Advertisement

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 002



الكتاب: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)
الناشر: دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الْأَسْمَاء والالقاب فى خمس مجلدات وَله دُرَر الأصداف فِي نحور الْأَوْصَاف والدرر الناصعة فِي شعراء الْمِائَة السَّابِعَة وعنى بِالْحَدِيثِ وَقَرَأَ بِنَفسِهِ وَكتب بِخَطِّهِ الْمليح كثيراً وَقَالَ ان شُيُوخه يبلغون خَمْسمِائَة وَكَانَ لَهُ نظم حسن وَخط بديع جدا وَنظر في عُلُوم الْأَوَائِل وَكَانَ مَعَ حسن خطه يكْتب في الْيَوْم ارْبَعْ كراريس قَالَ الصفدي أخبرني من رَآهُ ينَام وَيَضَع ظَهره إلى الأَرْض وَيكْتب ويداه إِلَى جِهَة السقف وَقَالَ الذهبي كَانَت لَهُ يَد بَيْضَاء فِي النظم وترصيع التراجم وَله ذهن سَالم وقلم سريع وَخط بديع وبصر بالْمَنْطق وَالْحكمَة وَيُقَال إنه كَانَ يتَنَاوَل الْمُسكر ثمَّ تَابَ وَصلح حَاله وَكَانَ رَوْضَة معارف وبحر أَخْبَار وَقد ذكر في بعض تواليفه أَنه طالع تواريخ الإسلام ثمَّ سردها تَارِيخ خوارزم تَارِيخ أَصْبَهَان تَارِيخ قزوين تَارِيخ الرى تَارِيخ مراغة تَارِيخ الْبَصْرَة تَارِيخ الْكُوفَة تَارِيخ وَاسِط تَارِيخ سامرا تَارِيخ تكريت تَارِيخ الْموصل تَارِيخ ميافارقين تَارِيخ صقلية تَارِيخ الْيمن وسرد شَيْئا كثيراً وَمَات في ثَالِث الْمحرم سنة 722 إثنتين وَعشْرين وَسَبْعمائة
238 - عبد الرءوف المناوي شَارِح الْجَامِع الصَّغِير
شَرحه شرحاً بسيطاً وشرحا مُخْتَصرا وَشرح الشهَاب وَشرح آدَاب الْقَضَاء وطبقات الصُّوفِيَّة وَغير ذَلِك توفي سنة 1029 تسع وَعشْرين وَألف أوفى الَّتِى بعْدهَا وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة مبسوطة
239 - عبد الْعَزِيز بن أَحْمد النُّعْمَان الضمدي
أحد الْعلمَاء الْمَوْجُودين في الْقرن الحادي عشر لَهُ مؤلفات مَشْهُورَة مِنْهَا حَاشِيَة على الكافية شرح الخبيصي على الكافية وَمِنْهَا شرح المعيار للامام
(1/357)

المهدي وَمِنْهَا تَخْرِيج أَحَادِيث الشِّفَاء للأمير الْحُسَيْن وَتَوَلَّى الْقَضَاء بمواضع من الديار اليمنية كزبيد والمخا وَلم أَقف على تعْيين مولده وَلَا وَفَاته وَلكنه مَوْجُود في الْقرن الحادي عشر كَمَا قدمنَا ويروى أَن وَالِد المترجم لَهُ مُحَمَّد لَا أَحْمد
240 - عبد الْعَزِيز بن سَرَايَا بن علي بن أَبى الْقَاسِم بن أَحْمد بن نصر الطَّائِي الحلي صفي الدَّين
ولد في شهر ربيع الآخر سنة 677 سبع وَسبعين وسِتمِائَة وتعانى الأدب فمهر في فنون الشّعْر كلهَا وفي علم الْمعَانِي وَالْبَيَان والعربية وتعانى التِّجَارَة فَكَانَ يرحل إلى الشَّام ومصر وماردين وَغَيرهَا في التِّجَارَة ثمَّ يرجع إلى بِلَاده وفي غُضُون ذَلِك يمدح الْمُلُوك والأعيان وَانْقطع مُدَّة إلى مُلُوك ماردين وَله في مدائحهم الْغرَر وامتدح النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاون والمؤيد وَكَانَ يتهم بالرفض قَالَ ابْن حجر وفي شعره مَا يشْعر بِهِ وَكَانَ مَعَ ذَلِك يتنصل بِلِسَانِهِ وَهُوَ فِي أشعاره مَوْجُود فإن فِيهَا مَا يُنَاقض ذَلِك وَأول مَا دخل الْقَاهِرَة سنة بضع وَعشْرين فمدح عَلَاء الدَّين ين الاثير فاقبل عَلَيْهِ وأوصله إلى السُّلْطَان وَاجْتمعَ بِابْن سيد النَّاس وأبي حَيَّان وفضلاء ذَلِك الْعَصْر فَاعْتَرفُوا بفضائله وَكَانَ الصَّدْر شمس الدَّين عبد اللَّطِيف يعْتَقد أَنه مَا نظم الشّعْر أحد مثله وَهَذَا لَا يُسلمهُ من لَهُ معرفَة بالأدب بِالنِّسْبَةِ إلى أهل عصره فضلاء عَن غَيرهم وديوان شعره مَشْهُور يشْتَمل على فنون كَثِيرَة وَله البديعية الْمَشْهُورَة وَجعل لَهَا شرحاً وَذكر فِيهِ أَنه استمد من مائَة وَأَرْبَعين كتاباً وَمن محَاسِن شعره وَفِيه الِاسْتِخْدَام فى كلا الْبَيْتَيْنِ
(1/358)

(إذا لم أبرقع بالحيا وَجه عفتي ... فَلَا أشبهته راحتي في التّكرم)
(وَلَا كنت مِمَّن يكسر الجفن فى الوغى ... إذا أَنا لم أغضضه عَن فعل محرّم)
مَاتَ سنة 752 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة
241 - عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جمَاعَة بن صَخْر الكناني الشافعي
ولد في تَاسِع عشر الْمحرم سنة 694 أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وأحضر على عمر بن القواس وأبي الْفضل بن عَسَاكِر وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كالدمياطي وطبقته وَبلغ عدد شُيُوخه ألفاً وثلثمائة نفس وتفقه على وَالِده وَأخذ عَن عَلَاء الدَّين الباجى وأبي حَيَّان ودرس فِي سنة 754 إلى أَن مَاتَ وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق كثير الْفَضَائِل قَالَ الذهبي سمع وَكتب الطباق وعنى بِهَذَا الشَّأْن وَولى الْقَضَاء بالديار المصرية سنة 728 وباشره بعفة وَلم يزل على ذَلِك إلى أَن عزل نَفسه فى سنة 754 واسأذن في الْحَج فَأذن لَهُ وَلم يزل بِهِ أُمَرَاء الدولة إلى أَن عَاد إلى الْقَضَاء ثمَّ كَانَ بعض عُظَمَاء الدولة يعانده فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة فعزل نَفسه في سنة 766 وَحمل في كمه ختمة شريفة فتوسل بهَا إلى السُّلْطَان فأعفاه وَاسْتمرّ يدرس في مَوَاضِع ثمَّ حج وجاور وَله مصنفات قَالَ ابْن رَافع جمع شَيْئا على الْمَذْهَب وَعمل الْمَنَاسِك الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وَخرج أَحَادِيث الرافعي وَتكلم على مَوَاضِع من الْمِنْهَاج وَقَالَ
(1/359)

الأسنوي فِي الطَّبَقَات نَشأ في الْعلم ودرّس وأفتى وصنّف تصانيف حساناً وخطب بالجامع الْجَدِيد وَسَار سيرة حَسَنَة في الْقَضَاء وَكَانَ حسن المحاضرة سريع الْخط سليم الصَّدْر محباً لأهل الْعلم شَدِيد التصميم في الْأُمُور الَّتِى تصل اليه وَكَانَت فِيهِ عجلة في الْجَواب وَلم يكن فِيهِ حذق وغالب أُمُوره بِحَسب من يتوسط بِخَير أَو شَرّ قَالَ ابْن حجر وَلم يكن فِيهِ مَا يعاب الا أَنه كَانَ غير ماهر فى الْفِقْه وَكَانَ يتَمَنَّى الْمَوْت بأحد الْحَرَمَيْنِ معزولاً عَن الْقَضَاء فنال مَا تمنى فإنه حجّ وجاور فَمَاتَ بِمَكَّة في سنة 767 سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَدفن بالحجون وَقد وَقع الإلحاح عَلَيْهِ في أَن يعود إلى الْقَضَاء حَتَّى وصل إليه الامراء وقضاة الْمذَاهب وراودوه بِكُل مُمكن فصمّم على الِامْتِنَاع وَحلف إيماناً مُغَلّظَة أَنه لَا يعود فَللَّه دره
242 - عبد الْقَادِر بن احْمَد الفاكهي ثمَّ المكي الْعَالم الْمَشْهُور
لَهُ تصانيف مِنْهَا شرح مَنْهَج القاضي زَكَرِيَّا وَشرح قصيدة الصفي الحلي وَكتاب في زِيَارَة النبى صلى الله عَلَيْهِ واله وَسلم وَكتاب في فَضَائِل شَيْخه ابْن حجر الهيثمي وَمَات سنة 989 تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
243 - السَّيِّد عبد الْقَادِر بن احْمَد بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدَّين
بن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين بن الإمام المهدي احْمَد بن يحيى قد تقدم تَمام نِسْبَة في تَرْجَمَة الإمام المهدي احْمَد بن يحيى وَهُوَ شَيخنَا الإمام الْمُحدث الْحَافِظ الْمسند الْمُجْتَهد الْمُطلق ولد كَمَا نقلته من خطه في شهر الْقعدَة سنة 1135 خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بكوكبان فَقَرَأَ على من بِهِ من الْعلمَاء ثمَّ ارتحل إلى صنعاء فَأخذ عَن أكَابِر علمائها كالسيد
(1/360)

الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وَالسَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى وَغَيرهم ثمَّ ارتحل إلى مَدِينَة ذمّار وَهِي إِذْ ذَاك مشحونة بعلماء الْفِقْه والفرائض فأخذ عَن شيوخها فِي الْفِقْه والفرائض ثمَّ تردد في جَمِيع مَدَائِن الْيمن وَأخذ عَن كل من لقِيه من الْعلمَاء ثمَّ ارتحل إلى مَكَّة وَالْمَدينَة فأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ وشيوخه قد اشْتَمَل عَلَيْهِم مُجَلد حافل ذكر فِيهِ من أَخذ عَنهُ وَمن أجَاز لَهُ والأسانيد الَّتِى تلقاها عَن شُيُوخه وبقي مُهَاجرا فِي الْحَرَمَيْنِ نَحْو عَاميْنِ ثمَّ عَاد الى كوكبان وَصَنْعَاء ثمَّ استوطن كوكبان وَاسْتقر هُنَالك ينشر الْعلم ويفيد الطالبين وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ أميركوكبان إِذْ ذَاك السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَجَمَاعَة كَثِيرَة مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن على وَمِنْهُم وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ يفد إلى صنعاء فِي الأمور المهمة كوفوده عِنْد موت الإمام المهدي رَحمَه الله لمبايعة وَلَده مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَكَانَ في مُدَّة إقامته هُنَالك قد طَار صيته في جَمِيع الأقطار اليمنية وَأقر لَهُ بالتفرد في جَمِيع أَنْوَاع الْعلم كل أحد بعد موت شَيْخه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وأني أذكر وَأَنا فِي الْمكتب مَعَ الصبيان أَنى سَأَلت وَالِدي رَحمَه الله عَن أعلم من بالديار اليمنية إذ ذَاك فَقَالَ فلَان يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وأخبرني الْعَالم الْفَاضِل عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الريمي أَنه حضر في بعض المواقف بِصَنْعَاء وَقد كَانَ اجْتمع فِيهِ أكَابِر عُلَمَاء صنعاء وَسَمَّاهُمْ لي وكل وَاحِد لَهُ شهرة كَبِيرَة بِالْعلمِ والتفنن فِيهِ قَالَ وَمن جملَة الْحَاضِرين صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ أَصْغَرهم سناً وَكَانَ ذَلِك في إحدى قدماته إلى صنعاء قَالَ فرأيتهم يتواضعون لَهُ ويخضعون لعلمه ويستفيدون مِنْهُ ويعترفون بارتفاع دَرَجَته
(1/361)

عَلَيْهِم وَهَذَا الِاجْتِمَاع بَينه وَبَين قدوم شَيخنَا إلى صنعاء واستقراره فِيهَا سنُون كَثِيرَة فإنه قدم هَذَا الْقدوم الآخر الذي اسْتَقر فِيهِ وَلم يبْق من أُولَئِكَ الأعيان الَّذين كَانُوا في ذَلِك الْموقف أحد ثمَّ لما أَرَادَ الله إحياء عُلُوم الحَدِيث بل وَسَائِر الْعُلُوم بِصَنْعَاء جرت بَينه وَبَين أَمِير كوكبان السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن مناكدة فأظهر أَنه يُرِيد الْخُرُوج من كوكبان إلى وادي ظهر للتنزه بِهِ أَيَّام الخريف فَأذن لَهُ السَّيِّد إبراهيم فَخرج وَاسْتقر أَيَّامًا بوادى ظهر وَمَا زَالَ يُرْسل لأَهله ولكتبه وَلِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إليه ثمَّ كتب إِلَى الْوَزير الخطير الْحسن بن على حَنش الْمُتَقَدّم ذكره بِأَنَّهُ يُرِيد الِانْتِقَال إِلَى صنعاء فَرفع الْقَضِيَّة إِلَى خَليفَة الْعَصْر حفظه الله فَأذن بذلك وأنزله بدار الْفرج من بير الْعَرَب فسكن فِيهَا ووفد إِلَيْهِ أكَابِر عُلَمَاء صنعا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أعيانهم كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم ابْن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَمِنْهُم الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش وَأخذت عَنهُ في عُلُوم عدَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ في صَحِيح مُسلم من أَوله إِلَى آخِره بِلَا فَوت مَعَ بعض شَرحه للنووي وَبَعض صَحِيح البخاري مَعَ بعض من شَرحه فتح الباري وَبَعض جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَسنَن الترمذي من أَولهَا إلى آخرهَا بِلَا فَوت وَبَعض سنَن ابْن مَاجَه وَبَعض الْمُوَطَّأ وَبَعض الْمُنْتَقى لِابْنِ تَيْمِية وَبَعض شِفَاء القاضي عِيَاض وَسمعت مِنْهُ كثيراً من الأحاديث المسلسلة كالحديث المسلسل بِيَوْم الْعِيد والمسلسل بالمصافحة والمسلسل بالمشابكة وَغير ذَلِك وقرأت عَلَيْهِ في علم الِاصْطِلَاح بعض منظومة الزين العراقي وَشَرحهَا وفي الْفِقْه بعض ضوء النَّهَار
(1/362)

وَبَعض الْبَحْر الزخار مَعَ حواشيهما وفي علم أصُول الدَّين بعض المواقف العضدية وَشَرحهَا للشريف وَبَعض القلايد وَشَرحهَا وَفِي أصُول الْفِقْه بعض جمع الْجَوَامِع وَشَرحه للمحلى وفى اللُّغَة بعض الصِّحَاح وَبَعض الْقَامُوس ومؤلفه الذي سَمَّاهُ فلك الْقَامُوس وفي الْعرُوض الجزازية وَشَرحهَا جَمِيعًا وَسمعت مِنْهُ في غير هَذِه الْكتب مِمَّا لم استحضره حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة وَكَانَت الْقرَاءَات جَمِيعهَا يجري فِيهَا من المباحث الْجَارِيَة على نمط الِاجْتِهَاد في الإصدار والإيراد مَا تشدّ إليه الرحال وَرُبمَا أنجرّ الْبَحْث إِلَى تَحْرِير رسائل مُطَوَّلَة وَوَقع من هَذَا كثير وَكنت أحرر مَا يظْهر لى فى بعض الْمسَائِل وأعرضه عَلَيْهِ فان وَافق مالديه من اجْتِهَاده فى تِلْكَ المسئلة قرظه تَارَة بالنظم الْفَائِق وَتارَة بالنثر الرَّائِق وَإِن لم يُوَافق كتب عَلَيْهِ ثمَّ أكتب على مَا كتبه ثمَّ كَذَلِك فإن بعض الْمسَائِل الَّتِى وَقعت فِيهَا المباحثة حَال الْقِرَاءَة اجْتمع مَا حررته وحرره فِيهَا إِلَى سبع رسائل وَكَانَ رَحمَه الله متبحراً في جَمِيع المعارف العلمية على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا يعرف كل فن مِنْهَا معرفَة يظن من باحثه فِيهِ أَنه لَا يحسن سواهُ وَالْحَاصِل أنه من عجائب الزَّمن ومحاسن الْيمن يرجع إِلَيْهِ أهل كل فن في فنهم الذي لَا يحسنون سواهُ فيفيدهم ثمَّ ينْفَرد عَن النَّاس بفنون لَا يعْرفُونَ أسماءها فضلاً عَن زِيَادَة على ذَلِك وَله في الأدب يَد طولى فإنه ينظم القصيدة الفائقة فِي لَحْظَة مختطفة بِحَيْثُ لَا يصدق بذلك إِلَّا من لَهُ بِهِ مزِيد اختبار وَمَعَ هَذَا فَفِيهِ من لطف الطَّبْع وَحسن المحاضرة وَجَمِيل المذاكرة والبشاش ومزيد التَّوَاضُع وَكَمَال التودّد وملاحه النادرة مَالا يُمكن إِلَّا حاطة بوصفه ومجالسته هي نزهة الأذهان والعقول لما لَدَيْهِ من الاخبار
(1/363)

الَّتِى تشنف الاسماع والأشعار المهذبة للطباع والحكايات عَن الأقطار الْبَعِيدَة وَأَهْلهَا وعجائبهابحيث يظن السَّامع أَنه قد عرفهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلم يكن الأمر كَذَلِك فإنه لم يعرف غير الْيمن والحرمين وَلكنه كَانَ باهر الذكاء قوي التَّصَوُّر كثير الْبَحْث عَن الْحَقَائِق فاستفاد ذَلِك في أَيَّام مجاورته في الْحَرَمَيْنِ لوفود أهل الأقطار الْبَعِيدَة إلى هُنَالك وَكنت أَظن عِنْد ابْتِدَاء اتصالي بِهِ أَنه قد عرف بِلَاد مصر لِكَثْرَة حكاياته عَن أَهلهَا وَعَن عجائب وغرائب مَوْجُودَة فِيهَا في عصره لَا فِيمَا تقدم فإنه لَا يستنكر ذَلِك لِأَنَّهُ قد صنّف النَّاس في أَخْبَارهَا مصنّفات يَسْتَفِيد بهَا من أكبّ على مطالعتها مَا يقرب من الْمشَاهد كالخطط والْآثَار للمقريزي وَحسن المحاضرة في أَخْبَار مصر والقاهرة للسيوطي إنما الشَّأْن فِيمَا يحكيه صَاحب التَّرْجَمَة على ماجرت في عصره فإن ذَلِك هُوَ الأمر العجيب الدَّال على اخْتِصَاصه بمالا يقوم بِهِ غَيره
(لَيْسَ على الله بمستنكر ... أَن يجمع الْعَالم في وَاحِد)
وَله في حسن التَّعْلِيم صناعَة لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره فإنه يجذب الى محبته وإلى الْعَمَل بالأدلة من طبعه أكثف من الصخر وإذا جالسه منحرف الْأَخْلَاق أَو من لَهُ في الْمسَائِل الدِّينِيَّة بعض شقَاق جَاءَ من سحر بَيَانه بِمَا يؤلف بَين المَاء وَالنَّار وَيجمع بَين الضَّب وَالنُّون فَلَا يُفَارِقهُ إِلَّا هُوَ عَنهُ رَاض وَلَقَد كنت أرى مِنْهُ من هَذَا الْجِنْس مَا يزْدَاد مِنْهُ تعجبى ولذاتم خَبره بأحوال النَّاس وَبِمَا يَلِيق بِكُل وَاحِد مِنْهُم وَمَا يُنَاسِبه ومالا يُنَاسِبه وَله في علم الطِّبّ مُشَاركَة قَوِيَّة وَله في كل الصناعات العملية كائنة مَا كَانَت أتمّ اختبار وَكَانَ النَّاس يقصدونه على اخْتِلَاف طبقاتهم فَأهل
(1/364)

الْعلم يقصدونه ليستفيدوا من علمه والأدباء ليأخذوا من أدبه ويعرضوا عَلَيْهِ أشعارهم والمحاويج يأتونه ليشفع لَهُم عِنْد أَرْبَاب الدُّنْيَا ويواسيهم بِمَا يُمكنهُ وَكَرمه كلمة اجماع والمرضى يلوذون بِهِ لمداواتهم وغرباء الديار من أهل الْعلم ينزلهم في منزله ويفضل عَلَيْهِم بِجَمِيعِ مَا يحتاجونه وَيسْعَى فِي قَضَاء أغراضهم ونيل مطالبهم وَهُوَ مَقْبُول الشَّفَاعَة وافر الْحُرْمَة عَظِيم الجاه وَبِالْجُمْلَةِ فَلم ترعينى مثله في كمالاته وَلم آخذ عَن أحد يُسَاوِيه في مَجْمُوع علومه وَلم يكن بالديار اليمنية في آخر مدَّته لَهُ نَظِير وَكَانَ لما جبل عَلَيْهِ من حسن الْأَخْلَاق لَا يبدى من علومه عِنْد المناظرة مَا يَنْقَطِع بِهِ من يناظره لاسيما إذا كَانَ من يناظره من الْمُقَصِّرِينَ كل ذَلِك محبَّة مِنْهُ لجبر الخواطر وائتلاف الْقُلُوب وَرُبمَا يتأثر عَن ذَلِك لبَعض من لم يحط بِهِ خَبرا أَنه لَيْسَ كَمَا يَقُول النَّاس فِي التفرد بِالْعلمِ وَقد سَمِعت هَذَا من كثير من الَّذين لم يبلغُوا فِي الْعلم مبالغ الْكَمَال وَلَو عرفوه كَمَا عرفه أهل الْكَمَال الممارسون لَهُ لعلموا بَان الْحَامِل لَهُ على التسامح فِي مناظرتهم مَا جبل عَلَيْهِ من سحاحة الْخلق وَكَانَ رَحمَه الله لَا يتَعَرَّض لتنقيص أحد كَائِنا من كَانَ بل يذكر من كل أحد مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من المحاسن ويغطى عَن مساويه وَهُوَ أعرف بهَا من غَيره ويبالغ في وصف من لَهُ اشْتِغَال بِالْعلمِ وينشر من محاسنه مَالا يسمح بِهِ غَيره بعبارات تعشقها الْقُلُوب وترتشفها الأسماع وَتقبل عَلَيْهَا الطباع وَهُوَ رَحمَه الله من جملَة من رغّبني فِي تأليف شرح على الْمُنْتَقى فشرعت فِيهِ فِي حَيَاته وَعرضت عَلَيْهِ كراريس من أَوله فَقَالَ إِذا كمل على هَذِه الْكَيْفِيَّة كَانَ فِي نَحْو عشْرين مجلداً وَأهل الْعَصْر لَا يرغبون فِيمَا بلغ من التَّطْوِيل الى دون هَذَا الْمِقْدَار ثمَّ أرشدني إِلَى الِاخْتِصَار فَفعلت
(1/365)

فكمل بِحَمْد الله وبيّضته فِي أَربع مجلدات وَلم يكمل إِلَّا بعد مَوته بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِين وَقد أجازني اجازة عَامَّة كتبهَا الى بعد أَن مكنني من كتاب أسانيده فنقلت مِنْهُ مَا أُرِيد نَقله وَلم يكن لَهُ كَثْرَة اشْتِغَال بالتأليف وَلَو أَرَادَ ذَلِك لَكَانَ لَهُ فِي كل فن مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَله رسائل حافلة ومباحث مُطَوَّلَة هى مَجْمُوعَة فى مُجَلد وَالْكثير مِنْهَا لم يكن فِيهِ فإنه كَانَ مَقْصُودا بالمشكلات فِي كل فن من جَمِيع الأقطار اليمنية وَلكنه لم يحرص على جمع ذَلِك كُلية الْحِرْص وَمن مؤلفاته شرح نزهة الطرف في الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف للسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الْأَخْفَش الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ شرح نَفِيس مُفِيد فِي مُجَلد لطيف وَله فلك الْقَامُوس في كراريس وَله حواش على ضوء النَّهَار في نسخته لَو جمعت لكَانَتْ حَاشِيَة مُسْتَقلَّة وَقد كَانَ وَلَده الْعَلامَة إبراهيم شرع فِي جمعهَا وَضم اليها أنظارا لَهُ وَلم أَقف على شئ مِنْهَا وَلَعَلَّه لم يَتَيَسَّر لَهُ تَمامهَا وبيني وَبَينه رَحمَه الله مطارحات أدبية فَمِنْهَا قصيدة كتبتها إِلَيْهِ وهى
(من دونهَا ياعمرو وخز الرماح ... وَعِنْدهَا فَاعْلَم صليل الصفاح)
(لَا يسمع السَّامع في حيها ... غير جلاد مفزع أَو كفاح)
(فسر اليها سير متهور ... مستبدل فِيهَا الحيا بالوقاح)
(مشمرا قد حم لاينثنى ... عَن حبها لعاذل أَو للاح)
(فَمَا يهاب العتب من فَازَ من ... غَايَة أمْنِيته بالنجاح)
(سعى فَلَمَّا ظَفرت بالمنى ... يَمِينه ألْقى الْعَصَا واستراح)
(قد أتعب السير رحالي وَقد ... آن لَهَا بعد الوجى أَن تراح)
(فقد أقامتني عَداهَا الردى ... بِربع طود الْعلم بَحر السماح)
(1/366)

(من هز للعليا قناة وَمن ... حمى حماها فهي لَا تستباح)
(من شاد للسنة أعلامها ... من كافح الْبِدْعَة كل الكفاح)
(مجدّداً مُجْتَهدا جاهدا ... للدّين فى علم الْهدى وَالصَّلَاح)
(ياعالم السنّة في دَهْرنَا ... وقطب أَرْبَاب النهى والفلاح)
(مايال من أنصف فِي عصرنا ... وَمَال نَحْو المسندات الصِّحَاح)
(واطرح التَّقْلِيد من حالق
(مقطّعاً ربقته والوشاح)
(يرْمى بداء النصب في قومه ... وَمَا على الرامي لَهُ من جنَاح)
(يمزقون الْعرض مِنْهُ إذا ... جَاءَ بمرّ الْحق فيهم وَرَاح)
(يلقى لديهم من صنوف الأذى ... كلّ قَبِيح فى المسا والصباح)
(ابْن قزند البهت مِنْهُم غَدا ... منقدحاً في الْقلب أيّ انقداح)
فأحاب رَحمَه الله تَعَالَى بقوله
(دع قَول واشٍ فعذول فلاح ... فَلَيْسَ فِيمَا نمّقوه فلاح)
(وَفَارق الرَّوْض وماراق من ... طيب عَيْش فاق ان لَاحَ لَاحَ)
(نفسي فدا أَحْمد والآل من ... في حبهم نيل النجا والنجاح)
(من حلّ في نجد وغور وفي ... كل مَكَان ومهبّ الرِّيَاح)
(عاملهم ركني على أنني ... أَدْعُو لكل مِنْهُم بالصلاح)
(وأنصح الْجَاهِل مِنْهُم وهم ... كلهم أفضل من جا وَرَاح)
(أحبّ من أهلي هم دَائِما ... وَلَو لقاني عاذلي بالكفاح)
(فحبهم أفضل مَا أرتجي ... من فعل خير وَاجِب أَو مُبَاح)
(وكل قَول لَهُم ارتضى ... يرويهِ في الْبَحْر إمام الْفَلاح)
(تعساً لمن عاداهم يدعي ... تشيّعاً وَهُوَ عَدو براح)
(1/367)

(وَيقصر الْحق على خَمْسَة ... وَقَول باقبهم لَدَيْهِ نباح)
(وكلّ من عاصره مِنْهُم ... يودّ لَو قِطْعَة بالصفاح)
(كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بني الْمُصْطَفى ... لَدَيْهِ تَبًّا لبغيض وقاح)
(تقليدهم قد أَجمعُوا أَنه ... لعالم بِالنَّصِّ لَا يستباح)
(وأوجبوا الْمَشْي مَعَ النَّص إن ... لم يَك للْعَالم بُد سجَاح)
(فَمن أَبى هَذَا فَدَعْهُ وَلَا ... تَلقاهُ يَوْمًا غدْوَة أَو رواح)
(عَلَيْك الْآل تمسك بهم ... وان تلقاك العدى بِالسِّلَاحِ)
(ياعالم السنة في عصرنا ... وَمن بِهِ يمتاز مِنْهَا الصِّحَاح)
(دمت تجلي كل مستشكل ... بِنور فهم مِنْهُ نور الصَّباح)
(يهدى بِعلم كلما أنشدت ... دع قَول واش فعذول فلاح)
وبيني وَبَينه مكاتبات أدبية من نظم ونثر وَلم يحضر حَال تَحْرِير هَذَا إِلَّا هَذِه وَقد كَانَ رَحمَه الله يمِيل إِلَى كل الْميل ويؤثرني ابلغ تَأْثِير وَمَا سَأَلته الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِي كتاب فَأبى قط بل كَانَ يبتديني تارات وَيَقُول تقْرَأ في كَذَا وَكَانَ يبْذل لي كتبه ويؤثرني بهَا على نَفسه ومازال ناشراً للعلوم قَائِما بتفهيم منثورها والمنظوم حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس ربيع الأول سنة 1207 سبع وَمِائَتَيْنِ وألف وتأسّف النَّاس على فَقده ورثاه الشُّعَرَاء بمراث حسان هى مَجْمُوعَة فى كراريس وَأَنا من جملَة من رثاه بقصيدة مطْلعهَا
(تهدّم من ربع المعارف جَانِبه ... وَأصْبح في شغل عَن الْعلم طَالبه)
(1/368)

244 - عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن علي بن عبد الْمُؤمن النزيلى
الْخَطِيب بِجَامِع صنعاء في أَيَّام الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن وَبَعض أَيَّام وَلَده الْمَنْصُور بِاللَّه هُوَ من البلغاء فِي النظم والنثر فَمن شعره مَا كتبه إلى السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير
(عد عَن ذكر الْحمى والكثب ... وأدر ذكر بديع الشنب)
(واروعن مَكْحُول طرف مِنْهُ قد ... ارشق الْقلب نبال الوصب)
(وأدركاس طلاً من ذكره ... مازجاً من رِيقه بِالضَّرْبِ)
(لَا تغالطني بغزلان النقا ... فغزال الْحسن أقْصَى أربى)
(أَنا أدري أَيْن قلبي موثق ... وبمن هام وَمن أَيْن سبي)
(لَا أسمي من سبانى حسنه ... انما التمويه فِيهِ مذهبي)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَله شعر كثير منسجم الى الغابة وَكَانَ لَهُ معرفَة بمواقع الْخطب على حسب الْحَوَادِث ويجودها ببلاغته وَكَانَ جَلِيسا للإمام المتَوَكل على الله وَفِيه خفَّة روح وظرافة وَخلف دنيا وَاسِعَة عَاشَ فِيهَا من بعده وَالْمَوْجُود الْآن أَوْلَاد وَلَده وهم فِي غنية بِمَا خَلفه جدهم من الأموال وَمَات في شعْبَان سنة 1154 أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف
245 - عبد الْقَادِر بن على البدرى الثلائى
الْعَلامَة الْمُجْتَهد المتبحّر في جَمِيع الْعُلُوم ولد سنة 1070 سبعين وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالعلامة المقبلي الْمُتَقَدّم ذكره وَله مسَائِل ورسائل يسْلك فِيهَا مسالك الْمُجْتَهدين ويحررها تَحْرِير امتقنا ويمشي مَعَ الدَّلِيل وَلَا يعبأ بِمَا يُخَالِفهُ من القال والقيل وَكَانَ قَاضِيا لمدينة ثلا وامتحن في أَوَائِل دولة الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم لسَبَب
(1/369)

مفترى وَكَانَ قَصِيرا جدا فَحَمله بعض الْعَامَّة وَكَانَ يترقص بِهِ وَيَقُول
(مَتى يَا طلعت البدريّ ... تواصل مغرمك)
فعاقبه الله سُبْحَانَهُ وَقتل شَرّ قتلة وسيأتي لَهُ ذكر في تَرْجَمَة السَّيِّد عبد الله الْوَزير وَمَات سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف رَحمَه الله وَولده يُوسُف من أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الْعباد وحفيد صَاحب التَّرْجَمَة أَحْمد بن يُوسُف بن عبد الْقَادِر هُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف قاضي ثلا وَهُوَ من خيرة قُضَاة الْعَصْر وَله عرفان تَامّ
246 - عبد الْقَادِر بن علي المحيرسي الزّيدي الحيمي اليماني صَاحب الْحَاشِيَة على شرح الأزهار
وهي حَاشِيَة نفيسة وفيهَا أبحاث تدل على أَن صَاحب التَّرْجَمَة لَهُ عرفان بِغَيْر الْفِقْه وتطلع إِلَى النظر في الْمسَائِل لَا كَغَيْرِهِ من الجامدين على علم الْفُرُوع أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى وَكَانَ من الْمُجَاهدين للأروام يَقُود العساكر من الحيمة وَيقدم غَايَة الإقدام وَكَانَ بَين وَالِده وَبَين صَاحب كوكبان حروب كَبِيرَة وَاسْتشْهدَ في أَحدهَا وَيُقَال أنه كَانَ لَهُ هيكل لَا يُصِيبهُ شئ وَهُوَ مَعَه فَكَانَ يمارس الحروب غير مبال بِمَا يَقع من الْخُصُوم فاحتالوا عَلَيْهِ فِي أَخذه فأصيب ثمَّ صَار هَذَا الهيكل إِلَى وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة وبسببه سلم مَكَانَهُ في الْحمى من الْحَرِيق بعد أَن أحرق جَمِيع الْأَمْكِنَة وَقيل أنه كَانَ لَهُ صَاحب من مؤمني الْجِنّ يصلّي مَعَه ويجالسه وَكَانَ قوالاً بِالْحَقِّ كثير الصَّدَقَة واطعام الطَّعَام وَمَات في رَجَب سنة 1077 سبع وَسبعين وَألف وَكَانَ لَهُ أَخ من نَوَادِر الزَّمَان في قُوَّة الذكاء وَسُرْعَة الْحِفْظ والتمكن من معرفَة مذهبَة
(1/370)

ثمَّ قَرَأَ فقه الْحَنَفِيَّة وَتَوَلَّى الْقَضَاء للأروام بِصَنْعَاء وَكَانَ يقْضى بمذهبهم ويفتيهم بلسانهم ويفتي أهل فَارس باللغة الفارسية وَالْعرب باللغة الْعَرَبيَّة مَعَ تبحر في علم الْمَعْقُول وَشَيْخه في فقه مذهبَة السَّيِّد الْمُفْتى الزيدي ثمَّ أنه اخْتَلَط بِآخِرهِ لدقة فكره واشتغال ذهنه وَكَانَ يذكر أَنه المهدي المنتظر وَتارَة يَقُول هُوَ الدَّابَّة الَّتِى تكلم النَّاس وَله أشعار فائقة ثمَّ دخل مَكَّة وَتوفى بهَا في أَفْرَاد الْخمسين بعد الألف
249 - عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ الْمَكِّيّ الشافعي
ولد سنة 972 اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وبرع في جَمِيع الْفُنُون وفَاق وَله مصنفات مِنْهَا شرح الدريدية الْمُسَمّى بِالْآيَاتِ الْمَقْصُورَة على الابيات الْمَقْصُورَة وَحسن السريرة فى حسن السِّيرَة وَله بديعية وَشَرحهَا وسماها عليّ الْحجَّة بِتَأْخِير أَبى بكر ابْن حجَّة وَله نشاءات السلافة بمنشآت الْخلَافَة وَشرح قِطْعَة من ديوَان المتنبي وَله عدَّة رسائل وَكَانَ شرِيف مَكَّة حسن ابْن أبي نميّ يُكرمهُ إكراماً عَظِيما وَلِهَذَا كَانَ أَكثر مصنفاته باسمه وَمن لطيف مَا وَقع لَهُ أَنه لما صنّف شرح الدريدية الْمُتَقَدّم ذكره باسم الشريف الْمَذْكُور وَوصل بِهِ اليه كَانَ ذكر لَهُ أَنه أنشأ بَيْتَيْنِ فيهمَا تَارِيخ تَمام تأليفه على لِسَان الْكتاب وهما
(أرخني مؤلفي ... بِبَيْت شعر مَا ذهب)
(أَحْمد جود ماجد ... أجازني ألف ذهب)
فَتَبَسَّمَ الشريف وَوضع الْكتاب في حجره وَوضع يَده على رأسه وَقَالَ على الرَّأْس وَالْعين وَالله إن ذَلِك نزر يسير في مُقَابلَته وإني أَحْمد الله الَّذِي أوجد مثلك فِي زمني واتفقت لَهُ محنة كَانَت سَبَب مَوته وَذَلِكَ أَنه
(1/371)

استناب وَلَده يخْطب للعيد وَكَانَت أول خطْبَة حصلت لَهُ فتهيأ لذَلِك فَمَنعه بعض أُمَرَاء الأروام الواردين إلى مَكَّة ذَلِك الْعَام وَرغب في أَن يكون الْخَطِيب حنفياً فَعظم ذَلِك على صَاحب التَّرْجَمَة جداً وفاضت نَفسه في الْحَال كمداً وَذَلِكَ في سنة 1032 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَ مَوته والخطيب على الْمِنْبَر وَقدم للصَّلَاة عَلَيْهِ بعد تِلْكَ الْخطْبَة
248 - السَّيِّد عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسحاق ابْن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الإمام الْقَاسِم
مولده سنة 1159 تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي وتميز في أَنْوَاع من الْعلم وَله نظم لم يحضرنى مِنْهُ الْآن شئ وَفِيه سُكُون وَحسن سمت ووقار وعفة ونزاهة وديانة وبشاش وكرم انفاس وعلو همة وشهامة نفس ورياسة وكياسة وانجماع لَا سِيمَا عَن بني الدُّنْيَا وتودد إلى أَصْحَابه ومعارفه وَهُوَ الْآن حى ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله في دن وصاب انْهَدم عَلَيْهِ الْمنزل الذي كَانَ فِيهِ فِي أحد شهري جُمَادَى سنة 1225 خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
249 - عبد الْكَرِيم بن هبة الله ابْن السديد الْمصْرِيّ الملقّب كريم الدَّين الْكَبِير أَبُو الْفَضَائِل
وَكيل السُّلْطَان ومدبر الدولة الناصرية أسلم كهلاً أَيَّام بيبرس الجاشنكير وَكَانَ كَاتبه فَلَمَّا هرب بيبرس وَدخل النَّاصِر الْقَاهِرَة تطلبه إلى أَن ظفر بِهِ وصادره على مائَة ألف دِينَار فالتزم بهَا وَلم يزل جمَاعَة من الْأُمَرَاء يتلطفون للسُّلْطَان إلى أَن سمح بجملة من ذَلِك وَقَررهُ في نظر الْخَاصَّة فَهُوَ
(1/372)

أول من بَاشَرَهَا وَتقدم بعد ذَلِك عِنْد النَّاصِر حَتَّى صَارَت الخزائن كلهَا في يَده وإذا طلب النَّاصِر شَيْئا يُرْسل إليه قَاصِدا من عِنْده يستدعي مِنْهُ مَا يُرِيد فيجهز لَهُ ذَلِك من بَيته وَعظم جداً وَصَارَ يركب في عدَّة مماليك نَحْو السّبْعين والأمراء يركبون في خدمته وَبلغ من عظم قدره أنه مرض مرة فَلَمَّا عوفي دخل إلى مصر فزينت لَهُ وَكَانَ عدد الشمع ألفاً وَسَبْعمائة شمعة وَركب حراقة فلاقاه التُّجَّار ونثروا عَلَيْهِ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَعمر الْجَوَامِع وَفعل المحاسن وَكَانَ السُّلْطَان إذا أَرَادَ أَن يحدث شراً على أحد فَحَضَرَ كريم الدَّين تَركه وَقَالَ القاضي عَلَاء الدَّين هَذِه المكارم مَا يَفْعَلهَا كريم الدَّين الا لمن يخافه فأسرها في نَفسه وَرَاح إليه يَوْمًا على غَفلَة فأضافه بِمَا حضر إليه ثمَّ أرسل كريم الدَّين من أحضر إليه أنواعاً من المآكل والملابس وَدفع إليه كيساُ فِيهِ خَمْسَة الآف دِرْهَم وتوفيع بِزِيَادَة فِي رواتبه من الدَّرَاهِم وَالْغلَّة والملبوس وَغير ذَلِك وَخرج من عِنْده فَلَمَّا خرج عَلَاء الدَّين يودعه قَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا وَالله مَا افْعَل هَذَا تكلفاً وَأَنا وَالله لَا أرجوك وَلَا أخاف وَكَانَ يتَصَدَّق بصدقات طايلة ويجتمع لذَلِك الْفُقَرَاء حَتَّى مَاتَ مرّة من الزحمة على تِلْكَ الصَّدَقَة ثَلَاثَة أنفس وَمن رياسته أنه كَانَ إِذا قَالَ نعم استمرت وإذا قَالَ لَا استمرت وَكَانَ يُوفي دُيُون من فِي الْحَبْس وَيُطلق من فِيهَا دَائِما وَكَانَ مَعَ جودة عادلاً وقوراً جزل الرأي بعيد الْغَوْر يحب الْعلمَاء والفضلاء وَيحسن اليهم كثيراً قَالَ الذهبي وَكَانَ لَا يتَكَلَّف في ملبس ولازى وَلما انحرف عَنهُ السُّلْطَان أوقع الحوطة على دوره وموجوده وَذَلِكَ فِي رَابِع عشر ربيع الآخر سنة 723 ثمَّ أَمر بِلُزُوم بَيته بالقرافة ثمَّ نقل إِلَى الشوبك ثمَّ إلى الْقُدس ثمَّ أُعِيد إلى الْقَاهِرَة سنة 724 ثمَّ سفّر إلى
(1/373)

أسوان فأصبح مشنوقاً وَيُقَال أنه لما أُرِيد قَتله تَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ هاتوا عِشْنَا سعداء ومتنا شُهَدَاء وَكَانَ الْعَوام يَقُولُونَ مَا أحسن النَّاصِر إلى اُحْدُ مَا أحسن الى كريم الدَّين أسعده فى الدُّنْيَا والاخرة ولماأمر السُّلْطَان بِنَقْل موجوده إِلَى القلعة على بغال فَكَانَ أَولهَا بِبَاب بَيته واخرها بِبَاب القلعة وَحمل على الافقاص مائَة وَثَمَانُونَ قفصاً ثَلَاثَة أيام فِي كل يَوْم ثَلَاث دفعات أَو دفعتين سوى مَا كَانَ ينْقل مَعَ الخدام من الْأَشْيَاء الفاخرة الَّتِى لَا يُؤمن عَلَيْهَا مَعَ غَيرهم وَوجد لَهُ من النَّقْد خَاصَّة ثَمَانُون ألف قِنْطَار وَكَانَ عدد الصناديق الَّتِى فِيهَا أَصْنَاف الْعطر من الْعود والعنبر والمسك أحد وأربعين صندوقاً
250 - عبد اللَّطِيف بن عبد الْعَزِيز بن أَمِين الدَّين ابْن فرشتا الحنفيّ
وفرشتا هُوَ الْملك لَهُ تصانيف مِنْهَا شرح الْمَشَارِق للصغاني وَشرح الْمنَار والوقاية وَشرح المصابيح وَكَانَ من عُلَمَاء الروم الْمَوْجُودين في أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ معلماً للأمير مُحَمَّد بن آيدين ومدرساً بمدرسة تيرة وَتلك الْمدرسَة مُضَافَة إليه إِلَى الْآن وَهُوَ ماهر في جَمِيع الْعُلُوم خُصُوصا الشَّرْعِيَّة وَمن جملَة تصانيفه شرح مجمع الْبَحْرين وَهُوَ كثير الفوايد مُعْتَمد في بِلَاد الروم وَله رِسَالَة لَطِيفَة في علم التصوف وَله حَظّ عَظِيم فِي المعارف الصُّوفِيَّة قَالَ صَاحب الشقايق النعمانية إنه كَانَ مَوْجُودا في سنة 791 وَكَانَ لَهُ أَخ مايل إِلَى الْخَوَارِج أَصْحَاب فضل الله رَئِيس الْفرْقَة الخارجية
(1/374)

251 - عبد الله بن احْمَد بن إسحاق بن ابراهيم ابْن المهدى احْمَد ابْن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
هُوَ أحد الْعلمَاء المبرّزين بِصَنْعَاء أَخذ عَن وَالِده وَعَن غَيره وأتقن النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان ودرس في هَذِه الْعُلُوم بِجَامِع صنعاء وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من شُيُوخنَا وَقَرَأَ الْكتب الحديثية وَعمل بِمَا فِيهَا وَمن شُيُوخه القاضي الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد قاطن قَرَأَ عَلَيْهِ في سنَن الترمذي وَكَانَ قوالاً بِالْحَقِّ صَادِق اللهجة وَبَينه وَبَين الْوَزير أَحْمد بن علي النهمي اتِّصَال ومخاللة وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي الْعَبَّاس ابْن الْحُسَيْن رَحمَه الله وَله شعر رايق وَمِنْه
(مَاذَا يفيدك ندب الْأَرْبَع الدَّرْس ... وَشرح سالف عَيْش بالعذيب نسيى)
(فشنّف السمع من ذكرى مُعتقة ... جلوتها كشموس فِي دجى الْغَلَس)
ووالدالمترجم من أكَابِر الْعلمَاء المرجوع إليهم بِصَنْعَاء أَخذ الْعلم عَن السَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير وَغَيرهمَا وبرع في جَمِيع الْفُنُون وَله أنظار مُحَققَة متقنة على الْكتب الَّتِى كَانَ يدرس الطّلبَة فِيهَا كشرح الْغَايَة فِي الأصول وَشرح الْعُمْدَة في الحَدِيث وَله رسائل ومسائل وَهُوَ كَانَ حَقِيقا بترجمة مُسْتَقلَّة وكلنى اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَمَات سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف وَمَات ولد الْمَذْكُور في شهر شَوَّال سنة 1191 إحدى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف
252 - عبد الله بن أَحْمد بن تَمام بن حسّان الحنبلي
ولد سنة 651 إحدى وَخمسين وسِتمِائَة وَقيل غير ذَلِك وَسمع من جمَاعَة وَقَرَأَ النَّحْو على ابْن مَالك وعَلى وَلَده بدر الدَّين ولازمه وَصَحبه وَكَانَ
(1/375)

صَالحا خيّراً مليح المذاكرة حسن النظم وَصَحب الشهَاب مَحْمُود واختص بِهِ حَتَّى كَانَ الشهَاب يَقُول لخازنداره مهما طلب مِنْك أعْطه بِغَيْر مشورة وَلم يكن لَهُ ثِيَاب وَلَا قماش وَلَا شئ فى بَيته الْبَتَّةَ وَكَانَ جيد النظم كتب إليه الشهَاب قصيدة مطْلعهَا)
(هَل عِنْدَمَا عِنْدهم برئي وأسقامي ... علم بَان نواهم أصل آلامي)
فَأَجَابَهُ بقصيدة مطْلعهَا
(ياساكنى مصر فِيكُم سَاكن الشَّام ... يكابد الشوق من عَام إلى عَام)
وَمن شعره
(معَان كنت أشهدها عيَانًا ... وإن لم تشهد الْمَعْنى الْعُيُون)
(وألفاظ إذا فَكرت فِيهَا ... فَفِيهَا من محاسنها فنون)
وَهُوَ القايل
(يخال الخدّ من مَاء وجمر ... وَفِيه الْخَال نشوان يجول)
(وَكم لَام العذول عَلَيْهِ جهلاً ... وَآخر ماجرى عشق العذول)
وَكَانَ ظريفاً حسن المحاضرة والصحبة سمع من الْكِبَار وَخرج لَهُ البرزالي جُزْءا وَأثْنى عَلَيْهِ الشهَاب مَحْمُود وعظمه وَمَات في ثَالِث ربيع الآخر سنة 718 ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة
253 - مَوْلَانَا الإمام المهدي عبد الله بن أَحْمد المتَوَكل ابْن علي الْمَنْصُور
ولد فِي سنة 1208 ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وألف وَنَشَأ بِحجر الْخلَافَة فِي أَيَّام جده ثمَّ في أَيَّام أَبِيه وَفِي كل حِين يزْدَاد كمالاً مَعَ عقل تَامّ وأخلاق شريفة وخصال محمودة وفراسة بديعة ورماية فايقة ورصانة بَالِغَة وَهُوَ أكبر أَوْلَاد أَبِيه ولي أعمالا مِنْهُ ريمة ثمَّ ولَايَة عمرَان ثمَّ لما توفي وَالِده لَيْلَة الاربعاء لَعَلَّه
(1/376)

سَابِع شهر شَوَّال سنة 1231 إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقعت الْمُبَايعَة مني لَهُ بعد طُلُوع الْفجْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمَذْكُور ثمَّ أخذت لَهُ الْبيعَة من جَمِيع أُمَرَاء صنعاء وحكامها وَجَمِيع آل الإمام وَجَمِيع الرؤساء والأعيان وَبَايَعَهُ بعد ذَلِك جَمِيع أهل الْقطر الْيُمْنَى وَاسْتَبْشَرُوا بدولته وغتطبوا بهَا وَالله يَجْعَل فِيهِ الْخَيْر وَالْبركَة للْمُسلمين
254 - السَّيِّد عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن
قد تقدّم تَمام نِسْبَة فِي تَرْجَمَة أَخِيه شرف الدَّين ولد تَقْرِيبًا سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل وَله عرفان تَامّ ونظم رايق وكرم فايض ورياسة كَامِلَة وأخلاق شريفة ولطافة تَامَّة اجْتمعت بِهِ فِي كوكبان لما وصل إليها مَوْلَانَا الامام المتَوَكل على الله ثمَّ كثر احتماعى بِهِ في صنعاء مَعَ سكونه فِيهَا عِنْد رجوعنا من كوكبان وَهُوَ كثير النظم منسجم الشّعْر سريع البادرة قوي الْعَارِضَة حسن الشكل ثمَّ رَجَعَ إلى كوكبان في سنة 1229 مَعَ اخيه الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ القايم بغالب أُمُور دولته وَبَينه وَبَين أخي يحيى بن علي مطارحات أدبية مُشْتَمِلَة على أحسن أسلوب وأبلغ نظم وأبرع معنى
(1/377)

255 - عبد الله بن اسعد بن علي بن سُلَيْمَان بن فلاح اليافعي الشافعي الْيُمْنَى ثمَّ المكي عفيف الدَّين أَبُو السعادات
ولد قبل السبعماية بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث وَأخذ بِالْيمن عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وَنَشَأ على خير وَصَلَاح وَحج سنة 712 وَحفظ الحاوي والجمل ثمَّ جاور بِمَكَّة فى سنة 718 وَتزَوج بهَا ولازم مَشَايِخ الْعلم كالفقيه نجم الدَّين الطبري والرضي الطبري ثمَّ فَارق ذَلِك وتجرد عشر سِنِين يتَرَدَّد فِيهَا بَين الْحَرَمَيْنِ ورحل إلى الْقُدس سنة 734 وَدخل دمشق ومصر ثمَّ رَجَعَ الْحجاز وجاور بِالْمَدِينَةِ ثمَّ رَجَعَ إلى مَكَّة وَلم يفته الْحَج في جَمِيع هَذِه الْمدَّة وَأثْنى عَلَيْهِ الأسنوى فى الطَّبَقَات وَقَالَ كَانَ كثير التصانيف وَله قصيدة تشْتَمل على عشْرين علماً اَوْ أزيد وَكَانَ كثير الإحسان إلى الطّلبَة انْتهى وَلَعَلَّه صَاحب التَّارِيخ الَّذِي اعْتمد فِيهِ على تَارِيخ ابْن خلكان وتاريخ الذهبي وَقد ترْجم فِيهِ جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة والأشعرية وَفِيه من التعصبات للأشعري أَشْيَاء مُنكرَة وَوصف فِيهِ نَفسه بوصايف ضخمة قَالَ ابْن رَافع اشْتهر ذكره وَبعد صيته وصنّف فِي التصوف وَفِي أصُول الدَّين وَكَانَ يتعصب للأشعري وَله كَلَام في ذم ابْن تَيْمِية وَلذَلِك غمزه بعض من يتعصب لِابْنِ تَيْمِية من الْحَنَابِلَة وَغَيرهم انْتهى وَهُوَ من جملَة المعظمين لِابْنِ عَرَبِيّ وَله فِي ذَلِك مُبَالغَة مَاتَ فِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 768 ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
(1/378)

256 - عبد الله بن إسماعيل بن حسن بن هادي النّهمي
لَعَلَّه ولد بعد سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَكَانَ وَالِده والياً عَلَيْهَا فَقَرَأَ على جمَاعَة من مشايخها وبرع فى النَّحْو وَالصرْف وشارك مُشَاركَة قَوِيَّة فِي الْمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَدون ذَلِك فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير ودرس وانتفع بِهِ الطّلبَة وَهُوَ أحد شيوخي فِي اوائل طلبى للْعلم قَرَأت عَلَيْهِ شرح السَّيِّد الْمُفْتى على كَافِيَة ابْن الْحَاجِب من أَوله إلى آخِره بِلَا فَوت وَفِي شرح الخبيصي عَلَيْهَا من أَوله إلى آخِره بِلَا فَوت وَمَا عَلَيْهِ من الحواشي وقواعد الإعراب وَشَرحهَا للأزهري وَمَا عَلَيْهِ من الحواشي من أَوله إلى آخِره وإيساغوجي للأبهري فِي الْمنطق وَشَرحه للقاضي زَكَرِيَّا جَمِيعًا والكافل في الْأُصُول وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان جَمِيعًا وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن في الحَدِيث من اوله الى آخِره وَله عناية تَامَّة بتخريخ الطّلبَة والمواظبة على التدريس وتوسيع الْأَخْذ وجلب الْفَوَائِد إليهم بِكُل مُمكن وَلَا يمل حَتَّى يمل الطَّالِب وَكَانَ يؤثرني على الطّلبَة وإذا انْقَطَعت الْقِرَاءَة يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ لعذر تأسف على ذَلِك ولمااختلف بعض أُسْبُوع لعذر كتب إليّ هَذِه الأبيات
(مولاى عز الدَّين يامن حوى ... أفضل مافى النَّقْل والسمع)
(وَمن غَدا من بَين أقرانه ... بِلَا نَظِير قطّ في الْجمع)
(عذراً فدتك النَّفس من زلَّة ... أَو جبها السئ من طبعي)
(منعت لَا من عِلّة فَاعْفُ عَن ... تركيب مزج جَاءَ فى الْمَنْع) (فَرب نقص راق من بعده ... ثمَّ وخفض زيّن بِالرَّفْع)
فأجبته بِأَبْيَات وجهت فِيهَا بِكَثِير من الْقَوَاعِد المنطقية كَمَا وَجه هُوَ
(1/379)

بقواعد نحوية وَلكنهَا قد غَابَتْ عَنى أَبْيَات الْجَواب وَله أشعار رائقة وَفِيه كرم أنفاس وبسبب ذَلِك أتلف ماورثه من وَالِده وَهُوَ شئ وَاسع وَصَارَ الْآن مملقاً لطف الله بِهِ وَلما فرغت من الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَلم يبْق عِنْده مَا يُوجب الْبَقَاء وقرأت على من لَهُ خبْرَة بِمَا لم يكن لَدَيْهِ من الْعُلُوم لم تطب نَفسه بذلك في الْبَاطِن لافي الظَّاهِر ثمَّ لما مَضَت أَيَّام طَوِيلَة وَقَعَدت لنشر الْعلم في الْجَامِع الْمُقَدّس بِصَنْعَاء وَكنت إِذْ ذَاك مَقْصُودا بالفتاوى الْكَبِيرَة والمسائل المشكلة وجمعت الرسَالَة الَّتِى حكيتها في تَرْجَمَة السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمي كَانَ شَيخنَا هَذَا أحد المجيبين وَهُوَ الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ إجمالاً هُنَالك عَفا الله عَنهُ وَحَال تَحْرِير هَذِه الأحرف قد فتر عزمه عَن التدريس وَلم يبْق للطلبة رغوب إِلَيْهِ وَصَارَ مُعظم اشْتِغَاله بِمَا لابد مِنْهُ من امْر المعاش مَعَ ركة حَاله لَا طفه الله وَلم أزل رَاعيا لحقه مُعظما لشأنه معرضًا عَمَّا بدر مِنْهُ مماسلف وأبلغ الطَّاقَة في جلب الْخَيْر إِلَيْهِ بِحَسب الامكان وَهُوَ يكثر التَّرَدُّد الى تَارَة لخصومات تعرض لَهُ وَتارَة لامور تخصه وَمَات رَحمَه الله في شهر صفر سنة 1228 ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
257 - السَّيِّد عبد الله بن الْحسن بن علي بن الْحُسَيْن بن على ابْن الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة 1165 خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على مَشَايِخ عصره كالقاضي الْعَلامَة احْمَد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي الْمُتَقَدّم ذكره وَشَيخنَا الْعَلامَة إسماعيل بن الْحسن بن المهدي الْمُتَقَدّم أَيْضا وترافقنا في قِرَاءَة الْكَشَّاف عَلَيْهِ أَنا وَصَاحب
(1/380)

التَّرْجَمَة وَله قِرَاءَة على غير هَؤُلَاءِ وَشرع فى قِرَاءَة الحَدِيث على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم الآتي ذكره وَله يَد قَوِيَّة فى النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان ومشاركة في التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالْأُصُول وَكَانَ يدرس الطّلبَة في جَامع صنعاء فِي الْعُلُوم الآلية وَلَهُم إِلَيْهِ رغوب كَامِل وَهُوَ من أكَابِر آل الإمام وَفِيه تواضع ظائد وَحسن أَخْلَاق فائق وبشاش كَامِل وَقد أخذت عَنهُ في أَوَائِل أَيَّام الطلب شرح الجامي من أوله إِلَى آخِره وَاتفقَ أَنه مَاتَ أَبُو أمه السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ثمَّ مَاتَ بعد ذَلِك وَلَده السَّيِّد الْعَارِف الْقَاسِم بن يحيى بن مُحَمَّد وَكَانَ لَهُ تَرِكَة وَاسِعَة جداً وأوصى إلى صَاحب التَّرْجَمَة وأمرني خَليفَة الْعَصْر مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله أَن أعين من يقسم هَذِه التَّرِكَة من نواب الشَّرْع فعينت بعض مشايخى الْأَعْلَام وَجَرت أُمُور أوجبت تكدّر صَاحب التَّرْجَمَة ثمَّ ظَهرت لَهُ الْحَقِيقَة فَزَالَ عَنهُ ذَلِك وَطَابَتْ نَفسه وَكتب إِلَى كتاباً يَدْعُو لي فِيهِ دُعَاء مَقْبُولًا وَيذكر أَنه كَانَ في أَمر مريج حَتَّى وَقع التَّفْرِيج عَنهُ بِمَا فعلته وَتعقب ذَلِك بِلَا فصل مَوته رَحمَه الله في رَابِع شهر الْقعدَة سنة 1210 عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ سيداً سرياً وشريفاً جَلِيلًا فِيهِ مَنَاقِب جمة وَله فَضَائِل كَثِيرَة رَحمَه الله وإياى
258 - عبد الله بن الْحسن اليمانى الصعدى الزبدى
الملقب الدواري باسم أحد أجداده وَهُوَ دوار بن احْمَد وَالْمَعْرُوف بسُلْطَان الْعلمَاء ولدسنة 715 خمس عشرَة وسبعماية وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره وتبحر في غَالب الْعُلُوم وصنّف التصانيف الحافلة مِنْهَا فِي الأصول شرح
(1/381)

جَوْهَرَة الرصاص وَهُوَ أحسن شروحها وَقد ترك النَّاس شروحها بعد هَذَا الشَّرْح وَله فى الْفُرُوع الديباج النَّضِير وَهُوَ كتاب حاف ممتع وَله مصنفات أُخْرَى وَكَانَ الطّلبَة للفنون العلمية يرحلون إِلَيْهِ ويتنافسون في الأخذ عَنهُ وَلَيْسَ لَاحَدَّ من عُلَمَاء عصره مَاله من تلامذة وَقبُول الْكَلِمَة وارتفاع الذكر وَعظم الجاه بِحَيْثُ كَانَ يتَوَقَّف النَّاس عَن مبايعة الْأَئِمَّة حَتَّى يحضر كَمَا اتفق عِنْد دَعْوَة الإمام المهدي احْمَد بن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره ومعارضة الْمَنْصُور بِاللَّه على بن صَلَاح فإن أُمَرَاء الدولة أرسلوا لَهُ من صنعاء إلى صعدة وَتوقف الْأَمر حَتَّى حضر وَبعد حُضُوره وَقع ماهو مَشْهُور في السير وَمَعَ هَذَا فَهُوَ زاهد متقلّل من الدُّنْيَا حَتَّى قيل أنه كَانَ يستنفق من غلات أَمْوَال حقيرة تَركهَا لَهُ وَالِده وَكَانَ يحمل إِلَيْهِ غلات أوقاف يصرفهَا فى طلبة الْعلم ومازال ناشر للعلوم مكبّا على التصانيف حَتَّى توفاه الله في صبح يَوْم الْأَحَد سادس شهر صفر سنة 800 ثَمَان مائَة
259 - عبد الله بن شرف الدَّين المهلّل
ولد تَقْرِيبًا سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل وَسكن هُوَ وَأَهله مَدِينَة ذي جبلة وَله معرفَة تَامَّة بِفقه الشَّافِعِيَّة وَفهم صَحِيح فِي غير الْفِقْه وزهد تَامّ وتأله بَالغ قَرَأَ عليّ عِنْد وفودي إلى مَدِينَة جبلة مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله فى مشكاة المصابيح وَسمع فى غَيرهَا من كتب
(1/382)

لحَدِيث من جملَة من كَانَ يلازمني فِي ذَلِك الْمحل وَهُوَ من مكثري الْأَذْكَار وَالْعِبَادَة والزهد والقنوع بِمَا تيَسّر من المعشة
260 - السَّيِّد عبد الله ابْن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين ابْن الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى
قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة الإمام المهدي هُوَ من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين في عدَّة فنون وَله مصنّفات مِنْهَا شرح قصيدة وَالِده الْمُسَمَّاة الْقَصَص الْحق ذكر فِيهِ فَوَائِد جليلة وَمِنْهَا كتاب اعْترض بِهِ على الْقَامُوس وَسَماهُ كسر الناموس وَاعْترض عَلَيْهِ في هَذِه التَّسْمِيَة بأنها لَيست لغوية بل عرفية وَبَعض شرح معيار النجرى وَكتب تراجم لفضلاء الزيدية وَمِنْهَا شرح مُقَدّمَة الأثمار لوالده وَله في الأدب يَد طولى وشعره فائق منسجم جزل اللَّفْظ رائق الْمَعْنى فَمِنْهُ
(باصية الْخَيْر فِي يَد الْأَدَب ... وسره فى قرايح الْعَرَب)
(فاعكف على النَّحْو والبلاغة والآ ... دَاب تظفر بأرفع الرتب)
(وتعرف الْقَصْد في الْكتاب وَفِي ... السّنة من وحى خير كل نبى)
(بِقدر عقل الْفَتى تأدبه ... وَصُورَة الْعقل صُورَة الْأَدَب)
وَمِنْه
(صَحا الْقلب عَن سلمى وَمَا كَاد أَن يصحو ... وَبَان لَهُ فِي عذل عاذله النصح)
(وَلَا غروفى أَن يستبين رشاده ... وَقد بَان فِي ديجور عَارضه الصُّبْح)
(شموس نَهَار قد تجلّت لناظري ... واضحت لِليْل الغي فِي خلدى تمحو)
(إِذا كَانَ رَأس المَال من عمري انْقَضى ... ضيَاعًا فأنى بعده يحصل الرِّبْح)
(شباب تقضى في سبات وغرّة ... وشيخوخة جَاءَت على أَثَره تنحو
(1/383)

(وَمِنْه سقتني رضاب الثغر من در مبسم ... برقته وَالله قد ملكت رقي)
(وَنحن بروض قد جرى المَاء تَحْتَهُ ... فساقية تجري وَجَارِيَة تسقي)
وَبَينه وَبَين وَلَده مُحَمَّد الآتية تَرْجَمته إن شَاءَ الله مطارحات أدبية وَتوفى في شهر ربيع الآخر سنة 993 ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وقبر بِمَدِينَة ثلا
261 - السَّيِّد عبد الله بن صَلَاح الْعَادِل الصنعاني الشَّاعِر الْمَشْهُور
كَانَ مُتَّصِلا بالوزير الْكَبِير على بن أَحْمد رَاجِح وَله فِيهِ غرر المدايح وَكَذَلِكَ مدح أَخَاهُ الْوَزير محسن بن أَحْمد رَاجِح وهما وزيران للإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن الْحُسَيْن وبعدهما اتَّصل بوزير الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْفَقِيه أَحْمد بن علي النهمي وشعره جيد والردئ مِنْهُ قَلِيل فَمِنْهُ هَذِه القصيدة بخلص فِيهَا إِلَى مدح محسن رَاجِح
(أما وَا بتسام الطلع عَن شنب درى ... بأخضر روض حفه أَزْرَق النَّهر)
(وَيَاقُوت ورد فِي غصون زمرد ... بلؤلؤ دمع كللته يَد الْقطر)
(ورقص غصون كلما هبت الصِّبَا ... كغيد تثنّت فِي غلائلها الْخضر)
(وتغريد شحرور بالحان معبد ... أذاب فوادى شجوه وَهُوَ لَا يدري)
(وومض لبرق زَاد فِي نَار لوعتي ... كإيماء مَحْبُوب بسقط من التّبر)
وَله وَقد وصل إليه من بعض السَّادة ذرة لَا ينْتَفع بهَا
(ياحبذاذرة وافت وَقد عدمت ... من لبّها فاعتراها الطيش والخيلا)
(1/384)

(فَكلما سنحت ريح لَهَا رقصت ... وشببت فِيك أما فِي سواك فَلَا)
(دَنَوْت مِنْهَا فَنَادَى ملك وقزتها ... هي الْمنَازل فاخلع دونهَا الكللا)
(فَقلت مهلاً أعاذ الله منزلنا ... من رُؤْيَة الْجِنّ فِي ساحاته نزلا)
(فاسترجعت ثمَّ قَالَت وهي باكية ... أحي وايسر مَالا قيت ماقتلا)
(سَأَلتهَا عَن تغير لَوْنهَا فتلت ... وَمن نعمره ثمَّ استرجعت خجلا)
(فَقلت كم حقب عمرت في حقب ... قَالَت أصخ ودع التَّفْصِيل والجملا)
(سكنت دهرا بادار كَانَ ساكنها ... داراوداريت أهل الأعصر الأولا)
وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مايلا الى أكَابِر الْعلمَاء اخذ من فوائدهم فرجح لَهُ الْعَمَل بالأدلة فِي صلَاته وَغَيرهَا فَكَانَت الْعَامَّة تنسبه إلى النصب كَمَا جرت بذلك عادالتهم فِيمَن سلك ذَلِك المسلك فَلم يصبر لذَلِك وضاق بِهِ ذرعاً وَتوجه إلى مَكَّة وعزم على المهاجرة فَعَاد إلى صنعاء بعد نَحْو سنة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إنه نبز فِي مَكَّة بالرفض فَكَانَ ذَلِك سَبَب رُجُوعه وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَلَعَلَّه فِي أَيَّام الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ثمَّ وقفت عَلَيْهَا بعد هَذِه فَكَانَت في ربيع الأول سنة 1165 خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
(1/385)

171 - عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عقيل بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحلبي نزيل الْقَاهِرَة
ولد سنة سَبْعمِائة وَقدم الْقَاهِرَة فلازم الِاشْتِغَال إلى أَن مهر ولازم أَبَا حَيَّان فَقَالَ فِي حَقه مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أنحى من ابْن عقيل ولازم القونوى والقزويني وَجَمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء عصره وناب فِي الحكم عَن عز الدَّين بن جمَاعَة ثمَّ تولى الْقَضَاء مَكَان ابْن جمَاعَة ثمَّ عزل وَعَاد ابْن جمَاعَة وَكَانَ قوي النَّفس ينتبه على أَرْبَاب الدولة وهم يخضعون لَهُ ويعظمونه وَكَانَ إماماً في الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان مشاركاً فِي الْفِقْه والأصول عَارِفًا بالقراءات السَّبع وَله تصانيف مِنْهَا شرح التسهيل وَمِنْهَا شرح الألفية وَقطعَة في
(1/386)

التَّفْسِير وَكَانَ جوادا مهيبا لَا يتَرَدَّد إلى اُحْدُ من أرباب الدولة وَمن كرمه أنّه فرق على الْفُقَرَاء والطلبة في ولَايَته للْقَضَاء نَحْو سِتِّينَ ألف دِرْهَم مَعَ أَن مُدَّة ولَايَته للْقَضَاء ثَمَانُون يَوْمًا فَقَط وَكَانَ يدرس بمدارس كَثِيرَة حَتَّى مَاتَ في ثَالِث وَعشْرين شهر ربيع الأول سنة 769 تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
172 - السَّيِّد عبد الله بن علي بن عبد الله الْجلَال
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّانِي عشر اَوْ أول الْقرن الثَّالِث عشر وقرا على وَالِده وَغير فِي الآلات وَغَيرهَا وَهُوَ حاد الذِّهْن جيد الْفَهم حسن الإدراك قوي التَّصَوُّر وَله شعر بديع جداً لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره وَقد كتب الى مِنْهُ بقصائد طنانة وَله قِرَاءَة عليّ الْآن فِي المطول وَحُضُور في سَماع كثير من كتب الحَدِيث وشروحها وَهُوَ فِي سنّ الشَّاب جمّل الله بِهِ الْعَصْر
(1/387)

173 - السَّيِّد عبد الله بن علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الإله بن أَحْمد بن إبراهيم مؤلف الْهِدَايَة
ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن على بن المرتضى بن الْمفضل ابْن الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن الْعَفِيف بن مفضل بن الْحجَّاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن الإمام الدعي يُوسُف بن الإمام الْمَنْصُور يحيى بن النَّاصِر احْمَد بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِم الْمَعْرُوف بالوزير الصنعاني الدَّار والنشأة الْعَالم الْمَشْهُور والشاعر الْمجِيد ولد سنة 1074 أَربع وَسبعين وَألف في شعبانها وَقَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره من أكبرهم القاضي الْعَلامَة علي بن يحيى البرطي والقاضي حُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي والقاضي مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي وَغَيرهم وبرع في الْعُلُوم الآلية وَالتَّفْسِير وَكَانَ الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن يقْرَأ عَلَيْهِ في الْكَشَّاف بِحُضُور أَعْيَان عُلَمَاء صنعاء وَاتفقَ وُصُول القاضي الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن علي البدري من ثلا إلى حَضْرَة المتَوَكل وهم حَال الْقِرَاءَة في بحث إنما الصَّدقَات للْفُقَرَاء فباحثه القاضي عبد الْقَادِر ثمَّ انجرت المباحثة إلى مَا ذكره عُلَمَاء الْبَيَان في بحث انما ثمَّ غاضا فِي مبَاحث دقيقة بِحَيْثُ لم يفهم أَكثر الْحَاضِرين مَا هما فِيهِ وَطَالَ ذَلِك وَاسْتدلَّ بعض الْحَاضِرين بتهليل وَجه القاضي عبد الْقَادِر حَال تِلْكَ المباحثة وَعدم ظُهُور مثل ذَلِك على صَاحب التَّرْجَمَة أَن الْحق بيد القاضي وَلم يكن ثمَّ سَبِيل للحاضرين إلى معرفَة من مَعَه الْحق بسوى ذَلِك وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي آخر مدَّته قد ترك التدريس وَمَال إلى السّكُون والدعة وَله في الْأَدَب يَد طولى وشعره
(1/388)

مَجْمُوع في ديوَان كَبِير وَمِنْه مَا هُوَ في غَايَة الْقُوَّة كَقَوْلِه من أَبْيَات كتبهَا إلى السَّيِّد الْحُسَيْن بن علي بن المتَوَكل
(زفها بكرا على الشرط عقارا ... وتخيّر حبب الكأس نثارا)
وَله أَبْيَات اخرى روضية جَيِّدَة مطلها
(هَذَا الغدير وَحَوله زهر الربى ... يملي الهزار عَلَيْهِ سجعاً مطربا)
وَله قصيدة طَوِيلَة بديعة مطْلعهَا
(لي فِيكُم يَا ذوى أم الْقرى ذمم ... بِالْقربِ حاشا كم أَن يقطع الرَّحِم)
وَمن محَاسِن شعره القصيدة الَّتِى على طَرِيق أهل الطَّرِيقَة ومطلعها
(حَضْرَة الْحق في الْمقَام النفيس ... أذهلتني عَن صاحبي وجليسي)
وَكَانَ إِذا لم يتَكَلَّف ملاحظات النكات البديعية فِي شعره جَاءَ على أحسن أسلوب فإن تكلّف ذَلِك صَار من الضعْف بمَكَان وإن ظن من لَا يعرف محَاسِن الشّعْر إلا بالنكات البديعية المتكلفة خلاف مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ غير مُصِيب فإن غَالب أشعار الْمُتَأَخِّرين إنما صَارَت بمَكَان من السماجة لتكلفهم لذَلِك كقصيدة صَاحب التَّرْجَمَة الَّتِى سَمَّاهَا أهرام مصر وَالْتزم فِيهَا التورية في كل بَيت ومطلعها
(أنادم من دمع الْعُيُون حواريا ... فَلَا غروان نادمت مِنْهَا سواقيا
(1/389)

وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مصنّفات مِنْهَا طبق الْحَلْوَى وَهُوَ تَارِيخ جعله على السنين وَذكر فِيهِ حوادث وَمِنْهَا إقراط الذَّهَب في الْمُفَاخَرَة بَين الرَّوْضَة وبئر الْعَرَب وَمِنْهَا رِسَالَة أجَاب بهَا على رِسَالَة للسَّيِّد صَلَاح الأخفش الْمُتَقَدّم ذكره في شَأْن الصَّحَابَة وسمى المترجم لَهُ رسَالَته إرسال الذؤابة بَين جنبى مسئلة الصَّحَابَة وَمَا أَجود قَوْله مادحاً للمتوكل الْقَاسِم ابْن الْحُسَيْن بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(الْمجد قد آلى على نَفسه ... ألية لَيْسَ أَرَاهَا يَمِين)
(لَا صافحت رَاحَته رَاحَة ... غير يَمِين الْقَاسِم بن الْحُسَيْن)
وَكَانَت وَفَاته سنة 1147 سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي شوالها
(1/390)

174 - السَّيِّد عبد الله بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني
ولد بعد سنة 1170 سبعين وَمِائَة وألف تَقْرِيبًا وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن علي الكوكباني وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي والفقيه يحيى بن صَالح الشهاري والفقيه يحيى بن أَحْمد زيد الشامي والفقيه حُسَيْن يحيى القاعي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة على بن إبراهيم بن عَامر وبرع في الْآلَات والْحَدِيث والأدب وَهُوَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء كوكبان وبيني وَبَينه مراجعات وَله جَوَاب على رسالتى الَّتِى أَحْبَبْت بهَا على سُؤال وَالِده وسميتها حل الإشكال في إجبار الْيَهُود على الْتِقَاط الأذيال وسمي جَوَابه إرسال الْمقَال إلى حل الإشكال وأجبت عَن جَوَابه برسالة سميتها تفويق النبال إلى إرسال الْمقَال والجميع مَوْجُود بِمَجْمُوع رسائلى وَوَقعت
(1/391)

بيني وَبَينه مباحثة فِي شُرُوط صَلَاة الْجُمُعَة اشْتَمَلت على رسائل وَله كتاب ترْجم فِيهِ لشعراء عصره وَهُوَ فِي غَايَة النفاسة رَأَيْته فِي مُجَلد سَمَّاهُ الحدائق المطلعة من زهور أَبنَاء الْعَصْر شقائق وَله مؤلف آخر سَمَّاهُ اللواحق بالحدائق ومختصر فِي تَرْجَمَة جده السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَآخر في تَرْجَمَة وَالِده السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الآتي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَله خلع العذار فِي ريحَان العذار ورسالة في تَحْرِيم الزَّكَاة على بني هَاشم وديوان من نظمه ونثره وَلم يكن لَدَى من شعره مَا أذكرهُ هُنَا وَهُوَ سَاكن عَاقل رصين الْكَلَام جيد الْفَهم حسن الإدراك كَمَا يفهم ذَلِك من تحريراته وَلم أكن قد عَرفته وأرسل إليّ بِطَلَب الإرسال إليه بشئ من شرحي للمنتقى فأرسلت إليه بالمجلد الأول وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف لَدَيْهِ وَله شعر لم يكن لَدَى الْآن شئ مِنْهُ ثمَّ توفي في شهر شَوَّال سنة 1224 أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بعد أن صَار مُنْفَردا بفنون الْعلم في كوكبان وَلم يخلف بعده مثله وَلَا من يُقَارِبه
175 - السَّيِّد عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ الصنعاني
ولد في سنة 1113 ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء صنعاء
(1/392)

المبرزين في علم الْقرَاءَات والآلات والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَ يقرئ فى جَمِيع هَذِه الْعُلُوم وَله تلامذة صَارُوا عُلَمَاء نبلاء وَمن جملَة من قَرَأَ عَلَيْهِ الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن قبل مصير الْخلَافَة اليه وَكَانَ زاهداً متقللاً من الدُّنْيَا آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر وَله في ذَلِك مقامات جليلة وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي لَا ترد لَهُ شَفَاعَة كائنة مَا كَانَت لمزيد ورعه وَعدم طمعه فِي شئ من الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ سَائِر أَرْبَاب الدولة كَانُوا يجلونه ويهابونه وَكَانَ يعْمل بالأدلة ويرشد النَّاس اليها وينفرهم عَن التَّقْلِيد وَله في نهي الْمُنكر عناية عَظِيمَة اخبرني بعض الثِّقَات أَنه
(1/393)

مَشى مَعَه فِي بعض شوارع صنعاء فَرَأى رجلاً جندياً وَقد أَرَادَ الْفَاحِشَة من امْرَأَة أَو صَار يفعل الْفَاحِشَة بهَا فَفرق صَاحب التَّرْجَمَة بَينهمَا فَسَبهُ ذَلِك الجندي سباً فظيعاً فَمر وَلم يلْتَفت الى ذَلِك فَقَالَ لَهُ الذي كَانَ مَعَه لَو تدعني اعرف هَذَا الجندي حَتَّى ترفع أمره إلى الدولة ليعاقبوه فَقَالَ الذى وَجب علينا من إنكار الْمُنكر قد فَعَلْنَاهُ لله وَلَا أُرِيد أَن أفعل شَيْئا لنفسي دَعه يسبني كَيفَ شَاءَ وَكَانَ لايسمع بمنكر الا أتعب نَفسه في الْقيام على صَاحبه حَتَّى يُزِيلهُ وإذا أُصِيب رجل بمظلمة فرّ إليه فَيقوم مَعَه قومة صَادِقَة حَتَّى ة ينصف لَهُ فرحمه الله وكافاه بِالْحُسْنَى فَلَقَد كَانَ من محَاسِن الدَّهْر وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى توفاه الله فى سنة 1173 ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ألف وَله أولاد أمجاد مِنْهُم الْعَلامَة مُحرز بن عبد الله من الْعلمَاء العاملين الورعين المنجمعين عَن بنى الدُّنْيَا المنقطعين إلى الله وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مستقلة إن شَاءَ الله وعَلى بن عبد الله ولطف البارى بن عبد الله هما من الجامعين بَين الْعلم وَالْعَمَل بِالدَّلِيلِ والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَلم يسلمُوا مَعَ ذَلِك من محن الزَّمن الَّتِى هن شَأْن أَرْبَاب الْفَضَائِل
176 - عبد الله بن أَبى الْقَاسِم بن مِفْتَاح شَارِح الأزهار
الشَّرْح الذي عَلَيْهِ اعْتِمَاد الطّلبَة الى الْآن كَانَ محققاً للفقه وَلَعَلَّه قَرَأَ على الإمام المهدي مُصَنف الأزهار وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وميل النَّاس إلى شَرحه وعكوفهم عَلَيْهِ مَعَ أَنه لم يشْتَمل على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ سَائِر الشُّرُوح من الْفَوَائِد دَلِيل على ينْتَه وَصَلَاح مقْصده وَهُوَ مُخْتَصر من الشَّرْح الْكَبِير للإمام المهدي الْمُسَمّى بالغيث وَتوفى رَحمَه الله يَوْم السبت سَابِع شهر ربيع الآخر سنة 877 سبع وَسبعين وثمان مائَة وقبره يماني
(1/394)

صنعاء وَكَانَ عَلَيْهِ مشْهد وَقد تهدّم ورثاه مُحَمَّد بن على الزحيف بِأَبْيَات مِنْهَا
(سقى جدثاً أضحى بِصَنْعَاء ثاوياً ... من الدَّلْو والجوزاء غاد ورايح)
ورثاه يحيى بن مُحَمَّد بن صَالح حَنش بقصيدة مطْلعهَا
(أما عَلَيْك فقلبي دَائِم الْفَزع ... وَكَيف أسلو ووجدي غير مُنْقَطع)
177 - عبد الله بن محسن الحيمي ثمَّ الصّنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة 1170 سبعين وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء وتشأ بهَا وتلا بعض الْقرَاءَات على بعض شُيُوخ الْقُرْآن ثمَّ قَرَأَ فِي الْفِقْه على شَيخنَا أَحْمد بن عَامر الحدايى قبل قراءتي عَلَيْهِ ورافقني في قِرَاءَة النَّحْو على شَيخنَا عبد الله بن إسماعيل النهمي وَقَرَأَ عليّ في الْأُصُول فِي شرح غَايَة السؤل وَسمع مني جَمِيع تيسير الديبع واستفاد في عدَّة فنون ودرس في كثير مِنْهَا وَنقل كثيراً من رسائلي ومازال ملازماً لي فِي كثير من الْأَوْقَات وبيني وَبَينه صداقة خَالِصَة ومحبة صَحِيحَة وَلم يسلم من التعصبات عَلَيْهِ من جمَاعَة من الْجُهَّال حَتَّى جرت لَهُ بِسَبَب ذَلِك محن وَهُوَ صابر محتسب وَهَذَا شَأْن هَذِه الديار وَأَهْلهَا والعالم المُصَنّف فِي غربَة لَا يزَال يكابد شَدَائِد ويجاهد وَاحِدًا بعد وَاحِد وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وإنما يُوفي الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب وَصَاحب التَّرْجَمَة الْآن حي نفع الله بِهِ
178 - عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني
(1/395)

وَغَيره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وشارك فِيمَا عدا ذَلِك ودرس الطّلبَة بِجَامِع صنعاء في هَذِه الْفُنُون وَهُوَ كثير الصمت منجمع عَن النَّاس قَلِيل المخالطة لَهُم لَا يتَرَدَّد إلى بني الدُّنْيَا وَلَا يشْتَغل بِمَا لَا يعنيه وَلَا يتظهر بِالْعلمِ وَلَا يكَاد ينْطق الا جَوَابا فضلاً عَن أَن يُمَارِي أَو يبدي مالديه من الْعلم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ قَلِيل النظير عديم المثيل وَهُوَ حي الْآن نفع الله بِهِ وَتوفى رَحمَه الله فِي يَوْم الأربعاء لَعَلَّه رَابِع وَعِشْرُونَ شهر شَوَّال سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
179 - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن اسمعيل بن صَلَاح الْأَمِير الصّنعاني
سيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة أبيه ولد سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة محسن بن اسمعيل الشامي وعَلى الْعَلامَة لطف الباري بن احْمَد الْورْد خطيب صنعاء وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل بن هادي الْمُفْتى وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن احْمَد وَشَيخنَا الْعَلامَة علي بن هادي عرهب وعَلى غير هَؤُلَاءِ وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَهُوَ اُحْدُ عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين العاملين بالأدلة الراغبين عَن التَّقْلِيد مَعَ قُوَّة ذهن وجودة فهم ووفارة ذكاء وَحسن تَعْبِير وخبرة لمسالك الِاسْتِدْلَال ومحبة للْفُقَرَاء وعناية في إيصال الْخَيْر اليهم بِكُل مُمكن ومتانة دين واشتغال بِالْعبَادَة ودراية كَامِلَة بمؤلفات وَالِده ورسائله وأشعاره وَهُوَ الذي جمع شعره في مُجَلد وبلغني أَنه نظم بلغ المرام وأنه الْآن يشرحه وَله جوابات في مشكلات وفتاوى وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة عبد الحميد بن احْمَد قاطن وَلَا شغلة لَهُ بِغَيْر الْعلم والإكباب
(1/396)

على كتب الحَدِيث وتحرير مسَائِله وَتَقْرِير دلائله وَله نظم كنظم الْعلمَاء مِنْهُ قصيدة أجاب بهَا على السَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل بن احْمَد الكبسى الْمُتَقَدّم ذكره ومطعلها
(لله دَرك أَيهَا الْبَدْر الذي ... يهدي إلى نهج الصَّوَاب الظَّاهِر)
(أبرزت من تيار علمك درة ... فِي سلك تبر قَعْر بَحر زاخر)
وَهُوَ الْآن حَيّ ينْتَفع بِهِ النَّاس وَلَعَلَّه قد جَاوز خمسين عَاما من عمره عافاه الله
180 - عبد الله بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن علي بن ثامر بن فضل ابْن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن إبراهيم الزيدى العبسى العكى الْمَعْرُوف بالنجري
ولد في أحد الربيعين سنة 825 خمس وَعشْرين وثمان مائَة وَنَشَأ بِمَدِينَة حوث وَقَرَأَ على وَالِده فِي النَّحْو والأصلين وَالْفِقْه وعَلى أَخِيه علي بن مُحَمَّد ثمَّ حج سنة 838 وارتحل إلى الديار المصرية فوصلها في ربيع الأول من الَّتِى يَليهَا فبحث فِيهَا في النَّحْو وَالصرْف على ابْن قديد وَأبي الْقَاسِم النويري وفي الْمعَانى وَالْبَيَان على الشمني وفي الْمنطق على التقي الحصني وفي علم الْوَقْت على الْعِزّ عبد الْعَزِيز الميقاتي وَحضر في الهندسة قَلِيلا عِنْد أَبى الْفضل المغربي بل كَانَ يطالع وَمهما أشكل يُرَاجِعهُ فِيهِ فطالع شرح الشريف الجرجاني على الجغميني والتبصرة لجَابِر بن أَفْلح وَقَرَأَ في الْفِقْه على الْأمين الأقصراني والعضد الصيرامي وَتقدم فِي غَالب هَذِه الْفُنُون كَمَا
(1/397)

قَالَ البقاعي الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ واشتهر فَضله وَبعد صيته وَكتب عَنهُ في سنة 853 قَوْله
(بشاطئ حوث من ديار بني حَرْب ... لقلبي أشجان معذبة قلبي)
(فَهَل لي إلى تِلْكَ الْمنَازل عودة ... فيفرج من غمي ويكشف من كربي)
وتستّر مُدَّة بَقَائِهِ هُنَالك فَلم ينتسب زيديا بِهِ انتسب حنفياً وَلِهَذَا تَرْجمهُ البقاعي والسخاوي فَقَالَ الحنفي ثمَّ عَاد إلى الْيمن وصنّف مصنفات مِنْهَا المعيار في المناسبات بَين الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة جعله على نمط قَوَاعِد ابْن عبد السَّلَام وَهُوَ كتاب نَفِيس مُفِيد وَمِنْهَا شرح آيَات الْأَحْكَام اخْتَصَرَهُ من الثمرات وَمِنْهَا شرح مُقَدّمَة الْبَحْر للإمام المهدي وَله مصنفات في غير ذَلِك وَمن جملَة مَا كتبه وَهُوَ بِمصْر إلى وَالِده
(فراقك غصتي ولقاك روحي ... وقربك لي شِفَاء من قروحي)
(وَمَا إن أذكر الاوطان إِلَّا ... يضيق لى من الأوطان سوحى)
(فعفوك والدى عَنى وَإِلَّا ... فنوحى ياعيون على نوحى)
وَهَؤُلَاء الْمَشَايِخ من المصريين الْمَذْكُورين فِي التَّرْجَمَة هم أكابر شُيُوخ مصر فى ذَلِك الزَّمن كَمَا يُفِيد ذَلِك من ترْجم لَهُم وَلَعَلَّ بَقَاءَهُ في مصر خمس سِنِين كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا سلف وَيُمكن أن يكون أَكثر من ذَلِك وَخرج من مصر بمغني اللبيب وَهُوَ أول من وصل بِهِ إلى الْيمن وَحكى عَنهُ أنه ألف شرح مُقَدّمَة الْبَحْر في سَفَره قَافِلًا من مصر وَتوفى سنة 877 سبع وَسبعين وثمان مائَة وأرّخ مَوته الضّمدي في الوافي سنة
(1/398)

874 - أَربع وَسبعين وثمان مائَة
181 - عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ
ولد تَقْرِيبًا سنة 1190 تسعين وَمِائَة وألف أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْمَشَايِخ واستفاد لاسيما في الْعُلُوم الآلية وَهُوَ حسن الإدراك جيد الْفَهم قوي التَّصَوُّر وَله قِرَاءَة عليّ في الْمعَانى وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير وفي صَحِيح البخاري وَمُسلم وَسنَن أَبى دَاوُد وَفِي بعض مؤلفاتي وَله في الصلاح وَالْعِبَادَة وَالْعَمَل بالأدلة مَسْلَك حسن وَله فِي حسن الْخلق والتودد وَحفظ اللِّسَان مَالا يقدر عليه إِلَّا من هُوَ مثله
182 - السَّيِّد عبد الله بن الإمام المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحمزي
كَانَ من الأذكياء النبلاء الْعلمَاء وَله مصنفات مِنْهَا الْيَاقُوت المنظم الذي شرح بِهِ قصيدة وَالِده وَهُوَ كتاب حافل نَفِيس فِيهِ فَوَائِد بديعة وَمِنْهَا كتاب رياحين الأنفاس المهتزة فِي بساتين الأكياس فِي براهين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلى كَافَّة النَّاس وَهُوَ كتاب نَفِيس اسْتَخْلَفَهُ وَالِده في مَدِينَة ذمار بعد فتحهَا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين أهل الْمَدِينَة فأخرجوه فَدخل صنعاء فَأخذُوا عَلَيْهِ من دروعه وَآلَة ملكة شَيْئا كثيراً وَلما فتح
(1/399)

عَامر بن عبد الْوَهَّاب صنعاء سيّره مَعَه إلى تعز وَتوفى هُنَالك وَله شعر فَمِنْهُ قصيدة مطْلعهَا
(أوما النسيم يبلغن إذا سرى ... طرساً إلى صنعاء من أم الْقرى)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(حَيّ الْغَدَاة وَأقر الْحَيّ والحرما ... عَنى السَّلَام سَلاما زَاده حرما)
183 - عبد الله بن المهلا بن سعيد بن علي الشرفي اليماني الْمَعْرُوف بالمهلاّ
ولد في شهر صفر سنة 950 خمسين وَتِسْعمِائَة بالشرف الْأَعْلَى وأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم وَالِده المهلا والفقية عِنْد الله الرَّاغِب وَالسَّيِّد هادي الوشلي والقاضي علي بن عطف الله وَالسَّيِّد أَحْمد بن الْمُنْتَصر والفقيه عبد الرَّحْمَن النزيلي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران ورحل إليه طلبة الْعلم من الْآفَاق وَمن جملَة تلامذته الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَاتفقَ أَن الباشا جَعْفَر امتحن الْعلمَاء بِحَدِيث اختلقه ونمّق ألفاظه وأملاه عَلَيْهِم فابتدر الْحَاضِرُونَ لكتابته فَلم يَتَحَرَّك صَاحب التَّرْجَمَة لشئ من ذَلِك فَسَأَلَ الباشا لم لَا يكْتب فَقَالَ يَا مَوْلَانَا قد أفدتم وَالْجَمَاعَة قد كتبُوا وَنحن حفظنا فَقَالَ هَذَا وَالله هُوَ الْعَالم ثمَّ أخْبرهُم أَن الحَدِيث هُوَ الذي وَضعه وإنما أَرَادَ امتحانهم وَتُوفِّي سنة 1028 ثَمَان وَعشْرين وَألف وَلَيْسَ هَذَا هُوَ مؤلف الْمَوَاهِب القدسية شرح البوسية فَذَاك مُتَأَخّر وَقد تقدمت تَرْجَمته واسْمه الْحُسَيْن بن نَاصِر
184 - عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن أَحْمد ابْن عبد الله بن هِشَام
ولد فى ذى الْقعدَة سنة 708 ثَمَان وَسَبْعمائة وَلزِمَ الشهَاب عبد اللَّطِيف
(1/400)

وَسمع من أَبى حَيَّان وَلم يلازمه وَحضر درس الشَّيْخ تَاج الدَّين التبريزي وَقَرَأَ على الفكهانى وَكَانَ شافعياً ثمَّ تحنبل وأتقن الْعَرَبيَّة ففاق الأقران وَلم يبْق لَهُ نَظِير فِيهَا وصنّف مغني اللبيب وَهُوَ كتاب لم يؤلف في بَابه مثله واشتهر فِي حَيَاته وَله تَعْلِيق على ألفية بن مَالك وعمدة الطَّالِب في تَحْقِيق تَعْرِيف ابْن الْحَاجِب مجلدان وَرفع الْخَصَاصَة عَن قراء الْخُلَاصَة ارْبَعْ مجلدات والتحصيل وَالتَّفْصِيل لكتاب التذييل والتكميل عدَّة مجلدات وَشرح الشواهد الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وقواعد الاعراب وشذور الذَّهَب وَشَرحه وقطر الندى وَشَرحه والكوكب الدرية شرح اللمحة البدرية لأبي حَيَّان وَشرح بَانَتْ سعاد وَشرح الْبردَة والتذكرة فِي خَمْسَة عشر مجلداً وَشرح التسهيل وَلم يبيضه وَكَانَ كثير الْمُخَالفَة لأبي حَيَّان شَدِيد الانحراف عَنهُ وَلَعَلَّ ذَلِك وَالله اعْلَم لكَون أَبى حَيَّان كَانَ مُنْفَردا بِهَذَا الْفَنّ في ذَلِك الْعَصْر غير مدافع عَن السَّبق فِيهِ ثمَّ كَانَ الْمُنْفَرد بعده هُوَ صَاحب التَّرْجَمَة وَكَثِيرًا مَا ينافس الرجل من كَانَ قبله في رتبته الَّتِى صَار اليها إظهاراً لفضل نَفسه بالاقتدار على مزاحمته لمن كَانَ قبله أَو بالتمكن من الْبلُوغ إلى مَا لم يبلغ اليه والا فَأَبُو حَيَّان هُوَ من التَّمَكُّن من هَذَا الْفَنّ بمَكَان وَلم يكن للمتأخرين مثله وَمثل صَاحب التَّرْجَمَة وَهَكَذَا نافس أَبُو حَيَّان الزمخشري فَأكْثر من الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ في النَّحْو وَالنّهر الماد لكَون الزمخشري مِمَّن تفرد بِهَذَا الشَّأْن وإن لم يكن عصره مُتَّصِلا بعصره وَهَذِه دقيقة ينبغي لمن أَرَادَ إخلاص الْعَمَل أَن يتَنَبَّه لَهَا فإنها كَثِيرَة الْوُقُوع بعيدَة الإخلاص وَقد تصدر صَاحب التَّرْجَمَة للتدريس وانتفع بِهِ النَّاس وَتفرد بِهَذَا الْفَنّ وأحاط بدقائقه وحقائقه
(1/401)

وَصَارَ لَهُ من الملكة فِيهِ مالم يكن لغيره واشتهر صيته في الأقطار وطارت مصنّفاته في غَالب الديار حَتَّى قَالَ ابْن خلدون مازلنا نَحن بالغرب نسْمع أَنه قد ظهر بِمصْر عَالم يُقَال لَهُ ابْن هِشَام أنحى من سِيبَوَيْهٍ وَمَات في لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس ذي الْقعدَة سنة 761 إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله نظم فَمِنْهُ
(وَمن يصطبر للْعلم يظفر بنيله ... وَمن يخْطب الْحَسْنَاء يصبر على الْبَذْل)
(وَمن لم يذلّ النَّفس في طلب الْعلَا ... يَسِيرا يَعش دهراً طَويلا أخاذل)
ورثاه ابْن نباتة فَقَالَ
(سقى ابْن هِشَام في الثرى نور رَحْمَة ... تجرّ على مثواه ذيل غمام)
(سأروي لَهُ من سيرة الْمَدْح مُسْندًا ... فَمَا زلت اروي سيرة ابْن هِشَام
185 - عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد الزَّيْلَعِيّ الحنفي جمال الدَّين
اشْتغل كثيراً وأخذ عَن أَصْحَاب النحيب وَعَن القاضي عَلَاء الدَّين التركماني وَعَن جمَاعَة ولازم مطالعة كتب الحَدِيث إلى أَن خرج أَحَادِيث الْهِدَايَة وَأَحَادِيث الْكَشَّاف كَانَ يترافق هُوَ وزين الدَّين العراقي فِي مطالعة الْكتب الحديثية فالعراقي لتخريج الإحياء والزيلعي لتخريج أَحَادِيث الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَكَانَ كل مِنْهُمَا يعين الآخر وَلابْن حجر تَخْرِيج لأحاديث الْكَشَّاف فَلَعَلَّهُ استمد من تَخْرِيج صَاحب التَّرْجَمَة وَمَات بِالْقَاهِرَةِ في الْمحرم سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
186 - عبد الْملك بن حُسَيْن بن عبد الْملك العصامي الشافعي المكي صَاحب التَّارِيخ الْمَشْهُور
الْمُسَمّى سمط النُّجُوم الغوالى فى أَبنَاء الاوائل التوالى وَهُوَ مجلدان ضخمان الأول إلى أَيَّام مُعَاوِيَة والثاني إلى آخر الْقرن الثاني عشر وَبسط فِيهِ
(1/402)

تراجم بعض الْخُلَفَاء والملوك والأمراء وَاخْتصرَ تراجم آخَرين وَلم أقف لَهُ على تَرْجَمَة
187 - عبد الْملك بن جمال الدَّين بن إسماعيل العصامي
جدّ الْمَذْكُور قبله ولد سنة 978 ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن مشايخها وبرع في الْعُلُوم وصنّف مصنفات مِنْهَا شرح الشذور وَشرح الْقطر وَشرح الشَّمَائِل وَشرح الألفية وَغير ذَلِك قَالَ حفيده الْمُتَقَدّم قبله انها بلغت مصنفاته سِتِّينَ مصنفا وَمَات سنة 1037 سبع وَثَلَاثِينَ وَألف
188 - عبد الْمُؤمن بن خلف بن أَبى الْحسن بن شرف الدّمياطي شرف الدَّين
ولد في آخر سنة 613 ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَنَشَأ بدمياط وَكَانَ يعرف بِابْن الْمَاجِد وَكَانَ جميل الصُّورَة جداً حَتَّى كَانَ أهل دمياط إذا بالغوا في وصف الْعَرُوس قَالُوا كأنها ابْن الْمَاجِد وتشاغل أَولا بالفقه ثمَّ طلب الحَدِيث بعد أَن دخل الْعشْرين وجاوزها فَسمع بالإسكندرية في سنة 632 من أَصْحَاب السلفي وبالقاهرة مِنْهُم وَغَيرهم ولازم المنذري وَحج فِي سنة 643 فَسمع بالحرمين وَدخل الشَّام سنة 645 ثمَّ دخل الجزيرة وَالْعراق وَكتب الْكثير وَبَالغ وَجمع مُعْجم شُيُوخه فِي أَربع مجلدات وَبلغ عَددهمْ ألف شيخ ومائتي شيخ وَخمسين شَيخا وأملى فِي حَيَاة مشايخه وَكتب عَن جمَاعَة من رفقائه قَالَ المزي مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ وَقَالَ الذهبي كَانَ مليح الْهَيْئَة حسن الْخلق بسّاماً فصيحاً لغوياً مقريا
(1/403)

