردها السخاوي وَقَالَ بعد ذَلِك أنها تهادت تصانيفه الْمُلُوك بسؤال عُلَمَائهمْ لَهُم في ذَلِك حَتَّى ورد كتاب في سنة 833 من شاه رخ بن تيمور ملك الشرق يستدعي من السُّلْطَان الْأَشْرَف برسباي هَدَايَا من جُمْلَتهَا فتح الباري فَجهز لَهُ صَاحب
(1/89)

التَّرْجَمَة ثَلَاث مجلدات من أَوَائِله ثمَّ أعَاد الطلب في سنة 839 وَلم يتَّفق أَن الْكتاب قد كمل فَأرْسل إليه أَيْضا قِطْعَة أُخْرَى ثمَّ في زمن الطَّاهِر جقمق جهزت لَهُ نُسْخَة كَامِلَة وَكَذَا وَقع لسلطان الغرب أَبى فَارس عبد الْعَزِيز الحفصي فَأَنَّهُ أرسل يستدعيه فَجهز لَهُ مَا كمل من الْكتاب وَكَانَ يُجهز لكتبة الشَّرْح ولجماعة مجْلِس الإملاء ذَهَبا يفرق عَلَيْهِم هَذَا ومصنفه حي رَحمَه الله وَلما كمل شرح البخاري تصنيفاً وَقِرَاءَة عمل مُصَنفه رَحمَه الله وَلِيمَة عَظِيمَة بِالْمَكَانِ الَّذِي بناه الْمُؤَيد خَارج الْقَاهِرَة في يَوْم السبت ثامن شعْبَان سنة 842 وَقَرَأَ الْمجْلس الْأَخير هُنَالك وَجلسَ الْمنصف على الكرسي قَالَ تِلْمِيذه السخاوي وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً لم يعْهَد أهل الْعَصْر مثله بِمحضر من الْعلمَاء والقضاة والرؤساء والفضلاء وَقَالَ الشُّعَرَاء في ذَلِك فَأَكْثرُوا وَفرق عَلَيْهِم الذَّهَب وَكَانَ الْمُسْتَغْرق فِي الْوَلِيمَة الْمَذْكُورَة نَحْو خَمْسمِائَة دِينَار وَوَقعت في ذَلِك الْيَوْم مطارحة أدبية فَمِنْهَا أَن الْمقَام الناصرى قَالَ للْمُصَنف يامولانا شيخ الإسلام هَذَا يَوْم طيب فَلَعَلَّ أَن تنعشونا فِيهِ بِبَيْت من مفرداتكم لَعَلَّ أَن نمشي خلفكم فِيهِ فَقَالَ المترجم لَهُ أخْشَى ان إبتدأت أَن لَا يكون مُوَافقا لما وَقع فِي خاطرك وَالْأَحْسَن أَن تبتدأ أَنْت فَقَالَ الناصري
(هويتها بَيْضَاء رعبوبة ... قد شغفت قلبي خود رداح)
فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة
(سَأَلتهَا الْوَصْل فضنت بِهِ ... إنّ قَلِيلا فِي الملاح السماح)
فَقَالَ علي الدوساني
(1/90)

(قد جرحت قلبى لما رنت ... عيونها السودا لمراض الصِّحَاح)
فهمهم الشرف الطنوني وَلم يُمكنهُ أَن يَقُول شَيْئا فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة
(مَا للطنوني غَدا حائرا ... )
فَقَالَ الناصري لعلي الْمُتَقَدّم أجزه فَقَالَ وحياة أَبِيك السلاّري وَالْفرس فَقَالَ هما لَك من غير مُهْملَة وتراخ فَقَالَ
(وَخرب الْبَيْت وخلى وَرَاح)
وَكَانَ للمترجم لَهُ يَد طولى في الشّعْر قد أورد مِنْهُ جمَاعَة من الأدباء المصنفين أَشْيَاء حَسَنَة جداً كَابْن حجَّة في شرح البديعية وَغَيره وهم معترفون بعلو دَرَجَته فى ذَلِك وَمِمَّا أحفظه الان حَال تَحْرِير هَذِه الْكَلِمَات قَوْله
(بنده الْأَزْرَق لما ... شده من قد سباني)
(جدول فَوق كثيب ... دَار يسقي غُصْن بَان)
وَهَذَا غَايَة في الْحسن لَا يلْحق وَأورد لَهُ السخاوي في الضَّوْء اللامع قَوْله
(خليلي ولّى الْعُمر منا وَلم نتبْ ... وننوي فعال الصَّالِحَات وَلَكنَّا)
(فحتى مَتى نبنى الْبيُوت مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وَمَا تبنى
وَقد كَانَ رَحمَه الله مصمّماً على عدم الدُّخُول فِي الْقَضَاء ثمَّ قدّر أَن الْمُؤَيد ولاه الحكم في بعض القضايا ثمَّ عرض عَلَيْهِ الاستقلال بِهِ
(1/91)

والزم من أحبائه بقبوله فَقبل وَاسْتقر في الْمحرم سنة 827 بعد أَن كَانَ عرض عَلَيْهِ قبل ذَلِك وَهُوَ يَأْبَى وتزايد ندمه على الْقبُول لعدم فرق أَرْبَاب الدولة بَين الْعلمَاء وَغَيرهم ومبالغتهم فِي اللوم لرد إشاداتهم وإن لم تكن على وفْق الْحق واحتياجه لمداراة كَبِيرهمْ وصغيرهم بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ مَعَ ذَلِك الْقيام بِمَا يرومونه وَصرح بِأَنَّهُ جنى على نَفسه بذلك وَلم يلبث أَن صرف ثمَّ أُعِيد وَلَا زَالَ كَذَلِك إِلَى أَن أخْلص فِي الإقلاع عَنهُ عقب صرفه فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 852 وَجَمِيع مدد قَضَائِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وزهد في الْقَضَاء زهداً كَبِيرا لِكَثْرَة مَا توالى عَلَيْهِ من المحن والأنكاد بِسَبَبِهِ وَصرح بِأَنَّهُ لم يبْق في بدنه شَعْرَة تقبل اسمه وَقد درّس بمواطن مُتعَدِّدَة واشتهر ذكره وَبعد صيته وارتحل اليه الْعلمَاء وتبجح الْأَعْيَان بلقائه وَأخذ عَنهُ وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة وَألْحق الأصاغر بالأكابر وامتدحه الْكِبَار وتبجح فحول الشُّعَرَاء بمطارحته وَاسْتمرّ على طَرِيقَته حَتَّى مَاتَ في أَوَاخِر ذى الْحجَّة سنة 852 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة وَكَانَ لَهُ مشْهد لم ير مثله من حَضَره من الشُّيُوخ فضلاً عَمَّن دونهم وشهده أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَان فَمن دونهمَا وَقدم الْخَلِيفَة للصَّلَاة عَلَيْهِ وَدفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة وتزاحم الْأُمَرَاء والكبراء على حمل نعشه
52 - أَحْمد بن علي بن هادي النهمي ثمَّ الصنعانى
ولد سنة 1130 ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء واتصل بالإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن قبل أَن يلي الْخلَافَة وَبعد أَن ولي الْخلَافَة جعله الْوَزير الْأَعْظَم وَاسْتمرّ وزيراً حَتَّى مَاتَ وَكَانَ صَادِق اللهجة
(1/92)

كثير الْبر والإحسان ملازماً للطاعات وَالْجَمَاعَات مُقبلا على أهل الْعلم وَالْفضل كثير السعي فِيمَا فِيهِ صَلَاح الْمُسلمين لَا رَغْبَة لَهُ في الشَّرّ وَلَا يجلبه إِلَى أحد وأحبه الْأَمَام المهدي محبَّة شَدِيدَة وَكَانَ يعول عَلَيْهِ فِي جَمِيع الْأُمُور وَلم يكن كثير المَال مَعَ كَونه قد ولي الوزارة زِيَادَة على خمس وَعشْرين سنة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْخُذ إلا على وَجه يَأْمَن من عاقبته وَلَو فعل كَمَا يفعل غَيره لترك من المَال مالم يسمع بِمثلِهِ في وزراء الْخُلَفَاء بِالْيمن وَمَات لَيْلَة الاثنين ثاني وَعشْرين ربيع الآخر سنة 1186 سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف
(53) أَحْمد بن عماد بن يُوسُف بن عبد النبيّ الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس الأقفهسي ثمَّ القاهري
الشافعي وَيعرف بِابْن الْعِمَاد قَرَأَ على الأسنوي والبلقيني والباجي وآخرين وَمهر وَتقدم في الْفِقْه وَكتب على مهمات الأسنوي كتاباً سَمَّاهُ التعقبات على الْمُهِمَّات وَشرح الْمِنْهَاج عدَّة شُرُوح وَله مؤلف في أَحْكَام الْمَأْمُوم والإمام وآخر في موقف الْأَمَام وَالْمَأْمُوم وَله منظومات مِنْهَا منظومة فِيمَا يحل وَيحرم من الْحَيَوَان تزيد على أَربع مائَة بَيت والتبيان فِي آدَاب حَملَة الْقُرْآن تزيد على سِتّ مائَة بَيت وفي العقائد منظومة تزيد على خَمْسمِائَة بَيت وَله مصنفات غير ذَلِك قَالَ ابْن حجر في أنبائه أحد أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة في هَذَا الْعَصْر قَالَ وَكَانَ كثير الْفَوَائِد كثير الإطلاع والتصانيف دمث الْأَخْلَاق وفي لِسَانه بعض حبسة مَاتَ فِي شهر جماد سنة 808 ثَمَان وثمان مائَة وَكَانَ في تعقباته على الأسنوي يكثر من تخطئته وَرُبمَا أقذع في بعض ذَلِك وَنسبه إِلَى سوء
(1/93)

الْفَهم وَفَسَاد التَّصَوُّر مَعَ أَنه شَيْخه لَكِن قَالَ بعض الْفُضَلَاء رُبمَا كَانَ مقْصده حسناً في ذَلِك لتَضَمّنه الْتِفَات النَّاس إِلَى سَماع مَا رأى وَأَن غَيره أَخطَأ لِأَنَّهُ لَو أورد الْكَلَام ساذجاً بِدُونِهِ لم يلتفتوا إليه لكَون الأسنوي عِنْدهم جليل الْمِقْدَار انْتهى وَهَذَا محمل حسن فإنّ في مثل ذَلِك تَأْثِيرا ظَاهرا ولمثل هَذَا الْمَقْصد سلكت فِي حاشيتي على شِفَاء الأوام ذَلِك المسلك ونسأل الله إصْلَاح الْأَقْوَال والأعمال
(54) أَحْمد بن أَبى الْفرج بَرَكَات الفارقاني تَاج الدَّين
كَانَ أَبوهُ نَصْرَانِيّا يعرف بِسَعْد الدولة فَأسلم ولقب بشرف الدَّين وخدم وَلَده عِنْد بهادر رَأس النّوبَة فَتقدم إِلَى أَن صَار مُسْتَوفى الدولة فَلَمَّا ولي الْأَعَز الوزارة الْمرة الثَّامِنَة صادره وضربه بالمقارع فَترك الْمُبَاشرَة وَانْقطع بزاوية الشَّيْخ نصر المنبجي وَكَانَ الشَّيْخ نصر صديق السُّلْطَان بيبرس الجاشنكير وَقل أَن يُخَالِفهُ فى شئ فَكَلمهُ في أمره فأعفاه من الْمُبَاشرَة وَاسْتمرّ بالزاوية إِلَى أَن حفظ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وتوصل إِلَى أَن استخدمه بيبرس وَحصل لَهُ أَمْوَالًا جمة في مُدَّة يسيرَة وَتقدم عِنْده إِلَى أَن صَار هُوَ المتحدث في الدولة باسرها وَلَا يعْمل فِيهَا شئ إلا بعد مُرَاجعَته وَكَانَ كثير الإعجاب والزهو بِنَفسِهِ والتعاظم بِحَيْثُ كَانَ الشَّخْص إِذا كَلمه وَهُوَ رَاكب امْر بضربه بالمقارع فَصنعَ ذَلِك مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَلم يَجْسُر اُحْدُ أَن يتحدث مَعَه وَهُوَ رَاكب وَإِذا نزل وَدخل منزله لم يَجْسُر أحد على الهجوم عَلَيْهِ فيصبر النَّاس على اخْتِلَاف مَرَاتِبهمْ على بَابه حَتَّى الْقُضَاة فَصَارَ مهاباً مُحْتَرما جداً وَمَعَ ذَلِك فَلَا يقبل هَدِيَّة وَلَا يخالط أحداً وَلَا يجْتَمع بغريب ويقتصد في
(1/94)

ملبسه فَلَا يلبس في الصَّيف إلا الشامي الرفيع الْأَبْيَض وَلَا في الشتَاء إلا الملطي الصُّوف الْأَبْيَض وَلَا يرى عَلَيْهِ الافرجية بَيْضَاء ثمَّ إن سلاّر ألزمهُ بِلبْس خلعة الوزارة وَكَانَ شَدِيد البغض لَهُ فَلم يسْتَطع مُخَالفَته فلبسها فِي النّصْف من الْمحرم سنة 706 فَعمل بالوزارة ذَلِك الْيَوْم بالقلعة على الْعَادة إِلَى أَن انْصَرف إِلَى منزله وشيّعه النَّاس ثمَّ أَصْبحُوا إِلَى بَابه ليركبوا في خدمته فأقام حَتَّى تَعَالَى النَّهَار وَأرْسل يَقُول لَهُ مَعَ غُلَامه أَنه عزل نَفسه وَتوجه إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ نصر فَكتب نصر إِلَى بيبرس يشفع فِيهِ وَلم يزل حَتَّى أعفي عَن الوزارة وبقي على عَادَته وَالْأَمر كُله إِلَيْهِ في جَمِيع مَا يرجع إِلَى الدولة وَلم يكن السُّلْطَان يكْتب علامته على شئ حَتَّى يرى خطه فِيهِ كَذَا ترْجم لَهُ ابْن حجر في الدُّرَر وَلم يذكر وَفَاته
(55) أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جاد الله مشحم الصعدي ثمَّ الصنّعاني
ولد سنة 1155 خمس وَخمسين ومائة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي في الْفِقْه وعَلى غَيره في الْعَرَبيَّة واشتغل بِالْحَدِيثِ وَكتب بِخَطِّهِ الْحُسَيْن كتباً وَلما مَاتَ وَالِده وَكَانَ قَاضِيا ولاه الْأَمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْقَضَاء بِصَنْعَاء من جملَة قضاتها وَجعل لَهُ مقرراً فباشر ذَلِك مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وديانة وَأَمَانَة وسكينة ووقار فَمَا زَالَت دَرَجَته ترْتَفع فِيهِ وَلما مَاتَ الْأَمَام المهدي وَقَامَ مقَامه مَوْلَانَا الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر عظمه وركن عَلَيْهِ في أُمُور جليلة وَهُوَ الآن من أَعْيَان الْقُضَاة ونبلائهم وكل مَا تولاه وَحكم بِهِ انشرحت الخواطر وَطَابَتْ بِهِ النُّفُوس وَهُوَ مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل
(1/95)

مقبل على شَأْنه وَله ولد عَلامَة هُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد سيأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(56) احْمَد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مطهر القابلي
نِسْبَة إِلَى جمَاعَة مَعْرُوفَة يسكنون بِالْقربِ من حصن شبّام حراز الْمَعْرُوف بالحرازي شيخ شُيُوخ الْفُرُوع بِلَا مدافع ولد حَسْبَمَا كتبه إِلَى بِخَطِّهِ في يَوْم الْأَضْحَى من شهر الْحجَّة سنة 1158 ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَألف بذمار ثمَّ نشأ بهَا وَقَرَأَ على الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن حُسَيْن الشويطر وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمي وبرز في الْفِقْه والفرائض وارتحل فِي أول شبابه إِلَى مَدِينَة صنعاء فاتصل بِجَمَاعَة من أكَابِر أَهلهَا كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن والقاضي الْعَلامَة إسماعيل ابْن يحيى الصّديق ثمَّ أَقرَأ الطّلبَة في جَامع صنعاء فِي شرح الأزهار لِابْنِ مِفْتَاح وَفِيمَا عَلَيْهِ من الحواشي الواسعة وَفِي بَيَان ابْن مظفر وفي شرح الناظري على الْفَرَائِض وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطّلبَة وانتفعوا بِهِ وتنافسوا فِي الْأَخْذ عَنهُ وَصَارَت تلامذته شُيُوخًا ومفتيين وحكاماً وَله عافاه الله قدره على حسن التَّعْبِير وجودة التَّصْوِير مَعَ فصاحة لِسَان ورجاحة عقل وجمال صُورَة ووفور حَظّ عِنْد جَمِيع الْخلق لَا ترد لَهُ شَفَاعَة وَلَا يكسر لَهُ جاه وَقد خطب للأعمال الْكَبِيرَة فَقبل مِنْهَا مَا فِيهِ السَّلامَة فى دينه ودنياه وأرجع مَا عداهُ وَاجْتمعَ لَهُ من ذَلِك دنيا عريضة صانه الله بهَا عَن الْوُقُوع فِيمَا لَا يشتهى من التورطات وَقد بَاشر قسْمَة تَرِكَة الامام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وتركة الامام المهدى لدين الله الْعَبَّاس
(1/96)

ابْن الْحُسَيْن فَأحْسن الْعَمَل فى التركتين جَمِيعًا مَعَ كَثْرَة الْوَرَثَة ذُكُورا وأناثا وَقد صارمولانا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله يعْتَمد عَلَيْهِ في كثير من الْأَعْمَال وَلَو رغب فِي الْقَضَاء لَكَانَ أَهلا لَهُ وَقد اعْتمد النَّاس عَلَيْهِ في الْفَتْوَى وقصدوه بالمشكلات من كل مَكَان وَتفرد في معرفَة الْفِقْه وَلم يبْق لَهُ الْآن فِيهِ نَظِير لَا فى صنعاء ولافى ذمار فان شَيْخه الْعَلامَة الْحُسَيْن ابْن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره هُوَ الْآن حَيّ وَلكنه لَا يبلغ رتبته في خُصُوص هَذَا الْفَنّ وَإِن كَانَ لَهُ فنون أُخْرَى وَقد لازمته في الْفُرُوع نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وانتفعت بِهِ وتخرجت عَلَيْهِ وقرأت عَلَيْهِ في الأزهار وَشَرحه وحواشيه ثَلَاث دفعات الدفعتين الْأَوليين اقتصرنا على ماتدعو إليه الْحَاجة والدفعة الثَّالِثَة استكملنا الدَّقِيق والجليل من ذَلِك مَعَ بحث وَتَحْقِيق ثمَّ قَرَأت عَلَيْهِ الْفَرَائِض للعصيفري وَشَرحهَا للناظري وَمَا عَلَيْهِ من الحواشي وقرأت عَلَيْهِ بَيَان ابْن مظفر وحواشيه وَكَانَت هَذِه الْقِرَاءَة بحث وإتقان وتحرير وَتَقْرِير وَهُوَ الآن حفظه الله حي ينْتَفع النَّاس بِهِ في الْقِرَاءَة وَالْفَتْوَى وَقَضَاء أغراضهم وَالْقِيَام بِمَا توجه إليه من الْأَعْمَال وأحواله جميلَة وغالب حركاته جليلة عافاه الله ونفع بِعُلُومِهِ وَمَات رَحمَه الله فِي شهر شَوَّال سنة 1227 سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
(57) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدى أَحْمد ابْن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم
ولد فِي سَابِع وَعشْرين شهر شعْبَان سنة 1123 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على علمائها فِي علم الْآلَة وَالْأُصُول
(1/97)

والْحَدِيث وَالتَّفْسِير فبرع فِي جَمِيع هَذِه المعارف وَكَانَ لَهُ عناية بتصحيح النسخ والكتب على هوامشها وتوضيح غامضها وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطّلبَة أَيَّامًا متداولة وَمن جملَة تلامذته شَيخنَا الْعَلامَة عَليّ ابْن إبراهيم بن عَامر الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَله رئاسة عَظِيمَة وجلالة فخيمة وَهُوَ الْمُتَوَلِي لأمور آل إِسْحَاق بعد موت وَالِده وَقد كَانَ تولاها صنوه الْعَلامَة إِبْرَاهِيم فتعقب ذَلِك خُرُوج صَاحب التَّرْجَمَة من صنعاء مغاضباً للْإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ثمَّ جرت خطوب كَثِيرَة وَال الْأَمر أَنه صولح على أَنه يعود وَيكون لَهُ مَا كَانَ لوالده وَيقوم هُوَ مقَامه فوصل إِلَى صنعاء وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى وَفَاته في شهر جُمَادَى الآخرة سنة 1190 تسعين وَمِائَة وَألف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وأفاضل السَّادة القادة الْمَشْهُورين وَقَامَ وَلَده الْعَلامَة الأديب الرئيس علي بن أَحْمد مقَامه فِي تجميع مَا كَانَ إليه وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة
(58) أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَشْهُور بِابْن مَعْصُوم الحسيني الحجازي المولد
ذكره وَلَده علي فِي سلافة الْعَصْر لَهُ أَن مولده لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس عشر شهر شعْبَان سنة 1027 سبع وَعشْرين وَألف بِالطَّائِف وَحفظ الْقُرْآن وتلاه بالسبع وَأخذ الْفِقْه عَن شرف الدَّين اليافعي والْحَدِيث عَن السَّيِّد نور الدَّين الشامي والعربية عَن علي المكي والمعقول عَن الشَّمْس الجيلاني وبرع فِي الْفُنُون سِيمَا الْعَرَبيَّة واعتنى بالأدب فنظم نظماً جيداً وارتحل إِلَى الْهِنْد فوصل إِلَى سلطانها قطب الدَّين شاه صَاحب حيدر آباد في شهر شَوَّال سنة 1054 فَعَظمهُ وأكرمه وَكَانَ قد اشتاق اليه غَايَة الاشتياق واحتال على وُصُوله فَلَمَّا وصل إليه زوّجه ابْنَته واستوزره
(1/98)

وَيُقَال انه استولى على المملكة بعده وَهَذِه من الغرائب وَمن شعره قَوْله فِي غُلَام لَهُ ضربه فَبكى
(ترَاءى كظبي نافر من حبائل ... يصول بِطرف فاتن مِنْهُ فاتر)
(وَقد ملئت عَيناهُ من سحب جفْنه ... كنرجس روض جاده وبل ماطر)
وَأَجَازَهُ وزيره أَحْمد بن مُحَمَّد الجوهري بقوله
(وظبي غرير بالدلال محجب ... يرى أَن فرض الْعين ستر المحاجر)
(رماني بِطرف أسبل الدمع دونه ... لكي لَا أرى عَيْنَيْهِ من غير سَاتِر)
وَمَات المترجم لَهُ فِي يَوْم السبت لثلاث بَقينَ من صفر سنة 1085 خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَهُوَ امامى الْمَذْهَب غفر الله لَهُ
(59) أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرَّحِيم بن يُوسُف بن سمير بن حَازِم أَبُو حَازِم المصري
التيمي وَيعرف بِابْن الْبُرْهَان ولد فِيمَا بَين الْقَاهِرَة ومصر في ربيع الأول سنة 754 أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة واشتغل بالفقه شافعيّاً وَسمع الحَدِيث وأحبه ثمَّ صحب بعض الظَّاهِرِيَّة فَجَذَبَهُ إِلَى النظر في كَلَام ابْن حزم فَأَحبهُ ثمَّ نظر في كَلَام ابْن تَيْمِية فغلب عَلَيْهِ بِحَيْثُ صَار لَا يعْتَقد أَن أحداً أعلم مِنْهُ وَكَانَت لَهُ نفس أبيَّة ومروءة وعصبية وَنظر في أَخْبَار النَّاس فطمحت نَفسه إِلَى الْمُشَاركَة في الْملك مَعَ أَنه لَيْسَ لَهُ فِيهِ قدم وَلَا لَهُ سلف في ذَلِك وَلَا مَعَه مَال فَلَمَّا غلب الظَّاهِر برقوق على
(1/99)

المملكة وَحبس الْخَلِيفَة رام جعل ذَلِك وَسِيلَة لما حدثته بِهِ نَفسه فَغَضب من ذَلِك وَخرج فِي سنة 785 إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى الْعرَاق يَدْعُو إِلَى طلب رجل من قُرَيْش فاستقرى جَمِيع الممالك وَدخل حلب فَلم يبلغ قصداً ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام فاستغوى كثيراً من أَهلهَا وَكَانَ من أكبر الموافقين لَهُ مِمَّن يتدين مِنْهُم الياسوفي والحسباني لما ظهر من فَسَاد الْأَحْوَال وَكَثْرَة المعاصي وفشوّ الرِّشْوَة فِي الْأَحْكَام وَغير ذَلِك فَلم يزل على هَذِه الطَّرِيقَة إِلَى أَن نمى أمره إِلَى بيدمر نَائِب الشَّام فَسمع كَلَامه وأصغى إليه وَلم يشوش عَلَيْهِ لعلمه أَنه لَا يجِئ من يَدَيْهِ شئ ثمَّ نمى أمره إِلَى نَائِب القلعة شهَاب الدَّين الحمصي وَكَانَت بَينه وَبَين بيدمر عَدَاوَة شَدِيدَة فَوجدَ فرْصَة فى التأليب عَلَيْهِ بذلك فَاسْتَحْضر ابْن الْبُرْهَان واستخبره وَأظْهر أَنه مَال إِلَى مقَالَته فَبَثَّ إليه جَمِيع مَا كَانَ يَدْعُو إليه فَتَركه ثمَّ كَاتب السُّلْطَان بذلك كُله فَلَمَّا علم بِهِ كتب إِلَى النَّائِب يَأْمُرهُ بتحصيل ابْن الْبُرْهَان وَمن وَافقه على رَأْيه وبتشهيرهم فتورّع النَّائِب عَن ذَلِك وتكاسل عَنهُ وَأجَاب بالشفاعة فيهم وَالْعَفو عَنْهُم وَأَن أَمرهم متلاشي وَإِنَّمَا هم قوم خفت أدمغتهم من الدَّرْس وَاسْتمرّ ابْن الحمصي في انتهاز الفرصة فكاتب أيضاً بِأَن النَّائِب قد عزم على المخامرة فوصل إليه الْجَواب بمسك ابْن الْبُرْهَان وَمن كَانَ على رأيه وإن آل الْأَمر في ذَلِك إِلَى قتل بيدمر فَمَاتَ الياسوفي خوفاً بعد أَن قبض عَلَيْهِ وفرّ الحسباني وَلما حضر الْبُرْهَان إِلَى السُّلْطَان استدناه واستفهمه عَن سَبَب قِيَامه عَلَيْهِ فَأعلمهُ أَن غَرَضه أَن يقوم رجل من قُرَيْش يحكم بِالْعَدْلِ فإن هَذَا هُوَ الدَّين الَّذِي لَا يجوز غَيره وَزَاد في نَحْو هَذَا فَسَأَلَهُ عَمَّن مَعَه على مثل
(1/100)

رَأْيه من الْأُمَرَاء فبرأهم فَأمر بضربه فَضرب هُوَ وَأَصْحَابه وحبسوا في الخزانة حبس أهل الجرائم وَذَلِكَ في ذي الْحجَّة سنة 788 ثمَّ أفرج عَنْهُم في ربيع الأول سنة 791 فاستمر ابْن الْبُرْهَان مُقيما بِالْقَاهِرَةِ على صُورَة إملاق إِلَى أَن مَاتَ لأَرْبَع بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة 808 ثَمَان وَثَمَانمِائَة وحيداً فريدا بِحَيْثُ لم يحضر فى جنازنه إِلَّا سَبْعَة أنفس لَا غير وَكَانَ ذَا مُرُوءَة علية وَنَفس أَبِيه حسن المذاكرة والمحاضرة عَارِفًا بأكثر الْمسَائِل الَّتِى يُخَالف فِيهَا أهل الظَّاهِر الْجُمْهُور يكثر الِانْتِصَار لَهَا ويستحضر أدلتها وأملى وَهُوَ في الْحَبْس بِغَيْر مطالعة مَسْأَلَة رفع الْيَدَيْنِ فِي السُّجُود وَمَسْأَلَة وضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى في الصَّلَاة ورسالة في الإمامة وَذَلِكَ يدل على وفور اطِّلَاعه قَالَ ابْن حجر وَقد جالسته كثيراً وَسمعت من فَوَائده كثيراً وَكَانَ كثير الإنذار بِمَا حدث بعده من الْفِتَن والشرور لما جبل عَلَيْهِ من الِاطِّلَاع على أَحْوَال النَّاس وَلَا سِيمَا مَا حدث من الغلاء وَالْفساد بِسَبَب رخص الْفُلُوس بِالْقَاهِرَةِ بِحَيْثُ أَنه رأى عندي قَدِيما مرة مِنْهَا جانباً كثيراً فَقَالَ لي أحذر أَن تقتنيها فإنها لَيست رَأس مَال فَكَانَ كَذَلِك لِأَنَّهَا كَانَت في ذَلِك الْوَقْت يساوي القنطار مِنْهَا عشْرين مِثْقَالا فأكثر وَصَارَ الْأَمر في هَذَا الْعَصْر إِلَى أَنَّهَا تساوي أربعة مَثَاقِيل ثمَّ صَار تساوى ثَلَاثَة ثمَّ اثْنَيْنِ وَربع وَنَحْو ذَلِك ثمَّ انعكس الْأَمر بعد ذَلِك وَصَارَت من عِنْده شئ مِنْهَا اغتبط فِيهِ لما رفعت قيمتهَا من كل رَطْل إِلَى اثني عشر ثمَّ إِلَى أَرْبَعَة وَعشْرين ثمَّ انعكس الْأَمر فَظهر أَنَّهَا لَيست مَالا يقتنى لوُجُود الْخلَل في قيمتهَا وَعدم ثباتها على قيمَة وَاحِدَة انْتهى
(1/101)

(60) أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الْملك بن الزين أَحْمد بن الْجمال مُحَمَّد بن الصفيّ مُحَمَّد بن الْمجد حُسَيْن بن التَّاج علي
القسطلاني الأَصْل المصري الشّافعي وَيعرف بالقسطلاني ولد في ثاني عشر ذي الْقعدَة سنة 851 إِحْدَى وَخمسين وثمان مائَة بِمصْر ونشأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والشاطبيتين وَنصف الطّيبَة الجزرية والوردية في النَّحْو وتلى بالسبع على السراج عمر بن قَاسم الأنصاري الساوي وبالثلاث إِلَى وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا على الزين عبد الْغنى الهيثمي وبالسبع ثمَّ بالعشر في ختمتين على الشهَاب بن أَسد وَأخذ القرا آتٍ عَن جمَاعَة أَيْضا وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَخر المقسي تقسيماً والشهاب العيادي وَقَرَأَ ربع الْعِبَادَات من الْمِنْهَاج وَمن البيع وَغَيره من الْبَهْجَة على الشَّمْس اليامي وَقطعَة من الحاوي على الْبُرْهَان وَمن أول حَاشِيَة الْجلَال البكري على الْمِنْهَاج إِلَى أثْنَاء النِّكَاح بِفَوَات في أَثْنَائِهَا على مؤلفها وَسمع مَوَاضِع فِي شرح الألفية وَسمع على المليونى والرضى الأوحاقى والسخاوي وَسمع صَحِيح البخاري بِتَمَامِهِ في خَمْسَة مجَالِس على الشاوي وَقَرَأَ فِي الْفُنُون على جمَاعَة ثمَّ حجّ غير مرة وجاور سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ ثمَّ جاور مجاورة أُخْرَى سنة أَربع وَتِسْعين وَسمع بهَا عَن جمَاعَة وَجلسَ للوعظ بالجامع الْعُمْرَى وَكَانَ يجْتَمع عِنْده جمع جم ثمَّ جلس بِمصْر شَاهدا رَفِيقًا لبَعض الْفُضَلَاء وَبعده انجمع وَكتب بِخَطِّهِ لنَفسِهِ أَشْيَاء بل جمع فى القرا ات الْعُقُود السّنيَّة فِي شرح الْمُقدمَة الجزرية في التجويد والكنز في وقف حَمْزَة وَهِشَام على الْهَمْز وشرحاً على الشاطبية وصل فِيهِ إِلَى الإدغام الصَّغِير زَاد فِيهِ زيادات ابْن الجزرى مَعَ فَوَائِد غَرِيبَة لَا تُوجد فِي شرح غَيره
(1/102)

وَكتب على الطّيبَة قِطْعَة مزجاً وعَلى الْبردَة مزجاً أَيْضا سَمَّاهُ مَشَارِق الْأَنْوَار المضية في مدح خير الْبَريَّة وتحفة السَّامع والقارى بِخَتْم صَحِيح البخاري وَمن مؤلفاته الْمَشْهُورَة شرح البخاري الْمُسَمّى إرشاد الساري على صَحِيح البخاري فِي أَربع مجلدات وَشرح صَحِيح مُسلم مثله وَلم يكمل والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية وَكَانَ متعففاً جيد الْقِرَاءَة لِلْقُرْآنِ والْحَدِيث والخطابة شجي الصَّوْت مشارك فِي الْفَضَائِل متواضع متودد لطيف الْعشْرَة سريع الْحَرَكَة كثرت أسقامه واشتهر بالصلاح وَالتَّعَفُّف على طَرِيق أهل الْفَلاح قَالَ الشَّيْخ جَار الله ابْن فَهد وَلما اجْتمعت بِهِ فِي الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفي الرحلة الثَّانِيَة عظّمني واعترف لي بِمَعْرِِفَة فني وتأدب معي وَلم يجلس على مرتبته بحضرتي فَالله يزِيد فِي إكرامه ويبلغه غَايَة مرامه قَالَ ثمَّ بلغني فِي رحلتي إِلَى الشَّام أَنه مَاتَ في لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع الْمحرم سنة 923 ثَلَاث وعشربن وَتِسْعمِائَة وَصلى عَلَيْهِ بعد الْجُمُعَة بالجامع الْأَزْهَر وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ جوَار منزلَة تغمده الله برحمته
(61) أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الحيمي الكوكباني
الْخَطِيب البليغ الشَّاعِر نَشأ بكوكبان وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء ذكرهم في كِتَابه الْمُسَمّى طيب السمر وَهُوَ كتاب حافل ترْجم فِيهِ لجَماعَة من الْأَعْيَان تراجم مسجعة كَمَا هُوَ صنع غَالب المؤرخين الْمُتَأَخِّرين وَمن مصنفاته شرح قصيدة مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الإمام شرف الدَّين سَمَّاهُ الأصداف المشحونة باللئالي المكنونة وَهُوَ شرح مُفِيد طالعته فرايته فائقاً في بَابه وَله شرح على رِسَالَة الواثق الْمَشْهُورَة سلك فِيهَا مَسْلَك الصفدي فِي شرح لامية الْعَجم وَله مؤلفات أدبية تزيد على
(1/103)

الْأَرْبَعين وَهُوَ مجيد في كل مَا يصنفه وَمن شعره الأبيات الَّتِى مطْلعهَا
(لعب النسيم بِغُصْن قد أهيف ... لابل من دَاء السقام وَلَا شفى)
(وَمن شعره)
(نسيم الرَّوْض عَن وبل بلَيْل ... تنفس لَا بسا برد الْأَصِيل)
(ووافى رَاوِيا خَبرا صَحِيحا ... من الأنباء عَن جسم عليل)
(لقد سهرت عيوني حِين وافا ... لذكرى من يعدّوا خير جيل)
(فَمَا اكتحلت بنوم قط إلا ... بميل في الْمسَافَة بعد ميل)
وَله نظم كَثِيرَة ونثر وَاسع وَكله في رُتْبَة متوسطة وَهُوَ طَوِيل النَّفس فِي جَمِيع مَا يأتي بِهِ توفي سنة 1151 إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة وَألف
(62) أَحْمد بن مُحَمَّد الحجازي الينبعي الأَصْل الصنعاني المولد والوفاة
الشَّاعِر الْمَشْهُور هُوَ من مشاهير الشُّعَرَاء وَله قصائد طنانة ومعاني رائقة لَو لم يكن لَهُ مِنْهَا إلا مَا وَقع لَهُ من تَشْبِيه الْهلَال الَّذِي فاق من قبله وَلم يلْحق بِهِ من بعده وَهُوَ قَوْله من قصيدة
(وَنَنْظُر في الغرب الْهلَال كَأَنَّهُ ... من العاج مشط غاص في آخر الْفَرْع
وَتوفى بِصَنْعَاء تَقْرِيبًا سنة 1095 خمس وَتِسْعين وَألف
(63) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين
الكوكباني أَمِير كوكبان وبلادها ولد في خَامِس وَعشْرين شهر الْقعدَة سنة 1122 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل جِهَته كالسيّد الْعَلامَة صَلَاح بن يحيى الْخَطِيب والفقيه عبد الله القاعي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد الآتى
(1/104)

ذكره وبرع فِي الْعُلُوم واشتهرت فضائله وسارت الركْبَان بعد لَهُ فِي رَعيته بِحَيْثُ كَانَت مباشراته على وفْق الشَّرِيعَة المطهرة وَولى الإمارة في حَيَاة أَبِيه وَلما مَاتَ الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم دَعَا إِلَى نَفسه وثوقاً مِنْهُ بكتب وصلت إِلَيْهِ من جمَاعَة من أهل صنعاء وَغَيرهم ثمَّ أرسل الإمام المهدي طَائِفَة من جُنُوده وَوَقعت خطوب وحروب وآخر الْأَمر بَايع صَاحب التَّرْجَمَة للإمام المهدي وَاسْتقر اميرا لكوكبان وبلادهما ناشرا للعدل محييا للشريعة حَتَّى مَاتَ لعشرين خلت من شعْبَان سنة 1181 إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَصَارَت الإمارة بعده إِلَى أَخِيه عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد وَمَشى على طَرِيقَته ثمَّ صَارَت الإمارة بعده إِلَى أَخِيه السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد ثمَّ إِلَى وَلَده السَّيِّد الْعَبَّاس بن إبراهيم ثمَّ عَادَتْ إِلَى أخي صَاحب التَّرْجَمَة السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد وستأتي تَرْجَمته ثمَّ انْتَقَلت عَنهُ إِلَى ابْن صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ السَّيِّد شرف الدَّين ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد وستأتي تَرْجَمته أيضاً وَهُوَ الْأَمِير حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم فَمِنْهُ قَوْله
(كَأَنَّمَا الْعَارِض لما بدا ... كتائب قد صففت لِلْقِتَالِ)
(ورعده والبرق قد أشبها ... بِنَا دقافي الصَّوْت والأشتعال
(1/105)

(وَبَعْضهمْ رام بقوس وَمن ... تراكس السحب بجر النبال)
(64) أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم بن ابى الْمَوَاهِب الْحسن بن هبة ابْن مَحْفُوظ بن الْحسن بن صصري
الملقب نجم الدَّين الدمشقي ولد في ذي القعدة سنة 655 خمس وَخمسين وسِتمِائَة وأحضر على الرشيد الْعَطَّار سنة 658 وبدمشق على ابْن عبد الدَّائِم وعَلى جدّه لأمه الْمُسلم بن عَدْلَانِ وعَلى ابْن أَبى الْيُسْر وتفقه على التَّاج ابْن الفركاح وَأخذ بِمصْر عَن شمس الدَّين الاصبهانى وَكتب في ديوَان الإنشاء وَكَانَ جيد الْخط فائق النظم والنثر سريع الْكِتَابَة جداً حَتَّى قيل أنه كتب خمس كراريس في يَوْم وَكَانَ فصيح الْعبارَة طَوِيل الدُّرُوس ينطوي على دين وَتعبد وَمَكَارِم وَولى قَضَاء دمشق سنة 702 ودام فِيهِ إِلَى أَن مَاتَ في شهر ربيع الأول سنة 723 ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وط الت مدَّته وَكَانَ كثير التودّد والمكارم والمواددة قَالَ ابْن الزملكاني كَانَ طلق الْعبارَة لَا يكَاد يتَكَلَّم في فن إِلَّا وَيذكر دروساً طَوِيلَة وَلم يزل في نمو وارتفاع إِلَى أَن مَاتَ في التَّارِيخ الْمَذْكُور بحماه ولشعراء عصره فِيهِ غرر المدائح كالشهاب مَحْمُود وَالْجمال بن نباتة وَغَيرهمَا وَخرج لَهُ العلائي مشيخة فَأَجَازَهُ بجملة دَرَاهِم وَأول مادرس بالعادلية سنة 682 ثمَّ درس بالأرمستية ثمَّ درس بالغزالية ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر ومشيخة الشُّيُوخ ثمَّ الْقَضَاء الأكبر بِدِمَشْق في التَّارِيخ السَّابِق وَكَانَ يتفضل على كل من قدم إليه من كَبِير وصغير وهداياه لَا تَنْقَطِع عَن أهل الشَّام وَلَا عَن أهل مصر مَعَ التودد والتواضع الزايد والحلم وَالصَّبْر على الْأَذَى هجاه ابْن الْمرجل بِأَبْيَات فتحيل حَتَّى وصلت إليه بِخَط النَّاظِم فاتفق أَنه
(1/106)

دخل عَلَيْهِ فغمز مَمْلُوكه فَوضع الأبيات أَمَامه مَفْتُوحَة فَلَمَّا جلس ابْن الْمرجل لمحها فعرفها فَلَمَّا تحقق القاضي أَنه عرفهَا أَشَارَ برفعها ثمَّ أحضر لَهُ قماش وصرة فضة وَقَالَ لَهُ هَذِه جائزة الأبيات فَأَخذهَا ومدحه وَدخل عَلَيْهِ شَاعِر وَمَعَهُ قصيدتان في إحداهما هجو وفي الْأُخْرَى مدح وأضمر أَن يُعْطِيهِ الْمَدْح فإن أرضاه وإلاّ أعطَاهُ الهجو فغلط فَأعْطَاهُ الهجو فقرأه وَأَعْطَاهُ جَائِزَة وأوهم من حضر أَنه مدح فَلَمَّا خرج الشَّاعِر وجد قصيدة الْمَدْح فَعَاد وَدفعهَا إليه وَأظْهر الِاعْتِذَار فَمَا واخذه
(65) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن عَطاء الله تَاج الدَّين أَبُو الْفضل الإسكندراني الشاذلي
صحب الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس المرسي صَاحب الشاذلية وصنّف مناقبه ومناقب شَيْخه وَكَانَ الْمُتَكَلّم على لِسَان الصوفية في زَمَانه وَهُوَ مِمَّن قَامَ على الشَّيْخ تقى الدَّين ابْن تَيْمِية فَبَالغ في ذَلِك وَكَانَ يتَكَلَّم على النَّاس وَله فِي ذَلِك تصانيف قَالَ الذهبي كَانَت لَهُ خلال عَجِيبَة وَوَقع في النُّفُوس ومشاركة فِي الْفَضَائِل وَرَأَيْت الشَّيْخ تَاج الدَّين الفارقي لما رَجَعَ من مصر مُعظما لوعظه وإشارته وَكَانَ يتَكَلَّم بالجامع الْأَزْهَر يمزج كَلَام الْقَوْم بآثار عَن السلف وفنون من الْعلم فَكثر أَتْبَاعه وَكَانَ عَلَيْهِ سيماء الْخَيْر وَيُقَال أن ثَلَاثَة قصدُوا مَجْلِسه فَقَالَ أحدهم لَو سلمت من العائلة لتجردت وَقَالَ الآخر أَنا أصلي وَأَصُوم وَلَا أجد من الصلاح ذرة فَقَالَ الثَّالِث إن صلاتي مَا ترضيني فَكيف ترْضى ربي فَلَمَّا حَضَرُوا مَجْلِسه قَالَ في أثْنَاء كَلَامه وَمن النَّاس من يَقُول فَأَعَادَ كَلَامهم بِعَيْنِه وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ الشَّيْخ تقي الدَّين السبكي وَقَالَ الْكَمَال جَعْفَر سمع من الأبرقوهي
(1/107)

وَقَرَأَ النَّحْو على المحيى وشارك فِي الْفِقْه وَالْأَدب وَصَحب المرسي فَتكلم على النَّاس فسارعت إليه الْعَامَّة وَكثير من المتفقهة وَكثر أَتْبَاعه قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَالَ الْكَمَال ابْن المكين حكى لَهُ المراكشي قَالَ كنت أصحب فَقِيرا فَحَضَرَ اليه الخليلى الْوَزير يزوره فَقَالَ لَهُ جاءني ابْن عَطاء الله فَقَالَ لي اللَّيْلَة ترى النبى صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فِي الْمَنَام فَاجْعَلْ بشارتي أَن توليني الخطابة بالإسكندرية فمضت اللَّيْلَة وَمَا رَأَيْت شَيْئا وَقد عزمت على ضربه فَلم يزل الْفَقِير يتلطف بِهِ حَتَّى عَفا عَنهُ وَإِذا صَحَّ هَذَا فَهُوَ محتال وَلَيْسَ من الرِّجَال وَهُوَ صَاحب الحكم الْمَشْهُورَة الآن بِحكم ابْن عَطاء الله الَّتِى يلهج كثير من متصوفه زمننا بِحِفْظ كَلِمَات مِنْهَا وَمَات في نصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة 709 تسع وَسَبْعمائة
(66) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الأزديّ الْعَدْوى أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْبناء
أَخذ عَن قاضي الْجَمَاعَة مُحَمَّد بن على المراكشى وأبى عبد الله مُحَمَّد ابْن أَبى البركات أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَدْعُو ابْن أَبى عَطاء وأبي الْحُسَيْن ابْن أَبى عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم وَكَانَ فَاضلا عَاقِلا نبيهاً انْتفع بِهِ جمَاعَة في التَّعْلِيم وَكَانَ يشْتَغل من بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى قريب الزَّوَال مُدَّة إِلَى أَن كَانَ فى سنة 699 فَخرج إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة في يَوْم ريح وغبار فتأذى بذلك وأصابه يبس في دماغه وَكَانَ لَهُ مُدَّة لَا يَأْكُل مَا فِيهِ روح فبدت مِنْهُ أَحْوَال لم تعهد وهيئات عَجِيبَة وَصَارَ يكاشف كل من دخل عَلَيْهِ ويخبره بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم الأغماتي أَهله أَن يحجبوه فَأَقَامَ سنة ثمَّ صَحَّ وَخرج إلى النَّاس وَصَارَ يذكر مَا جرى لَهُ من ذَلِك وَفِيه عجائب مِنْهَا أَنه رأى صوراً علوِيَّة
(1/108)

وُجُوههم مضيئة تكلمُوا بعلوم جمة تتَعَلَّق بمعاني الْقُرْآن بأساليب بديعة قَالَ ثمَّ هجم عليّ جمَاعَة في صور مفزعة فَذكر كلَاما طَويلا وَله مصنفات مِنْهَا التخليص فِي الْحساب فى سفر وَكتاب فِي الأوفاق وَكتاب في الأنواء وَغير ذَلِك وَاسْتمرّ بِبَلَدِهِ يُفِيد النَّاس إِلَى أَن مَاتَ سنة 721 إحدى وَعشْرين وَسَبْعمائة
(67) أَحْمد بن مُحَمَّد بن حجر الوائلي السعدي الهيثمي
المصري ثمَّ المكي ولد سنة 909 تسع وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بِبَلَدِهِ وَحفظ الْقرَان ثمَّ انْتقل إلى مصر فحفظ مختصرات وَقَرَأَ على الشَّيْخ عمَارَة المصرى والرملى وأبى السحن البكري وَغَيرهم وبرع في جَمِيع الْعُلُوم خُصُوصا فقه الشافعي وصنّف التصانيف الْحَسَنَة ثمَّ انْتقل من مصر إِلَى مَكَّة المشرفة وَسبب انْتِقَاله أَنه اختصر الرَّوْض للمقري وَشرع في شَرحه فأخذه بعض الحساد وفتته وأعدمه فَعظم عَلَيْهِ الْأَمر وَاشْتَدَّ حزنه وانتقل إلى مَكَّة وصنّف بهَا الْكتب المفيدة مِنْهَا الامداد وَفتح الْجواد شرحاً على الإرشاد الأول بسيط والثاني مُخْتَصر وتحفة الْمُحْتَاج شرح الْمِنْهَاج وَالصَّوَاعِق المحرقة وَشرح الهمزية وَشرح الْعباب وَكَانَ زاهداً متقللاً على طَريقَة السلف أمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ في سنة 973 ثَلَاث وَسبعين وَتِسْعمِائَة
(68) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن أَبى نصر مُحَمَّد بن عرب شاه
الدمشقي الأَصْل الرومي الحنفي وَيعرف بالعجمي وبابن عرب شاه وَهُوَ الْأَكْثَر وَلَيْسَ هُوَ بقريب لداود وَصَالح ابني مُحَمَّد بن عرب شاه
(1/109)

الهمذانيين الأَصْل الدمشقيين الحنفيين ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف ذي الْقعدَة سنة 791 إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقرَان على الزين عمر بن اللبان المقري ثمَّ تحول في سنة ثَلَاث وثمان مائَة في زمن الْفِتْنَة مَعَ أخوته وأمهم وَابْن أُخْته عبد الرَّحْمَن بن إبراهيم بن حولان إِلَى سَمَرْقَنْد ثمَّ بمفرده إِلَى بِلَاد الخطا وَأقَام بِبِلَاد مَا وَرَاء النَّهر مديماً للاشتغال وَالْأَخْذ عَن من هُنَاكَ من الأستاذين فَكَانَ مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد الجرجاني وَابْن الجزري وهما نزيلا سَمَرْقَنْد وعصام الدَّين ابْن الْعَلامَة عبد الْملك وَجَمَاعَة ولقي بسمرقند الشَّيْخ الْعُرْيَان الأدهمي الَّذِي استفيض هُنَالك أَنه ابْن ثلثمِائة وَخمسين سنة وبرع فى الْفُنُون ثمَّ توجه إِلَى خوارزم فَأخذ عَن نور الله وَأحمد بن شمس الْأَئِمَّة ثمَّ إِلَى بِلَاد الدشت وَتلك النواحى ثمَّ قطع بَحر الرّوم إِلَى مملكة ابْن عُثْمَان فَأَقَامَ بهَا نَحْو عشر سِنِين وَترْجم فِيهَا للْملك غياث الدَّين أَبى الْفَتْح مُحَمَّد بن أَبى يزِيد مُرَاد بن عُثْمَان كتاب جَامع الحكايات ولامع الرِّوَايَات من الفارسي إِلَى التركي فِي نَحْو سِتّ مجلدات وَتَفْسِير أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي القادري بالتركي نظماً وباشر عِنْده ديوَان الإنشاء وَكتب عَنهُ إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف عَرَبيا وشامياً وتركياً ومغولياً وعجمياً كل ذَلِك مَعَ حرصه على الاستفادة بِحَيْثُ قَرَأَ الْمِفْتَاح على الْبُرْهَان الحوافي وَأخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة أَيْضا فَلَمَّا مَاتَ ابْن عُثْمَان رَجَعَ إِلَى وَطنه الْقَدِيم فَدخل حلب فَأَقَامَ بهَا نَحْو ثَلَاث سِنِين ثمَّ الشَّام وَكَانَ دُخُوله إليها في جُمَادَى الآخرة سنة 825 فَجَلَسَ بحانوت مَسْجِد الْقصب مَعَ شُهُوده يَسِيرا لكَون مُعظم أوقاته الانعزال عَن النَّاس وَقَرَأَ بهَا على القاضي شهَاب الدَّين الْحَنْبَلِيّ صَحِيح مُسلم فى سنة 830
(1/110)

فَلَمَّا قدم الْعَلَاء البخاري سنة 832 مَعَ الركب الشامي من الْحجاز انْقَطع إليه ولازمه في الْفِقْه والأصليين والمعاني وَالْبَيَان والتصوف وَغير ذَلِك حَتَّى مَاتَ وَتقدم في غَالب الْعُلُوم وَأَنْشَأَ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق وصنف نظماً ونثراً وَمن تصانيفه مرآة الْأَدَب في علم الْمعَانى وَالْبَيَان والبديع سلك فِيهِ أسلوباً بديعاً نظم فِيهِ التَّلْخِيص عمله قصائد غزلية كل بَاب مِنْهُ قصيدة مُفْردَة على قافية ومقدمة في النَّحْو عُقُود النَّصِيحَة والرسالة الْمُسَمَّاة العقد الفريد فِي التَّوْحِيد وَهُوَ مؤلف تَارِيخ تيمور وَسَماهُ عجائب الْمَقْدُور في نَوَائِب تيمور وَفِيه بلاغة فائقة وسجعات رائقة وَله فَاكِهَة الْخُلَفَاء ومفاكهة الظرفاء والترجمان المترجم بمنتهى الأرب فِي لُغَة التّرْك والعجم وَالْعرب وأشير إليه بالفضيلة وأجله الأكابر وَكَانَ أحد الْأَفْرَاد في إجادة النظم والنثر وَمَعْرِفَة اللُّغَات والمجئ بالمستظرفات وإجادة الْخط وإتقان الضَّبْط وعذوبة الْكَلَام وملاحة المحاضرة وَكَثْرَة التودد ومزيد التَّوَاضُع وعفة النَّفس ووفور الْعقل وَاسْتمرّ على جميل أَوْصَافه حَتَّى مَاتَ في يَوْم الِاثْنَيْنِ منتصف شهر رَجَب سنة 854 أَربع وَخمسين وثمان مائَة وَجَرت لَهُ محنة من الظَّاهِر جقمق شكى اليه حميد الدَّين فَأدْخلهُ سجن أهل الجرائم فدام فِيهِ خَمْسَة أَيَّام ثمَّ أخرج وَاسْتمرّ مَرِيضا من الْقَهْر حَتَّى مَاتَ بعد اثني عشر يَوْمًا وَمن نظمه
(قَمِيص من الْقطن من حله ... وشربة مَاء قراح وقوت)
(ينَال بهَا الْمَرْء مَا يبتغي ... وَهَذَا كثير على من يَمُوت)
وَمن نظمه
(1/111)

. فعش مَا شِئْت في الدُّنْيَا وَأدْركَ ... بهَا مَا شِئْت من صيت وَصَوت)
(فحبل الْعَيْش مَوْصُول بِقطع ... وخيط الْعُمر مقصوص بِمَوْت)
وَله
(وَمَا الدَّهْر إِلَّا سلم فبقدر مَا ... يكون صعُود الْمَرْء فِيهِ هُبُوطه)
(وهيهات مَا فِيهِ نزُول وإنما ... شُرُوط الَّذِي يرقى إِلَيْهِ سُقُوطه)
(فَمن صَار أَعلَى كَانَ أوفى تهشما ... وَفَاء بِمَا قَامَت عَلَيْهِ شُرُوطه)
وَحكى السخاوي أَنه اسر مَعَ تيمور لنك وَنقل إِلَى سَمَرْقَنْد ثمَّ خرج مِنْهَا في سنة إِحْدَى عشر وجال بِبِلَاد الشرق وَرجع إِلَى دمشق وَقد جرى بَينه وَبَين الْبُرْهَان الباعوني الْمُقدم ذكره مطارحات مِنْهَا أَن الْبُرْهَان كتب إِلَيْهِ بِسِتَّة أَبْيَات الْتزم فِيهَا قافية الظَّاء المشالة أَولهَا
(أأحمد لم تكن وَالله فظاً ... وَلَكِن لَا أرى لى مِنْك حظا)
واستوفى كثيراً من اللُّغَة فَحصل لصَاحب التَّرْجَمَة سِتَّة أَبْيَات أُخْرَى قبل نظره في كتب اللُّغَة فَعجب من كَثْرَة اطِّلَاعه وسعة دائرته ثمَّ كتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات الْتزم فِيهَا الرَّاء قبل الْألف وَالرَّاء بعْدهَا أَولهَا
(من مجيري من ظلوم ... مِنْهُ أبعدت فِرَارًا)
وَاسْتوْفى مَا فِي الْبَاب فَكتب إِلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة قصيدة بغداذية فَلم يقدر على الْجَواب بِمِثْلِهَا وَكتب إِلَيْهِ بقوله
(يَا شهَاب الدَّين يَا ... أَحْمد يَابْنَ عرب شاه)
وَاسْتوْفى القافية فظفر صَاحب التَّرْجَمَة بأَشْيَاء تَركهَا فَكتب إِلَيْهِ
(قد أَتَى الْفضل عَلَيْهِ ... حلل اللَّفْظ موشاه) فتعجب الْبُرْهَان من سَعَة دائرته واطلاعه ثمَّ قَالَ لَهُ أَنا وَالله مَا
(1/112)

عرفتك إِلَّا الْآن فَقَالَ لَهُ وَالله وَإِلَى الْآن مَا عَرفتنِي وطالت الْمُكَاتبَة بَينهَا على هَذَا المنوال حَتَّى اجْتمع من ذَلِك مُجَلد
69 - (أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي بن صَالح بن عبد الله بن أَحْمد قاطن
الحبابى ثمَّ الثلائى ثمَّ الكوكباني ثمَّ الصّنعاني كَانَ مولده لَيْلَة أَربع عشرَة محرم سنة 1118 ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَألف قَرَأَ في مَدِينَة شبام وحصن كوكبان وتكسب بِالتِّجَارَة فِي مبادئ عمره بشبام مَعَ اشْتِغَاله بِالْعلمِ وإكبابه على الْفُنُون ثمَّ أَخذ في صنعاء عَن السَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الْأَخْفَش وَالسَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وطالت ملازمته للثَّالِث وَقَرَأَ عَلَيْهِ في عدَّة فنون وبقي في بَيته سِنِين فعاونه عِنْد الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن حُسَيْن بن الإمام المهدي وَكَانَ السَّيِّد الْمَذْكُور إِذْ ذَاك مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء الْأَكْبَر بِصَنْعَاء فولى صَاحب التَّرْجَمَة الْقَضَاء وَجعله من جملَة حكامها فاتفقت حَادِثَة كَانَ بِسَبَبِهَا عزل صَاحب التَّرْجَمَة مَعَ أَن الْحق مَعَه ثمَّ لما كَانَت خلَافَة الإمام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ولاه الْقَضَاء بِمَدِينَة ثلاء ثمَّ جعل إِلَيْهِ ولَايَة الْأَوْقَاف ثمَّ بعد ذَلِك اعتقله وحصلت لَهُ محن وَخرب بَيته فِي ثلاء بِسَبَب أَن السَّيِّد الْعَلامَة قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي احتسب عَلَيْهِ إِذْ ذَاك أَنه عمره فَوق مَقْبرَة ثمَّ عوضه الله فملكه الْأَمَام المهدي دَارا عَظِيمَة بِصَنْعَاء وَبهَا أَوْلَاده الآن وَسَائِر أَهله ثمَّ بعد اعتقاله حج وَبعد أَيَّام ولاه الْأَمَام المهدي الْقَضَاء الْأَكْبَر بِمَدِينَة صنعاء وَاسْتمرّ أَيَّامًا وحمدت مُبَاشَرَته مَعَ اشتهاره بالعفة والنزاهة وَعدم الْمُحَابَاة فى شئ من الْأُمُور لَا لصغير وَلَا لكبير وَكَانَ يكثر الْحَط
(1/113)

والإنكار على بعض المتعلقين بأعمال الْأَمَام المهدي كالفقيه علي الجرافي وَمن يشابهه فَمَا زَالُوا بالإمام المهدي حَتَّى اعتقله قبل مَوته بِنَحْوِ عَام ثمَّ اسْتمرّ مَحْبُوسًا إِلَى أَيَّام مَوْلَانَا الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فأفرج عَنهُ فَخرج إِلَى بَيته وَقد ثقل سَمعه وضعفت قوته لعلو سنه وَمَعَ ذَلِك فَمَا زَالَ يُقرئ من يطْلب الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ شغف بِالْعلمِ وَله عرفان تَامّ بفنون الِاجْتِهَاد على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وَله شُيُوخ عدَّة وَقد اختصر الإصابة وَكتب مجلداً يشْتَمل على أَسَانِيد الْكتب العلمية إِلَى مصنفيها وَترْجم جمَاعَة من رجال الإسناد وَهُوَ في حكم المعجم وَله كتاب آخر ذكر فِيهِ تراجم لأهل عصره وَكَانَ لَهُ عناية كَامِلَة بِعلم السنة وَيَد قَوِيَّة فِي حفظهَا وَهُوَ عَامل بِاجْتِهَاد نَفسه لَا يُقَلّد أحداً وَاسْتمرّ مشتغلاً بنشر الْعلم مُجْتَهدا في الطَّاعَات حَتَّى توفاه الله في لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة 1199 تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَله أَوْلَاد أعلمهم عبد الحميد بن أَحْمد وَله عرفان كَامِل فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد مَعَ سمت ووفور عقل وجودة فهم وَقُوَّة إِدْرَاك وَهُوَ على طَريقَة وَالِده في الْعَمَل بالأدلة ومولده حَسْبَمَا ذكر لي بِخَطِّهِ سَابِع عشر شهر جُمَادَى الأولى سنة 1175 خمس وَسبعين وَمِائَة وَألف وَهُوَ الان مكب على طلب الْعُلُوم مشتغل بِالنّظرِ في أَمر معاشه ومعاده مقبل على شَأْنه قد شغلته نَفسه عَن غَيره وَمن شعر وَالِده المترجم لَهُ حَسْبَمَا رَأَيْت ذَلِك بِخَطِّهِ مَنْسُوبا إِلَيْهِ
(يَا ساريا لسرى الْحسن كم أسرت ... عيونه من كميّ حَار في حوره)
(نوافث السحر مِنْهَا قيدته ضحى ... وَالله أعلم مَا كَانَ انْتهى خَبره)
(فاعقل قلوصك واعقل من سريت لَهُ ... فَأَنَّهُ الشَّمْس تعشوا الْعين من نظره)
(1/114)

(70) أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن مربع بن حَازِم بن إبراهيم بن الْعَبَّاس المصري الشافعى الشَّيْخ نجم الدَّين ابْن الرّفْعَة
ولد سنة 645 خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَأخذ عَن الضياء جَعْفَر بن الشَّيْخ عبد الرَّحِيم والسديد الأرمي وَابْن بنت الْأَعَز وَابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيرهم واشتهر بالفقه إِلَى أَن صَار يضْرب بِهِ الْمثل وَكَانَ إِذا أطلق الْفَقِيه انْصَرف إِلَيْهِ بِغَيْر مشارك مَعَ مشاركته في الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول ودرس بالمعزية وَأفْتى وَعمل الْكِفَايَة في شرح التَّنْبِيه ففاق الشُّرُوح ثمَّ شرع فِي شرح الْوَسِيط فَعمل بِهِ فِي أول الرّبع الثاني إِلَى آخر الْكتاب وَشرع فِي الربع الأول إِلَى أثْنَاء الصَّلَاة وَمَات فأكمله غَيره وَله تصانيف لطاف وَولى حسبَة مصر وناب في الحكم ثمَّ عزل نَفسه وَحج سنة 707 وَكَانَ حسن الشكل فصيحاً ذكياً محسناً إِلَى الطّلبَة كثير السعي في قَضَاء حوائجهم وَكَانَ قد ندب لمناظرة ابْن تَيْمِية وَسُئِلَ ابْن تَيْمِية عَنهُ بعد ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت شَيخا يتقاطر فقه الشَّافِعِيَّة من لحيته هَكَذَا ذكر ابْن حجر فِي الدُّرَر وَندب صَاحب التَّرْجَمَة لمناظرة ابْن تَيْمِية لَا يَفْعَله الا من لَا يفهم وَلَا يدري بمقادير الْعلمَاء فَابْن تَيْمِية هُوَ ذَلِك الإمام المتبحر فِي جَمِيع المعارف على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وَأَيْنَ يَقع صَاحب التَّرْجَمَة مِنْهُ وماذا عساه يفعل فِي مناظرته اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون المناظرة بَينهمَا في فقه الشَّافِعِيَّة فَصَاحب التَّرْجَمَة أهل للمناظرة وَأما فِيمَا عدا ذَلِك فَلَا يُقَابل ابْن تَيْمِية بِمثلِهِ إِلَّا من لَا يفهم وَلَعَلَّ النادب لَهُ بعض أُولَئِكَ الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا يشتغلون بِمَا لَا يعنيهم من أَمر الْعلمَاء كسلار وبيبرس وأضرا بهما وَلَا ريب أَن صَاحب التَّرْجَمَة غير مَدْفُوع عَن
(1/115)

تقدّمه في فقه الشَّافِعِيَّة وَلَكِن لَا مدْخل للمناظرة فِيهِ بَين مُجْتَهد ومقلد وَقد أثنى ابْن دَقِيق الْعِيد على صَاحب التَّرْجَمَة وَكَذَلِكَ السبكي وَقَالَ كَانَ افقه من الروياني صَاحب الْبَحْر قَالَ الْكَمَال جَعْفَر برع فِي التفقه وانتهت إِلَيْهِ رياسة الشَّافِعِيَّة في عصره وَكَانَ ديّناً حسن الشكل جميل الصُّورَة فصيحاً مفوهاً كثير الإحسان إِلَى الطّلبَة قَالَ القاضي أَبُو الطَّاهِر السقطي كَانَت لي حَاجَة عِنْد القاضي لتوليه الْعُقُود فَتوجه ابْن الرّفْعَة معي إِلَى الْقَاهِرَة فحضرنا درس القاضي فبحث معي ابْن الرّفْعَة فِي ذَلِك الدَّرْس ثمَّ جعل يَقُول ياسيدنا يازين الدَّين ترفق بى ثمَّ عرف القاصى بي فَقضى حاجتي وَلما تولى ابْن دَقِيق الْعِيد الْقَضَاء توجه معي إليه وَلم يكن لَهُ بي معرفَة فَقَالَ لَهُ مَا تذكر سيدنَا لما درس العَبْد بالمعزية وشرفتهم بالحضور وَأورد سيدنَا الْبَحْث الفلاني وَأجَاب فَقِيه في الْمجْلس بِكَذَا فَاسْتحْسن سيدنَا جَوَابه هُوَ هَذَا فولانى وحكاياته في ذَلِك كَثِيرَة قَالَ وَكَانَ أَولا فَقِيرا مضيقاً عَلَيْهِ فباشر في حِرْفَة لَا تلِيق بِهِ فلامه الشَّيْخ تقي الدَّين ابْن الصايغ فَاعْتَذر إليه بِالضَّرُورَةِ فَتكلم لَهُ مَعَ القاضي وأحضره درسه فبحث وَأورد نَظَائِر وفوائد فأعجب بِهِ القاضي وَقَالَ لَهُ إلزم الدَّرْس فَفعل ثمَّ ولاه قَضَاء الْوَاجِبَات فحسنت حَاله ثمَّ ولى أَمَانَة الحكم بِمصْر فَوَقع بَينه وَبَين بعض الْفُقَهَاء شئ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنه نزّل فَقِيه الْمدرسَة عُريَانا فاسقط الْعلم السمهودي نَائِب الحكم عَدَالَته فتعصب لَهُ جمَاعَة وَرفعُوا امْرَهْ إِلَى القاضي فَقَالَ إنه لم يَأْذَن لنائبه فِي الإسقاط فَعَاد لحاله ومؤلفاته تشهد لَهُ بالتبحر في فقه الشَّافِعِيَّة وَلما ولي ابْن دَقِيق الْعِيد اسْتمرّ على نِيَابَة الحكم حَتَّى حصل لَهُ أَمر عزل فِيهِ نَفسه فَلم يعده ابْن
(1/116)

دَقِيق الْعِيد وَسُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَنا مَا صرفته ثمَّ تولى الْحِسْبَة فِي مصر إِلَى أن مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر شهر رَجَب سنة 710 عشر وَسَبْعمائة وَكَانَ كثير الصَّدَقَة مكباً على الاشتغال حَتَّى عرض لَهُ وجع المفاصل بِحَيْثُ كَانَ الثَّوْب إِذا لمس جسده المه وَمَعَ ذَلِك فَلَا يَخْلُو من كتاب مَعَه ينظر إِلَيْهِ وَرُبمَا انكب على وَجهه وَهُوَ يطالع
(71) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عماد بن علي الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس القرافى المصري ثمَّ المقدسي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الهائم
ولد في سنة 756 سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة وَسمع في كبره من التقي ابْن حَاتِم وَالْجمال الأسيوطى والعراقى وَنَحْوهم واشتعل كثيراً وبرع في الْفِقْه والعربية وَتقدم في الْفَرَائِض ومتعلقاتها وارتحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَانْقَطع بِهِ للتدريس والإفتاء وناب هُنَالك في تدريس الصلاحية وانتفع بِهِ النَّاس وَكَانَ خيّرا مهاباً معلماً قوالا بِالْحَقِّ عَلامَة فِي فنون انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة في الْحساب والفرائض وَجمع فِي ذَلِك عدَّة تآليف عَلَيْهَا يعول النَّاس من بعده مِنْهَا كتاب الْفُصُول والجمل الوجيزة والأرجوزة الألفية كلهَا فِي الْفَرَائِض وَكتاب المعونة واللمع المرشدة ومختصر تَلْخِيص ابْن الْبناء كل ذَلِك في الْحساب والمنظومة اللامية في الْجَبْر والمقابلة والطريقة في المناسخة الْمَشْهُورَة الْآن وَفِي الْفِقْه شرح قِطْعَة من الْمِنْهَاج فى مُجَلد وَغَايَة السؤل فى الدَّين الْمَجْهُول وَتَحْقِيق الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول في رفع الحكم الشرعي قبل بعثة الرَّسُول ورسائل فِي مسَائِل عدَّة وَاخْتصرَ اللمع لأبي إسحاق الشِّيرَازِيّ فِي الْأُصُول وَله في الْعَرَبيَّة الضوابط الحسان فِيمَا يقوم بِهِ اللِّسَان ونظم
(1/117)

قَوَاعِد الْأَعْرَاب وَشَرحهَا والتبيان فى تَفْسِير غَرِيب الْقُرْآن وَالْعقد النضيد فِي تَحْقِيق كلمة التَّوْحِيد كتب مِنْهُ ثَلَاثِينَ كراسا وَالْبَحْر العجاج في شرح الْمِنْهَاج وَقطعَة من التَّفْسِير وابراز الخفايا في فن الْوَصَايَا وسارت بمؤلفاته وفضائله الركْبَان وَتخرج بِهِ كثير من الْفُضَلَاء ورحلوا اليه من الآفاق وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة وَتوفى في الْعشْر الْأَوَاخِر من جُمَادَى الآخرة سنة 815 خمس عشرَة وثمان مائَة وَكَانَ نادرة عصره في الْفَرَائِض والحساب رَحمَه الله
(72) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن لُقْمَان بن أَحْمد بن شمس الدَّين بن الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى
أحد عُلَمَاء الزيدية الْمَشَاهِير لقي جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء وَأخذ عَنْهُم وَشهد لَهُ بِالْفَضْلِ أكَابِر مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم فإنه وَصفه بِالِاجْتِهَادِ وَمن مشايخه الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وَالسَّيِّد أَحْمد الشرفي الْمَذْكُور بعده وَكَانَ يدرس الطّلبَة بِجَامِع شهاره وَله تصانيف مِنْهَا شرح الكافل وَشرح الأساس وَشرح التَّهْذِيب للتفتازانى وَكتب تعاليق على الْمفصل والفصول اللؤلؤية وأوائل الْمِنْهَاج وَشرح بَعْضًا من الْبَحْر الزخار وَكَانَ أحد أُمَرَاء الجيوش في أَيَّام الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم وَله في ذَلِك مقامات مَشْهُورَة وَتُوفِّي فِي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع شهر رَجَب سنة 1039 تسع وَثَلَاثِينَ وَألف
(1/118)

(73) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الشّرفي
الْعَلامَة المؤرّخ مُصَنف اللئالى المضية جعلهَا شرحاً لقصيدة السَّيِّد صارم الدَّين إبراهيم بن مُحَمَّد الَّتِى عَارض بهَا البسّامة وَهُوَ شرح حافل فِي ثَلَاث مجلدات وَتوفى فِي شهر الْحجَّة سنة 1055 خمس وَخمسين وَألف سنة وَمن مصنفاته شرح الأساس وَشرح الأزهار في أَرْبَعَة مجلدات وَله أشعار وأخبار وَجِهَاد واجتهاد ومولده سنة 975 خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَمن جملَة مشايخه الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَله تلامذة جهابذة
(74) أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن علي بن يحيى بن مُحَمَّد بن خلف الله بن خَليفَة التقي أَبُو الْعَبَّاس الهيمي الداري
القسنطيني الأَصْل السكندري المولد القاهري المنشأ المالكي ثمَّ الحنفي وَيعرف بالشُمني بِضَم الْمُعْجَمَة وَالْمِيم ثمَّ نون مُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى مرزعة بِبَعْض بِلَاد الْمغرب أَو إِلَى قَرْيَة ولد في الْعشْر الْأَخِيرَة من رَمَضَان سنة 801 إِحْدَى وثمان مائَة باسكندرية وَقدم الْقَاهِرَة مَعَ أَبِيه فاسمعه عَن ابْن الكويك وَالْجمال الحنبلي والولي العراقي وَجَمَاعَة وَأَجَازَ لَهُ
(1/119)

آخرون وَقَرَأَ في الْأَصْلَيْنِ والنحو والمعاني وَالْبَيَان والمنطق وَغَيرهمَا وَمن جملَة مشايخه الْعَلَاء البخاري والصيرامي وتحول حَنِيفا في سنة 834 وبرع في جَمِيع المعارف وصنف حَاشِيَة المغنى لخصها من حَاشِيَة الدمامينى وَكَذَلِكَ مزيل الخفاء عَن أَلْفَاظ الشِّفَاء وشرحاً متوسطاً للنقاية فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَقَرَأَ ذَلِك مرَارًا وتنافس النَّاس في تَحْصِيل الْحَاشِيَة وتوسل بعض المغاربة بسلطانهم عِنْد من ارتحل إليه وكتبها في أعاربها كَذَا قَالَ السخاوي وَقد رَأَيْت حَاشِيَته على المغني وَحَضَرت عِنْد قِرَاءَة الطّلبَة عليّ فِي الأَصْل فَمَا وَجدتهَا مِمَّا يرغب فِيهِ لَا بِكَثْرَة فَوَائِد وَلَا بتوضيح خفي وَلَا بمباحثة مَعَ المُصَنّف بل غايتها نقُول من كَلَام الدمامينى وإنى لأعجب من تنافس النَّاس فى مثلهَا وَكَذَلِكَ حَاشِيَة الشِّفَاء فإنها في نَحْو أَربع كراريس وفيهَا تَفْسِير أَلْفَاظ غَرِيبَة من اللُّغَة يقوم بذلك أدنى الطّلبَة إذا حضر لَدَيْهِ الْقَامُوس فضلاً عَن غَيره وَقد انْتفع النَّاس بِصَاحِب التَّرْجَمَة في فنون مُتعَدِّدَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ طبقَة بعد طبقَة وَأخذُوا عَنهُ علوما جمة لاسيما الْكتب الْكَبِيرَة الدقيقة كالكشاف والبيضاوي وَشرح المواقف وَشرح الْمَقَاصِد والعضد والرضي والمطوّل وَانْفَرَدَ بتقرير جَمِيع ذَلِك من دون مُلَاحظَة للحواشي وَقد انْتفع بِهِ جمَاعَة من الأكابر كالأسيوطي والسخٍاوي وَغَيرهمَا وَكَانَ إماماً متفنناً متين الدّيانَة زاهداً عفيفاً متواضعاً حسن الصِّفَات قوي الإدراك ورسم لَهُ السُّلْطَان بفرس يركبهَا فركبها قَلِيلا ثمَّ عجز وَنزل عَنْهَا وَتركهَا فَقَالُوا لَهُ إِذا لم تركبها فَانْتَفع بِثمنِهَا وَلم يَنْفَكّ الْفُضَلَاء عَن ملازمته والأكابر عَن الْأَخْذ عَنهُ وَكَانَ لَا يكْتب على الْفَتَاوَى وَلَا يُجيب مافيه شهرة من الْأُمُور بل غَالب مَا يهواه الأنجماع
(1/120)

والخمول وَقد كَانَ عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء وجاءه كَاتب السِّرّ وَأخْبرهُ أَنه إن لم يجب نزل السُّلْطَان إليه فصمم وَقَالَ الاختفاء مُمكن فَقَالَ لَهُ فِيمَا تجيب إِذا سَأَلَك الله عَن امتناعك مَعَ تعينه عَلَيْك فَقَالَ يفتح الله حِينَئِذٍ بِالْجَوَابِ وَلم يكن يحابي فِي الدَّين أحداً التمس مِنْهُ بعض الشَّبَاب من ذوي الْبيُوت أَن يَأْذَن لَهُ بالتدريس بعد أَن أهْدى اليه شيا فبادر إلى رد الْهَدِيَّة وَامْتنع من الإذن وَقد تزاحم النَّاس عَلَيْهِ فى آخر أَيَّامه وَصَارَ شيخ الْفُنُون بِلَا مدافع وَجَمِيع الْأَعْيَان من جَمِيع الْمذَاهب تلامذته وَمَات فِي سَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة 872 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعَة مثله وَخلف ألف دِينَار وذكرين وَأُنْثَى من جَارِيَة
(75) أَحْمد بن مصطفى بن خَلِيل الرومي الحنفي الْمَعْرُوف بطاشكبري
ولد لَيْلَة الرَّابِع عشرَة من شهر ربيع الأول سنة 901 إِحْدَى وَتِسْعمِائَة وقرأ على جمَاعَة من عُلَمَاء الروم فِي عدَّة فنون وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِمَدِينَة بروسا إحدى مَدَائِن الروم ثمَّ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُوَ مُصَنف الشقائق النعمانية فِي عُلَمَاء الدولة العثمانية وَقد ترْجم لنَفسِهِ في آخرها وَذكر مشايخه ومقروءاته وَذكر أَنه عمى فِي سنة 961 وَلم أَقف على تَارِيخ مَوته
(76) أَحْمد بن مُوسَى الخيالي الرومي
قَرَأَ على وَالِده وعَلى خضر بك وبرع في الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وفَاق أقرانه ودرس بمدارس الروم وَكَانَ دَقِيق الذِّهْن باهر الذكاء أفحم أكَابِر عُلَمَاء عصره فِي دقائق الْعُلُوم وَكَانَ كثير الدَّرْس قَلِيل الْأكل حَتَّى صَار نحيفاً بِحَيْثُ إنه كَانَ يحلق بإصبعه السبابَة والإبهام وَيدخل فِيهَا يَده فينتهي الى
(1/121)

