Advertisement

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 003



الكتاب: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)
الناشر: دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة حي نفع الله بِهِ ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله ثَالِث عشر رَمَضَان سنة 1224 أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
مُحَمَّد بن صَالح النهمي ثمَّ الصنعاني الْمَعْرُوف بالجرادي

بِالْجِيم وَالرَّاء وَالدَّال الْمُهْملَة ولد تَقْرِيبًا سنة 1170 سبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَكَانَ وَالِده شيخ مَشَايِخ القرآات السَّبع بِصَنْعَاء اسْتَفَادَ بِهِ طلبة هَذَا الشَّأْن ثمَّ تَلا وَلَده هَذَا عَلَيْهِ وعَلى الْفَقِيه القاري علي اليدومي بالسبع وأتقنها وتلا عَلَيْهِ جمَاعَة وَقَرَأَ فِي الْآلَات على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء فاستفاد فِيهَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من الطّلبَة وَقَرَأَ الْفِقْه أَيْضا على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن قَاسم المداني الْمُتَقَدّم ذكره وَغَيره وَقَرَأَ علي فِي الْبَحْر الزخار مَعَ جمَاعَة من الطّلبَة وَحصل بِخَطِّهِ الْحسن نُسْخَة مِنْهُ فِي غَايَة الْحسن وَهُوَ الْآن مشتغل ينفع من يَقْصِدهُ للتلاوة عَلَيْهِ والاستفادة نفع الله بِهِ
مُحَمَّد بن صَالح العصامي الصنعاني

ولد فِي سنة 1188 ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف
ثمَّ أَخذ عَن جمَاعَة من أهل الْعلم وَقَرَأَ علي فِي الحَدِيث وَالْأُصُول وَله ذهن وقاد وفكر منقاد وحافظة باهرة وفاهمة فِي الدقائق ماهرة واطلاع على التَّارِيخ فائق وَحفظ للأشعار رائق وَله يَد فِي الترسل قَوِيَّة وقريحة فِي النظم لَو ذعية وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَعْدُود فِي الْعلمَاء والأدباء وَهُوَ من لَا يمل جليسه وَلَا يسمح بمفارقته أنيسه وَله إِلَى مطارحة نظمية ونثرية لَا يقدر عَلَيْهَا سواهُ من أَمْثَاله وَلَا من فَوْقهم وهي مودوعة فِي مَجْمُوع أشعاري ومكاتباتي وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي
(2/178)

عنفوان الشَّبَاب وَأَيَّام الحداثة وَقد تدرب حَتَّى قوي إدراكه فِي علم الْآلَات وَالْكَلَام بِحَيْثُ ينبهر مِنْهُ عِنْد المذاكرة كثير من أكَابِر الْعلمَاء جمل الله بِوُجُودِهِ وَكثر فِي النَّاس من أَمْثَاله
وَمن جملَة مَا كتبه إِلَى فِي طي رِسَالَة فائقة قَوْله
(فَلَا عدمت مِنْك المعالي جمَالهَا ... فروض رباها فِي بقائك مونق)
(وَلَا فقدت مِنْك الليالي ثمالها ... فغيث نداك الجم فِيهِنَّ مغدق)
(وَلَا فقد الْمِحْرَاب مِنْك أنيسه ... فلأ لاؤه من نور وَجهك مشرق)
(وَلَا فقدت مِنْك المنابر زينها ... فأعوادها من وطئ رجلك تورق)
(وَلَا فقدت صنعاء مِنْك عميدها ... الذى جاهه سور عَلَيْهَا وَخَنْدَق)
(مفرج غماها وَكَاشف كربها ... إِذا الْقَوْم من صم الْحَوَادِث أطرقوا)
(ترى الْعين مِنْهُ وَاحِدًا وَهُوَ وَاحِد ... كمالا وَلَكِن بَين جَنْبَيْهِ فيلق)
(فَلم يران أعيى المفوه سَاكِت الْجَواب ... وَلَا الثرثارة المتفيهق)
(مَكَارِم يعيى مصقع عَن أقلهَا ... ويحصر منطيق ويفحم مغلق)
(هُوَ الشَّمْس إشراقا أيجهل مغرب ... بموضعه مِنْهُ وَيجْعَل مشرق)
وَهَذَا مِمَّا يستعظم من أكَابِر الشُّعَرَاء الْمُتَقَدّمَة عصورهم فَكيف مِنْهُ وَمِمَّا كتبه إِلَى قَوْله
(يَا أَيهَا الْبَدْر الْمُنِير ... وأيها الصَّدْر الْكَبِير)
(يَا خير من فخرت ... بطلعته المنابر والسرير)
(من لَا يضاهى حلمه ... الجبلان ثَوْر أَو ثبير)
(2/179)

(من لَا يساوي جوده ... بَحر وَلَا سحب غزير)
(من لَا يداني علمه ... أحد قديم اَوْ أخير) مُحَمَّد بن طقلقشاه الْهِنْدِيّ ملك الْهِنْد

أَخذ المملكة عَن أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ تركيا من مماليك صَاحب الْهِنْد فتنقل إِلَى أن ولي السلطنة واتسعت مَمْلَكَته جدا فَكَانَ مِنْهَا السَّنَد وَسَائِر أقطار الْهِنْد وَفتح فتوحات كَبِيرَة حَتَّى يُقَال إن جملَة مَا فتح تِسْعَة آلَاف قَرْيَة وَكَانَ جوادا متواضعا عَالما بِفقه الْحَنَفِيَّة مشاركا فِي الْحِكْمَة وَمن محبته للْعلم أَنه أهْدى لَهُ شخص عجمي الشِّفَاء لِابْنِ سيناء بِخَط ياقوت الحموي فِي مُجَلد وَاحِد فَأَجَازَهُ بِمَال عَظِيم يُقَال بِأَن قدره مِائَتَا ألف مِثْقَال اَوْ أَكثر
وَورد كِتَابه على النَّاصِر صَاحب مصر فِي مقلمة ذهب زنتها ألفا مِثْقَال مرصعة بجوهر قوم بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار
وجهز إِلَيْهِ مرة مركبا قد أمْلى من التفاصيل الْهِنْدِيَّة الفاخرة الفائقة وَأَرْبَعَة عشر حَقًا قد ملئت من فصوص الماس وَغير ذَلِك فاتفق أَن رسله اخْتلفُوا فَقتل بضعهم بَعْضًا فنمى ذَلِك إِلَى صَاحب الْيمن فَقتل البَاقِينَ بِمن قتلوا وَاسْتولى على الْهَدِيَّة فَبلغ النَّاصِر فَغَضب وَكَاتب صَاحب الْيمن فِي معنى ذَلِك وَجرى مَا يطول شَرحه وَكَانَ مَعَ سَعَة مَمْلَكَته عنينا لِأَنَّهُ كوي على صلبه وَهُوَ حدث لعِلَّة حصلت لَهُ وَيُقَال أن عساكره بلغت سِتّمائَة ألف وَأَنه كَانَ لَهُ ألف وَسَبْعمائة فيل وَفِي خدمته من الْأَطِبَّاء والحكماء وَالْعُلَمَاء والندماء عدد كثير لم يجْتَمع لغيره وَكَانَ يخْطب لَهُ على مَنَابِر بِلَاده سُلْطَان الْعَالم اسكندر الزَّمَان خَليفَة الله فِي أرضه وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة 752 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة
(2/180)

مُحَمَّد بن عبد الدايم بن مُوسَى بن عبد الدايم بن فَارس ابْن مُحَمَّد بن رَحْمَة بن إبراهيم الشَّمْس أَبُو عبد الله النعيمي الْعَسْقَلَانِي الأَصْل الْبرمَاوِيّ

ثمَّ القاهري الشافعي ولد فِي منتصف الْقعدَة سنة 763 ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل وَهُوَ شَاب وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة مِنْهُم الْبُرْهَان ابْن جمَاعَة ولازم الْبَدْر الزركشي وَحضر درس البلقيني وَابْن الملقن والعراقي ثمَّ توجه إِلَى دمشق وأقرأ الطّلبَة هُنَالك ودرس فِي مدارس ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وتصدى للإفتاء والتدريس والتصنيف وانتفع بِهِ النَّاس وطار صيته وَصَارَ طلبته رُؤَسَاء فِي حَيَاته ثمَّ حج وجاور وَنشر الْعلم هُنَالك وَتوجه إِلَى الْقُدس فدرس فِي بعض مدارسها
وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه وأصوله والعربية وَغير ذَلِك وَله تصانيف مِنْهَا شرح البخارى فِي أَربع مجلدات وَشرح الْعُمْدَة وَله ألفية فِي أصُول الْفِقْه وَشَرحهَا ومنظومة فِي الْفَرَائِض وَشرح لامية الْأَفْعَال لِابْنِ مَالك والبهجة الوردية وزوائد الشذور وَعمل مُخْتَصرا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة ولخص الْمُهِمَّات للأسنوي وَلم يزل قَائِما بنشر الْعلم تصنيفا وتدريسا حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْخَمِيس ثاني عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 831 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَقد انْتَشَر تلامذته فِي الْآفَاق وَمِنْهُم الْمحلى والمناوي والعبادي وطبقتهم ثمَّ طبقَة تليهم
السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن زيد بن المتَوَكل بن الْقَاسِم

ولد تَقْرِيبًا بَين السّبْعين والثمانين بعد الْمِائَة وَالْألف ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من أهل الْعلم وَأكْثر قِرَاءَته على السَّيِّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال فاستفاد فِي الْعُلُوم الآلية كلهَا فَائِدَة جليلة وَقَرَأَ أَيْضا فِي علم التَّفْسِير
(2/181)

وَالْفِقْه والْحَدِيث وَصَارَ الْآن من مَشَايِخ الْعلم بِصَنْعَاء وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطّلبَة وَأخذُوا عَنهُ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم واستفادوا بِهِ
وَهُوَ سَاكن متواضع قَانِع من الدُّنْيَا باليسير حسن الْأَخْلَاق قَلِيل الْخَوْض فِيمَا لَا يعنيه غير متعرض للمجادلة والمناظرة وَالْحَاصِل أنه فِي مَجْمُوعه قَلِيل النظير وَقد ترك مَا عَلَيْهِ آل الإِمَام وبقي فِي منزله فِي مَسْجِد حجر والطلبة يقصدونه إِلَى مَكَانَهُ وَإِلَى الْمَسْجِد الْمَذْكُور وكل أوقاته مستغرقة للتدريس للطلبة كثر الله فِي أهل هَذَا الْبَيْت الشريف من أَمْثَاله
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن احْمَد بن مُحَمَّد بن احْمَد بن مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن عوض بن عبد الْخَالِق بن عبد الْمُنعم بن يحيى ابْن مُوسَى بن الْحسن بن عِيسَى بن شعْبَان

ابْن دَاوُد بن مُحَمَّد بن نوح بن طَلْحَة بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصديق رضي الله عَنهُ الْجلَال أَبُو القباء البكري ثمَّ المصري ثمَّ القاهري الشافعي الْمَعْرُوف بالجلال البكري
ولد فِي ثاني صفر سنة 807 سبع وثمان وَمِائَة وَقَرَأَ على التقي بن عبد الباري وَالشَّمْس سبط ابْن اللبان والبرماوى والجلال البلقينى والحافظ بن حجر وبرع فِي الْفِقْه وشارك فِي الْأُصُول والعربية وَشرح الْمِنْهَاج الفرعي ومختصر التبريزي وَبَعض التدريب للبلقيني وَالرَّوْض لِابْنِ المقري وتنقيح اللّبَاب وَشرع فِي شرح البخاري وَتفرد فِي عصره بِحِفْظ فقه الشَّافِعِيَّة وَكَانَ يترفع على أهل عصره فِي هَذَا الْفَنّ لعدم وجود من يقارنه فِيهِ وَكَانَ يشافه جمَاعَة من الأكابر الدَّين يتقدمون عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة على الْجَنَائِز بِبُطْلَان صلَاتهم لظَنّه بِأَنَّهُ
(2/182)

أَحَق بذلك ودافع العبادي عَن الْجُلُوس فَوْقه فَترك الْعَبَّادِيّ جِهَته وَجلسَ فِي جهة أُخْرَى كَمَا أَن العبادي دَافع التقى الحصني فحبذه التقي وَجلسَ مَكَانَهُ فأعجب لمثل هَذِه الْأَفْعَال من أهل الْعلم وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الْخَمِيس منتصف ربيع الآخر سنة 891 إِحْدَى وَتِسْعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن احْمَد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْحسن بن علي بن إِبْرَاهِيم بن على بن احْمَد ابْن دلف ابْن أَبى دلف العجلي القزويني

جلال الدَّين مؤلف تَلْخِيص الْمِفْتَاح الذي شَرحه السعد بالمختصر والمطول وَشَرحه جمَاعَة من الْعلمَاء ولد سنة 666 سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَسكن الروم مَعَ وَالِده وأخيه واشتغل وتفقه حَتَّى ولي الْقَضَاء بالروم وَهُوَ دون الْعشْرين ثمَّ قدم دمشق وَسمع من جمَاعَة من أَهلهَا واشتغل فِي الْفُنُون وأتقن الْأُصُول والعربية والمعاني وَالْبَيَان وَكَانَ فهما ذكيا فصيحا مفوها حسن الْإِيرَاد جميل المعاشرة وَلما ولي أَخُوهُ قَضَاء دمشق نَاب عَنهُ ثمَّ عَن ابْن صصري ثمَّ طلبه النَّاصِر وشافهه بِقَضَاء الشَّام فِي سنة 724 وَكَانَ قدومه على النَّاصِر فِي يَوْم الْجُمُعَة فاتفق أَنه اجْتمع بالناصر سَاعَة وُصُوله فَأمره أَن يخْطب بِجَامِع القلعة فَفعل ثمَّ لما فرغ فَقبل يَد السُّلْطَان وَاعْتذر بِأَنَّهُ على أثر السفر وَلم يكن يظنّ أَن السُّلْطَان يَأْمُرهُ بالخطابة فشكره السُّلْطَان وَسَأَلَهُ كم عَلَيْهِ من الدَّين فَقَالَ ثَلَاثُونَ ألفا فَأمر بوفائها عَنهُ فاستقر فِي قَضَاء الشَّام حَتَّى استدعي فِي سنة 727 وَولى قَضَاء الديار المصرية وَكَانَ جوادا ممدحا كثير الْبر وَالْإِحْسَان وَعظم قدره فِي ولَايَته بالديار المصرية فَكَانَ السُّلْطَان لَا يرد لَهُ شَفَاعَة وَكَانَ أَوْلَاده يسرفون فِي الرِّشْوَة ومعاشرة
(2/183)

الْأَحْدَاث فَكَانَ ذَلِك سَبَب صرفه عَن قَضَاء الديار المصرية وَعَاد إِلَى قَضَاء الديار الشامية وَرفعت عَلَيْهِ قصَّة إِلَى السُّلْطَان وفيهَا أَنه يشرب الْخمر وَيفْعل وَيفْعل فاتهم السُّلْطَان بكتابتها جمَاعَة ثمَّ تأملها كَاتب السِّرّ فَوجدَ فِيهَا عَلَاء الدَّين الكونوي بِالْكَاف مَكَان الْقَاف فَعلم أَن كاتبها هندي ثمَّ فحصوا عَنهُ فوجدوه فَكَانَ سَاكِنا بِدِمَشْق وَوَقع بَينه وَبَين القَاضِي كَلَام فزور تِلْكَ الْقِصَّة كذبا فَأمر بتعزيره وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة منتصف جُمَادَى الأول سنة 739 تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد شمس الدَّين السخاوي الأَصْل القاهرى الشافعى

ولد فِي ربيع الأول سنة 831 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَحفظ كثيرا من المختصرات وَقَرَأَ على ابْن حضر وَالْجمال ابْن هِشَام الحنبلي وَصَالح البلقيني والشرف المناوي والشمني وَابْن الْهمام وَابْن حجر ولازمه وانتفع بِهِ وَتخرج بِهِ فِي الحَدِيث وَأَقْبل على هَذَا الشَّأْن بكليته وتدرب فِيهِ وَسمع العالي والنازل وَأخذ عَن مَشَايِخ عصره بِمصْر ونواحيها حَتَّى بلغُوا أَرْبَعمِائَة شيخ ثمَّ حج وَأخذ عَن مَشَايِخ مَكَّة وَالْمَدينَة ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه وارتحل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة والقدس والخليل ودمياط ودمشق وَسَائِر جِهَات الشَّام ومصر وبرع فِي هَذَا الشَّأْن وفَاق الأقران وَحفظ من الحَدِيث ماصار بِهِ متفردا عَن أهل عصره ثمَّ حج فِي سنة 870 هُوَ وَأَهله وَأَوْلَاده وجاور وانتفع بِهِ أهل الْحَرَمَيْنِ ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وأملى الحَدِيث على مَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر مشايخه ومشايخهم وانتفع النَّاس بِهِ ثمَّ حج مَرَّات وجاور مجاورات وَخرج لجَماعَة من شُيُوخه أَحَادِيث وَجمع كتابا فِي تراجم
(2/184)

شُيُوخه فِي ثَلَاث مجلدات
كَذَلِك والتذكرة فِي مجلدات وَتَخْرِيج أربعين النَّوَوِيّ فِي مُجَلد لطيف وتكملة تَخْرِيج ابْن حجر للأذكار وَتَخْرِيج أَحَادِيث العالين لأبى نعيم وَفتح المغيت بشرح ألفية الحَدِيث فِي مُجَلد ضخم وَشرح التَّقْرِيب للنووي فِي مُجَلد
وبلوغ الأمل فِي تَلْخِيص كتاب الدارقطنى فِي الْعِلَل وَشرح الشَّمَائِل للترمذي فِي مُجَلد وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي إيضاح شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد
كتب مِنْهُ الْيَسِير من أَوله وَله ذيل على تَارِيخ المقريزى فِي الحواداث من سنة خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة إِلَى رَأس الْقرن التَّاسِع فِي ارْبَعْ مجلدات والضوء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع فِي ارْبَعْ مجلدات
والذيل على تَارِيخ ابْن حجر لقضاة مصر فِي مُجَلد
والذيل على طَبَقَات الْقُرَّاء لِابْنِ الجزرى
والذيل على دوَل الْإِسْلَام للذهبى والوفيات لأهل الْقرن الثَّامِن وَالتَّاسِع فِي مجلدات سَمَّاهُ الشافي من الْأَلَم فِي وفيات الْأُمَم ومصنف فِي تَرْجَمَة النَّوَوِيّ
وَآخر فِي تَرْجَمَة ابْن هِشَام وَآخر فِي تَرْجَمَة الْعَضُد
وَآخر فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ بن حجر
وَآخر فِي تَرْجَمَة ابْن الْهمام
وَآخر فِي تَرْجَمَة نَفسه والتاريخ الْمُحِيط فِي عدَّة مجلدات وَالْقَوْل المنبي فِي ذم ابْن عَرَبِيّ فِي مُجَلد
وَقد أفرد عدَّة مسَائِل بالتصنيف وَقد ترْجم لنَفسِهِ تَرْجَمَة مُطَوَّلَة وَفِي مُصَنفه الضَّوْء اللامع وَعدد شُيُوخه مقرواته ومصنفاته وَمَا مدحه بِهِ جمَاعَة من شُيُوخه
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الْأَئِمَّة الأكابر حَتَّى قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ جَار الله بن فَهد فِيمَا كتبه عقب تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة لنَفسِهِ فِي الضَّوْء اللامع مانصه قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ جَار الله بن فَهد المكي إن شَيخنَا صَاحب التَّرْجَمَة حقيق بِمَا ذكره لنَفسِهِ من الْأَوْصَاف الْحَسَنَة وَلَقَد وَالله الْعَظِيم لم أر فِي الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين مثله
(2/185)

وَيعلم ذَلِك كل من اطلع على مؤلفاته أَو شَاهده وَهُوَ عَارِف بفنه منصف فِي تراجمه ورحم الله جدي حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمته إنه انْفَرد بفنه وطار اسْمه فِي الآفاق بِهِ وَكَثُرت مصنفاته فِيهِ وَفِي غَيره وَكثير مِنْهَا طَار شرقا وغربا شاما ويمنا وَلَا أعلم الْآن من يعرف عُلُوم الحَدِيث مثله وَلَا أَكثر تصنيفا وَلَا أحسن وَكَذَلِكَ أَخذهَا عَنهُ عُلَمَاء الْآفَاق من الْمَشَايِخ والطلبة والرفاق وَله الْيَد الطُّولى فِي الْمعرفَة بأسماء الرِّجَال وأحوال الروَاة وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِلَيْهِ يشار فِي ذَلِك وَلَقَد قَالَ بعض الْعلمَاء لم يَأْتِ بعد الْحَافِظ الذهبى مثله سلك هَذَا الْمسك وَبعده مَاتَ فن الحَدِيث وأسف النَّاس على فَقده وَلم يخلف بعده مثله
وَكَانَت وَفَاته فِي مجاورته الْأَخِيرَة بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فِي عصر يَوْم الْأَحَد سادس عشر شعْبَان سنة 902 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة انْتهى مَا ذكره ابْن فَهد وَلَو لم يكن لصَاحب التَّرْجَمَة من التصانيف إلا الضَّوْء اللامع لَكَانَ أعظم دَلِيل على إمامته فَإِنَّهُ ترْجم فِيهِ أهل الديار الإسلامية وسرد فِي تَرْجَمَة كل أحد محفوظاته ومقرواته وشيوخه ومصنفاته وأحواله ومولده ووفاته على نمط حسن وأسلوب لطيف ينبهر لَهُ من لَدَيْهِ معرفَة بِهَذَا الشَّأْن ويتعجب من احاطته بذلك وسعة دائرته فِي الِاطِّلَاع على أَحْوَال النَّاس فَإِنَّهُ قد لَا يعرف الرجل لَا سِيمَا فِي دِيَارنَا اليمنية جَمِيع مسموعات ابْنه أَو أَبِيه أَو أَخِيه فضلا عَن غير ذَلِك وَمن قرن هَذَا الْكتاب الذي جعله صَاحب التَّرْجَمَة لأهل الْقرن التَّاسِع بالدرر الكامنة لشيخه ابْن حجر فِي أهل الْمِائَة الثَّامِنَة عرف فضل مُصَنف صَاحب التَّرْجَمَة على مُصَنف شَيْخه بل وجد بَينهمَا من التَّفَاوُت مَا بَين الثرى والثريا وَلَعَلَّ الْعذر لِابْنِ
(2/186)

حجر فِي تَقْصِيره عَن تِلْمِيذه فِي هَذَا أَنه لم يَعش فِي الْمِائَة الثَّامِنَة الا سبع وَعشْرين سنة بِخِلَاف صَاحب التَّرْجَمَة فَإِنَّهُ عَاشَ فِي الْمِائَة التَّاسِعَة تسع وَسِتِّينَ سنة فَهُوَ مشَاهد لغالب أَهله وَابْن حجر لم يُشَاهد غَالب أهل الْقرن الثَّامِن ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة لم يتَقَيَّد فِي كِتَابه بِمن مَاتَ فِي الْقرن التَّاسِع بل ترْجم لجَمِيع من وجد فِيهِ مِمَّن عَاشَ إِلَى الْقرن الْعَاشِر وَابْن حجر لم يترجم فِي الدُّرَر إلا لمن مَاتَ فِي الْقرن الثَّامِن وليت أن صَاحب التَّرْجَمَة صان ذَلِك الْكتاب الْفَائِق عَن الوقيعة فِي أكَابِر الْعلمَاء من أقرانه وَلَكِن رُبمَا كَانَ لَهُ مقصد صَالح وَقد غلبت عَلَيْهِ محبَّة شَيْخه الْحَافِظ ابْن حجر فَصَارَ لَا يخرج عَن غَالب أقواله كَمَا غلبت على ابْن الْقيم محبَّة شَيْخه ابْن تَيْمِية وعَلى الهيثمي محبَّة شَيْخه العراقي
مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد صفي الدَّين الهندي الْفَقِيه الشافعي الأصولي

ولد بِالْهِنْدِ فِي ربيع الآخر سنة 644 ارْبَعْ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَأخذ عَن جده لأمه وَخرج عَن بَلَده فِي رَجَب سنة 667 وَقدم الْيمن فَأكْرمه المظفر وَأَعْطَاهُ تِسْعمائَة دِينَار ثمَّ حج فَأَقَامَ بِمَكَّة ثَلَاثَة أشهر وَرَأى بهَا ابْن سبعين وَسمع كَلَامه ثمَّ دخل الْقَاهِرَة فِي سنة 671 وَدخل الْبِلَاد الرومية وَخرج مِنْهَا سنة 685 وَقدم دمشق فاستوطنها وَسمع من الْفَخر بن البخاري وَقعد فِي الْجَامِع ودرس بمدارس وَكتب على الْفَتَاوَى مَعَ الْخَيْر وَالدّين وَالْبر للْفُقَرَاء وصنف فِي أصُول الدَّين الْفَائِق وَفِي أصُول الْفِقْه النِّهَايَة وَلما عقد بعض الْمجَالِس لِابْنِ تَيْمِية عين صَاحب التَّرْجَمَة لمناظرته فَقَالَ لِابْنِ تَيْمِية فِي أثْنَاء الْبَحْث أَنْت مثل العصفور تزط من هُنَا إِلَى هُنَا إِلَى هُنَا
(2/187)

وَلَعَلَّه قَالَ ذَلِك لما رأى من كَثْرَة فنون ابْن تَيْمِية وسعة دائرته فِي الْعُلُوم الإسلامية وَالرجل لَيْسَ بكفوء لمناظرة ذَلِك الإِمَام إلا فِي فنونه الَّتِى يعرفهَا وَقد كَانَ عريا عَن سواهَا وَلِهَذَا قيل أنه مَا كَانَ يحفظ من الْقُرْآن إِلَّا ربعه حَتَّى نقل عَنهُ أنه قَرَأَ المص بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الصَّاد وتوفى فِي آخر صفر سنة 715 خمس عشرَة وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم المرشدى
ولد بعد سنة 670 سبعين وسِتمِائَة وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على الضياء بن عبد الرَّحِيم وتلا بالسبع على التقي الصَّائِغ وتفقه ثمَّ انْقَطع فِي زاويته الْمَشْهُورَة بمنية بني مرشد وَكَانَت لَهُ أَحْوَال وهمة فِي خدمَة النَّاس وضيافتهم بِحَيْثُ يطعم كل من مر بِهِ من كَبِير وصغير وَقَلِيل وَكثير وَيقدم لكل اُحْدُ مَا يَقع فِي خاطره فاشتهر بِهَذَا وذاع وَمَعَ ذَلِك لم يكن يقبل لأحد شَيْئا حَتَّى إن السُّلْطَان بعث إِلَيْهِ بِذَهَب مَعَ بعض أمرائه فَلم يقبله وَحج فِي هَيْئَة كَبِيرَة وتلامذة فَكَانَ ينْفق فِي كل يَوْم زِيَادَة على ألف دِينَار وَأنْفق فِي خمس لَيَال مَا قِيمَته نَحْو خَمْسَة وَعشْرين دِينَارا وَكَانَ كل من يُنكر عَلَيْهِ إِذا اجْتمع بِهِ زَالَ ذَلِك مِنْهُم ابْن سيد النَّاس وَغَيره وَمن جملَة مَا أنكروا عَلَيْهِ أَن فِي زاويته منبرا للخطيب فيصلي النَّاس الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَلَا يصلي مَعَهم قَالَ الذهبي كَانَ صَاحب أَحْوَال وَاخْتلفت الْأَقَاوِيل فِيهِ ويحكى عَنهُ عجائب فِي إحضار الْأَطْعِمَة وَكَانَ يخْدم الواردين فِي نَفسه وَلَا يقبل لأحد شَيْئا وَيتَكَلَّم على الخواطر وَكَانَ قَلِيل الدَّعْوَى عديم السَّطْح حسن المعتقد وَكَانَ يخرج للحاضرين الْأَطْعِمَة الفاخرة من خلوته وَلَا يدخلهَا غَيره قَالَ والذي يظْهر لي أَنه كَانَ مخدوما وَعظم شَأْنه فِي الدولة جدا
(2/188)

حَتَّى كَانَ يكْتب ورقته إِلَى كَاتب السِّرّ وَسَائِر أعيان الدولة فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ردهَا وَذكر ابْن فضل الله فِي تَرْجَمته نَحْو مَا تقدم وَزَاد أن الذي يحْكى عَنهُ لم يسمع بِمثلِهِ فِي سالف الدَّهْر من رجل مُنْقَطع فِي زَاوِيَة صَغِيرَة فِي طَرِيق الرمل لَا يُوجد فِيهَا شئ من هَذِه الْأَنْوَاع مَعَ أن الشايع الذائع أَنه كَانَ يَأْتِيهِ الْجَمَاعَة وكل وَاحِد مِنْهُم يشتهى شَيْئا مِمَّا لَا يُوجد إلا فِي الْقَاهِرَة أَو دمشق فَإِذا حَضَرُوا غَابَ هنيهة وأحضر لكل وَاحِد مِنْهُم مَا اقترح وَأكْثر مَا كَانَ يحضرهُ بِنَفسِهِ وَلَيْسَ لَهُ خَادِم وَلَا عرف لَهُ طباخ وَلَا قدرَة وَلَا معرفَة وَلَا موقد نَار مَعَ اشْتِغَاله أَكثر نَهَاره بِالنَّاسِ وَلَا يخْتَص ذَلِك بِوَقْت دون وَقت بل لَو أَتَاهُ فِي الْيَوْم الْوَاحِد من أَتَاهُ لَا بُد من أَن يحضر لَهُ مَا يشتهيه قَالَ وَلَا يَخْلُو أَكْثَرهَا من مجازفة وَلَكِن اشتهارها وشيوعها يدل على أَن لَهَا أصلا ثمَّ حكى عَن جمَاعَة متنوعة وُقُوع ذَلِك لَهُم بِغَيْر وَاسِطَة إِلَى أن قَالَ وَقد زعم قوم أَن جَمِيع مَا كَانَ يأتي بِهِ كَانَ يمده بِهِ قاضي فوة فَإِنَّهُ كَانَ يخْتَص بالشيخ فَكَانَ القاضي لَا يقدر على عَزله أحد من أرباب الدولة بِسَبَب صحبته للشَّيْخ فطالت مدَّته وانبسطت يَده وَأكْثر من التِّجَارَة والزراعة والولاة ترعاه لجاهه بالشيخ فَنمت أَحْوَاله واتسعت دائرته فَلم يكن لَهُ شغل الا تلقى من يقبل زَائِرًا للشَّيْخ فينزله ويحادثه حَتَّى يقف على مَا فِي خاطره ثمَّ يُرْسل إِلَى الشَّيْخ ذَلِك بأمارات ويمده بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا من التَّكَلُّف وَقد سلك هَذِه الطَّرِيقَة جمَاعَة من متصوفة الْيمن يُقَال لَهُم بَنو المشرع بِضَم الْمِيم وَفتح الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة ثمَّ عين مُهْملَة وَلِلنَّاسِ الواردين إِلَيْهِم أَحَادِيث غَرِيبَة فِي شرح مَا يرونه من نَحْو مَا وصف عَن صَاحب التَّرْجَمَة وقصص يطول شرحها وَلم
(2/189)

يسمع بِمثل هَذِه الطَّرِيقَة لأحد قبل صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا يدل على ذَلِك كَلَام من ترْجم لَهُ من معاصريه وَمَات فِي رَمَضَان سنة 737 سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَحكى الذهبي أَنه كَانَ فِي عَافِيَة فَأرْسل إِلَى من حوله أَنه عرض أَمر مُهِمّ وَأَنَّهُمْ يحْضرُون فَحَضَرُوا فَدخل خلوته فَأَبْطَأَ فطلبوه فوجدوه مَيتا رَحمَه الله
السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد بِمَدِينَة ذمار وَأخذ علم الْفُرُوع عَن أَهلهَا ثمَّ انْتقل إِلَى صنعاء وَقَرَأَ فِي فنون عدَّة وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْفتيا بهَا وَصَارَ أحد أكَابِر آل الإِمَام المنظور إِلَيْهِم فِي الْعلم والرياسة وجلالة الْقدر وَلما كَانَ إِلَى دولة الإِمَام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن خرج عَن طَاعَته جمَاعَة من أكَابِر آل الإِمَام وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة عظيمهم وزعيمهم والمؤهل للخلافة فيهم فَخرج مَعَهم مَعَ كَون الإِمَام محسنا إِلَيْهِ مكرما لَهُ مُعظما لشأنه وَلما بلغ إِلَى بِلَاد أرحب حصل الِاخْتِلَاف بَينه وَبَين الخارجين مَعَه وأفصحوا لَهُ بِمَا يدل على أَنهم قد رشحوا غَيره للخلافة فتأسف على مُفَارقَته لأوطانه والتهب لذَلِك وَمرض فَمَاتَ هُنَالك وَكَانَ ذَلِك فِي سنة 1136 سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَله نظم حسن فَمِنْهُ القصيدة الَّتِى طارح بهَا القَاضِي على العنسي مطْلعهَا
(كرر أَحَادِيث سلع لي وَمن فِيهِ ... من الْأَحِبَّة فِيمَا أَنْت رَاوِيه) وَله مكاتبات إِلَى صَاحب نسمَة السحر أوردهَا فِي تَرْجَمته
(2/190)

مُحَمَّد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن على ابْن أَحْمد التلمساني القرطبي الأَصْل

كَانَ سلفه نزلُوا طليطلة ثمَّ لوسة ثمَّ غرناطة ولد فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَجَب سنة 713 ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة بلوسة وَكَانَ سلفه قَدِيما يعْرفُونَ ببني وَزِير ثمَّ صَارُوا يعْرفُونَ ببني خطيب نِسْبَة إِلَى سعيد جده الْأَعْلَى واشتهر صَاحب التَّرْجَمَة بِلِسَان الدَّين بن الْخَطِيب وَنَشَأ فَقَرَأَ الْقُرْآن والعربية على أَبى الْقَاسِم بن جزي وأبي عبد الله بن النجار وَسمع من أَبى عبد الله بن جَابر وَجَمَاعَة عدَّة وتأدب بِابْن الجناب وَأخذ الطِّبّ والمنطق والحساب عَن يحيى بن هُذَيْل الفيلسوف وبرز فِي الطِّبّ وتولع بالشعر فبرع فِيهِ وَترسل فأجاد وفَاق أقرانه واتصل بالسلطان أَبى الْحجَّاج يُوسُف ابْن أَبى الْوَلِيد بن نصر الْأَحْمَر فمدحه وتقرب مِنْهُ واستكتبه من تَحت يَد أَبى الْحسن بن الجناب إِلَى أَن مَاتَ أَبُو الْحسن فِي الطَّاعُون الْعَام فاستقل بِكِتَابَة السِّرّ وأضاف إِلَيْهِ رسوم الوزارة وَاسْتَعْملهُ فِي السفارة إِلَى الْمُلُوك واستنابه فِي جَمِيع مَا يملكهُ فَلَمَّا قتل ابْن الْحجَّاج سنة 755 وَقَامَ ابْنه مُحَمَّد اسْتمرّ ابْن الْخَطِيب على وزارته واستكتب مَعَه غَيره ثمَّ أرْسلهُ إِلَى عيان المرسي بفاس ليستنجده فمدحه فاهتز لَهُ وَبَالغ فِي اكرامه فَلَمَّا خلع مُحَمَّد وتغلب أَخُوهُ إِسْمَاعِيل على السلطنة قبض على صَاحب التَّرْجَمَة بعد أن كَانَ أَمنه واستأصل نعْمَته وَلم يكن بالأندلس مثلهَا من المستغلات وَالْعَقار والمنقولات وسجن وَاسْتمرّ مسجونا إِلَى أَن وَردت شَفَاعَة أَبى سَالم ابْن أبي عيان فِيهِ وَجعل خلاصه شرطا فِي مسالمة الدولة وَكَذَلِكَ خلاص السُّلْطَان مُحَمَّد بن أَبى الْحجَّاج من السجْن فخلصا وانتقلا إِلَى أَبى عيان فاستقرا
(2/191)

فِي مَدِينَة فاس وَبَالغ فِي إكرامهما ثمَّ نقل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى مَدِينَة مراكش فَأكْرمه عمالها ثمَّ شفع لَهُ أَبُو سَالم مرة ثَانِيَة فَردَّتْ عَلَيْهِ ضيَاعه بغرناطة إِلَى أَن عَاد السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى السلطنة فَقدم عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة بأَهْله فَأكْرمه وقلده مَا وَرَاء بَابه فباشر ذَلِك مُقْتَصرا على الْكِفَايَة رَاضِيا بالدون من الثِّيَاب هاجرا للتأنق فِي جَمِيع أَحْوَاله صادعا بِالْحَقِّ وَعمر زَاوِيَة ومدرسة وصلحت أُمُور سُلْطَانه على يَده فَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن وَقع بَينه وَبَين عُثْمَان بن يحيى بن عمر شيخ الْقرَاءَات منافرة أدَّت إِلَى نفي عُثْمَان الْمَذْكُور فِي شهر رَمَضَان سنة 764 فَظن ابْن الْخَطِيب أَن الْوَقْت صفا لَهُ وَأَقْبل سُلْطَانه على اللَّهْو وَانْفَرَدَ هُوَ بتدبير المملكة فكثرت القالة فِيهِ من الحسدة واستشعر فِي آخر الْأَمر أَنهم سعوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان وخشى البادرة فَأخذ فِي التحيل فِي الْخَلَاص وراسل أبي سَالم صَاحب فاس فِي اللحاق بِهِ وَخرج مظْهرا أَنه يُرِيد تفقد الثغور الغربية فَلم يزل حَتَّى حَاذَى جبل الْفَتْح فَركب الْبَحْر إِلَى سبتة وَدخل مَدِينَة فاس سنة 773 فَتَلقاهُ أَبُو سَالم وَبَالغ فِي إكرامه وأجرى لَهُ الرَّوَاتِب فَاشْترى بهَا ضيَاعًا وبساتين فَبلغ ذَلِك أعداءه بالأندلس فسعوا بِهِ عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد حَتَّى أذن لَهُم فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِمَجْلِس الْحَاكِم بِكَلِمَات كَانَت تصدر مِنْهُ وينسب إليه واثبتوا ذَلِك وسألوه الحكم بِهِ فَحكم بزندقته وإراقة دَمه وَأَرْسلُوا صُورَة الْمَكْتُوب إِلَى فاس فَامْتنعَ أَبُو سَالم وَقَالَ هلا أقمتم ذَلِك عَلَيْهِ وَهُوَ عنْدكُمْ فأما مَا دَامَ عندي فَلَا يُوصل إِلَيْهِ فاستمر على حَالَته بفاس إِلَى أَن مَاتَ أَبُو سَالم فَلَمَّا تسلطن أَبُو الْعَبَّاس بعده أغراه بِهِ أعداؤه فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى قبض عَلَيْهِ وسجن فَبلغ ذَلِك سُلْطَان غرناطة فأرسل وزيره أَبَا عبد الله إِلَى أَبى الْعَبَّاس
(2/192)

بِسَبَبِهِ فَلم يزل بِهِ حَتَّى أذن لَهُم فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ عِنْد القاضي فباشر الدَّعْوَى أَبُو عبد الله فِي مجْلِس السُّلْطَان فَأَقَامَ الْبَيِّنَة بالكلمات الَّتِى أَثْبَتَت عَلَيْهِ فعزره القاضي بالْكلَام ثمَّ بالعقوبة ثمَّ بالسجن فطرق عَلَيْهِ السجْن بعد أَيَّام لَيْلًا فخنق وَأخرج من الْغَد فَدفن فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وجد على شَفير قَبره محروقا فأعيد إِلَى حفرته وَقد احْتَرَقَ شعره واسودت بَشرته وَذَلِكَ فِي سنة 776 سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَتكلم عِنْد أن أَرَادوا قَتله الأبيات الَّتِى مِنْهَا
(فَقل للعدا ذهب ابْن الْخَطِيب ... وَفَاتَ فسبحان من لَا يفوت)
(فَمن كَانَ يشمت مِنْكُم بِهِ ... فَقل يشمت الْيَوْم من لَا يَمُوت)
وَذكر الشَّيْخ مُحَمَّد القصباني إن ابْن الْأَحْمَر وَجهه رَسُولا إِلَى ملك الإفرنج فَلَمَّا أراد الرُّجُوع أخرج لَهُ ملك الإفرنج كتابا من ابْن الْخَطِيب بِخَطِّهِ يشْتَمل على نظم ونثر فِي غَايَة الْحسن والبلاغة فأقرأه إِيَّاه فَلَمَّا فرغ من قِرَاءَته قَالَ لَهُ مثل هَذَا يقتل وَبكى حَتَّى بل لحيته وثيابه وَمن مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة التَّاج فِي أدباء الماءة الثَّامِنَة والإكليل الزَّاهِر وَهَذَانِ الكتابان يشتملان على تراجم أدباء الْمغرب وَجَمِيع مَا فيهمَا من الْكَلَام مسجوع وَله طرفَة الْعَصْر فِي دولة بنى نصر ثَلَاث مجلدات وديوان شعره فِي مجلدين وَحمل الْجُمْهُور على السّنَن الْمَشْهُور واليوسفى فِي الطِّبّ مجلدان ونفاضة الجراب فِي علالة الاغتراب أَرْبَعَة أسفار ورقم الْحلَل فِي نظم الدول أرجوزة ونثر لَو جمع لزاد على عشرَة مجلدات وَمن نظمه
(مَا ضرني أن لم أجئ مُتَقَدما ... السَّبق يعرف آخر الْمِضْمَار)
(وَلَئِن غَدا ربع البلاغة بلقعا ... فلرب كنز فِي أساس جِدَار)
(2/193)

وَمن نظمه
(يامن بِأَكْنَافِ فؤادي رتع ... قد ضَاقَ بِي عَن حبك المتسع)
(مافيك لي جدوى وَلَا ارعواء ... منح مُطَاع وَهوى مُتبع)
وَلَعَلَّ صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الذي ألف الْمقري فِي مناقبه الْكتاب الْمُسَمّى نفح الطيب فِي مَنَاقِب لِسَان الدَّين بن الْخَطِيب والمؤلف من الْمَوْجُودين بعد الْألف وَقد وصف من محاسنه مَا يشنف الأسماع
وَقَتله على الصفة الْمَذْكُورَة هُوَ من تِلْكَ المجازفات الَّتِي صَار يرتكبها قُضَاة الْمَالِكِيَّة ويريقون بهَا الدِّمَاء الْمُسلمين بِلَا قُرْآن وَلَا برهَان وَأما وجوده على شَفير الْقَبْر محرقا فَلَا ريب أَن ذَلِك من صنع أعدائه وَلَيْسَ بجرم وَلَا فِيهِ دَلِيل على صِحَة مَا امتحن بِهِ فَإِن الأَرْض قد قبلت فِرْعَوْن وهامان وَسَائِر أساطين الكفران
السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الإِمَام شرف الدَّين بن شمس الدَّين ابْن الإِمَام المهدي أَحْمد بن يحيى

الشَّاعِر الْمَشْهُور الْمجِيد وغالب شعره موشحات فِي غَايَة الرقة والانسجام وَلِلنَّاسِ إِلَيْهَا ميل وَمن نظمه العذب هَذِه الأبيات
(أفدي الَّتِى بت أبل الجوى ... من رِيقهَا باللثم والمص)
(قَالُوا لَهَا لما رَأَوْا خدها ... وَفِيه أثر العض والقرص)
(مَاذَا بخديك فَقَالَت لَهُم ... نمت وَلم أشعر على خرص)
(ياحسن خديها وعضي على ... ناعم خد ترف رخص)
(كفص ياقوت على درة ... آه على الدرة والفص)
(2/194)

وَمن محَاسِن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(خطرت فَقل للغصن صل على النبي ... وبدت فَقُلْنَا للبدور تحجبي)
وَقد جمع ديوَان شعره السَّيِّد عِيسَى بن لطف الله بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وَمن جملَة مَا حَكَاهُ عَنهُ فِي ذَلِك الدِّيوَان أَنه أَقَامَ بِصَنْعَاء عِنْد آل لطف الله بن المطهر خَالِيا عَن الأنيس فَاحْتَاجَ إِلَى جَارِيَة سَرِيَّة فَاشْترى جَارِيَة اسْمهَا غزال حبشية فلاطفه فِي بعض الْأَيَّام إِسْمَاعِيل بن لطف الله وَقَالَ يَا سيدي أرى هَذِه الْجَارِيَة مُسِنَّة ولعلها قد ولدت فِي الْحَبَشَة قَالَ ذَلِك مداعبا لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَهَا صَاحب التَّرْجَمَة هَل خرجت من الْحَبَشَة صَغِيرَة أَو كَبِيرَة وَهل ولدت فَأَخْبَرته أَنَّهَا ولدت لسَيِّدهَا ولدا وَاحِدًا وَهُوَ رجل من مسلمى الْحَبَشَة وَأَنه فَقِيه فَاضل فَسَأَلَهُ عَن سَبَب خُرُوجهَا عَن ملكه وَكَيف بَاعهَا فَقَالَت لم يبعني وَإِنَّمَا أرسلني فِي بعض الْأَيَّام من بستانه إِلَى بَيته فأخذني اللُّصُوص وَلم أستطع الْخَلَاص مِنْهُم فباعوني فَلَمَّا سمع ذَلِك تغير لبه وَذهل عقله خوفا من الله أن يَطَأهَا وهي حرَام فَشكى ذَلِك إِلَى بعض الْعلمَاء فَقَالَ لَهُ ذَلِك الْعَالم أما إِذا قد صادقتها فِي الْكَلَام فَالْوَاجِب الْكَفّ عَنْهَا فَعِنْدَ ذَلِك آيس وتزايد وجده وهجر الطَّعَام وَلما أخْبرهَا بذلك صرخت صرخة عَظِيمَة أبكت من فِي الْبَيْت وعقدت مأتما وَقَالَ فِيهَا قصيدة موشحة أَولهَا
(الله يعلم يَا غزال أَنى ... عَلَيْك سهران باكي الْعين)
(2/195)

ثمَّ أرسل إِلَى زبيد للبحث عَن خَبَرهَا فأخبروه أَنه صَحَّ لَهُم أَنَّهَا هربت من سَيِّدهَا وارتدت ثمَّ أخذت ثَانِيًا من دَار الْحَرْب فَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وتمتع بهَا وتمتعت بِهِ وَهَذِه الْقِصَّة تدل على تورعه وأرخ السَّيِّد عِيسَى مَوته فِي جُمَادَى الأولى سنة 1016 سِتّ عشرَة وَألف وَصَاحب التَّرْجَمَة كَانَ مائلا إِلَى الصُّوفِيَّة ميلا زَائِدا وَوَقعت بَينه وَبَين الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد بذلك السَّبَب مشاعرة طَوِيلَة مَوْجُودَة بأيدي النَّاس الْآن
مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة بن أَحْمد بن عَطِيَّة بن ظهيرة ابْن مَرْزُوق بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْجمال أَبُو حَامِد القرشي

المخزومي المكي الشافعي وَيعرف كسلفه بِابْن ظهيرة ولد لَيْلَة عيد الْفطر سنة 751 إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا فَسمع على الشَّيْخ خَلِيل المالكي وَمُحَمّد بن سَالم الحضرمي والعز بن جمَاعَة والموفق الحنبلي وَجَمَاعَة آخَرين وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة جم وَحصل الْإِجْزَاء والنسخ وَالْأُصُول وَلم يقْتَصر على الرِّوَايَة بل اجْتهد فِي غُضُون ذَلِك فِي الْفُنُون وَقرأَهَا بِمصْر على النويري والزين العراقي والسبكي والبلقيني وَابْن الملقن وَغَيرهم وبدمشق على الأذرعي وَجَمَاعَة وبرع فِي الْفُنُون وانتهت إِلَيْهِ رياسة الشَّافِعِيَّة بِبَلَدِهِ ولقب عَالم الْحجاز وتصدى لنشر الْعلم بعد السّبْعين وَأفْتى ودرس وَقصد بالفتاوى من بِلَاد الْيمن وَاسْتمرّ ناشرا للْعلم نَحْو أَرْبَعِينَ سنة وازدحم عَلَيْهِ الطّلبَة ورحلوا إِلَيْهِ وَشرح قطعا من الحاوي الصَّغِير وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ الْحَافِظ ابْن حجر والعلامة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير الْمُتَقَدّم ذكره وَمَات فِي لليلة الْجُمُعَة سادس عشر رَمَضَان سنة 817 سبع عشرَة وثمان مائَة
(2/196)

مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن شرف بن مَنْصُور بن مَحْمُود بن توفيق بن مُحَمَّد بن عبد الله نجم الدَّين الزرعي

ثمَّ الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن قاضي عجلون ولد يَوْم السبت الثاني وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة 831 إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا فحفظ شَيْئا كثيرا من المختصرات زِيَادَة على اثْنَيْنِ وَعشْرين كتابا ولازم الشرواني فِي عدَّة عُلُوم والْعَلَاء الكرماني وأبي الْفضل الغزي وَقدم الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على ابْن حجر والمحلي والعيني وَابْن الْهمام والشمني وَغَيرهم وتميز فِي غَالب الْفُنُون ودرس بمواطن وتصدر بِجَامِع بني أُميَّة وَله تصانيف مِنْهَا تَصْحِيح الْمِنْهَاج فِي مطول ومختصر ومتوسط والتاج فِي زَوَائِد الرَّوْضَة على الْمِنْهَاج والتحرير علقه على الْمِنْهَاج فِي نَحْو أربعمائة كراسة بل عمل على جَمِيع محافيظه إِمَّا شرحا اَوْ حَاشِيَة وَكَانَ إِمَامًا عَلامَة متقنا حجَّة ضابطا جيد الْفَهم لم يكن بِالشَّام من يناظره وَلَا بالديار المصرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى استحضار الْفُنُون لفظا وَمعنى وإن كَانَ قد يُوجد فِي التَّحْقِيق من هُوَ أمتن مِنْهُ ذكر معنى ذَلِك السخاوي مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر شَوَّال سنة 876 سِتّ وَسبعين وثمان مائَة
السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ الصنعاني

ولد سنة وَطلب الْعلم فنال مِنْهُ حظا مُبَارَكًا ونصيبا وافرا وأكب على كتب السنة المطهرة وَكتب التَّفْسِير وَأخذ عَنهُ النَّاس وَهُوَ من أهل الْوَرع الشحيح والتسنن الصَّحِيح وَالْعِبَادَة والمداومة على ذكر الله والاقتداء بالسلف الصَّالح وَهُوَ مِمَّن إِذا رَأَيْته ذكرت الله عز وَجل وَإِذا جالسته خرجت من الدُّنْيَا وَقد أطبق أهل الْعَصْر على فَضله وَله أخوان على نمطه
(2/197)

فِي هَدْيه وسمته وهما على ولطف الباري وَكَانَ والدهم رَحمَه الله من أَعْيَان عُلَمَاء الْقرن الثانى عشر وأفاضله وَمن القائمين بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر وهداية الْعباد إِلَى الْعَمَل بِالسنةِ وَكَانَ الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن رَحمَه الله يعظمه ويجله وَيعْمل بِمَا يرشده إِلَيْهِ ويدله عَلَيْهِ وَله من الوقائع الَّتِى قَامَ فِيهَا لله مَا لَا يُحِيط بِهِ الْحصْر
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من حَسَنَات صنعاء ومفاخرها رَحمَه الله وَقد تقدمت لَهُ تَرْجَمَة مستقلة فِي هَذَا الْكتاب ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله فِي سنة 1233 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف عِنْد دُخُوله الْحَج
مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُجَاهِد بن يُوسُف بن مُحَمَّد ابْن احْمَد بن علي الشَّمْس أبو عبد الله الحموي الأَصْل

الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن نَاصِر الدَّين
ولد فِي الْعشْر الأول من الْمحرم سنة 777 سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا فحفظ عدَّة مختصرات وَحمل عَن شُيُوخ بَلَده والقادمين إِلَيْهَا بقرَاءَته وَقِرَاءَة غَيره وارتحل إِلَى بعلبك وحلب وَمَكَّة وَغَيرهَا وَمن شُيُوخه ابْن خطيب الناصرية والسرايجي وَغَيرهمَا وأتقن فن الحَدِيث واشتهر بِهِ حَتَّى صَار الْمشَار إِلَيْهِ فِيهِ بِبَلَدِهِ وَمَا حولهَا واستفاد مِنْهُ النَّاس وصنف التصانيف مِنْهَا طَبَقَات شُيُوخه فجعلهم ثَمَان طَبَقَات
وجامع الْآثَار فِي مولد الْمُخْتَار فِي ثَلَاثَة أسفار
ومورد الصادى فِي مولد الْهَادِي فِي كراسة وَاللَّفْظ الرَّائِق فِي مولد خير الْخَلَائق فِي أقل من كراسة
ومنهاج الْأُصُول فِي مِعْرَاج الرَّسُول
وَاللَّفْظ الْمحرم بِفضل العاشور الْمحرم
ومجلس فِي فضل يَوْم عَرَفَة وافتتاح الْقَارئ لصحيح البخارى وَبرد الأكباد
(2/198)

عَن فقد الْأَوْلَاد ومسند تَمِيم الداري وترجمة حجر بن عدى الكندى وتوضيح المشتبه فِي أسماء الرِّجَال فِي ثَلَاثَة أسفار والإعلام بِمَا وَقع فِي مشتبه الذهبي من الأوهام
وأرجوزة سَمَّاهَا عُقُود الدُّرَر فِي علم الْأَثر وَشَرحهَا فِي مطول ومختصر
وَأُخْرَى فِي الْحفاظ وَشَرحهَا أَيْضا وبديعة الْبَيَان عَن موت الْأَعْيَان
نَحْو ألف بَيت وَشَرحهَا أَيْضا
وَعرف العنبر فِي وصف الْمِنْبَر
وبراعة الفكرة فِي حوادث الْهِجْرَة نظم أَيْضا
ومنهاج السَّلامَة فِي ميزَان يَوْم الْقِيَامَة وَشرح حَدِيث أم زرع فِي كراريس وَزَوَال البوسى عَمَّن أشكل عَلَيْهِ نجاح آدم ومُوسَى
وَغير ذَلِك من المؤلفات وَقد قَامَ عَلَيْهِ الْعَلَاء البخاري لكَونه صنف الرَّد الوافر على من زعم أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام كَافِر وَكَانَ ذَلِك كالرد على الْعَلَاء البخاري لكَونه كَانَ من أعظم المنكرين على ابْن تَيْمِية ثمَّ جَاوز فِي ذَلِك الْحَد حَتَّى أفتى بِكفْر ابْن تَيْمِية صانه الله عَن ذَلِك واتفقت بِسَبَب ذَلِك حوادث شنيعة
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة إِمَامًا حَافِظًا مُفِيدا للطلبة وَقد أثنى عَلَيْهِ جمَاعَة من معاصريه كَابْن حجر والبرهان الحلبي والمقريزي وَمَات فِي ربيع الثاني سنة 842 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَله نظم فَمِنْهُ
(لعبت بالشطرنج مَعَ شادن ... رمى بقلبي من سناه سِهَام)
(وجدت شامات على خَدّه ... فمت من وجدي بِهِ وَالسَّلَام)
مُحَمَّد بن عبد الله الغشم الآنسي اليماني

ترْجم لَهُ صَاحب مطلع البدور فَلم يذكر لَهُ مولدا وَلَا وَفَاة وَلكنه ذكر لَهُ قصَّة غَرِيبَة هي أَن الْعَامَّة من أهل بِلَاد آنس وَغَيرهَا كثرت عِنْدهم
(2/199)

الشكوك لما يرَوْنَ من أكل بعض السُّفَهَاء لما حرمه الله بِالْإِجْمَاع من الْحَيَّات والحنشان قَالُوا هَؤُلَاءِ لَا شك أَنهم على الْحق بِدَلِيل هَذِه الْكَرَامَة فَإِن لم يَأْتِ من عُلَمَائِنَا مَا يقاومها انتقلنا عَن مَذْهَب أهل الْبَيْت فعظمت الْقِصَّة على الْعلمَاء فتكابت الْفُقَهَاء من الْمغرب وآنس وذمار واجتمعوا وَأمرُوا الْعَامَّة بِجمع حطب فَاجْتمع كالجبل الْعَظِيم ثمَّ أشعلوه فَلم يزل يَتَّسِع حَتَّى صَار يرْمى بشرر كبار فَقرب الْفُقَهَاء بالمصاحف وقرؤا الْقُرْآن وَلم يزَالُوا على ذَلِك مَعَ أدعية أخرجها وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة حَتَّى اصْفَرَّتْ النَّار وَدخل الْفُقَهَاء وحملوا مِنْهُم فِي ثِيَابهمْ ودخلوا فِيهَا كَمَا يدْخل المَاء والطين واشتهرت الْقِصَّة
قَالَ صَاحب مطلع البدور وَلما سَمِعت هَذِه لم أزل أبحث عَنْهَا فبلغت عندي مبلغ التَّوَاتُر وَلَيْسَ ذَلِك بَعيدا من فضل الله تكريما لكتابه الْعَزِيز وعلماء الْإِسْلَام انْتهى وَذكر قبل هَذِه الْقِصَّة أَن لصَاحب التَّرْجَمَة رسائل وَله تَفْسِير وَلَعَلَّ وجوده فِي زمن صَاحب مطلع البدور وَقد تقدم تَارِيخ مولده ووفاته ثمَّ وقفت على تَارِيخ مَوته فِي سنة 1043 ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وقبر بِبِلَاد لاعة فِي مَحل يُقَال لَهُ بَنو الذواد
مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن إِسْمَاعِيل الجرجري

بجيمين ومهملتين ثمَّ القاهري الشافعي ولد فِي أحد الجمادين سنة 821 إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة أَو فِي الَّتِى بعْدهَا بجرجر وتحول مِنْهَا إِلَى الْقَاهِرَة صَغِيرا فحفظ كثيرا من المختصرات ثمَّ اشْتغل بالفنون فَأخذ عَن النويري وَابْن الْهمام والشمني والمحلي والكافياجي والشرف السبكى وَالْعلم البلقينى والحافظ بن حجر وناب فِي الْقَضَاء ثمَّ تعفف عَن ذَلِك ودرس
(2/200)

وَرغب الطّلبَة إِلَيْهِ وَقصد بالفتاوى وَكتب على عُمْدَة السالك لِابْنِ النَّقِيب شرحا سَمَّاهُ تسهيل المسالك إِلَى عُمْدَة السالك فِي مُجَلد وَشرح الْإِرْشَاد لِابْنِ المقري فِي أَربع مجلدات وَشرح شذور الذَّهَب شرحا مطولا وشرحا مُخْتَصرا وَشرح الهمزية شرحين أحدهما مطول سمي أحدهما خير الْقرى فِي شرح أم الْقرى وَكَانَ متواضعا ممتهنا لنَفسِهِ غير متأنق فِي شئ وَقد عكف عَلَيْهِ الطّلبَة وتنافسوا فِي الْأَخْذ عَنهُ وتجرأ عَلَيْهِ بعض أهل الْعلم وصنف كتابا سَمَّاهُ اللَّفْظ الجوهري فِي بَيَان غلط الجوجري وانتدب بعض تلامذة صَاحب التَّرْجَمَة فَرد عَلَيْهِ وَمَات فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثاني عشر رَجَب سنة 889 تسع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة بِمصْر
مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الحميد بن مَسْعُود الْكَمَال ابْن الْهمام السيواسي الأَصْل ثمَّ القاهري الحنفي

