Advertisement

التراتيب الإدارية نظام الحكومة النبوية 001



الكتاب: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية
المؤلف: محمد عَبْد الحَيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (المتوفى: 1382هـ)
المحقق: عبد الله الخالدي
الناشر: دار الأرقم - بيروت
الطبعة: الثانية
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] [نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية]
كتاب التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية لحافظ العصر ومحدثه وإمام التاريخ وفلسفته مسند الزمان ونسابته أبي الأسعاد وأبي الأقبال الشيخ مولانا عبد الحيّ بن شمس الأفاق الوافع على جلالته الأطباق والإتفاق الشيخ أبي المكارم مولانا عبد الكبير بن القطب الشهير الشيخ أبي المفاخر سيدي محمد الحسني الإدريسي الكتاني الفاسي رحم الله الجميع ونفعنا ببركاتهم وعلومهم آمين
الجزء الأول
(1/5)

مقدمة التحقيق
لا زلت أذكر بعض أساتذتي «1» في المرحلة الثانوية حينما كان يوجه الطلبة، قبيل افتتاح الدروس فكان ينقل لنا نصوصا رائعة من الشعر والنثر، مما أثار حماستنا آنذاك، وذات مرة سألناه عن المصدر فقال: إنه التراتيب الإدارية للعلامة الحافظ مسند الدنيا السيد محمد عبد الحي الكتاني- وكان لا زال على قيد الحياة- وأطرى مقامه العلمي وقوة حافظته، وسعة مكتبته، بحيث لا تضارعها مكتبة خاصة في الدنيا، فقد حوت من نفائس المخطوطات ما يعد من أندر النوادر.
ثم حصلت على كتاب التراتيب وقرأت فيه وأعجبت به أيما إعجاب، حتى كان في نيتي أن أطبع مقدمته ونشرها لكثرة فوائدها.
وبما أن الكتاب قد طبع في عام 1346 هـ أي قبل سبعين سنة في مدينة فاس، وقد امتلأ بالأخطاء المطبعية، ثم أعيد تصويره أكثر من مرة دون تصحيح.
وشاء الله أن أتعرف إلى أخ كريم هو الحاج أكرم الطبّاع صاحب دار الأرقم بن أبي الأرقم، فذكرت له كتاب التراتيب وأهميته وضرورة إخراجه بصورة لائقة فأبدى استعداده وعهد إلي بمهمة تصحيح الكتاب وتحقيقه وتخريج آياته القرآنية وأحاديثه النبوية. فبادرت لذلك وطالعت الكتاب مطالعة دقيقة خرجت فيها الآيات القرآنية وعزوت الأحاديث إلى مصادرها في أحد الكتب التسعة المطبوعة في استانبول وفقا للمعجم المفهرس. وصححت أكثر الأخطاء التي ظهر لي وجه الصواب فيها. وتركت قسما منها إلى طبعة تالية إن شاء الله نظرا لقلة المصادر بين يدي وأضفت الجزء الناقص من كتاب الخزاعي في محله.
هذا وقد كان العلامة الكتاني قد سمع بكتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية تأليف أبي الحسن علي بن محمد الخزاعي. فسعى بكل ما أوتي من جهد وحرص للحصول على نسخة منه، فظفر ببغيته في مكتبة الزيتونة بتونس من أوقاف المرحوم المشير أحمد باشا فاستنسخها وكان ينقصها الجزء العاشر والأخير، وكم تحسر لذلك وحاول استدراك هذا النقص فلم يوفق فزاد من عنده بمقدار أصل الخزاعي وزيادة، نظرا لوفرة المصادر بين يديه ولرغبته القوية في إيصال فكرة مؤداها: أن الحضارة الإسلامية التي نمت وأورقت في العهد الأموي ثم العباسي إنما
__________
(1) هو المرحوم الشيخ سعدي ياسين رحمه الله.
(1/7)

وضعت أسسها وزرعت بذورها في عهد النبوة ما من أمر من أمور الحياة المعاشية والإدارية إلا وله في صدر الإسلام أصل يرجع إليه. وكتب مقدمة لكتابه غاية في النفاسة.
وقد اختار العلامة الكتاني نصوصا من كتاب التخريج وجعل تحتها خطا لتمييزها عما أضافه هو إليها. ثم استدرك عليه كثيرا من الأبواب والتفاصيل.
يقول الأستاذ الكبير المحقق الدكتور إحسان عباس الذي حقق كتاب التخريج للخزاعي والمطبوع عام 1405 هـ- 1985 م لدى دار الغرب الإسلامي.
[ولا ريب في أن ما أضافه الكتاني مفيد في معظمه وإن كان في جوانب منه تزيد لا تخفى] ص 15 المقدمة ومما تجب الإشارة إليه أني وجدت المؤلف رحمه الله قد استرسل في بعض الأحيان وأسهب إسهابا كثيرا في بعض المواضيع فأجزت لنفسي حذف الزائد من الكلام وأشرت لذلك بالهامش. وذلك احتراما لقيمة الكتاب من اشتماله على ما لا فائدة فيه لقارئه.
أما الأعلام وأسماء المؤلفات التي رجع إليها فهي من الكثرة بحيث تحتاج إلى مجلد قائم بذاته لذلك تركت هذا الأمر لفرصة قادمة إن شاء الله. وأنتقل الآن لإعطاء نبذة يسيرة تعريفا بالمؤلف رحمه الله.
من هو السيد محمد عبد الحي الكتاني
1305 هـ/ 1888 م- 1382 هـ/ 1962 م إنه العلم الشامخ والجبل الراسخ، وحيد العصر، وفريد الدهر النابغة في هذا القرن الرابع عشر، سليل الأسرة الإدريسية الشريفة، ورث العلم كابرا عن كابر، مما ورث شرف المحتد، فكان أعجوبة الزمان، قرأ العلم على والده الجليل السيد عبد الكبير الكتاني وعلى خاله جعفر الكتاني وعلى علماء فاس وهم كثر وظهر نبوغه المبكر وأظهر اهتماما زائدا بعلم الحديث ورجاله، ثم شد الرحال إلى بلاد الشرق فدخل مصر والشام والحجاز فأدهش العلماء الفحول وهو في العشرين من عمره فأجازهم وأجازوه، ولم يبق في تلك الديار من لم يعرف قدره وكاتب علماء اليمن والهند وكاتبوه ثم اشترى كميات هائلة من الكتاب المخطوطة وعاد إلى المغرب.
وكان له إلى جانب نشاطه العلمي جانب سياسي فخاض في غمارها ولم يحالفه التوفيق، مما أغضب الكثيرين وفيهم أقاربه، ثم صودرت مكتبته الثمينة فسافر إلى فرنسا وأقام بها إلى وافته المنية عام 1962.
ترك الكتاني آثار كثيرة تزيد عن مائة وثلاثين ما بين كتاب ورسالة وأهمها فهرس الفهارس في مجلدين وفيه بيان شيوخه ومن أخذ عنهم وأخذوا عنه وهو كاف للتعريف به وبفضله.
رحمه الله رحمة واسعة، وشكر له سعيه، ونفعنا بعلمه وفضله آمين
المحقق خادم أهل العلم
عبد الله الخالدي
(1/8)

الإهداء
أهديت هذا الديوان إلى روح شيخنا الاستاذ الوالد رحمه الله تعالى مخاطبا له متمثلا بقول ابن طباطبا العلوي:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه
فالله عزّ وجلّ يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه
وقول الحافظ ابن حجر:
هنيئا لأصحاب خير الورى ... وطوبى لأصحاب أخباره
أولئك فازوا بتذكيره ... ونحن سعدنا بتذكاره
وهم سبقونا إلى نصره ... وها نحن أتباع أنصاره
ولما حرمنا لقى عينه ... عكفنا على حفظ آثاره
(1/9)

[المقدمة الأولى]
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد:
فإن الذين اعتنوا بتدوين المدنية العربية والتراتيب الإدارية لخلفاء المملكة الإسلامية، وذكروا ما كان لأمراء الإسلام على عهد الدولة الأموية والخلافة العباسية، من الرتب والوظائف والعمالات والعمال أهملوا ما كان من ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مع أنه عليه السلام حيث كان يشغل منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين والدنيا جمعا مزج بين السلطتين، بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد وهو الدين. وكذلك وقع.
كانت الإدارات اللازمة للسياستين على عهده صولجانها دائر، والعمالات بأتم أعمالها إلى الترقي والعمل سائر، بحيث يجد المتتبع أن وظائف حاشية الملك اليوم، الخاصة بشخصه من صاحب الوضوء والفراش والنعال والإصطبل والحاجب وغير ذلك، كانت موجودة عند النبي صلى الله عليه وسلم. ولعل عن ذلك العهد أخذها ملوك الإسلام. كما إذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب الإدارية من وزارة بأنواعها، وكتابة بأنواعها، والرسائل والإقطاعات، وكتابة العهود والصلح، والرسل والترجمان، وكتّاب الجيش والقضاة، وصاحب المظالم وفارض النفقات، وفارض المواريث، وصاحب العسس في المدينة والسجان، والعيون والجواسيس، والمارستان والمدارس والزوايا، ونصب الأوصياء والممرضات والجراحين، والصيارفة وصاحب بيت المال، ومتولي خراج الأرض وقاسم الأرض، وصانع المنجنيقات والرامي بها وصاحب الدبابات، وحافر الخنادق والصوّاغين وأنواع المتاجر والصناعات والحرف، تجد أن مدّته عليه السلام مع قصرها لم تخل عن أعمال هذه الوظائف، وإدارة هذه العمالات. وتجد أنها كانت مسنده للأكفاء من أصحابه وأعوانه عليه السلام.
وربما يستغرب السامع هذا القدر على البديهة إذا سمعه خصوصا ممن اقتصر على مطالعة بعض كتب السير للمتأخرين، وظن أنها خالية عن أمثال هذه الأمور، فإنه ربما يحيص حيصة الاستغراب، ولكن لا ضير فإن أكثر الذين يتعاطون السير اليوم غاية ما
(1/11)

يقرأون من كتبها الهمزية بشرحها لبنيس، فلذلك لا يستغرب أن يشذّ عن أبصارهم أمثال هذه الوظائف والمراتب والإدارات.
وربما استبعد ذلك آخرون من حيث أن الكتاب الذين تصدروا أخيرا للبحث في المدنية الإسلامية العربية ودونوا فيها المدونات العدة من المسلمين والمسيحيين غاية ما ينسبون من التمدن للإسلام؛ يذكرون ما وجد على عهد الدولة العباسية والأموية مثلا، مع ما أوجدته بعد ذلك ممالك العجم والديلم والترك والفرس والبربر وغيرهم، من ملوك الدول الإسلامية بالشرق والغرب. بل وربما كانوا يأتون بنسبة المدنية في الإسلام لبني العباس، ليتسنى لهم بعد التصريح بأنهم أخذوا ذلك عن اليونان والفرس، لا عن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم. بل وقع لبعض الكتاب الشاميين في رسالة له في انتشار الأديان التصريح بأن التمدن الإسلامي قام عن الشريعة الإسلامية ولم يقم معها اهـ. وهو غلط فادح نتج لصاحبه عن جهله بالسير والحديث، أو من عدم تشخصه لحقيقة ينابيع المدنية التي جعل الحكماء أساسا لها. أما النظر إلى الأبنية لأنها عنوان رقي الجماعات، الذين يسكنونها، أو إلى المخلفات العلمية والأدبية والفلسفة؛ لأنها مجلى حقيقة ما كانوا عليه من المدارك، أو الثروة التي كانوا يتنعمون بها، لأنها تدل على اقتدارهم في الصناعة والزراعة والتجارة، وبالأخير إلى شرائعها، لأن الشرائع أعظم دليل على ما كان في تلك الأمة من الأخلاق الراقية وعدمها، ومن المساوات أو التفاوت في المقامات، ومن العدل أو الظلم، ومن الآداب الحسنة أو الأخلاق السيئة، ومن عرف نهضة الإسلام وتعاليم النبي عليه السلام وأمعن النظر في تلك النهضة تحقق أن ليس هناك من أساليب التمدن ما لم يكن الإسلام في وقت ظهوره أصلا له، وينبوعا فمن تأمل ما بثه النبي صلى الله عليه وسلم من التعاليم، وأنواع الإرشاد، وما حوى القرآن من آداب الاجتماع، وسنّ من طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله غضون كلماته الجوهرية من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود وفرائد الكائنات، وما ضبط من الحقوق وسنّ من أنظمة الحياة وما تلته به السنة النبوية من تهذيب النفوس والأخلاق، والإرشاد للأخذ بالأحسن فالأحسن وأحكمته من سنن الإرتقاء والأخاء البشري والتمتع بضروب الحرية علم أن التمدن الإسلامي في إبان ظهوره قامت معه تلك الأعمال لتأثير تلك التعاليم على قلوب سامعيها في ذلك الحين.
نعم.
لا ننكر أن التمدن الإسلامي جرى مجرى النشوء الطبيعي في كل شيء، وسار سيرا تدريجيا إلى أن وصل إلى أوجه في السمو، فمن لم يتأمل ذلك ولم يحط نظرا في الموضوع بما له وعليه، لا بد أن يغيب عن علمه ما بلغته الإدارات، والعمالات والصناعة والتجارة في تلك العشر سنوات، التي قضاها صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية، وأن الترقي والعمران وصل فيها إلى إحداث ما يعرف من الوظائف اليوم في إدارة الكتابة والحساب والقضاء والحرب والصحة ونحو ذلك خصوصا من غاية علمه عن ذلك الدور أن
(1/12)

أهله كانوا يمشون حفاة، وإذا أكلوا مسحوا أيديهم في أقدامهم، خصوصا وقد وقعت لبعض الأعلام فلتات إن لم نقل سقطات وهفوات، حتى إن الولي ابن خالدون قال في مقدمة العبر في مواضع:
«إن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة، وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما نقلوه عن صاحب الشرع وأصحابه، والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين، ولا رجعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة والتابعين» . انظر ص 477 من مقدمة تاريخه طبعة مصر ونحو هذه العبارات للأمير صديق حسن خان القنوجي في كتابه «الحطة في ذكر الصحاح الستة» من غير عزو لابن خالدون انظر ص 11 منها.
ولكن من واصل ليله بنهاره، واطلع وطالع بالدقة وحسن الروية، يجد أن المدنية وأسباب الرقي الحقيقي، التي وصل إليها العصر النبوي الإسلامي في عشر سنوات، من حيث العلم والكتابة والتربية وقوة الجامعة وعظيم الاتحاد وتنشيط الناشئة، وما قدر عليه رجال ذلك العهد الطاهر، وما أتوه من الاعمال واستولوا عليه من الممالك، وما بثوا من حسن الدعوة وبليغ الحكمة ومتمكن الموعظة، لم تبلغها أمة من الأمم ولا دولة من الدول في مئات من السنين، بل جميع ما وجد من ذلك إلى هذا الحين عند سائر الأمم، كلها على مباني تلك الأسس الضخمة الإسلامية انتشأ. فلولا تلك الصروح الهائلة والعقول الكبيرة، وما بثوه من العلوم وقاموا به من الأعمال المخلدة الذكر، لما استطاعت المدنيات المحدثة أن تنهض لما له نهضت وارتقت.
أحدق ببصرك وبصيرتك إلى الدور الذي وجد فيه عليه السلام تجد أن الخراب والدمار والظلم كان أثبت في كل جهة من جهات العالم، من الشرق إلى الغرب. فدولة الروم هرمت مع الضعف الذي استولى على ملوكها؛ بمجاوزتهم الحد في الترف، والإنهماك في اللذات، والفتن الداخلية والخارجية، والأمة الفارسية سقطت قوتها بسبب حروبها الطويلة مع الروم مع الفتن الأهلية، والشعوب العربية في انحطاط تام وجهل عام. بين هذا الوسط نبعت تلك الشعلة النورية النبوية، فأضاءت دفعة [فجأة] من أول وهلة على العالم، فأحدثت فيه حركة ونهضة بعد العهد بمثلها في جهة من الجهات، أما في جميع أطراف العالم «1» التأمت تلك الشعلة واستفحلت وعرفت كيف تربي رجالا عظاما لنشر مباديها الحقة والقيام بالعالم من وهدة السقوط فأولئك الذين كانوا أنفسهم قبل الإسلام لا يعرفون من دنياهم إلا البارحة وتربية الماشية والعيش على أخس بداوة قد انقلبوا بعد الإسلام إلى قواد
__________
(1) بياض بالأصل ويسحن وضع كلمة «ثم» .
(1/13)

محنكين ودهاة وحماء سياسيين وعمال أمناء إداريين، حتى قال القرافي في الفروق ص 167 من الجزء 4:
«أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا بحارا في العلوم على اختلاف أنواعها، من الشرعيات والعقليات والحسابيات، والسياسيات والعلوم الباطنة والظاهرة، حتى يروى أن عليا جلس عند ابن عباس في الباء من بسم الله، من العشاء إلى أن طلع الفجر، مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرأوا كتابا، ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء، ومع ذلك كانوا على هذه الحالة حتى قال بعض الأصوليين: لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته» .
وقد أفرد فضائلهم بالتأليف جماعة من أيمة السلف؛ كأبي محمد خيثمة بن سليمان الطرابلسي، وأبي محمد طراد بن محمد الزينبي، وأبي القاسم حمزة بن يوسف الجرجاني، وأحمد بن محمد بن المهندس، وأبي الحسن أحمد بن حمزة الموازيني.
وأفرد فضائل الخلفاء الأربعة فقط أبو نعيم الأصبهاني وأبو الحسن أحمد بن محمد بن زنجويه.
وفضائل أبي بكر لأبي طاهر محمد بن علي العشاري وفضل أبي بكر وعمر لأسد بن موسى.
وفضائل العباس لأبي الحسن محمد بن المظفر الحافظ ولأبي محمد حمزة بن يوسف السهميّ ولأبي القاسم إسماعيل بن أحمد السمرقندي. وفضائل معاوية لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم.
وفضائل العشرة المحب الطبري وهو مطبوع. ولأبي الحسن مروان بن عثمان المكي قصيدة في فضل الصحابة ولأبي علي الحسن بن محمد الخلال الحافظ كتاب كرامات الصحابة وللضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي مناقب جعفر بن أبي طالب وللموفق بن قدامة المقدسي الاستبصار في أنساب الأنصار.
وكان العلم الذي تعلموه في مدرسة القرآن والسنة أصبحوا به لا ندّلهم في كل رجال العصر، بل والأعصر بعد الذي كانوا فيه، سواء في الحكمة التي ساسوا بها الشعوب، أو في القوة التي سادوا بها على الممالك، ذلك العلم الصحيح الذي لانت له في أسرع وقت القلوب، التي كانت بالأمس أقسى من الصخر، وأوعر من الوعر، فحلّ الوئام محل الخصام، والأخاء محل العداوة، والإحسان بدل التعدي والظلم، فلم تمض تلك المدة اليسيرة على تلك الشعلة النورية حتى عمّت أرجاء الكرة الأرضية، لا جرم لمّا كثر المستظلون بذلك اللواء، والمستكنون في أمانه، أراد عليه السلام أن يضبط أمورهم بنظامات سنّها، وولايات نصبها، وعمالات أسسها، تلك النظامات [الأنظمة] التي لا يستقيم ملك لملك ولا أمر لأمة بدونها.
(1/14)

لذلك أرى من الواجبات الكفائية، إن لم نقل العينية على المسلمين العلم بهذه الأمور، لتكون منوالا تنسج عليه الأمة، أو منبها يحرك فيها باعث الجد لاسترجاع ما فات، والتوثق من حفظ استقلالها وصون حياتها مما هو آت، أو ليعلموا على الأقل شرف دين متبوعهم الأعظم عليه السلام وليزدادوا فيه حبا وله تعظيما. ولما دعاهم إليه تمسكا.
قال بعض العلماء: «إن أساسات الدين الإسلامي باعتقاد الحق، وإقامة البرهان على المعتقد وتعميم المعاملات والأخاء، وتخويل عموم الأفراد حرية محضة محدودة بحدود موافقة للحكمة بحيث تحفظ الحياة الإجتماعية ما دام في الوجود موجود، مانعة ذويها من الإفراط والتفريط، ثم أوجب بينهم حفظ المراتب والدرجات، وأوجب رعايتها عليهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات، بمقتضى الاستحقاق والقابلية، ثم ألزمهم رعاية مصالح سواهم، وحبّب اشتراك غيرهم معهم، في نعمة هذه المدنية العظمى.
وكانت الزراعة معتنّى بها في زمانه عليه السلام، وهو الذي يأمر بها ويحض عليها، وكذلك الصناعة، فإنه أمر بها وبتعلمها، وأمر بمبادي التعليم وأمر بأخذ العلوم، ولو من ديار الكفار. وأدخل بعض الأمور التي وصله خبرها من الأمور النافعة، التي يستعملها كفار الفرس وغيرهم؛ مثل عمل الخندق واستحسان تنوير المسجد من قبل تميم الداري، حين أو قد قنديلا ومصباحا أحضره معه من سياحته بعد أن كان يستضاء في المسجد النبوي بالحرق، وأمر بنشر العلوم والمعارف، وتقسيم الوظائف وإيجاب الأخاء، وتقدير الرجال وتنظيم القوى الدفاعية والهجومية، وأسس وجوب ذلك وقرر وجوب حفظ الأبدان والطب والتشريح وأنواع الحكمة الطبيعية وتعميم الآداب ومكارم الأخلاق، والتاريخ والجفرافية والسياحة والاستكشافات، والسعي في الاختراعات والنجوم والحساب والقصص والروايات وآداب المحاضرات والمسامرات، وقرر مع كل هذا وظائف الأعمال الإدارية وألزم بالاقتصاد الإداري، والمالي، وكل ما يكون في الأمم المتمدنة حتى قرر وجوب الإحصاء.
أما التجارة فقد استعملها عليه السلام بذاته، هذا ما كان من أمر الشؤون الداخلية- وأما الشؤون الخارجية فقد دعا بالبلاغ المبين وقرر أصول الحقوق الدولية والحقوق الملّيّة [الوطنية] وأوجب أصول الحروب والهدنة والمسالمة والمعاهدة والمقاولة والمكاتبة ورعاية الموازنة السياسية، والمعاهدات وأصول أهل الحماية وحقوق الجوار ومعاملة رعايا الأجانب [الدول الأجنبية] وأهل الذمة وتخويل كل فرقة حقا محدودا بالحكمة، محوطا بالصواب.
فيجب على من يريد درك الحقيقة من هذا الدين المتين، أن يراجع نصوصه المبينة في كل حادث زماني أو مكاني أو علمي أو عملي، ويكون له من الاقتدار على التطبيق الشرعي صلاحية كافية، فإنه يرى الحكمة تنجلي بين يديه، مجردة عن كل تردد واحتجاب «1» اهـ.
__________
(1) انظر رسالة حجة الكرام في محجة أهل الإسلام.
(1/15)

وقال غيره أيضا: «سنّ صلى الله عليه وسلم من القوانين والنظامات والأنظمة ما يأمن معه كل ذي حق على حقه، ويدفع التعدي من الأشرار، وذوي الأطماع على أحد من الأمة، أو أهل الذمة، ومن أحكام الزوجية بالطريقة المرضية على أكمل نظام، وأبدع إحكام، وبيّن حقوق الزوجين على بعضهما، مجتمعين أو مفترقين، وسنّ أحكام المعاملات من نحو البيع والشراء والإجارة والشركة والمداينة، وقسم التركات على طريقة الحكمة، وسنّ بعض العقوبات والقصاصات والتعازير لتحفظ بها الأنفس والأموال والأعراض، وسنّ جميع الآداب من كل باب كاداب الأكل والشرب، وآداب النوم وآداب الكلام، وآداب المجالسة والمحادثة والزيارة، وآداب الحضر والسفر، وآداب الزوجية، وآداب ذوي الأرحام مع بعضهم، وآداب الجيران، وآداب الأصحاب، وآداب جميع المسلمين مع بعضهم، وآدابهم مع أهل ذمتهم، إلى غير ذلك من الآداب.
فبعد أن يبحث في كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وما سنه من القوانين والنظامات [والأنظمة] التي هي في غاية الأحكام والإتقان والإبداع، يجزم بأن إتيانه صلى الله عليه وسلم بها، وهو أمي نشأ بين أمة أمية بدوية جاهلية لم يفارق أوطانه إلا أشهرا قلائل لا تصلح (مدته) «1» لتحصيل أقل القليل من العلوم، ولم يجتمع على أحد من أهل المعارف في مدة حياته في بلده، ولم يشاهد أنه عانى تعلم شيء من الشرائع، وقوانين الدول. فأنّى له بأن يستنبط عقله هذا الترتيب الغريب العجيب، الذي أحاط بكل حكمة باهرة، واحتوى على كل خصلة جميلة فاخرة، وتكفل بنظام حال البشر وصالح أحوالهم، وطهارة نفوسهم وعمار ديارهم، وكف أشرارهم، وبكل شيء يعود عليهم بالخير ويدفع عنهم الضر لا يصحح العقل إمكان التصديق باقتداره صلى الله عليه وسلم على الإحاطة بجميع ما جاء به؛ فإذا لا بد أن يكون مرسلا من عند الله، وهو الذي هداه إلى جميع ذلك وأطلعه عليه، وفهّمه أسراره وأمره بتبليغه اهـ.
ولله در الحافظ أبي القاسم السهيلي إذ قال في الروض الأنف بعد ذكر حريفات «2» من السيرة ما نصه: فهذه جملة تشرئب إلى معرفتها أنفس الطالبين، وترتاح بالمذاكرة بها قلوب المتأدبين، وكل ما كان من باب المعرفة لنبينا صلى الله عليه وسلم ومتصلا بأخبار سيرته مما يونق الأسماع ويهزّ بأرواح المحبة الطباع، والحمد لله على ما علم من ذلك اهـ ص 93 من الجزء الثاني.
وقد قال الإمام القاضي أبو عبد الله محمد بن الأصبغ المعروف بابن المناصف القرطبي الأزدي في الدرر السنية في المعالم السنية في المعلم الرابع من السيرة النبوية:
وإن أولى ما تحلى المسلم ... بعد كتاب الله أو يقدم
علم بأيام رسول الله ... من لدن النشء إلى التناهي
وحفظ ما يحق أن لا يجهلا ... من أمره وحاله مفصلا
__________
(1) حذف ما بين القوسين أنسب.
(2) كذا في الأصل.
(1/16)

فلنقتضب من ذاك ما لا يسع ... في الحق أن يجهل ذاك الأورع
وما يكون شرف المجالس ... جلا العلا للحافظ المدارس
تعلو به الرتبة عن يقين ... في شرف الدنيا وحكم الدين
وقال الإمام أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي في مختصره في السير أوله: «هذا ذكر ما يحق على المرء المسلم حفظه، ويجب على ذي الدين معرفته، من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولده ومنشئه وشيعته، وذكر أحواله في مغازيه ومعرفة أسماء ولده، وعمومته وأزواجه. فإن للعارف بذلك رتبة تعلو على رتبة من جهله، كما أن للعلم به حلاوة في الصدر، ولم تعمر مجالس الخير بعد كتاب الله بأحسن من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم» منها قال الإمام أبو العباس العزفي السبتي في الدر المنظم بعد نقل كلام ابن فارس مشيرا إلى قوله يجب: «فهذا إمام من أئمة المسلمين قضى بوجوب معرفة مولده على المؤمنين» .
وقال أبو عيسى المهدي بن أحمد بن علي الفاسي في شرحه الوسط على الدلائل إثر كلام ابن فارس: والوجوب في كلامه يحتمل الوجوب الشرعي أو العرفي بمعنى ينبغي مرجعه إلى اعتبار الأولى والأخلق وقد حمله العزفي على الوجوب الشرعي والله أعلم.
وعليه فيحتمل وجوب معرفة جميع ما ذكر أو بعضه وباقيه استطراد وزيادة خير للعارف به رتبة كما قال تعلو على رتبة من جهله والله أعلم.
والظاهر حمل الوجوب على الشرعي، وأنه يتعلق بجميع ما عدد. وللقرافي في الذخيرة وأشار إليه في شرح الأربعين: أن جملة الأحوال المتعلقة بالرسول، كلها فضلا عمّا به يتعين يرجع إلى العقائد لا إلى العمل، فيجب البحث عن ذلك ليحصل كمال المعتقد.
ومشخصاته هي معرفة اسمه ونسبه وزمانه ومكانه وصفته عليه السلام وقال مفخرة الشام ابن القيم الجوزية في زاد المعاد بعد أن بين اضطرار العباد إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر وطاعته فوق ما أمر ونصه: «وإذا كانت سعادة الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه» .
انظر بقية كلامه ولا شك أن المسلم إذا تتبع السيرة على الوجه الذي توخيناه، لم يبق له شك في أن نبيه جاء بعمارة الدنيا والعمل للآخرة، لا بخراب العالم والانقطاع عن العمل، حاشا وكلّا. نعم جاء عليه السلام بعدم تعمير القلب بالدنيا تعميرا يغافل به المسلم عن ربه وتوحيده، ولكن أمرك أن تجد وتجتهد حتى تملأ منها يدك وتترك قلبك لله، وما يرضيه منك من وجوه مبرات وحسنات لبني جلدتك خالدات، بهذا جاء الدين لا بعكسه.
ويدلّك لذلك أن ثلث الشريعة الإسلامية عبادات، وأسرار تلك العبادات تتضمن سعادة بذلك وحياة روحك زيادة على إخلاص العمل لوجه الله، وبقية الثلثين معاملات دنيوية وكيفية الأخذ منها والرّد بالقسط. انظر إلى أجزاء الزرقاني مثلا على المختصر الثمانية فإن أحكام
(1/17)

العبادة منها لا يزيد على جزءين وبقية الأجزاء الستة أحكام المعاملات الدنيوية. بل قال بعض الكتاب: إنّ في القرآن الكريم من آيات العلوم الكونية ما يزيد على سبعمائة وخمسين آية، أما علم الفقه فلا تزيد آياته، الصريحة عن مائة وخمسين آية اهـ. وفي حديث أخرجه ابن عساكر عن أنس قال الحافظ السيوطي في الحاوي: صحيح من وجوه:
«ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ الآخرة ولا تكونوا كلّا على الناس» .
وقد أخرجه ابن عساكر عن عمر بن قيس قال: كان عبد الله بن الزبير إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين أنظر ترجمة ابن الزبير في تاريخ الخلفاء [للسيوطي] .
وفي حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رزق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وأقام الصلاة وآتى الزكاة مات والله عنه راض» أخرجه «ابن عبد البر في جامع العلم.
وقال ابن عمر: لو كان عندي أحد ذهبا أعلم عدده وأخرج زكاته ما كرهت ذلك وما خشيت [أن] يضرني. وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه ويصل رحمه ويكف به وجهه.
وأخرج الديلمي عن جابر رفعه: «نعم العون على تقوى الله المال» . وقال عمر بن الخطاب: من أراد أن يسأل عن المال فليأتنا فإن الله جعلني خزانا. وقال صلى الله عليه وسلم لسيدنا سعد [ابن أبي وقاص] كما في الصحيح لما أراد أن يتصدق بأكثر ماله: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» «1» .
وقال لكعب بن مالك حيث استشاره في الخروج عن ماله كله: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» «2» . وقال قيس بن عاصم [المنقري التميمي] حين حضرته الوفاة لبنيه:
يا بني عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. وللصحابي الجليل سيدنا النمر بن تولب العكلي في الحث على الكسب ومدح المال والزجر عن القعود عن التكسب وذم الفقر:
خاطر بنفسك كي تصيب رغيبة ... إن القعود مع النساء قبيح
فالمال فيه عزة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وفضوح
أنشدهما له الحافظ ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس.
__________
(1) رواه مسلم في كتاب الوصية ج 2 ص 1251. وأحمد ج 1 ص 168 بمعناه.
(2) رواه البخاري كتاب الزكاة وباب 18 ص 117/ 2. ورواه مسلم في كتاب التوبة ج 3 ص 2227.
(1/18)

وقال الثوري مرة لما عاتبه في تقليب الدنانير: لولا هذه لتمندل بنا بنو العباس «1» .
وقال أيضا: لأن أخلف عدة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن احتاج إلى الناس. وجاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن.
وقال سفيان بن عيينة: من كان له مال فليصلحه. ذكر هذه الآثار عنهم الحافظ السخاوي في جواب له في الباب. وفيه أيضا عن أبي الدرداء: من فقه الرجل استصلاحه معيشته. وأورد الزمخشري في الكشاف عند قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النساء: 5] شيئا من هذا. وكيفما كان الحال؛ فإن ذلك مما يدل ولا إشكال على اهتمام الشريعة الإسلامية بنظام حياتك، وإرشادك إلى استثمار ينابيع الثروة، وأساليب المعيشة الهنيئة. ذلك النظام الذي سنّه لك الإسلام؛ وهو مادة نظام العالم المتمدن اليوم، إن لم يكن جميعه فمعظمه. وأنت أيها المسلم ساه لاه.
وفي «الروض الأنف» أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوى وخاطبه في الإسلام وشرائعه أجابه المنذر بقوله: قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله انظر ص 356 من الجزء الثاني. وفيه أيضا أن الجلندى لما قدم عليه عمرو بن العاص قال له: انظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة.
لهذا وشبهه عنّ لنا أن تكون عنايتنا في التدوين بالتراتيب الإدارية، والحرف والصنائع والمتاجر وأنواع العلوم والمشخصات التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية النبوية، حتى يعلم الناس من أبناء ملتنا وعشق التاريخ من غيرهم، أن النبي العربي قد مدّن الشعوب، ورقّى الأمم بما أسس لهم من مباني العمران وسنّ من أنظمة التقدم وأنه يمر بك كثيرا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بهذا الرقي والعمران بما أنزل الله عليه من آي ذلك وأساليبه. ولكن غفلوا عن ذكر كيفية تمشية ذلك النظام في ذلك الزمان، وحراس تلك التمشية، الذين كانوا يسهلون على الشعب العمل باداب ذلك وأساليبه، ويسهرون على تمسك الأفراد بها.
وقد يقال: إنك أسأت الأدب وقرعت أبواب العطن بذكرك في سمرك هذا المصطفى صلى الله عليه وسلم نظاميا ملكا وأصحابه قوادا وولاة.
قلت: هذا من ضيق العطن ورمي الفطن وإلا فالبشر كلهم بشر ولكن فيهم الصالح والطالح في بشريتهم، والكامل والأكمل والنبيه والأنبه، والرذيل والأرذل. فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدهم لا كالقواد، وأميرهم لا كالأمراء لمكانهم من القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولسماعهم الوحي الطري والعلم الصحيح، كما أن المصطفى صلى الله عليه وسلم بشر لا كالبشر، وملك لا
__________
(1) ربما الصواب هو: قال عبد الله بن المبارك للثوري.
(1/19)

كالملوك، وقد قال فيلسوف الإسلام الغزالي في الإحياء: «ومن خصائصه عليه السلام أنه جمع له بين النبوة والسلطنة» اهـ وإلى كلامه هذا أشار الحافظ الأسيوطي في أنموذج اللبيب حيث قال: وجمع له بين النبوة والسلطنة، ولم تجمع لنبي قبله «1» . عد هذا الغزالي رحمه الله في الأحياء. ولما تكلم الإمام السهيلي في الروض على قول أبي سفيان للعباس لما حبسه في محتبس الوادي يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. ورد عليه العباس بقوله إنها النبوة قال: فنعم إذا. ذكر عن القاضي أبي بكر بن العربي إنما أنكر العباس ذكر ذلك الملك مجردا من النبوة، مع أنه كان في أول دخوله في الإسلام، وإلا فجائز أن يسمّى مثله ملكا وإن كان لنبي فقد قال تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ [ص: 20] وقال سليمان عليه السلام وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: 35] .
غير أن الكراهة أظهر في تسمية حال نبينا صلى الله عليه وسلم ملكا، لما في الحديث أنه خيّر بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فأشار إليه أن تواضع فقال: بل نبيا عبدا «2» .
قلت: كلام ابن العربي هذا وجدته في الأحكام: ص 199 من الجزء الأول. ولا شك أن ما نحن فيه ليس مما ينكر ولا ينكره أحد وقد قال الشهاب الخفاجي على حديث أبي مسعود البدري أن رجلا قام بين يديه عليه السلام فأرعد من الفرق فقال: هون عليك فإني لست بملك «3» ما نصه: يعني لست من الملوك الجبابرة حتى تخاف مني لأن جبريل جاءه من الله وخيّره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا فاختار أن يكون نبيا عبدا ولم يرض بوصفه بالملك وكذا الخلفاء الأربعة. وأول من ملك في الإسلام معاوية فلا وجه لقول بعضهم هنا: إن هذا لا ينافي أنه ظهر ملكه وإن كان ملكه نبوة فإنه لم يرد إلا نفي أنّه ملك كسائر الملوك عند المخاطب.
وقال الخفاجي أيضا على حديث ابن أبي هالة الذي فيه عليه السلام كان يقول:
أبلغوني حاحة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدميه يوم القيامة «4» . قيل يريد إن أبلغ سلطانا حاجة جوزي بهذا، فكيف بمن يبلغه صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو أجل من أن يكون ملكا أو سلطانا وقد قال: لست بملك.
__________
(1) إذا كانت السلطنة تعني القدرة والملك فقد جمعت لسيدنا داود وابنه سليمان، مصححه.
(2) روى الإمام أحمد حديثا عن أبي هريرة أوله: جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك. أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: بل عبدا رسولا ج 2/ 231 والإسلامي: 304/ 2.
(3) روى ابن ماجه ج 2 ص 1101 حديثا عن أبي مسعود البدري أوله: هوّن عليك فإن لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد.
(4) ذكره في التيسير وعزاه للطبراني وأبي الشيخ عن أبي الدرداء وقال: فيه من لا يعرف.
(1/20)

قلت: فيه نظر؛ لأن المراد بالسلطان هنا الإمام الأعظم خليفة الله، وقد أطلق الفقهاء ذلك عليه كما بيناه. وفي حكمه بالسلطنة والفتيا والقضاء المذكور في القواعد للسبكي كما سيأتي اهـ منه.
وقال الإمام فخر المالكية، أبو العباس القرافي في الفروق في الفرق السادس والثلاثين، بين قاعدة تصرفه صلى الله عليه وسلم بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة: إعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم، فهو صلى الله عليه وسلم إمام الأيمة وقاضي القضاة وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوّضها الله إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولّى منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والفتوى إجماعا.
ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من تغلب عليه رتبته ومنهم من تغلب عليه أخرى، ثم تصرفاته عليه السلام بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة.
اهـ كلامه الجليل فقف عليه ص 346. من الجزء الأول.
وقد عدّ القاضي عياض في الشفا من أسمائه صلى الله عليه وسلم السلطان. قال الشهاب الخفاجي في شرحها: وله معان منها البرهان والملك والنبوة والغلبة، ويعم إرادة كل منها هنا وسمّي صلى الله عليه وسلم بهذا في كتاب شعيب وبعض الكتب القديمة اهـ وفي همزية البوصيري في حق الصحابة:
وبأصحابك الذين هم بع ... ك فينا الهداة والأوصياء
أحسنوا بعدك الخلافة في الد ... ين وكل لما تولى إزاء
أغنياء نزاهة فقراء ... علماء أيمة أمراء
أرخصوا في الدنا نفوس ملوك ... حاربوها أشلاءها أشلاء
قال الشمس ابن عبد الرحمن في شرحه على قوله: أمراء تولوا الإمارة وأمور المسلمين، في حياته وبعد وفاته عليه السلام. وقاموا فيها بحق الله كما يجب وينبغي، فهو على أقوم موازين العدل وأحقها.
وقال الحافظ في الفتح على حديث الصحيح «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ما لا فسلطه على هلكته في الحق وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» «1» . في الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقوي على إعمال الحق، ووجد له أعوانا لما فيه الأمر بالمعروف ونصر المظلوم، وأداء الحق لمستحقه، وكف يد الظالم، والإصلاح
__________
(1) هو الحافظ العراقي في شرحه لصحيح الإمام البخاري المشهور واسمه فتح الباري والحديث في كتاب الزكاة ج 2 ص 112 من حديث ابن مسعود.
(1/21)

بين الناس، وكل ذلك من القربات، ولذلك تولاه الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، ومن ثم اتفقوا على أنه من فروض الكفاية، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
وقال الحافظ أيضا على باب ما يكره من الحرص على الإمارة؛ هو في حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم، كما تضافرت به الأخبار اهـ.
وفي المواهب كان قيس بن سعد بن عبادة بين يديه صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة، قال الزرقاني في شرح المواهب بضم المعجمة والراء وقد تفتح الراء: الواحد شرطي أو بمنزلة كبيرهم، وهم أعوان الولاة، سمّوا بذلك لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند، قيل: لأنهم نخبة الجند، وشرطة كل شيء: خياره. وقيل: لأن لهم علامات يعرفون بها، وهذا الحديث كله رواه الطبراني، وروى القطعة الأخيرة منه البخاري عن أنس قال: «إن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير» «1» .
وقال الإمام أبو الحسن السندي المدني في حواشيه على مسند أحمد: الشرط جمع شرطة وشرطي، وهم أعوان السلطان لتتبع أحوال الناس وحفظهم، ولإقامة الحدود.
وقيل: هم أول الجيش ممن يتقدم بين يدي الأمير، لتنفيذ أوامره. وقيل: هم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم اهـ.
ويرحم الله الإمام أبا الحسن الخزاعي حيث قال في كتابه الآتي ذكره: وذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها من الصحابة ليعلم ذلك من يليها الآن، فيشكر الله على أن استعمله في عمل شرعي، كان يتولاه البعض من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقامه مقامه ويجتهد في إقامة الحق فيه مما يوجب الشرع ويقتضيه، فيكون قد أحيا سنة وأحرز حسنة» .
وأصله ما ذكره أبو موسى المديني وأبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء ثم ابن الأثير في أسد الغابة وابن حجر في الإصابة في ترجمة أميمة والدة أبي هريرة رضي الله عنه ويقال:
إسمها ميمونة: عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله (يوليه) فأبى أن يعمل له، فقال له أتكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ قال: من ذاك؟ قال: يوسف بن يعقوب. قال: يوسف: نبي بن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة. انظر ص 21 من جزء النساء من الإصابة.
وفي رحلة الأديب الكاتب أبي محمد الشرقي بن محمد الإسحاقي الحجازية على قوله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: 74] قال بعض العلماء: يؤخذ من هذه الآية؛ أنه يجوز للإنسان أن يطلب المراتب العلية في الدين، كالولاية والعلم مثلا والتقدم فيه اهـ.
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الأحكام ج 8 ص 108.
(1/22)

بل قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه العجيب المسمى الأكليل على استنباط التنزيل على قول يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55] استدل بها على جواز طلب الولاية كالقضاء ونحوه لمن وثق من نفسه القيام بحقوقه وجواز التولية عن الكافر والظالم اهـ وقال ابن عطية في تفسيره: «وطلب يوسف للعمل إنما هو لرغبته أن يقع العدل. ونحو هذا دخول أبي بكر في الخلافة، مع نهيه الحثيث من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين. الحديث «1» فجائز للفاضل أن يعمل ويطلب العمل إذا رأى أن لا عوض عنه» .
وقد نص الحافظ ابن حجر في عدة مواضع من الإصابة أن الخلفاء الراشدين كانوا لا يؤثرون بالولايات غير الصحابة.
ورأيت في طبقات ابن سعد لما ترجم للحنظل ابن الحصين البارقي الأزدي عنه قال:
سمعت عمر بن الخطاب يقول: قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب؛ إذا ساس أمرهم من لم يصحب الرسول، ولم يعالج أمر الجاهلية انظر 6/ 88.
وأورد ابن أبي شيبة في مصنفه أنهم كانوا في الفتوحات لا يؤمرون غير الصحابة.
ولما كان لكل شيء مادة، فمادة كتابتنا هذه من الوجهة الحديثية الكتب الستة التي هي معصم الإسلام وساعده، وشروحها خصوصا فتح الباري، لسيد الحفاظ ابن حجر وعمدة القاري للبدر العيني. والتنقيح للبدر الزركشي. وتوشيح الحافظ السيوطي.
واختصاره والمصابيح للبدر الدماميني. وبهجة النفوس للعارف ابن أبي جمرة. وإرشاد الساري للشهاب القسطلاني. وحاشيتي ابن غازي. ورفيقه الإمام الجامع أبي العباس أحمد زرّوق دفين مصراته (في ليبيا) وتشنيف المسامع للعارف الفاسي. وتعليق حفيد أخيه أبي زيد الفاسي. وحواشي أبي عبد الله ابن زكري. وتلميذ تلميذه أبي عبد الله محمد التاودي ابن سودة. وشرح أبي زيد المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة. ونفحة المسك الداري شرح نظم مقدمة فتح الباري لأبي الفيض حمدون ابن الحاج. والفجر الساطع على الصحيح الجامع لشيخنا أبي عبد الله محمد الفضيل الإدريسي الزرهوني. وشروح مسلم للنووي وعياض والأبي وابن المشاط والسنوسي والسيوطي وحواشي السيوطي على الكتب الستة خصوصا قوت المغتذي على جامع الترمذي وعون الودود على سنن أبي داود لأبي الحسنات محمد بن عبد الله الفنجابي الهندي والتعليق المحمود على سنن أبي داود للشيخ فخر الحسن الكنكوهي الهندي وإنجاح الحاجة على سنن ابن ماجه لشيخ كثير من شيوخنا محدث المدينة المنورة الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي المدني، والحطة في ذكر الصحاح الستة للأمير الطيب الذكر السيد صديق حسن خان البوهبالي الهندي والموطأ لإمام دار الهجرة وشروحها خصوصا المنتقى للإمام أبي الوليد الباجي والقبس على موطأ مالك بن
__________
(1) حديث أبي ذر: «يا أبا ذر لا تولّينّ مال يتيم ولا تأمرّنّ على اثنين» . رواه أحمد ج 5 ص 180.
(1/23)

أنس للإمام أبي بكر بن العربي المعافري وحاشية السيوطي وموطأ محمد بن الحسن بحاشيتهما لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي ومسند أحمد بن حنبل وحاشيته لمحدث المدينة أبي الحسن السندي ومسند أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومسند الخليفة عمر بن عبد العزيز تخريج أبي بكر محمد بن محمد الباغندي وهو مطبوع بالهند وإن يكن طابعه لم يذكر جامعه وهو عجيب، والأدب المفرد للبخاري والعلل للإمام أبي محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم الحنظلي ومجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي والجامع الكبير للحافظ الأسيوطي والجامع الصغير وشروحه كفتح القدير والتيسير كلاهما للمناوي والعزيزي وحواشيه للشمسين العقلي والحفني وكنز العمال لابن الهندي ومختصره منتخب كنز العمال ونصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ جمال الدين الزيلعي الحنفي واختصارها للحافظ ابن حجر وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ ابن حجر أيضا ومشكاة المصابيح وشرحها للشيخ علي بن سلطان المعروف بالقاري الحنفي المسمى بالمفاتيح على المصابيح ومنتقى الأخبار للشيخ مجد الدين بن تيمية وشرحه نيل الأوطار للقاضي محمد بن علي الشوكاني الصنعاني وشرح حديث أم زرع لفخر المغرب القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله ورضي عنه والمقاصد الحسنة للحافظ السخاوي وعروس الأفراح في معنى حديث الأرواح للشمس محمد بن أحمد بن عقيلة المكي وشرح الأربعين النووية للشهاب بن حجر الهيتمي والبرهان للشبرخيتي ومشكل الحديث لأبي محمد ابن قتيبة وتوجيه النظر لصاحبنا الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي والفتاوي الحديثية لابن حجر الهيثمي وكتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن الطلاع القرطبي والدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع للحافظ أبي العلاء العراقي الحسيني الفاسي وبلوغ السول في أقضية الرسول للأمير صديق حسن خان البوهبالي وكشف الغمة للعارف أبي محمد عبد الوهاب الشعراني المصري الشافعي ونبراس العقول الذكية في شرح الأربعين حديثا النبوية للشمس محمد بن مصطفى الكرماني الحنفي والمعتصر من المختصر تلخيص القاضي أبي المحاسن يوسف بن موسى الحنفي من اختصار الباجي لمشكل الآثار للطحاوي وشرح مسند أبي حنيفة رواية الحصكفي لأبي الحسن علي القاري المعروف بابن سلطان المكي والذهب الإبريز على المعجم الوجيز للشيخ أبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الحنفي الطرابلسي الشامي.
ومن كتب السيرة النبوية شمائل الترمذي وشروحها لابن حجر والمناوي وحاشية السيوطي وسيرة ابن إسحاق التي هي أول سيرة ألفت في الإسلام وتهذيبها لابن هشام وشرح غريبها لأبي ذر الخشني وشرحها لأبي القاسم السهيلي الضرير دفين مراكش وسيرة الحافظ أبي عمر بن عبد البر المسماة بالدرر في المغازي والسير وقد نقل عنها الحافظ ابن حجر في مواضع من الإصابة بواسطة، فكأنها لم تكن بيده إذ ذاك والاكتفاء لأبي الربيع الكلاعي والشفا وشروحها خصوصا علي القاري المعروف بابن سلطان ونسيم الرياض
(1/24)

للشهاب الخفاجي واختصاره لابن عبد السلام بناني والحريشي والمنهل الأصفا على الشفا أيضا لابن التلمساني والدرر المنظم في مولد النبي المعظم للحافظ أبي القاسم العزفي السبتي وهو أكبر مولد رأيناه أو سمعنا به وبهجة المحافل للعاملي وحاشيتها لابن الأشخر اليمني وسيرة ابن سيد الناس وحاشيتها نور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي وميرة الشريف الطبري وألفية الحافظ زين الدين العراقي وشرحها للمناوي والشيخ الطيب ابن كيران والمواهب اللدنية للشهاب القسطلاني وهو كتاب جامع مسبوك تداولته الأيدي وخدمه الناس. ومن الغريب أنا نجد نصفه مأخوذا من فتح الباري بعزو وغيره، كما نبّه على ذلك شارحه الزرقاني ص 19 من الجزء الأول، كما قال قبل ذلك: إن المصنف اقتبس من الشفا في غالب التقاسيم والأبواب، حتى إنه اقتفى أثره في صدر الخطبة فقال: المنفرد مع ما فيه من النزاع منشدا بلسان حال:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
وشرحها للشمس محمد بن عبد الباقي الزرقاني وحاشيتها لشيخه النور علي الشبرملسي الشافعي المصري والهدي النبوي لابن القيم والسيرة الحلبية لنور الدين علي بن برهان الدين الحلبي المصري والشامية لخاتمة الحفاظ محمد بن يوسف الشامي، وهي أجمع السير وأوسعها مادة وأكثرها مجلدات وهي عندي بحمد الله وسيرة ابن فارس اللغوي وشرحها للقاضي المحدث أبي علي ابن أبي القاسم ابن باديس القسمطيني المسمى فوائد الدرر وفرائد الفكر في شرح مختصر السير وهو في مجلد ضخم واسع البحث غزير المادة والمقالات السنية في مدح خير البرية للعلامة عثمان بن علي، وهي سيرة منظومة فيها تسعة عشر ألف بيت من أعجب ما ألف في الإسلام، وأبدع ما نظم نفاخر بها نظم الإلياذة والدرة السنية في المعالم السنية للقاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى بن أصبغ الأزدي المعروف بابن المناصف القرطبي وهي نظم عجيب نحو سبعة آلاف بيت من الرجز ومنحة واهب الهبات البهية والصلات الفاخرة في مدحة صاحب الآيات السنية والمعجزات الباهرة وهي همزية جيدة في نحو خمسة آلاف بيت من البلاغة والغرابة بمكان وفتح المتعال في مدح النعال لأبي العباس المقري واختصاره وأنموذج اللبيب في خصائص الحبيب للسيوطي وشرحه للشمس محمد بن عمر الروضي المالكي الأزهري وخصائص القطب الخيري وهو الكتاب الذي صرح الخفاجي في مواضع من شرح الشفا أنه لم يصنف مثله وسمط الجوهر الفاخر في مفاخر سيد الأوائل والأواخر لأبي عيسى المهدي بن أحمد الفاسي والمولد الكبير للشهاب الحلواني ووفاء الوفاء للسيد السمهودي وخلاصة الوفا له أيضا وتاريخ المسجد النبوي للسيد جعفر البرزنجي وتحفة المحبين والأحباب فيما للمدنيين من الأنساب لأبي زيد عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري المدني وهو من الكتب النادرة في المدينة المنورة ونجوم المهتدين في دلائل نبوة سيد المرسلين للشيخ أبي المحاسن يوسف النبهاني البيروتي الشامي والهمزية لشرف الدين البوصيري وشروحها للشمس الجوجري والشهاب ابن حجر
(1/25)

الهيثمي والشمس الحفني وأبي عبد الله محمد زنيبر السلوي وأبي عبد الله محمد بن أحمد الحضيكي السوسي وأبي محمد عبد القادر السجلماسي قاضي مكناس وأبي عبد الله محمد بنيس الفاسي وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الصومعي التادلي والشيخ سليمان الجمل المصري وأبي العباس الصاوي المصري وغيرهم من شروحها وشرح البردة لأبي العباس الجادري.
ومن كتب تراجم الصحابة كتاب الطبقات الكبرى للإمام ابن سعد طبعت في ثمان مجلدات بأوروبا، ولعلها أول كتاب ألف في طبقات الصحابة في الإسلام. وكل من ألف فيهم بعده إنما على أثره نسج. ثم الاستيعاب للحافظ أبي عمر بن عبد البر واختصاره المسمى أنوار أولي الألباب في اختصار الاستيعاب وأسد الغابة لابن الأثير والإصابة لسيد الحفاظ ابن حجر وهي أوسع المواد لأنها البحر الزاخر الذي يجد به كل باحث قصده في سائر الأبواب من الأوائل والأواخر. واختصارها لأبي زيد عبد الرحمن بن محدث فاس والمغرب أبي العلاء العراقي الحسيني والتجريد للحافظ الذهبي ودر السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة للأسيوطي والرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة لأبي زكريا يحيى العامري صاحب البهجة وظل الغمامة وطوق الحمامة في مناقب من خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكرامة للإمام مفخرة وقته ذي الوزارتين أبي عبد الله محمد الغافقي الأندلسي المقول فيه: لم يطلق اسم كاتب بالأندلس على رجل مثله والاستبصار في أنساب الأنصار للإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي المقدسي وسيرة عمر بن الخطاب للحافظ ابن الجوزي وأسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن أبي طالب للحافظ ابن الجزري وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري شيخ الحرم وحافظ الحجاز وجواهر العقدين في فضل الشرفين شرف العلم والنسب للإمام مؤرخ المدينة المنورة نور الدين علي السمهودي الشافعي المدني الشامي.
ومن كتب التاريخ والأدب والأنساب تاريخ الإسلام لحافظ الإسلام أبي القاسم بن عساكر والعبر لولي الدين ابن خالدون الحضرمي ومقدمته وجمهرة الحافظ أبي محمد بن حزم الأندلسي والفهرست أبي الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق النديم الشيعي وصبح الأعشى في صناعة الإنشا للشهاب أحمد القلقشندي وهو من أعظم ما ألف في التاريخ الإسلامي ومدنيته وآداب لغته وطبعه من أبدع حسنات هذا العصر والمعارف لابن قتيبة ووفيات الأعيان للقاضي ابن خلكان وتاريخ الخلفاء ولب الألباب في الأنساب وطبقات اللغويين والنحاة وآكام العقيان في الخصيان وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة وتدريب الراوي في شرح تقريب النووي ورسالة الزجر في الهجر والمسارعة إلى المصارعة والأجر الجزل في الغزل التسعة «1» للحافظ الأسيوطي والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة وسمط اللآلي في بيان ما اشتمل عليه كتاب الشفا من الرجال للشيخ قويسم التونسي في أحد
__________
(1) وجدت في كتاب هدية العارفين اسم كتاب للسيوطي وعنوانه: أجر الجزل في العزل. ص 535/ 5.
(1/26)

عشر مجلدا عندي منه أربع مجلدات وطالعت غيرها وهو من الكتب الجامعة النادرة الوجود والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لموفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي الحنبلي وكتاب أخبار الدول وآثار الأول لأبي العباس أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي الشهير بالقرماني «1» وخطط مصر للمقريزي وعلي مبارك باشا وكتاب أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة لصديقنا الكاتب المعتبر رفيق بك العظم الدمشقي نزيل مصر وشرح بديعية البيان للحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي في طبقات الحفاظ المسمى التبيان وطبقات الشافعية الكبرى للقاضي تاج الدين السبكي الشافعي والأنساب لابن السمعاني ونكت الهميان في أخبار العميان للصلاح الصفدي ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب لصاحب صبح الأعشى والديباج المذهب لابن فرحون وذيليه لأبي العباس السوداني النيل والكفاية وطبقات الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الحضيكي السوسي وطبقات الحنفية للعلامة بن قطلوبغا الحنفي وروض القرطاس لابن أبي زرع والتعريف بالمصطلح الشريف لابن فضل الله العمري وهو مادة القلقشندي في صبحه ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله المذكور أيضا والأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلي وتكملة الحافظ ابن الأبار الأندلسي وغيره لصلة ابن بشكوال وروضة النسرين في دلوة بني مرين لأبي الوليد إسماعيل بن الأمير يوسف المعروف بابن الأحمر ومستودع العلامة لابن الأحمر أيضا وتذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي وتاريخ الإسلام له والتعريف بالرجال المذكورين في مختصر ابن الحاجب الفرعي لمحمد بن عبد السلام بن إسحاق الأموي المالكي وتاريخ الدولتين الموحدية والحفصية لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم اللؤلؤي الزركشي والاعلاق النفيسة لأبي علي أحمد بن عمر بن رسته وذيل بشائر الإيمان في فتوحات آل عثمان لرئيس ديوان الإنشاء في الدولة التونسية الشيخ المؤرخ حسين خوجه الحنفي التونسي ونفح الطيب وأزهار الرياض في أخبار عياض كلاهما للمقري وجذوة الاقتباس لأبي العباس ابن القاضي ودرة الحجال ولقط الفرائد كلاهما له أيضا والخبر المعرب للشيخ أبي راس المعسكري وري الظما فيمن قال الشعر من الإما للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي والتلقيح وتلبيس إبليس له أيضا وسلك الدرر في أهل القرن الثاني عشر للشمس محمد خليل المرادي الدمشقي وثمار القلوب في المضاف والمنسوب لأبي منصور الثعالبي وهو من أبدع كتبه وإرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد للشمس محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري الأكفاني ومفتاح السعادة ومصباح السيادة لأحمد بن مصطفى (طاشكبري زاده) والأزهار الطيبة النشر في بعض مبادىء العلوم العشر للقاضي أبي الفتح محمد الطالب ابن الشيخ أبي الفيض حمدون بن الحاج السلمي الفاسي والاستقصاء لفخر سلا أبي العباس
__________
(1) طبع مؤخرا في بيروت في دار الكتب العلمية.
(1/27)

الناصري السلاوي وخلاصة تاريخ العرب للمؤرخ الفرنسوي الشهير سيديو والتحفة القادرية لأبي محمد عبد السلام بن الخياط القادري الفاسي والأشراف على من بفاس من مشاهير الأشراف للقاضي أبي الفتح ابن الحاج وتحفة الأكابر في مناقب الشيخ عبد القادر لأبي زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي والدر النفيس فيمن بفاس من أبناء محمد ابن إدريس لأبي محمد الوليد بن العربي العراقي الفاسي وسلوة الأنفاس فيمن أقبر من العلماء والصالحين بمدينة فاس لابن خالنا أبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني الفاسي وكشف الظنون للمنلا كاتب چلبي ورحلة الإمام الحافظ أبي القاسم التجيبي ورحلة أبي محمد عبد الله التجاني وماء الموائد رحلة الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد أعياش وورحلة الإسحاقي الحجازية ورحلة خاتمة الحفاظ بالمغرب الأقصى أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي ورحلة الشيخ أبي راس المعسكري حافظ المغرب الأوسط وفواتح الأنس في الرحلة إلى القدس للشيخ مصطفى أسعد اللقيمي والترجمانة الكبرى اسم رحلة الكاتب أبي القاسم الزياني الفاسي وروضة البسام في الرحلة إلى بلاد الشام لمحمد بن عبد الجواد القاياتي المصري ورحلة الحبشة لصادق باشا المؤيد العظم وتلخيص الإبريز للشيخ رفاعة الطهطاوي المصري والرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر لحافظ الشام الشمس محمد بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبي المحاسن المطبوع بليدن سنة 1851 م وتاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان وانتقاده نبش الهذيان من تاريخ جرجي زيدان وجوابه وأوائل السيوطي والدر النفيس لجدنا من قبل الأم أحمد بن عبد الحي الحلبي والدرر المرصعة في صلحاء درعة لأبي عبد الله محمد المكي بن موسى بن محمد الناصري والأنيس المطرب فيمن لقيته من أدباء المغرب لأبي عبد الله محمد بن الطيب العلمي دفين مصر والرد المتين على منتقص الشيخ محي الدين للشيخ عبد الغني النابلسي وتاريخ الدولة الحسنية العلوية لأبي العباس ابن الحاج وتاريخ بيوتات فاس لأبي زيد الفاسي ورياض الورد فيما انتمى إلى هذا الجوهر الفرد للقاضي ابن الحاج والجيش العرمرم الخماسي لأبي عبد الله أكنسوس السوسي المراكشي والبحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل الأواخر لمحمود فهمي المصري وهو في عدة مجلدات ورسالة النقود الإسلامية للتقي المقريزي.
ومن كتب التفسير والفقه والأصول والتصوف واللغة والسياسة والطب والحكمة أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد بن علي الجصاص الحنفي البغدادي وهو من أول من ألف في أحكام القرآن من أهل القرن الرابع والقاضي أبي بكر بن العربي المعافري المالكي وتفسير ابن عطية والقرطبي والكشاف للزمخشري وتفسير ابن عرفة التونسي وتفسير المولى أبي السعود الحنفي والدر المنثور للحافظ السيوطي والإتقان في علوم القرآن له أيضا والإكليل في استنباط التنزيل له أيضا وتفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المسمى مراح لبيد والمحاذي؟ للأستاذ المقري أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسي.
(1/28)

ومن كتب الفقه المالكي المدونة والرسالة لابن أبي زيد وشروحها لأبي يحيى التازي وابن ناجي وزروق الأجهوري وجسوس وغيرهم والكافي لأبي عمر بن عبد البر والبيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد والقوانين لأبي القاسم ابن جزي وشرح أبي العباس القباب على قواعد عياض والمعيار المعرب للحافظ الونشريسي وشرح أبي عبد الله المواق الغرناطي والحطاب المكي على المختصر والزرقاني والشبرخيتي عليه أيضا وأبي علي ابن رحال المعداني وحاشية الرهوني والشيخ الأمير المالكي المصري عليه وحاشية الأمير المذكور أيضا على شرحه لمجموعه وحاشية الشمس الدسوقي على شرح الدردير على المختصر أيضا وتنبيه الغافل للتفجروتي وألغاز ابن فرحون وشرح المنظومة التلمسانية في الفرائض للإمام أبي يوسف يعقوب بن موسى بن يعقوب بن عبد الله الستاني وهو من أشياخ بعض مشائخ ابن غازي والتبصرة لابن فرحون وشرح أبي عبد الله محمد بن الطيب القادري على المرشد المعين وتحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغير المناكر للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم العقباني التلمساني وسراج الملوك لأبي الوليد الطرطوشي والمصباح الوهاج المغني عن سراج الداج لأبي عبد الله محمد التهامي بن محمد المدعو شهبون اليالصوتي الشفشاوني وفتح الوهاب على هداية الطلّاب للشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي وفتاوى شيخ بعض شيوخنا العلّامة الصالح أبي عبد الله محمد بن أحمد عليش المالكي والتيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد المجليدي قاضي فاس الجديد وشرح جامع خليل للشيخ التاودي بن سودة الفاسي وشرح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي السوسي على نظمه في الذريعة وحاشية فقيه الشام ومفتيه شيخ بعض شيوخنا الشمس محمد بن عابدين الحنفي على الدر المختار شرح تنوير الأبصار وهو أجمع كتاب ألفه المتأخرون في الفقه الحنفي والدر المختار شرح تنوير الأبصار المذكور وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين بن مسعود الكاساني وهو كتاب عظيم ليس له نظير في كتب الحنفية والحديقة الندية في شرح الطريقة المحمدية للعلامة الأستاذ الكبير الشيخ عبد الغني بن الشيخ إسماعيل النابلسي الحنفي الدمشقي والوسيلة الأحمدية والوزيعة السرمدية في شرح الطريقة المحمدية للحاج رحب بن أحمد التركي والبريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية للشيخ أبي سعيد الخادمي الحنفي ونهاية الأحكام فيما للنية من الأحكام لصديقنا السيد أحمد الحسيني الشافعي المصري وكشاف القناع على متن الإقناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي من كبار كتب الفقه الحنبلي وفتاوى الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي الفقهية وفتاوى الشهاب أحمد الرملي الشافعي المصري والمواقف للعضد وشرحها للسيد [الشريف الجرجاني] وقوت القلوب لأبي طالب المكي والإحياء للغزالي وتخريج أحاديثها للحافظ العراقي وشرحها لفخر المتأخرين وعلم المحدثين المسند السيد مرتضى الزبيدي دفين مصر ومختصر كتاب المومل في الرد على الأمر الأول للحافظ أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الشافعي
(1/29)

والقواصم والعواصم للإمام أبي بكر بن العربي المعافري دفين فاس والابتهاج في شرح المنهاج للإمام تقي الدين السبكي الأنصاري الشافعي وشرح الحافظ السيوطي على نظمه جمع الجوامع المسمى بالكوكب الساطع ونسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار لشيخ بعض شيوخنا مفتي دمشق ونحريرها الشمس محمد بن أحمد بن عابدين الحنفي الدمشقي وفواتح الرحموت على مسلم الثبوت للعلّامة عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري الهندي وشرح جمع الجوامع لأبي العباس أحمد حلولو القيرواني المسمى بالضياء اللامع ومتنه وشرحه للجلال المحلي وحاشيته لأبي علي العطار المصري والمدخل لأبي عبد الله بن الحاج العبدري والفروق للإمام أبي العباس القرافي وسنن المهتدين للمواق والعلم الشامخ في إيثار الحق على الأباء والمشايخ للنظار الشيخ صالح المقبلي اليمني وبدائع السلك في ترتيب الملك للقاضي أبي عبد الله بن الأزرق الغرناطي وأدب الدنيا والدين للماوردي والإنالة العلمية في طريقة الفقراء المتجردين من الصوفية للأستاذ العالم أبي عثمان سعيد بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي والأجوبة المهمة لمن له بأمر دينه همة لعالم صحراء افريقية الشيخ المختار بن أبي بكر الكنتي صاحب الطريقة المشهورة به وكتاب الآداب الشرعية الكبرى للإمام أبي محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي وهو من أوسع المؤلفات في آداب الإسلام اشتمل على مجلدين ضخمين ومنظومة الإمام محمد بن عبد القوى المرداوي الحنبلي وشرحها غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب لمحدث الشام وعالمه في القرن الثاني عشر أبي عبد الله محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي وهو أيضا في مجلدين ما أوسع إطلاعه وأندر إتقانه بالنسبة لمعاصريه وبلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام للعلامة أبي عبد الله محمد بن مسعود الطرنباطي الفاسي وسعود المطالع والفواكه الجنوية والقصر المبني على حواشي المغني ثلاثتها للنحرير الشيخ عبد الهادي الإبياري المصري والشرح الجلي على بيتي الموصلي للشهاب أحمد البربير البيروتي وهداية الضال من القيل والقال وهو شرح ابن عمنا المؤرخ المدرس الأديب أبي محمد المأمون بن عمر الكتاني الحسني على بيتي ابن فارس اللغوي:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... رسولا وأنت بها مغرم
والمواهب الفتحية في علوم اللغة العربية للشيخ حمزة فتح الله المصري وكناشة أبي العباس أحمد بن عاشر الحافي السلاوي وشرح خطبة المختصر لأبي العباس الهلالي السلجماسي وشرح الحافظ السخاوي على ألفية العراقي في الاصطلاح واليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر للشيخ عبد الرؤوف المناوي المصري ومقدمة تاريخ شهاب الدين المرجاني الغازاني المسمى وفيات الأسلاف وتحية الأخلاف وهي مقدمة نفيسة أراد أن يضاهي بها مقدمة ابن خالدون لتاريخه ومقدمة تاريخ الوزير جودت باشا التركي وآكام النفائس في آداب الأذكار بلسان فارس لسمّينا أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي الهندي ومشارق الأنوار للقاضي عياض ونهاية ابن الأثير ومجمع بحار الأنوار للشيخ محمد طاهر
(1/30)

الفتني وتهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي وشرح الشواهد الكبرى لمحمود العيني المصري والمطالع النصرية في الأصول الخطية لأبي الوفاء نصر الهوريني المصري وروضة الاعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام لآخر قضاة الأندلس أبي عبد الله محمد بن علي بن الأزرق المتوفى على قضاء بيت المقدس وهو كتاب عظيم قال عنه المقري في نفح الطيب لم يؤلف في فنه مثله اهـ والقاموس وحاشيته للإمام محمد بن الطيب الشركي الفاسي وشرح خطبته المسمى فتح القدوس للإمام أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي وشرحه تاج العروس لخاتمة الحفاظ أبي الفيض الزبيدي المصري والمصباح والصحاح ومفاتيح العلوم لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي وإتحاف ذوي الاستحقاق ببعض مراد المرادي وزوائد أبي إسحاق اسم حاشية ابن غازي على ألفية ابن مالك والنوافح العالية في المدائح السليمانية لأبي الفيض حمدون بن الحاج المرداسي والرد على ابن المطهر الحلي للحافظ ابن تيمية الحنبلي الدمشقي والصارم المسلول على شاتم الرسول له أيضا والطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم وكتاب البركة في فضل السعي والحركة لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحبشي اليمني وشرح الشيخ أبي سالم العياشي المسمى إرشاد المتسبب على نظمه لبيوع ابن جماعة التونسي المسمى معونة المكتسب وبغية التاجر والمحتسب والوافي في المسألة الشرقية ومتعلقاتها لأمين إبراهيم شميل المطبوع سنة 1296 لم أقف منه إلا على المجلد الأول وهو في 485 صحيفة وفهرس العلّامة المحدث المسند أبي العباس أحمد بن قاسم البوني التميمي ومعجم الحافظ السيد مرتضى الزبيدي الحسيني شارح الاحياء وفهرسة الحافظ أبي بكر بن خير الأموي والفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة للإمام أبي زيد عبد الرحمن التمنارتي وصلة الخلف بموصول السلف لابن سليمان الرداني دفين دمشق الشام وفهرس الشيخ عبد الباقي الحنبلي الدمشقي المسمى رياض أهل الجنة في آثار أهل السنة، والمنح الباذية في الأسانيد العالية لأبي عبد الله محمد الصغير الفاسي وحصر الشارد في أسانيد محمد عابد لشيخ بعض شيوخنا محدث الحجاز الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري المدني وإفراد ذوي الاستعداد إلى معالي الرواية والإسناد للشيخ أبي محمد عبد القادر ابن أحمد الكوهن الفاسي وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المدايني وتثقيف اللسان وتلقيح الجنان لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي قاضي تونس من الكتب النادرة حتى إن صاحب كشف الظنون والبلغة لم يذكراه وتسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار للقس هنري لا بسنس اليسوعي وكناشة المؤرخ النسابة الرحالة أبي عبد الله محمد بن الخياط بن إبراهيم الفاسي وكناشة أبي الفضل عباس بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السجلماسي الفاسي والامتاع بأحكام السماع لكمال الدين أبي الفضل جعفر ابن ثعلب الأدفوي الشافعي والنفس اليماني والروح الروحاني في إجازة القضاة الثلاثة بني الشوكاني لمفتي زبيد ومسندها السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل رحمه الله وفتح المنة في التلبيس بالسنة للشعراني وطبقاته
(1/31)

الكبرى والمنن وتنبيه المغترين له وتحديد الأسنّة في الذبّ عن السنة لشيخنا وولي نعمتنا الأستاذ الوالد الشيخ أبي المكارم عبد الكبير بن محمد الكتاني الحسني والتوفيق من الرب القريب في عدد شيبه وفي خضاب النبي الحبيب له أيضا ومناهج الأخلاق السنية في مباهج الأخلاق السنية للعلّامة الشيخ عبد القادر الفاكهي المكّي وعين العلم اختصار الاحياء للشمس محمد بن عثمان البلخي وشرحه للمنلا علي القاري المعروف بابن سلطان المكي الحنفي وضياء النهار المجلي لقائح الأبصار لأبي القاسم بن خجو الحساني أمير فاس وتشييد المكانة لمن حفظ الأمانة للعلّامة العارف أبي المعارف مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي الحنفي الدمشقي والوابل الصيب في الكلم الطيب للحافظ ابن القيم الزرعي الدمشقي وبدائع الفرائد له أيضا وحجة الكرام في محجة أهل الإسلام والمحاضرات والقانون كلاهما للعلامة النظار أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي ومناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية للشيخ رفاعة الطهطاوي المصري وبذل الكرامة لقراء المقامة لصاحبنا الشمس محمد بن عبد الرحمن البوسعادي الجزائري ومقدمة أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك تأليف الوزير خير الدين باشا التونسي والدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف بن أبي الحسن الكومي الفاسي والتاج للإمام أبي عثمان بن بحر الجاحظ في أخلاق الملوك وآدابهم وهو كتاب لا ينبغي أن يختلف في نسبته للجاحظ لأن بيدي منه أوراقا بخط قديم في رق غليظ يغلب على ظني أنها كتبت في حياة الجاحظ نفسه أو بعده بقريب عنوانها الجزء الثامن من كتاب التاج تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ للفتح بن خاقان مولى أمير المؤمنين اهـ باللفظ. ولو ظفر بهذه الأوراق منه الأستاذ أحمد زكي باشا المصري طابعه لطرب وزال عنه كل شك وريب وربما اختلج في ظني أن العنوان المنقول نصه هنا هو مكتوب بخط الفتح بن خاقان نفسه والبيان والتبيين ورسالة في مدح التجار وذم عمل السلطان كلاهما للجاحظ أيضا وحسن الصناعة في علم الزراعة وغير ذلك من الرسائل والمصنفات.
ومن أعظم ما اعتمدته وسايرته كتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية وإن كنت لم أقف عليه كاملا ولكن على ترتيب ما وقفت عليه منه اعتمدت وعليه أضعاف أضعاف فصوله وأصوله ونقوله زدت واستدركت مع تمييز الزيادات عليه غالبا برسم حرف الزاي قبلها، أو قلت كما فعل ابن حجر في الإصابة فيما زاده على الذين دونوا قبله فيما دون فيه، وجعلت خطوطا بالمداد الأسود (شرطات) على كلامه ليظهر كلامه من زياداتي فكلما رأيت التأشير متصلا بالمداد الأسود من فوق فهو كلام الخزاعي، وابتداء كلامي من رسم حرف الزاي ثم قلت وإن رسمت الزاي وبعدها قلت قبل الترجمة فاعلم أنها وما فيها من استدراكاتي، وإن رسمت الزاي وبعدها قلت بعد كتب الترجمة فاعلم أن
(1/32)