عضده وَله مصنفات مِنْهَا حواشي شرح العقائد وحاشية على أوائل حَاشِيَة التَّجْرِيد وَمَات وَله ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة شَابًّا وَلَو عَاشَ لزاحم الشريف وَأَضْرَابه وَهُوَ مَوْجُود فِي دولة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بن مُرَاد خَان وَكَانَ قعوده على تخت السلطنة سنة 855 كَمَا سيأتي إن شَاءَ الله
(77) الإمام المهدي احْمَد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن مَنْصُور بن مفضّل
ابْن حجاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن يُوسُف الداعي بن يحيى الْمَنْصُور ابْن أَحْمد النَّاصِر بن يحيى الهادي بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب الإمام الْكَبِير المُصَنّف في جَمِيع الْعُلُوم ولد بِمَدِينَة ذمّار يَوْم الِاثْنَيْنِ لَعَلَّه سَابِع شهر رَجَب سنة 775 خمس وَسبعين وَسَبْعمائة قَرَأَ فِي علم الْعَرَبيَّة فَلبث في قِرَاءَة النَّحْو والتصريف والمعاني وَالْبَيَان قدر سبع سِنِين وبرع فِي هَذِه الْعُلُوم الثَّلَاثَة وفَاق غَيره من أَبنَاء زَمَانه ثمَّ أَخذ فِي علم الْكَلَام على صنوه الهادي وعَلى القاضي يحيى بن مُحَمَّد المدحجي فَسمع على الآخر الْخُلَاصَة وَحفظ الغياضة ثمَّ شرح الْأُصُول للسَّيِّد مَا نكديم ثمَّ أَخذ في علم اللَّطِيف فَقَرَأَ تذكرة ابْن متويه على القاضي الْمَذْكُور مرة ثمَّ على القاضي علي بن عبد الله بن أَبى الْخَيْر مرة أُخْرَى ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُحِيط وَالْمُعْتَمد لأبي الْحُسَيْن البصري ومنتهى السؤل وَسمع على الْفَقِيه علي بن صَالح السِّيرَة النَّبَوِيَّة ونظام الْغَرِيب ومقامات الحريري وعَلى الْمُقْرِئ الْمَعْرُوف بِابْن النسّاخ الْكَشَّاف وعَلى أَخِيه الهادي الْمُتَقَدّم علم الْفِقْه وَقَرَأَ غير ذَلِك وتبحر في الْعُلُوم واشتهر فَضله وَبعد صيته وصنف
(1/122)

التصانيف ففى أصُول الدَّين نكت الفرائد في معرفَة الْملك الْوَاحِد والقلائد وَشَرحهَا الدُّرَر الفرائد والملل وَشَرحهَا الأمنية والأمل ورياضة الأفهام في لطيف الْكَلَام وَشَرحهَا دامغ الأوهام وَفِي أصُول الْفِقْه كتاب الْفُصُول في معاني جَوْهَرَة الْأُصُول ومعيار الْعُقُول وَشَرحه منهاج الْوُصُول وفي علم النَّحْو الْكَوْكَب الزَّاهِر شرح مُقَدّمَة طَاهِر والشافية شرح الكافية والمكلل بفرائد معانى الْمفصل وتاج عُلُوم الْأَدَب فى قانون كَلَام الْعَرَب واكليل التَّاج وجوهرة الْوَهَّاج وفي الْفِقْه الأزهار وَشَرحه الْغَيْث المدرار فى أَرْبَعَة مجلدات وَالْبَحْر الزخار فى مجلدين وفى الحَدِيث كتاب الْأَنْوَار فى الْآثَار الناصة على مسَائِل الأزهار فِي مُجَلد لطيف وَكتاب الْقَمَر النوار فى الرَّد على المرخصين في الملاهي والمزمار وفي علم الطَّرِيقَة تَكْمِلَة الْأَحْكَام وفي الْفَرَائِض كتاب الفائض وفي الْمنطق القسطاس وفى التَّارِيخ الْجَوَاهِر والدرر وَشَرحهَا يَوَاقِيت السّير وَقد انْتفع النَّاس بمصنفاته لَا سِيمَا الْفِقْهِيَّة فان عُمْدَة زيدية الْيمن في جَمِيع جهاته على الأزهار وَشَرحه وَالْبَحْر الزخار وَلما اشتهرت فضائله وَكَثُرت مناقبه بَايعه
(1/123)

النَّاس عِنْد موت الإمام النَّاصِر في شهر شَوَّال سنة 793 يمدينة صنعاء بِمَسْجِد جمال الدَّين ثمَّ خَرجُوا إِلَى بَيت بوس فترجح لأهل بَيت بوس أَن تكون الدعْوَة من مكانهم وأظهروا الْكَلَام والتنصير فبادر رجل من
(1/124)

صنعاء فَوجدَ أهل صنعاء فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَقد كَانَت وَقعت الْمُبَايعَة بِاللَّيْلِ لولد الْأَمَام النَّاصِر وَهُوَ الامام الْمَنْصُور على بن صَلَاح الدَّين فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك انزعجوا وَجعلُوا مخرجهم من الْجَامِع الى حِصَار بَيت بوس فأحاطوا بِهِ وَوَقع الْقِتَال فَقتل من أهل بَيت بوس نَحْو عشرَة وَمن جَيش الْمَنْصُور علي بن صَلَاح قدر خمسين في ثَلَاثَة عشر يَوْمًا ثمَّ وَقع الصُّلْح بَين الْجَمِيع على أَن يرجِعوا إِلَى مَا يَقُوله الْعلمَاء وَرَجَعُوا جَمِيعًا إِلَى صنعاء وَمَعَهُمْ صَاحب التَّرْجَمَة فَلَمَّا وصلوا إلى صنعاء لم يحصل مِنْهُم الْوَفَاء بِمَا وَقع عَلَيْهِ التصالح فَرجع من نَاحيَة بَاب شعوب هُوَ وَسَبْعَة أَنْفَار فِي اللَّيْل ووصلوا إِلَى بني شهَاب فَأَجَابُوا دَعوته وامتثلوا أمره وَمَضَت أوامره هُنَالك وَجَرت أحكامه فَأخْرج الْمَنْصُور إلى قِتَاله بعض المقدمين من أمرائه فَكَانَ النَّصْر لصَاحب التَّرْجَمَة ثمَّ اسْتخْلف على جِهَات أنس السَّيِّد علي بن أَبى الْفَضَائِل وعزم ووصلته الْكتب من أهل الْجِهَات الْعليا وَمن الأشراف آل يحيى وَأهل الظَّاهِر واستدعوه للنهوض إِلَى صعده فَمَا وصل إلى محيب من جِهَة نَاحيَة حُضُور لقِيه الْعلمَاء والقبائل ثمَّ وصلته رسل الْأُمَرَاء بني تَاج الدَّين أهل الطَّوِيلَة وكوكبان فَتقدم الى الطَّوِيلَة وصلحت جَمِيع تِلْكَ الْجِهَات وَدخلت تَحت طَاعَته فَلَمَّا علم الْمَنْصُور وأمراؤه بذلك خَافُوا مِنْهُ على صعده فراسلوا السَّيِّد علي بن أَبى الْفَضَائِل بأنهم لَا يُرِيدُونَ إلا الْحق وَأَنَّهُمْ مَعَ اخْتِلَاف الْكَلِمَة يخَافُونَ على الْبِلَاد من سُلْطَان الْيمن وعرفوه أَنه يسترجع الإمام فوصلت إليه كتب السَّيِّد يستنهضه ويحرج عَلَيْهِ بأنه لَا يجوز التَّأَخُّر سَاعَة وَاحِدَة فَرجع فَلم يَقع الْوَفَاء بِمَا وعده الْمَنْصُور فأقام الإمام فِي رصابه ثمَّ خرج جَيش من صنعاء من جَيش الْمَنْصُور على
(1/125)

غرَّة فَلم يشْعر الإمام إلا وَقد أحاطوا بِهِ فَلَمَّا علم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم وَقع الصُّلْح على سَلامَة من مَعَه من الْعلمَاء وَسَائِر أَصْحَابه وَيخرج هُوَ إليهم يذهبون بِهِ مَعَهم فَلَمَّا صَار في جَامع معبر نقضوا عَهدهم وَقتلُوا من كَانَ فِي الدَّار وَكَانَ في المقتولين ثَمَانِيَة من الْفُقَهَاء وَسلم مِنْهُم جمَاعَة فأسروا مَعَه ودخلوا بهم ذمّار دخلة مُنكرَة ثمَّ قيدوه وقيدوا مَعَه السَّيِّد على بن الهادى ابْن المهدي والفقيه سُلَيْمَان وَغَيرهم بقيود ثَقيلَة وأطلقوا بَقِيَّة الْفُقَهَاء ثمَّ سَارُوا إِلَى صنعاء فَلَمَّا قربوا مِنْهَا أحَاط بهم السُّفَهَاء يؤذونهم بالْكلَام وهم في الْمحمل فَقَالَ الْفَقِيه سُلَيْمَان ادع عَلَيْهِم فَرفع سجاف الْمحمل وَسلم عَلَيْهِم فَلَمَّا رَأَوْهُ كفوا عَن الأذية ودعوا الله أَن يَنْفَعهُمْ بِهِ ثمَّ سجن بقصر صنعاء من سنة 794 إِلَى سنة 801 وفي الْحَبْس صنف الأزهار ثمَّ خرج بعناية من الَّذين وضعُوا لحفظه وَكَانَ خُرُوجه بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَسَار إلى هِجْرَة الْعين ثمَّ طلع في جَوف اللَّيْل إلى حصن ثلا وَطلب النَّاس مِنْهُ اظهار الْأَمر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فرجح التَّأْخِير حَتَّى يختبرهم ثمَّ بعد ذَلِك تقدّم على صعدة مَعَ علي بن الْمُؤَيد وَقد دَعَا فِي أَيَّام حَبسه فافتتحا صعدة ثمَّ قدّم الْمَنْصُور بعض امرائه ثمَّ تلاشى الْأَمر وتثبط النَّاس عَن نصرته فأراح قلبه عَن التَّعَلُّق بِهَذَا الْأَمر وَعَكَفَ على التصنيف وأكب على الْعلم حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في شهر الْقعدَة سنة 840 أَرْبَعِينَ وثمان مائَة بالطاعون الْكَبِير الَّذِي مَاتَ مِنْهُ أَكثر الْأَعْيَان وقبره بظفير حجه مَشْهُور مزورومات الْمَنْصُور علي بن صَلَاح فِي هَذِه السنة في شهر
(1/126)

(78) أَحْمد بن بحيى حَابِس الصّعدي اليماني أحد مشاهير عُلَمَاء الزيدية
وَله مَشَايِخ كبراء مِنْهُم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وبرع فِي عُلُوم عدَّة وصنّف تصانيف مِنْهَا شرح تَكْمِلَة الأحكام وَشرح الشافية لِابْنِ الْحَاجِب وَلم يكمل وَشرح الكافل وتكميل شرح الأزهار والمقصد الْحسن وَجَمِيع تصانيفه مقبولة وَله شرح على الثَّلَاثِينَ مَسْأَلَة فِي أصول الدَّين وَتَوَلَّى الْقَضَاء بصعدة وَاسْتمرّ فِيهِ حَتَّى مَاتَ في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر شهر ربيع الأول سنة 1061 احدى وَسِتِّينَ والف
(79) أَحْمد الْمَكْر بِفَتْح الْمِيم وَالْكَاف وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة
رجل من أهل الْيمن الْأَسْفَل رَأَيْته في سنة 1215 وَقد صَار في سن عالية أخبرني أَنه فِي مائَة وَأَرْبع وَعشْرين سنة وَنصف سنة وَمَعَ هَذَا فَهُوَ صَحِيح الْعقل والحواس مُسْتَقِيم الْقَامَة حسن الْعبارَة وَله تعلق بالتصوف تَامّ ورأيته كثير المكاشفة ثمَّ بعد هَذِه السن تزوج وَولد لَهُ كَمَا أخبرني عَن نَفسه في سنة 1216 وأخبرني غَيره وَرَأَيْت رجلاً آخر على رَأس الْقرن الثاني عشر يذكر أَنه قد صَار في مائَة سنة وَسبع وَعشْرين سنة وَنصف سنة وَيذكر أَنه من بني الهبل فصدقوه في علو سنه وَهَذَا الْعُمر خَارج عَن الْعَادة الْمَعْرُوفَة في هَذِه الأزمنة مَعَ كَون كل وَاحِد من الرجلَيْن صَحِيح الْحَواس قوي الْبدن وَمِمَّا يحسن ذكره هُنَا أَن رجلاً يُقَال لَهُ حُسَيْن عَامر الداغية من بِلَاد الحدا بلغ في الْعُمر إلى نَحْو تسعين سنة ثمَّ ظهر بِرَأْسِهِ قرنان كقرون الْمعز فَوق أُذُنَيْهِ
(1/127)

وانعطفا على أُذُنَيْهِ وشاعت الْأَخْبَار بذلك إلى أَن بلغت الينا إلى مَدِينَة صنعاء وَكَانَ المخبرون ثِقَات من أهل الْعلم ثمَّ لما بلغ الْخَبَر خَليفَة الْعَصْر حفظه الله أرسل رَسُولا يأتي بِهِ وَكَانَ ذَلِك باطلاعي فَرَجَعت جوابات من شيخ ذَلِك الْمحل وَهُوَ رجل يُقَال لَهُ سعد مِفْتَاح أَن صَاحب الْقُرُون مَوْجُود لديهم بِيَقِين وَلكنه قطعهمَا لما تأذى بهما وَرَأَيْت الجوابات ثمَّ تَوَاتَرَتْ الْقَضِيَّة تواتراً لم يبْق فِيهِ شك وَذَلِكَ في سنة 1215
وَمن الغرائب الْحَادِثَة فِي هَذَا الْعَام أن امْرَأَة قد كَانَت قريب الْبلُوغ فَخرج لَهَا في فرجهَا ذكر وَصَارَت رجلاً بعد أَن كَانَت امْرَأَة وَقد أخبرني بذلك السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى الكيسي وَقَالَ إن فرجهَا كَانَ ثقباً صَغِيرا وَأَنه أمرها بعد ظُهُور الذكر أن تلبس لبس الرِّجَال فلبسته وهي الآن كَذَلِك
(80) السَّيِّد أَحْمد بن يُوسُف بن الْحُسَيْن ين الْحسن ابْن الإمام الْقَاسِم
الْمُحَقق الْعَلامَة الْمُحدث البارع في علم السّنة الْمَشْهُور بحفظها وَحفظ رجالها حَتَّى لقب الحَدِيث لغلبته عَلَيْهِ كَانَ عَارِفًا بفنون الآلة جَمِيعًا وَله يَد طولى في علم الْأَدَب وقصائد طنانة وَله تَخْرِيج لمجموع الإمام زيد بن علي نَفِيس يدل على طول بَاعه فِي علم الرِّوَايَة وَكَانَ مَشْهُورا بدماثة الْأَخْلَاق والتواضع والاحتمال وَالصَّبْر وَسُكُون الطَّبْع وَالْوَقار وَله فِي ذَلِك أَحْوَال عَجِيبَة حَتَّى كَانَ إِذا تَركه أَهله من طَعَامه وَشَرَابه أوشئ مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا يطْلب ذَلِك مِنْهُم وَلَا يظْهر عَلَيْهِ غضب بل يحْتَمل كل شَيْء وَهَذَا فِي خَواص أَهله الَّذين هم مَحل تبذل الإنسان وَعدم تحفظه فَمَا ظَنك بِسَائِر النَّاس فَمن قصائده
(1/128)

الطنانة القصيدة الَّتِي أَولهَا
(أَيهَا الْقَاصِر الفعال على اللَّهْو ... ألما يَئِن لَك الإقصار)
(قد أَتَاك المشيب فِيهِ من الله ... إِلَيْك الْأَعْذَار والإنذار)
(فاترك اللَّهْو جانباً واحتشمه ... فَهُوَ ضيف قراه مِنْك الْوَقار)
(إن سكر الشَّبَاب لم يبْق مِنْهُ ... بعد صحو المشيب إلا الْخمار)
(قد تولى ريعانه وَهُوَ ليل ... وأنار القتير وَهُوَ نَهَار)
(أضلال من بعد أَن وضح الصُّبْح لرائيه فاستبان الْمنَار)
(صخك الشيب مِنْهُ فابك خَطَايَا ... ك وأقلل فحتفك الإكثار)
(لَيْسَ خَمْسُونَ حجَّة بعْدهَا عز ... ف وَلَا صبوة وَلَا استهتار)
(ذهب المتقون بِاللَّه بالعز ... وذل العصاة والذل عَار)
(وَاتبع فِي الورى الَّذين قفوا أَحْمد في فعله وَمَا عَنهُ جاروا)
(سلكوا نهجه القويم فللحق على الْخلق عِنْدهم إيثار)
(مَالهم مَذْهَب سوى الْخَبَر المر ... وي عَنهُ وَلَا لَهُم اخْتِيَار)
وَهِي ابيات طَوِيلَة وَمن نظمه
(ياليلة بِالْقصرِ قصرهَا ... طيب عَلَيْهَا لذّ لي قصر)
(قد أمكنت كفى من قمر ... أَلْقَت الى عنائه الْخمر)
(فَغَدَوْت أجنى الْهم مِنْهُ وَقد ... أدنى الى قَضِيَّة الهصر)
(وسكرت من فِيهِ وَمن يَده ... خمرين خيرهما حوى الثغر)
(وَغدا لِسَان الْحَال ينشدني ... متمثلا شعرًا هُوَ السحر)
(يامنة امتنها السكر ... لَا ينقضي مني لَهَا الشُّكْر)
وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل ناشراً لعلومه متواضعاً في كل أَحْوَاله حَتَّى
(1/129)

توفاه الله تَعَالَى فِي أَوَاخِر شهر جُمَادَى الآخرة سنة 1191 وَكَانَ مولده بعد سنة 1120 وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن علمائها
(81) السَّيِّد أَحْمد بن يُوسُف بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن صَلَاح ابْن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن علي زبارة
بِفَتْح الزاي بعْدهَا مُوَحدَة وَبعد الْألف رَاء مُهْملَة نِسْبَة الى مَحل يُقَال
(1/130)

لَهُ زبار في بِلَاد خولان ولد سنة 1166 أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَقَرَأَ على مَشَايِخ صنعاء فَمن جملَة مقروءاته الْقرَاءَات السَّبع تَلَاهَا على الشَّيْخ الْعَلامَة هادي بن حُسَيْن القارني الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَرَأَ النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول على مَشَايِخ صنعاء وَمن حملتهم شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربى الآتى ذكره انشاء الله وَقَرَأَ الفقه
(1/131)

على الْفَقِيه الْعَارِف شَيخنَا أَحْمد بن عَامر الحدائى وعَلى الْفَقِيه الْعَارِف سعيد ابْن اسمعيل الرشيدي وَقَرَأَ في الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمي وفي التَّفْسِير على المغربي الْمُتَقَدّم وبرع فِي أكثر هَذِه المعارف وَأفْتى ودرّس وَصَارَ الآن من شُيُوخ الْعَصْر ورافقني فِي قِرَاءَة التَّفْسِير على شَيخنَا المغربي وَحضر فِي قِرَاءَة الطّلبَة عليّ فِي شرحي للمنتقى وَطلب مني إجازته لَهُ وَقد كنت في أَيَّام الصغر حضرت عِنْده وَهُوَ يقْرَأ في شرح الفاكهي للملحة وَهُوَ أكبر مني فإنه كَانَ اذ ذَاك في نَحْو ثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ حسن المحاضرة جميل الْمُرُوءَة كثير التَّوَاضُع لَا يعد نَفسه شَيْئا يَعْتَرِيه في بعض الْحَالَات حِدة ثمَّ يرجع سَرِيعا وَقد يقهرها بالحلم وَلَيْسَ بمتصنع في ملبسه وَجَمِيع شؤونه وبيني وَبَينه مجالسة ومؤانسة ومحبة أكيدة من قديم الْأَيَّام وَلما كَانَ شهر رَجَب سنة 1213 صَار قَاضِيا من جملَة قُضَاة الحضرة المنصورية أعزها الله وعظّمه مَوْلَانَا الإمام تَعْظِيمًا كَبِيرا بعد أَن أشرت عَلَيْهِ بنصبه وعرفته بجليل مِقْدَاره وَهُوَ الآن حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على الْقيام بوظيفة الْقَضَاء ناشر للْعلم بِقدر الطَّاقَة
(1/132)

(82) أَحْمد بن يُوسُف الرباعي
ولد بِصَنْعَاء سنة 1155 خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن جمَاعَة من علمائها في الْفِقْه والعربية والْحَدِيث وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد الْأَمِير واتصل بالحاكم الْأَكْبَر يحيى بن صَالح السحولي فَكَانَ يلي لَهُ أعمالاً فيحكمها ويتقنها ثمَّ بعد مَوته اتَّصل بي وَأخذ عَنى في الحَدِيث فَقَرَأَ عليّ في البخاري وفي الْأَحْكَام للهادي وَحضر عندي في كثير من الدُّرُوس وَصَارَ الآن من جملَة الْحُكَّام في صنعاء وَهُوَ مُسْتَمر على ملازمتي وَكَثِيرًا مَا أفوض إليه أعمالاً فَيقوم بهَا أتم قيام وَله فهم قويّ وعرفان تَامّ وإنصاف وَفهم للْحَقِيقَة وَعدم جمود على التَّقْلِيد مَعَ حسن سمت وَسُكُون ووقار وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا يقْرَأ عليّ في شرحي للمنتقى وفي مؤلفى الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدرارى وَولده حسن ابْن أَحْمد من أذكياء الطّلبَة وَله سَماع على فى المؤلفين الْمَذْكُورين وَهُوَ مَعَ حَدَاثَة سنة يسابق في فهمه وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(83) اسحق بن مُحَمَّد العبدي الصعدي اليماني
ولد تَقْرِيبًا في وسط الْقرن الحادي عشر وَقَرَأَ على شُيُوخ عصره في جَمِيع الْفُنُون وبرع وفَاق الأقران وَصَارَ مُنْفَردا فِي جَمِيع علومه وَله شُيُوخ أجلاء مِنْهُم القاضي صَالح بن مهدي المقبلي الآتي ذكره واتصل بالإمام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب فَعَظمهُ وَصَارَ من جملَة وزرائه بعد أَن كَانَ في غَايَة الْفقر وَنِهَايَة المكابدة للْحَاجة ثمَّ جرى بَينه وَبَينه شئ فارتحل الْمَذْكُور إلى بِلَاد الْهِنْد وأكرمه سلطانها إكراماً عَظِيما وطوف تِلْكَ الْبِلَاد وَتردد فِي الْجِهَات واتصل بالعلماء والملوك وَغَيرهم وظفر بكتب
(1/133)

وَاسِعَة وتبحر في المعارف ودرّس وصنّف فَمن مصنّفاته الحافلة المفيدة الْمُؤلف الَّذِي سَمَّاهُ الاحتراس مجيبا على الكردى مؤلف النبراس الَّذِي اعْترض بِهِ على مؤلف الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمُسَمّى بالأساس وَلَقَد أَتَى صَاحب التَّرْجَمَة في مُؤَلفه هَذَا بِمَا يفوق الْوَصْف من التحقيقات الباهرة وضايق الكردي مَعَ تبحره فِي الْعُلُوم مضايقة شَدِيدَة وَكَانَ يبين مَوَاضِع نقل الكردي ثمَّ ينْقل بَقِيَّة الْكَلَام الَّذِي تَركه فِي الْمَنْقُول مِنْهُ كالمواقف والمقاصد وَشرح التَّجْرِيد وَنَحْو ذَلِك وَكَثِيرًا مَا يُوجد في الْكَلَام مَا يدْفع مَا أوردهُ الكردي ثمَّ بعد ذَلِك يتَكَلَّم بِكَلَام لَا يعرف قدره إلا من تبحر في عُلُوم الْعقل وَالنَّقْل وَلَقَد سلك مسالك في هَذَا الْكتاب يبعد الْوُصُول إليها من كثير من الْمُحَقِّقين وَله أشعار رائقة ورسائل فائقة وترسلات بليغة وخطه في الطَّبَقَة الْعليا من الْحسن وَحَاصِله أَن مثله فِي مَجْمُوعه قَلِيل النظير وَتوفى فِي سنة 1115 خمس عشرَة وَمِائَة وَألف بأبي عَرِيش وقبر هُنَالك وَمن نظمه
(قف بالرسوم العافيات نادباً ... وأدّ من حق الْبكاء وَاجِبا)
(وناد وصل الغانيات نَادِما ... يَا آيباً أَن لَا يكون آيبا)
(فَلَا تلام إن وقفت شاكياً ... وإن وقفت الدمع فِيهَا ساكبا)
(معاهد عهدتها ملاعبا ... فقد غَدَتْ برغمنا متاعبا)
(مازلت فِي شرع الغرام قَاضِيا ... لكنّه غَدا عليّ قاضبا)
(وَلم تكن عزايمى نوائباً ... وَكم وقفت في النَّوَى نوائبا)
(فَمَا لمخضوب البنان معرضاً ... عَن وصل مسلوب الْجنان جانبا)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(1/134)

(أَمر بدارها فأطوف سبعاً ... وألثم ركنها من بعد لمس)
(فسموني بِعَبْد الدَّار جهلاً ... وَمَا علمُوا بانى عبد شمس)
(84) السَّيِّد اسحق بن يُوسُف بن المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد حَسْبَمَا وجد بِخَطِّهِ فى سنة 1111 إحدى عشرَة وَمِائَة وَألف وَهُوَ إمام الْآدَاب وَالْفَائِق فِي كل بَاب على ذوي الْأَلْبَاب قَرَأَ فِي الآلات وَلم تطل أَيَّام طلبه بل هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلى أيام طلب غَيره من الطّلبَة لَا تعد وَلكنه نَالَ بِقُوَّة فكرته الصادقة وجودة ذهنه الفائقة مَالا يَنَالهُ غَيره من أهل الِاشْتِغَال الطَّوِيل ثمَّ قَرَأَ بعد ذَلِك في علم الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَكَانَ يتعجب من ذكائه وَله مصنفات مِنْهَا تفريج الكروب في مَنَاقِب علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَهُوَ كتاب نَفِيس وَله رسائل كالرسالة الَّتِى سَمَّاهَا الْوَجْه الْحسن الْمَذْهَب للحزن وفيهَا من البلاغة وَحسن المسلك مَا يشْهد لَهُ بالتفرد ومضمونها الإنكار على من عادى علم السنة من الْفُقَهَاء الزيدية وعَلى من عادى علم الْفِقْه من أهل السنة وَكَانَ يمِيل إِلَى الإنصاف وَلكنه لَا يظْهر ذَلِك لشدَّة الجامدين من الْفُقَهَاء على من أنصف وَلم يتعصّب للْمَذْهَب وَهُوَ الَّذِي أورد السُّؤَال واستشكا لَهُ بقوله فِي أَوله
(أَيهَا الْأَعْلَام من سَادَاتنَا ... ومصابيح دياجي الْمُشكل)
(خبرونا هَل لنا من مَذْهَب ... يقتفى فى القَوْل أوفى الْعَمَل)
(أم تركنَا هملاً نرعى بِلَا ... سائم نقفوه نهج السبل)
(فإذا قُلْنَا ليحيى قيل لَا ... هَهُنَا الْحق لزيد بن علي)
(1/135)

(وَإِذا قُلْنَا لزيد حكمُوا ... أَن يحيى قَوْله النَّص الجلى)
(واذا قُلْنَا لهَذَا وَلذَا ... فهم خير جَمِيع الْملَل)
(أَو سواهُم من بني فَاطِمَة ... أُمَنَاء الوحي بعد الرُّسُل)
(قرروا الْمَذْهَب قولاً خَارِجا ... عَن نُصُوص الآل فابحث وسل)
(إن يكن مُجْتَهدا قَرَّرَهُ ... كَانَ تقليداً لَهُ كَالْأولِ)
(إن يكن قَرَّرَهُ من دونه ... فقد انسدّ طَرِيق الجدل)
(ثمَّ من نَاظر أَو جادل أَو ... رام كشفا لقذى لم ينجلى)
(قَدَحُوا في دينه وَاتَّخذُوا ... عرضه مرمى سِهَام المنصل)
ثمَّ أجَاب عَن هَذَا السُّؤَال عُلَمَاء عصره وَكَثُرت الجوابات الى غَايَة وهى مَجْمُوعَة عِنْد كثير من النَّاس وَلم يعجب المترجم لَهُ شئ مِنْهَا ثمَّ أنه رام كشف الإشكال وَجمع رِسَالَة سَمَّاهَا التفكيك لعقود التشكيك فَلَمَّا وقفت عَلَيْهَا لم أستحسنها بل كتبت عَلَيْهَا جَوَابا سميته التشكيك على التفكيك وَلَعَلَّ الَّذِي حمله على ذَلِك الْجَواب تعويل جمَاعَة عَلَيْهِ مِمَّن علم أَنه السَّائِل وَالظَّاهِر أَنه قصد بالسؤال ترغيب النَّاس إلى الْأَدِلَّة وتنفيرهم عَن التَّقْلِيد كَمَا يدل على ذَلِك قصيدته الَّتِى أوردهَا القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن في كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ تحفة الأخوان بِسَنَد سيد ولد عدنان وأولها
(تَأمل وفكر في المقالات وأنصت ... وعدعن ضلالات التعصب والفتّ)
وَقد ذيلت أَنا هَذِه القصيدة بقصيدة أطول مِنْهَا وأولها
(مسامع من ناديت يَا عَمْرو سدّت ... وَصمت لَدَى صفو من النصح صمت)
وهي مَوْجُودَة في مَجْمُوع شعري وَقد أوردت كثيراً مِنْهَا في الْجَواب
(1/136)

على التفكيك الْمشَار إليه وَسكن المترجم لَهُ سربه وهي نزهة قريب ذمار جَارِيَة الْأَنْهَار باسقة الْأَشْجَار ثمَّ بَاعهَا وفرّ إلى أَبى عَرِيش إلى شريفها وَكَاتب من هُنَالك أَنه يُرِيد رُجُوع مَا بَاعه ثمَّ جرت خطوب آخرها أَنه عَاد إلى حَضْرَة مَوْلَانَا الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَقد كَانَ يكثر الإحسان إليه كَمَا كَانَ وَالِده الْمَنْصُور يكثر الإحسان إليه كَذَلِك وَكَانَ مفرط الْكَرم لَا يبالى بِمَا أخذولا بِمَا أعْطى وَله أشعار رائقة فائقة مَجْمُوعَة في كراريس جمعهَا السَّيِّد الأديب مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشامي رَحمَه الله وهي مَشْهُورَة بأيدي النَّاس فَلَا حَاجَة إلى إيراد شئ مِنْهَا وَمَات في سنة 1173 ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف وَقد كَانَ يحْكى عَن نَفسه أَن أَجود شعره القصيدة الَّتِى مدح بهَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم رَحمَه الله وهي
(حَقِيقَة عشق في الْفُؤَاد مجازها ... لَهَا فرض عين في الخدود جَوَازهَا)
(وَمَا كنت أدري أَن للعشق دولة ... تذل لَهَا أبطالها وعزازها)
وهي قصيدة طَوِيلَة مُشْتَمِلَة على بلاغة بليغة
(85) السَّيِّد إسماعيل بن إبراهيم
ابْن الْحُسَيْن بن الْحسن بن يُوسُف بن الإمام المهدي لدين الله مُحَمَّد بن المهدي لدين الله أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم رَحِمهم الله ولد سنة 1165 خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء المحمية بِاللَّه وَنَشَأ بهَا واشتغل بالمعارف العلمية وَهُوَ ذُو فكر صَحِيح وَنظر قويم رجيح وَفهم صَادِق وإدراك تَامّ وَكَمَال تصور وعقل يقل وجود نَظِيره وَحسن سمت فائق وتأدب رائق وبشاشة أَخْلَاق وكرم أعراق أَخذ عَنى فِي
(1/137)

الْفِقْه والأصول والْحَدِيث فَقَرَأَ عليّ في شرح الأزهار وَشرح الْغَايَة وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن وأمالي أَحْمد بن عِيسَى وَالْأَحْكَام للهادي وَفِي البخاري وَالْهدى وشرحى للمنتقى ومؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وفي الْكَشَّاف وَغير ذَلِك وَهُوَ الآن مكبّ على الطلب لَهُ فِيهِ أكمل رَغْبَة وَأتم نشاط وَعظم إقبال وَصَارَ الآن يكْتب تفسيري الَّذِي سميته فتح الْقَدِير بعد أَن كتب غَالب مصنفاتي وسمعها عليّ وَله اشْتِغَال بِالْعبَادَة ومحبة للاستكثار مِنْهَا وَمن حسن أخلاقه واحتماله أَنى لم أعرفهُ مَعَ طول ملازمته لي أَنه قد غضب مرة وَاحِدَة مَعَ كَثْرَة مَا يَدُور بَين الطّلبَة من المذاكرة والمناظرة المفضية فِي بعض الْحَالَات إِلَى تكدر الْأَخْلَاق وَظُهُور بعض القلق وَهَذِه منقبة عزيزة الْوُجُود وَكَانَ وَالِده رَحمَه الله معدوداً من عُلَمَاء الْفِقْه وَأَخُوهُ الْعَلامَة الْعلم ستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم حسن فَمِنْهُ مَا كتب إِلَى وَقد أهْدى لي طَاقَة زهر منثور
(إليك ياعز الْهدى ... نظام منثور أَتَى)
(هَدِيَّة أبرزها الر ... بيع في فصل الشتا)
(حقيرة لَكِنَّهَا ... طابت شذى ومنبتا)
(كأصلك الزاكي الَّذِي ... أبدى لنا خير فَتى)
(فاقبل وسامح ناظماً ... قصّر فِيمَا نعتا)
فأجبت بقولى
(يَابْنَ الأولى فِي شَأْنهمْ ... بهل أَتَى الْمَدْح أَتَى)
(وَمن هم القادة إِن ... أعضل خطب أَو عتا)
(1/138)

(بحلق من فضَّة ... بعثت ياخير فَتى)
(كأنه الجامات في ... فيروزج قد نعتا)
(أَو الثريا أَو عقو ... د الدرّ إِن مانبتا)
(نظمك والمنثور وَا ... فاني مَتى الْوَصْل مَتى)
(86) إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الصَّمد
الهاشمى العقيلى الجبرتى ثمَّ الزبيدي الشافعي ولد سنة 722 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ أَحْوَال ومقامات وَلأَهل زبيد فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير وَكَانَ يلازم قِرَاءَة سُورَة يس وَيَأْمُر بهَا وَيَزْعُم أَن قرَاءَتهَا لقَضَاء كل حَاجَة وَكَانَ أول ظُهُور أمره أنه بشر السُّلْطَان الْأَشْرَف بانهزام جند قصدوه وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَصَارَت لَهُ بذلك عِنْده منزلَة وَكلمَة لَا ترد وَكَانَ منزلَة ملْجأ لأهل الْعِبَادَة وَلأَهل البطالة وَأهل الْحَاجَات فَأهل الْعِبَادَة يحْضرُون للذكر وَالصَّلَاة وَأهل البطالة للسماع وَاللَّهْو وَأهل الْحَاجَات لوجاهته فَأَنَّهُ تتلمذ لَهُ أَحْمد بن الرداد وَمُحَمّد المزجاجي فجالسا السُّلْطَان وَكَانَ مغريّ بِالسَّمَاعِ والرقص دَاعيا إِلَى نحلة ابْن عربى حَتَّى صَار من لايحصل نُسْخَة من الفصوص تنقص مَنْزِلَته عِنْده وَاشْتَدَّ الْبلَاء على الْعلمَاء الصادعين بِالْحَقِّ بِسَبَبِهِ وَفِيه يَقُول بعض الأدباء وَكَانَ منحرفاً عَنهُ ومعتقداً لصلاح صَالح المصري
(صَالح المصريّ قَالُوا صَالح ... ولعمري أنه للمنتخب)
(كَانَ ظني أَنه من فتية تمتحنهم تختلب)
(1/139)

(رَهْط إسماعيل قطاع الطر ... يق إِلَى الله وأرباب الريب)
(سفل حمقى رعاع غاغة ... أكلب فيهم على الدُّنْيَا كلب)
وَقد كَانَ قَامَ صَالح الْمصْرِيّ هَذَا على صَاحب التَّرْجَمَة فتعصبوا لَهُ حَتَّى نفوه إِلَى الْهِنْد ثمَّ كَانَ الْفَقِيه أَحْمد الناشري عَالم زبيد يقوم عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وَلَا يَسْتَطِيع أَن يغيّرهم عَمَّا هم فِيهِ لميل السُّلْطَان اليه وبالع فِي تَعْظِيمه الحزرجي فِي تَارِيخه وَقَالَ كَانَ فِي أول أمره معلم أَوْلَاد ثمَّ اشْتغل بالنسك وَالْعِبَادَة وَصَحب الشُّيُوخ فَفتح عَلَيْهِ وتسلّك على يَدَيْهِ الجم الْغَفِير وَبعد صيته وانتشرت كراماته وَارْتَفَعت مكانته عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَبَالغ الْأَشْرَف إسماعيل بن الْعَبَّاس في امْتِثَال أوامره مَاتَ في نصف شهر رَجَب سنة 806 سِتّ وثمان مائَة
(87) السَّيِّد إسماعيل بن أَحْمد الكّبسي
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء صنعاء المعاصرين لَهُ عرفان بالنحو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْفِقْه وإلمام بالأصول لَا سِيمَا أصُول الدَّين وَهُوَ بمَكَان من الزّهْد والعفة والأنجماع عَن بنى الدِّينَا والقنوع بِمَا يصل إليه وإن كَانَ يَسِيرا وَله عناية بقول الْحق والمناصحة لأهل الولايات وَأكْثر مَا يكْتب إِلَى فِي ذَلِك من كَلِمَاته المقبولة وَله شعر جيّد فَمن شعره مَا كتبه إِلَى يعاتبني لما شددت على جمَاعَة من الْقُضَاة الَّذين يَأْخُذُونَ الْأُجْرَة من النَّاس وَكَانَ فيهم ثَلَاثَة حكام من الكباسية وَمن جملَة أبياته قَوْله
(عزّ الْأَنَام مُحَمَّد فَهُوَ الَّذِي ... طابت عناصره وَأكْرم من سُئِلَ)
(الحبر وَالْبَحْر الخضّم وحاكم ... الإسلام عالمنا وملجأ من وَجل)
(1/140)

(يَا من علاكيوان إنّ زَمَاننَا ... أرسى على الْآل الوبال فَهَل جهل)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة مَذْكُورَة في غير هَذَا الْموضع وَله إِلَى سُؤَالَات وَكَانَ سَاكِنا في الرَّوْضَة فأرسلها إِلَى مَعَ شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي رَحمَه الله فأجبت عَلَيْهَا بِجَوَاب طَوِيل وأرسلتها إليه مَعَ شَيخنَا الْمَذْكُور وَهُوَ الآن يقْرَأ عَلَيْهِ في فنون مُتعَدِّدَة وَلِلنَّاسِ إليه رَغْبَة لزهده وورعه
(88) السَّيِّد إسماعيل بن أَحْمد الكبسي الملقب مغلس
ولد سنة وَقَرَأَ على جمَاعَة من أهل الْعلم كالسيّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَغَيرهمَا من مَشَايِخ صنعاء وَهُوَ الآن من المدرسين في جَامع صنعاء فِي الْفِقْه والآلات وَله معرفَة تَامَّة وفطرة سليمَة وفاهمة قَوِيَّة وَهُوَ الآن يقْرَأ عليّ من جملَة الطّلبَة في شرح الْعَضُد على مُخْتَصر الْمُنْتَهى وحواشيه وَهُوَ كثير الطَّاعَة قَلِيل الفضول كثير الإقبال على شَأْنه صَلِيب الدّيانَة تعتريه حِدة لَا سِيمَا إذا شَاهد شَيْئا من الْمُنْكَرَات كثّر الله أَمْثَاله وَقد خرج من صنعاء فِي أَوَاخِر سنة 21 الى خصن الظفير هُوَ وَجَمَاعَة ودعا إلى نَفسه وَبث دَعوته إلى الأقطار وَجَرت أُمُور طَوِيلَة وَبعد ذَلِك ترك الدعْوَة وَاسْتقر هُنَالك
(1/141)

(89) إسماعيل بن أَبى بكر بن عبد الله بن إبراهيم
ابْن علي بن عَطِيَّة بن علي الشّرف الشرجى اليمانى الشافعى الْمَعْرُوف بالمقرئ الزبيدي ولد سنة 754 أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وتفقه بالجمال الراعي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا وَعبد اللَّطِيف الشرجي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ في عدَّة فنون وبرز في جَمِيعهَا وفَاق أهل عصره وَطَالَ صيته وأشتهر ذكره وَمهر فِي صناعَة النّظم والنثر وَجَاء بمالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَأَقْبل عَلَيْهِ مُلُوك الْيمن وَصَارَ لَهُ حَظّ عَظِيم عِنْد الْخَاص وَالْعَام وولاه الْملك الْأَشْرَف تدريس المجاهدية بتعز والنظامية بزبيد فَأفَاد الطّلبَة وَعين للسفارة الى الديار المصرية ثمَّ تَأَخّر ذَلِك لطمعه في الِاسْتِقْرَار في قَضَاء الْأَقْضِيَة بعد الْمجد الشيرازي صَاحب الْقَامُوس الانى ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلم يتم لَهُ مناه بل كَانَ يرجوه في حَيَاة الْمجد ويتحامل عَلَيْهِ بِحَيْثُ إن الْمجد عمل للسُّلْطَان كتاباً وَجعل أول كل سطر مِنْهُ الْألف فاستعظمه السُّلْطَان فَعمل لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة كِتَابه الَّذِي لم يسْبق اليه الْمَعْرُوف بعنوان الشرف وَالْتزم أن يخرج من أواخره ووسطه علوماً غير الْعلم الَّذِي يخرج من جَمِيعه وَهُوَ الْفِقْه وَلم يتم في حَيَاة الْأَشْرَف فقدّمه لوَلَده النَّاصِر وَوَقع عِنْده بل وَعند سَائِر عُلَمَاء عصره بِبَلَدِهِ وَغَيرهَا موقعاً عَظِيما وَمن تَأمله رأى فِيهِ مَا يعجز عَنهُ غَالب الطباع البشرية فإنه إِذا قَرَأَهُ الْقَارئ جَمِيعًا وجده فقهاً وَإِذا قرأ أَوَائِل السطور فَقَط وأوساطها فَقَط وأواخرها
(1/142)

فَقَط استخرج من ذَلِك علم النَّحْو والتاريخ وَالْعرُوض والقوافي وَمن مصنفاته الرَّوْض مُخْتَصر الرَّوْضَة فَكَانَ الِاسْم مُخْتَصرا من اسْم الأَصْل والارشاد وَهُوَ كتاب نَفِيس فِي فروع الشَّافِعِيَّة رَشِيق الْعبارَة حُلْو الْكَلَام في غَايَة الإيجاز مَعَ كَثْرَة الْمعَانى وَشَرحه فِي مجلدين وَقد طَار في الآفاق واشتغل بِهِ عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة في الأقطار وَشَرحه جمَاعَة مِنْهُم وَله بديعية بديعة وَله تصانيف غير هَذِه وارتقى في جَمِيع المعارف إلى رُتْبَة لم يشْتَمل على مجموعها غَيره بل قيل أن الْيمن لم ينجب مثله وشعره في الذروة الْعَالِيَة حَتَّى قَالَ بعض معاصريه أنه أشعر من المتنبي وَلَعَلَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يأتي بِهِ في شعره من الْأَنْوَاع الغريبة والأساليب العجيبة كالقصيدة الَّتِى تقْرَأ حُرُوف رويها بِالضَّمِّ وَالنّصب والجر وَمن شعره مَا يخرج من الْبَيْت الْوَاحِد وُجُوه تزيد على الْألف وَكَانَ مَعَ إجادته في الشّعْر يكره أن ينتسب إليه حَتَّى قَالَ
(بِعَين الشّعْر أبصرني أنَاس ... فَلَمَّا ساءني أخرجت عينه)
(خُرُوجًا بعد رَاء كَانَ رأيي ... فَصَارَ الشّعْر مني الشَّرْع عينه)
قَالَ ابْن حجر فِي أنبائه إنه اجْتمع بِهِ فِي سنة 800 ثمَّ فِي سنة 806 قَالَ وَفِي كل مرة يحصل لي مِنْهُ الود الزَّائِد والإقبال وتنقلت بِهِ الأحوال وَولى بعض الْبِلَاد فِي دولة الْأَشْرَف وناله من النَّاصِر جَائِحَة تَارَة وإقبال أُخْرَى وَكَانَ يتشوق لولاية الْقَضَاء بِتِلْكَ الْبِلَاد فَلم يتَّفق لَهُ قَالَ وَمن نظمه بديعية الْتزم في كل بَيت مِنْهَا تورية مَعَ التورية باسم النَّوْع البديعي وَله مسَائِل وفضائل وَعمل مرة مَا يتَفَرَّع من الْخلاف فِي مَسْأَلَة المَاء المشمس فبلغت آلافاً قَالَ وَله خُصُوصِيَّة بالسلطان وَولى عدَّة ولايات
(1/143)

دون قدره وَله تصانيف وحذق تَامّ وَنظر مليح مارأيت بِالْيمن أذكى مِنْهُ انْتهى وَالْحَاصِل أنه إمام في الْفِقْه والعربية والمنطق وَالْأُصُول وَذُو يَد طولى فِي الْأَدَب نظماً ونثراً ومتفرد بالذكاء وَقُوَّة الْفَهم وجودة الْفِكر وَله في هَذَا الشَّأْن عجائب وغرائب لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَلم يبلغ رتبته فِي الذكاء واستخراج الدقائق أحد من أَبنَاء عصره بل وَلَا من غَيرهم سمع بعض النَّاس يذكر بيتى الحريري في المقامات اللَّذين قَالَ أنه قد أَمن أَن يعززا بثالث وهما
(سم سمة تحمد آثارها ... فاشكر لمن أعْطى وَلَو سمسمه)
(وَالْمَكْر مهما اسطعت لاتأته ... لتقتفي السؤدد والمكرمة
فَقَالَ إن تعزيزهما بثالث غير مُمْتَنع فَجحد ذَلِك الْبَعْض وَطَالَ بَينهمَا النزاع فَرجع إِلَى بَيته وَعمل على هَذَا النمط توفية خمسين بَيْتا وَأرْسل بهَا إلى من جادله وَقَالَ قد صَارا خمسين وَأول أبياته
(من كلّ مهدي ودعا أحمدا ... أُجِيب مَا أسعد من كَلمه)
وَقد كَانَ بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن عاصره قبل عصر صَاحب التَّرْجَمَة
قد عزز بَيْتِي الحريري بثالث وَهُوَ
(والمس لمهوى الضَّيْف خير الْقرى ... وَسلم الْمُسلم والمسلّمه)
وَمَعَ كَونه بِهَذِهِ الْمنزلَة من الذكاء كَانَ غَايَة في النسْيَان حَتَّى قيل أنه لَا يذكر مَا كَانَ في أول يَوْمه وَمن أعجب مَا يحْكى فِي نسيانه أَنه نسي مرة ألف دِينَار ثمَّ وَقع عَلَيْهَا بعد مُدَّة اتِّفَاقًا فَتذكر ذَلِك مَعَ عدم توسعه فى الدِّينَا بل مَعَ مزِيد حَاجته إِلَى ماهو أقل من ذَلِك وَكَانَ يُنكر نحلة ابْن عربي وَأَتْبَاعه وَبَينه وَبَين متبعيه معارك وَله في ذَلِك رسالتان وقصائد
(1/144)

كَثِيرَة مَاتَ في سنة 837 سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وترجمته تحْتَمل كراريس
(90) السَّيِّد إسماعيل بن الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن
ين الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد شَيخنَا الْعَلامَة الْمدرس ولد تَقْرِيبًا بعد سنة 1120 عشْرين وَمِائَة والف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها ثمَّ انْتفع بِهِ الطّلبَة في الْعَرَبيَّة واشتهر على الألسن أَنه من افْتتح طلبه عَلَيْهِ في علم الْعَرَبيَّة اسْتَفَادَ وَكنت من جملَة من افْتتح عَلَيْهِ فِي الْعَرَبيَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ ملحة الإعراب للحريري وَشَرحهَا الْمَعْرُوف بشرح بحرق وَكَانَ لَهُ فِي عناية كَامِلَة وَله مُشَاركَة قَوِيَّة في علم الصّرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَمن بركته المجربة أَنى تصدّرت للتدريس فِي الملحة وَشَرحهَا قبل الْفَرَاغ من قرائتها عَلَيْهِ وَكَانَ رَحمَه الله يواظب على التدريس مَعَ ضعفه وعلو سنه وَكنت أرَاهُ يأتي الْجَامِع الْمُقَدّس فِي أَيَّام الشتَاء وَشدَّة الْبرد فيقعد للتدريس وَقد أثر فِيهِ الْبرد مَعَ الْحَرَكَة تَأْثِيرا قَوِيا وَاسْتمرّ رَحمَه الله على ذَلِك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فى يَوْم الْجُمُعَة لست عشرَة لَيْلَة خلت من شهر صفر سنة 1206 سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(91) السَّيِّد اسمعيل بن الْحسن الشامي
مولده سنة 1154 أَربع وَخمسين وَمِائَة وألف وَله شغله بالزهد والورع والاشتغال بِخَاصَّة نَفسه واتصل بالسيّد علي بن مُحَمَّد بن عَامر أَيَّام تَوليته للأوقاف فَكَانَ يَنُوب عَنهُ فِي كثير من الْأَعْمَال ثمَّ اسْتَقر بعد مُدَّة فى وقف مَدِينَة ثلاثم اسْتَقر بعد ذَلِك فِي ولَايَة وقف صنعاء وَهُوَ الآن مُسْتَمر على ذَلِك وبيني وَبَينه مَوَدَّة صَادِقَة ومحبة خَالِصَة وَلنَا اجتماعات
(1/145)

نفيسة وَهُوَ كثير التَّوَاضُع حسن الْأَخْلَاق عالي الهمة كثير الْمُرُوءَة كثير الْبر والإحسان لَا برح في حماية الْملك الديَّان وَله يَد في المعارف العلمية وَعمل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل وإنصاف فِي جَمِيع مسَائِل الْخلاف وَتوفى رَحمَه الله في شهر شعْبَان سنة 1234 أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(92) الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
رضي الله عَنْهُمَا وَسَيَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن إِن شَاءَ الله ولد فِي نصف شعْبَان فِي سنة 1019 تسع عشرَة وألف فِي شهارة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ كَامِل الْخلق معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن عَظِيم اللِّحْيَة أشعر الذراعين قوي الْحَرَكَة كثير التبسم حسن الْخلق قَرَأَ على جمَاعَة من
(1/146)

أَعْيَان عُلَمَاء عصره فِي الْفِقْه وَسَائِر الْفُنُون فبرع فِي الْفِقْه وفَاق على عُلَمَاء عصره فِي ذَلِك وَأقر لَهُ الْكثير مِنْهُم وَالصَّغِير وَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِي المعضلات وشارك فِي بَقِيَّة الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وَكَانَ يقرئ فِيهَا أَعْيَان عُلَمَاء عصره وصنّف مصنّفات مِنْهَا العقيدة الصَّحِيحَة وَشَرحهَا الْمسَائِل المرتضاة إِلَى جَمِيع الْقُضَاة وحاشية على منهاج الإمام المهدي في الْأُصُول بلغ فِيهَا إلى بعضه ورسالة في الطَّلَاق للثلاث وَفِي المحايرة في إبطال الدور وَفِي الْخلْع وَفِيمَا وَقع إهداره في أَيَّام الْبُغَاة وَفِيمَا يُؤْخَذ من الجبايات وَكَانَ وَاسع الْحلم قوي الصَّبْر شَدِيد الإغضاء وَلما اشتهرت فضائله وتمت مناقبه دَعَا إلى نَفسه بعد موت أخيه الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم فى يَوْم الْأَحَد سلخ رَجَب سنة 1054 أَربع وَخمسين وَألف وَقد كَانَ تقدمه صنوه أَحْمد بن الْقَاسِم ودعا إلى نَفسه لأنه كَانَ عِنْد الْمُؤَيد بِاللَّه في شهارة فقوى عزمه على الدعْوَة القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره فَدَعَا وتأخرت دَعْوَة المتَوَكل لأنه كَانَ عِنْد موت أَخِيه فى صوران وَبَين المحلين مَسَافَة وَلم يعد دَعْوَة أَخِيه أَحْمد مَانِعَة من دَعوته لكَونه لم يكن جَامعا لشروط الإمامة الْمُعْتَبرَة فِي مَذْهَبهمَا الَّتِى مِنْهَا الِاجْتِهَاد وَلم يكن أَحْمد بِهَذِهِ الْمنزلَة في الْعلم وَلما ظَهرت دَعْوَة المتَوَكل على الله تلقاها النَّاس بِالْقبُولِ ودخلوا تَحت طَاعَته وَقد كَانَ أَيْضا دَعَا ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم فِي الْيمن وَلكنه لما بلغته دَعْوَة عَمه إسماعيل ترك ودعا في الشَّام بِلَاد صعدة السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عز الدَّين بن على بن الْحُسَيْن بن الإمام عز الدَّين بن الْحسن وَاسْتمرّ أَحْمد بن الْقَاسِم على دَعوته وَبعث العساكر إلى الْجِهَات المتفرقة لحفظ الْأَطْرَاف
(1/147)

من غير إيذان بِحَرب وَلكنه مَا زَالَ أمره يتناقص وَلَا سِيمَا بعد مبايعة السيّدين الأعظمين مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم وأخيه أَحْمد ابْن الْحسن للمتوكل على الله فإنه ضعف جَانب احْمَد غَايَة الضعْف وَلم يتقاعد عَن الْقيام بالدعوة وتجهيز الجيوش وَوَقعت حروب قتل فِيهَا جمَاعَة قَليلَة ثمَّ ارتحل أَحْمد إلى عمرَان ثمَّ إلى ثلا وأحيط بِهِ فِيهَا فَجرى الصُّلْح على أَن يَقع الِاجْتِمَاع بَين الأخوين وَمن غلب الآخر في الْعلم اسْتَقل بالإمامة فَظهر فضل صَاحب التَّرْجَمَة فَبَايعهُ أخوه أَحْمد ثمَّ بَايعه النَّاس الَّذين مَعَه وسكنت الْأُمُور وَأما السَّيِّد إبراهيم فَمَا زَالَ أمره يضطرب فَتَارَة يُبَالغ وَتارَة يظْهر بَقَاءَهُ على دَعوته وتكرر مِنْهُ ذَلِك وَلم يكن مَعَه مَا يعول بِهِ من جند وَلَا أَتبَاع وَصَارَت الْيمن جَمِيعهَا تَحت طَاعَة صَاحب التَّرْجَمَة وَصفا لَهُ الْوَقْت وقهر الأضداد وَلم يبْق لَهُ مُخَالف وَكَانَ أكبر رُؤَسَاء دولته ابْن أخيه مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم فإنه كَانَ يقبض حواصل أحسن الْبِلَاد ثمَّ بعده أَحْمد ابْن الْحسن بن الْقَاسِم وَكَانَ مُجَاهدًا وَيبْعَث بِهِ الإمام إلى الأقطار النائية للغزو فيظفر وَيعود وَقد دوخ مَا بَعثه إليه كَمَا فعل لما بَعثه المتَوَكل إلى يافع فإنه استولى عَلَيْهَا جَمِيعًا وقهر سلاطينها وَفتح حصونها ودخلوا تَحت طَاعَته وَكَذَلِكَ فعل مرة بعد مرة ثمَّ وَجهه إلى عدن ولحج وَأبين فَفعل فِيهَا كَمَا فعل فِي يافع وَكَذَلِكَ توجه إِلَى حَضرمَوْت فافتتحها بعد فَرَاغه من افْتِتَاح يافع وأذعنت هَذِه الْبِلَاد كلهَا بِالطَّاعَةِ لصَاحب التَّرْجَمَة وَلم ير النَّاس أحسن من دولته في الْأَمْن والدعة وَالْخصب وَالْبركَة وَمَا زَالَت الرعايا مَعَه في نعْمَة والبلاد جَمِيعهَا مجبورة كَثِيرَة الْخيرَات وَكَثُرت أَمْوَال الرعايا وكل أحد آمن على مَا في يَده لعلمه بَان الامام سيمنعه عدله
(1/148)

عَن أَن يتَعَرَّض لشئ من مَاله وَغير الإمام تَمنعهُ هَيْبَة الإمام عَن الاقدام الى شئ من الْحَرَام وَقد كَانَ النَّاس حديثي عهد بجور الأتراك قد نهكتهم الْحَرْب الْوَاقِعَة بَينهم وَبينهمْ على طول أَيَّامهَا قَالَ السَّيِّد عَامر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَامر الشَّهِيد في بغية المريد أن الإمام المترجم لَهُ مَاتَ وَمَعَهُ من أَنْوَاع الطيب مَا قِيمَته مائَة ألف أُوقِيَّة فضَّة وَذكر أَنه خلّف من النَّقْد وَالْعرُوض مَا لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر وَخلف من الطَّعَام ثَلَاث مائَة ألف قدح صنعاني هَذَا معنى مَا ذكره والامام مَا زَالَ يتنقل من مَكَان إلى مَكَان وَمن بلد إلى بلد وصحبته أكَابِر الْعلمَاء وطلبة الْعلم يَأْخُذُونَ عَنهُ مَا يُرِيدُونَ وَهُوَ يبْذل لَهُم ذَلِك وَيفِيض عَلَيْهِم من بيُوت الْأَمْوَال مَا يَحْتَاجُونَ إليه وَكَانَ الْغَالِب بَقَاؤُهُ في ضوران وَمَا زَالَ على هَذَا الْحَال الْجَمِيل والعيش الْحسن وَقد دخل تَحت طَاعَته السلاطين من يافع وحضرموت وعدن وظفار وعير هَذِه الديار فَمنهمْ من وَفد رَاغِبًا وَمِنْهُم من وَفد رَاهِبًا وَمِنْهُم من وصل اسيرا وجيوش الامام تقَاتل فى الاطراف دَائِما وَمن جملَة من والى الامام وَتَابعه الشريف صَاحب مَكَّة وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفي فِي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الآخرة سنة 1087 سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَله جوابات مسَائِل سَأَلَهُ بهَا عُلَمَاء عصره وهي كَثِيرَة جداً مُتَفَرِّقَة بأيدي النَّاس لَو جمعت لجاءت مجلدا وَلِلنَّاسِ عَلَيْهَا اعْتِمَاد كَبِير لَا سِيمَا الْحُكَّام
(93) السَّيِّد اسماعيل بن على بن حسن بن أَحْمد بن حميد الدَّين بن مطهر بن الإمام شرف الدَّين
ولد فِي سنة 1133 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وماية وألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا
(1/149)

فَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيانها مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَالسَّيِّد يُوسُف العجمي وَجَمَاعَة آخرين في علم الْعَرَبيَّة وَغَيره ودرس وَأفَاد وَهُوَ من السَّادة القادة النجباء الكملاء والعقلاء وَفِيه مُرُوءَة وفتوة وَحسن أَخْلَاق وملاحة محاضرة وجودة بادرة وَحفظ الْأَخْبَار النادرة والأشعار الرائقة وَقد مَال إليه مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فَصَارَ يَدعُوهُ إلى مقَامه في كثير من الْأَوْقَات ويجالسه وَكَثِيرًا مَا يَقع الِاجْتِمَاع بيني وَبَينه هُنَالك أما في يَوْم الْجُمُعَة للحضور عِنْد الْخَلِيفَة حفظه الله للعشاء والقهوة فعلى سَبِيل الِاسْتِمْرَار ويجري بَيْننَا هُنَالك من المذاكرات الأدبية والعلمية مَا تشنف الأسماع وَهُوَ يُورد مَا يُطَابق الْمقَام ويوافق مُقْتَضى الْحَال ويبحث معي في كثير من الْمعَانى الدقيقة والطرائق الرقيقة وَالْأَخْبَار الرشيقة وَفِيه من سمو الهمة عزة النَّفس مَا لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره لاسيما في مثل هَذِه المواطن الَّتِى يظْهر فِيهَا جَوَاهِر الرِّجَال فإني لم أسمع مِنْهُ على طول مُدَّة اجتماعي بِهِ هُنَالك كلمة مؤذنة بالخضوع لمطلب من مطَالب الدُّنْيَا الدُّنْيَا لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا بل يستطرد فِي كَلَامه قصصاً ووقائع فِيهَا مواعظ لَهَا وَقع في الْقُلُوب قَاصِدا بذلك التَّعَرُّض للثَّواب الأخروي وَقد صَار حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَهُوَ سنة 1213 في ثَمَانِينَ سنة وَله نشاط تَامّ إلى الْحَرَكَة وركوب الْخَيل الَّتِى يهاب ركُوبهَا أَكثر الشَّبَاب فإن مَوْلَانَا حفظه الله يركبه على خيله الْمعدة لركوبه عَلَيْهَا في كثير من الْحَالَات وَلم ينقص شئ من حواسه الظَّاهِرَة والباطنة إِلَّا مُجَرّد ثقل يسير فِي سَمعه وَهُوَ مواظب على الطَّاعَات يعين الضُّعَفَاء بِمَا يقدر عَلَيْهِ من ملكه أَو بالشفاعة ثمَّ مَاتَ
(1/150)

رَحمَه الله في شهر شَوَّال سنة 1215 خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَولده علي لَهُ شغلة بِالْعلمِ كَبِيرَة وعناية تَامَّة قَرَأَ فِي الآلات على أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر ورافقني فِي قِرَاءَة الْكَشَّاف والعضد والمطول وحواشي هَذِه الْكتب على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَهُوَ الآن مكب على الطلب ملازم لمعالي الرتب وَله قِرَاءَة على السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن أسمعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَرُبمَا قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الطّلبَة في الآلات وَله من حسن الْأَخْلَاق ولطافة الطَّبْع وبشاشة الْوَجْه للخاص وَالْعَام مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذَا مناهز للخمسين وَأخْبر لي أَن مولده في سنة 1166 سِتّ وَسِتِّينَ وماية وَألف وَولده حسن بن على ين إسماعيل قد صَار من الطّلبَة المستفيدين لَهُ اشْتِغَال بالفقه وَعلم الْعَرَبيَّة وَسَائِر الْعُلُوم وَهُوَ كأبيه وجده في حسن الْأَخْلَاق واللطافة والظرافة وَمَات رَحمَه الله في سنة 1215 خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قبل موت جده بأشهر وَهُوَ فى عنفوان شبابه
(94) اسمعيل بن علي بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب
الْملك الْمُؤَيد صَاحب حماه ولد سنة 672 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة وَأمره النَّاصِر فخدمه لما كَانَ بالكرك فَبَالغ فَلَمَّا عَاد النَّاصِر إلى السلطنة وعده بسلطنة حماه ثمَّ سلطنه بهَا يفعل فِيهَا مَا يَشَاء من إقطاع وَغير ذَلِك وَلَا يُؤمر وَلَا ينْهَى أركبه النَّاصِر شعار الملكة والسلطنة وَمَشى في خدمته أكَابِر أُمَرَاء النَّاصِر فَمن بعدهمْ وَاسْتقر بحماه ثمَّ قدم إلى مصر على السُّلْطَان النَّاصِر فِي سنة 716 فَبَالغ السُّلْطَان في إكرامه ثمَّ قدم مرة أُخْرَى فحج مَعَ السُّلْطَان سنة 719 فَلَمَّا عَاد عظم فى عين السُّلْطَان
(1/151)

لما رَآهُ من آدابه وفضائله وَألبسهُ بعد الْعود شعار السلطنة وَبَين يَدَيْهِ جَمِيع خَواص النَّاصِر وَسَائِر النَّاس وَمَشى السلحدار بِالسِّلَاحِ والدويدار الْكَبِير بالدواة والغاشية والعصايب وَجَمِيع دست السُّلْطَان بَين يَدَيْهِ وَكَانَ جملَة مَا وصل إلى أهل الدولة بِسَبَبِهِ في هَذَا الْيَوْم مائَة وَثَلَاثِينَ تَشْرِيفًا مِنْهَا ثلَاثه عشر أطلس وَكَانَ يزور السُّلْطَان فِي كل سنة غَالِبا وَمَعَهُ الْهَدَايَا والتحف وَأمر السُّلْطَان جَمِيع النواب أَن يكتبو اليه يقبل الأَرْض وَهَذَا لفظ يخْتَص بالسلطان الْأَعْظَم وَكَانَ النَّاصِر نَفسه يكْتب إليه ذَلِك وَكَانَ جواداً شجاعاً عَالما بفنون عدَّة لاسيما الْأَدَب فَلهُ فِيهِ يَد طولى نظم الحاوي فِي الْفِقْه وصنف تَارِيخه الْمَشْهُور ونظم الشّعْر والموشحات وَكَانَ لَهُ معرفَة بِعلم الْهَيْئَة قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر الكامنة وَلَا أعرف فِي اُحْدُ من الْمُلُوك من المدايح مالابن نَبَاته والشهاب مَحْمُود وَغَيرهمَا فِيهِ إلا سيف الدولة وَقد مدح النَّاس غَيرهمَا من الْمُلُوك لَكِن اجتمع لهذين من الْكَثْرَة والإجادة من الفحول مالم يتَّفق لغَيْرِهِمَا وَكَانَ يحب أهل الْعلم ويقربهم وَكَانَ لِابْنِ نَبَاته عَلَيْهِ راتب في كل سنة يصل إليه سوى مَا يتحفه بِهِ إذا قدم عَلَيْهِ وَكَانَ النَّاصِر يكْتب إليه اعز الله أنصار الْمقَام الشريف العالي السلطاني الملكى المؤيدى وَهَذَا وَهُوَ نَائِب من نوابه وَكَانَ نَائِب النَّاصِر في الشَّام وَهُوَ أكبر النواب يكْتب إلى صَاحب التَّرْجَمَة يقبل الأَرْض وَأما غير نَائِب الشَّام فَيكْتب إليه يقبل الأَرْض وَينْهى وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ في شهر محرم سنة 732 وَمن نظمه
(أحسن بِهِ طرفاً أفوت بِهِ القضا ... إن رمته فِي مطلب أَو مهرب)
(مثل الغزالة مَا بَدَت في مشرق ... إلا بَدَت أنوارها في الْمغرب)
(1/152)

(95) عماد الدَّين اسمعيل بن عمر بن كثير البصروي الأصل الدمشقي الشافعي
ولد بقرية من أَعمال مَدِينَة بصرى سنة 701 ثمَّ انْتقل إلى دمشق سنة سِتّ وَسَبْعمائة وتفقه بالشيخ برهَان الدَّين الفرارى وَغَيره وَسمع من الْقَاسِم بن عَسَاكِر والمزي وَغَيرهمَا وبرع في الْفِقْه وَالتَّفْسِير والنحو وأمعن النظر في الرِّجَال والعلل وَمن جملَة مشايخه شيخ الاسلام تقى الدَّين ابْن تَيْمِية ولازمه وأحبه حبا عَظِيما كَمَا ذكر معنى هَذَا ابْن حجر في الدُّرَر وأفتى ودرّس وَله تصانيف مفيدة مِنْهَا التَّفْسِير الْمَشْهُور وَهُوَ فِي مجلدات وَقد جمع فِيهِ فأوعى وَنقل الْمذَاهب والأخبار والْآثَار وَتكلم بِأَحْسَن كَلَام وأنفسه وَهُوَ من أحسن التفاسير إن لم يكن أحْسنهَا وَمن مصنفاته كتاب التَّكْمِيل فِي معرفَة الثقاة والضعفاء والمجاهيل فِي خَمْسَة مجلدات وَكتاب الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة فى أَرْبَعَة وَخمسين جزأ وَكتاب الْهدى وَالسّنَن فى أَحَادِيث المسانيد وَالسّنَن جمع فِيهِ بَين مُسْند الامام أَحْمد وَالْبَزَّار وأبي يعلى وَابْن أَبى شيبَة إلى الْكتب السِّتَّة وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور وَقد انْتفع النَّاس بمصنفاته وَلَا سِيمَا التَّفْسِير مَاتَ فى شعْبَان سنة 774
(96) السَّيِّد اسمعيل بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة 1110 عشر وَمِائَة وَألف ونشأ بِمَدِينَة صنعاء وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير وبرع في الْعُلُوم لاسيما الْأُصُول وَشرح منظومة الكافل في الأصول لشيخه السَّيِّد
(1/153)

مُحَمَّد الْأَمِير شرحاً حافلاً في مجلدين جَاءَ فِيهِ بِمَا فِي المطولات من الْفَوَائِد وَكَانَ من جملَة من خرج مَعَ وَالِده أَيَّام وُقُوع الْمُنَازعَة بَينه وَبَين الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن الإمام المهدي واعتقله الْمَنْصُور ثمَّ أفرج عَنهُ الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَله نظم فائق فَمِنْهُ
(طَال النَّوَى شهراً فشهراً ... حَتَّى قطعت الدَّهْر هجرا)
(هجراً طَويلا لم أطق ... لزمانه عداً وحصرا)
(ياهند رقى للَّذي ... أضرمت فى أحشاه جمرا)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَمِنْه
(لَا وخمر في الشفات ... أسكرت بالرشفات)
(ولآل من ثغور ... في عقيق من شفات)
(وغصون من قدود ... بنهود مثمرات)
(ورياض في خدود ... زاهيات ناعمات)
وهى أَبْيَات من قصيدة كتب بهَا الى السَّيِّد الْعَلامَة اسحق بن يُوسُف وأجابه بِأَبْيَات أَولهَا
(اسمعوا عَن زفراتي ... فهي في الْحبّ رواتي)
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة رسائل نفيسة وأبحاث شريفة وقفنا على بَعْضهَا عِنْد وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن اسمعيل وستأتى تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة رَئِيسا كَبِيرا وعالماً شهيراً وأشعاره كَثِيرَة فِي غَايَة الرقة والانسجام وَله ماجريات لَا يَتَّسِع لَهَا الْمقَام وَمَات فِي شهر ذي الْقعدَة سنة 1164 أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
(1/154)

(97) السَّيِّد اسمعيل بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الرئيس الْمَشْهُور المؤرخ الأديب مؤلف سمط اللآل في شعراء الْآل وَهُوَ كتاب ترْجم فِيهِ لكل من شعر من العلوية وَلم يحط بمشاهيرهم فضلاً عَن أهل الخمول مِنْهُم وَلَكِن في الْجُمْلَة كتاب مُفِيد قيل إِنَّه أنكر عَلَيْهِ الإمام المتَوَكل على الله إكثاره من الشّعْر فَجمع هَذَا الْكتاب وَجعله كالرد عَلَيْهِ وَمن شعره
(غطى على خَدّه بكم ... فَأشبه الْورْد في الكمايم)
(وَقَالَ لي ناطقاً بِصَوْت ... كَأَنَّهُ ساجع الحمايم)
(أخْشَى من الْعين قلت مهلا ... عَيْنَاك يامنيتى تمايم)
وشعره كثير غالبه الْجَوْدَة ومدحه كثير من الشُّعَرَاء وَمَات سنة 1111 إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَألف بِبَيْت الْفَقِيه الزيدية
(98) السَّيِّد اسمعيل بن هادي الْمُفْتى الصنعاني
أَخذ الْعلم عَن الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال مرافقا لشَيْخِنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَأخذ الْعلم أَيْضا عَن جمَاعَة من أَعْيَان عصره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر وَكَانَ يدرس فِي جَمِيع الْفُنُون بِمَسْجِد الفليحي بِصَنْعَاء وَهُوَ قرين شَيخنَا المغربى فى الطّلب
(1/155)

والتدريس وَمَا زَالَ على ذَلِك حَتَّى توفي فِي شهر رَجَب سنة 1198 ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَألف ورثاه تِلْمِيذه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن علي بن المتَوَكل على الله اسمعيل بقصيدة فائقة مطْلعهَا
(ياله فادحٌ ألم وخطب ... مِنْهُ كَادَت شمّ الْجبَال تمور)
(99) اسمعيل بن يحيى بن حسن الصديق الصعدي ثمَّ الذمّاري ثمَّ الصنعاني
ولد بعد سنة 1130 بذمار وَطلب الْعلم هُنَالك فَقَرَأَ الْفِقْه على الْحسن ابْن أَحْمد الشبيبي فبرع فِيهِ وَصَارَ محققاً للأزهار وَشَرحه ولبيان ابْن مظفر وَكَانَ وَالِده قَاضِيا فى حُبَيْش ثمَّ تولى هَذَا الْقَضَاء في أَيَّام صغره بذمار من جملَة حكام السَّبِيل ثمَّ ولي قَضَاء حُبَيْش مَكَان وَالِده في حَيَاته ثمَّ عزل فَعَاد إلى صنعاء وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء كالفقيه الْعَلامَة إبراهيم خَالِد وَقَرَأَ أَيْضا على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير فِي الحَدِيث وشارك في غير الْفِقْه مُشَاركَة لَطِيفَة ثمَّ جعله الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن من جملَة حكامه بِصَنْعَاء وعظمه وأجلّه وركن عَلَيْهِ فِي أمور كَثِيرَة مِنْهَا تَركه وَالِده فإنه جعلهَا بنظره وَكَانَ لَهُ أبهة عَظِيمَة وجلالة فِي الصُّدُور وتبحّر في الْفِقْه وتقعر فِي الْعبارَات مَعَ سكينَة ووقار ومحافظة على ناموس الْقَضَاء وملازمة لما يجلب الهيبة وَالْعَظَمَة في صُدُور الْعَامَّة من لبس الثِّيَاب الفاخرة وَعدم التزيد في الْكَلَام وَترك مَا لَا ينْهض بِهِ من الامور مَخَافَة ان يعجز عَنهُ بعد ظُهُوره فَيكون عَلَيْهِ في ذَلِك وصمة كَمَا كَانَ يَقع بَينه وَبَين الْحَاكِم الْأَكْبَر الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي فإنهما قد يتعارضان في أَمر فيدع صَاحب التَّرْجَمَة التصميم على مَا يظْهر لَهُ مَخَافَة أَن يتم غير
(1/156)

كَلَامه وَكَانَ إذا وَفد عَلَيْهِ من لَهُ خبْرَة بِعلم الْفِقْه أورد عَلَيْهِ مسَائِل قد حفظهَا من علم الأصول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وإذا وَفد عَلَيْهِ من يعرف عُلُوم الِاجْتِهَاد أَو بَعْضهَا أورد عَلَيْهِ مسَائِل من دقائق الْفِقْه فيظن الْفَقِيه أنه مبرز في غير الْفِقْه ويظن غَيره الْعَكْس من ذَلِك فتولد لَهُ من هَذَا عَظمَة فِي الصُّدُور كَبِيرَة وَكَانَ كثيراً مَا يسْتَخْرج رايات شريفة إمامية لجَماعَة من أهل الْعلم الَّذين يلازمون حَضرته بأنهم يقضون بَين النَّاس ويقبضون مِنْهُم أجرتهم الَّتِى يستحقونها وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة من الْقُضَاة فَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ حَاكم السَّبِيل فِي الْعرف أي لَا تَقْرِير لَهُ من بَيت المَال فَكَانَ مثل هَذَا أَيْضا من مُوجبَات تَعْظِيمه وَالْحَاصِل أنه كَانَ صَدرا من الصُّدُور عَظِيم الهمة شرِيف النَّفس كَبِير الْقدر نَافِذ الْكَلِمَة لَهُ دنيا وَاسِعَة وأملاك جليلة أصلها من فضلات رزقه عِنْد تَوليته قَضَاء حُبَيْش فإنه كَانَ يشتري بِمَا فضل لَهُ أَرضًا للزَّرْع ثمَّ تكاثرت تِلْكَ الأرض وَكَانَ يكْتَسب بِمَا فضل من غلاتها ثمَّ تضاعفت غَايَة المضاعفة وَصَارَ من الْمَشْهُورين بِكَثْرَة الْأَمْلَاك وَكَانَ يَجْعَل ضيافات عَظِيمَة وَيجمع فِيهَا الْأَعْيَان والأكابر وَقد دعاني في أَيَّام طلبي للْعلم إلى بَيته مَرَّات وَيظْهر من التَّعْظِيم والآجلال مَالا يُوصف وَآخر ذَلِك قبيل مَوته بِنَحْوِ نصف سنة فإنه أضافني مُنْفَردا وَقد كَانَ اشْتغل جمَاعَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام بالحط على بِمَا يَقْتَضِيهِ اجتهادي فِي كثير من الْمسَائِل كَمَا هُوَ دأب الْيمن وَأَهله بل دأب جَمِيع الْمُقَصِّرِينَ مَعَ من يمشي مَعَ الدَّلِيل من الْعلمَاء فَقَالَ لي رَحمَه الله مَا مضمونه إن فِي التظهر بذلك فتْنَة وَذكر لي قضايا جرت مَعَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير شَاهدهَا وَعرفهَا وَمَا زَالَ يضْرب لي الْأَمْثَال بِكَلَام رصين
(1/157)