جيد الْعبارَة كَبِير النَّفس صَحِيح الْكتب مُفِيدا جداً فِي المذاكرة وَقَالَ ابْن سيد النَّاس سمعته يَقُول دخلت على جمَاعَة يقرؤن الحَدِيث فَمن ذكر عبد الله بن سَلام فشددوا لامه فَقلت سَلام عَلَيْكُم سَلام عَلَيْكُم وصنّف كتاباً فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى وَآخر في الْخَيل وقبائل الْخَزْرَج وقبائل الأوس وَالْعقد الثّمن فِيمَن اسْمه عبد الْمُؤمن والمسانية والسيرة النبويه وَغير ذَلِك وَكَانَ لَهُ نظم متوسط وروى عَنهُ جمَاعَة مَاتُوا قبله بدهر وَطَالَ عمره وَتفرد بأَشْيَاء وَحمل عَن الصّنعاني عشْرين كتاباً من تصانيف فِي اللُّغَة والْحَدِيث وأزكى في علم النّسَب على الْمُتَقَدِّمين وَوَصفه أَبُو حَيَّان بحافظ الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ الذهبي كَانَ موسعاً عَلَيْهِ فِي الرزق وَله حُرْمَة وجلالة مَاتَ في خَامِس ذي الْقعدَة سنة 705 خمس وَسَبْعمائة
189 - عبد الْمُؤمن بن عبد الْحق بن عبد الله بن علي بن مَسْعُود البغدادي الحنبلي أَبُو الْفَضَائِل صفي الدَّين
ولد سنة 658 ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وتفقه على جمَاعَة وعني بِالْحَدِيثِ فَسمع من عبد الصَّمد وَآخَرين ورحل إلى دمشق فَسمع من ابْن عَسَاكِر وَخرج لنَفسِهِ عَن نَحْو ثلثمِائة شيخ وَحدث وَتخرج بالفضلاء وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ عَلامَة في الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة وَأَجَازَ لَهُ في بَغْدَاد جمَاعَة وَكَذَلِكَ من دمشق وَكَانَ زاهداً خيّراً ذَا مُرُوءَة وفتوة وتواضع ومحاسن كَثِيرَة طارحاً للتكلف على طَرِيق السلف محبّاً للخمول وَكَانَ شيخ الْعرَاق على الإطلاق وَله مصنّفات مِنْهَا شرح الْمُحَرر ومختصر فى الْفَرَائِض وادراك الْعِنَايَة فِي اخْتِصَار الْهِدَايَة وَتَحْقِيق الامل فِي الْأُصُول والجدل وتحرير الْمُقَرّر فِي تَقْرِير الْمُحَرر وَالْعدة شرح
(1/404)

الْعُمْدَة وَله نظم رائق ومحاسن وَلم يتَزَوَّج واخذ عَنهُ جمَاعَة وَمَات في صفر سنة 739 تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
190 - عبد الهادي بن أَحْمد بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن الْحسن الثلائى الْمَعْرُوف بالحسوسة
بمهملات الزيدي قَالَ القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين إنه كَانَ يحفظ مجموعات الْقَاسِم والهادى وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة ويمليها عَن ظهر قلبه بِمَا يبهر الْعُقُول مَعَ سَائِر عُلُوم أهل الْكَلَام وَكَانَ يحفظ أَحْوَال النَّاس ولقى الْفُضَلَاء وَقَرَأَ عَلَيْهِم فَمن جملَة شُيُوخه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الحيمي شيخ الإمام الْقَاسِم وَعِيسَى زعفان وعَلى بن الْحَاج قَالَ يحمل القاضي عبد الهادي من جليل الْكَلَام ودقيقه مَالا يُشبههُ فِيهِ أحد حَتَّى قَالَ الإمام الْقَاسِم إنه يظن أَنه أوسع علماً من أَبى الْهُذيْل لانه اطلع على ماحصله أبو الْهُذيْل وَغَيره وَكَانَ مطلعاً على قَوَاعِد البهشمية لَا يشذ عَنهُ مِنْهَا شئ وَلَا يخفى عَلَيْهِ شئ من احوال أهل الْعلم الكلامي وَقد كَانَ ينَال مِنْهُ المقصرون وَيَقُولُونَ أنه يمِيل إلى مَذْهَب الْمُعْتَزلَة في أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب فتألم لما بلغه ذَلِك وأملى من فضائله مَا بهرهم مِمَّا يعرفوه وَولى الْقَضَاء بِصَنْعَاء فباشره مُبَاشرَة حَسَنَة وَله في حسن السياسة أَحَادِيث وانتقل من صنعاء الى ثلا فى أوايل مَرضه ثمَّ توفي بهَا لَيْلَة الْجُمُعَة الثاني عشر من ذي الْحجَّة سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف
191 - السَّيِّد عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن بن يحيى الديلمى
الْمُتَقَدّم ذكر وَالِده في حرف الْحَاء ولد تَقْرِيبًا على رَأس سنة 1200 مِائَتَيْنِ وَألف وَقَرَأَ على وَالِده فِي الْفِقْه والآلات وعَلى غَيره مِمَّن يجد عِنْده
(1/405)

علماً في جِهَته وهي مَدِينَة ذمار ثمَّ فهم أنواعاً من الْعُلُوم الدقيقة بذهنه الْفَائِق وفهمه الذى يقل وجود نَظِيره وَحفظه الْحسن فَصَارَ يذاكر في كل علم من الْعُلُوم ويفهمه أحسن فهم وَلما وصلت إلى ذمار مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل عل الله فى سنة 1225 لازمنى الْمَذْكُور لَيْلًا وَنَهَارًا لمحل الصداقة بيني وَبَين وَالِده ولكوني نزلت في بَيتهمْ فَسمع عليّ أَوَائِل كتب لَا أحصى عَددهَا وَلَا أذكر أسمائها الْآن لكثرتها واستفاد بالمذاكرة والمباحثة شَيْئا كثيراً وَصَارَ في مَدِينَة ذمار مَعَ حدث سنة مرجعا فى الْعُلُوم حَتَّى علم الطِّبّ فإن لَهُ الْيَد الطُّولى ومازال يُفِيد الطّلبَة هُنَالك مَعَ قلَّة الراغبين في عُلُوم الِاجْتِهَاد بذمار وفي سنة 1226 في الرحلة الثَّانِيَة للْجِهَاد مَعَ مَوْلَانَا الامام المتَوَكل على الله ولامنى مُلَازمَة كَامِلَة لَيْلًا وَنَهَارًا وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد المشتغلين بالعلوم في هَذَا الْوَقْت زَاده الله علماً وتوفيقاً وَله إليّ أشعار جَيِّدَة لَعَلَّهَا مَوْجُودَة في مَجْمُوع الْأَشْعَار عِنْدِي
192 - السَّيِّد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد شَاكر بن عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن ابْن الْعَبَّاس بن جَعْفَر
الْحسنى من قبل الحسيني من قبل الْأَب الموصلي مولداً وبلداً ومنشأ ولد شهر جُمَادَى الأولى سنة 1184 أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقدم علينا إلى صنعاء في سنة 1234 وَكثر اتِّصَاله بي وَهُوَ جَامع بَين
(1/406)

علم الأديان والأبدان جيد الْفَهم فصيح اللِّسَان حسن الْعبارَة حسن الإشارة قد عرف كثيراً من الْبِلَاد كمصر وَالشَّام وَالْعراق (والحرمين وَدخل إلى الروم دفعات واتصل بعلماء الْبِلَاد وأعيانها وملوكها وَأخْبرنَا عَن هَذِه الْبِلَاد وَأَهْلهَا بأحسن الأخبار مَعَ صدق لهجة وتحر للصدق وَكتب إليّ من شعره بنظم فائق رائق
وَمن جملَة ماخبرنا بِهِ من خبر عَجِيب ونبأ غَرِيب وَهُوَ أَنه وجد في جبل قيسون من جبال الشَّام رجل من الْجِنّ يُقَال لَهُ قاضي الْجِنّ واسْمه شمهورش وَأَنه أدْرك الإمام مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري وَأخذ عَنهُ فأخبرنا صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ أخبرنَا السَّيِّد إسماعيل بن عبد الله الأيدين جكلي نِسْبَة إلى قَرْيَة بالروم قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد المنينى نزيل دمشق الشَّام قَالَ أخبرنَا عبد الْغنى بن اسماعيل النابلسى عَن القاضى شمهورش قاضى الْجِنّ بِصَحِيح البخارى عَن البخاري وَمِمَّا أخبرنَا بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة أَن اعْتِمَاد حنفية هَذَا الزَّمَان في جَمِيع ديار الروم وَالشَّام ومصر وَغَيرهَا فِي الْفِقْه على مؤلفين أَحدهمَا مؤلف الملاخسرو الرومي الْمُسَمّى الدُّرَر وَالْغرر متْنا وشرحاً والمؤلف الآخر لمُحَمد أفندي مفتي دمشق الْمُسَمّى الدر الْمُخْتَار وَاسْتشْهدَ فِي خطْبَة الْكتاب بقول الْقَائِل
(ترى الْفَتى يُنكر فضل الْفَتى ... في وقته حَتَّى إذا مَا ذهب)
(يحثه الْحِرْص على نُكْتَة ... يَكْتُبهَا عَنهُ بِمَاء الذَّهَب)
وَأخْبرنَا أَن هَذَا مُحَمَّد أفندي من أهل الْقرن الحادى عشر وَقد طلب صَاحب التَّرْجَمَة بعض مؤلفاتي فأعطيته الدُّرَر وَشَرحهَا الدراري وَقد كتب إليّ من نظمه شعراً فائقاً قد ذكرته في مجموعي فَليرْجع إليه
(1/407)

وَقد تلقيت مِنْهُ الذكر على الطَّرِيقَة النقشبندية
193 - عبد الهادي بن مُحَمَّد السودي ثمَّ الصنعاني الصُّوفِي الشَّاعِر الْمَشْهُور
ولد في نَيف وَسبعين وثمان مائَة ونشأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ بهَا الْفِقْه وَغَيره ثمَّ لحقته جذبة فَخرج هائماً من صنعاء وَسكن مَدِينَة تعز وَذكر الإمام شرف الدَّين أَنه إنما حصل لَهُ الهيام بِسَبَب أكله للقات وَله شعر حسن فَمِنْهُ
(كَيفَ حاروا فِيك وَاعجَبا ... يامنى سمعي وَيَا بصري)
(أَنْت لَا تخفى على أحد ... غير أعمى الْفِكر وَالنَّظَر)
(حيرة عَمت وأيّ فَتى ... رام عرفاناً وَلم يحر)
(وَمِنْه)
(لَا وَقد مِنْك معتدل ... عَن غرامي فِيك لم أمل)
(لَيْسَ لى عطف على اُحْدُ ... لَا وَلَا ميل إلى بدل)
(بك يَا سؤلي ظَفرت فَلم ... الْتفت للدَّار والطّلل)
(وَمِنْه)
(عاذلي في الْحبّ أَو خطره ... لست من ليلى وَلَا سمره)
(أَنا فى وَاد أَظُنك مَا ... قلت فِي الأفياء من شَجَرَة)
(لَا تطل فِيهِ الملام إلى ... أَن تذوق الحلو من ثَمَرَة)
(يَا حُلُول الشعب من اضمٍ ... انشقوني النشر من زهرَة)
وَفِي هَذَا الشّعْر من شعر أَبى نواس وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة في أَيَّام الإمام شرف الدَّين وَمَات سنة 932 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
(1/408)

194 - عبد الْوَاسِع بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد القرشي الأموي العلفي
ينتهي نسبه إلى عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم بن الْعَاصِ بن أُميَّة ولد سنة 1026 سِتّ وَعشْرين وَألف أَو في الَّتِى بعْدهَا بِبِلَاد حيدان بِسَبَب أَخْوَاله بني مدحف فَخذ من حيدان ثمَّ انْتقل هُوَ ووالدته إلى هجرتهم بني علفة فى بِلَاد الكلبيين فبقى بهَا مُدَّة ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَهُوَ فِي سن الطلب فأخذ عَن جمَاعَة من شيوخها كالفقيه الْفَاضِل مُحَمَّد بن أَحْمد الحربي فِي النَّحْو وعَلى التهامى فِي الصّرْف وعَلى عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الحيمى فى انواع من الْعلم وعَلى السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى وَالسَّيِّد الْحسن بن احْمَد الْجلَال والقاضي صَلَاح الذنوبى والقاضى أَحْمد ابْن سعيد الهبل وبرع فِي عُلُوم كالنحو وَالصرْف والاصول وَالْفِقْه والفرائض وَمن جملَة مشايخه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم والقاضي الْحُسَيْن بن علي الشوكاني والقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كالسيد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكبسي وَولده احْمَد وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بن أَحْمد زبارة وعَلى بن مُحَمَّد الشطبى وَكَانَ الامام المتَوَكل على الله يَقُوله من أَرَادَ النَّحْو فليقرأ على القاضي عبد الْوَاسِع وَله تَفْسِير لطيف على سُورَة الإخلاص وَله مَجْمُوع فى خطب السّنة ومختصر سَمَّاهُ الْوَعْظ النافع فِيمَا أنشأه القاضي عبد الْوَاسِع وَلم يزل مُقيما على التدريس حَتَّى مَاتَ فِي ثاني عشر شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1108 ثَمَان وَمِائَة وَألف وقبره فِي الْغِرَاس بجوار الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن وَلِهَذَا القاضى ذُرِّيَّة صَالِحَة مباركة فيهم رُؤَسَاء وفضلاء وكملاء فَمنهمْ في تَارِيخ تَحْرِير هَذِه الأحرف مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد بن عبد الْوَاسِع اُحْدُ رُؤَسَاء الدولة وأعيانها وَهُوَ
(1/409)

كثير الْخَيْر كثير الْعدْل قوي الْعقل مَحْمُود السِّيرَة طيب السريرة وَمِنْهُم أَخُوهُ الْحسن بن علي وَهُوَ تلو أَخِيه مُحَمَّد في محاسنه مَعَ صدق لهجة وَحسن خلق وشهامة نفس وَكَمَال مُرُوءَة وَمِنْهُم يحيى بن مُحَمَّد بن على وَهُوَ الْآن فِي عنفوان الشَّبَاب وَله أشعار فائقة تشْتَمل على معَان رائقة
195 - عبد الْوَهَّاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تَمام السبكي تَاج الدَّين
ولد سنة 727 سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كَابْن سيد النَّاس وطبقته ثمَّ قدم دمشق سنة 739 فَسمع بهَا من زَيْنَب بنت الْكَمَال والمزي والذهبي ومعن في طلب الحَدِيث وَكتب الْأَجْزَاء والطباق حَتَّى مهر وَهُوَ شَاب مَعَ ملازمته الِاشْتِغَال بالفقه وَالْأُصُول والعربية وصنف تصانيف مِنْهَا شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح منهاج البيضاوى وَعمل الفوايد الْمُشْتَملَة على الْأَشْبَاه والنظاير والطبقات الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى وَالصُّغْرَى ورزق السَّعَادَة فِي تصانيفه فانتشرت فِي حيوته وَكَانَ ذَا بلاغة وطلاقة جيد البديهة طلق اللِّسَان حسن النظم والنثر ودرس في غَالب مدارس دمشق وناب عَن أَبِيه فِي الحكم ثمَّ أشتغل بِهِ بِاخْتِيَار أَبِيه وَولى خطابة الْجَامِع وانتهت إليه رياسة الْقَضَاء والمناصب بِالشَّام وَحصل لَهُ بِسَبَب الْقَضَاء محنة بعد محنة وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي غَايَة الثَّبَات وعزل مَرَّات وكشفوا عَلَيْهِ فِي بَعْضهَا وَحكم بعض الْقُضَاة بحبسه واجتهدوا فِي طلب غَيره من عثراته فَلم يَجدوا قَالَ ابْن كثير جرى عَلَيْهِ من المحن والشدايد مالم يجر على قَاض قبله وَحصل لَهُ من المناصب والرياسة مالم يحصل لأحد قبله وانتهت اليه الرياسة بِالشَّام وَأَبَان فِي أَيَّام محنته عَن شجاعة وَقُوَّة
(1/410)

مناظرة حَتَّى أفحم خصومه مَعَ كثرتهم وَلما عَاد على وظايفه صفح عَن القايمين عَلَيْهِ وَكَانَ كَرِيمًا مهابا وَمَات فِي سَابِع ذي الْحجَّة سنة 771 إحدى وَسبعين وَسَبْعمائة
196 - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله السَّيِّد نور الدَّين أَبُو حَامِد
الحسيني الأيجي الشافعي ولد يَوْم السبت خَامِس وَعشْرين ذي الْقعدَة سنة 842 اثْنَتَيْنِ واربعين وثمان مائَة بشيراز وتحول إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ على جمَاعَة كالمحب الطبري وأبي الْفَتْح المراغي وَحفظ الْقُرْآن وَبَعض الْحَاوِي وَفِي الصّرْف النخبة لجده وفي النَّحْو الكافية وشيئاً من الطوالع وَغير ذَلِك وَأخذ عَن الصفي جده لأمه فِي عُلُوم عدَّة وعَلى النورأبى الْفتُوح وَأَجَازَ لَهُ كثير من أَمْصَار مُخْتَلفَة وَقدم الْقَاهِرَة وَدخل الشَّام وزار الْقُدس والخليل وَأخذ فى هَذِه الْأَمْكِنَة عَن جمَاعَة كالبقاعى والسخاوي وتصدر فِي أيج للإفتاء والإقراء والتحديث وَكتب على الْمِنْهَاج والتيسير للبارزي وعَلى القونوي وَجمع كتاباً طَويلا سَمَّاهُ مجمع الْبحار جعله أَولا مُخْتَصرا للروضة ثمَّ بسط الْكَلَام وَاسْتوْفى كَلَام الشَّافِعِيَّة مَعَ ذكر الْأَدِلَّة والعلل تَرْجَمَة السخاوي وَذكر أَنه فَارقه فِي سنة ارْبَعْ وَتِسْعين يعْنى وثمان مائَة فَلَعَلَّهُ عَاشَ إِلَى الْقرن التَّاسِع وَالله أعلم
179 - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد الهاشمي الحسيني الملقّب العبري
بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة ذكره الذهبي فِي المشتبه فَقَالَ عَالم كَبِير فِي وقتنا وتصانيفه سايرة وَقَالَ الأسنوى فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة كَانَ أَولا حنفياً ثمَّ صَار شافعياً وَكَانَ يقرئ المذهبين وَوَصفه بعض أهل
(1/411)

بِلَاده فَقَالَ كَانَ قاضي الْقُضَاة عضد السلاطين مَشْهُورا في الْآفَاق مشاراً إليه فِي جَمِيع الْفُنُون ملاذاً للضعفاء كثير التَّوَاضُع والإنصاف وَمَال فى آخر عمره إِلَى الِاشْتِغَال بالعلوم الدِّينِيَّة وَله من المصنفات عدَّة مِنْهَا شُرُوح مصنّفات القاضي البيضاوي الْمِنْهَاج والمطالع والغاية والمصباح وَشرح المصابيح وَسكن سلطانية ثمَّ تبريز وَولى قضاءها وَعبارَته فصيحة قريبَة من الأفهام وَكَانَت وَفَاته بتبريز في شهر رَجَب سنة 742 اثْنَتَيْنِ وأربعين وَسَبْعمائة في الْعَام الذي حصل فِيهِ الغلاء المفرط بخراسان وَالْعراق وَفَارِس وأذربيجان ودياربكر حَتَّى جَاوز الْوَصْف وَأكل الْأَب ابْنه وَالِابْن أَبَاهُ وبيعت لُحُوم الْآدَمِيّين فِي الْأَسْوَاق جَهرا ودام ذَلِك سِتَّة أشهر كَذَا في الدُّرَر لِابْنِ حجر حاكياعن بعض فضلاء الْعَجم
198 - عُثْمَان بن عليّ بن عمر بن إسماعيل بن إبراهيم بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن علي بن عبد الله الطائيّ الحلبى
فَخر الدَّين ابْن خطيب حبرين الشافعي ولد في ربيع الأول سنة 662 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَمهر في الْفُنُون حَتَّى كَانَ يدرس كل من قَصده في أي كتاب أَرَادَ من أي علم أحضرهُ وَلم ير النَّاس لَهُ فى ذَلِك نظيرا إِلَّا مَا حكى عَن ابْن يُونُس فَكَانَ يقرئ في الحاوي وَغَيره من الْفُرُوع وفي الْمَحْصُول وَغَيره من أصُول الْفِقْه وفي الشاطبية وَغَيرهَا من الْقرَاءَات وفى الفرايض وأنواع الْحساب وفي الْعَرَبيَّة والتصريف وَالْحكمَة والطب وَغير ذَلِك وناب الحكم وَكَانَ فِي خلال الدَّرْس وخلال الحكم يلازم السبحة وَمن تصانيفه شرح التفجير وَشرح الشَّامِل الصَّغِير وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح الحاوي وَشرح مُخْتَصر مُسلم للمنذري ثمَّ طلب إِلَى الْقَاهِرَة
(1/412)

فَمثل بَين يدي السُّلْطَان فبدر من السُّلْطَان كَلَام في حَقه أغْلظ لَهُ فِيهِ فَرجع مَرْعُوبًا فَمَرض وَكَانَ مَعَه وَلَده فَمَرض كَذَلِك وَمَاتَا جَمِيعًا بعد جُمُعَة فِي الْمحرم سنة 738 ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن حبيب فَقَالَ حَاكم قدره كَبِير وعالم لَيْسَ لَهُ نَظِير قدوة فى معرفَة الْأُصُول وَالْفُرُوع مشار اليه بالتقدم في المحافل والجموع ثمَّ ذكر أَنه بَاشر توقيع الحكم وَنظر الأوقاف ووكالة بَيت المَال ثمَّ اشْتغل بِالْقضَاءِ بحلب مُدَّة
199 - عُثْمَان بن قطلو بك التركمان أَمِير التركمان بديار بكر وَصَاحب آمدو ماردين
وَغَيرهَا كَانَ أَبوهُ من جملَة الْأُمَرَاء بالدولة الأرتقية ثمَّ انْتَمَى ابْنه هَذَا إِلَى تيمورلنك وَصَارَ من أعوانه وَدخل مَعَه الْبِلَاد الشامية لما طرقها ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده فاستولى على مَا تقدم ذكره في أَيَّام النَّاصِر فرج بن برقوق صَاحب مصر وَالشَّام وولاه الرها وضخم أمره وَمَا زَالَ فِي علو إِلَى أَن تجرّد الْمُؤَيد شيخ الْبِلَاد الشرقية وَعَاد إِلَى نَحْو بَغْدَاد فَأرْسل قصاده إِلَى الْمُؤَيد يعْتَذر عَن نَفسه في ذَنْب مِنْهُ سَابق وَيَقُول إن لم يعف عَنى السُّلْطَان لَا أجد لي بداً من مُوَافقَة خصومه فَأَجَابَهُ وَكَانَ من الرِّجَال قُوَّة وشجاعة وإقداماً قتل ملوكاً وَلما سلطن الْأَشْرَف برسباي الْمُتَقَدّم ذكره وطالت أَيَّامه تغيّر مَا بَينهمَا فَجهز لقتاله عسكراً غير مرة وَأخذ مِنْهُ الرها وَقبض على ابْنه هابيل وَحبس بقلعة الْجَبَل حَتَّى مَاتَ ثمَّ تجرّد الْأَشْرَف بِنَفسِهِ إليه فِي سنة 836 وَوصل إِلَى آمد وَنزل عَلَيْهَا وحاصرها زِيَادَة على شهر ثمَّ رَحل عَنْهَا بعد وُقُوع الصُّلْح بَينهمَا وَأرْسل لَهُ بخلعة وسرج فرس ذهب وَاسْتمرّ على حَاله إِلَى سنة 839 فَسَار إِلَى إسكندر
(1/413)

من تبريز وَبلغ على صَاحب التَّرْجَمَة فَجهز علي بك ابْنه فِي فرقة من الْعَسْكَر وَهُوَ على أَثَرهم فَالتقى الْفَرِيقَانِ فاستظهر عَسْكَر هَذَا فَثَبت اسكندر بِمن مَعَه ثمَّ حملُوا حَملَة رجل وَاحِد على عَسْكَر هَذَا فكسروه وَسَار اسكندر خَلفهم فتبعوا صَاحب التَّرْجَمَة فَرمى بِنَفسِهِ إِلَى خَنْدَق القلعة ليفوز بمهجته وَعَلِيهِ آلَة الْحَرْب فَوَقع على حجر فشدخ دماغه ثمَّ حمل وعلق إِلَى القلعة بحبال فدام بهَا أَيَّامًا قلايل ثمَّ مَاتَ وَذَلِكَ في الْعشْر الأول من صفر سنة 839 تسع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَقد بلغ التسعين أَو زَاد عَلَيْهَا ودام سُلْطَانه زِيَادَة على خمسين سنة
200 - عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن أَبى بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أَبى حَفْص عمر الملقب المتَوَكل على الله الهنتاتي
بِفَتْح الْهَاء ثمَّ نون بعْدهَا مثناة ثمَّ مثلهَا بعد ألف قَبيلَة من البربر وجده أَبُو حفض عمر هُوَ أحد الْعشْرَة من أَصْحَاب مُحَمَّد بن تومرث الْمَعْرُوف بالمهدي ولد تَقْرِيبًا بعد الْعشْرين وثمان مائَة بتونس وَبهَا نَشأ فِي كنف أبيه وجده وَقَرَأَ الْقُرْآن وشيئاً من الْعلم وَصَارَ إليه الْملك وَهُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة فَخَالف عَلَيْهِ عَمه أَبُو الْحسن فظفر بِهِ وتمهدت لَهُ الْأُمُور وطالت أَيَّامه فإنه ولي ملك تونس وَهُوَ في تِلْكَ السن في سنة 839 ودام فِي الْملك أَرْبعا وَخمسين سنة وَنصف سنة ودانت لَهُ الْبِلَاد والرعية وَاجْتمعَ لَهُ من الْأَمْوَال وَغَيرهَا مَا يفوق الْوَصْف وَأَنْشَأَ الأبنية الهايلة والخزانة الشرقية بِجَامِع الزَّيْتُون وَجعل بهَا كتباً نفيسة للطلبة وَبعد صيته وطارت شهرته وهادن مُلُوك تِلْكَ الأقطار وَكَذَا مُلُوك
(1/414)

الافرنج وخطب لَهُ بالجزاير وتلمسان وجائته بيعَة صَاحب فاس وأثنى عَلَيْهِ غير وَاحِد مِمَّن لقِيه وَلم يزل بحالته حَتَّى مَاتَ فِي صَبِيحَة يَوْم السبت تَاسِع وَعشْرين شهر رَمَضَان سنة 893 ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة
201 - الإمام الْهَادِي عز الدَّين بن الْحسن بن الْمُؤَيد
ولد بأعلا فَللَّه بِفَتْح الْفَاء واللامين بعْدهَا بِعشر بَقينَ من شَوَّال سنة 845 خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَقَرَأَ فِي وَطنه ثمَّ رَحل إِلَى صعدة فَقَرَأَ على على بن مُوسَى الدوارى فنونا من الْعلم وَقَرَأَ أَيْضا على غَيره ثمَّ رَحل إِلَى تهَامَة فَسمع الحَدِيث على شَيْخه يحيى بن أَبى بكر العامري الْمَشْهُور مؤلف الْبَهْجَة وَغَيرهَا سمع مِنْهُ سنَن أَبى دَاوُد وَأَجَازَهُ في ساير كتب الحَدِيث وبرع فى جَمِيع الْعُلُوم وصنف وَهُوَ دون الْعشْرين فَمن مصنفاته شرح منهاج القرش في مجلدين ضخمين وَشرح الْبَحْر للامام الْمهْدي بلغ فِيهِ إِلَى كتاب الْحَج وَهُوَ شرح مُفِيد سلك فِيهِ طَريقَة الإنصاف وَهُوَ يدل على تبحّره فِي عدَّة عُلُوم وَله فتاوى مَجْمُوعَة فِي مُجَلد ضخم مفيدة وَمن جملَة شُيُوخه الإمام مُحَمَّد بن علي الوشلي فإنه لَازمه في الْحَضَر وَالسّفر ثمَّ لما كمل فِي جَمِيع الْعُلُوم دَعَا النَّاس إِلَى مبايعته فَبَايعُوهُ فى تَاسِع شَوَّال سنة 879 تسع وَسبعين وثمان مائَة وَكَانَت الدعْوَة بوطنه هِجْرَة فَللَّه وَدخل تَحت طَاعَته بِلَاد السودة وكحلان والشرفين والبلاد الشامية وعلماء ساير محلات الزيدية قد بَايعُوهُ وإن لم يجبهُ جَمِيع أَهلهَا وَهُوَ من أكَابِر أَئِمَّة الْآل في الْعلم وَالْعَمَل وَالْكَرم وساير الْخِصَال الشَّرِيفَة وَله شغف بِالْعلمِ عَظِيم ولديه من التَّسْلِيم للحق وَاتِّبَاع الدَّلِيل مالم يكن لغيره حَتَّى رَأَيْته قد حرر بحثاً فى مسئلة انحصار الامامة فى بعض بطُون قُرَيْش
(1/415)

وَتكلم بِالصَّوَابِ مَعَ كَونه إِذْ ذَاك إِمَامًا واستمرت إمامته إِلَى أَن مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة 900 تِسْعمائَة وَمُدَّة خِلَافَته إحدى وَعِشْرُونَ سنة
202 - السَّيِّد علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن احْمَد بن عَامر الشَّهِيد
الْمُتَقَدّم ذكره ولد بشهارة سنة 1143 ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَقيل سنة 1139 وَقَرَأَ بهَا على أهل الْعلم هُنَالك ثمَّ ارتحل إلى كوكبان وَقَرَأَ على من بِهِ من الْعلمَاء كالسيّد عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد بن اسحق وَغَيره كالقاضي احْمَد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَاسْتقر بهَا وَتزَوج وَكَانَ إِمَامًا في جَمِيع الْعُلُوم محققاً لكل فن ذَا سكينَة ووقار قلّ أَن يُوجد لَهُ نَظِير فِي ذَلِك كَانَ إذا اجْتمع بِأَهْل الْعلم وَجَرت المباحثة فِي فن من فنون الْعلم لَا يتَكَلَّم قط بل ينظر إليهم ساكتاً فيرجعون إليه بعد ذَلِك فيتكلم بِكَلَام يقبله الْجَمِيع ويقنع بِهِ كل سامع وَكَانَ هَذَا دأبه على مُرُور الْأَيَّام لَا يَعْتَرِيه الطيش والخفة في شئ كَائِنا مَا كَانَ وَلَا يُوجد لَهُ عَدو قطّ لحفظ لِسَانه والتفاته الى مَا يعنيه وَعدم اشْتِغَاله بِمَا لَا يعنيه مَعَ كَونه غير مُتَعَلق بالمناصب الدُّنْيَوِيَّة الَّتِى هي منشأ الْعَدَاوَة إما لحسد أَو لغيرة فَلهَذَا كَانَ الثَّنَاء عَلَيْهِ كلمة إجماع وَالِاعْتِرَاف بفضله لَيْسَ فِيهِ نزاع وَكَانَ يسْلك هَذَا المسلك مَعَ أَهله وَأَوْلَاده فإنهم إذا وَقع لَهُم السَّهْو عَن شئ مِمَّا يحْتَاج إليه من طَعَام أَو شراب أَو نَحْوهمَا لم يَقع مِنْهُ الطلب لذَلِك مِنْهُم فضلاً عَن أَن يتجرد عَلَيْهِم ويلومهم وَلَقَد أخبرني أَنه خرج يَوْمًا مَعَ جَنَازَة وَقت الْغَدَاء وَمَا رَجَعَ إِلَّا قبل الظّهْر فَظن أَهله أَنه قد تغدى لِأَنَّهُ كَانَ كثير الضيافات عِنْد معارفه
(1/416)

فوصل الى مَكَانَهُ وَاسْتمرّ جَالِسا الى وَقت الْعشَاء لم يطْلب مِنْهُم شَيْئا وَمثل هَذَا عَجِيب وأخبرني أَنه دخل لَيْلَة منزله ووقف فِي الْمَكَان الذى يأوى اليه وَلم يشْعر أَهله بذلك فبقى إِلَى مِقْدَار نصف اللَّيْل في ظلمَة بِلَا مِصْبَاح وَلَا قهوة وَلَا غير ذَلِك مِمَّا يحْتَاج اليه في السمر مَعَ أَنه كَانَ محباً للسمر وإذا كَانَت هَذِه مُعَامَلَته لأَهله فَمَا ظَنك بمعاملته لغَيرهم وَلَا أعلم أَنه غضب قط أَو خَاصم فى شئ مُنْذُ عَرفته الى أَن مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ نَظِير في حفظ الْأَشْعَار لأهل الْجَاهِلِيَّة والإسلام وَحفظ الْأَخْبَار الَّتِى لَا يدرى بشئ مِنْهَا غَالب أهل الْعَصْر وَمَعَ هَذَا فإنه يحضر مَوَاقِف الِاجْتِمَاع فيتحدث متحدث بِخَبَر من الأخبار فيزيد وَينْقص ويغلط ويصحف ويحرف وَهُوَ مصغ اليه مقبل عَلَيْهِ كَأَن لَا يعرف من ذَلِك شَيْئا فإذا فرغ ذَلِك المتحدث من حَدِيثه استحسنه صَاحب التَّرْجَمَة وَسكت وَلَا يسْتَدرك عَلَيْهِ فى شئ مَعَ أَنه يعلم بتفصيل ذَلِك الْخَبَر وَصَحِيحه وفاسده اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يسْأَله سَائل عَن تِلْكَ الْحِكَايَة أَو يسترشد مِنْهُ الحاكي فإنه حِينَئِذٍ يُمْلِيهَا بِعِبَارَة عذبة ويصوغها بِأَلْفَاظ فصيحة واذا كَانَت مُشْتَمِلَة على شئ من الشّعْر ذكره لَا يُغَادر مِنْهُ شَيْئا حَتَّى يخجل حاكي تِلْكَ الْقَضِيَّة ويندم على اقدامه وَهَكَذَا اذا روى اُحْدُ من هُوَ بِحَضْرَتِهِ شَيْئا من الشّعْر أصغى اليه وَقد لَا يدري ذَلِك الرَّاوِي لمن الشّعْر وَقد يصحّف في بعضه وَقد لَا يحفظ إِلَّا شَيْئا يَسِيرا من القصيدة وَصَاحب التَّرْجَمَة سَاكِت لَا يتَكَلَّم فإذا سَأَلَهُ سَائل عَن ذَلِك روى تِلْكَ القصيدة من أَولهَا إلى آخرهَا وَذكر السَّبَب الذي قيلت لأَجله وَترْجم لقائلها تَرْجَمَة لَا يدع من أَحْوَاله شَيْئا وَقل أَن يجرى بِحَضْرَتِهِ شئ لَا يعرفهُ وَهُوَ قَلِيل التَّكَلُّف مائل إلى الخمول لَيْسَ لَهُ
(1/417)

رَغْبَة فِي الظُّهُور وَلَا يتَكَلَّم في مَسْأَلَة إِلَّا وَهُوَ على قدم راسخة والارجع الى الْبَحْث بل كثيرا مَا يرجع الى الْبَحْث وان كَانَ يعلم بالمسئلة فإني سَمِعت مِنْهُ صَحِيح البخاري من أوله الى آخِره بِلَا فَوت فَكَانَت تعرض مباحثات حَال الْقِرَاءَة فَيسمع السُّؤَال ثمَّ يصمت وَيَأْخُذ الشُّرُوح فَينْظر فِيهَا فإن وجد مَا يُفِيد أملاه وَإِن لم يجد تكلم من عِنْد نَفسه بِكَلَام في غَايَة الْحسن والافادة وَمِمَّا كتبته اليه فى أَيَّام قرائتى عَلَيْهِ هَذَانِ البيتان وَفِيهِمَا طرد عَجِيب
(إمام البهاليل الأولى سبقوا إلى ... سَمَاء المعالي آمراً بعد آمُر)
(علي بن إبراهيم بن علي ب ... ن إبراهيم بن أَحْمد بن عَامر)
وَقد أَخذ عَنهُ الطّلبَة في فنون مُتعَدِّدَة وَكَانُوا يقصدونه في الْغَالِب إلى بَيته وَكَانَ للعصر بِهِ جمال وللعلم وَأَهله بِهِ أنس وَله في الشّعْر يَد طولى وقصائده الطنانة مَوْجُودَة بأيدي النَّاس فَمن شَعْرَة في وصف البنادق من جملَة قصيدة
(فواغر أَفْوَاه الثعابين كلما ... نفخن قتاما تستطار مشاعل)
(حكى شكلها الْحَيَّات لَكِن صفيرها ... زئير وفي الأحشاء مِنْهَا الغوائل)
(كراسيها أذنابها وعيونها ... وَرَاء وَلَا يخفى عَلَيْهَا الْمقَاتل)
ولولم يكن لَهُ إلا هَذِه الأبيات لكفته فإنها غَايَة لَا تدْرك وهي تدل على مَا أولاها من أدبه الغض وَمن قصائده الطنانة هَذِه القصيدة
(خلس اللحظ تذيب المهجا ... فبها الدمع يرى ممنزجا)
(اتسم لحظك في مرعى الْهوى ... فيلاقي الْقلب مِنْهُ حرجا)
(راشقات وَتسَمى نظراً ... بِنِبَالٍ وَتسَمى دعجا)
(1/418)

(لم تُؤثر فيّ سوى أَفْئِدَة ... وهي فِيهِنَّ تبين الشخجا)
(كَانَ عهدي قبلهَا أَن النهى ... للتصابى مَانع أَن يلجا)
(يَا خليلى أَرَاهَا مِنْكُمَا ... ظلة بالسفح ان لم تعجا)
(وإذا ظللتماه فانشقا ... من شميم الدَّار عرفا ارجا)
(انما عتد من عمري بِمَا ... كنت فِيهِ بالصبا مبتهجا)
(يمْلَأ التهويم عينيّ وَلم ... يَك قلبي بالهوى منزعجا)
(كم سرقنا باللوى في غَفلَة ... من عوادى الدَّهْر غيثا سجسجا)
(ترقص الاغصان فِيهِ طَربا ... وَعَلِيهِ الطير تشدو هزجا)
(ودجى قد ألف الشمل إلى ... أَن فرى الصُّبْح لأفق ودجا)
(وليالي بالتداني لُؤْلُؤ ... قد أُعِيدَت بالتنائي سبجا)
(اذ يلف الْحبّ مشتاقى هوى ... وعفاف بالغرام امتزجا)
(لم يشقني ظلّ أفنان الْحمى ... انما اشتاق بَدْرًا غنجا)
(حركات الْحسن في أعطافه ... يستميل اللب عَن أهل الحجا)
(آه من عين بِهِ دامية ... وهي في الدمع تخوض اللججا)
(كلما لَام عَلَيْهِ عاذل ... وجد المسمع بَابا مرتجا)
(لَا سمت بي عقوة من هَاشم ... وبخال بالمعالى وشجا)
(ان أخافتني القنا من دونه ... بعواليها حُسَيْنًا سرجا)
(لأقيمن على رغم النَّوَى ... منسم الْحبّ واعلو الثبجا)
(أَتَرَى آساده فِي وَهن ... من سهاد ظلّ فِيهِ مدلجا)
(آه من عسجد شعر صغته ... وَأرَاهُ فِي الْهوى قد سمجا)
(1/419)

(لَو رأى قَيْصر مِنْهُ مَا رَأَوْا ... صاغ مِنْهُ لملوك دملجا)
وَلم يشْتَغل رَحْمَة الله بالتأليف مَعَ أَنه أهل لَهُ وَلَو وَجه نَفسه اليه لجاء بِمَا بعجز عَنهُ غَيره وَلَعَلَّ السَّبَب فِي ذَلِك محبته للخمول حَيا وَمَيتًا وَكتب من نفايس الْكتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيراً وَكنت اعْجَبْ من سرعَة مَا يتَحَصَّل لَهُ من ذَلِك مَعَ شغلته بالتدريس فَسَأَلته بعض الْأَيَّام عَن هَذَا فَقَالَ إنه لَا يتْرك النسخ يَوْمًا وَاحِدًا وإذا عرض مَا يمْنَع فعل من النسخ شَيْئا يَسِيرا وَلَو سطراً أَو سطرين فلزمت قَاعِدَته هَذِه فَرَأَيْت في ذَلِك مَنْفَعَة عَظِيمَة وَكَانَ لَهُ رَحمَه الله ميل إلى السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن اسحق وَخرج مَعَه من صنعاء إلى وصاب أَيَّام وُقُوع الْحَرْب بَينه وَبَين الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وانتفع بِصُحْبَتِهِ وَكَانَ يُعينهُ على أمور دُنْيَاهُ وَكَانَ لَهُ لطايف وظرائف وكلمات مستحسنة مِنْهَا أنه كَانَ بعض أَبنَاء الأكابر يتَّصل بِهِ وَيقْرَأ عَلَيْهِ ويديم الْجُلُوس مَعَه وَهُوَ فائق الْجمال بديع الْأَوْصَاف فَتزَوج وَانْقطع عَنهُ فَقيل لَهُ فى ذَلِك فَقَالَ انْصَرف ندمان لوُجُود ندماته فتمت لَهُ الإشارة إلى الْوَاقِع مَعَ مُرَاعَاة التَّوْجِيه بالقاعدة النحوية على أحسن أسلوب وَلم يزل رَحمَه الله مستمراً على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفاه الله في الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة 1207 سبع وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثيته بقصيدة مطْلعهَا
(هَب أَن بدر الْأُفق يَوْمًا يأفل ... أوأنه يهوى السماك الأعزل)
203 - السَّيِّد علي بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن صَلَاح الْأَمِير
حفيد السَّيِّد مُحَمَّد صَاحب التصانيف الآتي إنشاء الله ولد شهر الْقعدَة سنة 1171 إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة والْحَدِيث
(1/420)

واستفاد في أسْرع مُدَّة مَعَ أَنه لم يشْتَغل كثيراً وَلكنه مفرط الذكاء سريع الْفَهم قوي الإدراك جيد الفطنة يتوقد ذكاء فصيح الْعبارَة فايق النظم والنثر وَله مصنفات مِنْهَا السِّرّ المصون في نكتة الإظهار والإضمار في أَكثر النَّاس وَأَكْثَرهم لَا يعلمُونَ ورسالة فِي تَحْرِيم تحلية السِّلَاح بِالذَّهَب وتأنيس أَرْبَاب الصَّفَا في مولد الْمُصْطَفى وَكتاب النفحات الربانية واللمحات الرحمانية فى احراز ذخاير الصلات بابراز ضماير الصَّلَوَات وَالْفَتْح الالاهى بتبيه اللاهي وَكلهَا حَسَنَة وَحج مَرَّات وَتردد مَا بَين صنعاء وَمَكَّة وَمَال إِلَى الْأَدَب ونظم القصايد الطنانة والمقاطيع الْحَسَنَة وَأكْثر من ذَلِك واشتهرت أشعاره وطارت فِي الأقطار اليمنية واشتغل بهَا النَّاس وكتبوها وحفظوها وَكَانَ يكثر من مطارحة الأدباء ومجالستهم ومجاذبتهم للطايف وفنونن الْأَدَب ثمَّ انجمع وَترك الشّعْر والتفت إلى الْعِبَادَة والأذكار والوعظ وَتَعْلِيم الْعَامَّة أُمُور الدَّين فعقد مجَالِس بِجَامِع صنعاء وَبِغَيْرِهِ من مساجدها وبجامع الرَّوْضَة وَكَانَ يجْتَمع عَلَيْهِ جمع جم وَرغب النَّاس إليه وَأَقْبلُوا على وعظه وَكَانَ ينحدر عِنْد مَا يتَكَلَّم عَن النَّاس من أول الْمجْلس إلى آخره لَا يتلعثم في عبارَة وَلَا يتَرَدَّد فِي لفظ كَأَنَّهُ يملي من كتاب ويستطرد الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة ويسرد من ذَلِك شَيْئا كثيراً بِعِبَارَة حَسَنَة ومسالك مستحسنة وَجمع مجاميع حَسَنَة مِنْهَا رِسَالَة فِي تَفْسِير أَلْفَاظ الْأَذَان وَأُخْرَى في تَحْرِيم التحلي بِالذَّهَب وَله من ذَلِك أَشْيَاء نفيسة وَله فصاحة وبراعة وَقُوَّة نفس وعفة وإنكار للْمُنكر بِمَا يستطيعه وتبلغ إليه قدرته وَكَثِيرًا مَا يصل إليّ إِذا حدث شئ من ذَلِك وَلَا يزَال حَتَّى أساعده على الْقيام في دفع ذَلِك
(1/421)

الْحَادِث وأحواله كلهَا حَسَنَة وَله في الذب عَن الْغَيْبَة والنميمة غَايَة كَامِلَة لَا يدع أحدا يذكر بِسوء في مَجْلِسه وَله أذكار وصبر على تَعْلِيم الْعَامَّة مَا يهمم من امْر دينهم وَهُوَ الان مُسْتَمر على هَذِه الْأَحْوَال الجميلة وَلِلنَّاسِ بِهِ انْتِفَاع كثير وَمَعَ هَذَا فَلم يسلم من المنافسة لَهُ وَالْمُبَالغَة في الْحَط عَلَيْهِ والتظهر بثلبه وَهُوَ صابر محتسب وَقد كتب الى أبياتا بعد تَركه لنظم الشّعْر وهي
(طبل شيطاني ومزمار الْهوى ... ضربا وَالنَّفس باتت ترقص)
(ورياض الْقلب قد أهملها ... عدم التَّقْوَى فباتت تنقص)
(أعرب اللَّفْظ بقرآني وَكم ... ألحن الْمَعْنى فَهَل لي مخلص)
(يالقومى لم أجد محتسباً ... فَاضلا عَن منكراتي يفحص)
(فَعَسَى ربى بجاه الْمُصْطَفى ... يذهب الدافتزول الْغصَص)
فأجبته عَنهُ بقولي
(قد شققت الطبل والمزمارما ... مثلك الْيَوْم لزمر يرقص)
(وكذاك النَّفس قد ألجمتها ... بلجام الزّهْد وَهُوَ المخلص)
(أنت لَا تفحص عَن عيب امرء ... تبّ من ظل لعيب يفحص)
(فرض النَّفس إِذا زَاد الْهوى ... فَهُوَ إِن مَا رضتها ينتقص)
(يالحا الله أناساً كلما ... لَاحَ للأطماع برق بصبصوا)
(وإذا نَالَ الْفَتى مكرمَة ... كَانَ من ذَاك لديهم غصص)
وَهُوَ الْآن مَا بَين الأربعين وَالْخمسين من عمره دَامَت فوايده ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله فى شهر ذي الْحجَّة سنة 1219 تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ووالد المترجم لَهُ هُوَ من أَعْيَان الْعلمَاء وأكابر الْفُضَلَاء جَامع بَين الشَّرِيعَة
(1/422)

والطريقة عَارِف بفنون من الْعلم لَا سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله في التصوف والتسليك يَد طولى قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره وأقرأ فى جَامع صنعاء في صَحِيح البخاري وَغَيره وَله فِي الْوَعْظ يَد طولى وَقد قعد لذَلِك في مَوَاطِن فَانْتَفع بِهِ النَّاس ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة واستوطنها بِسَبَب أُمُور جرت لَهُ مُشْتَمِلَة على امتحانات وَهُوَ الْآن مُقيم هُنَالك وَقد رعب عَن الرُّجُوع إِلَى الْيمن وَهُوَ وافر الجاه عِنْد أَهلهَا عَظِيم الْحُرْمَة رفيع الدرجَة وَصَارَ هُنَالك مأوى لمن دخل مَكَّة لِلْحَجِّ من أَعْيَان أهل الْيمن وَقد كتب إِلَى كتاباً يتَضَمَّن المعاهدة وَلم يكن قد عرفني قبل ارتحاله إِلَى هُنَالك لأني كنت إِذْ ذَاك في أَيَّام الصغر وَأَنا رَأَيْته مرة وَاحِدَة يصلي بِالنَّاسِ في بعض الْمَسَاجِد بِصَنْعَاء فَسمِعت قِرَاءَة فايقة بِصَوْت مطرب مَعَ هَيْئَة جميلَة وَشَيْبَة منورة وَله مصنفات فى الْوَعْظ والرقايق والتصوف وَهُوَ مشحونة بالفصاحة والبلاغة وَهُوَ كَانَ يسْتَحق إفراده بترجمة وَلَكِن اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَمَات ثاني عشر شَوَّال سنة 1213 ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ومولده سنة 1141 إحدى وَأَرْبَعين وَمِائَة وألف وَمن مصنفاته الْفلك المشحون شرح أسماء من يَقُول للشئ كن فَيكون وَشرح للأربعين الجوهرية وَله تَفْسِير غَرِيب الأسلوب سَمَّاهُ مَفَاتِيح الرضْوَان في تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ كتب مِنْهُ مجلداً ضخماً وَجمع مجموعاً في تَرْجَمَة وَالِده ذكر فِيهِ مؤلفاته وشيوخه وتلامذته وَقد وقفت على جَمِيع ذَلِك وَولده يُوسُف بن إبراهيم سَاكن عِنْده هُنَالك وَهُوَ من المشتغلين بِالْعلمِ والزهد وسلوك طَرِيق الْخَيْر وَالْعِبَادَة والاشتغال بِأَمْر الْآخِرَة وَله في الْأَدَب مسرح قوي وَهُوَ أَصْغَر من أَخِيه على المترجم لَهُ وَقد خرج
(1/423)

إِلَى صنعاء وَسمعت تِلَاوَته وهى تِلَاوَة فايقة بنغمات رايقة ورايته يقْرَأ على عَمه عبد الله بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في مدرسة الإمام شرف الدَّين بِصَنْعَاء في صَحِيح البخاري
204 - عليّ بن أَحْمد بن رَاجِح بن سعيد
وَزِير الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ من محَاسِن الدَّهْر فى الْكَرم والرياسة والكياسة وَله ولأخيه محسن بن أَحْمد رَاجِح قصَص في الْكَرم يتناقلها النَّاس إلى الْآن ويضربون بهَا الامثال ولشعراء عصرهما فيهمَا غرر الممادح وَكَانَا مستوليين على الْمَنْصُور بِاللَّه لَا يعْمل الا بماقالاه وَلَا سِيمَا صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ الْوَزير الأعظم الذي لَا يَقع فى المملكة شئ إلا بإذنه ومفاوضته وَاسْتمرّ كَذَلِك مُدَّة خلَافَة الْمَنْصُور وَكَانَ ملازماً لَهُ قبل الْخلَافَة وَلما مَاتَ الْمَنْصُور وَقَامَ بعده الإمام المهدي نكب صَاحب التَّرْجَمَة وأخاه الْمَذْكُورين وَأخذ من أموالهما شَيْئا كثيراً فأما صَاحب التَّرْجَمَة فَمَاتَ بعد ذَلِك بأيام يسيرَة في سنة 1163 ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فبقي لوَرثَته دنيا وَاسِعَة ووقف ثلث تركته على الْعلمَاء والمحاويج وَهُوَ جُمْهُور وَاسع وَصَارَت الْآن صَدَقَة جَارِيَة على الْمُسْتَحقّين يحصل
(1/424)

مِنْهَا فِي كل عَام شئ وَاسع وَأما أَخُوهُ فَتَأَخر مَوته إلى سنة 1173 ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف
205 - عليّ بن أَحْمد بن سعيد بن مُحَمَّد بن سعيد بن الأثير الحلبي الأصل المصري
ولد في حُدُود الثَّمَانِينَ وسِتمِائَة وتعانى الخدم الديوانية وَكَانَ أَبوهُ من الأعيان الموقعين وباشر الدِّيوَان وَكتب الإنشاء فَلَمَّا توجه النَّاصِر إلى الكرك توجه صحبته ووعده بِكِتَابَة السِّرّ فَلَمَّا قدم النَّاصِر الْقَاهِرَة قدم لَهُ عَلَاء الدَّين حلوى بِمِائَة وَعشْرين درهما وَبَاعَ لأجل شِرَائهَا بعض مَتَاعه فَلَمَّا وصلت الْهَدِيَّة إلى النَّاصِر تذكره وَقَالَ لدويداره اكْتُبْ إلى محيي الدَّين ابْن فضل الله يكْتب إلى أَخِيه شهَاب الدَّين دستور إلى الشَّام فإني اسْتَحى أن أواجهه بذلك فَكتب محيى الدَّين الى أَخِيه فل يلْتَفت اليه فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك لم يجد بداً أَن يفصح لَهُ بالأمر فرسم لَهُ أَن يَسْتَقِيم في كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق عوضاً عَن أَخِيه فَخرج من الْقَاهِرَة إلى دمشق وَاسْتقر صَاحب التَّرْجَمَة مَكَانَهُ فَعَظمهُ السُّلْطَان وأكرمه ونوه بِقَدرِهِ وَبلغ عِنْده مَا لم يبلغهُ غَيره حَتَّى كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إلى نواب الشَّام بأشياء يأمرهم بهَا عَن نَفسه فَعظم قدره جداً وباشر الْوَظِيفَة مُبَاشرَة جَيِّدَة وَكَانَ يركب في سِتَّة عشر مَمْلُوكا من الأتراك كل وَاحِد مِنْهُ قِيمَته أَكثر من خَمْسمِائَة دِينَار وكانو يقومُونَ بالديوان سماطين وَلَا يتَكَلَّم مَعَ اُحْدُ مِنْهُم إلا بالتركية وهم يترجمون عَنهُ للنَّاس وَكَانَ يكْتب خطاً قَوِيا مَنْسُوبا وَله اقتدار على إصلاح اللَّفْظَة وإبرازها من صُورَة إلى صُورَة وَمَا كَانَ يخرج من الدِّيوَان كتاب حَتَّى يتأمله وَلَا بُد أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا وَقد مدحه شعراء عصره
(1/425)

كالشهاب مَحْمُود وَابْن نباته وَغَيرهمَا وَلم يزل فِي سعادته الى أَن حصل لَهُ مبادئ فالج ثمَّ تزايد بِهِ وَظهر ذَلِك للسُّلْطَان فَصَبر عَلَيْهِ الى أَن أَرَادَ يَوْمًا أَن يقوم من بَين يَدَيْهِ فَسَقَطت الدواة من يَده فتألم لَهُ السُّلْطَان وَقَالَ للدويدار اكْتُبْ إلى نَائِب الشَّام فليجهز لنا القاضي محيي الدَّين بن فضل الله وَأرْسل عَلَاء الدَّين أَن ينزل إلى بَيته فتغافل عَن ذَلِك وَلزِمَ الدِّيوَان مَرِيضا إلى أَن وصل محيي الدَّين فَحَضَرَ إليه الدويدار وَقَالَ لَهُ انْزِلْ بَيْتك فقد وصل صَاحب الْوَظِيفَة فَنزل فِي أَوَائِل الْمحرم وعالجه الاطباء فَلم ينجع بل تزايد إلى أَن صَار لَا يَتَحَرَّك مِنْهُ شئ أصلاً إلا جفونه فَكَانَ إذا أَرَادَ شَيْئا قَرَأَ لَهُ خادمه حُرُوف المعجم فإذا مر بِحرف هُوَ أول الْكَلِمَة أطبق جفْنه ثمَّ يعود إلى أَن يتَحَصَّل لَهُ كلمة بعد كلمة فَيعرف مِنْهَا مُرَاده وَلم يطلّ ذَلِك بل مَاتَ في منتصف الْمحرم سنة 730 ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة قَالَ ابْن حبيب ماجد سَاد عصره بِوُجُودِهِ على الأعصار وَكَانَ يتلطف لذوي الْحَاجَات وَيفتح لَهُم أَبْوَاب الْخَيْر وَمن مدح ابْن نباتة فِيهِ
(لَا عدمنا لِابْنِ الأثير يراعا ... جَارِيا للعباد بالأرزاق)
(كلما مَاس فِي المهارق كالغص ... ن رَأَيْت الندى على الأوراق
206 - علي بن أَحْمد هَاجر الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة 1180 ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ فِي الْعُلُوم الآلية قِرَاءَة متقنة وفهمها فهماً جيداً وفَاق كثيراً من الطّلبَة في فهم الدقائق والنكات اللطيفة وَله قِرَاءَة عليّ فِي علم الْمنطق فِي مُدَّة سَابِقَة وَهُوَ يفهمهُ فهماً بديعاً ويتقنه إتقاناً عجيباً وَله قِرَاءَة عليّ أَيْضا فِي الْكَشَّاف والمطول وفي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي كثير من كتب السّنة وَهُوَ قوي الْفَهم جيد
(1/426)

الإدراك صَحِيح التَّصَوُّر قل أَن يُوجد نَظِيره مَعَ صلابة فِي الدَّين واشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَصدق لهجة وَهُوَ الْآن من محَاسِن المشتغلين بِالْعلمِ في هَذَا الْعَصْر
207 - السَّيِّد علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف أوقبلها بِيَسِير وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على وَالِده وَغَيره من أَعْيَان وبرع فِي عُلُوم عدَّة لَا سِيمَا علم الْأَدَب فان لَهُ فِيهِ يداً طولى ونظمه كثير جداً مَوْجُود بأيدي النَّاس وَكثير مِنْهُ فِي مدح أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَلما مَاتَ وَالِده وَكَانَ المتولي لأمور آل إسحق قَامَ وَلَده هَذَا مقَامه وَصَارَ لَهُ جلال وسياسة ضخمة وَظهر من كرمه مَا هُوَ ظَاهر مَشْهُور وَكَانَ موقفه محفوفاً بأعيان الْعلمَاء والأدباء معموراً بالمسائل العلمية واللطائف الأدبية وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ فر من صنعاء في اللَّيْل مغاضباً لخليفة الْعَصْر مَوْلَانَا الْمَنْصُور بِاللَّه على بن الْعَبَّاس حفظه الله وَاسْتقر بِبِلَاد أرحب وَقَامَ بنصره أهل تِلْكَ الْجِهَة فارتجت الديار اليمنية لذَلِك ثمَّ أن الْخَلِيفَة حفظه الله بعث أَمِيرا من أمرائه وَهُوَ الْأَمِير سرُور الْمَنْصُور لمناحرة صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقَعت بَينهمَا حروب وَآخر الْأَمر وَقع صلح على أَن يبْقى هُنَالك بِجَيْش وينوب عَنهُ فى تولى أُمُور آل إسحق آخر وَيصير إليه مَا كَانَ لَهُ ثمَّ انْتقض ذَلِك وَاتفقَ خُرُوج بعض أهل البغي من برط على الْبِلَاد الأمامية فَخرج صَاحب التَّرْجَمَة مَعَهم وَكَانَ يتألم لما يصدر مِنْهُم من
(1/427)

سفك الدِّمَاء وهتك الْحرم ووصلوا أَولا إلى حِدة النزهة الَّتِى قريب صنعاء واستقروا أَيَّامًا فَخرج اليه الْخَلِيفَة حفظه الله وَتَقَدَّمت ظائفة من جُنُوده فيهم وَلَده مَوْلَانَا صفي الإسلام احْمَد بن الإمام حمى الله وَوَقعت حروب شَدِيدَة انجلت عَن قتل الفقيه عبد الله بن احْمَد النهمي وَكَانَ اُحْدُ الوزراء وَعَن قتل الْأَمِير ناجي وَجَمَاعَة من الْجند وَظَهَرت من مَوْلَانَا الصفي شجاعة وبراعة وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ عزم ذَلِك الْجَيْش وَفِيهِمْ صَاحب التَّرْجَمَة إلى الْيمن الْأَسْفَل وَجرى الصُّلْح مَا بَينه وَبَين الْخَلِيفَة حفظه الله على يَد الْوَزير الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره فوصل صَاحب التَّرْجَمَة إلى صنعاء وَاسْتقر ببيته موسعاً عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج اليه وإما تَوْلِيَة أُمُور آل اسحق فقد صَارَت إلى عَمه الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إسحاق وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا يفد إليه الْعلمَاء والفضلاء ويطارح الأدباء واستأذن بِأَن يسكن في الرَّوْضَة فَأذن لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك جرت أُمُور الله اعْلَم بِصِحَّتِهَا فأودعه الْخَلِيفَة حفظه الله السجْن وَهُوَ إلى حَالَة تَحْرِير هَذِه الأحرف شهر شَوَّال سنة 1213 بَاقٍ كَذَلِك فرج الله عَنهُ وَله من حسن الْخلق ولطف الطَّبْع وكرم الشيم والمحبة لأهل الْعلم وَالْفضل وفصاحة اللِّسَان وَقُوَّة الْحِفْظ وَسُرْعَة الادراك مَالا يعبر عَنهُ بِوَصْف ثمَّ أطلق وَتوفى في سنة 1220 عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
208 - السَّيِّد علي بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن مَعْصُوم
قد تقدمت تَرْجَمَة وَالِده وَولد هَذَا في الْمَدِينَة وَدخل بِلَاد الْهِنْد وَله مؤلفات مِنْهَا سلافة الْعَصْر ترْجم فِيهَا لأدباء الْمِائَة الْحَادِيَة عشرَة وَلم
(1/428)

أَقف عَلَيْهِ وَله البديعية الموسومة بِتَقْدِيم علي عَارض بِهَذِهِ التَّسْمِيَة بديعية أَبى بكر بن حجَّة لِأَنَّهُ سَمَّاهَا تَقْدِيم أَبى بكر وكل وَاحِد تمت لَهُ التورية في التَّسْمِيَة وَله نظم حسن
(مِنْهُ ... لَيْسَ احمرار لحاظه من عِلّة ... لَكِن دم الْقَتْلَى على الأسياف)
(قَالُوا تشابه طرفه وبنانه ... وَمن البديع تشابه الْأَطْرَاف)
وَله
(بدا بَدْرًا ولاح لنا هلالاً ... وأشرق كوكباً واهتزّ غصنا)
(وثنى قده الْحسن ارتياحاً ... فهام الْقلب بالْحسنِ الْمثنى)
وَهُوَ إمامي الْمَذْهَب وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته
(1/429)

209 - علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقّب عَلَاء الدَّين الحنفي الرومي
قَرَأَ في صغره على حَمْزَة القرمانى وَحفظ مُخْتَصر القدورى ثمَّ أَنى قسطنطينية وَقَرَأَ على الملا خسرو وعَلى مصلح الدَّين بن حسام الدَّين الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والشرعية ثمَّ صَار معيداً لدرسه ثمَّ تزوج بابنته وَحصل لَهُ مِنْهُمَا أَوْلَاد اعطاه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ملك الرّوم الْمدرسَة الحجرية وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثِينَ درهماً وأعطاه خَمْسَة آلاف دِرْهَم وَلما صَار مُحَمَّد باشا القرماني وزيراً للسُّلْطَان نَقله من تِلْكَ الْمدرسَة إلى مدرسة أُخْرَى وَنقص من تَقْرِيره اليومي خَمْسَة دَرَاهِم فاشمأز صَاحب التَّرْجَمَة وَترك التدريس واتصل بالشيخ الْعَارِف مصلح الدَّين بن الْوَفَاء ثمَّ مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقتل الْوَزير الْمَذْكُور وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة فأرسل إلى صَاحب التَّرْجَمَة الوزراء وَدعَاهُ إليه فَلم يجب ثمَّ أرسل إليه مرسوماً بتفويضه في الْفَتْوَى في بلد اماسية وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثِينَ درهماً وَأمره أَن يدرّس بمدرسة السُّلْطَان مُرَاد الغازي بِمَدِينَة بروسا فَلم يقبل التدريس وَسَار إلى أماسيه لزيارة ابْن عَمه ثمَّ أعطَاهُ السُّلْطَان مدرسة وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهماً ثمَّ أعطَاهُ إحدى الْمدَارِس الثمان فدرس هُنَالك مُدَّة كَثِيرَة ثمَّ توجه لِلْحَجِّ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ تِلْكَ السنة وبقي بِمصْر وَاتفقَ أَنه توفي مفتي قسطنطينية فعينه السُّلْطَان للإفتاء بهَا وأمر من يَنُوب عَنهُ حَتَّى يعود فَلَمَّا عَاد بَاشر الإفتاء وَعين لَهُ السُّلْطَان كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَعين لَهُ مدرسة وَجعل لَهُ خمسين درهماً فِي كل يَوْم فَصَارَ مقرره كل يَوْم مائَة وَخمسين درهماً فحسده على ذَلِك بعض الْعلمَاء فَجمع بعض فَتَاوِيهِ وَقَالَ إنه أَخطَأ فِيهَا وأرسلها إلى ديوَان السُّلْطَان فأرسلها الوزراء إلى صَاحب التَّرْجَمَة
(1/430)

فأجاب عَنْهَا ودعا على ذَلِك الْحَاسِد فَمَاتَ قبل أَن يمر عَلَيْهِ أُسْبُوع وَكَانَ كثيير التِّلَاوَة وَالْعِبَادَة مديماً لصَلَاة الْجَمَاعَات حسن الأخلاق كريم النَّفس وَكَانَ يقْعد في علو دَاره والزنبيل مُعَلّق فَيلقى المستفتي الورقة فِيهِ ويحركه فيجذبه وبكتب جَوَابه ثمَّ يدليه إليه وإنما فعل كَذَلِك لِئَلَّا ينْتَظر النَّاس بِبَابِهِ للْفَتْوَى فَكَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وَاسْتمرّ على ذَلِك إلى زمَان السُّلْطَان سليم خَان فاتفق أَنه أَمر بقتل مائَة وَخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن فَبلغ صَاحب التَّرْجَمَة فَذهب إلى ديوَان السُّلْطَان وَلم يكن من عَادَة الْمُفْتى أن يذهب إلى هُنَالك إلا لحادث عَظِيم فتحير أهل الدِّيوَان واستقبله الوزراء وأجلسوه فِي صدر الْمجْلس ثمَّ سَأَلُوهُ عَن سَبَب مَجِيئه فَقَالَ أُرِيد أَن ألاقي السُّلْطَان ولي مَعَه كلان فبلغوا ذَلِك فأذن لَهُ السُّلْطَان فَدخل وَسلم وَجلسَ ثمَّ قَالَ وَظِيفَة أَرْبَاب الْفَتْوَى أَن يحفظوا آخِرَة السُّلْطَان وَقد سَمِعت أَنَّك قد أمرت بقتل مائَة وَخمسين رجلاً لَا يجوز قَتلهمْ شرعاً فَغَضب السُّلْطَان وَقَالَ إنك تتعرض لأمر السلطنة وَلَيْسَ ذَلِك من وظيفتك فَقَالَ بل أتعرض الْأَمر آخرتك وَأَنه من وظيفتي فإن عَفَوْت فلك النجَاة وإلا كَانَت عَلَيْك الْعقُوبَة الْعَظِيمَة فَانْكَسَرت عِنْد ذَلِك سُورَة السُّلْطَان وَعَفا عَن الْكل فَقَالَ تَكَلَّمت في أخرتك وبقي لي كَلَام يتَعَلَّق بالمروءة قَالَ السُّلْطَان مَا هُوَ قَالَ إن هَؤُلَاءِ من عبيد السُّلْطَان فَهَل يَلِيق لَهُم أَن يتكففوا النَّاس قَالَ لَا قَالَ فقررهم في منصبهم فَفعل السُّلْطَان ذَلِك ثمَّ اتفقت قَضِيَّة أُخْرَى وهي أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور سَافر الى بعض مدنه وَصَاحب التَّرْجَمَة مَعَه فاتفق أَنه رأى أربعمائة رجل في الطَّرِيق مشدودين بالحبال فَسَأَلَ عَن حَالهم فَقَالُوا
(1/431)

أنهم خالفوا أَمر السُّلْطَان فاشتروا الْحَرِير وَقد كَانَ منع السُّلْطَان ذَلِك فَذهب إلى السُّلْطَان وَهُوَ رَاكب فَكَلمهُ وَقَالَ لَا يحل قَتلهمْ لغضب السُّلْطَان وَقَالَ أَيهَا الْمولى مَا يحل لى قتل ثلث الْعَالم لنظام الباقي قَالَ نعم وَلَكِن إذا أدى إلى خلل عَظِيم قَالَ السُّلْطَان وأي خلل أعظم من مُخَالفَة الأمر قَالَ هَؤُلَاءِ لم يخالفوا أَمرك لأنك نصبت الْأُمَنَاء على الْحَرِير وَهَذَا إذن بطرِيق الدّلَالَة قَالَ السُّلْطَان لَيْسَ أُمُور السلطنة من وظيفتك قَالَ إنه من أُمُور الْآخِرَة وَأَن التَّعَرُّض من وظيفتي ثمَّ فَارقه وَلم يسلم عَلَيْهِ فَحصل للسُّلْطَان غضب عَظِيم حَتَّى وقف على فرسه زَمَانا كثيراً وَالنَّاس واقفون قدامه وَخَلفه متحيرين من ذَلِك الأمر ثمَّ إن السُّلْطَان عَفا عَن الْكل ثمَّ لما وصل إلى مقْصده أرسل لصَاحب التَّرْجَمَة أَمِيرا وَقَالَ قل لَهُ إني قد أَعْطيته قَضَاء الْعَسْكَر إلى وَظِيفَة الإفتاء والتدريس لأني علمت أنه يتَكَلَّم بِالْحَقِّ فَأجَاب عَلَيْهِ مَعَ الأمير بِمَا نَصه وصل إلى كتابك سلمك الله وأبقاك تأمرني فِيهِ بِالْقضَاءِ وإني ممتثل أَمرك إلا أَن لي مَعَ الله عهداً أَن لَا يصدر عَنى لفظ حكمت فَأَحبهُ السُّلْطَان محبَّة شَدِيدَة وَزَاد في تَعْظِيمه وَأرْسل إليه خَمْسمِائَة دِينَار فقبلها ثمَّ إنّ السُّلْطَان المتولي للسلطنة بعد سليم زَاده فِي مقرره خمسين درهماً فَصَارَ مَجْمُوع تَقْرِيره اليومي مائتي درهماً وَقد صنّف كتاباً جمع فِيهِ مختارات الْمسَائِل وَسَماهُ الْمُخْتَار وَمَات في سنة 932 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
210 - علي بن اسمعيل بن حسن بن هادي النهمي
ثمَّ الصنعاني مولده سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على علماءها كشيخنا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربى والقاضى
(1/432)

الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَغَيرهمَا وَهُوَ بارع الذكاء فايق الذِّهْن جيد الإدراك حسن الْأَخْلَاق كريم الصُّحْبَة وَله شغلة كَبِيرَة بالعلوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَقد اسْتَفَادَ بفاضل ذهنه الْوَقَّاد من غَرِيب الْمسَائِل عجايب وَله ميل إِلَى الْأَدِلَّة وَعمل بِمَا يَصح مِنْهَا وَعدم الْتِفَات إِلَى مَحْض الرأي وَله قُوَّة في المباحثة والتصرفات الذهنية والاستنباطات العجيبة وَلَو دَامَ على الِاشْتِغَال لفاق في كثير من أَنْوَاع المعارف وَلكنه لَا يُفَارق المطالعة ويستفيد مِنْهَا ويفيد وَله شعر يمدح بِهِ خَليفَة الْعَصْر مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَهُوَ جيد فِي الْغَالِب وَيضمنهُ معاني دقيقة نفيسة وَله قدرَة على المشي مَعَ كل جنس بِمَا يَلِيق بِهِ وإقبال على معالى الْأُمُور ورغبة فى الشّرف وهوالآن حَيّ عافاه الله ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله أَظُنهُ سنة 1232 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
211 - السَّيِّد على بن اسمعيل بن علي بن الْقَاسِم بن احْمَد بن الامام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة 1151 إحدى وَخمسين وَمِائَة وَألف بشهارة وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ فى الْعُلُوم الأدبية وَالْفِقْه وَمن جملَة مشايخه شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة على بن إبراهيم الْمُتَقَدّم ذكره وَالشَّيْخ الْعَلامَة نَاصِر بن الْحُسَيْن المحبشي والقاضي الْعَلامَة محسن بن أَحْمد الشامى ثمَّ الشهارى وبرع فى الْأَدَب وَصَارَ يكْتب القصيدة في الْوَقْت الحقير مَعَ مافى شعره من الانسجام والسهولة والمعانى الفايقة وَقد جمعه فى سفينة بعث بهَا إِلَى وطالعت بعض مافيها وَلم يَتَيَسَّر لى النَّقْل مِنْهَا وَلما أرجعتها إليه كتبت إليه هَذِه الأبيات
(بعثت نحوى زادك الله من ... تيارك العذب بدر القريض)
(1/433)

(سرحت طرفى مِنْهُ فى جنَّة ... لم يحكها فى الْحسن روض اريض)
(نظمت مايقصر عَن شأوه ... من خيرة القَوْل الطَّوِيل العريض)
(فدمت تحي للعلى مربعاً ... فمربع الْعليا كسير مهيض)
فَأجَاب بِأَبْيَات لم أحفظها وَهُوَ من أكَابِر آل الامام وَله رياسة كَبِيرَة في تِلْكَ الديار ويفد إِلَى صنعاء في الْأَرْبَعَة الْخَمْسَة الأعوام مرة وَاجْتمعت بِهِ في وفوده فِي سنة 1208 وَكَانَ لنا في كل أُسْبُوع يَوْم نَجْتَمِع فِيهِ وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء من بعد الظّهْر إِلَى آخر اللَّيْل وَجَرت بيني وَبَينه مطارحات أدبية في فنون من ذَلِك أَنه كتب أبياتاً مضمونها أَنه لما عقد هَذَا الِاجْتِمَاع فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء زَالَ عَنهُ مايوصف بِهِ من النحاسة وَأَنه صَار بذلك أسعد الْأَيَّام وأبركها وَله فِي ذَلِك نظم بديع وَكَانَ إِذا وَقع التراخي من بعض من يضمه ذَلِك الْمجْلس كتب اليه أَنه إِذا لم يصل وَقع الرُّجُوع عَن تَقْرِير سَعَادَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ حسن المحاضرة لَا يمل جليسه لما يُورِدهُ من الْأَخْبَار والأشعار والظرايف واللطايف والمباحثات العلمية والاستفادة فِيمَا لم يكن لَدَيْهِ مِنْهَا وتحرير الأسئلة الْحَسَنَة وَقد كتب إِلَى من ذَلِك شَيْئا كثيرا وأجبت عَلَيْهِ برسايل هي فِي مَجْمُوع رسائلي وَله حرص على الفوايد وهمة فِي تَقْيِيد الشوارد وَله من علوّ الهمة وَشرف النَّفس حَظّ وافر وَلما رَحل من صنعاء إِلَى وَطنه مَدِينَة شهارة كتب إِلَى من هُنَاكَ
(أشارت إِلَى عهد اللقا بالحواجب ... وَمَا كنت عَن ذكرَاهُ مهمل وَاجِب)
(سلي إن شَككت الْحَال قبلك إِذْ غَدا ... يناجيه قلبي هَل رأى غير وَاجِب)
(وَعَن أرقى لَا تسألى غير عَارِف ... وَأعرف شئ فِيهِ زهر الْكَوَاكِب)
(1/434)

(أَبيت أراعيها فَمَا بَين طالع ... أدير لَهُ طرفي وَمَا بَين غارب)
(وتغرب جيلاً بعد جيل فَلَا أرى ... سوى القطب أوفى من سمير لصَاحب)
(يُقيم لمن لَا يطْرق النوم جفْنه ... فقلبي مغناطيسه فِي التجاذب)
(أعلياء لَوْلَا أَن سكناك مهجتي ... لما عذبت لي بعد بعدِي مشارب)
(بلَى أن نَار الْبعد أذهبت الحشا ... فَهَل في الْقَتِيل الطالبي من مطَالب)
(عَسى أَن يرق الْقلب مِنْهَا لرقتي ... ويرفق بِي فالرفق فعل الأطايب)
(فتبعث لي حَتَّى مَعَ الريح يالها التح ... ية والبشرى بنيل مآربى)
(كمثلى ماهب النسيم وَلَا حدت ... حداة إِلَى أوطانها بالركايب)
(وَلم أمْلى تسليمي وأشهد أدمعي ... على وصب مني لصبري مغالب))
(سَلاما لنشر الرَّوْض ينفح عرفه ... ذكياً بمسك تبتي مصاحب)
(سَلام أرق من النسيم إِذا هَب وأذكى من العبير والعنبر الأشهب يخْتَص من هوالمراد وان موه النظام ويهدى إِلَى من هُوَ المرام وإن احتملت الْعبارَة سواهُ فَمَا سواهُ المرام القاضي الْفَاضِل الناسك والسالك بِلَا نَكِير أحسن المسالك الْعَالم الرباني الْبَدْر مُحَمَّد بن على الشوكانى حفظه الله وأحله فِي رِضَاهُ أعلا المباني
(وبلغه المأمول فِيمَا يرومه ... وسَاق إليه متحفات الرغايب)
(وَمد لنا فِي عمره فَهُوَ نعْمَة ... تعم وأولاه جزيل الْمَوَاهِب)
وإنها صدرت الأحرف الحقيرة للتحية وتجديد العهاد ومستمدة للدُّعَاء كماهو مبذول معوّل فِي وُصُوله على رب الْعباد
(وتنبيك عَن شوق تأجج ناره ... وَلم يطفها صبّ الدُّمُوع السواكب)
(لذكرى لَيَال كَانَ طرفي بوصلكم ... قريراً عَسى للوصل عودة غايب)
(1/435)

. فَللَّه فِينَا مايشاء وَمَا قضى ... مضى كَيفَ شا وَالله أغلب غَالب)
وللتهنية لكم بِمَا بلغ فَبلغ الْغَايَة عندي من المسرة من الأعراس الحميد جعل الله لأعينكم فِيهِ أعظم قُرَّة وَبَارك لَك وَعَلَيْك وأصلح لَك زَوجك وشؤنك كلهَا وسَاق ماشاء من برّه الهني إليك
(أهنيك بالأعراس فاحمد مُقَدرا ... لذَلِك واشكر يَا ابْن ودي لواهب)
(لَك الْحَمد مالاحت بروق وَمَا سرت ... نُجُوم وَمَا انهلت دموع السحايب)
(ودمت على خفض من الْعَيْش رَافع ... لقدرك مَخْصُوصًا بأصفى المطالب)
(وَلَا زلت في أفق الْخلَافَة مشرقا ... فانك بدر بن تِلْكَ الْكَوَاكِب)
(خلَافَة مَوْلَانَا الذي شرّفت بِهِ ... أَزَال على شَرق الدنا والمغارب)
فأجبت بقولي)
(ايا بَين كم كدرت صفو المشارب ... وياهجركم هيجت لوعة غايب)
(وَيَا دهركم جرعتني فقد صَاحب ... بكاس نوى من بعده فقد صَاحب)
(إِلَى الله أَشْكُو ماجنته يَد النَّوَى ... على كبدي والدهر جمّ العجايب)
(أحنّ إِلَى وصل تقادم عَهده ... وإن حنين الْمَرْء أَحْقَر وَاجِب)
(وأندب دهر الْجمع بعد تفرق ... وأبكي عَلَيْهِ بالدموع السواكب)
(فيا منزل اللقياء صافحك الحيا ... بجود ملث أدكن الردن ساكب)
(بعيشك هَل من عودة بعد فرقة ... تعود لصبّ مغرم الْقلب دايب)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة غير طائلة وَهُوَ الْآن عافاه الله حى ووالده كَانَ شَاعِرًا كثير الشّعْر رَئِيسا كَبِيرا وشعره مَجْمُوع عِنْد وَلَده المترجم لَهُ ثمَّ قدم صَاحب التَّرْجَمَة عافاه الله إلى صنعاء المحروسة في شهر رَمَضَان سنة 1215 وَكَانَ يحضر مَعنا فِي الْقِرَاءَة في ليالي رَمَضَان بمنزلي ويجري بَيْننَا
(1/436)

مطارحات أدبية ومذكرات علمية فَمن ذَلِك أَنه حضر فِي بعض الليالي أَغْصَان زنبق قد تفتح نورها فَقلت من يشبه هَذِه الاغصان بتشبيه غير مِمَّا قد شبهها بِهِ الأولون ثمَّ قلت عقب ذَلِك بَيْتا وَهُوَ
(تحكي رماح زمرد ... قد نظمت فِيهَا الْكَوَاكِب)
فَأخذ هَذَا الْبَيْت وَكتب بعده وَقَبله هَكَذَا
(غُصْن كَأَن قوامه ... قدّ لَدَى التَّشْبِيه كاعب)
(تحكي رماح زمرد ... قد نظمت فِيهَا الْكَوَاكِب)
(أَو سالفات نواعم ... جالت عَلَيْهِنَّ الذوايب)
(بقرامل مصفوفة ... من لُؤْلُؤ فِيهِنَّ لازب)
وَلم يتَوَقَّف إلا مِقْدَار الْكتب بالقلم من دون روية وَلَا تدبر ووفد أَيْضا إلى صنعاء سنة 1218 وَكثر اجتماعنا وَسمع مني رسالتي الْمُسَمَّاة الدر النضيد فِي إخلاص التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ حضر مَعنا فِي قِرَاءَة مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر وَحصل كلا المؤلفين بِخَطِّهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد دَار بينى وَبَينه من المساجلات الأدبية والمكاتبات الشعرية مايكثر سرد بعضه وَقد رقمت بعض ذَلِك في مَجْمُوع شعرى
(1/437)

212 - السَّيِّد على بن الإمام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الرئيس الْكَبِير المستقل بغالب الْيمن الأسفل كَانَ لَهُ اطلَاع على الْعُلُوم الأدبية وتمهرّ في الصِّنَاعَة الشعرية ولشعراء عصره فِيهِ غرر المدايح وَهُوَ من مفاخر الْيمن ومحاسن ذَلِك الزَّمن وشعره مَشْهُور عِنْد النَّاس وَمن جيده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(أكذا المشتاق يؤرقه ... تغريد الْوَرق ويقلقه)
(1/438)

وَمن أحسن قَوْله فِيهَا
(آه يَا برق أما خبر ... عَن أهل الْغَوْر تحَققه)
(فتزيل جوى لاسير هوى ... مضني قد طَال تشوقه)
وَمن أحسن شعره الأبيات هَذِه
(أيكتم مَا بِهِ الصبّ المشوق ... وَقد لاحت لَهُ وَهنا بروق)
(وَهل يخفى الغرام على ولوع ... يؤرق جفْنه الْبَرْق الخفوق)
(ويسلو عَن أهل الْجزع صبّ ... جرى من جفن عَيْنَيْهِ العقيق)
( ... اليك إليك عَنى يَا عذولي ... فلست من الصبابة أستفيق)
(فلي قلب إلى بانات حزوي ... طروب لَا يمل وَلَا يفِيق)
وَقد كتب الى وَالِده قصيدة لما صدّ الركب الْيَمَانِيّ عَن الْحَج سنة 1088 يحثه على الْجِهَاد ومطلعها
(لعمرك لَيْسَ يدْرك بالتواني ... وَلَا بِالْعَجزِ غايات الأماني)
وهي غَايَة فِي بَابهَا وَكَانَت بَينه وَبَين المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب مُنَافَسَة على الْملك والبلاد قبل أَن يلي المهدي الْخلَافَة واتفقت بَينهمَا حروب وَفتن كَبِيرَة وَمن سعادته أَنه أدْركهُ الْأَجَل قبل أَن يلي المهدي الْخلَافَة فَمَاتَ في يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَمَضَان سنة 1096 سِتّ وَتِسْعين وَألف بِمَدِينَة اب وقبره بهَا
213 - على بن اسمعيل بن يُوسُف القونوي عَلَاء الدَّين الشافعي
ولد بقونية من بِلَاد الروم سنة 668 ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَقدم
(1/439)

دمشق سنة 693 فدرّس بالإقبالية ثمَّ قدم بِالْقَاهِرَةِ فَسمع من جمَاعَة كابى الْفضل بن عَسَاكِر وَابْن الْقيم والدمياطي وَابْن الصَّواف وَابْن دَقِيق الْعِيد وَقَرَأَ فِي الْأُصُول على تَاج الدَّين الجيلاني وَتقدم فِي معرفَة التَّفْسِير وَالْفِقْه والأصول وَأقَام على قدم وَاحِد ثَلَاثِينَ سنة يصلي الصُّبْح جمَاعَة ثمَّ يقْرَأ إلى الظّهْر ثمَّ يُصليهَا وَيَأْكُل في بَيته شَيْئا ثمَّ يتَوَجَّه إلى زِيَارَة صَاحب أَو عِيَادَة مَرِيض أَو شَفَاعَة أَو تهنية أَو تَعْزِيَة ثمَّ يرجع ويشتغل بِالذكر إلى آخر النَّهَار وَكَانَ السُّلْطَان النَّاصِر يعظمه ويثني عَلَيْهِ ثمَّ ولاه قَضَاء دمشق فَتوجه اليها فِي سنة 727 فباشره أحسن مُبَاشرَة مَعَ تصلب زايد وعفة لم يكن لَهُ فِي الحكم نهمة بل هُوَ على عَادَته في الإقبال على الْعلم وَكَانَ كثير الْفُنُون كثير الإنصاف كثير الْكتب ولمااستقر بِدِمَشْق أعطى الشَّافِعِيَّة ألف دِينَار وَقَالَ هَذِه حضرت معي من الْقَاهِرَة وَله مصنفات مِنْهَا شرح الحاوي وَشرح مُخْتَصر الْمِنْهَاج للحليمي ثمَّ طلب الإعفاء من الْقَضَاء فَلم يجبهُ السُّلْطَان وَكَانَ يعظّم الشَّيْخ تقي الدَّين ابْن تَيْمِية ويذب عَنهُ وَيُقَال ان النَّاصِر قَالَ لَهُ إِذا وصلت إلى دمشق قل للنائب يفرج عَن ابْن تَيْمِية قَالَ ياخوند لأيّ معنى سجن قَالَ لأجل الْفَتَاوَى قَالَ فإن كَانَ رَاجعا عَنْهَا أفرجنا عَنهُ فَيُقَال كَانَ هَذَا الْجَواب سَببا لاستمرار ابْن تَيْمِية في السجْن إلى أن مَاتَ لأنه كَانَ لايذعن للرُّجُوع وَلما خرج ابْن الْقيم من القلعة وأتاه سربه وأكرمه وَوَصله وَكَانَ يثني على أبحاثه قَالَ الأسنوي فِي تَرْجَمته وَكَانَ أجمع من رَأينَا للعلوم مَعَ الاتساع فِيهَا خُصُوصا الْعَقْلِيَّة واللغوية لَا يشار بهَا الا إليه وَتخرج بِهِ أكثر الْعلمَاء المصريين قَالَ وتحيل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْكِبَار في أَن يبعد عَن الديار المصرية لأغراض فَحسن
(1/440)

للسُّلْطَان تَوليته قَضَاء الشَّام فَفعل فَسَأَلَهُ السُّلْطَان فِي ذَلِك وتلطف بِهِ فَاعْتَذر وَمن جملَة مَا قَالَ للسُّلْطَان ان لَهُ أطفالاً يتأذون بالحركة فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان أنا أحملهم على كفي وَبسط يَده وَمن شعره
(غمرتني المكارم الغرّ مِنْكُم ... وتوالت عليّ مِنْهَا فنون)
(شَرط إحسانكم تحقق عندي ... لَيْت شعرى الْجَزَاء كَيفَ يكون)
وَكَانَ مَوته فِي رَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة 729 تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وتأسّف النَّاس على فَقده
214 - علي بن أَبى بكر بن سُلَيْمَان بن أبي بكر بن عمر بن صَالح نور الدَّين الهيثمي الشافعي الْحَافِظ
ولد فِي رَجَب سنة 735 خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن ثمَّ صحب الزين العراقي وَلم يُفَارِقهُ سفراً وحضراً حَتَّى مَاتَ ورافقه فِي جَمِيع مسموعاته بِمصْر والقاهرة والحرمين وَبَيت الْمُقَدّس ودمشق وبعلبك وحماه وحلب وحمص وطرابلس وَغَيرهَا وَلم ينْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر إلا بمسموعات يسيرَة ومشائخ قَليلَة وَصَاحب التَّرْجَمَة مكثر سَمَاعا وشيوخاً وَلم يكن الزين يعْتَمد فِي شئ من أُمُوره إلا عَلَيْهِ وزوّجه ابْنَته ورزق مِنْهَا عدَّة أَوْلَاد وَكتب الْكثير من تصانيف الزين وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكْثَرهَا وَتخرج بِهِ وورى بِهِ فى افراد زَوَائِد كتب كالمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني وَالْمَسَانِيد لأحمد وَالْبَزَّار وأبي يعلى على الْكتب السِّتَّة وابتدأ أَولا بزوائد أَحْمد فجَاء فِي مجلدين وكل وَاحِد من الْخَمْسَة الْبَاقِيَة فى تصنيف مُسْتَقل الا الطبرانى الاوسط وَالصَّغِير فهما في تصنيف ثمَّ جمع الْجَمِيع فى كتاب وَاحِد مَحْذُوف الأسانيد سَمَّاهُ مجمع الزَّوَائِد وَكَذَا
(1/441)

أفرد زَوَائِد صَحِيح ابْن حبَان على الصحيحيين ورتب أَحَادِيث الْحِلْية لابى نعيم على الأبواب وَمَات عَنهُ مسودة فبيّضه وأكمله ابنحجر فى مجلديم وَأَحَادِيث الغيلانيات والخلعيات وفوايد تَمام الأفراد للدَّار قطني أَيْضا على الْأَبْوَاب فو مجلديم ورتب كلا من ثِقَات بن حبَان ثِقَات العجلي على الْحُرُوف وأعانه بكتبه ثمَّ بالمرور عَلَيْهَا وتحريرها وَعلم خطبهَا وَنَحْو ذَلِك وعادت بركَة الزين عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَفِي غَيره وَكَانَ عجباً في الدَّين وَالتَّقوى والزهد والإقبال على الْعلم وَالْعِبَادَة وخدمة الزين وَعدم مُخَالطَة النَّاس فِي شئ من الْأُمُور والمحبة للْحَدِيث وَأَهله وَحدث بالكثير رَفِيقًا للزين وَبعد موت الزين أَخذ عَنهُ النَّاس وَأَكْثرُوا وَمَعَ ذَلِك فَلم يُغير حَاله وَلَا تصدر وَلَا تمشيخ ولميزل على طَرِيقَته حَتَّى مَاتَ في لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع وعشين رَمَضَان سنة 807 سبع وثمان مائَة قَالَ ابْن حجر أنّه تتبع أَوْهَامه في مجمع الزَّوَائِد فَبَلغهُ فَعَاتَبَهُ فَترك التتبع قَالَ وَكَانَ كثير الاستحضار للمتون يسْرع الْجَواب بِحَضْرَة المين فيعجب الزين ذَلِك قَالَ وَكَانَ من لَا يدرى يظنّ لسرعة جَوَابه بِحَضْرَة الزين أَنه أحفظ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْحِفْظ الْمعرفَة
على بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مَنْصُور بن على الموصلى زين الدَّين ين شيخ القوفية
بِالتَّصْغِيرِ اسْم مَكَان كَانَ جده الأعلى مُنْقَطِعًا بمَكَان بالموصل وَكَانَ المَاء بَعيدا عَنهُ فَرَأى رُؤْيا فحفر حفيرة فى ذَلِك الْمَكَان فجرت مِنْهُ عين
(1/442)

لَطِيفَة فَقيل لَهُ شيخ القوفيه ولد صَاحب التَّرْجَمَة في رَجَب سنة 681 إحدى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بالموصل وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ الشاطبية وَشَرحهَا عَن الشَّيْخ شمس الدَّين بن الْوراق وَأخذ سَائِر الْعُلُوم عَن جمَاعَة وَسمع الحَدِيث عَن زَيْنَب بنت الْكَمَال والمزيّ وَغَيرهمَا وَشرع فِي التصانيف فشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وفروع ابْن الساعاتي ونظم الحاوي الصَّغِير وَشرح الْمِنْهَاج وَشرع فِي شرح التسهيل لِابْنِ مَالك وَغير ذَلِك قَالَ ابْن رَافع في ذيل تَارِيخ بَغْدَاد كَانَ حسن الْعبارَة لطيف المحاضرة مليح البزة جميل الْهَيْئَة كثير التودّد خيراً ديناً وَهُوَ الذي كتب إليه الصفدي السُّؤَال الْمَشْهُور في قَوْله تَعَالَى استطعما أَهلهَا وَجعله نظماً فَقَالَ
(أَلا إنما الْقُرْآن أكبر معجز ... لافضل من يهدي بِهِ الثَّقَلَان)
(وَمن جملَة الإعجاز كَون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وَبسط معَان)
(ولكنني في الْكَهْف أَبْصرت آيَة ... بهَا الْفِكر في طول الزَّمَان عناني)
(وَمَا ذَاك إلا استطعما أَهلهَا فقد ... يرى استطعماهم مثله بِبَيَان)
(فَمَا الْحِكْمَة الغراء فِي وضع ظَاهر ... مَكَان ضمير إنّ ذَاك لشان)
فأجاب صَاحب التَّرْجَمَة
(سَأَلت لماذا استطعما أَهلهَا أَنى ... عَن استطعماهم ان ذَاك لشان)
(وَفِيه اخْتِصَار لَيْسَ ثمَّ وَلم تقف ... على سَبَب الرجحان مُنْذُ زمَان)
(فهاك جَوَابا رَافعا لنقابه ... يصير بِهِ الْمَعْنى كرأي عيان)
(إذا مَا اسْتَوَى الحالان في الحكم رجح ال ... ضمير وَأما حِين يَلْتَقِيَانِ)
(فإن كَانَ في التَّصْرِيح أظهر حِكْمَة ... لرفعة شَأْن أَو حقارة جَان)
(كَمثل أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول ذَا ... وَمَا نَحن فِيهِ صَرَّحُوا بِأَمَان)
(1/443)

(وَهَذَا على الإيجاز وَاللَّفْظ جَاءَ فِي ... جوابي منثوراً بِحسن بَيَان)
(فَلَا تمتحن بالنظم من بعد عَالما ... فَلَيْسَ لكلّ بالقريض يدان)
(وَقد قيل إنّ الشّعْر يزري بهم فَلَا ... يكَاد ترى من سَابق برهَان)
(واستغفر الله الْعَظِيم بِمَا طَغى ... بِهِ قلمي أَو طَال فِيهِ لساني)
قَالَ ابْن حجر وشعره أَكثر انسجاماً وَأَقل تكلفاً من شعر الصفدي وَمَات بالموصل فِي رَمَضَان سنة 755 خمس وَخمسين وَسَبْعمائة
216 - علي بن دادو بن يُوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول الْملك الْمُجَاهِد ابْن الْمُؤَيد بن المظفربن الْمَنْصُور صَاحب الْيمن
ولي السلطنة بعد أَبِيه فِي ذي الْحجَّة سنة 721 وثار عَلَيْهِ ابْن عَمه الظَّاهِر بن الْمَنْصُور وَجَرت حروب بَينهمَا ثمَّ اسْتَقر الْمُجَاهِد بزبيد فحاصره الظَّاهِر فجربت من الْحصار ثمَّ كَاتب الْمُجَاهِد الإمام صَلَاح الدَّين صَاحب صنعاء فَأرْسل إليه عسكراً فجرت لَهُم قصَص طَوِيلَة إِلَى أَن آل الْأَمر إلى الْمُجَاهِد وَاسْتولى على الْبِلَاد كلهَا وَحج سنة 742 وأحضر كسْوَة الْكَعْبَة وباباً لَهَا على أَنه يركبه ويكسو الْكَعْبَة وَفرق على المكيين مَالا كثيراً فَلم يمكنوه من ذَلِك فَلَمَّا رَجَعَ وجد وَلَده قد غلب على المملكة ولقب الْمُؤَيد فحاربه إلى أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله ثمَّ حج سنة 751 فَقدم محمله على محمل المصريين فَاخْتَلَفُوا وَوَقع بَينهم الْحَرْب وساعد أهل مَكَّة الْمُجَاهِد ثمَّ اسْتمرّ الْقَتْل في أهل الْيمن فَانْهَزَمُوا وَأسر الْمُجَاهِد وَأمْسك وَحمل إلى الْقَاهِرَة فأكرمه السُّلْطَان النَّاصِر وَحل قَيده وَقرر عَلَيْهِ مَالا يحملهُ وخلع عَلَيْهِ وجهزّه إلى بِلَاده وَأرْسل مَعَه بعض أمراءه فَلَمَّا وصل إلى الينبع فرّ مِنْهُ فأمسكه وأعيد إلى مصر فَجهز إلى الكرك فحبس بِهِ إلى
(1/444)

أَن خلع النَّاصِر حسن فأفرج عَنهُ فِي شعْبَان سنة 752 واعيد الى بِلَاده ومملكته وَكَانَ ذَلِك بشفاعة بعض الْأُمَرَاء وَوصل إلى الْيمن فأقام في مَمْلَكَته إلى أَن مَاتَ وَكَانَت والدته لما حج قد دبرت المملكة وَلما بلغَهَا أسره أَقَامَت وَلَده الصَّالح وكتبت إلى التُّجَّار وروي أَنه ركب بعد أَن أطلق حصاناً وَمر على شاطئ النيل فعطش الحصان ونازعه الى شربه المَاء فَسَقَاهُ ثمَّ بَكَى أحر بكاء فَسَأَلَهُ بعض من كَانَ عِنْده عَن سَبَب بكائه فَقَالَ إن بعض المنجمين ذكر لَهُ وَهُوَ بِالْيمن أَنه يملك الديار المصرية ويسقي فرسه من النيل وَكَانَ يظن وُقُوع ذَلِك فَلَمَّا رأى فرسه في ذَلِك الْوَقْت يشرب من مَاء النيل عرف أَن ذَلِك الْقدر هُوَ الذي أُشير اليه وَمَات في جُمَادَى سنة 764 أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
217 - الشَّيْخ ملا علي قاري بن سُلْطَان بن مُحَمَّد الهروي الحنفي
ولد بهراة ورحل إلى مَكَّة وَاسْتقر بهَا وَأخذ عَن جمَاعَة من الْمُحَقِّقين كَابْن حجر الهيثمي وَله مصنفات مِنْهَا شرح الْمشكاة وَشرح الشمايل وَشرح الوتريه وَشرح الجزرية وَشرح النخبة وَشرح الشِّفَاء وَشرح الشاطبية ولخص الْقَامُوس وَسَماهُ الناموس وَله الثِّمَار الجنية فِي أَسمَاء الْحَنَفِيَّة وَله غير ذَلِك قَالَ العصامي فِي وَصفه الْجَامِع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النَّبَوِيَّة أحد جَمَاهِير والاعلام مشاهير أولي الْحِفْظ والأفهام ثمَّ قَالَ لكنه امتحن بالاعتراض على الْأَئِمَّة لاسيما الشافعى وَأَصْحَابه وَاعْترض على الإمام مَالك في إرسال يَدَيْهِ وَلِهَذَا تَجِد مؤلفاته لَيْسَ عَلَيْهَا نور الْعلم وَمن ثمَّة نهى عَن مطالعتها كثير من الْعلمَاء والأولياء انْتهى وَأَقُول هَذَا دَلِيل على علو مَنْزِلَته فان الْمُجْتَهد شَأْنه أَن
(1/445)