ولد سنة 790 تسعين وَسَبْعمائة وَقدم الْقَاهِرَة صَغِيرا وَحفظ عدَّة من المختصرات وعرضها على شُيُوخ عصره ثمَّ شرع فِي الطلب فَقَرَأَ على بعض أهل بَلَده بعد أَن عَاد إليها ثمَّ رَجَعَ الى الْقَاهِرَة فَقَرَأَ على الْعِزّ ابْن عبد السَّلَام والبساطي والشمني والجلال الهندي والولي العراقى والعز ابْن جمَاعَة وسافر إِلَى الْقُدس وَقَرَأَ على علمائه وَسمع من جمَاعَة كالحافظ بن حجر وَغَيره وَلم يكثر من علم الرِّوَايَة وتبحر فِي غَيره من الْعُلُوم وفَاق الأقران وأشير إِلَيْهِ بِالْفَضْلِ التَّام حَتَّى قَالَ بَعضهم فِي حَقه لَو طلبت حجج الدَّين مَا كَانَ فِي بلدنا من يقوم بهَا غَيره
وَكَانَ دَقِيق الذِّهْن عميق الْفِكر يدقق المباحث حَتَّى يحير شُيُوخه فضلا عَن من عداهم بِحَيْثُ كَانَ يشكك عَلَيْهِم فِي الِاصْطِلَاح وَنَحْوه حَتَّى لَا يَدْرُونَ مَا يَقُولُونَ
وَقَالَ يحيى بن الْعَطَّار لم يزل
(2/201)

يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْجمال المفرط مَعَ الصيانة وَفِي حسن النِّعْمَة مَعَ الدّيانَة وَفِي الفصاحة واستقامة الْبَحْث مَعَ الْأَدَب وَبِالْجُمْلَةِ فقد تفرد ي عصره بِعُلُومِهِ وطار صيته واشتهر ذكره وأذعن لَهُ الأكابر عَن الأصاغر وفضله كثير من شُيُوخه على أنفسهم وَقد درس بمدارس وَقَررهُ الأشرف برسباي فِي مدرسته وَألبسهُ الخلعة وَلما عورض فِي ذَلِك قَالَ بعد بعض دروسه فِيهَا أنه قد عزل نَفسه مِنْهَا وخلع طياسانه وَرمى بِهِ وَبلغ ذَلِك السطان فشق عَلَيْهِ واستعطفه فَلم يجب وانقبض وانجمع عَن النَّاس مَعَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر والإغلاظ على الْمُلُوك فَمن دونهم وصنف التصانيف النافعة كشرح الْهِدَايَة فِي الْفِقْه والتحرير فِي أصُول الْفِقْه والمسايرة فِي أصُول الدَّين وجزء فِي حَدِيث كلمتان خفيفتان ي اللِّسَان وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة صَارُوا رُؤَسَاء فِي حيانه كالشمني والزين قَاسم وَسيف الدَّين وَابْن حضر والمناوي وَالْجمال بن هِشَام وَكَانَ إماما فِي الْأُصُول وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والفرائض والحساب والتصوف والنحو وَالصرْف والمعانى وَالْبَيَان والبديع والمنطق والجدل والدب والموسيقا حَتَّى قَالَ السخاوي فِي حَقه إنه عَالم أهل الأَرْض ومحقق أولي الْعَصْر وَمَات فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع رَمَضَان سنة 861 إِحْدَى وَسِتِّينَ وثمان مائَة بِمصْر وَحضر السُّلْطَان فَمن دونه وتأسف النَّاس على فَقده وَلم يخلف بعده مثله
السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين بن صَلَاح بن الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن الْمُؤَيد

ترْجم لَهُ صَاحب مطلع البدور وَلم يذكر لَهُ مولدا وَلَا وَفَاة وَلكنه حكى عَن القاضي أَحْمد بن صَلَاح الدواري أَنه قَالَ أنه أدْرك صَاحب التَّرْجَمَة
(2/202)

وَقَرَأَ عَلَيْهِ الحاجبية وحاشيته عَلَيْهَا وَبَعض الْمفصل وَبَعض مُقَدمَات الْبَحْر والأزهار ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ كتاب الْأَحْكَام من الْبَحْر الزخار إِلَى أَن مَاتَ قبل أَن يكمل الْقِرَاءَة هَذَا خُلَاصَة مَا ذكره فِي التَّرْجَمَة والحاشية الَّتِى ذكرهَا على الحاجبية هي شرح لَهَا مُسْتَكْمل وَلكنهَا كَانَت تكْتب فِي الهوامش ثمَّ كتبهَا الْمُتَأَخّرُونَ كَمَا تكْتب الشُّرُوح وَقد رغب إِلَيْهَا الطّلبَة فِي هَذِه العصور وصاروا يقرأونها فِي مبادئ الطلب وهي لَا تصلح إِلَّا لمن كَانَ فِي أَوَائِل الطلب لِأَن عبارتها غير محررة كَمَا يَنْبَغِي وَصَاحب التَّرْجَمَة كَانَ مَوْجُودا فِي الْقرن الْعَاشِر
السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين بن مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمَعْرُوف بالمفتي

حفيد الْمَذْكُور قبله تَرْجمهُ أَيْضا صَاحب مطلع البدور وَلم يذكر لَهُ مولدا وَلَا وَفَاة وَلكنه قَالَ إمام الْعُلُوم الْمُطلق مُنْتَهى الْمُحَقِّقين وفقيه المدققين قَرَأَ على أَحْمد الضمدي فِي الحاجبية وَقَرَأَ المطول على الْعَلامَة عبد الله المهلا وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكثر نجم الدَّين وَقَرَأَ بعض نجم الدَّين على السَّيِّد علي ابْن بنت النَّاصِر وَفِي أصُول الْفِقْه على السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد ابْن الْوَزير وَعنهُ أَخذ طرق الحَدِيث وَقَرَأَ فِي أصول الْفِقْه على وَالِده وعَلى الْفَقِيه الصلاح الشطبي وَفِي الْكَشَّاف على وَالِده وَفِي الْفُرُوع على صنوه المهدي وعَلى السَّيِّد عبد الله بن احْمَد بن الْحُسَيْن المؤيدي وَقَرَأَ فِي الحَدِيث
(2/203)

على الشَّيْخ الحنفي وَأَجَازَهُ فِيهِ وَفِي غَيره وَقَرَأَ على الْعَلامَة الصابوني وعَلى الْعَلامَة مُحَمَّد بن شلبي الرومي وَقَرَأَ الشمسية على الشَّيْخ أَحْمد بن عَلان البكري المصري انْتهى
وَهُوَ شيخ مَشَايِخ الْفُرُوع الذى ينتهى أسانيدهم إِلَيْهِ وَمن جملَة تلامذته القاضي إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي وَالسَّيِّد أَحْمد بن علي الشَّامي وَجَمَاعَة من الْمُحَقِّقين كالعلامة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال وَله مؤلفات مِنْهَا الْبَدْر الساري فِي أصُول الدَّين وَشَرحه وَاسِطَة الدراري وَمِنْهَا شرح تَكْمِلَة الْبَحْر وَهُوَ شرح مُفِيد يدل على علو دَرَجَته وارتفاع مَنْزِلَته فِي الْعُلُوم وَله أنظار فِي الْفُرُوع منقولة فِي كتب التدريس كشرح الأزهار وَالْبَيَان وَالْبَحْر وهي فِي غَايَة الإتقان وَهُوَ من أهل الْقرن الحادي عشر وَالله أعلم وأرخ مَوته الضمدي فِي الوافي فِي شعْبَان سنة 1049 تسع وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد فِي الطَّبَقَات إنه مَاتَ لاثني عشر يَوْمًا من شعْبَان سنة 1050 خمسين وَألف وقبر بخزيمة مَقْبرَة صنعاء
(2/204)

السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين النعمي التهامي
ولد تَقْرِيبًا سنة 1180 ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف بالعذير بفتخ الْمُهْملَة وَكسر الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ رَاء مُهْملَة وهي بِقرب بندر اللِّحْيَة من بنادر تهَامَة ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء فَقَرَأَ فِي علم الْفُرُوع على شَيخنَا الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد الحرازي وَغَيره ولازمني مُدَّة طَوِيلَة فَقَرَأَ علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالْفِقْه وتميز فِي جَمِيع هَذِه الْعُلُوم وَصَارَ اُحْدُ الْعلمَاء الْمشَار إِلَيْهِم مَعَ الْعقل الوافر والسكون والتواضع والعفة والشهامة والإقبال على الْعلم بكليته والملازمة للطاعة والانجماع عَن النَّاس
وَلما نَالَ مَا كَانَ سَببا للارتحال عَاد إِلَى دياره التهامية وَهُوَ بِلَا مدافع أعلم الْمَوْجُودين من السَّادة النعامية وَكَثِيرًا مَا يكْتب إِلَى من تِلْكَ الْجِهَات فِيمَا يعرض لَهُ من الْمُهِمَّات وَهُوَ الْآن حيى ينْتَفع بِهِ أهل تِلْكَ الديار ويرجعون إِلَيْهِ فِيمَا ينوبهم من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة مَعَ مزِيد تحسره وتأسفه على مُفَارقَة صنعاء وَانْقِطَاع مَا كَانَ فِيهِ من الطلب لعلوم الِاجْتِهَاد وَلكنه عاقه عَن الْعود احْتِيَاج أهل بَلَده إِلَيْهِ خُصُوصا قرَابَته بعد موت أَخِيه أَحْمد بن عز الدَّين
وَأما أخوه السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن عز الدَّين فَهُوَ

أكبر مِنْهُ سنا وَصَارَ يُؤجر نَفسه لِلْحَجِّ إِلَى بَيت الله الْحَرَام كل عَام وَيعود إِلَى صنعاء وَلم يكن لَهُ اشْتِغَال بِالْعلمِ لكنه فِي الْمدَّة الْقَرِيبَة شغل نَفسه بِجمع مؤلف نقل غالبه من كتب الرافضة ثمَّ تشدد فِي الرَّفْض وَصَارَ يملي مَا جمعه بِجَامِع صنعاء فِي أَيَّام رَمَضَان على جمَاعَة جهال وَصَارَ فتْنَة للنَّاس مَعَ جَهله وركاكة عقله ونصحته فَلم ينتصح وَهُوَ من جملَة
(2/205)

المجيبين على فِي الرسَالَة الَّتِى سميتها إرشاد الغبي إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت فِي صحب النبي وأفرط فِي السب وَالْكذب وَصَارَ الْآن فِي حبس زيلع بِسَبَب مَا سيأتي شَرحه فِي تَرْجَمَة يحيى الخولي ثمَّ بلغ إلينا أَنه مَاتَ هُنَالك قبل سنة 1220 عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة رَحمَه الله فِي سنة 1232 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف فِي تهَامَة بعد أَن تولى بهَا الْقَضَاء للشريف حمود بن مُحَمَّد مُدَّة أَيَّامه
مُحَمَّد بن عَطاء الله الرازي الأَصْل الهروي الشافعي
وَكَانَ يذكر أنه من ذُرِّيَّة الْفَخر الرازي ولد بهراة سنة 767 سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل فِي بِلَاده وَكَانَ حَنِيفا ثمَّ تحول شافعيا وَأخذ عَن السعد التفتازاني وَغَيره واتصل بتيمورلنك الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ حصل لَهُ مِنْهُ جفَاء فتحول إِلَى بِلَاد الرّوم ثمَّ انْفَصل مِنْهَا وَقدم الْقُدس سنة 814 فحج وَعَاد إِلَيْهِ فِي الَّتِى بعْدهَا فاشتهر أمره بهَا وأشاع اتِّبَاعه أَنه يحفظ الصَّحِيحَيْنِ وَأَنه إمام النَّاس فِي الْمَذْهَب الشافعي والحنفي وَفِي غير ذَلِك من الْعُلُوم على جاري عَادَة الْعَجم فِي التفخيم والتهويل ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فِي سنة 818 فَعَظمهُ السُّلْطَان وأكرمه وَأَجْلسهُ عَن يَمِينه ثمَّ أنزله بدار أعدت لَهُ وأنعم عَلَيْهِ بفرس بسرج ذهب وقماش ورتب لَهُ فِي كل يَوْم ثَلَاثِينَ رطلا من اللَّحْم ومائتي دِرْهَم وَتَبعهُ كثير من الْأُمَرَاء المباشرين والأعيان فِي الْإِكْرَام والهدايا الوافرة وَكَانَت لَهُ دعاوى عريضة مِنْهَا أَنه يحفظ الصَّحِيحَيْنِ عَن ظهر قلب صَحِيح مُسلم بأسانيده وصحيح البخاري متْنا بِلَا إسناد وَتارَة يَقُول أنه يحفظ اثني عشر ألف حَدِيث بأسانيدها فعقد لَهُ السُّلْطَان الْمُؤَيد مَجْلِسا بَين يَدَيْهِ وَجمع الْعلمَاء وألزموه بإملاء اثني عشر
(2/206)

حَدِيثا متباينة فَلم يفْطن لذَلِك وَلَا عرف المُرَاد بِهِ وَلَا أمْلى شَيْئا بل لم يُورد حَدِيثا إلا وَظهر خطأه فِيهِ بِحَيْثُ ظهر فِي ذَلِك مجازفته وإن كل مَا ادَّعَاهُ لَا صِحَة لَهُ وَمَا أمكنه إِلَّا التبري مِمَّا نسب إِلَيْهِ كَذَا قَالَ السخاوي وَكَانَ مِمَّا وَقع أَنه سُئِلَ عَن سَنَده لصحيح البخارى فَذكر شُيُوخًا لَا يعْرفُونَ وَقَالَ ابْن حجر إنه لَا وجود لأحد مِنْهُم وَبعد عقد الْمجْلس بِقَلِيل ولي نظر الْقُدس والخليل مَعَ تدريس الصلاحية فَتوجه لذَلِك ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة 821 فَاجْتمع بالسلطان وأكرمه كالمرة الأولى ثمَّ ولاه الْقَضَاء بِمصْر مَكَان البلقيني وَلم يحمده النَّاس فِي ذَلِك فصرف قبل أَن يستكمل سنة وَلزِمَ بَيته وأعيد إِلَى الْقُدس على تدريس الصلاحية ثمَّ قدم الْقَاهِرَة سنة 827 فولي كِتَابَة السِّرّ ثمَّ انْفَصل وأعيد لقَضَاء الشَّافِعِيَّة ثمَّ عَاد إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَقد انتقصه الْحَافِظ بن حجر وَوَصفه بِالْكَذِبِ وَكَذَلِكَ قَالَ السخاوي وَقَالَ ابْن قَاضِي شُهْبَة إنه كَانَ إماما عَالما غواصا على الْمعَانى يحفظ متونا كَثِيرَة ويسرد جملَة من تواريخ الْعَجم مَعَ الْوَضَاءَة والمهابة وَحسن الشكالة والضخامة ولين الْجَانِب
وَقَالَ العيني إنه كَانَ عَالما فَاضلا متفننا لَهُ تصانيف كشرح الْمَشَارِق وَشرح صَحِيح مُسلم الْمُسَمّى فضل الْمُنعم قَالَ وَكَانَ قد اِدَّرَكَ الْكِبَار مثل التفتازاني وَالسَّيِّد وَصَارَت لَهُ حُرْمَة وافرة بِبِلَاد سَمَرْقَنْد وهراة وَغَيرهمَا حَتَّى كَانَ تيمورلنك يعظمه ويحترمه ويميزه على غَيره بِحَيْثُ يدْخل عِنْده فِي حريمه ويستشيره ويرسله فِي مهماته وذكربعض من تَرْجمهُ أَن الْفُقَهَاء تعصبوا عَلَيْهِ وبالغوا فِي التشنيع ورموه بعظايم الظَّن برأته عَن أَكْثَرهَا قلت وَهَذَا غير بعيد لاسيما وَقد صَار مُعظما عِنْد سلطانهم مقدما فِي مناسبهم مَعَ كَونه لَيْسَ مِنْهُم فَإِن ذَلِك مِمَّا
(2/207)

يُؤثر الطعْن بِغَيْر سَبَب وَمَات فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة 829 تسع وَعشْرين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين البابلي القاهري الشَّافِعِي أَبُو عبد الله الإِمَام الْكَبِير مُسْند الدُّنْيَا

أَخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة من جَمِيع الطوائف وَكَانَ ضريرا يملي دواوين الْإِسْلَام جَمِيعًا من حفظه وَطَالَ عمره وجاور بِالْحرم مرَّتَيْنِ وَأَرَادَ سُلْطَان الرّوم إشخاصه إِلَيْهِ فَامْتنعَ وَلَعَلَّه جَاوز الْمِائَة أَو ناهزها وَمَات فِي عشر الثَّمَانِينَ بعد الْألف وَله مَجْمُوع ذكر فِيهِ أسانيده ورواياته وَهُوَ مَوْجُود بأيدي المشتغلين بِهَذَا الشَّأْن
مُحَمَّد بن على بن أيبك السروجي أَبُو عبد الله الْحَافِظ

وَقيل أَبُو حَامِد ولد سنة 714 أَربع عشرَة وَسَبْعمائة وعني بالرواية فَسمع الْكثير من محدثي مصر وَالشَّام كالدبوسي وَابْن الْمصْرِيّ وَأَصْحَاب النجيب وَابْن عبد الدَّائِم وَابْن سيد النَّاس وَمهر إِلَى أَن بلغ الْغَايَة فِي الْحِفْظ وَكَانَ سريع الْكِتَابَة وَالْقِرَاءَة دينا ظريفا وَكتب مَالا يُحْصى وَقَرَأَ الْكتب المطولة كمعجم الطبراني الْكَبِير ومستخرج أَبى نعيم على مُسلم وَغير ذَلِك وَوَصفه المزى والبرزالى والذهبي وَابْن حجر بِالْحِفْظِ
قَالَ الصفدي مَا رَأَيْت بعد ابْن سيد النَّاس من يقْرَأ أسْرع مِنْهُ وَلَا أفْصح وَمَا سَأَلته عَن شئ من تراجم النَّاس ووفياتهم وأعصارهم وتصانيفهم إلا وجدته فِي حفظه لَا يغيب عَنهُ شئ وَشرع فِي جمع الثِّقَات فَكتب بعضه وَلَو كمل لَكَانَ فِي أَكثر من عشْرين مجلدا وَخرج لنَفسِهِ مائَة حَدِيث متباينة أَجَاد فِيهَا قَالَ الذهبي سمعنَا مِنْهُ تسعين مِنْهَا قَالَ الصفدي وَكَانَ فِيهِ مَعَ ذَلِك ذوق الأدباء
(2/208)

وَفهم الشُّعَرَاء وخفة روح الظرفاء يستحضر من الشّعْر الْقَدِيم والْحَدِيث جملَة كَثِيرَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَعْدُود فِي زمرة الْحفاظ وَلَو علت سنه لَكَانَ أعجوبة الزَّمَان لكنه مَاتَ سنة 744 أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة عَن ثَلَاثِينَ سنة
السَّيِّد مُحَمَّد بن علي بن الْحسن بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن نَاصِر ابْن علي بن علي بن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل بن الْحُسَيْن بن أَحْمد ابْن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الصَّادِق

الْحَافِظ شمس الدَّين أَبُو المحاسن الدمشقي ولد سنة 715 خمس عشرَة وَسَبْعمائة وَسمع من ابْن عبد الدَّائِم والمزى وخلائق وَطلب بِنَفسِهِ فَأكْثر وَكتب بِخَطِّهِ فَبَالغ ورحل إِلَى مصر فَسمع من الميدومي وَغَيره
قَالَ الذهبي فِي الْمُخْتَص الْعَلامَة الْفَقِيه الْمُحدث طلب وَكتب وَهُوَ فِي زِيَادَة من التَّحْصِيل والتخريج والإفادة وَقَالَ ابْن كثير جمع رجال الْمسند وَجمع كتابا سَمَّاهُ التَّذْكِرَة فِي رجال الْعشْرَة اختصر التَّهْذِيب وَحذف مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي السِّتَّة وأضاف إِلَيْهِم من فِي الْمُوَطَّأ والمسند ومسند الشافعى ومسند أَبى حنيفَة للجاربى وَاخْتصرَ الْأَطْرَاف ورتبه على الْأَلْفَاظ وَله مُجَلد لطيف فِي لذات الْحمام وَله الْعرف الذكي فِي النّسَب الزكي وَله ذيل على العبر للذهبي وَولى مشيخه دَار الحَدِيث وَله تَعْلِيق على الْمِيزَان بَين فِيهِ كثيراً من الأوهام وَشرع فِي شرح سنَن النَّسَائِيّ وذيل على طَبَقَات الذهبي وَمَات كهلا فِي آخر شعْبَان سنة 765 خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلَو طَال عمره كَغَيْرِهِ من الْحفاظ لَكَانَ من محَاسِن متأخريهم على أنه كَذَلِك مَعَ قصر عمره
(2/209)

مُحَمَّد بن على بن حُسَيْن العمراني ثمَّ الصنعاني

ولد فِي شهر سنة 1194 أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف واشتغل بِطَلَب عُلُوم الِاجْتِهَاد على جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر كالسيد الْعَلامَة الْحسن ابْن يحيى الكبسي وَالْقَاضِي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَغير هَؤُلَاءِ من المدرسين وبرع فِي الْعُلُوم الاجتهادية وَصَارَ فِي عداد من يعْمل بِالدَّلِيلِ وَلَا يعرج على القال والقيل وَبلغ فِي المعارف إِلَى مَكَان جليل وَقد أَخذ عَنى من جملَة الطّلبَة وَهُوَ قوي الذِّهْن سريع الْفَهم جيد الْإِدْرَاك ثاقب النظر يقل وجود نَظِيره فِي هَذَا الْعَصْر مَعَ تواضع وإعراض عَن الدُّنْيَا وَعدم اشْتِغَال بِمَا يشْتَغل بِهِ من هُوَ دونه بمراحل من تَحْسِين الْهَيْئَة وَلَيْسَ مَا يشابه المتظهر بِالْعلمِ كثر الله فَوَائده ونفع بِعُلُومِهِ
وَهُوَ يزْدَاد من المعارف العلمية فِي كل وَقت وَقد سمع علي غَالب الْأُمَّهَات السِّت وَفِي الْعَضُد وحواشيه والمطول وحواشيه والكشاف وحواشيه وَغير هَذِه الْكتب وَسمع مني أَكثر مصنفاتي وَكثر اشْتِغَاله بِعلم الحَدِيث وَرِجَاله حَتَّى صَار الْآن من أعظم رجال هَذَا الشَّأْن وَله مُصَنف على سنَن ابْن مَاجَه جعله أَولا كالتخريج ثمَّ جَاوز ذَلِك إِلَى شرح الْكتاب وَهُوَ إِلَى الْآن فِي عمله وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعه وَكَثْرَة فنونه وإتقانه
(2/210)

مُحَمَّد بن علي بن جَعْفَر بن مُخْتَار الشَّمْس أَبُو عبد الله القاهرى الحسينى الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن قمر

ولد على رَأس الْقرن الثَّامِن وَقيل سنة 803 ثَلَاث وثمان مائَة وَنَشَأ بِالْقَاهِرَةِ فحفظ عدَّة مختصرات وعرضها على جمَاعَة من الْعلمَاء وَأخذ عَن الْعِزّ بن جمَاعَة والبلقيني والبرماوي والولى العراقى والحافظ بن حجر ولازمه حَتَّى حمل عَنهُ جملَة من الْكتب الْكِبَار وَطلب بِنَفسِهِ وَكتب الْكثير وارتحل إِلَى الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس والخليل وَمَكَّة ودمشق وحلب وإسكندرية وَغَيرهَا وَأخذ عَن مشائخ هَذِه الديار واشتهر بِالْحَدِيثِ ودرس بمدارس عدَّة وَتَوَلَّى قَضَاء بعض الْجِهَات وصنف تصانيف مِنْهَا معِين الطلاب فِي معرفَة الْأَنْسَاب وَشرع فِي اخْتِصَار أطراف المزي وَسَماهُ ألطاف الْأَشْرَاف بزهر الْأَطْرَاف وَغير ذَلِك مَعَ الْمُلَازمَة للطاعات والتواضع وَطرح التَّكَلُّف والانجماع وَقد وَصفه السخاوي بِكَثِير الأوهام وَعدم حسن التَّصَرُّف وَكَونه غير بارع بفن الحَدِيث وَلَا غَيره فَالله أعلم وَمَات فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة 876 سِتّ وَسبعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن علي بن عبد الْوَاحِد بن يحيى بن عبد الرَّحِيم الدكالي أَبُو أُمَامَة ابْن النقاش

ولد فِي نصف رَجَب سنة 725 خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأخذ الْقرَاءَات عَن الْبُرْهَان الرشيدي والعربية عَن ابْن الصَّانِع وأبي حَيَّان وَحفظ الحاوي الصَّغِير وَكَانَ يَقُول أنه أول من حفظه بِالْقَاهِرَةِ وَتقدم فِي الْفُنُون وصنف شرح الْعُمْدَة فِي ثَمَان مجلدات وَتَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ
(2/211)

وشرحا على الألفية وكتابا فِي الْفرق وكتابا فِي التَّفْسِير مطولا جدا وَالْتزم أَن لَا ينْقل حرفا عَن تَفْسِير أحد مِمَّن تقدمه
قَالَ الصفدي وَكَانَت طَرِيقَته فِي التَّفْسِير غَرِيبَة مَا رَأَيْت لَهُ فِي ذَلِك نظيرا وَله نظم فَمِنْهُ أبيات من جُمْلَتهَا هَذَا الْبَيْت
(وَأَتَتْ وَلم تضرب لوصل موعدا ... أحلى المنى مالم يكن عَن موعد)
وَمَات فِي شهر ربيع سنة 763 ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلم يبلغ أَرْبَعِينَ سنة
مُحَمَّد بن علي بن عبد الْوَاحِد الْأنْصَارِيّ الدمشقي ابْن الزملكاني كَمَال الدَّين

ولد فِي شهر شَوَّال سنة 667 سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَسمع من الْمُسلم ابْن عَلان وَابْن الواسطي وَابْن القواس وَغَيرهم وَطلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَكَانَ فصيح الْقِرَاءَة سريعها لَهُ خبْرَة بالمتون وتفقه على الشَّيْخ تَاج الدَّين ابْن الفركاج وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن بدر الدَّين بن مَالك قَالَ الأدفوئي هُوَ أحد الْمُتَقَدِّمين فِي الْفَتَاوَى والتدريس والمجالس والمرجوع إِلَيْهِم فِي المناظرة وَكَانَ ذكى الْفطْرَة نَافِذ الذِّهْن فصيح الْعبارَة وَأطلق عَلَيْهِ الذهبي عَالم الْعَصْر وكبير الشَّافِعِيَّة قَالَ وَكَانَ بَصيرًا بِالْمذهبِ وأصوله قوي الْعَرَبيَّة ذكيا فطنا فَقِيه النَّفس لَهُ الْيَد الْبَيْضَاء فِي النظم والنثر وَكَانَ يضْرب بذكائه الْمثل افتى وَله نَيف وَعشْرين سنة وَتخرج غَالب عُلَمَاء الْعَصْر عَلَيْهِ وَلم يرَوا غَيره فِي كرم نَفسه وعلو همته وتجمله فِي مأكله وملبسه وصنف رِسَالَة فِي الرَّد على ابْن تَيْمِية فِي الطَّلَاق
وَأُخْرَى فِي الرَّد عَلَيْهِ فِي الزِّيَارَة وعلق على الْمِنْهَاج وَكَانَ يلقي دروسه فِي النِّهَايَة لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَدخل ديوَان
(2/212)

الْإِنْشَاء وَوَقع فِي الدست وَولى نظر المارستان ودرس بمدارس وَولى نظر الدِّيوَان ووكالة بَيت المَال وَنظر الخزانة
قَالَ ابْن كثير انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة الْمَذْهَب تدريسا وافتاء ومناظرة وساد أقرانه بذهنه الْوَقَّاد وتحصيله الذي مَنعه الرقاد وَعبارَته الرايقة وكلماته الفائقة وَلم يسمع أحد من النَّاس يدرس أحسن مِنْهُ وَلَا سَمِعت أحلى من عِبَارَته وجودة تَقْرِيره وَصِحَّة ذهنه وَقُوَّة قريحته انْتهى
ثمَّ لما ولي قَضَاء حلب وَطَلَبه النَّاصِر على الْبَرِيد ليوليه قَضَاء دمشق فَتوجه إلى الْقَاهِرَة فَمَاتَ فِي الطَّرِيق فَيُقَال أَنه مَاتَ مسموما وروى أنه لما مرض قَالَ أَنا ميت وَلَا أتولى بعد قَضَاء حلب شَيْئا لِأَنَّهُ كَانَ لي شيخ أدخلني الْخلْوَة وأمرني بصيام ثَلَاثَة أَيَّام أفطر فِيهَا على المَاء واللبان فاتفق آخر الثَّلَاث يَوْم النّصْف من شعْبَان فخيل إِلَى وَأَنا فِي الصَّلَاة قبَّة عَظِيمَة بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وظاهرها مراقى فَصَعدت فَكنت أرى على مرقاة مَكْتُوبًا نظر الخزانة وعَلى آخر الْوكَالَة وعَلى آخر مدرسة كَذَا وعَلى آخر مرقاة قَضَاء حلب وأفقت من غيبتي وعدت إِلَى حسيى فَقَالَ لي الشَّيْخ الْقبَّة الدُّنْيَا والمراقي الْمَرَاتِب والذي رَأَيْته تناله كُله فَكَانَ كَذَلِك وَكَانَ مَوته فِي سادس عشر رَمَضَان سنة 727 سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَدفن بالقرافة بِالْقربِ من الإِمَام الشَّافِعِي
الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن احْمَد الْمَعْرُوف بالسراجي

ولد سنة 845 خمس وَأَرْبَعين وثمان وَمِائَة وَقَرَأَ الْعُلُوم حَتَّى صَار من أكَابِر عُلَمَاء عصره ودعا إِلَى نَفسه سنة 900 وَبَايَعَهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الزيدية وأجابه كثير من الرعية وَفتح مَوَاضِع وَوَقعت بَينه وَبَين السُّلْطَان
(2/213)

عَامر بن عبد الْوَهَّاب حروب كَانَ فِي آخرهَا أسر صَاحب التَّرْجَمَة فسجنه وَفرج الله عَنهُ بِالْمَوْتِ بعد ثَلَاثَة أشهر وَكَانَ أسره وَمَوته فِي سنة 910 عشر وَتِسْعمِائَة وَدفن عِنْد جده بِمَسْجِد من مَسَاجِد صنعاء يُقَال لَهُ مَسْجِد الأجذم
مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْجمال أَبُو المحاسن القرشي العبدرى المكى الشافعى المشيبي

ولد فِي رَمَضَان سنة 779 تسع وَسبعين وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا فَسمع من النويري وَابْن صديق والصدر المناوي والزين العراقي وَآخَرين وتفقه بالجمال بن ظهيرة وَغَيره واشتغل فِي فنون ونظم الشّعْر الْحسن وتمهر فِي الْأَدَب وَصرف أوقاته إِلَيْهِ حَتَّى كَانَ لَا يعرف الْآيَة وَجمع كتابا فِيمَا لَا يَسْتَحِيل بالانعكاس فِي ثَلَاث مجلدات وتمثال الْأَمْثَال فِي مُجَلد وذيلا لحياة الْحَيَوَان مَعَ اخْتِصَار الأَصْل وَشرح الْحَاوِي الصَّغِير وَدخل بِلَاد الشرق وبلاد الْيمن وَأقَام بهَا مُدَّة ورزق من ملكهَا النَّاصِر الْحَظ الوافر وَولى سدانة الْكَعْبَة ثمَّ قَضَاء مَكَّة وَنظر الْحرم قَالَ ابْن حجر بعد ثنائه عَلَيْهِ وَلم يكن يعاب إلا بِمَا يرْمى بِهِ من تنَاول لبن الخشخاش وَهُوَ الأفيون وَمن تصانيفه اللطف فِي الْقَضَاء وحوادث زَمَانه وَمَات فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر ربيع الأول سنة 837 سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن عبد الله الشوكاني ثمَّ الصنعاني مُصَنف هَذَا الْكتاب

قد تقدم بِمَا نسبة إِلَى آدم عَلَيْهِ السَّلَام فِي تَرْجَمَة وَالِده رَحمَه الله ولد
(2/214)

حَسْبَمَا وجد بِخَط وَالِده فِي وسط نَهَار يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر الْقعدَة سنة 1173 ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وَألف بِمحل سلفه الْمُتَقَدّم ذكره فِي تَرْجَمَة وَالِده وَهُوَ هِجْرَة شوكان وَكَانَ إذ ذَاك قد انْتقل وَالِده إِلَى صنعاء واستوطنها وَلكنه خرج إِلَى وَطنه الْقَدِيم فِي أيام الخريف فولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة هُنَالك وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ الْقُرْآن على جمَاعَة من المعلمين وختمه على الْفَقِيه حسن بن عبد الله الهبل وجوده على جمَاعَة من مشائخ الْقُرْآن بِصَنْعَاء ثمَّ حفظ الأزهار للإمام المهدي ومختصر الْفَرَائِض للعصيفري والملحة للحريري والكافية والشافية لِابْنِ الْحَاجِب
والتهذيب للتفتازاني وَالتَّلْخِيص للقزويني والغاية لِابْنِ الإمام وَبَعض مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب ومنظومة الجزري ومنظومة الجزاز فِي الْعرُوض وآداب الْبَحْث للعضد
ورسالة الْوَضع لَهُ أَيْضا وَكَانَ حفظه لهَذِهِ المختصرات قبل الشُّرُوع فِي الطلب وَبَعضهَا بعد ذَلِك ثمَّ قبل شُرُوعه فِي الطّلب كَانَ كثير الِاشْتِغَال بمطالعة كتب التواريخ ومجاميع الْأَدَب من أَيَّام كَونه فِي الْمكتب فطالع كتبا عدَّة ومجاميع كَثِيرَة ثمَّ شرع فِي الطلب وَقَرَأَ على وَالِده رَحمَه الله فِي شرح الأزهار وَشرح الناظري لمختصر العصيفري وَقَرَأَ فِي شرح الأزهار أَيْضا على السَّيِّد الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن قَاسم المداني والعلامة أَحْمد بن عَامر الحدائي والعلامة أَحْمد بن مُحَمَّد بن الحرازي وَبِه انْتفع فِي الْفِقْه وَعَلِيهِ تخرج وطالت ملازمته لَهُ نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وَكرر عَلَيْهِ قِرَاءَة شرح الأزهار وحواشيه وَقَرَأَ عَلَيْهِ بَيَان ابْن مظفر وَشرح الناظري وحواشيه وَفِي أَيَّام قِرَاءَته فِي الْفُرُوع شرع فِي قِرَاءَة النَّحْو فَقَرَأَ الملحة وَشَرحهَا على السَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن الْحسن بن أَحْمد
(2/215)

ابْن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وقواعد الْإِعْرَاب وَشَرحهَا للأزهري والحواشي جَمِيعًا على الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي وَشرح السَّيِّد الْمُفْتى على الكافية على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الْخَولَانِيّ والعلامة عبد الله ابْن إِسْمَاعِيل النهمي وأكمله من أَوله إِلَى آخِره على كل وَاحِد مِنْهُمَا وَقَرَأَ شرح الخبيصي على الكافية وحواشيه على الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي من أَوله إِلَى آخِره وَكَذَلِكَ قَرَأَهُ من أَوله إِلَى آخِره على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَقَرَأَ شرح الجامي من أَوله لآخره وَقَرَأَ شرح الرضى على الكافية على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الْخَولَانِيّ وبقى مِنْهُ بَقِيَّة يسيرَة وَقَرَأَ شرح الشافية للطف الله الغياث جَمِيعًا على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الْخَولَانِيّ وَقَرَأَ شرح ايساغوجى للقاضى زَكَرِيَّا على الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي جَمِيعًا وَشرح التَّهْذِيب للشيرازى واليزدي على شَيْخه الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني من أَولهمَا إِلَى آخرهما وَشرح الشمسية للقطب وحاشيته للشريف على شَيْخه الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَاقْتصر على الْبَعْض من ذَلِك وَشرح التخليص الْمُخْتَصر للسعد وحاشيته للطف الله الغياث على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الْخَولَانِيّ جَمِيعًا مَا عدا بعض الْمُقدمَة فعلى الْعَلامَة علي بن هادي عرهب
وَالشَّرْح المطول للسعد التفتازاني أَيْضا وحاشيته للشلبي وللشريف أما المطول فجميعه وَكَذَلِكَ حَاشِيَة الشلبى وَأما حَاشِيَة الشريف فَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة وَقَرَأَ الكافل وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان على الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي جَمِيعًا وَشرح الْغَايَة على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وحاشيته لسيلان وَشرح الْعَضُد على الْمُخْتَصر وحاشيته للسعد وَمَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ من سَائِر الحواشى وكمل ذَلِك على
(2/216)

الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَشرح جمع الْجَوَامِع للمحلي وحاشيته لِابْنِ أَبى شرِيف على شَيْخه السَّيِّد الإِمَام عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَكَذَلِكَ شرح القلائد للنجري وَشرح المواقف العضدية للشريف وَاقْتصر على الْبَعْض من ذَلِك
وَقَرَأَ شرح الجزرية على الْعَلامَة هادي بن حُسَيْن القارني وَقَرَأَ جَمِيع شِفَاء الْأَمِير الْحُسَيْن
على الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي وَسمع أَوَائِله على الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن حسن الْأَكْوَع وَقَرَأَ الْبَحْر الزخار وحاشيته وتخريجه وضوء النَّهَار على شرح الأزهار على السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَلم يكملا
وَقَرَأَ الْكَشَّاف وحاشيته للسعد وَبعد انقطاعها حَاشِيَته للسراج مَعَ مُرَاجعَة غير ذَلِك من الحواشي على شَيْخه الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَتمّ ذَلِك إِلَّا فوتا يَسِيرا فِي آخر الثُّلُث الْأَوْسَط وَسمع البخاري من أَوله إِلَى آخِره على السَّيِّد الْعَلامَة على ابْن إِبْرَاهِيم بن علي بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَامر وَسمع صَحِيح مُسلم جَمِيعًا وَسنَن الترمذي جَمِيعًا وَبَعض موطأ مَالك وَبَعض شِفَاء القاضي عِيَاض على السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَكَذَلِكَ سمع مِنْهُ بعض جَامع الْأُصُول وَبَعض سنَن النسائي وَبَعض سنَن ابْن مَاجَه وَسمع جَمِيع سنَن أَبى دَاوُد وتخريجها للمنذري وَبَعض المعالم للخطابي وَبَعض شرح ابْن رسْلَان على الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَكَذَلِكَ بعض الْمُنْتَقى لِابْنِ تَيْمِية على السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَكَذَلِكَ سمع شرح بُلُوغ المرام على الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَفَاتَ بعض من أَوله وَكَذَلِكَ سمع على الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد بعض فتح البارى وعَلى الْحسن ابْن إِسْمَاعِيل المغربي بعض شرح مُسلم للنووي وَبَعض شرح الْعُمْدَة على
(2/217)

الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الْخَولَانِيّ
والتنقيح فِي عُلُوم الحَدِيث على الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي والنخبة وَشَرحهَا على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى وَبَعض ألفية الزين العراقي وَشَرحهَا لَهُ على الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَجَمِيع منظومة الجزاز وَجَمِيع شرحها لَهُ فِي الْعرُوض
على شَيخنَا الْمَذْكُور وَشرح آدَاب الْبَحْث وحواشيه على الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الْخَولَانِيّ والخالدي فِي الفرايض وَالضَّرْب والوصايا والمساحة وَطَرِيقَة ابْن الهايم فِي المناسخة على السَّيِّد الْعَارِف يحيى بن مُحَمَّد الحوثي وَبَعض صِحَاح الجوهري وَبَعض الْقَامُوس على السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد مَعَ مُؤَلفه الذي سَمَّاهُ فلك الْقَامُوس
هَذَا مَا أمكن سرده من مسموعات صَاحب التَّرْجَمَة ومقرواته وَله غير ذَلِك من المسموعات والمقروات
وَأما مَا يجوز لَهُ رِوَايَته بِمَا مَا مَعَه من الإجازات فَلَا يدْخل تَحت الْحصْر كَمَا يحْكى ذَلِك مَجْمُوع أسانيده وَكَانَت قِرَاءَته لما تقدم ذكره فِي صنعاء الْيمن وَلم يرحل لأعذار
أَحدهَا عدم الْإِذْن من الْأَبَوَيْنِ وَقد درس فِي جَمِيع مَا تقدم ذكره وَأَخذه عَنهُ الطّلبَة وتكرر أَخذهم عَنهُ فِي كل يَوْم من تِلْكَ الْكتب وَكَثِيرًا مَا كَانَ يقْرَأ على مشايخه فَإذْ أفرغ من كتاب قِرَاءَة أَخذه عَنهُ تلامذته بل رُبمَا اجْتَمعُوا على الْأَخْذ عَنهُ قبل أَن يفرغ من قِرَاءَة الْكتاب على شَيْخه وَكَانَ يبلغ دروسه فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِلَى نَحْو ثَلَاثَة عشر درسا مِنْهَا مَا يَأْخُذهُ عَن مشايخه وَمِنْهَا مَا يَأْخُذهُ عَنهُ تلامذته وَاسْتمرّ على ذَلِك مُدَّة حَتَّى لم يبْق عِنْد اُحْدُ من شُيُوخه مالم يكن من جملَة مَا قد قَرَأَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بل انْفَرد بمقروات بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم على انْفِرَاده إلا شَيْخه
(2/218)

الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد فَإِنَّهُ مَاتَ وَلم يكن قد استوفى مَا عِنْده ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة فرغ نَفسه لإِفَادَة الطّلبَة فَكَانُوا يَأْخُذُونَ عَنهُ فِي كل يَوْم زِيَادَة على عشرَة دروس فِي فنون متعدة وَاجْتمعَ مِنْهَا فِي بعض الْأَوْقَات التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأُصُول والنحو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق وَالْفِقْه والجدل وَالْعرُوض وَكَانَ فِي أَيَّام قِرَاءَته على الشُّيُوخ وإقرائه لتلامذته يُفْتى أهل مَدِينَة صنعاء بل وَمن وَفد إِلَيْهَا بل ترد عَلَيْهِ الْفَتَاوَى من الديار التهامية وشيوخه إذ ذَاك أَحيَاء وكادت الْفتيا تَدور عَلَيْهِ من أَعْوَام النَّاس وخواصتهم وَاسْتمرّ يُفْتى من نَحْو الْعشْرين من عمره فَمَا بعد ذَلِك وَكَانَ لَا يَأْخُذ على الْفتيا شَيْئا تنزها فَإِذا عوتب فِي ذَلِك قَالَ أَنا أخذت الْعلم بِلَا ثمن فَأُرِيد إنفاقه كَذَلِك وَأخذ عَنهُ الطّلبَة كتبا غير الْكتب المتقدمه مِمَّا لَا طَرِيق لَهُ فِيهَا الا الاجارة وهي كَثِيرَة جدا فِي فنون عدَّة بل أخذُوا عَنهُ فِي فنون دقيقة لم يقْرَأ فِي شئ مِنْهَا كعلم الْحِكْمَة الَّتِى مِنْهَا علم الرياضي والطبيعي والإلهي وكعلم الْهَيْئَة وَعلم المناظر وَعلم الْوَضع
وصنف تصانيف مطولات ومختصرات فَمِنْهَا شرح الْمُنْتَقى كَانَ تبييضه فِي أَربع مجلدات كبار أرشده إِلَى ذَلِك جمَاعَة من شُيُوخه كالسيد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد والعلامة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَعرض عَلَيْهِمَا بَعْضًا مِنْهُ وَمَاتَا قبل تَمَامه
وَمِنْهَا حَاشِيَة شِفَاء الأوام فِي مُجَلد والدرر البهية وَشَرحهَا الدرارى المضية فِي مُجَلد والفوائد الْمَجْمُوعَة فِي الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فِي مُجَلد وَهَذَا الْكتاب فِي مُجَلد
وَمن المختصرات الْإِعْلَام بالمشايخ الْأَعْلَام والتلامذة الْكِرَام
(2/219)

جعله كالمعجم لشيوخه وتلامذته وَقد ذكر أكابرهم فِيمَا يتَقَدَّم وَيَأْتِي من هَذَا الْكتاب وبغية الأريب من مغني اللبيب نظم ذكر فِيهَا مَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ وَشَرحهَا
ونظم كِفَايَة المحتظ وَلم يبيض وَكَانَ نظمه لهاتين المنظومتين فِي أَوَائِل أَيَّام طلبه والمختصر البديع فِي الْخلق الوسيع
ذكر فِيهَا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والإنس وسرد غَالب ماورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَتكلم عَلَيْهَا فَصَارَ فِي مُجَلد لطيف وَلكنه لم يبيضه والمختصر الكافى من الْجَواب الشافي وَطيب النشر فِي جَوَاب الْمسَائِل الْعشْر وعقود الزبرجد فِي جيد مسَائِل عَلامَة ضمد والصوارم الْهِنْدِيَّة المسلولة على الرياض الندية ورسالة فِي أحكام الِاسْتِجْمَار ورسالة فِي أحكام النفاس ورسالة فِي كَون تَطْهِير الثِّيَاب وَالْبدن من شَرَائِط الصَّلَاة أم لَا ورسالة فِي الْكَلَام على وجوب الصَّلَاة على النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّلَاة ورسالة فِي صَلَاة التَّحِيَّة وَالْقَوْل الصَّادِق فِي إمامة الْفَاسِق ورسالة فِي أَسبَاب سُجُود السَّهْو وتشنيف السمع بِإِبْطَال أَدِلَّة الْجمع والرسالة المكملة فِي أَدِلَّة الْبَسْمَلَة واطلاع أَرْبَاب الْكَمَال على مَا فِي رِسَالَة الْجلَال فِي الْهلَال من الاختلال ورسالة فِي وجوب الصَّوْم على من لم يفْطر إِذا وَقع الإشعار فِي دُخُول رَمَضَان فِي النَّهَار ورسالة فِي زِيَادَة ثَوَاب من بَاشر الْعِبَادَة مَعَ مشقة ورسالة فِي كَون أُجْرَة الْحَج من الثُّلُث ورسالة فِي كَون الْخلْع طَلَاقا أَو فسخا ورسالة فِي حكم الطَّلَاق ثَلَاثًا ورسالة فِي الطَّلَاق البدعي ورسالة فِي نَفَقَة الْمُطلقَة ورسالة فِي كَون رضَاع الْكَبِير يقتضي التَّحْرِيم لعذر وَفِيمَا يقتضي التَّحْرِيم من الرَّضَاع ورسالة فِي من حلف ليقضين دينه
(2/220)

غَدا إن شَاءَ الله ورسالة فِي بيع الشئ قبل قَبضه وتنبيه ذوى الحجى فِي حكم بيع الرجا وشفاء الْعِلَل فِي حكم زِيَادَة الثمن لأجل الْأَجَل ورسالة فِي الْهَيْئَة لبَعض الأولاد ورسالة فِي جَوَاز استناد الْحَاكِم فِي حكمه إِلَى تَقْوِيم الْعُدُول وَالْقَوْل الْمُحَرر فِي حكم لبس المعصفر وَسَائِر أَنْوَاع الاحمر والبحث المسفر عَن تَحْرِيم كل مُسكر ومفتر ورسالة فِي الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ ضِرَارًا ورسالة فِي الْقيام للواصل لمُجَرّد التَّعْظِيم ورسائل فِي أحكام لبس الْحَرِير ورسالة فِي حكم المخابرة واتحاف المهرة بالْكلَام على حَدِيث لَا عدوى وَلَا طيرة ورسالة فِي حكم بيع المَاء ورسالة فِي حكم صبيان الذميين إِذا مَاتَ أبواهم ورسائل على مسَائِل من السَّيِّد الْعَلامَة علي ابْن إِسْمَاعِيل ورسالة فِي حكم طَلَاق الْمُكْره وابطال دَعْوَى الإجماع على تَحْرِيم مُطلق السماع ورسالة فِي حكم الْجَهْر بِالذكر وعقود الجمان فِي شَأْن حُدُود الْبلدَانِ وَمَا يتَعَلَّق بهَا من الضَّمَان ورسالة على مسَائِل لبَعض عُلَمَاء الْحجاز ورسالة فِي الْكُسُوف هَل لَا يكون إلا فِي وَقت معِين على الْقطع أم ذَلِك يتَخَلَّف وزهر النسرين الفائح بفضائل العمرين وَحل الْإِشْكَال فِي إجبار الْيَهُود على الْتِقَاط الأزبال والإبطال لدعوى الاختلال فِي حل الاشكال وتفويق النبال إِلَى إرسال الْمقَال ورسالة فِي مسَائِل وَقع الِاخْتِلَاف فِيهَا بَين عُلَمَاء كوكبان ورسالة فِي لُحُوق ثَوَاب الْقِرَاءَة المهداة من الْأَحْيَاء إِلَى الْأَمْوَات والتشكيك على التفكيك لعقود التشكيك وارشاد الغبي إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت فِي صحب النبى وَرفع الْجنَاح عَن نافي الْمُبَاح والبغية فِي مسئلة الرُّؤْيَة ورسالة فِي حكم المولد وَالْقَوْل المقبول فِي رد خبر الْمَجْهُول من غير صحابة
(2/221)

الرَّسُول وأمنية المتشوق فِي تَحْقِيق حكم الْمنطق وإرشاد المستفيد إِلَى رفع كَلَام ابْن دَقِيق الْعِيد فِي الْإِطْلَاق والتقليد والصوارم الْحداد القاطعة لعلائق مقالات أَرْبَاب الِاتِّحَاد والبحث الملم بقوله تَعَالَى الا من ظلم وَجَوَاب السَّائِل عَن تَفْسِير تَقْدِير الْقَمَر منَازِل ووبل الغمامة فِي تَفْسِير وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وتحرير الدَّلَائِل فِيمَا يجوز بَين الإِمَام والمؤتم من الِارْتفَاع والاحتفاظ والبعد والحائل وَفتح الْقَدِير فِي الْفرق بَين المعذرة والتعذير واتحاف الأكابر باسناد الدفاتر وتنبيه الْأَعْلَام على تَفْسِير المشتبهات بَين الْحَلَال وَالْحرَام وَرفع الْخِصَام فِي الحكم بِالْعلمِ من الْأَحْكَام والدر النضيد فِي اخلاص التَّوْحِيد وايضاح الدلالات على أَحْكَام الخيارات وَدفع الاعتراضات على ايضاح الدلالات والتوضيح فِي تَوَاتر مَا جَاءَ فِي المنتظر والدجال والمسيح والأبحاث الوضية فِي الْكَلَام على حَدِيث حب الدُّنْيَا رَأس كل خطية وإشراق النيرين فِي بَيَان الحكم إِذا تخلف عَن الْوَعْد أحد الْخَصْمَيْنِ وَالْقَوْل الجلى فِي لبس النِّسَاء الحلى والأبحاث البديعة فِي وجوب الْإِجَابَة إِلَى حكام الشَّرِيعَة وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي حكم التَّقْلِيد والوشى المرقوم فِي تَحْرِيم حلية الذَّهَب على الْعُمُوم وإرشاد السَّائِل إِلَى دَلَائِل الْمسَائِل وكشف الرين عَن حَدِيث ذى الْيَدَيْنِ وهداية القَاضِي إِلَى نُجُوم الْأَرَاضِي وإيضاح القَوْل فِي إِثْبَات الْعَوْل واللمعة فِي الِاعْتِدَاد بِرَكْعَة من الْجُمُعَة وأدب الطّلب ومنتهى الأرب وَقد يعقب هَذِه المصنفات مصنفات كَثِيرَة يطول تعدادها وَهُوَ الْآن يجمع تَفْسِيرا لكتاب الله جَامعا بَين الدارية وَالرِّوَايَة ويرجو
(2/222)

الله أَن يعين على تَمَامه بمنه وفضله ثمَّ منّ الله وَله الْحَمد بِتَمَامِهِ فِي أَرْبَعَة مجلدات كبار وَشرع فِي كتاب فِي أصُول الْفِقْه سَمَّاهُ إرشاد الفحول إِلَى تَحْقِيق الْحق من علم الْأُصُول وَهُوَ الْآن فِي عمله أعَان الله على تَمَامه ثمَّ تم ذَلِك بِحَمْد الله فِي مُجَلد وَقد جمع من رسائله ثَلَاث مجلدات كبار ثمَّ لحق بعد ذَلِك قدر مُجَلد وسمى الْجَمِيع الْفَتْح الرباني فِي فَتَاوَى الشوكاني وَجَمِيع ذَلِك رسائل مُسْتَقلَّة وأبحاث مطولة وَأما الْفَتَاوَى المختصرة لَا تَنْحَصِر أبداًَ وَهُوَ الْآن يشْتَغل بتصنيف الْحَاشِيَة الَّتِى جعلهَا على الأزهار وَقد بلغ فِيهَا إِلَى كتاب الْجِنَايَات وسماها السَّيْل الجرار على حدائق الأزهار وهي مُشْتَمِلَة على تَقْرِير مادل عَلَيْهِ الدَّلِيل وَدفع مَا خَالفه والتعرض لما ينبغي التَّعَرُّض لَهُ والاعتراض عَلَيْهِ من شرح الْجلَال وحاشيته وَهَذَا الْكتاب إن أعَان الله على تَمَامه فسيعرف قدره من يعْتَرف بالفضائل وَمَا وهب الله لِعِبَادِهِ من الْخَيْر
هَذِه مَا أمكن خطوره بالبال حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة وَلَعَلَّ مالم يذكر أَكثر مِمَّا ذكر وَقد كَانَ جَمِيع مَا تقدم من الْقِرَاءَة على شُيُوخه فِي تِلْكَ الْفُنُون وَقِرَاءَة تلامذته لَهَا عَلَيْهِ مَعَ غَيرهَا وتصنيف بعض مَا تقدم
(2/223)

تحريره قبل أَن يبلغ صَاحب التَّرْجَمَة أَرْبَعِينَ سنة بل درس فِي شَرحه للمنتقى قبل ذَلِك وَترك التَّقْلِيد واجتهد رَأْيه اجْتِهَادًا مُطلقًا غير مُقَيّد وَهُوَ قبل الثَّلَاثِينَ وَكَانَ منجمعا عَن بني الدُّنْيَا لم يقف بِبَاب أَمِير وَلَا قَاض وَلَا صحب أحدا من أهل الدُّنْيَا وَلَا خضع لمطلب من مطالبنا بل كَانَ مشتغلا فِي جَمِيع أوقاته بِالْعلمِ درسا وتدريسا وإفتاء وتصنيفا عائشا فِي كنف وَالِده رَحمَه الله رَاغِبًا فِي مجالسة أهل الْعلم وَالْأَدب وملاقاتهم والاستفادة مِنْهُم وإفادتهم
وَرُبمَا قَالَ الشّعْر إِذا دعت لذَلِك حَاجَة كجواب مَا يَكْتُبهُ إِلَيْهِ بعض الشُّعَرَاء من سوأل أَو مطارحة أدبية أَو نَحْو ذَلِك وَقد جمع مَا كتبه من الْأَشْعَار لنَفسِهِ وَمَا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي نَحْو مُجَلد وابتلي بِالْقضَاءِ فِي مَدِينَة صنعاء بعد موت من كَانَ مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء الْأَكْبَر بهَا وَقد تقدم شرح ذَلِك فِي تَرْجَمَة مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله فِي حرف الْعين وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على ذَلِك وَلم يدع الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَإِن كَانَ اشْتِغَاله الْآن بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَيْسَ شَيْئا وَكَانَ دُخُوله فِي الْقَضَاء وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ وَهُوَ الْآن يسْأَل الله الذي لَا إِلَه إلا هُوَ الْحَلِيم الْكَرِيم رب الْعَرْش الْعَظِيم أن يحسن ختامه وينيله من خيري الدَّاريْنِ مرامه ويسدده فِي أَقْوَاله وأفعاله وَينْزع حب الدُّنْيَا من قلبه حَتَّى ينظر إِلَى الْحَقِيقَة فيفوز نيل دقائق الطَّرِيقَة اللَّهُمَّ اجذبه إِلَى جنابك العلى جذبة يصحى عِنْدهَا من سكر غروروه
افْتَحْ لَهُ خوخة يتَخَلَّص بهَا عَن حجابة المظلم إِلَى المعارف الحقة وَلَا تخرجه من هَذِه الدُّنْيَا إلا بعد أَن يسبح فِي بحار حبك وَيغسل أدران قلبه بمياه قربك فَأَنت إِذا شِئْت جعلت المريد مرَادا فنال مرَادا
(2/224)

(إِذا كَانَ هَذَا الدمع يجري صبَابَة ... على غير ليلى فَهُوَ دمع مضيع)
وَلست أَقُول كَمَا قَالَ من قَالَ
(وَكَيف ترى ليلى بِعَين ترى بهَا ... سواهَا وَمَا طهرتها بالمدامع)
(ويلتذ مِنْهَا بِالْحَدِيثِ وَقد جرى ... حَدِيث سواهَا فِي خروت المسامع
(بل أَقُول كَمَا قَالَ الآخر
(أَلا إن وادي الْجزع أضحى ترابه ... من الْمس كافورا وأعواده زبدا)
(وَمَا ذَاك إِلَّا أَن هنداً عَشِيَّة ... تمشت وَجَرت فِي جوانبه بردا)
وَأَقُول
(أَنا رَاض بِمَا قضى ... وَاقِف تَحت حكمه)
(سَائل أَن أفوز بِالْخَيرِ ... من حسن خَتمه)
وَمَا أحسن قَول من قَالَ
(الْعَفو يُرْجَى من بني آدم ... فَكيف لَا يُرْجَى من الرب)
وَأَقُول مجيزا لهَذَا الْبَيْت
(فَإِنَّهُ أرأف بي مِنْهُم ... حسبي بِهِ حسبي بِهِ حسبي)
الإِمَام النَّاصِر مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَشْهُور بصلاح الدَّين

قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده الإِمَام المهدي ولد لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر شهر صفر سنة 739 تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة واشتغل بِالْعلمِ حَتَّى تأهل للْإِمَامَة وبرز فِي فنون قَالَ السَّيِّد الهادى بن إِبْرَاهِيم فِي
(2/225)

كاشفة الْغُمَّة إنه بلغ فَوق رُتْبَة الِاجْتِهَاد وبرز فِي الْعُلُوم كلهَا تَفْسِيرهَا وحديثها وَنَحْوهَا ولغاتها ومعانيها وبيانها ومنطوقها وأصولها وفروعها ومعقولها ومسموعها وَكتب الزّهْد والتاريخ والفلك والهيئة والنجوم انْتهى ثمَّ لما مَاتَ وَالِده بَايعه عُلَمَاء الزيدية وَكَانَ الْبيعَة فِي يَوْم السبت من صفر سنة 773 وَملك غَالب الْيمن وَاسْتقر بِصَنْعَاء وعظمت دولته واشتدت صولته وغزا إِلَى بِلَاد سلاطين الْيمن الْأَسْفَل ودوخ بِلَادهمْ وَكَانَ جيد الرأي قوي التَّدْبِير كثير الْجنُود حسن السياسة كثير الْعدْل متورعاً متعففا عالي الهمة مديم الذكر وَالْعِبَادَة ودرس الْعلم وتقريب أَهله وَقد زلزل الباطنية وهد أركانهم وَسَفك دِمَائِهِمْ وَنهب أَمْوَالهم وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي شهر الْقعدَة سنة 793 ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة فِي قصر صنعاء وَدفن بقبته الَّتِى إِلَى جَانب مَسْجده الْمَشْهُور الْآن بِمَسْجِد صَلَاح الدَّين
مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن عمر بن عِيسَى بن مُحَمَّد السمهودي الأَصْل المصري الشافعي الْمَعْرُوف بالشمس بن الْقطَّان