وخطاب متين من جملَته أَن السَّيِّد مُحَمَّد الْأَمِير قد عرفت مَا ناله من النَّاس من الْأَذَى بالْقَوْل وَالْفِعْل وَمَعَ ذَلِك فمعه الْوَزير فلَان والأمير فلَان وَفُلَان وَفُلَان يقومُونَ بنصره ويدفعون عَنهُ مَا يكره وَأَنت يَا وَلَدي قد انقبضت عَن النَّاس وعكفت على الْعلم وانجمعت عَن الأكابر ثمَّ إن السَّيِّد مُحَمَّد قد كَانَ عِنْد مُخَالفَته للنَّاس في سن عالية فِي أَوَاخِر عمره وَأَنت فى عنفوان الشَّبَاب فقد لاتحتمل النَّاس مِنْك مَا كَانُوا يحْتَملُونَ مِنْهُ وَأطَال معي في هَذَا الشَّأْن رَحمَه الله وَمَا زَالَ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع شهر صفر سنة 1209 تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف وَله شرح على مُقَدّمَة بَيَان ابْن مظفر وَشرع فِي شرح الْمسَائِل المرتضاة للإمام المتَوَكل على الله وَلم يكمل ورسالة فِي الْبَسْمَلَة وَولده يُوسُف بن اسمعيل أصلح أَوْلَاده بعده جعل الْخَلِيفَة مَوْلَانَا الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله إليه مَا كَانَ إلى وَالِده من الْقَضَاء وَغَيره وَهُوَ الْآن قَائِم بذلك أتمّ قيام على طَريقَة حَسَنَة مَعَ عفة ونزاهة وَله قِرَاءَة عليّ فِي أَوَائِل بَيَان ابْن مظفر
(100) أَمِير كَاتب بن أَمِير عمر ابْن العميد ابْن الأتقاني الحنفي
ولد في شَوَّال سنة 695 خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة واشتغل ببلاده وَمهر وَتقدم وَقدم دمشق في سنة 720 ودرس وناظر وَظَهَرت فضائله وَدخل مصر ثمَّ رَجَعَ فَدخل بَغْدَاد وَولى قضاءها ثمَّ قدم دمشق نَائِبا فِي سنة 747 وَولى بهَا تدريس دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة بعد وَفَاة الذهبى وَتكلم فِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع وَادّعى بطلَان صَلَاة من فعل ذَلِك وصنف فِيهِ مصنفاً رد عَلَيْهِ السبكي وَفَارق دمشق وَدخل الديار المصرية سنة 751 فَأقبل عَلَيْهِ بعض أمرائها وعظّمه وَجعله شَيخا
(1/158)

لمدرسة بناها ونظّم فِي ذَلِك قصيدة مدحه بهَا وَكَانَ ذَلِك في جُمَادَى الأولى سنة 757 وَكَانَ معادياً للشَّافِعِيَّة كثير الْحَط على عُلَمَائهمْ وَفِيه تيه زَائِد وَكبر شَدِيد وبأو عَظِيم وتعصب لنَفسِهِ جداً قَالَ فِي بعض مصنفاته مَا لَفظه لَو كَانَ الأسلاف في الْحَيَاة لقَالَ أَبُو حنيفَة اجتهدت ولقال أَبُو يُوسُف نَار الْبَيَان أوقدت ولقال مُحَمَّد أَحْسَنت وَاسْتمرّ هَكَذَا حَتَّى سرد غَالب أَعْيَان الْحَنَفِيَّة وَشرح الْهِدَايَة شرحاً حافلاً وَادّعى أَن بَينه وَبَين الزمخشري رجلَيْنِ فَقَط وَأنكر عَلَيْهِ ذَلِك وَمَات في حادي عشر شَوَّال سنة 758 ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة
(101) السَّيِّد أَمِير الدَّين بن عبد الله بن نهشل
ابْن المطهر بن أَحْمد بن عبد الله بن عز الدَّين بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن الإمام المطهّر بن يحيى هُوَ أحد عُلَمَاء الزيدية الْمَشَاهِير قَرَأَ على الإمام شرف الدَّين وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ سَاكِنا بِهِجْرَة حوث وَمَات بهَا فى يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1029 تسع وَعشْرين وَألف
(102) أَيمن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أربعة عشر أَبَا فِي نسق وَاحِد قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر لم يُوجد لَهُ نَظِير فِي ذَلِك إن كَانَ ثَابتا ولد بتونس ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَكَانَ كثير الهجاء والوقيعة ثمَّ قدم الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فجاور بهَا وَتَابَ وَالْتزم أَن يمدح النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم خَاصَّة إلى أَن يَمُوت فوفى بذلك وَأَرَادَ الرحلة عَن الْمَدِينَة فَذكر أَنه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم
(1/159)

في النوم فَقَالَ يَا أَبَا البركات كَيفَ ترْضى بفراقنا فَترك الرحيل وَأقَام بِالْمَدِينَةِ إلى أَن مَاتَ وسمى نَفسه عاشق النبي وَذكر أَن صَاحب تونس بعث اليه يطْلب مِنْهُ الْعود إلى بَلَده ويرغبه فِيهِ فَأجَاب أَنى لَو أَعْطَيْت ملك الْمغرب والمشرق لم أَرغب عَن جوَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فَذكر أَنه رأى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأطعمه ثَلَاث لقمات قَالَ وَقَالَ لي كلَاما لَا أقوله لَاحَدَّ غير أَن في آخره وَاعْلَم أنّي عَنْك رَاض فَعمل قصيدة مِنْهَا
(فَرَرْت من الدُّنْيَا إلى سَاكن الْحمى ... فرار محب عَائِذ بحبيبه)
(لجأت إلى هَذَا الجناب وانما ... لجأت الى سامى الْعباد رحيبه)
قَالَ ابْن فضل الله وَذكر أَبُو البركات أَنه رأى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فَأَنْشد بَين يَدَيْهِ هَذَا الْبَيْت
(لولاك لم أدر الْهوى ... لولاك لم أدر الطَّرِيق)
مَاتَ في سنة 734 أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
حرف الْبَاء الْمُوَحدَة
(103) بايزيد خَان بن مُرَاد بن أورخان ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَمَا إليها
ولد سنة 748 ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَجلسَ على التخت سنة 792 وَفتح كثيراً من بِلَاد النَّصَارَى وقلاعهم وَاسْتولى على من كَانَ بالروم من مُلُوك الطوائف وَخرج عَلَيْهِ تيمورلنك إلى بِلَاده وَكَانَ قد لقِيه بِجَيْش الروم وَفِيهِمْ طَائِفَة من التتار فخدع تيمور من كَانَ مَعَ صَاحب التَّرْجَمَة من التتار فمالوا اليه فقاتل هُوَ وَمن مَعَه قتالاً شَدِيدا وَكَانَ شجاعاً فَمَا زَالَ
(1/160)

يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى كَاد يصل إلى تيمور فرموا عَلَيْهِ بساطاً وأمسكوه وحبسوه فَمَاتَ كمداً في الْأسر سنة 805 خمس وثمان مائَة
(104) بايزيد خَان بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن مُحَمَّد بن بايزيد
الْمَذْكُور قبله ولد سنة 855 خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَجلسَ على التخت بعد وَالِده سنة 886 وعظمت سلطنته وافتتح عدَّة قلاع لِلنَّصَارَى وَخرج عَلَيْهِ أَخُوهُ جم فَانْهَزَمَ من صَاحب التَّرْجَمَة لما وَقع المصاف وفرّ إلى بِلَاد النَّصَارَى فَأرْسل إليه حلاقاً مَعَه سم فَمَا زَالَ يتَقرَّب إلى جم حَتَّى اتَّصل بِهِ وَحلق لَهُ بسكين مَسْمُومَة وهرب فسرى السم وَمَات وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد سُلْطَانا مُجَاهدًا مثاغرا مرابطاً محباً لأهل الْعلم محسناً إليهم وَمَات سنة 918 ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة وفي أَيَّامه ظهر شاه اسمعيل الآتي ذكره وَكَانَ الْحَرْب بَينه وَبَين السُّلْطَان سليم ابْن صَاحب الترجمة كَمَا سيأتي تَحْقِيقه بعد أَن غلب سليم على السلطنة وَأَخذهَا من وَالِده كَمَا سيأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(105) برسباي الدقماقي الظّاهري البرقوقي الْملك الْأَشْرَف
اشْتَرَاهُ برقوق ثمَّ أعْتقهُ وَاسْتمرّ في خدمَة ابْنه النَّاصِر ثمَّ صَار مَعَ الْمُؤَيد بعد قتل النَّاصِر وَحضر مَعَه إلى مصر فولاه نِيَابَة طرابلس ثمَّ غضب عَلَيْهِ فاعتقله فَلَمَّا دخل ططر الشَّام بعد الْمُؤَيد استصحبه إلى الْقَاهِرَة وَقَررهُ دواداراً كَبِيرا فَلَمَّا اسْتَقر ابْنه الصَّالح مُحَمَّد كَانَ نَائِبا عَنهُ في التَّكَلُّم مُدَّة أشهر إلى أَن أجمع الرأي على خلعه وسلطنة صَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ في ثامن ربيع الآخر سنة 825 وأذعن الْأُمَرَاء والنواب لذَلِك وساس الْملك ونالته السَّعَادَة ودانت لَهُ الْبِلَاد وأهلها وَفتحت فِي أَيَّامه
(1/161)

بِلَاد كَثِيرَة من غير قتال وَاسْتمرّ إلى أن مَاتَ في عصر يَوْم السبت ثَالِث عشر ذي الْحجَّة سنة 841 إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة وعهد إلى ابْنه الْعَزِيز بالسلطنة وَأَن يكون الأتابك جقمق نظام المملكة وَكثر تزاحم النَّاس عَلَيْهِ وَكَانَت أَيَّامه هُدُوا وسكونا وَلكنه كَانَ مَوْصُوفا بالشح وَالْبخل والطمع مَعَ الْجُبْن والخور وَكَثْرَة التلون وَسُرْعَة الْحَرَكَة والتقلب فِي الأمور وَشَمل بِلَاد مصر وَالشَّام الخراب وَقلت الأموال بهَا وافتقر النَّاس وسائت سيرة الْحُكَّام والولاة مَعَ بُلُوغ آماله ونيل أغراضه وقهر أعاديه وقتلهم بيد غَيره وَله مآثر في أَرض مصر عَظِيمَة مِنْهَا الْمدرسَة المنسوبة إليه ومدحه بعض الْعلمَاء بتوسيعه على الطّلبَة فَوق مَا كَانَ يَفْعَله من قبله فَقَالَ السَّبَب إن من تقدم من الْفُقَهَاء لم يَكُونُوا يوافقون الْمُلُوك على أغراضهم فَلم يسمحوا لَهُم بِكَثِير أَمر وَأما فُقَهَاء زَمَاننَا فهم لأجل كَونهم في قبضتنا وطوع أمرنَا نسمح لَهُم بِهَذَا النزر الْيَسِير قَالَ السخاوي وَهَذَا كَانَ إِذْ ذَاك وإلا فالآن مَعَ موافقتهم لَهُم في إشاراتهم فضلاً عَن عباراتهم لَا يعطونهم شَيْئا بل يتلفتون لما بِأَيْدِيهِم ويحسدونهم على الْيَسِير انْتهى
(106) برقوق الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد الجركسي
واسْمه الطنبغا وَلكنه سمي بذلك الِاسْم لنتوء فِي عَيْنَيْهِ كَأَنَّهُمَا البرقوق كَانَ مَمْلُوكا لرجل يُقَال لَهُ الخواجة عُثْمَان ثمَّ ملكه الْأَشْرَف شعْبَان فَلَمَّا قتل ترقى إلى أَن صَار أَمِير أَرْبَعِينَ ثمَّ مَا زَالَ يترقى حَتَّى قبض على بعض الْأُمَرَاء الْكِبَار وَتَوَلَّى التَّدْبِير للدولة مَكَانَهُ ثمَّ حصل التنافس بَينه وَبَين أَمِير يُقَال لَهُ بركه وَوَقع بَينهمَا حَرْب وَكَانَ الغلب لبرقوق فَقبض على
(1/162)

بركه وسجنه ثمَّ مَا زَالَ يعْمل فِي توليه للسلطنة اسْتِقْلَالا وخلع مخدومه الصَّالح حاجي إلى أَن اسْتَقل في رَمَضَان سنة 784 فَجَلَسَ على التخت ولقب بِالظَّاهِرِ وَبَايَعَهُ الْخَلِيفَة والقضاة والأمراء فَمن دونهم وخلعوا الصَّالح بن الْأَشْرَف وأدخلوه إلى دور أَهله بالقلعة فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بِمدَّة خرج جمَاعَة من الْأُمَرَاء على برقوق فبرز إليهم فتسلل من مَعَه وخذلوه فتغيب حِينَئِذٍ واختفى في دَار بِقرب الْمدرسَة الشيخونية ظَاهر الْقَاهِرَة ثمَّ إن الْأُمَرَاء أعادوا الصَّالح إلى المملكة ولقب بالمنصور وَصَارَ يلبغا الناصري أتابكاً لَهُ وَأَرَادَ منطاش قتل برقوق فَلم يُوَافقهُ الناصري بل شيّعه إلى الكرك وسجنه بهَا ثمَّ بعد ذَلِك ثار منطاش على الناصري فحاربه إلى أَن قبض عَلَيْهِ وسجنه بالإسكندرية واستقل منطاش بِالتَّدْبِيرِ وَكَانَ أهوج فَلم يَنْتَظِم لَهُ أَمر وانتقضت عَلَيْهِ الْأَطْرَاف فَجمع العساكر وَخرج إلى جِهَة الشَّام فاتفق خُرُوج برقوق من الكرك وانضم إليه جمع قَلِيل فَالْتَقوا بمنطاش فانكسر إِلَى جِهَة الشَّام فاستولى الظَّاهِر برقوق على جَمِيع الأثقال وَفِيهِمْ الْخَلِيفَة والقضاة وأتباعهم فساقهم إلى الْقَاهِرَة واستقرت قدمه في الْملك وَأعَاد الصَّالح بن الأشرف إلى مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ كل ذَلِك فِي أَوَائِل سنة 792 ثمَّ جمع العساكر وَتوجه إلى الشَّام لمحاربة منطاش فحصرها وهرع إليه الأمراء وتعصب الشاميون لمنطاش فَمَا أَفَادَ بل انهزم منطاش بعد أَن دَامَت الْحَرْب بَينهمَا مُدَّة وثبث برقوق في الْملك إلى أَن مَاتَ سنة 801 إحدى وثمان مائَة وعهد بالسلطنة لوَلَده فرج وَله يَوْمئِذٍ تسع سِنِين واستحلف القاضي الشافعي فَحلف لَهُ وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَة وَجَمِيع الأمراء وَكَانَت مُدَّة اسْتِقْلَال برقوق
(1/163)

بالمملكة من غير مشارك تسع عشرَة سنة وَمن آثاره الْمدرسَة الَّتِى عمرها بَين القصرين وَكَانَ شجاعاً ذكياً خَبِيرا بالأمور حازماً مهاباً فإن تيمورلنك لم يقدر على التَّقَدُّم على مصر فِي سلطنته لما بلغه عَنهُ من الحزم والعزم والشدة وَالْقُوَّة وَلما بلغه موت برقوق أعْطى من بشره مبلغاً من المَال كثيرا وَحصل مَعَه الطمع فِي أَخذ مصر فَدفع الله عَنْهَا كَمَا سيأتي بَيَان ذَلِك في تَرْجَمته إن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ برقوق أول من أَخذ الْبَذْل على الولايات حَتَّى وَظِيفَة الْقَضَاء وَسَائِر الْوَظَائِف الدِّينِيَّة وَهُوَ أول مُلُوك الجراكسة في مصر
(107) أَبُو بكر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر بن لَعَلَّه ذُؤَيْب شرف الْمَعْرُوف تنكر بِابْن قاضي شهبة الدمشقي الشافعي
ولد سنة 779 تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسراج البلقيني وطبقته وَله مصنفات مِنْهَا الذيل على تَارِيخ ابْن حجر وطبقات الشَّافِعِيَّة وَشرح الْمِنْهَاج إلى الْخلْع في أَربع مجلدات وَشرح التَّنْبِيه وَله التَّارِيخ الْكَبِير من سنة 200 إلى 792 وَله ذيل على تَارِيخ الذهبي في ثَمَان مجلدات وَمَات عَاشر ذي الْقعدَة سنة 851 إحدى وَخمسين وثمان مائَة
(108) أَبُو بكر بن على بن عبد الله التقي الحموي الإزراري الْمَعْرُوف بِابْن حجَّة
قَالَ السّخاوي بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة ولد تَقْرِيبًا سنة 767 سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بحماه وَنَشَأ بهَا وَأخذ فنوناً من الْعلم ومعاني الأدب وارتحل إلى الشَّام ومصر ومدح الأكابر ثمَّ عَاد إلى بِلَاده وَدخل الْقَاهِرَة فِي الايام
(1/164)

المؤيدية فَعظم أمره وَتَوَلَّى كِتَابَة الإنشاء ثمَّ توقف أمره فَعَاد إلى بِلَاده فَأَقَامَ بهَا ملازماً للْعلم وَالْأَدب إلى أَن مَاتَ وَله يَد طولى في النظم والنثر مَعَ زهو وإعجاب وَقد يأتي في نظمه بِمَا هُوَ حسن وَبِمَا هُوَ في غَايَة الركة والتكلف وَمَعَ ذَلِك فيفضله على ماهو من أشعار غَيره في السَّمَاء وَهُوَ في الأرض كَمَا يفعل ذَلِك في شرح بديعته الْمَشْهُورَة بأيدي النَّاس وَهُوَ من أحسن تصانيفه وَمِنْهَا بُلُوغ المرام من سيرة ابْن هِشَام وَالرَّوْض الْأنف والأعلام وأمان الْخَائِفِينَ من أمة سيد الْمُرْسلين وبلوغ المُرَاد من الْحَيَوَان والنبات والجماد في مجلدين وبروق الغبث على الْغَيْث الذى انسجم وكشف اللثام عَن وَجه التورية والاستخدام وقهوة الإنشاء في مجلدين جمع فِيهِ مَا أنشأه عَن الْمُلُوك وتأهل الْغَرِيب فِي أَربع مجلدات وَغير ذَلِك من المصنفات وشعره كثير وبسبب عجبه وتيهه هجاه كثير من معاصريه بمقاطيع مقذعة وَزَاد في التحامل عَلَيْهِ النواجي الآتي ذكره إِن شَاءَ الله حَتَّى صنّف كتاباً سَمَّاهُ الْحجَّة في سرقات ابْن حجَّة رَأَيْته فِي مُجَلد لطيف تكلف فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف وشعره مَشْهُور قد ذكر مِنْهُ في شرح بديعته كثيراً وَذكر أَيْضا فِيهِ بَعْضًا من نثره وَهُوَ أحسن من نظمه وَمَات فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شعْبَان سنة 837 سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
(1/165)

(109) أَبُو بكر بن علي الْحداد الزبيدي الحنفي
قَرَأَ على وَالِده وعَلى على بن نوح وعَلى علي بن عمر العلوي وبرع في أَنْوَاع من الْعلم واشتهر ذكره وطار صيته وصنّف مصنّفات في فقه الْحَنَفِيَّة مِنْهَا شرحان لمختصر القدوري صَغِير وكبير وَجمع تَفْسِيرا حسناً هُوَ الْآن مَشْهُور عِنْد النَّاس يسمونه تَفْسِير الْحداد وَله مصنفات كَثِيرَة تبلغ عشْرين مجلداً وَمَات سنة 800 ثَمَان مائَة بِمَدِينَة زبيد وَله زهد وورع وعفة وَعبادَة
(110) السَّيِّد أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن بن حريز
بمهملتين وَآخره زاي العلوي الحسيني الحصني ثمَّ الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بالتقي الحصني ولد سنة 752 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل عصره وبرع وقصده الطّلبَة وصنّف التصانيف كشرح التَّنْبِيه في خمس مجلدات وَشرح الْمِنْهَاج وَشرح صَحِيح مُسلم في ثَلَاث مجلدات وَشرح أَرْبَعِينَ النَّوَوِيّ فِي مُجَلد وَشرح مُخْتَصر أبي شُجَاع فِي مُجَلد وَشرح الْأَسْمَاء الْحسنى في مُجَلد وتلخيص مهمات الأسنوي في مجلدين وقواعد الْفِقْه فِي مجلدين وَله في التصوف مصنفات وَمَات لَيْلَة الْأَرْبَعَاء منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة 829 تسع وَعشْرين وثمان مائَة
111 - بيبرس العثماني الجاشنكير الْملك المظفر
كَانَ من مماليك الْمَنْصُور قلاون وترقى إلى أَن جعله أَمِير طبلخانة وَكَانَ أشقر اللَّوْن مستدير اللِّحْيَة مَوْصُوفا بِالْعقلِ التَّام وَالْفِقْه وَهُوَ من جملَة الأمراء الَّذين تعصبوا للناصر حَتَّى أقاموه في السلطنة وَبعد استقراره
(1/166)

صَار صَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر أمرائه وَولى الأستاذ دارية لَهُ ثمَّ قَامَ بنصرة النَّاصِر مرة أُخْرَى وَأَعَادَهُ إلى السلطنة وَصَارَ مُدبرا للملكة هُوَ وسلار فَكَانَ هَذَا الاستاذ دَار وسلار نَائِب السلطنة وَعظم قدره ثمَّ خرج لِلْحَجِّ بعد سنة 701 وَصَحبه كثير من الأمراء وَحج بِالنَّاسِ فَصنعَ من الْمَعْرُوف شَيْئا كثيراً وَمن محاسنه أَنه قلع المسمار الَّذِي كَانَ في وسط الْكَعْبَة وَكَانَ الْعَوام يسمونه سرة الدُّنْيَا وينبطح الْوَاحِد مِنْهُم على وَجهه وَيَضَع سرته مكشوفة عَلَيْهِ ويعتقد أَن من فعل ذَلِك عتق من النَّار وَكَانَ بِدعَة شنيعة وَكَذَلِكَ أَزَال الْحلقَة الَّتِى يسمونها العروة الوثقى وَهُوَ الَّذِي كَانَ السَّبَب في الْقيام على النَّصَارَى وَالْيَهُود حَتَّى منعُوا من ركُوب الْخَيل والملابس الفاخرة وَاسْتقر الْحَال على أَن النصراني يلبس الْعِمَامَة الزَّرْقَاء واليهودي يلبس الْعِمَامَة الصَّفْرَاء فِي جَمِيع الديار المصرية والشامية وَلَا يركب أحد مِنْهُم فرساً وَلَا يتظاهر بملبوس فاخر وَلَا يضاهى الْمُسلمين فى شئ من ذَلِك وصمم في ذَلِك بعد أَن بذلوا أَمْوَالًا كَثِيرَة فَامْتنعَ وضاق بهم الأمر جداً حَتَّى أسلم كثير مِنْهُم وهدمت في هَذِه الكائنة عدَّة كنايس وأبطل عيد الشَّهِيد وَهُوَ موسم من مواسم النَّصَارَى كَانَ يخرجُون إلى النيل فيلقون فِيهِ أصبعاً لبَعض من سلف مِنْهُم يَزْعمُونَ أَن النيل لَا يزِيد إلا إن وضع الأصبع فِيهِ وَكَانَ يحصل فِي ذَلِك الْعِيد من الْفُجُور وَالْفِسْق والمجاهرة بالمعاصي أَمر عَظِيم وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد غلب هُوَ وسلاّر على سلطنة النَّاصِر وَلم يبْق بِيَدِهِ إلا الِاسْم وَكَانَ يُبَالغ فِي التأدب مَعَ رَفِيقه سلار فَلَمَّا حجروا على النَّاصِر التَّصَرُّف فِي المملكة وَصَارَ مَعَهُمَا صُورَة بِلَا حَقِيقَة أظهر أَنه يُرِيد الْحَج ثمَّ خرج وَعدل من
(1/167)

الطَّرِيق إلى الكرك وَأرْسل إلى الأمراء بِمصْر بأنه قد ترك الْملك فاضطرب الأمراء عِنْد ذَلِك وَتَشَاوَرُوا فِي من يسْتَقرّ في السلطنة مَكَانَهُ فَحسن سلار لبيبرس أَن يتسلطن فَأَجَابَهُ إلى ذَلِك بعد تمنع كَبِير وَأَفْتَاهُ جمَاعَة من الْعلمَاء بِجَوَاز ذَلِك فتسلطن وتلقب بالمظفر وَكتب عَهده عَن الْخَلِيفَة وَركب بالعمامة المدورة والتقليد على رَأس الْوَزير وناب عَنهُ سلاّر على عَادَته وأطاعه أهل الشَّام وَذَلِكَ كُله فِي شهر شَوَّال سنة 708 وَيُقَال أن التشاريف الَّتِى أَعْطَاهَا الْأُمَرَاء وَغَيرهم كَانَت ألف تشريف وَمِائَتَيْنِ وأبطل ضَمَان الْخمر من طرابلس وَكَانَ ذَلِك من حَسَنَاته فَلَمَّا كَانَ وسط سنة 709 خامر عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وتوجهوا إلى النَّاصِر فَأَخَذُوهُ من الكرك فتوجهوا مَعَه إلى دمشق وَسَارُوا في عَسْكَر كثير فَلَمَّا تحقق حَرَكَة النَّاصِر جرد إليه عسكراً كثيراً فخامروا وانهزموا ثمَّ لم يُرْسل أحداً إلا خامر عَلَيْهِ حَتَّى صهره وزج ابْنَته وفي غُضُون ذَلِك زين بعض الْفُقَهَاء لبيبرس أَن يجدد لَهُ الْخَلِيفَة عهداً بالسلطنة فَفعل وَقَرَأَ ذَلِك وَأرْسل بنسخة إِلَى الْأُمَرَاء الخارجين عَلَيْهِ وَكَانَ أَوله (إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) فَلَمَّا قرئَ على كَبِيرهمْ قَالَ ولسليمان الريح وَأمر بِقِرَاءَة هَذَا الْعَهْد على المنابر يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا سَمعه الْعَامَّة صاحوا فَمنهمْ من يَقُول نصر الله النَّاصِر وَمِنْهُم من يَقُول يَا نَاصِر يَا مَنْصُور وَاتفقَ أَنه نصب أَمِيرا في شهر رَمَضَان ومروا بِهِ من وسط الْقَاهِرَة عَلَيْهِ الزِّينَة فَكَانَ الْعَامَّة يَقُولُونَ يافرحة لاتتم وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ جمَاعَة مِمَّن تَأَخّر مَعَه أَن يشْهد عَلَيْهِ بالنزول عَن السلطنة وَيتَوَجَّهُ إلى أطفيح ويكاتب النَّاصِر ويستعطفه من هُنَالك وينتظر جَوَابه فَفعل وَخرج عَلَيْهِم
(1/168)

الْقَوْم فسبّوه وشتموه ورجموه بِالْحِجَارَةِ فَفرق فيهم دَرَاهِم فَلم يرجِعوا فسل مماليكه عَلَيْهِم السيوف فَرَجَعُوا عَنهُ فَأَقَامَ بأطفيح يَوْمًا ثمَّ رَحل طَالبا للصعيد فوصل إلى إخميم فَقدم عَلَيْهِم الْأمان من النَّاصِر وَأَنه أقطعه صيهون فَقبل ذل وَرجع مُتَوَجها إلى غَزَّة فَلَمَّا وصل غَزَّة وجد هُنَاكَ نَائِب الشَّام وَغَيره فقبضوا عَلَيْهِ وسيّروه إلى مصر فَتَلقاهُمْ قَاصد النَّاصِر فقيده وأركبه بغلاً حَتَّى قدم بِهِ إلى القلعة في ذي الْقعدَة فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ عاتبه وَعدد عَلَيْهِ ذنوباً فَيُقَال أنه خنق بِحَضْرَتِهِ بِوتْر حَتَّى مَاتَ وَقيل سقَاهُ سما وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْخَيرِ والأمانة وَالتَّعَفُّف وَكَانَ قَتله فِي شهر الْقعدَة سنة 709 وَقد كَانَ تعكست عَلَيْهِ الْأُمُور وكل مادبره عَاد عَلَيْهِ بالخذلان
حرف التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة

(112) تنكر نَائِب الشَّام
جلب إلى مصر وَهُوَ صَغِير فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف ثمَّ صَار إلى النَّاصِر فَجعله أَمِير عشرَة قبل أَن يعْزل نَفسه ويفر إلى الكرك ثمَّ كَانَ فى صحبته بالكرك يترسل بَينه وَبَين الأفرم وَكَانَ الأقرم إِذْ ذَاك نَائِب الشَّام ففي بِبَعْض الْأَوْقَات اتهمه الأفرم بَان مَعَه كتباً إلى أُمَرَاء الشَّام ففتشه وَعرض عَلَيْهِ الْعقُوبَة فَرجع إلى النَّاصِر وشكى عَلَيْهِ مالاقاه من الإهانة فَقَالَ لَهُ إِن عدت إلى الْملك فأنت نَائِب الشَّام عوضه فَلَمَّا عَاد إلى الْملك جهزه لنيابة الشَّام في ربيع الآخر سنة 712 وَأرْسل مَعَه من ييعرفه بِمَا يحْتَاج إليه فباشر ذَلِك وَتمكن وسلك سَبِيل الْحُرْمَة والناموس الْبَالِغ وَفتح الله على
(1/169)

يَدَيْهِ ملطية فى سنة 715 وَذَلِكَ أَنه اسْتَأْذن السُّلْطَان في ذَلِك فَأذن لَهُ فأظهر أَنه يُرِيد التَّوَجُّه إلى مَحل آخر فَخرج وَخرجت العساكر مَعَه وَهُوَ في دست السلطنة بالعصايب والكوسات وَمَعَهُ الْقُضَاة فَلَمَّا وصل إلى حلب جرد عسكراً إلى مطلية ثمَّ توجّه في أَثَره فنازلها إلى أَن فتحهَا ورحل بأسرى وَغَنَائِم وَمَال كثير فَعظم شَأْنه وهابه الأمراء والنواب قَالَ الصفدي سَار السِّيرَة الْحَسَنَة العادلة بِحَيْثُ لم يكن لَهُ همة في مأكل وَلَا مشرب وَلَا ملبس وَلَا منكح بل فِي الفكرة فى تَأْمِين الرعايا فأمنت السبل فِي أَيَّامه ورخصت الأسعار وَلم يكن أحد في ولَايَته يتَمَكَّن من ظلم أحد وَلَو كَانَ كَافِرًا ثمَّ إن النَّاصِر بَالغ فِي تَعْظِيمه وَتقدم أمره إلى جَمِيع النواب بالبلاد الشامية أَن يكاتبوا تنكر بِجَمِيعِ مَا كَانُوا يكاتبون بِهِ السُّلْطَان وَزَاد في الترقي حَتَّى كَانَ النَّاصِر لَا يفعل شَيْئا إلا بعد مشاورته وَلم يكْتب هُوَ الى السُّلْطَان فى شئ فَيردهُ فِيهِ إلا نَادرا وَلم يتَّفق في طول ولَايَته أَنه ولي أَمِيرا وَلَا نَائِبا وَلَا قَاضِيا وَلَا وزيراً وَلَا كَاتبا إلى غير ذَلِك من جليل الْوَظَائِف وحقيرها برشوة وَلَا طلب مُكَافَأَة بل رُبمَا كَانَ يدْفع إليه المَال الجزيل لأجل ذَلِك فَيردهُ ويمقت صَاحبه وَكَانَ يتَرَدَّد إلى الْقَاهِرَة بإذن السُّلْطَان فيبالغ في إكرامه واحترامه حَتَّى قَالَ النشو مرة أن الَّذِي خص تنكر فِي سنة 733 خَاصَّة مبلغ ألف ألف وَخمسين ألف خَارِجا عَن الْخَيل والسروج وَكَانَ قد سمع الحَدِيث من عِيسَى الْمطعم وأبي بكر بن أَحْمد بن عبد الدايم وَابْن الشّحْنَة وَغَيرهم وَلما حج قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الْمُحدثين بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة ثلاثيات البخاري وَمن مُبَالغَة السُّلْطَان فِي تَعْظِيمه أَنه روى عَنهُ الأمير سيف الدَّين أَنه قَالَ لَهُ مرة لي مُدَّة طَوِيلَة
(1/170)

أطلب من النَّاس شَيْئا لَا يفهمونه مني وَهُوَ أَنى لَا أقضي لأحد حَاجَة إلا على لِسَان تنكر ودعا لَهُ بطول الْعُمر قَالَ فنقلت ذَلِك إلى تنكر فَقَالَ بل أَمُوت أَنا فِي حَيَاة السُّلْطَان قَالَ فبلغت السُّلْطَان ذَلِك فَقَالَ لَا قل لَهُ أَنْت إذا عِشْت بعدي نفعتني في أولادي وأهلي وَأَنت إذا مت قبلى ايش أعمل أنامع أولادك أَكثر مِمَّا عملت مَعَهم في حياتك ولتنكر مآثر في دمشق مَسَاجِد ومدارس ورباطات وَحج في سنة 721 وَيُقَال أنه قدم الْقَاهِرَة بعد حجة فَأمر السُّلْطَان الْأُمَرَاء يهادونه وَكَانَت جملَة مَا قدم اليه ثَمَانِينَ ألف دِينَار وَكَانَ النَّاس فِي ولَايَته آمِنين على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وحريمهم وَأَوْلَادهمْ وَكَانَ يتَوَجَّه في كل سنة إلى الصَّيْد ويصيد أَيَّامًا وَكَانَ مثابراً على الْحق وَنصر الشَّرْع إلا أَنه كَانَ كثير التخيل سريع الْغَضَب شَدِيد الحدة وَلَا يقدر أحد على مُرَاجعَته مهابة لَهُ وَإِذا بَطش بَطش بطشة الجبارين وَإِذا غضب على اُحْدُ لَا يزَال ذَلِك المغضوب عَلَيْهِ فِي انعكاس وخمول إلى أَن يَمُوت غَالِبا وَكَانَ يَقُول أي لَذَّة لحَاكم إذا كَانَت رعاياه يدعونَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ يَخْلُو ليلة من قيام وَدُعَاء وَكَانَ يعظم أهل الْعلم وإذا كَانَ عِنْده أحد مِنْهُم لم يسند ظَهره بل يقبل إليه بِوَجْهِهِ ويؤنسه بالْقَوْل وَالْفِعْل وَكَانَ سليم الْبَاطِن لَيْسَ عِنْده دهاء وَلَا مكر وَلَا يصبر على الْأَذَى لَا يداري أحداً من الأمراء وَقدم إلى مصر في سنة 738 فَخرج السُّلْطَان لملاقاته فَلَمَّا رَآهُ ترجل لَهُ فترجل جَمِيع من مَعَه من الامراء فَألْقى تنكر نَفسه من فَوق الْفرس إلى الأرض وأسرع وَهُوَ يقبل الأرض حَتَّى انكب على قدمي السُّلْطَان فقبلهما فأمسك رَأسه بِيَدِهِ وَأمره بالركوب وَقدم فِي سنة 739 فَكَانَت قيمَة تقادمه للسُّلْطَان والامراء
(1/171)

مائتي ألف دِينَار وَعشْرين ألف دِينَار وَبَالغ السُّلْطَان فِي إكرامه حَتَّى أخرج لَهُ نِسَاءَهُ فقبلن يَده وَله محَاسِن مِنْهَا أَنه نظر فِي أوقاف الْمدَارِس والجوامع والمساجد والخوانق والزوايا والربط فَمنع أن يصرف لَاحَدَّ جامكية حَتَّى يلم شعثها فعمرت كلهَا في زَمَانه أحسن عمَارَة وَأمر بكسح الأوساخ الَّتِى فِي مقاسم الْمِيَاه الَّتِى تتخلل الدور وَفتح منافذها وَكَانَت انسدت فَكَانَ الوباء يحصل بِدِمَشْق كثيراً بِسَبَب العفونات فَلَمَّا صلح ذَلِك زَالَ مَا كَانَ يعتادهم كل سنة من كَثْرَة الأمراض فَكثر الدُّعَاء لَهُ وأجرى الْعين إلى بَيت الْمُقَدّس بعد أَن كَانَ المَاء بهَا قَلِيلا وَأَقَامُوا في عَملهَا سنة وَأكْثر من فكاك الأسرى وَأعظم ربح التُّجَّار الَّذين يجلبونهم وَجمع الْكلاب فألقاها في الخَنْدَق واستراح النَّاس من أذاها وَلما انْتهى حَظه وَبلغ الْغَايَة في هَذِه الدُّنْيَا أشهر فِي النَّاس أَنه عزم على التَّوَجُّه إلى بِلَاد التتار حَتَّى بلغ ذَلِك السُّلْطَان وَتغَير عَلَيْهِ وتنكر لتنكر وجهز العساكر لإمساكه مَعَ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَلَيْسَ عِنْده خبر فَلَمَّا بلغه الْخَبَر بوصول الْجند والأمراء لإمساكه بهت لذَلِك وَقَالَ مَا الْعَمَل قَالُوا تستسلم فاستسلم وجهز سَيْفه إلى السُّلْطَان وَذَلِكَ فِي ذي الْحجَّة سنة 740 وتأسف أهل دمشق عَلَيْهِ ثمَّ بعد الْقَبْض عَلَيْهِ أحيط بموجوده وَوجد لَهُ مَا يُجَاوز الْوَصْف فَمن الذَّهَب الْعين ثَلَاث مائَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار وَمن الدَّرَاهِم ألف ألف دِرْهَم وَخمْس مائَة ألف دِرْهَم وَأما الْجَوَاهِر والحوايص والأقمشة والخيول وَنَحْو ذَلِك فشئ كثير جداً ثمَّ لما دخل الْقَاهِرَة أَمر السُّلْطَان جَمِيع المماليك والأمراء أَن يقعدوا لَهُ بالطرقات من حد بَاب القلعة وَأَن لَا يقوم لَهُ أحد وفي بعض الْأَوْقَات
(1/172)

قَالَ لَهُ السُّلْطَان انْظُر من يكون وصيك فَقَالَ لَهُ خدمتك ونصحتك فَلم تتْرك لي صديقاً وَأمر بتجهيزه إلى الإسكندرية فَلم يزل في الاعتقال دون شهر ثمَّ مَاتَ في أَوَائِل سنة 741 إحدى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قَالَ الذهبي في أَوَاخِر كِتَابه سير النبلاء كَانَ ذَا سطوة وهيبة وزعامة وإقدام على الدِّمَاء وَله نفس سبعية وَفِيه عتو وحرص مَعَ ديانَة فِي الْجُمْلَة وَكَانَ فِيهِ حِدة وَقلة رأفة وَكَانَ لَا يفكر فى عَاقِبَة وَلَا رأي لَهُ وَلَا دهاء إلى آخر كَلَامه وَتعقبه الْحَافِظ صَلَاح الدَّين الغلائي فَقَالَ لقد بَالغ المُصَنّف وَتجَاوز الْحَد فِي تَرْجَمَة تنكر وأين مثله وَأعْرض عَن محاسنه الطافحة من الْعدْل وقمع الظلمَة وكف الْأَذَى عَن النَّاس ومحبة إِيصَال الْحق إلى مُسْتَحقّه وتولية الوظايف أَهلهَا وحسبك أَن المُصَنّف يعْنى الذهبي كَانَ فَقِيرا فَلَمَّا خلت دَار الحَدِيث الأشرفية وتربة أم الصَّالح ولى تنكر المزي والذهبي بِغَيْر سُؤال مِنْهُمَا وَلَا ببذل لأنه أعلم بحالهما واستحقاقهما ثمَّ ولي الذهبي دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة ثمَّ النفيسية ثمَّ دَار الحَدِيث التنكرية ثمَّ قَالَ الغلائي ذَنْب تنكرانه كَانَ يحط كثيراً على ابْن تَيْمِية وفي هَذِه الإشارة كِفَايَة انْتهى وَهُوَ يُشِير بِهَذَا إلى أَن الذهبي تحيز إِلَى الْحَنَابِلَة
(113) تيمورلنك بن طرغاي السُّلْطَان الْأَعْظَم الطاغية الْكُبْرَى
الْأَعْرَج وَهُوَ اللّنك في لغتهم كَانَ ابْتِدَاء ملكه أَنَّهَا لما انقرضت دولة بنى جنكزخان وتلاشت في جَمِيع النواحي ظهر هَذَا بتركستان وسمرقند وتغلب على ملكهم مَحْمُود بعد أَن كَانَ أتابكه وَتزَوج أمه فاستبد عَلَيْهِ وَكَانَ فى عصره أَمِير بحارى يعرف بِحسن من أكَابِر الْمغل وآخر بخوارزم يعرف بالحاج حسن الصوفي وَهُوَ من كبار التتر فنبذ إليهم
(1/173)

تيمور بالعهد وزحف إلى بُخَارى فملكها من يَد الْأَمِير حسن ثمَّ زحف إلى خوارزم وتحرش بهَا وَهلك الْحَاج حسن فِي خلال ذَلِك وَولى أَخُوهُ يُوسُف فملكها تيمور من يَده وخربها في حِصَار طَوِيل ثمَّ كلف بعمارتها وتشييد ماخرب مِنْهَا وانتظم لَهُ ملك مَا ورا النَّهر وَنزل إلى بُخَارى ثمَّ انْتقل إلى سَمَرْقَنْد ثمَّ زحف إلى خُرَاسَان وَطَالَ تحرشه بهَا وحروبه لصَاحِبهَا شاه ولي إلى أَن ملكهَا عَلَيْهِ سنة 784 وَنَجَا شاه ولي إلى تبريز وَبهَا أَحْمد بن أويس صَاحب الْعرَاق وأذربيجان إلى أَن زحف عَلَيْهِم تيمور سنة 788 فَهَلَك شاه ولي في حروبه عَلَيْهَا وملكها تيمور ثمَّ زحف إلى أصبهان فأطاعوه طَاعَة ممرضة وخالفه فِي قومه كَبِير من أهل نسبة يعرف بقمر الدَّين فكرّ رَاجعا وحاربه إلى أَن محى أثره واشتغل بسُلْطَان الْمغل وزاحم طقتمش مرَارًا حَتَّى أوهن أمره ثمَّ رَجَعَ إلى أصبهان سنة 794 ثمَّ زحف إلى بَغْدَاد سنة 795 ففرّ مِنْهَا أَحْمد بن أويس المتغلب عَلَيْهَا بعد بني هولاكو وَاسْتولى عَلَيْهَا تيمور ونهبها وبلغه حَرَكَة طقتمش في جَمِيع الْمغل فأحجم وَتَأَخر إلى قلاع الأكراد وأطراف بِلَاد الروم وأناخ على قراباغ وَرجع طقتمش ثمَّ سَار إليه تيمور أول سنة 799 وغلبه على ملكه وَأخرجه من سَائِر أَعماله فلحق ببلغار وَرجع سَائِلًا الْمغل الَّذين كَانُوا مَعَه إلى تيمور فأضحت أُمَم الْمغل والتتر كلهَا في جملَته وصاروا تَحت لوائه وَالْملك لله فَلَمَّا بلغه موت الظَّاهِر برقوق فَرح وَأعْطى من بشره بذلك خَمْسَة عشرَة ألف دِينَار وتهيأ للمسير إلى بِلَاد الشَّام فجَاء إلى بَغْدَاد فَأَخذهَا ثَانِيًا فإنها كَانَت استرجعت نَائِبه ثمَّ قصد سيواس في آخر سنة 802 فحاصرها مُدَّة
(1/174)

وَلم يَأْخُذهَا ثمَّ إلى عين تَابَ فأجفل أهل الْقرى بَين يَدَيْهِ وَأهل الْبِلَاد الحلبية وَاجْتمعَ عَسَاكِر المماليك الشامية بحلب وَوصل تيمور مرج دابق وجهز رَسُولا إلى حلب فَأمر سدون نَائِب حلب بقتْله ثمَّ نزل في يَوْم الْخَمِيس تَاسِع ربيع الأول سنة 803 على حلب ونازلها وحاصرها فَخرج النواب بالعسكر إلى ظَاهرهَا من جِهَة الشمَال وتقاتلوا يَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت حادي عشر الشَّهْر ركب تيمور فِي جمع وحشدوا الفيلة تقاد بَين يَدَيْهِ وهى فى مَا قيل ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ وَكَانَ مَعَه جمع لَا يُحْصِيه إلا الله من ترك وتركمان وعجم وأكراد وتتار وزحف على حلب فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ من بَين أَيْديهم وَجعلُوا يلقون أنفسهم من الأسوار والخنادق والتتار في أَثَرهم يَقْتُلُونَهُمْ ويأسرونهم إلى أَن دخلُوا حلب عنْوَة بِالسَّيْفِ فلجأت النِّسَاء والأطفال إلى الْجَوَامِع والمساجد فَلم يفد ذَلِك شَيْئا وَاسْتمرّ الْقَتْل والأسر فِي أهل حلب فَقتلُوا الرِّجَال وَسبوا النِّسَاء والأطفال وَقتل خلق كثير من الْأَطْفَال تَحت حوافر الْخَيل وعَلى الطرقات وأحرقوا الْمَدِينَة ثمَّ في يَوْم الثُّلَاثَاء تسلّم قلعتها بالأمان وَصعد إليها فِي الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ وَجلسَ فِي أَبْوَابهَا وَطلب الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء للسلام عَلَيْهِ فامتثلوا أمره وجاؤا إليه لَيْلَة الْخَمِيس فَلم يكرمهم وَجعل يتعنتهم بالسؤال وَكَانَ اخر ماسألهم عَنهُ أن قَالَ مَا تَقولُونَ في مُعَاوِيَة وَيزِيد هَل يجوز لعنهما أم لَا وَعَن قتال علي وَمُعَاوِيَة فَأَجَابَهُ القاضي علم الدَّين القفصي المالكي بَان علياً اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمُعَاوِيَة اجْتهد فأحطأ فَلهُ أجر فتغيظ من ذَلِك ثمَّ أجَاب الشرف أَبُو البركات الأنصاري الشافعي بَان مُعَاوِيَة لَا يجوز لَعنه لِأَنَّهُ صحابي فَقَالَ تيمور مَا حد الصحابي فَأجَاب
(1/175)

القاضي شرف الدَّين أَنه كل من رأى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فَقَالَ تيمور فاليهود وَالنَّصَارَى رَأَوْا النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فَأجَاب بَان ذَلِك بِشَرْط كَون الرائي مُسلما وَأجَاب القاضي شرف الدَّين الْمَذْكُور أَنه رأى فِي حَاشِيَة على بعض الْكتب أَنه يجوز لعن يزِيد فتغيظ لذَلِك وَلَا عتب عَلَيْهِ إذا تغيّظ فالتعويل فِي مثل هَذَا الْموقف الْعَظِيم في مناظرة هَذَا الطاغية الْكَبِير فِي ذَلِك الامر الَّذِي مَا زَالَت الْمُرَاجَعَة بِهِ بَين أهل الْعلم فِي قديم الزَّمَان وَحَدِيثه على حَاشِيَة وجدهَا على بعض الْكتب مِمَّا يُوجب الغيظ سَوَاء كَانَ محقاً أَو مُبْطلًا وَقد سألهم في هَذَا الْموقف أَو فى موقف اخر بمسئلة عَجِيبَة فَقَالَ مَا مضمونه أنه قد قتل منا ومنكم من قتل فَمن في الْجنَّة وَمن في النَّار هَل قَتْلَانَا أَو قَتْلَاكُمْ فَقَالَ بعض الْعلمَاء الْحَاضِرين وَهُوَ ابْن الشّحْنَة كَمَا سيأتي إِن شَاءَ الله هَذَا سُؤال قد سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله فاستنكر تيمور ذَلِك وَقَالَ كَيفَ قلت قَالَ ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن قَائِلا قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم يَا رَسُول الله الرجل يُقَاتل حمية وَقَاتل شجاعة وَيُقَاتل ليرى مَوْضِعه فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هي الْعليا فَهُوَ في الْجنَّة أَو كَمَا قَالَ فَلَمَّا سمع تيمور هَذَا الْجَواب أعجبه وأطربه وَللَّه در هَذَا الْمُجيب فَلَقَد وَفقه الله في هَذَا الْجَواب وَهَكَذَا فلتكن جوابات الْعلمَاء لَا كَمَا قَالَه القاضي شرف الدَّين أنه رأى فِي حَاشِيَة ثمَّ إن تيمور توجه إلى قاعة السُّلْطَان الكائنة بقلعة حلب وَأمر بِطَلَب دَرَاهِم مِمَّن بالقلعة من الحلبيين فَكتب أَسمَاء النَّاس وَقبض عَلَيْهِم وعوقبوا بانواع من الغذاب بِحَيْثُ لم يسلم من الْعقُوبَة إلا الْقَلِيل ونهبوا القلعة وَأخذُوا من الأموال والأقمشة
(1/176)

مَا أذهل التتار وَلم يظفروا فِي مملكة بِمثلِهِ ثمَّ رَحل يَوْم السبت مستهل ربيع الآخر إلى جِهَة دمشق وَترك بحلب طَائِفَة من التتار بالقلعة وبالمدينة فوصل إلى دمشق وَقد كَانَ وصل اليها النَّاصِر فرج بعساكر الديار المصرية لدفع التتار وَحصل بَينهم قتال أياماً ثمَّ إنه وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْعَسْكَر المصري وداخلهم الفشل فانكسروا وولوا رَاجِعين إلى جِهَة مصر واقتفى التتار آثارهم يسلبون من قدرُوا عَلَيْهِ أَو لحقوه وَرجع السُّلْطَان إلى مصر فَأخذ تيمور دمشق وَفعل بِأَهْلِهَا أعظم من فعله بحلب فقصد من بالقلعة أَن يمتنعوا مِنْهُ فَأمر بالأخشاب وَالتُّرَاب وَالْحِجَارَة وَبنى برجين قبالة القلعة فأذعنوا حِينَئِذٍ ونزلوا فتسلمها وَنهب الْمَدِينَة وخربها خراباً فَاحِشا لم يسمع بِمثلِهِ وَلم يصل التتار أَيَّام هولاكو إلى قريب مِمَّا فعل بهَا التتار أَيَّام تيمور وَاسْتمرّ بِدِمَشْق إلى شعْبَان ثمَّ رَجَعَ إلى نَاحيَة حلب قَاصِدا بِلَاده وَلما وصل الى بِلَاده اسْتَقر إلى السنة الثَّانِيَة ثمَّ قصد بِلَاد الروم فَجمع سلطانها بايزيد عسكره وَتقدم كل من الْفَرِيقَيْنِ إلى الآخر فحصلت مَقْتَله عَظِيمَة انْكَسَرَ فِيهَا صَاحب الروم وَأسر وتفرق شَمل عسكره فَأخذ تيمور مايلى أَطْرَاف الشَّام من بِلَادهمْ وأخذ برصا وهي كرسي مملكة الروم ثمَّ رَجَعَ إلى بِلَاده وَمَعَهُ أَبُو يزِيد صَاحب الروم معتقلاً فتوفي في اعتقاله من تِلْكَ السنة ثمَّ دخل تيمور بِلَاد الْهِنْد ونازل مملكة الْمُسلمين حَتَّى غلب عَلَيْهَا وَالْحَاصِل أَنه دوّخ الممالك وَاسْتولى على غَالب الْبِلَاد الإسلامية بل والعجم وَجَمِيع ماوراء النَّهر وَالشَّام وَالْعراق وَالروم والهند ومابين هَذِه الممالك وَمن أحب الِاطِّلَاع على ماوقع لَهُ من الْمَلَاحِم وَكَيف صنع بالبلاد والعباد فَعَلَيهِ بِالْكتاب والمؤلف فِي سيرته وَهُوَ مُجَلد لطيف
(1/177)

وَقد قدمنَا الإشارة إليه عِنْد تَرْجَمَة مُؤَلفه ابْن عرب شاه وَقد وصف فِيهِ من عجائب تيمور وغرائبه مَا ينبهر لَهُ كل من وقف عَلَيْهِ وَيعرف مِقْدَار هَذَا الْملك الَّذِي لم يَأْتِ قبله وَلَا بعده مثله فان جنكزخان ملك التتار وإن كَانَ قد أهلك من الْعباد والبلاد زِيَادَة على مَا أهلك هَذَا الا ان ذَاك لم يُبَاشر مابا شَره هَذَا وَلَا بعضه وَلَا كَانَ جَمِيع مافعله في حَيَاته بل الْغَالِب بعد مَوته في سلطنة أَوْلَاده وأحفاده وَأما هَذَا الطاغية فَهُوَ الْمُبَاشر لكل فتوحاته الْمُدبر لجَمِيع معاركه وَلَقَد كَانَ من أَعَاجِيب الزَّمن في حركاته وسكناته وَكَانَ شَيخا طَويلا مهولاً طَوِيل اللِّحْيَة حسن الْوَجْه أعرج شَدِيد العرج سلبت رجله أَوَائِل أمره وَمَعَ ذَلِك يصلى من قيام مهاباً بطلاً شجاعاً جباراً ظلوماً سفاكاً للدماء مقداماً على ذَلِك أفنى فِي مُدَّة سلطنته من الْأُمَم مَالا يحصيهم الا الله وَخرب بلدانا كَثِيرَة تفوت الْحصْر وَكَانَ جهير الصَّوْت يسْلك الْجد مَعَ الْقَرِيب والبعيد وَلَا يحب المزاح وَيُحب الشطرنج وَله فِيهِ يَد طولى ومهارة زَائِدَة وَزَاد فِيهِ جملاً وبغلاً وَجعل رقعته عشرَة في أحد عشر بِحَيْثُ لم يكن يلاعبه فِيهِ إلا أَفْرَاد وَيقرب الْعلمَاء والصلحاء والشجعان والأشراف وينزلهم مَنَازِلهمْ وَلَكِن من خَالف أمره أدنى مُخَالفَة استباح دَمه فَكَانَت هيبته لَا تدانى بِهَذَا السَّبَب وَمَا أخرب الْبِلَاد إلا بذلك فإنه كَانَ من أطاعه من أول وهلة أَمن وَمن خَالفه أدنى مُخَالفَة هلك وَله فكر صائب ومكايد في الْحَرْب عَجِيبَة وفراسة قلّ أَن تخطأ وَمَعْرِفَة بالتواريخ لإدمانه على سماعهَا وَعدم خلو مَجْلِسه عَن قِرَاءَة شئ مِنْهَا سفراً وحضراً وَكَانَ مغرى بِمن لَهُ معرفَة بصناعة مَا إِذا كَانَ حاذقاً فِيهَا مَعَ كَونه أميالا يحسن الْكِتَابَة وَلَا الْقِرَاءَة وَله حذق باللغة
(1/178)

الفارسية والتركية والمغلية ويعتمد قَوَاعِد جنكزخان ويجعلها أصلاً وَلذَلِك أفنى الْعَالم مَعَ تظهره بالإسلام وشعائره وَكَانَ لَهُ جواسيس في جَمِيع الْبِلَاد الَّتِى ملكهَا والتي لم يملكهَا فَكَانُوا ينهون إليه الْحَوَادِث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بِجَمِيعِ مَا يروم فَلَا يتَوَجَّه إِلَى جِهَة إلا وَهُوَ على بَصِيرَة من أَهلهَا وَبلغ من دهائه أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ قصد جِهَة جمع أكَابِر الدولة وَتَشَاوَرُوا إلى أَن يَقع الرأي على التَّوَجُّه في الْوَقْت الفلاني إِلَى الْجِهَة الْفُلَانِيَّة فيكاتب جواسيس تِلْكَ الْجِهَات أَهلهَا فَيَأْخُذُونَ الحذر ويأمن غَيرهم فإذا ضرب النفير وَأَصْبحُوا سائرين ذَات الشمَال عرّج بهم ذَات الْيَمين فيدهم الْجِهَة الَّتِى يُرِيد وَأَهْلهَا غافلون مَاتَ وَهُوَ مُتَوَجّه لأخذ بِلَاد الخطا بِسَبَب ثلوج تنزلت مَعَ شدَّة برد وَكَانَ لَا يُسَافر فِي أَيَّام الشتَاء فَلَمَّا أَرَادَ الله هَلَاكه قوي عزمه على هَذَا السفر وَكَانَ مَوته يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شهر شعْبَان سنة 807 سبع وثمان مائَة وَلم يكن مَعَه من بنيه وأحفاده سوى حفيده خَلِيل بن ميران شاه بن تيمور فاتفق رَأْيهمْ على اسْتِقْرَار خَلِيل الْمَذْكُور فِي السلطنة مَعَ كَون أَبِيه وَعَمه موجودين وبذل لَهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة وَرجع إِلَى بِلَاده سَمَرْقَنْد فإنها كَانَت كرسي مملكة تيمور فَلَمَّا قرب مِنْهَا تَلقاهُ من بهَا وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد وهم يَبْكُونَ وجثة تيمور في تَابُوت أبنوس وَجَمِيع الْمُلُوك والأمراء مشَاة مكشوفة رُؤْسهمْ وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد حَتَّى دفنوه وَأَقَامُوا عَلَيْهِ العزاء أَيَّامًا قَالَ السخاوي وَلَعَلَّه قَارب الثَّمَانِينَ فإنه قَالَ للقاضي شرف الدَّين الأنصاري وَغَيره كم سنكم فَقَالَ لَهُ الشرف سني الْآن سبع وَخَمْسُونَ سنة وَأجَاب غَيره بِنَحْوِ ذَلِك فَقَالَ أَنا أصلح أَن أكون والدكم وَكَانَت لَهُ همة عَظِيمَة
(1/179)

لم يبلغ إلى سَموهَا همة ملك من الْمُلُوك من جَمِيع الطوائف فإنه مازال يفتح الْبِلَاد ويقهر الْمُلُوك ويستولي على الأقاليم مُنْذُ قِيَامه فِي بِلَاده واستيلائه على مملكة أرضه إلى أَن مَاتَ وناهيك أَنه مَاتَ في الْغَزْو وَلم يصده عَن ذَلِك كَثْرَة مَا قد صَار بِيَدِهِ من الممالك وَلَا كَفاهُ مَا قد استولى عَلَيْهِ من الأراضي الَّتِى كَانَت قَائِمَة بعدة مُلُوك هم تَحت ركابه وَمن جملَة خدمه وَللَّه الْأَمر وَهُوَ الْملك حَقًا وَكَانَ مغرى بغزو الْمُسلمين دون الْكفَّار وصنع كَذَلِك في بِلَاد الروم والهند وأنشأ بِظَاهِر سَمَرْقَنْد عدَّة بساتين وقصور عَجِيبَة فَكَانَت من أعظم النزه وَبنى عدَّة قصبات سَمَّاهَا بأسماء الْبِلَاد الْكِبَار كحمص ودمشق وبغداد وشيراز وَكَانَ يجمع الْعلمَاء ويأمرهم بالمناظرة في مقَامه ويسائلهم ويتعنتهم وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من الغرائب البارزة إلى الْعَالم الدَّالَّة على الْقُدْرَة الالاهية وَأَنه يُسَلط من يَشَاء على من يَشَاء وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد عِنْد مَوته مير شاهان وشاه رخ وَمن الزَّوْجَات ثَلَاث وَمن السرارى شئ كثير وترجمته تحْتَمل كراريس فَمن رام الِاطِّلَاع على أَحْوَاله فَليرْجع الى كتاب سيرته الَّذِي قدمنَا الإشارة إليه
حرف الثَّاء الْمُثَلَّثَة

(114) ثَابت بن مُحَمَّد بن ثَابت الطرابلسي أَمِير طرابلس الغرب
ولي الإمرة بعد أَبِيه وَكَانَ شَابًّا غرّا فاحتال عَلَيْهِ الإفرنج بَان قدم مِنْهُم طَائِفَة فِي عدَّة مراكب فِي صُورَة التُّجَّار وهم مقاتلة فراسلوا من في الْبَلَد من الفرنج وأطلعوهم على سرهم وَأَرْسلُوا من عِنْدهم ترجمانا مجربا فَرَأى فى الْبَلَد غلاء لقلَّة الْحبّ عِنْدهم إِذا ذَاك فتمت لَهُ الْحِيلَة وَأَشَارَ على ثَابت
(1/180)

أَن يجمع الأسلحة الَّتِى مَعَ جند الْبَلَد ويجعلها عِنْده في القلعة لتطمئن إليه تجار الإفرنج وينزلوا من مراكبهم ويبيعوا مَا مَعَهم من البضائع وَذكر لَهُ أَن الْخمس الَّذِي يَخُصُّهُ من البضائع يجْتَمع مِنْهُ مَال كثير وَينْتَفع النَّاس بِمَا مَعَهم من المأكولات فَفعل فَلَمَّا بلغ الفرنج ذَلِك أنزلوا من مركبهم بعض البضائع الَّتِى مَعَهم وَكَانَ مَعَهم عدَّة أعدال من التِّين ففرح أهل الْبَلَد وسارعوا إلى شراها مِنْهُم فَلَمَّا اطمئنوا إليهم هجموا على الْبَلَد بِاللَّيْلِ دفْعَة وَاحِدَة وأهلها غافلون فَقتلُوا فيهم كَيفَ شاؤا وحاصروا القلعة فهرب ثَابت متدلياً بعمامته من الْقصر فَفطن بِهِ بعض الْعَرَب مِمَّن يعاديه فَقتله وَاسْتولى الفرنج على الْبَلَد وَكَانَ ذَلِك فِي سنة 756 سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة
(115) ثقبة بن رميثة بن مُحَمَّد بن أَبى سعد بن علي بن قَتَادَة الْحسنى الشريف أَمِير مَكَّة
أَخُو عجلَان تأمّراً جَمِيعًا بعد موت والدهما مُدَّة ثمَّ اخْتلفَا واستقل عجلَان ثمَّ قدم ثقبة بن رميثة الى مصر في رَمَضَان سنة 746 وَمَعَهُ هَدِيَّة جليلة وَقدم مرة أُخْرَى سنة 756 وَقدم هَدِيَّة جليلة وَطلب أَن يكون أَخُوهُ عجلَان مُسْتقِلّا فأجيب وخلع عليه فاستمر الأخوان مُخْتَلفين وتأذى الْحَاج بسببهما ثمَّ جهز اليهما عسكراً فَقبض على ثقبة في موسم سنة 754 فسجن بِمصْر ثمَّ أطلق في سنة 756 بشفاعة فياض بن مهنا ثمَّ هرب ثقبة من مصر وَتَبعهُ الْعَسْكَر فَلم يدركوه وَاسْتمرّ خَارج مَكَّة إلى موسم سنة 761 فهجم مَكَّة بعد توجه الْحَاج وَفعل بهَا أفعالاً قبيحة وَنهب خُيُول الأمراء الَّذين من جِهَة المصريين وَاسْتولى على مافى بُيُوتهم ووفع بَين الطَّائِفَتَيْنِ مقتلة عَظِيمَة في الْحرم حَتَّى انْكَسَرَ الأتراك فَقتل أَكْثَرهم
(1/181)

وَبَاعُوا من أسر مِنْهُم بأبخس ثمن وَأسر أَمِير التّرْك فَأَجَارَتْهُ امْرَأَة من الْقَتْل فغذب بانواع الغذاب ثمَّ أطلقهُ ثقبة بشفاعة القاضي تقي الدَّين الحراري على شريطة أَن يخرج من مَكَّة فَخرج إلى البقيع فَلَحقُوا الركب المصري فسافروا مَعَهم واستقل بعد ذَلِك بِمَكَّة فأدركه الْمَوْت في أَوَاخِر رَمَضَان سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
حرف الْجِيم

(116) جَعْفَر بن تغلب بن جَعْفَر بن كَمَال الدَّين أبوالفضل الأدفويي
الأديب الْفَقِيه الشافعي ولد بعد سنة 680 ثَمَانِينَ وسِتمِائَة قَالَ الشَّيْخ تقي الدَّين السبكي كَانَ يُسمى وعد الله قَالَ الصفدي اشْتغل فِي بِلَاده فمهر فِي الْفُنُون ولازم ابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيره وتأدب بِجَمَاعَة مِنْهُم أبوحيان وَحمل عَنهُ كثيراً وَكَانَ يُقيم في بُسْتَان بِبَلَدِهِ وصنف الِاتِّبَاع فى أَحْكَام السماع والطالع السعيد فى تَارِيخ الصَّعِيد والبدر السافر في تحفة الْمُسَافِر وكل مجاميعه جَيِّدَة وَكَانَت لَهُ خبْرَة بالموسيقى وَله النظم والنثر الْحسن فَمِنْهُ
(إِن الدُّرُوس بمصرنا في عصرنا ... طبعت على غلط وفرط عياط)
(ومباحث لَا تنتهي لنهاية ... جدلاً وَنقل ظَاهر الأغلاط)
(ومدرس يبدي مبَاحث كلهَا ... نشأت عَن التَّخْلِيط والأخلاط)
(ومحدث قد صَار غَايَة علمه ... أَجزَاء يَرْوِيهَا عَن الدمياطى)
(وفلانة تروى حَدِيثا عالبا ... وَفُلَان يرْوى ذَاك عَن أَسْبَاط)
(وَالْفرق بَين عزيزهم وغريرهم ... وافصح عَن الْخياط والحناط)
(1/182)

(والفاضل النحرير فيهم دأبه ... قَول ارسطاطاليس أَو بقراط)
(وعلوم دين الله نادت جهرة ... هَذَا زمَان فِيهِ طيّ بساطي)
وَكَانَ عَالما فَاضلا متقللاً من الدُّنْيَا وَمَعَ ذَلِك لَا يَخْلُو من المآكل الطّيبَة مَاتَ في أول سنة 748 ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
(117) السَّيِّد جَعْفَر بن مطهر بن مُحَمَّد الجرموزي
الرئيس الْكَاتِب الشَّاعِر ولاه المتَوَكل على الله إسماعيل بِلَاد العدين وَبعد ذَلِك صَار كَاتبا مَعَ السَّيِّد عبد الله بن يحيى بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم لما استولى على بِلَاد العدين وَغَيرهمَا وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة متشبهاً بالصاحب بن عباد وأبي إسحاق الصابي مكثراً من ذكرهمَا حَتَّى في شعره وَمَا أحسن قَوْله في ذَلِك بعد الترشيح الْفَائِق
(تعانقت أَغْصَان بَان النقا ... فشابهت أعطاف أحبابى)
و (مذ صبا قلبي صبا صاحبي ... آه على الصاحب والصابي)
وَقَوله في المجون وأجاد
(تشابه ذقني حِين شبت وبغلتي ... فكلتاهما في اللَّوْن أشيب أَشهب)
(فوَاللَّه مَا أدرى علام أتيتكم ... على لحيتى أم بغلتى كنت أركب)
وَكَانَت وَفَاته في حُدُود سنة 1096 سِتّ وَتِسْعين وَألف بالعدين ووالده هُوَ الْجَامِع لسيرة الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد السِّيرَة الحافلة الْمَشْهُورَة وَكَانَ لَهُ فِي حَرْب الأتراك عناية كُلية وولاه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل عتمة
(1/183)

(118) جقمق الظَّاهِر أَبُو سعيد الجركسي
جلبه إِلَى مصر الخواجا وَهُوَ صَغِير ثمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الْعَلَاء بن الأتابك ثمَّ أعْتقهُ وَكَلمه الظَّاهِر فى أَن يُعْطِيهِ اياه فسلمه إِلَيْهِ من غير أَن يُعلمهُ بِعِتْقِهِ فَدفعهُ الظَّاهِر لِأَخِيهِ إينال ثمَّ صَار في الدولة الناصرية أَمِير عشرَة ثمَّ صَار في أَيَّام الْمُؤَيد أَمِير طبلخاناه ثمَّ جعله خَازِن دَارا ثمَّ صَار بعد الْمُؤَيد أحد المقدمين ثمَّ اسْتَقر فِي الحجوبية الْكُبْرَى أَيَّام الْأَشْرَف برسباى ثمَّ نَقله فِي سنة 826 إِلَى الأتابكية وَاسْتمرّ فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ الاشرف بعد أَن أوصاه على وَلَده المستقر بعده في السلطنة الملّقب بالعزيز فَصَارَت أُمُور السلطنة كلهَا معقودة بِصَاحِب التَّرْجَمَة والعزيز إِنَّمَا هُوَ مَعَه صُورَة ثمَّ خلعه بعد أَيَّام يسيرَة وتسلطن فِي يَوْم الأربعاء تَاسِع عشر ربيع الأول سنة 842 ثمَّ اتفق في أَوَائِل سلطنته بعض الكدر إلى أَن صفا لَهُ الْوَقْت وَقد كَانَ أخبرهُ شخص فِي سنة 804 أَنه سَيكون صَاحب التَّرْجَمَة سُلْطَانا وَهُوَ في ذَلِك الْوَقْت غير مَنْظُور بِذَاكَ بل مظهر للوله والتغفيل عَن أَحْوَال النَّاس وتعاطي الأسباب المقللة للهيبة وَكَذَا بشر بِهِ قَدِيما جمَاعَة من الصَّالِحين وَاسْتمرّ فِي السلطنة وَثَبت قدمه وَكَانَ ملكا عادلا كثير الصلواة وَالصَّوْم وَالْعِبَادَة عفيفاً عَن الْمُنْكَرَات والقاذورات لَا يضْبط عَنهُ فِي ذَلِك زلَّة وَلَا تحفظ لَهُ هفوة متقشفا بِحَيْثُ لم يمشى على سنَن الْمُلُوك فى كثير من ملبسه وهيئته وجلوسه وحركاته وأفعاله متواضعاً يقوم
(1/184)

للفقهاء وَالصَّالِحِينَ إِذا دخلُوا عَلَيْهِ ويبالغ في تقريبهم مِنْهُ وَلَا يرْتَفع في الْمجْلس بحضرتهم وَله إلمام بِالْعلمِ واستحضار لبَعض الْمسَائِل لِكَثْرَة تردد الْعلمَاء إليه في حَال أَمرته ورغبته في الاستفادة مِنْهُم وَله كرم زَائِد بِحَيْثُ ينْسب إلى التبذير فإنه قد يعْطى بعض أهل الْعلم ألف دِينَار فَصَاعِدا وَله عناية في إِزَالَة كثير من الْمُنْكَرَات وإن كَانَت من شعار السلطنة وَكَانَ كثير الإحسان إلى الْأَيْتَام بِحَيْثُ كَانَ يُرْسل من يحضرهم إلى حَضرته فيمسح رؤوسهم وَيُعْطى كل وَاحِد مِنْهُم وَأصْلح كثيراً من الْمصَالح الْعَامَّة كالقناظر والجوامع والمدارس وَقرر لأهل الْحَرَمَيْنِ رواتب في كل سنة خُصُوصا الْفُقَرَاء مِنْهُم يحمل إليهم من مائَة دِينَار وَأَقل وَأكْثر وَكثر الدُّعَاء لَهُ بذلك وهادن مُلُوك الْأَطْرَاف وَهَا داهم وَتردد إِلَيْهِم لَا عَن عجز أَو ضعف قُوَّة بل كَانَ يَقُول كل مَا أَفعلهُ مَعَ الْمُلُوك لَا يفى بنعل الْخَيل لَو أردْت الْمسير إِلَيْهِم كل ذَلِك والأقدار تساعده والسعادة تعاضده مَعَ حِدة تعتريه في بعض الْأَحْوَال وَسُرْعَة بَطش وبادرة مفرطة والكمال لله وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الْمُلُوك في غَالب أَوْصَافه وَقد كَانَ كثير التَّعْظِيم لأهل الْعلم وَله معرفَة بمقاديرهم حَتَّى كَانَ يتأسف على فقد الْحَافِظ ابْن حجر ويسميه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ مِمَّن ظَهرت سعادته في مماليكه بِحَيْثُ تسلطن جمَاعَة مِنْهُم وَلم يزل على ملكه إِلَى أَن ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَض وَصَارَ يظْهر التجلّد لَا يمْتَنع من الْكِتَابَة حَتَّى غلب عَلَيْهِ الْحَال فعجز وانحط وَلزِمَ الْفراش نَحْو شهر حَتَّى مَاتَ بَين الْمغرب وَالْعشَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثَالِث شهر صفر سنة 857 سبع وَخمسين وثمان مائَة وعهد لوَلَده الْمَنْصُور بالسلطنة وَقد كَانَ سنه عِنْد مَوته زِيَادَة على ثَمَانِينَ سنة وَرَآهُ بعض الصلحاء
(1/185)

بعد مَوته فَقَالَ لَهُ مافعل الله بك فَقَالَ وَالله لقد أَعْطَانَا الْملك من قبل أَن نرد عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ماهو الْملك الَّذِي أَعْطَاك إِيَّاه قَالَ الْجنَّة ثمَّ قَالَ وَجَاء جمَاعَة بَعدنَا لَيْسَ لَهُم فِيهَا وَقت وَلَا مَكَان
(119) جلال بن أَحْمد بن يُوسُف التبريزي الْمَعْرُوف بالتبّاني
بمثناة ثمَّ مُوَحدَة ثَقيلَة نِسْبَة إِلَى التبّانة ظَاهر الْقَاهِرَة قدم الْقَاهِرَة قبل سنة 750 وَأخذ عَن جمَاعَة من أَهلهَا في فنون عديدة وبرع في الْجَمِيع مَعَ الدَّين وَالْخَيْر وصنّف عدَّة تصانيف مِنْهَا الْمَنْظُومَة في الْفِقْه وَشَرحهَا في أَربع مجلدات وَشرح الْمَشَارِق والمنار وَالتَّلْخِيص وَاخْتصرَ شرج مغلطاي على البخاري وَله مُصَنف في منع تعدد الْجمع وَآخر في أَن الإيمان يزِيد وَنقص وَكَانَ محباً للْحَدِيث حسن الِاعْتِقَاد شَدِيدا على الاتحادية والمبتدعة وانتهت إليه رياسة الحنيفة وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء غير مرة فأصرّ على الِامْتِنَاع وَقَالَ هَذَا امْر يحْتَاج إلى دراية وَمَعْرِفَة اصْطِلَاح وَلَا يكفي فِيهِ مُجَرّد الاتساع في الْعلم وَمَات فِي ثَالِث رَجَب سنة 793 ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ عَن بضع وَسِتِّينَ سنة
حرف الْحَاء الْمُهْملَة

(120) حاجي بن الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاون
اسْتَقر في السلطنة بعد أَخِيه الْمَنْصُور علي بن الأشرف وَهُوَ ابْن زِيَادَة على عشر سِنِين ولقب بالصالح ثمَّ عزل بعد سنة وَنصف بأتابكه الظَّاهِر برقوق الْمُتَقَدّم ذكره فِي شهر رَمَضَان سنة 784 وَأمره بالاقامة
(1/186)

فى دَاره قلعة الْجَبَل جَريا على عَادَة بني الْمُلُوك فاستمر إلى أَن خلع برقوق وسجن بقلعة الكرك فاعيد ثَانِيًا الى السلطنة ولقب بالمنصور فَأَقَامَ دوره تِسْعَة أشهر وَعَاد برقوق إلى السلطنة وخلعه فِي صفر سنة 792 وَاسْتمرّ الْمَنْصُور ملازماً لداره إلى أَن مَاتَ فِي تسع عشرَة شَوَّال سنة 814 أَربع عشرَة وثمان مائَة بعد أَن تعطلت حَرَكَة يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ مُنْذُ سِنِين وَدفن بتربة جدته قَالَ العيني كَانَ شَدِيد الْبَأْس على جواريه لسوء خلقه لغَلَبَة السَّوْدَاء عَلَيْهِ وَكَانَ مشتغلاً باللهو وَالسكر وَقد جَاوز الأربعين من عمره
(121) حاجي بن مُحَمَّد بن قلاون الْملك المظفر سيف الدَّين بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولد سنة 732 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فَلَمَّا كَانَ في آخر سلطنة أَخِيه الْكَامِل شعْبَان قبض عَلَيْهِ وسجنه هُوَ وَأَخُوهُ حُسَيْن وَالِد الأشرف شعْبَان وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الاولى سنة 747 فاتفق أَن دولته زَالَت بِقِيَام الْأُمَرَاء عَلَيْهِ فى يَوْم الِاثْنَيْنِ أول جُمَادَى الْآخِرَة من تِلْكَ السنة فَأمْسك وسجن حَيْثُ كَانَ حاجي وَنقل حاجي إلى تخت السلطنة فمدوا لَهُ السماط الَّذِي أعد للكامل وأدخلو للكامل السماط الَّذِي أعد لحاجي وأحيط بِمَال الْكَامِل وخواصه وصودروا وَاتفقَ رخص الأسعار أول ماولى المظفر ففرح النَّاس بِهِ لكنه أقبل على اللَّهْو والشغف بِالنسَاء حَتَّى وصلت قيمَة حظيته الْمُسَمَّاة إنفاق مائَة ألف دِينَار وَصَارَ يحضر الأوباش يَلْعَبُونَ بالمصارعة بَين يَدَيْهِ وَكَانَ جُلُوسه على التخت فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة 747 فبقى سنة وَأَرْبَعَة أشهر وخلع فى ثانى عشر شهر رَمَضَان
(1/187)