الترجمة للخزاعي والزيادة والاستدراك كلها من زياداتي «1» .
وقد عملت على الكتابة في هذا الموضوع بلسان يناسب روح العصر وقلم يرمي إلى ترجيح مهيع الاختصار، والاقتصار على الأرجح، والأفيد من غير خروج عن الموضوع.
وقد كنت فيما مضى وانقضى شديد التطلب لهذا الكتاب تخريج الدلالات العظيم الشأن الذي اهتم به مؤلفه بما لم يهتم به أحد قبله ولا بعده فيما نعلم، وهو تدوين المدنية الإسلامية على عهد تأسيسها الأول، جازما أن صاحبه ألهم الخوض في مشروع يستلفت الأنظار، ويستوجب مزيد الشكر وأن يبقى له به أعظم تذكار، ومع ذلك أجد أن طول الزمن أخنى على مؤلفه ومؤلّفه فدفنا معا في زوايا النسيان، وألقي عليهما الإهمال بكلكله في أودية النكران، فبقيت في تشوق وتلهف للكتاب المذكور، أوالي عنه البحث والتفتيش من أقصى وادي نون إلى بلاد العريش، حتى ظفرت به في مكتبة تونس الزاهرة لما رحلت إليها سنة 1339 هـ[حوالي 1920] فأخرجته من مكتبتها بقصد الانتساخ.
وممن ساعدني على استعارته، بهجة تلك الحاضرة الذي هو فيها الشامة النادرة، الشيخ محمد طاهر عاشور قاضيها لهذا العهد، وقد عجبت أكبر إعجاب لوجود ذلك الكنز، في تلك الحاضرة الزاهرة، التي يتردد إليها كثير من أهل العلم، من أهل بلدنا ومن غيرهم ولم يحيه أحد باستنساخه وجلبه، فضلا عن نشره وطبعه. ولكن بكل أسف لم يوجد اسم المؤلف على ظهر النسخة التونسية ولا في برنامجها. ومع كوني طالما تأبطت به هنا وهناك، وأطلت الحديث عليه باحتباك، ذاكرا من ترجمه وعرف به، فلم أجد قط من يصغي إلى شيء من ذلك أو به يهتبل وينتبه، ومع كوني في هيامي به وحيدا، وسمري به وسهري فريدا، بقيت مهتما به أي اهتمام، قياما بواجب حق مؤلفه الذي خدم الإسلام، وبموضوعه الذي هو حاجتنا اليوم القصوى، ودفع ما به عمّت الأمم الإسلامية البلوى، فأقمت عليه بعد وصوله ليدي بفاس أياما وليالي، أميز أبوابه من فصوله، وأشير على رؤوس الكلام وأصوله، وأصحح ما غلط فيه ناسخه، الذي وجدته لم يعتبره ولا عرف له قيمة، ولا فهم أنه يكون مني ومن عشاق الآثار الإسلامية من أكبر الكتب القيّمة.
وقد كنت طالما طالعته وسامرته، وصاحبته معي في أسفاري وفي كل موطن منها أحضرته، أجد أنه لو نسج على منواله، واعتني بالزيادة عليه والاستدراك طبق آماله، لكان الموضوع قابلا للزيادة عند من يعتني بالإفادة والإجادة، خصوصا وقد انتشرت الكتب اليوم في الأرض طولها والعرض، وعمّ منها المشرق والمغرب ما كانت يد الظنة به قبل تغرب،
__________
(1) في هده الصبعة تم الاكتفاء بأن جعل كلام الخزاعي بي هلالين «» بخط أسود أوضح من سائر الكلام، وبقية الكتاب هو من كلام المؤلف رحمه الله بالخط العادي وذلك نظرا لكون كتاب التخريج قد طبع كاملا محققا من قبل الأستاذ الكبير إحسان عباس ولاختلاف أساليب الطباعة في زماننا عن الأيام. مصححة.
(1/33)

خصوصا حين نهضة الأمم الإسلامية الأخيرة، وما جادت به المطابع وما سهلته مخترعات العصر من أدوات الانتقال والرحلة بما أصبحت به يسيرة، بعد أن كانت شاقة كثيرة، وآمادها وأيامها كبيرة، فانتهزت فرصة من فرص الزمان الذي كان بها قبل بخل وضنّ، وجمعت هذه الرسالة التي استغرقت فيها أربعة أشهر أو أزيد، وطالعت عليها جل مكتبتي التي فيها والحمد لله ما هو أجمع وأفيد، فجاءت في الجمع أكبر آية والغاية القصوى التي يتطلبها أهل البادية والنهاية، أتيت فيها على جميع النافع من كتاب التخريج، وزدت عليه ما هو أمتع وأنفع من الزهر الأريج، مقدما قبل نجواي ما سبق وآتيا بمقدمتين الأولى في التعريف بكتاب التخريج ومؤلفه، وذكر اصطلاحه ومقصده وغايته ومادته، لخلو أكثر الدواوين من التعريف به، وجهل جملة أهل العصر به، لولا أفراد استرقوا السمع مني، ثم أدلوا بما سمعوا هنالك مظهرين أنهم استغنوا عني في ذلك، وإلا فهم بين قن وخادم لولا أنا ما ذهبوا ولا جاؤوا، ولبقوا في خمول أصحاب الماثم على أن من تطور على غير شكله فإنما شهد بخساسة أصله، ومن لبس حلية غيره مولول بأنه متشبع بما لم يعطه سيان في فرضه أو نفله.
الثانية: في ذكر برنامج [فهرس المطالب] الكتابين لتظهر خدمة السابقين واللاحقين للفئتين فأقول والله المستعان.
اسم مؤلف كتاب التخريج ونسبه وبلده
مؤلفه أبو الحسن علي بن ذي الوزارتين محمد بن أحمد بن موسى بن مسعود بن موسى بن أبي غفرة الخزاعي. ترجمه ابن القاضي في درة الحجال التي ذيل بها تاريخ ابن خلكان وكتابه الآخر جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الاعلام بمدينة فاس، فأما الدرة فقال فيها: علي بن مسعود الخزاعي التلمساني ولم يزد على ذلك في نسبه شيئا. وفي الجذوة قال: علي بن ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي التلمساني المولد، الفاسي الوفاة، الأندلسي الأدب والسلف، وقد بحثت عن اسم والده ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي وترجمته في كثير من المصنفات، فلم أوفق للعثور عليها إلى الآن، ثم وجدت تحليته في ترجمة ابنه أبي الحسن من كتاب مستودع العلامة لابن الأحمر فوصفه:
بذي الوزارتين القائد الفقيه الكاتب، صاحب الأشغال السلطانية محمد بن الفقيه القاضي موسى بن مسعود الخزاعي، قال: جمع أبوه بين الخطتين السيف والقلم، وكان رسوخ قدمه في الفروسية والعلم أثبت من علم، وكان من آبائه بالأندلس جملة قضاة وأرباب تحصيل العلوم، وحلل مرتضاة وعبر البحر منهم للعدوة [شاطىء المغرب] فاستقر بتلمسان، فقلد بها الوزارة والقيادة والكتابة، إذ نجم منه الإحسان. والخزاعي كما في لب اللباب في تحرير الأنساب للحافظ الأسيوطي نسبة إلي خزاعة قبيلة من الأزد اهـ. وفي القاموس: خزاعة حي من الأزد، سمّوا بذلك لأنهم تخزعوا من قومهم، وأقاموا بمكة اهـ.
(1/34)

وفي الصحاح: لأن الأزد لما خرجت من مكة لتتفرق في البلاد تخلفت عنهم خزاعة، وأقامت بها. وفي العبر: كانت مواطنهم بمكة ومرّ الظهران وما بينهما اهـ.
مولده ومشيخته:
ولد كما في فهرسة أبي زكريا السراج سنة عشر وسبعمائة وأخذ كما فيها عن الخطيب الراوية المكثر أبي عبد الله بن أحمد بن مرزوق التلمساني وأجاز له، وعن المحدث قاضي الجماعة بالجزيرة أبي البركات محمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم البلفيقي.
قلت: وكأني به كان قليل الرواية أو إنما روى واستجاز في كبره، لأن وفاته قريبة من وفاة شيخيه المذكورين، فأما الخطيب بن مرزوق فقال عنه ابن فرحون في الديباج: توفي بعد الثمانين وسبعمائة. وفي العبر أنه توفي سنة 781 وأما أبو البركات ابن الحاج فتوفي كما في فهرسة أبي عبد الله الحضرمي سنة 771 وعجيب أن يكون حافظ لا يذكر من مشيخته إلا من مات قبله بنحو عشر سنوات أوهم من أقرانه في السن، فإذا علمت مولد الخزاعي ومولد هؤلاء ظهر لك قرب ما بينهم.
ذكر ما حليّ به:
حلّاه [وصفه] تلميذه الإمام الصوفي محدث فاس وراويتها أبو زكريا يحيى بن أحمد بن محمد السراج الحميري الفاسي المتوفى بفاس سنة 805 في فهرسته بالشيخ الجليل الحافظ اللغوي التاريخي المصنف الناظم التاثر ثم قال: كان شيخا جليلا فاضلا لغويا شاعرا مجيدا مقدما في التاريخ كثير الصدقة والإيثار، لم يكن في زمانه من يضاهيه فيها، فذا في طريقته اهـ ووصفه ابن الأحمر في كتابه مستودع العلامة بالفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى، ثم قال عنه: تلقى راية الفخر باليمين، وهو واسطة عقد المفاخر الثمين، من أعلام كتاب العذوتين [أي الضفتين ضفة الأندلس وضفة المغرب] ومعرفته بالحساب تستغرق العقول، إذ أربت عن حد الحصر والمنقول، وأما اللغة فمسلكه في سبلها أسكت ابن السكيت، وبكّت فهمه المدرك في حفظها أي تبكيت، والعربية هو على رياستها العلمية، وقد برز في إجادتها الإدراكية العلمية، ولم يكن في معرفة الفقه بالمقصر كما نظر عن إنسان عين الحديث المبصر، وكفه بإرسال المواهب لم تكن جانحة إلى التقصير، ولا قيل لطول جودها جدعت أنف الفضائل عن بخل يا قصير «1» اهـ كلام ابن الأحمر واقتصر أبو العباس ابن القاضي في الجذوة على تحليته بالفقيه الكاتب ولم يزد عليها، وكذلك فعل في الدرة إلا أنه زاد في حقه الأديب.
ذكر شيء من شعره:
قال ابن القاضي في الجذوة وهو القائل لما كبا بموسى أبي عنان المريني فرسه بالشماعين.
__________
(1) قصير هو وزير الزبّاء ملكة تدمر وقد جدع أنفه ليحتال بذلك على جذيمة الأبرش.
(1/35)

مولاي لا ذنب للشقراء إن عثرت ... ومن يلمها لعمري فهو ظالمها
وهالها ما اعتراها من مهابتكم ... من أجل ذلك لم تثبت قوائمها
ولم تزل عادة الفرسان مذ ركبوا ... تكبو الجياد ولم تنبو عزائمها
وفي النبي رسول الله إسوتنا ... أعلى النبيئين مقدارا وخاتمها
كبا به فرس أبقى بسقطته ... في جنبه خدشة تبدو مراسمها
حتى لصلى صلاة جالسا ثبتت ... لنا بها سنة لاحت معالمها
صلى عليه الإله دائما أبدا ... أزكى صلاة تحييها نواسمها
وقال في القصة الولي أبو عبد الله محمد بن عباد الرندي الحميري:
إن الجواد ما كبا ... إلا لما فيه نبا
ذاك قبول ما به ... أمامنا تقربا
وقد خمسها أبو الوليد ابن الأحمر فقال:
قل للذي ما نكبا ... عما أتى وارتكبا
وفي اعتراض أوكبا ... إن الجواد ما كبا
إلا لما به نبا
لا تجز عن لنا به ... قد خر في منابه
إذ التقى سما به ... ذاك قبول ما به
إمامنا تقربا
موسى بصافي ذهنه ... ونبله ودهنه
وقد أودى به ردى ... رهبته في يومه «1»
وقال فيه أبو سرحان مسعود بن محمد بن أبي الطلّاق:
إن الجواد ما كبا ... إلا لفتح قربا
فإنه صلى ومن ... صلى ينال الأربا
وإنما صلاته ... صلاة نصر وجبا
اهـ ما في الجذوة.
ثم وجدت القصة عند الإمام الجادري في شرح البردة عند قول البوصيري:
«من لي بردّ جماح من غوايتها»
قائلا ما نصه: وقد كبت فرس شقراء بالسلطان أمير المؤمنين موسى بن أمير المؤمنين أبي عنان المريني إثر صلاة الجمعة، فقال في ذلك الكاتب ابن الحسن علي بن محمد
__________
(1) كذا في الأصل.
(1/36)

المسعودي: مولاي لا ذنب الخ وانشد الأبيات الستة حاذفا البيت الثالث عند ابن القاضي وهو: ولم تزل عادة الفرسان الخ ... وعنده في البيت الخامس: كبا به فرس أبدى بسقطته وعند ابن القاضي أبقى وفي البيت الأخير عند الجادري صلى الإله عليه ثم ذكر أبيات ابن عباد وابن الطلاق.
ووجدت في مجموعة عندي بخط المؤرخ النسابة الرحالة أبي العباس أحمد بن محمد الخياط بن إبراهيم الفاسي صاحب سلسلة الذهب المنقود في ذكر الاعلام من الأسلاف والجدود سياق هذه القصة قائلا: يحكى أن السلطان موسى المريني أخا أبي عنان لما سقط عن فرسه بالشماعين استحى من الناس كثيرا، لما وقع به وكان هذا بعد خروجه من صلاة الجمعة بالقرويين، خلف الولي الصالح أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن عباد الرندي المتوفى سنة 792. فأزال عنه الخجل كاتبه أبو السعود فقال: مولاي لا تلم الشقراء إن عثرت الخ فساق الأبيات إلا بعض كلمات كالشطر الأول فإنه عند ابن القاضي: مولاي لا ذنب للشقراء الخ وبخط ابن إبراهيم مولاي لا تلم الشقراء وبخطه أيضا في الشطر الثاني من البيت ثبت وأبدل تنبو بدل تكبو وفي الشطر الأخير من البيت السادس لنا بها سنة تحيي معالمها وفي الشطر الأخير تحيه بدل تحييها. وأثر الأبيات المذكورة أيضا بخط ابن إبراهيم أيضا: وأزال عنه الخجل الشيخ ابن عباد رضي الله عنه فقال: إن الجواد ما كبا فساقها إلا أنه ساقها أبياتا ثلاثا والثالث عنده
في يومه فليهنه ... أجر ونصر وجبا
وكذا وجدت القصة على الوجه المذكور والسياق الأخير المسطور في كناشة العدل الجمّاع المقيد أبي محمد عباس بن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السجلماسي الفاسي وكلاهما وصف موسى بأخ أبي عنان، وهو غلط فإن موسى ابنه كما تقدم وهو الصواب. فانظر كيف نسبا أبيات: مولاي لا ذنب للشقراء لأبي السعود كاتب السلطان موسى، فإما أن يكون الخزاعي كان يلقب بأبي السعود وإما أنهما أرادا غيره والله أعلم.
ثم وجدت في مستودع العلامة لابن الأحمر لما ترجم للكاتب صاحب القلم الأعلى محمد بن الحاجب الكاتب أبي الفضل محمد التميمي صاحب السلطان أبي فارس المريني تخميس أبيات ابن عباد في القصة انظرها فيه.
كما وقع في تونس أن أميرها مصطفى باي لما هوى به فرسه إلى الأرض، فانسلّ بسبب ذلك حسامه وانجرح فقال في القصة الشيخ أحمد زروق الكافي:
تحمي علوّ مكانك الأقدار ... وتعز في الآخرى وهذي الدار
إلى أن قال:
ما خان راكبه الجواد ولا ونى ... به عن سبيل القصد منه عثار
(1/37)

لكن عرته لهيبة لك خشية ... لم يستقر بها لديه قرار
فهوى إلى وجه الصعيد بوجهه ... ولواه عما قد نراه خرار
وأحاله عن حال طبعه «1» عارض ... للرعب منك عراه منه نفار
انظر الكشكول في محاسن الغول للأديب الكاتب المؤرخ أبي عبد الله محمد السنوسي التونسي صاحب مسامرة الظريف.
ووقفت في كتاب المراسلات للأمراء والوزراء والسلاطين لأبي علي الحسن بن زيد الأنصاري الذي عندي نسخة منه بخط الشهاب القسطلاني، فرغ منها سنة 879 هـ على صورة مكاتب التهنئة بالسلامة من السقوط عن الفرس، وهي أربعة: واحد للسلطان، وآخر مثله، وكتاب آخر من معناه إلى السلطان أو ولده، وكتاب من معناه إلى الخليفة فقف عليه.
ورأيت في بعض المجاميع لبعض وزراء الدولة السعدية ما قاله في يوم السبت من 14 جمادى 2 عام 1037 لما تكسر رمح السلطان مولاي أحمد بن مولاي زيدان حين ركب للميز:
تطاول الرمح على ... سيف الأمير وافتخر
تاه بطول قده ... وبالقوام المعتبر
والسيف من أوصافه ... فيه اعوجاج وقصر
قال له السيف اقتصر ... أنت قضيب من شجر
وليس للرمح سوى ... طعن ببعد إن قدر
وهو لا يصحب من ... كان مقيما مستقر
والسيف في يوم الوغى ... للضرب والطعن ابتدر
وصاحب ملازم ... في حضر أو في سفر
وفعله قال لنا ... ليس العيان كالخبر
فثبت الفضل إلى ... سيف على رمح ظهر
والرمح خر ساجدا ... من أجل ذلك انكسر
والله يبقي نصركم ... ما لاح نجم أو قمر
وكتب بطرة القصة المذكورة قصة موسى المريني وما قيل فيها كما سبق عن الجادري.
ذكر الرواة عنه وسندنا المتصل به
لم أقف على من روى عنه الآن دون أبي زكريا السراج فإنه قال: سمعت من لفظه بعض تاليفه المسمى تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من
__________
(1) الوزن مضطرب وإصلاحه: وأحاله عن حال طبع عارض.
(1/38)

الحرف والصنائع والعمالات الشرعية وناولني جمعه وأجازني إجازة عامة اهـ.
واتصالنا بجميع ما يصح لأبي زكريا السراج روايته خصوصا ما تضمنته فهرسته المذكورة من طرق:
منها روايتنا عن محدث المدينة المنورة العالم اللغوي الأديب المسند المعمر الرحالة أبي اليسر فالح بن محمد الظاهري المهنوي المدني المتوفى سنة 1328 فيما أجاز فيه مكاتبة ثم شفاها بها سنة 1324 عن خاتمة المحدثين أبي عبد الله محمد بن علي السنوسي، دفين واد الجغابيب عن قاضي مكة عبد الحفيط بن درويش العجيمي المكي.
(ح) وأخبرني أعلى بدرجة مسند الديار الهندية، نور الحسنين بن محمد حيدر الأيوبي الأنصاري الحيدر آباد، فيما كتب به إلي من حيدر آباد الدكن إجازة عامة، عن شيخ والده القاضي عبد الحفيظ المذكور، عن خاتمة الحفاظ أبي الفيض مرتضى الزبيدي الحسيني (ح) ومنها روايتي عن المعمرين الكنزين المدّخرين أبي محمد عبد الله بن درويش الركابي السكري، ومحمد سعيد الحبال، شفاها من كل منهما بدمشق، عن مسند الديار الشامية عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، الدمشقي.
(ح) ومساو له عن أبي العباس أحمد بن سالم النهطيهي المصري الشافعي عن مسند الديار المصرية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف البهي الطندتائي.
(ح) وأعلى منه بدرجة روايتنا عن العلّامة المعمر، أحمد بن صالح السويدي البغدادي، فيما كتب به إلي من مكة لما حج سنة 1321.
قال العجيمي والبهي والكزبري والسويدي أخبرنا خاتمة الحفاظ أبو الفيض محمد مرتضى الزبيدي الحسيني المصري إجازة خاصة للثلاثة الأولين وإجازة عامة لجد الرابع وذريته قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الطيب الشركي الفاسي، عن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي التمكروتي، عن أبيه عن أبي عبد الله محمد المصمودي، عن مفتي فاس أبي زكريا يحيى السراج، عن أبي الحسن علي بن محمد بن هارون الفاسي.
(ح) وأنا عاليا مسند الإسكندرية أبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح البنا الحنفي الإسكندري، شفاها بها سنة 1323 عن أبيه، عن مسند المدينة السيد زين العابدين جمل الليل المدني.
(ح) وأخبرنا أيضا الشيخ خضر بن عثمان الرضوي الحيدر آباد كتابة، من حيدر آباد قال: أنبأنا شهاب الدين العمري القندهاري قال: أنا رفيع الدين القندهاري كلاهما عن محمد بن محمد بن عبد الله المغربي المدني، أنا مسند الحجاز عبد الله بن سالم البصري المكي، عن أبي مهدي عيسى بن محمد الثعالبي المكي، عن سعيد بن محمد قدورة الجزائري، عن سعيد بن محمد المقري، أنا سفيان العاصمي السفياني قال: هو وابن هارون
(1/39)

أنبأنا أبو عبد الله بن غازي، عن الشيخ المبارك أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن يحيى النفزي الحميري الشهير بالسراج الفاسي، عن أبيه أبي القاسم محمد عن جده الحافظ الراوية المكثر الصوفي الأكمل أبي زكريا السراج عن أبي الحسن الخزاعي رحمه الله.
بلده ووفاته ومدفنه
في الدرة ولقط الفرائد كلاهما لابن القاضي أنه توفي سنة 789 هـ. وقال تلميذه أبو زكريا السراج: «وتوفي بعد صلاة العصر من يوم الأحد الخامس من ذي القعدة سنة 789 ودفن من غده يوم الاثنين» .
فمدفنه على هذا بفاس وقد سبق قول صاحب الجذوة فيه: «التلمساني المولد الفاسي الوفاة الأندلسي الأب والسلف» اهـ أما في الدرة فلم يزد فيها على وصفه بالتلمساني. فإذا ضممنا وصف الجذوة له بالفاسي الوفاة إلى قول السراج ودفن من غد وفاته نقطع بأنه فاسي المدفن.
والعنوان الذي جعله لكتابه.
تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية. ينمّ عن بلده ومسقط رأسه ومحل تربيته، فإن استعمال جملة الدلالات مع وصفها بالسمعية، وجعلها عنوانا لكتاب لا يصدر غالبا إلا ممن قصر نفسه على علم الكلام، أو زاوله مزاولة طويلة. وهذا الشأن كان في التلمسانيين؛ حتى نقل أبو العباس المقري في «أزهار الرياض» عن بعض المتأخرين من كلام له في صناعة التأليف: نجد أثر العلوم النظرية بتلمسان اهـ.
وحيث جزمنا بأنه فاسي المدفن فبكل أسف لا يعرف مضجعه الأبدي على التعيين، والظاهر أنه بمطرح الأجلة خارج باب الفتوح بفاس، فقد قال الإمام المقري في ترجمة الإمام ابن رشيد الفهري، من أزهار الرياض لما ذكر أنه دفن خارج باب الفتوح، بالروضة المباركة المعروفة بمطرح الجلة، حيث تدفن العلماء والصلحاء، الواردون على فاس من الغرباء.
والعجب من أبي زكريا السراج تلميذ الخزاعي، كيف لم يذكر بلده لا أولا ولا أخيرا، ولا مدفنه ولا المحل الذي اجتمع فيه عليه. فإذا لا نعجب من إهمال ابن أبي مريم ترجمته في البستان في علماء تلمسان مع أنه تلمساني الدار، ولا إهمال ابن خالنا «1» لترجمته في سلوة الأنفاس، مع أنه فاسي المدفن، ولا إهمال أبي إسحاق ابن فرحون لذكره في الديباج وقد عاش ابن فرحون بعده بمدة، ولا أبي العباس السوداني لترجمته في نيل
__________
(1) هو السيد الجليل العلامة المحدث السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله جد الأسرة الكتانية الحسنية بدمشق.
(1/40)

الابتهاج وكفاية المحتاج كلاهما ذيله على الديباج، ولا إهمال البدر القرافي لترجمته في التوشيح اسم ذيله على الديباج أيضا، مع أنه مالكي، ولا إهمال أبي العباس ابن عجيبة لذكره في طبقات المالكية بل، ولا إهمال الحافظ ابن حجر له حين ترجم لمن مات سنة 789 من الأعيان في كتابه أنباء الغمر بحوادث العمر بالأحرى، ولا إهمال أبي العباس ابن قنفذ القسمطيني لذكره في وفياته مع دخوله في مدته لتلمسان وفاس، وذكره لأقرانه، ولا إهمال صاحب كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون، ومن ذيله لذكر كتابه من جملة الكتب في حرف التاء، ولا إهمال شيخ بعض شيوخنا، محدث الحجاز الشيخ محمد عابد الأنصاري السندي لذكر كتابه هذا في حرف التاء من حصر الشارد من أسانيد محمد عابد، ولا إهمال نادرة المغرب أبي عبد الله محمد بن سليمان الرداني في حرف التاء من ثبته صلة الخلف بموصول السلف مع إطالته لذكر مصنفات المشارقة والمغاربة في هذا الحرف، ولا إهمال القاضي المحدث الأثري، محمد بن علي الشوكاني لذكره في حرف التاء من كتابه إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر. وكذا في حرف الميم، حين ذكر أسماء المؤلفين تحت عنوان مصنفات كما فعل عصريه وتلميذه صاحب حصر الشارد، ولا إهمال الحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي لذكره في منظومته بديعية البيان وشرحها التبيان وهي من أنفس كتب الرجال واجمعها، ولا إهمال الحافظ ابن حجر لذكره في ذيله عليه، ولا إهمال الحافظ الأسيوطي لذكره في طبقات الحفاظ الذي جمع فيه ما للذهبي وابن حجر وابن ناصر، وزاد عليهم من وصف أبي زكريا السراج للخزاعي كما سبق؛ بالحافظ، ولا إغفال أبي العباس المقري في أزهار الرياض في أخبار عياض، وكذا في نفح الطيب وفي فتح المتعال فإنه لم يجر له ذكر فيها مع اعتنائه باستطراد أخبار التلمسانيين، وولوعه بالنقل عنهم والكمال لله وحده.
نسخ كتاب التخريج الموجودة في المكاتب ومن نقل منه
كنت وجدت بخط مجيزنا العلّامة قاضي مكناس، أبي العباس أحمد بن الطالب بن سودة، في كناشة له النص على وجود نسخة من كتاب التخريج بخزانة الأحباس، بمكناسة الزيتون، ولكن لم نجدها فيها بعد البحث المتكرر المتوالي في عدة سنوات ووجدت اسمه أيضا في برنامج المكتبة المخزنية بفاس الجديد، الذي قيد أيام الدولة الحفيظية «1» ، ولا أدري أين هو الان. وأخبرني راحل إلى باريز من قضاة العصر، وقد دخل إلى مكتبتها أنه رأى اسمه في برنامجها [فهرست أسماء الكتب] والنسخة التي ظفرت بها منه هي النسخة التونسية، وهي موجودة بمكتبة جامع الزيتونة تحت رقم 7572 من تحبيس [أوقاف] المشير أحمد باشا بتاريخ 1256 هـ وهي ناقصة مخصوصة من القسم العاشر، ومنها استخرجت
__________
(1) لعل مراده أيام السلطان مولاي عبد الحفيظ وكان سلطانا في بلاد المغرب أوائل القرن الحالي.
(1/41)

هذه النسخة التي بيدي وقد سبق ذكرها، فهذه نسخ خمسة لا أعلم لها في الخزائن التي دخلتها في المشارق والمغارب، بالحجاز ومصر والشام وتونس والجزائر والمغرب الأقصى، أو فيما طالعت برنامجه من الخزائن الآخرى سادسة. أما النقل عنه فلا أحفظ ولا أستحضر الآن ناقلا عنه، أو ذاكرا له من رجال التدوين والجمع من أيمة الحديث ونحوه، في شيء من الكتب التي وقفت عليها، إلا ما علمته أخيرا من أن العالم المتفنن الشيخ رفاعة الطهطاوي المصري، لخصه وأتى على المفيد منه، والمقصود بالذات في كتابه نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز. وهذا الكتاب مطبوع في المطبعة الحجرية بمصر قديما من ص 305 إلى ص 531 منه. ولكن لم يصل الكتاب المذكور إلى بلادنا، ولا رأينا من رآه، وأول من رأيناه ينقل عنه الكاتب السيد محمد ابن الخوجة الجزائري في مقدمته، التي جعلها للقانون الجزائري. وفي زماننا هذا الذي كثر الكلام فيه حول الخلافة وسلطتها ابتدأ العصريون ينقلون عنه بواسطة الطهطاوي المذكور والله أعلم.
أول خطبة كتاب التخريج
قال أبو الحسن الخزاعي صدر ديوانه:
«الحمد لله الذي خلق الخلق من غير افتقار إليهم. وبسط الرزق جودا منه عليهم.
وبعث فيهم رسلا منهم أقاموا لهم على وجوده ووحدانيته أوضح حجة. وحملهم بالإيمان به وامتثال أوامره ونواهيه على أفسح محجة. وخصّنا منهم بأعظمهم قدرا. وأرفعهم ذكرا أولهم في الجلالة. وآخرهم في الرسالة. مسك الختام. ولبنة التمام. سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم. الرؤوف بالمؤمنين الرحيم. فأدى إلينا صلى الله عليه وسلم أمانة ما حمّل. وبلّغ ما عليه أنزل.
وأرشد ونصح. وبيّن وأوضح» الخ.
مقصده من تدوينه
(قال رحمه الله) وبعد: فلما رأيت كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، وليس لديه من أدوات الطالب إلا مداده وقلمه، يحسبون من دفع في كثير من تلك الأعمال، في هذا الأوان مبتدعا لا متبعا، ومتوغلا في خطة دينية ليس عاملا في عمالة سنية، استخرت الله في أن أجمع ما تأدى في علمي من تلك العمالات، في كتاب يوضح نشرها، ويبين للجاهل أمرها، فيعرف الجاهل وينصف المتحامل، فألفت هذا الكتاب، وذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، من الصحابة ونسبه وأخباره، ليعلم ذلك فيشكر الله عزّ وجلّ على أن استعمله في عمل شرعي، كان يتولاه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقامه مقامه ويجتهد في إقامة الحق فيه، مما يوجبه الشرع ويقتضيه، فيكون قد أحيا سنة وأحرز حسنة، وإني لأرجو مما تحملته من التعب في جمع هذا التأليف، حتى أتيت بجميع ما تضمنه من الحرف والصنائع والعمالات النبوية والتشريف، بالنسبة الشرعية، والتنزيه عن الظنة السيئة
(1/42)

الدعية، اقتناء للأجر الجليل عند الله تعالى، بفضله ورحمته في الآخرى، واجتناء الشكر الجميل، وبقاء للأجر الطويل، من أربابها في الدنيا إن شاء الله تعالى.
تاريخ اشتغاله بتدوينه وكلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي
قال رحمه الله: وكنت اشتغلت باقتناص شوارده من مكامنها، والتقاط فوائده من أماكنها أيام عزلتي عن العمل، وعطلتي عن الشغل والفشل، فما زلت أؤلف وأصنف، وأبوب وأرتب، وأصحح وأنقح حتى سطع في رياض الإجادة زهره، ولمع من أفق الإفادة بدره، وذلك في أول سنة 786 فجمعت على فريدته يد الضنين، ومنعت خريدته من لمح العيون الخ.
فصرّح بأنه أكمله سنة 786 فعاش رحمه الله بعد إكماله نحو ثلاث سنين.
ومن وقف مثل موقف أبي الحسن الخزاعي مثلي، يتحقق أنه رحمه الله تعب تعبا شديدا، وشغل فكره أمدا مديدا، ينم عن ذلك كثرة تراجمه وأبوابه، فإن أكثرها يتردد النظر في أي قسم يلحق، ولذلك لا يكون إلا أكثر من التردد والرجوع بعد الجزم، كما يقتضيه حال عظيم التأمل قوي العزم، ولا عجب ولا غرابة فقد قال العماد الكاتب «1» : ما ألف أحد كتابا إلا قال في غده: لو قدمت أو أخرت، وهو ما يدل على عجز عموم البشر والتفرد بالكمال لواهب القوى والقدر. وقال حمّاد الرواية: ما أتم ذو الرمّة قصيدته التي مطلعها:
ما بال عينيك منها الماء ينسكب
حتى آخر حياته.
أقول: ومع ذلك لا يزال كثير من تراجم كتاب الخزاعي يحتمل إدخاله في قسم وكان غيره الآن به أنسب، وللإصابة أقرب. شأن البشر الذي يكثر التردد فيما يأتي وما يذر.
وربما صحبه فيما عزم عليه كبير خور. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82] وبذلك يتحقق الإنسان أن موضوعا كهذا، يتناوله عدة مرجحات وموجبات، وأطراف عديدة لا أصعب من التصنيف فيه والتدوين، وفي مثله قيل: من ألّف فقد استهدف. وقيل من ألّف فقد جعل عقله في طبق وعرضه على الناس.
وأنا أقول: التصنيف في الموضوع البعيد الأطراف، الذي يتناوله الوصف والإشراف، كوة صغيرة يطل منها على مخيلة المصنف وأمد صبره وانتهاء نبله ومقدار اختياره واستقلاله الفكري.
__________
(1) هو العماد الكاتب الأصفهاني أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي الفرج المتوفى بدمشق 597 خدم أولا في العراق ثم الدولة النورية والأيوبية بدمشق. انظر ترجمته في وفيات الأعيان ج 5 ص 147 وكذلك مرآة الزمان والكامل لابن الأثير ج 12، والروضتين ومعجم الأدباء ج 18، ص 11، وطبقات الشافعية للسبكي ج 4 ص 97، والعبر للذهبي ج 4 ص 299.
(1/43)

السلطان الذي قدمه إليه
قال: ولما منّ الله على هذا الصقع المغربي، بقدوم مولانا أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبي فارس موسى بن مولانا أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبي عنان فارس بن موالينا الخلفاء الراشدين، أسود العرين، وملوك بني مرين، أيدهم الله ورضي عنهم، أهديته لمقامه الكريم أسماه الله، جريا على العادة في إتحاف الخادم المملوك لمولاه القادم الخ.
وأبو فارس موسى بن أبي عنان المذكور، هو السلطان الملقب بالمتوكل على الله، بن السلطان أبي عنان. بويع يوم الخميس ثاني ربيع الأول عام 786 وكانت بيعته كما للقاضي ابن السكاك في تأليفه الوسط في آل البيت بفاس الجديد، ثم ارتحل إلى مكناس، فمات مسموما عام 788.
قال ابن خالدون في العبر: في جمادى الآخرة طرقه المرض فهلك ليوم وليلة لثلاث سنين من خلافته، وكان الناس يرمون يعيش وزيره بأنه سمه اهـ منه ص 352 من الجزء السابع.
ووقع في ترجمته من الاستقصا أن موته كان في رمضان وأن مدة دولته نحو سنتين وأربعة أشهر. وترجمه أبو الوليد بن الأحمر في روضة النسرين في دولة بني مرين. وقال:
بويع يوم الخميس الموفى عشرين لشهر ربيع الأول، ومات مسموما يوم الجمعة شهر «1» عام 788 وله إحدى وثلاثون سنة. قال: وكانت دولته سنتين وأربعة أشهر.
والسلطان موسى المذكور هو الذي لما كبا به فرسه بالشماعين بفاس لما قصد الصلاة بجامع القرويين قال في ذلك أبو الحسن الخزاعي وابن عباد وغيرهم كما سبق «وانظر تاريخنا للقرويين» فقد ذكرت فيه ذلك؛ لأن الحادثة وقعت ببابه، والسلطان المذكور هو الذي امتدحه الشاعر المشهور أبو عبد الله بن زمرك بموشح ساقه أبو العباس المقري في أزهار الرياض فأنظره فيه.
خطته في الدولة المرينية
يؤخذ من تحلية [ترجمة] ابن القاضي له أنه كان يكتب لأحد ملوكهم، ممن كان معاصرا له. وقد بحثت في كتّاب وقضاة أبي فارس موسى بن أبي عنان؛ فوجدت أن ابن الأحمر في روضة النسرين تعرض لوزيره وسماه مسعود بن رحون بن قاسي. وتعرض لكتّابة فسمّي محمد بن محمد بن أبي عمر التميمي، وأبا القاسم محمد بن سودة المري. وتعرض لقاضيه فسمّي محمد المغيلي مقتصرا على ذلك. ثم تتبعت من سمّي في هذه الخطط لمن قبل أبي فارس من ملوك بني مرين، فوجدت اسمه في كتاب المستعين بالله إبراهيم بن أبي الحسن المريني المبايع يوم الجمعة منتصف شعبان عام ستين وسبعمائة، المقتول يوم الخميس 21 من
__________
(1) كذا في الأصل بدون تعيين اسم الشهر.
(1/44)

ذي قعدة عام 763 فلما ترجم في روضة النسرين لكتّابه قال: كتابه أبو القاسم بن يوسف بن رضوان، وعلي بن محمد بن مسعود الخزاعي اهـ ثم وجدت ابن الأحمر ترجمه في أعتاب الكتاب فقال عنه: كاتب علامة أمير المسلمين أبي سالم إبراهيم، بن أمير المؤمنين أبي الحسن علي، بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان، بن أمير المؤمنين يعقوب بن عبد الحق المريني ملك المغرب. وكتب في حضرة بني عبد الواد، فكان صدرا لتلك المحافل والنوادي. ثم استقر كاتب الأشغال في حضرة بني مرين، ثم احتوى على الكتابة بذلك العرين، واعترف له بالإصابة في الخطتين أعلام من هناك من العدوّتين.
اصطلاح الخزاعي في كتابه التخريج وصنيعه
قسم كتابه إلى أقسام عشرة، وجعل تحت كل قسم عدة أبواب، تحت غالب الأبواب عدة فصول، وتحت غالب الفصول عدة مسائل. قال هو عن كتابه: «طالعته وضمنته فوائدي في شرح جملة من الألفاظ اللغوية الواردة فيها، وضبطت ما أشكل فيها بالمواضع التي نقلت منها، جميع ما اشتمل عليه من كتب العلماء رحمهم الله، ليقف عليها هنا من تطمح نفسه لذلك، فأبرأ من عهدة النقل وأسلم من تبعة النقد اهـ وقد زيّن له رحمه الله التوسع في المواد اللغوية، وذكر النظير حذاء النظير، كأن كتبها كانت قليلة في زمانه، وتعمّد كثيرا من الاستطرادات والمتشابهات ومهما وقع له ذكر صحابي إلا وبسط ترجمته ونسبه، مقلدا صاحب الاستيعاب، مستوعبا ما عنده في ذلك الصحابي، ثم يفسّر غريب ما وقع في ذكر نسبه وترجمته على طريق الإسهاب. ومع أن موضوع كتابه العمالات والصناعات التي وجدت في زمانه عليه السلام، يأتي بذكر ما حدث بعده على عهد الخلفاء الراشدين.
ومن أمعن النظر في كتاب التخريج وتأمل في مضامنه بجدّ يتحقق أن كثيرا من التخاريج التي ذكرها إما تستند إلى ضعيف الأخبار أو متكلف الاستنتاج. ويظهر بتتبع الكتاب أيضا أن مؤلفه أبا الحسن رحمه الله لم يكن عظيم المزاولة للصناعة الحديثية، فلذلك تراه يصدر الأحاديث غالبا بلفظ روي، وقد يستعمل ذلك ويطلقه حتى في أحاديث الصحيحين، مع أن روي إنما تستعمل في الأحاديث الضعيفة، كما لابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم ونبّه على ذلك المنذري في أول الترغيب والترهيب. كما لاحظت عليه أنه يعزو الحديث لمسلم كثيرا وهو في صحيح البخاري. والقاعدة عندهم أي علماء الحديث أنه لا يقدم أحد على البخاري في العزو، ويعزون الحديث للصحيحين إذا كان فيهما، ولكن يسوقون لفظه لمسلم لشدّة محافظته على الألفاظ النبوية. وإذا تعجلت الطلب للحقيقة فانظر إلى أول حديث صدّر به الخزاعي مطلقا، وذلك أنه لما صرح بأنه قدم كتابه لأمير وقته موسى المريني قال: جريا على العادة في إتحاف الخادم لمولاه القادم، وعملا على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحض على
(1/45)

الهدية والأمر بها وأملا فيما أخبر به وخبره الحق ووعد الصدق من إنشاء المحبة بسببها قال صلى الله عليه وسلم: تهادوا تحابوا وقال صلى الله عليه وسلم: تهادوا تزدادوا حبا ذكره القاضي محمد بن سلامة في كتابه الشهاب، فرضاهم أعزهم الله غاية السول ونهاية المأمول الخ.
وهذا عجيب صدوره من مالكي ومحدث، فأما مالكي فلأن الحديث في الموطأ لإمامه بن أنس: في باب ما جاء في المهاجرة من جامع الموطأ «1» مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» . وأما محدث فلأن البخاريّ خرجه في كتاب الأدب المفرد، وأبو يعلى والنسائي في الكنى وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن عن أبي هريرة وغيره، بلفظ: تهادوا تحابوا تهادوا تذهب الشحناء. وحديث مخرّج في كثير من السنن والمعاجم، كيف يعزوه للقضاعي في الشهاب؟ ويقول ذكره وقد أورده الأسيوطي في الجامع الصغير بلفظ: تهادوا تحابوا وعزاه لأبي يعلى عن أبي هريرة قال المناوي في شرحه الكبير: وظاهر صنيعه أنه لم يره مخرجا لأحد من الستة، وإلا لما عدل عنه وليس كذلك، فقد رواه النسائي في الكنى والبخاريّ في الأدب، قال الزين العراقي: والسند جيد. وقال ابن حجر: حسن. وقد أورده في جمع الجوامع بألفاظ منها: تهادوا تزدادوا حبا وهاجروا تورثوا لأبنائكم مجدا وأقيلوا الكرام عثراتهم، وعزاه للطبراني في الكبير، والعسكري في الأمثال عن عائشة وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر (غلّه وغشه) وعزاه لأحمد في مسنده، والترمذي عن أبي هريرة.
أخرجه الترمذي في كتابه: الولاء والهبة من طريق أبي معشر وقال: غريب، أبو معشر ضعيف. وقال البخاريّ: منكر الحديث. ثم أورد له هذا الخبر. وقال ابن حجر: في إسناده أبو معشر المدني تفرد به وهو ضعيف جدا، وأورده السيوطي أيضا بلفظ: تهادوا فإن الهدية تخرج الضغائن من القلوب، وعزاه للقضاعي أي في مسند الشهاب والخطيب عن عائشة، وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا فإن الهدية تضاعف الحب وتذهب بغوائل الصدر.
وعزاه للطبراني في الكبير وابن الضريس عن سمرة. وفي نسخة أخرى من الجامع عزوه لأبي نعيم في الحلية عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية. وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعة لأرزاقكم في عجيل الخلف وجسيم الثواب يوم القيامة، وعزاه للديلمي عن ابن عباس وأورده في الجامع الصغير أيضا بهذا اللفظ، وعزاه لمن ذكر.
وزاد المناوي عزوه للديلمي في مسند الفردوس. وأورده في الصغير أيضا بلفظ: تهادوا تزدادوا حبا الخ. واقتصر على عزوه لابن عساكر عن عائشة قال المناوي في شرحه الكبير:
قال ابن حجر في إسناده نظر. وقضية صنيع المصنف أن هذا لم يره مخرجا لأحد من الذين
__________
(1) رواه في كتاب حسن الخلق ص 908/ 2.
(1/46)

وضع لهم الرموز، مع أن الطبراني خرّجه عن عائشة قال الهيثمي فيه المثنى أبو حاتم لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات.
سبق عزو السيوطي له للطبراني في الكبير، فاقتصر في الصغير لأجل الاختصار، وأورده في الجامع الصغير بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة، (الحقد في النفس) .
ولو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت، وعزاه للبيهقي في الشعب. قال المناوي: من حديث محمد بن مندة عن بكر بن بكار عن عابد بن شريح عن أنس.
فتحصل أنه ورد عن جماعة من الصحابة عن أبي هريرة وعائشة وسمرة وأم حكيم الخزاعية وابن عباس وأنس مرفوعا، وعن عطاء مرسلا. أخرجه من طريقهم جماعة: مالك وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وابن عساكر في الأمثال، والقضاعي في مسند الشهاب، والخطيب وابن الضريس والديلمي في مسند الشهاب «1» والبيهقي في الشعب، وغيرهم فغافل الخزاعي عن كل هؤلاء المخرجين، واقتصر على قوله: ذكره القضاعي في الشهاب، مع أن الشهاب لا يعزى له، وإنما يعزون لمسنده؛ لأن الأول كتاب بلا إسناد ولكنّ الكمال لله سبحانه.
الأصول التي استمد منها في كتابه ونقل عنها
عقد لهذا القدر الخزاعي بابا من الأبواب الأربعة التي جعلها في القسم العاشر من كتابه، ولكن بكل أسف، لم أقف على هذا القسم في النسخة الوحيدة التي ظفرت بها في تونس «2» وهو باب مفيد جدا، ولكن بتتبعنا للكتاب تكرارا ومرارا علمنا أن جلّ اعتماده في ذكر الحرف والصنائع والعمالات وأصحابها وتراجمهم وأنسابهم على كتاب الاستيعاب لأبي عمر بن عبد البر بحيث لك أن تقول: إن نصف الكتاب مأخوذ منه، وأكثر من ثلثي ما بوّب وترجم مقام منه ومن ذيله لابن فتحون فهما هجيّراه وأبوا مثواه «3» ، وباقي ما فيه مفرق.
فما فيه من التفسير مأخوذ من أحكام القرآن لابن العربي والكشاف للزمخشري والتحبير للقشيري. وتفسير الرازي والثعلبي وابن عطية وغريب القرآن. ومعانيه وأحكامه واختلاف العلماء في حلاله وحرامه للقاضي منذر بن سعيد.
وما فيه من الحديثيات ومتعلقاتها فالموطأ والصحيحين وسنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وشمائله، وكتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابن حيان الأصبهاني، ومشكل الصحيحين لابن الجوزي، وكشف المشاكل له أيضا، واقتباس الأنوار للرشاطي في
__________
(1) الصواب: الفردوس.
(2) بعد وفاة المؤلف رحمه الله وجدت نسخة كاملة من كتاب التخريج المذكور وقد حققها الدكتور إحسان عباس وطبعت في دار الغرب الإسلامي طبعة متقنة سنة 1405 هـ 1985 م.
(3) فهما هجّيراه أي جل اعتماده عليهما.
(1/47)

الأنساب ومعالم السنن للخطابي والإكمال لعياض، وتفسير المبهمات لابن بشكوال؛ ومنتقى الباجي، والاكتفاء في شرح الموطأ لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي، وشرح العمدة لابن دقيق العيد وغيرها.
وما فيه من التاريخ واللغة والأدب والنكت الصوفية فعن ابن هشام، والسهيلي، وكأني به لم يستوعبه أو لم يكن بيده كاملا، ونفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل، وهو كتاب يعتمده كثيرا ولا يسمي مؤلفه، ولم أر له ذكرا في كشف الظنون، ولا ذكره السيوطي في أوائله وغيره ومختصر السير لابن جماعة، ومولد العزفي السبتي، وجمهرة ابن حزم، وأبي عبيد القاسم بن سلام وخلاصة الطبري، وجوامع السيرة لابن حزم، والعمدة لأبي عبد الله التلمساني وهو كتاب ينقل عنه كثيرا. ولا يزيد في النقل منه على ما ذكر. ولم أجد له ذكرا في كشف الظنون ولا غيره كالبستان. نعم: ينقل عنه قليلا ابن باديس في شرح سيرة ابن فارس ومرة ذكر عنه شيئا فقال: لا أعتمد على كتاب عمدته، وإنما ذكرته تنبيها على انفرادها باجتلابها وتمييزه باتقاء جلبابها. أنظره وصفوة ابن الجوزي والتلقيح والمدهش له أيضا، وتاريخ الخطيب، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والمعارف له، والمشرع الروي، وحلية المحاضرة للحاتمي، وكتاب أنباء الأنبياء للقضاعي وكتاب الموالي للجاحظ، وبهجة النفس لابن هشام، وبلغة الظرفاء لأبي السرور الروحي، والكامل لابن الأثير، وطبقات الفقهاء للشيرازي، وكتاب أشعار الخلفاء، لأبي بكر محمد ابن بحر الصولي، واليواقيت للمطرزي، وبهجة المجالس لابن عبد البر، وطبقات صاعد، ورحلة ابن جبير وكتاب المراتب والأخطار للجاحظ، وكتاب العائد لأبي الفتح كشاجم، وكتاب الخيل لابن الدراج، والأصمعي، وصلة ابن عبد الملك، وبغية الأديب لأبي الحسن الحراني، والاستنصارات لعبد المهيمن الحضرمي، ومسامرة الأمراء للصالوني، والفرائد في التشبيهات للكاتب الأصبحي، ورسالة القشيري، وصفوة التصوف لمحمد بن طاهر المقدسي، وكتاب السماع للأصبهاني، وكتاب الصحاح والمشارق، وغريب أبي عبيد، وأفعال ابن القوطية وابن طريف، وغريب السيرة لابن دراكتني، والمحكم وديوان الأدب، ومثلث ابن السيد، وتفسير الألفاظ الطبية لابن الخشاب، وصناعة الكتابة لابن النحاس، واليواقيت للمطرزي، والتسهيل وشرحه لابن هاني، والبسيط لابن أبي الربيع، وجامع القزاز، وديوان الأدب.
وما فيه من الفقهيات والأحكام فمن التنبيهات والبيان والتحصيل لابن رشد، وشرح الرسالة للزناتي، وكتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، وتهذيب البرادعي، والأحكام السلطانية للماوردي، والكافي لابن عبد البر، والجواهر لابن شاس، والكفاية والغناء في أحكام الغناء لابن الدراج، وكتاب الأثبات للفقيه أبي العباس العزفي، والتبصرة للتلمساني، ومقالة ابن القطان، وابن عطية، وأبي العباس ابن البنا، وأبي بكر بن خلف الأنصاري وغير ذلك.
(1/48)

المقدمة الثانية
في برنامج [فهرس] الكتابين لتظهر خدمة السابق واللاحق للفئتين، وهذه المقدمة واجبة الذكر لشيئين:
الأول: لتسهل المراجعة على المطالع والباحث.
الثاني: ليعلم الفرق بين الجمعين في الزمانين (فأقول والله المستعان) : قسم أبو الحسن الخزاعي كتابه إلى عشرة أجزاء، فيها عنده مائة وثمانية وسبعون بابا، تشتمل على مائة وستة وخمسين خطة، من الحرف والعمالات والصناعات عنده، أما نحن فقسمناه أيضا على عشرة أقسام:
برنامج القسم الأول
عند الخزاعي في الخلافة والوزارة وما يضاف إلى ذلك وفيه عنده سبعة أبواب:
باب في ذكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
باب في الوزير.
باب في صاحب السر.
باب في الآذن وهو الحاجب والبواب.
باب في الخادم.
باب في صاحب الوساد.
باب في صاحب النعلين.
(ذكرت هذه الأبواب مهذبة محررة عزوا وسياقا واختصارا) . (ومما زدت عليه في هذا القسم خلال أبوابه) .
باب في ذكر الفرق بين الخليفة والسلطان والملك من حيث الشرع والاصطلاح.
باب في ذكر حبس بعض الوافدين عن الأذن.
باب في ذكر من خدم المصطفى من الأحرار.
باب في من كان يخدمه عليه السلام من مواليه ذكورا وإناثا.
باب ذكر من كان يوقظه عليه السلام إذا نام ويستره إذا اغتسل.
ذكر من كان يبيت على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال.
(1/49)

ذكر مواليه الذين أعتقهم في مرض موته
باب ذكر من كان يخدم المصطفى إذا أراد حاجته داخل منزله.
باب استخدامه عليه السلام في ذلك امرأة.
باب استخدامه عليه السلام غلاما يهوديا.
باب ما كان عليه السلام لا يكله إلى أحد من خدمه.
باب ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه.
باب ذكر قيام المهاجرين يفرجون عنه عليه السلام عند الازدحام.
باب سيرته عليه السلام في غمز الظهر.
باب الرجل يعلم الوفد كيف يحيونه عليه السلام.
باب مضحكه عليه السلام.
باب ملاعبته عليه السلام أقاربه.
باب على أي شيء كانوا يؤذنون في العهد النبوي.
برنامج القسم الثاني من كتاب الخزاعي
في العمليات الفقهية وأعمال العبادات وما ينضاف إليها من عمليات المسجد وعمليات الطهارة وما يقرب منها وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه عنده أبواب:
باب في معلم القرآن.
باب في معلم الكتابة.
باب في التفقه في الدين.
باب في اتخاذ الذار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس.
باب في المفتي.
باب في العابر للرؤيا.
باب في إمام صلاة الفريضة.
باب في القيام في صلاة رمضان.
باب في المؤذن.
باب في الموقت.
باب في صاحب الخمرة.
باب في صاحب العنزة.
باب في المسرج.
باب في المجمر.
باب في الذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والعيدان منه.
(1/50)

باب في الذي يشتد على الناس في الصلاة جماعة.
باب في الذي يمنع الناس من اللغط والمنازعة في المسجد.
باب في صاحب الطهور.
باب في صاحب السواك.
باب في صاحب الكرسي.
باب في الساقي.
باب في الإمارة على الحج.
باب في صاحب البدن.
باب في حجابة البيت.
باب في السقاية.
(فذكرت هذه الأبواب كلها مختصرة مهذبة عزوا وسياقا) .
(ومما استدركت عليه في هذا القسم خلال تراجمه من الأبواب) :
باب أمره عليه السلام الناس أن يتعلموا الفقه والقرآن من جيرانهم.
باب من كان يحفظ القرآن على عهده عليه السلام.
باب من نقل عنه وجوه القراءت من الصحابة.
باب حكم تعليم المرأة عنه عليه السلام.
باب من كان يتوسط بين الصحابة وبينه عليه السلام.
باب من كان يصلي بالناس ويخطب مدة مرضه عليه السلام.
باب اتخاذه عليه السلام عليا يعبر عنه بمحضره.
باب خطبته عليه السلام في حجة الوداع على الدواب.
باب أمره عليه السلام باستنصاب الناس له رجلا أطول الناس قامة، وأنداهم صوتا.
باب تكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه.
باب إرساله عليه السلام عليا يبلغ عنه في غيبته سورة القتال (براءة) .
باب في الذي كان يحمل العصا بين يديه عليه السلام إذا قام أو أراد دخول منزله.
باب هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده عليه السلام.
باب الرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك.
باب هل توضأ عليه السلام بالماء السخن أو دخل الحمام.
باب وضوئه عليه السلام بانية زجاج.
باب وضوئه عليه السلام من الطشت.
باب سقي الماء له عليه السلام من الآبار الطيبة.
باب طلبه عليه السلام ماء زمزم من مكة إلى المدينة.
(1/51)

باب الروايا تسافر معه عليه السلام ومن كان يذهب يملأها.
باب ساقيه عليه السلام من اليهود.
باب هل كانوا يهنئون الشارب.
باب في الانتباذ في الأواني الخضر.
باب دعاء المصطفى لمن أزال شعرة من مائه.
باب الخادم يخدمه عليه السلام عند الأكل.
باب أوانيه عليه السلام.
باب مباشرته عليه السلام لنحر الهدي بيده وإذنه لعلي في إكمال الباقي.
القسم الثالث من كتاب الخزاعي
في العمليات الكتابية وما يشبهها وما ينضاف إليها وفيه عنده أبواب:
باب في كتاب الوحي.
باب في كتاب الرسائل والإقطاع.
باب في كتاب العهود والصلح.
باب في صاحب المغانم.
باب في الرسول.
باب في حامل الكتاب.
باب في الترجمان الذي يترجم كتب أهل الكتاب ويكتب إليهم بخطهم ولسانهم.
باب في الشاعر.
باب في الخطيب في غير الصلوات.
باب في كاتب الجيش.
باب في العرفاء.
باب في المنادي وهو الذي يدعو الناس في وقت الغرض.
باب في المحاسب.
(فذكرت هذه الأبواب مهذبة مختصرة عزوا وسياقا) . (واستدركت خلال تراجمه) :
باب من كان يكتب له عليه السلام للبوادي.
كتابته في الجلد ومقداره.
باب من كان يكتب له عليه السلام أموره الخصوصية.
من كان يكتب بين الناس وقبائلهم ومياههم.
باب خليفة كل كاتب من كتابه عليه السلام.
باب ذكر مسائل تتعلق بالختم والخاتم.
باب تعليم المصطفى لكتابه أدب القلم ومحل وضعه.
(1/52)

باب ندبه عليه السلام كتابه لتتريب الكتابة.
باب آخر مكتوب نبوي حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه عليه السلام لأهل الإسلام وتحافظهم عليه.
باب ذكر أصح مكتوب.
باب ذكر أصح مكتوب حفظ التاريخ لنا عينه عنه عليه السلام لأهل الكفر.
باب ذكر الكتاب الذي تداولته المجلّات المصرية والتونسية أخيرا.
باب ذكر أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه عليه السلام الإحكامية.
باب هل كتب عليه السلام بخطه شيئا.
باب ذكر ما كان يفتح به كتبه عليه السلام.
باب اتخاذه صلى الله عليه وسلم أما بعد للفصل بين فصول الكتاب ورؤوس المسائل.
باب ذكر التزامه عليه السلام فيه أما بعد.
باب ذكر اصطلاح المكاتب النبوية.
باب ذكر عنوان مكاتبه عليه السلام.
باب ذكر كيفيه مخاطبته عليه السلام للمعاصرين له من الملوك.
باب ذكر عنوان المكاتب التي كانت توجه له عليه السلام.
باب ذكر عمله عليه السلام إذا لم يحضره الختم.
باب ذكر التاريخ في المكاتب وأصل وضعه.
باب ذكر الشعراء من الصحابة الذين مدحوه عليه السلام.
باب استشهاده عليه السلام بشعر الهالكين.
باب استشهاده عليه السلام لشعر الكفار.
باب ذكر انصاته عليه السلام لشعر فيه التشبيب والغزل وقبوله له.
باب تكرمه عليه السلام بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له.
باب الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه عليه السلام بعد موته.
باب ذكر البيعة التي كان يأخذها عليه السلام على أصحابه وأصلها.
باب تكليفه عليه السلام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام.
باب رده عليه السلام في الاستعراض من لم يستأذن أبويه.
باب ذكر الأوصياء.
باب ذكر النقباء.
برنامج القسم الرابع من كتاب الخزاعي
في ذكر العمالات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيها عنده أبواب:
باب في الإمارة العامة على النواحي.
(1/53)

باب في القاضي.
باب في صاحب المظالم.
باب في قاضي المناكح.
باب في الشاهد وكاتب الشروط.
باب في فارض المواريث.
باب في فارض النفقات.
باب في الوكيل يوكله الإمام في غير الأمور المالية.
باب في البصير بأمور البناء.
باب في القسام.
باب في المحتسب.
باب في المنادي.
باب في صاحب العسس بالمدينة.
باب في الرجل يتولى حراسة أبواب المدينة في وقت الهرج.
باب في الرجل يكون ربيئة القوم في زمن الهرج.
(وهذه من الأبواب التي لم يقف فيها الخزاعي على أصل فاستدركناه عليه) .
باب في السجان- سجن الرجال- سجن النساء.
باب في مقيم الحدود.
(فذكرت هذه الأبواب مختصرة مهذبة محررة عزوا وسياقا) وزدت عليه عدة أبواب وهي:
باب كيف كان يوصي عليه السلام عماله في صفة البريد الذي يوجهونه له.
باب اشتراطه عليه السلام مثل ذلك في عماله.
باب كيف كان عهده عليه السلام إلى عماله وأمرائه.
باب ذكر الكلام على من دوّن النوازل التي نزلت في حياته صلى الله عليه وسلم وحكم فيها.
باب ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها عليه السلام وأفتى.
باب هل كان عليه السلام يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء.
باب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل.
باب هل كان للقضاء والولاة راتب.
باب سياق نص بعض العقود النبوية.
باب ذكر شهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في السجلّات.
باب الرجل يجعل على الأسارى.
باب هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا.
(1/54)

باب الرجل يجعل على قطع الأشجار.
باب ذكر مقابلته صلى الله عليه وسلم للمستحق بالتعبيس ونحوه.
باب إقامته عليه السلام الحد بالضرب.
باب تأديبه عليه السلام بالهجران.
باب ذكر قتله عليه السلام بيده من اشتد غضب الله عليه.
باب تعذيبه عليه السلام بالإحراق والهدم.
باب معاملته عليه السلام المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة.
باب ولاية المظالم.
باب معرفته عليه السلام بأمور الهندسة والبناء.
برنامج القسم الخامس من كتاب الخزاعي
في ذكر العمالات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيه عنده أبواب:
باب في الإمارة في الغزو.
باب في المستخلف على الحضرة إذا خرج الإمام إلى الغزو.
باب في الذي يستخلفه الإمام على أهله.
باب في المستنفر.
باب في حامل اللواء.
باب في قسم الجيش إلى خمسة أقسام وكون الإمام في القلب من تلك الأقسام.
باب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقي العدو بمكانه من قلب الجيش ويلبس الإمام لأمته ويلبس هو لأمة الإمام حياطة على الإمام.
باب في صاحب المقدمة.
باب في صاحب الميمنة.
باب في صاحب الميسرة.
باب في صاحب الساقة.
باب في المقدم على الرماة.
باب في المقدم على الرجالة.
باب في الوازع.
باب في صاحب الخيل.
باب في المسرج.
باب الذي يأخذ الركاب عند الركوب وذكر ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه.
باب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليها.
(1/55)

باب في صاحب الراحلة.
باب في صاحب البغلة.
باب في القائد.
باب في الخادم.
باب في صاحب السلاح.
باب في حامل الحربة.
باب في حامل السيف.
باب في الصيقل.
باب في الدليل.
باب في مسهل الطريق.
باب في صاحب المظلة.
باب في صاحب الثقل.
باب في الأمين على الحريم.
باب في الحارس.
باب في المتجسس.
باب في الرجل يتخذ في دار الحرب ليكتب بالأخبار إلى الإمام.
باب في المخذّل.
باب في صانع السفن.
باب في المستعمل فيها.
باب في صانع المنجنيق.
باب في الرامي بالمنجنيق.
باب في صفة الدبابات.
باب في قاطع الشجر.
باب في حفر الخندق.
باب في صاحب المغانم.
باب في صاحب الخمس.
باب في المبشر بالفتح وفي خروج أهل الحضرة للقاء الإمام يهنئونه (فذكرت هذه الأبواب مختصرة مهذبة عزوا وسياقا) . واستدركت عليها خلالها:
باب الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو سيعمل فيها مكيدة.
باب تعميم الإمام للصبيان.
باب رايات الأنصار.
(1/56)

باب أمير الرماة.
باب شعار المحاربين.
باب من كان يسوق به عليه السلام.
باب سائق بدنه عليه السلام.
باب راعي بدنه عليه السلام.
باب من كان يقوم بلقاحه عليه السلام.
باب من كانت عنده خيله عليه السلام.
باب جماله عليه السلام.
باب من كان يأخذ بركابه عليه السلام وهو على الناقة.
باب من كان يأخذ بخطام ناقته عليه السلام.
باب صاحب بدنه عليه السلام.
باب من كان على هديه عليه السلام.
باب صاحب سلاحه عليه السلام.
باب أين كان يعلق السيف منه عليه السلام.
باب من كان يضرب الأعناق بين يديه.
باب البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك.
باب ذكر من كان يطأطىء له عليه السلام ليركب ناقته.
باب ذكر فسطاطه عليه السلام.
باب من كان يضرب له القباب.
باب من أي شيء كانت الخزائن إذ ذاك.
باب من كان يكتنفه عليه السلام إذا أراد الدخول للحضرة.
باب ارتياد المواضع لنزول الجيش.
باب من كان يقود أو يسوق بنسائه عليه السلام.
باب الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس بعده في العاصمة.
باب الرجل يلازم الإمام من خلفه في السفر.
باب الرجل يتقدم أمامه عليه السلام ينشده شعرا يوم الفتح.
باب طلائع الجيش.
باب الرجل يتخذه الإمام في البعد عينا له على الناس..
باب النمام.
باب هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم.
باب ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى عليه السلام.
(1/57)

باب الطعام عند القدوم.
باب قوله عليه السلام إذا رجع من سفر.
باب قوله عليه السلام عند كل قرية أراد دخولها.
باب تلخيص حالة كفار جزيرة العرب معه.
باب تلخيص معاملته عليه السلام مع كفار زمانه من استعمال الشدة في محلها واللطف والملاينة في إبانها ومداراته عليه السلام وما شرعه في ذلك.
برنامج القسم السادس من كتاب الخزاعي
في العمالات الجبائية وهذا القسم يشتمل على أبواب:
باب في صاحب الجزية.
باب في صاحب الأعشار.
باب الذي يترجم على أهل الذمة وقت نزولهم بلد المسلمين.
باب في متولي خراج الأرضين.
باب في المساحة.
باب في العامل على الزكاة.
باب في كاتب أموال الصدقات.
باب في الخارص.
باب في صاحب الأوقاف.
باب في صاحب المواريث.
باب في المستوفي.
باب في المشرف.
(فذكرت هذه الأبواب مهذبة محررة معزوة) وزدت عليه:
باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة.
باب ذكر من وكله عليه السلام بحفظ زكاة رمضان.
باب من جعله عليه السلام على قبض مغانمه.
باب من كان على خمسه عليه السلام.
برنامج القسم السابع من كتاب الخزاعي
في العمالات الاختزانية وما أضيف إليها وفيه أبواب:
باب في فضل الخازن الأمين.
باب في خازن النقد وهو صاحب بيت المال.
باب في الوزان.
(1/58)

باب في خازن الطعام.
باب في الكيال.
باب في ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة في عهده عليه السلام.
باب في صاحب السكة ويقال له صاحب دار الضرب.
باب في اتخاذ الإبل.
باب في اتخاذ الغنم.
باب في الوسام.
باب في الحمى يحميه الإمام.
(فذكرت كل هذه مختصرة مهذبة معزوة وحررت القول فيما ساقه خصوصا الكلام على المسكوكات والنقود والصاع والمد النبوي المريني الموجود في مكتبتنا وهو من أعظم ذخائرها) .
برنامج القسم الثامن عند الخزاعي
في سائر العمليات وفيه عنده أبواب:
باب في المنفق.
باب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية.
باب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به من وجوه مصاريف الإمام في غير الحضرة.
باب في إنزال الوفود.
باب في المارستان.
باب في الطب.
باب في الراقي.
باب في القاطع للعروق.
باب في الكواء.
باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويستخرج منه اتخاذ الزوايا (فذكرت هذه الأبواب مهذبة محررة معزوة) واستدركت أثناءها فرائد وأبوابا منها:
باب أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو.
باب جوائزه عليه السلام للوفود.
باب تجمله عليه السلام للوفود.
باب أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه.
باب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس.
باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة.
(1/59)

باب في المنجم.
باب في القافي.
باب إقامة الخانات من القرآن.
برنامج القسم التاسع من كتاب الخزاعي
في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر من عملها من الصحابة وفيه أبواب دون ما سر فيها تقدم من الأقسام في مواضع هي بها عنده أليق وهذه عناوينها:
باب في التجارة.
باب في البزاز.
باب في العطار.
باب في العراف.
باب في بائع الرماح.
باب في بائع الطعام.
باب في الثمار.
باب في بائع الدباغ.
باب في الدلال.
باب في النساج.
باب في الخياط.
باب في النجار.
باب في ناحت الأقداح.
باب في الصواغ.
باب في البناء.
باب في الحداد.
باب في الدباغ.
باب في الخراص.
باب في الصيد في البر.
باب في الصيد في البحر.
باب في العامل في الحوائط.
باب في السقاء الذي يستقي بالأجر.
باب في الحمال على الظهر.
باب في الحجام.
(1/60)

باب في الجزار.
باب في الطباخ.
باب في الشواء.
باب في الماشطة.
باب في القابلة.
باب في الخافضة.
باب في المرضعة.
باب في المغني.
باب في حافر القبور.
باب غسل الموتى.
(فذكرت أبوابه مهذبة محررة معزوة) . واستدركت عليها خلالها:
باب ذكر أصل تسمية متعاطي البيع والشراء تاجرا.
باب سوق البزازين بالمدينة على عهده عليه السلام.
باب تعيينه عليه السلام محل السوق ووقوفه عليه بنفسه.
باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام.
باب في المزارعين والزراعة.
باب كون الناس كانوا في أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء إلا بعد علمهم بأحكامه.
باب تشديد عمر للصحابة على تركهم الاشتغال بالتجارة لغيرهم من العامة والأخلاط.
باب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه.
باب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينها بالنسبة إلى نفسه.
باب أمر عمر للفقراء وغيرهم بالسعي والتكسب.
باب الجلاب.
باب ذكر من كان يتجر من الصحابة في بحر الشام.
باب جلب دقيق الحوّار والسمن والعسل من الشام إلى المدينة.
باب منع إخراج التمر من المدينة في العهد النبوي لأمر طارىء.
باب المسافة التي كان يأتي منها الزرع ونحوه إلى المدينة.
باب التجارة في العنبر والزئبق.
باب حفر معدن الذهب.
باب تبايع الصبيان.
باب بيع السكر.
(1/61)

باب بيع العطر.
باب بيع العقاقير الطبية.
باب الخراز.
باب الجلد الطائفي.
باب المهد للصبيان.
باب صنع الأنف من ذهب.
باب إحداث الرحى الهوائية.
باب المصور.
باب الأصل لوضع الرؤساء للحجر الأساسي في البناآت القومية والمعاهد الدينية.
باب ذكر بنائه عليه السلام لمسجده ثلاث مرار منها ما بني بالأنثى والذكر [التعشيق] .
باب تعيين الإمام موضع المسجد وتعليمه محل القبلة.
باب أمر الإمام من ينوب عنه في اتخاذ القبلة مسجدا.
باب ذكر دوره عليه السلام ومساكن أزواجه.
باب ذكر خريطه مسكن مارية بالعوالي.
باب أمره عليه السلام في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية وجعله عليه السلام للجيران قواعد عليهم أن لا يتعدوها.
باب هدمه عليه السلام لمسجد الضرار.
باب ذكر الصباغ.
باب ذكر السباحة.
باب ذكر بيع الماء.
باب ذكر بيع اللبن.
باب ذكر اتخاذ الشحم للاستصباح ودهن السفن ونحوها.
باب المستدل على محل الماء واستخراجه.
باب صانعة الحريرة.
باب الخباز.
باب كيف كانت أقراص خبزه عليه السلام.
باب ذكر اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له عليه السلام في الحضر والعكس.
باب منع الصيد في جهة.
باب كونه عليه السلام لم يصد بنفسه ولا اشترى صيدا.
باب ذكر الغزل.
باب المضحكة.
(1/62)

باب ذكر أسماء المغنيات في المدينة على العهد النبوي.
هل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل وهل سمع الصحابة العود.
هل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى.
باب ذكر ما كانوا يغنون به.
باب ذكر رقص الحبشة في المسجد النبوي أمامه عليه السلام.
باب ذكر رقص الحبشة بحرابهم عند قدومه عليه السلام.
باب ذكر حجل بعض كبار الصحابة بين يديه صلى الله عليه وسلم.
باب السماع والإنشاد ونحوه.
باب ذكر المرأة الكبيرة السن تلازم القبر.
باب ذكر المسابقة.
باب ذكر المصارعة.
باب ذكر الرماية.
باب ذكر لعب البنات.
باب ذكر لعبهم بالتصاوير.
باب اتخاذ الوحش في المسكن.
باب قوله عليه السلام اقدروا قدر الجارية الحديثة السن.
باب حبس الطير للعب الصبيان.
باب نهب اللوز والسكر ونثره في العرس.
باب مرور أحد الصحابة على الحيشة يلعبون في الطريق.
باب النساء الممرضات اللاتي كنّ يرافقن المصطفى في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة.
التاجرات منهن.
المرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي.
باب ما كانوا يقولونه عند ذهابهم بالعروس إلى بيت زوجها.
باب ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا.
باب ذكر بائع السيوف.
باب اتفاق القوم على من يمثلهم تمثيلا رسميا في محفل ديني رسمي.
باب ذكر من كان يبري النبل.
باب أصل ستر المرأة في نعشها وهي ميتة ومن حبذ ذلك.
وبوقوفك على ما اجتهد الخزاعي في جمعه وتفصيله في ديوانه من الحرف والصنائع التي كانت في عهده عليه السلام حتى أوصلها إلى نحو الثلاثين واستدركت عليها نحو هذا
(1/63)

العدد أيضا تعلم أن المتأخر ربما يأتي بما لم يأت به المتقدم فهذا شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري غاية ما ترجم له في كتاب البيوع من صحيحه من الحرف والصنائع نحو العشرة وهي: الصواغ والقين والخياط والنساج والنجار وبائع السلاح والعطار والحجام ونحو ذلك وربما كان البخاري اقتصر على هذا القدر لأنه الذي بلغه على شرطه ولكن على كل حال همة المتأخر لا تنكر ويجب أن تذكر فتشكر وإن كان للأوائل فتح أبواب فللمتأخرين الجري على المنوال ضعفا وقوة من غير ارتياب وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [القصص: 68] .
القسم العاشر من كتاب الخزاعي
وبه كمل التأليف في ذكر أمور متفرقة وفيه أبواب:
باب في معنى الحرفة والصناعة.
باب في النهي عن استعمال غير المسلمين من الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.
باب فيما جاء في أرزاق العمال.
باب في ذكر الكتب التي استخرج منها ما تضمنه كتابه التخريج. وهذا القسم لم أقف عليه ولا يوجد في النسخة التونسية «1» . فأما [الكلام في] الباب في معنى الحرفة والصناعة فقد قدمنا من ذلك ما نظنه كافيا أول القسم التاسع. وأما حكم استعمال الكفار وأرزاق العمال فمحله على طريق البسط كتب الفقه فأما الباب الرابع الذي عقده لذكر الكتب التي استخرج منها كتابه فهذا الباب مفيد جدا ولكن وإن لم أقف عليه من قلم المؤلف فبتتبع الكتاب يستغنى عنه. وقد تتبعته فوجدت اعتماده في أكثر الصنائع والحرف والعمالات وولاتها على الاستيعاب وذيله لابن فتحون كما سبق. وقد عقدت فيما سبق فصلا ذكرت فيه الكتب التي ينقل عنها في مصنفه وأنت بالخيار إما أن تثبت ذلك الفصل هنا أو تبقيه وتقرؤه هناك. ولما كان الكتاب قد بني على عشرة أقسام (أجزاء) كما يقول الخزاعي أردت أن لا أحرم القراء من قسم عاشر هو من الأهمية بمكان ربما يضارع جل أجزاء المؤلف أو يفوقها أهمية فنقول والله المستعان:
القسم العاشر فى تشخيص الحالة العلمية على عهده عليه السلام تعلما وتعليما والحالة الاجتماعية من حيث النبوغ وسعة المدارك والأخلاق والعوائد والأزياء، ويتركب هذا القسم من مقصدين:
المقصد الأول: في تشخيص الحالة الاجتماعية على عهده عليه السلام، وذكر ما حازه أصحابه من السبقيات في أنواع النبوغ وسعة المدارك والكيفيات وغير ذلك، مما يعرفك أن المدينة المنورة في الزمن الأول؛ كانت مجموعة مهولة بصنوف واختلاف
__________
(1) سنضيفه لا حقا في مكانه من طبعة دار الغرب الإسلامي إن شاء الله.
(1/64)

الأعمال، والأفكار والصفات والأشغال الحياتية، والتوسعة العائلية التي لا بد منها في كل بلد مصر، واتخذ عاصمة لمدنية عظمى سادت على العالم في أقرب وقت. وتحت كل مقصد أبواب:
المقصد الأول
في تشخيص الحالة العلمية الرائجة في زمنه عليه السلام تعلما وتعليما وفيه أبواب:
الباب الأول في الإشارة إلى أن أوسع دائرة للمعارف تناولها البشر [هي] القرآن الكريم الباب الثاني في أن السنة فرع عن القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه منه.
الباب الثالث في مقدار الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم.
الباب الرابع في ذكر من تصدى لجمع جميع السنة.
الباب الخامس في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي.
الباب السادس في وقوفه عليه السلام على حلق العلم وإيثاره الجلوس فيها على حلق الذكر.
الباب السابع فيمن كان يخلف المصطفى عليه السلام بعد قيامه من مجالس الذكر والفقه فيجلس فيها.
الباب الثامن في كيفية تدارس الصحابة للقرآن وتفسير المصطفى عليه السلام لهم آيه الكريمة.
الباب التاسع في اعتناء الصحابة بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه.
الباب العاشر في أمره عليه السلام أصحابه بنقل الحديث بالسند.
الباب الحادي عشر في إباحته عليه السلام لأصحابه التحديث بالأخبار الإسرائيلية من عجائب الأمم الماضية.
الباب الثاني عشر في تعريف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمن امتاز بعلم من الفنون أو غلبت عليه فضيلة مخصوصة ليؤخذ كل شيء عن أربابه.
الباب الثالث عشر في إطلاق العلامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر.
الباب الرابع عشر في كيفية اختباره صلى الله عليه وآله وسلم قوابل أصحابه ليعرفهم فيما بينهم مبلغهم في الذكاء والفهم والعلم.
الباب الخامس عشر في تخصيصه صلى الله عليه وآله وسلم لأهل العلم أياما معلومة.
الباب السادس عشر في بيان أن الصحابة كانوا يتحملون العلم تدريجيا فيأخذون الآكد والأقرب إلى الفهم ثم الأصعب.
(1/65)