ولد سنة 737 سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأخذ عَن ابْن الملقن والعماد والبهاء بن عقيل وَمهر فِي فنون كَثِيرَة وَلم يكن لَهُ عناية بِالْحَدِيثِ وصنف كتابا فِي القراآت السَّبع وَكتاب فِي الْفَرَائِض والحساب والهندسة وَله ذيل على طَبَقَات الاسنوي وَشرح الألفية لِابْنِ مَالك فِي ارْبَعْ مجلدات وَشرح على مُخْتَصر المزني وشئ من التَّفْسِير وَمَات فِي آخر شَوَّال سنة 813 ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة
(2/226)

مُحَمَّد عَابِد بن علي بن احْمَد بن مُحَمَّد مُرَاد السندي ثمَّ الأنصاري

وَله اسمان ولجده اسمان وَذَلِكَ عرفهم ولد تَقْرِيبًا فِي سنة 1190 تسعين وَمِائَة وَألف ووالده كَانَ لَهُ حَظّ فِي الْعلم
وَأما جده فَمن أكَابِر الْعلمَاء لَهُ تصانيف حَكَاهَا عَنهُ حفيده صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ مُسْتَقر جده السَّنَد ثمَّ حج وجاور حَتَّى مَاتَ ثمَّ مَاتَ ابْنه وَخرج صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى بندر الحديدة مَعَ عَمه وَكَانَ عَمه مَشْهُورا بِعلم الطِّبّ مشاركا فِي غَيره وَصَاحب التَّرْجَمَة لَهُ يَد طولى فِي علم الطِّبّ وَمَعْرِفَة متقنة بالنحو وَالصرْف وَفقه الْحَنَفِيَّة وأصوله ومشاركة فِي سَائِر الْعُلُوم وَفهم صَحِيح سريع
طلبه خَليفَة الْعَصْر مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه إِلَى حَضرته الْعلية من الحديدة لاشتهاره بِعلم الطِّبّ فوصل إِلَى الحضرة وانتفع جمَاعَة من النَّاس بأدويته وَكَانَ وُصُوله إِلَى صنعاء سنة 1213 وَتردد إِلَى وَقَرَأَ علي فِي هِدَايَة الأبهري وَشَرحهَا المبيدي فِي علم الْحِكْمَة الآلهية وَكَانَ يفهم ذَلِك فهما جيدا مَعَ كَون الْكتاب وَشَرحه فِي غَايَة الدقة والخفاء بِحَيْثُ كَانَ يحضر جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء العارفين بعدة فنون فَلَا يفهمون غَالب ذَلِك ثمَّ عَاد إِلَى الحديدة فِي شهر شَوَّال من تِلْكَ السنة بعد أَن أحسن إِلَيْهِ الْخَلِيفَة وَقرر لَهُ مَعْلُوما نَافِعًا وكساه ونال من فايض عطاه ثمَّ تكَرر وفوده إِلَى صنعاء مرة بعد مرة فِي أيام الإِمَام الْمَنْصُور كَمَا ذكرنَا ثمَّ فِي أَيَّام الإِمَام المتَوَكل ثمَّ فِي أَيَّام مَوْلَانَا الإِمَام المهدي وأرسله إِلَى مصر إِلَى الباشا مُحَمَّد علي بهدية مِنْهَا فيل وَكَانَ ذَلِك فِي سنة 1232 وَرجع وَأخْبرنَا باندراس الْعلم فِي
(2/227)

الديار المصرية وَأَنه لم يبْق إِلَّا التَّقْلِيد والتصوف
مُحَمَّد الكردي أحد طلبة الْعلم القادمين إِلَى مَدِينَة صنعاء

وَأَصله من الكرد وهي قرى مجاورة لبغداد خرج من بِلَاده لطلب الْعلم وتنقل فِي الْبلدَانِ وَذكر لنا أَن بَغْدَاد وَمَا حولهَا من الْبِلَاد قد صَار أَكثر أَهلهَا رافضة من روافض الإمامية وَكَذَلِكَ غَالب بِلَاد خُرَاسَان وَحكى لنا أَن أَكثر النَّاس اشتغالا بِالْعلمِ أهل أصفهان وَلَكِن غَالب اشتغالهم بعلوم الْعقل وَفِيهِمْ رافضة يجري بَينهم وَبَين غَيرهم فتن عَظِيمَة وَكَانَ قدومه إِلَى صنعاء فِي أَوَائِل الْقرن الثَّالِث عشر وَقدم مَعَه بكتب من أحْسنهَا رِسَالَة فِي علم المناظرة طَوِيلَة جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آدَاب الْبَحْث العضدية وَلها شرح نَفِيس مُفِيد فِي كراريس وَسَأَلته عَن مؤلف تِلْكَ الرسَالَة وَشَرحهَا فَقَالَ هي مَعْرُوفَة فِي بِلَاد الْهِنْد وَغَيرهَا بمناظرة يُوسُف فَسَأَلته عَن يُوسُف هَذَا ابْن من هُوَ وَفِي أي زمَان هُوَ فَقَالَ لَا يدرى وَقد طلب مني الْقِرَاءَة فِي تِلْكَ الرسَالَة وَشَرحهَا فَقَالَ لَهُ هَذِه الرسَالَة لم يقف عَلَيْهَا إِلَّا مِنْك فَكيف تأخذها عَنى فَقَالَ لابد من ذَلِك فقرأها علي وَقد كتبهَا جمَاعَة من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر وَكثير من الطّلبَة وهي من أنفس المؤلفات وأكثرها فَوَائِد وَلَا يَنْبَغِي لطَالب علم بعد وُقُوفه عَلَيْهَا أَن يشْتَغل بآداب الْبَحْث وشروحها فَإِنَّهَا لَيست بشئ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الرسَالَة وَشَرحهَا وَكَانَ عمر صَاحب التَّرْجَمَة عِنْد قدومه إِلَى صنعاء نَحْو أَرْبَعِينَ سنة
(2/228)

مُحَمَّد بن علي بن وهب بن مُطِيع بن أَبى الطَّاعَة تقي الدَّين القشيري المنفلوطي الأَصْل المصري

القوصي المنشأ المالكي ثمَّ الشافعي نزيل الْقَاهِرَة الْمَعْرُوف بِابْن دَقِيق الْعِيد الإِمَام الْكَبِير صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة ولد فِي شعْبَان سنة 625 خمس وَعشْرين وسِتمِائَة بِنَاحِيَة يَنْبع فِي الْبَحْر وَسمع بِمصْر من جمَاعَة ورحل إِلَى دمشق فَسمع من أَحْمد بن عبد الدَّائِم والزين خَالِد وَغَيرهمَا وَأخذ أَيْضا عَن الرشيد الْعَطَّار والزكى والمنذرى وَابْن عبد السَّلَام وتبحر فِي جَمِيع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وفَاق الأقران وخضع لَهُ أكَابِر الزَّمَان وطار صيته واشتهر ذكره وَأخذ عَنهُ الطّلبَة وصنف التصانيف الفائقة فَمِنْهَا الْإِلْمَام فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام وَشرع فِي شَرحه فَخرج مِنْهُ أَحَادِيث يسيرَة فِي مجلدين أَتَى فِيهَا كَمَا قَالَ الْحَافِظ بن حجر بالعجائب الدَّالَّة على سَعَة دائرته فِي الْعُلُوم خُصُوصا فِي الاستنباط وَجمع كتاب الإِمَام فِي عشْرين مجلدا قَالَ ابْن حجر عدم أَكْثَره بعده
وصنف الاقتراح فِي عُلُوم الحَدِيث وَمن مصنفاته شرح الْعُمْدَة الْمَشْهُور
وَشرح مُقَدّمَة المطرزي فِي أصُول الْفِقْه وَشرح بعض مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي الْفِقْه قَالَ الذهبي كَانَ إِمَامًا متفننا مدققا أصوليا مدْركا أديبا نحويا ذكيا غواصا على الْمعَانى وافر الْعقل كثير السكينَة تَامّ الْوَرع مديم السّنَن مكبا على المطالعة وَالْجمع سَمحا جوادا ذكي النَّفس نزر الْكَلَام عديم الدَّعْوَى لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول بَصيرًا بِعلم الْمَنْقُول والمعقول وَغلب عَلَيْهِ الوسواس فِي الْمِيَاه والنجاسة وَله فِي ذَلِك أَخْبَار قَالَ واشتهر اسْمه فِي حَيَاة مشايخه وشاع ذكره وَتخرج بِهِ أَئِمَّة وَكَانَ لَا يسْلك المراء فِي بَحثه بل يتَكَلَّم بِكَلِمَات يسيرَة وَلَا يُرَاجع حَتَّى حكي
(2/229)

عَنهُ أَنه قَالَ لكاتب الشمَال سِنِين لم يكْتب علي شَيْئا
وَقَالَ قطب الدَّين الحلبي كَانَ مِمَّن فاق بِالْعلمِ والزهد عَارِفًا بالمذهبين إِمَامًا فِي الْأَصْلَيْنِ حَافِظًا فِي الحَدِيث وعلومه يضْرب بِهِ الْمثل فِي ذَلِك وَكَانَ آيَة فِي الإتقان والتحري شَدِيد الْخَوْف دَائِم الذكر لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا يقطعهُ مطالعة وذكرا وتهجدا وَكَانَت أوقاته كلهَا معمورة وَكَانَ شفوقاً على المشتغلين وَكثير الْبر لَهُم قَالَ أَتَيْته بِجُزْء سَمعه من ابْن رواح والطبقة بِخَطِّهِ فَقَالَ حَتَّى أنظر فِيهِ ثمَّ عدت إِلَيْهِ فَقَالَ هُوَ خطي لَكِن مَا أحقق سَمَاعه وَلَا أذكرهُ وَلم يحدث بِهِ وَكَذَلِكَ لم يحدث عَن ابْن الْمُنِير مَعَ صِحَة سَمَاعه مِنْهُ قَالَ الذهبي بلغني أَن السُّلْطَان لاجين لما طلع إِلَيْهِ الشَّيْخ قَامَ لَهُ وخطا من مرتبته وَقَالَ البرزالى مجمع على غزارة علمه وجودة ذهنه وتفننه فِي الْعُلُوم واشتغاله بِنَفسِهِ وَقلة مخالطته مَعَ الدَّين المتين وَالْعقل الرصين قَرَأَ مَذْهَب مَالك ثمَّ مَذْهَب الشافعي ودرس فيهمَا وَهُوَ خَبِير بصناعة الحَدِيث عَالم بالأسماء والمتون واللغات وَالرِّجَال وَله الْيَد الطُّولى فِي الْأَصْلَيْنِ والعربية وَالْأَدب نَشأ بقوص وَتردد إِلَى الْقَاهِرَة وَكَانَ شيخ الْبِلَاد وعالم الْعَصْر فِي آخر عمره وَيذكر أَنه من ذُرِّيَّة بهر بن حَكِيم القشيري وَكَانَ لَا يُجِيز إِلَّا بِمَا يحدث بِهِ
وَقَالَ ابْن الزملكاني إمام الْأَئِمَّة فِي فنه وعلامة الْعلمَاء فِي عصره بل وَلم يكن من قبله سِنِين مثله فِي الْعلم وَالدّين والزهد والورع تفرد فِي عُلُوم كَثِيرَة وَكَانَ يعرف التَّفْسِير والْحَدِيث ويحقق المذهبين تَحْقِيقا عَظِيما وَيعرف الْأَصْلَيْنِ والنحو واللغة وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التَّحْقِيق والتدقيق والغوص على الْمعَانى أقر لَهُ الْمُوَافق والمخالف وعظمته الْمُلُوك وَكَانَ السُّلْطَان لاجين ينزل عَن سَرِيره وَيقبل يَده قَالَ ابْن سيد النَّاس لم أر مثله فِي من رَأَيْت وَلَا حملت عَن
(2/230)

أجل مِنْهُ فِيمَن رويت وَكَانَ للعلوم جَامعا وَفِي فنونها بارعا وَلم يزل حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُقبلا على شَأْنه وَلَو شَاءَ الْعَاد أَن يحصر كَلِمَاته لحصرها وَله تخلق وبكرامات الصَّالِحين تحقق وعلامات العارفين تعلق وَله فِي الْأَدَب بَاعَ وساع وكرم طباع وَحسن انطباع حَتَّى لقد كَانَ الشهَاب مَحْمُود يَقُول لم تَرَ عيني آدب مِنْهُ وَلَو لم يدْخل فِي الْقَضَاء لَكَانَ ثوري زَمَانه وأوزعي أَوَانه انْتهى كَلَام ابْن سيد النَّاس قَالَ البرزالى وَفِي يَوْم السبت الثَّامِن عشر من جُمَادَى الأولى سنة 695 ولي الْقَضَاء بالديار المصرية قَالَ ابْن حجر وَاسْتمرّ فِيهِ إِلَى أن مَاتَ فِي صفر سنة 702 اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة قَالَ الصاحب شمس الدَّين سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام شهَاب الدَّين أَحْمد بن إِدْرِيس القرافي المالكي يَقُول أَقَامَ الشَّيْخ تقي الدَّين أَرْبَعِينَ سنة لَا ينَام اللَّيْل إلا أَنه إِذا كَانَ صلى الصُّبْح اضْطجع على جنبه إِلَى حِين يضحى النَّهَار قَالَ زكي الدَّين عبد الْعَظِيم بن أَبى الْأَصْبَغ صَاحب البديع ذكرت للشَّيْخ تقي الدَّين بن دَقِيق الْعِيد وُجُوه الْمُبَالغَة فِي قَوْله تَعَالَى {أيود أحدكُم أَن تكون لَهُ جنَّة من نخيل وأعناب} الْآيَة وهي عشرَة وَلم أذكر لَهُ مفصلا وغبت عَنهُ قَلِيلا ثمَّ اجْتمعت بِهِ فَذكر لي أَنه استنبط مِنْهَا أَرْبَعَة وَعشْرين وَجها من الْمُبَالغَة فَسَأَلته أَن يَكْتُبهَا لي فكتبها بِخَطِّهِ وَسمعتهَا مِنْهُ بقرَاءَته وَاعْتَرَفت لَهُ بِالْفَضْلِ فِي ذَلِك انْتهى
وَقد عَاشَ تقي الدَّين بعد ابْن الْأَصْبَغ زِيَادَة على أَرْبَعِينَ سنة قَالَ ابْن حجر قَرَأت بِخَط مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم العثماني قاضي صفد أخبرني الْأَمِير سيف الدَّين الحسامي قَالَ خرجت يَوْمًا إِلَى الصَّحرَاء فَوجدت ابْن دَقِيق الْعِيد وَاقِفًا فِي الْجَبانَة يقْرَأ وَيَدْعُو ويبكي فَسَأَلته فَقَالَ صَاحب هَذَا الْقَبْر كَانَ من أصحابي وَكَانَ يقْرَأ علي فَمَاتَ فرأيته البارحة فَسَأَلته عَن حَاله فَقَالَ لما
(2/231)

وضعتموني فِي الْقَبْر جاءني كلب أنقط كالسبع وَجعل يروعني فارتعت فجَاء شخص لطيف فِي هَيْئَة حَسَنَة فطرده وَجلسَ عندي يؤنسني فَقلت من أَنْت فَقَالَ أَنا ثَوَاب قراءتك الْكَهْف يَوْم الْجُمُعَة انْتهى
وَله أشعار حَسَنَة محكمَة قَوِيَّة الْمعَانِي جَيِّدَة المباني قد أورد مِنْهَا جملَة نافعة من تَرْجمهُ من الأدباء وَغَيرهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد اعْترف لَهُ أَئِمَّة كل فن بفنهم رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن علي بن يُونُس بن علي بن الزحيف

بزاي مَضْمُومَة ومهملة مَفْتُوحَة وتحتية سَاكِنة وَفَاء الْمَعْرُوف قَدِيما بِابْن فند بفاء ثمَّ نون ثمَّ مُهْملَة وَالْمَشْهُور أخيرا بالزحيف اسْم جده الْمَذْكُور وَهُوَ مؤلف شرح البسالمة الْمُسَمّى مآثر الْأَبْرَار وَفرغ من تأليفه سنة 916 فَالله أعلم كم عَاشَ بعد ذَلِك
مُحَمَّد بن عمار بن مُحَمَّد بن أَحْمد القاهري المصري المالكي الْمَعْرُوف بِابْن عمار

ولد يَوْم السبت الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 768 ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بقناطر السبَاع وَنَشَأ فِي كنف وَالِده وَحفظ عدَّة مختصرات وَأخذ عَن العراقي وَابْن الملقن والبلقيني وَالْمجد بن هِشَام والعز بن جمَاعَة وَابْن خلدون وَطلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَسمع بِالْقَاهِرَةِ على جمَاعَة من الْمُحدثين ودرس بمواطن وَله تصانيف مِنْهَا غَايَة الإلهام فِي شرح عُمْدَة الْأَحْكَام فِي ثَلَاث مجلدات وَزَوَال الْمَانِع عَن شرح جمع الْجَوَامِع وعلاب الموائد فِي شرح تسهيل الْفَوَائِد
فِي ثَمَان مجلدات والكافى فِي شرح المغني لِابْنِ هِشَام فِي أَربع مجلدات وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الفرعي

وَشرح الفية
(2/232)

العراقي وَكَانَ إماما عَلامَة فِي الْفِقْه وأصوله والعربية وَالصرْف مشاركا فِي كثير من الْفُنُون أمارا بِالْمَعْرُوفِ
قَالَ السخاوي وَلَوْلَا مزِيد حِدته الَّتِى أدَّت إِلَى أن خرج فِيهِ جذام قبل مَوته بِسنتَيْنِ وَاسْتمرّ يتزايد إِلَى مَوته لأخذ عَنهُ الجم الْغَفِير وَمَات يَوْم السبت رَابِع عشر ذِي الْحجَّة سنة 844 أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد الشَّمْس أَبُو عبد الله الوَاسِطِيّ ثمَّ الْمحلى الشافعي

وَالِد أَبى الْعَبَّاس أَحْمد وَيعرف بالغمرى بالغين المعجة ولد سنة 786 سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا بمنية غمرة وانتفع بِجَمَاعَة من عُلَمَاء الْقَاهِرَة ثمَّ لَازم التجرد وَالْعِبَادَة وَصَحب غير وَاحِد من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة كالشيخ عمر الوفائى الحائك وَالشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد وَكَانَ غَالب انتفاعه بالثاني وَأذن لَهُ بالإرشاد وتصدى لذَلِك بِكَثِير من الْبِلَاد وانتفع النَّاس بِهِ واشتهر صيته وَكثر اتِّبَاعه وَذكر لَهُ أَحْوَال وكرامات وجدد عدَّة مَسَاجِد وَأَنْشَأَ عدَّة زَوَايَا مَعَ صِحَة العقيدة والمشي على قانون السلف والتحذير من الْبدع والإعراض عَن بني الدُّنْيَا وَعدم قبُول مَا يهدى إِلَيْهِ وَله تصانيف مِنْهَا النُّصْرَة فِي أَحْكَام الْفطْرَة ومحاسن الْخِصَال فِي بَيَان وُجُوه الْحَلَال والعنوان فِي تَحْرِيم معاشرة الشبَّان والنسوان وَالْحكم المضبوط فِي تَحْرِيم عمل قوم لوط والانتصار لطريق الْأَخْبَار والرياض المزهرة فِي اسباب الْمَغْفِرَة ومنح الْمِنَّة فِي التَّلَبُّس بِالسنةِ فِي أَربع مجلدات وَمَات فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء سلخ شعْبَان سنة 849 تسع وَأَرْبَعين وثمان مائَة
(2/233)

مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد بن ادريس بن سعيد ابْن مَسْعُود بن حسن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رشيد أَبُو عبد الله الفهري السبتي

ولد فِي جُمَادَى الأولى سنة 657 سبع وَخمسين وسِتمِائَة وَأخذ عَن أَبى الْحُسَيْن بن أَبى الربيع الْعَرَبيَّة وَسمع من أَبى مُحَمَّد بن هرون وَغَيره فَأكْثر واحتفل فِي صباه بالأدبيات حَتَّى برع فِي ذَلِك ثمَّ رَحل إِلَى فاس وَطلب الحَدِيث فجهد فِيهِ وتفقه وأقرأ وَأخذ الْأَصْلَيْنِ عَن جمَاعَة وَحج وجاور وَدخل مصر وَالشَّام فَسمع من الْفَخر أَبى البُخَارِيّ والقطب القسطلاني وَابْن دَقِيق الْعِيد وَله مصنفات مِنْهَا الرحلة المشرفية فِي سِتّ مجلدات مُشْتَمِلَة على فَوَائِد كَثِيرَة وإيضاخ الْمذَاهب فِيمَن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الصاحب وَكتاب ترجمان التراجم على أَبْوَاب البخاري وَله غير ذَلِك قَالَ الذهبي فِي النبلاء وَلما رَجَعَ من رحلته سكن سبتة ملحوظا عِنْد الْخَاصَّة والعامة مَاتَ فِي أَوَاخِر محرم سنة 721 إحدى وَعشْرين وَسَبْعمائة بِمَدِينَة فاس
مُحَمَّد بن عمر بن علي بن عبد الصَّمد بن عَطِيَّة بن أَحْمد الأموي صدر الدَّين بن الْوَكِيل وَابْن المرحل

وَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن الْخَطِيب ولد فِي شَوَّال سنة 665 خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بدمياط وَسمع من ابْن عَلان وَالقَاسِم الأربلي وَغَيرهمَا وتفقه بوالده وَشرف الدَّين الْمَقْدِسِي وَأخذ عَن بدر الدَّين بن مَالك والصفي الهندي وَتقدم فِي الْفُنُون وفَاق الأقران وَقَالَ الشّعْر الْحسن وَكَانَ أعجوبة فِي الذكاء وَالْحِفْظ
وَحفظ الْمفصل فِي مائَة يَوْم وَحفظ ديوَان المتنبي فِي جُمُعَة والمقامات
(2/234)

فِي كل يَوْم مقامة وَكَانَ لَا يمر بِشَاهِد المعرب إِلَّا حفظ القصيدة كلهَا وَأفْتى وَهُوَ ابْن عشْرين سنة
قَالَ ابْن حجر وَكَانَ لَا يقوم لمناظرة ابْن تَيْمِية أحد سواهُ ودرس بالمدارس وَكثر حاسدوه حَتَّى انه بلغه أَنهم رتبوا عَلَيْهِ دَعْوَى فِي أُمُور أَرَادوا إثباتها عَلَيْهِ فبادر إِلَى القاضي سُلَيْمَان الحنبلي وَسَأَلَهُ أَن يحكم بِصِحَّة إسلامه وحقن دَمه وَرفع التعزيز عَنهُ وعدالته وإبقائه على وظائفه فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك كُله وكبسه جمَاعَة فوجدوه مَعَ جمَاعَة يشربون الْخمر فَأمر النَّائِب بمصادرته فبادر الْيَوْم الثاني إِلَى القاضي وَأثبت محضرا شهد فِيهِ الَّذين كبسوه أَنهم لم يروه سكرانا وَلَا شموا مِنْهُ رَائِحَة الْخمر وَإِنَّمَا وجدوه فِي ذَلِك الْبَيْت وَفِي الْمَكَان زبدية خمر وشفع لَهُ بعض النَّاس فأعفي من المصادرة ثمَّ جَاءَ كتاب من السُّلْطَان يعزله من جَمِيع جهاته الَّتِى كَانَ يدرس فِيهَا ثمَّ عينت لَهُ بعد أَيَّام وظائف كَثِيرَة وَتقدم واشتهر صيته وَكَانَت لَهُ وجاهة عِنْد الدولة
وَكَانَ مِمَّن أفتى بِأَن النَّاصِر لَا يصلح للْملك ودس أعداؤه إِلَى النَّاصِر قصيدة ذكرُوا أَنه هجاه بهَا فَأَرَادَ الْقَبْض عَلَيْهِ بعض أُمَرَاء السُّلْطَان ففر إِلَى غَزَّة قَالَ جلال الدَّين القزويني كنت عِنْد النَّاصِر فَدخل الْحَاجِب فَقَالَ صدر الدَّين بن الْوَكِيل بِالْبَابِ فَقَالَ يدْخل فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ الْحَاجِب بس الأَرْض فَامْتنعَ وَقَالَ مثلي لَا يبوس الأَرْض إِلَّا لله
قَالَ فَمَا شَككت أَن دَمه يسفك فَقَالَ لَهُ النَّاصِر أَنْت فَقِيه تركب الْبَرِيد وَتَروح إِلَى مصر وَتدْخل بَين الْمُلُوك وَتعير الدول وتهجو السُّلْطَان فَقَالَ حاشا لله وَإِنَّمَا أعدائي وحسادي نظموا مَا أَرَادوا على لساني وَهَذَا الذي تكلمته أَنا معي ثمَّ أخرج قصيدة فِي وزن تِلْكَ القصيدة الَّتِى نسبوها إِلَيْهِ نَحْو مأتي بَيت فأنشدها فصفح عَنهُ
قَالَ جلال الدَّين فَلَمَّا أَصْبَحْنَا
(2/235)

رَأَيْت ابْن الْوَكِيل يسائر السُّلْطَان فِي الموكب والعسكر ساير وَعظم عِنْد السُّلْطَان
وَله مصنفات مِنْهَا كتاب الأشباه والنظاير من أحسن المصنفات وَشرع فِي شرح الْأَحْكَام لعبد الْحق فَكتب مِنْهُ ثَلَاث مجلدات قَالَ ابْن حجر وَكَانَ فِيهِ لعب وَلَهو قَالَ الصفدي حكى لي جمَاعَة مِمَّن كَانَ يعاشره فِي خلواته أَنه كَانَ إِذا فرغ تَوَضَّأ وَلبس ثيابا نظافا وَصلى ومرغ وَجهه انْتهى وَكَانَ جوادا قَالَ السجدي كنت مَعَه لَيْلَة عيد فَوقف لَهُ فَقير فَقَالَ شئ لله فَالْتَفت إِلَى وَقَالَ مَا مَعَك قلت مايتا دِرْهَم قَالَ ادفعها إِلَيْهِ فدفعتها إِلَيْهِ ثمَّ قلت لَهُ يَا سَيِّدي غَدا الْعِيد وَلَيْسَ عندنَا شئ فَقَالَ امْضِ إِلَى القاضى كريم الدَّين فَقل لَهُ الشَّيْخ يهنيك بِهَذَا الْعِيد فَفعلت فَقَالَ كَأَن الشَّيْخ يطْلب نَفَقَة أَعْطوهُ ألفي دِرْهَم فَرَجَعت بهَا إِلَيْهِ فَقَالَ الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا وَمَات فِي رَابِع وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة 716 سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن قلاون بن عبد الله الصالحى الْملك النَّاصِر ابْن الْمَنْصُور

ولد فِي صفر سنة 684 أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وشوهد عِنْد وِلَادَته وَكَفاهُ مقبوضتان ففتحتهما الداية فَسَالَ مِنْهُمَا دم كثير ثمَّ صَار يقبضهما فَإِذا فتحا سَالَ مِنْهُمَا دم كثير فاستدل بذلك أَنه يسفك دِمَاء كَثِيرَة فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَأول مَا ولي السلطنة عقب قتل أَخِيه الْأَشْرَف فِي نصف الْمحرم سنة 693 وعمره تسع سِنِين وَغلب على الْأَمر كتبغا وتسلطن وعزل صَاحب التَّرْجَمَة وَكَذَلِكَ فِي الْمحرم سنة 694 ثمَّ خلع كتبغا فِي صفر سنة 696 وَكَانَ قد جهز النَّاصِر إِلَى الكرك وَحلف لَهُ أَنه إِذا
(2/236)

ترعرع أَعَادَهُ إِلَى المملكة بِشَرْط أَن يُعْطي مملكة الشَّام اسْتِقْلَالا وَلما خلع كتبغا سلطن لاجين وَاسْتمرّ سُلْطَانا حَتَّى قتل فِي شهر ربيع الآخر سنة 689 فأحضر النَّاصِر من الكرك وتسلطن الْمرة الثَّانِيَة وَله يَوْمئِذٍ أَربع عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَاسْتقر فِي نِيَابَة السلطنة سلار الْمُتَقَدّم ذكره وبيبرس الْمُتَقَدّم أَيْضا فَلم يكن للناصر مَعَهُمَا كَلَام وَلما كَانَ فِي رَمَضَان سنة 708 أظهر النَّاصِر أَنه يُرِيد الْحَج فَتوجه إِلَى الكرك وَأقَام بِهِ وطرد نَائِب الكرك إِلَى مصر وَأعْرض عَن المملكة لاستبداد سلار وبيبرس دونه بالأمور وَكتب إِلَى الْأُمَرَاء بِمصْر يستعفيهم من السلطنة ويسألهم أن يتْركُوا لَهُ الكرك وبلادها فوافقوه على ذَلِك وَاتفقَ أَنه يَوْم دخل الكرك انْكَسَرَ الجسر فَسلم هُوَ وَبَعض خواصه وَسقط نَحْو الْخمسين من أَصْحَابه فَمَاتَ مِنْهُم أَرْبَعَة وَخرج من أبقى مصابا وَأقَام بالكرك يدبر أمورها وَيحكم بَين من يتحاكم إِلَيْهِ وتسلطن مَكَانَهُ بيبرس حَسبنَا تقدم فِي ثَالِث وَعشْرين من شَوَّال من تِلْكَ السنة وَاسْتمرّ إِلَى رَجَب سنة 709 فَخرج جمَاعَة من أمراء مصر إِلَى كرك وحملوا النَّاصِر إِلَى دمشق فتلاحق بِهِ أَكثر الْأُمَرَاء وَنزل بِالْقصرِ ثمَّ توارد عَلَيْهِ نواب الْبِلَاد فقصد مصر فِي رَمَضَان ففر بيبرس وَلم يفر سلار بل أَقَامَ وَخرج للقاء النَّاصِر وَأظْهر الطَّاعَة فوصل النَّاصِر إِلَى القلعة وَاسْتقر فِي مَمْلَكَته وهي السلطنة الثَّالِثَة وَذَلِكَ فِي يَوْم عيد الْفطر من تِلْكَ السنة وَلما اسْتَقر قدمه قبض على أَكثر الْأُمَرَاء وَلم يبْق لَهُ مُنَازع وَفتحت فِي أيامه بِلَاد كَبِيرَة وَاشْترى المماليك فَبَالغ فِي ذَلِك حَتَّى اشْترى وَاحِدًا بِنَحْوِ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار بل أَزِيد كَمَا قَالَ ابْن حجر وَلم ير أحد مثل سَعَادَة ملكه
(2/237)

وَعدم حَرَكَة الأعادي عَلَيْهِ برا وبحرا مَعَ طول الْمدَّة وَكَانَ مُطَاعًا مهيبا عَارِفًا بالأمور يعظم أهل الْعلم وَلَا يُقرر فِي المناصب الشَّرْعِيَّة إِلَّا من يكون أَهلا لَهَا ويتحرى لذَلِك ويبحث عَنهُ ويبالغ وَحج بعد استقراره فِي السلطنة ثَلَاث حجات وَكَانَ عَظِيم الْمَكْر طَوِيل الصَّبْر على مَا يكره إِذا حاول أمرا لَا يسْرع فِيهِ بل يحْتَاط غَايَة الِاحْتِيَاط وَكَانَت وَفَاته تَاسِع عشر ذي الْحجَّة سنة 741 إحدى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وسلطن من أَوْلَاده ثَمَانِيَة أنفس وَهَذَا من أعجب مايحكى
الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد

قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن ولد سنة 990 تسعين وَتِسْعمِائَة فِي رَمَضَان مِنْهَا وَقيل فِي شعْبَان وَأخذ الْعلم عَن عُلَمَاء الْيمن الْمَشْهُورين بِذَاكَ الزَّمن وَمِنْهُم وَالِده الإِمَام وبرع فِي عدَّة عُلُوم ودرس وَأفْتى واشتهر فَضله وزهده وورعه وعفته وَحسن تَدْبيره وَلما مَاتَ وَالِده فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم أجمع الْعلمَاء عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ وَذَلِكَ فِي سنة 1029 ثمَّ كَانَ من التأييد والنصر خُرُوج أَخِيه سيف
(2/238)

الْإِسْلَام الْحسن بن الإِمَام من سجن الأتراك فِي سنة 1030 وَكَانَت مُدَّة الْمُصَالحَة الَّتِى كَانَت بَين وَالِده وَبَين الأتراك بَاقِيَة لأَنهم كاتبوا صَاحب التَّرْجَمَة بتقرير الصُّلْح إِلَى أن انْتَهَت الْمدَّة الْمَعْلُومَة فأجابهم وَلما كَانَ فِي شهر محرم سنة 1036 أرسل بِجَيْش إِلَى الحيمة وَرَئِيس ذَلِك الْجَيْش أَخُوهُ الْعَلامَة الْحُسَيْن بن الإِمَام وَبث سراياه وَكتبه إِلَى الأقطار اليمنية وتكاثرت جيوشه حَتَّى حصلت فتوحات فِي مُدَّة يسيرَة كفتح بِلَاد الْمغرب وريمة وعتمة وَأصَاب وحفاش وملحان وجبل تَيْس وبلاد خولان وَكَانَ إِذْ ذَاك الْحسن بن الإِمَام فِي جِهَات صعدة مثاغرا لمن هُنَالك من الأتراك معاضدا لصنوه أَحْمد بن الإِمَام فَاسْتَأْذن أَخَاهُ الإِمَام صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْخُرُوج من صعدة والوصول إِلَى محاربة الأتراك بِالْمَدَائِنِ اليمنية فَأذن لَهُ فَعظم الْأَمر على الأتراك لعلمهم بشجاعته ورياسته وَطَاعَة النَّاس لَهُ فوصل إِلَى نواحي صنعاء وضايق من بهَا من الأتراك وَوَقعت بَينهم وَبَينه ملاحم عَظِيمَة كَانَت الْيَد فِيهَا لِلْحسنِ ثمَّ وصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الْحُسَيْن بجيوشه بِأَمْر صَاحب التَّرْجَمَة وَفتحت جيوشهما فِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة حصن كوكبان وبلاده وثلا
ثمَّ توجه الْحسن بجيوشه إِلَى الْيمن الْأَسْفَل وَاسْتقر الْحُسَيْن وَأحمد أَبنَاء الإِمَام محاصرين لصنعاء فَفتح الْحسن مَدِينَة أَب
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا زَالَ الْحسن وَالْحُسَيْن يقودان الجيوش الْعَظِيمَة على من بمدائن الْيمن من الأتراك بِأَمْر أخيهما صَاحب التَّرْجَمَة حَتَّى أخرجَا جَمِيع من بهَا من جيوش الأتراك إلا من رغب إِلَى الْجُلُوس وأطاع الإِمَام وَصَارَ
(2/239)

من أجناده فصفت الْيمن من صعدة إلى عدن واستقل صَاحب التَّرْجَمَة بهَا جَمِيعهَا بمناصرة أَخَوَيْهِ الْمَذْكُورين لَهُ وبذلهما الْعِنَايَة فِي ذَلِك بعد ملاحم عَظِيمَة ومعارك شَدِيدَة اشْتَمَلت عَلَيْهَا كتب السير الْخَاصَّة بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَأَبِيهِ وأخوته كسيرة الشريفي وسيرة الجرموزي وَنَحْوهمَا وَلم تَجْتَمِع الأقطار اليمنية بأسرها من دون معَارض وَلَا مُنَازع لأحد من الْأَئِمَّة قبل صَاحب التَّرْجَمَة وَمَات فِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع وَعشْرين رَجَب سنة 1054 أَربع وَخمسين وَألف وقبر بشهارة بِالْقربِ من وَالِده وَكَانَ مَشْهُورا بِالْعَدْلِ وَالْمَشْي على مَنْهَج الشَّرْع وَالْوُقُوف عِنْد حُدُوده وَحمل النَّاس عَلَيْهِ مَعَ لين الْجَانِب وَحسن الْأَخْلَاق والتواضع والإحسان إِلَى أهل الْعلم والميل إلى الْفُقَرَاء وَوضع بيُوت الْأَمْوَال فِي موَاضعهَا
495 - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ الأَصْل ثمَّ الْعَدنِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن الصارم
وَرُبمَا يُقَال لَهُ النقايقي حِرْفَة لِأَبِيهِ القماط ولد بِمصْر سَابِع الْمحرم سنة 880 ثَمَانِينَ وثمان مائَة وَكَانَ ضريرا فاشتغل عِنْد جمَاعَة كمحمد بن حُسَيْن القماط والبدر حُسَيْن الأهدل وَبحث فِي الْعُلُوم وَالْأَدب وفَاق الأقران وصنف التصانيف فِي أَيَّام شبابه بِحَيْثُ كملت مصنفاته عشْرين مصنفا قبل أَن يبلغ عمره عشْرين سنة فَمِنْهَا كتاب ملْجأ الْمُحَقِّقين الْأَعْلَام فِي قَوَاعِد الْأَحْكَام وَكتاب الإبريز فِي تَفْسِير كتاب الله الْعَزِيز وَشرح إرشاد المقري وَسَماهُ الْبَحْر الْوَقَّاد فِي شرح الإرشاد وَله مصنفات كَثِيرَة نافعة عدد السخاوي كثيرا مِنْهَا نَاقِلا لذَلِك عَن الأهدل وَلم يذكر وَفَاته
(2/240)

السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن على ابْن الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد الصنعاني

الملقب النبوس بلقب أحد آبَائِهِ وَهُوَ يكره ذَلِك وَلكنه لَا يكَاد يعرف الْآن إلا بِهِ ولد تَقْرِيبًا بعد سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء كالسيّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن هادي الْمُفْتى وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إِبْرَاهِيم بن علي بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَامر والقاضى الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَغَيرهم وشارك مُشَاركَة قَوِيَّة فِي فنون عدَّة ونظم الشّعْر الْفَائِق وسلك مَسْلَك الإنصاف فِي عمله بِمَا علم مَعَ حسن أَخْلَاق وتواضع وَفِيه محاضرة وتودد وبشاش وعفة وشهامة وبلاغة زِيَادَة ودرس فِي عُلُوم الْآلَة والْحَدِيث وَمن نظمه
(غزال كحيل الطرف أحور إِن رنى ... يراع لماضي لحظه الْأسد الْورْد)
(تفنن روض الْحسن مِنْهُ فَإِن ترد ... فَمن ثغره ورد وَمن خَدّه ورد)
وَمِنْه
(ملعس الثغر معسول لَهُ شفة ... من شدَّة الْبرد يعلوها كَمَا الحبب)
(قد قَالَ مَا شمته يَا صَاح من ضرب ... فَقلت كلا وَلَكِن ذَاك من ضرب)
وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَال الْجَمِيل متع الله بِهِ ثمَّ سَافر فِي سنة 1215 لتأدية فَرِيضَة الْحَج فَمَرض فِي الْبَحْر وَمَات فِي شهر الْقعدَة من هَذِه السنة رَحمَه الله
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد النُّور بن أَحْمد الْبَدْر الأنصاري المهلبي الفيومي الأَصْل القاهري الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن خطيب الفخرية

ولد لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 830 ثَلَاثِينَ وثمان
(2/241)

مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ مختصرات وَأخذ عَن البلقيني والمحلي والتقي الحصني والشرواني والشمني والكافياجي وَسمع من ابْن حجر وَغَيره وَاسْتقر فِي الخطابة بالفخرية وتصدى للإقراء واشتهر بِحسن التَّصَوُّر وَالتَّدْبِير وَالتَّحْقِيق وصنف حَاشِيَة على شرح جَامع الْجَوَامِع وحاشية على الْعَضُد وعَلى شرح العقائد وَغير ذَلِك وَمَات فِي صفر سنة 893 ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَدْر الدمشقي الأَصْل القاهري سبط الْجمال عبد الله المارداني

ولد لَيْلَة رَابِع عشر الْقعدَة سنة 826 سِتّ وَعشْرين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ مختصرات وَأخذ عَن القلقشندي وَابْن الْمجد والمحلي والبلقيني وَابْن حجر والمراغي وَدخل الشَّام والقدس وحماه وَحج وجاور واشتهر بالذكاء وتصدى للإقراء وانتفع بِهِ النَّاس فِي الْفَرَائِض والحساب والميقات والعربية وَغير ذَلِك وَكتب فِي الْمِيقَات مُقَدمَات وَعمل متْنا فِي الْفَرَائِض سَمَّاهُ كشف الغوامض وَشَرحه وَشرح بعض مصنفات ابْن الهايم وَشرح الألفية والجعبرية والرحبية وَله فِي الْحساب الحاوي واللمع وَفِي الْجَبْر والمقابلة مصنفات وَفِي النَّحْو شرح الشذور والقطر والتوضيح وَمَات فِي سنة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن ابْن يُوسُف بن حرى الكلبي أَبُو عبد الله الغرناطي

الأديب المؤرخ ولد سنة 820 عشْرين وثمان مائَة وَكَانَ أَبوهُ من أَعْلَام المرفعين وتعانى هَذَا الْأَدَب وابتدأ فِي جمع تَارِيخ لغرناطة فَحصل
(2/242)

مِنْهُ جملَة مستكثر وَكَانَ وَاسع الْحِفْظ ثاقب الْفَهم وانتقل إِلَى فاس فَكتب لملكها أَبى عنان وَمن شعره
(قسما بوضاح السنا الْوَهَّاج ... من تَحت مسدول الذوائب داجي)
(وبأبلج كالمسك خطت نونه ... من فَوق وَسنَان اللواحظ ساجي)
(وَبِحسن قد ذبحت صفحاته ... فغدت تحاكى مَذْهَب الدبياج)
وهي قصيدة طَوِيلَة جَيِّدَة وَمن شعره
(أفنيت فِيهِ نسيب شعري طامعا ... وسفكت دمعي كالحيا المدرار)
(وَأرَاهُ مَا حفظ الوداد وَلَا رعى ... ذمم النسيب وَلَا حُقُوق الْجَار)
مَاتَ فِي شَوَّال سنة 756 سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة وعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علي بن مَسْعُود بن رضوَان الْكَمَال المري

بِالْمُهْمَلَةِ القدسي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن أبي شرِيف ولد لَيْلَة السبت خَامِس من ذي الْحجَّة سنة 822 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة بَيت الْمُقَدّس وَنَشَأ بِهِ فِي كنف أَبِيه فحفظ عدَّة مختصرات وتلا بالسبع مَا عدا حَمْزَة والكسائي على النويري وَعنهُ أَخذ علم الْأُصُول والْحَدِيث وَالصرْف وَالْعرُوض والقافية والمنطق وَغَيرهَا من الْعُلُوم ولازم السراج الرومي فِي الْمنطق والمعاني وَالْبَيَان والشهاب بن رسْلَان وارتحل إِلَى الْقَاهِرَة فَأخذ عَن ابْن الْهمام وَابْن حجر وبرع فِي الْعُلُوم وَعرف بالذكاء وثقوب الذِّهْن وَحسن التَّصَوُّر وَسُرْعَة الْفَهم وتصدى للتدريس وَاجْتمعَ عَلَيْهِ جمَاعَة لقِرَاءَة جمع الْجَوَامِع للمحلي استمد فِيهَا من شرح جمع الْجَوَامِع لِلشِّهَابِ الكوراني وَله حَاشِيَة أخرى على تَفْسِير البيضاوي وَلم يكمل وَشرح على
(2/243)

الْإِرْشَاد لِابْنِ المقري وَشرح على فُصُول ابْن الْهمام وعَلى الزبد لِابْنِ رسْلَان وعَلى مُخْتَصر التَّنْبِيه لِابْنِ النَّقِيب وعَلى الشِّفَاء لعياض وَأكْثر من الانجماع وَتوفى بالقدس يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة 906 سِتّ وَتِسْعمِائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن علي بن يُوسُف بن مَنْصُور الْكَمَال القاهري الشافعي

إمام الكاملية وَابْن إمامها وَيعرف بِابْن إمام الكاملية ولد فِي يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر شَوَّال سنة 808 ثَمَان وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَحفظ عدَّة كتب وَأخذ عَن الشَّمْس البوصيري والبرماوي والشرف السبكي والولي العراقي وَابْن الجزري وَابْن حجر وفَاق فِي كثير من الْعُلُوم وَأفَاد الطّلبَة ودرس بمدارس وصنف شرحا على البيضاوي فِي الْأُصُول وَهُوَ الذي تداولته النَّاس وشرحا على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الأصلي وصل فِيهِ إِلَى آخر الْإِجْمَاع وعَلى الورقات وعَلى الوردية فِي النَّحْو وصل فِيهِ إِلَى التَّرْخِيم وعَلى أَرْبَعِينَ النووي وَاخْتصرَ تَفْسِير البيضاوي وَشرح البخاري للحلبي وَشرح الْعُمْدَة وَله طَبَقَات للأشاعرة ورسالة فِي حَيَاة الْخِنْصر ومختصر فِي الْفِقْه وَمَات سنة 874 أَربع وَسبعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن رسْلَان بن نصير الدَّين أَبُو السعادات الكناني البلقيني الأَصْل القاهري الشافعي

ولد رَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة 821 إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة وَقيل سنة 819 وَحفظ عدَّة محافيظ وَأخذ عَن الشهَاب السبكى والبساطى والكافياجى والمحلي والشرواني وَغَيرهم وَسمع الحَدِيث على
(2/244)

ابْن حجر وَغَيره وبرع فِي عدَّة عُلُوم وَأفْتى ودرس وَولى قَضَاء الْعَسْكَر ثمَّ قَضَاء مصر وَشرع فِي تأليف محاكمات بَين الْمُهِمَّات والتعقبات وَشرح مُقَدّمَة الحناوي فِي النَّحْو وَله حواش على شرح البيضاوي والأسنوي وعَلى خبايا الزوايا للزركشي وَمَات يَوْم السبت ثاني ربيع الأول سنة 890 تسعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن خيضر بن سُلَيْمَان بن دَاوُد ابْن فلاح الدمشقى الشافعى الْمَعْرُوف بالخيضري

بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ الضَّاد الْمُعْجَمَة نِسْبَة إِلَى جده الْمَذْكُور ولد فِي لَيْلَة الاثنين نصف رَمَضَان سنة 821 إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَنَشَأ بِدِمَشْق وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم ابْن قاضي شُهْبَة والْعَلَاء بن الصيرفي وَسمع الحَدِيث من شُيُوخ بَلَده والقادمين إِلَيْهَا وتدرب بِالْحَافِظِ بن نَاصِر والنجم بن فَهد وَقد زَاد عدد مشايخه بِبَلَدِهِ على الْمِائَتَيْنِ ثمَّ ارتحل إِلَى الْقَاهِرَة فَسمع من ابْن حجر ولازمه وَأخذ عَنهُ جملَة من تصانيفه وَسمع على غَيره وَسمع بِبَيْت الْمُقَدّس على ابْن رسْلَان وطبقته وَسمع الْكثير وَكتب الطباق وصنف طَبَقَات للشَّافِعِيَّة والبرق اللموع لكشف الحَدِيث الْمَوْضُوع والاكتساب فِي الْأَنْسَاب فِي نَحْو أَربع مجلدات كبار وَله مصنفات أخرى وَمِنْهَا مَا أفرد فِيهِ مسَائِل بمصنفات وَولى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِالشَّام وانفصل مَرَّات ثمَّ ثَبت قدمه فِي ذَلِك وَصَارَت الْأُمُور معقودة بِهِ واتسعت أَمْوَاله ووفد الْقَاهِرَة مَرَّات وقربه السُّلْطَان وَقد تَرْجمهُ السخاوي تَرْجَمَة طَوِيلَة كلهَا ثلب وَشتم كعادته فِي أقرانه
وَمن أعجب مَا رَأَيْته فِيهَا من التعصب أَنه قدح فِي مؤلفات المترجم لَهُ ثمَّ قَالَ انه
(2/245)

مَا رَآهَا وَهَذَا غَرِيب وَلكنه قد أبان الْعلَّة فِي آخر التَّرْجَمَة فَقَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِمَّن فِيهِ رَائِحَة الْفَنّ بل هُوَ من قدماء الْأَصْحَاب وَأحد الْعشْرَة الَّذين ذكرهم شَيخنَا يعْنى ابْن حجر فِي وَصيته وإن فعل معي مَا أرجو أَن يجازى بمقصده عَلَيْهِ انْتهى
وَلَعَلَّ مَوته بعد كَمَال الْمِائَة التَّاسِعَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عمر بن قطلوبغا المصري ثمَّ القاهري سيف الدَّين الحنفي

ولد تَقْرِيبًا سنة 798 ثَمَان وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَنَشَأ فحفظ جملَة من المختصرات وَأخذ عَن ابْن الْهمام والسراج قاري الْهِدَايَة وَكَانَ جل انتفاعه على ابْن الْهمام وَكَانَ يصفه بِأَنَّهُ مُحَقّق الديار المصرية وَاجْتمعَ بالأذكاوي ودعا لَهُ بل حكى صَاحب الضَّوْء اللامع عَن صَاحب التَّرْجَمَة أَنه قَالَ إنه رأى الأذكاوي الْمَذْكُور فِي الْمَنَام وَالْتمس مِنْهُ الدُّعَاء بِنَزْع حب الدُّنْيَا فبادر إِلَى مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ بِكَلِمَات من جُمْلَتهَا أَنْت السَّيْف الآمدي وَالسيف الأبهري فَخَجِلَ من ذَلِك فَقَالَ الأذكاوي إِذا أَرَادَ الله أمرا كَانَ ثمَّ بعد ذَلِك أَكثر من الْعُزْلَة والانجماع فَقَالَ لَهُ ابْن الْهمام وَالله لَو دخلت مَكَانا وطينت عَلَيْهِ لظهرت ثمَّ درس بمدارس واشتهر صيته وطار ذكره وَكَثُرت تلامذته وَصَارَ إماما محققا فِي الْفِقْه وأصوله والعربية التَّفْسِير وأصول الدَّين وصنف تصانيف
مِنْهَا شرح التَّوْضِيح لِابْنِ هِشَام وَشرح البيضاوى للأسنوى وَشرح التَّنْقِيح للقرافي وَشرح الْمنَار والعقائد والطوالع شروحا بديعة مُحَققَة مفيدة وَكَانَ على طَريقَة السلف كثير الْعِبَادَة والتهجد والتلاوة والأذكار وَصَارَ مُعظما مشارا إِلَيْهِ مكرما حَتَّى إن سُلْطَان مصر سُلْطَان قايتباي أَرَادَ أَن يَقْصِدهُ إِلَى مَحَله فَبَلغهُ فبادر بالعزم
(2/246)

إِلَيْهِ وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذي الْقعدَة سنة 881 إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد بن حسن ابْن عبد المحسن أَبُو الْفضل المشدالي

بِفَتْح الْمِيم الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام نِسْبَة إِلَى قَبيلَة من زواوة البجالي المغربي المالكي وَيعرف فِي الْمشرق بابي الْفضل وَفِي الْمغرب بِابْن أَبى الْقَاسِم ولد فِي لَيْلَة النّصْف من رَجَب سنة 821 إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة أَو فِي الَّتِى بعْدهَا أَو فِي الَّتِى قبلهَا ببجالة وَحفظ بهَا الْقُرْآن وتلا بالسبع على أَبِيه وَحفظ شَيْئا كثيرا من المختصرات بل والمطولات وَأخذ عَن أَبى يَعْقُوب يُوسُف الربعي الصّرْف وَالْعرُوض وعَلى أَبى بكر التلمسانى الْعَرَبيَّة والمنطق وَالْأُصُول والميقات وعَلى البيروي فِي النَّحْو وعَلى إِبْرَاهِيم بن أَحْمد ابْن أَبى بكر فِيهِ وَفِي الْمنطق وعَلى الحسناوي فِي الْحساب وعَلى أَبِيه فِيمَا تقدم وَفِي الْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه ثمَّ رَحل إِلَى تلمسان فبحث على ابْن مَرْزُوق وعَلى سَائِر علمائها فِي عدَّة عُلُوم مِنْهَا مَا تقدم وَمِنْهَا الْجَبْر والمقابلة والهيئة والمرايا والمناظر والأوفاق والطب والأسطرلاب والصفائح والجيوب والأرتماطيقي والموسيقا والطلمسات ثمَّ عَاد بجاية فِي سنة 844 وَقد برع فِي الْعُلُوم واتسعت دائرته وَكَثُرت معارفه وبرز على أقرانه بل على مشايخه وتصدر للإقراء ببجالة إِلَى أَن رَحل مِنْهَا فَدخل بلد عيناب وقسطينة وَحضر عِنْد علمائها ساكتا ثمَّ دخل تونس فِي سنة 850 وَحضر عِنْد جَمِيع علمائها ساكتا أَيْضا ثمَّ رَحل نَحْو المملكة المصرية فَركب الْبَحْر فساقته الريح إِلَى جَزِيرَة قبرس ثمَّ دخل
(2/247)

بيروت ورحل إِلَى دمشق ثمَّ طوف بِلَاد الشَّام وقطن الْقُدس مُدَّة وشاع ذكره إِلَى أَن مَلأ الأسماع وَالْبِقَاع ثمَّ حج وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة مَعَ الْكَمَال ابْن الباري فزادت حظوته عِنْد السُّلْطَان وأركان الدولة ودرس النَّاس فِي عدَّة فنون فبهر الْعُقُول وأدهش الْأَلْبَاب على أسلوب غَرِيب بِعِبَارَة جزلة وطلاقة كَأَنَّهَا السَّيْل بِحَيْثُ يكون جهد الْفَاضِل البحاث أَن يفهم مَا يلقيه حَتَّى قَالَ لَهُ الطّلبَة تنزل لنا فِي الْعبارَة فَإنَّا لَا نفهم جَمِيع مَا تَقول فَقَالَ لَا تنزلوني إليكم ودعوني أرقيكم إِلَى فَبعد كَذَا وَكَذَا مُدَّة حَدهَا تصيرون إِلَى فهم كلامي فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ
وَكَانَ جمَاعَة من أَعْيَان تلامذته يطالعون الدَّرْس ويجتهدون فِي ذَلِك غَايَة الِاجْتِهَاد حَتَّى يظن بَعضهم أَنه يفوق عَلَيْهِ فَإِذا وَقع الدَّرْس أظهر لَهُم من المباحث مالم يخْطر لَهُم ببال مَعَ امتحانهم لَهُ مرَارًا فيجدونه فِي خلوته نَائِما غير مكترث بمطالعة وَلَا غَيرهَا قَالَ البقاعي حضرت درسه بالجامع الْأَزْهَر فِي فقه الْمَالِكِيَّة فَظهر لي أنني مَا رَأَيْت مثله وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه وَأَن من لم يحضر درسه لم يحضر الْعلم وَلَا سمع كَلَام الْعَرَب وَلَا رأى النَّاس بل وَلَا خرج إِلَى الْوُجُود
وَقَالَ ابْن الْهمام هَذَا الرجل لَا ينْتَفع بِكَلَامِهِ وَلَا ينبغي أَن يحضر درسه إِلَّا حذاق الْعلمَاء وَذكر البقاعي أَن صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الذي أرشده إِلَى مَا وَضعه فِي التَّفْسِير من المناسبات بَين الْآيَات والسور وَأَنه قَالَ لَهُ الْأَمر الكلي الْمُفِيد بعرفان مناسبات الْآيَات فِي جَمِيع الْقُرْآن هُوَ أَنَّك تنظر الْغَرَض الذي سيقت إِلَيْهِ السُّورَة وَتنظر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ذَلِك الْغَرَض من الْمُقدمَات وَتنظر إِلَى مَرَاتِب تِلْكَ الْمُقدمَات فِي الْقرب والبعد من الْمَطْلُوب وَتنظر عِنْد انجرار الْكَلَام فِي الْمُقدمَات إِلَى ماسيتبعه من إشراف نفس السَّامع إِلَى الْأَحْكَام
(2/248)

واللوازم التابعة لَهُ الَّتِى تَقْتَضِي البلاغة شِفَاء العليل بِدفع عناء الاستشراف إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهَا فَهَذَا هُوَ الْأَمر الْكُلِّي على حكم الرَّبْط بَين جَمِيع أَجزَاء الْقُرْآن فَإِذا فعلت ذَلِك تبين لَك إن شَاءَ الله وَجه النظم مفصلا بَين كل آيَة آيَة فِي كل سُورَة سُورَة وَالله الهادي انْتهى وَمن مؤلفاته شرح جمل الخونجي وَله نظم فَمِنْهُ
(برق الْفُؤَاد بدابافق بعاديا ... فتضعضعت أركاننا لرعوده)
(كَيفَ الْفِرَاق وَقد تبدت شملنا ... والبين شق قُلُوبنَا بعموده)
(لله أَيَّام مَضَت بسبيلها ... والدهر ينظم شملنا بعقوده)
ثمَّ لم يلبث أن رغب فِي السفر عَن مصر وطوف الْبِلَاد وَركب الْبَحْر وتطور على انحاء مُخْتَلفَة وَهَيَّأْت متنوعة إِلَى أن مَاتَ غَرِيبا فريدا فِي عيناب سنة 864 أَربع وَسِتِّينَ وثمان مائَة فِي شوالها أَو الَّذِي بعده وَقد رام السخاوي رَحمَه الله مناقضة البقاعي فِيمَا وصف بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة وَلَعَلَّ الْحَامِل لَهُ على ذَلِك مَا بَينه وَبَين البقاعي من الْعَدَاوَة كَمَا تقدم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى

ابْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن سيد النَّاس ابْن أَبى الْوَلِيد بن مُنْذر بن عبد الْجَبَّار بن سُلَيْمَان أَبُو الْفَتْح فتح الدَّين اليعمري الإِمَام الْحَافِظ الْعَلامَة الأديب الْمَعْرُوف بِابْن سيد النَّاس
ولد فِي ذي الْقعدَة سنة 671 إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة وَهُوَ من بَيت رياسة بإشبيلية وَكَانَ أَبوهُ قد قدم الديار المصرية وَمَعَهُ أُمَّهَات من الْكتب كمصنف ابْن أَبى أشته وَمُسْنَده ومصنف عبد الرَّزَّاق والمحلى والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ ابْن أَبى خَيْثَمَة ومسند الْبَزَّار وأحضره أَبوهُ فِي سنة
(2/249)