سنة 748 وكاقد قتل جمَاعَة من أكَابِر الْأُمَرَاء فنفرت عَنهُ الْقُلُوب واستوحش مِنْهُ بَقِيَّة الأمراء وَكَانَ كثير اللعب بالحمام فلامه على ذَلِك بعض أكَابِر أمرائه فَقَالَ لَهُ اذْبَحْهَا فذبح الْأَمِير مِنْهَا طيرين فطار عقل السُّلْطَان وَقَالَ لخواصه إذا دخل إِلَى فبضعوه بِالسُّيُوفِ فَبَلغهُ ذَلِك فَأخذ حذره مِنْهُ ثمَّ اجْتمع الْأُمَرَاء إِلَى قبَّة النَّصْر فَبلغ ذَلِك المظفر فَخرج فى من بقي مَعَه فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ حمل عَلَيْهِ أميران طعنه أَحدهمَا وضربه الآخر فقتلاه ثمَّ قرروا أَخَاهُ النَّاصِر حسن في السلطنة
(122) حَامِد بن حسن شَاكر الصنعاني
نَشأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالسيّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الأحفش وَالسَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وَغَيرهم وأكبّ على علم الحَدِيث غَايَة الإكباب حَتَّى فاق فِيهِ وشارك في سَائِر الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وانتفع بِهِ النَّاس في الْوَعْظ وَكَانَ لَهُ في الْجَامِع حَلقَة كَبِيرَة يحْضرُون عَلَيْهِ لسَمَاع وعظه ولوعظه وَقع فِي الْقُلُوب لما هُوَ عَلَيْهِ من الزّهْد والتقشف وَعدم الِاشْتِغَال بالدنيا وَقد أخبرني جمَاعَة مِمَّن أَخذ عَنهُ أَنه كَانَ فَقِيرا قانعاً يلبس الثِّيَاب الخشنة ويباشر شِرَاء حاجاته بِنَفسِهِ ويتواضع في جَمِيع أُمُوره وَكتبه مضبوطة غَايَة الضَّبْط وَلَا يضْبط إِلَّا عَن بَصِيرَة حَتَّى صَارَت مرجعاً بعد مَوته وَله مؤلفات دَالَّة على سَعَة حفظه للْحَدِيث واتقانه لهَذَا الْعلم رَأَيْت مِنْهَا الا نموذج اللَّطِيف في حَدِيث امْر معَاذ بِالتَّخْفِيفِ وَله شرح لعدة الحص الْحصين لَيْسَ على نمط الشُّرُوح بل يكْتب أَحَادِيث وَلَا يشْتَغل بالْكلَام على أَحَادِيث الْعدة لاتخريجا وَلَا تَفْسِيرا وقفت عَلَيْهِ بعد شرحي
(1/188)

للعدة وَجمع حَاشِيَة على ضوء النَّهَار للعلاّمة الْجلَال وَصَارَ تَارَة يرجح مَا فِي ضوء النَّهَار وَتارَة يرجح مافي حَاشِيَته منحة الْغفار للعلاّمة السَّيِّد مُحَمَّد الْأَمِير وَلكنه لَيْسَ بمتقن لعلم الأصول وَسَائِر الْعُلُوم الَّتِى يحْتَاج اليها من حرر الْمسَائِل وأما بِالنِّسْبَةِ إلى مَا يرجع إلى متون الأحاديث وَالْكَلَام على أسانيدها فَهُوَ قَلِيل النظير وَقد أَكثر من التعقبات في تِلْكَ الْحَاشِيَة لما فِي حَاشِيَة الْأَمِير وَله رسائل ومسائل مَاتَ رَحمَه الله فَجْأَة فِي بضع وَسبعين بعد الْمِائَة والألف وَسمعت من يرْوى عَن السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير أَنه قَالَ لمابلغه أَن صَاحب التَّرْجَمَة بِجمع حَاشِيَة على الْكَشَّاف إن على الْكَشَّاف حَاشِيَة السعد وحاشية صَاحب التَّرْجَمَة ينبغي أَن يُقَال لَهَا حَاشِيَة الشقب والشقب فِي لِسَان أهل الْيمن عبارَة عَن مُقَابل السعد وَهُوَ النحس وَكَانَ السَّيِّد الْمَذْكُور يتحامل عَلَيْهِ لما بلغه أَنه يتعقّب حَاشِيَته الْمُتَقَدّم ذكرهَا روى لي ذَلِك من عرف الرجلَيْن رحمهمَا الله تَعَالَى وإيانا
(123) الْحسن بن أَحْمد بن صَلَاح اليوسفي الجمالى اليمانى الْمَعْرُوف بالحيمى
أحد أَعْيَان دولة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه بن الْقَاسِم وأخيه الإمام المتَوَكل على الله وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الأدباء وَكَانَ يقوم بالامور الْعَظِيمَة الْمُتَعَلّقَة بالدولة ثمَّ يشْتَغل بِالْعلمِ درساً وتدريساً وَكَانَ يوجهه الإمام المتَوَكل على الله في الْمُهِمَّات لفصاحته ورجاحة عقله وَقُوَّة تَدْبيره فَمن جملَة مَا بَعثه إِلَيْهِ من الْمُهِمَّات إرساله إِلَى حَضرمَوْت لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين السلاطين آل كثير فَقَامَ بِالْأَمر أتمّ قيام وصلحت الْأُمُور بحميد رَأْيه وَجَمِيل عنايته
(1/189)

وَوَجهه أَيْضا إِلَى سُلْطَان الْحَبَشَة لما وصلت اليه مِنْهُ كتب تَتَضَمَّن وغوبه في الإسلام وَيطْلب وُصُول جمَاعَة من آل الإمام إليه ليسلم على أَيْديهم فَتوجه في نَحْو خمسين رجلا وَركب من بندر المخاثم توجّه من هُنَالك ولاقى مشاقاً عَظِيمَة وَاسْتمرّ في الطَّرِيق سفراً وإقامة نَحْو تِسْعَة أشهر فوصل إِلَى سُلْطَان الْحَبَشَة في يَوْم عيد لِلنَّصَارَى فَدخل على السُّلْطَان لابساً شعار الإسلام من الثِّيَاب الْبيض وَكَانَ السُّلْطَان غير مربد لما أظهره في كتبه من الرغوب في الإسلام بل مُعظم قَصده المراسلة كَمَا يَفْعَله الْمُلُوك وَأَنه يُرِيد إصْلَاح الطَّرِيق فَلَمَّا اسْتَقر صَاحب التَّرْجَمَة في مَدِينَة السُّلْطَان أَضَافَهُ وَأكْرم أَصْحَابه وَأَرَادَ أَن يخلع عَلَيْهِ خلعة حَرِير خَالص وسوارين من الذَّهَب فَقَالَ لَهُ هَذَا لَا يحل في شريعتنا وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة في تِلْكَ الْبِلَاد صولة عَظِيمَة حَتَّى كَانَ أَصْحَابه يبطشون بالنصارى إِذا تعرضوا لَهُم ويضربونهم وشاع عِنْد الْحَبَشَة أَن الْعَرَب الَّذين هم أَصْحَاب المترجم لَهُ يَأْكُلُون النَّاس فزادت مهابتهم فِي صُدُورهمْ وَكَانَ أعظم معِين لَهُم على ذَلِك البنادق فإنه لَا يعرفهَا أهل الْحَبَشَة إِذْ ذَاك ولولاهى مَا قدرُوا على مُرُور الطَّرِيق فإنهم كَانُوا ينصبون عَلَيْهِم كالجراد فيرمونهم بالبنادق فيقتلون مِنْهُم وينهزمون ويفزعون لأصواتها وتأثيرها ثمَّ لما أيس صَاحب التَّرْجَمَة من إسلام السُّلْطَان طَالبه بالإذن لَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى ديار الْإِسْلَام فتثاقل عَنهُ ثمَّ بعد حِين أذن لَهُ وَكَانَ لايصحى من شرب الْخمر فعين لَهُ وقتاً يصل اليه للوداغ وَترك شرب الْخمر في ذَلِك الْيَوْم وَجمع وزراءه وأمراءه وأعيان دولته فَأمر صَاحب التَّرْجَمَة أَصْحَابه أَن يرموا بالبنادق عِنْد وصولهم إلى بَاب السُّلْطَان كَمَا يَفْعَله أهل الْيمن ويسمون ذَلِك تعشيرة
(1/190)

فَلَمَّا سمع السُّلْطَان أصوات البنادق هرب من أيوانه وهرب الوزراء وَسَائِر أَصْحَاب السُّلْطَان فَدخل صَاحب التَّرْجَمَة الدَّار ثمَّ بعد ذَلِك عَاد السُّلْطَان إلى مَكَانَهُ وَأخذ في أهبة تَوْجِيهه إلى بِلَاد الإسلام وَكَانَ جملَة بَقَائِهِ لَدَيْهِ ثَلَاث سِنِين وَرجع إلى حَضْرَة الإمام سالماً وَهَذِه الرحلة مُشْتَمِلَة على عجائب وغرئب قد جمعهَا صَاحب التَّرْجَمَة في كراريس هي بأيدي النَّاس وَمن شعره أَيَّام إقامته بِالْحَبَشَةِ هَذِه الأبيات
(على كلّ سعي في الصلاح ثَوَاب ... وكلّ اجْتِهَاد فِي الرشاد صَوَاب)
(وَلَيْسَ على الإنسان إدراك غَايَة ... وَدون مداها للعيون حجاب)
(وَلَو علم الساعون غَايَة أَمرهم ... لما كَانَ شخص بالشرور يصاب)
(فَقل لأمير الْمُؤمنِينَ لقد دَعَا ... وَحقّ لَهُ بعد الدُّعَاء يُجَاب)
(وَلَكِن دَعَا قوماً يظنون أَنهم ... رموا غَرضا في دينهم فَأَصَابُوا)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة جَيِّدَة وَله أشعار أَيَّام إقامته هُنَالك وشعره جيد مَاتَ في شهر ذي الْحجَّة سنة 1070 سبعين وَألف
(124) السَّيِّد الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن صَلَاح بن أَحْمد بن الهادي بن الْجلَال
ابْن صَلَاح بن مُحَمَّد بن الْحسن بن المهدي بن علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى النَّاصِر بن الْحسن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْمُخْتَار لدين الله الْقَاسِم بن النَّاصِر ابْن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن ابراهيم بن اسمعيل بن ابراهيم
(1/191)

ابْن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضي الله عَنْهُم الْمَعْرُوف بالجلال الْعَلامَة الْكَبِير ولد فِي شهر رَجَب سنة 1014 أَربع عشرَة وألف بِهِجْرَة رغافة بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُعْجمَة وَبعد الألف فَاء قَرْيَة مَا بَين الْحجاز وصعده ونشأبها ثمَّ رَحل إلى صعدة وَأخذ عَن علمائها ثمَّ رَحل إلى شهارة وَأخذ عَن أَهلهَا ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها وَمَا حواليها من الْجِهَات وَمن جملَة مشايخه القاضي عبد الرَّحْمَن الحيمي والعلاّمة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد والعلاّمة مُحَمَّد عز الدَّين الْمُفْتى وَسَائِر أَعْيَان الْقرن الحادي عشر وبرع في جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وصنف التصانيف الجليلة فَمِنْهَا ضوء النَّهَار جعله شرحاً للأزهار للإمام المهدي وحرر اجتهاداته على مُقْتَضى الدَّلِيل وَلم يعبأ بِمن يُوَافقهُ من الْعلمَاء أَو خِلَافه وَهُوَ شرح لم تشرح الأزهار بِمثلِهِ بل لَا نَظِير لَهُ فِي الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي الْفِقْه وَفِيه مَا هُوَ مَقْبُول وَمَا هُوَ غير مَقْبُول وَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا الْمَعْصُوم وَمَا أَظن سَبَب كَثْرَة الْوَهم فِي ذَلِك الْكتاب إِلَّا أَن هَذَا السَّيِّد كالبحر الزخار وذهنه كشعلة نَار فيبادر إلى تَحْرِيم مَا يظْهر لَهُ واثقاً بِكَثْرَة علمه وسعة دائرته وَقُوَّة ذهنه وَلَا أَقُول كَمَا قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة صرح بن الْحُسَيْن الاخفش فِي وَصفه لبَعض مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة إنه عِظَام لالحم عَلَيْهَا بل أَقُول هُوَ بَحر عجاج متلاطم الامواج وَله فى أصُول الدَّين شرح الْفُصُول وَشرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى وفى الْمنطق شرح التَّهْذِيب وَفِي أصُول الدَّين عِصَام المتورعين وَغير ذَلِك من المؤلفات في غَالب الْفُنُون وَله حَاشِيَة كمّل بهَا حَاشِيَة السعد على الْكَشَّاف وحاشية على شرح القلائد
(1/192)

ومجموعات مفيدة ورسائل عديدة وَله القصيدة الَّتِى سَمَّاهَا فيض الشعاع أَولهَا
(الدَّين دين مُحَمَّد وصحابه ... ياهائما بقياسه وَكتابه)
وَشَرحهَا شرحاً نفيساً فِيهِ فَوَائِد جمة ولي كثير من المناقشات في ترجيحاته الَّتِى يحررها في مؤلفاته وَلَكِن مَعَ اعترافي بعظيم قدره وَطول بَاعه وتبريزه فِي جَمِيع أَنْوَاع المعارف وَكَانَ لَهُ مَعَ أبناء دهره قلاقل وزلازل كَمَا جرت بِهِ عَادَة أهل الْقطر الْيُمْنَى من وضع جَانب أكَابِر عُلَمَائهمْ المؤثرين لنصوص الْأَدِلَّة على أَقْوَال الرِّجَال وَقد كَانَ الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم الْمُتَقَدّم ذكره يجلّه غَايَة الإجلال وَلَا يعرف أهل الْفضل إِلَّا أَهله واستوطن الجراف وَمَات فِيهِ وقبره هُنَالك وَكَانَ مَوته لَيْلَة الأحد لثمان بَقينَ من ربيع الآخر سنة 1084 أَربع وَثَمَانِينَ وألف وَكَانَ جيد النظم وَمَا أحسن قَوْله فِي القصيدة الَّتِى تقدمت الإشارة إليها مُخَاطبا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(وَقل ابْنك الْحسن الْجلَال مباين ... من قد غلا فِي الدَّين من تلعابه)
(لَا عَاجِزا عَن مثل أَقْوَال الورى ... أَو هائباً من علمهمْ لصعابه)
(فالمشكلات شَوَاهِد لي أنني ... أشرقت كل مُحَقّق بلعابه)
(لَوْلَا محبَّة قدوتي بِمُحَمد ... زاحمت رسطاليس في أبوابه)
وَمِنْه
(وشادن يغرق أهل الْهوى ... فِي حسنه فابك على وارده)
(مذ لَاحَ في الخد أَخُو أمّه ... عَايَنت تَصْحِيف أخي وَالِده)
وَله مضمناً مَعَ حسن التَّصَرُّف
(1/193)

(رفعت عمامتي فرأت ... برأسي شيباً اشتعلا)
(فَعَادَت بعد تنكرني ... فَقلت لَهَا أَنا ابْن جلا)
(125) السَّيِّد الْحسن بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة 1093 ثَلَاث وَتِسْعين وألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الأمير وَغَيره وفَاق في غَالب الْعُلُوم وصنّف تصانيف مِنْهَا منظومة الْهَدْي النَّبَوِيّ لِابْنِ الْقيم ثمَّ شرحها شرحاً نفيساً وَمِنْهَا رسائل نفيسة فى عُلُوم عدَّة وَكَانَ أحد الرؤسا مَعَ أَخِيه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسحق الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ اعتقله الإمام الْمَنْصُور الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَكَانَ قد اعتقله الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم ابْن حُسَيْن وَله أشعار فائقة مِنْهَا وَهُوَ بالسجن
(وعدت أَسِير الوجد ظَبْيَة حاجر ... بالطيف يطْرق في الظلام محاجري)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(ياصاحبى مالنسيم نجدي ... قد عطّرت سوحي بعرف الند)
مدح بهَا شَيْخه الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن اسمعيل الأمير وَله شعر كثير سَائِر مَجْمُوع عِنْد أَهله وكل أهل هَذَا الْبَيْت الشريف عُلَمَاء شعراء لَا يَخْلُو عَن ذَلِك إلا النَّادِر وَصَاحب التَّرْجَمَة من أكابرهم وأفاضلهم الجامعين بَين الْعلم والأدب والرياسة وَمَكَارِم الأخلاق وَجَمِيع صِفَات الْكَمَال وَمَات في سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وألف
126 - حسن بن أَحْمد بن يُوسُف الرباعي الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّانِي عشر وَقَرَأَ على جمَاعَة من شُيُوخ
(1/194)

الْعَصْر كالسيد الْعَلامَة الْحسن بن يحيى الكبسي والقاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد السودي وَغَيرهمَا واستفاد فى جَمِيع الْعُلُوم الآلية وفي علم السنة المطهّرة وَله فهم صَادِق وَإِدْرَاك قوي وتصور صَحِيح وإنصاف وَعمل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة وَله قِرَاءَة على فى علم الْمعَانى وَالْبَيَان وفي علم التَّفْسِير وفي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن وفي مؤلفاتي وَهُوَ الْآن من أَعْيَان أهل الْعرْفَان ومحاس حَملَة الْعلم بِمَدِينَة صنعاء وَقد تقدمت تَرْجَمَة وَالِده
127 - الْحسن بن اسمعيل بن الْحسن بن مُحَمَّد المغربي
نِسْبَة إلى مغارب صنعاء ثمَّ الصنعاني حفيد شَارِح بُلُوغ المرام الآتي ذكره هُوَ شيخ شُيُوخ الْعَصْر ولد بعد سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء كسلفه وَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيان عُلَمَاء صنعاء مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال والعلامة محسن بن اسمعيل الشامي وَغير وَاحِد في عدَّة فنون كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وانتفع بِهِ الطّلبَة في جَمِيع هَذِه الْفُنُون وَأخذ عَنهُ أَعْيَان الْعلمَاء وتخرجوا بِهِ وصاروا مبرزين فى حيوته وَكَانَ رَحمَه الله زاهداً ورعاً عفيفاً متواضعاً متقشفاً لَا يعد نَفسه فِي الْعلمَاء وَلَا يرى لَهُ حَقًا على تلامذته فضلاً عَن غَيرهم وَلَا يتصنّع في ملبوس بل يقْتَصر على عِمَامَة صَغِيرَة وقميص وَسَرَاويل وثوب يَضَعهُ على جَنْبَيْهِ وَتارَة يَجْعَل إزاراً مَكَان الثَّوْب
(1/195)

وَيقْضى حَاجته من الأسواق بِنَفسِهِ ويباشر دقيقها وجليلها وَيحمل على ظَهره مَا يحْتَاج الى الْحمل مِنْهَا ويقود دَابَّته ويسقيها بِنَفسِهِ وَلَا يتصدر لما يتصدر لَهُ من هُوَ مَعْدُود من صغَار تلامذته من تَحْرِير الْفَتَاوَى ومماراة أهل الْعلم بل جلّ مَقْصُوده الِاشْتِغَال بِخَاصَّة نَفسه وَنشر الْعلم بإلقائه إلى أَهله وَالْقِيَام بِمَا لَا بُد مِنْهُ من المعيشة يكْتَفى بِمَا يحصل لَهُ من مستغلاته الَّتِى ورثهَا عَن سلفه الصَّالح مَعَ حقارتها وخطب للْقَضَاء في أَيَّام شبابه فَلم يساعد بل صمم على الِامْتِنَاع بعد أن رغبّه شَيْخه أَحْمد بن صَالح الْمُتَقَدّم ذكره وَالْحَاصِل أَنه من الْعلمَاء الَّذين اذا رَأَيْتهمْ ذكرت الله عز وَجل وكل شؤونه جَارِيَة على نمط السلف الصَّالح وَكَانَ إذا سَأَلَهُ سَائل أَحَالهُ في الْجَواب على أحد تلامذته واذا أشكل عَلَيْهِ شئ في الدَّرْس اَوْ فِيمَا يتَعَلَّق بِالْعَمَلِ سَأَلَ عَنهُ غير مبال سَوَاء كَانَ الْمَسْئُول عَنهُ خفِيا أَو جلياً لأنه جبل على التَّوَاضُع وَمَعَ هَذَا ففي تلامذته القاعدين بَين يَدَيْهِ نَحْو عشرَة مجتهدين وَالْبَعْض مِنْهُم يصنّف في أَنْوَاع الْعُلُوم إذ ذَاك وَهُوَ لَا يزْدَاد الا تواضعا قَرَأت عَلَيْهِ رَحمَه الله في المطوّل وحواشيه والعضد وحواشيه من أَولهمَا إلى آخرهما والكشاف وَبَعض حَوَاشِيه من أَوله إلى آخِره إلا فوتاً يَسِيرا وَبَعض الرسَالَة الشمسية وَشَرحهَا للقطب وحاشيتها للشريف وَبَعض تَنْقِيح الأنظار في عُلُوم الحَدِيث وقطعة من صَحِيح مُسلم وقطعة من شَرحه للنووي وَجَمِيع سنَن أَبى دَاوُد ومختصر المنذري عَلَيْهَا وَبَعض شرح ابْن رسْلَان والخطابي لَهَا وَشرح بُلُوغ المرام لجده إِلَّا قَلِيلا من أَوَائِله وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل لَا يزْدَاد إِلَّا تواضعا وتصاغرا وتحقيرا لنَفسِهِ وَهَكَذَا فليصنع من أَرَادَ الْوُصُول إِلَى ثَمَرَة الْعلم وَالْبُلُوغ إِلَى فَائِدَته
(1/196)

الأخروية وَكَانَ رَحمَه الله يقبل علي إقبالاً زَائِدا ويعينني على الطلب بكتبه وَهُوَ من جملَة من أرشدني إِلَى شرح الْمُنْتَقى وشرعت في حَيَاته بل شرحت أَكْثَره وأتممته بعد مَوته وَكَانَ كثيراً مَا يتحدث في غيبتي أَنه يخْشَى عليّ من عوارض الْعلم الْمُوجبَة للاشتغال عَنهُ فَمَا أصدق حدسه وأوقع فراسته فَأنى ابْتليت بِالْقضَاءِ بعد مَوته بِدُونِ سنة وانتقلت روحه الطاهرة إِلَى جوَار الله فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة 1208 ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثيته بقصيدة أَولهَا
(كَذَا فَلْيَكُن رزء الْعلَا والعوالم ... وَمن مثل ذَا ينهدّ ركن المعالم)
وريثته أَيْضا بِأَبْيَات أُخْرَى أَولهَا
(جفن المعارف من فراقك سافح ... والعذب مِنْهَا بعد بعْدك مالح)
127 - السَّيِّد الْحسن بن الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الصنعاني المولد والوفاة وَالدَّار الْعَلامَة المبرّز في عدَّة فنون لَا سِيمَا علم الْمَعْقُول فَهُوَ فِيهِ فريد عصره وَله تصانيف في الْمنطق جعله حَاشِيَة على شرح الْعَلامَة الْجلَال في التَّهْذِيب وتلامذته جمَاعَة نبلاء كَانُوا يقصدونه للْقِرَاءَة عَلَيْهِ إِلَى منزله وَله أشعار حسان مِنْهَا القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
لجمال ذاتك في الْوُجُود تطلعي ... ولنيل وصلك في الْحَيَاة تطمعي)
(ولوجهك الزاهي بِحسن جماله ... حجّي وتطوافي بِذَاكَ المربع) وَله يَد في علم التصوف قَوِيَّة وَكَذَلِكَ فى علم الأسماء وَقد أثنى عَلَيْهِ صَاحب نسمَة السحر وَذكر لَهُ مؤلفات وَقَالَ أنه كتب لَهُ بخطه أَنه ولد بضوران سنة 1044 أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَذكر لَهُ شعراً كتبه إليه مطلعه
(1/197)

(ترنم حادى الشوق فَهُوَ مزمزم ... فرعياً لحاد بالهوى يترنّم)
وَذكر مَا يدل على أَن صَاحب التَّرْجَمَة وقف على نسمَة السحر وقرضها وَقد بلغ عمره ثَمَانِينَ سنة وَلم يذكر وَفَاته
128 - السَّيِّد الْحسن بن زيد بن الْحُسَيْن الشامي
قَرَأَ بِصَنْعَاء على أَعْيَان علمائها كالسيد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وطبقته وبرع في علم الحَدِيث وشارك فِي غَيره من الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وَنشر الْعلم وأتعب نَفسه في الإرشاد إلى الْحق من الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَأَقْبل عَلَيْهِ الْخَاص وَالْعَام وَأخذُوا عَنهُ وتخلقوا بأخلاقه وَمَشوا على طَرِيقَته وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك فِي جَمِيع الأوقات فظهرت بركته وَعم النَّفْع بِهِ فإنه سكن في صنعاء فَصَارَ لَهُ اتِّبَاع لَا يعْملُونَ إلا بالأدلة ثمَّ سكن في هِجْرَة سناع فَصَارَ أَهلهَا جَمِيعًا مشتغلين بِالطَّاعَةِ مواظبين على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَكَذَلِكَ سكن في ذهبان وَصَارَ أَهله كَذَلِك وَله في حسن التَّعْلِيم طَريقَة لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَعند وزيره أَحْمد بن علي النهمي فنفع بِهِ جمَاعَة من المحاويج وَصَارَ يبْذل جاهه لَهُم فيجلب إليهم خيراً كثيراً وَلَا يَأْخُذ لنَفسِهِ شَيْئا مَعَ كَونه فَقِيرا وَكَانَ هَذَا دأبه طول حَيَاته وَلَا مطمع لَهُ في مُوَاصلَة أَرْبَاب الدولة الا ذَلِك وَله فى الزّهْد والتقشف وَكَثْرَة الْعِبَادَة وظائف لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره مَعَ قِيَامه بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر والترسلات في ذَلِك على الإمام فَمن دونه والإرشاد إلى الرِّفْق بالرعية وَلَقَد كَانَ خيراً كُله وَلم أعرفهُ وَلكنه
(1/198)

أَخْبرنِي باخباره كل من يعرفهُ وَمَا زَالَ مستمراً على ذَلِك حَتَّى مَاتَ في سنة 1196 سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا
129 - الْحسن بن علي بن جَابر الهبل اليمانى الشَّاعِر المفلق
الْفَائِق المكثر الْمجِيد ولد سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَله شعر يكَاد يسيل رقة ولطافة وجودة وسبك حسن معاني وغالبه الْجَوْدَة وَله ديوَان شعر مَوْجُود بايدى النَّاس وَمِنْه
(أَتَرَى يسلو الْهوى وَله ... عِنْد سكان الْحمى وَله)
(مغرم في قلبه حزن ... فصل الهجران مجمله)
(عظمت أسقامه فغدا ... لَا يرَاهُ من تَأمله)
(لَو رأى من ظل يعذله ... وَجه من في الْحبّ أنحله)
(قَالَ أما فِيك لَا حرج ... إن قضى وجداً يحِق لَهُ)
وَله
(ياقليل الْحِفْظ للذمم ... أيّ شرع حلّ فِيهِ دمى)
(هَل لمن أتلفت مهجته ... ياشقيق الرّوح من حكم)
وَله
(لاذقت حرّ صبابتي ... وكفيت مَا ألْقى بهَا)
(فَالنَّار من أسمائها ... وَالْمَوْت من ألقابها)
وَله القصيدة الطنانة الَّتِى مطْلعهَا
(لَو كَانَ يعلم أَنَّهَا الأحداق ... يَوْم النقا مَا خاطر المشتاق)
(جهل الْهوى حَتَّى غَدا في أسره ... وَالْحب مَا لأ سيره اطلاق)
وَكلهَا غرر لَوْلَا مَا كدرها بِهِ من ثلب الاعراض المصونة أَعْرَاض
(1/199)

خير الْقُرُون وَلما ارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن وَكَانَ كالوزير لَهُ قبل الْخلَافَة وتصدى للقعود في دستها توفي في شهر صفر سنة 1079 تسع وَسبعين وَألف فَيكون عمره احدى وَثَلَاثِينَ سنة وَلَو طَال عمر هَذَا الشَّاب الظريف وَلم يشب صافى شعره بذلك المشرب السخيف لَكَانَ أشعر شعراء الْيمن بعد الْألف على الاطلاق وَأَصله من قَرْيَة بنى الهبل وهي هِجْرَة من هجر خولان وَمحله ومحلي وَاحِد لَيْسَ بَينهمَا مَسَافَة بل بَينهمَا من الْقرب بِحَيْثُ يسمع كل وَاحِد مِمَّن فيهمَا كَلَام الآخر وَقد بَالغ صَاحب نسمَة السحر في حَقه فَقَالَ إنه لم يُوجد بِالْيمن اشعر مِنْهُ من أول الإسلام وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان فَالصَّوَاب مَا قلته سَابِقًا
130 - الْحسن بن علي بن الْحسن بن علي بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن صَالح بن مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن حَنش
وَبَقِيَّة نسبه مَعْرُوفَة فَلهُ سلف صَالح فيهم الْعلمَاء والقضاة والصلحاء وبيتهم مَشْهُور فى الديار اليمنية ولد بشهاره في سنة 1153 ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَألف ورحل من وَطنه لطلب الْعلم إِلَى مَدِينَة صنعاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها كالسيد الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن اسماعيل الْأَمِير فِي الحَدِيث
(1/200)

والقاضى الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن قَرَأَ عَلَيْهِ فى مغنى اللبيب ورسالة الْوَضع للهروى وَغَيرهمَا وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسحاق بن يُوسُف بن المتَوَكل قَرَأَ عَلَيْهِ في المعالجة والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال في الْعَرَبيَّة والقاضى حسن ابْن مُحَمَّد المغربي في شرح بُلُوغ المرام وَشَيخنَا الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي غَايَة السؤل وَشَرحهَا وسيرة الشامي وَشَيخنَا الْعَلامَة الْأَكْبَر السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد قرأ عَلَيْهِ فِي جَامع الْأُصُول لِابْنِ الأثير وَغَيره وَولده الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر قَرَأَ عَلَيْهِ في الْغَايَة وَشَرحهَا وفي صَحِيح البُخَارِيّ وَقَرَأَ القراآت السَّبع على شيخها المتفرد بمعرفتها الْفَقِيه علي اليدومي وَأول من اتَّصل بِهِ عِنْد وُصُوله إلى صنعاء الْفَقِيه إسماعيل بن مُحَمَّد حَنش وَقَرَأَ عَلَيْهِ وأعانه على الطلب وَولى في أَوَائِل عمره أعمالاً من وقف وَغَيره ثمَّ أمره مَوْلَانَا الإمام المهدي أَن يتَّصل بولده مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله ليقْرَأ عَلَيْهِ فاتصل بِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ ولازمه مُدَّة ثمَّ لما مَاتَ الإمام الْمهْدي وبويع مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه أناط بِصَاحِب التَّرْجَمَة أعمالاً وصيره أحد وزرائه المقربين عِنْده وَجعل بنظره بعض الْبِلَاد اليمنية وَبَالغ في تَعْظِيمه لكَونه شَيْخه في الْعلم وَلم يعامله مُعَاملَة سَائِر الوزراء وَإِذا نَاب الدولة أَمر يتَعَلَّق بالأمور الشَّرْعِيَّة كَانَ التعويل عَلَيْهِ فى الْغَالِب وغالب مَا يتَحَصَّل لَهُ يُنْفِقهُ على الْعلمَاء ويواسي بِهِ الْفُضَلَاء والفقراء على وَجه لايحب أَن يطلع عَلَيْهِ أحد وَمَا زَالَ هَذَا دأبه وديدنه من أول وزارته إِلَى حَال تَحْرِير
(1/201)

هَذَا نَحْو ثَلَاث وَعشْرين سنة وَهُوَ لَا يزْدَاد إلا خيّراً وإنفاقاً على من يسْتَحق ذَلِك وَهُوَ فى هَذِه الْخصْلَة مُنْقَطع القرين عديم النظير لَا سِيمَا في هَذَا الْعَصْر فإنه قد يعْطى بعض المحاويج الَّذين لَا يتصلون بِهِ عَطاء يُجَاوز الْوَصْف في الْكَثْرَة ويشتري الْبيُوت ويهبها لمن لَا بَيت لَهُ ويعين من أَرَادَ أَن يشترى بَيْتا اذا كَانَ مُسْتَحقّا لَا كثر الثّمن أوكله وَقد صنع هَذَا المصنع مَعَ أنَاس كثيرين وَهُوَ يكره ظُهُور ذَلِك واطلاع النَّاس عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَلِيل الخلوص وأنى لَا كثر التَّعَجُّب من كَثْرَة صدقاته الَّتِى مِنْهَا مَا يبلغ الْمِائَة القرش وفوقها ودونها بل أخبرني بعض الْعلمَاء أَنه اطلع على مَا وهبه لبَعض الْعلمَاء وَكَانَت جملَته ألف قِرْش دفْعَة وَاحِدَة وأخبرني آخر أَنه بلغ إعطاؤه لعالم آخر اثنتي عشرَة مائَة قِرْش دفْعَة وَاحِدَة وناهيك بِهَذَا فإن عَطاء الْمُلُوك في عصرنا يتقاصر عَنهُ ويزداد التَّعَجُّب من استمراره على ذَلِك كَيفَ قدر على الْقيام بِهِ مَعَ أَن غَيره مِمَّن بنظره أَعمال أَكثر من أَعماله ومدخولات أوفر من مدخزلاته قد لَا يقوم مَا يتَحَصَّل لَهُ بِمَا يستغرقه لخاصة نَفسه وَأَهله فضلاً عَن غير ذَلِك ثمَّ أذكر قَول الله تَعَالَى وَمَا أنفقتم من شئ فَهُوَ يخلفه وَقَول النبى صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم أنْفق ينْفق عَلَيْك فَأعْلم عِنْد ذَلِك السَّبَب وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي عَيْش فائق مترفه فِي ملبوسه ومأكوله ومسكنه ومركبه وَجَمِيع أَحْوَاله على حد يقصر عَنهُ أَمْثَاله قد جمع الله لَهُ من نعم الدُّنْيَا مَالا يُدْرِكهُ غَيره وَأَعْطَاهُ من الكمالات مَالا يُوجد مجتمعاً فِي سواهُ فإنه مَعَ إحكامه لما يتَعَلَّق بِهِ من الْأَعْمَال الدولية مَعْدُود من الْعلمَاء مَذْكُور فِي الفرسان مَشْهُور بِحسن الرماية جيد الْخط قوي النثر حسن الْأَخْلَاق وَكَانَ بشوشاً متواضعاً سيوساً جلياً وقوراً سَاكِنا عفيفا مواظبا
(1/202)

على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة كثير الأذكار محباً للْفُقَرَاء وَلَا سِيمَا إذا كَانُوا من أهل بَيت النُّبُوَّة رَاغِبًا في الْخَيْر كافاً لنَفسِهِ عَن الشَّرّ مُعظما للشَّرْع مجالسه مُشْتَمِلَة على المباحثات العلمية والمفاكهات الأدبية مقرباً لأهل الْفضل مُبْعدًا لأهل البطالة حسن المحاضرة قوي المباحثة جيد الْفَهم حسن الادراك ينشط اذا سُئِلَ عَن مسئلة علمية ويبحث ويستخرج بدقيق ذهنه فرائد بديعة يعرف النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والقراآت وَالتَّفْسِير وَيعْمل بِجَمِيعِ هَذِه الْفُنُون وَله كَمَال الِاشْتِغَال والعناية بِعلم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْعَمَل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة وَلَا يبالي بِمَا عدا ذَلِك ولديه من الْكتب النفيسة مَالا يُوجد عِنْد غَيره وبيني وَبَينه من خَالص الوداد مَالا أقدر على التَّعْبِير عَن بعضه وَمَا أعده إِلَّا بِمَنْزِلَة الْوَالِد وَهُوَ ينزلني منزلَة الْوَلَد ويجلّني إجلال الْوَالِد وَقد اتفقت الألسن على الثَّنَاء عَلَيْهِ وَنشر محاسنه مَعَ أَن النَّاس لَا يرضون عَن المتعلقين بأعمال الدولة وَلَكِن رَأَوْا فِيهِ من المحاسن مَالا يُمكن جَحده وَالْحَاصِل أَنه للدولة جمال وَلأَهل الْعلم جلال وللفقراء ذخيرة أفضال طَالَتْ أَيَّامه ومدت أعوامه وَفِي سنة إحدى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف حصل لَهُ نِسْيَان وَكَثْرَة سَهْو فباشر مَا بنظره من الأعمال بعض قرَابَته فَلم يحسن الْمُبَاشرَة وَمَا زَالَ ذَلِك الْعَارِض يتزايد وفي سنة ثَلَاث وَعشْرين رجح رفع يَده عَن الْأَعْمَال الَّتِى كَانَ يُبَاشِرهَا ثمَّ أحاطت الدُّيُون بغالب مَا يملكهُ بِسَبَب مُبَاشرَة ذَلِك الْقَرِيب ثمَّ توفي إِلَى رَحْمَة الله يَوْم السبت خَامِس عشر شهر شعْبَان سنة 1225 خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بِصَنْعَاء وقبر بمقبرتها
(1/203)

131 - الإمام الْحسن بن علي بن دَاوُد المؤيدي
رَأَيْت سيرته فِي مُجَلد وَصفه مؤلفها بالتبحر فِي عُلُوم عديدة كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث وَرَأَيْت لَهُ رسائل تدل على بلاغته وَقُوَّة تصرفه دَعَا إِلَى نَفسه سنة 984 في نصف شهر رَمَضَان مِنْهَا فاجتمعت إِلَيْهِ الزيدية وَأَجَابُوا دَعوته وَبَايَعُوهُ في بِلَاد صعدة وَخرج مِنْهَا بِجَيْش إِلَى الأهنوم واشتعلت الأرض نَارا بقيامه على الأتراك وَدخل في طَاعَته بعض أَوْلَاد الإمام شرف الدَّين وَأسر عبد الله بن المطهر وأودعه السجْن ثمَّ توجه بجند وَاسع لأخذ بِلَاد هَمدَان فَفتح أكثرها وَخرج الأتراك من صنعاء وأميرهم سِنَان فَمَا زَالَت الْحَرْب بَينهمَا سجالاً وفي سنة 993 افْتتح سِنَان بِلَاد الأهنوم وانحصر الإمام الْحسن في مَحل يُقَال لَهُ الصاب ودعا الى السّلم فاجاب وَخرج الى يدسنان فِي نصف شهر رَمَضَان مِنْهَا وَهَذَا من غرائب الزَّمَان كَون قِيَامه في نصف شهر رَمَضَان وأسره في نصف شهر رَمَضَان ثمَّ دخل بِهِ سِنَان إلى صنعاء فوصل بِهِ الى الباشا حسن فسجنه وَقد كَانَ أسر أَوْلَاد المطهر بن شرف الدَّين الأربعة لطف وعَلى يحيى وَحفظ الله وغوث الدَّين وسجنهم مَعَ الإمام وفي شهر شَوَّال من هَذِه السنة أرسل الباشا بهم جَمِيعًا إلى الروم وَكَانَ آخر الْعَهْد بهم وَقد روي أَنه مَاتَ الإمام الْحسن في الروم مَحْبُوسًا في شهر شَوَّال سنة 1024 أَربع وَعشْرين وَألف سنة وَالله أعلم وَله أَخْبَار حسان استوفى مؤلف سيرته فَمن رام الِاطِّلَاع عَلَيْهَا فليقف على السِّيرَة الْمَذْكُورَة ليعرف مِقْدَار هَذَا الإمام وسعة دائرته في المعارف العلمية
(1/204)

132 - الْحسن بن عمر بن الْحسن بن حبيب بن عمر بن شُرَيْح بن عمر المقلب بدر الدَّين الدمشقي الحلبي
ولد سنة 710 عشر وَسَبْعمائة بِشَهْر شعْبَان مِنْهَا وَنَشَأ مغرماً بِعلم الْأَدَب وَأخذ عَن جمَاعَة من الأدباء مِنْهُم ابْن نَبَاته وَله مؤلف في الأدب سَمَّاهُ نسيم الصِّبَا يشْتَمل على نفائس وَاسْتعْمل مفاصل شِفَاء القاضي عِيَاض فسبكها سجعّا وألف درة الأسلاك فِي دولة الأتراك سجع كُله يدل على مزِيد اطِّلَاعه وفصاحته وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة من أَعْيَان عُلَمَاء عصره قَالَ ابْن حجر وَكَانَ فَاضلا كيساً صَحِيح النَّقْل حدث عَنهُ جمَاعَة وَكَانَ يُوقع عَن الْقُضَاة وَانْقطع فِي آخر مدَّته بِمَنْزِلَة وَله تذكرة النبيه في أَيَّام الْمَنْصُور وبنيه سجعاً وباشر نِيَابَة الْقَضَاء ونيابة كِتَابَة السِّرّ مَاتَ في شهر ربيع الآخر سنة 779 تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَمن شعره
(ألحاظه شهِدت بأني ظَالِم ... وَأَتَتْ بِخَط عذاره تذكارا)
(يَا حَاكم الْحبّ اتئد فى قصتى ... فالخط زورو الشُّهُود سكارى)
133 - السَّيِّد الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن على بن الرشيد بن أَحْمد بن الأمير الْحُسَيْن بن علي بن يحيى
بن مُحَمَّد بن يُوسُف الأصغر الملقب الأشل ابْن الْقَاسِم ابْن الإمام الداعي يُوسُف الأكبر ابْن الإمام الْمَنْصُور يحيى ابْن الإمام النَّاصِر احْمَد بن الإمام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن اسمعيل بن إبراهيم بن الْحسن ابْن الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم وَرَحمته وَبَرَكَاته ولد بعد صلوة الْعشَاء من لَيْلَة الِاثْنَيْنِ غرَّة شهر شعْبَان سنة 996 سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على جمَاعَة
(1/205)

من الشُّيُوخ وَأدْركَ حِصَّة نافعة من المعارف وَفرغ نَفسه للْجِهَاد مَعَ وَالِده فَنَهَضَ بِمَا لاينهض بِهِ غَيره ونال من الاتراك مالم ينله أحد وأوقع بهم وقعات مُتعَدِّدَة حَتَّى استأصلهم وأخرجهم من الديار اليمنية بعد أَن حَارب جمَاعَة من كبرائهم كحيدر باشا وقانصوه باشا وَأخذ جَمِيع مَا بِأَيْدِيهِم من مدن الْيمن ووقعاته وملاحمه لَا يَتَّسِع لَهَا هَذَا الْمُخْتَصر وَقد سرد جَمِيع ذَلِك الجرموزي في سيرته وهي كتاب حافل وَلم يكن لأحد من الْعِنَايَة التَّامَّة بمجاهدة الأتراك مَا كَانَ لَهُ رَحمَه الله وَأسر فِي أَيَّام وَالِده وَحبس بِصَنْعَاء وبقي أَيَّامًا طائلة ثمَّ خرج خُفْيَة وهيأ الله لَهُ أَسبَاب ذَلِك فَلم يشْعر بِهِ أحد وَفِيه من الشجَاعَة والإقدام في المعارك مَا يبهر الْعُقُول فإنه وَحده يقوم مقَام الْجَيْش الْكثير وَقد أحَاط بِهِ في قاع صنعاء أَيَّام محاصرته لَهَا جمَاعَة من فرسَان الأتراك الْمَشْهُورين وهم عدد وَاسع يزِيد خيلهم على الألف فضلاً عَن سَائِر الْجَيْش وَلم يكن عِنْده إذ ذَاك إلا أَخُوهُ الْعَلامَة الْحُسَيْن الآتي ذكره وَنَفر يسير فدار الْقِتَال عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه ومازال يصاولهم طَعنا وَضَربا ويجدل شجعانهم حَتَّى خرج من بَينهم سالما هُوَ وَمن مَعَه من النَّفر الْيَسِير وَكم أعدد من إقدامات هَذَا السَّيِّد الَّذِي تقصر الأقلام عَن حصر بعض مناقبه وَهُوَ نَظِير المطهّر ابْن شرف الدَّين أَو أرفع دَرَجَة مِنْهُ في الشجَاعَة والرياسة وَحسن التَّدْبِير وَقد بلغت جيوشه فِي بعض المواطن نَحْو ثَمَانِينَ الْفَا وَله في الْكَرم يَد طولى قَالَ السَّيِّد عَامر بن مُحَمَّد عبد الله بن عَامر الشَّهِيد في بغية المريد أنه أعطى الشريف طَاهِر الادريسى خَمْسَة وَعشْرين ألف قِرْش من النَّقْد وَمن الْجَوَاهِر والنفائس مَا يخرج عَن الْفِكر انْتهى ثمَّ بعد أَن أجلى الأتراك
(1/206)

من أَرض الْيمن جَمِيعهَا اختط حصن الدامغ في حُدُود سنة 1040 فعمره عمَارَة بليغة وأجرى فِيهِ الأنهار وغرس فِي جوانبه الأشجار وشيّد الديار حَتَّى صَار مَدِينَة كَبِيرَة وَاسْتقر فِيهِ حَتَّى توفاه الله في وَقت الْمغرب من لَيْلَة الْأَحَد ثَالِث شَوَّال سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وألف في خلَافَة أخيه الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ورثاه شعراء عصره بمراثي جَيِّدَة مِنْهَا قَول بَعضهم
(أدرى الذي ينعى إلينا من نعى ... لَو كَانَ يدري مَا أشاد وأسمعا)
(أتراه يدري أنه ينعي إِلَى ... كل الأنام الدَّين وَالدُّنْيَا مَعًا)
(وحياتهم ومعاشهم ورياشهم ... ونعيمهم هَذِه الْخِصَال الأربعا)
وَكَانَ مَوته فِي مَدِينَة الْحصين الَّتِي عمرها تَحت حصنه الْمُتَقَدّم وَله نظم فَمِنْهُ مَا قَالَه في أَيَّام اعتقاله يرغب وَالِده فِي الصُّلْح بأبيات أَولهَا
(مولاي أن الصُّلْح أعذب موردا ... فاسلك لَهُ جدداً سوياً أجردا)
وهي أَبْيَات مَشْهُورَة
وَكَانَ يلازم في أَسْفَاره وجهاداته الْقِرَاءَة على الشُّيُوخ والمطالعة لكتب الْعلم ولازم في آخر أَيَّامه السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى فَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الاصول وَغَيرهَا وَقد جمع إلى شجاعته الباهرة الْكَرم الفائض حَتَّى كَانَ يعْطى عَطاء من لَا يخَاف الْفقر وَالْحَاصِل أنه من أعظم سلاطين الْجِهَاد وأساطين مصَالح الْعباد
134 - حسن بن مُحَمَّد بن قلاون الصالحي الْملك النَّاصِر بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولد سنة 735 خمس وَثَلَاثِينَ وسبعمائة وسمي أَولا قمارى فَلَمَّا جلس على التخت قَالَ للنائب يَا أبي مَا اسْمِي قمارى اسْمِي حسن فَقَالَ على خيرة الله وَاسْتقر اسْمه
(1/207)

حسناً وَولى السلطنة بعد أَخِيه المظفر سنة 748 وَقبض على حَاشِيَة أَخِيه وصودروا لتخليص الأموال فَوجدَ لديهم من الْجَوَاهِر مَا قِيمَته مائَة الف دِينَار فَمَا كَانَ يَوْم السبت رَابِع عشر شَوَّال سنة 751 قَالَ النَّاصِر لأهل المملكة إن كنت سُلْطَانا فاقبضوا هَذَا فأمسك وَأرْسل إلى الإسكندرية ثمَّ مَا زَالَ يقبض الأمراء وَاحِدًا بعد وَاحِد فنفروا مِنْهُ وركبوا عَلَيْهِ في سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 752 وخلعوه وقرروا أَخَاهُ الصَّالح وأعيد النَّاصِر فِي شَوَّال سنة 755 واستبد بالمملكة وَصفا لَهُ الْوَقْت وَلم يُشَارِكهُ أحد في التَّدْبِير فَبَالغ فِي أَسبَاب الطمع واستحوذ على إهلاك بَيت المَال وَأكْثر من سفك الدِّمَاء وَشرع في عمَارَة الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالرميلة وَلَيْسَ لَهَا نَظِير بالديار المصرية وَمَات وَلم تكمل ثمَّ عزم على قتل بعض أكَابِر أمرائه فاستعد لَهُ وتقاتلا فَكَانَت الدائرة على النَّاصِر فَانْهَزَمَ ثمَّ أمسك وَقتل في تَاسِع جُمَادَى الأولى سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ ذكياً مفرطاً وَله بعض اشْتِغَال بِالْعلمِ
135 - الْحسن بن مُحَمَّد شاه الفنّاري الْمَعْرُوف بالشلبي صَاحب حَاشِيَة المطوّل
قَرَأَ على عُلَمَاء الروم ثمَّ ارتحل إلى مصر لقِرَاءَة مغني اللبيب على رجل مغربي وَكَانَ علي الفنّاري قاضي السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عَم صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ لَهُ اسْتَأْذن السُّلْطَان في عزمي على مصر لقِرَاءَة مغني اللبيب على شيخ مغربي هُنَالك لَيْسَ لَهُ نَظِير في معرفَة هَذَا الْكتاب فَاسْتَأْذن الْمَذْكُور السُّلْطَان فَقَالَ لَعَلَّه قد اخْتَلَّ دماغه وَكَانَ منحرفاً عَنهُ بِسَبَب أَنه صنّف حَاشِيَة التَّلْوِيح باسم ابْن السُّلْطَان وَهُوَ بايزيد بن مُحَمَّد فَرَحل الى
(1/208)

مصر وَقَرَأَ الْكتاب الْمَذْكُور قِرَاءَة متقنة وَكتب لَهُ المغربي فِي ظهر كِتَابه إجازة ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الروم وَأرْسل كتاب مغني اللبيب إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَلَمَّا نظر فِيهِ زَالَ عَنهُ مَا كَانَ فَأعْطَاهُ مدرسة يدرس بهَا ثمَّ في دولة السُّلْطَان بايزيد عيّن لَهُ كل يَوْم ثَمَانِينَ درهماً وَله مصنفات مِنْهَا حَاشِيَة المطوّل الْمُتَقَدّم ذكرهَا وهي حَاشِيَة مفيدة وَمِنْهَا حَاشِيَة على شرح المواقف للشريف وحاشية على التَّلْوِيح وَكلهَا مقبولة وَسمع في مصر صَحِيح البخارى على بعض تلاميذة الْحَافِظ ابْن حجر وَمَات فِي دولة السُّلْطَان بايزيد خَان وَكَانَ جُلُوسه على تخت السلطنة سنة 886
136 - الْحسن بن قَاسم الْمُجَاهِد القاضي الْعَلامَة الذكى
ولد تَقْرِيبًا سنة 1190 تسعين وماية وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير ومسكنه هُوَ وَأَهله في مَدِينَة ذي جبلة انتقلوا إليها من مَدِينَة ذمار وَهُوَ عَارِف بالفقه والفرائض والنحو والاصول وَله مُشَاركَة في علم الحَدِيث وَفهم جيد وذهنه صَحِيح قَرَأَ علي عِنْد وصولي مَدِينَة جبلة مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله في الحَدِيث والأصول ولازمني مُدَّة إقامتي في تِلْكَ الْمَدِينَة من جملَة من لازمني من أَهلهَا للْقِرَاءَة وَقد أجزت لَهُ أَن يروي عَنى مروياتي وَهُوَ أهل لذَلِك لرغوبه إلى الْعلم وإكبابه عَلَيْهِ وَقد كتب بعض مؤلفاتي كالدرر والدراري والفوائد الْمَجْمُوعَة فِي الأحاديث الْمَوْضُوعَة وحاشية شِفَاء الأوام والسيل الجرار وَغير ذَلِك وَله سماعات علي عِنْد قدومه إلى صنعاء وَقد قدم مَرَّات وَصَارَ قَاضِيا فِي مَوَاضِع ورسخت مَعْرفَته وَعمل بِالدَّلِيلِ
(1/209)

137 - الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن سَابق الدَّين بن علي بن أَحْمد بن أسعد بن أَبى السُّعُود بن يعِيش الْمَعْرُوف بالنحوي
الصنعاني الزيدي عَالم الزيدية فِي زَمَانه وَشَيخ شيوخهم وناشر علومهم كَانَ يحضر حَلقَة تدريسه زهاء ثَمَانِينَ عَالما وَله تَحْقِيق وإتقان لاسيما لعلم الْفِقْه يفوق الرصف وَله مصنّفات مِنْهَا في الْفِقْه كتاب التَّذْكِرَة الفاخرة أودعهُ من الْمسَائِل مَالا يُحِيط بِهِ الْحصْر مَعَ إيجاز وَحسن تَعْبِير وَهُوَ كَانَ مدرس الزيدية وعمدتهم حَتَّى اخْتَصَرَهُ الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى وجرّد مِنْهُ الأزهار فَمَال الطّلبَة من حِينَئِذٍ إلى هَذَا الْمُخْتَصر وَله تَفْسِير وَله تَعْلِيق على اللمع وَاخْتصرَ الِانْتِصَار للإمام يحيى في مُجَلد وَكَانَ زاهداً ورعاً متقشفاً متواضعاً وَولى قَضَاء صنعاء وانتفع النَّاس بِهِ وَكَانَ يَأْكُل من عمل يَده وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل إلى أن مَاتَ فى سنة 791 احدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وقبر فِي عدني صنعاء قريب من بَاب الْيمن وقبره مَشْهُور مزور
138 - السَّيِّد الْحسن بن مطهر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد
ابْن الداعي الْمُنْتَصر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن الإمام يُوسُف الدَّاعِي ابْن يحيى الْمَنْصُور بن احْمَد النَّاصِر بن يحيى الهادى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضى لله عَنْهُم الْحسنى الْيُمْنَى الجرموزي ولد بعتمة سنة 1044 أَربع وأربعين وَألف وَقَرَأَ على القاضي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي والقاضى مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي والقاضي علي الطَّبَرِيّ وَغَيرهم من عُلَمَاء
(1/210)

صنعاء وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله مؤلفات مِنْهَا شرح نهج البلاغة ونظم الكافل وَله شعر حسن فَمِنْهُ في تَشْبِيه الزنبق
(انْظُر إِلَى الزنبق الأنيق وَقد ... أبدع في شكله وفي نمطه)
(كَمثل قنديل فضَّة غرست ... شموع تبر تضئ فِي وَسطه)
وَله أشعار رائقة واتصل بالمتوكل على الله اسماعيل وتنقل فى الولايات فولى حرازتم بندر المخاومدحه أَعْيَان الشُّعَرَاء فِي زَمَنه كالشيخ إبراهيم الْهِنْدِيّ وَغَيره من شعراء الْيمن وَجَمَاعَة من شعراء الْبَحْرين وعمان وعظمت رياسته وطار صيته ونال من الْعِزّ مالم يكن لَهُ في حِسَاب وَمَات يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الآخرة سنة 1100 إحدى عشر ماية بِصَنْعَاء بعد أَن تَغَيَّرت لَهُ الأحوال
139 - السَّيِّد الْحسن بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم الحمزي الكبسي ثمَّ الصنعاني
ولد بصفر سنة 1167 سبع وَسِتِّينَ وماية ألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ فِيهَا على جمَاعَة من الْعلمَاء وأكثر انتفاعه على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي فإنه لَازمه في جَمِيع الْفُنُون فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع في جَمِيع هَذِه الْفُنُون وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر الْمشَار إليهم بالتحقيق والإتقان وَهُوَ جيد التَّحْرِير حسن المباحثة وَله رسائل في مسَائِل مُتَفَرِّقَة متقنة غَايَة الإتقان وَقد رافقني في قِرَاءَة الْكَشَّاف على شَيخنَا الْمُتَقَدّم فَكَانَ يسْتَخْرج بفاضل ذهنه فَوَائِد نفيسة وَبعد موت شَيخنَا اسْتَقر المترجم لَهُ بِهِجْرَة
(1/211)

الكبس وَعَكَفَ عَلَيْهِ طلبة الْعلم هُنَالك وَمَا زَالَ يرشدهم إلى المعارف العلمية ويدرس في كثير من الْفُنُون وَله شعر حسن ونثر جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إلى من هُنَالك نظماّ ونثراً وَهَذَا لَفظه
(سَلام من الله السَّلَام وَرَحْمَة ... عَلَيْك إمام الْعلم وَالدّين وَالْهدى)
(يفوحان كالمسك الذكى بسوحكم ... دواما كَمَا دَامَت معاليك سرمدا)
(فياراكبا بلغ سلامي ليشتفي ... فؤادي بِهِ إن مَا بلغت مُحَمَّدًا) من ضرب سرادقات مجده على هام الْكَوَاكِب وَسبح فلك فخره فِي بحار أَعلَى الْمَرَاتِب وحازت جِيَاد مساعيه قصبات الْفَضَائِل فِي غَايَة المناقب وتفردت أفكاره باستخراج دقائق الْعُلُوم بنظره الثاقب وَنشر أَعْلَام الْحق فِي قناة الِاجْتِهَاد فِي رَأْيه الصائب الْعَلامَة على الإطلاق في جَمِيع مسارح الْمذَاهب عُمْدَة الْخَاصَّة والعامة بالِاتِّفَاقِ فَالْكل رَاغِب وراهب
(الْعِزّ مَوْلَانَا الْكَرِيم مُحَمَّد ... شيخ الشُّيُوخ وفيصل الْحُكَّام)
(هش إذا نزل الْوُفُود بِبَابِهِ ... سهل الْحجاب مؤدب الخدّام)
(وَإِذا رَأَيْت شقيقه وَصديقه ... لم تدر أَيهمَا أَخُو الأرحام)
(أبقاه ربي للعلوم ونشرها ... يحيى موَات شرائع الإسلام)
وَبعد هَذَا نثر طَوِيل فأجبت بمالفظه
السدة الَّتِى ضربت خيامها على هام السماك والعقوة الَّتِى تتضاءل عِنْد تعاظمها أَعْنَاق الأملاك والحسنة الَّتِى صَارَت لمحاس الدَّهْر غرَّة والمكرمة الكائنة في ذَات المكارم طرة
(أعني بِهِ الْحسن بن يحيى من غَدا ... فَرد الزَّمَان وحبره المتبحرا)
(السَّابِق الأعلام فَهُوَ مقدم ... يَوْم الرِّهَان وَغَيره فِيهِ ورا)
(1/212)

لَا برح زِينَة للزمان ومنقبة يفتخر بهَا نوع الإنسان وَخَصه الله بجزيل سَلَامه وَجَمِيل إكرامه وجليل انعامه وَالله الْمَسْئُول أَن يُقيم بِهِ سوق الْمجد على سَاق ويجعله بفضائله وفواضله مَاشِيا فَوق الأعناق وَبعد هَذَا نثر طَوِيل والمترجم لَهُ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل مشتغل بنشر الْعلم وأعمال الْخَيْر قد قنع من عيشه بالكفاف من غلات أَمْوَال يسيرَة ورثهَا عَن وَالِده وَكَثِيرًا مَا يَقع بيني وَبَينه مباحثات علمية وتحريرات لما يَدُور مِنْهَا وَلما مَاتَ أَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى قَامَ هَذَا مقَامه في الْقَضَاء بالجهات الخولانية وَمَا يتَّصل بهَا وعظّمه مَوْلَانَا الإمام بِمَا يَلِيق بجلاله وَقدره بعد أَن عَرفته حفظ الله بَان الْمَذْكُور بِالْمحل العالي في الْعلم وَالْعَمَل وَأَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى ستأتي تَرْجَمته إن شَاءَ الله
140 - الْحسن بن يحيى سيلان السفياني ثمَّ الصعدي
أحد الْعلمَاء الْمَشَاهِير أَخذ الْعلم عَن القاضي صديق بن رسام وَالسَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد حورية وبرع فِي عدَّة فنون وَله مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَة على شرح غَايَة السؤل للحسين بن الْقَاسِم وَله حَاشِيَة على شرح الْآيَات للنجري وحاشية على القلائد وحاشية على حَاشِيَة الشلبي على المطول اقْتصر فِيهَا على إيضاح مَا أشكل من عِبَارَات الشلبي وَلم يزل مدرساً بصعدة ونواحيها حَتَّى مَاتَ في شهر الْقعدَة سنة 1110 عشر وَمِائَة وَألف
(1/213)

141 - الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن صَالح بن مُحَمَّد السياغي الحيمي ثمَّ الصنعاني
ولد سنة 1180 ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على أَعْيَان علمائها وَهُوَ رفيقي في بعض مسموعاتى على شيوخي ورافقني فِي قِرَاءَة الخبيصي والرضي شرحيّ الكافية وَشرح السعد الْمُخْتَصر على التَّلْخِيص وحاشية الشَّيْخ لطف الله وَشرح اليزدي على التَّهْذِيب وَشرح الشافية للطف الله على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني رَحمَه الله ورافقني أَيْضا في قِرَاءَة سنَن أَبى دَاوُد والعضد وحواشيه والمطول وحواشيه والكشاف وحواشيه على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي وَحضر مَعنا قَلِيلا على شَيخنَا السَّيِّد الإمام عبد الْقَادِر بن أَحْمد في قِرَاءَة الحَدِيث وَقِرَاءَة الْفِقْه كشرح الأزهار وَالْبَيَان على وَالِده وَقَرَأَ مَجْمُوع الإمام زيد بن علي على القاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وعَلى آخَرين وبرع في هَذِه المعارف كلهَا وفَاق وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين في عدَّة فنون وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ الْحسن الْفَائِق وَله إكباب على الْعلم واشتغال بِهِ عَمَّا سواهُ مَعَ ذهن قوي وَفهم صَحِيح وادراك جيد وسمت حسن ورصانة وعقل ومتانة دين وغالب انتفاعه على الشَّيْخَيْنِ الأولين وَقد قَرَأَ عَلَيْهِمَا غير مَا تقدم ذكره كالصحيحين وَشرح الْعُمْدَة ووفقت على حَاشِيَة لَهُ نفيسة على شرح الْجلَال لِآدَابِ الْبَحْث وَرَأَيْت لَهُ حلاً للغز السَّيِّد الْعَلامَة اسحق بن يُوسُف الْمُتَقَدّم ذكره جعله شرحاً لأبيات
(1/214)

اللغز وأجاد فِيهِ كل الإجادة وَهُوَ الْآن يشْرَح مَجْمُوع الامام زيد بن على شرحاً حافلاً وبيني وَبَينه مكاتبات ومشاعرات ومباحثات في عدَّة مسَائِل وَله نظم جيد ونثر حسن واذا حرر بحثا فى مسئلة أتقنه غَايَة الإتقان وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل في الِاشْتِغَال بالمعارف العلمية درساً وتدريساً ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله شهر جُمَادَى الأولى سنة 1221 إحدى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف وقبر بمقبرة صنعاء ووالده من عُلَمَاء الْفِقْه
(1/215)

المبرزين فِيهِ وَهُوَ أحد الْحُكَّام بِصَنْعَاء الْآن وَتوفى في رَمَضَان سنة 1224 أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وجد صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ من المتقنين فى علم الْفِقْه والفرائض أَخذ عَن أكَابِر عُلَمَاء عصره وَأخذ عَنهُ الأكابر وَتَوَلَّى الْقَضَاء مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى مَاتَ في شهر شَوَّال سنة 1164
142 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن أَحْمد بن صَلَاح بن أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن علي الْمَعْرُوف بزبارة
نِسْبَة إلى مَوضِع كَمَا تقدم في تَرْجَمَة حفيده أَحْمد بن يُوسُف ولد تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة 1088 ثَمَان وَثَمَانِينَ وألف وَأخذ عَن الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وأخيه الْحسن بن مُحَمَّد والعلاّمة علي بن يحيى
(1/216)

البرطي وَعَن الْعَلامَة السَّيِّد زيد بن مُحَمَّد وَسَائِر أَعْيَان ذَلِك الزَّمَان وبرع فى جَمِيع المعارف وَله عناية كَامِلَة بأسانيد مسموعاته وَغَيرهَا وَكَانَ لَهُ بالسيّد يُوسُف بن المتَوَكل اتِّصَال ومحبة ومعاضدة وولاه الإمام المتَوَكل الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الْقَضَاء بضوران وَكَانَ يتخوف قبل ذَلِك من المهدي صَاحب الْمَوَاهِب بِسَبَب صحبته ليوسف بن المتَوَكل اسمعيل وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وَأَنا أروي عَن شَيخنَا الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد عَن يُوسُف ابْن صَاحب التَّرْجَمَة عَنهُ وَتوفى فِي سنة 1141 وَقيل سنة 1135 وَقيل سنة 1136
(1/217)

143 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن علي الحسيني العلوي الشافعي الْمَعْرُوف بالأهدل
ولد تَقْرِيبًا سنة 779 تسع وَسبعين وَسَبْعمائة قَرَأَ على الزيلعى وعَلى الازرق والرضى الطبرى وَمُحَمّد الموزعي وَابْن الرداد والناشري وبرع في
(1/218)

عدَّة عُلُوم وصنّف حَاشِيَة على البخاري انتقاها من شرح الْكرْمَانِي مَعَ زِيَادَة سَمَّاهَا مِفْتَاح القارى لجامع البخارى واللمعة المقنعة فى ذكر الْفرق المبتدعة والرسائل المرضية في نصر مَذْهَب الأشعرية وَبَيَان فَسَاد مَذْهَب الحشوية وَشرح الأسماء الْحسنى ومؤلف في مروق ابْن العربى وَابْن الفارض واتباعهما وتحفة الزَّمن في تَارِيخ سَادَات الْيمن وَله مصنفات غير هَذِه وَهُوَ شيخ عصره بِلَا مدافع دارت عَلَيْهِ الْفتيا ورحل إليه النَّاس للتدريس وَاسْتقر بِأَبْيَات حُسَيْن واشتهر ذكره وطار صيته وَمَات بهَا في صبح يَوْم الْخَمِيس تَاسِع شهر محرم سنة 855 خمس وَخمسين وثمان مائَة وَدفن بهَا وَهُوَ من مشاهير عُلَمَاء الْيمن المبرزين في علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول
(1/219)

144 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي
ولد سنة 1147 سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء الْعَصْر المبرزين قَرَأَ على عُلَمَاء صنعاء وَالرَّوْضَة وترافق هُوَ وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن ابْن إسماعيل المغربي وَقَرَأَ كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر وَاسْتقر بالروضة الَّتِى هي من أعظم نزه مَدِينَة صنعاء وَنشر الْعلم هُنَالك واستفاد عَلَيْهِ جمَاعَة من الطّلبَة ثمَّ ارتحل إلى كوكبان بسؤال أميرها لَهُ السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَكَانَ ارتحاله بعد رحْلَة شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد من كوكبان فَاحْتَاجَ أَهله الى من يقوم مقَام شَيخنَا هُنَالك فاستدعوا صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ من المبرزين في عُلُوم الِاجْتِهَاد وَله رسائل ومسائل وَقد كتب إِلَى بمسائل مشكلة أجبْت عَلَيْهَا بجوابات هي في محموع رسائلى وَهُوَ الان مُقيم بكوكبان وَلَعَلَّه قد جَاوز السِّتين وَهُوَ متين الدّيانَة كثير الْعِبَادَة قَلِيل الِاشْتِغَال بمالا يُعينهُ على طَريقَة السلف الصَّالح ثمَّ رَحل عَن كوكبان لأمور جرت بَينه وَبَين صَاحبهَا وَاسْتقر في الرَّوْضَة إماماً لجامعها وولاه إمام الْعَصْر الْقَضَاء في الرَّوْضَة وَلم يقبل إِلَّا بعد أن كثرت عَلَيْهِ في ذَلِك وأشرت على مَوْلَانَا الإمام بِعَدَمِ قبُول عذره وفي أَوَاخِر شهر شَوَّال سنة 1222 أظهر الْمَذْكُور هُوَ وَجَمَاعَة من الكباسيه وَآل أَبى طَالب الْخُرُوج عَن طَاعَة الدولة وَخرج إليهم أَحْمد بن عبد الله بن الإمام الْمهْدي الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور وانضم إِلَيْهِم جَمِيع أهل الرَّوْضَة طَوْعًا وَكرها وَوصل إِلَيْهِم بعض الْقَبَائِل وردوا أَمر الدولة وطردوا الْعَامِل وراموا خلع الْخَلِيفَة مَوْلَانَا الاماما الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَكَتَبُوا إلى جَمِيع الأقطار اليمنية وَكَاد صَاحب التَّرْجَمَة أن يَدْعُو إلى نَفسه وَعرض عَلَيْهِم
(1/220)

الإجابة إلى كل مَا يطلبونه وَخرج شَيخنَا القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي من الحضرة الإمامية وَمَعَهُ مكاتيب فِي كل مَا طلبوه من الْعدْل والأمان لَهُم وَكَانَت تِلْكَ المكاتيب بخطي فَمَا رجعُوا بل صمموا على ماعزموا عَلَيْهِ فَخرج إليهم بالجيش سيف الْخلَافَة سيدي أَحْمد بن الإمام وناجزهم وتحصّنوا في بعض سور الرَّوْضَة ثمَّ أحَاط بهم الْجَيْش وَأسر صَاحب التَّرْجَمَة وَجَمَاعَة من الكباسية ووصلوا بهم إلى تَحت طَاقَة الْخَلِيفَة وبالغت في الشَّفَاعَة لَهُم من الْقَتْل بعد أن كَانَ قد وَقع الْعَزْم عَلَيْهِ وَقمت بِالْحجَّةِ الشَّرْعِيَّة الْمُقْتَضِيَة لحقن دِمَائِهِمْ فأودعوا السجْن وَصَاحب التَّرْجَمَة وَقع التَّغْرِير عَلَيْهِ وَالْخداع لَهُ من بعض شياطين الإنس وَقد كَانَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِم في أول يَوْم من شهر الْحجَّة من هَذِه السنة وَمَات رَحمَه الله مسجونا بعدان بقي فِي السجْن نَحْو عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة
145 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي ابْن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين الكوكباني
الشَّاعِر الْمَشْهُور الْمجِيد المكثر الْمُبْدع الْفَائِق فِي الْأَدَب ترْجم لَهُ جمَاعَة من الأدباء كالقاضي يُوسُف بن علي بن هادي فِي طوق الصادح ويوسف بن يحيى فى نسمَة السحر والحيمي في طيب السمر وَهُوَ ذُو رياسة وكياسة وَمَكَارِم وفضائل وفواضل وَلما دَعَا المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب فرّ مِنْهُ صَاحب التَّرْجَمَة إلى مَكَّة لأمور لَا يَتَّسِع الْمقَام لشرحها وَمن نظمه الْفَائِق قَوْله من قصيدة
(1/221)

(مَا أعجب الْحبّ يشتاق العميد إلى ... ظبي الصريم وَقد أرداه بالحدق)
(ياوردى الخد دع إنكار قتل فَتى ... مَا قط أبقت لَهُ عَيْنَاك من رَمق)
(في خدّك الشَّفق القاني بدا وعَلى ... قتل الْحُسَيْن دَلِيل حمرَة الشَّفق)
وَأعَاد هَذَا الْمَعْنى في قصيدة أُخْرَى فَقَالَ
(فى خدك الشَّفق القانى وَفِيه على ... قتل الْحُسَيْن كَمَا قَالُوا أَمَارَات)
وَمن محَاسِن قصائده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(خفف على ذِي لوعة وشجون ... واحفظ فُؤَادك من عُيُون الْعين)
وَمن لطائفة هَذَانِ البيتان قالهما لما قتل السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن الْقَاسِم الملقب بِحجر رَحمَه الله وَفِيهِمَا تضمين مطرب
(وددت مصرع مَوْلَانَا الصفي وَلَا ال ... رُجُوع فى سلك قوم بعد مَا كسروا)
(وصرت أنْشد من كرب وَمن أَسف ... مَا أطيب الْعَيْش لَو أَن الْفَتى حجر)
وَمن قصائده الطنانة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(لفؤادي في الْهوى كد وكدح ... ولطرفي بالدما سحٌ وسفح) وأشعاره كلهَا غرر وكلماته جَمِيعهَا دُرَر وَهُوَ من محَاسِن الْيمن ومفاخر الزَّمن وَمَات في يَوْم السبت الثاني عشر من ربيع الآخر سنة 1112 اثنتي عشر وَمِائَة وَألف بشبام وَدفن هُنَالك
146 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن علي بن الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم
الرئيس الْكَبِير الشَّاعِر الْمَشْهُور ولد فِي سنة 1072 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَكَانَ في أَيَّام شبابه مائلاً إلى ملاذ الدُّنْيَا والتمتع بمحاسنها مرخياً لنَفسِهِ الْعَنَان غير كَاف لَهَا عَن التفلت في رياض محَاسِن الحسان ثمَّ تزهد
(1/222)

وَتعبد وانجمع وتمسّح وتألّه وأقلع عَن جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهِ وجاد بِجَمِيعِ موجوده وَله في المكارم أَحَادِيث حاتمية تلتذ لسماعها الأسماع وَكَانَ إذا لم يجد النَّقْد تصدق بثيابه وفراشه وَمَال الى مُخَالطَة الْفُقَرَاء وَلَيْسَ ملبوسهم وَقعد في مَقَاعِدهمْ وَمَعَ هَذَا فابنه على بن الْحُسَيْن إِذْ ذَاك رَئِيس كَبِير لَهُ خيل وخول وحاشية عَظِيمَة ورياسة فخيمة وَلَكِن صَاحب التَّرْجَمَة قد حبب الله إليه الانعزال عَن بنى الدُّنْيَا حَتَّى عَن وَلَده وَمن شعره الْفَائِق هَذَانِ البيتان
(لَا تحسبن لِبَاس الصُّوف في مَلأ ... تَدعِي بِهِ بَين أهل الْفضل بالصوفي)
(وانما من صفا قلباً وَمَال إلى ... صقالة النَّفس من أوصافها صوفي)
وَمن محَاسِن شعره القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى أَولهَا
(آه كم أطوي على الضيم جناحي ... وأداجي فِي الْهوى قَالَ ولاحي) وَله القصيدة الطَّوِيلَة عَارض بهَا قصيدة ابْن الوردي أَولهَا
(اترك الدُّنْيَا ودع عَنْك الأمل ... طَال مَا عَن نيلها حَال الاجل)
وفيهَا مواعظ وَحكم وَمَا زَالَ مُقبلا على الطَّاعَة عاكفاً على الْعِبَادَة حَتَّى توفاه الله تَعَالَى قَالَ بعض من ترْجم لَهُ أَنه كَانَ في سنة 1145 حَيا وأرّخ مَوته بعض المشتغلين بِهَذَا الشأن سنة 1149 تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف
147 - حُسَيْن بن علي بن صَالح العماري الصَّنْعَانِيّ
ولد في سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا اَوْ فِيمَا بعْدهَا وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَطلب الْعلم فَقَرَأَ على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق والأصول وَقَرَأَ علي في شرح الرضي على الكافية
(1/223)

وفي مغني اللبيب وفي شرح غَايَة السؤل وفي شرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى للعضد وَرغب بعد أَن طلب الْعلم في سُكُون وطنهم الأصلي وَهُوَ بِلَاد عمار فعزم إليها وَسكن فِيهَا وَهُوَ الآن هُنَالك وَله نظم جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إلي يطْلب الْقِرَاءَة علي في شرح الْغَايَة بعد ان فرغ من قرائتها على الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الله الضّمدي الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ
(مولَايَ عز الْهدى والفرد فى مَلأ ... لم يعرفوا الْفرق بَين الشّعْر وَالشعر)
(وَمن إذا جال فِي الأنظار ناظره ... جَلَاله الْفِكر مَا أغْنى عَن النظر)
(عَلامَة الْعَصْر والفرد الَّذِي جمعت ... لَهُ المحاسن جمعا عير منكسر)
(إن الصفي ابْن عبد الله من بلغت ... بِهِ لعلوم إلى الغايات في الْبشر)
(بُلُوغ مَا رام يَا بدر التَّمام لَهُ ... قد تمّ مِنْك وَحَازَ الْفَوْز بالظفر)
(فامنح بِفَضْلِك هَذَا الدول طَالبه ... لَا زلت مَطْلُوب فضل غير معتذر)
(وَهَا هُوَ الْآن من صنعاء مرتحل ... وَمن أَقَامَ فَهُوَ مِنْهَا على سفر)
فأجبت عَلَيْهِ بقولي
(صغت الدراري أم عقد من الدُّرَر ... يَا أوحد الْعَصْر بَين البدو والحضر)
(لَا زلت ترقى عروجاً للكمال وَلَا ... بَرحت تطرب سمع الدَّهْر بالفقر)
(فالحال مَا حَال والعهد الْقَدِيم هُوَ الْعَهْد ... الْقَدِيم وَلَا عهد لمبتكر)
(لَا تحسب الدَّرْس متروكاً وَأَنت على ... نِهَايَة الْجد والتحصيل للوطر)
(من كَانَ غَايَة سؤلي كَيفَ أمْنَعهُ ... مِنْهَا وأحجب عَنهُ نخبة الْفِكر)
(ودمت تحيي ربوع الْعلم مَا صدحت ... وَرقا على فنن لدن من الشجر)
وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة رَحمَه الله فى سنة 1225 خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف بِبِلَاد عمار
(1/224)