يبين مَا يُخَالف الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة ويعترضه سَوَاء كَانَ قَائِله عَظِيما أَو حَقِيرًا تِلْكَ شكاة ظَاهر عَنْك عارها وَكَانَ وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة سنة 1014 أَربع عشرَة وَألف
218 - علي بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْعَلَاء الدمشقي الصَّالِحِي الحنبلي
وَيعرف بالمرداوي ولد تَقْرِيبًا من سنة 820 عشْرين وثمان مائَة بِمُرَاد ونشأبها فحفظ الْقُرْآن وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على احْمَد بن يُوسُف ثمَّ تحول إِلَى دمشق وَقَرَأَ على علمائها في الْفُنُون ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَأخذ عَن علمائها وتصدى للإقراء بِدِمَشْق ومصر وللافتاء وصف التصانيف مِنْهَا الإنصاف في معرفَة الرَّاجِح من الْخلاف أَربع مجلدات كبار وَاخْتَصَرَهُ في مُجَلد وتحرير الْمَنْقُول في تمهيد علم الْأُصُول وَشَرحه وَسَماهُ التحبير في شرح التَّحْرِير في مجلدين وَله تصانيف غير ذَلِك وَهُوَ عَالم متقن مُحَقّق لكثير من الْفُنُون منصف منقاد إلى الْحق متعفف ورع وَمَات فِي جُمَادَى الأولى سنة 885 خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
219 - علي بن صَالح العماري ثمَّ الصنّعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وماية وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره في كثير من الْفُنُون وبرع في عُلُوم الْأَدَب وشارك فِي التَّفْسِير والْحَدِيث مُشَاركَة قَوِيَّة وَتفرد بِمَعْرِِفَة فنون كعلم الْهَيْئَة والهندسة والنجوم وَكتب الْخط الفايق ونظم الشّعْر الْحسن وَهُوَ متفرد بِكَثِير من المحاسن قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعَة ذكي قوى الادراك بديع التَّصَوُّر ضخم الرياسة جيد التَّدْبِير اتَّصل أول أمره بمولانا الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن رَحمَه الله وولاه أعمالاً وَصَارَ بعد ذَلِك أحد وزرائه وَكَانَ
(1/446)

يمِيل إليه ويؤثره لما لَدَيْهِ من الْفَضَائِل ثمَّ انحرف عَنهُ قَلِيلا ثمَّ عَاد لَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وعزم قبل مَوته على تَفْوِيض الوزارة اليه فَمَاتَ وبويع مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه اله فولاه بندر المخا وَهُوَ أكبر ولَايَة فى القطراليمنى وبقي هُنَالك نَحْو خمس سِنِين وشكر النَّاس ولَايَته وَحسن تَدْبيره وَهُوَ مَعَ ذَلِك مورد لأهل الْعلم والفضائل وَيَأْخُذ عَن كل من رأى لَدَيْهِ علماً لَا يعرفهُ ويستفيده في أسرع مُدَّة ثمَّ عَاد من المخا إِلَى صنعاء وَقد جمع دنيا عريضة وَكَانَ يتَّصل بالخليفة حفظه الله في كثير من الْأَوْقَات فحسده جمَاعَة من الوزراء فأبعدوه ثمَّ بعد أَيَّام فوّض إِلَيْهِ مَوْلَانَا الإمام وساطة بعض مداين الْيمن والمشارفة على بعض أملاكه فَصَارَ من جملَة الوزراء وَاجْتمعت بِهِ فِي مقَام مَوْلَانَا الْخَلِيفَة مَرَّات عديدة وَكَانَ يذاكر هُنَالك بمسائل مفيدة وسألنى بمسائل أجبْت عَلَيْهَا برسائل هي مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع رسائلي وَآخر مَا سَأَلَني عَنهُ قبل مَوته عَن كَلَام المفترين فِي قَوْله تَعَالَى {وَالْقَمَر قدرناه منَازِل} وَأورد فى السُّؤَال اعترضات على الزمخشري والسعد وأجبت عَنهُ برسالة سميتها جَوَاب السَّائِل عَن تَفْسِير تَقْدِير الْقَمَر منَازِل وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ متفرد بمواد كِتَابَة الإنشاء وَمَا يحْتَاج إليه من عُلُوم الأدب وَغَيرهَا مَعَ جودة النّظم والنثر الى غَايَة والاقتدار من ذَلِك على مالم يقتدر عَلَيْهِ غَيره ولعمري أَنه يفضل كثيراً من الافاضل الْمُتَقَدِّمين المتفردين بالبلاغة لمَاله من دقة الذِّهْن وممارسة الْعُلُوم الدقيقة وَحسن الْخط على حد يقصر عَنهُ الْوَصْف وَالْقُدْرَة على اخراج كثير من الصَّنَائِع من الْقُوَّة إلى الْفِعْل وَله من ذَلِك مَا ينبهر لَهُ من يعرف الْحَقِيقَة وسأذكر من أَدِلَّة تفرده وَصدق مَا شرحته فِي حَقه مَالا
(1/447)

يَسْتَطِيع الْمُنكر إنكاره ليعلم المطلع على ذَلِك أَنه فَوق مَا وَصفته بل هُوَ مِمَّن يفتخر بِهِ الْعَصْر على مَا تقدمه من العصور ويكفى فى تَصْحِيح هَذِه الدَّعْوَى ذكر النظم والنثر الذي كتبه إلى الإمام المهدي يستعطفه بِهِ في سنة 1179 وَقد اشْتَمَلت كل فقرة من فقر النثر على تَارِيخ هَذِه السنة وكل بَيت من بيُوت النّظم على تاريخين كَذَلِك في الصَّدْر تَارِيخ وَفِي الْعَجز تَارِيخ مَعَ سلاسة النّظم والنثر وَعدم التَّكَلُّف وَهَذَا شئ لَا يبلغ اليه قرايح أهل هَذَا الْعَصْر بل لَا يظن اقتدار أهل العصور المتقدمة عَلَيْهِ وإن قدر عَلَيْهِ فَرد من الْأَفْرَاد جَاءَ بِهِ في كَلَام معقّد متكلّف قد روعيت فِيهِ الْأَلْفَاظ وهجرت الْمعَانى وَهَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِى اشرنا اليها يَقُول أفقر عباد الإله على العماري عمته مَكَارِم الْحَلِيم الْبَارِي بِحَمْد الله استهل الإنشاء كَمَا بدا وَجه الْهلَال وبجدى أشكره في الْبكر وَالْآصَال جل جَلَاله عَن مُشَاركَة لَهُ فِي ملكه وَعَن ندّ ينشئ السَّحَاب الثقال بِمد ويمتن تَعَالَى دَائِما أبداً بِلَا عد وَصلَاته وَسَلَامه الأكملان أبدا على سيدنَا مُحَمَّد وَآله ماغاب هِلَال وجدد ونادى المهدي مهني بِلِسَانِهِ وَاسْتشْهدَ
(مليك الورى لَا زلت في قايم العلى ... هلالا منيرا مشرقا قَائِما باهى)
لازلت في نعم توالي وَبهَا نصر من الرب تَعَالَى
(وتبدئ للدنيا سُرُورًا وأنعما ... فدمت لنا ركن الْهدى أمراً ناهي
(فَلَا بَرحت في عَيْش جَدِيد نايلا بجد ماتهوى وتريد لَك فوز الْأجر في الشَّهْر السعيد مبشرا بنيل رجواك بِهِ من الْعَزِيز الحميد
(تقدم شهر الصَّوْم بالفوز مُعْلنا ... وَطيب الثَّنَاء وافاك من طيبه الشاهى)
(1/448)

لعز ذُو الْجلَال والاكرام مدلك الْأجر بِهَذَا الْعَام وَبِهَذَا هنئت وحزت بِهِ مَا شِئْت (وفي كل عَام نلْت أجراً لرَبه ... وَمَا بت عَن شكر بجد لَهُ لاهي)
زادك رب الْخلق بجود مِمَّا أولى وبوأك بِحَدّ الشرف الرفيع الأعلى وولاك رِقَاب الْخلق أبداً وَأولى فَنعم مَا أولاك تَعَالَى وَجها وَنعم الْمولى
(ودونك قولا للحب مؤرخ ... على كل شطر لَيْسَ شين وَلَا لاهي)
وَلما ورخ بِهِ كل سجعه زيد تمنعاً على من رام مَنعه فَلهَذَا جَاءَهُ مُحكم الصنعة وأعجز فِيهَا من يروم تأليفه وَجمعه)
(ينبيك لما جا بحالى مذكرا ... وماصرت عَنى بعد طول الجفا ساهي)
(عجب فهمك الشريف يفهم لمقالي لست بالساهي عَن أمري فأنبهك لحالي)
(فكمال عافيتك من ربي هُوَ جل مالي وَلَئِن بقيت بهَا كملت آمالي)
(وَدم صاعداً في الْمجد أشرف مقْعد ... على حسن عَيْش نوره منوّر زاهي)
آمنا بِهِ سالماً من حُدُوث ريب الزَّمن محجوباً عَن بوادى الْفِتَن وشوائب حبك الاحن فاكثر حمدا لله تصلح بِهِ كل نِيَّة وأشكر بِهِ دَائِما في السِّرّ وَالْعَلَانِيَة
(فَهَذَا هِلَال الصَّوْم وافى هلاله ... بمبدأ عمر دهره لَيْسَ متناهي)
فاستأنف الْآن عزا بدا وعمراً جَدِيدا وعش بدوام نعيم سعد عَيْشًا حميداً وأخلق بدوام أيامه ولياليه عيداً فعيدا فتهن اجرابه دَائِما وعمراً مديداً
(تهن بِمَا أَعْطَيْت فِيهِ مهناء ... هوالخير بالإقبال والعزّ والجاه)
وأنجز وَتمّ مَا كتب بالقلم وَمَا أبدعه مداده ونظم وانقضى بجيد
(1/449)

الْمقَال وَبعد أَن بشر بالنصر والإقبال
(وَقد جَاءَ نصر الله بِالْفَتْح قَابلا ... وتبّت لَهَا الأعداء فَالْحَمْد لله)
أسأَل من رَبنَا تَعَالَى بَان يحسن إليك بإتمام نعْمَته عَلَيْك ويخولك بكرمه وبجود مهنيا بِمَا لديك ويحوطك بامنه من خَلفك وَمن بَين يَديك
وحساب هَذِه الْفقر ومصاريع الأبيات واف وَلَا نقص في شئ مِنْهُ إلا في مَوضِع وَاحِد فإنه نقص مِنْهُ وَاحِد فَقَط فَمن ظنّ أَن ثمَّة نقصاً في غير ذَلِك فَهُوَ إما لتصحيف من الظَّان أَو تَحْرِيف وَمن تَأمل هَذِه الْقطعَة بِعَين الْحَقِيقَة علم مِقْدَار منشيها ومرتبته في الْفضل وَبَعض الأبيات والفقر وإن كَانَ يظن بعض من لم يمارس عُلُوم الاعراب أَن فِيهِ لحناً فَمَا ذَلِك إلا من قُصُور بَاعه فإن لكل من ذَلِك وَجها وجيهاً فِي الْعَرَبيَّة ثمَّ لما أَرَادَ الْحَج كتب إلى الإمام المهدي هَذَا النظم والنثر مودعاً لَهُ ومستعطفاً وَلَفظه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ونحمده تَعَالَى وإن نطق الْقَلَم بالتشبيب وعنى عَن الْغَرَض الْبعيد بالقريب فقصده مُنَاسبَة الْقَصْد لَا النسيب فَلهَذَا صرخَ بالاستهلال وَصرح بالخفي فَقَالَ
(أجرم مَا يُقَال لَهُ عثار ... وذنب لَا يكون لَهُ اغتفار)
(وَهل يسْتَوْجب التعذيب طرف ... جرى مِنْهُ انهمال وانهمار)
(وقلب لَا يفِيق عَن التصابي ... وَلَا ينهاه ضعف وانكسار)
(بِهِ ظبي لَهُ الجوزاء قرط ... مليح والهلال لَهُ سوار)
(لَهُ مالي بِلَا من وروحي ... ولي مِنْهُ الملالة والنفار)
جرح فؤادي بأسياف الْعُيُون وَضعف قلبي بسهام الجفون وَلما
(1/450)

صَحَّ لَهُ عَن الْقلب حَدِيث الْهوى وروت لَهُ الجفون على الطرف مَرَاسِيل النَّوَى وَعلم الدَّهْر أَن قلبي موثق في يَدَيْهِ وموصول دمعي مَوْقُوف عَلَيْهِ علل بالجفاء ذَلِك الْوِصَال فَقَالَ عَنهُ بِلِسَان الْحَال
(سقى دهرا نعمنافيه عَيْشًا ... وأياما لياليها قصار)
(وَمر كَأَنَّهُ اصغاث نوم ... فَمَا عندي لماضيه ادكار)
أنساني معرفَة تنكير الزَّمن لما نصبت صروفه على الْحَال خيام المحن وَلما ولع بخفض عَيْش الْمَرْفُوع أهملت كَلَام العاذل الْمَوْضُوع وصرفته عَن الإغراء فَهُوَ الْمَمْنُوع وَقلت مُبينًا مَا كَفاهُ من اتِّبَاع العذل عَن الْمَتْبُوع وأغناه عَن الْمثنى من الملام وَالْمَجْمُوع
(أعاذل قد كَفاك العذل دهر ... وَقَامَ بِمَا جناه الاغترار)
(تلوم فَتى أَصَابَته الرزايا ... وفارقه الشَّبَاب الْمُسْتَعَار)
(أبعد الْخمس وَالْعِشْرين يصبو ... لعمر أَبِيك هَذَا الاغترار) (ذهب عَنهُ تصريف الْهوى وَمَعْنَاهُ وانقلبت عينه غيناً فَتغير مبناه جرد الْوَقار زِيَادَته بتخفيفه واسقط الزَّمَان تعديه بتضعيفه وَغير أُصُوله بِالتَّصْغِيرِ من أَصله حَتَّى أنسانى بِذكر صَحِيحه ولفيفه ومعتله
(وَلم أنس الَّتِى قَامَت لعزمي ... تودعني وأدمعها غزار)
(تخوفني نوىً عرضت وطالت ... وتخشي أَن يكون فَلَا مَزَار)
(تَقول وَقد أجد الْبَين مهلاً ... بِنَفْسِك لَا يشقّ بك البدار) (وَلم تكسب يداك سوى ثَنَاء ... فَلَيْسَ عَلَيْك مهما كنت عَار)
(وَمَا لطخت عرضك بالدنايا ... وَلَا دارت على فِيك الْعقار)
(سَوَاء والإقامة مِنْك عزم ... وسيّان الخفا والاشتهار)
(1/451)

(وَمن شرفت لَهُ نفس وَعرض ... فأنى كَانَ كَانَ لَهُ افتخار)
تَكَلَّمت بمنطق غير مَمْنُوع تساوى بِهِ الْمَحْمُول والموضوع مَا أقربها إلى الْقيَاس بالمحال وَمَا ابعدها عَن الْوَهم بالخيال أيظن الْفَصْل يغني عَن الْعرض الْعَام أَو يخال الْجِنْس يعين الْحَد على التَّمام فَقلت لما قصدت الْخُلُو بِالْجمعِ وساوت بَين الشَّرْط وَالْمَنْع)
(دعينى لَا ابالك أن قصدي ... إِلَى بَاب الْكَرِيم هُوَ الفخار)
(أيرضى بالهوان فؤاد حر ... يعزّ عَلَيْهِ للضيم اصطبار)
(وَمَا دَار الْأَحِبَّة لي بدار ... إِذا مانالنى فِيهَا احتقار)
(فبالأحباب أحباب وداري ... هي الدُّنْيَا وبالجيران جَار) وكل النَّاس أخوالى وتربي ... لَهُم ترب وكل الأرض دَار)
إذا اتّحدت معانيهم فى الظَّاهِر وزالت الغرابة بخلوص التنافر وَكَانَ الْأَب آدم وَالأُم حَوَّاء فقد اقْتضى الْحَال تطابق الأهواء بعد عَن جبلتهم من شرفة خالقه بالمجاز إلى الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة وَأَنْشَأَ اختراعه من أسلوب تعذّر فِيهِ الإخبار عَنهُ بِالصِّفَاتِ البشرية فَلِذَا لذت بِهِ من نَوَائِب الزَّمن وَقلت مُصَرحًا باستنكار ماجنته المحن
(معذ الْمجد والعلياء أني ... أضام ولي إلى الْمهْدي ائتمار)
(منيع الْجَار لَو يشكي هِلَال ... عَلَيْهِ النَّقْص فَارقه السرَار)
(وَلَو وافاه ليل خَائفًا من ... هجوم الصُّبْح مَا طلع النَّهَار)
(مليك هذب الْأَيَّام حَتَّى ... خشت سطواته الصمّ الحجار)
(وطيرفي بقاع الأَرْض قسرا ... عداهُ فَكل قلب مستطار)
(وَلَوْلَا سطوة لليث تخشى ... لزاحمه على الغاب الْحمار
(1/452)

(كريم لَا يشوب عطاه من ... حَلِيم لَا يخف لَهُ وقار)
(اذالمست يَدَاهُ لقصد جود ... بيبس الْعود عَاد لَهُ اخضرار)
(وإن لمست يَدَاهُ بِيَوْم فتك ... نصال السَّيْف كَانَ لَهُ احمرار)
(ففي يمناه للعافين يمن ... وفي يسراه للساري يسَار)
(يهون عَلَيْهِ فى كسب المعالي ... وفي أخذ العدى الذَّهَب النضار)
(بِهِ اغتفرت جنايات الليالي ... وجاد بوعده الْفلك الْمدَار)
(يضمن صَدره حلماً وعلماً ... غزيراً لَا تقاس بِهِ الْبحار)
(فَلَو كشف الغطا مَا ازددت علماً ... على علم هُوَ الْعلم الْمنَار)
(فداؤك عَالم لم يبْق فيهم ... بجدواك احْتِيَاج وافتقار)
كرم بنانه الْمَجْمُوع مغن عَن الْبَيَان وَكَمَال جوده الْمُفْرد غني عَن التَّشْبِيه بالإمكان فَكيف لَا أقوم بشكر برّه وإنعامه وإن أطلت الثَّنَاء فَكيف لي أَن أمدحه بِعشر معشارا كرامه فَهُوَ الذى ربانى صَغِيرا وغذانى بلبان أنعامه كَبِيرا لَهُ أياد علي سَابِقَة أعد مِنْهَا وَلَا أعددها لذا مددت إليه كف الِاعْتِذَار وَقلت مُصَرحًا بِمَا أَشْكُو من الزَّمن الجوال
(أَمِير الْمُؤمنِينَ فدَاك عبد ... أناحت عِنْده النوب الْكِبَار)
(رَمَاه الدَّهْر محتالاً بقوس ... من الْحدثَان أسهمه الْبَوَار)
(أينسفني الزَّمَان ولي انتماء ... اليك ولي بخدمتك انتصار)
(إذا مَا كنت وَالْأَيَّام عوناً ... عليّ وجورها فلك الْخِيَار)
(فإما أن اقيم بضنك عَيْش ... وثوباى المذلة وَالصغَار)
(واما أَن أقيم بِثَوْب عز ... خلت عَنهُ الْمضرَّة والضرار)
عبد رفعته على يَقِين الِابْتِدَاء وخفضته على توهم الاعتداء رق لَهُ
(1/453)

الْحَاسِد ورثى لَهُ الشامت وكادت أَن تتحرك رَحْمَة لَهُ النُّجُوم الثوابت نصبت بربعه خيام المصايب وركضت في ميدانه خُيُول النوايب وَهل يفزع الخايف إِلَى غير حضرتك أَو يعزّ الذَّلِيل بِغَيْر سدتك
(وَأَنت أَحَق من يرْعَى ذماما ... وَمن تحمى بِحَضْرَتِهِ الذمار)
(نعم من ذَا الذي مَا حَاز نقصاً ... وَمن أغناه عَن قدر حذار)
(الْيَسْ المرأ من مَاء وطين ... وَقد نقص الْهلَال المستنار)
(اذا مالم تخنك يَد وَعين ... وَلَا قلب فقد خفّ القطار)
كَيفَ تخونه يَده أَو قلبه من ملئ من فرنه الى قدمه من حبه تبت يَد مدّت إلى مالم يشتهيه وعميت عين لحظت مَالا يرتضيه وخرست لِسَان فاهت بِغَيْر الْمَدْح فِيهِ
(أمير الْمُؤمنِينَ فأى ذَنْب ... أتيت وَكَانَ لى مِنْهُ اخْتِيَار)
(لقد كثرت حسّادي فجازوا ... على حسّاد آدم حِين جاروا)
(وَقد ألبست من علياك فخراً ... ومجداً لَا يُبَاع وَلَا يعار)
(وَلم يكسبني الإقلال ذلاً ... وأني ذَا وجودك لي عقار)
مَا أكئبنى غير سخطك وَلَا أهمني سوى عتبك وَأَن الْعَفو ثَمَرَة الذُّنُوب والخطأ وَكَمَال الإحسان التجاوز عَن الاعتدا
(أَمِير الْمُؤمنِينَ أطلت سخطاً ... ومثلي من يُقَال لَهُ العثار)
(لسخطك لَا أقيم بأرض عز ... وإن عزّت فلي عَنْهَا نفار)
(وإني إن نأوت فَغير ناء ... بودك وهولى أبداً شعار)
(وَمَا سَافَرت في الآفاق إلا ... وَمن جدواك عيشي والدثار)
(مُقيم الظَّن عنْدك والأماني ... وإن شطت بي النوق العشار)
(1/454)

(مقامك كعبتى وحماك ركني ... ولي حج ببابك واعتمار)
(أَطُوف بِهِ وأرم كلّ يَوْم ... جمار الْهم إن رمى الْجمار)
(أَمِير الْمُؤمنِينَ اليك وافت ... تهادي والمديح لَهَا شنار)
(مودّعة وَمَا التوديع فِيهَا ... قلاء أوملال أَو نفار)
(برغم الْمجد أَن يرضى فِرَاق ... لحضرتك الْعلية أَو سفار)
(وَدون بعاد يَوْم مِنْك عِنْدِي ... يهون الصاب أكلاً والمرار)
(وَهَذَا ان تعذر مدكف ... لتوديعي وداع واختصار)
(وَدم للْملك مَا هبّت شمال ... وَمَا غنى على الْغُصْن الهزار)
أنظر مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْقطعَة من الانسجام والسهولة والسلامة من الحشو والتكلف مَعَ مَا فِي ضمن النثر من التَّوْجِيه بالعلوم فشرع بالتوجيه بِعلم اصْطِلَاح الحَدِيث ثمَّ النَّحْو ثمَّ الصّرْف ثمَّ الْمنطق ثمَّ الْمعَانِي وَالْبَيَان وَمَعَ هَذَا فسنه ذَا ذَاك خمس وَعشْرين سنة كَمَا يفِيدهُ قَوْله
(أبعد الْخمس وَالْعِشْرين يصبو ... لعمر أَبِيك هَذَا الاغترار)
والقطعة الأولى الْمُشْتَملَة على التواريخ هُوَ أَنْشَأَهَا أَيْضا قبل أَن يستكمل ثَلَاثِينَ من عمره وَله أشعار فِي آخر عمره أَعلَى من هَذِه الْقطعَة الْمَذْكُورَة سَابِقًا وَقد أنشدني من ذَلِك كثيراً وَمَا أحسن قَوْله فِي بعض قصائده
(وإذا رامت الذبابة للشم ... س غطاء مدت عَلَيْهَا جنَاحا)
وَاسْتمرّ على اتِّصَاله بالإمام المهدي ثمَّ بمولانا خَليفَة الْعَصْر حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع شهر جُمَادَى الأولى سنة 1213 ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قبل تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة بِنَحْوِ نصف سنة فرحمه
(1/455)

الله وَتجَاوز عَنهُ فَلَقَد كَانَ من محَاسِن الْعَصْر ومفاخر الدَّهْر وَله أَوْلَاد أكبرهم أَحْمد وَهُوَ الذي قَامَ مقَامه وَهُوَ ماش على طَرِيقَته في الكمالات لَهُ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والخط الْحسن والعرفان التَّام وتلوه في الْعُمر حُسَيْن وَقد تقدّمت تَرْجَمته ثمَّ إسماعيل وَمُحَمّد وقاسم وَهَؤُلَاء كل وَاحِد مِنْهُم على حَدَاثَة أسنانهم لَهُ شغلة بِالْعلمِ والبلاغة وَالنّظم والنثر والكمال في فنون الأدب
220 - عليّ بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَبى الرِّجَال الصَّنْعَانِيّ
الشَّاعِر الْمجِيد من شعره
(وَلَقَد أَقُول وَقد تغنّت في الْحمى ... وَرْقَاء ذَات صبَابَة وولوع)
(وَالْعود فى يَدهَا يمِيل والفها ... يختال بَين خمائل وفروع)
(وَالْعين قد سفحت وهاج لَهَا البكا ... تذكارها لاحبة وربوع)
(أحمامة الايك الَّتِى قد هيجت ... شجو الكئيب بِأَنَّهُ وسجوع)
(مهلا فنفخك للسوالف في الفضا ... أذكى غضا الأشجان بَين ضلوعي)
(فدعي الْهوى ثمَّ اسبحي فتخيري ... درا لطوقك من بحار دموعي)
وَله أشعار كَثِيرَة وَقد ترْجم لَهُ صَاحب طوق الصادح وَصَاحب
(1/456)

نسمَة السحر وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته
221 - السَّيِّد علي بن صَلَاح بن مُحَمَّد العبالي
بِالْمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة بعْدهَا مُوَحدَة أَصله من الحرجة بمهملتين مفتوحتين ثمَّ جِيم قَرْيَة مَا بَين الْحجاز وصعدة وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وَمن جملَة أنصار الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد كَانَ يَبْعَثهُ فى مهماته ويصفه بالاوصاف الجميلة حَتَّى قَالَ فِيهِ لَا أَخَاف على أهل الْيمن وَفِيهِمْ هَذَا يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وأرسله في أول دَعوته إلى القاضي الْعَلامَة يُوسُف الحماطي ليَأْخُذ مِنْهُ الْبيعَة فَقَالَ القاضي لَا معرفَة لي بِمِقْدَار الإمام فِي الْعلم ولابد أَن أورد عَلَيْهِ مسَائِل فَقَالَ هَات مَا تُرِيدُ إيراده عَلَيْهِ من الْمسَائِل فَذكر لَهُ مسَائِل مشكلة فَأَجَابَهُ في الْحَال بجوابات ارتضاها فَقَالَ لَهُ امدد يدك أُبَايِعك فأنت أهل للامامة فَقَالَ لَهُ لَا تفعل فَلَيْسَ علمى بِالنِّسْبَةِ إلى علم الإمام شَيْئا فاطمأنت نفس القاضي وَبَايع وَمَات في شهر رَجَب سنة 1019
(1/457)

تسع عشرَة وَألف بشهارة وَله أَوْلَاد أمجاد مِنْهُم الْحُسَيْن وَهُوَ من الْعلمَاء المبرزين وَهُوَ الذي كمّل شرح الشَّيْخ لطف الله الغياث على الكافية وَولده السحن بن علي من أكَابِر الْعلمَاء المدرسين المفيدين وَولده مُحَمَّد بن علي هُوَ الْقَائِل)
(من خَالَفت أَقْوَاله أَفعاله ... تحوّلت أَفعاله أَفْعَى لَهُ)
(من أظهر السِّرّ الذي في صَدره ... لغيره وهاله وهى لَهُ)
(من لم يكن لِسَانه طَوْعًا لَهُ ... فَتَركه أَقْوَاله أقوى لَهُ)
(وَمن نأى عَن الْحَرَام طَالبا ... من رشده حَلَاله حلى لَهُ)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وفي الْبَيْت الأول نظر لَان أَفعاله فَاعل تحولت فَهُوَ مَرْفُوع وأفعى لَهُ لامه مَفْتُوح بِخِلَاف بَقِيَّة الأبيات فهي متوافقة الجناس بالحروف والحركات وَجرى الْقَلَم عِنْد كتب هَذِه الابيات بشئ من جِنْسهَا مثل عَددهَا وَهُوَ
(لَا تشتغل بملبس فَكل ذي ... فضل ترى أسما لَهُ أسمى لَهُ)
(من يطْلب الشئ الْعَظِيم عَاجِزا ... عَن حَملَة وناله ونى لَهُ)
(من لم يذد رقيبه عَن مربع ... يلقى بِهِ غزاله غزى لَهُ)
(فِي رَاحَة الْمَرْء وفى ترويحه ... فُؤَاده وباله وبى لَهُ
222 - السَّيِّد على بن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة 927 سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن وَالِده وَغَيره وفَاق في فنون كَثِيرَة واشتهر بِالْعلمِ وَمَات فِي رَجَب سنة 978 ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بحصن حب مسموماً في سفرجلة أهداها لَهُ رجل وَولده ابراهييم من أكَابِر الْعلمَاء أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَأخذ عَنهُ جمَاعَة
(1/458)

من الأكابر مِنْهُم الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وقبره بشبام
223 - مَوْلَانَا الإمام خَليفَة الْعَصْر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين علي بن الإمام المهديّ
الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور حُسَيْن بن المتَوَكل الْقَاسِم بن حُسَيْن بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْمَنْصُور الْقَاسِم بن مُحَمَّد قد تقدم تَمام نسبه في تَرْجَمَة جده الْحسن بن الْقَاسِم ولد حَسْبَمَا سمعته مِنْهُ حفظه الله في سنة 1151 إحدى وَخمسين وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا وفى سنة 1172 أَو فى الَّتِى قبلهَا فوض إليه وَالِده الإمام المهدي ولَايَة صنعاء وَجعله أَمِير الأجناد وَأمره بِسُكُون قصر صنعاء فَقَامَ بذلك قيَاما تَاما بحزم ومهابة وَحُرْمَة وافرة وَمَكَارِم وَاسِعَة وَحسن أَخْلَاق وصبر على الامور وسياسة لاحوال الْجُمْهُور فاستمر على ذَلِك ودام فِيهِ مُدَّة أَيَّام وَالِده وَاتفقَ في سنة 1184 أَن حسن العنسى السَّاكِن بجبل برط المتريس على ذوى مُحَمَّد وذوى حُسَيْن الساكنين فِي جبل برط وهم جَمْرَة عرب الْيمن إذ ذَاك وَأهل الشَّوْكَة مِنْهُم وَمن لَا يقوم لَهُم غَيرهم من سَائِر الْقَبَائِل وَقع بَينه وَبَين الإمام المهدي رَحمَه الله خطوب كَانَت سَببا لِخُرُوجِهِ عَلَيْهِ فَخرج بِجَيْش من الْمَذْكُورين وَمن غَيرهم لم يخرج بِمثلِهِ أحد من أهل تِلْكَ الْجِهَات فاستعد لَهُ مَوْلَانَا الإمام المهدي وَجمع العساكر وَأرْسل اُحْدُ أُمَرَاء أبناده وَهُوَ الامير سندوس بمعظم جيوشه من خيل وَرجل وَسَائِر العساكر الْمَطْلُوبَة من الْقَبَائِل حَتَّى اجْتمع لَهُ جَيش كثير وَأمر أَمِير الأجناد وَمن مَعَه من الجيوش أَن يلتقي حسن العنسي إلى بعض الطَّرِيق فَلَمَّا علم بذلك حسن العنسي سلك طَرِيقا أُخْرَى فَلم يشْعر أهل
(1/459)

صنعاء إلا وَهُوَ فِي سعوان وَهُوَ مَحل شرقي صنعاء قريب مِنْهَا فحصلت بذلك رجّة في صنعاء كَبِيرَة وَكَانَ الإمام المهدي سَاكِنا فِي الْجَانِب الغربى من صنعاء ومولانا ولد هـ صَاحب التَّرْجَمَة سَاكِنا فِي الْقصر وَهُوَ في الْجَانِب الشرقي فَخرج عِنْد أَن بلغه ذَلِك الْخَبَر فى طَائِفَة يسيرَة من أَصْحَابه لَا يبلغون خمس مائَة رجل وَطَائِفَة يسيرَة من الْخَيل أَكْثَرهم لَا نفع فِيهِ لكَون مُعظم الْخَيل المنتخبة قد صَارَت صُحْبَة الأمير سندروس فاصطف لَهُ حسن العنسي وَأَصْحَابه وهم أُلُوف مؤلفة وَفِيهِمْ من أهل الشجَاعَة والتجربة للحروب والاعتياد للشرّ من هُوَ أَضْعَاف أَضْعَاف من مَعَ مَوْلَانَا بل مازال ذَلِك الْمِقْدَار الْيَسِير يتناقص بفرار من لَا يستحي من الْعَسْكَر وتسترهم بَين الإثل وَنَحْوه قبل الْوُصُول إِلَى المعركة فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ كَانَ من بَين يدى مَوْلَانَا بِالنِّسْبَةِ الى الْجمع الآخر كلا شئ وَهُوَ يقدم وَلَا ينثني ويحث من بَين يَدَيْهِ على المصابرة والإقدام ويحول بَينهم وَبَين الإحجام حَتَّى وصل بهم إلى نحر الْعَدو وضايقوهم غَايَة المضايقة وَقتلُوا مِنْهُم كثيراً وَلَكنهُمْ انثالوا عَلَيْهِم من جَمِيع الجوانب كأنهم الْجَرَاد فتاخر بِأَصْحَابِهِ قَلِيلا قَلِيلا وَهُوَ يدافع عَنْهُم وَخرج وَالِده الإمام المهدى مغيرا اليه ومغيثا لَهُ فالتقاه وَهُوَ يتهلهل لم يظْهر عَلَيْهِ فزع وَلَا جزع وَلَا طيش وَلَا خفَّة وَلَا وَجل وَلَا خطل بل من رَآهُ ظن أَنه جَاءَ من بعض المتنزهات وَهُوَ قد خرج من معركة تطيل لَهَا الْعُقُول وتشيب لَهَا الْولدَان وترجف مِنْهَا الأفئدة وتخرس عِنْدهَا الألسن وَهَكَذَا فلتكن الشجَاعَة وَبعد هَذِه الموقعة اعْترف لَهُ الْكَبِير وَالصَّغِير والجليل والحقير حَتَّى خصومه بِأَنَّهُ بمَكَان من ثبات الْجنان يقصر عَنهُ أَبنَاء الزَّمَان ثمَّ انه اسْتمرّ على امارة الْجَيْش
(1/460)

وَولَايَة صنعاء وَمَا يرجع اليها حَتَّى مَاتَ وَالِده الإمام المهدي في شهر رَجَب سنة 1189 فَبَايعهُ الْعلمَاء والحكام آل الإمام وَسَائِر النَّاس على اخْتِلَاف طبقاتهم وَلم يتَخَلَّف عَنهُ أحد وفرحوا بِهِ واغتبطوا بخلافته وأحبهم وأحبوه وَتَوَلَّى وزارته جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد علي بن يحيى الشامي إلى عِنْد مَوته ثمَّ الْفَقِيه الْحسن بن عُثْمَان القرشي ثمَّ وَلَده الفقيه حسن بن حسن وَمن جملَة وزرائه السَّيِّد أَحْمد بن اسمعيل فايع وَولى الْقَضَاء الأكبر عِنْد مبايعته القاضي العلاّمة يحيى بن صَالح السحولى وَأما أُمَرَاء أجناده فهم في أول خِلَافَته الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا في أَيَّام وَالِده الْأَمِير فَيْرُوز والنقيب ريحَان وَغَيرهمَا ثمَّ مَاتُوا وَصَارَت الإمارة إِلَى الْأَمِير سرُور الْمَنْصُور أَيَّامًا وَإِلَى النَّقِيب جَوْهَر وَأما ولَايَة صنعاء وإمارة الْجَيْش الذي كَانَ أَمِيرا عَلَيْهِم قبل خِلَافَته فَصَارَت أَيَّامًا يسيرَة إِلَى أَخِيه الْقَاسِم بن المهدي ثمَّ بعد ذَلِك صَارَت إِلَى وَلَده الْهمام صفي الإسلام أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ الْآن الْقَائِم بتدبير الأجناد والمتولى لجَمِيع الْأُمُور بِصَنْعَاء وَمَا يَليهَا وَله من كَمَال الرياسة وَحسن مسك السياسة والمهابة والصرامة والفطنة بدقائق الْأُمُور والاطلاع على أَحْوَال الْجُمْهُور وجودة التَّدْبِير والخبرة بالجلي والخفى مَالا يُمكن وَصفه مَعَ النقادة التَّامَّة والشهامة الْكَامِلَة وعلو الهمة والمعرفة للأدب ومطالعة كتبه والإشراف على كتب التَّارِيخ ومحبة أهل الْفَضَائِل وَكَرَاهَة أَرْبَاب الرذائل والنزاهة والصيانة والميل إِلَى معالي الْأُمُور وَهُوَ أكبر أَوْلَاد الإمام وَقد تقدمت لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة ويليه في السن أخوه شرف الإسلام الْحسن بن أمير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق عَظِيم الهمة كريم السجية شرِيف النَّفس مطلع على ماتمس اليه
(1/461)

الْحَاجة من أُمُور الدَّين وَالدُّنْيَا ويليه أَخُوهُ فَخر الإسلام عبد الله بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ اُحْدُ أُمَرَاء الأجناد وَجعل إليه وَالِده الامام الاشراف على الدِّيوَان واستنابه فى الْحُضُور مَعَ الْحُكَّام عِنْد فصل الْخِصَام في يومي الِاجْتِمَاع من كل أُسْبُوع وَجعل إليه ولَايَة بعض الْبِلَاد كالحيمة وبلاد الْبُسْتَان وَفِيه من حسن الْخلق ومزيد التَّوَاضُع وكرم السجايا وَمَعْرِفَة حقائق القضايا مَا هُوَ غَايَة وَنِهَايَة ولوالده اليه ميل عَظِيم ومحبة زايدة وَفِيه خبْرَة كَامِلَة ومحبة لقَضَاء حوايج المحتاجين والتبليغ إِلَى وَالِده بمطالب الطالبين والشفاعة لمن يلوذ بِهِ من القاصدين وَالدّلَالَة على سَبِيل الْخَيْر بِكُل مُمكن ويليه أَخُوهُ عز الإسلام مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ اُحْدُ أُمَرَاء الأجناد وَهُوَ من فحول الرِّجَال في جَمِيع الْأَحْوَال وَله من معرفَة الْحَقَائِق ومحبة معالي الْأُمُور ونزاهة النَّفس والعفة والصيانة مَا هُوَ متفرد بِهِ وَقد ولاه وَالِده الإمام الْجِهَات العمرانية فعزم بجنده إِلَى هُنَالك وَهُوَ الْآن مُقيم بهَا وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة هم البالغون مبالغ الرِّجَال من أَوْلَاد مَوْلَانَا الإمام وَأما الْبَاقُونَ فهم صغَار لم يبلغُوا سن التَّكْلِيف عِنْد تَحْرِير هَذَا التَّارِيخ وَلَهُم جَمِيعًا فى الفراسة طرايق يعجز عَنْهَا غَيرهم وَلَا يدانيهم فِيهَا ساير النَّاس فَكل وَاحِد مِنْهُم إِذا لعب بفرسه بَين الفرسان صَار نزهة للناظرين وَلَا يفوقهم فى هَذَا الشَّأْن أحد إِلَى والدهم مَوْلَانَا الإمام فإنه في ذَلِك لَا يُبَارى وَلَا يُسَاوِيه أحد من النَّاس فإنه إذا طارد الفرسان وحرك خصانه بِجَانِب الميدان صَار المتفرد بِهَذَا الشان الفايق فِيهِ جَمِيع نوع الإنسان بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع من رَآهُ كَذَلِك أَن يمِيل نظره عَنهُ لما يرَاهُ من حسن الصِّنَاعَة والفروسية الْبَالِغَة إِلَى غَايَة البراعة وَله فِي التَّوَاضُع مَالا يُسَاوِيه
(1/462)

فِيهِ أحد وَلَا يصدق بذلك إلا من تاخمه وجالسه فانه لَا يعد نَفسه إِلَّا كَأحد النَّاس بل قد رَأينَا كثيراً مِمَّن هُوَ أَصْغَر خدمه بل مِمَّن هُوَ مُتَعَلق بأحقر عمل من عِنْد بعض خدمه يترفع فَوق ترفعه وَيرى لنَفسِهِ من الْحق فَوق مَا يرى لنَفسِهِ وَهَذِه خصيصة اختصه الله بهَا ومزيّة شرّفه الله بالتحلي بهَا فان التَّوَاضُع مَعَ مزِيد الشّرف أحب من الشّرف ثمَّ لَهُ من حسن الْأَخْلَاق أوفر حَظّ وَأكْرم نصيب قلّ أن يجد الإنسان مثل حسن خلقه عِنْد أَصْغَر المتعلقين بخدمته مَعَ مَا جبل عَلَيْهِ من حسن النِّيَّة وكرم الطوية وتفويض الْأُمُور إِلَى خالقه وَالْوُقُوف تَحت الْمَشِيئَة وَبِهَذَا السَّبَب ظفره الله بِمن يناويه وَنَصره على جَمِيع من يعاديه فَلم تقم لباغ عَلَيْهِ قايمة وَهُوَ مجبول على الغريزتين اللَّتَيْنِ يحبهما الله وَرَسُوله الْكَرم والشجاعة وَإِذا وَقع في الظَّاهِر شئ مِمَّا يظن من لم يطلع على الْحَقِيقَة أَنه يُخَالف ذَلِك فَهُوَ لعذر لَو اطلع عَلَيْهِ لوجده الصَّوَاب الذى لَا ينبغى سواهُ وَلَا يَلِيق غَيره وَقد يكون ذَلِك لسَبَب بعض المتصلين بمقامه العالى وَهَكَذَا إِذا وَقع فِي جَانب الرّعية مَالا يُنَاسب الشَّرْع فَهُوَ بِسَبَب من غَيره وَأما هُوَ فَلَا يحب إِلَّا الْخَيْر وَلَا يُرِيد إِلَّا الْعدْل وإذا اتَّضَح لَهُ ذَلِك أبْطلهُ وَلم يرض بِهِ وَكَثِيرًا مَا يخفى عَلَيْهِ ذَلِك بِسَبَب مصانعه بعض من يتَّصل بِهِ للْبَعْض الآخر فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة قد يَقع أَمر لَا يُريدهُ وَلَا يرضى بِهِ وَقد اشْتهر هَذَا بَين النَّاس حَتَّى لَا يَقع التوجع مِنْهُ فِي شئ أبداً بل لجَمِيع الرعية فِيهِ غَايَة الْمحبَّة بِحَيْثُ أنه مرض فِي بعض السنين فَكَانُوا يَجْتَمعُونَ ويبكون وَيدعونَ لَهُ بِالْبَقَاءِ وَقل أَن يتَّفق مثل هَذَا لأحد من الْأَئِمَّة والسلاطين في الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَهُوَ آخذ من علم الشَّرْع بِنَصِيب قرأ قبل مصير الْخلَافَة إليه
(1/463)

في الْفِقْه والنحو على الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش الذي صَار وزيراً لَهُ كَمَا تقدم وَله شغف شَدِيد بالكتب النفيسة ومطالعتها بِحَيْثُ لَا يقف في مَكَان إِلَّا وَعِنْده مِنْهَا عدَّة وَلما كَانَ في شهر رَجَب سنة 1209 مَاتَ قاضيه الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ صَدرا من الصُّدُور وعارفا بقوانين الْأُمُور وَقد تولى الْقَضَاء الْأَكْبَر في أَيَّام جده الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وفي أَيَّام وَالِده الإمام المهدي وَضم إليه الوزارة ثمَّ نكبه وَأَعَادَهُ مَوْلَانَا الامام عِنْد أَن بُويِعَ بالخلافة وولاه الْقَضَاء الْأَكْبَر فَكَانَ يقوم بِأُمُور الْقَضَاء وَينْتَفع الامام ووزراه بسديد رَأْيه لمزيد اختباره وَكَمَال ممارسته وَكَانَ يَقْصِدهُ الوزراء إِذا نابهم امْر إلى بَيته ويطلبه الْخَلِيفَة إِذا عرض مُهِمّ فَكَانَ أَكثر الأمور تصدر عَن رَأْيه وَله فِي الصُّدُور مهابة عَظِيمَة وَحُرْمَة وافرة وجلالة تَامَّة ولعلها تَأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلَمَّا مَاتَ فى ذَلِك التَّارِيخ وَكنت إِذْ ذَاك مشتغلا بالتدريس فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد والافتاء والتضنيف منجمعاً عَن النَّاس لاسيما أهل الْأَمر وأرباب الدولة فإني لَا اتصل بِأحد مِنْهُم كَائِنا من كَانَ وَلم يكن لى رَغْبَة فى سوى الْعُلُوم وَكنت أدرس الطّلبَة فِي الْيَوْم الْوَاحِد نَحْو ثَلَاثَة عشر درساً مِنْهَا مَا هُوَ في التَّفْسِير كالكشاف وحواشيه وَمِنْهَا مَا هُوَ في الْأُصُول كالعضد وحواشيه والغاية وحاشيتها وَجمع الْجَوَامِع وَشَرحه وحاشيته وَمِنْهَا مَا هُوَ في الْمعَانى وَالْبَيَان كالمطوّل والمختصر وحواشيهما وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي النَّحْو كشرح الرضى على الكافية والمغنى وَمِنْهَا مَا هُوَ فى الْفِقْه كالبحر وضوء النَّهَار وَمِنْهَا مَا هُوَ في الحَدِيث كالصحيحين وَغَيرهمَا مَعَ مَا يعرض من تَحْرِير الْفَتَاوَى وَيُمكن من التصنيف فَلم أشعر إِلَّا بطلاب لي من الْخَلِيفَة بعد
(1/464)

موت القاضي الْمَذْكُور بِنَحْوِ أُسْبُوع فعزمت إِلَى مقَامه العالي فَذكر لي أَنه قد رجّح قيامي مقَام القاضي الْمَذْكُور فاعتذرت لَهُ بِمَا كنت فِيهِ من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ فَقَالَ الْقيام بالأمرين مُمكن وَلَيْسَ المُرَاد إِلَّا الْقيام بفصل مَا يصل من الْخُصُومَات إِلَى ديوانه العالي في يومي اجْتِمَاع الْحُكَّام فِيهِ فَقلت سيقع منى الاسخارة لله والاستشارة لأهل الْفضل وَمَا اخْتَارَهُ الله فَفِيهِ الْخَيْر فَلَمَّا فارقته مازلت مترددا نحواسبوع وَلكنه وَفد إِلَى غَالب من ينتسب إلى الْعلم فِي مَدِينَة صنعاء وَأَجْمعُوا على أَن الاجابة وَاجِبَة وَأَنَّهُمْ يَخْشونَ أَن يدْخل في هَذَا المنصب الذي إليه مرجع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة في جَمِيع الأقطار اليمنية من لَا يوثق بِدِينِهِ وَعلمه وَأَكْثرُوا من هَذَا وارسلوا إِلَى بالرسائل المطوّلة فَقبلت مستعيناً بِاللَّه ومتكلاً عَلَيْهِ وَلم يَقع التَّوَقُّف على مُبَاشرَة الْخُصُومَات في الْيَوْمَيْنِ فَقَط بل انثال النَّاس من كل مَحل فاستغرقت فِي ذَلِك جَمِيع الأوقات إِلَّا لحظات يسيرَة قد أفرغتها للنَّظَر فى شئ من كتب الْعلم أَو لشئ من التَّحْصِيل وتتميم مَا قد كنت شرعت فِيهِ واشتغل الذِّهْن شغلة كَبِيرَة وتكدّر الخاطر تكدراً زايدا وَلَا سِيمَا وَأَنا لَا أعرف الْأُمُور الاصطلاحية في هَذَا الشَّأْن وَلم أحضر عِنْد قَاض فِي خُصُومَة وَلَا في غَيرهَا بل كنت لَا أحضر في مجَالِس الْخُصُومَة عِنْد والدي رَحمَه الله من أَيَّام الصغر فَمَا بعْدهَا وَلَكِن شرح الله الصَّدْر وأعان على الْقيام بذلك الشَّأْن ومولانا الْخَلِيفَة حفظه الله مَا ترك شَيْئا من التَّعْظِيم إلا وَفعله وَكَانَ يجلني إجلالاً عَظِيما وَينفذ الشَّرِيعَة على قرَابَته وأعوانه بل على نَفسه وَأَنا حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف في سنة 1213 مُسْتَمر على مُبَاشرَة تِلْكَ الْوَظِيفَة مُؤثر للتدريس للطلبة في بعض
(1/465)

والاوقات فى مصنفاتى وَغَيرهَا وأسأل الله بحوله وَطوله أَن يرشدني إلى مراضيه ويحول بيني وَبَين مَعَاصيه وييسر لى الْخَبَر حَيْثُ كَانَ وَيدْفَع عَنى الشَّرّ ويقيمني في مقَام الْعدْل ويختار لي مَا فِيهِ الْخَيْر فِي الدَّين وَالدُّنْيَا ولمولانا حفظه الله في خِلَافَته الغراء من الأمور الْعَظِيمَة مَالا يَتَّسِع لَهُ الا سيرة مُسْتَقلَّة فى مجلدات سدده الله في جَمِيع أُمُوره وأعانه على مَا فِيهِ رِضَاهُ وَجمع لَهُ بَين خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وفي آخر شهر رَجَب سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ والألف اتفقت حَادِثَة عَظِيمَة في صنعاء وهي أَن وَزِير مَوْلَانَا الإمام الْفَقِيه حسن بن حسن عُثْمَان العلفي تمكن تمَكنا كَبِيرا وَصَارَت الْأُمُور مقرونة بِهِ وَجَمِيع التدبيرات مَقْصُورَة عَلَيْهِ وَكَانَ بَينه وَبَين سيدي أَحْمد بن الإمام مواحشة بِسَبَب أُمُور تصدر في مقَام الْخَلِيفَة وبسبب تَقْصِيره في أرزاق الأجناد ثمَّ تزايدت الوحشة وَلم يسمع الْوَزير المناصحة منى لَهُ ادلالا بِمَالِه من الْحَظ عِنْد الْخَلِيفَة وصدرت مِنْهُ أُمُور مشعرة بالاستخفاف بِكَثِير من أقَارِب الْخَلِيفَة وَأَصْحَابه وتقصير فى الجرايات الَّتِى لقبايل بكيل حَتَّى كَانُوا يقطعون الطرق حول صنعاء وينهبون الأموال ويسفكون الدِّمَاء وَطَالَ ذَلِك وأضرّ بِالنَّاسِ وتقطعت الطّرق ووثب كثير من القبايل على الطرق الَّتِى بِقرب مِنْهُم فَجمع سيدي أَحْمد بن الإمام أَصْحَابه في التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَطلب الْوَزير الْمَذْكُور فَأبى فأرسل إليه جمَاعَة من الْجند فوصل وَقبض عَلَيْهِ وعَلى جمَاعَة من قرَابَته فَعظم ذَلِك على الْخَلِيفَة وَأَرَادَ استخلاصه فأرسل سيدي أَحْمد جمَاعَة من الْجند وَأَحَاطُوا بدار الْخلَافَة وَقد كَانَ فِيهَا سيدي عبد الله بن الإمام بِجَمَاعَة من أَصْحَابه فَوَقع حَرْب وَأرْسل
(1/466)

إلى الْخَلِيفَة وأصلحت الْأَمر على أَن سيدي أَحْمد يكون تَدْبِير الْبِلَاد الإمامية إليه وَيكون لوالده بِمَنْزِلَة الْوَزير وَيبقى الْوَزير في اعتقاله وَفِي أول سَاعَة من لَيْلَة الأربعاء لَعَلَّه خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة 1224 أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفي مَوْلَانَا الإمام رَحمَه الله بداره بِصَنْعَاء الْمُسَمَّاة بدار الإسعاد ثمَّ صلى عَلَيْهِ فِي قبَّة وَالِده المهدي في جمع جم وَكَانَ الذي صلى عَلَيْهِ رَاقِم هَذِه الأحرف وقبر في طرف بُسْتَان المتَوَكل وَوَقعت الْبيعَة لوَلَده مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله أَحْمد بن الْمَنْصُور فِي اللَّيْلَة الَّتِى مَاتَ فِيهَا الإمام وَكنت أول من بَايعه ثمَّ كنت المتولي لأخذ الْبيعَة لَهُ من أخوته وأعمامه وَسَائِر آل الإمام الْقَاسِم وَجَمِيع أَعْيَان الْعلمَاء والرؤساء وَكَانَت الْبيعَة مِنْهُم في أَوْقَات وَالله المسؤل أَن يَجْعَل للْمُسلمين فِيهِ صلاحاً وفلاحاً
224 - علي بن عبد الْكَافِي بن علي بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام ابْن حَامِد بن يحيى بن عمر بن عُثْمَان بن علي بن سوار بن سليم السبكي تقى الدَّين أبوالحسن الشافعي
ولد أول يَوْم من صفر سنة 683 ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وتفقه على وَالِده وَدخل الْقَاهِرَة فاشتغل على ابْن الرّفْعَة وَأخذ الأصلين عَن القاضي وَالْخلاف عَن السَّيْف البغدادي والنحو عَن أَبى حَيَّان وَالتَّفْسِير عَن الْعلم العراقي والقراءات عَن التقي الصايغ والْحَدِيث عَن الدمياطى والتصريف عَن ابْن عَطاء والفرايض عَن الشَّيْخ عبد الله العماري وَطلب الحَدِيث
(1/467)

بِنَفسِهِ ورحل فِيهِ إِلَى الشَّام والإسكندرية والحجاز فأحذ عَن الْحفاظ وَولى بِالْقَاهِرَةِ تدريس المنصورية وَغَيرهَا وَكَانَ الأكابر من أَرْكَان الدولة يعظمونه وَلما توفي القَاضِي جلال الدَّين القزويني بِدِمَشْق طلبه النَّاصِر فى جمَاعَة ليختار مِنْهَا من يقرره مَكَانَهُ فَوَقع الِاخْتِيَار على صَاحب التَّرْجَمَة فوليها في جُمَادَى الْآخِرَة سنة 739 فباشر الْقَضَاء بِحرْمَة وعفة ونزاهة وأضيفت إليه الخطابة وَولى التدريس بدار الحَدِيث الأشرفية وَطلب إلى الْقَاهِرَة لتولية قَضَائهَا فبقي قَلِيلا وَلم يتم فأعيد وَكَانَ لَا يَقع لَهُ مسئلة مشكلة أَو مستغربة إلا وَيعْمل فِيهَا تصنيفاً وَقد جمع مسَائِله وَلَده تَاج الدَّين في أَرْبَعَة مجلدات قَالَ الصفدي مَا تعرض لَهُ أحد من نواب الشَّام أوغيرهم الا أُصِيب إِمَّا بعزل أَو موت قَالَ الأسنوي في الطَّبَقَات كَانَ أنظر من رَأَيْنَاهُ من أهل الْعلم وَمن اجمعهم للعلوم وَأَحْسَنهمْ كلَاما مَا فى الاشياء الدقيقة وأجلدهم على ذَلِك وَكَانَ في غَايَة الإنصاف وَالرُّجُوع إِلَى الْحق في المباحث وَلَو على لِسَان أحد الطّلبَة مواظبا على وظايف الْعِبَادَات مراعياً لأرباب الْفُنُون وَتوفى رَحمَه الله فِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة 756 سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة وَله شعر جيد فَمِنْهُ
(إِن الْولَايَة لَيْسَ فِيهَا رَاحَة ... إِلَّا ثَلَاث يبتغيها الْعَاقِل)
(حكم بِحَق أَو إِزَالَة بَاطِل ... أَو نفع مُحْتَاج سواهَا بَاطِل)
وَمن شعره
(لعمرك إن لى نفسا تسامى ... إِلَى مالم ينل دَارا بن دَارا)
(فَمن هَذَا أرى الدُّنْيَا هباء ... وَلَا أرْضى سوى الفردوس دَارا)
وَكَانَ قد نزل عَن منصب الْقَضَاء لوَلَده تَاج الدَّين بعد أَن مرض ثمَّ
(1/468)

عوفي وَمَات بعد أَيَّام فِي تَارِيخه الْمُتَقَدّم
225 - السَّيِّد علي بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن محسن الْجلَال
الصَّنْعَانِيّ المولد وَالدَّار والنشأة ولد في شَوَّال سنة 1169 وَقَرَأَ على عُلَمَاء صنعاء كالسيد الْعَلامَة اسمعيل بن هادى الْمُفْتى وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن ابْن اسمعيل المغربى وَشَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَله مَشَايِخ في فنون عديدة وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وشارك في الْفُرُوع مُشَاركَة قَوِيَّة وتتبع الادلة فَعمل بهَا وَلم يُقَلّد أحدا وانتفع بِهِ الطّلبَة فى جَمِيع الْفُنُون وَأخذُوا عَنهُ في جَمِيع عُلُوم الِاجْتِهَاد وَفِيهِمْ من النبلاء جمَاعَة كَثِيرَة وَهُوَ من محَاسِن الْعَصْر وافراد الدَّهْر مكب على الْعُلُوم فِي جَمِيع الأوقات قوي الْحِفْظ سريع الْفَهم صَحِيح الذِّهْن مَعَ مزِيد التَّوَاضُع والتودد والبشاش وَحسن الأخلاق والسكينة وَالْوَقار ورصانة الْعقل وصيانة الدَّين وَالتَّعَفُّف وفي عَام تَحْرِير هَذِه الأحرف جعله مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله من جملَة قُضَاة صنعاء وعظّمه بِمَا يسْتَحقّهُ بعد أَن عَرفته حفظه الله بجلالة مِقْدَار صَاحب التَّرْجَمَة وأشرت عَلَيْهِ بنصبه فباشر الْقَضَاء مُبَاشرَة حَسَنَة مشكورة وابتهج النَّاس بقبوله لذَلِك وأثنوا على الْخَلِيفَة حفظه الله بانتخاب مثله فإنه من أكَابِر عُلَمَاء الْعَصْر وأفاضل أَبنَاء الدَّهْر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وهومع اشْتِغَاله بِمنْصب الْقَضَاء لم يدع الِاشْتِغَال بِالْعلمِ بل هُوَ مُسْتَمر على التدريس للطلبة فِي الْكتب الحافلة وَقد دَار بيني وَبَينه مباحثات نافعة ومراجعات جَيِّدَة وترافقنا فِي الْقِرَاءَة على شَيخنَا المغربي في الْكَشَّاف وَفِي شرح
(1/469)

بُلُوغ المرام وبيني وَبَينه مطارحات أدبية فَمن ذَلِك أَنى كتبت إليه قصيدة أَيَّام الطلب مطْلعهَا
(برق ثرى فأثار فى أحشائى ... نَار الْهوى بعد انداراس هوائي)
فَأجَاب صَاحب التَّرْجَمَة بقصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(أرياض روض أشرقت أزهاره ... تفترّ عَن بشر وَعَن سراء)
(أم لُؤْلُؤ الأصداف قد صادفته ... فى رقة وملاحة وبهاء)
(أم يُوشَع فِي الْعَصْر قد ردَّتْ لَهُ ... شمس النَّهَار بحندس الظلماء)
(أم هَذِه عين البلاغة قلدت ... بقلائد العقيان للبلغاء)
(ودلايل الأعجاز في تبيانها ... تبدوا بإيضاح لَدَى الفصحاء)
(أسرار لطف الله حلّت لَفظهَا ... فتنزّهت عَن وصمة وخطاء)
(والسعد لمالاح في إيجازها ... صَار الشريف لَهَا من الخدماء)
(وهي أَبْيَات طَوِيلَة كالأصل ونظمه الْآن عافاه الله أَعلَى من هَذِه الطَّبَقَة فهي من أَوَائِل نظمه وَله رسائل يحررها إذا ورد إليه سُؤال أَو وَقعت المباحثة بَينه وَبَين أحد الْعلمَاء وَقد كَانَ شرع في جمع تَارِيخ وَلَعَلَّه لم يكمل
226 - السَّيِّد علي بن عبد الله بن أَحْمد بن علي بن عِيسَى الحسيني الملقب نور الدَّين الْمَعْرُوف بالسمهودي
ولد سنة 844 أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة بسمهود وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والمنهاج ولازم وَالِده وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَقدم الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم الجوجري والمناوي وزين زَكَرِيَّا والبلقيني والمحلي ثمَّ حج وجاور وَسمع
(1/470)

من السخاوي وَتردد مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَعمل للمدينة تَارِيخا وصنّف حَاشِيَة على إيضاح النووى لى الْمَنَاسِك وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة ولقي السُّلْطَان فأحسن إليه وَجعل لَهُ جراية ووقف على الْمَدِينَة كتباً لأَجله ثمَّ سَافر لزيارة والدته وزار بَيت الْمُقَدّس وَعَاد إلى الْمَدِينَة ثمَّ إلى مَكَّة فحج وَرجع إلى الْمَدِينَة وَصَارَ شيخها غير مدافع وَله فَتَاوَى مجموعات ومؤلفات غير مَا ذكر وَمَوته تَقْرِيبًا سنة اثنتي عشر وَتِسْعمِائَة
227 - عَليّ بن عبد الله بن علي بن راوع الْعَلامَة الزبدى القاضي
أَخذ عَن الإمام شرف الدَّين وَغَيره وبرع فِي فنون لاسيما علم الْفِقْه وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِصَنْعَاء للإمام شرف الدَّين وَله شرح على الاثمار وَقيل أنّ لَهُ شرحاً على الأزهار وَمَات سنة 959 تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وقبر بِبَلَد عَاشر من بِلَاد خولان وَكَانَ سَبَب مَوته أَنه سقط من صرح دَاره بعاشر
(1/471)

228 - علي بن قَاسم حَنش
ولد فِي شهر محرم سنة 1143 ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وألف وَنَشَأ بوطنه ذيبين ثمَّ ارتحل إلى كوكبان وَقَرَأَ على علمائها ثمَّ وصل إلى صنعاء وأخذ عَن أَهلهَا وَتردد في الديار اليمنية حَتَّى عرف أَكْثَرهَا أَو كلهَا واختبر بِأَهْلِهَا خاصتهم وعامتهم وَحج وَعَاد وَوصل إلى صنعاء فاتصل بالإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن فقرّبه وَأَدْنَاهُ وجالسه وَشرع في ترشيحه للوزارة لما رأى من تأهله لذَلِك مَعَ فَصَاحَته ورجاحة عقله واختباره بِالنَّاسِ ومعرفته بطبقاتهم وَحفظه لأخبارهم وامتناعه فِي جَمِيع ذَلِك وَحسن محاضرته وذلاقة لِسَانه وفرط ذكائه فحسده جمَاعَة من الوزراء فأغروا بِهِ الإمام حَتَّى أبعده عَنهُ وَحبس دهراً طَويلا ثمَّ أفرج عَنهُ وَسكن صنعاء وَهُوَ من نَوَادِر الدَّهْر فِي جَمِيع أَوْصَافه لَا يخفى عَلَيْهِ من أَحْوَال أَبنَاء دهره خافية وَلَا يسمع مُتَكَلم يتَكَلَّم في علم أَو أدب أَو تَارِيخ من تقدم أَو تَأَخّر إلا ويجري مَعَه ويحكي مثل حكايته وَله في الْعلم حَظّ وافر وَفِي الأدب سهم قامر وَفِيه كرم مفرط يجود بموجوده مَعَ قلَّة ذَات يَده وَقد يتَصَدَّق في بعض أوقاته بثيابه وَلَا يمسك شَيْئا وَقد كَانَ يصل اليه عِنْد اتِّصَاله بالامام المهدى شئ وَاسع فينفقه وَلَا يدخر مِنْهُ شَيْئا وَهُوَ من رجال الدَّهْر قد حنكته التجارب وحلب الدَّهْر أشطره ومارس مالم يمارسه غَيره من مَحْبُوب ومكروه وصديق وعدو وَشدَّة ورخاء وَهُوَ أسْرع النَّاس جَوَابا في كل مَا يرد عَلَيْهِ لَا يعجم وَلَا يتلعثم وَلَا يَعْتَرِيه خور وَكَثِيرًا مَا يتفرس فِي الْحَوَادِث قبيل وُقُوعهَا فيتفق وُقُوعهَا فى الْغَالِب كَمَا يحدس وَله اتِّصَال باكابر النَّاس واصاغرهم قد اسْتَوَت لَدَيْهِ طبقاتهم كَمَا اسْتَوَت لَدَيْهِ الشدَّة والرخاء والاقبال
(1/472)

والإدبار والمحبوب وَالْمَكْرُوه قد رأى نَفسه أميراً كَمَا رأها فَقِيرا ورأها تَارَة فى اليفاع وَتارَة في أَخفض الْبِقَاع وَهُوَ الْآن في الْحَيَاة قد جَاوز السّبْعين وَلم يفتر نشاطه وَلَا خف ضَبطه وَلَا تكدرت أخلاقه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ قَلِيل النظير في مَجْمُوعه وَمن محَاسِن كَلَامه الذي سمعته مِنْهُ النَّاس على طَبَقَات ثَلَاث فالطبقة الْعَالِيَة الْعلمَاء الأكابر وهم يعْرفُونَ الْحق وَالْبَاطِل وإن اخْتلفُوا لم ينشأ عَن اخْتلَافهمْ الْفِتَن لعلمهم بِمَا عِنْد بَعضهم بَعْضًا والطبقة السافلة عَامَّة على الْفطْرَة لَا ينفرون عَن الْحق وهم أَتبَاع من يقتدون بِهِ إن كَانَ محقاً كَانُوا مثله وإن كَانَ مُبْطلًا كَانُوا كَذَلِك والطبقة المتوسطة هي منشأ الشَّرّ وَاصل الْفِتَن الناشئة في الدَّين وهم الَّذين لم يمعنوا في الْعلم حَتَّى يرتقوا إلى رُتْبَة الطَّبَقَة الأولى وَلَا تَرَكُوهُ حَتَّى يَكُونُوا من أهل الطَّبَقَة السافلة فإنهم إذا رَأَوْا أحداً من أهل الطَّبَقَة الْعليا يَقُول مَالا يعرفونه مِمَّا يُخَالف عقائدهم الَّتِى أوقعهم فِيهَا الْقُصُور فوقوا اليه سِهَام الترقيع ونسبوه إلى كل قَول شنيع وغيّروا فطر أهل الطَّبَقَة السُّفْلى عَن قبُول الْحق بتمويهات بَاطِلَة فَعِنْدَ ذَلِك تقوم الْفِتَن الدِّينِيَّة على سَاق هَذَا معنى كَلَامه الذي سمعناه مِنْهُ وَقد صدق فإنّ من تَأمل ذَلِك وجده كَذَلِك ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شهر محرم سنة 1219 تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقد كَانَ اشْتغل بتاريخ دولة الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور فأملى حوادثها من حفظه بِمَا يتعجب مِنْهُ ثمَّ شرع فِي تَارِيخ وَلَده مَوْلَانَا إمام الْعَصْر حفظه الله فَمَاتَ بعد الشُّرُوع فِي ذَلِك
229 - علي بن قَاسم السنحاني
بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون بعْدهَا نِسْبَة إلى بِلَاد سنحان اسْم لقبيلة قريبَة
(1/473)

من مَدِينَة صنعاء كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ القايم بِمذهب الزيدية أَيَّام ولَايَة الأتراك على صنعاء وَكَانُوا يَجْتَمعُونَ إليه إلى مَسْجِد دَاوُد أحد مَسَاجِد صنعاء وَيَأْخُذُونَ عَنهُ فقه الزيدية ويقصده أهل الْأَمْوَال مِنْهُم بالنذور الواسعة فَيصْرف ذَلِك فِي تلامذته وَبَالغ أُمَرَاء الأروام فِي اتِّصَاله بهم فَلم يفعل وَاتفقَ فِي أَيَّامه قَضِيَّة هي أن بعض أَوْلَاد الْأَشْرَاف من أهل صنعاء دخل يتَوَضَّأ فِي ذَلِك الْمَسْجِد فَلم يشْعر إِلَى بتركي قد دخل عَلَيْهِ وَأَرَادَ بِهِ الْفَاحِشَة فطعنه بسكين فَمَاتَ وَخرج من مطاهير المَاء الى الْمَسْجِد وَصَاحب التَّرْجَمَة يقرئ الطّلبَة فساره بِمَا وَيَقَع ثمَّ طلب الساني الذي يسنى من الْبِئْر إلى المطاهير وَأمره أَن يكثر المسنى إلى المطاهير وَأمر بتغليق أَبْوَاب المطاهير فانتصب المَاء حَتَّى مَلأ ساحات المطاهير ثمَّ أَمر بتقطيع التركي قطعاً صغَارًا وأخرج إِلَى مَحل بعيد وَمِمَّا يحْكى عَنهُ أَنه بلغه أَن رجلاً من أهل صنعاء لَهُ ولدان أمردان جميلان وَأَن لَهما دكانين يقعدان فيهمَا ويصل اليهما أهل الْفساد من الاتراك فَيَقَع المعاصي والمغاني وَنَحْوهَا هُنَالك فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة لرجل من أهل الصلاح هَل يمكنك أَن تَدعِي أَن الدكانين لَك وَأحكم لَك بذلك فَقَالَ لَيْسَ لي فيهمَا ملك فَقَالَ قد علمت ذَلِك وَلَكِن هَذَا مِمَّا يسوغه الشَّرْع فَفعل الرجل ذَلِك وَحكم لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ لَهُ من إنكار الْمُنْكَرَات قضايا مستحسنة وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم القاضي يُوسُف الحماطي وَكَانَ اعْتِمَاد أهل صنعاء فى الْفَتَاوَى عَلَيْهِ وَلَهُم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَلَعَلَّ مَوته فِي حُدُود الْألف الْألف من سنى الْهِجْرَة
(1/474)

230 - علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد العنسيّ الصنعاني
الشَّاعِر البليغ القاضي الْمَشْهُور أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان عصره وَقَالَ الشّعْر الْحسن فَمن مقطعاته الفائقة قَوْله
(اما عذار الحبيب قد أسرا ... قلبي الْمَعْنى وأرّقا عيني)
(ملّكته الْقلب إِذْ نظرتهما ... فالقلب ملك لَهُ بلامين)
وَمن قصائده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(أما ودموع فِيك تكْتب ماأملى ... لقد صدحتى شح بالكتب وَالرسل)
وهي قصيدة جَيِّدَة وَمن بَدَائِع قصائده القصيدة الْمَشْهُورَة وهى
(ياسميرى وللفتوة قوم ... خلقُوا من سلافة الانسجام)
(بطراز الرفا بتشبيب مهيا ... ر بلطف البها بطبع السلامى)
(قُم فعرج بِنَا على مرقص الشع ... ر وفتش بِنَا طَرِيق الغرام)
(كعيون المها وياظيبة البا ... ن ألافاسقنى أدر يَا غلامي)
(وأرحني من الْكَلَام الذي يشم ... خَ أنفاً بالبأس والإقدام)
(كلبسنا الْحَدِيد ثمَّ اعتنقنا ... ألفاً من مثقف فَوق لأم)
(وَمن الناسك المشمر كمي ... هـ كنظم الْفَقِيه في الْأَحْكَام)
(ثمَّ دعني من الصعُود إلى رضو ... ى وأعني بذا وعور الْكَلَام)
(كقفانبك أَو أقِيمُوا بنى أ ... مى وَتلك الصخور فَوق الآكام)
(مالنا والبكا على رسم دَار ... خل هَذَا لعروة بن حزَام)
(مَا ترى رقة النسيم وَقد هَب ... كشكوى متيّم مستهام)
(ورياض برزن كالغيد حَتَّى ... إِنَّهَا مَا خلت من النمام)
(وَكَأن الوسمي صب شكى البي ... ن إليها بلوعة وغرام)
(1/475)

(وَعلا بالرعود مِنْهُ نحيب ... عَن حَشا بالبروق ذَات اضطرام)
(وَكَأن الزهور حِين تغطّت ... عِنْد ذَاك النحيب بالأكمام)
(خجلت والشقيق فِيهَا خدود ... صبغت بِالْحَيَاءِ فهي دوامي)
(فبحسن الرياض بل بودادي ... لَك يَا منيتي على الْأَيَّام)
(لَا تقل اطَّلَعت سَمَاء الدياجي ... شفقاً عِنْد روضنا البسّام)
(غير أَن المريخ غَار من الور ... د فأغرى بِهِ نُجُوم الظلام)
(فاستعار الذِّرَاع كفّ الثريا ... واجتناه من تَحت كم الْغَمَام)
أنظر مافى هَذِه القصيدة من الانسجام والرقة والمسلك العذب والمعاني الجزلة وغالب شعره على هَذَا الأسلوب وَهُوَ مَجْمُوع في مُجَلد لطيف وَكَانَ لَهُ تعلق بِالْعلمِ وتدريس في فنون فَمن تلامذته السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير وذكرانه قَرَأَ عَلَيْهِ في النَّحْو والمنطق وَمَات فَجْأَة في شهر جُمَادَى الأولى أَو الآخرة سنة 1139 تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وألف
231 - عليّ بن مُحَمَّد بن سعد بن مُحَمَّد بن علي بن عُثْمَان بن اسماعيل ابْن إبراهيم بن يَعْقُوب بن علي بن هبة الله بن نَاجِية الْمَشْهُور بِابْن خطيب الناصرية الحلبي الشَّافِعِي
ولد سنة 774 أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن وَالِده والسراج البلقيني رَحل إلى مصر والقدس وَأخذ على عُلَمَاء ذَلِك الزَّمن وَكَانَ إماماً فِي الْفِقْه والْحَدِيث عَالما بالأصول والعربية حَافِظًا للتاريخ اشْتهر ذكره في الأقطار وَترْجم أَعْيَان حلب وَجَمِيع من دخل إليها وَجمع لَهَا تَارِيخا حافلاً جعله ذيلاً على تَارِيخ الْكَمَال بن العديم وَهُوَ نظيف اللِّسَان والقلم وَله تصانيف كالطبية الرَّائِحَة فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة وسيرة
(1/476)

الْمُؤَيد وَشرح حَدِيث أم زرع وَغير ذَلِك وَولى قَضَاء بَلَده غير مرة ثمَّ ولي قَضَاء طرابلس وحمدت سيرته فِي جَمِيع مباشراته وَولى الخطابة بِبَلَدِهِ ودرس وَأفْتى وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ بحلب يَوْم الْخَمِيس نصف ذي الْقعدَة سنة 843 ثَلَاث وأربعين وثمان مائَة وَخلف دنيا وَاسِعَة
232 - علي بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن فتوح بن ابراهيم بن أبي بكر ابْن الْقَاسِم بن سعد بن مُحَمَّد بن هِشَام بن عمر الثَّعْلَبِيّ
الدمشقي الشافعي الموصلي تَاج الدَّين الْمَعْرُوف بِابْن الدّريهم وبابن أبي الْخَيْر ولد في شعْبَان سنة 712 اثنتي عشرَة وَسَبْعمائة وَقَرَأَ على ابْن الشَّيْخ القوفية الْمُقدم ذكره وعلاء الدَّين التركماني وأبي حَيَّان وارتحل إلى الْقَاهِرَة وَكَانَ يتجر وَيبِيع من مُلُوك ذَلِك الْعَصْر وَله مَال كثير ثمَّ درس بِدِمَشْق ثمَّ دخل مصر فَبَعثه النَّاصِر رَسُولا إلى ملك الْحَبَشَة وَكَانَ ماهراً فِي الأحاجي والألغاز والأوفاق وَالْكَلَام على الْحُرُوف وخواصها وَكَانَت لَهُ معرفَة بالفقه والْحَدِيث والاصول والقراءات وَالتَّفْسِير والحساب وَيتَكَلَّم في جَمِيع ذَلِك وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا النسمات الفايحة لما في آيَات الْفَاتِحَة إشراف النَّفس في الحمدلات الْخمس الْآثَار الرائعة في أسرار الْوَاقِعَة كنز الدُّرَر في حُرُوف أَوَائِل السُّور غَايَة النعم في الِاسْم الْأَعْظَم نفع الجدوى في الْجمع بَين أَحَادِيث الْعَدْوى الْمُبْهم في حل المترجم غَايَة الاعجاز فِي الاحاجى والألغاز سلم الحراسة فى علم الفراسة بسط الْفَوَائِد في حِسَاب الْقَوَاعِد وَغير ذَلِك وَمَات في سنة 766 سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
(1/477)

233 - عليّ بن مُحَمَّد الشوكاني
وَالِد جَامع هَذَا الْكتاب غفر الله لَهما وَسِيَاق نسبه هَكَذَا علي بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن مُحَمَّد بن صَلَاح بن إبراهيم بن مُحَمَّد الْعَفِيف بن مُحَمَّد بن رزق ينتهي إلى خيشنة بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة فمثناة تحتية سَاكِنة فشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة فنون فهاء ابْن زبّاد بِالْمُعْجَمَةِ ثمَّ مُوَحدَة مُشَدّدَة وَبعد الْألف مُهْملَة ابْن قَاسم بن مرهبة الْأَكْبَر بن مَالك بن ربيعَة بن الدعام الذي كَانَ يذكرهُ الهادي عَلَيْهِ السَّلَام في خطبَته لكَونه من أنصاره وَمِمَّنْ لَهُ الْعِنَايَة في خُرُوجه من الرس الى الْيمن ابْن ابراهيم بن عبد الله بن ردي بن مَالك هَكَذَا وَقع سِيَاق نسب خيشنة فِي بعض كتب الْأَنْسَاب وَوَقع سِيَاق نسبه فِي كتاب الشريف أَبى عَلامَة الْمُؤَيد الْمَعْرُوف بروضة الألباب في معرفَة الأنساب هَكَذَا خيشنة بن زبّاد بن قيلم بن ربيعَة بن مرهبة بن أجدع بن سعيد بن مَسْعُود بن وَائِل بن الْحَارِث الأصغر بن ربيعَة بن الْحَارِث الأكبر بن ربيعَة بن مرهبة الاكبر بن الدعام بن مَالك ابْن ربيعَة انْتهى وفي مشجر الأشرف الغساني أَن الدعام بن ابراهيم هُوَ ابْن عبد الله بن ياسين بن حجيل بن عمَارَة بن زَاهِر بن ثُمَامَة بن سعد بن عمَارَة بن عبد بن عليان بن الدعام بن رُومَان بن بكيل انْتهى وفي كتاب أَبى نصر النهلاوي أن الدعام بن إبراهيم بن عبد الله بن ابراهيم بن الْحُسَيْن ابْن عبد الله بن الأزهر بن ناشر بن حجل بن عميرَة بن عبد بن عليان بن أرحب بن الدعام بن مُعَاوِيَة انْتهى ثمَّ اتَّفقُوا فَقَالُوا ابْن صَعب بن رُومَان ابْن بكليل بن خيران بن نوف بن تبع بن زيد بن عمر بن هَمدَان بن مَالك ابْن زيد بن أوسلة بن ربيعَة وفي بعض الْكتب الْمَذْكُورَة سَابِقًا ابْن
(1/478)

الْخِيَار مَكَان ربيعَة ثمَّ اتَّفقُوا فَقَالُوا ابْن النيت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود بن عَابِر بن سالخ بن ارفخشد ابْن سَام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن أَخْنُوخ بن لود بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شِيث بن آدم وحوى سَلام الله عَلَيْهِمَا وَذكر المسعودي في المروج أَن هِشَام بن الكلبي حكى عَن أَبِيه وَعَن شرقي القطامي أَنَّهُمَا كَانَا يذهبان إلى أَن قحطان هُوَ ابْن الهميسع بن نبت وَهُوَ نابت بن اسمعيل بن إبراهيم خَلِيل الرَّحْمَن عَلَيْهِ السَّلَام ثمَّ ذكر المسعودي بعد ذَلِك أَن أَنْسَاب الْيمن تَنْتَهِي إلى حمير وكهلان ابني سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأن قحطان هُوَ ابْن عَابِر قَالَ هَذَا هوالمتفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الْخِبْرَة قَالَ وَكَانَ الحيثم بن عدي يُنكر أيضاً أن يكون قحطان من ولد اسمعيل وَقد أَطَالَ الْبَحْث في ذَلِك فَليرْجع إليه وَلَا شك أَن قَول من زعم أَن قحطان لَيْسَ هُوَ ابْن هود مُخَالف للصَّوَاب وَلما أطبق النَّاس عَلَيْهِ قَدِيما وحديثاً حَتَّى ذكر ذَلِك في الْأَشْعَار كَمَا قَالَ بعض القحطانية يفتخر على بعض العدنانية
(أَبونَا نبيّ الله هود بن عَابِر ... فها نَحن أَبنَاء النبي المطهر)
(ملكنا بِلَاد الله شرقاً ومغرباً ... ومفخرنا يسمو على كل مفخر)
وإنما قلت إن رزق ينتهى نسبه الى خيشنة وَلم أقل رزق بن خيشنة لقصد الِاحْتِيَاط لِأَن الشَّك معي حَاصِل في رزق هَل ابْن خيشنة بِلَا فصل كَمَا سَمِعت من بعض الاكابر الْقَرَابَة وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد جَمِيع من لَهُ فطنة من أَوْلَاد رزق الْمَذْكُور أَو بَينه وَبَينه وَاسِطَة فَالله أعلم
هَذَا سِيَاق نسب والدي المترجم لَهُ رَحمَه الله ومولده تَقْرِيبًا في سنة
(1/479)

ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَعرف في صنعاء بالشوكاني نِسْبَة إلى شوكان وهي قَرْيَة من قرى السحامية إحدى قبائل خولان بَينهَا وَبَين صنعاء دون مَسَافَة يَوْم وَهُوَ أحد الْمَوَاضِع الَّتِى يُطلق عَلَيْهَا شوكان قَالَ فى الْقَامُوس شوكان مَوضِع بِالْبَحْرَيْنِ وحصن بِالْيمن وبلدة بن سرخس وأيبورد مِنْهُ عقيق بن مُحَمَّد بن عنيس وَأَخُوهُ أَبُو الْعَلَاء عنيس بن مُحَمَّد الشَّوْكَانِيّ انْتهى وَهُوَ الْحصن الذي ذكره فإن هَذِه الْقرْيَة الَّتِى ينْسب اليها صَاحب التَّرْجَمَة من أعظم الْحُصُون بِالْيمن وَقَالَ الخيضري في كِتَابه الذي سَمَّاهُ الِاكْتِسَاب في الأنساب في حرف الشين الْمُعْجَمَة مَا لَفظه الشوكاني بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه وكاف بعْدهَا ألف وَنون نِسْبَة إلى بَلْدَة من نَاحيَة جازان بَين سرخس وأيبورد مِنْهَا أَبُو الْعَلَاء عنيس بن مُحَمَّد بن عنيس الشَّوْكَانِيّ كَانَ شَيخا عَالما دخل مرو وتفقه بهَا على أَبى المظفر السَّمْعَانِيّ وَسمع مِنْهُ الحَدِيث وَمن وَالِد مُحَمَّد بن عنيس صم ولي الْقَضَاء ببلاده مُدَّة سمع مِنْهُ المُصَنّف وَمَات فى حُدُود الثَّلَاثِينَ وَخمْس مائَة
وَأما الْفضل كَرِيمَة بنت أَبى الْحسن علي بن اسحق بن علي بن مُحَمَّد المالكي الشَّوْكَانِيّ امْرَأَة من بَيت الحَدِيث والدها أَبُو الْحسن كَانَ لَهُ رحْلَة إلى نيسابور وَسمع الْكثير بِقِرَاءَة أبى المظفر السمعاني وَحصل بهَا الإجازة عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ مثل أَبى مُحَمَّد بن الحميد بن عبد الرَّحْمَن البحري وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد الشَّوْكَانِيّ المالكي من أهل شوكاني كَانَ من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح ووالده أبو طَاهِر كَانَ من مشاهير الْمُحدثين بخراسان سمع أَبَاهُ طَاهِر وَأَبا الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي الْحسن الْعَارِف المهيني ولد في حُدُود سِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَتوفى في شعْبَان
(1/480)

سنة 532 بشوكان انْتهى مَا في الِاكْتِسَاب وَهُوَ وإن كَانَ خَارِجا عَن التَّرْجَمَة غير أَنه لَا يَخْلُو من فايدة وثمة مَوضِع بِالْيمن آخر يُقَال لَهُ شوكان بِقرب مَدِينَة ذمار وَسمعت من بعض الثِّقَات أَن ثمَّة موضعاً ثَالِثا بِبِلَاد وَادعَة يُقَال لَهُ شوكان فإن لم يكن أحد المحلين حصنا كَانَ مُرَاد صَاحب الْقَامُوس هُوَ الْموضع الَّذِي ينْسب إليه صَاحب التَّرْجَمَة وإن كَانَ حصنين أَو أَحدهمَا لم يحسن الْجَزْم بِأَن مُرَاده أَحدهمَا دون الآخر وَفِي سيرة الإمام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن أَنه نزل بِمحل يُقَال لَهُ شوكان من بِلَاد نَجْرَان وهذ يُفِيد أن بِالْيمن أَرْبَعَة مَوَاضِع يُسمى كل وَاحِد مِنْهُمَا شوكان وَنسبَة صَاحب التَّرْجَمَة إلى شوكان لَيست حَقِيقِيَّة لِأَن وَطنه ووطن سلفه وقرابته هُوَ مَكَان عدني شوكان بَينه وَبَينهَا جبل كَبِير مستطيل يُقَال لَهُ الْهِجْرَة وَبَعْضهمْ يَقُول لَهُ هِجْرَة شوكان فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة كَانَ انتساب أَهله الى شوكان وَهَذِه الْهِجْرَة معمورة بِأَهْل الْفضل وَالصَّلَاح وَالدّين من قديم الْأَزْمَان لَا يَخْلُو وجود عَالم مِنْهُم في كل زمن وَلكنه يكون تَارَة فى بعض الْبُطُون وَتارَة في بطن أُخْرَى وَلَهُم عِنْد سلف الْأَئِمَّة جلالة عَظِيمَة وَفِيهِمْ رُؤَسَاء كبار ناصروا الْأَئِمَّة ولاسيما في حروب الأتراك فإن لَهُم فِي ذَلِك الْيَد الْبَيْضَاء وَكَانَ فيهم إِذْ ذَاك عُلَمَاء وفضلاء يعْرفُونَ في سَائِر الْبِلَاد الخولانية بالقضاة وَكَانُوا يتفرقون في الْقَبَائِل ويدعونهم إلى الْجِهَاد ويحثونهم على حَرْب الأتراك وَكَانَ من بِصَنْعَاء من الأتراك يغزون إلى هَذَا الْمحل غَزْوَة بعد غَزْوَة ويخربون فِيهِ الْبيُوت ويعودون إلى صنعاء وغزوهم في بعض السنين فى يَوْم الْعِيد تركوهم حَتَّى اجْتَمعُوا في الْمَسْجِد لصَلَاة الْعِيد فَلم يشعروا إلا وجنود الأتراك قائمون
(1/481)

على أبوابه فقاتلوهم فَقتل مِنْهُم جمَاعَة وفر آخرون وَأسر الأتراك أكابرهم ودخلوا بهم صنعاء وَقد أخبرني عمي الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الله أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة بعجائب وغرائب مِمَّا اتفق وَهُوَ يرْوى ذَلِك عَن جده عبد الله وَكَانَ مِمَّن قَاتل الاتراك وعمره مائَة وَعشْرين سنة وعمي الْحسن الْمَذْكُور عَاشَ زِيَادَة على تسعين سنة فأنا أروي قتال الأتراك بِوَاسِطَة وَاحِد بيني وَبَين من قَاتلهم وَبَين تَحْرِير هَذِه الأحرف وَبَين اخراج الاتراك من جمبع الأقطار اليمنية زِيَادَة مائَة وَسبعين سنة وَهَذَا علو في الرِّوَايَة قل أَن يتَّفق مثله فان بَين كثير من أهل الْعَصْر وبن من حضر قتال الأتراك من سلفهم سَبْعَة أَبَا وَثَمَانِية وهذاعارض من القَوْل وَلكنه لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة وَقد اشْتهر جمَاعَة من أهل الْمحل الْمَذْكُور أعني هِجْرَة شوكان بِالْعلمِ فَمنهمْ الْعَلامَة الْحُسَيْن بن علي الشَّوْكَانِيّ كَانَ من أكَابِر الْعلمَاء الْمُحَقِّقين لعلم الْفُرُوع وَقد ترْجم لَهُ السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد في كتاب طَبَقَات الزيدية فَقَالَ مالفظه الْحُسَيْن بن على الشوكانى بِمُعْجَمَة الْفَقِيه الْعَلامَة قَرَأَ في الْفِقْه على القَاضِي إبراهيم بن يحيى السحولي وَأحمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ على أبناء الزَّمَان كالشيخ هادي الشاطبي وَمُحَمّد بن أَحْمد الهبل وَكَانَ فَقِيها إماماً في الْفُرُوع ثمَّ بيّض لباقي التَّرْجَمَة انْتهى وَمِنْهُم القاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن صَالح الشوكانى كَانَ من المتقنين لعلم الْفِقْه وَغَيره وَهُوَ أحد قَضَاهُ المتَوَكل على الله اسمعيل فَمن بعده من الْأَئِمَّة وَرَأَيْت لَهُ مكاتبات ومراجعات إلى الْأَئِمَّة وَكَانَ يقْصد بالمشكلات من الْفَتَاوَى إلى تِلْكَ الْهِجْرَة وَكَانَ مولد والدي رَحمَه الله في ذَلِك التَّارِيخ بِتِلْكَ الْهِجْرَة ونشأبها فحفظ الْقُرْآن ثمَّ ارتحل إلى صنعاء لطلب الْعلم فَقَرَأَ على جمَاعَة من
(1/482)

علمائها مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الكبسي وَالسَّيِّد الْعَلامَة علي بن حسن الكبسي وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن مُحَمَّد الاحفش والقاضى الْعَلامَة مُحصن بن أَحْمد العابد وَجَمَاعَة كَثِيرَة وبرع في علم الْفِقْه والفرائض فحقق الأزهار وَشَرحه لِابْنِ مِفْتَاح وحواشيه وَبَيَان ابْن مظفر وَالْبَحْر الزخار ومختصر الْفَرَائِض للعصيفرى وَشَرحه للناظرى وَشرح الخالدين وَعلم الضَّرْب والمساحة وَقَرَأَ في كتب الحَدِيث الشِّفَاء للأمير حُسَيْن وَالشَّمَائِل للترمذي وَمن كتب التَّفْسِير الثمرات للفقيه يُوسُف وَشرح الْآيَات للنجري وفي النَّحْو الملحة وَبَعض شروحها والحاجبية وَشَرحهَا للسَّيِّد الْمُفْتى وَفِي الْأُصُول الكافل لِابْنِ بهران وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان وَغير هَذِه المسموعات مِمَّا لَا يحضرنى الْآن وَمَا زَالَ يدأب فى تَحْصِيل الْعلم مفارقا لاهله ووطنه مغتربا عَنْهُمَا اياما طَوِيلَة ودرس وافتى فى صنعاء فى أَوَاخِر ايام طلبه وولاه الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْقَضَاء بالجهات الخولانبة خولان صنعاء ثمَّ اعتذر عَنهُ فولاه الْقَضَاء بِصَنْعَاء المحروسة وَاسْتقر بهَا هُوَ وَأَهله وَمَا ترك الطّلب فى أَيَّام تَوليته للْقَضَاء ولارغب عَن التدريس للطلبة بل كَانَ يقرئ فِي مَسْجِد صَلَاح الدَّين وَفِي مَسْجِد الابزر في الْفِقْه وفي الْجَامِع الْكَبِير فِي الْفَرَائِض فِي شهر رَمَضَان وَكَانَ رَحمَه الله مَحْمُود السِّيرَة والسريرة متعففاً قانعاً باليسير طارحاً للتكلف منجمعا عَن النَّاس مشتغلا بِخَاصَّة نَفسه صَابِرًا على نَوَائِب الزَّمن وحوادث الدَّهْر مَعَ كَثْرَة مَا يطرقه من ذَلِك محافظاً على أمور دينه مواظبا على الطَّاعَة مؤاثر للْفُقَرَاء بِمَا يفضل عَن كِفَايَته غير متصنع فِي كَلَامه وَلَا فِي ملبسه لَا يبالي بأي ثوب برز للنَّاس وَلَا في أَي هَيْئَة لَقِيَهُمْ وَكَانَ سليم
(1/483)

الصَّدْر لَا يَعْتَرِيه غل وَلَا حقد وَلَا سخط وَلَا حسد وَلَا يذكر أحداً بِسوء كَائِنا من كَانَ محسناً إلى أَهله قَائِما بِمَا يحتاجونه متعباً نَفسه فِي ذَلِك صَابِرًا محتسباً لما كَانَ يجْرِي عَلَيْهِ من بعض الْقُضَاة الَّذين لَهُم كلمة مقبولة وصولة مَعَ كَونه مَظْلُوما في جَمِيع مَا يَنَالهُ من المحن ونوائب الزَّمن وَالْحَاصِل أَنه على نمط السلف الصَّالح في جَمِيع أَحْوَاله وَلَقَد كَانَ تغشاه الله تَعَالَى برحمته ورضوانه من عجائب الزَّمن وَمن عرفه حق الْمعرفَة تَيَقّن أَنه من أَوْلِيَاء الله وَلَقَد بلغ معي إلى حد من الْبر والشفقة والإعانة على طلب الْعلم وَالْقِيَام بِمَا أحتاج إليه مبلغاً عَظِيما بِحَيْثُ لم يكن لي شغلة بِغَيْر الطلب فجزاه الله خيراً وكافاه بِالْحُسْنَى وَهُوَ زاهد من الدُّنْيَا لَيْسَ لَهُ نهمة في جمع وَلَا كسب بل غَايَة مَقْصُوده مِنْهَا مَا يقوم بكفاية أرحامه فإنه اسْتمرّ في الْقَضَاء أَرْبَعِينَ سنة وَهُوَ لَا يملك بَيْتا يسكنهُ فضلاً عَن غير ذَلِك بل بَاعَ بعض مَا تَلقاهُ مِيرَاثا من أَبِيه من أموال يسيرَة في وَطنه وَلم يتْرك عِنْد مَوته إلا أَشْيَاء لَا مِقْدَار لَهَا وقرأت عَلَيْهِ رَحمَه الله فِي ايام الصغر فِي شرع الأزهار وَشرح الناظري مَعَ غيري من الطّلبَة وَهُوَ في آخر أَيَّامه قَرَأَ عليّ في صَحِيح البخاري وَلم يزل مستمراً على حَاله الْجَمِيل معرضاً عَن القال والقيل مَاشِيا على أهْدى سَبِيل حَتَّى توفاه الله تَعَالَى بِصَنْعَاء لَيْلَة الِاثْنَيْنِ بعد أَذَان الْعشَاء وَهِي اللَّيْلَة المسفرة عَن رَابِع شهر الْقعدَة سنة 1211 إحدى عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلم يُبَاشر شَيْئا مِمَّا يتَعَلَّق بِالْقضَاءِ قبل مَوته بِنَحْوِ سنتَيْن بل تجرد للاشتغال بِالطَّاعَةِ والمواظبة على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَلم يكن لَهُ الْتِفَات إلى غير أَعمال الْآخِرَة رَحمَه الله وَترك وَلدين أكبرهما مُحَمَّد وَهُوَ جَامع هَذَا الْكتاب وَيحيى وَهُوَ الآن مشتغل بِقِرَاءَة عُلُوم
(1/484)

الِاجْتِهَاد قد انْتفع فى أَنْوَاع مِنْهَا مَعَ كَمَال اشْتِغَاله بِعلم الْفُرُوع وَهُوَ ذوفهم صَادِق وعقل رصين وَدين متين ولعلها تأتي لَهُ ولأخيه الْمَذْكُور تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي حرفه إن شَاءَ الله تَعَالَى
234 - السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم
ابْن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن احْمَد بن يحيى بن عبد الله ابْن يحيى بن النَّاصِر بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن الْعَلامَة الْكَبِير مؤلف تَجْرِيد الْكَشَّاف التَّفْسِير الْمَشْهُور وروي أَن لَهُ تَفْسِيرا حافلاً في ثَمَانِيَة مجلدات وَمن جملَة تلامذته السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم الْوَزير وَلكنه لما اجْتهد السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور ورفض التَّقْلِيد وتبحّر في المعارف قَامَ عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة في جملَة القائمين عَلَيْهِ وَترسل عَلَيْهِ برسالة تدل على عدم إنصافه ومزيد تعصبه سامحه الله وَأجَاب السَّيِّد مُحَمَّد عَن هَذِه الرسَالَة بالعواصم والقواصم الْكتاب الْمَشْهُور الذي لم يؤلف في هَذِه الديار اليمنية مثله وهوفي ثَلَاثَة مجلدات كبار وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يقرئ الطّلبَة في جَمِيع عُلُوم الِاجْتِهَاد وفي الأمهات وَسَائِر كتب التَّفْسِير وَمَات سنة 837 سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
235 - الإمام المهدي علي بن مُحَمَّد بن علي
ابْن مَنْصُور بن يحيى بن مَنْصُور بن مفضل بن الْحجَّاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن يُوسُف الداعي بن يحيى بن الْمَنْصُور بن أَحْمد بن النَّاصِر ابْن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن ولد في شهر ربيع الآخر سنة 705 خمس
(1/485)

وَسَبْعمائة في هِجْرَة من جِهَات الهان وَنَشَأ على مَا نَشأ عَلَيْهِ سلفه الصَّالح من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَالْعَمَل ثمَّ دَعَا إلى نَفسه فبويع بالخلافة في شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 750 في مَدِينَة ثلا وَاجْتمعَ النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى قيل إن الْعلمَاء الَّذين حَضَرُوا بيعَته يزِيدُونَ على خمس مائَة وعارضه الواثق بِاللَّه المطهر بن مُحَمَّد وشمس الدَّين احْمَد بن علي بن أَبى الْفَتْح ثمَّ أذعن لَهُ الواثق وَأما السَّيِّد شمس الدَّين فَلم يزل على دَعوته وافتتح صنعاء وملكها وَملك صعدة وذمار وَمَا بَين هَذِه المدن وداننت لَهُ الْبِلَاد وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى ابتدأه الفالج فِي سنة 772 في ذمار وَكَانَ وَلَده مُحَمَّد قَائِما بالأمور ناظماً للأحوال ثمَّ نَهَضَ القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري من صعدة فِي الْمحرم سنة 773 فوصل إلى ذمار وَسعه جمَاعَة من السَّادة وَالْعُلَمَاء وَأجْمع رأي القاضي وَمن مَعَه على أَن لَا يصلح للإمامة إلا وَلَده الإمام مُحَمَّد الْمَذْكُور فَلَمَّا سمع ذَلِك تبَاعد عَنهُ وَاعْتذر فَلم يعذروه وألزموه الْحجَّة فَقَامَ بالإمامة بعد أَن بَايعُوهُ
(1/486)

وتكنى بالناصر واشتهر بصلاح الدَّين وستأتى لَهُ إِن شَاءَ الله تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة فِي حرفة
236 - الإمام الْمَنْصُور علي بن مُحَمَّد النَّاصِر صَلَاح الدَّين ابْن علي المهدي الْمَذْكُور قبله
ولد سنة 775 خمس وَسبعين وَسَبْعمائة وَلما مَاتَ وَالِده الإمام صَلَاح الدَّين مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد في سنة 793 وَكَانَت خِلَافَته قد تمكنت في الديار اليمنية وعظمت سطوته وَكَثُرت جيوشه وَبعد صيته أرسل أمراءه ووزراءه إلى القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري إلى صعدة فوصل إلى صنعاء ثمَّ أجمع رَأْيه وَرَأى أَرْبَاب الدولة على مبايعة صَاحب التَّرْجَمَة وَرَأَوا في ذَلِك صلاحاً لكَونه ناهضاً بِالْملكِ والا فَهُوَ لم يكن قد نَالَ من الْعلم في ذَلِك الْوَقْت مَا هُوَ شَرط الإمامة عِنْد الزيدية وَلَكِن جعل الله في هَذَا الرأي الْخَيْر وَالْبركَة فإنه وليّ الْخلَافَة وَحفظ بَيْضَة الإسلام وَدفع أهل الظُّلم وَأحسن الى الْعلمَاء وقمع رُؤْس البغي واشتغل بالمعارف العلمية في خِلَافَته حَتَّى فاق في كثير من المعارف وَلَقَد أثنى عَلَيْهِ السَّيِّد الإمام الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم الْوَزير ثَنَاء طائلاً وصنّف في ذَلِك مصنفاً سَمَّاهُ الحسام الْمَشْهُور في الذب عَن دولة الامام الْمَنْصُور وَذكر أَنه أَخذ عَن صَاحب التَّرْجَمَة وناهيك بِهَذَا من مثل هَذَا الْمجمع على إمامته في جَمِيع الْعُلُوم وَقد تعَارض صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره وَوَقع مَا تقدمت الإشارة إليه وَقد طَالَتْ أَيَّامه وعظمت مَمْلَكَته واتسعت بِلَاده وتكاثرت أجناده حَتَّى مَاتَ في سَابِع وَعشْرين شهر صفر سنة 840 أَرْبَعِينَ وثمان مائَة
(1/487)