مولده على النجيب فَقبله وَأَجْلسهُ على فَخذه وكناه أَبَا الْفَتْح ثمَّ أحضرهُ فِي الرَّابِعَة على شمس الدَّين المقدسي وَسمع على القطب الْقُسْطَلَانِيّ وَابْن الْأنمَاطِي وَأكْثر عَن أَصْحَاب الكندي وَابْن طبرزذ ورحل إِلَى دمشق فَسمع من الصُّورِي وَابْن عَسَاكِر وَغَيرهمَا وَأَجَازَ لَهُ جمع جم من جِهَات مُخْتَلفَة ولازم ابْن دَقِيق الْعِيد وَتخرج بِهِ فِي أصُول الْفِقْه
قَالَ الذهبي وَلَعَلَّ مشيخته يقاربون الْألف وَنسخ بِخَطِّهِ وانتقى ولازم الشَّهَادَة مُدَّة وَكَانَ طيب الْأَخْلَاق بساما صَاحب دعابة وَلعب صَدُوقًا حجَّة فِيمَا يَنْقُلهُ لَهُ بصر ناقد بالفن وخبرة بِالرِّجَالِ وَمَعْرِفَة الِاخْتِلَاف وَيَد طولى فِي علم اللِّسَان ومحاسنه جمة وَلَو أكب على الْعلم كَمَا يَنْبَغِي لشدت إِلَيْهِ الرحال وَقَالَ البرزالي كَانَ أحد الْأَعْيَان إتقانا وحفظا للْحَدِيث وتفهما فِي علله وَأَسَانِيده عَالما بصحيحه وسقيمه مستحضراً للسيرة
لَهُ حَظّ من الْعَرَبيَّة حسن التصنيف صَحِيح العقيدة سريع الْقِرَاءَة جميل الْهَيْئَة كثير التَّوَاضُع طيب المجالسة خَفِيف الروح ظريف اللِّسَان لَهُ الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق وَكَانَ محبا لطلبة الحَدِيث وَلم يخلف فِي مَجْمُوعه مثله وَقَالَ ابْن فضل الله كَانَ أحد أَعْلَام الْحفاظ وَإِمَام أهل البلاغة الواقفين بعكاظ بَحر مكثار وخبير فِي نقل الْآثَار انْتهى
وَله تصانيف مِنْهَا السِّيرَة النَّبَوِيَّة الْمَشْهُورَة الَّتِى انْتفع بهَا النَّاس من أهل عصره فَمن بعدهمْ وَشرع بشرح الترمذي كتب مِنْهُ مجلدا إِلَى أَوَائِل الصَّلَاة وقفت عَلَيْهِ بِخَطِّهِ الْحسن وَلَعَلَّ تِلْكَ النُّسْخَة الَّتِى وقفت عَلَيْهَا هى المسودة فَإِنَّهَا كَثِيرَة الضَّرْب والتصحيح وَهُوَ متمتع فِي جَمِيع مَا تكلم عَلَيْهِ من فن الحَدِيث وَغَيره مَعَ الْتِزَامه لإِخْرَاج الْأَحَادِيث الَّتِى يُشِير إِلَيْهَا الترمذي بقوله وَفِي الْبَاب عَن فلَان وَفُلَان الخ وَلما وقفت على الْجُزْء الذي من شرح
(2/250)

الترمذي الذي يلي هَذَا الْجُزْء للزين العراقي بهرني ذَلِك ورأيته فَوق مَا شَرحه صَاحب التَّرْجَمَة بدرجات وَله بشرى الكئيب بِذكر الحبيب قصائد نبوية وَشَرحهَا فِي مُجَلد وَله منح الْمَدْح والمقامات الْعلية فِي الكرامات الجلية وَولى التدريس بمدارس وَكَانَ محببا إِلَى النَّاس مَقْبُولًا عِنْدهم يعظمه كل أحد لاسيما أُمَرَاء مصر وأرباب رياستها قَالَ الصفدي وأقمت عِنْده بالظاهرية قَرِيبا من سنتَيْن فَكنت أرَاهُ يصلي كل صَلَاة مَرَّات كَثِيرَة فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ خطر إِلَى أَن أصلي كل صَلَاة مرَّتَيْنِ فَفعلت ثمَّ ثَلَاثًا فَفعلت وَسَهل علي ثمَّ أَرْبعا فَفعلت قَالَ واشك هَل قَالَ خمْسا انْتهى
وَهَذَا وَإِن كَانَ فِيهِ الاستكثار من الصَّلَاة الَّتِى هي خير مَوْضُوع وأجمل مَرْفُوع لَكِن الأولى أَن يتعود التَّنَفُّل بعد الْفَرَائِض على غير صفة الْفَرِيضَة فَإِن حَدِيث النهي عَن أَن تصلي صَلَاة فِي يَوْم مرَّتَيْنِ رُبمَا كَانَ شَامِلًا لمثل صُورَة صَلَاة صَاحب التَّرْجَمَة وَلَعَلَّه يَجعله خَاصّا بتكرير الْفَرِيضَة بنية الافتراض وَمن نظمه
(تمناها وَمَا عقد التمائم ... وشاب وحبها فِي الْقلب دَائِم)
(وطارحها الغرام بهَا فَقَالَت ... علمت فَقَالَ مَاذَا فعل عَالم)
وَمن قصائده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(يَا بديع الْجمال سل من جمالك ... أَن يوافى عشاقه من وصالك)
وَمِنْه من أَبْيَات
(ظبى من التّرْك هضيم الحشا ... مهفهف الْقد رَشِيق القوام)
وَكَانَ مَوته فِي شعْبَان سنة 734 أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
(2/251)

مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن نور الدَّين ابْن مفرح بن بدر الدَّين بن عُثْمَان بن جَابر ابْن ثَعْلَب بن شَدَّاد بن عَامر

الْقرشِي العامري الْمَعْرُوف بِابْن الغزي الدمشقي الْعَالم الْكَبِير الْمُحَقق صَاحب التَّفْسِير الْغَرِيب جعله نظما فِي مائتي ألف بَيت وَزِيَادَة
وَاخْتَصَرَهُ أَيْضا نظما وَقدمه إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان بن سليم صَاحب الروم فقابله بالإجلال وَالْقَبُول وَطلب عُلَمَاء الروم وَعرض عَلَيْهِم ذَلِك التَّفْسِير وَقَالَ مَا رَأْيكُمْ فَقَالُوا نَجْتَمِع ونبذل النَّصِيحَة فَإِن وجدنَا فِيهِ زِيَادَة أَو نُقْصَانا أَو تبديلا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم فِي حُرُوفه أَو شكله رفعنَا ذَلِك إليكم وَاسْتحق مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع وَإِن وَجَدْنَاهُ على سنَن الاسْتقَامَة اسْتحق مُؤَلفه الْجَائِزَة والكرامة لِأَنَّهُ قد فعل فِي زمنك مَا لم يَفْعَله غَيره فَقَالَ لَهُم السُّلْطَان أَنْتُم مقلدون فِي هَذَا الشَّأْن
فتأملوه حرفاً حرفاً فَلم يَجدوا فِيهِ تحريفاً وَلَا تغييراً وَلَا تكلفاً وَلَا تعسفاً فقضوا من ذَلِك الْعجب وأخبروا السُّلْطَان فأعظم جائزته وانفصل الْمُؤلف من الْقُسْطَنْطِينِيَّة بِمَال عَظِيم فِي غَايَة من التَّعْظِيم وَله مؤلفات كَثِيرَة وَمَات فِي سنة 985 خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أبي الْحسن بن صَالح ابْن علي بن يحيى بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم

الفارقي الأَصْل المصري أَبُو الْفَضَائِل وَأَبُو الْفَتْح وَأَبُو بكر وَهِي أشهر الْمَعْرُوف بِابْن نباتة الشَّاعِر الْمَشْهُور الْمجِيد الْمُبْدع الْفَائِق فِي جَمِيع أَنْوَاع النظم لأهل عصره وَلمن أَتَى بعدهمْ بل ولكثير مِمَّن كَانَ قبله
ولد فِي ربيع الأول سنة 686 سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وأحضره أَبوهُ على عاري الحلاوي
(2/252)

فَسمع عَنهُ من الغيلانيات أَرْبَعَة أَجزَاء فَكَانَ أحد من حدث بهَا وَحدث عَن الآخرين كبهاء الدَّين بن النّحاس وَعبد الرَّحِيم بن الدميري وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة مِنْهُم الْفَخر بن البخاري وَنَشَأ بِمصْر وتعانى الْأَدَب فمهر فِي النّظم والنثر وَالْكِتَابَة قَالَ الْحَافِظ بن حجر فِي الدُّرَر حَتَّى فاق أقرانه وَمن تقدم
ورحل إِلَى دمشق سنة 716 وَتردد إِلَى حلب وحماه وَغَيرهَا ومدح رُؤَسَاء هَذِه الْجِهَات وَله فِي الْمُؤَيد صَاحب حماه غرر المدايح وَكَذَلِكَ فِي وَلَده وَكَانَ متقللا من الدُّنْيَا لَا يزَال يشكو حَاله وَقلة مَا بِيَدِهِ وَكَثْرَة عِيَاله قَالَ الذهبي أَبُو الْفَضَائِل جمال الدَّين صَاحب النظم البديع وَله مُشَاركَة حَسَنَة فِي فنون الْعلم وشعره فِي الذرْوَة وَقَالَ ابْن رَافع حدث وبرع فِي الْأَدَب وَقَالَ ابْن كثير كَانَ حَامِل لِوَاء الشّعْر فِي زَمَانه وَله تصانيف رائقة مِنْهَا الْقطر النباتي اقْتصر فِيهِ على مقاطيع شعره وَمِنْهَا سوق الرَّقِيق اقْتصر فِيهِ على غزل قصائده وَمِنْهَا مطالع الْفَوَائِد وَهُوَ نَفِيس فِي الْأَدَب وقرظه جمَاعَة من الْفُضَلَاء فَجمع لَهُم تراجم وسماها سجع المطوق وَله الْفَاضِل من إنشاء الْفَاضِل وَشرح رِسَالَة ابْن زيدون وَغير ذَلِك وَفِي آخر عمره استدعاه النَّاصِر حسن إِلَى مصر وَذَلِكَ فِي سنة 761 وَكتب لَهُ مرسوما أنه يصرف إِلَيْهِ مَا يتجهز بِهِ وَيجمع لَهُ مَا انْقَطع من معاليمه إِلَى تَارِيخه فَجمع ذَلِك وتجهز إِلَى مصر فَقَدمهَا وَهُوَ شيخ كَبِير عَاجز فَلم يتمش لَهُ حَال وَقرر موقعا فِي الدست ثمَّ أعفي عَن الْحُضُور وَأجر لَهُ السُّلْطَان مَعْلُوما فَرُبمَا صرف إِلَيْهِ وَرُبمَا لم يصرف وَأقَام خاملا إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة 768 ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله اثْنَان وَثَمَانُونَ سنة وديوان شعره مُجَلد لطيف كُله غرر وَهُوَ مَوْجُود بأيدي النَّاس وَهُوَ أشعر الْمُتَأَخِّرين على
(2/253)

الاطلاق فِيمَا اعْتقد وَلَا سِيمَا فِي الغزليات
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن علي بن سُلَيْمَان بن عمر ابْن مُحَمَّد شمس الحلبي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن أَمِير حَاج

وبابن الموقت ولد فِي ثامن عشر ربيع الأول سنة 825 خمس وَعشْرين وثمان مائَة بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن الزين عبد الرَّزَّاق وَغَيره وارتحل إِلَى حما فَسمع بهَا عَن ابْن الأسفر ثمَّ إِلَى الْقَاهِرَة فَسمع بهَا على الْحَافِظ بن حجر ولازم ابْن الْهمام وبرع فِي فنون وتصدى للإقراء والإفتاء وَشرح منية الْمصلى وتحرير شَيْخه ابْن الْهمام والعوامل وَغير ذَلِك وَاعْترض على شَيْخه ابْن الْهمام باعتراضات على شَرحه للهداية وأرسلها إِلَيْهِ فَأجَاب عَلَيْهِ بِمَا يقتضي عدم الرضاء بذلك وَعدم الْإِصَابَة وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة 879 تسع وَسبعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْخضر بن سمري الشَّمْس الزبيري العبزري الغزي الشافعي

سرد ابْن حجر نسبة إِلَى الزبير بن الْعَوام وَهُوَ مَعْرُوف بالعبزري ولد بالقدس فِي ربيع الآخر سنة 724 أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَنَشَأ بِالْقَاهِرَةِ وتفقه على الشَّمْس بن عَدْلَانِ والتقى الْعَطَّار ومحى الدَّين ابْن شَارِح التَّنْبِيه وَقَرَأَ الْقرَاءَات على الْبُرْهَان الجكري ثمَّ فَارق الْقَاهِرَة وَسكن غَزَّة ثمَّ دخل دمشق فَأخذ بهَا عَن ابْن كثير والتقي السبكي وَابْن الْقيم وَغَيرهم وصنف كثيرا فَمن ذَلِك تَعْلِيق على الرافعي فِي أَربع مجلدات ومختصر الْقُوت للْأَذْرَعِيّ وأوضح المسالك فِي الْمَنَاسِك وأسنى الْمَقَاصِد فِي تَحْرِير الْقَوَاعِد وَشرح على الألفية وتوضيح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الأصلي وَشرح
(2/254)

على جمع الْجَوَامِع سَمَّاهُ تشنيف المسامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع وَله على الْمَتْن مناقشات سَمَّاهَا البروق اللوامع فِيمَا أورد على جمع الْجَوَامِع فَأَجَابَهُ مُصَنفه عَنْهَا فِي شَرحه الَّذِي سَمَّاهُ منع الْمَوَانِع ونظم فِي الْعَرَبيَّة أرجوزة وأفرد لنَفسِهِ تَرْجَمَة فِي جُزْء وَله سلَاح الِاحْتِجَاج فِي الذب عَن الْمِنْهَاج والغياث فِي تَفْصِيل الْمِيرَاث وآداب الْفَتْوَى والانتظام فِي أَحْوَال الْأَيْتَام وغرائب السّير ورغائب الْفِكر فِي علم الحَدِيث وتهذيب الْأَخْلَاق بِذكر مسَائِل الْخلاف والاتفاق ورسائل الْإِنْصَاف فِي علم الْخلاف وتحبير الظَّوَاهِر فِي تَحْرِير الْجَوَاهِر وأخلاق الأخيار فِي فهم الْأَذْكَار والكوكب الْمشرق فِي الْمنطق ومصباح الزَّمَان فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشَرحه وسلسال الغرب فِي كَلَام الْعَرَب ودقائق الْآثَار فِي مُخْتَصر مَشَارِق الانوار والمناهل الصافية فِي حل الكافية لِابْنِ الْحَاجِب ومصنفاته كَثِيرَة جدا وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(عَدوك إما معلن أَو مكاتم ... وكل بِأَن تخشاه أَو تتقي قمن)
(وزد حذرا مِمَّن تَجدهُ مكاتما ... فَلَيْسَ الَّذِي يرميك جَهرا كمن كمن)
وَمَات فِي منتصف ذِي الْحجَّة سنة 808 ثَمَان وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَرَفَة أَبُو عبد الله الورغمي

بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة إِلَى ورغمة قَرْيَة من أفريقية التونسي المالكي عَالم الْمغرب الْمَعْرُوف بِابْن عَرَفَة ولد سنة 716 سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة وتفقه ببلاده على أبي عبد الله بن عبد السَّلَام الهواري شَارِح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الفرعي وَعنهُ أَخذ الْأُصُول وَقَرَأَ الْقرَاءَات على ابْن سَلامَة الْأنْصَارِيّ وَسمع على جمَاعَة هُنَاكَ وَمهر
(2/255)

فِي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَصَارَ المرجوع إِلَيْهِ بالمغرب وتصدى لنشر الْعلم مَعَ الْجَلالَة عِنْد السُّلْطَان فَمن دونه وَالدّين المتين والتوسع فِي الدُّنْيَا والتظاهر بِالنعْمَةِ فِي مأكله وملبسه وَكَثْرَة الصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى الطّلبَة مَعَ إخفائه لذَلِك وَقدم لِلْحَجِّ فِي سنة 796 وَأَجَازَ لِابْنِ حجر وصنف مجموعا فِي الْفِقْه سَمَّاهُ الْمَبْسُوط فِي سَبْعَة أسفار وَاخْتصرَ الجوفي فِي الْفَرَائِض وعلق عَنهُ بعض أهل الْعلم كلَاما فِي التَّفْسِير فِي مجلدين كَانَ يلتقطه حَال الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وصنف فِي كل من الْأَصْلَيْنِ مُخْتَصرا وَكَذَا فِي الْمنطق وَمَات فِي رَابِع وَعشْرين جُمَادَى الْآخِرَة سنة 803 ثَلَاث وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْخَالِق الْمُحب أَبُو الْقَاسِم النويري الْمَيْمُونِيّ القاهري

الْمَالِكِي الْمَعْرُوف بِأبي الْقَاسِم النويري نِسْبَة إِلَى نُوَيْرَة قَرْيَة من قرى الصَّعِيد
ولد فِي رَجَب سنة 801 إحدى وثمان مائَة بالميمون وَهُوَ أَيْضا قَرْيَة من قرى مصر وَقدم الْقَاهِرَة فحفظ الْقُرْآن وعدة مختصرات وتلا بالعشر على غير وَاحِد مِنْهُم ابْن الجزري لقِيه بِمَكَّة ولازم الْبِسَاطِيّ وَأخذ عَن الهروي وَابْن حجر والزين الزركشي وَأخذ عَن غَيرهم وبرع فِي الْفِقْه والأصلين والنحو وَالصرْف وَالْعرُوض والقوافي والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والحساب والفلك والقراءات وَغَيرهَا وصنف فِي أَكثر هَذِه الْفُنُون فَمن ذَلِك تَكْمِيل شرح الْمُخْتَصر الفرعي وَشرح أَيْضا كلا مختصري ابْن الْحَاجِب الأصلي والفرعي وَشرح التَّنْقِيح للقرافي فِي مُجَلد ونظم أرجوزة فِي النَّحْو وَالصرْف وَالْعرُوض والقوافي فِي خمس مائَة بَيت وَخَمْسَة وَأَرْبَعين بَيْتا وَشَرحهَا وَله مُقَدّمَة فِي النَّحْو ومنظومة فِي الْقرَاءَات الثَّلَاث الزايدة
(2/256)

على السَّبع وَشَرحهَا ونظم نزهة ابْن الهايم وَشَرحهَا وَله قصيدة فِي علم الْفلك وَشَرحهَا
وَشرح طيبَة النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر لشيخه ابْن الجزري فِي مجلدين وَله القَوْل الجاز من قَرَأَ بالشاذ وَحج وجاور وَأقَام بغزة والقدس ودمشق وَغَيرهَا من الْبِلَاد وانتفع بِهِ النَّاس فِي هَذِه النواحي قَالَ السخاوي وَكَانَ إماما عَلامَة متفننا فصيحا مفوها بحاثاً ذكياً آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر صَحِيح العقيدة شهما مترفعا على بني الدُّنْيَا مغلظا لَهُم فِي القَوْل متواضعا للطلبة والفقراء وَرُبمَا يفرط ذَا كرم بِالْمَالِ وَالْإِطْعَام يتكسب بِالتِّجَارَة بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ مستغنيا عَن وظائف الْفُقَهَاء عرض عَلَيْهِ التدريس بمدارس وَالْقَضَاء فَأبى مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع جُمَادَى الأولى سنة 897 سبع وَتِسْعين وثمان مائَة بِمَكَّة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن علي بن يُوسُف الدمشقي ثمَّ الشيرازي المقري الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الجزري

نِسْبَة إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر قرب الْموصل كَانَ أَبوهُ تَاجِرًا فَمَكثَ أَرْبَعِينَ سنة لَا يُولد لَهُ ولد ثمَّ حج فَشرب مَاء زَمْزَم بنية أَن يرزقه الله ولدا عَالما فولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة فِي لَيْلَة السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة 751 إحدى وَخمسين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق فَنَشَأَ بهَا فَأخذ الْقرَاءَات عَن جمَاعَة ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة فَسمع من جمَاعَة كأصحاب الْفَخر بن البخاري وَأَصْحَاب الدمياطي ورحل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَقَرَأَ على أَهلهَا كَابْن الدماميني وجد فِي طلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَكتب الطباق وَأخذ الْفِقْه عَن الأسنوي والبلقيني والبهاء السبكي وَأخذ الْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان عَن الضياء القرمي والْحَدِيث عَن الْعِمَاد بن كثير والعراقي وَاشْتَدَّ شغفه بالقراءات حَتَّى جمع
(2/257)

الْعشْر ثمَّ الثَّلَاث عشرَة وتصدى للإقراء بِجَامِع بني أُميَّة ثمَّ دخل بِلَاد الروم سنة 798 واتصل بالسلطان بايزيد خَان فَأكْرمه وعظمه فنشر هُنَالك علم الْقرَاءَات والْحَدِيث وانتفعوا بِهِ فَلَمَّا دخل تيمورلنك بِلَاد الروم أَخذه مَعَه إِلَى سَمَرْقَنْد فَأَقَامَ بهَا ناشرا للْعلم وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا سنة 805 وَلما مَاتَ تيمور فِي شعْبَان سنة 807 خرج من سَمَرْقَنْد إِلَى خُرَاسَان وَدخل هراة ثمَّ دخل مَدِينَة يزدْ ثمَّ أصبهان ثمَّ شيراز وانتفع بِهِ النَّاس فِي جَمِيع هَذِه الْجِهَات لَا سِيمَا فِي الْقرَاءَات وألزمه سُلْطَان شيراز أَن يلي قضاءها فَأجَاب مكْرها ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ جاور بِمَكَّة وَالْمَدينَة سنة 823 ثمَّ قدم دمشق سنة 827 ثمَّ الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بالسلطان الْأَشْرَف فَعَظمهُ وأكرمه وتصدى للإقراء والتحديث ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة وَدخل الْيمن فَعَظمهُ صَاحبهَا وأكرمه وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْيمن وَعَاد إِلَى مَكَّة ثمَّ إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ إِلَى الشيراز وَله تصانيف كَثِيرَة نافعة مِنْهَا النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر فِي مجلدين والتمهيد فِي التجويد واتحاف المهرة فِي تَتِمَّة الْعشْرَة وإعانة المهرة فِي الزِّيَادَة على الْعشْرَة ونظم طيبَة النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر فِي ألف بَيت
ونظم الْمُقدمَة فِيمَا على قاريه أَن يُعلمهُ والتوضيح فِي شرح المصابيح والبداية فِي عُلُوم الرِّوَايَة وَالْهِدَايَة فِي فنون الحَدِيث وطبقات الْقُرَّاء فِي مُجَلد ضخم وغايات النهايات فِي أَسمَاء رجال القراآت والحصن الْحصين من كَلَام سيد الْمُرْسلين وعدة الْحصن الْحصين وجنة الْحصن الْحصين والتعريف بالمولد الشريف وَعقد اللئالى فِي الْأَحَادِيث المسلسلة الغوالى والمسند الأحمد فِيمَا يتَعَلَّق بِمُسْنَد أَحْمد وَالْقَصْد الأحمد فِي رجال
(2/258)

مُسْند أَحْمد والمقصد الأحمد فِي ختم مُسْند أَحْمد وأسنى المناقب فِي فضل علي بن أبي طَالب والجوهرة فِي النَّحْو وَغير ذَلِك وَكَانَ تصنيفه لهَذِهِ المصنفات فِي الْجِهَات الَّتِى تقدم ذكرهَا وَقد تفرد بِعلم القراآت فِي جَمِيع الدُّنْيَا ونشره فِي كثير من الْبِلَاد وَكَانَ أعظم فنونه وَأجل مَا عِنْده وَمَات بشيراز يَوْم الْجُمُعَة خَامِس ربيع الأول سنة 833 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
وَحكى صَاحب الشقائق النعمانية فِي عُلَمَاء الدولة العثمانية أَن صَاحب التَّرْجَمَة لما وصل هُوَ وتيمور إِلَى سَمَرْقَنْد عمل تيمور هُنَالك وَلِيمَة عَظِيمَة وَجعل على يسَاره أكَابِر الْأُمَرَاء وعَلى يَمِينه الْعلمَاء فَقدم صَاحب التَّرْجَمَة على السَّيِّد شرِيف الجرجانى الْمُقدم ذكره فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ فَكيف لَا أقدم رجلا عَارِفًا بِالْكتاب وَالسّنة
السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن فَهد التقي الهاشمي العلوي الأصفوني

ثمَّ المكي الشافعي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن فَهد ولد فِي عَشِيَّة الثُّلَاثَاء خَامِس ربيع الثاني سنة 787 سبع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بأصفون من صَعِيد مصر ثمَّ انْتقل بِهِ أَبوهُ إِلَى مَكَّة فحفظ بهَا مختصرات وَسمع الْكثير على مَشَايِخ بَلَده والقادمين إِلَيْهَا وَكتب عَمَّن دب ودرج وَكَانَ من جملَة من أَخذ عَنهُ المراغي وَأَبُو الْيمن الطبري وَسمع بِالْمَدِينَةِ عَن أَهلهَا وَدخل الْيمن فلقي أكابرها كالمجد صَاحب الْقَامُوس وَسمع مِنْهُ وَمن غَيره وبرع فِي الحَدِيث وفَاق أقرانه وَصَارَ الْمعول عَلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْن بِبِلَاد الْحجاز قاطبة وانتفع بِهِ النَّاس وَألف مؤلفات مِنْهَا الباهر الساطع من سيرة ذي الْبُرْهَان الْقَاطِع وَفِي سيرة الْخُلَفَاء والملوك فِي مجلدين وَكَذَا فِي أذكار
(2/259)

الْكتاب وَالسّنة
والمطالب السّنيَّة العوالي بِمَا لقريش من المفاخر والمعالي وبهجة الدماثة بِمَا ورد فِي فضل الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وطرق الْإِصَابَة بِمَا جَاءَ فِي فَضَائِل الصَّحَابَة وتحفة الْعلمَاء الأتقياء بِمَا جَاءَ فِي قصَص الْأَنْبِيَاء وتأميل نِهَايَة التَّقْرِيب وتكميل التَّهْذِيب جمع فِيهِ بَين تَهْذِيب الْكَمَال ومختصريه للذهبي وَابْن حجر والأشراف على جَمِيع النكت الظراف وتحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِِفَة الْأَطْرَاف فِي ثَلَاث مجلدات وذيل على طَبَقَات الْحفاظ وَمَات يَوْم السبت سَابِع ربيع الأول سنة 871 إحدى وَسبعين وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَمن نظمه
(قَالَت حَبِيبَة قلبي عِنْدَمَا نظرت ... دموع عيني على الْخَدين تستبق)
(فِيمَا الْبكاء وَقد نلْت المنى زَمنا ... فَقلت خوف الْفِرَاق الدمع يندفق)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْعَلَاء البخاري العجمي الحنفي

ولد سنة 779 تسع وَسبعين وَسَبْعمائة بِبِلَاد الْعَجم وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن أَبِيه وَعَن السعد التفتازاني وَآخَرين وارتحل فِي شبيبته إِلَى الأقطار لطلب الْعلم إِلَى أَن تقدم فِي الْفِقْه والأصلين والعربية واللغة والمنطق والجدل والمعاني وَالْبَيَان والبديع وَغير ذَلِك من المعقولات والمنقولات وترقى فِي التصوف وَمهر فِي الأدبيات وَتوجه إِلَى بِلَاد الْهِنْد وَنشر الْعلم هُنَالك وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ ملكهَا ثمَّ قدم مَكَّة فجاور بهَا ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَأَقَامَ بهَا سِنِين وانثال عَلَيْهِ الطّلبَة من كل مَذْهَب وعظمه الأكابر وَغَيرهم بِحَيْثُ كَانَ إِذا اجْتمع عِنْده الْقُضَاة يكونُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره كالسلطان وَإِذا حضر عِنْده أَعْيَان الدولة بَالغ فِي وعظهم والإغلاظ
(2/260)

عَلَيْهِم وتراسل السُّلْطَان مَعَهم بِمَا هُوَ أَشد فِي الإغلاظ مَعَ كَونه لَا يحضر مَجْلِسه وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يزْدَاد إلا جلالا ورفعة ومهابة فِي الْقُلُوب وَاتفقَ فِي بعض الْمجَالِس عِنْده جرى ذكر ابْن عربي وَكَانَ يكفره ويقبحه وكل من يَقُول بمقالته فشرع الْعَلَاء فِي تَقْرِير ذَلِك وَوَافَقَهُ أَكثر من حضر إِلَّا الْبِسَاطِيّ فَقَالَ إِنَّمَا يُنكر النَّاس عَلَيْهِ ظَاهر الْأَلْفَاظ الَّتِى يَقُولهَا وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي كَلَامه مَا يُنكر إِذا حمل لَفظه على معنى صَحِيح بِضَرْب من التَّأْوِيل وَمن جملَة مَا دَار فِي ذَلِك إنكار الْوحدَة وَقرر الْعَلَاء إنكار ذَلِك فَقَالَ لَهُ البساطي أَنْتُم مَا تعرفُون الْوحدَة الْمُطلقَة فَلَمَّا سمع ذَلِك استشاط غَضبا وَصَاح بِأَعْلَى صَوته أَنْت مَعْزُول وَلَو لم يعزلك السُّلْطَان يعْنى لتضمن ذَلِك كفره عِنْده وَاسْتمرّ يَصِيح وَأقسم بِاللَّه إِن السُّلْطَان إِن لم يعزله من الْقَضَاء ليخرجن من مصر فأشير على البساطي بمفارقة الْمجْلس إخمادا للفتنة وَبلغ السُّلْطَان ذَلِك فَأمر بإحضار الْقُضَاة عِنْده فَحَضَرُوا فَسَأَلَهُمْ عَن مجْلِس الْعَلَاء فقصه كَاتب السِّرّ وَهُوَ مِمَّن حضر الْمجْلس فَسَأَلَ السُّلْطَان الْحَافِظ بن حجر عَن تَكْفِير الْعَلَاء للبساطي وماذا يستحسن هَل الْعَزْل أَو التَّعْزِير فَقَالَ ابْن حجر لَا يجب عَلَيْهِ شئ بعد اعترافه وَكَانَ البساطي قد اعْترف بِكفْر ابْن عربي فِي مجْلِس السُّلْطَان وَأرْسل السُّلْطَان إلى الْعَلَاء يترضاه فَأبى ورحل عَن مصر وَكَانَ قد أرسل إِلَيْهِ قبل رحلته عَن مصر سُلْطَان الْهِنْد بِثَلَاثَة آلَاف شاش ففرقها على الطّلبَة الملازمين لَهُ وَبعد ارتحاله سكن دمشق وصنف رِسَالَة سَمَّاهَا فاضحة الْمُلْحِدِينَ زيف فِيهَا ابْن عربي وَأَتْبَاعه
واتفقت لَهُ حوادث بِدِمَشْق مِنْهَا أَنه كَانَ يسئل عَن مقالات ابْن
(2/261)

تَيْمِية الَّتِى انْفَرد بهَا فيجيب بِمَا يظْهر لَهُ من الْخَطَأ وينفر عَنهُ قلبه إِلَى أَن استحكم ذَلِك عَلَيْهِ فَصرحَ بتبديعه ثمَّ تكفيره ثمَّ صَار يُصَرح فِي مَجْلِسه أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام فَهُوَ بِهَذَا الإطلاق كَافِر فَانْتدبَ للرَّدّ عَلَيْهِ الْحَافِظ بن نَاصِر وصنف كتابا سَمَّاهُ الرَّد الوافر على من زعم أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام كَافِر جمع فِيهِ كَلَام من أطلق عَلَيْهِ ذَلِك من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل عصره من جَمِيع أهل الْمذَاهب سوى الْحَنَابِلَة وَضَمنَهُ الْكثير من تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية وَذكر مناقبه وَأرْسل بنسخة مِنْهُ إِلَى الْقَاهِرَة فقرظه جمَاعَة من أعيانها كَابْن حجر وَالْعلم البلقيني والعيني والبساطي وَكتب الْعَلَاء كتابا إِلَى السُّلْطَان يغريه بمصنف الرسَالَة وبالحنابلة فَلم يلْتَفت السُّلْطَان إِلَى ذَلِك وَمَا كَانَ أغْنى صَاحب التَّرْجَمَة ذَلِك وَلَكِن الشَّيْطَان لَهُ دقايق لَا سِيمَا فِي مثل من هُوَ فِي هَذِه الطَّبَقَة من الزّهْد وَالْعلم قَالَ السخاوي وَيُقَال أن جنية كَانَت تَابِعَة للعلاء وَكَانَت تَأتيه فِي شكل حسن وَتارَة فِي شكل قَبِيح فتتراءى لَهُ من بعيد وَهُوَ مَعَ النَّاس فيغمض عَيْنَيْهِ وَيقْرَأ ويغيب عَن النَّاس فيظن أَنه خشوع وتلاوة وَكَانَ شَدِيد النفرة مِمَّن يلي الْقَضَاء وَنَحْوه من جماعته وَلَكِن لما ولي الْكَمَال بن البراري قَضَاء الشَّام أظهر السرُور وَقَالَ الْآن أَمن النَّاس على دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ كثير الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَمَات يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة 814 إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة بالمرة وَدفن بسطحها وَقَالَ المقري فِي عقوده كَانَ يسْلك طَرِيقا من الْوَرع فيسمح فِي أَشْيَاء يحملهُ عَلَيْهَا بعده عَن معرفَة السّنَن والْآثَار وانحرافه عَن الحَدِيث وَأَهله بِحَيْثُ كَانَ ينْهَى
(2/262)

عَن النظر فِي كَلَام النووي وَيَقُول هُوَ ظَاهر ويحض على كتب الغزالى انْتهى ومن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ فِي ابْن تَيْمِية مَا قَالَ وَلَيْسَ فِي علم إنسان خير إِذا كَانَ لَا يعرف علم الحَدِيث وَإِن بلغ فِي التَّحْقِيق إِلَى مَا ينَال
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن الشهَاب غازى بن ايوب ابْن حسام الدَّين مَحْمُود شحنة حلب الْمُحب أَبُو الْفضل الحلبي

الحنفي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن الشّحْنَة ولد فِي رَجَب سنة 804 أَربع وثمان مائَة بحلب وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها كالبدر بن سَلامَة وَابْن خطيب الناصرية ورحل إِلَى دمشق والقاهرة فَأخذ عَن أعيانهما وَكَانَ يتوقد ذكاء وفطنة حَتَّى أنه سَأَلَهُ عَمه وَهُوَ ابْن اثنتي عشر سنة أنه يُعَارض قَول الشَّاعِر
(أمط اللثام عَن العذار السايل ... ليقوم عذري فِيك بَين عواذلي)
فَقَالَ بديهة
(اكشف لثامك عَن عذارك قاتلي ... لتَمُوت غبنا ان رأتك عواذلى)
وَولى قَضَاء حلب وَكَثِيرًا من أمورها حَتَّى صَار الْمرجع إِلَيْهِ فِي غَالب الْأَشْيَاء بهَا ثمَّ ولي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِمصْر وَكِتَابَة سرها وَجَرت لَهُ أُمُور يطول شرحها حَسْبَمَا بَسطه السخاوى فِي الضَّوْء اللامع وَله تصانيف مِنْهَا شرح الْهِدَايَة كتب مِنْهُ إِلَى آخر الْغسْل فِي خَمْسَة مجلدات واختصار الْمنَار واختصار النشر
وَشرح العقائد وَالْكَلَام على التَّلْخِيص وترتيب مبهمات ابْن بشكوال وطبقات الْحَنَفِيَّة فِي مجلدات وَكَانَ فصيحا مفوها ذَا رياسة وحشمة وافرة وجلالة عِنْد السلاطين فَمن دونهم وأبهة زَائِدَة وميل إلى المناصب وقدرة على تَحْصِيلهَا ودراية فِي كل ذَلِك وَمَات يَوْم
(2/263)

الْأَرْبَعَاء سادس عشر الْمحرم سنة 890 تسعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود الحلبي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة الْكَبِير

وَالِد الْمَذْكُور قبله ولد سنة 749 تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن شُيُوخ بَلَده والقادمين إِلَيْهَا وارتحل إِلَى دمشق والقاهرة فَأخذ عَن أعيانها وَأذن لَهُ شَيْخه فِي الْإِفْتَاء والتدريس قبل أَن يلتحي واشتهرت فضايله وَولى قَضَاء بَلَده وَولى قَضَاء مصر ودمشق وَلما فتح تيمورلنك حلب وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة بهَا فَاسْتَحْضرهُ هُوَ وَطَائِفَة من الْعلمَاء وسألهم عَن الْقَتْلَى من الطَّائِفَتَيْنِ من أَصْحَابه وَمن أهل حلب من فِي الْجنَّة مِنْهُم وَمن فِي النَّار فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة هَذَا سُؤال قد سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاستنكر تيمورذلك فَقَالَ لَهُ إن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن الرجل يُقَاتل شجاعة وَالرجل يُقَاتل حمية كَمَا فِي الحَدِيث فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله فَاسْتحْسن تيمور كَلَامه
وَللَّه دره فَلَقَد لقن الصَّوَاب وَجَاء بِمَا لم يكن فِي حِسَاب وَلم يكن لتيمور مقصد بالسؤال الْمَذْكُور إِلَّا التَّوَصُّل إِلَى سفك دَمه وَدم من مَعَه من الْعلمَاء كَمَا جرت بذلك عاداته فَإِنَّهُم إن قَالُوا إن المحقين أَصْحَابهم لم يأمنوا شَره وَإِن قَالُوا إن المحقين أَصْحَابه أقرُّوا على أنفسهم بالغي ويجد بذلك السَّبِيل إِلَى سفك دِمَائِهِمْ وَله مؤلف فِي التَّفْسِير وحاشية على الْكَشَّاف وَلم يكمل ومختصر فِي الْفِقْه وَاخْتصرَ منظومة النسفي فِي ألف بَيت مَعَ زِيَادَة مَذْهَب أَحْمد ونظم ألف بَيت فِي عشرَة عُلُوم
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد الدَّهْر علماً وفصاحة وعقلاً ورياسة
(2/264)

وانْتهى أمره إِلَى أَن ترك التَّقْلِيد واجتهد وناهيك بذلك من مثله فِي عصره ومصره فَإِن هَذَا بَاب قد سد مُنْذُ دهر
وَله تَارِيخ مُخْتَصر وقفت عَلَيْهِ جعله مُخْتَصرا من تَارِيخ الْمُؤَيد صَاحب حماه وَزَاد عَلَيْهِ إِلَى زَمَانه وَشرح فِيهِ واقعته مَعَ تيمور حَسْبَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَله سيرة نبوية ورحلة وَمن نظمه
(كنت بخفض الْعَيْش فِي رفْعَة ... منتصب الْقَامَة ظلي ظَلِيل)
(فاحدودب الظّهْر وَهَا أضلعي ... تعد والأعين مني تسيل)
وَمَات يَوْم الْجُمُعَة ثاني ربيع الآخر سنة 815 خمس عشرَة وثمان مائَة
السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشَّامي

نِسْبَة إِلَى جمَاعَة من السَّادة الواصلين إِلَى الْيمن من الشَّام يسكنون بِبِلَاد خولان الصَّنْعَانِيّ سَيَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة جده ولد سنة 1178 ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ فِي أَنْوَاع من الْعلم على جمَاعَة من أعيانها وَقَرَأَ علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَهُوَ من خِيَار السَّادة ونبلاء الْفُضَلَاء القادة لَهُ من محَاسِن الْأَخْلَاق وَمَكَارِم الصِّفَات ماليس لغيره مَعَ عقل رصين وَدين متين واشتغال بِخَاصَّة النَّفس وتفويض للأمور وعفاف وَعزة نفس وَهُوَ من بَيت معمور بالآدب والعلوم وَسَيَأْتِي ذكر أبيه وجده إن شَاءَ الله وَهُوَ الْآن فِي الْحَيَاة عَامله الله بألطافه وَله نظم قد كتب إلي مِنْهُ كثيرا وَلم يحضر حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة شَيْء مِنْهُ وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي فِي شرحي للمنتقى ويحصله بِخَطِّهِ وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه المسمى بالدراري
(2/265)

وَغير ذَلِك من مؤلفاتي وَغَيرهَا
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن وَقيل مُحَمَّد بن حَمْزَة الفنادي

وَيُقَال الفناري بالراء مَكَان الدَّال الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة مُسَمَّاة كفساد كَمَا قَالَ الأسيوطي حاكيا لذَلِك عَن جد صَاحب التَّرْجَمَة ولد فِي صفر سنة 751 إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن عَلَاء الدَّين الْأسود وشارح المغني والوقاية وَعَن مُحَمَّد الأقسرائي ببلاده وارتحل إِلَى مصر وَأخذ عَن الشَّيْخ أكمل الدَّين وَغَيره ثمَّ رَجَعَ إِلَى الروم فولي قَضَاء بروسا وارتفع قدره عِنْد ابْن عُثْمَان جدا وَحل عِنْده الْمحل الْأَعْلَى فَصَارَ فِي معنى الْوَزير واشتهر ذكره وشاع فَضله
قَالَ ابْن حجر كَانَ عَارِفًا بِعلم الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان والقراآت كثير الْمُشَاركَة فِي الْفُنُون وَكَانَ حسن السمت كثير الْفضل والإفضال وَلما دخل الْقَاهِرَة يُرِيد الْحَج اجْتمع بِهِ فضلاء الْعَصْر وذاكروه وباحثوا وشهدوا لَهُ بالفضيلة ثمَّ رَجَعَ وَكَانَ قد أثرى إِلَى الْغَايَة حَتَّى يُقَال إن عِنْده من النَّقْد خَاصَّة مائَة وَخمسين ألف دِينَار وَحج سنة 823 فَلَمَّا رَجَعَ طلبه الْمُؤَيد فَدخل الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بفضلائها ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقُدس فزار ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده ثمَّ حج فِي سنة 833 وَرجع إِلَى بِلَاده وَمَات بِشَهْر رَجَب من هَذِه السّنة وَقيل فِي الَّتِي بعْدهَا وَهُوَ مُصَنف فُصُول الْبَدَائِع فِي أصُول الشَّرَائِع جمع فِيهِ الْمنَار والبزدوى ومحصول الإِمَام الرازى ومختصر ابْن الحاحب وَغير ذَلِك وَأقَام فِي عمله ثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ من أجل الْكتب الْأُصُولِيَّة وأنفعها وأكثرها فَوَائِد وَله تَفْسِير للفاتحة ورسالة أَتَى فِيهَا بمسائل من مائَة فن وَتكلم فِيهَا على مسَائِل مشكلة
(2/266)

وسماها نموذج الْعُلُوم وَله منظومة فِي عشْرين فَنًّا أَتَى فِي كل فن بمسئلة وَغير أَسمَاء تِلْكَ الْفُنُون بطرق الألغاز امتحانا لفضلاء دهره وَلم يقدروا على تعْيين فنونها فضلا عَن حل مسائلها مَعَ إنه قَالَ إنه عمل ذَلِك فِي يَوْم وَقد حلهَا ابْنه مُحَمَّد وَكتب منظومة يتَضَمَّن الْجَواب على منظومة وَالِده وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة شرح على الرسَالَة الأثيرية فِي الْمنطق وَذكر أنه عمل ذَلِك فِي يَوْم وَشرح الفرايض السِّرَاجِيَّة وَله تعليقة على شرح المواقف للسَّيِّد شرِيف الجرجاني وَأَخذه مؤاخذات لَطِيفَة وَقد انْتفع بِعِلْمِهِ الطّلبَة فِي بِلَاد الروم مَعَ اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ وَكَانَ لَهُ جلالة وأبهة بِحَيْثُ ان عبيده لَا يكَاد يُحصونَ مِنْهُم اثْنَا عشر مُلْبسُونَ الثِّيَاب الفاخرة النفيسة وَله جوَار عدَّة مِنْهُنَّ أربعون تلبس القلانس الذهبية وَمَعَ ذَلِك كَانَ متزهدا فِي ملبوسه على زي الصُّوفِيَّة وَكَانَ يَقُول إِذا عوتب فِي ذَلِك إن ثيابي وطعامي من كسب يدي وَلَا يفي كسبي بِأَحْسَن من ذَلِك وَخلف ثروة عَظِيمَة فِيهَا من الْكتب نَحْو عشرَة آلَاف وَمن تصلبه فِي الدَّين وتثبته فِي الْقَضَاء أَنه رد شَهَادَة سُلْطَان الروم فِي قَضِيَّة فَسَأَلَهُ السُّلْطَان عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ إنك تَارِك للْجَمَاعَة فَبنى السُّلْطَان قُدَّام قصره جَامعا وَعين لنَفسِهِ فِيهِ موضعا وَلم يتْرك الْجَمَاعَة بعد ذَلِك فَللَّه در هَذَا الْعَالم الصادع بِالْحَقِّ مَعَ مَا هُوَ فِيهِ من التقلب فِي نعْمَة سُلْطَانه الَّتِى سَمِعت بعض وصفهَا وَرب عَالم لَا يقدر على الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي الْحق لمن لَهُ عَلَيْهِ أدنى نعْمَة مَخَافَة من زَوَالهَا بل رب عَالم يمنعهُ رَجَاء الْعَطِيَّة ونيل الرُّتْبَة السّنيَّة عَن التَّكَلُّم بِالْحَقِّ وَلم يكن بِيَدِهِ إلا مُجَرّد الأماني الأشعبية ورحم الله هَذَا السُّلْطَان الذي سمع الْحق فَاتبع وَلم تصده سُورَة الْملك وَمَا هُوَ فِيهِ من سُلْطَان الذي كَاد
(2/267)

يطبق الأَرْض عَن قبُول ذَلِك وَهَذَا السُّلْطَان المرحوم هُوَ السُّلْطَان بايزيد ابْن مُرَاد الْمُتَقَدّم ذكره
ثمَّ إنه جرى بَين صَاحب التَّرْجَمَة وَبَين السُّلْطَان الْمَذْكُور بعض الْمُخَالفَة فارتحل إِلَى بِلَاد قرمان وَترك مناصبه قَالَ صَاحب الشقايق النعمانية وَعين لَهُ صَاحب قرمان فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم ولطلبته كل يَوْم خَمْسمِائَة دِرْهَم ثمَّ إن السُّلْطَان الْمَذْكُور نَدم على مَا فعل فِي حق صَاحب التَّرْجَمَة فَأرْسل إِلَى صَاحب قرمان يستدعيه مِنْهُ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقد كَانَ ضعف بَصَره ثمَّ شفي فحج شكرا لله الْحجَّة الْآخِرَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا
ويروي أَن وَزِير السُّلْطَان قَالَ فِي بعض الْأَيَّام أَرْجُو الله أَن أصلي على هَذَا الشَّيْخ الْأَعْمَى يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة فَسَمعهُ فَقَالَ إنه جَاهِل لَا يحسن الصَّلَاة على الْمَيِّت وَأَرْجُو الله أَن يشفيني ويعميه واصلي عَلَيْهِ فشفاه الله وكحل السُّلْطَان الْوَزير بحديدة محماة فَعمى ثمَّ مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة
ويروي فِي سَبَب عمى المترجم لَهُ انه لما سمع أَن الأَرْض لَا تَأْكُل لُحُوم الْعلمَاء العاملين نبش قبر أستاذه عَلَاء الدَّين الْأسود ليتَحَقَّق ذَلِك فَوَجَدَهُ كَمَا وضع مَعَ أَنه قد مر عَلَيْهِ زمَان طَوِيل فَسمع عِنْد ذَلِك صَوتا يَقُول هَل صدقت أعمى الله بَصرك وَقد تَرْجمهُ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع تَرْجَمَة مختصرة فَقَالَ مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مُحَمَّد العثماني الشهير بِابْن الفناري كتب على استدعاء فِي ثاني عشر ذي الْحجَّة سنة 822 حِين حج بِمَكَّة ومولده فِي منتصف سنة 751 وَلَقَد لقِيت بعض أَصْحَابه فَكتبت عَنهُ من نظم صَاحب التَّرْجَمَة انْتهى وَكَانَ يسْتَحق التَّطْوِيل فَإِن
(2/268)

السخاوي يُطِيل تراجم من لَا يبلغ إِلَى بعض رتبته وَلَعَلَّ عذره فِي ذَلِك بعد الديار
مُحَمَّد خَان بن مُرَاد خَان بن مُحَمَّد خَان بن بايزيد خَان بن أورخان ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها

ولد سنة 836 سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَهُوَ الَّذِي أسس ملك بني عُثْمَان وَقرر قَوَاعِده ومهد قوانينه وَهُوَ الَّذِي افْتتح القسطنطينة الْكُبْرَى وسَاق إِلَيْهَا السفن برا وبحرا وَكَانَ فتحهَا فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء من جُمَادَى الْآخِرَة سنة 857 وَاسْتقر بهَا هُوَ وَمن بعده من السلاطين وَبنى بهَا الْمدَارِس الثمان الْمَشْهُورَة وَكَانَ مائلا إِلَى الْعلمَاء مقربا لَهُم يخلطهم بِنَفسِهِ وَيَأْخُذ عَنْهُم فِي كل علم وَيحسن إِلَيْهِم ويستجلبهم من الأقطار النائية ويراسلهم ويفرح إِذا دخل إِلَى مَمْلَكَته وَاحِد مِنْهُم وَله مَعَهم أَخْبَار مبسوطة فِي الشقائق النعمانية عِنْد ذكر عُلَمَاء دولته وَتُوفِّي سنة 886 سِتّ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم بن سُلَيْمَان

جلس على سَرِير السلطنة سنة 1003 وَمَات سنة 1012
السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد

الْمَذْكُور قبله ولد سنة 1049 وَجلسَ على تخت السلطنة سنة 1058 وَله فتوحات عَظِيمَة ومناقب جمة وَمَات سنة 1099
مُحَمَّد بن مصلح الدَّين القوجوي الرومي الحنفي محيي الدَّين الْمَعْرُوف بشيخ زَاده

قَرَأَ على عُلَمَاء عصره الروميين ولازم ابْن فضل الدَّين وبرع فِي
(2/269)

الْعُلُوم ودرس بمدارس الروم ثمَّ رغب عَن ذَلِك ولازم بَيته وَعين لَهُ السطان بعد ترك التدريس كل يَوْم خَمْسَة عشرَة درهما وَكَانَ يَقُول أنه يَكْفِيهِ عشرَة دَرَاهِم وَهُوَ مؤلف حَاشِيَة تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ فِي سِتَّة مجلدات بعبارات وَاضِحَة جلية ينْتَفع بهَا الْمُبْتَدِئ وَله شرح على الْوِقَايَة فِي الْفِقْه وَشرح للفرائض السِّرَاجِيَّة وَشرح لمفتاح الْعُلُوم للسكاكي وَشرح للبردة ويحكى عَنهُ أَنه قَالَ إِذا أشكلت عَلَيْهِ آيَة من آيَات كتاب الله تَعَالَى توجه إِلَى الله تَعَالَى فيتسع صَدره حَتَّى يكون قدر الدُّنْيَا فَيطلع فِيهِ قمران لَا يدري أي شَيْء هما ثمَّ يظْهر نور فَيكون دَلِيلا إِلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ فيستخرج مِنْهُ معنى الْآيَة حكى ذَلِك عَنهُ صَاحب الشقائق النعمانية وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ إِذا عملت الْيَوْم بالعزيمة لَا أُرِيد الْيَوْم إِلَّا وَأَنا فِي الْجنَّة وَإِذا عملت بِالرُّخْصَةِ لَا يحصل لي هَذَا الْحَال وَحكى عَنهُ صَاحب الشقائق أَيْضا أَنه تولى الْقَضَاء وَكَانَ يرى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كل أُسْبُوع مرة فَترك الْقَضَاء طَمَعا فِي كَثْرَة رُؤْيَته فِي الْمَنَام لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يره بعد تَركه للْقَضَاء فَدخل فِي الْقَضَاء ثَانِيًا قرآه فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله انى تركت الْقَضَاء ليزِيد قربى مِنْكُم فَلم يَقع كَمَا رَجَوْت فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الْمُنَاسبَة بيني وَبَيْنك عِنْد الْقَضَاء أَزِيد من الْمُنَاسبَة عِنْد التّرْك لِأَنَّك عِنْد الْقَضَاء تشتغل بإصلاح نَفسك وَإِصْلَاح أمتي وَعند التّرْك لَا تشتغل إلا بإصلاح نَفسك وَمَتى زِدْت فِي الْإِصْلَاح زِدْت تقربا منى وَمَات فِي سنة 951 إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة
(2/270)

الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن الْقَاسِم بن المطهر بن علي بن النَّاصِر بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن

بُويِعَ بالخلافة عِنْد موت وَالِده سنة 690 وافتتح مَوَاضِع مِنْهَا عدن أبين وَله علم وَاسع يدل على ذَلِك مُصَنفه الذي سَمَّاهُ الْمِنْهَاج الجلي فِي فقه زيد بن على وَمن مصنفاته عُقُود العقيان فِي النَّاسِخ والمنسوخ من الْقُرْآن والسراج الْوَهَّاج فِي حصر مسَائِل الْمِنْهَاج وَالْكَوَاكِب الدرية شرح الأبيات البدرية قَالَ صَاحب الإفادة فِي سيرة الْأَئِمَّة السَّادة وَلم يقل بإمامته أَكثر شيعَة زَمَانه قَالَ فِي كاشف الْغُمَّة وَاعْلَم وفقك الله أَن عُلَمَاء الظَّاهِر تحاملوا عَلَيْهِ وأنكروا فَضله حَتَّى إن بعض أفاضلهم كَانَ يَقُول لَا فرق بَينه وَبَين صَاحب ظفار مَعْنَاهُ فِي الظُّلم وَأَن مقْعدا ركب دَابَّة وَجِيء بِهِ إِلَيْهِ فَمسح عَلَيْهِ فشفاه الله تَعَالَى من فوره فَبلغ ذَلِك أهل الظَّاهِر فَقَالُوا هَذِه عِلّة تَزُول بالهزهزة فَلَمَّا ركب الدَّابَّة زَالَت الْعلَّة وَكَانَت بَينه وَبَين سلاطين الْيمن بني رَسُول وقعات كَثِيرَة
وَملك آخر الْأَمر صنعاء وَكَانَ وَفَاته فِي حصن ذي مرمر وَنقل إِلَى صنعاء ومشهده فِي جَامعهَا قريب من قبر السَّيِّد يحيى صَاحب الياقوتة والجوهرة وَمَوته بعد السَّابِعَة فَلهَذَا ذكرته ثمَّ وقفت على تَارِيخ مَوته فِي طَبَقَات السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد قَالَ إنه مَاتَ فِي ذي مرمر لثمان بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة 728 ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة قَالَ وَكَانَت دَعوته سنة 701 وَهَذَا يُخَالف مَا تقدم وأرخ مَوته يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فِي أنباء الزَّمن سنة 729 وَذكر لَهُ وقائع كَثِيرَة وافتتاح حصون عديدة من جُمْلَتهَا ذي مرمر وافتتاح مدن من جُمْلَتهَا صنعاء
(2/271)

مُحَمَّد بن مُوسَى بن عِيسَى بن علي الْكَمَال أَبُو الْبَقَاء الدميري

الأَصْل القاهري الشافعي ولد فِي أَوَائِل سنة 742 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا كَمَا كتب ذَلِك بِخَطِّهِ وَنَشَأ بِالْقَاهِرَةِ فتكسب بالخياطة ثمَّ أقبل على الْعلم فَقَرَأَ على التقي السبكي وأبي الْفضل النويري وَالْجمال الأسنوى وَابْن الملقن والبلقينى وَأخذ الْأَدَب عَن القيراطي والعربية وَغَيرهَا عَن الْبَهَاء بن عقيل وَسمع من جمَاعَة وبرع فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وأصوله والعربية وَالْأَدب وَغير ذَلِك وتصدى للإقراء والإفتاء وصنف مصنفات جَيِّدَة مِنْهَا شرح سنَن ابْن مَاجَه فِي نَحْو خمس مجلدات سَمَّاهُ الديباجة مَاتَ قبل تبييضه وَشرح الْمِنْهَاج فِي أَربع مجلدات سَمَّاهُ النَّجْم الْوَهَّاج لخصه من شرح السبكي والأسنوي وَغَيرهمَا وَزَاد على ذَلِك زَوَائِد نفيسة ونظم فِي الْفِقْه أرجوزة مفيدة وَله تذكرة حَسَنَة وَمن مصنفاته حَيَاة الْحَيَوَان الْكتاب الْمَشْهُور الْكثير الْفَوَائِد مَعَ كَثْرَة مافيه من الْمَنَاكِير وَاخْتصرَ شرح الصفدي للأمية الْعَجم وَأفْتى بِمَكَّة ودرس بهَا فِي أَيَّام مجاورته قَالَ ابْن حجر اشْتهر عَنهُ كرامات وأخبار بِأُمُور مغيبات يسندها إِلَى المنامات تَارَة وَإِلَى بعض الشُّيُوخ أخرى وغالب النَّاس يعْتَقد أَنه يقْصد بذلك السّتْر وَمَات فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سنة 808 ثَمَان وثمان مائَة وَمن نظمه
(بمكارم الْأَخْلَاق كن متخلقا ... ليفوح ند ثنائك الْعطر الشذي)
(وأصدق صديقك إن صدقت صداقة ... وادفع عَدوك بالتي فَإِذا الَّذِي)
السَّيِّد مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشامي ثمَّ الصنعاني

سيأتي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده وَهُوَ الأديب البارع الْفَائِق ولد تَقْرِيبًا سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ عَن
(2/272)

جمَاعَة من أَهلهَا وَمِنْهُم وَالِده الْعَلامَة وَكَانَ زاهدا متعففا متقللا من الدُّنْيَا لَا يبالي بِمَا ظفر مِنْهَا وَلَا بِمَا فَاتَهُ مَعَ كَونه كَانَ نديما للوزير الْكَبِير الْفَقِيه أَحْمد ابْن علي النهمي بل كَانَ يتَّصل بِالْإِمَامِ المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن كثيرا وَعرضت عَلَيْهِ الْأَعْمَال فأباها تزهدا وتدينا ونظمه كُله فِي الذرْوَة الْعليا بِحَيْثُ يفضل على كثير من الْمُتَقَدِّمين وَمِنْه من قصيدة
(يَا بارقا أوهمني تكراره ... إذ لَاحَ من أَرض بهَا فؤادي)
(فلست أدري هَل حكى خفوقه ... خفوقه حول حمى سعاد)
(أم اكتسى من لاعجي صقيلة ... فانعكست أشعة الترداد)
(ايه أحاديثك يابرق الْحمى ... إن كنت عَمَّن فيهم تنادي)
(هَات عَن الأينق أَيْن عرست ... وَلَا أَقُول هَات عَن مرادي)
(أَيْن اسْتَقَلت بالفريق إنما ... عهدي بهَا حِين حداها الحادي)
(وَحين شيعت فؤادي مَعَهم ... بأدمع تملأ كل وادي)

(إِذْ قوضوا تِلْكَ الْخيام والنقا ... يرعد من قعقعة الأغماد)
(بانوا فَلَا كاس المدام بعدهمْ ... كاسي وَلَا يطرب كل شادي)
(واغدودف اللَّيْل فكاد فجره ... لَو لَاحَ أَن ينظم فِي السوَاد)
(وَجَاء نجم بعدهمْ كَانَ بهم ... أمضى من الضمر فِي الطراد)
(يسبل للمقلة من شعاعه ... حمايلا مسبلة الْحداد)
(يَا روع الله النَّوَى ترويعه ... لمهجة مَمْلُوكَة القياد)
(وَأَنت يَا عهد اللقا حييت من ... دمع وَمن منهلة الغوادي)
(هَل عودة يرتقص الْأُفق بهَا ... ويرتوي مِنْهَا ظما الأكباد)
(وَيرجع الْقلب بهَا مقره ... ويطبق الجفن على السوَاد)
(2/273)