148 - الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن حُسَيْن بن أَحْمد بن حسن بن الإمام الْقَاسِم
بُويِعَ بالخلافة عِنْد موت وَالِده في رَمَضَان سنة 1139 ثمَّ تنَازع هُوَ وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي وَكَانَ قد دَعَا إلى نَفسه ولقب بالنّاصر وَبَايَعَهُ عُلَمَاء الْيمن ورؤسائها وَجَمِيع أَهلهَا ثمَّ إن الإمام الْمَنْصُور بَايعه على شُرُوط اشترطها فَلم يَقع الْوَفَاء فاستمر الْمَنْصُور على دَعوته وَغلب على الْقطر الْيُمْنَى وَبَايَعَهُ النَّاس وظفر بجيوش النَّاصِر وَأسر أَوْلَاده وأخوته وقرابته ورؤساء أجناده وَمِنْهُم السَّيِّد يحيى بن إسحاق وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن إسحاق وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَالسَّيِّد عبد الله بن طَالب وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ رَئِيس كَبِير يَقُود الجيوش الْكَثِيرَة وَكَانَ استيلاؤه على الْمَذْكُورين فِي أسْرع وَقت وَأقرب مُدَّة وَكَانَ الْمَنْصُور مَشْهُورا بالشجاعة وعلوّ الهمة ومصابرة الْقِتَال وَاحْتِمَال مشاق الْغَزْو وَآخر الْأَمر بَايعه النَّاصِر وَاجْتمعَ النَّاس عَلَيْهِ وَلم يبْق لَهُ مُخَالف إلا أَخُوهُ السَّيِّد أَحْمد بن المتَوَكل وَلم يزل الْحَرْب بَينهمَا إلى أَن مَاتَ وَلكنه لم يدع إلى نَفسه وَتَأَخر مَوته بعد أَخِيه الْمَنْصُور نَحْو سنة وَبَايع وَلَده المهدي الْعَبَّاس وَكَانَ الْمَنْصُور إماماً عَظِيما وسلطاناً فخيماً وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين وَالِده الإمام المتَوَكل بعض مُخَالفَة فِي آخر مُدَّة المتَوَكل وَلما حضرت المتَوَكل الْوَفَاة دخل الْمَنْصُور صنعاء وَاسْتقر بهَا ودامت خِلَافَته مَعَ سَعَادَة كَبِيرَة وظفر بالأعداء لم يسمع بِمثلِهِ فى الازمنة الْقَرِيبَة وَجَمِيع الْقطر الْيُمْنَى دَاخل تَحت طَاعَته لم يخرج عَن طَاعَته الا بِلَاد تعز
(1/225)

والحجرية فإن أَخَاهُ أَحْمد كَانَ مستولياً عَلَيْهَا وَكَانَ مَوته في سنة 1161 إحدى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
149 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
تقدم تَمام نسبه في تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن ولد يَوْم الأحد رَابِع عشر شهر ربيع الآخر سنة 999 تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة قَرَأَ على الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وَكَانَ يتعجب من فهمه وَحسن إدراكه وَقَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره وبرع في كل الْفُنُون وفَاق فِي الدقائق الأصولية والبيانية والمنطقية والنحوية وَله مَعَ ذَلِك شغلة بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَألف الْغَايَة وَشَرحهَا الْكتاب الْمَشْهُور الَّذِي صَار الْآن مدرس الطّلبَة وَعَلِيهِ الْمعول فِي صنعاء وجهاتها وَهُوَ كتاب نَفِيس يدل على طول بَاعَ مُصَنفه وَقُوَّة ساعده وتبحّره في الْفَنّ اعتصره من مُخْتَصر الْمُنْتَهى وشروحه وحواشيه وَمن مؤلفات آبَائِهِ من الْأَئِمَّة فِي الأصول وسَاق الأدلة سوقاً حسناً وجود المباحث وَاسْتوْفى مَا تَدْعُو إليه الْحَاجة وَلم يكن الْآن في كتب الاصول من مؤلفات أهل النمين مثله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ أَلفه وَهُوَ يَقُود الجيوش ويحاصر الأتراك في كل مَوَاطِن ويضايقهم ويوردهم المهالك ويشن عَلَيْهِ الغارات وَله مَعَهم ملاحم تذهل الْمشَاهد لبعضها عَن النظر في كتاب من كتب الْعلم فَكيف بِهِ رَحمَه الله وَهُوَ قَائِد الجيوش وأمير العساكر والمرجوع إليه هُوَ وَأَخُوهُ الْحسن الْمُقدم ذكره فِيمَا دق وَجل من أَمر الْجِهَاد فإن بعض الْبَعْض من هَذَا يُوجد تكدر الذِّهْن وتشوشه ونسيان المحفوظات فضلاً عَن تصنيف الدقائق وتحرير الْحَقَائِق
(1/226)

والمزاحمة لعضد الدَّين والسعد التَّفْتَازَانِيّ والاستدراك عَلَيْهِمَا وعَلى أمثالهما من المشتهرين بتحقيق الْفَنّ فَمَا هَذِه الاشجاعة تتقاعس عَنْهَا الشجعان ورصانة لَا يقعقع لَهَا بالشنآن وَقُوَّة جنان تبهر الْأَلْبَاب وثبات قدم في الْعُلُوم لم يكن لغيره في حِسَاب ومازال رَحمَه الله مُجَاهدًا وَقَائِمًا فى حَرْب الاتراك قَاعِدا وناشراً للعلوم ومحققاً لحدودها والرسوم حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في آخر لَيْلَة الْجُمُعَة ثاني شهر ربيع الآخر سننة 1050 خمسين وَألف بِمَدِينَة ذمار وَدفن بهَا فِي قُبَّته الْمَشْهُورَة وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(مولاي جد بوصال صب مدنف ... وتلافه قبل التلاف بموقف)
(وَارْحَمْ فديت قَتِيل سيف مرهف ... من مقلتيك طعين قدّ أهيف)
(1/227)

150 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن ابْن زيد بن الْحُسَيْن الحسيني العلوي الْمَعْرُوف بِابْن قاضي الْعَسْكَر
ولد في سنة 698 ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَولى التوقيع بِالْقَاهِرَةِ ونقابة الأشراف وَمهر في ذَلِك وفي النظم والنثر وَلم يكن لَهُ نَظِير فِي الاقتدار على سرعَة النظم والنثر كتب بديوان الإنشاء من التقاليد والتواقيع مَا لَا يدْخل تَحت الْحصْر وَله إجازة من ابْن دَقِيق الْعِيد والدمياطي وَحفظ في صغره التَّنْبِيه ودرس فِي بعض الْمدَارِس وَمن شعره
(إذا الْعلم لم يعضده جاه وثروة ... فصاحبه في الْقَهْر يمسي وَيُصْبِح)
(وإن أسعد الْمَقْدُور فالصعب هَين ... وَذُو الْجَهْل مَعَ نقصانه يتَرَجَّح)
وَله
(تلق الْأُمُور بصبر جميل ... وَصدر رحيب وخلّ الْحَرج)
(وَسلم لِرَبِّك فِي حكمه ... فإما الْمَمَات واما الْفرج)
قَالَ الصفدى وَبنى مدرسة بحارة بهاء الدَّين ووقف عَلَيْهَا وَقفا جيدا ووقف فِيهَا كتبا كَثِيرَة جَيِّدَة وَكَانَ دمث الأخلاق متواضعاً وَله ديوَان خطب سَمَّاهَا الْمقَال المحبر في مقَام الْمِنْبَر عَارض بهَا خطب ابْن نَبَاته مَاتَ فِي سَابِع عشر شعْبَان سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
151 - الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصنعاني
ولد سنة 1188 ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف واشتغل بِطَلَب الْعلم فَأخذ عَن السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر وَعَن غَيره من مَشَايِخ الْعَصْر واستفاد في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَله إدراك كَامِل وعرفان تَامّ وَفهم فائق وقرأ عليّ في شرح الرضي على الكافية
(1/228)

وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي في شرحي للمنتقى وَقد صَار من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين مَعَ كَونه في عنفوان الشَّبَاب وَهُوَ قَلِيل النظير في فهم الدقائق وَحسن التَّصَوُّر وَقُوَّة الإدراك نفع الله بِهِ وَقَرَأَ عليّ أَيْضا في الْعَضُد وحواشيه قِرَاءَة تشد إليها الرحال وَله قِرَاءَة على فى غير ذَلِك من مؤلفاتى وَغَيرهَا كالكشاف وحواشيه والمطول وحواشيه
152 - الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الله الطيبي الإمام الْمَشْهُور صَاحب شرح الْمشكاة
وحاشية الْكَشَّاف وَغَيرهمَا كَانَ في مبادئ عمره صَاحب ثروة كَبِيرَة فَلم يزل ينْفق ذَلِك في وُجُوه الْخيرَات إلى أَن كَانَ في آخر عمره فَقِيرا وَكَانَ كَرِيمًا متواضعاً حسن المعتقد شَدِيد الرَّد على الفلاسفة والمبتدعة مظْهرا فضائحهم مَعَ استيلائهم على بِلَاد الْمُسلمين فِي عصره شَدِيد الْمحبَّة لله وَلِرَسُولِهِ كثير الْحيَاء ملازماً للْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة ملازماً لتدريس الطّلبَة فِي الْعُلُوم الإسلامية وَعِنْده كتب نفيسة يبذلها لطلبته ولغيرهم من أهل بَلَده بل ولسائر الْبلدَانِ من يعرفهُ وَمن لَا يعرفهُ وَله إقبال على اسْتِخْرَاج الدقائق من الْكتاب وَالسّنة وحاشيته على الْكَشَّاف هي أنفس حَوَاشِيه على الإطلاق مَعَ مَا فِيهَا من الْكَلَام على الأحاديث فِي بعض الْحَالَات إذا اقْتضى الْحَال ذَلِك على طَريقَة الْمُحدثين مِمَّا يدل على ارْتِفَاع طبقته فِي
(1/229)

علمى الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَله كتاب فِي الْمعَانى وَالْبَيَان سَمَّاهُ التِّبْيَان وَشَرحه وَأمر بعض تلامذته باختصاره ثمَّ شرع في جمع كتاب فِي التَّفْسِير وَعقد مَجْلِسا عَظِيما لقِرَاءَة كتاب البخاري وَكَانَ يقْرَأ في التَّفْسِير من بكرَة الى الظّهْر وَمن بعده الى الْعَصْر لَا سَماع البخاري إلى أن كَانَ يَوْم وَفَاته ففرغ عَن قِرَاءَة التَّفْسِير وَتوجه إلى مجْلِس الحَدِيث فَدخل مَسْجِدا عِنْد بَيته فصلى النَّافِلَة قَاعِدا وَجلسَ ينْتَظر الإقامة للفريضة فَقضى نحبه مُتَوَجها الى الْقبْلَة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر شعْبَان سنة 743 ثَلَاث وأربعين وَسَبْعمائة
153 - الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن سعيد بن عِيسَى اللاعي الْمَعْرُوف بالمغربي
قَاضِي صنعاء وعالمها ومحدثها جد شَيخنَا الْحسن بن إسماعيل بن الْحُسَيْن ولد سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وألف وَأخذ الْعلم عَن السَّيِّد عز الدَّين العبّالي وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي وعَلى بن يحيى البرطى وَغَيرهم وبرع في عدَّة عُلُوم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء كالسيّد عبد الله بن علي الْوَزير وَغَيره وَتَوَلَّى الْقَضَاء للإمام المهدي احْمَد بن الْحسن وَاسْتمرّ قَاضِيا إلى أيام الإمام المهدي مُحَمَّد بن احْمَد وَهُوَ مُصَنف الْبَدْر التَّمام شرح بُلُوغ المرام وَهُوَ شرح حافل نقل مَا فِي التَّلْخِيص من الْكَلَام على متون الأحاديث وأسانيدها ثمَّ إذا كَانَ الحَدِيث في البخاري نقل شَرحه من فتح الباري وإذا كَانَ فى صَحِيح مُسلم نقل شَرحه من شرح النووي وَتارَة ينْقل من شرح السّنَن لِابْنِ رسْلَان وَلكنه لَا ينْسب هَذِه النقول الى اهلها غَالِبا مَعَ كَونه يَسُوقهَا بِاللَّفْظِ وينقل الخلافات من الْبَحْر الزخار للإمام المهدي احْمَد بن يحيى وفي بعض الأحوال من نِهَايَة ابْن رشد وَيتْرك التَّعَرُّض للترجيح في غَالب الْحَالَات وَهُوَ ثَمَرَة الِاجْتِهَاد وعَلى كل حَال فَهُوَ شرح مُفِيد وَقد
(1/230)

اخْتَصَرَهُ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وسمى الْمُخْتَصر سبل السَّلَام وَله رِسَالَة فِي حَدِيث أخرجُوا الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب رجح فِيهَا إنه إنما يجب إخراجهم من الْحجاز فَقَط محتجاً بِمَا فِي رِوَايَة بِلَفْظ أخرجُوا الْيَهُود من الْحجاز وَكَانَ أَخُوهُ الْحسن من محَاسِن الْيمن وَله حَاشِيَة على شرح القلائد للإمام المهدي وَهُوَ مبرز فِي جَمِيع الْفُنُون ولهذين الأخوين ذُرِّيَّة صَالِحَة هم مَا بَين عَالم وعامل وإلى الْآن وهم كَذَلِك وبيتهم معمور بالفضائل وَتوفى صَاحب التَّرْجَمَة سنة 1119 وَقيل سنة 1115 خمس عشر وَمِائَة وألف وَتُوفِّي أَخُوهُ الْحسن الْمَذْكُور سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وألف وَقد ترْجم لَهما الحيمي في طيب السمر وَذكر لَهما شعرًا كشعر الْعلمَاء
154 - الْحُسَيْن بن نَاصِر بن عبد الحفيظ الْمَعْرُوف كسلفه بالمهلاّ
الشرفي اليماني الْعَالم الْكَبِير صَاحب الْمَوَاهِب القدسية شرح البوسية وَهُوَ شرح نَفِيس يبين مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ القصيدة من الْمعَانى والمسائل ثمَّ ينْقل الدَّلِيل ويحرره تحريراً قَوِيا وينقل من ضوء النَّهَار للجلال مبَاحث ويجيب عَلَيْهِ في كثير من ذَلِك ويصفه بِأَنَّهُ شَيْخه في الْعلم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شرح مُفِيد وقفت على مجلدات مِنْهُ وبلغني أنه في سبع مجلدات وَهَذِه الْمَنْظُومَة الَّتِى شرحها هي في الْفِقْه للبوسي على نمط الشاطبية في الْوَزْن والروي والقافية والإشارة إلى مَذَاهِب الْعلمَاء بالرمز مَعَ جودة الشّعْر وقوته وسلاسته وَجُمْلَة أبياتها أربعة آلَاف بَيت وَخَمْسمِائة وَثَمَانُونَ بَيْتا والبوسي الْمَذْكُور هُوَ أحد عُلَمَاء الزيدية بالديار اليمنية وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مؤلفات هَذَا أشهرها وَقد ترْجم لَهُ الحيمي فِي طيب السمر وَذكر أنه كَانَ أطلس لَا لحية لَهُ وَتُوفِّي شَهِيدا قَتله أصحاب المحطوري فِي فتنته حَسْبَمَا سيأتي شَرحه
(1/231)

فِي تَرْجَمَة المهدى مُحَمَّد بن احْمَد صَاحب الْمَوَاهِب وَكَانَت تِلْكَ الْفِتْنَة فِي سنة 1111 وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(هي الدَّار مَا الآمال إِلَّا فجائع ... عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَّات إِلَّا مصائب)
(فكم سخنت بالْأَمْس عين قريرة ... وقرّت عُيُون دمعها قبل ساكب)
(فَلَا تكتحل عَيْنَاك مِنْهَا بعبرة ... على ذَاهِب مِنْهَا فإنك ذَاهِب)
155 - السَّيِّد الْحُسَيْن بن يحيى بن إبراهيم الديلمي الذمّاري
ولد في سنة 1149 تسع وأربعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بذمار وَأخذ عَن علمائها كالفقيه عبد الله بن حُسَيْن دلامة والفقيه حسن بن أَحْمد الشبيبي وهما الْمرجع هُنَالك في علم الْفِقْه ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة وَله قِرَاءَة فِي الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير ثمَّ عَاد إلى ذمّار وَاسْتقر بهَا وَكَانَ فَقِيرا فَتزَوج بِامْرَأَة لَهَا ثروة ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة وتكاثرت أَمْوَاله وَلم يكن يتجر بِنَفسِهِ بل كَانَ يَنُوب عَنهُ غَيره وَهُوَ مكب على الْعلم ودرس في الْفِقْه وَغَيره وَتخرج بِهِ جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد الحرازي الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء رحْلَة ثَانِيَة بعد سنة 1200 ورافقني في الْقِرَاءَة على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي فَقَرَأَ مَعنا في صَحِيح مُسلم وأقرأ الطّلبَة في الْفِقْه بِجَامِع صنعاء وبقي مُدَّة وعزم على استيطان صنعاء ثمَّ بعد ذَلِك رجح الْعود إلى ذمّار فَعَاد اليها
(1/232)

وَهُوَ الْآن عالمها المرجوع إليه المتفرّد بهَا من دون مدافع وَصَارَ الطّلبَة هُنَالك يقرأون عَلَيْهِ فِي الْفِقْه والنحو وَالصرْف والأصول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وبينى وَبَينه من الْمَوَدَّة مَالا يعبر عَنهُ وَقد جرى بَيْننَا مباحثة علمية مدونة فِي رسائل هى فى مَجْمُوع مالي من الْفَتَاوَى والرسائل وَلَا يزَال يعاهدني بعد رُجُوعه الى ذمار ويتشوق إلى اللِّقَاء وَأَنا كَذَلِك وَالْمُكَاتبَة بَيْننَا مستمرة إِلَى الآن وَهُوَ من جملَة من رغّبني في شرح الْمُنْتَقى فَلَمَّا أعَان الله على تَمَامه صَار يراسلني فِي الإرسال إليه بنسخة وَلم يكن قد تيَسّر ذَلِك وَلما ألفت الرسَالَة الَّتِى سميتها إرشاد الغبي إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت في صحب النبي ونقلت إجماعهم من ثَلَاث عشرَة طَريقَة على عدم ذكر الصَّحَابَة بسب أوما يُقَارِبه وَقعت هَذِه الرسَالَة بأيدي جمَاعَة من الرافضة الَّذين بِصَنْعَاء الْمُخَالفين لمذاهب أهل الْبَيْت فجالوا وصالوا وتعصبوا وتحزبوا وَأَجَابُوا بأجوبة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مَحْض السباب والمشاتمة وَكَتَبُوا أبحاثاً نقلوها من كتب الإمامية والجارودية وَكَثُرت الْأَجْوِبَة حَتَّى جَاوَزت الْعشْرين وأكثرها لَا يعرف صَاحبه واشتغل النَّاس بذلك أَيَّامًا وَزَاد الشَّرّ وعظمت الْفِتْنَة فَلم يبْق صَغِير وَلَا كَبِير وَلَا امام وَلَا مَأْمُوم الا وَعِنْده من ذَلِك شئ وَأَعَانَهُمْ على ذَلِك جمَاعَة مِمَّن لَهُ صولة ودولة ثمَّ ان تِلْكَ الرسَالَة اتنشرت فِي الاقطار اليمنية وَحصل الِاخْتِلَاف في شَأْنهَا وتعصب أهل الْعلم لَهَا وَعَلَيْهَا حَتَّى وَقعت الْمُرَاجَعَة والمجاوبة وَالْمُكَاتبَة في شَأْنهَا في الْجِهَات التهامية وكل من عِنْده أدنى معرفَة يعلم أَنى لم أذكر فِيهَا إلا مُجَرّد الذب عَن أَعْرَاض الصَّحَابَة الَّذين هم خير الْقُرُون مُقْتَصرا على نُصُوص الْأَئِمَّة من أهل الْبَيْت ليَكُون ذَلِك أوقع في نفوس من يكذب عَلَيْهِم
(1/233)

وينسب الى مذاهبهم ماهم مِنْهُ بُرَآء وَلَكِن كَانَ أهل الْعلم يخَافُونَ على أنفسهم ويحمون أعراضهم فيسكتون عَن الْعَامَّة وَكَثِيرًا مِنْهُم كَانَ يصوبهم مداراة لَهُم وَهَذِه الدسيسة هي الْمُوجبَة لاضطهاد عُلَمَاء الْيمن وتسلط الْعَامَّة عَلَيْهِم وخمول ذكرهم وَسُقُوط مَرَاتِبهمْ لأَنهم يكتمون الْحق فإذا تكلم بِهِ وَاحِد مِنْهُم وثارت عَلَيْهِ الْعَامَّة صانعوهم وداهنوهم وأوهموهم إنهم على الصَّوَاب فيتجرأون بِهَذِهِ الذريعة على وضع مقادير الْعلمَاء وهضم شَأْنهمْ وَلَو تكلمُوا بِالصَّوَابِ أَو نصروا من يتَكَلَّم بِهِ أَو عرفُوا الْعَامَّة إذا سألوهم الْحق وزجروهم عَن الِاشْتِغَال بِمَا لَيْسَ من شَأْنهمْ لكانو يداً وَاحِدَة على الْحق وَلم يسْتَطع الْعَامَّة وَمن يلْتَحق بهم من جهلة المتفقهة اثارة شئ من الْفِتَن فَإنَّا لله وَإِنَّا إليه رَاجِعُون وَكَانَ تأليفى لتِلْك الرسلة فِي سنة 1208 وَمن جملَة من اشْتغل بهَا فُقَهَاء ذمار وَقَامُوا وقعدوا وكانو يسْأَلُون صَاحب التَّرْجَمَة عَن ذَلِك ويتهمونه بالموافقة لما في الرسَالَة لما يعلمونه من الْمَوَدَّة الَّتِى بيني وَبَينه فسلك مَسْلَك غَيره مِمَّن قدمت الإشارة إليهم من أهل الْعلم بل زَاد على ذَلِك فحرر جَوَابا طَويلا على تِلْكَ الرسَالَة موهماً لَهُم أَنه قد أنكر بعض مَا فِيهَا فَلَمَّا بلغني أَنه أجَاب ازْدَادَ تعجبي لعلمي أَنه لَا يجهل مثل ذَلِك وَلَا يخفى عَلَيْهِ الصَّوَاب فَلَمَّا وقفت على الْجَواب وَهُوَ في كراريس رَأَيْته لم يبعد عَن الْحق وَلكنه قد أثار فتْنَة بجوابه لظن الْعَامَّة وَمن شابههم أَن مثل هَذَا الْعَالم الَّذِي هُوَ لى من المجين لَا يُجيب إلا وَمَا فعلته مُخَالف للصَّوَاب فأجبت عَلَيْهِ بِجَوَاب مُخْتَصر تناقله المشتغلون بذلك وَفِيه بعض التخشين ثمَّ إنه عافاه الله اعتذر إليّ مَرَّات وَلم اشْتغل بِجَوَاب على غَيره لأَنهم لَيْسُوا بَاهل لذَلِك وفي الجوابات مَالا يقدر على تحريره
(1/234)

إلا عَالم وَلَكنهُمْ لم يسموا أنفسهم فَلم اشْتغل بِجَوَاب من لَا أعرفهُ إلا أَنه وَقع في هَذِه الْحَادِثَة من بعض شيوخي مَا يقْضى مِنْهُ الْعجب وَهُوَ أَنه بلغني أَنه من جملَة المجيبين فَلم اصدق لعلمي أَنه مِمَّن يعرف الْحق وَلَا يخفى عَلَيْهِ الصَّوَاب وَله معرفَة بعلوم الْكتاب وَالسّنة فَبعد أَيَّام وقفت على جَوَابه بِخَطِّهِ فَرَأَيْت مَالا يظن بِمثلِهِ من المجازفة في الْكَلَام والاستناد إلى نقُول نقلهَا من كتب رافضة الإمامية والجارودية وقررها ورجحها وَأَنا أعلم أَنه يعلم أَنَّهَا بَاطِلَة بل يعلم أَنَّهَا مَحْض الْكَذِب وليته اقْتصر على هَذَا وَلكنه جَاءَ بعبارات شنيعة وتحامل عليّ تحاملاً فظيعاً وَالسَّبَب أَنه أصلحه الله نظر بعض وزارء الدولة وَقد قَامَ في هَذِه الْحَادِثَة وَقعد وأبرق وأرعد فخدم حَضرته بِتِلْكَ الرسَالَة الَّتِى جنابها على أَعْرَاض الصَّحَابَة فضلاً عَن غَيرهم فَمَا ظفر بطائل
واتفقت لصَاحب التَّرْجَمَة محنة وَذَلِكَ أن رجلا يُقَال لَهُ مُحَمَّد حُسَيْن من أولاد المهدي صَاحب الْمَوَاهِب غَابَ عَن الْمَوَاهِب نَحْو عشْرين سنة ثمَّ لم يشْعر أَهله بعد هَذِه الْمدَّة إلا وَقد وصل رجل يزْعم أنه هُوَ فَصدقهُ أهل الْغَائِب كزوجته ووالدته وأخوته وشاع أَنه دخل بِالْمَرْأَةِ وَاسْتمرّ كَذَلِك أياماً فوصل بعد ذَلِك رجل من بَيت النَّجْم الساكنين في زبيد وَقَالَ لأهل ذمّار وعاملها إن هَذَا لم يكن الْغَائِب بل رجل من بَيت صعصعة المزاينة أهل شعسان صعلوك متحيل متلصص كثير السياحة وَكَانَ عِنْد وُصُوله قد لبس الثِّيَاب المختصة بآل الامام فَطَلَبه الْعَامِل
(1/235)

فصمم على أَنه مُحَمَّد بن حُسَيْن من آل الإمام وَشد عضد دَعْوَاهُ مصادقة أم الْغَائِب وَزَوجته وأخوته ثمَّ طلبه مَوْلَانَا الإمام إلى حَضرته ثمَّ بعد ذَلِك حضر شُهُود شهدُوا أَنه صعصعة المزين ثمَّ تعقب ذَلِك صُدُور الاقرار فعزر تعزيرا بليغاً وطرد وَمَات عَن قرب وَقد كَانَ صَاحب الترجمة حكم لَهُ بأنه مُحَمَّد بن حُسَيْن استناداً إلى الظَّاهِر وَهُوَ إقرار الأهل فَطلب من الحضرة العلية وَأرْسل عَلَيْهِ رَسُول ثمَّ أعفي عَن الْوُصُول والمترجم لَهُ عافاه الله مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل ناشر للْعلم في مَدِينَة ذمار مكثر من أَعمال الْخَيْر قَائِم بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر بِمِقْدَار مَا يُمكن مَعَ سَلامَة صدر وكرامة أَخْلَاق وَحسن محاضرة وجمييل مذاكرة وَاحْتِمَال لما يلاقيه من الْجفَاء الزَّائِد من أهل بَلَده بِسَبَب نشره لعلم الحَدِيث بَينهم وميله إلى الإنصاف في بعض الْمسَائِل مَعَ مبالغته في التكتم وَشدَّة احترازه
(1/236)

156 - الْحُسَيْن بن يحيى السلفي الصّنعاني
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء وَمِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وآخرين وَأخذ عَنى في أمالي الإمام أَحْمد بن عِيسَى وَحضر في الْقِرَاءَة عليّ في أدوال مُتعَدِّدَة وَهُوَ رجل سَاكن عَاقل حسن السمت قوي الْمُشَاركَة فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد عَامل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة جيد الْفَهم وَهُوَ الآن أحد المدرسين في الْفُنُون بِجَامِع صنعاء نفع الله بِهِ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَخ عَالم شَاعِر وَهُوَ إسماعيل بن يحيى توفي وَهُوَ في سن الشَّبَاب بِمَكَّة المشرفة فِي فِي شهر الْحجَّة سنة 1194 وَمَات المترجم لَهُ رَحمَه الله في سنة 1230 ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
157 - السَّيِّد الْحُسَيْن ين يُوسُف بن الْحُسَيْن بن أَحْمد زبارة
قد تقدم رفع نسبه ومولده على التَّقْرِيب بعد سنة 1150 نَشأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها وَهُوَ أحد عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين حسن السمت والخلق والأخلاق متين الدّيانَة حَافظ لِلِسَانِهِ كثير الْعِبَادَة والأذكار مقبل على أَعمال الْخَيْر مستكثر مِنْهَا عاكف على الْعلم وَالْعَمَل وَقد أجَاز لي جَمِيع مَا يرويهِ عَن ابيه عَن جده الْحُسَيْن وَهُوَ الْآن حي نفع الله بِهِ ثمَّ توفي رَحمَه الله في أوائل شهر محرم سنة 1231 إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(1/237)

158 - حَمْزَة بن عبد الله بن مُحَمَّد بن علي بن أَبى بكر التقي الناشري الزبيدي الشافعي
ولد في ثَالِث عشر شَوَّال سنة 833 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِنَخْل وادي زبيد ونشأ بزبيد فحفظ الْقُرْآن والشاطبية وألفية ابْن مَالك وَبَعض الْحَاوِي وتلى بالسبع على مُحَمَّد بن أَبى بكر الْمقري وقرأ على جمَاعَة من عُلَمَاء زبيد في فنون من الْعلم وَأَجَازَ لَهُ آخَرُونَ من جِهَات وَمن جملَة مشايخه صديق بن أَبى الطيب والزين الشرجي والتقي بن فَهد وَابْن ظهيرة وَتردد إلى مَكَّة وَأخذ عَن السخاوي وناب في قَضَاء زبيد وَأفْتى ونظم وَألف مؤلفات مِنْهَا مسالك التحبير في مسَائِل التَّكْبِير والبستان الزَّاهِر فى طَبَقَات بنى ناشر وانتهاز الفرص في الصَّيْد والقنص أَلفه للْملك المظفر والفية في غَرِيب الْقُرْآن وَكَانَ كثير الزواج ورزق كثيراً من الْأَوْلَاد وَمَات غالبهم وَطَالَ عمره حَتَّى قَارب الْمِائَة وَهُوَ متمتع بحواسه يستفض الْأَبْكَار وَمَات فِي صبح يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر ذي الْقعدَة سنة 926 سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَدفن بتربة سلفه فِي بَاب سِهَام
159 - حميضة بن أبي نميّ مُحَمَّد بن حسن بن علي بن قَتَادَة بن إدريس الْحسنى الشريف عز الدَّين أمير مَكَّة
كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ رميثة وليا أَمر مَكَّة في حَيَاة أَبِيهِمَا سنة 701 ثمَّ استقلا بالامرة وَاسْتمرّ إِلَى الْمَوْسِم فحج بيبرس تِلْكَ السنة فَلَمَّا كَانَ في طواف الْوَدَاع كَلمه أبو الْغَيْث وعطيفة في أَمر أخويهما حميضة ورميثة وأنهما منعاهما ميراثهما فَأنْكر عَلَيْهِمَا بيبرس فَقَالَ لَهُ حميضة يَا أَمِير نَحن نتصرف فِي أخوتنا وَأَنْتُم قضيتم حَجكُمْ فَلَا تدْخلُوا بَيْننَا فَغَضب بيبرس
(1/238)

وَقبض على حميضة ورميثة وحملهما إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام أَبَا الْغَيْث وعطيفة موضعهما ثمَّ أفرج عَنْهُمَا في أَوَائِل سنة 702 وخلع عَلَيْهِمَا وتوجها إِلَى مَكَّة ففرّ أَبُو الْغَيْث ثمَّ فرّ حميضة من أَمِير الْحَج فِي سنة 707 فقرر أَبَا الْغَيْث مَكَانَهُ فَلَمَّا رَجَعَ الْعَسْكَر عَاد حميضة مختفياً في زي امْرَأَة وفرّ إِلَى الْعرَاق مستجيرا بملكها خربيدا فَتَلقاهُ وأكرمه وَبَالغ في الإحسان إليه وَندب مَعَه أَربع آلَاف فَارس وراسل أَخَاهُ رميثة أَن يَأْذَن لَهُ بِدُخُول مَكَّة ويشاركه الأمرة كعادته فَامْتنعَ وَكَاتب النَّاصِر فأجابه بَان لَا يفعل إِلَّا أن دخل حميضة إلى مصر فوصل حميضة بالعسكر ونازل رميثة فَانْهَزَمَ وَدخل حميضة مَكَّة عنْوَة وَقطع خطْبَة النَّاصِر وخطب لخربيدا وَأخذ أَمْوَال التُّجَّار فَجرد النَّاصِر عَسْكَر فَانْهَزَمَ مِنْهُم من غير قتال ثمَّ عَاد بعد ذهَاب الْحَج فأرسل رميثة يطْلب الْأمان فَأَمنهُ ثمَّ اصطلحا فَبلغ ذَلِك النَّاصِر فَغَضب وَقرر عطيفة في أمره مَكَّة فَخرج حميضة عَن مَكَّة فَلَمَّا حج النَّاصِر سنة 719 وَعَاد عَاد حميضة وَأخذ أَمْوَال النَّاس من النَّقْد وَغَيره وَحمل مِنْهُ مائَة جمل وأحرق الباقي وتحصن بحصنه الَّذِي لَهُ بالجديدة وَقطع ألفي نَخْلَة فَأرْسل النَّاصِر عسكراً وَدخل مَكَّة الْعَسْكَر فِي ذِي القعده سنة 715 ثمَّ تبعوه إِلَى مَكَانَهُ فأحرقوا الْحصن وَأخذُوا مَا مَعَ حميضة من الْأَمْوَال وَأخذُوا ابْن حميضة أَسِيرًا وسلّموه لِعَمِّهِ رميثة وَاسْتقر رميثة أَمِيرا وَلحق حميضة بالعراق ثمَّ اتَّصل بخربيدا وَقَامَ في بِلَاده وجهز لَهُ جَيْشًا بعد أَن أطمعه أن يخْطب لَهُ بهَا فَمَاتَ خربيداً وَلم يتم ذَلِك فَعَاد حميضة إِلَى مَكَّة وَاتفقَ أَنه هرب من مماليك النَّاصِر ثَلَاثَة أنفس فَمروا بحميضة فأضافهم فَرَأى فيهم شَابًّا جيلا فَمَال إِلَيْهِ وَكَانَ مَعْرُوف بذلك واوسع
(1/239)

لَهُ في المواعيد إِلَى أَن أطاعه وَاسْتمرّ فِي خدمته فَلَمَّا رأى ذَلِك رفيقاه أَقَامَا في خدمَة حميضة واختص بذلك الشَّاب فَصَارَ لَا يكَاد يصبر عَنهُ سَاعَة وَتَمَادَى حَالهم عِنْد حميضة فخشوا مِنْهُ أَن يتَقرَّب بهم إِلَى النَّاصِر فَقَتَلُوهُ في وادي بني شُعْبَة وظفر بهم عطيفة فقيد الَّذِي تولى قَتله وجهزه الى النَّاصِر فَقتله بِهِ وَذَلِكَ في جُمَادَى الْآخِرَة سنة 725 وَكَانَ شجاعاً فاتكاً كَرِيمًا وافر الْحُرْمَة عَظِيم المهابة اتفق أن رجلا مديده لاخذ شئ وجده مطروحا فَقطع يَده فَصَارَت الْأَمْوَال تُوجد وَلَا يتَعَرَّض لَهَا أحد من مهابته
160 - الشريف حمود بن مُحَمَّد الْحسنى صَاحب أَبى عَرِيش
ولد بعد سنة 1160 تَقْرِيبًا ثمَّ اسْتَقل بِولَايَة أَبى عَرِيش وَسَائِر الْولَايَة الراجعة إِلَى أبي عَرِيش كصبياً وضمد والمخلاف السُّلَيْمَانِي وَكَانَ مُتَوَلِّيًا لذَلِك من طرف مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه رَحمَه الله ثمَّ حدث مَا حدث من قيام صَاحب نجد واستيلائه على الْبِلَاد الَّتِى بَينه وَبَين أَبى عَرِيش فَأمر عبد الْوَهَّاب بن عَامر العسيري الْمَعْرُوف بأبي نقطة بِأَن يتَقَدَّم فِي جَيْشه على بِلَاد الشريف حمود فَتقدم في نَحْو عشْرين ألفاً والشريف حمود اسْتَقر فِي أَبى عَرِيش لقلَّة جَيْشه فَتقدم عَلَيْهِ أَبُو نقطة إِلَى أَبى عَرِيش فَدَخلَهَا في سنة 1217 وَقتل من الْفَرِيقَيْنِ فَوق الألف ثمَّ استسلم الشريف حمود وَدخل في الدعْوَة النجدية ثمَّ خرج على الْبِلَاد الامامية فاستولى على بندر اللِّحْيَة وعَلى بندر الحديدة وعَلى زبيدو الحيس وَمَا يرجع إلى هَذِه الولايات واختط مَدِينَة الزهراء وَصَارَ الْآن ملكاً مُسْتقِلّا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين النجدي فأمر أبا نقطة الْمَذْكُور بَان يغزوه فغزاه والتقيا بأطراف الْبِلَاد فَقتل أَبُو نقطة وَانْهَزَمَ جَيش الشريف وَقتل
(1/240)

مِنْهُم نَحْو أَلفَيْنِ وَكَانَ جَيْشه من يام وبكيل وقبائل تهامه زهاء سَبْعَة عشر ألفاً وَكَانَ جَيش أَبى نقطة كَمَا قيل مائَة ألف لِأَنَّهُ أمده النجدي بِجَمَاعَة من أمرائه كَابْن شكيان والمضايفي ثمَّ أن جَيش صَاحب نجد بعد قتل أَبى نقطة وهزيمة الشريف تقدم على بِلَاد أَبى عَرِيش وَجَرت بَينهم ملاحم كَبِيرَة وانحصر الشريف فِي أَبى عَرِيش وشحن سَائِر بِلَاد أَبى عَرِيش بالمقاتلة ثمَّ رَجَعَ سَائِر الامراء النجدية وبقى بَقِيَّة من الْجَيْش فِي بِلَاد أَبى عَرِيش وَالْحَرب بَينهم سِجَال وَكَانَ هَذَا الْحَرْب الَّذِي قتل فِيهِ أَبُو نقطة في سنة 1224 وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة من الْأَبْطَال وَقد جرت بَينه وَبَين الأجناد الإمامية عِنْد استيلائه على الْبِلَاد الَّتِى قدمنَا ذكرهَا ملاحم عَظِيمَة لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها وفي سنة 1224 وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين مَوْلَانَا المتَوَكل على الله قبل دَعوته وَكَانَ ذَلِك بإطلاعي أَن يثبت الشريف على ماقد صَار تَحت يَده من الْبِلَاد ثمَّ بعد هَذَا انْتقض الصُّلْح بَينه وَبَين مَوْلَانَا المتَوَكل وَلم يزل الْحَرْب ثائراً بَينه وَبَين الإمام إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَهُوَ سنة 1229 وَهُوَ مستر على الانتماء إلى صَاحب نجد وَمَات في سنة 1233 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
حرف الْخَاء الْمُعْجَمَة
161 - خشقدم الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد الرومي الناصرى
نِسْبَة الى تَاجر ملكه ثمَّ اشْتَرَاهُ الْملك الْمُؤَيد وَهُوَ ابْن عشر سِنِين
(1/241)

ثمَّ أعْتقهُ بعد مُدَّة وَصَارَ من المقدمين بِدِمَشْق ثمَّ عَاد إلى مصر وَصَارَ الْحَاجِب الأكبر ثمَّ صَار فِي دولة الأشرف أَمِير سلَاح ثمَّ صَار أتابكا لِابْنِهِ ثمَّ صَار سُلْطَانا فى يَوْم الاحد تَاسِع عشر رَمَضَان سنة 865 ولقب بِالظَّاهِرِ وَلم يزل يتودد ويتهدد ويصافي وينافي ويراشي ويماشي حَتَّى رسّخ قدمه ونالته السَّعَادَة الدُّنْيَوِيَّة مَعَ مزِيد الشره في جمع المَال على أي وَجه لاسيما بعد تمكنه بِحَيْثُ اقتنى من كل شئ أحْسنه وَأَنْشَأَ مدرسة بالصحراء بِالْقربِ من قبَّة النَّصْر وَكَثُرت مماليكه فَعَظمُوا محاسنه وَعظم وضخم وهابته الْمُلُوك وَانْقطع معاندوه إلى أَن مرض في أَوَائِل الْمحرم وَلزِمَ الْفراش حَتَّى مَاتَ يَوْم السبت عَاشر ربيع الأول سنة 872 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثمان مائَة وَقد ناهز خمْسا وَسِتِّينَ وَدفن بالقبة الَّتِى أَنْشَأَهَا بمدرسته وَكَانَ عَاقِلا مهاباً عَارِفًا صبورا بشوشاً مُدبرا متحملاً في شؤونه كلهَا عَارِفًا بأنواع الملاعب كالرمح والكرة مكرّما للْعُلَمَاء مُعْتَقدًا فِيمَن ينْسب إلى الْخَيْر
162 - خضر بن عَطاء الموصلّي مُصَنف كتاب الإسعاف
شرح شَوَاهِد الْبَيْضَاوِيّ والكشاف قَالَ فى الريحانة كعبة فضل مُرْتَفعَة الْمقَام تَضَمَّنت ألسن الروَاة الْتِزَامه فَللَّه ذَلِك التضمن والالتزام أقام بِمَكَّة مَعَ بني حسن مخضر الأكناف وصنّف باسم الشريف حسن شرح شَوَاهِد الْكَشَّاف انْتهى قلت وَهَذَا الشريف هُوَ حسن بن أَبى نميّ شرِيف مكة وَابْن شريفها وَقد ذكر العصامي في تَارِيخه أَن الشريف الْمَذْكُور أجَازه بألف دِينَار ذَهَبا وأرخ مَوته سنه 1107 سبع وَمِائَة وَألف وَهَذَا التَّارِيخ الَّذِي أَلفه صَاحب التَّرْجَمَة من أحسن التواريخ
(1/242)

وأنفسها وأجمعها يذكر فِيهِ الْبَيْت الشَّاهِد ثمَّ يشرحه شرحاً مُسْتَوفى ثمَّ يترجم لقائله تَرْجَمَة كَامِلَة وَيذكر القصيدة الَّتِى مِنْهَا ذَلِك الْبَيْت
163 - خَلِيل بن أيبك بن عبد الله الْمَعْرُوف بصلاح الدَّين الصفدي الأديب الْمَشْهُور
ولد سنة 697 سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَكتب الْخط الْجيد وَذكر عَن نَفسه أَن أَبَاهُ لم يُمكنهُ من الِاشْتِغَال حَتَّى استوفى عشْرين سنة وَطلب بِنَفسِهِ فَأخذ عَن الشهَاب مَحْمُود وَابْن سيد النَّاس وَابْن نَبَاته وأبي حَيَّان وَسمع من المزي والدبوسي وَطَاف مَعَ الطّلبَة وَكتب الطباق وَقَالَ الشّعْر الْحسن وَأكْثر مِنْهُ جداً وَترسل وَألف كتباً مِنْهَا التَّارِيخ الْكَبِير الَّذِي سَمَّاهُ الوافي بالوفيات فِي نَحْو ثَلَاثِينَ مجلداً على حُرُوف المعجم وأفرد مِنْهُ أهل عصره فِي كتاب سَمَّاهُ أعوان النَّصْر وأعيان الْعَصْر في سِتّ مجلدات وَشرح لامية الْعَجم بمجلدين وَله الحان السواجع بَين المبادئ والمراجع مجلدان وجر الذيل فى وصف الْخَيل وكشف الْحَال فِي وصف الْخَال وَأول مَا ولى كِتَابَة الدرج بصفد ثمَّ بِالْقَاهِرَةِ كِتَابَة السِّرّ وَغير ذَلِك من الاعمال وَكَانَ حسن المعاشرة جمييل الْمُرُوءَة وَكَانَ إليه الْمُنْتَهى في مَكَارِم الأخلاق ومحاسن الشيم قَالَ ابْن كثير مصنفاته بلغت المئين من المجلدات قَالَ وَلَعَلَّ الَّذِي كتبه في ديوَان الإنشاء ضعف ذَلِك وَمن تصانيفه فض الختام عَن التورية والاستخدام ونظمه مَشْهُور
(1/243)

قد أودع مِنْهُ في شرح لامية الْعَجم وَغَيرهَا مِمَّا يعرف بِهِ مِقْدَاره ولكثرة ملاحظته للمعاني البديعية صَار الغث من شعره كثيراً وينضم إلى ذَلِك مايطريه بِهِ من الْمُبَالغَة فِي حسنه فَيَزْدَاد ثقلاً وَقد يَأْتِي لَهُ مَا هُوَ من الْحسن بمَكَان كَقَوْلِه
(بِسَهْم أجفانه رماني ... وذبت من هجره وَبَينه)
(إن مت مالي سواهُ خصم ... لأنه قاتلي بِعَيْنِه)
وَكَانَ يختلس معاني شعر شَيْخه ابْن نباته وينظمها لنَفسِهِ وَقد صنّف ابْن نَبَاته في ذَلِك مصنفاً سَمَّاهُ خبز الشّعير الْمَأْكُول المذموم وَبَين سرقانه لشعره وَمَات بِدِمَشْق لَيْلَة عَاشر شَوَّال سنة 764 أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
164 - خَلِيل بن أَمِير ان شاه بن تيمورلنك
ملك بعد موت جده تيمور كَمَا تقدم تَحْقِيقه فِي تَرْجَمته وَكَانَ ذَلِك فِي حَيَاة وَالِده وأعمامه لكَونه كَانَ مَعَه عِنْد وَفَاته فِي سنة 807 فَلم يجد النَّاس بدامن سلطنته وَاسْتولى على الخزائن وَتمكن من الأمراء ببذله وَفِيه رفق وتودّد مَعَ حسن سياسة وَصدق لهجة وجمال صُورَة وَأخذ فِي تمهيد مكله وَملك قُلُوب الرعية فاستفحل أمره وَجَرت حوادث إلى أَن مَاتَ بالري مسموماً في سنة 809 تسع وثمان مائَة ونحرت زَوجته الْمُسَمَّاة شادملك نَفسهَا بخنجر من قفاها فَهَلَكت من ساعتها وَقد وصف مؤلف سيرة تيمور من أَحْوَاله وأشعاره بِلِسَان قومه ومزيد عشقه لزوجته هَذِه وإفراط محبته لَهَا مَا يقْضى مِنْهُ الْعجب حَتَّى قَالَ إنه يقف مَعهَا في قَمِيص وَاحِد يدخلَانِ فِيهِ جَمِيعًا لمزيد شغف كل وَاحِد مِنْهُمَا بالآخر فَلهَذَا
(1/244)

قتلت نَفسهَا بعد مَوته وَوصف من جماله مَا تعذر مَعَه زَوجته وَكَذَلِكَ وصف من جمَالهَا مَا يُخَفف عَنهُ الْمَلَامَة فِيمَا تهتك بِهِ من عَشِقَهَا حَتَّى كَانَ ذَلِك سَبَب ذهَاب ملكه وَنَفسه والأمر لله
165 - خَلِيل بن كيكلدى العلانى
ولد في ربيع سنة 694 أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَأول سَمَاعه للْحَدِيث في سنة 703 سمع على شرف الدَّين الفزارى وبرهان الدَّين الذهبى وَابْن عبد الدايم وَالقَاسِم بن عَسَاكِر وَجَمَاعَة كَثِيرَة بلغُوا إِلَى سَبْعمِائة ورحل إِلَى الأقطار واشتغل قبل ذَلِك بالفقه والعربية وَمهر وصنف التصانيف في الْفِقْه وَالْأُصُول والْحَدِيث وَمِنْهَا تحفة الرائض في علم الْفَرَائِض والاربعين في أَعمال الْمُتَّقِينَ وَشرح حَدِيث ذي الْيَدَيْنِ فى مُجَلد والوشى الْمعلم في من روى عَن أَبِيه عَن جده عَن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر إنه صنّف كتباً كَثِيرَة جداً سائرة مَشْهُورَة نافعة وَكَانَ بزي الْجند ثمَّ لبس زي الْفُقَهَاء وَحفظ التَّنْبِيه ومختصر ابْن الْحَاجِب ومقدمته فِي النَّحْو والتصريف وَولي تدريس الحَدِيث بالناصرية ثمَّ الصلاحية بالقدس وقطن بِهِ إلى أَن مَاتَ وَحج مرَارًا وجاور وَكَانَ ممتعاً بِكُل بَاب وبحفظ تراجم أهل عصره وَمن قبلهم وَوَصفه الذهبي بِالْحِفْظِ وَكَانَ يستحضر الرِّجَال والعلل وَتقدم فِي هَذَا الشَّأْن مَعَ صِحَة الذِّهْن وَسُرْعَة الْفَهم وَقَالَ غَيره كَانَ إماماً في الْفِقْه والنحو وَالْأُصُول والْحَدِيث وفنونه حَتَّى صَار بَقِيَّة الْحفاظ عَارِفًا بِالرِّجَالِ عَلامَة في الْمُتُون والأسانيد ومصنفاته تنبئ عَن إمامته فِي كل فن وَقَالَ الأسنوي كَانَ حَافظ زَمَانه إماماً في الْفِقْه وَالْأُصُول وَغَيرهمَا ذكبا نظارا
(1/245)

فصيحاً كَرِيمًا وَله نظم حسن وَاسْتمرّ على حَاله حَتَّى مَاتَ فِي الْقُدس خَامِس الْمحرم سنة 761 إحدى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
حرف الدَّال الْمُهْملَة

166 - الشَّيْخ دَاوُد بن عمر الانطاكى الضَّرِير رَئِيس الأطباء
قَالَ العصامي هُوَ المتوحد بأنواع الْفَضَائِل والمتفرد بِمَعْرِِفَة عُلُوم الْأَوَائِل شيخ الْعُلُوم الرياضية سِيمَا الفلسفية وَعلم الأبدان القسيم لعلم الأديان فإنه بلغ فِيهِ الغاية الَّتِى لَا تدْرك وانْتهى إلى الْغَايَة الَّتِى لَا تكَاد تملك لَهُ فضل لَيْسَ لَاحَدَّ وَرَاءه فضل وَعلم لم يحز أحد فِي عصره مثله قَالَ حكى أَن الشريف حسن لما اجْتمع بِهِ أَمر بعض أخوانه أن يُعْطِيهِ يَده ليجس نبضه وَقَالَ لَهُ الشريف حسن جس نبضي فَأخذ يَده فَقَالَ هَذِه لَيست يَد الْملك فَأعْطَاهُ الْأَخ الثاني يَده فَقَالَ كَذَلِك فَأعْطَاهُ الشريف حسن يَده فحين جسها قبلهَا وَأخْبر كلاً بِمَا هُوَ ملتبس بِهِ قَالَ وَحكى أَنه استدعاه يعْنى الشريف لبَعض نِسَائِهِ فَلَمَّا دخل قادته جَارِيَة وَلما خرجت بِهِ قَالَ للشريف حسن أن الْجَارِيَة لما دخلت بي كَانَت بكراً وَلما خرجت بِي كَانَت ثَيِّبًا فَسَأَلَهَا الشريف وأمنها فَأَخْبَرته أَن فلَانا استفضها قهراً فَسَأَلَهُ فاعترف بذلك وَله عجائب من هَذَا الْجِنْس وَقد أرّخ العصامي مَوته سنة 1007 سبع وَألف وَهُوَ مُصَنف التَّذْكِرَة الْكتاب الْمَشْهُور في الطِّبّ
167 - السَّيِّد دَاوُد بن الهادي بن أَحْمد بن المهدي بن أَمِير الْمُؤمنِينَ عزّ الدَّين بن الْحسن
ولد سنة 980 ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ شيخ الشُّيُوخ الزبدية فى زَمَانه
(1/246)

وَكَانَ عَالما بعدة عُلُوم وَمن تلامذته القاضي أَحْمد بن يحيى حَابِس والقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَغَيرهم مِمَّن في طبقتهم وَله شرح على أساس الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكتب إِلَيْهِ القاضي أَحْمد بن علي بن أَبى الرِّجَال وَهُوَ من تلامذته قصيدة مِنْهَا
(سؤلي وَجل مطالبي ومرامي ... تَقْبِيل كفّ الأروع الصمصام)
(الْعَالم الْعلم الحميد فعاله ... نور الْأَنَام وَسيد الأقرام)
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم فَمِنْهُ
(إلى الله أَشْكُو عَالم السِّرّ والنجوى ... تحمل هم لَا يُطيق لَهُ رضوى)
(وجور زمَان دأبه خفض كَامِل ... وَرفع الَّذِي لَا خير فِيهِ وَلَا جدوى)
(عتبت على دهري فَقلت إلى مَتى ... تعاملني بالضد من كل مَا أَهْوى)
(فَقَالَ مجيباً لي بعنف وغلظة ... وأيّ كريم قد أجبْت لَهُ شكوى)
وَتوفى رَحمَه الله بدرب الأمير بِحَضْرَة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد في ضحوة يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة 1035 خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وعمرت عَلَيْهِ قبَّة هُنَالك
168 - دَاوُد بن يُوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول الْملك الْمُؤَيد بن المظفر التركماني الأَصْل صَاحب الْيمن
كَانَ لَهُ شغلة بِالْعلمِ حفظ مُقَدّمَة ابْن بابشاذ فِي النَّحْو وكفاية المتحفظ فِي اللُّغَة وَسمع من الْمُحب الطبري وَغَيره وَكَانَ أَبوهُ قد آثر أَخَاهُ الْأَشْرَف بالسلطنة فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ وتسلطن أَخُوهُ الأشرف أقبل الْمُؤَيد وَكَانَ في جِهَة الْيمن فغلب على عدن فَجهز الأشرف وَلَده الْمَنْصُور فَهَزَمَهُمْ الْمُؤَيد ثمَّ سَار طَائِعا إِلَى أَخِيه فَتَلقاهُ وَأمره فَلَمَّا مَاتَ في أول سنة 696 سِتّ وَتِسْعين
(1/247)

وسِتمِائَة تسلطن الْمُؤَيد وَتَابعه النَّاصِر ولد أَخِيه الْأَشْرَف وَخرج عَلَيْهِ أَخُوهُ المسعود فَلم تقم لَهُ قَائِمَة وَدخل في طَاعَة الْمُؤَيد وَلما عرف النَّاس محبته للفضائل قصدوه من الْآفَاق بِكُل تحفة وَكَانَ يُبَالغ في إنصافهم حَتَّى أنها أهديت لَهُ نُسْخَة من الأغاني بِخَط ياقوت الحموي فبذل فِيهَا مائتي دِينَار مصرية ولشعراء عصره فِيهِ مدايح واشتملت خزانَة كتبه على مائتي ألف مُجَلد وأنشا بتعز الْقُصُور الْعَظِيمَة البديعة ودام فى الْملك خمْسا وَعشْرين سنة حَتَّى مَاتَ في ذي الْحجَّة سنة 721 إحدى وَعشْرين وَسَبْعمائة
169 - الشَّرِيفَة دهماء بنت يحيى بن المرتضى أُخْت الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره
عَالِمَة فاضلة أخذت الْعلم عَن أَخِيهَا قَرَأت عَلَيْهِ هي والإمام مطهّر وَلها مصنّفات مِنْهَا شرح للأزهار فِي أَرْبَعَة مجلدات وَشرح لمنظومة الْكُوفِي فِي الْفِقْه والفرائض وَشرح لمختصر الْمُنْتَهى ودرست الطّلبَة بِمَدِينَة ثلا حَتَّى مَاتَت هُنَالك وقبرها مَشْهُور مزور وَعَلَيْهَا قبَّة وَتَزَوجهَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أبي الْفَضَائِل وأولدها ولداً سمي إدريس ابْن مُحَمَّد وَلها شعر مِنْهُ فِي مدح كتاب أَخِيهَا الأزهار
(يَا كتاباً فِيهِ شِفَاء النُّفُوس ... أنتجته أفكار من فى الحبوس)
(أَنْت للْعلم فِي الْحَقِيقَة نور ... وضياء وبهجة كالشموس)
(1/248)

حرف الذَّال الْمُعْجَمَة

170 - ذيبان الماردي نَاصِر الدَّين والي الْقَاهِرَة
ورد من الشرق صُحْبَة عبد الرَّحْمَن التكريتي إلى الْمَنْصُور قلاون وتعانى الْخياطَة للكوافي بِدِمَشْق ثمَّ توصل بِخِدْمَة بيبرس الجاشنكير وتقرب مِنْهُ إلى أَن ولي الْقَاهِرَة ثمَّ عُوقِبَ وصودر ثمَّ تولى شد الدَّوَاوِين في جُمَادَى الْآخِرَة سنة 694 ثمَّ نقل إلى ولَايَة الْقَاهِرَة ثمَّ ولي الجيزة فَوَقَعت بَينه وَبَين القبط مرافعة فالتزم أن تسلمهم أَن يحمل ثلثمِائة ألف دِينَار فتسلمهم وضيّق عَلَيْهِم وَأخذ مِنْهُم جملَة مستكثرة ثمَّ سعى فِي الوزارة فاستقر في شَوَّال سنة 703 فباشرها بتعاظم وَحُرْمَة وَاتفقَ أَنه توجه إلى الإسكندرية وَتوجه النَّاصِر إلى الجيزة وَهُوَ يَوْمئِذٍ تَحت حجر بيبرس وسلار فأرسل وَكيله يستدين لَهُ من التُّجَّار مبلغاً يشتري بِهِ هَدِيَّة لحرمه إذا رَجَعَ فَقدم لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة ألفى دِينَار فأعجبة وقربه وشكى إليه حَاله فوعده وَبسط أمله فَنقل ذَلِك إلى الأميرين الْمَذْكُورين فقبضا عَلَيْهِ وسجناه وصادراه وَمَات في ذي الْقعدَة سنة 704 أَربع وَسَبْعمائة
حرف الرَّاء

171 - رضوَان بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن سَلامَة بن الْبَهَاء بن سعيد الزين الشافعي الْحَافِظ الْكَبِير القاهري الصحراوي
ولد صبح جُمُعَة من رَجَب سنة 769 تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بمنية عقبَة بالجيزة وَحفظ الْقُرْآن والتنبيه وجوّد بعض الْقُرْآن وتلى بالسبع على
(1/249)

جمَاعَة وَحضر درس البلقيني وَابْن الملقن والصدر المناوى والعز ين جمَاعَة وَقَرَأَ عَلَيْهِم وَغَيرهم في فنون مُتعَدِّدَة كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول والجدل والفرائض والحساب وَحج مَرَّات وزار بَيت الْمُقَدّس والخليل وَمَا تيسرت لَهُ رحْلَة لكنه أخذ بالحرمين والقدس عَن جمَاعَة وَسمع الأمهات ومسند أَحْمد ومسند الشافعي والموطأ ومسند أَبى حنيفَة ومعاني الْآثَار للطحاوي وَالسّنَن للدَّار قطني وَغير ذَلِك وَأخذ عَن مَشَايِخ الْعَصْر وَعرف العالي والنازل وفَاق الأقران وانتفع بِهِ النَّاس وَأخذُوا عَنهُ واشتهرت فضائله وَله تخرجات خرّجها لشيوخه وَله شعر على نمط أشعار الْمُحدثين رَحمَه الله مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث شهر رَجَب سنة 852 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة
172 - رميثة بمثلثة مُصَغرًا ابْن أَبى نمى
قدم تقدّم ذكر بعض نسبه في تَرْجَمَة أَخِيه حميضة ولي أَمر مَكَّة مَعَ أَخِيه حميضة ثمَّ اسْتَقل سنة 715 ثمَّ قبض عَلَيْهِ في ذي الْحجَّة سنة 718 فَلَمَّا كَانَ فِي سنة 731 تحارب هُوَ وَأَخُوهُ عطيفة ثمَّ اصطلحا وَكثر تضرر النَّاس مِنْهُمَا ثمَّ بلغ النَّاصِر أَنه أظهر مَذْهَب الزيدية فأنكر عَلَيْهِ فأرسل إليه عسكرا ففر فَلم يزل أَمِير الْحَاج يستيمله حَتَّى عَاد ثمَّ أَمنه السُّلْطَان فَرجع إلى مَكَّة سنة 731 وَلبس الخلعة ثمَّ حج السُّلْطَان سنة 732 فَتَلقاهُ رميثة إلى يَنْبع فأكرمه السُّلْطَان وَاسْتمرّ رميثة وعطيفة إلى أَن تفرد رميثة سنة 738 فَلم يزل على ذَلِك إلى سنة 744 فَترك الأمر لِوَلَدَيْهِ ثقبة وعجلان ثمَّ كتب لَهُ من الْقَاهِرَة باستقراره فباشر
(1/250)

الأمر عَنهُ وَلَده عجلَان حَتَّى مَاتَ رميثة في سنة 748 ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
حرف الزاي
174 - زَكَرِيَّا بن احْمَد بن مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ أَبى حَفْص عمر الشاوي
الحفصي اللحياني الْقَائِم بِأَمْر الله صَاحب الْمغرب ولد سنة نَيف وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وتفقه وأتقن النَّحْو واستوزره ابْن عَمه الْمُسْتَنْصر مُدَّة ثمَّ ملك سنة 685 ثمَّ خلع فَتوجه إلى الْحَج سنة 709 ثمَّ رَجَعَ إلى الْقَاهِرَة سنة 710 فَجهز مَعَه النَّاصِر عسكراً فَملك طرابلس وخطب للناصر بهَا ثمَّ صبّحوا تونس فِي ثامن جُمَادَى الأولى فنازلوها وصاحبها أَبُو الْبَقَاء مَرِيض فَدخل زَكَرِيَّا الْبَلَد وَأشْهد ابو الْبَقَاء على ة نَفسه بِالْخلْعِ فَلَمَّا استوثق لَهُ الأمر قطع ذكر الْمهْدي من الْخطْبَة ثمَّ أرسل إلى صَاحب سحانة فهادنه فَسَار صَاحب سحانة إلى أفريقية رجال في بِلَاد هوَازن فخشي مِنْهُ صَاحب التَّرْجَمَة فَجمع مَا قدر عَلَيْهِ من المَال وَخرج من تونس سنة 717 قَاصِدا فاس فأقام بهَا ثمَّ توجه من فاس إلى طرابلس ثمَّ حمل أَهله وأمواله في الْبَحْر وَتوجه إلى الإسكندرية ثمَّ اسْتَأْذن النَّاصِر في الْقدوم عَلَيْهِ فأذن لَهُ وَدخل الْقَاهِرَة سنة 721 وَأَرَادَ الْحَج فَمَرض فأقام بهَا ورفض الْملك إلى أَن مَاتَ سنة 727 سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَ فَاضلا متقناً للعربية حسن النظم ويعاب بالشح وَأنكر عَلَيْهِ أهل بَيته إسقاط ذكر المهدي من الْخطْبَة وَكَانَ جده أَبُو حَفْص من كبار أَصْحَاب
(1/251)

ابْن تومرت وَولى السلطنة بعده أَبُو ضَرْبَة فنازله أَبُو بكر الْمُتَقَدّم
175 - زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زَكَرِيَّا الأنصاري القاهري الأزهري القاضي الشافعي
ولد سنة 826 سِتّ وَعشْرين وثمان مائَة فحفظ الْقُرْآن وعمدة الأحكام وَبَعض مُخْتَصر التبريزي في الْفِقْه ثمَّ تحوّل إلى الْقَاهِرَة فِي سنة 841 فقطن الأزهر وأكمل حفظ الْمُخْتَصر الْمَذْكُور وَحفظ الْمِنْهَاج الفرعي وألفية النَّحْو والشاطبيتين وَبَعض الْمِنْهَاج الأصلي وَبَعض ألفية الحَدِيث وَمن التسهيل إِلَى كَاد وأتمه من بعد ثمَّ جدّ في الطلب وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم البلقينى والقاياتى والشرف السبكى وَابْن حجر والزين رضوَان وَغَيرهم وَقَرَأَ في جَمِيع الْفُنُون وَأذن لَهُ شُيُوخه بالإفتاء والتدريس وتصدر وَأفْتى وأقرأ وصنف التصانيف مِنْهَا فتح الْوَهَّاب شرح الْآدَاب وَغَايَة الْوُصُول فِي شرح الْفُصُول وَشرح الرَّوْض مُخْتَصر الرَّوْضَة لِابْنِ المقري وَله حَاشِيَة على شرح الْبَهْجَة للولي العراقي وَشرح لشذور الذَّهَب وَله شُرُوح ومختصرات في كل فن من الْفُنُون انْتفع النَّاس بهَا وتنافسوا فِيهَا ودرّس في أمكنة معتددة وَزَاد فِي الترقي وَحسن الطلاقة والتلقي مَعَ كَثْرَة حاسديه وَارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد السُّلْطَان قايتباى وَكثر توسل النَّاس بِهِ إِلَيْهِ وَكَانَ السُّلْطَان يلهج بتوليه الْقَضَاء مَعَ علمه بِعَدَمِ قبُوله لَهُ فِي سلطنة خشقدم ثمَّ ولاه الْقَضَاء قايتباى وصمم عَلَيْهِ فأذعن بعد مَجِيء أكَابِر الدولة إِلَيْهِ فباشره بعفة ونزاهة ثمَّ عزل سنة 906 ثمَّ عرض عَلَيْهِ بعد ذَلِك فَأَعْرض عَنهُ لكف بَصَره وانجمع فِي مَحَله واشتهرت مصنفاته وَكَثُرت تلامذته وَألْحق الأحفاد بالأجداد وَعمر حَتَّى جَاوز
(1/252)

الْمِائَة أَو قاربها وَمَات في يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ذي الْحجَّة سنة 926 وحزن النَّاس عَلَيْهِ كثيراً لمزيد محاسنة ورثاه جمَاعَة من تلامذته فَمن ذَلِك قَول عبد اللَّطِيف
(قضى زَكَرِيَّا نحبه فتفجرت ... عَلَيْهِ عُيُون النيل يَوْم حمامه)
(ليعلم أَن الدَّهْر رَاح أَمَامه ... وَمَا الدَّهْر يبْقى بعد فقد امامه)
(سفى الله قبراضمه غوث صيب ... عَلَيْهِ مدى الأيام صبح غمامه)
175 - السَّيِّد زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الْمُحَقق الْكَبِير شيخ مَشَايِخ صنعاء فِي عصره في الْعُلُوم الآلية بأسرها أَخذهَا عَنهُ جمَاعَة من أكابرهم كالسيّد هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد مُحَمَّد الأمير وَالسَّيِّد أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وَغَيرهم ولد فى سننة 1075 خمس وَسبعين وألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من اعيان الْعلمَاء كالقاضى الْعَلامَة على ابْن يحيى البرطى والقاضى الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَكَانَ صَدرا مبجلاً مُعظما مفخماً لَهُ صُورَة كَبِيرَة وُصُوله شهيرة يهابه وُلَاة صنعاء وَيَخَافُونَ من أَن ينْهَى أمرهم إِلَى الإمام المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب وَكَانَ كثير الإجلال لَهُ إِلَى غَايَة ويطلبه إلى حَضرته مَرَّات وَيُعْطِيه الْعَطاء الْوَاسِع وَكَانَ يؤهل للإمامة ويرجى لَهَا وَقد برع في جَمِيع المعارف لاسيما علم الْمعَانى وَالْبَيَان فإنه فنه الَّذِي لَا يدانيه فِيهِ مدان وَلَا يخْتَلف في تفرده بِهَذَا الشأن اثْنَان وَشَرحه الْمجَاز لمختصر الشَّيْخ لطف الله الغياث الَّذِي سَمَّاهُ الإيجاز في الْمعَانى وَالْبَيَان يشْهد بفضله في هَذَا الْعلم فإنه شرح يشْرَح صدر طَالب فن الْمعَانى وَالْبَيَان لَان الشَّيْخ لطف الله ألف هَذَا الْمُخْتَصر معتصراً
(1/253)

لَهُ من تَلْخِيص الْمِفْتَاح لكنه ترك من عباراته مَا وَقعت فِيهِ مناقشة لأحد من الشُّرَّاح أَو أهل الحواشى وَزَاد مَالا بُد من زِيَادَته ثمَّ أَتَى صَاحب التَّرْجَمَة فاعتصر المطول وحواشيه والمختصر وحواشيه فِي شَرحه وَترك مَا فيهمَا من المباحث الَّتِى وَقع الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا من أهل الحواشي ورسم مَا هُوَ الصَّوَاب وَأَنا أَظن أَن الشَّيْخ لطف الله إِنَّمَا جمع هَذَا الْمَتْن مَعَ قِرَاءَة الطّلبَة عَلَيْهِ للتلخيص وشروحه وحواشيه وَكَذَلِكَ صَاحب التَّرْجَمَة إِنَّمَا جمع الشَّرْح مَعَ قِرَاءَته كَذَلِك وَكَانَ كثير الْأَخْذ من حَاشِيَة الشَّيْخ لطف الله على شرح التَّلْخِيص وَقد قوبل هَذَا الشَّرْح بِالْقبُولِ من أَعْيَان الْعلمَاء ونقّادهم وَإِن لم يشْتَهر بَين الطّلبَة وَمَا أَحَق من رام حفظ التَّلْخِيص أَن يسْتَغْنى عَنهُ بِحِفْظ مُخْتَصر الشَّيْخ لطف الله وَمن رام الْقِرَاءَة في المطوّل والمختصر وحواشيهما أَن يقْتَصر على الْقِرَاءَة في شرح صَاحب التَّرْجَمَة فانه يسْتَغْنى بذلك عَن مهمات مافى غَيره وإن كَانَ الطَّالِب الرَّاغِب لَا يقنع الا بالتبحر فِي كل المعارف فانه لاريب أَن في المطوّل والمختصر وحواشيهما من الْفَوَائِد وَالْقَوَاعِد مَالا يسْتَغْنى عَنهُ طَالب علم الْمعَانى وَالْبَيَان وَقد كَانَ شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد كثير الثَّنَاء على شرح صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ يرشد طلبة هَذَا الْفَنّ إِلَيْهِ وأقرأ وَلَده إبراهيم الْمُتَقَدّم ذكره فِيهِ وَاسْتغْنى بذلك عَن غَيره من كتب الْمعَانى وَالْبَيَان وَكنت أهم في أَيَّام الطلب بِجمع حَاشِيَة على ذَلِك الشَّرْح وَأَنا إلى الْآن غير مُنْقَطع الرَّجَاء إن شَاءَ الله وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة اعْتِقَاد في الصُّوفِيَّة وَجَرت بَينه وَبَين السَّيِّد صَلَاح بن الْحُسَيْن الأخفش فِي ذَلِك منافرة بِسَبَب رجل كَانَ يملى الاذكار فِي جَامع صنعاء جَهرا يُقَال لَهُ القبتين
(1/254)

فَأنْكر عَلَيْهِ السَّيِّد صَلَاح فألف صَاحب التَّرْجَمَة رِسَالَة سَمَّاهَا تشييد أَرْكَان القبتين ذكر فِيهَا مبَاحث أصولية وَأَحَادِيث وَرَأَيْت لَهُ رِسَالَة أُخْرَى في تَبْيِين الْفرْقَة النَّاجِية وَأحسن القَوْل فِيهَا وَرجح أَنهم من كَانَ على النمط الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَله جَوَاب على النبراس الَّذِي اعْترض بِهِ الكردي على الأساس وَلكنه مَاتَ قبل تَمَامه وَكَانَ قد سَمَّاهُ الرَّد بالقسطاس وَمَات رَحمَه الله فِي سنة 1123 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَألف ورثاه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير بِأَبْيَات مُشْتَمِلَة على تَارِيخ وَفَاته وهي هَذِه
(هَاهُنَا عَلامَة الدُّنْيَا فزر ... قَبره تحظى بأنوار وتسعد)
(هُوَ سعد الدَّين في تَحْقِيقه ... وَهُوَ عِنْد الله في التَّحْقِيق اسعد)
(لقى الله فأرخ جال فِي ... جنَّة الفردوس زيد بن مُحَمَّد)
سنة 1123
وقبر بقبته الْمُتَّصِلَة بمدرسة الإمام شرف الدَّين بِصَنْعَاء وَله شعر حسن فَمِنْهُ
(جمع الْحسن فأضحى ... سَاكِنا بَين ضلوعي)
(1/255)

(بِأبي جَامع حسن ... وَقفه جاري دموعي)
وَله قصيدة عَارض بهَا قصيدة ابْن زُرَيْق الَّتِى أَولهَا
(لَا تعذليه فإنّ العذل يولعه ... قد قلت حَقًا وَلَكِن لَيْسَ يسمعهُ)
ومطلع قصيدة صَاحب التَّرْجَمَة
(بانوا فسالت على خدّيه أدمعه ... مُورق الجفن مغرى الْقلب موجعه)
وَولد صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الْعَلامَة مُحَمَّد بن زبد من أَعْيَان الْعلمَاء لاسيما في علم الْمعَانى وَالْبَيَان فإنه من المبرزين فِيهِ وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَله بِهِ اتِّصَال وَمن ذُرِّيَّة صَاحب التَّرْجَمَة في عصرنا هَذَا
176 - السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن زيد بن مُحَمَّد
وَهُوَ من أَعْيَان السَّادة آل الإمام وَله معرفَة تَامَّة بفنون من الْعلم وَقد رافقته فِي قِرَاءَة كتاب الله عز وَجل في الْمكتب وترافقنا في قِرَاءَة الْفِقْه وَبَعض الآلات فِي أَيَّام الصغر وَلَعَلَّ مولده سنة 1170 أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة صَادِقَة وَله عرفان بِعلم الطِّبّ وَقد انْتفع بِهِ النَّاس فِيهِ لاسيما في هَذِه الأيام بعد موت السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فان النَّاس عولوا عَلَيْهِ وانتفعوا بِهِ وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل من أكَابِر آل الإمام رياسة ورفعة وشهرة
177 - السَّيِّد زيد بن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الصنعاني ولد يَوْم الْخَمِيس لخمس لَيَال بَقينَ من ذي الْحجَّة سنة 1077 سبع وَسبعين وألف وَقَرَأَ على السَّيِّد الْحسن بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الْمُتَقَدّم
(1/256)

ذكره وعَلى القاضي حُسَيْن بن عبد الله المسعودي وبرع في الْعُلُوم الأدبية وَقَالَ الشّعْر الْحسن فَمِنْهُ القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(قُم فقد أَلممْت صبا الإبكار ... واكتسى الأفق حلَّة الأنوار)
(واحتلى جَيِّدَة قلادة تبر ... من سنا الشَّمْس بعددرالدرار)
(دب جمر الصَّباح فى فَحْمَة اللَّيْل ... وطارت نجومه كالشّرار)
(1/257)

وهي قصيدة طنانة روضية وَقد ترْجم لَهُ صَاحب نسمَة السحر وَهُوَ أَخُوهُ تَرْجَمَة فائقة طَوِيلَة وَذكر من شعره مَا يدل على أَنه في أَعلَى رتب البلاغة وأرّخ مَوته يَوْم عيد النَّحْر سنة 1104 أَربع وَمِائَة وَألف
178 - الشَّرِيفَة زَيْنَب بنت مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإمام الْحسن بن على ابْن دَاوُد المؤيدى
الادبية الشاعرة المجيدة من شعرهَا القصيدة الَّتِى كتبتها إِلَى زَوجهَا السَّيِّد على بن الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل ومطلعها
(أصخ لي أَيهَا الْملك الْهمام ... عَلَيْك صلوة رَبك وَالسَّلَام)
وَمن شعرهَا الْمَقْطُوع الَّذِي فضلت فِيهِ شهارة على صنعاء وَهُوَ
(وَقَائِل لي أَزَال لَيْسَ تشبهها ... شهارة قلت قف لي واستمع مثلي)
(أَلَيْسَ صنعاء تَحت الظّهْر مَعَ ضلع ... أما شهارة فَوق النَّحْر والمقل)
(1/258)

والنحر والمقل موضعان بشهارة كَمَا أَن وادى ظهر وضلع موضعان قريب صنعاء وَلها أشعار كَثِيرَة وَقد فَارقهَا علي بن المتَوَكل ثمَّ تزَوجهَا غَيره وَكَانَت تعرف النَّحْو وَالْأُصُول والمنطق والنجوم والرمل والسيمياء وَمَاتَتْ فِي شهر محرم سنة 1114 أَربع عشرَة وماية وألف بشهاره
179 - زين العابدين بن حُسَيْن الحكمي أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين
المعاصرين من أهل الْقطر النهامى كثيرا مَا يكْتب الى من هُنَالك بمذاكرات وَله نثر متوسط فَمِنْهُ مَا كتبه إليّ عِنْد أَن وليت الْقَضَاء وَلَفظه الْحَمد لله الَّذِي ألهم مَوْلَانَا الإمام الأعظم والطود الباذخ الاشم أَمِير الْمُؤمنِينَ وَسيد الْمُسلمين المؤبد بالنصر والتمكين وَالظفر وَالْفَتْح الْمُبين الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين بإقامة من انتعشت بِهِ الشَّرِيعَة المحمدية من مَرضهَا وَقَامَت بِهِ قناتها مفصحة عَن مرادها خَالِصَة من مضضها واختصاصه من بَين الأنجم الزاهرة من عُلَمَاء العترة الأعلام بِالْفَضْلِ بَين الأنام والتصدّر للإصدار والإيراد عَن الْخَاص وَالْعَام وإعطاء الْقوس باريه وتقليد هَذَا الامر خريته الماهر بفجاجه ومراميه عين أَعْيَان سكان صنعاء وَمن حسنت بِهِ الأيام صنعاء القاضي الثبت الْعَلامَة الحلاحل الْعُمْدَة النحرير الفهامة الْغَيْث المدرار المقتطف من بُسْتَان عوارفه نوافح الأزهار ويانع الأثمار المقتبس من ثاقب فهومه أنوار الشموس والأقمار الكافل بغاية السؤل وَالتَّحْقِيق وَمن هُوَ بِكُل ثَنَاء خليق الَّذِي إذا اجْتمعت الْفَضَائِل فَهُوَ مُنْتَهى الجموع بغية
(1/259)