الباب السابع عشر في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار.
الباب الثامن عشر في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج.
الباب التاسع عشر في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر.
الباب الموفي عشرين في بيان أن الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كان يجعل للنساء يوما على حدة.
الباب الحادي والعشرون في كيفية إعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعونه منه صلى الله عليه وآله وسلم.
الباب الثاني والعشرون في بيان أن الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه.
الباب الثالث والعشرون في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب رضي الله عنهم.
الباب الرابع والعشرون في تعاطيهم العلم ليلا ونهارا.
الباب الخامس والعشرون في احتفاظ المصطفى صلى الله عليه واله وسلم على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين.
الباب السادس والعشرون في الإشارة إلى أن تعليم الكتابة من حقوق الأبناء على الأباء.
الباب السابع والعشرون في القلم والدواة في العصر النبوي.
الباب الثامن والعشرون في وجود الأقلام القصبية في عصر الصحابة وكذا الحبر.
الباب التاسع والعشرون في اختراع اتخاذ الكاغد [الورق] من القطن أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب.
الباب الموفي ثلاثين في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالتقييد.
الباب الحادي والثلاثون هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة وأتباعهم في زمانهم التدوين والتصنيف.
الباب الثاني والثلاثون في اعتناء القواد من الصحابة برفع التقارير الجغرافية للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يدخلونها.
الباب الثالث والثلاثون في بيان أن ترجمة الكتب القديمة للعلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أيام الصحابة.
الباب الرابع والثلاثون في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة رضي الله عن جميعهم.
(1/66)

الباب الخامس والثلاثون في أن أول من وضع فن النحو في الإسلام الصحابة.
الباب السادس والثلاثون في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم ويدون فيه الأشعري.
الباب السابع والثلاثون في بيان أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع.
الباب الثامن والثلاثون في إملاء الصحابة للحديث على من يكتب عنهم.
الباب التاسع والثلاثون في وقت بروزه صلى الله عليه وآله وسلم ليجيب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه.
الباب الموفي أربعين في مراجعتهم للحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
الباب الحادي والأربعون في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن.
الباب الثاني والأربعون في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره.
الباب الثالث والأربعون في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا.
الباب الرابع والأربعون في أول من أطلق على القرآن المصحف.
الباب الخامس والأربعون في استفتاء الصحابة في حكم نسخ المصاحف.
الباب السادس والأربعون في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها.
الباب السابع والأربعون في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف في أسفارهم.
الباب الثامن والأربعون هل كانوا يحلّون المصاحف.
الباب التاسع والأربعون هل كانوا يقبلون المصاحف.
الباب الموفي خمسين في بيان أن المصاحف كانت لها ولاة يحفظونها في زمن أبي بكر رضي الله عنه
الباب الحادي والخمسون في أن الصحابة كانوا يحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا حتى ينظر في المصحف.
الباب الثاني والخمسون في أن سيدنا معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ.
الباب الثالث والخمسون في تعليمهم القرآن في زمنه عليه السلام وتسويغه لهم أخذ الأجرة.
(1/67)

الباب الرابع والخمسون هل كانت المصاحف تباع في عهدهم.
الباب الخامس والخمسون في اتخاذهم المكاتب لقراءة الصبيان.
الباب السادس والخمسون أين كان الصبيان يصبون الماء الذي يغسلون به ألواحهم.
الباب السابع والخمسون هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي.
الباب الثامن والخمسون في بيان من كان منهم يعلم القرآن بالمدينة ومن كان يبعثه عليه السلام إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن منهم ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين في عهده عليه السلام ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك.
الباب التاسع والخمسون في تعاطي علم الخط.
الباب الموفي ستين في حضهم على تعاطي الشعر.
الباب الحادي والستون في تعاطي علم الأنساب.
الباب الثاني والستون في روجان علم الفرائض في العهد النبوي وحضّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس على تعلمه وتعليمه.
الباب الثالث والستون في ذكر من كان يحال عليه في الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين.
الباب الرابع والستون في أخذ أهل أوروبا بالأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه.
الباب الخامس والستون في إيثارهم القرشي على غيره في أخذ العلم.
الباب السادس والستون في الأمر بتعلم علم النجوم.
الباب السابع والستون في أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة.
الباب الثامن والستون في أمرهم بتعلم العربية وأمر عمر عماله بضرب اللحانة من الكتّاب أو تأخيره.
الباب التاسع والستون في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقى والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك.
الباب الموفي سبعين في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين.
الباب الحادي والسبعون في وصاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشباب من طلبة العلم.
(1/68)

الباب الثاني والسبعون في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والاهتمام بوقايتهم من الأسواء وحنوهم عليهم.
الباب الثالث والسبعون في الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك العهد تعلما وتعليما.
الباب الرابع والسبعون في تسميته عليه السلام حملة الحديث ونقلته خلفاء له عليه السلام.
الباب الخامس والسبعون في عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات.
الباب السادس والسبعون في حضه عليه السلام طلبة العلم على السؤال عمّا لم يفهموا.
الباب السابع والسبعون في إجابته عليه السلام السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام.
الباب الثامن والسبعون في إجابته عليه السلام السائلين على حسب سبقيتهم.
الباب التاسع والسبعون في روايته صلى الله عليه وآله وسلم عن أصحابه وتحديثه عنهم.
الباب الموفي ثمانين في أخذ الصحابة بعضهم عن بعض.
الباب الحادي والثمانون في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يودّهم إليه اجتهادهم.
الباب الثاني والثمانون في أدب الصحابة مع من يتعلمون منهم أيضا.
الباب الثالث والثمانون في رواية الصحابة عن التابعين.
الباب الرابع والثمانون في أخذ كبار الصحابة العلم عن الموالي.
الباب الخامس والثمانون في أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود.
الباب السادس والثمانون في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به.
الباب السابع والثمانون في تأديب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة في التعليم واقتفائهم أثره في ذلك.
الباب الثامن والثمانون في مناظرة الصحابة بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الباب التاسع والثمانون في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى.
(1/69)

الباب الموفي تسعين في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم في العلم والسن.
الباب الحادي والتسعون في إنزال النبي صلى الله عليه وسلم الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكبر علما أو سنا.
الباب الثاني والتسعون في رحلة الصحابة لبعضهم في طلب العلم أو رغبة في علو السند.
الباب الثالث والتسعون في دعاء الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي.
الباب الرابع والتسعون في القاص في زمنه عليه السلام وجلوسه مجلسه.
الباب الخامس والتسعون في ذكر ما بثه عليه السلام من الفرائد الطيبة والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيها الدواوين.
الباب السادس والتسعون في توسعه عليه السلام مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدورس اليوم في شبه ذلك.
الباب السابع والتسعون في اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية.
الباب الثامن والتسعون في اتخاذ معاوية رضي الله عنه وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال.
الباب التاسع والتسعون في بناء أمرهم على أخذ العلم ممن وجدوه عنده ولو كان كافرا أو صغيرا.
الباب الموفي مائة في تحريض سيدنا علي كرم الله وجهه على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير.
الباب الحادي والمائة في ترتيبهم العلوم في الأخذ ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب.
الباب الثاني والمائة في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة.
الباب الثالث والمائة في حديث خرافة.
الباب الرابع والمائة في حديث أم زرع.
الباب الخامس والمائة في المضحكين والمضحكات في الزمن النبوي دون ما سبق في القسم الأول.
المقصد الثاني
فيما حازه أصحابه عليه السلام من السبقيات، وما تميّز به أفرادهم من علو المدارك والكيفيات، مما يعرفك أن المدينة المنورة كانت في الزمن الأول مجموعة
(1/70)

مهولة، بصنوف واختلاف الأعمال والأفكار والصفات والأشغال الحياتية، التي لا بد منها في كل بلد مصر اتخذ عاصمة لمدنية عظمى، سادت على العالم في أقرب وقت، وما وصل إليه ذلك العصر الزاهر والمصر الطاهر، من الاختلاط والاختلاف في الأحوال، والاتفاق في الآمال، وأنه من أندر ما حفظ التاريخ عن الأجيال والدهور وتحته أبواب:
الباب الأول في أن الصحابة كانوا أهل اجتهاد في الأحكام، وقدرة على استنباطها، والتبصر بمواقع الخطابات التشريعية ومحاملها.
الباب الثاني في تحرّيهم في الفتوى وتدافعهم لها، وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها.
الباب الثالث فيمن كان يوسم بأعلم الصحابة.
الباب الرابع فيمن كان يعرف منهم بباب مدينة العلم.
الباب الخامس فيمن كان يلقب منهم بأسد الله.
الباب السادس في الملقب فيهم بشيخ الإسلام.
الباب السابع في الملقب فيهم بسيف الله.
الباب الثامن في الذي يضرب به المثل في العدل منهم.
الباب التاسع في الذي يضرب به المثل في الهيبة منهم.
الباب العاشر في الذي يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة.
الباب الحادي عشر في الذي يضرب به المثل في الصدق منهم.
الباب الثاني عشر في الذي يضرب به المثل في المشية منهم.
الباب الثالث عشر في الذي يضرب به المثل في الفقه منهم.
الباب الرابع عشر في المحصل على لقب أمين الأمة.
الباب الخامس عشر فيمن أو لم وليمة بقي يضرب بها المثل.
الباب السادس عشر في الذي يضرب به المثل في الحلم منهم.
الباب السابع عشر فيمن كانت تستحيي منه ملائكة الرحمن منهم.
الباب الثامن عشر في ذي الرأي من الصحابة.
الباب التاسع عشر في ذي اليدين من الصحابة.
الباب الموفي عشرين في ذي العمامة.
الباب الحادي والعشرون في الذي يضرب به المثل بسيفه من الصحابة.
الباب الثاني والعشرون فيمن كان يعد صوته في الجيش بألف رجل.
الباب الثالث والعشرون في الذي يسبق الفرس شدا على قدميه من الصحابة.
الباب الرابع والعشرون فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل.
(1/71)

الباب الخامس والعشرون فيمن عرف بالقوى المدهشة من الصحابة، حتى باهى العرب به فارس والروم.
الباب السادس والعشرون فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول.
الباب السابع والعشرون فيمن عرف بالقصر من الصحابة.
الباب الثامن والعشرون فيمن كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل.
الباب التاسع والعشرون فيمن كان يضرب به المثل في الجمال من الصحابة.
الباب الموفي ثلاثين فيمن كان من الصحابة يعمل بيديه.
الباب الحادي والثلاثون في أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم [وهم أبناء العباس] .
الباب الثاني والثلاثون في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة.
الباب الثالث والثلاثون فيمن كان بيده سيف الفتح، بحيث نصب في عهده اثنا عشر ألف منبر للخطبة.
الباب الرابع والثلاثون في صحابي كان له ألف مملوك يؤدون له الخراج [الزبير] .
الباب الخامس والثلاثون فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة.
الباب السادس والثلاثون فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم.
الباب السابع والثلاثون في صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين.
الباب الثامن والثلاثون في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية.
الباب التاسع والثلاثون فيمن تغالى منهم في الصداق حين تزوج بعلوية فاطمية.
الباب الموفي أربعين في عدد الصحابة.
الباب الحادي والأربعون في عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه عليه السلام آخر الأمر.
الباب الثاني والأربعون في المكثر الرواية عنه صلى الله عليه وسلم من الصحابة.
الباب الثالث والأربعون في احفظ الصحابة وأول محدّث في الإسلام.
الباب الرابع والأربعون في ذكر ائمة الفتوى من الصحابة.
الباب الخامس والأربعون في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا، ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات، والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن، ورباني الأمة والغواص، ومن كان يعرف ممره في الطريق، ومن وجم الناس عن تعزيته شهرا هيبة له وإجلالا.
الباب السادس والأربعون في ذكر من كان له من الصحابة أتباع يقلدونه في فتواه، كالمقلد مع المجتهد في الطريق.
الباب السابع والأربعون في ذكر من انتهى إليهم العلم من الصحابة.
الباب الثامن والأربعون فيمن عرف بالكرم والجود من الصحابة.
الباب التاسع والأربعون في ذكر أعلم الأمة بالفرائض منهم.
(1/72)

الباب الموفي خمسين في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة.
الباب الحادي والخمسون فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا.
الباب الثاني والخمسون في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة.
الباب الثالث والخمسون في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها.
الباب الرابع والخمسون في ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة.
الباب الخامس والخمسون في ذكر من قيل فيها من نساء الصحابة لو كان رجلا لصلح للخلافة.
الباب السادس والخمسون في ذكر مولى من الصحابة قال عمر في حقه: لو كان حيا لاستخلفته.
الباب السابع والخمسون في ذكر من قيل فيه: أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة.
الباب الثامن والخمسون في ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة.
الباب التاسع والخمسون فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة.
الباب الموفي الستين فيمن كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي.
الباب الحادي والستين في أمره عليه السلام الصحابة بالقيام إلى العالم منهم.
الباب الثاني والستون فيمن كان من الصحابة يمكن لتلاميذه من يده يقبلونها.
الباب الثالث والستون من قبّل من علماء الصحابة يد تلميذه لكونه من آل البيت.
الباب الرابع والستون في صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه، الباب الخامس والستون في صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه.
الباب السادس والستون في الصحابة الطلس ومن استخلف منهم.
الباب السابع والستون في الخصي.
الباب الثامن والستون في المخنثين.
الباب التاسع والستون في المجبوب.
الباب الموفي سبعين هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة.
الباب الحادي والسبعون جعلته خاتمة- الأبواب وزبدة الكتاب- في حديث ابن أبي هالة الذي هو أجمع حديث عندي في صفاته عليه السلام الخلقية والخلقية.
وبتتبعه لا يستغرب الجاهل بأحوال نبي الإسلام؛ أن يربي صاحب تلك الأحوال والتراتيب والأخلاق رجالا يصلحون لإرشاد الخليقة والقيام بسياسة الكون.
(1/73)

ثم الخاتمة- فيها فوائد في تقدم العرب في الاختراعات والفنون، وكونهم أساتذة أوروبا باعتراف ساستهم والمنصفين من محققيهم.
وبتتبعك لأبواب الكتاب، ووقوفك على الحقيقة في المدونين تعلم أننا أتينا على زبدة كتاب الخزاعي، وحذفنا مكرره واستطراده، وما لا حجة أو حاجة فيه. وزدت عليه أضعاف أضعاف ما ذكر من كل قسم، من الحرف والصنائع والعمالات والصفات، بحيث وفقنا (والحمد لله) لكثير من المظان التي لا تخطر ببال ولا كانت في الحسبان. ولم أقلد أبا الحسن الخزاعي في غالب عزوه، ولذلك إن كان الكتاب الذي نقل عنه مطبوعا أذكر الصحيفة الواقع فيها ما نقل منه. ولا شك أن مواد هذا الموضوع سهلت الآن بما أظهرته مطابع الشرق والغرب، من الضنائن التي بتتبع أسماء فهارس المطبوعات شرقا وغربا، لا يبقى ريب في أنه يتيسر اليوم ما عسر أدراكه على كثير ممن سبق، وليس بعد العيان بيان.
وبذلك تتحقق بأحقية قول الجاحظ: ما على الناس شيء أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئا.
وقد قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وقد نقل قول علي كرم الله وجهه: قيمة كل امرىء ما يحسن فقال: إنه لم يسبق إليه أحد قال: وأي كلمة أحض على طلب العلم منها؟
قال: وما كان أضر بالعلم وبالعلماء وبالمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئا اهـ وقال أبو الحسن المسعودي في كتابه «النبيه» المطبوع في أوروبا وقد تشترك الخواطر وتتفق الضمائر وربما كان الأخير أحسن تأليفا وأمتن تصنيفا لحكمة التجارب وخشية التتبع والاحتراس من موانع المضار؛ ومن هاهنا صارت العلوم نامية غير متناهية، لوجود الأخير ما لا يجده الأول وذلك إلى غير غاية محصورة ولا نهاية محدودة.
على أن من شيم كثير من الناس إطراء المتقدمين، وتعظيم كتب السالفين ومدح الماضي وذم الباقي، وإن كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة. ثم حكي عن الجاحظ على جلالة قدره بين الكتاب والبلغاء أنه قال: كنت أؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، وأنسبه إلى نفسي، فلا أرى الأسماع تصغي إليه، ولا الإرادات تبتسم نحوه، ثم أؤلف ما هو أنقص منه رتبة وأقل فائدة، وأنحله عبد الله بن المقفع، أو سهل بن هارون، أو غيرهما من المتقدمين ممن سارت أسماؤهم بين المصنفين، فيقبلون على كتبها، ويسارعون إلى نسخها، لا لشيء إلا نسبتها للمتقدمين. ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم، ومنافسته على المناقب التي عزّ تشييدها. قال: «وهذه الطائفة لا يعبأ بها كبار الناس، وإنما العمل على أهل النظر والتأمل، الذين أعطوا كل شيء حقه من القول، ووفوه قسطه من الحق، فلم يرفعوا المتقدم إذا كان ناقصا، ولم ينقصوا المتأخر إذا كان زائدا، فلمثل هولاء تصنف العلوم وتدون الكتب» .
وإذا كان هذا في ذلك الزمن زمن نفاق أسواق العلم، ورجحان أهله بالمدارك والغايات، فكيف بزماننا هذا زمن التأخر والانحطاط والتقليد الأعمى لكل مستهجن، وغلبة
(1/74)

الأغراض السافلة والمقاومة للكمال والكاملين، والتشبث بأذيال الناقصين والساقطين، سخطا على الفضيلة ومقاومة لها. وإذا كان الإمام حافظ الأندلس أبو محمد ابن حزم يقول في رسالته في المفاضلة بين علماء الأندلس وغيرهم: أما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: أزهد الناس في العالم أهله. وقد قرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال: لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده. وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قريش، وهم أوفر الناس أحلاما وأصحهم عقولا، وأشدهم تثبتا مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع، وتقديسهم بالحرم الجباه؛ حتى خصّ الله الأوس والخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها عن جميع الناس، ولا سيما أندلسنا فإنها خصّت من حسد أهلها العالم الظاهر فيهم، الماهر منهم واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم ما يأتي من حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته بأضعاف ما في سائر البلدان؛ إن أجاد قالوا سارق مغير، وإن انتحل قذع وإن توسّط قالوا: غث بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق، قالوا: متى كان هذا ومتى تعلم؟ وفي أي زمان قرأ ولأمّه الهبل. وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقتين إما شفوفا دائما يعليه على نظرائه، أو سلوكا في غير السبيل التي عاهدوها فهنالك حمي الوطيس على اليائس، وصار غرضا للأقوال وهدفا للمطالب، وعرضا للتطرق إلى عرضه، وربّما نحل ما لم يقل، وطوق ما لم يتقلد، وألحق به ما لم يفه به، ولا اعتقده قلبه، فإن لم يتعلق بالسلطان بحظ لا يسلم من المتالف، ولا ينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غمز ولمز، وتعرض وهمز وسترت فضائله وهتف ونودي بما أغفل فتسكن لذلك همته، وتكل نفسه وتبرد حميته. الخ كلامه انظر بقيته في رسالته المثبوتة في نفح الطيب.
فليت شعري ما يقال بعد خراب الأندلس وضعف الإسلام في القرن الرابع عشر.
وجماع القول أن من جهل شيئا عاداه، والمزكوم لا يجد رائحة العطر بل يأباه، ويرحم الله أبا الثناء محمود بن عبد الله الألوسي البغدادي صاحب روح المعاني إذ يقول:
وإذا الفتى بلغ السماء بفضله ... كانت كأعداد النجوم عداه
ورموه عن حسد بكل كريهة ... لكنّهم لا ينقصون علاه
ولولا تفكري في أمر أبي الحسن الخزاعي، وأن ما أحياه من ماثر الأسلاف، وإن قضى عليه الزمن الأخير بالنكران، فقد قيضتني الأقدار، بعد أن مضى على موته نحو من ستمائة سنة بلا اختيار، لإحياء مراسمه والاهتبال، بمعالمه، والانفعال لعوامله في مثل ذلك الزمن والآتي مع غض الطرف عن هذا الذي نحن فيه وليس بمواتي، لكنت قد أضربت عن هذا العمل ونبذته وفارقته تماما وقاطعته، ولكن فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [الأنعام: 89] فإلى المؤمنين بفضائل المعاصرين يجر الحديث وإلى من يؤمن بكرامة الموتى من الآتين نجتهد في بث ما علمناه ونسير السير الحثيث فإليكم
(1/75)

معاشر الآتين وأرواح أفراد من الماضين أسوق هذه المجموعة النفيسة التي هي كمرآة مكبرة تتجلّى لكم منها الحالة الاجتماعية والسياسية والحربية والعلمية والأخلاقية والعائلية التي كانت في زمن مصدر النبوة، وإبان فيضان الكمال بأتم معانيه، في وقت الرسالة المحمدية فخذوها شاكرين. واقرؤوها بالخير ذاكرين والله المستعان وعليه لا على غيره التكلان وهذا حين الشروع في المقصود مستعينا بالرب المعبود سبحانه «1» .
__________
(1) جزى الله المؤلف خيرا فقد صدق في قوله، وأرجو أن يحقق الله بالآتين ظنه، فكتابه من أنفس ما كتب في بابه، وأوسع ما يمكن لذي قلم أن يجمع من ثمره ولبابه. رحمه الله رحمة واسعة، وألحقه بشجرته الطيبة المباركة من آل الكتاني الكرام، سلاسة سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهم وألحقنا بركابهم آمين. مصححه.
(1/76)

القسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة)
وما يضاف إلى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد من الصحابة
(1/77)

الخلافة
«قال الفخر الرازي: الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه. وفي صناعة الكتابة لابن النحاس: وعلى هذا خوطب الصديق فقيل له: يا خليفة رسول الله وهو أول من ولي الخلافة في الإسلام» خزاعي.
الخلافة هي الرياسة العظمى، والولاية العامة الجامعة، القائمة بحراسة الدين والدنيا، والقائم بها يسمّى الخليفة، لأنه خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإمام لأن الإمامة والخطبة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لازمة له، لا يقوم بها غيره إلا بطريق النيابة عنه؛ كالقضاء والحكومة، ويسمّى أيضا أمير المؤمنين. وهو الوالي الأعظم لا والي فوقه ولا يشاركه في مقامه غيره، وأول خلافة انعقدت على حقيقتها ووجهها في الأرض، خلافة أبي بكر رضي الله عنه. أخرج ابن عديّ عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون، فقال: والله ما زدتني إلا غما. قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أيام، فدخل عليه بلال فقال: يا رسول الله من يصلي بالناس؟ فقال: مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسكوت الله وسكت المسلمون لسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعجبه فقال: بارك الله فيك.
وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة أبي بكر من آيات القرآن، فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: 54] قال: هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير في قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح: 16] قال: هم بنو حنيفة. قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة: هذه الآية حجة على خلافة الصديق، لأنه الذي دعا إلى قتالهم، وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول: خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية، قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه إلّا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة، ومن منع الزكاة. قال: فدلّ ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته، إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذّب عذابا أليما. قال الحافظ بن كثير: ومن فسّر القوم بأنهم فارس
(1/79)

والروم فالصديق هو الذي جهز الجيش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان، وهما فرعا الصديق، وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: 55] الآية قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة أبي بكر.
وأخرج البيهقي عن ابن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق، وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم. وفي الفروق لأبي العباس القرافي ص 182 من الجزء الثاني قال العلماء: إن قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: 44] إنه الخلافة وأنه صلى الله عليه وسلم كان يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه، فيقولون له: ويكون لنا الأمر من بعدك: فيقول صلى الله عليه وسلم: إني قد منعت من ذلك، وإنه قد أنزل عليه وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ الزخرف: 44] فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء، وقد سئل بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سبحان الله إنا بالقيروان نعلم من هو أصلح منا للقضاء، ومن هو أصلح منّا للفتيا، ومن هو أصلح منا للإمامة، أيخفى ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق. وصدق رضي الله عنه فيما قاله اهـ.
وهو رضي الله عنه أول من أسلم، وأول من جمع القرآن وأول من سمّاه مصحفا، وأول من سمّي خليفة. أخرج أحمد عن أبي بكر ابن مليكة قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة الله قال: أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا راض به. وأول من ولي الخلافة وأبوه حي وأول خليفة فرض له رعيته العطاء.
أخرج البخاري عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين، وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وفي ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق. فقال عمر: أين تريد؟ قال: إلى السوق. قال: أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قال:
انطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين، ليس بأفضلهم ولا أركسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره، ففرض له كل يوم نصف شاة، وما كساه في الرأس والبطن، وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين. قال: زيدوني لأن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة. وهو أول من اتخذ بيت المال كما سبق. قال الحاكم: أول لقب في الإسلام لقّب أبي بكر عتيقا قال الحافظ السخاوي: وهو أول من لقب بشيخ الإسلام اهـ وقال الشهاب أحمد حلولو في شرحه على «جمع الجوامع» : أما
(1/80)

كون أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد اتفقت الصحابة على إطلاقه، وذلك لما اقتضته الأدلة من الاستخلاف، وهي كثيرة جدا مبسوطة في الكتب المطولّة، متواطئة على معنى واحد، غير أنه ليس فيها نص صريح؛ لأنه لو كان لما وقع التردد منهم أولا في يوم السقيفة، وأما تسمية بقية الخلفاء بأمراء المؤمنين فبإطلاق الصحابة اهـ.
وقال الحافظ ابن حزم في «نقط العروس» : من ولي الخلافة بعهد اختلف الناس في أبي بكر. والذي أدين الله به: أنه ولي الخلافة بعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ونص عليه لإجماع أهل الإسلام على تسميته خليفة رسول الله، ولم يسمّ أحد بهذا الإسم أحدا غيره، ولا ممن استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، ولا ممن استخلفه على الصلوات في غزواته وحجته، وللخبر الثابت «1» الذي رويناه من طرق ثابتة في قصة المرأة التي قالت: يا رسول الله، فإن رجعت ولم أجدك كأنها تريد الموت قال: «فأبو بكر» ، هكذا نص الحديث كما أوردناه، ولغير هذا مما ذكرناه في كتاب «الفيصل» ولله الحمد اهـ وقال ابن جزيّ في «القوانين» : الدليل على إثبات إمامة الخلفاء الأربعة من ثلاثة أوجه: أحدها أن كل واحد منهم جمع شروط الإمامة على الكمال، والآخر أن كل واحد منهم أجمع المسلمون على بيعته والدخول تحت طاعته والإجماع حجة، والثالث ما سبق لكل واحد منهم من الصحبة، والهجرة والمناقب الجليلة، وثناء الله عليهم وشهادة الصادق لهم بالجنة، ثم إن أبا بكر وعمر أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلافتهما وأمر بالإقتداء بهما، وقدم أبا بكر على حجة الوداع وعلى الصلاة بالناس في مرض موته، وذلك دليل على إمامته ثم استخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الأمر شورى بين ستة نفر، فاتفقوا على تقديم عثمان. إلى أن قتل مظلوما، ثم كان أحقّ الناس بها بعده علي لمرتبته الشريفة وفضائله المنيفة.
وأول من سمّي بأمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب اتفاقا، وذلك أن أبا بكر لما بويع كانوا يسمونه خليفة رسول الله، فلما بويع عمر كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول الله فاستثقلوا ذلك، وكرهوا تزايده داعيا إلى أن يؤدي إلى الاستهجان، ويذهب التمييز المقصود به لكثرتها وطول إضافتها، فاتفق أن دعا بعض الصحابة عمر بن الخطاب بأمير المؤمنين فيما كتبه إليه أبو موسى الأشعري، وفيما خاطبه مشافهة عدي بن حاتم الطائي أو المغيرة بن شعبة أو عمرو بن العاص أو غيرهم، فاستحسنه الناس واستصوبوه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق هذا الاسم قبله على عبد الله بن جحش حين بعثه في سرية.
وقال الحافظ السيوطي كما في «المصباح الوهاج» ، حين ذكر أن أبا بكر بعد موته عليه السلام بعث أسامة على جيش للشام، فكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير
__________
(1) رواه البخاري في كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب 5 ص 191/ 4 ونصه: إن لم تجديني فأتي أبا بكر.
(1/81)

المؤمنين. وروي عن سيدنا عمر أنه كان إذا رأى أسامة قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فيقول أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين تقول لي هذا فيقول لا أزال أدعوك الأمير ما عشت. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت عليّ أمير اهـ.
ووقع في الأسئلة التي قدمها الشيخ تاج الدين السبكي للصلاح الصفدي:
من عدّ من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر
ولم يكن قرشيا حين عدّ ولا ... يجوز أن يتولى إمرة البشر؟
ومن جواب الحافظ السيوطي عن الأسئلة المذكورة:
ثم المسمى أمير المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر
أسامة حين ولاه النبي على ... سرية لقبوه ذاك في السفر
ثم توارث الخلفاء هذا اللقب سمة لا يشاركهم فيها أحد وتنافسوا فيها؛ خصوصا ملوك بني أمية، ثم بني العباس الذين كانوا ببغداد، إلا من رأى أنه أحق منهم بالخلافة ببقية الأقطار، كإمام المغرب أبي العلاء، مولانا إدريس بن عبد الله الكامل، قدس الله روحه الزكيّة، فإنه قام بالأمر هنا، بإيصاء أخيه محمد النفس الزكية له بالأمر، وقد كان بويع في المدينة بالخلافة قبل بيعة أبي جعفر المنصور العباسي، فكان هو الخليفة الشرعي، وفي شرح ابن زكري على همزيته: إن النفس الزكية انعقدت له الإمامة قبل بني العباس، ولهذا كان مالك وأبو حنيفة يجنحان إليه ويرجّحان إمامته على بني العباس ويريان أن إمامته أصحّ من إمامة أبي جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل اهـ وأصله للحافظ التنسي في الدر والعقيان.
وقال غيرهما: بيعة بني العباس هي غير المنعقدة لأنهم خارجون، وبيعة مولانا إدريس ثابتة، ولذلك ثبت أن مولانا إدريس الأكبر قال في خطبته حين بيعته: إن الذي تجدونه عندنا لا تجدونه عند غيرنا، وفي كنز الأسرار للمقري: سبب اشتهار مذهب مالك بالمغرب واقتصارهم عليه وأمر مولانا إدريس لهم باتباعه: رواية مالك في الموطأ عن جده عبد الله الكامل، وفتياه بخلع أبي جعفر المنصور العباسي، وبيعته لمحمد النفس الزكية وعهده لأخيه إدريس الأكبر بالخلافة بعده قاله ابن خالدون.
فكان مالك هو السبب في ولايتهم الملك، فقال إدريس نحن أحق باتباع مذهبه وقراءة كتابه يعني الموطأ، وأمر بذلك في جميع عمالته اهـ وانظر الدر النفيس. وكعبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموي المتوفّى سنة خمسين وثلاثمائة.
قال ابن جزيّ في قوانينه: هو أول من دعي بالأندلس أمير المؤمنين اهـ قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: هو أول من تسمى بالأندلس بالخلافة وبأمير المؤمنين لما وهت الدولة العباسية في أيام المقتدر، وكان الذين قبله إنما يتسمون بالأمير فقط اهـ وفي أزهار الرياض:
والناصر هو من تسمّى بأمير المؤمنين من بني أمية بالأندلس، لأن الدولة عظمت في أيامه، حين اختلط نظام ملك العباسيين بالمشرق وتغلبت عليه الأعاجم اهـ منه. وإنما أعلن الناصر
(1/82)

بذلك لما رأى من ضعف أمر الخلفاء العباسيين ببغداد، إذ لقب نفسه أمير المؤمنين، وأورث من عقبه هذا اللقب، واستهل خطيبه بجامع قرطبة خطبة الجمعة بذلك سنة 316، وأنفذ منشوره بذلك لعماله جاء فيه: وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو لهذا الاسم منتحل له ودخيل ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه واسم ثابت أسقطناه، فمر الخطيب لموضعك أن يقول به، وأجر مخاطبتك لنا عليه اهـ.
ولما قام عبيد الله المهدي أول ملوك العبيدين بأفريقية تسمّى بأمير المؤمنين لأنه كان رأى أنه أحق بالخلافة من بني العباس المعاصرين له بالمشرق، قال صاحب تاريخ دول الإسلام: فهو أول من زاحم الخليفة بهذا اللقب اهـ ثم تبعه على ذلك عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس، ورأى أن له الحق في الخلافة، اقتداء بسلفه الذين كانوا خلفاء بالمشرق، ثم لم يتجاسر أحد لا من ملوك العجم بالمشرق، ولا من ملوك البربر بالمغرب على التلقب بأمير المؤمنين، لأنه لقب الخليفة الأعظم القرشي، إلى أن جاءت دولة المرابطين وكان منهم يوسف بن تاشفين واستولى على المغربين، والأندلس وعظم سلطانه واتسعت مملكته، وخاطب الخليفة العباسي بالمشرق، فولاه على ما بيده وتسمى بأمير المسلمين، أدبا مع الخليفة، وقيل: أول من دعاه بها المعتمد بن عباد صاحب ملك الأندلس، فاستحسن ذلك منه. ثم لقبّه بها صاحب بغداد، ثم جرت على من بعده.
ولما تكلم ابن أبي زرع على وقعة الزلاقة وكانت سنة 479 وما أوتيه فيه من النصر قال:
وفي اليوم نفسه سمّي يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين، ولم يكن يدعى بها قبل ذلك اهـ.
قلت: مثل ما لابن أبي زرع لغير واحد. نعم في كتاب أخبار الدول وآثار الأول للقرماني أن عبد الله بن ياسين ممهد دولة الموحدين، سمّى أبا بكر بن عمر رأس قبيلة اللمتون لما بايعه بأمير المسلمين، ولا شك أن بيعته كانت قبل وقعة الزلاقة بكثير فيحتمل أن يكون الملقب أولا ابن عمر، ثم اشتهر على يوسف المبايع بعده لما لقبه به رسميا في الأندلس المعتمد بن عباد في وقعة الزلاقة، ثم أقره عليه الخليفة العباسي والله أعلم، وصار اللقب بأمير المسلمين شعار المرابطين ففي مكتبتنا طرف من الموطأ انتسخت في الرق لعلي بن يوسف بن تاشفين سنة 530 على أول بعض أجزائها: مما كتب لخزانة أمير المؤمنين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين أدام الله تأييده ونصره يحيى بن محمد بن عباد اللخمي اهـ من خطه.
وفي مكتبتنا في قسم السكك دراهم ليوسف بن تاشفين، رسم عليها وصفه بأمير المؤمنين. وهو يؤيد ما في كتاب أخبار الدول وآثار الأول. لأحمد بن يوسف القرماني الدمشقي في ترجمة يوسف بن تاشفين أنه تلقب بأمير المؤمنين اهـ انظر ص 254 طبع بغداد.
(1/83)

ورأيت عياضا وصف ولده علي بن يوسف بن تاشفين مرارا في الغنية بأمير المؤمنين، ولما أعقبت دولة المرابطين الدولة الموحدية أعلنت بما تهوى قال ابن جزيّ في قوانينه عن عبد المؤمن بن علي الموحدي تسمى بأمير المؤمنين اهـ.
وأفاد صاحب تاريخ دول الإسلام أن عبد المؤمن تسمّى بأمير المؤمنين سنة 528 واتسم بوسم الخليفة، وتبعه على ذلك بنوه، ففي مكتبتنا نسخة من اختصار الموطأ للمهدي بن تومرت وأماليه، انتسخت بفاس سنة 588 طالعتها وفيها تحلية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بأمير المؤمنين، ولا يستغرب ذلك في الدولة الموحدية، لأنهم تجاوزوا ذلك إلى إدعاء العصمة والمهدوية، في إمامهم ابن تومرت.
ومن العجيب ما وقع في باب الأيمة من قريش من فتح الباري من أن قطري أحد أيمة الخوارج تسمى بأمير المؤمنين قال: وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج؛ ممن قام على الحجاج كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما، فتسمى بالخلافة وليس بقرشي كبني عباد وغيرهم بالأندلس، كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها اهـ منه.
ولكن لما جاءت الدولة المرينية محت ذلك واقتصر ملوكها على التلقيب بأمير المسلمين، وبذلك كان يدعى ملوكهم، ولذلك نجد على بناآتهم وآثارهم الوصف بأمير المسلمين لا المؤمنين تمييزا لهم عن لقب الخلفاء بالمشرق، وفي مكتبتنا مد لإخراج زكاة الفطر من آثارهم نقش في صدره ما نصه.
الحمد لله- أمر بتعديل هذا المد المبارك مولانا أمير المسلمين أبو الحسن بن مولانا أمير المسلمين أبي سعيد بن مولانا أمير المؤمنين أبي يوسف بن عبد الحق أيده الله ونصره الخ.
وفي مكتبتنا أيضا أوراق من ربعة مصحف كريم في الرق في آخره بالذهب: كمل الجزء السادس عشر، مما نسخ لمولانا الملك العادل التقى الأطهر، أمير المسلمين وخليفة رب العالمين، أبو سعيد بن مولانا المقدس يوسف بن عبد الحق الخ واقتدى بهم في ذلك ملوك بني زيان بتلمسان، ففي مكتبتنا ربعة مصحف انتسخها بيده السلطان أبو زيان محمد بن أبي حم سنة 801 ووقع في آخرها وصفه بأمير المسلمين.
ولكن لما كانت انقطعت الخلافة ببغداد وكثر الأمراء في الجهات واستقل كل في جهته الحال الذي وصفه ابن الخطيب بقوله:
حتى إذا سلك الخلافة انتثر ... وذهب العين جميعا والأثر
قام بكل بقعة مليك ... وصاح فوق كل غصن ديك
توسع ملوك الأطراف في التلقيب بأمير المؤمنين، وتهافتوا عليه فيما بعد وخصوصا ملوك الدولة السعدية، ففي عقود تحبيساتهم في مكتبة القرويين وصفهم بأمير المؤمنين
(1/84)

كثيرا، وبالأخص يتيمة عقدهم أبو العباس المنصور، مع احترامه لملوك الترك العثمانيين وكونهم أولياء نعمته وشيوخه نراه يكتب فوق كثير من عقود التحبيس عن نفسه أمير المؤمنين ذاهبا بها قلمه كيف شاء، وهكذا الحال إلى الآن وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140] .
وفي مقدمة العبر لدى فصل إن اللقب بأمير المؤمنين من شعار الخلافة وأنه محدث، منذ عهد الخلفاء أنه لما تعطل دستها، وثار بالمغرب من قبائل البربر يوسف بن تاشفين ملك لمتونة ملك العدوتين، وكان من أهل الخير والاقتداء نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة، تكميلا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي، وأوفد عليه ببيعته عبد الله بن العربي، وولده القاضي أبا بكر من مشيخة أشبيلية، يطلبان توليته إياه على المغرب، وتقليده ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب، واستعار زيهم في لبوس رتبة وخاطبه فيه بأمير المؤمنين تشريفا له واختصاصا، فاتخذه لقبا. ويقال إنه كان دعا له بأمير المؤمنين من قبل أدبا مع رتبة الخلافة، لما كانت عليه هو وقومه المرابطون من انتحال الدين واتباع السنة، ثم انتحل عبد المؤمن الموحدي اللقب بأمير المؤمنين، وجرى عليه من بعده خلفاء بني عبد المؤمن، وآل ابن حفص من بعدهم، استيثارا بهم عمّن سواهم، ولما انتقض الأمر بالمغرب وانتزعه زناتة «1» ، ذهب أولهم مذهب البداوة والسذاجة، واتباع لمتونة في انتحال اللقب بأمير المؤمنين، أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن أولا، وبني حفص من بعدهم، ثم انتزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين، وانتحلوه إلى هذا العهد اهـ وقوله المؤمنين لدى كلامه على يوسف بن تاشفين، وبني مرين هو كذلك في طبعتي مصر الأولى والثانية وهو تصحيف وصوابه: أمير المسلمين وهو المعروف كما أن ما ذكره من أن يوسف بن تاشفين أوفد على المستظهر العباسي ببيعته عبد الله بن العربي وولده القاضي أبا بكر الخ منقوض بأن ابن العربي ووالده ذهبا للمشرق فرارا من يوسف بن تاشفين لما سقطت دولة المعتمد بن عباد، بدليل أن عبد الله بقي بالمشرق متجولا إلى أن مات هناك إجماعا، وولده أبو بكر بقي بعده ورجع لبلده لا لمراكش وفي مدة انتقالهما وجولانهما بالمشرق اعتقلت أملاكهما عليهما إلى أن رجع أبو بكر فتشفع في ردها عليه الحافظ أبو علي الصدفي. انظر كتابنا حول كتاب العواصم لابن العربي المذكور.
ذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح
هكذا ترجم الأسيوطي [السيوطي] في حسن المحاضرة ص 108 من الجزء الثاني فذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب قال لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال
__________
(1) زنانة: اسم قبيلة بربرية معروفة.
(1/85)

له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر، وخرّج أيضا عن عمر قال: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال:
ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا فسكت عمر، وأما السلطان من حيث الإصطلاح فقال ابن فضل الله في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الإصطلاح أن لا تطلق هذه التسمية (السلطان) إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك مثلا مصر وأهل الشام أو مثلا إفريقية والأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة ومثل خراسان وعراق العجم وفارس ومثل إفريقية والمغرب الأوسط والأندلس كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية اهـ انظر حسن المحاضرة وتاريخ القرماني ص 221.
«لطيفة» وفي مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية أن أبا جعفر المنصور أحضر ليلة عبد الله بن علي وصالح بن علي في نفر معهما فقال عبد الله بن علي يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما هرب إلى بلاد النوبة «1» جرى بينه وبين ملكها كلام فيه أعجوبة سقط عني حفظه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يرسل إليه بحضرتنا، ويسأله عما ذهب عنا، وكان في الجيش. فأرسل إليه أبو جعفر فلما دخل قال له: أخبرني بحديثك وحديث ملك النوبة. قال: يا أمير المؤمنين هربت بمن تبعني بأثاث سلم لي إلى بلاد النوبة، فلما دخلت بلادهم فرشت تلك الأثاث، فجاء أهل النوبة ينظرون معجبين إلى أن بلغ الخبر إلى ملكهم فجاءني فلما وصل قعد على الأرض قال: إنكم تشربون الخمر وهو محرم عليكم، فقلت: عبيدنا وأتباعنا يفعلون ذلك بالجهل منهم. فقال: فلم تلبسون الديباج والحرير، وتتحلون الذهب وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك وإنقطعت المادة واستنصرنا بقوم من الأعاجم كان هذا زيهم فكرهنا الخلاف عليهم، فأطرق يقلب يده ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا. يكرر الكلام على نفسه. ثم نظر إليّ وقال: ليس ذلك كما تقول، ولكنكم قوم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما به أمرتم، وركنتم إلى ما عنه نهيتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بكم النقمة، وأنتم ببلدي فتصيا بني معكم، فارتحلوا عن جواري، فقام أبو جعفر وقيد من كلامه قال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
[الإسراء: 16] اهـ.
وقد ذكر القصة بمعناها أيضا المسعودي في مروج الذهب، ثم ابن خالدون في مقدمة
__________
(1) بلاد النوبة هي في أقصى الصعيد المصري. مصححه.
(1/86)

العبر، وانظر المسند الصحيح الحسن في ماثر أمير المؤمنين أبي الحسن، وإيضاح المراشد في أجوبة أبي راشد كلاهما للخطيب بن مرزوق، ومقدمة كتاب القضاء من شرح التقليد للماوردي المالكي؛ فإنه حرر مواضع الخلافة، وهذب طرقها وما يحتاج إليه من ذلك، وكتاب إمام الحرمين الجويني في الخلافة، الذي سماه غياث الأمم في التياث الظلم وهو عنده مرتب على ثلاثة أركان: الركن الأول في الإمامة وما يليق بها من الأبواب، والركن الثاني في تقدير خلوّ الزمان عن الأيمة وولاة الأمة والركن الثالث: في تعذير إنقراض حملة الشريعة جملة. صنفه لغياث الدولة وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر، وانظر مقدمة كتاب: نصيحة الصفا في قواعد الخلفا لأبي العباس أحمد بن محمد بن يعقوب وهو مشتمل على أبواب خمسة: الأول في معنى الخلافة الثاني في حرزها الثالث في إستقرارها الرابع في كمالها وحربها الخامس في جعلها وسيلة للفوز بالخلافة الآخروية.
لطيفة أخرى: في ثمار القلوب للثعالبي: كان أبو الفتح البستي يستحسن قولي في كتاب المبهج: الملك خلافة عن الله في عباده وبلاده، ولن تستقيم خلافته مع مخالفته اهـ.
وفي ترجمة أبي عبد الله المقري التلمساني من تكملة الديباج عنه أنه قال: سألني بعض الفقراء عن سوء بخت المسلمين في ملوكهم؛ إذ لم يلهم من سلك بهم الجادة، بل من يغتر بدنياه غافل عن عقباه، لا يرقب في مؤمن إلا ذمة، فأجبته بأن الملك ليس في شرعنا، بل هو شرع من قبلنا قال تعالى ممتنا على بني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [المائدة: 20] وقال: قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً [البقرة: 247] وقال: وَهَبْ لِي مُلْكاً [ص: 35] ولم يشرع لنا إلا الخلافة، فأبو بكر خليفته عليه السلام، كما فهم الناس عنه. وأجمعوا عليه، واستخلف عمر؛ فخرج عن طريق الملك الذي يرثه ولد عن والد، إلى الخلافة التي هي النظر والإختيار. ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، وأخرجها عمر عن بنيه؛ لأنها ليست ملكا. ثم تعين علي بعد إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، والآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أولّ من حوّلها ملكا.
والخشونة لينا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 110] فصارت ميراثا. ثم لما خرجت عن وصفها لم تستقم ملكا.
وكان عمر بن عبد العزيز خليفة لأن سليمان آثر حق المسلمين، فرغب عن بني أبيه، وعلم اجتماع الناس إليه فلم يسلك طريق الإستقامة إلا خليفة، وأما الملوك فكما ذكرت إلا من قل، وغالب حاله غير مرضي اهـ.
قال الحافظ في أول كتاب الأحكام من الفتح: ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية؛ لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعوني. في قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] فقال له: أليس قد نزعت عنكم يعني الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [النساء: 59]
(1/87)

قال الطيبي أعاد الفعل في قوله: أطيعوا الرسول إشارة إلى إستقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بين ذلك بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله اهـ.
الوزير
«قال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعن له من الأمور اهـ وقد صرح ابن العربي في سراج المريدين والأحكام بتحسين حديث فيه أن أبا بكر وعمر وزراء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض» .
قلت: وفي القوانين لابن جزي في حق عمر: وكان هو وأبو بكر وزيرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته اهـ منها. ولا شك أن حالهما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعطي إلا ذلك، وبما وصلاه من هذه الرتبة العظيمة إستخلفهما المسلمون بعده، وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم مكان الوزير؛ فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم عليه أحدا. انظر ص 23 من تاريخ الخلفاء للسيوطي، وقد جاء ذكر الوزير في كثير من الأحاديث؛ أخرج النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من وليّ منكم عملا فأراد به خيرا جعل له وزيرا صالحا فإن نسي ذكره وإن ذكره أعانه «1» .
وخرّج أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله بالأمير خيرا حعل الله له وزير صدق إن نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإن أراد الله به غير ذلك جعل الله له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه» «2» . وأصله في الصحيح.
ترجم على الحديث المذكور أبو داود في سننه باب إتخاذ الوزير وأورده في الجامع الصغير، وعزاه لأبي داود والبيهقي قال المناوي في التيسير: رمز المؤلف لحسنه، ولعله لشواهده. وإلا فقد جزم الحافظ العراقي بضعفه اهـ وقال الشمس العلقمي في حواشي الجامع المسماة بالكوكب المنير بجانبه علامة الحسن، وقال أيضا قوله: وزير، الوزير هو الذي يوازر الأمير، فيحمل عنه ما يحمله من الأثقال، والذي يلتجىء الأمير إلى رأيه، فهو ملجأ له ومفزع انظر بقيته فيه، وفي عون الودود على سنن أبي داود للفنجابي: الحديث يدل على إستحباب إتخاذ الوزير عند الحاجة لأمور السياسة اهـ.
وكان على الخزاعي أن يذكر هنا قول عبد الله بن مسعود وهو عند أحمد والبزار والطبراني في الكبير قال النور الهيثمي ورجاله موثّقون: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد
__________
(1) رواه النسائي في كتاب البيعة رقم 39- 33 ج 7 ص 159.
(2) رواه أبو داود تحت رقم 2932 ج 3 ص 345.
(1/88)

قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ونظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سييء وأن يذكر أيضا ما خرّجه الآجري في أربعينه، عن عبد الرحمن بن خديج بن ساعدة رفعه: إن الله إختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.
وفي أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب للحافظ السيوطي أيضا: وأيد عليه السلام بأربعة وزراء جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمر، وأعطي من أصحابه أربعة عشر نجباء، وكل نبي أعطي سبعة اهـ قال البدر الروضي في شرحه عليه قلت: قد جاء بيان هذه الأربعة عشر في الحديث من طرق مع إختلاف الأسماء فمنها ما جاء: لم يكن نبي قط إلا أعطي سبعة نجباء ووزراء رفقاء، وأعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبا بكر وعمر وعليا والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة وأبا ذر وبلالا ومصعبا اهـ.
وفي سيرة ابن فارس: وأما رفقاؤه النجباء فعلي وابناه وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وأبو ذر والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمار بن ياسر وبلال.
وفي الاستيعاب ورد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لم يكن نبي إلا أعطي سبعة نجباء وزراء ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر فذكرهم بأسمائهم لكنه مرة قدّم بعضهم ومرة أخر. والمقصود التسمية والعدد.
وبذلك كله تعلم ما في قول أبي عبد الله اكنسوس في الجيش لما جاء الإسلام، وصار الملك خلافه، وذهب رسم الملك، وذهبت تلك الخطط اللازمة بذهابه، وبقيت المعاونة بالرأي والمفاوضة بالمصالح المستجلبة، والمفاسد المستدفعة، فلم يمكن زوال هذا. إذ هو أمر طبيعي لا بد منه، فكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، ويفاوضهم في المهمات العامة والخاصة، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان بعض العرب الذين عرفوا دول العجم قبل الإسلام كسرى وقيصر والنجاشي؛ يسمون أبا بكر وزير النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان عمر مع أبي بكر، وعلي وعثمان مع عمر، ولم تكن العرب تعرف لفظ الوزير في هذه المرتبة، وإنما علمها منهم من خالط العجم، هذا حاصل ما ذكره ابن خالدون اهـ وتعلم أيضا ما في نقل القلقشندي في صبح الأعشي عن القضاعي وغيره: أن أول من لقب بالوزارة في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلالّ وزير أبي العباس السفاح، أول خلفاء بني العباس، ولم يكن ذلك قبله. ثم جرى الأمر على ذلك في إتخاذ الخلفاء والملوك الوزراء اهـ سيما وإستعمال الوزير وقع في القرآن حكاية عن الأنبياء قبل. فعن موسى عليه السلام:
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي [طه: 29] وقال تعالى: وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً [الفرقان: 35] فتأمل ذلك.
(1/89)

ذكر صاحب السر
«صرّح الخطيب في تاريخ بغداد: أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع تسميته بذلك أيضا في سنن النسائي، في قصة ذهاب علقمة للشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء فإن أبا الدرداء قال له: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟» .
قال في أسد الغابة: حذيفة صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عمر أفي عمالي أحد من المنافقين؟ قال:
نعم، واحد قال: من هو؟ قال: لا أذكره. قال حذيفة: فعزله فكأنما دل عليه اهـ.
في ذكر الآذن [الحاجب]
قلت: قال الشبراملسي في حواشي المواهب قوله: ويأذن عليه أن يراجع النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يريد الدخول عليه، ثم يأذن له إذا علم رضى النبي بذلك، وأما من كان يأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
«فخرّج مسلم «1» عن جابر بن عبد الله قال: جاء أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن له، وفي كتاب أنباء الأنبياء للقضاعي: آذنه أنس بن مالك. قال ابن العربي في الأحكام: كان أنس بن مالك يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعمل على قوله وفي ذلك دليل على أنه يجوز من الصغير، وفي الصحيح مطولا في كتاب النكاح من حديث الحسن فقال لغلام له أسود:
أستأذن لعمر. وفي مختصر السير لإبن جماعة: وآذن عليه السلام رباح الأسود وأنسه مولاه» .
استيذان رباح الأسود المذكور على النبي صلى الله عليه وسلم لعمر «1» ، لما كان في المشربة في صحيح مسلم أيضا، وأسد مولاه ترجمه في الإصابة ص 32 نقلا عن تاريخ جمعه العباس بن محمد الأندلسي للمعتصم بن صمادح وفيه: وكان أنس ومولاه أسد يستأذن عليه اهـ وأنسه المذكور يكنى أبا يشرح، ويقال أبا يسروح وكان يأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس، فيما حكاه مصعب الزبيري. ومات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وذكر ذلك في ترجمته في الإصابة ناقلا له أيضا عن خليفة. وذكر فيه التردد هل هو أنيس أو أنسه أو التعدد، ورباح مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال في الإستيعاب: كان أسود، وربما آذن على النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا إذا انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ عليه الإذن، وترجم في الإصابة لعبد الله بن زغب الأيادي فقال: ويقال إنه كان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن
ترجم في الإصابة لمالك بن أبي العيزار فقال هو مذكور عند إبراهيم الحربي في
__________
(1) انظر كتاب النكاح من البخاري ج 6 ص 149. وكتاب الطلاق في مسلم ص 1104/ 2.
(1/90)

غريب الحديث عن عائذ بن سعيد الجسري قال: وفدنا على النبي صلى الله عليه وسلم فلقينا الضحاك بن سفيان وابن ذي اللحية الكلابي لم يؤذن لهما فقال: يا مالك وهو أحد الوفد إن جسرا قد أتى بها، فإذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل كذا وقل كذا فقال: أنا إلى الإذن أحوج مني إلى التلقين، ثم نادى مالك إئذن لوفد جسر يا رسول الله فأذن لنا. الحديث.
الحاجب
في العقد الفريد لإبن عبد ربه وحاجبه عليه السلام أبو أنسه مولاه اهـ منه ص 174 من ج 2 وقد تكلم في صبح الأعشى على الحجابة فقال: كان موضوعها عند الخلفاء الراشدين حفظ باب الخليفة، والإستيذان للداخلين عليه، لا للتعدي للحكم في المظالم.
وقد ذكر القضاعي في تاريخ الخلائف ما يقتضي أن الخلائف لا تزال تتخذ الحجاب من لدن الصديق فمن بعده، فسمى هو وغيره شديدا وشريف مولى أبي بكر كان حاجبه، ويرفأ حاجب عمر بن الخطاب، وحمران مولى عثمان كان حاجبه أيضا نائل مولاه، وحاجب علي كرم الله وجهه قنبر، وكان قبله بشر مولاه أيضا، وفي فتح الباري: أما إتخاذ الحاجب فقد ثبت في قصة عمر في منازعة العباس وعلي أنه كان له حاجب يقال له: يرفأ ومضى ذلك في فرض الخمس واضحا اهـ من كتاب الأحكام.
البواب
«في الصحيح عن أنس قال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: إتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى» «1» .
قلت: بالأفراد عند البخاري في الأحكام وله في الجنائز، فلم تجد عنده بوابين بالجمع، وفائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إستشعرت خوفا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه كالملوك، له حاجب وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. كذا قال الطيبي.
أقول: يخطر بالبال أن مرادها لم تجد بوّابه في تلك الحالة حاضرا. فلا ينافي أنه كان له من يدخل الناس عليه عليه السلام بدليل ما سبق في الآذان، وفي المواهب اللدنية: ومن تواضعه عليه السلام: أنه لم يكن له بواب راتب، ثم ذكر حديث المرأة المذكورة. قال الزرقاني: فلا ينافي وجود بوّاب أحيانا لأمر ما. ثم قال في المتن: لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جلس على القف بضم الفاء (الدكة تجعل
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الجنائز ج 2 ص 79.
(1/91)

حول البير، أو حافة البئر) وهي قصة بير أريس، فإن فيها كما في الصحيحين: فجلست عند الباب فقلت: لأكوننّ بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم. زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني.
الحديث في مجيء أبي بكر ثم عمر ثم عثمان واستيذانه عليهم، وقوله عليه السلام في كل:
إفتح له وبشره بالجنة «1» . وفي رواية أبي عوانة: أملك على الباب فلا يدخل عليّ أحد. قال القسطلاني وجمع بين القصتين: بأنه كان عليه السلام إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة. أي: وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابا. قاله الزرقاني.
وفي حديث عمر حين إستأذن له رباح الأسود حين آلى من نسائه شهرا كفاية اهـ وفي باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها من كتاب النكاح من فتح الباري على قول عمر فقلت لغلام له أسود: إستأذن على عمر فدخل الغلام، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمات النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتك له فسكت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فقلت للغلام إستأذن لعمر فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك، فصمت فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت إستأذن لعمر فدخل ثم رجع إليّ فقال قد ذكرتك له فصمت فلما وليت منصرفا قال: إذا الغلام يدعوني فقال قد أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» . قال الحافظ على قوله:
فقلت لغلام له أسود وفي رواية عبيد بن حنين فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة يرقى عليها بعجلة وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس العجلة، واسم هذا الغلام رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة، سماه ضحاك في روايته ولفظه: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة المشربة مدلي رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر وعرف بهذا تفسير العجلة المذكورة في رواية غيره والأسكفة في رواية: بضم الهمزة والكاف بينهما مهملة، ثم فاء مشددة وهي عتبة الباب السفلى وقوله:
على نقير بنون ثم قاف بوزن عظيم أي منقور ووقع في بعض روايات مسلم بفاء بدل النون وهو الذي جعلت فيه بين كالدرج اهـ.
ثم قال الحافظ آخر الترجمة وفيه: جواز إتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس الماضي في كتاب الجنائز، في المرأة التي وعظها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تعرفه، ثم جاءت إليه فلم تجد له بوابين، محمولا على الأوقات التي يحلس فيها للناس. قال المهلب: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته، عند الأمر يطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس وهو نشيط إليهم. فإن الكسير إذا إحتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذنه، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر عظيم المنزلة عنده اهـ.
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الأدب ج 7 ص 123، ج 4 ص 201.
(2) رواه البخاري مختصرا في كتاب تفسير القرآن سورة التحريم: ج 6 ص 70 بدون المقدمة.
(1/92)

ثم قال الحافظ: وفيه أن الحاجب إذا علم منع الآذن بسكوت المحجوب لم يأذن، وفيه مشروعية الإستيذان على الإنسان وإن كان وحده لإحتمال أن يكون على حالة يكره الإطلاع عليها، وفيه جواز تكرار الإستيذان لمن لم يؤذن له إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات كما سيأتي إيضاحه في كتاب الإستيذان في قصة أبي موسى مع عمر، ولا إستدراك على عمر في هذه القصة؛ لأن الذي وقع من الإذن له في المرة الثالثة وقع إتفاقا ولو لم يؤذن له فالذي يظهر أنه كان يعود إلى الإستيذان لأنه صرح كما سيأتي أنه لم يبلغه ذلك الحكم اهـ من الفتح.
وفي كتاب الأحكام من الفتح أيضا على قول البخاري باب ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب قال المهلب: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بواب راتب، يعني: فلا يرد ما مضى في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي صلى الله عليه وسلم لما جلس على القف، قال: فالجمع بينهما أنه إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا إنفراد لشيء من أمره، أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه. وقال الطبري: دل حديث عمر حين إستأذن له الأسود أنه عليه السلام كان في وقت خلوته يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه اهـ انظر بقيته فيه.
تنبيه: لما قسم القرافي البدع إلى أقسام خمسة، وذكر القسم الثالث وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته قال: كإقامة صور للأيمة والقضاة وولاة الأمور؛ على خلاف ما كان عليه الصحابة، بسبب أن المقاصد الشرعية والمصالح لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين، ومن سابق الهجرة حتى اختل النظام، وذهب ذلك القرن، وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور، فتعين تفخيم الصور كي تحصل المصالح، وكان عمر يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم، لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام، ولذلك لما قدم الشام وجد معاوية قد اتخذ حاجبا واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، سأله عن ذلك فقال له: إنا في أرض ونحن فيها محتاجون لهذا، فقال: لا آمرك ولا أنهاك «1» . ومعناه: أنت اعلم بحالك هل محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يكون حسنا. فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأيمة وولاة الأمر تختلف باختلاف الأمصار، والأعصار والقرون والأحوال، فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال اهـ ونقله المنجور [كذا] في المنهج وأقره وزاد أن الأيمة في كلامه شمل الإمامة الكبرى والصغرى وهو حسن جدا.
__________
(1) رحم الله عمر لو كان نهاه لكان منسجما مع قولته المعروفة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. مصححه.
(1/93)

ذكر من تولى خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحرار والموالي
قلت: قال في شرح المواهب: الخادم كان غلاما أو جارية اهـ وقد عدهم العامري في بهجة المحافل أحد عشر.
«وقال ابن جماعة في مختصر السير في ذكر من خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: أبو حمزة أنس بن مالك وهند وأسماء إبنة حارثة الأسلميان، وربيعة بن كعب الأسلمي، قال أبو الفرج ابن الجوزي في مختصر الحلية: ربيعة بن كعب الأسلمي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبيت على بابه لحوائجه. وفي الإستيعاب: كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر» .
قلت: وفي مسلم عنه قال: كنت أبيت على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيه الوضوء، وفي شرح المواهب قال الواقدي: لم يزل مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض فخرج من المدينة.
وترجم في در السحابة لمهاجر مولى أم سلمة يكنى أبا حذيفة فقال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس سنين لم يقل لشيء صنعته لم صنعته؟ ولم يقل لشيء تركته لم تركته؟ اهـ.
ذكر من كان يخدمه عليه السلام من مواليه
(والموالى) جمع مولى، يطلق على المعتق بالكسر والمعتق بالفتح وهو المراد هنا.
وفي بهجة الخ: إعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كل شخص منهم في وقت. وفي بهجة المحافل في فصل مواليه صلى الله عليه وسلم أنهم وصلوا إلى واحد وثلاثين. وعد منهم زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وأبا أنجشه ثم أنيسة ثم شقران ورباح، ويسار وأبو رافع القبطي، أبو مويهبة كركرة، زيد، هلال بن يساف، طهمان، مأبور القبطي، واقد أبو واقد، هشام، وأبو ضميرة عيب [كذا] عبيدة، أبو هند، أنجشة، أبو لبابة، رويفع.
وكان له من الإماء سبع إحدا هن سلمى، وأوصلهم إلى العدد المذكور أيضا المحب الطبري في الخلاصة وفي المواهب عن ابن الجوزي مواليه 43 واماؤه إحدى عشرة قال الزرقاني: زاد غيره عليه عشرة فيهما، وأفرد ذلك بالتصنيف اهـ انظر الألفية وشروحها وسمط الجوهر الفاخر.
تنبيه: قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان بعض منهم في وقت والله أعلم اهـ.
ذكر الموالي الذين أعتقهم عليه السلام في مرضه
وفي نور النبراس نقلا عن أبي طاهر المخلص راويا بسنده إلى سهل بن يوسف عن أبيه عن جده قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه أربعين رقبة، ووقف على نور النبراس الحافظ أبو العلاء العراقي بخطه: أعتق صلى الله عليه وسلم في مرضه أربعين رقبة اهـ وعقد في سمط الجوهر الفاخر ترجمة لذكر مواليه صلى الله عليه وسلم الذين أعتقهم إشتملت على أربع ورقات. ونقل عصرينا المحدث الأثري نور الحسن خان بن الأمير صديق حسن خان في شرحه على بلوغ المرام عن النجم الوهاج أنه صلى الله عليه وسلم أعتق 63 نسمة عدد سني عمره عليه السلام، وسماهم
(1/94)

قال: وأعتقت عائشة 69 وعاشت كذلك وأعتق أبو بكر كثيرا وأعتق العباس سبعين عبدا رواه الحاكم. وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين بالفضة، وأعتق عبد الله بن عمر ألفا وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة اهـ.
ذكر من كان يوقظه عليه السلام إذا نام ويستره إذا اغتسل
في سمط الجوهر الفاخر في حق عبد الله بن مسعود قيل: كان يوقظه عليه السلام إذا نام، ويستره إذا اغتسل، ويرحل له راحلته إذا سافر، ويماشيه الأرض اهـ وفي قصة الفتح واغتساله عليه السلام: وإذا فاطمة بنته تستره.
ذكر من كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حاجته داخل منزله
كان يتولى له ذلك عليه السلام أهله، صرّح بذلك الحافظ ابن حجر في الفتح قائلا:
الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله اهـ راجع باب حمل العنزة ص 221 من ط الأولى ونحوه للقسطلاني.
ذكر من كان يبيت على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال
في طبقات ابن سعد عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطيه وضوءه فأسمع الهويّ من الليل: سمع الله لمن حمده، وأسمع الهويّ من الليل: الحمد لله رب العالمين انظر ص 44 من ج 4 «1» .
وحديث كعب المذكور خرّجه أبو داود في باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آتيه بوضوئه وبحاجته قال: سلني. قلت: مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قال فأعني على نفسك بكثرة السجود «2» . قال المنذري في إختصارها أخرجه مسلم والنسائي وأخرج الترمذي وابن ماجه طرفا منه وليس لربيعة في كتبهم سوى هذا الحديث.
وفي ترجمة الهيثم ابن نصر الأسلمي من الإصابة عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم ولزمت بابه في قوم محاويج، فكنت آتيه بالماء من بير أبي الهيثم، وكان ماؤها طيبا.
استخدامه عليه السلام في ذلك امرأة
أخرج الحسن بن سفيان في مسنده والحاكم والدارقطني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أم أيمن: قومي فأهرقي ما في تلك الفخارة.
__________
(1) ورواه أحمد أيضا ج 4 ص 78. طبعة المكتب الإسلامي ومسلم في كتاب الصلاة باب 43 ص 353/ 1.
(2) رواه أبو داود في كتاب التطوع ج 2 ص 78 ورقمه 1320.
(1/95)

فقلت: قد والله شربت ما فيها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: أما والله لا يجعر أي لا يصيب بطنك أبدا.
استخدامه عليه السلام غلاما يهوديا
ففي الصحيح عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فعاده عليه السلام فعرض عليه الإسلام فأسلم فمات [انظر: كتاب الجنائز ج 2 ص 97] .
وفي العتبية من أمهات المذهب المالكي: عن زياد بن شبطون من أصحاب مالك أن اسم هذا الغلام عبد القدوس؛ انظر من اسمه عبد القدوس في الإصابة، وترجمه العلامة ابن زكري في كتابه: الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة فانظره.
تنبيه: بعد أن ذكر الحافظ الشامي عدة أحاديث فيها أنه عليه السلام كان ربما يحلب شاته، ويخيط ثوبه ويسلخ شاته، ويخدم نفسه قال: وهذا يتعين حمله على أوقات، فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة بنفسه وتارة بغيره وتارة بالمشاركة اهـ.
الأشياء التي كان عليه السلام لا يكلها إلى أحد من خدمه
خرج ابن سبع عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكل صدقته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل. ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وروى ابن سعد بن زياد مولى عياش بن أبي ربيعة قال: خصلتان كان لا يكلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد؛ الوضوء من الليل حين يقوم، والسائل يقوم حتى يعطيه.
ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه
قال في المقالات السنية:
والمصطفى غيثه عمّ الوجود فمن ... هـ الكون في نصح والخلق في نعم
بادي البشاشة للوفود، راحته ... أنمى لدى آمل من هاطل الديم
وفد النجاشي طه قام يخدمهم ... بنفسه حين حلّوا ساحة الكرم
قالت صحابته: نكفيك قال: أنا ... أحق للمكرمين الصحب بالخدم
أما هم المكرمو صحبي وقد ذهبوا ... مهاجرين إليهم، في ديارهم
وقال ابن ليون التجيبي في الانالة: الأصل في خدمة المشايخ من دونهم؛ أنه عليه السلام قام يخدم وفد النجاشي.
قلت: قيام المهاجرين يفرجون عنه صلى الله عليه وسلم عند الإزدحام؛ في مسند عائشة من مسند أحمد عروة عن عائشة قالت: إن أمداد العرب كثروا على النبي صلى الله عليه وسلم حتى غموه وقام إليه المهاجرون يفرجون عنه حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه فأسلم رداءه في أيديهم ووثب على العتبة فدخل وقال: اللهم ألعنهم فقالت عائشة يا رسول الله هلك القوم فقال كلا والله يا بنت أبي بكر لقد إشترطت على ربي عزّ وجلّ شرطا لا خلف له، فقلت إنما أنا بشر
(1/96)

أضيق كما يضيق البشر فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة فأجعلها له كفارة انظر ص 107 من الجزء السادس «1» .
ذكر صاحب الوساد [المخدة]
قلت: وهي بكسر الواو واقتصر عليه في المصباح، وفي القاموس: أنه يثلث كان ابن مسعود هو المولى لها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، «وقع ذلك في الصحيح، في قصة ذهاب علقمة إلى الشام ولقائه لأبي الدرداء» .
قلت: في كتاب الوضوء من الصحيح، من قول أبي الدرداء خطابا لأهل العراق:
فيكم صاحب الطهور والوساد، بلا هاء وهي المخدة كما للقسطلاني. وقال الخفاجي في شرح الشفا الوسادة: ما يتوسد أي يوضع تحت الرأس، وهي التي تسمى مخدة اهـ.
في إدناء النبي صلى الله عليه وسلم الوساد للداخل
«أدناها النبي صلى الله عليه وسلم إلى سلمان حين دخل عليه وقع ذلك في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابن حيان الأصبهاني» .
قلت: وفي السيرة الشامية معزوا إلى ابن سعد أن عديّ بن حاتم، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فسلّم عليه وهو في المسجد. ثم قال: من الرجل؟ قال: عدي بن حاتم. فانطلق به إلى بيته، وألقى له وسادة. وقال: إجلس عليها. قال الخفاجي على الشفا: وهذا يدل على أن الوسادة فراش لا مخدة، ولا عبرة بتفسير الجوهري لها بالمخدة فقط اهـ.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس وضعفّ: أن عدي بن حاتم لما دخل على المصطفى ألقى إليه وسادة وجلس هو على الأرض، فقال: أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا، ثم أسلم. وفي رواية أخرى فقيل له: يا نبي الله لقد رأينا منظرا لم نره لأحد. فقال: هذا نعم هذا كريم. فإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقد روى الحديث المذكور من طريق عدي بن حاتم الدولابي في كتاب الكنى والألقاب، وقال الذهبي: في الميزان عنه أنه منكر، وقد ذكره في الجامع الصغير من طرق عدة من الصحابة ولكن قال الذهبي في مختصر المدخل: طرقه كلها ضعيفة، وله شاهد مرسل وحكم ابن الجوزي بوضعه، وتعقبه العراقي ثم تلميذه ابن حجر بأنه ضعيف لا موضوع، وخرّجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد. والوسادة إحدى الأمور التي نهى صلى الله عليه وسلم عن ردها، في حديث الترمذي: ثلاث لا ترد اللبن والوساد والدهن «2» . وأنشد بعضهم:
قد كان من سيرة خير الورى ... صلى عليه الله طول الزمن
أن لا يرد الطيب والمتكا ... والتمر واللحم معا واللبن
__________
(1) وفي طبعة المكتب الإسلامي: ج 6 ص 124.
(2) ذكره في التيسير وعزاه للترمذي عن ابن عمر وحسنّه.
(1/97)

وأوصلها الحافظ السيوطي إلى سبع فقال:
عن المصطفى سبع يسنّ قبولها ... إذا ما بها قد أتحف المرء خلّان
فحلوّ وألبان ودهن وسادة ... ورزق لمحتاج، وطيب وريحان
وفي طبقات الشعراني عن سفيان بن عيينة: ماء زمزم بمنزلة الطيب لا يرد، وفي الرسالة العلمية لابن ليون التجيبي: وأما الإتكاء ففي سنن أبي داود «1» عن جابر بن حمزه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فرأيته متكئا ووسادة على يساره، وكان أبو سعيد الخدري يجلس على البساط ويتكىء على الوسادة. وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي نقلا عن الهداية من كبار كتب الحنفية: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على مرفقة حرير، وهي بضم الميم وسادة الإتكاء، وخرّج ابن سعد في الطبقات؛ في ترجمة ابن عباس عن راشد مولى لبني عامر قال: رأيت على فراش ابن عباس مرفقة حرير. وخرّج أيضا عن مؤذن بني وداعة قال: دخلت على ابن عباس وهو متكىء على مرفقة حرير، وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول: أنظر كيف تحدث عني، فإنك حفظت عني كثيرا اهـ وفي أصول البدائع في أصول الشرائع لأبي بكر الكاساني، بعد ذكره قصة ابن عباس: وروي أن أنسا حضر وليمة فجلس على وسادة حرير، عليها طيور فدل فعله على رخصة الجلوس على الحرير، وعلى الوسادة الصغيرة التي عليها صور اهـ انظر باب الإستحسان.
ذكر صاحب النعلين
«في مختصر السير لإبن جماعة ونحوه في المواهب وغيرهما: كان عبد الله بن مسعود صاحب نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام صلى الله عليه وسلم ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم» .
قلت: خرّج ذلك الحرث وابن أبي عمر من مرسل القاسم بن عبد الرحمن وزاد: فإذا قام ألبسه نعليه في رجليه، ومشى حتى يدخل الحجرة قبله. قال الزرقاني على المواهب:
على قوله: جعلهما في ذراعيه: وكان حكمة ذلك تخلية يديه لخدمة المصطفى إن احتاج، ويشغلهما بالطاعة إذا أرادها بهما اهـ ص 341 وأصله لشيخه الشبراملسي.
وفي فتح المتعال للإمام أبي العباس المقري: ثبت أن عبد الله بن مسعود كان صاحب النعلين والسواك والوساد والطهور كما في الصحيح، وكان يلي ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم نعليه إذا قام، ويجعلهما في ذراعيه إذا جلس حتى يقوم النبي صلى الله عليه وسلم. وروى محمد بن يحيى عن القاسم قال: كان عبد الله بن مسعود يقوم إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم؛ ينزع نعليه من رجليه، ويدخلها في ذراعيه، فإذا قام ألبسه إياهما فيمشي بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة. وقد ذكر جماعة منهم ابن سعد أن أنس بن مالك كان صاحب نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإداوته. قال الحافظ بن حجر عند ما تكلم على حديث: أليس فيكم
__________
(1) أخرجه في كتاب اللباس ص 380/ 4.
(1/98)

