Advertisement

التيجان في ملوك حمير 002



الكتاب: التيجَان في مُلوك حِمْيَرْ
المؤلف: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ) يرويه عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن جده لأمه وهب بن منبه رضي الله عنهم
تحقيق: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية
الناشر: مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، صنعاء - الجمهورية العربية اليمنية
الطبعة: الأولى، 1347 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] عصت الإله إلا وقد أودى بها ... غضب الإله وهدها بحرابها
ومن شواهد أخبارهم يا أمير المؤمنين قول أمية بن أبي الصلت يذكر ثموداً والناقة وما أصابهم وأنه لم ينج إلا الذريعة كلبة بنت سلق حين ذهبت إلى قرح وموتها
حين سقيت عند فراغها من الخبر لما رأت من العذاب الذي نزل بهم، فقال في ذلك أمية بن أبي الصلت:
وثمود الفتاك في الدين وفي ... ناقة ربي إذ غادروها عقيرا
ناقة للإله ترتع في الأرض ... وببنيان ثم حوض مديرا
فآتاها أحيمر كأخ السمع ... بغضب فقال كوني عقيرا
فأصاب العرقوب والساق منها ... ومشت في دمائها مكسورا
فرأى الصقب أمه فارقته ... بعد ألف خلية وظؤرا
فأتى صخرة فقام عليها ... صعبة في السماء تعلو الصخورا
فرغا رغوة وكانت عليهم ... دعوة الصقب صيحها تدميرا
فأصيبوا غير الذريعة فاتت ... من جوار لهم وكانت جزورا
سبعة أرسلت لتخبر عنهم ... أهل قرح أتتهم تغويرا
فسقوها بعد الحديث فماتت ... فانتهى ريها فوافت حفيرا
ثم قال عبيد: يا أمير المؤمنين، هذا ما انتهى إلينا من حديث ثمود وأخبارهم وأشعارهم وما قيل فيهم، والله أعلم بالصواب.
وكذلك حدثنا الأول فالأول. قال معاوية: خليق يا عبيد أن يكون هكذا، فزادك الله علماً وفهماً، وزادنا بك رغبة وعليك حرصاً فانا لا نحصي أياديك، فزادك الله فضلاً إلى فضل وهدي إلى هدي، فقد أضاءت نارنا ونار قومك، ثم أطفئوها، فزادك الله خيراً. ثم خبر ثمود والناقة
(1/409)

وصالح - صلى الله عليه وسلم - وبالله التوفيق.

حديث جرهم وخروجهم من اليمن إلى الحرم
قال معاوية: يا عبيد أخبرني عن شخوص جرهم من اليمن إلى الحر وكيف كان ولم فارقوا قومهم؟ قال عبيد: كان من أمر جرهم يا أمير المؤمنين أن الله تبارك
وتعالى لما أهلك عاداً وثموداً وانتشر بنو قحطان في البلاد وكثر ولده. قال معاوية: وما كان لقحطان من الولد؟ قال عبيد: كان له يعرب - وهو أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن - وجبار ابن قحطان وانمار بن قحطان والمعمر بن قحطان والعاص بن قحطان ولاوي بن قحطان وماعز بن قحطان وغاصب بن قحطان ومسعر بن قحطان وجرهم بن قحطان والملتمس بن قحطان والقطامي بن قحطان وظالم بن قحطان والغشيم بن قحطان والمكعفر بن قحطان ونافر بن قحطان. وأمهم امرأة من عاد، وكلهم قد ملك غير ظالم فلم يملك، وقد كان يسير بالجيوش. فولد يعرب بن قحطان يشجب، فولد يشجب سبأ وهو عبد شمس وأدد بن يشجب - وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبي السبايا من ولد قحطان - فولد سبأ بن يشجب حمير بن سبأ بن يشجب بن قحطان - وكان يقال له العرنجج - وهم أهل المدن فيهم وكانت الملوك، وكهلان بن سبأ فملك بعد أخيه حمير حتى ألح به الهرم فرجع الملك إلى ولد حمير، غير أن المشورة كانت في ولد كهلان. فولد حمير بن سبأ الهميسع ومالكاً
(1/410)

وزيداً وعربياً ووائلاً ومعدي كرب فولد الهمسيع أيمن وغوثاً وزهيراً وتوفين. فولد الغوث بن الهمسيع جرهم بن الغوث وثعلبان وحوس فولد خليجاً والهائف وسادما والغوث وجرهمة والديال وحبال ورسال، أمهم قتادة بنت طارف بن جهبذ بن زريق بن مرارة بن منقذ العادية. وولد كهلان زيداً، فولد زيد مالكاً، وولد مالك نبتاً وعربياً والخيار. فولد نبت بن مالك كهلان بن الغوث. وولد الغوث الأزد والقدر. وولد عريب بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. فولد عريب يشجب. وولد يشجب زيداً. فولد زيد ادداً، فولد أدد مالكاً - وهو مذحج ومرة والأشعر -. فولد مرة الحارث. وولد الحارث عدياً ولخماً وجذاماً وعاملة وعميراً - وهو أبو كندة - فهؤلاء ولد عدي بن الخارث بن مرة بن ادد.
وولد الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان رئيساً ومالكاً ابني الجبار. فولد رئيس
ربيعة. فولد ربيعة أوشلة. وولد أوشلة همدان والهان - فهؤلاء ولد الخيار - ومن ولد الخيار الحارث بن مرة بن ادد بن مالك. فولد ماللك المعافر وعمرو بن مالك لكل وهم خولان بن عمرو بن مالك بن مرة ابن ادد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم أن جرهم بن قحطان ولد هزان وذيالاً والعاد ومصياراً، وكثروا فوقعت بينهم وبين بعض بني حمير حرب، ولم يبق من ولد حمير فرقة إلا أعانتهم على جرهم حسداً لفضلهم وعقولهم إلا حياً واحداً من بني حمير - يقال لهم بنو قبطون بن كركر بن حيدان بن
(1/411)

قطن بن زهير بن عريب بن أيمن بن الهميسع بن حمير - وكانت حمير أكثر عدداً وعدة، فنفوا جرهماً وبني قيطون من البلاد. فلما رأت ذلك جرهم ومن كان معها وما دخل عليهم وأنه لا طاقة لهم بحمير ساروا عن البلد وملكت بنو جرهم عليهم مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بن نبت بن جرهم بن قحطان. وملكوا بنو قبطون عليهم السيمدع بن هوثر بن مازم بن لاوي بن قبطون بن كركر بن حيدان. فساروا حتى حلوا أرض الحرم وأهلها يومئذ العماليق، وهم نزول حوله - وكان موضع الحرم كثير الشجر ممتنعاً أن ينزل فيه لكثرة شجره. فأمروا بالشجر فقطع، ونزلت جرهم أعلى مكة، ونزلت بنو قبطون أسفلها في موضع قعقيعان واجياد. قال معاوية: وهل كانوا يعلمون إنه الحرم؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قال: يا عبيد فكيف قطعوا شجره؟ قال عبيد: لم يروا بذلك بأساً لما أرادوا من سكناه وعمارته، وقد قال في ذلك مضاض هذا الشعر الذي يقول فيه:
هذا سبيل كسبيل يعرب ... البادي بالقول المبين المعرب
وعاد عوص ذو القوام الأعجب ... وعمي الخير ثموداً لا سكب
إني إليهم صاح في التقرب ... وهم إلى الدهر في التنسب
مضوا على مهل لأمر معجب ... جرهم جدي وابن عمرو الأهدب
أجلب المأمون ذو التنقب ... يعرب ذو مجد وعز أغلب
بمكر مات وسنا مرتب ... يا قوم سيروا غير فعل الأجنب
قد قال في ذلك خير منجب ... ونوح قد قال بقول أصوب
(1/412)

أنتم بنو يعرب أهل معرب ... وأهل عز باذخ مهذب
وجرهم في الدهر ذي التشعب ... قوام بيت مكرم مطنب
وزانه الله العلي الأغلب وقال السميدع بن هوثر القطري:
سيروا بني كركر في البلاد ... إني أرى الدهر إلى فساد
قد سار من قحطان ذو الرشاد ... جرهم لما هدها الأعادي
من حمير الحساد للعباد ... فلم يضرني دون أهل الوادي
لكم بني عمرو على المبادي ... بالمقتضيات الصقل الحداد
سيروا بنا الأرض بلا ارتباد ... سيروا وعزنا بلاد الهادي
خليل رب بادي السداد ... دعوا بني كركر كل عادي
إذ صرحوا المنكر بائتيادي ... وآثروا العبيد بالوداد
على أولي الأرحام والأيادي ... فإن في الأرض لكل عاد
قوام عيش زئاد من زاد
قال معاوية: من أول من ملك من ولد قحطان؟ قال عبيد: كان أول من ملك منهم سبأ بن يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس - فهو أول من سبى السبايا - ثم ملك من بعده حمير، وذلك قبل عاد بزمان. قال معاوية: وأني ذلك وحمير أحدث بدهر طويل؟ قال عبيد: كلا يا أمير المؤمنين. أن عاداً قد ذكرت حمير في أشعارها. قال معاوية: وكيف قالوا؟ قال عبيد: إن عاداً لما بعثت وفدها إلى الحرم وأبطأ الوفد عليها كالذي حدثتك يا أمير المؤمنين، فرأى جنادة بن الأصم رؤيا - وكان
مسلماً مع هود النبي
(1/413)

صلى الله عليه وسلم - أن الوفد قد هلكوا. فقال رجل من المشركين يقال له الخلجان بن الوهم في قوله هذا الشعر الذي يقول فيه:
أفي كل عام بدعة تحدثونها ... ورأي على غير الطريقة تعبروا
فإن لعاد سنة في حفاظها ... سنحيي عليها ما حيينا ونقبر
وللموت خير من طريق تسبنا ... به جرهم والعاد منها وحمير
قال معاوية: صدقت يا عبيد وأتيت بالبرهان، فخذ في حديثك الأول قال: فلم تزل حمير كذلك لا يعدون اليمن حتى صار الملك إلى الحارث بن ذي شدد ابن عمرو بال الملطاط بن عمرو بن قطن بن زهير بن عريب بن أيمن بن الهمسيع بن حمير بن سبأ - فكان الحارث أول من غزا وأصاب الأموال وأدخل اليمن الغنائم، ثم خيرها فسمي بعد ذلك الرائش - قال عبيد: يا أمير المؤمنين هو الذي قال فيه لقمان الأكبر لقمان صاحب النسور - ما قال - وقد حدثتك حديثه في قوله (انهض لبد أنت الأبد نهض الملك المجرد الحارث بن ذي شدد).
قال معاوية: صدقت يا عبيد وجئت بالبرهان، فخذ في حديثك عن ملوك حمير. قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه لما كان يؤتى للحارث وهو الرائش في بلاده من قبل السند والهند في السفينة من المسك والعنبر وغير ذلك من الأعاجيب من ياقوتها وغيره فتطلعت نفسه إلى غزوها فعبى الجنود وأظهر إنه يريد أرض المغرب بحراً، وأعد السفن حتى إذا رأى إنه قد استمكن قدم رجلاً من أهل بيته - يقال له يعفر بن عمرو بن شرحبيل بن عمرو ابن شرحبيل بن عمرو وباثني عشر ألفاً، وسار على أثره حتى دخلوا أرض
(1/414)

الهند، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال، ثم رحل قافلاً إلى اليمن وخلف يعفر في اثني عشر ألفاً وأمره ببناء مدينة هناك، ففعل وأقام سنة. قال معاوية: وأي مدينة هي؟ قال عبيد: لا أدري ما اسمها إلا أن ملوكهم بها اليوم واسمها على اسم الرائش. قال معاوية:
كيف ذلك؟ قال عبيد: قال في ذلك رجل من حمير يقال له يونس بن سعد بن عمرو بن زيد ابن علاف بن ذي أنس بن يقدم بن الصوار شعراً يقول في ذلك:
من ذا من الناس له ما لنا ... من عرب الناس ومن أعجم
سار بنا الرائش في جحفل ... مثل مفيض السيل كالأنجم
يؤم أرض الهند غازلها ... يحوي بها الانجوج كالضغيم
ونستبي كل فتاة بها ... ريانة الخدين والمعصم
إن ولي الملك من بعده ... سليل ذا الملك إذا ينتمي
أعني به يعفر إذ جاءها ... يا حبذا ذلك من مقدم
في بحرها السجود يطوى له ... يوم يسير الملك المعلم
فصبح الهند بها وقعة ... هدت ملوك الهند بالصليم
وأقبل الرائش في ملكه ... وآب بالخيرات والأنعم
قال معاوية: فما صنع بعد ذلك؟ قال: أقام يا أمير المؤمنين دهراً أعلى ذلك حتى أتته هدية من قبل أرض بابل.
قال معاوية: وممن كانت الهدية لله درك يا عبيد؟ قال: من ملكها. قال: ولم ذلك وهم في عز ومنعة بأرض بابل؟ قال عبيد: إن الملوك يهادي بعضهم بعضاً. قال: مخافة أن يغزوه؟ قال: أظن ذلك، والذي كان
(1/415)

منه في أرض الهند. قال معاوية: ومن أهل بابل يومئذ؟ قال: بقية من ولد حمير بن يعرب. قال معاوية: خذ في حديثك وأعلمني ما كانت الهدية؟ قال: بزات بيضاء وسروجاً كرمانية وديباجاً فاخراً وآنية من متاع الملوك من عمل أهل تلك البلاد. فلما رآها الرائش قال للرسول: أكل ما أرى في بلادكم؟ قال: بعضه أيها الملك وبعضه من بلاد الترك، وهم من أمرائنا من حالهم كيت. فحلف ليغزون تلك البلاد التي خرج منها ما رأى فاستخلف يعفر بن عمرو، وسار هو بنفسه في مائة ألف وبعث الرجال في ابتغاء
الطريق، فلم يجد طريقاً خيراً له فيما يذكر من طريق واحدة على جبل طئ حتى خرج ما بين العراق والجزيرة، وقد سألت يا أمير المؤمنين عن ذلك فبلغني إنه خرج على الانبار من أرض العراق. قال معاوية: أو قد كانت أحدثت مدينتها يومئذ؟ فقال عبيد: بل ذلك بدهر طويل، ثم سار حتى نزل الجبل من ارض الموصل، وبعث شمر بن القطاف بن المنتاب بن عمرو بن زيد بن عملاق بن عمرو بن ذي أنس في مائة ألف حتى دخل عليهم أذربيجان فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم اقبل فكتب في حجرين أمر مسيرخ، فهما اليوم على جدار أذربيجان. قال معاوية: وما بال أذربيجان لله أنت؟ قال: له أنها كانت من ارض الترك واجتمعوا له. قال: فأين كان ملك بابل عنه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين أنها كانت لأهل اليمن عدة ولحمير بسطة وقوة والله إني لأستحيي من ذكرها وكانت تنزع الأولاد إلى اليمن والأوطان، وكانوا يلجون في السير في البلاد وإن أهدى لبعضهم ملك من الملوك قبل وطاف إلى غيره. قال معاوية: صدقت فهل بلغك ما في الحجرين بأرض أذربيجان؟ قال: ذكر مسيره في شعره قال معاوية: فما قال. قال قوله:
(1/416)

بني قحطان فانتجعوا وسيروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام
قال عبيد: يا أمير المؤمنين ذلك من قول الحارث الرائش. قال معاوية: وكيف قال؟ قال: إنه لما سار إلى الترك - وهو الحارث بن ذي شدد - قال هذا الشعر الذي يقول فيه:
أنا الملك المقدم حين أمضي ... جلبت الخيل من يمن الحمام.
لا غزوا عبداً جهلوا مكاني ... بأرض الشرق من ديم الغمام
فاحكم في بلادهم بحكم ... سواء لا يجاور في غلام
بنو قحطان فانتجعوا وسيروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام
بإذن الله خط وهو كثيب ... تواثه الهمام عن الهمام
دعوا أحرامه لبني أبيكم ... وكونوا مثل يقطان وسام
وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي الأنس الأضافد ذي السنام
فتلك ملوك أخيار تولوا ... ويخف بعدهم شبل الكرام
فشرف منزلي وعلا مكاني ... وملكي فوق أملاك الأنام
فإن اهلك ولم ارجع إليكم ... فقد هلك الملوك من آل لام
ويملك بعدنا منا ملوك ... أولوا عز كعالية الغمام
ويخلف بعدهم منا ملوك ... يرومون العناد لكل رام
فينتشر الاساود ثم عشرا ... عقاب الله في القوم الآثام
ويملك بعدهم رجل عظيم ... بني لا يرخص في الحرام
يسمى أحمداً يا ليت إني ... أؤخر بعد مبعثه بعام
ويملك بعدهم منا ملوك ... ضعيف أمرهم نكل المرام
(1/417)

ويملك بعده خلف نزور ... ويملك بعدهم أولاد حام
تظهر راية المنصور فيهم ... على رأي ورأي بعد لام
فينشر منطوى ملك طوته ... ثلاث بعد واحدة تمام
فتنبعث الحقوق كما أميتت ... كما يجلى القتام عن الغمام
ويملك بعده رجل ضعيف ... على آبائه أزكى السلام
وهو الذي يقول يا أمير المؤمنين:
إن المكارم والعلياء خص بها ... خير البرية ملطاط بن حيدان
أعني به وائلا والغوث والده ... وعبد شمس آتانا خير إنسان
واذكر به سيد الأملاك ذا أنس ... وابن القماقم عمرو الاصيد الثاني
واذكر عريار تاج الأرض إن نسخت ... معاقل الناس من أولاد قحطان
وخص مني زهيراً وابنه قطنا ... عند الحروب إذا كر الفريقان
وأيمن النازح المشهور رأيته ... بنى لنا المجد من ذا مثله باني
ابن الهميسع في عز ومأثرة ... إني لذكراه ذو بث وأحزان
ذاكم بأني سألت الناس كلهم ... من مثلنا في دهور الأنس والجان
لو كان ذا الدهر يبقى آل مكرمة ... لخص منا به ذاك الكريمان
وحمير وسبأ فاذكر فعالهما ... لكن ذا الدهر يفنى والجديدان
وجرهم هو جدي في أرومته ... وعم خالي نبت وابن هزان
تلك المكارم إن عدت مكارمنا ... هذا لعمرك مجد ليس بالفاني
فسائلوا الناس هل مثل يشاكلهم ... أو كان مثلي بهذا أمر لقمان
قال معاوية: يا عبيد هل أحد من العرب ذكر الرائش في شعره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال فيه امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي:
(1/418)

تقول بنية الكندي لما ... عرفت بها الهوى واللهو نالا
أرى الملك الذي قد كان فينا ... يفيد رغائباً ويفيد مالا
ويعطي القينة الحسنا ويروى ... نداماه ويصطنع الثقالا
ويصبح في البطالة مستطيرا ... تحال به إذا وافى هلالا
يبدل بعد جدته شحوبا ... وأصبح شاؤه خلقاً مدالا
فقلت لها وقول الحق مما ... يميل لو عدلت به الجبالا
إلا اعتبري فإن الدهر غول ... خؤون العهد يلتهم الرجالا
أزال من الصانع ذا رياش ... وقد ملك السهولة والقلالا
وذو القرنين قد ملك المعالي ... وللرياش قد نصب الحبالا
وانشب في المخالب ذا مقار ... فارداه وسقاه الخبالا
وافرد ذا مقار وكان قدما ... يبالي في سرادقه الشمالا
وفجع كندة الأخيار طرا ... بعمرو واصطفى حجراً فزالا
فبينا المرء في الأحياء حي ... رماه الدهر عن جنب فمالا
وأزد شنوءة الأبطال أرخو لنا ... في العيش أهون اختيالا
فإن يك دار أهل الازد زالت ... فكل الناس ينتظر الزوالا
فإن تهلك شنوءة في كسيري ... فإن هناك في غسان خالا
بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أبا لك قد أنالا
جزى الله السموأل يوم تيما ... ومن شهد الوثيقة والمقالا
وأصحاب العهود بني غنى ... وعمرو الخير من يجري النوالا
قال معاوية: يا عبيد، ما كنا نظن هذا الشعر إلا لذي نواس! قال: يا أمير المؤمنين قرب هذا وبعد الآخر، وكان اسم هذا أهون على الرواة. فأما القول: فوالذي بعث محمداً، لقد رويت هذا الشعر وإن ذا نواس لغلام
(1/419)

وإن الملك على حمير باليمن لخنيعة ذو شناتر قبل ذي نواس بدهر طويل فقتله ذو نواس. قال معاوية: صدقت، فكم ملك رائش؟ قال: ملك مائتي سنة وخمساً وعشرين. فقال: فمن ملك بعده؟ قال: ابنه أبرهة بن الرائش - وكان يدعى ذا المنار - وكان من أجمل أهل زمانه - فيما يذكر - فعشقته امرأة من الجن - يقال لها العيوف - ويروى أنها الهيوف بنت الرابع فتزوجها، فولدت له العبد بن أبرهة، فسار أبرهة غازياً نحو المغرب ومعه ابنه العبد فسيره على مقدمته واستخلف على اليمن ابنه أفريقيس ابن أبرهة. فسار أبرهة حتى أوغل في أرض السودان براً وبحراً وأمعن فيها. ثم بدا له المقام فأقام وسرح أبنه العبد بن أبرهة في غربي الأرض في عسكر، انتهى إلى بلاد قوم وجوههم في صدورهم. إذا كان النهار وحرت الشمس استخفوا في الماء، فوضع فيهم السيف حتى أفناهم ورجع إلى أبيه يسبي كثير وأصاب من الأموال شيئاً عجيباً وأخذ منهم قوماً فلما قدم بهم إلى أبيه ذعر الناس منهم فسمي ذا
الاذعار قال: وإنما سمي العبد بن أبرهة ذا الاذعار لذلك.
قال: نعم. قال معاوية: فاخبرني لم سمي أبرهة ذا المنار؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين، إنه لما رجع أبرهة من غزوته تلك أمر بمنارة فبنيت وشبت فيها النيران ليهتدي بها جيوشه، وكان ذلك المنار يا أمير المؤمنين أول منار وضعته الملوك - فسمي لذلك ذا المنار - قال: ثم رجع إلى اليمن فلم يغز حتى مات. قال معاوية: فهل قيل في ذلك وفي ذي المنار شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قد قال فيه رجل من حمير من أهل بيته ومن خاصته - يقال له المحموم بن مالك بن يزيد بن غالب بن المنتاب بن
(1/420)