المستفيد بِالْعلمِ النافع الَّذِي لَيْسَ بمقطوع وَلَا مَمْنُوع من لَيْسَ لَهُ في تَحْقِيق الْعُلُوم ثاني مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد الشوكاني حفظه الله وأمده بالتوفيق في جَمِيع الأمور وَأصْلح بتسديد آرائه الثاقبة ومقاصده الْحَسَنَة أَحْوَال الْجُمْهُور وَلَا زَالَ مَرْفُوع الجناب إلى الْغَايَة مَنْصُوبَة رايات مجده بداية وَنِهَايَة مُسْند إليه صَحِيح أَحَادِيث كل فَضِيلَة على الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز مَحْكُوم لَهُ بِصدق المقدمتين بِأَنَّهُ كعبة أولي التَّحْقِيق الَّتِى لَيْسَ بَينهَا وَبَين طَالب الإفادة حجاز فَلَو مثلت كتب النُّحَاة بنعته لما جَازَ أَن يجري على نَعته النَّقْص وَالله الْمَسْئُول أَن يُعينهُ ويعافيه وَعَلِيهِ من السَّلَام مَا يحفل بِهِ وَمن الإكرام مَا يراوحه ويغاديه
(تَحِيَّة صبّ مَا الْفُرَات وماؤه ... بأعذب مِنْهَا وَهُوَ أَزْرَق سلسال)
(تخصّ خدين الْفضل بدر أَوَانه ... سليل على من بِهِ حسن الْحَال)
(أَخا الْعلم وَالتَّحْقِيق فِي كل مَبْحَث ... فَمَا غَيره يُرْجَى إذا عَن إشكال)
(هُوَ الْحَاكِم الفيصول والعالم الَّذِي ... لَهُ في عُلُوم الشَّرْع ورد ومنهال)
ثمَّ أَطَالَ النَّفس وَختم النثر بقصيدة من شعره أَولهَا
(سر يابريد بهَا بِغَيْر تمنع ... وارو الحَدِيث عَن اللواو الاجرع)
(واحفظ حَدِيثهمْ الصَّحِيح وَلَا تزل ... ترويه عَنْهُم عَالِيا في الْمجمع)
(فالعلم فِي علم الحَدِيث وَأَهله ... أَتبَاع أشرف شَافِع وَمُشَفَّع)
(لازال طَائِفَة هداة مِنْهُم ... يَرْوُونَهُ من أورع عَن أورع)
(لاسيما بَحر الْعُلُوم وحايز الْمَنْطُوق ... وَالْمَفْهُوم شمس المطلع)
(حاوى الاصول مَعَ الْفُرُوع وناثر ... أزهارها من بَحر علم أَنْفَع)
(سمع الحَدِيث رِوَايَة ودراية ... عَن كل شيخ عَالم متضلع)
(1/260)

(أعنى بِهِ عز الْأَنَام مُحَمَّدًا ... نجل الْجمال الْحَاكِم المتورّع)
(علم السراة الغر في علم وفي ... كرم وَحسن شمائل لم تجمع)
(من خصّ من كنز الأنام بِمنْصب ... بشريف تَرْجِيح منيف ارجع)
(محيي عُلُوم الطاهرين وَسنة ... الْمُخْتَار من فضل الْحَكِيم الْمُبْدع)
وهي قصيدة طَوِيلَة وَلكنهَا من جنس شعر الْعلمَاء لامن شعر الأدباء وَهُوَ الْآن حَيّ يُفِيد في وَطنه وأخباره تبلغنَا جملَة لَا تَفْصِيلًا
حرف السِّين الْمُهْملَة

180 - أَبُو السُّعُود أفندي الإِمَام الْكَبِير عَالم الروم
برع في جَمِيع الْفُنُون وفَاق الأقران ومولده سنة تِسْعمائَة وَأخذ عَن أكَابِر علمائها ودرس بمدارسها وَصَارَ قَاضِيا بِمَدِينَة بروسا ثمَّ صَار قَاضِيا للعسكر ثمَّ صَار مفتياً بقسطنطينية وَعين لَهُ السُّلْطَان كل يَوْم مِائَتَيْنِ وَخمسين درهماً وَله تصانيف مِنْهَا التَّفْسِير الْمَشْهُور عِنْد النَّاس بَابي السُّعُود في مجلدين ضخمين سَمَّاهُ إرشاد الْعقل السَّلِيم إِلَى مزايا الْكتاب الْكَرِيم وَهُوَ من أجل التفاسير وأحسنها وأكثرها تَحْقِيقا وتدقيقاً وأهداه للسُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فأنعم عَلَيْهِ بنعم عَظِيمَة وَزَاد في معلومه اليومي زِيَادَة وَاسِعَة وَكَانَ قد تناهت عَظمته فِي الممالك الرومية وَصَارَ الْمرجع في جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالْعلمِ وَمَات في سنة 982 اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
(1/261)

181 - سعود بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن سعود
ولد تَقْرِيبًا سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل فى وَطنه ووطن اهله الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بالدرعية من الْبِلَاد النجدية وَكَانَ قَائِد جيوش أَبِيه عبد الْعَزِيز وَكَانَ جدّه مُحَمَّد شَيخا لقريته الَّتِى هُوَ فِيهَا فوصل إِلَيْهِ الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الداعي إِلَى التَّوْحِيد الْمُنكر على المعتقدين في الْأَمْوَات فَأَجَابَهُ وَقَامَ بنصره وَمَا زَالَ يُجَاهد من يُخَالِفهُ وَكَانَت تِلْكَ الْبِلَاد قد غلبت عَلَيْهَا أُمُور الْجَاهِلِيَّة وَصَارَ الإسلام فِيهَا غَرِيبا ثمَّ مَاتَ مُحَمَّد بن سعود وَقد دخل فى الدَّين بعض بِلَاد النجدية وَقَامَ وَلَده عبد الْعَزِيز مقَامه فَافْتتحَ جَمِيع الديار النجدية والبلاد العارضية والحسا والقطيف وجاوزها إِلَى فتح كثير من الْبِلَاد الحجازية ثمَّ استولى على الطَّائِف وَمَكَّة وَالْمَدينَة وغالب جَزِيرَة الْعَرَب وغالب هَذِه الْفتُوح على يَد وَلَده سعود ثمَّ قَامَ بعده وَلَده سعود فتكاثرت جُنُوده واتسعت فتوحه ووصلت جُنُوده إِلَى الْيمن فافتتحوا بِلَاد أَبى عَرِيش وَمَا يتَّصل بهَا ثمَّ تَابعهمْ الشريف حمود بن مُحَمَّد شرِيف أَبى عَرِيش وَقد تقدمت تَرْجَمته وأمدوه بالجنود فَفتح الْبِلَاد التهامية كاللحية والحديدة وَبَيت الْفَقِيه وزبيد وَمَا يتَّصل بِهَذِهِ الْبِلَاد ومازال الوافدون من سعود يفدون إلينا إِلَى صنعاء إِلَى حَضْرَة الامام الْمَنْصُور والى حَضْرَة وَلَده الامام المتَوَكل بمكاتيب اليهما بالدعوة إلى التَّوْحِيد وَهدم الْقُبُور المشيدة والقباب المرتفعة وَيكْتب إليّ أَيْضا مَعَ مَا يصل من الْكتب إلى الإماميين ثمَّ وَقع الْهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء وَفِي كثير من الامكنة الْمُجَاورَة
(1/262)

وَلها وفى جِهَة ذمّار وَمَا يتَّصل بهَا ثمَّ خرج باشة مصر إلى مَكَّة بعد إرساله بِجُنُود افتتحوا مَكَّة وَالْمَدينَة والطائف وغلبوا عَلَيْهَا وَهُوَ الآن فِي مَكَّة وَالْحَرب بَينه وَبَين سعود مُسْتَمر وَمَات سعود في هَذِه السنة 1229 تسع وَعشْرين وماتين وألف وَقَامَ بالأمر وَلَده عبد الله بن سعود وَقد أفردت هَذِه الْحَوَادِث الْعَظِيمَة بمصنف مُسْتَقل وسيأتي في تَرْجَمَة الشريف غَالب شرِيف مَكَّة إشارة إلى طرف من هَذِه الْحَوَادِث
182 - سعيد بن علي القرواني الشبّامي ثمَّ الصّنعاني
الأديب الْفَائِق في نظمه ونثره الْمجِيد في جَمِيع مَا يبديه من ذَلِك كَانَ من جملَة ندماء الْفَقِيه احْمَد بن علي النهمي وَزِير الإمام الْمهْدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وبسببه اتَّصل بالإمام وَجعل بنظره صدقَات القاصدين لحضرته فسلك فِي ذَلِك مسلكاً مشكوراً ونظمه كُله غرر وَلكنه كَانَ لَا يعتنى بجمعه وَمِنْه من قصيدة
(فِي خدها زهر المحاس يَانِع ... وبثغرها درّ جرى جريالا)
(والخصر مِنْهَا كالنسيم رشاقة ... متحمل من ردفها أثقالا)
وَمِنْهَا فِي المديح
(من فتية غرسوا الْجَمِيل أجنة ... وجنوا ثمار المكرمات رجَالًا)
(المسرعين إلى المكارم كلّما ... وجدوا إلى إسراعهن مجالا)
(وَأَبُوك من حَاز العلى طفْلا وَمن ... أغْلى الفخار وأرخص الآجالا)
(الناسك الأواه وَالْملك الَّذِي ... عَمت يَدَاهُ الْعَالمين نوالا)
(كالبحر صَدرا وَالْجِبَال رجاحة ... وَالنَّار ذهنا والهلال منالا) وَتوفى سنة 1204 أَربع وماتين وَألف وَولده عبد الله لَهُ شعر فائق
(1/263)

مَعَ لطافة وظرافة وَحسن محاضرة وعفاف وقنوع بالكفاف وَهُوَ الْآن حَيّ
183 - سعيد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر المقدسي الحنفي نزيل الْقَاهِرَة الْمَعْرُوف بِابْن الدّيري
نِسْبَة إلى مَكَان يُقَال لَهُ الدَّيْر اَوْ إلى دير في بَيت الْمُقَدّس ولد في يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر رَجَب سنة 868 ثَمَان وَسِتِّينَ وثمان مائَة وَحفظ في صغره الْقُرْآن ومختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي والمشارق لعياض وَكَانَ سريع الْحِفْظ مفرط الذكاء وأكب على الِاشْتِغَال وتفقه بِأَبِيهِ وبالكمال السريحي وَابْن النَّقِيب وَالشَّمْس بن الْخَطِيب والمحب الفاسي وَجَمَاعَة كَثِيرَة في فنون عدَّة وبرع فِي الْفِقْه حَتَّى صَار المرجوع إِلَيْهِ فِيهِ وشارك فِي سَائِر الْفُنُون وَتَوَلَّى قَضَاء الْحَنَفِيَّة وَصَارَ مُعظما عِنْد الْمُلُوك والوزارء والأمراء وَقد عرض الْقَضَاء على ابْن الْهمام والامين والاقصرايى فامتنعا وَقَالا لَا يقدران على ذَلِك مَعَ وجودة وَقد انْتفع بِهِ النَّاس وَكَثُرت تلامذته وتبجح الاكابر بالقعود بَين يَدَيْهِ وَأخذ عَنهُ أهل كل مَذْهَب وَقصد بالفتاوى من سَائِر الْآفَاق وَله تصانيف مِنْهَا شرح عقائد النسفى وَالْكَوَاكِب النيرات فِي وُصُول ثَوَاب الطَّاعَة إِلَى الأموات والسهام المارقة في كبد الزَّنَادِقَة وفتوى في الْحَبْس في التُّهْمَة فِي جُزْء ورسالة في نوم الْمَلَائِكَة هَل هُوَ كَائِن أم لَا وَهل منع الشّعْر مَخْصُوص بنبينا صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم أم هُوَ عَام لكل الْأَنْبِيَاء وَشرع في تَكْمِلَة شرح الْهِدَايَة للسروجي فَكتب مِنْهُ مجلدات وَله نظم فَمِنْهُ قصيدة مطْلعهَا
(مابال سرك بالهوى قد لاحا ... وخفي أَمرك صَار مِنْك بواحا)
وَلم يزل على جلالته إِلَى أَن مَاتَ في تَاسِع ربيع الآخر سنة 867
(1/264)

سبع وَسِتِّينَ وثمان مائَة وأكرمه الله قبل مَوته بِشَهْر بانفصاله عَن الْقَضَاء
184 - سُلَيْمَان بن إبراهيم بن عمر بن علي بن عمر بن نَفِيس الدَّين العكي العدنانى الزبيدى التعزي الحنفي
وَيعرف بنفيس الدَّين العلوي نِسْبَة إِلَى علي بن رَاشد شَيْخه ولد فِي ظهر يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر رَجَب سنة 745 خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن وَالِده والشمّاخي وعَلى بن رَاشد وَالْمجد صَاحب الْقَامُوس وَغَيرهم وَأَجَازَ لَهُ البلقيني وَابْن الملقن والعراقي والهيتمي والمناوي وبرع فِي الحَدِيث وَصَارَ شيخ الْمُحدثين بِبِلَاد الْيمن وحافظهم وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَارْتَحَلُوا إِلَيْهِ من الافاق وتتلمذ لَهُ مَالا يُحِيط بِهِ الْحصْر حدث عَن نَفسه أَنه قَرَأَ البخاري أَكثر من خمسين مرة وَوَصفه شَيْخه صَاحب الْقَامُوس فَقَالَ إمام السنة وأما ابْن حجر فَقَالَ فِي أنبائه إنه مَعَ محبته للْحَدِيث وإكبابه على الرِّوَايَة غير ماهر فِيهِ انتهى وَقد درّس بعدة مدارس حَتَّى مَاتَ في سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة 825 خمس وَعشْرين وثمان مائَة
185 - سليم بن بايزيد بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن مُحَمَّد بن بايزيد بن مُرَاد ابْن أورخان بن عُثْمَان الغازي
سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها ولد سنة 872 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثمان مائَة وَاسْتولى على جَمِيع مَا كَانَ تَحت يَد أَبِيه واستفتح مصر وَالشَّام وانتزعهما من يَد سُلْطَان الجراكسة إذ ذَاك وَهُوَ قانصوه الغوري وَقَتله وغزى إلى بِلَاد الْعَجم وَحَارب شاه اسماعيل الاني ذكره وغلبه وَقتل رِجَاله وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة سُلْطَانا عَظِيما شَدِيد الْبَطْش عَظِيم الصولة سفّاكاً للدماء طائش السَّيْف وَكَانَ قد أخبر وَالِده بعض الْكُهَّان أَنه يكون ذهَاب
(1/265)

ملكه على يَد ولد لَهُ سيولد فَأمر الْقيمَة على نِسَائِهِ أَن تقتل كل مَوْلُود ذكر فولد صَاحب التَّرْجَمَة فَأَرَادَتْ قَتله فأدركتها الشَّفَقَة عَلَيْهِ فتركته وأظهرت أنه أُنْثَى اسْمهَا سليمَة فمضت على ذَلِك أَيَّام ثمَّ إن السُّلْطَان أَرَادَ أَن يجمع بَنَاته فجمعهن وفيهن صَاحب التَّرْجَمَة فَوضع لَهُنَّ حلوى فَمَا زَالَ صَاحب التَّرْجَمَة يَأْخُذ مافي أيدي أخواته ويضربهن وَالسُّلْطَان ينظر إِلَى ذَلِك ثمَّ مرزنبور فَأَخذه ومرسه بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ السُّلْطَان هَذَا لَا يكون إِلَّا ذكرا فأصدقوه الْخَبَر فأذعن للْقَضَاء وَكَانَ زَوَال ملكه على يَد صَاحب التَّرْجَمَة فإنه قهره وَأخذ الْملك من يَده وسمى عِنْد أَن تبين لوالده أنه ذكر سليماً وَله فتوحات عَظِيمَة وَمَات سنة 926 سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وجلوسه على سَرِير السلطنة سنة 917 وَتَوَلَّى بعده السلطنة وَلَده سُلَيْمَان ابْن سليم ومولده سنة 900 تِسْعمائَة وتسلطن سنة 929 وَله الفتوحات الْعَظِيمَة والجهادات الْمَشْهُورَة وَهُوَ الَّذِي أرسل الْجنُود إِلَى الْيمن فِي أيام المطهر بن شرف الدَّين وَمَات سنة 974 أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة
(1/266)

وَتَوَلَّى السلطنة بعده سليم بن سُلَيْمَان بن سليم وَكَانَ مولده سنة 929 تسع وعشربن وَتِسْعمِائَة وجلوسه على التخت سنة 974 وَمَوته سنة 983 ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد ذكرت هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَهْ السلاطين هُنَا لكَوْنهم جَمِيعًا متفقين في حرف الِاسْم
186 - سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة القاضي تقي الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة 628 ثَمَان وَعشْرين وستمائة وَسمع من كَرِيمَة والحافظ الضياء وَقَرَأَ في الْفِقْه على جمَاعَة وتميّز فى الحَدِيث وجد واجتهد وشارك فِي ساير الْفُنُون وَحدث وَهُوَ شَاب ثمَّ تكاثروا عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَحدث بالكثير وَتخرج بِهِ جمَاعَة وَولى الْقَضَاء عشْرين سنة فاشتهر بِالْعَدْلِ وَعدم الْمُحَابَاة والتصميم على الْحق وَلما وَقعت محنة ابْن تَيْمِية وألزم الْحَنَابِلَة بِالرُّجُوعِ عَن معتقدهم تطلف صَاحب التَّرْجَمَة ومازال كَذَلِك حَتَّى سكنت الْفِتْنَة وَلم يزل على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفي فِي ذي الْقعدَة سنة 715 خمس عشرَة وَسَبْعمائة
187 - السَّيِّد سُلَيْمَان بن يحيى بن عمر الأهدل الزبيدي الشَّافِعِي
أَخذ عَن جمَاعَة من أَعْيَان بَلَده مِنْهُم وَالِده وَمُحَمّد بن عَلَاء الدَّين المزجاجي وَغَيره وبرع فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَعَكَفَ على التدريس فَأخذ عَنهُ الطّلبَة من أهل بَلَده وَغَيرهم وَصَارَ مُحدث الديار اليمنية غير مدافع
(1/267)

ورحل إليه الطّلبَة من سَائِر الْبِلَاد وَتفرد بِهَذَا الشأن وَاجْتمعَ لَدَيْهِ آخر أَيَّامه مِنْهُم جمَاعَة وافرة وَهُوَ الْمُفْتى في الْجِهَات الزبيدية والمرجوع إليه في جَمِيع المشكلات وَلما مَاتَ في يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشر شهر شَوَّال سنة 1197 سبع وَتِسْعين وَمِائَة وألف قَامَ مقَامه وَلَده الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان في وَظِيفَة التدريس والإفتاء مَعَ حَدَاثَة سنه وَله شغلة كَبِيرَة بالعلوم والعقلية والنقلية وميل إلى التَّعَبُّد وأفعال الْخَيْر وَهُوَ الآن حي وفتاويه تصل إلينا وهي فَتَاوَى متقنة ينْقل في كل مَا يرد عَلَيْهِ من السؤالات نُصُوص أَئِمَّة مذْهبه من الشَّافِعِيَّة وَقد كتب إليّ معاهدة مُشْتَمِلَة على نثر حسن يدل على تعلقه بالأدب ووالد المترجم لَهُ السَّيِّد يحيى بن عمر هُوَ مُسْند الديار اليمينة وَله مَجْمُوع في الأسانيد نَفِيس وَمن بعده من المشتغلين بِعلم الرِّوَايَة عِيَال عَلَيْهِ
188 - سلاّر التتري المنصوري
كَانَ من مماليك الصَّالح علي بن قلاون فَلَمَّا مَاتَ صَار من خَواص ابْنه ثمَّ من خَواص الأشرف وناب في الْملك عَن النَّاصِر وَاسْتمرّ في ذَلِك فَوق عشر سِنِين وانتدب إلى الكرك لإحضار النَّاصِر فركن إليه وَسَار مَعَه وَلما عَاد إلى السلطنة قدمه على الْكل وَغلب على الأمور وَصَارَ الأمر بِيَدِهِ وبيد بيبرس الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ يُقَال إن إقطاعاته بلغت نَحْو أَرْبَعِينَ طبلخانة واشتهر بَين الْعَوام أَن دخله فِي كل يَوْم مائَة ألف دِرْهَم وَلما غلب على المملكة هُوَ وبيبرس سَار النَّاصِر إلى الكرك مغاضباً وعزل نَفسه عَن السلطنة فَوَقع الِاتِّفَاق على سلطنة سلاّر فَامْتنعَ واصر فتسلطن بيبرس وبقى على حَاله فى النِّيَابَة ثمَّ بلغه أَن حَاشِيَة بيبرس ألحت
(1/268)

عَلَيْهِ فى الْقَبْض على سلار فتمارض وَاتفقَ انحلال أَمر بيبرس على الصفة الَّتِى تقدم ذكرهَا وَرُجُوع النَّاصِر إلى السلطنة فَسَأَلَهُ سلاّر أَن ينعم عَلَيْهِ بِولَايَة الشوبك فَفعل ذَلِك ثمَّ قبض النَّاصِر على مماليكه ثمَّ أرسل لَهُ يَطْلُبهُ فأشاروا عَلَيْهِ بالفرار إلى الْحجاز أَو إلى التتر فَلم يفعل وَقدم إلى النَّاصِر فَقبض عَلَيْهِ فى سلخ ربيع الاول سنة 715 وَمنع مِنْهُ الطَّعَام حَتَّى مَاتَ جوعاً وَوجد لَهُ ثَلَاث مائَة ألف ألف دِينَار كَمَا حَكَاهُ الجزري واستبعد ذَلِك الذهبي وَقَالَ إن هَذَا الْمِقْدَار يكون حمل خَمْسَة آلَاف بغل وَمَا سمع بذلك عَن أحد من كبار السلاطين ولاسيما وَهُوَ خَارج عَن الْجَوَاهِر والحلى وَالْخَيْل وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك وَمن عجب الدَّهْر أنه دخل عَلَيْهِ في عَام مَوته من غلاته ستماية ألف إردب وَمَات جوعاً وَكَانَ أعجوبة فِي الْكَرم فإنه أعطى وَاحِدًا ألف دِينَار وأربعة آلَاف أردب وأعطى لآخر أَرْبَعَة آلَاف أردب وَألف رَأس غنم وَكَانَ مَشْهُورا بالشجاعة والفروسة حَتَّى كَانَ لَا يَتَحَرَّك على ظهر فرسه اذا رَكبه
189 - سيف بن مُوسَى بن جَعْفَر البحرانى المسكتى
وَفد الينا إلى صنعاء سنة 1234 رَاجعا من الْحَج وَله حرص على الْعلم وشغف بالبحث عَن الْمسَائِل كَانَ يصل إليّ وَقد كتب مسَائِل في قَرَاطِيس ثمَّ يسْأَل عَنْهَا فَأُجِيب عَلَيْهِ فَيكْتب الجوابات في تِلْكَ الْقَرَاطِيس وَهُوَ أديب لَبِيب متودد حسن الأخلاق فصيح اللِّسَان قَرَأَ في بِلَاده في الآلات وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير والأصول وَالْكَلَام وَعلم الْحِكْمَة
(1/269)

الالهية وَذكر لنا أَنه قد ولى قَضَاء بعض الْبِلَاد الراجعة الى مسكات وَهُوَ مَكَان يُقَال لَهُ صحار بمهملات وَذكر لنا أَنه لم يبْقى على مَذْهَب الخارجية فى بندر مسكات الاصاحب أمرهَا وَمن يلوذ بِهِ وَالْبَاقُونَ على مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وفيهَا إمامية هُوَ مِنْهُم وَلَكِن مَعَ إنصاف وَفهم كتب الى من شعره هَذِه الثَّلَاثَة الابيات
(يامن أَتَى صنعاء يَبْغِي مفخرا ... ويروم مجداً أَو علو الشان)
(فليأت نَادَى حبرها وعميدها ... قطب الأوان مُحَمَّد الشوكانى)
(جبر تدفق مثل بَحر علمه ... هَذَا وَلَيْسَ لَهُ بصنعا ثَانِي)
وَله أشعار كَثِيرَة جَيِّدَة وَهَذَا الْمَقْطُوع يدل على مَا وَرَاءه وسافر من صنعاء فى شهر شَوَّال سنة 1234
حرف الشين الْمُعْجَمَة

190 - شاه إسماعيل بن حيدر بن جُنَيْد بن إبراهيم بن على بن مُوسَى ابْن إسحاق الأردبيلي سُلْطَان الْعَجم
لم أَقف على تَارِيخ مولده وَلَا على تَارِيخ وَفَاته وَلكنه معَارض لسلطان الروم السُّلْطَان سليم وَقد تقدم تَارِيخ مَوته وَكَانَ سلف صَاحب التَّرْجَمَة مَشَايِخ متصوفة يعتقدهم الْمُلُوك ويعظمهم النَّاس ويقفون عِنْدهم في زواياهم وَقد كَانَ تيمور يعْتَقد مُوسَى بن إسحاق الْمَذْكُور فِي نسب صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ شاه رخ الآتي ذكره يعْتَقد علي بن مُوسَى الْمَذْكُور فَلَمَّا جلس في الزاوية جُنَيْد الْمَذْكُور كثرت اتِّبَاعه فَتوهم مِنْهُ صَاحب أذربيجان فَأخْرجهُ هُوَ وَأَتْبَاعه فَخَرجُوا فَقتل سُلْطَان شرْوَان جنيداً ثمَّ
(1/270)

اجْتَمعُوا بعد مُدَّة على حيدر وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة فألبس أَصْحَابه التيجان الْحمر فسمّاهم النَّاس قزل باش فَصَارَ كأحد السلاطين فَقتل ثمَّ اجْتَمعُوا بعد مُدَّة على شاه إسماعيل صَاحب التَّرْجَمَة وَكَثُرت اتِّبَاعه فغزا سُلْطَان شرْوَان فَكَانَ الغلب لصَاحب التَّرْجَمَة وَأسر جَيْشه سُلْطَان شرْوَان فَأَمرهمْ أَن يضعوه في قدر كَبِير ويأكلوه ثمَّ افْتتح ممالك الْعَجم جَمِيعهَا وَكَانَ يقتل من ظفر بِهِ ومانهبه من الأموال قسمه بَين أصحابه وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَمن جملَة مَا ملك تبريز وأذربيجان وبغداد وعراق الْعَجم وعراق الْعَرَب وخراسان وَكَاد أَن يدعي الربوبية وَكَانَ يسْجد لَهُ عسكره ويأتمرون بأَمْره قَالَ قطب الدَّين الحنفي في الْأَعْلَام أنه قتل زِيَادَة على ألف ألف نفس قَالَ بِحَيْثُ لَا يعْهَد في الْجَاهِلِيَّة وَلَا في الإسلام وَلَا فِي الْأُمَم السَّابِقَة من قبل من قتل النُّفُوس مَا قَتله شاه إسماعيل وَقتل عدَّة من أعاظم الْعلمَاء بِحَيْثُ لم يبْق من أهل الْعلم أحد في بِلَاد الْعَجم وأحرق جَمِيع كتبهمْ ومصاحفهم وَكَانَ شَدِيد الرَّفْض بِخِلَاف آبَائِهِ وَمن جملَة تَعْظِيم أَصْحَابه لَهُ أَنه سقط مرة منديل من يَده إلى الْبَحْر وَكَانَ على جبل شَاهِق مشرف على ذَلِك الْبَحْر فَرمى نَفسه خلف المنديل فَوق الف نفس تحطموا وتكسروا وغرقوا وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الألوهية ذكر ذَلِك القطب الْمَذْكُور وَلم تنهزم لَهُ راية حَتَّى حاربه السُّلْطَان سليم الْمُتَقَدّم ذكره فَهَزَمَهُ ثمَّ صَالحه بعد ذَلِك
191 - شاه رخّ بن تيمورلنك
صَاحب هراة وسمرقند وبخارى وشيراز وَمَا والاها من بِلَاد الْعَجم وَغَيرهَا بل ملك الشرق على الإطلاق تولى الْملك بعد ابْن أَخِيه خَلِيل ابْن أميران شاه بن تيمور الْمُتَقَدّم ذكره وحمدت سيرته وَكَانَ يُكَاتب
(1/271)

مُلُوك مصر ويكاتبونه ويهاديهم ويهادونه وَكَانَ ضخماً وافر الحرمة نَافِذ الْكَلِمَة نَحوا من أَبِيه مَعَ عفة وَعدل فِي الْجُمْلَة وميل إلى الْعلم وَأَهله ووصلت مِنْهُ كتب إلى سُلْطَان مصر يستدعي فتح الباري وَلم يكن قد فرغ مِنْهُ مُؤَلفه فجهزله بعضه وجهزت بَقِيَّته بعد ذَلِك وَكَانَ متواضعاً محببا الى رَعيته مكرما لأهل الْعلم قَاضِيا لحوايجهم لَا يضع المَال إلا في حَقه ضَعِيفا فِي بدنه يَعْتَرِيه الفالج كثيراً يحب السماع بل يعرفهُ وَيضْرب بِالْعودِ مَعَ حَظّ من الْعِبَادَة والأوراد ومحافظة على الطَّهَارَة الْكَامِلَة وَيجْلس مُسْتَقْبل الْقبْلَة والمصحف بَين يَدَيْهِ وَاتفقَ أَنه طلب من الأشرف برسباي الْمُتَقَدّم ذكره أن يَأْذَن لَهُ في كسْوَة الْبَيْت لكَونه نذر بذلك فأبى الأشرف وخشن لَهُ في الرَّد وترددت الرُّسُل بَينهمَا مرَارًا وَبَالغ في طلب ذَلِك وَلَو تكون الْكسْوَة الَّتِى يرسلها من دَاخل الْكَعْبَة أَو يرسلها إلى الأشرف وَهُوَ يُرْسل بهَا وَفَاء لنذرة وَهُوَ يمْتَنع محتجاً بأجوبة أجَاب بهَا عَلَيْهِ جمَاعَة من المفتيين ثمَّ أن المترجم لَهُ أرسل إلى برسباي جمَاعَة زعم أَنهم أَشْرَاف وعَلى يدهم خلعة لَهُ فَاشْتَدَّ غَضَبه من ذَلِك ثمَّ جلس بالأصطبل السلطاني واستدعاهم ثمَّ أَمر بالخلعة فمزقت وضربهم بِحَيْثُ اشرف عظيمهم على الْهَلَاك ثمَّ ألقوا منكسين فِي فسقية مَاء بالإسطبل والخدم ممسكون بأرجلهم يغمسونهم بِالْمَاءِ حَتَّى أشرفوا على الْهَلَاك وَالسُّلْطَان مَعَ ذَلِك يسب مرسلهم جهاراً ويحط من قدره مَعَ مزِيد تغير لَونه لشدَّة غَضَبه ثمَّ قَالَ لَهُم وَقد جِيءَ بهم إلى بَين يَدَيْهِ بعد ذَلِك قُولُوا لشاه رخ الْكَلَام الْكثير لَا يصلح إلا من النِّسَاء وَكَلَام الرِّجَال لاسيما الْمُلُوك إنما هُوَ فعل وَهَا أَنا قد أبدعت فِيكُم كسراً لِحُرْمَتِهِ فإن كَانَ لَهُ مَادَّة وَقُوَّة فليتقدم
(1/272)

فَلَمَّا بلغ ذَلِك إِلَيْهِ سكت عَن مَطْلُوبه مُدَّة حَيَاة الأشرف وَلما اسْتَقر الْملك الظَّاهِر بعد الْأَشْرَف أرسل إِلَيْهِ بِهَدَايَا وتحف وَأظْهر السرُور بسلطنته وَذكر أَنَّهَا دقَّتْ لذَلِك البشائر بهراة وزينت أَيَّامًا فَأكْرم الظَّاهِر قصاده وأنعم عَلَيْهِم ثمَّ أرسل في سنة 846 سِتّ وَأَرْبَعين وثمان مائَة يسْتَأْذن في وَفَاء نَذره فَأذن لَهُ حسماً لمادة الشَّرّ ودفعاً للفتنة فصعب ذَلِك على الأمراء والأعيان فَلم يلْتَفت السُّلْطَان إلى كَلَامهم وَوصل رسله بهَا فِي رَمَضَان سنة 848 فِي نَحْو مأته نفس مِنْهُم قاضي الْملك وَهُوَ مَشْهُور بِالْعلمِ ببلادهم وتلقاهم الأمراء والقضاة والمباشرون وأنزلوا وأكرموا ثمَّ صعدوا بالكسوة وهدية فَأمر أَن يَأْخُذهَا نَاظر الْكسْوَة بِالْقَاهِرَةِ ويبعثها لتلبس من دَاخل الْبَيْت وَانْصَرفُوا فَلَمَّا وصلوا بَاب القلعة أَخذهم الرَّجْم من الْعَامَّة والسب واللعن وناهبوهم وتألم السُّلْطَان لذَلِك وَأمْسك بعض المثيرين للفتنة وَقطع أيدي جمَاعَة مِنْهُم وَضرب جمَاعَة وَبَالغ في إكرامهم لجبر الخواطر وَمَعَ ذَلِك تحرّك صَاحب التَّرْجَمَة للبلاد الشامية فَلَمَّا وصل النواحي السُّلْطَانِيَّة مَاتَ وَذَلِكَ في سنة 851 إِحْدَى وَخمسين وثمان مائَة وَيُقَال إن الْكسْوَة كَانَت لَا تساوي ألف دِينَار
192 - شاه شُجَاع بن مُحَمَّد بن مظفر ملك شيراز وعراق الْعَجم
اسْتَقر فِي الْملك بعد أَن سجن أَبَاهُ وَقرر أَخَاهُ شاه مَحْمُود فى بِلَاد أصفهان وقم وقاشان وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة اشْتِغَال بِالْعلمِ واشتهار بِقُوَّة الْفَهم ومحبة الْعلمَاء وَكَانَ ينظم الشّعْر وَيُحب الأدباء ويجيز على المدايح وَقصد من سَائِر الْبِلَاد وَيُقَال انه كَانَ يقْرَأ الْكَشَّاف وَكتب مِنْهُ نُسْخَة بِخَطِّهِ الْفَائِق وَكَانَ يعرف الاصول والعربية وَله أشعار كَثِيرَة بِالْفَارِسِيَّةِ وطالت أَيَّامه
(1/273)

وَكَانَ حسن السِّيرَة وَلما استولى تيمور على بِلَاد الْعَجم راسل مُلُوك عراق الْعَجم وعراق الْعَرَب فبادر إِلَى مهادنته ومهاداته ليكفى شَره فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت أوصى بمملكته لوَلَده زين العابدين وَأرْسل إِلَى تيمور يوصيه عَلَيْهِ فاستقر وَلَده مَكَانَهُ وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد ابتلى بِكَثْرَة الْأكل فَكَانَ يأكل وَلَا يشْبع حَتَّى كَانَ إِذا توجه إِلَى جِهَة تسير البغال محملة بالقدور الَّتِى عَلَيْهَا الأطعمة وَلَا يزَال يَأْكُل وَهُوَ يسير وَلم يكن يقدر على الصَّوْم وَكَانَ يكفر وَكَانَ يتبهل إِلَى الله كثيراً أَن لَا يجمع بَينه وَبَين تيمور فأجيبت دَعوته وَمَات فِي سنة 787 سبع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة قبل مَجِيء تيمور إِلَى عراق الْعَجم
193 - السَّيِّد شرف الدَّين بن احْمَد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ين عبد الْقَادِر ابْن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي
ابْن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين أَمِير كوكبان وبلادها ولد فِي ربيع الآخر سنة 1159 تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف وَاسْتقر في الإمارة بعد عَمه عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحسن وَهُوَ الآن مُسْتَمر على الإمارة وَفِيه عدل ورفق برعيته وَلكنه يتَعَرَّض للْكَلَام فِي الْمسَائِل العلمية إذا عرض مَا يقتضي ذَلِك فَيَأْتِي بِمَا لَا يُنَاسب رفيع قدره وَقد كاتبني غير مرّة وذاكرنى فِي مسَائِل ونصحته فأظهر الْقبُول وَلم يفعل وَاتفقَ في سنة 1213 وهي السنة الَّتِى حررت فِيهَا هَذِه التراجم أَنه وصل مِنْهُ كتاب يتَضَمَّن أنه قد صَحَّ لَدَيْهِ أَن أول شهر شعْبَان يَوْم الِاثْنَيْنِ وأن أول رَمَضَان يَوْم الاربعاء على كَمَال الْعدة وأرسل بِهِ إلى خَليفَة الْعَصْر حفظه الله فَأرْسل بِهِ الْخَلِيفَة الى فأجبت أَن ذَلِك لَيْسَ بِسَبَب شرعي يجب الصَّوْم عِنْده
(1/274)

لِأَن صَاحب التَّرْجَمَة لم يكن مفتيا حَتَّى يكون قَوْله صَحَّ عندى سَببا يحب لَهُ الصَّوْم وَلم يذكر الشُّهُود حَتَّى ينظر في شأنهم وَلَا كتب الْكتاب من بِحَضْرَتِهِ من الْعلمَاء حَتَّى يحب علينا الْعَمَل بأقوالهم فَلَمَّا وصل ذَلِك إلى مَوْلَانَا الإمام حفظه الله بنى عَلَيْهِ وَترك الإشعار بِدُخُول رَمَضَان وَلم يشْعر بِالصَّوْمِ إلا لَيْلَة الْخَمِيس فَلَمَّا بلغ ذَلِك صَاحب التَّرْجَمَة وَقع عِنْده بموقع وَكتب إلى مَوْلَانَا يعاتبه وَيَقُول أنها لم ترد شَهَادَتهم على الشَّهْر الا هَذِه الْمرة وانه قد كثرالتعنت في شَأْن الشَّهَادَات فَلم يلْتَفت مَوْلَانَا حفظه الله إلى ذَلِك وَمن الغرائب أَنه انْكَشَفَ رُجُوع بعض الشُّهُود الَّذين اسنتد إليهم وَقد اتفق بيني وَبَينه تنَازع في رجل من رَعيته طلبه إلى موقف الشَّرْع رجل من أهل صنعاء فَلم يحضر فَأرْسلت لَهُ رَسُولا ففرّ إلى كوكبان فَعَاد الرَّسُول بِكِتَاب مِنْهُ مضمونه أنها لم تجر الْعَادة بالإرسال لرعيته فَأرْسلت رسولين وأمرتهما بِالْبَقَاءِ فِي بَيت الرجل فوصلا إِلَى بَيته ففر إِلَى كوكبان فبقيا فِي بَيته فَعظم الْأَمر على صَاحب التَّرْجَمَة وتوجّع من ذَلِك غَايَة التوجع ثمَّ بعد ذَلِك توَسط بعض النَّاس على أَن يحضر الرجل وَيسلم أُجْرَة الرسولين وَكَثِيرًا مَا يجرى بينى وبنيه من هَذَا وَمَا كنت أودّ لَهُ التصميم فى مثل هَذَا الأمور الشَّرْعِيَّة فإنه كثير المحاسن لَوْلَا هَذِه الْخصْلَة الَّتِى كَادَت تغطي على محاسنه وَهُوَ غير مَدْفُوع عَن بعض عرفان وَحفظ للآداب وَلكنه لَيْسَ مِمَّن يناظر فِي الْمسَائِل ويعارض في الدَّلَائِل وَهُوَ مَحْبُوب عِنْد رَعيته وَذَلِكَ دَلِيل عدله فيهم وَلم أعرفهُ لعدم معرفتي لمحله ثمَّ في صفر سنة 1228 غزا مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله بِنَفسِهِ مَعَ بعض جنده إِلَى بِلَاد كوكبان لأمر اقتضى
(1/275)

ذَلِك وَكنت مَعَه وَاسْتولى على كوكبان وبلادها وَبَقينَا في حصن كوكبان نَحْو ثَلَاثَة أشهر وَكنت قد نصحت الإمام بترك هَذِه الْغَزْوَة وأنه لَا سَبَب شَرْعِي يقتضي ذَلِك فصمم وَلم يقبل ثمَّ رَجَعَ صنعاء وَأدْخل مَعَه صَاحب التَّرْجَمَة وَجَمِيع أَعْيَان آل الإمام شرف الدَّين وَلم يبْق إِلَّا الْأَقَل مِنْهُم فِي تِلْكَ الْجِهَة وَجعل للبلاد الكوكبانية والياً وَجعل صُورَة الْولَايَة لوَاحِد من أهل كوكبان وَهُوَ السَّيِّد حُسَيْن بن علي بن مُحَمَّد بن علي وَلم يكن لَهُ من الْأَمر شئ إلا مُجَرّد الصُّورَة فَقَط ثمَّ اسْتمرّ بَقَاء صَاحب التَّرْجَمَة وَبَعض الداخلين مَعَ الإمام في صنعاء سنة كَامِلَة وَزِيَادَة أَيَّام يسيرَة وَأذن الإمام حفظه الله برجوعهم بِلَادهمْ وفوض أمرهَا إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا كَانَت قبل ذَلِك وَهُوَ الآن مُسْتَمر على ولَايَته وَعند الِاجْتِمَاع بِهِ فى كثير من الْأَوْقَات لَا سِيمَا بعد دُخُوله صنعاء فِي الحضرة الإمامية وجدت فِيهِ من الظرافة واللطافة وَحسن المحاضرة وَجَمِيل المعاشرة وَقُوَّة الدَّين وَكَثْرَة الْعِبَادَة مَا يفوق الْوَصْف وَمَا زلت أعول على مَوْلَانَا الإمام حفظ الله بإرجاعه بِلَاده على مَا كَانَ عَلَيْهِ وَكَثُرت فِي ذَلِك حَتَّى ألهمه الله إِلَى ذَلِك فَللَّه الْحَمد ثمَّ في سنة 1233 غزا الْبِلَاد الكوكبانية مَوْلَانَا الامام المهدى ابْن الامام المتَوَكل وَوَقعت حروب طَوِيلَة بَينه وَبَين سيدي شرف الدَّين صَاحب كوكبان ثمَّ رَجَعَ الإمام بعد أَن حاصر كوكبان ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وأمرني بِالْبَقَاءِ فِي شبام لتَمام الصُّلْح فَبَقيت هُنَالك ثمَّ تمّ الصُّلْح على يدي وَرجعت إِلَى صنعاء وَمَعِي سيدي عبد الله بن شرف الدَّين وسيدي أَحْمد بن عَبَّاس بن إبراهيم فِي أهبة لَهما كَبِيرَة وجيش وخيل
(1/276)

وسكنت الْفِتْنَة بِحَمْد الله
194 - السَّيِّد شرف الدَّين بن اسمعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة 1140 أربعين وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء الْعَصْر وفضلائه ونبلائه لَهُ فى كل علم نصيب وافر وَلَا سِيمَا علم الْأُصُول فَهُوَ المتفرد بِهِ غير مدافع وَقد صَار الآن في نَيف وَسبعين سنة وَهُوَ من الْعلمَاء العاملين والفضلاء المتورعين مَعَ حسن أَخْلَاق وتواضع وَطيب محاضرة وكرم أنفاس وَقد خرج في آخر أيام الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن إِلَى بِلَاد أرحب مغاضباً لسَبَب اقْتضى ذَلِك وَجَرت حروب ثمَّ بقي هُنَالك إِلَى بعد موت الإمام المهدي وَدخل صنعاء في خلَافَة مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله واغتنم الفرصة فَرَأى لَهُ الْخَلِيفَة حفظه الله بذلك حَقًا وَمَا زَالَ مُعظما لَهُ مكرما لشأنه وفي سنة 1213 توفي عَمه الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن اسحق وَكَانَ أَمر آل اسحق رَاجعا إليه فَجعل مَوْلَانَا الْخَلِيفَة ذَلِك إلى صَاحب التَّرْجَمَة فباشر ذَلِك مُبَاشرَة حَسَنَة وَقد أخبرني أَنه نقل من رسائلي الَّتِى يطلع عَلَيْهَا نَحْو ثَلَاث أَو أَربع وَذَلِكَ لشغفه بِالْعلمِ ومزيد رغبته فِيهِ وإلا فَهُوَ عافاه الله لَا يحْتَاج إلى مثل مَا يحرره مثلي وَهَذَا يعد من حسن أخلافه وتواضعه ومحبته للفوائد العلمية وَله رسائل
(1/277)

رصينة وإذا حرر بحثاً جَاءَ بِمَا يشفي ويكفي وَهُوَ من بقايا الْخَيْر في هَذَا الْعَصْر لجمعه بَين طول الباع فِي جَمِيع الْعُلُوم مَعَ علو السن والشرف بَارك الله في أوقاته ثمَّ توفي رَحمَه الله في آخر شهر رَجَب سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
195 - الإمام المتَوَكل على الله شرف الدَّين بن شمس الدَّين بن الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى
قد تقدم تَمام نسبه في تَرْجَمَة جده وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة اسمان أحدهما شرف الدَّين وَهُوَ الَّذِي اشْتهر بِهِ وَالْآخر يحيى وَلم يشْتَهر بِهِ ولد خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة 877 سبع وَسبعين وثمان مائَة بحصن حُضُور وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم عبد الله بن احْمَد الشظبي فِي التَّذْكِرَة والأزهار وَشَرحه وَفِي الْخُلَاصَة فِي علم الْكَلَام وَكَانَ ذَلِك في أَيَّام صغره ثمَّ أعَاد قِرَاءَة التذكرة على عبد الله بن يحيى الناظري ثمَّ قَرَأَ على وَالِده شمس الدَّين الطاهرية وَشَرحهَا لِابْنِ هطيل ثمَّ الكافية وَشَرحهَا وَالنّصف الاول من الْمفصل ثمَّ رَحل إلى صنعاء فِي سنة 883 فتمم قِرَاءَة الْمفصل على الْفَقِيه علي بن صَالح العلفى ثمَّ قَرَأَ شَرحه على الْفَقِيه مُحَمَّد بن إبراهيم الظفاري وَقَرَأَ عَلَيْهِ الرضي شرح الكافية وَقَرَأَ عَلَيْهِ الشافية فِي الصّرْف وَشَرحهَا وتلخيص الْمِفْتَاح والمفتاح للسكاكي على السَّيِّد الهادي بن مُحَمَّد وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكَشَّاف ومختصر الْمُنْتَهى وَشَرحه للعضد وَقَرَأَ في الحَدِيث شِفَاء الأوام وأصول الْأَحْكَام وَبَعض جَامع الْأُصُول على الإمام مُحَمَّد بن علي الوشلي وَقَرَأَ فِي كثير من الْفُنُون وبرع في الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية واشتهر علمه وَظَهَرت نجابته وأكبّ على نشر الْعلم ثمَّ دَعَا إِلَى نَفسه فِي الْعشْر الأولى
(1/278)

من جُمَادَى الأولى سنة 912 وَكَانَ بالظفير فَبَايعهُ الْعلمَاء والأكابر وتلقاها أهل جبال الْيمن بِالْقبُولِ وَكَانَت جِهَات تهَامَة واليمن الاسفل إِلَى السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب وَمَا زَالَت بَينه وَبَين الإمام مجاولات ومصاولات ثمَّ اتفق خُرُوج طَائِفَة من الجراكسة إِلَى سواحل الْيمن فِي سنة 921 فكاتبوا السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب أَن يعينهم بشئ من الْميرَة لكَوْنهم خَرجُوا من الديار المصرية لمقاتلة الافرنج الَّذين فى الْبَحْر يتخطفون مراكب الْمُسلمين فَامْتنعَ عَامر فَدَخَلُوا بِلَاده وَمَعَهُمْ البنادق وَلم يكن لاهل الْيمن بهَا عهد إِذْ ذَاك فَبعث إليهم جَيْشًا كثيراً من أَصْحَابه وهم فِي قلَّة فَوَقع التلاقي فَرمى الجراكسة بالبنادق فَلَمَّا سمع جَيش عَامر أصواتها وَرَأَوا الْقَتْلَى مِنْهُم فروا فَتَبِعهُمْ الجراكسة يقتلُون كَيفَ شاؤا ثمَّ فرّ مِنْهُم عَامر وتبعوه من مَكَان إِلَى مَكَان حَتَّى وصل إِلَى قريب من صنعاء فَقَتَلُوهُ ثمَّ دخلُوا صنعاء فَفَعَلُوا أفاعيل مُنكرَة ثمَّ خَرجُوا قَاصِدين للامام فَوَقع الصُّلْح على أَنهم يبقون في صنعاء والإمام يبْقى فِي ثلا واشترطوا ملاقاة الإمام فأشير عَلَيْهِ بِعَدَمِ ذَلِك لما جبل عَلَيْهِ الجراكسة من الْغدر وَالْمَكْر فَفعل فَلَمَّا علمُوا ذَلِك عَادوا إلى الْقِتَال فَلم يظفروا بطائل ثمَّ في خلال ذَلِك بَلغهُمْ قتل سلطانهم قانصوه الغوري على يَد ابْن عُثْمَان صَاحب الروم فَرَجَعُوا وَلَكِن قد عبثوا بِالْيمن وَقتلُوا النُّفُوس وهتكوا الْحرم ونهبوا الأموال وَبعد ذَلِك دَانَتْ صنعاء وبلادها وصعدة وَمَا بَينهمَا من المدن بِطَاعَة الإمام ثمَّ إن الإمام غزا إلى بِلَاد بني طَاهِر فَافْتتحَ التعكر وقاهرة تعز وحراز ثمَّ كَانَ خُرُوج سُلَيْمَان باشا بجند من الأتراك وَوصل إلى زبيد وتعز ثمَّ استفتح الإمام جازان وبلاد أبى عَرِيش
(1/279)

وَسَائِر الْجِهَات التهامية ثمَّ حصل بَين الإمام وَولده المطهر بعض مواحشة لأسباب مشروحة فِي سيرته وَوَقع من المطهر بعض الْحَرْب لوالده ولأخيه شمس الدَّين واتفقت أُمُور يطول شرحها كَانَت من أعظم أَسبَاب اسْتِيلَاء الأتراك على كثير من جِهَات الْيمن وَاسْتقر الإمام بكوكبان ثمَّ انْتقل إلى الظفير وامتحن بذهاب بَصَره فَصَبر واحتسب وَأقَام لاشغلة لَهُ بِغَيْر الطَّاعَات حَتَّى توفاه الله لَيْلَة الأحد وَقت صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة سَابِع شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 965 خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بحصن الظفير ومشهده هُنَالك مَشْهُور وَله مصنفات مِنْهَا كتاب الأثمار اختصر فِيهِ الأزهار وَجَاء بعبارات موجزة نفيسة شَامِلَة لما فِي الازهار وَحذف مافيه تكْرَار وَكَانَ على خلاف الصَّوَاب وَله شعر جيد فَمِنْهُ القصيدة الْمُسَمَّاة بقصص الْحق الَّتِى مطْلعهَا
(لكم من الْحبّ صَافِيَة ووافيه ... وَمن هوى الْقلب باديه وخافيه)
وَمن شعره القصيدة الَّتِى قَالَهَا عِنْد فَتحه لصعدة وزيارته لمشهد الإمام الهادي وأولها
(زرناك في زرد الْحَدِيد وفي القنا ... والمشرفية والجياد الشزّب)
(وجحافل مثل الْجبَال تلاطمت ... أمواجهنّ بِكُل أصيد أغلب)
(من كل أبلج من ذؤابة هَاشم ... وَبِكُل أروع من سلاله يعرب)
(وأعاجم ترك وروم قادة ... وأحابش مثل الأسود الوثّب)
196 - شعْبَان بن سليم بن عُثْمَان الرومى الاصل الصنعاتى المولد والمشأ والوفاة
الشَّاعِر الْمَشْهُور والحكيم الماهر وَهُوَ من أَوْلَاد من تخلف من
(1/280)

الأتراك عَن الرُّجُوع إلى بِلَاد الروم بعد زَوَال دولتهم بدولة الْأَئِمَّة الإمام الْقَاسِم وَأَوْلَاده وَكَانَ وَالِده من أجناد علي بن الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه ثمَّ ولد وَلَده شعْبَان سنة 1065 خمس وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ لَهُ معرف بالطب كَامِلَة وَله الْمَنْظُومَة فِي خَواص النباتات جَاءَ فِيهَا بفوائد جمة وَله ديوَان شعر فِيهِ الْجيد فَمن مقطعاته الفائقة قَوْله
(يَا أسرة الْحبّ إن عز التَّخَلُّص من ... اسر الغرام وذقتم فِي الْهوى الهونا)
(قيلوا بِنَا عِنْد من بعنا بحبهم ... قُلُوبنَا فعساهم أَن يقيلونا)
وَكَانَ الفقيه الأديب أَحْمد بن حُسَيْن الرقيحى يذكر أَنه يودان يكون لَهُ هَذَا الْمَقْطُوع بِجَمِيعِ شعره وَكَانَ يعتاش بالتطبب ويمدح الأكابر بآدابه ثمَّ بعد ذَلِك عجز وأقعد وَكَانَ يحْتَاج فيبيع بَنَات فكره بأبخس الأثمان من كل من يَطْلُبهُ ذَلِك من السوقة إذا راموا شَيْئا من الشّعْر فِي مَحْبُوب لَهُ أَو نَحْو ذَلِك ومازال يكابد الْفقر والفاقة حَتَّى مَاتَ فِي شهر ربيع الآخر سنة 1149 تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَمِمَّا أَجَاد فِيهِ قَوْله فِي الْحَمَامَة
(شَكَوْت إلى الْحَمَامَة حِين غنت ... صنى جسدى وأشجانى وشوقى)
(فرقّت لي وَقَالَت مثل هَذَا ... وحقك لَيْسَ يدْخل تَحت طوقى)
(1/281)

197 - شعْبَان بن مُحَمَّد بن قلاون الْملك الْكَامِل بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولي السلطنة في ربيع الآخر سنة 746 بعد أَخِيه الصَّالح إسماعيل بِعَهْد مِنْهُ وَكَانَ شقيقه وَامْتنع جمَاعَة من الأمراء من مبايعته ثمَّ وافقوا وسلطنوه فاتفق أَنه لما ركب من بَاب الْقصر لعب بِهِ الْفرس فَنزل عَنهُ وَمَشى خطوَات حَتَّى دخل الإيوان فتطير النَّاس من ذَلِك وَقَالُوا لَا يُقيم إلا قَلِيلا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك واستعفى النَّائِب من النِّيَابَة لما يعرف من طيش شعْبَان وباشر السلطنة بمهابة فخافوه ثمَّ أقبل على اللَّهْو وَالنِّسَاء وَصَارَ يُبَالغ فِي تَحْصِيل الْأَمْوَال وإنفاقها عَلَيْهِنَّ واشتغل باللعب بالحمام فَقَامَ عَلَيْهِ الأمراء وَاحْتَجُّوا بَان وَالِده النَّاصِر قَالَ من تسلطن من أَوْلَاده
(1/282)

وَلم يسْلك الطَّرِيق المرضية فجروا بِرجلِهِ وملكوا غَيره فخلعوه بعد سنة وَدون اشهر وقرروا أَخَاهُ المظفر حاجي الْمُتَقَدّم وَذَلِكَ فِي أول يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 747 سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وأعدم بعد ذَلِك
198 - شيخ المحمودي ثمَّ الظاهري الجركسي
ولد تَقْرِيبًا سنة 770 سبعين وَسَبْعمائة فَعرض على الظَّاهِر برقوق وَكَانَ جميل الصُّورَة فرام شِرَاءَهُ من جالبه فاشتط فِي الثمن وَكَانَ ذَلِك قبل أن يلي برقوق السلطنة ثمَّ مَاتَ مَالِكه فَاشْتَرَاهُ الخواجة مَحْمُود بِثمن يسير فنسب إليه وَقدمه لبرقوق وَهُوَ يَوْمئِذٍ أتابك الْعَسْكَر فأعجبه وأعتقه فَنَشَأَ ذكيّاً فتعلم الفروسية من اللعب بِالرُّمْحِ والرمي بالنشاب وَالضَّرْب بِالسَّيْفِ والصراع وسباق الْخَيل غير ذَلِك وَمهر فِي جَمِيع ذَلِك مَعَ جمال الصُّورَة وَكَمَال الْقَامَة وَحسن الْعشْرَة وَمَا زَالَ يترقى حَتَّى صَار أَمِير عشرَة وتأمر على الْحَاج سنة 801 بعد موت برقوق وناب فِي طرابلس وَلما حاصر تيمور حلب خرج مَعَ الْعَسْكَر فَأسر ثمَّ خلص مِنْهُ بحيلة عَجِيبَة وهي أَنه ألْقى نَفسه بَين الدَّوَابّ فستره الله وَمَشى إلى قَرْيَة من أَعمال صفد وَدخل الْقَاهِرَة وأعيد كَمَا كَانَ لنيابة طرابلس ثمَّ وليّ نِيَابَة الشَّام وَجَرت لَهُ خطوب وحروب ثمَّ تغلب على السلطنة وَتمّ لَهُ ذَلِك وَاسْتمرّ سُلْطَانا خمس سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَكَانَ شهماً شجاعاً عالي الهمة كثير الرُّجُوع إلى الْحق محبّا للْعُلَمَاء مكرماً لَهُم يمِيل إلى الْعدْل وَيحسن إلى أَصْحَابه ويصفح عَن جرائمهم يحب الْهزْل والمجون ومحاسنه جمة وَحدث بِصَحِيح البخاري عَن السراج البلقيني وَفتح حصوناً ثمَّ جهز وَلَده إبراهيم الْمُتَقَدّم ذكره فظفر بِابْن قرمان وأحضره أَسِيرًا وَلما أَصَابَته عين الْكَمَال مَاتَ
(1/283)

وَلَده ابراهيم بِالسَّبَبِ الَّذِي قدمنَا ذكره ثمَّ مَاتَ هُوَ بعده بِقَلِيل وَذَلِكَ في أول الْمحرم سنة 824 أَربع وَعشْرين وثمان مائَة قَالَ العيني لما مَاتَ كَانَ في الخزانة ألف ألف دِينَار وَخَمْسمِائة ألف دِينَار من الذَّهَب وَجمع ابْن ناهض سيرته في مُجَلد حافل قرّظه لَهُ كل عَالم وأديب وَكَانَ يجل الشَّرْع وَلَا يُنكر على من مضى من بَين يَدَيْهِ طَالبا للشَّرْع بل يُعجبهُ ذَلِك وينكر على أمرائه مُعَارضَة الْقُضَاة فِي أحكامهم غير مائل إِلَى شئ من الْبدع لَهُ قيام في اللَّيْل وَكَانَ يعاب بالشح والحسد وَكَثْرَة الْمَظَالِم الَّتِى أحدثها وَاتفقَ في مَوته موعظة فِيهَا أعظم عِبْرَة وهي أنه لما غسل لم تُوجد منشفة ينشف بهَا فنشف بمنديل بعض من حضر غسله وَلم يُوجد لَهُ مئزر يستر عَوْرَته حَتَّى أَخذ لَهُ مئزر صوف من فَوق رَأس بعض جواريه وَلم يُوجد لَهُ طاسة يصب عَلَيْهِ بهَا المَاء مَعَ كَثْرَة مَا خَلفه من أَنْوَاع المَال وَله مآثر كالجامع الذي بِبَاب زويلة قيل أَنه لم يعمر مثله في الإسلام بعد الْجَامِع الأموي وَله مدارس وسبل ومكاتب وجسور
حرف الصَّاد الْمُهْملَة

199 - صَالح بن صدّيق النمّازي بالنُّون والزاي الخزرجي الأنصاري الشافعي
رَحل إلى زبيد فاخد عَن جمَاعَة من علمائها وَمن جملَة مشايخه عبد الرَّحْمَن بن على الديبع ثمَّ عَاد الى وَطنه مَدِينَة صَبيا فَلم يطب لَهُ الْمقَام بهَا فَرَحل إلى حَضْرَة الإمام شرف الدَّين ولازمه وَحضر مجالسه وَشرح
(1/284)

الأثمار شرحاً مُفِيدا وَمَات بِمَدِينَة جبلة سنة 975 خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة
200 - السَّيِّد صَالح بن عبد الله بن علي بن دَاوُد بن الْقَاسِم بن ابراهيم ابْن الْقَاسِم بن إبراهيم بن الأمير مُحَمَّد ذي الشرفين الْمَعْرُوف بِابْن مغل
ولد في رَجَب سنة 960 سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة في بلد حبور من جِهَة ظليمة واتصل بالإمام الْحسن بن علي بن دَاوُد الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ اتَّصل بعده بالإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد بِاللَّه وَكَانَ يكْتب للائمة في جَمِيع مَا ينوبهم وَله فصاحة ورجاحة وَتعبد وتأله وَله شعر فألق فَمِنْهُ القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى أَولهَا
(ضَاعَ الْوَفَاء وضاعت بعده الهمم ... وَالدّين ضَاعَ وَضاع الْمجد وَالْكَرم)
(والجور في النَّاس لَا تخفى معالمه ... وَالْعدْل من دونه الاستار وَالظُّلم)
(وكل من تَابع الشَّيْطَان مُحْتَرم ... وكلّ من عبد الرَّحْمَن مهتضم)
وهي طَوِيلَة وفيهَا مواعظ وَاسْتمرّ مُتَّصِلا بالأئمة قَائِما بأعمالهم
(1/285)

على أوفر حُرْمَة حَتَّى مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع رَجَب سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بشهارة وقبر عِنْد قبر جده ذي الشرفين مُتَّصِلا بقبره من جِهَة الشرق
201 - صَالح بن عمر بن رسْلَان بن نصير بن صَالح علم الدَّين العسقلاني البلقيني الأَصْل
القاهري الشافعي ولد في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة 791 إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا في كنف وَالِده سراج الدَّين فحفظ الْقُرْآن والعمدة وألفية النَّحْو ومنهاج الأصول والتدريب لأبيه والمنهاج وَأخذ عَن أَبِيه والزين العراقي وَالْمجد البرماوي والبيجوري والعز بن جمَاعَة والولى العراقى والحافظ بن حجر وَغير هَؤُلَاءِ من مَشَايِخ عصره في فنون عدَّة ودرس وَأفْتى وَوعظ حَتَّى قَالَ بعض أهل الْأَدَب
(وعظ الأنام إمامنا الحبر الذي ... سكب الْعُلُوم كبحر فضل طافح)
(فشفى الْقُلُوب بعلمه وبوعظه ... والوعظ لَا يشفي سوى من صَالح)
ثمَّ اسْتَقر بعد صرف شَيْخه الولي العراقي في قَضَاء الشَّافِعِيَّة بالديار المصرية في سادس ذي الْحجَّة سنة 826 فأقام سنة وَأكْثر من شهر ثمَّ صرف وتكرر عوده ثمَّ صرفه حَتَّى كَانَت مُدَّة ولَايَته في جَمِيع المدد
(1/286)

ثَلَاث عشرَة سنة وَنصف سنة وَكَانَ إماماً فَقِيها قوي الحافظة كثير التودد بساماً طلق الْمحيا مهاباً لَهُ جلالة وَوَقع في صُدُور الْخَاصَّة والعامة يتحاشى اللحن في مخاطباته بِحَيْثُ لَا يضْبط عَلَيْهِ في ذَلِك شَاذَّة وَلَا فاذة سريع الْغَضَب وَالرُّجُوع سليم الصَّدْر وَقد مدحه عدَّة من شعراء عصره وطارت فَتَاوِيهِ في الْآفَاق وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء من كل نَاحيَة طبقَة بعد أُخْرَى حَتَّى صَار أَكثر الْفُضَلَاء تلامذته وصنّف تَفْسِيرا وشرحا على البخاري وَلم يكمله وأفرد فَتَاوَى أَبِيه والمهم من فَتَاوِيهِ وأكمل تدريب أَبِيه وَله القَوْل الْمُفِيد في اشْتِرَاط التَّرْتِيب بَين كلمتي التَّوْحِيد وَله نظم ونثر فِي الرُّتْبَة الْوُسْطَى وَمَات يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس رَجَب سنة 868 ثَمَان وَسِتِّينَ وثمان مائَة
202 - صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثاني عشر وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل الْعلم واستفاد لاسيما في علم الحَدِيث وَرِجَاله فإنه قوي الْفَائِدَة فِيهِ جيد الإدراك لَهُ وَهُوَ من صالحي الفتيان ونجباء شُبَّان الزَّمَان وَله قِرَاءَة عليّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وفي بعض مؤلفاتي
203 - صَالح بن مُحَمَّد بن قلاون
ولد سنة 728 ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة وَولى السلطنة بعد خلع النَّاصِر حسن في جُمَادَى الآخرة سنة 752 وَلكنه لَا تصرف لَهُ
(1/287)

وَإِنَّمَا التَّصَرُّف للأمراء ثمَّ خلع عَن السلطنة في شهر شَوَّال سنة 755 وَكَانَ قوي الذكاء يعرف عدَّة صناعات وَحبس بعد خلعه بالقلعة عِنْد أمه إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمن مآثره الْحَسَنَة الْوَقْف الَّذِي وَقفه بالديار المصرية على كسْوَة الْكَعْبَة
204 - صَالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن سُلَيْمَان بن أسعد بن مَنْصُور المقبلي ثمَّ الصنعاني ثمَّ المكي
ولد فِي سنة 1047 سبع وَأَرْبَعين وَألف في قَرْيَة الْمقبل من أَعمال بِلَاد كوكبان وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء الْيمن مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم بن الْمفضل كَانَ ينزل للْقِرَاءَة عَلَيْهِ من مَدِينَة ثلا إِلَى شبام كل يَوْم وَبِه تخرج وانتفع ثمَّ دخل بعد ذَلِك صنعاء وَجَرت بَينه وَبَين علمائها مناظرات أوجبت المنافرة لما فِيهِ من الحدة والتصميم على مَا تَقْتَضِيه الأدلة وَعدم الِالْتِفَات إِلَى التَّقْلِيد ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة وَوَقعت لَهُ امتحانات هُنَالك وَاسْتقر بهَا حَتَّى مَاتَ في سنة 1108 ثَمَان واحدى عشرَة مائَة كتبت مولده فِيمَا علق بذهني من كتبه فإنه ذكر فِيهَا مَا يُفِيد ذَلِك وَهُوَ مِمَّن برع في جَمِيع عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وحقق الاصولين والعربية والمعانى وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وفَاق في جَمِيع ذَلِك وَله مؤلفات مقبولة كلهَا عِنْد الْعلمَاء محبوبة إليهم متنافسون فِيهَا ويحتجون بترجيحاته وَهُوَ حقيق بذلك وَفِي عباراته قُوَّة وفصاحة وسلاسة تعشقها الأسماع وتلتذ بهَا الْقُلُوب ولكلامه وَقع فِي الأذهان قلّ أَن يمعن في مطالعته من لَهُ فهم فَيبقى على التَّقْلِيد بعد ذَلِك وَإِذا رَأْي كلَاما متهافتاً زيّفه ومزّقه بِعِبَارَة عذبة حلوة وَقد أَكثر الْحَط على الْمُعْتَزلَة فِي بعض
(1/288)

الْمسَائِل الكلامية وعَلى الأشعرية فِي بعض آخر وعَلى الصُّوفِيَّة في غَالب مسائلهم وعَلى الْفُقَهَاء في كثير من تفريعاتهم وعَلى الْمُحدثين فِي بعض غلوهم وَلَا يبالي إِذا تمسّك بِالدَّلِيلِ بِمن يُخَالِفهُ كَائِنا من كَانَ فَمن مؤلفاته الفائقة حَاشِيَة الْبَحْر الزخار للإمام المهدي الْمُسَمَّاة بالمنار سلك فِيهَا مَسْلَك الإنصاف وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ بشر يُخطئ ويصيب وَلَكِن قد قيّد نَفسه بِالدَّلِيلِ لَا بالقال والقيل وَمن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ الْمُجْتَهد الَّذِي إِذا أصَاب كَانَ لَهُ أَجْرَانِ وإن أَخطَأ كَانَ لَهُ أجر وَمِنْهَا الْعلم الشامخ اعْترض فِيهِ على عُلَمَاء الْكَلَام والصوفية وَمِنْهَا في الأصول نجاح الطَّالِب على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب جعله حَاشِيَة عَلَيْهِ ذكر فِيهَا مَا يختاره من الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة وَمِنْهَا فِي التَّفْسِير الإتحاف لطلبة الْكَشَّاف انتقد فِيهِ على الزمخشري كثيراً من المباحث وَذكر مَا هُوَ الرَّاجِح لَدَيْهِ وَمِنْهَا الْأَرْوَاح النوافخ والأبحاث المسددة جمع مبَاحث تفسيرية وحديثية وفقهية وأصولية وَلما وقفت عَلَيْهِ في أَيَّام الطلب كتبت فِيهِ أبياتاً وأشرت فِيهَا إِلَى سَائِر مؤلفاته وهي
(لله در المقبلى فانه ... بَحر خضم جَان بالإنصاف)
(أبحاثه قد سدّدت سَهْما إِلَى ... نحر التعصّب مرهف الْأَطْرَاف)
(ومنارة علم النجاح لطَالب ... مذ روّح الْأَرْوَاح بالإتحاف)
وَقد كَانَ ألزم نَفسه السلوك مَسْلَك الصَّحَابَة وَعدم التعويل على تَقْلِيد أهل الْعلم في جَمِيع الْفُنُون وَلما سكن مَكَّة وقف عالمها البرزنجى مُحَمَّد ابْن عبد الرَّسُول المدني على الْعلم الشامخ فِي الرَّد على الْآبَاء والمشايخ فَكتب عَلَيْهِ اعتراضات فَرد عَلَيْهِ بمؤلف سَمَّاهُ الْأَرْوَاح النوافخ
(1/289)

فَكَانَ ذَلِك سَبَب الإنكار عَلَيْهِ من عُلَمَاء مَكَّة ونسبوه إِلَى الزندقة بِسَبَب عدم التَّقْلِيد والاعتراض على أسلافهم ثمَّ رفعوا الْأَمر إلى سُلْطَان الروم فَأرْسل بعض عُلَمَاء حَضرته لاختباره فَلم يرمنه إلا الْجَمِيل وسلك مسلكه وَأخذ عَنهُ بعض أهل داغستان ونقلوا بعض مؤلفاته
وَقد وصل بعض الْعلمَاء من تِلْكَ الْجِهَة إِلَى صنعاء وَكَانَ لَهُ معرفَة بأنواع من الْعلم فَلَقِيته بمدرسة الامام شرف الدَّين بِصَنْعَاء فَسَأَلته عَن سَبَب ارتحاله من دياره هَل هُوَ قَضَاء فَرِيضَة الْحَج فَقَالَ لى بِلِسَان فِي غَايَة الفصاحة والطلاقة انه لم يكن مستطيعاً وَإِنَّمَا خرج لطلب الْبَحْر الزخار للإمام المهدي أَحْمد بن يحيى لِأَن لديهم حَاشِيَة الْمنَار للمقبلي وَقد ولع بمباحثها أَعْيَان عُلَمَاء جهاتهم داغستان وهي خلف الروم بِشَهْر حَسْبَمَا أخبرنى بذلك قَالَ وفى حَال مطالعتهم واشتغالهم بِتِلْكَ الْحَاشِيَة يلتبس عَلَيْهِم بعض أبحاثها لكَونهَا معلقَة على الْكتاب الَّذِي هي حَاشِيَة لَهُ وَهُوَ الْبَحْر فتجرّد الْمَذْكُور لطلب نُسْخَة الْبَحْر وَوصل إِلَى مَكَّة فَسَأَلَ عَنهُ فَلم يظفر بِخَبَرِهِ عِنْد أحد فلقي هُنَالك السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير فَعرفهُ أَن كتاب الْبَحْر مَوْجُود في صنعاء عِنْد كثير من علمائها قَالَ فوصلت إلى هُنَا لذَلِك ورايته في الْيَوْم الثاني وَهُوَ مكب في الْمدرسَة على نُسْخَة من الْبَحْر يطالعها مطالعة من لَهُ كَمَال رَغْبَة وَقد سر بذلك غَايَة السرُور وَمَا رَأَيْت مثله في حسن التَّعْبِير وَاسْتِعْمَال خَالص اللُّغَة وتحاشي اللحن في مخاطبته وَحسن النغمة عِنْد الْكَلَام فإني أدْركْت لسَمَاع كَلَامه من الطَّرب والنشاط مَا علاني مَعَه قشعريرة وَلكنه رَحمَه الله مَاتَ
(1/290)

بعد وُصُوله إلى صنعاء بِمدَّة يسيرَة وَلم يكْتب الله لَهُ الرُّجُوع بِالْكتاب الْمَطْلُوب إلى وَطنه
والمترجم لَهُ مَعَ اتساع دائرته فِي الْعُلُوم لَيْسَ لَهُ الْتِفَات إلى اصْطِلَاحَات الْمُحدثين فِي الحَدِيث وَلكنه يعْمل بِمَا حصل لَهُ عِنْده ظن صِحَّته كَمَا هُوَ الْمُعْتَبر عِنْد أهل الْأُصُول مَعَ أنه لَا ينْقل الأحاديث إِلَّا من كتبهَا الْمُعْتَبرَة كالأمهات وَمَا يلْتَحق بهَا وإذا وجد الحَدِيث قد خرج من طرق وان كَانَ فِيهَا من الوهن مَالا ينتهض مَعَه للاحتجاج وَلَا يبلغ بِهِ إلى رُتْبَة الْحسن لغيره عمل بِهِ وَكَذَلِكَ يعْمل بِمَا كَانَت لَهُ علل حفيفية فينبغي للطَّالِب أَن يتثبت في مثل هَذِه المواطن وَقد ذكر في مؤلفاته من أشعاره وَلكنهَا سافلة بِخِلَاف نثره فإنه فِي الذرْوَة وَمن أحسن شعره أبياته الَّتِى يَقُول فِيهَا
(قبّح الإله مفرّقا ... بَين الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة)
وَقد أجَاب عَلَيْهِ بعض جارودية الْيمن بِجَوَاب أقذع فِيهِ وأوله
(أطرق كراً يَا مقبلي ... فلأنت أَحْقَر من ذُبَابَة)
ثمَّ هجاه بعض الجارودية فَقَالَ
(المقبلي ناصبيّ ... أعمى الشَّقَاء بَصَره) وَبعده بَيت أقذع فِيهِ وَهَكَذَا شَأْن غَالب أهل الْيمن مَعَ عُلَمَائهمْ وَلَعَلَّ ذَلِك لما يُريدهُ الله لَهُم من توفير الْأجر الأخروي وَكَانَ يُنكر مَا يَدعِيهِ الصُّوفِيَّة من الْكَشْف فمرضت ابْنَته زَيْنَب في بَيته من مَكَّة وَكَانَ ملاصقاً للحرم فَكَانَت تخبره وهي من وَرَاء جِدَار بِمَا فعل في الْحرم وَكَانَ يغلق عَلَيْهَا مرَارًا وتذكر أَنَّهَا تشاهد كَذَا وَكَذَا فَيخرج إلى الْحرم
(1/291)

فيجد مَا قَالَت حَقًا وَذكر رَحمَه الله في بعض مؤلفاته أَنه أَخذ فِي مَكَّة على الشَّيْخ إبراهيم الكردي الْمُتَقَدّم ذكره
205 - صديق بن رسّام بن نَاصِر السوادي الصعدي
قَرَأَ على الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث في علم الآلة وفَاق فِيهِ الأقران وَصَارَ بعد شَيْخه المرجوع إليه في ذَلِك الْفَنّ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من النبلاء وتميزوا فِي حَيَاته ورحل بعد موت شَيْخه لطف الله وَهُوَ من مشاهير الْعلمَاء وأكابر النبلاء وَله خلف صَالح فيهم الْعلمَاء والفضلاء والنبلاء واتصل في آخر أَيَّامه بالإمام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم فولاه الْقَضَاء فِي بِلَاد خولان الشَّام بمغارب صعدة وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى توفاه الله وَله حواش على كتب النَّحْو وَالصرْف مفيدة منقولة في كتب أهل صعدة وَكَانَ مَوته فِي سنة 1079 تسع وَسبعين وَألف
206 - صدّيق بن علي المزجاجي الزبيدي الحنفي
ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وماية وَألف وَقَرَأَ في زبيد على الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين صَحِيح البُخَارِيّ وَسنَن أَبى دَاوُد وَغَيرهمَا من الأمهات وَقَرَأَ على السَّيِّد سُلَيْمَان بن يحيى الْمُتَقَدّم الأمهات كلهَا سَمَاعا مكررا وَله قِرَاءَة في الآلات وَهُوَ مُحَقّق في فقه الْحَنَفِيَّة وَقد أجَاز لَهُ شيخاه الْمَذْكُورَان إجازة عَامَّة بجمبع مَا يجوز لَهما رِوَايَته وانتقل إلى المخا للتدريس هُنَالك وبقي أَيَّامًا ثمَّ وصل إلى صنعاء في شهر الْقعدَة سنة 1203 وَوصل إليّ وَلم أكن قد عَرفته قبل ذَلِك وَلَا عرفنى وَجَرت بينى وَبَينه مذاكرات في عدَّة فنون ثمَّ خطر ببالي أن أطلب مِنْهُ الإجازة فَعِنْدَ ذَلِك الخاطر طلب منى هُوَ الاجازة فَكَانَ ذَلِك من المكاشفة فأجزت لَهُ وَأَجَازَ لي وَكَانَ سنه
(1/292)