237 - السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن علي الحسيني الجرجاني
عَالم الشرق وَيعرف بالسيد الشريف وَهُوَ من أَوْلَاد مُحَمَّد بن زيد الدَّاعِي بَينه وَبَينه ثَلَاثَة عشر أَبَا ولد سنة 740 أَرْبَعِينَ وسبعماية اشتغل ببلاده وَقَرَأَ الْمِفْتَاح على شَارِحه وَكَذَا أَخذ شرح الْمِفْتَاح للقطب عَن ابْن مُؤَلفه مخلص الدَّين بن أبي الْخَيْر علي وَقدم الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن أكمل الدَّين وَغَيره وَأقَام بِسَعِيد السُّعَدَاء أَربع سِنِين ثمَّ خرج إلى بِلَاد الروم ثمَّ لحق بِبِلَاد الْعَجم وَصَارَ إماماً فِي جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَغَيرهَا متفرداً بهَا مصنفا فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا مبتحرا فى دقيقها وجليلها وطار صيته في الْآفَاق وانتفع النَّاس بمصنفاته في جَمِيع الْبِلَاد وَهِي مَشْهُورَة فِي كل فن يحْتَج بهَا أكَابِر الْعلمَاء وينقلون مِنْهَا ويوردون وَيَصْدُرُونَ عَنْهَا فَمن مصنفاته الْمَشْهُورَة شرح الْمِفْتَاح وَشرح المواقف العضدية وَشرح تذكرة الطوس وَشرح الجغميني في علم الْهَيْئَة وَشرح فَرَائض الْحَنَفِيَّة وَشرح الْوِقَايَة وَشرح الكافية بالعجمية وَله من الحواشي حَاشِيَة على أَوَائِل الْكَشَّاف وعَلى أَوَائِل شرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى للعضد وعَلى أَوَائِل البيضاوى وعَلى الْخُلَاصَة للطيبى وعل العوارف وَالْهِدَايَة وعَلى التَّجْرِيد لنصير الدَّين وعَلى الْمطَالع وعَلى المطول وعَلى شرح الشمسية وعَلى الطوالع للأصبهاني وعَلى شرح هِدَايَة الْحِكْمَة وعَلى شرح حِكْمَة الْعين وَحِكْمَة الإشراق وعَلى الرضي في النَّحْو وعَلى الخبيصي وعَلى العوامل الجرجانية وعَلى رِسَالَة الْوَضع وعَلى شرح الإشارات للطوسي وعَلى التَّلْوِيح والتوضيح وعَلى أشكال التأسيس وعَلى تَحْرِير اقليدس وَله تَفْسِير الزهراوين وَله مُقَدّمَة في الصّرْف بالعجمية ورسالة في الْوُجُود وَله كتاب التعريفات وَله مصنفات
(1/488)

غير هَذِه وتصدى للإقراء والإفتاء وَأخذ عَنهُ الاكابر وبالغوافى تَعْظِيمه لاسيما عُلَمَاء الْعَجم وَالروم فإنهم جَعَلُوهُ هُوَ والسعد التفتازاني حجَّة فِي علومهما وَقد جرى بَينهمَا مباحثات في مجْلِس تيمورلنك وَاخْتلف النَّاس فِي عصرهما وَفِيمَا بعده من العصور من المحق مِنْهُمَا وَمَا زَالَ الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فِي ذَلِك دائراً فِي جَمِيع الازمنة وَلَا سِيمَا عُلَمَاء الروم فإنهم يجْعَلُونَ من جملَة أَوْصَاف أكَابِر عُلَمَائهمْ أَنه كَانَ يمِيل إلى تَرْجِيح جَانب الشريف أَو إلى تَرْجِيح جَانب السعد لما لَهُم بهما وَبِمَا جرى بَينهمَا من الشغلة وَقد كَانَ أهل عصر صَاحب التَّرْجَمَة يفتخرون بالأخذ عَنهُ ثمَّ صَار من بعدهمْ يفتخرون بالأخذ عَن تلامذته ومصنفاته نافعة كَثِيرَة الْمعَانى وَاضِحَة الألفاظ قَليلَة التَّكَلُّف والتعقيد الذي يُوقع فِيهِ عجمة اللِّسَان كَمَا يَقع فِي مصنفات كثير من الْعَجم وَتوفى يَوْم الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة 816 سِتّ عشرَة وثمان مائَة بشيراز وَقيل في ارْبَعْ عشرَة وثمان مائَة ويروى أَنه رَحل إلى القطب الشيرازي شَارِح الشمسية فَطلب مِنْهُ الْقِرَاءَة عَلَيْهِ في شَرحه فَاعْتَذر عَنهُ بعلو السن وَضعف الْبَصَر ثمَّ دله على بعض تلامذته الْمُحَقِّقين الَّذين أخذُوا عَنهُ ذَلِك الشَّرْح وَهُوَ بِبِلَاد أُخْرَى فَرَحل إليه فوصل وَبَعض أَبنَاء الأكابر يقْرَأ على الْمَذْكُور فِي ذَلِك الشَّرْح فَطلب مِنْهُ أَن يقْرَأ عَلَيْهِ فاذن لَهُ فِي الْحُضُور بِشَرْط أَن لَا يتَكَلَّم وَلَيْسَ لَهُ درس مُسْتَقل بل شَرط عَلَيْهِ أَن يحضر فَقَط مَعَ ذَلِك الذي يقْرَأ على الشَّيْخ من أَوْلَاد الأكابر فَكَانَ الشريف يحضر ساكتاً وفي اللَّيْل يأوي إلى خلْوَة فِي الْمَسْجِد وَكَانَ يُقرر فى أَكثر اللَّيْل ماسمعه من شرح الشمسية وَيرْفَع صَوته فَيَقُول قَالَ المُصَنّف كَذَا يعْنى صَاحب الشمسية وَقَالَ الشَّارِح
(1/489)

كَذَا يعْنى القطب وَقَالَ الشَّيْخ كَذَا يعْنى الذي يقْرَأ عَلَيْهِ وَقلت أَنا كَذَا ثمَّ يُقرر كلَاما نفيساً ويعترض اعتراضات فائقة فصادف مُرُور ذَلِك الشَّيْخ من بَاب خلوته فَسمع صَوته فَوقف فطرب لذَلِك حَتَّى رقص ثمَّ أذن لَهُ أَن يتَكَلَّم بِمَا شَاءَ فَيُقَال إنّ صَاحب التَّرْجَمَة حصل حَاشِيَة شرح الشمسية حَال قِرَاءَته على ذَلِك الشَّيْخ
238 - السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد بن النَّاصِر الكوكباني المولد وَالدَّار والوفاة
ولد فِي شهر سوال سنة 1149 تسع وأربعين وَمِائَة وَألف وَأخذ عَن شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن غَيره من عُلَمَاء كوكبان وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول وشارك في غير ذَلِك وَله نظم جيد فَمِنْهُ مَا كتبه الى وَقد اطلع على بعض رسائلي
(أي بحث قد جاءني من فريد ال ... عصر مُحي معالم التِّبْيَان)
(الْهمام الذى اذا الْتبس الام ... رِجْلَاهُ بواضح الْبُرْهَان)
(عِنْده سلم المجاري إذا ج ... لى فصلى مُسلما في الرِّهَان)
فأجبت عَلَيْهِ بقولي
(قلّد الْجيد وَهُوَ ربّ اجْتِهَاد ... وانتقاد قلائد العقيان)
(نظمه الدرّ دلّ من غير شك ... أَنه الْبَحْر فِي عُلُوم الْبَيَان)
(قد تيقنت أنني السعد لما ... صَار هَذَا الشريف من خلانى)
(يَا قريع الأوان يَا سيد الأق ... ران يَا فَرد أهل هَذَا الزَّمَان)
(دمت تحيي عُلُوم أبائك الغر ... وتجلى بهَا صدا الأذهان)
(وَعَلَيْك السَّلَام يَا زِينَة الأع ... لَام يَا ابْن الْكِرَام من عدنان)
(1/490)

وَله تلامذة أخذُوا عَنهُ هُنَالك فِي عُلُوم الْآلَات وَلَعَلَّ من جملَة شُيُوخه السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَمِير كوكبان وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي الْمُتَقَدّم ذكره وَله شعر سَائِر وَعند تَحْرِير هَذِه الأحرف قد توفي رَحمَه الله وَمَوته سنة 1312 اثنتي عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف في شهر جُمَادَى الأولى مِنْهَا
239 - الشَّيْخ علي بن مُحَمَّد بن علي المقدسي الخزرجي الحنفي الْمَعْرُوف بأبي غَانِم
قَالَ العصامي هُوَ شمس الْعُلُوم والمعارف بدر الْمَفْهُوم واللطائف قُرَّة عين أَصْحَاب أَبى حنيفَة الراقي من معارج التَّحْقِيق حَقِيقَة وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّزَّاق المناوى هُوَ شيخ الْوَقْت حَالا وعلماً وتحقيقاً وفهماً وإمام الْمُحَقِّقين حَقِيقَة ورسماً وَكَانَت وَفَاته سنة 1004 أَربع وَألف
240 - علي بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن يُوسُف بن مُحَمَّد الاشمونى الأصل ثمَّ القاهري الشافعي
ولد فِي شعْبَان سنة 838 ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَأخذ على الْمحلى والبلقيني والمناوي والكافياجي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وتصدى للإقراء وصنّف شرحاً للألفية وَشرح بعض التسهيل ونظم جمع الْجَوَامِع وايساغوجي قَالَ السخاوي وراج وَرجح على الْجلَال السيوطي مَعَ اشتراكهما فِي الْحمق غير أَن ذَاك أرجح انْتهى قلت وَهَذَا غير مَقْبُول من السخاوي فِي كلا الرجلَيْن على أَن صَاحب التَّرْجَمَة لَيْسَ مِمَّن ينبغي أَن يَجْعَل قريناً للجلال فبينهما مفاوز وَتوفى صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم السبت سَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة 918 ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة
(1/491)

241 - علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن يحيى البكري الزيدي
أحد الْعلمَاء اليمنيين الْمُحَقِّقين لَهُ مصنّفات مِنْهَا شرح مُقَدّمَة بَيَان ابْن مظفر وَشرح منهاج القرشي وَشرح مُقَدّمَة الأزهار وَكَانَ بعض أهل الْعلم يفضله على عبد الله النجري الْمُتَقَدّم ذكره وَقد كتب إليه الإمام عز الدَّين بن الْحسن كلَاما فى مسئلة الإمامة وَأجَاب عَنهُ بِجَوَاب هُوَ مَوْجُود فِي فَتَاوَى الإمام عز الدَّين وَكَانَ مُتَّصِلا بالإمام المطهر بن مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان وَقَائِمًا بِكَثِير من أُمُور خِلَافَته قَالَ صَاحب مطلع البدور وَهُوَ الذي حكى صفة الْكتاب الْوَاصِل الى الامام المطهر من الْفَقِيه مُحَمَّد بن الأصم أَنَّهَا اتفقت فِي زمن الإمام الْمَذْكُور قصَّة عَجِيبَة ونكتة غَرِيبَة فِي بلد شامى الحرجة تسمى الْحمرَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِيهَا رجل من الزرعة وَكَانَ ذادين وَصدقَة فاتفق أَنه بنى مَسْجِدا يصلي فِيهِ وَجعل يأتي ذَلِك الْمَسْجِد كل لَيْلَة بالسراج وبعشائه فإن وجد فِي الْمَسْجِد من يتَصَدَّق عَلَيْهِ أعطَاهُ ذَلِك الْعشَاء وإلا أكله وَصلى صلَاته وَاسْتمرّ على ذَلِك الْحَال ثمَّ أنها اتفقت شدَّة ونضب مَاء الْآبَار وَكَانَت لَهُ بير فَلَمَّا قل مَاؤُهَا أَخذ يحتفرها هُوَ وَأَوْلَاده فخربت تِلْكَ البير وَالرجل فِي أَسْفَلهَا خراباً عَظِيما حَتَّى إنه سقط مَا حولهَا من الارض اليها فأيس مِنْهُ أَوْلَاده وَلم يحفروا لَهُ وَقَالُوا قد صَار هَذَا قَبره وَكَانَ ذَلِك الرجل عِنْد خراب الْبِئْر فِي كَهْف فِيهَا فَوَقَعت إلى بَابه خَشَبَة منعت الْحِجَارَة من أَن تصيبه فأقام فِي ظلمَة عَظِيمَة ثمَّ إنه بعد ذَلِك جَاءَهُ السراج الذي كَانَ يحملهُ إلى الْمَسْجِد وَذَلِكَ الطَّعَام الذي كَانَ يحملهُ كل لَيْلَة وَكَانَ بِهِ يفرق مَا بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَاسْتمرّ لَهُ ذَلِك مُدَّة سِتّ سِنِين وَالرجل مُقيم في ذَلِك الْمَكَان على تِلْكَ الْحَال ثمَّ انه بدا
(1/492)

لأولاده أَن يحفروا الْبِئْر لإعادة عمارتها فحفروها حَتَّى انْتَهوا إلى أَسْفَلهَا فوجدوا أباهم حَيا فَسَأَلُوهُ عَن حَاله فَقَالَ لَهُم ذَلِك السراج وَالطَّعَام الذي كنت أحمل إلى الْمَسْجِد يأتيني على مَا كنت أحملهُ تِلْكَ الْمدَّة فعجبوا من ذَلِك فَصَارَت قَضِيَّة موعظة يتوعظ بهَا النَّاس فى أسواق تِلْكَ الْبِلَاد وَقَالَ في مطلع البدور وَمن جملَة من زار هَذَا الرجل مُحَمَّد بن الأصم انْتهى وَتُوفِّي صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الأحد ثامن وَعشْرين رَمَضَان سنة 882 اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
242 - علي بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن هطيل النجري الْمَشْهُور اليماني
صَاحب التصانيف كشرحه للمفصل وَله شرح على الظَّاهِرِيَّة صنفه للإمام الْمَنْصُور علي بن صَلَاح الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ سَاكِنا بِصَنْعَاء وَقد طَار صيته فِي الآفاق وَكَانَ مديماً لمطالعة شرح الرضي على كَافِيَة ابْن الْحَاجِب لَا يُفَارِقهُ فِي غَالب أوقاته ويحكى أَنه لما حَضرته الْوَفَاة أَمر من يدْفع إليه شرح الرضي فَدفعهُ إليه فَوَضعه على صَدره ثمَّ أنْشد
(تمتّع من شميم عرار نجد ... فَمَا بعد العشية من عرار)
ويحكى عَنهُ أَنه دخل مَكَّة لِلْحَجِّ فَأخْبر أن قاضي الْمحمل الاشمى من أكَابِر الْعلمَاء فَتَلقاهُ إلى الطَّرِيق ووجده فِي محمل فناداه وَقَالَ مسئلة أَيهَا القاضي فكشف عَن الْمحمل وَقَالَ قل فَسَأَلَهُ كَذَلِك وَأجَاب بِجَوَاب حسن ثمَّ سَأَلَهُ بِمَسْأَلَة ثَانِيَة كَذَلِك وَأجَاب بِجَوَاب أحسن وَقَالَ لَهُ لَعَلَّك من الْيمن قَالَ نعم قَالَ أَنْت من صنعاء قَالَ نعم قَالَ أَنْت ابْن هطيل قَالَ نعم قَالَ قد ألفيت كَذَا وَكَذَا قَالَ نعم وَمَا يدْريك بِهَذَا فإن جيران دَاري لَعَلَّهُم
(1/493)

لَا يعْرفُونَ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَنْتُم يَا عُلَمَاء صنعاء وضعتم أَنفسكُم بِالسُّكُونِ فِيهَا فِي مضيعة توفي سنة 812 اثنتي عشرَة وثمان مائَة فِي يَوْم الأربعاء حادي عشر ذي الْحجَّة مِنْهَا بِمَدِينَة صنعاء وَكَانَ منشاؤه وَطَلَبه بِمَدِينَة حوث ثمَّ فَارقهَا لأمر جرى بَينه وَبَين أَهلهَا وَقَالَ قصيدة بذمها مطْلعهَا
(قوّض خيامك راحلاً عَن حوث ... حوث الْخَبيث مَحل كل خَبِيث)
وَمن مشايخه ابراهيم بن عَظِيمَة النجراني وَمن تلامذته المرتضى ابْن الهادي بن ابراهيم
(1/494)

243 - على بن مُحَمَّد القوشجى
بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة بعْدهَا جِيم وياء النِّسْبَة ومعنا هَذَا اللَّفْظ بِالْعَرَبِيَّةِ حَافظ البازي وَكَانَ أَبوهُ من خدام ملك مَا وَرَاء النَّهر يحفظ البازي قَرَأَ على عُلَمَاء سَمَرْقَنْد ثمَّ رَحل إلى الروم وَقَرَأَ على قاضي زَاده الرومي ثمَّ رَحل إلى بِلَاد كرمان فَقَرَأَ على علمائها وسود هُنَالك شَرحه للتجريد ثمَّ عَاد الى ملك ماوراء النَّهر وَلم يدرى أَيْن ذهب فَلَمَّا وصل إليه عاتبه على الاغتراب فَاعْتَذر بأنه اغترب لطلب الْعلم فَقَالَ لَهُ باى هَدِيَّة جِئْت قَالَ رِسَالَة حللت بهَا إشكال الْقَمَر وَهُوَ إشكال تحير فِي حله الأقدمون فَقَالَ هَات أنظر فِيهَا فقرأها قَائِما فأعجبته وَقد كَانَ ذَلِك الْملك بنى رصداً وَأمر جمَاعَة من الْعلمَاء بِعِلْمِهِ فماتوا فأمر صَاحب التَّرْجَمَة فأكمله وَكَتَبُوا عَنهُ مَا حصل وَهُوَ الْمَشْهُور بالزيج الْجَدِيد وَهُوَ أحسن الزيجات ثمَّ لما توفي ذَلِك الْملك وَتَوَلَّى مَكَانَهُ بعض أَوْلَاده لم يعرف قدر صَاحب الترحمة فاستأذنه لِلْحَجِّ فَلَمَّا وصل إلى تبريز أكْرمه سلطانها إكراماً عَظِيما وأرسله إلى سُلْطَان الروم مُحَمَّد خَان فَلَمَّا وصل إليه أكْرمه إكراماً زَائِدا على إكرام سُلْطَان تبريز لَهُ وَسَأَلَهُ أَن يسكن لَدَيْهِ فأجابه إلى ذَلِك ووعده الرُّجُوع بعد أَن يُوصل جَوَاب الرسَالَة وَأخذ عَلَيْهِ عهداً على ذَلِك فَلَمَّا أدى الرسَالَة أرسل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان إليه من خُدَّامه جمَاعَة فخدموه وأكرموه وصرفوا اليه فِي كل مرحلة ألف دِرْهَم بأمر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فوصل إلى مَدِينَة قسطنطينية فِي حشمة وافرة وَعند ملاقاته للسُّلْطَان أهْدى إليه رِسَالَة فِي علم الْحساب سَمَّاهَا المحمدية ثمَّ صنف رِسَالَة أُخْرَى فِي علم الْهَيْئَة باسم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وسماها الرسَالَة الفتحية لمصادفتها
(1/495)

لفتح عراف الْعَجم وَجعله السُّلْطَان مدرساً فِي بعض الْمدَارِس وَعين لَهُ كل يَوْم مائتي دِرْهَم وَعين لكل من أَوْلَاده وأتباعه شَيْئا خَارِجا عَن ذَلِك وَكَانُوا كثيرين يزِيدُونَ على مائتي نفس وَلما قدم قسطنطينية أول قدمة تَلقاهُ علماؤها فَذكر لَهُم مارآه من الجزر وَالْمدّ فِي الْبَحْر فَتكلم أكبر عُلَمَاء الروم فِي ذَلِك الزَّمن وَهُوَ خواجة زَاده الآتى ذكره إِن شَاءَ الله فِي سَبَب ذَلِك ثمَّ ذكر صَاحب التَّرْجَمَة مَا جرى بَين السعد والشريف من المباحثة وَرجح جَانب السعد فخالفه خواجة زَاده وَرجح جَانب الشريف وَله تصانيف مِنْهَا شرح التَّجْرِيد الذي تقدمت الإشارة إليه وَهُوَ شرح عَظِيم سَائِر فِي الاقطار كثير الْفَوَائِد وَله حَاشِيَة على أوائل حَاشِيَة السعد على الْكَشَّاف وَله كتاب عنقود الزهور فِي الصّرْف وَهُوَ من مشاهير الْعلمَاء وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَلكنه كَانَ موت السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الذي قدم الروم فِي زَمَنه سنة 886 سِتّ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
244 - علي بن مُحَمَّد العقيني الأنصاري التّعزي الشافعي
ولد سنة 1033 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَقَرَأَ بتعز على مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْمُفْتى وَقَرَأَ فِي غَيرهَا على مُحَمَّد بن علي مطير وَجَمَاعَة آخَرين ورحل إلى مَكَّة فَقَرَأَ على ابْن عَلان وَغَيره وبرع فِي فنون وصنّف تصانيف مِنْهَا شرح ألفية ابْن مَالك وَشرح الْمدْخل فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشرح زيد بن رسْلَان وَشرح على الْمَنْظُومَة في شعب الإيمان وَشرح على النخبة وحاشية على التَّيْسِير وَمَات في ثَالِث ربيع الآخر سنة 1101 إحدى وَمِائَة وَألف بتعز
(1/496)

245 - على بن مجد الدَّين مُحَمَّد بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن عمر الْمَعْرُوف بالمولى مصنفك
لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف فِي حداثة سنه وَالْكَاف للتصغير فِي لُغَة الْعَجم وَهُوَ من أَوْلَاد الإمام فَخر الدَّين الرازي وفخر الدَّين هُوَ عمر الْمَذْكُور فِي النّسَب وَكَانَ الإمام يُصَرح فِي مصنفاته بأنه من أَوْلَاد عمر ابْن الْخطاب ولد صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة 803 ثَلَاث وثمان مائَة بخراسان وسافر مَعَ أَخِيه إلى هراة لطلب الْعلم فِي سنة 812 وصنف الإرشاد فِي سنة 823 وَشرح الْمِصْبَاح فِي النَّحْو سنة 825 وَشرح آداب الْبَحْث فِي سنة 826 وَشرح اللّبَاب فِي سنة 828 وحاشية المطول فِي سنة 832 وحاشية شرح الْمِفْتَاح للتفتازاني سنة 834 وحاشية التَّلْوِيح سنة 835 ثمَّ ارتحل فِي سنة 839 رحْلَة أُخْرَى إلى هراة وصنف هُنَالك الْوِقَايَة وَشرح الْهِدَايَة فِي سنة 839 وارتحل فِي سنة 848 إلى ممالك الروم وصنف هُنَالك فِي سنة 855 شرح المصابيح للبغوي وَشرح تِلْكَ السنة أَيْضا شرح الْمِفْتَاح للشريف وصنف فِي هَذِه السنة حَاشِيَة شرح الْمطَالع وَشرح أَيْضا بعض أصُول فَخر الإسلام البزدوي وصنف فِي سنة 856 حَاشِيَة الْكَشَّاف وَله مصنفات فارسية كأنوار الأحداق وَحَدَائِق الإيمان وتحفة السلاطين وَله غير ذَلِك من المصنفات كحاشية شرح العقائد وَمن مشايخه جلال الدَّين يُوسُف أحد تلامذة سعد الدَّين التَّفْتَازَانِيّ ودرس بِبِلَاد الروم وَغَيرهَا ثمَّ وَقع لَهُ صمم فِي آخر مدَّته وَعين لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كل يَوْم ثَمَانِينَ درهماً وَمَات بقسطنطينية سنة 875 خمس وَسبعين وثمان مائَة
(1/497)

246 - على بن المظفر بن ابراهيم ابْن عمر ابْن يزِيد الوادعي الكندي الإسكندراني ثمَّ الدمشقي
ولد سنة 640 أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَسمع من جمَاعَة نَحْو مِائَتَيْنِ واشتغل بالأدب فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ الشّعْر فأجاد ثمَّ دخل ديوَان الإنشاء فِي آخر عمره وَكَانَ كثير الهجاء فنفر النَّاس عَنهُ وَكَانَ يتشيع من غير سبّ وَلَا رفض وَجمع التَّذْكِرَة فِي عدَّة مجلدات تقرب من الْخمسين وفيهَا فَوَائِد كَثِيرَة وَمن شعره
(فتنت بِمن محاسنه ... إلى عرب النقا تنمي)
(عذار من بني لَام ... وطرف من بني سهم)
(وعذالي بَنو ذهل ... وحسادي بَنو فهم)
وَله في هَذَا الْجِنْس
(قسماً بمرآك الْجَمِيل فانه ... عربى حسن من بنى زهران)
(احلت عَنْك وَلَو رَأَيْتُك من بنى ... لحيان لابل من بني شَيبَان)
وَمن مقطعاته الرائقة
(قَالَ لي عاذلي المفنّد فِيهَا ... حِين وافت وسلّمت مختالة)
(قُم بناندعى النبؤة فِي العش ... ق فقد سلمت علينا الغزالة)
وَمِنْهَا)
(إذا رَأَيْت عارضاً مسلسلاً ... فِي وجنة كجنة يَا عاذلي)
(فَاعْلَم يَقِينا أنني من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل)
وَمِنْهَا
(وَفِي أَسَانِيد الأراك حَافظ ... للْعهد يروي صبره عَن عَلْقَمَة)
(1/498)

(فَكلما ناحت بِهِ حمامة ... روى حَدِيث دمعه عَن عِكْرِمَة)
وَفِي هَذَا من اللطافة مَالا يخفى لَان عِكْرِمَة من أَسمَاء الْحَمَامَة وَهُوَ شَاعِر مجيد مبدع وَقد ذكر جمَاعَة من متأخرى الادباء أَن ابْن نَبَاته كَانَ يتطفل على مَعَانِيه الرائقة وَقد أورد ابْن حجَّة فِي كشف اللثام عَن التورية والاستخدام جملَة مِمَّا وَقع فِيهِ ذَلِك قَالَ الذهبي كَانَ يخل بِالصَّلَاةِ ويرمي بعظائم وَكَانَت الحماسة من بعض محفوظاته حملني الشره على السماع من مثله وَقَالَ ابْن رَافع سمع مِنْهُ الْحَافِظ المزي وَغَيره وَكَانَ قد سمع الْكثير وَقَرَأَ بِنَفسِهِ وَحصل الأصول وَمهر فِي الأدب وَكتب الْخط الْمَنْسُوب وَكَانَ يكْتب للوزير ابْن ودَاعَة ويلازمه وإنما قيل لَهُ الوادعي نِسْبَة إليه وَكَانَ يُبَاشر مشيخة دَار الحَدِيث النفيسة إلى أَن مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة 716 سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة
247 - عليّ بن هادي عرهب
الصنعاني المولد وَالدَّار والمنشأ أحد عُلَمَاء الْعَصْر الْمَشَاهِير ولد سنة 1164 ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وعَلى وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وعَلى جمَاعَة آخرين وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأخذ عَنهُ أهل الْعلم وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل أَيَّام الطلب فِي شرح التَّلْخِيص الصغيير للتفتازاني وَفِي حَوَاشِيه فاستمرت الْقِرَاءَة إلى بعض الْمُقدمَة ثمَّ انْقَطَعت لِكَثْرَة عرُوض الأعذار من جِهَته فأتممته على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخلانى رَحمَه الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة فِي قُوَّة الْفَهم
(1/499)

وَسُرْعَة الإدراك وَتَحْقِيق المباحث الدقيقة مَالا يُوجد لغيره وَلكنه كثير الْعَوَارِض الْمُوجبَة لانْقِطَاع التدريس وَلَوْلَا ذَلِك لعكف الطّلبَة عَلَيْهِ وفَاق معاصريه وَصَارَ متفردا برياسة التدريس وَلَكِن الْعلم تكْثر موانعه وَهُوَ غير مقلد بل يجْتَهد رَأْيه فِي جَمِيع مَا يحْتَاج إليه من مسَائِل الْعِبَادَة وَغَيرهَا وَمَا أحقه بذلك فإن الْعُلُوم الاجتهادية حَاصِلَة لَدَيْهِ وَزِيَادَة عَلَيْهَا وَهُوَ الْآن حي وَأكْثر سكونه بالروضة وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف استمديت لَهُ رَأيا شريفاً من حَضْرَة مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله فِي تَوليته للْقَضَاء بالروضة وَهُوَ أكبر من مثل هَذَا وَأجل فإن كثيراً من أكَابِر قُضَاة الْعَصْر المتولين للْقَضَاء فِي الحضرة الإمامية وَغَيرهَا لَيْسَ علمهمْ بِالنِّسْبَةِ إلى علم هَذَا شَيْئا وَلم يبْق لَاحَدَّ من قُضَاة الرَّوْضَة مَعَه كَلَام ثمَّ فِي شهر رَمَضَان سنة 1214 وصلت مُكَاتبَة من أَمِير كوكبان السَّيِّد الأجل شرف الدَّين بن أَحْمد بن مُحَمَّد يتَضَمَّن أَن كوكبان وجهاته يحْتَاج إلى عَالم من أكَابِر عُلَمَاء صنعاء للاحياء بالتدريس وللقيام بِعَهْد الْقَضَاء هُنَالك فارسلت بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَهُوَ إلى الْآن هُنَالك
248 - علي بن يحيى بن علي بن رَاجِح بن سعيد الكينعي
الصنعاني المولد والمنشأ وَالدَّار ولد سنة 1151 إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن زيد الشامي وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَحضر على جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء
(1/500)

وَحفظ الْمسَائِل المهمة الْمُتَعَلّقَة بأمر الدَّين وَمَال إلى الْعَمَل والزهد وَله يَد طولى فِي علم التَّارِيخ وَحفظ غرائب الْأَخْبَار وطرائف الْأَشْعَار وَحسن المحاضرة وَجَمِيل المذاكرة مَعَ شهامة نفس وعلو همة وخبرة تَامَّة بأبناء عصره لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُم خافية مَعَ انجماعه وميله إلى الخمول وَهُوَ من الأجواد الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي وُجُوه الْخَيْر فإنه مَعَ قلَّة ذَات يَده يجود بموجوده ويؤثر على نَفسه وَقد رَأَيْت من مكارمه مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَهُوَ فِي هَذَا الشَّأْن من محاس الزَّمَان وَلَو اتَّسع نطاق مَاله لطارله من الذّكر واشتهر لَهُ من الصيت مَا يزاحم بِهِ البرامكة فضلاً عَمَّن هُوَ دونهم وَلكنه يُؤثر الخمول ويميل إلى القنوع من الدُّنْيَا بالبلغة ونعمت الْخصْلَة وَمَا أحقه بِمَا قلته من أَبْيَات
(ترَاهُ وَهُوَ ذُو طمرين يمشي ... بهمته على هام السّماك)
وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف حَيّ ومنزله نزهة أَرْبَاب الْأَلْبَاب وَحَدِيثه روح أَرْوَاح بني الْآدَاب
249 - علي بن يحيى بن أَحْمد بن مَضْمُون البرطي
ثمَّ الصَّنْعَانِيّ الْعَالم الْكَبِير الْمَشْهُور بالتحقيق فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم ولد سنة 1061 إحدى وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ لَهُ بِالْعلمِ شغف شَدِيد حَتَّى قيل انه يقطع اللَّيْل جَمِيعًا فِي المطالعة بِمَسْجِد الْبُسْتَان من صنعاء وإذا غَلبه النوم اغْتسل بِالْمَاءِ وَمن مشايخه القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن علي بن أَبى الرِّجَال والقاضى مُحَمَّد بن ابراهيم السحولى والامام المتَوَكل على الله اسمعيل وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وَأَخُوهُ الْعَلامَة الْحسن بن
(1/501)

مُحَمَّد وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير ولازمه مُلَازمَة طَوِيلَة نَحْو اثنتي عشرَة سنة وَغَيرهم وَكَانَ يكثر مِنْهُ التَّخَلُّف عَن الدَّرْس ويتضجر لذَلِك الطّلبَة وَسبب ذَلِك شدَّة عنايته بمطالعة مَا يدرس فِيهِ الطّلبَة وَكَانَ لَهُ بتصحيح النسخ عناية عَظِيمَة بِحَيْثُ لَا يلْحق فِي ذَلِك وَرَأَيْت فَتَاوِيهِ مَجْمُوعَة فِي مُجَلد وَجمع تِلْمِيذه السَّيِّد عبد الله بن علي الْوَزير تَرْجَمته فِي مُصَنف سَمَّاهُ نشر العبير وَمَات فِي سنة 1119 تسع عشرَة وَمِائَة وَألف فِي ثاني وَعشْرين من شهر صفر مِنْهَا وَقيل سنة 1115 خمس عشرَة وَمِائَة وَألف
250 - السَّيِّد علي بن يحيى أَبُو طَالب
ولد سنة 1159 تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف أَو فِي الَّتِى قبلهَا أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْمَشَايِخ الْمُتَقَدِّمين كالقاضى الْعَلامَة أَحْمد ابْن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل الْمُفْتى وَغَيرهمَا مِمَّن هم مَشَايِخ مَشَايِخنَا واستفاد فِي الْعُلُوم والآلية والحديثية وَسَائِر الْفُنُون ودرس للطلبة فِي كتب الْآلَة وَغَيرهَا وَقَرَأَ عليّ أخيراً فِي التَّفْسِير للزمخشرى وَفِي تفسيريّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وَهُوَ الْآن من محَاسِن الزَّمن وَمن بَقِيَّة شُيُوخ العترة المطهرة فتح الله لَهُ فِي مدَّته
251 - علي بن يَعْقُوب بن جِبْرِيل البكري نور الدَّين المصري الشافعي
ولد سنة 673 ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة واشتغل بالفقه والأصول وَقَرَأَ بِنَفسِهِ على سِتّ الوزراء وَجَرت لَهُ محنة بِسَبَب القبط وهي أَنه لما كَانَ فِي النّصْف من محرم سنة 714 بلغه أَن النَّصَارَى قد استعاروا من قناديل جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر شَيْئا وعلقوه بكنيسة فاخذ مَعَه
(1/502)

طَائِفَة كَثِيرَة من النَّاس وهجم الْكَنِيسَة وَنكل النَّصَارَى وَبلغ مِنْهُم مبلغاً عَظِيما وَعَاد إلى الْجَامِع وأهان من فعل ذَلِك وَكثر من الوقيعة فِي خَطِيبه فَبلغ السُّلْطَان فأمر بإحضار الْقُضَاة وَفِيهِمْ ابْن الْوَكِيل وأحضر صَاحب التَّرْجَمَة فَتكلم وَوعظ وَذكر آيَات من الْقُرْآن وَأَحَادِيث وَاتفقَ أَنه أغْلظ فِي عبارَة السُّلْطَان ثمَّ قَالَ أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جاير فَاشْتَدَّ غضب السُّلْطَان وَقَالَ لَهُ أَنا جاير قَالَ نعم أَنْت سلطت الأقباط على الْمُسلمين وقوّيت أَمرهم فَلم يَتَمَالَك السُّلْطَان أَن أَخذ السَّيْف وهمّ بِالْقيامِ ليضربه فبادر بعض الْأُمَرَاء وَأمْسك يَده فَالْتَفت إلى قاضي الْمَالِكِيَّة وَقَالَ يَا قاضى تجرأ على هَذَا مَا الذي يجب عَلَيْهِ فَقَالَ القاضي لم يقل شَيْئا يُوجب عُقُوبَة فصاح السُّلْطَان بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَقَالَ اخْرُج عَنى فَقَامَ وَخرج فَقَالَ ابْن جمَاعَة قد تجرأ وَمَا بقي إلا أَن يزاحم السُّلْطَان فانزعج السُّلْطَان وَقَالَ اقْطَعُوا لِسَانه فبادر الْأُمَرَاء ليفعلوا بِهِ ذَلِك وأحضروا صَاحب التَّرْجَمَة فارتعد وَصَاح واستغاث بالأمراء فرقوا لَهُ وألحو على السُّلْطَان فِي الشَّفَاعَة وَدخل ابْن الْوَكِيل وَهُوَ ينتحب ويبكي فَظن السُّلْطَان أَنه أَصَابَهُ شئ فَقَالَ لَهُ خير خير فَقَالَ هَذَا رجل عَالم صَالح لكنه ناشف الدِّمَاغ قَالَ صدقت وَسكن غَضَبه فَانْظُر مَا فعله ابْن جمَاعَة بكلمته الحمقاء وَمَا فعله صدر الدَّين بن الْوَكِيل رَحمَه الله من التَّوَصُّل إلى سَلامَة هَذَا الْمِسْكِين وَهَكَذَا ينبغي لمن كَانَ لَهُ قبُول عِنْد السلاطين أَن يتحيل عَلَيْهِم فِي مَنَافِع الْمُسلمين وحقن دِمَائِهِمْ بِمَا أمكنه فإن صَاحب التَّرْجَمَة لم يكن ناشف الدِّمَاغ وَلكنه كَانَ فِي هَذِه الْوَسِيلَة سَلَامَته من تِلْكَ البلية وَمَات فِي شهر ربيع الآخر سنة 724 أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة
(1/503)

252 - علي بن يُوسُف بن شمس الدَّين الفناري الرومي
ارتحل من الروم إلى بِلَاد الْعَجم فَقَرَأَ على مَشَايِخ هراة وسمرقند وبخارى وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم ودرس هُنَالك ثمَّ عَاد الى الرّوم فِي سلطنة مُحَمَّد خَان فأمره السُّلْطَان أَن يدرس بمدرسة بروسة وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهماً ثمَّ نقل إلى مدرسة أُخْرَى وَعين لَهُ سِتِّينَ درهماً ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة بروسة ثمَّ جعله قَاضِيا بالعسكر وَمكث فِيهِ عشر سِنِين وَارْتَفَعت بِسَبَب ولَايَته منزلَة الْعلمَاء والقضاة ثمَّ عَزله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهماً ولأولاده تسعين درهماً فِي كل يَوْم وَعين لَهُ فِي كل سنة عشرَة آلاف درهماً فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد وَقَامَ وَلَده بايزيد مقَامه أَعَادَهُ على قَضَاء الْعَسْكَر وَمكث فِيهِ مِقْدَار ثَمَان سِنِين ثمَّ عزل عَنهُ ثمَّ عين لَهُ كل يَوْم سبعين درهماً وَعشرَة آلاف دِرْهَم فِي كل سنة وَصَارَ مشتغلاً بِالْعلمِ فِي جَمِيع أوقاته لشدَّة شغفة بِالْعلمِ لَا ينَام على فرَاش وإذا غلب عَلَيْهِ النوم اسْتندَ إلى الْجِدَار والكتب بَين يَدَيْهِ فإذا اسْتَيْقَظَ نظر فِيهَا وَله شرح على الكافية نَفِيس وَكَانَ فِيهِ كرم مفرط وَرُبمَا ضَاقَتْ يَده فِي بعض الأحوال فَلَا يجد مَا يُرِيد فَقيل لَهُ إنك قد توليت قَضَاء الْعَسْكَر وَهُوَ منصب عَظِيم فَكيف لم تحفظ مَا يحصل لَك إذ ذَاك قَالَ كنت رجلا سَكرَان فَلم احفظ شَيْئا فَقيل لَهُ اذاعاد إليك المنصب فَعَلَيْك بِحِفْظ المَال فَقَالَ إذا عَاد المنصب عَاد السكر مَعَه وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الصمت إلا إذا سَأَلَهُ أحد عَن خدمته للسلاطين سرد من ذَلِك حكايات عَجِيبَة وَمن ذَلِك أَنه سَأَلَهُ بعض النَّاس عَن أعظم لَذَّة وجدهَا فِي أَيَّام اتِّصَاله بالسلطان فَقَالَ سَافر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي أَيَّام الشتَاء وَكَانَ ينزل ويبسط لَهُ بِسَاط صَغِيرَة
(1/504)

يجلس عَلَيْهِ إلى أَن تضرب الْخَيْمَة وإذا أَرَادَ الْجُلُوس على الْبسَاط يخرج وَاحِد من غلمانه الْخُف عَن رجلَيْهِ وَعند ذَلِك يسْتَند الى شخص معِين وَكَانَت تِلْكَ عَادَته فاتفق فِي بعض الْأَيَّام أَنه لم يحضر ذَلِك الرجل فاستند إليّ وَهَذَا أعظم لَذَّة وَجدتهَا فِي صُحْبَة السلاطين وَحكى عَنهُ بعض تلامذته أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ فِي المطول فَكَانُوا يقرأون عَلَيْهِ كل يَوْم مِقْدَار سطر أَو سطرين من ضحوة النَّهَار إلى وَقت الْعَصْر وَلما مَضَت على ذَلِك سِتَّة أشهر قَالَ إنّ الذي قرأتموه عليّ إلى الْآن يُقَال لَهُ قِرَاءَة كتاب وَبعد هَذَا اقرأوا قِرَاءَة الْفَنّ فقرأنا بعد ذَلِك كل يَوْم ورقتين وأتممنا بَقِيَّة الْكتاب فِي سِتَّة أشهر وَاسْتمرّ يُفِيد الطّلبَة حَتَّى مَاتَ فِي سنة 903 ثَلَاث وَتِسْعمِائَة
253 - عمر بن إسحاق بن أَحْمد الغزنوي الْعَلامَة الحنفي سراج الدَّين الهندي صَاحب التصانيف
قدم الْقَاهِرَة قبل الأربعين وَسَبْعمائة وَسمع من بعض أَصْحَاب النجيب وَكَانَ عَلامَة فِي الأصول والمنطق وَالْفُرُوع تخرج فِي ذَلِك بالشمس الأصبهاني وَابْن التركماني وَمن مصنفاته شرح المغني وأصول الْفِقْه وَشرح البديع لِابْنِ الساعاتي وَشرح الْهِدَايَة وَهُوَ مطول لم يكمل وَكَانَ دمث الأخلاق طلق الْعبارَة ولي قَضَاء الْعَسْكَر ثمَّ ولى الْقَضَاء اسْتِقْلَالا فِي شعْبَان سنة 769 وَمَات رَابِع شهر رَجَب سنة 773 ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة
(1/505)

254 - عمر بن رسْلَان بن بَصِير بن صَالح بن شهَاب بن عبد الْخَالِق ابْن عبد الْحق السراج البلقيني
ثمَّ القاهري الشافعي ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة ببلقينة فحفظ بهَا الْقرَان وَهُوَ ابْن سبع والشاطبية وَالْمُحَرر والكافية والشافية والمختصر الأصلي ثمَّ أقدمه أَبوهُ الْقَاهِرَة وَهُوَ ابْن اثنتي عشرَة سنة فَعرض محافيظه على جمَاعَة كالتقي السبكي والجلال القزويني وفَاق بذكائه وَكَثْرَة محفوظاته وَسُرْعَة فهمه ثمَّ رَجَعَ بِهِ أَبوهُ ثمَّ عَاد مَعَه وَقد ناهز الِاحْتِلَام فاستوطن الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على أَعْيَان الْعلمَاء فِي الْفُنُون كالشيخين الْمُتَقَدِّمين والعز بن جمَاعَة وَابْن عَدْلَانِ وَسمع من خلق وَأَجَازَ لَهُ الأكابر وَمِمَّا يحْكى من حفظه أَنه أول مَا دخل الكاملية طلب من ناظرها بَيْتا فَامْتنعَ وَاتفقَ مجئ شَاعِر النَّاصِر بقصيدة وأنشده اياها بِحَضْرَة صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ للنَّاظِر قد حَفظتهَا فَقَالَ لَهُ النَّاظر ان كَانَ كَذَلِك أَعطيتك بَيْتا فأملاها لَهُ من حفظه جَمِيعهَا فاعطاه الْبَيْت وَمَا زَالَ يطْلب الْعلم على عُلَمَاء الْقَاهِرَة حَتَّى برع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الاقران وَتفرد بِكَثِير من المعارف وَقَالَ لَهُ ابْن كثير أذكرتنا ابْن تَيْمِية وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ ابْن شيخ الْجَبَل مَا رَأَيْت بعد ابْن تَيْمِية أحفظ مِنْك وَدخل حلب فِي سنة 793 صُحْبَة الظَّاهِر برقوق وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة وَعين لقَضَاء مصر غير مرة وَلم يتم مَعَ كَونه فِي ذَلِك يترفع عَنهُ وَيجْلس فَوق كبار الْقُضَاة بل ولى ابْنه فِي حَيَاته وشاع ذكره فِي الممالك وعظمته الأكابر فَمن دونهم وَأثْنى عَلَيْهِ أكَابِر شُيُوخه قَالَ ابْن حجي كَانَ أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشافعي واشتهر بذلك وشيوخه موجودون قدم علينا دمشق قَاضِيا وَهُوَ كهل
(1/506)

فبهر النَّاس بحفظه وَحسن عِبَارَته وجودة مَعْرفَته وخضع لَهُ الشُّيُوخ فِي ذَلِك الْوَقْت واعترفوا بفضله ثمَّ بعد ذَلِك تصدر للفتيا والتدريس فكثرت طلبته وصاروا شُيُوخًا فِي حَيَاته وَله تصانيف كَثِيرَة لم تتم لِأَنَّهُ يَبْتَدِئ كتاباً فيصنّف مِنْهُ قِطْعَة ثمَّ يتْركهُ قَالَ الْبُرْهَان الحلبي رَأَيْته رجلاً فريد دهره لم تَرَ عيناي أحفظ مِنْهُ للفقه وَأَحَادِيث الأحكام وَقد حضرت دروسه مرَارًا وَهُوَ يقرئ فِي مُخْتَصر مُسلم للقرطبي يقرأه عَلَيْهِ شخص مالكي ويحضر عِنْده فُقَهَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فيتكلم على الحَدِيث الْوَاجِد من بكرَة إلى قريب الظّهْر وَرُبمَا أذن الظّهْر وَلم يفرغ من الحَدِيث انْتهى وَهَذَا تبحر عَظِيم وَتوسع باهر فان استغراق هَذَا الْوَقْت الطَّوِيل فِي الْكَلَام على حَدِيث وَاحِد يتَحَصَّل مِنْهُ كراريس وَقد كَانَ وَقع الِاتِّفَاق على أَنه أحفظ أهل عصره وأوسعهم معارفاً وَأَكْثَرهم علوماً وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يتعانى نظم الشّعْر فيأتى يما يستحي مِنْهُ بل قد لَا يُقيم وَزنه والكمال لله قَالَ ابْن حجر وَكَانَت آلات الِاجْتِهَاد فِيهِ كَامِلَة قَالَ وَلم يكمل من مصنفاته إلا الْقَلِيل لأنه كَانَ يشرع فِي الشئ فلسعة علمه يطول عَلَيْهِ الأمر حَتَّى أنه كتب من شرح البخاري على نَحْو عشْرين حَدِيثا مجلدين وعَلى الرَّوْضَة عدَّة مجلدات تعقبات وعَلى الْبَدْر للزركشي مجلداً ضخماً قَالَ الْبَدْر البشبكي أنّ الشَّيْطَان وجد طرقه عَن البلقيني مسدودة فَحسن لَهُ نظم الشّعْر وَله مصنفات كَثِيرَة قد سردها وَلَده الْجلَال فِي تَرْجَمته وَلم يزل متفرداً فِي جَمِيع الأنواع العلمية حفظاً وسرداً لَهَا كَمَا هي حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشْرين الْقعدَة سنة 805 خمس وثمان مائَة
(1/507)

255 - عمر بن علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله السراج
الأنصاري الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الملقن ولد فِي ربيع الأول سنة 723 ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ أصل أَبِيه من الأندلس فتحول مِنْهَا إلى التكرور ثمَّ قدم الْقَاهِرَة ثمَّ مَاتَ بعد أَن ولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بِسنة فأوصى بِهِ إلى الشَّيْخ عِيسَى المغربي وَكَانَ يلقن الْقُرْآن فنسب اليه وَكَانَ يغْضب من ذَلِك وَلم يَكْتُبهُ بِخَطِّهِ إنما كَانَ يكْتب ابْن النحوي وَبهَا استهر فِي بعض الْبِلَاد كاليمن وَنَشَأ فِي كَفَالَة زوج أمه ووصيه وتفقه بالتقي السبكي والعز بن جمَاعَة وَغَيرهمَا وَأخذ فِي العرببية عَن أَبى حَيَّان وَالْجمال ابْن هِشَام وَغَيرهمَا وَفِي القرآت عَن الْبُرْهَان الرشيدي قَالَ الْبُرْهَان الحلبي أنه اشْتغل فِي كل فن حَتَّى قَرَأَ فِي كل مَذْهَب كتاباً وَسمع على الْحفاظ كَابْن سيد النَّاس والقطب الحلبي وَغَيرهمَا وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كالمزي ورحل إلى الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس وَله مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا تَخْرِيج أَحَادِيث الرافعي سبع مجلدات ومختصر الْخُلَاصَة فِي مُجَلد ومختصره للمنتقى فِي جُزْء وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط للغزالى الْمُسَمّى بتذكرة الاحبار بِمَا فِي الْوَسِيط من الاخبار فِي مُجَلد وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب المسمى بالمحرر الْمَذْهَب فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب فِي مجلدين وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْمِنْهَاج الأصلي فِي جُزْء وَتَخْرِيج أَحَادِيث مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب فِي جُزْء وَشرح الْعُمْدَة الْمُسَمّى بالأعلام فِي ثَلَاث مجلدات وَأَسْمَاء رجالها فِي مُجَلد وَقطعَة من شرح الْمُنْتَقى فِي الأحكام للمجد ابْن تَيْمِية وَلكنه قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ أنه إنما كتب شَيْئا من ذَلِك على هوامش نسخته كالتخريج لأحاديث الْمُنْتَقى ثمَّ
(1/508)

رغب من يأتي بعده فِي شرح هَذَا الْكتاب حَسْبَمَا نقلته من كَلَامه فِي أوائل شرحي للمنتقى وَمن مصنفاته طَبَقَات الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وطبقات الْمُحدثين وَفِي الْفِقْه شرح الْمِنْهَاج سِتّ مجلدات وَآخر صَغِير فِي مجلدين ولغاته فِي مُجَلد والتحفة فِي الحَدِيث على أبوابه كَذَلِك وَالْبُلغَة على أبوابه فِي جُزْء لطيف والاعتراضات عَلَيْهِ فِي مُجَلد وَشرح التَّنْبِيه فِي أَربع مجلدات وَآخر لطيف سَمَّاهُ هادي النبيه إلى تدريس النتبيه وَالْخُلَاصَة على أبوابه فِي الحَدِيث فِي مجلدو أُمْنِية النبيه فِيمَا يرد على النووى فِي التَّصْحِيح والتنبيه فِي مُجَلد ولخصه فِي جُزْء وَشرح الحاوى الصَّغِير فِي مجلدين صخمين وَآخر فِي مُجَلد وَشرح التبريزي فِي مُجَلد وَشرع فِي كتاب جمع فِيهِ بَين كتب الْفِقْه الْمُعْتَمدَة فِي عصره للشَّافِعِيَّة وَنبهَ على مَا أهملوه وَسَماهُ جمع الْجَوَامِع وَله فِي علم الحَدِيث الْمقنع فِي مُجَلد قَالَ ابْن حجران صَاحب التَّرْجَمَة شرح الْمِنْهَاج عدَّة شُرُوح أكبرها فِي ثَمَانِيَة مجلدات وأصغرها فِي مُجَلد والتبينه كَذَلِك والبخاري فِي عشْرين مجلداً وَشرح زَوَائِد مُسلم على البخاري فِي أَرْبَعَة أَجزَاء وزوائد أبي دَاوُد على الصَّحِيحَيْنِ فِي مجلدين وزوائد التِّرْمِذِيّ على الثَّلَاثَة كتب مِنْهُ قِطْعَة وزوائد النسائي على الْأَرْبَعَة كتب مِنْهُ جُزْءا وزوائد ابْن مَاجَه على الْخَمْسَة فِي ثَلَاث مجلدات وإكمال تَهْذِيب الْكَمَال قَالَ ابْن حجر إنه لم يقف عَلَيْهِ وَقَالَ السخاوي إنه وقف مِنْهُ على مُجَلد وَله مصنفات غير هَذِه كشرح ألفية ابْن مَالك وَشرح الْمِنْهَاج الأصلى وَشرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الحاحب وَقد رزق الإكثار من التصنيف وانتفع النَّاس بغالب ذَلِك وَلكنه قَالَ الْحَافِظ بن حجر إنه كَانَ يكْتب فِي كل فن سَوَاء أتقنه أولم يتقنه قَالَ وَلم يكن فِي الحَدِيث بالمتقن وَلَا لَهُ ذوق
(1/509)

أهل الْفَنّ وَقَالَ ان الَّذين قرأوا عَلَيْهِ قَالُوا انه لم يكن ماهرا فِي الْفَتْوَى وَلَا التدريس وإنما كَانَت تقْرَأ عَلَيْهِ مصنفاته فِي الْغَالِب فيقررما فِيهَا وَقَالَ ابْن حجر كَانَ لَا يستحضر شَيْئا وَلَا يُحَقّق علماً وغالب تصانيفه كالسرقة من كتب النَّاس وَفِي هَذَا الْكَلَام من التحامل مَالا يخفى على منصف فَكَتبهُ شاهدة بِخِلَاف ذَلِك منادية بأنه من الْأَئِمَّة فِي جَمِيع الْعُلُوم وَقد اشْتهر صيته وطار ذكره وسارت مؤلفاته فِي الدُّنْيَا وَحكى السخاوي أَنه طلب الِاسْتِقْلَال بِالْقضَاءِ وخدعه بعض النَّاس حَتَّى كتب بِخَطِّهِ بِمَال على ذَلِك فَغَضب برقوق عَلَيْهِ لمزيد اخْتِصَاصه بِهِ وَكَونه لم يُعلمهُ بذلك وَلَو أعلمهُ لَكَانَ يَأْخُذهُ لَهُ بلابذل وَأَرَادَ الإيقاع بِهِ فسلمه الله من ذَلِك ثمَّ اسْتَقر فِي التدريس بأماكن وَقد تَرْجمهُ جمَاعَة من أقرانه الَّذين مَاتُوا قبله كالعثماني قاضي صفد فإنه قَالَ فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء انه اُحْدُ مَشَايِخ الاسلام صَاحب التصانيف الَّتِى مافتح على غَيره بِمِثْلِهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات وَقَالَ الْبُرْهَان الحلبى كَانَ فريد وقته فِي كَثْرَة التصنيف وَعبارَته فِيهَا جلية جَيِّدَة وغرايبه كَثِيرَة وَقَالَ ابْن حجر فِي أنبائه أنه كَانَ موسعاً عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مَشْهُورا بِكَثْرَة التصانيف حَتَّى كَانَ يُقَال إنها بلغت ثلثمِائة مجلدة مَا بَين كَبِير وصغير وَعِنْده من الْكتب مَالا يدْخل تَحت الْحصْر مِنْهَا مَا هُوَ ملكه وَمِنْهَا ماهو من أوقاف الْمدَارِس ثمَّ إنها احترقت مَعَ أَكثر مسوداته فِي آخر عمره ففقد أَكْثَرهَا وَتغَير حَاله بعْدهَا فحجبه وَلَده إلى أَن مَاتَ قَالَ رَاوِيا عَن بعض من حكى لَهُ أَنه دخل على صَاحب التَّرْجَمَة يَوْمًا وَهُوَ يكْتب فَدفع إليه الْكتاب الَّذِي يكْتب مِنْهُ وَقَالَ لَهُ أمْلى عليّ قَالَ فأمليت عَلَيْهِ وَهُوَ يكْتب إلى أَن فرغ فَقلت لَهُ يَا سيدى أتنسخ هَذَا الْكتاب فَقَالَ بل أَخْتَصِرهُ
(1/510)

قَالَ ابْن حجران العراقي والبلقيني وَصَاحب التَّرْجَمَة كَانُوا أعجوبة ذَلِك الْعَصْر الأول فِي معرفَة الحَدِيث وفنونه وَالثَّانِي فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي وَالثَّالِث فِي كَثْرَة التصانيف وَلَك وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الآخر بِسنة وَمَات قبله بِسنة فأولهم ابْن الملقن ثمَّ البلقيني ثمَّ العراقي وَمَات فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَاس عشر ربيع الأول سنة 804 أَربع وثمان مائَة
256 - عمر بن مُحَمَّد بن عمر
ابْن أَحْمد بن هبة الله بن أَحْمد بن أَبى جَرَادَة العقيلى والحنفى الحلبي نجم الدَّين بن جمال الدَّين بن صَاحب كَمَال الدَّين العديم ولد سنة 689 تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة سمع الحَدِيث وتفقه وَولى عدَّة تداريس ثمَّ ولي الْقَضَاء وَكَانَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ لم يسمع مِنْهُ سب أحد وَله نظم جيد فَمِنْهُ
(كَأَن وَجه النَّهر اذحفت بِهِ ... أشجاره فصافحته الأغصن)
(مرْآة غيد قد وقفن حولهَا ... ينظرن فِيهَا أيّهن أحسن)
وَهَذَا غَايَة فِي بَابه وَقد كنت نظمت قبل الْوُقُوف عَلَيْهِ بأعوام بَيْتَيْنِ فِي الْمَعْنى هما
(كَأَنَّمَا الأغصان إذ أحدقت ... بالنهر من بعد بكاء الْغَمَام)
(غيد على مرْآة حسن تنا ... فسنّ فأذرين دموع الْخِصَام)
فَلَمَّا وقفت على بيتي صَاحب التَّرْجَمَة هَمَمْت بَان اضْرِب على هذَيْن لكنى رأيتهما قد اشتملا على مالم يشْتَمل عَلَيْهِ بَيْتا المترجم لَهُ وَذَلِكَ زِيَادَة بكاء الْغَمَام فِي الْمُشبه ومقابلتهما ببكاء الغواني فِي الْمُشبه بِهِ مَعَ ذكر التنافس وَالْخِصَام وَرَأَيْت بعد نظم الْبَيْتَيْنِ أَن مَا يقرب من مَعْنَاهُمَا فِي طيب السمر للحيمي وَلَا أحفظه حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلَا أحفظ
(1/511)

قائلة وَلكنه لم يشْتَمل على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ البيتان الْمَذْكُورَان وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي صفر سنة 734 أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ورثاه ابْن الوردي بقوله
(قد كَانَ نجم الدَّين شمسا أشرقث ... بحماة للدانى بهَا والقاصى)
(عدمت ضِيَاء بن العديم فأنشدت ... مَاتَ الْمُطِيع فيا هَلَاك العاصي)
وَمَا أحسن من التورية فِي قَوْله فِي هَلَاك العاصى لِأَن بحماة نَهرا يُقَال لَهُ العاصى
257 - عمر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْخَيْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن فَهد
النَّجْم القرشي الْهَاشِمِي المكي الشافعي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن فَهد ولد لَيْلَة الْجُمُعَة سلخ جُمَادَى الْآخِرَة سنة 812 اثنتي عشرَة وثمان مائَة ونشأبها فحفظ الْقُرْآن وكتاباً فِي الحَدِيث أَلفه لَهُ وَالِده وَشرع فِي قِرَاءَة فقه الإمام احْمَد فحوله أَبوهُ شافعياً وَحفظ النّصْف الأول من الْمِنْهَاج وَبَعض الألفية لِابْنِ مَالك وَبَعض ألفية العراقى وَسمع فِي صغره بِمَكَّة على مشايخها والقادمين اليها كالمراغي وَالْجمال بن ظهيرة والولي العراقي وَابْن الجزرى والنجم بن حجي والكازرونى وأجازله جمَاعَة من جِهَات شَتَّى وَأَقْبل على الطلب بِنَفسِهِ وَتخرج بوالده ورحل إلى الْقَاهِرَة فَسمع من أَهلهَا ولازم الْحَافِظ ابْن حجر وَدخل الشَّام فَسمع على علمائها ولازم الْحَافِظ بن نَاصِر وسافر إلى الْقُدس والخليل وَسمع مِمَّن هُنَالك وَطَاف الْبلدَانِ وَطول الرحلة وَتردد فِي جَمِيع مداين مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ وَسمع العالي والنازل وَمهر فِي الحَدِيث وصنّف فِيهِ مصنفات وَخرج لنَفسِهِ معجماً وَعمل مسلسلا وذيل على تَارِيخ مَكَّة للتقى النَّاس وَله كتاب المدلسين ثمَّ
(1/512)

المخضرمين ثمَّ المغير اسمهم ثمَّ المواخا بَينهم ثمَّ اللّبَاب فِي الألقاب ثمَّ بذل الْجهد فِي من سمي بفهد وَابْن فَهد والمشارق المنيرة فِي ذكر بني ظهيرة وَله فِي كل بَيت من بيُوت مَكَّة الْمَشْهُورَة بِالْعلمِ مُصَنف وَله غير ذَلِك من المصنّفات وَمَات يَوْم الْجُمُعَة سَابِع شهر رَمَضَان سنة 885 خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
349 - عمر بن مجد السّراج أبوحفص اليماني الزبيدي الشافعي
وَيعرف بالفتى من الفتوة وَهُوَ لقب أَبِيه ولد سنة 801 وَاحِدَة وثمان مائو بزبيد وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على الْفَقِيه مُحَمَّد بن صَالح والشرف بن المقرى ولازمه أتم دهرا مُلَازمَة طَويلا ثمَّ انْتقل إلى بِلَاد أصَاب فَمَكثَ بِبَعْض قراها وارتحل إليه الطّلبَة واشتغل بالتدريس والتصنيف وقصده الطّلبَة من الأماكن الْبَعِيدَة كل ذَلِك فِي حَيَاة شَيْخه وَلما استولى علي بن طَاهِر على الْيمن أكْرم صَاحب التَّرْجَمَة ورتب لَهُ من الْوَقْف مَا يَكْفِيهِ ثمَّ قَلّدهُ أَمر الأوقاف وصرفها لمستحقها والإذن فِي النِّيَابَة لمن لَا يحسن الْمُبَاشرَة وَله تصانيف مِنْهَا مهمات الْمُهِمَّات اختصر فِيهَا مهمات الأسنوي والابريز فِي تَصْحِيح الْوَجِيز والالهمام لما فِي الرَّوْض من الأوهام مُصَنف شَيْخه ابْن الْمقري وأفرد زَوَائِد الأنوار على الرَّوْضَة وَسَماهُ أنوار الأنوار وَكَذَا فعل فِي جَوَاهِر القمولى وَشرح الْمِنْهَاج لِابْنِ الملقن وَقد انْتفع بِهِ فِي الْفِقْه أهل الْيمن طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار غالبهم من تلامذته وَمَات فِي صفر سنة 887 سبع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة وارتجت النواحي لمَوْته
(1/513)

350 - عمر بن مظفر بن عمر بن مُحَمَّد بن أَبى الفوارس زين الدَّين ابْن الوردي الْفَقِيه الشافعي الحلبي
نَشأ بحلب وتفقّه بهَا ففاق الأقران وَأخذ من شرف الدَّين ابْن الْبَارِزِيّ وَغَيره ونظم الْبَهْجَة الوردية فِي خَمْسَة آلاف بَيت وَثَلَاثَة وَسِتِّينَ بَيْتا أَتَى على الحاوي الصَّغِير بغالب أَلْفَاظه قَالَ ابْن حجر وَأقسم بِاللَّه مَا نظم أحد بعده الْفِقْه إلا وَقصر دونه وَله ضوء الدرة على ألفية ابْن معطي وَشرح الألفية لِابْنِ مَالك وَله مقامات ومنطق الطير نظم ونثر وَله فِي الْكَلَام على مائَة غُلَام مائَة مَقْطُوع لَطِيفَة والدراري السارية فِي مائَة جَارِيَة مائَة مَقْطُوع كَذَلِك وَضمن كثيراً من الملحة للحريري فِي أرجوزة غزل وَاخْتصرَ الألفية لِابْنِ مَالك فِي مائَة وَخمسين بَيْتا وَشَرحهَا وَكَانَ يَنُوب فِي الحكم بحلب وَولى قَضَاء منبج ثمَّ اعْرِض عَن ذَلِك وَمَات فِي الطَّاعُون آخر سنة 749 تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وديوان شعره فِي مُجَلد لطيف وَذكر الصفدي فِي أَعْيَان النَّصْر أَنه اختلس مَعَاني شعره وأنشده من ذَلِك شَيْئا كثيراً وَلم يَأْتِ بِدَلِيل على أَن ابْن الوردي هُوَ المختلس قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر بل الْمُتَبَادر الْعَكْس وَاسْتشْهدَ الصفدي على صِحَة دَعْوَاهُ بقول صَاحب التَّرْجَمَة
(وأسرق مَا اردت من الْمعَانى ... فإن فقت الْقَدِيم حمدت سيري)
(وإن ساويته نظماً فحسبي ... مُسَاوَاة الْقَدِيم وَذَا لخيري)
(وإن كَانَ الْقَدِيم أتم معنى ... فَهَذَا مبلغيى ومطار طيري)
(وإن الدِّرْهَم الْمَضْرُوب عندي ... أحبّ الى من دِينَار غيري)
وَمن جملَة مَا أورده الصفدى لصَاحب التَّرْجَمَة
(1/514)

(سل الله رَبك من فَضله ... إذا عرضت حَاجَة مقلقة)
(وَلَا تقصد التّرْك فِي حَاجَة ... فأعينهم أعين ضيقة)
قَالَ الصفدي وهما مأخوذان من قولي
(أترك هوى الأتراك إن رمت أن ... لَا تبتلي فيهم بهم وضير)
(وَلَا ترجّ الْجُود من وصلهم ... مَا ضَاقَتْ الأعين فيهم لخير)
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة
(قيل لي تبذل الذَّهَب ... بتولي قضا حلب)
(قلت هم يحرقونني ... وَأَنا أشتري الْحَطب)
وَمِنْه أَخذ ابْن عشاير
(قيل برطل على القضا ... ترغم الْحَسَد العدى)
(قلت هم يذبحونني ... وَأَنا أشحذ المدى)
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة
(إني تركت عقودهم وفسوخهم ... وفروضهم وَالْحكم بَين اثْنَيْنِ)
(ولزمت بيتى قانعا ومطالعا ... كتب الْعُلُوم وَذَاكَ زين الدَّين)
351 - عِيسَى بن عُثْمَان بن عِيسَى الغزيّ شرف الدَّين الشَّافِعِي
ولد قبل الأربعين وَسَبْعمائة وَقدم دمشق فأخذ عَن علمائها ولازم تَاج الدَّين السبكي ودرس بالجامع الأموي وَأفْتى وصنف فَمن مصنفاته شرح الْمِنْهَاج الشَّرْح الْكَبِير والمتوسط وَالصَّغِير وَاخْتصرَ الرَّوْضَة مَعَ زيادات وَاخْتصرَ مهمات الأسنوي وَله كتاب فِي آدَاب الْقَضَاء ولخص زيادات الْكِفَايَة على الرافعي فِي مجلدين مَاتَ فِي شهر رَمَضَان سنة 799 تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة
(1/515)

352 - السَّيِّد عِيسَى بن لطف الله بن المطهر ابْن الإمام شرف الدَّين اليماني الكوكباني
الشَّاعِر المنجّم المؤرّخ لَهُ تَارِيخ سَمَّاهُ روح الروح صنف واختص بالوزير مُحَمَّد باشا فصنف هَذَا التَّارِيخ بعنايته وَذكر فِيهِ مَا كَانَ بعد الْمِائَة التَّاسِعَة من الْفتُوح وصنّف لَهُ النفحة اليمنية فِي الدولة المحمدية وَمن نظمه
(لَا تلمني فِي حب أهيف كالغص ... ن بِغَيْر الشموس فِي الاشراق)
(لدغتنى فِي حَبَّة الوج ... هـ فَمَا غير وَصله من راق)
وَكَانَ يهوى غُلَاما جميلاً فَقتله الأتراك فِي بعض الحروب فَقَالَ فِي ذَلِك قصيدة مِنْهَا
(قد كنت أَهْوى بَان تأوي إلى نظري ... فَالْآن من لي بِجعْل الْقلب تابوتا)
(عذبتنى بالجفا وَقت الْحَيَاة وفي ... مماتك الْيَوْم قد أحرمتني القوتا)
(قتلت مِنْك غَدَاة الْحَالَتَيْنِ مَعًا ... حَيا وَمَيتًا فيا طول الجو هيتا)
(يازهرة قطفت من بَعْدَمَا بسمت ... وزهرة غربت مذ وافت الحوتا)
(لهفى على المقلة الكحلا الى قصرت ... عَن سحر نفثتها أسحار هاروتا)
وَله قصيدة كتبهَا إلى الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ينتصل فِيهَا عَمَّا ينْسب إليه من تفضيله للدولة التركية على الدولة القاسمية ومطلعها
(مَا شاقني سجع الحمامة ... سحراً وَلَا برق الغمامة)
وَكَانَ مَوته فِي دولة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم فِي سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ يفد اليه ويكرمه
(1/516)

353 - السَّيِّد عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني
قد تقدم تَمام نسبه ومولده على التَّقْرِيب بعد سنة 1130 وَله يَد فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد قَوِيَّة وَكَانَ مكباً طول عمره على المعارف العلمية وأفاده الطّلبَة حَتَّى شاخ وعلت سنة فَصَارَ عِنْد ذَلِك أَمِيرا لكوكبان وبلادها من غير سعي مِنْهُ فِي ذَلِك بل قَصده أَقَاربه بالإمارة وَذَلِكَ أنه اتفق أَن السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد أَمِير كوكبان وَهُوَ أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة مَاتَ فَصَارَت الإمارة بعده إلى وَلَده الأكبر الْعَبَّاس بن إبراهيم فنافسه على ذَلِك أخوه يحيى بن إبراهيم ومازال يترقب لَهُ الفرص حَتَّى صَادف مِنْهُ غرَّة وهم فِي دَار وَاحِدَة فَدخل عَلَيْهِ هُوَ وَجَمَاعَة مَعَه وضربوه ضرباً مبرحاً ثمَّ كتفوه وأخرجوه من دَاره على رُءُوس الأشهاد بعد أَن قيّدوه فَخرج مُقَيّدا مكتوفاً وَالنَّاس ينظرونه وسجنوه فِي دَار هُنَالك معدة لمثل ذَلِك ثمَّ إن أَخَاهُ يحيى الْمَذْكُور علم أَن أهل كوكبان لَا يفوضون الإمارة إليه وَفِيهِمْ صَاحب التَّرْجَمَة لعلو سنه فقصده وَعرض عَلَيْهِ الإمارة فقبلها وَكَانَت الأمور فِي أيام إمارته منوطة بالسيّد شرف الدَّين بن احْمَد الذي صَار بعد صَاحب التَّرْجَمَة أَمِيرا ثمَّ إن السادات وَسَائِر الأعيان أجمع أَمرهم على اعتقال السَّيِّد يحيى بن إبراهيم فِي الْيَوْم الثاني من اعتقاله لأخيه فعقدوا مَجْلِسا وَأَرْسلُوا للمذكور فجَاء وَبَين يَدَيْهِ الْجند وَعَلِيهِ أبهة الإمارة فكتفوه وقيدوه وأخرجوه كَمَا أخرجُوا أَخَاهُ وأدخلوه الدَّار الَّتِى أَدخل أَخَاهُ فِيهَا وَكَانَ ذَلِك من أعظم العبر وفي أثْنَاء هَذِه الأمور قتل السَّيِّد عبد الله بن إبراهيم وَكَانَ عِنْد اعتقال أَخِيه يحيى لاخيه عَبَّاس بشبام فَلَمَّا بلغه ذَلِك جمع جمَاعَة من أهل شبام وطلع بهم إلى كوكبان قَاصِدا لنصر أَخِيه عَبَّاس فلقي
(1/517)

فِي الطَّرِيق عَبَّاس بن مُحَمَّد بن يحيى وَهُوَ مِمَّن أعَان السَّيِّد يحيى بن إبراهيم على اعتقال أَخِيه بل لولاه ماتم ذَلِك فَلَمَّا رأى السَّيِّد عبد الله الْمَذْكُور السَّيِّد عَبَّاس بن مُحَمَّد فِي عقبَة كوكبان سلّ سَيْفه وَحمل عَلَيْهِ على دهش وطيش فوصل إليه وضربه بِالسَّيْفِ ضربة غير طائلة فاخذ السَّيِّد عَبَّاس ابْن مُحَمَّد الجنبية وطعنه بهَا طعنة كَانَ بهَا مَوته وَلم ينفع السَّيِّد عبد الله من مَعَه من الْجَيْش ثمَّ إن السَّيِّد عَبَّاس بن مُحَمَّد سجن بقصر صنعاء نَحْو سبع سِنِين وَصَحَّ عندي أَنه مدافع فأطلقه مَوْلَانَا الإمام حفظه الله وَأما صَاحب التَّرْجَمَة فاستمر على امارته حَتَّى مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال سنة 1207 سبع وَمِائَتَيْنِ وألف ثمَّ صَارَت الإمارة بعده إلى السَّيِّد شرف الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء المتوسعين فِي عدَّة فنون وَولده الْعَلامَة عبد الله قد سبقت تَرْجَمته
(1/518)

354 - عِيسَى بن مَسْعُود بن مَنْصُور بن يحيى بن يُونُس الزواوي المالكي
(1/519)

ولد سنة 664 أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بزواوة وتفقّه على أَبى يُوسُف الزواوي ثمَّ قدم الإسكندرية فتفقه بهَا ثمَّ رَجَعَ إلى قابس وَولى الْقَضَاء بهَا ثمَّ رَجَعَ إلى الإسكندرية ثمَّ دخل مصر فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّاس بالجامع الْأَزْهَر وَسمع من جمَاعَة مِنْهُم الدمياطي وَكَانَ يذكر أَنه حفظ مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي سِتَّة أشهر وَأَنه حفظ الْمُوَطَّأ ثمَّ دخل أَيْضا دمشق وناب عَن حاكمهما المالكي وَرجع إلى مصر وناب أَيْضا عَن حاكمها المالكي ثمَّ أعرض عَن ذَلِك وَأَقْبل على التصنيف فصنّف شرحاً لمُسلم فِي اثني عشر مجلداً جمع فِيهِ بَين الْمعلم وإكماله وَشرح النووي عَلَيْهِ وَسَماهُ إكمال الإكمال وَزَاد فِيهِ فَوَائِد ومسائل من كَلَام الْبَاجِيّ وَابْن عبد الْبر وَأبْدى فِيهِ سُؤَالَات مفيدة وَأجَاب عَنْهَا وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الفرعي فوصل إلى الصَّيْد فِي سَبْعَة أسفار وَشرح مُخْتَصر ابْن يُوسُف فِي سِتَّة أسفار وَله كتاب فِي الْمَنَاسِك ورد على ابْن تَيْمِية فِي مسئلة الطَّلَاق وَشرع فِي جمع تَارِيخ كتب مِنْهُ عشرَة أسفار وَمَات فِي مستهل رَجَب سنة 743 ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تمّ بِحَمْد الله وفضله
(1/520)

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة

غازان بن آرغون بن أبغابن هلا كو بن تولى بن جنكز خَان

السُّلْطَان معز الدَّين سُلْطَان التتار كَانَ جُلُوسه على تخت الْملك سنة 693 وَحسن لَهُ نايبه نوروز الْإِسْلَام فَأسلم في سنة 694 ونثر الذَّهَب وَالْفِضَّة واللؤلؤ على رُؤْس النَّاس وَفَشَا الْإِسْلَام فِي التتار وَكَانَ ملك خُرَاسَان بأسرها وَالْعراق وَفَارِس وَالروم وأذربيجان والجزيرة وَكَانَ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ وَيفهم أَكثر اللِّسَان العربي وَلما ملك أَخذ نَفسه بطرِيق جده الْأَعْلَى جنكزخان الطاغية الذي أهلك الْعباد والبلاد وَصرف همته إِلَى توفير الْعَسْكَر وسد الثغور وَعمارَة الْبِلَاد والكف عَن سفك الدِّمَاء وَلما أسلم قيل لَهُ إِن دين الْإِسْلَام يحرم نِكَاح نسَاء الْآبَاء وَقد كَانَ استضاف نسَاء أَبِيه إِلَى نِسَائِهِ وَكَانَ أحبهنَّ إِلَيْهِ خاتون وهي أكبر نسَاء أَبِيه فهم أَن يرْتَد عَن الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ بعض خواصه إِن أَبَاك كَانَ كَافِرًا وَلم تكن خاتون مَعَه في عقد صَحِيح إِنَّمَا كَانَ مسافحاً بهَا فاعقد أَنْت عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تحل لَك فَفعل
(2/2)

وَلَوْلَا ذَلِك لارتد عَن الْإِسْلَام وَاسْتحْسن ذَلِك من الذي أفتاه بِهِ لهَذِهِ الْمصلحَة بل هُوَ حسن وَلَو كَانَ تَحْتَهُ ألف امْرَأَة على سفاح فَإِن مثل هَذَا السُّلْطَان المتولي على أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام في إِسْلَامه من الْمصلحَة مَا يسوغ مَا هُوَ أكبر من ذَلِك حَيْثُ يُؤدى التحريج عَلَيْهِ والمشي مَعَه على أَمر الْحق إِلَى ردته فرحم الله ذَلِك الْمُفْتى وَكَانَ وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَمن قبله من الْمُلُوك يعدون أنفسهم نواباً لملك السراى فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ قدم غازان في الْملك تسمى بالخان وَقطع مَا كَانَ يحملهُ إِلَيْهِم من إتاوة وأفرد نَفسه بِالذكر وَالْخطْبَة وَضرب السِّكَّة باسمه وطرد نائبهم من بِلَاد الروم وَقَالَ أَنا أخذت الْبِلَاد بسيفي لَا بغيري وَكَانَ إِذا غضب خرج إِلَى الفضاء وَيَقُول إِن الْغَضَب إِذا خزنته زَاد فَإِن كَانَ جائعاً أكل أَو بعيد عهد بِالْجِمَاعِ جَامع وَيَقُول آفَة الْعقل الْغَضَب وَلَا يصلح للْملك من يتعاطى مَا يضر عقله وَأول مَا وَقع لَهُ الْقِتَال مَعَ نوروز بن أرغون الذي كَانَ حسن لَهُ الْإِسْلَام فَإِن نوروز خرج عَلَيْهِ فحاربه ثمَّ لجاء نوروز إِلَى قلعة خُرَاسَان ثمَّ إِن غازان قتل الأكراد الَّذين قَامُوا مَعَ نوروز وَكَانَ جملَة من قتل مِنْهُم في المعركة خمسين ألفاً وَأسر مِنْهُم أسراً كثيراً حَتَّى بيع الصبي الْجَمِيل الْمُرَاهق وَمن هُوَ أكبر مِنْهُ باثني عشر درهماً ثمَّ إِن غازان طرق الْبِلَاد الشامية في سنة 699 وَكَانَت ملحمة عَظِيمَة ظفر فِيهَا غازان وَدخل دمشق وخطب لَهُ بهَا واستمرت لَهُ الْخطْبَة أَيَّامًا وَحصل في تِلْكَ الْأَيَّام لأهل الشَّام من الْقَتْل وَسبي الْحَرِيم والذرية والتعذيب مَالا يُوصف بِسَبَب ماصودروا بِهِ من الْأَمْوَال وَهلك خلائق من الْعَذَاب والجوع ثمَّ رَجَعَ ثمَّ عَاد مرة أُخْرَى سنة 700 فأوقع بِبِلَاد حلب ثمَّ أرسل بعض أمرائه بالعساكر
(2/3)

إِلَى مصر فَوَقَعت على عسكرة كسرة عَظِيمَة وَقتل مِنْهُم من لَا يُحْصى وَكَانَ ذَلِك في سنة 703 وَلما بلغ ذَلِك غازان حصل لَهُ غم شَدِيد كَانَ سَبَب مَوته كَمَا قَالَ ابْن حجر فَمَاتَ في شهر شَوَّال سنة 703 ثَلَاث وَسَبْعمائة
قَالَ الذهبي كَانَ شَابًّا عَاقِلا شجاعاً مهيباً مليح الشكل مَاتَ وَلم يتكهل واشتهر أَنه سم في منديل يمسح بِهِ بعد الْجِمَاع فتعلل وَهلك انْتهى
وَقد امتحن أهل الشَّام بِهَذَا على رَأس الْقرن السَّابِع كَمَا امتحنوا هم وغالب بِلَاد الإسلام بجده الْأَعْلَى على رَأس الْقرن السَّادِس وكما امتحنوا بتيمورلنك على رَأس الْقرن الثَّامِن وَكلهمْ من التتار وَالْحكم لله الْقَادِر الْمُخْتَار
السَّيِّد غَالب بن مساعد شرِيف مَكَّة وأميرها

عِنْد تَحْرِير هَذِه الأحرف ولي الْإِمَارَة بعد أَبِيه مساعد أَخُوهُ سرُور ابْن مساعد الذي طَار صيته في الْآفَاق وَبلغ من الْمجد والسعي في أَعمال الْخَيْر وتأمين السبل مَا لم يبلغ إِلَيْهِ أحد من آبَائِهِ وَلَقَد كَانَت أَحَادِيث الوافدين لِلْحَجِّ إِلَى بَيت الله الْحَرَام تخبر عَنهُ بأخبار تسر الْقُلُوب وتشنف الأسماع وَتَروح الطباع وَكَانَ عَظِيم السطوة شَدِيد الصولة قامعاً للْفَسَاد رَاعيا لمصَالح الْعباد كثير الْغَزْو لمردة الْأَعْرَاب الَّذين يتخفطون النَّاس في الطرقات ثمَّ مَاتَ في شهر رَجَب سنة 1202 اثْنَتَيْنِ ومايتين وَألف وَقَامَ مقَامه أَخُوهُ عبد الْمعِين ثمَّ رغب عَن الْأَمر لصَاحب التَّرْجَمَة بعد أَيَّام يسيرَة من ولَايَته فَقَامَ بِهِ هَذَا أتم قيام وَهُوَ الْآن فِي سن الشَّبَاب حَسْبَمَا نَسْمَعهُ من الْحجَّاج وَله شغلة عَظِيمَة بِصَاحِب نجد عبد الْعَزِيز بن سعود المستولي الْآن على الْبِلَاد النجدية وَغَيرهَا مِمَّا هُوَ مجاور لَهَا وَكَثِيرًا مَا يجمع صَاحب التَّرْجَمَة
(2/4)

الجيوش ثمَّ يَغْزُو أَرض نجد فيصل أطرافها فيبلغنا أَنه يقوم لحربه طايفة يسيرَة من أَطْرَاف الْبِلَاد فيهزمونه وَيعود إِلَى مَكَّة وَآخر مَا وَقع مِنْهُ ذَلِك سنة 1212 فَإِنَّهُ جمع جَيْشًا كثيراً وغزا نجداً وأوقع بِبَعْض الْبِلَاد الراجعة إِلَى سُلْطَان نجد الْمَذْكُور فَلم يشْعر إِلَّا وَقد دهمه جَيش لَا طَاقَة لَهُ بِهِ أرْسلهُ صَاحب نجد فَهَزَمَهُ وَاسْتولى على غَالب جَيْشه قتلاً وأسرا بل جائت الْأَخْبَار بِأَنَّهُ لم يسلم من جَيش صَاحب التَّرْجَمَة إِلَّا طَائِفَة يسيرَة وَقتل جمَاعَة من أَشْرَاف مَكَّة في المعركة وتمت الْهَزِيمَة إِلَى مَكَّة وَلَو ترك ذَلِك واشتغل بِغَيْرِهِ لَكَانَ أولى لَهُ فَإِن من حَارب من لَا يقوى لحربه جرّ إِلَيْهِ الْبلوى فَإِن صَاحب نجد تبلغ عَنهُ قُوَّة عَظِيمَة لَا يقوم لمثلهَا صَاحب التَّرْجَمَة فقد سمعنَا أَنه قد استولى على بِلَاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بِلَاد الْحجاز وَمن دخل تَحت حوزته أَقَامَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَسَائِر شَعَائِر الْإِسْلَام وَدخل في طَاعَته من عرب الشَّام الساكنين مَا بَين الْحجاز وصعدة غالبهم إِمَّا رَغْبَة وَإِمَّا رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدَّين بعد أَن كَانُوا لَا يعْرفُونَ من الْإِسْلَام شَيْئا وَلَا يقومُونَ بشئ من واجباته إِلَّا مُجَرّد التَّكَلُّم بِلَفْظ الشَّهَادَتَيْنِ على مافى لَفظهمْ بهَا من عوج وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانُوا جَاهِلِيَّة جهلاء كَمَا تَوَاتَرَتْ بذلك الْأَخْبَار إِلَيْنَا ثمَّ صَارُوا الْآن يصلونَ الصَّلَوَات لأوقاتها ويأتون بِسَائِر الْأَركان الإسلامية على أبلغ صفاتها وَلَكنهُمْ يرَوْنَ أَن من لم يكن دَاخِلا تَحت دولة صَاحب نجد وممتثلاً لأوامره خَارج عَن الْإِسْلَام وَلَقَد أخبرني أَمِير حجاج الْيمن السَّيِّد مُحَمَّد بن حُسَيْن المراجل الكبسي أَن جمَاعَة مِنْهُم خاطبوه هُوَ وَمن مَعَه من حجاج الْيمن بِأَنَّهُم كفار وَأَنَّهُمْ غير معذورين عَن الْوُصُول إِلَى
(2/5)

صَاحب نجد لينْظر فِي إسْلَامهمْ فَمَا تخلصوا مِنْهُ إِلَّا بِجهْد جهيد وَقد صَارَت جيوش صَاحب نجد في بِلَاد يام وفي بِلَاد السراة المجاورين لبلاد أبي عَرِيش وَمن تبعه من هَذِه الْأَجْنَاس اغتبط بمتابعته وَقَاتل من يجاوره من الخارجين عَن طَاعَته فَبِهَذَا السَّبَب صَار مُعظم تِلْكَ الْبِلَاد رَاجعا إِلَيْهِ وتبلغنا عَنهُ أَخْبَار الله أعلم بِصِحَّتِهَا من ذَلِك أَنه يسْتَحل دم من اسْتَغَاثَ بِغَيْر الله من نبي أَو ولي وَغير ذَلِك وَلَا ريب أَن ذَلِك إِذا كَانَ عَن اعْتِقَاد تَأْثِير المستغاث كتأثير الله كفر يصير بِهِ صَاحبه مُرْتَدا كَمَا يَقع فى كثير من هَؤُلَاءِ المعتقدين للأموات الَّذين يَسْأَلُونَهُمْ قَضَاء حوائجهم ويعولون عَلَيْهِ زِيَادَة على تعويلهم على الله سُبْحَانَهُ وَلَا ينادون الله جل وَعلا إِلَّا مقترناً بِأَسْمَائِهِمْ ويخصونهم بالنداء منفردين عَن الرب فَهَذَا أَمر الْكفْر الذى لَا شكّ فِيهِ وَلَا شُبْهَة وَصَاحبه إِذا لم يتب كَانَ حَلَال الدَّم وَالْمَال كَسَائِر الْمُرْتَدين وَمن جملَة مَا يبلغنَا عَن صَاحب نجد أَنه يسْتَحل سفك دم من لم يحضر الصَّلَاة في جمَاعَة وَهَذَا إِن صَحَّ غير مُنَاسِب لقانون الشَّرْع نعم من ترك صَلَاة فَلم يَفْعَلهَا مُنْفَردا وَلَا في جمَاعَة فقد دلت أَدِلَّة صَحِيحَة على كفره وعورضت بِأُخْرَى فَلَا حرج على من ذهب إِلَى القَوْل بالْكفْر إِنَّمَا الشَّأْن في استحلال دم من ترك الْجَمَاعَة وَلم يَتْرُكهَا مُنْفَردا وتبلغ أُمُور غير هَذِه الله أعلم بِصِحَّتِهَا وَبَعض النَّاس يزْعم أَنه يعْتَقد اعْتِقَاد الْخَوَارِج وَمَا أَظن ذَلِك صَحِيحا فَإِن صَاحب نجد وَجَمِيع أَتْبَاعه يعْملُونَ بِمَا تعلموه من مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَكَانَ حنبليا ثمَّ طلب الحَدِيث بِالْمَدِينَةِ المشرفة فَعَاد إِلَى نجد وَصَارَ يعْمل باجتهادات جمَاعَة من متأخرى الْحَنَابِلَة كَابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وأضرابهما وهما من أَشد النَّاس على معتقدى الْأَمْوَات وَقد رَأَيْت كتابا من صَاحب
(2/6)

نجد الذى هُوَ الْآن صَاحب تِلْكَ الْجِهَات أجَاب بِهِ على بعض أهل الْعلم وَقد كَاتبه وَسَأَلَهُ بَيَان مَا يَعْتَقِدهُ فَرَأَيْت جَوَابه مُشْتَمِلًا على اعْتِقَاد حسن مُوَافق للْكتاب وَالسّنة فَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال
وَأما أهل مَكَّة فصاروا يكفرونه ويطلقون عَلَيْهِ اسْم الْكَافِر وبلغنا أَنه وصل إِلَى مَكَّة بعض عُلَمَاء نجد لقصد المناظرة فناظر عُلَمَاء مَكَّة بِحَضْرَة الشريف في مسَائِل تدل على ثبات قدمه وَقدم صَاحبه فِي الدَّين وفي سنة 1215 وصل من صَاحب نجد الْمَذْكُور مجلدان لطيفان أرسل بهما إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله أَحدهمَا يشْتَمل على رسائل لمُحَمد بن عبد الْوَهَّاب كلهَا في الْإِرْشَاد إِلَى إخلاص التَّوْحِيد والتنفير من الشرك الذي يَفْعَله المعتقدون فِي الْقُبُور وهي رسائل جَيِّدَة مشحونة بأدلة الْكتاب وَالسّنة والمجلد الآخر يتَضَمَّن الرَّد على جمَاعَة من الْمُقَصِّرِينَ من فُقَهَاء صنعاء وصعدة ذاكروه في مسَائِل مُتَعَلقَة بأصول الدَّين وبجماعة من الصَّحَابَة فَأجَاب عَلَيْهِم جوابات محررة مقررة مُحَققَة تدل على أَن الْمُجيب من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين العارفين بِالْكتاب وَالسّنة وَقد هدم عَلَيْهِم جَمِيع مَا بنوه وأبطل جَمِيع مَا دونوه لأَنهم مقصرون متعصبون فَصَارَ مَا فَعَلُوهُ خزياً عَلَيْهِم وعَلى أهل صنعاء وصعدة وَهَكَذَا من تصدر وَلم يعرف مِقْدَار نَفسه وَأرْسل صَاحب نجد مَعَ الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين بمكاتبة مِنْهُ إِلَى سيدي الْمولى الإِمَام فَدفع حفظه الله جَمِيع ذَلِك إِلَى فأجبت عَن كِتَابه الذي كتب إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله على لِسَانه بِمَا مَعْنَاهُ أَن الْجَمَاعَة الَّذين أرْسلُوا إِلَيْهِ بالمذاكرة لَا ندري من هم وَكَلَامهم يدل على أَنهم جهال وَالْأَصْل وَالْجَوَاب مَوْجُود ان في مجموعي وَفِي سنة 1217 دخلت بِلَاد أَبى عَرِيش وأشرافها في طَاعَة
(2/7)

صَاحب نجد ثمَّ تزلزلت الديار اليمنية بذلك وَاسْتولى أَصْحَابه على بعض ديار تهَامَة وَجَرت أُمُور يطول شرحها وَهِي الْآن في سريان وَقد أفردت مَا بلغنَا من ذَلِك في مُصَنف مُسْتَقل لِأَن هَذِه الْحَادِثَة قد عَمت وطمت وارتجفت لَهَا أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية بل وَسَائِر الديار لَا سِيمَا بعد دُخُول أَصْحَاب النجدي مَكَّة المشرفة وطرد أَشْرَافهَا عَنْهَا وَللَّه أَمر هُوَ بالغه
ثمَّ في سنة 1222 وصل إِلَيْنَا جمَاعَة من صَاحب نجد سعود بن عبد الْعَزِيز لبَعْضهِم معرفَة في الْعلم وَمَعَهُمْ مكاتيب من سعود إِلَى الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه رَحمَه الله تَعَالَى وَإِلَى أَيْضا ثمَّ وصل جمَاعَة آخَرُونَ كَذَلِك فِي سنة 1227 ثمَّ وصل جمَاعَة آخَرُونَ كَذَلِك في سنة 1228 وَدَار مَعَ هَؤُلَاءِ الواردين وَمَعَ غَيرهم من الْمُكَاتبَة مَالا يَتَّسِع الْمقَام لبسطه ثمَّ بعد هَذَا في سنة 1229 خرج باشة مصر الباشا مُحَمَّد علي بِجُنُود السُّلْطَان وَوصل إِلَى مَكَّة وَأسر الشريف غَالب وجهزه إِلَى الروم ثمَّ بلغ مَوته هُنَالك وَهَذَا عَارض من القَوْل فلنرجع إِلَى تَرْجَمَة الشريف غَالب فَنَقُول
وَمِمَّا ينبغي ذكره هَهُنَا أَنه وصل من الشريف الْمَذْكُور في عَام تَحْرِير هَذَا الأحرف وَهُوَ سنة 1213 في شهر رَجَب مِنْهَا كتاب إِلَى مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله يتَضَمَّن الْإِخْبَار بالرزية الْعُظْمَى والمصيبة الْكُبْرَى والبلية الَّتِى تبكي لَهَا عُيُون الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وهي اسْتِيلَاء طَائِفَة من الفرنج يُقَال لَهُم الفرنسيس على الديار المصرية جَمِيعهَا ووصولهم إِلَى الْقَاهِرَة وحكمهم على من بِتِلْكَ الديار من الْمُسلمين وَهَذَا خطب لم يصب الْإِسْلَام بِمثلِهِ فان مصر مَا زَالَت بأيدى
(2/8)

الْمُسلمين مُنْذُ فتحت فِي زمن عمر بن الْخطاب رضي الله عَنهُ إِلَى الْآن وَلم نجد فِي شئ من الْكتب التاريخية مَا يدل على أَنه قد دخل مَدِينَة مصر دولة كفرية والإفرنج الَّذين وصلوا إِلَيْهَا فى أَيَّام العاضد ووزيره شاوور وَكَذَلِكَ الَّذين وصلوا إِلَيْهَا فِي دولة بنى أَيُّوب لم يدخلُوا مَدِينَة مصر بل غَايَة مَا بلغُوا إِلَيْهِ دمياط وَنَحْوهَا وَمَا زَالَت تِلْكَ الْمَدِينَة وَسَائِر بلادها محروسة عَن الدول الكفرية فَإِن التتار دوخوا جَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام وَلم يسلطهم الله على مصر بل عَادوا عَنْهَا خائبين مقهورين مهزومين وَكَذَلِكَ تيمورلنك مَعَ تدويخه لسَائِر الممالك لم يُسَلط عَلَيْهِم وَالله ينصر الْإِسْلَام وَأَهله وَأرْسل الشريف في طي كِتَابه بِكِتَاب من سُلْطَان الروم ثمَّ بعد ذَلِك وصل من الشريف كتاب فِيهِ التبشير باستيلاء الْمُسلمين على من بِالْقَاهِرَةِ فضلاً عَن الَّذين مِنْهُم بِسَائِر الأقطار المصرية وبالإسكندرية وَسَنذكر هَهُنَا كتاب السُّلْطَان ثمَّ كتاب الشريف الأول ثمَّ كِتَابه الثاني ثمَّ الْجَواب من مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله تكميلاً للفائدة وتبييناً للقضية فَإِنَّهَا من الْحَوَادِث الْعَظِيمَة الَّتِى ينبغي التَّعْرِيف بهَا والإعلام بشأنها فَلفظ كتاب السُّلْطَان ملك الروم إِلَى شرِيف مَكَّة غَالب بن مساعد هَكَذَا
وَبعد فَهَذَا مرسومنا المبجل الشريف وخطابنا الْمُعظم المنيف لَا زَالَ نَافِذا بعون الله في سَائِر الأرجاء والأقطار مَا دَامَ الْفلك الدوار أصدرناه مَبْنِيا على نظيم فرائد التَّحِيَّة وَالتَّسْلِيم ومنصوباً على قلائد التبجيل والتكريم محتوياً على قَوَاعِد صِيَانة الدَّين مؤكداً لمعاقد حماية سنَن سيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
أصدرنا إِلَى عالي جناب الْأَمِير الأمجد المبجّل الْأَجَل الأوحد
(2/9)

المقتفي آثَار أسلافه الْأَشْرَاف من آبَائِهِ الغرّ صَنَادِيد آل عبد منَاف وأجداده السعيدي السير الجميلي الْأَوْصَاف فرع الشَّجَرَة الزكية النَّبَوِيَّة طراز الْعِصَابَة العلوية المصطفوية قُرَّة عين الزهراء البتول المحفوف بصنوف عواطف الْملك الْمَاجِد حَالا شرِيف مَكَّة المشرفة الشريف غَالب بن مساعد لَا زَالَت الْعِنَايَة الربانية لَهُ مُلَاحظَة والكلاية الصمدانية عَلَيْهِ حافظة
وإلى قدوة الْعلمَاء وعمدة الْفُضَلَاء نَائِب مَكَّة المشرفة وكافة السادات الْأَشْرَاف الأجلاء الميامين ومفاتي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة المحترمين ووجوه كَافَّة الْمُسلمين من ساكني بلد الله الْأمين من حَاضر وباد وفقهم الله إِلَى سَبِيل الرشاد
يحيطون علماً أَن طَائِفَة كفار الفرانسة جعل الله دِيَارهمْ دارسة وأعلامهم ناكسة قد نقضوا العهود وخانوا مواثيق المعبود وَخَرجُوا من أطور الْحُدُود وهجموا على بدوان مصر وسكانها على حِين غَفلَة من أَهلهَا فملكوا الْبِلَاد وأفشوا الْكفْر وَالْفساد وخاضوا بَحر الضلال والطغيان وتحشدوا تَحت راية الشَّيْطَان وَتمكن البغي في أحشائهم وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لَا حَاكم يردعهم وَلَا دين واعتقاد يجمعهُمْ يعدون النهب غنيمَة والنميمة أكمل شِيمَة قد اتفقت آراؤهم وارتبطت أشوارهم على الهجوم على سَائِر بلدان الْمُسلمين وأقطار عباد الله الْمُوَحِّدين بِأَن أهل الْإِسْلَام قويين وَلَهُم مزِيد الصلابة في الدَّين فَإِذا وصلنا أقطارهم وحللنا دِيَارهمْ فالضعيف مِنْهُم نباشره بِالْحَرْبِ وَالضَّرْب وَالْقَتْل والنهب والقوى مِنْهُم ننصب لَهُ شرائك الْمَكْر والحيل حَتَّى تطمئِن
(2/10)

خواطرهم وتأمن ضمائرهم إِلَى أَن يقعوا فِي أشراكنا ونعمل فيهم مَا شِئْنَا من مقاصدنا ونلقي بَين سَائِر الْمُسلمين المكايد الْخفية بِالْفَسَادِ لإيقاع الْعَدَاوَة المباينة للاتحاد فِي أَحْوَالهم وأديانهم وَلم يعلمُوا لعنهم الله أَن الْإِسْلَام مغروس فِي قُلُوبنَا وَالْإِيمَان ممزوج بلحمنا ودمنا أكفر بعد إِيمَان أضلال بعد هدى كلا وَرب الأَرْض وَالسَّمَاء رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وخصوصاً فِي طوائف الْعَرَب لنبلغ فيهم أقْصَى مرام وأعزّ مطلب ونبذل الْجهد فِي تَخْرِيج الرعايا من الْإِسْلَام عَن طَاعَة من ولي عَلَيْهِم من الْحُكَّام حَتَّى يكون لنا الصولة الْعُظْمَى ويصيرون الْجَمِيع لنا مغنماً فَيَنْقَطِع بذلك سلك نظامهم وينفصم عقد انتظامهم فنملك حِينَئِذٍ رقابهم وَأَمْوَالهمْ فَإِن الْعَرَب أسْرع مَا يستولي على دِيَارهمْ لتفرقهم فِي أَوْدِيَتهمْ من أقطارهم وغفلتهم عَن حزم أَحْوَالهم فَإِن أعظم مَا يشتت جموع الْإِسْلَام ويفل حد سنانهم عَن الانتظام هدم قبلتهم وَحرق مَسَاجِدهمْ فَإِذا ظفرنا بأقطارهم وهدمت كعبتهم وَمَسْجِد نَبِيّهم وَبَيت مقدس عزهم انْقَطع أملهم وتفرق شملهم وملكنا دِيَارهمْ فَإِن الْأُمُور لَا يُدْرِكهَا إِلَّا اتِّفَاق الْجُمْهُور فنقتل جَمِيع رِجَالهمْ وَمن يعقل من صبيانهم فَحِينَئِذٍ نقتسم دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ وأملاكهم ونحول بَقِيَّة النَّاس إِلَى أصولنا وقواعدنا ولساننا وَدِيننَا فبه يمحى الْإِسْلَام وقواعده وشرائعه ويندرس رسومه وآثاره من وَجه الأَرْض من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها وعربها وعجمها
فَهَذَا مَا اتّفق رأى الفرنسيس اللعين من سوء الْمَقَاصِد في الْمُسلمين جعل الله دَائِرَة السوء عَلَيْهِم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ صرفاً وَلَا نصرا وَنَرْجُو الله
(2/11)