وَمن محَاسِن نظمه مَا وصف بِهِ غُبَار موكب الْخَلِيفَة وأجاد إِلَى الْغَايَة
(سلاهب الْمجد نَهرا سَالَ منحدرا ... من السوابغ تَحت الْبيض واليلب)
(فِي ظلمَة اللَّيْل يحْكى فِي تعطفه ... وللأسنة فِيهِ زَاهِر الشهب)
(ملاعب المَاء فِي جَوف الدجنة ... يجرى الشمع فِيهِ بألواح من الْخشب)
(مَاء هُوَ النَّار فِي الهيجاء يتْرك ... أَرْوَاح الأعادى فراشا عِنْد ملتهب)
وَمن غَرِيب صنعه وبديع اختراعه هَذَانِ البيتان فِيمَا لَا يَسْتَحِيل بالانعكاس وهما يَفُوقَانِ على مَا نظمه من قبله فِي ذَلِك
(أما لسلامكم قرب ورقم ... أمقرو برقمكم السلاما)
(أمالك لَا ترد صداه أنا ... فَإنَّا هاد صدرت الكلاما)
ودعاني رَحمَه الله إِلَى منزله فِي بعض الْأَيَّام فاحتفل فِي ذَلِك احتفالاً زَائِدا وَكَانَ معى صديق لى من أَعْيَان أهل الْعلم فَكتب صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى وَإِلَى صاحبي بعد ذَلِك الْمجْلس بأيام هَذِه الأبيات
(يانيرى فلك العلياء دَامَ لنا ... من نور علمكما مَا يكْشف الظلما)
(وَلَا تكدر هَذَا النُّور إِن حجبت ... نور الزواهر سحب تمطر الديما)
(مَاذَا تقولان فِيمَا قد تقرر ... بالاجماع حقق هَذَا من بِهِ حكما)
(وَمَا علمنَا خلافًا فِيهِ قط لمن ... مضى وَخَبره فِي الشّعْر أَو نظما)
(قَالُوا بِأَن شَهَادَات الْقُلُوب إِذا ... قَامَت بِصدق وداد صَار مُلْتَزما)
(وَمن أحب امْرأ صَحَّ الْقيَاس لَهُ ... قطعا بانهما فِي السلك قد نظما)
(وَقد تضمن تَصْدِيقًا تصَوره ... بِنِسْبَة لتساوى الود بَينهَا)
(وَإِنَّمَا الشوق من قسم المشكك هَل ... فِي اعْتِرَاض قِيَاس فِي استوائهما)
فأجبت عَن هَذَا السُّؤَال بقولى
(2/274)

(وَقد تردد فِي أشكاله فَاء ... فيدوا مغرما صَار مشتاقا لَو صلكما)
(يَا ابْن البهاليل والأطواد من مُضر ... والمنعمين بسيب يخجل الديما)
(قد دل نظمك للدر الثمين بِلَا ... شك بأنك بَحر للعلوم طما)
(ورمت إبداء عتب فِي ملاطفة ... وَقد أَسَأْت ببعدي فَاحْتمل كرما)
(فالشوق بالشوق منقاس ومعتبر ... قضى بذلك خير الرُّسُل والحكما)
(وَلَا تشكك بالتشكيك فَهُوَ على ... تواطؤ باتحاد الْجِنْس قد نظما)
(وموجبات ودادى فِيك مِمَّا سلبت ... وَلَا غَدا عقد ود عَنْك منفصما)
(وَلَا انفصلت لمنع الْجمع مذ دلهت ... نفسي بِمَنْع خلو صَار مُلْتَزما)
(محصلات ودادي مَا رضيت لَهَا ... عَنْك الْعُدُول وَلَا وليتها العدما)
(وَقد تألف شكلانا على نمط ... لَهُ نتائج ود يمْنَع العقما)
وشعره فِي كل فن جيد وَمن رام الْوُقُوف على مَا حكيته فَلْينْظر فِي قصيدته الحائية الَّتِى قَابل فِيهَا بَين الأضداد وَضرب فِيهَا الْأَمْثَال وَجَاء بمالا يقدر عَلَيْهِ غَيره فَمِنْهَا
(وكل محسب الْأَشْيَاء مِمَّا ... يعانيه كئيبا أَو مراحا)
(إِذا صدح الْحمام يَقُول غنى الْمُنعم ... والشجى يَقُول ناحا)
(وَإِن برق أنار يَقُول هَذَا ... افترار ان يقل ذَاك اقتداحا)
(وقطر المزن شبههه دموعا ... حَلِيف شجى ومنتجع سماحا)
(وَقَالَ الشهب حايرة إناس ... وَقَالَ الْآخرُونَ مَضَت جماحا)
(وَجمع الفرقدين يَقُول وصل ... كَمَا قد قيل للشكوى استراحا)
(وَقَالَ الْفجْر قَاطع لَذَّة من ... لهى ومسهد فرج ألاحا)
(وَقيل الْغُصْن لما مَال قد ... ثنى أَن يُقَال حلى النياحا)
(2/275)

(وَقضى الصُّبْح وَالْآصَال نوحا ... فَتى وفتى غبوقاً واصطباحا)
(وميزان الزَّمَان بكفتيه ... ترى جد الْعَجَائِب والمزاحا)
(يقرب هازلا ويزيح جدا ... وَكم عكس المقرب والمزاحا)
(وَكم يأسوا بِوَزْن رَاجِح كي ... يُوفى من يزين لَهُ جراحا)
(وَكم دَار الزَّمَان فراح يسقي ... بكاسيه الورى صابا وراحا)
(وَكم أعطى فَتى من بعد سلب ... وَكم سلب الْعَطِيَّة إِذْ أتاحا)
(وَكم سهم يريش وَرب طير ... لَهُ قد بَات يسلبه الجناحا)
وَكم رقى إِلَى العلياء ندبا ... وَآخر من شواهقها أطاحا)
(وَكم قد أخرس المنطيق يَوْمًا ... وَأعْطى الخرس أَلْسِنَة فصاحا)
(وَكم من حِكْمَة خفيت علينا ... وَأُخْرَى وَجههَا الوضاح لاحا)
(وَكم أَمر نشاهده فَسَادًا ... وَذَاكَ فَسَاده كَانَ الصلاحا)
(وَكم ضَاقَ الْفَتى بالخطب ذرعا ... وطى مضيقعه لقى الفساحا)
فَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا هَذِه القصيدة بل لَو لم يكن لَهُ إِلَّا بعض أبياتها لَكَانَ ذَلِك مُوجبا لعلو طبقته وَكَانَ مَوته رَابِع شهر محرم سنة 1207 سبع وَمِائَتَيْنِ وَألف
مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن دغرة بن زهرَة الشَّمْس الدمشقي الطرابلسي الشافعي

الْمَعْرُوف بِابْن زهرَة بِضَم الزاى
ولد سنة 758 ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة وَنَشَأ بطرابلس فحفظ مختصرات وتفقه بِابْن قاضي شُهْبَة والشرف الغزي وَدخل الْقَاهِرَة فلقي البلقيني وَأخذ الْأُصُول عَن الشهَاب الزهري وَغَيره وَسمع من جمَاعَة كَابْن صديق والكمال بن النحاس وتصدر بالجامع
(2/276)

الأموي ثمَّ انْتقل إِلَى طرابلس وَصَارَ شيخها وعالمها وتصدى لنشر الْعلم وانتفع النَّاس بِهِ طبقَة بعد طبقَة وصنف شرحا للتّنْبِيه فِي ارْبَعْ مجلدات احْتَرَقَ فِي الْفِتْنَة وشرحا للتبريزي فِي ثَلَاث مجلدات وتفسيرا فِي نَحْو عشر مجلدات سَمَّاهُ فتح المنان فِي تَفْسِير الْقُرْآن وتعليقا على الشَّرْح وَالرَّوْضَة فِي ثَمَان مجلدات وَله تعليقة فِي مُجَلد كَبِير كالتذكرة يشْتَمل على مسَائِل وَهُوَ الَّذِي قَامَ على السراج الْحِمصِي بِسَبَب نظمه للقصيدة الَّتِى نظمها فِي الِانْتِصَار لِابْنِ تَيْمِية وتكفير من كفره فتعصب عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة وكفره وَتَبعهُ أهل بَلَده حبا فِيهِ وتعصبا مَعَه فَلم يسع الحمصي إِلَّا الْفِرَار مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة 848 ثَمَان وَأَرْبَعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن حَنش اليماني الزيدي

ولد بعد سنة 650 خمسين وسِتمِائَة وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره حَتَّى برع فِي فنون عدَّة وَبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كَالْإِمَامِ مُحَمَّد بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وَله مصنفات مِنْهَا التَّمْهِيد وَالتَّفْسِير لفوائد التَّحْرِير فِي الْفِقْه والغياصة فِي أصُول الدَّين جعله شرحا للخلاصة للشَّيْخ أَحْمد الرصاص وَله تعليقات على اللمع فِي الْفِقْه وَشرح للتقرير للأمير الْحُسَيْن والقاطعة فِي الرَّد على الباطنية فِي مجلدين وَكَانَ زاهدا عابدا مائلا إِلَى الخمول فصيح الْعبارَة سريع الْجَواب مستحضرا للفنون محققا فِي جَمِيع مباحثه وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء الْخَامِس من ذي الْقعدَة سنة 719 تسع عشر وَسَبْعمائة وقبر بظفار
(2/277)

السَّيِّد مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم الحمزي الكبسي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ

ولد شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1154 أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف ورحل من وَطنه إِلَى صنعاء وَأخذ عَن جمَاعَة من أَعْيَان علمائها كشيخنا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد الكبسي والقاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وَآخَرين وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَصَارَ من أكَابِر عُلَمَاء الْعَصْر وَلما مَاتَ وَالِده ولي الْقَضَاء مَكَانَهُ فِي الْجِهَات الخولانية وَاسْتقر فِي غَالب أَيَّامه بوطنه هِجْرَة الكبس وَفِي بعض أَيَّامه يسْتَقرّ بِصَنْعَاء ويفد إِلَيْهِ النَّاس لفصل الْخُصُومَات وَهُوَ من أعظم قُضَاة الزَّمن وَأَكْثَرهم معارفا وورعا وعفة وَله اطلَاع على علم التَّارِيخ وأحوال من تقدم خُصُوصا رجال الحَدِيث فَإِنَّهُ ماهر فِي ذَلِك مَعَ حفظه لكثير من متون الْأَحَادِيث وَعلل الْأَسَانِيد
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الدَّهْر وَلَوْلَا اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ لَكَانَ لَهُ فِي نشر الْعلم بالتدريس والتأليف يَد طولى وَهُوَ الْآن حي نفع الله بِهِ ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله فِي شهر ربيع الأول سنة 1219 تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِي هِجْرَة الكبس وَتَوَلَّى مَا كَانَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْعَلامَة الْحسن حَسْبَمَا تقدم فِي تَرْجَمته
مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن أَحْمد ابْن يُونُس بن حسن بن حجاج بن حسن بن إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم بن حميدان بن قمران بن مَالك

ابْن عمر بن رازح بن اسعد بن يحيى بن ربيعَة بن كَعْب بن سعد بن
(2/278)

زيد مناة بن تَمِيم بن مر اليماني الصعدي الْمَعْرُوف ببهران الزيدي أحد عُلَمَاء الْيمن الْمَشَاهِير كَانَ فِي أَوَائِل عمره يتنقل فِي الْمَدَائِن اليمنية للتِّجَارَة وَدخل إِلَى جِهَة الْحَبَشَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يطْلب الْعلم فِي كل مَحل يتجر فِيهِ وَمن مشاهير مشايخه السَّيِّد المرتضى بن قَاسم وبرع فِي جَمِيع الْفُنُون وفَاق أقرانه وَتفرد برياسة الْعلم فِي عصره وصنف التصانيف الحافلة مِنْهَا فِي الْفِقْه شرح الأثمار للْإِمَام شرف الدَّين فِي أَربع مجلدات وَفِي الْعَرَبيَّة التُّحْفَة وَفِي الْأُصُول الكافل وَله مُصَنف فِي الْمعَانى وَالْبَيَان ومصنف فِي الْعرُوض والقوافي سَمَّاهُ الشافي وَله تَخْرِيج الْبَحْر الزخار للْإِمَام المهدى وَالْمُعْتَمد جمع فِيهِ الْأُمَّهَات السِّت ورتبه على أَبْوَاب الْفِقْه وَله حَاشِيَة على الْكَشَّاف اختصرها من حَاشِيَة العلوي وَله التَّفْسِير الْكَبِير جمع فِيهِ بَين تَفْسِير الزمخشري وَتَفْسِير ابْن كثير وَقد عَم النَّفْع بشرحه للأثمار الْمُتَقَدّم ذكره فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ من دقائق الْفِقْه وحقائقه مالم يُوجد فِي غَيره وَذكر الْأَدِلَّة على مسَائِله ونقحه أحسن تَنْقِيح ويروى أَنه لما وصل إِلَى الإِمَام شرف الدَّين مُصَنف الْمَتْن أَمر بزفافه بالطبولخانة وطافوا بِهِ فِي الْمشَاهد والمدارس وَمَعَهُ أَعْيَان الْعلمَاء والمتعلمين وَقيل أنه فعل ذَلِك فِي التَّفْسِير الْمَذْكُور وَله نظم مَشْهُور مِنْهُ القصيدة الَّتِى سلك فِيهَا مَسْلَك الطغرائي فِي لامية الْعَجم ومطلعها
(الْجد فِي الْجد والحرمان فِي الكسل ... فانصب تصب عَن قريب غَايَة الأمل)
(وهي قصيدة فائقة مُشْتَمِلَة على حكم نافعة وَمن نظمه الأبيات الَّتِى مِنْهَا
(2/279)

(سرى وجلى عَن مقلة النَّائِم الغمض ... عَشِيَّة حن الرَّعْد وابتسم الومض)
(وأسبل جفن الْغَيْم واكف دمعه ... على صحن خد الْأُفق فاهتزت الأَرْض)
(ولاعبت الأغصان وهنايد الصِّبَا ... فَأصْبح يحْكى السندس الْوَرق الغض)
وَمَات بصعدة سنة 957 سبع وَخمسين وَتِسْعمِائَة
مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عمر بن أَبى بكر بن أَحْمد ابْن مَحْمُود بن ادريس بن فضل الله ابْن الشَّيْخ أَبى اسحاق إِبْرَاهِيم ابْن علي بن يُوسُف بن عبد الله الْمجد أَبُو طَاهِر الفيروزباذى

الشيرازى اللغوي الشافعي الإِمَام الْكَبِير الماهر فِي اللُّغَة وَغَيرهَا من الْفُنُون ولد سنة 729 تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة بكازرون من أَعمال شيراز فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَحفظ كتابا من اللُّغَة وانتقل إِلَى الشيراز وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين وَأخذ عَن وَالِده وَعَن القوام عبد الله ابْن النَّجْم وَغَيرهمَا من عُلَمَاء شيراز وَسمع على مُحَمَّد بن يُوسُف الْأنْصَارِيّ وارتحل إِلَى الْعرَاق وَدخل وَاسِط وَقَرَأَ بهَا القراآت الْعشْر ثمَّ دخل بَغْدَاد فَأخذ عَن التَّاج بن السباك والسراج عمر بن علي القزويني وَغَيرهمَا ثمَّ ارتحل إِلَى دمشق فَدَخلَهَا سنة 755 فَسمع من التقي السبكي وَجَمَاعَة زِيَادَة على مائَة كَابْن الْقيم وطبقته وَدخل بعلبك وحماه وحلب والقدس وَسمع من جمَاعَة من أهل هَذِه الْجِهَات وَاسْتقر بالقدس نَحْو عشر سِنِين ودرس وتصدر وَظَهَرت فضائله وَكثر الْأَخْذ عَنهُ وتتلمذ لَهُ جمَاعَة من الأكابر كالصلاح الصفدي ثمَّ دخل الْقَاهِرَة فلقي بهَا جمَاعَة كالعز بن جمَاعَة والأسنوي وَابْن هِشَام والبهاء بن عقيل وَحج فَسمع بِمَكَّة من اليافعي وَغَيره وجال فِي الْبِلَاد الشمالية والمشرقية وَدخل الروم والهند ولقي جمعا من الْفُضَلَاء
(2/280)

وَحمل عَنْهُم شَيْئا كثيرا ثمَّ دخل الْيمن فوصل إِلَى زبيد فِي سنة 796 بعد وَفَاة قاضي الْأَقْضِيَة بِالْيمن كُله الْجمال الريمي شَارِح التَّنْبِيه فَتَلقاهُ الْملك الْأَشْرَف إِسْمَاعِيل بِالْقبُولِ وَبَالغ فِي إكرامه وَصرف لَهُ ألف دِينَار سوى ألف كَانَ أَمر نَاظر عدن يجهزه بهَا وَاسْتمرّ مُقيما لَدَيْهِ ينشر الْعلم فَكثر الِانْتِفَاع بِهِ وَبعد مضي نَحْو سنة أضاف إِلَيْهِ قَضَاء الْيمن كُله بعد ابْن عجيل فقصده الطّلبَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه فِي الحَدِيث وَاسْتقر قدمه بزبيد إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ السُّلْطَان الْأَشْرَف قد تزوج ابْنَته لمزيد جمَالهَا ونال مِنْهُ برا ورفعة بِحَيْثُ صنف لَهُ كتابا وأهداه على أطباق فملأها لَهُ دَرَاهِم وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة قدم مَكَّة مرَارًا فجاور بهَا وبالمدينة وطائف وَعمل مآثر حَسَنَة وَكَانَ زَائِد الْحَظ مَقْبُولًا عِنْد السلاطين فَلم يدْخل بَلَدا إِلَّا وأكرمه صَاحبهَا مَعَ كَثْرَة دُخُوله إِلَى الممالك وَمن جملَة الْمُكرمين لَهُ تيمورلنك وسلطان الروم ابْن عُثْمَان وشاه مَنْصُور صَاحب تبريز وَأحمد ابْن أويس صَاحب بَغْدَاد والأشرف صَاحب الْيمن وَغَيرهم وَوصل إِلَيْهِ من عطاياهم شَيْء كثير فاقتنى من ذَلِك كتبا نفيسة حَتَّى قَالَ إنه اشْترى مِنْهَا بِخَمْسِينَ ألف مِثْقَال من الذَّهَب وَكَانَ لَا يُسَافر إِلَّا وَمَعَهُ مِنْهَا عدَّة أحمال وَيخرج أَكْثَرهَا فِي كل منزل فَينْظر فِيهَا ثمَّ يُعِيدهَا وَكَانَت لَهُ دنيا طائلة وَلكنه كَانَ لَا يَدْفَعهَا إِلَى من يسرف فِي إنفاقها بِحَيْثُ أنه قد يملق أَحْيَانًا فيبيع بعض كتبه
وَله مصنفات كَثِيرَة نافعة مِنْهَا فِي التَّفْسِير لطائف ذوي التَّمْيِيز فِي لطائف الْكتاب الْعَزِيز فِي مجلدات وتنوير المقباس فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَربع مجلدات وتيسير فَاتِحَة الإياب فِي تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب
(2/281)

فِي مُجَلد كَبِير والدر النظيم المرشد إِلَى مَقَاصِد الْقُرْآن الْعَظِيم وَحَاصِل كورة الْخَلَاص فِي فَضَائِل سُورَة الْإِخْلَاص وَشرح قُطْبَة الخشاف فِي شرح خطْبَة الْكَشَّاف وَفِي الحَدِيث والتاريخ شوارق الْعلية فِي شرح مَشَارِق الْأَنْوَار النَّبَوِيَّة أَربع مجلدات وَفتح البارى فِي شرح صَحِيح البخارى وَلَعَلَّ ابْن حجر لم يسمع بذلك حَيْثُ سمي شَرحه بِهَذَا الِاسْم كمل مِنْهُ نَحْو عشْرين مجلدا وَكَانَ يقدر اتمامه فِي أَرْبَعِينَ وعمدة الْحُكَّام فِي شرح عُمْدَة الْأَحْكَام فِي مجلدات وامتضاض السهاد فِي افتراض الْجِهَاد فِي مُجَلد والإسعاد بالإصعاد إِلَى دَرَجَة الِاجْتِهَاد ثَلَاث مجلدات والمرقاة الوفية فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وَالْبُلغَة فِي تراجم أَئِمَّة النُّحَاة واللغة وَالْفضل الوفى فِي الْعدْل الأشرفى ونزهة الأذهان فِي تَارِيخ أَصْبَهَان وتسهيل طَرِيق الْفُصُول فِي الْأَحَادِيث الزَّائِدَة على جَامع الْأُصُول وَالْأَحَادِيث الضعيفة والدر الغالى فِي الْأَحَادِيث العوالى وسفر السَّعَادَة والمتفق وضعا والمختلف صقعا وَفِي اللُّغَة اللامع الْمعلم العجاب الْجَامِع بَين الْمُحكم والعباب وزيادات امْتَلَأَ بهَا الوطاب وَكَانَ يقدر تَمَامه فِي مائَة مُجَلد كل مُجَلد يقرب من صِحَاح الجوهرى والقاموس الْمُحِيط والقابوس الْوَسِيط الْجَامِع لما ذهب من لُغَة الْعَرَب شماطيط فِي مجلدين وَهُوَ كتاب لَيْسَ لَهُ نَظِير وَقد انْتفع بِهِ النَّاس وَلم
(2/282)

يلتفتوا بعده إِلَى غَيره وَالْمَقْصُود لذوى الْأَلْبَاب من علم الْإِعْرَاب وتحبير الموشين فِيمَا يُقَال بِالسِّين والشين والمثلث الْكَبِير فِي خمس مجلدات وَالصَّغِير وَالرَّوْض المسلوف فِيمَن لَهُ اسمان إِلَى ألوف وَغير ذَلِك من المصنفات الْكَثِيرَة الواسعة الشهيرة
قَالَ التقي الكرماني كَانَ عديم النظير فِي زَمَانه نظما ونثرا بالفارسي والعربي وَكَانَ كثير الِاقْتِدَاء بالصنعاني مَاشِيا على طَرِيقَته تَابعا لمنهجه حَتَّى فِي كَثْرَة المحاورة وَحكى الخزرجي أنه رام التَّوَجُّه فِي سنة 799 إِلَى مَكَّة فَكتب إِلَى السُّلْطَان مَا مِثَاله
وَمِمَّا ينهيه إِلَى الْعُلُوم الشَّرِيفَة أنه غير خَافَ عَلَيْكُم ضعف أقل العبيد ورقة جِسْمه ودقة بنيته وعلو سنه
وَقد آل أمره إِلَى أَن صَار كالمسافر الذي تحزم وانتقل
إِذْ وَهن الْعظم بل وَالرَّأْس اشتعل
وتضعضع السن وتقعقع الشن
فَمَا هُوَ إِلَّا عِظَام فِي جراب وبنيان مشرف على الخراب وَقد ناهز الْعشْر الَّتِى تسميها الْعَرَب دقاقة الرقاب
وَقد مر على المسامع الشَّرِيفَة غير مرة فِي صَحِيح البخاري قَول سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا بلغ الْمَرْء سِتِّينَ سنة فقد أعذر الله إِلَيْهِ فَكيف من نَيف على السّبْعين وأشرف على الثَّمَانِينَ
وَلَا يجهل بالمومن أَن تمضي عَلَيْهِ ارْبَعْ سِنِين
وَلَا يَتَجَدَّد لَهُ شوق وعزم إِلَى بَيت رب الْعَالمين وزيارة سيد الْمُرْسلين وَقد ثَبت فِي الحَدِيث النبوي ذَلِك وَأَقل العبيد لَهُ سِتّ سِنِين عَن تِلْكَ المسالك وَقد غلب عَلَيْهِ الشوق حَتَّى جل عمره عَن الطوق وَمن أقْصَى أمْنِيته أَن يجدد الْعَهْد بِتِلْكَ الْمعَاهد ويفوز مرة أُخْرَى بتقبيل تِلْكَ الْمشَاهد
وسؤاله من المراحم الْحَسَنَة الصَّدَقَة عَلَيْهِ بتجهيزه فِي هَذِه
(2/283)

الْأَيَّام مُجَردا عَن الأهالي والأقوام قبل اشتداد الْحر وَغَلَبَة الأوام
فَإِن الْفَصْل أطيب وَالرِّيح أزيب وَمن الْمُمكن أَن يفوز الْإِنْسَان بإقامة شهر فِي كل حرم ويحظى بالتملي فِي مهابط الرَّحْمَة وَالْكَرم
وَأَيْضًا كَانَ من عَادَة الْخُلَفَاء سلفا وخلفأ وَأَنَّهُمْ كَانُوا ببردون الْبَرِيد عمدا قصد التَّبْلِيغ سلامهم إِلَى حَضْرَة سيد الْمُرْسلين فاجعلني جعلني الله فدَاك ذَلِك الْبَرِيد فَلَا أَتَمَنَّى شَيْئا سواهُ وَلَا أَزِيد
(شوقي إِلَى الْكَعْبَة الغراء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخادة الزادا)
(وَاسْتَأْذَنَ الْملك المنعام زيد على ... واستودع الله أصحاباً وأولادا)
فَلَمَّا وصل هَذَا إِلَى السُّلْطَان كتب فِي طرة الْكتاب مَا مِثَاله
صدر الْجمال المصري على لساني مَا يحققه لَك شفاها إن هَذَا شَيْء لَا ينْطق بِهِ لساني وَلَا يجري بِهِ قلمي فَلَقَد كَانَت الْيمن عمياء فاستنارت فَكيف يُمكن أَن تتقدم وَأَن تعلم أَن الله قد أحيى بك مَا كَانَ مَيتا من الْعلم فبالله عَلَيْك إِلَّا مَا وهبت لَهُ بَقِيَّة هَذَا الْعُمر وَالله يَا مجد الدَّين يَمِينا بارة إني أرى فِرَاق الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَلَا فراقك أَنْت الْيمن وَأَهله انْتهى وَفِي هَذَا الْكَلَام عِبْرَة للمعتبرين من أفاضل السلاطين بتعظيم قدر عُلَمَاء الدَّين وَقد أَخذ عَنهُ الأكابر فِي كل بِلَاد وصل إِلَيْهَا وَمن جملَة تلامذته الْحَافِظ بن حجر والمقريزي والبرهان الحلبي وَمَات ممتعا بسمعه وحواسه فِي لَيْلَة عشْرين من شَوَّال سنة 817 سبع عشرَة وثمان مائَة بزبيد وَقد ناهز التسعين
السَّيِّد مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَحْمد بن يُوسُف بن الْحُسَيْن بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الصنعاني

ولد شهر رَمَضَان سنة 1175 خمس وَسبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ
(2/284)

بِصَنْعَاء فَأخذ عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَعَن الْجَمَاعَة آخَرين وبرع فِي الْمنطق والنحو وَالصرْف وشارك فِي غير ذَلِك وَهُوَ ممتع المحاضرة حسن الْأَخْلَاق كثير المحفوظات فِي الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار متقللا من الدُّنْيَا مقتصدا فِي ملبوسه مائلا إِلَى طَريقَة الصُّوفِيَّة وَكَثِيرًا مَا يشْتَغل عَلَيْهِ الطّلبَة فِي علم النَّحْو والمنطق واستفادوا مِنْهُ وَكَانَ وَالِده عَارِفًا بالنحو والمنطق أَيْضا وَأما جده فقد تقدم ذكره فِي تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة وَصَاحب التَّرْجَمَة فِي قيد الْحَيَاة مشتغلا بِالْعلمِ أتم اشْتِغَال لَا برح فِي حماية ذي الْجلَال وَقد كَانَ حضر مَعنا فِي قراءتنا للعضد على شَيخنَا المغربي فَكَانَ يجيد المباحثة فِي الْمُقدمَات المنطقية وَاسْتمرّ حَتَّى انْقَضتْ ثمَّ ترك الْحُضُور
(2/285)

مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله الدمشقي الحنفى شمس الدَّين الْخياط

الشَّاعِر الْمَشْهُور الملقب ضفدع ولد فِي رَجَب سنة 693 ثَلَاث
(2/286)

وَتِسْعين وسِتمِائَة وتعانى الْأَدَب فلازم شمس الدَّين بن الصَّانِع الدمشقي ثمَّ تردد إِلَى الشهَاب مَحْمُود ومدح ابْن صصري بقصيدة أَولهَا
(أما ولواحظ الحدق السواجي ... لقد أَصبَحت مِنْهَا غير نَاجِي)
(فقرضها الشهَاب مَحْمُود ثمَّ أَكثر من النظم وَكَانَ سهلا عَلَيْهِ قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر وديوانه قدر سِتّ مجلدات وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة سَماع فِي الحَدِيث من ابْن الشّحْنَة وطبقته وَكَانَ مسلطا على ابْن نَبَاته كلما نظم شَيْئا عَارضه وناقضه وَمن ذَلِك ان ابْن نَبَاته نظم تائية فِي مدح ابْن الزملكاني وَجعل غزلها فِي وصف الْخمر عارضها وَعرض بِهِ فَقَالَ فِي آخر قصيدته
(مَا شَاب مدحي لكم ذكر المدام وَلَا ... أضحت جَوَامِع لفظي وهي حانات)
(وَلَا طرقت حمى خمارة سحرا ... وَلَا اكتست لي بكاس الراح راحات)
قَالَ ابْن حجر وَلَكِن ايْنَ الثرى من الثريا وَمن شعره فِيمَن التحى
(كم تظهر الْحسن البديع وتدعي ... وَبَيَاض وَجهك فِي النواظر مظلم)
(هَل يصدق الدَّعْوَى لمن فِي وَجهه ... بالذقن كذبه السوَاد الْأَعْظَم)
قَالَ الصفدي كَانَ طَوِيل النَّفس فِي الشّعْر لَكِن لم يكن لَهُ غوص على الْمعَانى والاحتفال بطريقة الْمُتَأَخِّرين لكنه مقراض الإعراض كَانَ هجوه أَكثر من مدحه وَقد أهين بِسَبَب ذَلِك وصفع وَذَلِكَ أَنه حج سنة 755 فَلم يتْرك فِي الركب أحدا من الْأَعْيَان إلا هجاه فَأَجْمعُوا عَلَيْهِ بِسَبَب
(2/287)

ذَلِك ورفعوه إِلَى أَمِير الركب فَاسْتَحْضرهُ وأهانه جدا وَحلق لحيته وَصَرفه يُنَادى عَلَيْهِ فانزعج من ذَلِك وَمَات كمدا وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير التِّلَاوَة حج مَرَّات وقدرت وَفَاته بعد أَن رَجَعَ من الْحَج سنة 756 سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة فِي شهر محرم وَدفن على قَارِعَة الطَّرِيق
قَالَ ابْن كثير كَانَ يذاكر بِشَيْء من التَّارِيخ ويحفظ شعرا كثيرا وَكَانَ قد أثري من كَثْرَة مَا أَخذ من النَّاس بِسَبَب المديح والهجاء وَكَانَ النَّاس يخَافُونَ مِنْهُ لبذاءة لِسَانه
مُحَمَّد بن يُوسُف بن علي بن يُوسُف الغرناطي أثير الدَّين أَبُو حَيَّان الأندلسي

الإِمَام الْكَبِير فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير ولد أَوَاخِر شَوَّال سنة 654 أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وتلا القراآت أفرادا وجمعا على مشائخ الأندلس وَسمع الْكثير بهَا وبأفريقيا ثمَّ تقدم الْإسْكَنْدَريَّة ومصر ولازم ابْن النّحاس وَمن مشايخه الْوَجِيه بن الدهان والقطب القسطلاني وَابْن الأنماطي وَغَيرهم حَتَّى قَالَ إن عدَّة من أَخذ عَنهُ أَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ شخصا وَأما من أجَاز لَهُ فكثير جداً وتبحر فِي اللُّغَة والعربية وَالتَّفْسِير وفَاق الأقران وَتفرد بذلك فِي جَمِيع أقطار الدُّنْيَا وَلم يكن بعصره من يماثله قَالَ الصفدى لم أره قط إِلَّا يسمع أَو يشْتَغل أَو يكْتب أَو ينظر فِي كتاب وَلم أره على غير ذَلِك وَكَانَ لَهُ إقبال على أذكياء الطّلبَة يعظمهم وينوه بقدرهم وَكَانَ كثير النظم ثبتا فِيمَا يَنْقُلهُ عَارِفًا باللغة وَأما النَّحْو والتصريف فَهُوَ الإِمَام الْمُطلق فيهمَا خدم هَذَا الْفَنّ أَكثر عمره حَتَّى صَار لَا يذكر أحد فِي أقطار الأَرْض فِيهَا غَيره وَله الْيَد الطُّولى فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وتراجم النَّاس وَمَعْرِفَة طبقاتهم خُصُوصا المغاربة وَله التصانيف الَّتِى سَارَتْ فِي آفَاق الأَرْض واشتهرت فِي حَيَاته
(2/288)

وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار تلاميذه أَئِمَّة وأشياخا فِي حَيَاته وَهُوَ الَّذِي رغب النَّاس إِلَى قِرَاءَة كتب ابْن مَالك وَشرح لَهُم غامضها وَكَانَ يَقُول إن مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب نَحْو الْفُقَهَاء وألزم نَفسه أَن لَا يقريء أحدا إِلَّا فِي كتب سِيبَوَيْهٍ أَو فِي التسهيل أَو فِي مصنفاته وَكَانَ هَذَا دأبه فِي آخر أَيَّامه وَمن مصنفاته الْبَحْر الْمُحِيط فِي التَّفْسِير وغريب الْقُرْآن فِي مُجَلد والأسفار الملخص من كتاب الصغار وَشرح التسهيل والتذكرة والموفور والتذكير والمبدع والتقريب والتدريب وَغَايَة الْإِحْسَان بالنكت الحسان والشذى فِي مسئلة كَذَا واللمحة والشذرة والارتضاء وَعقد اللئالى ونكت الْإِمْلَاء والنافع والمورد الْغمر وَالرَّوْض الباسم والمزن الهامر والرمزة وَغَايَة الْمَطْلُوب والنير الجلى والوهاج مُخْتَصر الْمِنْهَاج وَالْأَمر الأحلى فِي اخْتِصَار الْمحلى والأعلام ويواقيت السحر وتحفة السندس فِي نحاة الأندلس والإدراك للسان الأتراك منطق الخرس بِلِسَان الْفرس نور الغيش فِي لِسَان الْجَيْش ومسك الرشد ومنهج السالك وَنِهَايَة الْإِعْرَاب وخلاصة التِّبْيَان وَغير ذَلِك مِمَّا حَكَاهُ ابْن حجر فِي الدّرّ مَنْقُولًا من خط صَاحب التَّرْجَمَة وَمِمَّا لم يذكر النَّهر الماد فِي التَّفْسِير
وَهُوَ مُخْتَصر الْبَحْر الْمُحِيط الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ سَبَب رحلته عَن غرناطة أَنَّهَا حَملته حِدة الشَّبَاب على التَّعَرُّض للأستاذ أَبى جَعْفَر بن الطباع وَقد وَقعت بَينه وَبَين أستاذه أَبى جَعْفَر بن الزبير وَحْشَة فنال مِنْهُ وتصدى للتأليف فِي الرَّد عَلَيْهِ فَرفع أمره إِلَى السُّلْطَان بغرناطة فانتصر لَهُ وَأمر
(2/289)

بإحضار صَاحب التَّرْجَمَة وتنكيله فاختفى ثمَّ لحق بالمشرق وَحضر مجْلِس الشَّيْخ شمس الدَّين الأصبهاني وَكَانَ ظاهريا وَبعد ذَلِك انْتَمَى إِلَى الشافعي وَكَانَ أَبُو الْبَقَاء يَقُول أنه لم يزل ظاهريا قَالَ ابْن حجر كَانَ أَبُو حَيَّان يَقُول محَال أَن يرجع عَن مَذْهَب الظَّاهِر من علق بذهنه انْتهى
وَلَقَد صدق فِي مقاله فمذهب الظَّاهِر هُوَ أول الْفِكر آخر الْعَمَل عِنْد من منح الْإِنْصَاف وَلم يرد على فطرته مَا يغيرها عَن أَصْلهَا وَلَيْسَ وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد الظاهري وَأَتْبَاعه فَقَط بل هُوَ مَذْهَب أكَابِر الْعلمَاء المتقيدين بنصوص الشَّرْع من عصر الصَّحَابَة إِلَى الْآن وَدَاوُد وَاحِد مِنْهُم وَإِنَّمَا اشْتهر عَنهُ الجمود فِي مسَائِل وقف فِيهَا على الظَّاهِر حَيْثُ لَا ينبغي الْوُقُوف وأهمل من أَنْوَاع الْقيَاس مَالا يَنْبَغِي لمنصف إهماله وَبِالْجُمْلَةِ فمذهب الظَّاهِر وَهُوَ الْعَمَل بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة بِجَمِيعِ الدلالات وَطرح التعويل على مَحْض الرأي الذي لَا يرجع إِلَيْهِمَا بِوَجْه من وُجُوه الدّلَالَة وَأَنت إذا أمعنت النّظر فِي مقالات أكَابِر الْمُجْتَهدين المشتغلين بالأدلة وَجدتهَا من مَذْهَب الظَّاهِر بِعَيْنِه بل إِذا رزقت الإنصاف وَعرفت الْعُلُوم الاجتهادية كَمَا ينبغي وَنظرت فِي عُلُوم الْكتاب وَالسّنة حق النظر كنت ظاهريا أَي عَاملا بِظَاهِر الشَّرْع مَنْسُوبا إِلَيْهِ لَا إِلَى دَاوُد الظاهري فَإِن نسبتك ونسبته إِلَى الظَّاهِر متفقة وَهَذِه النِّسْبَة هي مُسَاوِيَة للنسبة إِلَى الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَإِلَى خَاتم الرُّسُل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات التَّسْلِيم
وَإِلَى مَذْهَب الظَّاهِر بِالْمَعْنَى الذي أوضحناه أَشَارَ ابْن حزم بقوله
(وَمَا أَنا إِلَّا ظاهري وأنني ... على مَا بدا حَتَّى يقوم دَلِيل)
وتصانيف صَاحب التَّرْجَمَة يزِيد على الْخمسين وَمِنْهَا منظومة فِي
(2/290)

القراآت على وزن الشاطبية بِغَيْر رموز وفيهَا فَوَائِد وَلكنهَا لم ترزق حَظّ الشاطبية وَكَانَ عريا من الفلسفة والاعتزال والتجسيم على نمط السلف الصَّالح كثير الْخُشُوع والتلاوة وَالْعِبَادَة مائلا إِلَى محبَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ على ابْن أَبى طَالب كرم الله وَجهه متجافياً عَن مُقَاتِلِيهِ قَالَ الأدفوئى جرى على طَرِيقه كثير من النجَاة فِي حب على حَتَّى قَالَ مرة لبدر الدَّين بن جمَاعَة قد روى عَن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ عهد إِلَى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق هَل صدق فِي هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ لَهُ ابْن جمَاعَة نعم قَالَ وَالَّذين قَاتلُوهُ وسلوا السيوف فِي وَجهه كَانُوا يحبونه أَو يبغضونه وَكَانَ يجري على مَذْهَب أهل الْأَدَب فِي الْميل إِلَى محَاسِن الشَّبَاب وَهُوَ مَشْهُور بالبخل حَتَّى كَانَ يفتخر بِهِ كَمَا يفتخر النَّاس بِالْكَرمِ وأضر قبل مَوته بِقَلِيل وَمَات فِي ثامن صفر سنة 745 خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَله شعر فَمِنْهُ
(رَاض حَبِيبِي عَارض قد بدا ... ياحسنه من عَارض رائض)
(وضن قوم إن قلبي سلا ... وَالْأَصْل لَا يعْتد بالعارض)
وَمن شعره
(عداي لَهُم فضل علي ومنة ... فَلَا صرف الرَّحْمَن عَنى الأعاديا)
(هم بحثوا عَن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا)
وَمن شعره الْمشعر ببخله
(رجاؤك فلسا قد غَدا فِي حبائلي ... قنيصاً رَجَاء للنتاج من العقم)
(أأتعب فِي تَحْصِيله وأضيعه ... إِذا كنت معتاضا من الْبُرْء بِالسقمِ)
(2/291)

مُحَمَّد بن يُوسُف بن علي الكرماني ثمَّ البغدادي
ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 717 سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَأخذ عَن جمَاعَة بِبَلَدِهِ ثمَّ ارتحل إِلَى الشيراز وَأخذ عَن القاضي عضد الدَّين ولازمه اثنتي عشرَة سنة حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ تصانيفه ثمَّ جح واستوطن بَغْدَاد وَدخل الشَّام ومصر وَسمع البخاري بالجامع الْأَزْهَر من لفظ الْمُحدث نَاصِر الدَّين الفارقي وصنف شرحا للبخاري سَمَّاهُ الْكَوَاكِب الدراري وَهُوَ فِي مجلدين ضخمين وَقد يُوجد فِي أَرْبَعَة فِي الْغَالِب وسَمعه مِنْهُ جمَاعَة واشتهر فِي جَمِيع الأقطار وعان فِي خطبَته على شرح ابْن بطال وَشرح الحلبي وَشرح مغلطاي قَالَ ابْن حجر فِي الدرران شرح صَاحب التَّرْجَمَة مُفِيد على أَوْهَام فِيهِ فِي النَّقْل لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهُ إلا من الصُّحُف وَله شرح على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب سَمَّاهُ السَّبْعَة السيارة لكَونه جمع فِيهِ سَبْعَة شُرُوح وَالْتزم استيفاءها وَذكر أنه أردفها بسبعة أُخْرَى من دون استعياب فجَاء شرحاً حافلاً مَعَ مَا فِيهِ من التّكْرَار الذي أوقعه فِيهِ مُرَاعَاة نقل الْأَلْفَاظ من تِلْكَ الشُّرُوح وصنف فِي الْعَرَبيَّة والمنطق قَالَ ابْن حجر تصدى لنشر الْعلم بِبَغْدَاد ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ مُقبلا على شَأْنه لَا يتَرَدَّد إِلَى أَبنَاء الدُّنْيَا قانعا باليسير ملازما للْعلم متواضعاً وَتوفى مرجعه من الْحَج فِي محرم سنة 786 سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة
مَحْمُود بن أَحْمد بن حسن بن إِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل مظفر الدَّين العيني الأَصْل القاهري الحنفي

وَيعرف بِابْن الأمشاطي لِأَن جده كَانَ يتجر فِيهَا ولد فِي حُدُود سنة 812 اثنتي عشر وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَحفظ مختصرات
(2/292)

واشتغل فِي الْفِقْه على ابْن الديري والشمني وَفِي النَّحْو على الثاني وَغَيره وَسمع على جمَاعَة كَابْن حجر وطبقته وَدخل دمشق وَحج غير مرة وجاور ورابط فِي بعض الثغور وسافر للْجِهَاد واعتنى بالسباحة والتجليد وَرمى النشاب وَرمى المدافع وَأخذ ذَلِك عَن الأستاذين وَتقدم فِي أَكْثَره واشتغل بالطب وصنف فِيهِ وَأعْرض عَن جَمِيع مَا عداهُ وَمن تصانيفه فِيهِ شرح الموجز للعلاء بن نَفِيس فِي مجلدين وَهُوَ شرح حسن تداوله الأفاضل وَشرح اللمحة لِابْنِ أَمِير الدولة وَمن تصانيفه فِي غير الطِّبّ شرح النقاية استمد فِيهِ من شرح شَيْخه الشمني قَالَ السخاوي إنه سَمعه يحْكى أَنه رأى وَهُوَ صبي فِي يَوْم ذي غيم رجلا يمشي فِي الْغَمَام لَا يشك فِي ذَلِك وَلَا يتمارى انْتهى وَيُمكن أَن يكون رأى قِطْعَة من قطع السَّحَاب متشكلة بشكل الْإِنْسَان فَإِن النَّاظر فِي أطباق السَّحَاب إِذا تخيل فِي شَيْء مِنْهَا أَنه على صُورَة حَيَوَان أَو شَيْء من الجمادات خيل إِلَيْهِ ذَلِك إِذا أدام النظر إِلَيْهَا وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِك كَونهَا متحركة دَائِما ولطافة الْهَوَاء وَكَانَ للحاسة المخيلة فِيمَا كَانَ كَذَلِك اختراعا يُخَالف مَا جرت بِهِ عَادَتهَا من عدم تخييل مَا يُخَالف المحسوس بحاسة الْبَصَر عِنْد الْمُشَاهدَة وَمَات فِي شهر ربيع الأول سنة 902 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بهَا
مَحْمُود بن أَحْمد بن مُحَمَّد النُّور الهمذاني الفيومي الأَصْل الحموي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن خطيب الدهشة

تحول أَبوهُ من الفيوم إِلَى حماه فاستوطنها وَولى خطابة الدهشة وصنف بهَا الْمِصْبَاح الْمُنِير فِي غَرِيب الشَّرْح الْكَبِير مجلدين وَشرح عرُوض ابْن الْحَاجِب وَله ديوَان خطب وَولد لَهُ ابْنه هَذَا فِي سنة 750 خمسين
(2/293)

وَسَبْعمائة وَنَشَأ فحفظ الْقُرْآن وكتباً وَسمع من جمَاعَة وتفقه على أهل بَلَده وارتحل إِلَى مصر وَالشَّام فَأخذ عَن أئمتهما وَتقدم فِي الْفِقْه وأصوله والعربية واللغة وَغَيرهَا وَولى قَضَاء حماه ثمَّ صرف وَلزِمَ منزله متصديا للإقراء والفتاوى والتصنيف فَانْتَفع بِهِ أهل بَلَده واشتهر ذكره وصنف كثيرا كمختصر الْقُوت للأذرعي فِي أَرْبَعَة أَجزَاء وَسَماهُ إغاثة الْمُحْتَاج إِلَى شرح الْمِنْهَاج وتكملة شرح الْمِنْهَاج للسبكي وَهُوَ فِي ثَلَاثَة عشر مجلدا والتحفة فِي المبهمات وَشرح ألفية ابْن مَالك والكافية فِي ثَلَاث مجلدات وتهذيب الْمطَالع لِابْنِ قرقول فِي سِتّ مجلدات واليواقيت المضية فِي الْمَوَاقِيت الشَّرْعِيَّة وَعمل منظومة نَحْو تسعين بَيْتا فِي الْخط وَشَرحهَا وَمَات بحماه يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر شَوَّال سنة 834 أَربع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
مَحْمُود بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَحْمد بن حُسَيْن بن يُوسُف ابْن مُحَمَّد الْبَدْر الحلبى الأصلى القاهري الحنفي الْمَعْرُوف بالعيني

ولد سَابِع عشر رَمَضَان سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَحفظ كتبا فِي فنون وَأخذ عَن جمَاعَة كالرهاوي وذي النُّون والسرمارى وَغَيرهم ومشايخه فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق وَالْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان بَعضهم من تلامذة الجاربردى وَبَعْضهمْ من تلامذة الطَّيِّبِيّ وَبَعْضهمْ من تلامذة السعد التفتازاني وبرع فِي جَمِيع هَذِه الْعُلُوم وارتحل إِلَى حلب ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس وَحج وَدخل الْقَاهِرَة وَأخذ عَن غَالب أهل هَذِه المحلات وَاسْتقر بِالْقَاهِرَةِ ودرس فِي مَوَاطِن مِنْهَا وَتَوَلَّى قَضَاء الْحَنَفِيَّة بهَا فِي سنة 829 وَصرف وأعيد وَصرف فَلَزِمَ بَيته مُقبلا على الْجمع والتصنيف مستمرا على تدريس الحَدِيث
وتصانيفه كَثِيرَة جدا وانتفع بِهِ النَّاس وَأخذ عَنهُ
(2/294)

الطّلبَة من كل مَذْهَب وَله حَظّ عِنْد الْمُلُوك وَمن تصانيفه شرح البخاري فِي اُحْدُ وَعشْرين مجلدا أسماه عُمْدَة الْقَارئ وَكَانَ ينْقل فِيهِ من شرح الْحَافِظ بن حجر وَرُبمَا يتعقب ذَلِك وَقد أجَاب ابْن حجر عَن تِلْكَ التعقبات لِأَنَّهُمَا متعاصران وَبَينهمَا مُنَافَسَة شَدِيدَة وَشرح معاني الْآثَار للطحاوي فِي عشر مجلدات وَقطعَة من سنَن أبي دَاوُد فِي مجلدين وَقطعَة كَبِيرَة من سيرة ابْن هِشَام سَمَّاهُ كشف اللثام وَشرح الْكَلم الطيب لِابْنِ تَيْمِية والكنز وَسَماهُ رمز الْحَقَائِق فِي شرح كنز الدقائق وَكَذَلِكَ شرح التُّحْفَة وَالْهِدَايَة فِي إِحْدَى عشرَة مُجَلد وَشرح الْمجمع والبحار الزاخرة والمنار والشواهد الْوَاقِعَة فِي شُرُوح الألفية والتسهيل لِابْنِ مَالك وَالْمُحِيط وَله حواش مِنْهَا على شرح الألفية وعَلى التَّوْضِيح وعَلى شرح الجاربردي فِي التصريف وَله مُقَدّمَة فِي الصّرْف وَأُخْرَى فِي الْعرُوض وتاريخ كَبِير فِي تِسْعَة عشر مجلدا ومتوسط فِي ثَمَانِيَة ومختصر فِي ثَلَاثَة وتاريخ الأكاسرة وطبقات الْحَنَفِيَّة وطبقات الشُّعَرَاء ومعجم شُيُوخه وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن خلكان وَله تحفة الْمُلُوك فِي المواعظ وَكتاب آخر فِي الرَّقَائِق والمواعظ فِي ثَمَان مجلدات وَغير ذَلِك مَاتَ لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع ذي الْحجَّة سنة 855 خمس وَخمسين وثمان مائَة وَدفن بِالْقَاهِرَةِ
مَحْمُود بن سُلَيْمَان بن فَهد بن مَحْمُود الحلبي ثمَّ الدمشقي الحنبلي شهَاب الدَّين

ولد فِي شعْبَان سنة 644 أَربع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع من الرضي بن الْبُرْهَان وَيحيى بن عبد الرَّحِيم الحنبلي وجمال الدَّين بن مَالك وتأدب بِهِ وبرع إِلَى أَن عين غير مرة لقَضَاء الْحَنَابِلَة وفَاق الأقران فِي حسن النظم
(2/295)

والنثر وَالْكِتَابَة وَكتب الْإِنْشَاء بِدِمَشْق ثمَّ بِمصْر وَولى كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق إِلَى أَن مَاتَ ونظمه كثير يزِيد على ثَلَاث مجلدات ونثره يدْخل فِي ثَلَاثِينَ مجلدا كَذَا قَالَ الصفدي وَله كتاب حسن التوسل فِي صناعَة الترسل قَالَ البرزالي فِي مُعْجَمه فَاضل فِي الْإِنْشَاء وجودة الشّعْر فاق أهل عصره وأربى على كثير مِمَّن تقدمه وَمن نظمه
(تثنى وأغصان الْأَرَاك نواظر ... فنحت وأسراب من الطير عكف)
(فَعلم بأنات النقا كَيفَ تنثنى ... وَعلم وَرْقَاء الْحمى كَيفَ تهتف)
وَمن غرر قصائد القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(هَل الْبَدْر إِلَّا مَا حواه لثامها ... أَو الصُّبْح إِلَّا مَا جلاه ابتسامها)
وشعره مَشْهُور قد أورد مِنْهُ المصنفون فِي الْأَدَب بعده شَيْئا كثيرا وَكَذَلِكَ نثره وَمَات بِدِمَشْق فِي ثاني وَعشْرين شعْبَان سنة 725 خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة
السُّلْطَان مَحْمُود بن عبد الحميد سُلْطَان الروم

فِي هَذَا الْوَقْت أخبرنَا من وَفد إلينا من أهل تِلْكَ الْجِهَات أَنه ولي السلطنة فِي سنة 1222 ووصفوه بِالْعلمِ والزهد وَحسن الْخط وَالْعدْل وَأَنه يَأْكُل من عمل يَده تحريا للْحَلَال هَذَا وَهُوَ سُلْطَان الدُّنْيَا وَملك الْعَالم وَهُوَ الَّذِي امْر الباشا بِمصْر أَن يُجهز الجيوش على صَاحب بخد الْمُتَقَدّم ذكره فَجهز عَلَيْهِ جَيْشًا بعد جَيش ومازال يحاربه عَاما بعد عَام حَتَّى حصره فِي مَحَله ووطنه وهي الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بالدرعية ثمَّ مازال الْجَيْش يضْرب بالمدافع على تِلْكَ الْقرْيَة لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى أخرب كثيرا مِنْهَا ثمَّ أذعن صَاحبهَا وَهُوَ عبد الله بن سعود بن عبد الْعَزِيز وَسلم نَفسه إِلَى أَيْديهم
(2/296)

وأدخلوه الروم فِي سنة 1233 وَكَانَ الْأَمِير على الْجنُود الرومية ابْن الباشا صَاحب مصر وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد علي ثمَّ بعث مُحَمَّد على بِابْن أَخِيه الباشا خَلِيل بجيوش الروم وَكَانَ واليا على مَكَّة فَخرج إِلَى الديار التهامية من الْيمن على الشريف أَحْمد بن حمود فاستولى على جَمِيع الْبِلَاد العريشية صفوا عفوا بِلَا ضَرْبَة وَلَا طعنة ثمَّ استولى على جَمِيع مَا قد كَانَ استولى عَلَيْهِ الشريف حمود من البنادر والمدائن اليمنية وهي اللِّحْيَة والحديدة وَبَيت الْفَقِيه وزبيد وَمَا يتَّصل بِهَذِهِ المحلات فارتجف الْيمن بأسره وَلم يبْق عِنْد أحد من أَهله شك أَنه سيطوي الديار اليمنية فِي أسْرع وَقت ثمَّ كَانَ من الألطاف الإلهية أنها وصلت كتب من الباشا مُحَمَّد علي وَمن الباشا خَلِيل مؤذنة بالمصالحة وَعدم التعدي إِلَى غير مَا قد وصلوا إِلَيْهِ وَمَا زَالَت الرُّسُل يخْتَلف من الْجِهَتَيْنِ وَكَانَت الْمُكَاتبَة والمراسلة بَينهم وَبَين مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله تَدور باطلاعي حَتَّى انْتهى الْأَمر إِلَى إرجاع جَمِيع الْبِلَاد الَّتِى كَانَت مَعَ الشريف حمود وَولده إِلَى الإِمَام فَعَادَت كَمَا كَانَت وَللَّه الْحَمد بعد أَن حصل الْيَأْس عَن جَمِيع المملكة اليمنية وَهَكَذَا تجري الألطاف الربانية بِمَا لم يكن فِي حِسَاب العَبْد وَقد نفذ إِلَيْهَا عِنْد تَحْرِير هَذِه الأحرف الْعمَّال والرتب واستقروا بهَا وَجعل مَوْلَانَا الإِمَام على الْبِلَاد العريشية الشريف علي بن حيدر كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَشْرَاف فِي الْمدَّة الْمَاضِيَة قبل ظُهُور مظهر صَاحب نجد واعتزاء الْأَشْرَاف إِلَيْهِ وَقد أدخلُوا احْمَد بن حمود الروم وأدخلوا مَعَه جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَكَانَ الشريف حسن بن خَالِد الحازمي وَهُوَ الْمُتَكَلّم فِي دولة الشريف والوزير وَالْقَاضِي والمفتي والأمير للجيش فِي كثير من الْحَالَات والمنفذ للْأَحْكَام قد لَجأ إِلَى بِلَاد عسير فَتَبِعَهُ جمَاعَة
(2/297)

من الروم فَقَتَلُوهُ هُنَالك بعد حروب والآن وَلَده بَاقٍ هُنَالك وَقد تجهز إِلَيْهِ طَائِفَة من الأتراك بعد مفارقتهم للبلاد التهامية والبلاد العريشية وسيأتي تَمام وصف حَادِثَة الروم هَذِه فِي تَرْجَمَة الأغا يُوسُف الْمُتَوَسّط فِي الْقِصَّة انشاء الله
مَحْمُود بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر ابْن علي شمس الدَّين الْأَصْبَهَانِيّ

ولد بأصبهان فِي شعْبَان سنة 674 أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وَأخذ عَن عُلَمَاء بِلَاده كوالده وجمال الدَّين بن أَبى الرَّجَاء وَمهر فِي الْفُنُون وَحج فِي سنة 724 وَدخل دمشق بعد زِيَارَة الْقُدس فبهرت أَهلهَا فضائله وَقَالَ ابْن تَيْمِية لما سمع كَلَامه أنه مَا دخل الْبِلَاد مثله وَكَانَ يلازم الْجَامِع الأموي لَيْلًا وَنَهَارًا مكبا على التِّلَاوَة وتدريس الطّلبَة وَبَالغ الْفُضَلَاء فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ طلب على الْبَرِيد إِلَى مصر فدرس بهَا
قَالَ الأسنوي كَانَ بارعا فِي العقليات صَحِيح الِاعْتِقَاد محبا لأهل الصلاح طارحا للتكلف مجموعا على الْعلم انْتهى
وصنف شرحا لمختصر ابْن الْحَاجِب قبل أَن يقدم بِلَاد دمشق وشرحا للمطالع وشرحا لتجريد النَّصْر الطوسي وَشرح قصيدة النساوى فِي الْعرُوض وصنف فِي الْمنطق كتابا سَمَّاهُ نَاظر الْعين وَشَرحه وَشرح مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب وَشرح بِالْقَاهِرَةِ البديع لِابْنِ الساعاتي وطوالع البيضاوي ومنهاجه وَعمل تَفْسِيرا وَمِمَّا يحْكى عَنهُ من حرصه على الْعلم وشحه على عدم ضيَاع أوقاته أَن بعض أَصْحَابه كَانَ يرْوى أَنه كَانَ يمْتَنع كثيرا من الْأكل لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى الشَّرَاب فَيحْتَاج إِلَى دُخُول الْخَلَاء فيضيع عَلَيْهِ الزَّمَان قَالَ الصفدي رَأَيْته يكْتب تَفْسِيره من خاطره من غير مُرَاجعَة وانتفع النَّاس بِهِ كثيرا وَمَات
(2/298)

فِي ذي الْقعدَة سنة 794 أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة بالطاعون الْعَام
مَحْمُود بن مَسْعُود بن مصلح الفارسي قطب الدَّين الشيرازي

الشافعي الْعَلامَة الْكَبِير ولد بشيراز سنة 634 أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَأخذ عَن أَبِيه وَعَمه وَغَيرهمَا فِي علم الطِّبّ ثمَّ رتب طَبِيبا وَهُوَ شَاب ثمَّ سَافر إِلَى نصير الدَّين الطوسي فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْهَيْئَة وَبحث عَلَيْهِ فِي الإشارات وبرع وَقَالَ لَهُ السُّلْطَان ابغا بن هلاكو أنت أفضل تلامذة النصير وَقد كبر فاجتهد أَن لَا يفوتك شَيْء من علومه فَقَالَ قد فعلت وَمَا بقى لى بِهِ حَاجَة ثمَّ دخل الرّوم فَأكْرمه صَاحبهَا وَولى قَضَاء سيواس وملطية وَقدم الشَّام رَسُولا وَسكن تبريزاً وأقرأ بهَا الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَحدث بِجَامِع الْأُصُول عَن الصَّدْر القونوي عَن يَعْقُوب الهديات عَن المُصَنّف وَكَانَ كثير المخالطة للملوك متحرزا ظريفا مزاحا لَا يحمل هما مجيدا للعب الشطرنج مديما لَهُ حَتَّى فِي أَوْقَات اعْتِكَافه كثير الدخل حَتَّى قيل أنه دخله فِي الْعَام ثَلَاثُونَ الْفَا لَا يدّخر مِنْهَا شَيْئا بل يُنْفِقهُ على تلامذته ودرس بِدِمَشْق الْكَشَّاف والقانون والشفاء وَغَيرهَا وَكَانَ إِذا صنف كتابا صَامَ ولازم السهر ومسودته مبيضة وَكَانَ يخضع للْفُقَرَاء ويلازم الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة وَيكثر الشفاعات عِنْد الْمُلُوك وهم يعظمونه وَمن تصانيفه شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح الْمِفْتَاح للسكاكي وَشرح الكليات لِابْنِ سينا وَشرح الْأَسْرَار للسهروردى وصنف كتابا فِي الْحِكْمَة سَمَّاهُ غرَّة التَّاج وَكَانَ من أذكياء الْعَالم ولقبه عِنْد الْفُضَلَاء الشَّارِح الْعَلامَة قَالَ الذهبي قيل كَانَ علي دين الْعَجَائِز وَكَانَ يخضع للفقهاء ويوصي بِحِفْظ الْقُرْآن وَكَانَ إِذا مدح تخشع وَكَانَ يَقُول أَتَمَنَّى أني كنت فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يكن لي سمع
(2/299)