صاحب النعلين ما نصه: والمراد بصاحب النعلين وما ذكر معهما عبد الله بن مسعود، لأنه كان يتولى خدمة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فصاحب النعلين في الحقيقة هو النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل لإبن مسعود: صاحب النعلين مجازا لكونه كان يحملهما اهـ.
وقال البيضاوي كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: أي كان يخدم المصطفى ويلازمه في حالاته كلها، فيحمل مطهرته في قيامه لوضوئه، ويأخذ نعليه فيضعهما صونا لوقت اللبس اهـ.
وفي كون ابن مسعود كان صاحب النعال [أنشدني] بوصيري العصر أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي لنفسه ببيروت سنة 1324:
إني خدمت مثال نعل المصطفى ... لأعيش في الدارين تحت ظلالها
سعد بن مسعود بخدمة نعله ... وأنا السعيد لخدمتي لمثالها
وفي المقالة الحادية والعشرين من المقالات السنية في مدح خير البرية ناظما لمحصل ما نقلنا عن المقري:
يقوم ينزع نعلي ذي الوسيلة من ... رجليه يدخلهما الهمام ذو النعم
أي في ذراعيه حتى قام ألبسه ... إياهما ثم يمشي ثابت القدم
أمام أحمد بالعصا فيدخله ... للحجرة إحدى الهدى المخصوص بالخدم
تنبيه: في ابن غازي على الصحيح أن العرب في الجاهلية كانوا يلبسون النعال غير مدبوغة، إلا أهل السعة منهم اهـ ولذا إستغرب من رأى ابن عمر يلبس النعال السبتية، وهي التي ليس فيها شعر. فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها اهـ وقد أفرد ما يتعلق بالنعال النبوية بالتأليف جماعة من الأعلام؛ كأبي اليمن بن عساكر، والسراج البلقيني، والبستي والشمس محمد بن عيسى المقري صاحب كتاب قرة العينين في تحقيق أمر النعلين وغيرهم، وأشهرهم الإمام أبو العباس المقري التلمساني دفين مصر له النفحات العنبرية في وصف نعلي خير البرية «1» . كما أن تأليفه في العمامة النبوية ألفه عند رأسه عليه السلام بالمسجد النبوي.
قلت: في السيرة الشامية (سيرته صلى الله عليه وسلم في غمز الظهر من السقطة والقدمين) .
روى أبو نعيم في الطب عن عمر قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وحبشي يغمز ظهره.
قلت: ما هذا يا رسول الله. قال: إن الناقة تقحمت بي البارحة، وفي لفظ يغمز ظهره فسأل عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الناقة أتعبتني.
الحديث المذكور خرّجه الطبراني في المعجم الصغير، فيمن إسمه إبراهيم. وكذا في الأوسط. قال القاري في شرح عين العلم: إسناده ضعيف اهـ.
__________
(1) ذكر المؤلف رحمه الله هنا اسم كتاب آخر في الموضوع نفسه رأيت حذفه تجنبا للتكرار من جهة وكراهية للجناس والسجع بين اسم من أسماء الله الحسنى وبين ما يلبس في الرجل. مصححه.
(1/99)

وفي المقاصد الحسنة حديث غمز القدم ونحوه أورده الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس، قال: كنت عند أبي ابن كعب أغمز، فذكر حديثا في قراءة آية وروى فيه عن أبي زيد قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدن فامسح ظهري فدنوت ومسحت ظهره.
مضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم
ترجم في الإصابة حمارا فذكر عن الصحيح أن إسمه عبد الله، ويلقب بحمار، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي يعلى عن زيد بن أسلم؛ أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم العكة من السمن، أو العسل، ثم يجيء بصاحبها فيقول: أعطه الثمن. قال الحافظ: وقع نحو ذلك للنعمان فيما ذكره الزبير بن بكار في كتاب «الفكاهة والمزاح» . وترجم في الإصابة أيضا لسويبط بن حرملة العبدري، وذكر قضايا من أفعاله، فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك هو وأصحابه منها حولا. وفي فوائد الدرر وفرائد الفكر، في شرح مختصر السير، للفقيه المحدث القاضي أبي علي حسن بن بلقاسم بن باديس القسمطيني، لما ترجم لسودة زوجه عليه السلام قال: وكانت تضحك النبي صلى الله عليه وسلم؛ قالت له: صليت البارحة خلفك يا رسول الله، فركعت فأمسكت بأنفي مخافة الدم أن يقطر فضحك اهـ منه.
ملاعبة الإمام أقاربه الصغار
ترجم في الإصابة لكثير بن عباس بن عبد المطلب فقال: خرّج أبو علي بن السكن وابن مندة عن كثير بن العباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعنا أنا وعبد الله وقثم وآخر فيفرج بين يديه ويقول: من سبق فله كذا، وخالفه غيره فقال: كان يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا أولاد العباس ويقول: من سبق فله كذا وهذا أقوى.
الرجل يعلم الوفد كيف يحيّون المصطفى صلى الله عليه وسلم
ذكر ابن إسحاق في قصة وفد ثقيف سنة تسع أنه خرج بهم عبد ياليل وهو صاحب أمرهم، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة وجدوا المغيرة بن شعبة، فانثاب «1» ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج إليهم فروّح الظهر معهم، فعلمهم كيف يحيّون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا تحيّة الجاهلية. انظر الهدى لإبن القيم ص 458 ج 1 وعلى المواهب ص 6 من ج الرابع وفي تفسير المولى أبي السعود الحنفي: كان أبو بكر رضي الله عنه إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفود أرسل من يعلمهم كيف يسلّمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ وهذا يفهمنا أيضا أن أبا بكر كان يشغل أيضا وظيفة [تشبه] مدير التشريفات اليوم.
__________
(1) وردت في سيرة ابن هشام: ضبر بمعنى وثب.
(1/100)

القسم الثاني في العمليات الفقهية وأعمال العبادات
وما يضاف إليها من عمالات المسجد وعمالات الطهارة وما يقرب منها، وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه وظائف:
(1/101)

في العمليات الفقهية وأعمال العبادات
قلت: هاهنا قاعدة في الموظفين الشرعيين:
يصلح للمناصب الدينية كما في الفوائد كل وضيع وشريف إذا كان ذا دين وعلم، ولا يصلح لها فاسق وإن كان قرشيا، نعم يقع الترجيح إذا اجتمعا في شخص وانفرد الآخر فيما سوى النسب اهـ وقد احتج من لم يشترط القرشية في الإمام بتأمير النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد وغيرهم في الحروب. وأجاب الجمهور بأن ذلك ليس من الإمامة العظمى في شيء. لأنه يجوز للخليفة إستنابة غير القرشي ولهذا ألغز التاج السبكي بقوله:
من عدّ من أمراء المؤمنين ولم ... يحكم على الناس من بدو ومن حضر
ولم يكن قرشيا حين عدّ ولا ... يجوز أن يتولى إمرة البشر؟
قال السيوطي: الجواب أنه أسامة بن زيد، مولى النبي صلى الله عليه وسلم أمّره على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفذ حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه أبو بكر إلى الشام. انظر المصباح الوهاج.
ذكر معلم القرآن وفيه فصول
«الفصل الأول:
فيمن كان يعلم ذلك بالمدينة والنبي صلى الله عليه وسلم بها ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه مشكل الصحيحين: عبادة بن الصامت فقال: كان يعلم أهل الصفة القرآن (والصفة) دكة في ظهر المسجد النبوي كان يأوي إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة» .
قلت: وترجم في الإصابة لوردان جد الفرات بن يزيد بن وردان، فذكر عن الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم أسلمه إلى أبان بن سعيد بن العاصي؛ ليمونه ويعلمه القرآن. وأخرج ابن عساكر عن ابن ثعلبة قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إدفعني إلى رجل حسن التعليم، فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم قال: دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك، انظر فضائل أبي ثعلبة الخشني من كنز العمال.
الفصل الثاني:
وكان عليه السلام يأمر الناس أن يتعلموا الفقه والقرآن من جيرانهم؛ فقد ترجم في الإصابة لأبزى الخزاعي فخرج عنه أنه عليه السلام خطب الناس، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون؟
(1/103)

وعزاه لإبن السكن وإسحاق ابن راهواه، وقد ساق الحديث مطولا الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد: تحت باب تعليم من لا يعلم. ثم قال عن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا ثم قال: ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون، والله ليعلمن قوما جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون ويتعظون أو أعاجلنهم العقوبة، ثم تولى. فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين. هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه من الأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذكرت قوما بخير وذكرتنا بشر، ما بالنا. قال: ليعلمن قوم جيرانهم وليفقهنهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعاجلنهم العقوبة في الدنيا فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قولهم عليه وأعادوا أقوالهم أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك أيضا فقالوا: أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ [المائدة: 78] الآية ورواه الطبراني في الكبير، وفيه بكر بن معزوف قال خ إرم به ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى وقال عدي أرجو أنه لا بأس به.
الفصل الثالث:
ذكر من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهات يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين.
قلت: إستفتح الخزاعي فصل الفقه في الدين بفصول، أولها: في الحض على التفقه في الدين، صدّره بحديث معاوية: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين «1» ، مقتصرا على عزوه لمسلم مع أنه في البخاري. وهذا معيب منه رحمه الله، لما تقرر أن الحديث إذا كان في البخاري لا يعزى إلى غيره، وثانيها: كيف كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدين، وثالثها: سؤال النساء. وهذه الفصول في نظري إستطرادية. ثم ترجم لمن بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مفقها في الدين فمنهم عنده: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف. في سيرة ابن إسحاق؛ لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من القوم الذين بايعوه في العقبة الأولى، قال: وهم إثنا عشر بعث معهم مصعبا، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمى المقريء بالمدينة.
قلت: في الإستبصار لإبن قدامة المقدسي: لما قدم مصعب بن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الأنصار، يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ، فأسلم على يديهما جماعة؛ منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وغيرهما. اهـ
__________
(1) الحديث المذكور رواه البخاري في موضعين في كتاب فرض الخمس ج 4 ص 49 وفي ج 8 ص 149 كتاب الاعتصام بالسنة.
(1/104)

وفي التهذيب للنووي لدى ترجمة مصعب هذا: هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليعلّم الناس القرآن ويصلي بهم، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإثنى عشر أهل العقبة الثانية، ليفقه أهل المدينة ويقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة اهـ «ومنهم معاذ بن جبل في الإكتفاء لأبي الربيع الكلاعي: إستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن» .
خرّجه ابن سعد في الطبقات عن مجاهد انظر ص 108 ج 2 من القسم 2.
قلت: «وفي الإستيعاب: بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا على الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال، الذين باليمن عام فتح مكة، ومنهم؛ عمرو بن حزم الخزرجي النجاري؛ في الإستيعاب إستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على نجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن، ويأخذ صدقاتهم. وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات والديات اهـ» .
قلت: يصح أن يستدرك هنا من المعلمين جماعة فمنهم: أبو عبيدة بن الجراح، أخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: لما وفد أهل اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إبعث معنا رجلا يعلّمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: «هذا أمين هذه الأمة» ، وسيّره «1» إلى الشام أميرا فكان فتح أكثر الشام على يده، ومنهم رافع بن مالك الأنصاري، ترجمه في الإصابة فذكر عن ابن إسحاق أنه: أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وأن الزبير بن بكار روى في أخبار المدينة أن رافعا لما لقي المصطفى صلى الله عليه وسلم بالعقبة، أعطاه ما أنزل إليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع إلى المدينة، ثم جمع قومه فقرأ عليه في موضعه قال: وعجب المصطفى صلى الله عليه وسلم من إعتدال قلبه، ومنهم أسيد بن حضير ترجم في الإصابة لإبراهيم بن جابر فقال فيه: كان من جملة العبيد الذين نزلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أيام حصاره الطائف، فأعتقه وبعثه إلى أسيد بن حضير، وأمره أن يمونه ويعلمه. ذكره الواقدي واستدركه ابن فتحون.
وترجم في الإصابة أيضا للأزرق بن عقبة الثقفي، من عبيد الحارث بن كلدة الثقفي فذكر: أنه ممن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في حصار الطائف، وأنه أسلم وأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاصي ليمونه ويعلمه، ومنهم عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري قال في الإستبصار في أنساب الأنصار: إستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر اهـ.
أقول: يجب أن يذكر هنا من كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ستة من
__________
(1) الضمير في سيّره هو لعمر بن الخطاب والحديث في ج 3 ص 286 وفي طبعة المكتب الإسلامي ج 3 ص 362.
(1/105)

الأنصار عدّهم البيهقي هكذا: أبي بن كعب، زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبادة، رواه الطبراني والبيهقي مقيدا بالأنصار فلا ينافي أنه حفظه كثيرون، وفي الصحيحين عن أنس أنه جمع القرآن أي حفظ جميعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي ومعاذ وأبو زيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومته.
أبو زيد المذكور هو قيس بن السكن يكنى أبا زيد كنيته غالبة عليه ولا عقب له، نبّه على ذلك الموفق بن قدامة في الإستبصار في أنساب الأنصار. وفي ترجمة ثابت بن زيد بن مالك الأنصاري من الإستبصار أيضا يروي عن يحيى بن معين أنه أبو زيد الذي جمع القرآن وغير ذلك أولى اهـ منه، وفي ترجمة حنظلة بن أبي عامر من الإستبصار أيضا. روى قتادة عن أنس قال: إفتخرت الأوس فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب. ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا من كانت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من إهتز عرش الرحمن لموته سعد بن معاذ فقال الخزرجيون: منا أربعة قرؤا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرأه غيرهم، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد وأبو حنظلة اهـ.
قلت: ومراد من حصرهم في أربعة من حضر في ذهنه، فلا ينافي وجود غيرهم من حفظته، كأبي بكر، وفي الفجر الساطع لدى باب القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة أستشكل هذا فإنه قد جمعه سواهم، ذكر أبو عبيد منهم الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة الأربعة وغيرهم، وأجيب باحتمال: أن المراد لم يجمعه على جميع وجوهه من القراآت التي أنزل بها إلّا أولئك، وأن أنسا قاله بحسب ما وصل إليه علمه، وإن كان الواقع خلافه اهـ وفي فتح الباري: الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياته عليه السلام، وقد صح حديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «1» ، وقد قدمه النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه إماما للمهاجرين والأنصار، فدل على أنه كان أقرأهم، وكسيدنا علي فإنه جمع القرآن على ترتيب النزول، عقب موت النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن أبي داود «وانظر فتح الباري» .
وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عباد قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون اهـ. وهذا الحصر ممنوع؛ بل حفظه أيضا الصديق على الصحيح، وصرّح به جماعة منهم النووي في تهذيبه، وعليّ وورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الرياض المستطابة: جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة: علي،
__________
(1) أخرجه أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وأنس وعمرو بن سلمة انظر ج 4 ص 118 والمكتب الإسلامي ج 4 ص 164.
(1/106)

وعثمان، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب اهـ.
ورأيت في ترجمة مجمع بن حارثة من طبقات ابن سعد ص 34 ج 1: روى الكوفيون أنه جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلّا سورة أو سورتين منه. وفي ترجمته من الإستبصار قال ابن إسحاق: كان مجمع غلاما حدثا قد جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ.
وفي ترجمة شهاب القرشي مولاهم نزيل حمص من الإصابة روى ابن منده عن عبد الله بن زغب: كان شهاب القرشي أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كله، فكان عامة الناس بحمص يقرأون منه. وانظر فتح الباري، وارشاد ابن غازي، والإتقان، وشرح المواهب ص 366 من الجزء الثالث، وانظر شرح الراية للجعبري، وحاشية الشبراملسي على المواهب أيضا.
(عجيبة) وبعد أن أطال في الإتقان في هذه المسألة قال: فائدة: ظفرت بامرأة صحابية جمعت القرآن، لم يعدها أحد ممن تكلم على ذلك. فأخرج ابن سعد في الطبقات عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: إن الله عهد لك شهادة، وكان صلى الله عليه وسلم أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن غلام لها وجارية كانت قد دبّرتها «1» ، فقاتلاها في إمارة عمر. فقال عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يقول: إنطلقوا بنا نزور الشهيدة.
وذكر السيوطي في الجمع نحو ما ذكر وعزاه لإبن راهواه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي. قال: وروى أبو داود بعضه اهـ.
قلت: ومن تأمل هذه الترجمة علم بالضرورة أن الصحابة لم يكونوا كلهم يعلمون جميع القرآن، وإنما غالبهم كان يعلم البعض دون البعض، وممن صرح بهذا القدر بعينه الاستاذ النابلسي، في شرح الطريقة المحمدية انظر ص 253 جزء 1.
ذكر من نقل عنه وجوه القراءة من الصحابة
ذكر خاتمة أيمة القراآت بفاس الشمس بن عبد السلام الفاسي في محاذيه عن شرح الجعبري على الشاطبية ما نصه: الأيمة الذين نقل عنهم وجوه القراءة كثيرون في كل عصر، لا يكادون يحصون، فمنهم من الصحابة المهاجرون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس
__________
(1) التدبير هنا هو اصطلاح فقهي معناه: أن يصير العبد حرا متى مات سيده.
(1/107)

وعمرو بن العاص وإبنه عبد الله، ومعاوية وابن الزبير وعبد الله بن السائب وعائشة وحفصة وأبو سلمة، ومن الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، وأبو زيد ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين اهـ منه ومن خط مؤلفه نقلت.
ذكر معلم الناس الكتابة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المعلم من الرجال- المعلم المسلم
«ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب في ص 393 من مطبعة الهند عبد الله بن سعيد بن العاصي فقال: أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة وكان كاتبا محسنا وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقرآن» .
قلت: ونحو ما سبق عن الإستيعاب في الإصابة في ترجمة الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية؛ نقلا عن الزبير في نسب قريش.
المعلم الكافر
في الروض الأنف للسهيلي في الكلام على غزوة بدر ص 92 من الجزء الثاني قال «كان من الأسارى يوم بدر من يكتب، ولم يكن من الأنصار يومئذ أحد يحسن الكتابة، فكان منهم من لا مال له، فيقبل منه أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار» .
وفي المطالع النصرية في الأصول الخطية لأبي الوفاء نصر الهوريني المصري: لم تكثر الكتابة العربية في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة، وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم، في غزوة بدر السنة الثانية من الهجرة، جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال. وعلى كل من عجز عن الإفتداء بالمال أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة، فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم، فبذلك كثرت فيهم الكتابة، وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام، في حياته عليه السلام وبعده، حتى بلغت عدة كتّابه عليه السلام 42 رجلا اهـ.
وذكر الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين نقلا عن ابن قتيبة أن العرب «كانت تعظم قدر الخط وتعده من أجل نافع «1» حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر أربعة الاف، حتى إن الرجل ليفادي على أنه يعلم الخط؛ لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلالة قدره وظهور نفعه وأثره وقد قال الله لنبيه: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: 3- 4] فوصف نفسه بأن علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم، وعد ذلك من نعمه العظام، ومن
__________
(1) كذا في أصل أدب الدنيا والدين.
(1/108)

آياته الجسام، حتى أقسم به في كتابه فقال: ن وَالْقَلَمِ فأقسم بالقلم وما يخط بالقلم» .
وقد روي عن ابن عباس في قوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: 4] ، قال يعني الخط. وروي عن مجاهد في قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 269] ، يعني الخط وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة:
269] ، يعني الخط اهـ بتقديم وتأخير. قال بعضهم: وهذا يبطل ما قاله ابن خالدون عن جهلهم بالخط، فإن عكرمة كان يتكلم عن مشاهدة وابن خالدون قال ما قال عن تخمين.
ذكر المعلمة من النساء
«قال في الإستيعاب والإصابة: الشفاء أم سليمان بن أبي حتمة قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
علّمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة، خرّج ذلك عنها أبو داود عن الشفا. قالت:
دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة قال الخطابي في معالم السنن. في هذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابة غير مكروه اهـ» .
نقل كلام الخطابي المذكور وأقره جماعة منهم ابن طرخان في الأحكام النبوية، ونحوه للأردبيلي في الأزهار شرح المصابيح، وابن القيم في الهدى وغيرهما، وفي نور النبراس أنه وقع في عهده بدمشق أن فقيها سئل: هل يجوز أن يتعلم النساء الكتابة؟ فأجابه:
لا يجوز تعليمهن الكتابة. قال الحافظ برهان الدين الحلبي: وغفل هذا المفتي عن الحديث الذي في سنن أبي داود في الطب، وقد سكت عليه أبو داود. فهو صالح عنده ثم ذكر حديث الشفا هذا اهـ.
وقال الإمام مجد الدين بن تيمية في المنتقى عقب حديث الشفا المذكور في هذه الترجمة: وهو دليل على جواز تعلم النساء للكتابة. قال شارحه القاضي الشوكاني في نيل الأوطار: وأما حديث لا تعلّموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف وعلموهن سورة النور فالنهي عن تعلميهن الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمهن الفتنة اهـ منه.
وفي الفتاوي الحديثية للشهاب بن حجر الهيثمي الشافعي المصري أنه سئل ما حكم تعلم النساء الكتابة؟ وفي وسيط الواحدي أول سورة النور ما يدل على عدم الإستحباب هل هو صحيح أو ضعيف؟ فأجاب بقوله: هو صحيح فقد روى الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رفعته لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، يعني النساء وعلموهن الغزل وسورة النور، لما فيهن من الأحكام الكثيرة المتعلقة بهن المؤدي حفظها وعلمها، إلى غاية حفظهن عن كل فتنة وريبة كما هو ظاهر.
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن مسعود رفعه: مرّ لقمان على جارية في الكتّاب،
(1/109)

فقال لمن يصقل هذا السيف؟ أي حتى يذبح به. وحينئذ فيكون فيه إشارة إلى علة النهي عن الكتابة، وهي أن المرأة إذا تعلمتها توصلت بها إلى أغراضها الفاسدة.
واعلم: إن النهي عن تعليم النساء للكتابة لا ينافي طلب تعليمهن القرآن والعلوم والآداب، لأن هذه مصالح عامة من غير خشية مفاسد تتولد عليها بخلاف الكتابة. فإن قلت أخرج أبو داود عن الشفا وذكر حديث الترجمة وفيه علميها الرقية كما علمتها الكتابة وهذا يدل تعليم النساء الكتابة قلت ليس فيه دلالة على طلب تعليمن الكتابة وإنما فيه دليل على جواز تعليمهن الكتابة ونحن تقول به، وإنما غاية الأمر فيه أن النهي عنه تنزيه لما تقرر من المفاسد المترتبة عليه اهـ وحديث الشفا هذا أورده الحافظ السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: علمي حفصة رقية النملة، وعزاه إلى أبي عبيد في الغريب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حتمة قال المناوي في شرحه الكبير فتح القدير: ورقيتها كما في الفائق قروح تخرج بالجنب فترقى فتذهب. ورده بعض أذكياء المغاربة بأنه من الخرافات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بها؟ وإنما أراد الأول وأراد تأديب حفصة حيث أشاعت السر الذي استودعها إياه على ما نطق به التنزيل بقوله: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً [التحريم: 3] .
وقال في التيسير: ورقيتها؛ (العروس تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصى الرجل) اهـ وفي النهاية قيل: إن هذا من لغز الكلام ومزاحه، كقوله للعجوز:
لا تدخل الجنة عجوز إذ رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع اهـ. «1»
وفي حواشي البدر الدماميني على البخاري على حديث: ثلاث لهم أجران، رجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها «2» ، الحديث في باب تعليم الرجل امته وأهله شرائع الدين، لأن هذا الحديث ينسحب على تعليم الإماء، فكيف بالحرائر والأقارب؟ قاله ابن المنير اهـ.
وترجم البخاري عقب الترجمة السابقة باب عظة الإمام النساء وتعليمهن فذكر فيها قول ابن عباس أن المصطفي عليه السلام خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع فوعظهن. قال الدماميني: هذا أصل في حضور النساء المواعيد ومجالس الخير بشرط السلامة من الفتنة اهـ.
وفي الفجر الساطع على هذه الترجمة أي مطلوبية ذلك ونبه على أنه كما يطلب من الرجل أن يعلم أهله يطلب من الإمام أو نائبه أن يعلم النساء اهـ.
ثم بوّب البخاري أيضا بعد ترجمتين بقوله باب هل يجعل للنساء يوما على حدة في
__________
(1) حذفت هنا كلاما مفاده منع تعليم النساء وفيه بيتان من الشعر لا يناسب مضمونهما قيمة هذا الكتاب. مصححه.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير ج 4 ص 20 من حديث أبي موسى وأوله: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين.
(1/110)

العلم؟ قال في الفجر الساطع: أي تعليمه وجواب هل محذوف تقديره: نعم يجعل لهن ذلك اهـ وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي: وليس من التشبه المذموم دخول المرأة في شيء من طلب العلم وتعليمه وتربية المريدين، فقد كانت عائشة تعبر العلوم وتورد الإشكالات على الفحول، وقد استدركت على جماعة من الصحابة في كثير من الأحاديث، فاستدركت على عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن الزبير وزيد وأبي الدرداء وأبي سعيد والبراء وفاطمة بنت قيس وغيرهم، وألّف في ذلك جمع من العلماء آخرهم الحافظ السيوطي كتابه «الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام، والعلم والشعر والطب من عائشة. وقال مسروق: لقد رأيت الصحابة يسألون عائشة عن الفرائض.
رواهما الحاكم، وكذلك بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والنساء الصحابيات كأم سليم وأم الدرداء وفاطمة بنت قيس، وسائر النساء الصالحات والعارفات، كرابعة العدوية ورابعة الشامية وشقوانة فإنهم كانوا يأخذون العلم والأدب والزهد عنهن، كما كانوا يحملونه عن الرجال، كما يؤخذ ذلك من سيرهن المذكورة في كتب الحديث والتاريخ. وقد رئي من اجتهادهن في العبادة وتدقيقهن في الورع، ما عجزت عنه الرجال اهـ منه.
وقد ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الأفريقية خصوصا شنقيط موريتانيا وتنبكتو وكنت العجب، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير صاحب الطريقة الشهيرة به ختم المختصر الخليلي يوما للرجال وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء، وفيهما ألف ولدهما الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن الشيخ المختار كتابه «الطريفة والتالدة في مناقب الشيخ الوالد والشيخة الوالدة» وهو في مجلد ضخم، وانظر الكلام على حكم تعليم النساء في شرح المجاجي على مختصر بن أبي جمرة للصحيح، والآداب الكبرى لابن مفلح الحنبلي، ورسالة عصرينا محدث الهند الشيخ محمد شمس الحق الألهابادي المسماة: عقود الجمان في جواز الكتابة للنسوان، وهي مطبوعة وشرح الوغليسية لزرّوق، وشرح أبي علي بن رحال على المختصر، ثم كتاب الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، لإحدى الكاتبات المصريات المتأخرات زينب بنت فواز وهو في مجلد ضخم، ويعجبني أن أثبت هنا قول عصرينا الشاعر المصري المشهور وهو الشيخ مصطفى صادق الرافعي «1» :
يا قوم لم تخلق بنات الورى ... للدرس والطرس وقال وقيل
لنا علوم ولها غيرها ... فعلموها كيف نشر الغسيل
والثوب والإبرة في كفها ... طرس عليه كل خط جميل
__________
(1) إعجاب المؤلف بأبيات الرافعي فيها عجب، فقد ذكر النقيضين، فهو من جهة يؤيد تعليم النساء ومرة أخرى يعجب بمن يعارض ذلك؟. مصححه.
(1/111)

فائدة: ظفرت في تونس بجزء للحافظ أبي الفرج بن الجوزي سماه «ري الظما فيمن قال الشعر من الإماء» قال في أوله: كان الوزير أطال الله بقاءه ذاكرني منذ أيام فيمن قال الشعر من الإماء المماليك، وأمرني أن أجمع له ما وقع من أخبارهم، في الدولتين الأموية والعباسية، ولم أجد في الدولة الأموية منهن شاعرة مذكورة ولا خاملة، لأن القوم لم يكونوا يجيزون من في شعره لين، ولا رضوا إلا بما يجري من الشعر مجرى الجزل المختار الفصيح، وإنما شاع هذا في دولة بني هاشم، فذكرت منهم من وقع إلي له خبر مستحسن، أو شعر صالح. ورسمت ذلك على قدر مراتبهن في أشعارهن وأزمانهن، وبالتتبع وجدته ذكر فيه أخبار وأشعار نحو الثلاثين شاعرة من الإماء، ولا يذكر عنهم إلا ما اتصل به إسناده. وهذا يدل على حفظ كبير وإطلاع تام.
ترجم في الإصابة للشفاء المذكورة فقال: كانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيها ويقيل عندها في بيتها، وكانت قد اتخذت له فراشا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان، وأقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم دارها عند الخياطين، وكان يقدمها في الدار ويرضاها ويفضلها، وربما ولاها شيئا من السوق اهـ ونحوه للمنذري في اختصار سنن أبي داود.
اتخاذ الدار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس
«ذكر أبو عمر بن عبد البر في باب «العبادلة» من الإستيعاب: ص 347 عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، القرشي العامري، فقال نقلا عن الواقدي: قدم المدينة مع مصعب بن عمير بعد بدر بيسير فنزل دار القرّاء اهـ» .
في ترجمة ابن أم مكتوم من طبقات ابن سعد: قدم المدينة مهاجرا بعد بدر بيسير، فنزل دار القراء. وهي دار مخرمة بن نوفل اهـ انظر ص 150 ج 4.
ذكر المفتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقع في الموطأ «1» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحدهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سألت أهل العلم فأخبروني الخ. القصة وهي صريحة في أن هناك من كان يترافع إليه الناس في زمنه عليه السلام، ثم إذ لم يرضهم الحكم ترافعوا (استأنفوا) النازلة عنده عليه السلام.
«وقد ترجم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المدهش فقال: تسمية من كان يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، عبد الرحمن بن عوف، ابن مسعود، معاذ بن جبل، حذيفة زيد بن ثابت، أبو الدرداء، أبو موسى، سلمان» .
__________
(1) انظر كتاب الحدود رقم 41 ص 822 ج 2.
(1/112)

قلت: وهكذا سمّاهم ابن الجوزي في كتابه العجيب المسمى بالتلقيح أيضا، وهو كتاب عجيب من أندر كتبه وعندي منه نسخة.
وفي ترجمة أبي بن كعب من الإصابة: أن عمر كان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات اهـ منها ص 16.
وفي الإحياء لم ينصب أحد من الصحابة نفسه للفتوى إلا بضعة عشر رجلا «1» ، قال في شرحها كابن عباس، وابن مسعود وأبي الدرداء، وعلي وحذيفة، ومعاذ وأبي هريرة وأنس وزيد بن ثابت وعمر بن الخطاب وعائشة اهـ.
وأصل عبارة الإحياء في القوت وزاد: ولا حملت عنه القضايا والأحكام.
وأخرج ابن سعد في الطبقات من حديث سهل بن أبي خيثمة: إن الذين كانوا يفتون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة من المهاجرين، عمر علي عثمان، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وفي حديث ابن عمر قال: كان أبو بكر وعمر يفتيان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حديث خراش الأسلمي: كان عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي خاتمة مجمع بحار الأنوار للفتني: لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم فتوى غيره في زمانه، لأنه صدر عن تعليمه. ولذلك كان يفتي في زمنه عليه السلام أربعة عشر من الصحابة. وأما بحضوره فلم يكن يفتي أحد سوى الصديق اهـ.
وقد نظم من كان يفتي في عهده عليه السلام الحافظ الأسيوطي، كما في كتابه قلائد الفرائد وآداب الفتوى، وفي كتابه الحاوي أيضا فقال:
وقد كان في عصر النبي جماعة ... يقومون في الإفتاء قومة قانت
فأربعة أهل الخلافة منهم ... معاذ أبي وابن عوف وثابت
وابن عوف بالرفع وثابت معطوف على عوف مدخول لقوله ابن أي وزيد بن ثابت.
وممن نظمهم أيضا الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون؛ صاحب تصحيح المنهاج.
قال النجم الغزي في الكواكب السائرة في أهل المائة العاشرة: أخبرنا شيخ الإسلام الوالد قال: أنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون، عن أخيه شيخ الإسلام نجم الدين ابن قاضي عجلون لنفسه:
لقد كان يفتي في زمان نبيّنا ... مع الخلفاء الراشدين أيمة
معاذ وعمار وزيد بن ثابت ... أبي ابن مسعود ابن عوف حذيفة
ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم ... كذاك أبو الدرداء وهو تتمة
__________
(1) انظر الإحياء ص 23 ج 1 تحت عنوان: العلم المحمود والمذموم.
(1/113)

وأفتى بميراث أبو بكر الرضى ... وصدّقه فيها، وتلك مزية
وانظر كتاب العلم من شرح الإحياء، ونقل السيوطي في «تدريب الراوي» عن ابن حزم: أكثر الصحابة فتوى مطلقا ستة: عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة، قال: ويمكن الجمع من فتوى كل واحد من هؤلاء مجلدا ضخما قال:
ويليهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتياكل واحد منهم جزآ صغيرا، قال:
وفي الصحابة نحو من مائة وعشرين نفسا يقلّون في الفتيا جدا اهـ.
ذكر من كان يتوسط بين المصطفى وبين الصحابة إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء
ترجم في «الإصابة» لثابت بن معاذ الأنصاري فقال: جاء ذكره في حديث لأنس ضعيف السند، ذكره الخطيب في المؤتلف، من طريق القاسم بن خليفة، حدثنا أبو يحيى التميمي عن إسماعيل بن إبراهيم، عن مطين بن خالد عن أنس بن مالك قال: كنا إذا أردنا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن شيء أمرنا عليا أو سلمان أو ثابت بن معاذ، لأنهم كانوا أجرا أصحابه عليه، فلما نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] فذكر حديثا في فضل علي قال الحافظ نقلا عن الخطيب: مطين مجهول، وأبو يحيى التميمي: ضعيف جدا اهـ.
ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
«ذكر علي بن سعد الخولاني القيرواني في كتابه في التعبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أعبر أمتي للرؤيا أبو بكر، وأسماء بنت عميس. وفي الصحيحين: ذكر مراءي تقدم أبو بكر لتعبيرها، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعبيره فقال له: أصبت بعضا وأخطأت بعضا «1» » .
وقد رأى عليه السلام مرة رؤيا قال عنها: رأيت أني لقمت لقمة من حيس «2» فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل علي يده فنزعه، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذه سرية من سراياك يأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله. فكانت سرية خالد إلى تهامة ووقع ما لم يرضه عليه السلام،
__________
(1) انظر صحيح البخاري ج 8 كتاب التعبير باب 47 ص 83- 84.
(2) هو التمر ينزع منه النوى ويقلى بالسمن ومنه البيت الطريف التالي:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ومعناه: إذا أمر صعب قالوا لي تعال يا فلان. وأما إذا صنعوا الحيس فيدعى غيري.
(1/114)

فبعث عليا. قال ابن باديس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم على تعبير الرؤيا أبا بكر، وظاهره أنه أقدم على تعبيرها مبادئا، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وفيه جواز مثل ذلك عند العالم ممن هو دونه، لأن أهل الإمداد والوصول إلى الفوائد إنما هو بوساطة ذلك العالم وتعليمه، وما أناله الله على يده صلوات الله وسلامه عليه اهـ.
وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي: وكان الصديق غاية في علم تعبير الرؤيا، وكان يعبر الرؤيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال محمد بن سيرين، وهو المقدم في هذا العلم بالإتفاق: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن سعد.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أمرت أن أولي الرؤيا أبا بكر اهـ.
وترجم في الإصابة لأسماء بنت أبي بكر فقال: كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره اهـ وقال القسطلاني على باب غسل الدم من الصحيح في حق أسماء: كانت عارفة بتعبير الرؤيا حتى قيل أخذ ابن سيرين التعبير عن ابن المسيب، وأخذه ابن المسيب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها اهـ وأصله في طبقات ابن سعد عن الواقدي.
وللحسين الخلال الحافظ كتاب طبقات المعبرين: ذكر فيه خمسة الاف وخمسمائة معبر من المشاهير، الذين ضربوا في هذا العلم، وأخذوا منه بقسم، وجعلها خمسة عشر قسما:
الأول من الأنبياء والثاني: من الصحابة والثالث من التابعين والرابع من الفقهاء والخامس من المذكرين الوعاظ والسادس من المؤلفين انظر كشف الظنون.
وفي الرسالة: ولا ينبغي أن يعبر الرؤيا من لا علم له بها. قال التادلي: إلا إذا كان عالما بأصول التفسير، وهي الكتاب والسنة، وكلام العرب وأشعارها، وأمثالها، وكان له فضل وصلاح وفراسة، ولا يعبرها بالنظر في كتب العبارات، ويعني بذلك على جهة التقليد لذلك: فإن ذلك لا يجوز لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال.
قال الفاكهاني: ولا ينبغي على التحريم لأنه يكون كاذبا أو مخمنا قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36] اهـ من ابن ناجي عليها «1» .
وفي شرح أقرب المسالك للدردير: والعلم بتعبير الرؤيا ليس من كتب، كما يقع للناس من التعبير من ابن سيرين فيحرم تعبيرها بما فيه، بل يكون بفهم الأحوال والأوقات وفراسة علم بالمعاني اهـ.
__________
(1) كذا في الأصل. ولعل في الكلام تصحيف أو نقص.
(1/115)

ومن شرح الشيخ زروق على الرسالة: قيل لمالك: أيعبر الرؤيا من لا علم له بها؟
قال: أبالنبوة يلعب؟ وقال جسوس: أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرؤيا جزآ من أجزاء النبوة.
وقد أخذ صلى الله عليه وسلم الحكم من مرائي أصحابه، كما في رؤيا الأذان، ورؤيا ليلة القدر. وكل ذلك بناء على أنها وحي، كما أشار إليه القرطبي. ونقله الآبي اهـ.
وقال الشيخ أبو يحيى التازي عليها فإن قيل: فالذي ينظر في الفروع التي وضعها من ألف في تعبير المنام كعلي بن أبي طالب القيرواني وغيره، فيجد نص من رأى والجواب عليه. قيل: هذا كالمقلد في الفروع، ينظر نص المسألة وجوابها. وقد يغلط في التنظير اهـ انظر فيه بقيته.
تنبيه: الكتب المنسوبة إلى ابن سيرين في علم تعبير الرؤيا من أهجن ما كذب على السلف، ولا يتصور من التابعين أن يكون هذا أول ما ألفوا فيه من أبواب العلم، والتصنيف إنما شاع بعد ذلك والله أعلم وقال الشهاب المرجاني في وفية الأسلاف ص 298: ألف فيه أي علم التعبير إبراهيم بن عبد الله الكرماني، ثم صنف فيه علماء الإسلام وأكثروا، ونسب الغالب منها في زماننا هذا إلى ابن سيرين، يقولون: ذكر فيه لما أن المذكور فيه هو قوله، والذاكر هو المصنف لذلك الكتاب لا ابن سيرين، كما يقال: ذكر محمد في نوادر هشام، والشافعي في البويطي، لما أنا المذكور فيه هو قول محمد أو الشافعي. والذاكر هو هشام أو البويطي من هذا القبيل.
وفي الطرق الحكمية لابن القيم ص 256 لما تكلم على الذين أنكروا من السلف التدوين ما نصه: وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث فكيف بالرؤيا اهـ وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد، فإذا كان ابن سيرين لا يرى كتابة الحديث فكيف يدون تعبير الرؤيا، إن هذا إلّا حلم يحتاج إلى مؤولين ولسنا بتأويل الأحلام بعالمين.
ثم وجدت المسند الشمس ابن سليمان الرداني ذكره في حرف العين من: صلة الخلف بموصول السلف تحت عنوان «كتاب عبارة الرؤيا لأبي بكر محمد بن سيرين المعبر» قال في جزءين. وذكر أنه يرويه الفخر ابن البخاري عن أبي الفتح محمد الميداني عن هبة الله بن محمد بن الحصين، عن علي بن المحسن التنوخي، عن إبراهيم بن أحمد الطبري، عن محمد بن موسى الأنصاري، عن أحمد بن حمدية الزاهد عن محمود بن محمد الحلبي، عن مخلد بن عبد الواحد المعبر عن هشام عنه، وعلى كل حال؛ فالأمر موقوف على معرفة هشام الراوي عن ابن سيرين. وهل ابن سيرين المعلوم هو المعني عنده بأبي بكر المعبر أو غيره. فتأمل ذلك.
ووجه ذكر هذا الترجمة تلو باب المفتي، أن التعبير من باب الفتيا وكذلك سماه تعالى في قصة ملك مصر، فقال تعالى يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: 43] اهـ.
(1/116)

وقد قال الراغب الأصبهاني في الذريعة: ومن علم الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم الله أمرها في جميع الكتب المنزلة. والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه القوى في الإنسان فائدة والله يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب وهو الأكثر أضغاث أحلام، وأحاديث النفس بالخواطر الردية، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج لا يقبل صورة. وضرب هو الأقل صحيح، وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، ولذلك يحتاج المعبر إلى مهارة يفرق بين الأضغاث وغيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا تصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه، ثم من صح له ذلك؛ منهم من يرشح أن يلقي إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك. ولهذا قال اليونانيون: يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن له حظا من النبوّة انظر بقيته فيه وانظر مقدمة العبر لإبن خالدون.
الإمام في صلاة الفريضة
«السلطان أحق بالإمامة في الصلاة، إلا أن يأذن لغيره في ذلك. قال ابن العربي في الأحكام: ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن فيهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة وقدّم للصلاة من ترضى حالته سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم. فقد كان بنو أمية حين كانوا يصلون بأنفسهم يخرج أهل الفضل من الصلاة خلفهم، ويخرجون من الأبواب، فيأخذهم سياط الحرس فيصبرون عليه اهـ» .
إشتهر في كتب المتأخرين أن إتخاذ المحاريب في المساجد لوقوف الأيمة بدعة، وأفرد ذلك الحافظ السيوطي بمؤلف. وفي عون المعبود على سنن أبي داود: ما قاله القاري من أن المحاريب من المحدثات بعده عليه السلام فيه نظر؛ لأن وجود المحراب في زمنه عليه السلام يثبت من بعض الروايات، أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهض إلى المسجد فدخل المحراب، ثم رفع يديه للتكبير.
وقال ابن الهمام: لا يخفي أن إمتياز الإمام مقرر مطلوب شرعا، وثبتت المحاريب في المسجد من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ انظر العون.
فائدة: وفي فوائد الفكر لدى قصة الفتح، ذكروا أن العباس لما احتمل أبا سفيان معه إلى قبته أصبح وقد رأى الناس ثائرين إلى طهورهم، فقال يا أبا الفضل: ما للناس أأمروا فيّ بشيء؟ قال: لا، ولكن قاموا إلى الصلاة. فأمره فتوضأ فلما رأى تكبير الناس بتكبير النبي صلى الله عليه وسلم وركوعهم بركوعه قال: ما رأيت كاليوم؛ قوم جميعهم من هنا، وهاهنا، ولا فارس والروم ذات القرون بأطوع منهم له اهـ.
(1/117)

ذكر استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق على الصلاة وكم من صلاة صلّاها
«أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته أبا بكر أن يصلي بالناس فكان يصلي بهم في الصحيحين وغيرهما وفي الدر المنظم لأحمد بن محمد بن أحمد اللخمي العزفي قال ابن الهاشمي: صلى أبو بكر بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صلاة وقال: هكذا روى الدولابي «1» » .
وروى الدارقطني من مراسيل الحسن البصري: أن أبا بكر صلى بالناس في مرض موته صلى الله عليه وسلم تسعة أيام، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم العاشر، وصلى خلف أبي بكر، قال الزرقاني في شرح المواهب: ومدة مرضه عليه السلام إثنا عشر يوما؛ فيها ستون صلاة أو نحو ذلك اهـ.
وقال الحافظ ابن تيمية في رده على ابن مطهر الحلي: ولم تكن الصلاة التي صلّاها أبو بكر بالمسلمين في مرض النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ولا صلاتين، ولا صلاة يوم ولا يومين، وأقل ما قيل: إنه صلى سبعة عشر صلاة، صلى بهم العشاء الأخيرة ليلة الجمعة، وخطب بهم يوم الجمعة هذا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة اهـ منه.
ونقله الحافظ برهان الدين الحلبي في نور النبراس وأقره، فاستفدنا منه فائدة وأي فائدة! وهي أن أبا بكر هو الذي خطب بالناس يوم الجمعة في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كنت أو مأت إلى التوقف في ذلك في اختصار الشمائل تبعا لشيخنا الشبيهي، الذي قال في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به من الفجر الساطع: لم أقف على من ذكر حال صلاة الجمعة الواقعة في مرضه عليه السلام، وما وقع فيها من خطبة وغيرها اهـ فلم يبق الآن إلا البحث في موضوع خطبته إذ ذاك.
تنبيه: بما وقع عليه الإجماع من كون أبي بكر قدّمه عليه السلام للصلاة بالناس في مدة مرضه، ردّ الحافظ ابن تيمية في كتابه في الرّد على ابن المطهر ما ذكره من أنه عليه السلام وجّه أبا بكر في الجيش الذي أمرّ عليه أسامة فقال: لم ينقل أحد من أهل العلم أنه عليه السلام أرسل أبا بكر وعثمان في جيش أسامة، وكيف يرسل أبا بكر، وقد استخلفه يصلي بالناس مدة إلى أن مات، وكيف يتصور أن يأمره بالخروج في الغزاة، وهو يأمره بالصلاة بالناس اهـ واعترضه الحافظ الشامي في سيرته من وجهين: الأول قوله: إنه لم ينقله أحد من أهل العلم الخ بأنه قد ذكره محمد بن عمر الأسلمي وابن سعد، وهما من أئمة المغازي. وجرى عليه في المورد وجزم به في العيون والفتح في مناقب زيد بن حارثة الثاني قوله: وكيف يرسل أبا بكر في جيش أسامة ليس بلازم، وأن إرادة النبي صلى الله عليه وسلم بعث
__________
(1) انظر كتاب تخريج الدلائل السمعية ففيه تفصيل لهذا الموضوع ص 110.
(1/118)

جيش أسامة كان قبل ابتداء مرض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما اشتد به المرض استثنى أبا بكر وأمره بالصلاة بالناس اهـ.
فائدة: الصلاة جماعة من خصائص أمته عليه السلام، ذكره في أنموذج اللبيب، قال الروضي في شرحه: قال العلماء: قد مكث عليه السلام بمكة ثلاث عشرة سنة، يصلي بغير جماعة، لأن الصحابة كانوا مقهورين يصلون في بيوتهم، فلما هاجر عليه السلام أقام الجماعة.
استخلاف المصطفى على الحج
في نور النبراس: إعلم أن أول من أقام للناس الحج عتّاب بن أسيد سنة ثمان من الهجرة، وهي عام الفتح وحج بالناس تلك السنة على ما كانت عليه العرب في الجاهلية، قال الأزرقي: لم يبلغنا أنه استعمله على الحج هذه السنة، فلما كان وقت الحج حجّ المسلمون والمشركون، وكان المسلمون بمعزل يدفع بهم عتاب بن أسيد، ويقف بهم المواقف لأنه أمير البلد، وذكر الماوردي في حاويه في السير: أنه عليه السلام لما فتح مكة استعمل عتاب بن أسيد عليها للصلاة والحج، وذكره أيضا في كتاب الحج: وهذا إثبات لم يبلغ الأزرقي. ثم حج أبو بكر سنة تسع اهـ وفي أحكام ابن العربي: وأما ولاية الحج فهي مخصوصة ببلاد الحج، وأول أمير بعثه عليه السلام أبو بكر الصديق بعثه عليه السلام سنة تسع قبل حجة الوداع، وأرسله بسورة براءة ثم أردفه عليا كما سبق اهـ.
اتخاذ المنبر
«روى البخاري «1» عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا قال: إن شئت فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له. قال ابن بشكوال في كتاب ما أنبهم من الأسماء: إسم هذا الغلام النجار مينا، قال ويقال: إن الذي صنع المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم «باقوم» مولى العاصي بن أمية صنعه من طرفاء ثلاث درجات، فلما قدم المدينة زاد فيه وقيل: صنعه ميمون النجار. وقيل صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب. وذكر ابن فتحون قبيصة المخزومي في كتابه وقال: هو الذي عمل غلامه منبر النبي صلى الله عليه وسلم. وفي المقدمات لإبن رشد: وفي سنة سبع إتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر. وقيل في ثمان عمله له غلام لسعد بن عبادة. وقيل غلام لإمرأة من الأنصار. وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب. قال ابن رشد ولعلهم اجتمعوا كلهم على عمله» .
وترجم في الإصابة إبراهيم النجار فذكر عن الطبراني في الأوسط عن جابر؛ أن النبي
__________
(1) وجدت في كتاب الجمعة من صحيح البخاري ج 1 ص 220 حديثا عن سهل بن سعد الساعدي حول المنبر. فانظره إن شئت هناك. ثم وجدت حديث الباب في البخاري 3/ 14 من كتاب البيوع باب 31- 33. مصححه.
(1/119)

صلى الله عليه وسلم: كان يخطب إلى جذع، فذكر الحديث في إتخاذ المنبر، وفيه فدعا رجلا فقال: ما اسمك؟ قال: إبراهيم قال: خذ في صنعته استدركه أبو موسى وقال في رواية أخرى: إن اسم النجار باقوم، فيحتمل أن يكون إبراهيم إسمه وباقوم لقبه، قال الحافظ: على تقدير الصحة وإلا ففي الإسناد العلاء بن الرواس وقد كذبوه.
وترجم في الإصابة لباقوم المذكور فذكر أنه بالميم ويقال باللام، ووصفه بالنجار، ثم نقل أن باقوم النجار كان روميا وهو الذي بنى لقريش الكعبة انظر ص 141.
وترجم فيها أيضا لكلّاب مولى العباس بن عبد المطلب، فذكر أن ابن سعد خرج بسند فيه الواقدي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما. فقال: إن القيام قد شقّ علي. فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، فشاور المصطفى المسلمين في ذلك؛ فرأوا أن يتخذه. فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلّاب أعمل الناس فقال: مره أن يعمله، وفي صبح الأعشى:
أول من عمل المنبر تميم الداري عمله للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد رأى منابر الكنائس بالشام اهـ.
قال الحافظ السيوطي في التوشيح على قول المصطفى: مر غلامك النجار يعمل لي أعوادا. ما نصه: هل صانعه ميمون وصحح أو باقول بلام أو باقوم بميم أو صباح بصاد فموحدة كغراب، أو قبيصة أو كلّاب مولى العباس أو تميم الداري أو ميناء بميم فنون فهمز كميقات تسعة أقوال. وهل في سنة سبع أو ثمان اهـ.
وأنشد محدث الشام الشيخ عبد الباقي الحنبلي الأثري في ثبته رياض الجنة لشيخه محدث الشام نجم الدين الغزي الشافعي قوله:
صانع منبر المدينة الذي ... كان عليه يخطب النبي
صلى وسلّم عليه دائما «1» ... إلهنا المهيمن العلي
قيل اسمه ميمون أو باقول ... أو باقون أو تميم الداري
وقيل إبراهيم أو قبيصة ... والقول الأوّل هو القوي
قال الشيخ عبد الباقي وزدت متبعا فقلت مبينا:
مينا صباح قيصرهم باقوهم «2» ... كلامهم مينا هو القوي
اهـ ثم قال في التوشيح: وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافه معاوية ست درجات؛ بسبب أن معاوية كتب إليه أن يحمله إليه، فقلعه فأظلمت طيبة، وكسفت الشمس. حتى رأوا النجوم. فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين لأن أرفعه. فدعا نجارا فزاده الست. فقال: إنما زدت به أذكر الناس أخرجه الزبير بن بكار في
__________
(1) هذا المصراع فيه خلل وتصويبه: صلى عليه دائما وسلما.
(2) هذا المصراع فيه خلل وتصويبه: مينا صباح قيصر باقوم. والله أعلم.
(1/120)

أخبار طيبة من طرق. قال ابن النجار: فاستمر على ذلك إلى أن أحرق المسجد النبوي سنة 654. فاحترق فكان إشارة إلى زوال دولة بني العباس، إذا انقرضت عقبه بقليل [656 اهـ] في فتنة التتر اهـ.
وفي المنهل الأصفى: أنه إحترق أول ليلة من رمضان عام 654. وكان ذلك من أعظم المصائب على الناس.
وللحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي تأليف سماه «عرف العنبر في وصف المنبر» ذكره له الرداني في صلته انظره.
فائدة: في التوشيح للأسيوطي: كان اليهود يسمون الاسبوع كله سبتا، وقد وقع ذلك في حديث أنس في الإستسقاء، فحدث في الإسلام تسميته جمعة نظرا لليوم الأشرف [انظر كتاب الاستسقاء في مسلم 8 ص 612/ 1] .
خطبته عليه السلام في حجة الوداع على الدواب
في أبي داود عن رافع بن عمرو المزني «1» : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بمنى حين ارتفعت الضحى، على بغلة شهباء. وعلي يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد، وفيه أيضا عن غيره: رأيته صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة «2» ، قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: وهذا حديث لا يثبت لأنه عن مجهول، وقد ذكر أبو داود والنسائي وغيرهما: أنه خطب على بعير وهو الصحيح المشهور «3» .
أقول: بوّب الشامي في سيرته:
اتخاذه صلى الله عليه وسلم عليا يعبر عنه
روى مسدد برجال ثقات عن هلال بن عامر المزني عن أبيه فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على بغلته وعليه برد أحمر، وعلي أمامه يعبر عنه ما يقول، فجئت حتى دخلت بين شراك النبي صلى الله عليه وسلم وقدمه فجعلت أعجب من بردها رواه أحمد «4» وأبو داود مختصرا.
وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن عباس قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة: أمر ربيع بن أمية بن خلف فقام تحت يدي الناقة، وكان رجلا صيّتا فقال: أصرخ أيها الناس:
أتدرون أي شهر هذا؟ فصرخ فقال الناس: الشهر الحرام. قال أصرخ أي بلد هذا؟ قالوا:
البلد الحرام. قال: أصرخ أي يوم هذا؟ قالوا: الحج الأكبر. قال أصرخ فقل: إن رسول
__________
(1) هو في سنن أبي داود. انظره ج 2 ص 489 رقم الحديث 1956.
(2) هو برقم 1915 ج 2 من كتاب المناسك.
(3) انظر أيضا كتاب المناسك لأبي داود برقم 1916/ 1917.
(4) انظر في ج 3 ص 477 وطبعة المكتب الإسلامي. 625/ 3.
(1/121)

الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا. الحديث.
وأحاديث هذه الترجمة هي الأصل في الإملاء، الذي كان مستعملا عند المحدثين، واتخاذ المحدث المستملي إذا كثر الجمع؛ وهو من يبلغ عنه. وفي الصحيح «1» عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس والناس، فإذا كثر الجمع بحيث لا يكفي مستمل إتخذ مستمليين فأكثر، فقد أملي أبو مسلم الكجي في رحبة غسان، وكان في مجلسه سبعة مستملون، يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه، وحضر عنده نيف وأربعون ألف محبرة، سوى من ينظر فقط. وكان يحضر مجلس عاصم بن علي أكثر من مائة ألف إنسان.
قلت: يتعين أن يستدرك هنا على الشامي أيضا:
أمره عليه السلام باستنصات الناس رجلا أطول الناس قامة وأبلغهم وأنداهم صوتا
ففي الصحيح مكررا قوله عليه السلام لجرير بن عبد الله البجلي: استنصت لي الناس في حجة الوداع «2» ، وكان حاله كذلك.
تكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه
ترجم في الإصابة للحكم بن منهال، فذكر أن أبا يعلى خرّج من طريق أبي الحويرث، أنه سمع الحكم بن منهال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: إجمع لي قريشا. وترجم فيها للفضل بن عباس، فذكر أن البغوي خرج من طريقه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
خذ بيدي وقد عصب رأسه، فأخذت بيده فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: ناد في الناس، فصحت فيهم فاجتمعوا له، فذكر الحديث.
تنبيه: قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بيده في الخطبة سيفا، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس؛ قبل إتخاذ المنبر على عادتهم، ولم يحفظ أنه إعتمد على سيف. وما يظنه بعض الجهلة من أنه إعتمد على السيف إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله، فإنه لم ينقل أصلا. وتبعه الزركشي ونقله السخاوي في القول التام وأقره اهـ كذا في الفوائد الجنوية للأبياري.
ارساله عليه السلام عليا يبلّغ عنه نزول أول سورة القتال
وذلك أنه في مرجعه عليه السلام من تبوك، بعث أبا بكر أميرا ليقيم الحج للناس، فخرج. ونزلت براءة فيمن نقض العهد العام، الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين، وبين
__________
(1) انظر كتاب العلم باب 25/ ج 1/ 30.
(2) رواه البخاري في كتاب المغازي باب 77 ج 5 ص 126.
(1/122)

قبائل من العرب على أمور مخصوصة، فلما نزلت براءة: إنكشفت فيها سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، حتى كانت السورة تسمى المبعثرة، فبعث صلى الله عليه وسلم بصدرها علي بن أبي طالب، وقال: أخرج بهذه القضية فأذن في الناس يوم النحر: إذا اجتمعوا بمنى إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته، فخرج على ناقته العضباء فلما أدرك أبا بكر بالطريق قال: أمير أو مأمور قال: مأمور ومضيا. فأقام أبو بكر الحج وقام علي يوم النحر بما أمر به، وأجّل الناس أربعة أشهر من يومئذ، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة؛ إلا من كان له عهد خاص إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف عريان، وكان العهد العام أن لا يصدّ أحد يريد البيت عنه ولا يخاف في الأشهر الحرم.
قال القاضي أبو بكر بن العربي عن بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرسل عليّا ببراءة لأنها تضمنت نقض العهد الذي كان عقده، فأراد قطع ألسنة العرب بأن يرسل ابن عمه من بيته لينقض العهد؛ حتى لا يبقى لهم متكلم. قال: وهذا بديع اهـ.
وحكي الإمام فخر الدين في تفسيره عن الجاحظ أنه قال في قوله عليه السلام: «لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي» «1» ، لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر، وإنما عامل العرب بما يتعارفونه بينهم؛ أن السيد الكبير إذا عقد لقوم عهدا، فإنه لا يحل ذلك الأمر إلا رجل من أقاربه المقربين، كأخ أو عم. وقد كان أبو بكر الإمام والخطيب يومئذ، وعلي مؤتما به. انظر ما سيأتي في الكلام على المنادي.
الإمام في صلاة رمضان
«في الموطأ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم ذلك في رمضان. وفيها أيضا أن عمر خرج إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج الناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعمت البدعة هذه «2» » .
__________
(1) الحديث رواه أحمد عن أنس ج 3 ص 283، ونصه عن أنس: بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة قال: ثم دعاه فبعث بها عليا قال: لا يبلغها إلا رجل من أهلي. ص 359 ج 3 من طبعة المكتب الإسلامي.
(2) روى مالك في الموطأ الحديثين في كتاب «الصلاة في رمضان» ص 113- 114.
(1/123)

قلت: ترجم في الإصابة لزيد بن قنفذ بن زيد بن جدعان التميمي فقال: وجدت له خبرا يدل على صحبته. قال عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج: حدثت أنه أول من قام بالناس بمكة في خلافة عمر، وكان من شاء قام لنفسه، ومن شاء طاف، وذكر أبو عمر في التمهيد: أن أول ما جمع عمر الناس على امام في رمضان كان في سنة أربع عشرة اهـ وفي طبقات ابن سعد أن عمر أول من جمع الناس للصلاة في رمضان، وجعل للرجال من يؤمهم، وللنساء من يؤمهم على حدة.
ذكر مؤذّن النبي صلى الله عليه وسلم
«في صحيح مسلم «1» : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذّنان، بلال وابن أم مكتوم، وقال عياض: يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له عليه السلام غير هما. أذّن له أبو محذورة في مكة، ورتبه لأذانه وسعد القرظ أذّن بقباء ثلاث مرات، ولكن هذان لازما الأذان بالمدينة» .
وفي مختصر ابن يونس الفقهي قال ابن حبيب: وقد أذن للنبي صلى الله عليه وسلم أربعة: بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم وسعد القرظ اهـ بواسطة أبي الحسن على المدونة.
وفي السيرة الحلبية: وأذّن بين يديه صلى الله عليه وسلم: زياد بن الحارث الصدائي، وعبد العزيز بن الأصم أذّن بين يديه مرة واحدة.
قلت: عدّه عبد العزيز بن الأصم من جملة مؤذّنيه فيه ما فيه، وإن وقع لجماعة من المتأخرين. وأصله ما في مسند الحارث بن أبي أسامة عن ابن عمر: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذّنان أحدهما بلال، والآخر عبد العزيز ابن الأصم، ولكن قال في الإصابة: هو غريب جدا.
وفيه موسى بن عبيد ضعيف. ثم ظهرت لي علته وهو: أن أبا قرة موسى بن طارق أخرج مثله. وزاد: وكان بلال يؤذّن بليل يوقظ النائم، وكان ابن أم مكتوم يتوخّى الفجر، فلا يخطه «2» فظهر من هذه الرواية أن عبد العزيز اسم ابن أم مكتوم. والمشهور في إسمه عمرو. وقيل: عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم، فالأصم جد أبيه، نسب إليه في هذه الرواية.
وفي شرح أنموذج اللبيب: للشمس محمد الروضي المصري المالكي: روى أصحاب السنن أن مؤذّنيه عليه السلام كان عدتهم أربعة. وعدّهم في نور النبراس كذلك أربعة ثم قال: وزيد عليهم أيضا إثنان فصاروا ستة. والأربعة بلال وعبد الله بن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة أوس «3» ، والإثنان زياد بن الحارث الصدّائي فإنه أذّن مرة وأقام في
__________
(1) ذكره مسلم في كتاب الصلاة رقم الباب 4. عن ابن عمر ج 1/ 287
(2) كذا وردت يخطه ولعل الصواب: يخطئه.
(3) هو أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح وكنيته أبو محذورة، أقامه النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنا بمكة وبقي كذلك وهو وعقبه حتى انقرضوا أيام الرشيد. انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 162.
(1/124)

صلاة الصبح، وكان بلال غائبا. فأراد أن يقيم فقال عليه السلام: إن أخا صداء. أذّن ومن أذّن فليقم «1» . والسادس: عبد العزيز بن الأصم أذّن مرة اهـ ما نقله.
قال بعضهم كان المؤذّنون في زمانه عليه السلام مؤذّنين؛ بلال، وابن أم مكتوم. فلما كان زمن عثمان جعلهم أربعة. وزاد الناس بعده. وروي: لما مات عليه السلام ترك بلال الأذان ولحق بالشام، ولم يؤذّن لأحد بعده عليه السلام. وروي أنه كان يأتي كل عام المدينة لزيارته عليه السلام لما أن عاتبه عليه السلام في المنام وقال له: أنت جفوتنا يا بلال؟ لم لا تزورنا؟.
ولما أن ذهب بلال إلى الشام أتي بسعد القرظ كان يؤذّن بقبا، ثم صار يؤذّن بمسجده عليه السلام اهـ راجع بقيته فيه.
فائدة:
أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن القاسم بن عبد الرحمن: أول من أذّن في الإسلام بلال، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس. وزاد: أول من أقام عبد الله بن زيد.
وانظر خير البشر بأذان خير البشر. وفي خطط المقريزي قال الواقدي: كان بلال يقف على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: بعد الأذان فيقول: السلام عليك يا رسول الله، وربما قال:
السلام عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة. السلام عليك يا رسول الله. قال البلاذري وقال غيره: كان يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، الصلاة يا رسول الله. فلما ولي أبو بكر الخلافة، كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته. حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول الله.
قلت: ظفرت بمؤذّن سابع له عليه السلام وهو ثوبان. فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: أذّنت مرة فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: قد أذّنت يا رسول الله فقال: لا تؤذّن حتى تصبح، ثم جئته أيضا فقلت: قد أذّنت. فقال: لا تؤذّن حتى ترى الفجر. ثم جئته الثالثة. فقلت: قد أذّنت. فقال: لا تؤذن حتى تراه هكذا، وجمع بين يديه ثم فرقهما. انظر كنز العمال. فهذا مؤذّن سابع له عليه السلام.
وقد ظفرت بمؤذّن ثامن في خطط المقريزي. جاء أن عثمان بن عفان كان يؤذّن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر اهـ منها ص 43 من الجزء الرابع طبع مصر سنة 1326 ولم أر من ذكر عثمان ولا ثوبان المذكور في المؤذّنين. فإن معظم الأئمة إقتصر على أربعة، ومنهم من عدهم خمسة، وهو المشهور لدى المتأخرين. وأما عدهم سبعة أو ثمانية كما ذكرنا فلم أسبق إليه. والحمد الله وقد نظم أسماء الخمسة دون عبد العزيز بن الأصم البرماوي فقال كما في حاشية الرهوني على الزرقاني:
__________
(1) ورد في مسند أحمد حديث من رواية زياد بن الحارث الصدائي: يقيم أخو صداء فإن من أذّن فهو يقيم ج 4 ص 169.
(1/125)

لخير الورى خمس من الغر أذّنوا ... بلال ندي الصوت بدا يعين
وعمرو الذي أم لمكتوم أمه ... وبالقرظ أذكر سعدهم إذ تبين
وأوس أبو محذورة وبمكة ... زياد الصداء نجل حارث يعلن
ونظمهم الشيخ التاودي ابن سودة أيضا فقال:
عمرو بلال وأبو محذورة ... سعد زياد خمسة مذكورة
قد أذنو جميعهم للمصطفى ... نالوا بذاك رتبة وشرفا
تنبيه: أبو محذورة المؤذّن، أمره المصطفى عليه السلام بالآذان بمكة، عند منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذّن فيها. وبقي الآذان بمكة في نسل أبي محذورة وأولاده قرنا بعد قرن إلى زمن الشافعي- انظر ترجمته من تهذيب النووي.
ذكر الموقت
«في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا بحفظ الوقت في الموطأ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من خيبر أسرى، حتى إذا كان من آخر الليل عرّس. وقال لبلال: إكلأ لنا الصبح. ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلأ بلال ما قدر له. الحديث في قصة نوم الوادي» .
ولأبي داود والطبراني من حديث عمرو بن أمية قصة أخرى. وفيها: أن الذي كلأ «1» لهم الفجر ذو مخبر. ولإبن حبّان عن ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر. وهذا يدل على تعدّد القصة.
فصل في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذّن المسجد الجامع
«في الروض الأنف: كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يصلون بأذان بلال كذلك قال: بكير بن عبد الله بن الأشحم فيما روي عنه أبو داود في مراسله، والدارقطني في سننه» .
قال في نور النبراس عقبه: وقد رأيت المزّي في أطرافه عزاه إلى المراسيل أخرج فيها عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب عن ابن لهيعة، أن بكير بن الأشحم حدثه بهذا اهـ وأقربها مسجد بني عمرو بن النجار ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة. وشك في التاسع كذا قال والمشكوك فيه إذا عاشر انظر النور ولا بد.
فائدة: قال الحافظ السيوطي في التوشيح، في تاريخ ابن عساكر بسند ضعيف: إن أول من قدّر الليل والنهار إثنى عشر ساعة نوح عليه السلام، حين كان بالسفينة، وفي الإكليل له
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة ج 1/ 309 ورقمه: 445. وذو مخبر الحبشي أحد خدام النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/126)

على قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [الإسراء: 12] الآية أصل في علم المواقيت والهيئة والتاريخ اهـ وفيه أيضا على قوله تعالى: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ [يونس: 5] أصل في علم التوقيت والحساب ومنازل القمر والتاريخ اهـ وقد أخرج أبو الشيخ بسند فيه مجهول عن ابن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: 27] فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ زرّوق في حواشي الصحيح: لا يبعد أن يكون أحد المقويات لرؤياهم حتى سكن إليها دون آرائهم المتقدمة إذ لا منافاة، وسواء قلنا: جاء به الوحي أم لا. لإحتمال أن يكون الوحي ورد بعد ذلك؛ مؤكدا لما عندهم من الرؤيا والنظر اهـ.
وفي خطط مصر للتقي المقريزي، قال أبو عمرو الكندي: في ذكر من عرف على المؤذّنين بجامع عمرو بن العاص بمصر: كان أول من عرف على المؤذّنين: أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المرادي وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أذن لعمر، ثم عرف أخوه شرحبيل بن عامر، وكانت له صحبة. وذكر عن عثمان أنه أول من رزق المؤذّنين.
على أي شيء كانوا يؤذّنون
في كتاب الجمعة من تشنيف السامع على قول الراوي في الصحيح: فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، والزوراء قيل إنه مرتفع كالمنارة، وفي النزهة الثمينة في أخبار المدينة لإبن النحاس: وروى ابن إسحاق أن إمرأة من بني النجار قالت:
كان بيتي أطول من بيت حذاء المسجد، وكان بلال يؤذّن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك قالت: ثم يؤذّن، وذكر أهل السير أن بلالا كان يؤذّن على أسطوان في قبلة المسجد، يرقي إليها بأقتاب فيها، وكانت خارجة من المسجد، وهي قائمة إلى الآن في مسجد عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وروى نافع عن ابن عمر قال: كان بلال يؤذّن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد. قال: فكان يرقى على أقتاب فيها. وكانت خارجة من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تكن فيه وليست فيه اليوم، وفي غير النزهة: إنه لم يكن منار في زمانه عليه السلام وإنما هو من سنة الصحابة، وكانوا في عهده يؤذّنون عند باب المسجد لا بين يدي الإمام.
فإنما فعله هشام وذلك مكروه لأنه محدث أحدثه هشام. كما نقل الذي كان بالزوراء إلى المسجد اهـ ونحوه في الوفاء للسيد السمهوني قائلا: يظهر من سياق ما سبق له: أن أول ما جعل المنار في المسجد كان في زيادة الوليد، ثم لما ذكر ما سبق من أن بلالا كان يؤذّن على منارة في دار حفصة قال: الظاهر أن الراوي تجوّز في تسميته الأسطوان منارة. على أن الراوي لذلك إحترقت كتبه، فكان يروي من حفظه فذكره. والظاهر أن عمر وعثمان لم يتخذا منارة وإلا لنقل اهـ.
(1/127)

وفي البحر [الرائق] من كتب الحنفية: لم تكن في زمنه عليه السلام مئذنة اهـ ولما نقله الشمس ابن عابدين في «ردّ المختار» قال إثره: وفي شرح إسماعيل عن الأوائل للسيوطي أن الماذن بنيت بأمر معاوية ولم تكن قبل اهـ منه.
قلت: انظر هذا مع ما نقله الزرقاني على المواهب عن الشيخ خليل في التوضيح:
إختلف النقل هل كان يؤذّن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو على المنار الذي نقله أصحابنا؛ أنه على المنار. نقله عبد الرحمن بن القاسم في المجموعة، وفي المرقاة عن ابن القاسم عن مالك:
أن الأذان في زمنه عليه السلام كان على المنارة وفي المدخل لأبي عبد الله بن الحاج:
السنة في أذان الجمعة إذا صعد الإمام على المنبر أن يكون المؤذّن على المنار. كذلك كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر اهـ وفي المدخل أيضا: المنار عند السلف بناء يبنونه على سطح المسجد اهـ.
تتمة في الدرر المرصعة في صلحاء درعة، نقلا عن كتاب إنارة البصائر في مناقب الشيخ بن ناصر، وحزبه الهداة الأكابر، ما نصه: كان يعني الشيخ سيدي محمد بن ناصر يقتصر يوم الجمعة على مؤذّن واحد وأذان واحد غير الإقامة أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن أي التعدي في زمنه ولا في زمن أبي بكر رضي الله عنه على ما هو الأشهر وصدر من خلافة عثمان، وكان لا يؤذّن في زمنه عليه السلام إلا مؤذّن واحد هذا هو الصحيح والمعتمد كما في فتح الباري والآبي اهـ ولا يعكر عليه ما في المدخل لإبن الحاج وكان المؤذّنون ثلاثة يؤذّنون واحدا بعد واحد لقول صاحب عون المعبود على سنن أبي داود إثره: لم أقف على نقل صريح أن المؤذّنين كانوا ثلاثة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يؤذّنون يوم الجمعة واحدا بعد واحد بل سيجيء أنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذّن واحد بلال اهـ.
ذكر صاحب الخمرة
«الخمرة هي كالحصير الصغير من سعف النخل يضفر بالسيور ونحوها بقدر الوجه والكفين وهي أصغر من المصلي، وفي المعالم للخطابي: الخمرة السجادة التي يسجد عليها المصلي. روى البخاري عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة. اهـ. وروى مسلم رحمه الله تعالى؛ عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ناوليني الخمرة من المسجد «1» . وروى النسائي عن ميمونة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض. اهـ.»
قلت: أفرد شيخنا الوالد مسألة صلاته عليه السلام على الخمرة والحصير بتأليف فانظره.
__________
(1) هو في مسلم ج 1 ص 245 من كتاب الحيض.
(1/128)

الذي يحمل العنزة
«في الصحيح «1» عن ابن عمر، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى، والعنزة تحمل بين يديه ويصلي إليها، والعنزة عصا قدر نصف الرمح أو أكبر لها ساق مثل ساق الرمح» .
وفي كتاب الوضوء من الصحيح باب: من حمل العنزة مع الماء الإستنجاء. خرج عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة. قال ابن باديس في الفوائد: العنزة بتحريك النون أطول من العصا، ودون الرمح، فيها زج كزج الرمح، وفي المشكاة: العنزة: المحجن؛ عصا قدر الذراع؛ وكان يمشي وهي في يده عليه السلام. وتحمل بين يديه الكريمتين في العيدين حتى تركز أمامه سترة يصلي إليها. ويقال:
إنها بقيت بالمدينة إلى أيام المأمون. وفي عيون المعارف: كانت له عنزة أخرى؛ أخذها من الزبير بن العوام. وكان الزبير أخذها من النجاشي اهـ.
وقال الحافظ السيوطي في التوشيح: فائدة: روى عمر بن شبّة في أخبار المدينة عن سعد القرظ أن النجاشي أهدى إليه صلى الله عليه وسلم حربة، فأمسكها لنفسه، فهي التي يمشي بها مع الإمام يوم العيد، ومن طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يديه صلى الله عليه وسلم؛ كانت لرجل مشرك، فقتله الزبير بن العوام يوم أحد فأخذها منه النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ينصها بين يديه إذا صلى، وجمع بأنّ عنزة الزبير كانت أولا قبل حربة النجاشي اهـ.
وفي سيرة ابن فارس أيضا: وكان له محجن ومخصرة تسمى العرجون، وقضيب يسمى الممشوق. قال شارحه: المحجن بالتحريك الإعوجاج والمحجن كالصولجان.
وقيل: المحجن دون العنزة قدر ذراع، أو أكثر، معوّج الطرف، كان يمشي به ويعلقه بين يديه على البعير، والمخصرة كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده وأمسكه؛ من عصا ونحوها. وقيل: هي كالقضيب تستعمله العرب والأشراف في أيديها؛ للتشاغل به وحك ما بعدت اليد عنه من الظهر. والعرجون: أصل العذق، وكان هذا القضيب إقتطع من موضعه، وهو باق ببغداد عند خلفاء بني العباس اهـ كلام الفوائد.
وفي طبقات ابن سعد: كان بلال يحمل العنزة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد والإستسقاء. انظر ترجمة بلال فيها.
الذي كان يحمل العصا بين يديه عليه السلام ويتقدم إذا أراد أن يدخل منزله الكريم
قد سبق عن فتح المتعال للمقري؛ أنه عليه السلام كان إذا قام ألبسه عبد الله بن مسعود نعليه، ثم يمشي بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة. وانظر ص 36 من جواهر البحار
__________
(1) البخاري كتاب العيدين باب 14 ص 8/ 2.
(1/129)

