Advertisement

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب 002



الكتاب: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب
المؤلف: ابن عذاري المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد (المتوفى: نحو 695هـ)
تحقيق ومراجعة: ج. س. كولان، إِ. ليفي بروفنسال
الناشر: دار الثقافة، بيروت - لبنان
الطبعة: الثالثة، 1983 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] واختلف في أمر يؤسف الفهري؛ فقال بعضهم إنه لم ينكث بغيا، وإنما خوفا؛ فخرج هاربا؛ فأخرج الأمير الخيل في طلبه؛ فأدركته بفحص البلوط؛ ثم أفلت؛ وحشد ولده البربر بالشرق كله، وأقبل في جمع عظيم يريد قرطبة؛ فخرج إليه الأمير؛ فالتقوا بمخاضة الفتح؛ فكان القتال بينهم حتى كاد الأمير عبد الرحمن أن ينهزم؛ وقيل إنه أنهزم نحو الميل؛ فثبت ابنه سليمان في آخر الناس؛ ثم تراجع الأمير حتى انهزم يوسف، ومضى في طلبه إلى قلعة رباح.
وقال بعضهم: إن يوسف، لما هرب إلى طليطلة، قبض الأمير عبد الرحمن على أبي الأسود ابنه؛ فسجنه. وقام على يوسف موال له؛ فقتلوه، وأتوا به إلى الأمير عبد الرحمن؛ فقال لهم: (عرفتم من هو؟) قالوا: (نعم! هو يوسف الفهري!) قال: (أنتم لم تحفظوا مولاكم؛ فكيف تحفظونني وتنتظمون في طاعتي؟) فأمر بصرب أعناقهم؛ وأمر بأبي الأسود إلى السجن؛ وكان السجن يومئذ يخرج الناس منه إلى النهر لما يكون من الحاجة مع الموكلين بهم؛ فادعى ولد الفهري العمى، وفشا له ذلك؛ فكان يقول: (من يقود الأعمى؟ يرحمه الله!) وكان يختلف إليه مولى اسمه مفرج يقضي حوائجه ويلقاه على النهر تحت القنطرة. فلما اطمئن إليه، ولم يستنكر خروجه، وشاع عليه العمى، قال لمفرج مولاه: (ابتع لي فرسا أنج عليه!) ففعل وأعده له؛ فهرب عليه، ولحق بطليطلة. فغزاه الأمير عبد الرحمن ولقيه مرارا، فكان آخر هزيمته إياه بقسطلونه؛ ومضى إلى ركانة، ولم يزل بها حتى مات. فقام القاسم بن يوسف، أخو أبي الأسود؛ فأعقب على زوجته، وتولى ما كان أبو الأسود يتولاه؛ فخرج إليه الأمير؛ فأجابه على أن يرد إليه أمواله، ويستوثق منه بالعهود؛ ففعل الأمير ذلك، وانصرف معه إلى قرطبة.
وثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليماني بإشبيلية، وتغلب على ما جاور قرطبة؛ فخرج إليه الأمير؛ فخالفه عبد الغافر ونهض يريد قرطبة، رجاء أن يجدها خالية، والإمام عبد الرحمن في الثغر يسدُّ خلله، ويحسم علله؛ فقدم
(2/50)

مسرعا حين وافاه الخبر، ولم يلو على ما تعذر، ومحلة عبد الغافر على وادي قيس قد ملأت السهل والوعر. فداخل الإمام عبد الرحمن البربر؛ وكانوا العدد الوافر الأكبر؛ فنزع الأكثر منهم إليه، وصاروا في حزبه ولدبه. ووقعت الهزيمة على عبد الغافر، وأخذ من معه في الفرار والنفار؛ فلم يرفع الإمام عنهم سيفا، وقتل منهم ثلاثين ألفا. وكانت هزيمة هي مدّ الدهر مذكورة، والحفرة التي جمعت رؤوسهم بذلك المكان مشهورة. ومن (كتاب بهجة النفس) قال: لما كان في النيل، تسرع عبد القادر إلى ناحية لقنت؛ وأسرع الأمير القتل في جملته. ولم يذكر عددا.
وثار على الأمير عبد الرحمن حبوة من ملامس، وتغلب على إشبيلية وإسنجة وأكثر الغرب، وحشد جموعا؛ فخرج إليه الأمير، وقاتله أياما، حتى همّ الأمير بالهزيمة. ثم إن حبوة انهزم ومضى إلى ناحية فريش، وكتب راغبا في العفو.
وفي سنة 146، ثار العلاءبن مغيث الجذامي بباجة، ودعا إلى طاعة أبي جعفر المنصور ونشر الأعلام السود؛ فاتبعه الأجناد، وتطلعه العباد، إلى أن كادت دولة الأمير أن تنصرم، وخلافته أن تنخرم. فخرج إليه من قرطبة، وصار بقرمونة؛ فتحصن بها مع مواليه وثقات رجاله؛ فنازله العلاء بن مغيث منازلة شديدة، وحاصره بها أياما عديدة؛ فلما طال الحصار هنالك، وتخلخل عسكر العلاء لذلك، وعلم عبد الرحمن ما هم عليه من الانزعاج، وأنهم قد هموا بالإلجام والإسراج، أمر بنار، فأوقدت، ثم أمر بأغمدة سيوف أصحابه، فأحرقت؛ وقال لهم: (اخرجوا معي لهذه الجموع، خروج من لا يحدث نفسه بالرجوع!) وكانوا نحو سبعمائة مفحصين إلى أعاديهم. فدارت الحرب بينهم طويلا، إلى أن صنع الله جميلا؛ وزلزل قوم العلاء وأصحابه، فولوا منهزمين، وصار أمرهم
(2/51)

آية للعالمين؛ وقتل العلاء فيمن قتل من أولئك الأقوام، وطيف برأسه في ذلك المقام.
وقيل إن أبا جعفر المنصور كان أرسل إلى العلاء بن مغيث بولاية الأندلس. فنشر الأعلام السود، وقام بالدعوة العباسية بالأندلس؛ فانحشر إليه الناس. ولما ظفر به الإمام على ما تقدم، أخذ رأسه، وفرغ وحشي ملحا وصبرا، وجعل معه لواء أبي جعفر المنصور، وأدخل في سفط؛ وبعثه مع رجال، وأمرهم أن يضعوا السفط بمكة؛ فوافقوا المنصور بها حاجا في تلك السنة؛ فجعل السفط عند باب سرادقه. فلما نظر إلى ما فيه، قال: (إنا لله! عرضنا بهذا المسكين للقتل! الحمد لله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان!) يعني عبد الرحمن. هذا مساق السالمي في (درر القلائد) .
ومن (بهجة النفس) قال: وكانت ثورة العلاء بموضع يقال له لقنت من عمل باجة. فأظهر سجل المنصور ولواءه، وجمع إلى نفسه من أجابه، ونهض إلى باجة؛ فأخذها، وتغلب منها على جميع الغرب، وخرج يريد الأمير عبد الرحمن؛ فسار حتى انتهى إلى المدور. وكان الأمير يومئذ قد خرج غازيا إلى شرق الأندلس؛ فرجع إذ بلغه أمر العلاء؛ فلما دنا من قرطبة، أمر من كان معه من أهل إشبيلية أن يفروا في المدور، إذ كان قد اتهمهم لميل أهل إشبيلية إلى العلاء؛ ثم نهض، وكتب سرا إلى بدر مولاه يأمره بقتلهم، كان الظفر له أو عليه. ومضى العلاء؛ فالتقى معه. فكانت بينهما حروب وزحوف. ثم قتل العلاء بمقربة من قرمونة، وقضت جموعه. وقتل من أصحابه نحو ستة آلاف. وأمر الأمير بحز رأس العلاء ورؤوس أشراف أصحابه؛ وقرطت فيها صكوك بأسمائهم، وجعلت في أوعية؛ وندب الأمير بها قوما توجهوا بها إلى القيروان؛ فطرحوها في الليل في الأسواق. فتسمع الناس أمرها، وأتصل الأمر بأبي جعفر؛ فانكسرت حدته. وقيل إن الذي هزم العلاء بدر مولى عبد الرحمن بن معاوية، والله أعلم.
(2/52)

وفي سنة 147، وجه الأمير عبد الرحمن بدرا مولاه وتمام بن علقمة في جيش كثيف إلى طليطلة، وبها هشام بن عروة ثائر؛ فحاصراه حتى سئم أهل طليطلة الحصار؛ فكاتبوا بدرا وتماما، وسألوهما الأمان على أن يسلموا لهما ابن عروة وهشام بن حمزة بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وحيوة ابن الوليد؛ وكانوا يدا واحدة. فأسلموهم إليهما، وخرج بهم تمام إلى قرطبة؛ فلقيه عاصم بن مسلم؛ فقبض منه الأسرى، وعهد إليه عن الأمير أن يكر إلى طليطلة واليا عليها، ويقبل بدر إلى قرطبة. وأقبل عاصم بالأسرى؛ فلما احتل بقرية حلزة، خرج إليه ابن الطفيل، ومعه حجام وحباب صوف وسلال؛ فحلق رؤوسهم ولحاهم، وألبسهم جباب الصوف، وأدخلهم في السلال، وحملهم على الحمر؛ فأتى على تلك الحال إلى خشب قد أعدت لهم، فصلبوا فيها. وكتب إلى البلدان بفتح طليطلة.
وفي سنة 149، ثار سعيد البحصي المعروف بالمطري بكورة ليلة؛ واجتمعت اليمانية إليه، ولاذوا بحقوبه. ثم سار إلى إشبيلية، وتغلب عليها قسرا، ولم يجد أهلها في مدافعته نصرا. فكثر عدده، وتأزر عضده؛ وعاد عسكره مهولا، قد أخذ وعورا وسهولا. فسار إليه الأمير عبد الرحمن في جيوش عظيمة المدد، مجهولة العدد، حتى نزل عليه بقلعة زعواق؛ وكان المطري قد تحصن بها، ولاذ بجانبها؛ فحصره فيها حصرا، وأرهقه من أمره عسرا، حتى خرج متعرضا للحرب في جماعة من فرسانه الأكابر، ومن اختصه من أولئك البرابر؛ فلم تنشب الحرب بينهم إلا قليلا، وقتل المطري ومن معه تقتيلا. وجئ برأسه إلى الأمير عبد الرحمن؛ فأمر للحين برفعه في طرف سنان.
وفيها، قتل الأمير عبد الرحمن أبا الصباح بن يحيى البحصبي. وكان قد ولاه إشبيلية، ثم عزله عنها؛ فجمع إليه أهل الخلاف وصار عليه؛ فوجه إليه الأمير مولاه تماما ملاطفا له؛ فقدم معه قرطبة في أربعمائة رجل على غير عهد؛
(2/53)

فأوصله تمام إليه؛ فعاتبه؛ فأغلظ له أبو الصباح في الجواب؛ فأمر بقتله؛ ثم أمر بإخراج رأسه والهتف عليه.
وفي سنة 150، هاجت فتنة البربر بشنت برية.
وفيها، غزا بدر إلى الثغر، وتقدم إلى ألبة؛ فحاربها؛ فأذعنت له، وأدت إليه الجزية. وأمر بامتحان الرجال بتلك الناحية، واختبار بصائرهم؛ فاستقدم منهم من اطلع له على سوء سريرة وشبهة في الثغر.
وفي سنة 152، ثار رجل من البربر، ادعى أنه من ولد الحسن بن علي - رضي الله عنه -؛ وكان أصله من مكناسة العدوة؛ وكانت أمه تسمى فاطمة؛ فادعى أنه فاطمي؛ وتجمع له الغوغاء. فخرج إليه الأمير من قرطبة، وخلف بها ابنه هشاما؛ فتقحم الجبال أمامه بمن كان معه، وانصرف الأمير إلى قرطبة. فأقبل الفاطمي، وقتل عامل شنت برية؛ وغلظ أمره. فكان الأمير يرسل إلى قتاله بعض الفيالق؛ فيتعلق بالجبال الشواهق.
وفي سنة 152، خرج الأمير عبد الرحمن لغزو الداعي الفاطمي؛ فهرب وركب الوعر؛ فانصرف الأمير. فرجع الفاطمي؛ فغراه بدر بالصائفة؛ فوجده بجهة شبطران؛ فأتبعه رجاء أن يدركه. فدخل المفاوز، وانقطع أثره. ومضى هذا الفاطمي إلى مدلين؛ وكان عامله أبو زعبل الصدفوري. فتمادت فتنته من سنة 150 إلى سنة 160، إلى أن اغتاله بعض أصحابه؛ فقتله، وعفره هناك وجدله.
وفي سنة 154، تهدن الإمام عبد الرحمن بقرطبة، ولم تكن له بها حركة.
وفي سنة 155، خرج الإمام عبد الرحمن من قرطبة؛ فحل بشنت برية. وقدم عليه هلال من أبناء المديوني؛ فكتب له عهدا على قومه، وأقره على موضعه؛
(2/54)

وكان رأس البربر في شرق الأندلس. وقلده أمر الفاطمي المتقدم الذكر؛ فكان في ذلك الراحة منه، وتفرقت بفعله ذلك كلمة البربر، وانحلت عقدة الفاطمي، وانصرف من شنت برية إلى الجوف.
وفي سنة 156، ثار على الأمير عبد الرحمن عبد الغافر اليحصبي، وخلع طاعته. وكان الأمير بناحية الشرق؛ فكتب إليه بدر من قرطبة؛ فطوى المراحل إليه؛ ثم تقدم إلى إشبيلية؛ فوضع السيف فيه وفي أصحابه؛ فقتلوا قتلا ذريعا. وأفلت عبد الغافر؛ فركب البحر، ونجا إلى المشرق.
وفي سنة 157، خرج الأمير عبد الرحمن إلى ناحية الغرب، واحتل بإشبيلية، وقتل بها خلقا كثيرا ممن كان بسيل عبد القادر، وقطع آثارهم، ووطد الطاعة. ثم انصرف معجلا، لأنه إنما قصد امتحان أهل إشبيلية وتمحيصهم. وقيل: كان ذلك سنة 158.
وفي سنة 159، غزا الإمام عبد الرحمن قورية، وقصد في طريقه ذلك البربر الذين غدروا بأبي زعبل ومكنوه من الفاطمي، فقتله؛ فدوخ بلد البربر، وقتل منهم خلقا كثيرا وأذلهم. وأخذ أبا مزكانة المصمودي، وهو عباس ابن قلعوش.
وفي سنة 160، أخرجت الصائفة إلى الفاطمي؛ وكان في أحواز شنت برية؛ فعورض بالخيل، وقطعت عاديته.
وفي سنة 161، وقيل سنة 162، دخل إلى الأندلس عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي؛ فنزل كورة تدمير؛ فاستقر بها، ولم تبد منه في تلك السنة عادية؛ وإنما لقب بالصقلبي لأنه كان طويلا، أشقر، أزرق، أمعر.
(2/55)

وفيها، حمل نهر قرطبة حملا عظيما، حتى سد حنايا القنطرة وهدم بعضها وزلزلها؛ وبقى كذلك يومين.
وفي سنة 163، ثار عبد الرحمن بن حبيب الفهري، المتقدم الذكر في السنة قبل هذه، في ناحية تدمير؛ فغزاه الأمير عبد الرحمن؛ فهرب ابن حبيب وتعلق بالوعر؛ فجال العسكر في كورة تدمير، وتقدم إلى كورة بلنسية، بعد أن أحرق المراكب بساحل البحر. ثم إن مشكارا البربري فتك بابن حبيب الصقلبي وقتله.
وفيها، ثار ابن شجرة بمورور؛ فخرج إليه بدر يوم الأضحى؛ فألقاه على غرة فقتله، وكتب إلى الإمام بالفتح. وقيل: بل كان ذلك في سنة 162.
وفي سنة 164، غزا الإمام عبد الرحمن الرماحس بن عبد العزيز؛ وكان على شرط مروان بن محمد؛ فلحق بالأندلس؛ فولاه الإمام الجزيرة؛ فخلع طاعته؛ فخرج إليه واحتل بالجزيرة؛ فوجد الرماحس في الحمام؛ فلم يشعر إلا وخيل الإمام تجوس الديار؛ فأعجل الرماحس عن لبس ثيابه، وخرج في ملحفة مصبغة؛ فدخل في قارب، ونجا إلى العدوة. ووجد الأمير عبد الرحمن في سجنه جماعة من الأمويين؛ فأطلقهم.
وفي سنة 165، ثار على الأمير عبد الرحمن الحسين بن يحيى بن سعد بن عيادة الأنصاري بسرقسطة؛ فسار إليه بالجماهير؛ والعسكر الشهير؛ فحاصره بسرقسطة حصارا، وقدم لقتاله أحزابا وأنصارا، إلى أن خرج طائعا إليه، متراميا عليه؛ فقبل إنابته، ولم يحرم إجابته. فلما عفا عنه، وأغضى عما كان منه، أبقاه بسرقسطة واليا. وقفل الأمير إلى قرطبة سامي اللواء، قاهر الأعداء. ثم إن الحسين خفر الذمة، وكفر النعمة، وأعلن بالنفاق إعلانا، وأرسل في
(2/56)

الشقاق عنانا؛ فسار إليه الإمام أيضا، ونازله نزالا، وأذاق سرقسطة نكالا، إلى أن فتحها بنقب سورها فتحا شنيعا، وقتل الحسين وأصحابه قتلا ذريعا. وولى عليهم عليّ بن حمزة، وقفل إلى قرطبة طاهر العزة.
ومن (كتاب بهجة النفس) قال: وفي سنة 167، غزا الإمام سرقسطة إلى حسين بن يحيى؛ فحاصره حتى أخذ المدينة عنوة، وقتل حسينا بالدمغة وجماعة معه؛ وأخرج أهل المدينة عنها إلى قرية على ثلاثة أميال ليمين لزمته فيهم؛ ثم صرفهم إليها بعد أيام، وقفل إلى قرطبة.
وفي سنة 168، أراد المغيرة بن الوليد بن معاوية القيام على الإمام؛ وكان وطنه يومئذ بالرصافة؛ فانكشف له يومئذ أمره من قبل بعض من تعاقد معه؛ فأحضرهم بين يديه، وأقروا؛ فأمر بقتلهم، واستبقى الناضح لهم. وتحول الإمام عبد الرحمن يومئذ من الرصافة إلى قصر قرطبة.
وفي سنة 169، ثار على الأمير عبد الرحمن محمد بن يوسف الفهري، الذي كان في تعامه وهرب؛ وكان قد تحرك من طليطلة وجهة الشرق بالحشود. وبلغ الإمام خبره؛ فأمر بحشد الكور، والتقى معه في مخاضة الفتح؛ فكان بينهم زحف وقتال أياما؛ ثم انهزم محمد المذكور؛ فقتل رجاله، وأفنى عدده. وكانت هذه الوقعة يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول من السنة. قال الرازي قتل فيها أربعة آلاف رجل، سوى من تردى في الوادي، وهلك في المهاوي. وهرب محمد بن يوسف هذا إلى قورية.
وفي سنة 170، خرج الأمير عبد الرحمن إلى محمد بن يوسف الفهري، حتى بلغ قورية. ففر أمامه، وأدركت الخيل عياله وأصحابا له؛ فقتل من أدرك
(2/57)

وأحرقت دوره. وانقطع محمد بن يوسف وحده، وانحاش إلى غياض. وأوقع الأمير ببربر نفزة؛ فأذلهم، وأذهب عاديتهم. ثم مات محمد بن يوسف بقرية ركانة من عمل طليطلة.
وفي سنة 171، قام قاسم بن عبد الرحمن الفهري، عم محمد بن يوسف أخو يوسف الفهري، وخلع الطاعة؛ فلما تحرك أمره، وجه إليه الأمير عبد الرحمن الجيوش؛ فأذعن له بالطاعة.
وفي سنة 170 المتقدمة، أمر الأمير عبد الرحمن بتأسيس المسجد الجامع بحضرة قرطبة؛ وكانت بموضعه كنيسة؛ فأنفق فيه مائة ألف بالوازنة.
وفي سنة 172، مات الإمام عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - وذلك يوم الثلاثاء لست بقين من ربيع الآخر من السنة المذكورة.

ذكر بعض أخباره على الجملة
كان الإمام عبد الرحمن فصيحا، بليغا، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر. مما أملاه على كاتبه إلى سليمان بن الأعرابي: (أما بعد، فدعني من معاريض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق! لتمدن يدا إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لألقين بنابها على رضف المعصية نكالا بما قدمت يداك! وما الله بظلام للعبيد!) .
وكتب عنه أمية بن زيد كتابا إلى بعض عماله، يستقصره فيما فرط من عمله؛ فأكثر وأطال الكتاب. فلما لحظه عبد الرحمن بن معاوية، أمر بقطعه، وكتب بخط يده: (أما بعد، فإن يكن التقصير لك مقدما، فعد الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا. وقد علمت بما تقدمت؛ فاعتمد على أيهما أحببت!)
(2/58)

وثار عليه ثائر؛ فغزاه وظفر به. فبينا هو في الطريق، إذ نظر إلى الثائر، وهو على بغل في كبوله، وتحت الأمير عبد الرحمن فرس له؛ فلما لحقه، قنع رأسه بالقناة، وقال: (يا بغل! ماذا تحمل من الشقاق والنفاق!) فقال الثائر: (يا فرس! ماذا تحمل من العفو والإشفاق!) فقال: (والله! لا ذقت موتا على يدي!) فأطلقه.
ومن شعره البديع الرائق، ما كتب به إلى بعض من طرأ عليه من قريش؛ وكان قد استقل جرايته، واستطال بقرابته، وسأله الزيادة له والتوسعة؛ فكتب إليه بهذه الأبيات (بسيط) :
سِيَّانِ مَنْ قَام ذَا امْتعاضِ ... بِمُنْتَضَى الشَّفْرَتَيْنِ نَصْلاَ
فَجَابَ قَفْراً وشَقَّ بَحْراً ... مُسَامِياً لُجَّةً وَمَحْلاً
فَبَزَّ مُلْكاً وشَادَ عِزًّا ... ونَاثِراً للخِطَاب فَصْلاً
وَجَنَّدَ الجُنْدَ حِينَ أوْدَى ... ومَصْرَ المِصْرَ حينَ أجْلاَ
ثُمَّ دَعَا أَهْلَهُ جميعاً ... حَيْثُ أنْتَؤوا أنْ هَلُمَّ أهْلاَ
فَجَاء هذا طَريدَ جُوعٍ ... شَرِيدَ سَيْفٍ أبيدَ قَتْلاً
فَنَالَ أمْناً وَنَالَ شَبْعاً ... ونَالَ مالاً وحَازَ أهْلاَ
وذكر أن أيا جعفر المنصور قال يوما لبعض جلسائه: (أخبروني: من صقر قريش من الملوك؟) قالوا: (ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء!) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (فمعاوية؟) قال: (لا!) قالوا: (فعبد الملك بن مروان؟) قال: (ما قلتم شيئا!) قالوا: (يا أمير المؤمنين! فمن هو؟) قال: (صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه؛ فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكا عظيما
(2/59)

بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة سكيمته. إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه؛ وعبد الملك ببيعه أبرم عقدها؛ وأمير المؤمنين يطلب عنزته، واجتماع شيعته. وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين!) فقال الجميع: (صدقت، والله، يا أمير المؤمنين!) وكان الإمام عبد الرحمن من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قوله رحمه الله!) يتذكر وكنه (خفيف) :
أيُّها الراكبُ المُيَمّمِ أَرْضِي ... اقْرأ بَعْضَ السلامِ عَنّي لبَعْضِي
إنّ جِسْمِي كَمَا تَرَاهُ بأرْضِ ... وَفُؤادِي ومَالِكيِهِ بأرْضِ
قُدْرَ البَيْنُ بَيْنَنَا فافْتَرَقْنا ... وطَوَى البَيْنُ عن جُفوني غَمْضِ
قدْ قَضَى اللهُ بالبِعادِ عَلَينا ... فَعَسَى باقْتِرابِنا يَوْفَ يَقْضِي
وله من الشعر كثير مشهور. وذكر الرازي أن الإمام عبد الرحمن، أول نزوله بمنية الرصافة واتخاذه لها، نظر فيها إلى نخلة؛ فهاجت شجنه، وتذكر وطنه؛ فقال على البديهة (طويل) :
تَبَدَّت لَنَا وَسْطَ الرُّصافَةِ نَخْلةٌ ... تَنَاءت بأرضِ الغَرْبِ عن بَلَدِ النَّخْل
فقُلتُ شَيِهي في التَغَرُّبِ والنَّوَى ... وطُولِ التَّنَاءي عن بُنّيَّ وعن أهلي
نشَأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غَريَبةٌ ... فمِثْلُكِ في الإقصاء والمُنتاي مثلي
سَقَاكِ غَوَادِي المُزْنِ مِن صوبها الذي ... يسحُّ ويستمرِي السِماكين بالوّبْلِ
وكان - رحمه الله! - قد عقد العهد لابنيه هشام وسليمان. فولى بعده هشام، على ما أذكره.
(2/60)

خلافة هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل
كنيته: أبو الوليد. مولده: سنة 139. أمه تسمى جمال. نقش خاتمه: (بالله يثق عبده هشام وبه يعتصم) . صاحب شرطته: عبد الغافر بن أبي عبدة. وزراؤه: ثمانية. كتابه: اثنان: فطيس بن عيسى، وخطاب بن زيد. قاضيه: المصعب بن عمران. صفته: أبيض مُشرب بحمرة، بعينيه حول. حاجبه: عبد الرحمن بن مغيث. بنوه: الذكور ستة، والإناث خمس.
بويع يوم الأحد مستهل جمادى الأولى من السنة. وكان عند موت أبيه بمدينة ماردة؛ فوافاه الخبر؛ فطرق، ووصل قرطبة بعد ستة أيام. فبايعه الخاصة والعامة. وكان أخوه بطليطلة؛ وكان أكبر سنا منه فلما اتصل به خبر أبيه، حشد الحشود، وجند الجنود، يريد قرطبة، مخالفا لأخيه. فلما حصل بجيان، خرج إليه هشام في أجناده، والتقى معه بجهة بلج؛ فوقعت بينهم حرب شديدة؛ فانهزم سليمان، وأسلم عسكره، وفرَّ على وجهه. وقفل هشام إلى قرطبة ظافرا في أجناده.
وتوفي هشام ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة 180؛ فكان عمره أربعين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام؛ فكانت مدة دولته وخلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام.
وقيل إن عبد الرحمن بن معاوية - رحمه الله! - لما حضرته الوفاة، وابنه هشام بماردة، وابنه الآخر سليمان بطليطلة، وكل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال له: (من سبق إليك من أخوتك، فأرم إليه بالخاتم والأمر! فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه!) فقدم هشام من ماردة قبل سليمان؛ فنزل بالرصافة، وخاف من عبد الله أخيه، إذ صار
(2/61)

متمكنا من قرطبة والقصر والأموال، أن يدافعه. فخرج إليه أخوه عبد الله، وسلَّم عليه بالخلافة، ودفع إليه الخاتم، كما أوصاه أبوه، وأدخله القصر.
قال الرازي: ولما صار الأمر إلى هشام، واتصل ذلك بسليمان أخيه، أخذ بيعة أهل طليطلة وما جاورها لنفسه، وغلب عليها. وشغله أمر أخيه هشام. فثار سعيد بن الحسين الأنصاري بساغنت من إقليم طرطوشة، وأقبل إلى سرقسطة؛ فأخرج منها وإليها، وضرب بين الناس، ودعا إلى نفسه وإلى الفتنة؛ فأرسلها مضرية ويمانية. وحشد موسى بن فرتون إلى سرقسطة؛ فأخذها؛ وكان على دعوة المضرية؛ فالتقى مع اليمنيين. وكانت بينهم حرب؛ فقتل منهم جماعة، ودخل سرقسطة. ثم قدم مطروح بن سليمان بن الأعرابي على دعوة أبيه من برسلونة؛ فتغلب على وشقة وسرقسطة والثغر كله.
وفي سنة 173، طمحت نفس عبد الله البلنسي أخي هشام إلى الإمارة؛ وقد كانت في يده أولا، ولم يرض منه إلا بمشاركته، وذلك بعد سبعة أشهر من وفاة والدهما. وكان هشام يبرُّه، ويترضاه، ويفضله على الكثير من اخوته؛ فلم يقنعه ذلك، وخرج يريد أخاه سليمان بطليطلة. فلما بلغ الأمر إلى هشام، أشفق من ذلك، وأخرج إليه من يرضيه ويرده؛ فلم يدركه. ومضى حتى قدم طليطلة.
وفي هذه السنة، خرج هشام إلى أخيه سليمان بطليطلة. فلما نزل عليه، خرج سليمان مستخفيا، وخلف أخاه عبد الله وابنه داخل المدينة، ونهض يريد انتهاز الفرصة؛ فطوى المراحل، حتى احتل بشقندة. فخرج أهل قرطبة مدافعين له. وبلغ هشاما خبره؛ فلم يكترث لذلك. ووجه ابنه عبد الملك يقفو أثره؛ فلما قرب منه، ولى سليمان منهزما، وقطع إلى غير وجهة حتى خرج متعسفا إلى ناحية ماردة؛ وكان عاملها حدير المعروف بالمذبوح؛ فخرج إليه؛ فهزمه. وتمادى الأمير هشام في حصار طليطلة شهرين وأياما؛ ثم قفل عنها.
(2/62)

وفي سنة 174، انصرف عبد الله البلنسي إلى أخيه هشام بلا عهد ولا أمان؛ فأنزله الإمام هشام عند ابنه الحكم.
وفيها، أغزى هشام ابنه معاوية إلى تدمير، وقائداه شهيد بن عيسى وتمام ابن علقمة؛ فدوخوا تدمير (وهي مرسية) ، وبلغوا البحر. وكان سليمان (يعني أخا هشام) قد حصل في بعض ثغور تدمير؛ فطلب سليمان الأمان؛ فاشترط عليه الأمير هشام الخروج عن الأندلس، ويعطيه ستين ألف دينار؛ فركب سليمان البحر بأهله وولده، واحتل ببلاد البربر. فكفاه الله أمر إخوته.
وفي سنة 175، أغزى هشام بن عبد الرحمن عبيد الله إلى سرقسطة، وبها يومئذ مطروح المذكور؛ فحاصرها عبيد الله؛ ثم احتل بمدينة طرسونة، وألح عليها بالمحاصرة، حتى ضاق ذرع أهل سرقسطة، وضجوا من تمادي الحصار؛ فخرج مطروح في بعض الأيام متصيدا، ومعه عمروس بن يوسف وابن صلتان؛ فلما أرسل بازيه على طائر ونزل على الصيد، تعاوراه بسيوفهما حتى قتلاه، واحتزا رأسه، وتقدما به إلى ابن عثمان، وهو بطرسونة؛ فتحرك إلى سرقسطة؛ فلم يمتنع عليه أحد من أهلها؛ ودخل المدينة؛ فنزلها، وبعث برأس مطروح إلى الأمير هشام.
وفي سنة 176، أغزى الإمام هشام أبا عثمان عبيد الله بن عثمان إلى ألبة والقلاع؛ فلقي بها أعداء الله بجموعهم متوافين؛ فهزمهم الله على يديه، وقتلوا في السهل والوعر؛ وانتهى ما حيز من رؤوسهم إلى تسعة آلاف رأس ونيف.
وفي هذه السنة، غزا يوسف بن بخت إلى جليقية؛ فالتقى ببرمود الكبير، وواضعه الحرب؛ فانهزم عدو الله، وانتهب المسلمون عسكره، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وحز من رؤوسهم عشرة آلاف، سوى من لم يتمكن منه ممن
(2/63)

قتل في الوعر. وأتى هذا الفتح قرطبة بعد فتح أبي عثمان. ذكر ذلك الرازي وغيره.
وفي سنة 177، أغزى الإمام هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث بالصائفة إلى أرض الروم، وهي غزوة شهيرة الخبر، جليلة الخطر، انتهى فيها إلى إفرنجة؛ فحاصرها، وثلم بالمجانيق أسوارها، وأشرف على بلاد المجوس؛ وجال في بلاد العدو، وبقى شهورا يحرق القرى ويخرب الحصون. وأوقع بمدينة أربونة؛ وكان فتحا عظيما، بلغ فيه خمس السبي إلى خمسة وأربعين ألفا من الذهب العين.
وفي سنة 178، هاجت الفتنة بتاكرنا، وخالف بربرها، وغاروا على الناس، وقتلوا وسبوا. فبعث الإمام هشام إليهم الأجناد بعد الإعذار إليهم. فقتل أكثرهم، وفرّ سائرهم إلى طلبيرة وترجيلة. وأقامت تاكرنا، وهي إقليم رندة، وبلادها خالية قفرا سبع سنين.
وفي سنة 179، أغزى الإمام هشام بن عبد الرحمن عبد الكريم بن مغيث بالصائفة، حتى انتهى إلى مدينة أسترقة داخل جليقية. فبلغه أن إذفونش قد حشد بلاده، واستمد البشكنش وأهل تلك النواحي التي عليه من المجوس وغيرهم، وأنه عسكرهم ما بين حيز جليقية والصخرة، وأنه أذن لسكان السهل بالتفرق في شواهق جبال السواحل. فقدم عبد الكريم فرج بن كنانة في أربعة آلاف فارس؛ ثم رحل في إثره؛ فألقى أعداء الله؛ فواضعهم الحرب حتى هزمهم الله؛ فقتل حماتهم، وأسر جماعة منهم؛ ثم أمر بعد انحلال الحرب بقتلهم، وبث الخيل في القرى؛ فانتسفت جميع ما ألفته من زروعهم، وخربت ما مرت عليه من عمارتهم. وتقدم بعد ذلك إلى واد يقال له كوثية؛ فلقى به غندماره
(2/64)

وهو في ثلاثة آلاف فارس فقاتله حتى انهزم عسكره، وأخذ غندماره أسيرا، وقتل من أصحابه عدد كثير. وأصاب العسكر جميع ما في تلك الناحية. وتقدم مستنجزا لإذفونش؛ فلما بلغه قصده إليه، تنحى عن الجبل الذي كان فيه منحازا عنه إلى حصن له، كان قد بناه وأتقنه على وادي نلون؛ فتقرب منه عبد الكريم مقتفيا لأثره، ولا يمر بمنزل فيما بينه وبينه إلا حرقه، ولا بمال إلا أصابه، حتى أطل على الحصن. فانتقل منه إلى حصن ملكه. واحتل عبد الكريم بالحصن الذي انتقل منه؛ فألقى فيه الأطعمة وضروب الذخر، وبعث في اليوم الثاني من حلوله به فرج بن كنانة، في عشرة آلاف فارس، يقفو أثره؛ فلما قرب منه، انهزم عنه وأسلم جميع عدته وذخره؛ فغنم المسلمون جميع ذلك.
وفي سنة 180، توفي الإمام هشام بن عبد الرحمن - رحمة الله عليه! - ودفن بقصر قرطبة؛ وصلى عليه ابنه الحكم؛ وذلك ليلة الخميس، كما تقدم ذكره. وبايع الناس ابنه الحكم؛ وكان ابنه عبد الملك أسن منه.

ذكر بعض أخباره على الجملة
كان - رحمه الله! بسط البنان، فصيح اللسان، وسبع الجناب، حاكما بالسنة والكتاب؛ قبض الزكوات من طرقها، ووضعها في حقها؛ لم يأخذه في الله لوم ولا تعلق به ظلم. ارتفع أخوه عن مبايعته، وامتنع عن طاعته، واستبد بطليطلة استبدادا، واستنفر للخلاف والنفاق أجنادا؛ فما زال يشتغل بالفتنة بالا، ويذيق الناس وبالا؛ قد عظمت عليه به المحنة، وعدمت منه الهدنة، حتى مات الأمير هشام، وحكمت بخلافة ابنه الحكم الأحكام؛ فحاربه في تلك القطار، إلى أن اختطفته الأسنة والشفار؛ فأمن بعد ذلك الجانب، ولم يكن في ذلك التأريخ هنالك ما جنب.
(2/65)

وكان هشام يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال، ثم ينصرفون إليه بما عندهم؛ فيقع نظره بهدم ما تكشفه المحنة له منهم. واعترض له يوما متظلم من أحد عماله؛ فبدر إلى الشاكي من رجال العامل من ترخاه شنقة منه على العامل. فبعث إلى الشاكي وقال له: (احلف على كل ما ظلمك فيه؛ فان كان ضربك، فاضربه؛ أو هتك لك سترا، فاهتك ستره؛ أو أخذ لك مالا، فخذ من ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حدا من حدود الله!) فجعل الرجل لا يحلف على شيء إلا أقيد منه. فكان زجره هكذا العماله، أبلغ فيهم من النكال والأدب. وكان كريما، عادلا، فاضلا، متواضعا، عاقلا، لم تعرف منه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه. (ومن كرمه أنه كان يصر أموالا في صرور، ويخرج بها بين المغرب والعشاء يتفقد المسجد؛ فإذا وجد واحدا يصلي في مسجد أو لا يصلي، وضع بين يديه صرة، حتى كثرت عمارة المساجد وكان - رحمه الله! - قد نظر في بنيان قنطرة قرطبة، وأنفق في إصلاحها أموالا عظيمة. وتولى بناءها بنفسه، وتعطى الأجرة بين يديه. قال ابن وضاح: لما ينى هشام القنطرة، تكلم بعض الناس فيه، وقالوا: (إنما بناها لتصيده ونزهته!) فحلف حين بلغه ذلك ألا يجوز عليها إلا لغزو أو مصلحة.
قال القاضي أبو معاوية: أدركت صدرا من الناس يحكون أن أيام هشام هذا كانت من الدعة والعافية والهدوء بحيث لم يعلم لها مثل. وكان يحضر الجنائز، ويزاحم فيها، كأنه أحد من الناس، تواضعا. وكان لبعض رجال هشام خصومة في دار عند القاضي مصعب بن عمران؛ فسجل عليه القاضي فيها وأخرجه منها؛ فنهض الرجل إلى هشام، وقال له: (إن القاضي سجل عليَّ في داري التي كنت أسكنها، وأخرجني عنها!) فقال له هشام: (وماذا تريد مني؟ والله لو سجل عليّ القاضي في مقعدي هذا، لخرجت عنه!) انقيادا منه للحق - رحمة الله عليه!.
(2/66)

قصة الكناني مع هشام بن عبد الرحمن
كان قبل خلافته يقعد في علبة مطلة على النهر، ينظر منها إلى الربض، وتقع عينه على من يخطر. فنظر يوما في الهاجرة إلى رجل من بني كنانة؛ وكان من صنائعه، مقبلا من باديته بجيان؛ وكان أخوه سليمان واليا عليها؛ فدعا فتى له وقال له: (أرى الكناني صنيعنا مقبلا في هذه الظهيرة، وما أحسب ذلك إلا لخطب أقلقه من أبي أيوب أخي. فإذا وصلك، فأدخله على كما هو.) ففعل الفتى ما أمره. وكانت مع هشام جارية له. فلما دنا الكناني، رفع سترا كان أمامه؛ فدخلت الجارية خلفه؛ ثم قال له، بعد أن سلم عليه: (يا كناني، لا أحسبك إلا قد دهمك أمر!) فقال له الكناني: (قتل رجل من بني كنانة رجلا خطاء؛ فحملت الدية على العاقلة؛ فأخذت بنو كنانة عامة، وحيف عليّ من بينهم خاصة، لما عرف أبو أيوب مكاني منك. فعذت بك من ظلامتي!) فقال له: (يا كناني! ليفرج روعك وليسكن جأشك لا جرم قد تحمل هشام عنك وعن قومك جميع الدية!) ثم مد يده إلى خلف الستر؛ فأخرج عقدا كان على الجارية، ثمنه ثلاثة آلاف دينار؛ فقال له: (خذ هذا العقد؛ فأد من ثمنه عنك وعن قومك، وتوسع في الباقي!) فقال الكناني: (يا سيدي! إنه لم آتك مستجديا ولا ضاق لي مال عن أداء ما حملته؛ ولكني أتيتك مستجيرا بك لما أصبت بالعدوان والظلم؛ فأحببت أن تظهر على من عز نصرك!) قال له: (فما وجه نصرك؟) قال له: (أن يكتب الأمير - أصلحه الله! - إلى أبي أيوب في الإمساك عن أخذي بما لم يجب عليّ، وأن يحملني محمل عامة أهلي!) فقال له هشام: (خذ العقد لأهلك ولنفسك، إلى أن ييسر الله فيما ذهبت إليه من أمرك!) ثم أمر هشام بإسراج دابته من فوره، وركب إلى أبيه الأمير عبد الرحمن. فلما مثل بين يديه، قال له: (رجل من بني كنانة، هو لي صنيعة،
(2/67)

عدا عليه أبو أيوب بجيان في دبة حملت على العاقلة!) قال الأمير: (فما تحب في أمره؟) قال: (الكتب إليه بالكف عنه، وأن لا يؤخذ بغير ما لزمه!) فقال الأمير: (أو خير من ذلك! يؤدي الدية عنه وعن قومه من بيت المال، إذ هو منك بهذه المنزلة، وإذ أنت له بهذه العناية!) فأكثر هشام الشكر لوالده؛ ثم أمر الإمام بأداء الدية من بيت المال، وبالكتب إلى أبي أيوب بترك التعرض للكناني. ولما حان توديع الكناني لهشام، قال له: (يا سيدي، إني قد بلغت فوق الأمنية، وجاوزت أقصى غاية العز والنصرة! وهذا العقد النفيس قد أغنى الله عنه!) فقال له هشام (يا كناني، إنه لا سبيل إلى رد شئ قد خرج عنا. فخذه مباركا لك فيه!) وهشام هذا هو الذي أكمل سقائف المسجد الجامع بقرطبة، ورفع منارته القديمة، وبنى الميضأة العجيبة، وعقد من الجسر ما كان تثلم بالسيل - رحمه الله!

خلافة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن
كنيته! أبو العاصي. أمه: زخرف. مولده: سنة 154. بويع بعد موت أبيه بليلة، يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة 180، وهو ابن ست وعشرين سنة؛ فكانت خلافته ستا وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا. كتابه: ثلاثة: فظبس، وخطاب بن زيد، وحجاج العقيلي؛ حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث؛ وزراؤه وقواده: خمسة: إسحاق بن المنذر، والعباس بن عبد الله، وعبد الكريم بن عبد الواحد المذكور، وفطبس بن سليمان، وسعيد بن حسان. قضاته: مصعب بن عمران، ومحمد بن بشير، والفرج بن كنانة، وبشر بن قطن، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن تليد، وحامد بن محمد بن يحيى. نقش خاتمه: (بالله يثق الحكم وبه يعتصم! صفته: آدم، شديد الأدمة، طويل، أشم، نحيف، لم يخضب. بنوه الذكور: تسعة عشر، والبنات: إحدى وعشرون. توفي لأربع بقين لذي الحجة سنة 206؛ فكان عمره اثنان وخمسون سنة.
(2/68)

ولما بلغ موت هشام الرضى إلى سليمان وعبد الله ابني عبد الرحمن بن معاوية، وهما بالعدوة، تقدم عبد الله؛ فجاز البحر إلى ريف الأندلس.
ولما بويع الحكم بالخلافة، واستوسق له الأمر، وجه عبد الكريم بن عبد الواحد غازيا إلى دار الحرب، في جيش عظيم؛ فاحتل عبد الكريم بالثغر؛ وتوافت عليه الجيوش. ثم تقدم، فاحتل على شاطئ البحر، وقسم الجيش على ثلاثة أقسام، وقدم على كل قسم رئيسا، وأمر كل واحد منهم بأن يغير على الناحية التي قصدها ووجه إليها؛ فمضوا، وأغاروا، واستباحوا، وانصرفوا غانمين ظافرين. ثم عادوا ثانية إلى الإغارة، وجاوزوا خلجا كانت تمد وتحصر؛ وكان أهل تلك النواحي قد تحرزوا بها، ونقلوا إليها العيال والماشية والأموال؛ فأغاروا عليها، واحتووا على جميع ما وجدوا فيها، وانصرفوا سالمين غانمين.
وفي سنة 181، ثار على الأمير الحكم بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر، ودخل سرقسطة، وملكها. وحل به عبد الله بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية؛ وكانت وجهته إلى إفرنجة.
وفيها، ثار عبيدة بن حميد بطليطلة؛ فنصب الحكم عمروس بن يوسف لحربه من طلبيرة؛ فكان يتردد لحربهم؛ ثم إن عمروس كاتب رجالا من أهل طليطلة، واستلطفهم حتى مالوا إليه؛ فدعاهم إلى القيام على عبيدة، والفتك به؛ ووعدهم على ذلك بمثوبة جليلة من الأمير؛ فبدروا إليه، وقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى عمروس؛ فأنزلهم عند نفسه بطلبيرة. فلما علم بهم بعض بربر طلبيرة، وكانت بينهم دماء، دخلوا عليهم تلك الليلة الدار؛ فقتلوهم. فبعث عمروس برأس عبيدة وبرؤوس المذكورين، وهم بنو مخشي إلى الحكم بقرطبة، وكتب إليه يخبرهم. ثم إن عمروس أعمل جهده في استجلاب أهل طليطلة بمكاتبتهم، حتى أدخلوه المدينة. فلما تمكن منها، بنى القصر على باب جسرها؛ فأحكمه، وأتقن أمره؛ ثم سعى في قتل رجال طليطلة، وقطع شرهم، وحسم دائهم، توطيدا للمملكة. فأعد للكيد
(2/69)

صنيعا، أظهر أنه يذبح فيه البقر، وأمر أن يكون دخول الناس على باب، وخروجهم على باب. فكان كل من دخل وتجاوز الباب قتل، حتى أفنى من أشرافهم سبعمائة.
وفي سنة 182، كان السيل العظيم بقرطبة، ذهب بربض القنطرة؛ ولم يبق فيه دارا إلا هدمها، حاشى غرفة عون العطار. وبلغ السيل شقندة.
وفيها، دخل سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية الأندلس من العدوة، وتقدم متعرضا لحرب الحكم، في شوال منها؛ فانهزم سليمان، بعدما دارت بينهما حرب شديدة. وفيها، عاد سليمان ثانيا للقتال؛ والتقى مع الحكم أيضا ببنجبطة؛ فانهزم سليمان.
وفي سنة 183، خرج سليمان، ومعه برابر اجتمعوا إليه، إلى ناحية إستجة؛ فغزاه الحكم، والتقيا بمقربة من إستجة؛ فدارت بينهم حروب شديدة أياما. ثم انهزم سليمان بمن كان معه. ثم التقيا أيضا في هذا العام؛ فانهزم سليمان.
وفي سنة 184، حشد أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن من الشرق، فاحتل بجيان، ثم بإلبيرة. فاتبعه جماعة من الكورتين، والتقى معه الحكم؛ فدام القتال بينهم أياما، حتى هم الحكم بالهزيمة. ثم انهزم سليمان، وأفلت. وقتل في المعترك بشر كثير. وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلبه؛ فلحقه بجهة ماردة، وأخذه أسيرا، وأتى به إلى الحكم؛ فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة.
وفي سنة 186، أخرج الحكم إلى عمه عبد الله البلنسي أمانا؛ وهو أول خروج كان إليه، وأول مكاتبة كانت بين الحكم وبينه بعد حلوله ببلنسية.
وفي سنة 187، انعقد أمان عبد الله البلنسي وصلحه بإجزاء الأرزاق عليه، وذلك ألف دينار لكل شهر، وبإجراء المعارف، وذلك ألف دينار لكل عام.
(2/70)

وخرج إليه بهذا الأمان يحيى بن يحيى وابن أبي عامر؛ فعقد الصلح على ذلك وعلى أن يسكن عبد الله بلنسية. وقدم يحيى وابن أبي عامر بولد عبد الله على الحكم؛ فزوجه أخته شقيقته.

مقتل أهل الربض أولا قبل هيجه ثانية
وفي سنة 189، صلب الإمام الحكم اثنين وسبعين رجلا بقرطبة، منهم أبو كعب بن عبد البر، ويحيى بن مضر، ومسرور الخادم. وكان السبب في ذلك أنهم أرادوا الغدر به، وهموا بالخلاف عليه؛ وطلبوا رئيسا يقومون به. فوقع الخبر علي محمد بن القاسم عم هشام بن حمزة، وأطلعوا على أمرهم، ودعوه للقيام معهم؛ فخذلهم، وأفشى سرهم، وتقرب إلى الحكم بدمائهم. فتثبت الحكم، وسأله تصحيح ما رفع إليه؛ فقال له: (هات أمناءك!) فأخفاهم عنده، ووجه عنهم لميعاده؛ ثم قال لهم: (هذا الذي تدعونني إليه لا أثق بمن سميتم، دون أن أسمع منهم كما سمعت منكم؛ فتطيب نفسي، وأدخل في الأمر على قوة وبصيرة!) فأتوه، وسمه مقالتهم، والأمناء بحيث يرون ويسمعون. فلما صح عند الحكم أمرهم بشهادة الأمناء عليهم، أخذهم وصلبهم جميعا بمردة واحدة. ثم أتقن سور قرطبة وحفر خندقها، وتوجه غازيا إلى بلاد المشركين.
ومن قوله (طويل) :
رأيتُ صُدُوعَ الأرضِ بالسيفِ رافِعاً ... وقِدماً لأمتُ الشعثَ مُذْ كُنتُ يافعاَ
فَسَائلْ ثغوري هل بها الآن ثُغْرةٌ ... أبادرها مستنْضِيَ السيف دارعاَ
وشَافِه على الأرض الفضاء جماجِماً ... كأقحاف شريان الهبيدِ لَوامِعاَ
تُنَبِئك أني لم أكُن عن قراعِهم ... بِوانِ وأنِي كنتُ بالسيف قارِعَا
فإني إذا حادوا جِزاعا عن الرَّدَى ... فلم أكُ ذا حيدٍ عن الموت جازِعَا
حَمَيتُ ذماري وانتهكتُ ذِمارَهم ... ومَنْ لا يحامي ظلَّ خَزيان ضَارِعَا
(2/71)

ولما تساقينا سِجالُ حُروبِنَا ... سقَيْتُهُمُ سَمَّا من الموت نافِعَا
وهل زِدتُ أن وقَّيتُهُمْ صاعَ قرضِهم ... فوافوا مَنَاياَ قُدّرَت ومَصَارِعَا
فَهَاكَ بِلادي إنّني قد تركتُها ... مِهَاداً ولم أتْرُكْ عليها مُنَازِعَا
وفي سنة 190، خرج الأمير الحكم غازيا إلى ماردة. فلما وصلها، احتلها وحاصرها (وكان بها أضبغ بن عبد الله بن وانسوس ثائرا) وإذا بالخبر وصله أن سواد أهل قرطبة أعلنوا بالنفاق، وتداعوا إلى صاحب السوق بالسلاح؛ وكتب المخلفون إلى الحكم بما حدث بعده وبما ظهر من ضمائر السفلة؛ فصدر قافلا، وطوى المراحل، وقطع الطريق في ثلاثة أيام، ودخل القصر. فهدأ الناس، وسكنت الأحوال، وصار الناس في هدوء وسكون من سنة 190 إلى سنة 202، والتزموا الدعة اثني عشر سنة.
وترددت الغزوات سبعة أعوام إلى ماردة، وبها أصبغ بن عبد الله ثائرا متمنعا. وكان سبب ثورته أن عدوا لأصبغ طالبه عند الحكم وأغراه عليه. ثم مشى إلى أصبغ بمثل ذلك، وروعه منه؛ فتوقع العقوبة والسطوة به. فكان ذلك سبب دخوله ماردة وقيامه بها. وتكررت الغارات عليه سبعة أعوام؛ فافتتحت في العام السابع بمحاولة انجلت عن طلب الأمان لأصبغ فأمن، وخرج من ماردة، وصار في مصف الحكم؛ فسكن قرطبة؛ ثم فسح له في الاختلاف إلى ضياعه بماردة حتى التاث أمرها، واضطربت حالها.
وفي سنة 192، خرج رذريق صاحب إفرنجة إلى جهة طرطوشة؛ فأغزى الحكم ابنه عبد الرحمن في جيش كثيف، وكتب إلى عمروس وعبدون عاملي الثغر بالغزو معه بجميع أهل الثغر. فتقدم عبد الرحمن بالجنود، وتوافت عليه الحشود، وحفت به المطوعة. فألفوا الطاغية خارجا إلى بلاد المسلمين. ودارت
(2/72)

بينهم حروب شديدة، ثبت الله فيها أقدام المسلمين. فانهزم المشركون؛ وكانت فيهم مقتلة عظيمة؛ ففنى أكثرهم.
وفي سنة 194، غزا الحكم إلى أرض الشرك. وكان السبب في هذه الغزاة أن عباس بن ناصح الشاعر كان بمدينة الفرج (وهي وادي الحجارة) . وكان العدو، بسبب اشتغال الحكم بماردة وتوجيه الصوائف إليها مدة من سبعة أعوام، قد عظمت شوكته، وقى أمره. فشن الغارات في أطراف الثغور، يسبي ويقتل. وسمع عباس بن ناصح امرأة في ناحية وادي الحجارة، وهي تقول: (واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا!) فلما وفد عباس على الحكم، رفع إليه شعرا يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به؛ وأنهى إليه عباس ما هو عليه الثغر من الوهن والتياث الحال. فرثى الحكم للمسلمين، وحمى لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازيا إلى أرض الشرك؛ فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيرا، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وأمر لأهل تلك الناحية بمال من الغنائم، يصلحون به أحوالهم ويفدون سباياهم؛ وخص المرأة وآثرها، وأعطاهم عددا من الأسرى عونا. وأمر بضرب رقاب باقيهم، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: (هل أغاثكم الحكم؟) قالوا: (شفا والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا إذ بلغه أمرنا! فأغاثه الله وأعز نصره!) وفي سنة 196، غزا الحكم إلى بلاد المشركين، وأوغل فيها، وأوقع بهم، وقفل. وفيها، مات تمام بن علقمة الثقفي.
وفي سنة 199، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات أكثر الخلق جهدا.
(2/73)

وفي هذه السنة، أغرى الحكم عمه عبد الله البلنسي الغزوة الشنيعة المشهورة، وكانت ببرشلونة: ألفي المشركين قد حلوا بها يوم احتلاله، وكان يوم الخميس؛ فأراد من معه مناشبة الحرب، وتشوقوا للقتال؛ فمنعهم حتى إذا كان في اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة وقت الزوال، أمر بتعبئة الكتائب، ونصب الردود؛ وقام، فصلى ركعتين؛ ثم نادى في الناس، وركب هو ومن معه، وناهض أهل الشرك. وما أحسبه فعل ذلك إلا ففها وعلما وتأسيا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر بالقتال في تلك الساعة: فإن فيها تهب الأرواح، وتفتح أبواب الجنة، وتستجاب الدعوات، فمنحهم الله أكناف المشركين، وانهزموا. وقتل عامتهم، وفرق جمعهم. فلما أقلع عن القتال وانجلت الحرب، نصب قناة طويلة، فأثبتت في الأرض؛ وأمر بالرؤوس؛ فجمعت وطرحت حواليها حتى غابت القناة فيها (ولم تظهر) .

ذكر دخول الحكم طليطلة حين خالفت عليه
وذلك أنه أظهر الغزو إلى بلاد المشركين، وقصد تدمير، وهو يريد في نفسه طليطلة. فنزل تدمير، واضطرب فيها، ونازل بعض حصونها. وكتب إلى عمال الثغر بنزوله فيها وحربه لها؛ فأمن أهل طليطلة، وانتشروا في بسائطهم، ونظروا في زروعهم، وله عليهم عيون. فلما صحَّ عبده انبساطهم، جعل يتغرب من أحواز تدمير، وأخبار طليطلة ترد عليه. فلما أمكنته الفرصة فيها، جدَّ السير إليها، وطوى المراحل؛ فوصل إليها ليلا، وسبق بقطيع من الحشم. فدخل طليطلة ليلا، ولم يعلم بدخوله، وأهلها في غفلة، وأبوابها مفتحة. وتتابع العسكر عليه بمقدار قوة كل أحد. فملكها، وحال بين أهلها وبينها، وقطع الخروج عمن كان بها إلى من كان بخارجها. فاستوسق له ملكها دون مئونة ولا قتال.
(2/74)

فاستنزل أهلها من الجبال إلى السهل، وحرق ديارها، وسكنهم في الصحراء. ثم ردهم إليها.
وفي سنة 200، أغزى الحكم وزيره عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد المشركين؛ فدخلها، وتوسطها، وأهلك معائشها ومرافقها، وحطم زروعها، وهدم منازلها وحصونها، حتى استوفي جميع قرى وادي أرون. فحشدت إليه الطاغية - دمرها الله! - وانجلبت النصرانية من كل مكان، وأقبلت الجموع، ونزلت بعدوة نهر أرون؛ وصار النهر حاجزا بينهم وبين المسلمين. فلما أصبح، نهض عبد الكريم بمن معه إلى مخائض الوادي؛ ونهض أعداء الله إليهم؛ فقاتلوهم على كل مخاضه منها؛ فجالدهم المسلمون عليها مجالدة الصابرين المحتسبين. واقتحم أعداء الله النهر إليهم؛ فاقتتلوا على مخاضته. ثم حمل المسلمون عليهم حملة صادقة؛ فأضغطوهم في المضايق، وأدخلوهم على غير طريق؛ فأخذتهم السيوف والطعن بالرماح والغرق في المياه؛ فقتل من المشركين عدد عظيم لا يحصى كثرة، ومات أكثرهم بالتردي ودرس بعضهم بعضا، وصاروا بعد المطاعنة والمجالدة بالرماح والسيوف إلى القذف بالحجارة؛ وأكثروا الحراس بالمخائض، ووعروها بالخشب، وحفروا الحفائر، وخندقوا الخنادق. ونزلت الأمطار؛ وكان قد فرغ ما كان لأعداء الله من المرافق؛ وضاقت الحال أيضا بالمسلمين؛ فقفل عبد الكريم ظافرا لسبع خلون من ذي القعدة.
ولم يكن في سنة 201 صائفة ولا حركة مشهورة.

ذكر هيج أهل الربض ثانية في سنة 202
كان من أهل ربض قرطبة في هذه السنة ما نستعيذ بالله من الخذلان في مثله، وذهاب التوفيق. وقد اختلفت الروايات في سبب قيام الناس وهيجهم؛ فمنهم
(2/75)

من يقول إن ذلك الهيج كان أصله الأشر والبطر، إذ لم يكن ثم ضرورة من إجحاف في مال، ولا انتهاك لحرمة، ولا تعسف في ملكة، والحال تدل على صحة ذلك: فإنه لم يكن على الناس وظائف، ولا مغارم، ولا سخر، ولا شئ يكون سببا لخروجهم على السلطان، بل كان ذلك أشرا وبطرا، وملالا للعاقبة، وطبعا جافيا، وعقلا غبيا، وسعيا في هلاك أنفسهم - أعاذنا الله من الضلال والخذلان، وأسباب البوار والخسران! ولما اهتاجوا وقاموا على السلطان، ناصبهم الحكم القتال، وواضعهم الحرب. وانحاش إليه حاشيته وجنده، وتألب من كل وجه رجاله. وقامت الحرب بين الجند وعامة قرطبة على ساق. ثم تكاثرت العامة، وهاجت الدهماء السوداء؛ فلم يزيدوا على أن ظهروا في ذلك الحين ظهروا لم يبلغهم إلى أمل فلما اشتغلوا بالقتال، احتيل عليهم بمثل حيلة يوم الحرة، وهم لا يشعرون لاشتغالهم بالقتال؛ فخرج عبيد الله بن عبد الله البلنسي المعروف بصاحب الصوائف، وإسحاق بن المنذر القرشي إلى باب الجسر، مع من أمكنهما من الفرسان والرجالة، والتقوا مع العامة، وجالدوهم حتى أزاحوهم وأدخلوهم الجسر؛ وفتح باب المدينة عند الجسر، ودخل الذين سمينا على باب الحديد؛ ثم اقتحموا على الزقاق الكبير، وخرجوا على الرملة إلى مخاضة هناك، وجازوا النهر، واجتمعوا مع من توافى عليهم من حشود الكور، إذ كانوا قد أنذروا قبل ذلك بما كان بدا منهم، وظهر من علاماتهم. فلما اجتمعوا، أقبل بعضهم من وراء الربض، وشرع بعض في طرح النار في الدور، ودسوا من أخبر العامة بما نزل بهم في دورهم وذراريهم وعيالهم؛ فلم يبق أحد منهم دون أهله ومنزله، وانصرفوا راجعين نحوها. فأخذتهم السيوف من أمامهم وورائهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا، وتتبعوا في الأزقة والطرق، يقتلون؛ ونجا منهم من تأخر أجله، ففرَّ، فلم يلو على
(2/76)

أهل ولا ولد. وأخذ منهم ثلاثمائة رجل؛ فصلبوا على الوادي، صفا واحدا من المرج إلى المصارة.
وكان الحكم قد عزم على تتبعهم بالأندلس، وقتلهم حيث وجدوا؛ فكسر عليه بعض أصحابه، وذكره صنع الله له فيهم؛ فارعوى وكف. فخرجوا أفواجا بأهاليهم وأولادهم. ولم يعرض لأحد منهم في شئ من بلاد الأندلس، وهي طاعته وملكه، ولا نالهم ضر بعد وقت المعركة وغليان الحال، كرما وعفوا من الأمير الحكم - رحمه الله! - وعف الحكم عن الأموال والحرم. وتفرق أهل الربض في جميع أقطار الأندلس؛ ومنهم من جاز البحر إلى العدوة بالأهل والواد؛ فاحتلوا بعدوة فاس، فهم عدوة الأندلس منها؛ فصيروها مدينة. ومنهم أهل جزيرة إقربطش؛ فذكر أنه لم يخرج منهم طائفة بناحية من نواح الدنيا إلا وتغلبوا عليها، واستوطنوها على قهر من أهلها. وأكثر من هرب من أهل العلم والخير ممن اتهم أو خاف على نفسه إلى ناحية طليطلة، ثم أمنهم الحكم، وكتب لهم أمانا على الأنفس والأموال، وأباح لهم التفسح في البلدان حيثما أحبوا من أقطار مملكته، حاشى قرطبة أو ما قرب منها.
وفي سنة 206، اشتد مرض الحكم بن هشام؛ فأخذ البيعة لابنه عبد الرحمن، ثم للمغيرة من بعده. وانعقدت البيعة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة. فبويع له ذلك اليوم في القصر؛ واختلف الناس بعد ذلك اليوم إلى دار عبد الرحمن بن الحكم يبايعونه؛ وبايعوا المغيرة في دار أخيه عبد الرحمن أيضا؛ ثم ركب المغيرة إلى الجامع، ونزل فيه يوما بعد يوم لمبايعة الناس له؛ وكانوا يبايعونه عند المنبر؛ ثم بايعوه في داره. ولما انقضت البيعة لعبد الرحمن والمغيرة بعده، أمر الحكم بن هشام بهدم الفندق الذي كان بالربض؛ وكان متقبله من أهل الإضرار والفسق؛ فهدم. وتوفي الأمير الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة من السنة؛ وصلى عليه ابنه عبد الرحمن؛ ودفن بالقصر.
(2/77)

بعض أخباره وسيره
كان الحكم - رحمه الله! - شديد الحزم، ماضي العزم، ذا صولة تتقى. وكان حسن التدبير في سلطانه، وتوليه أهل الفضل والعدل في رعيته؛ وكان مبسوط اليد. وكان له قاض كفاه بورعة وعلمه وزهده؛ فمرض مرضا شديدا؛ فاغتم الحكم لمرضه؛ فذكر بعض خاصته أنه أرق ليلة أرقا شديدا، وجعل يتململ على فراشه؛ فقيل له: (أصلح الله الأمير! ما الذي عرض؟) فقال: (ويحكم! إني سمعت في هذه الليلة نادبة، وقاضينا مريض، وما أراه إلا وقد قضى نحبه. فأين لي بمثله، ومن يقوم بالرعية مقامه؟) فمات القاضي في تلك الليلة، وهو المصعب بن عمران قاضي أبيه. فولى بعده محمد بن بشير.
فكان أقصد الناس إلى حق، وأبعدهم من جور، وأنقذهم بحكم. ورفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية، وصيرها إلى الحكم؛ فوقعت من قلب الحكم كل موقع؛ فأثبت الرجل أمره عند القاضي، وأتاه بينة تشهد على معرفة ما تظلم منه ويملكه للجارية وبمعرفتهم بها. فأوجبت السنة أن تحضر الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم؛ فأذن له؛ فلما دخل عليه، قال له: (أيها الأمير! أنه لا يتم عدل في العامة دون إقامته في الخاصة!) وحكى له أمر الجارية، وخيره بين إبرازها للبينة ليشهد على عينها، أو عزله. فقال له الحكم: (أولا. أدعوك إلى خير من ذلك! تبتاع الجارية من صاحبها بأبلغ ما يطلب فيها.) فقال القاضي: (إن الشهود قد شهدوا من كورة جبان، وأتى الرجل يطلب الحق في مظامه؛ فلما صار ببابك، تصرفه دون إنفاذ الحق له؛ ولعل قائلا يقول: باع ما لا يملك بيع مقور!) فلما رأى عزمه على ذلك، أمر بإخراج الجارية من قصره؛ فشهد الشهود عنده على عينها، وقضى بها لصاحبها. وكان هذا القاضي محمد بن بشير، إذا خرج للمسجد، وجلس للأحكام،
(2/78)

جلس في رداء معصفر، وشعر مفرق؛ فإذا طلب ما عنده، وجد أفضل الناس وأورعهم.
وكان الحكم يقول: (ما تحلى الخلفاء بمثل العدل!) وكانت فيه بطالة، إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفو. وكان يسلط قضاته وحكامه على نفسه، فضلا عن ولده وخاصته. وكانت للحكم ألف فرس مرتبطة بباب قصره على جانب النهر، عليها عشرة من العرفاء، تحت يد كل عريف مائة فرس؛ فإذا بلغه عن ثائر ثار في أطرافه، عاجله قبل استحكام أمره؛ فلا يشعر حتى يحاط به. وجاءه الخبر يوما أن جاب بن لبيد محاصر لجيان، وهو يلعب بالصولجان في القصر؛ فدعا بعريف من أولئك العرفاء، وأسر إليه أن يخرج بمن تحت يده إلى جابر بن لبيد؛ ثم فعل كذلك مع أصحابه من العرفاء. فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه مسربلين في الحديد؛ فلما رأى العدو ذلك، سقط في يده، وظن أن الدنيا قد حشرت إليه؛ فولى بمن معه منهزما.
وكان الحكم فصيحا بليغا شاعرا مجيدا. فمن شعره - رحمه الله! - يتغزل، وذلك أنه كان له خمس جوار قد استخلصهن لنفسه وملكهن أمره؛ فذهب يوما إلى الدخول عليهن؛ فأبين عليه، وأعرضن عنه. وكان لا يصبر عنهن. فقال (البسيط) :
قُضْب من البازِ مَلسَت فَوقَ كُثْبانِ ... أعْرَضْنَ عَنّي وقد أزْمَعْنَ هِجْرانِي
ناشَدتُّهَنَّ بحقِي فاعْتزَمْن علي ... الهِجْرانِ حتَّى خَلا مِنْهنَّ هيْمانِي
مَلكنني مُلكَ مَنْ ذَلتْ عَزِيمَتُهُ ... للحبِّ ذُلَّ أسِير موثَّقٍ عانِي
مَنْ لي بُمغْتَصباتِ الرُّوح من بَدنِي ... عصبنب في الهوى عِزّي وسلطانِي
ثم إنهنَّ عدن عليه بالوصل؛ فقال (خفيف) :
نِلْتُ كُلَّ الوصال بعد البِعَادِ ... فكأنِي مَلكْتُ كُلَّ العِبادِ
وتَنَاهَى السُّروُر إذْ نِلتُ مَا لَمْ ... يُغنِ فيه تَكاشُفُ الأجْنَادِ
(2/79)

ومن مليح قوله فيهن - رحمه الله! - (خفيف) :
ظَلَّ مِنْ فَرْطِ حُبِّهِ مَمْلوكا ... ولقد كان قَبْلَ ذَاكَ مَليِكا
إن بكَى أو شَكَا الهَوى زِيدَ ظُلماً ... وبعاداً يُدنِى حماماً وشَيكا
تَرَكَته جاذر القصر صَبَّا ... مُستهاما على الصَّعِيدِ تَريكَا
يجْعَل الخَدَّ ماثلاً فوق تُربٍ ... وَهْوَ لا يرتَضِي الحَرِيرَ أريكا
هكذا يَحْسُنُ التذَلُلُ للحُرِّ ... إذا كان في الهَوَى ممْلُوكا
وله - رحمه الله! - أشعار كثيرة في الربضيين القائمين عليه، لا يجاريه فيها حد. وقد تقدم منها ما يستدل به على فضله. ولما دنت وفاته، عتب نفسه فيما تقدم منه عتابا، وتاب إلى الله مثابا، ورجع إلى الطريقة المثلى، وقال: إن الآخرة هي الأبقى والأولى؛ فتزين بالتقوى، واعتصم بالعروة الوثقى؛ وأقر بذنوبه واعترف، وأنس إلى قوله تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. وكان من عباد الله المتقين، إلى أن أتاه من ربه اليقين. فتوفي - رحمه الله! - سنة 206.