إِذْ ذَاك فَوق خمسين سنة وعمري دون الثَّلَاثِينَ ثمَّ مَا زَالَ يتَرَدَّد إليّ وفي بعض المواقف بِمحضر جمَاعَة وَقعت بيني وَبَينه مُرَاجعَة في مسَائِل وَأَكْثَرت الِاعْتِرَاض على مسَائِل من فقه الْحَنَفِيَّة وأوردت الدَّلِيل وَمَا زَالَ يتطلب المحامل لما تَقوله الْحَنَفِيَّة فَلَمَّا خلوت بِهِ قلت لَهُ أصدقني هَل ماتبدية فِي الْمُرَاجَعَة تعتقده اعتقاداً جَازِمًا فإن مثلك فِي علمك بِالسنةِ لَا يظن بِهِ أنه يُؤثر مذْهبه الَّذِي هُوَ مَحْض الرَّأْي في بعض الْمسَائِل على مَا يُعلمهُ صَحِيحا ثَابتا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم فَقَالَ لَا أعتقد صِحَة مَا يُخَالف الدَّلِيل وإن قَالَ بِهِ من قَالَ وَلَا أدين الله بِمَا يَقُوله أَبُو حنيفَة وأصحابه إِذا خَالف الحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِن الْمَرْء يدافع عَن مذْهبه في الظَّاهِر ثمَّ وَفد إلى صنعاء مُدَّة أُخْرَى بعد سنة 1209 وَوصل إليّ وَرجع إلى وَطنه وَبلغ بعد ذَلِك مَوته رَحمَه الله وَكَانَ ذكياً فطناً سَاكِنا متواضعاً جيد الْفَهم قوي الإدراك
207 - السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد بن مهدي المؤيدي
كَانَ من عجائب الدَّهْر وغرائبه فإن مَجْمُوع عمره تسع وَعِشْرُونَ سنة وَقد فَازَ من كل فن بِنَصِيب وافر وَصَارَ لَهُ فِي الْأَدَب قصائد طنانة يعجز أهل الْأَعْمَار الطَّوِيلَة عَن اللحاق بِهِ فِيهَا وصنف في هَذَا الْعُمر الْقصير التصانيف المفيدة والفوائد الفريدة العديدة فَمن مصنفاته شرح شَوَاهِد النَّحْو وَاخْتصرَ شرح العباسى لشواهد التَّلْخِيص وَشرح الْفُصُول شرحاً حافلاً وَشرح الْهِدَايَة ففرغ من الْخطْبَة وَقد اجْتمع من الشَّرْح مُجَلد وَله مَعَ ذَلِك ديوَان شعر كُله غررودرر وَفِيه مغانى مبتكره فَمِنْهُ
(1/293)

(وصغيرة حاولت فضّ ختامها ... من بعد فرط تَحَنن وتلطّف)
(وقلبتها نحوي فَقَالَت عِنْد ذَا ... قلبي يحدثني بأنّك متلفي)
وَهَذَا تضمين يطرب لَهُ الجماد وترقّ لحسنه الصم الصلاد وَمَعَ هَذِه الْفَضَائِل الَّتِى نالها فِي هَذَا الأمد الْقَرِيب فَهُوَ مُجَاهِد للأتراك محاصر لصنعاء مَعَ الْحسن وَالْحُسَيْن ابني الإمام الْقَاسِم كَانَ مطرحه فِي الجراف يَشن الغارات على الأروام في جَمِيع الأيام وافتتح مَدِينَة أَبى عَرِيش وغزا إلى جِهَات مُتعَدِّدَة وَكَانَ منصوراً فِي جَمِيع حروبه وَكَانَ مَجْلِسه معموراً بالعلماء والأدباء وَأهل الْفَضَائِل قَالَ القاضي أَحْمد بن صَالح في مطلع البدور رَأَيْته في بعض الأيام خَارِجا إلى بعض المنتزهات بصعدة فَسمِعت الرهج وحركة الْخَيل فوقفت لأنظر فَخرج فِي نَحْو خَمْسَة وَثَلَاثِينَ فَارِسًا إلى منتزه وهم يتراجعون في الطَّرِيق بالأدبيات وَمِنْهُم من ينشد صَاحبه الشّعْر ويستنشده وَكَانَ هَذَا دأبه وإذا سَافر أول مَا تضرب خيمة الْكتب وإذا ضربت دخل إليها وَنشر الْكتب والخدم يصلحون الخيم الأخرى وَلَا يزَال ليله جَمِيعه ينظر فِي الْعلم وَيُحَرر ويقرر مَعَ سَلامَة ذوقه وَكَانَ مَعَ هَذِه الْجَلالَة يلاطف أَصْحَابه وَكتابه بالادبيات والاشعار السحريات من ذَلِك أَبْيَات كَاتب بهَا السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال مِنْهَا
(أفدي الحبيب الَّذِي قد زارني وَمضى ... ولاح مبسمه كالبرق إذ ومضا)
(نضا عليّ حساما من لواحظه ... فظلت الثم ذَاك اللحظ حِين نضا)
فأجابه السَّيِّد الْحسن بأبيات مِنْهَا
(قد لَاحَ سعدك فاغتنم حسن الرِّضَا ... من أهل ودّك واستعض عَمَّا مضى)
(1/294)

(لما بعثت لَهُم بطيفك زَائِرًا ... تَحت الدجى ولفضلهم متعرّضا)
(بعثوا إليك كتائباً من كتبهمْ ... هزموا بهَا جَيش اصطبارك فانقضى)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَكَذَلِكَ الابيات الاولى وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة الْفَائِق قَوْله فِي التورية
(ومايش أرشفنى رِيقه ... لله من غُصْن وريق وريق)
(لقى خد فَوْقه حمرَة ... فصرت مَا بَين النقا والعقيق)
وَتوفى رَحمَه الله فِي سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وعَلى هَذَا فَيكون مولده سنة 1019 وَكَانَ مَوته بقلعة غمار من جبل رازج وقبر بالقبة الَّتِى فِيهَا السَّيِّد أَحْمد بن لُقْمَان وَالسَّيِّد أَحْمد بن المهدي ورثاه جمَاعَة من شعراء عصره
(1/295)

208 - السَّيِّد صَلَاح بن حُسَيْن بن يحيى بن على الاحفش الصّنعاني
الْعَالم الْمُحَقق الزَّاهِد الْمَشْهُور المتقشّف الْمُتَعَفِّف أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء عصره مِنْهُم العبالى الْمَشْهُور والقاضى مُحَمَّد إبراهيم السحولي والقاضي علي بن يحيى البرطي وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وأصول الْفِقْه وَكَانَ يؤم النَّاس أول عمره بِمَسْجِد دَاوُد بِصَنْعَاء ثمَّ بالجامع الْكَبِير بهَا ثمَّ عَاد إِلَى مَسْجِد دَاوُد لأمور اتّفقت وَكَانَ لَا يَأْكُل إلا من عمل يَده يعْمل القلانس ويبيعها وَيَأْكُل مَا تحصل لَهُ من ثمنهَا وَلَا يقبل من أحد شَيْئا كَائِنا من كَانَ وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير وَهُوَ ينفر من ذَلِك غَايَة النفور وَله في إنكار الْمُنكر مقامات محمودة وَهُوَ مَقْبُول القَوْل عَظِيم الْحُرْمَة مهاب الجناب وَله مَعَ الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الإمام وَولده الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم من هَذَا الْقَبِيل امور يطول شرحها وَكَانَ لايخاف فِي الله لومة لائم وَلَا يبالي بِأحد مُخَالف للحق وَله شهرة عَظِيمَة في الديار اليمنية وَلَا سِيمَا صنعاء وَمَا يتَّصل بهَا فإنه يضْرب بِهِ الْمثل في الزّهْد إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَله مُنْذُ مَاتَ زِيَادَة على
(1/296)

سبعين سنة وَكَانَ طلبة الْعلم في عصره يتنافسون في الأخذ عَنهُ وَهُوَ يمتحنهم بالأسئلة فاذا رأى من اُحْدُ فطنة مَال إِلَيْهِ وعظمه ونوّه بِذكرِهِ وَله مؤلف في النَّحْو سَمَّاهُ نزهة الطرف في الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف جمع فِيهِ فَوَائِد نفيسة وَشَرحه شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد بشرح حافل وَله رِسَالَة في الصَّحَابَة سلك فِيهَا مَسْلَك التنزية لَهُم على مافيها من تطفيف لما يستحقونه وَمَعَ ذَلِك اعْترض عَلَيْهَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله ابْن على الْوَزير باعتراض سَمَّاهُ ارسال الذؤابة بَين جنبى مسئلة الصَّحَابَة وَحَاصِل مَا فِي هَذَا الِاعْتِرَاض هدم مَا بناه السَّيِّد صَلَاح من التنزيه للصحابة عَن السب والثلب فإنا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَكَانَ بَين هذَيْن السيدين مُنَافَسَة عَظِيمَة ومناقضة ظَاهِرَة ومازال الأقران هَكَذَا وَلَكِن إذا بلغت المنافسة إلى حد الْحَط على خير الْقُرُون فابعدها الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم فائق فَمن ذَلِك القصيدة الطَّوِيلَة الَّتِى ذكر فِيهَا عُلُوم الِاجْتِهَاد مَا يرجحه في الْمِقْدَار الْمُعْتَبر مِنْهَا وتزييف قَول من قَالَ إن علم الْمنطق من جملَة عُلُوم الِاجْتِهَاد وَلَعَلَّه يُشِير إلى السَّيِّد عبد الله الْوَزير الْمَذْكُور فانه كَانَ مشتغلالا بِهَذَا الْفَنّ ومطلع القصيدة
(بتحميدك اللَّهُمَّ فِي البدأ أنطق ... وإن لم يقم مني بحَمْدك منطق)
وَلم يزل مستمرا على حَاله الْجَمِيل في نشر الْعلم وَعمارَة معالم الْعَمَل وإشادة ربوع الزّهْد حَتَّى توفاه الله فِي سنة 1142 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي يَوْم الأربعاء سَابِع وَعشْرين من رَجَب من هَذِه السنة وازدحم النَّاس على جنَازَته وغلقت الأسواق وأرّخ مَوته الأديب احْمَد الرقيحي فَقَالَ
(1/297)

(قضى صَلَاح نحبه ... أفضل من فِيهَا مَشى)
(السَّيِّد الحبر الَّذِي ... مَا مثله قط نشا)
(لَا شكّ ان ربه ... قد خصّه بِمَا يشا)
إن تأنس الْحور بِهِ ... فكم لنا قد أوحشا)
(فِي رَجَب من عَامه ... أرّخ صَلَاح الأخفشا)
سنة 1142
209 - السَّيِّد صَلَاح بن جلال بن صَلَاح الدَّين بن مُحَمَّد بن الْحسن ابْن المهدي بن الأمير علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى
ولد بِهِجْرَة رغافة سنة 744 أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَهُوَ صَاحب تَتِمَّة شِفَاء الْأَمِير الْحُسَيْن لَان الأمير الْحُسَيْن رَحمَه الله شرع بتصنيف الْجُزْء الآخر من كتاب الْبيُوع إِلَى آخِره ثمَّ شرع فِي تصنيف الْجُزْء الأول فوضل إِلَى بعض كتاب النِّكَاح وعاقه عَن تَمَامه الأجل فكمله من كتاب النِّكَاح إِلَى آخر كتاب الطَّلَاق دون كتاب الرَّضَاع السَّيِّد
(1/298)

الْعَلامَة صَلَاح بن أَمِير الْمُؤمنِينَ إبراهيم بن تَاج الدَّين أَحْمد بن مُحَمَّد ثمَّ كمل هَذَا المترجم لَهُ كتاب الرَّضَاع وَمَات فِي سنة 805 خمس وثمان مائَة وَقد سلك هَذَانِ السيدان في تَتِمَّة كتاب الشِّفَاء مَسْلَك مُصَنفه الأمير الْحُسَيْن رَحمَه الله في النَّقْل وَالتَّرْجِيح والتصحيح وَلَوْلَا قيامهما بِتَمَامِهِ لم يبلغ من الْحَظ مَا بلغ من اشْتِغَال لناس بِهِ مُنْذُ زمَان مُصَنفه إِلَى الآن كَمَا هُوَ شَأْن مالم يكن كَامِلا من الْكتب فإن الرَّغْبَة تقل فِيهِ وَقد كنت أَرْجُو أن أجعَل على هَذَا الْكتاب حَاشِيَة أبين فِيهَا مَا لَعَلَّه يحك في الخاطر من مَوَاضِع مِنْهُ فَأَعَانَ الله وَله الْحَمد والْمنَّة على ذَلِك وكتبت عَلَيْهِ حَاشِيَة تَأتي في مِقْدَار حجمه أَو أقل سميتها وبل الْغَمَام على شِفَاء الأوام وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهَا في رَجَب سنة 1213 وَهُوَ الْعَام الذي شرعت فِيهِ في تَحْرِير هَذِه التراجم وَقد سلكت في تِلْكَ الْحَاشِيَة مَسْلَك الإنصاف كَمَا هُوَ دأب من كَانَ فَرْضه الِاجْتِهَاد وَمن نظر فِيهَا بِعَين الإنصاف مَعَ كَمَال أَهْلِيَّته عرف مقدارها
(1/299)

حرف الضَّاد الْمُعْجَمَة

210 - ضِيَاء بن سعد بن مُحَمَّد بن عمر الفومى ابْن قاضي الْقَوْم العقيقي القزويني الشافعي
أَخذ عَن أَبِيه والخلخالى والبدر القشيري وَغَيرهم وَسمع الحَدِيث لما حج وَقدم الْقَاهِرَة وحظي عِنْد الأشرف شعْبَان وَولى مشيخة البيبرسية فِي سنة 767 وتدريس الشَّافِعِيَّة بالسجونية وولاه الأشرف مشيخة مدرسته وَسَماهُ شيخ الشُّيُوخ وَكَانَ ماهرا فى الْفِقْه والاصول والمعانى وَالْبَيَان ملازماً للتدريس لَا يمل من ذَلِك وَكَانَ من ذوي المروءات كثير الإحسان إِلَى الطّلبَة سليم الْبَاطِن مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة 780 ثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة وَقد كتب إليه طَاهِر بن حسن بن حبيب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
(قل لربّ الْعلَا وَمن طلب الْعلم ... مجداً إلى سَبِيل السوَاء)
(إن أردت الْخَلَاص من ظلمَة الْجَهْل ... فَمَا تهتدي بِغَيْر الضّياء)
فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله
(قل لمن يطْلب الْهِدَايَة منى ... خلت لمع السراب بركَة مَاء)
(لَيْسَ عندي من الضّياء شُعَاع ... كَيفَ تبغي الْهدى من اسْم الضّياء)
211 - ضِيَاء العجمي
قدم إلى دمشق وَقرر في الخانكاه وأقرا في النَّحْو وَكَانَ يثني على مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب واستفاد مِنْهُ جمَاعَة وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق لكنه كَانَ مغرماً بمشاهدة الحسان من المردان لَا يَنْفَكّ عَن هوى وَاحِد
(1/300)

يتهتك فِيهِ وَيخرج عَن طور الْعقل مَعَ الْعِفَّة وَكَانَ يمشي وَفِي يَده حزمة من الرياحين فَمن لقِيه من المرد أدناها إلى أَنفه فيشمها إِيَّاه فإن التمس مِنْهُ ذَلِك ذُو لحية قَلبهَا وضربه على أَنفه ثمَّ علق بصبي من أَبنَاء الْجند وَكَانَ يخرج إلى سوق الْخَيل ليشاهده إذا ركب فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ كَمَال الدَّين بن الزملكاني لم عشقت هَذَا وَلم تعشق أَخَاهُ وَهُوَ أحسن مِنْهُ قَالَ أعشقه أنت فَقَالَ ان أَذِنت لى قَالَ انت ماتحتاج إلى إذن وَقَالَ شخص فِي مجْلِس ابْن فضل إلى مَتى أَنْت في عشقة بعد عشقة فَأَنْشد ابْن فضل الله
(الْحبّ أولى بذاتي في تصرّفه ... من أَن يغادرني يَوْمًا بِلَا شجن)
فصاح وخرّ مغشياً عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ نطقت عَن ضميري وأنشده الشهَاب مَحْمُود يَوْمًا
(يَقُولُونَ لَو دبرت بِالْعقلِ حبها ... ولاخير فِي حب يدبّر بِالْعقلِ)
فصاح حَتَّى سقط مغشياً عَلَيْهِ وَاتفقَ أنه دخل مصر فَرَأى نَصْرَانِيّا نازعه في أَمر من الْأُمُور فَضَربهُ بعكاز فِي يَده ضَرْبَة قضى مِنْهَا فِي الْحَال فتعصب عَلَيْهِ بعض الرؤساء إلى أَن أَمر السُّلْطَان بقتْله فَقتل رَحمَه الله وَهُوَ مظلوم لَا محَالة لِأَن الْقَائِل بقتل الْمُسلم بالكافر وهم الْحَنَفِيَّة لَا يوجبون الْقصاص فِي الْقَتْل بالمثقل وَسَائِر الْعلمَاء لَا يَقُولُونَ إنه يقتل مُسلم بِكَافِر وَكَانَ وجود صَاحب التَّرْجَمَة في الْقرن الثَّامِن
(1/301)

حرف الطَّاء الْمُهْملَة

212 - ططر الْملك الظَّاهِر
كَانَ في الِابْتِدَاء من ممالك الظَّاهِر برقوق ثمَّ ترقى فِي سلطنة المؤبد حَتَّى صَار أحد المقدمين ثمَّ جعله في مرض مَوته متكلماً على ابْنه المظفر احْمَد وسافر بِهِ بعد موت أبيه ثمَّ اسْتَقر أتابكا وَأخذ في تمهيد الْأَمر لنَفسِهِ إلى أَن خلع المظفر وَاسْتقر عوضه في المملكة يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر شعْبَان سنة 724 ثمَّ برز فى سَابِع عشر رَمَضَان عائداالى الْقَاهِرَة فوصلها فِي رَابِع شَوَّال ثمَّ مرض وَلزِمَ الْفراش الى مستهل ذي الْقعدَة وانتعش قَلِيلا ثمَّ أَخذ يتزايد مَرضه إلى ثاني ذي الْحجَّة فَجمع الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء وعهد إِلَى وَالِده مُحَمَّد ثمَّ مَاتَ في رَابِع ذي الْحجَّة من السنة الْمَذْكُورَة وَله نَحْو خمسين سنة وَدفن من يَوْمه بالقرافة فَكَانَت مدَّته نيفا وَتِسْعين يَوْمًا وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويعظمهم مَعَ حسن الْخلق والمكارم الزَّائِدَة وَالعطَاء الواسنع وَقد كَانَ فِي آخر أَيَّام الْمُؤَيد يحْتَاج إِلَى الْقَلِيل فَلَا يجده لِكَثْرَة عطائه حَتَّى انه أَرَادَ مُكَافَأَة شخص قدم لَهُ مَأْكُولا فَلم يجد شَيْئا فَسَأَلَ خواصه هَل عِنْدهم شئ يقرضونه فَكل وَاحِد مِنْهُم يحلف أَنه لَيْسَ عِنْده شئ الا وَاحِدًا مِنْهُم فَلم يكن بَين هَذَا وَبَين استيلائه على المملكة بأسرها وعَلى جَمِيع مَا في الخزائن السُّلْطَانِيَّة الَّتِى جمعهَا الْمُؤَيد سوى أُسْبُوع قَالَ المقريزي كَانَ يمِيل إلى تدين وَفِيه لين واعطاء وكرم مَعَ طيش وخفة وَشدَّة تعصب لمَذْهَب الْحَنَفِيَّة يُرِيد أَن لَا يدع أحداً من الْفُقَهَاء غير الْحَنَفِيَّة وأتلف في مدَّته مَعَ قصرهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وَحمل الدولة كلفاً
(1/302)

كَبِيرَة اتعب بهَا من بعده وَقَالَ ابْن خطيب الناصرية إنه كَانَ مائلاً إلى الْعدْل وَأهل الْعلم يُحِبهُمْ ويكرمهم وَيتَكَلَّم فِي مسَائِل من الْفِقْه على مَذْهَب أَبى حنيفَة
213 - طقطاي بن منكوتمر بن سابر خَان بن جنكزخان المغلي ملك التتار
كَانَ وَاسع المملكة جداً وعساكره تفوت الْحصْر حَتَّى يُقَال إنه جهّز جَيْشًا فَأخْرج من كل عشرَة وَاحِدًا فبلغوا مأتي ألف كَذَا قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر الكامنة وَهَذَا شئ لم يسمع في جَيش ملك من الْمُلُوك وَكَانَت مُدَّة ملكه ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَت وَفَاته سنة 712 اثنتي عشر وَسَبْعمائة وَلم يسلم بل كَانَ يحب الْمُسلمين خُصُوصا الْفُضَلَاء مِنْهُم وَمن كل الْملَل ويميل إِلَى الْأَطِبَّاء والسحرة وَأسلم وَلَده وَيُقَال إن عرض مَمْلَكَته ثَمَانِيَة أشهر وطولها سنة قَالَ بَعضهم وَفِيه عدل وميل إِلَى أهل الْخَيْر وَكَانَ يحب الأطباء ومملكته وَاسِعَة جداً حَتَّى يُقَال ثماني مائَة فَرسَخ في سِتّمائَة فَرسَخ وَكَانَ لَهُ ولد حسن الشكل فَأسلم وَأحب الْقُرْآن وسماعه
214 - طهماسب ملك بِلَاد الْعَجم
طارت أخباره إلى الْيمن في وسط الْمِائَة الثَّانِيَة عشر من الْهِجْرَة وَأخْبر عَنهُ الأغراب بِقُوَّة باهرة وسلطنة عَظِيمَة ومحصل مَا بلغ عَنهُ حَسْبَمَا نَقله من إدراك تِلْكَ الأيام من أهل هَذِه الأرض انه كَانَ خَادِمًا فِي بعض مشَاهد الْأَئِمَّة الَّتِى هُنَالك ثمَّ بعد ذَلِك خرج إلى بعض الأمكنة ودعا جمَاعَة من النَّاس إلى اتِّبَاعه فَاتَّبعُوهُ وَمَا زَالَ امْرَهْ يظْهر حَتَّى استولى على ملك تِلْكَ الديار وعَلى سَائِر ممالك الْعَجم وعَلى ممالك الْعرَاق ثمَّ لما تقرر
(1/303)

ملكه لَهَا غزا بجيوش لَا تحصى إلى بِلَاد الْهِنْد وَكَانَ ملكهَا إذ ذَاك يُقَال لَهُ مُحَمَّد شاه فَتَلقاهُ بجيوش عَظِيمَة فَوَقع المصاف بَين الجيشين وتطاول أَيَّامًا وَقتل في بَعْضهَا أَمِير أُمَرَاء ملك الْهِنْد وَكَانَ من يَلِيهِ في الرُّتْبَة من أمراء السُّلْطَان يطْمع فِي أَن يكون مَكَانَهُ فولى السُّلْطَان رجلاً آخر فخامر عَلَيْهِ ذَلِك الأمير وانخزل بطَائفَة من جُنُوده إلى طهماسب فضعف بذلك السَّبَب سُلْطَان الْهِنْد ثمَّ سعى ذَلِك الأمير في الصُّلْح بَين الْملكَيْنِ فتواعدا للاجتماع إلى مَكَان عَيناهُ فَسبق إليه سُلْطَان الْهِنْد ثمَّ وصل طهماسب فَقعدَ وَنظر إلى سُلْطَان الْهِنْد وَهُوَ يشرب التنباك ولحيته محلوقة فأنكر عَلَيْهِ ذَلِك ووبخّه ثمَّ تم الصُّلْح على أَن يدْخل طهماسب بجيوشه إلى مَدِينَة السُّلْطَان وهى مَدِينَة عَظِيمَة تسمى نى خور وَيكون أَهلهَا في أمان وَيعود سُلْطَان الْهِنْد مَعَه مكرماً وَيبقى في مَمْلَكَته فدخلا تِلْكَ الْمَدِينَة وَلما حضرت صَلَاة الْجُمُعَة خَافَ أهل الْهِنْد أَن يُغير طهماسب رسومهم فى الْخطْبَة إِلَى رسوم الْعَجم فَلم يفعل بل تَركهم على حَالهم فَفَرِحُوا بذلك وَكَانَ جَيْشه منتشراً فِي جَمِيع الْمَدِينَة نازلين مَعَ أهلها فَكَانَ أوباش الْهِنْد إِذا ظفروا بِوَاحِد من جيوش طهماسب قَتَلُوهُ غيلَة وأفنوا بِهَذَا السَّبَب جمَاعَة كَثِيرَة فَبلغ السُّلْطَان طهماسب ذَلِك فبحث عَنهُ وتفقد أَصْحَابه ففقد كثيراً مِنْهُم فَأمر جيوشه بقتل أهل الْمَدِينَة فَمَا زَالُوا يقتلُون من وجدوه فِي ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى بلغ الْقَتْلَى من الْهِنْد زِيَادَة على مائَة ألف ثمَّ أَمرهم بعد الْيَوْم الثَّالِث بِرَفْع السَّيْف ونادى بالأمان وصادر أهل الْمَدِينَة واستخرج مَا مَعَهم من الأموال وأخذ من خَزَائِن سلطانهم مَا أحب أَخذه ثمَّ ارتحل وَقد دوخ بِلَاد الْهِنْد وَصَارَ سلطانها الْمَذْكُور نَائِبا لَهُ فِيهَا وَعَاد إِلَى بِلَادهمْ ثمَّ عزم على
(1/304)

الْغَزْو إِلَى مصر وَالشَّام وَالروم وَقد خافته الْمُلُوك وأيقنوا بِأَنَّهُ لَا طَاقَة لَهُم بِهِ فَكفى الله شَره وَدفع عَن الْمُسلمين ضره وسلط عَلَيْهِ جمَاعَة من غلمانه تواطؤا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ على فرَاشه وَكَانَت مُدَّة ملكه تسع سِنِين هَذَا حَاصِل مَا علق بحفظي من أَخْبَار من أخبرنَا عَن أَخْبَار من أخْبرهُم فِي تِلْكَ الأيام من الغرباء الواصلين إِلَى هَذِه الديار ثمَّ وصل إِلَى صنعاء السَّيِّد إبراهيم العجمي الْحَكِيم وَكَانَ أَبوهُ من جملَة الأطباء لطهماسب وَذكر لنا من أخباره غرائب وعجائب وَأخْبرنَا أنه كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره سايسا من سواس الْجمال وَكَانَ عَظِيم الْخلقَة قوي الْبدن فاتفق أَن ملك الْهِنْد غزا بِلَاد الْعَجم وَكَانَ سلطانها إِذا ذَاك مشتغلاً باللهو والبطالة فَمَا زَالَ سُلْطَان الْهِنْد يفتحها إقليماً بعد إقليم ومدينة بعد مَدِينَة حَتَّى لم يبْق الا الْمَدِينَة الَّتِى فِيهَا سُلْطَان الْعَجم وسلطان الْعَجم مشتغل بِمَا هُوَ فِيهِ من البطالة ثمَّ التجأ سُلْطَان الْعَجم إِلَى بعض الْمشَاهد المعتقد فِيهَا فِي تِلْكَ الْمَدِينَة خوفاً من صَاحب الْهِنْد فَلَمَّا وَقع مِنْهُ ذَلِك قَامَ صَاحب التَّرْجَمَة يَدْعُو النَّاس إِلَى جِهَاد سُلْطَان الْهِنْد وَدفعه عَن مَدِينَة سُلْطَان الْعَجم الَّتِى قد أشرف على أَخذهَا فَتَبِعَهُ جمَاعَة وَخَرجُوا من الْمَدِينَة وَهُوَ أمامهم فهزموا جيوش سُلْطَان الْهِنْد وتبعوهم وأخرجوا من قد كَانَ مِنْهُم في مَدَائِن الْعَجم حَتَّى أخرجوهم من بِلَاد الْعَجم ثمَّ رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة فَصَارَ صَاحب التَّرْجَمَة الْمُتَكَلّم فى مملكة الْعَجم ومازال أمره يقوى حَتَّى خلع السُّلْطَان العجمي الْمَذْكُور سَابِقًا وَبعد ذَلِك غزا بِلَاد الْهِنْد مكافئاً لَهُم بِمَا فعلوا فى بِلَاد الْعَجم وَقع مِنْهُ فِي بِلَادهمْ من الْقَتْل والاسر والنهب ملا ياتى عَلَيْهِ الْحصْر وصف لنا أَنه لما كَانَ من الهنود مَا قدمنَا من الْقَتْل لاصحابه غيلَة خرج
(1/305)

الْيَوْم الثاني إِلَى سطح جَامعهَا وَهُوَ مَكَان مُرْتَفع وَحَوله فسحة كَبِيرَة من جَمِيع الْجِهَات وَكَانَ لابساً للحمرة وَذَلِكَ عَلامَة الْقَتْل ثمَّ صعد على سطح الْجَامِع وجيوشه حول الْجَامِع من جَمِيع جهاته ينظرُونَ إِلَيْهِ ويرتقبون مَا يَأْمر بِهِ فاستقر سَاعَة ثمَّ أَخذ سَيْفه وسله من غمده وَوَضعه مسلولاً وَصَاح الْجَيْش صَيْحَة وَاحِدَة وشهروا سِلَاحهمْ وَسعوا نَحْو الْمَدِينَة يقتلُون من وجدوه ثمَّ اسْتمرّ ذَلِك من أول يَوْم الى وَقت الْعَصْر فوصل سُلْطَان الْهِنْد وَكَانَ قد أَمنه وَعلم أَنه لَا ذَنْب لَهُ فِيمَا وَقع من الهنود وَوصل وَعَلِيهِ كفن منشور وَسيف مَشْهُور وَاضع لَهُ على رقبته ثمَّ رمى نَفسه بَين يدي صَاحب التَّرْجَمَة وَقَالَ أَيهَا السُّلْطَان قد كَانَ هلك غَالب أهل الْمَدِينَة وَوصل الْقَتْل إلى الأخيار وَلم يَقع مَا وَقع الامن جمَاعَة يسيرَة من الأشرار فَلَمَّا سمع ذَلِك أَخذ السَّيْف الَّذِي قد كَانَ سَله فِي أول الْيَوْم فأغمده فِي غمده فَذهب جمَاعَة كَثِيرَة من البَاقِينَ حوله يصيحون للجيش الَّذِي صَار يقتل أهل الْهِنْد فَمن سمع الصائح رَجَعَ وَترك الْقَتْل ثمَّ من جملَة مَا ذكره لنا السَّيِّد إبراهيم أَن صَاحب التَّرْجَمَة صَار لَا يصبر بعد ذَلِك عَن سفك الدِّمَاء وَصَارَ يقتل من لَا ذَنْب لَهُ من أَصْحَابه ورعيته فأجمع رأي ابْن أَخِيه وَنَحْو ثلثمِائة نفر من جنده على قَتله وَهُوَ فِي الْغَزْو فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقد تساقط أَكْثَرهم فِي الْخيام من هيبته ثمَّ قَتَلُوهُ وَله أخيار طَوِيلَة
(1/306)

حرف الظَّاء الْمُعْجَمَة

215 - ظافر بن مُحَمَّد بن صَالح بن ثَابت الأنصاريّ الْعَدْوى
من شعراء الْمِائَة الثَّامِنَة لَهُ نظم جيد رَوَاهُ عَنهُ الشَّيْخ ابو حَيَّان وَغَيره وَكَانَ فَقِيرا خيرا فَمِنْهُ
(تميس فتخجل الاغصان تيها ... وتزرى فِي التلفت بالغزال)
(وتحسب بالإزار لقد تغطّت ... وَقد أبدت بِهِ كلّ الْجمال)
(سلوها لم تغطي الْبَدْر تيهاً ... وتسمح للنواظر بالهلال)
(وَلم تصلى الحشا بالعتب نَارا ... وَفِي ألفاظها بردّ الزلَال)
216 - ظَاهر بن احْمَد بن شرف الغصيني الفيومي
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّامِن وَله فَضِيلَة فِي النَّحْو وَالْفِقْه مَعَ فهم ونظم كثير فِي مجلدات وباشر الأمر كأسلافه فِي تِلْكَ النَّاحِيَة ثمَّ اعْرِض عَنْهَا لوَلَده شرف الدَّين وَاقْبَلْ على الْعِبَادَة والأوراد وَصَحب الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مهلهل فَعَادَت بركته عَلَيْهِ وَحج وَدخل مصر وَمن شعره معرضاً بالعروض
(تَوَاتَرَتْ لكَمَال الدا بلياتي ... تحكي طَوِيل مديد الذابليات)
(وَقد تقَارب حقفي بالسريع إلى ... خَفِيف منسرح الأهوا المضلاّت)
وَله ديوَان شعر مُخْتَصّ بالمدائح النَّبَوِيَّة وَمَات فِي بضع وَسبعين وثمان مائَة
(1/307)

217 - ظهيرة بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن على بن احْمَد ابْن عَطِيَّة بن ظهيرة القرشي المكّي المالكي
الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن ظهيرة ولد فِي ذي الْحجَّة سنة 1841 إحدى وأربعين وثمان مائَة فحفظ الْقُرْآن وَالْأَرْبَعِينَ النووية ومختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي والفرعي والرسالة لِابْنِ أَبى زيد وألفية الحَدِيث والنحو وَعرض على ابْن الْهمام وآخرين وتفقه بالقاضي عبد الْقَادِر وَعنهُ أَخذ الْعَرَبيَّة وَأخذ الأصول والمنطق على ابْن مَرْزُوق وَغَيره وَكَانَ ديّناً كثير المحاسن بارعاً فِي الْفِقْه والعربية ولي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمَكَّة بعد ابْن أبي الْيمن فِي سنة 868 وباشره بعفة ونزاهة ثمَّ انْفَصل عَنهُ لضعف بَصَره وَلم يلبث أَن مان لَيْلَة الْأَحَد ثامن ذي الْحجَّة من تِلْكَ السنة
حرف الْعين الْمُهْملَة
218 - عَامر بن عبد الْوَهَّاب بن دَاوُد بن طَاهِر
ولد سنة 866 سِتّ وَسِتِّينَ وثمان مائَة بالمقرانة مَحل سلفه وَنَشَأ فِي كَفَالَة أَبِيه فحفظ الْقُرْآن واشتغل قَلِيلا ثمَّ ملك الْيمن بعد أَبِيه ولقب الْملك الظافر فَاخْتلف عَلَيْهِ بَنو عَامر فقهرهم وأذعنوا وَملك الْيمن الأسفل وتهامة ثمَّ صنعاء وصعدة وغالب مَا بَينهمَا من الْحُصُون وَلما خرج الجراكسة إِلَى الْيمن غلبوه بِالسَّبَبِ الَّذِي قَدمته فِي تَرْجَمَة الإمام شرف الدَّين واستولوا على جَمِيع ذخايره وَهِي شئ يفوق الْحصْر وأخرجوه من مداينه وقتلوه قريب صنعاء فِي آخر شهر ربيع سنة 923 ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَقد شرح ماجرى لَهُ الديبع فِي بغية المستفيد بأخبار مَدِينَة زبيد وَفِي
(1/308)

قُرَّة الْعُيُون بأخبار الْيمن الميمون وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويكرمهم وَيُحب الْكتب حَتَّى اهتمّ بتحصيل فتح الْبَارِي وَلم يكن إذ ذَاك بِالْيمن وَكَذَلِكَ كتاب الْخَادِم للزركشي وَلم تزل الْحَرْب قَائِمَة بَينه وَبَين جمَاعَة من أئمة أهل الْبَيْت سَلام الله عَلَيْهِم فَتَارَة لَهُ وَتارَة عَلَيْهِ ومحبة الرياسة والتنافس فِيهَا من أعظم مصايب الْأَدْيَان نسْأَل الله السَّلامَة والعافية وقدرثاه الديبع بقوله
(أخلاى ضَاعَ الدَّين بعد عَامر ... وَبعد أَخِيه أعدل النَّاس فِي النَّاس)
(فمذ فقدا وَالله وَالله إنّنا ... من الْأَمْن والإيناس فِي غَايَة الياس)
219 - السَّيِّد عَامر بن عليّ بن مُحَمَّد بن علي عَم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن علي
قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة الْحسن بن الْقَاسِم وَهُوَ الْمَعْرُوف بعامر الشَّهِيد ولد سنة 965 خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على القاضي عبد الرَّحْمَن الرحمي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة والكشاف على السَّيِّد عُثْمَان بن علي بن الإمام شرف الدَّين بشبّام قبل دَعْوَة الإمام الْقَاسِم وَسكن بأهله هُنَالك لطلب الْعلم وَلما دَعَا ابْن أَخِيه الإمام الْقَاسِم بِبِلَاد قارة كتب اليه فوصل ثمَّ توجه بِجُنُود فَافْتتحَ من بِلَاد الأمراء آل شمس الدَّين كثيراً وَكَانُوا أعضاد الْوَزير حسن والكخيا سِنَان فَمَا زَالَ كَذَلِك من سنة 1006 إلى سنة 1008 ثمَّ إن جمَاعَة من أهل قاعة غدروا بِهِ وَقد كَانَ تزوج بِامْرَأَة مِنْهُم هُنَالك وتفرق عَنهُ أَصْحَابه وَلم يبْق سواهُ فسعوا إِلَى الأتراك وأخبروهم بتفرده فأقبلوا إِلَيْهِ واحاطوا بِهِ ثمَّ اسروه وادخلوا شبام فطافوا بِهِ فِي كوكبان وشبّام على جمل وأمير كوكبان يَوْمئِذٍ السَّيِّد احْمَد بن مُحَمَّد بن شمس الدَّين
(1/309)

ثمَّ أنه أرسل بِهِ إِلَى الأتراك مَعَ جمَاعَة إِلَى الكخيا سِنَان وَكَانَ فِي بني صريم فأمر بِهِ أَن يسلخ فسلخ جلده وصبر فَلم يسمع لَهُ أَنِين وَلَا شكوى بل كَانَ يَتْلُو سُورَة الإخلاص وَكَانَ ذَلِك يَوْم الأحد الْخَامِس عشر من رَجَب سنة 1008 ثَمَان وَألف ثمَّ إن سِنَانًا أملى جلده الشريف تينا وَأرْسل بِهِ على جمل إلى صنعاء إلى الْوَزير حسن فشهره على الدائر على ميمنة بَاب الْيمن وَدفن سَائِر جسده بجمومة من بني صريم ثمَّ نقل إلى خمر بأمر الإمام وقبره هُنَالك مَشْهُور مزور ثمَّ احتال بعض الشِّيعَة فأخذ الْجلد وَدَفنه على خُفْيَة وَعَلِيهِ ضريح هُنَالك وقبة على يَمِين الدَّاخِل بَاب الْيمن ورثاه القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين المسوّري بأبيات مِنْهَا
(أزائر هَذَا الْقَبْر إن جِئْت زَائِرًا ... ونلت بِهِ سَهْما من الأجر قامرا)
(وَأديت حقّ الْمُصْطَفى ووصيه ... وأهليه لمّا زرت فِي الله عَامِرًا)
(سليل الْكِرَام الشّمّ من آل أَحْمد ... وَمن كَانَ للدين الحنيفي عَامِرًا)
220 - الإمام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الامام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن ابْن الإمام المتَوَكل
الْقَاسِم بن الْحُسَيْن بن الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد ولد فِي سنة 1131 إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ قبل خِلَافَته وَبعدهَا فَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ قبل خِلَافَته السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ كَانَ فِي أَيَّام وَالِده الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه رَئِيسا عَظِيما فخيما ولمامات وَالِده فِي سنة 1161 أجمع النَّاس على صَاحب التَّرْجَمَة فَبَايعُوهُ واتفقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَبَايَعَهُ من كَانَ خَارِجا عَن طَاعَة وَالِده كعمه أَحْمد بن المتَوَكل وَكَانَ إماماً فطناً ذكياً عادلاً قوي التَّدْبِير عالي الهمة منقاداً إِلَى الْخَيْر مايلا
(1/310)

إِلَى أهل الْعلم محبا للعدل مصنفا للمظلوم سيوساً حازماً مطلعاً على أَحْوَال رَعيته باحثاً عَن سيرة عماله فيهم لَا تخفى عَلَيْهِ خافية من الأحوال لَهُ عُيُون يوصلون إِلَيْهِ ذَلِك وَله هَيْبَة شَدِيدَة فِي قُلُوب خواصه لَا يَفْعَلُونَ شَيْئا الاوهم يعلمُونَ أَنه سينقل إِلَيْهِ وَبِهَذَا السَّبَب اندفعت كثير من الْمَظَالِم وَكَانَ يدْفع عَن الرعايا مَا ينوبهم من الْبُغَاة الَّذين يخرجُون فِي الصُّورَة على الْخَلِيفَة وَفِي الْحَقِيقَة لإهلاك الرعية فَكَانَ تَارَة يتألّفهم بالعطاء وَتارَة يُرْسل طَائِفَة من أجناده تحول بَينهم وَبَين الرعية وَعظم سُلْطَانه فِي الْيمن وَبعد صيته واشتهر ذكره وقصده أهل الْعلم وَالْأَدب من الْجِهَات الْبَعِيدَة لمزيد اكرامه لمن كَانَ لَهُ فَضِيلَة لَا سِيمَا غرباء الديار وَكَانَ مشتغلاً بِالْعلمِ بعد دُخُوله فِي الْخلَافَة شفلة كَبِيرَة لَا يبرح إذا خلى نَاظرا فِي كتاب من الْكتب وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء وَكَانَ إذا حدث حَادث من بغي بَاغ أَو خُرُوج خَارج عَن طَاعَة أهمه ذَلِك وأقلقه وَلَا يزَال فِي تَدْبِير دَفعه حَتَّى يَدْفَعهُ وَله صدقَات وصلات وافرة جَارِيَة على كثيرين من الْفُقَرَاء والضعفاء والقصاد والوافدين وَفِيه محَاسِن جمة وَله سنَن حَسَنَة سنّهَا وَبِه اندفعت مفاسد كَثِيرَة كَانَت مَوْجُودَة قبل خِلَافَته وَالْحَاصِل أَنه من أفراد الدَّهْر وَمن محَاسِن الْيمن بل الزَّمن وَلم يزل قاهراً لأضداده قامعاً لحساده وأنداده حَافِظًا لأطراف مَمْلَكَته بِقُوَّة صولة وَشدَّة شكيمة لَا يطْمع فِيهِ طامع وَلَا ينجع فِيهِ خدع خَادع بل يتَصَرَّف بالأمور حسب اخْتِيَاره ويتفرد بتدبير الْمُهِمَّات وَلَيْسَ لوزرائه مَعَه كَلَام بل يعْملُونَ مَا يَأْمُرهُم بِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يلبسوا عَلَيْهِ شَيْئا من أَمر المملكة أَو يخادعونه فِي قَضِيَّة من القضايا وَكَانَ لَهُ نقادة كُلية فِي الرِّجَال وخبرة كَامِلَة بأبناء دهره وإذا الْتبس عَلَيْهِ حَال شخص
(1/311)

مِنْهُم امتحنه بِمَا يَلِيق بِهِ حَتَّى يعرف حَقِيقَة حَاله وَله قدرَة كَامِلَة على هتك ستر من يتظاهر بالزهد والعفاف والانقباض عَن الدُّنْيَا فِي ظَاهر الأمر لَا فِي الْوَاقِع فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِ من مدَاخِل دقيقة بجودة فطنته وَقُوَّة فكرته فيتضح لَهُ أمره ويحيط بِهِ خَبرا وَله من هَذَا الْقَبِيل عجائب وغرائب وَمَا زَالَ على الْحَال الْجَمِيل حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي شهر رَجَب سنة 1189 تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وأيامه كلهَا غرر ودولته صَافِيَة عَن شوائب الكدر وَمَا قَامَ عَلَيْهِ قَائِم الا دمره وَلَا خرج عَلَيْهِ خَارج الا قهره وَكَانَ استقراره فِي جَمِيع خِلَافَته بِصَنْعَاء وَمَات بهَا وَدفن بقبته الَّتِى أعدهَا لنَفسِهِ رَحمَه الله ورضي عَنهُ وبويع عِنْد مَوته مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر وَلَده الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين عَليّ بن الْعَبَّاس حفظه الله وَسَتَأْتِي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ وزيره الأكبر الْفَقِيه أَحْمد بن على النهمى مَا زَالَ قَائِما بالمهم من أُمُوره وَأمر أَكثر بِلَاده إِلَيْهِ من أول خِلَافَته إلى قبيل مَوته بِقَلِيل وَكَانَ هَذَا الْوَزير من محَاسِن الزَّمن لَهُ محبَّة للخير وإقبال على الطَّاعَة وميل إلى أهل الْعلم وَالصَّلَاح ومواساة الضُّعَفَاء مَعَ صدق لهجة وَحسن اعْتِقَاد وَكَانَ يغْضب اذا قَالَ لَهُ قَائِل انه وَزِير أَو عظمه أَو وَصفه بِوَصْف لَهُ مدح لَهُ وَلم يَأْتِ بعده فِي مَجْمُوع خصاله مثله إلا الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره فَإِنَّهُ سلك طَرِيقَته وفاقه بِكَثْرَة الْبَذْل وَالعطَاء وَلَكِن لم يكن إليه من الأعمال مَا كَانَ إلى هَذَا فإن الَّذِي إلى هَذَا من الْبِلَاد هُوَ غَالب الْبِلَاد اليمنية وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَوْلَادهم سَادَات السادات وكل وَاحِد مِنْهُم لَا يَخْلُو عَن فَضِيلَة ويجمعهم جَمِيعًا حسن الفروسية وجودة الْخلق والتمسك بِنَصِيب من الْعرْفَان وأكبرهم عبد الله
(1/312)

توفى فِي حَيَاة وَالِده وَبعده مَوْلَانَا الإمام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه علي وستأتي تَرْجَمته وَبعده مُحَمَّد وَهُوَ من أكَابِر آل الإمام وَله نصيب من الكمالات وافر وَبعده الْقَاسِم وَهُوَ من فحول السادات وأعيان القادات وَله مُشَاركَة فِي الْعلم جَيِّدَة وَبعده يُوسُف وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق كريم الأعراق وَبعده أَحْمد وَهُوَ أوسعهم علماً وَأَقْوَاهُمْ فهماً لَهُ اطلَاع كلي على علم التَّارِيخ وَالْأَدب وَمَعْرِفَة بفنون من الْعلم ومشاركة كُلية فِي أَنْوَاع مِنْهُ وَله شعر وَفِيه رَغْبَة إلى المباحثة وَهُوَ كريم مُطلق قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعه وَبعده اسمعيل وَهُوَ قَلِيل النظير فِي حسن أخلاقه وتواضعه وسلامة فطرته وعفافه وهؤلاءهم الْكِبَار من أولاد صَاحب التَّرْجَمَة وهم كَثِيرُونَ وجميعهم كَمَا قَالَ الْقَائِل
(من تلق مِنْهُم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النُّجُوم الَّتِى يسرى بهَا الساري)
221 - السَّيِّد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد المغربيّ التونسي
قدم إِلَى صنعاء فِي سنة 1200 وَله معرفَة بِعلم الْحُرُوف والأوفاق
(1/313)

رَأينَا مِنْهُ فِي ذَلِك عجائب وغرائب وأخذنا عَنهُ فِي علم الأوفاق لقصد التجريب لَا لاعتقاد شئ من ذَلِك وَكَانَ إذا احْتَاجَ إِلَى دَرَاهِم أَخذ بَيَاضًا وقطعه قطعاً على صور الضَّرْبَة المتعامل بهَا ثمَّ يَجْعَلهَا فِي وعَاء وَيَتْلُو عَلَيْهَا فتنقلب دَرَاهِم وَكنت فِي الِابْتِدَاء أَظن ذَلِك حِيلَة وشعوذة فَأخذت ذَلِك الْوِعَاء وفتشته فَلم أقف على الْحَقِيقَة فَسَأَلته أَن يصدقني فَقَالَ ان تِلْكَ الدَّرَاهِم يجِئ بهَا خَادِم من الْجِنّ يَضَعهَا فِي ذَلِك الْوِعَاء بِقدر مَا جعله من قطع الْبيَاض وَيكون ذَلِك قرضاً حَتَّى يتَمَكَّن من الْقَضَاء فَيَقْضِي وَكَانَ يضع خَاتم أحد الْحَاضِرين فِي اناء وَيجْعَل فِيهِ مَاء ويرتب فَيسمع الْحَاضِرُونَ فِي ذَلِك الإناء صَوتا مفزعاً ويرتفع ذَلِك الْخَاتم فَيَقَع فِي حجر صَاحبه فَظَنَنْت أنه يضع فِي الإناء تَحت الْخَاتم شَيْئا من الْمَعَادِن يكون لَهُ قُوَّة يدْفع بهَا الْخَاتم فتركته حَتَّى وضع الإناء وَوضع فِيهِ الْخَاتم فَقُمْت فأخذته فَلم أجد فِيهِ شَيْئا ثمَّ أمرنى أَن آخذ إِنَاء آخر وأضع فِيهِ مَاء بيدي وَاضع الْخَاتم من دون أَن يمس هُوَ شَيْئا من ذَلِك فَفعل وتلا فسمعنا ذَلِك الصَّوْت وارتفع الْخَاتم وَوَقع فِي حجر صَاحبه وَله من هَذَا الْجِنْس عجائب وغرائب واتصل بخليفة الْعَصْر حفظه الله وكساه كسْوَة عَظِيمَة وَأَعْطَاهُ عَطاء وَاسِعًا وَكَانَ يكثر التَّرَدُّد الى وأنا إِذْ ذَاك مشتغل بِطَلَب الْعلم ثمَّ عزم صُحْبَة الْحجَّاج فوصل إلى مَكَّة وإذا جمَاعَة من حجاج الغرب يسْأَلُون عَنهُ حجاج الْيمن وَمن جملَة من سألوا رفقته الَّذين حجّ مَعَهم من أهل الْيمن فَسَأَلُوهُمْ عَن حَاله فَأَخْبرُوهُمْ أَن أَبَاهُ من أكَابِر تجار الغرب وَأَنه مَاتَ وَخلف دنيا عريضة وَكَذَلِكَ وصف لنا من رافقه من حجاج الْيمن فِي الطَّرِيق من مروءته وإحسانه إليهم فِي الطَّرِيق وشكره لأهل الْيمن عِنْد أَصْحَابه وَغَيرهم مَا يدل
(1/314)

على أَنه من أهل المروءات وَمن جملَة مَا وصفوه أَنهم وصلوا إلى الْبَحْر فَعدم المَاء فِي السَّفِينَة وهم بِقرب جَزِيرَة فِيهَا مَاء عذب وَلَكِن فِيهَا جمَاعَة من اللُّصُوص قد حالوا بَين أهل السَّفِينَة وَبَين المَاء واشتدت حَاجتهم إلى المَاء وَلم يقدر أحد على الْخُرُوج فَاشْتَمَلَ هَذَا السَّيِّد على سَيْفه وَخرج وَأخرج مَعَه قرب المَاء فَلَمَّا رَآهُ اللُّصُوص هربوا وَكَانَ طَويلا ضخماً حسن الْأَخْلَاق ابيض اللَّوْن شَدِيد الْقُوَّة ويحفظ منظومة فِي فقه الْمَالِكِيَّة وَله معرفَة بمسائل من أصُول الدَّين وَكَانَ يصمم على مَا يعرفهُ فإذا ظهر لَهُ الْحق مَال إليه وَكنت مرة أَنا وشخص عندي كَانَ يحضر عِنْد اجتماعي بالسيّد فاخذنا من تَحْرِير أوفاق قد خفظناها مِنْهُ وَلم يكن حَاضرا فَلَمَّا فَرغْنَا من تَحْرِير بَعْضهَا وضعناه فِي النَّار حَتَّى التهب ثمَّ جَعَلْنَاهُ فِي الطَّاقَة فَلم نشعر إلا بطائر قد انقضّ على تِلْكَ الْوَرق الَّتِى تلتهب فأخذها وَذهب فعجبنا من ذَلِك غَايَة الْعجب وَلم نقف للمترجم لَهُ على خبر بعد ارتحاله وَقد كَانَ يحْكى لنا من أَحْوَال أهل الغرب حكايات عَجِيبَة وَكَانَ مُدَّة الِاجْتِمَاع بِهِ نَحْو ثَلَاثَة أشهر أَو أَكثر
222 - عبد الباسط بن خَلِيل بن إبراهيم الدمشقي ثمَّ القاهري
قَالَ السخاوي هُوَ أول من سمي بِعَبْد الباسط ولد سنة 784 أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ فِي خدمَة كَاتب سرها مُحَمَّد ين مُوسَى بن مُحَمَّد الشهَاب مَحْمُود واختص بِهِ ثمَّ اتَّصل بالمؤيد شيخ حِين كَانَ نَائِبا بِدِمَشْق ولازمه حَتَّى قدم مَعَه إلى الديار المصرية فَلَمَّا تسلطن الْمُؤَيد أعطَاهُ نظر الخزانة وَالْكِتَابَة بهَا وسلك مَسْلَك عُظَمَاء الدولة فِي الحشم والخدم والمماليك من سَائِر الأجناس والندماء وَرُبمَا ركب بالسرج الذَّهَب
(1/315)

وَالسُّلْطَان زَائِد الإقبال عَلَيْهِ والتقريب لَهُ وتكرر نُزُوله غير مرّة فتزايدت وجاهته بذلك كُله وَزَاد تعاظمه حَتَّى صَار لَا يسلم على أحد الا نَادرا فمقتته الْعَامَّة واسمعوه الْمَكْرُوه كَقَوْلِهِم ياباسط خُذ عَبدك فَشَكَاهُمْ إلى الْمُؤَيد فتوعدهم بِكُل سوء فأخذوا فِي قَوْلهم يَا جبال يَا رمال يَا الله يَا لطيف فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ الْتفت اليهم بِالسَّلَامِ وخفض الْجنَاح فَسَكَتُوا عَنهُ واحبوه وَلَا يزَال يترقى إلى أَن أثرى جداً وَأَنْشَأَ القيسارية الْمَعْرُوفَة بالباسطية وَعمر الاملاك الجليلة ثمَّ صَار فِي دولة السُّلْطَان ططر نَاظر الْجَيْش عوضاً عَن الْكَمَال بن البارزي فِي سَابِع ذي الْقعدَة سنة 824 فَلَمَّا اسْتَقر السُّلْطَان الأشرف بَالغ فِي التَّقَرُّب إليه بالتقادم والتحف وَفتح لَهُ أبواباً فِي جَمِيع الأموال فَزَاد اخْتِصَاصه بِهِ وَصَارَ هُوَ الْمعول عَلَيْهِ وأضاف إليه الوزارة والأستاذ داريه فسدهما بِنَفسِهِ وَبَعض خدمه إلى أَن مَاتَ الأشرف وَاسْتقر ابْنه الْعَزِيز وَكَانَ من أعظم القائمين فِي سلطنته ثمَّ صَارَت السلطنة إلى السُّلْطَان جقمق فَخلع عَلَيْهِ باستمراره فِي نظر الْجَيْش ثمَّ قبض عَلَيْهِ وحبسه وَطلب مِنْهُ ألف ألف دِينَار فتلطف بِهِ الْكَمَال بن البارزي وَغَيره من أَعْيَان الدولة حَتَّى صَارَت إلى ثَلَاث مائَة ألف دِينَار ثمَّ أطلق وَأمر بالتوجه إلى الْحجاز فسافر بعد أَن خلع عَلَيْهِ وعَلى عِيَاله وحواشيه فِي ثامن شهر ربيع الآخر سنة 843 فأقام بِمَكَّة سنة ثمَّ رَجَعَ مَعَ الركب الشامي إلى دمشق امتثالاً لما أَمر بِهِ فَأَقَامَ بهَا سِنِين وزار مِنْهَا بَيت الْمُقَدّس وأرسل بهدية من هُنَاكَ إلى السُّلْطَان ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَكَانَ يَوْمًا مَشْهُورا وخلع عَلَيْهِ وعَلى أَوْلَاده ثمَّ أرسل بتقدمة هائلة وَعَاد إلى دمشق بعد أَن أنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان بأمرة عشْرين بهَا ثمَّ بعد سِنِين عَاد إلى الْقَاهِرَة مستوطناً لَهَا ثمَّ
(1/316)

حج وَعَاد فَأَقَامَ قَلِيلا وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع شَوَّال سنة 854 أَربع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ رَئِيسا محتشماً سائساً كَرِيمًا وَاسع الْعَطاء ممدوحاً محبا للْعُلَمَاء مفضلا عَلَيْهِم وَكَانَ الْحَافِظ ابْن حجر من جملَة من اتَّصل بِهِ وَهُوَ الذي ذكره في فتح الباري لما ذكر كسْوَة الْكَعْبَة حَيْثُ قَالَ وَلم يزل الْمُلُوك يتداولون كسوتها إلى ان وقف عَلَيْهَا الصَّالح إسماعيل بن النَّاصِر فِي سنة 743 قَرْيَة من ضواحي الْقَاهِرَة يُقَال لَهَا بيسوس كَانَ اشْترى الثُّلثَيْنِ مِنْهَا من وَكيل بَيت المَال ثمَّ وَقفهَا على هَذِه الْجِهَة قَالَ وَلم تزل تُكْسَى من هَذَا الْوَقْف إلى سلطنة الْمُؤَيد شيخ فكساها من عِنْده سنة لضعف وَقفهَا ثمَّ فوض أمرهَا إلى بعض أمنائه وَهُوَ القاضي زين الدَّين عبد الباسط بسط الله في رزقه وعمره فَبَالغ في تحسينها بِحَيْثُ يعجز الواصف عَن وصف حسنها جزاه الله على ذَلِك أفضل المجازاة انْتهى وَمن غرائب مَا اتفق لصَاحب التَّرْجَمَة أَن جَوْهَر القيقباي رام ان يخْدم عِنْده فَمَا وَافق ثمَّ ترقى حَتَّى صَار صَاحب التَّرْجَمَة خاضعاً لَهُ مَاشِيا فِي أغراضه رَاضِيا وكارهاً وَكَذَلِكَ أحضرت أم الْعَزِيز إلى صَاحب التَّرْجَمَة ليشتريها قبل وصولها إلى الْأَشْرَف فَامْتنعَ فَصَارَت إلى الْأَشْرَف وحظيت عِنْده فَصَارَ المترجم لَهُ يمشي فِي خدمتها وَسَار مَعهَا إِلَى مَكَّة يخدمها وَرُبمَا مَشى وَهَذَا شَأْن هَذِه الدُّنْيَا
223 - عبد الباقي بن عبد الْمجِيد بن عبد الله بن مثّنى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن يُوسُف بن عبد الْمجِيد اليماني المخزومي تَاج الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة 685 خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بِمَكَّة وَدخل الْيمن فأقام بهَا مُدَّة ثمَّ قدم مصر بعد السبعمائة بِيَسِير فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَقدم الشَّام فى
(1/317)

زمن الأقرم فرتب لَهُ راتباً واشتغل النَّاس عَلَيْهِ في الْعرُوض والمقامات ثمَّ رَجَعَ إلى الْيمن في سنة 716 وولاه الْمُؤَيد الرسولي الوزارة فاستمر فِيهَا إلى أن مَاتَ الْمُؤَيد وولاه ابْنه الظافر فقربه وعظمه ثمَّ صادره الْمُجَاهِد واجتاح أَمْوَاله ففرّ مِنْهُ إلى مَكَّة وَدخل الديار المصرية في سنة 730 فدرس بالمشهد النفيسي ثمَّ استوطن بَيت الْمُقَدّس ومازال يتَرَدَّد بَين حلب ودمشق ومصر وطرابلس حَتَّى مَاتَ فِي سنة 744 أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ قدرَة على النظم والنثر وَكَانَ يحط على القاضي الْفَاضِل ويرجح عَلَيْهِ ابْن الأثير وَعمل تَارِيخا لليمن وتاريخاً للنحاة وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن خلكان في جُزْء وذيل عَلَيْهِ إلى زَمَانه وَضبط ألفاظ الشِّفَاء لعياض في جُزْء وَله مطرب السمع في حَدِيث أم زرع وَغير ذَلِك وَله اشْتِغَال كَبِير بالفقه وَالْأُصُول وفنون الْأَدَب وَله اخْتِصَار الصِّحَاح وَحكى عَن بعض معاصريه أَنه قَالَ لَا يعْتَمد عَلَيْهِ في الرِّوَايَة وَمن شعره
(تجنّب أَن تذمّ بك اللّيالي ... وحاول أَن يذم لَك الزَّمَان)
(وَلَا تحفل إذا كملت ذاتاً ... أصبت الْعِزّ أم حصل الهوان)
224 - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن الْحسن على البهكلى الضمدى ثمَّ الصبيانى
ولد سنة 1180 ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا بصبيا وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على وَالِده وَغَيره من أهل صَبيا ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء سنة 1202 فَأخذ عَن أكَابِر علمائها كشيخنا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن
(1/318)

عَليّ بن الْحُسَيْن بن علي بن المتَوَكل والعلامة علي بن هادي عرهب وَغير هَؤُلَاءِ وَأخذ عَنى في فنون مُتعَدِّدَة واختص بي اختصاصاً كَامِلا وسألني مسَائِل كَثِيرَة فأجبت عَلَيْهِ بأجوبة مُطَوَّلَة ومختصر وَعَاد إِلَى وَطنه وَقد برع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث فِي أقرب مُدَّة لحسن فهمه وجودة تصَوره وَكَمَال اداركه وَقُوَّة ذهنه ثمَّ مازال بعد رُجُوعه إِلَى وَطنه يكاتبني بالأشعار الرايقة فَأُجِيب عَلَيْهِ بمضمون مَا يَكْتُبهُ إِلَى وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتأسف على مفارقتى وأتاسف على مُفَارقَته لما بيني وَبَينه من الْمَوَدَّة الصادقة والمحبة الزَّائِدَة الَّتِى تفوق الْوَصْف بل قد لَا يتَّفق مثلهَا بَين الأخوين الشقيقين وَقد جرت بينى وَبَينه من المطارحات الأدبية نظماً ونثراً مَالا يَتَّسِع لَهُ الا مجلدا وَفِيه فصاحة ورجاحة مَعَ حسن تودد ولطافة طبع وكرم أَخْلَاق وملاحة محاضرة واستحضار لرايق الاشعار وفائق الاخبار لَا يمل جليسه لماجبل عَلَيْهِ من مُوَافقَة كل جليس وجلب خاطره بِمَا يلايمه وَالْوُقُوف على الْحَد الَّذِي يُريدهُ وَلِهَذَا أحبته الْقُلُوب وانجذبت إِلَيْهِ الخواطر وَرغب إِلَيْهِ كل اُحْدُ فعاشر أهل صنعاء وَعرف طباعهم وَاخْتِلَاف أوضاعهم وَصَارَ أخبر بهم من أحدهم لَا يخفى عَلَيْهِ من أَحْوَالهم دَقِيق وَلَا جليل ثمَّ ارتحل إلى صنعاء رحْلَة ثَانِيَة وَكنت إِذْ ذَاك مَشْغُولًا بالتدريس والتأليف والإفتاء وَلكنه قد جفاني جمَاعَة من الَّذين لَا يعْرفُونَ الْحَقَائِق لصدور اجتهادات مني مُخَالفَة لما ألفوه وعرفوه وَهَذَا دأبهم سلفاً عَن خلف لَا يزالون يعادون من بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَخَالف مادبوا عَلَيْهِ ودرجوا من مَذَاهِب الْآبَاء والأجداد فوصل صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة 1209 والمواحشة بيني وَبَين
(1/319)

الْمَذْكُورين زَائِدَة وَلَهَب نَار الِاخْتِلَاف صادعة فَقَرَأَ على فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَشَرحه لعضد الدَّين وحاشيته للسعد وَقَرَأَ على فى الخرازبة وَشَرحهَا فى الْعرُوض ومازال يعادى اعداى ويوادد أوداي وَيقوم في غيبتي مقَام الْأَخ الْحَمِيم ويتوجع من أَحْوَال أَبنَاء الزَّمن وَمَا جبل عَلَيْهِ طلبة الْعلم في قطر الْيمن ثمَّ وصل إِلَى صنعاء مرة ثَالِثَة فِي شهر رَمَضَان سنة 1211 وَكنت إِذْ ذَاك قد امتحنت بِقبُول الْقَضَاء الْأَكْبَر بعد الإلزام بِهِ من مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله فاستقر المترجم لَهُ فِي صنعاء نَحْو نصف سنة يتَّصل بِي فِي كل وَقت ويحضر فِي مَوَاقِف التدريس ومجالس المنادمة والتأنيس ويطارحني بأدبياته ويواصلني بفقرة الفايقة وأبياته حَتَّى ولاه مَوْلَانَا الإمام حفظه الله قَضَاء بَيت الفقيه بن عجيل بعد موت القَاضِي الْعَلامَة عبد الفتاح بن أَحْمد العواجي وَهُوَ الْآن قَاض هُنَالك وَقد بَاشرهُ مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة كَامِلَة وصدع بِالْحَقِّ بِحَسب الْحَال وَمِقْدَار مَا يبلغ إِلَيْهِ الطَّاقَة وَقد أجزته بِكُل مَا يجوز لى رِوَايَته وَهُوَ مشارك لي فِي السماع من أكابر شيوخي وَله قدرَة على النظم والنثر وملكة كَامِلَة فِي جَمِيع الْعُلُوم عقلاً ونقلاً وَلَا يُقَلّد أحداً بل يجْتَهد برأيه وَهُوَ حقيق بذلك وَلما وقف على أَبْيَات لي من الحماسة رضت القريحة بهَا مرغباً في الرُّتْبَة وَالْوُسْطَى اذا أعجزت الْغَايَة وهي
(إذا أعوز الْمَرْء الصعُود إلى الَّتِى ... اليها تناهى كل أروع أصيد)
(فَمن دون تحليق النسور منَازِل ... تروح بهَا رقش البزاة وتغتدي)
(ودع عَنْك أدنى مسرح الْعِزّ إنه ... مطار بغاث الطير عِنْد التبلد)
(فهم الْفَتى كل الْفَتى غير وَاقِف ... على الدون إن الدون غير مُحَمَّد)
(1/320)

(وَفِي الْغَايَة الْوُسْطَى تعلّل مغرم ... على الْغَايَة القصوى مقَام التفرد)
(أيا منزلاً من دون مضربه السهى ... ويامقعدا من دونه كل مقغد)
(أبرى دون مرقا شأوك الْمَوْت وَاقِفًا ... لكلّ الذي يهوى لقاك بِمَرْصَد)
فَقَالَ هَذِه الأبيات الَّتِى هي السحر الْحَلَال وَقد غَابَ عَنى أَولهَا
(فَتى لَا وَحقّ الله لَوْلَا قِيَامه ... بِبَاب الْعلَا وَالْمجد لم يَتَجَدَّد)
(وأبلج مَا من آله وقبيلة ... على قلَّة السادات من لم يسود)
(أَخُو همة مَا حَاجِب بن زُرَارَة ... أَخُوهَا وَلَا العالي يزِيد بن مزِيد)
(وَذُو سلف مَا فيهم من مذمم ... لئيم وَلَا فِي غَيرهم من مُحَمَّد)
(وأيمن أن تصدم بِهِ الْفقر يَنْقَلِب ... غَنِيا وان تصدم بِهِ النحس تسعد)
ووقف على أَبْيَات لي من ذَلِك الطراز الأول نظمتها لقصد امتحان الْفِكر وَهِي
(ولي سلف فَوق المجرّة خيموا ... سرادقهم من دونه كلّ كَوْكَب)
(رقوا في مراقي الْعِزّ شأوا ممنعاً ... وذادوا الورى عَنهُ بخطب المشطب)
(فَمَا مِنْهُم في قومه غير سيد ... يروح وَيَغْدُو وَهُوَ بالمجد محتبي)
(وَمَا بِي عَن أوساطهم من تخلف ... وَلَا ركبُوا في مجدهم غير مركبي)
(وَلكنهَا الْأَيَّام يلبسهَا الْفَتى ... على قدر من غَالب أَو مغلب)
(واني امْرأ أما نجاري فخالص ... وَأما فعالي فاسأل الدَّهْر واكتب)
(وَلست بلباس لثوب مزور ... وَلَكِن ضوء الشَّمْس غير محجب)
(وإن فَتى يغشى الدنايا وبيته ... على قمة الْعليا فَتى غير معتب)
(فَمَا الْمَرْء الامن ينوء بِنَفسِهِ ... إلى منزل فَوق السَّمَاء مطنب)
(وَلَا خير فِي حفظ من الْعَيْش دونه ... تجرّع كأس الذل من أى مشرب)
(1/321)

فَقَالَ عافاه ذُو الْجلَال
(فديتك يامن ألبس الدَّهْر أدرعا ... بنظم يروع الْجَيْش عَن كل مطلب)
(نماك الاولى خطت أسنة ذبلهم ... سطورا بمحمر النحيع المترب)
(خطوب إذا جرّد السلاهب أغمدت ... حفاظهم أكرم بهم خير مقنب)
(إذا النَّقْع غطى آيَة الشَّمْس أطلعت ... أسنّتهم شهباً على كل أَشهب)
وَكَانَ الاولى بالْمقَام مادار بيني وَبَينه من الأشعار الرقيقة والمكاتبات الَّتِى دخلت الى معاهد اللطافة من كل طَريقَة وَلَكِن الْعذر أَنه لم يحضر حَال تَحْرِير التَّرْجَمَة غير هَذَا وَأما الرسائل والمسائل الَّتِى أجبْت بهَا على سؤالاته فهي كَثِيرَة جداً مَوْجُود أَكْثَرهَا في محموع رسائلي وإذ قد تعرضنا لذكر بعض مَنَاقِب هَذَا الْفَاضِل فلنذكرههنا بعض قرَابَته الَّذين بلغتنا أخبارهم بأخصر عبارَة وأوجز إشارة فَمنهمْ وَالِده الْعَلامَة الْمُحَقق
أَحْمد بن الْحسن قاضي صَبيا
هُوَ من أكَابِر الْعلمَاء الجامعين بَين علم الْعَرَبيَّة والاصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَله رسائل ومسائل وأشعار أنيقة وَقد وصل إلى صنعاء وَأَنا فِي أَوَائِل أَيَّام الطلب وَاجْتمعت بِهِ فِي موقفين فرايته من أحسن النَّاس مذاكرة وأملحهم محاضرة مَعَ ظرافة ولطافة وجودة تَعْبِير ودقة ذهن وَقُوَّة فهم وَقد دارت بيني وَبَينه مُكَاتبَة متضمنة لمشاعرة ومذاكرة وَلم يحضرلى الْآن مِنْهَا شئ وَلَعَلَّه قد قَارب السِّتين من عمره حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَمِنْهُم أَخُوهُ عَم صَاحب التَّرْجَمَة
عبد الرَّحْمَن بن الْحسن البهكليّ
قاضي الْأَشْرَاف بأبي عَرِيش وَسَائِر جهاته وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء
(1/322)

لَهُ يَد طولى في عُلُوم الِاجْتِهَاد وَعِنْده من التَّحْقِيق والتدقيق مَا يقصر عَن الْبلُوغ إليه كثير من عُلَمَاء الْعَصْر وَقد كتب إليّ بمسائل تعرض فِي جهاته وأجبت عَنْهَا بأجوبة لَعَلَّهَا لَدَيْهِ وَهُوَ الْآن حي طول الله مدَّته وَهُوَ أكبر من أَخِيه أَحْمد الْمَذْكُور قبله وَمِنْهُم أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة
إسماعيل بن أَحْمد
وصل إلى صنعاء لَعَلَّ ذَلِك في سنة 1215 وبقي بهَا نَحْو عَاميْنِ وَقد كَانَ شرع يقْرَأ على الشُّيُوخ في الْعُلُوم الدِّينِيَّة ثمَّ بدا لَهُ الِاشْتِغَال بِعلم الفلسفة فَلم يظفر مِنْهَا بطائل سوى تَضْييع الْوَقْت وَبطلَان السَّعْي وَذَهَاب هجرته سدى وَمِنْهُم أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة
الْحسن بن أَحْمد
وَهُوَ أَصْغَر من الذي قبله وصل الى صنعاء سنة 1218 طَالبا للْعلم بجد وَجهد وعقل وَسُكُون وجودة تصور وَقُوَّة ادراك وَهُوَ الْآن ياخذ عَن أَعْيَان مَشَايِخ صنعاء فى عُلُوم الِاجْتِهَاد وَله قرءة عليّ في شرحي للمنتقى وَغَيره وَمن قرَابَة صَاحب التَّرْجَمَة ابْن عَمه
(1/323)

أَحْمد بن مُحَمَّد البهكليّ
هُوَ من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وَهُوَ الْآن عِنْد صَاحب التَّرْجَمَة وَلَعَلَّ عمره مَا بَين الثَّلَاثِينَ والأربعين وَقد كتب إليّ بِأَبْيَات مِنْهَا
(الْبَدْر يابدر الْعُلُوم الَّذِي ... سناؤه الباهر بِالنورِ لَاحَ)
(لَا يَعْتَرِيه النَّقْص إن ذمّه ... من الورى النَّاقِص والافتضاح)
(فاكبت أعاديك وَلَا تختشى ... فَسَوف يَأْتِيك المنى بالنجاح)
(وانض لَهُم غضب مقَال غَدا ... يقدد الاعناق قد الصفاح)
(وارخ عنان الطّرف إن خلته ... فِي حلبة الأبحاث يروي الصِّحَاح)
(وصل عَلَيْهِم صولة اللَّيْث فِي ... برازه معتقلاً للرماح)
وَلما مَاتَ والدي تغشاه الله برحمته ورضوانه كتب الى عافاه الله بقصيدة رثاه بهَا مطْلعهَا
(هَكَذَا الدَّهْر شَأْنه لَا يبالي ... قد رمانا بأسهم ونصال)
وَمَات سنة 1227 وَمن قرَابَة صَاحب التَّرْجَمَة خَاله القاضي الْعَلامَة الْمُحَقق
علي بن حسن العواجي عافاه الله
هُوَ فائق في جَمِيع صِفَات الْكَمَال جَامع بَين الْعلم وَالْعَمَل والرياسة والكياسة قَائِم بأعمال الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أتم قيام وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف حَاكم ببندر اللِّحْيَة وَكنت رأيته قبل عزمه إلى هُنَالك عِنْد وُصُوله إلى حَضْرَة الْخلَافَة وَلم أجتمع بِهِ لكوني تِلْكَ الْأَيَّام إلى الصغر اقرب وَهُوَ جميل الصُّورَة تَامّ الْخلقَة بهي الشكل حسن الْهَيْئَة يسْتَدلّ من رَآهُ بِذَاتِهِ على جميل صِفَاته وجليل سماته وَكَمَال طرافته وَلَعَلَّه الْآن قد
(1/324)

قَارب السِّتين من عمره وَولده الْعَلامَة عز الْكَمَال
مُحَمَّد بن علي بن الْحسن العواجيّ
هُوَ مِمَّن ارتحل إلى صنعاء لطلب الْعلم وأخذ عَنى في النَّحْو وَالْفِقْه وأجزت لَهُ إجازة عَامَّة في جَمِيع مَا يجوز لي رِوَايَته وَهُوَ الآن سَاكن عِنْد وَالِده في بندر اللِّحْيَة وَلَعَلَّه قد قَارب الثَّلَاثِينَ وَمَات هَذَا ووالده قبله بعد وُقُوع الِاضْطِرَاب فِي تهَامَة وَقيام الشريف حمود بهَا وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ كَانَ يسْتَحق أَن يفرد بترجمة مُسْتَقلَّة وَلَكِن لم يكن لديّ من أخبارهم الا أَشْيَاء يسيرَة وفى سنة 1243 وصلت الْجنُود الروميه إلى تهَامَة وأسروا الشريف أَحْمد بن حمود الْقَائِم مقَام أَبِيه وَقتلُوا عَالم الأشراف وقائد جنودهم الشريف حسن بن خَالِد الحازمي وأدخلوا جمَاعَة من الْأَشْرَاف إلى الروم مِنْهُم أَحْمد بن حمود ونكّلوا بِجَمَاعَة من المتولين لأمورهم من الْقُضَاة وَغَيرهم وامتحن صَاحب التَّرْجَمَة وَحبس ثمَّ أطلق وَهُوَ الآن خَائِف يترقب مَا نزل بِغَيْرِهِ دفع الله عَنهُ كل مَكْرُوه وَقد تشفعت لَهُ عِنْد الباشا الْوَاصِل بالجنود الرومية وَهُوَ الباشا خَلِيل فَلم يصب بعد ذَلِك بِمَا أصيب بِهِ غَيره والمرجو من الله عز وَجل أَن يصرف عَنهُ كل شَرّ فإنه من أكَابِر الْعلمَاء العاملين وَمن عباد الله الصَّالِحين ثمَّ بعد
(1/325)