من رسالة مؤلفه مسماة بلوغ الآمال في مدح النعال. وللحافظ السيوطي رسالة سماها:
الأنباء بأن العصا من سنن الإنبياء وفي كتاب البيان والتبيين. أنه كان له صلى الله عليه وسلم، مخصرة وقضيب وعنزة تحمل بين يديه. وهكذا كانت عادة عظاماء العرب اهـ.
وفي الرسالة العلمية لأبي عثمان التجيبي: وأما حمل الإشارة والقضيب، فالإشارة المخصرة وهي عود أرق من العصا، وأغلظ من القضيب، طوله أربعة أشبار أو نحوها.
يحملها الفقراء بين أيديهم، ويحملون أيضا السهم. والأصل فيها السترة في الصلاة. وكان له عليه السلام مخصره وقضيب وعصية وعنزة. وكانت العرب تحمل المخاصر وتخطب وهي في أيديها ويتخذونها في مجالسهم اهـ وفي المجمل: والمخصرة قضيب يكون مع الخطيب أو الملك إذا تكلم اهـ.
فائدة: وفي جمع الجوامع عازيا للبيهقي وابن عساكر عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك: أنه كان عنده عصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات، فدفنت معه بين جنبيه وقميصه- انظر ص 10 من الجزء السابع من كنز العمال.
المسرج وهو الموقد
«في الإستيعاب: سراج مولى تميم الداري قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في خمسة غلمان لتميم، وأنه أسرج للنبي صلى الله عليه وسلم بقنديل الزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك سعف النخل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أسرج مسجدنا؟ فقال تميم: غلامي هذا. فقال ما اسمه قال: فتح.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل اسمه سراج. قال: فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سراجا» .
وخرّجه الخطيب بسند ساقه في الإصابة في ترجمته، وفيه: كان يسرج مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعف النخل، فقدمنا بالقناديل والزيت والحبال، فأسرجت المسجد- راجع ترجمته في الإصابة.
وترجم في الإصابة أيضا لأبي البراء غلام تميم الداري فقال: ذكره المستغفري في الصحابة.
وأخرج من طريق محمد بن الحسن بن قتيبة، عن سعيد بن فائد عن أبيه عن جده عن أبي هند قال: حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاما له يقال له: أبو البراء. فقام فشد المقط.
وهو بضم الميم وسكون القاف وهو الحبل، وعلق القناديل وصب الماء «1» . فيها وجعل فيها المفتل، فلما غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو يزهر فقال: من جعل هذا قالوا تميم يا رسول الله. قال: نورت الإسلام نوّر الله عليك في الدنيا
__________
(1) وصبّ الماء فيها: كذا في الأصل. ولعله يوجد سهو. والصواب: وصبّ الزيت فيها.
(1/130)

والآخرة. أما إنه لو كان لي إبنة لزوجتكها. فقال نوفل بن الحرث بن عبد المطلب: لي إبنة يا رسول الله تسمى أم المغيرة بنت نوفل، فافعل فيها ما أردت، فأنكحه إياها على المكان.
وسنده ضعيف اهـ.
وفي التجريد للذهبي أبو البراء غلام تميم الداري ذكر في حديث منكر اهـ.
وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري «1» ، وقد ذكر الحديث السابق عنه أيضا عيسى بن إسماعيل الرعيني في كتابه:
«الجامع لما في المصنفات الجوامع» قال في تحفة الأكابر: عليه يوخذ منه أنه إذا وردت مصابيح من عند الكفار، وقد كانت معلقة في كنائسهم، وعلى رؤوس صلبانهم جاز تعليقها في مساجد المسلمين. ومعتمد الجواز: إباحة الإنتفاع بأواني أهل الكتاب كما هو مقرر في الشريعة الخ- انظر بقيته فيها.
هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده عليه السلام
في السنن عن ابن مسعود قال: رأيت ونحن في غزوة تبوك شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين «2» المزني قد مات، وإذا هم حفروا له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وفي جامع الترمذي في باب الدفن بالليل: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج «3» .
الحديث. قال الحافظ السيوطي: قوله شعلة نار أي: ضوء الشمعة. وذلك أنه أجاب من سأله: هل الشمع وقد عنده صلى الله عليه وسلم؟ وأفرد ذلك برسالة سماها مسامرة السموع في ضوء الشموع- انظر الفتاوي الحديثية لابن حجر الهيثمي ص 121 والسيرة الحلبية.
وفي باب الصلاة على الفراش من الصحيح عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها. قالت:
والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، قال الحافظ في الفتح وقولها: والبيوت ليس فيها يومئذ مصابيح؛ كأنها أرادت به الإعتذار عن نومها على تلك الصفة، قال ابن بطال: وفيه إشعار بأنهم صاروا بعد ذلك يستصبحون اهـ ص 414 من الجزء الأول.
وفي السيرة الشامية جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجلس في بيت مظلم؛ إلا أسرج له فيه أخرج البزار وأبو الحسن بن الضحاك عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم لا يجلس في بيت مظلم إلا أسرج له فيه سراج، وأخرج ابن سعد عنها نحوه.
__________
(1) رقم الحديث في الجزء الأول 760 ص 250 من كتاب المساجد والجماعات.
(2) انظر ترجمته في الإصابة ج 1 ص 338 واسمه عبد الله بن عبد نهم.
(3) انظر كتاب الجنائز باب 62 ص 372/ 3.
(1/131)

وفي البيان والتبيين للجاحظ؛ أن جذيمة الأبرش «1» آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من رفع الشمع، وفي شرح المنهج للمنجور أن البرزلي سئل عن جعل الثريا والقناديل في المسجد فأجاب: إن جعل الحصر ومطلق الإستصباح من باب ترفيع المساجد، وقد ورد ثواب جزيل في إستصباحه.
وحكى الزمخشري في تفسير قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ [التوبة: 18] الآية عن أنس: من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوء، وقال: العمارة تتناول تجديد ما استرم منها، وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها وإعتبارها للعبادة والذكر. وأما كثرة المصابيح في رمضان فقد طعن فيه بعض المغاربة بأنه بدعة، والصواب أنه من باب ترفيع المساجد اهـ انظر بقيته في نوازل البرزلي وشرح المنهج ولا بد.
المجمر
«في سنن أبي داود «2» عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف» .
قلت: ثبت ذلك أيضا في مسند أحمد وابن ماجه وصحيح ابن خزيمة وغيرهم.
«وفي كتاب الجامع من البيان والتحصيل لابن رشد: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
جمروا مساجدكم، وفي التمهيد: عبد الله المجمر مولى عمر بن الخطاب كان يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقد قيل إنه كان من الذين يجمرون الكعبة والأول أصح والتجمير: التبخير» .
وفي فتح الباري على باب فضل الوضوء: نعيم المجمر بضم الميم وإسكان الجيم هو ابن عبد الله المزني، وصف هو وأبوه بذلك؛ لكونهما كانا يبخران مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم بعض العلماء أن وصف عبد الله بذلك حقيقة ووصف نعيم إبنه بذلك مجاز، وفيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نعيما كان يباشر ذلك اهـ منه.
الذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والقذي والعيدان منه
«خرّج البخاري «3» ومسلم عن أبي هريرة: أن إمرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها فقالوا: ماتت قال: أفلا كنتم آذنتموني. قال: فكأنهم صغروا أمرها. فقال: دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها» .
__________
(1) جذيمة الأبرش هو ابن مالك بن فهم من الأزد كما في الجمهرة لابن حزم 379.
(2) وهو في كتاب الصلاة ورقمه 455 ص 314 ج 1.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب 72 ج 1/ 118.
(1/132)

ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: إن إمرأة كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد. ورواه ابن خزيمة أيضا وابن ماجه عن أبي سعيد قال: كانت سوداء تقم المسجد فتوفيت ليلا فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها. فقال: ألا آذنتموني فخرج بأصحابه فوقف على قبرها، فكبر عليها والناس خلفه ودعا لها ثم انصرف «1» .
وخرّج الطبراني في الكبير عن ابن عباس: أن إمرأة كانت تلتقط القذى من المسجد فتوفيت فلم يؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات لكم ميت فاذنوني وصلى عليها. وقال: رأيتها في الجنة تلقط القذى من المسجد. وروى أبو الشيخ عن عبيد بن مرزوق قال: كانت إمرأة في المدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فمر على قبرها. فقال ما هذا القبر فقالوا: أم محجن فقال التي كانت تقم المسجد؟ قالوا: نعم.
فصف الناس فصلى عليها. ثم قال: أي العمل وجدت أفضل؟ قالوا: يا رسول الله أتسمع؟
قال: وما أنتم بأسمع منها. فذكر أنها أجابته. وهذا مرسل. وقمّ المسجد بالقاف وتشديد الميم كنسه.
وقد ترجم ابن السكن في الصحابة ثم من بعده: الخرقاء فساق عن أبي السفر عن الخرقاء. قال: وكانت إمرأة حبشية تلقط القذى وتميط الأذى عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لها كفلان من الأجر. وترجم في الإصابة محجنة وقيل: أم محجن فقال:
إمرأة سوداء كانت تقم المسجد. وقع ذكرها في الصحيح بغير تسمية. وسماها يحيى بن أبي أنيسة وهو متروك عن علقمة بن مرثد عن رجل من أهل المدينة قال: كانت إمرأة من أهل المدينة يقال لها: محجنة تقم المسجد فتفقدها عليه السلام الحديث. وأخرج الطبراني في الكبير- وأشار المنذري إلى ضعفه- عن أبي قرصافة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إبنو المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطرق، قال: نعم وإخراج القمامة منها؛ مهور الحور العين.
وفي الآداب الكبرى لابن مفلح: أنه ينبغي أن يكون الكنس ونحوه يوم الخميس فهو سنة.
تنبيه: نقل الشمس السفاريني عن فتاوي الحافظ ابن تميمة لما تكلم على من يقيم في المساجد إقامة مشروعة وكالمرأة التي كانت تقم المسجد وكان لها حفش فيه والحفش كما في المطالع بالحاء المهملة والفاء فشين معجمة الدرج وجمعه حفاش وفي الحديث: هلّا جلس في حفش أمه أي بيتها. شبّه ببيت أمه في صغره به، وقال الشافعي: هو البيت القريب السمك، وقال مالك: هو الصغير الخرب، وقيل: الحفش شبه القبة، تجمع فيه
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز باب 32 ص 490/ 1 ورقمه 1533.
(1/133)

المرأة غزلها وسقطها، كالدرج يصنع من الخوص يشبه به البيت الصغير الحقير، قال ابن تيمية: فإذا احتاج أحد هؤلاء إلى سترة كخيمة سعد، وحفش المرأة كان جائزا. فأما أن يتخذ المسجد مسكنا دائما ويتخذه مبيتا ومقيلا ويختص بالحجرة إختصاص أهل الدور بدورهم دائما فهذا يقرب من إخراج هذه البقعة عن حكم المسجد.
الرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها
«كان صلى الله عليه وسلم يباشر ذلك بنفسه، حتى إنه همّ بحرق الدور على الذين لم يشهدوا معه الجماعات كما في الصحيحين وغيرهما. وذكر الزمخشري في الكشاف: أن المصطفى إستعمل عتّاب بن أسيد على أهل مكة، وقال: فقد أستعملتك على أهل الله، فكان شديدا على المنافقين هينا على المؤمنين. وقال: والله لا أعلم متخلفا عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق» .
وقال أبو زيد المجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة: ذكر غير واحد ممن ألف في السير، أن عمر بن الخطاب وعليا كانا من عادتهما، إذا طلع الفجر يوقظان الناس لصلاة الصبح. وأن ذلك سبب قتلهما فيؤخذ منه أن إيقاظ الناس ليس بمكروه، ولا محرم بل هو من باب التعاون على البر، وكذا يؤخذ من قول عمر: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان.
أقول: هذا مستند السلطان أبي عنان المريني. ففي تاريخ بيوتات فاس لأبي زيد الفاسي لدى كلامه على بيت بني زنبق بفتح الزاي وسكون النون وفتح الباء منهم أبو المكارم منديل بن زنبق وهو محرض الناس على الصلاة في أوقاتها، ويضرب عليها بالسياط والمقاريع بأمر أمير المؤمنين أبي عنان.
الرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك
قال الإمام أحمد في كتاب الصلاة ص 14: أن بلالا كان يسوي الصفوف ويضرب عراقبهم بالدرة حتى يستوون، قال بعض العلماء: قد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إقامته، قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذّن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا يوما واحدا عند مرجعه من الشام في مدة أبي بكر اهـ.
الرجل يمنع الناس عن المنازعة واللغط في المسجد
«في الصحيح عن السائب بن يزيد قال: كنت نائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: فاذهب فأتني بهاذين فجئته بهما فقال: من أنتما ومن أين أتيتما، قالا: من أهل الطائف فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما. ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الموطأ: أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في المسجد تسمى البطيحاء وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج
(1/134)

إلى الرحبة «1» . وفي الإستيعاب ص 297 أن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم. كان في الجاهلية رئيسا على قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرا يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعا؛ لأنه كان ملأ قريش إجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانا وسلموا ذلك إليه. ذكر ذلك الزبير وغيره من العلماء بالخبر والنسب» .
صاحب الطهور
قال الشبراملسي: قوله صاحب وضوئه؛ لعل المراد أنه كان يباشره في وضوئه؛ إذا توضأ، كان يعاونه بصب الماء عليه إذا احتاج إليه اهـ (أقول) بل أعم من ذلك، فصاحب الطهور والوضوء: يهيء له الماء لوضوئه واستنجائه، ويحمله له إذا ذهب وأبعد، ويعينه بالصب ونحوه.
ذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم
«منهم ابن مسعود؛ كان معروفا بكونه صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعليه، وفي مسلم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبرز لحاجته، فاتيه بالماء فيغتسل به، وفي البخاري عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام ومعه إداوة ماء؛ يعني يستنجي بها، قال ابن الجوزي في كشف المشاكل: إداوة: إناء من جلد كالر كوة» .
أقول: قوله: أنا وغلام زاد في رواية البخاري: منا أو من الأنصار، وبه صرّح الإسماعيلي. ولمسلم: نحوي أي مقارب لي في السن. والغلام هو المترعرع، قاله أبو عبيد، وفي المحكم: من لدن الفطام إلى سبع سنين، وفي الأساس: الغلام الصغير إلى حد الإلتحاء، فإن قيل له بعده: غلام فمجاز، قيل: الغلام ابن مسعود لقول أبي الدرداء لعلقمة بن قيس: أليس فيكم صاحب الطهور؟ يعني ابن مسعود. فيكون أنس سماه غلاما مجازا.
ويكون معنى قوله: منا أي من الصحابة، أو من خدمه عليه السلام. وقوله في رواية الإسماعيلي: من الأنصار لعلها من تصرف الراوي أو رأى في الرواية منا. فحملها على القبيلة. فرواها على المعنى؛ أو لأن إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن خصه العرف بالأوس والخزرج لكن يبعده رواية مسلم: غلام نحوي، فوصفه بالصغر، ويحتمل:
أنه أبو هريرة، فعنه كان صلى الله عليه وسلم: إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، ويؤيده ما رواه البخاري في قصة الجن عن أبي هريرة: أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته، ويكون المراد بقول أنس: نحوي. أي في الحال لقرب عهده بالإسلام. ويحتمل أنه جابر، ففي مسلم أنه صلى الله عليه وسلم إنطلق لحاجته، فاتبعه جابر بإداوة سيما وجابر أنصاري. ووقع للإسماعيلي في روايته فاتبعته وأنا غلام بتقديم الواو فتكون حالية لكن تعقبها الإسماعيلي بأن الصحيح أنا وغلام بواو العطف انظر الفتح وترجم في الإصابة لأميمة مولاة رسول الله
__________
(1) روى مالك في الموطأ هذا الحديث في كتاب قصر الصلاة في السفر باب 93 ص 175 ج 1.
(1/135)

صلى الله عليه وسلم فذكر أنه أخرج محمد بن نصر وابن السكن والحسن بن سفيان وغيرهم عن أميمة المذكورة أنها كانت توضىء النبي صلى الله عليه وسلم قالت فأفرغ على يديه الماء إذ دخل عليه رجل فقال إني أريد اللحوق بأهلي الحديث- راجع ص 21 من جزء النساء، وذكر في المواهب خير والد عبد الله بن خير مولى العباس رضي الله عنه قال كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وهبه لعمه العباس. قال شارحها رواه سمويه يعني في فوائده والبخاري في التاريخ أن حنينا كان غلاما للنبي صلى الله عليه وسلم فوهبه للعباس عمه فأعتقه فكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان إذا توضأ خرج بوضوئه لأصحابه فحبسه حنين فشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال حبسته لأشربه. وأخرج ابن ماجه عن أم عياش مولاة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم قالت كنت أوضىء النبي صلى الله عليه وسلم أنا قائمة وهو قاعد. وفي الإستيعاب أميمة خادمة وحديثها أنها كانت توضىء النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن عساكر والحسن بن سفيان وغيرهما. وفي السيرة الشامية أن أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم كانت على مطهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعاطي حاجته. وفي باب الإستنجاء بالحجارة من الصحيح «1» عن أبي هريرة اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت فدنوت منه فقال: إبغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا روث، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه وأعرضت، فلما قضى أتبعته بهن، قال في الفتح: وفي الحديث جواز إستتباع السادات، وإن لم يأمروا بذلك، واستخدام الإمام بعض رعيته، والإعانة على إحضار ما يستنجي به وإعداده عنده، لئلا يحتاج إلى طلبها بعد الفراغ، فلا يأمن اللوث اهـ.
هل كان صلى الله عليه وسلم يستعمل الماء السخن أو دخل الحمام
وجدت بخط شيخنا الاستاذ الوالد على الفتح في باب وضوء الرجل مع إمرأته لدى قول البخاري: وتوضأ عمر بالحميم ما نصه: ذكر أبو عمر بن عبد البر أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعمل الماء السخن، لا في وضوء ولا في غسل اهـ.
وفي الفجر الساطع لشيخنا الشبيهي على الترجمة المذكورة ما نصه: وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت أنه إستعمله في وضوء ولا غسل. قاله ابن زكري اهـ منه. وفي المواهب:
الحديث الذي يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حمام الجحفة. (بالضم ميقات أهل الشام) فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما قاله الحافظ ابن كثير؛ بل لم تعرف العرب الحمام ببلادهم إلا بعد موته عليه السلام اهـ قال الزرقاني في شرحها: وما ذكره الديلمي بلا سند عن ابن عمر؛ أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: طاب حمامكما، فمحمول إن صحّ على الماء المسخن خاصة من عين ونحوها. وكذا كل ما جاء فيه ذكر الحمام. قاله السخاوي. وأورد عليه ما رواه الخرائطي، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن عساكر عن محمد بن زياد الالهاني قال: كان ثوبان جارا لي، وكان يدخل الحمام، فقلت وأنت صاحب رسول الله
__________
(1) في البخاري من كتاب مناقب الأنصار ج 4 ص 240 ورد الحديث المذكور بألفاظ قريبة.
(1/136)

صلى الله عليه وسلم تدخل الحمام؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الحمام، فهذا يمنع تأويله بما قال. إذ لا ينكر محمد بن زياد إستعمال المسخن على ثوبان، ولكن إسناده ضعيف جدا اهـ منه ص 247 من الجزء الرابع.
وذكر ابن حجر الهيثمي في شرح الشمائل؛ أنه وقع كلام الدميري وغيره دخوله صلى الله عليه وسلم للحمام، وممن نقل ذلك عن الدميري الشيخ التاودي في شرح جامع خليل. وقال عقبه:
قال النووي في شرح المهذب: هو حديث ضعيف. اهـ فلم يجزم بالبطلان كعبارة المواهب السابقة.
وربما يستروح وجوده في الزمن النبوي من الأحاديث الواردة في أحكامه، انظر كتب السنن، ورسالتنا: الإلمام بما ورد في الحمام. وفي كشف الغمة للعارف الشعراني: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطهرون بالماء المسخن بالنار، ويكرهون التطهير بالماء المشمّس اهـ وفي الأحياء: دخل الصحابة لحمامات الشام، وقال ابن عمر: الحمام من النعيم الذي أحدثوه. وعن أبي الدرداء وأبي أيوب: نعم البيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار اهـ.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: أن جماعة من الصحابة كانوا يغتسلون بالماء الحار منهم: عمر وولده عبد الله، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والأسلع بن شريك. وغيرهم- انظر الكلام على قول عائشة: أسخنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماء في الشمس ليغتسل به، فقال لي: «يا حميراء لا تفعلي، فإنه يورث البرص» . في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، وتخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير لابن حجر، وانظر السعاية على الوقاية لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي ص 336 وص 192 منه أيضا.
وضوؤه عليه السلام في آنية زجاج
بوّب ابن خزيمة في صحيحه: الوضوء من آنية الزجاج. وروى من طريق أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بإناء من ماء فأتي بقدح من زجاج. قال ز على هب: مثلث الزاي كما في النور اهـ وقال الحافظ في الفتح بزاي مضمومة وجيمين.
وتبويب ابن خزيمة ضد قول من زعم من الصوفية: أن ذلك إسراف، لإسراع الكسر إليه.
وفي مسند أحمد عن ابن عباس أن المقوقس أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدحا من زجاج، لكن في إسناده مقالا. وفي المواهب: بعث به إليه النجاشي فكان يشرب منه، زاد الشامي: وآخر من فخار اهـ.
وضوؤه صلى الله عليه وسلم في الطست من صفر وغيره
في الصحيح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح، فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه. قال الحافظ رحراح بمهملات مفتوحة بعدها سكون أي متسع الفم. قال الخطابي: الرحراح: الإناء الواسع الصحن القريب القعر، وهذه الصفة شبيهة بالطست اهـ منه وأخرج البيهقي في الشعب والخطيب البغدادي والديلمي في مسند
(1/137)

الفردوس، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رفعه: أترعوا الطسوس وخالفوا المجوس.
أترعوا: أي إملأوا والطسوس من جموع الطست. الإناء المعروف وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في المخضب، وهو ما يغسل فيه الثياب من الخشب أو الحجارة. وفي القدح أواني الخشب والحجارة، وفي تور شبه الطست إناء من صفر، وفي آنية النحاس، وفي قدح من زجاج، وقد ترجم لكل ذلك البخاري في كتاب الوضوء «1» ، وفي سنن أبي داود: باب الوضوء في آنية الصفر، وبوّب الحافظ نور الدين الهيثمي في المجمع: باب الوضوء من النحاس، وانظر تأليفنا في حديث: أترعوا الطسوس.
صاحب السواك
«في البخاري أن صاحب السواك والوساد ابن مسعود» .
وترجم في الإصابة لبريرة، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أن ابن أبي شيبة، خرّج عن عبد الله بن بريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من الليل، دعا جارية له يقال لها:
بريرة بالسواك، وانظر تأليف سيدنا الخال في السواك وما يتعلق به.
اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرسي
«ذكر الدارقطني في العلل، من حديث علي، قال: كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كل غداة؛ إذا تنحنح دخلت، وإذا سكت لم أدخل قال: فخرج إليّ فقال: حدث البارحة أمر سمعت خشخشة في الدار، وذكر قصة فيها، فإذا بجرو للحسن تحت كرسي لنا، وفي «المشرع الروي» : الكرسي هو الذي يجلس عليه، وقيل لا يفضل عن مقعد القاعد» .
ذكر جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على الكرسي
«في صحيح مسلم «2» وسنن النسائي والنص لمسلم: عن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة العدوي: إنتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. قال: فأقبل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدا قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» .
الحديث المذكور أغفله السيوطي في الجمع، والهندي في الكنز فاقتصرا على عزوه للطبراني في الكبير، وأبي نعيم، مع أنه كما علمت في مسلم، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وفيه جلوسه صلى الله عليه وسلم على كرسي قوائمه من حديد، حتى في المسجد والناس ينظرون، ففيه جواز ذلك، وأنه لا يعد مذموما، وقد قربت مرة إلى رجل من الصالحين كرسيا لجلوسه، فأبى ورأى أنه من التشبه المذموم.
__________
(1) هو في البخاري كتاب الوضوء باب 45، 46. ج 1 ص 57، 58.
(2) في الجزء الأول كتاب الجمعة باب 15 ص 597.
(1/138)

وقد ترجم البخاري في الأدب المفرد باب الجلوس على السرير. فذكر قصة جلوس معاوية على سرير، وقول أبي قرة: جلست مع ابن عباس على السرير. وقول أبي جمرة:
كنت أقعد مع ابن عباس فكان يقعدني على سريره. فقال لي: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي فأقمت عنده شهرين، وقصة جلوس أنس مع أمير البصرة الحكم على سرير، وقصة أبي رفاعة العدوي السابقة عن مسلم، وفيها فأتى بكرسي خلت قوائمه من حديد. قال حميد: ولكن: زاد أراه خشبا أسودّ حسبته حديدا، فقعد عليه. وعن موسي بن دهقان قال: رأيت ابن عمر جالسا على سرير عروس عليه ثياب حمر. وعن عمران بن مسلم قال: رأيت أنسا جالسا على سرير واضعا إحدى رجليه على الآخرى والله أعلم.
«وقد ذكر المبرد في الكامل في قصة حبس عمر بن الخطاب للحطيئة على هجوه للزبرقان قال: إن عمر دعا بكرسي فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلس بين يديه، ودعا بالة القطع يوهمه أنه عامل على قطع لسانه الخ القصة، وفي سنن النسائي عن عبد خير قال:
شهدت عليا دعا بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بماء في تور فغسل يديه ثلاثا الخ القصة» «1» .
وفي تاريخ الوزير جودت باشا التركي نقلا عن تاريخ واصف أفندي التركي، أن سيدنا يوسف عليه السلام، كان يجري الأحكام وهو جالس على كرسيه، وأن سيدنا سليمان عليه السلام كان ينفذ الأحكام أيضا، وهو على كرسي مرتفع، وأن سيدنا معاوية إتخذ لنفسه دائرة خصوصية، كان يجلس فيها على كرسي مثل التخت، ويجري الأحكام اهـ.
وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن يحيى بن أيوب، عن الكناني رسول عمر إلى هرقل، وكان يقال له جثامة بن مساحق بن الربيع بن قيس الكناني قال: جلست فلم أدر ما تحتي، فإذا تحتي كرسي من ذهب، فلما رأيته نزلت عنه، فضحك فقال لي: نزلت عن هذا الذي أكرمناك به؟ فقلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا- انظر ترجمة جثامة بن مساحق من فضائل الصحابة من كنز العمال.
فانظر كيف جلس على الكرسي أولا ثم نزل عنه، لا لأنه كرسي بل لما رآه من ذهب، فلو وجده من غيره مما يباح إستعماله لاسترسل جالسا عليه. والله أعلم.
في السقّاء وفيه فصول
فصل في أنه عليه الصلاة والسلام كان يستعذب له الماء.
«في باب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للأصبهاني عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بيوت السقيا قال قتيبة: وهي عين بينها وبين المدينة يومان اهـ «2» » .
قال السيد السمهودي في الخلاصة حين ذكره حديث عائشة المذكور: رواه أبو داود
__________
(1) انظره في ج 1 ص 83 ورقمه 113 من سنن أبي داود وص 69/ 1 من النسائي.
(2) هو في آخر كتاب الأشربة من الجزء الرابع ص 119 ورقمه: 3735.
(1/139)

بهذا اللفظ وسنده جيد وصححه الحاكم. وللواقدي من حديث سلمى إمرأة أبي رافع، قالت: كان أبو أيوب، حين نزل عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستعذب له الماء من بير مالك بن النضر، والد أنس، ثم كان أنس وحارثه أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح عبده الأسود يسقي له من بير عرس مدة، ومن بير السقيا التي ذكرها المطيري أنها آخر منزلة السقاء على يسار السالك إلى بير علي بالمحرم، ثم قال بعد تفسير قتادة السابق ما نصه: العين المذكورة معروفة بطريق مكة القديمة، وهي من عمل الفرع.
وعلى ما قاله المجد: ألا أنها ليست المرادة هنا، فكأنه لم يطلع على أن بالمدينة سقيا اهـ راجع ص 223 وص 228 من الخلاصة وأصلها.
فصل في سقي الماء له عليه السلام من الآبار الطيبة بالمدينة
ترجم في الإصابة للهيثم بن نصر بن زاهر الأسلمي فقال: ذكره الواقدي ممن خدم النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج بسند له عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم، ولزمت بابه في قوم محاويج، فكنت آتيه بالماء من بير أبي الهيثم بن التيهان جارهم، وكان ماؤها طيبا، ولقد دخل يوما ضائفا على أبي الهيثم ومعه أبو بكر فذكر القصة.
فصل فيما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يبرّد له الماء
«في صحيح مسلم عن جابر في حديثه الطويل، في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: يعني جابر، فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر ناد بوضوء قال: قلت يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة. وكان رجل من الأنصار يبرّد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له على حمارة من جريد، وفي المشارق: أشجاب جمع شجب بسكون الجيم وفتح الشين وهو ما قدم من الغرب، والحمارة وتسمى الحمار، وهي الأعواد التي تعلق عليها هالة القربة، والجريد سعف النخل» [انظر كتاب الزهد ص 2307 ج/ 3] .
فصل في طلبه عليه السلام ماء زمزم من مكة إلى المدينة وتحريضه على التعجيل بأصرح عبارة
ترجم في الاصابة لأثيلة الخزاعي فذكر عن أبي قرة موسى بن طارق أن النبي صلى الله عليه وسلم، كتب إلى سهيل بن عمرو: إن جاءك كتابي ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين، حتى تبعث إلي من ماء زمزم. قال: فاستعان سهيل بأثيلة الخزاعي، حتى جعل مزادتين ملأهما سهيل من ماء زمزم، وبعث بهما على بعيره «1» ، ورواه المفضل بن محمد الجنوي. ثم ترجم في الاصابة أيضا: أزيهر؛ مولى سهيل بن عمرو له صحبة، أرسله مولاه سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بماء زمزم،
__________
(1) لا شك بأن هذه الرسالة: إنما كانت بعد فتح مكة سنة 8 للهجرة لأن سهيلا المذكور إنما أسلم عام الفتح.
(1/140)

وروى الفاكهي من طريق محمد بن سليمان عن حرام بن هشام عن أبيه عن أم معبد قال: مرّ بي بخيمتي غلام سهيل أزيهر ومعه قربتا ماء، فقلت: ما هذا؟ فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى مولاه سهيل يستهديه ماء زمزم، فإني أعجل السير، لكيلا تنشف القرب.
فصل في الروايا تسافر مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن كان يذهب يملأها
ترجم في الاصابة لفائد مولى عبد الله بن سلام فقال: أخرج له المفيد بن النعمان الرافضي في مناقب علي حديثا من طريق ابراهيم بن عمرو عمن حدثه عن فائد مولى عبد الله بن سلام قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم الجحفة في غزوة الحديبية، فلم يجد ماء فبعث سعد بن مالك فرجع بالروايا واعتذر، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا فلم يرجع حتى ملأها، ورمز لهذه الترجمة بحرف الزاي.
فصل في ساقي النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين
خرّج مسلم عن انس قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله، العسل والنبيذ والماء واللبن. [انظر كتاب الأشربة ج 2 ص 1591] .
فصل في ساقيه عليه السلام من اليهود
في صبح الاعشى ص 344 من الجزء السادس؛ أنه عليه السلام استسقى فسقاه يهودي فقال له: جمّلك الله فما رأي الشيب في وجهه حتى مات، وأخذ منه جواز الدعاء للكفار في المخاطبات.
قلت: كأن هذه القصة هي الآتية تحت ترجمة دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم لمن أزال شعرة من مائه.
ومن باب استخدامه عليه السلام ليهودي ما في طبقات ابن سعد في ترجمة أسق اليهودي مولى عمر بن الخطاب؛ أنه كان مملوكا لعمر بن الخطاب وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى فقال له عمر: لا إكراه في الدين، فلما حضرت عمر الوفاة أعتقه، وهو نصراني وقال: إذهب حيث شئت. انظر ص 109 من ج 6.
فصل في سقي الماء
«في الصحيح عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مزط جيد، فقال له بعض يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، فقال عمر: أم سليط احق، أم سليط من نساء الانصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد، وفي المشارق: تزفر لنا القرب أي تحملها على ظهرها تسقي الناس منها» . [انظر صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير ج 3 ص 222]
(1/141)

الانتباذ في الاواني الخضر
ترجم ابن الاثير في أسد الغابة وابن حجر في الاصابة مسلم بن عمير الثقفي، فذكر أن الطبراني أخرج عن عمير قال: أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة خضراء فيها كافور، فقسمه بين المهاجرين والأنصار وقال: يا أم حليمة انتبذي لنا منها، وفي التجريد للذهبي:
مسلم بن عمير الثقفي روى عنه مزاحم بن عبد العزيز إن صح الحديث.
دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم لمن أزال شعرة من مائه
ترجم الحافظ في الاصابة لأبي زيد بن أخطب، فذكر أن أحمد خرّج عنه قال:
استسقى النبي صلى الله عليه وسلم ماء، فأتيته بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال: اللهم جمّله.
قال فرأيته ابن أربعة وتسعين، ليس في لحيته شعرة بيضاء، وصححه ابن حبان والحاكم.
الخادم يخدم عند الأكل
ذكر أبو عمرو صاحب التهذيب في مواليه عليه السلام أبا عبيد وقال: هو الذي قال له عليه السلام: ناولني الذراع فقال: كم للشاة من ذراع؟ فقال: فو الذي نفسي بيده لو سكتّ لناولتني الذراع ما دعوت، أخرجه في الشمائل قال أبو عمرو: يقال إنه خادمه.
أوانيه عليه السلام
قال العاملي في بهجة المحافل: كان له عليه السلام قصعة يقال لها الغرّاء يحملها أربعة رجال، لها أربع حلق. قال العلامة ابن الأشخر اليمني في شرحها: رواه أبو داود عن عبد الله بن بشر، ورواه الطبراني عن عبد الله بن زيد قال العامري: وكان له خشب بثلاث ضبات من فضة وقيل من حديد وفيه حلق تعلق به، وكان بعده عند أنس بن مالك، ثم عند بنته بعد، وكان له قدح من زجاج. قال ابن الأشخر: يشرب فيه. كما رواه ابن ماجه عن ابن عباس وقال: من قوارير اهـ وكان له قدح آخر يقال له: الريان (قدح من الحجارة) ومخضب من شبه، يكون فيه الحناء والكتم يوضع منه على رأسه إذا وجد حرا، وكان له مغتسل من صفر، وصاع يخرج به فطرته عليه السلام. قال ابن الأشخر: وكان له سرج يسمى الراج بالمهملة والجيم وكان له بساط يسمى الكز بالكاف والزاي، وكان له ركوة تسمى الصادر. أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس. وكان له قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل. أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن أميمة بنت رقية، والعيدان بفتح المهملة جمع عيدانة وهي النخلة الطويلة اهـ.
هل كانوا يهنئون الشارب في الزمن النبوي
عن ابن جريج قال: أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان وهي الطوال من النخل، ثم توضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء. فقال: لإمرأة يقال لها
(1/142)

بركة، كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة أين البول الذي كان في القدح؟
قالت: شربته قال: صحة يا أم يوسف فما مرضت قط، حتى كان مرضها الذي ماتت فيه رواه عبد الرزاق في مصنفه. وأبو داود متصلا عن ابن جريج، عن حكيمة عن أمها أميمة.
وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لإمرأتين وقد وضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، وهو الذي ذهب إليه البلقيني قلت: وحكيمة المذكورة بضم الحاء المهملة وفتح الكاف مصغر كما في التبصير وغيره تابعية، وفي الاصابة عن أبي نعيم: لم يرو عنها إلا ابن جريج ونحوه في مختصر التهذيب، فإنه لم يذكر لها راويا سواه، وفي مرقاة الصعود للسيوطي: لم يرو عن حكيمة إلا ابن جريج. زاد الذهبي: روي عنها بصيغة عن أي وهو مدلس فيتقي من حديثه ما عنعن فيه. وكذا لأبي داود وأبي نعيم. لكن في الإستيعاب وجامع الرّعيني بصيغة التحديث. فإن ثبت، فلم يبق إلا الجهل بحكيمة فقد قال الذهبي في الميزان: في ترجمة حكيمة: غير معروفة، قال الزرقاني المالكي على قوله عليه السلام لها:
صحة بكسر الصاد والنصب أي جعله الله صحة، أو الرفع أي ما شربته صحة أي سبب لها.
وفيه إن قول ذلك مستحب للشارب، ويقاس عليه الأكل. وحكمته: أنه يخشى منهما السقم ونحوه كما قيل:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
اهـ منه ص 268 من الجزء الرابع.
وقال الشهاب الخفاجي في شرح الشفا على الحديث المذكور ص 451 من الجزء الأول ما نصه: في قوله عليه السلام: صحة. ما يدل على أن الدعاء به بعد الشرب سنة لا بدعة اهـ ثم وجّه بما سبق عن الزرقاني، وأنشد البيت المذكور أيضا. وفي حاشية النور على الشبراملسي على المواهب على قوله: صحة أيضا: يوخذ منه أن قول صحة سنة، وينبغي أن يكون مثل الشرب الأكل اهـ.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن الحاج العبدري المالكي في المدخل ص 196 من الجزء الأول: قول: صحة لمن يفرغ من الشرب، وإن كان دعاء حسنا، فاتخاذه عند الشرب بدعة. فإن قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم أيمن، لما أن شربت بوله: صحة فهذا ليس فيه حجة، فإنه لم يكن ثم ماء يشرب، وإنما هو البول وهو إذا شرب عاد بالضرر، فقال عليه السلام: صحة لينفي عنها ما تتوقعه، مما جرت به العادة من بول غيره بخلاف شرب الماء. ويدل على ذلك أنّه لم ينقل عنه عليه السلام هذا اللفظ في غير هذا الموطن، ولا عن أحد من الصحابة والسلف فلم يبق إلا أن يكون بدعة اهـ وهو وجيه، إلّا أن آداب الإسلام لا تنافي التهنئة بالشراب والأكل. وقول صحة للشارب جرت مجرى الليل والنهار، في المغرب الأوسط، حتى ربما كنت أستثقل هناك الشراب لأجل تهافتهم على تهنئة الشارب بها من أفواه جميع من حضر. وفي الحجاز ومصر يقولون: هنيئا مريئا. وربما يقام
(1/143)

لهم الدليل علي ذلك من حكايته سبحانه عن تهنئة أهل الجنة لمن يأكل فيها من الداخلين:
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [الحاقة: 24] . وقد رأيت في رحلة عالم المغرب الأوسط الشيخ أبي راس المعسكري، أنه لما دخل إلى فاس حضر وليمة بها، فشرب بعض الطلبة بمحضره. قال: فبادرته بلفظ: صحة فضحك مني من حضر، حتى قرعت سن الندم. ثم قلت: ما سندكم في الترك؟ فقالوا: تلك عادتنا. فقلت: تستدلون بنقل على ذلك؟ فقالوا بأجمعهم: وأي نقل في هذا؟ فقلت: إن شهاب الدين الخفاجي نصّ على السنة، وصاحب المدخل على عكسه. وكان الشيخ الطيب بن كيران متكئا. ولما سمع النقل استوى كاستواء المأمون لما لحنه النضر بن شميل وقال: أيوجد النقل على ذلك والإختلاف على ما هنالك؟ فقلت: نعم وأحلتهم على كلام الشهاب والمدخل، قال فاعترفوا بفضلي وبصحة نقلي اهـ كلامه ملخصا.
وقد علمت مما سبق أن الزرقاني من محدثي المالكية صرّح باستحباب التهنئة، وتصريح شيخه النور الشبراملسي الشافعي بالإستحباب، فتأيد تصريح الشهاب الخفاجي مع العمل المتوارث بالمشرق وغيره اليوم.
وفي شرح منظومة الآداب للمحدث السفاريني الحنبلي؛ ذكرهم أي فقهاء الحنابلة أن الحامد أي بعد الأكل يدعى له: يدل على أنه يدعى للآكل والشارب بما يناسب الحال.
والقول بالإستحباب مطلقا هو مقتضى كلام ابن الجوزي. اهـ انظر بقيته في ص 134 من الجزء الثاني وهو ملخص من كلام مطوّل في المسألة للإمام بن مفلح في كتابه: الآداب الكبرى انظرها ولا بد. والله أعلم.
ثم بعد هذا بمدة، وقفت على كلام في الباب للشهاب بن حجر الهيثمي في فتاويه الفقهية؛ لا أجمع منه ولا أجود، وهذا سياقه رحمه الله: سئل عما اعتيد من قول الإنسان لمن يفرغ من شربه: صحة ونحو ذلك، هل له أصل أو هو بدعة؟ فأجاب بقوله: يمكن أن يقال إن له أصلا ويحتج بقوله صلى الله عليه وسلم لأم أيمن لما شربت بوله صلى الله عليه وسلم: صحة يا أم أيمن لن يلج النار بطنك، ووجه القياس أن المختار عند كثير من أئمتنا طهارة فضلاته عليه السلام، وأن بوله شفاء أي شفاء. فإذا قال ذلك لشاربته، فلا بدع أن يقاس عليه قول مثله لشارب الماء، لا يقال لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم قول ذلك في غير هذه الواقعة لأنا نقول: لا يشترط في الإقتداء به صلى الله عليه وسلم فيما يفعله على جهة التشريع تكرّر ذلك الفعل منه صلى الله عليه وسلم؛ بل يكفي صدور ذلك منه كذلك ولو مرة، كما هو واضح، على أن عدم النقل في غير هذه الواقعة لا يدل على عدم الوجود. وليس هذا مما تتوفر الدواعي على نقله، وبقولنا: إن بوله صلى الله عليه وسلم شفاء اندفع ما قيل هذا لا حجة فيه، لأنه لم يكن ثم ما يشرب، وإنما هو البول، وهو إذا شرب عاد بالضرر.
فقال: صحة لينفي عنها ما تتوقعه مما جرت به العادة من بول غيره عليه السلام، فتضمن ذلك دعاء وإخبارا بخلاف شرب الماء اهـ فقوله: لينفي عنها ما تتوقعه، يردّ بأنه تقرر عند
(1/144)

أم أيمن وغيرها أنه شفاء، ولم تقصد بشربه إلا ذلك، فاندفع جميع ما ذكره، ويمكن أن يقال: لا حجة فيه لا لما ذكره هذا القائل، بل لكونه صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك إلّا تحقيقا لما قصدته من شرب البول، فإنها إنما شربته للتداوي وطلب الشفاء، فقال لها صلى الله عليه وسلم: صحة تحقيقا لقصدها، وإجابة لما مر لها، وإخبارا بأن ما قصدته من الصحة قد حصل وتحقق، وهذا معنى ظاهر إرادته من اللفظ، وعند ذلك لا يبقى في الخبر دلالة ظاهرة على أن فيه دليلا لندب ذلك عند شرب الماء، نعم فيه دلالة ظاهرة لندبه عند شرب الدواء لأنه على طبق النص فلا فارق بينهما اهـ منها ص 117 من الجزء الثالث.
الامارة على الحج
«قال عياض في الإكمال: أول من أقام للمسلمين الحج عتاب بن أسيد سنة ثمان، ثم أبو بكر سنة تسع، وحج صلى الله عليه وسلم سنة عشر، وقال ابن جماعة في مختصر السير: إنه صلى الله عليه وسلم حج سنة عشر، معه مائة ألف وعشرون ألفا» .
وانظر ما سبق عن نور النبراس، وفي حواشي الشبراملسي على المواهب بعد أن ضبط لفظ عتّاب بتشديد المثناة وفتح العين المهملة وأسيد بوزن أمير قال ما نصه: وكان عتاب أميرا على مكة، ومعه معاذ بن جبل يعلمهم الفقه والسنن، وكان عمر عتّاب إذ ذاك قريبا من عشرين سنة اهـ.
وفي الاصابة أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة، لما سار إلى حنين واستمر. وقيل: إنما استعمله بعد أن رجع من الطائف وحج بالناس سنة الفتح، وأقره أبو بكر على مكة إلى أن مات عتاب يوم مات أبو بكر. ذكر جميع ذلك الواقدي وغيره. وكان عمره حين استعمله نيفا وعشرين اهـ.
وفي أسد الغابة: أقام للناس الحج سنة ثمان وحج المشركون على ما كانوا، وحج أبو بكر سنة تسع، فقيل: كان أبو بكر أولّ أمير في الإسلام، وقيل: كان عتاب اهـ.
صاحب البدن
«في الموطأ «1» عن هشام بن عروة عن أبيه أن صاحب هدي النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها «2» في دمها، ثم خلّ بينها وبين الناس يأكلونها. وفي النسائي عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال: انحرها.
الحديث» .
__________
(1) انظر الموطأ كتاب الحج باب 47 ص 380 رقم الحديث 148.
(2) في الأصل: قلائدها، وفي الموطأ: قلادتها.
(1/145)

حجابة البيت وهي العمارة والسدانة فصل في ذكر من وليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
«قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية في التفسير: عمارة البيت هي السدانة، وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وشيبة بن عثمان، وهذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، في ثاني يوم الفتح، بعد أن طلبه العباس وعلي، وقال لعثمان وشيبة: يوم وفاء وبر؛ خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يعني السدانة» .
وفي رواية: خذوها أي سدانة الكعبة خالدة تالدة، قال المحب الطبري: لعل تالدة من التالد وهو المال القديم، أي هي لكم من أول الأمر وآخره. واتباعها لخالدة بمعناها.
ثم قال: لا ينزعها منكم إلا ظالم. وفي رواية لا يظلمكموها إلا كافر، أي كافر نعمة الله العظيم عليه. ويحتمل الحقيقة أي إن استحل. ثم قال: يا عثمان إن الله إستأمنكم على بيته، فكلوا مما يصلكم من هذا البيت بالمعروف، أي بسبب خدمته على سبيل الشرع والبر.
قال المحب الطبري في الباب الثامن والعشرين، من كتاب القرى: ربما تعلق بعض الجهال به في جواز أخذ الأجر على دخول الكعبة، ولا خلاف في تحريمه، وأنه من أشنع البدع. وهذا أي قوله: فكلوا مما يصل، إن صح احتمل أن معناه ما يأخذونه من بيت المال على خدمته، والقيام بمصالحه، ولا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه، وما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر بهم فلهم أخذه، وفي ذلك أكل بالمعروف اهـ.
وحكى على هذا الزرقاني في شرح المختصر الإجماع. ووجهه: أن أخذ الأجرة إنما يجوز على ما يختص الإنسان بمنفعته، والإنتفاع به، والبيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، وإنما لهم الولاية على فتحه وإغلاقه، في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها، ولا يجوز لهم إغلاقه ومنع الناس دائما. قاله الشيخ أبو عبد الله الحطاب الرعيني المكي المالكي في شرح المختصر، ثم قال: والظاهر، وإن لم أقف على نص، أن حكم فتح المقام وأخذ الأجرة عليه كذلك، وقال الحطاب في باب النذر من شرح المختصر أيضا: والمحرم إنما هو نزع المفتاح منهم، لا منعهم من إنتهاك حرمة البيت، وما فيه أدب فهذا واجب لا خلاف فيه. لا كما يعتقده الجهلة أنه لا ولاية لأحد عليهم، وأنهم يفعلون في البيت ما شاؤوا. فهذا لا يقوله أحد من المسلمين.
وقال الحطاب أيضا بعد ذكره عدة روايات من قصة تسليم المصطفى لهم المفتاح:
هذه الأخبار كلها دليل على بقاء عقبهم إلى الآن، ولا التفات إلى قول بعض المؤرخين؛ وهو الشريف محمد بن أسعد الحراني النسابة في كتابه «الجوهر المكنون في القبائل والبطون» أن عقبهم إنقطع في خلافة هشام بن عبد الملك، فإنه غلط لقول مالك أي: في
(1/146)

كتاب النذور من المدونة: لا يشرك مع الحجبة في الخزانة (بكسر الخاء هي أمانة البيت قاله في التنبيهات) أحد، لأنها ولاية منه صلى الله عليه وسلم، ومالك ولد بعد هشام، وذكر ابن حزم وابن عبد البر جماعة منهم في زمانهم وعاشا إلى بعد نصف المائة الخامسة، وكذا ذكر العلامة القلقشندي (صاحب صبح الأعشى) وعاش إلى 821. ولا دلالة لزعمهم انقراضهم في إخدام معاوية عبيدا؛ لأن إخدامها غير ولاية فتحها كما هو معلوم، وكثيرا ما يقع في كلام المؤرخين كالأزرقي والفاكهي ذكر الحجبة ثم الخدمة بما يدل على التغاير بينهما اهـ ملخصا.
غريبة في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم، لما أنزل عليه الأمر برد الأمانة إلى أهلها، ناول عثمان الشيبي مفتاح الكعبة وقال له: غيبه، وفي رواية الواقدي عن مشيخته أنه عليه السلام أعطاه المفتاح، ورسول الله مضطبع بثوبه عليه وقال: غيبوه، إن الله رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام.
وذكر الفاكهي في اخبار مكة؛ أنه دفعه إليه من وراء الثوب وقال: غيبوه. قال الزهري: فلذلك تغيب المفتاح. قال الحطاب: فلذلك والله أعلم: يرخون البيوت عند فتحه وعند إغلاقه اهـ.
قلت: ورد ذلك من حديث السائب بن يزيد، ومحمد بن جبير بن مطعم وابن سابط خرجه الطبراني في الكبير، وابن عساكر وابن أبي شيبة وغيره- انظر كنز العمال في باب فضائل الكعبة.
وفي خطبته عليه السلام في زمن الفتح: ألا كلّ مأثرة أو ذي مال، فهو تحت قدمي هاتين. إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.
قال ابن باديس: طرح عليه السلام كل مأثرة، وهي المكرمة التي كانت الجاهلية تتكبر بها، وتفاخر وقوله: تحت قدمي أي مطروح ملقى من قول العرب: جعلت هذا الأمر تحت قدمي. أي لم ألتفت إليه، كما لا يلتفت إلى ما وضع تحت الأقدام لهوانه، واستثنى من ذلك السدانة والسقاية، لأن فيها تعظيم حرمات الله من حفظ البيت والقيام عليه، واختصت السدانة ببني شيبة ولاية من النبي صلى الله عليه وسلم لهم عليها، فتبقى دائمة لهم ولذراريهم أبدا، ولا ينازعوا ولا يشاركوا ما داموا موجودين صالحين لها لقوله: لا ينزعها منكم إلا ظالم اهـ.
السقاية
«كانت قبل الإسلام لبني عبد المطلب، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الإسلام «1» ، حتى قال لهم عليه السلام؛ وقد أتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد
__________
(1) أصل الحديث في مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه في باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ج 1 ص 892 رقم الباب 19.
(1/147)

المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه.
مباشرته عليه السلام لنحر الهدي بيده الكريمة في حجة الوداع واذنه لعلي في إتمام البقية
في صحيح مسلم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثا وستين ناقة بيده. أي باشرها بيده، وهي رواية الجماعة، قال القاضي عياض وعند ابن ماهان بدنة مكان بيده وكلاهما صواب. لكن نحره بيده هو المروي لقوله: ثم أعطى عليا فنحر ما بقي، وكانت عدتها مائة على ما جاء في الحديث. واختصت الثلاثة والستون به قيل: لأنه أتى بها معه من المدينة على ما ذكره الترمذي. قال القاضي: وذكر بعض أصحاب المعاني أن نحره عليه السلام تلك بيده، كان إشارة إلى منتهى عمره، فيكون قد نحر عن كل عام من عمره بدنة اهـ قاله في الفوائد.
وفي سنن النسائي أنه عليه السلام أشرك عليا في بدنه، ثم أخذ من كل بدنة بضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكل صلى الله عليه وسلم وعلي من لحمها، وشرب من مرقها.
قلت: وهذا يدل على كثرة من حضر الموقف، وعظيم العمارة بمكة، لأن من يأكل مائة ناقة كثير.
تنبيه: ألف في حجة الوداع، التي هي آخر حجاته عليه السلام الحافظ أبو محمد بن المنذر، والحافظ أبو جعفر أحمد بن عبد الله الطبري، وأبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعيون، وأبو محمد بن حزم الظاهري، وبسط الكلام عليها الحافظ ابن القيم في الهدي النبوي، والحافظ ابن كثير الشافعي في كتابه: السيرة من تاريخه المسمى «البداية والنهاية» وهو أوسع من الذي قبله، وكل منهم ذكر أشياء لم يذكرها الآخر. وجمع ذلك كله وزاد عليه الحافظ الشامي في سيرته فتتبع وقائعها قدما بقدم؛ كأنه حضرها جزاه الله خيرا. وممن ساقها سياقا عجيبا مختصرا مفيدا الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي في المحاضرات، اعتمد فيها سياق ابن حزم فانظرها.
(1/148)

القسم الثالث في العمليات الكتابية
وما يشبهها وما يضاف إليها وفيه أبواب:
الباب الأول في كتّاب الوحي وفيه فصول:
(1/149)

العمليات الكتابية
«في كتاب «1» «أنباء الأنبياء، وتواريخ الخلفاء، وولايات الملوك والأمراء» : كان عثمان بن عفان وعلي يكتبان الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت اهـ وفي الإستيعاب ص 26 ج 1 وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت، وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ» .
ونحوه في العقد الفريد لابن عبد ربه انظر ص 143 من الجزء الثاني قال القضاعي:
فإن لم يحضر أحد منهم، كتب الوحي من حضر من الكتاب وهم: معاوية، وجابر بن سعيد بن العاصي، وابان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع، وكان عبد الله بن أبي سرح يكتب الوحي أيضا، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان، فأمّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن اسلامه.
باب كتابه عليه السلام مطلقا
ذكرهم الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فأوصلهم إلى ثلاث وعشرين، وترجم لهم في بهجة المحافل، فأوصلهم إلى خمسة وعشرين، فذكر منهم عليا وأبا بكر وعمر وعثمان وعامر بن فهيرة وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاصي، وأخاه حبان «2» وحنظلة بن أبي عامر الأسدي وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول والزبير بن العوام ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي والمغيرة بن شعبة وخالد بن الوليد والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن العاصي وجهيم بن الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكأنه قلد في ذلك ابن عبد البر، فقد أوصلهم إلى العدد المذكور في ترجمة زيد من الإستيعاب، وأوصلهم القرطبي في تفسيره إلى ستة وعشرين، وأوصلهم الشبراملسي في كتاب القضاء، من حاشيته على المنهج في
__________
(1) هو للقاضي محمد بن سلامة القضاعي. نقلا عن كتاب الخزاعي ص 171.
(2) بل هو أبان، والتصحيح من جمهرة الأنساب لابن حزم ص 81.
(1/151)

فقه الشافعية إلى أربعين، وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين فقال:
كتّابه؛ اثنان وأربعونا ... زيد بن ثابت وكان حينا
كاتبه، وبعده، معاوية ... ابن أبي سفيان كان واعيه
كذا أبو بكر، كذا علي، ... عمر، عثمان، كذا أبي
وابن سعيد خالد، وحنظله ... كذا شرحبيل حسنه «1»
وعامر وثابت بن قيس ... كذا ابن ارقم بغير لبس
واقتصر المزيّ مع عبد الغني ... منهم على ذا العدد المبيّن
وزدت من مفترقات السير ... جمعا كثيرا فاضبطنه واحصري
طلحة والزبير وابن الحضرمي ... وابن رواحة وجهما فاضمم
وابن الوليد خالدا وحاطبا ... هو ابن عمرو وكذا حويطبا
حذيفة بريدة أبان ... ابن سعيد وأبا سفيان
كذا ابنه يزيد بعض مسلمه ... الفتح مع محمد بن مسلمه
عمرو هو ابن العاصي مع مغيرة ... كذا السجل مع أبي سلمه
كذا أبو أيوب الأنصاريّ ... كذا معيقيب هو الدوسي
وابن أبي الارقم فيهم أعدد ... كذاك ابن سلول المهتدي
كذا ابن زيد إسمه عبد الله ... والجد عبد ربه بلا اشتباه
واعدد جهيما والعلا ابن عتبة ... كذا حصين ابن نمير أثبت
وذكروا ثلاثة قد كتبوا ... وارتدّ كل منهم وانقلبوا
ابن أبي سرح مع ابن خطل ... وآخر أبهم لم يسمّ لي
ولم يعد منهم إلى الدين سوى ... ابن أبي سرح وباقيهم غوى
اهـ وعدهم البرهان الحلبي في الحواشي الشفا فأوصلهم إلى ثلاثة وأربعين، قال الهوريني في المطالع النصرية: ولكن لم يكونوا كلهم كتاب وحي؛ وإنما كان أكثرهم مداومة على ذلك بعد الهجرة؛ زيد بن ثابت، ثم معاوية بعد الفتح اهـ وأصله للنووي قال في التهذيب: قالوا: وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت، ومعاوية اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر في بهجة المجالس: كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة، وكان كاتبه المواظب على الرسائل والأجوبة، والذي كتب الوحي كله زيد بن ثابت اهـ.
وقد ترجم البخاري في كتاب الأحكام «2» باب: ما يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا، وذكر فيها قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر، في جمع القرآن، وقول أبي بكر
__________
(1) في الشطر الثاني بياض ولا بد من ضبط الوزن أن يقال: كذا شرحبيل هو ابن حسنه.
(2) انظر: باب 37 في الجزء الثامن/ 119.
(1/152)

لسيدنا زيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن واجمعه، قال الحافظ في الفتح: لأنه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الإتهام دون ما عداهما إشارة إلى إستمرار ذلك له اهـ.
باب في خليفة كل كاتب من كتّابه عليه السلام
ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد، أن حنظلة بن الربيع كان خليفة كل كاتب من كتّابه عليه السلام إذا غاب عن عمله اهـ انظر ص 144 من الجزء الثاني.
فائدة: شرحبيل بن حسنة هو أول كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله في المواهب. وفيها أيضا نقلا عن الحافظ بن حجر: أول من كتب له عليه السلام بالمدينة أبيّ بن كعب قبل زيد وغيره، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري. قال الزرقاني: خرج شرحبيل بن حسنة لأنه كندي فلا يرد على قوله: إنه أول من كتب اهـ.
وفي صبح الأعشى ص 89 من الجزء الأول في الباب الرابع من المقدمة في التعريف بحقيقة ديوان الإنشاء: واصل وضعه في الإسلام- بعد أن بين أن الديوان اسم الموضع الذي يجلس فيه الكتّاب- قال: الفصل الثاني في أصل وضعه في الإسلام، وتفرقه بعد ذلك في الممالك ما نصه: إعلم أن هذا الديوان أول ديوان وضع في الإسلام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكاتب أمراءه، وأصحاب سراياه من الصحابة ويكاتبونه، وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وبعث إليهم رسله بكتبه، وكتب لعمرو بن حزم عهدا حين وجهه إلى اليمن، وكتب لتميم الداري وإخوته بإقطاع بالشام، وكتب كتاب القضية بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات أحيانا إلى غير ذلك، مما سيأتي ذكره في الاستشهاد به في مواضع، وهذه المكتوبات كلها متعلّقها ديوان الإنشاء، بخلاف ديوان الجيش، فإن أول من وضعه ورتبه عمر بن الخطاب في خلافته اهـ.
وفي كتاب مفتاح السعادة ومصباح السيادة للشيخ عصام الدين أحمد بن مصطفى المعروف بطاشكبري زاده: علم الشروط والسجلات وهو العلم 15 منه قال: وهو من فروع الفقه، وهو علم باحث عن كيفية إثبات الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلات، على وجه يصح الاحتجاج به عند اقتضاء شهود الحال، وموضوعه تلك الأحكام من حيث الكتابة، وبعض مباديه مأخوذ من الفقه وبعضها من علم الإنشاء، وبعضها من الرسوم والعادات والأمور الاستحسانية، ولمحمد بن الصافي تأليف حسن في هذا العلم، والذي يوافق عرف هذا الزمن تأليف محمد بن أفلاطون، واعلم أن هذا العلم من فروع علم الأدب؛ باعتبار تحسين الألفاظ وإخراجها على مقتضى الحال، وقد يجعل من فروع علم الفقه من حيث تراتيب معانيه على وجه يوافق قوانين الشرع، وهذا أوردناه في القسم الأدبي. وفي القسم العلمي أخرى فلا تأخذ في نفسك شيئا قبل أن تقف على حقيقة
(1/153)

الحال اهـ ونحوه في كشف الظنون، بعد أن ذكر من ألف فيه، ومنهم؛ أبو زيد أحمد بن زيد الشروطي الحنبلي، وذكر الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة؛ أن الشروطي لم يسبقه أحد، وأجاب أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي في رده بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول من أملى كتب العهود والمواثيق؛ منها عهده لنصارى أيلة بخط علي بن أبي طالب اهـ ص 56 الجزء الثاني.
باب في كتاب السر
قال المقريزي في الخطط: كتّاب السر رتبة قديمة لها أصل في السنة، فقد خرج أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلّم كتاب العبرانية أو قال السريانية؟ فقلت: نعم فتعلمتها في سبع عشرة ليلة «1» .
فصل في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع
«في الاستيعاب ص 26 من ج 1، والإصابة عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي مقدمه المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتبه فلان.
وكان إذا لم يحضر دعا زيد بن ثابت فكتب، وكان أبي وزيد يكتبان بين يديه صلى الله عليه وسلم ويكتبان كتبه للناس وما يقطع وغير ذلك، قال أبو عمر: كان من المواظبين على كتب الرسائل عبد الله بن الأرقم الزهري، وذكر عن ابن إسحاق أنه قال: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا. وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك، أو إلى إنسان بقطيعة أمر من حضر أن يكتب له. والإقطاع كما في المشارق: تسويغ الإمام من مال الله لمن يراه أهلا لذلك.
وفي الاستيعاب: وكتب زيد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر. وكان على بيت المال في خلافة عثمان، وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنه إلى الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطيّنه ويختمه وما يقرؤه لأمانته عنده» .
وما نقله عن ابن إسحاق في حق عبد الله بن الأرقم خرّجه البيهقي.
قال الحافظ في كتاب الأحكام من الفتح بإسناد حسن وخرّجه أيضا البغوي وقال
__________
(1) وفي البخاري روى في كتاب الأحكام باب 40 عن زيد بن ثابت إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه ج 8 ص 120. وروى الترمذي أيضا في كتاب الاستئذان ج 5 ص 67 حديثا بمعناه وأوله: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كتاب يهود الخ. فانظره هناك في الباب رقم 22 رقم الحديث 2715.
(1/154)

مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر: كتب إلى رسول الله كتاب فقال لعبد الله بن الأرقم الزهري: أجب هؤلاء عني، فأجابهم ثم جاء به فعرضه عليه عليه السلام فقال:
أصبت بما كتبت. قال عمر فما زالت في نفسي حتى جعلته على بيت المال، وذكر هذه القصة في العتبية وزاد: قال عمر: ما رأيت أخشى لله منه، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم، - وكان له على بيت المال- بثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها. وروي أنه بلغ من أمانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطيّنه ويختمه ما يقرؤه لأمانته عنده اهـ من البيان والتحصيل لابن رشد.
باب فيمن كان يكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم للبوادي
كان يكتب له للبوادي معاوية، فقد قال المدائني كما في شرح المواهب: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ومعاوية يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين العرب انظر ص 369 من الجزء الثالث.
تنبيه: في الشفا؛ أن رجلا قال للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ يعني أيهما أفضل وخصهما بالسواء لأنهما أمويان، فغضب المعافى على السائل وقال: لا يقاس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحيه، لأنه لو لم يستأمنه ما استكتبه الوحي، وكفاه بهذا مرتبة لم يصل إليها عمر بن عبد العزيز وأضرابه، قال الشهاب في نسيم الرياض: والمعافى رجل منطق فما صح عنه يرد ما قيل:
إنه لم يكتب له شيئا من الوحي، وإنما كان يكتب له إلى القبائل والجهات اهـ.
فصل في كتابته عليه السلام في الجلد ومقداره
ترجم في الإصابة لمالك بن أحمر الجذامي العوفي، فذكر أن ابن شاهين أخرج بسنده عنه؛ أنه لما بلغهم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم تبوك، وفد إليه مالك بن أحمر فأسلم، وسأله أن يكتب له كتابا يدعوه إلى الإسلام فكتب له في رقعة من أدم (جلد) . وفي طريق آخر:
عرضها أربعة أصابع وطولها قدر شبر، وقد انمحى ما فيها، وكذا أخرجه البغوي والطبراني في الأوسط.
وهاهنا تنبيه: ترجم في صبح الأعشى لما نطق به القرآن مما يكتب فيه فذكر اللوح، وذلك قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 21- 22] الثاني:
الرق بفتح الراء قال تعالى: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ والرق ما يرقق من الجلد ليكتب فيه، الثالث: القرطاس والصحيفة، وهو الكاغذ. ثم عقد فصلا آخر لما كانت الأمم السالفة تكتب فيه، فذكر أن أهل الصين كانوا يكتبون في رق مصنوعة من الحشيش، وعنهم أخذ الناس صناعة الورق، وأهل الهند يكتبون في خرق الحرير الأبيض، والفرس يكتبون
(1/155)

في الجلود المدبوغة من جلود الجواميس والبقر والغنم والوحوش، وكذلك كانوا يكتبون في اللخاف بالخاء المعجمة وهي حجارة بيض رقاق، وفي النحاس والحديد ونحوهما.
وفي عسيب النخل وهي الجريد الذي لا خوص فيه. وفي عظم أكتاف الإبل والغنم، وعلى هذا الأسلوب، كانت العرب لقربهم منهم. واستمر ذلك إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن والعرب على ذلك. وربما كتب النبي صلى الله عليه وسلم بعض مكاتباته في الأدم. وأجمع الصحابة على كتابة القرآن في الرق لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذ إلى زمن الرشيد، فأمر أن لا يكتب الناس إلا في الكاغد اه.
فصل في كتّاب العهود والصلح
«قال أبو عمر: كان الكاتب لعهوده صلى الله عليه وسلم إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب، وكتب له في قصة الهجرة عامر بن فهيرة عهدا في رقعة من أدم لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وفي بعض الروايات إن الذي كتب له أبو بكر» .
فصل فيمن كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أموره الخصوصية
ترجم في الإصابة لحصين بن نمير، فنقل عن أبي علي بن مسكويه في كتابه «تجارب الأمم» : الحصين بن نمير في جملة من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: كذا ذكره العباس بن محمد الأندلسي في التاريخ الذي جمعه للمعتصم بن صمادح. قال: وكان هو والمغيرة بن شعبة يكتبان في حوائجه، وكذا ذكره جماعة من المتأخرين منهم القرطبي المفسر في المولد النبوي، والقطب الحلبي في شرح السيرة، وأشار إلى أن ذلك مأخوذ من كتاب القضاعي الذي صنفه في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنهما كانا يكتبان المداينات والمعاملات، فلا أدري هل أراد هذا أو الذي قبله؟ وانظر من كان يكتب للمصطفى أموال الصدقات وخرص النخل. وفي المحاضرات للشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي: كان الزبير العوام وجهم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتب المداينات والمعاملات، وكان شرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك اهـ ص 29.
نظرة إجمالية في الكتّاب
قال في المواهب: أما كتابه صلى الله عليه وسلم فجمع كثير وجمّ غفير، ذكر بعض المحدثين في تأليف له بديع استوعب فيه جمّا من أخبارهم، ونبذا من سيرهم وآثارهم، وصدّر فيه بالخلفاء الأربعة الكرام خواص حضرته عليه السلام اهـ.
قلت: وممن ألف فيهم القضاعي، ذكر ذلك الحافظ في ترجمة حصين بن نمير من الإصابة. وممن ألف فيهم أيضا عمر بن شبة؛ نقل عنه ابن عبد البر في الاستيعاب. وللإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري «المصباح المضيء
(1/156)

في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي» وجعله على قسمين الأول في كتابه عليه السلام، الثاني: في رسله ومكاتباته إلى الملوك فرغ من تأليفه سنة 679 بمصر بالخانقاه الصالحة «1» . وممن ألف فيهم أيضا الجمال الأنصاري، ذكر ذلك تلميذه البرهان الحلبي في حواشيه على الشفا، ولعله المذكور قبله ويحتمل أنه غيره. وممن ألف فيهم أيضا ابن أبي الجعد، وقف عليه الشهاب الخفاجي كما في شرحه على الشفا وقال: كأنه لم يقف عليه البرهان الحلبي.
فائدة: وبعد أن تكلم في نور النبراس على كتّابه عليه السلام قال: المداوم على الكتابة معاوية وزيد بن ثابت، قال غير واحد من الحفاظ: كذا قالوا. وينبغي أن يقيد: بما بعد الفتح لأن معاوية من مسلمة الفتح، وأما زيد فقبل الفتح وبعده اهـ وفي المواهب:
وممن كتب في الجملة أكثر من غيره الخلفاء الأربعة وأبان وخالد ابنا سعيد بن العاصي بن أمية اهـ.
باب في تعليم المصطفى لكتّابه أدب وضع القلم ومحل وضعه ورسم الحروف وتقويمها نحو ذلك
خرّج الحافظ السيوطي في آخر طبقات اللغويين والنحاة حديثا مسلسلا بالكتّاب، فساقه من طريق عبد الحميد الكاتب قال: حدثني سالم بن هشام الكاتب، حدثنا عبد الملك بن مروان الكاتب، حدثنا زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كتبتم بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه، قال السيوطي إثره: هذا حديث مسلسل بالكتاب في أكثره اهـ.
وفي صبح الأعشى نقلا عن محمد بن علي المدائني: يستحب للكاتب في كتابته؛ إذا فكر في حاجته أن يضع القلم على أذنه، وساق بسنده إلى أنس بن مالك، أن معاوية بن أبي سفيان كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا رأى من النبي صلى الله عليه وسلم إعراضا وضع القلم في فيه. فنظر إليه صلى الله عليه وسلم وقال: يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك وللمملي.
وساق بسنده أيضا إلى زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه وهو يكتب في حوائجه فقال له: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك.
وأخرج أيضا من رواية أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكاتبه: ضع القلم على أذنك يكن أذكر لك. وفي رواية عن أنس: كان معاوية كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم، فرآه يوما قد وضع القلم على الأرض، فقال: يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك اهـ.
قلت: ساق في الجامع الصغير حديث: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي،
__________
(1) كذا ولعلها: الصالحية.
(1/157)

وعزاه «1» للترمذي عن زيد بن ثابت. قال دخلت على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبين يديه كاتب فذكره.
وأورده الحافظ السيوطي في الجامع الكبير أيضا وعزاه للترمذي أيضا. وقال: ضعيف وابن سعيد وسمويه عن زيد ثابت اهـ.
قلت: خرّجه الترمذي في الاستئذان في باب تتريب الكتاب «2» ومن طريق زيد أيضا أخرجه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة عنبسة. وفي فيض القدير: زعم ابن الجوزي وضعه، ورده ابن حجر بأنه ورد من طريق أخرى، ووروده بسندين مختلفين يخرجه عن الوضع اهـ.
قال المناوي في التيسير: ضع ندبا أو إرشادا القلم على أذنك حال الكتابة فإنه أذكر للمملي، أي أسرع تذكرا سيما فيما يريد إنشاءه من العبارة والمقاصد، لأن القلم أحد اللسانين المعبرين عما في القلب اهـ وزاد في الفيض قال عياض: وفي هذا الخبر وشبهه دلالة على معرفته صلى الله عليه وسلم حروف الخط وحسن تصويرها اهـ.
وقال القاضي في الشفا «3» ، إثر حديث ضع القلم المذكور: هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب ولكنه أوتي علم كل شيء، حتى وردت آثار بمعرفته حروف الخط، ثم حسن تصويرها، كقوله: لا تمد بسم الله الرحمان الرحيم. رواه ابن شعبان من طريق عن ابن عباس. وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه فقال له:
ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسّن الله. ومد الرحمان وجوّد الرحيم. وهذا وإن لم تصح الرواية أنه عليه السلام كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة اهـ.
باب في ندب المصطفى عليه السلام الكتبة إلى تتريب الكتابة
ترجم لذلك القلقشندي ص 271 من الجزء السادس قائلا: لا نزاع أن تتريب الكتابة بعد الفراغ منه، بإلقاء الرمل ونحوه عليه مطلوب، وفيه معنيان: المعنى الأول التبرك طلبا لنج المقاصد، فقد روى محمد بن عمر المدائني في كتابه القلم والدواة، بسنده إلى إسماعيل بن محمد بن وهب عن هشام بن خالد، وهو أبو مروان الأزدي عن بقية بن الوليد عن عطاء عن ابن جريج، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ترّبوا الكتاب ونحوه من أسفله فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة. وفي حديث: إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه مبارك وهو أنجح لحاجته رواه الترمذي في كتاب الاستئذان باب 20 ص 66/ 5.
ومن كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ترّبوا الكتاب. ويؤيد ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم؛
__________
(1) انظر ج 5 ص 67 باب 21 و 22 من كتاب الاستئذان.
(2) انظر ج 5 ص 67 باب 21 و 22 من كتاب الاستئذان.
(3) انظر ص 357/ 1.
(1/158)

كتب كتابين إلى أهل قريتين فترب إحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي ترّب كتابها.
وهذا المعنى موجود في المكاتبات والولايات وغيرهما، لطلب البركة والنجاح في جميع ذلك؛ ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكتوب قد جفّ أم لا؛ لأن القصد إنما هو للنجح والبركة. المعنى الثاني: التجفيف لما كتبه بطرح التراب عليه كي لا ينمحي بما يصيبه قبل الجفاف، وهذا المعنى أضعف من الأول. ومقتضاه إذا جفّ الكتاب لا يترب.
وعليه عمل كتاب الزمان، ومن هنا يضعون التراب على آخر الكتاب من حيث إنه أقرب عهدا بالكتابة إلى التجفيف بخلاف أول الكتاب، فإنه يكون قد جفّ عند نهاية الكتابة غالبا، لا سيما في الزمن الحار أو مع طول الكتابة وامتداد زمن كتابته. على أن صاحب مواد البيان وغيره من قدماء الكتاب قد صرّحوا بأنه: يستحب وضع التراب على البسملة، ثم يمره الكاتب منها على سائر المكتوب لتعم الكتابة بركة البسملة اهـ «1» .
فصل في اصطلاح المكاتيب النبوية «2»
عنون عن هذا الفصل القلقشندي فقال: ذكر ترتيب كتبه صلى الله عليه وسلم في الرسائل على سبيل الإجمال. كان صلى الله عليه وسلم يفتتح أكثر كتبه بلفظ: (من محمد رسول الله) إلى فلان. وربما افتتحها بلفظ: أما بعد. وربما افتتحها بلفظ: هذا كتاب. وربما افتتحها بلفظ: سلم أنت. وكان يصرح في الغالب باسم المكتوب في أول المكاتبات. وربما اكتفى بشهرته (أي بما اشتهر به كالقيصر ونحوه) فإن كان المكتوب إليه ملكا كتب بعد ذكر اسمه عظيم القوم الفلانيين.
وربما كتب ملك القوم الفلانيين. وربما كتب: صاحب مملكة كذا. وكان يعبر عن نفسه صلى الله عليه وسلم في أثناء كتبه بلفظ الافراد مثل: إني ولي وجاءني ووفد علي وما أشبه ذلك. وربما أتى بلفظ الجمع مثل بلغنا وجاءنا ونحو ذلك، وكان يخاطب المكتوب إليه عند الافراد بكاف الخطاب مثل لك وعليك وتاء المخاطب مثل أنت قلت كذا وكذا وجعلت كذا وعند التثنية بلفظها مثل أنهما ولكما وعليكما. وعند الجمع بلفظة مثل: أنتم ولكم وعليكم وما أشبه ذلك. وكان يأتي في صدور كتبه بالسلام فيقول في خطاب المسلم: سلام عليك. وربما قال: السلام على من ابتع الهدى. وربما أسقط السلام في صدر الكتاب، وكان يأتي في صدور المكاتب بالتحميد بعد السلام فيقول: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
وربما تركه. وقد يأتي بعد التحميد بالتشهد، وقد لا يأتى به وكان يتخلص في صدر الكتاب إلى المقصود تارة بأما بعد، وتارة بغيرها، وكان يختم كتابه بالسلام تارة فيقول في خطاب
__________
(1) وهنا أفاض المؤلف رحمه الله في بيان فضيلة تتريب الكتاب وبيان الأحاديث الواردة فيه ونقد رجالها في تسع صفحات تقريبا مما وجدت ضرورة اختصاره والاكتفاء بما ذكره أعلاه. مصححه.
(2) لقد جمع العلامة الدكتور محمد حميد الله جميع المكاتب النبوية تحت عنوان: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة وطبع في بيروت عن دار النفائس طبعة متقنة 1987
(1/159)