خلافة عبد الرحمن بن الحكم بن هشام
كنيته: أبو المطرف. أمه: تسمى حلاوة. مولده: سنة 76. حاجبه: عبد الكريم بن عبد الواحد. وزراؤه: تسعة؛ رزق كل واحد ثلاثمائة دينار. كتابه: ثلاثة: عبد الكريم المذكور، وسفيان بن عبد ربه، وعيسى بن شهيد. قضاته: أحد عشر؛ منهم: يحيى بن مغمر، وقبله مسرور بن محمد بن بشير، ثم سعيد ابن محمد بن بشير، ثم يحيى المتقدم الذكر، وغير هؤلاء؛ وإنما كثر القضاة في أيامه لأن المشاور في عزلهم وولايتهم يحيى بن يحيى الليثي؛ فكان لا يولى رجلا إلا برأيه؛ فكان يحيى بن يحيى، إذا أنكر من القاضي شيئا، قال له: (استعف وإلا رفعت بعزلك!) فكان يستعفي أو يشير يحيى بعزله، فيعزل.
(2/80)

نقش خاتمه: (عبد الرحمن بقضاء الله راض.) وكان له قبل ذلك خاتم باسمه؛ فتلف؛ وأمر بطلبه، فلم يوجد؛ فأعاد نقش خاتم جده عبد الرحمن، بعد أن خرج نصر الفتى من عند الأمير هذا بالخاتم للنقش، وبعث في عبد الله بن الشمر الشاعر، وقال له: (إن الأمير أمر بنقش هذا الخاتم؛ فقل ما ينقش فيه!) فقال (رمل) :
خاتَمٌ للمُلْكِ أضْحَى ... حُكمُه في الناسِ مَاضِ
عابِدُ الرَّحمنِ فِيهِ ... بقَضَاء اللهِ رَاضِي
فاستحسن ذلك الأمير عبد الرحمن، وأمر بنقشهما في الخاتم.
صفته: طويل، أسمر، أقنى، أعين، أكحل، عظيم اللحية يخضب بالحناء والكتم. بويع بعد موت أبيه بيوم واحد، وذلك يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 206، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة 238. عمره: اثنان وستون سنة. خلافته: إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام. بنوه الذكور: خمسة وأربعون، وبناته: اثنتان وأربعون.
وفي سنة 207، ثارت بتدمير فتنة بين مضر ويمن، ودامت سبع سنين؛ فأغزى إليهم الأمير عبد الرحمن في هذا العام يحيى بن عبد الله بن خلف؛ ثم كان يبعث إليهم المرة بعد المرة بالقواد؛ فيفترقون؛ فإذا قفلوا، عادوا إلى الفتنة. وكانت بينهم وبين يحيى بن عبد الله وقبعة تعرف بوقعة المصارة بلورفة، انتهى مبلغ القتلى فيهم إلى ثلاثة آلاف.
وفيها كان بالأندلس جوع شديد، مات به كثير من الخلق.
وفي سنة 208، كانت الغزاة المعروفة بغزاة ألبة والقلاع، غزاها عبد الكريم ابن عبد الواحد بالصائفة، واحتل بالثغر؛ وتوافت عليه عساكر الإسلام، واختلفوا في الدخول على أي باب يكون إلى دار الشرك؛ ثم اجتمعوا على أن يكون
(2/81)

من باب ألبة، إذ كان ذلك الباب أنكى للعدو وأحسم لدائه؛ فاقتحموا من فج يقال له جرنيق؛ وكان وراءه بسيط للعدو، فيه خزائنه وذخره. فوقع أهل العسكر على تلك البسائط، فاستصفوها، وعلى ذخر تلك الخزائن، فانتهبوها؛ واستوعبوا خراب كل ما مروا عليه من العمران والقسرى، وأقفروها. وانصرف المسلمون غانمين ظافرين. والحمد لله! وفي سنة 209، توفي عبد الكريم بن عبد الواحد؛ وكان قد أخذ في الحركة إلى أرض العدو؛ فاعتل. وعوض منه الأمير عبد الرحمن بن الحكم أمية ابن معاوية بن هشام. فغزا بالصائفة إلى أوريط؛ فاحتل بها، وهي يومئذ للإسلام؛ فأخذ أهل الذنوب والريب، وعفا عن الباقين؛ ثم تقدم إلى شنت برية وتدمير. وكان أبو الشماخ رئيس اليمانية يقوم بدعوة الأمين على المضرية. وكانت بينهم وقعة بمرسية كوقعة يوم المصارة بلورقة، فنى فيها من المسلمين أعم. وكان انبعاث هذه الفتنة وسببها بين المضرية واليمانية على ورقة دالية أخذها مضري من جنان يماني؛ فقتله اليماني؛ فكان ذلك سبب الحروب التي دارت بين الفريقين؛ واتصلت أعواما؛ وكانت الدوائر تدور أكثرها على اليمانية والقتلى منهم، وذلك أحد عجائب الدهر.
وفي سنة 210، أمر الأمير عبد الرحمن ببنيان الجامع بمدينة جيان. وفيها، كتب إلى عامل تدمير أن ينزل بمرسية ويتخذها موطنا؛ فكانت حينئذ موضع نزولهم وموضع قرارهم؛ وأمر بهدم مدينة آله من تدمير، ومنها ثارت الفتنة أولا. وفيها، افتتح فرج بن مسرة في أرض العدو حصن القلعة؛ وكان مسرة عامل جيان.
وفي سنة 211، ثار طوريل بتاكرنا؛ فأخرج إليه الأمير عبد الرحمن معاوية ابن غانم في حشد؛ فظفر به، وقطع عاديته.
(2/82)

وفي سنة 213، غزا عبيد الله بن عبد الله البلنسي بالصائفة إلى دار الحرب؛ فجال في أرض العدو حتى بلغ برشلونة، وتردد في تدريخها وانتسافها ستين يوما.
وفي سنة 213، انقطعت الفتنة بتدمير، واستنزل أبو الشماخ وغيره من القلاع، وانقطعت عاديتهم؛ وصار أبو الشماخ من ولاة الأمير عبد الرحمن ومن ثقاته.
وفي سنة 214، ثار الضراب بطليطلة؛ واسمه هاشم؛ وسمى الضراب لأنه لما أحرق الحكم طليطلة، وأنزل أهلها منها إلى السهل، أخذ رهائنهم. فدخل حينئذ هاشم الضراب قرطبة، وصار يضرب بالمعول في الحدادين أجيرا؛ فعرف بالضراب. ثم خرج من قرطبة إلى طليطلة؛ فاستدعى أهل الشر والفساد، وأليهم؛ فتألب إليه منهم نفر؛ فخرجوا يغيرون على العرب والبربر. وتسامع أهل الشر به؛ فقطعوا إليه، حتى اجتمع له منهم جمع عظيم وخلق كثير؛ فعلا ذكره، وانتشر صيته. وأوقع بالبربر بشنت برية، ودارت له عليهم دوائر. فأخرج الأمير عبد الرحمن إليه محمد بن رستم، وأمره بحربه؛ فحاربه في هذه السنة.
وفي سنة 216، توافت الجنود لمحمد بن رستم عامل الثغر؛ فناهض هاشما الضراب. وكان قد تغلب على جانب الثغر. وكان عبد الرحمن قد استقصر محمد ابن رستم في حقه، وكتب إليه يعنفه؛ فتقدم ابن رستم، والتقى مع هاشم الضراب؛ فوقعت بينهم حرب شديدة أياما؛ ثم انهزم هاشم، وقتل هو ومن كان معه؛ وكانوا آلافا.
وفي سنة 217، حوصرت ماردة وضيق عليها، حتى فرَّ عنها خلق كثير، وقتل منهم كثير.
وفي سنة 218، كان الكسوف العظيم، الذي توارت معه الشمس، وبدا
(2/83)

الظلام؛ وكان ذلك قبل زوال الشمس، في أواخر رمضان. وفيها، استوزر الأمير عبد الرحمن ابن شهيد واستحجبه. وفيها، قامت الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة من الأرجل التي بين السواري إلى القبلة.
وفي سنة 219، غزا بالصائفة أمية بن الحكم إلى طليطلة وحاصرها؛ ثم قفل العسكر بعد أن أتلف زروعهم وقطع ثمارهم. وأبقى بقلعة رباح ميسرة الفتى لمحاصرة طليطلة؛ فخرج جمع عظيم من طليطلة يريدون قلعة رباح؛ فبلغه خبرهم؛ فجمع الجموع، وكمن الكمائن. فلما قربوا منها، وفرقوا خيلهم في الغارة، خرجت عليهم الكمائن؛ فقتلوا، وحزت رؤوسهم؛ فجمعت بين يدي ميسرة؛ واجتمع منها جملة عظيمة. فلما رأى ذلك، ارتاع وداخله الندم؛ فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات ندما وأسفا.
وفي سنة 220، غزا الأمير عبد الرحمن؛ فجعل صدر وجهته على طليطلة، وولى أبا الشماخ قلعة رباح، وأبقى عنده خيلا كثيفة ورجلا كثيرة لمناهضة طليطلة، وتقدم هو إلى كور الغرب. وكان سليمان بن مرتين قد تحيل علية يحيى الماردي؛ فأخرجه من ماردة؛ فكان في قنن الجبال حينا؛ فحل عليه الأمير في هذه الغزاة، وحاصره حتى ضاق سليمان بن مرتين في الحصن؛ فخرج ليلا؛ فبينا هو يمشي، إذ وافق صخرة ملساء على وجه الأرض؛ فزلق به الفرس؛ فسقط، ومات. ووجده رجل؛ فاحتز رأسه، وادعى قتله؛ ثم عرف أمره.
وفي سنة 221، افتتحت طليطلة. وكان السبب في ذلك أن ابن مهاجر خرج عنها، ونزع إلى قلعة رباح، واستدعى القؤاد؛ فخرجوا إليه. فنهض بهم إلى أبواب المدينة، وقطع عنهم مرافقهم. فكان ذلك أقوى الأسباب في افتتاحها. وكان عبد الواحد الإسكندراني بعثه الأمير الأيهم؛ فوجدهم قد بلغ بهم الجهد.
(2/84)

ثم أطل عليهم الأمير؛ فافتتحها قهرا، ودخلها على حكمه، وأمر بتجديد القصر الذي كان بناه عمروس في أيام الحكم على باب الجسر. وقيل إن الذي افتتح طليطلة الوليد بن الحكم، وجهه إليها أخوه عبد الرحمن.
وفي سنة 222، افتتحها عنوة، ودخلها في شهر رجب من هذه السنة على حكمه.
وفي سنة 223، أعزى الأمير عبد الرحمن بن الحكم أخاه الوليد بن الحكم إلى جليقية؛ فدخل من باب الغرب مع قطيع من العسكر؛ فدوخها. وكانت له فتوحات كثيرة.
وفي سنة 224، أغزى الإمام عبد الرحمن ابنه الحكم إلى دار الحرب، وأمره بالتجوال في جهات الثغور، ليتعرف أخبارها ومصالحها. وأمر بإصلاح قنطرة سرقسطة. ودخل الحكم بالصائفة إلى دار الحرب؛ فدوخها، وقتل من المشركين ما لا يحصى. واجتمع من رؤوسهم أكداس كالجبال، حتى كان الفارس يقف من ناحية؛ فلا يرى صاحبه من ناحية أخرى من عظمها.
وفيها، كانت رجوم بالنجوم، في جمادى الآخرة؛ وتناثرت الكواكب من قبلة إلى جوف، ومن شرق إلى غرب، بجزيرة الأندلس.
وفي سنة 225 غزا الإمام عبد الرحمن بنفسه أرض جليقية. ففتح حصونها، وجال في أرضها. وطالت غزاته، وتعب كثيرا؛ فأرق في بعض الليالي؛ فلما كان في بعض الليل، حضر عبد الله بن الشمر الشاعر؛ فوصف له أرقه، وأنه تذكر بعض من حن إليه؛ فقال عبد الرحمن بن الشمر (متقارب) :
(2/85)

عَدَانِيَ عَنْكَ مَزَار العِدَى ... وقَودِي إليهم لُهَاماً مَهيبَا
وكَمْ قَدْ تعسفتُ من سَيْسَبٍ ... وجاوَزتُ بعد دُروبِ دُرُوبا
وادَّرعُ النَّقْعَ حتى لَبِستُ ... من بَعْدِ نَضْرةِ وَجهي شُحُوبا
ألاقِي بوجهب سموم الهجِيرِ ... وقد كادَ مِنْه الحَصَى أن يَذُوبا
أنا ابن الهِشامَين مِن غالبٍ ... أشُبُّ حُرُوبا وأطِفْي حُرُوبا
وَبي أدَّرَكَ الله دينَ الهُدَى ... فأحْيُيْتُهُ واصطلَمْتُ الصَّلِبا
سموتُ إلى الشِرْكِ في جَحفَل ... مَلأتُ الحُزُونَ بِهِ والسُّهُوبَا
وفي سنة 226، غزا بالصائفة إلى جليقية من بلاد العدو مطرف بن عبد الرحمن؛ فتوسط بسيطهم، وذهب بنعمتهم؛ وكان القائد عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني.
وفي سنة 227، خرج، عبيد الله بن عبد الله صاحب الصوائف؛ فلما حصل بين أربونة وسرطانية، تجالب الأعداء من كل ناحية، وأحاطوا بالعسكر ليلا؛ فقاتلهم المسلمون الليل كله؛ فلما انبلج الضوء، أيد الله المسلمين، وهزم الأعداء.
وفي سنة 228، خرج الأمير عبد الرحمن بنفسه إلى أرض العدو، وخلف في القصر ولده المنذر، وجعل على ميمنته ولده محمدا وعلى الميسرة ولده المطرف. فلقي جيشا كبيرا من المشركين؛ فناشبهم الحرب؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، وهزموا المشركين، وأثخنوا فيهم القتل. وأفاء الله على المسلمين من ذراري أهل بنبلونة وخيلهم وأسلحتهم ما عظم به من الله سبحانه المن. وقفل غزيرا في منتصف شوال. وكان خروجه من قرطبة لتسع بقين من شعبان.
(2/86)

وفي سنة 229، خرج الأمير عبد الرحمن لمحاصرة موسى بن موسى بتطيلة؛ فدوخ بلاده، ثم صالحه. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فكانت له بها وقعة عظيمة على المشركين، فني فيها أعداء الله؛ وكان معهم موسى بن موسى؛ فناله ورجاله ما نالهم.
وفيها، ورد كتاب وهب الله بن حزم عامل الأشبونة، يذكر أنه حل بالساحل قبله أربعة وخمسون مركبا من مراكب المجوس، معها أربعة وخمسون قاربا؛ فكتب إليه الأمير عبد الرحمن وإلى عمال السواحل بالتحنظ.

دخول المجوس إشبيلية في سنة 230
فخرج المجوس في نحو ثمانين مركبا، كأنما ملأت البحر طيرا جونا؛ كما ملأت القلوب شجوا وشجونا. فحلوا بأشبونة؛ ثم أقبلوا إلى قادس، إلى شذونة؛ ثم قدموا على إشبيلية؛ فاحتلوا بها احتلالا، ونازلوها نزالا، إلى أن دخلوها قسرا، واستأصلوا أهلها قتلا وأسرا. فبقوا بها سبعة أيام، يسقون أهلها كأس الحمام. واتصل الخبر بالأمير عبد الرحمن؛ فقدم على الخيل عيسى بن شهيد الحاجب، واتصل المسلمون به اتصال العين بالحاجب. وتوجه بالخيل عبد الله ابن كليب وابن رستم وغيرهما من القواد واحتل بالشرف. وكتب إلى عمال الكور في استنفار الناس؛ فحلوا بقرطبة، ونفر بهم نصر الفتى. وتوافت للمجوس مراكب على مراكب، وجعلوا يقتلون الرجال، ويسبون النساء، ويأخذون الصبيان، وذلك بطول ثلاثة عشر يوما. ذكر ذلك في (بهجة النفس) . وفي كتاب (درر القلائد) : سبعة أيام، كما تقدم. وكانت بينهم وبين المسلمين ملاحم. ثم نهضوا إلى قبطيل؛ فأقاموا بها ثلاثة أيام، ودخلوا قورة، على اثني عشر ميلا من إشبيلية؛ فقتلوا من المسلمين عددا كثيرا؛ ثم دخلوا إلى طلياطة، على ميلين من إشبيلية؛ فنزلوها ليلا، وظهروا بالغداة بموضع يعرف بالنخارين؛ ثم
(2/87)

مضوا بمراكبهم، واعتركوا مع المسلمين. فانهزم المسلمون، وقتل منهم ما لا يحصى. ثم عادوا إلى مراكبهم. ثم نهضوا إلى شذونة، ومنها إلى قادس، وذلك بعد أن وجه الأمير عبد الرحمن قواده؛ فدافعهم ودافعوه؛ ونصبت المجانيق عليهم، وتوافت الأمداد من قرطبة إليهم. فانهزم المجوس وقتل منهم نحو من خمسمائة علج؛ وأصيبت لهم أربعة مراكب بما فيها؛ فأمر ابن رستم بإحراقها وبيع ما فيها من الفيء. ثم كانت الوقعة عليهم بقربة طلياطة يوم الثلاثاء لخمس بقين من صفر من السنة، قتل فيها منهم خلق كثير، وأحرق من مراكبهم ثلاثون مركبا. وعلق من المجوس بإشبيلية عدد كثير، ورفع منهم في جذوع النخل التي كانت بها. وركب سائرهم مراكبهم، وساروا إلى لبلة؛ ثم توجهوا منها إلى الأشنونة؛ فانقطع خبرهم.
(وكان احتلالهم بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم من سنة 230) . وكان لبن دخولهم إلى إشبيلية وخروج من بقى منهم وانقطاعهم اثنان وأربعون يوما؛ فقتلهم الله وأبادهم، وبدَّد عددهم وأعدادهم؛ وقتل أميرهم نقمة من الله وعذابا، وجزاء بما كسبوا وعقابا. ولما قتل الله أميرهم، وأفنى عديدهم، وفتح فيهم، خرجت الكتب إلى الآفاق بخبرهم. وكتب الأمير عبد الرحمن إلى من بطنجة من صنهاجة، يعلمهم بما كان من صنع الله في المجوس، وبما أنزل فيهم من النقمة والهلكة؛ وبعض إليهم برأس أميرهم وبمائتي رأس من أنجادهم.
وفي سنة 231، غزا بالصائفة جليقية محمد ابن الأمير عبد الرحمن؛ فحصرها، وحصر مدينة ليون، ورماها بالمجانيق. فلما أيقنوا بالهلاك، خرجوا ليلا، ولجئوا إلى الجبال والغياض؛ فأحرق ما فيها، وأراد هدم سورها؛ فوجد سعته ثمان عشرة ذراعا؛ فتركه؛ وأمعن في بلاد الشرك قتلا وسبيا.
(2/88)

وفي سنة 232، قحطت الأندلس قحطا شديدا؛ وكانت فيها مجاعة عظيمة، حتى هلكت المواشي، واحترقت الكروم، وكثر الجراد.
وفي سنة 234، أمر الأمير بتوجيه العساكر إلى أهل جزيرة ميورقة، لنكايتهم، وإذلالهم، ومجاهرتهم بنقضهم العهد، وإضرارهم بمن مر عليهم من مراكب المسلمين. فغرتهم ثلاثمائة مركب؛ فصنع الله للمسلمين جميلا، وأظفرهم بهم، وفتحوا أكثر جزائرهم.
وفي سنة 34 المذكورة، توفي يحيى بن يحيى؛ فاستراح القضاة من همه.
وفي سنة 235، ورد كتاب أهل ميورقة ومنورقة إلى الأمير عبد الرحمن، يذكرون ما نالهم من نكاية المسلمين لهم؛ فكتب إليهم كتابا أذكر هنا فصولا منه، وهو: (أما بعد، فقد بلغنا كتابهم، تذكرون فيه أمركم، وإغارة المسلمين الذين وجهناهم إليكم لجهادكم، وإصابتهم ما أصابوه منكم من ذراريكم وأموالكم، والمبلغ الذي بلغوه منكم، وما أشفيتم عليه من الهلاك. وسألتم التدارك لأمركم، وقبول الجزية منكم، وتجديد عهدكم على الملازمة للطاعة، والنصيحة للمسلمين، والكف عن مكروههم، والوفاء بما وتحملونه عن أنفسكم. ورجونا أن يكون فيما عوقبتم به صلاحكم، وقمعكم عن العود إلى مثل الذي كنتم عليه. وقد أعطيناكم عهد الله وذمته!) وفيها، كان سيل عظيم بجزيرة الأندلس، حمل وادي شيل، وخرب فوسين من حنايا قنطرة إستجة، وخرب الأسداد والأرحاء. وذهب السيل بست عشرة قرية من قرى إشبيلية على النهر الأعظم. وحمل وادي تاجه؛ فأذهب ثمان عشرة قرية؛ وصار عرضة ثلاثين ميلا.
وفي سنة 236، ثار رجل من البربر، يقال له حبيب البرنسي، بجبال
(2/89)

الجزيرة؛ وتأبش إليه جماعة من أهل الشر والفساد؛ فأخرج إليه عبد الرحمن الأجناد. فلما وصلوا إليه، ألقوا البربر قد قصدوا حبييا ومن تأبش إليه؛ فتغلبوا على المعقل الذي كان انضوى إليه، وأخرجوه عنه، وقتلوا عدة كثيرة من أصحابه. وافترق بقيتهم عنه، ودخل حبيب في غمار الناس. فكتب الأمير عبد الرحمن إلى عمال الكور بالبحث عنه.
وفي سنة 237، قام رجل من المعلمين بشرق الأندلس؛ فادّعى النبوءة، وتأول القرآن على غير تأويله؛ فاتبعه جماعة من الغوغاء، وقام معه خلق كثير. وكان من بعض شرائعه النهي عن قص الشعر وتقليم الأظفار، ويقول: [لا تغيير لخلق الله!] فبعث إليه يحيى بن خالد؛ فأتى به. فلما دخل عليه، كان أول ما خاطبه به إن دعاه إلى اتباعه والأخذ بما شرع؛ فشاور فيه أهل العلم؛ فأشاروا بأن يستناب فإن تاب، وإلا قتل. فقال: (كيف أتوب من الحق الصحيح!) فأمر بصلبه. فلما رفع في الخشبة، قال: (أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله!) فصلبه، وكتب إلى الأمير يخبره.
وفي سنة 238، توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله! - ليلة الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من السنة. وما زال يقتني المآثر، وبيني المكارم والمفاخر، حتى قبضته شعوب، وأرداه مردى القبائل والشعوب.

ذكر بعض أخباره على الجملة وسيره
لما ولي الأمير عبد الرحمن، بعث في اخوته وأهله ووزرائه؛ فبايعوه، وبايعته العامة. ثم صلى على أبيه الحكم. فلما قضى صلاته وواراه، جلس بالأرض متطأطئا، ليس تحته وطاء، وجلس من كان معه. ثم افتتح القول؛ فقال: (الحمد لله، الذي جعل الموت حتما من قضائه، وعزما من أمره، وأجرى الأمور على مشيته؛ فاستأثر بالملكوت والبقاء، وأذل خلقه بالفناء؛ تبارك
(2/90)

اسمه وتعالى جده) ! وصلى الله على محمد نبيه ورسوله، وسلم تسليما! وكان مصابنا بالإمام - رحمه الله! - مما جلت به المصيبة، وعظمت به الرزية؛ فعند الله تحتسبه، وإياه نسأل إلهام الصبر، وإليه ترغب في كمال الأجر والذخر! وعهد إلينا فيكم بما فيه صلاح أحوالكم ولسنا ممن يخالف عهده، بل لكم لدينا المزيد إن شاء الله!) ثم قام عنهم، وخرجت لهم الأموال والكسي على قدر أقدارهم.
وكان شاعرا، أديبا، ذا همة عالية. وكانت له غزوات كثيرة، وفتوحات في دار العدو شهيرة، يخرج إليها في العدد الجم، والعسكر الضخم، يخرب ديارهم، ويعفى آثارهم، ويقفل ظاهر الاعتلاء، قاهر الأعداء. لم يلق المسلمون معه بؤسا، ولم يروا في مدته يوما عبوسا. وهو أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل، وترتيب الخدمة. وكسى الخلافة أبهة الجلالة (فشيد القصور، وجلب إليها المياه، وبنى الرصيف، وعمل عليه السقائف؛ وبنى المساجد الجوامع بالأندلس؛ وعمل السقاية على الرصيف، وأحدث الطرز، واستنبط عملها؛ واتخذ السكة بقرطبة. وفخم ملكه. وفي أيامه دخل الأندلس نفيس الوطاء وغرائب الأشياء؛ وسبق ذلك إليه من بغداد وغيرها. وعندما قتل محمد الأمين، ابن هارون الرشيد، وانتهب ملكه، سبق إلى الأندلس كل نفيس غريب من جوهر ومتاع. وقصد بالعقد المعروف بعقد الشفاء؛ وكان لزبيدة أم جعفر.
ومن مآثره أنه كان ورد عليه يوما أموال من بلاده، لعطبات أجناده؛ فأدخلت إليه، وجعلت الخرائط بين يديه. وكان بعث فتيانه؛ فخلا مجلسه إذ ذاك، ولم يبق أحد هناك، حاشى فتى كان بين يديه واقفا، وعلى خدمته الخاصة عاكفا؛ فغشيت الأمير عبد الرحمن نعسة، ظنها الفتى تهزة وخلسة؛ فقبض على خريطة من ذلك المال، وأسدل عليها كمة أسبغ إسدال، والأمير يلاحظه بطرف خفيّ، ويصمت عنه صمت برّ حفيّ؛ ففاز الفتى بماله، وناط به أسباب
(2/91)

آماله. فلما رجع الفتيان، أمرهم الأمير عبد الرحمن برفع تلك الخرائط المبسوطة؛ فوجدوا نقصان تلك الخريطة؛ فتدافعوا فيها إذ ذاك، كل يقول لصاحبه: (أنت أخذتها من هناك!) فقال لهم الأمير: (أسكنوا عن هذا! فقد أخذها من لا يردها، وعاينه من لا يقولها!) فكان هذا مما عدَّ من كرمه وفضله.
وكانت له جارية تسمى طروب، كان بها دنفا؛ فصدت عنه يوما، وأبدت هجرانه. فأرسل فيها؛ فامتنعت عليه، وأغلقت على نفسها بيتا. فأمر ببنيان الباب بالخرائط المملؤة من الدراهم، استرضاء لها، واستعطافا لوصلها. فلما فتحت الباب، تساقطت الخرائط من كل جانب؛ فأخذتها؛ فألفت فيها نحوا من عشرين ألفا؛ وأمر لها يعقد قيمته عشرة آلاف دينار؛ فجعل بعض من حضر من وزرائه يعظم الأمر عليه؛ فقال له الأمير عبد الرحمن: (إن لابسه أنفس منه خطرا وأرفع قدرا! ولئن راق من هذه الحصباء منظرها، ورصف في النفس جوهرها، فلقد برأ الله من خلقه جوهرا يغشى الأبصار، ويذهب بالألباب. وهل على وجه الأرض من زبرجدها وشريف جوهرها أقر لعين، وأجمع لزين، من وجه أكمل الله فيه الحسن ونضرته، وألقى عليه الجمال بهجته؟) ثم قال لعبد الله بن الشمر الشاعر وكان حاضرا: (هل يحضرك شئ في المعنى؟) فأنشد (طويل) :
أتُقرَنُ حَصباءُ البواقِيت والشذرِ ... بِمَنْ يتَعَالى عن سَنَا الشَمسِ والبَدْرِ
بِمَن قَد بَرَت قِدما يَدُ الله خلقَهُ ... وَلَم يَكُ شيئاً قَبَلهُ أبَداً يَبْرِى
فأكْرِمْ به مِنْ صَنْعةٍ اللهِ جَوهراً ... تَضَاءلَ عنه جَوَهَرُ البَرِّ والبحرِ
فأعجبت الأمير الأبيات وطرب لها طربا شديدا. وأنشد الأمير مرتجلا (طويل) :
فَريضُكَ يَا ابن الشَّمر عني على الشِعرِ ... وجَلَّ عن الأوهامِ والذِّهْنِ والفِكرِ
إذا شافَهتْهُ الأذنُ أدَّى بسحرها ... إلى القلب إبداعاً فجَلَّ عن السِحرِ
وَهَل بَرأ الرّحْمنُ من كلِّ ما برأ ... أقرَّ لعِينٍ من منَهمةٍ بِكرِ
تَرَى الوردَ فوقَ اليَاسَمينِ بخدِّها ... كَمَا فوق الرَّوْضُ المُنَعَّمُ بالزَّهرِ
فَلَو أنَّني ملكتُ قَلبي وناظِري ... نَظَمُتُهما مِنها على الجِيدِ والنَّحرِ
(2/92)

ثم أمر لابن الشمر ببدرة فيها خمسمائة دينار؛ فخرج مع الوصيف يحملها له تحت إبطه. فلما تواريا عن الأمير، قال له الوصيف: (أين لذات العمر، يا ابن الشمر؟) فقال: (تحت إبطك يا سيدي!) ودخل عليه الغزال الشاعر يوما؛ فقال الأمير (كامل) : جاء الغزال بحسنة وجماله فقال له الوزير: أجز. ما بدأ به الأمير! فقال الغزال (كامل) :
قالَ الأميرُ مُدَاعِباً بِمَقَالهِ ... جاء الغَزَالُ بحُسنِهِ وَجَمَاله
أين الجَمَالُ من أمري أربي على ... مُتَعَدِّدِ السَّبعِينَ من أحوالهِ
وهَلْ الجَمالُ لهُ؟ الجمالُ مِنْ امرِئ ... ألقاهُ رَيبُ الدَّهرِ في أغلالِهِ
وأعَادهُ من بَعْدِ جِدَّتِهِ بِلَى ... وأحالَ رَوْنَقَ وَجهِهِ عَن حالِهِ
وهي طويلة.
ومن قول الإمام عبد الرحمن - رحمه الله! - يصف حال المعزول، فأبدع (طويل) :
أرى المَرءَ بَعدَ العزلِ يَرجِعُ عَقلُهُ ... وقد كان في سُلطَانِهِ لَبسَ بَعقِلُ
فتلفيهِ جَهْمَ الوَجهِ ما كانَ وَالياً ... وَيَسهُلُ عَنه ذَاكَ ساعَةَ يُعزَلُ
وكتب إليه بعض عمناله يسأله عملا رفيعا ليس من شاكلته؛ فوقع له في أسفل كتابه: (من لم يصب وجه مطلبه، كان الحرمان أولى به!) ومثل هذا كثير مما يدل على فضله.

خلافة محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام
كنيته: أبو عبد الله. أمه: بهير. مولده: في شهر ذي القعدة سنة 207. وزراؤه وقواده: اثنا عشر. حجابه: اثنان، ابن شهيد وابن أبي عبدة. كتابه:
(2/93)

ثلاثة، عبد الملك بن أمية، وحامد بن محمد الزجالي، وموسى بن ابان. قضاته: أحمد بن زياد، ثم عمرو بن عبد الله المعروف بالقبعة، ثم سليمان بن أسود الغافقي. نفش خلقه: بالله يثق محمد وبه يعتصم. صفته: أبيض، مشرب بحمرة: ربعة، أوقص، وافر اللحية يخضب بالحناء والكتم. بنوه: ثلاثة وثلاثون. بناته: إحدى وعشرون. بويع يوم الخميس لأربع خلون لربيع الآخر سنة 238، وهو ابن ثلاثين سنة وخمسة أشهر. وتوفي يوم الخميس لليلة بقيت من شهر صفر سنة 273. عمره: خمس وستون سنة وأربعة أشهر. وكانت خلافته أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما.
وفي سنة ولايته، ثار عليه أهل طليطلة، وحبسوا العامل عندهم، حتى أطلقت رهائنهم من قرطبة، وحينئذ أطلقوه.
وفي سنة 239، خرج الحكم ابن الأمير عبد الرحمن إلى طليطلة بالصائفة. وكانت قلعة رباح قد أقفرت، خوفا من أهل طليطلة. فاحتلها الحكم، وأمر ببنيان سورها، واسترجاع من فرَّ من أهلها إليها.
وفيها أخرج الأمير محمد إلى شندلة قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف صاحب الخيل، ومعهما الحشم. فلما حلا بأندوجر، خرجت عليهم كمائن أهل طليطلة، ووقعت الحرب، وكثر القتل؛ فانهزم قاسم وتمام، وأصيب ما في العسكر. وفي ذلك يقول صفوان بن العباس أخو قاسم المذكور (رمل) :
ضَرَطَ القاسمُ يَوماً ... ضَرطَةً في القَرْمِيطِ
مَاتَ مِنْها كلُّ حُوتٍ ... كَانَ في البَحْرِ المُحِيطِ
وكانت هذه الوقعة في شوال.
وفي سنة 240، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة في المحرم. فلما اتصل بأهلها ذلك، أرسلوا إلى أردن بن إذفونش صاحب جليقية، يعلمونه بحركته
(2/94)

ويستمدون به. قبعث إليهم أخاه غثون في جمع عظيم من النصارى. فلما اتصل ذلك بالأمير محمد، وقد كان قارب طليطلة، أعمل الحيلة والكيد، واستشعر الحزم؛ فعبأ الجيوش، وكمن الكمائن بناحية وادي سليط؛ ثم نصب الردود، وطلع في أوائل العسكر في قلة من العدد. فلما رأى ذلك أهل طليطلة، أعلموا العلج بما عاينوه من قلة المسلمين؛ فتحرك العلج فرحا، وقد طمع في الظفر والغنيمة وانتهاز الفرصة. فلما التقى الجمعان، خرجت الكمائن عن يمين وشمال، وتواترت الخيل أرسالا على أرسال، حتى غشى الأعداء منهم ظلل كالجبال؛ فانهزم المشركون وأهل طليطلة، وأخذتهم السلاح، هذا بالسيوف، وطعنا بالرماح؛ فقتل الله عامتهم، وأباد جماعتهم. وحيز من رؤوسهم مما كان في المعركة وحواليها ثمانية آلاف رأس، وجمعت ورصعت؛ فصار منها جبل علاه المسلمون، يكبرون ويهللون ويحمدون ربهم ويشكرون. وبعث الأمير محمد بأكثرها إلى قرطبة، وإلى سواحل البحر، وإلى العدوة. وانتهى عدد من فقد منهم في هذه الوقعة إلى عشرين ألفا. وكانت في شهر محرم من السنة.
وفي سنة 241، شحن الأمير محمد قلعة رباح وطلبيرة بالحشم، ورتب فيها الفرسان؛ وترك فيها عاملا حارث بن بزيع.
وفيها، جدد الأمير محمد طرز الجامع بقرطبة وأتقن نقوشه.
وفيها، حشد الأمير محمد ودخل إلى ألبة والقلاع، وبلغ إلى أقصاها وافتتح كثيرا من حصون المشركين.
وفي سنة 242، كتب الأمير محمد إلى موسى بن موسى بحشد الثغور والدخول إلى برشلونة؛ فغزا إليها، واحتل بها، وافتتح في هذه الغزاة حصن طراجة، وهي من آخر أحواز برشلونة؛ ومن خمس ذلك الحصن زيدت
(2/95)

الزوائد في المسجد الجامع بسرقسطة؛ وكان الذي أسسه ونصب محرابه حنش الصنعاني - رضي الله عنه - وهو من التابعين.
وفيها وجه الأمير محمد ابنه المنذر بالجيوش إلى طليطلة؛ فحاصرها، وأقام عليها ينسف معائشها.
وفي سنة 243، كانت وقعة عظيمة في أهل طليطلة، وذلك أنهم خرجوا إلى طلبيرة؛ فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله العريف، بعد أن كمن لهم الكمائن؛ فقتلهم قتلا ذريعا، وبعث إلى قرطبة بسبعمائة رأس من رؤوس أكابرهم.
وفي سنة 244، خرج الأمير محمد بنفسه إلى طليطلة، وعددهم قد قل، وحدهم قد قل، بتواتر الوقائع عليهم، ونزول المصائب بهم؛ فلم تكن لهم حرب إلا بالقنطرة. ثم أمر الأمير بقطع القنطرة، وجمع العرفاء من البنائين والمهندسين، وأداروا الحيلة من حيث لا يشعر أهل طليطلة. ثم نزلوا عنها؛ فبينما هم مجتمعون بها، إذ اندقت بهم، وتهدمت نواحيها، وانكفأت بمن كان عليها من الحماة والكماة؛ فغرقوا في النهر عن آخرهم. فكان ذلك من أعظم صنع الله فيهم.
وفي سنة 245، دعا أهل طليطلة إلى الأمان؛ فعقدة الأمير لهم؛ وهو الأمان الأول.
وفيها، خرج المجوس أيضا إلى ساحل البحر بالغرب، في اثني وستين مركبا؛ فوجدوا البحر محروسا، ومراكب المسلمين معدة، تجري من حائط إفرنجة إلى حائط جليقية في الغرب الأقصى. فتقدم مركبان من مراكب المجوس؛ فتلاقت بهم المراكب المعدة؛ فوافوا هذين المركبين في بعض كسور باجة؛ فأخذوهما بما كان فيهما من الذهب والفضة والسبي والعدة. ومرت سائر مراكب المجوس في الريف حتى انتهت إلى مصب نهر إشبيلية في البحر؛ فأخرج الأمير الجيوش، ونفر الناس من كل أوب: وكان قائدهم عيسى بن الحسن الحاجب.
(2/96)

وتقدمت المراكب من مصب نهر إشبيلية حتى حلت بالجزيرة الخضراء؛ فتغلبوا عليها، وأحرقوا المسجد الجامع بها؛ ثم جازوا إلى العدوة؛ فاستباحوا أريافها؛ ثم عادوا إلى ريف الأندلس، وتوافوا بساحل تدمير؛ ثم انتهوا إلى حصن أوربولة؛ ثم تقدموا إلى إفرنجة؛ فشتوا بها، وأصابوا بها الذراري والأموال، وتغلبوا بها على مدينة سكنوها، فهي منسوبة إليهم إلى اليوم، حتى انصرفوا إلى ريف بحر الأندلس، وقد ذهب من مراكبهم أكثر من أربعين مركبا. ولقيهم مراكب الأمير محمد؛ فأصابوا منها مركبين بريف شذونة، فيها الأموال العظيمة. ومضت بقية مراكب المجوس.
وفي سنة 246، أغزى الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى أرض بنبلونة أحد قوَّاده؛ فخرج في هذه الغزوة خروجا لم يخرج قبله مثله جمعا وكثرة، وكمال عدة، وظهور هيبة. وكان غرسية إذ ذاك متظافرا مع أزدون صاحب جليقية؛ فأقام هذا القائد يدوخ أرض بنبلوبة، مترددا فيها اثنين وثلاثين يوما، يخرب المنازل، وينسف الثمار، ويفتح القرى والحصون. وافتتح في الجملة حصن قشتيل، وأخذ فيه قرتون بن غرسية المعروف بالأنفر، وقدم به إلى قرطبة؛ فأقام بها محبوسا نحوا من عشرين سنة؛ ثم رده الأمير إلى بلده، وعمر فرتون مائة وست وعشرون سنة.
وفي سنة 247، قال الرازي: غزا محمد بن السديم أرض الحرب، وعامل الثغر إذ ذاك عبد الله بن يحيى. وكان كتب موسى بن موسى يذكر ما ناله ونال أهل بلده في إداختهم أرض الجليقيين، وما وصل إليهم من النصب، وسأل أن يكون دخول العسكر على غير ناحيته؛ فأسعف في ذلك، ودخلت العساكر على غير بلده.
وفي سنة 248، تقدم موسى بن موسى لمقاتلة ابن سالم في وادي الحجارة؛ فنالته جراح منعته الركوب بعدها؛ وكانت سببا لهلاكه؛ فتوفي في هذه السنة.
(2/97)

وفي سنة 249، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد إلى حصون ألبة والقلاع؛ وكان القائد عبد الملك بن العباس؛ فافتتحها، وقتل الرجال، وهدم البنيان؛ وانتقل في بسائطها من موضع إلى موضع يحطم الزروع، ويقطع الثمار. وأخرج أردون بن إذفونش أخاه إلى مضيق الفج ليقطع بالمسلمين، ويتعرضهم فيه؛ فتقدم عبد الملك؛ فقاتلهم على المضيق، حتى هزمهم وقتلهم وبددهم؛ ثم وافنهم بقية العساكر، وأظلتهم الخيل من كل الجهات؛ فصبر أعداء الله صبرا عظيما؛ ثم انهزموا. ومنح الله المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا قتلا ذريعا؛ وقتل لهم تسعة عشر قومسا من كبار قوادهم.
وفي سنة 250، كملت مقصورة المسجد الجامع بقرطبة؛ وبنى فيها الأمير محمد بنيانا كثيرا في القصر الكبير والمنى الخارجة عنه. ولم تكن في هذه السنة صائفة، استغنى بالغزوة المتقدمة، وأريح العسكر فيها.
وفي سنة 251، كانت غزوة ألبة والقلاع أيضا (هزيمة المركويز - أخزاه الله! -) خرج إلى هذه الغزاة عبد الرحمن بن محمد، وتقدم حتى حل على نهر دوبر. - وتوالت عليه العساكر من كل ناحية، فرتبها. ثم تقدم؛ فاحتل بفج برذنش؛ وكانت عليه أربعة حصون؛ فتغلب العسكر عليها، وغنم المسلمون جميع ما فيها وخربوها؛ ثم انتقل من موضع إلى موضع، لا يمر بمسكن إلا خربه، ولا موضع إلا حرقه، حتى اتصل ذلك في جميع بلادهم. ولم يبق لرذريق صاحب القلاع، ولا اردمير صاحب توفة، ولا لعندشلب صاحب برجية، ولا لغومس صاحب مسانقة، حصن من حصونهم إلا وعمه الخراب. ثم قصد الملاحة، وكانت من أجل أعمال رذريق؛ فحطم ما حواليها وعفا آثارها.
ثم تقدم يوم الخروج على فج المركوبز؛ فصد العسكر عنه، وتقدم رذريق بحشوده وعسكره؛ فحل على الخندق المجاور للمركوبز. وكان رذريق قد عانى
(2/98)

توعيره أعواما، وسخر فيه أهل مملكته، وقطعه من جانب الهضبة؛ فارتفع جرفه، وانقطع مسلكه؛ فنزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد على وادي إبره بالعسكر، وعبا القائد عبد الملك للقتال؛ وعبا المشركون، وجعلوا الكمائن على ميمنة الدرب وميسرته. وناهض المسلمون جموع المشركين بصدورهم؛ فوقع بينهم جلاد شديد. وصدق المسلمون اللقاء؛ فانكشف الأعداء عن الخندق، وانحازوا إلى هضبة كانت تليه. ثم نزل عبد الرحمن ابن الأمير محمد، ونصب فسطاطه، وأمر الناس بالنزول وضرب أبنيتهم؛ فأقامت المحلة. ثم نهض المسلمون إليهم؛ فصدقوهم القتال، وضرب الله في وجوه المشركين، ومنح المسلمين أكتافهم؛ فقتلوا أبرح قتل؛ وأسر منهم جموع. واستمروا في الهزيمة إلى ناحية الأهزون، وافتحموا نهر إنره باضطرار في غير مخاضه؛ فمات منهم خلق كثير غرقا. وكان القتل والأسر فيهم من ضحى يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب إلى وقت الظهر. وسلم الله المسلمين ونصرهم على المشركين. وكان قد لجأ منهم إلى الوعر والغياض، عندما أخذتهم السيوف، جموع؛ فتتبعوا وقتلوا؛ ثم هتك الخندق وسوى حتى سهل، وسلكه المسلمون غير خائفين ولا مضغطين. وأعظم الله المنة للمسلمين بالصنع الجميل، والفتح الجليل. والحمد لله رب العالمين. وكان مبلغ ما حيز من رؤوس الأعداء في تلك الوقيعة عشرين ألف رأس وأربعمائة رأس واثنين وسبعين رأسا.
وفي سنة 252، خرج عبد الرحمن ابن الأمير محمد غازيا إلى ألبة والقلاع؛ فحارب أهلها، وأفسد زروعها، وغادرها هشيما. وكان أهل هذا الجانب في ضعف ووهن شديد ألجأهم إلى المنع من التجمع والاحتشاد، لما نالهم في العام الفارط من النهب والقتل الذريع.
وفي سنة 253، خرج الحكم ابن الأمير محمد غازيا إلى جرنيق؛ فجال في أرض الأعداء، وحل على حصن جرنيق، وحاصره حتى فتحه عنوة.
(2/99)

وفيها كانت بالأندلس مجاعة عظيمة متوالية
وفي سنة 254، خرج الأمير محمد إلى ماردة، وأظهر أن استعداده لطليطلة. وكان بماردة قوم من المنتزين. فلما فصل من قرطبة، وتقدم بالمحلات إلى طريق طليطلة، نكب إلى ماردة؛ فاحتل بهم، وهم في أمن وعلى غفلة. فتحصنوا في المدينة أياما. ثم ناهض القنطرة؛ فوقع القتال، واشتد الحرب حتى غلبوا عليها؛ فأمر الأمير بتخريب رجل منها؛ فكان ذلك سببا إذعان أهل ماردة؛ فطاعوا على أن يخرج فرسانهم، وهم يومئذ عبد الرحمن بن مروان، وابن شاكر، ومكحول، وغير هؤلاء؛ وكانوا أهل بأس ونجدة وبسالة مشهورة. فخرج المذكورون ومن هو مثلهم إلى قرطبة بعيالهم وذراريهم. وولى عليها سعيد ابن عباس القرشي، وأمر بهدم سورها؛ ولم تبق إلا قصبتها لمن برد من العمال.
وفي سنة 255، خرج الحكم ابن الأمير محمد، وقصد مدينة سرية. وكان قد تغلب بها سليمان بن عبدوس، وخالف فيها؛ فبادرته الصائفة، وحلت به العساكر، وأحدقت بالمدينة، ورميت بالمجانيق، حتى هتكت أسوارها. فقام أهلها على سليمان بن عبدوس؛ فطاع، ونزل؛ فقدم به قرطبة؛ فسكنها.
وفي سنة 256، غدر عمروس عامل وشقة وملكها، وظهرت عاديته في الثغر؛ فأخرج الأمير إليه قطيعا من الحشم والعدة، وقصد بها لاردة ابن مجاهد المعروف بالتدميري؛ فلزمها. وحشد عبد الوهاب بن مغيث الحشود، وقدم عليهم عبد الأعلى العريف، وبعثه إلى وشقة. فلما بلغ عمروس خبره، خرج عن وشفة، وأسر بها لب بن زكرياء بن عمروس؛ وكان أحد قتلة عامل السلطان بها موسى بن غلند؛ فقتل لب وعلق من السور.
(2/100)

وفي سنة 257، خرج إلى الثغر عبد الغافر بن عبد العزيز؛ وكان بتطيلة. فقبض على زكريا. بن عمروس وعلى أولاده وجماعة من أهل بيته، ونزل بهم على باب مدينة سرقسطة، وقتلهم بها. وقفل إلى قرطبة بالرؤوس.
وفي سنة 258، كانت في الثغر ثورات وحركات، منها أن مطرفا وإسماعيل ابني لبّ، ويونس بن زنباط غدروا بعبد الوهاب بن مغيث، عامل تطيلة، وابنه محمد عامل سرقسطة. فتقبضوا عليهما، وملكوا في هذا العام الثغر. وكان توفي مطرف في صفر، ودخل إسماعيل سرقسطة في ربيع الأول.
وفي سنة 259، خرج الأمير محمد بنفسه إلى الثغر، وحل في وجهته بطليطلة، وأخذ رهائنهم، وعقد أمانهم، وقاطعهم على قطيع من العشور يودونه في كل عام، وهو الأمان الثاني. واختلفت أهواؤهم في عمالهم؛ فطلب قوم منهم تولية مطرف بن عبد الرحمن، وطلب آخرون تولية طربيشة؛ فولى كل واحد منهما جانبا، وتقسما المدينة وأقاليمها على حدود مفهومة معلومة؛ ثم تنازعا، وأراد كل واحد منهما الانفراد بملك طليطلة. ثم غلب الداعون إلى تقديم طربيشة ابن ماسوية، وتأخير مطرف المذكور. وكان الأمير محمد تتلقاه في وجهته هذه، في الارتحال والاحتلال، طلائع الظفر، وبوادر النجح والنصر. وتجول في الثغر محاصرا لبني موسى، ومضيقا عليهم. ثم تقدم إلى بنبلونة؛ فوطئ أرضها، وأذل أهلها، وخربها؛ قم قفل؛ فحل بقرطبة، ومعه جماعة من الثوار الناكثين المفسدين. فلما أخذ راحته، أمر بقتل مطرف بن موسى وبنيه، وأمر بإطلاق كاتبهم، وكان لا ذنب له. فلما أخرج مطرف وبنوه للقتل، وأخرج كاتبهم للإطلاق، وكان يعرف بالأصبحي، قال: (لا خير في العيش بعد هؤلاء!) فقدم للقتل قبلهم، ورفعت رؤوسهم.
(2/101)

وفي سنة 260، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى سرقسطة وبنبلونة؛ وكان القائد هاشم بن عبد العزيز. فاحتل سرقسطة، وانتهب زروعها، وأذهب ثمارها وأشجارها، ونقل أطعمتها إلى وشفة، وتقدم إلى بنبلونة؛ فجال في أرضها، وأتلف معايش أهلها.
وفيها، كانت المجاعة التي عمت الأندلس؛ ومات فيها أكثر الخلق.
وفي سنة 261، هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة مع رجال ماردة المنزلين منها، واستقروا بقلعة الحنش. فغزاه الأمير محمد، وحاصره حصارا قطعه وضيق عليه مدة من ثلاثة أشهر، ألجأه فيها إلى أكل الدواب؛ وقطع عنه الماء، ورماه بالمجانيق، حتى أذعن، وطلب الأمان، وشكى ثقل الظهر وضيق الحال؛ فأباح له الأمير محمد الرحيل إلى بطليوس والحلول بها؛ وهي يومئذ قرية؛ فخرج إليها، وقفل عنه.
وفي سنة 262، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى ابن مروان؛ وكان القائد هاشم بن عبد العزيز؛ وهو الذي كان سبب هروب ابن مروان، لأنه قال له من بين الوزراء: (الكلب خير منك!) وأمر يصفع قفاه، واستبلغ في خزيه؛ فهرب مع أصحابه، وذلك في خبر طويل. وكان ابن مروان قد ابتنى بطليوس حصنا، وجعله موطنا، وأدخل فيه أهل ماردة وغيرهم من أهل المكانفة له على الشر. فلما انتهى إلى ابن مروان تحرك العسكر إليه، تنقل عن بطليوس، وحل بحصن كركي؛ واجتمع أهل ماردة إليه فيه؛ فنزل العسكر بمقربة من الحصن. وكان هاشم قد يعث إلى منت شلوط خيلا ورجلا لضبطه. وكان سعدون الرماري قد دخل إلى بلاد الشرك مستمدا؛ فجاء بمدد من المشركين، وأظهر أنه في قلة؛ فكتب بذلك عامل حصن منت شلوط إلى
(2/102)

هاشم؛ فرأى هاشم أن ذلك فرصة في سعدون؛ فبادر بالخروج من العسكر على غير تعبئة ولا أهبة، في خيل قليلة. وأفحص هاشم، وجاوز الوعر، وأبعد عن العسكر؛ فأخذت المضايق عليه، وناشبوه القتال؛ فأخذته جراح، وقتل من أصحابه جماعة؛ وأسر هاشم المذكور. ولما اتصل خبر هاشم بالأمير محمد، وقع في جانبه، وقال: (هذا أمر جناه على نفسه بطيشه وعجلته!) ثم رد ولده عوضا منه. وحصل هاشم أسيرا بيد ابن مروان الذي صنعه في أسره في قرطبة؛ فبره ابن مروان، وأكرمه، وأحسن إليه، ولم يعاقبه بما فعل معه.
وفي سنة 263، خرج المنذر بن الأمير محمد، وجعل طريقه على ماردة فلما انتهى ذلك إلى ابن مروان، زال عن بطليوس؛ واحتل بها قائد المنذر الوليد بن غانم؛ فخرب ديارها. وتقدم ابن مروان إلى بلاد العدو.
وفي سنة 264، حارب المنذر سرقسطة، وأفسد ما ألقى من زروعها؛ ثم تقدم إلى تطيلة والمواضع التي صار فيها بنو موسى؛ فانتسقها، وأجال العسكر عليها.
وفيها، دخل البراء بن مالك من باب فلنبرية إلى جليقية بحشود الغرب، وتردد هنالك حتى أذهب نعيمهم.
وفيها، أطلق هاشم من الأسر.
وفي سنة 265، ظهرت الفتنة وظهر الشر في جانب كورة ربة والجزيرة وتاكرنا؛ وظهر يحيى المعروف بالجزيري؛ فغزاه هاشم؛ فأذعن له، وقدم به إلى قرطبة.
وفي سنة 266، خرج عبد الله بن الأمير محمد إلى كورة ربة ونواحي الجزيرة، وبنى حصونا في تلك النواحي؛ ثم قفل.
وفيها، أمر الأمير محمد بإنشاء المراكب بقرطبة ليتوجه بها إلى البحر
(2/103)

المحيط عبد الحميد الرُّعبطي المعروف بابن مغيث؛ وكان قد رفع إليه رافع أن جليقية من ناحية البحر المحيط لا سور لها، وأن أهلها لا يمتنعون من جيش إن غشيهم من تلك الناحية. فلما كملت المراكب بالإنشاء، قدم عبد الحميد بن مغيث عليها. فلما دخل البحر، تقطعت المراكب كلها وتفرقت، ولم يجتمع بعضها إلى بعض. ونجا ابن مغيث.
وفي سنة 267، التاثت الحصون المبتناة برية وتاكرنا وجهة الجزيرة. وفيها، ابتدأ شر اللعين عمر بن حفصون، الذي أعبى الخلفاء أمره، وطالت في الدنيا فتنته، وعظم شره؛ فقام في هذه السنة على الأمير محمد بناحية رية. فتقدم إليه عامر بن عامر؛ فانهزم عامر وأسلم قبته؛ فأخذها ابن حفصون، وهو أول رواق ضريه؛ فاستكن إليه أهل الشر. وعزل الأمير عامرا عن كورة رية، وولاها عبد العزيز بن عباس؛ فهادنه ابن حفصون، وسكنت الحال بينهما. ثم عزل عبد العزيز، وتحرك ابن حفصون، وعاد إلى ما كان عليه من الشر. وخرج هاشم بن عبد العزيز إلى كورة رية يطلب كل من كشف وجهه في الفتنة وأظهر الخلاف، وأخذ رهائن أهل تاكرنا على إعطاء الطاعة.
ومن العجائب في هذا العام، ما ذكره الرازي وغيره. قالا: زلزلت الأرض بقرطبة زلزالا شديدا، وهاجت ريح عند صلاة المغرب؛ فأثارت سحابا فيه ظلمات ورعد وبرق؛ فصعق ستة نفر، وانقلبوا على ظهورهم، مات اثنان؛ وخر جميع الناس سجدا إلا الإمام، فإنه ثبت قائما؛ وكان الرجلان اللذان ماتا أقرب الناس إلى الإمام؛ فاحترق شعر أحدهما واسود وجهه وشقه الأيسر؛ والآخر ظهر بشقه الأيمن سواد؛ والأربعة الصرعى مكثوا حتى فرغ الإمام؛ فسئلوا عما أحسوا؛ فقالوا: (أحسسنا نارا كأنها الموج الثقيل.) ووجد أهل المسجد رائحة النار، ولم يوجد للصاعقة أثر في سقف ولا حائط. واهتزت لهذا
(2/104)

الزلزال القصور والجبال، وهرب الناس إلى الصحارى، ضارعين إلى الله تعالى. وعم هذا الزلزال من البحر الشامي إلى آخر الجوف وإلى آخر أرض الشرك، لم يختلف في ذلك مختلف.
وفي سنة 268، خرج المنذر ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز؛ فقصد الثغر الأقصى، وحطم سرقسطة، وافتح حصن روطة؛ ثم تقدم إلى ألبة والقلاع، وافتتح حصونا كثيرة، وأخلى حصونا كثيرة، خوفا من مهرة العسكر، وتوقعا من تغلبه.
وفيها، فسد ما بين المنذر وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز.
وفي سنة 269، قال الرازي: وفي سنة 269، غزا محمد بن أمية بن شهيد إلى كورة رية وكورة إلبيرة. وكانوا بحال توحش ونفار؛ فسكن أحوال أهلها، وهدن الناس بها، ونظر في استنزال رجال بجبال رية وغيرها من بني رفاعة وغيرهم.
وفي سنة 270، استتم محمد بن أمية بن شهيد استنزال بني رفاعة. وأتاه في هذه الغزاة كتاب الأمير محمد بتولية عبد العزيز بن العباس كورة إلبيرة؛ فولاه، وقفل.
وفيها، غزا هاشم كورة رية، وإستنزل عمر بن حفصون من جبل بربشتر وقدم به قرطبة؛ فأنزله الإمام، وأوسع له في الإكرام.
وفي سنة 271، هرب عمر بن حفصون من قرطبة، ولجأ إلى جبل بربشتر؛ فانتدب الأمير محمد إلى حربه؛ وحوصر في السنة الآتية.
وفي سنة 272، خرج عبد الله ابن الأمير محمد، والقائد هاشم بن عبد العزيز. وقصد الغرب إلى ابن مروان، وهو بجبل اشبرغزة؛ فنازله وحاربه.
(2/105)

قال حيان بن خلف في عمر بن حفصون: هو كبير الثوار بالأندلس ونسبه: عمر بن حفص، المعروف بحفصون، بن عمر بن جعفر بن شتيم بن ذيبان ابن فرغلوش بن إذفونش، من مسالمة الذمة، من كورة تاكرنا من عمل رندة. وكان الذي أسلم منهم جعفر بن شتيم؛ ففشا نسله في الإسلام. وكان له من الولد الذكور عمر وعبد الرحمن؛ فولد عمر بن جعفر حفصا. وولد حفصون هذا عمر هذا الثائر الملعون؛ فعمر هذا هو الذي ثار على الأمير محمد أولا، ثم بلغ بعد ذلك في الشقاق والفتن مبلغا لم يبلغه ثائر بالأندلس. واستوطن لأول نفاقه حصن بربشتر قاعدة وحضرة، وهي أمنع قلاع الأندلس قاطبة، وذلك في هذه السنة، وهو تأريخ صعوده الآخر إليها الذي توطد له ملكه فيه، وخالف على السلطان حتى رضى عنه بالمناركة. واتصلت أيامه في ظهور وعزة حتى قدم فيها ثلاثة من خلفاء المروانيين أئمة الجماعة بالأندلس - رحمهم الله! - أولهم هذا الأمير محمد؛ وتخلف بعدهم إلى أن هلك على يد الرابع منهم، وهو عبد الرحمن الناصر، على ما يأتي مفسرا.
وفي سنة 273، خرج المنذر بن الأمير محمد إلى كورة رية، والقائد محمد ابن جهور. فقصد مدينة الحامة، وفيها حارث بن حمدون من بني رفاعة؛ وكان مظاهرا لعمر بن حفصون، وكانا قد اجتمعا بالحامة. فنازلهم، وناهضهم، وأحدق بهم من كل ناحية؛ وأقام محاصرا لهم شهرين. فلما وصل إليهم الضيق، برزوا إلى باب المدينة خارجا، مستقبلين للحرب. وقام بها؛ فنالته جراح، وشلت يده؛ ثم انهزم هو وأصحابه، وصاروا بين قتيل وفليل. ودخل باقيهم في الحامة. فبينا المنذر في هذه الحال من السرور، إذ أتاه الخبر بموت أبيه الأمير محمد بن عبد الرحمن، ليلة الخميس لليلة بقيت من شهر صفر من السنة؛ ودفن في القصر. وأدركه المنذر قبل مواراته وصلى عليه.
(2/106)

بعض أخباره وسيره
كان الأمير محمد - رحمه الله! - فصيحا، بليغا، عظيم الأناة، متنزها عن القبح، يؤثر الحق وأهله، لا يسمع من باغ، ولا يلتفت إلى قول زائغ. وكان عاقلا، على أخلاق جميلة ومكارم حميدة، ذا بديهة وروية، يرى كل من باشره وحدثه أن له الفضل المستبين في إدراكه، وفهمه، ودقة ذهنه، ولطيف فطنته، وجزالة رأيه. وكان أعلم الناس بالحساب وطرق الخدمة. وكان متى أعضل منها شئ، رجع إليه فيه؛ وإذا أخل أحد من خزانه وأهل خدمة الحساب بشيء من ذلك، لم يجز عليه بأدنى لحظة أو نظرة. ولقد استدرك على بعض خزانه في صك يشتمل على مائة ألف دينار خُمُسَ درهم؛ فرد الصك، وأمر بتصحيحه؛ فتجمع الخدمة والكتاب عليه؛ فلم يقعوا على ذلك النقصان لدقته وخفائه؛ فرجعوا إليه معترفين بالتقصير، وأعلموا الرسول؛ فرد الصك إليه وأعلمه باعترافهم؛ فعلم لهم على موضع الخطاء؛ فإذا هو خُمُسَ درهم.
وقال هاشم بن عبد العزيز: كان الأمير محمد - رحمه الله! - أصح الناس عقلا، وأحسنهم تمييزا، وأبصرهم بوجه الرأي. وكان يستشيرنا؛ فنجتهد ونقول ونحصل؛ فإن أصبنا، أمضى ذلك؛ وإن كان في الرأي خلل، قام فيه بالحجة، وأبانه بما تعجز الأوهام عنه تنقيحا وتهذيبا.
ومما يحفظ عنه أنه قال لهاشم في شئ أنكره عليه من عدم التثبت: (يا هاشم! من آثر السرعة أمضت به إلى الهفوة. ولو أنا أصغينا إلى محو زلاتك، وأصخنا إلى هفواتك، لكنا شركاءك في الزلة، وقسماءك في العجلة! فمهلا عليك، ورويدا بك! فإنك إن يعجل يعجل لك!) وكان، مع تشبثه وأناته، وافيا لمواليه في أنفسهم وأعقابهم، لا يكدح عنده كادح في شئ عن أحدهم، فيسمعه أو يسمِعه.
ولقد ولي الكناية عبد الملك بن عبد الله بن أمية اصطناعا له، وعائدة
(2/107)

عليه؛ فرد عليه يوما جوابا يقول فيه: (قد فهمنا عنك، ولم نأت ما أتيناه عن جهل بك، لكن اصطناعا لك، وعائدة عليك. وقد أبحنا لك الاستعانة بأهل اليقظة من الكتاب. فتخير منهم من تثق به وتعتمد عليه. ونحن نعينك على أمرك بتفقد كتبك والإصلاح عليك، إلى أن تركب الطريقة وتبصر الخدمة إن شاء الله تعالى!) فحسده على الخطة لشرفها من رأى نفسه أولى بها لاستكمال أدواتها؛ فطولب عليها. وكان أشد الناس في ذلك هاشم بن عبد العزيز، يثير سقطانه، ويتتبع هفواته، ويشنع عليه؛ والأمير محمد بفطنته يتغافل له. فلما طال عليه الصبر، دعا هاشما، وقال له: (قد أكثر أهل خدمتنا وأكثرت في هذا الكاتب: تذكرون جهله وفدامته، وقد ضممنا إليه من الكتاب من يستعين به، ويستظهر على خدمته بمكانه؛ وإنما تقفو بخدمتنا، وننسلك بمراتبنا طريق من ابتدأها وأسسها ووضع أهلها فيها. وإذا كنا لا نخلف آباءكم بكم، ولا نخلفكم بأبنائكم، فعند من نصنع إحساننا ونرب أيادينا؟ أعند أبناء القرانين أو الجزارين أو أمثالهم من الممتهنين) ؟ وأنت كنت أحق بالحص على هذا، وتصويب الرأي فيه، لما ترجو من مثله في أولادك وعقبك!) فرجع هاشم إلى الشكر له وتقبيل يده ورجله.
وكان - رحمه الله! - مأمولا محبوبا في جميع البلدان. وكان محمد بن أفلح صاحب ناهرات لا يقدم ولا يؤخر في أموره ومعضلاته إلا عن رأيه وأمره؛ وكذلك بنو مدرار بسجلماسة. وكان قرولش ملك إفرنجة يسترجح عقله؛ فيهاديه ويتحفه؛ وهو (أعني قرولش) الذي عمل صورة عبسي من ثلاثمائة رطل من ذهب خالص، وصفها بالياقوت والزبرجد، وجعل لها كرسيا من ذهب خالص مفصص بالياقوت والزبرجد أيضا؛ فلما اكمل ذلك، سجد له وأسجد له جميع أهل إفرنجة في ذلك التاريخ؛ ثم دفعه إلى صاحب كنيسة الذهب برومة.
(2/108)

وكان الأمير محمد - رحمه الله! - مهتبلا بأمور رعيته، مراقبا لمصالحها. ووضع عن أهل قرطبة ضريبة الحشود والبعوث. وقال ابن حبان: كانت عدة الفرسان المستنفرين لغزو الصائفة المجردة إلى جليقية في مدة الأمير محمد مع الولد عبد الرحمن ابنه على هذه التسمية المفصلة: من ذلك كورة إلبيرة: ألفان وتسعمائة؛ جيان: ألفان ومائتان؛ قبرة: ألف وثمانمائة؛ باغه: تسعمائة؛ تاكرنا: مائتان وتسعة وتسعون؛ الجزيرة: مائتان وتسعون؛ إسنجة: ألف ومائتان؛ قرمونة: مائة وخمسة وثمانون؛ شذونة: ستة آلاف وسبعمائة وتسعون؛ رية: ألفان وستمائة؛ فحص البلوط: أربعمائة؛ مورور: ألف وأربعمائة؛ تدمير: مائة وستة وخمسون؛ ربينة: مائة وستة؛ قلعة رباح وأوربط: ثلاثمائة وسبعة وثمانون. قال: ونفر من أهل قرطبة لهذه الغزوة عدد لم يوقف على قدره. وكان هذا العدد الذي غزا به بعد أن رفع الضريبة التي كانت على أهل قرطبة وأقاليمها وغيرها من البلاد؛ وقطع عنهم الحشود التي كانوا يؤخذون بتجديدها في كل سنة للصوائف الغازية لدار الحرب، وأسقطها منهم ووكلهم إلى اختيار أنفسهم في الطواعية للجهاد من غير بعث. فحسن موقع ذلك منهم، وتضاعف حمدهم له وشكرهم واغتباطهم بدولته.
وذكر جماعة من المؤرخين، عن بقى بن مخلد، أنه قال: ما كلمت أحدا من ملوك الدنيا أكمل عقلا ولا أبلغ فضلا من الأمير محمد. دخلت عليه يوما في مجلس خلافته؛ فافتتح الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحلى كل واحد منهم بتحليته، ووصفه بصفته، وذكر مآثره ومناقبه بأفصح لسان وأبلغ بيان، حتى انتهى إلى نفسه؛ فسكت.
وفي صدر دولته سعى ببقى بن مخلد إلى الأمير محمد؛ وذلك أنه لما قدم بقى بن مخلد من المشرق عن رحلته الطويلة بما جمع من العلوم الواسعة والروايات العالية والاختلافات النقهية، أغاظ ذلك فقهاء قرطبة أصحاب الرأي والتقليد،
(2/109)

الزاهدين في الحديث، الفارين عن علوم التحقيق، المقصرين عن التوسع في المعرفة؛ فحسدوه، ووضعوا فيه القول القبيح عند الأمير، حتى ألزموه البدعة، وشنؤوه إلى العامة. وتخطى كثير منهم برميه إلى الإلحاد والزندقة، وتشاهدوا عليه تغليظ الشهادة، داعين إلى سفك دمه؛ وخاطبوا الأمير محمدا في شأنه، يعرفونه بأمره، ويكثرون عليه بكل ما يرجون به الوصول إلى سفك دمه، ويسألونه تعجيل الحكم فيه. فاشتد خوف بقي بن مخلد جدا، واستتر خوفا على دمه، وعمل على الفرار عن الأندلس إن أمكنه ذلك. فأرشده الله إلى التعلق بحبل هاشم بن عبد العزيز، وسؤاله الأخذ بيده؛ وكتب إلى الأمير محمد، ينشده الله في دمه، ويسأله التثبت في أمره، والجمع بينه وبين خصومه، وسماع حجته، فيأتي في ذلك بما يوفقه الله له. فألقى الله في نفس هاشم الإصغاء إلى شكواه، والاعتناء بأمره؛ فشمر له عن ساعده، وأوصل كتابه إلى الأمير محمد يشرح حاله؛ فعطف عليه، وإنهم الساعين به إليه؛ فأمر بتأمين بقي بن مخلد، وإحضاره مع الطالبين له؛ فتناظروا بين يديه؛ فأدلى بقي بحجته، وظهر على خصومه؛ واستبان الأمير محمد حسدهم إياه لتقصيرهم عن مداه. فدفعهم عنه، وتقدم إليه يطأطأه قدمه، ونشر علمه. وأمر بإيصاله إليه في زمرة من الفقهاء، والرفع من منزلته؛ فاعتلى ذروة العلم، ولم يزل عظيم القدر عند الناس وعند الأمير محمد إلى أن مات - رحمه الله! وفي صدر دولته، توفي عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، وذلك في رمضان سنة 239. وهو عبد الملك بن سليمان بن مروان بن جيهلة بن عباس ابن مرداس السُّلميُّ، يُكنى أبا هارون؛ أوله من كورة إلبيرة، ونقله الأمير محمد إلى قرطبة، بل نقله أبوه عبد الرحمن بن الحكم. وكان محمد بن عمر بن لبابة يقول: عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى، وفقيهها عيسى بن دينار. قال ابن وضاح وغيره: لم يقدم الأندلس أحد أفقه
(2/110)

من سحنون، إلا أنه قدم علينا من هو أطول لسانا منه، يعني ابن حبيب. وكان ابن حبيب أديبا، نحويا، حافظا، شاعرا، متصرفا في فنون العلم من الأخبار والأنساب والأشعار. وله مؤلفات حسان في الفقه والأدب والتواريخ كثيرة. قال ابن العزبى: بضاعته في الحديث مزجاة. وكانت علته التي مات منها الحصى. وتوفي وسنه أربع وستون سنة. وكتب إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم في ليلة عاشوراء (بسيط) :
لا تَنْسَ، لا يَنسَكَ الرَّحْمنُ، عَاشُورَا ... وَأذْكُرهُ لا زلْتَ في الأخبارِ مّذكُورَا
مَنْ بَاتَ في لَيْلِ عَاشُوراء ذَا سَعةٍ ... يَسكُنْ بعِيِشَتِهِ في الحَولِ مَحسُورَا
فأرغَبْ، فَديتُكَ، فِيمَا فيِهِ رَغبَنَا ... خَيرُ الوَرَى كُلّهِمْ حَيِّا وَمَقبُورَا
وخرج الأمير محمد بن عبد الرحمن إلى الرصافة يوما متنزها، ومعه هاشم ابن عبد العزيز؛ فكان بها صدر نهاره على لذته؛ فلما أمسى، واختلط الظلام انصرف إلى القصر، وبه اختلاط. فأخبر من سمعه وهاشم يقول له: (يا ابن الخلائف! ما أطيب الدنيا لولا الموت!) فقال له الأمير: (يا ابن اللخناء! لحنت في كلامك! وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت؟ فلولا الموت، ما ملكناه أبدا!) وكان الأمير محمد - رحمه الله! - غزاه لأهل الشرك والاختلاف. وربما أوغل في بلاد العدو الستة الأشهر والأكثر، بحرق وبنسف. وله وقعة وادي سليط، وهي من أمهات الوقائع؛ ولم يعرف بالأندلس قبلها مثلها. وفيها يقول عباس بن فرناس، وشعره يكفينا من صفتها؛ وهو (طويل) :
ومُختَلِفِ الأصواتِ مؤتَلفِ الزَّحفِ ... لهومِ الفَلاَ عَبلِ القَنَابل مُلتَفِ
إذَا أومَضت فِيهِ الصَّوَارِمُ خِلتَهَا ... بُرُوقاً تَرَاءى في الجَهَامِ وتَسْتَخْفِي
(2/111)

كأنَّ ذُرَى الأعلامِ في مَيَلاَنِهِ ... قَرَاقِيرُ في يَمِّ عَجَزْنَ عن القَذْفِ
وإن طحَنَت أرحاؤها كان قُطبُها ... حِجَى مَلِكٍ نَدبٍ شَمَائُله عَفِّ
سَمِيُّ ختام الأنبياء مُحمِّدٌ ... إذا وُصِفَ الأملاكُ جَلَّ عَن الوَصفِ
فَمِن أجله يومَ الثلاثاء غُدْوةً ... وقد نفضَ الإصبَاحُ حَبلَ عُرى السِّجْفِ
بَكَى جبلاً وادي سَلِيطِ فَأعوَلاَ ... على النَّفَرِ العُبدَانِ والعُصبةِ الغُلفِ
دَعَاهُم صريخ الحينِ فاجتمَعَوا لًهُ ... كَمَا اجتمَعَ الجُعلانُ للبَعرِ في وَقفِ
فَمَا كَانَ إلا أن رَمَاهم ببعضِها ... فَوَلوا على أعقَابِ مهزولة كُشفِ
كانَّ مسَاعيرَ الموَالي علَيهِمُ ... شَوَاهِينُ جادت للغرانيِقِ بالنَّسفِ
بنفِسي تنانيِنَ الوَغى حيِنَ صمَّمَت ... إلى الجَبَلِ المسحونِ صفَّا عَلَى صَفِّ
يَقُول ابن بُولبش لمُوسَى وَفَدوَني: ... أرى المَوتَ قُدَّامِي وتَحتيِ ومن خَلفي
قتلنا لَهُم ألفاً وألفاً وَمِثلَهَا ... وألفا وألفاً بَعدَ ألفٍ إلى ألفٍ
سِوَى مَن طواهُ النَّهرُ في مُسلحِبهِ ... فأغِرقَ فيه أو تذأذأ مِن جُرفٍ
قال أبو عمر السالمي: كانت أول غزواته إلى بلد العدو، وقد حشد لها وجند، وصوب كيف شاء وصعد، ألقى العدو وقد ضاق بخيله الفضاء الواسع، والمكان الداني والشاسع، وهو متأهب للقائه! متوجه إلى تلقائه. فخامر الأمير محمدا الجزع، وشابه الروع والفزع، وظن أن لا منجاة من الكفار، وأن المسلمين هناك طعن الشفار؛ فرأى من الحزم الأوكد، والنظر الأحمد الأرشد، الرجوع عن تلك الحركة، لقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة؛ فقام رجل؛ فقال: (أيها الأمير! قال الله تبارك وتعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم الآية. فقال له الأمير محمد: (والله! ما جبنت نفسي، إلا أنه لا زأى لمن لا يطاع، ولست أستطيع أن أجاهد وحدي!) فقال له العتبي: (والله! ما أراه قذف بها على لسانه إلا ملك! فأستخر الله في ليلك
(2/112)