بن عمرو بن يزيد بن عملاق بن عمرو بن ذي نواس بن يقدم بن الصوار هذا الشعر الذي يقول فيه:
ولقد بلغت من البلاد مبالغا ... يا ذا المنار فما يرام لحاقكا
قدت الجنود فأمعنت في برها ... وحملت منها في السفين كذالكا
حتى وطى الجمعان حيث تبؤات ... أولاد حام ثم جئت بلادكا
أوغلت عبداً فاستقر به النوى ... حيث العجيب بغير خلق جالكا
فأتاك بالنسناس خلق وجوههم ... في الصدر منهم قابض لقناتكا
أنت القهور فما ترام إلى البلا ... نعم الخليفة في مدى أفعالكا
من ذا سيأتي من فعالك خطة ... هيهات ذلك جانح لسنائكا
خضع الملوك لما رأوا من كيده ... كرماً لحمير أن علت بعلائكا
قال معاوية: كم ملك ذو المنار؟ قال: ملك مائة سنة وثمانين سنة.
قال معاوية: استقر الأول، فالأول حتى سألك عما أريد؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. قال معاوية: فمن ملك بعد ذي المنار؟ قال: ملك بعده أفريقيس بن أبرهة فغزا نحو المغرب عن يمين مسير أبيه في أرض البربر حتى انتهى إلى طليحة الملك فرأى بلاداً كثيرة الخير قليلة الأهل، فنقل البربر من بلادهم فلسطين
إلى مصر إلى الساحل. قال معاوية: فإنه يقال أنهم قوم من قيس بن عيلان فهل علمت ذلك؟ قال عبيد: أما هذا فلا علم لي به ولكني أخبرك أن البربر قوم من ولد كنعان بن حام بن نوح وهم بقية من قتل يوشع بن نون قال معاوية: ولم قتلهم يوشع بن نون لله أنت؟ قال: إن يوشع بن نون كان عبداً صالحاً مؤمناً مأموراً، فسار إليهم داعياً إلى الله، فتركوا الحق وكرهوا الإسلام وأحبوا المقام على الكفر فقاتلهم فظفر بهم فقتلهم إلا بقايا منهم كانوا على السواحل ومن هرب
(1/421)

منهم فرجعوا بعد ذلك فقتلهم افريقيس في غزوة إلى أرض البربر فهم بها إلى اليوم. قال معاوية: فكيف تقول قيس أنهم من ولد بربر إلا من قبل شعر قاله افريقيس، وما ذلك؟ قال: قال افريقيس يا أمير المؤمنين هذا الشعر حيث يقول:
بربرت كنعان لما سقتها ... من بلاد الملك للعيش العجب
قد رأت كنعان فيها وهنة ... من بني يعقوب يوسف ذي النهب
ورأت قيس لعمري دارها ... ترتقي عيشاً لنا لا يترب
ثم أمسى غير ممسي من مضى ... بين ميت وطريد ذي تعب
فاشكري ضبعان شكراً صادقاً ... واحذري مني انتقاماً ذا حرب
قال معاوية: خذ فغي حديثك الأول. قال: فلما بلغ افريقيس حيث بلغ، أمر ببناء مدينة بتلك الأرض من افريقية، فبنيت مدينتها - وإنما سميت باسم افريقيس - وكذلك تسميها بربر اليوم، فأما العرب فتقول افريقية أن هذا لشبيه.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال السميدع بن عمرو بن عملاق بن مالك بن عمرو بن عملاق بن هزان بن المنتاب بن عمرو بن غالب بن المنتاب شعراً. قال معاوية: وما هو يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا الشعر وهو:
سرنا إلى المغرب في جحفل ... فيه لعمري كل شاب همام
بأمر افريقيس لا ينثني ... بكل صهال وعضب حسام
حتى أتينا أرض بطحائها ... من دون بحر غير سهل المرام
نخوض بالفرسان في ما قط ... يكثر فيه ضرب أيد وهام
(1/422)

بأمر ماض الهم ذي حنكة ... نقهر من شئنا بجيش لهام
نقتل منهم شيخ أملاكهم ... أروع قرم غير وغد كهام
يسكن البربر في قصفص ... كتائب سارت كمثل الغمام
ثم ابتنى البنيان في جوفها ... بغير ما كره لدهر الدوام
قال معاوية: فكم ملك لله أبوك يا عبيد؟ قال: ملك افريقيس مائة سنة وأربعاً وستين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده يا عبيد؟ قال: ملك أخوه العبد بن ابرهة ذو الاذعار، فسقط شقه من الفالج، فلم يغز بنفسه وكان يوجه في الغزو سنة ويمكث ثلاث سنين - وكان مهيباً قال: لله درك يا عبيد، ما سمعت برجل من أهل اليمن هم له أكثر ذكراً وبمسيره وإثخانه في الأرض أكثر تعجباً منهم له؟ قال عبيد: ذلك من لا علم له أمير المؤمنين وما كان ذكرهم لذي الاذعار، إلا لما كان أصاب من السبايا معابيه وهدية بلغ بها إلى أبيه فيما بلغنا والله اعلم. قال: فهل قيل في ذي الاذعار شعر سمي فيه ذي الاذعار؟ قال عبيد: نعم، إنه لما مات رثاه رجل مناهل بيته - يقال له المعترف بن وائل بن يعفر بن عمرو - قال عبيد: قال المعترف بن وائل يرثى ذا الاذعار حيث قال:
عجبت للدهر وبلوائه ... وصرف أيام له فانيه
بينا يردينا لباس الهوى ... إذ مال لا يبقى على باقية
لو كان هذا الدهر اذهرنا ... له ود من الأرباب والحاشية
عمرو وذو الاذعار في ملكه ... لكنما الدنيا هي الفانية
(1/423)

وملك جبارهم أصله ... لم يكن الباقي لدى الداهية
فأكثري التعويل يا حمير ... على مليك كان بالعاليه
من مجد آباء له ما لهم ... قد قهروا ملك ذوي العاتية
قال معاوية: يا عبيد كم ملك ومن ملك بعده؟ قال: ملك خمساً وعشرين سنة. ثم ملك بعده عامر ذو براش. قال معاوية: ما سمعت بذي براش؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين كان ملكاً من ملوك حمير، وقد قال فيه الأفطس بن عفيف - وهو رجل من اليمن - شعراً. قال معاوية: وكيف؟ قال عبيد: قال هذا الشعر يا أمير المؤمنين حيث يقول:
قد علا الناس بالفضائل والمجد ... أخو الملك عامر ذو براش
قاد خيلاً يريد ارض قباذ ... غار فيها بمصلتين غير حاشي
للمنايا إذا تضرمت الحرب ... بنيرانها الفضاع الغواشي
فهو ليث لها يقود ليوثاً ... ليس يثنون عن لقاء الكباش
وهو ليث الحروب في كل حرب ... ذو براش فنعم ليث الهراش
ملك يبرم الأمور بحزم ... غير زميلة ولأمر عاش
فل ساسان عنوة وزبرجا ... غزاهم بجحفل الجياش
بجيوش كأن لمع سناها ... شهب الليل في الدواجي الغطاش
من سيوف مهندات صقال ... مرهفات يردن في الامشاش
جاء بالفيء من سر نديب والاي ... لة حتى أتى بأرض حفاش
من لبيض الخدود في الغرف الش ... م وفي حسن لذة ومعاش
ذاك قيل مملك حميري ... ثار في الملك في اكتهال وناش
غير رعديدة إذا حمى الحر ... ب ولا بيهمومة ولا طياش
(1/424)

قال معاوية: لله أبوك يا عبيد ما كنت أظن هذا هكذا وما كنت أظنه إلا ذا نواس! قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال معاوية: فكم ملك ومن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك
تسعاً وستين سنة، ثم ملك من بعده الهدهاد بن شرحبيل - وهو ذو يشرح - فكان قد تزوج امرأة من الجن - يقال لها رواحة بنت السكن - فولدت له بلقيس - وكانت أعقل امرأة سمع بها في ذلك الزمان وأفضل رأياً وعقلاً وتدبيراً وعلماً، وكانت ذات مشورة على أبيها، حتى عرف ذلك جميع حمير وغيرها منها - فلما حضرته الوفاة بعث إلى رؤساء قومه وأهل الرأي والنبل منهم وأمراء خيارهم، فذكر لهم إنه استخلف عليهم بلقيس. فقال رجل منهم: أبيت اللعن أيها الملك تدع أهل بيتك وأفاضل قومك وتستخلف علينا امرأة - وإن كانت في المكان الذي هي منك ومنا - قال: يا معاشر حمير قد رأيت الرجال وعرفت أهل الفضل وخبرت ذوي الرأي من المعاشر وشهدت ملوكها الماضين ومن أدركت منها فلا والذي أحلف به ما رأيت مثل بلقيس قط علماً ورأياً وحكماً، مع أن أنها من الجن وأنا أرجو أن تظهر لكم من أمور الجن ما تنتفعون به بإعانتكم ما كانت الدنيا - لأن أمها من الجن - فاقبلوا نصيحتي فيها فاني مع اختياري إياها مؤدية إلى غيرها من أهل بيتها، واني قد كنت سميت الملك لابن خالي هذا الغلام - وهو غلام له عقل ورأي وهو أولى بالأمر، فإذا بلغ ولي الأمر إما في حياتها وأما بعد موتها - قال: ومن هو؟ قال: ناشر بن عمرو بن يعفر بن عمرو. قالوا: سمعنا وأطعنا وأنت أيها الملك أنظر لنا وأبصر لنا. فوليت بلقيس أمورهم بعد أبيها الهدهاد بن شرحبيل ملك حمير.
(1/425)

قال معاوية: فاخبرني كم ملك الهدهاد بن شرحبيل؟ قال: ملك مائة سنة. قال معاوية: يا عبيد هل كانت بلقيس تريد الرجال؟ قال عبيد: ما تزوجت قط، ولا نكحها سليمان عليه السلام، إلا وهي بكر. قال: فمن كان خدمها؟ قال عبيد: الرجال. قال: فمن كان يخدمها؟ قال: النساء. قال معاوية: إماء هن أم حرائر؟ قال: بل بنات أشراف حمير. قال: وكان معها فيما بلغني ثلاثمائة وستون جارية،
وكانت تحبس الجارية، حتى إذا بلغت حدثتها حديث الرجال، فإن تغير لونها ونكست رأسها وبدا لها أنها قد أبصرت أمر الرجال، سرحتها إلى أهلها فزوجوها بعض أشراف قومها، وإذا رأتها مستمعة لقولها معظمة لأمرها غير متغيرة اللون ولا مستحية من الحديث عرفت أنها لا تريد فراقها وإن الرجال ليسوا ببالها.
قال معاوية: إن النساء في ذلك أطوار تكون على الوصف الأول وإنها لبعيدة عن الرجال وتكون على الصفة وهي تحتال على ذلك بالخداع والمكر قال عبيد: يا أمير المؤمنين إنه كان عندها بالأمور علم وكان هذا منها رأياً. قال معاوية: يا عبيد انك لتحدثني عن امرأة أظنها نواراً من النساء! قال عبيد: يا أمير المؤمنين، ومن أين يكون ذلك؟ وقد قالت لنبي الله سليمان بن داود ما قالت رغبة فيه وحرصاً على أن تكون زوجة له - ولو كانت نواراً لم تقل ذلك - ولكنها كانت من النساء مكرمة لنفسها ضابطة لرأيها وأمرها غير نزوع إلى المساوئ ولا غافلة عن المكارم. قال معاوية: فما كان قولها لسليمان بن داود؟ قال عبيد: يأتي عليك الحديث يا أمير المؤمنين. قال: افعل. فوالله انك لتحدث لعجباً؟ فكم ملكت حتى جاءها سليمان بن داود.
(1/426)

قال بلغني يا أمير المؤمنين أنها ملكت تسعين سنة، فلما أراد الله أكرامها بسليمان، خرج مخرجاً لا يدري إليها قصد أم إلى غيرها أم مر على بلادها وهو يريد غيرها، وكان إذا ركب من منزله مرعاً أتته فقال: نصف النهار بأصطخر من أرض فارس، ثم يتروح فيبيت بكابل فغدوه ورواحه مثل ذلك المسير إلى كل وجه يأخذ إليه. وقول الله أصدق القائلين (غدوها شهر ورواحها شهر). قال معاوية: صدقت، فهل قرأت القرآن؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما حفظته إلا في شهر واحد. قال معاوية: لله أنت يا اخا جرهم، فحدثني عن سليمان وبلقيس. قال: لما أراد الخروج على الريح، فوضع سريره عليها وكرسيه وكراسي جلسائه، ثم جلس
عليه وأجلس الأنس عن يمينه وشماله ومجالسهم من كرامتهم وأجلس الجن من ورائهم على مثل ذلك منهم قائم ومنهم جالس، ثم قال للريح: أقلينا، وللطير أظلينا، فأقلتهم الريح وأظلتهم الطير من الشمس والخيل موقوفة والطباخون في توابيتهم جلوس في أعمالهم، فلما استقروا عليها أمرها سليمان بالمسير، فسارت لا تزيل أحداً منهم عن مجلسه ولا تفسد عليه عملاً في يده ولا صانعاً بصناعته ولا طابخاً ولا خبازاً ولا دابة من مربطها ولا أحداً ممن حملته عليها حتى يأذن لها في وضعهم على الأرض فإذا أذن لها بذلك فعلت ذلك في الحال من سكونهم بقدرة الله عز وجل. ثم أن سليمان سار في أرض العرب، فمر بموضع المدينة، فأمر الرياح فوقفت ثم أعلم أصحابه إن هذا المكان مهاجر نبي يخرج في آخر الزمان من العرب اسمه أحمد وهو خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ثم سار إلى
(1/427)

مكة فأمر الرياح فوقفت ثم قال: هذا بيت الله الذي ابتناه أبي إبراهيم صلوات الله عليه وهو أول بيت وضع في الأرض أمر الله به أبي آدم عليه السلام فبناه، ثم نزل سليمان فصلى فيه، ثم سار.
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فمتن كان أهل الحرم يومئذ؟ قال عبيد: نحن يا أمير المؤمنين وسلفنا على الحق يومئذ. قال معاوية: فمن كان يلي البيت مر به سليمان بن داود؟ قال: البشر بن عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو.
قال معاوية: خذ في حديثك. قال عبيد: ثم سار سليمان إلى أرض اليمن، حتى إذا كان على مسيرة ثلاثة أيام من مدينة ملك اليمن أراد سليمان النزول - وكان لا ينزل إلا على ماء - وكان الهدهد الذي يدله على الماء فافتقد سليمان الهدهد حين دخلت عليه الشمس من موضعه - وكان مثل البطة - وذلك قول الله تبارك وتعالى {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} إلى آخر الآية. قال: وما يعني بالعذاب يا عبيد؟ وإنما هو طائر. قال عبيد: يا أمير
المؤمنين سمعت ابن عمك عبد الله بن عباس يقول: إنه النتف حتى لا يطير مع الطير. قال معاوية: فهل تعرف يا عبيد قوله {أو ليأتيني بسلطان مبين} ما هو؟ قال: العذر المبين. قال: فمن أين علمت ذلك؟ قال: من قبل ابن عباس. قال معاوية: فما صنع الهدهد؟ قال عبيد: كان الهدهد قد تقدم فلقي هدهد أرض سبأ، فقال لهدهد سليمان: أخبرني ما هذا الذي أرى ما رأيت ملكاً أعجب من هذا راكباً على الريح معه الجنود ما لم أره أو أسمع بمثله! قال له هدهد
(1/428)

سليمان: هذا سليمان - نبي الله - فمن أين أنت؟ قال: من أرض سبأ. قال: فمن ملككم؟ قال: ملكنا امرأة لم ير الناس مثلها في فضلها وملكها وحسن رأيها وتدبيرها وكثرة جنودها مع الخير الذي قد أعطيت في بلادها وأمها من الجن مع هذا وهي امرأة من ولد حمير. قال هدهد سليمان: انطلق بي حتى أنظر إليها، فانطلق به حتى رآها وجنودها وما أعطيت في بلادها. ثم رجع إلى سليمان صلى الله عليه وسلم بعد أن مكث غير بعيد كما قال الله عز وجل، قال الهدهد: يا نبي الله أني {أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، أني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء لها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. قال سليمان: سننظر أصدقن أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم، ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون}. قال معاوية: لم نقرأ القرآن لهذا الحديث، إلا تأتي بالحديث الذي بلغك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين القرآن أصدق من الحديث، ولو لم يكن هذا في كتاب الله لكان الحديث عندي ثقة. قال معاوية: صدقت. قال عبيد: فكتب سليمان كتاباً ودفعه إلى الهدهد فأخذه بمنقاره - فيما بلغنا - فانطلق به حتى آتاها وصار بحذاء رأسها وهي على سرير مملكتها تنظر إلى طائر من فوقها فألقى الكتاب في حجرها، فنظرت إليه ونظر الناس إلى طائر رمى إليها بكتاب، فخاضوا الناس في ذلك
وقالوا: رمى إليها الكتاب من السماء تعظيماً لقدرها، فبلغها ذلك فبعثت إلى مقاول حمير - وكانت أول من وضع المقاول تستشيرهم وتأخذ من رأيهم - فقالت لهم: ما ذكر الله في كتابه {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم إلا تعلوا علي وآتوني مسلمين}. قال معاوية: يا عبيد فاخبرني عن الكتاب الذي أمر به ما كان
(1/429)

فيه فيما بلغك؟ قال عبيد: قد قلت لك يا أمير المؤمنين أني لا انطق بشيء ليس بيانه في القرآن، وقول الله أصدق فكان من جوابهم لها أن قالوا: {نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، فانظري ماذا تأمرين؟ قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون}. ثم قالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} قال عبيد: فبعثت يا أمير المؤمنين وفداً أربعين رجلاً من رجالها وبعثت معهم بمائة وصيف ومائة وصيفة ولدوا في شهر واحد لهم ذوائب وقصاص والزى واحد وختمت على سراويلهم وبعثت بمائة فرس نتجت في يوم واحد ألوانها واحدة، وبعثت بحق رصاص فيه من الجواهر والزمرد والياقوت الأحمر والأصفر والأبيض والأسود، ملحم لا يوصل إليه إلا أن ينكسر وبعثت بخرزة غير مثقوبة، وكتبت إليه أن اثقب هذه الخرزة بغير حديد ولا علاج أنس ولا جان، وبعثت إليه بخرزة مثقوبة ثقباً ملوياً وسألته أن يدخل فيه خيطاً وقالت للوفد: إن قبل الهدية فهو ملك من الملوك فهو أهون علينا محاربته، وإن ردها ولم يقبلها فالرجل نبي. وقد كتبت إليه كتاباً، فادفعوه إليه واسألوه عما في الحق، وإن يفصل بين الذكر والأنثى من الوصائف والوصفاء وإن يميز الخيل وأيها نتج قبل صاحبه وعن الولاء وعن قرابة ما بين ذلك. فلما قدم الوفد إلى سليمان قرأ كتابها وما سألت عنه من علم وخبر. فدعا الجن والأنس، ودعا بالوفد فقرأ الكتاب وقال لعلمائه: من يميز الغلمان من الجواري لا ينزع ثيابهم؟ فأعلموه إنه لا علم لهم به واشتد
إعجابه بما جاءه من قبلها وشق عليه بعض ما سألته عنه، فمكث أياماً يقلب الأمر ظهراً لبطن حتى علمه الله إياه وأطلعه عليه من حكمته. فدعا بالغلمان والجواري فأمر بطشت فملئ ماء ودعاهم واحداً بعد واحد وقال: اغسلوا أيديكم! فكان الغلمان إذا غسلوا أيديهم حدروا الماء حدراً،
(1/430)

والجواري يصبن الماء صباً فميزهم على ذلك. ودعا بالخيل، فقال: نتجن في يوم واحد، وقال: هذا خال هذا وهذا عم هذا، وهذا ابن عم هذا وهذا ابن أخ هذا، حتى فرغ منهن والوفد ينظرون إليه في كتابهم والنقش بعلامتهن. ثم دعا بالخرزة التي لم تثقب فوضعها بين يديه ثم قال لمن حضر: من يثقبها؟ فتكلمت دودة بين يديه فقالت: يا نبي الله أنا أثقبها على أن تجعل رزقي في الخشب. قال: نعم. فلزمت الخرزة الدودة تثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر في ثلاثة أيام. ثم انطلقت لرزقها. ثم دعا بالحق فحركه، ثم قال: فيه جوهر عدة الجوهر كذا وكذا والزمرد كذا وكذا والياقوت الأحمر كذا وكذا والياقوت الأصفر كذا وكذا والأبيض كذا وكذا، حتى فرغ من جميع ذلك والوفد ينظرون. ثم دعا بالخرزة الملوي ثقبها، وقال لمن بحضرته: أيكم يأخذ هذه الخرزة الملوي ثقبها فيدخل فيها خيطاً؟ فأجابته دودة تكون في القصقصة وقالت: أنا أدخله فيها على أن تجعل رزقي في الخشب. قال سليمان: ذلك لك. فأخذت خيطاً فأتقنته في رأسها ودخلت في الخرزة من ثقبها حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم انطلقت إلى رزقها وهو في الخشب. ثم أن سليمان رد جميع ما أمرت به إليه وقال - وقد ذكر الله ذلك في كتابه {أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} - ثم قال سليمان حين ولي الوفد إليها: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} يقول: قبل أن تحرم علي أموالهم {قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا واني عليه لقوي أمين}.
قال: وكان سليمان إذا أصبح جلس بجلسائه مجلساً يقضي فيه بين الناس ويأمرهم بأمره، فلا يزال فيه
(1/431)