أَن يعاملهم بعدله فِي قَوْله وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله فَهَذَا حَال الفرانسة فِي إلحادهم وجدالهم وعنادهم وَمَا اقْتَضَاهُ فَاسد اجتهادهم يُرِيدُونَ ليطفؤا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ فَكيف لَا يكون فرضاً على كل أحد من مُسلم موحد أَن يشمر عَن ساعد الْجد ويبذل نَفسه وَمَاله في مرضاة الْوَاحِد الْفَرد ويمتثل قَول أصدق الْقَائِلين سارعوا إلى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين وَيكون رابحاً فِي بَيْعه عَن الخسران مُسْتَبْشِرًا ببذل نَفسه في سَبِيل الرَّحْمَن لقَوْله إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فى سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الْبَينَات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المروية عَن الثِّقَات مِمَّا يحث على نصْرَة الدَّين ويلم شعث الْمُوَحِّدين فَالْآن يَا شرِيف مَكَّة وَيَا سَادَات الْأَشْرَاف وقادات الْعَرَب وحماة الدَّين وكماة الْمُسلمين وغزاة الْمُوَحِّدين وأبطال الحروب الماحين بصوارم عزمهم عَن الدَّين ظلام الكروب يَا رجال الغارات وَيَا أَرْكَان الشَّرِيعَة والعبادات وَيَا حفظَة الدَّين والأمانات وَيَا باذلين النُّفُوس عِنْد انتهاك الحرمات وَيَا كَافَّة إِخْوَاننَا في الدَّين وَالَّذين هم لشريعة رَبهم ناصرين البدار البدار إِلَى طَاعَة الْملك الْغفار لمحافظة قبلتكم ومحتد نَبِيكُم منشأ الْإِسْلَام وَمَسْجِد نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومواطن مضاعفة عبادتكم من ساحة بَيت الله الْحَرَام فالغيرة الْغيرَة وَالْحمية الحمية من صولة أَعدَاء الدَّين الَّذين هم عَن كل مِلَّة فارقين ولكتب رسل الله مكذبين فشدوا عزائمكم للقائهم
(2/12)

واحفظوا جهاتكم وسواحلكم ومنافذ بلدانكم وسارعوا إِلَى الرِّبَاط إِلَى حُدُود الْكَفَرَة اللئام ببندر جدة وينبع وَمَا والا هما مِمَّا فِيهِ صِيَانة الْمُسلمين وَحفظ أَعْرَاض الْمُوَحِّدين وَكُونُوا عباد الله إخْوَانًا وَلَا تنازعو فتفشلوا وَفِي سَبِيل الله أَنْفقُوا وتجملوا وَكُونُوا كلمتكم وَاحِدَة وَأَيْدِيكُمْ متناصرة ولتكن سُيُوفكُمْ بارقة وسهامكم راشقة وأسنتكم في الطعْن متلاحقة ومدافعكم صَاعِقَة ونبالكم إِلَى أفئدتهم متسابقة ولتقصدوا بذلك إعلاء كلمة الدَّين والذب عَن بَيت الله وَمَسْجِد رَسُول الله وَنَرْجُو الله أَنكُمْ مؤيدون بنصر الله محفوظون بروحانية رَسُول الله وَلَا يكون لكم تخلف عَن ذَلِك وَلَا تراخ في حفظ تِلْكَ المسالك وَنحن في طرف السلطنة السّنيَّة ننشر رايتنا الْعلية فبحول الله وقوته وباهر عَظمته تملكهم عساكرنا المنصورة وتقطعهم سُيُوفنَا الْمَشْهُورَة وَقد سيّرنا عَلَيْهِم شجعاناً لَا يبالون بِالْمَوْتِ لإعلاء كلمة الدَّين وغزاة يقتحمون على النَّار محبَّة فِي دين الله فنتعقب بقدرة الله أدبارهم
لَعَلَّ الله يرزقنا هلاكهم ودمارهم فنجعلهم إِن شَاءَ الله هباءً منثوراً كَأَن لم يَكُونُوا شَيْئا مَذْكُورا
فبادروا أَيهَا الْمُسلمُونَ إِلَى الرِّبَاط بجدة وينبع وَمن تخلّف فقد عصى الله وَخَالف أمرنَا فَإِن ذَلِك أمرنَا إِلَيْكُم وحتمنا عَلَيْكُم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون
واستجلبوا صَالح الدَّعْوَات من عجازكم وصالحيكم وأفاضلكم عِنْد الْبَيْت الْحَرَام
وَقد قَالَ تَعَالَى انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُؤْمِنُونَ كالبنيان يشد بَعضهم بَعْضًا
وَهَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا فريقاً من الَّذين أُوتُوا الْكتاب
(2/13)

يردوكم بعد إيمَانكُمْ كَافِرين وَكَيف تكفرون وَأَنْتُم تتلى عَلَيْكُم آيَات الله وَفِيكُمْ رَسُوله وَمن يعتصم بِاللَّه فقد هدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تسود وُجُوه وتبيض وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم ففي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلماً للْعَالمين وَللَّه مَا في السَّمَوَات وَمَا فى الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيراً لَهُم مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ لن يضروكم إِلَّا أَذَى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يولوكم الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباءوا بغضب من الله ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون
فالبدار البدار إِلَى مَا أمرناكم من الرِّبَاط والحذار والحذار من خلاف ذَلِك هَذَا مَا انْتهى أمرنَا إِلَيْكُم لَا زلتم موفقين بعون الْملك الْمعِين وَصلى الله على
(2/14)

سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم انتهى كتاب السُّلْطَان لَا برح فِي حماية الْملك الديَّان
وَهَذِه صُورَة كتاب مَوْلَانَا شرِيف مَكَّة غَالب بن مساعد
إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله وفي طيه كتاب السُّلْطَان السَّابِق ذكره وَلَفظ كتاب الشريف
الْحَمد لله الذي كل يَوْم هُوَ في شَأْن وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد ولد عدنان وعَلى آله الطاهرين وَصَحبه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدَّين ثمَّ نهدي مزِيد سَلام نَشأ من خَالص الْفُؤَاد وأعرب عَن صدق الْمحبَّة والاتحاد مَعَ تحيّات طَابَ نشرها من المآثر الْعِظَام وَبَيت الله الْحَرَام
وزمزم وَالْمقَام إِلَى الحضرة الباهرة المنصورية والعقوة الزاهرة الهاشمية والسدة الْعلية العلوية ساحة الْخلَافَة اليمنية وَاسِطَة نظام السَّادة الحسنية الجناب العالي الْكَرِيم والمآب الغالي الوسيم أخينا الأكرم وعالي الهمم الإِمَام ابْن الإِمَام حَضْرَة الإِمَام الْمَنْصُور وَفقه الله لصلاح الْجُمْهُور وَلَا زَالَت الْعِنَايَة الربانية لَهُ مُلَاحظَة والكلاية الصمدانية عَلَيْهِ حافظة آمين بجاه سيد الْمُرْسلين وَبعد إهداء شرِيف السَّلَام وإسداء وَاجِب التَّحِيَّة وَالْإِكْرَام فالسؤال عَن حالكم كثير لموجب مالكم عندنَا من جميل الوداد الوافر وَإِن سَأَلْتُم عَنَّا فنحمده سُبْحَانَهُ على جزيل فَضله وعظيم أمتنانه طيبين بِخَير وعافية ونعمة من الْمولى وافية والذي نبديه إِلَى مسامعكم الْعلية وأفهامكم الزكية من الْأُمُور الْحَادِثَة فِي الْوُجُود
وجزيل أَحْكَام الْملك المعبود لموجب احْتِيَاج أهل الْإِسْلَام إِلَى الترفهات عَن نهج المهام وَترك حزم الْأُمُور وغفلتهم عَن حفظ الثغور حَتَّى صَار
(2/15)

مَا صَار من شرذمة أهل البغي وَالْإِنْكَار من التهجم على بِلَاد أسكندرية ومصر الْقَاهِرَة بِجُنُود من الْبَحْر على سفاين متواترة وهم طَائِفَة من جُمْهُور الفرانسة وَالْملَّة الباغية الَّتِى بِفضل الله أعلامهم ناكسة لمشاهدتهم فى أَحْوَال الْمُسلمين ترك الثغور عَن التحصين فَهَجَمُوا على تِلْكَ الْبِلَاد فَلم يَجدوا لجامحهم مدافع وَلَا راد
فافسدوا كَافَّة من بجوارها من العربان بأنواع السياسة الموهمة بِأَنَّهُم من طَائِفَة السُّلْطَان وأبرزوا للبوادي كتبا مزورة بِأَلْفَاظ عَرَبِيَّة بتعظيم الله وَرَسُوله مصدرة حَتَّى انقادوا لَهُ بِالطَّاعَةِ ظناً مِنْهُم بِأَنَّهُم من جنود الدولة المطاعة وَلَيْسَ يخفى عَلَيْكُم حَال البوادي الطغام الَّذين لَا يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام فسلكو بهم الطَّرِيق وصاروا للْمُشْرِكين أعظم مساعد وأعز رَفِيق فَجرى قدر رَبنَا سُبْحَانَهُ باستدراج جند الشَّيْطَان أَرْبَاب الْخِيَانَة بتملكهم للقاهرة ودخولهم إِلَى مصر بِحِكْمَتِهِ الباهرة فلاراد لقضائه وَلَا محيص عَمَّا ارْتَضَاهُ فَهُوَ الْملك الْمُخْتَار وَله المشية فِيمَا يخْتَار فَحِينَئِذٍ بلغ ذَلِك الْخَبَر حَضْرَة سُلْطَان الْإِسْلَام أدحض الله بصوارم سطوته جنود اللئام فَجهز عَلَيْهِم من أبطال الأجناد مَا يعجز عَن حصره جموع الْأَعْدَاد وسير عَلَيْهِم من جيوش الْإِسْلَام ووزرائه الْعِظَام وَجعل مقدمهم الْوَزير الشهير الجزار أَحْمد باشا بلغه الله من الْخَيْر ماشا
فاجتمعت عَلَيْهِ طوائف العربان وتحشدت تَحت رايته كَافَّة أهل الْإِيمَان وهرع إِلَى جهادهم الْمُسلمُونَ من كل مَكَان حَتَّى أقطارنا الحرمية ظَهرت منا للْجِهَاد سَبْعَة آلَاف يردون في طَاعَة الله موارد الْمَوْت والإتلاف وَنَرْجُو الْعَظِيم من فَضله العميم أَن يُؤَيّد بالنصر أجناد الْمُوَحِّدين ويبدد بالقهر شَمل الْكَفَرَة الْمُلْحِدِينَ
(2/16)

وَالْحَمْد الله قد وَردت إِلَيْنَا الْأَخْبَار بتضايق حَال الْمُشْركين من الْحصار لتزاحف جنود أهل الْإِسْلَام وإحاطتهم بِجَمِيعِ المنافذ المصرية والمسام فانتظم أَمر التَّجْهِيز وانتدب لنصرة الْإِسْلَام كل ذليل وعزيز ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عَزِيز وفى هَذَا الأوان ورد الينا هَذَا الفرمان الصَّادِر إليكم مِنْهُ صُورَتَانِ الْمُعْلن بدواعي الْفَلاح والمحرض لكافة الْمُسلمين على مَا يُرْجَى مِنْهُ النجاح من استعداد الْقُوَّة للمصادمة والكفاح
كَمَا هُوَ متحتم على أهل الْإِسْلَام خُصُوصا فى مثل هَذِه الْأَيَّام
وَمن أعظم الشيم والمروءة امْتِثَال قَول الله تَعَالَى وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة فبذل غَايَة المجهود لمحافظة الثغور وتحصين الْحُدُود والمرابطة في بلدان السواحل والذبّ على الْأَدْيَان بِسَهْم المرامي وبيض الصواهل
أَمر محتوم على كَافَّة مُلُوك الْإِسْلَام وَسَائِر الْقَبَائِل
فوصلكم صُورَة الْأَمر الشريف وَالْخطاب المنيف وَمَا الْقَصْد من إرساله إِلَّا تنبيهكم لحفظ الْبِلَاد
والتحذير من ارباب الْكفْر والعناد
كَمَا هُوَ مُصَرح فِي الفرمان السلطاني من ذكر مكايد الْكَفَرَة فى جَمِيع المغانى وَلَا يعزب عَن فهمكم الثاقب أَن مُلُوك الروم أحس بِمَا يبْنى الْكَفَرَة أُمُورهم من المعاطب فحثوا على المرابطة جَمِيع الْمُسلمين
وقووا ثغور بلدانكم بالتحصن الرصين من الْبُنيان وتشييد بروج المناتق بدوى الْبَأْس من الفتيان فإن بَحر الْهِنْد تجري فِيهِ سفاينهم وَقد ظَهرت فِيهِ بِأحد المواسم ضرايرهم فَيجب بن عَزِيز جنابكم كَمَال التحري لدفع مفاسدهم والاستعانة بِاللَّه تَعَالَى في إدحاض مكايدهم
وَمن آكد اللوازم نشر هذَيْن الفرمانين في كَافَّة أقطار أوامركم وأقصى مَا يحادد بلدانكم ومحاكمكم
هَذَا مَا عَن
(2/17)

لنا بِهِ الْأَخْبَار
لَا زلتم فِي كلاية الْملك الستار
وَإِن شَاءَ الله عَن قريب نفيدكم بمسرة نصْرَة الْإِسْلَام
فالمرجو من جنابكم عدم إخراجنا من الضَّمِير الْمُنِير
بأسنى صِحَة اخباركم لَا سِيمَا تفيدوا بِمَا تجدد وَحدث وبلغكم من الْإِعْلَام وَالْأَخْبَار
ودمتم سَالِمين وبعين عناية الله ملحوظين
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم
انْتهى كتاب الشريف عافاه الله
وَهَذِه صُورَة كتاب آخر وصل من الشريف غَالب بن مساعد حماه الله

بعد وُصُول الْكتاب الأول وَلَفظه
نهدي سَلاما أعبق الْكَوْن شذاه وأخجل الْبَدْر بِحسن طلعته ورياه وتحيات مَكِّيَّة الأرج مَدَنِيَّة المدد تحمل النَّصْر والفرج إِلَى جناب مَعْدن الْخلَافَة العلوية ومنبع الكمالات الحسنية وطراز عِصَابَة الهواشم وصفوة القادة الفواطم من دَانَتْ لَهُ رِقَاب الفراعنة فى أفطاره وخضعت لَهُ رُؤْس الأكابر في جَمِيع أمصاره ذي الْأَخْلَاق الرضية وَالشَّمَائِل المرضية المنظور بِعَين عناية الله الْمُبين والمنصور بسلطانه في كل حِين أخينا وعزيزنا الإِمَام ابْن الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين أدام الله لَهُ الإقبال وبلغه بجاه جده الآمال
وَبعد فباعث تحريره وَمُوجب تنميقه وتصديره حمد الله سُبْحَانَهُ على نعمه وآلائه ومننه ونعمائه وَالسُّؤَال عَن جنابكم والتفحص عَن أخباركم بإعلان الدُّعَاء وتبيان صدق الْوَفَاء
وَثَانِيا غير خافي جنابكم أَنه قبل هَذَا صدر منا إليكم كتاب بإخبار حوادث الْمُشْركين بِمصْر وَصُورَة جَمِيع مَا ورد الينا من الْخطاب الْمُعْلن بنصح مضمونه نهج الصَّوَاب وَله الْحَمد سُبْحَانَهُ على جزيل فَضله وعظيم امتنانه الذي أعَان على الْحق أعوانه بنصر عباده
(2/18)

الْمُسلمين وَتَمام إحسانه والذي نبديه إِلَى مسامعكم الزكية
أَنه ورد الينا يَوْم تَارِيخه نجاب من جَانب مصر ببشاير النَّصْر وأهنأ الْخطاب
وَذَلِكَ أَن أَمِير الْجُمْهُور الفرنساوي اللعين جمع كَافَّة أَعْيَان رعايا مصر الْمُسلمين وَضبط عَلَيْهِم جَمِيع الْبيُوت والحارات
وَحط على كل بَيت من الْمُسلمين شَيْئا من المبالغ والبليصات بِحَيْثُ لَا طَاقَة لأهل الْإِسْلَام على تَسْلِيم مَا فرض عَلَيْهِم من الْجور الْعَام وَقد حدد عَلَيْهِم جمع تِلْكَ الْأَمْوَال فِي نهارين
وواعد من لم ينجز وعده بِالْهَلَاكِ والشين
فَخرج من عِنْده الْمُسلمُونَ فِي حيرة واجتمعو في أماكنهم لأجل التشاور والبصيرة فألهم الله قُلُوبهم الإسلامية ووفق حميد آرائهم الإيمانية بالهجوم من كل جَانب على الْمُشْركين
وبذلوا نُفُوسهم لمرضاة رب الْعَالمين فَخرجت كَافَّة رعايا الْمُسلمين من منازلها وهجمت على الْمُشْركين في أماكنها وَصَارَ الْجِهَاد خلال بُيُوتهم والقتال في مجامع الْمُشْركين ودورهم وابتهجت مصابيح وُجُوه الْإِسْلَام وسطعت صوارم سيوفهم فِي أَعْنَاق الْكَفَرَة اللئام
وأيد الله جنود الرعايا الْمُسلمين بعظمته الباهرة
وَأهْلك بسيوفهم كَافَّة الْمُشْركين بِالْقَاهِرَةِ
وَكَانَ ذَلِك يَوْم حادي عشر جُمَادَى الأولى وَله الْحَمد في الْآخِرَة وَالْأولَى
فَأرْسلت الرعايا المنصورين نجاجيب الرّعية لأمراء مصر المخدمين
وَكَانَ أقربهم بمسيرة يَوْم عَن الجلاد محبنا الْأَمِير مُرَاد فَفَزعَ بكافة من حوله من العشائر والأجناد وَدخل بِلَاد مصر يَوْم ثانى عشر شهر جماد
ظفر بقتل من بقي من الْكفَّار
وانتظم شَمل الْمُسلمين بصفاء الدَّار
فَللَّه مزِيد الْحَمد وَالثنَاء
على تِلْكَ المسرة والهناء فلقصد مسرتكم على الْفَوْر حررنا هَذَا الرقيم
لحُصُول الْخَبَر على نصر الْمُسلمين
(2/19)

القويم
هَذَا مَا عَن لنا بِهِ اخباركم لَا زلتم في حفظ مولاكم ودمتم سَالِمين وَمهما تجدد عرّفناكم وَمَا حدث تعرّفونا بِهِ وَتَكون الْأَخْبَار بَيْننَا غير مُنْقَطِعَة هَذَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم قَالَ حرر في خَامِس شهرنا جماد سنة 1213 ثمَّ قَالَ عقيب هَذَا مالفظه وَلَا يخفاكم من حَال داواتنا المتعودة بالوفود إِلَى مراسي بنادركم لَا تزَال دَائِما مُتَأَخِّرَة في شحنتها إِلَى بندر جدة وَنَرْجُو الله بهمتكم يسْتَدرك الآمال وينتظم مراجينا في كل حَال فالمرجو من حميد توجهات هممكم الْعَالِيَة بروز أَمركُم لكافة من كَانَ بالبنادر البحرية من أمارائكم بِأَن تكون داواتنا مُقَدّمَة في التشحين قبل كل داو وغراب
وَيكون جَارِيَة تِلْكَ الْقَاعِدَة بهمتكم في جَمِيع مراسيكم كَمَا هُوَ المأمول من جنابكم والمسئول من مزايا أخلاقكم وَنَرْجُو الله أَن رجانا غير مَرْدُود وَفضل الله غير مَحْدُود هَذَا مَا عَن لنا التماسه دمتم بِالْخَيرِ انْتهى
هَذَا الْكتاب والذي قبله منقولان من الْخط الذي عَلَيْهِ عَلامَة الشريف غَالب بن مساعد دَامَت معاليه
وَهَذَا جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَهُوَ جَوَاب عَن مَجْمُوع كتابي الشريف والمنشئ لَهُ على لِسَان مَوْلَانَا الإِمَام هُوَ الحقير مؤلف هَذِه التراجم الَّتِى اشْتَمَل عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب عَن أَمر مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَهُوَ على نمط مَا قبله من كتابي الشريف فِي عدم انتخاب أَعلَى طَبَقَات بلاغات الْكتاب إِذْ الْمقَام مقَام مكالمة في رزية فِي الدَّين ومصيبة عَمت الْمُسلمين فمعظم المُرَاد وَغَايَة الْقَصْد هُوَ الإفهام بِلِسَان الأقلام لَا التأنق في تَحْرِير الْكَلَام على أتم نظام
وَلَفظ جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام لَا برح فِي حماية الْملك العلام
(2/20)

كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إن الله قوي عَزِيز
سَلام تتضمخ أردان الْأَمْصَار بنوافح نشره وتتعطر أكوان الْأَعْصَار بروائح بشره
وتتضاحك ثغور الأزهار لشميم شذاه
وتتمايل قدود الْأَبْكَار لنسيم رياه
وتطلع أنوار بدوره في سَمَاء الْمعَاهد الشَّرِيفَة المعظمة
وتسطع وتسطع أشعة شموسه في فلك الْمشَاهد المنيفة المفخمة يخص حَضْرَة جناب سليل الهواشم وَيحل بِسَاحَة نبيل الدوحة المطهرة من أَبنَاء الفواطم
مُقيم شعار الْجِهَاد هَادِم أَرْكَان الْفساد والعناد
أخينا الأكرم حبيبنا الطَّاهِر الشيم أَمِير الشرفاء شرِيف الْأُمَرَاء كَبِير العظماء عَظِيم الكبراء الشريف الأوحد غَالب بن مساعد أدام الله إسعاده وَثَبت من ملكه اطنابه وأوتاده وَكثر أعداده وأجناده
وأباد حساده وأضداده
وَتَوَلَّى بعون عنايته إصداره وإيراده
وَبعد حمد وَاجِب الْوُجُود
وشكر مفيض الْكَرم والجود
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على حَامِل لِوَاء شرايع الْإِسْلَام القايم بأعباء الرسَالَة أنهض قيام وعَلى آله الناشرين لأعلام الدَّين القامعين بسطواتهم رُءُوس المعاندين
وعَلى أَصْحَابه القاصمين حبائل الكفران الفاصمين عقد الشرك والطغيان فَإِنَّهُ وصل من جنابكم الْعَظِيم ومقامكم الفخيم كتاب كريم
يحْكى مَا صنعت أيدى الْكفْر بِمصْر صانها الله عَن كل نكر فياله من حَادث يبلبل الْأَلْبَاب ويجلب من الأحزان مَا لم يكن في حِسَاب فَلَقَد أبكى وأنكى وروع وأوجع وَأقَام وأقعد وشتت شَمل كل أنس وبدد وواهاله من خطب يصك مسامع الْإِسْلَام
ويخدد الخدود بفيض مدامع الْأَنَام
لَا سِيمَا وَتلك ديار مطهرة عَن أدناس الكفران
مُقَدَّسَة عَن أرجاس الطغيان
معمورة بِالْإِيمَان وَعبادَة الْملك الديَّان على مُرُور الْأَزْمَان
(2/21)

مُنْذُ افتتحتها سيوف حزب الله
ومحت أردان كفرانها صوارم أَصْحَاب رَسُول الله فَلَقَد أظلم الْخطب وادلهم الكرب وَضَاقَتْ الصُّدُور
وغلت من الأحزان قدور وَرغب إِلَى النفير إِلَى سَبِيل الله الصَّغِير وَالْكَبِير
وَتَشَوُّقِ إِلَى جِهَاد أَعدَاء الله كل جليل وخطير
وَكَيف لَا وَهَذِه نازلة قد نزلت بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين وفادحة قد عَمت الْمُؤمنِينَ أَجْمَعِينَ لِأَنَّهَا في الدَّين وَمن بَعدت عَنهُ ديارها فقد أحرقت قلبه وقالبه نيارها
وَلَقَد كُنَّا على عزم شن الْغَارة وإرسال طَائِفَة من جنودنا المختارة
ليكونوا من الفائزين بجهاد الْكَافرين والظافرين بِثَوَاب هَذِه الطَّاعَة الَّتِى هي سَنَام الدَّين كَمَا صَحَّ ذَلِك عَن سيد الْمُرْسلين
وَأما الثغور في جهاتنا فهي بِحَمْد الله مَحْفُوظَة
وبعين الْعِنَايَة الربانية إن شَاءَ الله ملحوظة فقد وكلنَا بحفظها من الأجناد من يقوم بهم الْكِفَايَة فِي الإصدار والإيراد وَعند ذَلِك الْعَزْم المتين
وافى كتابكُمْ الآخر المشير بِالْفَتْح الْمُبين الحاكي لاستئصال شأفة الْكَافرين أَجْمَعِينَ فأنشدنا لِسَان حَال السرُور وحدى بِنَا حادي الحبور الذي عَم الْجُمْهُور
(هناء محيّ ذَاك العزا المتقدما ... فَمَا عبس المحزون حَتَّى تبسّما) فَلَقَد انجابت ظلمات الهموم وتقشعت غيوم الغموم وابتلجت الخواطر وقرت النواظر وَعند بُلُوغ تِلْكَ الْأَخْبَار اشعرنا هَذِه المسار الْكِبَار بِمَا شاع في جَمِيع الأقطار وذاع بَين البوادى والحضار فيالها من مسرات شدت من عضد الدَّين وفتت سواعد الْمُلْحِدِينَ وقصمت ظُهُور الْكَافرين
وقلقلت معاهد المعاندين واللهم إِنَّا نحمدك حمداً لَا يُحِيط بِهِ الْحصْر ونشكرك على مَا منحت أمة نبيك من هَذَا الْفَتْح والنصر وَمَا
(2/22)

لمحت إِلَيْهِ أَيهَا الجناب الْعَظِيم وَالْأَخ الفخيم الْكَرِيم من أَمر الداوات فَمَا زَالَت أوامرنا إِلَى نوابنا في الْجِهَات بِرَفْع الظلامات والأعمال بِالنِّيَّاتِ
وَغير خَافَ على ذهنكم السَّلِيم وفكركم الرَّاجِح القويم أَن من الْعدْل الذي قَامَت بِهِ الأَرْض وَالسَّمَوَات
أَن يستوى القوى والضعيف والوضيع والشريف في أَنْوَاع المكاسب والتجارات
كَمَا حكم بذلك باري البريات وَلَا زلتم في حفظ الله محوطين بِعَين كلايته ورعايته وحمايته
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم حرر يَوْم تَاسِع عشر من شهر رَجَب سنة 1213 انْتهى جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله
وَقد وصلت من الشريف فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقَضِيَّة كتب كَثِيرَة بعد هَذَا إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَأَنْشَأَ رَاقِم الأحرف جواباتها عَن أَمر مَوْلَانَا الإِمَام
وَالْمقَام لَا يَتَّسِع لبسطها وَبعد الْإِرْسَال بِهَذَا الْجَواب من حَضْرَة الْخلَافَة إِلَى حَضْرَة الشريف جَاءَت الْأَخْبَار من أهل بنادر الْيمن بِأَن الإفرنج أقماهم الله باقون بِمصْر والإسكندرية وَسَائِر تِلْكَ الْأَعْمَال وَقد صَارَت الدولة دولتهم هُنَالك فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه العلي الْعَظِيم وَلم يبلغ مَا فعله المقدمون من جِهَة السلطنة إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف فِي خَوَاتِم شهر شَوَّال سنة 1213 وَلَعَلَّ وَرَاء الْغَيْب أمراً يسرنَا اللَّهُمَّ انصر الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين يَا مُجيب الداعين وسيأتي في تَرْجَمَة يُوسُف باشا ذكر بعض مَا جرى وَمَا دَار من الْمُكَاتبَة ويأتي أيضاً هُنَالك أَنه كَانَ خُرُوج الفرنج من مصر سنة 1216 فَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَأما الشريف غَالب فَلَمَّا استولى صَاحب نجد على مَكَّة وَالْمَدينَة تَابعه وَدخل تَحت أمره وَنَهْيه وَاسْتمرّ نايباً لَهُ مُنْذُ دُخُول جيوشه مَكَّة وَكَانَ
(2/23)

القادم بالجيوش سعود بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن سعود ثمَّ مَاتَ عبد الْعَزِيز وَصَارَ الْأَمر بعده إِلَى وَلَده سعود وَمَا زَالَ يأتي لِلْحَجِّ في كل عَام إِلَى سنة 1218 فَخرج باشة مصر الباشا مُحَمَّد علي بِجُنُود متكاثرة وَاسْتولى على مَكَّة وَالْمَدينَة عَن مواطأة بَينه وَبَين الشريف غَالب ثمَّ لما اسْتَقر بِمَكَّة قبض على الشريف غَالب وَاسْتولى على جَمِيع أملاكه وذخائره وهي كَثِيرَة جداً وأرسله في سفينة هُوَ وخواص أَهله إِلَى الروم
وَالله أعلم مَا كَانَ آخر أمره فَإِنَّهُ لم يبغلنا لى الْآن خبر صَحِيح مِمَّا كَانَ من أمره بعد إخراجه من مَكَّة وإدخاله إِلَى تِلْكَ الديار
والباشا مُحَمَّد علي مُسْتَقر في مَكَّة وَجدّة إِلَى الْآن وهي سنة 1229 وَالْحَرب بَينه وَبَين أهل نجد مستمرة وَمَات فِي هَذَا الْعَام أمير الْعَرَب صَاحب نجد وَهُوَ سعود بن عبد الْعَزِيز وَقَامَ مقَامه وَلَده عبد الله بن سعود وَمَا زَالَ يُجهز الْجند إِلَى مَكَّة وَمن بهَا وَالْحَرب بَينهم سِجَال
حرف الْفَاء
الشَّرِيفَة فَاطِمَة بنت الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن يحيى

الْمُتَقَدّم ذكره هي مَشْهُورَة بِالْعلمِ وَلها مَعَ والدها مراجعات فى مسَائِل كمسئلة الخضاب بالعصفر فإنه قَالَ إن فَاطِمَة ترجع إِلَى نَفسهَا في استنباط الْأَحْكَام وَهَذِه الْمقَالة تدل على أَنَّهَا كَانَت مبرزة في الْعلم فَإِن الإِمَام لَا يَقُول مثل هَذِه الْمقَالة إِلَّا لمن هُوَ حقيق بهَا وَكَانَ زَوجهَا الإِمَام المطهر يرجع إِلَيْهَا فِيمَا يشكل عَلَيْهِ من مسَائِل وَإِذا ضايقه التلامذة فِي بحث دخل إِلَيْهَا فتفيده الصَّوَاب فَيخرج بذلك إِلَيْهِم فَيَقُولُونَ لَيْسَ هَذَا مِنْك هُوَ
(2/24)

من خلف الْحجاب وَمَاتَتْ قبل والدها رَحمَه الله وَقد تقدم تَارِيخ مَوته
فَاطِمَة بنت القاضي كَمَال الدَّين مَحْمُود بن شيريز الحنفي المدعوة ستيتة

ولدت سادس الْمحرم سنة 855 خمس وَخمسين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ ونشأت فتعلمت الْكِتَابَة وَتَزَوَّجت النَّاصِر مُحَمَّد بن الطنبنا واستولدها أَوْلَادًا ثمَّ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوجهَا علي بن مُحَمَّد بن بيبرس حفيد ابْن أخت الظَّاهِر برقوق فاستولدها وَلها نظم وَحسن فهم وحجت مرَارًا وجاورت وَمن نظمها قصيدة كتبتها إِلَى السخاوي مطْلعهَا
(قفا واسمعا مني حَدِيث أحبتي ... فأوصاف معناهم عَن الْحسن جلت)
كتبت إِلَى قاضي مَكَّة بقصيدة مطْلعهَا
(يَا بدر تمّ أزال الشَّك عَن راي ... انْعمْ بِقرب حبيب فِيك عَن راي)
وَلها مكاتبات إِلَى جمَاعَة من الأدباء والأعيان والأكابر وَمن ذَلِك أَن الشهَاب المنصوري كتب إِلَى الزين سَالم ببيتين هما
(أيا سيداً قد أحسن الْخَالِق اسْمه ... وجمّله وَالله بالخلق عَالم)
(أعن بيد فِيهَا أياد لسائل ... وَلَا تخش حسّاداً فَإنَّك سَالم)
فَقَالَت صَاحِبَة التَّرْجَمَة في هَذَا الْمَعْنى ارتجالاً
(أيا سيد أعمّ الْخَلَائق برّه ... وإحسانه فرض تضَاعف لَازم)
(أعن سَائِلًا يَأْتِيك والدمع سَائل ... وَلَا تخش من سوء فَإنَّك سَالم)
وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة جمَاعَة من الأدباء ففضلوا مَا قالته على مَا قَالَ الشهَاب واعترف الشهَاب بذلك واستمرت على نظم الْأَدَب ومدح
(2/25)

أَرْبَاب الرتب حَتَّى مَاتَت في سنة 941 إِحْدَى وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة بِالْقَاهِرَةِ ودفنت بالقرافة
فرج بن برقوق الجركسى الملقب النَّاصِر

ولد سنة 791 إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة في أَيَّام الْفِتْنَة الَّتِى وَقعت لوالده حَسْبَمَا تقدم فِي تَرْجَمته فَسَماهُ فرج اسْتَقر فِي السلطنة بِعَهْد من أَبِيه إليه بعد مَوته فِي شهر شَوَّال سنة 801 وسنه دون عشر سِنِين وَاخْتلف مماليك أَبِيه عَلَيْهِ وَجَرت لَهُ حروب مَعَ الْمُؤَيد شيخ فَانْهَزَمَ هَذَا وفرّ على الهجن إِلَى دمشق فَدَخلَهَا وتحصّن بقلعتها فَتَبِعَهُ شيخ وَمن مَعَه فحاصروه إِلَى أَن نزل إِلَيْهِم بالأمان فاعتقل وَذَلِكَ فِي صفر سنة 815 واستفتوا الْعلمَاء فأفتوا بِوُجُوب قَتله لما كَانَ يرتكبه من الْمُحرمَات والمظالم والفتك الْعَظِيم فَقتل في لَيْلَة السبت سَابِع عشر شهر صفر الْمَذْكُور وَكَانَ سُلْطَانا مهيباً فَارِسًا كَرِيمًا فتاكاً ظَالِما جباراً منهمكاً على الْخمر وَاللَّذَّات طامعاً في أَمْوَال النَّاس وَقد كَانَ خلع فِي سنة 808 بأَخيه الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز نَحْو شَهْرَيْن ثمَّ أُعِيد فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَأمْسك أخاه فحبسه ثمَّ قَتله وَالْعجب أَن هَذَا السُّلْطَان الْمُشْتَمل على هَذِه الْأَوْصَاف هُوَ الْمُحدث للمقامات في بَيت الله الْحَرَام الَّتِى كَانَت سَببا لتفريق الْجَمَاعَات وَاخْتِلَاف الْقُلُوب والتباين الْكُلِّي في أشرف بقاع الأَرْض فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَلَيْسَ الْعجب من صَاحب التَّرْجَمَة فَإِنَّهَا إِحْدَى مساويه وجهالاته وَلَكِن الْعجب من تَقْرِير من بعده لذَلِك وسكوت الْعلمَاء إِلَى الْآن وَقد ذكر قطب الدَّين الحنفي في الْأَعْلَام مَا يدل على أَنه أنكر هَذِه المقامات عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر فَقَالَ في تَرْجَمَة السُّلْطَان سليم خَان سُلْطَان الروم
(2/26)

مَا لَفظه إِن تعدد المقامات في مَسْجِد وَاحِد لاستقلال كل مَذْهَب بِإِمَام مَا أجَازه كثير من الْعلمَاء وأنكروه غَايَة الْإِنْكَار فِي ذَلِك الْعَهْد
وَلَهُم في ذَلِك الْعَصْر رسالات مُتعَدِّدَة بأيدي النَّاس إِلَى الْآن وَأَن عُلَمَاء مصر افتوا بِعَدَمِ جوازم ذَلِك وخطأوا من قَالَ بِجَوَاز ذَلِك انْتهى
فضل الله بن عبد الله بن عبد الرَّزَّاق بن إِبْرَاهِيم بن مكانس الْمجد ابْن الْفَخر المصري القبطي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن مكانس
ولد في شعْبَان سنة 769 تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ في عزّ ونعمة في كنف أَبِيه فَتخرج وتأدب وَمهر ونظم الشّعْر وَهُوَ صَغِير جداً فَإِن أَبَاهُ كَانَ صحب الْبَدْر البشتكي فانتدبه لتأديبه فخرّجه في أسْرع مُدَّة فنظم الشّعْر الْفَائِق وباشر في حَيَاة أبيه توقيع الدست بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ وزيراً هُنَالك ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ ساءت حَاله ثمَّ خدم في ديوَان الْإِنْشَاء وتنقلت رتبته فِيهِ إِلَى أَن جَاءَت الدولة المؤيدية فامتدح الْمُؤَيد بقصائد فَأحْسن القَاضِي ابْن البارزي السفارة لَهُ عِنْده بِحَيْثُ أثابه ثَوابًا حسناً وشعره في الذرْوَة الْعليا وَهُوَ اُحْدُ المجيدين من الْمُتَأَخِّرين مَعَ قلَّة بضاعته في الْعَرَبيَّة وَلذَلِك يَقع لَهُ اللحن نَادرا وَقد جمع ديوَان أَبِيه ورتبه ولأبيه فِيهِ مورياً باسمه
(أرى وَلَدي قد زَاده الله بهجة ... وكمّله فِي الْخلق والخلق مذنشا)
(سأشكر ربي حِين أُوتيت مثله ... وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يشا)
وَمن نظم صَاحب التَّرْجَمَة مهنياً لِأَبِيهِ بعوده من سفر
(هنيتَ يَا أبتي بعودك سالماً ... وَبقيت مَا طرد الظلام نَهَار)
(ملئت بطُون الْكتب فِيك مدايحاً ... حَقًا لقد عظمت بك الْأَسْفَار)
(2/27)

وَمن مقطعاته العذبة
(بِحَق الله دع ظلم الْمَعْنى ... ومتعه كَمَا يهوى بأنسك)
(وكف الصديا مولَايَ عَمَّن ... بيومك رحت تهجره وَأمْسك)
وَمِنْهَا
(قَالَت وَقد عشقتهم ... قاماتهم والأعينا)
(إن رمت تلقانا فلج ... بَين السيوف والقنا)
(وَمِنْهَا
(ربّ خُذ بِالْعَدْلِ قوماً ... أهل ظلم متوالي)
(كلّفوني بيع خيلي ... برخيص وبغالي
وشعره كثير وَكله غرر وَمَات بالطاعون فِي يَوْم الْأَحَد خَامِس وَعشْرين ربيع الآخر سنة 822 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة
فضل الله بن غالي الْهَمدَانِي

الْوَزير الملقب رشيد الدولة كَانَ أَبوهُ عطاراً يَهُودِيّا فَأسلم ابْنه هَذَا واتصل بغازان سُلْطَان التتار الْمُتَقَدّم فخدمه وَتقدم عِنْده بالطب إِلَى أَن استوزره وَكَانَ يناصح الْمُسلمين ويذب عَنْهُم وَيسْعَى في حقن دِمَائِهِمْ وَله في تبريز آثَار عَظِيمَة من الْبر وَكَانَ شَدِيدا على من يعاديه أَو ينتقصه لَا يزَال يسْعَى في هَلَاكه حَتَّى يهلكه
وَكَانَ متواضعاً سخياً كثير الْبَذْل للْعُلَمَاء والصلحاء وَله تَفْسِير لِلْقُرْآنِ فسره على طَريقَة الفلاسفة فنسب إِلَى الإلحاد وَقد احترقت تواليفه بعد قَتله
واتفقت لَهُ محنة كَانَ فِيهَا هَلَاكه وَذَلِكَ أَنه لما مَاتَ خربيدا ملك التتار طلبه السُّلْطَان جوابان على الْبَرِيد فَقَالَ لَهُ أَنْت قتلت الخان فَقَالَ معَاذ الله أَنا كنت رجلاً عطاراً ضَعِيفا بَين النَّاس فصرت
(2/28)

فِي أَيَّامه وَأَيَّام أَخِيه متصرفاً في الممالك فَكيف أَقتلهُ فأحضروا الطَّبِيب ابْن الحران اليهودي طَبِيب خربيدا فَسَأَلُوهُ عَن سَبَب موت خربيدا فَقَالَ أَصَابَته عِلّة فَوَقع لَهُ إسهال بِسَبَبِهَا نَحْو ثَلَاث مائَة مجْلِس فطلبني بِحُضُور رشيد الدولة وَطلب الْأَطِبَّاء فاتفقنا على أَن نُعْطِيه ادوية قابضة حابسة فَقَالَ رشيد الدولة هُوَ الْآن يحْتَاج إِلَى الاستفراغ فسقيناه مسهلاً فَوَقع لَهُ من ذَلِك نَحْو سبعين مَجْلِسا فَسَقَطت قوته فَمَاتَ وَصدقه رشيد الدولة على ذَلِك فَقَالَ جوابان لرشيد الدولة فَأَنت قتلته وَأمر بقتْله فَقتل وفصلوا اعضاه وبعثوا إِلَى كل بلد بعضو وَيُقَال أنه وجد لَهُ بعد قَتله ألف ألف مِثْقَال وَكَانَ قَتله فى سنة 716 سِتّ عشر وَسَبْعمائة وعمره فَوق ثَمَانِينَ سنة قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ لَهُ رَأْي ودهاء ومروءة وَكَانَ الشَّيْخ تَاج الدَّين الْأَفْضَل يذمه ويرميه بدين الْأَوَائِل
حرف الْقَاف

السَّيِّد الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن يُوسُف

ابْن المهدي مُحَمَّد بن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد بعد أَخِيه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمُتَقَدّم تَارِيخ وِلَادَته في تَرْجَمته وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها وَمِنْهُم شَيخنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْحرَازِي الْمُتَقَدّم ذكره والقاضي علي بن أَحْمد الْحكمِي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ على فى شرح غَايَة السول وفي شرحي على الْمُنْتَقى وفي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وفي البخاري وأمالي الإِمَام أَحْمد بن عِيسَى وَهُوَ من فضلاء آل الإِمَام علما وَعَملا وَحسن اخلاق وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(2/29)

مَا كتبه إِلَى أَيَّام قرائته علي
(إِلَيْك وَإِلَّا لَا يساق ركاب ... وعنك وَإِلَّا لايجاز كتاب)
(عَلَيْك وَإِلَّا من عَلَيْهِ معول ... ولولاك مَا للمشكلات جَوَاب)
(وفيك وَإِلَّا لَيْسَ في الشّعْر حِكْمَة ... ومنك وَإِلَّا فالشراب سراب)
(وَأَنت وَإِلَّا الشَّمْس فى الأَرْض مشرق ... يداك وَإِلَّا للسخاء سَحَاب)
(برزت وَإِلَّا فالتشخص للعلا ... محَال وأنّى للعزيز طلاب)
(وَمن ذَا الذي قرّت وَطَابَتْ وطولت ... عُيُون وأنفاس بِهِ ورقاب)
(سوى الْعلم البدرالذي صَار منصفاً ... لَهُ فِي كَمَال المكرمات مآب)
(هُوَ ابْن علي من لَهُ الْآن شَوْكَة ... يعزبها دين الْهدى ويهاب)
(فَلَا زَالَ مَرْفُوعا بِنصب جوازم ... من الْأَمر فِيهَا حِكْمَة وصواب)
(وَلَا زَالَ شمساً للعلوم بأسرها ... وعمدة هَذَا انتقاه كتاب)
(لمجموع أَحْكَام الْفُنُون ملخص ... وَمُنْتَخب غيثاً حواه عباب)
(سَلام عَلَيْهِ يحْكى الرَّوْض عرفه ... وَقد باكرته نسمَة وسحاب)
وَهُوَ الْآن حَيّ يسْعَى في تَحْصِيل الْعُلُوم ويجهد في طَاعَة الحى القيوم مستمرا على الْقِرَاءَة عليّ بلغه الله الأمل
السَّيِّد الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم الظّفري

ولد فِي شعْبَان سنة 1179 تسع وَسبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ عَن جمَاعَة من علمائها كشيخنا الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن علي وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر وَلَعَلَّ لَهُ قِرَاءَة على شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد والقاضى
(2/30)

الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن
واستقاد في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَله فهم قوي وذهن سوي وَحفظ الْأَدَب وَحسن المحاضرة وَقُوَّة عارضة فِي المذاكرة وعزم من صنعاء إِلَى ذي جبلة مُتَوَلِّيًا على أوقاف تِلْكَ الْجِهَة وَهُوَ الْآن هُنَالك وَلَو تفرّغ للاشتغال وَسلم عَن عوارض الإشغال لنال بفهمه السَّلِيم وفكره الْكَرِيم أَعلَى مَرَاتِب الْكَمَال وَولى ولايات وَجَرت لَهُ قصَص وحروب وَمَات في شهر رَجَب سنة 1227 سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
السَّيِّد الْقَاسِم بن أَحْمد بن عبد الله بن الْقَاسِم بن أَحْمد بن لُقْمَان ابْن أَحْمد بن شمس الدَّين ابْن الإِمَام المهدي أَحْمد بن يحيى

وَتَمام نسبه قد تقدم في تَرْجَمَة الإِمَام المهدي ولد فِي سنة 1166 سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف بِموضع يُقَال لَهُ صَنْعَة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة ثمَّ مُهْملَة وهي قَرْيَة بِقرب مَدِينَة ذمّار فِيهَا جمَاعَة من السادات آل لُقْمَان ثمَّ انْتقل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى مَدِينَة ذمار فَقَرَأَ على جمَاعَة من مَشَايِخ الْفِقْه كالسيد الْعَلامَة أَحْمد بن علي بن سُلَيْمَان والفقيه الْعَلامَة محسن ابْن حسن الشويطر وَغَيرهمَا
وبرع في علم الْفُرُوع وَقَرَأَ هُنَالك في علم النَّحْو ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء لسَبَب اقْتضى ذَلِك فوصل إِلَيْهَا في سنة 1193 وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول على جمَاعَة وَأخذ عَنى في الْعَرَبيَّة وَحضر فِي دروسي الحديثية وَهُوَ مفرط الذكاء سريع الْفَهم قوي الْإِدْرَاك اسْتَفَادَ بدرايته أَكثر مِمَّا اسْتَفَادَ بروايته ونظم الشّعْر الْفَائِق وطارح بِشعرِهِ جمَاعَة من الأدباء وَاسْتقر بِصَنْعَاء وَتزَوج بهَا وأضرب عَن الْعود إِلَى وَطنه وَله همة عليه وشهامة علوِيَّة وَنَفس أَبِيه وسيادة هاشمية لَا يخضع فِي مطلب من
(2/31)

مطَالب الدِّينَا وَلَا يدنو لأربابها بل يكْتَفى مِنْهَا بِمَا يصل إِلَيْهِ من أَمْوَال لَهُ ورثهَا عَن أَبِيه وَقد يَنُوب في الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة إِذا عوّل عَلَيْهِ من يألف بِهِ من الْقُضَاة فيفصلها على أحسن أسلوب مَعَ عفة ونزاهة وَهُوَ أجل من كثير من قُضَاة الْعَصْر بل يصغر عَن عَظِيم قدره الْقَضَاء
وتحريراته في القضايا الشَّرْعِيَّة مَقْبُولَة عِنْد الْخَاص وَالْعَام مرضية عِنْد الصَّغِير وَالْكَبِير يقنع بهَا الْمَحْكُوم عَلَيْهِ كَمَا يقنع بهَا الْمَحْكُوم لَهُ وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة قَوِيَّة وَهُوَ لَا يمل جليسه وَلَا يستوحش أنيسه لما جبل عَلَيْهِ من لطف الطَّبْع وَكَمَال الظّرْف وَقد اسْتمرّ الِاتِّصَال بيني وَبَينه زِيَادَة على خمس عشرَة سنة قلّ أَن يمضي يَوْم من الْأَيَّام لَا نَجْتَمِع فِيهِ ويجري بَيْننَا مطارحات أدبية فِي كثير من الْأَوْقَات ومراجعات علمية فى عدَّة مسَائِل مِنْهَا مَا هُوَ منظوم وَمِنْهَا مَا هُوَ منثور
فَمن ذَلِك هَذَا السُّؤَال الذي اشْتَمَل على نظم ونثر يَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب كتبه إِلَى في أَيَّام سَابِقَة وَلَفظه
حرس الله سَمَاء المفاخر بجماية بدرها الزاهى الزَّاهِر وأتحف روضها النَّاظر بكلاية غيثها الهامي الهامر وَأهْدى إِلَيْهِ تَحِيَّة عطرة وبركة خضرَة نَضرة
مَا مسحت أَقْلَام الكتبة مفارق المحابر ورتعت أنظار الطّلبَة في حدائق الدفاتر صدرت هَذِه الأبيات في غَايَة الْقُصُور أقيلوا عثارها إن كَانَ لكم عَلَيْهَا عثور تستمنح مِنْكُم الفرائد وتستمد مِنْكُم الْفَوَائِد أوجب تحريرها أَنه ذكر عِنْد بعض الأماثل جمَاعَة المتصوفة فَأثْنى عَلَيْهِم وَأَطْنَبَ وأطرى وأطرب واستشهدني فَقلت بِمُوجب قَوْله
مستثنياً مِنْهُم الحلاج وَابْن عَرَبِيّ وَمن يساويهما فأصر واستكبر وأبدا قولاً يستنكر فَجرى بَيْننَا خلاف مفرط فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَلَا تشطط
(2/32)

(أعن العذول يُطيق يكتم مابه ... والجفن يغرق فِي خليج سحابه)
(جَازَت ركايبه الْحمى فتعلقت ... أحشاؤه بشعابه وهضابه)
(نفد الزَّمَان وَمَا نفدن مسائلي ... في الْحبّ والتنفير عَن أربابه)
(فركضت في ميدانه وكرعت من ... غدرانه وركعت في محرابه)
(وَسَأَلت عَن تَحْقِيقه وبحثت عَن ... تَدْقِيقه وكشفت عَن أَسبَابه)
(فَوجدت أَخْبَار الغرام كواذباً ... فِي أَكثر الفتيان من طلابه)
(فيميت من شهواته لِحَيَاتِهِ ... وَيرد فضل ذَهَابه لإيابه)
(ولقلّ مَا يلقى امْرَءًا متصوفاً ... ينحو طَرِيق الْحبّ من أبوابه)
(يجد الْخَطِيئَة كالقذاة لعَينه ... فَرمى بهَا في الدمع عَن تسكابه)
(أَخذ الطَّرِيقَة بِالْحَقِيقَةِ سالكاً ... نهج النبيّ قد اقْتدى بصوابه)
(تمضي بِهِ اللحظات وَهُوَ محاسب ... للنَّفس قبل وُقُوفه لحسابه)
(هذي الطَّرِيقَة للمريد مبلغ ... مخ التصوّف وَهِي لبّ لبابه)
(وَجَمَاعَة رقصوا على أوتارهم ... يتجاذبون الْخمر عَن أكوابه)
(يتواجدون لكلّ أحوى أحور ... يتعلّلون من الْهوى برضابه)
(الوحدة جعلُوا المثاني مونساً ... واللّحن عِنْد الذكر من إعرابه)
(أَصْحَاب أَحْوَال تعدّوا طورهم ... فتنكروا فِي الْحَال عَن أحزابه)
(زجروا مطاياهم إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ... نكص الغرام بهم على أعقابه)
(دعواك معرفَة الْعُيُون سفاهة ... وَالشَّرْع قَاض والنهي بكذابه)
(فَمن الْمحَال ترى المهامه تنطوي ... لمشعبذ من دون وخد ركابه)
(وخرافة بشر يرى متشكلاً ... مُتَمَكنًا من لبس غير إهابه)
(رجحت نهاي فَلَا اصدق مَا سوى ... رسل المليك وترجمان كِتَابه)
(2/33)

(فدع التّصوف واثقاً بِحَقِيقَة ... واحرص وَلَا يغررك لمع سرابه)
(للْقَوْم تَعْبِير بِهِ يسبي النّهى ... طَربا ويثني الصبّ عَن أحبابه)
(فيرون حقّ الْغَيْر غير محرم ... بل يَزْعمُونَ بِأَنَّهُم أولى بِهِ)
(لبسو المدارع واستراحوا جرْأَة ... عَن أَمر باريهم وَعَن إِيجَابه)
(خَرجُوا عَن الْإِسْلَام ثمَّ تمسكوا ... بتصوّف فتستروا بحجابه)
(فَأُولَئِك الْقَوْم الَّذين جهادهم ... فرض فَلَا يعدوك نيل ثَوَابه)
(وَإِذا أَرَابَك مَا أَقُول فسل بِهِ ... من عِنْده فى الحكم فصل خطابه)
(عَلامَة الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول من ... حكمت لَهُ الْعليا على أترابه)
(فذ الزَّمَان وتوأم الْمجد الذي ... سَاد الأكابر فِي أَوَان شباب)
(بدر الْهدى النّظار سَله مُقبلا ... كفّيه ملتمساً لرد جَوَابه)
(فمحمد بن على ابْن مُحَمَّد ... منى ومنك مُحَقّق ادرى بِهِ)
(سَله زَكَاة الِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ ... إن صَحَّ فقرك مُحرز لنصابه)
فأجبت عَن هَذَا السُّؤَال برسالة في كراريس سميتها الصوارم الْحداد القاطعة لعلائق مقالات أَرْبَاب الِاتِّحَاد وسأذكر هَهُنَا مَا أجبْت بِهِ عَن النظم فَقَط وَهُوَ
(هَذَا العقيق فقف على أبوابه ... متمايلاً طَربا لوصل غرابه)
(يَا طالما قد جبت كلّ تنوفةٍ ... مغبرة ترجو لقا أربابه)
(وَقطعت أنساع الرَّوَاحِل مُعْلنا ... في كلّ حيّ جِئْته بطلابه)
(حَتَّى غَدَتْ غُدْرَان دمعك فيضاً ... بالسّفح في ذَا السّفح من تسكابه)
(والعمر وَهُوَ أجلّ مَا خولته ... أنفقته فِي الدور في أدرابه)
(وعصيت فِيهِ قَول كل مُفند ... وسددت سمعاً عَن سَماع خطابه)
(2/34)

(بشراي بعد الْيَأْس وَهُوَ خَطِيبه ... بتبدّلي سهل الْهوى بصعابه)
(قد أنجح الله الذي أملته ... وكدحت فِيهِ لنيل لبّ لبابه)
(وهجرت فِيهِ ملاعبى وَلَقِيت فِيهِ ... متاعبي ومنيت من أوصابه)
(وشربت كاسات الْفِرَاق وَقد غَدَتْ ... ممزوجة بزعافه وبصابه)
(وبذلت للهادي إِلَيْهِ نفائسي ... ومنحته مني بملء وطابه)
(فحططت رحلي بَين سكان الْحمى ... وأنخته في مخصبات شعابه)
(وشفيت نفسي بعد طول عنائها ... في قطع حزن فلاته وهضابه)
(وَوضعت عَن عنقي عصى الترحال لَا ... أخْشَى العذول وَلَا قَبِيح عتابه)
(فَأَنا وَلَا فَخر الْخَبِير بأرضه ... وَأَنا العروف بشامخات عِقَابه)
(وَأَنا الْعَلِيم بِكُل مافى شَرحه ... وَأَنا المترجم عَن خفيّ جَوَابه)
(يَا ابْن الرَّسُول وعالم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول ... أَنْت بِمثل ذَا أدرى بِهِ)
(لَا تسألنّ عَن العقيق فَإِنَّهَا ... قد ذللت لَك جامحات ركابه)
(وكرعت فِي تِلْكَ المناهل بُرْهَة ... وشربت صفو الْورْد من أربابه)
(وَقَعَدت فِي عرصاته متمايلاً ... مُتَبَسِّمًا نشوان من إطرابه)
(واسلم وَدم أَنْت الْمعد لمعضل ... أعنا الورى يَوْمًا بكشف نقابه)
(وَخذ الْجَواب فَمَا بِهِ خطل وَلَا ... عصبية قدحت بِعَين صَوَابه)
(سكانه صنفان صنف قد غَدا ... متجرداً للحبّ بَين صحابه)
(قد طلق الدُّنْيَا فَلَيْسَ بضارع ... يَوْمًا لنيل طَعَامه وَشَرَابه)
(يمشي على سنَن الرَّسُول مفوضاً ... لِلْأَمْرِ لَا يلوى للمع سرابه)
(يرضى بميسور من الدُّنْيَا وَلَا ... يغتمّ عِنْد نفارها عَن بَابه
0 - متقللاً مِنْهَا تقلل موقن ... بدروس رونقها وَقرب ذَهَابه)
(2/35)

(متزهداً فِيمَا يَزُول مزايلاً ... إدراك مَا يبْقى عَظِيم ثَوَابه)
(جعل الشعار لَهُ محبَّة ربّه ... وثنى عنان الْحبّ عَن أحبابه)
(أكْرم بِهَذَا الصِّنْف من سكانه ... أحبب بِهَذَا الْجِنْس من أحزابه)
(فهم الَّذين أَصَابُوا الْغَرَض الذي ... هُوَ لامرا فِي الدَّين لبّ لبابه)
(وَلكم مَشى هذي الطَّرِيقَة صَاحب ... لمُحَمد فَمَشَوْا على أعقابه)
(فِيهَا الغفاري قد أَنَاخَ مَطِيَّة ... وَمَشى بهَا القرني بسبق ركابه)
(وَبهَا فُضَيْل والجنيد تجاذبا ... كأس الْهوى وتعلّلا برضابه)
(وكذاك بشر وَابْن أدهم أَسْرعَا ... مشياً بِهِ والكينعي مَشى بِهِ)
(أمّا الَّذين غدوا على أوتارهم ... يتجاذبون الْخمر في أكوابه)
(ولوحدة جعلُوا المثاني مونساً ... واللّحن عِنْد الذكر من إعرابه)
(ويرون حقّ الْغَيْر غير محرّم ... بل يَزْعمُونَ بِأَنَّهُم أولى بِهِ)
(فهم الَّذين تلاعبوا بَين الورى ... بِالدّينِ وانتدبوا لقصد خرابه)
(قد نهج الحلاج طرق ضلالهم ... وكذاك محيي الدَّين لاحيا بِهِ)
(وكذاك فارضهم بتائياته ... فرض الضلال عَلَيْهِم ودعا بِهِ)
(وَكَذَا ابْن سبعين المهين فقد عدا ... متطورا فى جَهله ولعابه)
(رام النبؤة لالعا لعثوره ... روم الذُّبَاب مصيره كعقابه)
(وَكَذَلِكَ الجيلي أجال جَوَاده ... فِي ذَلِك الميدان ثمَّ سعى بِهِ)
(إنسانه إِنْسَان عين الْكفْر لَا ... يرتاب فِيهِ سابح بعبابه)
(والتلمسانى قَالَ قد حلت لَهُ ... كلّ الْفروج فَخذ بذا وَكفى بِهِ)
(نهقوا بوحدتهم على روس الملا ... وَمن الْمقَال أَتَوا بِعَين كَذَا بِهِ)
(إن صَحَّ مَا نقل الْأَئِمَّة عَنْهُم ... فالكفر ضَرْبَة لازب لصحابه)
(2/36)

(لاكفر في الدُّنْيَا على كلّ الورى ... إن كَانَ هَذَا القَوْل دون نصابه)
(قد ألزمونا أن ندين بكفرهم ... وَالْكفْر شَرّ الْخلق من يرضى بِهِ)
(فدع التعسف في التأول لَا تكن ... كفتى يُغطي جيفة بثيابه)
(قد صَرَّحُوا أَن الذي يبغونه ... هُوَ ظَاهر الْأَمر الَّذِي قُلْنَا بِهِ)
(هذي فتوحات الشؤم شَوَاهِد ... أَن المُرَاد لَهُ نُصُوص كِتَابه)
(وَقد أوضحت في تِلْكَ الرسَالَة حَال كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ وأوردت نُصُوص كتبهمْ وبينت أَقْوَال الْعلمَاء في شَأْنهمْ
وَكَانَ تَحْرِير هَذَا الْجَواب فِي عنفوان الشَّبَاب وَأَنا الْآن أتوقف في حَال هَؤُلَاءِ وأتبرأ من كل مَا كَانَ من أَقْوَالهم وأفعالهم مُخَالفا لهَذِهِ الشَّرِيعَة الْبَيْضَاء الْوَاضِحَة الَّتِى لَيْلهَا كنهارها وَلم يتعبدني الله بتكفير من صَار في ظَاهر أمره من أهل الْإِسْلَام
وهب أَن المُرَاد بِمَا في كتبهمْ وَمَا نقل عَنْهُم من الْكَلِمَات المستنكرة الْمَعْنى الظَّاهِر والمدلول العربي وَأَنه قَاض على قَائِله بالْكفْر البواح والضلال الصراح فَمن أَيْن لنا أَن قَائِله لم يتب عَنهُ وَنحن لَو كُنَّا فِي عصره بل فِي مصره بل في منزله الذي يعالج فِيهِ سَكَرَات الْمَوْت لم يكن لنا إِلَى الْقطع بِعَدَمِ التَّوْبَة سَبِيل لِأَنَّهَا تقع من العَبْد بِمُجَرَّد عقد الْقلب مالم يُغَرْغر بِالْمَوْتِ فَكيف وبيننا وَبينهمْ من السنين عدَّة مئين
وَلَا يَصح الِاعْتِرَاض على هَذَا بالكفار فَيُقَال هَذَا التجويز مُمكن في الْكفَّار على اخْتِلَاف أنواعهم لأَنا نقُول فرق بَين من أَصله الْإِسْلَام وَمن أَصله الْكفْر فَإِن الْحمل على الأَصْل مَعَ اللّبْس هُوَ الْوَاجِب لاسيما وَالْخُرُوج من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام لَا يكون إِلَّا بأقوال وأفعال لَا بِمُجَرَّد عقد الْقلب والتوجه بِالنِّيَّةِ المشتملين على النَّدَم والعزم على عدم المعاودة فَإِن ذَلِك يكفي في التَّوْبَة وَلَا يكفي في مصير
(2/37)

الْكَافِر مُسلما وَأَيْضًا فرق بَين كفر التَّأْوِيل وَكفر التَّصْرِيح على أَنى لَا أثبت كفر التَّأْوِيل كَمَا حققته في غير هَذَا الموطن وَفِي هَذِه الْإِشَارَة كِفَايَة لمن لَهُ هِدَايَة وفي ذنوبنا الَّتِى قد اثقلت ظُهُورنَا لقلوبنا أعظم شغلة وطوبى لمن شغلته عيوبه وَمن حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَالا يعنيه فالراحلة الَّتِى قد حملت مَالا تكَاد تنوء بِهِ إِذا وضع عَلَيْهَا زِيَادَة عَلَيْهِ انْقَطع ظهرهَا وَقَعَدت على الطَّرِيق قبل وُصُول الْمنزل وَبلا شك أَن التوئب على ثلب أَعْرَاض الْمَشْكُوك فِي إسلامهم فضلاً عَن الْمَقْطُوع بِإِسْلَامِهِمْ جَرَاءَة غير محمودة فَرُبمَا كذب الظَّن وَبَطل الحَدِيث وتقشعت سحائب الشكوك وتجلت ظلمات الظنون وطاحت الدقائق وحقت الْحَقَائِق وَأَن يَوْمًا يفرّ الْمَرْء من أَبِيه ويشح بِمَا مَعَه من الْحَسَنَات على أحبابه وَذَوِيهِ لحقيق بِأَن يحافظ فِيهِ على الْحَسَنَات وَلَا يَدعهَا يَوْم الْقِيَامَة نهباً بَين قوم قد صَارُوا تَحت أطباق الثرى قبل أَن يخرج إِلَى هَذَا الْعَالم بدهور وَهُوَ غير مَحْمُود على ذَلِك وَلَا مأجور فَهَذَا مَالا يَفْعَله بِنَفسِهِ الْعَاقِل
وَأَشد من ذَلِك أَن ينثر جراب طاعاته وينثل كنَانَة حَسَنَاته على أعدائه غير مشكور بل مقهور وَهَكَذَا يفعل عِنْد الْحُضُور لِلْحسابِ بَين يدي الْجَبَّار بالمغتابين والنمامين والهمازين واللمازين فَإِنَّهُ قد علم بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّة أَن مظْلمَة الْعرض كمظلمة المَال وَالدَّم وَمُجَرَّد التَّفَاوُت فِي مِقْدَار الْمظْلمَة لَا يُوجب عدم انصاف ذَلِك الشئ المتفاوت أَو بعضه بِكَوْنِهِ مظْلمَة فَكل وَاحِدَة من هَذِه الثَّلَاث مظْلمَة لآدمي وكل مظْلمَة لآدمى لَا تسْقط الا بعفوه ومالم يعف عَنهُ بَاقٍ على فَاعله يوافي عرصات الْقِيَامَة فَقل لي كَيفَ يَرْجُو من ظلم مَيتا بثلب عرضه أَن يعْفُو عَنهُ وَمن ذَاك الذي يعْفُو فِي هَذَا الْموقف وَهُوَ أحْوج
(2/38)

مَا كَانَ إِلَى مَا يَقِيه عَن النَّار وَإِذا الْتبس عَلَيْك هَذَا فَانْظُر مَا تَجدهُ من الطباع البشرية في هَذِه الدَّار فَإِنَّهُ لَو ألْقى الْوَاحِد من هَذَا النَّوْع الإنساني إِلَى نَار من نيار هَذِه الدُّنْيَا وَأمكنهُ أَن يتّقيها بِأَبِيهِ أَو بِأمة أَو بِابْنِهِ أَو بحبيبه لفعل فَكيف بِنَار الْآخِرَة الَّتِى لَيست نَار هَذِه الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا شَيْئا وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ بعض من نظر بِعَين الْحَقِيقَة لَو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أَبى وأمي لِأَنَّهُمَا أَحَق بحسناتي الَّتِى تُؤْخَذ مني قسراً وَمَا أحسن هَذَا الْكَلَام
وَلَا ريب أَن أَشد أَنْوَاع الْغَيْبَة وأضرّها وأشرّها وأكثرها بلَاء وعقاباً مَا بلغ مِنْهَا إِلَى حد التَّكْفِير واللعن فَإِنَّهُ قد صَحَّ أَن تَكْفِير الْمُؤمن كفر ولعنه رَاجع على فَاعله وسبابه فسق وَهَذِه عُقُوبَة من جِهَة الله سُبْحَانَهُ وَأما من وَقع لَهُ التَّكْفِير واللعن والسب فمظلمة بَاقِيَة على ظهر الْمُكَفّر واللاّعن والسباب فَانْظُر كَيفَ صَار الْمُكَفّر كَافِرًا واللاعن ملعوناً والسباب فَاسِقًا وَلم يكن ذَلِك حد عُقُوبَته بل غَرِيمه ينْتَظر بعرصات الْمَحْشَر ليَأْخُذ من حَسَنَاته أَو يضع عَلَيْهِ من سيئاته بِمِقْدَار تِلْكَ الْمظْلمَة وَمَعَ ذَلِك فَلَا بُد من شئ غير ذَلِك وَهُوَ الْعقُوبَة على مُخَالفَة النهي لِأَن الله قد نهى فِي كِتَابه وعَلى لِسَان وَرَسُوله عَن الْغَيْبَة بِجَمِيعِ أقسامها ومخالف النَّهْي فَاعل محرم وفاعل الْمحرم معاقب عَلَيْهِ وَهَذَا عَارض من القَوْل جرى بِهِ الْقَلَم ثمَّ أحجم عَن الْكَلَام سَائِلًا من الله حسن الختام رَاجعا إِلَى كَمَال تَرْجَمَة ذَلِك السَّيِّد الْهمام فَنَقُول صَاحب التَّرْجَمَة حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على تِلْكَ الْخِصَال الجميلة والمناقب الجليلة قَانِع بميسور من الْعَيْش مُؤثر للخمول الذي هُوَ الرَّاحَة وَالنعْمَة المجهولة زَاده الله من أفضاله وأنجح لَهُ مَا يرجوه من آماله وَتوفى رَحمَه الله
(2/39)

في سنة ...
الْقَاسِم ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله أَحْمد

ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه علي ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المهدي الْعَبَّاس ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور حُسَيْن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل الْقَاسِم ابْن حُسَيْن بن أَحْمد بن أحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة 1211 إحدى عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف
وَنَشَأ فِي حجر الْخلَافَة نشواً طَاهِرا فَلَمَّا قَارب سن الْبلُوغ قَرَأَ بُلُوغ المرام على الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد عَابِد السندي عِنْد وفوده إِلَى حَضْرَة أَبِيه ثمَّ حفظه من أَوله إِلَى آخِره عَن ظهر قلب وَوصل إِلَى وأسمعه عليّ من حفظه من أَوله إِلَى آخِره وَالْكتاب بيدي فسبحان الفاتح المانح وَهُوَ الْآن يسمع عليّ صَحِيح البخارى وَمُسلم يفد إِلَى في بعض أَيَّام الْأُسْبُوع ويواظب على ذَلِك مواظبة عَظِيمَة وَيفهم فهماً جيداً ويحفظ حفظاً صَالحا مَعَ اشْتِغَاله بِقِرَاءَة علم الْآلَة وإكبابه على مطالعة الْكتب الحديثية وَله بِالسنةِ المطهرة شغف عَظِيم ومحبة زَائِدَة وَيعْمل بِكُل مَا صَحَّ مِنْهَا وَلَا يبالي أطار لوم من يلومه أم وَقع وَلَا يلْتَفت إِلَى من يُرِيد صده عَن ذَلِك لِأَنَّهُ قد عرف أَن هَذَا هُوَ الْحق الذي بعث الله بِهِ رَسُوله وَأنزل بِهِ كِتَابه
ووالده مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله يرغبه في ذَلِك ويقوي عزمه عَلَيْهِ وَيُعْجِبهُ مَا يرى مِنْهُ وَالْحَمْد لله الذي أخرج من هَذَا الْبَيْت الشّريف مثل هَذَا الْفَاضِل زَاده الله علماً وكمالاً وَعَملا بِالْحَقِّ وانقياداً لَهُ
(2/40)

وَجعله من أنصار السنة المطهّرة
وعمره عِنْد تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة نَحْو سبع عشرَة سنة
السَّيِّد الْقَاسِم بن الْحسن بن مطّهر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الجرموزي

الصّنعاني منشأ ووفاة ولد ببندر المخافي أَيَّام ولَايَة وَالِده لَهَا ثمَّ انْتقل إِلَى صنعاء وَطلب الْعلم على جمَاعَة من الْعلمَاء وَقد ذكر جَمِيع مسموعاته ومشايخه في تَرْجَمته لنَفسِهِ فِي مُصَنفه الَّذِي سَمَّاهُ صفوة العاصر في آدَاب المعاصر وَهُوَ كتاب حسن ذكره فِيهِ جمَاعَة من أهل عصره وَمن قرَابَته وخصص الشُّعَرَاء وَذكر من أشعارهم وَمَا دَار بَينه وَبينهمْ وَمَا يتَعَلَّق بذلك
وولاّه المهدي صَاحب الْمَوَاهِب أعمالاً ثمَّ ولاّه آخراً الْقَضَاء بِصَنْعَاء فباشره مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وديانة وَله مؤلف سَمَّاهُ نزهة الفطن في من ملك الْيمن وَله شعر حسن فَمِنْهُ فِي تَشْبِيه الْبَرْق
(كَأَنَّمَا الْبَرْق إِذا مَا اختفى ... فلاح في الْعَارِض غبّ الْقصار)
(وجنة عذرى رابّها مبصر ... فاستترت من خَوفه بالخمار)
وَله قصائد منسجمة وأبيات قَليلَة التَّكَلُّف كَقَوْلِه
(أغار عَلَيْك من نَظَرِي ... وَإِن بلغتني وطري)
(وأحسد خاطري من أَن ... تمرّ عَلَيْهِ فِي فكري)
(بنفسي أَنْت من قمر ... علا عَن بهجة الْقَمَر)
(وَمَا قد حزت من هيف ... وَقد كلقنا النَّضر)
(وطرف من لطافته ... استعارت نسمَة السحر)
(2/41)

وَمن ذَلِك قَوْله
(لم لَا ترقوا سادتي ... وترحموا صبابتي)
(وتذكروا هجري الذي ... ذَابَتْ لَهُ حشاشتي)
(وترحموا لي حَالَة ... قد رق مِنْهَا شامتي)
(ويلاه من بدر دجّى ... ضلت بِهِ هدايتي)
وشعره غالبه على هَذَا الأسلوب وَمَات في سنة 1146 سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف
الإِمَام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن بن أَحْمد ابْن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد سنة ... وَنَشَأ منشأ آبَائِهِ الْأَمْثَال ومارس كثيراً من معارك الْقِتَال وَصَارَ مَعَ عَمه الإِمَام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب من أعظم الرؤساء وَكَانَ يَبْعَثهُ في الْمُهِمَّات فيدفعها وَيقوم بحلّها وَتارَة كَانَ يعتقله لما يرى من ميل النَّاس إِلَيْهِ وعلو همته وترشيحه للخلافة
وَاتفقَ فِي أَيَّام اعتقاله أَنه عرض للمهدي مُهِمّ عَظِيم لَا يقوم بِهِ إلا صَاحب التَّرْجَمَة فَأخْرجهُ من الْحَبْس وأرسله فى طَائِفَة من الجيوش ثمَّ نَدم على ذَلِك وَعرف أَنه قد أَخطَأ فَبعث إِلَيْهِ ليعود فَمَا أسعد وَمضى لذَلِك المهم فقضاه ثمَّ بعد ذَلِك رغب النَّاس إِلَيْهِ وَأَرَادُوا أَن يبايعوه فَامْتنعَ معتذراً بِأَنَّهُ لم يكن في الْعلم مُسْتَوْفيا للِاجْتِهَاد محيطاً بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ في الإصدار والإيراد بل أَمرهم بِأَن يبايعوا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد صَاحب شهارة وَكَانَ من مشاهير الْعلمَاء وَبَايَعَهُ صَاحب التَّرْجَمَة وتلقب بالمنصور بِاللَّه والحل وَالْعقد بيد صَاحب التَّرْجَمَة وَلَيْسَ للحسين إلا الاسم ثمَّ شرع في مناجزة المهدي فقاد إِلَيْهِ الجيوش وحاصره في الْمَوَاهِب
(2/42)

وَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك فى سنة 1126 ثمَّ ان المهدي خلع نَفسه وَبَايع الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد وَكَانَ ذَلِك بعد محاصرة عَظِيمَة وحروب شَدِيدَة ثمَّ كثر الِاضْطِرَاب من الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فخلعه صَاحب التَّرْجَمَة وَمَال النَّاس إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ في سنة 1128 فَامْتنعَ المهدي عَن ذَلِك متعللاً بِأَنَّهُ إنما خلع نَفسه بِشَرْط أَن يكون الْخَلِيفَة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم لاصاحب التَّرْجَمَة فَأَعَادَ صَاحب التَّرْجَمَة الْحصار لَهُ وقاد إِلَيْهِ الجيوش فأذعن وَبَايع فِي سنة 1129 وَلم يخْتَلف بعد ذَلِك على المترجم لَهُ أحد من النَّاس وصفت لَهُ الْيمن وَثبتت قدمه وَكَانَ يسْتَقرّ غَالب الْأَيَّام بِصَنْعَاء وَيخرج فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى حِدة فيستقر فِيهَا وَله بهَا دَار عَظِيمَة عمّرها ومسجداً بجنبها وَقد صَار الْجَمِيع حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف خراباً
وَكَانَ لَهُ من الشجَاعَة مالم يكن لغيره فَإِنَّهَا اتفقت مِنْهُ قضايا تدل على أَنه فِي قُوَّة الْقلب وثبات الْجنان بِمحل يقصر عَنهُ غَالب نوع الْإِنْسَان وَلَو لم يكن من ذَلِك الا ماوقع مِنْهُ من الْقَتْل لرئيس حاشد وبكيل الْمَعْرُوف بِابْن حُبَيْش فَإِنَّهُ قَتله فِي بَيته وَبَين قبيلته وَلَيْسَ مَعَه من يقوم بِحَرب بعض الْبَعْض من اتِّبَاع ابْن حُبَيْش ثمَّ تم ذَلِك الْأَمر وَسلمهُ الله
وَصَارَت هَذِه الْقَضِيَّة تضرب بهَا الْأَمْثَال وَلَا سِيمَا فِي عصره وَمَا يقرب من عصره لاستعظامهم لمقدار ابْن حُبَيْش ولكثرة اتِّبَاعه
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من الْمحبَّة للْفُقَرَاء والإحسان إِلَيْهِم وإنفاق بيُوت الْأَمْوَال عَلَيْهِم مَالا يُمكن الْقيام بوصفه وَمَعَ هَذَا فَلهُ إِلَى آل الإِمَام من الْبر والبذل أَمر عَظِيم وَلم يرعوا لَهُ ذَلِك بل خَرجُوا عَلَيْهِ وفرّوا إِلَى بِلَاد الْقبْلَة وَاجْتمعَ مِنْهُم جمع كثير وَمن أعيانهم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد محسن بن
(2/43)

الْمُؤَيد وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن رجلاً يُقَال لَهُ الشجني كَانَ يلي بعض أَعمال صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقع مِنْهُ إِلَى جناب جمَاعَة من أَعْيَان السَّادة مالم تجر لَهُم بِهِ عَادَة من التَّسْوِيَة بَين أَمْوَالهم وأموال سَائِر الرعايا وَمَعَ ذَلِك فَمَا فازوا بشئ وَلَا نالوا خيراً وَمَات السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا هاوم وَهُوَ كَانَ كَبِيرهمْ الذي يرشحونه للخلافة فَتَفَرَّقُوا بعد ذَلِك وَكَانَ جَمِيع ذَلِك فِي سنة 1136 وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من المحاسن والحروب والفتكات مَالا يَتَّسِع لَهُ إلا سيرة مُسْتَقلَّة وَقد جمع لَهُ سيرة السَّيِّد محسن بن حسن بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة فِي ثاني شهر رَمَضَان سنة 1139 تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَولى بعده وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم حَسْبَمَا تقدّم فِي تَرْجَمته
الْفَقِيه قَاسم بن سعد بن لطف الله الجبلى

ولد تَقْرِيبًا فِي سنة الثَّمَانِينَ من الْمِائَة الثَّانِيَة عشر أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَقَرَأَ فى الْآلَات وَفقه الشَّافِعِيَّة ورحل إِلَى زبيد فَقَرَأَ على مشايخها وَقَرَأَ في علم الطِّبّ فَصَارَ طَبِيبا ماهراً وَقَرَأَ على فى أَوَائِل الْأُمَّهَات السِّت وأوائل المسندات وَمَا يلْتَحق بهَا وَقَرَأَ على فى شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَكَانَت قِرَاءَته عليّ فِي مَدِينَة ذي جبلة عِنْد قدومي إِلَيْهَا مَعَ مَوْلَانَا الإِمَام المتَوَكل على الله ولازمني مُلَازمَة تَامَّة وَهُوَ فايق الذكاء جيد الْفَهم حسن الْإِدْرَاك حسن المحاضرة لَهُ في الْأَدَب يَد حَسَنَة وَكَانَ سَمَاعه منى فِي سنة 1226 في ذي جبلة وفي ذِي السفال وأجزت لَهُ جَمِيع مروياتي ثمَّ سمع مني في صنعاء فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَصَارَ الْآن في صنعاء في الحضرة الإمامية وَهُوَ طَبِيب الْخلَافَة وَله معرفَة
(2/44)

تَامَّة بالفقه وَالْعلم والْحَدِيث وَعلم الْآلَة
السَّيِّد الْقَاسِم بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني

ولد فِي ذي الْحجَّة سنة 1173 ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ألف بكوكبان وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره وعَلى غَيره من أهل تِلْكَ الْجِهَة وتعانى النظم فجَاء مِنْهُ بِمَا هُوَ فِي الْغَايَة القصوى بِحَيْثُ سَارَتْ قصائده واشتهر نظمه وطارحه الأدباء من كثير من الْجِهَات وفَاق فِي هَذَا الشَّأْن
وَقد ترْجم لَهُ ابْن عَمه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن عِيسَى بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في الحدائق تَرْجَمَة حافلة وَمِمَّا أوردهُ لَهُ قَوْله في القَوْل بِالْمُوجبِ مَعَ التورية وأجاد
(أفدي الذي قد قَالَ لي مرة ... وعاذلي يسمع من قرب)
(مَا القَوْل بِالْمُوجبِ يَا سيدي ... قلت مناجاتك بِالْقَلْبِ)
وَهُوَ الْآن بدر طالع بكوكبان قد حمل خافقة لِوَاء الْأَدَب وَسلم لَهُ السَّبق أَبنَاء هَذَا الشَّأْن فَلم يخْتَلف في تَقْدِيمه على أهل بَلَده اثْنَان وَله في الْعلم بَاعَ وساع واطلاع أى اطلَاع ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله فَجْأَة في شهر محرم سنة 1216 سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف
قَاسم بن قطلوبغا زين الدَّين السودني

الْمَعْرُوف بقاسم الحنفي
ولد في الْمحرم سنة 802 اثْنَتَيْنِ وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ يَتِيما وَحفظ الْقُرْآن وكتباً عرض بَعْضهَا على الْعِزّ بن جمَاعَة ثمَّ أقبل على الاشتعال على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره كالعلاء البخاري والشرف السبكي وَابْن الْهمام وَقَرَأَ فِي غَالب الْفُنُون وتصدر للتدريس والإفتاء قَدِيما وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء فِي فنون
(2/45)

كَثِيرَة وَصَارَ الْمشَار إِلَيْهِ في الْحَنَفِيَّة وَلم يخلف بعده مثله وَله مؤلفات مِنْهَا شرح منظومة ابْن الْجَزرِي في مجلدين
وحاشية شرح الألفية للعراقي
وَشرح النخبة لِابْنِ حجر وَخرج أَحَادِيث عوارف المعارف للسهروردى
وَأَحَادِيث الاختيارشرح الْمُخْتَار فِي مجلدين وَكَذَلِكَ خرج أَحَادِيث البزدوي في أصُول الْفِقْه
وَتَفْسِير أَبى اللَّيْث ومنهاج العابدين وَالْأَرْبَعِينَ فِي أصُول الدَّين وجواهر الْقُرْآن وبداية الْهِدَايَة والشفاء وإتحاف الْأَحْيَاء بِمَا فَاتَ من تَخْرِيج احاديث الْأَحْيَاء ومنية الألمعى بِمَا فَاتَ الزَّيْلَعِيّ وبغية الرائد فى تَخْرِيج أَحَادِيث شرح العقائد ونزهة الرايض في أَدِلَّة الْفَرَائِض ورتب مُسْند أَبى حنيفَة لِابْنِ المقري وَبَوَّبَ مُسْند أَبى حنيفَة أَيْضا للحارثي والأمالي على مُسْند أبي حنيفَة فِي مجلدين والموطأ بِرِوَايَة مُحَمَّد بن الْحسن ومسند عقبَة بن عَامر الصحابي وعوالي كل من أَبى اللَّيْث والطحاوي وَتَعْلِيق مُسْند الفردوس وأسئلة الْحَاكِم للدارقطنى وَمن روى عَن أَبِيه عَن جده في مُجَلد والاهتمام الكلي بإصلاح ثِقَات العجلي في مُجَلد وزوائد رجال كل من الْمُوَطَّأ ومسند الشافعى وَسنَن الدارقطنى على السِّتَّة والثقات مِمَّن لم يَقع فِي الْكتب السِّتَّة في أَربع مجلدات وتقويم اللِّسَان فِي الضُّعَفَاء فِي مجلدين وفضول اللِّسَان وحاشية على كل من المشتبه والتقريب لِابْنِ حجر والأجوبة على اعْتِرَاض ابْن أَبى شيبَة عَليّ أَبى حنيفَة في الحَدِيث وتبصرة النَّاقِد فى كبت الْحَاسِد في الدفع عَن أَبى حنيفَة وترصيع الْجَوْهَر النقي كتب مِنْهُ إِلَى أثْنَاء التَّيَمُّم وتلخيص سيرة مغلطاي وتلخيص دولة التّرْك وَكتاب ترْجم فِيهِ لمن صنف من الْحَنَفِيَّة وَسَماهُ تَاج التراجم وَكتاب ترْجم فِيهِ مَشَايِخ مشايخه ومشايخ
(2/46)

شُيُوخ الْعَصْر ومعجم شُيُوخه وَشرح كتباً من كتب فقه الْحَنَفِيَّة كالقدوري والنقاية ومختصر الْمنَار ودرر الْبحار في الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وأجوبة على اعتراضات الْعِزّ بن جمَاعَة على أصُول الْحَنَفِيَّة وتعليقة على الأندلسية في الْعرُوض ومختصر تَلْخِيص الْمِفْتَاح وَشرح منار النّظر فى الْمنطق لِابْنِ سيناء وَله مصنفات غير هَذِه وَقد برع في عدَّة فنون وَلم ينل مَا يَلِيق بجلاله من المناصب حَتَّى التدريس في الْأَمْكِنَة الَّتِى صَار يدرس بهَا من هُوَ دونه في جَمِيع الْأَوْصَاف وَله نظم كنظم الْعلمَاء فَمِنْهُ رادا على من قَالَ
(إن كنت كَاذِبَة الذي حدثتني ... فَعَلَيْك إثم أَبى حنيفَة أَو زفر)
(الواثبين على الْقيَاس تمرداً ... والراغبين عَن التَّمَسُّك بالأثر)
فَقَالَ
(كذب الذي نسب المآثم للذي ... قَاس الْمسَائِل بِالْكتاب وبالأثر)
(إنّ الْكتاب وَسنة الْمُخْتَار قد ... دلا عَلَيْهِ فدع مقَالَة من فشر)
وَتوفى في لَيْلَة الْخَمِيس رَابِع ربيع الآخر سنة 879 تسع وَسبعين وثمان مائَة
370
- الإِمَام الْأَعْظَم الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن على ابْن مُحَمَّد بن الرشيد

قد تقدّم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده الْحسن ولد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثاني عشر شهر صفر سنة 967 سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
ثمَّ اشْتغل بِطَلَب الْعلم على شُيُوخ ذَلِك الْعَصْر فبرع فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة ومشايخه مَشْهُورُونَ مذكورون وأعيانهم قد اشْتَمَل على تراجمهم هَذَا الْكتاب وَله مصنفات
(2/47)

جليلة نبيلة مِنْهَا في الحَدِيث كتاب الِاعْتِصَام جمع فِيهِ بَين كتب أَئِمَّة الْآل وَكتب الْمُحدثين من الْأُمَّهَات وَغَيرهَا وَرجح فى كل مسئلة مَا يَقْتَضِيهِ وَلكنهَا اخترمته الْمنية قبل تَمَامه فَإِنَّهُ لم يبلغ إِلَّا إِلَى كتاب الصيام وَكَانَ ذَلِك الْمِقْدَار في مُجَلد ضخم وَمِنْهَا فِي أصُول الدَّين الأساس في مُجَلد وَقد شَرحه جمَاعَة وَاعْتَرضهُ الكردي صَاحب الْحَرَمَيْنِ بِكِتَاب سَمَّاهُ النبراس وَأجَاب عَلَيْهِ العبدي بِكِتَاب سَمَّاهُ الاحتراس كَمَا تقدم في تَرْجَمته وَكَذَلِكَ أجَاب عَلَيْهِ السَّيِّد زيد بن مُحَمَّد بِكِتَاب وَلم يكمل حَسْبَمَا تقدم في تَرْجَمته وَله كتاب الإرشاد في كراريس ذكر فِيهِ فصولاً مفيدة نفيسة جَيِّدَة وَله رسائل ومسائل مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وَلما فاق في الْعُلُوم وحقق منطوقها وَالْمَفْهُوم وَكَانَت الْيمن إِذْ ذَاك تشتعل من الدولة التركية اشتعالا لما جبلوا عَلَيْهِ من الْجور وَالْفساد الذي لَا تحتمله طباع أهل هَذِه الْبِلَاد دَعَا هَذَا الإِمَام النَّاس إِلَى مبايعته وَكَانَ ذَلِك في شهر محرم سنة 1006 سِتّ وَألف في جبل قارة بِالْقَافِ وَالرَّاء الْمُهْملَة فَلَمَّا ظَهرت دَعوته اشْتَدَّ طلب الأتراك لَهُ في كل مَكَان فَصَارَ يتنقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَالْحَاصِل أَنَّهَا جرت لَهُ خطوب وحروب وكروب قد اشْتَمَل عَلَيْهَا كتاب سيرته وَكَانَ تَارَة ينتصر فَيفتح بعض الْبِلَاد اليمنية وَتارَة تتكاثر عَلَيْهِ جيوش الأتراك
(2/48)

فيخرجونه عَنْهَا فَيذْهب هُوَ وَجَمَاعَة من خلص أَصْحَابه الَّذين يَأْخُذُونَ عَنهُ الْعلم إِلَى فلاة من الأرض بِحَيْثُ تَنْقَطِع أخبارهم عَن النَّاس وَلَا يَدْرُونَ أَيْن هم فتمضي أَيَّام على ذَلِك فَلَا يشْعر الأتراك إلا وَهُوَ فِي الْبِلَاد اليمنية قد استولى على مَوَاضِع وَمَا زَالَ هَكَذَا مَعَ إقدام وشجاعة وصبر لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره حَتَّى أنه كَانَ في بعض الْأَوْقَات قد لَا يجد هُوَ وَمن مَعَه مَا يَأْكُلُون عِنْد اختفائهم فَيَأْكُلُونَ من نَبَات الأَرْض وَقد يكابد من الشدائد مَا يظن كل اُحْدُ أَنه لَا يعود بعد ذَلِك إِلَى مناجزرة الأتراك فبينماهم على يأس من رُجُوعه إذ هُوَ قد وثب على بعض الأقطار وَكَانَ آخر الْأَمر أَنه وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين الأتراك على أَن تثبت يَده على مَا قد استولى عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَهُوَ غَالب الْجبَال وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله فَأخْرج الأتراك من جَمِيع الأقطار اليمنية أَوْلَاده وصفت لَهُم الديار اليمنية وَلم يبْق لَهُم فِيهَا مُنَازع وَصَارَت الدولة القاسمية في الديار اليمنية ثَابِتَة الأساس إِلَى عصرنا هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلِهَذَا الإِمَام كرامات قد اشْتَمَلت عَلَيْهَا المطولات وجهادات لَا يَتَّسِع لَهَا إلا مجلدات وإقدامات يحجم عَنْهَا الْأَبْطَال وَله في إنكار الْمُنْكَرَات قبل دَعوته يَد طولى
فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ صَاحب نسمَة السحر قَالَ أخبرني شَيْخي الزَّاهِد الصُّوفِي الْحسن بن الْحُسَيْن حفيد صَاحب التَّرْجَمَة أنّ صوفياً بِصَنْعَاء كَانَ شَدِيد الخلاعة وَكَانَ يَأْكُل الْحَشِيش أكل الْحمار ويستبيح الْمُحرمَات عَامَّة فكمن لَهُ الإِمَام الْقَاسِم فِي بعض الْأَزِقَّة كمون الأفعوان حَتَّى إِذا مر ضربه بعمود فَأخْرج دماغه من بَين الآذان ثمَّ خرج من الْمَدِينَة خايفاً يترقب انْتهى
وَكَانَ لَهُ قُوَّة عَظِيمَة وَهُوَ ربعَة معتدل الْقَامَة إِلَى السمن أقرب
وَاسع الْجَبْهَة عَظِيم
(2/49)

الْعنين أشم الْأنف طَوِيل اللِّحْيَة عظيمها عبل الذراعين أشعرهما فصيح الْعبارَة سريع الاستحضار للأدلة كثير الْحلم يصبر على المكاره ويتحمل العظائم وَلَا تفزعه القعاقع وَلَا تحركه إلا هول العظايم كَانَ يقدم على الجيوش الَّتِى هي أُلُوف مؤلفة وَهُوَ في نفر يسير وَلِهَذَا كَانَت لَهُ الْعَاقِبَة وقهر الْأَعْدَاء وأزال ملك الدولة الْعَظِيمَة ومهد لعقبة هَذِه الدولة الجليلة الَّتِى صَارَت من غرر الدهور ومحاسن العصور وَفِيهِمْ من هُوَ من أَئِمَّة الْعلم المصنفين وَمن أَئِمَّة الْجِهَاد المثاغرين وَمن الشُّعَرَاء المجيدين وَمن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن الفرسان المعتبرين وَمن الشجعان الفائقين
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْكتاب على تراجم جمَاعَة من أعيانهم هم طراز هَذِه التراجم وتاجها وَله نظم في المواعظ والعلوم والزجر والتهديد فَمن ذَلِك
(يَاذَا المريد لنَفسِهِ تثبيتاً ... ولدينه عِنْد الْإِلَه ثبوتا)
(أسلك طَريقَة آل أَحْمد واسألن ... سفن النجا إن يسْأَلُوا ياقوتا)
(لَا تعدلن بآل أَحْمد غَيرهم ... وَهل الْحَصَى يشاكل الياقوتا)
وَله قصيدة يرد بهَا على السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الإِمَام شرف الدَّين مَشْهُورَة وَله إِلَى السَّيِّد عبد الله بن علي المؤيدي وَقت أن دَعَا إِلَى نَفسه ورام معارضته
(إن كنت تبغي هدم دين مُحَمَّد ... فَأَنا المريد أقيمه بداعايم)
(أَو كنت تخبط في غيابه بَاطِل ... فَأَنا المزيل ظلامها بعزائم)
(لَوْلَا اشتغالي بالحروب وَأَهْلهَا ... لوجدت نَفسك لقْمَة للاقم)
وَكَانَ وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثانى عشر من ربيع الأول سنة 1029 تسع وَعشْرين وَألف بشهارة بعلة البرسام وَتَوَلَّى بعده الْخلَافَة وَلَده الإِمَام
(2/50)

الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم وسيأتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى
الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف البرزالي علم الدَّين بن بهاء الدَّين الدمشقي الْحَافِظ

ولد في جُمَادَى الأولى سنة 665 خمس وَسِتِّينَ وست مائَة وَأَجَازَ لَهُ ابْن عبد الدَّائِم وَابْن عَلان وَغَيرهمَا ثمَّ أمعن فِي الطلب وَدَار على الشُّيُوخ ورحل إِلَى حلب وبعلبك ومصر والحرمين وَغَيرهمَا وَأخذ عَن حفاظ هَذِه الْجِهَات وَخرج لنَفسِهِ أَرْبَعِينَ بلدية وَكَانَ ابْن تَيْمِية يَقُول نقد البرزالي نقرفى حجر
وَولى تدريس الحَدِيث بمواضع وَألف تَارِيخا بَدَأَ فِيهِ من عَام مولده وهي السنة الَّتِى مَاتَ فِيهَا أبوشامة فَجعله ذيلاً على تَارِيخ أَبى شامة وَجمع لنَفسِهِ ثبتاً في بضع وَعشْرين مجلداً
قَالَ الذهبي إنه كَانَ رَأْسا في صدق اللهجة وَالْأَمَانَة صَاحب سنة وَاتِّبَاع وَلُزُوم للفرائض وَأثْنى عَلَيْهِ كثيراً حَتَّى قَالَ وَهُوَ الذي حبّب إِلَى طلب الحَدِيث فَإِنَّهُ رأى خطي فَقَالَ خطك يشبه خط الْمُحدثين فاثّر قَوْله فيّ وَسمعت مِنْهُ وتخرجت بِهِ
قَالَ الصفدي كَانَ يصحب الْخَصْمَيْنِ وكل مِنْهُمَا رَاض لصحبته واثق بِهِ حَتَّى كَانَ كل وَاحِد من ابْن تَيْمِية وَابْن الزملكاني يذيع سره في الآخر إِلَيْهِ وثوقاً بِهِ وسعى في صَلَاح ذَات بَينهمَا ومدحه الذهبي فَقَالَ
(إن رمت تفتيش الخزائن كلهَا ... وَظُهُور أَجزَاء بَدَت وعوالي)
(وتفوق أَشْيَاخ الْوُجُود ومارووا ... طالع أَو اسْمَع مُعْجم البرزالي)
وَتوفى ذَاهِبًا إِلَى مَكَّة غَرِيبا في رَابِع ذي الْحجَّة سنة 739 تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
(2/51)

السَّيِّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الله الكبسنى

ولد سنة 1121 إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة وَألف ثمَّ طلب الْعلم فَقَرَأَ على مَشَايِخ مَدِينَة صنعاء وبرع في الْعُلُوم ولاسيما علم الحَدِيث فَإِنَّهُ صَار فِيهِ إماماً كَبِيرا وَأخذ عَنهُ النَّاس في صنعاء طبقَة بعد طبقَة وانتفعوا بِهِ وَكَانَ يتَوَلَّى في بعض الْأَوْقَات فَتَوَلّى وقف ثلا وبقى هُنَالك أَيَّامًا وَعَاد إِلَى صنعاء وَاسْتمرّ على نشر الْعلم وَطَالَ عمره وَضعف عَن الْحَرَكَة في آخر عمره وَهُوَ شيخ شُيُوخنَا وَلَو سَمِعت مِنْهُ لَكَانَ ذَلِك مُمكنا وَله رسائل وأجوبة مفيدة مَوْجُودَة وَمَات سنة 1201 إحدى وَمِائَتَيْنِ وَألف
السَّيِّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن صَلَاح الْمَعْرُوف بالأمير

ابْن الْعَلامَة الْكَبِير الْبَدْر الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى مولده سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعد الْمِائَة وَالْألف في سادس وَعشْرين شهر ربيع الأول مِنْهَا بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا فَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من الْعلمَاء كأخيه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد والعلامة لطف الباري بن أَحْمد الْورْد
والعلامة علي بن هادي عرهب ولازم الثَّالِث وَأخذ عَنهُ في فنون عدَّة وانتفع بِهِ انتفاعاً تَاما وَهُوَ الْآن مكب على الْأَخْذ عَنهُ وَقد اسْتَقر هُوَ وَشَيْخه الْمَذْكُور فِي الرَّوْضَة وَله ذهن دَقِيق وفكر عميق وَفهم صَحِيح وفطنة زَائِدَة وَقد برع فى عُلُوم الِاجْتِهَاد وَعمل بالأدلة وَله صَلَاح تَامّ وهدي حسن وَعبادَة وزهادة واشتغال بِخَاصَّة النَّفس ومحبة للخمول واستكثار من الطَّاعَة وَالْحَاصِل أَنه من حَسَنَات الزَّمن في جَمِيع خصاله وَهُوَ الْآن حي مكب
(2/52)