هذا وفي يومك!) فأراه الله في مقابلة العدو الرشاد، وألهمه التوفيق والسداد. فندب الناس إلى لقاء أعداء الله ونصر دينه، وأن يكون كلُّ على حسن ظنه من الظفر ويقينه. فلما انعقدت راياتهم، وتأكدت على المقارعة نياتهم. قدَّم عليهم الأمير محمد ابنه المنذر، إذ كان مشهورا بالبأس، محبوبا في الناس. فسار المسلمون إلى أن التقى الجمعان، والتفَّ الفريقان فأعقب الله لأوليائه ظفرا ونصرا، وجعل بعد عسر يسرا. قال: ولم يؤذن مؤذن الظهر إلا ومن رؤوس الأعداء جملة آلاف مقطوعة لأعداء الله؛ وذلك من فضل الله. وفي هذا الفتح يقول العنبي، يمدح الأمير محمدا في قصيد طويل أذكر هنا بعضه، وهو (كامل) :
سَايِلْ عَنِ الثَّغرِ الصَّوارِمَ تَصدُقِ ... واستَنطِقِ السُّمرَ العوَاليِ تنَطِقِ
تَرَكَتْ وَقَائعَ في الثُّغورِ وَقَد غَدَتْ ... مَثَلاً بِكُلِّ مُغَرِبٍ ومُشَرِّقِ
وأدّاخَ أرْضَ المُشْرِكِينَ بِوقعَةٍ ... تَرَكَتهُمْ مِثلَ الأشاء المُحرَقِ
جَادَت عَليهِم حَربُهُ بِصَوَاعقٍ ... تَرَكَتهُم مِثلَ الرَّمَادِ الأزرَقِ
خلافة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم كُنيته: أبو الحكم. مولده: سنة 229. أمه: تسمى أثل، ولدته لسبعة أشهر. وزراؤه: أحد عشر. كتابه: اثنان: سعيد بن مبشر، وعبد الملك بن عبج الله بن أمية بن شهيد. حاجبه: عبد الرحمن بن أمية بن شهيد. قوَّاده: سبعة. قاضبه: أبو معاوية عامر بن معاوية اللخمي. نقش خاتمه: المنذر بقضاء الله راض. صفته: أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، يخضب بالحناء والكتم. أولاده الذكور: خمسة، والإناث: ثمان. بويع يوم الأحد لثمان خلون من ربيع الأول سنة 273، وهو ابن أربع وأربعين سنة، وسبعة عشر يوما؛ وتوفي في
(2/113)

غزاة له على بربشتر يوم السبت للنصف من صفر سنة 275. عمره: ستة وأربعون سنة. خلافته: سنتان إلا سبعة عشر يوما. ودفن بقصر قرطبة، وصلى عليه أخوه عبد الله، جد الناصر.
واتصل به موت أبيه، وهو على حصن الحامة يقاتل المرتد اللعين عمر ابن حفصون؛ فقفل إلى قرطبة. وتمت له البيعة في اليوم الثاني من وصوله؛ ففرق العطاء في الجند، وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر العام وما يلزمهم من جميع المغرم.
وكانت أكثر حصون رية قد حصلت في طوع ابن حفصون؛ فبعث إليها الإمام المنذر الأجناد؛ فانصرفت إلى الطاعة.
ولما بلغ ابن حفصون موت الأمير محمد، وانصرف عنه المنذر على ما تقدم، نهض من فوره؛ فراسل الحصون التي بينه وبين الساحل كلها؛ فأجابته وطاعت له. ونهض إلى باغه وجبل شيبة؛ فأخذ من الأموال ما لا يوصف، كل ذلك منه بلا قوة، ولا كثرة من مال، ولا عدد؛ ولكنه كان عذابا من الله ونقمة انتقم بها من عبيده. وانفق له زمان هرج وقلوب قاسية فاسدة ونفوس خبيثة، متطلعة إلى الشرّ، مشرئبة إلى الفتنة. فلما ثار، وجد من الناس انقيادا وقبولا للمشاكلة والموافقة؛ فتألبت له الدنيا، ودخل إلى الناس من جهة الألفة، وقال: (طال ما عنَّف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وأخرجكم من عبوديتكم!) فكان ابن حفصون لا يورد هذا على أحد إلا أجابه وشكره. فكانت طاعة أهل الحصون بهذا الوجه. وكان أتباعه شطار الناس وشرارهم. فكان يمنيهم بفتح البلاد، وغنائم الأموال. وكان مع ذلك متحببا لأصحابه، متواضعا لألافه. وكان، مع شره وفسقه، شديد الغيرة، حافظا للحرمة؛ فكان ذلك مما يميل النفوس إليه. ولقد كانت المرأة في أيامه تجئ بالمال والمتاع من بلد إلى بلد منفردة، لا يعترضها أحد من خلق الله. وكانت عقوبته السيف، يصدق المرأة
(2/114)

والرجل والصبي أو من كان على من كان، لا يطلب على ذلك شاهدا أكثر من الشكوى. وكان يأخذ الحق من ابنه، ويبر الرجال، ويكرم الشجعان؛ وإذا قدر عليهم، عفا عنهم. وكان يسورهم بأسورة الذهب إذا اختصلوا. فكانت هذه الأشياء كلها عونا له. وانتهى ابن حفصون بعاديته إلى قبرة وما أمامها إلى قرية الجالية، وأغار على القبذيق من إلبيرة، وعلى أحواز جيان، وأسر عبد الله ابن سماعة عامل باغه.
وكان اجتمع إلى حصن آشر من حوز رية وبمقربة من قبرة جمع الشر من أصحاب ابن حفصون. فراع أهل قبرة أمرهم وهابوهم. واتصل بالأمير المنذر خبرهم؛ فأرسل أصبغ بن فطيس في خيل كثيفة إلى حصن آشر؛ فحاصرهم حتى افتتحه، وقتل من كان فيه. وأخرج الأمير المنذر عبد الله بن محمد بن مضر وأبدون الفتى بخيل إلى ناحية لجانة من قبرة؛ وكان بها مسلحة لابن حفصون؛ فنازلوهم وقاتلوهم حتى أفنوهم.
قال الرازيّ: وفي سنة ولاية الإمام المنذر، غزا محمد بن لبّ إلى ألبة والقلاع ومعه جموع المسلمين؛ ففتح الله للمسلمين، وقتلوا المشركين قتلا ذريعا.
وفي هذه السنة، أعني سنة 273، في جمادى الأولى، أمر الأمير المنذر بسجن هاشم بن عبد العزيز وزير أبيه وخاصته، وأمر بقتله في جمادى الأولى؛ وسبب ذلك أن هاشما كان يجسد لمكانه من الأمير محمد وخاصته به؛ فكانوا يسعون به عند المنذر، ويكررون ذلك عليه، حتى تنافرت النفوس. فلما مات الأمير محمد، وولى المنذر، أراد أن يفي له ويتبع فيه فعل أبيه؛ فولاه الحجابة. ثم تمالئوا عليه، وأمثروا، وحرفوا عليه الكلام، وتأولوا عليه أقبح التأويل، حتى نفذ قضاء الله فيه. وكان مما تأولوا عليه أن هاشما أنشد عند مواراة الأمير محمد - رحمه الله! - (وافر) :
(2/115)

أعَزّى يَا مُحَمِّدُ عَنكَ نَفسِي ... أمين الله ذَا المِنَنِ الجِسَامِ
فَهَلاً مَاتَ قَومٌ لَم يَمُوتُوا ... وَدُوفِعَ عَنكَ لِي كاسُ الحِمَام
فتأوَّلوا أنه يريد بقوله (لم يموتوا) المنذر. وكتب هاشم من حبسه إلى جاريته عاج (طويل) :
وَإنّي عَدَاني أن أزُورَكِ مَطبَقٌ ... وبَابٌ مَنِيعٌ بالحديدِ مُضّبَّبُ
فإن تَعجبِي يا عَاجُ ممَّا أصابني ... فَفِي رَيبِ هذا الدَّهرِ مَا يُتعَجبُ
تَرَكتُ رَشادَ الأمِر إذ كنتُ قادِراً ... عَليهِ فَلاقَيتُ الذِي كُنت أرهَبُ
وكم قَائِلٍ قَالَ: أنجُ وَيحَكَ سَالماً ... فَفِي الأرضِ عَنهمُ مسترادٌ ومذهبُ
فَقُلتُ لَهُ: إنَّ الفِرارَ مّذَلةٌ ... ونَفسِي علَى الأسواء أحلَى وأطيَبُ
سأرضَى بِحُكمِ الله فِيمَا يَنُوبُنِي ... ومَا مِن قضَاء اللهِ للِمَرء مَهرَبُ
فَمَن يَكُ أمسَى شَامِناً بي فإنَّهُ ... سَيَنهَلُ في كاسِي وَشِيكاً وَيشرَبُ
ثم بعث فيه الأمير ليلا؛ فقتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وهدم داره، وألقى أولاده في السجن، وألزمهم غرم مائتي ألف دينار؛ فلم يزالوا في السجن والغرم إلى موت المنذر وولاية أخيه عبد الله؛ ثم أطلقهم عبد الله، وصرف عليهم ضياعهم، وولى أحدهم الوزارة والقيادة.
وفيها، كانت الوقعة على أهل طليطلة وكانوا قد جيشوا البربر المنفيين من ترجيله، فقتل منهم ألوف.
وفي سنة 274، خرج الأمير المنذر بجيوشه إلى عمر بن حفصون؛ فافتتح حصونه برية، والحصون التي بجهة قبرة؛ ثم توجه إلى حضرته بربشتر؛ فحاصره فيها، وأفسد ما حواليه، وضيق عليه؛ ثم انتقل عنه إلى أرجذونة، وبها عيشون؛ فأقام عليها محاصرا لها ومضيقا على أهلها، إلى أن نبذوا عيشونا وأهله، وأسلموه بذنبه؛ فدخلها الأمير المنذر، وقبض على عيشون وأصحابه. وظفر أيضا ببني مطروح، وهم: حرب، وعون، وطالوت، وافتتح حصونهم بجبل باغه، وأتى بهم
(2/116)

إلى الأمير أسارى؛ فبعث ببني مطروح إلى قرطبة، وأمر بقتلهم وصلبهم؛ وكانوا اثنين وعشرين رجلا؛ فصلبوا بأجمعهم؛ وصلب مع عيشون في الخشبة خنزير وكلب. وكان السبب في ذلك أن عيشونا كان يقول: (إذا ظفر بي، فليصلبني وليصلب عن يميني خنزيرا وعن يساري كلبا!) وكان يثق بنفسه في القتال ثقة شديدة، ويأمن من أن يؤخذ لشدته وشجاعته. فلما يئس الأمير منه، دس إلى بعض أهل أرجذونة بأن يتحيل في أخذ عيشون؛ فأجابه، ووعده بأخذه. فلما كان في يعض الأيام، دخل بيت أحدهم بغير سلاح، وقد استعد له بكبل؛ فأوثق به وبعث به إلى الأمير المنذر.
شأن عمر بن حفصون في أيام المنذر - رحمه الله! ولما كان في العام الثاني من ولايته وهي هذه السنة المؤرخة، خرج في عديده الأكثر، وقصد بربشير. فحل عليها أحفل احتلال، وقاتل ابن حفصون بها أشد قتال؛ وانتشرت خيله في تلك الأقطار، واستولت على السهول والأوعار. ثم عطف الأمير إلى مدينة أرجذونة ليتبرها تتبيرا، ويولي أهلها يوما عبوسا قمطريرا، لدخولهم في طاعة ابن حفصون، ونزوعهم إلى ما نزع إليه أهل تلك الحصون، فخرجت رسلهم إلى الأمير؛ فتلقته بالسمع والطاعة، والدخول في جمهور الجماعة؛ فتقبل نزوعهم، وأنس جميعهم. وتغلب على القصبة إثر ذلك؛ وأسر عامل ابن حفصون هنالك. واستمر اللعين ابن حفصون على ضلالته وغيه، ولم يئن عنانا عن عاديته وبغيه. فخرج إليه الأمير ثانية وحاصره حصارا، وقد عدم ابن حفصون أعوانا وأنصارا. فلما رأى الأمير أخذ بمخنقه، وسدَّ أفواه طرقه، أعمل سوانح الفكر، في الخديعة والمكر، ليعتصم بذلك من تلك الجبال المنصوبة، والأشراك المعترضة المضروبة؛ فأظهر الإنابة إلى الطاعة، وشهر النصيحة جهد الاستطاعة، على أن يكون عند الأمير من خاصة جنده، ويسكن قرطبة بأهله وولده، وأن يلحق أبناءه في الموالي، ويتابع الإحسان قبله ويوالي. فأجابه
(2/117)

الأمير إلى مطلبه بأكبد الأيمان؛ وكتب له بذلك مبادرا عقد أمان، وقطع لأولاده أرفع الثياب؛ وأوفرت لهم الدواب، بالأموال والأسباب، إسباغا عليهم بالإفضال، وتوسيعا لهم في الأماني والآمال. وسألا اللعين مائة بغل يحمل عليها جملة متاعه وعياله، وجعل طلبها قوة لمكره واحتياله. فأمر الأمير بالبغال أن تحمل إليه، وتوضع بين يديه؛ وقد جعل عليها عشرة من العرفاء بمائة وخمسين فارسا إتماما للإكرام، وإنعاما على إنعام. فأرسل عمر بن حفصون جميعهم إلى بربشتر حيث أهله وولده، وطريفة من المال ومتلده. وانحل العسكر عن الحصن إذ ذاك، وقفل القاضي والفقهاء عن تمام الصلح من هناك، وظنهم قد غلب أن لا كذب ولا مين، وأن قد نيل من الراحة من شغبه أملا وقرة عين. فلما انفض جمع ذلك العسكر، وانتفض ذلك المعسكر، ودخل الليل، وامتد للفاتك الذَّبل، هرب عمر بن حفصون من ذلك الحصن، وسار إلى بربشتر في ظل الأمن. فلقي العرفاء؛ فناصبهم القتال، وأخذ تلك البغال، وعاد إلى سيرته الأولى، وقال لشيعته: [أنا ربكم الأعلى!] فأقسم الأمير المنذر أن يقصده ويحل عليه، ولا يقبل منه أو يلقى بيده إليه؛ فأعمل الغزو إلى بربشتر، وجمع لها الجمع الأكبر. فلما احتل عليها، أمر أن يحدق بها، ويحاط بجوانبها، وأن يعتزم لقتالها اعتزاما، ويلتزم محاصرتها التزاما.
فظهر من حزم الأمير المنذر وعزمه ما يئس معه ابن حفصون، من البقاء في تلك الحصون. فبقى الأمير على حصن بربشتر، برومه روما، مدة من ثلاثة وأربعين يوما. وكان قد أصابته علة أكرثت نفسه، وكدرت أنسه؛ فبعث في أخيه عبد الله لينوب منابه، وينتدب في تلك الحال انتدابه. فلما وصل إليه، وحصل في المظلة لديه، خرجت في الحين روحه، وبكاه من كان يغدوه ويروحه. فوقع الخرم في العسكر إثر موته، وتفرق الناس عند فوته. ولم يقدر أخوه عبد الله على ضبطهم، وعقد ما انحل من ربطهم. واستطال عمر بن حفصون
(2/118)

في المحلة، وانتهبها بالجملة. وحمل الأمير المنذر على جمل إلى قرطبة؛ فدفن مع أجداده هنالك، وصار عند الناس أهون مفقود وأيسر هالك، إذ كان قد اضطرهم في ذلك المقام، وندبهم إلى الثبات هنالك والمقام.
وفي هذه السنة، كان القحط الشديد بالأندلس؛ فاستسقى الناس. فنزل ثلج كثير في أول يوم من ينير، ولم ينزل غيث. ثم استسقوا مرارا؛ فلم يمطروا؛ فخامر الناس القنط. فلما دخل من فبرير بعض أيام، سقى الناس، وارتفع الناس؛ فاستبشروا بفضل الله، وأعلنوا بشكره. فقال العكي في ذلك، يمدح الأمير المنذر (كامل) :
نَزَلَ الحَيَا المُحيي وطابَتْ أنفُسُ ... إذ كان سُوء الظَّنِّ فيها يَهجِسُ
أحْيَى الإلهُ عِبَادَهُ من بَعْدِ ما ... كانت من القنطِ النفوسُ تُوسَوِسُ
مُتلافياً فيه بعائدِ رَحمةٍ ... لَولا عَوَائدُها طَوَتنَا الأبْؤُسُ
مَلِك الملوك تقدَّسَت أسماؤهُ ال ... حُسنى وعَزَّ جَلالَه المُتَقَدِّسُ
ومنها:
بالمنُذرِ المَيمُونِ طَلبَ زَمانُنا ... ويِطيبِ دَولَتِهِ تِطيبُ الأنفُسُ
إلى قوله:
خُذْها أمِين الله وابن أمِينِهِ ... من شاكِرٍ في الشُّكرِ لَيْسَ يُدَلِسُ
وفي سنة 275، توفي الأمير المنذر - رحمه الله! - وقد ذكر موته على حصن بربشتر محاصرا للخبيث ابن حفصون. وكانت وفاته منتصف شهر صفر من السنة المذكورة، وهو ابن ست وأربعون سنة. وملك سنتين إلا أياما.
(2/119)

بعض سيره وأخباره
كان الأمير المنذر - رحمه الله! - يحبُّ إخوته، ويكرمهم، ويدنى مجالسهم، ويصلهم، ويحضرهم مجالس أنسه. وكان يجزل العطاء للشعراء؛ فينشدونه غازيا وراجعا. وكان من شعرائه أحمد بن عبد ربه، والعكي، وغيرهما. ولم يكن أحد من الخلفاء قبله مثله شجاعة وصرامة وعزما وحزما. ولقد بلغ في سنة بذلك ما لم يبلغه غيره في الدهر. ولقد كان أبطال الرجال وأنجادهم من أهل الفتنة يذعنون إليه دون محنة، ويرسلون إليه بالطاعة قبل أن يطلبها. وإن الخبر المستفيض عن الشيوخ أنه، لو عاش المنذر عاما واحدا زائدا، لم يبق برية منافق؛ وأخباره تدل على ذلك. وأول أخباره الدالة على ذلك أنه، لما أتاه موت أبيه، لم يمنعه ذلك من التعريج عن القصد واختصار الطريق، ولا شغله أمر مهم ولا أمر جليل عن آخر؛ فجعل طريقه على رية؛ فهذب أمورها، وولى عليها سليمان بن عبد الملك بن أخطل، وعبد الرحمن بن حريش، وأدخل معهما أهل المعاقل من العرب والحشم. ثم جمع في يوم ولحد مبايعته، وإعطاء الجند، والنظر فيما أسقط من الأزمة عن الرعية، وما فعله من الاستحماد إلى أهل قرطبة بإسقاط العشور عنهم، والنظر في الندب وإخراج القائد. وهكذا كان فعله في جميع أسبابه؛ ويحسب ذلك كان انقياد الأشياء له.

خلافة عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم
كنيته: أبو محمد. مولده: في النصف من ربيع الآخر سنة 229. أمه: تسمى بهار وقيل: عشار. حجابه: اثنان: عبد الرحمن بن شهيد وابن السليم. وزراؤه: ستة وعشرون. كتابه: ثلاثة: عبد الله بن محمد الزجالي، وعبد الله بن محمد بن أبي عبدة، موسى بن زياد. صفته: أبيض، مشرب
(2/120)

بحمرة، أصهب، أزرق، أقنى الأنف، ربعة، يخضب بالسواد. بنوه: أحد عشر، أحدهم محمد المفتول، والد عبد الرحمن الناصر. بناته: ثلاث عشرة. بويع في اليوم الذي مات فيه أخوه المنذر في المحلة على بربشتر، وذلك يوم السبت في النصف من شهر صفر سنة 275. ثم قفل إلى قرطبة بأخيه المنذر ميتا؛ فاستتم البيعة بقرطبة، ودفن أخاه بعدها. وتوفي عبد الله سنة 300، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة؛ فكانت خلافته خمسا وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ومن قول ابن عبد ربه فيه (طويل) :
خِلافَةُ عَبدِ الله حَجٌ عَلَى الوَرَى ... فلا رَفَثٌ في عَصِرهِ وفُسُوقُ
تَجَلَّت دَياجِي الحيفِ عَن نُورِ عَدلِهِ ... كَمَا ذَرَّ في جَنحِ الظَّلامِ شُرُوقُ
ونثَقَّفَ شَهمَ الدينِ بالعَدِل والتُّقَى ... فهَذَا لَهُ نَصلٌ وذَلِك فُوقُ
وأعلنَ أسبَابَ الهُدَى بضَمِيرهِ ... فلَبسَ لَهُ إلاَّ بهِنَّ عُلُوقُ
ومَا عَاقَهُ عَنها عَوائقُ مُلكِهِ ... وأمثالُها عَن مِثلهِنَّ تعُوقُ
وأفضت الخلافة إليه، وقد تحيفها النكث، ومزقها الشقاق، وحل عراها النفاق؛ والفتنة مستولية، والدجنة متكاثفة، والقلوب مختلفة، وعصى الجماعة متصدعة، والباطل قد أعلن، والشر قد اشتهر؛ وقد تمالا على أهل الإيمان حزب الشيطان؛ وصار الناس من ذلك في ظلماء ليل داج، لا إشراق لصباحه، ولا أقول لنجومه. وتألب على أهل الإسلام أهل الشرك ومن ضاهاهم من أهل الفتنة، الذين جردوا سيوفهم على أهل الإسلام؛ فصار أهل الإسلام بين قتيل ومحروب ومحصور، يعيش مجهودا، ويموت هزلا؛ قد انقطع الحرث، وكاد ينقطع النسل. فناضل الأمير بجهده، وحمى بجده، وجاهد عدو اله وعدوه. وانقطع الجهاد إلى دار الحرب، وصارت بلاد الإسلام بالأندلس هي الثغر المخوف؛ فكان قتال المنافقين وأشباههم أوكد بالسنة، وألزم بالضرورة.
فأول ما تناوله، ونظر فيه، أن وجه إبراهيم بن خمير لأخذ بيعة ابن حفصون وبيعة من قبله. فقصد إبراهيم إليه، وطلب طاعته؛ فظهر منه حسن
(2/121)

مذهب؛ فأخذ بيعته، وصدر عنه؛ وقدم معه حفص ابنه وجماعة من أصحابه؛ فأخذت عليهم البيعة، وردهم الأمير محبوين بالكرامة والرعاية. فبقى ابن حفصون سامعا مطيعا منتهيا عما نهى عنه، واقفا عندما أمر به. ثم تعدى بعد ذلك حده، ومد يده إلى ما نهى عنه؛ فلم يدع مالا عند من أمكنه، واستحوذ على أهل الكور في أموالهم، وأمضى نفسه على عادته الذميمة من الفساد وقطع السبل، وذلك في سنة ولاية الأمير عبد الله.
وفي سنة 276، خرج الأمير عبد الله بنفسه إلى بربشتر وحصون رية؛ فانتسف معايشها، وقفل عنها، وقد شد تلك الناحية؛ وأبقى بحاضرة رية محمد بن ذنين من أهل قرطبة؛ فخرج ابن حفصون في إثره، وتألف إليه المفسدون؛ فأتوا إلى إسنجة، فاحتلوها، ثم إلى حصن إستبة، فأخذوه؛ فأخرج إليهم الأمير جيشا؛ فنزل ابن حفصون، واعترف بذنبه؛ فعقد له الأمير أمانا.
وفي هذه السنة، ولي محمد ابن الأمير عبد الله كورة إشبيلية؛ فخرج في أيامه بعض عرب إشبيلية إلى قرمونة؛ فضبطوها.
وفيها، ثار أبو يحيى محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز النجيبي المعروف بالأنقر.
وفيها، نقض ابن حفصون وقصد بيانة؛ فحارب أهلها، ثم أعطاهم العهد؛ فلما نزلوا إليه، غدرهم، وقتلهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذراريهم.
وفيها، انتفض أهل جيان، وأخرجوا عاملها عباس بن لقيط، وملكها ابن شاكر.
وفي سنة 277، ولد عبد الرحمن الناصر.
وفيها، غزا القائد ابن أبي عبدة إلى جيان، وفيها ابن شاكر مخالفا؛ فحاربه، وحاصره، وقتل جماعة من أصحابه، وأحرق كثيرا من دور جيان.
(2/122)

وفيها، خرج حفص بن المرة إلى سوار، وكمن له الكمائن، وأغار عليه؛ فلما خرج سوار في طلبه، خرجت عليه الكمائن؛ فقتل: وفيها، قتل ابن شاكر الثائر بجيان. وسبب قتله أن ابن حفصون أزاد أن يراجع طاعة الأمير، وأن يتقرب إليه بقتل ابن شاكر؛ فبعث إليه خيلا يريه أن يمده على عدوه؛ فأقبل المدد إليه؛ فلما خرج إليهم، فتكوا به وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى ابن حفصون؛ فبعث به إلى الأمير عبد الله. وعند ذلك توجه ابن حفصون إلى جيان؛ فأغرم أهلها الأموال الجسيمة. وأقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير.
وفي سنة 278، خرج الأمير عبد الله إلى بلاي من عمل قبرة، وبها عدو الله ابن حفصون مع جماعة كبيرة من أصحابه أهل الفساد والارتداد. وكانوا قد أضروا بأقاليم قرطبة، وضيقوا عليهم حتى أغاروا على أغنام قرطبة. فخرج إليهم الأمير مستهل صفر، واحتل به؛ فناهضه وصادقه القتال؛ فانهزم هو ومن معه، ولجأ إلى حصنه مع ملأ من أصحابه، وعوجل عشيره عن الدخول معه، واتبعوا؛ فلم يخلص منهم أحد. فبات الأمير قرير عين، والمسلمون كذلك، وقد أخذوا عليه تلك الليلة الباب رجاء أن يأتي الصباح، فيؤخذ داخل الحصن. ثم خرج منه مع بعض أصحابه، ونجا ونجوا. ولما أصبح، أعلم السلطان بخبره؛ فأرسل الخيل في أثره؛ فلم يعلم له خبر. ودخل الأمير الحصن يوما آخر؛ فوجده مترعا بالذخر، ملآن من العدد؛ وكان عدد عسكر الأمير ثمانية عشر ألف فاري. وقيل إن ابن حفصون ألب أهل حصون الأندلس كلها، وأقبل إليه في ثلاثين ألفا. ووقعت الحرب بينهم؛ فانهزم عدو الله، وقتل أكثر من كان معه. ودخلت جملة منهم في محلة الأمير؛ فأمر بالتقاطهم؛ فأتى بألف رجل منهم؛ فقتلوا صبرا بين يديه. هكذا ذكر في (بهجة النفس) .
ثم قصد الأمير إستجة؛ فنازلهم؛ وحاربهم، وقتل لهم عددا كثيرا. فلما أخذهم
(2/123)

الجهد، رفعوا الأطفال على الأيدي في الأسوار، مستصرخين، ضارعين، راغبين في العفو؛ فعفا عنهم.
وفي سنة 279، غدر أهل ارجذونة بأحمد بن هاشم. ونقض ابن حفصون ما كان انعقد من السلم والطوع.
وفي سنة 280، توجه المطرف بن الأمير عبد الله بالجيش إلى ابن حفصون ببرنشتر؛ فحاصرها، وهتك جميع ما حواليها.
وفيها، أمر الأمير عبد الله ببنيان حصن لوشة، وأبقى عليه إدريس بن عبيد الله.
وفيها، دخل إذفونش بن أردون مدينة سمورة وبناها؛ وكانت من بنيان عجم طليطلة.
وفي سنة 281، أغزى الأمير عبد الله عبد الملك بن أمية؛ فتقدم إلى حصون ابن مستنة، ونازل حصن آشر، وحاربه، وقتل من أهله عددا كثيرا، وهدم حصن السهلة. ثم قفل إلى قرطبة.
وفي سنة 282، غزا بالصائفة المطرف ابن الأمير عبد الله. وقاد الصائفة عبد الملك بن أمية. فلما كان بمقربة من إشبيلية، قبض على القائد عبد الملك، وقتله، وقدم على قيادة العسكر أحمد بن هاشم. وأقام العسكر في الموضع أربعة أيام، وكتب أمانا لأهل إشبيلية، وأمانا لأهل شذونة؛ فدانت له، وقبض جبايتها، ودوخ تلك البلاد. ثم رحل إلى إشبيلية؛ فناشبهم الحرب؛ فانهزم أهل إشبيلية، ووقع فيهم القتل إلى سور المدينة. ثم أجاز الوادي؛ فتتبع القرى بالنسف والتغيير.
وفي هذه السنة، ضمَّ المطرف ابن الأمير عبد الله إبراهيم بن حجاج وابن
(2/124)

خلدون وابن عبد الملك الشذوني إلى السجن، وأوثقهم في الحديد. وقطع لسان سحنون الكاتب، وضرب ظهره.
وفيها، أتت جباية إشبيلية. وعندما أتت، أطلق ابن حجاج وابن خلدون والشذوني من سجن قرطبة.

ذكر ثورة بني حجاج بإشبيلية
وذلك أن إبراهيم بن حجاج ترك ولده رهينة بقرطبة، ورجع إلى بلده إشبيلية؛ فتوزع كورتها على نصفين: خرج إبراهيم بالنصف، وابن خلدون بالنصف. وبقيا كذلك أعواما. وكان الأمير عبد الله قد أخذ في الضرب بينهما، وبكاتب كل واحد منهما بما يراه من صاحبه. فلما كان في بعض الأيام، كتب إبراهيم بن حجاج وكريب بن خلدون إلى الأمير عبد الله في مصالحهما؛ وكتب معهما خالد بن خلدون أخو كريب كتابا يغري فيه إبراهيم بن حجاج عند الأمير، ويقول إنه في قبضتهم. فكتب له جوابه على نص كتابه. وخرج الحامل بالكتب إليهم؛ فسقط له كتاب خالد الذي كان بعث للأمير؛ فأخذه بعض فتيان القصر؛ فقرأه وعلم ما فيه؛ فدفعه لرسول إبراهيم بن حجاج، وقال له: (اسبق به مولاك!) فلما وصل الرسول والكتاب إلى إبراهيم، علم حقيقة ما يحتوي عليه ابنا خلدون من سوء الباطن. وكان هذا في سنة 286. فعند ذلك، تلطف إبراهيم في طعام، ودعا ابني خلدون؛ فوصلا إليه. فلما استقر المجلس بهم، أخذ إبراهيم في عتاب كريب وأخيه خالد، وأخرج الكتاب الذي بعث به الأمير إليهما، وأوقفهما عليه، وأبلغ في عتابهما، وأكثر في ذلك عليهما. فأخرج خالد سكينا كانت في كمه؛ فضرب بها رأس إبراهيم بن حجاج؛ فمزق قلنسوته، وضربه في وجهه. فلما صدر منه ذلك، نهض إبراهيم، ودعا من حضر من رجاله؛ فعلوهما بالسيوف، حتى قتلوهما. وألقى رأسيهما إلى أصحابهما ورجالهما؛ فتفرقوا. وتتبعهم إبراهيم بالقتل والنهب، ودفن جسدي ابني
(2/125)

خلدون؛ وانقاد له جميع أهل الكور الملاصقة لإشبيلية. وخاطب عند ذلك الأمير عبد الله، يتبرأ له من دمهما، ويقول إنهما كانا يحملانه على النكث، وإنه الآن على الطاعة؛ وطلب منه ولاية إشبيلية. فأجابه الأمير إلى ذلك. وانفرد إبراهيم بولاية إشبيلية؛ فاجتبى الأموال، واصطنع الرجال، وارتقى في الأحوال، وامتدت لفضائله الآمال. وكان له حميد آثار، وجميل أخبار، فاق بها أهل عصره، وحسن في الآفاق طيب ذكره.
ولم يزل بعد ذلك إبراهيم بن حجاج يشتط على الأمير عبد الله، إلى أن سأله إطلاق ولده عبد الرحمن الرهين عنده. فلم يسعفه الأمير عبد الله في ذلك. فنبذ إبراهيم الطاعة عند ذلك، وظاهر ابن حفصون، وأمده بالمال والرجال، نكاية للأمير عبد الله. فقويت شوكة ابن حفصون، وازداد به طماعية؛ وفي خلال ذلك، لم يزل إبراهيم يدسس ويرسل من يشير على الأمير بإطلاق ولده، ويتضمن له عوده إلى الطاعة، حتى وافق السلطان على ذلك؛ فأطلق عبد الرحمن ابن إبراهيم، وأعظم الإحسان إليه، وجدد له التسجيل على بلده إشبيلية. فعاد إبراهيم إلى ما كان أولا عليه من الطاعة، واستقامت أحوال تلك النواحي على يديه.
قال حيان بن خلف: لما ملك إبراهيم بن حجاج إشبيلية وقرمونة وما والاهما، ارتفع ذكره، وبعد صيته، واتخذ لنفسه جندا، ورتب لهم الأرزاق كنعل السلطان؛ فكمل في مصافه خمسمائة فارس. وكان لإبراهيم بن حجاج في بساط السلطان بقرطبة قوم يقفون في حقه، ويعلمونه بما عند السلطان من حاله، وينصحونه في أمره. فعند ذلك، أقلع عما كان عليه من موافقة ابن حفصون، واعترف بحق أمير الجماعة؛ فعامله الأمير بما شهر له من الفضل. وكانت منزلته عنده أعلى منزلة، إلى أن توفي - رحمه الله! وذكر حيان أيضا قال: كان لإبراهيم بن حجاج في بلده إشبيلية قاض يقوم
(2/126)

بالحكم، وصاحب مدينة يقيم الحدود، جرى في ذلك كله مجرى السلطان في حضرته. قال: وكان فظا على أهل الريب، قامعا لأهل الشرّ؛ وكان منجعا على البر والبحر، مقصودا بالغرائب والطرف. وكانت له بإشبيلية طرز يطرز فيها على اسمه كفعل السلطان إذ ذاك؛ وكانت قرمونة تحت مملكه؛ وهو الذي حصنها وحسن بنيان سورها؛ وفيها كان مربط خيله المتخذة لركوبه؛ وبينها وبين إشبيلية كان ترداده سائر أوقاته. وكان جوادا، ممدحا، يرتاح للثناء، ويعطي الشعراء، ويضاهي في فعله كبار الأمراء، ويتفقد أهل البيوتات والشرف بالعطاء. وكان أهل قرطبة متعرضين لسيبه، فيكرمهم ويصلهم. وقد انتجعه شاعرهم الأكبر أبو عمر أحمد بن عبد ربه من بين جميع ثوار ذلك الوقت بالأندلس؛ فعرف قدره، وأفضل عليه.
ومن قوله فيه، يصف تنقله من إشبيلية إلى قرمونة (طويل) :
ألا أن إبراهيم لُجِّةُ ساحِلِ ... مِن الجودِ أرسَت فوق لُجَّةِ ساحِلِ
فإشْبِيَلةُ الزّضهراءُ تُزْهَى بمجدِهِ ... وقَرمُونةُ الغَرَّاءُ ذاتُ الفَضَائِل
إذا مَا تجَلَّت تِلكَ من نِور وَجهَهِ ... غَدَت هذِهِ للناسِ في زِيّ عاطِلِ
وإن حلَّ هذِي فَهوَ يُوحسُ هذِهِ ... فَنَهدِي بُرسلٍ نَحوَه ورَسائِلِ
وهي طويلة. ومن قوله أيضا من قصيد طويل (وافر) :
كتابُ السوقِ يَطوِيهِ الفُؤادُ ... ومن قبض الدّثموعِ لَه مِدادُ
تخطُّ يَدُ البكاء به سطوراً ... على كبِدِي ويمليها السُّهادُ
وكَيفَ وبي فؤادٌ مستطيرٌ ... لمِن لا يستطيرُ له فُؤادُ
أمِن يُمنِ يكون الجودُ خلوا ... وإبراهيم حاتِمُها الجَوَادُ
زيارته لِمَن يأتيهِ حَجٌ ... ومِدحتُه رِباطٌ أو جِهَادُ
وما لي في التخلُّف عَنه عذرٌ ... ولي في الأرض راحلِةٌ وَزَادُ
(2/127)

ولأحمد بن عبد ربه في إبراهيم بن حجاج أشعار كثيرة، ولغيره من الشعراء. وذكر ابن أبي الفياض أن محمد بن يحيى القلقاط الشاعر القرطبي قصد الأمير إبراهيم بن حجاج بمدحه بقصيدة نونية، أولها (خفيف) :
أزفت رحلتي فَاهْمَتْ جُفُونَا
ثم أخذ في هجاء عشيرته أهل قرطبة، وكبرائها، وعظماء دولتها؛ فأفحش عليهم. فلما أنشد القصيدة إبراهيم بن حجاج، زها به، وحرمه وأساء ذكره؛ فانصرف خائبا من نواله، جانيا ثمره فعاله ومقاله. فلما وصل قرطبة، أخذ يهجو إبراهيم بن حجاج بقصيدة أولها (كامل) :
لا تُنكِري للبين طولَ بُكاءي
فلما بلغت إبراهيم، أغضبته؛ فأوصى من قال له عنه يمينا مغلظة: (إنه إن عاد لما وقع فيه، لآمرن بأخذ رأسه بقرطبة على فراشه!) فارتاع القلقاط المذكور لذلك، وكف. فكان هذا الفعل لإبراهيم في حق أهل قرطبة أجل مكرمة، وعد في جملة فضائله. ولأجل هذا ساقه القاضي ابن أبي الفياض - رحمه الله! - وقد قصده العذري من الحجاز؛ فراعى حقه، وأكرم مثواه، وأناله جزيل خيره. ورفع الناس ذكره.
وقد ذكر أبو عامر السالمي في كتابه المسمى ب (درر القلائد وغرر الفوائد) أن الأمير الرئيس الهمام الجواد الحسيب أبا إسحاق إبراهيم بن حجاج سمع بجارية بغدادية اسمها قمر؛ فوجه بأموال عظيمة إلى المشرق في ابتياع هذه الجارية، إلى أن استقرت بدار مملكته إشبيلية؛ وكانت كالبدر المنير، ذات بيان وفصاحة ومعرفة بالألحان والغناء؛ فوجدها قمرا عند اسمها؛ وكان لها شعر يستحلى ويستحسن. فمن قولها ترد على من عاذلها (بسيط) :
قالُوا أتتْ قَمَرٌ في زِيِّ أطمَارِ ... مِنْ بَعدِما هَتَكَتْ قَلباً بِأشفَارِ
تُمسِي علىَ وَحَلٍ تغدو على سُبُلٍ ... تَشُقُّ أمصارَ أَرْضٍ بعدَ أَمصَارِ
(2/128)

لا حُرَّةٌ هَيَ مِن أحرار مَوضِعِها ... وَلاَ لَهَا غَيرُ تَرسيلٍ وأشعَارِ
لَو يعقلون لَمَا عَابُوا غَريبتهم ... لله مِن أمَةٍ تُزرِي بأحرارِ
ما لابنِ آدمَ فخرٌ غَيرَ هِمتِهِ ... بَعدَ الديَانةِ والإخلاصِ للبارِي
دَعنِي من الجهلِ لا أرضىَ بِصَاحِبهِ ... لاَ يَخلُصُ الجَهلُ من سَبٍّ ومن عَارِ
لَو لَم تَكُن جَنةٌ إلاَّ لجَاهلةٍ ... رَضيتُ من حُكمِ رَبِّ الناسِ بالنّارِ
ولم تزل مدة إبراهيم تتمشى على أحسن حال وأجزله، وأهذب زيّ وأكمله، تقضت زينا لعصره، وفخرا له بها على أهل مصره، لم يلحقه في ذلك أحد في وقته، ولا قدر على نيل مرتبته، إلى أن وافته منيته فجأة، وذلك عام 288. وولى أبنه عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج بعد أبيه، وطالت مدته ثلاث عشرة سنة، وتوفي سنة 301. وكان أخوه محمد بن إبراهيم بن حجاج - رحمه الله - صاحب قرمونة في حياة أبيه وبعد موته إلى أن مات أخوه، ولم يستقر بإشبيلية، ولا حكمها. وقيل إنه دسَّ على أخيه عبد الرحمن جارية سمته؛ فمات من ذلك.
قال ابن أبي الفياض: كان محمد بن إبراهيم بن حجاج صاحب قرمونة بعد موت أبيه؛ وكانت له بها دولة حسنة وأيام صالحة، شهر في الفضل ذكره، وانبسط على ألسنة الناس شكره، قصد من الأقطار، ومدح يجيد الأشعار؛ فأنال القاصدين، ومنح المادحين. ولما توفي أبوه، ولي إشبيلية أخوه عبد الرحمن، إذ كان كبيره. وكان محمد يزيد على عبد الرحمن بأشياء من المحامد، خص بها في وقته فحمد، وظهر أثر الإمارة في فعاله فشكر وحسد. وكانت دولته بقرمونة أضخم من دولة أخيه بإشبيلية وأطول، وذلك أربع عشرة سنة بعد موت أبيه. وتوفي عام 302.
قال الرازي: افتتح الناصر لدين الله إشبيلية سنة 301. وكان سبب ذلك موت عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج المنقزي فيها بعد والده، واجتماع أهلها من بعده على تقديم أحمد بن مسلمة، ودفعهم لأخي عبد الرحمن محمد بن إبراهيم
(2/129)

صاحب قرمونة، ومخالفة محمد ومن معه بقرمونة، ولياذه بسلطان الجماعة. فبعث الناصر عسكرا إلى إشبيلية؛ فجرت بينهم حروب عظيمة. ثم بعث الأمير عبد الرحمن الناصر إلى محمد بن إبراهيم بن حجاج، وأمره بالتضيق على أهل إشبيلية، وعقد له على ذلك، وأشرك معه فيه قاسم بن الوليد صاحب شرطته في ذلك الوقت؛ وكان بينه وبين محمد صداقة. فخرجا معا من قرطبة إلى قرمونة، ومنها دنوا إلى إشبيلية. فتردد محمد وقاسم بالجموع على إشبيلية، وملكا أقاليم الشرف، وأقاليم طالقة، وإقليم البر وغيرها، وأخذا بمخنق ابن مسلمة صاحب إشبيلية؛ فاستجاش ابن مسلمة برأس النفاق اللعين ابن حفصون؛ فأتاه بنفسه، وخرج معه من مدينة إشبيلية، وجاز النهر؛ وكان الجيش يحصن قبرة، وفيه محمد بن إبراهيم بن حجاج، وقاسم بن وليد؛ فخرجا إليهما بمن معهما من حشم السلطان؛ فانهزم ابن حفصون، وفر على وجهه، حتى لحق بقلعته. فتأمل ابن مسلمة منتشبه مع ابن عمه محمد بن حجاج، ودخوله معه في وراثة أبيه، وأنه لا طاقة له به. فأخذ في إصلاح ما بينه وبين السلطان الناصر؛ فراسله بأن يعطيه إشبيلية. فوصله الحاجب بدر، وتملك السلطان إشبيلية دون إراقة دم ولا قتال. فلما استقر الحاجب بإشبيلية، أحضر أهلها، ووعدهم عن السلطان بكل جميل، وأن يجري عليهم عوائدهم مع بني حجاج وزيادة على ذلك؛ فرضى القوم، وتم الأمر للحاجب وابن مسلمة. وأخذ الحاجب في مخاطبة محمد بن حجاج، يعرفه بتملك السلطان إشبيلية، وأن السلطان أمره بالكف عن حصارها. فعند وقوف محمد على الكتاب، ساءه ذلك، وتغير له، وخرج من حصن قبرة الذي كان به مع قاسم بن وليد ناكثا للطاعة؛ وسرى ليلته مع جموعه قاصدا بلده قرمونة؛ فالقى في طريقه أغناما لأهل قرطبة؛ فأغار عليها، وحملها معه إلى قرمونة؛ فدخلها، وأظهر التمتع بها. فأخرج إليه الناصر لدين الله صاحب الحشم؛ فلما وصله وخاطبه بما أمره به السلطان، رد عليه الأغنام بجملتها.
ولما رجع صاحب الحشم إلى قرطبة، خرج محمد بن حجاج من قرمونة
(2/130)

بجيشه؛ فوصل إشبيلية عند الصباح؛ فهجم عليها. وكان بعض سورها مهدما؛ فطمع فيها؛ فخرج إليه العامل عليها من قبل السلطان؛ فهزمه عنها؛ فرجع إلى قرمونة. فلما علم الناصر بذلك، وجه عسكرا إلى عامل إشبيلية تقوية له؛ فحصن البلد على نفسه، وأمن من عادية محمد بن حجاج. ولما طال على الناصر تمادي محمد بن حجاج على العناد، بعث إليه صديقه ابن وليد، طالبا منه العودة إلى الطاعة؛ فلم يزل به حتى أظهر الإنابة له؛ فأنفذ محمد بن حجاج خاصته إلى الناصر؛ فوصل إليه؛ فألحقه الناصر بنفسه، وشافهه بما ألقاه إليه محمد، وأعلمه أنه ينعزل عن قرمونة ويسكن قرطبة، على أن يترك بها نائبه. فأجابه الناصر لذلك كله، ووعده بتتميم أغراضه. فلما وصل الرسول إلى محمد بما ألقاه إليه الأمير الناصر، خرج من قرمونة في شهر رمضان المعظم من عام 301، ووصل قرطبة مع وجوه قومه وعدَّة من رجال. فأمر لهم الناصر بالكسى ووصلهم على أقدارهم ومنازلهم عند محمد، وأجزل لهم الصلة، وأعطى محمدا العطاء الجزل، وقربه من نفسه، وولاه من حينه خطة الوزارة، منوها، مرفع الذكر. قم خرج الناصر لدين الله غازيا؛ فأغزاه معه وزيرا.
وكان حبيب بن عمر الوالي على قرمونة من قبل السلطان قد امتنع بقرمونة. فحاصر الناصر قرمونة، ومحمد بن حجاج معه وزيرا؛ فسعى به عند السلطان من كان يحسده، وقال له: (إنما نافق ابن عمر مع محمد وبأمره!) فعزله عن الوزارة، وحبسه، وحبس معه ابن وليد صاحب الشرطة. ثم أطلقا بعد ذلك. فلم يلبث محمد بن حجاج بعد ذلك إلا يسيرا، وتوفي في شوال سنة 302.

أخبار عمر بن حفصون في أيام الأمير عبد الله
وعندما ولي عبد الله الخلافة، ووافته الكتب من البلاد؛ واجتمعت على طاعته جميع العباد، رأى عمر بن حفصون على فرط عناده، وتوه في الأرض وفساده، أن يدخل في جماعته، ويلتزم بفروض طاعته. فأرسل ابنه حفصا
(2/131)

إلى قرطبة مع جماعة من أصحابه، على أن يعقدوا مع الأمير سلما منتظما، وصلحا مبرما، لا يحيله حال، ولا يلحقه محال، على أن يستقر عمر بن حفصون ببربشتر على الطوع، ويقيم بها على الطاعة والسمع. فقبل الأمير نزاعه، وسمح بإبقائه هنالك، وأصدر ابنه ورسله إصدارا جميلا؛ ومنحهم برا جزيلا، ووجه معهم عبد الوهاب بن عبد الرؤوف واليا على كورة رية، ومشاركا لابن حفصون في عقده وحله، ومساهما له في توليته وعزله. فمكثا شريكين في الأمر والنهي، إلى أن غلب ابن حفصون على عبد الوهاب، وأخرجه من الكورة منبت الأسباب. واشتدت معرَّته، وتأكدت عاديته ومضرته، حتى همت القرى بالخلاء، والناس بالجلاء. ولم يبق بالقنبانية قرية إلا غشيتها الخيل، وعمتها الذلة والوبل، وقد ملك اللعين إستجة وأرجذونة، وأجتدهمت ثقافا، وصير فيهما من الآلات أصنافا.
فلما رأى الأمير عبد الله ما أحاط بقرطبة من ابن حفصون، ودار عليها من الحرب الزبون، أمر بإخراج السرادق إلى فحص الربض بشقندة. فلما اشتدت أطنابه، ومدت حبائله وأسبابه، بعث ابن حفصون خيلا ترمي على شقندة لعلها تأخذ السرادق السلطاني وتفوز به، وتهجم على البلد وتحيط بجانبه. فخرجت لهم الخيل إثر ذلك، وطردتهم طرادا من هنالك، ووصلت إلى ابن حفصون؛ فدفعته عن الجهة، ومنعته من تلك الوجهة، وأوى إلى حصن بلبى بقبرة؛ فجمع له الأمير أهل قرطبة، وسار إليه في نحو أربعة عشر ألفا. وحشد ابن حفصون نحو ثلاثين ألفا؛ فصدمه الأمير بمن معه؛ فنثر عقده وفرق جمعه؛ فعملت السيوف في رقابهم، وتبعت سيل أعقابهم، حتى رويت الأرض من دمائهم. ودخل الأمير عبد الله القلاع الثائرة عليه؛ وصارت يومئذ في يديه.
وفي ذلك يقول ابن عبد ربه (كامل) :
رَامَ ابن حفصُونَ النجاةَ فَلَمْ يَسِرْ ... والسَّيْفُ طالِبُهُ فَلَيْسَ بِنَاجِ
في لَيلَةٍ أَسرَتْ بِهِ فَكَأنَّما ... خِيلَتْ نَقيضَةَ لَيلةِ المِعراجِ
مَا زَالَ يُلقِحُ كُلَّ حَربٍ حَامِلٍ ... فالآنَ أنْتَجَها بشَرِّ نَتاجِ
(2/132)

رَكِبُوا الفِرَارَ بهُضبةٍ قَدْ جَرَّبوا ... غِبَّ السُّرَى وعَواقِب الإدلاجِ
وإذا سَألتُهم مَوَالِي مَن هُمُ ... قَالُوا: موَالِي كُلِّ لَيلٍ دَاجٍ
ولمّا رجع ابن حفصون إلى بربشتر، حشد أعوانه، وجدد للعرض ديوانه، وخرج بجمعه إلى إلبيرة، وأدار بها حربا مبيرة، إلى أن تغلب عليها بأيده، وقبض على عاملها بكيده. فأخرج الأمير عبد الله العسكر إليه، وقدَّم ابن أبي عبدة عليه. فلما تدانى الفريقان، وتراءى الجمعان، هجمت خيل ابن أبي عبدة على خيل ابن حفصون؛ فعكستهم عسكا، وطمست آثارهم طمسا؛ وأثقل ابن حفصون بالجراح، وآب من النصر صفر الراح، قد ركب الأوعار، واجتمل الخزي والعار؛ ويبلغ حصن بربشتر مفلولا، خاسرا ذليلا. ثم عاد إلى عاده، وسبيل بغيه وفساده. وفي كل ذلك كان الأمير عبد الله يهزم جيشه، ويروع ببأسه جأشه، حتى خمدت نيرانه، وملت أنصاره وأعوانه. فلما توفي الأمير عبد الله، وولى الناصر لدين الله، بادر إلى الطاعة، والدخول في الجماعة. ثم نكث وخان، حتى هلكته الأزمان.

جملة الثُّوَّار ببلاد الأندلس في أيام الأمير عبد الله
الخارجين عن الجماعة المضرمين لنار الفتنة
أولهم ابن حفصون؛ وقد تقدّم ذكره. وتأتي بقية أخباره بحسب السنين. وثار سوَّار بن حمدون بحصن منت شاقر؛ فقام إلى جعد عامل إلبيرة بمن معه؛ فهزم جمعه، وأخذه أسيرا، وأراه يوما عسيرا. ثم أطلقه من عقاله، وعمه بإفضاله، وانصرف إلى إلبيرة بلده، ومقر أهله وولده. وسار سوار إلى غرناطة، وأغار على حصون ابن حفصون؛ فاجتمع أهل إلبيرة في نحو ثلاثة وعشرين ألفا؛ فلقيهم سوَّار في عدد قليل؛ فلاذوا بالفرار والنفور، وصاروا كالهباء المنثور؛ ونيطت بهم الحتوف كسفا، وقتل منهم على ما ذكر اثنا عشر ألفا، وذلك
(2/133)

في سنة 276. وكانت بين سوَّار هذا وابن حفصون ملاقاة انقلب فيها ابن حفصون مهزوما، وتولى ملوما مذموما، قد أثقل بالجراح، وقتل قوّاده في ذلك الكفاح. وكان جعد الثائر بالبيرة منفقا مع ابن حفصون على النفاق، منعقدا معه على الفساد في تلك الآفاق؛ فأعمل جعد الحبلة في الغدر بسوار جهده، وأظهر في ذلك نصبه وجهده؛ فأغار على جهته يوما، وقد أكمن هنالك قوما. وخرج هو بنفسه في نفر يسير؛ فاكتسح وأغار، وأنجد في الجهة وغار. وظن سوّار أن ليس وراءه أجناد تنجده، ولا أمداد تمده؛ فبز إليه بأهل المكان، وقد أيقن بالظفر والإمكان. فلما انبسط من هنالك كالفرخ الأشر، ثارت الكمائن عليه كالجراد المنتشر، وأحدقت الخيل بسوار؛ فقتل ثقتيلا، وعاد عسكره مهزوما مفلولا. وأرسل جعد صاحب إلبيرة إلى ابن حفصون برأس سوار، وأعلمه بالكبت الشامل لأعدائهم والبوار.
وثار سعيد بن جودي في ذلك التأريخ بالعرب، وعارض ابن حفصون بالحرب والحَرَب، حتى أغصه بريقه، وضايقه في سبيله هناك وطريقه؛ فرجع ابن حفصون إلى الحيلة فيه والكيد، إذ عجز عنه بالقوة والأيد، حتى قبض عليه، وصار أسيرا لديه، وأقام عنده بببشتر شهورا مكبولا، إلى أن قبل فيه ابن حفصون مالا جزلا قبولا؛ فأطلقه من وثاقه؛ فجد في خلافه على الأمير عبد الله وشقاقه، إلى أن مكر به مكرا، وقتل في دار عشيقة له يهودية غدرا. وتولى أمر العرب بجانب إلبيرة محمد بن أضحى؛ فأمسى على طاعة الأمير عبد الله وأضحى؛ فناصب ابن حفصون الحرب، وعارضه بالطعن والضرب، إلأى أن ظفر به ابن حفصون في تلك المسالك، وصار عنده أسيرا هنالك؛ ففداه العرب منه بمال جسيم، ومشى من طاعة الأمير على منهاج قويم.
وثار العرب بإشبيلية ثورة، وقبضوا على عاملها عنوة، وانتهبوا طارفه ومشلده، ولم يتركوا إلا أهله وولده، وقتلوا كثيرا من أعوانه، وعانوا ما شأوا في سلطانه؛ فاجتمعت العساكر من قرمونة وسائر الأقطار، وأحاطت بإشبيلية إحاطة
(2/134)

الفلك الدوار؛ فغلبوا على القائمين فيها. وقتلوا منهم فرقة؛ فكانت الوقعة المعروفة بالدعقة.
وتغلب إبراهيم بن حجاج على إشبيلية تغلبا، ونصب لأحواز قرطبة منها حربا وحربا؛ وارتبط مع ابن حفصون على العبث التام، والاحتلال بقرطبة في ذلك العام. وتغلبا على الحصون والقلاع، وجدا في الكفاح والقراع، إلى أن انتقض ما بينهما من السلم المنتظم، والعهد المحكم المنبرم. وصالح ابن حجاج الأمير عبد الله؛ فأقره بإشبيلية، وصرف إليه زمامها، وأوقف عليه أعمالها وأحكامها.
وثار دبسم بن إسحاق، وغلب على مدينتي لورقة ومرسية، وما يليهما من كورة تدمير. وكان مودودا من طبقات الناس، رفيقا برعيته، جوادا، منتجعا، له إفضال على الشعراء والأدباء.
وثار عبيد الله بن أمية، وملك كورة جيان، ودخل حصن ابن عمر وغيره.
ومنهم، عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليقي، اقتعد مدينتي بطليوس وماردة؛ ففارق الجماعة، وجاور أهل الشرك، ووالاهم على أهل القبلة.
ومنهم، عبد الملك بن أبي الجواد، اقتعد مدينة باجة وملكها، وتحصن بحصن مارتلة، وله حظ من المنعة تشييدا وعدة. وكان معاقدا لابن مروان، صاحب بطليوس في هذا التأريخ، وابن بكر صاحب أكشونبة؛ فكانوا متأبين على من خالفهم.
وثار ابن السديم، وهو منذر بن إبراهيم بن محمد بن السليم، بمدينة ابن السليم، المنسوبة إلى جده، من كورة شذونة؛ فاقتصد في سيرته، ولم يظهر نبذ الطاعة، إلى أن قتله مملوك له يسمى غلنده. وخلفه وليد بن وليد، وصار إلى الطاعة عند هبوب ريحها بالخليفة عبد الرحمن الناصر.
(2/135)

ومنهم، محمد بن عبد الكريم بن إلياس، امتنع بقلعة ورد من كورة شذونة، وسعى للفتنة سعيه، وتمادى، حتى استنزله الناصر فيمن استنزل من الثُّوَّار. ومات بقرطبة.
وثار خير بن شاكر بحصن شوذر من كورة جيان، زظاهر زعيم الثوار عمر ابن حفصون؛ ففتك بخير المذكور، وأرسل برأسه إلى الأمير عبد الله.
ومنهم، عمر بن مضم الهترولي المعروف بالملاحي؛ وكان جنديا متدونا عند العامل بحضرتها؛ فوثب عليه؛ فغدره، وضبط القصبة.
ومنهم، سعيد بن هذيل. كانت ثورته بحصن المنتلون من كورة جيان؛ فبنى قصبته، وحصنها، وأعلن بالخلاف، حتى استنزله الناصر؛ فلحق بقرطبة إلى أن مات.
وثار سعيد بن مستنة بكورة باغة، واقتعد حصونها؛ فاستفحل أمره وشره، وعمَّ أذاه واصطفى من حصونها التي ظهر عليها أربعة لا مثيل لها في الحصانة والمنعة.
وثار بنو هابل الأربعة: أكبرهم منذر بن حريز بن هايل، وأخوه أبو كرامة هابل بن حريز، وأخوه عامر، وأخوه عمر؛ ثاروا ببعض حصون جيان في أيام الأمير عبد الله، وخلعوا طاعته، وأطلقوا الغارة، وأطلعوا أهل الفساد. ثم استنزلوا؛ فنزلوا على حكم الأمان؛ فحسنت طاعتهم وخدمتهم.
وثار إسحاق بن إبراهيم بن عطاف العقيلي بحصن متتيشة؛ فبناه وحصنه وامتنع به، إلى أن استنزله الخليفة الناصر إلى قرطبة؛ وبها توفي.
ومنهم، سعيد بن سليمان بن جودي؛ أمرته عرب إغرناطة وإلبيرة؛ فضبط أمرهم، حتى دبر عليه كبيران منهم بحيلة؛ فقتلاه بها. فلم ينتظم للعرب هناك أمر بعده.
(2/136)

وثار محمد بن أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، من أكابر أبناء العرب بكورة إلبيرة، إلى أن هلك الأمير عبد الله؛ فاستنزله الناصر لدين الله عن حصنه، فيمن استنزله من الثوار. وكان ابن أضحى هذا مع رجوليته أديبا بليغا، يقوم بين أيدي الأمراء في المحافل، فيحسن القول، ويطيب الثناء. وله أخبار معروفة.
وثار بكر بن يحيى بن بكر، واقتعد مدينة شنت مرية من كورة أكشونبة، وبناها حصنا اتخذ عليها أبواب حديد. وكان له ترتيب وأهبة، ورجال شجعان، وعدة موفورة. وكان يتشبه - بزعمه - في سلطانه بإبراهيم بن حجاج. وكان له أصحاب للرأي وكتاب للعمل. وكان له عهد مؤكد إلى جميع من في طاعته بإضافة أبناء السبيل، وقراء النزيل. وحفظ المجتازين؛ فكان السالك بناحيته كالسالك بين أهله وأقاربه.
وثار ابنا مهلب، من وجوه قبائل البربر بكورة إلبيرة؛ وهما خليل وسعيد؛ ثارا ثورة نظرائهما بجهتهما؛ فأقاما على سبيلهما إلى أن استنزل الناصر أولادهما بعد وفاتهما.
وثار سليمان بن محمد بن عبد الملك الشذوني بشربش شذونة؛ وهو الذي بنى نبريشة وحصنها.
وثار ابنا جرج بحصن بكور؛ ففسدت سيرتهما؛ فأخرجا عن الحصن. فمات عبد الوهاب، ولحق محمد بن عبد الرحمن بن جرج بابن الشالية؛ وكان مصافيا له؛ فتقبله، واستخدمه، وبنى له حصن مورينة من كورة جيان؛ فأقام فيه إلى أن استنزله الناصر ونقله إلى قرطبة.
وثار أبو يحيى النجيبيُّ المعروف بالأنقر بمدينة سرقسطة وأعمالها، وقتل أحمد ابن البراء القرشي عامل الأمير على سرقسطة، واستولى عليها؛ وأظهر التمسك
(2/137)

بطاعة الأمير عبد الله، وخاطبه، وهو ينسب ابن البراء إلى الخلاف. فأظهر الأمير تصديقه، وسجل له على سرقسطة. فثبت بها قدمه.
وفي سنة 283، أخرج الأمير عبد الله على العسكر هشام بن عبد الرحمن ابن الحكم إلى كورة تدمير، في أواخر ربيع الأول. وكان القائد معه على الجيش أحمد بن أبي عبدة. ولما احتل بوادي بلون، تقدم قطيع من الخيل؛ فافتتح هنالك حصنا، وغنم ما كان فيه. وتوافت على العسكر حشود أهل الكور. ثم انتقل وطوى المراحل حتى حل بمرسية. ثم انتقل إلى لورقة. فخرج إليه ديسم بن إسحاق؛ فحاربه؛ فهزم ديسم؛ ورجع إلى لورقة وأقام محاصرا حتى فقل عنه العسكر. ثم خرج ديسم بمن معه؛ فضرب في الساقة؛ فرجع إليه؛ فهزم واتبع حتى اشتغاث بالوعر ونجا راجلا، وأخذ فرسه. وقفل العسكر سالما. وفقد في هذه الغزاة الماء، ومات فيها اثنان وثلاثون رجلا عطشا، وهلكت دواب كثيرة.
وفي سنة 284، أخرج الأمير عبد الله ابنه أبان إلى لبلة. وكان ابن خصيب بحصن منت ميور، وكان قد ثار به؛ فحاصره، ونصب عليه المجانيق، ورماهم بها حتى ضجوا ودعوا إلى الطاعة؛ وانعقد أمانهم. وفي خلال ذلك، دخل ابن حفصون إسنجة الدخلة الثانية؛ فورد كتاب الأمير باستعجال القفول بسبب إسنجة؛ فقفل العسكر. وكانت مدة هذه الحركة شهرين ونصفا، وهي أول حركة أبان.
وفي سنة 285، غزا أبان ابن الأمير عبد الله إلى ابن حفصون، والقائد ابن أبي عبدة.
وفيها أيضا، غزا عباس بن عبد العزيز إلى حصن كركي وجبل البرانس؛ وقتل ابن بامين وابن موجول، وأخذ حصونهما.
(2/138)

وفيها، تقدم لب بن محمد بن طليطلة إلى حيز جيان، ونازل حصن قسكلونة؛ وكان فيها نصارى يحاربون عبيد الله بن أمية المعروف بابن الشالية؛ فأخذ الحصن، وقتل العجم. ووافاه فيه قتل أبيه محمد بن لبَّ في محاصرته لسرقسطة.
وفيها، كانت المجاعة الشديدة التي سميت السنة 285 بها سنة لم أظن.
وفي سنة 286، أظهر ابن حفصون النصرانية؛ وكان قبل ذلك يسرها؛ وانعقد مع أهل الشرك وباطنهم، ونفر عن أهل الإسلام، ونابذهم؛ فتبرأ منه خلق كثير. ونابذه عوسجة بن الخليع، وبنى حصن قنبط، وصار فيه مواليا للأمير عبد الله، محاربا لأبن حفصون. واتصلت عليه المغازي من ذلك الوقت، ورأى جميع المسلمين أن حربه جهاد؛ فتتابعت عليه الغزوات بالصوائف والشواني، ولا بني القواد عنه في الحل والترحال. وفي ذلك قال ابن فلزم للقائد ابن أبي عبدة (متقارب) :
فَفِي كُلِّ صيفٍ وفي كُلِّ مَشتَى ... غَزَاتانِ مَنكَ عَلَى كُلِّ حالِ
فَتِلكَ تُبِيدُ العَدّوَّ وَهذِي ... تُفيدُ الإمامَ بها بَيتَ مَالِ
وفي سنة 287، كانت الصائفة مشجولة ما بين كورة موزور وكورة شذونة وكورة رية.
وفيها، قتل القائد ابن أبي عبدة طالب بن مولود الموروري.
وفيها، صلب إسحاق وصاحبه؛ وكانا من رجال ابن حفصون؛ وفيهما جرى المثل في الناس: (غررتني يا إسحاق!) وذلك أن أحدهما قال هذه الكلمة لصاحبه، وهو يرفع في الخشبة.
وفي سنة 288، قبضت رهائن ابن حفصون. وتجولت الصائفة بشذونة وغيرها من الكور.
(2/139)

وفيها، عظم السيل بقرطبة، وانهدم رجل من قنطرتها.
وفيها، خرج من قرطبة أحمد بن معاوية ابن الإمام هشام إلى فحص البلوط. ثم تقدم إلى ترجيله؛ فأقام فيها مدة يسيرة. وانحشدت إليه الحشود؛ فدخل إلى سمورة وبها قتل في شهر ربيع الأول.
وفي سنة 291، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - إلى رية؛ وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم الخميس لخمس خلون من جمادي الآخرة؛ ونهض حتى احتل بوادي نسقانية، واضطرب في هذه المحلة. وخرج إليه عمر بن حفصون؛ ثم التقيا؛ فوقعت بينهما حرب شديدة؛ ثم انكشفت الهزيمة على أصحاب ابن حفصون؛ فقتل منهم عدد كثير؛ ثم أضرم قرى وادي نسقانية وما حواليها نارا. ثم انتقل وحل على وادي بينش المجاور لببشتر، ووقعت الحرب بين أهل العسكر وبين ابن حفصون؛ فانهزم ابن حفصون، وقتل له رجال، وعقرت له خيل. واتصل الحريق في جميع قرى تلك الناحية. ثم انتقل إلى محلة طلجيرة؛ فأقام بها أياما، يحارب فيها ابن حفصون كل يوم، وينال منه. وفي هذه الأيام، أحرقت منية لجعفر بن عمر بن حفصون. وفي هذه الغزاة، حوربت طرش والرجل، وقتل أخو زيني وجماعة من حماة ابن حفصون. ونصب المنجنيق على الرجل؛ فأثر فيه
(2/140)

وثلم في سوره. ثم تقدم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة من حصن لوشة إلى حصن الخشن، في جرائد الخيل، وأبقى أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - معسكرا بمحلة لوشة؛ فحارب حصن الخشن، وقتل عددا من أهله، وأسر منهم جماعة، وانصرف بالرؤوس والأسرى إلى لوشة. ثم قفل بالعسكر، ودخل قرطبة يوم الجمعة لخمس بقين لرمضان؛ فكانت هذه الغزاة ثلاثة أشهر وعشرين يوما.
وفيها، خرج لُبُّ بن محمد إلى بايش من أحواز آلبة، وذلك في رمضان؛ فافتتح حصن بايش وما يليه، والعلج إذفنش يومئذ على حصن غزنون محاصرا لأهله. فلما بلغه دخول لُبّ بن محمد بحصن بايش، ولَّى هاربا.
وفيها، ثم في ذي الحجَّة، خرج لبُّ بن محمد إلى ناحية بليارش؛ فافتتح حصن لحروسه؟، وحصن إيلاس، وحصن قشتيل شنت، وحصن مولة، وقتل بهذه الحصون نحوا من سبعمائة علج، وسبى بها نحوا من ألف سبية.
وفيها، توفي جعفر بن يحيى بن مزين الفقيه من أهل قرطبة؛ وكانت له رواية عن أبيه وغيره. وفيها، توفي أحمد بن هاشم القائد بمدينة غرناطة، ودفن هنالك، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وفيها، توفي إسحاق بن عبد الله الطبيب. وفيها، مات عامر بن موصل الأصبحيّ بحصن ناجرة) .
وفي سنة 292، كان خروج الصائفة إلى عمر بن حفصون. وتجوَّل العسكر على حصونه؛ فهتك بعضها. وقوطع البعض على وظيف يودونه. وفيها، كانت الوقعة العظيمة على عمر بن حفصون بوادي بلُّون من جيان. وكان قد توافى إليه أهل الخلاف والخلعان، وخرج مغيرا على المسلمين؛ فهزمه الله، وقتل كثيرا ممن كان معه. وأدبره في شرذمة قليلة، وأفنى أكثر رجاله في ذلك المعترك.
(2/141)

وفيها، خرج لبُّ بن محمد لمحاصرة مدينة سرقسطة، وأخذ في ردم الخندق المجاور لسورها وشرع في البنيان عليها. فلما كمل له ردم الخندق وبنيان ما فيه، رحل عنه وأدخل ندبة فيه من رجاله.
وفيها، توفي عبد الله بن قاسم بن هلال؛ وكانت له رحلة؛ وأدخل الأندلس كتب داوود العباسي وغيره. وفيها، وتوفي الوزير سليمان بن محمد بن وانسوس، وعبد الرحمن بن أمية بن عيسى بن شهيد المعروف بدحيم، وتوفي أخواه عثمان ابن أمية وعيسى بن أمية.
وفي سنة 293، كان خروج الصائفة إلى فهر بن أسد، وهو بحصن تشّ من كورة جيان؛ فافتتح الحصن، وأخذ فهرا أسيرا، وقدم به إلى قرطبة؛ فأمر الإمام عبد الله - رحمه الله - بصلبه عند القصابين في بيع الآخر.
وفيها، عزل محمد بن أمية بن شهيد عن المدينة؛ ووليها محمد بن غانم؛ فكانت ولايته شهورا؛ ثم عزل، وولى مكانه موسة بن محمد بن حُدير.
وفيها، حبس حزمير القومس، وعذب وأدهق حتى مات.
وفي جمادى الآخرة، دخل القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن قنيط من ناكرنا، وندب فيه جيشا، واستنزل من كان فيه من بنى الخليع، وأدخل فيه الحشم.
وفيها، توفي يونس بن هاشم بن عبد العزيز. وفيها، توفي ديسم بن إسحاق صاحب تدمير. وفيها، قتل يحيى بن قسيّ، ومحمد بن إسماعيل، وأيوب ابن سليمان بطليطلة وفي سنة 294، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - الصائفة إلى الجزيرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة، وحل بالجزيرة
(2/142)

يوم الجمعة لتسع بقين من رجب. ثم تقدّم إلى حصن لوزة يوم السبت لانسلاخ رجب؛ فحارب الحصن وحاصره، وقتل جماعة ممن فبه؛ ثم تقدم إلى حاضرة رية، فيها مساور بن عبد الرحمن؛ فأحرقت أرباض الحاضرة وحوصر من كان فيها؛ فدعا مساور إلى السلم، وبذل الرهائن. فأجيب إلى ذلك، وقبضت رهائنه؛ ثم تقدم القائد إلى الساحل؛ فجال عليه أجمع، وخرج على حصون إلبيرة، وقفل منصرفا إلى قرطبة؛ فدخلها يوم السبت لليلتين خلتا من ذي القعدة.
وفيها، خرج لُبُّ بن محمد إلى جانب بنبلونة؛ فبذل في تهوره، وشرع في البنيان بحصن هريز؛ فحشد إليه العلج شانجه جميع أهل بلده، وكايده بالمكامن؛ ثم وجه إليه خيلا يسيره؛ فلما سمع الصيحة، بدر إلى الركوب؛ فلقى بكمين، فهزمه؛ ثم بكمين، فهزمه؛ ثم أحدقت به الكمائن. فقتل وقتل من كان معه، ممن آثر الشهادة؛ وذلك في ذي الحجة لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه. فنزل تطيلة أخوه عبد الله بن محمد. وكان لبٌّ، يوم قتل، ابن ثمان وثلاثين سنة.
وفيها، ظهر محمد بن عبد الملك الطويل في الثغر، ودخل حصن بربشتر وحصن القصر وحصن بربطانية.
وفي سنة 295، كان غزاة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة إلى جهة رية؛ وقاد الخيل أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ببشتر، وحارب ابن حفصون، ونكاه، وأنزل به، وحارب ما حواليه من الحصون.
وفيها، غدر سعيد بن الوليد المعروف بأبن مستنة، وتخلى عن حصن بلدة إلى عمر بن حفصون، وظافره، وأبدى ما كان بصميره من العصيان.
(2/143)