حتى يؤذيه حر الشمس فعنى ذلك المقام. قال سليمان: أريد أعجل من هذا، قال رجل من الأنس - يقال له آصف بن برخيا فيما يذكر قد تعلم اسم الله الأكبر - قال معاوية: هبلتك الهبول يا عبيد أو كان آصف يعلم ما تقول والسحر يوم نسبته إلى علمه - وهو الذي كان وضعه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كان آصف فيما بلغنا كاتب سليمان بن داود وكان من أعلم الناس وأكابرهم عنده وأشدهم إيماناً به، وكان سليمان لا يحجبه عنه إذا كان عند نسائه. فلما فتن سليمان أنكر آصف أعمال ذلك الشيطان الذي فتن سليمان - وهو الذي دخل على نسائه يسألهن عن سليمان، فأخبرنه أن سليمان كان لم يأتهن ولم يقربهن عند المحيض فإذا قلن له: إنا لا نصلي رجع عنهن بعد حرص منه عليهن، فإذا طهران لم يأتهن ولم يقربهن ولم يرنه - وقال آصف - وقد انطرت من قضائه لما أبصرت من عدله وأظهره من جوره فيذكر يا أمير المؤمنين أن ذلك الشيطان أمر بسحب فكتب، ثم دفن تحت كرسي سليمان بن داود واسنده إلى آصف بن برخيا، ثم أخرجه للناس. فلما رجع سليمان إلى ملكه ورد الله نعمته وكرامته، لم يلبث إلا قليلاً حتى قبضه الله غليه ولج المجرمون باستعمال ذلك الكتاب وتصديقه. قال معاوية: فكيف لم يعلم آصف بن برخيا أن ذلك الشيطان صنع السحر ودفنه تحت الكرسي وألجأه إليه؟ قال عبيد: دخلت الفتنة يا أمير المؤمنين من ذهاب علمه كما ابتلى به سليمان وهو فتنته لما رأى من سيرته.
قال معاوية: صدقت فخذ في حديثك الأول. قال: فانطلق آصف وتوضأ ثم صلى ركعتين، ثم دعا بالاسم الأعظم، فذكر يا أمير المؤمنين أن السرير بما عليه مثل بين يدي سليمان بن داود وكان في جوف بيت في جوفه سبعة أبيات، على كل بيت باب، ولكل باب قفل حديد، والمفاتيح عندها - فلما رأى سليمان السرير من
ذهب ولؤلؤ وجوهر {قال
(1/432)

نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون}. قال معاوية: وما تلك النكرة يا عبيد؟ قال: زيدوا فيه وانقصوا منه ننظر أتهتدي يقول: تعرف العرش إذا جاءت أم لا تعرفه؟ قال معاوية: وما يدريك إن هذا كذلك؟ قال: سمعت ابن عباس يا أمير المؤمنين يذكر ذلك. قال: وسألته عن القرآن أيضاً فما يفسر من الظاهر شيئاً إلا وأنا أعرفه وأعلمه. قال معاوية: أوله باطن. قال: كذلك سمعت ابن عباس يذكر. قال معاوية: ما تركت شيئاً يا أخا جرهم إلا وقد دخلت فيه وطلبت علمه! قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين القرآن أحق ما دخلت فيه وطلبت علمه. قال معاوية: صدقت، فخذ في حديثك. قال: فلما دخل الوفد عليها أمرت بالجهاز وسارت في اثني عشر ألف قيل من رؤوس قومها وخيارهم، وأخذ كل واحد من وجوه أصحابه وجنده وأفاضل أهل بيته وقادة خيوله مائة رجل. فقدمت على سليمان بن داود في اثني عشر ألف قيل ومائة وعشرين ألف فارس غير الرجل. فلما دخلت على سليمان بن داود تركها ثلاثة أيام، فقال لها قومها: ما تقولين في أمر هذا الرجل؟ أتدخلين في طاعته أن تحاربينه؟ أم هل تيقنت إنه نبي؟ قالت: سأعلمكم منه ما تعرفون - أهو نبي أم ملك من هذه الملوك - أنظروا إليه، إذا أنا دخلت عليه، فإن أمرني بالجلوس فهو ملك فإن الملوك لا تجلس عندهم إلا بإذنهم - فما أقل من يجلس عند الملك إلا خاصته - وإنه إن لم ينهني ولم يأمرني فإنه نبي مع إني سأسأله عن ثلاثة أشياء لا أشك فيها. فإن أخبرني بها فإنه نبي وأنا داخلة ولا طاقة لكم به، وإن لم يخبرني فليس بنبي. فلما أراد سليمان دخولها إليه ووصولها إلى ما بين يديه أمر الجن فجعلوا عن يمينه وعن شماله حائطين مموهين بالذهب الأحمر، وبنوا من وراء ذلك مجلساً له وداراً، وجعلوا الدار لبناً مموهاً بالذهب غير موضع لبنة،
(1/433)

ثم أذن لها بالدخول، فدخلت الدار فلما مرت بالحائطين نظرت إليهما، ثم دخلت فرأت
أرضاً وحيطانها من ذهب فتصعر عندها ملكها ورأت شيئاً لا يشبه ملكها الذي كانت فيه وسليمان قاعد في مجلسه في أقصى الدار ومعها لبنة من ذهب تريد إن أمرت بالجلوس أن تجلس عليها فضربت ببصرها فإذا على باب مجلس سليمان موضع لبنة من فرش الدار ليس فيه لبنة فكرهت حين رأت ذلك أن تمضي بما في يديها فيتهمونها باللبنة، فرمت بلبنتها في ذلك الموضع وسليمان ينظر إليها. فلما دخلت عليه سلمت عليه وحيته بتحية الملوك، ثم قامت بين يديه ساعة لا يأمرها بالجلوس ولا ينهاها عن القيام، حتى إذا طال ذلك عليها رفع سليمان رأسه إليها فقال: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فمن شاء فليجلس ومن شاء فليقم؟ قالت: الآن علمت أنك نبي. قال لها: ومن أين تعلمت ذلك؟ قالت: علمت إنه لا يجلس عند الملوك إلا بإذنهم، وأما القيام فعندهم يقام وما أقل من يجلس عندهم إلا من كان من خاصتهم، ولكنك قلت قول أهل العلم بالله، وقد أتيتك وسألتك عن ثلاثة أشياء فإن أخبرتني بهن دخلت في طاعتك، وإن لم تفعل رأيت رأيي فيما بني وبينك قال سليمان: فاسألي ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قالت: أخبرني عن ماء روى ليس من ارض ولا سماء، وشبه الولد إذا أشبه أباه وأمه من أين آتاه ذلك؟ وعن لون الرب تبارك وتعالى. فسألته عن ذلك وهي مقابلة له على الكرسي، والأنس والجن عن يمينه وشماله. فقال سليمان للأنس: هل عندكم في هذا شيء؟ قالوا: نعم يا نبي الله مر لنا بخيل نركبها ونجربها حتى تعرق، ثم نحللها فإنه ينصب عرقها فنحن نأتيها من ذلك بماء روي ليس من أرش ولا سماء. قال سليمان: فأيتوني بذلك فجاءوا به قالت:
(1/434)

هذا قد جئت به فالخصلتين اللتين سألتك عنهما قال: أما شبه الولد فإن النطفة إذا سبقت من الرجل كان الشبه له وإن سبقت من المرأة كان الشبه لها. قال: صدقت. فالخصلة الثالثة: قال: ليس لي علم بالغيب ولكني أرغب إلى الله ربي، فرغب
سليمان في مجلسه ذلك إلى به فأوحى الله إليه إني قد أنسيتها ما سألتك، فاسألها عنه. فسألها فقالت: ما أدري ما سألتك عنه يا نبي الله. فعرض عليها الإسلام فقالت: انظر في ذلك يومي هذا. قال: فقالت الجن فيما بينها قد كنا في نصب من هذا الرجل القليل الغفلة فلا نقدر أن نفعل ما يريد، فكيف إذا اجتمعت هذه في رأيها وعلمها وعون الجن ونبوة سليمان الآن حجب عنا كب خير ونزل بنا كل شر فتعالوا نزهده فيها فإنه قد طمع فيها إن أسلمت أن يتزوجها؟ فقال لهم عفريت من الجن - يقال له زوبعة -: أنا أكفيكم سليمان. فآتاه فقال له: يا نبي الله بلغني أنك تريد تزوج هذه المرأة وأمها من الجن ولم تلد جنية من الأنس قط ابناً إلا كانت رجلاه مثل حافر الحمار. قال سليمان: وكيف لي أن أنظر إلى ذلك من غير أن تعلم ما نريد بها؟ قال: أنا أكفيك ذلك. قال: فصنع زوبعة لسليمان مجلساً وجعل أرض المجلس لجة فيها ماء وسمك يعني حيتاناً. ثم جعل من فوق ذلك صرحاً ممرداً من قوارير رقيق، ثم قال له: أرسل إليها تدخل، فإنك ترى الذي تريد منها. فبعث إليها وهو على كرسيه ليس في البيت مجلس غيره. فلما رأت ذلك الماء والسمك تجول فيه ضربت ببصرها إلى مكان تجلس فيه، فلم تجده فحسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوض في الماء إلى سليمان. فلما رآها ونظر إلى ساقيها - إذ عليهما شعر أسود في بياض الساقين - فقال لها سليمان: لا تكشفي غن شيء من ساقيك، فإنه صرح ممرد من قوارير. فنظرت فإذا ملكها ليس بشيء مع
(1/435)

ملك سليمان وإذا بها قد أيقنت إنه نبي. فعند ذلك قالت {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}. فلما أسلمت وحسن إسلامها تزوجها سليمان، ودخل بها ثم أظهر لها الكراهة لما رأى من كثرة شعر ساقيها فقالت: يا نبي الله إن الرمانة لا يدرى ما طعمها حتى تذاق. قال سليمان: إنه لا يحلو في الفم ما لا يحلو في العين ثم انصرف. فقال بعض الجن - وكان يحب ما
وافق سليمان: يا نبي الله فهل كرهت منها غير الشعر؟ قال: لا. قال: فاني أعمل شيئاً فتطلبه فيتركها لك مثل الفضة البيضاء من غير عيب. فقال: افعل فصنع الجني النورة والزرنيخ، ثم بعث بها إليها وأحدث سليمان لها الحمام، فكانت أول نورة علمها مخلوق وأول حمام عمل لأحد، واتخذ ذلك الشيطان لها مطاحن الماء وضروب الصناعات وأعجب بها سليمان عجبا شديداً، وولدت له داو بن سليمان وملك سليمان أربعين عاماً وسرحها سليمان إلى مملكتها، وكان سليمان يأيتها في كل وقت فيقيم عندها سبعة أيام، ثم يسير في الأرض، وأعانها بالشياطين يعملون لها - فعامة صناعات اليمن من قبل الشياطين - ثم هلك سليمان - صلوات الله عليه - وولي بعده رحبعم بن سليمان، فأقام بعد سليمان، ثم مات واختلفت بعده ينو إسرائيل وماتت بلقيس بعد سليمان بشهر - رحمهما الله تعالى - وبلغنا في حديث آخر أن بلقيس ملكت سبعين سنة. والله أعلم أي ذلك كان.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر: قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قال معاوية: كيف الشعر لله أبوك؟ قال: قال رجل من حمير يقال له
(1/436)

- الأعصم بن عمرو بن سلمة بن زيد بن خيار بن المنتاب بن زيد بن عملاق - هذا الشعر الذي يقول فيه:
إن يكن الدهر أتى عامداً ... لخير أملاك الدهور الخوالي
معتمداً قهراً نبي الهدى ... وخير خلق الله في كل حال
أعني ابن داود سليمان إذ ... علا على الناس بحسن الفعال
ومد في الملك شياعاً لنا ... بيوم يمن ليس يوم الشمال
فإن فينا من بني حمير ... فوراس الهيجاء يوم النزال
كنا شر الخير وأعراقه ... ومرغم الملك جزيل النوال
قال معاوية: يا عبيد الله أبوك أخبرني عن بلقيس كيف آتاها الهدهد بالكتاب؟ قال
عبيد: قول الله أصدق وقد أعلمتك لست بمحدث بشيء ليس في القرآن ولست بواصف خبراً بلغني بعدما قال الله تبارك وتعالى، ولكن قد قال في ذلك رجل من أهل اليمن من أهل بيت الملك شعراً - يقال له النعمان بن الأسود بن المعروف بن عمرو بن يعفر - قال معاوية: وما قال عبيد: اسمعني ذلك حتى أعلم، قال عبيد هذا الشعر الذي يقول فيه:
زال دهري وقد أراني سروراً ... دهر من كان بالحمام نذيرا
حمير الخير قد رأيتك قدماً ... قبل دهر به سكنتم قبورا
حمير الخير قد نزلت عصارا ... من زمان الدهور ملكاً هريرا
(1/437)

نعماً يا لها أناخت بشرق الأرض ... وغرب البلاد بالخير زورا
وغزوت البلاد عوداً وبدأ ... وعلى ملكنا السحاب المطيرا
صاح إن كان ملك حمير أودى ... بعد أن كان قبل صنعاً حرورا
فهم اليوم جبأة وزمام ... وأرى من بقي إليهم مجيرا
قرة العين من ذوي أهل عز ... وديار الزمان كفوا إليهم مجيرا
وسما الملك للنبي سليمان ... مع البر واصطفاه قديرا
جاءنا بالكتاب منه رسول ... بعجب لم يأت فيه غرورا
نظرت نعمة من الله حقا ... ببيان الهدى آتاه بشيرا
نظرت في الكتاب بلقيس عجباً ... فرأت منظراً مهيباً نضيرا
أرسلت في مقاول الملك إني ... ناظر في الغداة أمراً منيرا
فأشيروا بمشورة بصواب ... إن منكم لنا صحا ومشيرا
أن يزوروا بلادكم يفسدوها ... وأتوا في البلاد أمراً نكيرا
قال أهل النهاء والقول أنا ... أول الناس نستذل الفجورا
فأليك الأمر منا فامضي ... ما أردت الغداة منا سرورا
قالت اهدي وذلك عندي من الرأي ... وفينا بنو الكرام ظهروا
وبنا في القلوب من كل سوء ... يسيروا من عديد ذاك نظيرا
أرسلت بين عاتق وغلام ... كي يميز من النساء الذكورا
وعناقاً من الخيول جياداً ... ملبسات من الملاء حريرا
وزمرد في قعر حق عجيب ... ملحم ما يرون فيه فطورا
مع وفد أعزة ذي بهاء ... قصد خير الأنام حتماً وخيرا
قال معاوية: يا عبيد دع عنك هذا وأخبرني عن الملك كيف عاد إلى حمير
(1/438)

بعد نبي الله سليمان بن داود وبعد ابنه بعد أن خرج من أيديهم وفارقهم من أول من قام منهم؟ قال عبيد: أول من قام منهم يا أمير المؤمنين.

ناشر النعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو
ابن شرحبيل بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث ابن حيدان بن قطن اجتمعت عليه اليمن وبعث الجيوش إلى كل من ناوأه ووطئ البلاد التي كان آباؤه يطئونها قبله واشتد سلطانه فسماه قومه ناشر النعم. قال معاوية: ولم سماه قومه بهذا الاسم؟ قال عبيد: يا معاوية أنعم عليهم فيما ارتجع من ملكهم وجمع الأمر لهم. قال: ثم سار بنفسه غازياً نحو المغرب فدوخها ووطئها حتى بلغ وادي الرمل لم يبلغ ذلك الوادي ولا تلك الأرض من أهل بيته غيره. فلما أتى إلى الوادي الذي يسيل رملاً لم يجد مخرجاً ولا مجازاً حتى جاء يوم السبت فلا يجري فلم يجده يسير، وأمر رجلاً من أهل بيته يعبر الوادي وكان يقال له عمرو بن زيد بأصحابه، فلم يرجع منهم أحد. فلما رأى ذلك ناشر النعم كف عن العبور، وأمر عند ذلك بصنم من نحاس فنصب على صخرة، ثم كتب على صدر ذلك الصنم بكتاب المسند - وهو كتاب الحميري - أبياتاً من شعر كتاباً ابتدعته حمير، لأن لا يكتبه غيرهم، يذكر فيه صفته وما بلغوا. قال معاوية: وما الكتاب الذي كتبوا
والشعر؟ قال عبيد: كتب فيه (صنع هذا الصنم الملك الحميري ناشر النعم اليعفري ليس وراء هذا مذهب فلا يتكلف أحد المضي فيعطب) فأما الشعر فأبيات كتبها في الصنم يقول فيها:
(1/439)

أنا الصنم الذي هيئا مكاني ... نبوءة المقاول والهبول
نصبت فلم أزل صنماً مقيماً ... لحمير للشباب وللكهول
فما أحد يجاوزني فيحيا ... إلى الجبل المطل على السهول
ليعلم من آتاني من أمامي ... فليس له ورائي من سبيل
قال معاوية: إنك لتخبرنا عجباً! قال: يا أمير المؤمنين إن أمر حمير كان أعجب من ذلك في مسيرها البلاد واستخدامها العباد. قال معاوية: وما ذلك يا عبيد لله أبوك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كانوا في رفاهية من العيش ونعم من ملك دنيا زينوها فكانوا ينزعون إلى دار ملكهم ويدعون ما قد احتووا عليه. فقال معاوية: فهل قيل في ناشر النعم شعر وفي الصنم والوادي الذي انتهى إليه؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. قال علقمة بن زيد بن يعفر بن عمرو شعراً. قال معاوية: ما قال؟ يا عبيد: قال - قال هذا الشعر:
أيا ناشر الأملاك قد نلت خطة ... علت فوق أملاك الملوك القماقم
سلكت غروب الأرض غاز بجحفل ... للاد الأعادي غير أرض الأشاتم
تفض جموعاً كالجبال لتنتهي ... إلى مبلغ في البعد غير التهائم
أتيت بنا واد حثيث مسيره ... برمل تراه كالجبال الرواسم
يسير أنهاراً والليالي دائبا ... بأمر إله ليس أمر الأوادم
وأوردته منا أولى الفضل والنهي ... لنعلم من أسبابه كل قادم
فهد جناحي المسقر فجعة ... فذاك ابن عمي وابن عز خضارم
فودعني عمرو عليه تحيني ... وافردني عمرو لهم مراغم
فلا مبلغ في البعد يأتيه معشر ... فيمضي إليه بعد شخص مرائم
بتسطير خط من كتاب ابن حمير ... بأن ليس بعدي من مضي لحازم
(1/440)

ولا مذهب من خلف ما قد أتيته ... بني حمير خير الأنام الأكارم
قال عبيد: وقد قال يا أمير المؤمنين ابن عمه النعمان بن الأسود بن المعترف فيما كان من مسيره وما ذكر من رد الملك إلى حمير وأنعامه عليهم في ذلك شعراً - يقول فيه:
فأنت أبيت اللعن في كل شارق ... وفزت بملك ذي بقاء إلى الحشر
لعمري لقد جللت حمير نعمة ... وأفضيت من أكتافها الحي من بكر
فأرجعتها الملك الذي كان قد وهى ... فأنت أبيت اللعن ذو النعم الزهر
ولولا سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً ووخى على قدر
لما كان أنس يبتغي أن يرومها ... ولا الجن إذ نحن إلا قاصم للظهر
ولكن قضاء كان تحويل ملكنا ... إلى ابن نبي الله داود ذي النصر
فذاك سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلاً عليه وعن أمر
فنحن ملوك الناس قبل نبيه ... وقبل أبيه الحبر عصراً من الدهر
ونحن ملوك الناس والمقتدى بنا ... إلى أن يصير الملك حيناً إلى قهر
يكون نبي أمره غير واهن ... رحيم بذي القربى لطيف بذي الوتر
يكون له منا وأحمد اسمه ... غطاريف صدق في التعاون والنصر
وسوف بطا السودان أرض ابن حمير ... فتعمر عشراً أو قريباً من العشر
فيبتزها الملك الذي كان قد وهى ... شديد مقام الشخص منشرح الصدر
فيسلبها الملك الذي كان قد وهى ... نبي كريم النفس منشرح الصدر
أحمير سيري في البلاد لعزكم ... فإن المعالي لا تنال بلا قهر
قال عبيد: ثم انصرف من غزوته يا أمير المؤمنين، فلم يلبث حتى
(1/441)

هلك. قال
معاوية: لله أبوك، فكم ملك، ومن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك ناشر النعم مائة سنة وإحدى وثمانين سنة - ثم ملك من بعده.

شمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش
قال معاوية: ولم سمي يرعش؟ قال: لأنه كان به ارتعاش، وأنه سار بعدما ملك سنين نحو المشرق وسواحل البحر دخل أرض العراق في جمع لا يسمع برجل منهم سار في مثله من الخيل والرجال وكثرة العدد والعدة والقوة، ثم توجه إلى أرض الصين يريدها فكانت طريقه على أرض فارس وسجستان حتى دخل خراسان. فكان يأمر أهل مملكته أن لا يتنحوا عنه ويبعثوا إليه بالهدايا خوفاً ويطلبون منه الأمان فيؤمنهم ويبعثون بالأدلاء معه حتى انتهى إلى نهر بلخ فبينما هو يسير كذلك، إذ أقبل إليه ما لا يعلمه إلا الله من تلك الأمم من الأعاجم، وكان قد بلغه مسيره فاجتمعت تلك القبائل من أحياء الأعاجم ليصطلموا ذلك الجند من العرب. فقاتلهم أياماً ثم ظفر بهم فمزقهم كل ممزق وتبعهم مسيرة أيام - وكان للقوم مكان فيه سفنهم التي عليها يعبرون - فانتهوا إليها، والعرب في أثرهم حتى قاتلوهم على سفنهم التي عليها يعبرون فأخذوها وعبر من سلم منهم إلى بلادهم. وركب شمر وأصحابه السفن التي أخذوها منهم فعبروا على أثرهم وهم على مهل فاتبعوا القوم إلى بلادهم، فرأوا بلاداً كثيرة الخير واسعة المنشر، فحضروا المدائن وافتتحوا الحصون وحووا الأموال حتى أتوا على جمع لهم عظيم بالسغد فقاتلوهم أياماً، ثم أن شمر وأصحابه ظفروا بهم فدخلوا مدينة السغد فقتلوا وسبوا وهدموا المدينة - واسمها يومئذ اسم أعجمي، ثم
(1/442)

سماها الأعاجم بشمر فيقال لها شمر كند - قال معاوية: وما يعنون بشمر كند؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين لأن شمر هدمها فسميت به. قال معاوية: فما بالها اليوم تسمى سمرقند؟ قال عبيد: أن لغة العجم غير لغة العرب.
قال معاوية: صدقت، فماذا صنع شمر؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين بلغنا إنه سار إلى مدينة السغد فنزل بها وأمر بصخرة فكتب فيها بكتاب حميري وهذا الذي يقال له المسند وهو هذا القول: هذا ملك عرب وعجم شمر يرعش الملك الأشم من بلغ هذا المكان فهو مثلي ومن جاوزه فهو أفضل مني لا أعلم إلا ذلك، فأما الحديث فقد أصبته وهو على ذلك وأنا أرجو أن يظهر الله أمير المؤمنين بذلك الموضع من الأرض فيعلم إني قد أديت إليه من حديثي علماً. قال معاوية: أللهم أرنا تصديق قول بن شؤية، فإنه يذكر عجباً وإن شاء ربي فعل ذلك! فبلغني عن الشعبي إنه ذكر عن رجل من حيوان همدان - يقال له عبد الله - قال: بينما نحن بالسغد مع قتيبة بن مسلم الباهلي وافتتح سمرقند إذ نظر إلى حجر ملصق على الباب فيه خطوط كأنها بالعربية وليست بها، قال: والله إني لأظن هذا الكتاب لبعض ملوك حمير اطلبوا إلي منهم رجلاً حديث العهد باليمن يعرف كتابة حمير فقيل له: هذا عثمان بن أبي سعيد الحيواني قال: فجاء الرسول وأنا وإياه في خيمة فانطلق به إليه فقرأه على مثل ما ذكره عبيد لمعاوية ورواه عنه من رواه على ذلك. قال معاوية: فما قال قتيبة؟ قال: قال شراً، ثم قال: لو تقدمت سرادقي شيئاً؟ قال له الحيواني: ليس القليل بالذي عنى ولكن من ملك أرضاً غيرها يتقدم إليها. فاسكت قتيبة وقدم سرادقه وراء ذلك،
(1/443)

فلم يزل هنالك مقيماً حتى انصرف من وجهه ذلك. ثم قال معاوية: هل سمعت في ذلك شعراً يا عبيد؟ قال: نعم، قال الباني بن المننتاب شعراً. قال معاوية: فكيف قال يا عبيد؟ قال: يا أمير المؤمنين قال هذا الشعر:
تقول عرسي حين جد النوى ... حتى متى أنت تريد الثوى
أليس في عيشي قد أوتيتم ... مقام ذي الدهر قصى أو دنا
فقلت إذ قالت فما ضرنا ... إذ نحن لم نسمو لسفك الدما
تأمرني أن أكون جليساً لها ... وأترك الإقدام يوم الوغا
وحمير تسمو بأفعالها ... فيها رئيس القوم يوم اللقا
وشمر الراعش قد قادها ... يريد بالشرق اغتنام النسا
فقد وطئنا الأرض عليانها ... شرقاً وغرباً كالليوث الضرا
فشمر الراعش إذ قادنا ... بجحفل أرعن يغشى السها
فكان يوماً معظماً شأنه ... أورد بالعليا وذاك الشفا
فسائلي عنا لكي تخبري ... في مشرق الأرض إذا الدهر فا
يخبرك العالم عن حمير ... وجمعها بالسغد يوم الردى
أنا أبحنا أرضها كلها ... بقوم حرب كعديد الدبا
حتى أبدناهم بها عنوة ... ثم علوناهم بذبح وحى
وجاءت الفرسان من سيبها ... بكل بيضاء كعفر الضبا
وغودر الحصن بها عنوة ... ومثل الخط بصخر الصفا
يكون للعابر إن رامه ... أمراً عجيباً من ملوك الثرى
ويقال: إن سبب خروج شمر من اليمن إلى المشرق أم ملكاً من ملوك بابل - يقال له كيفاؤش بن كتيكة تجبر وبنى صرحاً للرقي فيه إلى السماء
(1/444)

كما فعل فرعون وهامان - فمضى غليه شمر بجنوده فحاربه فظفر به شمر وقفل راجعاً به إلى اليمن أسيراً فحبسه في بئر مأرب. ثم أن سعدى بنت شمر سمعت كيفاؤش يجار في تلك البئر فرحمته، فلم تزل تشفع إلى أبيها حتى أطلعته من السجن، وولاه على بلاده ورده إليها على خراج يؤديه في كل سنة. وقيل في رواية أخرى أن شمر لما افتتح سمرقند هدمها، ثم أمر ببنائها، ثم توجه إلى الصين فخافه ملك الصين خوفاً عظيماً وعلم إنه لا طاقة له به. فجمع ملك الصين وزراءه فاستشارهم وقال: قد أقبل هذا العربي ولا طاقة له به. فجمع ملك الصين وزراءه فاستشارهم
وقال: قد اقبل هذا العربي لا طاقة لنا به فماذا ترون فأتى كل واحد منهم برأي وبقي منهم واحد لم يتكلم. فقال له: ما تقول؟ فقال: أرى أن تظهر الغضب علي وتجدع أنفي وتأخذ دوري وضياعي وأموالي ودوابي وعبيدي حتى يعلم الناس بذلك، فكره ذلك ملك الصين لعظم ذلك الوزير عنده، فلم يعذره ذلك الوزير حتى ساعده وفعل به ما أشار عليه به. فخرج ذلك الوزير من الصين حتى انتهى إلى شمر فأراه جدع أنفه وشكا عليه ما فعل به ملك الصين وأظهر لشمر يرعش النصيحة فجعله شمر يرعش من خاصته، ثم احتاج شمر إلى دليل يدله على الطريق إلى الصين في المفازة العظيمة التي دونه. فقال وزير ملك الصين لشمر: أنا الدليل ولا تجد أيها الملك من يعرف هذه المفازة ويعرف الطريق فيها مثلي. فنهض شمر يرعش بجنوده - وقيل إنه ترك التفقل الذي له ولجنوده في سمرقند - وسلك خلف الوزير، فسار بهم على غير طريق حتى بعدوا بعداً عظيماً وأشرفوا على الهلاك وأيقنوا به ونفذ ما معهم من الماء. فقال شمر: أين الماء؟ فقال: لا ماء ها هنا إلا الموت، أردت أن تهلكنا وتهلك ملكنا وتقتل رجالنا وتسبي ذرارينا، فوهبت نفسي لأهل بلادي فوقيتهم من الهلاك بنفسي وأنت ومن معك أحق بالهلاك من ملكنا
(1/445)

وأهل بلاده. فأمر به شمر فضربت عنقه، وأيقن شمر بالهلاك وقال لجنده: توجهوا أينما أحببتم، وفرش له درع من حديد فظلل عليه بدرقة من حديد فذكر عند ذلك قول قوم من المنجمين حكموا في ميلاده إنه يموت في بيت شقفه من حديد وفراشه من حديد. وذهب جنده كل منهم لوجهه فهلك أكثرهم في تلك المفازة، وتناشر من جنده ثلاثين ألفاً فوقعوا في أرض فيها الشجر والماء والنخيل - وهي بلاد التبت - فملكوها وتوطنوها، وبعدت عنهم أرض اليمن فسكنوا بها إلى اليوم، فزيهم زي العرب وأخلاقهم أخلاق العرب، ولهم ملك منهم قائم بنفسه، وهم معترفون بأنهم من عرب اليمن، وهم يحبون العرب حباً
شديداً - وسمعت يا معاوية في رواية أخرى أن شمر قفل إلى اليمن غانماً سالماً حتى دخل اليمن وقرب من رثام، ثم هلك بينما الحديد من فوقه الحديد ومن تحته الحديد من حر النهار على ما ذكروا لما أصابه من المرض ثم هلك. والله أعلم أي ذلك كان! قال معاوية: فكم ملك شمر يرعش؟ قال عبيد: ملك مائة سنة وستين سنة. ثم ملك بعده ابنه.

تبع الاقرن وهو ذو القرنين
المذكور في القرآن الكريم وسمي الأقرن وذا القرنين لشيب كان فيه وهو على قرنيه - وكان ملكاً عظيماً عالماً حكيماً قد اطلع على علم الكتاب وسمع حكومات من ينظر في القرآنات - ويقال إنه القائل:
أنا الملك المتوج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان سام
ويقال: إن أباه شمر الذي قالها. ويقال: بل الحارث الرائش قائلها، والله اعلم. وغزا تبع الاقرن جميع أطراف الأرض، فعاد إلى بلاد الروم
(1/446)

وأوغل فيها حتى قطعها، ووصف له أن بتلك الناحية وادياً فيه الياقوت وإن بالقرب منه عيناً يسمى ماؤها ماء الحياة الذي ظفر به الخضر دون ذي القرنين فلما بلغ إلى هذه الناحية أدرك الشتاء هناك، فمات فدفن هنالك، وكر أصحابه راجعين خوف الهلاك في ذلك الموضع - وهو موضع الظلمات - ولا يكون مظلماً إلا إذا بعدت الشمس عنه في الشتاء إذا انتهت في الجهة اليمانية، وهو عند دخول الشمس رأس الجدي تصير تلك الأيام ليلاً لا نهار فيها، فهلك من قبل أن يدخل في ذلك الوادي. فأرادت حمير أن تحمله إلى اليمن، ثم بدا لهم فقبروه هناك. قال معاوية: فكم كان ملكه يا عبيد؟ وهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين ملك مائة سنة وثلاثاً وخمسين سنة. فقال فيه التامر بن عمرو بن الغوث بن ذي الادغار - وهو بن عمه - هذا الشعر. قال معاوية: فهات، فأنشأ عبيد يقول:
أن تمس باللحد أبا مالك ... يسفى عليك المور بالحاصب
بدار بعد من وطا مغرب ... بذي ظلام حندس حارب
بين تراب الأرض في مهمة ... قرب مجازو إلى الكارب
فقد رزئنا وسطنا خيرنا ... الاقرن الميمون كالغاصب
يعطي جزيل المال لا ينثني ... فلا لعمري لهف من غائب
ويحمل الفرسان يوم الوغى ... إلى نجاح الموت كالثاقب
عليه أبكي ما اضا كوكب ... في مطلع الآفاق والغارب
ومطلع الشمس إذا أشرقت ... تصح في خلق لها سارب
فحمير الأخيار لا تسامي ... بفارس الأملاك والغالب
(1/447)

قال معاوية: لله أبوك يا عبيد لتأتي بالعجب من حمير! ولقد جئت من ذلك بشفاء واضح ودليل ناصح من أشعارهم! فإن الشعر ديوان العرب والحكم بينها! قال معاوية: فمن ملك بعد الأقرن؟ قال: ملك ابنه تبع - وقد قال ابنه تبع بعد انصرافه شعراً يتندم فيه على أن لا يكون حمل أباه حين مات إلى اليمن. قال معاوية: وما ذلك الشعر يا عبيد؟ قال: قال تبع في ذلك هذا الشعر الذي يقول فيه:
قد كان في رأيي وعزم أرومتي ... حمل الهمام إلى محل يماني
أعني ابن شمر حين ودع حميرا ... وابن الملوك وقاتل الفرسان
ذاك الغريب بدار بعد ليتني ... كنت المواسي حيث كان دهاني
ذهب الزمان به وخلف بعده ... أحياء حمير في ردى وهوان
لو كان عدم يوم حمل عاديا ... يلقى عليه الكتب غير هواني
يا لهف نفسي حين ولت حمير ... يوم الرحيل بترك خبر زماني
هلا أقمت لديه يوم أحشه ... تحت التراب فكان ذاك مكاني
قال معاوية: يا عبيد هذا التندم منه؟ قال عبيد: سمعت قبل الإسلام رجلاً من
حمير يقول: إنهم حملوه حتى دفنوه في اليمن، ولو كان ذلك كذلك لم يقل فيه ابنه ما قال. قال: لله أبوك يا عبيد، هذا التبع الذي كان - يقال له أبو كرب - قال: لا يا أمير المؤمنين هذا جد ذلك. قال معاوية: وهل كان فيهم تبع غير تبع واحد؟ قال: نعم. كانوا سبعة. ولكن تبع اسعد ملك، فاشتد سلطانه وطال ملكه، فذهب باسم من كان قبله، ونسب إليه من كان منهم بعدهم. وسيأتيك علم ذلك يا أمير المؤمنين في الحديث - إن شاء الله تعالى.
(1/448)

قال معاوية: فخذ في حديثك يا عبيد. قال: فمكث تبع الرائد بن تبع الأقرن بن شمر يرعش وهو تبع الأكبر - غزوه - وكان يقال له الرائد ثم أقام عشرين سنة لا يغزو فانقضت عليه الترك والخزر. فلما بلغه ذلك أرسل إليهم فامتنعوا منه وحبسوا الهدايا وقتلوا الرسل. فسار إليهم في الوجه الذي كان الرائش يسلك إليهم فيه على جبل طئ حتى خرج على الأنبار، ثم مضى إليهم قدماً فلقيهم على الحد من أذربيجان والموصل وقد اجتمعوا ونظروا إلى رايته. فاصطفوا للقتال، فاقتتلوا أياماً، ثم إنه هزم الترك فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وأقام يخرب بلادهم، ثم رجع إلى بلاده بعد أن وطئهم وأذلهم.
قال معاوية: وما الترك وأذربيجان؟ قال عبيد: هما بلادهم يا أمير المؤمنين. فنحوا مما يليهم ومما يتوجه عدوهم إليهم - وهي وجه المحاربة لهم - قال معاوية: من أين علمت ذلك يا عبيد؟ وإنهم اقتتلوا هنالك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين أهمني ذلك فسألت عنه من وقع إلينا من هذه الأعاجم وغزوت أيضاً إلى ذلك الثغر، فسألت وفي السؤال شفاء من العي وبيان من العمى، وإذا تقادم الشيء فلم في ذكره ذهب أصله وبطلت حقيقة أمره وماتت شواهده.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين. وقد قال في ذلك تبع الاقرن في مسيره:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنفس
لم أدر ما يقضيه حكم غد ... ومضى بفصل قضائه أمس
وعلمت أني إن ظفرت بهمتي ... إلا لا غزو مطلع الشمس
(1/449)

حرب تواعدني حلفت لأن ... عمرت أو بقيت لها نفسي
لأوجهن عمراً لمهلكهم ... ذا الحزم لا بالخامل النكس
حتى يبقر من بطون نسائهم ... ويذيقهم ما ذاق ذو الرمس
إني إذا هاج الملوك لحربنا ... هيجت أبطالاً لذي دعس
قال: فلما رجع إلى اليمن أقام بها دهراً طويلاً، وهابته الملوك من الأعاجم وغيرها لما كان من وقعته بالترك، وأتته هدايا من قبل الهند من كتان وحرير ومتاع الصين ومسك وما يكون في بلاد الصين. فقال للرسول الذي بلغ من بلاد الهند: ويحك أكل ما أرى في بلادكم؟ فقال: أبيت اللعن أيها الملك نعم. قال: ورغب الملك في غزو الصين. حتى إلى على غزو الصين قال: فتجهز لغزوها وسار بجيوشه وقومه من أهل اليمن. فسار ساحلاً حتى خرج على طريق جده الرائش - الذي كان أخذه نحو المشرق - فلما انتهى إلى خراسان سار عن يمين مسير جده حتى أتى الركائك وأصحاب القلانس السود ودخل الصين فغنمها وأكثر القتل والسبي فيها، فكان مسيره ومقامه ورجوعه من غزوته تلك سبع سنين وعشرة أشهر، ثم رجع وخلف بأرض الصين رجلاً من خيار أصحابه - يقال له بأرض بن النبت - في اثني عشر تالف فارس من خيار أصحابه وفرسانه رابطة مقيمين معه في البلد، ثم إلى تبع أن لا يدع أرضاً مما كانت آباؤه قد حوته من أرض الأعاجم وغيرهم إلا ودع فيها رابطة وعسكراً من رجاله، وذلك حين رجع
من أرض الصين.
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل يعرف من خلف بأرض الصين؟
(1/450)

قال عبيد: يا أمير المؤمنين هم البينون ترك وأرم، إذا سئلوا أخبروا أنهم من العرب أصلهم، وإن لهم بيتاً يعبدون فيه ربهم ويطوفون حوله سبع مرات ويذبحون - وذلك في شهر من السنة - قال: فلما كثرت الأعداء بين بنيان ذلك البيت - فكنا إذا فعلنا ذلك خرجنا إليه تعظيماً له اعتزلنا دون - فلما رأى ذلك أولونا جعلوا في بلادهم وموضعهم الذي يسكنونه بيتاً مثل ذلك البيت، فنحن اليوم نعظمه ونطوف حوله سبع مرات ونذبح له في شهر من السنة ويعظمه ثلاثة أيام من جاء من الناس.
قال معاوية: يا عبيد وما علمك بذلك؟ قال: غزوت يا أمير المؤمنين أرض الترك من هذه الناحية. قال: من أي؟ قال: من نحو الخرز - فإذا ناس منهم علماء يدينون - فسألتهم عن أنفسهم ومن يليهم، فكان هذا ما ذكروا لي. قال معاوية: لقد أخبرت بهذا الخبر عن ترك تبع ولا أدري أي التبابعة هو ترك الصين قوماً من اليمن؟ قال: هذا من تفسير ذلك الحديث.
قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال في ذلك تبع الأكبر:
أنا تبع الأملاك من نسل حمير ... ملكنا عباد الله في الزمن الخالي
ملكناهم قهر أو سارت خيولنا ... لعمري غير نكس وأعزال
فجالت لدى شرق البلاد وغربها ... لهتك ستور نكثة ذات هوال
وعطل منها كل حصن ممنع ... ونقل عنها ما حوت ثم من مال
وتلك شروق الأرض فيها وطئتها ... إلى الصين والأتراك حالا على حال
فابنا جميعاً بالسبايا وكلنا ... على كل محبوك من الخيل صهال
بكل فتاة لم تر الشمس وجهها ... أسيلة مجرى الدمع بيضاء مكسال
(1/451)

صموت البرى غوثى الوشاح كأنها ... من الحسن بد زل عن غيم هطال
أتينا بها فوق الجمال حواسرا ... بلاد ملج باق عليها وخلخال
تركناهم عزلاً تطيح نفوسهم ... بلا ساكن فيهم مقيم ولا وال
فما الناس إلا نحن لا ناس غيرنا ... وما الناس إن وعد القوي بأمثال
قال معاوية: فكم ملك يا عبيد؟ قال: مائة سنة وثلاث وستين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده؟ قال: ملك بعده.

ملكي كرب بن أسعد بن تبع الأكبر
بعد أبيه - وكان رجلاً ضعيفاً لم يكن يغزو أحداً حتى مات ولم يبعث جيشاً - فأما أهل اليمن فيزعمون إنه كان يتحرج من الدماء. وأما أهل الرأي والمعرفة والبصر بالأمور فإنهم يقولون: لم يكن ذلك منه إلا عن قلة الترجبة وقلة الأنفة وصغر الهمة لأنه لم يحدث دعوة في ملكه، ولم يعبر عن دين ولا طريقة أحد ممن قبله. قال معاوية: وما تغير حال الملك؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين لم يكن يغير من شيء يفعله آباؤه ولا أزال شيئاً من جبروت الملك ولا أحدث تواضعاً ولا قرباً من الناس ولا زال عن تجبره وعتوه وأشد أمره باليمن لا يجاوز أرض اليمن إلى غيرها بلد عرب أو عجم.
قال معاوية: فكيف ملكهم يا عبيد وكيف استقام لهم أمرهم على تلك الحال؟ قال عبيد: لأنهم أحبوا الدعة والسكون وكانوا قد ملوا الغزو والحروب وكثرة المسير في البلدان. قال معاوية: فكم ملكهم على هذه الحال يا عبيد؟ قال: ملكهم خمساً وثمانين سنة. قال معاوية: فمن ملك بعده؟ قال عبيد: ملك ابنه تبع أسعد بن ملك يكرب وهو.