وَلَا بصر رَجَاء أَن يلحظني بنظرة وَكَانَ ذَا مُرُوءَة وأخلاق حسان وتلامذته يبالغون فِي تَعْظِيمه انْتهى
وَقد اسْتمرّ على تَعْظِيمه من بعدهمْ حَتَّى صَار الْعَلامَة إِذا أطلق لَا يفهم غَيره بل جَاوز ذَلِك كثير من المصنفين الْمُتَأَخِّرين الَّذين غَالب نظرهم مَقْصُور على مثل علمه فَقَالُوا لَا يُطلق ذَلِك فِي الاصطلاح إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا عتب عَلَيْهِم فهم لَا يعلمُونَ بالعلوم الشَّرْعِيَّة حَتَّى يعرفوا مِقْدَار أَهلهَا وَقد عاصر صَاحب التَّرْجَمَة من أَئِمَّة الْعلم من لَا يرتقي هُوَ إِلَى شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَكَذَلِكَ جَاءَ بعد عصره أكابر كَمَا مر بك فِي هَذَا الْكتاب وكما سيأتي وَأَكْثَرهم أحق بوصفه بالعلامة فضلا عَن كَونه مُسْتَحقّا وَأَيْنَ يَقع من مثل من جمع مِنْهُم بَين علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وبهر بِعُلُومِهِ الأفهام والعقول وَمَات فِي رَمَضَان سنة 710 عشر وَسَبْعمائة
السُّلْطَان مُرَاد بن احْمَد بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم

الآتي قَرِيبا ولد سنة 1018 ثَمَان عشرَة وألف وَجلسَ على سَرِير السلطنة سنة 1032 وَكَانَ كثير الْغَزْو وافتتح مدنا كبغداد وَقتل جَمِيع من فِيهَا من الروافض وَكَانَ شَدِيد الْأَيْدِي وَله حكايات فِي ذَلِك مِنْهَا أَنه طعن درقه نَحْو إحدى عشر طبقَة بِعُود فَثَبت فِيهَا وأرسلها إِلَى مصر وَجعل لمن أخرج الْعود من عَسَاكِر مصر زِيَادَة فِي مقرره فَلم يقدر على ذَلِك أحد وَمَات سنة 1049 تسع وَأَرْبَعين وَألف
مُرَاد بن أورخان بن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها

ولد سنة 727 سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَجلسَ على التخت سنة 761 وافتتح كثيرا من الْبِلَاد مِنْهَا أدرنه وَهُوَ أول من اتخذ المماليك وألبسهم اللباد الْمثنى إِلَى خلف وَسَمَّاهُمْ الْعَسْكَر الْجَدِيد وَكَانَ عَظِيم الصولة شَدِيد
(2/300)

المهابة وَاجْتمعت النَّصَارَى عَلَيْهِ مَعَ سلطانهم فقابلهم صَاحب التَّرْجَمَة وَهَزَمَهُمْ وَقتل سلطانهم وَأسر جمَاعَة من مُلُوكهمْ فأظهر وَاحِد من الْمُلُوك الطَّاعَة للسُّلْطَان وَطلب تَقْبِيل كَفه فَأذن لَهُ بذلك فَلَمَّا قرب مِنْهُ أخرج خنجرا كَانَ أعده فِي كمه فَضرب السُّلْطَان مُرَاد فَقتله وفاز بِالشَّهَادَةِ فِي سنة 792 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة فَصَارَ القانون أَلا يدْخل على السُّلْطَان أحد إِلَّا بعد تفتيش ثِيَابه وَيكون بَين رجلَيْنِ يكتنفانه
مُرَاد بن سليم بن سُلَيْمَان بن سليم بن بايزيد بن أورخان ابْن عُثْمَان سُلْطَان الروم

ولد سنة 953 ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَجلسَ على التخت سنة 982 وَهُوَ من أعظم سلاطين الروم وأكابر مُلُوكهَا استولى على مَا كَانَ تَحت يَد آبَائِهِ من الممالك وَزَاد عَلَيْهِ فتوحات وَاسِعَة وَهُوَ الذي أتم عمَارَة الْحرم الشريف بعد أَن كَانَ حصل فِيهِ حريق أخرب كثيرا مِنْهُ فَأمر بهدمه جَمِيعًا وَالِده السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان وَشرع فِي عِمَارَته على هَيْئَة نفيسة وأسلوب غَرِيب ثمَّ مَاتَ بعد أَن شرع فِي الْعِمَارَة وكمله صَاحب التَّرْجَمَة وَمَا أحسن مَا قَالَه بعض الشُّعَرَاء فِي تَارِيخ كَمَال الْعِمَارَة وَهُوَ هَذَا الْبَيْت بِتَمَامِهِ فَإِنَّهُ مَعَ انسجامه وسلاسته وَحسن نظمه جَمِيعه تَارِيخ لتَمام الْعِمَارَة وَهُوَ
(جدد الْمَسْجِد الْحَرَام مُرَاد ... دَامَ سُلْطَانه ودام زَمَانه)
وأرخ تَمام الْعِمَارَة بَعضهم فِي نثر فَقَالَ عمر الْحرم سُلْطَان مُرَاد
وَقد وصف القطب الحنفي فِي الْأَعْلَام كَيْفيَّة هَذِه الْعِمَارَة وَأطَال فِي ذَلِك فِي آخر كِتَابه الْأَعْلَام وَختم تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة فِي ذَلِك الْكتاب وَلم يذكر تَارِيخ مَوته وَهُوَ فِي سنة 1003 ثَلَاث وَألف
(2/301)

مُرَاد خَان بن مُحَمَّد خَان بن بايزيد أورخان ابْن عُثْمَان سُلْطَان الروم

ولد سنة 806 سِتّ وثمان مائَة وَجلسَ على التخت سنة 824 وَكَانَ ملكاً مُطَاعًا مقداماً كَرِيمًا عين للحرمين الشريفين من خَاصَّة صدقاته فِي كل عَام ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة ذهب للسادة الْأَشْرَاف وَمن خزانته فِي كل عَام مثل ذَلِك وَفتح فتوحات
وَمن فتوحاته قلعة سمندرة وبلاد مورة وَقَاتل الْكفَّار ونال مِنْهُم وَبعد ذَلِك سلم السلطنة إِلَى وَلَده مُحَمَّد وتخلى عَن الْملك بعد أَن اسْتمرّ فِي السلطنة إحدى وَثَلَاثِينَ سنة وَمَات سنة 855 خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَقد أهمل الْحَافِظ بن حجر ذكر مُلُوك الروم فِي الدُّرَر الكامنة فِي أهل الْمِائَة الثَّامِنَة فَلم يذكر من كَانَ فِيهَا مِنْهُم وَكَذَلِكَ السخاوي أهمل بَعْضًا مِمَّن كَانَ مِنْهُم فِي الْمِائَة التَّاسِعَة وَذكر بَعْضًا وَهَذَا عَجِيب فَإِنَّهُمَا يترجمان لجَماعَة من أهل سَائِر الديار هم معدودون من أَحْقَر مماليك سلاطين الروم مَعَ أنهما يترجمان لكثير من صغَار الْمُلُوك والأمراء الكائنين بالأندلس واليمن والهند وَسَائِر الديار وَهَكَذَا أهملا غَالب عُلَمَاء الرّوم وَلم يذكر إِلَّا شَيْئا يَسِيرا مِنْهُم مَعَ أنهما يترجمان لمن هُوَ أبعد مِنْهُم دَارا وأحقر قدرا فَالله أعلم بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضى لذَلِك وَقد ذكرنَا فِي هَذَا الْكتاب كثيرا مِمَّن أهملاه
مَسْعُود بن أَحْمد بن مَسْعُود بن زيد الحارثي سعد الدَّين العراقي ثمَّ المصري الحنبلي

مَنْسُوب إِلَى الحارثية من قرى بَغْدَاد ولد سنة 652 اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة وعنى بِالْحَدِيثِ فَسمع من الرضي بن الْبُرْهَان والنجيب وطبقتهما
(2/302)

وَسمع بِدِمَشْق من أَحْمد بن أَبى الْخَيْر وَالْجمال بن الصَّيْرَفِي وَغَيرهمَا وَطلب بِنَفسِهِ وَكتب الْكثير وَسمع العالي والنازل واتسعت معارفه وَولى مشيخة دَار الحَدِيث بِدِمَشْق ثمَّ تَركهَا وَرجع إِلَى مصر ثمَّ ولي الْقَضَاء سنة 709 وَكَانَ ابْن دَقِيق الْعِيد ينفر مِنْهُ لقَوْله بالجهة وَيَقُول هَذَا دَاعِيَة وَيمْتَنع من الِاجْتِمَاع بِهِ وَيُقَال ان صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الذي تعمد إعدام مسودة كتاب الإِمَام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد بعد أَن كَانَ أكمله فَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ بيض فِي حَيَاة مُصَنفه قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر وَشرح سعد الدَّين قِطْعَة من سنَن أَبى دَاوُد كَبِيرَة أَجَاد فِيهَا وَقطعَة من الْمُنْتَقى للحنابلة أتى فِيهَا بمباحث ونقول فَوَائِد وَلم يكمل وَغير ذَلِك مَاتَ فِي رَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة 711 إحدى عشرَة وَسَبْعمائة
مَسْعُود بن عمر التفتازاني الإِمَام الْكَبِير صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة الْمَعْرُوف بِسَعْد الدَّين

ولد بتفتازان فِي صفر سنة 722 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن أكابر أهل الْعلم فِي عصره كالعضد وطبقته وفَاق فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير وَالْكَلَام وَكثير من الْعُلُوم وطار صيته واشتهر ذكره ورحل إِلَيْهِ الطّلبَة وَشرع فِي التصنيف وَهُوَ فِي سِتّ عشرَة سنة فصنف الزنجانية وَفرغ مِنْهَا فِي شعْبَان سنة 738 وَفرغ من شرح التَّلْخِيص الْكَبِير فِي صفر سنة 748 بهراة وَمن مُخْتَصره سنة 756 وَمن شرح التَّوْضِيح فِي ذي الْقعدَة سنة 758 بكلشان وَمن شرح العقائد فِي شعْبَان سنة 768 وَمن حَاشِيَة الْعَضُد فِي ذي الحجة سنة 770 وَمن رِسَالَة الْإِرْشَاد سنة 774 كلهَا بخوارزم وَمن الْمَقَاصِد وَشَرحه فِي ذى
(2/303)

الْقعدَة سنة 784 بسمرقند وَمن تَهْذِيب الْكَلَام فِي رَجَب مِنْهَا وَمن شرح الْمِفْتَاح فِي شَوَّال سنة 789 بسمرقند أيضا وَشرع فِي فَتَاوَى الحنفية يَوْم الْأَحَد التَّاسِع من ذي الْقعدَة سنة 769 بهراة وَفِي تأليف مِفْتَاح الْفِقْه سنة 772 وَفِي شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح سنة 786 كليهمَا بسرخس وَمن حَاشِيَة الْكَشَّاف فِي ثامن ربيع الآخر سنة 789 بِظَاهِر بسمرقند هَكَذَا ذكر ملازادة تَارِيخ مَا فرغ مِنْهُ من مؤلفاته وَمَا شرع فِيهِ وَلم يكمل وَقَالَ فِي أول الترجمة مَا لَفظه أستاذ الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين وَسيد الْفُضَلَاء الْمُتَقَدِّمين مَوْلَانَا سعد الْملَّة وَالدّين معدل ميزَان الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول مفتح أغصان الْفُرُوع وَالْأُصُول أبي سعيد مَسْعُود بن القاضي الإِمَام فَخر الْملَّة وَالدّين عمر ابْن الْمولى الْأَعْظَم سُلْطَان العارفين العادى التفازانى ثمَّ ذكر مَا قدمْنَاهُ من تَارِيخ مولده وَمَا بعده ثمَّ قَالَ وَتوفى يَوْم الاثنين الثاني وَالْعِشْرين من شهر محرم سنة 792 اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة بسمرقند وَنقل إِلَى سرخس وَدفن بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع من جُمَادَى الأولى ثمَّ قَالَ ملازادة الْجَامِع لهَذِهِ التَّرْجَمَة واسْمه مُوسَى بن مُحَمَّد بن مَحْمُود أنه أَخذ عَن عبد الْكَرِيم بن عبد الْغنى وَهُوَ عَن الْمولى سِنَان وَهُوَ عَن الْمولى حيدر وَهُوَ عَن الْمولى سعد الْملَّة يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وَأورد لصَاحب التَّرْجَمَة من الشّعْر قَوْله
(فرق فرق الدَّرْس وَحصل مَالا ... فالعمر مضى وَلم تنَلْ آمالا)
(لَا ينفعك الْقيَاس وَالْعَكْس وَلَا ... افعنلل يفعنلل افعنلالا)
وَأورد لَهُ قَوْله أَيْضا
(طويت بإحراز الْعُلُوم ونيلها ... رِدَاء شَبَابِي وَالْجُنُون فنون)
(2/304)

(وَحين تعاطيت الْفُنُون ونيلها ... تبين لي أَن الْفُنُون جُنُون)
قلت وَلم يذكر فِي هَذِه التَّرْجَمَة جَمِيع مصنفات صَاحبهَا بل أهمل مِنْهَا التَّلْوِيح وَهُوَ من أجل مصنفاته وأهمل مِنْهَا شرح الرسَالَة الشمسية وَهُوَ أيضا من أجلهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة متفرد بِعُلُومِهِ فِي الْقرن الثَّامِن لم يكن لَهُ فِي أَهله نَظِير فِيهَا وَله من الْحَظ والشهرة والصيت فِي أهل عصره فَمن بعدهمْ مَالا يلْحق بِهِ غَيره ومصنفاته قد طارت فِي حَيَاته إِلَى جَمِيع الْبلدَانِ وتنافس النَّاس فِي تَحْصِيلهَا وَمَعَ هَذَا فَلم يذكرهُ ابْن حجر فِي الدُّرَر الكامنة فِي أهل الماءة الثَّامِنَة مَعَ أَنه يتَعَرَّض لذكره فِي بعض تراجم شُيُوخه اَوْ تلامذته وَتارَة يذكر شَيْئا من مصنفاته عِنْد تَرْجَمَة من درس فِيهَا أَو طلبَهَا فإهمال تَرْجَمته من الْعَجَائِب المفصحة عَن نقص الْبشر وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد اتَّصل بالسلطان الْكَبِير الطاغية الشهير تيمورلنك الْمُتَقَدّم ذكره وَجَرت بَينه وَبَين السَّيِّد الشريف الجرجاني الْمُتَقَدّم ذكره مناظرة فِي مجْلِس السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي مسئلة كَون إرادة الانتقام سَببا للغضب أَو الْغَضَب سَببا لإِرَادَة الإنتقام فَصَاحب التَّرْجَمَة يَقُول بِالْأولِ والشريف يَقُول بالثاني قَالَ الشَّيْخ مَنْصُور الكازروني وَالْحق فِي جَانب الشريف وَجَرت بَينهمَا أيضا المناظرة الْمَشْهُورَة فِي قَوْله تَعَالَى {ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة} وَيُقَال بِأَنَّهُ حكم بِأَن الْحق فِي ذَلِك مَعَ الشريف فَاغْتَمَّ صَاحب التَّرْجَمَة وَمَات كمدا وَالله أعلم
(2/305)

مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي الرومي الحنفي الْمَشْهُور بخواجه زادة

عَالم الروم الْمَشْهُور بالتحقيق وجودة التَّصَوُّر والذكاء المفرط وإفحام من يناظره
كَانَ وَالِده من التُّجَّار وَله ثروة عَظِيمَة فولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة واشتغل بِالْعلمِ فسخط لذَلِك أَبوهُ وأبعده عَنهُ حَتَّى صَار لَا يملك إلا قَمِيصًا وَاحِدًا وَهُوَ لَا يزْدَاد فِي الْعلم الا شغفا وَرَآهُ بعض مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَقَالَ لَهُ بِأَنَّهُ يكون لَهُ شَأْن عَظِيم وَإِن اخوانه الَّذين صَار وَالِده يعظمهم ويهينه سيقومون عِنْده مقَام الخدم وَالْعَبِيد وَأخذ عَن أكَابِر عُلَمَاء الروم كالعالم الْمَشْهُور بخضر بك وطبقته وبرع فِي الْعَرَبيَّة والأصولين والمعاني وَالْبَيَان وَأمره السُّلْطَان مُرَاد أَن يدرس بمدرسة بروسا وَعين لَهُ كل يَوْم عشرَة دَرَاهِم فَمَكثَ كَذَلِك سِتّ سِنِين مشتغلا بِالْعلمِ مَعَ فقر وحاجة وَحفظ هُنَالك شرح المواقف وَلما تولى السلطنة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بن مُرَاد خَان الْمُتَقَدّم ذكره وَأظْهر الرَّغْبَة إِلَى الْعلم وَأَهله قصد الْعلمَاء حَضرته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يُرِيد ذَلِك وَلَكِن لم يَسْتَطِيع أَن يُجهز إِلَيْهِ لشدَّة فقره وَكَانَ لَهُ خَادِم من أَبنَاء التّرْك فأقرضه ثَمَان مائَة دِرْهَم فَاشْترى بهَا فرسا لنَفسِهِ وفرسا لِخَادِمِهِ وَذهب إِلَى السُّلْطَان فَلَقِيَهُ وَهُوَ ذَاهِب من قسطنطينية إِلَى ادرنة فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير مَحْمُود باشا قَالَ أصبت بمجئك وَقد ذكرتك عِنْد السُّلْطَان فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَذهب إِلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ السُّلْطَان للوزير مَحْمُود باشا من هَذَا قَالَ خواجة زادة فَرَحَّبَ السُّلْطَان بِهِ وَكَانَ عَن يَمِين السُّلْطَان وَعَن يسَاره أَعْيَان عُلَمَاء حَضرته فَجرى بَينهم الْبَحْث بِحَضْرَة السُّلْطَان فَتكلم وَصَاحب التَّرْجَمَة وأفحم جمَاعَة من الْعلمَاء الْحَاضِرين وَمَال السُّلْطَان
(2/306)

إِلَيْهِ حَتَّى أنه بقي لَدَيْهِ بعد خُرُوج الْعلمَاء من عِنْده وَمَشى مَعَه
ثمَّ إن السُّلْطَان وصل الْعلمَاء الَّذين بحثوا بِحَضْرَتِهِ بصلات وَلم يُعْط صَاحب التَّرْجَمَة مثلهم فَحصل مَعَه هم وحزن حَتَّى أَن خادمه صَار لَا يَخْدمه ويواجهه بقوله لَو كَانَ لَك علم لأكرمك السُّلْطَان كَمَا أكرمهم وَفِي بعض الْمنَازل نَام الْخَادِم فَتَوَلّى صَاحب التَّرْجَمَة خدمَة فرسه بِنَفسِهِ ثمَّ جلس حَزينًا فِي ظل شَجَرَة فَإِذا ثَلَاثَة نفر قد أَقبلُوا إِلَيْهِ من حجاب السُّلْطَان يسْأَلُون عَن خيمة خواجة زادة ويظنون أَن لَهُ خيمة كَسَائِر الأكابر فَأَشَارَ بعض النَّاس إِلَيْهِ فأنكروا ذَلِك ثمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ أنت خواجة زادة فَقَالَ نعم فقبلوا يَده وَقَالُوا إن السُّلْطَان جعلك معلما لنَفسِهِ قَالَ فَظَنَنْت أَنهم يسخرون بي ثمَّ ضربوا هُنَالك خيمة وَقدمُوا إِلَيْهِ فرسا وعبيدا وملبوسا فاخرا وَعشرَة آلَاف دِرْهَم وَقدمُوا إِلَيْهِ فرسا مِنْهَا وَقَالُوا قُم إِلَى السُّلْطَان وَالْخَادِم الْمَذْكُور نايم فَذهب إِلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة ونبهه من النوم فَقَالَ الْخَادِم خلني أنام فَقَالَ لَهُ قُم انْظُر إِلَى حالى قَالَ انى اعرف حالك دعنى فأبرم عَلَيْهِ فَقَامَ فَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ أَي حَال هَذَا قَالَ إني صرت معلما للسُّلْطَان فَقبل الْخَادِم يَده وتضرع إِلَيْهِ وَاعْتذر فَقبل مِنْهُ وَذهب إِلَى السُّلْطَان فشرع السُّلْطَان يقْرَأ عَلَيْهِ فِي التصريف وَكتب هُوَ شرحا عَلَيْهِ وتقرب مِنْهُ غَايَة التَّقَرُّب فحسده الْوَزير وَقَالَ للسُّلْطَان إن صَاحب التَّرْجَمَة يُرِيد قَضَاء الْعَسْكَر فَقَالَ السُّلْطَان لأي شَيْء يتْرك صحبتي فَقَالَ هُوَ يُرِيد ذَلِك وَقَالَ لخواجة زادة أَمر السُّلْطَان أن تتولى قَضَاء الْعَسْكَر فَقَالَ أَنا لَا أُرِيد ذَلِك قَالَ هَكَذَا جرى الْأَمر فامتثل وَصَارَ قَاضِيا بالعسكر وَكَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة قَضَاء الْأَقْضِيَة فَعِنْدَ ذَلِك بلغ وَالِده أَن وَلَده قد صَار قَاضِيا
(2/307)

للعسكر فَلم يصدق فَلَمَّا تَوَاتر إِلَيْهِ الْخَبَر قدم من بروسا إِلَى أدرنة لزيارة وَلَده فَلَمَّا قرب من بَلْدَة أدرنة تَلقاهُ وَلَده وَتَبعهُ عُلَمَاء الْبَلَد وأشرافه فَلَمَّا نظر وَالِده إِلَى ذَلِك الْجمع الْعَظِيم قَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا ابْنك فَنزل صَاحب التَّرْجَمَة من فرسه وَسلم على أَبِيه وأخوته وأدخلهم على السُّلْطَان وَعمل ضِيَافَة كَبِيرَة اجْتمع فِيهَا أَعْيَان المملكة وَجلسَ فِي صدر الْمجْلس وَجلسَ الأكابر على قدر مَرَاتِبهمْ وضاق الْمجْلس بِمن فِيهِ فَقَامَ أخوته مقَام الخدم فَكَانَ ذَلِك مَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ من ذَلِك الصُّوفِي ثمَّ درس بمدارس عدَّة وَقد اشْتهر فِي بِلَاد الروم وطار صيته وَكثر تلامذته وصنف مصنفات مِنْهَا شرح الريحانة الْمُتَقَدّم ذكره وَمِنْهَا حَاشِيَة على التَّلْوِيح وحاشية على المواقف وَلم تكمل وَكتاب التهافت وحاشية على شرح هِدَايَة الْحِكْمَة وَشرح الطوالع وَمَات فِي سنة 893 ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة وَلم يذكرهُ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع
مصطفى القسطلانى ثمَّ الرومي

أخذ عَن عُلَمَاء الروم ثمَّ لما برع فِي الْعُلُوم صَار مدرسا بِإِحْدَى الْمدَارِس الثمان ثمَّ جعله السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد قَاضِيا للعسكر ثمَّ لما مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد وَولى السلطنة ابْنه السُّلْطَان بايزيد عزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن الْقَضَاء وَجعل لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَكَانَ متبحرا فِي جَمِيع الْعُلُوم وَله حَاشِيَة على شرح العقائد ورسالة ذكر فِيهَا إشكالات على المواقف وَشَرحه وحاشية على الْمُقدمَات الْأَرْبَع وَتوفى سنة 901 إحدى وَتِسْعمِائَة
(2/308)

السَّيِّد المطهر ابْن الإِمَام شرف الدَّين بن شمس الدَّين ابْن الإِمَام المهدي احْمَد بن يحيى

الْأَمِير الْكَبِير ملك الْيمن وَابْن ائمتها الْمَشْهُور بالشجاعة والحزم والإقدام والمهابة والسياسة والكياسة والرياسة كَانَ من أعظم الْأُمَرَاء مَعَ وَالِده الإِمَام وَكَانَ قد حلت هيبته بقلوب أهل الْيمن قاطبة وَقُلُوب من يرد إِلَيْهَا من الأتراك والجراسة فسعى بعض أَعدَاء الإِمَام بَينه وَبَين وَلَده هَذَا الْهمام بِمَا أوجب تكدر خاطر كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر وتزايدت الوحشة حَتَّى ألْقى إِلَى المطهر أن وَالِده الإِمَام يُرِيد الْقَبْض عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي قَرْيَة الْقَابِل وَكَانَ بُلُوغ ذَلِك إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد مَعَ وَالِده منتظرا للصَّلَاة فَأرْسل إِلَى جمَاعَة من أَعْيَان أَصْحَابه فَمَا كملت الصَّلَاة إِلَّا وَقد حَضَرُوا فَخرج عقب الصَّلَاة إِلَى الْجَبَل وَدَار بَينه وَبَين أَخِيه شمس الدَّين كَلَام طَوِيل فَلم يتم أَمر فَكَانَ آخر الْأَمر أَنه ذهب المطهر إِلَى حصن ثلا مغاضبا وَرجع الإِمَام إِلَى الجراف ثمَّ آل الْأَمر إِلَى أَن وَقع بَين صَاحب التَّرْجَمَة وَبَين أَخِيه شمس الدَّين مصَاف وتفاقم الْأَمر حَتَّى غزا بطَائفَة من أَصْحَابه إِلَى الجراف للقبض على وَالِده فَدفع الله عَنهُ وَكَانَ آخر الْأَمر أَن الإِمَام أعْطى وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة جَمِيع مَا شَرطه لنَفسِهِ وَاسْتولى على كثير من معاقل الْيمن ومدائنها لَا سِيمَا بعد موت وَالِده فِي تَارِيخه الْمُتَقَدّم فَإِنَّهُ كَاد يستولي على الْيمن بأسره وَجَرت بَينه وَبَين الأتراك خطوب وحروب نَالَ مِنْهُم ونالوا مِنْهُ وَكَانَت ملاحم عَظِيمَة لَا سِيمَا بَينه وَبَين الباشا سِنَان وَقد استوفى ذَلِك قطب الدَّين الحنفي فِي الْبَرْق اليماني وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر الْمُلُوك وأعاظم السلاطين
(2/309)

بالديار اليمنية وَله ماجريات فِي الشجَاعَة وَحسن السياسة وجودة الرَّأْي وَسَفك الدِّمَاء لم يتَّفق إِلَّا للنادر من الْمُلُوك الأكابر وَتوفى سنة 980 ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد أهمل ذكره صَاحب مطلع البدور
المطهر بن علي بن مُحَمَّد بن على بن حسن بن إِبْرَاهِيم الضمدى اليماني الْعَالم الْمَشْهُور

الْمُفَسّر النحوي مُصَنف المنقح على شرح الخبيصى للكافية ومؤلف التَّفْسِير الْمُسَمّى بالفرات وَهُوَ تَفْسِير مُفِيد جدا مَعَ اختصاره يدل على قُوَّة ملكة صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْعُلُوم ورسوخ قدمه فِي فنون عدَّة وَكَانَ مَشْهُورا بالذكاء والفطنة وجودة الْحِفْظ وَله شعر سَائِر فِي غَايَة الْجَوْدَة وَمِنْه
(ويلاه من جفْنه السقيم ... وخده الأبلج القسيم)
(يلوح صبح الجبين مِنْهُ ... تَحت دجى شعره البهيم)
(كَأَنَّمَا الخد من نضار ... والثغر من لوءلوء نظيم)
(كَأَنَّمَا اللحظ مِنْهُ مُوسَى ... يجرح فِي قلبي الكليم)
(إِذا رَآهُ الوشاة قَالُوا ... تبَارك الله من حَكِيم)
(يَقُول إِن رمت وَصله مَا ... لظَالِم قط من حميم)
(معتزلي رافض لهَذَا ... لَا يعرف الْجَبْر للنديم)
وَتوفى بضمد فِي سنة 1049 تسع وَأَرْبَعين وَألف وأرخ مَوته صَاحب الوافي بوفيات الْأَعْيَان تَكْمِيل غربال الزَّمَان عبد الله بن علي الضمدي أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة عشر من شهر رَمَضَان لَيْلَة الثُّلَاثَاء سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَذكر من جملَة مصنفاته أَيْضا جلاء
(2/310)

الوهوم مُخْتَصر ضِيَاء الحلوم فِي مُجَلد وَشرع فِي شرح على الأزهار وَأورد الْأَدِلَّة وَمَشى على نمط الِاجْتِهَاد وَبلغ فِيهِ إِلَى آخر كتاب الْحَج
الإِمَام الواثق المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى
قد تقدم تَمام نسبه ولد لَيْلَة سادس عشْرين من ذي الْقعدَة سنة 702 اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة وَأخذ عَن وَالِده الإِمَام مُحَمَّد بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وَغَيره وبرع فِي الْعُلُوم لَا سِيمَا علم البلاغة فإنه قَلِيل النظير فِي ذَلِك وأشعاره الفائقة ورسائله الرائقة شاهدة لذَلِك بِحَيْثُ يفوق على رسائل البلغاء الْمَشَاهِير من أهل العصور الْمُتَقَدّمَة وَلما مَاتَ فِي تَارِيخ مَوته كَمَا تقدم دعى صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى نَفسه وتكنى بالواثق وَفتح صنعاء ثمَّ عَارضه الإِمَام المهدي علي بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره فَتنحّى هَذَا وَلما مَاتَ الإِمَام المهدي وَقَامَ وَالِده الإِمَام النَّاصِر صَلَاح الدَّين حاول صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْقيام بِالْإِمَامَةِ فَامْتنعَ وَاسْتمرّ مكبا على الْعلم حَتَّى مَاتَ فِي نَيف وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وعمره زِيَادَة على ثَمَانِينَ سنة
الإِمَام المتَوَكل على الله المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن يحيى الْحُسَيْن بن علي بن مُحَمَّد
ابْن حَمْزَة بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن على
(2/311)

ابْن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم هُوَ أحد أَئِمَّة الزيدية القائمين بالديار اليمنية ولد فِي أول الْقرن التَّاسِع ودعا إِلَى نَفسه بعد موت الإِمَام الْمَنْصُور علي بن صَلَاح الْمُتَقَدّم ذكره فِي سنة 840 وأجابه جمَاعَة من الزيدية وَكَانَ عَالما كَبِيرا أَخذ الْعلم عَن الإِمَام المهدي احْمَد بن يحيى ولازمه مُدَّة طَوِيلَة أَخذ عَن غَيره وَملك كحلان وَغَيره من حصون المغارب ثمَّ ملك ذمار وعارضه الْمهْدي صَلَاح بن على ابْن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم وعارضهما الْمَنْصُور بِاللَّه النَّاصِر بن مُحَمَّد بن النَّاصِر بن احْمَد بن المطهر بن يحيى فَأسر هَذَا صَاحب التَّرْجَمَة وسجنه بمَكَان يُقَال لَهُ الربغة فَأَنْشَأَ صَاحب التَّرْجَمَة قصيدة يتوسل بهَا أَولهَا
(مَاذَا أَقُول وَمَا آتي وَمَا أذر ... فِي مدح من ضمنت مدحا لَهُ السُّور)
فَلَمَّا أتمهَا بلغت إِلَى وَزِير الحابس لَهُ فَقَالَ انْظُرُوا فإذنكم تَجِدُونَ الرجل قد خرج من السجْن ببركة هَذَا الشّعْر فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَبعد خُرُوجه من السجْن مازالت أَحْوَاله مُخْتَلفَة تَارَة يقوى وَتارَة يضعف إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة 879 تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة بذمار وَدفن بهَا
مغلطاي بن قليج بن عبد الله الجكرى الحنفي

الْحَافِظ عَلَاء الدَّين صَاحب التصانيف ولد بعد سنة 690 تسعين وسِتمِائَة وَقيل سنة 689 وَسمع من احْمَد بن علي بن دَقِيق الْعِيد أخى الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين والدبوسى وَغَيرهمَا وَأكْثر جدا من الْقِرَاءَة بِنَفسِهِ وَالسَّمَاع وَكتب الطباق ولازم الْجلَال القزويني ودرس بِالْقَاهِرَةِ فِي الحَدِيث وصنف تصانيف مِنْهَا شرح البخاري وذيل المؤتلف والمختلف والزهر الباسم فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة قَالَ ابْن رَجَب إن مصنفاته نَحْو الْمِائَة
(2/312)

وأزيد قَالَ وَأنْشد لنَفسِهِ فِي الْوَاضِح الْمُبين شعرا يدل على استهتار وَضعف فِي الدَّين قَالَ وغالب شُيُوخه الَّذين ادعى السماع مِنْهُم لَا يَصح سَمَاعه مِنْهُم قَالَ وَذكر أَنه سمع من الدمياطي وَمن تقي الدَّين بن دَقِيق الْعِيد دروسا بالكاملية فِي سنة 702 وَابْن دَقِيق الْعِيد انْقَطع فِي سنة 701 إِلَى أَن مَاتَ وَله ذيل على تَهْذِيب الْكَمَال يكون فِي قدر الأَصْل وَاخْتَصَرَهُ مُقْتَصرا على الاعتراضات على المزي فِي نَحْو مجلدين ثمَّ فِي مُجَلد لطيف وغالب ذَلِك لَا يرد على المزي قَالَ وَكَانَ عَارِفًا بالأنساب معرفَة جَيِّدَة وَأما غَيرهَا من متعلقات الحَدِيث فَلهُ بهَا خبْرَة متوسطة وَشرح قِطْعَة من سنَن أَبى دَاوُد وَقطعَة من سنَن ابْن مَاجَه ورتب الْمُهِمَّات على أَبْوَاب الْفِقْه وصنف زَوَائِد ابْن حبَان على الصَّحِيحَيْنِ وذيل على ابْن نقطة وتصانيفه كَثِيرَة جدا مَاتَ فِي شعْبَان سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة مُوسَى بن احْمَد بن مُوسَى بن احْمَد الرداد الْمَعْرُوف بِابْن الزين اليماني الزبيدي

ولد سنة 842 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَحفظ مختصرات وَأخذ عَن الْجمال مُحَمَّد بن أَبى بكر وَعمر الْفَتى والعفيف الناشرى وبرع لَا سِيمَا فِي الْفِقْه وصنف شرحا للإرشاد وَلما فرغ من تبييضه ورام إظهاره وإقراءه وصل من الديار المصرية شرح الجوجري وَابْن أَبى شرِيف فاستأنف عملا آخر وكمل ذَلِك الشَّرْح على أحسن الْأَحْوَال وَسَماهُ الْكَوْكَب الْوَقَّاد وَدَار عَلَيْهِ الْفتيا بِبَلَدِهِ وعظمه سلاطينها فكثرت جهاته وأمواله وَمَات يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر محرم سنة 923 ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة بزبيد وَدفن بهَا
(2/313)

مُوسَى بن أَبى بكر بن سَالم التكروري ملك التكرور

قدم حَاجا فِي سنة 724 وَدخل الديار المصرية فِي ولَايَة النَّاصِر مُحَمَّد قلاون الْمُتَقَدّم ذكره وَلما أَمر بتقبيل الأَرْض قَالَ لَا أَسجد لغير الله فأعفاه النَّاصِر وقربه وأكرمه وَأحسن تَجْهِيزه إِلَى الْحجاز وَكَانَ مَعَه من الذَّهَب شَيْء كثير وَأهْدى هَدِيَّة من ذَلِك كَبِيرَة للناصر نَحْو خَمْسَة آلَاف مِثْقَال وَكَذَلِكَ أهْدى للخزانة السُّلْطَانِيَّة شَيْئا كثيرا من الذَّهَب المعدني الذي لم يصنع وَلم يدع أَمِيرا وَلَا صَاحب وَظِيفَة إِلَّا أعطَاهُ من ذَلِك فَكَانَ كَثْرَة مَا أعطَاهُ من الذَّهَب مؤثرا فِي انحطاط سعر الدِّينَار بالديار المصرية وَكَانَ كثير الْإِنْفَاق حَتَّى استغرق جَمِيع مَا مَعَه وَهُوَ مِقْدَار كَبِير نَحْو مائَة حمل وَاحْتَاجَ إلى الاقتراض من التُّجَّار وَكَانَ مُعظما عِنْد أَصْحَابه بِحَيْثُ لَا يكلمهُ أحدهم إِلَّا وَرَأسه مَكْشُوف وبقي فِي الْملك خمْسا وَعشْرين سنة
حرف النُّون

نَاصِر بن أَحْمد بن يُوسُف بن مَنْصُور بن فضل بن على ابْن أَحْمد بن حسن بن عبد الْمُعْطى بن على الْمَعْرُوف بِابْن مزنى

بِفَتْح الْمِيم ثمَّ زاي سَاكِنة بعْدهَا نون ولد فِي الْمحرم سنة 781 إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَسمع من جمَاعَة مِنْهُم ابْن عَرَفَة وَقدم الْقَاهِرَة حَاجا وَأَصله من الْمغرب ولازم الْحَافِظ بن حجر وَترْجم لَهُ شَيْخه الْمَذْكُور فَقَالَ جمع تَارِيخا لَو قدر أَن يبيضه لَكَانَ مائَة مُجَلد وَكَانَ قد مارس ذَلِك إِلَى أَن صَار أعرف النَّاس بِهِ فَإِنَّهُ جمع مِنْهُ فِي مسوداته مَالا يعد وَلَا يدْخل تَحت الْحَد وَمَات قبل تبييضه فَتفرق شذر مذر فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة
(2/314)

823 - ثَلَاث وَعشْرين وثمان مائَة
السَّيِّد النَّاصِر بن مُحَمَّد بن اسحاق بن المهدى احْمَد ابْن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد تَقْرِيبًا بعد سنة 1150 خمسين وَمِائَة وَألف وَله تعلق بالأدب تَامّ كتعلق أهل هَذَا الْبَيْت الشريف فَإِن آل اسحق بن الْمهْدي لَا يَخْلُو كل وَاحِد مِنْهُم من فَضِيلَة فغالبهم جَامع بَين الْعلم وَالْأَدب والقليل لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا وَمن نظم صَاحب التَّرْجَمَة مَا كتبه إِلَى مهنئا بأعراس وَهُوَ
33 - (يَا وحيد الْعَصْر لَا ... فَارَقت مَا عِشْت ارتياحك)
(وَجرى السعد بِمَا ... تهوى وأعطاك اقتراحك)
(بصباح الْعرس فانعم ... أسعد الله صباحك) وَكتب إِلَى قصيدة مطْلعهَا
(تَحِيَّة ود مَا الغوالي وَعرفهَا ... بأعطر مِنْهَا وهي فواحة الْعطر)
(تأرج أرجاء هى الطّيب انما ... أَتَت بمراعاة النظير من النشر)
(وتسمو إِلَى سامي مقَام مُحَمَّد ... لتظفر من تَقْبِيل أنمله الْعشْر)
(وحيد الْعلَا عز الشَّرِيعَة وَالْهدى ... وزينة أَرْبَاب الْفَضَائِل فِي الْعَصْر)
(إمام عُلُوم سعدها وشريفها ... وفاضلها المربى فخارا على الْفَخر)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وأجبت عَلَيْهِ بِأَبْيَات مطْلعهَا
(على الْبر نجل الْبَحْر مني تَحِيَّة ... تضوع من نشر تأرج من بشر)
وَهُوَ الْآن فِي الْحَيَاة وَله ميل إِلَى الخمول مَعَ حسن أخلاق ولطافة طباع وَحسن محاضرة ومروة ثمَّ مَاتَ فِي شهر شعْبَان سنة 1220 عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
(2/315)

نصر الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر الْجلَال أَبُو الْفَتْح التستري البغدادي الحنبلي نزيل الْقَاهِرَة

ولد سنة 733 ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِبَغْدَاد وَأخذ عَن مُحَمَّد بن السقاء والبدر الأربلي وَالشَّمْس الكرماني وَأكْثر من الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ وَولى التدريس بالمستنصرية والمجاهدية ثمَّ قدم دمشق لما شاع قدوم تيمور إِلَيْهَا فبالغوا فِي إكرامه ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فاستقر فِي تدريس الحَدِيث بهَا وتصدى للتدريس والإفتاء وَكَانَ مقتدرا على النظم والنثر وَله منظومة فِي الْفِقْه تزيد على سَبْعَة آلَاف بَيت قَالَ ابْن حجر اجْتمعت بِهِ واستفدت مِنْهُ وَسمعت من إنشائه وَقد حدث بِجَامِع المسانيد لِابْنِ الجزري وصنف فِي الْفِقْه وأصوله وَاخْتصرَ ابْن الْحَاجِب وَله فِي الْفَرَائِض أرجوزة فِي مائَة بَيت ومدائح نبوية وَله أَيْضا نظم غَرِيب الْقُرْآن وَمَات فِي عشْرين من صفر سنة 812 اثنتي عشر وثمان مائَة
حرف الْهَاء

السَّيِّد الْهَادِي بن إِبْرَاهِيم بن علي الملقب الْوَزير

قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه مُحَمَّد وَفِي تَرْجَمَة السَّيِّد عبد الله بن على الْوَزير فَإِن نسبه ينتهي إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا تقدم ولد يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من محرم سنة 758 ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة بِهِجْرَة الظّهْر من شظب ثمَّ ارتحل لطلب الْعلم إِلَى صعدة فَأخذ عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن عَطِيَّة النجراني وَمُحَمّد بن علي بن نَاجِي والعلامة عبد الله بن الْحسن الدواري وَعَمه السَّيِّد المرتضى بن علي وَعَمه السَّيِّد أَحْمد بن علي وارتحل
(2/316)

لسَمَاع الحَدِيث وَالْملح إِلَى مَكَّة فَسمع جَامع الْأُصُول على القاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة الْمُتَقَدّم ذكره وبرع فِي عدَّة عُلُوم وصنف تصانيف مِنْهَا كِفَايَة القانع فِي معرفَة الصَّانِع والطرازين المعلمين فِي فَضَائِل الْحَرَمَيْنِ المحرمين ورسالة فِي الرَّد على ابْن العربى وهداية الراغبين إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت الطاهرين وكاشفة الْغُمَّة عَن حسن سيرة امام الْأَئِمَّة وكريمة العناصر فِي الذب عَن سيرة الإِمَام النَّاصِر وَالسُّيُوف المرهفات على من ألحد فِي الصِّفَات وَنِهَايَة التنويه فِي إزهاق التمويه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أكَابِر عُلَمَاء الزيدية وَله نظم فِي غَايَة الْحسن وَبَينه وَبَين عُلَمَاء عصره مراسلات ومكاتبات ومشاعرات واشتهر ذكره وطار صيته وَمن جملَة من كَاتبه إِسْمَاعِيل المقري الْمُتَقَدّم ذكره بقصيدة طنانة مطْلعهَا
(أيملك طرفي دمعي الْيَوْم قانيا ... وَقد حلت الأشواق مني الغراليا)
وَشعر صَاحب التَّرْجَمَة مَشْهُور مَوْجُود وَقد ترْجم لَهُ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَقَالَ ذكره شَيخنَا فِي أنبائه يعْنى الْحَافِظ ابْن حجر فَقَالَ عني بالأدب ففاق فِيهِ ومدح الْمَنْصُور صَاحب صنعاء وَذكره ابْن فَهد فِي مُعْجَمه فَقَالَ إنه حدث سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء وَله مؤلفات مِنْهَا الطرازين المعلمين فِي فَضَائِل الْحَرَمَيْنِ المحرمين وَالْقَصِيدَة البديعة فِي الْكَعْبَة اليمنية أَولهَا
(سرى طيف ليلى فابتهجت بِهِ وجدا ... وتوج قلبِي من لطائفه مجدا)
وَمَات يَوْم عَرَفَة سنة 822 اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة كَذَا فِي الضَّوْء اللامع وَقَالَ فِي مطلع البدور إنه توفي بذمار آخر نَهَار تَاسِع عشر
(2/317)

ذي الْحجَّة من تِلْكَ السنة وَأَظنهُ تَاسِع ذي الْحجَّة لِأَنَّهُ قَالَ بعد هَذَا إن موت صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ مَانِعا لفعل مَا يعْتَاد فِي الْعِيد فَيمكن ان يكون الزِّيَادَة من النَّاسِخ
السَّيِّد الهادي بن أَحْمد بن زكي الدَّين الجرموزي اليماني

أحد الرؤساء الأدباء لَهُ شعر حسن فَمِنْهُ قصيدة مكَاتبا بهَا القاضي أَحْمد بن نَاصِر المخلافي مطْلعهَا
(فراقكم هاج اشتياقي وأشجاني ... وأغرا جفوني بالسهاد وأشجاني)
وَبعد هَذَا الْبَيْت قَوْله
(وَأبْدى سقامي فِيكُم مَا كتمته ... وَعبر شاني فِي الصَّحَابَة عَن شاني)
وَمن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(سلوه مَا غَيره من بعدي ... حَتَّى لوى وَمَا وَفِي بعهدي)
وَمَا زَالَ متنقلا فِي الْأَعْمَال وَآخر مَا تولاه مَدِينَة حيس فَمَاتَ بهَا سنة 1097 سبع وَتِسْعين وَألف
السَّيِّد الهادي بن احْمَد الْجلَال أَخُو السَّيِّد الْحسن ابْن أَحْمد الْمُتَقَدّم ذكره

أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُم علي بن مُحَمَّد العقيني رَحل إِلَيْهِ إِلَى مَدِينَة تعز وَسمع عَلَيْهِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا ورحل إِلَى عبد الْقَادِر بن زِيَاد الجعاشني فِي سنة 1061 فَسمع مِنْهُ صَحِيح البخاري وَسمع سنَن أَبى دَاوُد على إسحاق بن إِبْرَاهِيم بن جعمان وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة عَالما محققا مائلا إِلَى الخمول لَهُ مصنفات مِنْهَا شرح الْأَسْمَاء الْحسنى وَله مصنفات سَمَّاهُ نور السراج جعله على أبواب الْفِقْه واستكمل فِيهِ البخاري وَلَعَلَّ مَوته كَانَ
(2/318)

فِي أول الْقرن الثاني عشر
هادي بن حُسَيْن القارني ثمَّ الصنعاني

ولد سنة 1164 أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن ثمَّ تلاه بالسبع على بعض مشائخ صنعاء فَقدم بعض الغرباء المبرزين فِي القراآت وَهُوَ الشَّيْخ علي بن عُثْمَان بن حجر الرومي فتلاه عَلَيْهِ بالسبع من أَوله إِلَى آخِره وبرع صَاحب التَّرْجَمَة فِي هَذَا الشَّأْن وَصَارَ الْآن مُنْفَردا بِهَذَا الْعلم وشيخا لغالب الْقُرَّاء من أهل صنعاء مِنْهُم من تَلا عَلَيْهِ بالسبع وَمِنْهُم من تَلا عَلَيْهِ بِبَعْضِهَا وَله خبْرَة كَامِلَة بشروح الشاطبية وَغَيرهَا من كتب الْفَنّ وَأخذ الْفِقْه عَن شَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي ولازمه مُدَّة وشاركني فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فبرع فِي الْفِقْه أَيْضا وَأخذ على علم النَّحْو وَالصرْف عَن جمَاعَة من مشائخ صنعاء مِنْهُم جمَاعَة من شيوخي وَأخذ علم الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث عَن شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي مشاركا لَهُ فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ واستفاد فِي جَمِيع ذَلِك وَصَارَ مشاركا لعلماء الْعَصْر فِي فنونهم مَعَ تفرده عَنْهُم بِمَعْرِِفَة القراآت وَهُوَ أحد شيوخي فِي التِّلَاوَة وَأخذت عَنهُ فِي شرح الجزرية وقرأت عَلَيْهِ فِي أَيَّام الصغر فِي الملحة وَشَرحهَا ثمَّ بعد ذَلِك أَخذ عَنى فِي مسموعات مِنْهَا فِي شرحي على الْمُنْتَقى بعد أَن كتبه وَقد سمع الْآن بعضه وَهُوَ مُسْتَمر فِي السماع وَسمع من بعض البخارى وَبَعض الْأَحْكَام للْإِمَام الهادي وَهُوَ الْآن يدرس فِي عدَّة فنون مَعَ دين متين وورع وعفاف وقنوع ومحبة لمقاصد الْخَيْر ونفع الْفُقَرَاء والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس
(2/319)

وَالْوُقُوف على مُقْتَضى الشَّرْع والانجماع عَن بني الدُّنْيَا والإقبال على الطَّاعَة والتلاوة والأذكار والتزيد من التودد وَحسن الْخلق وبمجموع مَا حواه من خِصَال الْكَمَال صَار محببا إِلَى النَّاس مَقْبُولًا عِنْدهم مَعْرُوفا بالديانة والصيانة وَالْأَمَانَة وَكَثِيرًا مَا يقصدونه فِي فصل كثير من الْخُصُومَات وَتَخْصِيص التركات فَيحكم ذَلِك غَايَة الإحكام ويقنع بِمَا يطيب بِهِ نُفُوسهم وَقد يفعل ذَلِك بِدُونِ أُجْرَة وَكَثِيرًا مَا يَنُوب عَنى فِي أَعمال شَرْعِيَّة فَيقوم بهَا قيَاما تَاما ويفصلها فصلا حسنا أدام الله النَّفْع بِهِ
السَّيِّد الهادي بن المطهر بن مُحَمَّد الجرموزي اليماني

اُحْدُ الأدباء بالديار اليمنية المباشرين لكثير من أَعمال الدولة القاسمية ولي بِلَاد عتمة للْإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل وَمن نظمه هَذِه الأبيات
(إليك الشوق والفكر ... وفيك التوق وَالذكر)
(وَأَنت الْمَقْصد الْأَعْلَى ... وَأَنت السِّرّ والجهر)
(وَأَنت الشُّكْر وَالسكر ... وَالريحَان والدهر)
(وَمن طلعتك الغرا ... تغار الشَّمْس والبدر)
(وَفِي جفنيك والأعطاف ... هام الْبيض والسمر)
وَتوفى بِصَنْعَاء فِي ذي الْحجَّة سنة 1103 ثَلَاث وَإِحْدَى عشر مائَة وَدفن فِي قبَّة أَخِيه الْحسن بن المطهر بمقبرة خُزَيْمَة الْمَشْهُورَة
السَّيِّد الهادي بن يحيى بن المرتضى أَخُو الإِمَام المهدي

قَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم الْفَقِيه قَاسم بن أَحْمد حميد وَله تلامذة مِنْهُم صنوه
(2/320)

الإِمَام الْمهْدي وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة عَالما كَبِيرا وَمَات فِي سنة 785 خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة قبل موت أَخِيه الإِمَام الْمهْدي بِخمْس وَخمسين سنة وَهَذَا عَجِيب
السَّيِّد هَاشم بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن الْحسن بن مُحَمَّد

ابْن صَلَاح بن الْحسن بن جِبْرِيل بن يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن الإِمَام الدَّاعِي يحيى بن المحسن بن مَحْفُوظ بن مُحَمَّد بن يحيى بن يحيى بن النَّاصِر ابْن الْحسن ابْن الْأَمِير عبد الله ابْن الإِمَام الْمُنْتَصر بِاللَّه ابْن الإِمَام الْمُخْتَار الْقَاسِم ابْن الإِمَام النَّاصِر ابْن الإِمَام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضي الله عَنْهُم الشامي ثمَّ الصنعاني أحد الْعلمَاء الْمَشَاهِير والأدباء المجيدين ولد تَقْرِيبًا سنة 1104 أَربع وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن أكَابِر علمائها كالسيد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم والعلامة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وطبقتهما وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران ودرس للطلبة وانتفع بِهِ أهل صنعاء وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء كشيخنا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسحاق ابْن الإِمَام المهدي والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد القاطن وَكثير من الْعلمَاء
(2/321)

النبلاء وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِصَنْعَاء أَيَّامًا وَله شعر فائق وفصاحة زَائِدَة وَشرع فِي جمع حَاشِيَة على الْبَحْر الزخار سَمَّاهَا نُجُوم الأنظار فَكتب مِنْهَا مجلدا فِي غَايَة الإتقان وَالتَّحْقِيق وَلم تكمل وَمن مقطعاته الفائقة قَوْله
(لم يبكني جور الغرام وَلَا شجى ... قبل المتيم بلبل بسجوعه)
(لكنه وعد الخيال بوصله ... طرفِي فرش طَرِيقه بدموعه)
وَمن ذَلِك قَوْله
(قلبي قد ذاب فَلَا تحسبوا ... مبيض دمعي فض أحداقي)
(فَهُوَ دم الْقلب وَلكنهَا ... قد صعدته نَار اشواقى)
وَمن ذَلِك قَوْله
(لاتندبن زَمنا مضى ... أبدا وَلَا دهرا تقادم)
(فالدهر يَوْم وَاحِد ... وَالنَّاس من حوا وآدَم
وَمَا أحسن قَوْله من أَبْيَات
(وَإِذا الْقلب على الْحبّ انطوى ... فاشتراط الْقرب واللقيا غَرِيب)
وَقد ترْجم لَهُ الحيمي فِي طيب السمر وَذكر من نظمه قِطْعَة مفيدة وَكَذَلِكَ ترْجم لَهُ صَاحب نسمَة السحر وَمن جملَة من ترْجم لَهُ تِلْمِيذه القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن فِي كِتَابه الذي سَمَّاهُ تحفة الأخوان وَفِي كِتَابه الذي سَمَّاهُ إتحاف الأحباب وَقَالَ فِيهِ أنه أخبرهُ ان اقرارات النِّسَاء لقرابتهن وتمليكهن لَهُم وإباحتهن وَنَحْو ذَلِك لَا يَصح عِنْده لضعف إدراكهن وَعدم خبرتهن وَحكى عَنهُ أنه وصل إِلَيْهِ بعض أهل صنعاء بقريبة لَهُ وَقد كتب مرقوما تضمن أنها ملكته أَمْوَالًا وَجَاء بِجَمَاعَة يعرفونها فَقَرَأَ عَلَيْهَا ذَلِك المرقوم فأقرت بِهِ فَقَالَ لَهَا هَل مَعَك حَلقَة فِي يدك قَالَت نعم قَالَ أُرِيد
(2/322)

أنظر إِلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ حَلقَة كَانَت بأصبعها فَقَالَ لَهَا وَهَذِه اجعليها من جملَة التَّمْلِيك فَقَالَت لَا افْعَل إنها لي وَكرر ذَلِك عَلَيْهَا فَلَنْ تسعد قَالَ فَعلمت من ذَلِك أَن الْمَرْأَة لَا تعد مَا غَابَ عَنْهَا ملكا لَهَا ثمَّ مزق الْمَكْتُوب وَأَقُول لَا ريب أَن غَالب النِّسَاء ينخدعن ويفعلن لَا سِيمَا لِلْقَرَابَةِ كَمَا يريدونه بِأَدْنَى ترغيب أَو ترهيب خُصُوصا المحجبات وَقد يُوجد فِيهِنَّ نَادرا من لَهَا من كَمَال الْإِدْرَاك ومعرفات التَّصَرُّفَات وحقائق الْأُمُور مَا للرِّجَال الكملاء وَقد رَأَيْت من ذَلِك عجائب وغرائب والذي يَنْبَغِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَالْوُقُوف عِنْده وَهُوَ الْبَحْث عَن حَال الْمَرْأَة الَّتِى وَقع مِنْهَا ذَلِك فَإِن كَانَت ممارسة للتصرفات ومطلعة على حقائق الْأُمُور وفيهَا من الشدَّة والرشد مَا يذهب مَعَه مَظَنَّة التَّغْرِير عَلَيْهَا فتصرفها صَحِيح كتصرف الرِّجَال وَإِن لم يكن كَذَلِك فَالْحكم بَاطِل لِأَن وصاياها الَّتِى لَا تتَعَلَّق بقربة يَخُصهَا من حج أَو صَدَقَة أَو كَفَّارَة هُوَ الْوَاجِب وَكَذَلِكَ تخصيصها لبَعض الْقَرَابَة دون بعض بِنذر أَو هبة أَو تمْلِيك أَو إقرار يظْهر فِيهِ التوليج وَأما تصرفاتها بِالْبيعِ إِلَى الْغَيْر والمعاوضة فَالظَّاهِر الصِّحَّة وَإِذا ادَّعَت الْغبن كَانَت دَعْوَاهَا مَقْبُولَة وَإِن طابقت الْوَاقِع وَلَا يحل دَفعهَا بِمُجَرَّد كَونهَا مكلفة متولية للْبيع وَلَا غبن على مُكَلّف فَإِنَّهَا بِمن لَيْسَ بمكلف أشبه إِلَّا فِي النَّادِر وَجَرت لصَاحب التَّرْجَمَة محنة فِي أول خلَافَة الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بِسَبَب ميله إِلَى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسحاق لما عَارض الْمَنْصُور فاختفى اياما ثمَّ بعد ذَلِك رَضِي عَنهُ الْمَنْصُور وَكَانَ يعظمه ويكرمه وَلما مرض صَاحب التَّرْجَمَة زَارَهُ إِلَى بَيته وَكَانَ مَوته فِي آخر خِلَافَته وَذَلِكَ فِي ضحوة يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر صفر سنة 1158 ثَمَان وَخمسين وَمِائَة
(2/323)

وَألف وَجَمِيع عمره أَربع وَخَمْسُونَ سنة كَمَا ذكره السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأَمِير فِي مَجْمُوع لَهُ
هبة الله بن عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم بن الْمُسلم بن هبة الله الشَّيْخ شرف الدَّين ابْن البارزي الْجُهَنِىّ الحموي الشافعي

ولد سنة 645 خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع من أَبِيه وجده وإبراهيم ابْن الْخَلِيل وَابْن الْكَامِل وتفقه بِأَبِيهِ وجده أَيْضا وَابْن العديم وَابْن عبد السَّلَام وفَاق الأقران فِي الْفِقْه وَأخذ النَّاس عَنهُ فَأَكْثرُوا وَعظم قدره جدا وباشر قَضَاء حماه بِدُونِ مُقَرر وَعين لقَضَاء الديار المصرية فَلم يُوَافق وَله تصانيف مِنْهَا التَّمْيِيز فِي الْفِقْه وَشرح الشاطبية وَتَفْسِير وَكتاب السرعة فِي السَّبْعَة وَاخْتصرَ جَامع الْأُصُول مرَّتَيْنِ وَمن مُخْتَصره نقل الديبع التَّيْسِير وَله كتاب فِي الْأَحْكَام وتوضيح الحاوي وَكَانَ فصيحا وَمن لطيف كَلَامه سور حماه بربها محروس وَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَحِيل بالانعكاس قَالَ الذهبي برع فِي كل الْفُنُون وشارك فِي الْفَضَائِل وانتهت إِلَيْهِ الْإِمَامَة فِي زَمَانه وَكَانَ من بحور الْعلم قوي الذكاء مكبا على الطلب قوي التَّصَوُّر وَقَالَ الأسنوي فِي الطَّبَقَات كَانَ إماما راسخا فِي الْعلم لَهُ المصنفات العديدة المفيدة وَصَارَت إِلَيْهِ الرحلة مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من ذي الْحجَّة سنة 738 ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
(2/324)

حرف الْوَاو

وجيهة بنت علي بن يحيى بن سُلْطَان الْأَنْصَارِيَّة الصعدية ثمَّ الْإسْكَنْدَريَّة