وفيها، ولي المدينة محمد بن عبيد الله بن أبي عثمان، وذلك يوم خميس؛ فاستعفى عنها؛ فأعفي يوم الجمعة ثاني ولايته، وولى مكانه عليُّ بن محمد المعروف بالباسه؛ وكان عليها ثلاثة أيام. ثم عزل وأعيد إليها موسى بن حدير؛ فكان واليا عليها إلى آخر أيام الإمام عبد الله؛ وأقره أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى سنة 303.
وفيها، دخل محمد بن عبد الملك الطويل حصن منتشون ومدينة لاردة في المحرم.
وفيها، دخل محمد بن عبد الرحمن النجيبيُّ مدينة شية.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بربطانية؛ فافتتح حصونا جمة، وسبى سبيا كثيرا.
وفيها، توفي الفقيه يحيى بن عبد العزيز بن الجرَّار، والفقيه محمد بن غالب ابن الصفار، ومحمد بن يحيى بن أبي غسان صاحب السوق. وولى أحكام السوق يحيى بن سعيد بن حسَّان. وفيها، توفي موسى بن محمد بن موسى بن قطبس الخازن.
وفي سنة 296، كان غزو أبان ابن الإمام عبد الله بالصائفة إلى حصون رية وغيرها. وقاد الخيل معه أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فقصد ناحية بهشتر، ونازل ابن حفصون، وحاربه ونكاه، وتحرك عيسى بن أحمد القائد غازيا إلى حصون سعيد بن مستنة؛ فنازله أيضا، حتى قفل القائد أحمد ابن محمد من ببشتر. ثم نازل حصن لك من حصون ابن مستنة؛ فأقام عليه حتى افتتحه.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بليارش في شهر رمضان؛ فقتل هنالك مقتلة عظيمة. ووفد عليه رسل أهل حصن روطة، يرغبون الصلح ويسمحون بالرهائن والجزية؛ فلم يجبهم إلى ذلك؛ فخرجوا هاربين من الحصن،
(2/144)

وأخلوه. وتقدم إليه؛ فهدمه. وفيها، تغلب على حصن منت بطروش، وهو المعروف بجبل الحجارة.
وفيها، توفي محمد بن سليمان بن تليد المعافري قاضي مدينة وشقة. وفيها، توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ وكان حج قبل وفاته بثلاثة أعوام، هو ويحيى بن سعيد بن حسان صاحب السوق. وفيها، توفيت السيدة ابنة مطرف ابن الأمير عبد الرحمن بن الحكم - رحمهما الله -. وفيها، توفي أحمد بن حفص بن رفاع الفقيه المقري.
وفي سنة 297، كان غزو العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - الغزاة المعروفة بغزوة رية وفريرة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وفصل يوم الخميس لتسع بقين من شعبان؛ فتقدم إلى بلدة؛ فحاربها. ثم احتل على نهر طلجيرة؛ فدارت بينه وبين أصحاب ابن حفصون حرب، عقرت فيها خيل السلطان، وقتل عدد من أصحاب ابن حفصون. ثم تقدم إلى حصون إلبيرة؛ فنزل على حصن شبيلش؛ فكانت هنالك حرب شديدة، ونالت بعض حماة العسكر جراح. وتجول في كورة إلبيرة، وحل بمحلة بجانة؛ ثم قفل على كورة جيان؛ فنازل حصن المنتلون يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة؛ فأقام عليه محاصرا أياما؛ ثم ضحى فيه يوم الأحد، وقفل يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، ودخل قرطبة يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وفيها، افتتحت بياسة؛ واستنزل منها محمد بن يحيى بن سعيد بن بزيل.
وفيها، كان سيل عظيم غرقت منه أركان بيت الله الحرام، وفاضت بئر زمزم؛ ولم يرَ مثل هذا السيل في قديم الأزمان.
وفيها، اجتمع عمر بن حفصون، وسعيد بن مستنة، وسعيد بن هذيل، وضمهم عسكر واحد؛ فضربوا بناحية جيان وأغاروا؛ فأصابوا وغنموا،
(2/145)

وانصرفوا إلى حصن جريشة؛ فاتبعهم القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فلحقهم، وهزمهم، وقتل جماعة منهم، فيهم تسريل العجمي من قواد ابن حفصون.
وفيها، افتتح القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة حصن الزبيب، وابتنى حصن ترضيض تضييقا على ابن هذيل، وحصن قلعة الأشعث، ووضع فيه ندبا من الرجال. وشتى القائد هذه السنة بجبل ارنيش من كورة قبرة. وكانت له في هذه الشتوة حركات بالغت في نكاية أهل النفاق.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى بار بليارش؛ فافتتح حصن أوربوالة، وأصاب من المشركين ثلاثمائة سبية، وقتل كثيرا منهم، وهدم الحصن وحرقه. وتقدم إلى حصني علتير والغبران؛ فهدمهما. وكان مبلغ الفيء في هذه الغزاة ثلاثة عشر ألفا.
وفيها، قتل إبراهيم بن حجاج ابن عمه أحمد بن سيد بن عمر بن عُمير، وهو ابن خمس وأربعين سنة.
وفيها، وذلك يوم الخميس لسبع بقين من ذي الحجة، اعتقل موسى ابن محمد بن حدير صاحب المدينة إبراهيم ومحمدا وسعيدا بني الأمير محمد - رحمه الله - وابن أخيهم محمد بن عبد الملك ابن الأمير محمد - رحمه الله - وحبسهم في دار مطرف ابن الأمير عبد الله. وكان سبب ذلك أنّ الإمام عبد الله - رحمه الله - عهد إليه ألا يترك أحدا يجوز القنطرة إذا كان له خروج للصيد. وكان يصيد الإمام في تلك الجهة بعدوة النهر. فخرج الإمام في هذا اليوم متصيدا. وخرج هؤلاء من المدينة متروحين؛ فردهم واعتقلهم. فلما انصرف الأمير - رحمه الله - من صيده، أنهى إليه أمرهم وما فعله فيهم؛ فاستحسن ذلك منه، وشكر له، وعهد إليه بإطلاقهم.
(2/146)

وفي سنة 298، خرج العاصي ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - بالصائفة. وقاد الخيل أحمد بن محمد بن أبي عبدة؛ فتقدم إلى حصن ببشتر وغيره من حصون الساحل بكورة رية. ثم تقدّم بالعسكر إلى كور إلبيرة؛ فحطم زرعها، وهشم ثمارها.
وفيها، أقام عيسى بن أحمد بن أبي عبدة في طقيع من الخيل بمدينة بيانة؛ فأغار عمر بن حفصون وسعيد بن مستنة في بسيط قبرة وقرى قرطبة. وأخذوا الغنائم؛ فخرج عيسى بن أحمد طالبا لهما؛ فالتقى بهما على نهر ألبة؛ فدارت بينهم حرب شديدة، وإنهزم عمر بن حفصون وابن مستنة؛ فقتل من أصحابهما خلق كثير، وافترقوا أيادي سبا. وبعث عيسى بن أحمد من رؤوسهم عددا كثيرا.
وفيها، غزا الوزير عباس بن عبد العزيز إلى مدينة قلعة رباح؛ وكان أهلها قد خالفوا، وخلعوا الطاعة؛ فافتتحها. وكان فضل بن سلمة، ختن سعيد ابن مستنة، قد خالف بحصن أشر؛ فتقرب أهل حصن أشر بقتله إلى الإمام عبد الله - رحمه الله! - فقدم منهم قوم برأسه إلى باب السدة؛ فشكر لهم ذلك.
وفيها، خرج عباس بن أحمد بن أبي عبدة قائدا على خيل كثيفة إلى المنشلون لحرب سعيد بن هذيل. وفيها، تداعى البربر الطنجيون الذين كانوا غزوا مع القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى النزوع إلى مدينة بلدة إلى ابن حفصون؛ وتداعى الطنجيون الذين كانوا مع عباس بن أحمد على المنتلون إلى النزوع إلى ابن هذيل؛ فخرجوا عن العسكر، ولحقوا بأهل الكفر والخلعان. ثم دارت الدائرة على هؤلاء وهؤلاء في الموضعين جميعا لأمور أحدثوها، واستدرجهم الله - عز وجل - بها؛ فقتلوا ببهشتر والمنتلون. وعاد من بقى منهم إلى الطاعة. وكان صاحب الصائفة العاصي ابن الأمير عبد الله؛ وكان
(2/147)

فصوله لهذه الغزاة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان، وهو يوم النصف من أبريل. وكانت في هذه الغزاة أمراض ووباء.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطويل إلى أرغون يريد بنبلونة وأن يجتمع هنالك مع عبد الله بن محمد بن لب. فانتهى إلى حصن البربر؛ فأحرق ما حواليه، وهدم كنائس تلك المواضع، وذلك في شهر رمضان. وعرج عن ملاقاة ابن لب وعن القصد إلى بنبلونة، وانصرف؛ فاحتل حصنا من حصونه يعرف بشار قشتيله؛ فأنذر بأن ابن شانجه يريد الهجم عليه؛ فخرج في بعض أصحابه متسللا. فلما أيقن أهل العسكر بهروب ابن الطويل، تخاذلوا؛ فكان سببا لانهزام أهل الحصن. فلما بلغ عبد الله بن لب الخبر، وأن ابن الطويل كعَّ عن ملاقاة شانجه، نزل بمن معه من المسلمين على حصن لوازة من حصون شانجه؛ فقتل جماعة منهم وكر راجعا؛ فالتقى ببعض الخيل التي كان فيها شانجه؛ فقتل فيهم وسبى.
وفيها، استشهد ابن أبي الخصيب التطيلي، واسمه نعم الخلف؛ وكان نبيلا أديبا، وفقيها محدثا.
وفيها، مات إبراهيم ابن الإمام محمد - رحمه الله - وفيها، توفي معاوية ابن محمد بن هشام القرشي؛ وعثمان ابن الأمير محمد - رحمه الله -؛ ومطرف ابن أحمد بن مطرف ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله -؛ وأبان بن عبد الملك ابن الأمير عبد الرحمن - رحمه الله -. وفيها، توفي محمد بن أمية بن عيسى بن شهيد الوزير، صاحب المدينة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الرحيم السذوني الكاتب؛ وأبو يحيى يزيد بن محمد النجيبي الخازن؛ وموسى بن العاصي بن ثعلبة؛ وأبو مروان عبيد الله بن يحيى بن أبي عيسى؛ وأصبغ بن عيسى بن فطيس؛ وإبراهيم بن حجاج صاحب إشبيلية، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وعمر بن قومس الكاتب؛ وريان الفتى صاحب الطراز؛ وأفلج الوصيف.
(2/148)

وفي سنة 299، كان غزاة القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة إلى حصن فننجالة من حصون ابن هذيل، بالقرب من جبل المنتلون، وذلك في صدر المحرم؛ فحاصره أشد الحصار، حتى افتتح الحصن.
وفيها، غزا بالصائفة أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - وقاد الخيل عباس بن عبد العزيز الوزير. وفصل يوم الاثنين لتسع بقين من شعبان، وقصد حصن ببشتر، وحارب ابن حفصون، وأوقع به. ثم خرج بإثره أحمد ابن محمد بن أبي عبدة؛ فتولى القيادة مكانه، واستقدم عباس بن عبد العزيز إلى قرطبة؛ فقصد القائد حصون ابن حفصون، وحارب من كان فيها.
وفي هذه السنة، كسفت الشمس جميعا قبل وقت الغروب، وذلك يوم الأربعاء لليلة بقيت من شوال؛ وظهرت النجوم. وبدر أكثر أهل المساجد؛ فأذنوا لصلاة المغرب، وصلوا. ثم انجلى ذلك، وعادت الشمس مضيئة. ثم توارت للمغيب.
وفيها، خرج محمد بن عبد الملك الطّويل إلى وادي برشلونة؛ فأغار بوادي طراجة. فخرج عليه العلج شنير؛ فأخذ عليه المضايق. فلما كرّ عسكر المسلمين، ألفوا أعداء الله على تلك المضايق؛ ففتح الله للمسلمين عليهم، وقتلوا فيهم مقتلة عظيمة.
وفيها، توفي عبد الله بن أبي زيد صاحب الخيل. وفيها، توفي أصبغ بن مالك الزاهد الفقيه. وفيها، هلك العلج إذفنش؛ وكانت مدّة أيامه أربعا وأربعين سنة؛ وولى ابنه غرسية مكانه.
(2/149)

شأن ابني الأمير عبد الله محمد ومطرف
كان الأمير عبد الله قد رشح ابنه محمدا لولاية عهده، وأثره بما عنده؛ فعظم الأمر على أخيه مطرف، وبعدما بينهما كل البعد، وقابل الواحد الثاني بالهجران والصد. فوجد مطرف يوما فارسا من فرسان محمد؛ فاغتاله وقتله؛ ثم فرق من أبيه عبد الله وحذر سطوته، ولم يأمن طولته؛ فسار إلى السجن وفتقه، وحلّ من شده أبوه وأوثقه، وخرج بمن فيه من أهل الذعارة والفساد، ولحق ببربشتر قاعدة أهل الضلال والعناد، وصار عند ابن حفصون، في حرز من الأمن مصون. ثم إن الأمير عبد الله أباه خاطبه بالأمان، وقال: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان!) فقبل من أبيه، وانصرف إلى أهله وذويه. ولم يزل بعد ذلك مطرف يغري بمحمد إغراء، ويطوي له عداوة وبغضاء، ويزعم أنه يخاطب ابن حفصون ويداخله، ويداهنه على القيام على أبيه ويواصله. فسجن الأمير عبد الله ابنه محمدا في دار البنيقة، وامتحن خلال ذلك عين الحقيقة. فلما واصل في البحث صباحه ومساءه، لم يقرع سمعه من جهته ما ساءه فأسرع إطلاقه، وحلَّ وثاقه؛ فدخل مطرف إليه، وأجهز في الحين عليه، وتركه متخبطا في دمه، ملقى على وجهه وفمه. فلما علم ذلك الأمير عبد الله، أعظم ذلك منه، وهم بقتله عنه؛ فلم يعدم من كسر عليه لذلك؛ فتركه. وقيل: قتله فيه: والله أعلم. وكان ذلك في سنة 277.

شأن القاسم أخي الأمير عبد الله
كان الأمير عبد الله قد اتهم أخاه بالقيام عليه في الملك، وإيراده موارد الهلك. فلما كثر بذلك الرفع إليه، وتتابع الكلام فيه عليه، رأى بمقتضى الرياسة، وحكم التدبير والسياسة، أن يجبسه في دار البنيقة من القصر، حتى
(2/150)

يكشف من هذا الأمر. ثم نقله منها إلى حبس الدويرة؛ فمنع النوم هنالك؛ فأرسلت له أمه مرقدا لذلك، وأمرته أن يقسمه على ثلاثة أيام؛ فشرب الجميع في يوم واحد؛ فأصبح رهن الحمام.
وفي سنة 300، كان وفاة الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - ليلة الخميس مستهل ربيع الأول، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة، وخمسة عشر يوما. ودفن في قصر قرطبة مع أجداده الخلفاء - رضي الله عنه وعنهم! - وصلى عليه أمير المؤمنين عبد الرحمن ابن محمد - رضه.

صفة الإمام عبد الله بن محمد
كان أبيض، أصهب، مشربا بحمرة، أزرق أقنى بخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، عظيم الكراديس.
تسمية أولاد الإمام عبد الله: ممن ولد له قبل الخلافة: محمد أبو أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رحمهما الله -، أمه: دُرّ؛ وأحمد، أمّه: تمام؛ ومطرف، وسليمان، أمهما: غزلان؛ وأبان، لأم ولد تسمى شأن؛ وعبد الرحمن؛ وعبد الملك؛ والسيدة؛ وعائشة؛ والسيدة أخرى، أمهن: غزلان؛ وهشيمة، أمها: قريش؛ وأسماء؛ أمها قتيان؛ وحكيمة، أمها: ملك؛ والبهاء، أمها: درّ؛ وفاطمة، وكانت أسن ولده. وممن ولد له بعد الخلافة: العاصي لمستظرف، وعبد الرحمن لخديع، ومحمد الأصغر، أمهما: ملحة، ورقية، وزينب لملحة، وفاطمة لماجن، وزينب لشارق، وفاطمة الصغرى لدرّ.
ذكر حجابه ووزرائه وكتابه وأصحاب شرطه: ألفي الإمام عبد الله على الحجابة وقت وفاة الإمام المنذر - رحمهما الله - عبد الرحمن بن أمية بن شهيد؛ فأمضاه عليها؛ ثم عزله، وولي مكانه سعيد بن محمد بن السليم؛ ثم عزله، ولم يول بعده الحجابة أحدا. والوزراء: براء بن مالك القرشي؛ عباس ابن عبد العزيز القرشي؛ سعيد بن محمد بن السليم؛ عبد الملك بن عبد الله
(2/151)

ابن أمية. وقاد الخيل بالصوائف عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة. وولي الكتابة أحمد بن محمد بن أبي عبدة. وقاد بالصوائف سلمة بن عليّ بن أبي عبدة؛ عبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبدة؛ حفص بن محمد بن بسيل. ولي المدينة مع الوزارة محمد بن وليد بن غانم. ولي المدينة مع الوزارة أصبغ بن عيسى بن فطيس؛ عبد الله بن محمد الزجالي، وكان كاتبا ووزيرا؛ سليمان بن محمد بن وانسوس؛ أحمد بن هاشم. وقاد الخيل جعفر بن عبد الغافر. وقاد الخيل العاصي بن عبد الله بن ثعلبة؛ تمام بن عمرو بن علقمة وكان وزيرا لثلاثة من الخلفاء؛ عبد الله بن حارث بن بزيع؛ إبراهيم بن خمير؛ محمد ابن أمية بن شهيد. وولي المدينة نضر بن سلمة، وولي القضاء موسى بن زياد؛ وولي الكتابة والشرطة والقضاء. ومن أصحاب الشرط موسى بن زياد، ثم ولي مكانه، لما ولي القضاء، يحيى بن زياد عمه؛ ثم مات يحيى بن زياد، وبقيت الشرطة دون والٍ سنتين؛ ثم وليها قاسم بن وليد الكلبي؛ فبقى عليها حتى توفي الإمام - رحمه الله! ومن كتابه: عبد الله بن محمد الوزير؛ عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة؛ موسى بن زياد. ومن قضاته: النضر بن سلمة القيسي؛ ثم موسى بن زياد؛ ثم محمد بن سلمة أخو النضر؛ ثم أعيد النضر بن سلمة ثانية؛ ثم عزل وولي محمد بن سلمة؛ ثم مات، وولي بعده أحمد بن محمد بن زياد اللخمي.

بعض أخبار الأمير عبد الله بن محمد على الجملة
كان الإمام عبد الله مقتصدا، يظهر ذلك في ملبسه وشكله وجميع أحواله. وكان حافظا للقرآن، كثير التلاوة له. وكانت له صدقات كثيرة ونوافل
(2/152)

جزيلة. وكان متقدما في ورعه وفضله، محبا للخير وأهله، كثير الصلاة، دائم الخشوع والذكر الله عز وجل، كثير التواضع، منكرا للسرف ومبعدا لأهله، شديد الوطأة على ذوي الظلم والجور. وكان متفننا في ضروب العلوم، بصيرا بلغات العرب، فصيح اللسان، حسن البيان وكان لا يخلو في أكثر أيامه من مقاعدة وزرائه ووجوه رجاله؛ فإذا انقضى خوضهم في الرأي والتدبير لأسباب مملكته وما كان يحاوله من حسم علق الفتنة، خاض معهم في الأخبار والعلوم. ولم يكن ممن اشتغل بلذة، أو قارف شيئا من الأنبذة في أيام خلافته ولا قبلها. وهو ابتنى الساباط بين القصر والجامع بمدينة قرطبة، رغبة في شهود الجمعة، ومحافظة على الصلوات، وحبا للصالحات. وكان يقعد في الساباط قبل صلاة الجمعة وبعدها؛ فيرى الناس، ويشرف على أخبارهم وحركاتهم، ويسر بجماعاتهم، ويسمع قول المتظلم؛ ولا يخفى عليه شئ من أمور الناس. وكان يقعد أيضا على بعض أبواب قصره في أيام معلومة؛ فترفع إليه فيه الظلامات، وتصل إليه الكتب على باب حديد قد صنع مشرجبا لذلك؛ فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده، ولا إنهاء مظلمة على لسانه. وكان أهل المكانات وذوو المنازل والأقدار يتحفظون من كل أمر يوجب الشكوى بهم، وينقبضون عن التحامل على من دونهم، ويهابون عقابه، ويحذرون إنكاره، ويتحرون موافقة مذاهبه. وكانت اللذات مهجورة في أيامه، واللهو غير مقترف من جميع خاصته وعامته، وإعمال الخير وإظهار البرّ والتقوى فاش في كل طبقة من رجاله ورعيته. وكان - رحمه الله - كثير الاستغفار لله عز وجل، ومتحفظا من اليمين باسمه؛ فإذا حلف له حالف بالله، صدقه؛ وإذا شفع به إليه شافع، شفعه؛ أو خائف، أمنه؛ أو مذنب، صفح عنه. ومآثره كثيره، وفضائله محفوظة مذكورة. وكان قد فتح بابا في القصر، سماه باب العدل. وكان يقعد فيه للناس يوما معلوما في الجمعة، ليباشر أحوال الناس بنفسه، ولا يجعل بينه وبين المظلوم سترا. وكان بصيرا باللغات، حافظا لأشعار العرب وأيامها وسير الخلفاء،
(2/153)

راوية للشعر. وكانت اللذات في أيامه مهجورة؛ فأنه لم يشرب قط نبيذا ولا مسكرا. واعتذر إليه يوما بعض مواليه؛ فقال له: (إن مخايل الأمور لتدل على خلاف قولك وتنبئ عن باطل تنصلك. ولو أقررت بذنبك، واستغفرت لجرمك، لكان أجمل بك، وأسدل لستر العفو عليك! فقال: (قد اشتمل الذنب على، وحاق الخطاء بيَّ! وإنما أنا بشر، وما يقوم لي عذر!) فقال: (مهلا عليك، رويدا بك! تقدمت لك خدمة، وتأخرت لك توبة؛ وما للذنب بينهما مدخل. وقد وسعك الغفران!) وأملى كتابا إلى بعض عماله: (أما بعد، فلو كان نظرك فيما خصصناك به، واهتبالك به على حسب مواترتك بالكتب واشتغالك بذلك عن مهم أمرك، لكنت من أحسن رجالنا عناء، وأتمهم نظرا، وأفضلهم حزما. فأقلل من الكتب فيما لا وجه له ولا نفع فيه، واصرف همتك وفكرتك وعنايتك إلى ما يبدو فيه اكتفاؤك، ويظهر فيه غناؤك، إن شاء الله!) وكتب أحد الوزراء إليه كتابا في أمر. فوقع فيه (خفيف) :
أنتَ يا نَضْر آبدَة ... لَسْتَ تُرجَى لِفائِده
إنَّما أنْتَ عُدَّةْ ... لكَنيفِ ومائِدَهْ
وكان - رحمه الله - تقيا نقيا. بنى الساباط من القصر إلى الجامع، محافظة منه على الصلوات. والتزم الصلاة مع الجماعة إلى جانب المنبر دائما حتى لقي ربَّه. وكان - رحمه الله - شاعرا مطبوعا؛ له أشعار حسان. فمن قوله يتغزل في صباه (متسرح) :
ويَحي عَلَى شادِنٍ كَحبِلٍ ... في مِثْلِه يُخْلَعُ العِذَارُ
كأنَّما وَجْنَتَاهُ وَرْدٌ ... خالَطَهُ النَّوْرُ والبَهَارُ
قَضِيبُ بَانٍ إذا تَشَنَّى ... بُدِيرُ طَرفاً بهِ احْورَارُ
فَصفْوُ وُدِّي عليه وَقفٌ ... ما اطَّرَدَ اللّيلُ والنّهارُ
(2/154)

ومن قوله أيضا في مثل ذلك - رحمه الله - (رجز) :
يَا مُهجَةَ المُشتاقِ ما أَوجَعَكْ ... ويَا أسِيَر الحُبِّ ما أخضَعَك
ويَا رَسُولَ العين مِنْ لَحظها ... بالرَّدِ والتبليغِ ما أسرَعَك
تَذهَبُ بالسِّرِّ فَتاتِي بِهِ ... في مجلِسٍ تَخفى عَلَي مَن مَعَك
كَم حاجةٍ أنجزتَ أسرارَها ... تَبَاركَ الرَّحمانُ مَا أطوَعَك
ومن قوله في الزهد (كامل) :
يَا مَن يُراوغه الأجَل ... حتى مَ بُلهِبكَ الأمَل
حتَّى مَ لا تَخشَى الرَّدَى ... وَكَأنَّه بِكَ قد نَزَل
أغفَلتَ عن طَلَبِ النَّجاةِ ... وَلا نَجَاةَ لِمَن غَفَل
هَيهَاتَ يَشغلك المُنَى ... وَلَمَا يدومُ لَكَ الشَّغَل
فكأنَّ يَومَك لم يَكُن ... وكأنَّ نَعيَك قَد نَزَل
وله أيضا في الزُّهد (وافر) :
أرَى الدُّنيا تَصِيرُ إلى فَنَاء ... وَمَا فيها لشيء من بَقَاء
فبَادِر بالإنابة غير وَانٍ ... على شَئٍ يصِير إلى فَنَاء
كَأنَّكَ قد حُمِلتَ على سَرِيرٍ ... وغُيبَ حُسنُ وَجهك في الثَّرَاء
فَنَافِس في التُّقى واجنح إليه ... لَعَلك تُرضينَّ رَبَّ السَّماءِ
ولم يزل - رحمة الله عليه - يرفع منار الدين، ويسلك سبيل المهتدين، لم تمنعه الفتن عن النظر لنفسه، والعمل ليوم فاقته وحلول رمسه. وكانوا يعدونه من أصلح خلفاء بن أمية بالأندلس، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وأمتنهم ديانة؛ إلا أنه كان منغص الحال بدوام الفتنة، وتضييق نطاق الخطة، ونقصان مقدار التزكية، حتى كان يتخلله الرياء تحت قناع تقواه، والبخل بطوقه طبيعة ليست له تحط من هواه؛ وغمض دينه لما كان من هوان الدماء عليه، بسبب
(2/155)

الفتن الطارئة حتى من ولديه، آخذا لأكبرهما بالظنة. وقد صرح النقية أبو محمد بن حزم بذم هذا الأمير، وقال إنه كان قتالا تهون عليه الدماء مع كثرة إقباله على الخيرات، وإعراجه عن المنكرات؛ فإنه احتال على أخيه المنذر على إيثاره له، وواطأ عليه حجامه بأن سمَّ له المبضع الذي قصده به، وهو نازل بعسكره على ابن حفصون. ثم قتل ولديه معا بالسيف واحدا بعد واحد: قتل محمدا والد الناصر لدين الله، وقتل أخاه المُطرف؛ ثم قتل أخوين له معا أيضا: قتل هشاما منهما بالسيف، والقاسم بالسم.) والله أعلم بحقيقة أمره.)

خلافة أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد
الناصر لدين الله
نسبه: هو عبد الرحمن بن محمد، الذي قتله أخوه مطرف، ابن الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام الرضي بن عبد الرحمن الداخل. كنيته. أبو المطرف. لقبه: الناصر لدين الله. أمه: أم ولد تسمى مزنة. عمره: ثلاث وسبعون سنة وسبعة أشهر. ولي في اليوم الذي توفي فيه جده الأمير عبد الله وبويع فيه، وذلك يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300. وتوفي يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شهر رمضان المعظم سنة 350؛ فكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام. صفته: أبيض، ربعة، أشهل، حسن الجسم، جميل، بهي، يخضب بالسواد.
قضاته: أحمد بن محمد بن زياد؛ ثم عزله وولي أسلم بن عبد العزيز بن هاشم؛ ثم أحمد بن محمد بن زياد ثانية؛ ثم أحمد بن بقي؛ ثم منذر بن سعيد البلوطي.
نقش خاتمه: (عبد الرحمن بقضاء الله راض) . وكان أبوه وليَّ عهد أبيه عبد الله وأكبر بنيه؛ فقتله أخوه مُطرف، وقتله أبوه به. وقيل في ذلك كلام كثير.
(2/156)

وكان مولد الناصر قبل قتل أبيه محمد بأحد وعشرين يوما، وذلك يوم الخميس لثمان بقين من رمضان سنة 277. وكان جده الأمير عبد الله يحظيه دون بنيه، ويومئ إليه، ويرشحه لأمره، وربما أقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه لتسليم الجند عليه. فتعلقت آمال أهل الدولة به، ولم يشكوا في مصير الأمر إليه. فلما مات جده، أجلسوه مكانه في الخلافة دون ولده لصلبه، لما أراد الله من ضخامة الملك ونصر الإسلام وإبادة الشرك؛ اتفق له في ذلك ما لم يتفق لملك قبله ولا بعده. وكان يسكن القصر مع جده دونهم؛ فتهيأ إجلاسه دونهم مكانه بغير منازعة. وقيل إن جده رمى بخاتمه إليه إبانة منه لاستخلافه.
فكان أول من بايعه أعمامه أولاد الإمام عبد الله، وهم: أبان، والعاصي، وعبد الرحمن، ومحمد، وأحمد. وتلاهم اخوة جده، وهم: العاضي، وسليمان، وسعيد، وأحمد. وكان أحمد متكلمهم. فلما بايعه، أقنى عليه بكل جميل.
والناصر هذا هو أول من تسمى منهم بأمير المؤمنين، وتلقب بأحد الألقاب السلطانية، وهو الناصر ثم تسمى منهم من كان بعده من خلفائهم بإمرة المؤمنين وآثر اللقب السلطاني، وذلك حين هاجت الخلافة العباسية، وضعفت، وظهرت الدولة التركية والديلمية؛ فصارت إمرة المؤمنين لائقة بمنصبه، وكلمة باقية في عقبه. فاستهل الخطيب بجامع قرطبة أحمد بن بقيّ بن مخلد، بذكر هذا الاسم المخلد، يوم الجمعة مستهل ذي الحجة من سنة 316. وفي يوم ولايته يقول أحمد بن عبد ربه من قصيدة (بسيط) :
بَدَا الهِلالُ جَديِدَا ... والمُلكُ غَضٌّ جَدِيدُ
يا نِعمَةَ اللهِ زِيدِي ... فَمَا علَيكِ مَزِيدُ
وولي، والأندلس جمرة تحتدم، ونار تضطرم شقاقا ونفاقا؛ فأخمد نيرانها، وسكن زلازلها، وغزا غزوات كثيرة. وكان يشبه بعبد الرحمن الداخل؛
(2/157)

ومن وقت دخوله الأندلس سنة 138 إلى ولاية عبد الرحمن الناصر، مات من بني أمية سبعة خلفاء وعبد الرحمن ثامنهم؛ ومات في المدَّة المذكورة من بني العباس اثنان وعشرون ملكا.
وفي سنة 300، استخلف الإمام الناصر لبدين الله أمير المؤمنين عبد الرحمن ابن محمد - رحمه الله - يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 300، وهو ابن ثلاث وعشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكنيته: أبو المُطرف. وأمه: أم ولد تسمى مزنة. وجلس للبيعة في محراب المجلس الكامل بقصر قرطبة، وتولي أخذها له على الخاصة والعامة بدر بن أحمد مولاه، وموسى بن محمد بن حدير صاحب المدينة. وأحضر أعمامه، وأعمام أبيه، وطبقات قريش، وصنوف الموالي، وعامة الناس؛ فبايعوا مبايعة رضى واغتباط، بوجوه متهللة، وصدور منشرحة، وألبسة داعية شاكرة لله - عز وجل - على ما قلده من أمرهم، وأصاره إليه من رعايتهم، والذّبِّ عن حرماتهم؛ قد استبشر جميعهم بيمن نقيبته واعتلاء همته، ورجوا ما قد حققه الله لهم من بركة دولته، وصلاح الأحوال على يديه، وتجرده لاستئصال علق الفتنة، والتمهيد الطاعة. وكان الخلاف قد عم أقطار الأندلس، وطبق القاصي والداني منها، واستولي أهل النفاق على كورها ومعاقلها بفترة طاولتهم، وهمل تراخت أيامه بهم؛ فحسم الله - عز وجلَّ - منه على يديه ما سيأتي الخبر عنه، وتتصل الحاية له.
وعهد - رحمه الله - بالكتاب ببيعته إلى الكور والأطراف. وولي في يوم مبايعته بدرا مولاه الحجابة مع الوزارة وخطة الخيل، إلى ما كان إليه من خطة البرد. وولي موسى بن محمد الوزارة، إلى ما كان إليه من خطة المدينة. وكان على الكتابة عبد الله بن محمد الزجالي؛ فأقره عليها، وأقر أحمد بن محمد ابن أبي عبدة على القيادة؛ وأقرَّ قاسم بن وليد الكلبي على الشرطة العليا؛ وكان مع ذلك خازنا؛ فصرف الخزانة عنه وولاها عبد الملك بن جهور. وولي الخزانة أيضا محمد بن عبيدة بن مبشر، ومحمد بن عبد الله بن أبي عبدة، وعزل
(2/158)

عنها عيسى بن شهيد، وولي مكانه سعيد بن سعيد بن حدير. وولي عمر بن محمد ابن غانم، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، ومحمد بن سليمان بن وانسوس خطة العرض. وولي محمد بن عبد الله الخروبي خزانة السلاح مع العقل، وحسين بن أحمد الكاتب خزانة السلاح أيضا، ويحيى بن إسحاق ومسلمة بن عبد القاهر المعرف بابن الشرح. ثم ولي - رضي الله عنه - عيسى بن أحمد بن أبي عبدة الشرطة العيا، وصرف عنها قاسم بن وليد الكلبي، وولي فطيس بن أصبغ خطة البيازرة، وصرفها عن الحاجب بدر بن أحمد، إلى أعمال وخطط ولاها من استحق عنده من مومليه ووجوه مواليه.
وأخرج - رحمه الله - عباس بن عبد العزيز القرشي في قطيع من الجند إلى برابر كركي وجبل البرانس؛ وأخرج القائد أحمد بن أبي عبدة في من ضمَّ إليه من الجند إلى كورة قبرة لمعاجلة من كان في هاتين الجهتين من أهل الشرّ والفتنة. فالتقى عباس بن عبد العزيز بالفتح بن موسى بن ذي النون بقلعة رباح؛ فهزمه، وقتل كثيرا ممن كان انضوى إليه. وورد كتاب عبيد الله بن فهر عامل قلعة رباح يذكر ظفره بمحمد بن أرذبلش بناحية عمله؛ وكان من العصاة المفسدين؛ فقتله، وبعث برأسه؛ وكان أول رأس رفع لمارق في دولة أمير المؤمنين - رحمه الله -، وذلك يوم الأحد لعشر خلون من ربيع الآخر. وبدت تباشير الصنع، ودلائل الإقبال على أوائل نظره - رحمه الله
ولثمان بقين من ربيع الآخر، ولي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - أحمد بن محمد ابن حدير الوزارة والقيادة؛ وكان قبل ذلك يلي الشرطة الصغرى. وولي هذه الشرطة محمد بن محمد بن أبي زيد. وأجرى الرزق على عبد الرحمن وعبد الله ابني بدر الحاجب، وذلك لكل واحد منهما ثلاثون دينارا وازنة. وولي إسماعيل بن بدر كتابته خاصة، أرتبه لها. وولي - رحمه الله - جهور بن عبد الملك الوزارة وولاَّها أيضا عبد الله بن مضر. وولي عبد الرحمن بن بدر الخيل، وعبد الله بن محمد بن عبد الخالق بن سوادة قضاء كورة إلبيرة. وهو
(2/159)

أول قاض خرج إلى كورة في أيامه - رحمه الله - ولأربع بقين من ربيع الآخر، عزب أحمد بن محمد بن أبي عبدة عن الوزارة والقيادة، وابنه عيسى بن أحمد عن الشرطة العليا، وصرف إليها قاسم بن وليد الكلبي؛ وعزل محمد بن وليد ابن غانم عن الوزارة، وعمر بن محمد بن وليد عن العرض.
وفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي، افتتحت مدينة إسنجة، ودخلها الحاجب بدر بن أحمد والوزير أحمد بن محمد بن حدير؛ وكان أول موضع افتتح في أيام الناصر - رحمه الله -؛ وضبطت المدينة، وهدم سورها. وبقى أحمد بن محمد الوزير قائدا بها ومسكنا لأحوال أهلها. وولي عمالتها حمدون بن بسيل.
وفي يوم السبت لسبع بقين من جمادى الأولي منها، ولي الوزارة محمد بن عبد الله بن أمية.
ولست خلون من جمادى الآخرة، طلب رجل من المفسدين، يعرف بمحمد ابن يونس الجيانيّ: كان محبوسا في أيام الإمام عبد الله - رحمه الله -؛ فأطلقه أمير المؤمنين الناصر رضه - بعد أن عاهد الله ألا يواقع منكرا؛ فنكث، وخرج يبغي الفساد في أيامه - رحمه الله! ولتسع بقين من جمادى الأخرى، عزل أحمد بن محمد بن زياد عن قضاء الجماعة بقرطبة، وعن الصلاة، لأمور أنكرت عليه. وتولي القضاء أسلم بن عبد العزيز، والصلاة محمد بن عمر بن لبابة الفقيه.
وفيها، كانت غزاة أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى معاقل جيان، وهي أول غزواته: برز الناصر - رضي الله عنه - من قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة 300، وفصل غازيا إلى كورة حيان يوم السبت لسبع خلون من رمضان بعد بروزه بثلاثة وعشرين يوما. واستخلف في القصر موسى ابن محمد بن حدير الوزير صاحب المدينة، وعبد الرحمن بن بدر، ونهض
(2/160)

- رضي الله عنه - في جيوش كثيفة وعدد كاملة. وكان قد نزع إليه قبل فصوله محمد ابن فروة صاحب أبذة في جملة فرسانه؛ فتقبلهم أحسن قبول، وأنزلهم أتم إنزال؛ وصاروا في جملة رجاله ومن يضمه عسكره. وسار - رحمه الله - لوجهه. فلما احتل بحصن مارتش من عمل جيان، ورده الخبر بمضايقة عمر بن حفصون لأهل حاضرة رية، وأنه أطمع نفسه عند تخاذلهم بانتهاز الفرصة فيهم. فوجه لتلافي ذلك سعيد بن عبد الوارث، في قطيع من الجند، وأمره أن يغذ السير، ويطوي المراحل، حتى يحتل مدينة مالقة، ويقطع بابن حفصون عما كان رامه منها وأطمع نفسه فيها؛ فتوصل القائد إلى الموضع، وضبطه، وحمى تلك الجهة عن ابن حفصون وحزبه.
ونهض أمير المؤمنين - رحمه الله - إلى حصن المنتلون واحتله يوم الأحد للنصف من شهر رمضان؛ وحارب سعيد بن هذيل فيه حتى افتتحه يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت منه. وأنزل سعيد بن هذيل من الحصن، وأوسعه الأمان. وولي عمله محمد بن عبد الوهاب. ثم تقدم - رحمه الله - إلى حصون شمنتان؛ فاستأمنه عبيد الله بن أمية بن الشالية، وإسحاق بن إبراهيم صاحب منتيشة، وعكاشة بن محصن صاحب وادي بني عبد الله، وسلمة بن عرام صاحب بحيلة، ومنذر بن حريز صاحب بغتويرة، وأفلح بن عروس صاحب بكور، وفحلون ابن عبد الله صاحب سانة؛ ونزلوا عن معاقلهم إليه، وكلهم مذعن بطاعته ومحكم في نفسه؛ فأوسعهم أمير المؤمنين - رحمه الله - فضله، وألبسهم عفوه، وأخلى تلك المواضع منهم، وقدم أولادهم ونساءهم إلى قرطبة. واستعمل في الحصون ثقات رجاله. واستنزل عبد العزيز بن عبد الأعلى من حصن الشارة،
(2/161)

ودحّثون بن هشام. ثم انتقل - رحمه الله - منها إلى كورة إلبيرة. فلما احتلها، تداعى أهل حصون تاجلة وبسطة ومربيط والبراجلة والأسناد إلى النزول والطوع، وأخلوا حصونهم. فأحكم الناصر - رحمه الله - أمر ذلك الجانب كله، وضبط المعاقل برجاله، وأتقن الجميع بنظره. ثم انتقل - رحمه الله - إلى حصون وادي آش؛ فأخلى أكثرها رهبة له، ونزل على حصن فنيانة يوم الخميس لأربع خلون من شوال؛ وكان فيه من شيعة ابن حفصون من آوى أهله وأضلهم؛ فتمنعوا من النزول، ورجوا أن يعتصموا بوعر الحصن؛ فأحاطت العساكر بهم، وأضرمت أرباضهم نارا؛ فضرعوا في قبول الإنابة، على أن يسلموا من كان عندهم من شيعة ابن حفصون؛ فاجيبوا إلى ذلك، وتقبض على أصحاب ابن حفصون، وشدوا وثاقا.
ثم انتقل أمير المؤمنين يتقرى تلك المعاقل بجهة بشيرة وأجبلها، حتى توغل بالعساكر في جبل الثلج، وهو ممتنع السلوك؛ فجازه الناس، ويسر الله ذلك عليهم، وسهله لهم. وافتتحت حصون تلك الجهة، ولم يبق بها معقل ممتنه.
واتصل بأمير المؤمنين - رحمه الله - إنَّ ابن حفصون أقبل في جماعة أصحابه إلى حاضرة إلبيرة، طامعا في انتهاز الفرصة فيها. فأخرج عباس بن عبد العزيز قائدا نحوه. فلما قرب من مدينة غرناطة، أقبل ابن حفصون لما كان رجاه وطمع به؛ فخرج أهل إلبيرة واثقين بالمدد الذي وردهم، والقائد المصرح لهم؛ فهزموا ابن حفصون، وقتلوا جماعة من رجاله، وأسروا عمر بن أيوب حفيده. وجرح أحد أولاده جراحا أثخنته.
وتقصى أمير المؤمنين - رحمه الله - ما كان بقي من معاقل تلك الجهة، حتى احتل بحصن شبيلش؛ وكان من أعظم حصون ابن حفصون منعة، وأصعبها مراما، وأوعرها مكانا؛ وإليه كان انضوى كلُّ مشرك تفلت من الحصون المتقدمة الذكر فاحتلت العساكر عليه يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال؛ فقطعت ثمارهم، واستهلكت زروعهم ومعايشهم؛ وحوصروا خمسة عشر
(2/162)

يوما، حتى نادوا بالطاعة، وضرعوا في قبول الإنابة؛ وأسلموا أصحاب ابن حفصون الذين كانوا عندهم؛ فتلقى ذلك أمير المؤمنين - رحمه الله - بالقبول، وأخرج إليه جميع من كان في الحصن من المشركين؛ فأمر بضرب رقابهم حتى أبيحوا عن آخرهم.
ثم أمَّ - رحمه الله - مدينة شلوبينية، وفعل فيها مثل فعله فيما تقدم ذكره؛ وضبط برجاله كل حصن افتتحه. وانحسم الداء في كورة إلبيرة، وتألفت كلمتهم، واستقامت طاعتهم. وصدر - رحمه الله - قافلا على طريق حصن أشنبين وحصن بنة فراطة؛ وكانا قد أضرا بأهل غرناطة وحاضرة إلبيرة، وهما في غاية الحصانة والمنعة. فنزلت الجيوش عليهما، وأحدقت بهما؛ وحوربوا أشد محاربة وأنكاها عشرين يوما. ثم أخذت عليهم الحصون وشحنت بالرجال. وقفل أمير المؤمنين - رحمه الله - بعد إيعابه النظر في كلّ ما شخص له من استصلاح أمر كورة جيان وإلبيرة وما والاهما، ودخل القصر بقرطبة يوم الأضحى؛ وقد استتم في غزاته اثنين وتسعين يوما.
وفي هذه السنة، توفي هشام بن محمد القرشي المعروف بابن الشبانسية.
وفي سنة 301، توفي بإشبيلية عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج صاحبها، في المحرم؛ فاجتمع أهلها على تقديم أحمد بن مسلمة مكانه؛ وكان من الشجعان فأخرج أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - أحمد بن محمد بن حدير الوزير قائدا نحوها؛ فكان أول من حاربها وأوقع بأهلها. وكان محمد بن إبراهيم بن حجاج عند ذلك بمدينة قرمونة؛ فقصد باب السدة، وعرض نفسه على أمير المؤمنين لمحاربة أهل إشبيلية. فأخرجه لذلك مع قاسم بن وليد الكلبي؛ وحاصراها شهورا. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فدخلها يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولي من هذه السنة، وهدم
(2/163)

أسوارها، واستصلح أمور أهلها، وأخرج مع نفسه سعيد بن المنذر عاملا عليها.
وفيها، ولي محمد بن سليمان بن وانسوس الوزارة. ووليها أيضا عيسى بن أحمد بن أبي عبدة. وولي محمد بن عبد الله الخروبي، ومحمد بن أحمد بن حدير، وفند الكبير، ودرى مولي الناصر خطة العرض. وعزل عمر بن أحمد ابن فرج عن السوق، وصرف النظر فيها إلى محمد بن عبد الله الخروبي؛ وذلك في ربيع الآخر. وولي أحمد بن مسلمة الشرطة العليا. واستقدم محمد بن إبراهيم بن حجاج من مدينة قرمونة، وولي الوزارة، وقعد مع الوزراء يوما واحدا. واستقدم سعيد بن المنذر من إشبيلية، ووليها فطيس بن أصبغ في شعبان وأعيد إلى الشرطة العليا قاسم بن وليد الكلبي. وولي خزانة المال موسى بن سليمان الخولاني المعروف بأبي الكوثر، وعبد الملك بن سليمان أخوه خزانة السلاح.
وفي هذه السنة، افتتح أهل الثغر حصن قلهرة؛ وكان بأيدي المشركين؛ وذلك يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.
وفيها، كانت محاصرة لبّ بن محمد مدينة سرقسطة، وبنيان الردم عليها. وفيها، قتل محمد بن عبد الملك الطويل.
وفيها، خرج الناصر غازيا إلى كورة رية والجزيرة وقرمونة، وهي الثانية من غزواته: برز - رحمه الله - من قصر قرطبة يوم الخميس لثمان خلون من شهر رمضان، وفصل غازيا لثمان خلون من شوال. وتخلف في القصر موسى بن محمد ابن حدير صاحب المدينة. وكانت الكتب تنفذ إلى هشام الولد - رضي الله عنه -، وهو ضغير. فكان أوَّل مقصده حصن طرش، بعد أن قدم حاجبه بدر بن أحمد في قطيع من الجند إلى حصن بلدة؛ فألقى أهله غرَّة، وقتل منهم، وسبى، وأسر جملة كثيرة. واحتل الناصر - رضي الله عنه - بجيوشه على حصن طرش يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شوال؛ فحصر من كان فيه، وأقام عليه خمسة أيام، يغاديهم الحرب ويماسيهم، ويقطع ثمارهم، ويحطم معايشهم، ويقتل من تظاهر منهم. ثم أبقى عليها من يحاصرها، وتنقل إلى حصون رية ومعاقل ابن
(2/164)

حفصون، يتتبعها معقلا معقلا، وينزل نأسه ومعرة جيوشه بكل ما ينزل به منها. وأوقع بابن حفصون ومن انحشد إليه من النصرانية في حصن طرش وقبعة عظيمة ذهب فيها كثير منهم. وبعث برؤوسهم إلى قرطبة. وألقيت للمشرك عمر بن حفصون مراكب في البحر، كانت نميره من العذرة؛ فأحرق جميعها. وسارع كل من كان بتلك الناحية من أهل شانر، وفج وسيم، وقلبيرة، والقصر، وما انتظم بها من أحواز الجزيرة إلى الدخول في الطاعة والاعتصام بها من الهلكة؛. فقبلهم الناصر - رضي الله عنه - وأمنهم، وسكن أحوالهم.
وتنقل منها إلى حاضرة الجزيرة؛ ثم إلى كورة شذونة؛ ثم إلى كورة مورور، حتى أوفى على مدينة قرمونة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة. وكان حبيب بن سوادة قد أظهر الخلاف فيها عند قدوم محمد بن إبراهيم بن حجاج قرطبة؛ فنازلته جيوش أمير المؤمنين - رحمه الله - وحوصر بها عشرين يوما، حتى عضته النكاية، وأخذت بمخنقة المحاصرة؛ ثم استأمن؛ فأمن، وسأل أن يمهل لانتقال أهله وثقله إلى قرطبة؛ فأجابه الناصر - رحمه الله - إلى ذلك، ولم يرهقه من أمره عسرا؛ وقفل إلى قرطبة؛ فدخلها يوم الأثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة وقد استتم في غزاته اثنين وثمانين يوما.
وفي هذه الغزاة، بعث في قاسم بن وليد الكلبي صاحب الشرطة، وكان قد خلف قرطبة؛ فسجن وسجن معه محمد بن إبراهيم بن حجاج، ومحمد بن وهيب، وعبيد الله بن محمد الرهانيُّ، وسكن بن جديدة. وعزل ابن مسلمة عن الشرطة العليا، ووليها عباس بن أحمد بن أبي عبدة.
وفيها، استقود الناصر عيسى بن أحمد بن أبي عبدة، وأعاده إلى كورة إشبيلية.
وفي هذه السنة، توفي عبد الله بن محمد الزجالي الوزير الكاتب، في ربيع الأول؛ فولي رسم الكتابة عبد الله بن بدر؛ وكان سكن بن إبراهيم، وعمر بن ناجيت كاتبي بدر الحاجب يقيمان خدمة الكتابة.
(2/165)

وفيها، توفي العاصي ابن الإمام محمد - رحمه الله - في ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وتوفي عباس بن عبد العزيز القرشي في جمادى الأولي. وتوفي الوزير أبو الحارث سلمة بن علي، ومحمد بن وليد بن غانم الوزير، وأيوب بن سليمان بن صالح الفقيه، وسعيد بن خمير الفقيه.
وفيها، قتل ببرشلونة عبد الملك بن عبد الله بن شبريط. وأغار المشركون بوادي الحامة في الثغر. وكانت ملحمة أرنيط يوم الأحد لعشر بقين من شعبان؛ وهلك فيها غرسية بن إذفنش صاحب حجليقية؛ وصار الأمر إلى أخيه أردون ابن إذفنش.
وفي سنة 302، كانت ولادة أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أطال الله بقاءه - ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد - رضي الله عنه - وذلك يوم الجمعة مستهل رجب وقت أذان الظهر.
وفيها، أغزى أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في الصائفة عمه أبان ابن الإمام عبد الله؛ ففصل في شوال إلى كورة رية، وتردد بالجيوش فيها، ونازل حصونها، وحطم زروعها، وقطع ثمارها.
وفيها، أمحل الناس، وتوالى القحط وعمَّ. فبرز إلى مصلى الربض محمد بن عمر بن لبابة صاحب الصلاة، واستسقى بالناس خمس مرات في أيام مختلفة؛ فلم تكن سقيا؛ وغلت الأسعار، وقلت الميرة في الأسواق. ثم برز أحمد بن أحمد ابن زياد للاستسقاء بالناس يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وهو أول شهر مايه؛ فنزل رذاذ تماسك به بعض الزرع، وذهب الأكثر. وكان القحط عاما شاملا بالأندلس وأطرافها وثغورها؛ وغلت الأسعار في جميع جهاتها.
وفي هذه السنة، قدم الناصر - رحمه الله - محمد بن عبد الله الخروبي من ولاية السوق إلى ولاية المدينة، وعزل عنها موسى بن محمد بن حدير. وولي
(2/166)

السوق أحمد بن حبيب بن بهلول، وذلك يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال؛ وفي هذا اليوم عزل عبد الله بن بدر عن الكتابه، ووليها عبد الملك بن جهور؛ وعزل محمد بن محمد بن أبي زيد عن الشرطة الصغرى ووليها يحيى بن إسحاق.
وفيها، عزل عبد الرحمن بن بدر عن خطة الخيل، ووليها عبد الله بن مضر. وفيها، ولي المواريث قند ودرى موليا أمير المؤمنين الناصر.
وفي يوم الأحد مستهل ذي الحجة، قتل عباس بن أحمد بن محمد بن أبي عبدة صاحب الشرطة العليا؛ وكان أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - قد أرتبه على محاصرة منت روبي؛ فواقعته ضربة في حرب باشرها وغرَّر بنفسه فيها. فولي الناصر أخاه عبد الله بن أحمد بن محمد الشرطة العليا، وولي محمد بن محمد ابن أبي عبدة خزانة المال.
وفيها، توفي مروان بن المنذر ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة؛ وكان قد توفي قبله عمر ابن الإمام عبد الرحمن لست بقين من جمادى الأولي.
وفيها، توفي سعيد بن السليم؛ وكان حاجبا في أيام الإمام عبد الله - رحمه الله - وكانت وفاته لأربع خلون من ربيع الآخر. وتوفي النضر بن سلمة، وكان قاضيا في أيام الإمام عبد الله، وذلك يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة. وفيها، توفي عبيد الله بن محمد بن أبي عثمان لثلاث خلون من شهر رمضان. وتوفي حمدون بن بسيل في شعبان، وعبد الله بن محمد بن عبد الخالق الغساني قاضي إشبيلية لست بقين من جمادى الأولي. وتوفي الفقيه خالد بن وهب يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الآخر؛ وفيها، توفي محمد بن يحيى النحوي المعروف بالقلفاط في جمادى الآخرة؛ وكان من العلماء الحفاظ والشعراء الفصحاء؛ وكان هجاء للناس، سبابة للأشراف، كثير البذاء والسفه في شعره.
وفي سنة 303، كانت المجاعة بالأندلس، التي شبهت بمجاعة سنة ستين؛
(2/167)

وبلغت الحاجة بالناس مبلغا لا عهد لهم بمثله؛ وبيع قفيز قمح بكيل سوق قرطبة بثلاثة دنانير دخل أربعين. ووقع الوباء في الناس، وكثر الموتان في أهل الفاقة والحاجة، حتى كاد أن يعجز عن دفنهم. وكثرت صدقات أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - على المساكين في هذا العام، وصدقات أهل الحسبة من رجاله؛ فكان الحاجب بدر بن أحمد أكثرهم صدقة، وأعظمهم بماله مواساة. ولم يمكن في هذا العام، لضيق الأحوال فيه، أن يكون غزاة أو إخراج جيش، غير أنَّ الناصر - رضه - أخذ بالجدّ والحزم في ضبط أطرافه، والتحفظ بالمسلمين من عادة أهل الخلاف والخلعان، إذ كانوا مع استيلاء الجوع يغاورون من قرب منهم، ويغدرون على من مر بهم من رفاق المسلمين وطالبي المعاش ومستجلبي المير.
وفي هذه السنة، ولي إسحاق بن محمد القرشي الوزارة؛ وكان ذا رأي وعناء. وفيها، ولي محمد بن محمد بن أبي زيد الشرطة العليا؛ وكان يلي الشرطة الصغرى من قبل.
وفي هذه السنة، توفي أبان ابن الإمام عبد الله - رحمه الله - يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة. وهو ابن خمس وخمسين سنة؛ ودفن بمقابر قريش في الربض. ومات فيها لأمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - ولدٌ يسمى هشاما ويكنى بأبي الوليد؛ وكان بكر ولده.
وتوفي فيها أحمد بن هشام ابن الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - يوم الجمعة لعشر بقين من شوال؛ والقرشي العثماني الطارئ من المشرق في أيام الإمام عبد الله بن محمد - رحمه الله - وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رمضان. وتوفي القرشي العبدي لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شعبان. وتوفي يحيى بن إسحاق بن يحيى بن أبي عيسى الفقيه؛ وكانت له رحلة روى فيها الحديث؛ ولم يكن بالثقة، غير أنه كان نبيلا مفوَّها. وتوفي فيها الفقيه النميري، واسمه أحمد بن عبد الله بن فرج. وتوفي أحمد بن بيطير الفقيه
(2/168)

يوم الخميس لليلتين هلتا من ذي الحجة. وتوفي فيها مفوز بن غريب.
وفيها، أسر مطرف بن محمد بن لب بن قسي؛ أسره العدو بالثغر.
وفيها، توفي بالثغر عبد الله بن محمد بن لب بن قسي؛ وكان من أهل البأس والشجاعة والنكاية للعدو. وقتل ابنه محمد بن عبد الله عمه مطرفا. ووقعت بين بني لب فتون وحروب، واختلف أمرهم.
ومات في هذا العام بقرطبة جملة من وجوهها وبياض أهلها، يطول الأخبار عنهم والاجتلاب لهم، إلى من مات في الكور والمواضع البعيدة ممن لم يأخذه إحصاء ولا عد. وكانت للعدو مع بني قسي جولات في الثغر هذا العام.
وفي سنة 304، كان إغزاء أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - أحمد بن محمد بن أبي عبدة القائد إلى أرض الحرب. وفصل يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم، وهو اليوم الثامن عشر من يوليه، وضم إليه من الموالي والأجناد عدد كثيرا. ودخل أرض المشركين؛ فبكى، وغنم، وسبى؛ وخرج من أرض العدو بالمسلمين سالمين غانمين.
وفيها، ولي عبد الحميد بن بسيل الخزانة. وفيها، غزا إسحاق بن محمد القرشي إلى كورة تدمير؛ فافتتح حصن أوربوالة واستصلح أحوال أهل الكورة. وفيها، ولي فطيس بن أصبغ الخزانة ولايته الأولى.
وفيها، غزا الحاجب بدر بن أحمد إلى مدينة لبلة؛ فحاصرها وافتتحها يوم الاثنين لعشر بقين من شهر رمضان.
وفيها، عزل عبد الملك بن جهور عن الكناية، ووليها عبد الحميد بن بسيل؛ ولم يطل أمد ولايته؛ ثم أعيد إليها عبد الملك بن جهور.
وفيها، ولي إسماعيل بن بدر العرض. وفيها، نُقل عليُّ بن حسين عن خزانة السلاح إلى خطة العرض، لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر. وفيها، ولي العرض محمد بن عبد الله بن مضر.
(2/169)

وفيها، توفي منذر ابن الإمام المنذر - رحمه الله - سلخ شعبان؛ وكان مولده بعد موت أبيه إلى ستة أشهر؛ وعبد الملك بن حوزة القرشي، يوم الثلاثاء لتسع خلون من ربيع الآخر؛ وأخوه الأحدب، وكان يتنجم، في عقب ربيع الآخر؛ والعارض صاحب المواريث قند مولى أمير المؤمنين الناصر، يوم الثلاثاء لثلاث خلون من رجب؛ فولي مكانه المواريث إسماعيل بن بدر.
وتوفي المؤدب محمد بن أرقم يوم الجمعة لست خلون من رجب؛ وفيه توفي الولد محمد ابن أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - والولد سليمان الأكبر.
وفي عشر خلون من شوال من هذا العام، ولد الولد أبو مروان عبيد الله شقيق أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أيده الله! وفيها، توفي الفقيه الزاهد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الزراد لأربع خلون من جمادى الأولي؛ مولده سنة 242؛ وكان قد روى علم ابن وضاح. وتوفي الفقيه المحدث طاهر بن عبد العزيز الرعيني. وتوفي أبو القاسم محمد بن عبد السلام بن قلمون ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر؛ وكان نبيلا، مرسلار، حسن الخط؛ وولي الخزانة؛ وكان له لسان وبيان.
وفي سنة 305، غزا بالصائفة إلى دار الحرب أحمد بن محمد بن أبي عبدة الوزير القائد؛ وفصل يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وخرج معه طبقات الناس من المجاهدين وأهل الديوان؛ وحشد إليه رجال الثغر؛ فدخل أرض العدو في جمع كبير، ونازل حصن قاشتر مورش الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وجد المسلمون في محاربة المشركين حتى كانوا قد أشرفوا على الظفر بمن كان في الحصن؛ فاحتشدت النصرانية من جميع جهاتها ممدين لكفرتهم، ومجلبين على المسلمين بخيلهم ورجلهم. فتداعى بعض أهل المداهنة في الدين من أهل الثغر إلى إظهار الهزيمة وجروها على المسلمين؛ فانهزم كثير
(2/170)

منهم. وثبت القائد أحمد بن محمد بنفسه، وأظهر الصبر، ودافع مدافعة الموطن. وقيل إنه كان قد اعتقد مذهبا في طلب الشهادة؛ فاستشهد القائد المذكور الأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. واستشهد من المسلمين معه من آثر الشهادة ورغب عن خزي الفرار. ولم يول المشركين دبرا، ولا أراهم نكوصا ولا فرارا. وانعقد سائر أهل الجيش، وصاروا يدا واحدة؛ فسلموا وخرجوا إلى أرض المسلمين بدوابهم وأثقالهم وأبنيتهم.
وفيها، غزا إسحاق بن محمد الوزير إلى مدينة قرمونة؛ فحاصر فيها حبيب بن عمر، وضايقه، وأخذ بمخنقه. ثم خرج إليها الحاجب بدر بن أحمد؛ فتمادى على حصارها حتى فتحها قسرا، ودخلها يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر.

ذكر موت عمر بن حفصون
وفي هذه السنة، هلك عمر بن حفصون، عميد الكافرين، ورأس المنافقين، وموقد شعل الفتنة، وملجأ أهل الخلاف والمعصية. فعد هلاكه من أسباب الإقبال، وتباشير الصنع، وانقطاع علق المكروه. ولما توفي افتتحت أبذة إلبيرة، وهي المعروفة بأبذة فروة؛ وكان فيها سليمان بن عمر بن حفصون؛ فاستنزل عنها، وقدم به قرطبة يحيى بن إسحاق في شوال؛ فأنزل وتوسع له.
وفيها، ولي الوزارة عبد الملك بن جهور يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وفيها، توفيت البهاء بنت الإمام عبد الرحمن بن الحكم - رحمه الله - في رجب؛ فلم يتخلف أحد عن جنازتها. وتوفيت للناصر - رضي الله عنه - ابنة تسمى بعائشة. وفيها، توفي سعيد بن عبد الوارث الأيسر؛ وكان من أهل الشجاعة والعناء في الخدمة. وتوفي الفقيه محمد بن إبراهيم المحدث الحجازي. وتوفي عمر بن أحمد بن فرج؛ وكان كاتب الرأي؛ وولي السوق.
(2/171)

وفي هذه السنة، حشد أرذون بن إذفنش، وشائجه بن غرسية صاحب النصرانية، بجليقية وبنبلونة، وخرجها في جموعهم واحتفال من كفرتهم إلى مدينة ناجرة بالثغر الأقصى؛ فنزلا عليها في عقب ذي الحجة، وأقاما عليها ثلاثة أيام. وعانت النصرانية في ذلك الثغر. وأفسدت الزروع؛ ثم تنقلت إلى تطيلة. وبلغ العدو إلى نهر مالس، وجزائر مسقبرة، ووادي طرسونة. وخلف شانجة نهر إبرة، وقاتل حصن بلتبرة، وقهره على أهل الربض، وأحرق المسجد الجامع؛ فكان ذلك مما أحفظ الناصر وحركة لمجاهدتهم والأنصار منهم، على ما سيأتي ذكره.

غزوة مطونية
وفي سنة 306، كان غزاة الحاجب بدر بن أحمد إلى دار الحرب، وهي عزاة مطزنية. وكان أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - لما اتصل به تطاول المشركين على من كان بازائهم من أهل الثغور بامتناع الصوائف عن غزوهم، والإيغال في بلادهم بالحرب المتقدم الذكر، أحفظه ذلك، وأذكى عزمه، وأكد بصيرته في مجاهدة أعداء الله وأعداء دينه في هذا العام؛ فأمر بالاحتفال في الحشد وجمع الرجال والتكثير من الأجناد والفرسان الأبطال. وعهد إلى حاجبه بالغزو بنفسه في الصائفة. ونفذت كتبه إلى أهل الأطراف والثغور بالخروج إلى أعداء الله، والدخول في معسكره، والجدّ في نكاية أهل الكفر، والإيقاع بهم في أواسط بلادهم، ومجتمع نصرانيتهم. ففصل الحاجب بالجيوش، يوم الثلاثاء لخمس بقين من المحرَّم؛ وانثالت إليه العساكر من كل جهة في أٌرب ثغور المسلمين؛ ودخل بهم دار الحرب، وقد انحشد المشركون، وتجمعوا من أقاصي بلادهم، واعتصموا بأمنع أجبلهم؛ فنازلهم الحاجب بدر بن
(2/172)

أحمد بأولياء الله وأنصار دينه؛ فكانت له على أعداء الله وقائع اشتفت فيها صدور المسلمين، وانتصروا على أعداء الله المشركين. وقتل في هذه الغزاة من حماتهم، وأبطالهم، وصلاة الحروب منهم، جملة عظيمة لا يأخذها عدٌّ، ولا يحيط بها وصف. وكان الفتح يوم الخميس لثلاث خلون من ربيع الأول ويوم السبت لخمس خلون من ربيع الأول، في معارك جليلة، لم يكن أعظم منها صنعا، ولا أكثر من أعداء الله قتيلا وأسيرا. وورد الكتاب بذلك على أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ فأكثر من شكر الله عز وجل على ما منَّ به، وفتح فيه. وقُرى (كتاب الفتح) في الجوامع وكتب به إلى الأطراف.
وفي يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، في العام المؤرخ، ولد أبو الأصبغ عبد العزيز بن عبد الرحمن، شقيق أمير المؤمنين المستنصر بالله - أيده الله -.

غزاة الناصر لدين الله إلى بلدة
وفي شهر ذي الحجة من هذه السنة، غزا الناصر بنفسه مدينة بلدة من كورة رية؛ فبرز لها يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة؛ وفصل يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة بعد بروزه بستة وعشرين يوما؛ وتخلف في القصر بقرطبة ابنه وولي عهده وقبلة الآمال من بعده، أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله - ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدبر. فلما قرب الناصر من مدينة بلدة، قدم من ثقات رجاله، وإخفاء أجناده من يمنحن إمكان زرعها وموضع المضطرب عليها؛ فألقى الزرع متأخرا؛ وأتته الأنباء بإمكان زروع فحص رعين؛ فرأى التعريج إليه بعد أن أمر بابتناء صخرة فوزان، لتكون موفية على بسيط بلدة. ثم ارتحل إلى حصن
(2/173)

دوش امانتش؛ فنازله وحاربه حتى افتتحه. ثم نهض إلى مدينة بلدة؛ فاحتلها يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي الحجة، وأحاطت العساكر بها؛ فتداعى من كان من المسلمين فيها إلى النزول بأنفسهم وذراريهم؛ وذكروا أنهم كانوا مغلوبين على أمرهم؛ فأمنهم الناصر، وقاتل الكفرة المتغلقين في المدينة، حتى أظفره الله بهم؛ فقتلوا عن آخرهم وملكت المدينة، وتدب فيها الرجال. ثم انتقل إلى حصون رية، يتقرَّاها معقلا معقلا، ويفتتح ما مر به منها. ونزل على جبل ببشتر؛ فحاصر أهله، وقطع ثمراتهم، واستبلغ في نكايتهم؛ فسأله جعفر بن عمر بن حفصون قبض رهائنه، استيثاقا من طاعته، على أن يؤدى من الجباية ما فرض عليه؛ فأجابه الناصر إلى ذلك، وفيضت رهائن جعفر وشيعته، وصارت في قبضته وداخل معسكره. ثم قفل الناصر لدين الله عن جبل ببشتر، ودخل القصر لثلاث بقين من المحرم من سنة 307، وقد استتم في غزاته أربعين يوما.
وفي هذه السنة، عهد الناصر بعمل الفوَّارة إزاء باب القصر المعروف بباب العدل، وإقامة محراب مصلى المصارة بقرطبة.
وفيها، توفي عبد الله بن كليب بن عبد السلام، لخمس خلون من ربيع الآخر. وفيها، توفي للناصر ابن يسمى بمحمد، ويكنى بأبي القاسم. وفيها، توفيت رقية ابنة الإمام محمد. وتوفي فيها موسى بن أزهر الفقيه الإسنجي لثلاث خلون من ربيع الأول؛ وكان من أهل الفصاحة والبيان والخط الحسن. وتوفي فيها حزب الله بن رباعي بن عبد الله الخشني الزاهد، وكانت له رواية.
وفي سنة 307، كان احتلال الناصر أمير المؤمنين بمدينة ببشتر، على ما تقدم ذكره في العام قبله، ودخوله قرطبة قافلا من غزاته في التاريخ المتقدم ذكره.
وفي هذه السنة، افتتح حصن طرش؛ وكان فيه عبد الرحمن بن عمر بن
(2/174)

حفصون؛ فأسلم الحصن إلى رجال أمير المؤمنين الناصر لدين الله، ودخل قرطبة؛ فأنزل ووسع عليه. وكان غير داخل في الحرب والفتنة مدخل أبيه؛ وإنما كان صاحب كتب، وكان حسن الخط ضعيف العقل. قال عريب: وقد صار بعد ذلك وراقا.
وفيها، ولي أمير المؤمنين الناصر محمد بن عبد الله بن محمد الزجالي خزانة المال لتسع خلون من شهر رمضان.
وفيها، توفي محمد بن أحمد بن زياد، يوم السبت لأربع عشرة خلت من رجب؛ وكان جارا لمحمد بن وضاح الفقيه؛ فأوصى أن يصلي عليه؛ فقام له بذلك ذكر. وفيها، مات محمد بن سليمان بن وانسوس الوزير، يوم الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان. وفيها، مات حمدون بن بسيل وفيها، أمر الناصر بقتل موسى بن زياد، ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر؛ وكان قد ولي الوزارة في أيام الإمام عبد الله، وكثرت مطالبته للناس، ورفعه عليهم، وتحككه بهم؛ وكان يجاهر بكراهة أمير المؤمنين الناصر، ويرفع عليه إلى جده - رحمهما الله -، ويغري الإمام عبد الله برجاله؛ فحبسه أمير المؤمنين الناصر في يوم بيعته؛ ولم يزل محبوسا إلى أن أمر بقتله؛ وقتل معه حبيب بن عمر بن سوادة، وولداه، ومحمد بن وليد المعروف بالغليلي؛ وكانت لهم ذنوب وجرائم أحردته عليهم.