أسعد أبو كرب الأوسط
ويزعمون يا أمير المؤمنين إنه لما ملك أكثر الغزو في كل ناحية - وكان رجلاً مجرباً منجماً يعرف السعود من النحوس، ولا يخرج بقومه مخرجاً
(1/452)

حتى ينظر طوالعها، فيخرج بسعودها - وكان يغزو سنة ويقيم سنة. إذا قرب المسير عليهم غزا وبعث، وإذا طال المسير في الغزو غزا بهم ثلاث سنين وقام سنتين، وكان يكثر التوجيه لقواده، فإذا سار بنفسه لم يسر إلا في كل عشر سنين. وإذا خرج لم يترك طريقاً إلا سلكه ولا منهلاً إلا ورده ولا بلداً إلى وطئه وما وطئ أحد من آبائه وأجداده من البلدان إلا دخله وقصده ووطئه بنفسه أو بعث إليه عسكره. قال معاوية: فهل قال تبع شعراً فيما ظهر منه يا عبيد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين - قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
سيذكر قومي بعد موتي وقائعي ... وما فعلت قومي بقيس أفاعلا
وما دوخت أرض اليمامة بالقنا ... وما صبحت فيها تيمياً ووائلا
فكم من ملوك قد قتلنا رجالهم ... وكم من نساء قد تركنا ثواكلا
وكم من أسير ظل في القيد ساقه ... يبيت يراعي غله والسلاسلا
سيذكر قومي نجدتي ومكارمي ... ويدخل باب العز من كان جاهلا
بنيت لهم مجداً مع النجم سمكه ... وصيرته للعالمين معاقلا
فحمير سادات الملوك وخيرها ... وهم من قديم الدهر سادوا القبائلا
فأسكنت أرض الشام منهم قبائلا ... وابتعت غسان الملوك الأفاضلا
وغسان حازوا بلدة الروم كلها ... وفي الصين صيرنا الملوك الاقاولا
ويوم لقينا العجم في أرض فارس ... لقت ضيغماً من نسل قحطان باسلا
فدوخت أرض الفرس حتى تركتها ... يباباً مجوباً علوها والأسافلا
ودوخت أملاك العراق ولم أزل ... أحل بهم في كل عام زلازلا
يصبحهم في أول العام جيشنا ... فيمكث فيهم قابلاً ثم قابلا
حشوت صخام الملك خيلي ورجلها ... وأجريت من بعد البحار المناهلا
ونلت بلاد السند والهند كلها ... وفي الصين صيرنا نقيباً وعاملا
ونلت بلاد المشرقين كليهما ... ونلت بلاد المغربين وبابلا
(1/453)

ونحن أثرنا في سمرقند ضحوة ... جحيماً لظاها يلفح الدور شاعلا
وجادت لنا في أصبهان سحابة ... بودق يزيغ المذهلات الحواملا
بكل قضيب حادث العهد صقله ... وسهم منير يفتق الدرع داخلا
وتسعين ألفاً تحمل البيض والقنا ... دخلنا بهم قصراً درنحا وكابلا
سيوف حداد يضج الناس وقعها ... وتحكم في عدنان حقاً وباطلا
ومروا كتبنا المسندين ببابها ... ليعرف عنا القيل من كان غافلا
ومثلي يلدن المحصنات مسودا ... مغيراً إلى الهيجاء للقوم قاتلا
وممسك عرف الخيل في حومة الوغى ... ترى البيض فيه والرماح الذوابلا
وبحراً عريضاً للحراب ومعقلا ... وغيثاً غزيراً ينبت الزرع عاجلا
ثلاثين بحراً قد غشينا بجيشنا ... فما رام سيفي ساعدي والأناملا
فلما قضيت الغل من كل بلدة ... توجهت أرضي أعمد الدار قافلا
فأمسيت في غمدان في خير محتد ... منيعاً وصنعا من حذاها المآجلا
وريدان قصري في ظفار ومولدي ... بها أس جدي دورنا والمناهلا
على الجنة الخضراء من سهر يحصب ... ثمانون نهراً تدفق الماء سائلا
مآثرنا في الأرض تصديق قولنا ... إذا ما طلبنا شاهداً ودلائلا
وعلمي بملكي سوف يبلى جديده ... ويرجع ملكاً كاسف للون ماحلا
وملك جميع الناس يبلى وملكنا ... على الناس باق ذكره ليس زائلا
قال عبيد: فلما فرغ تبع يا أمير المؤمنين عن أرض فارس وما يليها توجه إلى الشام وذكر ما صنع بأرض معد وغيرها من البلاد، فقال في ذلك وأنشأ يقول:
(1/454)

رب هم مؤرق بعد نوم ... غير ما باطل ولكن بجد
يا بني مازن فوارس معد ... سرني ما فعلتم في معد
إذ أثرتم مع العجاج عجاجاً ... وانتضيتم لهم صفائح هند
أسروا ثلثهم وثلثا أبادوا ... ومضى ثلثهم بأتعس جد
منهم راعي المخاض ومنهم ... مالئ للحياض في كل ورد
وبعثنا إلى اليمامة خيلاً ... فأتيناهم بحزم وجد
وصرفنا إلى كنانة جنداً ... فتوافت إلى كنانة جندي
وتركنا تثقيف تنضح للجن ... د بقهر على هوان وكد
وجعلنا الخرج منزل قيس ... قد أقروا بالخرج من غير عهد
وجعلنا بني نزار هداة ... يرشدون الطريق في كل قصد
وجعلنا نصراً وأحلاف نصر ... خولا بين خادم ومؤدي
وطحنا قرى اليمامة بالخي ... ل زماناً نعيد فيهم ونبدي
وقسمنا بني خزيمة بالحند ... كل عبد لنا وابن عبد
ثم أحدثت بالمشقر أرضاً ... وجناناً تحلها الناس بعدي
ثم أنزلت في عمان رجالاً ... يستعدون من فوارس أزد
ثم سرنا إلى العراق بجمع ... ملأ الأرض بين غور ونجد
فترى الناس وسطها وعليها ... أسد غابات من كهول ومرد
يتردون باليمانية البيض ... تراها تجر في كل غمد
وبأيديهم مخاصر موف ... وعليهم مسرودة أي سرد
فثووا بالعراق حيناً من الدهر ... يدوسونها على غير عهد
ثم دوخت أرض فارس طرا ... وقباذاً وأرض هند وسند
ثم أنزلت حميراً جبل الصين ... فذاق الذليل عز الأشد
(1/455)

وركضنا الجياد في عرض الرو ... م كفعل الكاشح المتعدي
فإذا الحرب أوقدت أسعروها ... بمساعير بما سناه أشد
ثم أنزلت حيث أنزلت لحماً ... وجذاماً وهم جناحي ورفدي
ثم أقبلت أقرب الشام قصداً ... برجال على ضوامر جرد
ثم وجهت نحو يثرب خيلاً ... لنبيط بها يحلون بعدي
فصدمنا آطام يثرب بالخي ... ل العناجيج بالمقاول تردى
وتركنا بها من الأوس والخز ... رج حسباً من آل بأس ومجد
ثم أقفلت من بها من خيول ... نحو أرضي ونحو قومي وولدي
وإذا سرت رافقتني جبال ... ورجال هم جناحي وجدي
فجبالي إذا أحقت حديد ... ورجالي إذا تأخرت عندي
تقهر الناس والشعاع بخيل ... تحصد الناس في الوغى أي حمد
من سعى مثل سعي حمير سعياً ... من قبيل فقد آتانا بادي
قال معاوية: لله درك يا عبيد زد أنشدني غير هذا فقد أعطى من العز والقوة والملك ما لم يعط أحد غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
إن قحطان قد بنى لي بيتاً ... لا بطين بني ولا بعمود
ليس مثل الذي بنى الناس بالطين ... وكلس آخر مسرود
أريناه عند السماك نجاداً ... رأسه مصعداً برأس السعود
ورسى أسه فلم يستطعه ... أحد رام نقبه بحديد
وكساه الجمال والعز والبهجة ... منه وحفه بالجنود
حفه الخيل والرجال عليها ... كل درع مسرد مسرود
(1/456)

جعلتها قحطان حصناً ... ورثوا صنعهن من داؤد
جعلوه فوائداً لبناهم ... يعذبون الهياج للمستفيد
إن قومي هم الملوك بحق ... شهد الله وهو خير شهيد
إنني قد ملكت شرقاً وغرباً ... من قراها وحرب آل عمود
وأخذت العراق من آل مرو ... بسمرقند ثم قرى الاكرود
وجلبت الخيول للصين حتى ... غادرتها كمثل آل ثمود
وأقمنا بها ثلاثين عاماً ... وهم بين مقعص وطريد
وأمير مصفد في وثاق ... قد برى ساقه بعض الحديد
وقعت خيلنا بأرض قباذ ... وقعة تستبين في الجلمود
وتركنا ما دون ذاك إلينا ... لم يعد والد على مولود
ومضى حكمنا على كل حي ... ليس حكمي في الناس بالمردود
ومن أسرنا منهم فخير أسير ... أو قتلنا منهم فخير فقيد
لو رأى جمعنا فذاك الناس جرا ... من أسير يسير سير البريد
وطوت خيلنا الأعادي طيا ... ببلاد أعيت بها بعد بيد
قد براها طول الاناخة والرك ... ض وحر الظهيرة الصيخود
تبع أفضل الملوك حسان ... ليس يوم الهياج بالرعيد
ملك يبرم الأمور معيد ... لم يل الناس رائس كمعيد
أخذ الحرب حين شب لظاها ... يوم هاجت نيرانها للوقود
لم يزل نورها على الزند حتى ... أمكنت من ذرائها المحسود
أيمن الناس طائر أو لقاء ... حين تلقى بالجحفل المشهود
ليس بالطائش الخفيف ولا ال ... واهن عند اللقا ولا المحدود
(1/457)

حمير قومنا أقاموا بعزم ... حيث حلوا في المجد غير الزهيد
لو جرى الناس للمكارم يوماً ... فضلوا كل سائد ومسود
يترعون الجفان شحماً ولحماً ... وهم مفزع كمثل الأسود
لو يعد الأحياء الأيام قومي ... لم يطيقوا الأيام بالتعديد
هل أقرت لنا البلاد بخرج ... خبرونا فليس حين جحود
أن تقولون لا فزيدوا نردكم ... فلنعم المزيد للمستزيد
ولدينا من الملوك ملوك ... كل ملك مملك صنديد
ولدتني مملكات كبلقيس ... وشمس ومن ليس جدودي
ملكتهم بلقيس سبعين عاماً ... آل عز وآل بأس شديد
وبها جنتان أنشأهما الل ... هـ ورزق من سدها المسدود
ما يبالي إلا يرى سيل غيث ... جاءها الماء من مكان بعيد
عرشها شرجع ثمانون باعاً ... كللته بلؤلؤ وفريد
وبدر قد قيدوه مع اليا ... قوت والجزع أيما تقييد
فلو أن الخلود كان إلينا ... باحتيال وقوة وعديد
أو بملك لما ملكنا لكنا ... من جميع الآنام أهل الخلود
وقال تبع أيضاً حين نزل غمدان يذكر آباءه الذين ملكوا قبله وحصونهم التي كانوا ينزلون فيها باليمن. قال معاوية: أنشدني قوله. قال أنشأ يقول:
إلا أن قومي هم حمير ... هم الأصل والمفخر
هم شرفوا حتى انتهى ... فما نال بنيانهم معشر
هم إن هم فخروا برزوا ... لهم شامخ الفخر لا ينكر
أبي ملكي كرب الحميري ... وحمير قومي فما حمير
(1/458)

لقد كنت فيما مضى لاهياً ... وديني من لهوي المنظر
أزور الغواني ويزورني ... واجتلب الكاعب المعصر
أدير بكفي رحى العالمين ... ويوم الهياج أنا المسعر
نمائي ذو ماور ذو الندى ... وخيل فهو جانبي الأيسر
وناشر جدي الذي قد بنى ... مكارمه وابنه شمر
ويعسب خالي الذي قد بنى ... وعلهان نهفان قد أذكر
فكان بها مر من بعدهم ... له الحسب الضخم والمعشر
وشمر ما زال خير الملوك ... إذا هو كوبر لا يكبر
وكان إذا السرح اليحصبي ... إذا استحضروه فقد يحضر
وكان معافر عند اللقاء ... يطول لعمري ولا يقصر
وكان صدوقاً ولا ينثني ... إذا جنه الدرع والمغفر
وكان به بعد ذو نائل ... لمن طلب العرف لا يدبر
وقد كان يلهب نار الوقود ... للضيف والحرب قد يسعر
وشمر يرعش رأس الملوك ... إليه انتهى مجد من يفخر
وبار أن يهبر لما يكن ... جبان لدى الحرب بل يهبر
وذو المر على فلا تنسه ... وآباؤه فهم المنشر
وفرعان من بيت ذي أصبح ... وبلقيس كان لها منبر
بنو الأنس والجن دانوا لها ... ودان لها البر والأبحر
يذل الأنام لدى ملكنا ... وللجن والأنس قد يقهر
ومن ذي الملاحي لنا مفخر ... وشرف ذاك لنا يعفر
(1/459)

ومن ذي سحيم وذي فائش ... لنا العدد الأول الأكبر
ومن ذي كلاع ومن ذي رعين ... لي الصلب والرأس والأبهر
ومن ذي رداع فقد كان لي ... لعمرك أصل به أظهر
ومن ذي معاهر بيت العلا ... بآباء صدق إذا عمروا
وقد كان كالسيف في النائبات ... إذا هو ضل فلا يقهر
وقد كان ذا الأمر لا يستقيم ... دعاء به الورد والمصدر
ظفرنا بمنزلنا من ظفار ... وما زال ساكنها يظفر
فكر إلى النقع يدعى له ... فهو بأبوابه أبصر
وما هكر من ديار الملوك ... بدار هوان ولا الاهجر
وبينون مبهمة بالحديد ... وأبوابها الساج والعرعر
وشهران قصر بناه الذي ... بناه ببينون قد يشهر
ومأرب قد نطقت بالرخام ... وفي يدها الذهب الأحمر
وغمدان حصن لنا مشرف ... مآجله حوله تنهر
وكان معسكرنا في أزال ... لنا عسكر دونه عسكر
وغيمان محفوفة بالكروم ... لها بهجة ولها منظر
بها كان يقبر آباؤنا ... وأجدادنا وبها نقبر
إذا ما مقابرنا كشفت ... فحشو مقابرنا العنبر
فإن يفن قومي مناياهم ... وماتوا جميعاً فلا أخسر
فكل يموت كذاك العباد ... ولا بد من قدر يقدر
فلا الناس لو عمروا يخلدون ... ولا الموت من ربنا ينكر
قال معاوية: لله أبوك، لقد حدثتني عجباً! فاخبرني ما صنع تبع
(1/460)

ما رجع من طول غزوته هذه ورجعته من ظلم الأرض ودوسه البلاد؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين. إن تبعاً لما رجح من غزوته تلك مر بالمدينة فخلف فيها ابنه خالداً وترك في كل أرض رابطة من الأجناد، ثم أن أهل المدينة قتلوا ابنه خالداً. فلما بلغ ذلك تبعاً قال في ذلك شعراً. قال معاوية: وما قال يا عبيد؟ قال: قال هذا الشعر الذي يقول فيه:
يا ذا المعاهر ما أراك ترود ... أقذى بعينك عارضاً أم عود
منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نبط بيثرب آمنون قعود
نبط أشاب الرأس مني فعلهم ... لابد أن طريقهم مقصود
لا تسقني بيديك إن لم نلقها ... جرحاً كان أساسها مجرود
بسيوف حمير والأقاول وسطها ... والخيل تبدو تارة وتعود
يا ذا الكلاع كأنني مورود ... عن أمر حمير والدوي عنيد
ما بال يثرب غلقت أبوابها ... عني ومثلي للعداة صيود
ما بال يثرب لا يجبني ربها ... وسراة حمير بالسيوف ركود
فلا وقعن بآل يثرب وقعة ... حتى تلاقي حمير ويهود
النازلين حريم خزرج عنوة ... فلهم لدي سلاسل وقيود
أعددتها لهم فكلهم بها ... لو نزلت فحماهم مقصود
ولأهلكتهم كما قد أهلكت ... عاد بريح صرصر وثمود
قهراً كما دانت لنا آباؤهم ... ما صاح في طبق الصياح غريد
ولا تركن بلادهم وحماهم ... ولهم بذلك في البروز شهود
ولقد وليت على هوازن أشهراً ... أيضاً فيسبى الوالد المولود
ولقد حطمت حصون فارس حطمة ... يوماً أشاب لحربها الصنديد
أبناء فارس قد تركت عليهم ... حيم السباع صوادر وورود
(1/461)

وتركت سابور الجنود كأنه ... غير الفلاة مشرد مطرود
ولقد ثغرت لقندهار ثعرة ... فهوى لذلك حصنها المعمود
وتركت أرض السغد ليس لجمعها ... ملك يهاب ولا قنا معدود
وتركت بلخاً والحصون وكابلاً ... تنعى عليهم طيرهم وترود
ولا خضبن سبالهم بدمائهم ... وليصلين معاطس وخدود
والهند والسند اصطليت بنارها ... وبحرها من بعد ذاك جمود
والصين لما إن أنخت بركبها ... تجبى لشمر ذي الندى وتعود
والروم قد شربت بكأس مرة ... مني وفرق جمعها المعدود
ولقد حويت الأرض من أطرافها ... حتى انتهيت وربنا محمود
نحن الملوك بنو الكرام وعندنا ... تسعون ألفاً للطراد شهود
وأسير في عرض البلاد معمماً ... بالملك والشرف القديم أقود
حشو الحرير لباسنا في أهلنا ... ولباسنا يوم الهياج حديد
من نسج داؤد النبي ونسجنا ... نسج يشد قتيرها المسرود
نصلي الحروب بكل أبيض صارم ... ما فيهم عند اللقاء خمود
والضاربون الكبش في يوم الوغى ... ورماحنا يوم للقاء بنود
وسيوفنا يقطعن كل خصية ... من صنع يرعش صنعهن حديد
نهب القيان مع الجياد سجية ... كرماً وليس لفعلنا موعود
محقوفة أعنابنا بنخيلنا ... للضيف أما يأمنا موجود
لو كان يرعش خالداً في ملكه ... خلدوا وأسعد ذو الندى وسعيد
أو كان حيا خالد في ملكه ... وجذيمة الوضاح والمسعود
من ذا الذي ورث البلاد ولم يمت ... أم هل لحي في الحياة خلود
إني لأعلم في الموطن أنني ... يوماً سأهلك والحياة تبيد
(1/462)

ولقد علمت لئن هلكت وأوحشت ... مني البلاد لأهلكن فقيد
ولتبكين علي كل قرينة ... كانت تضن بدمعها فتجود
يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... للملك تأخذه وأنت جؤود
فإذا ملكنا الملك فاعلم إنه ... حرب فكيف إذا اصطليت تذود
إني وعمرا يوم أطلب نفسه ... غزوا لأحد ملكة تحميد
فاعلم بأنك ميت ومحاسب ... يوماً فينجو متق وسعيد
اسمح لقومك بالكرامة أنهم ... أهل لذلك والكريم يسود
قحطان جدي لن يلاقي مثله ... ما عاش ذو روح وأورق عود
قال: ثم أن تبعاً سار إلى المدينة ثائراً في ابنه، فلما قرب المدينة نزل على بضر - فسميت بئر الملك - حين نزل عليها فالتقاه مالك بت العجلان الخزرجي فقال له: أيها الملك إن اليهود قد استولوا علينا وبيننا وبينهم حرب فانصرنا عليهم فإنما نحن منك ولك. قال: وكيف أنصركم عليهم وأنتم قتلتم ابني خالد؟ قال: أفسدت أمه بينه وبين امرأته، ثم احتالت له فقتلته. قال تبع: ولعبت الحبة بالكبة أو لعبت الكبة بالطبة فذهبت مثلاً - ثم انصرف مالك بن العجلان إلى أهله فقال لأمه: إن أبا كرب قد وعدني بالنصرة. فقالت أمه: ليت حظنا من أبي كرب أن يسد خيره خبله - فذهبت مثلاً - ثم أن تبعاً بعث إلى ثلاثمائة من اليهود وثلاثين رجلاً فضرب أعناقهم وهم بخراب المدينة فقام إليه رجل من اليهود - يقال له كعب بن
(1/463)

عمرو - وقد أتى عليه من عمره مائتان وستون سنة فقال له: أيها الملك لا تقبل على الغضب وأمرك أعظم أن يطير بك النزق أو يمسك في قلبك إلحاح وتنزع إلى ما لا يجعل بك، وانك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم ذلك؟ قال: لأنها مهاجر نبي من هذه البنية - يعني مكة - وهو من ولد إسماعيل بن إبراهيم - خليل الله - قال تبع: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعد زمانك بدهر طويل. فلما سمع كلامه سكن وكف عن خرابها.
قال معاوية: لقد بلغني يا عبيد أن اليهود كانوا بها ما كان للخزرج معهم فيها أمر، حتى أن الرجل يتزوج المرأة، فلما يصلها حتى يبدأ بها رجل من اليهود، وكانوا غلبوهم على أمرهم. قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين لقد بلغك ما لم يكن، ولقد كانت اليهود بها أذلاء، فكانت الأوس والخزرج أمنع من ذلك وأشد، ولقد أخرجتهم الأوس والخزرج من المدينة حتى سكنوا خيبر، وما كانت امرأة من الخزرج يقدر
عليها رجل من اليهود أبداً! قال معاوية: فهل قيل في ذلك شعر؟ قال عبيد: نعم يا أمير المؤمنين قد قال فيه السموآل بن عاديا الغساني - قال أن رجلاً من اليهود عاب اليهود في صنعتهم - فأنشأ وهو يقول في ذلك:
عبت اليهود ودينها لك نافع ... أيضاً يفوز به الحساب المؤنق
دين ابن عمران ويوشع بعده ... موسى وهارون النبي الموثق
قال معاوية: دع هذا وخذ في حديثك الأول. قال: نعم يا أمير المؤمنين. لما قضى تبع لبانته من يثرب، توجه إلى مكة يريد خرابها فآتاه رجلان من أحبار اليهود لهما علم وعندهما معرفة، فأخبراه بأشياء وعلامات فعجب لهما وأدناهما وقربهما إليه، وقد كان آتاه رجلان من هذيل في نفر
(1/464)

من قومهما، فقالوا له: أيها الملك أن هذا البيت الذي تعظمه الناس وتزوره العرب فيه أموال كثيرة وكنوز من الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر والدر والياقوت ما لا يحصيه أحد ولا يعده، وكانت جرهم تجمعه، وأنت أيها الملك أحق بها مع أن نرى هدمه ونقل حجارته إلى اليمن، فيكون في دار الملك وحيث الريف والخصب فتعظمكم لذلك العرب إلى آخر الدهر يكون مكرمة لك ولآبائك ولقومك ويكون لولدك الطول عليهم بوضعك إياه هنالك. فلما سمع تبع مشورتهم وكلامهم هم بذلك فأخذته الحمى - وكان لا يعرفها، فكانت لا تقره على الأرض - فلما أحس تبع ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما هذا الذي بي؟ قال: هذا شيء سلطه عليك رب هذا البيت. قال: ففزع من ذلك، ثم مضى حتى نزل لرؤيته. ثم عاد فأصبح في الوضع الذي ارتحل منه وأصبح فيه وجع أشد ما أصاب مخلوق. فلما أحس ذلك دعا الحبرين فقال لهما: ما الذي تريان أن أصنع؟ قالا له: أيها الملك إنا قد سمعنا هذين الهذليين وما أشارا عليك به في هذا البيتين وإن الذي تجد في جسدك من الألم حين هممت بقولهم وأجبتهم إلى ما أشار عليك به، فإن أحببت العافية فكف عن هدم البيت وانو له
خيراً، فإنك لا تطيق مبارزة رب العالمين وحدث نفسك بإكرامه وإعظامه. قال: ثم سار حتى قرب إلى الحرم فأصابتهم ريح كادت أن تهلكهم جميعاً، ثم دعا بالحبرين فقال: ما هذا؟ فقالا: له سرت إلى حرم الله تهم بهدم بيت الله لتهلكن نفسك. ثم لا يرجع ممن ترى معك عين تطرف وما أراد الهذليون إلا هلاكك وهلاك من معك. قال: فأمر تبع بالهذليين فضرب أعناقهما فقال تبع للحبرين: إني أريد أن أدخل البيت وما أصنع إذا دخلته؟ قالا له: إن أردت أن تدخله فاسلم لربه واحرم وأنحر له فإنه يؤذن لك في دخوله، فسار تبع حتى دخل
(1/465)