المسلم: والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وربما اقتصر على السلام، ويقول في خطاب الكافر: والسلام على من اتبع الهدى، وربما أسقط السلام في آخر كتبه اه ثم عقد فصلا مهما في كتبه عليه السلام إلى أهل الإسلام، وجعلها على ثلاثة أساليب:
الأسلوب الأول: أن يفتتح الكتاب بلفظ من محمد رسول الله إلى فلان، ثم مثّل لهذا القسم عدة كتب نبوية بنصها.
الأسلوب الثاني: أن يفتتح المكاتبة بلفظ: هذا كتاب ويذكر المقصد فيما بعد، قال وهو قليل الوقوع في المكاتبات.
الأسلوب الثالث: أن تفتتح المكاتبة بلفظ هذا كتاب.
ثم عقد فصلا آخر في كتبه عليه السلام إلى أهل الكفر للدعاية إلى الإسلام، قال وهو على ثلاثة أساليب:
الأسلوب الأول: أن يفتتح الكتاب بلفظ: من محمد رسول الله إلى فلان كما في الأسلوب الأول من كتبه إلى أهل الإسلام.
الأسلوب الثاني: أن يفتتح بلفظ: أما بعد وهو أقل وقوعا مما قبله.
الأسلوب الثالث: أن يفتتح الكتاب بلفظ هذا كتاب. ثم مثّل لكل- راجع ص 365 إلى 382 من الجزء السادس.
قلت: ومن تتبّع نصوص المكاتيب النبوية المذكورة في طبقات ابن سعد، وجد الكاتب يسمي نفسه آخرها، لعله ليكون شاهدا على صدورها منه عليه السلام.
فصل في كيفية مخاطبة الملوك وغيرهم من المعاصرين له (عليه السلام في زمانه)
ترجم لذلك القلقشندي إثر ما سبق ص 464 من الجزء السادس فقال: كانت أمراء سراياه صلى الله عليه وسلم، ومن أسلم من الملوك، تفتتح المكاتبة إليه صلى الله عليه وسلم باسمه، ويثنّون بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، ويتخلصون إلى المقصود بأما بعد أو بغيرها ويختمون بالسلام. وملوك الكفر يبتدئون بأنفسهم وربما بدأوا باسمه صلى الله عليه وسلم، وكان المكتوب عنه منهم يعبر عن نفسه بنون الجمع إن كان المكتوب عنه مسلما خاطبه عليه السلام بلفظ الرسالة والنبوءة مع كاف الخطاب وتاء المخاطب، وإن كان كافرا خاطبه بالكاف والتاء المذكورين، وربما خاطبه باسمه فإن كان المكتوب عنه مسلما ختم الكتاب بالسلام عليه صلى الله عليه وسلم.
فصل في عنوان المكاتب إليه عليه السلام في ذلك الزمن
قال في صبح الأعشى: أما عنونة هذه الكتب، فيظهر أنها إن فتحت باسمه عليه السلام وثنى باسم المكتوب إليه عنونته كذلك، فيكتب في الجانب الأيمن محمد رسول الله
(1/160)

أو نحو ذلك وفي الجانب الآخر من فلان. وإن كانت ممن يفتتح الكتابة باسم نفسه، عنونته على العكس من ذلك اه.
فصل في عنوان كتبه عليه السلام
قال القلقشندي لم أقف على نص صريح في ذلك، والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يعنون كتبه بلفظ: من محمد رسول الله إلى فلان على نحو ما في الصدر، وتكون كتابته من محمد رسول الله عن يمين الكاتب وإلى فلان عن يساره، وعليه يدل ما تقدم من كلام صاحب مواد البيان في الأصل الثاني عشر من أصول المكاتبات، حيث ذكر الكلام على العنوان:
الأصل أن يبتدأ باسم المكتوب عنه، ويثني باسم المكتوب إليه، ثم قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل بما كان يفتتح كتبه عليه السلام
المقرّر في السير أنه عليه السلام كان يفتتح مكاتيبه كلها من عقد أو صلح ونحوه بالبسملة، وهي مشروعة في الإسلام في ابتداء الأمور من قول أو فعل؛ تبركا واستنجاحا، وذكر الغافقي عن أبي عبيد أن الشعبي قال: باسمك اللهم. ذاك الكتاب الأول، كتب به النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء أن يجري، ثم نزل بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] فكتب بسم الله ما شاء الله ثم نزلت قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] فجرت بذلك ما شاء الله ثم نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] فكتب بذلك.
وعن ابن المسيب لما أتى قيصر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وفيه البسملة قرأه وقال: هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود يعني البسملة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
لم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه عليه السلام إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في شيء منها البداءة بالحمد بل بالبسملة اه من باب قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ [آل عمران: 64] في تفسير سورة آل عمران من التفسير.
وقال القاضي ابن باديس على قصة افتتاحه عليه السلام بالبسملة كتابه إلى يوحنّه بن رؤبة صاحب أيلة، وكان نصرانيا: فيه جواز كتب البسملة فيما يحصل بأيدي الكفار، فإن الكفار استقر بأيديهم وتداولوه، ففيه دليل على جواز النقوش في الدنانير والدراهم، التي تستقر بأيديهم ويحملونه إلى بلادهم من أرض المسلمين اه.
فصل في التزامه عليه السلام أما بعد في صدور كتبه وخطبه
قال الشمس السفاريني في شرح منظومة الآداب: يستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات، لأنه عليه السلام كان يقولها في خطبه ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما هو
(1/161)

معروف مثل؛ كتابه إلى قيصر، وكسرى، والمقوقس، وغيرهم، وذكر الإمام القاضي علي بن سليمان المرداوي في شرح التجريد؛ أنه نقل إتيانه صلى الله عليه وسلم بأما بعد في خطبه ونحوها خمسة وثلاثون صحابيا اه.
وقال الزرقاني في شرح المواهب: ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: أما بعد في خطبه وشبهها، كما روى ذلك أربعون صحابيا، كما أفاده الرهاوي في أربعينه المتباينة الأسانيد.
وما أدري وجه اقتصار كثيرين على الظرف، ولا يكفي الاعتذار أن المدار عليه أو روما للاختصار، لأن المدار على اتباع ما جاءت به السنة، لا سيما والاطناب مطلوب في الخطب، وكون المدار عليه يحتاج إلى وحي يسفر عنه اه منه [كذا] .
وفي شرح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي السوسي على منظومته في أحكام الوزيعة: وقع لأخينا العلامة الدراكة أبي العباس أحمد بن إبراهيم الكتّاني المراكشي مع العلامة الشربيني أحد أئمة الشافعية بمصر، عام حجنا. كان يدرس مع تلاميذه شرح السعد على العقائد النسفية فقال: أصل وبعد: أما بعد. فحذفت كلمة أما، وعوض عنها الواو.
فقال له أبو العباس أحمد المذكور: أين الدليل على أن الواو تعوض عن أما، ولم يقع في كلامه عليه السلام الذي هو أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء فيما رأينا إلا أما بعد. وكذا رسائل أصحابه، وكان الشافعي المذكور ضيّق الصدر، فخاطب أبا العباس المذكور خطابا لا ينبغي أن يصدر من مثله، ولم يجب بشيء غير السب والثلب، ولو أجابه بأن استعمال المحققين من المصنفين ذلك طوالع [مقدمة] تواليفهم يكفي دليلا على جوازه لكان كافيا اه.
قلت: السنة حجة على الجميع، وقد أومأ إلى ذلك الزرقاني، بما سبق عنه من أن المدار على اتباع ما جاءت به، فانظره.
احتياطه عليه السلام في مكاتيبه الرسمية
قال الشيخ زروق في حواشيه على الصحيح: إنما قال صلى الله عليه وسلم في كتابه لهرقل: عظيم الروم، ولم يقل ملك الروم. لئلّا يكون تقريرا لملكه اه وقال الخفاجي في شرح الشفا:
وقال صلى الله عليه وسلم عظيم الروم وعظيم القبط، لم يقل ملك الروم ولا ملك القبط؛ لأنه لا يستحق ذلك العنوان إلا من كان مسلما، ومع ذلك فلم يخل يتعظيمهما، تليينا لقلوبهما في أول الدعوة إلى الحق اه.
باب اتخاذه عليه السلام أما بعد لفصل من فصول الكتاب ورؤوس المسائل
ترجم البخاري في الأدب المفرد باب: أما بعد، فذكر فيها عن هشام بن عروة قال:
رأيت رسائل من رسائله صلى الله عليه وسلم، كلما انقضت قصة قال: أما بعد اه.
(1/162)

فصل في أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه عليه السلام
أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه عليه السلام كتابه إلى هرقل، وهو في الصحيح ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ؛ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «1» [آل عمران: 64] اه من أصح المصادر وهو صحيح البخاري ساقه فيه هكذا مكررا في مواضع.
آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ عينه لنا من كتبه عليه السلام لأهل الإسلام وتحافظهم عليه
آخر مكتوب حفظ التاريخ جلده المكتوب فيه بعينه له عليه السلام الكتاب الذي أقطع به تميم الداري أرضا بالشام، وهو مكتوب مشهور معروف في العصور السابقة، تكلم عليه أهل الحديث والتاريخ والفقه وغيرهم.
ففي ترجمة تميم من تاريخ ابن عساكر بسنده إلى أبي هند الداري قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر، - وفي سيرة ابن هشام عدهم ثمانية: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، ويزيد بن قيس، وأبو هند بن عبد الله، وهو صاحب الحديث وأخوه الطيب بن عبد الله، كان اسمه برا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان، وسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطعنا أرضا من أرض الشام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حيث شئتم. فقال: تميم أرى أن نسأله بيت المقدس وكورها، فقال أبو هند هذا محل ملك العجم، وكذلك يكون فيه ملك العرب، وأخاف أن لا يتم لنا هذا. فقال تميم: بيت جرين وكورها. فقال أبو هند: هذا أكبر وأكبر، فقال: فأي شيء نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى التي يقع بها تل مع آثار إبراهيم، فقال تميم: أصبت ووفقت. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتميم: أتحب أن تخبرني بما كنتم فيه أو أخبرك؟ فقال تميم: بل أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أردتم أمرا فأراد هذا غيره. ونعم الرأي رأى، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعة جلد من أدم فكتب لنا كتابا نسخته:
__________
(1) نص هذا الكتاب محفوظ بعينه على رق من الجلد في متحف طوبقبو في استانبول وانظر كتاب: «الوثائق السياسية للعهد النبوي للأستاذ محمد حميد الله إخراج دار النفائس بيروت 1987 وقد اشتمل على كل الرسائل والعهود والإقطاعات النبوية ويعد بحق من أنفس المطبوعات ورقم الصفحة في كتاب النفائس 108- 109 وانظره في البخاري في كتاب بدء الوحي ص 6/ 1.
(1/163)

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب ذكر فيه ما وهب رسول الله للداريين، إذا أعطاه الله الأرض وهب لهم بيت عيون وحبرون والمرطوم، وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى الأبد شهد عباس بن عبد المطلب، وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنة. وكتب قال ثم دخل بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة، وغشه بشيء لا يعرف وعقده من خارج الرقعة بسير أو عقدتين وخرج به إلينا مطويا وهو يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 68] ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا بأني قد هاجرت، قال أبو هند انصرفنا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قدمنا عليه فسألناه أن يجدد لنا كتابا، فكتب لنا كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه، إني أعطيتكم عينون وجيرون والرطومة، وبيت إبراهيم برمته، وجميع ما فيه عطية بت وسلمت ذلك لهم، ولأعقابهم من بعدهم، أبد الأبد فمن آذاهم فيها آذاه الله. شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان «1» .
وقد تعرض بعض الولاة لآل تميم وأراد انتزاع الأرض منهم ورفع أمرهم إلى القاضي أبي حاتم الهروي الحنفي قاضي القدس الشريف فاحتج الداريون بالكتاب فقال القاضي هذا الكتاب ليس بلازم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع تميما ما لم يملك فاستفتى الوالي الفقهاء وكان أبو حامد الغزالي رحمه الله حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الفرنج عليه فقال: هذا القاضي كافر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: زويت لي الأرض كلها، وكان يقطع في الجنة فيقول: قصر كذا لفلان، فوعده صلى الله عليه وسلم صدق، وعطاؤه حق. فخزي القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم وكانت هذه الحادثة لما كان القاضي أبو بكر بن العربي بالشام اه.
ولا زالت ذرية الداريين هؤلاء بالقدس وجهاته وهم إلى الآن أهل علم وفضل، وممن لقيته منهم ببلد الخليل لما زرته عام 1324 في رحلتنا الحجازية الشامية خطيب الحرم الخليلي الشيخ عبد الحي بن الخطيب الحاج عبد الفتاح التميمي الداري، وكان عالم الخليل قريبا من ذلك التاريخ ومفتيه الشيخ خليل الداري الأزهري من مشاهير ذلك العصر في الجهات الفلسطينية.
__________
(1) أطال المؤلف رحمه الله في هذا الموضوع جدا أكثر من عشر صفحات، وإن دل ذلك على شيء فعلى سعة اطلاعه ووفور علمه، ولكن لا حاجة أبدا للإطالة في مثل هذا الباب لذلك حذفت ما رأيت حذفه لازما وانظر كتاب الوثائق السياسية ص 130 ونص الكتاب التالي: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري. أن له قرية حبرون وبيت عينون قريتهما كلهما، وسهلهما وجيلهما وماءهما وحرثهما وأنباطهما وبقرهما ولعقبه من بعده، لا يحاقّه فيهما أحد، ولا يلجهما عليهم أحد بظلم فمن ظلم وأخذ منهم شيئا فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ...
(1/164)

فصل في آخر كتاب حفظ التاريخ لنا عينه من كتبه عليه السلام (لأهل الكفر ومحافظتهم عليه)
آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ لنا عينه، مكتوبه عليه السلام إلى هر قل السابق نصه، وأول ما رأيته تكلم على بقائه ووجوده إلى زمانه الحافظ السهيلي في الروض ص 321 من الجزء الثاني ونصه: وقد روي أن هرقل وضع كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتب إليه في قصبة من ذهب تعظيما له، وهم لم يزالوا يتوارثونه كابرا عن كابر، في أرفع صوان وأعز مكان، حتى كان عند الأدفونش الذي تغلب على طليطلة، وما أخذ من بلاد الأندلس، ثم كان عند ابن بنته المعروف بابن السليطن.
حدثني بعض أصحابنا أنه حدثه من سأله رأيته من قواد أجناد المسلمين كان يعرف بعبد الملك بن سعيد قال: فأخرجه إليّ فاستعرته وأردت تقبيله، وأخذه بيدي فمنعني من ذلك صيانة له وضنا به علي اه وقد كانت وفاة السهيلي بمراكش سنة 581 وقد نقل كلامه هذا ملخصا الكرماني في الكواكب الدراري والحافظ ابن حجر في فتح الباري، والبرهان الحلبي في نور النبراس، وابن غازي في حاشية الصحيح، والشيخ أبو زيد الفاسي في تشنيف المسامع، والعلامة الجماع الشيخ قويسم التونسي في سمط اللآلي وغيرهم، وقوله عبد الملك بن سعيد كذا هو في النسخة المطبوعة من الروض ونحوه بخط الشيخ قويسم في سمط اللآلي، ووقع في فتح الباري نقلا عن السهيلي عبد الملك بن سعد بسكون العين «1» .
فصل في أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه (عليه السلام الأحكامية)
أجمع وأوعب وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه كتابه عليه السلام لعمرو بن حزم وهو كتاب جليل فيه من أنواع الفقه، في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والإحتباء فيه ومس المصحف وغير ذلك.
قال النووي في التهذيب في ترجمة عمرو المذكور: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث معه كتابا فيه الفرائض، والسنن والصدقات والجروح والديات، وكتابه هذا مشهور في كتب السنن رواه أبو داود والنسائي وغير هما مفرقا، وأكملهم له رواية النسائي في الديات ولم يستوفه أحد منهم في موضع اه.
وقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في إرشاده وقال: بعد ذكر الإختلاف في بعض
__________
(1) وهنا أيضا جال المؤلف في إحدى عشرة صفحة لا ضرورة لاثباتها لأنها إطالة بدون طائل فالرسالة محفوظة في متحف طربقبو في استانبول. وانظر صورتها في كتاب الوثائق السياسية ص 108.
(1/165)

طرقه: وعلى كل تقدير فهذا الكتاب متداول بين أيمة الإسلام قديما وحديثا يعتمدون عليه يرجعون في مهمات هذا الباب إليه كما قال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم، كان الصحابة والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم، وصح أن عمر ترك رأيه ورجع إليه. قال ابن كثير: رواه الشافعي والتابعون بإسناد صحيح إلى ابن المسيب، قال ابن إبراهيم الوزير في الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم إثر كلام ابن كثير: ظاهر كلام الحافظين يعقوب بن سفيان وابن كثير، دعوى إجماع الصدر الأول على قبول حديث عمرو بن حزم، وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل بالوجادة اه.
وقال القسطلاني في المواهب: واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، وقد رواه النسائي متصلا، ورواه أبو حاتم في الصحيح وغيره متصلا، وقد وقع في الموطأ ذكره في مواضع في كتاب العقول، وفي كتاب الصلاة، قال الباجي: هو أصل في كتابة العلم وتحصينه في الكتب، وقال أبو عمر بن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم، معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد اهـ وقال أيضا: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روي مسندا من وجه صالح. ورواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده. ورواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن، كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم به على أهل اليمن، وهذه نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن كلال قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان أما بعد
قلت: وأنا أسوقه هنا معتمدا سياق الحافظ السيوطي في حواشيه على الموطأ، ففيها:
أخرج البيهقي في دلائل النبوة، من طريق بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا، الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيهم أمره، فكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق، كما أمره أن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلمهم القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمسّ أحد القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، قال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين،
(1/166)

ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغيرا، إلّا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ويفضي إلى السماء بفرجه، ولا يعقد شعر رأسه إذا غفا في قفاه، وينهى الناس إذا كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى العشائر والقبائل فليقطفوا بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله، وأمره بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر- والشمس في الأرض مدبرة- والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمرهم بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتبه الله على المؤمنين في الصدقة، من العقار فيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة شاة، فإنها فريضة الله التي افترضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام، فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يغيّر عنها وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب، فمن أدّى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» .
قال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري، عن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث، موصولا بزيادات كثيرة في الزكاة والديات وغير ذلك، ونقصان عن بعض ما ذكرناه، قلت وسأسوقه في كتاب العقول اهـ كلام السيوطي.
قلت: يستفاد من طبقات ابن سعد أن كاتب كتاب عمرو بن حزم هذا أبي بن كعب رضي الله عنه [انظر ص 207 من كتاب الوثائق السياسية] .
ما كتبه عليه السلام ولم يخرجه
خرّج أبو داود عن ابن عمر أن المصطفى عليه السلام كتب كتاب الصدقات ولم يخرجه، فعمل به أبو بكر ثم عمر. «تتمة» أخرج ابن سعد في الطبقات عن مسلم بن الحارث التميمي الصحابي، نزيل الشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بعد رجوعه من سرية: تلطف إلى أن لم يرق فيها دم فشكر ذلك له المصطفى، وقال له؛ أكتب لك كتابا أوصي بك أيمة المسلمين بعدي، فكتب لي كتابا وختمه، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم أتيت أبا بكر بالكتاب، ففضه
(1/167)

وأعطاني شيئا ثم ختمه، فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب ففضه وقرأه وأعطاني شيئا، ثم ختمه فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب ففضه وقرأه وأعطاني شيئا، ثم ختمه فلما استخلف عمر بن عبد العزيز بعث إلى ولده الحارث بن مسلم، فأتاه فأعطاه شيئا وقال: لو أردت لوصلت إليك، ولكني أردت أن تحدثني بحديثك عن أبيك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته به، وانظر ترجمة سندر مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طبقات بن سعد ص 196 من الجزء السابع.
فصل هل كتب عليه السلام بنفسه شيئا وامضى بعض كتبه (بيمينه الشريفة أم لا)
وقع في قصة صلح الحديبية من الصحيح وغيره، أنه لما عقد مع كفار قريش ما عقد دعا عليّا وقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب:
باسمك اللهم فقال: أكتب فكتبها ثم قال: أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو شهدت إنك رسول لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي أمح محمد رسول الله قال: لا والله لا أمحوك فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب هذا: ما قاضى محمد بن عبد الله، ولفظ الصحيح. كتب وهو لا يحسن الكتابة، فتمسك بظاهره الإمام أبو الوليد الباجي وجزم بأنه صلى الله عليه وسلم كتب، وذكر الحافظ ابن دحية، كما في خصائص القطب الخيضري، أن جماعة من العلماء وافقوه على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، وقد سبقهم إلى ذلك جميعا عمر بن شبة فقال في كتاب الكتاب له؛ كتب النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم الحديبية، ومما استدل به الباجي ومن وافقه ما أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ. قال عجالة فذكرت ذلك للشافعي فقال: صدق سمعنا قوما يذكرون ذلك اهـ.
وفي فيض القدير على حديث: «ضع القلم على أذنك فإنه اذكر للمملي وأخذ القاضي من قصة الحديبية أنه صلى الله عليه وسلم كتب بعد أن لم يحسن الكتابة، ثم إنه أشار لمذهب الباجي ومن عارضه، قال: والنصر له بأن الأمية لا تنافيه، بل يقتضي تقييده النفي بما قبل ورود القرآن، وبعد ما تحققت أميته وتقررت معجزته، لا مانع من كتابته بالتعليم فتكون معجزة أخرى، وروى ابن أبي شيبة عن عوف: ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ اهـ كلام المناوي في الفيض، وهو ملخص من كلام القاضي أبي بكر بن العربي في «سراج المريدين» فإنه لما تكلم على الغربة قال: وأشد أنواعها فقد النظير، وعدم المساعد، والإضطرار إلى صحبة الجاهل، ثم نظّر ببقي بن مخلد، ومحمد بن موهب، وما لقيا من أهل بلدهما بعد الرجوع من الرحلة حسدا على ما رجعا به. قال: وهذا أبو الوليد الباجي رحل وأبعد وجلب علما جمّا وقرىء عليه البخاري، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم محا وكتب فقيل له:
على من يعود قوله: وكتب. فقال: على النبي فقيل له: وكتب بيده؟ قال: نعم. ألا ترونه
(1/168)

يقول في الحديث: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب، وليس يحسن الكتابة فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقوّلوا عليه، وحملوا كل تكذيب وتعطيل عليه، وانتدب جاهل من المقرئين، فأخبرني أبو محمد عبد الله بن أبي عصام بالمسجد الأقصى قال: رأيته يصيح في المسجد الجامع، ويعلن بالزندقة إليه بيد أن الأمير كان متثبتا فدعا بالفقهاء، فاتفقوا على أن هذا القول كفر، فاستظهر الباجي ببعض الحجة في ذلك وقال للأمير:
هؤلاء جهلة ولكن اكتب إلى علماء الآفاق، فكتب إلى إفريقية وصقلية، فجاء الجواب: إن يكتب بعد أميته فيكون ذلك من معجزته، لا يطعن أحد بذلك عليه، لأنهم تحققوا أميته ثم شاهدوا معجزته، فوقفوا ولم يطعنوا اهـ كلام ابن العربي. ومن نسخة عندي عليها خطه نقلت.
وفي ترجمة الباجي من «الديباج المذهب» للبرهان بن فرحون أن الذي أنكر على الباجي وكفره أبو بكر بن الصائغ الزاهد، قال ابن فرحون: وتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه اللعن، فلما رأى ذلك الباجي، ألف رسالته المسماة بتحقيق المذهب، بين فيها المسألة لمن يفهمها، وأنها لا تقدح في المعجزة، كما لا تقدح القراءة في ذلك، فوافقه أهل التحقيق بأسرار العلم، وكتب بها لشيوخ صقلية فأنكروا على ابن الصائغ ووافقوا أبا الوليد على ما ذكره اهـ كلام ابن فرحون.
وقد ساق قصة الباجي هذه الحافظ الذهبي في ترجمته من تذكرة الحفاظ، وذكر أن الباجي لما ألف رسالته التي بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، رجع بها جماعة. ثم قال: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا، لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال عليه السلام إنا أمة أمية أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: 2] اهـ كلام الذهبي. وهو وجيه لا غبار عليه.
وخرّج الذهبي في التذكرة أيضا في ترجمة ابن مندة ص 35 من الجزء الثاني، بسنده إلى عوف بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب، ثم قال الذهبي عقبه: قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي صلى الله عليه وسلم يسير الكتابة، بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة؟ فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي، وكتاب السنن والكتب إلى الملوك، عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين، كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية (محمد بن عبد الله) وليست كتابته لهذا القدر اليسير، مما يخرجه عن كونه أميّا، ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة اهـ من التذكرة بلفظها. وما أشار إليه الذهبي أقوى صدمة للمعارض من كون كتابته عليه السلام كانت معجزة، وإن سبق إليها ابن العربي كما تقدم، ثم الحافظ ابن الجوزي في المشكل فإنه قال: إطلاق يده بالكتابة ولم يحسنها
(1/169)

كالمعجزة له، ولا ينافي هذا كونه أميا لا يحسن الكتابة، لأنه ما حرّك يده تحريك من يحسن الكتابة، إنما حركها فجاء المكتوب صوابا. اهـ.
قال ابن باديس إثره في الفرائد: هذا تأويل منه حسن يجمع بين المذهبين من غير تناقض في الخبر اهـ.
وقال ابن التلمساني في شرح الشفا بعد ذكر مذهب الباجي: وصوّب أهل الحق مقالته، أنه لا يقدح في المعجزة كونه كتب مرة، وفي البخاري في باب عمرة القضاء:
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب، قال القرطبي في مختصره: قوله فأخذ الكتاب فكتب، ظاهر قوي في أنه عليه السلام كتب بيده. وقد أنكر قوم تمسكا بقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: 48] قال: ولا نكرة فيه فإن الخط المنفي الخط المكتسب عن التعليم، وهذا خط خارق للعادة، أجراه الله على أنامل النبي صلى الله عليه وسلم مع بقائه لا يحسن الكتابة المكتسبة وهذا زيادة في صحة نبوته. قلت: احسن منه ما سبق عن الذهبي في ترجمة ابن منده فاعتبره «1» .
(فائدة) في الخطط للمقريزي أن آل بلال بن الحارث جاؤا لعمر بن عبد العزيز بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم بإقطاع في جريدة فقبلها عمر وفتح ومسح بها عينيه انظر ص 155 من الجزء الأول طبع مصر.
فصل في ذكر صاحب الخاتم ومن أي شيء كان وما كان نقشه
«أخرج البخاري «2» عن أنس قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم فقيل له إنهم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقشه (محمد رسول الله) فكأنما أنظر إلى بياضه في يده صلى الله عليه وسلم. وأخرج الترمذي في الشمائل:
بل هو في الصحيح أيضا، فكان الأولى أن ينسب إليه عن أنس كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم:
محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، قال المهلب: كان عليه السلام لا يستغنى عن الختم به في الكتب إلى البلدان وأجوبة العمال وقواد السرايا» .
وفي أوائل السيوطي: أول من ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أراد مكاتبه الملوك فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما اهـ «3» .
فصل فيمن كان صاحب خاتمه صلى الله عليه وسلم
قال الشبراملسي في حواشي المواهب: قوله: وخاتمه أي من كان يتولاها إذا قلعها
__________
(1) وهنا تكرار لا طائل منه حوالي صفحة حذفته تخفيفا عن القارىء.
(2) في آخر كتاب الجهاد والسير باب 101 ج 3 ص 235.
(3) وهنا بضعة أسطر مكررة محذوفة.
(1/170)

النبي صلى الله عليه وسلم، من يحفظها، ويعيدها إليه عند إرادتها اهـ «خرج البخاري في التاريخ من طريق محمد بن بشار عن إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده معيقيب قال: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديد ملون عليه فضة، فربما كان بيدي، وكان المعيقيب على خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وفي الإصابة أنه كان على بيت المال لعمر، ثم كان على خاتم عثمان.
وفي العقد الفريد لابن عبد ربه أنه عليه السلام كان يضع خاتمه عند حنظلة بن الربيع بن صيفي، ابن أخي اكثم بن صيفي الأسدي انظر ص 122 من الجزء الثاي وفي العقد الفريد أيضا ص 174 من الجزء الثاني أنه كان على خاتمه عليه السلام معيقيب بن أبي فاطمة نحو ما سبق وعرف لغيره.
باب في عمله عليه السلام إذا لم يحضره الخاتم
في ترجمة عبد الملك بن أكيدر من الإصابة عنه قال: كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ولم يكن معه خاتم فختمه بظفره، وفي الإصابة أيضا لدى ترجمة وهب بن أكيدر دومه أن ابن عساكر أخرج من طريقه قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا ولم يكن معه خاتمه فختمه بطينة.
قلت: وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشى: أول من اتخذ الطين لختم الكتاب عمر بن الخطاب، قاله الثعالبي في لطائف المعارف اهـ.
باب في مسائل تتعلق بالخاتم النبوي
كان عليه السلام اتخذ خاتما من ذهب حين كان مباحا ثم نبذه، ولم يراجعه وكان له خاتم من ورق، أي من فضة وكان فصّه حبشيا كما في مسلم، عن أنس والحبشي حجر من جزع أو عقيق، فإن معدنهما بالحبشة واليمن، وقيل: لونه حبشي أي أسود. وفي البخاري عن أنس، أن فصه كان منه، ففيه جواز جعل الخاتم فصا من فضة وكره من الذهب. ولأبي داود والنسائي أن خاتمه كان من حديد ملونا عليه فضة، وهو محمول على التعدد. وكان نقشه (محمد رسول الله) وهو في الصحيح. ففيه جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه ونقش اسم الله تعالى. وذكر الزبير بن بكار أن نقش خاتم أبي بكر: (نعم القادر الله) وقال غيره كان نقش خاتمه (عبد ذليل لرب جليل) . وفي طبقات ابن سعد عن ابن سيرين مرسلا أن نقش الخاتم كان: (بسم الله محمد رسول الله) ، ولم يتابع على هذه الزيادة. ولأبي الشيخ من حديث أنس (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال الحافظ السيوطي في التوشيح على الجامع الصحيح: وهي زيادة شاذة.
وفي الصحيح أن صفة النقش: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. قال الأسنوي في المهمات: وفي حفظي أنها كانت تقرأ من أسفل فصاعدا ليكون اسم الله فوق الجميع. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث. وفي الصحيحين وغيرهما: النهي عن أن ينقش أحد على نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم وسبب النهي أنه إنما
(1/171)

اتخذ الخاتم ونقش فيه ليختم به كتبه، فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة وحصل الخلل.
قال في التوشيح: وهذا يفهم اختصاص ذلك بحياته صلى الله عليه وسلم. وفي الديباج: النهي تحريم مؤبدا إلى يوم القيامة، وليس ذلك بظاهر. وجاء فيها أنه كان يجعل فصه مما يلي كفه أي ليكون أبعد من التزين. وفي رواية لأبي داود وجعل فصه في ظهر كفه، فإن صحت قلعله كان يعمل هذا لبيان الجواز نادرا وجاء أنه كان يتختم به في اليد اليمنى وفي أحاديث أخر أنه في اليسار.
باب في وضع التاريخ وأصله
المعروف أن التاريخ بالهجرة النبوية حدث في خلافة عمر بن الخطاب، ولكن حكى أبو جعفر بن النحاس في كتابه صناعة الكتابة، وحكاه عنه القلقشندي في صبح الأعشى 240 من الجزء السادس عن محمد بن جرير، أنه روى بسنده إلى ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الأول أمر بالتاريخ. قال القلقشندي: وعلى هذا يكون ابتداء التاريخ في عام الهجرة هـ.
وفي المواهب وأمر صلى الله عليه وسلم بالتاريخ. فكتب من حين الهجرة قال الزرقاني: رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري معضّلا، والمشهور خلافه، وأن ذلك في زمن عمر كما قال الحافظ اهـ.
وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي: رأيت في مجموع بخط ابن القماح عن ابن الصلاح أنه قال: ذكر أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي في تاريخ الشروط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرّخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران، وأمر عليا أن يكتب فيه حين كتب عنه أنه كتب لخمس من الهجرة. قال فالمؤرخ بهذا إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر تبعه في ذلك، قال: وقد أشبعت الكلام على ذلك في مؤلف مستقل مختصر بهذه المسألة اهـ (قلت) سماه «الشماريخ في علم التاريخ» .
قال السخاوي: فإن ثبت فيكون عمر متبعا لا مبتكرا اهـ وقال الإمام السهيلي في الروض، ص 11 من الجزء الثاني: تأسيس مسجد قبا كان أول يوم من حلول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار هجرته، والبلد الذي هو مهاجره، وفي قوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: 8- 10] وقد علم أنه ليس أول الأيام كلها، ولا إضافة إلى شيء في اللفظ الظاهر. ففيه من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر، حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عام الهجرة، لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأسس المساجد وعبّد الله آمنا، كما يحبه. فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل. وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: 80] أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا هذا من الآية، فهو الظن
(1/172)

بأفهامهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله وبتأويله، وافهمهم بما في القرآن من اشارات وافصاح، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد، فقد علم ذلك قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم، أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم، وليس هاهنا إضافة في المعنى، إلا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ، أو قرينة حال. فتدبره ففيه معتبر لمن ادّكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر والحمد الله اهـ.
وقد نقل كلامه ملخصا الحافظ في الفتح وقال عقبه: كذا قال: والمتبادر أن معنى قوله: من أول يوم، أي دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اهـ وقال ابن المنير: كلام السهيلي كلام تكلف وتعسف وخروج عن تقدير الأقدمين فإنهم قدروه من تأسيس أول يوم كأنه قيل: من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا تأسيس تقتضيه العربية وتشهد له الآية اهـ.
قلت: كلام السهيلي ظاهر المأخذ، جلي الإستنتاج والذين استبشعوه كأنهم لم يذوقوه، فتأمله بإنصاف، ترى الحق مع ما أملاه الأعمى لا ما كتبه البصراء «1» ، ولذا اقتصر عليه معجبا به المولى شهاب الملة والدين الخفاجي في عناية الراضي وكفاية القاضي فانظرها فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [الإسراء: 84] .
واختيرت الهجرة للإبتداء بها دون وقت الولادة والبعثة، لإختلافهم فيها دونها، ووقت الوفاة وإن شارك الهجرة في الإتفاق، لا يحسن الإبتداء بها عقلا لما ينشأ عنه من تهيج الحزن والأسف بخلاف وقت الهجرة، فإنه يتبرك به لكونه وقت استقامة ملة الإسلام، واختير لإفتتاح السنة المحرم دون غيره لكونه شهر الله، وأحد الأشهر الحرم، وفيه تنصرف الناس من الحج.
باب في الرسول (السفير) وفيه فصول فصل في صفات رسله عليه السلام من وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة المقنعة للخصم
قال السهيلي في الروض ص 355 من الجزء الثاني: لما قدم دحية على قيصر قال:
يا قيصر أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذل ثم أجب بنصح. فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي قال: نعم قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبّر خلق السموات والأرض، والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى ابن مريم بعده، وعندك من ذلك أثارة من علم، تكفي
__________
(1) هنا إشارة لكون الإمام السهيلي رحمه الله كان مكفوف البصر.
(1/173)

عن العيان، وتشفي من الخبر. فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة، وشوركت في الدنيا، واعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة، ويغير النعم.
فأخذ قيصر الكتاب ووضعه على عينيه ورأسه وقبله ثم قال: أما والله ما تركت كتابا إلا وقرأته، ولا عالما إلّا وسألته، فما رأيت إلا خيرا فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم، بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه فيضرني ذلك، ولا ينفعني، أقم حتى أنظر. فلم يلبث أن أتاه وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الروض أيضا: أن حاطبا لما قدم على المقوقس ملك مصر قاله له: إنه قد كان رجل قبلك يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك، قال: هات قال: إن لك دينا لن تدعه إلا لمن هو خير منه، وهو الإسلام إليه الكافي به الله فقد ما سواه.
إن هذا النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى. ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا، كبشارة عيسى بمحمد. وما دعاؤنا إياك للقرآن، إلّا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكن نأمرك به.
وفيه أيضا أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوى بكتابه عليه السلام قال له: يا منذر، إنك عظيم في الدنيا، فلا تصغرنّ عن الآخرة، إن هذه المجوسية ليس فيها تكرم العرب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه؟ ولمن لا يخون أن لا تأمنه؟ ولمن لا يخلف ألا تثق به؟ فإن كان هذا هكذا؛ فهو هذا النبي الأمي، الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه إنّ كلّ ذلك منه على أمنية أهل العقل، وفكر أهل البصر.
وفيه أيضا أن عمرو بن العاص لما قدم على على الجلندى قال له: يا جلندى، إنك وإن كنت منا بعيدا؛ فإنك من الله غير بعيد، إن الذي تفرّد بخلقك أهل أن تفرد بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك، واعلم أنه يميتك الذي أحياك، ويعيدك الذي بدأك.
فانظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة، (فإن كان ما يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه ثم ينظر فيما يجيء به يشبه ما تجيء به الناس فإن كان يشبهه فسله العيان وتخيّر عليه في الخير) وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد.
وفيه أيضا أن شجاع بن وهب لما قدم على جبلة بن الأيهم قال له: يا جبلة إن قومك
(1/174)

نقلوا هذا النبي الأمي من داره إلى دارهم، - يعني: الأنصار- فاووه ومنعوه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبي الأمي من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يضرك، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والقبلة بالصليب. وكان ما عند الله خير وأبقى.
وفيه أيضا أن المهاجر بن أبي أمية، لما قدم على الحارث بن عبد كلال قال له: يا حارث، إنك كنت أوّل من عرض عليه المصطفى نفسه، فخطأت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرّا، فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب الملوك، وإذا سرّك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأمّلوا بعيدا، وتزودوا قليلا. منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وأنا أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.
ومما قاله دحية في قدومه على قيصر:
ألا هل أتاها على نابها ... فإني قدمت على قيصر
فقدرته بصلاة المسيح ... وكانت من الجواهر الأحمر
وتدبير ربك أمر السما ... ء والأرض فأغضى ولم ينكر
وقلت تقر ببشري المسي ... ح فقال: سأنظر، قلت: انظر
فكاد يقرّ بأمر الرسو ... ل، فمال إلى البدل الأعور
فشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بني الأصفر
على وضعه بيديه الكتا ... ب على الرأس والعين والمنخر
فأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقر
يريد بالفرس الأشقر مثلا للعرب فيمن يتردد عن الشيء، لا يريد ما يرجح فيه انظر ص 355 من الجزء الثاني من الروض.
وفي ص 359 من الجزء السادس من صبح الأعشى من غريب ما يروى، ما ذكره ابن عبد الحكم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وبلغه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما منعه أن يدعو عليّ فيسلط علي؟ قاله له حاطب: ما منع عيسى أن يدعو على من أبي عليه أن يفعل ويفعل. فوجم ساعة ثم استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت.
ويروى أنه حين سأله عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حروب قومه وذكر له أن الحرب تكون
(1/175)

بينهم سجالا تارة له وتارة عليه، قال له المقوقس: النبي يغلب؟ فقال له حاطب: فالإله يصلب؟ يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح عليه السلام صلب مع دعواهم فيه أنه إله؟
وفي ترجمة سيدنا عبادة بن الصامت من الاستبصار للموفق بن قدامة، روي أن المقوقس صاحب مصر بعث إلى عمرو أن أبعث لي رسلا أكلمهم، فبعث إليه نفرا منهم عبادة بن الصامت، وأمره أن يكون هو المتكلم، وكان عبادة أسود شديد السواد، فلما دخلوا على الملك تقدم عبادة، فقال الملك: ما فيكم من يتكلم غير هذا؟ فقال القوم: هو أفضلنا وأقدمنا صحبة لنبينا، ومع هذا فقد أمره أميرنا. هو المتكلم قال: فليتقدم إذا. فإنما هبته لسواده. فقال عبادة: فإن كنت هبتني لسوادي وقد ولى شبابي، وذهبت قوتي فكيف بك لو رأيت عسكرنا وفيه أكثر من ألف أشد مني سوادا، وأقوى أبدانا وأعظم أجسادا؟
فطلب منه الملك الصلح. فقال عبادة: إنا لا نقبل منكم إلا إحدى خلال ثلاث: إما أن تسلموا، فتكونوا إخواننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإما أن تؤدوا الجزية إلينا،.
وتعتقدوا منا الذمة، فنقبل منكم ونكف عنكم، وإما أن تبرزوا لنا حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال الملك: لا تقبلوا غير هذه الخلال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب السماء، لا ورب هذه الأرض، لا نقبل منكم غيرها. فقال الملك لأصحابه: ما ترون فيما قال؟ فأبوا. فقال الملك: والله لئن لم تقبلوا منهم إحدى هذه الخلال قبل قتل الرجال وسبي الحريم، لتقبلنه منهم بعد ذلك وأنتم راغمون فصالحهم.
ووجه عمر عبادة إلى الشام قاضيا ومعلما اهـ.
ثم استطرد القلقشندي، أن بعض ملوك الروم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النصرانية عنده، فإن قطعهم أسلموا، فوجه إليهم بالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني المالكي، فلما حضر المجلس، واجتمع لديه علماء النصارى قال له بعضهم: إن معتقدكم أن الأنبياء معصومون في الفراش، وقد رميت عائشة بما رميت به، فإن كان ما رميت به حقا كان ناقضا لأصلكم الذي أطلقتموه في عصمة الأنبياء في الفراش. وإن كان غير حق كان مؤثرا في إيمان من وقع منه. فقال له القاضي، أبو بكر: امرأتان حصينتان رميتا بالفرية؛ إحداهما لها زوج ولا ولد لها. والآخرى لها ولد ولا زوج لها. يشير بالأولى إلى عائشة، وبالثانية إلى مريم فسجدوا له على عادة تحيتهم في ذلك. وقد رأيت في ترجمة الباقلاني من تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي هذه القصة على وجه آخر؛ وذلك أنه ذكر أنه جرت له أمور منها؛ أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك، ففطن لها ودخل بظهره ومنها أنه قال لراهبه: كيف الأهل والأولاد فقال له الملك: أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا؟ فقال: تنزهونه عن هذا ولا تنزهون الله عن الصاحبة والولد؟
وقيل: إن طاغية الروم سأله كيف جرى لعائشة. وقصد توبيخه فقال: كما جرى
(1/176)

لمريم وبرأ الله المرأتين، ولم تأت عائشة بولد، فأفحمه ولم يدر جوابا اهـ من تاريخ الإسلام.
وأحفظ أيضا أن الباقلاني سأله ملك الروم أيضا. قال له: تزعمون أن القمر انشق لنبيكم، فهل للقمر قرابة حتى ترونه دون غيركم؟ فقال: وهل بينكم وبين المائدة إخوة ونسب إذ رأيتموها، ولم ترها اليهود واليونان والمجوس، الذين أنكروها وهم في جواركم؟
فأفحم ولم يدر جوابا.
وقد ذكر القصة مبسوطة ابن التلمساني في شرح الشفا قائلا: ذكر بعضهم أن الإمام العالم الأعرف أبا بكر بن الطيب، لما وجهه صاحب الدولة سفيرا إلى ملك الروم، ليظهر به رفعة الإسلام، وبغض النصرانية. وجرت في تلك الوجهة، في القسطنطينية بينه وبين ملكها، مع بطارقته ونبلاء ملته مناظرات ومحاورات، منها: أن الملك قال له هذا الذي تدّعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: هو صحيح عندنا.
انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رآه الناس، وإنما رآه من الحضور من اتفق نظره إليه في تلك الحال. فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟ قال: الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لحضوره. قال. وهذا القمر بينكم وبينه قرابة لأي شيء لم يعرفه الروم وغيرهم من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ قال: فهذه المائدة بينكم وبينها نسب، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة واهل الإلحاد واليونان جيرانكم؛ فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن فتحير الملك وقال في كلامه: سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه، فلم أشعر إذ جاؤا بالرجل كالدب أشقر الشعر، فقعد وحكيت له المسألة فقال: الذي قال المسلم لازم لا أعرف له جوابا إلا ما ذكره، فقلت:
له: إن الكسوف إذا كان يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي في محاذاته؟
فقال: لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر كذلك إذا كان من ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر. وأما من أعرض عنه، أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر فيها فلا يراه فقال: هو كما قلت. لا يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوا. فأما الطعن في هذه الوجه فليس بصحيح، فقال الملك:
وكيف يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير، حتى يتصل بنا العلم به، ولو كان كذلك لوقع لنا العلم الضروري به، فلما لم يقع دلّ على أنه أكبر مفتعل باطل، فالتفت الملك إلي وقال: الجواب. فقلت: يلزمه في نزول الملائكة بالمائدة ما لزمني في انشاق القمر. ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحا لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة، دل أن الخبر كذب فبهت النصراني والملك ومن ضمه المجلس وانفصل للوطن على هذا اهـ.
(1/177)

اختياره عليه السلام لرسله أن يكونوا أحسن الناس وجها
سيأتي أمره لعماله أن يبردوا له البريد كذلك، ومن أشهر رسله عليه السلام للملوك دحية الكلبي. قال العيني: في عمدة القاري ص 93 من الجزء الأول: كان دحية من أجمل الصحابة وجها، وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورته، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: 11] قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم إلى الشام لم تبق مخدرة إلا خرجت لتنظر إليه اهـ.
وفي الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أن دحية كان أجمل أهل زمانه، وبلغ من أثر جماله في الخلق، أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس، ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها اهـ وذكر العيني في العمدة أيضا: أن دحية هذا كان يمشي متلثما خشية أن تفتتن به النساء اهـ.
وصايته عليه السلام لكل من بعثه لجهة من الجهات من سفرائه وأمرائه ورسله
في سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج على أصحابه فقال لهم: إن الله بعثني رحمة فأدّوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم. قالوا: وكيف يا رسول الله كان اختلافهم؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأما من قرب به فأحب وسلّم، ومن بعد به فكره وأبى، فشكى ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكلّ رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم اهـ.
وفي باب صب الماء على البول في المسجد؛ أنه عليه السلام قال للصحابة لما تناولوا الأعرابي الذي بال في المسجد: إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وكان ذلك شأنه عليه السلام، في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات، يقول: يسروا ولا تعسروا اهـ ص 279 من الجزء الأول.
وقع ذلك في مسلم عن أبي موسى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» ، وأخرج البزار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل معاذا وأبا موسى فقال: تشاورا وتطاوعا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا.
(1/178)

اتّخاذ البريد في زمن الخلفاء الراشدين
البريد «1» اسم للمسافة التي بين كل محطة وأخرى من محطات البريد، وهي أربعة فراسخ «2» ، أو اثنا عشر ميلا، ثم أطلق على حامل الرسائل، وتوسعوا فيه الآن فأطلقوه على أكياس البريد، وأصله من وضع الفرس، ثم استعمل في الإسلام وأقيم له عامل مخصوص يسمى عامل البريد، ينقل أخبار الولاة والبلاد لدار الخلافة والعكس.
والمشهور أن أول من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، ولعله أول من رتبه على طرق ومناهج مخصوصة، رتب له الخيل والمحطات، وإلا فالبريد معروف عند من قبله من الخلفاء الراشدين، واشتهر أمره في مدة سيدنا عمر بن الخطاب، وفي الصحيح «3» لدى باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، وصلى أبو موسى في دار البريد قال الحافظ: دار البريد المذكورة موضع بالكوفة؛ كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الأمراء إلى الخلفاء، وكان أبو موسى أميرا على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان وكانت الدار في طرف البلد، وقال المطرزي: البريد في الأصل الدابة المرتبة في الرباط، ثم سمي به الرسول المحمول عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة.
وفي سيرة عمر للحافظ ابن الجوزي في الباب الرابع والثلاثين في ذكر عسسه بالمدينة، وبعض ما جرى له في ذلك، أن عمر لما أبعد نصر بن الحجاج عن المدينة إلى البصرة، وكتب عمر إلى عاملة عتبة بن فرقد كتابا وأقام أياما ثم نادى مناديه: ألا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج فمن كانت له حاجة فليكتب فكتب إليه نصر بن الحجاج كتابا إلى أمير المؤمنين انظر ص 105.
وفي القصة الآتية وهي عند ابن جرير في تاريخه عن الرسول الذي أتى بالعقد هدية من عند امرأة قيصر الروم إلى زوج عمر أنه بريد المسلمين. وفي كتاب الطائر الغريد في وصف البريد: للعرب في نظام البريد فضل مثل مالهم في غيره، ولذلك قد شرح المؤرخون عن أحواله عندهم أكثر من باقي البريد، وأول ما استعمل العرب لنقل البريد الإبل، ثم استبدلوها بالبغال، ثم بالخيل لسرعتها، وكان لكل سفر بريد يتولى قيادة المسافرين، وميل العرب للتنقل بالأسفار وكان أعظم مساعد على اطراد سير البريد الطويل ما بين البلاد الشاسعة بكل ضبط، وهذه الوظيفة كانت عندهم من الوظائف
__________
(1) البريد: كان من اصطلاح الفرس أن يقطعوا أذناب الخيل المخصصة لحمل البريد وقالوا لها: بريدة دم: مقطوعة الذنب. ومن ثم أطلق الوصف على الخيول التي تحمل الرسائل خيل البريد. مصححه. عن كتاب النظم الإسلامية للشيخ صبحي الصالح.
(2) فراسخ: كلمة فارسية جمعت جمع تكسير عربي وأصلها. فرسخ، ولا زالت مستعملة في بلاد إيران وتقدر بستة كيلو مترات. مصححه.
(3) انظر كتاب الوضوء باب 66 ص 63/ 1.
(1/179)

العالية، التي لا يوليها إلا الخليفة نفسه، ولا يتولاها إلا ذو الأهلية.
وجاء في كتب الإفرنج أن ابتداء ترتيب البريد عند العرب بعد الهجرة النبوية بأمر أول خليفة، وكان يتسع باتساع فتوحاتهم، التي بلغت مسافات شاسعة، وأعظم اتساع ونظام في بريد العرب تمّ في عهد الخلفاء العباسيين، بلغت محطات البريد نحو ألف محطة، كانت تسمى عندهم بالسكك، ومع هذا الاتساع كانت الأشغال سائرة بكل دقة، في مواعيد السفر والوصول والأمنية، فقد كان لكل محطة رئيس لملاحظة سير السعاة، والخيالة وحالة المحطات، وكان جميع هؤلاء الرؤساء مضطرين أن يقدموا تقاريرهم عن كل ما يحدث في الخطوط إلى عموم الإدارة في بغداد، التي كانت النقطة المركزية والرئيس العالي يعرض ذلك على الخليفة نفسه، الذي كان يهتم بالبحث عن أحوال البريد، وكان للبريد لائحة عمومية، تحتوي على قوانين البريد، في سيره وجغرافية الطرق، وكان ينفق على البريد مبالغ وافرة، قيل: إن نفقة فرع اليمن فقط؛ كانت تبلغ نحو أربعة ملايين درهم سنويا، وهي عبارة عن أربعة ملايين ونصف من الفرنكات، ومن ذلك يعلم قدر نفقات باقي الخطوط، وما كان يبذله العرب لتنظيم البريد وقدر أهميته عندهم، وفي ص 95 من الكتاب المذكور اتخذ العرب العلامات لرسل البريد، وفي عهد الخلفاء العباسيين كانت علاماتهم قطعة من الفضة بقدر الكف، قد كتب على أحد صفحتيها البسملة واسم الخليفة، وعلى الصفحة الثانية هذه الآية: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب: 45] هـ.
«مهمّة» في الخطط للتقي المقريزي، أن إبراهيم بن الأغلب لما ولي على أفريقية سنة 261، كانت القوافل والتجار تسير في الطرق وهي آمنة، والحصون والمحارس على ساحل البحر، حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية، فيصل الخبر منها إلى الاسكندرية في ليلة واحدة وبينهما مسيرة أشهر هـ منها ص 280 من الجزء الأول.
قلت: لعمري إن هذه الطريقة في التعجيل بالإخبار أغرب وأعجب من التلغراف والتلفون. ولله في خلقه شؤون.
فصل في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام
«بعث دحية بن خليفة الكلبي، وبعثه بكتابه وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس. وبعث عمرو بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية. وبعث سليط بن عمرو واحد بني سليط عامر بن لؤي إلي ثمامة بن أثال.
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلي الحرث بن أبي شمر الغساني. وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلي الحارث ملك اليمن. قال ابن جماعة بعث رسول الله ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع» .
(1/180)

قلت: وفي شرح الزرقاني على المواهب وشرح الألفية لابن كيران: وبعث ستة نفر في يوم واحد، إلى الملوك وأصبح كل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، كذا لابن سعد وغيره، وهذه معجزة أخرى هـ منهما.
فصل في بعث الرسول في الصلح
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش «1» بمكة، وحمله على بعير له، وأمره أن يبلغ أشرافهم ما جاء به، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله. ثم أرسل المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك عثمان بن عفان بإشارة عمر فنجا.
فصل في بعث الرسول بالأمان ذكر من بعثه المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك من الرجال
«في السير في خبر فتح مكة قال ابن إسحاق: خرج صفوان بن أمية يوم فتح مكة يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا رسول الله؛ إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج هاربا منك ليقذف بنفسه في البحر. فأمّنه صلى الله عليه وسلم وقال: هو آمن. قال يا رسول الله فأعطني آية ليعرف بها أمانك، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك، أن تهلك، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جئتك به، قال: ويحك أبعد عني فلا تكلمني إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال صدق. قال فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان عمير بن وهب بن خلف قد استأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هرب يوم الفتح هو وابنه وهب بن عمير فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما، وبعث له وهب بن عمير بردائه الكريم أمانا له وجاء به بنحو ما ذكر لمن قبله» .
ذكر من توجه في ذلك من النساء
«قال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل بن عمها، أسلمت يوم الفتح واستأمنت النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها عكرمة، حين فر إلى اليمن وخرجت في طلبه، فردته حتى أسلم وثبتا على نكاحهما، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رآه لما أتت به: مرحبا بالراكب المهاجر، وقال لأصحابه: إن عكرمة يأتيكم فإذا رأيتموه فلا تسبوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحي» .
__________
(1) قبل توقيع صلح الحديبية. مصححه.
(1/181)

فصل في الرسول يبعث إلى الملوك (ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين)
«قال ابن إسحاق: كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم عليه، وهو بخيبر بعد الحديبية ستة عشر رجلا منهم جعفر بن أبي طالب» .
في الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين (تكون ببلاده ويبعثها)
«ذكر ابن جماعة في مختصر السير: أن المصطفى صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، واسمه أصحمة وكتب له كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذه النجاشي فوضعه على عينيه ونزل عن سريره، فجلس على الأرض ثم أسلم، وشهد شهادة الحق وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة، وأمره أن يبعث بمن قبله من أصحابه ويحملهم، ففعل ودعا بحق من عاج، فجعل فيه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها» .
وفي ترجمة عمرو من الإصابة: بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، وإلى مكة فحمل خبيبا من خشبته، وذكر الحافظ في ترجمة أم حبيبة من الإصابة: أن النجاشي أرسل إليها جارية له يقال لها أبرهة فقالت: إن الملك يقول لك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن الوليد فوكلته، وأعطت لأبرهة سوارين من فضة، فلما كان العشي أمر النجاشي بإحضار جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة فأجبت، وقد، أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير، فخطب خالد فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته أم حبيبة وقبض الدنانير، وعمل لهم النجاشي طعاما فأكلوا. قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أعطيت أبرهة خمسين دينارا قال: فردتها علي. وقالت: إن الملك عزم علي بذلك وردت علي ما كنت أعطيتها. أولا، ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد، عنبر، فقدمت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي شرح ابن باديس على مختصر ابن فارس وفي اللباب: هي أول امرأة أوثرت في الإسلام بهذا المبلغ اهـ.
وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله الغافقي في حق أم حبيبة المذكورة: حاز رضي الله ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم في أداء مهرها العبد الصالح أصحمة، وقد كتب في قلبه الإيمان والمرحمة، وألقى عليها الصون والأمنة حتى أداها إليه صلى الله عليه وسلم شرحبيل بن حسنة، يكلؤها في
(1/182)

زفافها ويغدق عليها قناعة الإيمان، ويتقارب بمراحلها على بعد الزمان، فحمدت عند الصباح سراها، وجرت السوانح ببشراها، وأهدت سواريها وخواتمها لمن أعلمها بنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لها. اهـ.
في الرسول يبعث بالهدية
«قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة، وخرّج أبو عبيد القاسم بن سلام أن هذه الهدية كانت تمر عجوة، وكتب إليه صلى الله عليه وسلم يستهديه أدما فأهداه إليه أبو سفيان. وكانت في الهدنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة قبل فتحها» .
وقد أفرد رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهات أبو الحسن المدائني؛ ذكر ذلك الحافظ في ترجمة الحارث بن عبد كلال من الإصابة وغيرها، وأشار إليهم الحافظ العراقي في ألفيته فقال:
ذكر رسله عليه الصلاة والسلام إلى الملوك:
أول من أرسله النبي ... لملك عمرو هو الضمري
إلى النجاشي فلما قدّم ... نزل عن فراشه فأسلم
فأركب المهاجرين البحرا ... إليه في سفينتين طرّا
زوّجه رملة عمرو قبله ... له ومهرها النجاشي بذله
ودحية أرسله لقيصرا ... وهو هرقل فعصى واستكبرا
وابن حذافة مضى لكسرى ... فمزّق الكتاب غيّا نكرا
وحاطب أرسل للمقوقس ... فقال: خيرا ودنا لم يؤيس
أهدى له مارية القبطية ... وأختها سيرين مع هدية
من ذهب وقدح ومن عسل ... وطرف من مصر من بنها العسل
وأرسل ابن العاصي حتى أدّى ... كتابه إلى ابني الجلندا
فأسلما وصدّقا وخلّيا ... ما بين عمرو، والزكاة أهديا
وأرسل السليط لليمامة ... لهوذة ملك بني حنيفة
فأكرم الرسول إذ أنزله ... وقال: ما أحسن ما يدعو له
وسال أن يجعل بعض الأمر ... له فلم يعط مضى في الكفر
كذا شجاع الأسدي يلقى ... الحارث الغساني ملك البلقا
رمى الكتاب قال: إني سائرّ ... إليه، رده هرقل قيصر
وقيل: بل أرسله لجبله ... فقارب الأمر ولكن شغله
الملك، ثم في زمان عمر! ... أسلم، ثم ارتدّ حتى كفرا
(1/183)

وابن أبي أمية المهاجرا ... أرسله للحارث بن حميرا
عبد كلال أبه فرددا ... أنظر في أمري وبعد وفدا
على النبي مسلما، فاعتنقه ... وفرش الردا له، وومقه
وأرسل العلاء بن الحضرمي ... لمنذر وهو ابن ساوى الدارمي
كان مع العلاء أبو هريرة ... فانقاد منذر لخير ملة
ووفد المنذر عام الفتح أو ... في عام تسعة خلافا قد حكوا
كذاك أرسل معاذا وأبا ... موسى إلى مخالف فاقتربا
وقال: يسّرا ولا تعسّرا ... وبشّرا طوعا، ولا تنفّرا
كذا جرير نحو ذي الكلاع ... ونحو ذي عمرو ونعم الداعي
وعمرو الضمري إلى مسيلمه ... فلم يؤب عن كذبه ولزمه
أرسل له كتابه مع سائب ... ثانية، فلم يكن بالتائب
وبعده عياشا أيضا أرسلا ... إلى بني عبد كلال قبلا
كلهم كتابه، وأسلموا ... نعيم والحار ومسروح هم
وأرسل النبي أيضا إذ كتب ... لعدة لم يسم من بها ذهب
لفروة بن عامر الجذامي ... أفلح إذ أقر بالإسلام
ولبني عمرو وهم من حمير ... كذا لمعدي كرب المشتهر
ولأساقف بنجران كتب ... كذا لمن أسلم من حدس عرب
وابن ضماد خالد الأزدي ... ولابن حزم عمرو الرضي
ولأخي تميم أوس كتبا ... وهو لدى أولاده ما ذهبا
وليزيد بن الطفيل الحارث ... ولبني زياد بن الحارث
باب في جائزة المصطفى لرسول غيره له
ترجم في الإصابة 411/ 3 لمسعود بن سعد الجذامي، رسول فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمّان، فذكر أنه ورد عليه عليه السلام بإسلامه وهديته، فقبل ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم وأجاز رسوله بخسمائة درهم.
باب في الرسول يتوجه إلى الملك منذرا له بالحرب إن هو لم يؤمن
في سيرة ابن إسحاق أنه عليه السلام بعث عمرو بن العاص إلى الجلندى بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون والقصر كذا في فتح الباري اسم ملك عمان، يدعوه إلى الإسلام، ومحاورة عمرو بن العاص له طويلة، ساقها أصحاب السير، وفيها خطابا للملك: ما أعلم أحدا بقي غيرك، وإن لم تسلم اليوم يوطئك الخيل، وتبيد خضراؤك، فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك. قال الشيخ الطيب بن كيران في شرح الألفية: قلت في هذا قوة
(1/184)

نفس عمرو إذ خاطبه بهذا الخطاب، وأنذره بالحرب والهلاك في محل ملكه، بحضرة أعوانه مع أنه واقف بين يديه، لم يتمكن من الجلوس. وانظر قصته في الشرح المذكور وغيره.
وفي طبقات ابن سعد؛ أنه عليه السلام كتب إلى يحنة بن رؤبة وسروات أهل أيلة:
إن أردتم أن يأمن البر والبحر فأطع الله ورسوله، وإنك إن رددتهم يعني رسله ولم ترضهم، لا آخذ منكم شيئا حتى أقاتلكم فأسبي الصغير وأقتل الكبير فإني رسول الله بالحق لخ.
باب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي
«في العمدة للتلمساني: زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، كان يكتب للملوك، ويجيب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية، والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن وذكر ابن هشام في البهجة نحوه.
ونحوه في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب لابن عبد السلام في ترجمة زيد، وفي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس: لسمينا «1» أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، أن بعض الصحابة كزيد بن ثابت، قد كان تعلم اللسان العجمي والرومي والحبشي وعيرها من الألسنة، كما صرح به في الإعلام بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام وغيره من كتب الإعلام اهـ.
وفي ص 144 من الجزء الثاني من العقد الفريد لابن عبد ربه وقيل: إنه أي زيدا تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي صلى الله عليه وسلم، والحبشية من خادم النبي صلى الله عليه وسلم، والقبطية من خادمته عليه السلام اهـ منه.
وفي صحيح البخاري لدى باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد من كتاب الأحكام؟ وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود. [انظر كتاب الأحكام باب 39 ج 8/ 120] .
ذكر من كان يترجم له صلى الله عليه وسلم بالكتاب كتاب السريانية
«في الإستيعاب: كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها، فتعلمها في بضعة عشر يوما. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحسن السريانية، إنه تأتيني كتب؟ قال: قلت: لا. قال: فتعلمها. قال:
فتعلمتها في سبعة عشر يوما.
__________
(1) ولو قال: ابن عمنا لكان صادقا؛ فهو حسني النسب أيضا ولكنه من أهل الهند.
(1/185)

وفي الأحكام الصغرى: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن ثابت قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد «1» فهل تستطيع أن تتعلم السريانية! قال: قلت نعم. فتعلمتها في سبعة عشر يوما» .
وفي بهجة المحافل لابن عبد البر: أنه تعلمها في ثمانية عشر يوما.
كتاب اليهود
«في صحيح البخاري في شواهده، والتاريخ، والنص له عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له «2» : تعلم كتاب اليهود، فإني ما آمن يهوديا على كتابة، فتعلمته في نصف شهر، حتى كتبت له إلى يهود، وأقرأته إذا كتبوا إليه، وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت أنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم كتاب يهود، فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمت، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما آمن يهوديا على كتابي، ولما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم» .
خرّجه البخاري معلقا في باب ترجمة الحكام. وهل يجوز ترجمان واحد! من كتاب الأحكام ولفظه: وقال خارجة بن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا له، قال الحافظ في الفتح: وصله مطولا في كتاب التاريخ، ثم ساق وصله من طرق.
وبوّب عليه الترمذي في كتاب الأدب من جامعه فقال:
باب في تعليم السريانية
حدثنا علي بن حجر، أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود، وقال:
إني والله لا آمن يهود على كتابي. قال فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمت كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم، وقال حديث حسن صحيح. قال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن زيد بن ثابت، وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان زيد بن ثابت يتعلم مدراس ماسكة فتعلم كتبهم في خمس عشرة ليلة، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا.
__________
(1) في التخريج للخزاعي: وردت: لا أحب أن يقرأها كل أحد. ص 219.
(2) وفي كتاب التخريج للخزاعي ص 219 ورد هذا النص كما يلي: «تعلم كتاب يهود، فإني ما آمن يهود على كتابي فتعلمت في نصف شهر حتى كتبت إلى يهود واقرأ له إذا كتبوا إليه» . وعزاه لتاريخ البخاري.
(1/186)

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية؟ أو قال السريانية فقلت نعم فتعلمتها في 17 يوما. وأخرج أبو يعلى وابن أبي داود في المصاحف وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم أتحسن السريانية؟ فإنها تأتيني كتب قلت لا قال: فتعلمها فتعلمتها في سبعة عشر يوما. وأخرج الإمام أحمد عن زيد بن ثابت رفعه: يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهوديا على كتابي، وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت رفعه: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا أو ينقصوا فتعلم السريانية.
أقول وبهذا يعلم حكم تعلم اللغات الأجنبية.
وفي الجزء الثالث من صبح الأعشى: ينبغي للكاتب أن يتعلم لغة من يحتاج إلى مخاطبته، أو مكاتبته من اللغات غير العربية، فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية، ما يحتاج إليه من ذلك فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب القلم والدواة: إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية، ويؤيد ذلك ما تقدم في الكلام على اللغة أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود من السريانية، أو العبرانية، وكان يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم كتبهم ويجيبهم عنه اهـ.
وقد استفسر ابن رشد ما جاء عن مالك وعن سيدنا عمر من ذم تعاطي لغة الأعاجم.
فتبين من كلامه في كتاب البيان والتحصيل أن الذي كره مالك من تعلم خط العجم ولسانهم هو ما لا يكون في تعلمه منفعة، وأما ما فيه منفعة كتعلمه لترجمة ما يحتاجه الإمام كما تعلمه زيد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أو لما يحتاج إليه القاضي للفصل بين الخصوم، وإثبات الحقوق، أو العاشر الذي يعشر أهل الذمة وتجار الحربيين، لطلب ما يعشر عندهم لبيت المال، أو لما يحتاج إليه من فكاك أسير، وما أشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة فغير مكروه.
وقال ابن يونس حين تكلم على قول المدونة ونهي عمر عن رطانة الأعاجم أي تكلمهم بلسانهم فقيل: معنى النهي عن ذلك أنها يتكلمون بها في المساجد، وقيل: معنى النهي أنهم إذا تكلموا بها بحضرة من لا يفهمها، فيكون من تناجي الإثنين دون واحد. وقد كره ذلك. قال الشيخ أبو الحسن عليها «1» : والتاويل الآخر أسدّ. وأما الأول فلماذا كرهه هل لأنها من اللغو الذي تنزه المساجد عنه؟ اهـ وكأنه توقف في ذلك وقال في التوضيح:
إنما كرهها في المساجد لأن مالكا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم وإليه ذهب ابن يونس اهـ.
وفي المدخل لابن الحاج: قد كره مالك ما هو أخف من هذا يعني الأكل في
__________
(1) في المتن نقص والله أعلم.
(1/187)

المسجد، وهو التكلم بغير لسان العرب سيما لمن يحسن العربية اهـ انظر المجاجي على مختصر بن أبي جمرة لدى الحديث الثالث.
قلت: فظهر أن نهي عمر وكراهة مالك التكلم برطانة العجم لمن في المسجد لا في غيره، أو حتى في غيره بالنسبة لمن لم تدعه لها ضرورة، أو كان تعليمه اللغة الأجنبية مع ازدرائه للغته وآدابها وعلومها، هذا مع اعترافنا اليوم بأن لغات العجم صارت اليوم مفتاح العلوم الكونية، التي أصبحت ضرورية لمجارات العجم والترقي بين الأمم وصارت أيضا مفتاحا للتعارف الذي أصبح ضروريا للعيش وأمن الإنسان على حقوقه حين الإختلاط، وللشيخ صفي الدين الحلي وهو ممن كان يحفظ عدة لغات:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه ... وتلك له عند الملمات أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا ... فكل لسان في الحقيقة إنسان
نسبهما له صاحب الجوهر المحسوس في ترجمة شارح القاموس.
ومن أغرب ما يذكر في هذا الباب، ما وجدته في طبقات ابن سعد من أن جفنة النصراني أحد المشاركين لغلام المغيرة في قتل سيدنا عمر، كان ظئرا لسعد بن أبي وقاص، وكان يعلم الكتاب بالمدينة انظر ص 258 من الجزء الثالث. فربما يقال كان يعلم في الكتاب لغة أجنبية أما العربية مثلا أو القرآن فمن المحال أن يحتاجوا في تعلمها إذ ذاك لنصراني فليتأمل، ومن أحسن ما يذكر في هذا الباب ما رأيته في تفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المكي المسمى مراح لبيد في كشف معنى قرآن مجيد على قوله تعالى: عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55] قال عليم بوجوه التصرف في الأموال، وبجميع ألسن الغرباء الذين يأتوني اهـ منه ص 403.
وقد ترجم البخاري في الصحيح «1» باب من تكلم بالفارسية والرطانة قال: في الفجر الساطع أي الكلام الغير العربي، فهو من عطف الأعم أي جواز ذلك عند الحاجة إليه كما دلت عليه الآيتان، وأشار إلى ضعف ما ورد من الأحاديث في كراهة الكلام بالفارسية، ووجه إدخال هذه الترجمة في الجهاد أن ذلك يحتاج إليه المسلمون مع رسل العجم وأمرائهم اهـ.
ومن أغرب ما يتعين ذكره في هذا الباب ما قرأته في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي حين تكلم على موالي عبد الله بن الزبير قال: قال هشام كان له مائة غلام كل غلام يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كل أحد بلغته اهـ وفي ص 83 من تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي عزو ما ذكر لابن عساكر عن عمر بن قيس انظره فهذا أعجب ما سمعت في معرفة اللغات وتعدادها عن الصحابة وتابعيهم.
__________
(1) انظر كتاب الجهاد باب 188 ج 4/ 36.
(1/188)

وقد جاء أنه كان لوالد ابن الزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فلا يستغرب مثل هذا القدر عن ابنه لأنه لا أجل من بيتهم في الإسلام بعد الهاشميين وراجع تأليف ابن خالنا العلامة المحدث أبي عبد الله «1» بن جعفر الكتاني نزيل دمشق الآن المسمى بالمطالب العزيزة الوافية في تكلمه عليه السلام بغير اللغة العربية. ورسالة الشرنبلالي الحنفي المسماة، بالنفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية. ورسالة العلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس. وانظر أيضا فتح الباري في كتاب الجهاد على قول البخاري باب من تكلم بالفارسية ونصه: كأنه أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف الألسنة، لأنه أرسل إلى الأمم كلها، على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته، فاقتضى أن يعرف ألسنتهم، ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة، لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم اهـ وانظر أيضا إتحاف نجباء العصر بالجواب عن المسائل العشر. لخالنا العلامة رحمه الله «1» .
(تكملة) في انموذج اللبيب من خصائص المصطفى عليه السلام، أن القرآن نزل بكل لغة، عدّ هذا ابن النقيب. وقال السيوطي أيضا في الإتقان: قال أبو بكر الواسطي في الإرشاد: في القرآن من اللغات خمسون لغة منها لغة قريش وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، ومذحج، وخزاعة، وغطفان، ومزينة، وثقيف، وهوازن، وأشعر ونمير وقيس، وعيلان، وجرهم وأيمن، وأزدشنوءة، وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضرموت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، وسبأ، وعمان، وبني حنيفة، وتغلب، وطيء، وعامر بن صعصعة، وأوس، وجذام، وعروة والنّمر، واليمامة.
ومن غير العربية: الفرس، والروم، والقبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط اهـ.
وفي مكتبتنا رسالة للحافظ السيوطي سماها: المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب رتبها على حروف المعجم، وهي في نحو كراسة، ورسالة له أخرى في الباب. وفي شرح الانموذج للروضي؛ فائدة. استنبط العلماء من هذه الآية وهي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: 28] وقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] أنه عليه السلام كان يعرف جميع اللغات، انظر شرح البلقيني لمجلس الشيخ الشوني رحمهما الله اهـ وفي شرح الشفا للخفاجي أنه صلى الله عليه وسلم علمه الله جميع اللغات قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] وهو صلى الله عليه وسلم مرسل للجميع اهـ. انظر ص 480 من الجزء الأول.
__________
(1) هو السيد الجليل محمد بن جعفر الكتاني جد الأسرة الكتانية فرع دمشق، وهو صاحب الرسالة المستطرفة فيمن خدم السنة المشرفة رحمه الله.
(1/189)

وفي فصل: إحتياج الكاتب إلى معرفة اللغات العجمية، من صبح الأعشى ص 165 نقلا عن محمد بن عمر المدائني قيل: إنه صلى الله عليه وسلم، كان يفهم اللغات كلها، وإن كان عربيا لأن الله بعثه إلى الناس كافة، ولم يكن الله بالذي يبعث نبيا إلى قوم لا يفهم عنهم، ولذلك كلم سلمان بالفارسية، وساق بسنده إلى عكرمة، قال: سئل ابن عباس: هل تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفارسية؟ قال: نعم. دخل عليه سلمان فقال درسته وسادته، قال محمد بن إميل أظنه مرحبا وأهلا «1» . وحسّنه، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر زيدا أن يتعلم كتابة السريانية، أو العبرانية لتحريم الكتابة عليه، لا أنه أمره بتعلم لغتهم.
وفي رحلة الحافظ ابن عبد السلام الناصري الكبرى في ترجمة شيخه: الإمام محمد بن محمد النجاري النابلسي الأثري: أنه ذاكره في كونه عليه السلام هل تكلم بالفارسية، وأن صاحب القاموس أنكر ذلك في سفر السعادة فقال: الصواب ثبوت كلامه صلى الله عليه وسلم بالفارسية، وأوقفني على كراسين له، في الرد على صاحب القاموس. أملاه في سفره هذا لما سئل عنه اهـ.
باب في الشاعر وفيه فصول فصل في ذكر شعراء النبي صلى الله عليه وسلم
«في الإستيعاب قال ابن سيرين: كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وأما شعراء المشركين فعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث، قال أبو عمر بن عبد البر: قيل: لعلي بن أبي طالب أهج عنا القوم الذين يهجوننا، فقال إن أذن لي النبي صلى الله عليه وسلم فعلت، فقالوا: يا رسول الله إيذن له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عليا ليس عنده ما يراد في ذلك منه، أو ليس في ذلك هنالك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم أن ينصرونه بألسنتهم؟ قال ابن سيرين: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان، وكعب، وعبد الله بن رواحة، فكان حسان وكعب يعرضان بهم في الوقائع الأيام والماثر، ويذكران مثالبهم. وكان عبد الله بن رواحة يعيّرهم بعبادة ما لا ينفع، فكان قوله أهون عليهم يومئذ. وكان قول حسان وكعب أشدّ القول عليهم، فلما أسلموا وفقهوا كان أشدّ القول عليهم قول عبد الله بن رواحة» .
قلت: في ترجمة حسان من الإصابة: قال أبو عبيدة فضّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاثة: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي صلى الله عليه وسلم، في أيام النبوة. وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
وفي الشرح الجلي للشهاب البربير: الصحابة كانوا معدن الشعر ومنبعه، وكان
__________
(1) إن صح سند هذا الحديث فليس المعنى ما ذكر وربما كان النقل محرفا. مصححه.
(1/190)