ولدت قبل سنة 640 أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَقَالَ ابْن رَافع والصفدي ولدت سنة 639 وَسمعت من ابْن النحاس وَأحمد بن عبد المحسن القرافي مجلسين من حَدِيث أَبى المظفر ابْن السمعاني لسماعه مِنْهُ وَسمعت كثيرا وَأَجَازَ لَهَا جمَاعَة وَخرج لَهَا بعض أهل الحَدِيث مشيخة وَحدث عَنْهَا جمَاعَة كَثِيرَة وَمَاتَتْ فِي رَجَب سنة 732 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بالإسكندرية
ودي بِضَم الْوَاو وَفتح الدَّال ابْن حَمَّاد بن شخه الْحسنى أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة الملقب بدر الدَّين

ذكره الشهَاب بن فضل الله وَأنْشد لَهُ شعرا مَقْبُولًا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي الْحَبْس سنة 729 ومطلعه
(أَنا ابْن الْكِرَام الطيبين بني عمر ... وَمن بهم فِي الجدب يسْتَنْزل الْمَطَر)
وَقَالَ فِي وَصفه وَسَنَد الوادى وَسيد النادي مُقيم السنة وملبيها ورافض الرافضة ومقصيها وَكَانَ السُّلْطَان قبض عَلَيْهِ ثمَّ أطلقهُ وَلم يذكر تَارِيخ مَوته
حرف الْيَاء التَّحْتِيَّة

يحيى بن أَحْمد بن مظفر مؤلف الْبَيَان

ترْجم لَهُ فِي مطلع البدور وَاقْتصر على ذكر اسْمه وَاسم أبيه وجده وَقَالَ إنه كَانَ عَارِفًا مُجَردا وَلم يزدْ على هَذَا وبيض لترجمته وَهُوَ أحد
(2/325)

الْعلمَاء المبرزين من الزيدية فِي علم الْفِقْه أَخذه عَن عُلَمَاء عصره كالفقيه يُوسُف ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان كَمَا صرح بذلك صَاحب التَّرْجَمَة فِي أول مُصَنفه الذي سَمَّاهُ الْبَيَان فَإِنَّهُ قَالَ وَجعلت فِيهِ مَا كَانَ مُطلقًا فَهُوَ من كتابي التَّذْكِرَة والزهور أَو مَا نقلته عَن شيخي الْمَشْهُور عَالم الزَّمَان يُوسُف بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان أَو مِمَّا استحسنته من الْبَحْر الزخار
وَقد عكف الطّلبَة على كِتَابه الْمَذْكُور فِي ديار الزيدية كصنعاء وذمار وصعدة وَغَيرهَا وَصَارَ لديهم من أعظم مَا يعتمدونه فِي الْفِقْه وَمن جملَة مشايخه الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن يحيى كَمَا صرح بذلك إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد فِي طبقاته وَقَالَ إن من جملَة مصنفاته الْكَوَاكِب على التَّذْكِرَة وَالْبَيَان وَغير ذَلِك وأرخ مَوته سنة 875 خمس وَسبعين وثمان مائَة
(2/326)

يحيى بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن حُسَيْن العامري الحرضي اليماني الشافعي

ولد سنة 816 سِتّ عشرَة وثمان مائَة وَهُوَ مُحدث الْيمن وشيخها سمع من أَبى الْفَتْح المراغي بِمَكَّة وعَلى بن إِبْرَاهِيم النحوى بِالْيمن وَمُحَمّد بن أَبى الْغَيْث الكرماني بِأَبْيَات حُسَيْن
وتفقه بِأَبِيهِ وَمن جملَة شُيُوخه التقي بن فَهد الْمُتَقَدّم ذكره واستفاد مِنْهُ طلبة الْعلم ورحلوا إِلَيْهِ وَله مصنفات
مِنْهَا الْعدَد فِيمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ أحد فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة
وغربال الزَّمَان فِي التَّارِيخ وبهجة المحافل وبغية الأماثل فِي السِّيرَة والتحفة فِي الطِّبّ والرياض المستطابة فِي معرفَة من روى فِي الصَّحِيحَيْنِ من الصَّحَابَة ومؤلفاته مَشْهُورَة مقبولة نافعة مفيدة وَمَات بحرض فِي سنة 893 ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة وَدفن بهَا
(2/327)

السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد تَقْرِيبًا سنة 1035 خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَهُوَ أحد أكَابِر عُلَمَاء آل الإِمَام الْقَاسِم وَلم أجد لَهُ تَرْجَمَة اسْتُفِيدَ مِنْهَا تَارِيخ مولده أَو مَوته على التَّعْيِين أَو شَيْئا من أَحْوَاله بل أهمل ذكره أهل عصره فَمن بعدهمْ وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِك وَالله أعلم ميله إِلَى الْعَمَل بِمَا فِي أُمَّهَات الحَدِيث ورده على من خَالف النُّصُوص الصَّحِيحَة وَقد رَأَيْت لَهُ مؤلفا رد بِهِ على رِسَالَة للقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره يتَضَمَّن الرَّد على أَئِمَّة الحَدِيث وسمى صَاحب التَّرْجَمَة مُؤَلفه صوارم الْيَقِين لقطع شكوك القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَهُوَ مؤلف ممتع يدل على طول بَاعَ مُصَنفه وَكَذَلِكَ رَأَيْت لَهُ مصنفا سَمَّاهُ الْإِيضَاح لما خفي من الِاتِّفَاق على تَعْظِيم صحابة الْمُصْطَفى وَوَقع بَينه وَبَين أهل عصره قلاقل بِسَبَب تظهره بِمَا تقدم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أهل الْقرن الْحَادِي عشر
نعم رَأَيْت السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد ذكره فِي طبقاته مهملا لمولده ووفاته وَلكنه قَالَ أنه قَرَأَ على السَّيِّد أَحْمد بن علي الشامي وعَلى السَّيِّد الْحُسَيْن بن مُحَمَّد التهامي وَقَرَأَ الْأُصُول على أَحْمد بن صَالح العنسي وَأَجَازَ لَهُ أَحْمد بن سعد الدَّين وَذكر لَهُ رِوَايَات فِي كتب الحَدِيث قَالَ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة قَالَ وَكَانَ إماما محققا لَهُ تصانيف جليلة مِنْهَا كتاب التَّارِيخ فِي مجلدين وَشرح مَجْمُوع زيد بن علي وَهُوَ يدل على تمكن واطلاع فِي جَمِيع الْعُلُوم انْتهى مَنْقُولًا بِاخْتِصَار
وَله مصنفات كَثِيرَة وَقد عَددهَا فِي آخر كِتَابه الْمُسَمّى الزهر فِي أَعْيَان الْعَصْر وسرد مِنْهَا زِيَادَة على أَرْبَعِينَ مِنْهَا مَا هُوَ فِي مجلدات وأرخ مَوته بعض الْمُتَأَخِّرين فِي سنة نَيف
(2/328)

وَثَمَانِينَ وَألف
السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ابْن الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد الشهاري الزيدي الْعَالم الْمَشْهُور

ترْجم لَهُ وَلَده يُوسُف بن يحيى فِي نسمَة السحر وَقَالَ انه ولد بشهارة وَلم يَقع لَهُ تَارِيخ وِلَادَته
قلت وَلكنه قد وَقع لإِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم فَقَالَ فِي طبقاته أنه ولد لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ المسفر صباحه عَن رَابِع شهر الْحجَّة سنة 1044 أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ إنه نقل ذَلِك من خط وَالِده صَاحب التَّرْجَمَة وَأخذ عَن القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَذكر وَلَده الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْكتاب مَا يدل على أَن مشائخ صَاحب التَّرْجَمَة اثْنَا عشر وَلكنه لم يسم غير القاضي الْمَذْكُور ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة ارتحل إِلَى صنعاء وَكَانَ الْأَمِير بهَا إذ ذَاك عَمه السَّيِّد علي بن الْمُؤَيد فَزَوجهُ ابْنَته وَأَعْطَاهُ الدَّار الْمَعْرُوفَة إِلَى الْآن بدار حَرِير وَاسْتقر بِصَنْعَاء وَأخذ عَنهُ الطّلبَة
وَكَانَ
(2/329)

مَشْهُورا بِالْحِفْظِ وَأخذ علم الطِّبّ عَن الْحَكِيم مُحَمَّد بن صَالح الجيلاني الْمُتَقَدّم ذكره وَله منظومة تشْتَمل على عقيدة الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم صنفها فِي حَيَاته وَشَرحهَا وَجمع رِسَالَة فِي تَوْثِيق أبي خَالِد الواسطي راوي الْمَجْمُوع
وولاه الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام الْقَاسِم بريم وذمار وعفار وَحج مَرَّات وَفِي آخرهَا عَاد مَرِيضا إِلَى شهارة مَحْمُولا فَمَاتَ فِي صفر سنة 1090 تسعين وَألف وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم القاضي أَحْمد بن نَاصِر بن عبد الْحق والأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الآنسي الْمُتَقَدّم ذكره وَكَذَلِكَ الشَّاعِر الْمَشْهُور الْحسن بن علي بن جَابر الهبل وَكَانَ متظهراً بالرفض وثلب الأعراض المصونة من أكَابِر الصَّحَابَة وَمَشى على طَرِيقَته تلامذته وَرَأَيْت بِخَط السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن الْمَذْكُور قبله أَن صَاحب التَّرْجَمَة تواطأ هُوَ وتلامذته على حذف أَبْوَاب من مَجْمُوع زيد بن علي وَهِي مَا فِيهِ ذكر الرّفْع وَالضَّم والتأمين وَنَحْو ذَلِك ثمَّ جعلُوا نسخاً وبثوها فِي النَّاس وَهَذَا أَمر عَظِيم وَجِنَايَة كَبِيرَة وَفِي ذَلِك دلَالَة على مزِيد الْجَهْل وفرط التعصب وَهَذِه النسخ الَّتِى بثوها فِي النَّاس مَوْجُودَة الْآن فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَله نظم أوردهُ وَلَده فِي نسمَة السحر وَهُوَ
(لحى الله شخصا يرتضي بمهانة ... ذليلا مهانا عَاجز النَّفس حائرا)
(مرج لشخص كل يَوْم وَلَيْلَة ... وَرَبك رب الْعَرْش يَكْفِيك ناصرا)
السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن بن يحيى بن علي بن الْحُسَيْن مُصَنف الياقوتة والجوهرة

الْمَشْهُور الْمَذْكُور فِي كتب الْفِقْه
وَمن مؤلفاته اللّبَاب فِي الْفِقْه وَتوفى سنة 729 تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة عَن نَيف وَسِتِّينَ سنة وَدفن
(2/330)

بجوار جَامع صنعاء بِمحل يُقَال لَهُ العوسجة
الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه يحيى بن حَمْزَة بن علي بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إدريس بن علي بن جَعْفَر بن علي

ابْن علي بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن علي بن الْحُسَيْن السبط بن علي بن أَبى طَالب رضي الله عَنْهُم ولد بِمَدِينَة صنعاء سَابِع وَعشْرين من صفر سنة 669 تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واشتغل بالمعارف العلمية وَهُوَ صبي فَأخذ فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا على أكَابِر عُلَمَاء الديار اليمنية وتبحر فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق أقرانه وصنف التصانيف الحافلة فِي جَمِيع الْفُنُون فَمِنْهَا الشَّامِل فِي أَربع مجلدات وَنِهَايَة الْوُصُول إِلَى علم الْأُصُول ثَلَاث مجلدات والتمهيد لعلوم الْعدْل والتوحيد مجلدان وَالتَّحْقِيق فِي الأكفار والتفسيق مُجَلد والمعالم مُجَلد هَذِه جَمِيعهَا فِي أصُول الدَّين
وَفِي أصُول الْفِقْه الحاوي فِي ثَلَاث مجلدات وَفِي النَّحْو الاقتصاد فِي مُجَلد والحاصر لفوائد مُقَدّمَة طَاهِر مُجَلد والمنهاج مجلدان والمحصل فِي شرح أسرار الْمفصل ارْبَعْ مجلدات وَفِي علم الْمعَانى وَالْبَيَان الإيجاز فِي مجلدين والطراز مجلدان وَفِي الْفِقْه الِانْتِصَار ثَمَانِيَة عشر مجلدا والاختيارات مُجَلد وَمن مصنفاته الْأَنْوَار
(2/331)

المضية شرح الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة على السيلقية مجلدان والسيلقية هي الْمَعْرُوفَة عِنْد الْمُحدثين بالودعانية وَله الديباج الوضي فِي شرح كَلَام الرضي من كَلَام علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَله فِي علم الْفَرَائِض الْإِيضَاح لمعانى الْمِفْتَاح مُجَلد والتصفية فِي الزّهْد مُجَلد والقانون الْمُحَقق فِي علم الْمنطق وَالْجَوَاب الْقَاطِع للتمويه عَمَّا يرد على الْحِكْمَة والتنزيه وَالْجَوَاب الرايق فِي تَنْزِيه الْخَالِق والجوابات الوافية بالبراهين الشافية والكاشف للغمة عَن الِاعْتِرَاض عَن الْأمة والرسالة الوازعة لذوى الْأَلْبَاب عَن فرط الشَّك والارتياب والرسالة الوازعة للمعتدين عَن سب أَصْحَاب سيد الْمُرْسلين وَله غير ذَلِك من المصنفات الْكَثِيرَة حَتَّى قيل أَنَّهَا بلغت إِلَى مائَة مُجَلد ويروى أَنَّهَا زَادَت كراريس تصانيفه على عدد أَيَّام عمره وَهُوَ من أكَابِر أَئِمَّة الزيدية بالديار اليمنية وَله ميل إِلَى الْإِنْصَاف مَعَ طَهَارَة لِسَان وسلامة صدر وَعدم إقدام على التَّكْفِير والتفسيق بالتأويل ومبالغة فِي الْحمل على السَّلامَة على وَجه حسن وَهُوَ كثير الذب عَن أَعْرَاض الصَّحَابَة المصونة رضي الله عَنْهُم وَعَن أكَابِر عُلَمَاء الطوايف رَحِمهم الله وَقد دَعَا إِلَى نَفسه عقب موت الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وعارضه الإِمَام علي بن صَلَاح بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدَّين وَالْإِمَام الواثق المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر الفصيح الْمَشْهُور صَاحب الرسَالَة المتداولة إِلَى شرحها الحيمي من الْمُتَأَخِّرين وَمن جملَة المعارضين لَهُ السَّيِّد أَحْمد بن على ابْن أبي الْفَتْح الديلمي وَلَكِن أجَاب النَّاس فِي الديار اليمنية دَعْوَة صَاحب التَّرْجَمَة وَلم يلتفتوا إِلَى غَيره وَكَانَ من الْأَئِمَّة العادلين الزاهدين فِي الدُّنْيَا المتقللين مِنْهَا وَهُوَ مَشْهُور بإجابة الدعْوَة وَله كرامات
(2/332)

عديدة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِمَّن جمع الله لَهُ بَين الْعلم وَالْعَمَل وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَمَات فِي سنة 705 خمس وَسَبْعمائة بِمَدِينَة ذمار وَدفن بهَا وقبره الْآن مَشْهُور مزورو مِمَّا شاع على الألسن أنه إِذا دخل رجل يزوره وَمَعَهُ شَيْء من الْحَدِيد لم تعْمل فِيهِ النَّار بعد ذَلِك وَقد جربت ذَلِك فَلم يَصح وَكَذَلِكَ اشْتهر انه إِذا دخل شَيْء من الْحَيَّات قُبَّته مَاتَ من حِينه
يحيى بن صَالح بن يحيى الشجري ثمَّ الصنعاني الْمَعْرُوف بالسحولي

ولد فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة 1134 أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن وَالِده وَعَن جمَاعَة من الْعلمَاء فِي الْفِقْه وَفِي الحَدِيث عَن السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن لطف الباري الكبسي الْمُتَقَدّم
(2/333)

ذكره وبرع فِي الْفُرُوع وشارك فِي غَيرهَا واتصل بِالْإِمَامِ الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فولاه الْقَضَاء فباشر بصرامة وشهامة وفطانة وَهُوَ دون الْعشْرين ففاق على المباشرين للْقَضَاء وَتقدم عَلَيْهِم وتصدر فِي الدِّيوَان وَفِيه عُلَمَاء أكَابِر كالسيد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم ذكره وبهر النَّاس بِحسن تصرفه وجودة ذكائه وَحفظه لقضايا الشجار واستحضاره لما تقدم عَهده مِنْهَا فقر بِهِ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وعظمه وفوض إِلَيْهِ غَالب أُمُور الْقَضَاء فَلَمَّا مَاتَ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه فِي سنة 1161 وَقَامَ بعده وَلَده الإِمَام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بَالغ فِي تَعْظِيم صَاحب التَّرْجَمَة وَضم إِلَيْهِ الوزارة إِلَى الْقَضَاء وَصَارَ غَالب أُمُور الْخلَافَة تَدور عَلَيْهِ وعظمت هيبته فِي الْقُلُوب واشتهر صيته وطار ذكره فاستمر كَذَلِك إِلَى سنة 1172 فنكبه الإِمَام المهدي واستأصل غَالب أَمْوَاله وسجنه فاستمر مسجوناً أعواما ثمَّ أفرج عَنهُ وَلزِمَ بَيته وَالنَّاس يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ لأخذ الْعلم عَنهُ ويستفتونه فِي المعضلات فاستمر كَذَلِك حَتَّى مَاتَ الإِمَام المهدي فِي سنة 1189 وَصَارَت الْخلَافَة إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فَأَعَادَ صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الْقَضَاء الْأَكْبَر وفوض إِلَيْهِ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بذلك وَصَارَ إِلَيْهِ الْمرجع من جَمِيع قُضَاة الديار اليمانية فباشر ذَلِك بِحرْمَة وافرة ومهابة زَائِدَة وفخامة عَظِيمَة وَصَارَ المتصدر فِي الدِّيوَان وَلَيْسَ لأحد من الْقُضَاة مَعَه كَلَام بل مَا أبرمه لَا يطْمع أحد فِي نقضه وَمَا أبْطلهُ لَا يقدر غَيره على تَصْحِيحه وَكَانَ الْخَلِيفَة حفظه الله يشاوره فِيمَا يعرض من الْأُمُور المهمة الْخَاصَّة بِأُمُور الْخلَافَة بل كَانَ الوزراء جَمِيعًا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ ويعملون بِمَا يرشدهم إِلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ صَدرا من الصُّدُور متأهلا للرياسة ذَا دراية
(2/334)

بالأمور قد حنكته التجارب ومارس جَمِيع الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بالمملكة وَعرف أَحْوَال النَّاس وأحاط بِجَمِيعِ الْأُمُور الْعُرْفِيَّة مَعَ فطنة عَظِيمَة وذكاوة مفرطة وحافظة باهرة حَتَّى اشْتهر فِي النَّاس بِأَنَّهُ إِذا ذهب سجل من أسجال الْخُصُومَات على رجل متمسك بِهِ وَجَاء إِلَيْهِ بعد سِنِين كتبه بِلَفْظِهِ لَا من ديوَان يجمع فِيهِ مَا يتَّفق من ذَلِك بل من حفظه وَهَذَا شَيْء يتقاصر عَنهُ غَالب الْقدر البشرية وَكَانَ لعظمته فِي الصُّدُور وجلالته عِنْد الْجُمْهُور بِمحل يقصر عَنهُ الْوَصْف بل كَانَ يُقَال فِي حَيَاته إنه إِذا مَاتَ اخْتَلَّ نظام المملكة فضلا عَن نظام الْقَضَاء وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ لَهُ اطلَاع تَامّ على كتب الْأَئِمَّة وَسَائِر عُلَمَاء الزيدية وشغلة عَظِيمَة بذلك وَكَذَلِكَ بغَيْرهَا فَإِنَّهُ كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء فِي صَحِيح مُسلم وَفِيه من سَعَة الصَّدْر وَحسن الْخلق وَكَمَال السياسة وجودة الرأى مالم يسمع بِمثلِهِ فِي أهل الْعَصْر وَالْحَاصِل أنه من رجال الدَّهْر حزما وعزما وإقداما وإحجاما ودهاء وتوددا وخبرة ورياسة وسياسة وجلالة ومهابة وفصاحة ورجاحة وشهامة وَلما مَاتَ فِي أول يَوْم من رَجَب سنة 1209 تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف أمرنى مولاى الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله بِالْقيامِ بِمَا كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يقوم بِهِ من الْقَضَاء حَسْبَمَا شرحته فِي تَرْجَمَة مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله من هَذَا الْكتاب وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة رسائل وفتاوى رَأَيْتهَا مَجْمُوعَة فِي مُجَلد لطيف وَله رِسَالَة سَمَّاهَا التثبيت وَالْجَوَاز أجَاب بهَا على اعْتِرَاض الْعَلامَة الْحسن الْجلَال على مؤلف القاضي الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي الذي جمعه فِي اسناد الْمَذْهَب وَسَماهُ الطّراز الْمَذْهَب وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم كنظم الْعلمَاء وَمِنْه مَا كتبه إِلَى قبل مَوته بِنَحْوِ
(2/335)

سنة ابتلاء وَلم يكن بيني وَبَينه اتِّصَال بل لم أجتمع بِهِ قط وَهُوَ
(2/336)

(يَا أَنْفَع النَّاس فِي التدريس فِي الْبَلَد ... وباذلا نَفسه فِي طَاعَة الصَّمد)
(وَيَا جمال أولى التَّحْقِيق عَن كمل ... على تواضع هَل الْفضل والرشد)
(وَمن لَهُ الْقلب يقْضى بالمحبة فِي ... حب الْمُهَيْمِن لَا زَالَت على الْأَبَد)
(بقيت تحيي ربوع الْعلم مُجْتَهدا ... فِي نشرها عَن أولي التَّحْقِيق والسند)
(وَلَا شغلت بآفات الْعُلُوم وَلَا ... بَرحت فِي اللطف من خلاقنا الْأَحَد)
وهي أَبْيَات أَكثر من هَذَا فأجبته بقولى
(يامن لَهُ فِي المعالي أرفع السَّنَد ... وَمن غَدا بِاتِّفَاق بَيْضَة الْبَلَد)
(نظامك الدر يَا ابْن الأكرمين أَتَى ... أهداه خير أَب بر إِلَى ولد)
(لَا زلت تفري أَدِيم الْجَهْل عَن نفر ... لَا يعرفوا الْفرق بَين النَّقْد والنقد)
(ودمت ترفع من رام التوثب فِي ... مسارح الشَّرْع عطلانا عَن الْعدَد)
(لولاك صَار القضافي الْعَصْر ملعبة ... سياسة باسم شرع الْوَاحِد الصَّمد)
(2/337)

(فَالله يبقيك تحيي من مراسمه ... معاهدا وتحوط الدَّين عَن أود)
يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن صَالح بن علي بن عمر بن عقيل بِفَتْح الْمُهْملَة ابْن زرمان بِتَقْدِيم الزَّاي العجيسي البُخَارِيّ

المالكي نزيل الْقَاهِرَة الْمَعْرُوف بالعجيسي ولد فِي سنة 777 سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بِأَرْض عجيسة وَمكث فِي بطن أمه أَربع سِنِين وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وكتبا ثمَّ ارتحل للطلب إِلَى بجاية فَأخذ عَن يَعْقُوب بن يُوسُف والزواوي وَابْن صابر ثمَّ جال فِي مَدَائِن الْمغرب فَأخذ عَن أَحْمد بن الْخَطِيب وَابْن عَرَفَة وأبي عبد الله المراكشى وَجَمَاعَة عدَّة فِي فنون كَثِيرَة ثمَّ رَحل إِلَى بِلَاد الشرق فَدخل قابس وطرابلس وإسكندرية فلقي أَهلهَا وَأخذ عَنْهُم
وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ الْبَدْر بن الدماميني وَدخل الْقَاهِرَة ثمَّ حج وزار وَرجع إِلَى دمشق وحلب وَسَائِر مَدَائِن الشَّام وَاسْتقر بِالْقَاهِرَةِ متقيدا للإقراء والتأليف والمطالعة وَمن جملَة مصنفاته شُرُوح عدَّة كتبهَا على الألفية وَاحِد مِنْهَا فِي أَربع مجلدات وَعمل تذكرة فِيهَا فَوَائِد وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاء ابْن الْهمام ودرس بعده بعده مدارس وَكَانَ حَافِظًا للْأَخْبَار والنوادر فَكَانَ يسْرد أَخْبَار الصَّحَابَة من الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر سردا حلوا حَتَّى يكَاد يَأْتِي على جَمِيع مافيه وَمَات فِي يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة 862 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ
يحيى بن علي بن مُحَمَّد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني

أَخُو مؤلف هَذَا الْكتاب قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده ولد ضحوة يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر رَجَب سنة 1190
(2/338)

تسعين وَمِائَة وَألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على جمَاعَة من المتصدرين الْآن بِجَامِع صنعاء كالعلامة مُحَمَّد بن علي السودي الْمُتَقَدّم ذكره والعلامة سعيد بن إِسْمَاعِيل الرشيدي وَآخَرين وَهُوَ الْآن قد قَرَأَ عدَّة من كتب النَّحْو وَالصرْف والمنطق وَالْفِقْه وَبَعض مختصرات الْأُصُول وَله عناية كَامِلَة بِهَذَا الشَّأْن ورغبة ونشاط وإقبال على الطَّاعَة ورصانة وَحفظ اللِّسَان عَن الفلتات الَّتِى لَا يَخْلُو عَنْهَا غَالب أَمْثَاله ونجابة كَامِلَة وذهن وقاد وفكر إِلَى إدراك الْحَقَائِق منقاد وَحسن سمت وقنوع وعفاف ومحاسن أَوْصَاف فتح الله عَلَيْهِ بالمعارف وَجعله من الْعلمَاء العاملين
وَبعد هَذَا قَرَأَ على جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالسيد الْعَلامَة الْحسن بن يحيى الكبسي والقاضي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن أَحْمد السياغي واستفاد فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد وَصَارَ من عُلَمَاء الْعَصْر وَقَرَأَ علي فِي مصنفاتي وَغَيرهَا وَصَارَ الْآن يقرئ الطّلبَة فِي عُلُوم مُتعَدِّدَة آلية وتفسيرية وحديثية كالأمهات وَغَيرهَا وَقد سمع مني الْأُمَّهَات وَغَيرهَا من كتب الحَدِيث وَسمع مني تَفْسِير الزمخشري والمطول وحواشيهما والرضي فِي النَّحْو وَغير ذَلِك وَمن كتب الْآل الْأَحْكَام للْإِمَام الهادي وأمالي أَحْمد بن عِيسَى والتجريد للْإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن وَغير ذَلِك وَسمع مني من مؤلفاتي السَّيْل الجرار ونيل الأوطار وتحفة الذَّاكِرِينَ بعدة الْحصن الْحصين وتفسيري الْمُسَمّى فتح الْقَدِير الْجَامِع بَين فني الرِّوَايَة والدراية من علم التَّفْسِير وَغَيرهَا وَقد أَخذ عَنى الْعُلُوم بطرِيق السماع ثمَّ أكدت ذَلِك بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة لَهُ فِي جَمِيع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ كتابي الذي سميته إتحاف الأكابر بِإِسْنَاد الدفاتر وَجَمِيع مصنفاتي وَجَمِيع مالى من نظم ونثر وَهُوَ كثر الله
(2/339)

فَوَائده ومتع بحياته جيد النظم إِلَى الْغَايَة القصوى وَله من ذَلِك قصائد فرايد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَسَنَة من حَسَنَات الزَّمن وفرد من أَفْرَاد قطر الْيمن وَله شُيُوخ غير من ذكرته سَابِقًا كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي شَيخنَا رَحمَه الله فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوع والقاضي الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد البهكلي فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي النَّحْو والقاضي الْعَلامَة حُسَيْن بن مُحَمَّد الْعَنسِي قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْمنطق والنحو وَالْأُصُول وَسَيِّدنَا الْعَلامَة يحيى بن مُحَمَّد الحبوري رَحمَه الله قَرَأَ عَلَيْهِ فِي النَّحْو وسيدي الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن زيد قَرَأَ عَلَيْهِ فِي النَّحْو وَقد برع فِي كثير من الْعُلُوم زَاده كمالا
السَّيِّد يحيى بن الْقَاسِم بن عمر بن علي العلوي الْحسنى اليماني الصنعاني عز الدَّين

ولد سنة 680 ثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقَرَأَ على مشائخ الْيمن ثمَّ ارتحل إِلَى بَغْدَاد وَالشَّام وخراسان وَقَرَأَ على عُلَمَاء هَذِه الديار وبرع فِي عُلُوم كَثِيرَة وَأكْثر الِاشْتِغَال بالكشاف وصنف حَاشِيَته الْمَشْهُورَة بحاشية العلوي وَهُوَ الذي يُشِير إِلَيْهِ الْمُتَأَخّرُونَ بالفاضل الْيُمْنَى وَتارَة بالفاضل العلوي وَقد تَرْجمهُ الصفدي وَذكر قدومه عَلَيْهِم إِلَى الشَّام فِي سنة 749 وَلم يذكرهُ ابْن حجر فِي الدُّرَر الكامنة فَهُوَ مِمَّن فَاتَهُ من الأكابر الْمَشْهُورين وَذكر صَاحب مطلع البدور أَنه يُقَال إن قبر صَاحب التَّرْجَمَة بِجِهَة اللجب من الشرق الْأَشْرَف أحد الْمَوَاضِع الْمَشْهُورَة بِالْيمن قَالَ وتسميه أهل اللجب الشولبي قَالَ وَذكر بعض المطلعين على التَّارِيخ أَنه مَاتَ قَافِلًا من رحلته الْكَبِيرَة بالشرحة وَلَعَلَّ الذي فِي اللجب مؤلف سيرة الإِمَام على بن
(2/340)

صَلَاح فَالله أعلم
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة السائر الْمَشْهُور قَوْله
(إن الْمفصل والمفتاح قد شغلا ... صباي واستغرقا بالدرس أوقاتى)
(وَوَافَقَ الْفَائِق الْكَشَّاف آونة ... مَعَ الأساس على كدي وأعناتى)
(وَلَا تسل عَن داووين القريض ودع ... ذكر المقامات عَنى والمقالات)
(وَالله يعلم مَا عنيت من تَعب ... فِي الجامعين وَتَخْرِيج الزِّيَادَات)
(وَفِي الْأُصُول وَفِي فن الْخلاف على ... رأي العميدي ثمَّ الأبهريات)
(وخضت فِي أبحر الرَّازِيّ أعبر من ... شرح الْعُيُون إِلَى شرح الإشارات)
(وَكم نسخت وَكم صححت من نسخ ... وَكم تصرفت فِي محو وَإِثْبَات
(وَكم لقِيت شُيُوخًا برزوا قدما ... فِي الصَّالِحَات وفاقوا فِي الرِّوَايَات)
(فَمَا اسْتَفَدْت بِمَا حصلت فِي عمري ... سوى عقارب تؤذيني وحيات)
(والآن سن أشدي قد أرتني من ... وَخط المشيب على فودي آيَات)
(وَالله أسأَل تَوْفِيقًا يعين على ... قَضَاء مافات من فرض الْعِبَادَات)
(وتوبة من معاصي سودت صحفي ... وغرقتني فِي لج الخطيئات)
(فَتلك عصبَة دهر مَا يسوغ بهَا ... لي مطعم فِي غدوي والعشيات)
يحيى بن مُحَمَّد بن حسن بن حميد بن مَسْعُود المقراي بَلَدا الحارثي المدحجي نسبا الزيدي مذهبا

ولد سنة 908 ثَمَان وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن أَحْمد مرغم وَمُحَمّد بن يحيى بهران وَمُحَمّد بن أَبى بكر الشافعي وَغَيرهم ورحل إِلَى مَكَّة ولقي ابْن حجر الهيثمي وَسَأَلَهُ بمسائل وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء وَله مصنفات مِنْهَا شرح الأثمار سَمَّاهُ الوابل المغرار وَمِنْهَا الْفَتْح وَشَرحه والتوضيح ومصباح الْفَرَائِض وَشَرحه ونزهة الأنظار وَمَات
(2/341)

فِي رَجَب سنة 990 تسعين وَتِسْعمِائَة
يحيى بن مُحَمَّد بن سعيد بن فلاح بن عمر الشرف العبسي القاهري الشافعي الْمَعْرُوف بالقباني

ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 827 سبع وَعشْرين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ فحفظ الْقُرْآن ومختصرات كَثِيرَة وتلا بالسبع على جمَاعَة وَأخذ عَن آخَرين كالحافظ بن حجر والمناوي وَالْعلم البلقيني وَابْن الْهمام والجلال الْمحلى وَطلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَتردد إِلَى الشُّيُوخ كالرشيدى والصالحى وَحج وجاور وَأخذ عَن المراغي والتقي بن فَهد وَله مصنفات مِنْهَا بشرى الْأَنَام بسيرة خير الْأَنَام وبغبة السؤول فِي مدح الرَّسُول وَالْكَوَاكِب المضية فِي مدح خير الْبَريَّة وَالْمَجْمُوع الْحسن من الْخلق الْحسن وَفتح الْمُنعم على مُسلم والابتهاج على الْمِنْهَاج وَغير ذَلِك وَعرض لَهُ وسواس حَتَّى قرب من حد الْجُنُون وَزَاد ذَلِك حَتَّى تضعضع حَاله حَتَّى مَاتَ فِي ذي الْحجَّة سنة 900 تِسْعمائَة
السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد الصنعاني

أَخذ الْعلم بِصَنْعَاء عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وشارك فِي الْفِقْه وَغَيره وَكَانَ أحد قُضَاة الحضرة الإمامية بل كَانَ رَئِيس الْقُضَاة وَلكنه لم يكن بِيَدِهِ من الْأَمر شَيْء مَعَ القاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وَكَانَ سَاكِنا وقورا قَلِيل الْخلاف غير محب للرياسة وَلَا مُقْتَحِمًا للأمور الخطرة فِي فصل الْخُصُومَات وَلَو أَرَادَ ذَلِك لَكَانَ لَهُ يَد قَوِيَّة وصولة عَظِيمَة لكَونه من آل الإِمَام ولعلو سنه
وَكَانَ غَالب اشْتِغَاله بالطب والمعول
(2/342)

عَلَيْهِ فِي صنعاء فِي مداواة المرضى وَفِيه بركَة ظَاهِرَة قل أَن يداوي مَرِيضا فَلَا يشفى وَلم يكن ليَأْخُذ على ذَلِك أجرا بل قد يسمح بأدوية لَهَا قيمَة وَمِقْدَار لكثير من الْفُقَرَاء وَله مَا جريات فِي العلاجات يتواصفها النَّاس فَمِنْهَا مَا أخبرني بِهِ بعض الثِّقَات أَن رجلا حصل مَعَه مرض وورمت عضداه حَتَّى صارتا فِي الْعظم والصلابة بِحَيْثُ إِذا غمزتا بالإصبع غمزا شَدِيدا لَا تدخل فيهمَا وَلَا يظْهر لذَلِك أثر فَذهب الْمخبر لي إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة وَوصف لَهُ ذَلِك فَقَالَ هَذَا الْمَرَض سَببه أَنه وضع قلنسوته الَّتِى تباشر رَأسه وتتلوث بالعرق فلدغتها عقرب فَصَارَ فِيهَا شَيْء من السم ثمَّ وضع بعد ذَلِك القلنسوة على رَأسه وعرق فتنزل ذَلِك فِي مسام الشّعْر واحتقن بالعضدين فَهُوَ لَا شك ميت فَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكره من موت ذَلِك الْمَرِيض
وَله من ذَلِك عجائب وغرائب مَعَ أَنه لم يَأْخُذ علم الطِّبّ عَن شُيُوخ مشهورين بل كَانَت فايدته بالمطالعة والتجريب المتكرر والممارسة وَلم يخلف بعده مثله بِحَيْثُ كثر تأسف النَّاس عَلَيْهِ وَمن جملَة مَا اتفق باطلاعي أَنه حصل مَعَ الْوَالِد رَحمَه الله انتفاخ فِي الْبَطن وتقلص شَدِيد فَكتبت إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة أصف لَهُ ذَلِك فَأجَاب أَنه يحسن أَن يشرب مَاء ورد بعد أَن يخلط بِهِ بزر قطنا فعجبت من ذَلِك وَقلت فِي نفسي هَذَا الدَّوَاء إنما يصلح لمن كَانَ محروراً وانتفاخ الْبَطن لَا يكو إِلَّا من الْبُرُودَة وهممت أَن لَا أظهر ذَلِك للوالد فَزَاد مَرضه حَتَّى خشيت عَلَيْهِ أَن يَمُوت فعرفته بِمَا وَصفه صَاحب التَّرْجَمَة من الدَّوَاء فاستدعاه وشربه فشفي من سَاعَته وَذهب أثر الانتفاخ مَعَ أَن عمره حِينَئِذٍ فِي نَحْو السّبْعين سنة وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي غرَّة شهر رَجَب سنة 1201 إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَألف
(2/343)

السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد الحوثي ثمَّ الصنعاني

ولد تَقْرِيبًا سنة 1160 سِتِّينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير وَنَشَأ بِصَنْعَاء فاشتغل بِعلم الْفَرَائِض والحساب وَالضَّرْب والمساحة ففاق فِي ذَلِك أهل عصره وَتفرد بِهِ وَلم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَصَارَ النَّاس عيالا عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلم يكن لَهُ بِغَيْر هَذَا الْعلم إلمام مَعَ أَنه قد توجه إِلَى الطلب وَلَكِن كَانَ كل حَظه فِي هَذَا الْعلم وَهُوَ رجل خاشع متواضع كثير الْأَذْكَار سليم الصَّدْر إِلَى غَايَة يَعْتَرِيه فِي بعض الْأَحْوَال حِدة مفرطة وَكَانَ قد حصل مَعَه جُنُون فِي أَيَّام شبابه ثمَّ عافاه الله من ذَلِك وَمَا زَالَ مواظبا على الْخَيْر لكنه قَلِيل ذَات الْيَد بِمَا يضيق صَدره لذَلِك مَعَ كَثْرَة عائلته وَيسر الله لَهُ مَا يقوم بِهِ بعد مزِيد امتحان وَهُوَ شيخى فِي علم أخذت عَنهُ علم الْفَرَائِض والوصايا وَالضَّرْب والمساحة
وَفِي لَيْلَة رَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة 1216 ثارت بِسَبَبِهِ فتْنَة عَظِيمَة بِصَنْعَاء وَذَلِكَ أن بعض أهل الدولة مِمَّن يتظهر بالتشيع مَعَ الْجَهْل المفرط والرفض بَاطِنا أقعد صَاحب التَّرْجَمَة على الكرسي الذي يقْعد عَلَيْهِ أكَابِر الْعلمَاء المتصدرون للوعظ وَأمره أَن يملي على الْعَامَّة كتاب تفريج الكروب للسَّيِّد إسحاق بن يُوسُف المتَوَكل الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ فِي مَنَاقِب علي كرم الله وَجهه وَلَكِن لم يتَوَقَّف صَاحب التَّرْجَمَة على مَا فِيهِ بل جَاوز ذَلِك إِلَى سب بعض السلف مُطَابقَة لغَرَض من حمله على ذَلِك لقصد الإغاظة لبَعض أهل الدولة المنتسبين إِلَى بني أُميَّة كل ذَلِك لما بَين الرجلَيْن من المنافسة على الدُّنْيَا والمهافتة على الْقرب من الدولة وعَلى جمع الحطام فَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يصْرخ باللعن على الكرسي فيصرخ مَعَه من
(2/344)

يحضر لَدَيْهِ من الْعَامَّة وهم جمع جم وَسبب حضورهم هُوَ النظر إِلَى مَا كَانَ يسرج من الشمع وَإِلَى الكرسي لبعد عَهدهم بِهِ وَلَيْسوا مِمَّن يرغب فِي الْعلم فَكَانَ يرتج الْجَامِع وَيكثر الرهج ويرتفع الصُّرَاخ وَمَعَ هَذَا فَصَاحب التَّرْجَمَة لَا يفهم مَا فِي الْكتاب لفظا وَلَا معنى بل يصحف تصحيفا كثيرا ويلحن لحنا فَاحِشا ويعبر بالعبارت الَّتِى يعتادها الْعَامَّة ويتحاورون بهَا فِي الْأَسْوَاق وَقد كَانَ فِي سَائِر الْأَيَّام يجْتَمع مَعَهم ويملي عَلَيْهِم على الصفة الَّتِى قدمنَا ذكرهَا فِي مَسْجِد الإِمَام صَلَاح الدَّين فَأَرَادَ أن يكون ذَلِك فِي جَامع صنعاء الذي هُوَ مجمع النَّاس وَمحل الْعلمَاء والتعليم لقصد نشر اللَّعْن والثلب والتظاهر بِهِ فَلَمَّا بلغ ذَلِك مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله جعل إشارة مِنْهُ إِلَى عَامل الْأَوْقَاف السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن الشامي أنه يَأْمر صَاحب التَّرْجَمَة أن يرجع إِلَى مَسْجِد صَلَاح الدَّين فَأمر السَّيِّد الْمَذْكُور الْفَقِيه أَحْمد بن محسن حَاتِم رَئِيس المأذنة أَن يبلغ ذَلِك إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة فأبلغه فَحَضَرَ الْعَامَّة تِلْكَ اللَّيْلَة على الْعَادة وَمَعَهُمْ جمَاعَة من الْفُقَهَاء الَّذين وَقع الظُّلم بِهَذَا الِاسْم باطلاقه عَلَيْهِم فَإِنَّهُ أَجْهَل من الْعَامَّة فَلَمَّا لم يحضر صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْوَقْت الْمُعْتَاد لذَلِك وَهُوَ قبل صَلَاة الْعشَاء ثَارُوا فِي الْجَامِع وَرفعُوا أَصْوَاتهم باللعن وَمنعُوا من إِقَامَة صَلَاة الْعشَاء ثمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِم من فِي نَفسه دغل للدولة أَو متستر بالرفض ثمَّ اقْتدى بهم سَائِر الْعَامَّة فَخَرجُوا من الْجَامِع يصرخون فِي الشوارع بلعن الْأَمْوَات والأحياء وَقد صَارُوا ألوفا مؤلفة ثمَّ قصدُوا بَيت الْفَقِيه أَحْمد حَاتِم فرجموه ثمَّ بَيت السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن الشامي فرجموه وأفرطوا فِي ذَلِك حَتَّى كسروا كثيرا من الطاقات وَنَحْوهَا وقصدوه إِلَى مدرسة الإِمَام شرف الدَّين
(2/345)

يُرِيدُونَ قَتله فَنَجَّاهُ الله وهرب من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَقد كَانُوا أَيْضا قصدُوا قتل الْفَقِيه أَحْمد حَاتِم فهرب من الْجَامِع إِلَى بيتي وَنحن إذ ذَاك نملي فِي شرحي للمنتقى مَعَ حُضُور جمَاعَة من الْعلمَاء ثمَّ بعد ذَلِك عزم هَؤُلَاءِ الْعَامَّة وَقد تكاثف عَددهمْ إِلَى بَيت السَّيِّد علي بن إِبْرَاهِيم الْأَمِير الْمُتَقَدّم ذكره ورجموه وأفزعوا فِي هَذِه الْبيُوت أطفالا وَنسَاء وهتكوا حرما وَكَانَ السَّبَب فِي رجمهم بَيت السَّيِّد الْمَذْكُور أنه كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يتصدر للوعظ فِي الْجَامِع وَلم يكن رَافِضِيًّا لعانا ثمَّ عزموا جَمِيعًا وهم يصرخون إِلَى بَيت الْوَزير الْحسن بن عُثْمَان العلفي وَإِلَى بَيت الْوَزير الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره والبيتان متجاوران فرجموهما وَسبب رجم بَيت الأول كَونه أموي النّسَب ورجم بَيت الآخر كَونه متظهرا بِالسنةِ متبريا من الرَّفْض فَأَما بَيت الْفِقْه حسن حَنش فَصَعدَ جمَاعَة من قرَابَته على سطحه ورجموهم حَتَّى تفَرقُوا عَنهُ وَأَصَابُوا جمَاعَة مِنْهُم أما بَيت الْفَقِيه حسن عُثْمَان فرجموه رجما شَدِيدا واستمروا على ذَلِك نَحْو أَربع سَاعَات حَتَّى كَادُوا يهدمونه وشرعوا فِي فتح أبوابه وَوَقع الرمي لَهُم بالبنادق فَلم ينكفوا لكَونه لم يظْهر لذَلِك فيهم أثر إِذْ الْمَقْصُود بالرمي لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد الإفزاع لَهُم ثمَّ بعد ذَلِك غَار بعض أَوْلَاد الْخَلِيفَة حفظه الله وَبَعض أَصْحَابه فكفوهم فانكفوا وَقد فعلوا مَا لايفعله مُؤمن وَلَا كَافِر وَفِي الْيَوْم الآخر أرسل الْخَلِيفَة حفظه الله للوزير والأمراء وَقد حصل الْخَوْف الْعَظِيم من ثورة الْعَامَّة وَطَالَ التراود والمشاورة بَينهم وَمن بعد ذَلِك أرسل لي حفظه الله فوصلت إِلَيْهِ حفظه الله فاستشارني فأشرت عَلَيْهِ أَن الصَّوَاب الْمُبَادرَة بِحَبْس جمَاعَة من المتصدرين فِي الْجَامِع للتشويش على
(2/346)

الْعَوام وإيهامهم أَن النَّاس فيهم من هُوَ منحرف عَن العترة وَأَن التظاهر بِمَا يتظاهرون بِهِ من اللَّعْن لَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ إِلَّا إغاظة المنحرفين وَنَحْو هَذَا من الخيالات الَّتِى لَا حَامِل لَهُم عَلَيْهَا إِلَّا طلب المعاش والرياسة والتحبب إِلَى الْعَامَّة وَكَانَ من أَشَّدهم فِي ذَلِك السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن عز الدَّين النعمي فَإِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا جلدا مَعَ كَونه جَاهِلا جهلا مركبا وَفِيه حِدة تفضي بِهِ إِلَى نوع من الْجُنُون وَصَارَ يجمع مؤلفات من كتب الرافضة ويمليها فِي الْجَامِع على من هُوَ أَجْهَل مِنْهُ وَيسْعَى فِي تَفْرِيق الْمُسلمين ويوهمهم أَن أكَابِر الْعلمَاء وأعيانهم ناصبة يبغضون عليا كرم الله وَجهه بل جمع كتابا يذكر فِيهِ أَعْيَان الْعلمَاء وينفر النَّاس عَنْهُم وَتارَة يسميهم سنية وَتارَة يسميهم ناصبة وَمَعَ هَذَا فَهُوَ لَا يدري بِنَحْوِ وَلَا صرف وَلَا أصُول وَلَا فروع وَلَا تَفْسِير وَلَا حَدِيث بل هُوَ كصاحب التَّرْجَمَة فِي التعطل عَن المعارف العلمية لَكِن صَاحب التَّرْجَمَة يعرف فَنًّا من فنون الْعلم كَمَا قدمنَا وَأما هَذَا فَلَا يعرف شَيْئا إلا مُجَرّد المطالعة لمؤلفات الرافضة الإمامية وَنَحْوهم الَّذين هم أَجْهَل مِنْهُ وَيُشبه الرجلَيْن رجل آخر هُوَ أحد عبيد مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله اسْمه ضرغام رَأس مَاله الِاطِّلَاع على بعض كتب الرافضة الْمُشْتَملَة على السب للخلفاء وَغَيرهم من أكابر الصَّحَابَة فَصَارَ هَذَا يقْعد فِي الْجَامِع ويملي سب الصَّحَابَة على من هُوَ أَجْهَل مِنْهُ فَهَذِهِ الْأُمُور هي سَبَب مَا قدمنَا ذكره فَلَمَّا أشرت على مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله بِحَبْس هَؤُلَاءِ وَجَمَاعَة مِمَّن يماثلهم حصل الِاخْتِلَاف الطَّوِيل العريض فِي مقَامه الشريف بَين من حضر من أَوْلَاده ووزرائه ومنشأ الْخلاف أَن من كَانَ مِنْهُم مائلا إِلَى الرَّفْض وَأَهله فَهُوَ لَا يُرِيد هَذَا وَمن كَانَ على خلاف ذَلِك فَهُوَ يعلم أَنه
(2/347)

الصَّوَاب وأنها لَا تنْدَفع الْفِتْنَة أَلا بذلك فصمم مَوْلَانَا حفظه الله على حبس من ذكر ثمَّ أَشرت عَلَيْهِ حفظه الله أَن يتتبع من وَقع مِنْهُ الرَّجْم وَمن فعل تِلْكَ الأفاعيل فَوَقع الْبَحْث الْكُلِّي مِنْهُ وَمن خواصه فَمن تبين انه مِنْهُم أودع الْحَبْس والقيد ومازال الْبَحْث بَقِيَّة شهر رَمَضَان حَتَّى حصل فِي الْحَبْس جمَاعَة كَثِيرَة فَلَمَّا كَانَ رَابِع شَوَّال طلب الإِمَام حفظه الله الْفُقَهَاء المباشرين للرجم فبطحوا تَحت طاقته وضربوا ضربا مبرحا ثمَّ عَادوا إِلَى الْحَبْس ثمَّ طلب فِي الْيَوْم الثاني سَائِر الْعَامَّة من أهل صنعاء وَغَيرهم المباشرين للرجم فَفعل بهم كَمَا فعل بالأولين وَضربت المدافع على ظُهُور جمَاعَة مِنْهُم ثمَّ بعد أَيَّام جعلُوا فِي سلاسل حَدِيد وأرسل بِجَمَاعَة مِنْهُم إِلَى حبس زيلع وَجَمَاعَة إِلَى حبس كمران وَفِيهِمْ مِمَّن لم بياشر الرَّجْم السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن عز الدَّين النعمي الْمُتَقَدّم وَسبب ذَلِك أنه جَاوز الْحَد فِي التَّشْدِيد فِي الْغَرَض كَمَا قدمنَا وَأما صَاحب التَّرْجَمَة وَمن شابههه فِي هَذَا المسلك فإنه حبس نَحْو شَهْرَيْن ثمَّ أطلق هُوَ وَمن مَعَه وَكَذَلِكَ عَامل الْوَقْف السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن الشامي وَالسَّيِّد علي بن إِبْرَاهِيم الأمير والفقيه أَحْمد حَاتِم فإنهم حبسوا مَعَ الْجَمَاعَة وأطلقوا مَعَهم وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ فتْنَة وقى الله شَرها بالحزم الْوَاقِع بعد أَن وجلت الْقُلُوب وَخَافَ النَّاس وَاشْتَدَّ الخجطب وَعظم الكرب وَشَرحهَا يطول وَبعد هَذِه الْوَاقِعَة بِنَحْوِ سنة عول صَاحب التَّرْجَمَة فِي أن يكون أحدأعوان الشَّرْع وَمن جملَة من يحضر لَدَى فأذنت لَهُ وَصَارَ يعتاش بِمَا يحصل لَهُ من أُجْرَة تَحْرِير الْوَرق وَذَلِكَ خير لَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ انشاء الله 349
السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن مطهر بن إِسْمَاعِيل بن يحيى ابْن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم
ولد شهر جُمَادَى الأولى سنة 1190 تسعين وَمِائَة وَألف وَطلب الْعلم على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء كالقاضي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وطبقته وَله سماعات كَثِيرَة وشغلة تَامَّة بِالْعلمِ وتقيد بِالدَّلِيلِ ومحبة للإنصاف كَمَا كَانَ جد أَبِيه المذكورقريبا وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة يقْرَأ علي فِي الْعَضُد وحواشيه وَفِي شرح التَّجْرِيد للمؤيد بِاللَّه وَفِي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وَفِي الْكَشَّاف وحواشيه وَفتح الباري والعواصم وَفِي البخاري وَمُسلم والنسائي وَابْن مَاجَه والموطاء وَفِي تفسيري للقرآن وَفِي الرضي وَفِي النَّحْو وَفِي المطول وَغير ذَلِك وَله قراءات علي فِي سنَن أبي دَاوُد والترمذي وَغير ذَلِك وَله أبحاث ومسائل وَهُوَ على مَنْهَج سلفه فِي الْبعد عَن أَعمال الدولة والتكفي بِمَا خلفوه لَهُ وَهُوَ كثير الطّيب وَفِيه علو همة ومكارن وسيادة زَاد الله فِي الرِّجَال من أَمْثَاله وَفِي كل وَقت يزْدَاد علما وفضلا وَحسن سمت ووقار وَهُوَ الْآن فِي عمل تراجم لأهل الْعَصْر وَقد رَأَيْت بَعْضًا مِنْهَا فَوجدت ذَلِك فائقا فِي بَابه مَعَ عِبَارَات رصينة ومعاني جَيِّدَة وَقد سألني بسؤالات وأجبت عَلَيْهَا برسائل هي فِي مجموعات الْفَتَاوَى وَله جدول مُفِيد جدا وأشعار فائقة ومعاني رائقة ومكاتباته إِلَى مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع الاشعار الْمَكْتُوبَة إِلَى وَلَوْلَا ضيق الْمَكَان لذكرت مِنْهَا مَا يسنف الامساع وَيروح الطباع وَإِن مد الله
(2/348)

السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن مطهر بن إِسْمَاعِيل بن يحيى ابْن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم

ولد فِي شهر جُمَادَى الأولى سنة 1190 تسعين وَمِائَة وَألف وَطلب الْعلم على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء كالقاضي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وطبقته وَله سماعات كَثِيرَة وشغلة تَامَّة بِالْعلمِ وتقيد بِالدَّلِيلِ ومحبة للإنصاف كَمَا كَانَ جد أَبِيه الْمَذْكُور قَرِيبا
وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة يقْرَأ علي فِي الْعَضُد وحواشيه وَفِي شرح التَّجْرِيد للمؤيد بِاللَّه وَفِي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر باسناد الدفاتر وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وَفِي الْكَشَّاف وحواشيه وَفتح الباري والعواصم وَفِي البخارى وَمُسلم والنسائى وَابْن مَاجَه والموطاء وَفِي تفسيري لِلْقُرْآنِ وَفِي الرضي وَفِي النَّحْو وَفِي المطول وَغير ذَلِك وَله قراءات علي فِي سنَن أبي دَاوُد والترمذي وَغير ذَلِك وَله أبحاث ومسائل وَهُوَ على مَنْهَج سلفه فِي الْبعد عَن أَعمال الدولة والتكفي بِمَا خلفوه لَهُ وَهُوَ الْكثير الطيب وَفِيه علو همة وَمَكَارِم وسيادة زَاد الله فِي الرِّجَال من أَمْثَاله وَفِي كل وَقت يزْدَاد علما وفضلا وَحسن سمت ووقار وَهُوَ الْآن فِي عمل تراجم لأهل الْعَصْر وَقد رَأَيْت بَعْضًا مِنْهَا فَوجدت ذَلِك فائقا فِي بَابه مَعَ عِبَارَات رصينة ومعاني جَيِّدَة وَقد سألني بسؤالات وأجبت عَلَيْهَا برسائل هي فِي مجموعات الْفَتَاوَى وَله جدول مُفِيد جدا وأشعار فائقة ومعاني رائقة ومكاتباته إِلَى مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع الْأَشْعَار الْمَكْتُوبَة إِلَى وَلَوْلَا ضيق الْمَكَان هُنَا لذكرت مِنْهَا مَا يشنف الأسماع وَيروح الطباع وَإِن مد الله
(2/349)

فِي الْمدَّة فسأحرر لَهُ تَرْجَمَة مستوفاة مُطَوَّلَة فَهُوَ حقيق بذلك
يُوسُف بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان اليماني الزيدي المُصَنّف الشهير

كَانَ مُسْتَقرًّا بِهِجْرَة الْعين من ثلا والطلبة يرحلون إِلَيْهِ من جَمِيع أقطار الْيمن فَيَأْخُذُونَ عَنهُ فِي جَمِيع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَ مسكن سلفه بِصرْم بنى قيس من بِلَاد خبان وَله مصنفات نافعة مِنْهَا مُخْتَصر الِانْتِصَار وَمِنْهَا الرياض على التَّذْكِرَة والزهور على اللمع والثمرات فِي تَفْسِير آيَات الْأَحْكَام وَله تَعْلِيق على الزِّيَادَات وَكَانَ بَين تلامذته وتلامذة الإِمَام أَحْمد بن يحيى مُنَافَسَة ومفاخرة أي الرجلَيْن أوسع علماً وَمن مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة الْجَوَاهِر وَالْغرر فِي كشف أسرار الدُّرَر فِي الْفَرَائِض وبرهان التَّحْقِيق وصناعة التدقيق فِي المساحة وَالضَّرْب وَمَات فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة 832 اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ثَمَانمِائَة
السَّيِّد يُوسُف ابْن الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد

ولد يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر جُمَادَى الأولى سنة 1068 ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف وربي فِي حجر الْخلَافَة واشتغل بالعلوم حَتَّى اشْتهر ذكره وطار صيته ورام الْخلَافَة فِي أَيَّام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب فَدَعَا إِلَى نَفسه بعد وَفَاة أَخِيه الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَلم يتم لَهُ أَمر ثمَّ كَاتبه أهل خولان بِأَنَّهُم سيقومون بنصرته فَخرج إِلَيْهِم فَلم يفوا لَهُ فرام الذهاب إِلَى جبل
(2/350)

برط فَمر بِمحل يُقَال لَهُ صرف شرقي الرَّوْضَة فسعى بِهِ بعض السعاة فَقبض عَلَيْهِ هُنَالك وسجنه المهدى نَحْو سبع عشرَة سنة وَله نظم حسن فَمِنْهُ فِي جَارِيَة اسْمهَا عيناء
(وَرب رَاء للفتاة الَّتِى ... قد أبرزت طرتها سينا)
(صَاد إِلَى ريقتها عاجب ... من حَاجِب يحْكى لَهَا نونا)
(وصدغها كاللام مَعَ مبسم ... كالميم قد جَاءَ كَمَا شينا)
(من جَاءَنَا يسْأَل عَن وصفهَا ... يروم إيضاحا وتبيينا)
(كَيفَ الْمحيا كَيفَ ذَاك البها ... ماالاسم كَيفَ الخد قل عينا)
وَلما كَانَت الدولة المتوكلية دولة الْقَاسِم بن الْحُسَيْن ارْتَفع قدره بهَا وَأعْطى حَقه وَلما مَاتَ المتَوَكل وَقَامَ وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ من جملَة الخارجين عَلَيْهِ وَلم يظفر بطائل بل مَاتَ فِي عمرَان فِي جُمَادَى الأولى سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَكَانَ ممتحنا على جلالة قدره ونبالة ذكره يطْلب الْخلَافَة بِدُونِ ترقب للفرص
يُوسُف بن تغري بردي الْجمال أَبُو المحاسن ابْن الأتابكي بالديار المصرية

ولد بشوال سنة 813 ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة وَحفظ مختصرات كَثِيرَة وَأخذ عَن العيني والشمني والكافياجي والزين قَاسم وَابْن عرب شاه وَغَيرهم وَحج واعتنى بِكِتَابَة الْحَوَادِث وَله مصنفات مِنْهَا المنهل الصافي فِي سِتّ مجلدات تراجم على الْحُرُوف المعجم من دولة الأتراك بِمصْر ومورد اللطافة فِيمَن ولى السلطنة والخلافة والبشارة فِي تَكْمِيل الْإِشَارَة للذهبى وَحلية الصِّفَات فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَقد
(2/351)