مكة فأسلم وأحرم وطاف بالبيت وحلق ووقف المواقف كلها ونحر البدن وأطعم الناس وكسا البيت الملاء المعصب والخبرات، وأقام بمكة سبعة أيام. فلما أراد الانصراف إلى اليمن أراد أن يحمل الحجر الأسود إلى اليمن فنهاه الحبران عن ذلك، فتركه وانصرف إلى اليمن.
قال معاوية: يا عبيد فهل قيل في ذلك شعر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال فيه رجل من قريش. قال معاوية: وما قال من الشعر؟ قال عبيد: قال هذه الأبيات:
لعمري لنعم المرء حل لديكم ... له المجد والأنعام والعز تبع
آتانا كريم ما جد ذو حفيظة ... أغر كريم الوالدين سميدع
فلم تخش منه إذ أتى البيت زائراً ... ولكنه سمح الخليقة أروع
طلبنا إليه أن يقيم بأرضنا ... لنا الركن إنا حين يؤخذ نجزع
فقال نعم نعمي وأنتم ولاته ... وليس له عن حرها الدهر منزع
مضى رأيه في قومه غير واهن ... فمنه جدود مجدها ليس يدفع
قال معاوية: فأنشدني يا عبيد الشعر الذي قال تبع في قتل ابنه خالد قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر:
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت اماقيها بسم الأسود
أرقاً لما فعل اليهود بيثرب ... فلبثت في غمدان كالمتلبد
وحلفت عهداً تبلغن نخيلهم ... زبر الحديد عشية أو من غد
فجعلت عرصة منزلي في روضة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد
وهنا يثرب روحنا وصدورنا ... تغلي جلائلها بحرب محصد
ولقد ندبت إليهم فأجابني ... من في الحصون إلى مدينة أحمد
(1/466)

غر كرام لم يدنس عرضهم ... نسب النبيط ولا العلوج الاعبد
ولقد تركنا لابها وسباخها ... كقراقر نبتت بقاع أصلد
ثم انصرفت أريد مكة عامداً ... لخرابها لا كالذي لم أعمد
لما آتاني من هذيل أعبد ... يتنصحون فرمت أمراً لأعبد
قالوا بمكة كنز قوم دائر ... وجواهر من لؤلؤ وزبرجد
بيتاً يطاف به وينحر حوله ... بدن لدى حجر وركن أسود
فأردت أمراً حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد
فرددت ما أملت فيه عليهم ... وتركتهم مثلاً لأهل المشهد
ما كنت أحسب أن بيتاً طيباً ... لله في بطحاء مكة يعبد
حتى آتاني من قريظة عالم ... حبر له اليهود وتقتدي
قالوا ازدجر عن قرية محجوبة ... لنبي مكة من قريش مهتدي
فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتها لعقاب يوم سرمد
أعفيتهم لله أرجو عفوه ... ولحفظ ما بيني وبين محمد
فكسوته الريط اليماني رغبة ... وطراز عصب المحكم المتجرد
وجعلت اقليداً لجانب بابه ... وجعلت بابيه صفيح العسجد
أرجو بذلك عند ربي زلفة ... وحذار حر من جحيم موقد
وتركت من قومي بمكة أسرة ... وبيثرب منهم كرام المحتد
قوم يكون النصر في أعقابهم ... وبقية ممن ينبت ويهتدي
فتركتهم أقيالها وملوكها ... وعطفت نحو المستراد ومولدي
من بعد ما دخلت البلاد وجبتها ... وعركتها عرك الاهاب الاجرد
ولقد طحنت الأرض ثم وطئتها ... يجدون قصة أمرنا في المسند
قد كان ذو القرنين خالي مسلماً ... طاف البلاد من المكان الابعد
(1/467)

بلغ المشارق والمغارب بيتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد
وبنى على ياجوج حين آتاهم ... رد ما بناه بالحديد المحفد
رد ما بناه إذ بناه مخلدا ... أنشأه دهر للزمان السرمد
ولقد بنت لي عمتي في مأرب ... عرشاً على كرسي ملك متلد
فثوت به تسعين عاماً قد حوت ... أرض الحجاز إلى مفازه صيهد
يغدو عليها ألف ألف كلهم ... خدم لها يتعاقبون من الغد
عمرت به أزمانها في ملكها ... مقبوضة إذ حان أمر الهدهد
فرأت سبيل الرشد حين تبصرت ... نبأ آتاها قبل يوم الموعد
نزلت عن الملك العظيم لربها ... قبل المذلة أن يقال لها ردى
نحن الملوك فما يرام لهضمنا ... تسمو مقاولنا بنصر مؤيد
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد فهل قال تبع في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شعراً حين ذكر له الحبران أمره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: - وهو يذكر خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الشعر، الذي يقول فيه:
شهدت على أحمد إنه ... رسول من الله باري النسم
له أمة سميت في الزبور ... فأمة أحمد خير الأمم
فلو مد دهري إلى دهره ... لكنت وزيراً له وابن عم
وكنت ظهيراً على المشركين ... أسقيهم كاس حرب وهم
إذا ما صناديدهم كذبوا ... أغشيهم كل صفر هضم
واجعل نفسي له جنة ... وأفرج عن صدره كل غم
ومن نسل قومي له ناصر ... فيؤوونه ثم لا يهتضم
(1/468)

فويح قريش إذا جاءهم ... وجاش بهم بحرهم ثم طم
نبيهم خير أسلافهم ... يوالي ذوي الدين دون الرحم
نبيهم خاتم الأنبياء ... ولم يعط زرعاً وحمر النعم
نبي وجدناه في كتبنا ... به يهتدي وبه يعتصم
يسود الأنام ببرهانه ... وبالرغم يسي ذراري العجم
ومنا قبائل يؤوونه ... إذا حل في الحل بعد الحرم
ويمنعه حد أسيافنا ... ووقع الرماح كوقع الرهم
رجال يقومون من دونه ... ويوفون بالعهد له والذمم
ملكنا الأنام فدانوا لنا ... أذل من النعل تحت القدم
ودانت لنا السند في أرضها ... ودانت لنا الهند بعد الوهم
سموا وسمونا لهم إذ سموا ... وفاضوا وفضنا عليهم بجم
بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل أسد طوال اللمم
أبحنا البلاد بأسيافنا ... وبالسمهرية تلظى بسم
وكل جواد من الصافنات ... على ظهره بطسل مستلم
فكم من قبيل سلبناهم ... فأمست بهائمهم تقتسم
من العسجدي وكنز اللجين ... وبز الحرير وبيض الحرم
وسوف إذا غشيتنا البلاد ... يلي الملك بعدي رجال قدم
قال معاوية: يا عبيد فهل قال تبع في الهذليين، حيث كان منهما ما كان حين
عاقبهم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال فيهم هذا الشعر الذي يقول فيه:
(1/469)

قد أتتني عصابة من هذيل ... آل لؤم ومن قبيل لئام
زعموا أن بيت مكة بيت ... قد بنوه على كنوز عظام
فهممنا بقلعه فأبى الله ... إذ هممنا بقلع بيت حرام
يأمن الناس إن سألت وفيه ... تأمن الطير في وكور الحمام
قال لي الحبر لا ترومن هذا ... ذاك مما يروم أولاد حام
ثم يأتيهم من الله طير ... فترض الرؤوس رض العظام
فرددت الذي أردت على القو ... م بقطع الأكف والأقدام
ثم صلبتهم بصعر نكالا ... مثبت قد زبرت في الأحكام
يحمد الله تبع إذ وقاه ... في ممر الشهور والأعوام
وأراه في كل وجه ... إذ عراه ورده بسلام
ثم أصفناه إنه البس البيت ... الذي أسسه الخليل المحامي
ذاك بيت مطهر لقريش ... أوثروا بالنبي خير الأنام
بنبي يجئ بعد زمان ... يمنع الناس خدمة الأصنام
قال ذاك الأحبار أن قريشاً ... سوف تأتي بأفضل الإسلام
تجدون اسم أحمد في كتا ... ب الله حقاً محرماً للحرام
ومحلا لما طيب الله ... تروكا للآصر والآثام
لو قضى الله ربنا إن أراه ... كنت منه بمنزل الإبهام
ولظاهرته على كل من رام ... سفاهاً له يكل مرام
ولذاك النبي منا حماة ... من يرامي عن دينه ويحامي
معشراً وتروا بأحمد قدما ... ببلاد النخيل والآطام
ينصبون الحروب للناس نصباً ... برماح وكل عضب حسام
كلهم ناصر ومن نصر الح ... ق أضاءت له فجاج الظلام
(1/470)

قال معاوية: لله أبوك يا عبيد حدثني عجباً! فأنشدني الشعر الذي قاله تبع في كسوة البيت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال هذا الشعر، وأنشأ يقول:
جددي الحيل لا تربى الوليدا ... وصليني ولا تخوني العهودا
أن تجدي وصلنا أم عمرو ... ويكفي المتيم المعمودا
فصليني تواصلي أريحيا ... أكرم الناس حين أنسب عودا
لست بالفاحش القطيع وليست ... شيمتي أن أكون باغ حسودا
الصق الخدن ذا الصفاء بودي ... وأرمي العدو حتى يقيدا
وسلي عن مسيرنا إذ غزونا ... كيقباذ والترك والاكرودا
يوم لا تعرف التجارة فينا ... ولنا الملك أن نقود الجنودا
ورث الملك تبع وبنوه ... ورثه عن الحدود جدودا
وسلى عن مسيرنا من ظفار ... بجموع نؤم غوراً بعيدا
بجياد جنبتها بسمرقند ... عراياً قبَّ الأياطل قودا
وعلينا سوابغ محكمات ... قد ورثنا أمامها داودا
كل فضفاضة دلاص تثني ... أيهم القين قدرها المرودا
وسيوف قواطع قد جلاها ... صانع كان قبل ذاك مجيدا
وارتدينا بكل عضب حسام ... أحكم القين صنعه تجريدا
ومعي للقاء تسعون ألفاً ... قوم حرب مسر بلون الحديدا
وجعلنا للخيل خيلاً وللرج ... ل رجالاً وللقرود قرودا
وجعلنا على المجنبة اليس ... رى صبوراً على اللقاء شديدا
حسن الدين والتحرف والجي ... لة لا طائشاً ولا رعديدا
(1/471)

قد غشينا بخيلنا أرض مرو ... وقتلنا اليهود قتلاً عنيدا
وزبرجا وقندهارا وميا ... ركدت فيهم السيوف ركودا
وهزمنا جموع روم وترك ... ومن السند عفرنا الحدودا
وإلى الصين سرت حولاً جديداً ... أقتل الكهل ثم أسبي الوليدا
واستبحنا جميع ملك قباذ ... وجبيناه صاغراً مصفودا
وتركنا جبال كرمان مما ... دعستها الجياد سهلاً صعيدا
وقتلنا رجال فارس طرا ... ثم كنا عند اللقاء أسودا
ثم بهران والهرمزان قتلنا ... قم ولى النصيب منا طريدا
ثم من حمير أثرت وتيم ... ثم من يثرب قتلنا اليهودا
فسبينا نساءه وبنيه ... والذي قد حوى فأمسى وحيدا
ثم أخربت بالمشقر أرضا ... وآتاني بها النبيط وفودا
واستبحنا البلاد من كل فج ... وملكنا العباد ملكاً حميدا
جبيت نحونا البلاد يصغر ... لم يكن غزونا البلاد وحيدا
وأمرنا الملوك حتى استذلوا ... فترى حولنا الملوك همودا
ثم دسنا بالخيل أرض معد ... وجعلنا لها معداً عتيدا
وتميم عليهم وهس الرم ... ل وتهدي إلى جيوشي القيودا
وبني تغلب جعلت وبكراً ... لبناء المنار طيناً وشيدا
وهذيل جعلت للبري والري ... ش وكانوا أقل حي عديدا
وثقيفاً لدبغ أسقية الجي ... ش وصنع الحبال فتلا قعودا
ثم ابنا نؤم قصداً سهيلا ... ورقمنا لواءنا المعقودا
وكسونا البيت الذي حرم الله ... ملاء مصعباً وبرودا
ثم طفنا لديه عشراً وعشراً ... وخررنا عند المقام سجودا
(1/472)

وأقمنا به من الشهر سبعاً ... وجعلنا لبابه اقليدا
وأمرنا بأسرة الجرهم ... ين ونواخرهم بحافتيه شهودا
وأمرنا إلى بريق مساوكنا حين ... لونا ولا دماً مفصودا
ونحرنا بالشعب تسعين ألفاً ... فترى الطير نحوهن ورودا
وصفا ملكنا لنا غير أني ... لست أرجو مع الفناء خلودا
كل ملك يفنى سوى ملك ربي ... فله ملكنا حميداً مجيدا
خلق الخلق فاجراً وتقياً ... وشقياً بسعيه وسعيدا
قاهراً قادراً يميت ويحيي ... خلق الخلق مبدياً ومعيدا
حمير أكرم الأنام وقدماً ... سادة الماس حقنا أن نسود
قال معاوية: يا عبيد أنشد شعراً غيره. قال: نعم يا أمير المؤمنين أنشأ تبع يمدح قومه ويقول:
أيها الناس لست أعرف قوماً ... مثل قومي في سالف الأزمان
نحن كنا إلى المآثر والمج ... د ورثنا العلاء من قحطان
لم تزل حمير لها الفضل في النا ... س عطاء من واهب منان
فهم سادة الملوك وكل النا ... س عبد لنا بسوق هوان
لم نزل نملك البلاد بقهر ... وندوس البلاد بالفرسان
يوم قدنا الخيول نحو معد ... من ظفار فجانبي غيمان
وأثرنا الجيوش لنا بحقل أزال ... كشيبه الجراد أو دخان
مائتا ألف فارس كل ألف ... في لواء مشهر الألوان
(1/473)

معهم مثلهم رجال مصا ... ليت ليوث يمشون في البلدان
ثم قدمتهم سوى الألف ألفا ... كلهم ماهر بعطف عنان
يسمع السامعون للأرض منهم ... هدة لا تزال في رجفان
يتركون الفضاء ضيقاً بما فيه ... وما دونه من الغيطان
ساقهم من بلادهم لبلاد ... غيرها أسعد أبو حسان
ملك يبرم الأمور بحزم ... غير زميلة ولا متواني
لم يزل يقدم الجيوش بخيل ... وعليها عديدهم للطعان
كل قيل مملك حميري ... ليس بالمنثنى ولا بالجبان
يشرع الرمح في نحور الأعادي ... ويروي القناة بعد السنان
ويشق الصفوف في حومة المو ... ت إلى الموت والرماح دواني
فوطئنا ما بين يثرب والشا ... م بكلب والجمع من غسان
وسددنا ثغر الحجاز بازد ... الصقوا بالحجاز كل هوان
وورثنا عمان قدما بازد ... غير هذا فتلك أزد عمان
ثم وجهت ذارعين بجيش ... من قرى دامغ وأرض الهان
ثم سرحت ذا الكلاع بخيل ... ورجال كالليل من همدان
ثم قدمت ذا معاهر في الآس ... رة من مذحج ومن خولان
ثم أردفتهم بيحصب طرا ... أو بذي فائش وذي بلجان
ثم تبعتهم وسار لوائي ... لست أبغي سوى بني عدنان
فرموهم بجحفل ذي زهاء ... طحنوهم بكلكل وجران
تركوهم مع الضباع يلوذو ... ن من الخيل ثم بالكثبان
فقضيت الأوطار ممن يلينا ... من تميم والحي من عيلان
وأقمنا على ربيعة يوماً ... تذهل المرضعات عن ولدان
ثم سرنا إلى اليمامة قد ضا ... ق بنا كل غائط ومكان
(1/474)

فقتلنا بها جديساً وطمساً ... وقصدنا بالمنبت الخيزران
فأبرنا أهل المشقر قسراً ... ثم رمنا زريحاً مع ساسان
وعركنا العراق عركاً شديداً ... فمحل الأولى من كرمان
ودخلنا بخيلنا جبل البل ... خ إلى نحو شاطئ الخورجان
فقتلنا ملوكهم واضطمينا ... بعد ذا بالحديد في الهرمزان
ثم أخربت بعد ذاك سمرقند ... ثم من بعدها قرى أصبهان
ثم حدثت أن بالصين ملكاً ... وكنوزاً من خالص العقيام
وجبالاً من اللجين عتيقاً ... ثم دراً وعسجد المرجان
فتوخيتها بعمروة أخي الي ... أس صبور اللقاء غير جبان
فدعست البلاد بالخيل حيناً ... ثم وجهتها إلى خيزران
فالتقينا العبيد بالخرج والما ... ل فأبعدتها بحي يماني
وشفينا الصدور ثم قفلنا ... بعد أثرنا البلاد بعد زمان
فطحنا يهود خبير حتى ... أصبحوا مثل دارس العلوان
ثم سرنا نؤم مكة بالخي ... ل لنختار عالي البنيان
فأبى الله فعل ذاك فطفنا ... بسبوع العتيق ذي الأركان
وكسوناه خير ما كان يكسى ... وحمينا له من الأوثان
وحبونا سكانه بعطاء ... وكتبنا لهم كتاب أمان
وقضينا الذي أردنا وابنا ... وقصدنا نؤم نحو دلان
وحمدنا الله الذي أحيانا ... ووقانا فوادح الحدثان
لم تطب مهجتي ولم أراني ... نمت حتى اتكأت في غمدان
(1/475)

وفراشي على الأرائك خز ... ودمقس يعل بالأرجوان
وشربت الرحيق صرفاً بمسك ... صافي اللون مترعاً في الدنان
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد، لقد حدثني عن حمير بالعجب ولقد كانوا في رفاهة عيش من دنياهم وأموال قد اوتوها! فاخبرني ما صنع تبع بعد هذا؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين: كان تبع إذا أراد أن يخرج في الغزو أو في سفر دعا أهل النجوم
وأصحاب العلم والمعرفة فسألهم عن علمهم فيأخذ برأيهم فإذا أمروه أن يسير سار. فكان هو أيضاً يعرف النجوم. قال معاوية: يا عبيد فأنشدني ما قال في النجوم. قال: يا أمير المؤمنين قال هذه القصيدة:
اضمحل الطلول من دار نحفا ... فرسوم الديار مثل السطور
أقفرت بعد عامر وأنيس ... من مهاة ومن غزال غرير
ناضر العيش في عمارة ملك ... ونعيم وبهجة وسرور
طال ليلي لما تذكرت نحفا ... ودعاني الهوى نحو المسير
فتململت في الفراش وأجمع ... ت مسيراً المصلتين صقور
برجال إذا هم ركبوا الخي ... ل وساروا في الجحفل الجمهور
تتهادى كأسد غاب عليها ... كل درع مسرد مشهور
قلت لليلة التي طال فيها ... أرقي في قرى ظفار أنيري
فكمشت الجموع كمشاً رحيباً ... وارتحلنا بصمة الاحمور
ثم سرنا مسير صدق نؤم الج ... دي في سيرنا بيمن المسير
ثم بالدبر إن دارت رحانا ... بالصناديد كالرحا المستدير
ثم بالهقعة التقينا فكانت ... ليلة كرها لكل مغير
ثم الهنعة ارتحلنا جميعاً ... وقتلنا الوزير بعد الأمير
ثم سرنا وبالذراع نزلنا ... وظللنا بنعمة وحبور
(1/476)

ثم بالنثر شط مني نوى البع ... د فأغنيت كل بائس وفقير
ثم بالطرف احتملنا وكنا ... آل ملك وثروة ونفير
ثم بالنطح لم نزل ننطح النا ... س بقرن مذلق مطرور
ثم بالدبران خربت أرضا ... من وعيدي وزجرتي ونقيري
ثم بالصرفة ارتفعنا فكنا ... جبهة الرأس فوق عين النظير
ثم بالعواء للأعادي نزلنا ... بقضاء الواحد الكبير القدير
ثم سرنا مع السماك علينا ... كل فضفاضة كماء الغدير
ثم بالغفر سرت بالخيل قدما ... بكماة وكل قرم جسور
ثم بالكوكب الزباني معد ... أزمعت بالعواء بعد الهرير
ثم صبحنا بالإكليل كل عدو ... واجتلينا مخيبات الخدور
ثم بالقلب قلبت هام قوم ... بسيوف مذلقات ذكور
صم سرنا وبالنعام نزلنا ... يوم رهج وصولة وهدير
ثم بالبلدة اعترضت الأعادي ... بجموع وكان ذاك سروري
وبسعد ذبحت أبناء سعد ... ووضعت المدى بها في النحور
وبسعد السعود أسعد جدي ... فاستوى الملك واستقام سريري
وبسعد اصطلمت كل عدو ... ووأدت الأحياء أهل القبور
وبسعد الاخباء أخبيت أرضا ... بعد نهب وقتل قوم كثير
ثم بالفرع مقدم الدلو حولي ... كل قرم متوج محبور
ثم بالفرغ آخر الدلو صرنا ... بعد إيغالنا بخير المصير
ثم بالحوت قد حويت الأعادي ... بالعناجيج والسيوف الذكور
ثم بالسرطان صاحت معد ... من جموعي إلى العلي الكبير
ووطئنا بالبطن أرض معد ... بالعناجيج نعتلي بالزعور
ورجعنا إلى الثريا فسرنا ... يوم نقع وظلمة ديجور
(1/477)