على الِاشْتِغَال لَا برح فى حماية ذي الْجلَال
الْقَاسِم بن يحيى الخولاني

ثمَّ الصنعاني شَيخنَا الْعَلامَة الْأَكْبَر ولد في شهر رَمَضَان سنة 1162 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر علمائها مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَشَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي والخطيب الْعَلامَة لطف الباري بن أَحْمد الْورْد وَغير هَؤُلَاءِ وبرع في جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وانتفع بِهِ الطّلبَة في جَمِيع الْفُنُون وَأخذت عَنهُ في أَوَائِل الطلب ولازمته وانتفعت بِهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ الكافية فِي النَّحْو وَشَرحهَا للسَّيِّد الْمُفْتى جَمِيعًا وَشَرحهَا للخبيصي جَمِيعًا وحواشيها وَشرح الرضى إِلَّا شيأ يَسِيرا من أواخره والشافية في الصّرْف وَشَرحهَا للشَّيْخ لطف الله جَمِيعًا والتهذيب للسعد فِي الْمنطق وَشَرحه للشيرازي جَمِيعًا وَشَرحه للبزدى جَمِيعًا وتلخيص الْمِفْتَاح وحاشيته للطف الله جَمِيعًا وفي الْأُصُول غَايَة السؤل وَشَرحهَا وحاشيتها إِلَّا فوتا يَسِيرا والرسالة العضدية فى آدَاب الْبَحْث وَشَرحهَا لملا حنفى وَمَا عَلَيْهَا من الحواشى وفى علم الِاصْطِلَاح النخبة لِابْنِ حجر وَشَرحهَا لَهُ جَمِيعًا وفي شُرُوح الحَدِيث بعض شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد ولعلى سَمِعت مِنْهُ غير مَا تقدم وَكَانَ رَحمَه الله يطارحني فِي الْبَحْث مطارحة المستفيد تواضعاً مِنْهُ ثمَّ ترافقنا في الطلب على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَجَرت بيني وَبَينه مباحثات في مسَائِل
(2/53)

يشْتَمل عَلَيْهَا رسائل وَلم تَرَ عَيْنَايَ مثله فِي التَّوَاضُع وَعدم التلفت إِلَى مناصب الدُّنْيَا مَعَ قلَّة ذَات يَده وَكَثْرَة مكارمه وَله فِي الزّهْد طَريقَة لَا يلْحقهُ فِيهَا غَيره بِحَيْثُ كَانَ يكْتَفى بِمَا يحصل لَهُ من أُجْرَة تِلَاوَة الْقُرْآن وَمَا يحصل لَهُ من أُجْرَة مَا ينسخه بِخَطِّهِ الْحسن وَله من قُوَّة الْفَهم وَسُرْعَة الْإِدْرَاك وَحل الدقائق مَا يبهر من عرفه وَلَو طَال عمره وَأَقْبل عليّ التصنيف لجاء بالعجاب وَمَات رَحمَه الله فِي الْيَوْم الثاني من شهر شَوَّال سنة 1209 تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف
السُّلْطَان قانصوه سُلْطَان مصر
كَانَ فى أَوَائِل الْأَمر أحد مماليك السُّلْطَان قايتباي وَكَانَ أميالا يعرف شيأ لِأَنَّهُ جلب من بِلَاده وَهُوَ كَبِير قد شرع فِيهِ الشيب وَصَارَ السُّلْطَان
(2/54)

قايتباي يرقيه لكَونه أَخا لزوجته وهي الَّتِى بذلت الْأَمْوَال للجند ومكنته من الخزائن حَتَّى ملكوه بعد السُّلْطَان قايتباي فاستمر سُلْطَانا سنة وَسَبْعَة أشهر ثمَّ خلعوه وَكَانَ قد تلقب بالأشرف وأخرجوه من المملكة سنة 905 وَولى بعده أميران وَلم يثبت قدمهما في السلطنة ثمَّ أجمع الأجناد على تَوْلِيَة السُّلْطَان قانصوه الغوري وَهُوَ غير الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ من أَصْغَر الْأُمَرَاء وأحقرهم وَلَكِن الْأُمَرَاء الْكِبَار تحاموا الْأَقْدَام على السلطنة خوفًا من بَعضهم الْبَعْض فَوَلوا هَذَا فَقبل بعد أَن شَرط عَلَيْهِم أَنهم لَا يقتلونه إِذا أَرَادوا خلعه فقبلوا مِنْهُ ذَلِك فولي السلطنة في سنة 906 وَكَانَ عَظِيم الدهاء قوي التَّدْبِير فَثَبت قدمه في السلطنة ثباتاً عَظِيما وَمَا زَالَ يقتل أكَابِر الْأُمَرَاء حَتَّى أفناهم وصفت لَهُ المملكة وَلم يبْق لَهُ فِيهَا مُنَازع وَلكنه مَال إِلَى الظُّلم والعسف وانتهب أَمْوَال النَّاس وانقطعت بِسَبَبِهِ الْمَوَارِيث فَضَجَّ أهل مصر وَمن تَحت طَاعَته من أَخذه لأموالهم فَسلط الله عَلَيْهِ السُّلْطَان سليم سُلْطَان الروم فَإِنَّهُ غزاه إِلَى دياره وَوَقع بَينهمَا مصَاف فَقتل صَاحب التَّرْجَمَة تَحت سنابك الْخَيل وَاسْتولى السُّلْطَان سليم على مملكة مصر وَالشَّام وَصَارَت إِلَى أَوْلَاده من بعده إِلَى الْآن وَكَانَ ذَلِك في سنة 923 ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة
السُّلْطَان قايتباي الجركسي المحمودي الأشرفي ثمَّ الظَّاهِرِيّ ملك الديار المصرية

ولد تَقْرِيبًا في بضع وَعشْرين وثمان مائَة وَقدم بِهِ تَاجر يُقَال لَهُ مَحْمُود إِلَى ديار مصر في سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف برسباى ثمَّ ملكه الظَّاهِر جقمق ثمَّ ترقى في الخدم حَتَّى صَار أَمِير عشرَة
(2/55)

ثمَّ أَمِير طبلخانة ثمَّ صَار أتابكاً ثمَّ صَار سُلْطَانا فى يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث رَجَب سنة 872 وَثَبت قدمه فِي السلطنة وتمكنت هيبته وَصَارَ مُقبلا على أَفعَال الْخَيْر مقربا للْعُلَمَاء والصلحاء محبا للْفُقَرَاء كثير الْعدْل كثير الْعِبَادَة مائلاً إِلَى الْعلم كُلية الْميل عفيفاً عَن شهوات الْمُلُوك حَسَنَة من حَسَنَات الدَّهْر لم يكن لَهُ نَظِير في مُلُوك الجراكسة وَلَا فِيمَن قبلهم من مُلُوك الأتراك وَحج في أَيَّام سلطنته وَفعل من المحاسن مَا لم يَفْعَله غَيره وَأحسن إِلَى الْخَاص وَالْعَام
وَله عمارات في كثير من أَنْوَاع القربات وَقد طول السخاوي تَرْجَمته في الضَّوْء اللامع وَذكر كثيراً من محاسنه الَّتِى لَا يهتدى إِلَيْهَا غَيره من الْمُلُوك وَلكنه كدر صفوها فَجعل التَّرْجَمَة من أَولهَا إِلَى آخرهَا سجعاً بَارِدًا جداً وَلم يفعل ذَلِك في تَرْجَمَة غَيره وَالسَّبَب أَنه كَانَ معاصراً لَهُ وَقد تَرْجمهُ قطب الدَّين الحنفي فِي الْأَعْلَام تَرْجَمَة جَيِّدَة وفى سنة 901 أَرَادَ أَن يعْزل جمَاعَة من الْأُمَرَاء ويولى آخَرين وَكَانَ مَرِيضا إِذْ ذَاك وَأنْفق بِهَذَا السَّبَب نَحْو سِتّمائَة ألف دِينَار وَاسْتمرّ تَارَة يزِيد وعكه وَتارَة ينقص وَلكنه يظْهر الْجلد إِلَى أَن عجز وَزَاد توعكه بِحَيْثُ حجب النَّاس عَنهُ وَالْخلاف بَين سَائِر عساكره متزايد وَأعظم أمرائه قانصوه أَخُوهُ زَوجته وَهُوَ الذي صَار سُلْطَانا بعده كَمَا تقدم وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر ذي الْقعدَة سنة 901 وَاحِدَة وَتِسْعمِائَة
قرأ يُوسُف بن مُحَمَّد التركماني

كَانَ في أول أمره من التركمان الرحالة فتنقلت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أن استولى بعد تيمورلنك على عراق الْعَرَب والعجم ثمَّ ملك تبريز وبغداد وماردين وأذربيجان ودياربكر وَمَا والاها واتسعت مَمْلَكَته حَتَّى كَانَ
(2/56)

يركب في أَرْبَعِينَ ألف نفس ثمَّ ملك الْموصل سنة 791 ثمَّ وَقع بَينه وَبَين مرز بن بكر بن مرز بن تيمور حَرْب فَقتله صَاحب التَّرْجَمَة في سنة 813 واستمد بِملك الْعرَاق وسلطن ابْنه مُحَمَّد شاه بِبَغْدَاد وَله وقايع مَعَ جمَاعَة من الْمُلُوك مِنْهُم شاه رخ بن تيمور وَكَانَ شَدِيد الظُّلم قاسي الْقلب لَا يتَمَسَّك بدين واشتهر عَنهُ أَنه كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَة وَكَانَ شجاعاً سفاكاً للدماء حَتَّى أنه غزا إِلَى بعض الْبلدَانِ فدمر أَهلهَا قتلاً وسبياً وَبيع الصبى بِدِرْهَمَيْنِ وَمَات فِي ذى الْقعدَة سنة 823 ثَلَاث وَعشْرين وثمان مائَة
قطب الدَّين بن عَلَاء الدَّين النهرواني ثمَّ المكي الحنفي

الْعَالم الْكَبِير أحد المدرسين بِالْحرم الشريف في الْفِقْه وَالتَّفْسِير والأصلين وَسَائِر الْعُلُوم وَكَانَ يكْتب الْإِنْشَاء لأشراف مَكَّة وَله فصاحة عَظِيمَة يعرف ذَلِك من اطلع على مُؤَلفه الَّذِي سَمَّاهُ الْبَرْق اليماني فى الْفَتْح العثمانى
وَهُوَ مؤلف الْإِعْلَام في أَخْبَار بَيت الله الْحَرَام وَكَانَ عَظِيم الجاه عِنْد الأتراك لَا يحج أحد من كبرائهم إلا وَهُوَ الذي يطوف بِهِ وَلَا يرتضون بِغَيْرِهِ وَكَانُوا يعطونه الْعَطاء الْوَاسِع وَكَانَ يشترى بِمَا يحصله مِنْهُم نفائس الْكتب ويبذلها لمن يحتاجها وَاجْتمعَ عِنْده مِنْهَا مالم يجْتَمع عِنْد غَيره وَكَانَ كثير التنزهات فِي الْبَسَاتِين وَكَثِيرًا مَا يخرج إِلَى الطَّائِف ويستصحب مَعَه جمَاعَة من الْعلمَاء والأدباء وَيقوم بكفاية الْجَمِيع وَمَات سنة 988 ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة هَكَذَا أرخ مَوته الضمدي في ذيل الغربال وَقَالَ العصامي في تَارِيخه أنه توفي في يَوْم السبت السَّادِس وَالْعِشْرين
(2/57)

من ربيع الثاني سنة 990 تِسْعمائَة وَتِسْعين قَالَ وأرخ بَعضهم مَوته فَقَالَ قد مَاتَ قطب الدَّين أجل عُلَمَاء مَكَّة ثمَّ قَالَ وَهُوَ يزِيد على تَارِيخ مَوته بِوَاحِد
حرف الْكَاف

كتبغا المغلي المنصوري

أسر من عَسْكَر هلاكو ملك التتار سنة 658 وَكَانَ أسمر قَصِيرا صَغِير الْوَجْه وتنقلت بِهِ الْأَحْوَال وَعظم في دولة الْملك الْمَنْصُور ثمَّ ازْدَادَ فى دولة الْأَشْرَف ثمَّ ولي النِّيَابَة فِي أَيَّام النَّاصِر وَغلب على أُمُور المملكة ثمَّ اسْتَقل بالسلطنة ولقب الْعَادِل وَذَلِكَ في حادي عشر الْمحرم سنة 694 وَتوجه إِلَى حمص ثمَّ توجه إِلَى مصر فَوَثَبَ عَلَيْهِ جمَاعَة من أمرائه وأسروه وسجنوه بقلعة صرخد ثمَّ لما عَاد النَّاصِر إِلَى السلطنة جعله نَائِبا بحماء وَكَانَ قَلِيل الشَّرّ يُؤثر أُمُور الدّيانَة شجاعاً مقداماً سليم الْبَاطِن عادلاً فِي الرعية وَوَقع في سلطنته غلاء عَظِيم بِمصْر إِلَى أَن بلغ سعر الأردب مائَة وَتِسْعين درهماً ثمَّ وَقع بِالْقَاهِرَةِ وباء عَظِيم حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم وَاحِد مِمَّن ضبط ميراثهم في ديوَان بَيت المَال سَبْعَة آلَاف نفس فضلاً عَن غَيرهم فَفرق صَاحب التَّرْجَمَة الْفُقَرَاء على الْأُمَرَاء وَلَوْلَا أَنه فعل كَذَلِك مَاتُوا جَمِيعًا وَمَات فى يَوْم النَّحْر سنة 702 اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة
(2/58)

حرف اللَّام
لطف الْبَارِي بن أَحْمد بن عبد الْقَادِر الْورْد الثلائى
ثمَّ الصنعاني خطيب صنعاء وَاحِد مشاهير علمائها نَشأ بثلا وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَهلهَا ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء وَأخذ عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وَأكْثر من مُلَازمَة السَّيِّد الْعَلامَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد الكبسي وَبِه انْتفع وَأخذ عَن القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وبرع في جَمِيع الْعُلُوم لَا سِيمَا علم الحَدِيث وَالتَّفْسِير فإنه فيهمَا من المبرزين وَبعد ارتحاله إِلَى صنعاء جعله الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحسن خَطِيبًا بِجَامِع صنعاء فاستمر على ذَلِك حَتَّى مَاتَ الإِمَام المهدي ثمَّ اسْتمرّ فِي خلَافَة الإِمَام مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه خفظه الله إِلَى أَن مَاتَ في يَوْم السبت سادس شعْبَان سنة 1211 إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف فأقام مَوْلَانَا في الخطابة ابْن صَاحب التَّرْجَمَة الْعَلامَة الْخَطِيب المصقع أَحْمد بن لطف الْبَارِي كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة متفرداً فِي أُمُور مِنْهَا الْوَرع الشحيح والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس والإقبال على الْعِبَادَة والاستكثار من الطَّاعَة وَحسن الْخلق والتواضع والبشاش والانجماع عَن النَّاس إِلَّا فِيمَا لَا بُد مِنْهُ وَحفظ اللِّسَان عَن الهفوات والكبوات لاسيما بِمَا فِيهِ تبعه كالغيبة والنميمة فَإِنَّهُ لَا يحفظ عَنهُ فى ذَلِك شئ بل لَا ينْطق لِسَانه إلا بِذكر الله والتذكير أَو بإملاء تَفْسِير كتاب الله وَأَحَادِيث رَسُول الله وَلَيْسَ لَهُ الْتِفَات إِلَى شَيْء من أَحْوَال بني الدُّنْيَا وَلم يكن لَهُ شغل بسوى أَعمال الْآخِرَة ولوعظه في الْقُلُوب وَقع ولكلامه في النُّفُوس تَأْثِير مَعَ فصاحة زايدة وَحسن سمت ورجاحة عقل وجمال هَيْئَة وَنور شيبَة وملاحة
(2/59)

شكل وَكَمَال خلقَة وَالْحَاصِل أَنه من محَاسِن الدَّهْر وَلم يخلف بعده مثله في مَجْمُوعه وَله أتم عناية وأكمل رَغْبَة بِالْعَمَلِ بِمَا جَاءَت بِهِ السنة والمشي على نمط السلف الصَّالح وَعدم التَّقْلِيد بالرأي وَله في حسن التَّعْلِيم مَسْلَك حسن لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَولده الْعَلامَة أَحْمد بن لطف الباري وَغير هَؤُلَاءِ من عُلَمَاء الْعَصْر وَأَنا سَمِعت مجَالِس تَفْسِيره الْقُرْآن ومواقف املائه للْحَدِيث وَلَكِن كَانَ ذَلِك حضوراً فَقَط وَكَانَ يبْذل نَفسه في قَضَاء حوائج من يَسْتَعِين بِهِ ويبالغ فِي ذَلِك وَلم يتْرك طَرِيقا من طرق الْخَيْر إلا سلكها وفَاق فِيهَا
ووالد صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ من أكَابِر الْعلمَاء أَخذ عَن جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الْمُحدث الْكَبِير عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي الْمُتَقَدّم ذكره والمحقق الْعَلامَة صَالح بن مهدي المقبلي وَكَانَ يحيى اللَّيْل بدرس كتاب الله وَإِذا غَلبه النوم نَام مُتكئا قَلِيلا ثمَّ يعود للتلاوة وَحصل بِخَطِّهِ كتبا فِي عدَّة فنون وَكَانَ يخْطب بِمَدِينَة ثلا وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى
لطف الله بن أَحْمد بن لطف الله بن أَحْمد بن لطف الله بن أَحْمد جحاف

الصنعاني المولد وَالدَّار والمنشأ
ولد نصف شعْبَان سنة 1189 تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد علي بن إِبْرَاهِيم بن عَامر وَالسَّيِّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وَشَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم ابْن عبد الْقَادِر وَغير هَؤُلَاءِ من أَعْيَان الْعلمَاء ولازمني دهرا طَويلا فَقَرَأَ
(2/60)

علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وبرع في هَذِه المعارف كلهَا وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر وَهُوَ في سن الشَّبَاب ودرس في فنون وصنف رسائل أفرد فِيهَا مسَائِل ونظم الشّعْر الْحسن وغالبه في أَعلَى طَبَقَات البلاغة وباحث كثيرا من عُلَمَاء الْعَصْر بمباحث مفيدة يكْتب فِيهَا مَا ظهر لَهُ ثمَّ يعرضهَا على مشايخه أَو بَعضهم ويعترض مَا فِيهِ اعْتِرَاض من الْأَجْوِبَة وَقد كتب إِلَى من ذَلِك بِكَثِير بِحَيْثُ لَو جمع هُوَ وَمَا أكتبه عَلَيْهِ من الجوابات لَكَانَ مجلدا وَلَعَلَّ غَالب ذَلِك مَحْفُوظ لَدَيْهِ وعندي مِنْهُ الْقَلِيل
وَهُوَ قوي الْإِدْرَاك جيد الْفَهم حسن الْحِفْظ مليح الْعبارَة فصيح اللَّفْظ بليغ النظم والنثر ينظم القصيدة الطَّوِيلَة فِي أسْرع وَقت بِلَا تَعب وَيكْتب النثر الْحسن والسجع الْفَائِق بِلَا تروي وَلَا تفكر وَهُوَ طَوِيل النَّفس ممتع الحَدِيث كثير المحفوظات الأدبية لَا يتلعثم وَلَا يتَرَدَّد فِيمَا يسرده من الْقَصَص الحسان وَلَا يَنْقَطِع كَلَامه بل يخرج من الشئ إِلَى مَا يُشبههُ ثمَّ كَذَلِك حَتَّى ينقضي الْمجْلس وَإِن طَال وَله ملكة في المباحث الدقيقة مَعَ سَعَة صدر إِذا رام من يباحثه أَن يقطعهُ فِي بحث لم يَنْقَطِع بل يخرج من فن إِلَى فن وَإِذا لَاحَ لَهُ الصَّوَاب انْقَادَ لَهُ وَفِيه سَلامَة صدر زايدة بِحَيْثُ لَا يكَاد يحقد على من أغضبهُ وَلَا يتأثر لما يتأثر غَيره بِدُونِهِ وَهُوَ الْآن من محَاسِن الْعَصْر وَله إقبال على الطَّاعَة وتلاوة الْقُرْآن بِصَوْتِهِ المطرب وَفِيه محبَّة للحق لَا يبالي بِمَا كَانَ دَلِيله ضَعِيفا وَإِن قَالَ بِهِ من قَالَ ويتقيد بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح وَإِن خَالفه من خَالف وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي في صَحِيح البخاري وفي شرحي للمنتقى وَقد سمع مني غير هَذَا من مؤلفاتي وَغَيرهَا وَقد اخْتصَّ بالوزير الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش وَصَارَ
(2/61)

لَدَيْهِ بِمَنْزِلَة وَلَده لَا يُفَارِقهُ في غَالب الْأَوْقَات وتستمر المباحثة بَينهمَا في عدَّة فنون وَإِذا طَال بَينهمَا الْخلاف أشركاني فِي الْبَحْث وأرسلا إِلَى بِمَا تحصل من ذَلِك فَاكْتُبْ مَا يظْهر وأرجعه إِلَيْهِمَا وَلم يكن في طلبة الْعلم الْآن من لَهُ في الرَّغْبَة فى المذاكرة على الِاسْتِمْرَار مالصاحب التَّرْجَمَة وَقد طارحني بقصايد فرايد كتبتها فِي مَجْمُوع شعري وَمِمَّا لم أكتبه هُنَالك مَا كتبه إِلَى في الْأُسْبُوع الذي حررت فِيهِ هَذِه التراجم وَهُوَ قصيدتان القصيدة الأولى هَذِه
(إِلَى مُنْتَهى السؤل الذي بحياته ... يقوم على سَاق المناضلة الْمجد)
(إِلَى دولة الْعلم الذى حام حولهَا التقى ... وانثنى عَن سوحها الْكفْر والجحد)
(إِلَى حَيْثُمَا قَامَ الفخار وحيثما استقام الْعلَا ... حَيْثُ انْتهى حَيْثُمَا يَبْدُو)
(إِلَى حَيْثُمَا النَّقْع اسْتَدَارَ وحيثما البواتر ... حَيْثُ اشتدت الضمر الجرد)
(إِلَى حَيْثُمَا خط العلافى صحايف ... المحاسن آثارا بهَا يزدْ هى العَبْد)
(إِلَى مُنْتَهى أُمْنِية حَيْثُ تبتدى المنايا ... الَّتِى إن قَامَ ذُو غيلَة تعدو)
(إِلَى رَوْضَة غنا إِلَى ربوة بهَا ... معِين بِهِ تربو الفوايد والرفد)
(إِلَى بَحر علم عَن نداه تدفقت ... جداول تَحْقِيق بهَا استعذب الْورْد)
(فَتى ماربى إِلَّا بِحجر التقى وَلَا ... نشا فَاضلا إلا وسيمته الزّهْد)
(جرى في ميادين الْفَضَائِل ساحبا ... ذيول الرضى لمادهى غَيره الحقد)
(وأرضعه ثدى الفصاحة من لبانه ... فَرَأى حَقًا على الْكبر المهد)
(إِذا اقتطفت أثمار تَحْقِيق علمه ... أنامل فكري أسعف الْحل وَالْعقد)
(وَإِن غردت في رَوْضَة الحكم نشوة ... بلابله هزت معاطفها الملد)
(وَبَين يَدَيْهِ الشّعْر مد بصائغ القوافى ... وَمَا فِي طيها ربطة جرد)
(وحاك لَهُ المنثور مَا بطرازه ... تبختر بشار وَقَالَ أَبى برد)
(2/62)

(وَمَا اتجرت أقلامه غير معجز ... ينمق فى تَحْقِيقه الْجَوْهَر الْفَرد)
(وَلما نشا فى النَّاس فذ أَتَيْته ... فصافح إذ وافيته بَيْننَا الود)
(وشاهدت إنساناً بِخلق مُحَمَّد ... تخلق فاستيقنته أَنه الرشد)
(وَحين استمالتني الليالي بحكمها ... رجعت وَقَامَ الشوق من طرب يعدو)
(وناديت أى نفسى انتباها فَإِنَّمَا ... الليالى بِعُذْر للمنعم تَعْتَد)
(وفى شَيخنَا الْبَدْر الْمُنِير مُحَمَّد ... لرفعة قدري أُسْوَة دونهَا الْقَصْد)
(هُوَ الْبر وَالْبَحْر الذي علم صَدره ... يفِيض على الطلاب إن جزر الْمَدّ)
(ومعتقدي في النَّاس أن وداده ... من الْقرب اللاتي ينَال بهَا الْحَمد)
(إليك نظاما وجهته قريحة ... بمرهفها الْبيض السلاهب تنقد)
فأجبت بِهَذِهِ الأبيات
(أَتَى مِنْك يَا فَخر الأوان وزينة الزَّمَان ... نظام دونه الْجَوْهَر الْفَرد)
(كَمَا الدر لَا بل كالدراري بل غَدا ... كبدر السما لَا بل هُوَ الشَّمْس إذ تبدو)
(وماذا عَسى من لم يكن رب نصفةٍ ... يَقُول وَهل في مثل ذَا يحسن الْجحْد)
(وَهل ضر شمس الْأُفق وهي منيرة ... إِذا ضعفت عَن نورها الْأَعْين الرمد)
(وماذا على الْبَحْر الخضم لَدَى الورى ... إِذا بَال في إحدى جوانبه القرد)
(وماعيب بَيْضَاء الترائب في الدنى ... إِذا عافها ذُو عفة مَاله جهد)
(وَمن قَالَ هَذَا الشهد مر فَقل لَهُ ... مرَارَة فِيك المرمر بهَا الشهد)
(وَإِن قَالَ هَذَا السَّيْف لَيْسَ بقاطع ... فَقل حَده مَا بَيْننَا الْفَصْل وَالْحَد)
(مَنَاقِب لطف الله جلت فَمن غَدا ... يُرَدِّدهَا جهلا بهَا بَطل الرَّد)
(فَتى قد رقى فِي مدرج الْعِزّ وارتدى ... بِثَوْب الْهدى وانقاد طَوْعًا لَهُ الْمجد)
(وسؤدده في كل بَاب من العلى ... برغم أعاديه هوالسؤدد الْعد)
(2/63)

وَهَذِه القصيدة الثَّانِيَة الْمشَار إِلَيْهَا سَابِقًا وَقد أَشَارَ فِي الْأَرْبَعَة الأبيات الَّتِى في آخرهَا إِلَى الْوَزير الْمُتَقَدّم ذكره وَكتب قبلهَا نثراً من نثره الذي يعرف بِهِ صدق مَا أسلفناه فَقَالَ
الْحَمد لله بِرَفْع الْقَلَم إِلَى مسامع عَاقد ألوية الهمم سُلْطَان عُلَمَاء الْإِسْلَام من الْعَرَب والعجم
كعبة الْفضل المرتفعة الْمقَام حَافظ الْعَصْر بالإطباق من أهل الْحل والإبرام
من تَضَمَّنت بطُون الدفاتر محامده فَللَّه ذَلِك التضمن والالتزام
وَجرى قلمه بروايع البدايع فأعيا من لَهُ بالنظم إلمام المحيي من ربوع الْمدَارِس كل مهند داثر دارس
السَّابِق في حلبة ميدان الْفَضَائِل المرتدي برد التبجيل وشملة محَاسِن الشَّمَائِل رَيْحَانَة فضلاء الْيمن سلوة المتحلي بِعقد الْفَرَائِض وَالسّنَن
سَلاما يعبق بِطيبَة نسمَة الصِّبَا وَيُعِيد لَفظه إِلَى الأجسان نشاط زمن الصِّبَا
ثمَّ ذكر بعد هَذَا التصدير القصيدة وهي
(لأغالبن الشوق فِيمَا أبرما ... ولاطفين من الجوى مَا أضرما)
(ولأ شغلن الْقلب عِنْد تذكر الْبيض ... الحسان وَإِن أَبى وتأثما)
(فَلَقَد سقاني اللَّهْو من خمر الْهوى ... قدحا وعدت إِلَى الْهدى مستعصما)
(من بعد أَن قد كنت أنهى عَن مجانية ... السلاف وَلَا أطيع اللوما)
(وأحرض الصاحي فَلَا اثم وَلَا ... جنف وأزجر بالخنا من حرما)
(ثمَّ انثنيت وَقد قضيت مآربا ... ورجوت رَبًّا بِالرِّضَا أَن يختما)
(وَإِلَى مقَام الْعِزّ قدت نجيبة ... فِي الدو دون هواي تحْتَمل الظما)
(تجرى فتتبعها ريَاح ذَات اعصار ... فَلَا يلفى براكبه السما)
(لم تدر مَا تسْعَى إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ... رجل تخولها الرِّضَا والأنعما)
(2/64)

(حَتَّى أظل الرحل مِنْهَا مقصد ... تجب الْحُقُوق بِهِ فتنسى المغرما)
(ومليحة كشفت خمارا تَحْتَهُ ... قمر تقود بِهِ السوَاد الأعظما)
(وأحالت اللبات عَن كافورتي ... نهد يشاكل في الْبيَاض المعصما)
(ولوت على ذي عفة كلف بهَا ... جيدا تزان بِمثلِهِ الْبيض الدما)
(ونأت مزارا واستطابت موردا ... من دونه الْورْد الدلهمس حمحما)
(مرموزة بَيْضَاء يمْنَعهَا الحيا ... بكليم ذي شغف بهَا قد أكلما)
(تدعى بسافرة الجبين نتيجة الْفِتَن ... المثيرة في الْمَكْر المقتما)
(لَيست لمن بذل النفيسة كَفه ... بمجيبة حَتَّى يَذُوق العلقما)
(لَو نازلت باللحظ أَشْرَس فتية ... لثنى الركاب أَصمّ سمع أبكما)
(وعدت بوصل عميدها وَتَخَلَّفت ... فأذاع في الْمَلأ الْهوى متظلما)
(وَأَبَان معذرة وَجَاء محجة ... وَإِلَى الَّتِى وعدته آب مكلما)
(لَو كَانَ برد الْوَصْل أثر حرارة ... الْأَعْرَاض كَانَ علي أَن تتكتما)
(وَيَقُول مثلي يضْرب الْأَمْثَال فِي ... أَمر يعود إِلَى الْمُعتقَة اللما)
(لَا يَحسبن أَخا الْهوى يسلو وَإِن ... أصغى إِلَى عذاله متندما)
(فالصب يستمع العذول وَقَلبه ... لمقال ذي عذل أبى أَن يفهما)
(والمرء لَيْسَ لمن إِلَيْهِ أتى سوى ... الْأُذُنَيْنِ يلقف بِالْقبُولِ المؤلما)
(ولرب ملفوظ يُقَال وَلَا مساغ ... لَهُ وقائله بحنث أقسما)
(وَلَقَد أَقُول لَهَا وقلبي خافق ... وَجل بِهِ مَا يذهل المتوسما)
(يامى هَل نفذت بجسم مثل بارقة ... الْعُيُون ظبا تشق الأعظما)
(فَأجَاب ناظرها سَأَلت عَن الذي ... فِي الجو يسفع بازه والقشعما)
(ويعفر الْأسد الهصور ويصفد السَّبع ... الغيور ويسترق الأعصما)
(2/65)

(وَعَن الَّذِي بالكف ينبو مرة ... وبضربة أُخْرَى يعود مِثْلَمَا)
(فَالْفرق مثل الْحَد بَينهمَا يُمَيّز ... بَين مشتبهين فِيمَا أبهما)
(فَوَقَعت بعد الْعلم هَذَا جَاهِلا ... لَا تعلمن من الْيَمين الاشأما)
(فثنت بحاجبها الْخطاب وَقد قضى ... بنباله لحشاي فِيمَا أسهما)
(قَالَت أَبَا لصبر اتزرت فَقلت من ... شيمي التصبر مَا حييت مُسلما)
(قَالَت فَفِيمَ ومم يجْرِي طافح ... من ماق جفنيك إِذا تدفق عِنْدَمَا)
(فأجبت فِيك ومنك حِين نأيت عَن ... وَطن بك استدعى السلو فخيما)
(قَالَت فَهَلا كنت مطرحا لما ... ألهاك عَن سنَن الْهِدَايَة مهرما)
(قلت الغرام لَهُ يَد لَوْلَا مجاهرتي ... بِهِ بك مَا دعيت المغرما)
(قَالَت فقد فرطت فاسمع طَائِعا ... إِن كنت ذارشد حَنِيفا مُسلما)
(ماقد مضى فبحكم لولم تذنبوا ... فَارْجِع هديت إِلَى الرشاد ميمما)
وازمم مطايا الاستفادة واقطع ... لأمتى مجدا جيلها والديلما)
(وأرحل إِلَى من لَاحَ في عنق الْعلَا ... بَدْرًا وأغنى المستميح المعدما)
(وَأنزل باعلاً ذرْوَة المنن الَّتِى ... فِيهَا معِين الْفضل يبري الأغتما)
(تلقى ابْن بجدتها الْكَرِيم الْعَالم ... المفضال خير فَتى إِلَى الْعليا سما)
(عز الْأَنَام الْمَاجِد الْبَدْر الذي ... تبع الأولى شهماً فَكَانَ الأقدما)
(وَحمى حمى الشَّرْع الشريف وخاض في ... مالم يخضه الأقدمون فتمما)
(حفظ الدقائق وَهُوَ يعلم أَنَّهَا ... لسواه من أقرانه لن تفهما)
(وَلَو أنها اتضحت لذي رشد لما ... عرف الصَّوَاب بهَا وَلَا كشف العما)
(أَتَرَى النسا ولدت نجيبياً مثله ... إن قلت قد ولدت كفرت المنعما)
(وَركبت متن الذَّنب لَا متخوفا ... من شُؤْم فاقرة تضاهي المأثما)
(2/66)

(وجنيت من شجر الأساند مَا وَمن ... حَيْثُ انبعاث الْكفْر حَيْثُ جهنما)
(وَعدلت عَن سنَن الْهدى وكتبت في ... صحف الْكِرَام بِلَا ارتياب مجرما)
(فَهُوَ الذي ظَفرت يَدَاهُ بطائل ... وأشاد ربعا قبل كَانَ تهدما)
(وَهدى إِلَى سنَن التقى وَأفَاد واستقصى ... المباحث واستفاد وعلما)
(وجلا ظلام دجى الجلاد بهيبة ... تدلى الرؤس على الصُّدُور ليحكما)
(فيدين شرعا كل أصيد أغلب ... وينغص الْأسد الهصور المطعما)
(ويجازم الإصدار رجح كِتَابه ... يجري على الْقدر النزيل من السما)
(قلم بأبكار المعارف مولع ... وَبِمَا يحج الْخصم أضحى مغرما)
(وَإِذا استمد لما يسوء ويتقي ... كسر القنى الخطى وفل المخذما)
(وبيوم بَأْس لَو تنَاول كَفه ... سَيْفا لأمر مَا لخاض بِهِ الدما)
(وبلفظ بدر لقبوه لِبَأْسِهِ ... بَدْرًا يجلي الْخطب إِن مَا أظلما)
(فَهُوَ الذي لم تلق إلا دافعا ... يَوْم الكتيبة بِالْكتاب الصيلما)
(وَلكُل منشٍ زلَّة ظَفرت بهَا ... الأعدا سواهُ وَلَا أحاشى أعلما)
(خرس إِذا كتبُوا أثاروا فتْنَة ... وَإِذا كتبت جعلت طرسك طلسما)
(وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ إِلَّا أَنه ... يأتي اتِّفَاقهم ولادَة آدما)
(وَالْفرق فى الآرا فَمن عان وَمن ... ذكر بِحسن الرأي أطفى المضرما)
(سلابٌ من ناواه أسهم حربه ... غلاب من ماراه فِيمَا أبرما)
(يجري على حق وَرب مفوقٍ ... جهلا لمهجته أراش الأسهما
(وَالْحق أن يخفيه قَول مكذب ... فالسمت عَن سر الْفَتى قد ترجما)
(وَلَعَلَّ ذَا حمق يَقُول مباهتا ... أغرقت في حسن الثنا متجشما)
(وَكَأن مَا نظمت يداك تمجه ... الأسماع فامدح إن أردْت الأكرما)
(2/67)

(فأجبت من يدعي بأكرم ضَاحِك ... وَمن الَّذِي يهدي بِهِ رب العما)
(وَمن الذي الْأَعْلَام بَين يَدَيْهِ في ... أَمر كَبِيرهمْ جثى متعلما)
(فَأجَاب بدر الدَّين لَكِن عاقه ... من بعد إنكار فسَاء اللوما)
(فتكلفوا للحق حَتَّى قَالَ ... أرشدهم أرى مَا قلت دينا قيما)
(وَلَو أَن في الدُّنْيَا أَخا رشد لما ... جهل الصَّوَاب وَقد انار مؤمما)
(لاغال قدرك صرف دهر واهتدى ... لمرادك الزَّمن العصي فالزما)
(وعَلى محياك التَّحِيَّات الَّتِى ... وَجَبت بلطف الله من باني السما)
(وَلها مشفعة تَحِيَّة جهبذ ... مِمَّن إِلَيْهِ الْفضل فِي الْخلق أنتما)
(حسن الفعال مَعَ اسْمه أزكى بني ... حَنش وَأهْدى من مَشى متلثما)
(الْعَالم الْبر الْكَرِيم الْمَاجِد ... النّدب الْمُصدق في الورى إن كلما)
(وَهُوَ الذي في راحتيه وَاصل بن ... عَطاء ادخر المحامد مغنما)
(لَا زلتما بدري سَمَاء إفادة ... وعليكما صلى الْإِلَه وسلما)
وَمن سهولة النظم عَلَيْهِ إني لما سَأَلته عَن مولده كتب إِلَى هَذَا الْبَيْت مُشْتَمِلًا على تَارِيخ السنة مَعَ ذكر الشَّهْر وَذكر اسْمه وَقَبله بَيت وهما
(قد قلت للبدر الذي ... غذى الورى إفادته)
(أرخ لطف الله في ... شعبانهم وِلَادَته) سنة 1189
وَله إِلَى قصائد فرائد مُشْتَمِلَة على فَوَائِد وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل مكب على المعارف العلمية ووالده من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَالدّين المتين والاشتغال بِالْعبَادَة والإقبال على الْعَمَل بالأدلة مَعَ اطِّلَاعه على الْأَخْبَار والأشعار وَحسن محاضرته وجودة بادرته
(2/68)

وفصاحة لِسَانه وَحسن فهمه وعقله وَحفظه الْكثير من الْأَحَادِيث ومذاكرته بهَا وَهُوَ يلازم مجَالِس تدريسي وَيقْرَأ علي في مثل البخاري وَغَيره ويحضر في غير ذَلِك حضورا وَيفهم ويتدبر ويستخرج بفكرته الصافية مَالا يَسْتَخْرِجهُ من هُوَ فَوْقه في الْعرْفَان وَله في علم الْمَوَاقِيت يَد طولى وَكَذَلِكَ فِي علم التَّارِيخ ويزاحم فِي حفظ أَحَادِيث الْأَحْكَام أكَابِر الْعلمَاء بل قد يحفظ مَالا يحفظون وَيفهم مَالا يفهمون وَهُوَ رجل سَاكن فَاضل منجمع يقتفي آثَار السلف ويهتدي بهديهم ويمشي على طريقتهم وَمَات رَحمَه الله في سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
وَولده صَاحب التَّرْجَمَة صَار الْآن مُتَّصِلا بمولانا المتَوَكل على الله احْمَد بن الْمَنْصُور وَله عِنْده حَظّ وافر وَلكنهَا لَا تزَال تقع مِنْهُ سعايات إِلَيْهِ بأخبار النَّاس وَمَا يَقُولُونَهُ وَاسْتعْمل ذَلِك حَتَّى في أصدقائه وَأكْثر السّعَايَة إِلَيْهِ بِمن هُوَ أَكثر النَّاس إحسانا إِلَيْهِ وَهُوَ الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش وقرابته ونالتهم بِسَبَبِهِ مصائب عَظِيمَة حَتَّى أخرجُوا من بُيُوتهم وَهَكَذَا أَكثر السّعَايَة بغيرهم مِمَّن لَهُ عَلَيْهِ جميل وإحسان وَأظْهر الترفع والتعاظم على من كَانَ فِي حكم خَادِم من خُدَّامه يتشرف بالوصول إِلَيْهِ والمجالسة لَهُ وكشف قناع الْحيَاء وَكَاشف بالمكروه من يقدر على مكاشفته وَأكْثر التحرش والسعاية في السِّرّ بِمن لَا يقدر على مكاشفته وَكَانَ يثب على الْوَصَايَا والأوقاف فَيَأْخُذ أَكْثَرهَا لنَفسِهِ وَيحرم الضُّعَفَاء من مصارفها ويصول عَلَيْهِم باتصاله بِالْإِمَامِ فَصَارَ اتِّصَاله بِهِ من أعظم مَا يعده النَّاس من مثالب الإِمَام المتَوَكل رَحمَه الله على كَثْرَة محاسنه ثمَّ صَار يتَكَلَّم في مسَائِل ويأتي فِيهَا بِمَا يضْحك مِنْهُ وَلَا مقصد لَهُ إلا بَان يُقَال أنه جَاءَ بِمَا لم يسْبق إِلَيْهِ مَعَ أَنه
(2/69)

يعلم بِحَقِيقَة الْحَال كَمَا قدمنَا لَك في صدر هَذِه التَّرْجَمَة من عنايته بِالطَّلَبِ وَحسن فهمه وَصَارَ ذَلِك مِنْهُ سَببا للاستهزاء بِهِ والتضاحك مِنْهُ وَهُوَ مصمم على ذَلِك كَقَوْلِه ان المشمس نجس يغسل مِنْهُ مَا وَقع فِي الثَّوْب وَالْبدن وخرافات كَثِيرَة يطول بسطها وَكنت أنصحه فَلَا ينتصح وَرُبمَا يخْطر ببالي أَنه قد أُصِيب في عقله ولكني أنظر إِلَى شدَّة مكره وعظيم سعاياته في النَّاس ومحبة إنزاله للمكروه بالمحسنين إِلَيْهِ على مسالك دقيقة لَا يهتدي إِلَيْهَا إلا من عظم فكره وخبث خداعه مَعَ مكالبته على أَمْوَال الْوَصَايَا والأوقاف واحتجانه لما ظفر بِهِ مِنْهَا على أَي صفة كَانَ فَأَقُول لَيْسَ هَذَا صَنِيع من في عقله خلل بل صَنِيع من يحب أَن يتحدث النَّاس عَنهُ وَلَو مَا فِيهِ عَلَيْهِ مزِيد شناعة دع عَنْك هَذَا فالشأن كل الشَّأْن أَن الرجل صَار يتَكَلَّم فِي مَوَاقِف الإِمَام بمسائل فِيهَا الترخيص فِيمَا حرمه الله تحببا وتقربا بِحَيْثُ إن السَّامع إِذا سَمعه اقشعر جلده وَكَانَ يتَجَنَّب ذَلِك في حضوري كثيرا ويفعله إِذا غبت وَبِالْجُمْلَةِ فقد انمحى عَنهُ نور الْعلم وَلم يبْق عَلَيْهِ شئ من بهجته وَصَارَ يتَّصل بالظلمة من الوزراء وَيحسن لَهُم مَا هم فِيهِ وهم يحاسنونه لعلمهم بِمَا هُوَ فِيهِ من التَّجَسُّس للْأَخْبَار ورفعها إِلَى الإِمَام
ثمَّ لما مَاتَ الإِمَام المتَوَكل رَحمَه الله اتَّصل بولده مَوْلَانَا الإِمَام المهدي وَلَكِن دون اتِّصَاله بِأَبِيهِ فَصَارَ يتَّصل بِمن هُوَ مَشْهُور بِالشَّرِّ من وزرائه فيمشي مَعَهم على طَرِيقَته ترخيصا وترويجا مَعَ عدم احتفالهم بِهِ واحتقارهم لَهُ لكنه إِذا جَاءَ بِمَا يُطَابق مَا هم فِيهِ من الظُّلم والنهب للأموال قَالُوا للْإِمَام وَغَيره قَالَ سيدنَا فلَان كَذَا فيجعلون ذَلِك ذَرِيعَة لما هُوَ فِي التَّحْرِيم من قطعيات الشَّرِيعَة
وَمن فواقره أَنه فِي مواقفه يكثر الثَّنَاء على الْحجَّاج
(2/70)

ابْن يُوسُف الثقفي الذي صَار أشهر أهل الْملَّة الإسلامية بالظلم ويصفه بالأوصاف المادحة المرغبة للسلوك في مسلكه وناهيك بِهَذَا وَكفى لَهُ وَلَا يستنكر المطلع على هَذِه التَّرْجَمَة مناقضة أَولهَا لآخرها فَإِن الرجل انْسَلَخَ عَمَّا كَانَ فِيهِ بالمرّة وتخلق بأخلاق يتحاشى عَن التخلق بهَا أهل الْجَهْل والسفه والوقاحة وَمَا ذكرت هَهُنَا إلا حَقًا كَمَا أَنى مَا ذكرت في أول التَّرْجَمَة إِلَّا حَقًا وَلَكِن اخْتلفت الْأَحْوَال فَاخْتلف الْمقَال وَبعد مضي قريب سنتَيْن من خلَافَة مَوْلَانَا الإِمَام المهدي أودعهُ الْحَبْس وتشفعت لَهُ فأطلق وأبعده من حَضرته فَالله يُصْلِحنَا ويصلحه
لطف الله بن مُحَمَّد الغياث بن الشجاع بن الْكَمَال ابْن دَاوُد الظفيري اليماني

الْعَلامَة الشهير الْمُحَقق الْكَبِير تَرْجمهُ صَاحب مطلع البدور وَلم يذكر لَهُ شُيُوخًا وَلَا مولدا وَلم أَقف أَنا على ذَلِك وَلَعَلَّه اسْتَفَادَ تِلْكَ المعارف المحققة فِي رحلته إِلَى مَكَّة واستقراره هُنَالك فَإِنَّهُ لم يكن بِالْيمن إذ ذَاك من يبلغ في
(2/71)

تَحْقِيق علم الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْأُصُول والنحو الصّرْف إِلَى دَرَجَته فضلا عَن أَن يكون شَيخا لَهُ وَقد تبحر في جَمِيع المعارف العلمية وصنف التصانيف المقبولة كشرح الشافية لِابْنِ الْحَاجِب فى الصّرْف فانه شرحها شرحا مُخْتَصرا نفيسا اشْتغل بِهِ الطّلبَة من عصره إِلَى الْآن وَقد لخص فِيهِ شرح الرضي على الشافية وَاعْتمد كثيرا على شرح الجاربردي
وَمن مصنفاته المقبولة حَاشِيَته لشرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر للسعد فإنها حَاشِيَة مفيدة لخصها من حواشى الْمُخْتَصر كحاشية الخطائى والسمرقندى وَمن حواشى المطول كحاشية الشريف والشلبي والسمرقندي أَيْضا وَكَانَ يحرر مَا يحررونه من الاعتراضات على ألفاظ الشرحين ويجيب عَنْهَا بِمَا يجيبون ويبالغ في الِاخْتِصَار وَلَا يأتي بِكَلَام من لَدَيْهِ إلا فِي أندر الْحَالَات وأقلها
وَله كتاب الإيجاز فِي الْمعَانى وَالْبَيَان لخصه من التَّلْخِيص للقزويني وَلكنه حذف مَا وَقع عَلَيْهِ الِاعْتِرَاض من شراحه وَأهل الحواشي وأبدله بِعِبَارَة لَا يرد عَلَيْهَا مَا أوردوه وَبَالغ في الِاخْتِصَار من دون إهمال لما تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة مِمَّا في الأَصْل وَقد شَرحه وَلم أَقف على الشَّرْح ثمَّ وقفت عَلَيْهِ بعد أَيَّام وَهُوَ شرح مُخْتَصر مُفِيد ثمَّ شَرحه السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم كَمَا تقدم في تَرْجَمته شرحا نفيسا جدا وَاعْتمد فِيهِ على حَاشِيَة صَاحب التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَله شرح على الْفُصُول اللؤلؤية لِابْنِ الْوَزير وَلم يكمل وَله مُخْتَصر فِي الْفِقْه لخص فِيهِ مَا في الأزهار للْإِمَام المهدي وَحذف بعضه وَزَاد فِيهِ قيودا مفيدة وَله في الطِّبّ يَد قَوِيَّة وَكَذَلِكَ في مثل علم الجفر والزيجات
ويروى أَن صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ كثير الْإِنْكَار على مَا يَسْتَعْمِلهُ أهل مَكَّة من اللَّهْو فَوَقع مَعَه مرض من نوع السكتة
(2/72)

أثر مَعَه تغيرا فِي حواسه فَقَالَ بعض الْأَطِبَّاء إن السماع من أدويته فعرفوه بِأَن صَاحب التَّرْجَمَة يكره ذَلِك وينكره فَقَالَ لَا بُد من ذَلِك فَفَعَلُوا فَتحَرك لذَلِك وَصَحَّ من مَرضه وَرجع إِلَيْهِ حواسه فَأمر من صَار يعْمل السماع عِنْده بِالسُّكُوتِ وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم الْمُحَقق الْكَبِير الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم وَتوفى رَحمَه الله في وَطنه ظفير حجَّة في رَجَب سنة 1035 خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد التمس مِنْهُ الشريف جَعْفَر صَاحب مَكَّة أن يصنف كتابا في الْفِقْه والفرايض وَكتب إِلَيْهِ فى ذَلِك نظما فَقَالَ
(أياشيخ لطف الله أَنى لقَائِل ... بِلَا شك من سماك فَهُوَ مُصِيب)
(وإني رَأَيْت اللطف مِنْك سجية ... وَللَّه في كل الْأُمُور حبيب)
(سَأَلتك سفرا نستعين بِهِ على ... عبَادَة ربي لَا بَرحت تجيب)
(فتوضح لي يَا شَيخنَا مَا أقوله ... فَأَنت لداء الْجَاهِلين طَبِيب)
(وَأَنت لنا في الدَّين عون وقدوة ... بقيت على مر الزَّمَان تصيب)
فنظم لَهُ الشَّيْخ أرجوزة في الْفَرَائِض وَجمع لَهُ مُخْتَصرا في الْفِقْه يخْتَص بالعبادات وَأجَاب على النّظم بقوله
(أمولاي يامن فاق مجدا وسؤددا ... ومان ان لَهُ في الْخَافِقين ضريب)
(أتاني عقد يخجل الدر نظمه ... ويعجز عَنهُ أَحْمد وحبِيب)
(معَان وألفاظ زكتْ وتناسقت ... فَكل لكل في الْبَيَان نسيب)
(وَمَا كَانَ قدري يَقْتَضِي أَن أُجِيبهُ ... ومثلي لذاك السمط لَيْسَ يُجيب)
(وقلتم بِأَن اسمي يُشِير بِأَن لي ... نَصِيبا وكلا لَيْسَ فِيهِ نصيب)
(أتحسب مَا أعطيت من لطف سيمة ... تقصر عَنْهَا شمال وجنوب)
(تعدى إِلَى مثلي وأني وَكَيف ذَا ... وإني عَن أدنى الْكَمَال سليب)
(2/73)

(وَلَكِن حويت اللطف أَنْت جَمِيعه ... فَقلت على ذَا الْبَأْس أَنْت عَجِيب)
(وأمركم مَاض وحظى قبولكم ... وإني على قدر الْقُصُور مُجيب)
حرف الْمِيم

السَّيِّد محسن ابْن المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد سنة 1070 سبعين وَألف أَو في السنة الَّتِى بعْدهَا وَكَانَ مولده بالسودة وَبهَا نَشأ وَكَانَ مَعَ أَخِيه يُوسُف أَيَّام خُرُوجه على المهدي صَاحب الْمَوَاهِب ودعوته إِلَى نَفسه وظفر بِهِ المهدي فسجنه ثمَّ أفرج عَنهُ فَعَاد إِلَى السودة وكابد فِي تِلْكَ الْمدَّة شدَّة ثمَّ عطف عَلَيْهِ المهدي فولاه أوقاف صنعاء وَكَانَ مَشْهُورا بالفروسية والشجاعة وعلو الهمة وَمَعْرِفَة الْأَدَب وَالْبُلُوغ إِلَى أعالي الرتب فَمن نظمه
(شرى الْبَرْق فَوق اللوا واستطارا ... وأورى بقلبي الْمَعْنى أوارا)
(وساجلني بِلِسَان الوميض ... فأبكى سرارا ويبكي جهارا)
(وباتت جفوني تريه البكا ... وَبَات سناه يريني افترارا)
(فيا برق لَا تسق إلا العقيق ... وَذَاكَ الجناب وَتلك الديارا)
(وتوج ذراها بذر الْغَمَام ... وكلل بِهِ رشدها والبهارا)
(وَبلغ تَحِيَّة عانى الْفُؤَاد ... لَا يعرف النّوم الإغرارا)
(وَعرض بذكرى وَقل مغرم ... سرى في سَبِيل الْهوى ثمَّ حارا)
وَمن شعره فِي المديح
(مَا زلت أضْرب آباط الْمطِي إِلَى ... ملك أعز يزين التَّاج مفرقه)
(2/74)

(من معشر كرموا فرعا وأوشجة ... أكرم بِهِ أصل فرع طَابَ معرقه)
(تهتز من ذكرهم أَعْوَاد منبرهم ... كَمَا ترنح تَحت الطير مورقه)
(إِذا ترسل اهدى الطير مَنْطِقه ... اوارسل الْجَيْش سد الْأُفق فيلقه)
(حكى الصَّفَا قلبه بَأْسا غداه حكى ... مِنْهُ قُلُوب الكماة الصَّيْد سنجقه)
(كالبرق حاشاه من نَار الوميض لقد ... ضاهى جدي كَفه لَوْلَا تألقه)
وَمِنْه
(يرديد الجاني إِلَى فِيهِ منطقي ... وأحلم عَنهُ تَارَة لَا أُجِيبهُ)
(أَبى قادها شعث النواصي وذادها ... عَن السرج سرج الْملك لَا تستريبه)
(وماالشعر هَذَا من شعاري وَإِنَّمَا ... أجرب فكري كَيفَ يجري نجيبه)
(فانظم في جيد الزَّمَان قلائداً ... من اللُّؤْلُؤ الْمكنون في رطيبه)
(تقلده الْبيض الغواني مخانقا ... ويصبو شباب الحي مِنْهُ وشيبه)
وَمن نظمه الْفَائِق
(ورشيقه الأعطاف مَا سمحت ... يَوْمًا بِغَيْر رواشق النبل)
(هيفا بأرقم شعرهَا رقمت ... فى الرمل مَا املالها نملى)
وَله فى التَّشْبِيه
(كَأَن الزنبق المخضل ... فِي افنانه المخضر)
(أنامل غادة حملت ... بهَا كأسا من الْخمر)
(ونرجسنا الأنيق حكى ... عَشِيَّة بل بالقطر)
(صحافا من لجين ... وَسطهَا لمع من التبر)
(وَأما الْورْد فى تشبيهه ... قد حرت في أمري)
(فَأكْثر مَا أمثله ... بخد الكاعب الْبكر)
(2/75)

وَمَات بِصَنْعَاء سنة 1124 أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَألف أَو في الَّتِى بعْدهَا وَهُوَ أَصْغَر أَوْلَاد الإِمَام المتَوَكل على الله رَحمَه الله
السَّيِّد محسن بن إِسْمَاعِيل الشامي

أحد عُلَمَاء صنعاء الْمَشَاهِير وَشَيخ مَشَايِخنَا قَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن إسحاق بن إِبْرَاهِيم
وعَلى القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وعَلى غَيرهمَا من عُلَمَاء عصره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وشارك فِيمَا عدا ذَلِك وَكَانَ مَشْهُورا بِقُوَّة الْفَهم وَسُرْعَة الْإِدْرَاك حَتَّى قَالَ شَيْخه القاضي أَحْمد الْمَذْكُور أنه لَيْسَ لَهُ نَظِير في الْفَهم والغوص على الْمعَانى الدقيقة
واتصل بِالْإِمَامِ المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بعد موت وزيره الْفَقِيه أَحْمد بن علي النهمي فَأَرَادَ ترشيحه للوزارة وَلكنه لم يتم ذَلِك وَقد اتَّصل بِهِ كاتصال الوزراء أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ صرفه لأسباب اقْتَضَت ذَلِك وَمن جملَة تلامذته شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَمَات في يَوْم الْجُمُعَة أحد أَيَّام شهر شعْبَان سنة 1194 أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف
السَّيِّد محسن بن الْحسن بن الْقَاسِم بن أَحْمد ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث من ذي الْحجَّة سنة 1103 ثَلَاث وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بالروضة وَصَنْعَاء وَقَرَأَ فِي عُلُوم الْأَدَب قَلِيلا ثمَّ قَالَ الشّعْر ومدح الأكابر واتصل بالوزير الْكَبِير علي بن أَحْمد رَاجِح وَزِير الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم
وبأخيه الْوَزير محسن بن أَحْمد رَاجِح ومدحهما وَبَالغ فِي ذَلِك وصنف لَهما مصنفات يطرزها بمدحهما واستكثر من ذَلِك
(2/76)

وَبعد مَوْتهمَا اتَّصل بالفقيه إِسْمَاعِيل النهمي وَكَانَ مُتَوَلِّيًا لصنعاء وَعند إن تولى بندر المخا عزم مَعَه إِلَى هُنَالك وَكَانَ لَهُ مَعَه قصَص يطول حَدِيثهَا مُشْتَمِلَة على مجون ومزح وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة متطلعاً على أَحْوَال أهل عصره وأخبارهم وَبَينه وَبَين جمَاعَة من أكابرهم مشاعرات وَجمع كتابا سَمَّاهُ ذوب الذَّهَب بمحاسن من بعصره من أهل الْأَدَب وَجمع سيرة للْإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وهي فِي الْحَقِيقَة سيرة للوزيرين السَّابِقين وَلَهُمَا جمعهَا وَله مؤلفات مسجوعة وَكَانَ فِيهِ بلاغة في الْجُمْلَة وَلكنه لم يكن ماهرا في الْعُلُوم الأدبية فَكَانَ يأتي في اسجاعه تَارَة ملحون وَتارَة يأتي باللغة العامية وشعره فِيهِ مَا هُوَ جيد وَقد اشْتَمَلت مصنفاته على كثير مِنْهُ
وَمِنْه مَا قَالَ فى الْوَزير على رَاجِح مقتديا بِمَا قَالَه الْقَائِل فِي ابْن عباد
(ورثت الوزارة كَابِرًا عَن كَابر ... مَوْصُولَة الْإِسْنَاد بِالْإِسْنَادِ)
(يرْوى عَن الْعَبَّاس عباد وزارته ... وَإِسْمَاعِيل عَن عباد)
فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة
(لقد ورث الوزارة عَن سعيد ... علي بعد أَحْمد خير مانح)
(بتلقين وَإسْنَاد صَحِيح ... تسلسل عَن سعيد ثمَّ رَاجِح)
وَمن شعره في مدحه
(مالى وللبين أصلي مهجتي لهبا ... وزادني مَعَ هيامي في الْهوى وصبا)
(وهيج الشوق برق الْغَوْر حِين شرى ... فَبَاعَ جفني الْكرَى مسترخصا وصبا)
وَمِنْهَا
(قلب يذوب وأكباد مفتة ... وأعين دمعها مازال منسكبا)
(كَأَنَّهُ وابل جاد الْوَزير بِهِ ... من أنمل للعطايا تمطر الذهبا)
(2/77)

وَمَوْت صَاحب التَّرْجَمَة في أَيَّام الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَلَا يحضرني تَعْيِينه
السَّيِّد محسن بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي احْمَد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد سنة 1191 إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ نشأة لم يكن لغيره من أَبنَاء عصره فَإِنَّهُ قَالَ الشّعْر الْحسن وَهُوَ في الْمكتب وَلم يكن إِذْ ذَاك قد اشْتغل بِالطَّلَبِ ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر
والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن أَحْمد السياغي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ علي فِي شرح الرضي على الكافية وفي مغنى اللبيب وفي الْكَشَّاف وحواشيه وَله ذهن شرِيف وطبع ظريف وَفهم فائق وعقل تَامّ وأدب غض وَله قصائد قد طارح بهَا أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الأدباء وَهُوَ إِذْ ذَاك في سن الْبلُوغ وَهُوَ الْآن في سن الشَّبَاب وَقد صَار معدودا في الْعلمَاء ومذكورا بَين أَعْيَان الشُّعَرَاء من أهل صنعاء وَلم يكن لَدَى الْآن من شعره مَا أكتبه هَهُنَا وَبلغ أَنه صَار ينظم مغني اللبيب نظما حسنا ويشرح ذَلِك النظم شرحا مُفِيدا وَلم أَقف على ذَلِك وَاتفقَ فِي سِنِين قديمَة أني خرجت أَنا وَجَمَاعَة من شيوخي مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الزَّمن وأعيان صنعاء الْيمن وَفِيهِمْ وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَعَمه وفي الْجَمَاعَة صبيان في نَحْو الْعشْر السنين وَأَقل وَأكْثر وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فَكَانَ الصبيان يَلْعَبُونَ ويشتغلون بِمَا يشْتَغل بِهِ أمثالهم وَالْمَذْكُور يصغي إِلَى مَا يَدُور بَين أُولَئِكَ الْأَعْلَام من المراجعات العلمية والمطارحات الأدبية
(2/78)

وَلَا يلْتَفت على شئ مِمَّا الصغار فِيهِ فعجبت من حَاله وأشرت إِلَى جمَاعَة من الْعلمَاء ينظرُونَ إِلَيْهِ فَأخْبرنَا وَالِده إِذْ ذَاك بِأَن صَاحب التَّرْجَمَة قد صَار لَهُ شعر فى تِلْكَ السن كثير من الملحون الذي يُسَمِّيه أهل الْيمن الحميني وروى لَهُ شعرا من غَيره فَعجب من ذَلِك جَمِيع أُولَئِكَ الْأَعْلَام وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وامتدت أَعْنَاقهم إِلَيْهِ فَلم تمر إلا أَيَّام قَلَائِل بعد ذَلِك حَتَّى ظهر لَهُ النظم الْجيد الْفَائِق ومازال يَنْمُو نمو الْهلَال حَتَّى بلغ أَعلَى مَرَاتِب الْكَمَال
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن ساعد السنجاري الأَصْل المصري الْمَعْرُوف بِابْن الأكفاني

ولد بسنجار وَطلب الْعلم ففاق الأقران في عدَّة فنون وأتقن الرياضي وَالْحكمَة وصنف فيهمَا التصانيف الْكَثِيرَة وَكَانَ يحل إقليدس بِلَا كلفة كَأَنَّهُ ممثل بَين عَيْنَيْهِ وَيقدم إِلَى معرفَة الطِّبّ فَكَانَ يُصِيب حَتَّى يتعجب الحذاق في الْفَنّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يأتي بالدواء إِلَى الْمَرِيض فبمجرد مَا يتَنَاوَلهُ يبرأ وَكَانَ مستحضراً للتاريخ وأخبار النَّاس حَافِظًا للأشعار عَارِفًا بفنون الْأَدَب وَله فِيهِ تصانيف
قَالَ ابْن سيد النَّاس مَا رَأَيْت من يعبر عَمَّا فِي ضَمِيره بأوجز من عِبَارَته وَلم أر أمتع مِنْهُ وَلَا أفكه من محاضراته وَكَانَ يحفظ من الرقى والعزائم شَيْئا كثيراً لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَله الْيَد الطُّولى فِي الروحانيات وَمهر أَيْضا فِي معرفَة الْجَوَاهِر والعقاقير حَتَّى ألزم السُّلْطَان النَّاظر لَا يشتري أحد شَيْئا إلا بعد عرضه عَلَيْهِ وَمن تصانيفه إرشاد القاصد إِلَى أَسْنَى الْمَقَاصِد عِنْد غيبَة الطَّبِيب وَكَانَ كثيرالتجمل فى ملبسه
(2/79)

ومركبه وَمَات في الطَّاعُون الْعَام سنة 749 تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَهُوَ الْقَائِل
(وَلَقَد عجبت لعاكس للكيميا ... فِي حكمه قد جَاءَ بالشنعاء)
(يلقى على الْعين النحاس يحيلها ... في لمحة كالفضة الْبَيْضَاء)
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن على بن مُحَمَّد ابْن أَبى السُّعُود مُحَمَّد بن حُسَيْن بن علي بن أَحْمد بن عَطِيَّة بن ظهيرة

ولد لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة 859 تسع وَخمسين وثمان مائَة وَحفظ الْأَرْبَعين النووية والمنهاج وألفية الحَدِيث وألفية النَّحْو ومختصر ابْن الْحَاجِب وَالتَّلْخِيص والطوالع وَبَعض الشاطبية وَعرض في سنة 872 على عُلَمَاء بَلَده وَقَرَأَ على وَالِده كتبا كَثِيرَة فِي فنون مُتعَدِّدَة وعَلى عَمه كَذَلِك وعَلى جمَاعَة آخَرين وَأَجَازَ لَهُ أكَابِر عُلَمَاء عصره من الأقطار الْبَعِيدَة وبرع فِي فنون كَثِيرَة وفَاق في خِصَال حميدة وَتَوَلَّى قَضَاء مَكَّة المشرفة بعد أَبِيه ومدحه شعراء عصره وَكَانَ كثير الأفضال على من يَقْصِدهُ وعَلى الْمُسْتَحقّين وَقد تَرْجمهُ السخاوي تَرْجَمَة جَيِّدَة وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء طائلاً وَاسْتمرّ مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء بِمَكَّة حَتَّى قبض عَلَيْهِ شرِيف مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات ابْن مُحَمَّد الْحسنى لتخيله مِنْهُ أَنه السَّبَب فِي الْفِتْنَة بَينه وَبَين إخوانه وَاسْتولى على بعض أَمْوَاله وجهزه بحرا مَعَ أَوْلَاده فوصلوا إِلَى جَزِيرَة القنفذة ثمَّ أَمر الشريف بتغريقه فغرق بجانبها في يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر ذي الْحجَّة سنة 907 سبع وَتِسْعمِائَة
(2/80)

السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن علي بن المرتضى بن الْمفضل بن الْمَنْصُور

ابْن مُحَمَّد بن الْعَفِيف بن مفضل بن الْحجَّاج بن على بن يحيى بن الْقَاسِم ابْن الإِمَام الداعي يُوسُف ابْن الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه يحيى بن النَّاصِر احْمَد بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضي الله عَنْهُم جَمِيعًا
وَقد سردت نسبة هَهُنَا وإن كَانَ قد تقدم في تَرْجمهُ السَّيِّد عبد الله بن علي الْوَزير لكنني رَأَيْت السخاوي تَرْجَمَة فغلط في نسبة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن علي بن المرتضى بن الهادي بن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَذكر النّسَب إِلَى علي كرم الله وَجهه فَجعل المرتضى بن الهادي وَجعل الهادي بن يحيى بن الْحُسَيْن وَهَذَا غلط بَين وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الإِمَام الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق الْمَعْرُوف بِابْن الْوَزير ولد فِي شهر رَجَب سنة 775 خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بهجر الظهراوين من شطب وَقَالَ السخاوي إنه ولد تَقْرِيبًا سنة 765 وَهَذَا التَّقْرِيب بعيد وَالصَّوَاب الأول قَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة على أَخِيه الْعَلامَة الهادي ابْن إِبْرَاهِيم وعَلى القاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مظفر وَقَرَأَ علم الْكَلَام على القاضي الْعَلامَة علي بن عبد الله بن أَبى الْخَيْر كشرح الْأُصُول وَالْخُلَاصَة والغياصة وَتَذْكِرَة ابْن متويه وَقَرَأَ علم أصُول الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا علم التَّفْسِير وَقَرَأَ الْفُرُوع على القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري وَغَيره من مَشَايِخ صعدة وَمن مشايخه السَّيِّد الْعَلامَة النَّاصِر بن احْمَد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المطهر وَقَرَأَ الحَدِيث بِمَكَّة على مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة وفي غَيرهَا على نَفِيس الدَّين العلوي وعَلى جمَاعَة عدَّة
وَالْحَاصِل أَنه قَرَأَ على أكَابِر مَشَايِخ
(2/81)

صنعاء وصعدة وَسَائِر المداين اليمنية وَمَكَّة وتبحر فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران واشتهر صيته وَبعد ذكره وطار علمه فِي الأقطار
قَالَ صَاحب مطلع البدور وَقد ترْجم لَهُ الطوائف وَأقر لَهُ المؤالف والمخالف ترْجم لَهُ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي الدُّرَر الكامنة وَترْجم لَهُ مُصَنف سيرة العراقي عَلامَة وقته بِمَكَّة انْتهى وَمَا ذكره من أَن ابْن حجر ترْجم لَهُ فى الدُّرَر فَلَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ لم يترجم لَهُ فِيهَا أصلاً بل هي مُخْتَصَّة بِمن مَاتَ فِي الْقرن الثَّامِن وَلم يترجم لمن تَأَخّر مَوته إِلَى الْقرن التَّاسِع حَتَّى أكَابِر مشايخه كالعراقي والبلقيني وَابْن الملقن مَعَ أَنهم مَاتُوا فِي أول الْقرن التَّاسِع كَمَا تقدم ذَلِك وَأما صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ تَأَخّر مَوته إِلَى سنة 840 أَرْبَعِينَ وثمان مائَة فَكيف يترجم لَهُ بل ترْجم لَهُ الْحَافِظ ابْن حجر العسقلاني فِي أنبائه وَترْجم لَهُ السخاوي كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَترْجم لَهُ التقي ابْن فَهد فِي مُعْجَمه فَقَالَ السخاوي إنه تعاني النظم فبرع فِيهِ وصنف فِي الرَّد على الزيدية العواصم والقواصم فِي الذب عَن سنة أَبى الْقَاسِم وَاخْتَصَرَهُ فِي الرَّوْض الباسم وَرُوِيَ عَن التقي بن فَهد أَنه أنْشد لصَاحب التَّرْجَمَة فِي مُعْجَمه قَوْله
(الْعلم مِيرَاث النبي كَذَا أَتَى ... فِي النَّص وَالْعُلَمَاء هم ورَّاثه)
(فَإِذا أردْت حَقِيقَة تدري لمن ... وّراثه وَعرفت مَا مِيرَاثه)
(مَا ورث الْمُخْتَار غير حَدِيثه ... فِينَا فَذَاك مَتَاعه وأثاثه)
(فلنا الحَدِيث وراثة نبوية ... وَلكُل مُحدث بِدعَة أحداثه)
وَإِنَّمَا اقْتصر على رِوَايَة هَذَا الشّعْر مَعَ أَن فِي شعر صَاحب التَّرْجَمَة مَا هُوَ أرفع مِنْهُ بدرجات لِأَن لِقَائِه لَهُ كَانَ فِي سنة 816 وَقد نظم بعد ذَلِك نظما كثيرا جدا وَارْتَفَعت طبقته فِي الْعلم وَهَكَذَا ابْن حجر فَإِنَّهُ ذكره فِي
(2/82)

أنبائه في تَرْجَمَة أَخِيه الهادي لِأَن صَاحب التَّرْجَمَة إذ ذَاك كَانَ صَغِيرا فَقَالَ وَله أَخ يُقَال لَهُ مُحَمَّد مقبل على الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ شَدِيد الْميل إِلَى السنة بِخِلَاف أهل بَيته انْتهى
وَلَو لقِيه الْحَافِظ ابْن حجر بعد أَن تبحر فِي الْعُلُوم لأطال عنان قلمه فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يثني على من هُوَ دونه بمراحل ولعلها لم تبلغ أخباره إِلَيْهِ وَإِلَّا فَابْن حجر قد عَاشَ بعد صَاحب التَّرْجَمَة زِيَادَة على اثني عشر سنة كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته
وَكَذَلِكَ السخاوي لَو وقف على العواصم والقواصم لرَأى فِيهَا مَا يمْلَأ عَيْنَيْهِ وَقَلبه ولطال عنان قلمه فِي تَرْجَمته وَلَكِن لَعَلَّه بلغه الاسم دون الْمُسَمّى
وَلَا ريب أن عُلَمَاء الطوائف لَا يكثرون الْعِنَايَة بِأَهْل هَذِه الديار لاعتقادهم فِي الزيدية مَالا مُقْتَضى لَهُ إلا مُجَرّد التَّقْلِيد لمن لم يطلع على الْأَحْوَال فَإِن فِي ديار الزيدية من أَئِمَّة الْكتاب وَالسّنة عددا يُجَاوز الْوَصْف يتقيدون بِالْعَمَلِ بنصوص الْأَدِلَّة ويعتمدون على مَا صَحَّ فِي الْأُمَّهَات الحديثية وَمَا يلْتَحق بهَا من دواوين الْإِسْلَام الْمُشْتَملَة على سنة سيد الْأَنَام وَلَا يرفعون إِلَى التَّقْلِيد رَأْسا لَا يشوبون دينهم بشئ من الْبدع الَّتِى لَا يَخْلُو أهل مَذْهَب من الْمذَاهب من شَيْء مِنْهَا بل هم على نمط السلف الصَّالح فِي الْعَمَل بِمَا يدل عَلَيْهِ كتاب الله وَمَا صَحَّ من سنة رَسُول الله مَعَ كَثْرَة اشتغالهم بالعلوم الَّتِى هِيَ آلَات علم الْكتاب وَالسّنة من نَحْو وَصرف وَبَيَان وأصول ولغة وَعدم إخلالهم بِمَا عدا ذَلِك من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَلَو لم يكن لَهُم من المزية إلا التقيد بنصوص الْكتاب وَالسّنة وَطرح التَّقْلِيد فَإِن هَذِه خصيصة خص الله بهَا أهل هَذِه الديار فِي هَذِه الْأَزْمِنَة الْأَخِيرَة وَلَا تُوجد فِي غَيرهم إلا نَادرا
وَلَا ريب أَن فِي سَائِر الديار المصرية والشامية من الْعلمَاء الْكِبَار من لَا يبلغ غَالب أهل دِيَارنَا هَذِه إِلَى رتبته
(2/83)

وَلَكنهُمْ لَا يفارقون التَّقْلِيد الذي هُوَ دأب من لَا يعقل حجج الله وَرَسُوله وَمن لم يُفَارق التَّقْلِيد لم يكن لعلمه كثير فَائِدَة وَإِن وجد مِنْهُم من يعْمل بالأدلة ويدع التعويل على التَّقْلِيد فَهُوَ الْقَلِيل النَّادِر كَابْن تَيْمِية وَأَمْثَاله وإني لأكْثر التَّعَجُّب من جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين الْمَوْجُودين فِي الْقرن الرَّابِع وَمَا بعده كَيفَ يقفون على تَقْلِيد عَالم من الْعلمَاء ويقدمونه على كتاب الله وَسنة رَسُوله مَعَ كَونهم قد عرفُوا من علم اللِّسَان مَا يكفي فِي فهم الْكتاب وَالسّنة بعضه فَإِن الرجل إِذا عرف من لُغَة الْعَرَب مَا يكون بِهِ فاهما لما يسمعهُ مِنْهَا صَار كَأحد الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَسلم وَمن صَار كَذَلِك وَجب عَلَيْهِ التَّمَسُّك بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَسلم وَترك التعويل على مَحْض الآراء فَكيف بِمن وقف على دقائق اللُّغَة وجلايلها إفرادا وتركيبا وإعرابا وَبِنَاء وَصَارَ فِي الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية والحقائق الْأُصُولِيَّة بمقام لَا يخفى عَلَيْهِ من لِسَان الْعَرَب خافية وَلَا يشذ عَنهُ مِنْهَا شَاذَّة وَلَا فاذة وَصَارَ عَارِفًا بِمَا صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَسلم فِي تَفْسِير كتاب الله وَمَا صَحَّ عَن عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ إِلَى زَمَنه وأتعب نَفسه فِي سَماع دوادين السنة الَّتِى صنفتها أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن فِي قديم الْأَزْمَان وَفِيمَا بعده فَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة كَيفَ يسوغ لَهُ أَن يعدل عَن آيَة صَرِيحَة أَو حَدِيث صَحِيح إِلَى رأي رَآهُ اُحْدُ الْمُجْتَهدين حَتَّى كَأَنَّهُ أحد الْعَوام الأعتام الَّذين لَا يعْرفُونَ من رسوم الشَّرِيعَة رسما فيالله الْعجب إِذا كَانَت نِهَايَة الْعَالم كبدايته وَآخر أمره كأوله فَقل لي أَي فَائِدَة لتضييع الْأَوْقَات فِي المعارف العلمية فَإِن قَول امامه الذي يقلده هُوَ كَانَ يفهمهُ قبل أَن يشْتَغل
(2/84)

بشئ من الْعُلُوم سواهُ كَمَا نشاهده فِي المقتصرين على علم الْفِقْه فَإِنَّهُم يفهمونه بل يصيرون فِيهِ من التَّحْقِيق إِلَى غَايَة لَا يخفي عَلَيْهِم مِنْهُ شئ ويدرسون فِيهِ ويفتون بِهِ وهم لَا يعْرفُونَ سواهُ بل لَا يميزون بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول
والذى أدين الله بِهِ أَنه لَا رخصَة لمن علم من لُغَة الْعَرَب مَا يفهم بِهِ كتاب الله بعد أَن يُقيم لِسَانه بشئ من علم النَّحْو وَالصرْف وَشطر من مهمات كليات أصُول الْفِقْه فِي ترك الْعَمَل بِمَا يفهمهُ من آيَات الْكتاب الْعَزِيز ثمَّ إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك الِاطِّلَاع على كتب السنة المطهرة الَّتِى جمعهَا الْأَئِمَّة المعتبرون وَعمل بهَا المتقدمون والمتأخرون كالصحيحين وَمَا يلْتَحق بهما مِمَّا الْتزم فِيهِ مصنفوه الصِّحَّة أَو جمعُوا فِيهِ بَين الصَّحِيح وَغَيره مَعَ الْبَيَان لما هُوَ صَحِيح وَلما هُوَ حسن وَلما هُوَ ضَعِيف وَجب الْعَمَل بِمَا كَانَ كَذَلِك من السنة وَلَا يحل التَّمَسُّك بِمَا يُخَالِفهُ من الرأي سَوَاء كَانَ قايله وَاحِدًا أَو جمَاعَة أَو الْجُمْهُور فَلم يَأْتِ فِي هَذِه الشَّرِيعَة الغراء مَا يدل على وجوب التَّمَسُّك بالآراء المتجردة عَن مُعَارضَة الْكتاب أَو السنة فَكيف بِمَا كَانَ مِنْهَا كَذَلِك بل الذي جَاءَنَا فِي كتاب الله على لِسَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا قل إن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة إلى غير ذَلِك وَصَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ كل أَمر لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد فَالْحَاصِل أَن من بلغ فِي الْعلم إِلَى رُتْبَة يفهم بهَا تراكيب كتاب الله ويرجح بهَا بَين مَا ورد مُخْتَلفا من تَفْسِير السّلف الصَّالح ويهتدى بِهِ إِلَى كتب السّنة الَّتِى يعرف بهَا مَا هُوَ صَحِيح وَمَا لَيْسَ بِصَحِيح فَهُوَ مُجْتَهد لَا يحل لَهُ أَن يُقَلّد غَيره كَائِنا من كَانَ فِي مسئلة من مسَائِل الدَّين بل
(2/85)

يستروي النُّصُوص من أهل الرِّوَايَة ويتمرن فِي علم الدِّرَايَة بِأَهْل الدِّرَايَة ويقتصر من كل فن على مِقْدَار الْحَاجة
والمقدار الْكَافِي من تِلْكَ الْفُنُون هُوَ مَا يتَّصل بِهِ إِلَى الْفَهم والتمييز وَلَا شك أَن التبحر فِي المعارف وَتَطْوِيل الباع فِي أَنْوَاعهَا هُوَ خير كُله لَا سِيمَا الاستكثار من علم السنة وَحفظ الْمُتُون وَمَعْرِفَة أَحْوَال رجال الْإِسْنَاد والكشف عَن كَلَام الْأَئِمَّة فِي هَذَا الشَّأْن فَإِن ذَلِك مِمَّا يُوجب تفَاوت الْمَرَاتِب بَين الْمُجْتَهدين لَا أنه يتَوَقَّف الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ فَإِن قلت رُبمَا يقف على هَذَا الْكَلَام من هومتهئ لطلب الْعلم فَلَا يدري بِمَا ذَاك يشْتَغل وَلَا يعرف مَا هُوَ الَّذِي إِذا اقْتصر عَلَيْهِ فِي كل فن بلغ إِلَى رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَالَّذِي يجب عَلَيْهِ عِنْده الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة قلت لَا يخفي عَلَيْك أن القرايح مُخْتَلفَة والفطن متفاوتة والأفهام متباينة فَمن النَّاس من يرْتَفع بِالْقَلِيلِ إِلَى رُتْبَة علية وَمن النَّاس من لَا يرْتَفع من حضيض التَّقْصِير بالكثير وَهَذَا مَعْلُوم بالوجدان ولكني هَهُنَا أذكر مَا يكفي بِهِ من كَانَ متوسطاً بَين الغايتين
فَأَقُول يَكْفِيهِ من علم مُفْرَدَات اللُّغَة مثل الْقَامُوس وَلَيْسَ المُرَاد إحاطته بِهِ حفظاً بل المُرَاد الممارسة لمثل هَذَا الْكتاب أَو مَا يشابهه على وَجه يَهْتَدِي بِهِ إِلَى وجدان مَا يَطْلُبهُ مِنْهُ عِنْد الْحَاجة ويكفيه فِي النَّحْو مثل الكافية لِابْنِ الْحَاجِب والألفية وَشرح مُخْتَصر من شروحها وَفِي الصّرْف مثل الشافية وَشرح من شروحها المختصرة مَعَ ان فِيهَا مَالا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة وَفِي أصُول الْفِقْه مثل جمع الْجَوَامِع والتنقيح لِابْنِ صدر الشَّرِيعَة والمنار للنسفي أَو مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب أَو غَايَة السول لِابْنِ الإِمَام وَشرح من شُرُوح هَذِه المختصرات الْمَذْكُورَة مَعَ أَن فِيهَا جميعهامالا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة بل غالبها كَذَلِك وَلَا سِيمَا تِلْكَ التدقيقات
(2/86)

الَّتِى فِي شروحها وحواشيها فَإِنَّهَا عَن علم الْكتاب وَالسّنة بمعزل وَلكنه جَاءَ فِي الْمُتَأَخِّرين من اشْتغل بعلوم أُخْرَى خَارِجَة عَن الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ثمَّ استعملها فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فجَاء من بعده فَظن أنها من عُلُوم الشَّرِيعَة فبعدت عَلَيْهِ الْمسَافَة وطالت عَلَيْهِ الطرق فَرُبمَا بَات دون الْمنزل وَلم يبلغ إِلَى مقْصده فَإِن وصل بذهن كليل وَفهم عليل لِأَنَّهُ قد استفرغ قوته فِي مقدماته وَهَذَا مشَاهد مَعْلُوم فَإِن غَالب طلبة عُلُوم الِاجْتِهَاد تنقضي أعمارهم فِي تَحْقِيق الْآلَات وتدقيقها وَمِنْهُم من لَا يفتح كتابا من كتب السنة وَلَا سفرا من أسفار التَّفْسِير فحال هَذَا كَحال من حصل الكاغد والحبر وبرى أقلامه ولاك دواته وَلم يكْتب حرفا فَلم يفعل الْمَقْصُود
إِذْ لَا ريب أَن الْمَقْصُود من هَذِه الْآلَات هُوَ الْكِتَابَة
كَذَلِك حَال من قبله وَمن عرف مَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا لم يحْتَج إِلَى قِرَاءَة كتب التَّفْسِير على الشُّيُوخ لِأَنَّهُ قد حصل مَا يفهم بِهِ الْكتاب الْعَزِيز وَإِذا أشكل عَلَيْهِ شئ من مُفْرَدَات الْقُرْآن رَجَعَ إِلَى مَا قدمنَا من أَنه يَكْفِيهِ من علم اللُّغَة وَإِذا أشكل عَلَيْهِ إعراب فَعنده من علم النَّحْو مايكفيه وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْإِشْكَال يرجع إِلَى علم الصّرْف وَإِذا وجد اخْتِلَافا فِي تفاسير السلف الَّتِى يقف عَلَيْهَا مطالعة فالقرآن عربي والمرجع لُغَة الْعَرَب فَمَا كَانَ أقرب إِلَيْهَا فَهُوَ أَحَق مِمَّا كَانَ أبعد وَمَا كَانَ من تفاسير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ مَعَ كَونه شَيْئا يَسِيرا مَوْجُود فِي كتب السنة ثمَّ هَذَا الْمِقْدَار الذي قدمنَا يكفي فِي معرفَة معاني متون الحَدِيث
وَأما مَا يَكْفِيهِ فِي معرفَة كَون الحَدِيث صَحِيحا أَو غير صَحِيح فقد قدمنَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك ونزيده ايضاحا فَنَقُول إِذا قَالَ امام من أَئِمَّة الحَدِيث الْمَشْهُورين بِالْحِفْظِ وَالْعَدَالَة وَحسن
(2/87)

الْمعرفَة أَنه لم يذكر فِي كِتَابه الاما كَانَ صَحِيحا وَكَانَ مِمَّن مارس هَذَا الشَّأْن ممارسة كُلية كصاحبى الصَّحِيحَيْنِ وبعدهما صَحِيح ابْن حبَان وصحيح ابْن خُزَيْمَة وَنَحْوهمَا فَهَذَا القَوْل مسوغ للْعَمَل بِمَا وجد فِي تِلْكَ الْكتب وَمُوجب لتقديمه على التَّقْلِيد وَلَيْسَ هَذَا من التَّقْلِيد لِأَنَّهُ عمل بِرِوَايَة الثِّقَة والتقليد عمل بِرَأْيهِ وَهَذَا الْفرق أوضح من الشَّمْس وَإِن الْتبس على كثير من النَّاس
وَأما مَا يدندن حوله أَرْبَاب علم الْمعَانى وَالْبَيَان من اشْتِرَاط ذَلِك وَعدم الْوُقُوف على حَقِيقَة مَعَاني الْكتاب وَالسّنة بِدُونِهِ فَأَقُول لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لِأَن مَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ فِي معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة قد أغْنى عَنهُ مَا قدمنَا ذكره من اللُّغَة والنحو الصّرْف وَالْأُصُول والزايد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ من دقايق الْعَرَبيَّة وأسرارها ومماله مزِيد تَأْثِير فِي معرفَة بلاغة الْكتاب الْعَزِيز لَكِن ذَلِك أَمر وَرَاء مانحن بصدده وَرُبمَا يَقُول قايل بِأَن هَذِه الْمقَالة مقَالَة من لم يعرف ذَلِك الْفَنّ حق مَعْرفَته وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا يَقُول فإنى قد شغلت بُرْهَة من الْعُمر فِي هَذَا الْفَنّ فَمِنْهُ مَا قعدت فِيهِ بَين أيدي الشُّيُوخ كشرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر وحواشيه وَشَرحه المطول وحواشيه وَشَرحه الأطول وَمِنْه مَا طالعته مطالعة متعقب وَهُوَ ماعدا مَا قَدمته وَقد كنت أَظن فِي مبادئ طلب هَذَا الْفَنّ مَا يَظُنّهُ هَذَا الْقَائِل ثمَّ قلت مَا قلت عَن خبْرَة وممارسة وتجريب والزمخشري وَأَمْثَاله وَإِن رَغِبُوا فِي هَذَا الْفَنّ فَذَلِك من حَيْثُ كَون لَهُ مدخلاً فِي معرفَة البلاغة كَمَا قدمنَا وَهَذَا الْجَواب الذي ذكرته هَهُنَا هُوَ الْجَواب عَن الْمُعْتَرض فِي سَائِر مَا أهملته مِمَّا يظن أَنه مُعْتَبر فِي الِاجْتِهَاد وَمَعَ ذَلِك كُله فلسنا إلا بصدد بَيَان الْقدر الذي يجب عِنْده الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وَإِلَّا فَنحْن مِمَّن يرغب الطّلبَة فِي الأستكثار
(2/88)

من المعارف العلمية على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَمن رام الْوُقُوف على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ طَالب الْعلم من الْعُلُوم على التَّفْصِيل وَالتَّحْقِيق فَليرْجع إِلَى الْكتاب الذي جمعته فِي هَذَا وسميته أدب الطلب ومنتهى الأرب فَهُوَ كتاب لَا يسْتَغْنى عَنهُ طَالب الْحق
على أَنِّي أَقُول بعد هَذَا أَن من كَانَ عاطلا عَن الْعُلُوم الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يسْأَل من يَثِق بِدِينِهِ وَعلمه عَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فِي الْأُمُور الَّتِى تجب عَلَيْهِ من عبَادَة أَو مُعَاملَة وَسَائِر مَا يحدث لَهُ فَيَقُول لمن يسْأَله علمني أصح مَا ثَبت فِي ذَلِك من الْأَدِلَّة حَتَّى أعمل بِهِ وَلَيْسَ هَذَا من التَّقْلِيد فِي شئ لِأَنَّهُ لم يسْأَله عَن رَأْيه بل عَن رِوَايَته وَلكنه لما كَانَ لجهله لَا يفْطن ألفاظ الْكتاب وَالسّنة وَجب عَلَيْهِ أَن يسْأَل من يفْطن ذَلِك فَهُوَ عَامل بِالْكتاب وَالسّنة بِوَاسِطَة المسؤل وَمن أحرز مَا قدمنَا من الْعُلُوم عمل بهَا بِلَا وَاسِطَة فِي التفهيم وَهَذَا يُقَال لَهُ مُجْتَهد والعامي الْمُعْتَمد على السُّؤَال لَيْسَ بمقلد وَلَا مُجْتَهد بل عَامل بِدَلِيل بِوَاسِطَة مُجْتَهد يفهمهُ مَعَانِيه وَقد كَانَ غَالب السلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم الَّذين هم خير الْقُرُون من هَذِه الطَّبَقَة وَلَا ريب أَن الْعلمَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الْعلمَاء أقل قَلِيل
فَمن قَالَ أنه لَا وَاسِطَة بَين الْمُقَلّد والمجتهد قُلْنَا لَهُ قد كَانَ غَالب السلف الصَّالح لَيْسُوا بمقلدين وَلَا مجتهدين أما كَونهم لَيْسُوا بمقلدين فَلِأَنَّهُ لم يسمع عَن أحد من مقصري الصَّحَابَة أَنه قلد عَالما من عُلَمَاء الصَّحَابَة الْمَشَاهِير بل كَانَ جَمِيع الْمُقَصِّرِينَ مِنْهُم يستروون عُلَمَائهمْ نُصُوص الْأَدِلَّة ويعملون بهَا وَكَذَلِكَ من بعدهمْ من التَّابِعين وتابعيهم وَمن قَالَ إن جَمِيع الصَّحَابَة مجتهدون وَجَمِيع التَّابِعين وتابعيهم فقد أعظم الْفِرْيَة وَجَاء بِمَا لَا يقبله عَارِف
(2/89)

وَهَذِه الْمذَاهب والتقليدات الَّتِى مَعْنَاهَا قبُول قَول الْغَيْر دون حجَّة لم تحدث إلا بعد انْقِرَاض خير الْقُرُون ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ
(وَخير الْأُمُور السالفات على الْهدى ... وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع) وَإِذا لم يسع غير الْعَالم فِي عصور الْخلف مَا وَسعه فِي عصور السلف فَلَا وسع الله عَلَيْهِ
وَهَذَا عَارض من القَوْل اقْتَضَاهُ مَا قدمْنَاهُ فلنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من تَرْجَمَة هَذَا السَّيِّد الإِمَام فَنَقُول وَهُوَ شَاهد على مَا قدمنَا ذكره إن صَاحب التَّرْجَمَة لما ارتحل إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ علم الحَدِيث على شَيْخه ابْن ظهيرة قَالَ للسَّيِّد مَا أحسن يَا مَوْلَانَا لَو انتسبت إِلَى إمام الشافعي أَو أَبى حنيفَة فَغَضب وَقَالَ لَو احتجت إِلَى هَذَا النّسَب والتقليدات مَا اخْتَرْت غير الإِمَام الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم أَو حفيده الهادي
وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن يقصر الْقَلَم عَن التَّعْرِيف بِحَالهِ وَكَيف يُمكن شرح حَال من يزاحم أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين فِي اجتهاداتهم ويضايق أَئِمَّة الأشعرية والمعتزلة فِي مقالاتهم وَيتَكَلَّم فِي الحَدِيث بِكَلَام أئمته المعتبرين مَعَ إحاطته بِحِفْظ غَالب الْمُتُون وَمَعْرِفَة رجال الْأَسَانِيد شخصا وَحَالا وزمانا ومكانا وتبحره فِي جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية على حد يقصر عَنهُ الْوَصْف
وَمن رام أن يعرف حَاله وَمِقْدَار علمه فَعَلَيهِ بمطالعة مصنفاته فَإِنَّهَا شَاهد عدل على علو طبقته فَإِنَّهُ يسْرد فِي المسئلة الْوَاحِدَة من الْوُجُوه مَا يبهر لب مطالعه ويعرفه بقصر بَاعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم هَذَا الإِمَام كَمَا يَفْعَله فِي العواصم والقواصم فَإِنَّهُ يُورد كَلَام شَيْخه السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم فِي رسَالَته الَّتِى اعْترض بهَا عَلَيْهِ ثمَّ ينسفه نسفا بإيراد
(2/90)

مَا يزيفه بِهِ من الْحجَج الْكَثِيرَة الَّتِى لَا يجد الْعَالم الْكَبِير فِي قوته اسْتِخْرَاج الْبَعْض مِنْهَا وَهُوَ فِي أَرْبَعَة مجلدات يشْتَمل على فَوَائِد فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا تُوجد فِي شَيْء من الْكتب وَلَو خرج هَذَا الْكتاب إِلَى غير الديار اليمنية لَكَانَ من مفاخر الْيمن وَأَهله وَلَكِن أَبى ذَلِك لَهُم مَا جبلوا عَلَيْهِ من غمط محَاسِن بَعضهم لبَعض وَدفن مَنَاقِب أفاضلهم
وَمن مصنفاته تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن على أساليب اليونان وَهُوَ كتاب فِي غَايَة الإفادة والإجادة على أسلوب مخترع لَا يقدر على مثله إلا مثله وَمِنْهَا كتاب الرَّوْض الباسم فِي مُجَلد اخْتَصَرَهُ من العواصم وَكتاب إيثار الْحق على الْخلق
وَهُوَ غَرِيب الأسلوب مُفِيد فِي بَابه وَله كتاب جمعه فِي التَّفْسِير النبوي
وَمِنْهَا مؤلف فِي مدح الْعزبَة وَالْعُزْلَة
ومؤلف فِي الرَّد على المعري سَمَّاهُ نصر الْأَعْيَان على شَرّ العميان وَله كتاب الْبُرْهَان الْقَاطِع فِي معرفَة الصَّانِع وَله كتاب التَّنْقِيح فِي عُلُوم الحَدِيث وَله مؤلفات غير هَذِه ومسائل أفردها بالتصنيف وَهُوَ إِذا تكلم فِي مسئلة لَا يحْتَاج النَّاظر بعده إِلَى النظر فِي غَيره من أي علم كَانَت وَقد وقفت من مسَائِله الَّتِى أفردها بالتصنيف على عدد كثير تكون فِي مُجَلد وَمَا لم أَقف عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا وقفت عَلَيْهِ وَكَلَامه لَا يشبه كَلَام أهل عصره وَلَا كَلَام من بعده بل هُوَ من نمط كَلَام ابْن حزم وَابْن تَيْمِية وَقد يأتي فِي كثير من المباحث بفوائد لم يَأْتِ بهَا غَيره كايناً من كَانَ وديوان شعره مُجَلد وشعره غالبه فِي التوسلات وَالرَّقَائِق وَتَقْيِيد الشوارد العلمية والمجاوبة لمن امتحن بِهِ من أهل عصره فإن لَهُ مَعَهم قلاقل وزلازل وَكَانُوا يثورون عَلَيْهِ ثورة بعد ثورة وينظمون فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ القصائد وأفضى ذَلِك إِلَى أَن اعْترض عَلَيْهِ شَيْخه
(2/91)

الْمُتَقَدّم ذكره برسالة مستلقة فأجابها بِمَا تقدم وَكَانَ يجاوبهم ويصاولهم ويجاولهم فيقهرهم بِالْحجَّةِ وَلم يكن فِي زَمَنه من يقوم لَهُ لكَونه فِي طبقَة لَيْسَ فِيهَا أحد من شُيُوخه فضلا عَن معارضيه والذي يغلب على الظَّن أَن شُيُوخه لَو جمعُوا جَمِيعًا فِي ذَات وَاحِدَة لم يبلغ علمهمْ إِلَى مِقْدَار علمه وناهيك بِهَذَا
ثمَّ بعد هَذَا انجمع وَأَقْبل على الْعِبَادَة وتمشيخ وتوحش فِي الفلوات وَانْقطع عَن النَّاس وَلم يبْق لَهُ شغله بِغَيْر ذَلِك وتأسف على مَا مضى من عمره فِي تِلْكَ المعارك الَّتِى جرت بَينه وَبَين معاصريه مَعَ أَنه فِي جَمِيعهَا مَشْغُول بالتصنيف والتدريس والذب عَن السنة وَالرَّفْع عَن إعراض أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الْأمة والمناضلة لأهل الْبدع وَنشر علم الحَدِيث وَسَائِر الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فِي أَرض لم يألف أَهلهَا ذَلِك لَا سِيمَا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَلهُ أجر الْعلمَاء العاملين وَأجر الْمُجَاهدين الْمُجْتَهدين وَلكنه ذاق حلاوة الْعِبَادَة وَطعم لَذَّة الِانْقِطَاع إِلَى جناب الْحق فصغر فِي عَيْنَيْهِ مَا سوى ذَلِك
وَقد تَرْجمهُ بعض بني الْوَزير فِي كراريس وَاسْتوْفى أَحْوَاله وَلَو تَرْجمهُ فِي مُجَلد لم يكن وافيا بِحقِّهِ وترجمه أَيْضا جمَاعَة من عُلَمَاء الزيدية وَمن غَيرهم من قدمنَا ذكره كالوجيه العطاب اليمني والشريف الفاسي المالكي فِي كِتَابه العقد الثمين الذي جعله تَارِيخا لمَكَّة والبريهي ومدحه غير وَاحِد من أَعْيَان الْعلمَاء وَالْحَاصِل أَنه رجل عرفه الأكابر وجهله الأصاغر وَلَيْسَ ذَلِك مُخْتَصًّا بعصره بل هُوَ كاين فِيمَا بعده من العصور إِلَى عصرنا هَذَا
وَلَو قلت أن الْيمن لم ينجب مثله لم أبعد عَن الصَّوَاب وَفِي هَذَا الْوَصْف مَالا يحْتَاج مَعَه إِلَى غَيره وَمَا أحسن قَوْله فِي معاتبة شَيْخه الْمُتَقَدّم ذكره
(2/92)

(عرفت قدري ثمَّ أنكرته ... فَمَا عدا بِاللَّه ممابدا)
(وكل يَوْم لَك بي موقف ... أسرفت فِي القَوْل بِسوء البدا)
(أمس الثنا وَالْيَوْم سوء الْأَذَى ... ياليت شعري كَيفَ نضحي غَدا)
(يَا شيبَة العترة فِي وقته ... ومنصب التَّعْلِيم والاهتدا)
(قد خلع الْعلم رِدَاء الْهدى ... عَلَيْك والشيب رِدَاء الردى)
(فصن ردائيك وطهرهما ... عَن دنس الْإِسْرَاف والاعتدا)
وَكَانَت وَفَاته تغمده الله بغفرانه فِي سَابِع وَعشْرين شهر محرم سنة 840 أَرْبَعِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَدْر أَبُو الْبَقَاء الأنصاري المصري الأَصْل الْمَعْرُوف بالبدر البشتكي

الشَّاعِر الْمَشْهُور ولد فِي أحد الربيعين سنة 748 ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بجوار جَامع بشتك الناصري فَقَرَأَ الْقُرْآن وَحفظ الْكتاب فِي فقه الْحَنَفِيَّة ثمَّ تحول شافعيا وَصَحب الْبَهَاء مُحَمَّد بن عبد الله الكازروني وَكَانَ عجبا فِي جذب النَّاس إِلَى الْإِقَامَة عِنْده بِحَيْثُ يهجروا أَهَالِيهمْ خُصُوصا المردان فَاجْتمع بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ كَذَلِك مَعَ كَونه من أجمل أهل عصره فلازمه وَلم يُفَارِقهُ وأمعن النظر فِي كتب ابْن حزم فغلب عَلَيْهِ حبه وتزيا بِكُل زي وسلك كل طَرِيق واشتغل فِي فنون كَثِيرَة وَلكنه لم يتقن شَيْئا مِنْهَا وَأخذ الْأَدَب عَن ابْن نَبَاته وَقَالَ الشّعْر الْحسن فكاد يحكيه فِي الرقة والانسجام وَجمع كتابا حافلا فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَجمع ديوَان شَيْخه ابْن نَبَاته وَفَاته كثير مِنْهُ فاستدارك عَلَيْهِ ابْن حجر مِمَّا فَاتَهُ من شعر ابْن نَبَاته نَحْو مُجَلد وَلم يجمع هُوَ نظم نَفسه مَعَ كثرته فَجَمعه الشهَاب
(2/93)