غزاة مويش
وفي سنة 308، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى دار الحرب، وهي غزاة مويش؛ فبرر - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة 307؛ ثم فصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 308، وهو اليوم الثالث من شهر حزيران،
(2/175)

ذلك بعد بروزه بثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم أمير المؤمنين المستنصر بالله - أيده الله -. ومن الوزراء موسى بن محمد بن حدير. فلما كان في اليوم الرابع من فصوله، ونزل بمخاضة الفتح، ورد عليه بها كتاب فتح من قبل عامل مدينة الفرج، يذكر أن المشركين من أهل جليقية أتوهم في جمع كثير؛ فأغاروا على ما لاقوه في بسيطهم من الدواب والسوام، ثم عرجوا على حصن بقربهم، يعرف بالقليعة؛ فأحدقوا به طامعين في التغلب عليه؛ فانحشد إليهم جميع أهل المدينة بفارسهم وراجلهم، وواضعوهم القتال بأثبت بصائرهم؛ فمنحهم الله - عز وجل - أكتاف الكفرة، وأطال أيديهم عليهم؛ فقتلوا وأسروا كثيرا منهم، واتبعوهم من أول النهار إلى آخره، والسيف يعمل فيهم، وبعثوا بجملة من رؤوسهم؛ فاستبشر الناصر بما ورده وتفأل باسم المحلة التي كان فيها عند ورود الفتح عليه.
ونهض آما لوجهته، والحشود والعساكر تتلاحق به من سائر أقطار الأندلس، وجميع جهاتها. ونزل - رحمه الله - على مدينة طليطلة، وخرج إليه لبُّ بن الطربيشة صاحبها، مبادرا إليه، وغازيا معه؛ وكان يظهر طاعة تحتها معصية. ثم تنقل - رحمه الله - في مناقله، حتى نزل بمدينة الفرج؛ فنظر لأهلها، وعزل بني سالم عنهم، إذ شكوا بهم. واستوزر - رضي الله عنه - في هذه المحلة سعيد بن المنذر، وقدمه قائدا وضابطا لمدينة الفرج، وأغزاه مع نفسه، واستعمل على الموضع ابن غزلان القرشي صهره، واستقصى عليهم محمد بن مسور الفقيه. فصلحت أحوالهم، وعم الرضى جميعهم؛ وخرج للجهاد أكثرهم. ونهض أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في جيوش تغص بها السبل، ويضيق بها القضاء الأوسع، حتى احتل بثغر مدينة سالم، وأظهر - رحمه الله - التوجه إلى الثغر الأقصى. وقدمت المقدمة نحوه. ثم عرج بالجيوش إلى طريق آلية والقلاع، وطوى من نهاره ثلاث مراحل، حتى احتل بوادي دوبر؛ فاضطربت العساكر
(2/176)

فيه، وباتت عليه. ثم أخرج صباح تلك الليلة سعيد بن المنذر الوزير، في جرائد الخيل وسرعان الفرسان، إلى حصن وخشمة؛ فأغدَّ السير حتى قرب من الحصن، وسرح الخيل المغيرة يمنة ويسرة، والمشركون في سكون وغفلة، إذ كان العلج الذي يلي أمورهم قد كاتب أمير المؤمنين - رحمه الله -، مكايدا له في إزاحته عن بلده بمواعيد وعدها من نفسه؛ فأظهر أمير المؤمنين - رحمه الله - قبول ذلك منهم، وأضمر الكيد بهم؛ فغشيتهم الخيل المغيرة على حين غفلة، وأصابوا نعمهم وسوامهم ودوابهم مسرحة مهملة؛ فاكتسحوا جميع ذلك، وانصرفوا إلى العسكر سالمين غانمين. فلما كان في صباح يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، اندفعت الخيل في أكمل تعبئة، وأهذب ترتيب، وأوكد ضبط، وأبلغ حزم وعزم، إلى حصن وخشمة؛ ففر عنه الكفرة، وأخلوه، ولاذوا بالغياض الأشبة، والصخور المنقطعة. ودخل المسلمون الحصن، وغنموا جميع ما فيه وأضرموه نارا. وبات أمير المؤمنين - رحمه الله - في محلته على وخشمة ليلة السبت؛ ثم رحل عنها في اليوم الثاني إلى حصن قاشتر مورش، وهي شنت أشتبين، بيضة المفرة، وقاعدتهم، والموضع الذي كانوا تعودوا فيه الاستطالة على من وردهم. فلما رأوا أن أنصار دين الله قد أطلوهم، وأولياءه قد يمدوا نحوهم، أخلوا الحصن وخرجوا هاربين عنه؛ فدخله المسلمون، وغنموا جميع ما فيه؛ وخربوا حصن القبيلة المجاور له، ولم يترك لأعداء الله في تلك الجهة نعمة يأوون إليها.
واضطرب العسكر بشرقي حصن قاشتر مورش. وبات المسلمون ليلة الأحد بأسر ليلة كانوا بها، والحمد لله. ثم انتقل أمير المؤمنين - رضي الله عنه - في صبيحة اليوم الثاني من مكان المضطرب شرقي الحصن إلى غربيه، ولم يكن بين الموضعين إلا قدر ميل؛ فكسر العسكر في ذلك المكان يوم الأحد متقصيا لآثار الكفرة، ومستبيحا لنعمهم. ثم ارتحل إلى مدينة لهم أولية تعرف بقلونية، وكانت من أمهات مدنهم؛ فلم تمر الجيوش إليها إلا على قرى منتظمة وعمارة بسيطة؛ فغنمت جميع ما كان بها، وقتلت من أدركت فيها، حتى أوفت العساكر على المدينة؛ فألقيت
(2/177)

خالية، قد شرد عنها أهلها إلى الأجبل المجاورة لهم؛ فغنم المسلمون جميع ما أصابوا فيها، وعملت الأيدي في تخريب ديارها وكنائسها. وكسر الناصر - رحمه الله - عليها ثلاثة أيام، مطاولا لنكاية المشركين، وانتساف نعمهم. ثم ارتحل - رحمه الله - من مدينة قلونية يوم السبت لخمس بقين من صفر إلى ثغر تطيلة، لغياث صريخ المسلمين به، إذ كان العلج شانجه قد ضايقهم، وتردد بكفرته عليهم؛ فأخذ الناصر - رحمه الله - بالرفق في نهوضه، لئلا يعنف على المسلمين بحث السير مع اتصال سفرهم؛ فاستقبل بالجيوش قطع المفاز الأعظم، مسايرا لوادي دوير، وقطع في ذلك خمس محلات، حتى احتل حوز تطيلة؛ ثم قدم الخيل مع محمد ابن لبّ عاملها إلى حصن قلهرة الذي كان اتخذه شانجه على أهلها. فلما قصدته الخيل، أخلاه من كان فيه، وضبطه المسلمون.
ثم نهض - رحمه الله - إلى حصن قلهرة. وكان شانجه قد اتخذه معقلا، وتبوَّأه مسكنا. فلما فجأته العساكر، أخلاه العلج، وزال عنه؛ فغنمه المسلمون بأسره؛ وكسر الناصر - رحمه الله - عليه يومين حتى خرب جميعه، وانتسف كل ما كان حواليه. ثم رحل بالجيوش يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول إلى دي شره، وأجاز إليها وادي إبره؛ فخرج شائجه من حصن أرنيط في جموعه وكفرته، متعرضا لمن كان في مقدمة العسكر؛ فتبادر إليه شجعان الرجال، تبادر رشق النبال؛ فانهزم الكفرة، وركبتهم الخيل، تقتل وتجرح، حتى تواروا في الجبال، ولاذوا بالشعاب وأيقنوا بالدمار والهلاك. وحيز كثير من رؤوس المشركين؛ فتلقوا بها أمير المؤمنين - رحمه الله -، ولا علم عنده المعركة التي دارت بينهم وبين أعداء الله. واضطرب العسكر بهذا الموضع، وبات المسلمون ظاهرين على عدوهم، ومنبسطين في قراهم ومزارعهم.
وورد الخبر على الناصر - رحمه الله - باجتماع العلجين أرذون وشانجه، واستمداد بعضهما ببعض، طامعين في اعتراض المقدمة، أو انتهاز فرصة في
(2/178)

الساقة. فأمر الناصر - رحمه الله - بتعبئة العساكر، وضبط أطرافها؛ ثم نهض بها موغلا في بلاد الكفرة؛ فتطللوا على كدّي مشرفة وأجبل منيعة؛ ثم تعرضوا من كان في أطراف الجيش، وجعلوا يتصابحون، ويولولون ليضعنوا من قلوب المسلمين؛ فعهد الناصر - رحمه الله - بالنزول والاضطراب وإقامة الأبنية. ثم تبادر الناس إلى محاربة الكفرة، وقد أسهلوا من تلك الأجبل؛ فواضعوهم القتال، واقتحم عليهم حشم أمير المؤمنين ورجاله وأبطال الثغر وحماته، ويضعون أسلحتهم فيهم، ويمطرون رماحهم عليهم، حتى انهزم المشركون، لا يلوون على مكان مضطربهم، ولا يهتدون لوجه متقلبهم، والمسلمون على آثارهم، يقتلون من أدركوا منهم، حتى حجز الظلام بينهم.
ولجأ عند الهزيمة أزيد من ألف علج إلى حصن مويش، ورجوا التمتع فيه. فأمر الناصر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى الحصن؛ فأحبط به من جميع جهاته، وحوربوا داخله حتى تغلب عليه، واستخرج جميع العلوج منه، وقدموا إلى الناصر - رحمه الله -؛ فضربت رقاب جميعهم بين يديه، وأصيب في الحصن والمحلة التي كانت للكفرة بقربه من الأمتعة والأبنية والحلية المتقنة والآنية ما لا يحصى كثرة؛ وأصيب لهم نحو ألف وثلاثمائة فرس. وكسر أمير المؤمنين - رحمه الله - بهذه المحلة أربعة أيام، يغير جميع ما حواليها من نعم المشركين وثمراتهم ومزارعهم؛ ثم انتقل - رحمه الله - يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول إلى حصن كان أتخذه شانجه على أهل بقيرة؛ فألقاه خاليا، قد فرَّ عنه أهله؛ فعهد بهدمه، ولم يبرح أمير المؤمنين - رحمه الله - من محلته هذه حتى انتقل إلى حصن بقيرة من أطعمة الكفرة ألف مُدي تقوية لأهله.
ثم انتقل إلى حصون المسلمين يسكنها وينظر في مصالح أهلها؛ فكلما ألفى بقربها معقلا للمشركين، هدمه وأحرق بسيطه، حتى لقد اتصل الحريق في بلاد المشركين عشرة أميال في مثلها. واجتمع عند الناس من الأطعمة والخيرات ما عجزوا عن حمله، ولم يجدوا لها ثمنا تباع بع؛ وكان القمح في العسكر تبذل
(2/179)

ستة أقفزة بدرهم؛ فلا يوجد من يشتريه؛ فجمعت الأطعمة وأدخلت النار إليها حتى أخرجت عن آخرها. وقفل الناصر - رحمه الله - يوم الثلاثاء. لثلاث بقين من ربيع الأول، حتى انتهى إلى مدينة أنتيشة؛ فكسر - رحمه الله - بها يوما، ووصل رجال الثغر، وكساهم، وحملهم، وأذن لهم في الرجوع إلى مواضعهم. وبعث إلى قرطبة من رؤوس الكفرة التي أصيبت في المعارك المذكورة أعدادا عظيمة، حتى لقد عجزت الدواب عن استيفاء حملها. ودخل - رحمه الله - القصر بقرطبة يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه تسعين يوما.
وفي هذه السنة، بعد القفل، عزل الناصر - رحمه الله - محمد بن محمد بن أبي زيد عن الشرطة العليا، وولاها دريا مولاه.
وفي هذه السنة، قتل جعفر بن عمر بن حفصون بجبل ببشتر، قتله أصحابه غيلة، ودخله أخوه سليمان وضبطه.
وفيها، ولي العرض عبد الرحمن بن عبد الله الزجالي.
وفيها، افتتحت المندات بحذر فرطمة من كورة رية، وبنى حصن فاشتره ذكوان، وألزمه الرجال والقوة.
وفي هذه السنة، توفي أبو عمرو سعد بن معاذ بن عثمان بن حسان بن بخامر الشعباني الفقيه بقرطبة في جمادى الأولي؛ وكان معظما في أهل العلم؛ وفيها، توفي عبد الغافر بن هاشم بن عبد العزيز.
وفي سنة 309، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة رية، وهي غزاة طرُّش. وبرز لها - رحمه الله - يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة سنة 308، وهو اليوم العاشر من أيار. وفصل من قصر قرطبة غازيا يوم السبت لثمان خلون من المحرم سنة 309، وهو اليوم العاشر من حزيران بعد بروزه إلى أحد وثلاثين يوما. وتخلف في النصر ولي عهده أمير المؤمنين المستنصر
(2/180)

بالله - أطال الله بقاءه - فسار - رضي الله عنه - في احتفال من جيوشه، وطبقات من رجاله، حتى احتل على حصن طرُّش؛ وكانت النصرانية قد احتشدت إليه، وتحصنت فيه؛ فأحدقت العساكر به من جميع جهاته، وعهد بمحاربتهم والتضييق عليهم ونصب المجانيق على مرتقى تصل منه حجارته إلى الكفرة. وكانوا في أول المنازلة لهم يبرزون للحرب، ويظهرون المدافعة، حتى مزقتهم الحرب، وقللت عددهم، وقلت حدهم؛ فعاذوا بالاستغلاق في داخل حصنهم. ثم تمادى التضييق عليهم، والحصار لهم، حتى أخذهم الجهد، وأشفوا على الهلاك؛ فخاطبوا أمير المؤمنين ضارعين إليه في تأمينهم، على أن يسلموا الحصن، ويخرجوا عنه؛ فأجابهم إلى ذلك، وقيل إنابتهم؛ ودخل رجاله الحصن، وخرج عنه جميع من كان به من النصرانية داخله. وهدمت قصابه وألقيت أحجارها في النهر؛ وبني في موضع الكنيسة مسجد جامع. ونظر الناصر - رحمه الله - أيام محاصرته لحصن طرش في توجيه القوَّاد والأجناد إلى حصن ببشتر وحصن أقوط وجبل الحجارة، لمحاربة سليمان وحفص ابني عمر بن حفصون، والتضييق عليهم، والانتقاص لعددهم. ثم قفل الناصر - رحمه الله - من محلته على حصن طرش يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودخل قصر قرطبة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وقد استتم في غزاته هذه تسعة وستين يوما.
وفي هذا العام، استنزل بنو سعيد بن ناصح بن مستنة من حصون باغه المعروفة بعالية وربرش. واستنزل موسى بن يزيد، أخو حمصي، من الصخرة التي كان بها. واستنزال بنو مهلب من حصونهم المعروفة بقرذبرة وإشبرغيرة وغيرهما، وهدم جميعها.
وفي هذه السنة، أمر الناصر - رحمه الله - بقتل العاصي ابن الإمام عبد الله، ومحمد بن عبد الجبار ابن الإمام محمد - رحمهما الله -، إذ شهد كلُّ واحد منهما
(2/181)

على صاحبه بمطالبة الخلافة ونقض البيعة، وكثرا في ذلك؛ وكان لهما غليان. فقتلا ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب.
وفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب، مات الحاجب بدر بن أحمد وولي الحجابة موسى بن أحمد بن حدير.
وفيها، مات محمد بن عبد الله بن أمية الوزير؛ وعبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني في شوال؛ وفيها، توفي الفقيه محمد بن أحمد المعروف بابن الزراد، ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.
وفي سنة 310، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة إلبيرة، وهي غزاة منت روبي، وبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 309، وهو الرابع من نيسان، وفصل غازيا من قصر قرطبة يوم السبت لعشر خلون من المحرم، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، بعد بروزه بسبعة وثلاثين يوما. وتخلف في القصر ولي عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله -، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وغزا معه في هذه السنة الحاجب موسى بن محمدا؛ فسار - رضي الله عنه - حتى احتل بحصن منت روبي يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم؛ وكان جبلا ممتنعا، بعيد المرام، كثير السكان من عجمة، قد لاذت به، وامتنعت فيه؛ وهو متوسط بين كورة إلبيرة وكورة جيان، وعلى طريق مدينة بجانة. فكان من سلك السبيل من وارد أو صادر لا يسلم من عادية ذلك الحصن. وكانوا يسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، ويخيفون السبل. فأقام عليهم أمير المؤمنين - رحمه الله - خمسة وثلاثين يوما محاصرا، حتى أباد كثير منهم، وقطع ثمراتهم، وغير نعمهم. ثم أبقى على الحصن من رجاله وأجناده من استمر على محاصرتهم، حتى كان لا يدخل إليهم داخل، ولا يخرج عنهم خارج. وتقدم عنه إلى حصون كورة إلبيرة؛ فعم جميعها بالنكاية. ثم عرج منها إلى كورة رية، ونزل على جبل ببشتر يوم السبت لسبع خلون من ربيع الأول؛ فحاربهم أشد محاربة، ونكاهم أبلغ نكاية
(2/182)

وقطع ما كان بقي في أسناد الجبل من الثمار، ورتب لمحاصرتهم أكابر القواد. وقصد رحمه الله - كورة تاكُرُنَّا؛ فاستصلح أحوال أهلها، واستوثق من طاعتهم ونقل من رأى نقله إلى قرطبة من وجوههم. ثم وصل نظره فيها بالنظر في كورة مورور، وطالع في طريقه كورة إشبيلية وقرمونة، وقفل بعد إحكامه جميع الأمور في تلك الجهات؛ فاحتل قصره يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وثمانين يوما.
وفي هذه السنة، ولي الوزارة أبو سعيد عبد الملك بن محمد الشذونيُّ، يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر. وولي فيها الوزارة أيضا يحيى بن إسحاق؛ وكانت بيده الشرطة الصغرى؛ فوليها مكانه محمد بن محمد بن أبي زيد، وذلك يوم السبت لخمس بقين من شوال.
وفيها، عزل أفلح بن عبد الرحمن عن الخيل، ووليها صاحب المدينة محمد ابن عبد الله الخروبي أياما يسيرة؛ ثم أعيد إليها أفلح.
وفيها، ولي أحمد بن موسى بن حدير، ونمارة بن سليمان الخزانة، في شوال.
وفيها، ولي أحمد بن عبد الله الخروبي العرض.
وفيها، مات سالم بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن أبا الفقيه؛ وعبد الله بن أبي الوليد ابن أخت محمد بن الصفار الفقيه، وكانت له رواية عن سحنون؛ ومحمد بن عبد الحكم؛ وفيها، توفيت علية بنت الإمام عبد الرحمن ابن الحكم - رحمه الله -.
وفي سنة 311، كان غزو أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - إلى مدينة ببشتر وحصون رية؛ فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة سنة 310، وهو اليوم السابع عشرين من أذار؛ وفصل غازيا يوم الاثنين مستهل المحرم، وهو اليوم الثاني عشرين من نيسان، بعد بروزه بخمسة وعشرين يوما؛ فسار - رحمه الله - حتى احتل على حصن ببشتر؛ وبادر سليمان بن عمر بن حفصون بمكاتبته، راجيا لصرف عزمه عنه؛ فأعرض الناصر عن محاربته،
(2/183)

وقبول ما تعرض له من مكايدته، وأخذ بالجد والعزم في محاصرته، وقطع باقي ثمراته وكرماته، واصطلام معائشه. وأقام عليه سبعة أيام، يصل الغدو بالرواح في التغيير والتدمير والنكاية والاستبلاغ؛ وفعل كذلك فيما بقى من حصونه، كحصن قرذارش، وحصن نجارش، وحصن ألجش، وشنت ببطر؛ فخرج إليه حفص بن عمر بن حفصون، وتبرأ من حصن قامرة؛ فأمنه أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله -، وأقره في بعض حصونه، لما رآه من السياسة ووجه المصلحة فيه وفي سليمان أخيه. ثم تقدم إلى مرسى شاط والمنكب، وحصن مشكريل، ونهض بعساكره في وعر لم يقتحمه جيش قبله؛ فاستنزل جميع أهل تلك الحصون، واستصلح تلط الجهات. ثم قصد جبل ببشتر، وقد كان أهله أرادوا الفتك بسليمان بن حفصون، وضبطوا القصبة دونه، وأطلقوا من كان في حبسه، وانتهبوا أكثر أمتعته؛ ثم إنه احتال مع بقية أصحابه، حتى دخلوا المدينة، وفتحوا له بابها؛ فدخل منه متلثما، وأطمع السواد في أموال القائمين عليه؛ فثاروا معه، وبادروا إلى قتل من ظفر به منهم؛ فأفنى أكثرهم؛ وسلط الله بعض الكفرة على بعض، ليمحو آثارهم. وبقى سليمان بجبل ببشتر مشغولا بنفسه، مرتابا ممن حوله؛ فاحتل به أمير المؤمنين مرَّة ثانية في غزاته هذه، وذلك يوم الأحد لأربع خلون من ربيع الأول؛ فلم يكن لأحد من الكفرة إطلال عند اضطراب العسكر على ما كانوا تعودوا من قبل؛ وأرتب على الجبل أمير المؤمنين من وثق به من رجاله، وألزمهم مواضع في جميع جهاته. ثم قفل، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وقد استتم في غزاته تسعة وستين يوما.
وفي هذه السنة، كانت وقيعة بقيرة ومحاصرة أهل بنبلونة لعبد الله محمد ابن لب، حتى تغلب عليه وعلى من كان معه، وأسرهم العلج شانجه؛ ثم قتلهم. وكان مع ابن لب في حصن بقيرة مطرف بن موسى بن ذي النون، ومحمد بن محمد ابن عمه، ووجوه رجالهم؛ فذهبوا في هذه الوقيعة بأجمعهم. وشنع الحادث
(2/184)

فيها على الناصر - رحمه الله - فأخرج عبد الحميد بن بسيل قائدا إلى الثغر الأقصى، بعد أن استوزره؛ وكان على خزانة المال؛ فنهض حتى احتل الثغر بجيوش كثيفة، أخرجت معه، وحشدت إليه من الثغر وغيره؛ فدخل مدينة تطيلة وملكها.
وفيها، افتتحت قصبة مورور.
وفيها، ولي محمد بن أحمد بن حدير خطة العرض، وعزل محمد بن محمد ابن أبي زيد عن الشرطة الصغرى، ووليها يحيى بن يونس القبرسي.
وفيها، توفي عبد الرحمن ابن الإمام المنذر - رحمه الله -. وتوفي جهور بن عبد الملك، وهو قائد شذونة. وفيها، قتل عبد الله بن محمد بن مروان الجليقي، صاحب بطليوس، دخل عليه بعض أهل الموضع، فقتلوه. وفيها هلك أرذون بن إذفنش صاحب جليقية، وولي مكانه فلوبرة.

غزاة الناصر إلى بنبلونة
وفي سنة 312، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر لدين الله - رضي الله عنه - إلى دار الحرب، وهي الغزوة المعروفة ببنبلونة؛ فبرز - رحمه الله - لهذه الصائفة مبكرا قبل ميقات الصوائف، إذ أحفظه ما دار على بني لب وبنى ذي النون بحصن بقيرة؛ فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة، وهو اليوم الثاني عشر من شباط سنة 311. وفصل من قرطبة يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة 12، وهو اليوم السابع عشرين من نيسان، وذلك بعد بروزه بثلاثة وأربعين يوما. فاحتل لأول خروجه بمحلة بالش، وكسر بها يومين، متلوما على المجاهدين معه من أجناده ورعيته، والمحشودين من أقطار كورة. وتخلف - رحمه الله - بالقصر بقرطبة وليَّ عهده الحكم المستنصر بالله - أبقاه الله -، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير. وأم الناصر رضه
(2/185)

في أول خروجه كورة تدمير وكورة بلنسية، واستصلح أحوال أهلهما، واستنزل عبد الرحمن بن وضاح، ويعقوب بن أبي خالد التوبري، وعامر بن أبي جوشن، وغيرهم، من مواضعهم التي كانوا متأمرين فيها، ومتعاصين عن النزول منها. وأرتب القواد والجيوش على محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ، إذ يمنع من النزول إليه والغزو معه؛ وكان يمدينة العسكر من أحواز بلنسية.
ثم نهض أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - في عساكر كعدد الحصى، حتى دخل ثغر تطيلة. وخرج إليه النجيبيون وغيرهم، وتلقاه عمال الثغر في جنود عظيمة، وعدة كاملة؛ فدخل - رحمه الله - بلاد المشركين يوم السبت لأربع خلون من ربيع الآخر بأنقذ عزم، وأوكد حزم، وأقوى نية في الانتقام لله عز وجل ولدينه من الأرجاس، الكفرة الأنجاس. فحل من أول بلادهم حصن قلهرة؛ وكان العلج شانجه قد أخلاه؛ فأمر بهدمه وإحراق جميع ما فيه وحوله؛ ثم تنقل عنه إلى موضع يعرف ببيطرة التة؛ وكانت حوله حصون مانعة؛ فأخلاها الكفرة، وتخلقوا في بسيطها جميع أمتعتهم وأطعمتهم، إذ عوجلوا عن انتقالها. ولجأ علوج منهم بأهلهم وولدهم إلى ثلاثة غيران في شفير جرف على النهر؛ فلم يزل أهل العسكر يتعلقون إليهم فيها، ويتسورون عليهم من أعاليها، حتى فتح الله تلك الغيران عليهم؛ فقتلوا العلوج وسبوا الذرارى، وغنموا الأمتعة. وكان ذلك أول ما أفاء الله - عز وجل - على أهل العسكر، وغنمهم إياه. وهدمت حصون الكفرة التي كانت في تلك الجهة؛ ولم يبق منها صخرة قائمة.
ثم تنقل - رحمه الله - من هذه المحلة، بعد أن كسر بها يوما، إلى حصن فالجش؛ فأضرمت أرباضه نارا، واستقصيت زروعه ونعمه انتساقا وتغييرا. ثم ارتحل رضه إلى حصن نفالية؛ وكان من حصونهم الشريفة؛ فألقيت الأطعمة به كثيرة، والنعم فيه فائضة؛ فانتهب المسلمون جميع ذلك، ودأبوا في تخريب الديار، وتغيير الآثار. ثم ارتحل منه إلى حصن قرقستال على وادي أرغون؛ ثم استعزم الناصر - رضي الله عنه - على الإيغال في بلدهم، والتوصل إلى موضع قرارهم،
(2/186)

ومجتمع كفارهم، ونكايتهم في عقر دارهم، ومكان أمنهم؛ فأخذ في الحزم، وعهد بضبط مجنيات العسكر، وتقدم من فج المركوبر في أمكّ تعبئة وأهذب ترتيب، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر؛ فدخلت الجيوش مواضع لم تدخل قبل ذلك، وأحرقت الحصون، وهدمت الديار، حتى نزل بقرية بشكونشة، التي إليها ينسب العلج، ومنها أصله؛ فهدمت مبانيها، أحرق كلُّ شئ كان فيها.
فجمع العلج شانجه كفرته، واستمد بنصرانيته من كل مكان، طمعا أن بغاث منه حتى توافى له جمع رجا أن يكافح المسلمين به؛ فتطلعت له خيل على تلك الأجبل المنيفة على العسكر، وذلك ليلة الأربعاء للنصف من شهر ربيع الآخر؛ فأمر الناصر - رحمه الله - بالتعبئة للرجال، وشك العسكر، وإتقان النظر؛ وصابح النهوض والتقدم لوجهته، واثقا بالله - عز وجل - ومتوكلا عليه؛ فسلكت الجيوش بين أجبل شامخة وشواهق منقطعة. ورجا أعداء الله مع ذلك بانتهاز الفرصة والاعتراض للمسلمين في مجنبة أو ساقة؛ فلما توسط الجيش بعض تلك المواضع المتضايقة على واد يعرف بوادي هيغة، هبطت للمشركين خيل من الأجبل؛ فحالت بينهم وبين أهل العسكر مناوشة يسيرة. فعهد أمير المؤمنين - رحمه الله - برفع المظل والتعبئة للحرب، ونهض المسلمون إلى أعدائهم نهوض الأسود؛ فعبروا النهر إليهم، وصمموا بالحملة عليهم، حتى اقتلعوهم عن موضعهم، وهزموهم، ووضعوا سيوفهم ورماحهم فيهم، حتى اضطروهم إلى مرتقى وعر وجبل منقطع؛ فتقحم المسلمون عليهم، وسهل الله وعره لهم؛ فقتلوا جملة منهم، وبسطت الأرض بأجسادهم. واستمرت الخيل المغيرة في بسيطهم؛ فأصابت الغنائم والسوام وضروب النعم، وانصرفوا سالمين، لم يصب منهم غير يعقوب بن أبي خالد التوبري، ونفر يسير من الحشم فازوا بالشهادة، وختم الله لهم بالسعادة.
(2/187)

واجتمع من رؤوس المشركين عدد عظيم منع من البعثة بها إلى قرطبة بمنع الطريق وبعد المسافة.
ثم ارتحل أمير المؤمنين رضه إلى محلة لتبيرة؛ ثم إلى محلة لغين؛ والجيوش لا تمر بموضع إلا اصطلمته، وتعلقت زروعه، وهدمت قراه وحصونه، إلى أن بلغ رضه مدينة بنبلونة؛ فوجدها خالية مقفرة؛ فدخلها - رحمه الله - وجال بنفسه عليها، وأمر بهدم جميع بنيانها، وتخريب كنيسة الكفرة بها، التي كانت يبعثهم موضع نسكهم، حتى لقد جعلت قاعا صفصفا. ثم تنقل - رضي الله عنه - منها إلى صخرة قبس؛ وكانت بها كنيسة قد شيدها العلج، وأتقنها، وطاول الأيام بالتأنق فيها، والتحصين لها؛ فلما حلت بها الجيوش وأخذت في هدمها، تطلع الكلب من جبل كان أسد إليه، طامعا في حمايتها؛ فداخله أولياء الله بأسرع من لحظة الطرف. حتى اقتلعوه مهزوما موليا، وصرع من فرسانه ووجوه أصحابه من كان عنه محاميا ودونه مستهلكا؛ وأخربت الكنيسة وما أحاط بها، وعادت القرية نارا موقدة.
ثم تنقل منها إلى محلة اسارية؛ وكان في ممره إليها فج يقال له هرقلة ضيق المسلك، وعر المجاز؛ فرام الكفرة انتهاز فرصة من المسلمين فيه؛ فأمر الناصر - رحمه الله - بالتعبئة والاحتراس، ونهض على أتم التحفظ والضبط، حتى جاورت العساكر ذلك المضيق، وخرجت عنه وتظاهر أعداء الله لأخل الساقة، متسنمين لأعلى جبل؛ فنهضت الخيل إليهم، وهزمتهم، وقتلت طائفة منهم. وانقشعوا مدبرين لا يلوون ولا يعرجون. وتقدم المسلمون بعزة القهر، وسرور النصر، حتى نزلوا محلة إسارية. ثم ارتحل الناصر - رحمه الله - منها إلى محلته بقرية منيير؛ ثم تنقل إلى محلته بدى شره المجاورة لشنت اشتبين؛ وكان موضع " استركاح " العلج شانجه، ومكان طمأنينته؛ فحلت الجيوش بهذه المحلة يوم الأربعاء لثمان بقين من ربيع الآخر، وتظاهر الكلب على الجبل، قد جمع جموعه، وحشد رجاله، واستجاش بمدود انته من آلبة والقلاع، طامعا في معارضة المسلمين، يقيم
(2/188)

بها عذره عند كفرته، وأهل ملته؛ فناشبهم المسلمون الحرب، والتحم بينهم القتال؛ فهزم الله جموع المشركين، وانقبضوا إلى أعلى جبلهم، وتفرقوا في شعراء متصلة بهم. وبات أهل العسكر في مجلتهم. وانبسطت العلاقة في القرى؛ فانتسفت ما فيها. ثم انتقل الناصر إلى محلته بموضع يعرف بربية سرته، وهو يريد فلهرة. وتظاهر العلج بجموعه مرة ثانية في الموضع الذي كان مشرفا فيه، ومعتصما به؛ فتبادر إليه الفرسان؛ فانهزم أقبح انهزام. وقتل له رجال وعقرت له خيل.
وتنقل الناصر - رحمه الله - إلى حصن قلهرة؛ فألقاه خاليا، وأمر بهدمه ثم تنقل إلى حصن بلتميرة، وهو من حصون المسلمين المجاورة للمشركين؛ فعهد بادخار الأطعمة عندهم، وتفريق الأموال فيهم. واحتل بمدينة تطيلة. وكسر بها، وذلك يوم الأثنين لثلاث بقين من ربيع الآخر، ورحل عنها قافلا، وجعل مروره ببني ذي النون؛ وكان يحيى بن موسى قد استراب، وتوقف عن الجهاد، فدارت عليه معرة الجيش، حتى أذعن منقادا، وخرج خائفا وجلا، وتلقى أمير المؤمنين معترفا بذنبه؛ فأوسعه عفوه؛ وفعل مثل ذلك يحيى بن أبي الفتح ابن أخيه، ودخل أمير المؤمنين - رحمه الله - قرطبة يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولي، وقد استتم في غزاته هذه أربعة أشهر.
وفي سنة 313، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر - رحمه الله - إلى كورة إلبيرة، ومنازلته حصن اشتين، وإستصلاحه الأحوال بكورة جيان وما والاها؛ فبرز - رحمه الله - لهذه الغزاة يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 313، وهو اليوم السابع من نيسان، وفصل غازيا يوم الخميس لثمان بقين من صفر، وهو اليوم السابع من أيار، وذلك بعد بروزه بإثنتين وأربعين يوما؛ وتخلف في القصر بقرطبة وليَّ عهده الحكم المستنصر بالله. ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة محمد بن عبد الله الخرَّوبي؛
(2/189)

واستقدم سعيد بن المنذر الوزير من كورة تدمير، ليغزو معه. وأخرج محمد ابن إسحاق مديلا له؛ فاحتل في طريقه بحصن المنتلون من كورة جيان، وأنزل عنه عبد الله بن سعيد بن هذيل، وعزله عن سائر الحصون التي كانت بيده؛ واستعمل على الجميع عبد العزيز بن مسلمة وعبد الله بن عمرو بن مسلمة؛ وعهد بهدم أكثر حصون جيان وقصابها، إذ كانت مستركحا لأهل الشر والخرف، وضررا على أهل الطاعة والاستقامة؛ وكذلك ما فعل بحصون إلبيرة، حتى احتل بحصن اشنين يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ وكان أهله على مكايدة باطنة، وإظهار طاعة تحتها مداهنة؛ فعرض عليهم الناصر النزول عن حصنهم إلى البسيط حوله؛ فاضطربوا في أمرهم، ولاذوا عن رشدهم؛ فاحتلت العساكر بهم، وأخذ بالجد والعزم في محاصرتهم، وأحيط بهم من جميع جهاتهم، وبنيت عليهم ستة حصون يقابل بعضها بعضا، حتى عادوا في مثل حلقة الخاتم ضيقا وحصارا. وبقى الناصر على محاصرتهم خمسة وعشرين يوما، وهو يدأب مع ذلك في استصلاح أمور رعيته، وتأمين سبلهم، وقطع المخاوف عنهم، ويشخص بنفسه إلى مل جهة من جهاتهم.
وفي هذه الغزاة، استجلب الناصر وليَّ عهده وعماد أنسه الحكم المستنصر بالله من قصر قرطبة إلى معسكره، وهو في ذلك الوقت ابن عشرة أعوام وثمانية أشهر ونصف، إذ استوحش له، وتاقت نفسه الكريمة إليه؛ فقدم عليه - أبقاه الله - بهذه المحلة مع ثقات رجاله وفتيانه؛ واستخلف له في القصر أخوه عبد العزيز لينفذ الكتب باسمه إلى وقت منصرفه. فأنس - رحمه الله - به، وسر بقربه. وقفل الناصر من هذه الغزاة يوم الجمعة لست خلون من ربيع الآخر، بعد أن أرتب الوزيرين سعيد بن المنذر وعبد الحميد بن بسيل على حصن اشتين، محاصرين لأهله في كثف من الحشم. ودخل القصر بقرطبة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وقد استتم في غزاته خمسين يوما.
(2/190)

وفي هذه السنة، ولي خلف الفتى الكبير الطراز.
وفي شوال منها، ولي يحيى بن يونس القبرسي السوق. إذ اعتل أحمد بن بهلول على أبطلته عن الحركة؛ ثم ولي يحيى بن يونس المواريث في ذي القعدة، وولي عبد الله بن محمد الخروبي خزانة السلاح.
وفيها، صلب على الرصيف بباب قصر قرطبة الرامي المعروف بأبي نصر؛ وكان قد ذهب به الصوت في الرماية والإصابة أيام عمر بن حفصون؛ فصلب؛ ثم رمى بالنبل حتى أصيبت جوارحه ومقاتله؛ وبقي في الجذع أياما؛ ثم أحرق.
وفيها، توفي ابن الناصر يسمى بمحمد. وفيها، مات بن حزم العوفي من أهل سرقسطة، في شهر رمضان؛ وكان كثير الرواية، بصيرا باللغة؛ وله رحلة سمع فيها من بعض الفقهاء بالمشرق. وفيها، هلك فلويرة صاحب جليقية، وولي إذفنش؛ ثم ترهب، وولي أخاه رذمير مكانه في سنة 19.
وفي سنة 314، كان إغزاء الناصر - رحمه الله - قواده بالصوائف؛ ولم يكن له غزو بنفسه في هذا العام لمحل كان فيه، وقحط شديد؛ فأخرج عبد الحميد بن بسيل الوزير إلى الثغر الذي كان به بنو ذي النون؛ فأوقع بهم إذ كانوا قد مرقوا عن الطاعة، وأكثروا الفساد في الأرض، والاستطالة على من جاورهم من المسلمين؛ فقتل منهم من استحق القتل، وافتتحت مدينة سرتة؛ وكان أهلها على خلاف وخلعان للطاعة؛ فدرت جبايتها من ذلك الوقت، وصارت بسيل سائر الكور المستقيمة الأحوال. ثم صدر عبد الحميد بن بسيل من ذلك الثغر، وقد استقامت على يديه أحوال أهله؛ فأخرجه الناصر إلى مدينة ببشتر، محاصرا لسليمان بن حفصون في جملة القواد المحاصرين له؛ وأخرج - رحمه الله - أفلح صاحب الخيل مولاه إلى سليمان بن حفصون أيضا؛ فنازله وحاصره، وفتح حصن منت روبي؛ وكان من أمنع معاقله.
(2/191)

ذكر قتل سليمان بن حفصون
وفي هذه السنة، قتل سليمان بن عمر بن حفصون؛ وكان قد ركب وخرج عن مدينة ببشتر معارضا لبعض الحشم المغاورين له من العسكر؛ فتبادرت إليه الخيل من الجهة التي كان فيها عبد الحميد الوزير؛ فصرع سليمان عن فرسه؛ فاحتز رأسه سعيد بن بعلي العريف المعروف بالشفة؛ وكانت قد واقعته قبل ذلك طعان على يدي محمد بن يونس العريف وبعض بني مظاهر العجم؛ وقطعت يداه ورجلاه، وذلك يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة من سنة 314. وبعث الوزير عبد الحميد برأسه وجثته ويديه مبعضة مفترقة؛ فرفعت على باب السدة بقرطبة في خشبة عالية؛ وكان الفتح فيه عظيما سارا لجميع المسلمين.
وفيها، ورد الخبر بهلاك العلج شانجه صاحب بنبلونة.
وكان القحط في هذا العام شديدا، والمحل عاما؛ فاستسقى بالناس الخطيب أحمد بن بقى صاحب الصلاة مرارا؛ ونفذت الكتب إلى الكور في الاستسقاء؛ فوافى نزول الغيث مع رفيع جثة سليمان بن حفصون صليبة على باب السدة. فقالت في ذلك الشعراء أشعارا كثيرة، منها (طويل) :
سَحابٌ يَمُورُ الغَيْثُ وَدِيمةٌ ... دِماء العِدَى تَهمِي بها وتَفلإورُ
غِياثانِ فينا واكِفانِ من الحَبَا ... ولكِن ذا رِجْسٌ وذاكَ طَهورُ
وَذَاكَ نَجِيعٌ لَيسَ يقبلهُ الثَّرى ... وذا ناجِعٌ يَسرِي بِهِ وبَغورُ
تَدَنستِ الدُّنيَا به فتطَهَّرَت ... بُطونٌ لها من رِجِسِهِ وظُهُورُ
وفيها، ولي محمد بن عبد الله الزجالي الوزارة يوم السبت للنصف من جمادى الأولي.
(2/192)

وفيها، عزل أسلم بن عبد العزيز عن قضاء الجماعة بقرطبة لعلة أقعدته وولي أحمد بن بقيّ القضاء مع الصلاة.
وفيها، ولي أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف خزانة المال. وولي عبيد الله بن عبد الله الزجالي العرض. وولي خزانة السلاح حسين بن محمد بن عاصم، وأحمد بن يحيى بن حسان، وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف.
وفيها، توفي أصبغ ابن الأمير المنذر، وفيها، توفي محمد بن عمر بن لبابة الفقيه، ليلة الاثنين لخمس بقين من شعبان؛ وكان مولده مستهل رجب سنة 226؛ وكان عالما بالفتيا، حسن الدين، مستقيم الحال من حداثته إلى وقت وفاته.
وفيها، توفي محمد بن عبد الله الخروبي، صاحب المدينة، مستهل صفر؛ وولي المدينة مكانه عيسى بن أحمد بن أبي عبدة بعد وفاته إلى ثمانية أيام.
وفي سنة 315، كان غزو أمير المؤمنين الناصر - رضي الله عنه - إلى مدينة ببشتر لمحاربة حفص بن عمر بن حفصون؛ فبرز لهذه الغزاة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة 315، وهو اليوم التاسع عشر من نيسان، وفصل غازيا يوم الاثنين للنصف من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الحادي عشر من أيار، وذلك بعد بروزه باثنين وثلاثين يوما. وأغزى مع نفسه ولي عهده الحكم المستنصر بالله، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وتسعة أشهر ونصف، وتخلف في القصر عبد العزيز شقيق ولي العهد، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه عيسى بن أحمد الوزير. فنزل الناصر بجيوشه وخيله وعدده على مدينة ببشتر يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الآخر، وزاد عزما في البنيان عليها، والجد في محاصرتها، وأرتب بها من الفؤاد من يلازمها، وتنقل منها إلى مدينة الحنش؛ فاستنزل من كان فيها، وأخلاها من ساكنيها، وأمر بهدم أسوارها وتعفية آثارها؛ وباشر ذلك ولي عهده مع الحاجب موسى بن محمد مولاه.
ثم أم الناصر حصن شنت بيطر وما قرب منه من الحصون؛ فنازلهم) ،
(2/193)

وقطع ثمارهم وكرومهم، واصطلم معايشهم؛ ثم تنقل بجيوشه إلى مدينة مالقة؛ فنظر بمثل ذلك في الحصون المجاورة لها، وولي مدينة مالقة عبد الملك بن العاصي، وألزم معه جملة من الحشم لمغاورة أهل تلك الحصون، وأمره بحمل السيف على كل داخل إليهم أو خارج عنهم. ثم صدر إلى مدينة ببشتر؛ فاضطرب عليها ثانية من ناحية لماية، ورأى أن البنيان بها من أنكى الأمور للكفرة وأشدها عليهم؛ فأمر ببنيان صخرة للأول تعرف بالمدينة، وقدم لذلك أحمد بن محمد بن إلياس، وصرف إليه كورة تاكرنا، وما اتصل بها من لماية. وألزم عبد الحميد بن بسيل الوزير مكانا يشرف منه على مجمع الطرق، ويحترس فيه بالمنتشرين من أهل العسكر في العلاقات وطلب المرافق، والمختلفين إليه من كل موضع. وأقام بمحلته هذه سبعة أيام، لم يدع فيها للكفرة مرتفقا ولا معاشا. ثم انتقل إلى محلة طلجيرة؛ فعهد بالبنيان فيها، وأقام بها حتى كمل بها شأن مدينة ألزمها سعيد بن المنذر الوزير. ورأى الناصر صرف ولي عهده إلى قصر قرطبة إيثارا لصيانته ومعاودته إلى تأدبه؛ فوجهه مع ثقات رجاله، وفيهم درى بن عبد الرحمن، صاحب الشرطة العليا، ومحمد بن أحمد بن حدير العارض؛ فبلغوه القصر وانصرفوا عن باب السدة إلى العسكر؛ ولم يتقدم أحد منهم إلى داره، ولا دخل منزله، ولا رأى أحدا من أهله. ثم قفل - رحمه الله - يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، ودخل قصر قرطبة يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، وقد استكمل في غزاته هذه خمسة وستين يوما.
وفي هذه السنة، أغزى الناصر دُرِّيَّ بن عبد الرحمن، صاحب الشرطة. مولاه، إلى ابن الزيات؛ فلما قرب منه، خرج هاربا؛ وظفر دُرِّي في وجهته هذه بهابل، قائد كان لابن حفصون، وبأصحاب له؛ فأسرهم وأوثقهم بالحديد، وقدم بهم قرطبة؛ فصلبوا في المرج الذي بين يدي القصر، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر رمضان.
(2/194)

وفيها، ولي فطيس بن أصبغ الوزارة، وعيسى ابنه الخزانة، وعبد الله بن محمد بن عبد الله الخروبي العرض، وعبيد الله بن عبد الله الزجالي المواريث.

ذكر افتتاح مدينة ببشتر
ولما اشتدت المحاصرة على حفص بن عمر بن حفصون بمدينة ببشتر، وأحبط به بالبنيان عليه من كل جانب، ورأى من الجد والعزم في أمره ما علم ألا بقاء لبه معه في الجبل الذي تعلق فيه، كتب إلى أمير المؤمنين الناصر، يسأله تأمينه والصفح عنه، على أن يخرج عن الجبل مستسلما لأمره، راضيا بحكمه. فأخرج إليه الناصر الوزير أحمد بن محمد بن حدير، وتولى هو وسعيد ابن المنذر إنزاله من مدينة ببشتر. ودخلها رجال أمير المؤمنين الناصر وحشمه، يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة من السنة. واستنزل حفص والة وجميع النصارى الذين كانوا معه، وقدم بهم أحمد بن محمد الوزير إلى قرطبة مع أهلهم وولدهم. ودخلها حفص في مستهل ذي الحجة؛ وأوسعه أمير المؤمنين صفحة وعفوه، وصار في جملة حشمه وجنده. وبقي الوزير سعيد بن المنذر بمدينة ببشتر ضابطا لها، وبانيا لما عهد إليه من بنيانه وإحكامه منها.
وفيها، مات أحمد ابن الأمير محمد - رحمه الله - بمدينة إستجة. وتوفي الوزير محمد بن عبد الله الزجالي في شعبان، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وتوفي العارض محمد بن أحمد بن حدير في آخر هذا العام؛ وكان حدثا، قد توجه ذكره، وتمكن محله؛ فعظم أسف الحاجب عمه والوزير أبيه عليه؛ وولي الناصر خطته أخاه موسى بن أحمد بن حدير، وهو صغير، لم يبلغ الحل، تعزية لأبيه وعمه عن المفقود وإحياء لذكره. وفيها، مات أبو سليمان داود بن هذيل ابن منان من أهل طليطلة بقرطبة؛ وكان راوية للنسائي وغيره، وحمل عنه الحديث جماعة من أهل قرطبة.
(2/195)

وفي سنة 316، كان غزاة أمير المؤمنين الناصر إلى مدينة ببشتر، بعد افتتاحها، لتدبير أمرها وإحكام ضبطها؛ ففصل من قرطبة دون بروز، يوم الثلاثاء للنصف من المحرم، وهو السابع من آذار؛ وأغرى مع نفسه وليَّ عهده الحكم المستنصر بالله؛ وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عيسى مخلفا لأبيه عيسى بن أحمد؛ وكان الحاجب موسى بن محمد عليلا، فلم يغز في هذا العام. وكانت الطريق على مدينة إسنجة، ثم إلى أشونة. واحتل بحصن ببشتر يوم الأحد لعشر بقين من المحرم؛ فدخل المدينة، وجال في أقطارها، وعاين من شرفها وحصانتها، وعلو مرتقاها، وانقطاع جبلها مع جميع جهاته، ما أيقن معه ألا نظير لها في الأرض حصانة ومنعة واتساع قراراة. فأكثر من حمد الله - عز وجل - على ما افتتح له منها، ويسر له فيها؛ والتزم الصوم أيام مقامه بها. ثم دبر بنيان قصبتها على أحسن ما دبره وأحكمه في غيرها؛ وفرق رجاله على هدم كل حصن كان حواليها وعلى الديارات الخارجة عنها. وأمر بنبش جيفتي عمر بن حفصون وابنه؛ فكشفت قبورهما؛ فألقيا مدفونين على ظهورهما، كما يتدافن النصارى؛ وشهد ذلك عامة الفقهاء الغازين مع الناصر - رحمه الله -، وأيقن جميع من شهد ذلك بهلاكهما على دين النصرانية؛ فأستخرجا من لحودهما، وأتى بأعطمهما الرجسة إلى باب السدة بقرطبة؛ فرفعت في جدوع عالية إلى جنب الملحد سليمان بن عمر، وصاروا عظة للناظرين، وقرت بهم عيون المسلمين.
وقلد الناصر أمر مدينة ببشتر والضبط لها وإكمال البنيان فيها سعيد بن المنذر. واستنزل أهل حصون شنت بيطر ويمارش وجطرون وغيرها من المعاقل، وهبطوا من أجبلهم، وتفرقوا في بسيطهم، واستقصيت الحصون خرابا ونسفا؛ ولم يبق للنصرانية بتلك الجهة حصن مذكور، ولا معقل معمور. وعادت
(2/196)

كورة رية، على كثرة ما كان فيها من الحصون المانعة والمعاقل القائمة، ليس فيها جبل مضبوط، ولا بها عدو محذور. واحتمل على مثل ذلك في حصون تاكرنا وحصون مغيلة، إلا ما وجب التمسك به منها. ونظر في إزعاج من وجب إزعاجه إلى قرطبة، ممن كانت نفسه تائقة إلى الفتنة، ليكون الناس أمة واحدة، ورعية ساكنة وادعة. وقدم عبد الحميد بن بسيل الوزير إلى كورة شذونة، لهدم حصونها، وتبسيط أهلها، وجمعهم إلى مدينة قلسانة، التي هي قاعدة الكورة. وأمر باستنزال بني داود عن الحصون التي كانوا فيها، وولاها من عماله وثقات رجاله من يحسن السيرة في رعية تلك الجهة. وكانت سفرته أيمن سفره، وأجمعها لكل خير وصلاح. والحمد لله! ثم قفل بوم الأحد لخمس خلون من صفر؛ فدخل منية الناعورة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وقد استتم في سفرته هذه ستة وعشرين يوما.
وفيها، افتتح أحمد بن إسحاق القائد القرشي مدينة لفنت من تدمير، ومدينة قليوشة؛ واستنزل عنها وعن القصاب التي كانت حواليها بني الشيخ، وقدم بهم إلى قرطبة، يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شعبان. واستنزل في هذا العام بنو أبي جوشن من معاقل بلنسية، وكانوا في نحو ستين رجلا، وقد أهملوا أنفسهم في الفتنة، وتعرضوا لما نزل بهم من النقمة؛ فأمر الناصر بتمييز أهل الجرائر منهم، والتشريد بهم؛ فقدم من استحق القتل منهم إلى المرج بين يدي قصر قرطبة، وضربت رقابهم فيه يوم دخولهم.
وفي هذه السنة؛ عزل فطيس بن أصبغ عن الوزارة، وولي أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف المدينة وعزل عنها عيسى بن أحمد بن أبي عبدة؛ وقيل ذلك ما كان عزل جميع خزان المال، وكانوا خمسة، وهم: سعيد بن سعيد بن حدير، وأحمد بن موسى بن حدير، وأحمد بن عبد الوهاب المنقول إلى المدينة، وخالد بن أمية بن شهيد، وعيسى بن فطيس؛ وولي الناصر مكانهم أربعة خزان، وهم: محمد بن جهور، وأحمد بن عيسى بن أبي عبدة، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، وأحمد بن محمد بن أبي قابوس.
(2/197)

وفيها، أمر الناصر بإقامة دار السكة داخل مدينة قرطبة، لضرب الدنانير والدراهم؛ وولي الخطة أحمد بن موسى بن حدير يوم الثلاثاء عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان؛ وأقام الضرب فيها من هذا التأريخ من خالص الذهب والفضة؛ وصحح في ذلك أحمد بن موسى وتحفظ. وكانت مثاقيله ودراهمه عيارا محضا.
وفيها، خرج أحمد بن إلياس القائد غازيا إلى كور الغرب؛ فافتتح مدينة ماردة، ومدينة شنترين بلا حرب، ونزلوا إليه بالأمان، ووفاهم غاية الإحسان.
وفي هذه السنة، رأى الناصر أن تكون الدعوة له في مخاطباته والمخاطبات له في جميع ما يجري ذكره فيه، بأمير المؤمنين، لما استحقه من هذا الاسم الذي هو له بالحقيقة، ولغيره بالانتحال والاستعارة؛ فهو أبر أمراء المؤمنين والهداة الفاضلين، والأبرار المنقين، من كل منتخب في المشرق والمغرب، وقائم بالحق، وسالك لسبيل الهدى والرشد؛ فعهد إلى أحمد بن بقيّ القاضي صاحب الصلاة بقرطبة بأن تكون الخطبة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بذلك. ونفذت الكتب إلى العمال فيه، بما اجتلبنا نسخته لما فيها من إيعاب القول، واستبقاء الحجة، وظهور الحقيقة. ونسخة الرسالة النافذة في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنا أحق من استوفي حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على أيدينا إدراكه، وسهل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا. والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه! وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه. وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه. فأمر الخطيب
(2/198)

بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله. والله المستعان! وكتب يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة 316.
وفيها، عزل أفلح ودرى موليا الناصر عن الخيل والشرطة. وولي الخيل عبيد الله الزجالي، والشرطة أحمد بن أبي قابوس. ثم أعيد أفلج إلى الخيل، ودريٌّ إلى الشرطة بعد شهر.
وفيها، تولي إبراهيم بن محمد بن اللبرقي خطة العقل.
وفيها، عزل غالب بن محمد بن عبد الرؤوف عن خطة الضياع، ووليها محمد بن عبيد الله بن مضر، في انسلاخ جمادى الآخرة. ثم عزل عنها ابن مضر، ووليها خلف بن أيوب بن فرج الكاتب؛ وكان يكتب للحاجب موسى بن محمد، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وفيها، توفي محمد ابن الإمام المنذر؛ وتوفي أحمد بن يحيى بن قاسم بن هلال الفقيه؛ وكان منقبضا، خيرا، صالحا، بصيرا بالوثائق وعللها؛ وتوفي سعيد ابن إبراهيم الفقيه، وكان يلبي الصلاة بكورة رية؛ وتوفي محمد بن هشام القرشي المعروف بابن الشبانسية بكورة شذونة، وهو وعاملها.
وفي سنة 317، كان ظهور المحل، واحتباس الغيث، وغلاء الأسعار؛ فعهد الناصر بالاستسقاء بجامع قرطبة يوم الجمعة لليلة بقيت من المحرم، وذلك في شهر آذار. واتصل الاستسقاء في الجامع ومصلى الربض ومصلى المصارة.
وفيها، كانت غزاة الناصر إلى مدينة بطليوس، لمحاربة أهلها وابن مروان المنتزي عليه فيها؛ فبرز - رحمة الله عليه - لغزاته هذه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول، وهو اليوم الثالث عشرين من نيسان؛ وفصل من قصر قرطبة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، وهو اليوم الرابع عشرين من أيار، وذلك بعد بروزه بأحد وثلاثين يوما. وأغزى معه ولي عهده الحكم المستنصر بالله، وابنه منذرا، وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى
(2/199)

المدينة أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف. وكان احتلاله بالجيوش على مدينة بطليوس يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر. وواضعهم الحشم القتال في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم، وتقحموا عليهم داخل أرباضهم، وقتلوا منهم في ثاني احتلالهم عليهم جملة بعثت رؤوسهم إلى قرطبة. وقطعت ثمارهم، وأحرق ما أخلوه من ديارهم خارج سورهم؛ وبقوا محصورين في المدينة. وأقام عليهم الناصر عشرين يوما؛ ثم أبقى عليهم أحمد بن إسحاق في قطيع من الجند، وانتقل إلى جهة ماردة؛ فأصلح الأحوال بها، وولاها محمد بن إسحاق، وندب معه عدة من الحشم) . ثم عاد - رحمه الله - إلى مدينة بطليوس؛ فاضطربت عساكره عليها من غير الجهة التي كانت اضطربت فيها أولا؛ وتولي من نكايتهم وأليم محاصرتهم، ما أذاقهم به وبال عصيانهم، وعاقبة غيهم، وضلالهم. ثم أرتب عليهم أحمد بن إسحاق قائدا في جيش كثيف، ورجال منتقين، وعدد كاملة، وأمره بالتشدد في حصرهم، والاستبلاغ في مضايقتهم. وانتقل ناهضا إلى مدينة باجة؛ فنزلها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، واضطربت عساكره عليها، وتقدَّم بالإعذار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن مالك الذي كان بها، ودعاه إلى الطاعة؛ فلاذ والتوى؛ فتصبت المجانيق عليه، وحورب أشد محاربة، وقتل من رجاله عدد كثير. وانحطت بعض أبراج المدينة بمن كان عليها؛ فضربت رقابهم بين يدي المظل؛ فاستأمن عبد الرحمن بن مالك، وأهله، وجميع أهل باجة أمير المؤمنين الناصر، وخضعوا لأمره، ونزلوا على حكمه؛ فأوسعهم أمانه، وأخرجوا عن المدينة، ونقلوا إلى قرطبة. ودخلها الناصر، وولاها عبد الله بن عمر بن مسلمة، وندب معه فيها قوة، وأكتف له الجمع والعدة، وأمره بابتناء قصبة فيها، ينفرد بها العامل ويسكنها.
وكان مقام الناصر على باجة خمسة عشر يوما. ثم انتقل منها قاصدا إلى مدينة أكشونبة بقرب الساحل الغربي من البحر المحيط؛ فاحتل بها يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة؛ وكان قد افتتح في طريقه حصن الوقاع، وأصاب فيه
(2/200)

لخلف بن بكر صاحب أكشونية أموالا وعدة وسلاحا؛ فغنم ذلك الحشم وأهل العسكر، وصار لهم نقلا. ثم تلقى رسل خلف بن بكر أمير المؤمنين، مظهرا للإنابة، وملتزما للطاعة، ومتوسلا ببعد الدار والقاصية، وأخرج إلى الناصر النزائل، وأقام له الوظائف، والتزم إدرار الجباية الكاملة؛ وأظهر أهل ذلك الجانب فيه رغبة شديدة، ووصفوه بسيرة حميدة، فأقره الناصر عليهم، وفرض عليه من الجباية ما التزم إيراده له في كل عام، وعهد إليه بحسن السيرة، والرفق بالرعية، وألا يقبل نازعا، ولا يكتنف هاربا؛ فالتزم جميع ما أمر به، ووقف عندما حد له.
وقفل الناصر عن مدينة أكشونبة يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، ودخل القصر بقرطبة يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وقد استتم في غزاته ثلاثة وتسعين يوما.

مطالعة أمير المؤمنين الناصر لببشتر في الشتاء
وفي هذه السنة، كانت للناصر خرجة من قصر الناعورة، طالعا لببشتر ومعاينا لما قام من البنيان بها، وما تم من ترتيبه فيها. وكان خروجه من منية الناعورة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، ونزوله بجبل ببشتر يوم الخميس لعشر بقين منه. فدخل المدينة، وجال فيها، وأحكم ما له قصد من أمرها؛ ثم صدر عنها في اليوم الثاني، ودخل القصر بالناعورة يوم الثلاثاء لأربع بقين من شوال؛ وكانت مدَّة توجهه وانصرافه ثلاثة عشر يوما.
وترددت الفتوحات في هذا العام بوقائع كانت على أهل بطليوس؛ وبعث أحمد بن إسحاق من أهلها بسبعين أسيرا، وقتلوا صبرا بين يدي قصر قرطبة.
وافتتحت فيه مدينة شاطبة من بلنسية، واستنزل عنها عامر بن أبي جوشن على يدي دريّ بن عبد الرحمن صاحب الشرطة؛ واشترط عامر بسكنى شنت برية، حتى يأخذ في انتقال ثقله وعياله إلى قرطبة.
وفي هذه السنة، ولي الناصر عبد الملك بن عمر بن شهيد، وعيسى بن أحمد
(2/201)

ابن أبي عبدة الوزارة، وسعيد بن سعيد بن حدير الشرطة الوسطى؛ ولم تكن قبل هذه الخطة؛ وفيها، ولي خالد بن أمية بن شهيد الخزانة ولاية ثانية، وولي عبد الرؤوف بن أحمد بن عبد الوهاب خطة العرض.
وفي سنة 318، كان افتتاح مدينة بطليوس وذلك أن أهلها وابن مروان صاحبها، لما أخذهم الحصار، وطاولتهم الحرب، وفنى رجالهم، واستبيحت نعمهم، وقطعت ثمراتهم، ورأوا عزما لا فترة فيه، وجدا لا بقاء لهم عليه، استأمنوا الناصر، وعاذوا بصفحه؛ فأوسعهم ما أوسع أمثالهم قبلهم. واستنزل ابن مروان الجليقي وأهله، وذوى الشوكة من صحبه، وأسكنهم قرطبة، وألحقهم في الملاحق السنية؛ وملك المدينة وولاها عماله، وصارت بسيل كوره.
وفيها، أخرج الناصر لدين الله أهل الثقة من خدمته، والأمانة والتصحيح من فقهاء مصره إلى أهل طليطلة، معذرا إليهم، داعيا لهم إلى الطاعة والدخول فيما صارت إليه الجماعة، إذ كانوا لا يؤدون جباية، ولا يلتزمون طاعة، ولا يتناهون عن منكر ولا معصية؛ فازوا بمعاذير المخادعة، وجاوبوا الناصر بما لم يضغ إليه من غشهم وتمريضهم؛ فاستعزم على غزوهم، وشمر لمناهضتهم وإنزال بأسه بهم. وبرز للغزو في الصائفة إليهم في صدر ربيع الآخر سنة 318، وفي شهر نيسان من العام المؤرخ. وقدم الوزير سعيد بن المنذر إلى مدينة طليطلة في جيش كثير وعدد جم، وأمره بالاحتلال عليها والمحاصرة لها، حتى يلحق الناصر بجيوشه وصنوف حشمه بها. فخرج إليها الوزير يوم السبت لثمان بقين من ربيع الآخر، وأغذ السير نحوها، حتى نزل بساحتها. وأخذ في ما حد له من محاصرتها بأبلغ عزم وأتم حزم؛ ثم فصل أمير المؤمنين إلى مدينة طليطلة يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى، وهو التاسع عشرين من أيار؛ وأغزى مع نفسه ولي عهده الحكم المستنصر بالله ومنذرا ابنه؛
(2/202)

وتخلف في القصر أبنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه، ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعلى المدينة أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف.
فلما احتل - رحمه الله - في طريقه بمحلة الغدر، وقرب من حصن مورة الذي كان اتخذه أهل طليطلة شجا على المسلمين ومسترحا للمفسدين، وقدموا عليه منهم مطرف بن عبد الرحمن بن حبيب، قدم إليه من أنذره وخوفه، وأمره بالخروج عن الحصن وإسلامه. فبدر إلى ذلك بدرا لم يجد منه بدا، ولا في الامتناع طمعا؛ ونزل عن الحصن. وأمر الناصر بضبطه؛ ثم نهض بجيوشه المؤيدة، وعزيمته الماضية، حتى احتل محلة جرنكش بقرب طليطلة، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولي. فأشرف من محلته هذه على سهلة طليطلة ونهرها، وأجنتها وكرومها؛ ودبر رأيه في أمكن المواضع من محاصرتها، وأقرب الجهات الآخذة بمخنق أهلها؛ فرأى النزول بمحلة المقبرة على باب المدينة أبلغ في النكاية، وأشد في المضايقة؛ فارتحل إليها في اليوم الثاني، وأخذ في نكاية العصاة، بما لم يجر لهم على ظن) . وأقام بهذه المحلة سبعة وثلاثين يوما، يوالي فيها بنكايتهم، وقطع ثمراتهم، وتخريب قراهم، وانتساف نعمهم، وتحطيم زروعهم. ثم أمر بالبنيان في جبل جرنكش لمدينة سماها بالفتح، وأرتب لبنيانها سعيد بن المنذر الوزير، وأمر بنقل الأسواق إليها، والتمدين لها، لتكثر مرافق أهل العسكر بها؛ وأرتب محمد بن سعيد بن المنذر على باب القنطرة في جمل من الحشم، وعهد إليهما بالاستبلاغ في محاربة القوم. وقدم على الناصر بمحلته على طليطلة صاحب حصن قنيلش وصاحب حصن الفهمين، معتصمين بطاعته؛ فأمر بنقلهما إلى قرطبة، والتوسع عليهما، ومكافأة نزوعهما وقصدهما. ثم قفل الناصر عن مدينة طليطلة يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة، ودخل القصر بقرطبة يوم الأثنين لأربع خلون من رجب، وقد استتم في غزاته أحدا وستين يوما.
وفي هذه السنة، ولي المواريث طرفة بن عبد الرحمن صاحب المطبخ؛ وولي خزانة السلاح أحمد بن أبان بن هاشم، وحفص بن سعيد بن جابر.
(2/203)

وفيها، مات الناصر ابن يسمى بمحمد. وفيها، مات أمية بن محمد بن أمية ابن عيسى بن شهيد. وفيها، توفي هاشم بن محمد النجيبي. وفيها، توفي محمد بن إبراهيم بن الجباب الفقيه، صاحب الوثائق، يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر رمضان؛ وتوفي صهيب بن منيع قاضي إشبيلية؛ وتوفي أبو غالب مروان بن عبيد الله بن بسيل.
وفي سنة 319، أبرز السرادق والأبنية إلى المضطرب المعروةف بفحص السرادق بجوني النهر الأعظم؛ ثم برز الناصر إلى هذه المحلة لغزاة نواها إلى مدينة طليطلة؛ ولم يتم عزمه عليها إذ استغنى بالقواد المرتبين على المدينة، المحاصرين لأهلها؛ وأكتف للقواد بها الخيل والعدة، وأمدهم بالسلاح، وأكد بصائرهم في الجد والعزم والاستبلاغ في نكاية المفسدين المغترين من أهلها.
وفي سنة 319، كاتب موسى بن أبي العافية، صاحب الغرب، أمير المؤمنين الناصر، ورغب في موالاته، والدخول في طاعته، وأن يستميل له أهواء أهل الغرب المجاورين له؛ فتقبله أحسن قبول، وأمده بالخلع والأموال، وقوى أيده على ما كان يحاوله من حرب ابن أبي العيش وغيره. فظهر أمر موسى من ذلك الوقت في الغرب، وتجمع له كثير من قبائل البربر، وتغلب على مدينة جراوة، وأخرج عنها الحسن بن أبي العيش بن إدريس العلوي؛ وجرت بينهما حروب عظيمة.
وفيها، افتتح الناصر مدينة سبتة؛ فشكها بالرجال، وأتقنها بالبنيان. وبنى سورها بالكذان، وألزم فيها من رضيه من قواده وأجناده؛ وصارت مفتاحا للغرب والعدوة من الأندلس، وباب إليها كما هي الجزيرة وطريف مفتاح الأندلس من العدوة. وقامت الخطبة فيها باسم أمير المؤمنين الناصر، لثلاث خلون لربيع الأول من العام المؤرخ.
وفيها، اتصل بالقواد المحاصرين لطليطلة أنَّ العدو بذلك الجانب عملوا على الخروج لافتراض غرَّة في بعض ثغور المسلمين؛ فنفر إليهم الوزير أحمد بن
(2/204)

محمد بن حدير من قرطبة في جملة من الحشم ومن خف من المسلمين؛ فلما بلغ أعداء الله خروجه، توقفوا عن حركتهم، وقرُّوا في بلادهم؛ وكفى الله المؤمنين معرتهم. فبلغ القائد أحمد بن محمد بن حدير طليطلة، ونازلها مع القواد المرتبين فيها.
وفيها، خرج بالأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، ويونس بن سعيد قائدين في البحر، يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولي، في عدة، ومراكب جملة، ورجال كثير، وصنوف من البحريين والمقاتلين؛ فجازا مرسى الجزيرة، واحتلا العدوة، وحاصروا ابن أبي العيش، إذ كان على مخالفة لمن دخل في طاعة أمير المؤمنين من أهلها، ومحاربة لموسى بن أبي العافية وليه ومقيم دعوته والداخل في طاعته؛ ثم حال الشتاء بينهما وبين التمادي على الحصار والمطاولة؛ فقفلا بالأسطول ومن فيه.
وفيها، عزل أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف عن المدينة، وقدم إلى الوزارة؛ وولي المدينة يحيى بن يونس القبرسي وذلك في غرة جمادى الأولي. ثم عزل يحيى بن يونس عنها، وكانت فيه حدة ومحارجة لأهل الجرم، ووليها عبد الحميد بن بسيل الوزير في شوال.
وفيها، ولي خطة العرض عبد الوهاب بن محمد بن عبد الرؤوف، وولي الضياع محمد بن عبد الله بن مضر، وعبد الله بن معاوية بن بزيل مشتركين.
وفيها، ولي الناصر، من تحت يدي ولي العهد المستنصر بالله، أحمد بن هاشم بن أحمد بن هاشم مولاه عمالة عبلة وفنيانة من إلبيرة.
وفيها، مات أبو الجعد أسلم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد بن عبد الله بن خالد بن عبد الله بن حسين بن جعد بن أسلم بن أبان بن عمرو مولي عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ وكان قاضي الجماعة بقرطبة، وله رحلة وسماع؛ وكانت فيه صلابة وإنفاذ للحق على وجوهه؛ وعزل عن القضاء قبل وفاته إذ أخذه
(2/205)

الكبر، وضعف عن القعود للأحكام؛ وكانت وفاته يوم الأربعاء لست خلون من شعبان، وهو ابن سبع وثمانين سنة.
ومات في هذا العام فضل بن سلمة الفقيه البجاني، وكان له سماع وتأليف حسن؛ وتوفي محمد بن فطيس الفقيه المحدث بإلبيرة؛ وتوفي أحمد بن حامد الزجالي في جمادى الأولى.
وفيها، ماتت السيدة ابنة الإمام عبد الله لثمان بقين من ذي الحجة؛ وكانت قد نافرت أمير المؤمنين الناصر أيام حداثته وقبل إفضاء الخلافة إليه، وهو حينئذ ولد في القصر بين يدي الإمام عبد الله جده؛ وطالبته وآذنه عند أبيها عبد الله الإمام؛ فلما ولي الناصر، لم تشك في معاقبته لها، ومجازاته لسوء معاملتها؛ فكان الأمر على خلاف ظنها؛ وقرب الناصر مكانها، ورفع منزلتها، واختصها في جملة من اختص من أهله وبنات أعمامه، حتى صارت أقربهن محلا منه.
وفيها، توفي عبيد الله بن فهر، وكان متصرفا في العمالات والقيادة، وذلك يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
وفي سنة 320، كان غزو الناصر إلى مدينة طليطلة، غزاته الثانية التي فتحت فيها عليه، فبرز لهذه الغزاة في صدر جمادى الآخرة سنة 320، في شهر حزيران من العام المؤرخ، وفصل يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وهو اليوم الحادي عشر من تموز، مع وليّ عهده الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين. وتخلف في القصر ابنه عبد العزيز لتنفذ الكتب إليه؛ ومن الوزراء أحمد بن محمد بن حدير، وعبد الحميد بن بسيل، وكان صاحب المدينة.
وكان أهل طليطلة، لما أخذهم الحصار، واشتد عليهم التضييق، ولازمهم القواد، قد استجاشوا بالمشركين، واستنجدوهم، ورجوا نصرهم لهم؛ فلم يغنوا عنهم فتيلا، ولا كشفوا عنهم عذابا، ولا جلبوا إليهم إلا خزيا وهوانا. وخرج الفؤاد المحاصرون لهم إلى الكفرة؛ فهزموهم، وفرقوا جموعهم، وانصرفوا مولين
(2/206)