اجعل الفرقدين والجدي يمنى ... حيث دارت بنا نعش ندور
لا أبالي النسرين حيث استقلا ... وسهيلا إذا أجد مسيري
ثم أممت زهرة الردف قصداً ... لمقامي ونعمتي وحبوري
إنما طيرة النجوم لغيري ... ولنا يمنها بلا تطيير
وفعلنا فعالنا إذ فعلنا ... واستبنا الأمور بعد الأمور
ثم نادوا أن اركبوا فركبنا ... كل شقراء زينة في الهجير
فإذا البأس راح عنا فانا ... آل ملك ونعمة وحبور
وقيان يرفلن في مخمل الخز ... وطوراً مظهرات الحرير
فانظري في فعالنا أم عمرو ... ليس هذا والأعمى مثل البصير
هل ثنيت البلاد من بعد طي ... وطويت البلاد صي الحرير
وانظري في البلاد هل مثل ملكي ... وسلي الناس عن نعالي وسيري
خبري عن فعالنا أم عمرو ... تجدي علم ذاك عند الخبير
تعلمي أننا عصارة ملك ... حبذا طيب عودنا المعصور
نفرغ اللحم للضيوف وشحما ... في جفان سرية وقدور
ليس مثل الذي تعلل بالحنظل ... من جوعه واكل الفطير
اصيحيني وعلليني براح ... أم عمرو فلست بالمجبور
يفزع الخلق ثم يرعد مني ... وأنا الغيث في البلاد المطير
قد كتبنا مسانداً في ظفار ... وكتبنا أيامنا في الزبور
وذكرت الذي يكون لحيني ... أن ملكي للباقي المنصور
قال معاوية: فهل قال تبع الأوسط في شعره شيئاً يذكر فيه ما وطئ من البلدان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: تبع ملكي كرب يذكر
(1/478)

مسيره وما وطئه من البلدان، وأنشأ يقول:
أم عمرو فعجلي لي بزاد ... قد بدا لي من الحوادث بادي
أيها الناس رأينا رأي حق ... ومن الرأي سيرنا في البلاد
بالعوالي وبالعناجيج نمشي ... بالبطاريق مشية القواد
وبجيش عرمرم حميري ... جحفل يستجيب صوت المنادي
شهر البلق جانبيه ويزهو ... من ذراها إلينا مثل السوادي
ألف الف كمثل ذاك وخلفي ... موكب فاعلمي شديد المقاد
وإذا سرت سارت الشمس خلفي ... ومعي في الجبال في كل واد
ومعي حمير وحمير قومي ... آل مجد ونجدة وجلاد
لا يرون العدو إلا فسادا ... وكراماً ليسوا بأهل فساد
فطويت البلاد طية برد ... وثنيت القفار ثني الوساد
وملكنا ما بين أبين والرس ... وزادت به الجيوش مزاد
ليس للناس في المكارم حظ ... غيرنا إننا بنو الانجاد
ما تركنا للناس في الأرض مالا ... لم نصبه من طرف وتلاد
أو رئيس يرى يقود إلينا ... خيله لم يبت لنا في صفاد
أو رأينا ناراً تشب علينا ... لم تعد نارها إلى إخماد
أو حشدنا خيلا لا هلاك قوم ... لم ندعها شداً بلا ايعاد
أو آتانا من البلاد وعيد ... لم نزل فوق ذاك في الميعاد
أو رمانا العدو إلا رمينا ... هـ بمشحوذة صلاب شداد
أو سما للعلاء إلا سمونا ... نحو بيت لنا طويل العماد
أو أراد الكبار إلا كبرنا ... من أراد الكبار يوم الحساد
(1/479)

أو دعا للنهاب إلا دعونا ... آل خطب يأتون كالرواد
قد شككنا الخيول ما بين نجرا ... ن إلى يحصب فارض مراد
علم الله قد صدقت واني ... لمصيب في كثرة التعداد
ولقد سرت بالمساعدة الغر ... ببيض مأثورة وصعاد
ورجال من المقاول تردى ... فوق جرد من الخيول جياد
جمع قحطان في السنور يعدو ... ومعداً جعلتها لو ساد
حمير معشري وحيدان قومي ... وهم سلوتي وجمع مرداد
كندة الخير عن يمين مسيري ... بالسكون السكاسك الأنجاد
والبهاليل مذحج مسترادي ... أحلس الخيل في عراص البلاد
ومعي من بجلة الغر قوم ... يحسنون الطعان يوم الجلاد
وأسود من خثعم غير ميل ... لا ولا عزل ولا أنكاد
فهم اسرتي وعز رجالي ... وهم مفخري وذكر مقادي
وتوافت إلى همدان تمشي ... مستعدين مثل رجل الجراد
وتناهت إلي طي مع الاز ... د وعبس والحي حي إياد
وبنو الحارث الأسود إذا ما ... ركبوا الخيل كان يوم جلاد
وزبيد والأشعرون وخولا ... ن وعنز توافي جماعة الحساد
وأتت مذحج من الحزن والسه ... ل أبحنا بمذحج كل وادي
فتهاب الليوث حين تراهم ... خلقوا في الكمال خلقة عاد
وإذا ما رأيت حمير خلفي ... وأمامي فذاك يوم الحصاد
ثم أيقن بأن قومي كرام ... آل بأس وهم سمام الأعادي
وجدد يرون بالرياسة والم ... لك وقتل العداة يوم التعادي
(1/480)

ثم خل الطريق عنك وأيقن ... إنه ليس ذاك يوم شهاد
فهم ينزلون للطعن والضر ... ب إذا كان ذاك حين الوراد
قد بدا لي الغداة أنعت خيلا ... تتعادى بالصيد أي تعادي
فأبيد اللثام آل معد ... أي وأشفى غليل آل إياد
وعنيد في الدهر قدماً معد ... ولنا العز في جميع البلاد
وكذا كان من مضى من معد ... من أبينا وسالف الأجداد
ثم سيري أريك منا جلاداً ... ترعد الناس وقعة في الأعادي
واريك الليوث يا أم عمرو ... المصاليت كل وارى الزناد
واريك الفياقي الغير فيها ... من سيول الدما كصب المزاد
وأريك النواعم البيض تمشي ... بين قومي كمشي غير تهادي
أم عمرو فلو شهدت انتقالي ... كل حي من حاضرين وبادي
أم عمرو فلو شهدت جلادي ... واحتزاز الأعناق في كل وادي
لعرفت الكرام يا أم عمرو ... ونسيت اللثام آل الفساد
وجعلنا النبيط لحماً عيطا ... وطحنا الأعداء طحن الحراد
سأئلي الترك والصقالب والزنج ... وأهل القريض كيف اجتنادي
وسلي عن ثمود في أرض حجر ... تستبيني أمراً لكل العباد
وسلي آل حام السود عنا ... ثم أولاد يافث والرفاد
وسلي ععن أخي التجارب والبأ ... س رؤوساً فسائليها تنادي
سلي النبط والقرايات عنا ... قد حكمنا في أهلها بالسداد
قومنا حمير المقاديم في الحر ... ب فزوع الأيام يوم التنادي
قال معاوية: ما فيهم أبغى ولا أظلم من هذا في قوله؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين كذلك كان في عنف بغيه وجبروته في زمانه وزاد ما وطئ من
(1/481)

البلاد من آثار آبائه وأجداده وما انتهى من مسيرهم قوة في نفسه وجبروته. قال معاوية: لله أبوك أنشدني شعراً من شعره. قال: نعم يا أمير المؤمنين - وأنشأ هو يقول:
انعم صباحاً أسعد الكامل ... يا ناقاً بالثأر والتابل
أثنى على الله بآلائه ... الواحد المقتدر الفاضل
في كل ما أولاك من نعمة ... وكل ما أعطاك من آجل
في العام أعطاك الذي تبتغي ... ثم يزيد الضعف في قابل
سرنا إلى الأعداء في أرضنا ... لم نك نرجو قفل القافل
في جحفل كالليل من حمير ... قد حضروا بالاسل الذابل
ومثلهم أعددت لي موكباً ... مستوسقا مثل الدبا السائل
ومثلهم يقدمنا في الوغى ... إذا دعا النازل بالنازل
كم فيهم من بطل معلم ... من كل ذي ترس وذي نابل
وقد ضاقت الأرض بسرعانها ... من فارس نهد ومن راجل
ما يفقد الغائب من جيشنا ... وعندنا الغائب كالآهل
يا أيها السائل عن خيلنا ... عيت عن المخبر والسائل
تسعون ألفاً عدداً بلقها ... ودهمها كالعارض الوابل
والكمت والجرد تعادي بنا ... بكل قرم بطل صائل
الطاعن الطعنة يوم الوغى ... يقصم فيها مفصل الكاهل
فحميري قومي وهم معشري ... أهل الندى والحسب الفاضل
هم معشري حقاً وهم أسرتي ... أهل القرى المستحشد العاجل
ما فيهم عند اشتباك القنا ... في الروع من نكس ولا خاذل
بل قد يرومون لأعدائهم ... حتفهم في الموكب الهائل
سائل معداً عندها علمنا ... فليس من يعلم كالجاهل
(1/482)

ألم نكن يوم لقيناهم ... نقتلهم بالحق والباطل
حتى رفعنا السيف عن قتلهم ... وهم كنبت البلد الماحل
لم ندع في الأرض من أقطارها ... من شائع الذكر ولا خامل
إلا أذقناه بها حتفه ... حتف ثمود كان في العاجل
تراهم صرعى بمبسوطة ... من بين منكب ومن زائل
لم يجدوا من جتفهم مهرباً ... إذ يتقي المقتول بالقاتل
وكانوا عناديد فمن هارب ... ومن قتيل مقعس مائل
ومن صريع بين أرماحنا ... مجندل ذي فرس جائل
ومن أسير مصمت قلبه ... ومن جريح ذي جوى داخل
مكت بأعلى خندف تركها ... وأفرغت ذلا على وائل
واستنزلت قيساً وأحلافها ... حتى التقى العالي على السافل
ما برحت قيس لنا طعمة ... نأكلهم بالناب والراول
حتى استجالت خيلنا ... والتوت=تطلب ذحلا في بني باسل
في جبل الديلم ثم انثنت ... بالجد والحزم على كابل
ومن سجستان فما دونها ... فساحة القفر إلى بابل
ومن قرى الشام فما حولها ... في أرض مصر فإلى الساحل
والروم قد أدت لنا خرجها ... من قبل أن يأتيهم عامل
والهند قد صبحهم جيشنا ... بكل نهد ساخط صاهل
وكانت السغد لنا موعداً ... والخيل تعدى في قرى كابل
بجمع قحطان وأتباعهم ... ما فيهم من عاجز خاذل
كم نكحوا كم ذات بعل بلا ... مهر ومن بكر ومن حامل
(1/483)

تزويج فهو غير ذي طاعة ... قول صدوق قائل فاعل
ومن نكاح رشدة نلبنا ... للغازي المجتاز والقافل
والذهب الأحمر يجي لنا ... إلى ظفار الملك والماجل
والمسك والانجوج يهدي لنا ... والدر في أصدافه الذابل
فكل أهل الأرض عبد لنا ... لا شك من حاف ومن ناعل
إن الذي نالته أرماحنا ... زاد على وصفك للقائل
ما تبع إن قلت ما تبع ... إن نصح المسئول للسائل
هو الذي ينكى أعداءه ... فكلهم في نصب شاغل
ومن يقول الناس أن أمحلوا ... عليكم بالملك الفاضل
النافع الضائر والمرتجى ... للخير والمنعم للواصل
نال الذي نال بإيمانه ... فليس بالنكس ولا الجاهل
قال معاوية: لله أنت يا عبيد! فأين قول تبع الذي قال على الباء:
أرقت وما ذاك بي من طرب ... ولكن تذكر ما قد ذهب
قال عبيد: يا أمير المؤمنين إنك لتكلفني أقوال أقوام قد ذهبوا، كانوا ملوكاً فإذا قالوا صغروا غيرهم لقدرتهم وعظمتهم. قال معاوية: يا عبيد قد غاب ذلك عنا فقل فما جرانا لذلك أن تكن حمير ملكت كما ذكرت فقد أورثنا الله ذلك من ملكهم فهو لنا اليوم وقد انتزعه الله بنبيه محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو منا فنحن أسرته وخير الناس بعده، ولولاه لم نكن شيئاً وجعل حميراً لنا، والحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وأورثنا أرض
(1/484)

أعدائه الجبابرة العتاة فقل غير متق شيئاً ولا سائب أحداً فأنت في ذمتي وجواري والله لك علي بذلك شاهد.
قال عبيد: يا أمير المؤمنين، ثم أقبل تبع بن ملكي كرب في جموع حمير من اليمن ومعهم عيالهم وأولادهم حتى وقفوا بأرض العراق للذي بلغه من رفاهية عيشها وكثرة خيرها يريد الأعاجم وملكها قباذ. وإن تبعاً سار حتى نزل موضع الحيرة اليوم، فعسكر بجموعه بالحيرة إلى الكوفة مما يلي شط الفرات قبل أن تكون الحيرة والكوفة. قال معاوية: الحيرة قبل الكوفة؟ قال عبيد: وقبل البصرة بزمان، والكوفة قبل البصرة بزمان طويل.
قال معاوية: خذ في حديثك عن تبع. قال عبيد: بلغ الأعاجم جمع تبع فاجتمعوا إلى ملكهم قباذ ببابل - ولم يكن تبع يدرك تلك القبائل - فاجمعوا على الحرب، فبعث تبع ابن أخيه شمر ذا الجناح على مقدمة الجيوش وجرد معه الخيول وأمره أن يجد في الطلب حتى يلقى قباذ وأصحابه وجموعه. ورحل تبع في الأثر مجداً
في الطلب فتحير في صحراء الحيرة ثم نظر تبع فإذا هو غير بعيد من مكانه الذي رحل منه قال تبع: إن لهذا المكان نبأ عظيم فخلف العيال وذوي الزمانة والضعفاء والأثقال وخلف معهم عشرة آلاف فارس تحفظهم وسماها تبع (الحيرة) للذي كان من تحيره فيها ومضى تبع حتى واقع قباذ وجموعه ببابل فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم قباذ وجنوده حتى أتى الري فاتبعه شمر ذا الجناح بالري، وقد جمع بها من عسكره جموعاً كثيرة ليقاتلهم بها - فواقعه شمر ذو الجناح فقتل قباذ بالري وفض جموعه بها وأقبل تبع حتى نزل الحيرة بعد هزمه قباذ
(1/485)

ببابل فخلف بها من أحب أن يخلف مما جرى عليه من الأعاجم، وسار على وجهه ذلك إلى خراسان، وفي ذلك يقول الشعر الذي قال على الباء. قال معاوية: فاسمعني قوله؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فأنشد عبيد عند ذلك:
أرقت وما ذاك بي من طرب ... ولكن تذكر ما قد ذهب
تذكر ما أفت مما مضى ... وهل يطرب الثائر المغتصب
وأمر هممت بإمضائه ... إذا الهم خالطني والنصب
وأوتيت ملكاً من الله هاج ... فطم على خلقه والتهب
حباني به الله من عنده ... ولم به صدعنا والشعب
نعم البلاد ونغشى النجاد ... عزيزي المعادة والمنقلب
نهد الحصون ونعلو الحزون ... ونبكي العيون بكاء الحرب
فدان به الناس طر لنا ... وقد خاب من جاءني بالكذب
توارث ذلك آباؤنا ... قديم الزمان أبا بعد أب
لقد رمت أمراً فأمضيته ... ومثلي إذا رام أمراً صلب
أعالج أمراً لإمضائه ... وذو العز همي وذاكم أرب
وخبرت بالصين لي بغية ... ثياب الحرير وكنز الذهب
فسرت إليهم بجيش لهام ... شديد الزهاء كثير اللجب
بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل اسد صميم الحسب
بأبطال قومي شم الأنوف ... كرام الجدود السراة النجب
غزوت الأعاجم في أرضها ... فأعطوا القياد وخلوا السلب
ولما هبطنا بلاد السواد ... وفر قباذ سريع الهرب
فاتبعته شمراً ذا الجناح ... فسار حثيثاً سريع الطلب
(1/486)

فكان ببابل يوم لهم ... طويل العناء شديد الكلب
فلما انتهوا عند غيبوبة ... من الشمس كفوا وقل الصخب
فيسقون سماً ويسقونه ... بأسياف صدق كمثل الشهب
قفر قباذ وأشياعه ... وكان العزيز بها من غلب
وأضحوا كأن لم يكونوا بها ... كذاك الزمان إذا ما انقلب
وطاروا ومروا أقاضي البلاد ... فزالت همومي وولت كرب
سبقنا البرية في غزونا ... بحمل المزاد ونوط القرب
ولبس الدروع وقود الجياد ... إذا ما قضينا قضاء وجب
فدانت معد لنا عنوة ... وكلهم ما لهم من حسب
فمنهم رعاء لأموالنا ... عليهم خراج لنا مغتصب
نميراً جعلت لحوك البرود ... وحل النعال ووضع اليلب
خزيمة كان عليها الدباغ ... وقد السيور وفتل السلب
تميماً جعلت لبري القداح ... وشحذ النصال ورصف القصب
وقيساً وضعت بأرض الحجاز ... لنسج العباء وخرز القرب
هذيلاً جعلت لنحت البرام ... وكانت كنانة فيها القتب
جعلت الرباب لحفر البئار ... وميح الدلاء عليها الكرب
سليماً جعلت لسقي الحجيج ... كذاك اليماني إذا ما غضب
جعلت ربيعة تهدي الطريق ... مناراً على القصد حيث الشعب
وازداً تركت بأرض عمان ... ليوث المغازي كرام الحسب
إرادة أن يسكنون بها ... وإن يقتلون بها من نصب
ومنهم جعلت بأرض الحجاز ... لمن شذ من أهلها أو هرب
قضاعة منا إذا ينسبون ... وفي غيرنا الدار والمغترب
وحيدان منا وهم معشري ... إذا ما غضبنا أجدوا الغضب
(1/487)

وخولان سحمانها والذراع ... يشبون إيقادها باللهب
لعمرو أبيهم عقيد اللواء ... إذا رام داهية لم يهب
يشدون بنيان من قد بنى ... على شرف وهو فيهم ذنب
لهم صولة لا يرى مثلها ... إذا ما نأت وإذا تقترب
فمنا السكاسك ثم ثم السكون ... وهمدان منال وطئ العصب
ومنا بجيلة والأشعرون ... ومنا المعافر أهل النجب
وجمع العشيرة في صفنا ... ومذحج طرأ عليها اليلب
وفي صفنا الأزد أخواننا ... كرام الجدود طيال القضب
ومنا الخياصم ما يتثنون ... جذام ولحم وفينا الخطب
كرام المغافر والدارعين ... ففيها العديد وفيها الندب
نعد من الأزد أخواننا ... كراماً ليوثاً كمثل الشهب
وفي صفنا حمير كلها ... عليهم جواشنهم والزعب
وحمير أرباب أهل البلاد ... وسائل بذلك تنبأ العجب
ومنا المقاول من حضرموت ... كرام نعد بهم من خلب
ففي رأس قحطان من ما مضى ... وفي فرع حيدان لي منتخب
أولئك قوم سموا للعلى ... وحمل السلاح وفضل الحسب
وما منهم كان إلا فتى ... إذا رام داهية لم يهب
نعد بطوناً بأسمائها ... وننسى قبائل كانت ذنب
لها كاهل مشرف رأسه ... علي المرام رفيع الرتب
فمن ذا من الناس لم نكبه ... وأخطأه بالقتل يلقى الحرب
قتلنا القبائل في أرضها ... قتلنا فزارة شر العرب
وفارس والروم تجبي لنا ... وفي الصين جيش لنا ذو سلب
(1/488)

وديلم والترك تجبي لنا ... وكلهم ذاعن مغتصب
وبربر والزج والاحبشون ... فكلهم عندنا في تعب
لنا الهند والسند والاريسون ... وأهل الشروق وأهل الغرب
وخاقان ألجمته كالحمار ... واقتبته صاغراً بالقتب
فأذعن إذ ذاك تحت الوكاف ... وسمح في ذله بالجنب
فألبسته خشنات المسو ... ح بعد الحرير وخز القصب
وملحان كالبغل أسرجته ... وغيبته عانياً باللبب
ونفير أوثقته بالحديد ... وأدخلته صاغراً بالشرب
ورستم وسابور والهرمزان ... بشر نكال وأقوى نصب
نعذب أرواحهم بالحريق ... ونطليهم بدواء الجرب
وأضحوا جميعاً بضر لدي ... وكانوا مجوساً ورغلا سرب
جبوت المجوس وأجناسها ... لخدمة قومي وأهل النصب
وقد كان للروم يوم عصيب ... طويل العناء شديد التعب
وعذبت قنطورة بالسياط ... وأسعته السم فيه النصب
وآزرته بازار الصغار ... وكلفته ثم حمل الحطب
وذاق النجاشي من وقعها ... عذاب ثمود كذاك العقب
صنيع أبي كرب الحميري ... يقول بحق وما إن كذب
فدع ذا ولكن لما يذكروا ... ن من صنع جالوت في المنتخب
فزلت بجالوت ثم النعال ... وخلى بلاد ولاة الكتب
فدانوا ودنا لما يذكرون ... قرأنا الكتاب وزدنا النسب
لطول الحصار غرستا النخيل ... وحتى أكلنا جناه الرطب
وأهل المواشي من بعدهم ... سيعطون ملكاً طويل الغلب
ويأتي على الناس من بعدهم ... زمان عصيب كثير الشغب
(1/489)