الحجازي وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة قدرَة على النسيخ بِحَيْثُ يكْتب فِي الْيَوْم خمس كراريس فَأكْثر وَرُبمَا تَعب فيضطجع على جنبه فَيكْتب
وَكتب لنَفسِهِ وَلغيره مَالا يدْخل تَحت الْحصْر وَكَانَ لأجل مَا يَكْتُبهُ موسعا عَلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ وَلَا يتقلد لأحد مِنْهُ حَتَّى إن بعض الأكابر أرسل إِلَيْهِ بِعشْرَة دَنَانِير فشتم الرَّسُول وَقَالَ لَا حَاجَة لي فِي ذَلِك فَأخذ جرابه فنثر مَا فِيهِ من ذهب وَفِضة وفلوس بِحَضْرَتِهِ وَكَانَ يسخر بِجَمَاعَة من الْأَعْيَان وَمن ذَلِك أَنه قَالَ للكمال الدميري لما بلغه أَنه شرح سنَن ابْن مَاجَه سَمَّاهُ بَعرَة الدَّجَاجَة وَلما سمى البلقيني مؤلفاته الْفَوَائِد المنتهضة على الرافعي وَالرَّوْضَة كَانَ المترجم لَهُ يَقُول الرَّوْضَة بِفَتْح الْوَاو يُشِير إِلَى أن السجعة غير متناسب فَغير البلقيني التَّسْمِيَة إِلَى الْفَوَائِد الْمَحْضَة
وَكتب إِلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر
(أَلَيْسَ عجيبا بِأَنا نَصُوم ... وَلَا نشتكي من أَذَى الصَّوْم غما)
(ونسغب وَالله فِي نسكنا ... إِذا نَحن لم نرو نثرا ونظما)
فَأجَاب المترجم لَهُ
(ألا يَا شهابا رقى فِي العلى ... فأمطرنا نوه العذب قطرا)
(إِلَى فقر مِنْك يَا فقرنا ... ونستغن إن قلت نظما ونثرا)
وشعره سَائِر وَقد ذكر مِنْهُ المصنفون فِي الْأَدَب من الْمُتَأَخِّرين شَيْئا كثيرا وَمَات يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث وَعشْرين جُمَادَى الأولى سنة 830 ثَلَاثِينَ وثمان مائَة
(2/94)

السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمفضل بن إِبْرَاهِيم بن علي ابْن الإِمَام شرف الدَّين الشبامى الْيُمْنَى

ولد سنة 1022 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَقَرَأَ على الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الحيمي وعَلى السَّيِّد عز الدَّين بن دريب وعَلى غَيرهمَا من مَشَايِخ صنعاء وشبام وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق أهل عصره وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَفِي تلامذته جمَاعَة هم أَئِمَّة مصنفون كالعلامة صَالح ابْن مهدي المقبلي وَغَيره وَلم يشْتَغل مَعَ جلالة قدره وتبحره فِي الْعُلُوم بالتصنيف بل كَانَ يُجيب فِي مسَائِل ترد عَلَيْهِ أجوبة مفيدة وَله سيرة حَسَنَة جمعهَا لجده الإِمَام شرف الدَّين وَكَانَ كثير الصمت قَلِيل المباهاة والمماراة ومحبة الظُّهُور
وَمن غرائب مَا وَقع لَهُ مِمَّا يدل على مزِيد عقله وسكونه وَحسن سمته أَنه حضر مجْلِس الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل وَهُوَ غاص بأعيان الْعلمَاء فدار الْكَلَام فِي مسئلة نحوية فَتكلم كل وَاحِد من الْحَاضِرين بمالديه وَصَاحب التَّرْجَمَة سَاكِت لم يتَكَلَّم بِكَلِمَة مَعَ كَونه أَكثر أهل ذَلِك الْمجْلس علما وَلما طَال الْكَلَام فِي تِلْكَ المسئلة الْتفت اليه من فِي ذَلِك الْمجْلس وَمِنْهُم الإِمَام وعولوا جَمِيعًا فِي ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ هَذِه المسئلة ذكرهَا صَاحب المغنى فجاؤا بِالْكتاب فَأَخذه وَفتح فَقلب ورقة أَرَاهُم تِلْكَ المسئلة بلفظها فعجبوا من تَحْقِيقه أَولا وَمن سُكُوته مَعَ علمه بالمسئلة لاسيما وَقد كثر الْكَلَام فِيهَا وَطَالَ وَعرض خُصُوصا فِي مثل ذَلِك الْمجْلس الَّذِي لَا يمسك نَفسه فِيهِ إلا من كَانَ جبلا من جبال التَّقْوَى وَكَانَ حسن الشكل مليح الْهَيْئَة حَتَّى قَالَ بعض الْفُضَلَاء إنه لَو اجْتمع أهل الْمَحْشَر وَخرج صَاحب التَّرْجَمَة علم كل وَاحِد أَنه عَالم وَكَانَ متواضعا متوددا
(2/95)

ملاطفا وَهُوَ مِمَّن اتفق أهل عصره على تَعْظِيمه وخضعوا لعلمه واعترفوا بتفرده وأقروا لَهُ بِالْجمعِ بَين علم الْعقل وَالنَّقْل وَالْبُلُوغ فِي التَّحْقِيق إِلَى أَعلَى الطَّبَقَات وَمَات فِي نَهَار الِاثْنَيْنِ غرَّة شهر رَجَب سنة 1085 خمس وَثَمَانِينَ وَألف بمنزله بشبام وتأسف النَّاس على فَقده ورثاه الشُّعَرَاء كمحمد ابْن الْحُسَيْن الحيمي وَالشَّيْخ إبراهيم الهندي والقاضي أَحْمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال صَاحب مطلع البدور والقاضي علي بن صَالح بن أَبى الرِّجَال
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يحيى بن مُحَمَّد بن صَلَاح الشجرى السحولى ثمَّ الصنعاني

أحد الْعلمَاء المبرزين والأدباء المجيدين أَخذ الْعلم عَن وَالِده وَغَيره وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِع صنعاء ثمَّ صَار خَطِيبًا برداع وَفِي آخر مدَّته ولاه المهدي صَاحب الْمَوَاهِب الخطابة بالخضراء الَّتِى اختطها وَكَانَ مبرزا فِي الْعُلُوم الآلية وَالْأَدب وَله شعر منسجم جيد فَمِنْهُ قَوْله فِي مدح شرخ الرضى على الكافية
(عَلَيْك بِالنَّجْمِ إِذا مَا دجت ... ظلمَة نَحْو إن أردْت المضي)
(من شَاءَ يدعي السَّيِّد المرتضى ... فِي قومه كَانَ أَخا للرضى)
وَمن نظمه
(كم قَالَت الورقا لَا غصاننا ... هَذَا الْمصلى فاسجدي واركعي)
(وَأَنت يَا وَرْقَاء بَان اللوى ... غن على العيدان ثمَّ اسجعي)
وَمن نظمه القصيدة الَّتِى رَاجع بهَا السَّيِّد الْحسن الجرموزي ومطلعها
(بَين المعاجر والمحاجر ... فتن الأصاغر والأكابر)
وَله نظم كثير وَقد ترْجم لَهُ صَاحب ترويح المشوق وَصَاحب نسمَة
(2/96)

السحر وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَمِائَة وَألف
ووالد صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ أحد أكَابِر عُلَمَاء صنعاء المفيدين لَا سِيمَا فِي علم الْفُرُوع وَله مصنفات مِنْهَا حَاشِيَة شرح الأزهار الْمَشْهُورَة وَمِنْهَا شرح على الثَّلَاثِينَ المسئلة وَقد تخرج بِهِ غَالب أهل عصره فِي علم الْفِقْه وَمن مشايخه وَالِده والعلامة مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى والقاضي أَحْمد بن معوضة الجربي والفقيه إِبْرَاهِيم بن يحيى حميد والفقيه أَحْمد الضمدي وَالسَّيِّد حسن بن شمس الدَّين جحاف وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي وَعبد الهادي ابْن أَحْمد الحسوسة
ومولده لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث وَعشْرين جُمَادَى الأولى سنة 987 سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِمَدِينَة ذمار وَتُوفِّي يَوْم السبت لعشرين خلت من جُمَادَى الأولى سنة 1060 سِتِّينَ وَألف بِصَنْعَاء وَقد تَرْجمهُ صَاحب مطالع البدور تَرْجَمَة وافية
الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد فِي سنة 1047 سبع وَأَرْبَعين وَألف فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَكَانَ بعد موت وَالِده أحد الرؤساء الأكابر فِي الديار اليمنية وَولى الْخلَافَة بعد موت الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بعد نزاع شَدِيد وحروب طَوِيلَة وَاجْتمعَ لحربه جَمِيع أكَابِر سَادَات الْيمن من أَقَاربه وَغَيرهم وحصروه وكادوا يحيطون بِهِ وبمن مَعَه فَخرج إِلَيْهِم بِمن مَعَه من الأجناد وهم الْيَسِير فَهَزَمَهُمْ وَأسر جمَاعَة من أكابرهم وشرد آخَرين ودانت الْيمن وَصفا لَهُ الْوَقْت وَلم يبْق لَهُ مُخَالف إلا قهره ونازعه بعد ذَلِك جمَاعَة فَغَلَبَهُمْ وسجنهم كالسيد يُوسُف بن المتَوَكل وكالسيد حُسَيْن بن
(2/97)

الْحسن بن الإِمَام وَهُوَ عَمه وَغير هَؤُلَاءِ وَالْحَاصِل أَنه ملك من أكابر الْمُلُوك كَانَ يَأْخُذ المَال من الرعايا بِلَا تَقْدِير وينفقه بِلَا تَقْدِير وَكَانَت الْيمن من بعد خُرُوج الأتراك مِنْهَا إِلَى أَن ملكهَا صَاحب التَّرْجَمَة مصونة عَن الْجور والجبانات وَأخذ مَالا يسوغه الشَّرْع فَلَمَّا قَامَ هَذَا أَخذ المَال من حله وَغير حله فعظمت دولته وجلت هيبته وتمكنت سطوته وتكاثرت أجناده وَصَارَ بالملوك أشبه مِنْهُ بالخلفاء وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يتزهد فِي ملبوسه فَإِنَّهُ كَانَ لَا يلبس الْحَرِير وَلَا رفيع الثِّيَاب وَكَانَ يُسمى صَاحب السَّجْدَة لِأَنَّهُ كَانَ إِذا خرج من موكبه وَرَأى مَا بَين يَدَيْهِ من الأجناد الْمَالِيَّة للْقَضَاء ترجل عَن جَوَاده وَسجد شكرا لله وتواضعا ومرغ وَجهه بِالْأَرْضِ وَكَانَ سفاكا للدماء بِمُجَرَّد الظنون والشكوك وَقد قتل عَالما بذلك السَّبَب وشاع على الألسن أَنه كَانَ يَأْتِيهِ فِي اللَّيْل من يخاطبه بِأَنَّهُ يقتل فلَانا وينهب مَال فلَان وَيُعْطى فلَانا وَيمْنَع فلَانا فَإِذا كَانَ النَّهَار عمل بِجَمِيعِ ذَلِك وَلَعَلَّ هَذَا الْمُخَاطب لَهُ من مَرَدَة الْجِنّ وَكَانَ يمِيل إِلَى أهل الْعلم ويجالسهم ويتشبه بهم وَرُبمَا قرأوا عَلَيْهِ وَلم يكن عَالما وَلَكِن كَانَ يحب التظهر بِالْعلمِ فيساعده على ذَلِك عُلَمَاء حَضرته رغبا ورهبا وَله تصنيف سَمَّاهُ الشَّمْس المنيرة فِي مُجَلد لطيف وقفت عَلَيْهِ وَفِيه نقل مسَائِل من مؤلفات جد ابيه الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد وَلكنهَا غير مرتبَة وَلَا منقولة على أسلوب بل لَا يدري المطلع على ذَلِك الْكتاب مَا مَوْضُوعه وَلَا مَا غَرَض مُؤَلفه وَسبب ذَلِك كَون مُؤَلفه لَيْسَ من الْعلمَاء وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يقرأه عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَلَيْسَ فِي موسعهم نصحه وتعريفه بِالْحَقِيقَةِ لما جبل عَلَيْهِ من الطيش وتعجيل الْعقُوبَة
وَمن علو همته أَنه إِذا أراد الْإِيقَاع بوزير من وزرائه أَو
(2/98)

أَمِير من أمرائه أَمر بالجند بانتهاب مَاله وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَقد يكون مَالا جَلِيلًا وَكَانَ تملكه لليمن واستيلاؤه عَلَيْهَا بعد موت الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ابْن المتَوَكل على الله كَمَا تقدم وَذَلِكَ فِي سنة 1097 وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى سنة 1126 وَشرع المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن فِي معارضته وَإِخْرَاج الْبِلَاد عَن مَمْلَكَته حَتَّى خلع نَفسه فِي سنة 1129 فَكَانَ ملكه الديار اليمنية بأسرها زِيَادَة على ثَلَاثِينَ سنة فسبحان الفعال لما يُرِيد
وَمن أعظم الْحَوَادِث فِي أَيَّامه حَادِثَة السَّيِّد إِبْرَاهِيم المحطورى الشرفى الذى يُسَمِّيه النَّاس الْيَوْم المحدورى بِالدَّال الْمُهْملَة مَكَان الطَّاء الْمُهْملَة وَكَانَ بارعا فِي علم الطلسمات والشعوذة وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من أعظم السَّحَرَة وَظُهُور أمره فِي سنة 1111 وَله أَتبَاع مجاذيب ينطقون بِلَفْظ الْجَلالَة فسفك الدِّمَاء وَنهب الْأَمْوَال وَكَانَ لَا تُؤثر الرصاص فِي أَصْحَابه وَلَا يقطع أجسامهم السِّلَاح فَكَانَت الرصاصة إِذا بلغت إِلَى أَصْحَابه أمْسكهَا بِيَدِهِ وأرجعها إِلَى صَاحبهَا وارتجت الديار اليمنية لهَذِهِ الْحَادِثَة بل وَسَائِر الديار حَتَّى قيل ان سُلْطَان الرّوم كتب إِلَى نَائِبه بِمصْر يسْأَله عَن هَذَا القايم بِالْيمن الذي لَا يعْمل فِي أَصْحَابه السِّلَاح وَلَا الرصاص
وَوَقعت لَهُ ملاحم دمر فِيهَا عَالما لَا يُحصونَ فَأرْسل إِلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة جَيْشًا بعد جَيش وَهُوَ يهزمهم وَيقتل أَكْثَرهم وامتد أصحابه فِي مَوَاضِع من الْيمن وَلم يكن عِنْده من الْعلم شئ فَكَانَ إِذا سُئِلَ عَن وَجه مَا يسفك من الدِّمَاء ويهتك من الْحرم وينهب من الْأَمْوَال قَالَ إن سَيْفه هُوَ الذي يَأْمُرهُ بذلك ويحكى أَن سَيْفه الْمَذْكُور كَانَ يسمع لَهُ صليل وَهُوَ فِي غمده وَلَعَلَّ ذَلِك من جملَة أثر سحره وَكَانَ تَارَة يَقُول أنه لَا يخرج إلا لأجل شرب النَّاس للتنباك وتقريرهم للبانيات على الْبَقَاء
(2/99)

فِي أَرض الْيمن وكل هَذَا من أعظم المشعرات بمزيد جَهله وَكَانَ أَصْحَابه إِذا توجهوا إِلَى حصن من الْحُصُون فتحوه فِي أسْرع وَقت وَإِن كَانَ من غَايَة الحصانة لأَنهم يرمونهم فَلَا يُؤثر ذَلِك ويضربونهم بِالسِّلَاحِ فَلَا يُؤثر ذَلِك فَإِذا لم يستسلموا ويفتحوا لَهُم الْأَبْوَاب تسوروا من الجدارات ودخلوا فاتفق فِي فتحهم لحصن ثلا إن أمْرَأَة أرْسلت على أحدهم حجرا فهشمته فَلَمَّا رَأَوْا أهل الْمحل ذَلِك أخذُوا الْأَحْجَار ورموهم بهَا فشدخوهم وَقتلُوا جمَاعَة مِنْهُم وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة يُجهز جَيْشًا بعد جَيش حَتَّى جهز فِي آخر الْأَمر أَوْلَاده فِي جَيش ضخم فَكَانَ الْفَتْح وتقهقر امْر هَذَا الناجم وتفرق أَصْحَابه بعد أَن فعلوا الأفاعيل وهزموا الجيوش وفتحوا الْحُصُون ثمَّ نجا بِنَفسِهِ إِلَى جِهَات صعدة وَشرع فِي إفساد أَهلهَا وكادت الْفِتْنَة أن تعود فتلطف أَمِير صعدة إذ ذَاك وَهُوَ السَّيِّد علي بن أَحْمد بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد حَتَّى وصل إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن سَبَب سفكه للدماء ونهبه للأموال وتحليله للمحرمات فَأَجَابَهُ بِمثل مَا أعتذر بِهِ سَابِقًا مِمَّا يُؤذن بإفراط جَهله فسجنه ثمَّ ضرب عُنُقه وَأرْسل إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة يُخبرهُ بذلك
وَقد اتفق مثل هَذِه الْفِتْنَة فِي أَوَائِل أَيَّام الإِمَام الْمهْدي الْعَبَّاس ابْن الْحُسَيْن وَالِد مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَذَلِكَ أن رجلا من السودَان يُقَال لَهُ أَبُو عَلامَة ظهر من الْمحل الذي ظهر مِنْهُ المحطوري وَهُوَ بِلَاد الشرق وَصَارَ لَهُ اتِّبَاع كثير مجاذيب لَا يعْمل فيهم سلَاح وَلَا رصاص وَاجْتمعَ مِنْهُم ألوف مؤلفة وفتحوا غَالب حصون بِلَاد حاشد وبكيل ثمَّ بعد ذَلِك استفتحوا مَوَاضِع من الْبِلَاد الإمامية
(2/100)

وانتهوا إِلَى تهَامَة وَقتلُوا من النَّاس من لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر ورجفت الْيمن لذَلِك وتضعضعت أركان المملكة وَصَارَ النَّاس لَا يجْرِي فِي حَدِيثهمْ غَيره وَصَارَ النِّسَاء وَمن يشابههن من الْعَوام إِذا سقط صبي لَهُم نادوا باسم هَذَا الناجم وعظمت فتنته واشتملت الأَرْض بِهِ وَمَا زَالَ الإِمَام المهدي يُرْسل إِلَيْهِ بالجيوش ويدافع بهَا عَن بِلَاده الَّتِى قد انْتَشَر فِيهَا أَصْحَاب أَبى عَلامَة الْمَذْكُور وَآخر الْأَمر عملت فيهم الأسلحة وأثرت فيهم الرصاص وَلَكنهُمْ قد صَارُوا جيوشا متكاثرة فَتَارَة تكون الدائرة لَهُم وَتارَة عَلَيْهِم وغالبهم من السودَان
ثمَّ اتفق أَن أَبَا عَلامَة أرسل إِلَى الشَّام صعدة أَنهم يمدونه بِجَيْش فَخَرجُوا فِي جَيش كثير فوصلوا إِلَيْهِ وَقد أدبر أمره فَقتله جمَاعَة مِنْهُم وحملوا رَأسه إِلَى الإِمَام المهدي الْعَبَّاس وَقد أخبرني بأخبار هَذَا الناجم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد الْمُتَقَدّم ذكره وَكَذَلِكَ أخبرني بأخباره الْفَقِيه علي بن الْقَاسِم حَنش الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَا قد وصلا إِلَيْهِ اما شَيخنَا فأرسله الإِمَام المهدي وَأما الْفَقِيه عَليّ فَأرْسلهُ أَمِير كوكبان وأخبرني شَيخنَا أَنه سَأَلَ عَن سَبَب مَا هُوَ فِيهِ فَقَالَ أنه دخل صنعاء فِي أَيَّام سَابِقَة وَكَانَ المؤذنون يسبحون من المنارات فِي آخر اللَّيْل ثَلَاث تسبيحات ثمَّ دخل مرّة اخرى فَوَجَدَهُمْ قد تساهلوا بذلك فَمنهمْ من يسبح تسبيحتين وَمِنْهُم من يسبح تَسْبِيحَة وَاحِدَة وَمِنْهُم من لَا يسبح فَانْظُر إِلَى هَذَا الْجَهْل العجيب الذي اسْتحلَّ بِهِ هَذَا الطاغية سفك الدِّمَاء وهتك الْحرم وَكَانَ ظُهُوره فِي سنة 1164 أَو فِي الَّتِى بعْدهَا فانتقم الله مِنْهُ وأهلكه وَكَانَ موت الْمهْدي صَاحبه الْمَوَاهِب المترجم لَهُ فِي سنة 1130 ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف
(2/101)

مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي ثمَّ الصنعاني
لَهُ شُيُوخ مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة احْمَد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من أهل الْحَرَمَيْنِ كالشيخ مُحَمَّد حبوه السندي وَكَانَ لَهُ اطلَاع على عدَّة عُلُوم مَعَ بلاغة فائقة وَعبارَة رائقة وَله مؤلفات مَجْمُوعَة فِي مجلدة وفيهَا رسائل نفيسة وَكَانَ خَطِيبًا للْإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ثمَّ ولاه الْقَضَاء بمحلات من الْمَدَائِن اليمنية وَفِيه كرم مفرط وَله شعر متوسط وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الْقُضَاة وَكَذَلِكَ ولاه الإِمَام المهدي الْقَضَاء بمواضع من مَدَائِن الْيمن وَله قصائد فِي مدحه فَمِنْهَا هَذِه القصيدة
(زارت وَقد جن دامس الْغَلَس ... وَلم تخف أعينا من الحرس)
(تخطر فِي تيهها فنم بهَا ... طيب شذاها ومنطق الجرس)
(فيالها خلسة ألذ بهَا ... ألذ وصل الحبيب فِي الخلس)
(عقيلة حجبت بسمر قنى ... وبيض هِنْد وأسهم وقسي)
(ترمي بِسَهْم الرنا فكم قتلت ... من دارع فِي الْهوى ومترس)
وهي طَوِيلَة وَلَعَلَّ مَجْمُوع أشعاره مَوْجُودَة عِنْد وَلَده القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره وَمَوته فِي أيام الْمهْدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن سنة 1181 إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وسيأتي ذكر حفيده إن شَاءَ الله
مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الرملي المصري الْعَالم الْمَشْهُور

ولد سنة 919 تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَمَوته سنة 1004 ارْبَعْ وَألف وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة مبسوطة لكنه قَالَ العصامي فِي وَصفه إمام الْحَرَمَيْنِ وَشَيخ المصريين من كَانَت الْعلمَاء تكْتب عَنهُ مَا يملي مَوْلَانَا شمس الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الرملي فاتح أقفال مشكلات الْعُلُوم ومحيي مَا اندرس
(2/102)

مِنْهَا من الْآثَار والرسوم أستاذ الأستاذين وَأحد عُلَمَاء الدَّين عَلامَة الْمُحَقِّقين على الإطلاق وفهامة المدققين بالِاتِّفَاقِ انْتهى
مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعد السودي

ثمَّ الصنعاني المولد والمنشأ وَالدَّار ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1178 ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ لازمني مُنْذُ ابْتِدَاء طلبه إِلَى انتهائه فَقَرَأَ علي فِي النَّحْو الملحة وَشَرحهَا لبحرق وَشَرحهَا للفاكهى وَالْقَوَاعِد وَشَرحهَا والكافية وَشَرحهَا للسَّيِّد الْمُفْتى ثمَّ شرحها للخبيصي ثمَّ شرحها للجامي ثمَّ شرحها للرضي ثمَّ مغني اللبيب وَقَرَأَ علي فِي الْمنطق ايساغوجي وَشَرحه للقاضي زَكَرِيَّا ثمَّ التَّهْذِيب للسعد وَشَرحه للشيرازى وَشَرحه لليزدى ثمَّ قَرَأَ علي الشافية وَشَرحهَا للشَّيْخ لطف الله الْمُسَمّى بالمناهل الصافية ثمَّ قَرَأَ على من كتب الْمعَانى وَالْبَيَان التَّلْخِيص للقزوينى وَشَرحه الْمُخْتَصر للسعد وحاشيته للطف الله وَشَرحه المطول للسعد أَيْضا وحاشيته للشريف وحاشيته للشلبي وَقَرَأَ علي من كتب الْأُصُول الكافل لِابْنِ بهران وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان وَغَايَة السؤل لِابْنِ الإِمَام وَشَرحهَا لَهُ وحاشيتها لسيلان ومختصر الْمُنْتَهى وَشَرحه للعضد وحاشيته للسعد والكشاف وحاشيته للسعد والنخبة وَشَرحهَا لِابْنِ حجر وآداب الْبَحْث ورسالة الْوَضع والبخاري وَمُسلم وَسنَن أَبى دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْهَدْي لِابْنِ الْقيم وجامع الْأُصُول والشفاء للأمير الْحُسَيْن وَالْأَحْكَام للهادي والموطأ لمَالِك وغالب هَذِه الْكتب أكملها وَبَعضهَا بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَلَعَلَّ الله يعين على تَمامهَا وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي فِي شرحي للمنتقى وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وَغير
(2/103)

ذَلِك من مؤلفاتي فَهَذَا جملَة مَا قَرَأَهُ صَاحب التَّرْجَمَة على وَلَعَلَّه قَرَأَ على غير ذَلِك مِمَّا لَا يحضرني حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على الْفَقِيه الْعَارِف مُحَمَّد بن حُسَيْن الويناني فِي الأزهار وَشَرحه وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن الحرازي فِي بَيَان ابْن مظفر وَقد برع فِي جَمِيع الْفُنُون الْمُتَقَدّم سردها وفَاق الأقران ودرس الطّلبَة بالجامع الْمُقَدّس وَهُوَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء صنعاء وَمن أعظم المفيدين للطلبة وَله ذهن وقاد وَفهم إِلَى تصور الدقائق منقاد وفكرة صَحِيحَة وَإِدْرَاك تَامّ وعقل حسن وَعمل بِمَا يرجحه من الْأَدِلَّة وَطرح التَّقْلِيد ومحبة للحق وانقياد للصَّوَاب وفصاحة ورجاحة وَقُوَّة عارضة وملكة تَامَّة وقدرة على المناظرة وَسُرْعَة استحضار وَحسن تطبيق للأدلة على الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة مَعَ علو همة وشهامة نفس وتعفف وقنوع وانجماع لَا سِيمَا عَن بني الدُّنْيَا وَله فِي الْأَدَب يَد قَوِيَّة واطلاع تَامّ وَله نظم جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إِلَى فِي أَيَّام قديمَة وَهُوَ
(كَفاك سموا زِينَة الدَّهْر واحده ... وتاج العلى وَالْمجد من عز وافده)
(رَئِيس المعالي الْفَخر مَحْمُود عصره ... كَمَال كَمَال الدَّين والنجم شَاهده)
(فَتى سَاد بِالْعلمِ الشريف شريفه ... وجلى فخار السَّبق والسعد قاصده)
(بِهِ جرت الْأَيَّام أرادان زهوها ... وطالت يَمِين الْعِزّ وَاشْتَدَّ ساعده)
(وجادت سَحَاب الْجُود من درمزنها ... بِمَا عَم فِي الأقطار وهي محامده)
(وأثمر دوح الْعلم من بعد ماذوى ... وراقت مَعَانِيه وَطَابَتْ موارده)
(وَلما تجلى الْبَدْر تما تصدعت ... دجى الْجَهْل واهتانت لدينا حواسده)
(فَخذهَا وَأَنت الحبر منى عقيلة ... اغار سناها الشَّمْس والصدع عاقده)
(أكافيه أَنى فِي الورى حَامِد لَهُ ... بمدحي وَقد كافى على الْعرف حامده)
(2/104)

(كسانى من الْإِحْسَان مَالا أَقَله ... وإني بِهِ فَوق السماكين صاعده)
فأجبت بقولي
(نظام من الدر الثمين فرائده ... تزين بِهِ جيد الزَّمَان قلائده)
(لمن ذهنه سيف إِذا عَن معضل ... ونار اشتعال إن أنارت مشاهده)
(وَمن حَظه فِي كل علم موفر ... وأشياخه برهانه وشواهده)
(اعز المعالى أَنْت للدهر زِينَة ... وَأَنت على رغم الحواسد ماجده)
(وَإِن كنت محسودا على مَا حويته ... فمثلك مغبوط كثير حواسده)
(فشمر على اسْم الله فِي نشر سنة ... لخير الورى واصبر على مَا تكابده)
(فَإنَّك فِي دهر بِهِ قد تنكرت ... من الدَّين فَاعْلَم يَا ابْن ودى معاهده)
(إِذا قلت قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... يَقُولُونَ هَذَا مورد ضل وارده)
(وَإِن قلت هَذَا قَرّرته مَشَايِخ ... يَقُولُونَ هَذَا عَالم الْعَصْر واحده)
(فَلَا قدس الرَّحْمَن عصرا ترى بِهِ ... جهولا يعادي الْحق ثمَّ يعانده)
(الا نَاصِر للدّين مُحَمَّد ... الاعاضد يَا للرِّجَال تعاضده)
(الاغاضب يَوْمًا لسنة أَحْمد ... فَمن كَانَ منشودا فإنى ناشده)
(أيا معشر الْأَعْلَام هَل من حمية ... أتهجر من قَول الرَّسُول موائده)
(أينكر مَعْرُوف وَيعرف مُنكر ... وَيقبل فِي الدَّين المطهر جاحده)
(لتبك عُيُون الْعلم فهي جديرة ... بفيض دموع مترعات موارده)
(لتبك عُيُون الْأُمَّهَات فَإِنَّهَا ... غَدَتْ فِي عقوق من بنيها تكابده)
(ألا يَا رَسُول الله قوم تلاعبت ... بهديك وَهُوَ العذب فِينَا موارده)
(ونصرك مرجو على كل حَالَة ... لقد عز من خير الْخَلَائق عاضده)
(وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أشعار فائقة وَلكنه مَشْغُول عَن الاستكثار مِنْهَا
(2/105)

بتقييد الشوارد العلمية وتهذيب طلب عُلُوم الِاجْتِهَاد لَا برح مُسَددًا فِي كل إصدار وإيراد وَقد صَار الْآن قَاضِيا من قُضَاة مَدِينَة صنعاء وَلِلنَّاسِ إِلَيْهِ رغوب وَله قدرَة تَامَّة على فصل الْخُصُومَات وإيضاح الْمُهِمَّات
مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن يَعْقُوب بن علي بن سَلامَة بن عَسَاكِر بن حُسَيْن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الْجلَال أَبُو المعاطي الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن خطيب داريا

ولد بليلة الْأَرْبَعَاء ثَالِث ربيع الأول سنة 745 خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة واشتغل بالفقه والعربية واللغة وَسَائِر فنون الْأَدَب وشارك فِي العقليات وَكثر استحضاره للغة واشتهر بوفور الذكاء حَتَّى كَانَ يقتدر على تَصْوِير الْبَاطِل حَقًا وَالْحق بَاطِلا وَكَانَ يتلاعب بالأكابر بِاسْتِعْمَال نوع من الْكَلَام منسجم تفهم مفرداته وَأما تراكيبه فمهملة يتحير سامعه لِخُرُوجِهِ من علم إِلَى علم بِحَيْثُ يظن أَنه سرد جَمِيع الْعُلُوم
وَمن جملَة مَا وَقع مِنْهُ أَنه أَرَادَ يتلاعب بالقاضي برهَان الدَّين بن جمَاعَة فحرر رقما فِي بيع جَانب من مَسْجِد بني أُميَّة يعرف بالغزالية وَتصرف فِي الْكَلَام على قَاعِدَته وَذكر الْحُدُود وَكتب لفظ الغزالية العرابية ليتَمَكَّن من إصلاحها بعد ذَلِك ويبلغ مُرَاده من التشنيع على القاضي فِي كَونه أذن فِي بيع قِطْعَة من الْجَامِع الأموي فَفطن القاضي لصنعه ورام الْإِيقَاع بِهِ ففر إِلَى الْقَاهِرَة
وَبِالْجُمْلَةِ فالغالب عَلَيْهِ المجون والهزل مَعَ تقدمه فِي فنون الْأَدَب حَتَّى صَار شَاعِر الشَّام فِي وقته بِدُونِ مدافع وسلك آخر مدَّته طَريقَة مثلى فِي التصوف وَالتَّعَفُّف وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا الامتاع بالإتباع ورتبه على الْحُرُوف والإمداد
(2/106)

فِي الأضداد ومحبوب الْقُلُوب وملاذ الشواذ ذكر فِيهِ شواذ الْقُرْآن وطرف اللِّسَان بظرف الزَّمَان ذكر فِيهِ أَسمَاء الْأَيَّام والشهور الْوَاقِعَة فِي اللُّغَة وَكتاب فِي اللُّغَة رتبه على الْحُرُوف وخاتمة فِي النَّوَادِر والنكت وأرجوزة نَحْو ثَلَاث مائَة بَيت ذكر فِيهَا من روى عَن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصحابة وَعدد كل مَا وجد روى من الحَدِيث وَتَحْصِيل الأدوات بتفصيل الوفيات فِي بَيَان من علم مَحل مَوته من الصَّحَابَة ومطالب المطالب فِي معرفَة تَعْلِيم الْعُلُوم وَمَعْرِفَة من هُوَ أهل لذَلِك وَنَهْيه الأمنيات فِي الْكَلَام على حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَشرح الفيه بن مَالك شرحا سَمَّاهُ طرح الْخَصَاصَة شرح الْخُلَاصَة وَكَانَ قد صاهر الْمجد اللغوي فلازمه وَسمع مَعَه على جمَاعَة ومدح الأكابر وَهُوَ الْقَائِل
(يَا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره)
(فَلَقَد حظيت من الزَّمَان بطائل ... إن لم تربه فَهَذِهِ آثاره)
وَمِنْه
(إذ الْمَرْء أبدى فِيك فرط محبَّة ... وَبَالغ فِي بذل الوداد وأكثرا)
(فإياك أَن تغتر من بذل وده ... وَلَو مد مَا بَين الثريا إِلَى الثرا)
(فَمَا حبه للذات فِيك وَإِنَّمَا ... لأمر إِذا مَا زَالَ عَنْك تغيرا)
وَمِنْه
(اقبل نصيحة واعظ ... وَلَو أَنه فِيهَا مرائي)
(فلربما نفع الطَّبِيب ... وَكَانَ أحْوج للدواء)
وَمِنْه
(لعمرك مَا فِي الأَرْض من تَسْتَحي لَهُ ... وَلَا من تداري أَو تخَاف لَهُ عتبا)
(2/107)

(فعش ملقيا عَنْك التَّكَلُّف جانبا ... وَلَا ترض بَين النَّاس من اُحْدُ قربا)
وَأقَام فِي آخر مدَّته بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى مَاتَ فِي ربيع الأول سنة 811 إحدى عشرَة وثمان مائَة
مُحَمَّد بن احْمَد بن عبد الهادي ابْن عبد الصَّمد بن عبد الهادى ابْن يُوسُف بن مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الحنبلي شمس الدَّين

ولد فِي رَجَب سنة 705 خمس وَسَبْعمائة وَسمع من التقي سُلَيْمَان وَابْن سعد وطبقتهم وتفقه بِابْن مُسلم وَتردد إِلَى ابْن تَيْمِية وَمهر فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا
قَالَ الصفدي لَو عَاشَ لَكَانَ آيَة كنب إِذا لَقيته سَأَلته عَن مسَائِل أدبية وفوائد عَرَبِيَّة فينحدر كالسيل وَكنت أرَاهُ يرد على المزي فِي أَسمَاء الرِّجَال فَيقبل مِنْهُ وَقَالَ الذهبي فِي مُعْجَمه الْمُخْتَصر الْفَقِيه البارع المقري المجود الْمُحدث الْحَافِظ النحوي الحاذق ذُو الْفُنُون كتب علي واستفدت مِنْهُ
وَقَالَ ابْن كثير كَانَ حَافِظًا عَلامَة ناقدا حصل من الْعُلُوم مَالا يبلغهُ الشُّيُوخ الْكِبَار وبرع فِي الْفُنُون وَكَانَ جبلا فِي الْعِلَل والطرق وَالرِّجَال حسن الْفَهم جدا صَحِيح الذِّهْن وَمن الغرائب أَنه حدث الذهبي عَن المزي عَن السروجي عَنهُ
وَقَالَ المزي مَا التقيت بِهِ إِلَّا واستفدت مِنْهُ وَله كتاب الْأَحْكَام فِي ثَمَان مجلدات وَالرَّدّ على السبكي فِي رده على ابْن تَيْمِية وَالْمُحَرر فِي الحَدِيث اخْتَصَرَهُ من الْإِلْمَام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد فجوده جدا وَاخْتصرَ التَّعْلِيق لِابْنِ الجوزي وَزَاد عَلَيْهِ وحرره وَشرح التسهيل فِي مجلدين وَله منافسات لِابْنِ حَيَّان فِيمَا اعْترض بِهِ على ابْن مَالك فِي الألفية وَغير ذَلِك وَله الْكَلَام على أَحَادِيث مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرع فِي كتاب الْعِلَل على تَرْتِيب كتاب الْفِقْه وَجمع التَّفْسِير الْمسند وَلم يكمل قَالَ
(2/108)

الذهبي مَا اجْتمعت بِهِ قط إلا واستفدت مِنْهُ وَمَات فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة 744 أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَكَانَ عمره دون أَرْبَعِينَ سنة وتأسف النَّاس عَلَيْهِ
مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن إِبْرَاهِيم بن عَدْلَانِ بن مَحْمُود بن لَاحق بن دَاوُد الْمصْرِيّ الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن عَدْلَانِ
ولد فِي سنة 663 ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَسمع من الدمياطي وَابْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة وتفقه على آخَرين وبرع فِي الْفِقْه ودرس وَأفْتى وناب فِي الحكم عَن ابْن دَقِيق الْعِيد وَتوجه رَسُولا إِلَى الْيمن فِي سلطنة بيبرس الجاشنكير فَمَا عَاد إلا وَقد قتل السُّلْطَان وَعَاد الْملك النَّاصِر إِلَى السلطنة فَلم يرفع لَهُ رَأْسا وَلَا ولاه شَيْئا فِي حَيَاته ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر بعد موت السُّلْطَان وَكَانَ قد شرع فِي شرح مُخْتَصر المزني شرحا مطولا فَلم يكمله وَكَانَ من أفقه النَّاس فِي زَمَنه من الشَّافِعِيَّة ودارت عَلَيْهِ الْفتيا
قَالَ الأسنوي كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه يضْرب بِهِ الْمثل مَعَ معرفَة بالأصلين والعربية وَالْقِرَاءَة وَكَانَ ذكيا نظارا فصيحا يعبر عَن الْأُمُور الجلية بالعبارات الوجيزة مَعَ السرعة والديانة والمروءة وسلامة الصَّدْر ودرس بالناصرية وَكَانَت الْعَادة أَن يقْرَأ الْقَارئ آيَة فيتكلم عَلَيْهَا ابْن عَدْلَانِ كلَاما وَاسِعًا بِحَيْثُ يظن من سَمعه أَنه طالع التَّفْسِير وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْقَارئ لِلْآيَةِ كَانَ إِذْ ذَاك من قوم بَينه وَبينهمْ مُنَافَسَة وَمَات فِي ذي الْقعدَة سنة 749 تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
(2/109)

مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأَصْل الفارقي ثمَّ الدمشقي أَبُو عبد الله شمس الدَّين الذهبي الْحَافِظ الْكَبِير

المؤرخ صَاحب التصانيف السائرة فِي الأقطار ولد ثَالِث شهر ربيع الآخر سنة 773 ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ فِي سنة مولده جمَاعَة بعناية أَخِيه من الرَّضَاع وَطلب بِنَفسِهِ بعد سنة 690 فَأكْثر عَن ابْن عَسَاكِر وطبقته ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الدمياطي وَابْن الصَّواف وَغَيرهمَا وَخرج لنَفسِهِ ثَلَاثِينَ بَلَدا وَمهر فِي فن الحَدِيث وَجمع فِيهِ المجاميع المفيدة الْكَثِيرَة
قَالَ ابْن حجر حَتَّى كَانَ أَكثر أهل عصره تصنيفا وَجمع تَارِيخ الْإِسْلَام فأربى فِيهِ على من تقدمه بتحرير أَخْبَار الْمُحدثين خُصُوصا انْتهى
أي لَا بِاعْتِبَار تَحْرِير أَخْبَار غَيرهم فَإِن غَيره ابْسُطْ مِنْهُ وَاخْتصرَ مِنْهُ مختصرات كَثِيرَة مِنْهَا النبلاء والعبر وتلخيص التَّارِيخ وطبقات الْحفاظ وطبقات الْقُرَّاء وَلَعَلَّ تَارِيخ الْإِسْلَام فِي زِيَادَة على عشْرين مجلدا وقفت مِنْهُ على أَجزَاء
والنبلاء فِي نَحْو الْعشْرين مجلدا وقفت مِنْهُ على أَجزَاء وَهُوَ مُخْتَصر من تَارِيخ الْإِسْلَام بِاعْتِبَار أَن الأَصْل لمن نبل وَلمن لم ينبل فِي الْغَالِب
والنبلاء لَيْسَ إلا لمن نبل لكنه أَطَالَ تراجم النبلاء فِيهِ بمالم يكن فِي تَارِيخ الْإِسْلَام وَمن مصنفاته الْمِيزَان فِي نقد الرِّجَال جعله مُخْتَصًّا بالضعفاء الَّذين قد تكلم فيهم مُتَكَلم وَهُوَ كتاب مُفِيد فِي ثَلَاثَة مجلدات كبار
وَله كتاب الكاشف الْمَعْرُوف ومختصر سنَن البيهقي الْكُبْرَى
ومختصر تَهْذِيب الْكَمَال لشيخه المزي وَخرج لنَفسِهِ المعجم الصَّغِير وَالْكَبِير
والمختص بالمحدثين فَذكر فِيهِ غَالب الطّلبَة من أهل ذَلِك الْعَصْر وعاش الْكثير مِنْهُم بعده إِلَى نَحْو أربعين سنة وَخرج لغيره
(2/110)

من شُيُوخه وأقرانه وتلامذته
وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبا لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس فِي التَّارِيخ من أهل عصره فَمن بعدهمْ عِيَال عَلَيْهِ وَلم يجمع أحد فِي هَذَا الْفَنّ كجمعه وَلَا حَرَّره كتحريره
قَالَ الْبَدْر النابلسي فِي مشيخته كَانَ عَلامَة زَمَانه فِي الرِّجَال وأحوالهم جيد الْفَهم ثاقب الذِّهْن وشهرته تغني عَن الإطناب فِيهِ وَقد أَكثر التشنيع عَلَيْهِ تِلْمِيذه السبكي وَذكر فِي مَوَاضِع من طبقاته للشَّافِعِيَّة وَلم يَأْتِ بطائل بل غَايَة مَا قَالَه إنه كَانَ إِذا ترْجم الظَّاهِرِيَّة والحنابلة أَطَالَ فِي تقريظهم وَإِذا ترْجم غَيرهم من شافعي أَو حنفي لم يسْتَوْف مايستحقه وعندي أَن هَذَا كَمَا قَالَ الأول
(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)
فَإِن الرجل قد ملئ حبا للْحَدِيث وَغلب عَلَيْهِ فَصَارَ النَّاس عِنْده هم أَهله وَأكْثر محققيهم وأكابرهم هم من كَانَ يُطِيل الثَّنَاء عَلَيْهِ إلا من غلب عَلَيْهِ التَّقْلِيد وَقطع عمره فِي اشْتِغَال بِمَا لَا يُفِيد
وَمن جملَة مَا قَالَه السبكي فِي صَاحب التَّرْجَمَة أَنه كَانَ إِذا أَخذ الْقَلَم غضب حَتَّى لَا يدرى مايقول وَهَذَا بَاطِل فمصنفاته تشهد بِخِلَاف هَذِه الْمقَالة وغالبها الْإِنْصَاف والذب عَن الأفاضل وَإِذا جرى قلمه بالوقيعة فِي أحد لم يكن من معاصريه فَهُوَ إنما روى ذَلِك عَن غَيره وَإِن كَانَ من معاصريه فالغالب أَنه لَا يفعل ذَلِك إلا مَعَ من يسْتَحقّهُ وَإِن وَقع مَا يُخَالف ذَلِك نَادرا فَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إلا الْمَعْصُوم والأهوية تخْتَلف والمقاصد تتباين
(2/111)

وَرَبك يحكم بَينهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وَقد تصدر للتدريس بمواضع من دمشق وَكَانَ قد أضر قبل مَوته بسنوات وَكَانَ يغْضب إِذا قيل لَهُ يقْدَح عَيْنَيْهِ وَيَقُول مَا زلت أعرف بصري ينقص قَلِيلا قَلِيلا إِلَى أَن تَكَامل عَدمه
قَالَ الصَّفَدِي لم يكن عِنْده جمود الْمُحدثين بل كَانَ فَقِيه النَّفس لَهُ دراية بأقوال النَّاس وَهُوَ الْقَائِل مضمنا
(إِذا قَرَأَ الحَدِيث علي شخص ... وأخلى موضعا لوفاة مثلى)
(فَمَا جازى بِإِحْسَان لأني ... أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلَى)
قَالَ الصَّفَدِي فَأَنْشَدته لنفسى
(خليك مَاله فِي ذَا مُرَاد ... فدم كَالشَّمْسِ فِي أعلى مَحل)
(وحظي أَن تعيس مدى الليالي ... وَأَنَّك لَا تمل وَأَنت تملي)
قَالَ الصفدي فأعجبه قولي خليك لِأَن فِيهِ إشارة إِلَى بَقِيَّة الْبَيْت الذي ضمنه هُوَ مَعَ الاتفاق فِي اسْم خَلِيل وَمَات فِي لَيْلَة الثَّالِث من ذي الْقعدَة سنة 748 ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن نعيم بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين ابْن مقدم بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة بن مُحَمَّد بن حسن بن غَانِم بن مُحَمَّد بن عليم

بِضَم الْعين الْمُهْملَة شمس الدَّين البسطي ثمَّ القاهري المالكي ولد فِي سنة 760 سِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل بِالْعلمِ فَأخذ عَن مَشَايِخ عصره وارتحل إِلَى الْقَاهِرَة وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ المغربي المالكي ولازمه نَحْو عشر سِنِين والعز بن جمَاعَة وَابْن خلدون وعَلى سَائِر عُلَمَاء الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول فِي ذَلِك الْعَصْر وبرع فِي الْفِقْه والأصلين والعربية واللغة والمعاني وَالْبَيَان والمنطق
(2/112)

وَالْحكمَة والجبر والمقابلة والطب والهيئة والهندسة والحساب وَصَارَ فريد عصره
ويروى عَنهُ أَنه قَالَ أعرف نَحْو عشْرين علما مَا سُئِلت عَن مسئلة مِنْهَا وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ شَدِيد الْفَاقَة رُبمَا مَضَت الْأَيَّام والليالي وَلَا يجد درهما بِحَيْثُ يضْطَر إِلَى بيع بعض نفائس كتبه ثمَّ تحرّك لَهُ الْحَظ فَأولى مَا ولي تدريس الشيخونية فِي سنة 805 ثمَّ ولي بعد ذَلِك التدريس فِي أَمَاكِن ثمَّ قَضَاء الْمَالِكِيَّة بالديار المصرية فِي سنة 823 وسافر مَعَ السُّلْطَان مرة بعد أُخْرَى وَحج وجاور بِمَكَّة سنة كَانَ فِي الْمُجَاورَة على قدم عَظِيم من الْعِبَادَة وَكَثْرَة التِّلَاوَة وَنشر الْعلم وَقد تفرد فِي عصره بِكَثْرَة الْفُنُون وتزاحم الطّلبَة بل الْعلمَاء بل الْأَئِمَّة فِي الْأَخْذ عَنهُ من جَمِيع الطوائف وَله تصانيف مِنْهَا المغني فِي الْفِقْه وَلم يكمل وشفاء الغليل على مُخْتَصر الشَّيْخ الْجَلِيل وَلم يكمل أَيْضا وحاشية على المطول للتفتازاني وعَلى شرح الطوالع للقطب وعَلى المواقف للعضد وَله نكت على الطوالع للبيضاوي ومقدمة مُشْتَمِلَة على مَقَاصِد الشَّامِل فِي الْكَلَام وَأُخْرَى فِي الْعَرَبيَّة وَله نظم فَمِنْهُ
(وَلم أنس ذَاك الْإِنْس وَالْقَوْم هجع ... وَنحن ضيوف والقراء منوع)
(وعشاق ليلى بَين باك وصارخ ... وَآخر مِنْهُم بالوصال ممتع)
(وَآخر فِي السّتْر الإلهي متيم ... تغوص بِهِ الأمواج حينا وترفع)
(وَآخر قرت حَاله فتميزت ... معارفه فِيمَا يروم وَيدْفَع)
(وَآخر أفنى الْكل عَن كل ذَاته ... فَكل الذي فِي الْكَوْن مرأى ومسمع)
(وَآخر لَا كَون لَدَيْهِ ولاله ... رَقِيب يلاحظه يثنى وَيجمع)
وَلم يزل على ارْتِفَاع مَكَانَهُ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَالدّين حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث عشر رَمَضَان سنة 842 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ
(2/113)

مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن عبد الْملك

التقى الفاسي المكي المالكي شيخ الْحرم ولد فِي ربيع الأول سنة 775 خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وبالمدينة وَطلب بِنَفسِهِ فَسمع من ابْن صديق والنويري وَغَيرهمَا وَدخل الْقَاهِرَة غير مرّة فَقَرَأَ على البليقنى وَابْن الملقن والعراقى والهيتمى وَغَيرهم وَكَذَا دخل دمشق مرَارًا وَقَرَأَ على مشايخها وسافر إِلَى غَزَّة والرملة ونابلس والإسكندرية وَدخل الْيمن مرَارًا وَسمع مشايخها وَبَلغت عدَّة شُيُوخه بِالسَّمَاعِ وَالْإِجَازَة نَحْو خمس مائَة وعني بِعلم الحَدِيث أتم عناية وَكتب الْكثير وَأفَاد وانتفع النَّاس بِهِ وَأخذُوا عَنهُ ودرس وَأفْتى وَحدث بالحرمين والقاهرة ودمشق واليمن وَكَانَ ذَا يَد طولى فِي التَّارِيخ والْحَدِيث وَاسع الْحِفْظ واعتنى بأخبار بَلَده فأحيا معالمها وأوضح مجاهلها وحدد مآثرها وَترْجم أعيانها فَكتب لَهُ تَارِيخا حافلا سَمَّاهُ شِفَاء الغرام بأخبار الْبَلَد الْحَرَام فِي مجلدين جمع فِيهِ مَا فِي الأزرقي وَزَاد عَلَيْهِ مَا تجدد بعده وَعمل العقد الثمين فِي تَارِيخ الْبَلَد الْأمين فِي أَربع مجلدات
وصنف ذيلا على سيرة النبلاء للذهبى
وَعمل على التَّقْيِيد لِابْنِ نقطة
وَفِي الْأَذْكَار والدعوات والمناسك
على مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَاخْتصرَ حَيَاة الْحَيَوَان للدميري
وَخرج الْأَرْبَعين المتباينات لنَفسِهِ
وتصانيفه كَثِيرَة وَولى قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمَكَّة فِي شَوَّال سنة 807 سبع وثمان مائَة وعزل مرَارًا وَمَات وَهُوَ مَعْزُول بِمَكَّة فِي شَوَّال 832 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَقد ترْجم نَفسه فِي تَارِيخ
(2/114)

مَكَّة بِزِيَادَة على كراس
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن هَاشم الْجلَال أَبُو عبد الله الْمحلى الأَصْل نِسْبَة إِلَى المحلة الْكُبْرَى بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة

من الْقَاهِرَة الشافعي وَيعرف بالجلال الْمحلى ولد فِي مستهل شَوَّال سنة 719 إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا واشتغل فِي فنون فَأخذ الْفِقْه وأصوله والعربية عَن الشَّمْس البرماوي وَعَن الْجلَال البلقيني والولي العراقي والعز بن جمَاعَة
والمنطق والجدل والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض عَن الْبَدْر الأقصرائي ولازم البساطي فِي التَّفْسِير وأصول الدَّين وَغَيرهمَا والْعَلَاء بن البخاري وَقَرَأَ على غير هَؤُلَاءِ وَأخذ عُلُوم الحَدِيث عَن الولي العراقي والحافظ بن حجر وَمهر وَتقدم على غَالب أقرانه وتفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وتصدى للتصنيف والتدريس فشرح جمع الْجَوَامِع والورقات والمنهاج الفرعي والبردة شروحا متقنة مختصرة وَعمل لنَفسِهِ منسكا وتفسيرا لم يكمل وَرغب الْأَئِمَّة فِي تَحْصِيل تصانيفه وقراءتها وإقرائها وَقَرَأَ عَلَيْهِ من لَا يُحْصى كَثْرَة وارتحل الْفُضَلَاء للأخذ عَنهُ وَهُوَ حاد المزاج لَا سِيمَا فِي الْحر وَإِذا ظهر لَهُ الصَّوَاب على يَد من كَانَ رَجَعَ إِلَيْهِ وَقد ولي التدريس بمواضع وَكَانَ مفرط الذكاء صَحِيح الذِّهْن لَا يقبل ذهنه الْغَلَط قوي المباحثة مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة مَشْهُور الذكر بعيد الصيت مَقْصُودا بالفتاوى من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة
قَالَ السخاوي وترجمته تحْتَمل كراريس وَقد حج مرار وَمَات بعد أَن تعلل بالإسهال فِي يَوْم السبت مستهل سنة 864 أَربع وَسِتِّينَ وثمان مائَة وتأسف النَّاس على
(2/115)

فَقده وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعه مثله
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي الأَصْل الصنعاني المولد والمنشأ

ولد سنة 1168 سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمى والفقيه الْعَلامَة سعيد بن إِسْمَاعِيل الرشيدي وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَقَرَأَ فِي سَائِر الْعُلُوم على عَمه الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر وَشَيخنَا الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي وَقَرَأَ على فِي الْفَرَائِض وَشرح الرضى للكافية ومغني اللبيب وَفِي الترمذي وَسنَن أَبى دَاوُد وَغير ذَلِك وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالْفِقْه والْحَدِيث وشارك فِي سَائِر الْفُنُون وَله ذهن قويم وَفهم جيد وذكاء متوقد وَحسن تصور باهر وَقُوَّة إدراك مفرط بِحَيْثُ يرتقى بِأَدْنَى اشْتِغَال إِلَى مَالا يرتقى إِلَيْهِ من هُوَ أَكثر مِنْهُ اشتغالاً وَهُوَ مِمَّن لَا يعول على التَّقْلِيد بل يعْمل بِمَا يرجحه من الْأَدِلَّة وولاه مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله الْقَضَاء الصَّنْعَانِيّ بِصَنْعَاء من جملَة قضاتها فَكَانَ يقْضى بَين النَّاس بمَكَان وَالِده وَأثْنى النَّاس عَلَيْهِ وَرَغبُوا فِيهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من الصلابة فِي الدَّين وَسُرْعَة الْفَصْل للقضايا المشكلة وَلَعَلَّ توليه للْقَضَاء كَانَ فِي سنة 1210 ثمَّ حجر فِي سنة 1211 ثمَّ ولاه مَوْلَانَا الإِمَام قَضَاء بِلَاد ريمة فِي سنة 1212 ثمَّ نَقله إِلَى قَضَاء الحديدة وَهُوَ الْآن هُنَالك مُسْتَمر على الْقَضَاء متأسف على فِرَاق صنعاء متلهب على مَا فَاتَهُ من الطلب للعلوم على مشايخها وَكَانَ قبل ارتحاله من صنعاء
(2/116)

إِلَى تِلْكَ الْجِهَة يكثر الِاتِّصَال بَيْننَا ويجري من المباحث العلمية فِي أَنْوَاع الْعلم أَشْيَاء كَثِيرَة وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة زَائِدَة وَمَا زَالَت كتبه تصل من هُنَالك تَارَة بمسائل علمية وَتارَة بمطارحة أدبية وَمِمَّا كتبه إِلَى من هُنَالك هَذِه القصيدة الَّتِى هي ذَات قافيتين
(صب يورقه النسيم إِذا سرى ... من نَحْو صنعا ... حَامِلا طيب الرسائل)
(ويثير لوعته الْحمام إِذا علت ... فِي الدوح فرعا ... والزهور لَهُ غلائل)
(وغدت تردد فِي الغصون هديرها ... وتميد سجعا ... تدعى شجو البلابل)
(اذ كَيْت ياورق الغرام وَأَنت لم ... تدنيه قطعا ... والغرام لَهُ دَلَائِل)
(طوقت جيدك وَالْخطاب أجدته ... فِي الْكَفّ وضعا ... لم يكن عَنْهَا بفاصل)
(ووقفت بَين أرايك قد دبجت ... زهرا وزرعا ... وارتقصت على الخمائل)
(وجمعت شملك بالأليف مُوَافقا ... جِنْسا ونوعا ... مشبها لَك فِي الشَّمَائِل)
(لَا در دَرك يافراق قطعت حَبل ... الْوَصْل قطعا ... ثمَّ بددت الْوَسَائِل)
(وتركتني أرعى السهى وأذيل فِي ... الْخَدين دمعا ... يخجل السحب الهواطل)
(وتذود عَن عيني الْكرَى وَأَيْنَ ... أَيْن النوم يسْعَى ... فِي الْعُيُون وهي هوامل)
(ياليت شعري هَل يكون لنا من ... الْأَيَّام رجعاً ... بَين هاتيك الْمنَازل)
(وَأرى الْفِرَاق مصفدا متصدعاً ... بالوصل صدعا ... لَا تروعنا النَّوَازِل)
(وزمام دهري فِي يدي أجيله ... فِي كل مسعى ... لايني وَلَا يخاذل)
(فِي ذَلِك الربع الممنع يَا سقَاهُ الله ربعا ... فِي الغدوة والأصائل)
(كم غازلتنى فِيهِ من تركت لَهَا ... العشاق صرعى ... لَا تجيب وَلَا تسائل)
(هيفا بعامل قدها رفعت مَنَام ... الْعين رفعا ... لَيْسَ من عمل العوامل)
(وَلَكِن صبوت وَكم هززت من العلى ... وَالْمجد جذعا ... جانيا ثَمَر الْفَضَائِل)
(2/117)

(حَتَّى أتيح لي النَّوَى فَغَدَوْت فِي ... الْمَقْدُور اسعى ... عَن ديارى ثمَّ راحل)
(فتبدلت عرر اللَّيَالِي بالدواهي والليا لي ... حلن جزعا ... مثل حَال الصب حَائِل)
(يَا دهر عد بالوصل أَو ناصقت ... حظي مِنْك شرعا ... عِنْد حاكمنا الحلاحل)
(قاضي الْقَضَاء مُحَمَّد الْبَدْر الذى دَانَتْ لَهُ ... الْعليا طَوْعًا ... زِينَة الفضلا الأماثل)
(حاوي المعارف كلهَا ومحامد ... الْأَوْصَاف جمعا ... نخبة النخب الأفاضل)
فأجبت بقولى
(قلب تقلب فِي فنون من جُنُون ... الْعِشْق طبعا ... فِي ربى تِلْكَ الْمنَازل)
(يذري دموع عيونه محمرة ... وترا وشفعا ... من هوى ظبي الخمائل)
(سل عَنهُ هَل طابت لَهُ ياريم رامت ... ارْض صنعا ... فِي ضحاها والأصائل)
(مَا الْعَيْش إلا فِي ذرى الأحباب ... والأتراب قطعا ... كم على هَذَا دلايل)
(يَا عز دين الله لَا تجزع لبين ... شت جمعي ... الصَّبْر شِيمَة كل فَاضل)
(لَا تجز عَن من الْفِرَاق فَلَيْسَ ذَاك ... الْبعد بدعا ... مالازم الأوطان كَامِل)
(صبرا على الزَّمن الذي مَا زَالَ بالمكروه ... يسْعَى ... وَبِكُل مانهواه باخل)
(وَأعلم بأنك تَحت تَدْبِير القضا ... نصبا ورفعا ... يالقاك فِيهِ كل عَامل)
(مَا أَنْت مضطهد وَلَا تَحت امتنان ... لِابْنِ لكعا ... يَا ابْن الأكارم والأماثل)
(بل نَافِذ الْأَقْوَال تصدع إن تشا ... بِالْحَقِّ صدعا ... وتكف صولة كل صائل)
(وتخفف الأثقال عَن مستضعف ... دفعا ونفعا ... وتحط عَنهُ كل بَاطِل)
(وتصول صولة فاتك أن ينتهك ... فِي النَّاس شرعا ... فدم من الإعتام جَاهِل)
(كم بَين من يقْضِي بِمَا قَامَ الدَّلِيل ... عَلَيْهِ قطعا ... وفتى على التَّحْقِيق عاطل)
(يرْوى من الرأي الْمُجَرّد كل ... فاقرة وشنعا ... مَقْصُودَة قد قَالَ قَائِل)
(2/118)

(كم بَين ذَاك وَبَين ذَا من غَايَة ... رفعا ووضعا ... ايْنَ العقال من المعاقل)
(إياك يَا بدر الأفاضل ان ... تطِيق بِذَاكَ ذرعا ... الصَّبْر من دأب الأفاضل)
(قل لى رعاك الله مَا وَجه التشوق ... نَحْو صنعا ... تنظر إِلَى طالع ونازل)
(إن قلت مربع من هويت ويارعاه ... الله ربعا ... كم فِيهِ من شخص مشاكل)
(فالتبر يَا مولاي فِي أوطانه ... كالترب نفعا ... وأسأل لهَذَا كل عَاقل)
(والبدر لَو لزم السّكُون لَكَانَ ... طول الدَّهْر بدعا ... بَين الْأَنَام هِلَال ناحل)
(وَاللَّيْث لَوْلَا سَعْيه فِي كل قفر ... مَاتَ جوعا ... اسْمَع هديت وَلَا تجَادل)
وَهَذَا الْجَواب أَكْثَره لَا يعجبني فإني كتبته إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة حَال تَحْرِير جَوَاب كِتَابه بِدُونِ تدبر وَلَا تفكر بل قَالَ رَسُوله أنه عازم فِي تِلْكَ السَّاعَة فكتبته وَهُوَ قَائِم على الْبَاب والمترجم لَهُ عافاه الله مُسْتَمر على حَاله الْحسن صرف الله عَنهُ جَمِيع المحن
ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة رغب عَن الْقَضَاء لأجل مَا حصل من الْفِتَن بتهامة وَوصل إِلَى صنعاء وَأخذ عَنى فِي فنون الحَدِيث ثمَّ مرض مَرضا طَويلا وانتقل إِلَى رَحمَه الله فِي شهر رَجَب سنة 1223 ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن بكر بن مُحَمَّد ابْن مَرْزُوق بن عبد الله العجيسي التلمساني

المالكي الْمَعْرُوف بِابْن مَرْزُوق ولد فِي ثَالِث عشر ربيع الأول سنة 766 سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل ببلاده على جمَاعَة من أَهلهَا وَحج وَسمع من الْبَهَاء الدماميني بالإسكندرية والنويري بِمَكَّة وَدخل الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على البلقيني وَابْن الملقن والعراقي وَغَيرهم ولازم الْمُحب بن هِشَام فِي الْعَرَبيَّة وَحج مرة أُخْرَى ولقي جمَاعَة من الْأَعْيَان وَأخذ عَنهُ ابْن حجر
(2/119)

وَهُوَ أَخذ عَنهُ قِطْعَة من شرح البخاري وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْقَاهِرَة وَله تصانيف مِنْهَا المتجر الربيح والمسعى الرجيح والمرحب الفسيح فِي شرح الْجَامِع الصَّحِيح وَلم يكمل وأنواع الدرارى فِي مكررات البُخَارِيّ واظهار الْمَوَدَّة فِي شرح الْبردَة وَاخْتَصَرَهُ أَيْضا فِي مُخْتَصر سَمَّاهُ الِاسْتِيعَاب وَشرح التسهيل والألفية ومختصر ابْن الْحَاجِب والتهذيب والجمل للجوينى ومصنفاته كَثِيرَة منظومة ومنثورة وَمَات بتلمسان فِي عَشِيَّة الْخَمِيس رَابِع شهر شعْبَان سنة 842 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عمر بن يُوسُف بن علي بن إِسْمَاعِيل الْبَهَاء الصاغاني الأَصْل

المكي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن الضياء ولد فِي لَيْلَة تَاسِع الْمحرم سنة 789 تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على أعيانها كالنويري والمراغي وارتحل غير مرة إِلَى الْقَاهِرَة فَأخذ عَن علمائها كَابْن حجر وطبقته وَأَجَازَ لَهُ آخَرُونَ كالبلقيني وَابْن الملقن والعراقى وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وصنف التصانيف مِنْهَا المسرع فِي شرح الْمجمع فِي أَربع مجلدات وَالْبَحْر العميق فِي مَنَاسِك حج بَيت الله الْعَتِيق وتنزيه الْمَسْجِد الْحَرَام عَن بدع جهلة الْعَوام فِي مُجَلد وَشرح الوافي مطول ومختصر
وَشرح مُقَدّمَة الغزنوي فِي الْعِبَادَات فِي مجلدين وَشرح الْبَزْدَوِيّ وَلم يكمل
قَالَ السخاوي وَكَانَ إماما عَلامَة مُتَقَدما فِي الْفِقْه والأصلين والعربية مشاركا فِي فنون حسن الكتابة وَالتَّقْيِيد عَظِيم الرَّغْبَة فِي المطالعة والانتقاد وَله تَفْسِير سَمَّاهُ المتدارك على المدارك والشافى فِي مُخْتَصر الكافي وَقد رَحل وطوف الْبِلَاد وَلم يفته الْحَج فِي سنة من السنين مُنْذُ احْتَلَمَ إِلَى أَن مَاتَ فِي ذِي
(2/120)

الْقعدَة سنة 854 أَربع وَخمسين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن روزبة الكازروني الأَصْل المدني الشَّافِعِي

ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر ذي الْقعدَة سنة 757 سبع وَخمسين وَسَبْعمائة بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَسمع من أَهلهَا والقادمين إِلَيْهَا كالعز بن جمَاعَة والنويري وَابْن صديق والعراقي والمراغي وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من الأكابر وارتحل إِلَى الديار المصرية وَالشَّام وَغَيرهمَا وَأخذ عَن الْبَهَاء السبكي والسراج البلقيني وتصدر للْقِرَاءَة والإفتاء والتحديث بِالْمَدِينَةِ المنورة وَصَارَ عالمها وصنف مصنفات مِنْهَا مُخْتَصر المغني للبارزي وَشرح مُخْتَصر التَّنْبِيه فِي ثَلَاثَة أسفار وَلم يبيضه وَكتب شرحا على شرح التَّنْبِيه وشرحا على فروع ابْن الْحداد فِي مُجَلد وَكتب تَفْسِيرا اعْتمد فِيهِ على تَفْسِير القرطبي وَولى قَضَاء الْمَدِينَة فِي سنة 812 وانفصل عَنهُ واشتغل بِالْعبَادَة حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الثاني وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة 843 ثَلَاث وَأَرْبَعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد مرغم الزيدي اليماني

ولد سنة 836 سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَأخذ الْعلم عَن أَعْيَان مَدِينَة صنعاء وَغَيرهَا وبرع لاسيما فِي الْفِقْه وَصَارَ أحد الْعلمَاء المرجوع إِلَيْهِم فِي زَمَانه وَكَانَ ملازما للْإِمَام النَّاصِر الْحسن بن عز الدَّين بن الْحسن وَكَانَ السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب لما افْتتح صنعاء وَمَا يَليهَا من الْبِلَاد يجله وَيقبل شَفَاعَته لأجل اتِّصَاله بِالْإِمَامِ الْمَذْكُور رِعَايَة لما كَانَ بَين السُّلْطَان عَامر وَبَين الْحسن من الْمَوَدَّة وَلما صلى السُّلْطَان عَامر بِجَامِع صنعاء أول
(2/121)

جُمُعَة فَأَرَادَ الْمُؤَذّن أَن يسْقط من الْأَذَان حي على خير الْعَمَل فَمَنعه صَاحب التَّرْجَمَة فَأذن الْمُؤَذّن حَتَّى بلغ حي على خير الْعَمَل فَالْتَفت إِلَيْهِ جَمِيع من فِي الْمَسْجِد من جند السُّلْطَان وهم ألوف مؤلفة وعد ذَلِك من تصلبه فِي مذْهبه وَكَانَ لَهُ تلامذة يقرأون عَلَيْهِ وَمِنْهُم عبد الهادي السودي الْمُتَقَدّم ذكره وَلما كثرت إقامة المترجم لَهُ بالأبناء مَحل قريب صنعاء وَترك الْإِقَامَة بِصَنْعَاء وَكَانَ فِي عزم عبد الهادي الْمَذْكُور أَنه يقْرَأ عَلَيْهِ الْكَشَّاف فَكتب إِلَيْهِ
(حاشاك أَن تبقى معنى دايما ... مَا بَين حراث وسان سَاق)
(يملى عَلَيْك حدابها يمه الَّتِى ... تملي الدلاء بِمَائِهَا الدفاق)
فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة
(كلم أَتَت من طيب الأعراق ... صافي الوداد مهذب الْأَخْلَاق)
وَمن جملَة ذَلِك
(أهلي وأولادي ومالي دَائِما ... قد أوثقوني فِي أَشد وثاق)
وَمَات فجر يَوْم السبت الثَّالِث من رَجَب سنة 931 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بمشهده بالأبناء من جِهَات السِّرّ رثاه تِلْمِيذه ابْن عقبَة بِأَبْيَات مِنْهَا
(امام عُلُوم الِاجْتِهَاد سميدع ... الْفَرِيقَيْنِ من عرب وعجم لِسَان)
(مُحَمَّد القاضي ابْن مرغم الذى ... اقمت زَمَانا عِنْده فحبانى)
(أصولى ذوي عقل وفقها ومنطقا ... ونحوا وتصريفا وفن وَبَيَان)
(وَتَفْسِير كشاف وجامع سنة ... وَمَا قد روي فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ)
(وَأَحْكَام تَقْوِيم الْحساب لراصد ... بروجا وافلا كامع الدوران)
(2/122)

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي ابْن شَيخنَا الْمُتَقَدّمَة تَرْجَمته

ولد سنة 1194 أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف بِصَنْعَاء وَقَرَأَ فِي علم الْفِقْه على مَشَايِخ الْفُرُوع واستفاد فِي ذَلِك وَقَرَأَ علي فِي كتب الحَدِيث وَفِي النَّحْو وَالتَّفْسِير وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق كريم الأعراق كثير الْخَيْر جيد الْإِدْرَاك قوي الْعقل وَلما توفي وَالِده رَحمَه الله خضت مَعَ الإِمَام المتَوَكل رَحمَه الله أَن يقيمه مقَامه فِي جَمِيع مَا كَانَ إِلَيْهِ من الْقَضَاء والتوسط على بيُوت من بيُوت آل الإِمَام فَثَبت فِي ذَلِك أحسن ثُبُوت وَأقَام بِهِ أتم قيام وَفِي سنة 1234 لما وصلت التّرْك إِلَى تهَامَة واستولوا على مَا كَانَ بيد الْأَشْرَاف وَوصل من باشة الْجَيْش الرومي وَهُوَ الباشا خَلِيل أَنه يصل إِلَيْهِ رجل مركون من حَضْرَة الْخَلِيفَة ليعرفه بِمَا لَدَيْهِ فَوَقَعت الْمُفَاوضَة بيني وَبَين مَوْلَانَا الإِمَام المهدي حفظه الله على نُفُوذ صَاحب التَّرْجَمَة فنفذ مَعَ الرُّسُل الواصلين من جِهَة الباشا وَنفذ مَعَه جمَاعَة وَوصل إِلَى الباشا خَلِيل إِلَى أَبى عَرِيش وَعَاد وَمَعَهُ جمَاعَة من الأتراك إِلَى صنعاء ثمَّ رَجَعَ مرة أُخْرَى ثمَّ فصل الْخَوْض بَين مَوْلَانَا الإِمَام وَبَين الباشا على إرجاع الْبِلَاد وَقد أوضحت ذَلِك فِي تَرْجَمَة الآغا يُوسُف الَّتِى ستأتي ان شَاءَ الله وأشرت إِلَى شئ من ذَلِك فِي تَرْجَمَة وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة
وَالْحَاصِل إن صَاحب التَّرْجَمَة يقل نَظِيره فِي مَجْمُوعه وَقد ظهر كَمَاله وَحسن رَأْيه وجودة تَدْبيره فِي هَذِه المراسلة الْمَذْكُورَة
(2/123)

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مظفر

تَرْجمهُ صَاحب مطلع البدور وَلم يذكر مولده وَلَا وَفَاته وَلَا شُيُوخه وَهُوَ مؤلف الْبُسْتَان شرح كتاب الْبَيَان لجده وَهُوَ شرح مُفِيد عول فِيهِ على النَّقْل من الِانْتِصَار للْإِمَام يحيى بن حَمْزَة وَألف أَيْضا الترجمان وَفِيه فَوَائِد وصف فِيهِ متفقة وَقعت لَهُ عِنْد وُصُول السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب إِلَى صنعاء وَخُرُوج أجناده إِلَى جِهَة السِّرّ لِأَن الْمَذْكُور كَانَ سَاكِنا هُنَالك وفيهَا امتحان زَائِد وَقد أخبر عَنهُ بعض معاصريه أَنه لم يكن محققا للعلوم الَّتِى يحْتَاج إِلَيْهَا من يؤلف وَيدل على ذَلِك كَلَامه إِذا تكلم من قبل نَفسه وَلم ينْقل عَن غَيره ككلامه فِي شرح المتفقة لَهُ الْمشَار إِلَيْهَا فَإِنَّهُ سَاقهَا بِأَلْفَاظ فِي الترجمان يعرف بهَا مِقْدَاره فِي الْعلم وَهُوَ من المعاصرين للْإِمَام شرف الدَّين فَهُوَ من أهل الْقرن الْعَاشِر
مُحَمَّد بن أَحْمد بن خَلِيل الهمداني ثمَّ الصنعاني

ولد تَقْرِيبًا سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَكَانَ واليا على الْبِلَاد
(2/124)

الهمدانية اتَّصل بمولانا الإِمَام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه قبل أَن يلي الْخلَافَة وجالسه وَتردد إِلَيْهِ فَلَمَّا ولي الْخلَافَة قربه ثمَّ جعله اُحْدُ وزرائه فِي سنة 1194 أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَاسْتمرّ وزيره إِلَيْهِ بعض الْبِلَاد الأمامية والأجناد من حاشد وبكيل وَغَيرهم وَهُوَ إنسان كَامِل كثير المطالعة عَارِف بالأدب حسن الْخط وَاسْتمرّ قايما بوظيفة الوزارة حَتَّى نكبه مَوْلَانَا الإِمَام فِي شهر شعْبَان سنة 1211 واستأصل غَالب أملاكه وَلزِمَ بَيته إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلم يتَرَدَّد إِلَى الأكابر كَمَا يَفْعَله كثير من أَرْبَاب الدولة بعد زَوَال دولتهم بل لَا يُوجد فِي غير بَيته وَله نظم فَمِنْهُ مَا كتبه إِلَى فِي أَيَّام وزارته وَهُوَ
(حجَّة الْعَصْر أبلغ النَّاس بِالْإِجْمَاع ... مِنْهُم معارفا وخطابه)
(خير من شرف الْإِلَه معاليه ... وزكى بَين الورى أنسابه)
(رجل اِدَّرَكَ الْكَمَال كَمَا ... أدْرك فِي الِاجْتِهَاد حَقًا نصابه)
وَكتب مَعَ هَذِه الأبيات أبياتا أُخْرَى وهي
(شغفت بِهِ لما تيقنت فَضله ... وفى حبه بِالرّقِّ أصحبت سيدا)
(فيا ماجدا أربى على الطود مجده ... فَأصْبح للوفاد كهفا ومقصدا)
(مُحَرر أَحْكَام القضايا وَمن غَدا ... لما حازه بِالِاجْتِهَادِ مُقَلدًا)
(مُحَمَّد الْبر التقي أَخُو الْعلَا ... غَدا سالما من كل شين مسودا)
فأجبت عَن الأبيات الأولى وَالْأُخْرَى بِهَذِهِ الأبيات
(وَاحِد الْعَصْر فِي الكمالات ... والآداب من فاق سؤددا ونجابه)
(الرئيس النفيس والفارس السباق ... والخضرم الشهي خطابه)
(يَا قريع الأوان يَا فايق الأقران ... حلما وَحِكْمَة ومهابه)
(2/125)

(دمت تحيى مآثر الْعِزّ ... مادامت معاليك للعلى وهابة)
(قد جمعت الذي تفرق فِي ... النَّاس فدم سالما لفن الْكِتَابَة) وَهُوَ حسن الشكالة جدا وَكَانَ متأنقا فِي جَمِيع أَحْوَاله ضخم الرياسة كثير الحشم والأتباع وَكَانَت لَهُ أَيَّام وزارته دَار بالروضة وَدَار بوادي ظهر وَدَار ببئر العزب وَدَار بِصَنْعَاء فَأخذت دوره جَمِيعًا فِي نكبه وَلم يبْق مَعَه إلا الَّتِى بِصَنْعَاء وَهُوَ الْآن حي لطف الله بِهِ وَتوفى سنة 1220 عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
السَّيِّد مُحَمَّد بن إدريس بن النَّاصِر علي بن عبد الله بن الْحسن بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان

تَرْجمهُ صَاحب مطلع البدور فَلم يذكر لَهُ مولدا وَلَا وَفَاة وَلَا بَلَدا وَلَا شُيُوخًا وَلَا تلامذة بل قَالَ إنه صنف فِي التَّفْسِير
كتبا أَحدهَا التَّيْسِير وَالْآخر الإكسير الا بريز فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَزِيز
وَله الحسام المرهف تَفْسِير غَرِيب الْمُصحف
وَله الدرة المضية فِي الْآيَات المنسوخة الفقهية وَله فِي الْفِقْه شِفَاء غلَّة الصادى فِي فقه الهادى والنور المحصور فِي فقه الْمَنْصُور والذخيرة الذاخرة فِي مَنَاقِب العترة الطاهرة وَشرح على اللمع والنهج القويم فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم هَذَا غَايَة مَا ذكر لَهُ من المصنفات وَقَالَ إنه تَرْجمهُ السَّيِّد صارم الدَّين بن مُحَمَّد تَرْجَمَة غير مبسوطة انْتهى
وَذكر بعض المؤرخين أَنه أَخذ عَن الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كيوسف الْأَكْوَع صَاحب الحفيظ وَآخَرُونَ وَقَالَ ابْن أَبى مخرمَة فِي ذكر وَالِد المترجم لَهُ وَكَانَ وَلَده مُحَمَّد بن إِدْرِيس فَقِيها عَارِفًا بارعا متقنا عَارِفًا بالأصول وَالْفُرُوع
(2/126)

وَله شعر حسن ومصنفات كَثِيرَة انْتهى وأرخ مَوته بَعضهم فِي عشر الثَّلَاثِينَ وَسَبْعمائة
السَّيِّد مُحَمَّد بن إسحاق بن الإِمَام المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد نَهَار الْأَرْبَعَاء لخمس عشرَة لَيْلَة مَضَت من ذي الْحجَّة سنة 1090 تسعين وَألف بالغراس فِي حَضْرَة جده الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن الْحسن وَقَرَأَ بِصَنْعَاء على جمَاعَة من أَعْيَان علمائها كالسيد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي والقاضي إِبْرَاهِيم بن أَبى الرِّجَال والقاضي مُحَمَّد الحيمي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وترشح للخلافة وَجرى بَينه وَبَين الإِمَام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن مَا جرى وَآل الْأَمر إِلَى اعتقال صَاحب التَّرْجَمَة مُدَّة ثمَّ أفرج عَنهُ وَلما مَاتَ الإِمَام المتَوَكل دَعَا إِلَى نَفسه وتكنى بالناصر وَبَايَعَهُ جَمِيع أهل الْيمن ونفذت أوامره فِي غَالب الْقطر الْيُمْنَى وعارضه فِي الابتداء الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن المتَوَكل على الله وَجَرت خطوب وتعقبها الصُّلْح على أَن يكون للمنصور بِاللَّه صنعاء ومواضع سَمَّاهَا فَوَقع ذَلِك وَتمّ الْأَمر وَبَايع الْمَنْصُور بِاللَّه لصَاحب التَّرْجَمَة وخطب لَهُ بِصَنْعَاء وَغَيرهَا من الأقطار اليمنية ثمَّ بعد أَيَّام انْتقض ذَلِك الصُّلْح ورام قرَابَة المترجم لَهُ الحطاط على الْمَنْصُور بِاللَّه بِصَنْعَاء ومحاصرته ونزعها مِنْهُ فأقبلوا من الْجِهَات اليمنية وَمَعَهُمْ من الْجَيْش عدد كثير وَمَعَهُمْ السَّيِّد عبد الله بن طَالب بن الْمهْدي فَخرج الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه بجيشه من صنعاء وَكَانَت الدائرة لَهُ فَأسر السَّيِّد يحيى بن إسحاق بن المهدي وَمَعَهُ جَيش كثير وَأسر السَّيِّد عبد الله الْمُقدم ذكره ثمَّ بعد ذَلِك أسر السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن اسحاق
(2/127)

ابْن المهدى وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وسجنهم جَمِيعًا بقصر صنعاء ثمَّ انتقضت الْبِلَاد اليمنية جَمِيعهَا على صَاحب التَّرْجَمَة وَدخلت فِي طَاعَة الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَآخر الْأَمر أَن صَاحب التَّرْجَمَة بَايع الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَسكن بِصَنْعَاء محييا للْعلم وَالْعِبَادَة فِي رياسة كَبِيرَة مَعَ حشمة وافرة وَكَثْرَة اتِّبَاع وإفضال عَام وشفقة على الضُّعَفَاء ومزيد إبرار بهم وَكَثْرَة تواضع
وَكَانَ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه يجله ويكرمه ويعظمه وَهُوَ حقيق بذلك فَإِنَّهُ من أَئِمَّة الْعلم الْمجمع على جلالتهم ونبالتهم وإحاطتهم بعلوم الِاجْتِهَاد وَله فِي الْآدَاب يَد طولى وَله نظم كثير غالبه الْجَوْدَة والسلاسة وَقد تَرْجمهُ صَاحب طيب السمر تَرْجَمَة طَوِيلَة جدا وَذكر غررا من قصائده ومقطعاته وَقد جمع وَلَده الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد أشعاره على تَرْتِيب الْحُرُوف فِي مُجَلد لطيف
وَمن نظمه البيتان المشهوران فِي الزِّمَام الذي تَجْعَلهُ الجواري فِي آنافها وَهُوَ حَلقَة فضَّة أَو ذهب وَقد يكون فِيهَا شئ من الْجَوَاهِر وهما
(رَأَيْت الزِّمَام فَقلت المرام ... تأنى سينقاد هَذَا الأبي)
(فَقَالَت بِهِ أَنْت تنقاد لي ... وَتمّ الْكَلَام وَلم تكذبي) وَقد قرض جمَاعَة من شعراء الْعَصْر بعد موت صَاحب التَّرْجَمَة بِمدَّة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بِأَبْيَات كَثِيرَة بل صنف شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر ابْن أَحْمد رِسَالَة ذكر فِيهَا مَا فِي الْبَيْتَيْنِ من النكات البيانية والبديعية وَقد جمع جَمِيع ذَلِك ولد صَاحب التَّرْجَمَة الْعَلامَة إِبْرَاهِيم فِي رِسَالَة وَمن نظمه إِلَى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير رَحمَه الله
(أتبلغ نفسي من سعاد مناها ... سقى الله ماضى عهدها وسقاها)
(2/128)

. فَمَا لذلى شئ سوى عهدها وَلَا ... تملك قلبي المستهام سواهَا ... نأت عَن عيوني دارها فَمَتَى مَتى ... أرى بعيونى دارها وأراها ... فَمَا لليالي لَا استنارت نجومها ... وَلَا أضحكت شمس الظهيرة فاها ...
وهي قصيدة رائقة منسجمة وجميعها مَوْجُودَة فِي ديوانه وَمن محاسنه هَذِه الأبيات الَّتِى ضمن فِيهَا بَيت الحاجري ... لَا كَانَ هَذَا الطَّبِيب من رجل ... أَهْوى لقلع الثَّنية الحسنة ... صيرها فِي يَدَيْهِ مُفْردَة ... كمستهام مفارق وَطنه ... ينشدان لَاحَ برق مبسمها ... وهي لَدَى كلبتيه مرتهنة ... يابارقا يذكي الحشا سناه ... منزلنا بالعقيق من سكنه ...
وَمِنْه وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن ... تفاءلت لما أَطَالَ المطال ... فبشرني الفال بالاتصال ... فَقَالُوا وَقد زارني هَل وفا ... فَقلت وفالي وفالي وفال
وَمِنْه وَهُوَ فِي السجْن ... سرى طيفها لَيْلًا إِلَى السجْن مشفقا ... وَقد كَانَ قدما لَا يقر بإشفاق ... فَمَا راعه إِلَّا الْقُيُود الَّتِى أرى ... علي وَقد قامن لحربي على سَاق ... فَقلت لَهُ هون علي فَأَنَّهَا ... خلاخل مجد لاسلاسل فساق ... وقف لي قَلِيلا دمت يَا طيف طايفا ... بِأَحْسَن من فك الْقُيُود وإطلاق ...
وَله وَهُوَ فِي السجْن أَيْضا ... حبست عَن أهلي وصحبى وَعَن ... فَوَائِد الْعلم الَّتِى تجتنى ... وَصَارَ دمعي سَائِلًا مُطلقًا ... يَا ليتني دمعي ودمعي أَنا
وَمَات رَحمَه الله ببيته فِي النزهة الْمَعْرُوفَة ببيرالعزب آخر نَهَار 130 الْخَمِيس رَابِع شهر شَوَّال سنة 1167 سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَله أَوْلَاد نجباء وهم كَثِيرُونَ وَقد تقدمت تَرْجَمَة بَعضهم وَبَعض أحفاده وَبَعض أَوْلَاد أحفاده
مُحَمَّد بن أسعد الملقب جلال الدَّين الدواني
نِسْبَة إِلَى دوان وعى قَرْيَة من قرى كازرون الشافعي عَالم الْعَجم بأرض فَارس وإمام المعقولات وَصَاحب المصنفات أَخذ الْعلم علن المحيوي والبقال وفَاق فِي جَمِيع الْعُلُوم لاسيما الْعَقْلِيَّة وَأخذ عَنهُ أهل تِلْكَ النواحي وارتحل إِلَيْهِ أهل الرّوم وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَله شهرة كَبِيرَة وصيت عَظِيم وتكاثر تلامذته وَكَانَ من أدبهم أَنه إِذا تكلم نكسوا رُؤْسهمْ تأدبا وَلم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم بشئ وولاه سُلْطَان تِلْكَ الديار الْقَضَاء بهَا وَله مصنفات كَثِيرَة مَقْبُولَة مِنْهَا شرح التَّجْرِيد للطوسي وَشرح التَّهْذِيب وحاشية على الْعَضُد وَله فصاحة زَائِدَة وبلاغة وتواضع وَمَات سنة 918 ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة قَالَ السخاوي إنه فِي سنة 897 كَانَ حَيا وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك بضع وَسبعين ثمَّ أرخ غَيره مَوته فِي التَّارِيخ الذي قدمنَا ذكره فَيكون على هَذَا قد عَاشَ نَحْو تسعين سنة
السَّيِّد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن حسن الشامي
من بطن من السَّادة الساكنين فِي مسور خولان يُقَال لَهُم بني الشامي ولد سنة 1194 أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسيد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله الحوثي وَهُوَ أَكثر من أَخذ عَنهُ ولازمه وَأخذ آخرين وَأخذ علي فِي علم السنة واستفاد
(2/129)

الْخَمِيس رَابِع شهر شَوَّال سنة 1167 سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَله أَوْلَاد نجباء وهم كَثِيرُونَ وَقد تقدمت تَرْجَمَة بَعضهم وَبَعض أحفاده وَبَعض أَوْلَاد أحفاده
مُحَمَّد بن أسعد الملقب جلال الدَّين الدواني

نِسْبَة إِلَى دوان وَهِي قَرْيَة من قرى كازرون الشافعي عَالم الْعَجم بِأَرْض فَارس وَإِمَام المعقولات وَصَاحب المصنفات أَخذ الْعلم عَن المحيوي والبقال وفَاق فِي جَمِيع الْعُلُوم لاسيما الْعَقْلِيَّة وَأخذ عَنهُ أهل تِلْكَ النواحي وارتحل إِلَيْهِ أهل الرّوم وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَله شهرة كَبِيرَة وصيت عَظِيم وتكاثر تلامذته وَكَانَ من أدبهم أَنه إِذا تكلم نكسوا رُؤْسهمْ تأدبا وَلم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم بشئ وولاه سُلْطَان تِلْكَ الديار الْقَضَاء بهَا وَله مصنفات كَثِيرَة مَقْبُولَة مِنْهَا شرح التَّجْرِيد للطوسي وَشرح التَّهْذِيب وحاشية على الْعَضُد وَله فصاحة زَائِدَة وبلاغة وتواضع وَمَات سنة 918 ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة قَالَ السخاوي إنه فِي سنة 897 كَانَ حَيا وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك بضع وَسبعين ثمَّ أرخ غَيره مَوته فِي التَّارِيخ الذي قدمنَا ذكره فَيكون على هَذَا قد عَاشَ نَحْو تسعين سنة
السَّيِّد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن حسن الشامي

من بطن من السَّادة الساكنين فِي مسور خولان يُقَال لَهُم بني الشامي ولد سنة 1194 أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسيد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله الحوثي وَهُوَ أَكثر من أَخذ عَنهُ ولازمه وَأخذ عَن آخَرين وَأخذ علي فِي علم السنة واستفاد
(2/130)

فِي الْآلَات ونظم الشّعْر الرَّائِق المطبوع المنسجم وَله إِلَى قصيدة رائقة فائقة مطْلعهَا
(يَا دَار علوة بالكثيب النائي ... حياك كل مهمر بكاء)
(2/131)

وفيهَا كل معنى حسن وهي نَحْو ثَلَاثِينَ بَيْتا وأجبت عَلَيْهِ بِثَلَاثَة أبيات هي
(لله دَرك يَا ابْن إِسْمَاعِيل بل ... لله دَرك فَهُوَ عقد بهاء)
(يَا جوهري النظم بل يَا جَوْهَر ... الفتيان فِي علم وفرط ذكاء)
(يَا معشر الفتيان هَذَا معجز ... لمُحَمد ينبيكم بنباء)
وَصَاحب التَّرْجَمَة من محَاسِن الفتيان جمع الله لَهُ بَين حسن الْخلق والخلق واللطافة وسيلان الذِّهْن وَقُوَّة الْفَهم والتحبب إِلَى النَّاس وَولى النِّيَابَة على أوقاف صنعاء وَغَيرهَا وَاسْتمرّ أَيَّامًا وَمَات شبَابًا فِي يَوْم الْخَمِيس لَعَلَّه سَابِع وَعِشْرُونَ شهر ربيع الأول سنة 1224 أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
(2/132)

وَألف
ووالده من فضلاء الزَّمن وأعيانه وَأهل الْفضل وَقد كَانَ كَفاهُ أَمر دُنْيَاهُ وَولى عهدته الَّتِى كَانَ فِيهَا تَخْفِيفًا عَنهُ وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا حيي فِي نَحْو سبعين سنة وَهُوَ من أَفْرَاد الزَّمن عصم الله قلبه بِالصبرِ على مِثَال هَذَا الشَّاب الظريف ورحمنا جَمِيعًا برحمته الواسعة وَقد تقدمت لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة فِي حرفه
السَّيِّد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن علي بن حفظ الدَّين بن شرف الدَّين بن صَلَاح بن الْحسن بن المهدي بن مُحَمَّد بن ادريس بن على ابْن مُحَمَّد بن احْمَد بن يحيى بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضي الله عَنْهُم

الكحلاني ثمَّ الصنعاني الْمَعْرُوف بالأمير الإِمَام الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق صَاحب التصانيف ولد لَيْلَة الْجُمُعَة نصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1099 تسع وَتِسْعين وَألف بكحلان ثمَّ انْتقل مَعَ وَالِده إِلَى مَدِينَة صنعاء سنة 1107 وَأخذ عَن علمائها كالسيد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن وَالسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الاخفش وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير والقاضي الْعَلامَة عَليّ بن مُحَمَّد العنسي ورحل إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ الحَدِيث على أكَابِر علمائها وعلماء الْمَدِينَة وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وَتفرد برئاسة الْعلم فِي صنعاء وَتظهر بِالِاجْتِهَادِ وَعمل بالأدلة وَنَفر عَن التَّقْلِيد وزيف مَالا دَلِيل عَلَيْهِ من الآراء الْفِقْهِيَّة وَجَرت لَهُ مَعَ أهل عصره خطوب ومحن
مِنْهَا فِي أَيَّام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن ثمَّ فِي أَيَّام وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ثمَّ فِي أَيَّام وَلَده الإِمَام المهدى
(2/133)

الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَتجمع الْعَوام لقَتله مرة بعد أُخْرَى وَحفظه الله من كيدهم ومكرهم وَكَفاهُ شرهم وولاه الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الخطابة بِجَامِع صنعاء فاستمر كَذَلِك إِلَى أَيَّام وَلَده الإِمَام المهدي
وَاتفقَ فِي بعض الْجمع أنه لم يذكر الْأَئِمَّة الَّذين جرت الْعَادة بذكرهم فِي الْخطْبَة الْأُخْرَى فثار عَلَيْهِ جمَاعَة من آل الإِمَام الَّذين لَا أنسة لَهُم بِالْعلمِ وعضدهم جمَاعَة من الْعَوام وتواعدوا فِيمَا بَينهم على قَتله فِي الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة الْمُقبلَة وَكَانَ من أعظم المحشدين لذَلِك السَّيِّد يُوسُف العجمى الإمامى القادم فِي أَيَّام الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه والمدرس بِحَضْرَتِهِ فَبلغ الإِمَام المهدي مَا قد وَقع التواطأ عَلَيْهِ فَأرْسل لجَماعَة من أكابر آل الإِمَام وسجنهم وَأرْسل لصَاحب التَّرْجَمَة أَيْضا وسجنه وَأمر من يطرد السَّيِّد يُوسُف الْمَذْكُور حَتَّى يُخرجهُ من الديار اليمنية فَكنت عِنْد ذَلِك الْفِتْنَة وبقي صَاحب التَّرْجَمَة نَحْو شَهْرَيْن ثمَّ خرج من السجْن وَولى الخطابة غَيره وَاسْتمرّ ناشرا للْعلم تدريسا وإفتاء وتصنيفا وَمَا زَالَ فِي محن من أهل عصره وَكَانَت الْعَامَّة ترميه بِالنّصب مستدلين على ذَلِك بِكَوْنِهِ عاكفا على الْأُمَّهَات وَسَائِر كتب الحَدِيث عَاملا بِمَا فِيهَا وَمن صنع هَذَا الصنع رمته الْعَامَّة بذلك لَا سِيمَا إِذا تظهر بِفعل شئ من سنَن الصَّلَاة كرفع الْيَدَيْنِ وضمهما وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُم ينفرون عَنهُ ويعادونه وَلَا يُقِيمُونَ لَهُ وزنا مَعَ أَنهم فِي جَمِيع هَذِه الديار منتسبون إِلَى الإِمَام زيد بن علي وَهُوَ من الْقَائِلين بمشروعية الرّفْع وَالضَّم وَكَذَلِكَ مَا زَالَ الْأَئِمَّة من الزيدية يقرأون كتب الحَدِيث الْأُمَّهَات وَغَيرهَا مُنْذُ خرجت إِلَى الْيمن ونقلوها فِي مصنفاتهم الأولى فَالْأول لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل أَو متجاهل وَلَيْسَ الذَّنب فِي معاداة من كَانَ كَذَلِك
(2/134)

للعامة الَّذين لَا تعلق لَهُم بشئ من المعارف العلمية فَإِنَّهُم اتِّبَاع كل ناعق إِذا قَالَ لَهُم من لَهُ هَيْئَة أهل الْعلم إن هَذَا الْأَمر حق قَالُوا حق وَإِن قَالَ بَاطِل قَالُوا بَاطِل إِنَّمَا الذَّنب لجَماعَة قرأوا شَيْئا من كتب الْفِقْه وَلم يمعنوا فِيهَا وَلَا عرفُوا غَيرهَا فظنوا لقصورهم أَن الْمُخَالفَة لشئ مِنْهَا مُخَالفَة للشريعة بل الْقطعِي من قطعياتها مَعَ أَنهم يقرأون فِي تِلْكَ الْكتب مُخَالفَة أكَابِر الْأَئِمَّة وأصاغرهم لما هُوَ مُخْتَار لمصنفها وَلَكِن لَا يعْقلُونَ حَقِيقَة وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى طَريقَة بل إِذا بلغ بعض معاصريهم إِلَى رُتْبَة الاجتهاد وَخَالف شَيْئا بِاجْتِهَادِهِ جَعَلُوهُ خَارِجا عَن الدَّين وَالْغَالِب عَلَيْهِم أن ذَلِك لَيْسَ لمقاصد دينية بل لمنافع دنيوية تظهر لمن تأملها وهي أَن يشيع فِي النَّاس أَن من أنكر على أكَابِر الْعلمَاء مَا خَالف الْمَذْهَب من اجتهاداتهم كَانَ من خلص الشِّيعَة الذابين عَن مَذْهَب الْآل وَتَكون تِلْكَ الشُّهْرَة مفيدة فِي الْغَالِب لشئ من مَنَافِع الدُّنْيَا وفوائدها فَلَا يزالون قَائِمين وثائرين فِي تخطئة أكَابِر الْعلمَاء ورميهم بِالنّصب وَمُخَالفَة أهل الْبَيْت فَتسمع ذَلِك الْعَامَّة فتظنه حَقًا وتعظم ذَلِك الْمُنكر لِأَنَّهُ قد نفق على عقولها صدق قَوْله وظنوه من المحامين عَن مَذْهَب الْأَئِمَّة وَلَو كشفوا عَن الْحَقِيقَة لوجدوا ذَلِك الْمُنكر هُوَ الْمُخَالف لمَذْهَب الْأَئِمَّة من أهل الْبَيْت بل الْخَارِج عَن إجماعهم لأَنهم جَمِيعًا حرمُوا التَّقْلِيد على من بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وأوجبوا عَلَيْهِ أَن يجْتَهد رأي نَفسه وَلم يخصوا ذَلِك بمسئلة دون مسئلة وَلَكِن المتعصب أعمى والمقصر لَا يهتدي إِلَى صَوَاب وَلَا يخرج عَن معتقده إِلَّا إِذا كَانَ من ذوى الْأَلْبَاب مَعَ أَن مسئلة تَحْرِيم التَّقْلِيد على الْمُجْتَهد هِيَ محررة فِي الْكتب الَّتِى هى مدارس صغَار الطّلبَة فضلا عَن كبارهم بل هي فِي أول بحث من
(2/135)