أشعرهم الخلفاء الأربعة، وكان أشعر الخلفاء الصديق وقد رأيت شيخ مشايخنا السيد مصطفى البكري الصديقي، جمع لجده الصديق من كلامه ديوانا تعجز عن تقريظه أفواه المحابر، والسنة الأقلام رتبه على حروف المعجم، وكان ابنته عائشة أشعر من الخنساء، وكانت تروي من كلام الشعراء ما لا يحفظه الرجال، فضلا عن النساء. ولا يخفى أن من شعراء الصحابة حسان بن ثابت، الذي كان إذا مد لسانه بلغ انفه وكان يحلف بالله أنه لو أمره على شعر [لحلقه] . أو على صخر لخرقه، ومنهم النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، والزبرقان، والعباس بن مرداس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، وضرار بن الخطاب، والعباس عمه عليه السلام، وابنه عبد الله بن عباس، ولبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، والمغيرة بن شعبة وغيرهم.
وكان يحث حسان على إنشاء الشعر وهجو المشركين ويقول: إنه أنكى [بهم] من وقع الحسام، وكان يستنشد أصحابه الأشعار. وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حقن بالشعر دم كعب بن زهير بعد الإهدار، وأنه أجاز حسان بسيرين القبطية جاريته اهـ.
قلت: الشعراء من الصحابة الذين مدحوه صلى الله عليه وسلم، بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي، المعروف بابن سيد الناس، المتوفى عام 734 في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه منح المدح أو فتح المدح، ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين «1» ، ولعصرينا الأديب أبي الحسن علي بن شاكر الموستاري، المعروف بجابي زاده نزيل الآستانة «2» كتاب نفيس سماه: حسن الصحابة في شرح أشعار الصحابة، طبع الجزء الأول منه في ص 362 رتبه على القوافي يترجم الصحابي ويذكر أشعاره في التوحيد، والثناء على الله، ومدح المصطفى عليه السلام، وبيان معجزاته ونحو ذلك أثبت فيه لأكثر من مائتي صحابي، ما بين بيت مفرد وقصيد. ثم شرح مفردات الجميع.
وأما ما مدح به عليه السلام من شعراء أمته بعد الصحابة فشيء يجل عن الحصر، ولو جمع له الناس في كل بلد أو مصر، إذ قلّ أن يجمع مسلم ديوانا إلا وصدّره أو كل حرف منه بالإمداح النبوية، وفي الرحلة العياشية أن صاحبها وقف في مكة على السفر السابع من كتاب منتهي السول في مدح الرسول، كتب سنة 673 قال أبو سالم: هذا التأليف لم يقصد به جامعة جمع كلامه أو كلام مخصوص، بل ما انتهى إليه علمه من الإمداح النبوية، وما شاكلها والله أعلم كم بقي لتمام الكتاب اهـ وفي عصرنا هذا جمع صديقنا نادرة العصر وحسّانه الشيخ أبو المحاسن [يوسف بن إسماعيل] النبهاني الشامي مجموعة في الامداح
__________
(1) طبع الكتاب بعد تحقيقه من قبل: عفت وصال حمزة وصدر عن دار الفكر بدمشق 1987.
(2) الآستانة هو اسم من الأسماء التي تطلق على استنابول عاصمة الدولة العثمانية كما يطلق عليها دار السعادة واسمها قبل الإسلام: القسطنطينية.
(1/191)

النبوية رتبها على حروف المعجم، وقد طبعت في أربع مجلدات، وهي على كل حال قلّ من كثر ونقطة من بحر.
باب في استنشاده صلى الله عليه وسلم شعر الهالكين في غير موضع
خرّج مسلم «1» والبخاري في الأدب المفرد عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال:
استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدته مائة قافية أو بيت. وفي مسلم أيضا من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه؛ ردفت النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: هل معك من شعر أمية؟ قلت: نعم. قال: هيه فأنشدته بيتا. قال: هيه، فأنشدته بيتا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: إن كاد ليسلم «2» . قال القرطبي فيه دليل على حفظ الأشعار والإعنتاء بها إذا تضمنت حكما ومعاني مستحسنة شرعا وطبعا.
قلت: استنشاده عليه السلام شعر الكفار يؤخذ مما سبق، لأن أمية بن أبي الصلت هو الذي قال فيه المصطفى: آمن شعره وكفر قلبه.
سماعه عليه السلام الشعر المتضمن التشبيب والغزل
كتشبيه الريق بالراح، وغير ذلك من أنواع التشبيبات.
قصة إنشاد كعب بن زهير للنبي صلى الله عليه وسلم قصيدته: بانت سعاد. مشهورة فحقن صلى الله عليه وسلم دمه بها بعد الإهدار، وأجازه بعد بمائة من الإبل. ومنّ عليه ببردته، وقد اشترى تلك البردة منه معاوية بثلاثين ألف درهم وكانت عنده من أجلّ ملكه وأعظم، وكانت أمراء بني أمية يتبركون بلبسها في الأعياد والمواسم، ويعدّونها أفخر لباس حتى وصلت مع الدولة لبني العباس، وكان للأمة الإسلامية كبير إعتناء بهذه القصيدة اللامية البديعة؛ حفظا واستنشادا وشرحا ومعارضة.
قال الشيخ الأديب أبو جعفر البصير الألبيري الأندلسي لما ذكر الكعبية هذه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعب في مسجده عليه السلام بحضرته، وحضرة أصحابه وتوسل بها، فوصل إلى العفو عن عقابة، فسدّ صلى الله عليه وسلم خلّته، وخلع عليه حلّته، وكفّ عنه كفّ من أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هذر كلمه محت حسناتها تلك الذنوب، وسترت محاسنها وجه تلك العيوب، ولولاها لمنع المدح والغزل، وقطع من أخذ الجوائز على الشعراء الأمل، فهي حجة الشعراء فيما سلكوه، وملاك أمرهم فيما ملكوه، حدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية، أن بعض العلماء كان لا يفتتح مجلسه إلا بقصيدة كعب. فقيل له في ذلك.
__________
(1) انظر أول كتاب الشعر في صحيح مسلم ص 1767/ 2.
(2) أخرجه مسلم في أول كتاب الشعر ج 2 ص 1767.
(1/192)

فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، قلت: يا رسول الله قصيدة كعب أنشدها بين يديك؟
فقال: نعم. أنا أحبها وأحب من يحبها. قال: فعاهدت الله أن لا أخلو من قراءتها كل يوم ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن، ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبركا بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه.
ولما صنع القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم على وزن بانت سعاد قال:
لقد قال كعب في النبي قصيدة ... وقلنا: عسى في مدحه نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك
اهـ بواسطة نفح الطيب للمقري.
الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه عليه السلام بعد موته
أثبت الحافظ العزفي في آخر مولده عدّة مراثي للصحابة فيه عليه السلام بعد موته، منهم أبو بكر وعمر وعلي وصفية بنت عبد المطلب، وأم حكيم بنت عبد المطلب، وهند بنت المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وحسان، وكعب بن مالك، وأبو الهيثم بن التيهان، وعبد الله بن أنيس، وعمرو بن سالم الخزاعي، والزبرقان بن بدر، وعبد الله بن مالك الأرحبي، وابن ذي مدان من سادات همدان، وعبد الله بن سلمة الهمداني، وسواد بن قارب الدوسي، وعبد الحارث بن أنس بن الريان، وغيرهم وذلك مقدار كراسة من المولد المذكور، وقد عقد الحافظ الشامي في السبل أبوابا منها قوله: جماع أبواب سيرته عليه السلام في الشعر، الباب الأول في مدحه صلى الله عليه وسلم حسن الشعر، وذمه لقبيحه، وتنفيره من الإكثار منه. الباب الثاني: في استماعه صلى الله عليه وسلم لشعر بعض أصحابه في المسجد وخارجه. الباب الثالث في أمره عليه السلام بعض أصحابه بهجاء المشركين. الباب الرابع فيما تمثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعر. الباب الخامس فيما طلب استنشاده من غيره فانظرها.
باب تكرمه عليه السلام بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له عليه السلام
هذه القصة غريبة في بابها، عزيز إسنادها، افتتن المحدثون وتهافتوا على روايته، لأنه أعلى ما حصل للمتأخرين؛ كالحافظين السيوطي، والسخاوي، وأمثالهما، ممن أدرك المائة العاشرة وروياه عشاريا بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه عشرة وسائط. قال السخاوي في فتح المغيث: تقع لي العشاريات بالسند المتماسك، من المعجم الصغير للطبراني وغيره، ولا يكون في الدنيا أقل من هذا العدد اهـ.
وقال السيوطي في التدريب: أعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان من الأحاديث
(1/193)

الصحاح، المتصلة بالسماع، ما بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه اثنا عشر رجلا، وبالإجازة في الطريق أحد عشر، وذلك كثير، وبضعف يسير غير واه عشرة. ولم يقع لنا بذلك إلا أحاديث قليلة جدا في معجم الطبراني الصغير اهـ.
قلت: حبب إلي أن أسوقها هنا بأعلى ما حصل لنا ولأقراننا في قرننا هذا الرابع عشر، وذلك ما أخبرنا به مسند الدنيا، البدر عبد الله بن درويش بن إبراهيم السكري الدمشقي بها عام 1324 قال: أخبرنا مسند الدنيا الوجيه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، أنا المعمر مصطفى الرحمتي الدمشقي، عن العارف عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصالحي، عن نجم الدين محمد بن محمد الغزي عن أبيه البدر محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أنا الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي قال: أنا مسند الدنيا محمد بن مقبل الحلبي إجازة مكاتبة عام 869 عن محمد بن إبراهيم بن أبي عمر المقدسي، وهو آخر من حدث عنه بالإجازة، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري، وهو آخر من حدث عنه، عن أبي القاسم الصيدلاني وهو آخر من حديث عنه، أتنا أم إبراهيم بنت عبد الله، وأبو الفضل الثقفي سماعا، عليهما قالا، أنا أبو بكر بن ربدة، أنا أبو القاسم الطبراني، ثنا بن عبد الله بن رما حسن عام 274، ثنا أبو عمرو زياد بن طارق، وكان قد أتت عليه مائة وعشرون سنة قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم هوازن ذهب يفرق السبي فأتيته، فقلت:
أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
أمنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشتت شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس علما حين يختبر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنّا معشر زهر
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك، إنّ العفو مشتهر
يا خير من مرحت كمت الجيادبه ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعف عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
قال فلما سممع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم «1» ، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ورسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام ج 2/ 488 حول إعادة السبي والأموال إلى هوازن.
(1/194)

ورسوله، قال السيوطي في التدريب: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، عشاري أخرجه أبو سعيد الأعرابي في معجمه عن ابن رمّاحسن وابن قار عن عبيد الله بن علي الخواص، عن ابن رماحسن وله شاهد من رواية ابن إسحاق في المغازي، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة من حديث زهير، واستشهد له بحديث عمرو بن شعيب فهو عنده على شرط الحسن، ثم أتى السيوطي بكلام الذهبي وابن عبد البر، واقتصر عليه كما اقتصر عليه قبله شيخ شيوخه الحافظ العراقي في كتابه الأربعين العشاريات الإسناد، وغفلوا جميعا عن طرقه التي جمعها له سيد الحفاظ ابن حجر في لسان الميزان. انظر ترجمة عبد الله بن رماحسن منه ص 96 من الجزء الرابع تر عجبا، وقد انفصل على كون الحديث حسن الإسناد، وفي فتح الباري له: هو حديث حسن وقد وهم من زعم أنه منقطع. وفي الإصابة أيضا وهّن ابن عبد البر إسناده من غير قادح، وقد أوضحته في لسان الميزان في ترجمة زياد بن طارق. وانظر غنيمة الواجد لأبي زيد الثعالبي. وكان عدد السبي الذي رده عليه السلام على هوازن، لما استشفعوا له بهذه الأبيات، كما في المنح المكية للشهاب ابن حجر: من النساء والذراري 6000 رأس، والإبل 2400، والغنم 40000، و 4000 أوقية فضة.
باب في ذكر الخطيب في غير الصلوات ذكر من كان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم
«في الجمهرة [ص 364] لابن حزم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الاستيعاب: كان ثابت خطيب النبي صلى الله عليه وسلم، وخطيب الأنصار، كما يقال لحسان بن ثابت: شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
قلت: ألف أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية كتاب: طبقات الخطباء ذكر ذلك الحافظ في ترجمة سحبان من الإصابة. وفي ترجمة أبي بكر الصديق من تاريخ الخلفاء عن ابن كثير: وكان أي أبو بكر من أفصح الناس وأخطبهم. قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب اهـ منه.
هل خطب عليه السلام أو خطب الصحابة بغير اللغة العربية
وقال عالم الهند أبو الحسنات اللكنوي في رسالته «آكام النفائس» . النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خطبوا دائما باللغة العربية، ولم ينقل عن أحد منهم أنهم خطبوا خطبة ولو غير الجمعة بغير العربية، وكان يحضر في مجالس الخطب النبوية رجال من الفرس، والروم والحبش، والعجم، لم يبدل النبي صلى الله عليه وسلم خطبته أبدا ولا علمه أحد، ومن المعلوم أن منهم من لم يكن يفهم لسان العرب مطلقا، ومنهم من لا يقدر على فهم الكثير منه، وإن فهم قدرا. ولا يتوهم أنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم اللغة العجمية وغيرها من اللغات العربية، ولو كان علمها
(1/195)

لخطب بها، لأنا نقول بعد تسليم ذلك: أن بعض الصحابة كزيد قد كان يعلم اللسان العجمي، والرومي، والحبشي، وغيرها من الألسنة فلم لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخطبهم ويعظهم بألسنتهم.
وبالجملة فالاحتياج إلى الخطبة بغير العربية لتفهيم أصحاب العجمية كان موجودا في القرون الثلاثة، ومع ذلك فلم يرد أحد من أحد في تلك الأزمنة «1» اهـ منه ص 33 طبعة سنة 1303 الهندية.
وفي غاية المقصود على سنن أبي داود: لا بد للخطيب أن يقرأ القرآن ويعظ به في خطبته، فإن كان السامعون عجما يترجم بلسانهم، فإن أثر التذكير والوعظ في غير بلاد العرب لا يحصل ولا يفيد إلا بالترجمة بلسانهم، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: 4] قال في جامع البيان: أي يبين لهم ما أمروا به فيفهموه بلا كلفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الأحمر والأسود، لكن الأولى أن يكون بلغة من هو منهم حتى يفهموه ثم ينقلوه ويترجموه اهـ.
فلا بد للخطيب أن يفهم معاني القرآن بعد قراءته، ويذكر السامعين بلسانهم، وإلا فيفوت مقصود الخطبة، هكذا قاله شيخنا نذير حسين المحدث الدهلوي اهـ مختصرا.
قلت: سيأتي أن الدولة الموحدية كان خطباؤها في جامع القرويين بفاس وغيرها، يخطبون باللسان البربري والله أعلم.
فوائد: الأولى: في طبقات الحنفية، للحافظ قاسم بن قطلوبغا، لدى ترجمة جعفر بن محمد بن المعز بن المستغفر النسفي المستغفري، المولود سنة خمسين وأربعمائة، أن من مصنفاته كتاب: خطب النبي صلى الله عليه وسلم انظر ص 10.
الثانية: خطبه عليه السلام كانت عارية عن السجع وهي الأصل الأصيل، واقتفى آثارها الخلفاء الراشدون، وأكثر السلف وإنما التزمت الإسجاع في هذه الأزمان التي كثر تكلفاتها، وضلت من الخير والرشاد صفاتها، قاله أبو عبد الله بن الطيب الشرقي في حواشيه على القاموس.
الفائدة الثالثة: حضر عليه السلام خطبة قس بن ساعدة الايادي «2» ، قبل النبوة وقال: كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أحمر الحديث. قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: إن له ولقومه بذلك فضيلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول
__________
(1) كذا في الأصل، ولعل في الكلام نقصا أو خطأ مطبعيا وإصلاحه: لم يرو أحد عن أحد في تلك الأزمنة أنه خطب بغير العربية. والله أعلم.
(2) راجع حول قس بن ساعدة ما كتبه السيد محمود الآلوسي في كتابه: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب ج 2/ 244.
(1/196)

الله صلى الله عليه وسلم روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ، وموعظته وعجب من حسن كلامه، وأظهر تصويبه فهذا أشرف تعظيم، تعجز عنه الأماني وتنقطع دون الآمال. وإنما وفق الله ذلك لقس لاحتجاجه للتوحيد، وإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قس خطيب العرب قاطبة اهـ.
باب في كتاب الجيش وفيه فصول
فصل: في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتب الناس، وثبوت العمل بذلك في عصره صلى الله عليه وسلم.
«في صحيح البخاري «1» بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس، فكتبت له ألفا وخمسمائة رجل، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال ارجع فحجّ مع امرأتك، وهو في الصحيح أيضا بلفظ إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة» [قال فانطلق فحج مع امرأتك. كتاب الحج باب 74 ج 1/ 978] .
قلت: قال الحافظ في الفتح على ترجمة باب كتابة الإمام الناس، أي من المقاتلة وغيرهم، والمراد ما هو أعم من كتابته هو نفسه أو بأمره، ثم قال: وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش. وقال على قول الرجل: إني كتبت في كذا مشعر بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي اهـ.
قال التقي المقريزي في الخطط: إعلم أن كتابة الديوان على ثلاثة أقسام: كتابة الجيوش، وكتابة الإنشاء والمكاتبات، ولا بدّ لكل دولة من استعمال هذه الأقسام الثلاثة، وقد أفرد العلماء في كتابة الخراج، وكتابة الإنشاء عدة مصنفات، ولم أر أحدا جمع شيئا في كتابة الجيوش والعساكر، وكانت كتابة الديوان في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صحفا مدرجة اهـ منها.
فصل في البيعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة
وهي شبيهة بالبيع الحقيقي، قال ابن الأثير في النهاية: كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره. والأصل في ذلك:
أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على صاحبه، وقد عظم الله شأن البيعة، وحذّر من نكثها فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ، فَسَيُؤْتِيهِ
__________
(1) كتاب الجهاد ح 4/ 34.
(1/197)

أَجْراً عَظِيماً [الفتح: 10] «1» وأمر بمبايعة المؤمنات في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة: 12] وبايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بيعتين، قال المرجاني: ومعنى البيعة في عرف اللغة ومقصود الشرع: العهد على الطاعة، على أنهم يسلمون لربها النظر في أمور أنفسهم، لا ينازعونه في شيء من ذلك، ويطيعونه فيما يكلفهم به من الأمر، على المنشط والمكره شبهت حالهم في مصافحتهم بأيديهم، تأكيدا لعهدهم بفعل البائع والمشتري، وسميت بيعة. وعلى هذا النحو؛ كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة، وحيثما وردت هذه اللفظة.
وقد ترجم البخاري: كيف يبايع الإمام الناس؛ والمراد الصيغ القولية لا الفعلية، فذكر فيها البيعة على السمع والطاعة، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، وعلى الصبر، وعلى عدم الفرار، ولو وقع الموت، وعلى بيعة النساء، وعلى الإسلام، وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول.
وقال الحافظ بن الجوزي: جملة من أحصي من المبايعات له عليه السلام من النساء أربعمائة وسبع وخمسون امرأة، لم يصافح على البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام اهـ.
ثم إنه عليه السلام لم يكن يشترط في المبايعين البلوغ، فقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن الزبير، وهو ابن سبع سنين. قال القرطبي: كانت مبايعته صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر اهـ.
وكان أول ما يشترط في البيعة بعد التوحيد إقامة الصلاة، ثم الزكاة، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمسّ.
وفي الصحيح عن جابر «2» : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وإنما بايع جابرا على النصيحة لأنه كان سيد قومه، فأرشده إلى تعليمهم، والنصح لهم. وقد بوّب البخاري باب من بايع مرتين، وباب بيعة الاعراب، وباب بيعة الصغير، وباب من بايع ثم استقال البيعة، وباب من بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، وباب بيعة النساء، وباب من نكث بيعته فانظره.
وكان الخلفاء من بني أمية وبني العباس يؤكدون البيعة بالاستحلاف، واستيعاب أنحاء الإيمان، وربما كانت على الإكراه، ولما أفتى مالك بسقوط يمين المكره ناله من المحنة ما
__________
(1) قراءة نافع: فسنؤتيه. وأما قراءة حفص وغيره: فسيؤتيه. مصححه.
(2) رأيت في البخاري اسم جرير بن عبد الله البجلي مرتين: في كتاب الصلاة ج 1 ص 133 وفي كتاب الزكاة ج 2 ص 110. وفي مسلم كتاب الايمان باب 23: عن جرير: ج 1/ ص 75.
(1/198)

ناله، ثم صارت البيعة كسروية من تقبيل الأرض، أو الرجل أو الذيل استغناء عن المصافحة، لما فيها من التنزل والابتذال المنافيين للرياسة، وصون الرتبة السلطانية إلا للخواص، وهي اليوم عبارة عن وضع المبايع خطه في صك يتضمن الاعتراف للمبايع بالسلطنة، وذلك فيمن يحسن الكتابة وإلا أشهد عليه في صك يبقى بيد المبايع، وفي فوائد الدرر قال القاضي أبو بكر: إن البيعة كانت في صدر الإسلام مقولة، وهي اليوم مكتوبة، إذ كان في ذلك العصر لا يكتب إلا القرآن، وقد اختلفت في السنة وكان عليه السلام لا يكتب أصحابه ولا يجمع لهم ديوانا، إلا أنه يوما قال: اكتبوا من تلفظ بالإسلام، لأمر عرض له، وأما اليوم فيكتب إسلام الكفرة كما يكتب سائر معالم الدين والتوابع، لضرورة حفظها حين فسد الناس وخفت أمانتهم ومرج أمرهم الخ كلامه فانظره في الفوائد فإنه نفيس.
وفي ترجمة سلمة بن الأكوع منها عن عبد الرحمن بن زيد العراقي قال: أتيت سلمة بن الأكوع فأخرج إلينا يده ضخمة كأنها خف البعير، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هذه فأخذنا يده فقبلناها.
فصل فيمن تولى ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
«متوليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان، كما سبق عند البخاري، وفي الاستيعاب: كان حذيفة من كبار الكتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
فصل في ثبوت العطاء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
«خرّج أبو داود عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب الأهل حظين، وأعطى الأعزب حظا فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا.
وفي الموطأ أن أبا بكر كان إذا أعطى الناس أعطياتهم سأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك. فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم. أخذ من عطائه زكاة ذلك المال وإن قال: لا.
أسلم إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئا» .
وقال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم يكن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألفون من جميع أمراء المسلمين، وإنما كانوا يأخذون مالهم في أربعة أخماس ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في أيدي أهلها كأرض خيبر، ولما ولي أبو بكر أعطى الناس وسوّى بينهم في العطاء، قائلا: هذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما ولي عمر رأى في ذلك غير رأي أبي بكر، وقسم العطاء مفضلا الأسبق فالأسبق الخ كلامه. وفي ترجمة عمرو بن الفغواء؛ من طبقات ابن سعد عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان، يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال: إلتمس صاحبا الخ القصة.
(1/199)

فصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك
الديوان: دفتر يكتب فيه أسماء أهل العطاء والعساكر، على القبائل والبطون. وفي النهاية: الديوان دفتر يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. ذكر أبو هلال العسكري في الأوائل، والماوردي في الأحكام السلطانية، أن أول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. انظر صبح الأعشى ص 106 من الجزء الثالث عشر.
وفي ترجمة عمر في تهذيب الأسماء للنووي: وكان عمر هو أول من دوّن الديوان للمسلمين، ورتب الناس على سابقتهم في العطاء، وفي الإذن، والإكرام، فكان أهل بدر أوّل الناس دخولا عليه، وكان علي بن أبي طالب أوّلهم. وأثبت أسماءهم في الديوان، على قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ ببني هاشم، وبني المطلب، ثم الأقرب فالأقرب اهـ.
وفي ص 413 من ج 1 من صبح الأعشى أيضا ما نصه: هو- أي عمر- أول من رتّب بيت المال فيما ذكره العسكري، لكنه ذكر في موضع آخر؛ أن عمر كان على بيت المال من قبل أبي بكر، فيكون أبو بكر قد سبقه إلى ذلك اهـ.
وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي، في فصل أولياته ومنها: أنه أول من اتخذ بيت المال، أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره: أن أبا بكر كان له بيت مال بالسّنح ليس يحرسه أحد. فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل، فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة حوّله فجعله في داره، فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس، فيسوي بين الناس في القسم. وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله، واشترى قطائف أتي بها من المدائن، ففرقها في أرامل المدينة، فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت أبي بكر، منهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال، فلم يجدوا فيه شيئا، لا دينارا ولا درهما.
وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل: إن أول من اتخذ بيت المال عمر، وقد رددت عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل، ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر، من كتابه فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر ص 31.
ويمكن الجمع بأن أبا بكر أوّل من اتخذ بيت المال، من غير إحصاء ولا تدوين، وعمر أوّل من دوّن مثلا.
«وفي تاريخ الكامل لابن الأثير: وفي سنة 15 من الهجرة فرض عمر الفروض، ودوّن الدواوين، وأعطى العطايا. وفي الأحكام السلطانية للماوردي أقوال في السبب الذي حمل عمر على ذلك منها: أن أبا هريرة قدم إليه بمال من البحرين، فقال عمر: ماذا جئت به؟ قال خمسمائة ألف درهم. فاستكثره عمر وقال أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات، فصعد عمر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم
(1/200)

كلناه لكم كيلا، وإن شئتم عددناه لكم عدا. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدونون لهم ديوانا فدوّن أنت ديوانا، فاستشار عمر رضي الله عنه الناس في تدوين الديوان، فقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا، حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشام فرأيت ملوكا لهم دواوين، وجندوا أجنادا فدوّن ديوانا وجنّد جنودا. فأخذ عمر بقوله، ودعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من شبّان قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم» .
وفي وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص 368: وأول من وضع ديوان العساكر في الدولة الإسلامية عمر، في محرم سنة عشرين. أمر عقيل بن أبي طالب، ومخرمة وجبيرا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان الجيش، بالابتداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بعدها «1» ، على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب اهـ وقد استظهر الخزاعي هنا، وفصّل أن كتابة الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينهم، إنما كانت في أوقات مخصوصة؛ نحو كتبهم حين أمر حذيفة بإحصاء الناس، وكذلك العطاء في عصره عليه السلام لم يكن له وقت معين، ولا مقدار معين. فلما كثر الناس في خلافة عمر، وجبيت الأموال، وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم وضع الديوان بعد مشاورة الصحابة، على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب اهـ ولكن وجدت في كتاب بدائع الصنائع: للإمام علاء الدين الكاساني الحنفي، حين تكلم على ما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرؤساء قريش، وصناديدهم مثل: أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس التميمي وأمثالهم، وذكر أن أبا بكر وعمر ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا. قال: فإنه روى أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاؤوا إلى أبي بكر، واستبدلوا الخط منه لسهامهم، فبدل لهم الخط. ثم جاؤوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من يدهم ومزقه. وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه. فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه ما صنع عمر، وقالوا: أنت الخليفة أم هو؟
فقال: إن شاء الله هو، فلم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ الصحابة فلم ينكروا اهـ انظر ص 45 من الجزء الثاني.
وهذا يدل على أن الناس في زمنه عليه السلام كانوا يأخذون العطاء بالضبط والتقييد، فيدل ذلك على وقوع التدوين، وجعل قوائم للمعطون، وهذا هو الديوان بعينه. فتأمل ذلك.
وفي صبح الأعشى ص 11 من ج 1، بعد أن نقل عن القضاعي، أن الزبير بن العوام، وجهم بن الصلت، كانا يكتبان له عليه السلام أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل ما نصه: فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه عليه السلام اهـ.
__________
(1) كذا والصواب، وما بعده. والله أعلم.
(1/201)

وانظر الفصل الأول من باب كتاب الجيش، وما نقل فيه عن الحافظ في الفتح: مما يؤول جميعه بخلاف ما للمتأخرين في هذه الترجمة.
وفي الأحكام لابن العربي: وأما ولاية الديوان؛ فهي الكتابة، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب، وللخلفاء بعد؛ وهي ضبط الجيوش لمعرفة أرزاقهم، والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها اهـ منها. وفي ترجمة عبد الرحمن بن عبد القاري من الإصابة، أنه كان على بيت المال لعمر. وأخرج البزار قال السيوطي في الجمع: وضعف عن عمر قال: كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لعبد الله بن أرقم: أجب هؤلاء، فأخذه عبد الله بن أرقم فكتبه، ثم جاء بالكتاب فعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحسنت. فما زال ذلك في نفسي حتى وليت فجعلته في بيت المال.
وأخرج البيهقي في السنن عن أبي وائل أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال.
وذكر المناوي في شرح الشمائل، في ترجمة أبي جحيفة وهب السوائي؛ أن عليا كان يحبه ويسميه وهب الخير وجعله على بيت المال اهـ وفي الخطط للتقى المقريزي أن معاوية جعل على كل قبيلة من قبائل العرب بمصر رجلا يصبح كل يوم فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام، ولفلان جارية. فيكتب أسماءهم. ويقال: نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله فيسميه وعياله، فإذا فرغ من القبيلة أتى إلى الديوان ليثبت ذلك اهـ.
تسامح المسلمين في صدر الإسلام
مما يدل على تسامح الأمراء الأمويين والعباسيين في أول الإسلام، أن الدواوين كانت بغير اللغة العربية، ففي صبح الأعشى ص 423 من ج 1: أن أول من نقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية الحجاج بن يوسف، في خلافة عبد الملك بن مروان، نقله له صالح بن عبد الرحمن، وفيه أيضا: أوّل من نقل ديوان الشام من الرومية إلى العربية عبد الملك بن مروان، نقله له سليمان بن سعيد، مولى الحسين كاتب رسائل عبد الملك. فولاه عبد الملك جميع دواوين الشام. وفيه أيضا: أول من نقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية عبد العزيز بن مروان في إمارته على مصر. ذكره صاحب المنهاج في صنعة الخراج اهـ.
وقال الشهاب المرجاني في الوفية: وأما ديوان الجبايات بعد الإسلام فديوان العراق بقي على الفارسية، وديوان الشام على الرومية، على ما كان عليه قبله، وكتاب الدواوين كان من أهل العهد من الفريقين، إلى أن أمر عبد الملك بن مروان سليمان بن سعد، أن ينقل ديوان الشام إلى العربية، فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، وأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن، أن ينقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية اهـ منه ص 368.
وكأن العرب لتسامحهم كانوا يتخذون كتابا لتدوين الدواوين بلغتهم، أو للغة السائدة
(1/202)

في البلاد التي يدونون أمورها، ونظير هذا في الغرابة ما في الروض القرطاس «1» لدى كلامه على القرويين وخطبائها ص 45؛ أن الدولة الموحدية لما حكم رجالها فاس، عزلوا خطيبها وقدموا غيره؛ لأجل حفظه اللسان البربري، قال ابن أبي زرع: لأنهم كانوا لا يقدمون للخطابة والإمامة إلا من يحفظ التوحيد باللسان البربري اهـ منه.
وعبارة ابن القاضي في الجذوة ص 33 ثم دخل الموحدون المدينة؛ يعني فاس.
فصرفوه أي الخطيب الذي وجدوه عن الخطبة، وقدموا مكانة أبا الحسن بن عطية، لأجل حفظه اللسان البربري فخطب به اهـ.
تنبيه: قد سبق العرب علماء أوروبا في حل رموز الخطوط القديمة، وترجمة كتبها إلى اللغة العربية، وبواسطة كتب العرب في ذلك وصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه، في معرفة اللغات والخطوط القديمة، وقد ألف في القرن الرابع أو أواخر الثالث أحمد بن وحشية النبطي المتوفى سنة 322 كتابه شوق المستهام إلى معرفة رموز الأقلام، وهو كتاب عجيب جمع فيه مؤلفه صور الخطوط القديمة التي تداولتها الأمم الماضية، وترجم جميعها إلى اللغة العربية، ووضعها بطريقة تسهل للمطلع عليها، أن يترجم ما على الآثارات من الكتابة، على اختلاف أنواعها إلى اللغة العربية، في زمن لا يتجاوز للنبيه أربع ساعات، وقد ترجم الإنكليز هذا الكتاب منذ مائة وثلاثين سنة، وبانتشاره سهل الإطلاع على ما كان مجهولا من أخبار وأحوال وعلوم الأمم الماضية لأهل القرون الخالية.
فصل في أي سن يجيز الإمام من يرسم في الديوان
«خرّج الترمذي عن نافع عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني، ثم عرضت عليه من قابل في جيش وأنا ابن خمسة عشر فقبلني، فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال: هذا حد ما بين الصغير والكبير:
ثم كتب أن يفرض لمن بلغ الخامسة عشرة» .
قلت: ترجم في الإصابة نافع بن خديج فقال: عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، وترجم أيضا لزيد بن حارثة الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى أن المصطفى استصغر ناسا يوم أحد، منهم زيد بن حارثة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم وسعد بن جبية «2» ، وابن عمر، وجابر، وترجم فيها أيضا لعمرو بن أبي وقاص القرشي، فذكر أن الحاكم أخرج من طريق إسماعيل بن محمد بن سعد عن عمه عامر بن سعد عن أبيه قال: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش يوم بدر، فرد عمرو بن أبي وقاص فبكى عمرو، فأجازه معه وعليه حمائل سيفه، وأخرج ابن سعد عن سعد قال: رأيت أخي عمرو بن أبي وقاص قبل أن يعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر متواريا فقلت: مالك يا أخي؟ قال:
__________
(1) هكذا في الأصل المطبوع: الروض القرطاس.
(2) كذا ولم أعثر عليه في الإصابة ولا في سيرة ابن هشام. مصححه.
(1/203)

إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصغره فرده فبكى فأجازه. فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفي من صغري فقتل وهو ابن ست عشرة سنة.
فصل في عرض الناس كل سنة
«ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب، عند ذكره سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده فرده، قال سمرة: فقلت يا رسول الله، لقد أجزت غلاما، ورددتني ولو صارعته لصرعته، قال: فصارعه فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث» .
نحوه في الإصابة نقلا عن ابن إسحاق. وقال الإمام الشافعي: رد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر صحابيا عرضوا عليه، وهم أبناء أربع عشرة سنة، لأنه لم يرهم بلغوا وعرضوا عليه، وهم أبناء خمس عشرة فأجازهم.
قال البرهان: ويحتمل أن يريد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وفي كل منهما فائدة، وظاهر الشامي احتمال الأول فإنه عدّ من رده في أحد سبعة عشر ثم أجاز منهم اثنين. وأوصلهم شارح المواهب إلى عشرين. انظر ص 24 من الجزء الثاني، وكان صلى الله عليه وسلم في الاستعراض يقف الناس أمامه صفوفا صفوفا. ففي طبقات ابن سعد في قصة قدوم العباس بن مرداس السّلمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعمائة من قومه على الخيول والقنا والدروع الظاهرة، ليحضروا معه غزو الفتح. قال العباس: فصففنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه أبو بكر وعمر، انظر ص 15 من ج 4 من الطبقات.
باب في رده عليه السلام في الإستعراض من لم يستأذن أبويه
روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رجلا هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال:
هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا قال إرجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرّهما.
وأخرج أحمد والنسائي عن معاوية السّلمي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: إلزمها، فإن الجنة عند رجلها «1» . انظر السيرة الشامية.
فصل في العريش يا بنى للرئيس يشرف منه على عسكره
«كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، يعني العريش يوم بدر» .
__________
(1) هذا نص رواية الإمام أحمد عن معاوية بن جاهمة السلمي 3/ 429 والإسلامي 3/ 553 والناس يقولون: الجنة تحت أقدام الأمهات أخذا من هذا الحديث. مصححه.
(1/204)

وفي سيرة ابن إسحاق وتهذيب ابن هشام: أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الآخرة جلست على ركابك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير ثم بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فكان فيه هـ ص 66 من الجزء الثاني قال ابن باديس: العريش شبه الهودج وليس به وهو أيضا خيمة من خشب، والجمع عرّش. كقليب وقلب ومنه قيل لبيوت مكة: العرش لأنه عيدان تنصب ويظلل عليها، وقال السهيلي: ذكر أبو حنيفة أن العريش أربع نخلات أو خمس في أصل واحد هـ.
باب في تكليف الإمام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام (وهو الإستعراض الذي يراد منه اليوم إظهار القوة)
في قصة الفتح «1» قال المصطفى للعباس: يا عباس إحبسه، يعني أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، وهو ما تضايق منه، حتى تمر به جنود الله فكان كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول بنو فلان. فيقول: ما لي ولبني فلان، حتى مر به النبي صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، أي لكثرة الحديد، وظهوره فيها. والمهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: من هؤلاء؟ قلت: رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. والقصة معروفة في السير. قوله: ما لي ولبني فلان قال صاحب الصلة هو كلام يقوله الرجل: إذا خاف من شيء أو شعر منه ضررا، وهو من باب البلاغة، والأصل فيه ما السبب الباعث على إضراري. قال في الفوائد: فيه إرهاب العدو بنظره لجيش المسلمين، وإن كان قد أسلم ودخل فيهم ليكون أقوى لإيمانه وأبلغ فيما يتحدث به إلى قومه عن معاينة، وليعلم أن الله نصر دينه وأعز رسوله، وصدق وعده، ومن هذا الباب أمر النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بإيقاد النيران ليلة الدخول لمكة في قصة الفتح هذه.
باب في ذكر العرفاء وهم رؤساء الأجناد وقوادهم
«ولعلهم سموا بذلك لأنّ بهم يتعرف أحوال الجيش. قاله الباجي في المنتقى» .
وقال غيره: العريف بوزن عظيم، وفي النهاية: العريف القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس، يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم هـ قال الحافظ: وسمي بذلك لكونه يتعرف أحوالهم حتى يعرف بها من فوقه عند الإحتياج هـ.
«في الصحيح «2» في قصة مجيء وفد هوازن مسلمين فسألوا أن يرد إليهم أموالهم
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام ج 2/ ص 403.
(2) انظر كتاب العتق في البخاري باب 13 ص 121/ 3.
(1/205)

وسبيهم، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم السبي دون المال، فخطب في الناس لأجل ذلك فقال الناس: قد رضينا ذلك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري من أذن لكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه برضاهم» .
ترجم أبو داود في سننه في كتاب الخراج والإمارة: باب في العرافة وذكر حديث المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب على منكبه ثم قال له: أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا، ثم عقبه بحديث إن العرافة حق، ولا بد للناس من العرفاء ولكن العرفاء في النار «1» ، قال الفنجابي في عون الودود: فيه أن الخبر الوارد في ذمّ العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء. وقال ابن بطال: في حديث الصحيح دليل على مشروعية إقامة العرفاء، لأن الإمام لا يمكنه أن بياشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه هـ.
وقال أيضا على قوله: العرفاء في النار، يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن [من] الوقوع في المحذور، فينبغي للعامل أن يتقي الله، وأما قوله: العرافة حق، فالمراد به أصل نصبهم، فإن المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي، كما دلّ عليه حديث البخاري هـ.
وأصله في الفتح على قول البخاري «2» : باب العرفاء للناس. ترجم في الإصابة جندب بن النعمان الأزدي فنقل عن تاريخ ابن عساكر قال: قدم أبو عزيز على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وحسن إسلامه وجعله عريف قومه، وترجم فيها أيضا رافع بن خديج الأنصاري فذكر أنه كان عريف قومه، وترجم فيها أيضا رافع بن خديج الأنصاري فذكر أنه كان عريف قومه بالمدينة، وقد أخذ بعض من ذاكرناه في مراكش من حديث الترجمة: الأصل لتحمل الكبار بالصغار والرؤساء بالمرؤوسين في الحروب والضمانات وسائر المعاملات. وهو تفقه ظاهر.
باب في النقباء
ترجم في الإصابة [34/ 1] ، لأسعد بن زرارة فخرج في ترجمته من طريق الحاكم، أنه لما مات جاء بنو النجار فقالوا: يا رسول الله مات نقيبنا، فنقب عليها قال: أنا نقيبكم الخ، ونحوه في ترجمته من «الإستبصار في أنساب الأنصار» لإبن قدامة المقدسي.
__________
(1) انظر سنن أبي داود ج 3 ص 346 رقم الحديث 2933.
(2) في كتاب الأحكام باب 26 ص 185/ 8.
(1/206)

باب في المحاسب
ذكر محاسبة النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية.
«خرّج مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه فقال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا. ثم خطب صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل، فيأتيني فيقول هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه، إلا لقي الله عز وجل يحمله يوم القيامة الحديث» «1» .
وفي الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص 227: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على عمله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي، ثم ذكر قصة ابن اللتبية المذكورة. فأغفل الخزاعي عزوها للبخاري، وهي فيها ترجم عليها في كتاب الأحكام بقوله: باب محاسبة الإمام عماله، وخرّجه أيضا مستوفى في باب هدايا العمال فانظرهما. وقد كان الخلفاء بعده عليه السلام على طريقته في ذلك.
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: قدم معاذ من اليمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر فقال: ارفع حسابك فقال له: أحسابان؟ حساب الله وحساب منكم والله لا ألي لكم عملا أبدا.
وفي الإكتفاء للكلاعي: كان عمر في كل سنة ملازما للحج في سني خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله لموافاته لكل سنة في موسم الحج، ليحجزهم بذلك من الرعية، ويحجز عنهم الظلم، ويتعرّف أحوالهم من قرب، وليكون للرّعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم.
باب في الأوصياء والوصاية
أخرج الحاكم من طريق السراج في تاريخه، ثم من طريق محمد بن عمارة عن زينب بنت نبيط، أن المصطفى حلّى أمها وخالتها أثاثا من تبر وذهب فيه لؤلؤ، وكان أبوها أسعد بن زرارة أوصى بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ترجمة أسعد من الإصابة، والإستبصار لأبن قدامة المقدسي. قال وزينب بنت نبيط، قد ذكرت في الصحابة من أجل روايتها لهذا
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الأحكام بألفاظ قريبة منه انظره ص 121/ 8 رقم الباب 41 واللفظ له. ورواه مسلم في كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال 1463/ 2.
(1/207)

الحديث. وفي نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي صاحب صبح الأعشى لدى كلامه على الجعافرة، أبناء سيدنا جعفر بن أبي طالب قال: كان له أولاد محمد وعبد الله، مسح النبي صلى الله عليه وسلم على رؤوسهم حين جاء نعي أبيهم جعفر، وقال أنا وليهم في الدنيا والآخرة هـ.
وترجم في سمط الجوهر الفاخر لذكر الأيتام الذين كان صلى الله عليه وسلم وصيا عليهم فكانوا في حجره، وهم محمد بن عبد الله بن جحش، مات أبوه في أحد، وأوصى به للنبي صلى الله عليه وسلم، فاشترى له مالا بخيبر وأقطعه دارا بسوق الرقيق بالمدينة، ثم ذكر قصة بنات أبي أمامة اسعد بن زرارة السابقة وقال: وكان في حجره صلى الله عليه وسلم امرأة من بني ليث بن بكر يقال لها: الصمينة بضم الصاد المهملة على وزن جهينة الليثية، وكانت عائشة استوهبت عبد الله بن الزبير من أبويه فكان في حجرها، يدعوها أما، وتقدم أن علي بن أبي طالب ضمه إليه فلم يزل معه إلى أن زوّجه بنته فاطمة بالمدينة. وروى يعقوب بن سفيان عن مطيع بن الأسود أنه أوصى إلى الزبير فأبى، فقال أسألك بالله والرحم إلا قبلت، فإني سمعت عمر يقول: الزبير ركن من أركان الدين.
وروى الحميدي في النوادر أنه أوصي إليه عثمان وأوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وابن مسعود، وابن عوف، وغيرهم. فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم من ماله. ونحوه في أسد الغابة عن هشام بن عروة وزاد الزبير بن بكار كما في الإصابة مطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع. ووقع في شرح أبي عبد الله زنيبر السلوي على الهمزية ما نصه: وأوصى إليه سبعون من الصحابة بأموالهم وأولادهم، فحفظها وكان ينفق عليهم من ماله هـ منه.
تنبيه: خرّج البخاري «1» عن أبي هريرة وأحمد وأبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته. وكان صلى الله عليه وسلم يؤتى في أول الإسلام بالرجل المتوفى فيسأل: هل عليه دين؟ وهل له وفاء؟ فإن قالوا له؛ عليه دين وليس له وفاء قال: صلوا على صاحبكم وإلا صلى عليه.
فلما فتح الله بالفتوح والغنائم قال عليه السلام: من مات وعليه دين فعلي قضاؤه. فقيل: إنه كان واجبا عليه. وارتضى إمام الحرمين والماوردي أنه لم يكن واجبا عليه، وإنما كان يفعله تكرما. وهل كان صلى الله عليه وسلم يقضيه من الغنائم أو من خالص ماله؟ احتمالان.
قاله: في نسيم الرياض.
__________
(1) انظر كتاب الفرائض باب 4، 15 ج 8/ 5، 8 وكتاب النفقات ج 6/ 195.
(1/208)

القسم الرابع في العمليات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيه عدة أبواب
(1/209)

العمليات الإحكامية
باب في الإمارة العامة على النواحي ذكر من ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على النواحي
قال الزرقاني في شرح المواهب: أمراؤه عليه السلام ولاته الذين ولا هم على البلاد والقضاء والصدقات هـ. الأمراء الذين وجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجهات كثيرون.
«منهم أمير مكة عتّاب بن أسيد. قال ابن جماعة: أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أسيد على مكة وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان» .
قال ابن القيم في الهدى: وهو دون العشرين سنة. «ونقل الثعلبي في تفسيره على قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: 80] قال الكلبي إنه قال:
سلطانا نصيرا عتّاب بن أسيد، وذكر توليته صلى الله عليه وسلم له على مكة» .
في الإصابة؛ أورد العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائر الكلبي، بسنده إليه، عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال هو عتاب بن أسيد هـ وفي كتاب «صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الإعلام والتكميل، للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الأوسي الشهير بالبلنسي ابن عسكر، على الآية: خرّج أبو بكر الذهبي في تاريخه بسنده إلى ابن عباس قال: هو عتّاب بن أسيد هـ «ومنهم باذان ويقال باذام ملك اليمن» .
وفي صبح الأعشى: لما أسلم باذان نائب كسرى ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم على جميع مخاليف اليمن، وكان منزله بصنعاء مملكة التبابعة، وبقي حتى مات بعد حجة الوداع، فولي النبي صلى الله عليه وسلم ابنه شهر بن باذان على صنعاء، وولي على كل جهة واحدا من أصحابه.
«وذكر الثعلبي في باذام أنه أول من أسلم من ملوك العجم، وأول أمير للإسلام على اليمن» .
قلت: نحوه نقل الزرقاني على المواهب عن الثعلبي وأقره، وانظره مع ما سبق في الإمارة على الحج، من أن أبا بكر كان أولّ أمير في الإسلام وقيل: عتّاب بن أسيد.
وفي ترجمة عبد الله بن جحش من الإصابة عن البغوي: أنه أول أمير في الإسلام، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار ما ذكر من الجهات.
(1/211)

ولما مات باذان استعمل النبي صلى الله عليه وسلم على صنعاء ابنه شهر. ذكره الواقدي وابن إسحاق والطبري.
وترجم في الإصابة لعامر بن شهر الهمذاني أنه أحد عمال النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن.
وترجم فيها أيضا لعبد الله بن عمرو بن سبيع الثعلبي، فذكر عن الشّعبي أن المصطفى استعمله على بني ثعلبة وعبس، وبني عبد الله بن غطفان.
وفي ترجمة أبي موسى الأشعري أنه عليه السلام استعمله على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما. وترجم في الإصابة للحارث بن بلال المزني، فنقل عن سيف في الفتوح أنه كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصف جديلة بني طيء، وترجم أيضا للحرث بن نوفل الهاشمي، فذكر عن ابن حبان في الصحابة ولاه المصطفى صلى الله عليه وسلم بعض أعمال مكة. قال:
وكذا قال: الزبير بن بكار ثم نقل عن ابن سعد: صحب الحارث المصطفى عليه السلام فاستعمله على بعض عمله بمكة، وأقره أبو بكر، وعمر، وعثمان.
وترجم أيضا لحصين بن نيار فقال: كان أحد عمال النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره سيف، والطبري، واستدركه ابن فتحون، وترجم فيها أيضا للحارث بن عبد المطلب، فذكر عن ابن أبي حازم: أنه صحب المصطفى صلى الله عليه وسلم، واستعمله على بعض أعمال مكة، وولاه أبو بكر وعثمان هـ ثم حرر أن الترجمة لحفيده الحارث بن نوفل السابق.
وترجم أيضا لرافع بن عمرو الطائي فذكر أن الحاكم خرج أنه لما كانت غزوة السلاسل، استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر، وترجم فيها لزياد الباهلي والد الهرماس فذكر عن الدارقطني عن الهرماس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي فولاه على عشيرته من باهلة، وترجم أيضا للسائب بن عثمان، عن ابن إسحاق: أنه استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، في غزوة بواط. وترجم لسعد الدوسي، فذكر أن أحمد وابن أبي شيبة خرّجا عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت فاستعملني على قومي، وجعل لهم ما أسلموا عليه من أموالهم. الحديث.
وترجم أيضا لسعيد بن خفاف التميمي فقال: ذكره سيف في الفتوح، وأنه كان عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على بطون تميم، وأقرّه أبو بكر.
وترجم أيضا لسعد بن عبد الله بن ربيعة، فذكر عن ابن أبي شيبة أنه عليه السلام استعمله على الطائف. وترجم أيضا لسلمة بن يزيد الجعفي، فذكر أنه عليه السلام استعمله على الطائف. وترجم أيضا لسلمة بن يزيد الجعفي، فذكر أنه عليه السلام استعمله على بني مروان وكتب له كتابا. وترجم أيضا لصيفي بن عامر من بني ثعلبة فقال: أمّره النبي صلى الله عليه وسلم على قومه. وترجم أيضا للضحاك بن قيس فقال فيه: عامل النبي صلى الله عليه وسلم.
وترجم لامرىء القيس بن الأصبغ الكلبي فقال: كان زعيم قومه، وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم
(1/212)

عاملا على كلب في حين إرساله إلى قضاعة، ونقل عن سيف في الفتوح: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت عماله على قضاعة من كلب، امريء القيس بن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله. وترجم أيضا للحارث بن بلال المزني فقال: عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ص 388، وترجم فيها أيضا لعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فنقل عن ابن السكن فقال: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على خراسان «1» وترجم أيضا عثمان بن أبي العاص، فقال: استعمله عليه السلام على الطائف، وأقره أبو بكر وعمر. وفي عكاشة بن ثور أنه كان عامل المصطفى على السكاسك والسكون. وفي العلاء بن الحضرمي أنه عليه السلام، استعمله على البحرين.
وفي عمرو بن حزم الأنصاري استعمله عليه السلام على نجران، وروى عنه كتابا كتبه له في الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي وغير واحد. وفي أسد الغابة: استعمله عليه السلام على أهل نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا هـ ونحوه للنووي في ترجمته من التهذيب.
وفي عمرو بن الحكم القضاعي أنه عليه السلام بعثه عاملا على بني القيس، وفي عمرو بن سعيد بن العاص كان النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على وادي القرى وغيرها، وقبض (أي توفي النبي صلى الله عليه وسلم) وهو عليها. وفي عمرو بن محجوب العامري، أنه كان من عمال النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عوف الوركاني أنه كان من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي عبد الله بن زيد الكندي أنه كان عامل المصطفى على اليمن. وفي عبد الله بن سوار أنه من عمال المصطفى على البحرين. وفي فروة بن مسيك استعمله المصطفى على مراد ومذحج وزبيد كلها.
وفي قردة بن نفاثة السلولي أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، في جماعة من بني سلول، فأسلموا وأمّره عليهم. وترجم السيوطي في در السحابة لأبي جديع المرادي فقال: ذكره ابن وزير وعبد العزيز بن ميسرة، أنه كان عاملا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان من أهل مصر هـ.
وفي ترجمة قضاعة بن عامر الدوسي، أنه كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على بني أسد. وفي الترجمة بعدها: أنه ولي عليهم أيضا سنان بن أبي سنان، وفي ترجمة قيس بن مالك الأرحبي أنه لما أسلم وأسلم قومه، كتب له عليه السلام عهدا على قومه همذان عربها ومواليها، وخلائطها أن يسمعوا له ويطيعوا، أن لهم ذمة الله ما أقاموا الصلاة، وساق فيها أيضا أن المصطفى كتب إلى قيس بن مالك: سلام عليك. أما بعد: فإني استعملتك على قومك الحديث وفي مالك بن عوف النصري، استعمله عليه السلام على من أسلم من قومه، ومن تلك القبائل من أعماله فكان يقاتل بهم ثقيفا، فكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصبح.
وفي المنذر بن ساوى الدارمي قال ابن منده: كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على هجر، وفي
__________
(1) كذا وهي كذلك في الإصابة ص 389 ج 2 الطبعة الأولى 1328 ولا شك بأنها خطأ.
(1/213)

ترجمة أبي هيضم المزني نقلا عن الزبير بن بكار، عن أبيه محمد قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني مستعمله على هذا الوادي، فمن جاءك «1» من هاهنا وهاهنا فامنعه. قال سعد: فراجعه فعمل عليه. وفي ترجمة سواد بن غزية البلوي الأنصاري من الإستبصار لابن قدامة: كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر، فأتاه بتمر جنيب قد أخذ منه صاعا بصاعين من الجمع، وفي ترجمة عمر بن أبي ربيعة الشاعر من تهذيب النووي، أن المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولّى والده عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الجند بفتح الجيم والنون بلد باليمن- ومخاليفها، فلم يزل عليها حتى قتل عمر بن الخطاب، ثم ولاه عثمان. وأنه كان من أحسن الناس وجها، وهو الذي بعثته قريش مع عمرو بن العاص، إلى النجاشي.
وفي السيرة الشامية تراجم تضمنت تأمير النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على صنعاء وأعمالها، وتأميره للمهاجر بن أبي أمية المخزومي على كندة، وتأميره زياد بن لبيب على حضرموت، وتأميره لأبي موسى الأشعري على زبيد وعدن [وتوابعهما] ، ومعاذ بن جبل على الجند وأبا سفيان على نجران، وأبا زيد بن سفيان على غيرها.
وفي ألفيه الحافظ العراقي ذكر أمرائه عليه السلام. قال ابن كيران: المراد الولاة الذين ولا هم المصطفى صلى الله عليه وسلم على البلاد والقضاء والصدقات والحج:
أمّر باذان بلاد اليمن ... ثم ابنه شهرا بصنعا يمن
وابن أبي أمية المهاجرا ... كندة والصدق فقبل أن سرى
لعمله قضى النبي بالموت ... كذا زياد بن لبيد حضر موت
كذا أبو موسى زبيدا وعدن ... ونافع الساحل من أرض اليمن
كذاك قد ولّى معاذا الجند ... كذاك عتابا على خير البلد
كذاك قد ولى أبا سفيانا ... صخر بن حرب بعد ذا نجرانا
كذا ابنه يزيد أي تيماء ... وابن سعيد خالدا صنعاء
كذاك عمرا أخذوا وادي القرى ... وحكما أخاهما على قرى
عرينه كذاك أيضا أعطى ... أخاهما أبان منه الخطّا
كذاك ابن العاص عمرا بعمان ... كذا على الطائف ولّى عثمان
ابن أبي العاصي كذاك وليا ... محمية الأخماس ثم وليا
عليّ القضاء والأخماسا ... بيمن، وكان فيه راسا
كذاك أمّر ابن حاتم عدي ... في صدقات طي وأسد
وغيره من أمراء الصّدقه ... تجمع من قبائل مفرقه
وأمر الصديق في الحج لدى ... سنة تسع، وعلي في الندا
__________
(1) يلزم عود الضمير على المدعو له والله أعلم بالصواب.
(1/214)

ألّا يحجّ بعد عام مشرك ... فقرأ السورة خاب المشرك
أما الألى أمرهم بالبعث ... فذكروا في كل بعث بعث
باب كيف كان يوصي عليه السلام (عماله في صفة البريد الذي يبردون إليه)
صرّح السهيلي في الروض ونقله عنه ابن باديس: أنه عليه السلام كان يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم إليّ بريدا فابردوه حسن الوجه حسن الإسم. وقال: ذكره البزار من رواية بريدة مرفوعا. وقد أورد الحديث المذكور في الجامع الصغير، وعزاه لمن ذكر قال المناوي في التيسير: وطرقه كلها ضعيفة كما قال الهيثمي، لكن له شواهد قوية، وقال العلقمي في الكوكب بجانبه علامة الحسن، وقال في الكبير: وصحح. ولعله عند الشيخ حسن. نقل التصحيح غيره هـ منه.
وقال المناوي في كبيره قوله: إذا أبردتم إلي بريدا أي أرسلتم إلي رسولا.
قال الزمخشري: البريد الرسول المستعجل، وفي محل آخر: فارسية، وهي في الأصل البغلة أصلها بريدة [دم] أي محذوفة الذنب لأن بغال البريد كانت كذلك، فعربت وخففت ثم سمي الرجل الرسول الذي يركبه بريدا.
باب في اشتراطه عليه السلام مثل ذلك في عماله
قال ابن باديس: وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به ويرى بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإذا أعجبه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه.
وفي طبقات ابن سعد: أنه عليه السلام كتب إلى الحارث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير، وبعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وقال: إذا جئت أرضهم فلا تدخل ليلا حتى تصبح، ثم تطهر فأحسن طهورك وصل ركعتين، وسل الله النجاح والقبول، واستعد لذلك، وخذ كتابي بيمينك، وادفعه بيمينك في أيمانهم فإنهم قابلون.
باب في كيفية عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمرائه
ترجم القلقشندي لأصل مشروعية عهود الخلفاء في ص 398 من الجزء التاسع فقال:
الأصل فيها ما رواه ابن إسحاق وغيره، أنه لما رجع وفد بني الحارث بن كعب إلى قومهم باليمن، بعد وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ولّى عليهم عمرو بن حزم، يفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم
(1/215)

وكتب له كتابا عهد فيه عهده وأمره فيه أمره على ما سيأتي، ذكره في أول نسخ العهود الواردة في هذا الكتاب، فقد فوض صلى الله عليه وسلم أمر اليمن في حياته إلى عمرو بن حزم، وذلك أصرح دليل وأقوى شاهد لما نحن فيه هـ.
ونص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في المحل الذي أحال عليه، وهو في ص 8 من الجزء العاشر، بعد البسملة فيما ذكر ابن هشام:
هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهدا من محمد النبي، رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفريضته، وما أمر الله به من الحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة، وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير، إلّا أن يكون ثوبا يثني طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله عز وجل وحده، لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر، فليقطعوا «1» بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وارجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلّس بالصبح ويهجّر بالظهر حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي إليها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة، في العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «2» نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر، بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة. وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة. ة فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه
__________
(1) في ابن هشام: يقطفوا ص 595/ 2.
(2) الغرب: هو الدلو الذي يملأ بالماء من الآبار.
(1/216)

مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
تنبيه هذا المكتوب وأمثاله، هو أصل كتب الظهير للمتولي، يستظهر به لدى من ولّي عليهم ليطيعوا أمره، وكانوا في القديم يعبرون عما يكتب بذلك بالظهائر والصكوك، فالظهائر جمع ظهير، وهو المعين سمي «1» مرسوم الخليفة، أو السلطان ظهيرا لما يقع به من المعاونة لما كتب له، والصكوك جمع صك وهو الكتاب. قال الجوهري: وهو فارسي معرب والجمع: أصك، وصكاك وصكوك، ثم تحامي المتأخرون منهم لفظ الصك لما جرى به عرف العامة من غلبة الإستعمال في أحد معني الإشتراك فيه وهو الصفع، واقتصروا على استعمال لفظ الظهير هـ أنظر ص 229 من الجزء العاشر من صبح الأعشى.
باب في القاضي وفيه فصول
فصل في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس
«في الموطا «2» عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار، قوله: ألحن بحجته أي افطن لها» .
فائدة- في الشهاب على الشفا ص 301 من الجزء الرابع عن السيوطي، أنه عليه السلام كان له حكم الباطن كالظاهر، وحكمه في الظاهر كان تارة في القضاء، وتارة بالسياسة والسلطنة، أي الإمارة العظمى، وتارة بالفتوى. كما فصله ابن السبكي في قواعده هـ من الفواكه الجنوية.
وفي الأنموذج: وجمع له بين الشريعة والحقيقة، ولم يجمع للأنبياء عليهم السلام إلا أحدها، بدليل قصة موسى مع الخضر، وقوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه هـ.
قال الروضي في شرحه: المراد بالشريعة والحقيقة الحكم بالظاهر والباطن، وقد اعترض العلامة القسطلاني قول المؤلف: وجمع له بين الشريعة والحقيقة الخ. ما نصه:
__________
(1) كذا في الأصل! قلت: في اصطلاح أهل المغرب يقال: الظهير بمعنى المرسوم في لغة أهل المشرق جمع مراسيم.
(2) انظره ص 719 كتاب الأقضية. وقد صححته عن نص الموطأ.
(1/217)

هذه غفلة عظيمة، وجرأة على الأنبياء، إذ يلزم منه خلوّ بعض أهل العزم عليهم السلام من علم الحقيقة، الذي لا يجوز خلو بعض آحاد الأولياء عنه، وخلو الخضر بل بقية بعض الأنبياء عن علم الحقيقة، وأعجب من ذلك أنه بين له وجه الخطأ فأجاب بقوله: مرادي الجمع بين الحكم والقضاء هـ.
وقد أجاب المؤلف الجلال عن هذا الإعتراض في مؤلف له سماه: الباهر في حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالباطن والظاهر، ثم أتى بملخص التأليف وأمثلة حكمه عليه السلام بالظاهر والباطن، وبأحدهما فقط.
ذكر من دوّن في النوازل التي نزلت في حياته عليه السلام وحكم فيها
أفرد النوازل التي نزلت في حياته عليه السلام، وحكم فيها جماعة من الأئمة بالتأليف أشهرها شيخ الفقهاء في عصره، الإمام محمد بن فرج، مولى ابن الطلاع الأندلسي المتوفى سنة 497، وهو ممن رحل إليه الناس من كل قطر، واستجازه الحافظ أبو علي الصدفي، وأبو الربيع الكلاعي، وترجمه ابن فرحون في الديباج ص 275. ويعرف كتاب ابن الطلاع في الموضوع: بكتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب عظيم الشأن نادر الوجود، ظفرت بنسخة منه في تونس في غاية التصحيف، ثم ظفرت منه بنسخة أخرى عتيقة بفاس صحيحة، إلا أنها مخروقة وهو في مجلدة متوسطة في أوله بعد الفاتحة: هذا كتاب أذكر فيه ما انتهى إليّ من أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي قضي فيها أو أمر بالقضاء فيها، إذ لا يحل لمن تقلد الحكم بين الناس، أن يحكم إلا كما أمر الله عز وجل في كتابه، أو بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم به، أو بما أجمع العلماء عليه، أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة الخ.
ورأيي في هذا الكتاب أن مطالعته متعينة على كل مسلم، وبالأسف: أن أكثر من يمكنه أن يطالعه إذا طالعه اليوم لا ليحكم بما فيه، ولكن يعتبر به كما يعتبر بسائر الماجريات القديمة، وقد ذكر في آخره؛ أن الذي حمله على جمعه أنه وجد لأبي بكر بن أبي شيبة صاحب المسند، كتابا ترجمه بكتاب: أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه، إلا أقضية قليلة وهو كتاب صغير، ثم نقل عن ابن أبي شيبة قوله: نظرت فيما قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بالقضاء فيه، فلم نجد إلا نحو مائة حديث، فرأيت أن أتتبع أقضيته عليه السلام تبركا ومحبة فيها، وحرصا على الاقتداء بها ووقوفا عند أوامره ونواهيه، ثم عدد الكتب التي استمد منها، وهي أربعة وثلاثون مصنفا، فأنت تراه وقع له مع ابن أبي شيبة مثل ما وقع لي مع الخزاعي في التخريج، وفي النية إن شاء الله الإلتفات إلى كتابة ابن الطلاع هذه، وتقديمها للعالم الإسلامي هدية بعد تحرير القول فيها، وجمع ما يصح استدراكه عليه، كما فعلنا في هذا الموضوع نسأل الله التيسير.
(1/218)

ومنهم ظهير الدين علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق المرغيناني الحنفي، المتوفى سنة 506 له كتاب أقضية الرسول عليه الصلاة والسلام ذكره في كشف الظنون وقال: وله شروح، ومنهم الإمام أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الأنصاري، المعروف بابن أبي مروان الاشبيلي، المتوفى سنة 549 بلبلة شهيدا ترجمه ابن الأبّار في تكملة الصلة، فقال: تأليف مفيد وسماه المنتخب المنتقى، جمع فيه ما افترق في أمهات المسندات، من نوازل الشرع. وعليه بنى كتابه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي، في الأحكام، ومنه استفاد وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له اهـ ص 72.
ومنهم العلامة أبو علي حسين بن المبارك بن يوسف الموصلي، المتوفي سنة 742 له الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية انتخب فيه من الفتاوى النبوية، مسائل سئل عنها المصطفى عليه السلام، فأجاب عنها بأجوبة قطعية، ورتبها على ترتيب الكتب الفقهية، وهو في مجلد توجد منه نسخة بالمكتبة الخديوية بمصر، ومنهم الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعي، المعروف بابن القيم الحنبلي الدمشقي، المتوفى سنة 751 استوعب ما ورد من فتاويه صلى الله عليه وسلم وأجوبته وأحكامه، ختم بها كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين، وقد جردها منه، وأفردها بتأليف الأمير الطيب الذكر السيد صديق حسن خان ملك بهوبال من أرض الهند المتوفى سنة 1307 سماه بلوغ السول في أقضية الرسول، وقد طبع بالهند، هو وتفسير آيات الأحكام، المسمى نيل المرام بايات الأحكام، للأمير المذكور وجمعا في مجلدة واحدة. لو لم تنشر الأمة الهندية أثرا غير هذه المجموعة المقدسة لكان كافيا، وأرى أن التأبط بها على كل مسلم متعين.
باب في ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها عليه السلام وأفتى
ترجم لهذا الفصل الحافظ الشامي في سيرته فقال: جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في أحكامه وأقضيته وقال: ليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت أقضيته الخاصة شرعا عاما، وإنما الغرض ذكر سيرته صلى الله عليه وسلم في الأحكام الجزئية، التي فصل فيها بين الخصوم، وكيف كانت سيرته صلى الله عليه وسلم بين الناس، ولنذكر تراجم أبوابه وفصوله المتعلقة بهذا الفصل، وذلك أنه عقد أولا ترجمة جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في أحكامه وأقضيته وفتاويه، ثم الباب الأول في أحكامه عليه السلام وأقضيته في المراسلات، وما يلحق به، وفيه أبواب:
الأول في تحذيره صلى الله عليه وسلم من القضاء بين الناس.
الثاني في تقسيمه صلى الله عليه وسلم القضاء إلى ثلاثة أقسام.
الثالث في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحكم في حال الغضب والجوع.
الرابع في وعظه صلى الله عليه وسلم الخصمين.
(1/219)

الخامس في حبسه صلى الله عليه وسلم في تهمة.
السادس في أمره صلى الله عليه وسلم بملازمة غريمة.
السابع في نفيه صلى الله عليه وسلم أهل الريب.
الثامن في امتناعه صلى الله عليه وسلم من كلام المجذومين وأهل المعاصي.
التاسع في سيرته صلى الله عليه وسلم في التحكيم.
العاشر في حجره صلى الله عليه وسلم على المفلس.
الحادي عشر في سيرته صلى الله عليه وسلم في المعاملات؟
الباب الثاني في أحكامه وأقضيته عليه السلام في الوصايا والفرائض.
الباب الثالث في أحكامه صلى الله عليه وسلم في النكاح والطلاق والخلع والرجعة، والإيلاء واللعان وإلحاق الولد وغير ذلك.
الباب الرابع في أحكامه، وأقضيته في الحدود وفيه أنواع: الأول في الشفاعة وفي الحدود الثاني في درء الحدود وسرها الثالث في حكمه عليه السلام في التعزير الرابع في نهيه عليه السلام عن إقامة الحدود في المسجد الخامس فيمن ذكر صلى الله عليه وسلم أنه لا حد عليه السادس في كيفية إقامته صلى الله عليه وسلم على الضعيف السابع في إشارته صلى الله عليه وسلم لمن أتى ما يوجب الحد بالرجوع عن الإقرار أو الإنكار الثامن في عدم إقامة الحد على من اعترف به ولم يذكر ما سبب الحد التاسع في حكمه عليه السلام في المرتدين والمحاربين العاشر في حكمه عليه السلام في الزاني الحادي عشر في حكمه في المكره الثاني عشر في حكمه عليه السلام في وصل السفيه الثالث عشر في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة أبيه الرابع عشر في الذين حدهم عليه السلام الخامس عشر في حكمه عليه السلام فيمن عمل عمل قوم لوط السادس عشر في حكمه في حد القذف السابع عشر في حكمه في حد السرقة الثامن عشر في حكمه في السكران.
الباب الخامس في أحكامه عليه السلام وأقضيته في الجنايات والقصاص والديات والجراحات وفيه فصول.
الباب السادس في سيرته صلى الله عليه وسلم في الدعاوي والبينات والخصومات.
الباب السابع في قضايا شتى غير ما سبق.
الباب الثامن في فتاويه عليه السلام وفيه أنواع وذكر فيه اثني عشر بابا من أبواب الأمور الدينية.
الحادي والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الكسب والمعاش.
الثاني والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في البيوع والمعاملات وما يتعلق بهما.
الثالث والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في اللقيط واللقطة والهبة والهدية والوصية.
الرابع والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الفرائض والمواريث.
(1/220)

الخامس والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في العتق وما يتعلق به.
السادس والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في النكاح وما يتعلق به.
السابع والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد وما يتعلق بذلك.
الثامن والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الجنايات والحدود.
التاسع والعشرون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الأيمان والنذور.
الثلاثون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الصيد والذبائح.
الحادي والثلاثون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الأشربة وما يحل منها وما يحرم.
الثاني والثلاثون في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الإمارة وما يتعلق بها.
الثالث والثلاثون في بعض فتاويه عليه السلام في الجهاد والغزو وما يتعلق به.
الرابع والثلاثون في بعض فتاويه عليه السلام في الحب في الله والصحبة وملاحظة الناس.
الخامس والثلاثون في بعض فتاويه عليه السلام في المرض والطب وما يتعلق بهما.
السادس والثلاثون في بعض فتاويه عليه السلام في الرقائق.
السابع والثلاثون في بعض فتاويه عليه السلام في التفسير.
فصل في قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
«منهم عمر بن الخطاب، ففي سنن الترمذي أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني يا أمير المؤمنين قال وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي» «1» .
ساقه الشامي في سيرته في باب قضاته صلى الله عليه وسلم عازيا له لأحمد وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان قال ابن العربي في العارضة: قول عثمان لعبد الله: إن أباك كان قاضيا يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك روى عنه ولم يرد به عثمان قضاءه في خلافته ولا فهم ذلك عنه عمر رضي الله عنه.
«ومنهم علي بن أبي طالب في الاستيعاب بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وهو شاب يقضي بينهم، وقال له: إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي بينهم حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد. وروي أن المغيرة بن شعبة حلف بالله ما أخطأ في قضاء قط» «2» .
أخرج الحاكم في المستدرك أوائل كتاب الأحكام من طريق ابن عباس قال: بعث
__________
(1) انظره في كتاب الأحكام باب 1 ص 612/ 3.
(2) راجع سنن أبي داود ج 4/ 11 كتاب الأقضية باب 6.
(1/221)

النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى اليمن فقال: علمهم الشرائع، واقض بينهم. فقال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره وقال: اللهم اهده للقضاء. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقصة بعثه عليه السلام عليا قاضيا لليمن خرجها أبو داود في سننه وأحمد وإسحاق بن راهواه، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وغيرهم، انظر نصب الراية، وتلخيص الحبير.
وبوّب عليه الحافظ محب الدين الطبري، في كتابه «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» باب: ذكر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له رضوان الله عليه؛ حين ولاه قضاء اليمن، ثم ساق عن علي قال: لما بعثني رسول الله إلى اليمن قاضيا، وأنا حديث السن فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك، قال فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه أحمد. قال الطبري: والمراد بالأحداث: الأمور الحادثة اهـ.
وفي أحكام ابن العربي: وأما ولايته القضاء؛ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم في حياته علي بن أبي طالب، حين بعثه إلى اليمن. وقدم النبي صلى الله عليه وسلم غيره من ولاته اهـ منها.
وقد قال القرافي في الفروق: يقدم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية، وأشد تفطنا لحجج الخصوم وخدعهم، وهو معنى قوله عليه السلام: أقضاكم علي. أي هو أشد تفطنا لحجج الخصوم وخدع المتحاكمين. وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله عليه السلام أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وإذا كان معاذ أعرف بالحلال والحرام كان أقضى الناس، غير أن القضاء لما كان يرجع إلى معرفة الحجج والتفطن لها كان أمرا زائدا على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام، وهو يخدع بأيسر الشبهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن اهـ.
«ومنهم معاذ بن جبل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الاستيعاب إلى الجند، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وذلك عام فتح مكة» .
أخرج الطبراني؛ قال الشامي برجال الصحيح عن مسروق قال: كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستا عمر، وعليا وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري.
وأخرج أحمد «1» والحاكم عن معقل بن يسار: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي [بين قوم فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله] . قال: إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدا، وجاءه صلى الله عليه وسلم خصمان فقال لعمر: إقض بينهما، وكذا قال لعقبة في خصمين جاآه: إقض
__________
(1) رواه في 5/ 26.
(1/222)

بينهما. رواه أحمد وغيره. وفي ترجمة معاذ بن جبل من الاستبصار لابن قدامة المقدسي:
بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا على اليمن، وأميرا وجابيا للصدقات الخ.
وقال ابن إبراهيم الوزير اليمني في الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: النبي صلى الله عليه وسلم ولى أبا موسى الأشعري على اليمن، مصدقا أي جامعا للصدقات، وقاضيا. وكان يقضي ويفتي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه، وفي أيام الخلفاء الراشدين اهـ منه.
وفي درّ السحابة في ترجمة المغيرة بن شعبة قال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى. وبذلك كله تعلم ما في قول الحافظ الشامي وتبعه شارح هب أنه صلى الله عليه وسلم: لم يستقض شخصا معينا للقضاء بين الناس، وإنما استقضى جماعة في أشياء خاصة اهـ وفي صبح الأعشى: القاضي عبارة عمن يتولى فصل الأمور بين المتداعيين في الأحكام الشرعية، وهي وظيفة قديمة كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر القضاعي أنه صلى الله عليه وسلم: ولّى القضاء باليمن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، وأن أبا بكر ولّى القضاء عمر اهـ.
وفي وفيات الأسلاف ص 366 أول من نصب القاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث عليا ومعاذا إلى اليمن، وأول من دفعه إل غيره من الخلفاء عمر، فولى أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحا بالبصرة، تخفيفا لنفسه في القيام بأعباء الخلافة والسياسة اهـ.
وفي طبقات ابن سعد: أول من استقضى القضاة في الأمصار عمر، ولما ذكر أبو عمر بن عبد البر في ترجمة زيد بن الخطاب من الاستيعاب قول مالك: أول من استقضى معاوية، وأنه كان ينكر أن يكون أوّل من استقضى أحد من الخلفاء الأربعة. قال: وهذا عندنا محمول على حضرتهم لا على من نأى عنهم، وأمروا عليهم من أعمالهم غيرهم، لأن استقضاء عمر لشريح على الكوفة أشهر عند علمائها من كل شهرة وحجة اهـ منه، ولما وقع في العتبية عن مالك: ما استقضى أبو بكر ولا عمر ولا عثمان قاضيا وما كان ينظر في أمور الناس غيرهم؛ كتب عليها ابن رشد: هذا أصل ما تقدم أن أول من استقضى معاوية يريد أنه أول من استقضى في موضعه الذي كان فيه، لاشتغاله بما هو سوى ذلك من أمور المسلمين، كبعث البعوث وسد الثغور، وفرض العطاء، فقد ولّى عمر بن الخطاب على قضاء البصرة أبا شريح الحنفي «1» وولّى كعب بن سور اللقيطي، فلم يزل قاضيا ختى قتل عمر، وولّى شريحا قضاء الكوفة يدل على صحة ما تأولناه، إذ لا يصح أن ينظروا بأنفسهم إلا في مواضعهم، لا فيما بعد من البلاد اهـ منه.
وفي فتح الباري: أن البيهقي خرج بسند قوي؛ أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولّى عمر
__________
(1) الصواب أبو مريم الحنفي واسمه إياس بن صبيح. انظر أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع ص 269/ 1 المطبوع في بيروت- عالم الكتب.
(1/223)