وَقد قَالَ السخاوي فِي تَرْجَمته أَن مؤلفاته فِيهَا كثير من الْخَلْط وَالوهم وَهُوَ من معاصريه فَالله أعلم وَقد أَكثر من الْحَط عَلَيْهِ وَأطَال تَرْجَمته متتبعا لغلطاته وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس ذي الْحجَّة سنة 874 أَربع وَسبعين وثمان مائَة
يُوسُف بن الْحسن بن مُحَمَّد الْحسن بن مَسْعُود بن علي بن عبد الله الْجمال أَبُو المحاسن الحموي الشافعي

الْمَعْرُوف بِابْن خطيب المنصورية ولد فِي ثَالِث عشر ذي الْحجَّة سنة 737 سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة واشتغل بحماه وَغَيرهَا فَأخذ فِي الْأَصْلَيْنِ عَن الْبَهَاء الأخيمي وَالْفِقْه عَن التقي الحصني والتاج السبكي وَغَيرهمَا والنحو واللغة والفرائض والحساب وَالْبَيَان عَن ابْن هاني اللخمي المالكي واشتغل بِالْحَدِيثِ فَسمع وَحصل وَكَانَ عَارِفًا بعدة عُلُوم ودرس وَأفْتى وصنف
وَمن مصنفاته الاهتمام فِي شرح أَحَادِيث الْأَحْكَام فِي سِتّ مجلدات كبار وَشرح فَرَائض الْمِنْهَاج الفرعي فِي مُجَلد وألفية ابْن معطي وَله نظم حسن وانتهت إِلَيْهِ مشيخة الْعلم ببلاده ورحل إِلَيْهِ النَّاس قَالَ ابْن حجر فاق الأقران وَقَالَ ابْن حجر دأب وَحصل إِلَى أَن تميز وَمهر وفَاق أقرانه فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا من الْعُلُوم وَشرح الاهتمام مُخْتَصر الإِمَام وَمن شعره
(أيعذل المستهام المغرم الصادي ... إِذا حدى باسم سكان الْحمى الْحَادِي)
(لَا تنكروا وجد معشوق اضربه ... بعد وَقد قرب النادي من النادي)
(إِذا تعارفت الْأَرْوَاح وائتلفت ... فَلَا يضر تناء بَين أجساد)
(هَذَا ريَاح الرِّضَا بالوصل قد عصفت ... وكوكب السعد فِي أفق السنابادى)
قَالَ ابْن حجر فِي مُعْجَمه لَهُ مؤلفات عديدة وتلامذة كَثِيرَة وَمَات
(2/352)

بحماه فِي شَوَّال سنة 809 تسع وثمان مائَة
يُوسُف بن الزكي عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن عبد الْملك ابْن يُوسُف بن علي بن أَبى الزَّاهِر الحلبي الأَصْل المزي

أَبُو الْحجَّاج جمال الدَّين الإِمَام الْكَبِير الْحَافِظ صَاحب التصانيف ولد فِي ربيع الآخر سنة 654 أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَطلب بِنَفسِهِ فَأكْثر عَن أَحْمد بن أَبى الْخَيْر وَالْمُسلم بن عَلان وَالْفَخْر بن البخاري وَنَحْوهم من أَصْحَاب ابْن طبرزد والكندي وَسمع الْكتب الطوَال والأجزاء ومشايخه نَحْو ألف شيخ وَمن مشايخه النووي وَسمع بِالشَّام والحرمين ومصر وحلب والإسكندرية وَغَيرهَا وأتقن اللُّغَة والتصريف وتبحر فِي الحَدِيث ودرس بمدارس مِنْهَا دَار الحَدِيث الأشرفية وَلما ولي تدريسها قَالَ ابْن تَيْمِية لم يلها من حِين بنيت إِلَى الْآن أَحَق بِشَرْط الْوَاقِف مِنْهُ قَالَ الذهبي مَا رَأَيْت أحدا فِي هَذَا الشَّأْن أحفظ مِنْهُ
وأوذي مرة بِسَبَب ابْن تَيْمِية لِأَنَّهَا لما وَقعت لَهُ المناظرة مَعَ الشَّافِعِيَّة وَبحث مَعَ الصفي الهندي وَابْن الزملكاني كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك شرع صَاحب التَّرْجَمَة يقْرَأ كتاب خلق أَفعَال الْعباد للبخاري قَاصِدا بذلك الرَّد على الْمُخَالفين لِابْنِ تَيْمِية فَغَضب الْفُقَهَاء وَقَالُوا نَحن المقصودون بِهَذَا فَبلغ ذَلِك القَاضِي الشافعي يَوْمئِذٍ فَأمر بسجنه فَتوجه ابْن تَيْمِية يَوْمئِذٍ وَأخرجه من السجْن بِيَدِهِ فَغَضب النَّائِب فأعيد ثمَّ أفرج عَنهُ وَأمر النَّائِب أن يُنَادى بِأَن من يتَكَلَّم فِي العقائد يقتل وَمن مصنفاته تَهْذِيب الْكَمَال اشْتهر فِي زَمَانه وَحدث بِهِ خمس مَرَّات وَكتاب الْأَطْرَاف وَهُوَ كتاب مُفِيد جدا وَقد أَخذ عَنهُ الأكابر وترجموا لَهُ وعظموه جدا قَالَ ابْن سيد
(2/353)

النَّاس فِي تَرْجَمته أنه أحفظ النَّاس للتراجم وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم وَأطَال الثَّنَاء عَلَيْهِ وَوَصفه بأوصاف ضخمة وَقَالَ إنه فِي اللُّغَة امام وَله فِي الْفَرَائِض معرفَة وإلمام وَقَالَ الصفدي سمعنَا صَحِيح مُسلم على السَّيِّد تيجي وَهُوَ حَاضر فَكَانَ يرد على الْقَارئ فَيَقُول الْقَارئ مَا عندي إلا مَا قَرَأت فيوافق المزي بعض من حضر مِمَّن بِيَدِهِ نُسْخَة إما بِأَن يُوجد فِيهَا كَمَا قَالَ أَو يُوجد مضيفا عَلَيْهِ أَو فِي الْحَاشِيَة وَلما كثر ذَلِك مِنْهُ قلت لَهُ مَا النُّسْخَة الصَّحِيحَة إلا أَنْت
قَالَ وَلم أر بعد أَبى حَيَّان مثله فِي الْعَرَبيَّة خُصُوصا التصريف وَلم يكن مَعَ توسعه فِي معرفَة الرِّجَال يستحضر تراجم غير الْمُحدثين لَا من الْمُلُوك وَلَا من الوزراء والقضاة والأدباء وَقَالَ الذهبي كَانَ خَاتم الْحفاظ وناقد الْأَسَانِيد والألفاظ وَهُوَ صَاحب معضلاتنا ومرجع مشكلاتنا قَالَ وَفِيه حَيَاء وكرم وسكينة وَاحْتِمَال وقناعة وَترك للتجمل وانجماع عَن النَّاس وَمَات يَوْم السبت ثاني عشر صفر سنة 744 أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
يُوسُف بن شاهين الْجمال أَبُو المحاسن ابْن الْأَمِير أَبى أَحْمد العلائي قطلوبغا الكركي القاهري الحنفي

ثمَّ الشافعي سبط الْحَافِظ ابْن حجر ولد لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثامن ربيع الأول سنة 828 ثَمَان وَعشْرين وثمان مائَة
وَسمع على جده أَبُو امهِ الْمَذْكُور كثيرا وعَلى الْبُرْهَان بن حصر والبدر بن الْقطَّان وَجَمَاعَة آخَرين وَقَرَأَ فِي الْفُنُون على أَبى الْجُود والجلال الْمحلى والرشيدي وأمعن فِي الطلب وَدَار على الشُّيُوخ وَكتب الْأَجْزَاء والطباق وصنف مصنفات مِنْهَا رونق الْأَلْفَاظ لمعجم الْحفاظ وتعريف الْقدر بليلة الْقدر
(2/354)

والمنتجب شرح الْمُنْتَخب فِي عُلُوم الحَدِيث للعلاء التركماني وروى الظمان من صافي الزلالة بتخريج أَحَادِيث الرسَالَة وبلوغ الرَّجَاء بالخطب على حُرُوف الهجاء والنفع الْعَام بخطب الْعَام ومنحة الْكِرَام بشرح بُلُوغ المرام وَالْمجْمَع النفيس لمعجم اتِّبَاع ابْن إدريس فِي أَربع مجلدات وَغير ذَلِك وَقد طَار ذكره فِي الْآفَاق وتناقلت مؤلفاته الرفاق وَأما السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَجرى على قَاعِدَته المألوفة فِي معاصريه وأقرانه فترجم صَاحب التَّرْجَمَة بِمَا هُوَ مَحْض السباب والانتقاض لَا لسَبَب يُوجب ذَلِك بل لمُجَرّد كَونه كَانَ يعْتَرض على جده الْحَافِظ بن حجر أَو يغلط فِي بعض الْأَحْوَال كَمَا هُوَ شَأْن الْبشر وَمَات فِي سنة 899 تسع وَتِسْعين وثمان مائَة
يُوسُف بن علي بن الهادي الكوكباني ثمَّ الصنعاني

القاضي الأديب الشَّاعِر الْمجِيد مُصَنف طوق الصادح الْمفصل بجوهر الْبَيَان الْوَاضِح ترْجم فِيهِ لكل من شعر فِي الْحَمَامَة وَجعله مسجعا بسجع غالبه البلاغة والجودة وَمن تصانيفه سوانح فكر الأفهام وبوارح فقر الأقلام وَله قصيدة همزية سَمَّاهَا البغية الْمَقْصُودَة فِي السِّيرَة المحمودة وَله ديوَان شعر سَمَّاهُ محَاسِن يُوسُف وَقد جرت لَهُ محن مَعَ أهل عصره لِأَنَّهُ برع فِي الْأَدَب وفَاق الأقران وَهَذَا شَأْن من نبل من نوع الْإِنْسَان وَحبس مرَارًا وسافر مَعَ بعض الْأُمَرَاء إِلَى زبيد فَجرى بَينه وَبَينه مُرَاجعَة فِي الْكَلَام حَتَّى أَمر بقتْله ثمَّ شفع فِيهِ وَحبس فَمَرض غيظا وكمدا وشارف الْمَوْت فَأطلق وَحمل على حمَار فَسقط من فَوْقه حَتَّى انْكَسَرت إحدى يَدَيْهِ تَمامًا للامتحان وتجلد حَتَّى وصل إِلَى
(2/355)

بَيته فَمَاتَ وَمن نظمه القصيدة الَّتِى يَقُول فِيهَا
(فلق الأماني قد تبلج ... وشذى المسرة قد تأرج)
(والدهر قد وهب الحبور ... وهب روح رِضَاهُ سَجْسَج)
(وأتى الرّبيع بَحر فضل ... مروطة لما تبرج)
(فتزخرفت لقدومه الدُّنْيَا ... فَمَا أبهى وأبهج)
(والجو أصبح لازوردى ... المطارف لم يضرج)
(وَالرَّوْض زاه زَاهِر ... خضر ملابسه مزبرج)
وَهَذِه قصيدة طَوِيلَة كلهَا غرر وشعره فِي الذرْوَة وَإِن أنكر فَضله حَاسِد وَجحد مناقبه جَاحد وَقد ذكر الحيمي فِي طيب السمر وَوَصفه بِسَرِقَة الْأَشْعَار وَهُوَ أجل قدرا من ذَلِك فَإِنَّهُ مقتدر على أَن يأتي بِمَا يُرِيد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذَلِك اخْتِيَارا لَا اضطراراً وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَهُوَ من أهل الْقرن الثاني عشر وَفَاة لَا مولدا وَقد بَالغ فِي تَعْظِيمه الجرموزي فِي صفوة العاصر وَأطَال الثَّنَاء عَلَيْهِ بِمَا هُوَ بِهِ حقيق ثمَّ وقفت على تَارِيخ مَوته فِي سنة 1115 خمس عشرَة وَمِائَة وَألف
يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين المزجاجي الزبيدي الحنفي

شَيخنَا الْمسند الْحَافِظ ولد تَقْرِيبًا سنة 1140 أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير اَوْ بعْدهَا بِيَسِير وَنَشَأ بزبيد وَأخذ عَن علمائها وَمِنْهُم وَالِده وبرع فِي الْعُلُوم دراية وَرِوَايَة وَصَارَ حَامِل لِوَاء الْإِسْنَاد فِي آخر أَيَّامه ووفد إِلَى صنعاء فِي شهر الْحجَّة سنة 1207 فاجتمعت بِهِ وَسمعت مِنْهُ وأجازني لفظا بِجَمِيعِ مَا يجوز لَهُ رِوَايَته ثمَّ كتب لي إجازة بعد وُصُوله إِلَى وَطنه وَأرْسل بهَا إِلَى وَكَانَ الْكَاتِب لَهَا ابْن أَخِيه عَن أمره لأني أَدْرَكته
(2/356)

ضريرا وَمن جملَة مَا أرويه عَنهُ أَسَانِيد الشَّيْخ الْحَافِظ إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الْمُتَقَدّم ذكره الْمُسَمّى بالأمم وَهُوَ يَرْوِيهَا عَن أَبِيه عَن جده عَلَاء الدَّين عَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم هَذَا طَريقَة السماع ويرويها أَيْضا عَن أَبِيه عَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بِالْإِجَازَةِ لِأَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم أجَاز لجد صَاحب التَّرْجَمَة ولأولاده وَقد أوقفني على تِلْكَ الْإِجَازَة بِخَط الشَّيْخ إِبْرَاهِيم فوالد صَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن شملته الْإِجَازَة لكنه أخبرني رَحمَه الله أَن الْإِجَازَة من الشَّيْخ إِبْرَاهِيم لعلاء الدَّين كَانَت قبل وجود وَلَده مُحَمَّد وَالِد المترجم لَهُ فَيكون الْعَمَل بهَا متنزلاً على الْخلاف فِي جَوَاز الإحازة لمن سيوجد وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة 1213 ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف رَحمَه الله
يُوسُف باشا أَمِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وبندر جدة

وصلت إلينا الْأَخْبَار بِأَنَّهُ من أعظم الْأُمَرَاء فِي الدولة العثمانية وَأَن لَهُ من الْجِهَاد فِي بِلَاد الإفرنج مَا لم يكن لغيره وَله فتوحات عَظِيمَة وَوصل فِي عَام اُحْدُ عشر واثني عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف إِلَى صنعاء رجل يُقَال لَهُ السَّيِّد مُحَمَّد الكتابجي الرومي وَله فصاحة وذلاقة وَقُوَّة عارضة فَأخْبرنَا ان صَاحب التَّرْجَمَة بعد رُجُوعه من جِهَاد النَّصَارَى وَفتح كثير من معاقلهم ولاه سُلْطَان الروم الوزارة الْعُظْمَى وهي عِنْدهم الْقيام بِجَمِيعِ أُمُور السلطنة قَالَ الراوى فَلَمَّا ولاه سُلْطَان الرّوم ماوراء بَابه نزل إِلَى صحن دَار السلطنة فَطلب الوزراء الَّذين ترجع أمورهم إلى الْوَزير الْأَعْظَم فعاتبهم على التَّفْرِيط فِي عدم إعلام السُّلْطَان فِي كثير من الفتوق الْوَاقِعَة فِي الْبِلَاد الَّتِى إِلَيْهِم ثمَّ ضرب أَعْنَاقهم جَمِيعًا وَكَانَ السُّلْطَان رجل يسخر بِهِ ويجالسه وَله عِنْده منزلَة عَظِيمَة لَا يصل إِلَيْهَا غَيره فَقَالَ لصَاحب التَّرْجَمَة عِنْد
(2/357)

خُرُوجه من دَار السُّلْطَان بعد أَن ولاه الوزارة كلَاما فِي السِّرّ مَعْنَاهُ أَنه رغب السُّلْطَان فِي جعله وزيرا فَأمر صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْحَال بِضَرْب عنق ذَلِك المسخرة فَضربت فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان استدعاه وَهُوَ شَدِيد الْغَضَب ثمَّ قَالَ لَهُ قد عرفنَا الْوَجْه فِي قَتلك للوزراء فَمَا سَبَب قَتلك لفُلَان يعْنى المسخرة فَقَالَ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان هَذَا المائق قَالَ لي إِنَّه سعى لي عنْدك فِي الوزارة فَقتلته لأعْلم صِحَة قَوْله فَإِن كنت إنما وليتني الوزارة بمعاونة مثله فَلَا حَاجَة لي فِيهَا وَهَذَا الْعَهْد الذي عهدته إِلَى خُذْهُ وَإِن كنت وليتني ذَلِك لكوني أَهلا لَهَا فَلَا بَأْس وَلَا يضرني قتل مثل هَذَا المفتري عَلَيْك فسكن عِنْد ذَلِك غضب السُّلْطَان ثمَّ بقي فِي الوزارة نَحْو أَربع سِنِين ثمَّ رغب فِي مجاورة الْحرم الشريف والقبر النبوي فَطلب من السُّلْطَان أَن يوليه بندر جدة وَيجْعَل إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك ولَايَة الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَهَذِه الْولَايَة هي دون مِقْدَاره وَلكنه أَرَادَ أَن يتفرغ لِلْعِبَادَةِ فَلَمَّا ولي ذَلِك وصل بجيوش كَثِيرَة وَعدد عَظِيمَة وقمع المتمردين حَتَّى أمنت الْمَدِينَة وَمَا حولهَا وَلم يبْق من الْخَوْف مَا يعتادونه وَلَا بعضه وَوصل مِنْهُ فِي سنة 1214 كتاب إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَذكر فِيهِ أنه وصل إِلَيْهِ كتاب من مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَلَا حَقِيقَة لذَلِك فَلَعَلَّهُ افتعله بعض المفتعلين وصور كِتَابه
الْحَمد لله حمدا لَا نحصي ثَنَاء عَلَيْهِ جل وَعلا وَكم وَكفى إِنَّا مُؤمنُونَ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا وسندنا رَسُول الله نَحن فِي جواره من جَاهد فِي الله حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين
وعَلى آله وَصَحبه الَّذين بذلوا أنفسهم ابْتِغَاء مرضاة الله رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
وَبعد نبدي ذَلِك ونهديه إِلَى
(2/358)

الْمُحب فِي الله وَالصديق لنا وإلينا مخلصا لوجه الله الْأَجَل الأمثل الأبر المؤتمن الْعَظِيم إمام الزَّمن فِي أقطار الْيمن
كَانَ محروسا ومطهرا من كل ألم ودرن بِحرْمَة النبي الْأمين بعد السَّلَام عَلَيْكُم الذي نعلمكم بِهِ وَهُوَ كل خير لما بَيْننَا من الْمحبَّة السَّابِقَة والأخوة الإسلامية ياحبذا هي الرابطة القوية تقدمت إلينا من طرفكم كتب مفصحة لنا واستعلام وقائع الطَّائِفَة المنحوسة الفرنساوية
دمرهم الله وخذلهم بجاه مُحَمَّد خير الْبَريَّة وطلبتم منا إِيضَاح الْمُبْهم وأحوال طوائف الإنكليزية وَأَن الْمُؤمنِينَ لبَعْضهِم مُعينين فِي نصْرَة الدَّين وَلما أوعد الله مترقبين كَمَا قَالَ فِي مُحكم التَّبْيِين وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ وَلَا مداد الدولة الْعلية منتظرين فَلَمَّا أَن علمنَا مِنْكُم ذَلِك أعدنا الْجَواب إليكم سَرِيعا وأعلمناكم عَمَّا هُنَالك
هُوَ أَن طَائِفَة الفرانسة جعل الله دِيَارهمْ دارسة وأعلامهم ناكسة اخْتلفُوا وَنَقَضُوا الْعَهْد الْقَدِيم والميثاقه وتعدوا بقهر مصر والآفاقه وَطَوَائِف الإنكليز بَيْننَا وَبينهمْ رابطة قَوِيَّة وَصَحب لِلْإِسْلَامِ فَمن أَتَاكُم من طوائف الفرنساوية اللئام جرعوه كؤوس الْحمام وَلَا تبلغوه المرام وأصدقاؤنا الانكليز أعطوهم مَا يهوى من مطاعم الشَّهَوَات ومشارب الْحَلْوَى هَذَا وَحين ماورد إِلَى كتابكُمْ أرْسلت من خَواص أتباعي إِلَى الدولة الْعلية وشرحت لَهُم صلابتكم فِي الدَّين وشجاعتكم فِي الميادين وإقدامكم مَعَ إخوانكم الْمُؤمنِينَ متيقظين لَسْتُم بغافلين كَمَا صدق من نطق فِيمَا بِهِ الله عَلَيْكُم قد تفضل وامتن الإيمان يمن فَبعد أَن عملت الدولة الْعلية أحوالكم وأوصافكم وَمَا أَنْتُم عَلَيْهِ شكروا صنعكم على قَوْلكُم وَأَرْسلُوا إِلَى جَوَاب كتابكُمْ من صَاحب الدولة الْعلية العثمانية وَهُوَ وَزِير
(2/359)

الختام الْآن مُدبر الْجُمْهُور الصَّدْر الْمُعظم ضِيَاء الْحَاج يُوسُف باشا وَهَا هُوَ مُرْسل إليكم صُحْبَة كتَابنَا هَذَا على يَد تابعينا الْحَاج إِسْمَاعِيل أغا والحاج يحيى أغا فَمَعَ سَلامَة الله إِذا وصلا إليكم وقرأتموهما أعلمتم الْحَاضِر والباد
يلْزم لكم بعد الْآن أتم الْجِهَاد وَالِاجْتِهَاد فِي ذَلِك الناد لِأَن الفرنسيس عَدو الدَّين رُبمَا يفر اُحْدُ مِنْهُم من طرف الْقصير ويأتي من نواحيكم فأذيقوه الْحَرْب الْحَار ليتوصل بِهِ إلى أمه الهاوية وَبئسَ الْقَرار وَلَا تهابوه فَإِن قلبه قد طَار وَقصد النجَاة لَا أبلغه الله إلا وطار فَلَا تغفلوا واحذروا مكر أُولَئِكَ الْفجار وَكُونُوا على قلب وَاحِد أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ فَإِن الله مَعنا والنبي الْمُخْتَار وَقد كَانَ سَابِقًا فِي وسط شَوَّال تعدى الْكَفَرَة اللئام إِلَى أطراف الشَّام وحصروا عكة بلد الجزار بعسكر ينيف على خمسين ألفا من الْكفَّار
وَتمّ الْحصار بِتِلْكَ النواحي أَرْبَعَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَاشْتَدَّ الكرب على الْمُسلمين فوفدت نجدة من الدولة الْعلية ثَمَانِيَة عشر مركبا بمدافعها وبارودها وَمن يعْطى حَقّهَا رجالها فقابلوا الْكفَّار قتلوا مَا ينيف على سِتَّة وَعشْرين ألفا مِنْهُم إِلَى النَّار والجرحى ينيف على ثَمَانِيَة آلَاف اللَّهُمَّ عجل بأرواحهم إِلَى بئس الْقَرار وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين مِقْدَار فَبعد إذ عاين أَعدَاء الله الْقَتْلَى وَالْآيَة الْكُبْرَى انْهَزمُوا وولوا الأدبار إِلَى أطراف مصر طلبا للفرار وَإِلَى يَوْم تَارِيخ كتَابنَا نرجو أَن الْمُسلمين بلغُوا مِنْهُم الأوطار وَإِن شَاءَ الله عَمَّا قريب نسمعكم بشراها وَنَحْمَد عُقبى مسراها بِحَق بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا هَذَا ونبشركم مِمَّا جرى سَابِقًا ولاحقا مَا يُوجب تلقيب ملكنا ويتلى لَهُ على المنابر غازيا صَادِقا أَنه لما بغ الدولة الْعلية خبر قهر مصر جهزوا على ساقية عَدو الدَّين
(2/360)

وَذَلِكَ إقليم اللونديك الَّتِى فِيهَا دَار الضَّرْب للمشخص العتيك الَّتِى هِيَ من حور حُكُومَة الفرنسيس وَتَحْت تصرفه برا وبحرا وضبطوا ذَلِك الإقليم جَمِيعه وَتلك النواحي وَمِمَّا فِي ذَلِك الإقليم فِي الْبر ثَمَان بلدان بقلاع من أحسن مَا يسمع ومقر سلطنتهم بَلْدَة أوصف وأوسع وَغير ذَلِك قلاع صغَار وقرى لَا تعد فَقتلُوا من صد وأسروا أسرا لَا يُوصف بِحَدّ مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبر وَفِي الْبَحْر لَهُ أَربع جزائر منيعات حصينات صَارَت الْجَمِيع فِي قَبْضَة الْإِسْلَام ومحي عَنْهَا شرك الظلام وَبعد مَا قطعُوا ساقية عَدو الدَّين وجهت الدولة الْعلية وَجه وجهتها إِلَى أَخذ الثأر إِلَى مصر برا وبحرا وَهَذَا الْخَبَر ورد إلينا مَعَ تابعنا الَّذِي أرسلناه إلى الدولة الْعلية وَكَانَ وُصُوله إِلَى الْمَدِينَة فِي السَّابِع عشر من صفر الْخَيْر بتحريرات من الدولة الْعلية العثمانية مُوضحَة لنا مَا شرحناه لكم من فتوحات إقليم اللونديك والتوجه إِلَى أَخذ الثأر وقمع أُولَئِكَ الْفجار وَهَا حَضْرَة صَاحب الختام أقبل بعساكره الصافنات الْجِيَاد برا والسفن السائرات بحراً قَاصِدين مصر وتخليصها من لوث الشرك وَالْكفْر نرجو مَوْلَانَا سامع دَعَانَا أَن يدمر الْأَعْدَاء حَيْثُمَا دانوا ويعلي ويعمر كلمة الْإِيمَان أينما كَانُوا بِحَق من أنزل عَلَيْهِ نصر من الله وَفتح قريب إِنَّه سميع مُجيب وكما شرحناه إليكم رُبمَا أَن بعض الْكَفَرَة الفرنسيس اللئام يفرون من الْقصير إِلَى نحوكم فَإِن رَأَيْتُمْ أحدا مِنْهُم اقْتُلُوهُ وأسروه حَيْثُمَا ثقفتموه وأتباعنا الْمُرْسلين اليكم سهلوهما إلينا بِجَوَاب كتاب صَاحب الدولة الْعلية وَجَوَاب كتَابنَا وأخبار تِلْكَ الأقطار أفصحوا لنا عَنْهَا سَرِيعا انه جلّ المرام وَالسَّلَام ختام انْتهى كتاب صَاحب التَّرْجَمَة وَفِي آخِره علامته الْمُحْتَاج إِلَى عَفْو
(2/361)

الله الْحَاج يُوسُف باشا وَإِلَى جدة ومحافظ الْمَدِينَة المنورة وَهَذِه صُورَة كتاب وَزِير الختام وَزِير السُّلْطَان ابْن عُثْمَان الذي صدر بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام طي كِتَابه السَّابِق وَلَفظه
سَلام يقطر رباه رياض الوداد وثناء يسيل بفيض سلساله حِيَاض السداد إِلَى حَضْرَة من حف بالأنظار الإلهية والعترة المحمدية وأنواع المنن إمام صنعاء الْيمن وَبعد فالذي ننهي إليكم ونبديه لديكم أَن الطَّائِفَة الفرنساوية دمرهم الله بنواير صواعقه القوية نقضوا عهود الصُّلْح والميثاق وَسعوا فِي الأَرْض الْفساد والشقاق وخانوا الْملَّة الأحمدية الْبَيْضَاء وَقَامُوا على الْملَّة الأحدية السمحاء حَيْثُ هجموا بَغْتَة على بِلَاد الْإِسْلَام وَمَا رعوا قوانين الدول فِي الْأَخْبَار والأعلام وأبدعوا من الدسائس والحيل والخدع مَا لم يرتكبه أحد من أهل الغى البغى والبدع فاستولوا فَجْأَة على الْإسْكَنْدَريَّة ومصر الْقَاهِرَة وتحكموا على علمائها وفضلائها وساداتها الفاخرة وَسبوا صبيانها وهتكوا أَعْرَاض نسوانها الطاهرة فَفرضت علينا فرض الْعين إقامة الْغَزْو وَالْجهَاد والمحاربة مَعَهم فِي كل نَاحيَة وناد لَا زَالَت جَمِيعهم طعمة لسيوف الْمُوَحِّدين وحملتهم مشتتة بسطوة صنوف الْمُؤمنِينَ فانعقدت بَيْننَا وَبَين الدولة الإنجليزية والروسية على محاربتهم روابط الِاتِّفَاق والاتحاد وَظَهَرت من هَاتين الدولتين آثَار الْإِقْدَام والإحجام لأولئك الْفساد حَيْثُ ترافعت سفن الروسية مَعَ سفائن سلطاننا الْأَعْظَم وخاقاننا الأفخم لَا زَالَت روض السلطنته منضرة بنسيم النَّصْر والنجاح وشمس شوكته مشرقة فِي سَمَاء الْفَوْز والفلاح وهجموا على قلعة قورفة الَّتِى كَانَت أخذتها تِلْكَ الطَّائِفَة الباغية من أيدي اللونديك
(2/362)

جبرا وحاصرها جَيش من جيوشنا المنصورة الْمُرْسلَة برا فنزعوها مِنْهُم فاستؤصل مِنْهُم الْأَكْثَرُونَ واسترق الْبَاقُونَ فَجَاءَت مفاتحها إِلَى يَد سلطاننا سُلْطَان الْإِسْلَام وَدخلت بِحَمْد الله فِي حوزة ممالك الْإِسْلَام فَعَسَى الله أن ياتي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فَيُصْبِح من شَرّ ذمتهم السائرة بَعضهم جريحا طريحا وَبَعْضهمْ قَتِيلا ملعونين أينما ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا وسفائن الإنكليز أَيْضا مَعَ سفائننا السائرة صدوا سَبِيل المستولين على مصر الْقَاهِرَة من أُولَئِكَ الفجرة الْكَفَرَة وقصدوا إِلَى محاربتهم بالغيرة الكاسرة فَأخذُوا من سفائنهم المخذولة بَعْضًا وأغرقوا بَعْضًا ونهضت عَلَيْهِم عساكرنا المنصورة من طرف الْبر فتضيق بعون الله عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ طولا وعرضا وَهَذَا الْمُحب الْوَدُود بعون الْملك المعبود ناهض بِالذَّاتِ عَلَيْهِم بترتيبات مهمات السفر وتداركات أَسبَاب الظفر بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا من الأتراك والأعجام واللزكية والأكراد وَغَيرهم مِمَّن لَهُم فِي الْمُحَاربَة صولة واعتياد فَفِيمَا صدر من أُولَئِكَ المخذولين الخاسرين عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ من الْخِيَانَة والخباثة وَالْفساد والعلو والعتو والعناد لفرض على كل مُؤمن فرض الْعين أن يعين الدَّين ويهين الْكَافرين ويعامل من كَانَ بَيْننَا وَبينهمْ الاتفاق والاتحاد مُعَاملَة الْحبّ والوداد فالمأمول من غيرتكم الدِّينِيَّة وحميتكم الْعَرَبيَّة أَن تَكُونُوا متنبهين متيقظين وَأَن تراعوا مَعَ طَائِفَة الانكليز والروسية مراسم الوداد والوفاق وتخابروا دَائِما مَعَ الْوَزير المكرم وَإِلَى جدة ومحافظ الْمَدِينَة المنورة أخينا يُوسُف باشا دَامَ فِي حفظ الله الخلاق وتكونوا على رَأْيه وتدبيره وَمُقْتَضى
(2/363)

تفهيمه وتحريره ودمتم سَالِمين بجاه مُحَمَّد الْأمين آمين حرر فِي أواسط ذي الْقعدَة الشَّرِيفَة لسنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَآخره علامته المستمد من الله الأكرم الْحَاج يُوسُف ضِيَاء الْوَزير الْأَعْظَم انْتهى كتاب يُوسُف باشا وَزِير السلطنة الذي صدر بِهِ يُوسُف باشا الآخر وَإِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَجدّة وَهَذِه صُورَة جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه أدام الله عَلَيْهِ الإنعام وَهُوَ من إنشاء الحقير جَامع هَذِه التراجم الَّتِى اشْتَمَل عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب وَهَذَا الْجَواب على يُوسُف باشا صَاحب الْمَدِينَة وَجدّة وَلَفظه
الْحَمد لله الذي نصر جنده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من أطلع الله ببعثته شموس الْإِسْلَام وطمس بدعوته رسوم الْكَفَرَة اللئام وَهدم بنبؤته الغراء معاقل المردة الطغام وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين هم لأوليائه نُجُوم ولأعدائه رجوم وَبعد فَإنَّا نهدي من السَّلَام التَّام والتحيات الفخام إِلَى حَضْرَة الْوَزير الأكرم والباشا الأفخم ذي السَّابِقَة المحمودة والمنقبة الَّتِى هي على مُرُور الْأَيَّام مَعْدُودَة سيف الدولة السُّلْطَانِيَّة ومقدام الجيوش الخاقانية الْحَاج يُوسُف باشا أمده الله من ألطافه بِمَا شا ونخبره أَنه وصل إلينا من جنابه العالى كتاب بدره على أفق البلاغة متلالي يتَضَمَّن الْأَخْبَار بتعدي طَائِفَة الْكفَّار إلى تِلْكَ الديار وَمَا تعقب ذَلِك من المسار الْكِبَار بِفَتْح الجيوش السُّلْطَانِيَّة لتِلْك الأقطار وَتوجه وَزِير الختام وَصَاحب الدولة فِي هَذِه الْأَيَّام إِلَى مناجزة أَعدَاء الدَّين وحزب مَرَدَة الشَّيَاطِين من الفرنسيس الملاعين فَالله الْمَسْئُول وَهُوَ أكْرم مرجو ومأمول أن ينصر حزبه ويخذل حزب الشَّيْطَان
(2/364)

وَيرْفَع دينه وملة رَسُوله على جَمِيع الْأَدْيَان فقد عود الله هَذِه الْملَّة الإسلامية فِي جَمِيع الْأَعْصَار مُنْذُ بَعثه النبي الْمُخْتَار بنصرهم على طوائف الْكفَّار وقهرهم لمن ناوأهم من الأشرار الْفجار فأبشروا بنصر الله فَنحْن معاشر الْإِسْلَام جند الله وحزب الله وَهَؤُلَاء الملاعين جند عَدو الله إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلنَا إن شَاءَ الله الْعَاقِبَة وجنودنا بمعونة الله الْغَالِبَة وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا فَعَن قريب يبدد الله شملهم ويشتت جَمِيعهم ويذيقهم الوبال بأيدي أبطال الرِّجَال من جند ذى الْجلَال وهم بمعونة الله أقل وأذل وأحقر وأنزر من أَن يقوم باطلهم فِي وَجه حَقنا أَو يثور عجاج كفرهم فِي ديار ديننَا بل هم إِن شَاءَ الله فريسة الْمُجَاهدين وغنيمة جنود الله المرابطين وَلَهُم بأسلافهم من الْكَافرين أعظم عِبْرَة للمعتبرين فَإِنَّهُم عَلَيْهِ لعنة اللاعنين مَا زَالُوا بَين قَتِيل وأسير وسليب وعقير وسيوف الْإِسْلَام الَّتِى أذاقتهم الْحمام وَتركت أَوْلَادهم الْأَيْتَام فِي سالف الْأَيَّام هي بِحَمْد الله بَاقِيَة وَإِلَى دِمَائِهِمْ صادية فَلَا جرم ساقتهم الْآجَال إِلَى مَوَاطِن النزال ودفعتهم الْقُدْرَة إِلَى تِلْكَ الحفرة وَمَا ذكرْتُمْ من التوصية بإعانة المعاضدين للمجاهدين إِذا رأيناهم فِي الْأَطْرَاف نازلين وَكَذَلِكَ مَا أرشدتم إِلَيْهِ من إصداق العزائم الإسلامية فِي أَعدَاء الدَّين من الْكَافرين فَنحْن على ذَلِك راغبون فِيمَا هُنَالك قاطعون على الفرانسة أقماهم الله جَمِيع المسالك وَكَيف لَا نرغب فِي مناجرة هَؤُلَاءِ الطغام وَطلب الْجِهَاد فِي رِضَاء الْملك العلام ونخبركم أَن قد بعثنَا من كساكرنا الْجُمْهُور وأمرناهم بالمرابطة فِي أَطْرَاف الثغور وأخذنا عَلَيْهِم إعلامنا بِمَا حدث لديهم لنكون أول القادمين عَلَيْهِم
(2/365)

وَنحن وَأَنْتُم يَد وَاحِدَة على جِهَاد هَؤُلَاءِ المعاندة فَإِذا حدث وَالْعِيَاذ بِاللَّه لدينا أَمر بادرنا بإعلامكم والمؤمنون كالبنيان كَمَا قَالَ سيد ولد عدنان
وَصدر جَوَاب وَزِير الختام لَا برح فِي حماية الْملك العلام ودمتم فِي أجل نعْمَة وأوفر قسْمَة وَهَذِه صُورَة جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله على وَزِير السلطنة من انشاء الحقير أَيْضا لَفظه
سَلام عابق الأرج وتحيات تحمل النَّصْر والفرج يخص حَضْرَة الْوَزير الْكَبِير الْمِقْدَام الخطير عضد السدة السُّلْطَانِيَّة سردار الْعَسْكَر الخاقانية حَامِل لِوَاء الدولة الْعلية العثمانية وَزِير الختام مُدبر الْجُمْهُور من الْأَنَام ضِيَاء الْحَاج يُوسُف باشا أناله الله من الْخَيْر ماشا وننهي إِلَيْهِ دَامَ لَهُ الإسعاد وَلَا برح مُسَددًا فِي الإصدار والإيراد أَنه وَفد إلينا من سوحه كتاب كريم وَقدم علينا من جنابه خطاب هُوَ الدر النظيم يحْكى مَا حل بِأَرْض الْإِسْلَام من طوائف الفرانسة اللئام جعلهم الله طعمة لسيوف الْمُجَاهدين وفريسة لجنود الْحق من عباده الْمُسلمين
وَقد وعدنا الله فِي كِتَابه الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه أَن حزبه هم الغالبون وجنده هم المنصورون وَهُوَ صَادِق الْوَعْد لَا يخلف الميعاد ومتم نوره وَإِن رغمت أنوف أهل الِاتِّحَاد وَلَا بُد للباطل صولة وللمنكر جَوْلَة وَلَكِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين وَالْغَلَبَة بمعونة الله لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ فابشروا بنصر الله الديَّان وثقوا بوعده فِي مُحكم الْقُرْآن فَعَن قريب يقطع الله دابرهم وَيهْلك واردهم وصادرهم وَكم لهَؤُلَاء الملاعين من جيوش مركوسة ورايات بَاطِل على ممر الْأَيَّام منكوسة وتدبيرات مَكَائِد هى عَلَيْهِم بمعونة الله معكوسة وَكم أطلت
(2/366)

على ديار الْمُسلمين مِنْهُم سحائب تقشعت عَن قَلِيل وَكم قصدت ثغور الْمُسلمين مِنْهُم كتائب تمزقت فِي كل سَبِيل فالنعل لما يدب من هَذِه العقارب حَاضِرَة والأحجار إِذا نبحت هَذِه الْكلاب بِمصْر الْقَاهِرَة وافرة متكاثرة وذكرتم مَا انْعَقَد بَين الحضرة السُّلْطَانِيَّة والطائفة الإنكليزية والروسية من المظاهرة على الطَّائِفَة الْكَافِرَة الفرنسيسية فَذَلِك إن شَاءَ الله من أعظم دَلَائِل هَلَاك هَؤُلَاءِ الملاعين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَنحن إن شَاءَ الله حَرْب لمن حَارب الْمُسلمين سلم لمن سَالم أهل هَذَا الدَّين الْمُبين مترقبين لانتهاز الفرص منتظرين لتجريع الْكَافرين أعظم الْغصَص قد شحنا بنادرنا بِالرِّجَالِ وأمرناهم بالاستعداد لِلْقِتَالِ وأخذنا عَلَيْهِم المعاضدة للمعاضدين والمعاندة للمعاندين فَإِن نجم وَالْعِيَاذ بِاللَّه ناجم وثارت فِي أَطْرَاف ثغورنا قساطل الْمَلَاحِم فَنحْن إِن شَاءَ الله فِي الرعيل الأول وعَلى الله سُبْحَانَهُ فِي النَّصْر الْمعول نجاهد فِي الله حق جهاده ونرابط فِي الثغور لحفظ عباده وبلاده والوزير المكرم والباشا الْمُعظم محافظ الْمَدِينَة ووالي بندر جدة هُوَ أقرب الجيوش السُّلْطَانِيَّة إِلَى دِيَارنَا فَإِن عرض لدينا أَو لَدَيْهِ عَارض فَنحْن يَد وَاحِدَة وَالْإِسْلَام أعظم رابطة والمؤمنون أخوة ودمتم فِي خير آمِنين من كل بؤس وضير انْتهى جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام على وَزِير الختام وَبعد وُصُول الْكتب السَّابِقَة وَرُجُوع الجوابين عَنْهَا بلغ أَن وَزِير الختام خرج بجيوش السلطنة من اصطنبول إِلَى مصر وضايق الفرنج المتغلبين عَلَيْهَا مضايقة شَدِيدَة وأخرجهم من أَكْثَرهَا ثمَّ بعد ذَلِك انْعَقَد بَينهم الصُّلْح على أَن يخرج الإفرنج عَن مصر ويعودوا إِلَى بِلَادهمْ فَاجْتمعُوا وَخرجت مِنْهُم فرقة فِي المراكب
(2/367)

فوصلوا إِلَى الْبَحْر واعترضتهم طَائِفَة الإنكليز من الإفرنج واستولوا على بعض مراكبهم فَرَجَعُوا إِلَى أَصْحَابهم البَاقِينَ بِمصْر وأخبروهم بِمَا وَقع من الإنكليز من الْغدر وظنوا جَمِيعًا إِن ذَلِك مكيدة من وَزِير الختام فَاجْتمعُوا وَأَقْبلُوا إِلَيْهِ مقاتلين وَقد كَانَ فرق من عِنْده من جيوش الْإِسْلَام ركونا إِلَى الصُّلْح وتفريطا مِنْهُ فِي الحزم فَانْهَزَمَ من الإفرنج فَقيل انهزم إِلَى الشَّام وَقيل قتل وَقيل مَاتَ حتف أَنفه وَالله أعلم أي ذَلِك كَانَ واستولت الإفرنج على إقليم مصر وَلم يبلغنَا إِلَى الْآن وهوسنة 1215 مَا كَانَ وَصَاحب التَّرْجَمَة يُوسُف باشا صَاحب الْمَدِينَة توفي فِي هَذَا الْعَام عَام خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف
ثمَّ جَاءَت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة والكتب من شرِيف مَكَّة وَغَيره فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة 1316 سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف أَن الْجنُود الإسلامية السُّلْطَانِيَّة أخرجت طَائِفَة الإفرنج أقماهم الله من الديار المصرية بعد أَن ضايقوهم وحاصروهم وَقتلُوا أكثرهم وَخرج الْبَاقُونَ فِي أَمَان وعادوا إِلَى دِيَارهمْ وتواترت هَذِه الْأَخْبَار وَصحت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِن هَذِه الْحَادِثَة الْعَظِيمَة اضْطَرَبَتْ لَهَا جَمِيع الديار الإسلامية ورجفت عِنْدهَا قُلُوب الْمُوَحِّدين وتزلزلت بِسَبَبِهَا أَقْدَام كثير من الْمُجَاهدين فَالْحَمْد لله الذي نصر دينه
يُوسُف آغا الرومي أحد خَواص الباشا خَلِيل

الْوَاصِل لِحَرْب الْأَشْرَاف المستولي على المملكة الَّتِى كَانَت بيد الشريف حمود وَولده احْمَد وهي الْبِلَاد العريشية وَمَا أَخذه حمود من الْبِلَاد الإمامية بإعانة أَصْحَاب النجدي لَهُ وَذَلِكَ اللِّحْيَة والحديدة وزبيد وَبَيت
(2/368)

الْفَقِيه والزيدية وَمَا دخل فِي حكم هَذِه المحلات فانها ثبتَتْ عَلَيْهَا يَد الشريف حمود من سنة 1217 إِلَى أَن مَاتَ فِي تَارِيخه سنة 1233 الْمُتَقَدّم ثمَّ ثَبت عَلَيْهَا وَلَده احْمَد بعده مِقْدَار سنة فوصلت الْجنُود التركية مَعَ الباشا خَلِيل وانتزعت الْبِلَاد من يَده من غير ضَرْبَة وَلَا طعنة بل استسلم وَألقى بِيَدِهِ إلقاء الْأمة الوكعاء وأمروه أَن يكْتب إِلَى البنادر اليمنية بِأَن يخرج مِنْهَا المرتبون من جِهَته وَيدخل فِيهَا المرتبون من جِهَة الباشا فَفعل فَخَرجُوا مِنْهَا جَمِيعًا وَلم ينتطح فِيهَا عنزان وهي قليع حَصِينَة فِيهَا رتب متوافرة ثمَّ لما ثبتَتْ يَد الباشا على مَا كَانَ بيد الشريف حمود وَولده وصل من عِنْده كتاب على أيدي رسل من التّرْك وَفِي طيه كتاب من الباشا الْكَبِير باشة مصر مُحَمَّد علي وَهُوَ الْمُرْسل للباشا خَلِيل إِلَى الْيمن ومضمون كتاب الباشا مُحَمَّد علي أنه قد جهز الْجنُود علي الْأَشْرَاف لانتزاع الْبِلَاد من تَحت أَيْديهم وَفِيه الْوَعْد بإرجاعها إلى مَوْلَانَا الإِمَام وَكَانَ تَارِيخ الْكتاب قبل اسْتِيلَاء من بَعثه من الْجند عَلَيْهَا ومضمون كتاب الباشا خَلِيل طلب رجل من جِهَة الإِمَام إِلَى عِنْده مِمَّن يركن عَلَيْهِ ليَقَع الْخَوْض مَعَه شفاها فَبعث الإِمَام الْوَلَد القاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن احْمَد الحرازي بعد الْمُشَاورَة بيني وَبَينه فِي ذَلِك فنفذ الْوَلَد مُحَمَّد وَنفذ صحبته جمَاعَة وَاسْتقر هُنَالك نَحْو أُسْبُوع ثمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ جمَاعَة من الأتراك مِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ الْأَمِير عَلَيْهِم فوصل إِلَى حَضْرَة الإمامية ثمَّ وصل إِلَى فَوَجَدته رجلا فِي أَعلَى دَرَجَات الْكَمَال من كل وَجه بِحَيْثُ لَا يُوجد نَظِيره فِي رجال الْعَرَب إِلَّا نَادرا وَكَانَ حَاصِل مَا وصل بِهِ مَا عبر عَنهُ بِلِسَانِهِ وَمَا هُوَ مَضْمُون كتاب الباشا أَنَّهَا تعود تِلْكَ الْبِلَاد إِلَى الإِمَام على شريطة وهي تَسْلِيم مَا كَانَ عَلَيْهَا فِيمَا مضى
(2/369)

وَلم يكن عَلَيْهَا فِيمَا مضى شَيْء وَلَكِن بعض تجار الْيمن الَّذين يرتحلون إِلَى مصر كذب على الباشا مُحَمَّد علي إِنَّه كَانَ عَلَيْهَا مرجوع إِلَى السلطنة فَوَقع التصميم من الباشا خَلِيل وَرَسُوله هَذَا إِنَّه لابد من ذَلِك فأوضحنا لَهُم إِنَّه لم يكن عَلَيْهَا شَيْء مُنْذُ انتزعها أَوْلَاد الإِمَام الْقَاسِم إِلَى الْآن زِيَادَة على مائتي سنة وَفِي خلال ذَلِك وصل كتاب من الباشا خَلِيل إِنَّه يَقع مِقْدَار من البن فِي كل عَام وَهُوَ شئ يسير يصير إِلَى مطبخ السُّلْطَان وَيَقَع تَسْلِيم شئ من النَّقْد فِي حكم بغشيش للجنود الرومية المنتزعة للبلاد من يَد الْأَشْرَاف فَوَقَعت المساعدة إِلَى ذَلِك لكَوْنهم قد بدأوا بِالْإِحْسَانِ وتبرعوا بالجميل وَلم يصدق النَّاس ذَلِك وَلَا خطر ببال أحدهم صِحَّته وعدوه مكرا وخداعا وناصحوني بالرسائل من الْجِهَات الْبَعِيدَة فضلا عَن الْجِهَات الْقَرِيبَة بِمَا حَاصله أَن الركون إِلَى هَذَا لَا يَقع من عَاقل وَلَا يدْخل فِيهِ من لَهُ فطنة وحذروني من ذَلِك غَايَة التحذير فَكنت أُجِيب عَلَيْهِم أَن هَؤُلَاءِ عرضوا علينا المسالمة والمصالحة ابْتِدَاء فَلَيْسَ لنا أَن نرد مَا عرضوه علينا بادئ بَدَأَ وَإِن الله سُبْحَانَهُ يَقُول {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} وَمَعَ هَذَا فقد اعْتقد الْخَاص وَالْعَام وَالْكَبِير وَالصَّغِير أنهم سيطوون جَمِيع الديار اليمنية بأيسر عمل لِأَن الْقُلُوب قد ارتجفت بعد استيلائهم على صَاحب نجد وَهُوَ صَاحب الجيوش الْكَثِيرَة وَالْأَحْوَال المتضاعفة حَسْبَمَا قدمنَا فِي تَرْجَمته ثمَّ أخذُوا مَا بيد الْأَشْرَاف صفوا عفوا وَبِهَذَا السَّبَب كَانَت جنود الْيمن من جَمِيع الْقَبَائِل متفاشلة متخاذلة مرتجفة لم يبْق هَمهمْ إِلَّا بِأَنْفسِهِم وحريمهم وَكَانُوا يبذلون الْجِهَاد كذبا وافتراء فَإِنَّهَا لَو خرجت الأتراك على بَقِيَّة الْبِلَاد لم تَنْتَشِر لَهُم راية وَلَا اجْتمع لَهُم جَيش
(2/370)

بل كَانَ كل قَبيلَة مِنْهُم ستلزم محلهَا فَإِذا قرب الأتراك مِنْهُم هربوا من أوطانهم كَمَا هرب المتابعون للنجدي من طوائف الْعَرَب وَهُوَ غَالب أهل جَزِيرَة الْعَرَب فجَاء الله بِأَمْر لم يكن فِي حِسَاب وَجَرت من الألطاف مَالا تقبله الْعُقُول ثمَّ عَاد الأغا يُوسُف صَاحب التَّرْجَمَة وَمَعَهُ الْوَلَد مُحَمَّد بن أَحْمد الحرازي إلى تِلْكَ الْجِهَات ونفذت عُمَّال الإِمَام إِلَيْهَا مَعَ كل وَاحِد طَائِفَة من الْجند فَخرج من فِي تِلْكَ المحلات من الأتراك وَدخلت إِلَيْهَا عُمَّال رتبوها من جند الإِمَام وَتمّ الْأَمر بمعونة الله سُبْحَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله أمرا هيأ أَسبَابه
وَجعل مَوْلَانَا الإِمَام الوالي فِي الْبِلَاد العريشية الشريف علي بن حيدر بن علي حسب الْقَاعِدَة المستمرة أنه يتَوَلَّى تِلْكَ الْبِلَاد شرِيف من الْأَشْرَاف من جِهَة الْأَئِمَّة وَعَلَيْهَا كل عَام شئ يرسلونه إِلَى الْأَئِمَّة وَكَانَ من أعظم أَسبَاب ولَايَة الشريف علي بن حيدر إِنَّهَا وصلت إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام شَفَاعَة لَهُ من الباشا خَلِيل بِأَن يوليه الإِمَام الْبِلَاد العريشية كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أسلافه مَعَ أسلاف الإمام وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم فَوَقَعت المساعدة إِلَى ذَلِك وَنفذ لَهُ عهد الْولَايَة وَالْكِسْوَة والمركوب وارتحل الباشا خَلِيل وَسَائِر من مَعَه من جنود الروم من الْبِلَاد العريشية لمناجزة الْبِلَاد العسيرية لأَنهم قد كَانُوا متابعين للأشراف وَأما الشريف أَحْمد بن حمود فأدخلوه إِلَى باشة مصر وَلَعَلَّه يدْخل إِلَى السُّلْطَان وَهَكَذَا ادخُلُوا جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِمَّن كَانَ من المقربين عِنْد حمود وَولده كَانَ الْمُتَكَلّم فِي دولة الشريف حمود وَولده الشريف حسن بن خَالِد الحازمي وَكَانَ من أهل الْعلم فَكَانَ يتَوَقَّف الشريف حمود وَولده من بعده فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة وَفِي جَمِيع الْأُمُور الدولية على رَأْيه وَلَا يرد لَهُ قَول كَانَ يجمع الجيوش ويغزو بهم إِلَى الْأَطْرَاف الْمُجَاورَة للبلاد الَّتِى كَانَت بيد الْأَشْرَاف
(2/371)

وَكَانَ هُوَ السَّبَب فِي تَفْرِيق كلمة الْأَشْرَاف وَإِدْخَال الشحناء بَينهم وَكَانَ ذَلِك سَببا لفرار الشريف علي بن حيدر إِلَى الباشا بِمَكَّة واستجارته بالأتراك وبقائه لديهم نَحْو خمس سِنِين وَكَانَ هَذَا أحد الْأَسْبَاب فِي خُرُوج الأتراك إِلَى الْيمن وَالسَّبَب الآخر أَن الشريف حسن بن خَالِد الحازمى جمع طَائِفَة من قبائل عسير وغزا بهم إِلَى قريب الطَّائِف فارتجف من ذَلِك من فِي مَكَّة من الْأَشْرَاف وَهَذَا وَقد كَانُوا استولوا على النجدي وعَلى بِلَاده وأدخلوه الروم فأعجب من طيش الشريف حسن بن خَالِد فَإِنَّهُ تسبب أَولا وَثَانِيا إِلَى هَذِه النَّازِلَة الَّتِى نزلت بالأشراف وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَكَانَ الشريف حسن بن خَالِد عِنْد وُصُول التّرْك إِلَى الْبِلَاد العريشية فِي بِلَاد عسير فَتقدم عَلَيْهِ طَائِفَة مِنْهُم وَجَرت هُنَالك حروب آخرهَا قتل الشريف حسن بن خَالِد وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد
السَّيِّد يُوسُف بن يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْمُؤَيد مُحَمَّد ابْن الإِمَام الْقَاسِم الصنعاني

أَخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن الْحُسَيْن وَمَال إِلَى الْأَدَب ونظم الشّعْر وصنف نسمَة السحر فِي ذكر من تشيع وَشعر ذكر فِيهَا جمَاعَة من الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين الْمَشْهُورين وَمن أهل عصره وَمن يقرب من أهل عصره وَهُوَ كتاب حسن لَوْلَا مَا شابه بِهِ من التسخط على أهل عصره ورميهم بِكُل عيب والتنويه بِذكر العبيديين وَغَيرهم من الرافضة وانتقاص الْأَئِمَّة وأكابر السَّادة الَّذين هم عنصره وَأهل بَيته وذوو قرَابَته كَمَا وَقع مِنْهُ ذَلِك فِي تَرْجَمَة ابراهيم اليافعى وَفِي سَائِر الْكتاب وَكَثِيرًا مايذكر قولا من أَقْوَال الإمامية فِي غَايَة السُّقُوط فيميل إِلَى تَرْجِيحه
(2/372)

وتقويته تَصْرِيحًا وتلويحا وَلكنه يأتي بحجج لَا تشبه حجج الْعلمَاء وَهُوَ إمامي المعتقد وَلم يكن فِي أهل بَيته من هُوَ كَذَلِك فَإِن وَالِده الْمُتَقَدّم ذكره كَانَ زيديا وَكَذَلِكَ سَائِر قرَابَته وَبِالْجُمْلَةِ فكتابه الْمَذْكُور من أحسن الْكتب المصنفة فِي الْأَدَب وأنفسها وَكَثِيرًا مَا يفوتهُ التَّرْتِيب بِاعْتِبَار الْأَب وَالْجد فَيقدم مثلا من كَانَ حرف وَالِده مُتَأَخِّرًا على حرف وَالِد من بعده كتقديمه إبراهيم بن الْعَبَّاس الصولي على إبراهيم بن أَحْمد اليافعى
(2/373)

وَالصَّوَاب الْعَكْس وكتقديمه تَرْجَمَة مُحَمَّد بن هَانِئ على تَرْجَمَة مُحَمَّد بن الْحُسَيْن المرهبي وَكَانَ الصَّوَاب الْعَكْس وَكَذَلِكَ تَقْدِيمه للمذكورين على مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي وَالْأولَى الْعَكْس وَنَحْو ذَلِك مِمَّا فِي تَرْتِيب ذَلِك الْكتاب وَالَّذِي ينبغي لمن تصدى للْجمع على الْحُرُوف أَن يقدم بِاعْتِبَار أول حُرُوف اسْم المترجم لَهُ ثمَّ الثَّانِي إِلَى آخِره وَمَعَ الِاتِّفَاق فِي الاسم يقدم من كَانَت حُرُوف أبيه أقدم وَمَعَ الِاتِّفَاق فِي اسْم الْأَب أَيْضا ينظر إِلَى حُرُوف اسْم الْجد ثمَّ كَذَلِك كَمَا فعله المصنفون على الْحُرُوف وَهُوَ شَيْء وَاضح وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله من قصيدة كتبهَا إِلَى السَّيِّد علي بن أَحْمد بن مَعْصُوم الْمدنِي
(وَقد عمم الْغَيْم الرواني فَأرْسلت ... ذوايب برق لوحت فِي الدجى رقطا)
(وَإِن عميد الْحبّ مِنْهُ لواله ... وَلَا سِيمَا عَنهُ إِذا زَعَمُوا الشحطا)
أراجعة تِلْكَ الليالي فأرتجى ... سلوي أم ضنت بإحسانها سخطا)
(بلَى رُبمَا ظن السماك نبوة ... وجاد فروى وبله التبع والسبطا)
(2/374)

(كَمَا جاد لي حَتَّى رَأَيْت ابْن أَحْمد ... عليا ووافى فِي اقتراحي لَهُ الشرطا)
وَقد ترْجم لَهُ الحيمي فِي طيب السمر تَرْجَمَة طَوِيلَة أورد فِيهَا قِطْعَة من شعره وَتوفى فِي ربيع الأول سنة 1121 إحدى وَعشْرين وَمِائَة وَألف
قَالَ الْمُؤلف قدس الله روحه إِلَى هُنَا انْتهى الْكتاب فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثاني شهر الْحجَّة الْحَرَام سنة 1213 ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ مُدَّة جمعة نَحْو أَرْبَعَة أشهر وليال يَسِيرا وَأكْثر الْأَيَّام يعرض الشغل فَلَا يُمكن تَحْرِير شئ
وَكَانَ النَّقْل لهَذِهِ النُّسْخَة من نُسْخَة بِخَط القاضى الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْملك بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الفتاح بن احْمَد بن يحيى الآنسى رَحمَه الله ذكر فِيهَا أَنه نقل تِلْكَ النُّسْخَة من مسودة التصنيف الَّتِى بِخَط الْمُؤلف رَحمَه الله وفيهَا ملحقات وزوائد فِي الهوامش والسواقط بِخَط الْمُؤلف قد صَارَت فِي النُّسْخَة الَّتِى بِخَطِّهِ أصلا لكَونه مصححا عَلَيْهَا بِخَط الْمُؤلف وَلذَا تَجِد فِي بعض الْمَوَاضِع مَا تَارِيخه مُتَأَخّر عَن تَارِيخ تَمام الْكتاب الْمَذْكُور أعلا هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
(2/375)