مباحثها يتلقنها الصبيان وهم فِي الْمكتب
وَمن جملَة مَا اتفق لصَاحب التَّرْجَمَة من الامتحانات أَنه لما شاع فِي الْعَامَّة ماشاع عَنهُ بلغ ذَلِك أهل جبل برط من ذوي مُحَمَّد وذوي حُسَيْن وهم إِذْ ذَاك جَمْرَة الْيمن الَّذين لَا يقوم لَهُم قَائِم فَاجْتمع أكابرهم وَمن أعظم رُؤَسَائِهِمْ حسن بن مُحَمَّد العنسي البرطي وَخَرجُوا على الإِمَام المهدي فِي جيوش عَظِيمَة ووصلت مِنْهُم الْكتب أَنهم خارجون لنصرة الْمَذْهَب وَأَن صَاحب التَّرْجَمَة قد كَاد يهدمه وَأَن الإِمَام مساعد لَهُ على ذَلِك فترسل عَلَيْهِم الْعلمَاء الَّذين لَهُم خبْرَة بِالْحَقِّ وَأَهله ورتبة فِي الْعلم فَمَا أَفَادَ ذَلِك وَآخر الْأَمر جعل لَهُم الإِمَام زِيَادَة فِي مقرراتهم قيل أَنَّهَا نَحْو عشْرين ألف قِرْش فِي كل عَام فعادوا إِلَى دِيَارهمْ وَتركُوا الْخُرُوج لِأَنَّهُ لَا مطمع لَهُم فِي غير الدُّنْيَا وَلَا يعْرفُونَ من الدَّين إِلَّا رسوما بل يخالفون مَا هُوَ من القطعيات كَقطع مِيرَاث النِّسَاء والتحاكم إِلَى الطاغوت وَاسْتِحْلَال الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَلَيْسوا من الدَّين فِي ورد وَلَا صدر
وَمن محن الدُّنْيَا أَن هَؤُلَاءِ الأشرار يدْخلُونَ صنعاء لمقررات لَهُم فِي كل سنة ويجتمع مِنْهُم ألوف مؤلفة فَإِذا رَأَوْا من يعْمل بِاجْتِهَادِهِ فِي الصَّلَاة كَأَن يرفع يَدَيْهِ أَو يضمها إِلَى صَدره أَو يتورك أَنْكَرُوا ذَلِك عَلَيْهِ وَقد تحدث بِسَبَب ذَلِك فتْنَة ويتجمعون ويذهبون إِلَى الْمَسَاجِد الَّتِى تقْرَأ فِيهَا كتب الحَدِيث على عَالم من الْعلمَاء فيثيرون الْفِتَن وكل ذَلِك بِسَبَب شياطين الْفُقَهَاء الَّذين قدمنَا ذكرهم وَأما هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب الجفاة فأكثرهم لَا يصلي وَلَا يَصُوم وَلَا يقوم من فروض الْإِسْلَام سوى الشَّهَادَتَيْنِ على مَا فِي لَفظه بهما من عوج
(2/136)

وَاتفقَ فِي شهر الذي حررت فِيهِ التَّرْجَمَة أَنه دخل جمَاعَة مِنْهُم وَفِيهِمْ عجب وتيه واستخفاف بِأَهْل صنعاء على عَادَتهم وَقد كَانُوا نهبوا فِي الطرقات فوصلوا إِلَى بَاب مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله فَرَأى رجل بقرة لَهُ مَعَهم فرام أَخذهَا فسل من هِيَ مَعَه من أهل بكيل السِّلَاح على ذَلِك الذي رام أَخذ بقرته فثار عَلَيْهِم أهل صنعاء الَّذين كَانُوا مُجْتَمعين فِي بَاب الْخَلِيفَة وهم جمَاعَة قَلِيلُونَ من الْعَوام وَهَؤُلَاء نَحْو أربعمائة فَوَقع الرَّجْم لهَؤُلَاء من الْعَامَّة
ثمَّ بعد ذَلِك أخذُوا مَا مَعَهم من الْجمال الَّتِى يملكونها وَكَذَلِكَ سَائِر دوابهم فضلا عَن الدَّوَابّ الَّتِى نهبوها على الْمُسلمين وَأكْثر بنادقهم وَسَائِر سِلَاحهمْ وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو أَرْبَعَة أنفار أَو زِيَادَة وجنوا على جمَاعَة مِنْهُم وَمَا وسعهم إلا الْفِرَار إِلَى الْمَسَاجِد وَإِلَى محلات قَضَاء الْحَاجة وَلَوْلَا أَن الْخَلِيفَة بَادر بزجر الْعَامَّة عِنْد ثوران الْفِتْنَة لما تركُوا مِنْهُم أحد فصاروا الْآن فِي ذلة عَظِيمَة زادهم الله ذلة وقلل عَددهمْ
وَقد كَانَ كثر اتِّبَاع صَاحب التَّرْجَمَة من الْخَاصَّة والعامة وعملو بِاجْتِهَادِهِ وتظهروا بذلك وقرأوا عَلَيْهِ كتب الحَدِيث وَفهم جمَاعَة من الأجناد بل كَانَ الإِمَام المهدي يُعجبهُ التظهر بذلك وَكَذَلِكَ وزيره الْكَبِير الْفَقِيه أَحْمد بن علي النهمي وأميره الْكَبِير الماس المهدي وَمَا زَالَ ناشرا لذَلِك فِي الْخَاصَّة والعامة غير مبال بِمَا يتوعده بِهِ المخالفون لَهُ وَوَقعت فِي أثناء ذَلِك فتن كبار وَقَاه الله شَرها وَله مصنفات جليلة حافلة مِنْهَا سبل السَّلَام اخْتَصَرَهُ من الْبَدْر التَّمام للمغربي
وَمِنْهَا منحة الْغفار جعلهَا حَاشِيَة على ضوء النَّهَار للجلال
وَمِنْهَا الْعدة جعلهَا حَاشِيَة على شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَمِنْهَا شرح الْجَامِع الصَّغِير للأسيوطي فِي أَرْبَعَة
(2/137)

مجلدات شَرحه قبل أَن يقف على شرح المناوي
وَمِنْهَا شرح التَّنْقِيح فِي عُلُوم الحَدِيث للسَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير وَسَماهُ التَّوْضِيح
وَمِنْهَا منظومة الكافل لِابْنِ مهْرَان فِي الْأُصُول وَشَرحهَا شرحا مُفِيدا وَله مصنفات غير هَذِه وَقد أفرد كثيرا من الْمسَائِل بالتصنيف بِمَا يكون جَمِيعه فِي مجلدات وَله شعر فصيح منسجم جمعه وَلَده الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد فِي مُجَلد وغالبه فِي المباحث العلمية والتوجع من أَبنَاء عصره والردود عَلَيْهِم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الْأَئِمَّة المجددين لمعالم الدَّين وَقد رَأَيْته فِي الْمَنَام فِي سنة 1206 وَهُوَ يمشي رَاجِلا وَأَنا رَاكب فِي جمَاعَة معي فَلَمَّا رَأَيْته نزلت وسلمت عَلَيْهِ فدار بيني وَبَينه كَلَام حفظت مِنْهُ أَنه قَالَ دقق الْإِسْنَاد وتأنق فِي تَفْسِير كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فخطر ببالي عِنْد ذَلِك أَنه يُشِير إِلَى مَا أصنعه فِي قِرَاءَة البخاري فِي الْجَامِع وَكَانَ يحضر تِلْكَ الْقِرَاءَة جمَاعَة من الْعلمَاء ويجتمع من الْعَوام عَالم لَا يُحصونَ فَكنت فِي بعض الْأَوْقَات أفسر الْأَلْفَاظ الحديثية بِمَا يفهم أُولَئِكَ الْعَوام الْحَاضِرُونَ فَأَرَدْت أَن أَقُول لَهُ إِنَّه يحضر جمَاعَة لَا يفهمون بعض الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة فبادر وَقَالَ قبل أَن أَتكَلّم قد علمت أَنه يقْرَأ عَلَيْك جمَاعَة وَفِيهِمْ عَامَّة وَلَكِن دقق الْإِسْنَاد وتأنق فِي تَفْسِير كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ سَأَلته عِنْد ذَلِك عَن أهل الحَدِيث مَا حَالهم فِي الْآخِرَة فَقَالَ بلغُوا بِحَدِيثِهِمْ الْجنَّة أَو بلغُوا بِحَدِيثِهِمْ بَين يدي الرَّحْمَن الشَّك مني ثمَّ بَكَى بكاء عَالِيا وضمني إِلَيْهِ وفارقني فقصصت ذَلِك على بعض من لَهُ يَد فِي التَّعْبِير وَسَأَلته عَن تَأْوِيل الْبكاء وللضم فَقَالَ لَا بُد أَن يجري لَك شَيْء مِمَّا جرى لَهُ من الامتحان فَوَقع من ذَلِك بعد تِلْكَ الرُّؤْيَا عجائب وغرائب كفى الله
(2/138)

شَرها وَتُوفِّي رَحمَه الله سنة 1182 اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث شهر شعْبَان مِنْهَا ونظم بَعضهم تَارِيخه فَكَانَ هَكَذَا
مُحَمَّد فِي جنان الْخلد قد وصلا ورثاه شعراء الْعَصْر وتأسفوا عَلَيْهِ وَله تلامذة نبلاء عُلَمَاء مجتهدون مِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن والقاضي الْعَلامَة احْمَد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن إسحاق بن المهدي وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي وَقد تقدمت تراجمهم وَغَيرهم مِمَّا لَا يُحِيط بهم الْحصْر
ووالده كَانَ من الْفُضَلَاء الزاهدين فِي الدُّنْيَا الراغبين فِي الْعَمَل
وَله عرفان تَامّ وَشعر جيد
وَمَات فِي ثَالِث شهر ذي الْحجَّة سنة 1142 اثنتين وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَكَانَ وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة إِذْ ذَاك بشهارة
الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ابْن الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد سنة 1044 أَربع وَأَرْبَعين وَألف تَقْرِيبًا وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره فِي أَنْوَاع من الْعلم حَتَّى فاق فِي كثير من المعارف العلمية
ثمَّ لما مَاتَ الإِمَام المهدي أَحْمد بن الْحسن فِي سنة 1092 بُويِعَ هَذَا بالخلافة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ رُؤَسَاء الْيمن إِذْ ذَاك وهم السَّيِّد على بن المتَوَكل وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد الذي صَارَت إِلَيْهِ الْخلَافَة بعد صَاحب التَّرْجَمَة وَالسَّيِّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن الإِمَام الْقَاسِم وَالسَّيِّد الْقَاسِم بن الْمُؤَيد وَالسَّيِّد علي بن المتَوَكل صنو صَاحب التَّرْجَمَة وَلَكِن كَانَت الْبِلَاد الإمامية مقسمة بَين هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين وَلم يكن لصَاحب التَّرْجَمَة إِلَّا الاسم وَالْخطْبَة وَكَانَ من أَوْلِيَاء الله وَمن أعدل الْخُلَفَاء لم يسمع عَنهُ الْجور فِي شئ من أُمُوره
وَكَانَ كثير الْعِبَادَة كثير
(2/139)

الْبكاء دَائِم الخشية لله لَا يَأْكُل إِلَّا من نذور تصل إِلَيْهِ بعد أَن يعلم أَنَّهَا من جِهَة تحل لَهُ وَلَا يتَنَاوَل شَيْئا من بيُوت الْأَمْوَال
ومجلسه معمور بالعلماء وَالصَّالِحِينَ وَقِرَاءَة الْعلم وتلاوة الْقُرْآن لَا يزَال رطب اللِّسَان بِذكر الله على جَمِيع حَالَته وَقد صَار عدله فِي الرعية مثلا مَضْرُوبا وَكَانَ أهل عصره يكنونه فَيَقُولُونَ أَبُو عَافِيَة لِأَنَّهُ لَا يضر أحدا مِنْهُم فِي مَال وَلَا بدن بل قد يحْتَاج فِي بعض الْأَوْقَات لنائبه من نوائبه فَيسْأَل أهل الثروة من التُّجَّار وَأَمْوَالهمْ متوفرة أَن يقرضوه فَلَا يَفْعَلُونَ لأَنهم لَا يخَافُونَ فِي الْحَال وَلَا فِي الْمُسْتَقْبل واستوطن هِجْرَة معبر الْمَشْهُورَة
وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1097 سبع وَتِسْعين وَألف وَصَارَت الْخلَافَة بعده إِلَى مُحَمَّد بن أَحْمد المهدي صَاحب الْمَوَاهِب كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي تَرْجَمته
السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان الْحسنى أَمِير مَكَّة وَابْن أمرائها

ولد فِي رَمَضَان سنة 840 أَرْبَعِينَ وثمان مائَة بِمَكَّة وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من الْأَعْيَان وَنَشَأ فِي كنف أَبِيه ثمَّ سَأَلَ الْأَب إشراك وَلَده مَعَه فِي الْأَمر فَفعل السُّلْطَان ذَلِك فوصل المرسوم إِلَى مَكَّة بذلك ودعي لَهُ على زَمْزَم كعادتهم وَكَانَ غايبا بِالْيمن
وَلما وصل إِلَيْهِ الْخَبَر بذلك عَاد إِلَى مَكَّة وحمدت سيرته وَتوجه إِلَى بِلَاد الشرق غير مرة وَأكْثر من زِيَارَة الْقَبْر النبوي على صَاحبه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَعَ زيارته يحسن إِلَى أهل الْمَدِينَة وَكَانَ كثير التفقد لأهل مَكَّة لَا سِيمَا الْفُقَرَاء والغرباء وَأمن النَّاس فِي أَيَّامه وَكَثُرت أَمْوَاله وَأَتْبَاعه وفَاق أسلافه وَمَا زَالَ أمره فِي نمو
(2/140)

وأضيفت إِلَيْهِ سَائِر بِلَاد الْحجاز ليستنيب من يختاره ودعي لَهُ على مِنْبَر مَكَّة وَالْمَدينَة وَكَانَ يغزوا إِلَى ديار من يُخَالِفهُ فيحيط بِهِ وَكَذَا أطاعه صَاحب جازان وَقد أثنى عَلَيْهِ السخاوي كثيرا لِأَنَّهُ كَانَ معاصرا لَهُ وَوَصفه بِالْعقلِ والفهم والتواضع وَحسن الشكالة والمداومة على الْجَمَاعَات والسكون وكف الأتباع عَن الرعية وَعدم الطمع فِي أَمْوَالهم بمالم يسمع بِمثلِهِ فِي دولة من قبله وَاسْتمرّ على ولَايَته حَتَّى مَاتَ فِي الحادي وَالْعِشْرين من محرم سنة 903 ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَخلف من الْأَوْلَاد ذُكُورا وإناثا نَحْو الْأَرْبَعين
السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ين بايزيد بن مرداخان بن أورخان الْغَازِي ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها

ولد سنة 777 سبع وَسبعين وَسَبْعمائة وَصَارَت إِلَيْهِ السلطنة بعد موت أَبِيه فِي سنة 816 وَكَانَ شجاعاً مقداماً مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله افْتتح فِي دولته عدَّة مَوَاضِع من بِلَاد الإفرنح وَعمر فِي بِلَاد الرّوم عماير كَثِيرَة مدارس ومساجد وَهُوَ أول من عمل الصرة لأهل الْحَرَمَيْنِ من آل عُثْمَان فَصَارَ ذَلِك مستمرا وَهَذِه منقبة عَظِيمَة وَكَانَ مُعظما للْعُلَمَاء عَارِفًا بدرجاتهم منعما عَلَيْهِم بالمقررات الواسعة مُرَتبا لَهُم فِي مدارس الروم مبالغا فِي استجلاب خواطرهم حَتَّى كَأَنَّهُ أحدهم وَإِذا سمع بعالم فِي جِهَة من الْجِهَات كَاتبه ورغبه فِي الْقدوم عَلَيْهِ وأجرى لَهُ من النَّفَقَات مَا يَكْفِيهِ بعضه وَكَانَ يقْرَأ على أكَابِر الْعلمَاء وَيَأْخُذ عَن كل عَالم فِي علمه ويتناظرون بَين يَدَيْهِ
وَقد حكى صَاحب الشقائق النعمانية من أفضاله على الْعلمَاء وتعظيمه لَهُم مَا يتعجب النَّاظر فِيهِ وَمَات فِي سنة 825 خمس وَعشْرين وثمان مائَة
(2/141)

مُحَمَّد بن أَبى البركات بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن عمر الجبرتي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن سعد الدَّين سُلْطَان الْمُسلمين بِالْحَبَشَةِ

أصلهم فِيمَا قيل من قُرَيْش فَرَحل بعض سلفهم من الْحجاز حَتَّى نزل بِأَرْض جبرت فسكنها إِلَى أَن ملك ملك الْحَبَشَة بَعضهم مَدِينَة أقات وأعمالها فَعظم وقويت شوكته وحمدت سيرته وتداولها ذُريَّته حَتَّى انْتَهَت إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة 828 فَملك كثيرا من تِلْكَ الْبِلَاد وامتلأت الأقطار من الرَّقِيق الَّذين سباهم ودام على ذَلِك حَتَّى مَاتَ شَهِيدا فِي بعض غَزَوَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 835 خمس وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة قَالَ السخاوي وَكَانَ دينا عَاقِلا عادلا خيرا وقورا مهابا ذَا سطوة على الْحَبَشَة أعز الله الْإِسْلَام فِي أَيَّامه
وَملك بعده أَخُوهُ فاقتفى أَثَره فِي غزاوته وشدته قَالَ ابْن حجر فِي أنبائه وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة شجاعا بطلا مديما للْجِهَاد عِنْده أَمِير يُقَال لَهُ حَرْب لَا يُطَاق فِي الْقِتَال كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم وَحسن إسلامه فَهزمَ الْكفَّار من الْحَبَشَة مرَارًا وغزاهم السُّلْطَان مرة وَهُوَ مَعَه فغنم غَنَائِم عَظِيمَة بِحَيْثُ بيع الرَّأْس من الرَّقِيق بربطة ورقة أَوْقَات وَكَانَ من خير الْمُلُوك دينا وَمَعْرِفَة يصحب الْفُقَهَاء والصلحاء وينشر الْعدْل فِي أَعماله حَتَّى فِي وَلَده وَأَهله وَأسلم على يَدَيْهِ خلائق من الْحَبَشَة حَتَّى ثار عَلَيْهِ بنوعمه فَقَتَلُوهُ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن آيد غدى بن عبد الله الشَّمْس القاهري الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن الجندى

ولد تَقْرِيبًا سنة 765 خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن جمَاعَة من مشاهير علمائها فِي أَنْوَاع من الْعلم وبرع فِي الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه
(2/142)

وَالْأُصُول والفرائض والحساب والمعاني وَالْبَيَان مَعَ الْخِبْرَة بأنواع الفروسية والدربة فِي لعب الشطرنج وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء وَاخْتصرَ المغني لِابْنِ هِشَام اختصارا حسنا متحريا فِيهِ إبدال الْعبارَة المنتقدة وصنف مُقَدّمَة فِي الْعَرَبيَّة سَمَّاهَا مشتهى السمع وَشَرحهَا بشرح سَمَّاهُ مُنْتَهى الْجمع وَله الزبدة والقطرة ومقدمة فِي الْفَرَائِض ومختصر فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشرح كل مِنْهُمَا وَشرح الْمجمع فِي مجلدين وَمَات فِي يَوْم الْخَمِيس مستهل الْمحرم سنة 844 أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَيُّوب بن سعد بن جرير الزرعي الدمشقي شمس الدَّين ابْن قيم الجوزية الحنبلي

الْعَلامَة الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق المُصَنّف الْمَشْهُور ولد سنة 691 إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة وَسمع من ابْن تَيْمِية ودرس بالصدرية وَأم بالجوزية وَأخذ الْفَرَائِض عَن أَبِيه وَأخذ الْأُصُول عَن الصفي الهندي وَابْن تَيْمِية وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران واشتهر فِي الْآفَاق وبتحر فِي معرفَة مَذَاهِب السلف وَغلب عَلَيْهِ حب ابْن تَيْمِية حَتَّى كَانَ لَا يخرج عَن شئ من أَقْوَاله بل ينتصر لَهُ فِي جَمِيع ذَلِك وَهُوَ الذي نشر علمه بِمَا صنفه من التصانيف الْحَسَنَة المقبولة واعتقل مَعَ ابْن تَيْمِية وأهين وطيف بِهِ على جمل مَضْرُوبا بِالدرةِ فَلَمَّا مَاتَ ابْن تَيْمِية أفرج عَنهُ وامتحن محنة أُخْرَى بِسَبَب فَتَاوَى ابْن تَيْمِية وَكَانَ ينَال من عُلَمَاء عصره وينالون مِنْهُ
قَالَ الذهبي فِي الْمُخْتَصر جلس مُدَّة لإنكار شدّ الرحل لزيارة قبر الْخَلِيل ثمَّ تصدر للاشتغال وَنشر الْعلم وَلكنه معجب بِرَأْيهِ جرئ على أُمُور انْتهى
قلت بل كَانَ متقيدا بالأدلة الصَّحِيحَة معجبا بِالْعَمَلِ بهَا غير معول على الرَّأْي صادعا
(2/143)

بِالْحَقِّ لَا يحابي فِيهِ أحداً ونعمت الجرأة وَقَالَ ابْن كثير كَانَ ملازما للاشتغال لَيْلًا وَنَهَارًا كثير الصَّلَاة والتلاوة حسن الْخلق كثير التودد لَا يحْسد وَلَا يحقد إِلَى أَن قَالَ لَا أعرف فِي زَمَاننَا من أهل الْعلم أَكثر عبَادَة مِنْهُ وَكَانَ يُطِيل الصَّلَاة جدا ويمد ركوعها وسجودها وَكَانَ يقْصد للإفتاء بمسئلة الطَّلَاق وَكَانَ إِذا صلي الصُّبْح جلس مَكَانَهُ يذكر الله تَعَالَى حَتَّى يتعالى النَّهَار وَيَقُول هَذِه غذوتي لَو لم أَفعَلهَا سَقَطت قواي وَكَانَ يَقُول بِالصبرِ والتيسير تنَال الْإِمَامَة فِي الدَّين
وَكَانَ يَقُول لَا بُد للسالك من همة تسيره وترقيه وَعلم يبصره ويهديه وَكَانَ مغرى بِجمع الْكتب فَحصل مِنْهَا مَا لَا تحصر حَتَّى كَانَ أَوْلَاده يبيعون مِنْهَا بعد مَوته دهرا طَويلا سوى مَا اصطفوه لأَنْفُسِهِمْ مِنْهَا وَله من التصانيف الْهَدْي وأعلام الموقعين وبدائع الْفَوَائِد وطرق السعادتين وَشرح منَازِل السائرين وَالْقَضَاء وَالْقدر وجلاء الأفهام فِي الصَّلَاة وَالسَّلَام على خير الْأَنَام ومصايد الشَّيْطَان ومفاتيح دَار السَّعَادَة وَالروح
وحادي الْأَرْوَاح وَرفع الْيَدَيْنِ وَالصَّوَاعِق الْمُرْسلَة على الْجَهْمِية والمعطلة
والداء والدواء ومولد النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْجَوَاب الشافي لمن سَأَلَهُ عَن ثَمَرَة الدُّعَاء إِذا كَانَ مَا قد قدر وَاقع
وَغير ذَلِك وكل تصانيفه مَرْغُوب فِيهَا بَين الطوائف قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر قَالَ وَهُوَ طَوِيل النَّفس فِيهَا يتعانى الْإِيضَاح جهده فيسهب جدا ومعظمها من كَلَام شَيْخه متصرف فِي ذَلِك وَله ملكة قَوِيَّة وَلَا يزَال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لَهَا انْتهى
وَله من حسن التَّصَرُّف مَعَ العذوبة الزَّائِدَة وَحسن السِّيَاق مَالا يقدر عَلَيْهِ غَالب المصنفين بِحَيْثُ تعشق الإفهام كَلَامه وتميل إِلَيْهِ الأذهان وتحبه الْقُلُوب وَلَيْسَ لَهُ على غير
(2/144)

الدَّلِيل معول فِي الْغَالِب وَقد يمِيل نَادرا إِلَى مَذْهَب الَّذِي نَشأ عَلَيْهِ وَلكنه لَا يتجاسر على الدّفع فِي وُجُوه الْأَدِلَّة بالمحامل الْبَارِدَة كَمَا يَفْعَله غَيره من المتهذبين بل لَا بدله من مُسْتَند فِي ذَلِك وغالب أبحاثه الْإِنْصَاف والميل مَعَ الدَّلِيل حَيْثُ مَال وَعدم التعويل على القيل والقال وَإِذا استوعب الْكَلَام فِي بحث وَطول ذيوله أُتِي بمالم يَأْتِ بِهِ غَيره وسَاق مَا ينشرح لَهُ صُدُور الراغبين فِي أَخذ مذاهبهم عَن الدَّلِيل وأظنها سرت إِلَيْهِ بركَة ملازمته لشيخه ابْن تَيْمِية فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْقِيَام مَعَه فِي محنه ومؤاساته بِنَفسِهِ وَطول تردده إِلَيْهِ
فَإِنَّهُ مَا زَالَ ملازما لَهُ من سنة 712 إِلَى تَارِيخ وَفَاته الْمُتَقَدّم فِي تَرْجَمته
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أحد من قَامَ بنشر السنة وَجعلهَا بَينه وَبَين الآراء المحدثة أعظم جنَّة فرحمه الله وجزاه عَن الْمُسلمين خيرا
وَحكى عَنهُ قبل مَوته بِمدَّة أَنه رأى شَيْخه ابْن تَيْمِية فِي الْمَنَام وَأَنه سَأَلَهُ عَن مَنْزِلَته أي منزلَة الشَّيْخ فَقَالَ إنه أنزل فَوق فلَان وسمى بعض الأكابر وَقَالَ لَهُ وَأَنت كدت تلْحق بِهِ وَلَكِن أَنْت فِي طبقَة ابْن خُزَيْمَة وَمَات فِي ثَالِث شهر رَجَب سنة 751 إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة وَأورد لَهُ ابْن حجر أبياتا وهي
(بني أَبى بكر كثير ذنُوبه ... فَلَيْسَ على من نَالَ من عرضه إثم)
(بني أَبى بكر غَدا متصدرا ... تعلم علما وَهُوَ لَيْسَ لَهُ علم)
(بني أَبى بكر جهول بِنَفسِهِ ... جهول بِأَمْر الله أنى لَهُ الْعلم)
(بني أَبى بكر يروم ترقيا ... إِلَى جنَّة المأوى وَلَيْسَ لَهُ عزم)
(بني أَبى بكر لقد خَابَ سَعْيه ... إِذا لم يكن فِي الصَّالِحَات لَهُ سهم)
(بني أَبى بكر كَمَا قَالَ ربه ... هلوع كنُود وَصفه الْجَهْل وَالظُّلم)
(2/145)

(بني أَبى بكر وَأَمْثَاله غَدَتْ ... بفتواهم هَذِه الخليقة تأتم)
(وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعلم بَاعَ وَلَا التقى ... وَلَا الزّهْد وَالدُّنْيَا لديهم هي الْهم)
(بني أَبى بكر غَدا متمنيا ... وصال المعالي والذنُوب لَهُ هم)
مُحَمَّد بن أَبى بكر الأشخر

بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْضا ثمَّ رَاء مُهْملَة الزبيدي
أَخذ الْعلم عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن زِيَادَة والفقيه عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن مطهر وَقَرَأَ بِمَكَّة على ابْن حجر الهيتمى وَله تصانيف مِنْهَا نظم الْإِرْشَاد ومنظمومة فِي أصُول الْفِقْه وحاشية على الْبَهْجَة للعامري وَشرح على شذور الذَّهَب وَغير ذَلِك وَمَات سنة 989 وَبَنُو الأشخر بَيت علم وَصَلَاح يسكنون قَرْيَة قريب بَيت الشَّيْخ قَرِيبا من الضُّحَى وَبهَا قبر صَاحب التَّرْجَمَة
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن الْحُسَيْن بن عمر بن مُحَمَّد بن يُونُس ابْن أَبى الْفَخر عبد الرَّحْمَن القرشي العثماني المراغي

القاهري الأَصْل المدني ولد فِي أَوَاخِر سنة 775 خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بِالْمَدِينَةِ وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على البلقيني وَابْن الملقن فِي الْقَاهِرَة عِنْد رحلته مَعَ بنه وَسمع على عُلَمَاء الْمَدِينَة والقادمين إِلَيْهَا وَمن مشايخه الزين العراقى والهيتمى والنويرى وتكرر دُخُوله الْقَاهِرَة وسماعه على من بهَا وَدخل الْيمن مرَارًا فَسمع من جمَاعَة من أعيانها كأحمد بن أَبى بكر الرداد وَالْمجد الشيرازي والنفيس العلوي وتفقه بالدميري والبلقيني أَيْضا وَآخَرين وَأخذ الْأُصُول عَن الولي العراقي والنحو عَن وَالِده والمحب بن هِشَام
وَبِالْجُمْلَةِ فَسمع على جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء فِي جِهَات وَأخذ سَائِر الْعُلُوم عَن
(2/146)

آخَرين وَأَجَازَ لَهُ أكَابِر من محلات مُخْتَلفَة وبرع فِي الْفِقْه وأصوله والنحو والتصوف وأتقن جملَة من الحَدِيث وغريب الرِّوَايَة وصنف شرح الْمِنْهَاج الفرعي فِي أَربع مجلدات وَسَماهُ المشرع الروي فِي شرح منهاج النووي وَاخْتصرَ فتح الْبَارِي لِابْنِ حجر فِي نَحْو أَربع مجلدات وَسَماهُ تَلْخِيص أَبى الْفَتْح لمقاصد الْفَتْح ودرس فِي الْيمن بمواضع وَفِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وبمكة وَحدث بالأمهات وَغَيرهَا حَتَّى مَاتَ بِمَكَّة لَيْلَة الْأَحَد سادس عشر الْمحرم سنة 859 تسع وَخمسين وثمان مائَة
وَله أَخ اسْمه مُحَمَّد كاسمه برع فِي الْفُنُون وَصَارَ شيخ الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَكَانَ مولده سنة 764 أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وقتلته اللُّصُوص لما سَافر إِلَى الشَّام سنة 819 تسع عشرَة وثمان مائَة وَقتلُوا مَعَه ولديه مُحَمَّد وَالْحُسَيْن وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَخ ثَالِث اسْمه أَيْضا مُحَمَّد ولد فِي سنة 806 سِتّ وثمان مائَة وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وَصَارَ مُسْند الْمَدِينَة ومدرسها وَمَات سنة 880 ثَمَانِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعد الله بن جمَاعَة

ابْن حَازِم بن صَخْر بن عبد الله الْعِزّ بن الشرف بن الْعِزّ الحموي الأَصْل المصري الشَّافِعِي وَيعرف كسلفه بِابْن جمَاعَة
ولد سنة 746 سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَسمع فِي صغره من جمَاعَة من الأكابر وَأَجَازَ لَهُ آخَرُونَ ثمَّ مَال إِلَى عُلُوم الْعقل فَقَرَأَ على الْعلمَاء السيرامي والعز الرازى وَابْن خلدون وتفقه بالبلقيني وَنظر فِي كل فن حَتَّى فِي الْأَشْيَاء الصناعية كلعب الرمْح وَرمى النشاب وَضرب السَّيْف والنفط حَتَّى الشعوذة وَعلم الْحَرْف والرمل والنجوم والزيج وفنون الطِّبّ
وَكَانَ يقْضى بِمَعْرِِفَة جَمِيع الْعُلُوم وَصَارَ
(2/147)

الطَّهَارَة فَلَا يحدث حَدثا إِلَّا تَوَضَّأ مَعَ مَا فِيهِ من محبَّة الفكاهة والمزاح واستحسان النادرة ومشيه بَين الْعَوام وَالْوُقُوف على من يلْعَب فِي نوع من أَنْوَاع اللعب لينْظر إِلَيْهِم وَلم يتَزَوَّج وَكَانَ يعاب بالتزيي بزي الْعَجم من طول الشَّارِب وَعدم السِّوَاك وَقد تَرْجمهُ الْحَافِظ ابْن حجر فِي أنبائه وَذكر حَاصِل مَا تقدم وَقَالَ انه لَازمه من سنة 790 إِلَى أَن مَاتَ وَأَنه كَانَ يُسمى صَاحب التَّرْجَمَة إمام الْأَئِمَّة قَالَ المقريزي وَقد تخرج بِهِ فِي الْأُصُول والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْحكمَة خلائق من المصريين والغرباء وطار اسْمه وانتشر ذكره فِي الأقطار وقصده النَّاس من الشرق والغرب وَلم يخلق فِي فنونه بعده مثله وَمَات فِي الْعشْرين من ربيع الآخر سنة 819 تسع عشرَة وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علي بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَهَاء المشهدي القاهري الأزهري

ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثاني عشر صفر سنة 811 إِحْدَى عشرَة وثمان مائَة بِالْقربِ من الْأَزْهَر وَأخذ عَن جمَاعَة كالولى العراقى والجلال البلقيني وَابْن الجزيري وأبي الْفضل المغربي والكافياجي وَابْن حجر ودرس بمواضع وصنف شرحا لمختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي وشرحا لجامع المختصرات وعلق على الْمِنْهَاج الفرعي فَوَائِد وَعمل جُزْءا فِي التسلية عَن موت الْأَوْلَاد وشرحا على البخاري متلقطا من الشُّرُوح فِي مجلدين وَمَات فِي يَوْم السبت عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 889 تسع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
(2/149)

مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن جَعْفَر بن يحيى بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر ابْن يُوسُف ابْن علي بن صَالح بن إِبْرَاهِيم الْبَدْر

المخزومي السكندري المالكي وَيعرف بِابْن الدماميني ولد سنة 763 ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بإسكندرية وَسمع بهَا من الْبَهَاء بن الدماميني وَآخَرين وبالقاهرة من السراج بن الملقن وَغَيره وبمكة من النويري واشتغل بِبَلَدِهِ على علمائها فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وشارك فِي الْفِقْه ودرس فِي الْإسْكَنْدَريَّة بعدة مدارس وناب فِي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ وبالقاهرة وتصدر بالجامع الْأَزْهَر لإقراء النَّحْو وَدخل دمشق وَعين فِي أَيَّام الْمُؤَيد لقَضَاء الْمَالِكِيَّة فَرمى بقوادح وَدخل بِلَاد الْيمن فدرس بِجَامِع زبيد بَحر سنة وَلم يرج لَهُ بهَا أَمر فَركب الْبَحْر إِلَى الْهِنْد فَأقبل عَلَيْهِ أَهلهَا كثيرا وَأخذُوا عَنهُ وعظموه وَحصل دنيا عريضة فَلم يلبث أن مَاتَ
وَكَانَ أحد الكملة فِي فنون الْأَدَب أقر لَهُ الأدباء بالتقدم فِيهِ وبإجادة النظم والنثر وَله مصنفات مِنْهَا نزُول الْغَيْث انتقد فِيهِ على الصفدي فِي أَمَاكِن من شرح الْغَيْث على لامية الْعَجم وَمَا أحسن مِنْهَا هَذِه التَّسْمِيَة وأجود مَا فِيهَا من التورية وصنف حَاشِيَة على المغني سَمَّاهَا تحفة الْغَرِيب وصنف حَاشِيَة أُخْرَى على المغنى
إحد الحاشيتين هندية وَالْأُخْرَى يمنية وَقد تعقب الشمني فِي ذَلِك عقبا كثيرا وَشرح البخاري فِي مُجَلد غالبه فِي إعراب الْأَلْفَاظ
وَله شرح على التسهيل والخزرحية
وَله جَوَاهِر النحور فِي الْعرُوض وَشَرحه والفواكه البدرية من نظمه ومختصر حَيَاة الْحَيَوَان للدميري وَغير ذَلِك وَمَات فِي شعْبَان سنة 827 سبع وَعشْرين وثمان
(2/150)

مائَة بِالْهِنْدِ وَله نظم جيد سَائِر مَشْهُور فَمِنْهُ
(قلت لَهُ والدجى مول ... وَنحن بالأنس فِي التلاقي)
(قد عطس الصُّبْح يَا حَبِيبِي ... فَلَا تشمتنه بالفراق)
وَمن نظمه
(يَا عذولي فِي مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا)
(كم يهز الْعَطف مِنْهُ طَربا ... عِنْدَمَا يسمع مِنْهُ وترا)
وَمن شعره
(لاما عذاريك هما أوقعا ... قلب الْمُحب الصب فِي الْحِين)
(فجدله بالوصل واسمح بِهِ ... ففيك قد هام بلامين)
وَمِنْه
(الله أكبر يَا محراب طرته ... كم ذَا تصلي بِنَار الْحبّ من صابي)
(وَكم أَقمت بأحشائي حروب هوى ... فمنك قلبي مفتون بمحراب)
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَبى الْقَاسِم الهمداني ثمَّ الدمشقي الْمَعْرُوف بالسكاكيني

ولد سنة 635 خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَطلب الحَدِيث وتأدب وَسمع وَهُوَ شَاب من جمَاعَة وَقعد فِي صناعَة السكاكين عِنْد شيخ رَافِضِي فأفسد عقيدته فَأخذ عَن جمَاعَة من الإمامية وَله نظم وفضائل ورد على الْعَفِيف التلمساني فِي الاتحاد وَأقَام بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة عِنْد أميرها وَلم يحفظ عَنهُ سب للصحابة بل لَهُ نظم فِي فضائلهم إلا أَنه كَانَ كَمَا قَالَ ابْن حجر يناظر على الْقدر وينكر الْجَبْر وَعِنْده تعبد وسعة رزق قَالَ ابْن تَيْمِية هُوَ مِمَّن يتسنن بِهِ الشيعي ويتشيع بِهِ السني وَقَالَ الذهبي كَانَ حُلْو المجالسة
(2/151)

ذكيا عَالما فِيهِ اعتزال وينطوي على دين وإسلام وَتعبد سمعنَا مِنْهُ وَيُقَال أنه رَجَعَ فِي آخر عمره وَنسخ صَحِيح البخاري قَالَ ابْن حجر وَوجد بعد مَوته بِمدَّة بِخَط يشبه خطه كتاب سَمَّاهُ الطرائف فِي معرفَة الطوائف يتَضَمَّن الطعْن على دين الْإِسْلَام وَأورد فِيهِ أحاديث مشكلة وَتكلم على متونها بِكَلَام عَارِف بِمَا يَقُول إِلَّا أَن وضع الْكتاب يدل على زندقة مِنْهُ وَقَالَ فِي آخِره وَكتبه مُصَنفه عبد الحميد بن دَاوُد المصري وَهَذَا الاسم لَا وجود لَهُ وَشهد جمَاعَة من أهل دمشق أَنه خطه وَأَخذه تقي الدَّين السبكي عِنْده وقطعه فِي اللَّيْل وغسله بِالْمَاءِ وَنسب إِلَيْهِ عماد الدَّين بن كَبِير الأبيات
( ... أيا معشر الْإِسْلَام ذمِّي دينكُمْ)
وَقد أجَاب عَلَيْهَا ابْن تَيْمِية كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَمَات فِي صفر سنة 821 إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة
قلت وَمُجَرَّد كَون الْخط يشبه خطه فِي ذَلِك الْكتاب لَا يحل الْجَزْم بِأَنَّهُ مُصَنفه لاحْتِمَال أن الْخط غير خطه وعَلى فرض أنه خطه فقد يكون الْوَاضِع لَهُ غَيره وَكتبه بِخَطِّهِ وَلَا ريب أَن لكثير من غلاة الرافضة أَشْيَاء من هَذَا الْجِنْس
وَمن ذَلِك كتاب النُّصْرَة المنسوبة إِلَى رجل يَهُودِيّ ذكر فِي أوائلها أَنه أَرَادَ أَن يسلم فَرَأى اخْتِلَاف أهل الْإِسْلَام فِي التَّشَيُّع والتسنن فتوقف عَن الْإِسْلَام وَأخذ كتبا من كتب الحَدِيث فَنظر فِيهَا ثمَّ أظهر فِي مبادئ أمره الانتصار للشيعة ومطمح نظره غير ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ ينْقل الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَوْجُودَة فِي الامهات الَّتِى فِيهَا تعَارض فِي الظَّاهِر فيوسع دَائِرَة الْإِشْكَال ويأتي بمسالك عَارِف بمدارك الاستدلال ويتغاضى عَن الْجمع والتأويل وَيُصَرح بِمَا يُفِيد الطعْن فِي الشَّرِيعَة موهما لجهلة الشِّيعَة أَنه بصدد نصرتهم
(2/152)

والطعن فِي كتب خصومهم فَمن نظر إِلَيْهِ بِعَين التَّحْقِيق وجده طَعنا على الشَّرِيعَة وثلبا لِلْإِسْلَامِ وتشكيكا فِي الدَّين وواضعه لَا شك أَنه بعض متزندقة الرافضة
وَمن الْغَرِيب أَنه صَار يتداوله جمَاعَة من جهلة الشِّيعَة فِي هَذِه الْأَزْمِنَة فإنالله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الحيمي الكوكباني القاضي الأديب

كَانَ قَاضِيا بكوكبان وَله نظم منسجم فَمِنْهُ القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(نعم هَذِه أنفاس عرف الصِّبَا النجدي ... سرت فطوت من أرضها شقة الْبعد)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(نسمَة اهدت لقلبى نفسا ... حِين زارتني وَمَرَّتْ غلسا)
وَله شعر كثير وَقد ترْجم لَهُ صَاحب نسمَة السحر
وَحكى عَنهُ أَنه أخبرهُ فِي شَوَّال سنة 1111 أَنه كَانَ بشبام رجل يتظاهر بعشق أمْرَأَة وَهُوَ مَشْهُور بالشطارة والإقدام وَكَانَ لَا يزَال يجْتَمع بهَا وَلَا تقدر أن تمْتَنع مِنْهُ لشدَّة بطشه مَتى أرادها وَاتفقَ أَنه كَانَ فِي أَيَّام الْحَصاد يحرس زرعا لَهُ فِي بَيت لَهُ لطيف بِظَاهِر شبام وَقد خلا بِتِلْكَ الْمَرْأَة بِاللَّيْلِ وَهُوَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان الْمَشْهُورَة بِالْبركَةِ فَلَمَّا هدأت الْعُيُون سمع أهل شبام صَوتا يشبه صَوت الصاعقة قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة وَأَنا مِنْهُم فَفَزعَ النَّاس وخافوا خوفا شَدِيدا وصعدوا السطوح وَإِذا الحرس يتبادرون إِلَى بَيت ذَلِك الرجل وهم يَقُولُونَ إنه انقض كَوْكَب عَظِيم وَله صَوت عَظِيم ماسمع بِمثلِهِ إِلَى بَيته فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ وجدوا الْبَيْت قد صَار كوم تُرَاب وَالرجل فِيهِ وهم لَا يعلمُونَ بمبيت الْمَرْأَة مَعَه قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فأرسلوا إِلَيّ لأحضر على الْحفر عَنهُ وَكنت قَاضِيا فَحَفَرُوا عَنهُ إِلَى الصَّباح حَتَّى ظهر لَهُم وَهُوَ
(2/153)

على تِلْكَ الْمَرْأَة فِي الْفَاحِشَة وَقد صَارا حممة فأخرجا ودفنا وَكَانَ عِبْرَة
قَالَ صَاحب نسمَة السحر أَيْضا انه حَدثهُ المترجم لَهُ أَن رجلا اسْمه احْمَد بن صَلَاح الغفاري الْفَقِيه من سكان قلعة شهارة مرض وأغمى عَلَيْهِ وأيس مِنْهُ أَهله ووجهوه إِلَى الْقبْلَة وَقعد ويقرأون الْقُرْآن حوله وَاتفقَ أَن مِسْكينا جَاءَ إِلَى بَابه فأعطته زَوجته حبا فِي طبق ثمَّ بعد مَا مضى السَّائِل أفاق ذَلِك الْمَرِيض وَطلب مَأْكُولا وكلمهم وَقَالَ بَيْنَمَا أنا فِي شدَّة لَا أعقل إذ دخل عَلَيْهِ من الْبَاب شخص كالجزار مشمر عَن سَاقيه وذراعيه وَبِيَدِهِ سكين عَظِيمَة فَأخْرج من نطاقه مسنا وَجعل يسن السكين ثمَّ يقدم إِلَى لذبحي وَقعد فَوق صدري وَأَنا شاخص إِلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِك اذ انْفَلق السّقف وَنزل من شخصان أبيضان فِي غَايَة الوسامة وَطيب الرَّائِحَة وبيد أَحدهمَا طبق فِيهِ حب فكفاه عَن قَتْلَى وساراه بشئ وأشارا إِلَى الطَّبَق وفهمت مِنْهُمَا أن الله زَاد فِي عمرى بركَة الصَّدَقَة فَرد السكين وَقَالا اذْهَبْ إِلَى فلَان جَار لي ثمَّ صعد إِلَى السقف الذي تدلى مِنْهُ وَخرج ذَلِك الشَّخْص فَسمع الصُّرَاخ فِي دَار جَاره انْتهى وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة 1115 خمس عشرَة وَإِحْدَى عشر مائَة
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله الظفري ثمَّ الصنعاني

ولد بعد سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف فَأخذ عَن أَبِيه وَعَن شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَعَن آخرين وبرع فِي الْعُلُوم الإلهية وشارك فِي غَيرهَا وَله فهم جيد وَإِدْرَاك قوي وسمت حسن وعقل رصين وَبعد موت وَالِده اشْتغل بِالسَّفرِ كل عَام إِلَى بَلْدَة أصاب والبقاء هُنَالك بعض
(2/154)

السنة لتَحْصِيل غلات أَمْوَال
وَهُوَ مِمَّن يعْمل بِاجْتِهَادِهِ ويتقيد بنصوص الْأَدِلَّة وَلَا يعول على غير ذَلِك
وَأَخُوهُ السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن كَانَ أحد أَعْيَان الطّلبَة أَخذ عَنى فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَكَانَ فِي غَايَة السّكُون وَنِهَايَة الْعقل مَعَ فهم مُسْتَقِيم وإقبال على الطلب وَلكنهَا اخترمته الْمنية فِي سن الشَّبَاب فَمَاتَ فِي سنة 1212 اثنتي عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف
ووالد المترجم لَهُ من أكَابِر الْعلمَاء المبرزين فِي عدَّة فنون وَقد درس للطلبة بِصَنْعَاء فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وانتفع بِهِ كثير مِنْهُم
ثمَّ بعد ذَلِك ولاه الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بِلَاد ذي جبلة فَشرط لنَفسِهِ أَن تكون مُبَاشَرَته على قانون الشَّرْع بِدُونِ جري على الْأَعْرَاف فساعده الإِمَام فباشر ذَلِك مُبَاشرَة حَسَنَة على القانون الشَّرْعِيّ بِحَيْثُ لم يسمع فِي الْأَعْصَار الْأَخِيرَة بِمثل هَذِه الْولَايَة وَكَانَ يعْتَرض على القاضي فِي ذي جبلة لكَونه أعلم مِنْهُ بدرجات وَهُوَ كَانَ يسْتَحق إفراده بترجمة ولكني اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَتوفى فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1203 ألف وَمِائَتَيْنِ وَثَلَاث
مُحَمَّد بن حسن السماوي

ولد بعد سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف بسماة من بِلَاد عتمة وارتحل إِلَى ذمار لطلب الْعلم فَقَرَأَ هُنَالك علم الْفِقْه واستفاد فِيهِ ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء فَقَرَأَ على جمَاعَة من علمائها مِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إِبْرَاهِيم بن عَامر فِي الصّرْف والنحو وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد فِي الْفُرُوع وَقَرَأَ علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالْفِقْه
(2/155)

واستفاد فِي غَالب هَذِه الْفُنُون ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد خبان لتدريس طلبة الْعلم بهَا وَهُوَ الْآن هُنَالك ثمَّ صارأحد القصاة بخبان
مُحَمَّد بن حسن بن علي بن عُثْمَان الشَّمْس النواجى

نِسْبَة إِلَى نواجى بِضَم النُّون ثمَّ الْجِيم ثمَّ القاهري الشافعي الشَّاعِر الْمَشْهُور ولد بِالْقَاهِرَةِ بعد سنة 785 خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَأخذ عَن البرماوي والعز بن جمَاعَة والْحَدِيث عَن الولي العراقي وَابْن حجر وَدخل دمياط والإسكندرية وأمعن النظر فِي عُلُوم الْأَدَب حَتَّى فاق أهل عصره وَكتب حَاشِيَة على التَّوْضِيح فِي مجلدة وَبَعض حَاشِيَة على الجاربردي وشرحا للخزرجية فِي الْعرُوض وكتابا يشْتَمل على قصائد مطولات كلهَا غزل والشفاء فِي بديع الِاكْتِفَاء وخلع العذار فِي وصف العذار
وروضة المجالسة فِي بديع المجانسة ومراتع الغزلان فِي وصف الحسان من الغلمان وحلبة الْكُمَيْت فِي وصف الْخمر
وحصلت لَهُ محنة بِسَبَب ذَلِك وعقود اللآل فِي الموحشات والأزجال
وَالْأُصُول الجامعة لحكم حُرُوف المضارعة والمطالع البهية فِي المدائح النَّبَوِيَّة
وصنف كتابا سَمَّاهُ الْحجَّة فِي سرقات ابْن حجَّة
تكلف فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف وَتعرض لنظمه ونثره ونال مِنْهُ فَوق مَا ينبغي وَلذَلِك جوزي بِمَا صنعه بعض أهل الْأَدَب مَعَه فَإِنَّهُ صنف كتابا سَمَّاهُ قبح الأهاجى فِي النواجى وأوصله إِلَيْهِ بطرق طريفة فَإِنَّهُ أَمر بِدَفْعِهِ إِلَى دلال بسوق الْكتب وَهُوَ جَالس على عَادَته عِنْد بعض التُّجَّار فدار بِهِ الدَّلال على أَرْبَاب الحوانيت حَتَّى وصل إِلَى النواجي فَأَخذه وتأمله وَعلم مضمونه ثمَّ أعاده إِلَى الدَّلال فاسترجعه صَاحبه من الدَّلال فكاد النواجي يهْلك وَقد اشْتهر ذكر
(2/156)

صَاحب التَّرْجَمَة وَبعد صيته وَقَالَ الشّعْر الْفَائِق وَلَوْلَا كَثْرَة تلونه لَكَانَ فَضله كلمة إجماع وَمَات فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة 859 تسع وَخمسين وثمان مائَة وَمن نظمه فِي الْحَافِظ ابْن حجر
(أيا قاضى الْقُضَاة وَمن نداه ... يُؤثر بالأحاديث الصِّحَاح)
(وحقك مَا قصدت حماك إلا ... لآخذ عَنْك أَخْبَار السماح)
(فأروي عَن يَديك حَدِيث وهب ... وَأسْندَ عَن عطا بن أَبى رَبَاح)
وَمن نظمه
(يَا من حَدِيث غرامي فِي محبتهم ... مسلسل وفؤادي مِنْهُ مَعْلُول)
(رَوَت جفونكم اني قتلت بهَا ... فياله خَبرا يرويهِ مَكْحُول)
وَمِنْه
(إِذا شهِدت محاسنه بأنى ... سلوت وَذَاكَ شئ لَا يكون)
(أَقُول حَدِيث جفنك فِيهِ ضعف ... يرويهِ وعطفك فِيهِ لين)
مُحَمَّد بن الْحسن بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُسلم كمحمد بن محيي

بِضَم الْمِيم وَفتح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن العليف بِضَم الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا المالكي الشافعي وَيعرف بِابْن العليف ولد سنة 742 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِبِلَاد حاي بن يَعْقُوب وَتردد إِلَى مَكَّة غير مرة سمع بهَا فِي بعض قدماته على الْعِزّ بن جمَاعَة وَقَالَ الشّعْر فمهر فِيهِ ونظم الْكثير وَانْقطع لى الشريف حسن بن عجلَان ومدحه بقصائد كَثِيرَة وَقدم إِلَى الإِمَام النَّاصِر صَلَاح الدَّين مُحَمَّد بن علي إِلَى الْيمن فمدحه بقصائد
مِنْهَا القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى يَقُول فِيهَا
(جادك الْغَيْث من طلول بوالي ... كبروج من النُّجُوم خوالي)
(2/157)

(فقدت بيض أُنْسُهَا فتساوى ... بيض أَيَّامهَا وسود الليلى)
وَمِنْهَا فِي الْمَدْح
(وَترى الأَرْض أذيهم بمغزى ... هى فِي رعدة وفى زلزالي)
قَالَ السخاوي يحْكى أنه لما فرغ مِنْهَا قَالَ لَهُ الإِمَام أحسنت لَا كَمَا قَالَ الْفَاسِق أَبُو نواس
(صدح الديك الصدوح ... فاسقني طَابَ الصبوح)
فَقَالَ للْإِمَام مَا يقنعني هَذَا إنما أُرِيد مِنْك أَن يحكم لي بأني أشعر من المتنبي فَقَالَ الإِمَام لَيْسَ هَذَا إِلَى هَذَا إِلَى السَّيِّد مطهر صَاحب الفص فَإِنَّهُ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي عُلُوم الْأَدَب ومعرفتها فَقَامَ إِلَيْهِ وَعرض عَلَيْهِ ذَلِك بِإِشَارَة الإِمَام فَقَالَ لَهُ هَذَا المتنبي يَقُول فِي صباه
(أبلى الْهوى أسفا يَوْم النَّوَى بدني)
ثمَّ قَالَ لَهُ يَا هَذَا إن للمتنبي ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ مثلا يتَمَثَّل بهَا الْخَلِيفَة فَمن دونه وَأَمْثَاله لَا اعْتِرَاض فِيهَا لأحد فائتنا أَنْت بِثَلَاثَة أَمْثَال لم يسْبق إِلَيْهَا فَقَامَ من عِنْده وَرجع إِلَى الإِمَام وَقَالَ لَهُ إن السَّيِّد لَهُ إلمام بالأدب ولي بِهِ إلمام فحسدني وَلم يقْض لى بشئ فَقَالَ لَهُ الإِمَام لَا يفضلك أحد على المتنبي بعده وَلَكِن أَقُول لَك يَا مُحَمَّد لَو نطقت فِي أذن حمَار لصهل
وَكَانَ معجبا بِشعرِهِ متغالياً فِي استحسانه بِحَيْثُ يفضله على شعر المتنبي فيستهجن لذَلِك وَمن مدحه فِي الإِمَام الْمَذْكُور
(يَا وَجه آل مُحَمَّد فِي وقته ... لم يبْق بعْدك مِنْهُ إلا قفا)
(لَو كَانَت الْأَبْرَار آل مُحَمَّد ... كتب الْعُلُوم لَكُنْت مِنْهَا مُصحفا)
(أَو كَانَت الأسباط آل مُحَمَّد ... يَا ابْن الرَّسُول لَكُنْت مِنْهُم يوسفا)
(2/158)

وَتوفى لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع رَجَب سنة 815 خمس عشرَة وثمان مائَة بِمَكَّة
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1010 عشر وَألف وَهُوَ الرئيس الْكَبِير والأمير الخطير ربي فِي حجر الْخلَافَة وترقى فِي الكمالات حَتَّى بلغ مِنْهَا الْغَايَة وَقَرَأَ على جمَاعَة كالقاضي أَحْمد بن يحيى حَابِس والقاضي صديق بن رسام وَلما مَاتَ وَالِده فِي تَارِيخ مَوته الْمُتَقَدّم فِي تَرْجَمته وَبلغ الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم أمره بالنفوذ إِلَى بِلَاد ضوران وَمَا زَالَ مترددا فِي الديار اليمنية وَسكن فِي آخر مدَّته مدينتي أَب وذي جبلة وَكثر جَيْشه وعظمت ولَايَته وَصَارَ غَالب الْجِهَات اليمنية تَحت ولَايَته لَا ينفذ فِيهَا أَمر لغيره وَهُوَ يمتثل أَمر الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه تدينا وانقيادا
لَا قهرا وَلما مَاتَ الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه دَعَا صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الرضي من آل مُحَمَّد فَلَمَّا بلغته دَعْوَة عَمه المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم انْقَادَ وأطاع وَبَايع وولاه الإِمَام المتَوَكل على الله جَمِيع الْيمن الْأَسْفَل وَهُوَ مُشْتَمل على مدن كَثِيرَة ومواد المملكة فِي الْغَالِب مِنْهُ وَمَا زَالَ أمره فِي ازدياد وسعادته فِي ظُهُور وَأمره فِي نمو إِلَى أن مَاتَ وَكَانَ يَجْعَل شطر إقامته بِالْيمن والشطر الآخر بِصَنْعَاء وَالرَّوْضَة وَقَرَأَ فِي هَذِه الْمدَّة تذكرة النحوي على مُحَمَّد بن صَلَاح السلامي والفقيه أَحْمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ الْفُصُول اللؤلؤية على القاضي إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي وَفِي سنة 1079 طلع من الْيمن إِلَى صنعاء وَاجْتمعَ بِالْإِمَامِ المتَوَكل على الله ثمَّ بدأ بِهِ الْمَرَض قيل وَهُوَ ذَات الْجنب فَمَاتَ بدرب السلاطين من الرَّوْضَة فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثامن شهر ربيع الأول سنة 1079 تسع وَسبعين وَألف وَأقر الإِمَام ولَايَة الْبِلَاد الَّتِى
(2/159)

كَانَت تَحت يَده بيد ولديه السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد فَمَاتَ يحيى عقب موت وَالِده فبقى بيد إِسْمَاعِيل جِهَة العدين فَتوجه إِلَيْهَا فَمَرض عِنْد وُصُوله إِلَيْهَا وَمَات بهَا وَقد رثى صَاحب التَّرْجَمَة جمَاعَة من شعراء عصره وَمن جملَة من رثاه وَلَده إِسْمَاعِيل بقصيدة مطْلعهَا
(هَل أقَال الْمَوْت ذَا حذره ... سَاعَة عِنْد انْتِهَاء عمره) ورثاه الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الهندي بقصيدة مطْلعهَا
(قضى الفخار فَلَا عين وَلَا أثر ... واحلولك الْخطب لَا شمس وَلَا قمر) وَله مؤلف سَمَّاهُ سَبِيل الرشاد إِلَى معرفَة رب الْعباد فِي علم الْكَلَام وَشرح الْمرقاة تأليف جده الإِمَام الْقَاسِم وَله جَوَاب مَبْسُوط فِي حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتي
على شيخ أَحْمد بن مطير كَذَا قَالَ فِي مطلع البدور
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن الْمَعْرُوف بالمحتسب

ولد تَقْرِيبًا سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء ولازم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالبنوس واستفاد فِي الْعُلُوم الآلية وشارك فِي علم السنة مُشَاركَة قَوِيَّة وَعمل بالأدلة وَلم يُقَلّد أحدا وَهُوَ بمَكَان عَظِيم من حسن الْخلق والتودد واطراح الدَّعَاوَى الَّتِى يتَعَلَّق بهَا كثير من أهل الْعلم وَله اتِّصَال بمولانا الإِمَام المتَوَكل وبأولاده وَهُوَ صَالح سَاكن متواضع صَادِق اللهجة قوي الدَّين وَله قِرَاءَة علي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
(2/160)

السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الحوثي ثمَّ الصنعاني

ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير وَالْقَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَغَيرهمَا وَصَارَ أحد عُلَمَاء صنعاء المفيدين ودرس فِي فنون وَكَانَ مائلا إِلَى الْعَمَل بالأدلة مطرحا للتقليد حسن الْأَخْلَاق متواضعا متعففا ممتع المحاضرة وَله مبَاحث علمية جَيِّدَة ونظم كنظم الْعلمَاء كتب إِلَى قصيدة مُشْتَمِلَة على مدح لَا اسْتَحَقَّه مطْلعهَا
(يثير الشوق تذكار المغاني ... ويذكي ناره الْبَرْق اليماني)
فأجبت بقصيدة مطْلعهَا
(عُقُود مانظمت من الجمان ... أم الصَّهْبَاء أرقت من الدنان)
(أم الرَّوْض الأريض أم ابتسام ... لثغر الزهر أم زهر الْمعَانى)
والقصيدتان موجودتان فِي مجموعي وَمن أحسن مَا يحْكى عَنهُ أَنى لما ابْتليت بِالْقضَاءِ كتب الشُّعَرَاء إِلَى تهانئ وَهُوَ كتب إِلَى بتعزية فِي أَبْيَات حَسَنَة وَذكر فِيهَا عجائب فَوَقع لذَلِك عندي موقع عَظِيم وَلَعَلَّ مَوته رَحمَه الله كَانَ فِي سنة 1211 إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف
مُحَمَّد بن حُسَيْن دلامة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة الذماري ثمَّ الصنعاني

ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بذمار فَقَرَأَ فِيهَا علم الْفُرُوع واشتغل بالأدب فَقَالَ الشّعْر الْحسن ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء وَاسْتمرّ بهَا وَكَانَ يمدح أكابرها الْخَلِيفَة فَمن دونه وشعره كثير سَائِر وتأتي لَهُ فِيهِ معاني بديعة وَكَانَ حسن المحاضرة رَقِيق الْحَاشِيَة وَكثير الْميل إِلَى الصُّور الحسان مَعَ عفة ونزاهة بِحَيْثُ أَنه قد ناهز السِّتين وَهُوَ كالشباب
(2/161)

فِي الغرام وكابن الثَّمَانِينَ فِي الْهَرم وَضعف البنية ويغلب على الظَّن أَنه مَاتَ عشقا فَإِنَّهُ كَانَ قبل مَوته يهيم بِبَعْض الملاح ثمَّ أخبرنَا من كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ فِي مرض مَوته بأوصاف لذَلِك الْمَرَض يقوي مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم
وَكَانَ قَلِيل ذَات الْيَد ضيق الْعَيْش صَابِرًا على مكابدة الْحَاجة وَكنت أتعجب من تسلط الغرام عَلَيْهِ مَعَ ضعف الْبدن وَكَثْرَة الْأَمْرَاض ومزيد الْفقر وعلو السن وَهُوَ لَا يكره نِسْبَة مَا ذكرته إِلَيْهِ فإني كنت أمازحه قبل تَحْرِير هَذِه التراجم بِزِيَادَة على خمس سِنِين أَنى سأكتب لَهُ تَرْجَمَة أذكر فِيهَا ماصار فِيهِ من مكابدة غرام بعد غرام وهيام عقب هيام فَكَانَ يَأْذَن بذلك وَلَو علمت أَنه يكرههُ مَا ذكرته لأني صنت هَذَا الْكتاب عَن ذكر المعايب وطهرته عَن نشر المثالب لَا كَمَا يَفْعَله كثير من المترجمين من الاستكثار من ذَلِك فَإِن الْغَيْبَة قبيحة إِذا كَانَت بفلتات اللِّسَان الَّتِى لَا تحفظ وَلَا يبْقى أَثَرهَا بل تنسى فِي ساعتها فَكيف بهَا إِذا حررت بالأقلام وَبقيت أعواما وَلَا سِيمَا إِذا لم يتَعَلَّق بهَا غَرَض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِنَّهَا من حصايد الْأَلْسِنَة الَّتِى تكب صَاحبهَا على منخره فِي نَار جَهَنَّم نسْأَل الله السَّلامَة
وَمن نظمه رَحمَه الله مَا كتبه إِلَى خَليفَة الْعَصْر حفظه الله عِنْد إن ولانى الْقَضَاء وهى هَذِه الأبيات وَذكر آخرهَا تَارِيخ ذَلِك
(قل للْإِمَام أدام الله دولته ... مَا دَار نجم على الْآفَاق أَو أَفلا)
(لقد رميت فَمَا أَخْطَأت منتقدا ... عين الْإِصَابَة فِي الْأَعْلَام والنبلا)
(لما رَأَيْت وُلَاة الحكم قد قصرت ... عين الْكَمَال الذي يرضى بِهِ الكملا)
(اخْتَرْت عز المعالى للعلا علما ... هَذَا لعمري هُوَ الرأي المنيف علا)
(طوقت جيد زمَان أنت مَالِكه ... طوقا من الدر استحلى بِهِ فحلا)
(2/162)

(لله مَوْلَاهُ مَا أولاه من حلل ... وحلة الْعلم وَالتَّقوى أجل حلا)
(أقسمت مَا فِي الورى شخص يماثله ... من ذَا يماثل بدر التم إذ كملا)
(إن خَاضَ بَحر عُلُوم خَاضَ مُنْفَردا ... فِي لج بَحر رست فِي لجة النبلا)
(أوخاض فِي لجة الْآدَاب فَهُوَ لَهَا ... مَا الأصمعي وَمَا المرداس وَابْن جلا)
(لَا يصدر الحكم إلا عَن مشورة ... كَيْمَا يكون غَدا فِي حزب من عدلا)
(فَمن توليه فاستوليه متكلا ... بِهِ على الله وأعزل كل من عزلا)
(فقد أراك إله الْعَرْش خير فَتى ... فاسمع لما قَالَ وانجز كل مَا فعلا)
(فَذَاك آكِد من ترجو النجَاة بِهِ ... مِمَّن يقلده لَا تختشى الزللا)
(وَعَامة النَّاس لَا يرضون من كملت ... فِيهِ الصِّفَات فَلَا تعبأ بِمن جهلا)
(فاسمح بِعَين ترى التَّارِيخ مُشْتَمِلًا ... مُحَمَّد بن عَليّ أكمل الكملا)
1209
- وَمَات رَحمَه الله فِي سنة 1209 عَام إنشائه لهَذَا النظم وَله ولد من أَعْيَان عُلَمَاء الْفُرُوع المشاركين فِي غَيرهَا وَهُوَ حُسَيْن بن مُحَمَّد نَشأ بذمار وَقَرَأَ الْفُرُوع على أَهلهَا كالقاضي سعيد بن حسن العنسي وَغَيره ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء وَقَرَأَ على جمَاعَة من علمائها وَقَرَأَ علي فِي سنَن أبي دَاوُد وَهُوَ الْآن بَاقٍ فِي صنعاء وَله همة علية وَنَفس شريفة وطباع ظريفة ومناقب
(2/163)

منيفة وَلَعَلَّ مولده فِي سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير
مُحَمَّد بن حُسَيْن المرهبي الشرفي ثمَّ الجبلي

بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْبَاء نِسْبَة إِلَى ذي جبلة من مَدَائِن الْيمن الاسفل الشَّاعِر البليغ وَالْكَاتِب الْمجِيد كَانَ كَاتبا للسَّيِّد الْأَمِير علي بن المتَوَكل وَله فِيهِ غرر المدائح وَمن محَاسِن شعره قَوْله
(ذَات الْحَلَاوَة حلوة الثغر ... هجرت وَمَا طبعت على الهجر)
(بَيْضَاء لَو أهدت ذؤابتها ... لِليْل فل صَفَائِح الْفجْر)
(هيفاء تَحت نطاقها كفل ... ملْء الْإِزَار كَأَنَّهُ وزري)
وهي قصيدة كلهَا غرر وَمن قصائده الطنانة القصيدة الَّتِى مدح بهَا مخدومه الْأَمِير الْمُتَقَدّم ومطلعها
(أما آن أَن ترقى الدُّمُوع السواجم ... وتهدأ هاتيك الْقُلُوب الحوائم)
وَمن رسائله الدَّالَّة على اطِّلَاعه على الْعُلُوم مَا كتبه إِلَى السَّيِّد الْحسن ابْن مطهر الجرموزى فَقَالَ
مَوْلَانَا السَّيِّد الإِمَام أبقاه الله مرشدا إِلَى الْأَقْوَال الشارحة مُعَرفا للحجة الْوَاضِحَة مجددا للأوضاع الْحكمِيَّة مقررا للقوانين النظرية باحثا فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية نَاظرا فِي أوضاعها التصورية والتصديقية ملزوما للإسعاد معروضا للعناية والإزدياد قَابلا للألطاف الإلهية قبُول الْجِسْم للأبعاد ثمَّ أَطَالَ الْخطاب موجها بأنواع من الْفُنُون وملمحا إِلَى وقائع مَشْهُورَة على نمط رِسَالَة ابْن زيدون الجدية قَالَ صَاحب نسمَة السحر انه سمع السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن حسن الْمُتَقَدّم ذكره يَقُول إن
(2/164)

صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ قل أَن يسلم لأحد فضلا وَلما مَاتَ مخدومه الْمُتَقَدّم تعكست أَحْوَاله وَكَثُرت شكايته ثمَّ توجه إِلَى الْحَج سنة 1113 ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف فَمَاتَ فِي الطرق بِبَعْض نواحي تهَامَة وشعره مَشْهُور عِنْد أهل الْيمن
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد بِصَنْعَاء فِي صفر سنة 1062 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان عُلَمَاء عصره وَمن الواردين إِلَى الْيمن كالشيخ صَالح النجراني الطَّبِيب وأتقن عَلَيْهِ علم الطِّبّ وَمن مشايخه مُحَمَّد بن صَالح الْحَكِيم الآتي
(2/165)

ذكره وَله مؤلفات مِنْهَا الرسَالَة الكلامية وشعره حسن فَمِنْهُ الأبيات الَّتِى مطْلعهَا
(غُصْن نقا فِي الْقُلُوب يَنْعَطِف ... يُثمر بَدْرًا بقله هيف)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(نعم نفحة من حاجر نفحة الْمسك ... وأوصل مكوي الحشا شادن التّرْك)
وَله شعر كثير وَلَيْسَ بالشهير وَقد تَرْجمهُ صَاحب نسمَة السحر وَلم يذكر تَارِيخ وَفَاته لِأَنَّهُ من معاصريه
مُحَمَّد بن حَمْزَة الدمشقي ثمَّ الرومي الْمَعْرُوف بِابْن شمس الدَّين

الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه ولد بِدِمَشْق ثمَّ ارتحل مَعَ وَالِده إِلَى الروم وَقَرَأَ على علمائها حَتَّى صَار مدرسا بِبَعْض مدارسها ثمَّ مَال إِلَى التصوف فخدم الْحَاج بيرام ثمَّ خدم الشَّيْخ زين الدَّين الخافي رَحل إِلَيْهِ إِلَى حلب ثمَّ عَاد إِلَى خدمَة الشَّيْخ الأول فَحصل عِنْده الطَّرِيقَة وَصَارَ مَعَ كَونه طَبِيبا للقلوب طَبِيبا للأبدان فَإِنَّهُ اشْتهر أَن الشجر كَانَت تناديه وَتقول أَنا شِفَاء من الْمَرَض الفلاني ثمَّ اشتهرت بركته وَظهر فَضله حَتَّى إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان سُلْطَان الروم لما أَرَادَ فتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة دَعَاهُ للْجِهَاد فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة للسُّلْطَان سيدخل الْمُسلمُونَ القلعة فِي يَوْم كَذَا فجَاء ذَلِك الْوَقْت الَّذِي عينه لفتح القلعة فَحصل مَعَ بعض أَصْحَابه فزع شَدِيد من السُّلْطَان على الشَّيْخ إِذا لم يَصح الْخَبَر فَذهب إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال فَوَجَدَهُ فِي خيمته سَاجِدا على التُّرَاب مَكْشُوف الرَّأْس وَهُوَ يتَضَرَّع ويبكي فَرفع رَأسه وَقَامَ على
(2/166)

رجلَيْهِ وَكبر وَقَالَ الْحَمد لله منحنا فتح القلعة قَالَ الراوي فَنَظَرت إِلَى القلعة فَإِذا الْعَسْكَر قد دخلُوا بأجمعهم ففرح السُّلْطَان بذلك وَقَالَ لَيْسَ فرحي لفتح القلعة إنما فرحي بِوُجُود مثل هَذَا الرجل فِي زمني
ثمَّ بعد يَوْم جَاءَ السُّلْطَان إِلَى خيمة صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ مُضْطَجع فَلم يقم لَهُ فَقبل السُّلْطَان يَده وَقَالَ لَهُ جئْتُك لحَاجَة قَالَ وَمَا هي قَالَ أن أدخل الْخلْوَة عنْدك فَأبى فأبرم عَلَيْهِ السُّلْطَان مرَارًا وَهُوَ يَقُول لَا فَغَضب السُّلْطَان وَقَالَ إنه يَأْتِي إليك وَاحِد من الأتراك فتدخله الْخلْوَة بِكَلِمَة وَاحِدَة وَأَنا تأبى علي فَقَالَ الشَّيْخ إِنَّك إِذا دخلت الْخلْوَة تَجِد لَذَّة تسْقط عِنْدهَا السلطنة من عَيْنَيْك فتختل أمورها فيمقت الله علينا ذَلِك وَالْغَرَض من الْخلْوَة تَحْصِيل الْعَدَالَة فَعَلَيْك أَن تفعل كَذَا وَكَذَا وَذكر لَهُ شَيْئا من النصائح ثمَّ أرسل إِلَيْهِ ألف دِينَار فَلم يقبل وَلما خرج السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ لبَعض من مَعَه مَا قَامَ الشَّيْخ لي فَقَالَ لَهُ لَعَلَّه شَاهد فِيك من الزهو بِسَبَب هَذَا الْفَتْح الَّذِي لم يَتَيَسَّر مثله للسلاطين الْعِظَام فَأَرَادَ بذلك أَن يدْفع عَنْك بعض الزهو ثمَّ إن السُّلْطَان دَعَا صَاحب التَّرْجَمَة فِي الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل فخاف عَلَيْهِ أَصْحَابه فَذهب إِلَيْهِ فَلَمَّا وصل تبادر الْأُمَرَاء يقبلُونَ يَده وَجَاء السُّلْطَان يلقاه وَاللَّيْل مظلم فعانقه بِالْقَلْبِ لَا بالبصر فعانقه الشَّيْخ وضمه إِلَيْهِ ضما شَدِيدا حَتَّى ارتعد وَكَاد يسْقط من الهيبة وتحدث السُّلْطَان بعد ذَلِك أَنه كَانَ فِي قلبه شئ فِي حق الشَّيْخ فَلَمَّا ضمه زَالَ ذَلِك ثمَّ إن الشَّيْخ جلس مَعَ السُّلْطَان فِي خيمته إِلَى أَن صلى بِهِ الْفجْر وَالسُّلْطَان جَالس أَمَامه على ركبته يسمع الأوراد فَلَمَّا أتمهَا التمس مِنْهُ السُّلْطَان أن يعين قبر أَبى أَيُّوب لِأَنَّهُ كَانَ يرى فِي التواريخ أَن قَبره قريب سور قسطنطينية فَذهب الشَّيْخ
(2/167)

إِلَى هُنَالك وَقَالَ لعلي أَجِدهُ فَعَاد وَقَالَ التقيت أَنا وروح أَبى أَيُّوب وهنأني بِالْفَتْح وَقَالَ شكر الله سعيكم حَيْثُ خلصتموني من ظلمَة الْكفْر فَقَالَ السُّلْطَان إني أصدقك وَلَكِن ألتمس مِنْك أَن تعين عَلامَة أراها بعيني ويطمئن قلبي فَقَالَ الشَّيْخ احفروا هَذَا الْموضع وستجدون بعد أَن تحفروا ذراعين رخاما عَلَيْهِ خط فَلَمَّا حفروا مِقْدَار ذراعين ظهر الرخام عَلَيْهِ خطّ فقرأه من يعرفهُ فَإِذا هُوَ قبر أَبى أَيُّوب فتحير السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَغلب الْحَال عَلَيْهِ حَتَّى كَاد يسْقط لَوْلَا أَن أَخَذُوهُ ثمَّ أَمر بِبِنَاء قبَّة على الْقَبْر وَلما عَاد لقي رجلا من أجلاف بِلَاد الروم وَتَحْته فرس نَفِيس يمِيل إِلَيْهِ كل قلب وَذهب الرجل وَلم يلْتَفت إِلَى الشَّيْخ وَلم يسلم عَلَيْهِ فَلم يذهب إِلَّا قَلِيلا حَتَّى رَجَعَ وَنزل عَن فرسه وَدفعه إِلَى الرجل وَركب فرس الرجل فَسَأَلَ الشَّيْخ بعض أَصْحَابه عَن ذَلِك فَقَالَ لوكان لرجل عبد وَكَانَ فِي طَاعَته واستدعى مِنْهُ يَوْمًا شَيْئا حَقِيرًا هَل يمعنه فَقَالُوا لَا فَقَالَ وَأَنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة لم أخرج عَن طَاعَة الله فَلَمَّا مَال قلبي إِلَى هَذَا الْفرس الْهم الله ذَلِك الرجل حَتَّى وهبه لي
وَله رَحمَه الله مصنفات مِنْهَا رِسَالَة فِي التصويف ورسالة أُخْرَى فِي دفع مطاعن الصُّوفِيَّة ورسالة فِي علم الطِّبّ وَكَانَ لَهُ ابْن صَغِير ولد مجذوبا فأنفق أنه دخل عِنْد وَالِده أَمِير يُقَال لَهُ ابْن قطار وَكَانَ أطلس لَا شعر بِوَجْهِهِ فَقَالَ ابْن الشَّيْخ لمارآه مَا هَذَا رجل هَذِه امْرَأَة فَغَضب عَلَيْهِ وَالِده فَقَالَ الْأَمِير للشَّيْخ أَنه يَدعه وَلَا يزجره عَن الْكَلَام وتضرع إِلَى الشَّيْخ ثمَّ قَالَ الْأَمِير للْوَلَد الْمَذْكُور ادْع لي أَن ينْبت لحيتي فَأخذ المجذوب من فَمه بصاقا كثيرا وَمسح بِيَدِهِ وَجه الْأَمِير فطلعت لحيته فَلَمَّا دخل الْأَمِير
(2/168)

على السُّلْطَان قَالَ للوزراء اسألوه من أَيْن حصلت لَهُ هَذِه اللِّحْيَة فَحكى لَهُ مَا جرى فَوقف على ذَلِك الصَّغِير أوقافا وَصَاحب التَّرْجَمَة كَمَا عرفت فِي زمن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقد ذكرنَا تَارِيخ دولته
مُحَمَّد بن خلفه

بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام وَبعدهَا فَاء الأبي بِضَم الْهمزَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من تونس التونسي قَرَأَ على ابْن عَرَفَة وَغَيره وَكَانَ عَالما محققا أَخذ عَنهُ جمَاعَة وَوَصفه ابْن حجر بِأَنَّهُ عَالم الْمغرب بالمعقول وَأَنه سكن تونس وَله شرح مُسلم الذي سَمَّاهُ إكمال إكمال الْمعلم فِي شرح مُسلم الذي جمع فِيهِ بَين المازري وعياض والقرطبي وَالنَّوَوِيّ مَعَ زيادات من كَلَام شَيْخه ابْن عَرَفَة فِي ثَلَاث مجلدات ويحكى عَنهُ من سَلامَة الْفطْرَة مَا يُخرجهُ إِلَى حد الْغَفْلَة مَعَ مزِيد تقدمه فِي الْعُلُوم وَمَات سنة 827 سبع وَعشْرين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن خَلِيل بن يُوسُف بن علي بن أَحْمد بن عبد الله الْمُحب أَبُو حَامِد الرملي المقدسي الشافعي

نزيل الْقَاهِرَة وَهُوَ بكنيته أشهر وَرُبمَا قيل لَهُ ابْن الموقت لِأَن أَبَاهُ كَانَ مولد ولد فِي آخر رَمَضَان سنة 819 تسع عشر وثمان وَمِائَة وَقيل سنة 817 بالرملة وَحفظ كثيرا من المختصرات وَأخذ عَن الشهَاب ابْن رسْلَان ولازمه وتدرب بِهِ وَأخذ عَنهُ الْكثير من مصنفاته وَغَيرهَا وَعَن الْعِزّ عبد السَّلَام القدسي والنويري وَغَيرهم ثمَّ ارتحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الْحَافِظ بن حجر والمناوي وَجَمَاعَة كالشمني والزركشي والزين رضوَان وَحج فَأخذ عَن مشائخ الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَمَكَّة ودرس بمواطن وناب فِي
(2/169)

الْقَضَاء عَن جمَاعَة وصنف شرحا للمنهاج والبهجة وَجمع الْجَوَامِع وَغير ذَلِك وانتقصه السخاوي وَبَالغ فِي ذَلِك على عَادَته المألوفة فِي أكَابِر أقرانه وَمَات فِي شهر صفر سنة 888 ثَمَان وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن الدمدمكي

قَالَ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع هُوَ شخص عَابِد فِي مغارة بجبل قريب من إقليم شرْوَان وَعَلِيهِ مَا يستره من الثِّيَاب وَفَوق رَأسه قلنسوة تغطي عَيْنَيْهِ وَالنَّاس يدْخلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا لرُؤْيَته فَإِذا قربوا مِنْهُ وصلوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حرك رَأسه
وَيَزْعُم من يرد علينا من هُنَالك أن خَبره لشهرته قَطْعِيّ وَأَنه مَاتَ فِي حُدُود سنة 836 وَأَنه بَاقٍ إِلَى تَارِيخ سنة 834 على مَا وَصفنَا
ذكره المقريزي فِي عقوده هَكَذَا بل نقل عَن بَعضهم أَنه مَاتَ من مُدَّة تزيد على أربعمائة سنة وَهُوَ جَالس على كَيْفيَّة التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة مُسْتَقْبل الْقبْلَة فِي مغارة إِلَى آخر مَا قيل
وَأَن السَّبَب فِي هَذَا أَن شَيْخه أعلمهُ بِدُخُول الْوَقْت ليؤذن فَقَالَ لَهُ بل أصبر سَاعَة فكرر عَلَيْهِ أمره وَهُوَ يُعِيد مَا قَالَه فَقَالَ لَهُ شَيْخه مَا أنت إلا دمدمكي أَي ساعاتي فَقَالَ لَهُ فضع رجلك على قدمي الْيُمْنَى وَانْظُر نَحْو السَّمَاء فَفعل فَرَأى بَابا مَفْتُوحًا إِلَيْهَا وَرَأى ديكا قد فرش أجنحته وَهُوَ يُؤذن فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة فإني لَا أؤذن فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة إلا بعد هَذَا الديك فَقَالَ لَهُ شَيْخه مرزا أَي لَا ابلاك الله أَو لاتبلى فاستجيب دَعَاهُ فَلِذَا لم يبل
وَهَذِه الْحِكَايَة تؤذن بِأَن الدمدكي وَصفه لَا وصف أَبِيه
وَمن جملَة مَا قيل أَن تيمورلنك دَفنه فِي التُّرَاب فَأرْسل عَلَيْهِ مطر عَظِيم وَبرد أهلك من عسكره خلقا بِحَيْثُ صَار يتمرغ بِالْأَرْضِ وَيَقُول التَّوْبَة يَا شيخ مُحَمَّد وَالله أعلم انْتهى
(2/170)

مَا ذكره السخاوى
مُحَمَّد بن ذانيال بن يُوسُف الموصلي الْحَكِيم شمس الدَّين الكحال

الْفَاضِل الأديب الشَّاعِر الْمَشْهُور السالك طَريقَة ابْن حجاج لَهُ أشياء مخترعة وَله تصانيف مِنْهَا الْكتاب الْمُسَمّى طيف الخيال وَله أرجوزة سَمَّاهَا عُقُود النظام فِيمَن ولي مصر من الْحُكَّام وَله نَوَادِر مضحكة مِنْهَا أَن خَصيا من خدم الْأَمِير خرج إِلَى نزهة مَعَ شخص من اتِّبَاع الْأَمِير يُقَال الحليق فبحث الْأَمِير عَنْهُمَا إِلَى ان وجدهما فأحضرهما وَأَرَادَ معاقبتهما فَنَهَضَ بن ذانيال فَقَالَ للأمير احْلق ذقن هَذَا القواد وَأَشَارَ للحليق وأخص هَذَا الْخَادِم وَأَشَارَ إِلَى الخصى فَضَحِك الْأَمِير وَسكن غَضَبه
وَمن ذَلِك أَنه أعطاه الْأَشْرَف فرسا يركبه إِذا طلع القلعة للْخدمَة فَرَآهُ على حمَار أعرج فاستدعاه وَسَأَلَهُ فَقَالَ يَا خوند بِعْت الْفرس وزدت عَلَيْهِ واشتريت هَذَا الْحمار فَضَحِك مِنْهُ
وَمن نظمه السائر قَوْله
(قد عقلنا وَالْعقل أي وثاق ... وصبرنا وَالصَّبْر مر المذاق)
(كل من كَانَ فَاضلا كَانَ مثلى ... فَاضلا عِنْد قسْمَة الأرزاق)
وَمن نظمه
(يَا سائلي عَن ضيعتي فِي الورى ... وصنعتي فيهم وإفلاس)
(مَا حَال من دِرْهَم إنفاقه ... يَأْخُذهُ من أعين النَّاس) وَمَات فِي ثاني عشر جُمَادَى الآخر سنة 710 عشر وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن سعيد بن مَسْعُود الرومي الحنفي

ولد فِي سنة 788 ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة كَمَا قَالَ الأسيوطي وَأخذ عَن الخافي وآخرين وَأكْثر من قِرَاءَة الكافية لِابْنِ الْحَاجِب وأقرائها حَتَّى
(2/171)

نسب إِلَيْهَا بِزِيَادَة جِيم كماهى قَاعِدَة التّرْك فِي النّسَب وَدخل إِلَى بِلَاد الْعَجم والتتر وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ ابْن فرشته الْمُتَقَدّم ذكره دخل الْقُدس ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها وَظَهَرت كمالاته وَأَقْبل عَلَيْهِ الْفُضَلَاء ودرس وَأفْتى وصنف وخضعت لَهُ الرِّجَال وذلت لَهُ الْأَعْنَاق وَصَارَ إِلَى صيت عَظِيم وجلالة وشاع ذكره وانتشر تلامذته وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَتَقَدَّمت طلبته فِي حَيَاته وصاروا أَعْيَان الْوَقْت وتزاحموا عِنْده
قَالَ السخاوي وزادت تصانيفه على الْمِائَة وغالبها صَغِير وَمن محاسنها شرح الْقَوَاعِد الْكُبْرَى لِابْنِ هِشَام وَقَالَ وَله شرح كلمتي الشَّهَادَة والأسماء الْحسنى
ومختصر فِي علم الْأَثر
والمختصر الْمُفِيد فِي علم التَّارِيخ
وَشرح فِي محاكمات بَين الْمُتَكَلِّمين على الْكَشَّاف
وَله حَاشِيَة عَلَيْهِ مُسْتَقلَّة وحاشية على شرح الْهِدَايَة
وتلخيص الْجَامِع الْكَبِير وَالْجمع وَكَذَا كتب على تَفْسِير البيضاوى والمطول والمواقف وَشرح الجغميني فِي الْهَيْئَة قَالَ الأسيوطي وَكَانَ إماماً كَبِيرا فِي المعقولات كلهَا الْكَلَام وَالْأُصُول والنحو والتصريف والمعاني وَالْبَيَان والجدل والفلسفة والهيئة بِحَيْثُ لَا يشق غباره فِي شئ من هَذِه الْعُلُوم
وَله الْيَد الْحَسَنَة فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَالنَّظَر فِي عُلُوم الحَدِيث
وَأما تصانيفه فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَلَا تحصى بِحَيْثُ إني سَأَلته أن يُسمى لي جَمِيعهَا لأكتبها فِي تَرْجَمته فَقَالَ لي لَا أقدر على ذَلِك قَالَ ولى مؤلفات كَثِيرَة نسيتهَا فَلَا أعرف الْآن اسمائها انْتهى وَقد عظمه الْمُلُوك خُصُوصا ملك الروم ابْن عُثْمَان فَإِنَّهُ لَا يزَال يكاتبه ويهدي إِلَيْهِ الْهَدَايَا السّنيَّة وَمَات يَوْم الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة 899 تسع وَتِسْعين وثمان مائَة بِمصْر
قَالَ السيوطي أَنه لَازمه أَربع عشرَة سنة وَمَا جَاءَهُ مرة
(2/172)

إِلَّا وَسمع من التحقيقات والعجائب مالم يسمع قبل ذَلِك قَالَ قَالَ لي يَوْمًا مَا إعراب زيد قَائِم فَقلت قد صرنا مقَام الصغار نسئل عَن هَذَا فَقَالَ لَهُ فِي زيد قَائِم مائَة وَثَلَاثَة عشر بحثا فَقلت لَا أقوم من هَذَا الْمجْلس حَتَّى استفيدها فَأخْرج لى تذكرتها فكتبتها مِنْهُ
مُحَمَّد بن شهَاب بن مَحْمُود بن يُوسُف بن الْحسن العجمعى الخافي

بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء الحنفي نزيل سَمَرْقَنْد ولد فِي ربيع الأول سنة 777 سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بِمَدِينَة سلومد بِفَتْح الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَكسر الْمِيم وَآخره مُهْملَة وهي كرسي خواف وَقَرَأَ بهَا على عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد البخاري والسراج البرهاني وَأخذ عَن آخَرين فِي أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة وَمِنْهُم السَّيِّد الشريف الجرجاني وَسمع مِنْهُ من تصانيفه شَرحه للمفتاح والمواقف ولتذكرة الطوسي وحاشيته على شرح الْمطَالع وَبَعض الْكَشَّاف والبيضاوي وَغير ذَلِك وَمن شُيُوخه ركن الدَّين الطوسي وَسمع الحَدِيث على ابْن الجزري وَله مصنفات مِنْهَا فِي الْعَرَبيَّة نَحْو ثَلَاثَة كراريس عمله فِي لَيْلَة وَاحِدَة لم يُرَاجع فِيهَا كتاباً وَآخر مثله فِي الْمنطق عمله فِي يَوْم أَو أقل وحاشية لشرح الْمِفْتَاح للتفتازاني وحاشية للعضد وحاشية للمنهاج الأصلى وللطوالع وغالبها لم يتم وَقد حج واستدعاه الظَّاهِر جقمق وَكَانَ عَالما متقنا محققا بحرا فِي جَمِيع الْعُلُوم يكَاد يستحضر الْكَشَّاف وَكَذَا غَيره من المعقولات
أجمع الْأَعَاجِم على أنهم لم يرَوا احفظ مِنْهُ مَعَ حسن التَّصَرُّف والفصاحة وجودة الذِّهْن وَقُوَّة الْفَهم
ويحكى أَنه اضافه النَّاصِر بن الظَّاهِر وَجمع الْعلمَاء فَمَا تكلم مَعَ أحد مِنْهُم إلا فِي الْفَنّ الذي يذكر بِهِ وَلم يبد سؤالا إنما كَانَ يسئل فيتكلم فعد ذَلِك من انصافه قيل انه مَاتَ فِي سنة 852 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة
(2/173)

مُحَمَّد بن صَالح الجيلاني الفارسي ثمَّ الْيُمْنَى

نَشأ بِبِلَاد الْعَجم وَأخذ علم الطِّبّ عَن أَهلهَا ثمَّ ارتحل إِلَى الْهِنْد فِي أَيَّام السُّلْطَان أبي الْحسن قطب شاه ملك الدكن فنال هُنَالك دنيا عريضة وطار ذكره ثمَّ توجه لِلْحَجِّ فَركب الْبَحْر وَمَعَهُ ذخائر وَكتب نفيسة فانكسر الْمركب وَلم يخرج إلا بِنَفسِهِ وَأقَام بِمَكَّة زَمَانا ثمَّ ركب الْبَحْر أَيْضا يُرِيد بِلَاد الْهِنْد فاجتاز بِالْيمن والخليفة فِيهَا الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الْقَاسِم فَلَمَّا تحقق فَضله فِي الطِّبّ استدعاه إِلَى حَضرته وَأحسن إِلَيْهِ ورغبه فِي السّكُون بِالْيمن فَرغب وأجرى لَهُ النَّفَقَات الواسعة ونال من آل الإِمَام الْقَاسِم الرغائب وانتفع بِهِ النَّاس وطار صيته واشتهر ذكره وَلم يدْخل الْيمن فِيمَا أظن أعرف مِنْهُ بالطب وَلم يزل ذكره مَشْهُورا فِي النَّاس إِلَى الْآن يحكون عَنهُ غرائب فِي الطِّبّ تتحير لَهَا الأذهان وتطرب لسماعها الآذان
وَمِمَّا يحْكى عَنهُ مَا ذكره صَاحب نسمَة السحر فِي تَرْجَمته قَالَ سَمِعت أَن بعض نسَاء الْأَغْنِيَاء كَانَت حَامِلا فَلَمَّا أثقلت أصبحت فِي بعض الْأَيَّام ميتَة لَا حراك بهَا وَلم يكن ظهر بهَا مرض فاستدعى أَهلهَا جمَاعَة من الْأَطِبَّاء فقضوا بموتها فَجْأَة فَلم تطب نفس أَهلهَا دون أن ينظر إِلَيْهَا صَاحب التَّرْجَمَة فَلَمَّا رَآهَا قَالَ لوالدها إن أعطيتني مائَة قِرْش رَأَيْتهَا السَّاعَة فِي عَافِيَة فالتزم لَهُ بذلك فجس فؤادها ثمَّ اخْرُج إبرة مَعَه فَجعل ينقش بهَا على فواءدها بِرِفْق فَقَامَتْ فِي عَافِيَة فسر بذلك أهلها ثمَّ سَأَلُوهُ عَن سَبَب الْعلَّة فَقَالَ إن الْجَنِين قبض بِيَدِهِ على الشريان الذي ينفذ فِيهِ النَّفس من الرئة فَلَمَّا أحس بالإبرة ارسل يَده فَذهب الْمَانِع
لكني رَأَيْت هَذِه الْوَاقِعَة بِعَينهَا فِي
(2/174)

كتاب الشقائق النعمانية وَذكر مُؤَلفه انها اتّفقت للحكيم يَعْقُوب الإسرائيلي مَعَ بعض نسَاء الروم وَيجوز وُقُوعهَا لَهما جَمِيعًا
قَالَ صَاحب النَّسمَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ والدى فِي الطِّبّ وَكَانَ رسمه ان يجِئ إِلَيْهِ فَيَأْخُذ مِنْهُ أُجْرَة الْمَشْي كل يَوْم ربع قِرْش لِئَلَّا ينْفق حركاته فِي غير نفع على رأي الْحُكَمَاء
وَسَأَلَهُ القاضي مُحَمَّد بن الْحسن الحيمي أن يفِيدهُ الطِّبّ فَقَالَ أَنا آخذ من مَوْلَانَا يحيى بن الْحُسَيْن كل يَوْم ربع قِرْش وأروح إِلَيْهِ وَأَنت تجئ إِلَى وآخذ مِنْك كل يَوْم ثمن قِرْش
إلا أنه لم يكن يعالج الْفُقَرَاء احتسابا كَسنة بقراط فِي الْأَوَائِل وَابْن زهرَة وَصَاحب الحاوي وَغَيرهم فِي الْمُتَأَخِّرين ويحتج بِأَن الْمَوْت خير للْفُقَرَاء
وَكَانَ لَهُ معرفَة بأنواع من الْعلم كالمنطق والرياضي وَالصرْف والنحو وَالْأَدب وَله شعر أورد لَهُ صَاحب نسمَة السحر بَيْتَيْنِ فِي هجو علي أفندي كَاتب السَّيِّد علي بن الْمُؤَيد صَاحب صنعاء وهما
(على عَليّ أفندي ... لَا تأسفن وَلَا تَئِنُّ)
(الْعَن من أخبث من ... أنجس من أكذب من)
وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع بَيْتَيْنِ منسوبين إِلَيْهِ فَإِن صحت النِّسْبَة فَلَو لم يكن لَهُ إلا هما لَكَانَ من أشعر النَّاس وهما
(وَمَا الطِّبّ إلا علم ظن وشبهة ... وَلَيْسَ لأحكام الظنون ثُبُوت)
(إِذا كَانَ علم الطِّبّ يُنجى من الردى ... وَيحيى فَمَا بَال الطَّبِيب يَمُوت)
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن صَحَّ عَنهُ مِمَّا يتواصفه النَّاس من علاجاته فَهُوَ متفرد بِهَذَا الْفَنّ مُطلقًا فَإِنَّهُم يحكون من الغرائب مالم يحك مثله عَن القدماء وَصَارَ مثلا يضْرب فِي هَذَا الْفَنّ وَقد رَأَيْت مجموعا فِي الطِّبّ ذكر مُؤَلفه
(2/175)

أَنه جمع فِيهِ مجريات صَاحب التَّرْجَمَة
وَمن جملَة مَا ذكره فِيهِ أن أحسن الْأَدْوِيَة لأهل الْيمن مُطلقًا الأطر يقل الْأَصْغَر وَأَنه مُوَافق للْأَرْض وَالله اعْلَم وَمَات سنة 1088 ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وَلما مرض طلب بطيخا وَكَانَ يَقُول إن جَاءَ الْبِطِّيخ عَاشَ مُحَمَّد صَالح سنة فَمَا جَاءَ إِلَّا بعد مَوته
مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن احْمَد بن صَالح بن أبي الرِّجَال

قد تقدم تَمام نسبة فِي تَرْجَمَة جد أبيه وَهُوَ أحد أَعْيَان الْعَصْر وأوحد أدبائه ولد سنة 1146 سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان ذَلِك الْعَصْر وَمِنْهُم أَخُوهُ الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح الْمُتَقَدّم ذكره وَمهر فِي الْأَدَب فنظم الشّعْر الْفَائِق وَله يَد طولى فِي حفظ الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار والظرائف واللطائف والماجريات لَا يسمع شخصا يحْكى حِكَايَة من أي نوع كَانَت إلا وَجَاء بأمثالها
ومجالسته نزهة الْقُلُوب وروح الْأَرْوَاح وَفَاكِهَة الأذهان وَله فهم للنكت والدقائق فِي غَايَة الْجَوْدَة إِذا سُئِلَ عَن مُشكل من مشكلات الْأَدَب أفاد فِيهِ بِدُونِ كلفة
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ يتوقد ذكاء وفطنة وَحسن عشرَة وَمَكَارِم أَخْلَاق وعفة وصيانة وديانة وعلو همة ورياسة واطلاع تَامّ على علم اللُّغَة
وَكَثِيرًا مَا يَدعُوهُ مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر حفظه الله ويرغب إِلَى مُجَالَسَته ومحادثته وَقد سَمِعت من فَوَائده فِي مقَام مَوْلَانَا الإِمَام كثيرا ويجري بَيْننَا هُنَالك مذاكرات أدبية ومحاضرات تاريخية وَمن محاسنه أنه إِذا رأى مُنْكرا استشاط غيظا واضطرب والتهب مزاجه فإني فِي بعض الْأَيَّام رَأَيْته فِي موكب الْخَلِيفَة وَقد رأى رجلا يشتكي ويستغيث والخدم يطردونه ويكفونه عَن ذَلِك قبل أَن يسمع الْخَلِيفَة
(2/176)

شكايته فَغَضب صَاحب التَّرْجَمَة غَضبا زَائِدا وارتفع صَوته واضطرب حَتَّى كَاد يسْقط من ظهر مركوبه
وَمن رائق نظمه قَوْله
(كَأَنَّك حِين تغشى كل نكر ... وتخشى فِي ابْنة الْكَرم الجناحا)
(زُهَيْر حِين مر بِجمع قوم ... بهم هرم فَقَالَ عموا صباحا)
فِيهِ تلميح إِلَى الْقِصَّة الْمَشْهُورَة وهي أن زُهَيْر بن أبي سلمى كَانَ يمدح هرم بن سِنَان وَكَانَ قد حلف هرم أن لَا يمدحه زُهَيْر أَو يسلم عَلَيْهِ إِلَّا أعطاه وَلما كثر مِنْهُ ذَلِك احتشم زُهَيْر مِنْهُ وخجل من كَثْرَة عطائه فَكَانَ إِذا لقِيه لَا يسلم عَلَيْهِ وَإِذا مر بِقوم هُوَ فيهم حياهم بِتَحِيَّة الْعَرَب واستثناه فَيَقُول عموا صباحا عدا هرما وخيركم تركت
وَلما رأى صَاحب التَّرْجَمَة شخصا يعانى حفرغيل بجبل نقم المجاور لصنعاء من جِهَة الْمشرق يُرِيد زِيَادَة مائَة فَلم يزدْ على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْحفر فَقَالَ
(سَأَلُوا من جبل صلد الصَّفَا ... نَهرا يجري عَلَيْهِم فنهر)
(وتراءت عينه غامضة ... فقفوا فِي طلب الْعين الْأَثر
(نحتوا أحجارهم فأعجب لَهُم ... يشتهون المَاء من عين الْحجر)
أَشَارَ بِالْبَيْتِ الآخر إِلَى مثل يضْربهُ النَّاس إِذا رَأَوْا من يطْلب أمرا مستحيلا أوشاقا فَيَقُولُونَ يُرِيد كَذَا من عين الْحجر وَخرج مَوْلَانَا الإِمَام إِلَى الرَّوْضَة فِي بعض السنين فَلحقه صَاحب التَّرْجَمَة فَلم يسلم عَلَيْهِ إلا بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَكتب إِلَيْهِ
(مولاي رقك إن تَأَخّر ... فَهُوَ تالي من تقدم)
(إن فَازَ من جلى ... بصحبتكم بتكم فقد صلى وَسلم)
(2/177)