على أعقابهم، خاذلين لمن انتصر بهم، ورجا الغياث من قبلهم. فلما يئس أهل طليطلة أن ينصرهم أحد من بأس الله الذي عاجلهم، وانتقامه الذي طاولهم، عاذوا بصفح أمير المؤمنين، وسألوه تأمينهم، وضرعوا إليه في اغتفار ذنوبهم؛ فخرج لاستنزال أهل طليطلة، وتوطيد طاعته فيها، وإحكام نظره بها، في التاريخ الذي قدمنا ذكره؛ فنزل عليها بمحلة جرنكش، يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب؛ وقد كان بدر إليه ثعلبة بن محمد بن عبد الوارث مقدمها، وتلقاه قبل نزوله بها، معترفا بجهله، ومستقبلا من زلته؛ فعفا عنه الناصر، وعاد عليه بفضله. ثم أمن أهل طليطلة، وخرجوا إلى العسكر، ونالوا المرافق فيه، وابتاعوا المعايش التي طال ما أجهدهم عدمها، ومنعهم الحصار منها؛ فعرفوا غبطة ما صاروا إليه من الأمن بعد الخوف، والسعة إثر الضيق، والانبساط بعد طول الانقباض. ثم ركب الناصر إلى مدينة طليطلة في اليوم الثاني من نزوله بمحلته عليها، ودخلها، وجال في أقطارها؛ فرأى من حصانتها، وشرف قاعدتها، وانتظام الأجبل داخل مدينتها، وامتناعها من كل الجهات بواديها ووعرها، وطيب هوائها وجوهرها، وكثرة البشر بها، ما أكثر له من شكر الله عز وجل على ما منحه فيها، وسهل له منها؛ وعلم أنه، لولا ما أخذ به من الجد والعزم في أمرها، لما ملكت مع حصانتها ومنعتها مع اتساعها وانفساح أقطارها، ولما اعتاده أهلها من مداخلة المشركين وموالاتهم، والاستمادا على الخلفاء بهم؛ فكم أعيت الملوك، وامتنعت من العساكر، وانصرفت عنها الصوائف بغير نجح؛ ولكن فضل الله عز وجل الذي أعطاه أمير المؤمنين، وصنعه له، وتأييده إياه أجرى افتتاحها على يديه. ثم دب فيها بناء محكما متقنا، ليكون مستقرا للقواد الملازمين فيها، وزماما على ساكنيها؛ وأرتب على البنيان بها دريّ بن عبد الرحمن قائده، وملأها رجالا وعدة وسلاحا. وركب إليها الناصر، وأمر بهدم ما وجب هدمه في المدينة، وتردد عليها ثمانية أيام حتى أكمل فيها ما دبره، وهذب ما أراده. وفتحت أسوس البنيان الذي أمر به؛
(2/207)

واطمأنت بأهل المدينة الدار، وفتحوا الحوانيت، وانتشروا في الأسواق؛ وانبسطوا في أفنيتهم وأبواب مساجدهم، آمنين، والحمد لله. ثم قفل الناصر عن محلته بطليطلة، يوم السبت لست خلون من شعبان، ودخل القصر بقرطبة يوم السبت لعشر بقين منه، وقد استتم في غزاته ستة وثلاثين يوما.
وفيها، صنع الناصر لضروب رجاله ومواليه وصنوف أجناده وحشمه ممن شاهد فتح طليطلة معه، ووافق ذلك تطهيره لبعض بنيه الأصاغر.
وفيها، عزل عن خزانة المال محمد بن عبد الله بن حدير، وعبد الرحمن ابن عبد الله الزجالي، ونقل أحمد بن عيسى بن أبي عبدة عن الخزانة إلى قيادة بجانة. وأقر من الخزان خالد بن أمية بن شهيد، ومحمد بن جهور بن عبد الملك؛ وولي مكان المعزولين عنها سكن بن إبراهيم، وأحمد بن محمد ابن مستنبر.
وفيها، ولي الخال سعيد بن القاسم خطة العرض.
وفيها، ولي المدينة فطيس بن أصبغ لإحدى عشرة ليلة هلت من شوال.
وفيها، ولي العرض محمد بن قاسم نبن طملس. وفيها، ولي السكة يحيى بن القرسي، وذلك يوم السبت لأربع خلون من شوال؛ وعزل هذا النهار عنها أحمد بن محمد بن موسى بن حدير.
وفيها، توفي أحمد بن أبي نوفل القرشي، وهو أحمد بن محارب بن قطن ابن عبد الواحد بن قطن بن عصمة بن أنيس بن عبد الله بن جحوان بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وكان منقبضا متزهدا، وبلغ من السن خمسا وسبعين سنة.
وفيها، مات الحاجب موسى بن محمد بن حدير، للنصف من شهر صفر ليلة الأحد، بعد صلاة المغرب، وبلغ من السن خمسا وستين سنة. وفيها، توفي عبيد الله بن عبد الله الزجالي، وكان على المواريث والبنيان، في رمضان،
(2/208)

وهو ابن إحدى وأربعين سنة. وفيها، مات أحمد بن محمد الزجالي، وكان قد تصرف في الخدمة، وله أدوات وحركة؛ وتوفي فيها عمران بن أبي عمر المتطيب، وكان قد كف بصره، وهو من المتظرفين المتطيبين، وصحب الملوك، وخف على أمير المؤمنين الناصر؛ وكان يوصله ويحضره مجالس راحته، وهو أعمى) .
وفي سنة 321، وصل الخبر إلى قرطبة بولاية أبي المنصور بن المعتز مدينة سجلماسة، وهو غلام ابن ثلاث عشرة سنة؛ فمكث في ولايته شهرين، وقام عليه ابن عمه محمد بن الفتح، وأخرجه منها، وتملكها، وتسمى بأمير المؤمنين، وتلقب بالشاكر لله، وذلك بعد مدَّة نحو من عشرين سنة، وضرب الدنانير الشاكرية.
وفي سنة 322، وصل الخبر إلى قرطبة بوفاة أمير إفريقية عبيد الله الشيعي الملقب بالمهدي، وتقدم ولده أبي القاسم المتلقب القائم بأمر الله.
وفي سنة 323، وصل إلى مدسنة فاس ميسور الصقلي قائد أبي القاسم الشيعي أمير إفريقية؛ فحاربه أهل فاس سبعة أشهر، ولم يقدر عليهم؛ ثم حاصر ابن أبي العافية، واستعان عليه ببني إدريس؛ فانجلى ابن أبي العافية إلى الصحراء، وصار جميع ما كان لابن أبي العافية لبني إدريس؛ وقد تقدم خب بني إدريس.
وفي سنة 324، ظهر أبو يزيد مخلد بن كيداد بإفريقية على أبي القاسم الشيعي، وذلك في جبل أوراس، وفيه قلاع كثيرة يسكنها هوارة وغيرهم، وهم على رأي الخوارج.
وفي سنة 325، أمر الناصر ببناء مدينة الزهراء؛ وكان يصرف فيها من الصخر المنجور ستة آلاف صخرة في اليوم، سوى التبليط في الأساس، على ما أذكره بعد.
(2/209)

وفي سنة 327، قام بالغرب الأقصى أبو الأنصار بن أبي عقير البرغواطي بعد موت أبيه؛ وكان يفي بالعهد والوعد، وهو الذي بعثه عقير البرغواطي رسولا إلى الحكم المستنصر بالله، ابن أمير المؤمنين الناصر.
وفي سنة 329، استتم القائد أحمد بن محمد بن إلياس مدينة سكتان، وشحنها بالرجال، وأتخذ فيها الأطعمة والأسلحة؛ فأخرج الناصر إليها أحمد بن بعلي قائدا في ضروب من الحشم، ضمهم إليه؛ فنفذ إليها في صفر من هذه السنة؛ فلما كان في غرة جمادى الأولي منها، وافى فتح من قبل أحمد بن بعلي القائد بسكتان الحديثة؛ بدخول كان له منها إلى جهة من عمل الطاغية ردمير؛ فقتل وسبى وأسر، وأرسل مع كتابه إلى قرطبة مائتي علج أسراء؛ وكان هذا أول فتح لابن بعلي أذل به الطاغية ردمير.
وفي سنة 330، في المحرم من هذه السنة، طلع كوكب الزباني في الأفق الغربي بقرطبة إزاء العقرب، منحرفا عنها، يكاد يتصل بالفلكة العليا في رأي العين؛ وكان أول ليلة لاح فيها للأنصار ليلة السبت لثلاث بقين من المحرم منها، وهي ليلة ست عشرة خلت من أكتوبر؛ وتمادى طلوعه مستعليا مكبرا في السماء حتى توارى.
وفي سنة 331، في يوم الخميس لخمس خلون من صفر منها، دخل الوزير القائد أحمد بن إلياس إلى قرطبة قافلا عن غزاته إلى الثغر التي خرج إليها في عقب شوال من سنة 330 قبلها، إلى ثلاثة أشهر ويومين من خروجه عنها؛ ودخل في سفرته هذه كورة تدمير؛ فأزال الالتباث الواقع من أهلها إزالة، وقدم برهائن بعضهم؛ وكان أثره جميلا.
وفيها، كان المدُّ العظيم بنهر قرطبة، الثالم لقنطرتها.
(2/210)

وفي سنة 332، أغزى الناصر لدين الله القائد أحمد بن محمد بن إلياس إلى جليقية؛ فدخل دار الحرب؛ فغنم، وأحرق جملة من حصونهم هنالك، وقفل راجعا.
وفيها، كانت زلزلة عظيمة بقرطبة، ليلة الأثنين لتسع خلون من ذي القعدة؛ قلم ير قط مثلها ولا سمع من قوتها؛ ووقعت بعد العشاء الآخرة؛ فدامت ساعة؛ ففزع أهل قرطبة لها فزعا شديدا، ولجئوا إلى المساجد فيها، وضجوا بالدعاء إلى الله تعالى في كشفها، حتى أغاثهم وصرفها عنهم. وفي صبح ليلة الزلزلة، هبت ريح عاصف ردفتها أخرى؛ فاقتلعا كثيرا من شجر الزيتون والتين وغيرهما من الأشجار والنخيل، وأطارا كثيرا من قرمد السقف. ونزل إثر ذلك مطر وابل طبق الأرض، وبرد غليظ؛ فقتل كثيرا من الوحش والطير والمواشي، وأتلف ما أصاب من الزرع، وأساء التأثير.
وفي سنة 333، في المحرم، هبت بقرطبة ريح عاصف من ناحية القبلة ونزل برد غليظ.
وفيها، ظهر بأشبونة رجل يزعم أنه من ولد عبد المطلب وأن أمه مريم ابنة فاطمة؛ وادعى مع النسب أنه نبي وأن جبريل ينزل عليه، وسن لاتباعه سننا، وشرع لهم شرائع، منها حلق الرأس وغير ذلك مما لا يعقل؛ ثم وقع عليه البحث، فخفي أثره.
وفيها، أخرج الناصر قاسم بن محمد قائدا إلى عدوة الغرب بحرب بني محمد الأدارسة الحسنيين للذي بدا من خلافهم عليه في هذه السنة، ونقضهم الطاعة، بعد ما قدم الكتب إلى محمد بن الخير عظيم زناته وغيره من ولاته بالغرب، يأمرهم بالاستعداد لذلك والمعونة عليه. وأجاز قاسم البحر إلى سبتة في النصف من ربيع الأول؛ فلما تبين ذلك لكبير بني محمد، وهو أبو العبش بن
(2/211)

عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أسرع إلى تحقيق الطاعة للناصر؛ فعقد له الأمان على نفسه، وانفذ إليه أبنه محمد بن أبي العبش إلى قرطبة، مؤكدا لطاعته؛ فاحتفل السلطان لدخوله احتفالا عظيما، وركب الوافد محمد مع مستقبله من قبل الناصر القائد أحمد بن يعلى في أهبة راقت العيون وملأت الصدور. ووصل إلى قصر الزهراء، وقعد له الناصر أفخم قعود؛ فأوصله إلى نفسه، وأبلغ في تكريمه؛ ثم خرج عنه في مثل الهيئة التي دخل عليها. ودخلت بدخول محمد بن أبي العبش في هذا النهار على الناصر رسل لبني عمه الأدارسة أمراء الغرب. وانعقد في هذا النهار كتاب أمان محمد بن إدريس. ودعا الناصر أيضا محمد بن أبي العبش؛ فبالغ في تكريمه، وأقام بقرطبة بقية هذه السنة في تكرمة. وانصرف الوفد المذكور بعد التزامهم للطاعة للناصر، وذلك فيخبر طويل.
وفي عقب شوال، قدم رسول الخير بن محمد بن خزر الزناني أمير الغرب ومعه رسول حميد بن يصل الزناني، يعرفان الناصر بما كان من دخولهما مدينة تاهرت، وأنهما أقاما فيها الدعوة له.
وفي منسلخ شوال، قدم على الناصر رسولان من أبي يزيد مخلد بن كيداد المعروف بصاحب الحمار، القائم بإفريقية على أبي القاسم الشيعي، برسالة منه يخبر بتغلبه على القيروان ورقادة وعملهما، وإيقاعه بأصحاب الشيعي فيها، وما يعتقده من ولاية الناصر، وياوي إليه من اعتقاد إمامته. واتصلت كتب أبي يزيد ورسله على قرطبة من ذلك الوقت إلى حين وفاته.
وفي سنة 334، جلس الناصر لدين الله لوداع رسل أهل القيروان الواردين عليه من قبلهم وقبل أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الناجم بأرض إفريقية في ذلك الوقت، محتسبا في جهاد ملوك الشيعة المنتزين على إفريقية من آل
(2/212)

عبيد الله الداعي، وكان له في القيام عليهم وقائع شنيعة؛ فوصلوا إلى الناصر في هذا اليوم، وهم ثلاثة نفر، أوجههم تميم بن أبي العرب التميمي؛ فكلمهم بما تقتضيه رسالتهم، ودفع إليهم أجوبة من أرسلهم، وأذن لهم في الانصراف إلى بلدهم، ووصلهم وكساهم؛ فانطلقوا لسبيلهم.
وفيها، وصل إلى قرطبة رسل ملك الروم الأكبر قسطنطين بن ليون صاحب القسطنطينة العظمى، يكتب من ملكهم إلى الناصر؛ فقعد الناصر على سرير الملك بقصر قرطبة لدخولهم عليه، ولمن تكامل بالباب من وفود البلاد، بعد أن أمر باستقبالهم بالعدد والأجناد. واستوى الناصر على سريره؛ وقعد على يمينه ابنه الحكم؛ وقعد سائر أولاده عن يمينه ويساره؛ وقعد الوزراء والحجاب على منازلهم صفوفا. فدخل الرسل، وقد قدموا الهدايا بين أيديهم، وقد دهشوا لهول ما عاينوه من جلالة الملك ووفور الجمع؛ فصقعوا بين يدي الخليفة؛ فأشار إليهم أن لاَّ؛ فدفعوا إليه كتاب مرسلهم قسطنطين. وكان الكتاب مصبوغا بلون سماءي، مكتوبا بالذهب.
وفيها، كان السيل العظيم بقرطبة؛ وبلغ الماء في البرج المعروف ببرج الأسد؛ فهدم من آخر القنطرة، وثلم الرضيف وغيره.
وفيها، قدم على الناصر محمد بن محمد بن كليب من القيروان؛ فحكى أن أبا القاسم بن عبيد الله الشيعي هلك بالمهدية، وهو محصور من أبي زيد؛ وأن شيعته قدمت ولده إسماعيل مكانه، وأنه فارس شجاع، أبي النفس؛ أقدم على أبي يزيد وجموعه، ولاقاه بمدينة سوسة؛ فانهزم أبو يزيد أمامه إلى القيروان.
وفي عقب صفر منها، ولي خزانة السلاح عبد الأعلى بن هاشم المتوفي في المحرم منها.
وفي سنة 335، كان ابتداء بناء مدينة سالم بالثغر الأوسط. وفي كتاب
(2/213)

ابن مسعود: في سنة 335، ابتنى الناصر مدينة سالم القديمة التعطيل بالثغر الأوسط الشرقي، المواجهة لبلد قشتيلة - دمرها الله تعالى -، وهي يومئذ خالية مقفرة. وأرسل لذلك غالبا مولاه في جيش جرده معه من الحضرة، وأنفذ العهد إلى قواد الثغر بالاجتماع إليه لبنيانها؛ فسارعوا إلى أمره، وبنيت أحسن بناء؛ ونقل إليها البناؤون من بلاد الثغر للاختطاط لديارها والرباط بها؛ فتم ذلك في صفر من هذه السنة. واطمأنت الدار بمن نزلها من المسلمين؛ واكتمل بناؤها وعمرانها على مرور الأيام؛ فنفع الله المسلمين بها، وصيرها شجا في حلوق الكافرين. قال: ووافى في إثر كتاب القائد ابن حدير وابن هاشم كتاب من قبل عامر بن مطرف بن ذي النون إلى الناصر بما فتح الله له في المشركين، وقتله العدد الكثير منهم، وبعثه برؤوسهم؛ فتمت الفتوح، وعمت الفروح، وعز الإسلام، واستبشر الأنام، وطابت الأيام، بحمد وليّ الإنعام، الذي منه يرجى التمام، عز وجهه! وفيها، كان القحط الكائن بقرطبة.
وفيها، وصل إلى قرطبة أيوب بن أبي مخلد بن كيداد اليفرني الأباضيُّ رسولا من والده أبي يزيد؛ فقعد له الناصر قعودا؛ فأوصله إلى نفسه، وكرم لقاءه، وأمر بإنزاله في قصر الرصافة؛ وقد أعد له فيه من الفرش والوطاء والغطاء والآنية والآلة ما يعد لأمثاله؛ فأقام هنالك تحت نزل واسع وكرامة موصولة.
وفي سنة 336، في يوم الجمعة التاسع من المحرم منها، ورد كتاب قند مولى الناصر، القائد يومئذ بطليطلة، بفتح فتحه الله على يده في أعداء الله أهل جليقية؛ فقرئ في المسجد الجامع بقرطبة والزهراء؛ وبعث من ذلك برؤوس وخيل أصيبت لأعداء الله.
(2/214)

وفيها، عزل الناصر عبد الله بن محمد عن السكة، وسخط عليه لتقصير ما كان فيه وأمر بسجنه. وقدم عبد الرحمن بن يحيى بن إدريس الأصم، ونقل السكة من مدينة قرطبة إلى الزهراء.
وفيها، خرج الكاتب جعفر بن عثمان المصحفي إلى ميورقة وذواتها لإصلاح ما فسد من حالها.
وفيها، وصل حميد بن يصل المكناسي إلى قرطبة قاصدا إلى الناصر من بلده من الغرب؛ فاستقبل بالجيش والزينة؛ وكرم الناصر مورده، وأجمل موعده.
وفي سنة 337، في النصف من المحرم، قعد الناصر بقصر الزهراء قعودا بهبا؛ فدخل إليه حميد بن يصل؛ ثم وصل بعده منصور وأبو العبش، ابنا ابن أبي العافية، ودخل معهما حمزة بن إبراهيم، صاحب جزائر بني مزغنا؛ فوصلهم وكساهم، وأذن لهم في الانصراف إلى بلادهم.
وفيها، صلب بقرطبة عليُّ بن عشرة، من أهل أشبونة، بعد أن قطعت يداه ورجلاه؛ وكان من المفسدين في الأرض بقطع السبل.
وفيها، كانت وقيعة أرتقيرة على العدو - دمره الله -.
وفي سنة 338، كان قدوم رسل ملك الروم الأكبر صاحب القسطنطينة على الناصر، راغبا منه إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة؛ فتأهب الناصر لورودهم عليه، وأمر بتلقيهم في الجيش والعدة؛ وجلس لهم الناصر الجلوس المشهور الذي ما تهيأ مثله لملك قبله في جلالة الشأن، وعزة السلطان؛ ووصف ذلك يطول. ودفعوا كتاب ملكهم في رق مصبوغ سماءي مكتوب الذهب؛ وكان على الكتاب طابع ذهب، وزنه أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح - عليه السلام -، وعلى الآخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده.
وفيها، أمر الناصر أحمد بن يعلى وحميد بن يصل المكناسي بالخروج إلى بني محمد الأدارسة الحسنيين أمراء الغرب، ففصلا بمن ضم إليهما من الجيش
(2/215)

إلى الخضراء؛ وكان خروجهما من قرطبة للنصف من رجب. وفي عقبه، قدم على الناصر رسول من بعض الحسنيين، يذكر طاعتهم إليه، وانقيادهم لأمره في هدم مدينة تطلون التي أنكر عليهم بناءها؛ فعقد لهم في أول شعبان، وأمر بمحاربتهم؛ ثم وصل محمد بن أبي العبش الحسني إلى الناصر من أبيه أبي العبش؛ فأقبل عليه الناصر، وابلغ في تكرمته؛ ثم ورد الخبر بوفاة أبي العبش، فأوصل الناصر أبنه محمدا إلى نفسه، وعزاه عن والده، وعقد له على عمله، ووصله، وخلع عليه وعلى الوافدين معه، وصرفهم. فخرج محمد مبادرا إلى عمله بالغرب. وكان، عند وفاة أبيه أبي العبش، قصد ابن عمه قنون إلى بلده؛ فاحتوى على ماله وأهله. ولما بلغ البربر إقبال محمد بن أبي العبش إلى بلده من قبل الناصر، رجعوا إلى عيسى بن قنون، وقد خرج عن تبكيساس؛ فقطعوا به، وكسروه، وسلبوه ما كان أخذه لابن عمه، وقتلوا أكثر أصحابه؛ فلم يخلص إلا في سبعة فوارس.
وفيها، وصل إلى قرطبة أحمد بن الاطرابلسي رسول البوري بن موسى بن أبي العافية بكتاب يذكر أنه صح عنده أن الخبر بن محمد بن خزر الزناتي وصل إلى تاهرت، فحاربها؛ فاستنصر أهلها بميسور قائد الشيعي؛ فالتقوا؛ فدارت الدائرة على ابن خزر أول نهارهم، ثم كانت الكرة لوناتة؛ ودخل الخير أميرهم مدينة تاهرت وملكها في غرة ذي القعدة، وأخذ قائد الشيعى أسيرا في عدة من أصحابه؛ ووقع في يده عبد الله بن بكار اليفرني الذي توجه إلى الشيعي برأس أيوب بن أبي يزيد؛ فأرسل به إلى يعلى بن محمد بن صالح اليفرني ليقتله بوالده بعدما كان أخذ كل ما عنده؛ فلم يرض يعلى بذلك، ولا رآه كفوا لعبده، فكيف لوالده؛ ودفعه المذكور إلى رجل من البربر كان قد قتل ابنه، فقتله به. ودخل يعلى بن محمد وهران، فملكها.
(2/216)

وفيها، جرت قصة الولد عبد الله بن الناصر التي أراد الله بها ابتلاء أبيه فيه؛ فعجل الوثوب به وبأصحابه آخر هذه السنة، عجل عليهم فيها بأفظع العقاب؛ فقتلهم؛ وتأتي بابنه عبد الله مديدة إلى أن طوقه الحسام في آخر سنة 338؛ وكان الحكم أخوه ذكر عنه أنه يريد القيام على أبيه؛ فقبل قوله فيه. وكان عبد الله من أهل العلم والذكاء والنبل.
وفي سنة 339، أخرج الناصر قائده أحمد بن يعلى نحو جليقية، وجاء في انتهاز فرصة من العدو؛ فأعانه الله عليها، واقتحم على غفلة؛ فافتتح ثلاثة حصون، وسبى نحوا من ألف سبية، وانصرف آخر رجب من السنة.
وفيها، ورد الخبر بهلك ردمير بن أردون صاحب جليقية؛ فملكت الجلالقة ابنه أردون، ونازعه أخوه غرسية؛ فجرى بينهم اختلاف أظفر الله بن المسلمين.
وفيها، وصل إلى قرطبة ابنا البوري بن موسى بن أبي العاقبة أمير الغرب. وورد رسول الأمير الخير أمير زناتة وكبير أمراء الغرب إلى الناصر، يذكر ما أتاح الله له من دخول مدينة تاهرت، وظفره بميسور وعبد الله بن بكار اليفرني قواد الشيعي؛ فقرى كتابه بجامعي قرطبة والزهراء. ثم ورد كتاب عبد الرحمن ابن عبد الله الزجالي من جهة شذونة، يذكر أن بني محمد الأدارسة بالغرب زحفوا إلى حميد بن بصل قائد الناصر، ونزلوا عليه، والتقوا به؛ فكانت الدائرة على بني محمد، وانصرفوا مغلوبين.
وفي سنة 340، كانت للمسلمين غزوات على الروم، نصرهم الله فيها. منها فتح على يد قائد بطليوس بجيليقة، هزمهم أقبح هزيمة، قتل جملة من حماتهم ومقاتلتهم، وسبى من نسائهم وذراريهم نيفا على ثلاثمائة رأس؛ ووصل ذلك السبي إلى قرطبة لثلاث خلون من المحرم؛ وفتح آخر على يدي أحمد بن يعلى قائد الناصر؛ وفتح آخر على يدي رشيق قائد الناصر على طلبيرة؛ وفتح آخر على يدي يحيى بن هاشم النجيبي.
(2/217)

وغي غرة جمادى الآخرة، وهو الثامن من أكتوبر، هبت بقرطبة ريح عاصف، وتتابع البرق، واشتد الهول، ونزلت صاعقة في دار أحمد بن هاشم ابن عبد العزيز، فقتلت امرأة، وأبطلت أخرى.
وفي سنة 341، كان للمسلمين غزوة في الروم، نصرهم الله فيه، وفتوحات ومنوحات.
وفي آخر جمادى الأولي، وردت الأخبار بأنَّ زبرى بن مناد الصنهاجي عامل الشيعي على تاهرت أسر سعيد بن خزر زعيم زناتة وكبيرها.
وفي هذا الوقت، ورد كتاب ابن يعلى قائد الأسطول بقبضة لرهن محمد ابن إدريس الحسني كبير أمراء الأدارسة.
وفي آخر جمادى الآخرة، وصل إلى قرطبة فتوح بن الخير بن محمد بن خزر كبير أمراء زناتة بأرض الغرب، وافدا إلى الحضرة، ومعه وجوه أهل تاهرت ووهران؛ وأدخلت بين يديه الرؤوس التي احتزها للقواد المشارقة ووجوههم من رجال إسماعيل الشيعيّ العبيدي، يقدمها رأس ميسور الخصي ورأس محمد بن ميمون وغيرهما من رؤوس أعلام الشيعة، وعشرة من بنودهم، أدخلت منكسة، معها عدة من طبولهم؛ فرفعت هذه الرؤوس والبنود والطبول على باب قصر قرطبة، وأقيمت له ولمن جاء معه الكرامات الواسعة.
وفي سنة 342، قدمت رسل هوتو ملك الصقالبة على الناصر.
وفيها، خرج القائد أحمد بن يعلى غازيا إلى جليقية؛ فمنحه الله في الكفار القتل للرجال، والسبي للذرية والعيال، وإحراق القرى، وانتساف النعم؛ فقرى كتابه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ربيع الأول بقرطبة؛ وقرى معه كتاب القائد غالب، يذكر عظيم ما فتح الله عليه ومنحه من نكاية المشركين؛ ثم دخلت الرؤوس إلى قرطبة، ومعها النواقيس والصلبان، فقرَّت عيون أهل الإسلام.
(2/218)

وفي سنة 343، ولي الناصر مدينة طليطلة القائد أحمد بن يعني، وصرف عنها محمد بن عبد الله بن حدير.
وفيها، فصل القائد حميد بن يصل، المستأمن إلى الناصر، بالجيش الذي ضمه إليه إلى بلاد الغرب، وخرج معه القرشي السليماني المستأمن إلى الناصر أيضا، الذي كان أميرا على مدينتي تنس وأرشقول وما بينهما من أرض إفريقية؛ فأخرجه عنها قواد الشيعي. واسمه عليُّ بن يحيى، ينتسب إلى عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ فكان خروجهما من بين يدي الناصر بعد أن خلع عليهما خلع الوداع، بعد خلع تقدمت له عليهما بيوم قبل وصولهما من دراريع الديباج والخز وعمائم الشرب المذهبة وغير ذلك. ودفع لحميد سبعة عشر ألفا للنفقة على الجند، ومن أحمال الكسوة سبعة أحمال.
وفيها، وصل إلى قرطبة وقد أزداجة من البربر الذين انحاشوا إلى الطاعة؛ فكساهم الناصر ووصلهم. وورد كتاب فتح من حميد بن يصل قائد الناصر بالعدوة بما فتح الله عليه من مدينة آسلان وانتشار الدعوة الأموية بنواحيها.
وفيها، قدم الحجاج؛ فذكروا أنه وقع بقشطاط مصر حريق عظيم احترق فيه ستة ألفا بين دار ومسكن.
وفي سنة 344، وردت قواد الثغور لسبع خلون من ربيع الآخر على الناصر، وفيهم غالب، ومطرف، ومحمد بن يعلى، وعبيد الله بن أحمد بن يعلى، وهذيل ابن هاشم النجيبي، ومروان بن رزين، وعامر بن مطرف بن ذي النون، يذكرون أنهم دخلوا إلى أرض العدو، وقصدوا حصنا من بلد قشتيلة؛ فتغلبوا على أرباضه، وقتلوا جماعة من أهله، وقفلوا عنه؛ فوافتهم جموع النصرانية؛ فأيد الله المسلمين، وانهزم المشركون أمامهم مقدار عشرة أميال، يقتلونهم كيف شاءوا؛ فأحصى أنه قتل منهم مقدار عشرة آلاف. وكانت هذه الوقيعة بينهم لليلة
(2/219)

بقيت من ربيع الآخر منها؛ فقرى كتابهم بهذا الفتح الجليل بقرطبة؛ ثم وردت إلى قرطبة الرؤوس المحتزة في هذه الهزيمة نحو خمسة آلاف رأس؛ فأمر الناصر برفعها على الخشب حوالي سور قرطبة.
ولسبه خلون من جمادى الأولي، كانت بقرطبة زلزلة عظيمة ظاهرة الهزة؛ وعادت زلزلة أخرى مثلها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منها، وذلك عند الظهر.
وفيها، ثقف الناصر أمور الخدمة السلطانية، ووزعها بين وزرائه؛ فقلد الوزير جهور بن أبي عبدة النظر في كتب جميع أهل الخدمة؛ وقلد الوزير عيسى ابن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواهل والأطراف وغير ذلك؛ وقلد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك؛ وقلد الوزير محمد بن حدير النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم. فالتزم القوم ما ألزموا؛ فاعتدل بهم ميزان الخدمة، وسهلت مطالب الرعية.
وفيها، ورد كتاب يعلى بن حميد قائد العدوة من قبل الناصر بما فتح الله عليه في قائد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب إفريقية من هزيمته له وقتله من قتل من رجاله وغير ذلك. ووصل إلى قرطبة ابن عم حميد بن يصل، ومعه ستة وثلاثون من وجوه كتامة وغيرهم من القبائل المستأمنين إليه من عسكر الشيعي؛ فأمر الناصر بانزالهم، وجلس لهم على سريره بقصر الزهراء يوم الثلاثاء ربع خلون منه؛ فوصلوا إليه؛ فرأوا مقاما جليلا، وكلموه، فرد عليهم جميلا، وأحسن موعدهم، وأمر بالخلع عليهم، ووصلوا بصلات جزلات، وأمروا بالرجوع إلى القائد حميد بن يصل.
وفيها، أمر الناصر بإطلاق اللعن على ملوك الشيعة بجميع منابر الأندلس، وإنفاذ كتبه بذلك إلى العمال بسائر الأقطار.
(2/220)

وفي سنة 345، وطئ غالب، قائد أسطول الناصر، أرض سواحل إفريقية من عمل الشيعي.
وفيها، قدم محمد بن حسين رسولا كان من الناصر إلى الطاغية أردون ابن ردمير ملك جليقية، ومعه حسداي بن شبروط اليهودي، بكتابه إلى الناصر، راغبا منه في الصلح؛ فأسعفه الناصر في ذلك على اختيار ولده الحكم، واشترط على الطاغية شروط؛ وانصرفت رسله بذلك.
وفيها، قتل محمد بن أبي العيش الإدريسي أمير الغرب.
وفيها، خرج قاسم بن عبد الرحمن إلى حميد بن يصل قائد الناصر بالغرب من قرطبة بأحد عشر حملا من المال وأحمال العدة، تقوية على الذب عن الدولة المروانية بالغرب، وذلك لخمس خلون من صفر منها. ولما كان يوم النصف منه، ورد كتاب حميد بدخوله مدينة تلمسان.
وفي سنة 346، قدم إلى الناصر أمراء بني رزين ومن التف إليهم؛ فوصل إلى الناصر كبيرهم مروان بن هذيل بن رزين الثائر بالسهلة المنسوبة إليهم؛ فأدنوا وأكرموا.
وفيها، برز القائد غالب الناصري إلى فحص السرادق غازيا إلى دار الحرب؛ ففتح عليه في بلاد المشركين؛ وفتح الحصون وقتل المقاتلة واكتسح بسيط عدو الله غرسية بن شانجه ملكهم، وخرب قراه، ورجع بالمسلمين ظاهرين. وكذلك برز القائد أحمد بن يعلى للغزو إلى بلد العدو تاليا للقائد غالب؛ فورد كتابه يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر بفتح عظيم تهيأ له في غزوة إلى جليقية، وأنه ثخن في قتلهم، وحز من رؤوسهم أربعمائة، واستاق من الماشية والكراع ما فات الإحصاء.
وفي سنة 347، أول المحرم، أمر الناصر صاحب الشرطة القائد أحمد بن يعلى بالخروج غازيا في الأسطول إلى بلد الشيعي معد بن إسماعيل صاحب
(2/221)

إفريقية؛ فبرز ابن يعلى إلى محلة الربض لغزاته هذه يوم الخميس لثمان خلون منه؛ وكان بروزه فخما، خرج إليه من النظارة من أهل قرطبة رجالهم ونسائهم وأبنائهم وولدانهم خلق لا يحصيهم إلا خالقهم؛ فانتشروا بأكناف الربض على عادتهم؛ فأخذ السفلة منهم والغوغاء يتقاذفون بالحجارة حاكين لصفي القتال؛ فدخل في عرضهم قوم من الطنجيين من جند السلطان حشوا الضراب بينهم، حتى حمى وطيسه، وقد تكنف صفيهم من النظارة الرجال والنساء خلق عظيم. فلم يك إلا ساعة، ودارت بينهم جولة ظهر فيها أحد صفيهم؛ فمالوا على مغلوبهم، وانبسطوا عليهم؛ فامتد الطنجيون بغالب شرهم وجهلهم إلى نهب مغلوبهم من الرجال، وتخطوهم إلى من حولهم من النظارة، وانبسطوا على النساء؛ فسلبوهن ثيابهن، وفضحوا كثيرا منهن؛ فجعل المجردات من النساء يتوارين في الزرع المكتل، حياء من الناس، وترقبا لوقت تفرقهم. وشرح ذلك يطول.
وفي جمادى الآخرة منها، ورد كتاب قائد الأسطول أحمد بن يعلى من مدينة آسلان من عمل تلمسان، يذكر أن جوهرا قائد معد بن إسماعيل صاحب إفريقية قتل يعلى بن محمد بن صالح اليفرني صاحب مدينة آفكان غدرا، وأن ابن عمه انتصب مكانه بإقامة من جلة قومه له، ورجع القائد المذكور إلى قرطبة ومعه ولد ابن قرة، ابن عم يعلى بن محمد المتقدم الذكر، المقدم بعده في قومه بني يفرن؛ فبولغ في إكرامه.
وفي سنة 348، في أول ربيع الآخر منها، خرج عليُّ بن يحيى الحسني إلى شرشل مكانه من العدوة قائدا، بمن انضم إليه من الحشم، لمكافحة أصحاب الشيعي صاحب إفريقية.
وفي أول ذي القعدة منها، أوصل الناصر إلى نفسه حريز بن منذر في جماعة من وجوه الموالي والعرفاء ورجال الجند، يأمرهم جميعا بالخروج إلى مدينة
(2/222)

مسنة من أرض العدوة، مع بدر الفتى الكبير صاحب السيف، لتنفيذ العدد فيها من أجل جولان جوهر قائد معد الشيعي صاحب القيروان بأرض العدوة؛ فنفذوا لأمره، ومكثوا كذلك إلى أن أمنت الحادثة؛ فانصرفوا مع القائد بدر، آخر ذي الحجة من السنة.
وفي سنة 349، كان ابتداء علة الناصر، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وذلك نصف النهار منه، طرقت أمير المؤمنين الناصر علته الصعبة من الريح الباردة؛ فأرجف به، وخيف عليه، وأكبت الأطباء على معالجته، إلى أن ظهر عليه تجفيف؛ فتجشم القعود لخاصته في العشر الأوائل لجمادى الأولي. فوصل إليه الفتيان الأكابر، وصاحب الطراز، وخواص أكابر العبيد كمظفر وذويه؛ فاستبشر أهل المملكة بما بدا لهم من انحطاط مرضه، وسألوا الله كمال عاقبته؛ والقضاء قد سبق بموته من علته؛ فلم تفارقه، تخف حينا وتثقل حينا، إلى أن قضت عليه في سنة 50 التي بعد هذه.

بعض أخبار الناصر على الجملة
كان الناصر - رحمه الله - ملكا أزال الأواء؛ وحسم الأدواء، وقهر الأعادي، وعدل في الحاضر والبادي؛ قد أسس الأوس؛ وغرس الغروس واتخذ المصانع والقصور، وترك أعلاما باقية إلى النفخ في الصور. فاعتبر بالزهراء كم بها من قصر مشيد، وآثار ملوك صيد؛ قد عادت معاهدها بعدهم دارسة، وآثارها دونهم طامسة؛ تنفي الرياح بجنباتها، وتبكي الغيوم على عرصاتها. ولما ولي الناصر لدين الله، اعتز ركن الدين، واحتمى ذمار المسلمين، وقام الجهاد على ساق، وخمدت نار الخلاف والشقاق، ودخل الناس
(2/223)

في طاعته أفواجا، واستنفروا إلى دعوته أفرادا وأزواجا. فناهيك من فضل أعطاهم، وعدل أكنفهم به وغطاهم، وتكرمة أنالهم إياها، ومسرة أبدى لهم محياها؛ قد ملك سبتة وما يليها من الأقطار، وطرد عنها ملوك الأدارسة طرد الليل النهار، وبث عماله وقواده فيها، وطاعت له البرابر في جميع نواحيها، واعتصموا بحبله، ولاذوا بفضله وعدله. وكان اصطفى مولاه بدرا، وجعله شمسا لملكه وبدرا، وقلده خطة الحجاب، وجعل له النفي والإيجاب؛ فشد ملكه بقوة ساعد، وسعج مساعد؛ ثم قدم موسى بن حدير؛ فكمل به الملك واتسق واتفق له من الجد ما اتفق؛ فقاد عسكرا مجرا، وجر الدنيا جرا.
ومن قول ابن عبد ربه فيه (بسيط) :
قَدْ أوضَحَ الله للإسلامِ مِنهاجا ... والناسُ قَد دخلوا في الدِّينِ أفواجا
وَقد تَزَيّّنَت الدُّنيا لساكِنِها ... كأنَّما ألبسَت وَشياً ودِيباجَا
يا ابن الخَلائفِ إنَّ المُزنَ لَو عَلمَت ... نَدَاكَ ما كان مِنها الماءنجاجا
والحَربُ ولَو عَلِمت بأساً تَصُولُ به ... ما هيَّجَت من حُمّيّاكَ الذي اهتَاجا
مَاتَ النِفاقُ وأعطَى الكُفرُ ذِمَّتَهُ ... وذَلَّت الخَيلُ إلجاماً وإسراجا
وأصبَحَ النَّصرُ معقوداً بِألوِيةٍ ... تَطوى المَرَاحِلَ تَهجِيراً وإدلاجا
إنَّ الخِلافةَ لن تُرضَى وَلا رُضِيَت ... حتَّى عَقَدتَّ لها في رأسِكَ التَّاجا
ومن مناقبه، أنَّه لم يبق في القصر الذي هو من مصانع أجداده ومعالم أولىته بنية إلا وله فيها أثر محدث، إما بتجديد أو بتزييد. ومن مناقبه، كثرة جوده الذي لم يعرف لأحد قبله من أجواد الجاهلية والإسلام، حتى قيل فيه - رحمة الله عليه - (كامل) :
(2/224)

يا ابن الخَلاَئفِ والعُلَى للِمعُتَلى ... والمَجْدُ يُعرَفُ فَضلُهُ للِمُفضَلِ
نَوَّهتَ بالخُلفاء بَل أَخمَلتَهُم ... حتَّى كَأنَّ نَبِيَلُهم لَم يَنبُلِ
أذكَرتَ بَل أنسَيتَ مَا ذَكَرَ الوَرَى ... مِن فِعلِهم فَمأنَّهُ لَم يُفعَلِ
وأتَيتَ آخرهُم وَشَأوُكَ فَائِتٌ ... للآخرين وَمُدرِكٌ لِلأوَّلِ
تَأبِي فِعَالُك أنْ تُعَدَّ لآخِرٍ ... مِنهُمْ وَجُودُكَ أنْ يُعدَّ لأِوَّلِ
وكم للناصر - رحمه الله - من غزوات مذكورة، وفتوحات مشهورة، يبقى في الأعقاب فخرها، ولا يبلى على مر الأحقاب أثرها.
وقد نظم ابن عبد ربه في غزواته أرجوزة من سنة 301 إلى سنة 322. وقد أطال الشعراء في مدحه، وأطنبوا في شكره؛ ولولا أن الناس مكتفون بما في أيديهم منها، لأعدنا هنا ذكرها أو ذكر بعضها؛ ولكن المذهب هنا الاقتصار والإيجار والاختصار.

حكاية
ومما ذكر من إفضاله، مع بعض عماله، قال حيان بن خلف: كان محمد بن سعيد المعروف بابن السليم قد احتجن أموالا كثيرة بتصرفه في كبار الولايات في المدة الطويلة؛ فعلم ذلك منه الناصر؛ فعرض له مرارا في أن يساهمه فيه عن طيب نفس منه، وهو ملكه، ولو شاء لأخذه منه، ولكن أبى ذلك كرم طبعه. فقال في مجلسه يوما: (ما بال رجال من خاصتنا توسعوا في دنيانا، فطفقوا يحتجون الأموال، ويضيعون تعمدنا، وهم يرون غليظ مئونتنا في الإنفاق على شؤوننا التي بقدرتنا عليها صلاح أحوالهم ورفاهية عيشهم. ويعلمون أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قسطاس الموازين، قاسم عماله أرباحهم في تجاراتهم؛ فجعلها في بيت المال، وهو من هو، وهم من هم، والأسوة في فعله!) فسكت ابن السليم عنه وغالطه في تعرضه كأنه
(2/225)

يعني غيره. فازداد الناصر حنقا عليه وغيظا؛ فقال له يوما في بعض مجالسه الخاصة معه، وقد أخذ الشراب منه، وشق تفاحة بسكين في يده: (وددت أن أشق هكذا رأس من أعرف له مالا كثيرا غله دوننا، ولم يسهم بيت المال منه!:) فطار عقل ابن السليم، ولم يختلجه الشك في أنه المعني به؛ فقام بين يديه، وقال: (يا أمير المؤمنين! طال ما عرضت بي! فسكت؛ بلى والله! إن عندي مالا كثيرا، وهو دون ظنك فيه، حطته بالتقتير، وأعددته للدهر العثور، ولست والله أعطيك منه درهما، فما فوقه، ورأيك في جميل إلا أن تستحل) (وأعوذ بالله!) أن تمد يدك إليه بغير جناية مني عليك! فإن الأنفس محضرة الشح. قال: فخجل الناصر وأطرق يتلو قول الله تعالى: [إن يسئلكموها فيحفكم أن تبخلوا ويخرج أضغانكم.] ثم أقبل على ابن السليم يونسه ويسكن جأشه، إلى أن اعتدل مجلسه؛ فجعل يمعن في الشرب طلبا للسكر الذي خامره من الذعر. فقال له الناصر: (خفض عليك، يا محمد؛ فلا سبيل إليك!) فلما سكر ابن السليم، تهوع؛ فقذف، وابتدره الوصفاء بالطست والمناديل؛ فأقبل الناصر وأخذ برأسه يمسكه، ويقول له: (استفرغ ما في معدتك وتأن بنفسك!) . فأنكر ابن السليم كلامه بين الخدم، وصرف إليه رأسه، وإذا به الناصر. فما تمالك أن خر إلى رجليه يقبلهما، ويقول: (يا ابن الخلائف! إلى هنا انتهيت من برِّي!) وجعل يدعو له، ويعظم شكره؛ فقال له الناصر: (ليتني أخرج كفافا من شأني معك الليلة: تأنيسا بإخافة وإلطافا بجفوة) . ثم أمر له بكسوة، وانقلب إلى أهله. فكان هذا مما يعد من كرمه وفضله. فلما مضت أيام، أرسل ابن السليم إلى الناصر بمائة ألف دينار دراهم؛ فقبلها الناصر، وشكر فضله) وعوضه بكبير الولايات، وصحبته منه النعمة العريضة إلى حين وفاته.
حكاية
ومازح الناصر - رحمه الله - يوما وزيره أبا القاسم لبِّا؛ فقال له:
(2/226)

(يا لبُّ اهج الوزير عبد الملك بن جهور!) فامتنع عليه؛ فقال لابن جهور: (فأهجج أنت، إذ أبى هو من هجوك) . فقال: (يا أمير المؤمنين، أتوقع عرضي منه، وأصون نفسي عنه!) فقال الناصر: (فأنا أهجوه.) فقال (سريع) :
لبٌّ أبو القاسم ذو لحية ... طويلةٍ في طُولها ميلُ
ثم قال لابن جهور: (لا بد لك من تذييل هذا البيت؛ فدع الاعتذار.) فقال:
وعَرْضها مِيلان إن كُسِّرتْ ... والعَقلُ مأفونٌ ومدخُولُ
لَو أنَّه أحتاج إلى غَسلِها ... لم يكفِهِ في غَسِلها السِّيلُ
فضحك الناصر، وقال للب: (إنه قد سبب لك القول؛ فقل!) فقال لبّ:
قَال أمين اللهِ في خَلقِهِ ... لي لِحيةٌ أزرَى بها الطُّولُ
وابنُ عُيير قال قَولَ الَّذي ... مأكُولُهُ القَرظيل والفُولُ
لولا حيائي من إمامِ الهُدَى ... نَخَشتُ بالمِنخَس (شُو قُولُ)
فلما بلغ لبُّ إلى قوله (شو) سكت؛ فقال له الناصر: (قول) . فأتم له على نحو ما أضمر؛ فقال له: (أنت هجوته، يا مولاي!) فضحك الناصر، وأمر له بصلة.
وكان الناصر قد خرج يوما على فرس أبلق في هيئة جليلة والوزراء قد حفوا به؛ فقال ابن عبد ربه في ذلك مرتجلا (سريع) :
بَدرٌ بَدَا مِن تَحتِهِ أبلَقُ ... يَحْسُدُ فِيهِ المَغْرِبَ المَشْرِقُ
لوْ يعلُمُ الأبلَقُ مَن فَوقَه ... لاختالَ من عُجبٍ به الأبَلَقُ
إمامُ عَدلٍ باسِطٌ كفَّهُ ... يَرزُقُ منها الله مَن يَرزُقُ
عَاَبه الدَّهرُ الذي قَد مَضَى ... وجَدَ واللهِ به المُخبلَقُ
(2/227)

وكان، لما ترعرع ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ولاه العهد من بعده. وكان له أخ اسمه عبد الله؛ فحسده على ذلك، واجتمع عليه قوم وأراد قتل أخيه؛ واتفق مع أصحابه أن يبادروه؛ فافتضحوا وقتلوا جميعا، كما تقدَّم. وأما الولد عبد الله، فذكر أنه أخرجه أبوه الناصر ثاني يوم عيد الأضحى؛ فذبح بين يديه - رحمه الله -؛ وكان عالما فاضلا.
وكان الناصر أمر ببناء الصومعة العظيمة في سنة 340، وشرع في بنائها؛ وهي الشهيرة التي لا صومعة تعدلها. وكان الذي دعاه إلى بنائها حدث في القديمة؛ فهدمت إلى قواعدها وبنيت بصخر الحجارة المنقولة إليها على العجل؛ وجمع لها فجاءت فائقة الصنعة. وقد كانت الأولى ذات مطلع واحد؛ فصير لهذه مطلعين، وفصل بينهما بالبناء؛ فلا يلتقي الراقون فيها إلا بأعلاها. ولكل مطلع منها مائة درج وسبعة أدراج؛ وطولها ثمانون ذراعا بالرشاشي إلى وقوف المؤذن؛ وفي أعلى ذروة المنار ثلاث رمانات تغشى النواظر بشعاعها، وتخطف الأبصار بالتماعها: الأولى مفروغة من الذهب، والوسطى من الفضة، والثالثة من الذهب أيضا؛ وفوقها سوسانة من الذهب المحض مسدسة؛ وفوق السوسانة رمانة صغيرة من الذهب؛ ثم طرف الزج، وفيه تأريخ مكتوب بالذهب. وزنة كل رمانة من الثلاثة المذكورة قنطار واحد فما دونه، ودور كل واحدة ثلاثة أذرع ونصف. وكمل بناء الصومعة في جمادى الأولى؛ فذلك ثلاثة عشر شهرا.
وكان الناصر زاد في المسجد الجامع بقرطبة زيادته المشهورة، المتصلة بزيادة ابنه الحكم بعده، وفيها القبو الكبير الذي يصطف المؤذنون أمامه يوم
(2/228)

الجمعة للأذان، وهو من أعجب البنيان. وإذ قد وقع ذكر المسجد الجامع بقرطبة؛ فالواجب أن نذكر أول من أحدثه ومن تولي بناءه من ملوك بني أمية. على سبيل الاختصار؛ فنقول:

ذكر مسجد قرطبة الأعظم
ذكر الرازي عن الفقيه محمد بن عيسى أنه قال: لما افتتح المسلمون الأندلس، استدلوا بما فعل أبو عبيدة وخالد - رضي الله عنهما - عن رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من مشاطرة الروم في كنائسهم مثل كنيسة دمشق وغيرها مما أخذوه صلحا. فشاطر المسلمون أعاجم قرطبة في كنيستهم العظمى التي كانت بداخلها، وابتنى المسلمون في ذلك الشطر مسجدا جامعا. وبقى الشطر الثاني بأيدي الروم، وهدمت عليهم سائر الكنائس. فلما كثر المسلمون بالأندلس، وعمرت قرطبة ونزلها أمراء العرب بجيوشهم. ضاق عنهم ذلك المسجد، وجعلوا يعلقون منه سقائف؛ فنال الناس من الضيق مشقة عظيمة. فلما دخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس، وسكن قرطبة، نظر في أمر الجامع، وتوسيعه، وإتقان بنائه؛ فأحضر أعاجم قرطبة، وسألهم بيع ما بقي بأيديهم من الكنيسة المذكورة، وأوسع لهم البذل فيه، وفاء بالعهد الذي صولحوا عليه؛ وأباح لهم بناء كنائسهم التي كانت هدمت عليهم في وقت الفتح بخارج قرطبة. وخرجوا عن الشطر؛ فاتخذه وأدخله في الجامع الأعظم. وكان شروع عبد الرحمن الداخل في هدم الكنيسة وبناء الجامع سنة 169؛ وثم بناؤه، وكملت بلاطاته، واشتملت أسواره في سنة 170؛ فذلك مدة من عام كامل؛ فقيل إن النفقة التي أنفق الإمام عبد الرحمن بطول هذه السنة في بناء الجامع ثمانون ألفا بالوازنة. وفي ذلك يقول البلويُّ - رحمه الله - (طويل) :
(2/229)

وَأبرَزَ في ذاتِ الإلهِ وَوَجهِهِ ... ثَمانينَ ألفاً من لُجَينٍ وعَسْجَدِ
فأنفَقها في مَسِجدٍ أُسُّه الشُّقَي ... ومَنْهَجُه دينُ النبيِّ مُحَمَّد
ثم زاد ابنه هشام صومعة، كان ارتفاعها أربعين ذراعا إلى موضع الأذان وبنى بآخر المسجد سقائف لصلاة النساء؛ وأمر ببناء الميضأة بشرقي الجامع. وأقام الجامع على هيئته تلك إلى أيام عبد الرحمن بن الحكم؛ ثم زاد عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الزيادة المنتظمة بالأرجل، طولها خمسون ذراعا، وعرضها مائة وخمسون، وعدد سواريها ثمانون سارية؛ وكان الفراغ من هذه الزيادة في جمادى الأولى سنة 234. ثم زاد الأمير محمد بن عبد الرحمن أن أمر بإتقان طرر الجامع، وتنميق نقوشه، وبإقامة المقصورة، وجعل لها ثلاثة أبواب؛ فلما كمل ما أمر به في الجامع، دخله وصلى فيه ركعات خشع فيها. فقال في ذلك موسى بن سعيد (طويل) :
لَعمِري لقد أبدَى الإمامُ التواضُعَا ... فأصبَحَ للدُّنيا وللدِّين خَاشِعا
بَنَى مَسجداً لم يُبنَ في الأرض مِثلُه ... وصلى به شُكراً لذي العَرش راكِعا
فطُوبَى لمن كان الأمير محمَّد ... له إذْ دَعَا فيه إلى الله شافِعا
ثمَّ زاد الأمير المنذر بن محمد البيت المعروف ببيت المال في الجامع؛ فوضع فيه الأموال الموقفة لغياب المسلمين؛ وأمر بتجديد السقاية وإصلاح السقائف. ثم زاد أخوه الأمير عبد الله بن محمد ساباطا معقودا على حنايا، أوصل به ما بين القصر والجامع من جهة الغرب؛ ثم أمر بستارة من آخر هذا الساباط إلى أن أوصلها بالمحراب؛ وفتح إلى المقصورة بابا كان يخرج منه إلى الصلاة؛ وهو أول من اتخذ ذلك من أمراء بني أمية بالأندلس - رحمهم الله -.
رجع الخبر إلى ذكر الناصر. قيل إنه أنفق في صومعة المسجد وفي تعديل
(2/230)

المسجد وبنيان الوجه للبلاطات الأحد عشر بلاطا سبعة أمداد وكيلين ونصف كيل من الدراهم القاسمية. وجملة ما أنفق عبد الرحمن الناصر في بناء مدينة الزهراء وقصورها خمسة وعشرون مدبا من الدراهم القاسمية وستة أقفزة وثلاثة أكيال ونصف.

ذكر بناء مدينة الزهراء بقرطبة
أعادها الله للإسلام بفضله
ابتدئ بنيانها في أيام الناصر من أول سنة 325. وكان يصرف فيها كل يوم من الصخر المنجور ستة آلاف صخرة سوى التبليط في الأسوس؛ وجلب إليها الرخام من قرطاجنة إفريقية ومن تونس؛ وكان الأمناء الذين جلبوه عبد الله بن يونس، وحسن القرطبي، وعليُّ بن جعفر الإسكندراني؛ وكان الناصر يصلهم على كل رخامة بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية. وكان فيها من السواري أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية وثلاث عشرة سارية، المجلوبة منها من إفريقية ألف سارية وثلاث عشرة سارية. وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية؛ وسائر ذلك من رخام الأندلس. وأما الحوض الغريب المنقوش المذهب بالتماثيل، فلا قيمة له، جلبه ربيع الأسقف من القسطنطينية من مكان إلى مكان حتى وصل في البحر؛ ووضعه الناصر في بيت المنام في المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس؛ وكان عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصع بالدر النفيس العالي مما صنعه بدار الصنعة بقصر قرطبة. وكان المتولي لهذا البنيان المذكور ابنه الحكم، لم يتكل الناصر فيه على أمين غيره. وكان يخبز في أيامه كل يوم يرسم حيتان البحيرات ثماني مائة خبزة، وهذا من أعظم الأشياء إلى ما فوق ذلك.
وكان الناصر قد قسم الجباية على ثلاثة أثلاث: ثلث للجند، وثلت للبناء، وثلث مدخر. وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف
(2/231)

وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن المستخلص والأسواق سبع مائة ألف دينار وخمسة وستين ألف دينار.
ومما قيل في آثار مدينة قرطبة وعظمها حين تكامل أمرها في مدة بني أمية - رحمهم الله تعالى - إن عدة الدور التي بداخلها للرعية دون الوزراء وأكاب أهل الخدمة مائة ألف دار وثلاثة عشر ألأف دار؛ ومساجدها ثلاثة آلاف؛ وعدة الدور التي بقصرها الزهراء أربعمائة دار، وذلك لسكنى السلطان وحاشيته وأهل بيته. وعدد الفتيان الصقالبة ثلاثة آلاف وسبع مائة وخمسون. وعدة النساء بقصر الزهراء الكبار والصغار وخدم الخدمة ستة آلاف وثلاثمائة امرأة؛ وكان لهؤلاء من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل ينقسم من عشرة أرطال للشخص إلى ما دون ذلك، سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان. وعدد حماماتها ثلاثمائة حمام؛ وقيل إنها المبرزة للنساء. وكان عدد أرباض قرطبة - أعادها الله للإسلام - في ذلك الوقت ثمانية وعشرين ربضا، منها مدينتان: الزهراء والزاهرة. وأما اليتيمة التي كانت في المجلس البديع، فإنها كانت من تحف قيصر اليوناني صاحب القسطنطينة، بعض بها للناصر مع تحف كثيرة سنية. فسبحان من لا يبيد ملكه ولا ينقطع عزه!.
وفي سنة 350، توفى الناصر - رحمه الله -، وذلك في صدر رمضان منها. ووجد بخطه تأريخ قال فيه: (أيام السرور التي صفت لي دون تكدير في مدة سلطاني يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.) فعدت تلك الأيام؛ فوجد فيها أربعة عشر يوما. فأعجب أيها الغافل لهذه الدنيا، وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأولائها. إن الخليفة الناصر ملك خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، ولم يصف له من الدنيا إلا أربعة عشر يوما! فسبحان ذي العزة العالية، والمملكة الباقية، تبارك اسمه وتعالى جده!
(2/232)

وممن رثاه، جعفر بن عثمان المصحفي، فقال (طويل) :
ألا إنَّ أياماً هَفَتْ بإمامها ... لَجائرةٌ مُشتطَّةٌ في احتِكامِها
فلَمْ يُولم الدُّنيا عِظامُ خُطُوبها ... وأحداثِها إلاَّ قلوب عِظَامِها
تأمَّلْ فهَلْ من طَالِعٍ غَيرَ آفلٍ ... لَهُنَّ وهَل من قاعِدٍ لِقامِها
وعَاينْ فهَلْ من عائشٍ برَضاعِها ... من الناس إلاَّ مَيِّتٌ بفطامِها
كأنَّ نفوسَ الناس كانت بنَفْسِهِ ... فلمَّا تَوَارَى أيْقنَتْ بِحِمامِها
فطَارَ بهِا يأسُ الأسَى وتقَاصَرَتْ ... يَدُ الصَّبْرِ عن أعوالها واحتدامِها

خلافة الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله
نسبه: الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل. كنيته: أبو المُطرف. أمه: اسمها مهرجان. عمره: ثلاثة وستون سنة وسبعة أشهر. بويع بعد موت أبيه لثلاث خلون لرمضان سنة 350. وتوفى ليلة الأحد لثلاث خلون من صفر من سنة 366؛ فكانت دولته خمس عشرة سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أيام. لقبه: المستنصر بالله. صفته: أبيض مشرب بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد، أفقم.
قضاته: منذر بن سعيد البلوطي قاضي أبيه؛ ثم أبو بكر محمد بن السليم. نقش خاتمه: الحكم بقضاء الله راض.
وافتتح خلافته بالنظر في الزيادة في المسجد الجامع بقرطبة؛ وهو أول عهد أنفذه؛ وقلد ذلك حاجبه وسيف دولته جعفر بن عبد الرحمن الصقلي، وذلك لأربع خلون لرمضان من السنة، وهو اليوم الثاني من يوم خلافته. فكان أول ما عهد إليه تقديم النظر في سوق الصخور التي هي أس البنيان؛ فابتدئ بانتقالها في رمضان المذكور. وكان قطر قرطبة قد كثر به الناس؛ فضاق الجامع عن
(2/233)

حملهم، ونالهم التعب في ازدحامهم؛ فسارع المستنصر إلى الزيادة فيه؛ فخرج لتقديرها، وتفصيل بنيانها، وأحضر الأشياخ والمهندسين؛ فحدوا هذه الزيادة من قبلة المسجد إلى آخر الفضاء مادا بالطول لأحد عشر بلاطا. وكان طول الزيادة من الشمال إلى الجنوب خمسة وتسعين ذراعا؛ وعرضها من الشرق إلى الغرب مثل عرض الجامع سواء؛ وقطع من هذا ساباط القصر المتخذ لخروج الخليفة إلى الصلاة إلى جانب المنبر بداخل المقصورة؛ فجاءت هذه الويادة من أحسن ما زيد في المسجد قبل وأشده وأتقنه.

ذكر الحبس الذي حبس المستنصر بالله على الجامع بقرطبة
لما كملت زيادته، أحضر الفقهاء والعدول الشهداء وأعيان الناس ووجوههم وقضاتهم وأئمتهم. فحمد الله، وأثنى عليه، وجدد شكره على توفيقه، لإجراء هذه البنية الكريمة على يديه، وأنه تلقى هذه النعمة العظيمة بأن حبس ربع جميع ما جرته إليه الوراثة عن أبيه أمير المؤمنين في جميع كور الأندلس وأقاليمها على ثغور الأندلس كافة تفرق عليهم غلات هذه الضياع عاما بعد عام على ضعفائهم إلا أن تكون بقرطبة مجاعة، فتفرق فيهم إلى أن يجبرهم الله. وجعل القبض والنظر في هذا الحبس إلى حاجبه وسيف دولته جعفر؛ وجعل دفع ذلك إلى وزيره وكاتبه عيسى بن فطيس. وأشهد الحاضرين على ذلك، وأشهد أيضا بعتق كل مملوك له من الذكران، وخرج غازيا إلى بلاد المشركين.
وفي سنة 351، غزا الحكم المستنصر بالله بلاد الروم؛ ففتح بها حصونا كثيرة ومدنا جليلة، وسبى وغنم، وانصرف غانما ظافرا.
وفيها، وفد عليه أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من ملك برغواطة أبي منصور عيسى بن أبي الأنصار؛ فسأله الحكم عن أنساب برغواطة ومذاهبهم؛ فأخبره بما تقدم في الجزء الأول.
(2/234)

وكان الحكم قد أنفذ الكتب في محرم من سنة 351 إلى جميع الولاة والقواد والعمال بأقطار الأندلس، يأمرهم بارتباط الخيل، والقيام عليها، والاستعداد بالعدد والأسلحة والآلات برسم الجهاد في سبيل الله.
وفيها، عزل عبد الله بن بدر عن شرطة المدينة بقرطبة، وولاها محمد بن جهور، وأنفذ له سجلا بذلك بخط يده.
وفيها، استحجب جعفر الصقلبي الفتى الكبير الناصري.
وفيها، وفد على المستنصر بالله أردون بن إذفونش الأحدب، من ملوك الجلالقة، المنازع لابن عمه شانجه بن ردمير سابقه إلى ولاية ملكهم؛ فبالغ في إكرامه في خبر طويل. وكان الفصحاء في ذلك مقامات وأشعار يطول الكتاب بذكرها. فمن قول عبد الملك بن سعيد من قصيدة (كامل) :
مَلكُ الخِلافة آيةُ الإقبال ... وسُعودُه مَوصُولةٌ بتَوَالِي
فالمُسلمونَ بعِزَّةٍ وبرفعةٍ ... والمشُرِكونَ بذِلَّةٍ وسَفالِ
ألقتْ بأيديها الأعاجِمُ نَحوَه ... مُتَوَقِّعينَ لصَولةِ الرِئْبَالِ
هذا أميرُهم أتاهُ آخذاً ... مِنْه أواصِرَ ذِمَّةٍ وحِبالِ
وفيها، وصل قرطبة إرسال شانجة بن ردمير، منازع الطاغية أردون ابن عمه ملك الجلالقة، ومعهم عبد الرحمن بن جحاف قاضي بلنسية، وأيوب بن الطويل وغيرهما؛ فتوصلوا كلهم إلى المستنصر في ربيع الآخر، وأوصلوا كتاب شانجة بن ردمير بجواب ما خوطب فيه وبيعته التي عقدها على نفسه وجميع أهل مملكته لأمير المؤمنين المستنصر بالله، في خبر طويل.
وفيها، ولد للخليفة الحكم ولد ذكر من حزيته التي سماها جعفرا أم ولده؛ فسماه عبد الرحمن، وسرَّ به سرورا عظيما، إذ كان لا يولد له. وقالت في ذلك الشعراء والأدباء. فأكثروا.
(2/235)

وفيها، ظهر نكث الجلالقة بكل جهة.
وفيها، كان المدُّ الطامي بنهر قرطبة.
وفي سنة 352، كانت غزوة شنت أستبن، غزاها الحكم المستنصر بالله.
وفي سنة 353، كانت بقرطبة مجاعة عظيمة؛ فتكفل الحكم بضعفائها ومساكينها بما تقيم أرماقهم، وأجرى نفقاته عليهم بكل ربض من أرباض قرطبة وبالزهراء.
وفيها، قرى بالجامعين: قرطبة والزهراء، فتح ورد من قبل سعد الجعفري مولي الخليفة الحكم، القائد بالجوف، يذكر ما أتاحه الله على يديه في أهل جليقية، وأفاءه على المسلمين بسعد إمامهم الزكي.
وفيها، كان ازدحام الناس بالمسجد الجامع بقرطبة وتضاغطهم حتى كادت النفوس تتلف؛ فأمر المستنصر بالله بتوسعته والزيادة فيه؛ فأتى القاضي منذر ابن سعيد إلى المسجد الجامع، ومعه صاحب الأحباس والفقهاء والعدول بما اجتمع قبله من أموال الأحباس؛ فنظروا في الزيادة فيه.
وفيها، أنفذ المستنصر بالله أحمد بن نصر لبنيان مدينة بثغر طليطلة، وتشييدها، وتوثيق أمورها؛ وجعل بين يديه أحمال أموال.
وفيها، تحرك الحكم من قرطبة إلى المرية توقعا لما يصدر من صاحب إفريقية المحاد لأهل الأندلس، ولمعاينة ما استكمله بها من الحصانة ومطالعة حال رابطة القبطة ومشارفة حال الرعايا بتلك الجهة.
وفيها، كان خبر اللص الذي سرق بيت المال الذي للسبيل بداخل المسجد الجامع بقرطبة في شوال.
وفي سنة 354، نزل الغيث بقرطبة؛ فرويت الأرض، وطاب الحرث، وسرَّت النفوس.
(2/236)

وفيها، ولد هشام بن الحكم. قال ابن حيان: كان الخليفة الحكم شديد الكلف بطلب الولد لعلو سنه؛ فبشر في بعض خلواته باشتمال أم ولده على حمل؛ فسر به، وبقى يترقبه؛ فأتته به أول خلافته؛ ثم مات طفلا؛ فأحزته. فلما بشر بهذا، فرح به؛ فاستبشر جعفر بن عثمان وزيره ببشراه، وأرسل إليه في التهنئة بذلك أبياتا، وهي (وافر) :
هنيئاً للأنام وللإمامِ ... كَرِيمٌ يستفيدُ على كِرامِ
مُرَجَّى للخلافة وَهَوَ ماءٌ ... مأمول لآمالٍ عِظَامِ
أضاء على كريمته ضِيَاه ... فلَمْ تَعْلَمْ بغاشيةِ الظلامِ
وَلِمْ لا يُستَضاءُ بجانِيَهْا ... وبَين ضلُوعِها بَدرُ التَّمامِ
قال: فلما ولدت جاريته جعفر ابنها هشاما الملقب بالمؤيد، بشر الخليفة الحكم بطلوعه، وجعفر بن عثمان عنده في خلوة؛ فارتاح لارتياحه؛ فقال على البديهة يهنئه (منسرح) :
اطّلع البدر من حجابه ... واطَّرَدَ السَّيفُ من قِرابِه
وجاءنا وارِثُ المَعَالِي ... لِيُثبت المُلكَ في نِصَابِه
بَشَّرنا سَيّدُ البَرايَا ... بنعمة الله في كتابه
لَو كنتُ أعطي البشيرَ نفسي ... لَم أفض حقاً لِما أتَى بِهْ
وفيها، كملت القبة المبتناة على المحراب في الزيادة بالمسجد، وذلك في شهر جمادى الآخرة منها.
وفيها، شرع في تنزيل الفسيفساء بالمسجد الجامع؛ وكان ملك الروم بعث بها إلى الخليفة الحكم. وكان الحكم قد كتب له في ذلك، وأمره بتوجيه صانعها إليه، افتداء بما فعله الوليد بن عبد الملك في بنيان مسجد دمشق؛ فرجع وفد الحكم بالصانع، ومعه من الفسيفساء ثلاثمائة وعشرون قنطارا، بعث بها ملك الروم هدية؛ فأمر الحكم بإنزال الصانع، والتوسيع عليه، ورتب معه جملة من
(2/237)

مماليكه لتعلم الصناعة؛ فوضعوا أيديهم معه في الفسيفساء المحلوبة، وصاروا يعملون معه؛ فأبدعوا، وأربوا عليه، واستمروا بعد ذلك منفردين دون الصانع القادم، إذ صدر راجعا عند الاستغناء عنه، بعد أن أجزل له المستنصر الصلة والكسوة. وتداعى إلى هذه البنية كل صانع حاذق من أقطار الأرض. وركب الحكم المستنصر بالله في العشر الوسط لشوال من الزهراء إلى الجامع، ودخله، ونظر إلى الزيادة وما تم فيها، وأمر بإقلاع السواري الأربع التي كانت في عضادة المحراب القديم الفائقة التي لا نظير لها، وصيانتها إلى أن توضع في المحراب الجديد عند إتقان إحكامه وإكماله.
وفي سنة 355، في المحرم، أمر بوضع المنبر القديم إلى جانب المحراب، ونصب المقصورة القديمة. ونصب في قبلة هذه الزيادة مقصورة من الخشب، منقوشة الظاهر والباطن، مشرفة الذروة، طولها خمسة وسبعون ذراعا، وعرضها اثنان وعشرون ذراعا، وعلوها إلى الشرفات ثمانية أذرع. وكان الفراغ من هذه الزيادة ونصب المقصورة في رجب من السنة.
وفي يوم الجمعة لثمان خلون منه، قرى كتاب فتح من قبل سعادة الجعيفري، القائد بمدينة الفرج، يذكر ما فتح الله له وأتيح على يديه من أعداء الله المشركين.
وفي يوم الأربعاء لأربع خلون من ربيع الأول منها، نفذت الكتب إلى عمال الثغر الأدنى والأقصى في ارتباط الخيل، والتكثير منها، وجودة القيام عليها لما يؤمل من الجهاد بعون الله.
وفي يوم الجمعة لثلاث خلون منه، قرى بقرطبة والزهراء كتاب فتح ورد من قبل الوزير يحيى بن هاشم، وكتاب فتح ورد من قبل سعد الجعفري، وكتاب فتح ورد من قبل حريز بن هايل، يذكرون ما منحهم الله وفتح على أيديهم من قبل أعداء الله المشركين، وأن كل واحد منهم نهض إلى ما قبله من بلادهم، فقتل وسبى، واكتسح وأشجى، وانصرف سالما غانما.
وفي أول رجب منها، ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر
(2/238)

بالله، يذكر فيه ظهور أسطول المجوس ببحر الغرب بقرب من هذا المكان، واضطراب أهل ذلك الساحل كله لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما سلف؛ وكانوا في ثمانية وعشرين مركبا؛ ثم ترادفت الكتب من تلك السواحل بأخبارهم، وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة. فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب، واستشهد فيها من المسلمين وقتل فيها من الكافرين. وخرجت أسطول إشبيلية؛ فاقتحموا عليهم بوادي شلب، وحطموا عدة من مراكبهم، واستنفذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين، وانهزموا إثر ذلك خاسرين. ولم تزل أخبار المجوس تصل إلى قرطبة في كل وقت من ساحل الغرب، إلى أن صرفهم الله تعالى.
وفيها، أغزى الحكم القائد غالبا؛ ففتح الله له في المشركين، وانصرف سالما غانما.
وفيها، أمر الحكم لابن فطيس بإقامة الأسطول بنهر قرطبة، واتخاذ المراكب فيها على هيئة مراكب المجوس - أهلكهم الله - تأميلا لركوبهم إليها.
وفي سنة 356، عهد الخليفة الحكم بمخاطبة العمال بكور الأندلس، يعنفهم على جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته، إذ اتصل به أن بعضهم قد استزادوا زيادات فاحشات يعاملون بها الرعية ظلما لهم؛ فأنكر ذلك عليهم. وفيها، كانت غزوات للمسلمين انجلت عن هزائم للمشركين.
وفيها، ولي أمير المؤمنين الحكم محمد بن عبد الله بن أبي عامر الذي رأس بعد وتلقب بالمنصور وكالة أبي الوليد هشام بن الحكم، وفوض إليه في جميع شؤونه؛ فتحركت حاله في الدولة.
وفي النصف من شوال، قعد الخليفة الحكم على السرير بالزهراء قعودا بهيَّا احتفل فيه، وأوصل إلى نفسه رسولين وصلا من أمراء الغرب الأدارسة؛
(2/239)