القضاء، قال: وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء. وكتب عمر إلى عماله استعملوا صالحيكم على القضاء، واكفوهم. قال وبسند آخر لين أن معاوية سأل أبا الدرداء. وكان يقضي بدمشق من لهذا الأمر بعدك؟ فقال: فضالة بن عبيد. قال:
وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم اهـ انظر باب أجر من قضى بالحكمة من كتاب الأحكام.
وفي المدونة قال مالك: وليس علم القضاء كغيره من العلوم، ولم يكن بهذ البلد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء عن أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان اهـ.
هل كان عليه السلام يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء
خرّج أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء من بعد «1» هذا. ونحوه أخرج أحمد والحاكم وصححه والترمذي وابن ماجه وغيرهم جاء أن يحيى بن أكثم، لما ولّي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة قيل له: كم سن القاضي؟ قال مثل عتّاب بن أسيد حين ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل، حين وجّه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا على اليمن، قال الحافظ العراقي في المغني: خرجه الخطيب في التاريخ بإسناد فيه نظر، وما ذكره ابن أكثم صحيح بالنسبة إلى عتّاب بن أسيد، فإنه كان حين الولاية ابن عشرين سنة. ففي منحة واهب الهبات البهية:
عشرين حولا كان سن أسامة ... لما توفي خاتم الأمناء
في الصفوة الجوزي يرويه كذا ... ك الواقديّ الحبر في الأنباء
وأما بالنسبة إلى معاذ، فإنه لم يتم له ذلك على قول يحيى بن سعد الأنصاري ومالك وابن أبي حاتم، أنه كان حين مات ابن ثلاث وثلاثين سنة في الطاعون سنة ثمانية عشر والله أعلم، وفي باب أخذ الصدقة من الأغنياء وردّها على الفقراء من فتح الباري ما نصه:
اختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول اهـ منه.
وفي ترجمة أسامة بن زيد من أسد الغابة: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن 18 سنة اهـ.
وقال القسطلاني في الإرشاد على قصة بعث أسامة على جيش فيه جماعة من الكبار:
__________
(1) انظره في ج 4 ص 11 كتاب الأقضية باب 6 كيف القضاء.
(1/224)

في الحديث جواز تولية المولى وتولية الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل اهـ.
وقد رأيت لبعض المعتنين من أصحابنا بفاس رسالة في بعض من ورد تقديمه في الأمور الشرعية، قبل الإبّان الذي الشأن فيه أن لا توجد فيه الأهلية، وذكر فيه ما جاء في ترجمة إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وعلي، وابن عباس، وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، وعتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكعب بن سور، وباذان بن ساسان وابنه شهر، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عامر بن كريز، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عبادة، وزيد بن قنفذ بن زيد بن جدعان. وغالب اعتماده في تراجمهم على الأسد والإصابة فقف عليه.
وهاهنا غريبة: في تاريخ مصر لابن أبي إياس الحنفي المصري ص 306 من الجزء الثاني: وفيها من الحوادث أن الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز عهد للشيخ جلال الدين السيوطي بوظيفة لم يسمع بها قط وهو أنه جعله على القضاة قاضيا كبيرا يولي منهم من يشاء ويعزل منهم من يشاء مطلقا في سائر ممالك الإسلام، وهذه الوظيفة لم يلها قط سوى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز في دولة بني أيوب، فلما بلغ القضاة ذلك شق عليهم واستخفوا عقل الخليفة في ذلك. وقالوا: ليس للخليفة مع وجود السلطان حل ولا ربط، ولا ولاية ولا عزل، ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه صغيرا، فلما قامت الدائرة والألسنة على الخليفة رجع عن ذلك، وبعث أخذ العهد الذي كان كتبه لجلال الدين السيوطي، وكادت أن تكون فتنة كبيرة بسبب ذلك. ووقعت أمور يطول شرحها. ثم سكن الحال بعد مدة اهـ.
وفي قوله: لم يسمع بمثلها قط نظر؛ ففي تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء لجميع الأقاليم، والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم، وفي كل بلد، ولهذا كان يلقب بقاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط، أو قاضي بلد كذا اهـ.
ومن خط ابن الطيب القادري نقلت، وفي ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من طبقات الحنفية للحافظ قاسم بن قطلوبغا ص 65: أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء:
المهدي، والهادي، والرشيد، وكان إليه توليه القضاء بالمشرق والمغرب، وأنه أول من خوطب بقاضي القضاة، وذلك كله في خلافة الرشيد اهـ وعبارة غيره في حق أبي يوسف:
وهو أوّل من دعي في الإسلام بقاضي القضاة. وكان أيضا يقال له: قاضي قضاة الدنيا؛ لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم، التي يحكم بها الخليفة، وفي منظومة الشيخ عبد الغني النابلسي في الشطرنج:
ولا بأس بالشطرنج وهو رواية ... عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر
(1/225)

قال في شرح البيت المذكور: وهو أبو يوسف، لأن ولايته شملت المشارق والمغارب، لأنه كان قاضي الخليفة الرشيد اهـ انظر الحديقة الندية له ص 296 ج 2.
وفي ترجمة أبي شجاع نجم الدين التركي؛ مولى الإمام الناصر لدين الله المهدي بعد الخمس وستمائة، من طبقات ابن قطلوبغا أيضا: أنه عرض عليه الخليفة المنتصر قضاء القضاة فامتنع اهـ.
وفي وفية الأسلاف وتحية الأخلاف لعالم قازان شهاب الدين المرجاني في ص 277 لدى كلامه على قاضي القضاة: وأنه أطلق على خلق كثير، من أجلة القضاة ولم يوجد حقيقة معناه كوجوده في اثنين، وليا قضاء جميع البلاد الإسلامية من مشارقها ومغاربها، وكان جميع قضاة الدنيا في عصرهما يحكمان بحكم النيابة عنهما، أولهما أبو يوسف في خلافة الرشيد، وثانيهما أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد بن مالك الايادي في خلافة المعتصم «1» .
هل كان للولاة والقضاة راتب
في الهداية روي عنه عليه السلام أنه بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة وفرض له. قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: غريب. ثم ذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عتّاب قال:
ما أصبت منذ وليت عملي هذا إلا ثوبين كسوتهما مولاي كيسان اهـ ثم قال: وذكر أصحابنا أنه عليه السلام فرض له كل سنة أربعين أوقية، والأوقية أربعون درهما، وذكر أبو الربيع بن سالم أنه عليه السلام فرض له كل يوم درهما، وفي طبقات ابن سعد أن عمر رزق عياض بن غنم حين ولاه جند حمص كل يوم دينارا وشاة ومدّا.
وفي البخاري في باب رزق الحكام والعاملين عليها: وكان شريح يأخذ على القضاء أجرا، وقالت عائشة: يأكل الوصي بقدر عمالته وأكل أبو بكر وعمر اهـ. وفي مصنف عبد الرزاق؛ الحسن بن عمارة عن الحكم أن عمر بن الخطاب رزق شريحا، وسليمان بن ربيعة الباهلي على القضاء اهـ. وروى ابن سعد في الطبقات بلغني أن عليا رزق شريحا خمسمائة، وأن عمر بن الخطاب استعمل زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقا ولما تخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق، فلقيه وأبو عبيدة فقالا: انطلق حتى نفرض لك شيئا. وأن أبا بكر لما استخلف جعلوا له ألفين فقال: زيدونا فزادوه خمسمائة.
__________
(1) يضاف إلى ذلك أن منصب قاضي القضاة كان في الدولة العثمانية معمولا به وكان يسند إلى شيخ الإسلام الذي يتولى جميع شؤون الدولة الدينية كالأوقاف والمدارس والمحاكم وعنه كانت تصدر مراسيم التعيين والعزل للقضاة والمفتيين لمختلف الولايات والمدن في دولة آل عثمان التي دامت أكثر من ستمائة سنة. والله أعلم. انظر رسالة: مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ترجمة الدكتور هاشم الأيوبي. منشورات جروس برس طرابلس لبنان 1992. مصححه.
(1/226)

أقول: كان الحافظ الزيلعي، والحافظ ابن حجر، لم يستحضرا في هذا الموطن حديث أبي داود والحاكم عن بريدة رفعه: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول «1» . عزاه لهما الحافظ في تلخيص الحبير. وقد وجدت أبا داود بوّب عليه في أبواب الخراج والإمارة: باب في أرزاق العمال، ثم أخرجه بلفظ: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول. ثم أخرج عن المسور بن شداد رفعه:
من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن مسكن فليكتسب مسكنا، قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اتخذ غير ذلك فهو غالّ أو سارق «2» .
وفي عون الودود على الحديث الأول: سكت عنه أبو داود: والمنذري. ورجاله ثقات، وفيه بينة على جواز أخذ العامل حقه من تحت يده، فيقبض من نفسه لنفسه، ثم نقل عن الطيبي على الحديث الثاني: فيه أنه يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من بيت المال قدر مهر زوجته ونفقتها وكسوتها، وكذا ما لا بد له منه من غير إسراف وتنعم اهـ.
ثم أخرج أبو داود عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت أمر لي بعمالة (ما يأخذه العامل من الأجرة) فقلت: إنما عملت لله. فقال: خذ ما أعطيت؛ فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمّلني أي أعطاني عمالتي «3» . قال الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود: عليه فيه جواز أخذ العوض من بيت المال على العمل العام، كالتدريس والقضاء وغيرهما، بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم من بيت المال. وظاهر هذا الحديث وغيره مما يبين وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال، ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره، وحمل الجمهور على الاستحباب والإباحة اهـ انظر الباب 49 من سراج الملوك والموفي خمسين.
النظر في المظالم (العدلية)
قال المرجاني في وفية الأسلاف ص 366: النظر في المظالم وظيفة أوسع من وظيفة القاضي، ممتزجة من السطوة السلطانية ونصفة القضاة، بعلو بيّن وعظيم رغبة، تقمع الظالم من الخصمين. وتزجر المتعدي ويمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد القرائن، والأمارات وتأخير الحكم في استجلاء الحق، وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود. وكان الخلفاء يباشرونها بأنفسهم؛ إلى أيام المهتدي بالله، وربما سلموها إلى قضاتهم اهـ.
__________
(1) رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة، باب في أرزاق العمال: ج 3 ص 353، 354 وأوله: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.
(2) رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة، باب في أرزاق العمال: ج 3 ص 353، 354 وأوله: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول.
(3) انظر سنن أبي داود 3/ 353.
(1/227)

هذه الوظيفة كان يليها المصطفى بنفسه، لأنه كان ينتقد أحكام قضائه وعماله ويناقشهم.
لما تكلم الشهاب أحمد النويري في نهاية الارب على ولاية المظالم قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام، ورجل من الأنصار، في شراج (جمع: شرج بالفتح وهو مسيل الماء من الحرّة إلى السهل) ، فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه اهـ انظر ص 268 ج 6، وكذلك الخلفاء من بعده، كما ذكر المرجاني وناهيك بما سبق.
وفي سيرة عمر من هذا الباب كثير وناهيك بما كان يفعله كل سنة في الحج الأكبر من تقصيه البحث عن أعمال الولاة، وسؤاله الناس بنفسه عن عمالهم وحكامهم، انظر ما سبق في باب المحاسبة. وذلك أصل مجالس الاستئناف والعدلية.
وفي ص 109 من الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المدائني:
وقال عمر في خلافته: لئن عشت إن شاء الله لأسيرنّ في الرعية دولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقتطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إليّ، وأماهم فلا يصلون إليّ. أسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة، فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا.
وقال: وقد خطب الناس والذي بعث محمدا بالهدى: لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله آل الخطاب. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني بال الخطاب نفسه ما يعني غيرها اهـ.
وفي سيرة عمر أيضا أنه أول من عيّن شخصا مخصوصا لاقتصاص أخبار العمال، وتحقيق الشكايات التي تصل إلى الخليفة من عماله، وهو محمد بن مسلمة اهـ.
وفي سراج الملوك للطرطوشي: كان عمر إذا أحب أن يؤتي بالأمر كما هو عليه بعثه اهـ.
وأخرج ابن راهواه والحارث بن أبي أسامة، ومسدد، قال السيوطي: في الجمع:
وصحح عن عبد الله بن بريدة في خطبة ربيع بن زياد، بين يدي عمر بن الخطاب، بمحضر الوفود، وإيثار عمر له بولايته وأنه قال في الملأ: لا يأتينّ عليكم وال إلا تعاهدت منه عمله، وكتب إليّ بسيرته في عمله، حتى كأني أنا الذي أستعمله. انظر ص 36 من ج 7 من كنز العمال.
وفي سراج الملوك للطرطوشي قال إبراهيم النخعي: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم، وعمن يعرف من أهل البلاد، وعن أميرهم هل يدخل عليه الضعيف؟ وهل يعود المرضى؟ فإن قالوا: نعم. حمد الله. وإن قالوا: لا. كتب إليه أن أقبل.
(1/228)

وفيه أيضا: كان عمر بن الخطاب يأمر إذا قدم عليه العمال أن يدخلوا نهارا، ولا يدخلوا ليلا كي لا يحتجنوا شيئا من الأموال.
وعزى العقباني في تحفة الناظر لجامع الموطأ أن عمر بن الخطاب: كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد العبد في عمل ثقيل، لا يطيقه. وضع عنه منه بقدر ما يظهر له.
وفي العتبية قال مالك: إن عمر بن الخطاب مرّ بحمار عليه لبن فوضع عنه طوبتين، فأتت سيدته لعمر فقالت: يا عمر، ما لك ولحماري؟ ألك عليه سلطان؟ قال: فما يقعدني في هذا الموضع؟ ثم ذكر القصة في خروجه إلى الحوائط بالعوالي.
قال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن، لأن المصطفى عليه السلام قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته. وقد قال عمر في هذا: لو مات جمل بشاطىء الفرات ضياعا، لخشيت أن يسألني الله عنه اهـ من البيان والتحصيل.
وبذلك كله تعلم ما في الخطط للمقريزي: أول من نظر في المظالم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأوّل من أفرد للظلامات يوما بتصفح قصص المتظلمين من غير مباشرة النظر عبد الملك بن مروان، ثم زاد الجور فكان عمر بن عبد العزيز أوّل من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها، ثم جلس لها خلفاء بني العباس اهـ أيضا ما في قول النويري في نهاية الإرب: لم ينتدب أحد من الخلفاء للمظالم، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاة اهـ فإنهم غفلوا جميعا عن سيرة المصطفى وعمر وبذلك كله تعلم ما في نقل الخزاعي في هذه الترجمة، عن ابن العربي في الأحكام من أن هذه الولاية غريبة محدثة، فإنه غفلة منه، عما نقله بنفسه عن الكلاعي في الاكتفاء في باب محاسبة أبي بكر عماله، وكذا قول النويري في النهاية: لم ينتدب أحد للمظالم من الخلفاء، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاء.
تنبيه: في تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشي؛ أن عمر بن الخطاب أوصى حين كتب عهده، أنه لا يولّى العامل أكثر من عامين، استشهد بذلك حين ذكر عن الشيخ أبي محمد عبد الواحد الغرياني عمن يوثق به، أن من عادة الموحدين قديما بتونس، أنهم كانوا لا يولون القضاء أكثر من عامين. وأيضا فإنهم يرون أن القاضي إذا طالت مدة قضائه أكثر الأصحاب والإخوان، وإذا كان بمظنة العزل لا يغتر، وأيضا فإن الحال إذا كان هكذا ظهرت مخايل المعرفة بين الأقران، وكثر فيهم القضاة بتدربهم على الوقائع فيبقى الحال محفوظا، بخلاف ما إذا استبد الواحد بعمل؛ فإنه لا يقع فيهم تناصف، ولا يحصل لمن يلي بعده النفوذ بوظيفة ما قدم إليه إلا بعد حين وتنطمس القلوب الطلبة كذا لا ياسهم من الولاية إلا بعد مشقة اهـ منه ص 44.
وفي طبقات ابن سعد: أن عمر كان إذا بعث عاملا على مدينة كتب ماله، وقد قاسم
(1/229)

غير واحد منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة. وكان يستعمل الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم، مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم «1» لقوة أولئك على العمل، والبصر به ولإشراف عمر عليهم، وهيبتهم له، وقيل له: مالك لا تولي الأكابر من أصحاب المصطفى عليه السلام فقال: أكره أن أدنسهم بالعمل اهـ.
باب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل
وفي الهداية من كتب الحنفية: أنه عليه السلام كان يفصل الخصومات في معتكفه، قال الحافظ بن حجر في اختصار نصب الراية: كأنه يشير إلى حديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا في المسجد، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف سجوف حجرته فناداه يا كعب: أن ضع الستر وفي الباب حديث ابن عباس: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال: أقم علي الحد وفي حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين قال:
فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد عليه، وفي الهداية أيضا روي أن الخلفاء الأربعة الراشدين كانوا يجلسون في المسجد لفصل الخصومات، قال الحافظ في تخريج أحاديثها: فيه آثار؛ منها ما ذكره البخاري قال: ولا عن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقضى مروان على زيد بن ثابت بالمنبر اهـ.
وقال الجمال الزيلعي في نصب الراية عن ابن تيمية، في المنتقى على حديث كعب:
فيه جواز الحكم في المسجد اهـ.
وفي الصحيح: «2» باب من قضى ولا عن في المسجد ولا عن عمر عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر اهـ وفي الهداية أيضا؛ قال عليه السلام: إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم. قال الزيلعي غريب بهذا اللفظ اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في اختصاره: لم أجده هكذا اهـ منه وفي التيسير في أحكام التسعير: للقاضي ابن سعيد المجيلدي: وقد كان بعض أصحاب الشافعي لما قدم لها أي الحسبة ببغداد، أقام قاضيا وجده يقضي في المسجد، فقال له ألم تسمع قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: 36] . ولكن هذا يخالف ما روي من استحباب مالك الجلوس للقاضي في المسجد؛ ليتوصل إليه القوي والضعيف والصغير والكبير اهـ.
__________
(1) إن أكابر الصحابة هم بمثابة رجال الشورى للخليفة، فمهمتهم أكبر ورتبتهم أعظم من رتبة العمال والولاة. والله أعلم. مصححه.
(2) انظر كتاب الطلاق 6/ 179 باب 30.
(1/230)

وقال في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم، وفي الحق والصواب. قال مالك: لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس. وهو أقرب على الناس في شهودهم، ويصل إليه الضعيف والمرأة نقله ابن فرحون في تبصرته، وفيها أيضا عن ابن حبيب: أحب إليّ أن يجلس في رحاب المسجد اللاصقة به، من غير تضييق بالجلوس في غيرها، وما كان من مضى يجلسون إلا في رحاب المسجد، خارجا عنه. أما عند مواضع الجنائز يريد بالمدينة المنورة؛ وهو الآن الموضع المعروف بمصلى الجنائز خارج باب جبريل، وإما في رحبة دار مروان، وهي التي تسمى رحبه القضاء. وقد جعل ذلك في هذا الوقت ميضأة، وهي على باب السلام.
قال ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا في قضاة المسجد بقوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: 21] . فدل على أن حكم الحكومة وقعت عنده في مسجده.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المسجد، وفيها أيضا عن تنبيه الحكام لابن المناصف:
يكره للقاضي الجلوس في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري، وأمر بإضرام داره عليه نارا، فدعا واستقال ولم يعد إلى ذلك اهـ.
وفي تاريخ ابن عساكر عن أبي صالح مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيته في دار القضاء، قال بعضهم: إذا صح هذا يكون عثمان هو أول من اتخذ في الإسلام دار القضاء اهـ.
وفي جامع التحصيل لابن رشد: المساجد إنما وضعت لذكر الله، قال الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: 36] فوجب أن ترفع وتنزه ولا تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب رحبة بناحية المسجد تسمى البطحاء، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة.
باب في الشهادة وكتابة الشروط
«أمر الله تعالى بالكتاب والإشهاد في بيوع الآجال فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. ثم قال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ؛ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: 282] وكذلك أمر سبحانه بالإشهاد في الطلاق والرجعة وعلى الزنى» .
ومع ذلك قال اللسان ابن الخطيب في رسالته «مثلى الطريقة في ذم الوثيقة» : أن الصحابة لم ينقل عنهم أن شاهدا اتخذ حانوتا وطلب على الشهادة أجرا، إنما كان الناس يشهدون بينهم، ويستوثقون بخيارهم وفضلائهم. وفي قوله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ
(1/231)

فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: 282] في آية الدين وكتابته دليل على أن المقصود غير متخذي الدكاكين؛ لبعد ذلك وامتناعه في حق المرأة اهـ منها.
وقد أخرج الترمذي «1» عن عبد الحميد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: بلى. فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشترى منه عبدا أو أمة لاداء ولا غائلة. يعني خديعة ولا خبثة (وما كان طيب الأصل وكل حرام خبيث) بيع المسلم للمسلم قال الترمذي حديث حسن غريب. وفي الصحيح هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد بيع المسلم المسلم، لاداء ولا خبثة، ولا غائلة. قال قتادة: الغائلة الزنى والسرقة والإباق «2» .
قال عياض في المشارق: وهو مقلوب إذ العداء هو المشتري، ولا يبعد أن يكون من باب: شرى واشترى، وباع وابتاع، بمعنى يستعملان جميعا ونحوه للزركشي نقلا عن المطرزي وغيره، قال: وهو عكس ما ذكره البخاري هنا. وزاد الدماميني: أو يحمل على تعدد الواقعة فلا معارضة اهـ.
وقال ابن زكريا: الظاهر أن هذا لفظ الوثيقة المكتوبة، المشتملة على بيان الثمن والمثمن اهـ وشرح ابن العربي على ما وقع في الترمذي فقال: فيه البداءة باسم المفضول في الشروط إذا كان هو المشتري. قال: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وهو ممن لا يجوز عليه نقض عهده لتعليم الخلق قال: ثم ذلك على سبيل الإستحباب؛ لأنه قد يتعاطى صفقات كثيرة بغير عهدة، وفيه كتاب الإسم واسم الأب والجد، إلا أن يكون مشهورا بصفة تخصه ولذلك قال:
محمد رسول الله فاستغنى بصفته عن نسبه، ونسب العداء بن خالد. «وعبارة الخزاعي هنا:
وإذا ثبت هذا كان حجة لمن يرى من الموثقين تقديم الأشرف بائعا كان أو مشتريا» .
سبقه إلى ذلك ابن الفخار، ففي ابن التلمساني على الشفا قال ابن العطار في وثائقه:
من حق كاتب الوثيقة أن يقدم الشريف على المشروف، لمزيته بائعا كان أو مبتاعا. ورده ابن الفخار بنص الحديث؛ فإنه قدم فيه اسم المشروف على الشريف فتأمله اهـ من المنهل الأصفى.
باب في شهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في الكتب النبوية والعقود المصطفوية
ذكر السهيلي كتابه عليه السلام لثقيف، وقد ساقه أبو عبيد في كتاب الأموال، وذكر فيه أي أبو عبيد شهادة على وابنيه الحسن والحسين، قال أبو عبيد: فيه من الفقه شهادة
__________
(1) انظر كتاب البيوع ص 520/ 3 دون عبارة: وما كان طيب الأصل، وكان حرام خبيث.
(2) رواه البخاري في كتاب البيوع باب 19 ص 10 ج 3.
(1/232)

الصبيان وكتابة أسمائهم قبل البلوغ، وإنما تقبل شهادتهم إذا أدّوها بعد البلوغ. وفيها أيضا شهادة الابن أيضا مع شهادة أبيه في عقد واحد اهـ نقله في نور النبراس.
باب في سياق عقد من عقود ذلك العصر الطاهر وهو عقد عتق أبي رافع مولاه عليه السلام
قال القاضي ابن باديس، في شرح مختصر ابن فارس، نقلا عن العمدة لابي عبد الله التلمساني: الصحيح في اسمه أسلم لأجل عقد عتقه. ونصه بخط الحكم المنتصر بالله أمير المؤمنين بن عبد الرحمن الناصر المرواني:
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم إني أعتقك لله عتقا مبتولا الله أعتقك وله المن علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام، وعصمة الإيمان شهد بذلك أبو بكر وشهد عثمان وشهد عليّ وكتب معاوية بن أبي سفيان كان في الكتاب معاوية اهـ ما كان بخط الحكم. قال الشيخ أبو عبد الله كتبته من منقول نقل من خط الحكم اهـ.
فهذا عقد في عتق نبوي بنصه من الذخائر المكنونة، والكنوز الثمينة فتلقه شاكرا وللمغاربة ذاكرا، حيث إن كلا من الحكم المنتصر وصاحب العمدة وفوائد الدرر مغاربة، وكأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق فلذلك لا تراه في مدوناتهم الأثرية. وسيأتي في باب الوقف ما يقتضي أن الصحابة كانوا يكتبون أوقافهم وسياق بعض نصوصها فانتظره في محله.
باب فيمن كان يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم في الزمن النبوي
وفي العقد الفريد لابن عبد ربه: وكان زيد بن أرقم والعلاء بن عقبة، يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء اهـ ص 144/ 2.
باب في ذكر من كان يكتب العقود والمعاملات زيادة على ما سبق
«قال القاضي القضاعي في كتاب الأنباء: كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، وقيل: ابن بشر يكتبان المداينات والمعاملات. وقاله ابن حزم أيضا في كتاب: جوامع السيرة» .
وذكر ذلك أيضا الحافظ في ترجمة حصين انظر ما سبق عنه. وفي ترجمة العلاء بن عقبة من الإصابة أيضا: قرأت في التاريخ المصنف للمعتصم بن صمادح أن العلاء بن عقبة، والأرقم كانا يكتبان بين الناس المداينات والعهود والمعاملات اهـ ص 25 ج 3.
ومن عجيب الإتفاق أن ما كان يبحث عن جمعه وتدوينه الخزاعي في القرن الثامن وفق له أيضا أبو زيد العراقي الفاسي في أول القرن الثالث عشر فإنه في اختصاره للإصابة؛
(1/233)

يشير للإيقاف على أمثال هذه التراجم، فإنه في ترجمة العلاء، المذكور وقف بقلم غليظ ما نصه: من كان يكتب المداينات والمعاملات والعهود بين الناس.
وفي شرح الشيخ الطيب بن كيران على ألفية العراقي في ترجمة الكاتب التاسع والثلاثين حصين بن نمير (مصغرين) هو والمغيرة كانا يكتبان المعاملات والمداينات ذكره القرطبي والقضاعي اهـ. فزاد العزو للقرطبي، وفي زمن التابعين قال مصعب: كما في طبقات الفقهاء للشيرازي: كان خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله في زمانهما، يستفتيان وينتهى إلى قولهما. ويقسمان المواريث بين أهلها من الدور والنخيل والأموال، ويكتبان الوثائق للناس.
وبذلك كله وما سبق في التراجم قبل؛ تعلم ما في قول الإمام الرافعي في شرح الوجيز: كان النبي عليه السلام ومن بعده من الأئمة يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات اهـ.
والعجب أن الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثه المسمى بتلخيص الحبير، لم يتعقبه بأكثر من قوله؛ هو مستفاد من الأحاديث السابقة في هذا الكتاب، لكن قد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة وأقطع لهم.
وفي البخاري «1» من حديث أنس: أنه دعا الأنصار ليقطع لهم، وأراد أن يكتب لهم كتابا اهـ منه.
وقد ألف الإمام لسان الدين والدنيا ابن الخطيب السلماني كتابه «مثلى الطريقة في ذم الوثيقة» مدّ فيه القلم في ذم الموثقين، وذكر مثالبهم بما لا يخلو عن مبالغة.
وقد كتب الإمام حافظ المذهب أبو العباس الونشريسي صاحب المفيد على أوله بخطه: جامع هذا الكلام قد كدّ نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا في الدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوى طائفة بهم تستباح الفروج والبروج، وجعلهم أضحوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع عنهم جلباب الصدق والديانة، سامحه الله وغفر له. قاله وخطه بيمنى يده عبد ربه أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي، خار سبحانه له اهـ بواسطة أزهار الرياض.
وقد وقعت إليّ نسخة من رسالة ابن الخطيب بخط العلامة أبي عبد الله محمد بن الطيب القادري الفاسي: وهي في نحو كراسين تتبعها الكاتب المذكور مرة بالنقد ومرة بذكر النظائر والمماثلات وذكر أنه نقلها من خط الونشريسي.
تنبيه لشريح بن يونس كتاب القضاء ولابي عبيد كتاب القضاء وآداب الحكام، ولأبي
__________
(1) انظر كتاب مناقب الأنصار باب 8 ج 4/ 225.
(1/234)

بكر النقاش كتاب القضاة والشهود، ذكر هذه الكتب وأسانيدها الشيخ عابد السندي في حصر الشارد. انظر حرف القاف وصلة الرداني.
باب في فارض الموارث ذكر من كان فارضا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
«في جامع الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرضكم زيد، قال الترمذي: حسن صحيح.
وفي الإستيعاب: كان زيد أحد فقهاء الصحابة الجلة الفرّاض» .
وفي الإصابة أن ابن سعد يروي من طريق قبيصة قال: كان زيد رئيسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض اهـ.
وفي مسند الدارمي «1» عن ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمه غيرهما.
وخرج أيضا عن مسلم: سألنا مسروقا: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض.
وقال أبو يوسف الستاني في شرح التلمسانية: الإختيار أن يؤخذ في الفرائض بمذهب زيد بن ثابت، فإنه أفرض هذه الأمة، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال السهيلي: وكان عمر أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة، فيبدأ باسمه قبل اسمه. وحين أشكلت عليه مسألة الجد مشى بنفسه إلى منزل زيد يستفهمه فيها اهـ.
وروى عاصم الأحوال عن الشعبي قال: غلب زيد الناس على اثنين؛ الفرائض والقرآن. ذكره الذهبي في التذكرة. ونقل فيها أيضا عن سليمان بن يسار قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفتوى والفرائض والقراءة اهـ.
وانظر ما يأتي في القسم العاشر في فصوله. وفي كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام؛ أن عمر بن الخطاب خطب في الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله قد جعلني له خازنا وقاسما، إني بادىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن.
وترجم في القسم الثالث من الإصابة للأكيدر بن حمام اللخمي: وذكر أن له إدراكا ثم نقل عن أبي عمر الكندي في كتاب الخندق؛ أنه كان ذا دين وفضل وفقه في الدين وجالس الصحابة. وروى عنهم وهو صاحب الفريضة التي تسمى الأكدرية. ثم ذكر عن ابن أبي شيبة أنه قيل للأعمش: لم سميت الفريضة الأكدرية فقال: طرحها عبد الملك بن مروان على رجل يقال له الأكدر، وكان ينظر في الفرائض فأخطأ فيها. قال وكيع: وكنا نسمع قبل ذلك أن قول زيد بن ثابت تكدر فيها. قال الحافظ: فلعلّ عبد الملك طرحها على الأكدر
__________
(1) انظر مسند الدارمي ج 2 ص 645 أو كتاب الفرائض.
(1/235)

قديما وعبد الملك يطلب العلم بالمدينة. وترجم فيها أيضا عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي فذكر أن مسلما خرج عن علي؛ أن عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي: من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال استعملت عليهم مولى؟ كما في الإصابة قال إنه قارىء لكتاب الله عالم بالفرائض. وترجم فيه أيضا لعقبة بن عامر الجهني فنقل عن ابن يونس: كان قارئا للقرآن عالما بالفرائض والفقه، فصيح اللسان شاعرا كاتبا. وفيها في ترجمة عائشة قال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر بسألونها عن الفرائض.
باب في الوكيل في غير الأمور المالية ذكر من وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم
«ذكر ابن العربي في الأحكام له أن النبي صلى الله عليه وسلم، وكّل عمرو بن أمية الضمري، على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي، ووكّل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين. وقصة توكيل عليّ رضي الله عنه عبد الله بن جعفر، على طلحة بن عبيد الله في شأن ضفير بين ضيعتهما فتنازعا في الخصومة أمام عثمان قصة عجيبة، ذكرها ابن رشد في البيان والتحصيل» .
وجدتها لابن رشد في جامع البيان والتحصيل أيضا، في كتاب الجامع الرابع تحت عنوان: إن الإمام لا ينظر في أمر قد قضى فيه من قبله من الأيمة العدول، وعنه سقتها في باب الزراعة في القسم التاسع، إذ رأيت القصة هناك أنسب فارجع إليها هناك.
باب في ذكر البصير بالبناء وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله ذكر من كان كذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
«ذكر أبو عمر في الأستيعاب، في ص 97 من الجزء الأول عن جارية بن ظفر اليمامي؛ أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في ذلك حظارا، والحظار كل شيء مانع بين شيئين فهو حظار، ثم هلكا وتركا عقبا فأدعى عقب كل منهما أن الحظار له من دون صاحبه، فاختصم عقباهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل حذيفة بن اليمان يقضي بينهما، فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أو أحسنت. وأصله في تاريخ البخاري» .
القصة مخرجة أيضا في طبقات ابن سعد في ترجمة جارية المذكور بلفظ: إن قوما اختصموا في خص، فارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث معهم حذيفة، فقضى به حذيفة للذين يليهم القمط، فرجع إلى النبي فذكر ذلك له فأجازه انظر ص 403 من الجزء الخامس.
(1/236)

والخص كما في القاموس بالضم، البيت من القصب، أو البيت يسقف بخشبة كالأزج جمع خصاص وخصوص.
وفي ترجمة العلاء بن عقبة من الإصابة ذكره المرزباني فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثه هو والأرقم في دور الأنصار اهـ.
وقد وقع لأبي زيد العراقي إجحاف في اختصار هذا المحل من الإصابة فإنه قال ما نصه: العلاء بن عقبة ممن كان في عهد عمرو بن حزم، وبعثه مع الأرقم لدور الأنصار اهـ وعبارة الأصل تفيد ما لم يفده الإختصار فتأمله.
وفي ترجمة تميم بن أسد الخزاعي من طبقات ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه عام الفتح فجدّد أنصاب الحرم.
وفي ترجمة الصحابي مخرمة بن نوفل؛ من تهذيب النووي: كان له سن وعلم بأيام الناس وبقريش خاصة، وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة عمر بن الخطاب، أرسله عمر وأزهر بن عبد عوف وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزي فجددوها اهـ منه.
ونحوه في ترجمة المسور بن مخرمة من التهذيب أيضا.
وفي الخطط للمقريزي: قال القضاعي: ولما رجع عمرو من الأسكندرية، ونزل موضع فسطاطه انضمت القبائل بعضها إلى بعض فتنافسوا في المواضع فولى عمرو على الخطط معاوية بن خديج التجيبي، وشريك بن سمي الغطيفي، وعمر وقحزم الخولاني وحيويل بن ناشرة المعافري «1» ، وكانوا هم الذين أنزلوا الناس، وفصلوا بين القبائل. وذلك في سنة أحدى وعشرين اهـ.
وإن تعجب فاعجب لقول «بطلر» أحد المشتغلين بتاريخ الإسلام من الأوروبيين:
الظاهر أن الذي قام بتنفيذ هذا الأمر إنما هم القبط لدرايتهم بفن العمارة التي كان يجهلها العرب اهـ وما ذلك إلا من التعصب على العرب وإرادة طمس معلوماتهم وحب القضاء على آثارهم، وأي حاجة بقيت للتعقل بعد تصريح المقريزي بأسمائهم وأنسابهم، وفيما سيأتي في باب البناآت كفاية في الدلالة على علم العرب بالبناء الصحي الهندسي وأساليبه.
معرفته عليه السلام وأهل الصدر الأول بأمور الهندسة والبناء وإصلاح الطرقات
في طبقات ابن سعد: لما أقطع عليه السلام الدور بالمدينة، خطّ لعثمان بن عفان داره اليوم، ويقال: إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي عليه السلام، الذي كان المصطفى عليه السلام يخرج منه إذا دخل دار عثمان.
__________
(1) انظر الجزء الأول من خطط المقريزي ص 297 طبعة دار صادر المصورة.
(1/237)

وفي أزهار الرياض للإمام أبي العباس المقري، نقلا عن خط أبي زيد عبد الرحمن الغرناطي؛ على هامش الشفا عند ذكر عياض أنه عليه السلام قال وهو بموضع: نعم موضع الحمام هذا. ما نصه: هو داخل في معرفته صلى الله عليه وسلم بالهندسة والبناء، ذكره أبو نعيم في رياضة المتعلمين. ورواه عن أبي رافع قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع فقال: نعم: الحديث قال: فبني فيه الحمام اهـ.
وقال الخفاجي في نسيم الرياض على هذا المحل: فيه الأخبار بحال البناء ومهابّ الأهوية اهـ وسيأتي في باب المنادي: عن سنن أبي داود «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث أن ينادى في معسكره: أنّ من ضيّق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له، وذلك لما ضيق الناس المنازل وقطعوا الطرق. فيؤخذ منه أنه عليه السلام كان يحب النظام حتى في نصب الأخبية في السفر، فكيف لا يحب ذلك في محل الأستيطان والبناء المشيد؟ قال شارح السنن: فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق الطريق التي يمر منها الناس، ونفي جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة في الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل لما في ذلك من الأضرار اهـ.
وفي سيرة عمر أنه لما أذن ببناء البصرة والكوفة؛ خطوا الشوارع على عرض عشرين ذراعا، وطول أربعين ذراعا، والأزقة تسعة أذرع، والقطائع ستين ذراعا. وبنوا المسجد الجامع بالوسط بحيث تتفرع الشوارع، وذلك بأمر عمر رضي الله عنه، وهذا يدل على نفاق سوق الهندسة حتى في البناء في الزمن الأول سفرا وحضرا وتخطيطا، وفي سيرة عمر أيضا: أنه لما جاء الشام سنة 17 رتب الشواتي والصوائف؛ أي الجنود التي تغزو في الصيف والجنود التي تغزو في الشياء، وسد فروج الشام ومساكنها وهي: النقط العسكرية وخطوط الدفاع.
وفي فتوح البلدان: أن معاوية كتب إلى عمر بعد موت أخيه يزيد يصف له سوء حال الشام، فكتب إليه في حرمة حصونها وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظيرها، واتخاذ المواقيد لها (والمناظير قباب مبنية على رؤوس الجبال العالية، وبين كل بلد وآخر بحيث يتقارب بعضها، ويشرف بعضها على بعض، ويقام فيها حراس يوقدون النيران عند ما يرون إقبال العدو من جهتهم، فيوقد حراس المناظير الذين يلونهم كذلك، وهكذا حتى يصل الخبر إلى المدينة، أو الثغر أو المسلحة في زمن قليل، فيسرعون لإمداد الجهة التي أقبل منها العدو، وهذا كذلك يدل على نفاق أسواق الهندسة في البناآت الحربية، والمراكز العسكرية) .
وفي فتوح البلدان أيضا: أن عمر كان يشترط على أهل الذمة إصلاح الجسور والطرق.
__________
(1) انظر ج 3/ 95 من كتاب الجهاد باب 88.
(1/238)

وفي باب المفعول فيه من حاشية ابن غازي على الألفية «لطيفة» ذكر أبو حيان عن السهيلي عن قاسم بن ثابت قال: سمي الميل ميلا لأنهم كانوا ينصبون على الطرق أميالا كانوا يعرفون بها الخطى التي مشوها، فيجعلون على رأس كل ثلاث آلاف ذراع بناء كهيئة الميل، يكتبون فيه العدد الذي مشوه. وقال هشام لأعرابي كان يسير معه: أنظر في الميل كم مشينا، وكان الأعرابي أميا لا يقرأ فنظر ثم جاء فقال: فيه مخطف وحلقة وثلاثة كأطباء الكلبة، وهامة كهامة القطا، فضحك هشام. وعلم أن في الميل خمسة اهـ وهذا يدل على عبرهم للطرق وضبطهم المسافات للذاهب والجائي ومعقول أنهم ما عرفوا وعبروا بالفرسخ والميل، حتى كتبوا الأعداد ورسموها خشية الغلط. وانظر المصباح المنير للفيومي.
وفي الخطط للمقريزي ص 339 الجزء الأول أن عبد العزيز بن مروان، كانت له وهو على مصر ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره، وكانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل على العجل اهـ وهذا يدل على نجر الطرق وترصيفها، لتجري فيها العجل.
باب في القسام
«قال ابن إسحاق: كانت المقاسم على أموال خيبر، وكانت عدة الذين قسمت عليهم أموال خيبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفي سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة، والخيل مائتا فرس، فكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم، ولكل رأس سهم جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما» .
باب في المحتسب
في المحكم: أحتسب فلان؛ أنكر عليه قبيح عمله، وأنه يحسن الأمر (أي جيد التدبير والنظر) وفيه فصول:
فصل فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسبة
«خرج الترمذي عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صبرة من طعام؛ (الصبرة واحدة صبر الطعام، يقال: اشتريت صبرة أي بلا وزن ولا كيل) فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: يا صاحب الطعام ما هذا؟ قال أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال: من غش فليس منا قال الترمذي حسن صحيح [ج 3/ 606 من كتاب البيوع باب 74] .
فصل فيمن ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر السوق وكيف كان يضرب من يعمل بالرّبا في الأسواق على عهده صلى الله عليه وسلم
«في الصحيح عن ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع
(1/239)

الطعام «1» ، وفيه أيضا عن سالم عن أبيه: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة (والمجازفة بيع الشيء بغير كيل ولا وزن ولا عدد) يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه، حتى يذهبوا به إلى رحالهم. قال ابن عبد البر في الإستيعاب: إستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة» .
قلت: ترجمه في الإصابة وذكر أن ابن شاهين ذكر عن بعض شيوخه: أن إسلامه كان قبل الفتح بيسير، فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على سوق مكة، وفي الإستيعاب: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، وعمرت، وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها.
وفي التيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد: من شرط المحتسب أن يكون ذكرا إذ الداعي للذكورة أسباب لا تحصى وأمور لا تستقصى، ولا يرد ما ذكر ابن هارون: أن عمر ولى الحسبة في سوق من الأسواق امرأة تسمى الشفاء، وهي أم سليمان بن أبي حثمة الأنصارية، لأن الحكم للغالب والنادر لا حكم له. وتلك القضية من الندور بمكان، ولعله في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة اهـ.
عبارة ابن عبد البر: وكانت تمر في الأسواق، وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس.
صريحة في خلاف تأويله؛ نعم: عبارته كالصريحة في أنها لم تولّ ذلك في زمنه عليه السلام، ويؤيده ما في جمهرة ابن حزم: كان عمر إستعملها على السوق.
وفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل: 23] وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق ولم يصح، قلا تلتفتوا إليه.
وإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث اهـ منها.
ومما سبق عن ابن عبد البر من الجزم بما ذكر في ترجمة سمراء. وعن القاضي ابن سعيد من توجيه أن ولايتها كانت في أمر خاص يتعلق بأمر النساء ما ينحلّ به إيراد ابن العربي، وإلا فهو وجيه؛ لأن المرأة كما قال هو أيضا في الأحكام لا يتأتى لها أن تبرز إلى المجالس، وتخالط الرجال وتفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجألة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ولم يعلم قط من تصور هذا ولا أعتقده اهـ منها.
وفي التيسير لابن سعيد أيضا: إعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، فلعموم مصلحتها وعظيم منفعتها، تولى أمرها الخلفاء الراشدون. لم يكلوا أمرها إلى غيرهم، مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش للمكافحة والجلاد اهـ منه.
__________
(1) انظر كتاب البيوع باب 49 ص 20/ 3.
(1/240)

وفي السيرة الحلبية ص 354 من الجزء الثالث في ذكر من ولي السوق في زمنه صلى الله عليه وسلم؛ أن هذه الولاية تعرف بالحسبة ومولّاها بالمحتسب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إستعمل سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر على سوق المدينة اهـ وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشي: أول من قام بهذا الأمر يعني الحسبة وصنع الدرة عمر بن الخطاب في خلافته اهـ من ص 452 من الجزء الخامس فإن كان مراده الأولية في كل منهما مع التقييد بمدة خلافة عمر فلا إشكال أنه تقصير، لأن عمر كان يحمل الدرة في العهد النبوي، كما أن تكليفه بالسوق كان في زمنه عليه السلام. كما كلف غيره بذلك إذ ذاك.
وفي كشف الظنون: علم الإحتساب علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم، اللاتي لا يتم التمدن بدونها، من حيث إجراؤها على القانون المعدل، بحيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد بنهي المنكر وأمر المعروف، بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحسب ما رآه الخليفة من الزجر والمنع، ومباديه بعضها فقهي، وبعضها أمور استحسانية، ناشئة من رأي الخليفة. والغرض منه تحصيل الملكة في تلك الأمور، وفائدته: إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم وهذا أدق العلوم، ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب، وحدس صائب، إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة، بل لا بد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة، وذلك من أصعب الأمور. فلذلك لا يليق بمنصبها إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى، كعمر بن الخطاب. كان عالما في هذا الشأن. كذا في موضوع لطف الله اهـ وفيه عدة تاليف، ذكرت في حروفها من كشف الظنون فانظره.
«مهمة» يعوز كثيرا من العلماء تحرير القول في الدرة، التي كان سيدنا عمر يحملها ويضرب المستحق بها في مدة حسبته وخلافته.
ولم أر من حرر القول فيها كشيخنا الأستاذ الوالد في كتابه المسمى «التوفيق من الرب القريب. في عدد شيب وخضاب النبي الحبيب» وهذا ملخص ما له فيها:
ما اشتهر من أن سيدنا عمر كانت له درة صحيح وقع ذلك في كتاب العتق، وكتاب الديات من صحيح البخاري، وفي الأخير. وأقاد عمر من ضربه بالدرة، ولم يبين حقيقة هذه الدرة عياض في المشارق، وابن الأثير في النهاية، ولا شروح البخاري كالحافظ، والزركشي، والسيوطي وغيرهم. واقتصر في القاموس والصحاح والمصباح ولسان العرب والمخصص لابن سيدة على ما لا يفيد، وعبارة الصحاح: الدرة التي يضرب بها اهـ وفي القاموس: قوله ممزوجا بشرحه درة السلطان التي يضرب بها. وقال الخفاجي في شرح الشفا: الدرة بكسر الدال وتشديد الراء المهملتين: وهي سوط عريض يضرب به اهـ وقال أبو عبد الله جسوس على تصوف ابن عاشر: ذكر بعض شرّاح الرسالة أن عمر كان إذا جنّ
(1/241)

عليه الليل حاسب نفسه، وربما ضرب نفسه بالدرة قال: ولعلها عود في رأسه سوط اهـ؛ وكلام الفقهاء في باب الشرب صريح في المغايرة بينها وبين السوط: ففي المواق لدى قول خليل: والحدود بسوط من المدونة. ولا يجزي الضرب في الحدود بقضيب وشراك ولا درة، ولكن السوط، وإنما كانت درة عمر للأدب اهـ ونحوه للحطاب وغيره.
وأغرب صاحب الفتح الرباني في عنق المعترض على القطب الجيلاني حيث قال:
كان عمر كثيرا ما يؤدب الناس بالسوط المشهور بالدرة، وهو بكسر الدال: جلد مركب بعضه على بعض اهـ ومثله في الغرابة ما وجدته بخط الشيخ مصطفى بن محمد البناني المصري على هامش تأليفه: روضة الطالبين لأسماء الصحابة البدريين، ونصه: الدرة بكسر الدال وتشديد الراء؛ كانت من نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أنه ما ضرب بها أحد على ذنب وعاد له فاعله اهـ.
وقال الدسوقي في حواشيه على شرح الدردير على المختصر: الدرة سوط رفيع مجدول أي معتدل من الجلد اهـ ونحوه للصاوي في حواشيه على أقرب المسالك، وفيه أيضا أنها كانت من جلد مركب بعضه فوق بعض اهـ وهو بعيد عندي؛ لأنها تدخل إذ ذاك فيما في صحيح مسلم، ومسند أحمد عن أبي هريرة، رفعه: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس» . «1» وفي حديث آخر لمسلم:
«إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنة الله، في أيديهم مثل أذناب البقر» . «2» قال المناوي قوله: كأذناب البقر تسمى في ديار العرب بالمقاريع، جمع مقرعة وهو جلدة طرفها مشدودة وعرضها كالأصبع يضربون بها الناس اهـ ونحوه في روح البيان.
أقول: اتخاذ عمر لها للإذن له في حملها، والضرب على حسب ما حدّ له، فلم يكن يصل في الضرب بها إلى حد ما أنذر به الشارع، وكما كانت الدرة لعمر كانت لعثمان أيضا، إلا أنها أشد من الدرة العمرية كما في أوائل السيوطي وغيره. وفي سراج الملوك للطرطوشي قال الحسن: رأيت عثمان بن عفان وقد جمع الحصباء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه، وقد وضع أحد جانبي ردائه عليه، وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودرته بين يديه اهـ وكان لسيدنا علي أيضا درة فقد أخرج عبد بن حميد في مسنده عن مطرف قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي:
إرفع إزارك فإنه أنقى لثوبك، وأبقى له فمشيت خلفه، وهو بين يدي مؤتزر بإزار مرتد برداء، ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي فقلت من هذا؟ فقال لي رجل: هذا علي بن أبي
__________
(1) انظر مسلم: كتاب اللباس باب 34 ص 1680/ 2.
(2) انظر كتاب الجنة ونعيمها باب 13 ج 3/ 2193.
(1/242)

طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى الإبل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى إلى أصحاب التمر، فإذا خادم يبكي فقال: ما يبكيك قال: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده على مولاي، فقال له علي: خذ تمرك وأعطه درهمه فإنه ليس له من الأمر شيء، فدفعه ... الحديث بطوله، فعلى هذا كانت الدرة للخلفاء الثلاثة، وقد رأيت من يطلق عليها درة السلطان يضرب بها. انظر ما سبق عن القاموس وشروحه.
ثم وجدت في ابن سلطان على مسند أبي حنيفة: وصف السوط الذي ضرب به عمر في الحد أنه أتى بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشدّ من هذا فأتى بسوط بين سوطين، وفي رواية فدعا بسوط، ثم أمر به فدقت تمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم نقل القاري المذكور عن القاموس تعريف الدرة بما سبق عنه وقال عقبه: لا يخفي أنه تعريف قاصر اهـ وهو كذلك.
باب في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح
«في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي: إن الصلاة جامعة، وفي الصحيح أيضا عن أنس: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال فجرت في سكك المدينة، وفي الصحيح أيضا عن زاهر الأسلمي قال إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن لحوم الحمر. وفي سنن أبي داود عن معاذ الجهني قال غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث المصطفى مناديا ينادي في الناس: إن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له «1» .
وفي الإصابة روى ابن منده من طريق الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن رفاعة قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أطوف في الناس. لا ينبذنّ أحد في المقيّر. وإسناده ضعيف. وترجم فيها أيضا لأوس بن الحدثان فذكر أن مسلما خرّج من طريق أبي الزبير، عن كعب بن مالك عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان يناديان أيام التشريق: إن أيام منى أيام أكل وشرب «2» . قال ابن منده هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وترجم فيها أيضا لبديل بن ورقاء الخزاعي فذكر أن أبا نعيم خرج عن أم الحارث بنت عياش بن أبي ربيعة أنها رأت بديل بن ورقاء يطوف على جمل أورق بمنى يقول: إن
__________
(1) أخرجه في ج 395 في كتاب الجهاد باب 88.
(2) رواه مسلم في كتاب الصيام باب 23 رقم الحديث 145 ص 800.
(1/243)

رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينهاكم أن تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب. ورواه البغوي أيضا.
وفي رواية لإبن السكن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بديلا فذكر نحوه. وترجم فيها أيضا لربيعة بن أمية بن خلف القرشي في القسم الرابع، فذكر عن ابن شاهين عن ربيعة المذكور قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أقف تحت صدر راحلته، وهو واقف بالموقف بعرفة، وكان رجلا حييا فقال: يا ربيعة قل: يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكم: تدرون أي بلد هذا؟
الحديث. ولغيره أن المصطفى أمر أمية وهو الصواب.
وقد وقع هكذا في الكلام على حجة الوداع من الفرائد قائلا بعد ذكر الخطبة: وكان الذي يصرخ في الناس بقوله صلى الله عليه وسلم، وهو على عرفة حينئذ ربيعة بن أمية بن خلف لكن قال بعد ذلك: وذكر أن الذي كان يصرخ بخطتبه عليه السلام ربيعة بن أمية بن خلف لم أقف على ترجمته في كتاب الصحابة لأبي عمر اهـ.
وترجم فيها أيضا لسجيج فذكر عن ابن شاهين: أنه عليه السلام قال لعلي ومعاذ بن جبل وبديل بن ورقاء وسجيج أن: نادوا في الناس فانهوهم أن يصوموا أيام التشريق فإنها أيام أكل وشرب.
باب في صاحب العسس بالمدينة
وكان يسمى في المغرب قديما بالحاكم، وفي الأندلس بصاحب المدينة وفي تونس والقيروان بالعريف.
واليوم بمقدمي الحارات، وفي خطط المقريزي: السلف كانوا يسمونها: الشرطة وبعضهم يقول: صاحب العسس. والعسس: الطواف بالليل لتتبع أهل الريب، يقول: عسّ يعس عسّا وعسسا اهـ.
ذكر من ولي ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
«خرّج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا يحرسنا الليلة، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح فقال:
من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك قال سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال الترمذي:
حسن صحيح، وكان المولّي ذلك في زمن أبي بكر عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وفي زمن عمر كان يتولى العسس بنفسه ويستصحب معه أسلم مولاه، وربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف» .
وقد ذكر الخزاعي هنا أنه لم يجد نصا في متولى حراسة أبواب المدينة زمن الهرج في زمنه عليه السلام. «قال: لكنها نستخرج من حديث حراسة سعد. ثم نقل عن كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي في قصة ادّعاء طليحة بن خويلد للنبوة، وتواثب الناس فأمر أبو
(1/244)

بكر عليا بالقيام على نقب من أنقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عبد الله بن مسعود يعس ما وراء ذلك بالليل، ثم ترجم الخزاعي في الباب الخامس عشر في الرجل يكون ربيئة القوم (طليعة فوق شرف) في زمن الهرج وقال: هذا العمل كالعمل قبله في عدم النص في كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه استخرج من حديث سعد الذي تقدم، ونقل أيضا أن أبا بكر أمر ابن مسعود في العسس بالليل والإرتباء بالنهار، والإرتباء الإرتفاع» .
وغاب عن الخزاعي رحمه الله ما جاء في الإصابة (ج 1، ص 82) ففيها عن ذيل ابن فتحون، أنه عليه السلام خلف بديل بن ورقاء في حرس المدينة هو وأوس بن ثابت وأوس بن عرابة ورافع بن خديج انظر الكلام على الحارس من القسم الخامس.
وفي درر الفوائد المنظمة، في أخبار الحج ومكة المعظمة، للشمس محمد بن عبد القادر الأنصاري الحنبلي، لما تكلم على وظائف أمير المحمل الشريف: وذكر منها اتخاذ العسس الذين يطوفون ليلا مع الحجيج، يتعرفون الأخبار، ويمنعون ما عسى يقع من الشجار. قال: وأول من عسّ ليلا عبد الله بن مسعود، أمره على ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه اهـ.
وفي الخطط للمقريزي: أول من عسّ ليلا عبد الله بن مسعود أمره أبو بكر الصديق بعس المدينة. خرّج أبو داود عن الأعمش عن زيد قال: أتي عبد الله بن مسعود فقيل له:
هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله: إنا نهينا عن التجسس، لكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به، وكان عمر في خلافته يتولى العسس بنفسه، ومعه مولاه أسلم. وكان ربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف اهـ. [انظر كتاب الأدب باب 88 ج 5/ 200] .
وفي طبقات ابن سعد: عمر أول من اشتد على أهل الرّيب والتهم، وأحرق بيت رويشد الثقفي، وكان حانوتا وغرّب ربيعة بن أمية بن خلف إلى خيبر، وكان صاحب شراب. وهو أول من عس في عمله بالمدينة، وحمل الدرة وأدّب بها، ولقد قيل بعد:
لدرة عمر أهيب من سيفكم اهـ (ج 3 ص 202 القسم 1) .
[باب في السجن]
في سجن الرجال
«خرج أبو داود «1» عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة: وفي جامع الترمذي مثله، وقال حديث حسن، وفي الصحيح «2» أنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، الحديث. وذكر ابن إسحاق خبر بني قريظة حين
__________
(1) انظر كتاب الأقضية باب 29 ص 46/ 4.
(2) انظر البخاري كتاب الصلاة 118/ 1.
(1/245)

نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم بالمدينة في دار بنت الحرث، امرأة من الأنصار، ثم خرج رسول الله إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم أرسالا» [انظر سيرة ابن هشام ج 2/ 240] .
قال الماوردي في الأحكام السلطانية؛ الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه ملازمته له، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي: إلزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريده أن تفعل بأسيرك؟
وفي رواية ابن ماجه: ثم مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ وهذا كان هو الحبس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق. ولم يكن له محبس معد ليحبس الخصوم.
وتنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسا احتج بأنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوضه «1» بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظا وهو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته، ومن قال: له أن يتخذ حبسا احتج بفعل عمر.
وأما الحبس الذي هو الآن فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير، في موضع يضيق عنهم غير متمكنين، من الوضوء والصلاة وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحر والصيف.
وقال الإمام أبو عبد الله بن فرج مولى ابن الطلاع في كتاب الأقضية: اختلف أهل العلم هل سجن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أحدا قط أم لا؟ فذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له سجن ولا سجن أحدا قط، وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن في المدينة في تهمة. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول الله ناسا من قومي في تهمة بدم، وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء فدل على أنه معروف.
وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلّى عنه.
ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
(1) هكذا في الأصل! وينبغي وضع كلمة بمعنى: يلزمه. أو يعوقه. فلتحرر.
(1/246)

سجن رجلا أعتق شريكا له في عبد، فأوجب عليه استتمام عتقه، وقال في الحديث: حتى باع غنما كانت له. وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم بالسجن والضرب.
واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول الله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: 15] وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي أمسك رجلا لآخر حتى قتله: أقتلوا القاتل واصبروا الصابر. قال أبو عبيد قوله: واصبروا الصابر يعني: احبسوا الذي حبسه الموت حتى يموت اهـ وفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق؛ نقلا عن ابن فرحون، عن ابن قيم الجوزية: إن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف، كان في بيت أو مسجد أو ملازمة الغريم له، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسيرا. وفي سنن أبي داود عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي: إلزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك «1» ؟ قال: وكان هذا هو السجن في زمنه عليه السلام، وزمن أبي بكر رضي الله عنه اهـ.
وفي اتحاف الرواة بمسلسل القضاة للإمام أحمد بن الشلبي الحنفي لدى ذكره أوليات علي: وأول من بني السجن في الإسلام، وكانت الخلفاء قبله يحبسون في الآبار اهـ.
وفي شفاء الغليل للخفاجي: السجن لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان سجن، وكان يحبس في المسجد أو في الدهاليز حيث أمكن. فلما كان زمن علي أحدث السجن وكان أول من أحدثه في الإسلام وسماه نافعا، ولم يكن حصينا فانفلت الناس منه، فبنى آخر وسماه مخيسا بالخاء المعجمة والياء المشددة فتحا وكسرا وإنما ذكرته هنا لأن هذه الأسماء حدثت بعد العصر الأول اهـ.
فالمحصل من كلامهم أن السجن بمعنى حبس الغريم غريمه مثلا، كان موجودا وأما اتخاذ محل معين بني لذلك خصيصا فلم يكن إلا في زمن عمر.
تنبيه- ذكر الخزاعي هنا سجن عمر للحطيئة عن بهجة المجالس، لأبي عمر بن عبد البر، أن عليا بني سجنا بالكوفة ولم يستوعب ما يجب أن يذكر في الباب، فقد أخرج قصة سجن عمر للحطيئة الزبير بن بكار في الموفقيات وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني انظر الإمتاع للأدفوي ووقع في شرح الشواهد الكبرى للبدر محمود العيني: أن الزبرقان كان استعدى عليه عمر الخطاب وزعم أنه هجاه فلما أنشد عمر رضي الله عنه.
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
__________
(1) انظر كتاب الأقضية ج 4/ 46.
(1/247)

قال: ما أراه قال لك بأسا قال الزبرقان: سل ابن الفريعة يعني حسان بن ثابت الأنصاري، فإن لم يكن هجاني فلا سبيل عليه، فأرسل إلى حسان فسأله هل هجاه بقوله: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال قد هجاه فحبسه فقال: الحطيئة وهو محبوس:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الأمير الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الخير
قال العيني: وكانت السجون آبارا فأول من بنى السجن علي بن أبي طالب. ثم قال على قوله: في قعر مظلمة أي: بير مظلمة، وقد قلنا: إن السجون كانت آبارا اهـ منه ص 525 من الجزء الرابع الذي بهامش خزانة الأدب. ولعل عمر كان يحبس في الآبار، قبل شراء الدار التي أعدها للسجن، فقد أخرج البيهقي من حديث نافع بن عبد الحارث، أنه اشترى من صفوان بن أمية دار السجن عمر بن الخطاب بأربعة آلاف، وعلقه البخاري. انظر تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ونحوه في ترجمة نافع بن الحارث الخزاعي من تهذيب النووي، نقلا عن المهذب ونحوه للمقريزي في الخطط.
وفي بدائع السلك لابن فرحون عن ابن القيم: بعد ما سبق عنه أنه لما اشتدت الرعية في زمن عمر، ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا وفيه دليل على جواز اتخاذه اهـ ملخصا.
وقد كان السلطان أبو الأملاك المولى اسماعيل بن الشريف العلوي دفين مكناس سأل علماء فاس؛ القاضي بردلة والمسناوي وابن رحال وغيرهم من أول من أحدث السجن؟ وكيف كان الناس يسجنون في الآبار؟ وكيف الجمع بين ما ذكره السيوطي من أن أول من أحدث السجن علي وبين ما ذكره ابن فرحون، من أنه عمر لما اتسعت مملكته فأجاب الشيخ المسناوي بأن التعارض يدفع ما بين ابن فرحون والسيوطي بحمل كلام السيوطي على أن عليا أول من أحدث له مكانا مخصوصا، واتخذه بقصده في ابتداء «1» ، وما كان من عمر فإنه كان في تأني حال، وعارضا للدار المتخذة بالقصد الأول لغيره من السكنى ونحوها، وأما استكشال السجن في الآبار فإن المراد بها السراديب والمطامير، المتخذة تحت الأرض. وقد تكون من الإتساع بحيث تحمل المئين من الناس، لا سيما مصانع ملوك الأمم السالفة، فإنها كانت على قدر قواهم التي لا نسبة بينها وبين من جاء بعدهم. وتسمية ذلك بالآبار للشبه الصوري بالكون
__________
(1) فراغ ويتم المعنى بوضع كلمة: (الأمر) .
(1/248)

تحت الأرض مع ضيق أبوابها ومداخلها، وقد تكون مع هذا متعددة ومتكثرة على قدر الحاجة إلخ انظر نوازل الشيخ المسناوي.
تنبيه- قال القاضي ابن سعيد في التيسير في أحكام التسعير: من عرّض من الكتاب والشعراء بسبّ أحد أو هجوه سجن وأدّب. وقد فعل ذلك عمر بالحطيئة سجنه حين عرّض بالزبرقان بن بدر التميمي بقوله: اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي اهـ.
سجن النساء
«في كتب السيرة من خبر إسلام عدي بن حاتم، وفراره إلى الشام حين سمع بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطىء بلادهم فخرج يتبعه خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابت بنت حاتم ممن أصابه فقدم بها في سبايا طيء، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هرب إلى الشام، فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، وكانت النساء تحتبس فيها» .
هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا
قال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم تزل الخلفاء تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وإدامهم، وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعله الخلفاء بعده اهـ.
وانظر ترجمة عمر بن عبد العزيز من طبقات ابن سعد، وفي خطط المقريزي قيل:
أول من وضع السجن والحرس معاوية اهـ.
[باب في التأديب]
في التأديب بالضرب
في كتاب الأقضية لابن الطلاع عن كتاب لابن شعبان عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلا قتل عبده متعمدا. فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة. ونفاه سنة وأمره أن يعتق رقبة، وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم بالسجن والضرب اهـ.
وفي نور النبراس على قصة الإفك: اختلف في جلدهم على قولين، والذي يظهر أنه عليه السلام جلدهم، وقد جزم البخاري في آخر تاريخه بذلك في باب: قوله الله تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38] وقد روى أصحاب السنن الأربعة، من حديث عمرة عن عائشة: أنها لما نزل فيها أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم «1» . قال الترمذي:
حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. وقد جزم ابن عبد البر في الإستيعاب، في ترجمة مسطح بأنه جلد الحد. وفي ترجمة حمنة بأنها جلدت مع من جلد عند من
__________
(1) انظر مسند أحمد 6/ 61 ونقطة؛ لما نزلت براءتي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فدعاهم وحدّهم.
(1/249)

صحح جلدهم. وفي الطبراني عن عائشة عن عبد الله بن أبي جلد مائة وستين، قال عبد الله بن عمر: وهكذا يفعل في كل من قذف زوجة نبي اه.
التأديب بالنفي
نفي عليه السلام الحكم بن أبي العاص إلى الطائف، لكونه حاكاه في مشيته، وفي بعض حركاته فسبه وطرده وقال له: كذلك فلتكن، فكان الحكم متخلجا يرتعش. وقد عير عبد الرحمن بن ثابت مروان بن الحكم بذلك فقال يهجوه:
إن اللعين أبوه فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يمشي خميص البطن من عمل التقى ... ويظل من عمل الخبيث بطينا
قال ابن إبراهيم الوزير في الروض الباسم: ولم يخبر عليه السلام أهل الطائف أنه يحرم عليهم مجاورة الحكم، ويجب عليهم نفيه. وهم مسلمون ممتثلون لأوامره اهـ وفي زمان سيدنا عثمان رده إلى المدينة قيل: بنص عنده في ذلك، وقيل: لأجل القرابة وبلوغ العقوبة حدّها.
الأدب بالهجران
في الصحيح أن في غزوة تبوك تخلف عنه صلى الله عليه وسلم عن غير شك في الدين ولا ارتياب:
كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لا يتهمون في إسلامهم، ثم لحقوا به عليه السلام يعتذرون ويحلفون فصفح عنهم، ولم يعذرهم. وقال للصحابة: لا تكلمنّ أحدا من هؤلاء الثلاثة، يعني كعبا وصاحبيه. فبقوا خمسين ليلة، على ما هو مبسوط في السيرة، والصحيحين من حديث كعب «1» بطوله حتى تاب الله عليهم، وقد قاسوا من هجر المصطفى وأصحابه لهم ما أخبر عنه القرآن بقوله: ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: 18] قوله تعالى: بما رحبت أي مع رحبها، أي سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه قلقا وجزعا تمثل لحيرتهم في أمرهم، وضاقت عليهم أنفسهم، قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم، فلا يسعها سرور ولا أنس.
وفي حديث كعب: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف وفي رواية: وتنكرت لنا الحيطان، حتى ما هي بالحيطان التي نعرف. وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء، حتى قد يجده في نفسه. وعند ابن عائد: حتى وجلوا أشد الوجل، وصاروا مثل الرهبان. وللبيهقي في الدلائل قال: كانوا عشرة رهط، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما رجع صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري
__________
(1) انظر صحيح البخاري ج 5 ص 130 من كتاب المغازي باب 79.
(1/250)

المسجد، وكان عليه السلام ممره إذا رجع في المسجد عليهم فقال: من هؤلاء؟ قال:
هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم، قال:
أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو، فأنزل الله وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [التوبة: 102] فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، وعذرهم إلا أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي صلى الله عليه وسلم بيده ففعل، ولما نزلت توبتهم نادى البشير كعبا فخر ساجدا لله، وقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وما شاه ولم يقم إليه أحد ممن كان في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، فقال له صلى الله عليه وسلم أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك قال النووي: أي سوى يوم إسلامك، وإنما لم ينبه لأنه معلوم لا بد منه.
وفي ترجمة حمزة بن عمر الأسلمي من طبقات ابن سعد، أن حمزة بن عمر هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته وما نزل فيه من القرآن، فنزع كعب ثوبين كانا عليه فكساهما إيّاه قال كعب: والله ما كان لي غيرهما قال فاستعرت ثوبين من أبي قتادة.
يؤخذ من هذه القصة الخلع على المبشر والمنشد، إذا أثر بإنشاده، قال القاضي ابن باديس: كنت بمكة في موسم سنة 755 وكان هناك قاضي قضاة الديار المصرية، عز الدين بن عبد العزيز بن القاضي بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جماعة، وشيخ القدس الشريف الحافظ صلاح الدين العلائي وجماعة من الفضلاء، فوقعت مسألة لبعض الشيوخ الساكنين بالحرم من المتصوفة نقل عنه قصيد يقول فيه:
فيا ليلة فيها السعادة والمنى ... لقد صغرت في جنبها ليلة القدر
فعقدوا عليه بذلك الشهادة، وأفتى بعض أهل الثغر ممن كان هناك بالتشديد عليه، حتى تجاوز بعضهم إلى ما هو أشد، فأراد قاضي القضاة الإيقاع بالقائل. قال لي الشيخ صلاح الدين: فلم أزل أخفض منه وألتمس وجوه السلامة وأقول للقاضي: لا أحب منك التعرض للمتصوفة، ولا المبادرة فيما لم يتحقق الأمر فيه، واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر بخير يوم مر عليك، ومعلوم أنه مرت عليه ليلة القدر، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها خير ليلة مرت عليه، لأن الله تاب عليه فيها، فهذه إنما هي بالنسبة لكل شخص وهو مراد القائل اهـ.
إنما استطردت هذه الفائدة هنا ليعلم مقدار تسامح المحدثين والحفاظ في القديم مع الصوفية، ونزوعهم إلى تدعيم شطحاتهم ومبالغتهم من السنة، قال ابن باديس: نهي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن كلام كعب وصاحبيه دليل وجوب هجران من ظهرت معصيته، أو بدعته ومقاطعتهم، وعدم السلام عليهم إلى أن يقلعوا وتظهر توبتهم تحقيرا لهم وزجرا.
(1/251)

وقال الطبراني: حديث كعب أصل في هجران أهل المعاصي والفسوق والبدع، ألا ترى نهيه عن كلامهم لتخلفهم، ولم يكن ذلك كفرا ولا ارتدادا، وإنما كان معصية ارتكبوها فهجروا حتى تاب الله عليهم، ثم أمر بمراجعتهم فكذا كل من أذنب ذنبا خالف به أمر الله ورسوله مما لا تأويل له، وركب معصية علم منه أنها معصية أن يهجر غضبا لله ورسوله، ولا يكلم حتى يتوب توبة ظاهرة معلومة ولا يلزم هذا في المشركين فإن الإجماع منعقد على جواز مبايعتهم ومعاملتهم. ولا يهجرون.
وذلك وقع من الرسول في هؤلاء وإن كانوا مقرين بالتوحيد والرسالة مع ارتكابهم معصية.
وفي تشنيف المسامع على حديث: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث «1» قال ابن زرقون في شرح الموطأ: هذا مخصوص بحديث كعب بن مالك، وهو أصل في هجر أهل البدع، ومن أحدث في الدين ما لا يرضى، ومن خشي من مجالسته الضرر في الدين، أو في الدنيا، والزيادة في العداوة والبغضاء، فهجرته والبعد عنه خير من قربه، لأنه يحفظ عليك زلاتك ويماريك في صوابك، وربما صرم جميل خير من مخالطة مؤذية.
وانظر الإحياء في كتاب العزلة فقد ذكر حديث: لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، قال: إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه وعليه ينزل قول الحسن: هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى، فإن ذلك يدوم إلى الموت، إذ الحماقة لا ينتظر علاجها.
وقال ابن فرحون في التبصرة: قد عزّر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجر، وذلك في حق الثلاثة الذين خلفوا، وأمر عمر بن الخطاب بهجر صبيغ، الذي كان يسأل عن مشكلات القرآن، فكان لا يكلمه أحد اهـ.
ولما ذكر أبو داود حديث تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله في ذلك اليوم، لكل امرىء لا يشرك بالله شيئا إلا امرآ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا قال: وإذا كانت الهجرة لله فليس شيء من هذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر بعض نسائه أربعين صباحا. وهجر ابن عمر ابنا له حتى مات اهـ.
وقال النووي وردت الأحاديث بهجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة اهـ وقال الزرقاني على الموطأ وأصله للسيوطي: وما زالت الصحابة والتابعون ومن بعدهم يهجرون من خالف السنة أو من دخل عليهم من كلامه مفسدة اه.
__________
(1) حديث: لا يحل لرجل. رواه الإمام مالك في الموطأ في كتاب حسن الخلق ص 906 عن أبي أيوب الأنصاري ونصه: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال.
(1/252)

وفي الحطّاب عن التادلي أنه قال: ويجب أن لا يواصل من لم ترج مودته وائتلافه، وإن طلبك في المواصلة لأن فائدة المواصلة إنما هو تطييب القلوب، وأما من يظهر الود ويكتم البغض فيجب هجرانه اهـ وفي ألغاز ابن فرحون عن أبي بكر الوراق في جامع مختصره الكبير: أن الرجل إذا علم من إنسان أنه يستثقل سلامه فإنه يجوز له ترك السلام عليه، ولا يدخل في الهجرة المنهي عنها اهـ انظر كتاب الجامع من درة الغواص.
عندي في مجموعة رسالة للحافظ السيوطي سماها: الزجر في الهجر، نحو كراسة ملأها نقلا وإسنادا فيما يرجع للتهاجر في الله، وفي هجر أهل البدع في الأعمال، أو الأقوال أو الإعتقاد من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم، صدّرها بقصة كعب وأصحابه وقال فيها؛ جمع بعضهم أسماء من كان يزجر بالهجر من الصحابة فذكر منهم: عائشة وحفصة وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. انظرها وقف على صدر جواهر العقدين في فضل الشرفين للسيد السمهودي ترعجبا لكن قال الشيخ جسوس لدى كلامه على هجران المبتدع: إذا كان لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته لكن يخاف منه إذا هجره وترك مخالطته كان له مخالطته.
باب في معاملته صلى الله عليه وسلم للمستحق بالتعبيس ونحوه
في الموطأ وغيرها عن هشام بن عروة عن أبيه موقوفا، ووصله الترمذي من طريق سعد بن يحيى الأموي، عن أبيه عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت أنزلت «عبس وتولّى» في عبد الله بن أم مكتوم، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا محمد أرشدني وعنده رجل من عظاماء المشركين، في مسند أبي يعلى، أنه أبي بن خلف، وفي تفسير ابن جرير أنه كان يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول: لا والدماء لا أرى بما تقول بأسا فأنزلت: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) «1» .
قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره في سورة عبس: الظاهر أنه كان صلى الله عليه وسلم مأذونا له أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، وكيف لا يكون ذلك، وهو إنما بعث ليؤدبهم ويعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان ذلك كذلك، كان التعبيس داخلا في تأديب أصحابه فكيف وقعت المعاتبة؟ أي في قوله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه
__________
(1) انظر الموطأ، كتاب القرآن ص 203 ج 1 رقم الحديث 8.
(1/253)