يكونون في غمرات العمى ... فيأتيهم رجل منتخب
فيهديهم لسبيل الهدى ... ويكسر أصنامهم والصلب
فو مد دهري إلى دهره ... لكنت نسيباً له في النسب
ويأتي على الناس من بعده ... ولاة يضيمون من لم يرب
وهم يملكون جميع البلاد ... لسفك دمائهم والحرب
وقد قيل أملكهم راهب ... فاني لأعجب كل العجب
لأمر يجيء على معشري ... يرى في جمادين أو في رجب
ويملك من بعدهم ذو التقى ... وأهل القضاء وأهل الحسب
هم الراشدون وأهل الهدى ... أبوهم أخو صالح المنتخب
ويأتي على الناس من بعدهم ... زمان كما قال أهل الكتب
تمنى العجوز لأولادها ... فراق الحياة وترك النصب
وبالشط أجبه من قومنا ... ويستغضب الملك منهم حقب
هو القرم في الأرض مستفتحاً ... يكون له الملك بعد الاربعاء
هو الخلف من بعدي المرتجي ... لفض الجموع وجمع العصب
علينا اليلامق والسابغات ... سلبنا الملوك وما نستلب
لنا ملكنا اليوم نقضي به ... ونحكم في ما لنا ما نحب
نجيز الأمور بسلطاننا ... لنبلغ ملكاً به مغتصب
قال معاوية: ويحك يا عبيد من يعني بهذا البيت الذي يغتصب الملك؟ قال: يعني رجلاً من ولد قحطان يسمى القحطاني اسمه على ثلاثة أحرف تجمع له الأرض يدعو إلى الله وذلك عند انقضاء ملك قريش. قال معاوية: قال ملكها ليغرب قبل انقضاء الساعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا اختلفت قريش بينها لم يكن شيء حتى يخرج بعدها عيسى بن مريم يطهر
(1/490)

الحرمين، فعند ذلك يخرج الرجل من ولد قحطان. قال معاوية: خذ في حديثك الأول عن تبع الأوسط أبي كرب وهو اسعد الكامل، واسمعني من بعض أشعاره ما حضرك. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال تبع هذا الشعر الذي يقول فيه:
جلبنا الكتائب من منكث ... فجنبني أزال إلى الواعره
كتائب كالليل من حمير ... بأيديهم القضب الباترة
سرابيلهم كل فضاضة ... دلاص مساميرها ظاهره
آتاني بأن معداً تقول ... حمير شرذمة غادره
وأسعد يثأر في عصبة ... عوائر ليست لها ثائره
فلما آتاني كلام العبيد ... أثرت لهم عصبة ثائره
نصبت الحروب فقاسيتها ... ولم أور للخطة الخاسره
فسرت بجيش له أزمل ... يخط به البدو والحاضره
بأبناء قحطان من حمير ... على كل سلهبة ضامره
ففرت ميم وأشياعها ... ومن باليمامة من غاضره
وفرت نمير ومن نمرت ... وكانت قشير هي القاشره
وفارت يسعد قدور لنا ... بأمثالهم لم تزل فاثره
وعاجلت عجلاً لدى دارها ... بصاعقة فيهم بائره
صبحنا حنيفة ملمومة ... فأمست جدودهم عاثره
وكرت هذيل إلى أرضها ... وكانت لهم كرة خاسره
وفرت ثقيف وأحلافها ... فرقت ثقيف بنا الفاقره
وجاءت كنانة تبغي الأمان ... هنالك عانية صاغره
تركت ديار بني كاهل ... يبابا معطلة دامره
(1/491)

وقائع من مضر تسعة ... وفي غيرهم كانت العاشره
فلما عطفتني لهم رحمة ... ولا أصرتني لهم آصره
فكيف رأوا حمير أهل حمت ... لما قالت الفئة الفاخره
حمت عز قحطان من أن يضام ... وكانت لمن رامها قاهره
بخيل تكردس بالدارعين ... وشبه الوعول على الظامره
قال معاوية: أحسنت يا عبيد. فهات أنشدني الشعر الذي قال في الزهد. قال: نعم يا أمير المؤمنين قد كان تبع حين نظر إلى البيت الحرام وعرف فضله ما ذكر له الحبران أن لله تعالى وتبارك نبياً من قريش وقع ذلك في قلبه وترك عبادة الأصنام فكان فيما قال هذا الشعر الذي يقول فيه زهداً:
أنيبوا للذي وضع الكتابا ... وسوى دونه سبعاً صلابا
فسواهن سبعاً مشرفات ... عظاماً حين تنظرها رعابا
وزين هذه الدنيا نجوماً ... تناثر عند مغربها انصيابا
مصابيحاً يضئن بكل أفق ... هدى للناس تنسرب انسرابا
علوت فليس فوقك رب شيء ... وما شيء يدانيك اقترابا
علمت الغيب والأسرار منا ... وتعلم من أساء ومن أنابا
نصبت بقدرة حرساً علينا ... ليحصو ما نجيء به كتابا
يرون بما نجئ ولا نراهم ... ولا ذكراً نحس ولا خطابا
نموت ونترك الدنيا لقوم ... ونصبح بعد جدتنا ترابا
فيبعثنا وقد كنا رميماً ... فيخلقنا وقد نخرت صلابا
وينشرها فيكسوها لحوماً ... ويبعثنا كما كنا شبابا
أعد الله للكفار ناراً ... أحاط بهم سرادقها عذابا
(1/492)

إذا القوا مع القرناء عجوا ... وقد ذاقوا المذلة والتبابا
واعرض دونها حرس شداد ... بعيد رحمهم خلقوا غضايا
بأيديهم مقامع من حديد ... بحر النار تضطرب اضطرابا
إذا قرنوا الشقي وصار فيها ... علوه بالمقامع ثم غابا
وصبوا فوق رؤوسهم جميعاً ... وأسقوهم وكان لهم شرابا
ألم تعلم بأن الله ينشي ... سحاباً ثم يردفه سحابا
قال معاوية: لله درك يا عبيد انك لتحدثني عجباً ما شفاني عنهم وعن أخبارهم وما كان منهم أحد غيرك. فاخبرني عن قتل أسعد الكامل؟ كيف كان ولم قتله قومه؟ قال عبيد: يا أمير المؤمنين إن قوم تبع لما هموا بقتله - وكان سبب ذلك أن حبرين من اليهود من اليمن دخلا عليه فأحب أمرهما وما هما عليه ورأى أن الذي هما عليه أفضل فآمن بالله وصدق بنبيه موسى بن عمران - عليه السلام - وما انزل الله من التوراة. فأمر الحبرين أن يدعوا إلى دينهما في لطف ورفق ففعلا ما أمرهما. فلما رأت ذلك حمير خرجوا إلى نبع فقالوا: لأهلكتنا بالغزو فصبرنا لذلك فأما على ديننا وما كان عليه آباؤنا فلا نصبر لك، فقد فرقتنا في البلدان فأتعبتنا فاقتل عنا هذين الحبرين. قال: معاذ الله أن أقتلهما وهما مني في ذمة فعليكم بهما فكلموهما وحاكموهما إلى من شئتم. فأجمع رأيهم أن يحاكموهما
إلى النار في اليمن - يقال أنها كانت بصنعاء - فانطلقوا حتى أتوا النار فنحروا عليها الجزر وقربوا القربان، ثم تقرب الحبران فلم يزالا يقرآن كتاب الله من التوراة حتى خرجت لهما فمضيا فيها حتى جاوزا ودعا تبع سادة أهل اليمن فاجتمعوا وأرسلت النار نحوهم فأحرقتهم ونجا الحبران وأمرا النار أن تطفأ فطفأت. قال: فثارت عليه حمير وأرادوا قتله فقال: لا تعجلوا علي حتى أوصيكم وأوصي ابني حسان. فقال طائفة منهم اقتلوه، وقالت طائفة
(1/493)

منهم: مهلاً مهلا فإن في هلكه هلاككم، ولكن اسمعوا منه يتم لكم عزكم فإن عنده علماً. قال تبع: أما إذا كنتم قد اجتمعتم على قتلي فادفنوني قائماً ليتم لكم عزكم ولا يخرج منكم ملككم، ثم دعا ابنه حسان فأوصاه أن يأتي جبلاً باليمن إذا هو ملك، ثم ينظر من يأتيه من ذلك الجبل فيأكل ما أطعم ويشرب ما سقى ويفعل ما أمر. ثم وثبوا على تبع فقتلوه فأرادوا أن يدفنوه قائماً فلم يستقر لهم ومكثوا يعالجون ذلك منه حتى ملوا وضجروا وقالوا: أشقيتنا حياً وميتاً وندموا على قتله، فدفنوه مضطجعاً، ثم ولوا أمرهم حسان بن تبع - وكان ملك تبع ثلاثمائة سنة وعشرين سنة - فلما أراد حسان الخروج إلى الجبل الذي أمره أبوه تبع استخلف آخاه معد يكرب وانطلق حتى أتى الجبل والموضع فلقيته امرأة فرحبت به وقالت: اقعد، فلما أراد القعود إذ هو بدود كثير على فراشه ووساده فأبى أن يقعد، ثم قدمت إليه رؤوس الناس وقالت: كل من هذا فأبى أن يأكل وقال: أقعدتيني وأطعمتيني رؤوس الناس لا حاجة لي في هذا. قالت له: ويحك ما أبعد حظك من حظ أبيك وما أقل ما تملك قومك؟ إذا ما عصيتني فاشرب ما في هذا الإناء فإذا فيه دم فقال: لا حاجة لي في هذا قالت: هذا الذي أوصاك به أبوك وإن الأمر الذي كان يعمل به أبوك من عندنا أصابه، فأما إذا لم يكن لك نصيب مثل نصيب أبيك فاقتل من أمرك بقتل أبيك وبقاؤك في قومك قليل، ثم رجع فسألته أمه لما ذهب له فقال لها: صنع لي
هكذا وقيل لي هكذا! فقالت: لو أنك جلست على الدود لاستوطأت الملك ومد لك في العمر ولو أكلت الرؤوس دانت لك حمير وذلت لك العرب وأهرقت دماء أهل الأرض.
قال معاوية: لله أبوك يا عبيد، ثم صنع حسان ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أقام حسان بحمير زماناً لا يغزو بهم، حتى طمع في ملكهم ناس
(1/494)

من أهل اليمن وجرهم - وكان باليمامة حيان يقال لهما طسم وجديس وهما ابنا لاوذ بن ارم بن سام بن نوح، وهما من العرب العادية، وكان منزلهما باليمامة، وكان اسمها يومئذ جو القرية بنفسها - قال: وكان طسم ظلوماً غشوماً لا ينهاه شيء عن هواه مع أضراره بجديس وتعديه عليهم وقهره إياهم وإذلاله لهم، فثبت في ذلك عصراً من دهره وقد غير عليهم النعمة وانتهك الحرمة - وكانت بلادهم أفضل البلاد وأهناها وأكثرها خيراً وأقربها مسيراً - ولهم أصناف الثمار من النخيل والأعناب في دار أنيقة وقصور مصطفة، فلم يزل ملكهم على ذلك حتى أتته امرأة من جديس وزوج لها قد كان فارقها فأراد قبض ولده منها فأبت عليه حتى دار بينهما كلام، فارتفعا إلى الملك عمليق - وكان اسم المرأة هزيلة واسم زوجها قاشراً - فلما وقفا بين يدي الملك سألهما عن حججهما فقالت له هزيلة: أيها الملك إني امرأة حملته تسعاً وأرضعته سبعاً، ولم أر منه نفعاً حتى إذا تمت أوصاله واستوى وصله أراد أن يأخذ كرهاً ويتركني ورهاء. قال زوجها: أخذت المهر كاملاً ولم أصب منها طائلاً إلا وليداً جاهلاً فافعل ما كنت فاعلاً. قال: فأمر الملك بالغلام أن يقبض منها وإن يجعل في غلمانه وقال لهزيلة: أبغيه ولداً ولا تنكحي أحداً؟ قال هزيلة: أما النكاح فبالمهر وأما السفاح بالقهر وما لي فيها من أمر! فأمر عمليق عند ذلك أن تباع هزيلة وزوجها ويرد على زوجها خمس ثمنها ويسترق ويرد على هزيلة عشر ثمن زوجها ويسترق. فقالت هزيلة في ذلك هذا الشعر وهي تقول:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فابرم حكماً في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكمت لا متورعاً ... ولا كنت فيما يبرم الحكم عالما
ندمت ولم أندم واني لغرة ... وأصبح بعلي في الحكومة نادما
(1/495)

فلما بلغ قيلها عمليقاً أمر أن لا تتزوج بكر من جديس حتى يبدأ بها فيفترعها قبل أن يتصل بها زوجها. قال: فأصاب القوم من ذلك ذل ذليل فلم يزل ذلك الملك يفعل بهم حتى تزوجت امرأة منهم - يقال لها عفيرة ابنة عفار الجديسية أخت الأسود بن عفار - فلما كانت الليلة التي يهدي بها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق ليبدأ بها قبل زوجها ومعها القيان يغنين وهن يقلن:
أبدي بعملاق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح لأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبي ... وما لبكر عنده من مهرب
قال: فدخلت العفيرة على عملاق فافترعها وخلى سبيلها وخرجت إلى قومها شاقة ثيابها ودرعها عن دبرها وهي تقول في ذلك:
لا معشر أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
لكل قرن أشوس عبوس ... عدمتكم يا سقط النفوس
ثم قالت لقومها ويحكم أيرضى بهذا الحر من رجالكم وقد أعطى هذا المهر كاملاً والله ليأخذه أهون عليه من أن يفعل هكذا بعرسه وأنشأت العفيرة ابنة عفار تحرض قومها وتذكر ما فعل بهم العملاق وهي تحثهم على الحرب.
أتصبح تمشي في الدماء فتأتيكم ... صبيحة زفت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغبوا من الكحل
وهادونكم طيب العروس فأنتم ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فلو أننا كنا رجالاً وأنتم ... نساء لما كنا نقر على الذل
فسعداً وسحقاً للذي ليس ناكفاً ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
(1/496)

فموتوا كراماً أو أميتوا عدوكم ... بضرب تلظى كالظرام من الجزل
وإلا فخلوا بطنها وتحملوا ... إلى بلد قفز وهزل من الهزل
ولا تجزعوا يا قوم للحرب إنما ... يقوم رجال للمعالي على رجل
فيهلك فيها كل وغد موكل ... ويسلم فيها ذو النجادة والفضل
قال: فلما سمعت جديس قولها استحقموا غضباً وتلضوا كلباً فقام الأسود ابن العفار - وكان فيهم سيداً مطاعاً - فقال: يا معشر جديس أطيعوني فيما أمرتكم وأدعوكم إليه فانه عزكم الدهر وذهاب الذل عنكم. قالوا وما ذاك؟ قال: والله لتطيعوني أو لأتكين على سيفي هذا حتى يخرج من صلبي. قالوا: لك الطاعة علينا فما ذلك؟ قال: إني صانع للملك وقومه طعاماً، ثم أدعوه إليه فإذا هم أقبلوا يرفلون في حللهم نهضنا إليهم بأسيافنا، ثم أخذ كل رجل منكم جليسه فضربه بسيفه. قالت العفيرة: لا تعذرون يا أخي وباد القوم في ديارهم تظفروا وتقدروا، فأبوا أن يطيعوها. فقالت العفيرة في ذلك شعراً تريد أن تسمع قومها - فأنشأت تقول:
لعمرك ما في الغدر إذ تركبونه ... وفاء ولا عذر وما فيه من حصن
رأيت لواء الغدر في كل مجمع ... من الناس نصباً للمذلة واللعن
ولا خير في الأقوام حتى يكاثروا ... بناهضة الأبطال قرناً إلى قرن
فإن مرام الغدر يا قوم فاعلموا ... صغار بتقصير من الغدر في الأمن
وقالت العفيرة في ذلك أيضاً:
لا تغدرون فإن الغدر منقصة ... وكل أمر له غب وإن ظفرا
إن أخاف عليكم مثل تلك غدا ... وفي الأمور بنا عذر لمن نظرا
كروا عليهم كراراً في مضارخة ... فكلكم باسل نرجو له الظفرا
(1/497)

وباشروا القوم ضرباً في ديارهم ... ضرباً حتى تهدموا القصرا
فأجابها أخوها الأسود وهو يقول:
أنا لعمرك ما نبدي مناهزة ... نخاف منها صروف الحين إن ظهرا
ففي التحيل للأقوام مدركة ... وكل أمر بها نرجو له الظفر
كفى لديك فلا تبغي لعاقبة ... عن الذي قد رآه الرأي أو خطرا
فليس يمنع رأياً أن ندبره ... زحر الزواجر حتى نركب الخطرا
إني زعيم لطسم حين تحضرنا ... عند الطعام وذاك الرأي إن قدرا
فإن تلاقوا على بغي ومظلمة ... ضرباً يبين أكف القوم والقصرا
قال: ثم صنع الأسود طعاماً، ثم دعا الملك وقومه من طسم فأقبلوا يرفلون في حللهم، ثم دفنت جديس أسيافهم في الرمل حيث وضعوا الطعام. فلما أتتهم طسم وثبوا إلى أسيافهم وشدوا على عملاق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم جميعا، وأنشأ الأسود يرتجز وهو يقول:
لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
جاءت تمشي في دم حميس ... كالريح في مسهومة اليبيس
يا طسم ما لاقيت من جديس ... من البلا والعيب والنحوس
وقال الأسود أيضاً:
ذوقي مجللة الحرب نافعة ... فقد أتيت لعمري أعجب العجب
إنا انتقمنا فلم ننفك نقتلهم ... والبغي هيج منا سورة الغضب
فلم يعودوا لبغي بعدها أبداً ... ولم يكونوا لذي أنف ولا ذنب
فلو رعيتم لنا قربى مؤكدة ... كما الأقارب قد أرعى لذي النسب
(1/498)

وقال خزيمة بن المسنتجم الجديسي في ذلك شعراً:
لقد نهيت أخا طسم وقلت له ... لا تذهبن بك الأهواء والمرح
وأخش العقاب فإن الظلم منقصه ... وكل فرحة ظلم بعدها الترح
فقد أطاع لنا أمراً فنعذره ... وذو النصيحة عند الأمر ينتصح
فلم يزل ذاك ينمي من فعالهم ... حتى استفاد والأمر الغي فافتضحوا
فباد أولهم من بعد آخرهم ... ولم يكن عندهم رشد ولا فلحوا
فنحن بعدهم للحق نملكه ... نسقي الغبوق كما يسقي ونصطبح
فتلك طسم على ما كان إذ فسدوا ... كانوا بما فيه من بعدها صلحوا
إذا لكنا لهم بحراً وممنعة ... أنا إذا وزنت أحلامنا رجحوا
وقالت امرأة من طسم - ترثي قومها وتنوحهم - وهي تقول: (1)

ها هنا انقضت النسخ كلها وقد تم الكتاب، والحمد لله تعالى وصلى الله على محمد نبي الرحمة وعلى آله الطاهرين وسلم.

(تمام الحديث عن تاريخ الكامل لابن الأثير)
ثُمَّ إِنَّ بَقِيَّةَ طَسْمٍ قَصَدُوا حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ مَلِكَ الْيَمَنِ فَاسْتَنْصَرُوهُ، فَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لِي أُخْتًا مُتَزَوِّجَةً مِنْ جَدِيسٍ يُقَالُ لَهَا الْيَمَامَةُ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُنْذِرَ الْقَوْمَ بِكَ، فَمُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَقْطَعْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ شَجَرَةً فَلْيَجْعَلْهَا أَمَامَهُ.
فَأَمَرَهُمْ حَسَّانُ بِذَلِكَ، فَنَظَرَتِ الْيَمَامَةُ فَأَبْصَرَتْهُمْ فَقَالَتْ لِجَدِيسٍ: لَقَدْ سَارَتْ إِلَيْكُمْ حِمْيَرُ. قَالُوا: وَمَا تَرَيْنِ؟ قَالَتْ: أَرَى رَجُلًا فِي شَجَرَةٍ مَعَهُ كَتِفٌ يَتَعَرَّقُهَا أَوْ نَعْلٌ يَخْصِفُهَا، وَكَانَ كَذَلِكَ، فَكَذَّبُوهَا، فَصَبَّحَهُمْ حَسَّانُ فَأَبَادَهُمْ، وَأُتِيَ حَسَّانُ بِالْيَمَامَةِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا، فَإِذَا فِيهَا عُرُوقٌ سُودٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: حَجَرٌ أَسْوَدُ كُنْتُ أَكْتَحِلُ بِهِ يُقَالُ لَهُ الْإِثْمِدُ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنِ اكْتَحَلَ بِهِ. وَبِهَذِهِ الْيَمَامَةِ سُمِّيَتِ الْيَمَامَةُ، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ.
وَلَمَّا هَلَكَتْ جَدِيسٌ هَرَبَ الْأَسْوَدُ قَاتِلُ عِمْلِيقْ إِلَى جَبَلَيْ طَيِّءٍ فَأَقَامَ بِهِمَا، ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَهُمَا طَيِّءٌ، وَكَانَتْ طَيِّءٌ تَنْزِلُ الْجُرْفَ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُوَ الْآنَ لِمُرَادٍ وَهَمْدَانَ. وَكَانَ يَأْتِي إِلَى طَيِّءٍ بَعِيرٌ أَزْمَانَ الْخَرِيفِ عَظِيمُ السِّمَنِ وَيَعُودُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ يَأْتِي، ثُمَّ إِنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ يَسِيرُونَ بِسَيْرِهِ حَتَّى هَبَطَ بِهِمْ عَلَى أَجَأَ وَسُلْمَى جَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَهُمَا بِقُرْبِ فَيْدٍ، فَرَأَوْا فِيهِمَا النَّخْلَ وَالْمَرَاعِيَ الْكَثِيرَةَ وَرَأَوُا الْأَسْوَدَ بْنَ عِفَارٍ، فَقَتَلُوهُ، وَأَقَامَتْ طَيِّءٌ بِالْجَبَلَيْنِ بَعْدَهُ، فَهُمْ هُنَاكَ إِلَى الْآنَ، وَهَذَا أَوَّلُ مَخْرَجِهِمْ إِلَيْهِمَا.
__________
(1) بياض بالأصل بقدر سبعة أسطر - ح
(1/499)