فأوصلا كتابهم، يذكرون أنهم على محبة صادقة ومودة مستحكمة مع التزامهم للطاعة واعتقادهم للولاية؛ فأدنى رسوليهم، وألطف جوابيهما.
وفي يوم الجمعة لأربع بقين من شوال، قرى كتاب فتح ورد من قبل القائد غالب، يذكر ما هيا الله له في كفرة قشتيلة من القتل والأسر؛ فسر الخليفة بذلك ودخلت الرؤوس قرطبة.
وفي يوم السبت بعده، أنفذ الخليفة الحكم كتبه إلى القواد والعمال بأقطار مملكته، بإنكار ما اتصل به من أن بعضهم يسفك دماء بعض بلا عهد ولا مشورة، وأن ذلك عظم عنده، وتبرأ إلى الله ممن أقدم عليه.
وفيها، أجرى الماء إلى سقايات الجامع والميضأتين اللتين مع جانبيه: شرقيه وغربيه، ماء عذبا جلبه من عين بجبل قرطبة، خرق له الأرض، وأجراه في قناة من حجر متقنة البناء، محكمة الهندسة، أودع جوفها أنابيب الرصاص لتحفظه من كل دنس. وابتدى جري الماء من يوم الجمعة لعشر خلون لصفر من السنة؛ وفي جري الماء إلى قرطبة يقول محمد بن شخيص في قصيدة له، منها (بسيط) :
وقدْ خَرَقت بُطُونَ الأرضِ عن نُطّفٍ ... من أعذَبِ الماءِ نحوَ البَيْت نُجْريها
طُهْرٌ الجُسومِ إذا زالت طهارتها ... رَيُ القُلوب إذا حَرَّتْ صَوَادِيها
قَرَنْتَ فَخراً بِأجرٍ قَلَّ مَا اقتَرنَا ... في أمَّةٍ أنتَ راعِيها وحامِيها
وابتنى بغربي الجامع دار الصدقة، اتخذها معهدا لتفريق صدقاته - رحمه الله تعالى -. ومن مستحسنات أفعاله وطيبات أعماله، اتخاذه المؤدبين يعلمون أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حوالي المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض قرطبة؛ وأجرى عليهم المرتبات، وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح، ابتغاء وجه الله العظيم؛ وعدد هذه المكاتب سبعة وعشرون مكتبا، منها حوالي المسجد الجامع ثلاثة، وباقيها في كل ربض من أرباض المدينة. وفي ذلك يقول ابن شخيص (بسيط) :
(2/240)

وسلحَةُ المَسجِدِ الأعلَى مُكَلَّلةٌ ... مَكَاتِباً لليَتامَى من نَوَاحيها
لَوْ مُكِنَتْ سُوَرُ القُرآنِ مِنْ كَلِمٍ ... نادَتْكَ يَا خَبرَ تَالِيها ووَاعِيها
ووجد بخط الخليفة المستنصر بالله: (ابتدى بنيان الجامع - صانه الله - يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 351، وكمل سنة 355. وبلغت النفقة فيه إلى مائتي ألف وأحد وستين ألفا وخمسمائة وسبعة وثلاثين دينارا ودرهم ونصف (وقع " ونصف " في الأصل المنقول منه هذا. وقال إنه نقله مندرسا، ثم إنه تعرف بعد ذلك صحته من الثقات أنه " ونصف " صحيح؛ وكذلك قال وقع بخط الحكم - رحمه الله -) .
وفي سنة 357، في العشر الآخر من رمضان، احتل الوزيران القائدان غالب بن عبد الرحمن وسعيد بن الحكم الجعفري بجيوش الثغر بالصائفة على حصن قلهرة؛ فأقاما بساحته مدة استظهرا بها على تمكين بنيان الحزام فيه والزيادة في ارتفاع البرج الثامن بذروته فانتهيا من ذلك إلى الإدارة، وقفلا بالعسكر، وقد وثقا للحصن بالأمنة.
وفي سنة 360، في محرم منها، قعد الخليفة المستنصر بالله على السرير بقصر قرطبة على جرى العادة من الاحتفال والزينة؛ فأوصل إلى نفسه عيسى بن محمد ومحمد بن العالي وحسن بن عليّ رُسُل بني محمد الحسنين أمراء الغرب؛ فأوصلوا كتاب مرسليهم، وذكروا ما هم عليه من الطاعة، وطلبوا بعثه رماة تقوية لهم لما يتوقعونه من حركة قائد معد الشيعي نحوهم؛ وتقربوا بإهداء خيل وجمال وغير ذلك؛ فقبلت منهم.
وفي صدر رمضان منها، وقع الإرجاف بتحرك المجوس الأردمانيين - لعنهم الله -، وظهورهم في البحر، ورومهم سواحل الأندلس الغربية على عادتهم؛ فأزعج السلطان قائد البحر بالخروج إلى المرية، والتأهب لركوب الأسطول منها إلى إشبيلية، وجمع الأساطيل كلها للركوب إلى ناحية الغرب.
(2/241)

ذكر مقتل زيري بن مناد، قائد الشيعي على تيهرت، وفي يوم السبت، لاثنتي عشرة ليلة بقيت لشهر رمضان منها، ورد الخبر على المستنصر بالله بقتل زيري بن مناد عامل معد الشيعي وقائده على الغرب، قتله جعفر ويحيى ابنا عليّ المعروف بابن الأندلسي، المخالفان على معد فيمن استظهرا به عليه من زنانة، وجدوه بناحية الغرب في حرب دارت بينهم شهدها بنو خزر وغيرهم من رؤساء القبائل القائمين على زيري بدعوة الحكم المستنصر بالله؛ ففتح لهم في قتله أعظم الفتوح. ووصل عليُّ البغدادي كاتب جعفر المذكور بكتابه إلى المستنصر وذكر اهتياج الحرب العظيم بين أهل الدعوتين بالغرب.
ذكر فراق جعفر بن عليّ المعروف بابن الأندلسي صاحب المسيلة لمعد ابن إسماعيل الشيعي صاحب إفريقي، وتقربه إلى الحكم المستنصر بانضمامه إلى زناتة المنحاشين إلى دعوة بني أمية، وتألب جماعتهم على زيري بن مناد الصنهاجي عامل معد الشيعي على حرب بلاد الغرب وقتلهم لزيري عند انقضاضه عليهم صادا لهم عن طريقهم متقربين بقتله إلى الحكم. وسبق جعفر ويحيى أخوه وذووهما بالعبور إلى الأندلس مهديين رأس زيري، خالعين للدعوة الشيعية، متقلدين للدعوة الأموية الجماعية. فكان لهما في ذلك قبول ورفعة عظيمة من الخليفة.
وقد ذكر محمد بن يوسف الوراق خبرهما؛ قال: وهما أبنا عليّ بن حمدون؛ وجدهما الأكبر عبد الحميد كان الداخل إلى الأندلس من الشام، ونزل بكورة إلبيرة؛ ثم تنقل حفيده حمدون، جد جعفر هذا، إلى بجاية، وصحب أبا عبد الله الشيعي الداعي، ودخل في مذهبه. فلما تغلب الشيعي على إفريقية، ظهر عليُّ بن حمدون؛ ثم ازداد ظهورا في أيام عبيد الله المهدي وحظوة، وضمه إلى ابنه أبي القاسم ولي عهده؛ فازداد حظوة لديه، وخرج معه إلى أرض الغرب؛ فأمره ببناء مدينة المسيلة، وولاه عليها؛ فبقى بها إلى أن هلك في فتنة أبي يزيد،
(2/242)

سقط من جرف عال، فاندقت يداه ورجلاه، سنة 334. وتولى جعفر هذا ابنه المسيلة من بعده؛ فلم يزل متوليا لها، رفيع المنزلة عند سلطانه، إلى أن قتل محمد بن الخير بن حزر الزناتي القائم بدعوة بني أمية زيري بن مناد؛ فخاف جعفر من صاحب إفريقية؛ فبادر إلى الفرار بنفسه مع أخيه يحيى وجميع أهله وماله سنة 360؛ فصار عند بني خزر أمراء زناتة؛ فشق جعفر الصحراء معهم قاصدين لزيري؛ فالتقوا معهم، ودارت بينهم حرب صعبة انجلت عن قتل زيري وخلق من رجاله؛ واحتوى الزناتيون فيها على جميع عسكر زيري، وأدركوا ثأرهم منهم. ولما أن تم الأمر لأمراء زناتة وجعفر بن عليّ على ما أملوه من الفتح في عدوهم زيري بن مناد، بادر جعفر بمراسلة الحكم إلى الأندلس، ملقيا بنفسه عليه، معتصما بدعوته؛ ثم أرسل إليه أخاه يحيى؛ ثم سار إليه بنفسه، فحظي عنده.
قال ابن حماده: وفي ربيع الآخر من سنة 360، التقى يوسف بن زيري الصنهاجي، المشتهر اسمه ببلقين، مع محمد بن الخير أمير زناتة؛ فهزمه بلقين ابن زيري، وقتل جماعة من أهله ورجاله. فلما أيقن محمد بن الخير أن عدوه قد أحاط به، اتكأ على سيفه، فذبح به نفسه، أنفة من أن يملكه بلقين؛ فأتى بأمر عظيم سار ذكره بأرض الغرب. وملك بلقين بن زيري إثر ذلك الغرب، وقتل زناتة، وهدم مدينة البصرة وغيرها من مدن الغرب، ولم يثن عنانا عن مدينة سبتة؛ ومنها رجع، وإليها كان انتهاؤه؛ وصدر عاجزا عنها.
وفي ذي القعدة منها، خاطب المستنصر بالله قواده وعماله بكور الأندلس في استقدام كبارها وأعلام رجالها لمشاهدة دخول يحيى بن عليّ بن حمدون وبني خزر أمراء زناتة القادمين برأس زيري بن مناد الصنهاجي قائد معد بن إسماعيل الشيعي وبرؤوس أعيان أصحابه. فلما كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها، خرج صاحب السكة والمواريث، وقاضي
(2/243)

إشبيلية محمد بن أبي عامر لتلقي جعفر بن عليّ ويحيى أخيه، ومعه أربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب، منتقاة من دواب الخليفة، بسروج الخلافة ولجمها؛ ومعه الأخبية الديباجية وغير ذلك. فاحتل ابن أبي عامر بالمرسى الذي خرج فيه جعفر وبمقربة من مالقة. ثم وصل بعد ذلك للوافدين خيل وبغال من قبل الخليفة، وهوادج وكسوات وعماريات لعيال جعفر؛ ثم قدموا إلى قرطبة ببروز عظيم، واحتفال لدخولهم جسيم، حتى وصلا الخليفة. وقد ذكرت الشعراء شأن فراق جعفر وأخيه يحيى لسلطاتهما معد بن إسماعيل ومسيرهما إلى الخليفة الحكم، واعتافهما بحقه فيما مدحت به الخليفة الحكم وأكثرت في ذلك. وقال يوسف ابن هارون (كامل) :
وَلَقَدْ عَجِبتُ لِغَفلَةِ المستَنْصِرِ ... إذْ أكْتَفَ الجَيشَ اللُّهَامَ لجِعفَرِ
وَلَوَانَّ مَنْ أهوَاهُ وَجهَهُ ... قَامَتْ لَوَاحِظُهُ مَقَامَ العَسْكرِ
وفي يوم السبت لليلتين من ذي القعدة منها، جلس الخليفة الحكم فوق السرير جلوسا بهيا، وأوصل إلى نفسه أجناد الكور ووجوه أهلها، الذين استدعاهم لمشاهدة جعفر بن عليّ ومن أتى معه من أمراء زناتة، وأمرهم بالانصراف إلى بلادهم؛ فانصرف جند دمشق، وهم أهل إلبيرة، وجند حمص، وهم أهل كورة إشبيلية، وجند فنسرين، وهم أهل جيان، وجند فلسطين، وهم أهل شذونة، وغير هؤلاء.
وفي سنة 361، هاجت بالغرب حروب مع حسن بن قنون الحسني وقواد الحكم المستنصر بالله.
بعض أخبار حسن بن قنون الحسني أمير الغرب مع قواد الأندلس في هذه السنة. كان المستنصر بالله دعا محمد بن قاسم الناظر في الحشم، وأمره بالخروج إلى مدينة سبتة في رمضان من هذه السنة، قائدا على من يضمه إليه من طوائف الأجناد، للذي بدا من نقض حسن بن قنون، وانحرافه إلى دعوة معد صاحب
(2/244)

إفريقية واستدعائه من دن منه من أحزابه، مستعينا بهم فيما اعتزم عليه من نفاقه على الحكم، وإعلانه بإيقاع الدعاء الشيعي معد على منابر عمله، فأوصى الحكم قائده محمد بن قاسم باستعماله جده وجهده في مغاورة ابن قنون، وأمره، إن أظهره الله تعالى، أن يأخذ بالعفو والصفح، وإصلاح البلاد، واستصلاح الرعية؛ وأمره أن يستعين بمن دخل في الطاعة الأموية. فكان عبوره البحر إلى سبتة لإحدى عشرة بقيت من شوال منها؛ وتكاملت الجيوش والأساطيل بسبتة. وفي يوم السبت لأربع خلون من ذي القعدة ورد كتاب على المستنصر بالله بفتح طنجة، فتحها قائده على البحر عبد الله بن رماحس، يذكر أنه نازلها بالأسطول غرة ذي قعدة، ودعا أهلها إلى الطاعة والعود إلى الجماعة؛ فاستولوا الرد عليه؛ وكان حسن بن قنون داخلها يشد عزائمهم؛ فلما كان يوم الخميس، خرج حسن لقتال العسكر الخارج إليه من سبتة إلى تلون، وأبرز من طنجة عددا كثيرا من جنده الغربيين وأنصاره؛ فانهزموا أمام جيش الحكم، وولوا مدبرين؛ فلما رأى ذلك حسن، فرَّ هاربا في خاصة من أصحابه، لا يلوى على أحد، ولم يعرج على ما كان له ولأصحابه بطنجة من أموال وأخبية وأمتعه؛ فلما أمعن في فراره، وأسلم أهل طنجة، خرج شيخهم ابن الفاصل إلى القائد ابن رماحس مع جماعة وجوه طنجة، وهم ينادون (الطاعة لله ولأمير المؤمنين الحكم) ثم تقدم ابن الفاضل إلى القائد رماحس وطلب منه الأمان لأهل بلده؛ فأعطاه إياه، ودخل طنجة، ونهب ما كان بها لحسن بن قنون وأصحابه؛ وأنفذ القائد كتابه بالفتح إلى الخليفة.
وورد كتاب القائد محمد بن قاسم على المستنصر بالله لتسع بقين من ذي القعدة، يذكر أنه التقى مع حسن بن قنون؛ فدارت بينهما حرب شديدة، أجلت عن هزيمته، وقتل كثير من شيعته؛ وفر فيمن بقى معه إلى جبل حصين؛ فتبعه
(2/245)

الجند، وانفضوا عليه؛ فدارت بينهم حرب يسيرة؛ ثم انهزم أيضا، وخلف أثقاله، وفرَّ، لا يلوى على شئ؛ فصار الجبل بأيدي الجند، ونهبوا ما فيه؛ ثم نهضوا في اليوم الثاني إلى مدينة دلول؛ ففتحها الله لهم. ولحق بهم القائد محمد بن قاسم في العسكر؛ فقصد مدينة آصيلا، فدخلها؛ ودخل القائد إلى جامعها، فوجد فيه منبرا جديدا موسوما باسم الشيعي معد بن إسماعيل؛ فأمر بإحراقه بالنار، بعد أن خلع من أعلاه اللوح المنقوش فيه اسم معد، وكان فيه من الغلو ما في ذكره أمر كبير؛ فأمر باقتلاعه، وأرسله مع كتاب الفتح إلى المستنصر. وانصرف العسكر إلى مدينة دلول؛ فأمر بهدم أسوارها، وتضريم بيوتها نارا، وتركها عبرة. واستولي العسكر على ما كان بها، واستوسعوا في أطعمتها وما ترك فيها حسن المذكور.
وفي سنة 362، قتل القائد محمد بن قاسم بفحص مهران على يدي حسن ابن قنون، يوم الأحد لسبع بقين من ربيع الأول؛ وقتل في ذلك اليوم جملة من الجند الذين كانوا معه نحو الخمسمائة من الفرسان الأبطال الأندلسيين الأنجاد، ومن رجالتهم نحو الألف.
وفي غرة جمادى الآخرة، دخل إلى قرطبة جمع من مصمودة ممن كان مع حسن بن قنون، وهم سبعون رجلا، نزعوا إلى الطاعة.
وفيها، استدعى المستنصر بالله غالب بن عبد الرحمن، وأمره بحرب حسن ابن قنون الحسني عندما تفاقم أمره، وقتل الجند. وورد على المستنصر بالله كتاب فتح من قبل القواد بمدينة آصيلا، أنهم التقوا مع حسن بن قنون، فدارت بينهم حرب شديدة انهزم فيها حسن وقتل كثير من حماته. وقدم إلى قرطبة حنون بن إدريس صاحب مدينة العدوة الأندلسية من فاس، ورسول عبد
(2/246)

الكريم صاحب مدينة القرويين من فاس، يرغبان في طاعة أمير المؤمنين المستنصر، والقيام بدعوته؛ فكرم رسولهما، وأجمل موعودهما.
وفي شعبان منها، خوطب القائد غالب بأنه بعث إليه بعشرة آلاف دينار لصلات الخارجين إليه من أصحاب حسن بن قنون، يوزعها عليهم بحسب مقاديرهم؛ وقرن بها من فاخر الكسوة والسيوف المحلاة عدد كثير للخلع عليهم.
وفيها، أرسل المستنصر بالله الوزير يحيى بن محمد النجيبي إلى الغرب بعسكر، ممدا للقائد غالب، وجامعا لليد معه على الخالع للطاعة حسن بن قنون؛ فكان ذلك في خبر طويل.
وفي أواخر ذي القعدة، ورد على المستنصر كتاب القائد غالب يذكر صنع الله تعالى في افتتاحه حصن الكوم، وهرب المخذول عنه حسن بن قنون مع صهره صاحب البصرة عليّ بن خلوف وغيرهما.
وفي منتصف ذي الحجة، ورد كتاب صاحب الشرطة، قاضي القضاة بالغرب محمد بن أبي عامر، يذكر تعييد الناس يوم الخمس، وقيام الخطبة في المصليات هنالك للمستنصر بالله، وسرور المسلمين بذلك، وابتهاجهم به.
وفيها، كانت حروب مع الحسنيين يطول ذكرها، انجلت عن مقتل خلق كثير من أصحاب حسن بن قنون الحسني؛ وحز من رؤوس مشاهيرهم مائة رأس؛ وترك أكثرهم صريعا. وقتل في الهزيمة محمد بن أبي العيش الكتامي وكان من حسن محل أخيه تارة ومحل أبيه تارة أخرى.
وفي سنة 363، افتتح غالب، قائد الحكم المستنصر بالله، مدينة البصرة التي كان انتزى فيها محمد بن حنون الحسني، وذلك أن أهل البلد قاموا عليه، وقتلوا نائبه وخليفته عليهم، وابتدروا لمخاطبة القائد غالب، يستجلبونه إليهم؛ فوصلهم، وملك المدينة، وخاطب الخليفة بخبرها، وأدرج كتاب أهلها طيَّ كتابه.
(2/247)

وفي يوم الخميس منتصف صفر، ورد كتاب غالب على المستنصر، يذكر منصرفه عن بلد البصرة وأخذه رهنهم، ويذكر أنه قد صار إلى الطاعة جميع أهل الغرب وعامة قبائل البربر، ولم يبق فيه غير الخائن حسن بن قنون، وأنه قد صار من ضيق أمره في غمة. ووصل أهل البصرة إلى قرطبة الدافعين لأميرهم حسن، الداخلين في الطاعة.
وفيها، ورد الخبر السار على المستنصر بالله بإذعان الحسن بن قنون الحسني، ودخوله في طاعته؛ فشهد الخليفة صلاة الجمعة منسلخ جمادى الآخرة؛ فقعد بجامع قرطبة، وأعلم الوزراء بخضوع حسن بن قنون المنتزي عليه بالغرب، وأنه ورد عليه كتاب غالب بذلك، وأنه يوجه إليه ابنه عليّ بن حسن المذكور، وأن الخطبة قامت بدعوته في قلعة حجر النسر؛ فاستبشر الوزراء وعنؤه، وغبطوه وأعلنوا بالسكر لله تعالى والدعاء للخليفة، وأطالوا في ذلك.
وفي سنة 364، قدم على المستنصر قائده غالب بن عبد الرحمن قافلا من عدوة الغرب، ومعه حسن بن قنون وسيعته بنو إدريس الحسنيون ملوك الغرب، المستنزلون من معاقلهم إلى الأندلس، حافين بشيخهم المشتهر بحنون، واسمه أحمد بن عيسى، صاحب مدينة الأقلام وما ولاها؛ ومعه اخوته وبنو عمه وبنوهم وأهلوهم؛ فأمر باحتمال هؤلاء الأشراف من المحلة، في ظلام ليلة الخميس لأربع خلون من المحرم، إلى الدور التي أخليت لهم بقرطبة؛ فأرسل القوم معهم ثقاتهم من فتيانهم ومواليهم، حتى أدتهم إلى الدور المعدة لهم، بعد أن فرشت مجالسها بشيء يطول ذكره.
وفيها، كان اعتلال الخليفة الحكم، في ربيع الأول؛ واحتجب عن جميع مملكته إلى أن تخلف وصبه، وظهر لخاصته يوم الجمعة لليلة بقيت من ربيع الآخر منها. وفي عقب ربيع المذكور، أعتق الحكم نحوا من مائة رقبة من عبيد، له
(2/248)

فيه لبعضهم تدبير، ولباقتهم عتق بتل ومؤجل، خلص به جميعهم من الرق؛ وعقدت بذلك وثائق. فكان أول من أوقع شهادته فيها أبو الوليد هشام بن الحكم، ثم الفقهاء أهل الشورى، ثم العدول.
وفيها، حبس الحكم حوانيت السراجين بقرطبة على المعلمين لأولاد الضعفاء.
وفيها، أسقط الحكم سدس جميع المغارم عن الرعايا بجميع كور الأندلس، شكرا لله على أنظاره له.
وفيها، كان جيشان العدو - خذله الله - ومنازلته بعض حصون المسلمين.
وفيها، كان الظفر بأبي الأحوص معن بن عبد العزيز النجيبي؛ فقبض عليه رشيق، وبعثه مكبولا إلى قرطبة مع عشرة من أصحابه؛ وكان يظاهر المشركين ويدلهم على عورات المسلمين؛ فأخذه الله.
وفي سنة 365، خرج من قرطبة جعفر ويحيى، ابنا عليّ بن حمدون بن الأندلس، قائدين إلى الغرب من العدوة، وبين أيديهما الألوية والطبول مديلين للوزير يحيى بن محمد بن هاشم.
وفيها، كان الإعلان ببيعة أبي الوليد هشام بن الحكم، وأن تؤخذ له من الخاصة والعامة بقرطبة وسائر كور الأندلس، وما إلى طاعته من بلاد الغرب. وذكره في الخطبة على المنابر في الجمعة والأعياد، وذلك مستهل جمادى الآخرة: قعد أمير المؤمنين الحكم بقصره، وافتتح الكلام بما عزم عليه من تقليد ابنه عهده الخلافة من بعده؛ فالتزمت بيعته، وأخرجت نظائر من كتب البيعة ليوقع شهادته كل من التزمها؛ وتولي إعطاءها للناس على مراتبهم المنصور محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ صاحب الشرطة والمواريث، وميسور الفتى الجعفري الكاتب.
(2/249)

وفيها، خرج الوزير يحيى بن محمد بن هاشم قائدا إلى سرقسطة، وبين يديه الطبول والبنود.
وفيها، نفذ عهد الحكم إلى الوزير صاحب المدينة جعفر بن عثمان المصحفي بإطلاق أبي الأحوص النجيبي من سجن المطبق مع أصحابه؛ فصفح الحكم عنهم.
وفي سنة 366، توفى أبو عليّ البغدادي، صاحب النوادر، المعروف بالقاليّ، منسوب إلى قالي قلا من ديار المشرق.
وفيها، مات محمد بن يحيى النحوي، وأبو مروان المرادي، وعبد الملك بن سعيد؛ فكانت تسمى سنة الأدباء.
وكمل بناء المسجد سنة 65؛ كان المنبر الذي صنعه الحكم مدخلا من عود الصندل الأحمر والأصفر والأبنوس والعاج والعود الهندي؛ قام على الحكم - رحمه الله - بخمسة وثلاثين ألف دينار وسبعمائة دينار وخمسة دنانير؛ وكان تمامه في خمسة أعوام.
ووجد بخط المستنصر بالله تأريخ وفاة قاضيه وقاضي أبيه منذر بن سعيد البلوطي، وأنه توفى يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي قعدة من سنة 55؛ وكان مولده سنة 273؛ فكان عمره اثني وثمانين سنة. وكان في هذا القاضي منذر دعابة يعرض بها ويتعرض له بها؛ فكتب إليه قوم من أهل المجانة والظرف (خفيف) :
قُلْ لِقَاضي الجماعة البَلُّوطي ... ما ترى في خريدة كالخُوطِ
ناكها للثواب قَوْمٌ ظِرافٌ ... هَلْ تَرَى سيِّدِي بذا مِنْ سُقُوطِ
فوقع لهم في كتابهم: (لا منفردة) . فقال له من حضر: (ما هذا؟) . فقال: (أردت لا أرى ذلك) . فقالوا: (لا يفهم عنك إلا غيره) . فقال: (كل يجاوب على معتقده) !. فكان له - رحمه الله - نوادر مستحسنة، وغرائب مستملحة.
(2/250)

ذكر اتصال محمد بن أبي عامر بخدمة الحكم المستنصر
قال بعض المؤرخين: كان اتصال ابن أبي عامر بالحكم، فيما حدثني به ابن حسين الكاتب والأديب أبو إسحاق بن محمد الإفليلي وغيرهما من المشيخة أن الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، القائم بدولة الحكم، خلا في بعض الأيام بالقاضي محمد بن إسحاق بن السليم؛ فشكا إليه ابن السليم شجوه بمحمد بن أبي عامر ووصف له حاله. فلما طلب الحكم له وكيلا لولده عبد الرحمن الدارج في حياته، ذكر له جعفر ابن أبي عامر بخير، ووصف لأم عبد الرحمن جماعة اختارت منهم ابن أبي عامر، وذلك باختيار جعفر له؛ فنصبه الحكم لخدمتها وخدمة ابنها عبد الرحمن.
فلما مات عبد الرحمن، بقى في خدمة أمه السيدة، وكانت قد ولدت هشام بن الحكم؛ فصرف ابن أبي عامر لوكالته. وكان تقدمه أولا لوكالة الولد عبد الرحمن يوم السبت لتسع خلون من ربيع الأول سنة 356؛ وأجرى عليه في ذلك الوقت خمسة عشر دينارا في الشهر مرتبا بالوازنة. فبدا من نصحه وحسن نظره ما عرف له؛ ثم استأثر الله بعبد الرحمن؛ فصرف إلى وكالة هشام، يوم الأربعاء لأربع خلون لرمضان سنة 359. وكان قد تقدم للنظر في امانة دار السكة يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت لشوال من سنة 56. كانت ولايته أولا لوكالة، وأضاف له الخزانة؛ ثم قدمه على خطة المواريث يوم الخميس لسبع خلون من المحرم سنة 358. واستقضاه على كورة إشبيلية ولبلة وأعمالها يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 58 المذكورة. وفي سنة 361، قدم الحكم المستنصر بالله محمد بن أبي عامر على الشرطة الوسطى في جمادى الآخرة، وأهاب به إلى الأمانات بالعدوة؛ فاستصلحها واستمال أهلها؛ وجعله قاضي القضاة بالغرب من العدوة، وأمر عماله وقواده ألا ينفذوا شيئا دونه، إلا بمشورته؛ ثم أضاف إليه الحكم النظر في الحشم، وهو في علته التي مات فيها بالفالج.
(2/251)

وقيل أيضا إن سبب ظهوره كان خدمته للسيدة صبح البشكنشية، أم عبد الرحمن وهشام؛ فكانت أقوى أسبابه في تنقيل الملك عما قليل إليه؛ فإنه استمال هذه المرأة بحسن الخدمة، وموافقة المسرة، وسعة البذل في باب الإتحاف والمهاداة، حتى استهواها، وغلب على قلبها؛ وكانت الغالبة على مولاها، وابن أبي عامر يجتهد في برها والمثابرة على ملاطفتها؛ فيبدع في ذلك، ويأتيها بأشياء لم يعهد مثلها، حتى لقد صاغ لها قصرا من فضة وقت ولايته السكة، عمل فيه مدة، وأنفق فيه مالا جسيما؛ فجاء بديعا، لم تر العيون أعجب منه؛ وحمل ظاهرا لأعين الناس من ذار ابن أبي عامر، وشاهد الناس منه منظرا بديعا، لم تر العيون أعجب منه؛ فتحدث الناس بشأنه دهرا، ووقع من قلب المرأة موقعا لا شئ فوقه؛ فتزيدت في بره، وتكفلت بشأنه، حتى تحدث الناس بشغفها به. وقال الحكم يوما لبعض ثقاته: (ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك قلوبهن، مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا هداياه، ولا يرضيهن إلا ما أتاه؟ إنه لساحر عليم، أو خادم لبيب! وإني لخائف على ما بيده!) ثم سعى به إلى الحكم، وقيل عنه إنه قد أسرع في إتلاف مال السكة الموقوف قبله؛ فأمره الحكم بإحضاره ليشاهد سلامته؛ فأظهر الإسراع إلى ذلك، وقد استهلك جملة من الأموال؛ فألقى نفسه في جبرها على الوزير ابن حدير في إسلافه إياها؛ وكان صديقا له؛ فياسره فيه، وةحمل المال إليه من وقته؛ فتمم به ما قبله، وارتفعت الظنة عنه؛ فأكذب الحكم ما رفع إليه عنه، وازداد عجبا به، وأقره على حاله؛ فرد ابن أبي عامر المال لابن حدير من حينه، ولصق بالحكم، وصار في عداد كنفاته.
واشتغل قلب الحكم، آخر أيامه، بأمر العدوة ومن جرده إليها من عساكره لحرب الأدارسة وغيرهم، واغتم لما خرج من يده في ذلك الوجه من الأموال.
(2/252)

فقلد ابن أبي عامر قضاء القضاة بالغرب، وجعله عينا على العسكر، وأوعز إليه في مهماته؛ فسار ابن أبي عامر إلى هنالك؛ فحمدت سيرته، وصحب حينئذ وجوه العسكر وأشياخ القبائل وملوكهم؛ فكانت تلك الحركة أول ظهوره، وبعد رجوعه منها، لم يزل يزداد نبلا، ويرتقى منزلة، وهو مع ذلك كله يغدو إلى دار جعفر بن عثمان المصحفي وزير الدولة ويروح، ويختص به، ويدعى نصيحته.
وفي سنة 366، توفى الحكم المستنصر بالله بعد اتصال علته؛ وجعفر بن عثمان يدير سلطانه إلى حين وفاته، ليلة الأحد لثلاث خلون لرمضان من السنة المؤرخة.

خلافة هشام بن الحكم
ابن عبد الرحمن الناصر والدولة العامرية
نسبه: تقدم في خلافة أبيه وجده. كنيته: أبو الوليد. لقبه: المؤيد بالله. أمه: صبح البشكنشية، أم ولد، وكان سيدها الحكم يسميها بجعفر، وكانت مغنية حظية عنده، وتوفيت في خلافة ابنها هشام. بويع له يوم الاثنين لأربع خلون من صفر سنة 66 بعهد من أبيه، وهو ابن إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر؛ وخلع يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة 399؛ فكانت خلافته الأولى، إلى أن قامت الفتنة، ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. وفي الخلافة الثانية سنتين وعشرة أشهر؛ الجميع الذي كمل له في المؤتين ستة وثلاثون سنة وشهران وعشرة أيام. صفته: أبيض، أشهل، أعين، خفيف العارضين، لحيته إلى الحمرة، حسن الجسم، قصير الساقين، مائل إلى العبادة والانقباض، مقبل على تلاوة القرآن ودرس العلوم، كثير الصدقات على أهل الستر من الضعفاء والمساكين.
(2/253)

قضاته: محمد بن السليم، ألقاه قاضيا لأبيه فأقره على ولايته؛ ثم أبو بكر ابن زرب؛ ثم محمد بن يحيى التميمي عرف بابن برطال، وغيرهم.
نقش خاتمه: (هشام بن الحكم، بالله يعتصم) . وتولي عقد الشهادة على الناس في البيعة بين يديه وكيله وصاحب شرطته الوسطى والسكة والمواريث أبو عامر محمد بن أبي عامر، بعدما كان قاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم يأخذها على من شهد المجلس من الأعمام وأبنائهم والوزراء وطبقات أهل الخدمة ورجالات قريش وأعلام أهل الحضرة.
فلما كان يوم السبت السادس من جلوس هشام، وهو العاشر لصفر سنة 366، قلد الخليفة هشام حجابته وزير أبيه الأخص أبا الحسن جعفر بن عثمان المصحفي. وفي هذا اليوم، أنهض الخليفة هشام محمد بن أبي عامر إلى خطة الوزارة، نقله إليها عن شرطته الوسطى وأجراه رسيلا لحاجبه جعفر في تدبير دولته؛ فماده محمد شأوا، وجرى إلى غاية برز فيها دونه، سابقا في الحلية، وتخلف جعفر عن مداه.
ومن أخبار جعفر بن عثمان المصحفي: هو أبو الحسن جعفر بن عثمان بن نصر بن فوز بن عبد الله بن كسيلة القيسي. كان لطيف المنزلة من الحكم المستنصر بالله، قديم الصحبة، قريب الخاصة؛ وكان أول سبب ذلك تأديب والده عثمان بن نصر للحكم في صباه، واستخدمه في أيام والده الناصر، واستكتبه، ورقاه إلى خطة الشرطة الوسطى والنظر في عدة من الأعمال والكور. فلما أفضت الخلافة إلى الحكم، قلده، بعد ثلاثة أيام من خلافته، خطة الوزارة، وأمضاه على الكتابة الخاصة؛ ثم جمع له الكتابة العليا بالخاصة، وولي ابنيه الأعمال الكبار. وكان جعفر بن عثمان أحد شعراء الأندلس المحسنين، المتصرفين في أنواع الشعر من المديح والأوصاف والغزل، غاية في كل ذلك في الرقة والإبداع والحسن. وقد تقدم قوله مرتجلا: (هنيا للإمام والأنام) وقوله مرتجلا: (تطلع البدر من حجابه) وغير ذلك.
(2/254)

قال ابن بسام: كان جعفر بن عثمان رجلا بلغ المنتهى، وسوغ برهة من دهره ما اشتهى، دون مجد تفرع من دوحته، ولا فخر نشأ بين مغداه وزوجته. فسما دون سابقة، وارتقى إلى رتبة لم تكن لبينته مطابقة؛ فلم يزل يستقل ويضطلع، وينتقل من مطلع إلى مطلع، حتى التاح في أفق الخلافة، وارتاح إليها بعطفها كنشوان السلافة؛ وحجب الإمام، وانسكب برأيه ذلك الغمام. فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشرك، واقتنى وادخر، وأزرى بمن سواه وسخر. واستعطفه محمد بن أبي عامر، ونجمه غابر لم يلح، وسره مكتوم لم يبح؛ فما أقبل عليه ولا عطف، ولا جنا من روضة دنياه زهرة أمل ولا قطف؛ وأقام في تدبير الأندلس، وهو يجري من السعد في ميدان رحب، ويكرع من العز في مشرب عذب. وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم المحاسن مسارع. فمن ذلك ما بعثه عليه إيناس دهره وإسعاده، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده (طويل) :
لِعَيْنِكِ في قَلبِي على عُيُونُ ... وبَيْنَ ضُلُوعِي للشُجُونِ فُنُونُ
لَئِنْ كان جِسْمي مُخلَقاً في يَدِ ألَوَى ... فحُبُّكِ غَضٌ في الفُؤادِ مَصُونُ
وله، وقد أصبح يوما عاكفا على حمياه، هاتفا بإجابة دنياه، مرتشفا ثغور الأنس متنسما رياه، والملك يغازله بطرف عليل، ويبرم من أنسه كل نحيل، والسعد قد عقد عليه أيَّ إكليلي، يصف لون مدامه، وما يعرف منها دون ندامه؛ فقال (كامل) :
صَفْراءُ تَبْرُقُ في الزُّجاج فإِنْ سَرَتْ ... في الجسم دبَّت مِثلَ صِّلٍ لادِغِ
عَبَثَ الزمانُ بحُسنِها فتستَّرَتْ ... عن عَيْنه ثَوْبِ نُورٍ سابِغِ
خَفِيَتْ على شُرَّابِها فكأنَّما ... يَجِدُونَ رِيِّا في إِناءِ فارِغِ
واستمر في حجابته، ومر بين سمع الدهر وإجابته، والنفوس العلية من تناهي حاله متغيرة، وفي تكيف سعده متحيرة. ولم يزل لنجاد تلك الخلافة معتقلا، وفي
(2/255)

مطالعها متنقلا، إلى أن توفى الحكم؛ فانفصم عنده المحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسددت له الخطوب بسهام صوائب؛ واستولي عليه الكسل، وأسرعت إليه الذوابل والأسل، وتعاوره الإدبار، وساوره من المكروه ما فيه اعتبار؛ وانتقل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما اختص بيزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شب قبل اليوم عن طوقه عمرو؛ فاعتقل بتلك النجاد، واستبد به دون أولئك الأمجاد، وانبرى إلى المصحفي بصدر كان قد أوغره، وجد سام طال ما استقصره؛ فأباده ونكبه، وسلب جاهه وانتهبه، وأقنص من تلك الإساءة، وأغصَّ حلقه بكل مساءة، وألهب جوانحه حزنا؛ ونهب له مدخرا ومختزنا، ودمر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط؛ فبقى سنين في مهوى النكبة، وجوى تلك الكربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين أظفار التضييق أو في لهواته، وهو يستعطف ويستميل، فلا يتحقق له رجاء ولا تأميل، إلى أن تكورت شمسه، وقاضت بين أنياب المحن نفسه؛ فاغتيل في المطبق، ونفذ فيه أمر الله وسبق.

بعض أخبار المنصور محمد بن أبي عامر في ابتدائه
نسبه: هو أبو عامر محمد بن أبي حفص عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الداخل إلى الأندلس مع طارق؛ وكان له في فتحها أثر جميل؛ وكان في قومه وسيطا؛ وقد ذكره محمد بن حسين الشاعر العالم بأخبار الأندلس في بعض أمداحه للمنصور هذا، فقال (طويل) :
وَكُلُّ عَدُوٍّ أنت تَهْدِمُ عَرشَهُ ... وَكُلُّ فُتُوحٍ عنك يُفْتَحُ بَابُها
وإنَّك من عبد الملِيك الذي له ... حُلَى فضتحِ قَرطَاجَنَّةٍ وانتِهابُها
جَبَاها أبو مَروانَ جَدُّك قابضاً ... بكفٍّ تليدٌ طعْنُها وضِرابُها
فإنْ سَنَحَتْ في الشِركِ من بَعْدِ فَتحِهِ ... فُتُوحٌ فَمَصْرُوفٌ إليك ثَوَابُها
(2/256)

وجده عبد الملك هو الذي دخل مع طارق ونزل الجزيرة الخضراء لأول الفتح؛ فساد أهلها، وكثر عقبه فيها؛ وتكررت فيهم النباهة والوجاهة؛ وجاور الخلفاء منهم بقرطبة جماعة أحدهم أبو عامر محمد بن الوليد، الذي عرف آل عامر طرَّا به. وساد بعده ولده عامر، وتقدم عند الخلفاء، وولي الأعمال، ومات بقرطبة؛ وباسمه نقش محمد السكك، ورقم الأعلام. وكان عبد الله السكنى بأبي حفص، والد محمد المنصور، من أهل الدين والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان؛ سمع الحديث، وأدى الفريضة، ومات منصرفا من حجه بمدينة إطرابلس المغرب؛ وأصهر التميميين المعروفين بقرطبة ببني برطال؛ فنكح بريهة بنت يحيى بن زكريا؛ فولدت له أبا عامر المنصور، وأخاه يحيى. وكانت أم عبد الله، والد المنصور، بنت الوزير يحيى بن إسحاق، وزمر الناصر لدين الله وطبيبه.
وكان محمد هذا حسن النشأة، ظاهر النجابة، تتفرس فيه السيادة؛ سلك سبيل القضاة في أولىته، مقتفيا آثار عمومته وخولته؛ فطلب الحديث في حداثته، وقرأ الأدب، وقيد اللغات على أبي علي البغدادي، وعلى أبي بكر بن القوطية؛ وقرأ الحديث على أبي بكر بن معاوية القرشي، راوية النسائي، وغيره من رؤساء أهل المشرق؛ وبرع بروعا أدناه، مع نوازع سعد وبوادر حظ، من الحكم المستنصر؛ فقربه وصرفه في مهم الأمانات وأصنافها؛ فاجتهد وبرز في كل ما قلده، واضطلع بجميع ما حمله.
وكان الحكم، لشدة نظره في الحدثان، يتخيل في محمد بن أبي عامر أكثر الصفات المجتمعة إلى النسب والبلدة. وكان يجد القائم عليهم من الجزيرة الخضراء، أصفر الكفين. فيقول لخاصته: (ألا ترون صفرة كفيه؟) فإذا قالوا له: (أرح نفسك منه!) يقول: (لو كانت به شجة، لكانت تكملة صفاته) . فكان من قدر الله أن حدثت الشجة بمحمد بعد موت الحكم بضرية غالب
(2/257)

الناصري له، وبها تم الأثر فيه؛ كما أن الحكم قد كان وقف في الأثر على البقعة التي بنيت فيها الزاهرة؛ وكانت ملوك المروانية تتخوف ذلك، وكان ألهجهم بشأنها الخليفة الحكم؛ فنظر في أمرها، وهي البقعة المعروفة بألش (بفتح اللام) ، وهي بغربي قرطبة؛ ووجد انتقال الملك إليها؛ فأمر حاجبه جعفرا بالسبق إليها والشروع في بنائها طمعا في مزية سعدها، وأن لا يخرج الأمر عن يد ولده؛ وأنفق عليها مالا عظيما؛ فكان من غريب الأمور أن محمد بن أبي عامر تولي النظر في شأنها مع من نظر فيها، وهو يومئذ في حال النتوة والاحتياج، ولا يعلم يومئذ به. فسبحان من يؤتي ملكه من يشاء.
ثم رفع إلى الحكم أن البقعة بغير ذلك الموضع، وأنها بشرقي مدينة قرطبة؛ فأنفذ ثقته محمد بن نصر بن خالد للوقوف عليها، وانتهى إلى منزل أبي بدر المسمى بألش (مضمومة اللام) ، وأصاب هنالك عجوزا مسنة وافقته على حد الارتياد، وقالت له: (سمعنا قديما أن مدينة تبنى هنا، ويكون على هذا البئر نزول ملكها) . فعاد إليه محمد بن نصر بالجلية؛ فلم تطل المدة حتى بناها ابن أبي عامر، وتبوأ أرجاء ذلك البشر قرارة. وكان المنصور على ثقة من سرعة انتقال الملك إليه، لا يشك في ذلك لأنه تمكن من مطالعة ما كان عند الحكم؛ فوقف على الجلية.
ولم يزل الحكم يقدم محمدا ويؤثره، إلى أن ولي العهد ابنه هشام؛ فزاد مقداره لخاصته بولي العهد ومكانه من السيدة والدته؛ فاحتاج الناس إليه وغشوا بابه؛ فأنساهم من سلف من أصحاب السلطان سعة إشعاف، وكرم لقاء، وسهولة حجاب، وحسن أخلاق؛ فعرض جاهه، وعمر بابه، وأتسع في بناء داره بالرصافة، واتخذ الكتاب الجلة، واستصحب سراة الصحابة. وكانت مائدته موضوعة لمن ينتاب داره، وهمته تترامى إلى وراء ما يناله؛ وهو في هذا كله يغدو إلى دار جعفر بن عثمان المصحفي ويروح، ويصيح ببابه ويختص به.
(2/258)

ثم اتصلت علة الخليفة الحكم من الفالج، وجعفر يدير سلطانه. ووقع إرجاف بموت الحكم؛ فأشار محمد بن أبي عامر على جعفر بن عثمان باستركاب ولي العهد هشام في ذلك اليوم في الجيش، إرهابا لأهل الخلاف؛ ففعل وركب في الناس ركبته المشهورة، ومحمد بن أبي عامر بين يديه، قد كساه الخزَّ، ونقله إلى أكابر أهل الخدمة. وأمر ولي العهد هشام في ذلك اليوم وهو العاشر لصفر من سنة 66 بإسقاط ضريبة الزيتون المأخوذة في الزيت بقرطبة، وكانت إلى الناس مستكرهة؛ فسروا بذلك أعظم سرور، ونشب شأنها إلى محمد بن أبي عامر، وأنه أشار بذلك؛ فأحبوه لذلك. ولم تزل الهمة تحذوه، والجد بحظيه، والقضاء بساعده، والسياسة الحسنة لا تفارقه، حتى قام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها إنافة، وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة، واستشعر اليمن كل فريق. وأسقط جعفرا المصحفي، وعمل فيه ما أراده.
فأول غزوة فصمها من عرى المملكة عزوة الصقالبة الخدم بالقصر موضع الخلافة؛ وكانوا أبهى حلل المملكة، وأخص عددها؛ عنى الخلفاء يجمعهم والاستكثار منهم؛ وكانوا خاصة الناصر والحكم بعده، حتى لقد ظهرت منهم في زمن الحكم أمور قبيحة أغضى عنها مع إيثاره العدل واطرح الجور بالجملة. وكان يقول: (هم أمناؤنا وثقاتنا على الحرم؛ فينبغي للرعية أن تلين لهم، وترفق في معاملتهم؛ فتسلم من معرتهم، إذ ليس يمكننا في كل وقت الإنكار عليهم.) ولما مات الحكم، كان الصقالبة أكثر جمعا وأحد شوكة، يظنون أن لا غالب لهم وأن الملك بأيديهم. وكانوا نيفا على الألف محبوب؛ فحسبك بما يتبعهم؛ وكان رأسهم فائق المعروف بالنظامي، صاحب البرد والطراز؛ ويليه صاحبه جوذر صاحب الصاغة والبيازرة؛ وإليهما كان أمر الغلمان الفحول بخارج القصر. وكان قد جرى بين فائق وجوذر مع الحاجب جعفر المصحفي إثر موت الحكم
(2/259)

ما أذكره: وذلك أنه لما توفى الحكم، خفى موته على وزيره جعفر وسائر أهل المملكة لطول تردده في العلة، وتفرد بعلم ذلك في وقته خادماه الخاصان به: فائق وجوذر؛ فاستظهرا بكتمان ذلك، وتقدما في ضبط الدار، وخلوا للتشاور، وقد عزما على رد الأمر للمغيرة بن الناصر، أخي مولاهما الحكم، خشية من انتثاره على ابنه هشام، لصغر سنه، وإنكار الناس لتقديمه على أن يقر ابن أخيه هشاما على العهد بعده؛ فيمنا على المغيرة بسوق الخلافة إليه، وبقيا لمولاهما بارتقاب كبر ولده، ويكون الملك في أيديهما بحاله؛ وكان رأيا حسنا لو أراد الله به.
فلما اتفقا على ذلك، قال جوذر لفائق: (ينبغي أن نحضر جعفر بن عثمان الحاجب؛ فنضرب عنقه؛ فبذلك يتم أمرنا) . فقال له فائق: (سبحان الله يا أخي! تشير بقتل حاجب مولانا وشيخ من مشيختنا دون ذنب، ولعله لا يخالفنا فيما نريده، مع افتتاحنا الأمر بسفك الدم.) فأرسلا في جعفر بن عثمان؛ فحضر: ونعيا إليه الحكم، وعرضا عليه ما أجمعا عليه من الرأي. فقال لهما جعفر: (هذا، والله! أسد رأي وأوفق عمل؛ والأمر أمركما؛ وأنا وغيري فيه تبع لكما. فاعزما على ما أردتما، واستعينا بمشورة المشيخة؛ فهي أنفى للخلاف، وأنا أسير إلى الباب، فأضبطه بنفسي؛ وأنفذا أمركما إلى بما شئتما.) وخرج عنهما؛ فضبط باب القصر، وتقدم في إحضار أصحاب الهاشمية مثل زياد بن أفلح مولي الحكم، وقاسم بن محمد، ومحمد بن أبي عامر، وهشام بن محمد بن عثمان، وأشباههم؛ واستدعى بني برزال، إذ كانوا بطانته من سائر الجند. واستحضر سائر قواد الأجناد الأحرار؛ فاجتمع له من هذه الطوائف ما شد ركنه وقوى أيده؛ فنعى لهم الخليفة، وعرفهم مذهب الصقالبة في نكث بيعة هشام؛ وأقبل بثبت أصحابه، وقال لهم: (إن جبسنا الدولة على هشام، أمنا على أنفسنا، وصارت الدنيا في أيدينا؛ وإن انتقلت إلى المغيرة قبل أن يبلغه موت أخيه، فتمكنه الحيلة. فعمل
(2/260)

برأيهم؛ فتوافقوا فيما بينهم النهوض إلى قتله؛ فكفوا وجبنوا؛ فبدرهم محمد بن أبي عامر وقال: (يا قوم إني أخاف فساد أمركم، ونحن تبع لهذا الرئيس وأشار إلى جعفر، فينبغي ألا نختلف عليه، وأنا أتحمل ذلك عنكم إن أجذبني إليه؛ فاحفضوا عليكم!) فأعجب جعفرا والجماعة ما كان منه، وولوه شانه، وقالوا له: (أنت أحق بتولي كبره لخاصتك بالخليفة هشام ومحللك من الدولة.) فأرسل جعفر معه طائفة من الجند الأحرار، وثق بهم لذلك.

مقتل المغيرة بن عبد الرحمن الناصر
فركب محمد بن أبي عامر إلى المغيرة من ساعته، وركب معه بدر القائد مولي الناصر في مائة غلام من غلمان السلطان، ووقف لهم خارج باب دار المغيرة، وأحاط سواه من أصحاب محمد بجهاتها، واقتحم محمد عليه؛ فوجده مطمئنا على غير استعداد؛ فنعى إليه أخاه الحكم، وعرفه بجلوس ابنه هشام في الخلافة، وأن الوزراء خشوا خلافه، فأنفذوه لامتحان القصة. فاشتد ذعره؛ ثم استرجع عليه، واستبشر يملك ابن أخيه، وقال: (أعلمهم أني سامع مطيع واف ببيعتي؛ فتوثقوا مني كيف شئتم!) وأقبل يستلطف ابن أبي عامر، ويناشده الله في دمه، ويسأله المراجعة في أمره، حتى رق له محمد، وكتب إلى جعفر يصدقه عنه ويصف له الصورة التي وجده عليها من السلامة والطمأنينة، ويستأذنه في شأنه. فرد عليه جعفر يلومه في التأخير، ويعزم عليه في التصميم، ويقول له: (غررتنا من نفسك؛ فانفذ لشأنك؛ أو فانصرف، نرسل سواك.) فحمى محمد لجوابه، وعرض الرقعة على المغيرة، وجعلها بيده، وزال عن وجهه، وأدخل عليه تلك الطبقة؛ فقتلوه خنقا في مجلسه، وعلقوا جسده في مخدع يتصل بمجلسه، كهيئة المختنق من تلقاء نفسه، وذلك كله بمعاينة حرمه. ثم أشاعوا أنه خنق نفسه، لما أكرهوه على الركوب لابن أخيه؛ فطاح دمه على هذه الصورة.
(2/261)

وكان سنه يوم قتل سبعا وعشرين سنة. ثم تقدم محمد بإخفاء ذلك، وأمرهم بدفنه في مجلسه، وأن يسدوا أبوابهم، فيأمنوا بذلك على ولده ونعمته.
وعاد ابن أبي عامر إلى جعفر بالقصة؛ فطابت نفسه، وصير محمدا إلى جانبه، وشكره. ووصل الحادث على المغيرة إلى جوذر وفائق؛ فدهشا، وسقط في أيديهما. وقال جوذر لفائق: (قد نصحت لك، فلم تسمع مني!) وكان أكمل دهاء منه. فانكفشا إلى جعفر، فأظهرا له السلامة والاستبشار بما أتاه، والاعتذار مما رأياه، وقالا له: (إنَّ الجزع أذهلنا عما أرشدك الله إليه. فجزاك الله عن ابن مورنا خيرا، وعن دولتنا وعن المسلمين!) فأظهر لهما بعض القبول. وانغمس جعفر في الشغل بأمر البيعة أياما، وفي نفسه للصقالبة ما لا تهنيه معه عيشة، وفي أنفسهم له أبرح لوعة.
وأجلس جعفر هشام بن الحكم للبيعة بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لأربع خلون من صفر سنة 366؛ ودعا الناس ابن أبي عامر للبيعة؛ فلم يختلف عليه اثنان. فكان لابن أبي عامر في أخذها أثر كبير، تذاكره الناس، وعلا شأنه ومكانه، وبعد في الناس صيته.

بعض أخبار الصقالبة مع ابن أبي عامر
وذلك أنه لما تمكنت الوحشة ما بين جعفر والصقالبة، انحرفوا عنه، وكرهوا ولاية هشام. فأخذ جعفر حذره منهم؛ وأذكى العيون؛ وبلغه أن جوذرا وفائقا يديران على الدولة، ويدسان في ذلك إلى بعض من في قيادتهما من وجوه الغلمان والفحولة؛ وكان الدخول والخروج إليهما على باب الحديد؛ فأمر الحاجب جعفر المصحفي بسده بالحجر، وصير دخول الناس على باب السدة، فحسم شر الصقالبة، وصيرهم تحت الرقبة. ونظر جعفر في غزالة الغلمان الفحولة عن رسم هذين الصقلبيين بمواطاة محمد بن أبي عامر؛ ودس محمدا إلى من طلبهم
(2/262)

له؛ فتقدم عليهم محمد بن أبي عامر؛ فكان يطأ عقبه منهم خمسمائة غلام، فاشتد بهم أرزه، وفخم أمره، وقدمهم في الإنزال والعطاء؛ فأحبوه؛ ثم انقلب بنو برزال إلى محمد بن أبي عامر، وصاروا في قيادته. فاعتز بالطائفتين، وقهر عدوه، وتبعه سائر الجند. فهان أمر الصقالبة عنده.
ثم إن جوذرا الفتى استأذن السلطان في الخروج إلى داره مستعفيا من الخدمة، وهو يظن أنه لا يجاب إلى ذلك؛ فأذن له في الخروج؛ فاشتد وعيد أصحابه، وزاد كلامهم؛ وكان أجسرهم على ذلك دري الفتى الصغير، لما فيه من التمرد والجهالة؛ فحرك جعفر ابن أبي عامر لإزالته والراحة منه، وقال: (حاول عليه!) فدس إلى رعبته ببياسة، وأمرهم بالشكوى به وبعماله، ووعدهم العدوى عليه والإراحة من جوره؛ فسارعوا إلى ذلك. ورفع الحاجب جعفر قصته إلى السلطان، وقد أحكم ابن أبي عامر شأن التدبير عليه؛ فخرج التوقيع بالجمع بين ذري وبينهم، والنظر في مصالحهم؛ فاستدعى دري إلى بيت الوزارة؛ فلما أشرف على الدار، ورأى من أعد فيها، أحسن بالشر؛ فخنس راجعا؛ فمنعه ابن أبي عامر، وقبض عليه؛ فتجاذبا؛ فبطش دري بابن أبي عامر، وقبض على لحيته؛ فصاح محمد بن أبي عامر بمن حضر من الجند؛ فاحتشم الأندلسيون دريا، وأسرع بنو برزال إلى إجابته؛ فتقدموا إلى دري، فأوجعوه ضربا؛ ولحقته ضرية بصفح السيف، أزالت عقله، وحمل للوقت إلى داره؛ فعوجل من ليلته بالقتل. وأمر في الوقت فائقا وجماعة من كبارهم بالخروج إلى ديارهم والتزامها؛ فخرجوا إليها. وانحصدت شوكة الصقالبة حينئذ، وفل حدهم؛ وتجرد ابن أبي عامر لطلبهم، فاستخرج منهم أموالا جمة. وآلت حال فائق إلى أن صير إلى الجزائر الشرقية؛ فمات هنالك.
وفي خروج الصقالبة من القصر، يقول سعيد الشنتريني الشاعر (سريع) :
(2/263)

أخرِجَ من قَصرِ إمَامِ الهُدَى ... كُلُّ فَتَى مُنْبَسِط جائِر
فَمَن رَأينا مِنهمُ قال لا ... مَسَاسِ فِعلِ الناسِ بالسامِرِ
فَخَفَّ ظَهرُ المِلَكِ المُرتَضَى ... قَد خَفَّ من ثِقلِهمُ الظاهِرِ
وسِاِلِ ماءُ العِلمِ من وَجهِهِ ... مُذْ زَالَ من جَهلِهمُ الخاثِرِ
فلازَمَ الإقرَاءَ في قصره ... مَعَ الوزيرِ الخَيِرِ الطاهِرِ
وقلد جعفر المصحفي أمر القصر والحرم، بعد إخراج هاؤلاء الفتيان، سكرا صاحبهم؛ فسكن أنفس الصقالبة، وأجراهم على الطاعة؛ فأصغوا إليه إلى أن استهاجهم جوذر الفتى عظيمهم عند الظهور الذي هم به.
فلما هم لابن أبي عامر تدبيره في الصقالبة، جعل يتوصل إلى تقلد جيش المملكة، والقيام بجهاد العدو دون الجماعة؛ وكان العدو جاس بلاد المسلمين، وطمه في انتهاز الفرصة فيهم؛ فأنف ابن أبي عامر من ذلك، وأشار على الحاجب جعفر بتجهيز الجيش والاعتداد للجهاد، وعرض القيام به على جميع الأكابر؛ فكلهم كع عنه إلا ابن أبي عامر؛ فإنه بادر إليه على أن يختار من يخرج معه من الرجال، ويتجهز لغزوه بمائة ألف دينار. فاستكثر ذلك بعض من حصر؛ فقال له محمد بن أبي عامر: (خذ ضعفها وامض! وليحسن غناؤك!) فخام المعترض عن ذلك، وسلم الجيش والمال إلى ابن أبي عامر؟

غزوة محمد بن أبي عامر الأولى
فخرج لثلاث خلون من رجب من سنة 366، ودخل على الثغر الجوفي. فنازل حصن الحامة من جليقية؛ فحاصره، وأخذ ربضه، وغنم وسبى؛ وقفل بالسبي والغنائم إلى قرطبة إلى ثلاثة وخمسين يوما. فعظم السروربه، وأخلص الجند له، لما رأوا من كثرة جوده، وكرم عشرته، وسعة مائدته؛ فأحبوه والتقوا به؛ وكثر إحسانه إليهم وإفضاله عليهم، إلى أن أدرك بهم سولة، وبلغ مأموله
(2/264)

ذكر نكبة الحاجب جعفر بن عثمان
وذلك أنه، لما سمت الحال بمحمد بن أبي عامر، واستتب أمره، أعمل الحيلة والتدبير في إسقاط جعفر بن عثمان، والانفراد بالدولة؛ فلم يجد لذلك سببا أقوى من مظاهرة الوزير أبي تمام غالب الناصري، صاحب مدينة سالم والثغر الأدنى، شيخ الموالي قاطبة، وفارس الأندلس يومئذ غير مدافع له؛ وكان بينه وبين الحاجب جعفر بن عثمان عداوة ومنافسة. والثاثت حال غالب صدر دولة هشام في سنه ولايته لما ملك جعفر أمرها، وبان تقصير غالب في مدافعة أعداء الله، وخاف أن يصل أمره إلى الخلاف والمعصية؛ فأشار ابن أبي عامر في استصلاحه ورعى ذمامه. ولم يزل ابن أبي عامر يقوم بشأنه، ويخدمه داخل الدار عند السيدة أم هشام وسائر الحرم، حتى تم مراده فيه كي يستعين به على إهلاك المصحفي؛ فأنهض غالبا إلى خطة الوزارتين، وأنفذ إليه كتاب الخليفة بذلك، وأمره بالاجتماع مع ابن أبي عامر على التدبير على الصوائف، على أن يدير ابن أبي عامر جيش الحضرة، ويدير غالب جيش الثغر.

غزوة ابن أبي عامر الثانية
وخرج محمد بن أبي عامر بالصائفة يوم الفطر من سنة 366؛ فاجتمع مع غالب بمدينة مجريط. وأصل معه من التظافر على جعفر ما أصاب به النكتة من قلبه؛ واتفقا وتوافقا. وخدم ابن أبي عامر غالبا في سفره هذا خدمة ملك بها نفسه؛ فمال إليه غالب بكلمته. واستمرا في غزوهما، وافتتح حصن مولة، وظهرا فيه على سبي كثير، وغنم المسلمون أوسع غنيمة. وكان أكثر الأمر فيها لغالب؛ فتجافى عنه لابن أبي عامر. وسار معه إلى ثغره، ومنه فارقه، بعد أن أبلغ في مواطأة محمد بن أبي عامر على عدوه جعفر بما أراده؛ وقال غالب لابن أبي
(2/265)

عامر عند وداعه: (سيظهر لك بهذا الفتح اسم عظيم وذكر جليل، يشغلهم السرور به عن الخوض فيما تحدثه من قصة. فإياك أن تخرج عن الدار حتى تعزل ابن جعفر عن المدينة وتتقلدها دونه!) فاعتقد محمد ذلك.
وخاطب غالب الخليفة هشاما بحسن مناب ابن أبي عامر في هذه الغزوة، ونسب السعي والاجتهاد إليه، وشكره، وشدَّ عضده عند الخليفة؛ وعاد محمد ابن أبي عامر إلى حضرة قرطبة منصرفا بالسبي والغنائم. فاستمال محمد بهذا الفتح قلوب العامة والخاصة، وتعرفوا فيه يمن النقيبة؛ فبعد صيته، وهان عليه أمر جعفر وغيره، وشرع في هدمه. فخرج أمر الخليفة يوم وروده بصرف محمد بن جعفر بن عثمان عن المدينة وتقليدها ابن أبي عامر. فخرج محمد نحو كرسيها في هذا اليوم، والخلع عليه، ولا عند جعفر علم بذلك؛ وكان محمد بن جعفر جالسا في مجلسها في أبهة، إذ صعد ابن أبي عامر نحوه؛ فولي محمد بن جعفر ناكصا على عقبه، وأتبع بدايته.
وملك ابن أبي عامر الباب بولاية الشرطة؛ والجيش يقوده له؛ والدار بعناية الحرم به؛ فملك على جعفر بذلك وجوه الحيلة، وخلاه، وليس في يده من الأمر إلا أقلخ. فضبط محمد المدينة ضبطا أنسى أهل الحضرة من سلف من أفراد الكفاة وأولى السياسة، وقد كانوا قبله في بلاء عظيم، يتحارسون الليل كله، ويكايدون من روعات طراقه ما لا يكابد أهل الثغور من العدو. فكشف الله ذلك عنهم بمحمد بن أبي عامر وكفايته، وتنزهه عما كان ينسب لابن جعفر. فسد باب الشفاعات، وقمع أهل الفسق والذعارات، حتى ارتفع البأس، وأمن الناس، وأمنت عادية المتجرمين من حاشية السلطان؛ حتى لقد عثر على ابن عم له يعرف بعسقلاجة؛ فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدا مبرحا كان فيه حمامه؛ فانقمع الشرُّ في أيامه جملة. واستخلف ابن أبي عامر على
(2/266)

المدينة ابن عمه عمرو بن عبد الله بن أبي عامر؛ فسلك في أهل الشر سبيله، بل أربى عليه في ذلك.
وكاتب جعفر غالبا يستخلصه، ويستميله، ويخطب بنته لابنه؛ فتجددت بينهما ألفة، وجرى عقد في المناكحة. وانكشف ذلك لابن أبي عامر؛ فكاتب غالبا ينشده العهد، وألقى أهل الدار عليه في فسخ المصاهرة؛ فكاتبوه في ذلك؛ فانحرف إلى ابن أبي عامر، وحل عقدة جعفر في نكاحه، وأنكح ابن أبي عامر أسماء ابنته؛ فكانت أحظى نسائه.

غزوة ابن أبي عامر الثالثة
فلما تم هذا العقد، خرج إليها؛ فدخل على طليطلة غرة صفر من سنة 367؛ فاجتمع مع صهره غالب؛ فعظمه وجرى إلى موافقته. ونهضا معا؛ فافتتحا حصن المال وحصن زنبق، ودوخا مدينة شلمنقة وأخذا أرباضها. وقفل ابن أبي عامر إلى قرطبة بالسبي والغنائم، وبعدد عظيم من رؤوس المشركين، إلى أربع وثلاثين يوما من خروجه؛ فزاد له السلطان في التنوبه، وأنهضه إلى خطة الوزارتين، سوى فيها بينه وبين غالب، ورفع راتبه إلى ثمانين دينارا في الشهر، وهو راتب الحجابة. واستقدم السلطان غالبا لاستهداء أسماء إلى زوجها محمد؛ فبالغ في إكرامه؛ ووقع زفاف أسماء في مشهد بعد العهد بمثله شهرة وجلالة؛ وزفت إليه ليلة النيروز من قصر الخليفة؛ فهو الذي تولي مع حرمه أمرها. وكانت أسماء هذه توصف بجمال بارع وأدب صالح؛ وحظيت عند ابن أبي عامر؛ فلم يفارقها. وقلده الخليفة خطة الحجابة مع جعفر مشتركا. ثم سخط الخليفة على جعفر بن عثمان المصحفي، وصرفه عن الحجابة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة 367؛ وأمر بالقبض عليه وعلى ولده
(2/267)

وأسبابه، وعلى ابن أخيه هشام؛ وصرفوا عما كان بأيديهم من الأعمال، وكلبوا بالأموال. فتوصل ابن أبي عامر بمحاسبتهم إلى استصفاء أموالهم، وانتهاك حرمهم، وترديد النكبات عليهم، حتى مزقهم كل ممزق. وسارع إلى قتل هشام ابن أخي جعفر في المطبق، إذ كان أشد آل عثمان عداوة له؛ وأخرج إلى أهله ميتا. واستمرت النكبة على جعفر سنين عدة، يحبس مرة ويطلق أخرى. ومما حفظ له في ابن أبي عامر، مستعطفا له (متقارب) :
عَفَا الله عَنْكَ ألا رَحمةً ... تَجُودُ بعَفْوِكَ ان ابعَدَا
لئن جَلَّ ذَنبٌ وَلَمْ أعتَمِدهُ ... فَأنتَ أجَلُّ وأعلَى بَدَا
ألَمْ تَرَ عَبداً عَدَا طَورُه ... ومَولي عَفَا ورَشِيدا هَدَى
ومُفسِدَ أمرٍ تلافيتَه ... فَعَاد فَأصلَحَ ما أفسَدَا
أقِلني أقَالَكَ مَن لم يَزَلْ ... بَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنكَ الرَّدَى
وكان جعفر بن عثمان في محنته أخور الناس، أرأمهم للذل، وأحبهم في الحياة؛ انتهى به الاستحذاء لمحمد بن أبي عامر، والطمع في الحياة، أن كتب إليه بعرض نفسه عليه لتأديب ابنيه عبد الله وعبد الملك؛ فقال ابن أبي عامر: (أراد أن يستجهلني ويسقطني عند الناس، وقد عهدوا مني ببابه مؤملا؛ ثم يرونه اليوم بدهليزي معلما.) ثم جد ابن أبي عامر في مكروهه، وأدق حسابه، وأمر بإحضاره إلى مجلس الوزراء بقصر الخلافة، ليناظر بين أيديهم فيما ادعى عليه من الخيانة؛ فتردد إلى هذا المجلس مرارا، وأقبل آخر مرة إليه، وواثق الضاغط يزعجه، والبهر والسن قد هاضاه، وقصرا خطاه، والموكل به يحذوه ويستحثه؛ فيقول له جعفر: (يا بني رفقا؛ فستدرك ما تريد! ويا ليت أن الموت بيع، فأغلى الله سومه!) حتى انتهى به إلى المجلس، والوزراء جلوس، فجلس في آخر المجلس دون أن
(2/268)

يسلم؛ فأسرع إليه الوزير محمد بن حفص بن جابر، وكان من حزب ابن أبي عامر؛ فعنفه، واستجهله، وأنكر عليه ترك التسليم، وجعفر معرض عنه. فلما أكثر عليه، قال له جعفر: (يا هذا جهلت المبرة، فاستجهلت عالمها وكفرت. اليد، فقصرت بمسديها.) فاضطرب ابن جابر من قوله، وقال: (هذا هو البهت بعينه! وأي أياديك الغراء التي مننت بها؟ أيد كذا أم يد كذا) ؛ وعدد أشياء؛ فأنكرها عليه الحاجب، وقال: (هذا لا يعرف؛ والمعروف دفعي عن يمناك القطع، وشفاعتي فيها إلى الماضي - رحمه الله - حين استخونك في مال كذا!) فأصر ابن جابر على الجحد؛ فقال جعفر: (أنشد الله من له علم بما ذكرت أن يتكلم!) فقال الوزير ابن عياش: (قد كان بعض منا ذكرته؛ وغير هذا أولى بك، يا أبا الحسن!) فقال: (أحرجني الرجل، فقلت.) ثم أقبل الوزير محمد بن جهور على محمد بن جابر، فقال له: (أوما علمت أنه من كان في سخط السلطان، تحامى السلام على أولىائه لأنهم إن ردوا عليه، أسخطوا السلطان لتأمينهم من أخافه؛ وإن تركوا الرد، أسخطوا الله، وتركوا ما أمر به؟ فكان الإمساك أولى! ومثل هذا لا يخفي على أبي الحسن.) فخجل ابن جابر وأسفر وجه جعفر وتهلل. ثم أخذ القوم في مناظرته على المال؛ فقال: (قد والله استنفدت ما عندي من الطارف والتالد، ولا مطمع فيَّ في درهم، ولو قطعت إرباً إربا!) فصرف إلى محبسه في مطبق الزهراء؛ فكان آخر العهد به.
وله، وقد أودعه المنصور المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، معزيا لنفسه، ومجتزيا في يومه بإسعاد أمسه؛ فقال (متقارب) :
أجَارِي الزمانَ على حالِهِ ... مُجَاراةَ نَفسِي لأنفْاسِهَا
إذَا نفَسٌ صاعِدٌ شَفَّهَا ... توَارَتْ به بَينَ جُرسِها
وإنْ عَكَفَتْ نَكْبَةٌ لِلزَّمانِ ... عَكَفتُ بِصَدرِي على رَأسِهَا
ومن بديع ما حفظ له في نكبته، قوله - رحمه الله - يستريح من كربته (طويل) :
(2/269)

صَبَرْتُ عَلَى الأيَّامِ لَمْا تَوَلتِ ... وألزَمتُ نَفْسِي صَبرَهَا فَاستَمَرَّتِ
فَيَا عَجَباً للقَلبِ كيفَ اصطِبَارُهُ ... وللنفِسِ بَعدَ العِزِ كيفَ استَذَلتِ
وما النَّفسُ إلاَّ حَيثُ يَجعَلُها الفَتَى ... فَإن طُمِعَت تَافَت وإلاَّ تَسَلَّتِ
وَكَانَت عَلَى الأيَّامِ نَفسِي عَزيزَةً ... فَلمَّا رَأتْ صَبرِي عَلَى الذُّلِّ ذَلَّتِ
وَقُلتُ لَهَا نَفسِ مُوتي كَرِيمةً ... فَقدْ كَانَتِ الدُّنيَا لَنَا ثُمَّ وَلتِ
وكان من هلاكه في محبسه هذا على يقين؛ وذلك أنه لما أمر به إلى المطبق، ودع أهله وولده ووداع الفرقة، وقال: (هذا وقت إجابة الدعوة! وأنا أرتقبه منذ أربعين ينة!) فسئل عما ذكره؛ فقال: (رفع على فلان أيام الناصر وسعى به إليه؛ فأشرفت على أعماله؛ فآل أمره إلى ضربه وتغير نعمته وإطالة حبسه. فبينا أنا نائم ذات ليلة، إذ أتاني آت؛ فقال لي: (أطلق فلانا؛ فقد أجيبت دعوته فيك؛ ولهذا أمر أنت لا بد لاقيه!) فانتبهت مذعورا، وأحضرت الرجل، وسألته إحلالي؛ فامتنع عليَّ؛ فاستحلفته على إعلامي بما خصني به من الدعاء؛ فقال: (نعم! دعوت الله أن يميتك في أضيق السجون كما أعمرتنيه حقبة.) فعلمت أنه قد وجبت دعوته، وندمت حيث لا ينفع الندم، وأطلقت الرجل؛ ولم أزل أرتقب ذلك في السجن.) فما لبث في السجن إلا أياما، وأخرج ميتا، وأسلم إلى أهله. فقيل: قتل خنقا في البيت المعروف ببيت البراغيت في المطبق؛ وقيل: دست إليه شربة مسمومة.
قال محمد بن إسماعيل، كاتب المنصور: (سرت مع محمد بن مسلمة إلى الزهراء لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده، والحضور على إنزاله في ملحده؛ فنظرت إليه ولا أثر فيه، وليس عليه شئ يواريه غير كساء خلق لبعض البوابين، ستره به. فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل؛ فغسله (والله!) على فرد باب اقتلع من ناحية الدار، وأنا أعتبر من تصرف الأقدار؛ وخرجنا بنعشه إلى قبره، وما معنا إلا إمام المسجد المستدعي للصلاة؛ وما تجاسر أحد على النظر إليه.) ثم قال: (وإن لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ، ولا وقع في مسمع
(2/270)

ولا تصور للحظ؛ وقفت له في طريقه، أيام نهبه وأمره، أروم أن أناوله قصة كانت به مختصة؛ فوالله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة، لكثافة موكبه، وكثرة من حفَّ به؛ وأخذ الناس السكك عليه وأفواه الطرق، ينظرون إليه ويسلمون عليه، حتى ناولت قصتي بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القصص؛ فانصرفت، وفي نفسي ما فيها من الشرق بحاله والغصص، فلم تطل المدة حتى غضب عليه المنصور، واعتقله، ونقله معه في الغزوات ذليلا وحمله. واتفق أن نزلت بجليقية في بعض المنازل إلى جانب خبائه في ليلة نهى فيها المنصور عن وقد النيران ليخفي على العدو أثره، ولا ينكشف له خبره؛ فرأيت - والله - ابنه عثمان يسفه دقيقا قد خلطه نماء يقيم به أوده، ويمسك به رمقه بضعف حال، وعدم زاد ومال، وسمعته يقول (طويل) :
تأمْلتُ صَرْفَ الحادِثاتِ فلَم أزَلْ ... أراها تُوافي عِندَ مَقَدِها الحُرَّا
فلله أيَّام مَضَتْ لسيلها ... فإنِّيَ لا أنسَى لها أبداً ذِكرَا
تجَافَت بها عَنَّا الحوادِثُ بُرهَةً ... وأبدَتْ لنا منها الطلاقةَ والبشْرَا
ليَالِيَ لَم يَدرِ الزَّمانُ مَكانَنَا ... وَلا نَظَرتْ منَّا حَوَادِثُهُ الشَّزرَا
وَمَا هّذِهِ الأيَّامُ إلا سَحَائبٌ ... عَلَى كُلِّ أرضٍ تُمطرُ الخَيْرَ والشَّرَّا
وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر بن عثمان المصحفي ميل حلية الوزراء إليه وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصيبة فيه؛ فإنهم، وإن لم تكن لهم حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفى القوم فيها آثار سلفهم، ويمنعون بها ابتذال شرفهم؛ غادروها سيرة، وخلفوها عادة أثيرة، تشاح الخلف فيها تشاحَّ أهل الديانة، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة؛ ورأوا أن أحدا من التوابع لا يدرك فيها غاية، ولا يلحق لها راية. فلما أحظى المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه، ووضعه من أثرته حيث وضعه، حسدوه وذموه، وخصوه بالمطالبة وعموه. وكان أسرع هذه الطائفة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف
(2/271)

عنه إليه، آل أبي عبدي وآل شهيد، وآل جهور، وآل فطيس؛ وكانوا في الوقت أزمة الملك وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة؛ فأحظوا محمد بن أبي عامر مشايعه، ولأسباب المصحفي منازعه، وشادوا بناءه، وقادوا إلى عنصره سناءه، حتى بلغ الأمل، والتحف بمناه واشتمل. وعند التيام هذه الأمور لابن أبي عامر، استكان جعفر بن عثمان للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال المرتبة، وكف عن اعتراض محمد وشركته في التدبير، وانقبض الناس عن الرواح إليه والتبكير. وانثالوا على ابن أبي عامر؛ فخف موكبه، وغار من سماء العزة كوكبه، وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه حتى محاه، وهتك ظلاله وأضحاه. ومن قوله (كامل) :
لا تَأمَنَنَّ مِن الزّمانِ تَقَلُّباً ... إنَّ الزَّمانَ بأهِلهِ يَتَقَلَّبُ
ولَقَد أراني واللبوثُ تَهَابُني ... وأخافني من بعد ذاك الثَّعَلبُ
حَسبُ الكَرِيمِ مَهَانةً ومَذَلّةً ... ألاَّ يزال إلى لَئِيمٍ يَطْلُبُ
وكان قوله هذه الأبيات لمّا سبق إلى مجلس الوزارة للمحاسبة، وواثق الضاغط يزعجه ويستحثه، وهو يقول له: (رفقا بي، يا واثق، فستدرك ما تحبه وتشتهيه، وترى ما كنت ترتجيه!) وقد تقدم ذلك.