هَذَا أجْرى الصُّلْح بَين سيدي الْمولى وَبَين الرّوم على ارجاع الْبِلَاد الَّتِى اغتصبها الشريف إلى الإمام فَعرفت الإمام حفظه الله أَن يقرره لقَضَاء بَيت الْفَقِيه كَمَا كَانَ فقرره على ذَلِك وَعَاد كَمَا كَانَ وَالله الْحَمد
225 - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الْغفار القاضي عضد الدَّين الإيجي
ولد بإيج من نواحي شيراز بعد السَّبع مائَة وَأخذ عَن مَشَايِخ عصره ولازم زين الدَّين تلميذ البيضاوي وَكَانَ إماماً في الْمَعْقُول قَائِما بالأصول والمعاني وَالْبَيَان والعربية مشاركاً في سَائِر الْفُنُون وَله شرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَقد انْتفع النَّاس بِهِ من بعده وَسَار في الأقطار وَاعْتَمدهُ الْعلمَاء الْكِبَار وَهُوَ من أحسن شُرُوح الْمُخْتَصر من تدبره عرف طول بَاعَ مُؤَلفه فإنه يأتي بالشرح على نمط سِيَاق المشروح ويوضح مَا فِيهِ خَفَاء وَيصْلح مَا عَلَيْهِ مناقشة من دون تَصْرِيح بالاعتراض كَمَا يَفْعَله غَيره من الشُّرَّاح وَقل أَن يفوتهُ شئ مِمَّا ينبغى ذكره مَعَ اخْتِصَار في الْعبارَة يقوم مقَام التَّطْوِيل بل يفوق وَله المواقف في الْكَلَام ومقدماته وَهُوَ كتاب يقصر عَنهُ وَالْوَصْف لَا يسْتَغْنى عَنهُ من رام تَحْقِيق الْفَنّ وَله السُّؤَال الْمَشْهُور الذي حَرَّره إلى الْمُحَقق الجاربردي في كَلَام صَاحب الْكَشَّاف على قَوْله تَعَالَى {فَأتوا بِسُورَة من مثله} وأجابه بِجَوَاب فِيهِ بعض خشونة فاعترضه صَاحب التَّرْجَمَة باعتراضات وتلاعب بِهِ وبكلامه وَهُوَ شَيْخه وَلكنه لم ينصفه في الْجَواب حَتَّى يسْتَحق التأدب مَعَه وَقد أجَاب عَن اعتراضات
(1/326)

صَاحب التَّرْجَمَة ابْن الجاربردي وأودع ذَلِك مؤلفاً مُسْتقِلّا وَقد ولي قَضَاء الْمَالِكِيَّة فِي أَيَّام أَبى سعيد وَكَانَ كثير الأفضال على الطّلبَة كريم النَّفس وَجَرت بَينه وَبَين الأبهري منازعات وَمَا جريات وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم السعد التفتازاني صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة سيأتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِنْهُم شمس الدَّين الكرماني وَغَيرهمَا وَجَرت لَهُ محنة مَعَ صَاحب كرمان فحبسه بالقلعة وَمَات مسجوناً في سنة 756 سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة
226 - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الجّامي
ولد بجام من قصبات خُرَاسَان واشتغل بالعلوم أكمل اشْتِغَال حَتَّى برع في جَمِيع المعارف ثمَّ صحب مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فنال من ذَلِك حظاً وافراً وَكَانَ لَهُ شهرة بِالْعلمِ فِي خُرَاسَان وَغَيرهَا من الديار حَتَّى إنه استدعاه سُلْطَان الروم بايزيد خَان إلى مَمْلَكَته وَأرْسل إليه بجوائز سنية فسافر من بِلَاد خُرَاسَان إِلَى جِهَات الروم فَلَمَّا انْتهى إلى هَمدَان قَالَ للذي أرْسلهُ السُّلْطَان اليه إني قد امتثلت امْر السُّلْطَان حَتَّى وصلت إلى هُنَا وَبعد ذَلِك أتشبث بذيل الِاعْتِذَار لأنى لَا أقدر على الدُّخُول إلى بِلَاد الروم لما أسمع فِيهَا من مرض الطَّاعُون وَكَانَ غَرَض السُّلْطَان فِي استدعائه أَنه خطر لَهُ فى بعض الْأَوْقَات الِاخْتِلَاف مابين الصُّوفِيَّة وعلماء الْكَلَام والحكماء فَأَرَادَ أَن يَجْعَل صَاحب التَّرْجَمَة حكما بَين هَذِه الطوايف فَمَا تمّ وَله مصنفات مِنْهَا شرح الكافية الْمَشْهُور بالجامي وَشرع فِي تَفْسِير الْقُرْآن وَله كتاب شَوَاهِد النُّبُوَّة بِالْفَارِسِيَّةِ ونفحات الأنس بِالْفَارِسِيَّةِ أَيْضا وَله مصنفات غير
(1/327)

ذَلِك ونظم بِالْفَارِسِيَّةِ يتنافس فى خفظه أهل تِلْكَ اللِّسَان وَتوفى بهرأة سنة 898 ثَمَان وَتِسْعين وثمان مائَة
227 - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن رَجَب البغدادي ثمَّ الدمشقي الحنبلي الْحَافِظ
سمع خلقاً مِنْهُم القلانسي وَابْن الْعَطَّار وَغَيرهمَا وصنف التصانيف المفيدة مِنْهَا شرح البخاري بلغ فِيهِ الى كتاب الجنايز وَله شرح على الترمذي وذيل على كتاب طَبَقَات الْحَنَابِلَة وَغير ذَلِك وَمَات عى شهر رَجَب سنة 795 خمس وَتِسْعين وَسَبْعمائة
228 - عبد الرَّحْمَن بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن خَلِيل بن نصر بن الْخضر بن الْهمام الْجلَال الأسيوطى الأصل الطولوي الشافعي
الإمام الْكَبِير صَاحب التصانيف ولد فى أول لَيْلَة مستهل رَجَب سنة 849 تسع وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَنَشَأ يتميا فحفظ الْقُرْآن والعمدة والمنهاج الفرعي وَبَعض الأصلي وألفية النَّحْو وَأخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن مُوسَى الحنفي فِي النَّحْو وعَلى الْعلم البلقيني والشرف المناوي والشمني والكافياجي فِي فنون عديدة وَجَمَاعَة كَثِيرَة كالبقاعي وَسمع الحَدِيث من جمَاعَة وسافر إِلَى الفيوم ودمياط والمحلة وَغَيرهَا وَأَجَازَ لَهُ أكَابِر عُلَمَاء عصره من ساير الْأَمْصَار وبرز في جَمِيع الْفُنُون وفَاق الأقران واشتهر ذكره وَبعد صيته وصنّف التصانيف المفيدة كالجامعين فى الحَدِيث والدر المنثور فى التَّفْسِير والاتقان فِي عُلُوم الْقُرْآن وتصانيفه في كل فن من الْفُنُون مَقْبُولَة قد سَارَتْ في الأقطار مسير النَّهَار وَلكنه لم يسلم من حَاسِد
(1/328)

لفضله وجاحد لمناقبه فإن السخاوي فِي الضَّوْء اللامع وَهُوَ من أقرانه تَرْجَمَة مظْلمَة غالبها ثلب فظيع وَسَب شنيع وانتقاص وغمط لمناقبه تَصْرِيحًا وتلويحاً وَلَا جرم فَذَلِك دأبه فِي جَمِيع الْفُضَلَاء من أقرانه وَقد تنافس هُوَ وَصَاحب التَّرْجَمَة مُنَافَسَة أوجبت تأليف صَاحب التَّرْجَمَة لرسالة سَمَّاهَا الكاوي لدماغ السخاوي فليعرف المطلع على تَرْجَمَة هَذَا الْفَاضِل في الضَّوْء اللامع أنها صدرت من خصم لَهُ غير مَقْبُول عَلَيْهِ فَمِمَّنْ جملَة مَا قَالَه في تَرْجَمته إنه لم يمعن الطلب في كل الْفُنُون بل قَالَ بعد أَن عدد شُيُوخه إنه حِين كَانَ يتَرَدَّد عَلَيْهِ كثيراً من مصنّفاته كالخصال الْمُوجبَة للظلال والاسماء النَّبَوِيَّة وَالصَّلَاة على النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم وَمَوْت الانبياء ومالا يحصره قَالَ بل أَخذ من كتب المحمودية وَغَيرهَا كثيرا من التصانيف الْمُتَقَدّمَة الَّتِى لاعهد لكثير من العصريين بهَا فى فنون فَغير فِيهَا يَسِيرا وَقدم وَأخر ونسبها إِلَى نَفسه وهوّل فِي مقدماتها بِمَا يتَوَهَّم مِنْهُ الْجَاهِل شَيْئا مِمَّا لَا يُوفى بِبَعْضِه وَأول مَا أبرز جُزْء لَهُ في تَحْرِيم الْمنطق جرده من مُصَنف لِابْنِ تَيْمِية واستعان في أكثره فَقَامَ عَلَيْهِ الْفُضَلَاء قَالَ وَكَذَا درّس جمعاً من الْعَوام بِجَامِع ابْن طولون بل صَار يملي على بَعضهم مِمَّن لَا يحسن شَيْئا ثمَّ قَالَ كل هَذَا مَعَ أنه لم يصل وَلَا كَاد وَلِهَذَا قيل انه تزيب قبل أن يكون حصرماً وَأطلق لِسَانه وقلمه في شُيُوخه فَمن فَوْقهم بِحَيْثُ قَالَ عَن القاضي الْعَضُد أنه لَا يكون طعنةً في نعل ابْن الصّلاح وعزر على ذَلِك من بعض نواب الْحَنَابِلَة بِحَضْرَة قاضيهم وَنقص السَّيِّد والرضى فى النَّحْو بمالم يبد فِيهِ مُسْتَندا مَقْبُولًا بِحَيْثُ انه أظهر لبَعض الغرباء الرُّجُوع عَن ذَلِك فإنه لما اجْتمعَا قَالَ لَهُ قلت السَّيِّد الجرجاني قَالَ
(1/329)

إن الْحَرْف لَا معنى لَهُ في نَفسه وَلَا في غَيره وَهَذَا كَلَام السَّيِّد نَاطِق بتكذيبك فِيمَا نسبته إليه فأوجدنا مُسْتَندا فِيمَا تزعمته فَقَالَ انى لم أرله كلَاما ولكني لما كنت بِمَكَّة تجاذبت مَعَ بعض الْفُضَلَاء الْكَلَام فى المسئلة فَنقل لى مَا حكيته وقلدته فِيهِ فَقَالَ هَذَا عَجِيب مِمَّا يتَصَدَّى للتصنيف يُقَلّد في مثل هَذَا مَعَ هَذَا الأستاذ انْتهى وَقَالَ من قَرَأَ الرضى وَنَحْوه لم يترق إلى دَرَجَة ان يُسمى مشاركا فى النَّحْو ولازال يسترسل حَتَّى قَالَ إنه رزق التبحر في سَبْعَة عُلُوم التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والنحو والمعاني وَالْبَيَان والبديع قَالَ والذي اعتقده إن الذي وصلت إِلَيْهِ من الْفِقْه والنقول الَّتِى اطَّلَعت عَلَيْهَا مِمَّا لم يصل إِلَيْهِ وَلَا وقف عَلَيْهِ أحد من أشياخي فضلاً عَمَّن دونهم قَالَ وَدون هَذِه السَّبْعَة أصُول الْفِقْه والجدل وَالصرْف ودونهما الانشاء والترسل والفرائض ودونها القراآت وَلم آخذها عَن شيخ ودونها الطِّبّ واما الْحساب فأعسر شئ علي وأبعده عَن ذهني وإذا نظرت في مسئلة تتَعَلَّق بِهِ فَكَأَنَّمَا احاول جبلا أحملهُ قَالَ وَقد كملت عندي آلات الِاجْتِهَاد بِحَمْد الله إلى أن قَالَ وَلَو شِئْت أَن اكْتُبْ فى كل مسئلة تصينف بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والمقارنة بَين اخْتِلَاف الْمذَاهب فِيهَا لقدرت على ذَلِك وَقَالَ إن الْعلمَاء الْمَوْجُودين يرتبون لَهُ من الاسئلة الوفا فَيكْتب عَلَيْهَا أجوبة على طَريقَة الِاجْتِهَاد قَالَ السخاوي بعد أن نقل هَذَا الْكَلَام عَن صَاحب التَّرْجَمَة في وصف نَفسه مَا أحسن قَول بعض الأستاذين في الْحساب مَا اعْترف بِهِ عَن نَفسه مِمَّا توهم بِهِ أَنه متصف أول دَلِيل على بلادته وَبعد فهمه لتصريح ايمة الْفَنّ بأنه فن ذكاء وَنَحْو ذَلِك وَكَذَا قَول بَعضهم دَعْوَاهُ الِاجْتِهَاد ليستر خطأه
(1/330)

وَنَحْو هَذَا وَقد اجْتمع بِهِ بعض الْفُضَلَاء ورام التَّكَلُّم مَعَه فِي مسئلة فَقَالَ إن بضاعتي في علم النَّحْو مزجاة وَقَول آخر لَهُ أعلمني عَن آلات الِاجْتِهَاد مَا بقي أحد يعرفهَا فَقَالَ لَهُ نعم مَا بقي من لَهُ مُشَاركَة فِيهَا على وَجه الِاجْتِمَاع في وَاحِد بل مفرقاً فَقَالَ لَهُ فاذكرهم لي وَنحن نجمعهم لَك ونتكلم مَعَهم فإن اعْترف كل وَاحِد لَك بِعِلْمِهِ وتميزك فِيهِ امكن ان نوافقك فى دعواك فَسكت وَلم يبد شَيْئا وَذكر أَن تصانيفه زَادَت على ثلثمِائة كتاب رَأَيْت مِنْهَا مَا هُوَ في ورقة وأما مَا هُوَ دون كراسة فكثير وسمى مِنْهَا شرح الشاطبية وألفية في القراآت مَعَ اعترفه بأنه لَا شيخ لَهُ فِيهَا وَمِنْهَا مَا اختلسه من تصانيف شَيخنَا يعْنى ابْن حجر مِنْهَا كتاب النقول فى أَسبَاب النُّزُول وَعين الاصابة فى معرفَة الصَّحَابَة والنكت البديعات على الموضوعات والمدرج الى المدرج وَتَذْكِرَة المؤتسى بِمن حدث ونسى وتحفة النابه بتلخيص الْمُتَشَابه وَمَا رَوَاهُ الواعون فى أَخْبَار الطَّاعُون والاساس فى مَنَاقِب بنى الْعَبَّاس وجزء فى أَسمَاء المدلسين وكشف النقاب عَن الالقاب وَنشر العبير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشَّرْح الْكَبِير قَالَ فَكل هَذِه مصنفات شَيخنَا وليته إِذا اختلسها لم يمسخها وَلَو مسخها على وَجههَا لَكَانَ أَنْفَع وَمِنْهَا ماهو لغيره وَهُوَ الْكثير هَذَا إن كَانَت المسخيات مَوْجُودَة كلهَا وإلا فَهُوَ كثير المجازفة جاءني مرّة فَزعم أَنه فرأ مُسْند الشافعي على القميصي في يَوْم فَلم يلبث أن جَاءَ القميصي وأخبرني مُتَبَرعا بِمَا تضمن كذبه حَيْثُ أخبر أَنه بقي مِنْهُ جَانب قَالَ السخاوي وَقَالَ أنه عمل النفحة المسكية والتحفة المكية في كراسة وَهُوَ بِمَكَّة على نمط عنوان الشرف لِابْنِ المقري في يَوْم وَاحِد وانه عمل ألفية
(1/331)

في الحَدِيث فايقة على ألفية العراقي إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول شَرحه ثمَّ قَالَ كل ذَلِك مَعَ كَثْرَة مَا يَقع لَهُ من التحريف والتصحيف وَمَا ينشأ عَن عدم فهم المُرَاد لكَونه لم يزاحم الْفُضَلَاء في دروسهم وَلَا جلس مَعَهم في شأنهم وتعريسهم بل اسْتندَ بأخذه من بطُون الدفاتر والكتب وَاعْتمد مَا لَا يرتضيه من اللاتقان صحب وَقد قَامَ النَّاس عَلَيْهِ كَافَّة لما ادعى الِاجْتِهَاد ثمَّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ سريع الْكِتَابَة لم أزل أعرفهُ بالهوس ومزيد الترفع حَتَّى على أمه بِحَيْثُ كَانَ تزيد فِي التشكّي مِنْهُ وَلَا يزَال أمره في تزايد من ذَلِك فَالله يلهمه رشده وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ تركت الإفتاء والإقراء وأقبلت على الله وَزعم أنه رأى مناماً يقتضي ذم النبي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم لَهُ وَأمر خَلِيفَته الصديق بحبسه سنة ليراجع الإقراء والإفتاء وأنه اسْتغْفر الله بعد ذَلِك وَاقْبَلْ على الافتاء بِحَيْثُ لوجئ إليه بِفُتْيَا وَهُوَ مشرف على الْغَرق لأخذها ليكتب عَلَيْهَا قَالَ وَمن ذَلِك أَنه توسّل عِنْد الإمام الْبُرْهَان الكركي في تَعْيِينه لحجة كَانَت تَحت نظره فَأَجَابَهُ وَزَاد من عِنْده ضعف الأصل فَمَا قَالَ لَهُ جزيت خيراً وَلَا أبدى كلمة تؤذن بشكره قَالَ وَمن هوسه أَنه قَالَ لبَعض تلامذته إِذا صَار إلينا الْقَضَاء قَررنَا لَك كَذَا وَكَذَا بل تصير أَنْت الْكل هَذَا حَاصِل ماذكره السخاوي فى كِتَابَة الضَّوْء اللامع فى تَرْجَمَة الْجلَال السيوطى وختمها بقوله أنه ألّف مؤلفاً سَمَّاهُ الكاوي في الرَّد على السخاوي
وَأَقُول لَا يخفى على الْمنصف مَا فِي هَذَا الْمَنْقُول من التحامل على هَذَا الإمام فإنه مَا اعْترف بِهِ من صعوبة علم الْحساب عَلَيْهِ لَا يدل على مَا ذكره من عدم الذكاء فإن هَذَا الْفَنّ لَا يفتح فِيهِ على ذكى إِلَّا نَادرا
(1/332)

كَمَا نشاهده الْآن في أهل عصرنا وَكَذَلِكَ سُكُوته عِنْد قَول القايل لَهُ تجمع لَك أهل كل فن من فنون الِاجْتِهَاد فإن هَذَا كَلَام خَارج عَن الإنصاف لِأَن رب الْفُنُون الْكَثِيرَة لَا يبلغ تَحْقِيق كل وَاحِد مِنْهَا مَا يبلغهُ من هُوَ مشتغل بِهِ على انْفِرَاده وَهَذَا مَعْلُوم لكل اُحْدُ وَكَذَا قَوْله إنه مسخ كَذَا وَأخذ كَذَا لَيْسَ بِعَيْب فإن هَذَا مازال دأب المصنفين يأتي الآخر فَيَأْخُذ من كتب من قبله فيختصر أَو يُوضح اَوْ يعْتَرض أَو نَحْو ذَلِك من الْأَغْرَاض الَّتِى هي الباعثة على التصنيف وَمن ذَاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فِيهِ من قبله فَلَا يَأْخُذ من كَلَامه وَقَوله إنه رأى بَعْضهَا في ورقة لَا يُخَالف مَا حَكَاهُ صَاحب التَّرْجَمَة من ذكر عدد مصنفاته فإنه لم يقل انها زَادَت على ثلثمِائة مُجَلد بل قَالَ انها زَادَت على ثلثماية كتاب وَهَذَا الِاسْم يصدق على الورقة وَمَا فَوْقهَا وَقَوله إنه كذبه القميصي بتصريحه أَنه بقي من الْمسند بَقِيَّة لَيْسَ بتكذيب فَرُبمَا كَانَت تِلْكَ الْبَقِيَّة يسيرَة وَالْحكم للأغلب لاسيما والسهو وَالنِّسْيَان من الْعَوَارِض البشرية فَيمكن أَنه حصل أَحدهمَا للشَّيْخ أَو تِلْمِيذه وَقَوله أنه كثير التَّصْحِيف والتحريف مُجَرّد دَعْوَى عاطلة عَن الْبُرْهَان فَهَذِهِ مؤلفاته على ظهر البسيطة محررة أحسن تَحْرِير ومتقنة أبلغ إتقان وعَلى كل حَال فَهُوَ غير مَقْبُول عَلَيْهِ لما عرفت من قَول أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل بِعَدَمِ قبُول الأقران في بَعضهم بَعْضًا مَعَ ظُهُور أدنى مُنَافَسَة فَكيف بِمثل المنافسة بَين هذَيْن الرجلَيْن الَّتِى أفضت إِلَى تأليف بَعضهم في بعض فإن أقل من هَذَا يُوجب عدم الْقبُول والسخاوي رَحمَه الله وإن كَانَ إماماً غير مَدْفُوع لكنه كثير التحامل على أكَابِر أقرانه كَمَا يعرف ذَلِك من طالع كِتَابه الضَّوْء اللامع فإنه لَا يُقيم
(1/333)

لَهُم وزنا بل لَا يسلم غالبهم من الْحَط مِنْهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يعظم شُيُوخه وتلامذته وَمن لم يعرفهُ مِمَّن مَاتَ في أول الْقرن التَّاسِع قبل مَوته أَو من كَانَ من غير مصره أَو يَرْجُو خَيره اَوْ يخَاف شَره وَمَا أحسن ماذكره فِي كِتَابَة الضَّوْء اللامع في تَرْجَمَة عبد الباسط بن يحيى شرف الدَّين فإنه قَالَ وَرُبمَا صرح بالإنكار على الْفُقَهَاء فِيمَا يسلكونه من تنقيص بَعضهم لبَعض وَقد حكي أنه بَيْنَمَا هُوَ عِنْد الدوادار وَبَين يَدَيْهِ فَقِيه وإذا بآخر ظهر من الدوار فَاسْتَقْبلهُ ذَلِك الْجَالِس بالتنقيص عِنْد صَاحب الْمجْلس وَاسْتمرّ كَذَلِك حَتَّى وصل إليهم فَقَامَ إِلَيْهِ ثمَّ انْصَرف فاستبدبره الْقَائِم حَتَّى اكْتفى ثمَّ توجه قَالَ فسألني الدوادر من الصَّادِق مِنْهُمَا فَقلت أَنْتُم أخبر فَقَالَ إنهما كاذبان فاسقان وَنَحْو ذَلِك انْتهى وَأما مَا نَقله من اقوال مَا ذكره من الْعلمَاء مِمَّا يُؤذن بالحط على صَاحب التَّرْجَمَة فسبب ذَلِك دَعْوَاهُ الِاجْتِهَاد كَمَا صرح بِهِ ومازال هَذَا دأب النَّاس مَعَ من بلغ إِلَى تِلْكَ الرُّتْبَة وَلَكِن قد عرفناك في تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية أَنَّهَا جرت عَادَة الله سُبْحَانَهُ كَمَا يدل عَلَيْهِ الاستقراء بِرَفْع شأن من عودى لسَبَب علمه وتصريحه بِالْحَقِّ وانتشار محاسنه بعد مَوته وارتفاع ذكره وانتفاع النَّاس بِعِلْمِهِ وَهَكَذَا كَانَ أَمر صَاحب التَّرْجَمَة فإن مؤلفاته انتشرت في الأقطار وسارت بهَا الركْبَان إلى الأنجاد والأغوار وَرفع الله لَهُ من الذّكر الْحسن وَالثنَاء الْجَمِيل مالم يكن لَاحَدَّ من معاصريه وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلم يذكر السخاوي تَارِيخ وَفَاة المترجم لَهُ لأنه عَاشَ بعد مَوته فإن السخاوي مَاتَ في سنة 902 كَمَا سيأتى فِي تَرْجَمته ان شَاءَ الله تَعَالَى تجَاوز الله عَنْهُمَا جَمِيعًا وعنا بفضله وَكَرمه وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة بعد أَذَان الْفجْر المسفر صباحه عَن يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع
(1/334)

عشر جُمَادَى الأولى سنة 911 إحدى عشرَة وَتِسْعمِائَة
229 - عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الْأَكْوَع
شيخ الْفُرُوع ومحققها قَرَأَهَا بِمَدِينَة ذمار على أكَابِر شيوخها كالعلاّمة الْحسن بن أَحْمد الشبيبي وأقرانه ثمَّ ارتحل إلى صنعاء ودرس في شرح الأزهار وَبَيَان ابْن مظفر في جَامعهَا وَرغب إليه الطّلبَة واجتمعوا إليه فَكَانَ يحضر درسه جمَاعَة نَحْو الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ ثمَّ مازال النَّاس يَأْخُذُونَ عَنهُ أَيَّامًا طَوِيلَة وَكَانَ أَخُوهُ علي بن حسن الْأَكْوَع وَزِير الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ثمَّ وزيراً لوَلَده مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه فى أَوَائِل خِلَافَته الْمُبَارَكَة ثمَّ نكبه ونكبه جَمِيع قرَابَته وَكَانَ من جُمْلَتهمْ صَاحب التَّرْجَمَة وصودروا جَمِيعًا على تَسْلِيم أَمْوَال أخذت مِنْهُم وَكَانَ ذَلِك فِي سنة 1193 ثمَّ أفرح عَنْهُم وَتعقب ذَلِك أَنه ضعف بصر المترجم لَهُ ثمَّ ترك التدريس حَتَّى مَاتَ وَكَانَ ملازماً للطاعات محافظاً على الْجَمَاعَات أَيَّام ذهَاب بَصَره وَكَانَ قبل ذَلِك رافه الْعَيْش متأنقاً في مطعمه ومشربه وملبسه لَا شغلة لَهُ بِطَلَب الرزق وَلَا الْتِفَات مِنْهُ إلى ذَلِك قد كَفاهُ أَخَوَاهُ مُؤنَة الطلب وَأَحَدهمَا علي الْمُتَقَدّم ذكره والآخر عبد الله ابْن الْحسن وَكَانَ مُتَعَلقا بِالْأَعْمَالِ الجليلة من أَعمال الدولة حَتَّى ولي بندر المخاومات في أَيَّام الإمام المهدي وقرأت على صَاحب التَّرْجَمَة أَوَائِل شِفَاء الْأَمِير الْحُسَيْن وَمَات في شهر ذي الْحجَّة سنة 1206 سِتّ وماتين وألف
230 - عبد الرَّحْمَن بن علي بن مُحَمَّد بن عمر بن على بن يُوسُف ابْن أَحْمد بن عمر الشَّيْبَانِيّ الزبيدي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الديبع
وَهُوَ لقب لجده الأعلى علي بن يُوسُف وَمَعْنَاهُ بلغَة النوبية الأبيض
(1/335)

ولد في عصر يَوْم الْخَمِيس رَابِع الْمحرم سنة 866 سِتّ وَسِتِّينَ وثمان مائَة بزبيد وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وتلاه للسبع على خَاله أَبى النجا والشاطبية والزبد للبارزي وَبَعض الْبَهْجَة واستغل فى علم الْحساب والجبر والمقابلة والهندسة والفرايض وَالْفِقْه والعربية على خَاله الْمشَار إليه وعَلى إبراهيم بن جعمان وَفِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير على الزين احْمَد الشرحى وَحج مرَارًا أَولهَا فِي سنة 883 وَقَرَأَ بِمَكَّة على السخاوي ثمَّ برع لاسيما في فن الحَدِيث واشتهر ذكره وَبعد صيته وصنّف التصانيف مِنْهَا تيسير الْوُصُول إِلَى جَامع الْأُصُول اخْتَصَرَهُ اختصاراً حسناً وتداوله الطّلبَة وانتفعوا بِهِ وفي التَّارِيخ قُرَّة الْعُيُون بأخبار الْيمن الميمون وبغية المستفيد بأخبار مَدِينَة زبيد وَكَانَ السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب قد عظمه وولاه تداريس وَله أشعار في مسَائِل علمية وضوابط وتحصيلات وَله شهرة في الْيمن طايلة إِلَى الآن
231 - السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن قَاسم المداني
قَرَأَ علم الْفِقْه بِمَدِينَة ذمار ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء وَأخذ في غَيره فشارك مُشَاركَة ركيكة لغَلَبَة علم الْفِقْه عَلَيْهِ ثمَّ درس في علم الْفِقْه بِصَنْعَاء وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَأخذت عَنهُ في شرح الأزهار فِي أَوَائِل أَيَّام طلبي وَكَانَ زاهداً ورعاً متقللاً من الدُّنْيَا عفيفاً حسن الْأَخْلَاق جميل المحاضرة رَاعيا في الْفَوَائِد العلمية بِحَيْثُ أنّه صَار عَاجِزا لَا يمشى الا متوكياً على الْعَصَا وَكَانَ إذا لقيني قَامَ وَاعْتمد على عصاته ثمَّ باحثنى بمباحث فقهية
(1/336)

دقيقة وَكنت إِذْ ذَاك قد أمعنت فِي طلب علم الْفِقْه على غَيره وَكَانَ يحب المجون من دون مُجَاوزَة للحد مَعَ ظرافة زايدة وتواضع كَامِل مَاتَ في شهر ذي الْقعدَة سنة 1211 احدى عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَأَظنهُ قد قَارب التسعين رَحمَه الله
232 - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن جَابر ابْن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم ولي الدَّين
الإشبيلي الأصل التونسي ثمَّ القاهري المالكي الْمَعْرُوف بِابْن خلدون ولد في أول رَمَضَان سنة 732 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بتونس وَحفظ الْقُرْآن والشاطبيتين ومختصر ابْن الْحَاجِب الفرعي والتسهيل فِي النَّحْو وتفقه بِجَمَاعَة من أهل بَلَده وَسمع الحَدِيث هُنَالك وَقَرَأَ في كثير من الْفُنُون وَمهر في جَمِيع ذَلِك لاسيما الأدب وفن الْكِتَابَة ثمَّ توجه في سنة 753 إِلَى فاس فَوَقع بَين يدي سلطانها ثمَّ امتحن واعتقل نَحْو عَاميْنِ ثمَّ ولي كِتَابَة السِّرّ وَكَذَا النظر في الْمَظَالِم ثمَّ دخل الأندلس فَقدم غرناطة في أَوَائِل ربيع الأول سنة 764 وتلقاه سلطانها ابْن الأحمر عِنْد قدومه ونظمه فِي أهل مَجْلِسه وَكَانَ رَسُوله إلى عَظِيم الفرنج بإشبيلية فَقَامَ بالأمر الذى ندب اليه ثمَّ توجه فِي سنة 766 إلى بجاية ففوض إليه صَاحبهَا تَدْبِير مَمْلَكَته مُدَّة ثمَّ اسْتَأْذن في الْحَج فَأذن لَهُ فَقدم الديار المصرية في ذي الْقعدَة سنة 784 فحج ثمَّ عَاد إلى مصر فَتَلقاهُ أَهلهَا وأكرموه وَأَكْثرُوا من ملازمنه والتودد إليه وتصدر للاقراء فِي الْجَامِع الأزهر مُدَّة ثمَّ قَرَّرَهُ الظَّاهِر برقوق في قَضَاء الْمَالِكِيَّة بالديار المصرية فِي جُمَادَى الآخرة سنة 786 وفتك بِكَثِير من الموقعين وَصَارَ يُعَزّر بالصفح ويسميه الزج فإذا
(1/337)

غضب على إنسان قَالَ زجوه فيصفع حَتَّى تحمّر رقبته وعزل ثمَّ أُعِيد وتكرر لَهُ ذَلِك حَتَّى مَاتَ قَاضِيا فجاءه فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع بَقينَ من رَمَضَان سنة 808 ثَمَان وثمان مائَة وَدفن بمقابر الصُّوفِيَّة خَارج بَاب النَّصْر وَدخل مَعَ الْعَسْكَر فِي أَيَّام انْفِصَاله عَن الْقَضَاء لقِتَال تيمور فَقدر اجتماعه بِهِ وخادعه وخلص مِنْهُ بعد أَن أكْرمه وزوده قَالَ بعض من تَرْجَمَة انه كَانَ فِي بعض لاياته يكثر من سَماع المطربات ومعاشرة الأحداث وَقَالَ آخر كَانَ فصيحاً مفوّها جميل الصُّورَة حسن الْعشْرَة اذا كَانَ معزولاً فأما إذا ولي فَلَا يعاشر بل يَنْبَغِي أن لَا يرى وَقَالَ ابْن الْخَطِيب أنه رجل فَاضل جم الْفَضَائِل رفيع الْقدر أصيل الْمجد وقور الْمجْلس عالي الهمة قوي الجأش مُتَقَدم في فنون عقلية ونقلية مُتَعَدد المزايا شَدِيد الْبَحْث كثير الْحِفْظ صَحِيح التَّصَوُّر بارع الْخط حسن الْعشْرَة وَأثْنى عَلَيْهِ المقريزي وَكَانَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن الهيثمي يُبَالغ في الغض مِنْهُ قَالَ الْحَافِظ بن حجر فَلَمَّا سَأَلته عَن سَبَب ذَلِك ذكر لي أَنه بلغه أَنه قَالَ في الْحُسَيْن السبط رضي الله عَنهُ أنه قتل بِسيف جده ثمَّ أرْدف ذَلِك بلعن ابْن خلدون وسبه وَهُوَ يبكي قَالَ ابْن حجر لم تُوجد هَذِه الْكَلِمَة في التَّارِيخ الْمَوْجُود الآن وَكَأَنَّهُ كَانَ ذكرهَا فِي النُّسْخَة الَّتِى رَجَعَ عَنْهَا قَالَ وَالْعجب أن صاحبنا المقريزي كَانَ يفرط في تَعْظِيم ابْن خلدون لكَونه كَانَ يجْزم بِصِحَّة نسب بني عبيد الدَّين كَانُوا خلفاء يمصر وَيُخَالف غَيره فِي ذَلِك وَيدْفَع مَا نقل عَن الْأَئِمَّة من الطعْن فِي نسبهم وَيَقُول إنما كتبُوا ذَلِك الْمحْضر مُرَاعَاة للخليفة العباسي وَكَانَ المقريزي ينتمي إِلَى الفاطميين كَمَا سبق فَأحب ابْن خلدون لكَونه أثبت نسبهم وَجَهل مُرَاد ابْن خلدون فإنه كَانَ لانحرافه عَن العلوية
(1/338)

يثبت نسبه العبيديين اليهم لما اشْتهر من سوء معتقدهم وَكَون بَعضهم نسب إلى الزندقة وادعاء الإلهية كالحاكم فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يَجْعَل ذَلِك ذَرِيعَة إلى الطعْن هَكَذَا حَكَاهُ السخاوي عَن ابْن حجر وَالله أعلم بِالْحَقِيقَةِ وإذا صَحَّ صُدُور تِلْكَ الْكَلِمَة عَن صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ مِمَّن أضلّهُ الله على علم وَقد صنّف تَارِيخا كَبِيرا فِي سبع مجلدات ضخمة أبان فِيهَا عَن فصاحة وبراعة وَكَانَ لَا يتزيا بزي الْقُضَاة بل مُسْتَمر على زي بِلَاده وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(أسرفن في هجري وَفِي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتى ونحيبى)
(وأبيين يَوْم الْبَين وَقْفَة سَاعَة ... لوداع مشغوف الْفُؤَاد كئيب)
وترجمه ابْن عمار أحد من أَخذ عَنهُ فَقَالَ الْأُسْتَاذ المنوّه بِلِسَانِهِ سيف المحاضرة كَانَ يسْلك في أقرائه للأصول مَسْلَك الأقدمين كالغزالي وَالْفَخْر الرازي مَعَ الإنكار على الطَّرِيقَة الْمُتَأَخِّرَة الَّتِى أحدثها طلبة الْعَجم وَمن تَبِعَهُمْ من التوغل في المشاحة اللفظية والتسلسل في الحدبة والرسمية اللَّتَيْنِ أثارهما الْعَضُد وَأَتْبَاعه فِي الحواشى عَلَيْهِ وَينْهى النَّاقِل غُضُون اقرأئه عَن شئ من هَذِه الْكتب مُسْتَندا إِلَى أَن طَريقَة الأقدمين من الْعَرَب والعجم وكتبهم في هَذَا الْفَنّ على خلاف ذَلِك وَأَن اخْتِصَار الْكتب في كل فن والتقيد بالألفاظ على طَريقَة الْعَضُد وَغَيره من محدثات الْمُتَأَخِّرين وَالْعلم وَرَاء ذَلِك كُله قَالَ وَله من المؤلفات غير الانشاآت النثرية والشعرية الَّتِى هى كالسحر التَّارِيخ الْعَظِيم المترجم بالعبر فِي تَارِيخ الْمُلُوك والأمم والبربر حوت مقدمته جَمِيع الْعُلُوم
(1/339)

233 - عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن نهشل الحيمي الْحَافِظ الْكَبِير الْعَلامَة الشهير
كَانَ من الْعلمَاء الجامعين بَين علم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَله اشْتِغَال بالتدريس فِي الْأُمَّهَات ونشرها وبمثل الْعَضُد وحواشيه والمطول وحواشيه والرضي فِي النَّحْو وَسَائِر الْكتب المفيدة وَقد أَخذ عَنهُ النَّاس واشتهر وَمن جملَة تلامذته الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال وَجَمَاعَة أكَابِر وَمِنْهُم القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين المسوّري والقاضي أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَلكنه ماسلم من الامتحان من أهل عصره لسَبَب اشْتِغَاله بالامهات علما وَعَملا وتدريسا وَلَيْسَ ذَلِك ببدع فَهَذَا شَأْن هَذِه الديار من قديم الأعصار وَمن مشايخه السَّيِّد الْحسن بن شمس الدَّين وَيحيى بن احْمَد الصابوني والحافظ بن عَلان وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة من أكابر الْعلمَاء المتبحرين فِي جمع الْعُلُوم ومازال مكباً على ذَلِك حَتَّى توقاه الله تَعَالَى سَابِع وَعشْرين ربيع الأول سنة 1068 ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف بِصَنْعَاء وَدفن بجربة الرَّوْض
234 - عبد الرَّحْمَن بن يحيى الآنسي ثمَّ الصنّعاني
ولد فِي شهر ذي الْقعدَة سنة 1168 ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف ونشأ بِصَنْعَاء فَأخذ فِي علم الْعَرَبيَّة وَغَيره عَن جمَاعَة كالسيد اسمعيل بن اسمعيل ابْن نَاصِر الدَّين وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَغَيرهمَا وَأخذ فِي الْفِقْه على شَيخنَا الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد الحرازي وَفِي الحَدِيث على الْمُحدث الْعَلامَة لطف البارى بن احْمَد الوردواكب على المطالعة واستفاد بصافي ذهنه الْوَقَّاد ووافي فكرة النقاد علوماً جمة ولاسيما فِي الْعُلُوم الأدبية
(1/340)

فَهُوَ فِيهَا أحد أَعْيَان الْعَصْر المجيدين وولاه خَليفَة الْعَصْر حفظه الله الْقَضَاء فِي بعض الْبِلَاد اليمنية ثمَّ نَقله إِلَى بِلَاد حجَّة وولاه قَضَاء تِلْكَ الْجِهَات وَمَا والاها وباشره مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة وصيانة وَحُرْمَة ومهابة وصرامة بِحَيْثُ صَار أمره فِيهَا أنفذ من أَمر الْعمَّال وَقد يَغْزُو بعض المبطلين اَوْ الْمُخَالفين للشَّرْع بِجَمَاعَة مَعَه وَيقدم إقداماً يدل على شجاعة ويسلك مسالك يَقُودهُ اليها حسن التَّدْبِير فبمجموع هَذِه الأوصاف صَار لَا يسد غَيره مسده وَلَا يقوم مقَامه سواهُ مَعَ أَن هَذِه الْولَايَة هي دون جليل قدره وَلَكِن مثل تِلْكَ الْجِهَات مَعَ شرارة أَهلهَا وتعجر فهم وَقُوَّة صولتهم لَا ينفذ الأحكام الشَّرْعِيَّة فيهم الامثلة وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عاكف على مطالعة الْعُلُوم على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا مُسْتَغْرق غَالب ساعاته فِي ذَلِك كثير المذاكرة والمباحثة فِي الْمسَائِل الدقيقة مغرم بنظم الْأَشْعَار الفائقة الْجَارِيَة على نمط الْعَرَب المحبرة بخالص اللُّغَة وغريبها وَله من النثر البليغ مايفوق الْوَصْف وَقد اجتمعت بِهِ فَرَأَيْت من حسن محاضرته وَطيب منادمته وَقُوَّة ذهنه وَسُرْعَة فهمه مَا يقصر عَنهُ الْوَصْف وَقد كتب الى رِسَالَة مُشْتَمِلَة على عشرَة أسئلة أجبْت عَلَيْهَا برسالة سميتها طيب النشر فِي جَوَاب الْمسَائِل الْعشْر وهى مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع رسايلى وَكتب إليّ هَذِه القصيدة الطنانة بعد أَن قدم بَين يَديهَا هَذَا النثر الْفَائِق وَلَفظه من عبد الرَّحْمَن ابْن يحيى غفر الله لَهما إِلَى الْمولى الْمَنْسُوب إلى كل علم نِسْبَة مُؤثرَة فِي الْعين عَن ملكة قَوِيَّة الْبَنَّا على عناية وعنا الْمَوْضُوع بأول الأولى من طَبَقَات أَهله لَا تَقْتَضِيه المعاجيم بل بأحقية التَّقْدِيم الْمسلمَة إليه من كل عَظِيم الْمَوْصُوف بِهِ على أفعل التَّفْضِيل وصيغ التكثير التَّامَّة وتأنيث
(1/341)

الْمُبَالغَة ذِي الْعَلامَة من الأعلم والعلام والعلامة
(عَلامَة الْعلمَاء وَالْبَحْر الَّذِي ... لَا ينتهي وَلكُل بَحر سَاحل)
من لَا تضرب الْيَوْم آباط الْمطِي الا إِلَى مثله وَلَا يخط فِي بَيَاض النَّهَار كسواد ظله والقاضى المقرون بمعية اللَّام لوُجُود مقتضيها وَانْتِفَاء مانعها المسدد بِالْملكِ فِي مطالع قضاياه ومقاطعها
(قَاض اذا اشْتبهَ الامر إن عَن لَهُ ... رَأْي يفرّق بَين المَاء وَاللَّبن)
(بَحر الإسلام حَسَنَة الأيام أكرم ... من شرب مَاء الْغَمَام مدت مدَّته)
(وعدت عدته وحرست مهجته ... وَحسنت نهجته وأونست بهجته)
أما بعد فإني أَحْمد إليك الله على تَمام مَا أولاه وَحسن بلاه على أَنِّي لم أكن عبداً شكُورًا وَكَانَ الإنسان لرَبه كفوراً وأنهي إِلَى حَضْرَة علمك المنورة وروضة أدبك المنورة كمدى بمفارقتها وشوقى لمشاهدتها وكلفى بفايدتها وحاجتى لعايدتها وإني لَا أذكر مِنْك ذَلِك الْمجْلس الْقصير واللقاء بالملتقى من جناج طاير يطير الا وقفت بِهِ من علمك على شاطئ بَحر لجي فاغترفت غرفَة بيدى لم ينقع صداى وَلم يبلغ ثلجى الا أنشدت برنة المتشجى
(بَاهل إِلَى سرحة الوادي مؤوبة ... قبل الْمَمَات بذي وجدبها ناشي)
(ألمّ إلمامة لم تجتن ثمراً ... وَلَا تفيأ ظلاً غير أكباش)
وَلَوْلَا تروحي بأملي أَن أملا لزامك والمثول أمامك مثولاً أُصِيب بِهِ من علمك خيراً يزْجر لي بيمن طيرا ويقينى أَن ماذلك على الله بعزيز وَلَا نايله من سايله فِي حرز حريز لقد ذهبت نفسي حسرات وَضَاقَتْ بي فسيحات البسيطات
(1/342)

(أعلل النَّفس بالآمال أرقبها ... مَا أضيق الْعَيْش لَوْلَا فسحة الأمل)
هَذَا وَقد تكلف الْفِكر الجامد بِمصْر البليات والذهن الخامد بصرصر النكبات عمل هَذِه القصيدة بشئ من مدائحك العديدة على أَنى لم أحل بهَا عاطلاً وَلم أرفع بهَا خاملاً وصفات ضوء الشَّمْس تذْهب بَاطِلا لِأَن الْوَصْف مارفع احْتِمَالا أَو قلل اشتراكاً أَو كشف معنى وَالشَّمْس عَن كل فِي غنى وَمَا لَهَا فِي أي غنا ووصفك أَيهَا السَّيِّد الْجَلِيل من ذَلِك الْقَبِيل فِي ذَلِك السَّبِيل على أَنى لَو بصرت أمري لما سيرت إليك شعرى فقد قَالَ حسان بن ثَابت
(وإنما الشّعْر لبّ الْمَرْء يعرضه ... على الْمجَالِس ان كيساوان حمقا)
وَلَكِن غلبت المقة على مُقْتَضى عدم الثِّقَة وشجعني قَوْله أَيْضا
(وإنّ اصدق بَيت أَنْت قَائِله ... بَيت يُقَال إذا أنشدته صدقا)
فَقلت وَمَا ضرّ شعراً مُقَابلا بالتصديق الصَّرِيح أَن لَا يكون ذَا معنى فِي لفظ فصيح وَبعد فأمامه مِنْك عين الرِّضَا ذَات الكلال عَن الْعَيْب والاغضا وَالسَّلَام ختام
(ألا قَامَت تنازعنى ردائى ... غَدَاة نفضت أحلاس الثواء)
(مفهفهة كخوط البان تهفو ... إليّ بعنق خاذلة الظباء)
(يلوح القرط مِنْهُ على هَوَاء ... يروقك ذَاهِبًا فِيهِ وجائي)
(وحابسة لذي نظر طموح ... عَلَيْهِ بِلَا أَمَام وَلَا وَرَاء)
(وَقد أرْخى مدامعها ارتحالي ... وَكَانَت لَيْسَ تدري بالبكاء)
(وَقَالَت لَو أَقمت لَكَانَ مَاذَا ... حنانيك التَّفَرُّق والتنائي)
(وعيشك لَو تركت وَمَا تشائي ... لما بَعدت سماؤك من سمائى)
(1/343)

(وَلَكِن الزَّمَان لَهُ صروف ... وَقد تعدو على الْقَوْم الْبَراء)
(وقبلي مَا نبت أَرض بَحر ... ففارقها بحب اَوْ قلاء)
(فعني لست بِالرجلِ المروي ... وَلَا طوع الحسان من النِّسَاء)
(وعزمي قد علمت إذا ستطارت ... بِهِ نِيَّة تغلغل ذَا مضاء)
(فكم أغرى إلى وادي هبوطي ... ذياباً بالتضور والعواء)
(وراع العصم فِي نيق صعودي ... وهاج الربد فِي خبت نجائي)
(على وجناء تخترق الموامي ... وتجتاز الْمِيَاه على الظماء)
(يعارضها اللُّصُوص ليدركوها ... وَمن يعلق براكبة الْهَوَاء)
(فقادتها الادلة اقتبالى ... وساقتها لثانية انثنائى)
(وَمَا انقشعت غيابتها وفيهَا ... من الابطاء من ايلى بلائي)
(وَكنت على معسكرها وحكمي ... لَهُم أما علمت على سوائي)
(بوضاح ضَمَان المَال عاف ... جنايا الْعمد شَدَّاخٍ الدِّمَاء)
(وسل عَنى العداة فعندهم من ... ممارستي مصدقة ادعائي)
(وَمَا أَنا بالبخيل بنائيات الْحُقُوق ... على الإضافة والثراء)
(وَلَا كلّ على الأخوان عى ... وَلَا شاكى الصديق من الْجفَاء)
(وَلَا بمفحم أن ناغمتني ... بَنَات الشّعْر مِنْهُ بالحداء)
(وَقد جربت هَذَا الدَّهْر حَتَّى ... مرنت على المراضي والمسائي)
(وَلم أعدم على الْخطب اصطباري ... وَلم افقد على الهول اجترائي)
(وَلَا استوحشت من شئ أمامى ... وَلم أَحْزَن على شئ ورائي)
(وَلَوْلَا عَالم الْمصر الذي سر ... ت عَنهُ لما حننت إليه نائي)
(لنعم مُحَمَّد رجلا وَحقّ ... لَهُ وَعَلِيهِ طيبَة الثَّنَاء)
(1/344)

(هوالبحر الذي جَاشَتْ بِعلم ... غوارب موجه ذَات ارتماء)
(فطبقت الْبِلَاد وَعَاد مِنْهَا ... إِلَيْهِ الْفضل عَن عذر ملاء)
(تَعَالَى الله معطية امتناناً ... وَلَيْسَ الله مَحْظُور الْعَطاء)
(لقد آتَاهُ علماً من لَدنه ... يضيق بوسعه ذَات الْقَضَاء)
(وَلَكِن صَدره المشروح أضخى ... كَمَا بَين الثريا والثراء)
(وَحين لَقيته بادي بداء ... بِوَقْت مثل ابهام القطاء)
(لقِيت بِهِ الْأَئِمَّة فِي فنون ... بفرد الشَّخْص مُتحد الرواء)
(ففي علم الْكَلَام أَبَا علي ... وفي علم اللُّغَات أَبَا الْعَلَاء)
(وَفِي التصريف عُثْمَان بن جني ... وَفِي النَّحْو الْمبرد والكسائي)
(وجار الله فِي علم الْمعَانى ... وإبراز النكات من الخفاء)
(وَابْن كثير الشَّيْخ المعالي ... من التَّفْسِير خافقة اللِّوَاء)
(وزين الدَّين فِي التحديث حفظاً ... لإسناد وَمتْن ذَا وكاء)
(وَيحيى فِي الرِّجَال بِنَقْد قَول ... جرى فِيهِ بصفو أَو جفَاء)
(وَفِي التَّارِيخ وَالْأَخْبَار جما ... عها الذهبي فهاق الإناء)
(وَفِي الْفِقْه ابْن رشد من تحلت ... نهايته بِحسن الابتناء)
(وَعند قَضَائِهِ ولدى فَتَاوَاهُ ... عَن تبريزه كشف الغطاء)
(فَلَو لازمته من بعد أوكا ... ن حظى مِنْهُ تكْرَار اللِّقَاء)
(اذا لغدوت رَأْسا فِي عُلُوم ... يكون بهديه فِيهَا اهتدائى)
(أنادي قَائِلا قولاً سديداً ... يصدق بَين مستمعي النداء)
(بانك صَاحب السهْم المعلا ... بَين سِهَام إرث الْأَنْبِيَاء)
(وأنّك عَالم الْقطر الْمُسَمّى ... ومجتهد الزَّمَان بِلَا مراء)
(1/345)

(وَأَن مُجَدد الْمِائَة الَّتِى نَحن ... فِيهَا لَهو أَنْت بِلَا امتراء)
(وَأَنَّك لَا نرى لَك من مثيل ... وَلم تَرَ مثل نَفسك فِي المرائي)
(وَأَن شَرِيعَة الدَّين استنارت ... بِمَا سميت فِيهَا للْقَضَاء)
(أصَاب بك الْخَلِيفَة فرض عين ... عَلَيْك مضيّقاً وَقت الْأَدَاء)
فَلَو لم تقض بَين النَّاس طَوْعًا ... أثمت بِمَا جنحت إلى الآباء)
(جزيت عَن الْيَتِيم وَأمه والضعيف ... وَقَومه خير الْجَزَاء)
(أخذت لَهُم بحقهم فَبَاتُوا ... وَقد أمنُوا تعدي الأقوياء)
(وَطَائِفَة على قَاض ومفت ... ترادوها بِثَوْب الأعمياء)
(وَسَاعَة مَا أتتك فَككت مِنْهَا ... معماها بواضحة السناء)
(وَهَذَا ربح علمك فاستف خَيره ... فِي الِابْتِدَاء والانتهاء)
(وَلَا بَرحت سوارى الْغَيْث صنعاء ... مَا طرفتك حيافى الحواء)
(فإن تهْلك فَلَا شامت عَلَيْهَا ... عُيُون النَّاس بارقة الْحيَاء)
(وَلَا حملت عقيب الطُّهْر أنثى ... وَلَا ولدت غُلَاما ذَا ذكاء)
فأجبت عَن هَذَا النظم والنثر بقولي
من جمع أشتات الْفَضَائِل والفواضل وَبلغ فِي مجده إِلَى مَكَان يقصر عَنهُ المتطاول نور حدقة أَوَانه وإنسان عين زَمَانه من ضرب النَّجْم سرادقه دون مَكَانَهُ وخفي سِنَان السماك عِنْد سنا سنانه قريع أَوَانه فريع خلانه وأخدانه من أشاد بأبياته المشيدات شرعة الآداب وأحيا ببلاغته البليغة أَرْوَاح أموات رسوم الْكتاب فَهُوَ الْفَرد الْكَامِل ذاتا الْكل الْمُسْتَحق لنسبة جَمِيع الْفَضَائِل إِلَيْهِ أنعاتا
(لَيْسَ على الله بمستنكر ... أَن بِجمع الْعَالم فِي وَاحِد)
(1/346)

وَبعد فإنه وصل إِلَى الحقير ذَلِك العقد الجوهري الَّذِي هُوَ بِكُل الأمداح الصِّحَاح الفصاح الصَّباح حري وَأَقُول سُبْحَانَ المانح الفاتح فَلَقَد تلهت وولهت ودلهت بِمَا خبر بِهِ كل غاد ورائح لعمرك مَا كنت أَحسب أَنه بَقِي من يسمو إِلَى هَذِه الطَّبَقَة الَّتِى هى فَوق الطباق وَلَا كَانَ يمر بفكري أَنه قد نشأ لهَذِهِ الصِّنَاعَة من رقي فِيهَا إِلَى هَذِه الْغَايَة الَّتِى لَا تطاق وَالْحَمْد لله الذي زين الْعَصْر بمثلك وَحفظ شرعة الْآدَاب بوافر علمك وفضلك ونبلك وليعلم الْأَخ أيده الله أن جواد قريحتي القريحة لَا يجري بِهَذَا الميدان وَسنَان فكرتي السقيمة العقيمة لَا تغني عِنْد تطاعن الفرسان بالمران فإني على مُرُور الأعصار لم أتلبس بشعار الْأَشْعَار وَلَا رضت ذهنى الكليل بالطراد فِي هَذَا الْمِضْمَار
(وَمَا الشّعْر هَذَا من شعاري وإنما ... أجرب فكري كَيفَ يجري نجيبه)
فَلم يكن لي من ذَلِك الا نظم الْفَقِيه فِي الأحكام أَو مَا يجري مجْرى الْكَلَام عِنْد اقْتِضَاء الْمقَام وَكنت قد عزمت أَن أتطفل على مَكَارِم أخلاقك بِطَلَب بسط الْعذر عَن الْجَواب فِرَارًا مِمَّا قَالَه ابْن الخازن فِي نظم آداب الآداب وهرباً من عراضة صحيفَة الْعقل على أنظار أَرْبَاب الألباب وحذراً من الْوُقُوع فِيمَا قَالَه أخو الْأَعْرَاب
(وأنما الشّعْر صَعب سلمه ... إِذا ارْتقى فِيهِ الَّذِي لَا يُعلمهُ)
(يُرِيد أن يعرّبه فيعجّمه ... زلت بِهِ إِلَى الحضيض قدمه)
غير أَنه لَاحَ للخاطر الفاتر وَقُوَّة النّظر الْقَاصِر أَن مكاتبات الاحباب ومراجعات خلص الْأَصْحَاب مفيدة بقيود ومحدودة برسوم وحدود مِنْهَا التسامح وأطراح التكلفات وغض طرف الانتقاد عِنْد
(1/347)

عرُوض الكبوات كَمَا جرت بِهِ المألوفات من جواري الْعَادَات وَثَانِيهمَا إسبال ذيول الستور على مَا أبرزته إلى قالب العثور أيدي الْقُصُور وَثَالِثهَا أَن الْمَقْصد الأهم وَالْمطلب الأعظم لَيْسَ إِلَّا ماذكره أَرْبَاب الْبَيَان من نُكْتَة التَّلَذُّذ بإرخاء عنان اللِّسَان فِي مخاطبات الخلان فَلَمَّا ارتسمت فِي الذِّهْن هَذِه التصورات انْتقل بعد شرح هَذِه الْمَاهِيّة إِلَى مَقَاصِد التصديقات فانتج لَهُ التَّرْتِيب الرضى بَان يُقَال مُجيب غير مُصِيب لامصيب غير مُجيب فعطل من سَاعَات أشغاله سَاعَة أزجي فِيهَا إلى سوحك هَذِه البضاعة بفكر علم الله كليل وذهن شهد الله عليل على أَنَّهُمَا فِيمَا عهِدت سيف صقيل وَلَا ريب فإن لطيف الكدر إذا انطبع فِي الْمرْآة تشوش النَّاظر فَكيف بِمن يطْرق قلبه فِي الْيَوْم الْقصير من ريَاح الارواح وقتام الأشباح أعاصير فدون الدون من تِلْكَ الْأُمُور تنصدع لَهُ الصخور وتغور مِنْهُ البحور
(لولابس الصخر الْأَصَم بعض مَا ... يلقاه قلبي فضّ أصلاد الصَّفَا)
فدونك أَيهَا الحبيب مُرَاجعَة من لم يحظ من قربك بِنَصِيب وَشرب من صاب بَيْنك بأقداح وغصّ لفراقك بِالْمَاءِ القراح
(دعي لومي على فرط الْهَوَاء ... وداوي أن قدرت على الدَّوَاء)
(وكوني عَن سلوى فِي سلو ... إِذا أنوى الحبيب على النواء)
(أبانوا يَوْم بانوا عَن فؤادى ... عرى صيرى فبانوا بالعراء)
(فَلَا حملت هوادجها الهوادي ... وَلَا سَمِعت تراجيع الحداء)
(تخبّ بِكُل عامرة وقفر ... وتخترق الموامي للتنائي)
(فانحي حاذر يَوْمًا عَلَيْهَا ... وضرّج قادميها بالدماء)
(1/348)

وناشتّها السبَاع ومزّقتها ... القشاعم بَين أدلاج الفضاء)
(وياحادى المطى إلا رثاء ... وَشر النَّاس مسلوب الرثاء)
(حدوت فكم عقول طايشات ... وأرواح تروح إِلَى الفناء)
(فَلَا رفعت يداك إليك سَوْطًا ... وَلَا نقلتك مسرعة الخطاء)
(تروعنى ببين بعد بَين ... طَوِيل فِي قصير من لِقَاء)
(امابسوى الْفِرَاق لقِيت قلبي ... لتعلم فِي الْحَوَادِث مَا عنائي)
فإني إن ألمّ الْخطب يَوْمًا ... وضاق بِحمْلِهِ وَجه الثراء)
(وطاشت عِنْده أَحْلَام قوم ... وحاد الْآخرُونَ إلى الوراء)
(أقوم بِهِ إذا قعدوا لَدَيْهِ ... وادفعه إذا أعيا سواي)
(وَمَا الْمَرْء المكمّل غير حر ... لَهُ عِنْد العنا كل الْغناء)
(تساوي عِنْده خير وَشر ... يرى طعم الْمنية كالمناء)
(يحوز السَّبق فِي أَمن وَخَوف ... وَيكرم عِنْد فقر أَو غناء)
(ترَاهُ وَهُوَ ذُو طمرين يمشي ... بهمته على هام السَّمَاء)
(تقدمه فضائله إذا مَا ... تفاخر بالملا كل الملاء)
(أَلا أن الْفَتى ربّ المعالي ... إِذا حققت لارب الثراء)
(وَمن حَاز الْفَضَائِل غير وان ... فَذَاك هُوَ الْفَتى كل الفتاء)
(فَمَا الشرف الرفيع بِحسن ثوب ... وَلَا دَار مشيدة الْبناء)
(وَلَا بنفوذ قَول فِي البرايا ... فإن نُفُوذه أصل الْبلَاء)
(فرأس الْمجد عِنْد الْحر علم ... يجود بِهِ على غاد وجائي)
(إِذا مَا الْمَرْء قَامَ بِكُل فن ... قيَاما فِي السمو إِلَى السَّمَاء)
(وَصَارَ لَهُ بمدرجة صعُود ... إِلَى عين الْحَقِيقَة والجلاء)
(1/349)

(وَقَامَ لدفع معضلة وَحل ... لمشكلة وَرفع للخفاء)
(فَذَاك الْفَرد فِي مَلأ المعالي ... كَمَا الْفَرد ابْن يحيى فِي الملاء)
(فَتى يَهْتَز عطف الدَّهْر شوقاً ... إليه لأنه ربّ الْعَلَاء)
(إذا مَا جال فِي بحث ذكاه ... تنحّى عَنهُ أَرْبَاب الذكاء)
(وإن مَا رَاه ذُو لدد أَتَاهُ ... بِمَا يثنيه عَن فرط المراء)
(تقاصر عَن مداه كل حبر ... لما يلقاه من بعد المداء)
(فيامن صَار فِي سلك المعالي ... هُوَ الدرّ النفيس لكل رَاء)
(وضمّخ مسمع الأيام طيباً ... بِمَا قد طَابَ من حسن الثَّنَاء)
(وَقَامَ بفترة الْآدَاب يَدْعُو ... وفي يمناه خافقة اللِّوَاء)
(بلغت من الْعُلُوم إلى مَكَان ... تمكّن في السمو وَفِي السناء)
(قعدت من البلاغة فِي مَحل ... بِهِ الصابي يعود إلى الصباء)
(وصغت من القريض بَنَات فكر ... دفعت بهَا الورى نَحْو الوراء)
(وجيه الدَّين دمت لكل فن ... تبهرج فِيهِ أهل الإدعاء)
(تذود الشائنين لَهُ بِجَهْل ... فيصفو الْعلم عَن شوب القذاء)
(علومك زانها سمت بهى ... وَحسن السمت من حلل الْبَهَاء)
(أتانى يَابْنَ يحيى مِنْك نظم ... تَعَالَى عَن نظام أَبى الْعَلَاء)
(على نمط الأعارب في لُغَات ... وفي حسن الروي وفى الرواء)
(تحدى من تعاوزه هموم ... يعود بهَا الْجَلِيّ إلى الخفاء)
(يعاني من خصوم أَو خصام ... خطوباً في الصَّباح وَفِي الْمسَاء)
(فحيناً في صُرَاخ أَو عويل ... وحيناً في شكاء أَو بكاء)
(وأن يصفو لَهُ وَقت ترَاهُ ... يُوقع فى رقاع الادعاء)
(1/350)

(ويمضى اللَّيْل فى نشر وطى ... لاسجال قد يمات الْبناء)
(وقفنا يَابْنَ ودي في شَفير ... وَمن زار الشفير على شِفَاء)
(بذا قد جَاءَنَا نَص صَرِيح ... فَمَا ذَاك السَّبِيل إلى النَّجَاء)
(فإن قلت النُّصُوص بعكس هَذَا ... أتتنا بالأجور وبالرجاء)
(كَمَا في أجر من يقْضى بِحَق ... وَيعْمل بِاجْتِهَاد فى الْقَضَاء)
(ويعدل فى حكومته بِرِفْق ... ويلتف المكاره بالرضاء)
(ويلبس بالقنوع رِدَاء عز ... يطرزه بوشي الاتقاء)
(ويدرع التصبران دهاه ... من الْخَصْمَيْنِ لافحة الْبلَاء)
(فَذَاك كَمَا يَقُول وَأَيْنَ هَذَا ... هُوَ العنقاء بَين أولي النهاء)
(قصارى مَا ترَاهُ بِغَيْر شك ... مراء أَو فضول من مرائى)
(وَمن لم يعقل الْبُرْهَان يَوْمًا ... فأنّى ينتحيه في الْقَضَاء)
(إِذا لم يفْطن التَّرْكِيب قَاض ... فَقل لي كَيفَ يفْطن بالخطاء)
(وَمن خفيت عَلَيْهِ الشمي حيناً ... فَكيف ترَاهُ يظفر بالسهاء)
(وَمن أعياه نور من نَهَار ... فَكيف يروم إدراك الْبَهَاء)
(وهذي نفثة من صدر حر ... أَطَالَ ذيولها صدق الإخاء)
(وانزر مَا يبوح بهَا شجيّ ... إِلَى أحبابه بَث الشجاء)
(وأعظم مُسْتَفَاد من عهاد ... تواصلنا باصناف الدُّعَاء)
(وَدم يَابْنَ الْكِرَام فِي نعيم ... عَظِيم في الصِّفَات وفي الصفاء)
وَقد طَال شوط الْقَلَم وَلَكِن أَحْبَبْت أن لَا أخلي تَرْجَمَة هَذَا الْفَاضِل من ذكر مثل هَذِه العقيلة الَّتِى زفها من بَنَات فكره فإنها من أعظم الْأَدِلَّة على أَن هَذِه الْأَعْصَار غيرخالية عَن قَائِم بِحِفْظ شرعة الْآدَاب
(1/351)

وَأما ذكر قصيدتى عَقبهَا فَلَيْسَ إِلَّا للتصريح بِبَعْض مَا يسْتَحقّهُ المترجم لَهُ من الممادح الَّتِى اشْتَمَلت عَلَيْهَا وَكتب إِلَى قصيدة فريدة مطْلعهَا)
(وأوله سيطت بقلبي من الْهوى ... فَقل بالهوى بالأولية بادي)
وأجبت عَلَيْهِ بقصيدة مطْلعهَا
(وُفُود حبيب أم وُرُود عهاد ... وَصَوت بشير أم ترنم شاد)
ثمَّ سمح الزَّمَان باجتماعي بِهِ فِي صنعاء وَغَيرهَا وَكثر اتصالنا وَكتب إِلَى من نظمه الْفَائِق ونثره الرَّائِق الْكثير الطّيب وَهُوَ مَوْجُود فى مَجْمُوع مادار بيني وَبَين أهل الأدب وموجود في ديوَان شعره الذي قد صَار من جملَة كتبي وَهُوَ الْآن طَالَتْ أيامه قَائِم بِالْقضَاءِ في حجَّة وبلادها ويفد إِلَى صنعاء لقصد زِيَارَة أَقَاربه وأحبابه وَله شعر كثير جَمِيعه غرر وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ غَرِيب الأسلوب غزير الشؤبوب مطرد الأنبوب
235 - عبد الرَّحِيم بن الْحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم الأرموي الأسنوي نزيل الْقَاهِرَة الشَّيْخ جمال الدَّين أبو مُحَمَّد
ولد في الْعشْر الْأَوَاخِر من ذي الْحجَّة سنة 704 أَربع وَسَبْعمائة وَقدم الْقَاهِرَة سنة 721 وَحفظ التَّنْبِيه وَسمع الحَدِيث من الدبوسي والصابوني وَغَيرهمَا وَحدث بِالْقَلِيلِ وَأخذ الْعلم عَن الْجلَال القزويني والقونوي وَغَيرهمَا وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن أَبى حَيَّان ثمَّ لَازم بعد ذَلِك التدريس والتصنيف فصنف التصانيف المفيدة مِنْهَا الْمُهِمَّات والتنقيح فَمَا يرد على الصَّحِيح وَالْهِدَايَة إِلَى أَوْهَام الْكِفَايَة وزائد الْأُصُول وتلخيص الرافعى الْكَبِير وَله الْأَشْبَاه والنظاير وَلم يبيضه وَله
(1/352)

البدور الطوالع في الفروق والجوامع وَشرح الْمِنْهَاج للنووي وَلم يكمل وَشرح الْمِنْهَاج للبيضاوي وَغير ذَلِك وَكَانَ فَقِيها ماهراً ومعلماً ناصحاً ومفيداً صَالحا مَعَ الْبر وَالدّين والتودد والتواضع وَكَانَ يقرب الضَّعِيف المستهان بِهِ من طلبته ويحرص على ايصال الفايدة الى البليد وَرُبمَا ذكر عِنْده المتبدئ الْفَائِدَة المطروقة فيصغي كَأَنَّهُ لم يسْمعهَا جبراً لخاطره وَله مثابرة على إيصال الْبر وَالْخَيْر إِلَى كل مُحْتَاج مَعَ فصاحة عبارَة وحلاوة محاضرة ومروءة بَالِغَة وَقد ولي وكَالَة بَيت المَال والحسبة ودرّس مدارس ثمَّ عزل نَفسه عَن الْحِسْبَة لكَلَام وَقع بَينه وَبَين الْوَزير في سنة 762 ثمَّ عزل نَفسه من الْوكَالَة في سنة 766 وانتفع بِهِ جمع جم وَقد أفرد لَهُ العراقى تَرْجَمَة ذكر فِيهَا يَسِيرا من مناقبه وفضايله ونظمه وَبَالغ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ وَكَانَ هُوَ يُحِبهُ ويعظمه وَذكره فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة في أثْنَاء تَرْجَمَة ابْن سيد النَّاس وَوَصفه بِأَنَّهُ حَافظ عصره وَذكره فِي مَوضِع آخر من الْمُهِمَّات قَالَ ابْن حبيب إمام بَحر علمه عجاج وَمَاء فَضله ثجاج ولسان قلمه عَن المشكلات فراج كَانَ بحراً في الْفُرُوع وَالْأُصُول محققاً لما يَقُول من النقول تخرج بِهِ الْفُضَلَاء وانتفع بِهِ الْعلمَاء وَذكر ان فَرَاغه من تصنيف جَوَاهِر الْبَحْرين سنة 735 وَمن الْمُهِمَّات سنة 760 قَالَ القاضي تقي الدَّين الأسدي أنه شرع فِي التصنيف بعد الثَّلَاثِينَ وَشرح الْمِنْهَاج مهذب منقح وهوأنفع شروحه مَعَ كثرتها وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَحَد ثامن عش جُمَادَى الأولى سنة 772 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة
(1/353)

236 - عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحِيم بن أَبى بكر بن إبراهيم بن الزين أَبُو الْفضل الكردي الأَصْل الشافعي الْمَعْرُوف بالعراقي
الْحَافِظ الْكَبِير ولد في حادي وَعشْرين جُمَادَى الأولى سنة 725 خمس وَعشْرين وسبعماية بِمصْر بعد أَن تحول وَالِده اليها وَسمع من القاضي سنجر والقاضي تقي الدَّين الأحبائي المالكي وَسمع من آخَرين وَحفظ الْحَاوِي والإلمام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَكَانَ رُبمَا حفظ في الْيَوْم أَرْبَعمِائَة سطر ولازم الشُّيُوخ في الدِّرَايَة فَقَرَأَ القرا ات السَّبع وَنظر فِي الْفِقْه وأصوله على جمَاعَة كَابْن عَدْلَانِ والأسنوي وفي أثْنَاء ذَلِك أقبل على علم الحَدِيث فَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الْعَلَاء التركماني وَبِه انْتفع ورحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمَكَّة وَالشَّام فَأخذ عَن شُيُوخ هَذِه الْجِهَات وحبب الله إليه هَذَا الشَّأْن فأكبّ عَلَيْهِ من سنة 752 حَتَّى غلب عَلَيْهِ وتوغل فِيهِ وَصَارَ لَا يعرف إلا بِهِ وَتفرد مَعَ وجود شُيُوخه وَقَالَ الْعِزّ بن جمَاعَة وَهُوَ من شُيُوخه كل من يدعي الحَدِيث بالديار المصرية سواهُ فَهُوَ مَدْفُوع وتصدى للتصنيف والتدريس وَمن جملَة مصنفاته تَخْرِيج أَحَادِيث الإحياء والألفية في علم الحَدِيث وَشَرحهَا ونظم منظومة في السِّيرَة النَّبَوِيَّة وأخرى في غَرِيب الْقُرْآن ونظم الاقتراح لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَشرح التِّرْمِذِيّ لِابْنِ سيد النَّاس فَكتب مِنْهُ تسع مجلدات وَلم يكمل وَشرع فِيهِ من أَوَائِل كتاب الصلوة من حَيْثُ بلغ الْحَافِظ بن سيد النَّاس لأنه قد كَانَ شرع في شرح الترمذي فَكتب مجلداً بلغ فِيهِ إِلَى أوايل كتاب الصلوة ووقفت عَلَيْهِ بِخَطِّهِ رَحمَه الله ووقفت على المجلد الأول من شرح صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ
(1/354)

إِلَى أَوَاخِر كتاب الصلوة وَهَذَا المجلد الذى وقفت عَلَيْهِ هُوَ بِخَط الْحَافِظ ابْن حجر وَفِيه بِخَط مُصَنفه وَهُوَ شرح حافل ممتع فِيهِ فوايد لَا تُوجد فى غَيره وَلَا سِيمَا فِي الْكَلَام على أَحَادِيث الترمذي وَجَمِيع مَا يُشِير إليه فِي الْبَاب وفي نقل الْمذَاهب على نمط غَرِيب وأسلوب عَجِيب وَمن مصنفاته الِاسْتِعَاذَة بِالْوَاحِدِ من إِقَامَة جمعتين في مَكَان وَاحِد وتكملة شرح الْمُهَذّب للنووي واستدرك على الْمُهِمَّات للاسنوى ونظم الْمِنْهَاج للبيضاوى وغيرذلك وَولى تدريس الحَدِيث بدار الحَدِيث الكاملية والظاهرية وجامع ابْن طولون وَحج مرَارًا وجاور وأملى هُنَالك وَولى قَضَاء الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وخطابتها وإمامتها في ثاني عشر جُمَادَى الأولى سنة 788 ثمَّ صرف بعد مُضِيّ ثَلَاث سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فشرع في الإملاء من سنة 895 فأملى أَرْبَعمِائَة مجْلِس وَسِتَّة عشر مَجْلِسا وَكَانَ منور الشيبة جميل الصُّورَة كثير الْوَقار نزر الْكَلَام طارحاً للتكلف ضيق الْعَيْش شَدِيد التوقي في الطَّهَارَة لَا يعْتَمد إِلَّا على نَفسه أَو على رَفِيقه الهيثمى وَكَانَ كثير الْحيَاء منجمعاً عَن النَّاس حسن النادرة والفكاهة قَالَ تِلْمِيذه الْحَافِظ ابْن حجر وَقد لازمته مُدَّة فَلم أره ترك قيام اللَّيْل بل صَار كالمألوف ويتطوع بصيام ثَلَاثَة أَيَّام في كل شهر وَقد رزق السَّعَادَة في وَلَده الولى فإنه كَانَ إِمَامًا كَمَا تقدم في تَرْجَمته وفي رَفِيقه الهيثمي فإنه كَانَ حَافِظًا كَبِيرا ورزق أيضاً السَّعَادَة في تلامذته فإن مِنْهُم الْحَافِظ ابْن حجر وطبقته وَكَانَ عَالما بالنحو واللغة والغريب والقراءات وَالْفِقْه وأصوله غير أَنه غلب عَلَيْهِ الحَدِيث فاشتهر بِهِ وَانْفَرَدَ بمعرفته وَقد تَرْجمهُ جمَاعَة من معاصريه وَمن تلامذته وَمن بعدهمْ وأثنوا عَلَيْهِ جَمِيعًا وبالغوا في تَعْظِيمه ورثاه ابْن الجزري فَقَالَ
(1/355)

(رَحمَه الله للعراقي تترى ... حَافظ الأَرْض حبرها بِاتِّفَاق)
(إنني مقسم أليه صدق ... لم يكن في الْبِلَاد مثل العراقي)
مَاتَ عقيب خُرُوجه من الْحمام في لَيْلَة الأربعاء ثامن شعْبَان سنة 806 سِتّ وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بهَا وَله شعر فَمِنْهُ
(إذاقرأ الحَدِيث عليّ شخص ... وأمل ميتتي ليروح بعدي)
(فَمَاذَا مِنْهُ إنصاف لأني ... أريد بَقَاءَهُ وَيُرِيد بعدي)
وأملى فِي صفر سنة مَوته مَجْلِسا لما توقف النيل وَوَقع الغلاء المفرط وختمه بقصيدة أَولهَا
أَقُول لمن يشكو توقف نيلنا ... سل الله يمدده بِفضل وتأييد)
وختمها بقوله
(وَأَنت فغفار الذُّنُوب وساتر ال ... عُيُوب وكشّاف الكروب إذا نودي)
وَصلى بِالنَّاسِ صَلَاة الاسْتِسْقَاء وخطب خطْبَة بليغة فرأ وَالْبركَة بعد ذَلِك وَجَاء النّيل عَالِيا
237 - عبد الرازق بن احْمَد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر بن أَبى المعالي مُحَمَّد بن مَحْمُود بن أَحْمد بن مُحَمَّد
ابْن أَبى المعالى الْمفضل بن عَبَّاس بن عبد الله بن معن بن زايدة الشيباني الْمَعْرُوف بِابْن القرطي المروزي الأصل البغدادي ولد في الْمحرم سنة 642 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وأسر في كائنة بَغْدَاد فاتصل بالنصير الطوسي فخدمه واشتغل عَلَيْهِ وَسمع من محيي الدَّين بن الجزري وباشر كتب خزانَة مراغة وَهُوَ على مانقل أَرْبَعمِائَة ألف مُصَنف واطلع على نفايس الْكتب فَعمل تَارِيخا حافلاً جداً ثمَّ اخْتَصَرَهُ فى آخر سَمَّاهُ مجمع الْآدَاب ومعجم
(1/356)