استبداد ابن أبي عامر بالملك وتغلبه عليه
لما قتل ابن أبي عامر جعفر بن عثمان، انفرد بشأنه، ورمى الغرض الأبعد من ضبط السلطان والحجر عليه والاستبداد بالمملكة وأمور الدولة؛ جرى في ذلك مجرى المتغلبين على سلطان بني العباس بالمشرق من أمراء الديلم، حتى أورث ذلك عقبه. فأخذ ابن أبي عامر في تغيير سير الخلفاء المروانية في استجرار
(2/272)

الأمر لنفسه وسبك الدولة على قالبه؛ فأداه ذلك إلى مضادة ما كانوا عليه؛ فعوض باللبن غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه، بالموادعة محاربي؛ فجعل أهل الرأي من مصادر أموره ومواردها يقصون بخروجها عن حد الصواب وقانون التدبير لها؛ وربما فاوض جلتهم الرأي، فيسيرون عليه من الوجه الذي عرفوه، والقانون الذي حمدوه؛ فيعدل عن ذلك إلى المذهب الذي شرعه، والطريق الذي نهجه، والخطر الذي لايجهل اقتحامه؛ فيبهت القوم من حسن ما يقع له.
قال الفتح بن خاقان: (فرد نابه على من تقدمه، وصرفه واستخدمه؛ فإنه كان أمضاهم سنانا، وأذكاهم جنانا، وأتمهم جلالا، وأعظمهم استقلالا. قال أمره إلى ما آل، وأوهم العقول بذلك المآل؛ فإنه كان آية الله في إتقان سعده، وقربه من الملك بعد بعده؛ بهر برفعه القدر، واستظهر بالأناة وسعة الصدر، وتحرك فلاح نجم الهدو، وتملك فما حقق بأرضه لواء عدو، بعد خمول كابد منه غصصا وشرفا، وتعذر مأمول صارد فيه سهرا وأرقا، حتى أنجز له الموعود، وفرَّ نحسه أمام تلك السعود. فقام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها أنافة؛ وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة؛ فانتظمت له الممالك، واتضحت به المسالك؛ وانتشر الأمن في كل طريق، واستشعر اليمن كل فريق. وملك الأندلس بضعا وعشرين حجة، لم تدحض لسعادتها حجة، ولم تزخر لمكروه بها لجة؛ لبست فيها البهاء والإشراق، وتنفست عن مثل أنفاس العراق. وكانت أيامه أحمد أيام، وسهام بأسه أسد سهام. غزا شاتيا وصائفا، ومضى فيما يروم زاجرا وعائفا؛ فأوغل في تلك الشعاب، وتغلغل حتى راع ليث الغاب، ومشى تحت ألويته صيد القبائل، واستجرت في ظلها بيض الظبى وسمر الذوابل؛ وهو يقتضي الأرواح بغير سوم، وينقضي الصفاح
(2/273)

على كل روم، ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد، ويختطف منهم كل كوكب وقاد، حتى استبد وانفرد، وأنس إليه من الطاعة ما نفر وشرد. وانتظمت له الأندلس بالعدوة، واجتمعت له اجتماع قريش في دار الندوة؛ ومع هذا، فلم يخلع اسم الحجابة، ولم يدع السمع لخليفته والإجابة، ظاهر يخالفه الباطن، واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن. وأذل قبائل الأندلس بإجاوة البربر، وأخمل بهم أولائك الأعلام الأكابر؛ فإنه قاومهم بأضدادهم، واستكثر من أعدادهم، حتى تغلبوا على الجمهور، وسلبوا منهم الظهور، ووثبوا عليهم الوثوب المشهور، الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا، وملأها وحشا وذئابا، وأعراها من الأمان، برهة من الزمان. وعلى هذه الهيئة، فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد الأندلس، وحد السرور بها والتأنس. وغزواته فيها شائعة الإثر، رائعة كالسيف ذي الأثر، وحسبه وافر، ونسبه معافر. ولذا قال ينخر (طويل) :
رَمَيْتُ بَنفِسي هَوْلَ كُلِّ كَريهةٍ ... وخَاطَرت والحرُّ الكَريمُ مُخاطرُ
وما صاحِبي إلاَّ جَنَانٌ مُشَيعٌ ... وأسمرُ خَطِيٌّ وأبيض بَاتِرُ
وإني لَزَجَّاءُ الجيوشِ إلى الوَغَى ... أسُودٌ تُلاقِيهَا أسُودٌ خَوَادِرُ
لَسُدتّث بنفسي أهل كُلِّ سِيَادةٍ ... وكَاثَرتُ حَتَّى لَم أجِدْ مَنْ أُكاثِرُ
وما شِدتُّ بُنياناً ولاكِنْ زِيَادةً ... على مَا بَنَى عَبدُ المَلِيك وعامِرُ
رَفَعنا المَعَالِي بالعَوَالِي حَديثةً ... وأورَثَناها في القَديِمِ مَعَافِرُ
وكانت أمُّه تميمية؛ فحاز الشرف من طرفيه؛ والتحف بمطرفيه. قال القسطلي (طويل) :
تَلاَقت عَليه مِنْ تَميمٍ ويَعرُبِ ... شُموسٌ تلألا في العُلَى وَبُدُورُ
مِنَ الحِميريينَ الذِينَ أكُفُّهُم ... سحائبُ تهمِي بالنَّدى وبُحُورُ
وتصرف قبل ولايته في شتى الولايات، وجاء من التحدث بمنتهى أمره
(2/274)

بابات، حتى صح زجره، وجاء بصبحه فجره، يؤثر عنه في ذلك أخبار، فيها عجب واعتبار. وكان أديبا محسنا. وعالما متفننا. فمن ذلك قوله، يمني نفسه بملك مصر والحجاز، ويستدعي صدور تلك الأعجاز (خفيف) :
مضنضعَ العَينَ أن تذوقَ المَنَاما ... حُبُّها أن تَرَى الصَّفَا والمَقامَا
لي دُيونٌ بالشرق عِندَ أُناسٍ ... قَد أحلُّوا بالمشعرينِ الحَرَاما
إنْ قَضَوْها نالوا الأَمانِي وإلاَّ ... جعلوا دُونَها رقاباً وهَمَا
عَنْ قَرِيبٍ تَرَى خُيولَ هِشامٍ ... يَبْلُغُ النِيلَ خَطْوها والشامَا
وفي سنة 368، أمر المنصور بن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة، وذلك عندما استفحل أمره، واتقد جمره، وظهر استبداده، وكثر حساده، وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان. فتوثق لنفسه، وكشف له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه؛ ورفع الاستناد إليه؛ وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ويتمم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه. فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظم. وشرع في بنائها في هذه السنة المؤرخة، وحشد إليها الصناع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها بهاء يرد العيون كليلة؛ وتوسع في اختطافها، وتولع بانتشارها في البسيطة وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها. فاتسعت هذه المدينة في المدَّة القريبة، وصار من الأنباء الغريبة. وبنى معظمها في عامين.
وفي سنة 370، انتقل المنصور بن أبي عامر إليها، ونزلها بخاصته وعامته؛ فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته، وأمواله وأمتعته، وأتخذ فيها الدواوين والأعمال،
(2/275)

وعمل داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرجاء. ثم أقطع ما حولها لوزرائه وكتابه، وقواده وحجابه؛ فاقتنوا بأكنافها كبار الدور، وجليلات القصور، واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة، والمنازه المشيدة. وقامت بها الأسواق، وكثرت فيها الأرفاق؛ وتنافس الناس في النزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، للدنو من صاحب الدولة، وتناهى الغلو في البناء حوله، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وكثرت بحوزتها العمارة، واستقرت في بحبوحتها الإمارة. وأفرد الخليفة من كل شئ إلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم العافي. ورتب فيها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطة بخطته، ونصب على بابها كرسي شرطته، وأجلس عليه واليا على رسم كرسي الخليفة، وفي صفة تلك الرتبة المنيفة. وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة بأن تحمل إلى مدينته تلك الأموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب الحوائج، وحذر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج. فاقتضيت لديها اللبانات والأوطار، وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار. وهم لمحمد بن أبي عامر ما أراد، وانتظم بلبة أمانيه المراد؛ وعطل قصر الخليفة من جميعه، وصبره بمعزل من سامعه ومطيعه، وسد باب قصره عليه، وجدَّ في خبر ألا يصل إليه، وجعل فيه ثقة من صنائعه يضبط القصر، ويبسط فيه النهى والأمر، ويشرف منه على كل داخل، ويمنع ما يحذره من الدواخل؛ ورتب عليه الحراس والبوابين، والسمار والمنتابين، يلازمون حراسه من فيه ليلا ونهارا، ويراقبون حركاتهم سرا وجهارا؛ وقد حجر على الخليفة كل تدبير، ومنعه من تملك قبيل أو دبير. وأقام الخليفة هشام مهجور الفناء، محجور الغناء، خفي الذكر، عليل الفكر، مسدود الباب، محجوب الشخص عن الأحباب، لا يراه خاص ولا عام، ولا يخاف له بأس ولا يرجى منه إنعام، ولا يعهد منه إلاَّ الاسم السلطاني في السكة والدعوة، وقد نسخه وليس أبهته، وطمس بهجته. وأغنى الناس عنه، وأزال أطماعهم منه، وصيرهم لا يعرفونه، وأمرهم أنهم لا يذكرونه.
(2/276)

واشتد ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة، وتوسع مع الأيام في تشييد أبنيتها، حتى كملت أحسن كمال، وجاءت في نهاية الجمال، نقاوة بناء، وسعة فناء، واعتدال هواء رق أديمه، وصقالة جو اعتل نسيمه، ونضرة بستان، وبجة للنفوس فيها افتنان. وفيها يقول صاعد اللغوي (بسيط) :
يَا أيُّها المَلِكُ المَنصُورُ من يَمَنٍ ... والمُبتَنِى نَسَباً غَيرَ الذي انتَسَبَا
بِغَزوةٍ في قُلوبِ الشِركِ رلتِعةٍ ... بَينَ المنايا تُنَاغى السُّمرَ والقُضُبَا
أما تَرَى العَينَ تَجرِي فَوقَ مَرمَرِها ... زَهوا فَتُجرِي على أحسائها الطَّرَبَا
أجرَيتَها فَطَمَا الزاهِي بجِريتَها ... كَمَا طَمَوتَ فَسُدتَّ العُجمَ والعَرَبَا
تَخَالُ فيه جُنودَ الماءِ رافِلةً ... مُستَلئماتٍ تُربكَ الدَرعَ والبَلَبا
تَحُفُّها من فُنُونِ الأيكِ زَاهِرةٌ ... قد أورقت فِضِّةً إذ أثَمَرَت ذَهَبَا
بَديِعةُ المُلكِ ما يَنفَكُّ ناظِرُها ... يَتلُو على السَّمْعِ مِنها آيةً عَجَبَا
لا يُحسِنُ الدَّهرُ أن يُنشِي لَهَا مَثَلاً ... وَلضوْ تَعَنَّتَ فيها نَفسَهُ طَلَبَا
ودخل عليه عمرو بن أبي الحباب في بعض قصوره من المنية المعروفة بالعامرية، والروض قد تفتحت أنواره، وتوشحت بجاده وأغواره، وتصرف فيها الدهر متواضعا، ووقف بها السعد خاضعا؛ فقال (بسيط) :
لا يَومَ كاليومِ في أيَّامِك الأوَلِ ... بالعامِريَّةِ ذَاتِ الماء والطّلَل
هَوَاؤُها في جميعِ الدّهْرِ مُعتضدِلٌ ... طِيباً وإن حَلٌ فَصْلٌ غَيرُ مُعتَدِلِ
ما إن يُبالِي الذي يَحتَلُّ ساحَتَها ... بالسَعدِ ألاَّ تَحُلَّ الشَّمْسُ بالَحمَلِ
وما زالت هذه المدينة رائقة، والسعود بلَّبتها متناسقة، تراوحها الفتوح وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، ولا تزحف منها راية إلا إلى فتح، ولا يصدر عنها تدبير إلاَّ إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقبض لها من المكروه أوفر نصيب. فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كلَّ عقيدة.
(2/277)

وأشاع ابن أبي عامر أنَّ السلطان فوَّض إليه النظر في أمر الملك، وتخلَّى له عنه لعبادة ربه. وانبث ذلك في الرعية حتى اطمأنوا إليه، مع قوة ضبطه وسرعة بطشه. فانتظم له ذلك كلُّه وأكثر منه، بعد أن حصن قصر الخليفة في هذا الوقت بالسور الذي أدار حوله، وعمل الخندق المطيف به من جانبيه، والأبواب الوثيقة بالأحراس والسمار الذين وضعهم بأنقابه. ومنع الخليفة من الظهور، ووكل بأبوابه من يمنع وصول خبر إليه أو أمر من الأمور إلا عن إذنه؛ فإن عثر على أحد من الناس في تجاوز هذا الحد، عاجله ونكل به. والأخبار عنه في هذا المعنى واسعة جدا، غير أن الاختصار في ذلك أن ابن أبي عامر بلغ من ذلك مبلغا لم يبلغه قط متغلب على خليفة، لأنه احتوى على الملك كله، وصير الخليفة قبضة في يده، حتى أنه لم يكن ينفذ له أمر في داره ولا حرمه إلا عن إذنه وعلمه. وجعل متولي قصره من قبله من يثق به، وصيره عينا على السلطان، لا يخفى عليه شئ من حركاته وأخباره.
ولما ترقى ابن أبي عامر إلى هذا القدر، عمل في مكروه القائد الكبير غالب الناصري صهره، والتوطئة لأسباب هدمه. فرأى أن يبني عليه ضدا له من أصحاب السيوف والحرابة المشهورين، لأن غالبا كان يستطيل على ابن أبي عامر بأسباب الفروسية، ويباينه بمعاني الشجاعة، ويعلوه من هذه الجهة التي لم يتقدم لابن أبي عامر بها معرفة. فلم يجد لذلك مثل جعفر بن عليّ بن حمدون المعروف بابن الأندلسي شدة بأس، وربط جاش، ونباهة ذكر، وجلالة قدر. فجد في استجلابه، وهو مقيم بالعدوة. وآل عليّ ممن أطاع الخليفة هشاما من زناتة؛ فبعث ابن أبي عامر إليه، وتواترت كتبه إليه؛ فأسلم العمل إلى أخيه يحيى، وعبر إلى الأندلس بجيشه؛ فنزل قصر العقاب، بعد أن أعد له ما يصلح فيه. فاستوزره أبي عامر؛ فعظم شأنه، وأحله محل الأخ في الثقة، وقدمه على الكفاة؛ فوجد عنده ما أحبه، وفوق ما قدره؛ فاعتدل بالبرابرة أمره، وقوى
(2/278)

ظهره، وكانت هذه القطعة من البربر نحو الستمائة. وما زال بعد ذلك يستدعيهم ويتضمن الإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، إلى أن أسرعوا إلى الأندلس، وانثالوا على ابن أبي عامر، وما زالوا يتلاحقون، وفرسانهم يتواترون، يجئ الرجل منهم بلباس الخلق على الأعجف، فيبدل له بلباس الخز الطرازي وغيره، ويركب الجواد العتيق، ويسكن قصرا لم يتصور له في منامه مثله، حتى صاروا أكثر أجناد الأندلس. ولم تزل طائفة البربر خاصة ابن أبي عامر وبطانته، وهم أظهر الجند نعمة، وأعلاهم منزلة.
ولما علم غالب بإدناء جعفر، علم الغرض فيه؛ ففسد ما بينهما، ووقع بينهما معارك وفتن كان الظفر فيها لابن أبي عامر على غالب. ومات، وهو يقاتله مع النصارى؛ وكان قد استجلبهم إليه في خبر طويل. فوجد غالب مقتولا في مجال الخيل، وابن أبي عامر كاد أن ينهزم له. فقيل إن قربوس سرجه قتله. وقيل غير ذلك. فكان ذلك أكبر سعد ابن أبي عامر؛ ولم يبق له بعد ذلك من يخاف منه.
ولما فرغ ابن أبي عامر من غالب، دبر الحيلة في حتف جعفر بن علي، الذي أقامه أكبر معين في أمر غالب؛ فواكأ على قتله أبا الأحوص معن بن عبد العزيز النجيبي فارس العرب، في طائفة من أصحابه الأندلسيين؛ فقتلوه غيلة؛ ثم قتل ابن أبي عامر بعد ذلك أبا الأحوص، وانفرد وحده.
وفي سنة 371، تسمى ابن أبي عامر بالمنصور، ودعى له على المنابر به، استيفاء لرسوم الملوك؛ فكانت الكتب تنفذ عنه: من الحاجب المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر إلأى فلان. وأخذ الوزراء بتقبيل يده؛ ثم تابعهم على ذلك وجوه بني أمية؛ فكان من يدخل عليه من الوزراء وغيرهم يقبلون يده، ويمولونه عند كلامه ومخاطبته. فانقاد لذلك كبيرهم وصغيرهم؛ وإذا بدا لأبصارهم طفل من ولده، قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلا، وعموا أطرافه لثما. فساوى محمد بن أبي عامر الخليفة في هذه المراتب، وشاركه في تلك المذاهب. ولم يجعل فرقا بينه
(2/279)

وبينه إلا في الاسم وحده في تصدير الكتب عنه، حتى تنامت حاله في الجلالة، وبلغ غاية العز والقدرة.
قال حيان بن خلف: وقرأت في بعض الكتب أن محمد بن أبي عامر، لمَّا حجب هشاما عن الناس واستبد بالأمر دونه، ظهرت فيهم بقرطبة أقوال معرضة أفشوا بينهم فيها أبياتا فاحشة. فمن ذلك ما قيل على لسان هشام الخليفة في شكواه لهم (وافر) :
ألَيسَ مِنَ العَجَائبِ أنَّ ... يَرَى ما قَلَّ مُمتَنِعاً عَلَيهِ
وتُمَلَك باسمِهِ الدُّنيا جَميعا ... وما من ذاك شئٌ في يَدَيِه
ومما قيل في تقديم هشام، وهو صغير لم يبلغ الحلم، وفي قاضيه ابن السليم (سريع) :
اقتَربَ الوَعدُ وحَانَ الهَلاكْ ... وَكُلُ ما تَكرَهُهُ قَدْ أتاكْ
خَلِيفةٌ يَحضُرُ في مَكتَبٍ ... وأمُّه حُبلَى وَقَاضٍ ينَاكْ
يريد بذلك شغف أم هشام بابن أبي عامر، لأنها كانت تتهم به، وهي أوصلته إلى حيث وصل من الحال التي لم يتمكن لأحد قبله ولا بعده مثلها؛ فسلب هشاما ملكه وجنده وماله.
وفي سنة 372، قتل جعفر بن عليّ بن حمدون المعروف بابن الأندلسي؛ وذلك أن المنصور عزم - بزعمه - على إكرام جعفر المذكور ليلة الأحد لثلاث خلون من شعبان من السنة، مكرا منه، وحيلة لقتله؛ فانتخبه ساقي المجلس بكأس؛ فقال له ابن أبي عامر: (اسقها أعز الناس عليّ) . فأمسك الساقي حيرة لكثرة من ضم المجلس من العلية؛ فزجره ابن أبي عامر وقال: (ناولها الوزير أبا أحمد! عليك لهنة الله!) فقام جعفر؛ فتناولها على قدمه، واستخفه الطَّرب حتى قام يرقص؛ فلم يبق أحد بالمجلس إلا فعل كنعله، وأميلت إليه الكؤوس
(2/280)

حتى ثقل وانصرف في جوف الليل مع بعض غلمانه؛ فخرج إليه معن وأصحابه؛ فلم يكن فيه امتناع لما كان عليه من السُّكر؛ فأخذته السيوف حتى برد، وحز رأسه ويده اليمنى، وحملا إلى ابن أبي عامر سرا. فأظهر ابن أبي عامر الحزن عليه.
وفي سنة 375، جهز المنصور جيشا كثيفا، وبعثه إلى العدوة؛ فحاصر حسن ابن قنون الشريف الحسني. وكان حاول الخروج من الدعوة المروانية؛ واجتمع إليه خلق من أهل الغرب، وظهر أمره؛ فوصله الجيش العرمرم؛ فلم يجد ملجأ إلا الاستسلام للأمان. فأمنه قائد الجيش، وحمله إلى قرطبة مرقبا. فلم يمض ابن أبي عامر أمانه، وأمر بقتله ليلا في الطريق بغيا وتعديا، لأن أمان قائده أمانه؛ فقال من شاهد قتله أن هبت عليهم ريح عاصف في تلك الليلة التي قتل فيها غدرا ذلك الشريف، صبتهم على وجوههم، وسلبتهم أثوابهم، واحتملت رداء حسن المقتول؛ فلم يجدوه، وأظلم عليهم الأفق حتى خافوا على أنفسهم.
وفيها تفرق بنو إدريس في البلاد، وملك ابن أبي عامر الغرب، وأخرج منه من كان بقي به من الأدارسة. فقيل في ذلك (كامل) :
فِيمَا أرَى عَجَبُ لمَن يَعَجَبُ ... جَلتْ مُصِيبَتُنَا وَضَاقَ المَذهَبُ
إنّي لأُكذِبُ مُقلَتَيَّ فيما أرَى ... حتَّى أقولَ غَلِطتُّ فيما أحسَبُ
أيكونُ حيَّا من أُميَّة وَاِحدٌ ... وَبَسُوسُ صَخْمَ المُلكِ هذَا الأحدَبُ
تَمِشي عَسَاكِرُهُم حَوَالَيْ هَودَجٍ ... أعوادُهُ فِيهِنَّ قِردٌ أَشهَبُ
أبَي أُمَيَّة ابن أقمار الدُّجى ... مِنكم وما لوجوهها تَتَغَيَّبُ
ثم قام بعد ذلك في الغرب على ابن أبي عامر زيري بن عطية المغراوي، ونكث طاعته بعد الحب الشديد والولاء الأكيد؛ وطعن على ابن أبي عامر تغلبه
(2/281)

على هشام وسلبه ملكه. فأنفذ له ابن أبي عامر واضحا الفتى في جيش كثيف؛ فقاومه بالغرب؛ ودارت بينهم حروب عظيمة. ثم أردفه ابن أبي عامر تولده عبد الملك، وهبط ابن أبي عامر إلى الجزيرة الخضراء، يمدهم بالقواد والأجناد، وسار عبد الملك بن أبي عامر من طنجة إلى زيري بن عطية؛ ودارت بينهم حرب، لم يسمع بمثلها قط. ثم انهزم زيري ومن معه، ونجا مثخنا بالجراح. وملك ابن أبي عامر بلاد الغرب إلى سنة 397.
(وكان أول من ملك سبتة من بني أمية وملك منها الغرب) عبد الرحمن الناصر؛ وسبب ذلك أنه وجه إليها أسطولا. فلما حلت بسبتة، أعلن أهلها بدعوته، وبادروا إلى طاعته، يوم الجمعة صدر ربيع الأول من سنة 319. ثم تتابعت البلاد بالطاعة؛ ثم تكاثر ورود وفودها عليه وعلى الحكم ابنه؛ ثم التاثت طاعتها على ابن أبي عامر؛ فوجه واضحا فتاه؛ فسكن في جبل أبي حبيب عاما في الأخبية؛ ثم وجه بابنه عبد الملك إليها؛ فالتقى بزيري وهزمه، وغدره ابن عمه الخير بن مقاتل؛ فطعنه برمح في قفاه وهرب. ومات بعد ذلك زيري من الجرح بعدما لقي جموع صنهاجة، أصحاب إفريقية، وهزمهم.
وانصرف عبد الملك بعدما استقامت له الطاعة بالغرب؛ فوجد أباه في غزاته بلاد البشاكشة منصرفا عنها. والتقى به بسرقسطة؛ وهي التي تسمى بغزاة البياض، سنة 379.
وفي سنة 379، قتل المنصور بن أبي عامر عبد الرحمن بن مطرف صاحب سرقسطة والثغر الأعلى؛ وسبب ذلك أنه، لما فكر عبد الرحمن في شأن من أتلفه ابن أبي عامر من كبار رجال الدولة، علم أنه لم يبق غيره، وخشي أن يلحقه بالجماعة. فسول له القدر المتاح التدبير على محمد؛ وقرب عليه مأخذه ولده عبد الله بن المنصور.
(2/282)

ذكر تدبير عبد الرحمن بن مُطرف
مع عبد الله بن المنصور في القيام عليه
وذلك أن عبد الله بن محمد بن أبي عامر كان مقيما بسرقسطة عند عبد الرحمن، متغير النفس على أبيه لإحظائه عبد الملك أخيه. وكان عبد الله يرى أنه أشجع وأفهم وأرجل وأفرس من أخيه عبد الملك، وأن أباه عين الظالم له في النسوية بعبد الملك؛ فكيف في تقديمه عليه. فكان في قلبه على أبيه سعير نار، أذكاها عبد الرحمن بن مطرف وأضرمها. فتوطئا على الوثوب بالمنصور في أول فرصة، على أن يقسما ملك الأندلس: فالحضرة لعبد الله، والثغر لعبد الرحمن. وشرعا في إحكام سيل ذلك والتماس وجهه؛ وساعدهما عليه جماعة من وجوه أهل قرطبة من الجند والخدمة وغيرهم، فيهم الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني صاحب طليطلة. فانبثت أراجيف شنيعة تحقق المنصور صحتها، ولم يشك فيها؛ فاستدعى ابنه عبد الله من سرقسطة، واستأنف له كثيرا من التقديم والمبرة، خديعة ومغالطة؛ وصرف المرواني عن طليطلة صرفا جميلا؛ ثم صرفه عن الوزارة بعد مديدة، وألزمه داره. ثم خرج ابن أبي عامر غازيا إلى قشتيلة؛ فتوافت إليه أمداد الثغور، فيهم عبد الرحمن بن مطرف ورجال سرقسطة؛ فلما صاروا بوادي الحجارة، أطبق أهل الثغور على الشكوى بعبد الرحمن، بدسيسة من ابن أبي عامر لهم في ذلك، حيلة منه؛ وذكروا أنه يحتبس أرزاقهم، ويحتجن لنفسه. فصرفه المنصور عن سرقسطة منسلخ صفر من سنة 79 المذكورة، وقلدها مكانه (ابن أخيه عبد الرحمن بن يحيى) الملقب بسماجة، إطماعا لقومه النجيبيين في المحافظة. ولبث عبد الرحمن في العسكر مترددا إلى أن قبض عليه يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وسخط عليه المنصور، وأمر بحسابه؛ ثم قتل بعد ذلك بالزاهرة بين يدي المنصور.
(2/283)

واستدعى المنصور ابنه عبد الله إلى عسكره خوف أن يحدث حدثا بأنفته؛ فوافي العسكر؛ فرفق به أبوه، وأمل استصلاحه، وقد تباعد ذلك عليه لسقم سريرته وشدة حقده. ونازل المنصور أثناء ذلك مدينة شنت أشتبين؛ فلما اشتغل المسلمون بالقتال، فرَّ عبد الله بن المنصور من العسكر في ستة نفر من غلمانه؛ فلحق بعدو الله غرسية بن قرذلند صاحب آلبة؛ فقبله وأجازه على أبيه؛ فتحرك المنصور لغزو غرسية ومطالبته بإسلام ابنه إليه، وأقسم له أنه لا يقلع عنه حتى يمكنه من ولده. وأصر غرسية على الامتناع من ذلك؛ فهزم المنصور غرسية، وفض جمعه، واشتق بلد آلبة، وافتتح حصن وخشمة عبوة، أسكنه المسلمين؛ فضرع غرسية في مسالمته على ما شار من شروطه في عبد الله وغيره؛ فعقد له المنصور على ذلك؛ فوكل غرسية بعبد الله جماعة من العلوج؛ وحمل عبد الله وأصحابه على البغال. وخرج سعد الخادم يستقبل عبد الله؛ فدنا من سعد وهو على بغل فاره، مرتفع الحلية، عليه ثوب عجيب الصنعة، وهو متطلق، قوي الرجاء في الإقالة. فقبل سعد يده، وأنسه، وهون عليه الخطب؛ ثم تخلف عنه بقرب الوادي الجوفي، ووكل به من قتله؛ فحفَّ به الموكلون وأعلموه بموته.

ذكر مقتل عبد الله المنصور
ولما أعلموه بأن حلَّ به ما كان يحذره، أمروه بالنزول؛ فلم يمتنع لهم وترجل، ومشى إلى السيف متطلقا؛ فظهرت منه عند الموت صرامة، عجب لها من شاهده؛ وتقدم إليه ابن خفيف الشرطيُّ؛ فضرب عنقه صبرا عند غروب الشمس من يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 380. وأنفذ المنصور رأس ابنه إلى الخليفة مع كتاب الفتح؛ ودفن جسده في الموضع الذي قتل فيه. وكان سنه يوم قتل ثلاثا وعشرين سنة، وذلك في غزوته الخامسة والأربعين. ثم إنَّ ابن أبي عامر استثقل سعدا وابن خفيف، ولم يزل
(2/284)

حاقدا عليهما، حتى قتلهما بعد الامتحان. وأزداد ابن أبي عامر بما فعله بابنه هيبة، وملئت قلوب الناس منه ذعرا.
ومما حكى في أمر عبد الله المقتول، قال الوزير أبو عمر بن عبد العزيز: لما قتل المنصور ابنه، ارتاع الناس لذلك، وأوحشهم فعله؛ فتكلموا في ذلك كثيرا، ورجموا فيه الظنون، ولم يتوجه لأحد فيه سبب يقضي بقتله. ثم تحرك المنصور إثر ذلك في بعض غزواته، فلما احتل بقلعة رباح؛ قال المخبر: دعينا إلى الطعام، فقال من حضر على لسان واحد: أيد الله المنصور! لقد صرت من قتله في غاية يعدم الصبر في مثلها. فما سبب ذلك؟) قال: (لا أعلم أن أسلو عنه. فابتعتها، متجاوز النهاية في ثمنها، وجعلتها عند قريبة لي. وكنت كل يوم أخطر عليها أتعرف استبراءها؛ فلما أحست بحبي لها، وكلفي بها، توخت رضائي، وذكرت لي أنها قد استبرأت، وهي كاذبة في ذلك، تريد بذلك موافقة مساري واستعجال مرادي؛ فدخلت بها، وهي لم تستبرأ؛ فكنت شاكا فيه.) وكان مولده سنة 358.
حكاية زطرزون البربري مع المنصور. - وجرت للمنصور غبَّ ذلك مع رجل من أعيان البربر اسمه زطرزون بن نزار البرزالي نادرة؛ وذلك أنه قال يوما، وقد بسطه في بعض المجالس: (يا مولاي لم قتلت عبد الله ابنك؟) ووصف شجاعته وخصاله؛ فقال له المنصور: (لا يسوك ذلك! فلو لم أفعل لقتلني. ما كان من ولدي! وبهذا اتهمت أمه وكانت أمه سوء. وقد قالوا إنَّ الأرحام الردية تفسد الذرية) . فقال الجاهل زطرزون: (كذا يا مولاي؟ فحرام أمه وجرم أبيه) ؛ فخجل المنصور وقال: (شقينا بهذا الملعون في حياته وبعد موته!) وعلم ما كان عليه زطرزون من الجهالة؛ فأعرض عنه. وصارت كلمته مأثورة في الناس مدَّة طويلة.
(2/285)

وكان المنصور آية من آيات فاطرة دهاء ومكرا وسياسة: عدا بالمصاحفة على الصقالبة حتى قتلهم وأذلهم؛ ثم عدا بغالب الناصري على المصاحفة حتى قتلهم وأبادهم؛ ثم عدا بجعفر بن الأندلسي على غالب حتى قتله؛ ثم عدا بنفسه على جعفر وقتله؛ ثن أنفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر: (هل من مبارز؟) فلما لم يجده، حمل الدهر على حكمه؛ فانقاد له وساعده؛ فاستقام أمره، منفردا بمملكة لا سلف له فيها. ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها، وما توجهت قط عليه هزيمة، وما انصرف عن موطن إلا قاهرا غالبا، على كثرة ما زاول من الحروب، ومارس من الأعداء، وواجه من الأمم. وإنها لخاصة ما أحسب شركه فيها أحد من الملوك الإسلامية. ومن أعظم ما أعين به، مع قوة سعده، وتمكن جده، سعة جوده وكثرة بذله؛ فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان؛ وأول ما اتكأ على أرائك الملك وارتفق، وانتشر عليه لواء السعد وخفق؛ حط صاحبه المصحفي، وأثار له كامن حقده الخفي، حتى أصاره للهموم وخفق، وفي غايات السجون حبيسا؛ فكتب إليه يستعطفه (بسيط) :
هَبنِي أسأتُ فأينً العَفوُ والكَرَمُ ... إذ قادَني نَحوَكَ الإذعانُ والنَّدَمُ
يا خَيرَ مَن مُدَّت الأيدِي إليه أمَا ... تَرقِي لشيخٍ نَعَاهُ عِندَكَ القَلَمُ
بالغتَ في السَّخطِ فأصفح صَفحَ مُقتَدِرٍ ... إنَّ المُلوكَ إذا مَا استُرحمُوا رَحِموا
فما زاده ذلك إلا حنقا وحقدا، ولا أفادته الأبيات إلا تضرما ووقدا. فراجعه بما أيأسه، وأراه مرمسه، وأطبق عليه محبسه، وضيق تروحه من المحنة وتنفسه) :
الآنَ يَا جَاهِلاً زلَّت بِك القَدَمُ ... تَبغِي التَّكَرُّمَ لَمَّا فَاتَكَ الكَرَمُ
أغرَيتَ بي مَلِكاً لَولا تَشَبُّتُهُ ... مَا جَارَ عِندَه نُطقٌ ولا كَلِمُ
فايأس مِنَ العَيش إذ قَد صِرتَ في طَبَقٍ ... إنَّ المُلُوك إذَا مَا اسُتنقموا نَقَموا
نَفسِي إذا سَخِطَت لَيست بِراضِيةٍ ... وَلو تَشَفَّعَ فِيكَ العُربُ والعَجَمُ
(2/286)

وكان من أخبار المنصور الداخلة في أبواب البر والقربة، بنيان المسجد الجامع والزيادة فيه سنة 377. وذلك أنَّه، لما زاد الناس بقرطبة، وانجلب إليها قبائل البربر من العدوة وإفريقية، وتناهى حالها في الجلالة، ضاقت الأرباض وغيرها، وضاق المسجد الجامع عن حمل الناس؛ فشرع المنضور في الزيادة بشرقيه حيث يتمكن الزيادة لاتصال الجانب الغربي بقصر الخلافة. فبدأ ابن أبي عامر هذه الزيادة على بلاطات تمتد طولا من أول المسجد إلى آخره؛ وقصد ابن أبي عامر في هذه الزيادة المبالغة في الإتقان والوثاقة دون الزخرفة، ولم يقصر مع هذا عن سائر الزيادات جودة ما عدا زيادة الحكم. أول ما عمله ابن أبي عامر تطييب نفوس أرباب الدور والمستغلات الذين اشتريت منهم للهدم لهذه الزيادة، بإنصافهم من الثمن أو بمعاوضة. وصنع في صحته الجبَّ العظيم قدره، الواسع فناؤه. وابن أبي عامر رتب إحراق الشمع في المسجد الجامع زيادة للزيت؛ فتطابق بذلك النزران. وكان عدد سواري الجامع، الحاملة لسمائه واللاصقة بمبانيه وقبابه ومناره، ما بين كبيرة وصغيرة، ألف سارية وأربعمائة سارية وسبع عشرة سارية. وعدد ثريات الجامع، ما بين كبيرة وصغيرة، مائتان وثمانون ثرية؛ وعدد الكؤوس سبعة آلاف كأس وأربعمائة كأس وخمس وعشرون كأسا. وزنة مشاكي الرصاص للكؤوس عشرة أرباع أو نحوها؛ وزنة ما يحتاج إليه من الكتَّان للفتائل في كل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار؛ وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمائة ربع أو نحوها؛ يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد. ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من المشع، وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقصر) ، لإقامة الشمع المذكور؛ والكبيرة من الشمع توقد بجانب الإمام يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا، يحترق بعضها بطول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة. وكان يخدم الجامع المذكور بقرطبة في دولة ابن أبي عامر ويتصرف فيه من أئمة، ومقرئين،
(2/287)

وأمناء، ومؤذنين، وسدنة، وموقدين وغيرهم من المتصرفين مائة وتسعة وخمسون شخصا. ويوقد من البخور ليلة الختمة أربع أواق من العنبر الأشهب وثماني أواق من العود الرَّطب.
ومن ذلك: بنيان قنطرة على نهر قرطبة الأعظم. ابتدأ المنصور بنيانها سنة 387، وفرغ منها في النصف من سنة 89؛ وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار؛ فعظمت بها المنفعة، وصارت صدرا في مناقبه الجليلة. وكانت قطعة أرض لشيخ من العامة، ولم يكن للقنطرة عدول عنها؛ فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها؛ فحضر الشيخ عندهم، وأخذ حذره منهم؛ فساوموه بالقطعة وعرفوه وجه الحاجة إليها، وأن المنصور لا يريد إلا إنصافه فيها. فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنه ألا تخرج عنه بأقل من عشرة دنانير ذهبا، كانت عنده أقصى الأمنية، وشرطها صحاحا. فاغتنم الأمناء غفلته، ونقدوه الثمن، وأشهدوا عليه؛ ثم أخبروا المنصور بخبره؛ فضحك من جهالته، وأنف من غبنه، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل، وتدفع له صحاحا كما قال. فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا؛ فكاد أن يخرج عن عقله وأن يجن عند قبضها من الفرح؛ وجاء محتفلا في شكر المنصور. وصارت قصته خبرا سائرا.
ومن ذلك أيضا: بنيان قنطرة على نهر إستجة، وهو نهر شنيل؛ فتجشم لها أعظم مؤنة. وسهل الطرق الوعرة والشعاب الصعبة.
ومن ذلك: إنه خط بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره، يدرس فيه ويتبرك به. ومن قوة رجائه، إنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده؛ فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييره في حنوطه عند موته؛ وكان يحمله حيث ما سار مع أكفانه، توقعا لحلول منيته؛ وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه، وغزل بناته. وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في طريق الجهاد؛ فكان كذلك.
(2/288)

وكان المنصور متسما بصحة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربه، وكثرة جهاده. وإذا ذُكر الله ذَكر، وإذا خوف من عقابه ازدجر، ولم يزل متنزها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر؛ لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين. وكان عدل المنصور في الخاصة والعامة، واطراحه المهاودة، وبسطه الحق على الأقرب فالأقرب من خاصته وحاشيته، أمرا مضروب به المثل.
ومن عدله أنه وقف عليه رجل من العامة يوما بمجلسه؛ فناداه: (يا ناصر الحق! إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك!) وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة، وكان له فضل محل عند ابن أبي عامر؛ ثم قال: (وقد دعوته إلى الحاكم؛ فلم يأت!) فقال المنصور: (أو عبد الرحمن بن فطيس بهذه المنزلة من العجز والمهانة، وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك، يا هذا!) فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما قطعها من غير نصف؛ فقال المنصور: (ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية!) ثم نظر إلى الصقلبي، وهو قد ذهل عقله؛ فقال: (ادفع الدرقة إلى فلان، وانزل صاغرا، وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك!) ففعل، ومثل بين يديه؛ ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: (خذ بيد هذا الظالم الفاسق، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره!) ففعل ذلك، وعاد الرجل إليه شاكرا؛ فقال له المنصور: (قد انتصفت أنت؛ فاذهب لسبيلك. وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي.) فتناول الصقلبي بأنواع من المذلة، وأبعده عن الخدمة.
ومن ذلك، قصة فتاه الكبير المعروف بالميورقى مع التاجر المغربي؛ فإنهما تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور، وهو يومئذ أكبر خدم المنصور، وإليه أمر داره وحرمه؛ فدافع الحاكم، وظن أن جاهه يمنع من إحلافه. فصرخ التاجر بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلما من الفتى؛
(2/289)

فوكل به في الوقت من حمله إلى الحاكم؛ فأنصفه منه، وسخط عليه المنصور، وقبض نعمته منه ونفاه.
ومن ذلك، قصة محمد، فصاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه؛ فإن المنصور احتاجه يوما إلى القصد، وكان كثير التعهد له؛ فأنفذ رسوله إلى محمد؛ فألفاه الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب، لحيف ظهر منه على امرأته، قدر أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة. فلما عاد الرسول إلى المنصور بقصته، أمر بإخراجه من السجن مع رقيب من رقباء السجن، يلزمه إلى أن يفرغ من عمله، ثم يعيده إلى محبسه. ففعل ذلك على ما رسمه، وذهب القاصد إلى شكوى ما ناله؛ فقطع عليه المنصور، وقال له: (يا محمد، إنه القاضي وهو في عدله، ولو أخذني الحق، ما أطقت الامتناع منه! عد إلى محبسك أو اعترف بالحق؛ فهو الذي يطلقك.) فانكسر الحاجم، وزال عنه ريح العناية. وبلغت قصته للقاضي؛ فصالحه مع زوجه، وزاد القاضي شدة في أحكامه.
ومن دهائه، قال ابن حيان: كان جالسا في بعض الليالي، وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر؛ فدعا بأحد الفرسان، وقال له (انهض إلى فجّ طليارش، واقم فيه؛ فأوَّل خاطر يخطر عليك، سقه إليَّ.) قال: فنهض الفارس، وبقى في الفج في البرد والريح والمطر واقفا على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له، ومعه آلة الحطب؛ فقال له الفارس: (إلى أين تذهب، يا شيخ؟) فقال: (وراء حطب.) فقال الفارس في نفسه: (هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا. فما عسى أن يريد المنصور منه؟) قال: فتركته. فسار عنّي قليلا؛ ثم فكرت في قول المنصور، وخفت سطوته؛ فنهضت إلى الشيخ، وقت له: (ارجع إلى مولانا المنصور.) فقال: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي!) فقال له الفارس: (لا أفعل) ثم قدم به على المنصور، ومثله بين يديه، وهو جالس، لم ينم ليلته تلك. فقال المنصور للصقالبة: (فتشوه!) ففتش؛
(2/290)

فلم يوجد عنده شئ؛ فقال: (فتشوا برذعة حماره!) فوجدوا داخلها كتابا من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور، يحزمون عنده إلى أصحابهم من النصارى ليقبلوا ويضربوا في إحدى النواحي المعلومة. فلما انبلج الصبح، أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة؛ فضربت أعناقهم، وضربت رقبة الشيخ معهم.
ومن ذلك قصة الجوهري التاجر؛ وذلك أن رجلا جوهريا من تجار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير، وأحجار نفيسة؛ فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه، ودفع إلى الجوهري التاجر صرته، وكانت قطعة يمانية. فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شط النهر؛ فلما توسطها، واليوم قائظ، وعرقه منصبٌّ، دعته نفسه إلى التبرد في النهر؛ فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط؛ فمرت حداة، فاختطفت الصرَّة، تجسبها لحما، وصاعدت في الأفق بها ذاهبة؛ فقطعت الأفق الذي تنظر إليه عين التاجر؛ فقامت قيامته، وعلم أنه لا يقدر أن يستدفع ذلك بعدوى ولا بحيلة؛ فأسر الحزن في نفسه، ولحقته لأجل ذلك على اضطرب فيها. وحضر الدفع إلى التجار؛ فحضر الرجل لذلك بنفسه؛ فاستبان له ما به من المهانة والكأبة، وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة. فسأله المنصور عن شأنه؛ فأعلمه بقصته؛ فقال له: (هلا أتيت إلينا بحدثان وقوع الأمر؟ فكنا نستظهر على الحيلة؛ فهل هديت إلى الناحية التي أخذ الطائر إليها؟) قال: (مرَّ مشرفا على يمت هذا الجنان الذي يلي قصرك!) يعني الرملة؛ فدعا المنصور شرطيه الخاص به؛ فقال له: (جئني بمشيخة أهل الرملة الساعة) ؛ فمضى، وجاء بهم سريعا؛ فأمرهم بالبحث عمن غير حال الإقلاق منهم سريعا، وانتقل عن الإضافة دون تدريج؛ فتناظروا في ذلك، ثم قالوا: (يا مولانا! ما نعلم إلا لأجل من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم، ويتناولون السقىَ بأقدامهم عجزا عن شراء دابة؛ فابتاع
(2/291)

اليوم دابة، واكتسى هو وولده كسوة متوسطة. فأمر بإحضاره من الغد، وأمر التاجر بالغدو إلى الباب؛ فحضر الرجل بعينه بين يدي المنصور؛ فاستدناه، والتاجر حاضر، وقال له: (سبب ضاع منا وسقط إليك: ما فعلت به؟) فقال: (هو ذا يا مولاي؟) وضرب بيده إلى حجزة سراويله، فأخرج الصرة بعينها؛ فصاح التاجر طربا، وكاد يطير فرحا؛ فقال له المنصور: (صف لي حديثها.) قال: (نعم! بينا أنا أعمل في جناني تحت نخلة، إذ سقطت أمامي؛ فأخذتها، وراقني منظرها؛ فقلت إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار؛ فاحترزت بها، ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة مثاقيل عيونا كانت معها مصرورة، وقلت: أقل ما يكون في كرم مولاي أن يسمح لي بها.) فأعجب المنصور ما كان منه، وقال التاجر: (خُذ صرَّتك، وانظرها، واصدقني عن عددها.) ففعل وقال: (وحق رأسك، يا مولاي، ما ضاع منها شيء سوى الدنانير التي ذكرها، وقد وهبتها له.) فقال له المنصور: (نحن أولى بذلك منك، ولا ننقص عليك فرحتك. ولولا جمعه بين الإفرار والإنكار) ، لكان ثوابه موفورا عليه.) ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضا من دنانيره، وللجنان بعشرة دنانير ثوابا لتأنيه عن إفساد ما وقع بيده، وقال: (لو بدأنا بالاعتراف قبل البحث، لأوسعناه جزاء!) قال: فأخذ التاجر في الثناء على المنصور، وقد عاوده نشاطه، وقال: (والله لأبثن في الأقطار عظيم ملكيك، ولأبينن أنك تملك طير عملك كما تملك انسها؛ فلا تعتصم منك ولا تؤذي جارك!) فضجك المنصور، وقال: (اقصد في قوله! يغفر الله لك!) فعجب الناس من تلطف المنصور في أمره، وحيلته في تفريج كربته.
وكان المنصور أشد الناس في التغير على من علم عنده شئ من الفلسفة والجدل في الاعتقاد، والتكلم في شئ من قضايا النجوم وأدلتها، والاستخفاف بشيء من أمور الشريعة. وأحرق ما كان في خزائن الحكم من كتب الدَّهريَّة
(2/292)

والفلاسفة، بمحضر كبار العلماء، منهم الأصيلي وابن ذكوان والزبيدي وغيرهم؛ واستولي على حرق جميعها بيده.
وممن أوقع به المنصور في مثل هذه المعاني المبتكرة: محمد بن أبي جمعة؛ بلغه عنه قول من الأرجاف في القطع على انقراض دولته؛ فقطع لسانه، ثم قتله وصلبه؛ فخرست ألسن جميعهم لذلك؛ وكذلك أيضا عبد العزيز بن الخطيب الشاعر، وكان أرفع أهل هذه الطبقة منزلة؛ وكان مقدما في أصحاب المنصور، حتى فسد ضميره عنده، وبقى مدة يلتمس غرَّة منه، حتى قال في بعض أبيات من شعر أفرط فيها (كامل) :
مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءتِ الأقْدَارُ ... فَاحُكُمْ فَأنتَ الواحِدُ القَهارُ
فَكَأنَّمَا أنتَ النَّبيُّ مُحَمدٌ ... وَكَأنَّمَا أنصَارُكَ الأنصَارُ
فأمر بضربه خمسمائة سوط، ونودي عليه باستخفافه؛ ثم حبسه، ونفاه بعد عن الأندلس.
وفي سنة 381، رشح المنصور ولده عبد الملك للولاية، وقدم أخاه عبد الرحمن للوزارة. وترك اسم الحجابة، واقتصر على التسمي بالمنصور؛ وأن يكتب: (من المنصور أبي عامر - وفقه الله - إلى فلان.) بحذف اسم الحجابة، ويذكر اسم ولده عبد الملك بخطة الحجابة والقيادة العليا وسائر خطط المنصور، سلم فيها لابنه عبد الملك، وصحت له الحجابة من يومئذ. وبعد هذا، واستبدل المنصور جند الأندلس بالبربر؛ فأقام لنفسه جندا اختصهم باستصناعه، واسترقهم بإحسانه، نسخ بهم في المدة القريبة جند الخليفة الحكم - رحمه الله -، كما فعله في سائر أموره.
واتفق في ذلك الوقت أن تحرك بلقين بن زيري الصنهاجي إلى المغرب في جموعه، وأوقع بقبائل زناتة طالبا ثأر أبيه زيري؛ فهربوا أمامه كلهم إلى سبتة، وضاقت عليهم أرض العدوة؛ فقيل لابن أبي عامر: (قد أمكنك الله
(2/293)

من اصطناع فرسان زناتة، واعتقاد المنة عليهم. فأرسل إليهم، يأتوك سراعا؛ فيجد إحسانك إليهم مكانا!) فعمل ابن أبي عامر على ذلك، وأنفذ كتبه إلى قبائل العدوة يستدعيهم، ويتضمن الإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، حتى كثروا بالأندلس؛ فحسنت أحوالهم، وكثرت أموالهم، وما زالوا خاصته وبطانته إلى أن هلك، وانقرضت الدولة العامرية. وقد صار بالأندلس منهم القبائل بأسرها، وكاثروهم حتى نفذ قضاء الله عليهم بأيديهم.
وفي سنة 386، عهد المنصور أن يخص بتسويده من بين سائر الناس كافة في المخاطبات، وأن يرفع ذلك عن سائر أهل الدولة مع الاقتصاد في مراتب الأدعية؛ فنفذ الكتب بذلك، وجرى العمل عليه بقية حياته؛ وخوطب هذا الوقت بالملك الكريم؛ واستبلغ في تكريمه وتعظيمه.

غزوة شنت ياقوب على سبيل الاختصار
وعند تناهي المنصور ابن أبي عامر في هذا الوقت على الاقتدار، والنصر على الملوك الطاغية - دمرها الله -، سما إلى مدينة شنت ياقوب قاصية غلبسية، وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة. وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا؛ فيها يحلفون وإليها يحجون من أقصى بلاد رومة وما وراءها؛ ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقوب الحواري أحد الاثني عشر - رحمهم الله -؛ وكان أخصهم بعيسى - عليه السلام -، وهم يسمونه أخاه للزومه إياه. وقد زعم جماعة منهم أنه ابن يوسف النجار. وشنت ياقوب هي مدفن ياقوب؛ فهم يسمونه أخا الرب - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا -. وياقوب بلسانهم يعقوب؛ وكان أسقفا ببيت المقدس؛ فجعل يستقري الأرضين داعيا لمن فيها؛ فجاز إلى الأندلس حتى انتهى إلى هذه القاصية؛ ثم عاد
(2/294)

إلى أرض الشأم؛ فقتل بها، وله مائة وعشرون سنة شمسية. فاحتمل أصحابه رمته، فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره. ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها، ولا الوصول إليها، لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها، وبعد شقتها.
فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة 387، وهي غزوته الثامنة والأربعون. ودخل على مدينة قورية. فلما وصل المنصور إلى مدينة غليسية، وافاه عدد عظيم من القوامس المتكسطين بالطاعة، في رجالهم، وعلى أتم احتفالهم؛ فصاروا في عسكر المسلمين، وركبوا في المغاورة سبيلهم. وقد كان المنصور تقدم في إنشاء أسطول كبير في الموضع المعروف بقصر أبي دانس من ساحل غرب الأندلس، وجهزه برجاله البحريين وصنوف المترجلين، وحملت الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة، استظهارا على نفوذ العزيمة، إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره؛ فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه؛ فعقد هناك من هذا الأسطول جسرا بقرب الحصن الذي هناك. ووزع المنصور ما كان فيه من الميرة على الجند؛ فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو.
ثم نهض يريد شنت ياقوب؛ فقطع أرضين متباعدة الأقطار، وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر. ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فلطارش ومباسيطة والدير وما يتصل بها؛ ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر، لا مسلك فيه، ولا طريق لم تهتد الأدلاء إلى سواه. فقدم المنصور الفعلة بالحديد لتوسعه شعابه وتسهيل مسالكه؛ فقطعه العسكر وعبروا بعده وادي منية؛ وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة، وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بالبنوك على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بلايه، وغنموه، وعبروا سياخه إلى جزيرة من
(2/295)

البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي؛ فسبوا من فيها ممن لجأ إليها. وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط؛ فتخللوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه. ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليج لورقى في معبرين أرشد الأدلاء إليهما؛ ثم نهر ايله؛ ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة، كثيرة الفائدة، منها بسيط أونبة وقرجيطة ودير شنت برية. ثم انتهوا إلى خليج ايلياء؛ وهو من مشاهد ياقوب أيضا صاحب القبر، تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصد نساكهم له من قاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرها. فغادره المسلمون قارعا. وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقوب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان؛ فوجدها المسلمون خالية من أهلها؛ فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها، وعفوا آثارها. ووكل المنصور بقبر ياقوب من يحفظه ويدفع الأذى عنه؛ وكانت مصانعها بديعة محكمة؛ فغودرت هشيما، كأن لم تغن بالأمس، وذلك يوم الاثنين أو الثلاثاء بعده. وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط، وانتهت إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطئها لغير أهلها قدم. فلم يكن بعدها للخيل مجال، ولا وراءها انتقال.
وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقوب، وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله. فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أرذون ليستقر به عائثا ومفسدا، حتى وقع في عمل القوامس المعاهدين الذين في عسكره؛ فأمر بالكف عنها، ومرَّ مجتازا حتى خرج إلى حصن مليقه من افتتاحه. فأجاز هناك القوامس بجملتهم على أقدارهم، وكساهم، وكسا رجالهم، وصرفهم إلى بلادهم. وكتب بالفتح من مليفه. وكان مبلغ من أكساه ابن أبي عامر في غزاته هذه من ملوك الروم ولمن حسن
(2/296)

عناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقة من صنوف الخز الطرازي، وإحدى وعشرين كساء من صوف البحر، وكسائين عنبريين، وأحد عشر سفلاطونا، وخمس عشرة مريشات، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي ديباج رومي، وفروي فنك. ووافى جميع العسكر قافلا إلى قرطبة سالما غانما، وعظمت النعمة والمنة على المسلمين. والحمد لله.
ولم يجد المنصور بشنت ياقوب إلا شيخا من الرَّهبان جالسا على القبر؛ فسأله عن مقامه؛ فقال: (أوانس يعقوب.) فأمر المنصور بالكف عنه.
قال الفتح من خاقان: وتمرس المنصور ببلاد الشرك أعظم تمرس، ومحا من طواغيتها كل تعجرف وتغطرس؛ وغاردهم صرعى البقاع، وتركهم أذل من وتد بقاع؛ ووالى على بلادهم الوقائع، وسدد إلى أكبادهم سهام الفجائع؛ وأغصَّ بالحمام أرواحهم، ونغص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم. ومن أوضح الأمور هنالك؛ وأفصح الأخبار في ذلك، أن أحد رسله كان كثير الانتياب، لذلك الجناب؛ فسار في بعض مسيراته إلى غرسية صاحب البشكش، فصادفه في يوم فصح؛ فوالى في إكرامه، وتناهى في بره واهتمامه؛ فكالبت مدته فلا متنزه إلا مرَّ عليه متفرجا، ولا موضع إلا سار إليه معرجا؛ فحل في ذلك أكثر الكنائس هنالك؛ فبينا هو يجول في ساحتها، ويجيل العين في مساحتها، إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر؛ قويمة على طول الكسر؛ فكلمته، وعرفته بنفسها وأعلمته، وقالت له: (أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسها، ويتمتع بلبوس العافية وقد قصت لبوسها؟) وزعمت أن لها عدة من السنين بتلك الكنيسة محبسة، وبكل ذلٍّ وصغار ملبسه، وناشدته الله في إنهاء قصتها، وإبراء غصتها، واستحلفته بأغلظ الأيمان، وأخذت عليه في ذلك أوكد مواثيق الرحمان. فلما وصل إلى المنصور، عرفه بما يجب تعريفه به وإعلامه، وهو مصغ إليه حتى نمَّ كلامه. فلما فرغ، قال له المنصور: (هل وقفت هنالك على أمر أنكرته، أم لم تقف على غير ما ذكرته؟) فأعلمه بقصة المرأة، وما خرجت عنه إليه، وبالمواثيق التي
(2/297)

أخذت عليه؛ فعتبه ولامه، على أن لم يبدأ بها كلامه؛ ثم أخذ في الجهاد من فوره، وعرض مَنْ مِن الأجناد في نجده وغوره؛ وأصبح غازيا على سرجه، مباهيا مروان يوم مرجه، حتى وافى ابن شانجه في جمعه؛ فأخذت مهابته ببصره وسمعه؛ فبادر بالكتاب إليه يتعرف ما هي الجنية، ويحلف له بأعظم ألية، ما جنا ذنبا؛ ولا نبا عن مضجع الطاعة جنبا. فعنف أرساله، وقال لهم: (كان قد عاهدني ألا يبقى بأرضه مأسورة ولا مأسور، ولو حملته في حواصلها النسور؛ وقد بلغني بعد مقام فلانة المسلمة) بتلك الكنيسة. ووالله! لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها!) فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها، وأقسم له أنه ما أبصرهن، ولا سمع بهن، وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها، قد بالغ في هدمها، تحقيقا لقوله، وتضرع له في الأخذ بطوله. فاستحيى منه، وصرف الجيوش عنه، وأوصل المرأة إلى نفسه، وألحق توحشها بأنسه، وغير سوء حالها، وعاد بسواكب نعماه على جذبها وإمحالها، وحملها إلى قومها، وكحلها بما كان شرد من نومها.
وحدث شعلة، قال: قلت للمنصور ليلة طال فيها سهره: (قد أفرط مولانا في السهر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم؛ وهو يعلم ما يحركه عدم النوم من علة العصي!) فقال لي: (يا شعلة، إن الملك لا ينام إذا نامت الرعية! ولو استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد العظيم عين نائمة!) وكان المنصور يزرع في كل سنة ألف ألف مدى من الشعير قصيلا لدوابه الخاصة به؛ إذا قدم من كل غزوة من غزواته، لا يحل عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل، فيعلمه ما مات منها وما عاش، وصاحب الأبنية، فيعلمه بما وهي من أسواره ومبانيه وقصوره ودوره. وكان له دخالة في كل يوم اثني عشر ألف رطل من اللحم، حاشى الصيد والطير والحيتان. وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصري الزاهرة والزهراء. وابتنى المنصور على
(2/298)

طريق المباهاة والضخامة مدينة الزاهرة) ذات القصور، والمتنزهات المخترعة كذات الواديين، ومنية السرور، وأرطانية، وغيرها من منشئاته البديعة.
قال ابن حزم: كنا مع المنصور، في يوم صقيل الجو، في الزورق، في النهر الذي بين يدي الزاهرة، في نفر من وزرائه، ومنظر يفنن بأمامه وورائه، ونحن على مؤانسة قد امتد طنبها، وارتشف بها لعس المسرة وشنبها، وانحشر إليها لهو الدنيا ولعبها؛ وهو يستبدع ذلك النشيد، ويتطلع منها إلى المزخرف والمشيد، ويصوب نظره ويصعده في قصوره المشرقة، ومصانعه المونفة، وقد قيدت الألحاظ جمالا، وجددت في الحياة آمالا. فقال المنصور: (وبها لك! يا زاهرة الحسن. لقد حسن مرءاك، وعبق ثراك، وراق منظرك، وفاق مخبرك، وطاب تربك، وعذب شربك! فليت شعري من المربد الذي يعدمك، يوهن ركنك ويهدمك، ويخلي ميدانك، ويضوي قصبك وأفنانك! فبؤسا له إذ لا يروقه حسنك، فيكف عن تغييرك! ألا تسببه بهجة منظرك، فكيف عن محو أثرك!) قال: فاستعظمنا ذلك منه، وأنكرنا ما صدر عنه، وظننا أن الراح غلبت عليه، وخيلت ذلك عليه؛ فأفرط الكل مما في استنكار ما جاء به، وفاه بأمره وسببه؛ فقال: (والله! كأنكم لا تعلمون ذلك! نعم! سيظهر عليها عدونا في أٌقرب مدة، فيهدم هذا كله ويعدمه. وكأني بحجارتها في هذا النهر!) فأخذنا به طريق التسكين والتهدين، وعجبنا لما ذكره من ذلك النبأ المبين.
وعند فراغه من ابتناء الزاهرة، غزا غزوة أبعد فيها الإيغال، وغال فيها من عظماء الروم من غال، وحل من أرضهم ما لم يطرق، وراع منهم ما لم يرع قط ولم يفرق، وصدر صدرا أسمى به على كل حسناء عقيلة، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة، ودخل قرطبة دخولا لم يعهد، وشهد له فيه يوم لم يشهد. وكان ابن شهيد متخلفا عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده، وجفاه منتجعه ورائده.
(2/299)

وابن شهيد هذا أحد حجاب الناصر، وله على ابن أبي عامر أياد محكمة الأواصر. وكان كثيرا ما يتحفه، ويصله ويلطفه. فلما صدر المنصور من غزوته هذه، نسى متاحفته، وأغفل ملاطفته؛ فكتب إليه (خفيف) :
أنا شيخٌ والشَّيْخُ يَهْوَى الصَّبَايَا ... يا لنَفْسِ تَقِيكَ صَرْفَ الرَّزايَا
ورَسُولُ الإِلهِ أَسهَمَ في الفيء ... لِمَنْ لَمْ يُخِبَّ فِيهَا المَطايَا
فاجْعَلْني (فُدَيْتَ!) أَنْكِحُ مَعْر ... وفَكَ وأبْعَثْ بها عِذَابَ الثَّنايَا
هُوَ عُرْفٌ فإنْ تَحَوَّل صِهْراً ... كَانَ وَاللهِ آيَةً في البَرايَا
فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم، يكنفها ثلاث جوار كأنهن نجوم سرار، وكتب (خفيف) :
قَدْ بَعَثْنا بِهَا كَشَمْسِ النَّهارِ ... في ثَلاثٍ مِنَ المَهَى أَبْكارِ
فاجتَهِدْ واتَّئِد فإنْكَ شَيْخٌ ... خَفِيَ اللَّيْلُ عن بَيَاضِ النَّهارِ
صانَكَ اللهُ عن كَلاَلِكَ فيها ... فَمِنَ العارِ كَلَّةُ المِسْمَارِ
فافتضَّهُنَّ جميعا في ليلة واحدة، وكتب إليه (خفيف) :
قَدْ فَضَضْنا خِتَامَ ذَاكَ السِّوارِ واصطَبَغنا من النَّجِيعِ الجارِي
ونَعَمْنا في ظِلِّ أَنْعِمِ لَيْلٍ ... وَلَهَوْنا بالبَدْر ثُمَّ الدَّراري
وقَضَى الشَّيْخُ ما قَضَى بِحُسامٍ ... ذِي مَضَاءِ عَضْبِ الظُّبَى بَتَّار
فاصْطَنِعْني فلَسْتُ أجْزِيكَ كُفراً ... واتَّخِذْني سَيْفاً عَلَى الكُفَّارِ
قال حيَّان بن خلف: وجد بالمنصور عزم أزعجه الغزو بعض البروج المهمة؛ فأبرز أموالا عظيمة، وتقدم إلى الناس في البكور للزاهرة؛ فاستبقوا، وقد طرقه في ليلته وجع حماه عن العمض؛ فلم يمنعه من إنفاذ عزيمته، وقعد للنظر في شأنه بأعلى منسته المسماة باللؤلؤة، وقد صح على الكيِّ عزمه، وكان أقرب أبواب الراحة منه؛ فأقبل بوجهه على من تحته، يفري الفريَّ في شانهم؛ وقد ناول الطبيب في خلال ذلك رجليه؛ فحمل عليها عدة كيَّات، ثم أمال
(2/300)

شفه نحوه، وأمكنه من يديه معا واحدة بعد أخرى، وما زوى وجهه، ولا فقد نصحا له كلامه، بل كان يتناول أوامره من وعده ووعيده بأنفذ من الإشفى، ويحملهم من وروده على الأوفى فالأوفى، وإن نتن لحمه المكوي ليبتثُّ فيهم آخذا بخواشيمهم، وهم لا يعلمون.
وفي سنة 392، توفى المنصور ابن أبي عامر - رحمه الله - ليلة الاثنين لثلاث بقين لرمضان المعظم، وهو ابن خمس وستين سنة وعشرة أشهر؛ كان له من الولد الذكور يوم وفاته إثنان، وهما عبد الملك وعبد الرحمن الناصر؛ فكانت مدة قيامه بالدولة منذ تقلد الحجابة إلى أن توفى خمسا وعشرين سنة، وأربعة وأربعين يوما. وترك من الأموال الناضة بالزاهرة أربعة وخمسين بيتا. وكان عدد الفرسان المرتزقين بحضرته ونواحيها، الذين حارب بهم الحروب، عشرة آلاف وخمسمائة، وأجناد الثغور قريبا من ذلك.
ولله دَرُّ القائل فيه (كامل) :
آثارُهُ تُنْبِيكَ عَنْ أخْبَارِهِ ... حَتَّى كأنَّكَ بالعُيُونِ ترَاهُ
تَاللهِ ما مَلَكَ الجَزيرَةَ مِثْلُهُ ... حَقًّا وَلاَ قَادَ الجُيُوشَ سِوَاهُ
وذُكرَ أنَّ هذين البيتين قد نقشا في رخامة على قبره - رحمه الله -. وكانت عدَّة غزواته سبعا وخمسين غزوة، باشرها كلها بنفسه، وهو في أكثرها يشكو على النقرس - عفا الله تعالى عنا وعنه! - كَمُلَ السفر الأوَّلُ بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه ويمنه. وصلى الله على سيدنا محمد نبيّه وعبده.
(2/301)