Advertisement

التراتيب الإدارية نظام الحكومة النبوية 002



الكتاب: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية
المؤلف: محمد عَبْد الحَيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (المتوفى: 1382هـ)
المحقق: عبد الله الخالدي
الناشر: دار الأرقم - بيروت
الطبعة: الثانية
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الأعمى) قال: والجواب: أنه صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك يوهم ترجيح الدنيا على الدين فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة اهـ.
«لطيفة» قال الصلاح الصفدي إثره في نكت الهميان: ليس هذا مما فيه إيهام تقديم الدنيا على الدين لأن أولئك الكفار؛ لو أسلموا لأسلم بإسلامهم جمع عظيم من أشياعهم وأزواجهم ومن يقول بقولهم، ولهذا المعنى رغب صلى الله عليه وسلم في إسلامهم، وطمع فيها وذلك غاية في الدين اهـ «1» .
وقد أخرج أبو يعلى عن أنس: فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم بعد نزول هذه الآية زاد غيره كما في نكت الهميان للصلاح الصفدي، ويقول صلى الله عليه وسلم إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين.
قلت: بل في شرح منظومة الآداب للسفاريني نقلا عن الخطابي في باب: الضرير يولى في كتاب الإمارة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم لإبن أم مكتوم كلما أقبل، ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. قال وذكره جماعة من غير الخطابي بغير لفظ القيام؛ انظر ص 279 من الجزء الأول.
«نكتة» أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان يقال لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم من الوحي شيئا كتم هذا عن نفسه.
«نكتة أخرى» في كتاب السماع من الإحياء، لدى الكلام على قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: 6] لو قرىء القرآن ليضل به عن سبيل الله كان حراما، كما حكي عن بعض المنافقين، أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا سورة عبس؛ لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهمّ عمر بقتله، ورأى فعله حراما لما فيه من الإضلال اهـ منها ص 517 ج 6 من شرحها طبع مصر.
وفي المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة نقلا عن ابن فرحون: لا يجوز للإمام أن يداوم على قراءة سورة معينة، ويقصد بذلك إضلال الناس كقراءة سورة عبس، وآية الجهاد ونحوها اهـ منه وانظر ألغاز ابن فرحون.
«نكتة» وقد كان الشيخ الوالد رحمه الله عاتب مرة بعض مريديه في وجهه فعرض له بأن المصطفى كان لا يواجه أحدا بما يكره في وجهه، ولكن كان يقول: ما بال أقوام فأجبته بقول المصطفى لأبي ذر، كما في الصحيح: فيك خصلة من خصال الجاهلية، وتعبيسه عليه السلام في وجه ابن أم مكتوم، هذا وجماع القول في الباب أنه عليه السلام كان
__________
(1) انظر نكت الهميان في مقدمته الرابعة ص 27 الطبعة الأولى.
(1/254)

يختلف حاله باختلاف الناس بين راسخ الود ثابت الإعتقاد، وبين غيره من المذبذبين فكان يخاطب كل واحد على حسب منزلته وإيمانه والله أعلم.
باب في قتله عليه السلام بيده
قتل عليه السلام بيده الكريمة أبي بن خلف، في غزوة أحد. وذلك أنه عليه السلام، تناول الحربة من يد الحرث بن الصمة فأخذها عليه السلام وانتفض بها انتفاضة، تطاير منها من حضر تطاير الشّعراء (ذباب صغير له لدغ) عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله عليه السلام فطعنه طعنة في عنقه، وقع بها عن فرسه، فكسر ضلعا من إضلاعه فمات بسرف.
وذكر الحافظ البابلي في سيرته: أنه عليه السلام لم يقتل بيده إلا هذا، وأصله لابن تيمية، كما نقله الزرقاني على المواهب في مواضع. انظر ص 56 من الجزء الأول، وص 54 من الجزء الثاني أيضا وص 304 من ج 4.
وفي مفاتيح العلوم، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف، الكاتب الخوارزمي، لما تكلم على الحربة التي أهدى النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكانت تقدم بين يديه إذا خرج إلى المصلى يوم العيد. قال: وهي الحربة التي قتل بها النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف بيده يوم أحد، وتسمى العنزة أيضا، فأفاد أن الحربة الحبشية هي التي قتل بها عليه السلام.
باب في تعذيبه عليه السلام بالإحراق والهدم ومن بعثه لذلك
روى ابن هشام «1» عن عبد الله بن حاتم عن أبيه قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن تبوك، فبعث صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله، في نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل، واقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا.
وفي غزوة تبوك جاءه عليه السلام خبر مسجد الضرار من السماء، فدعا مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي العجلاني، فقال: انطلق إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدمه وأحرقه، فخرجا فحرقاه وهدماه، وفي رواية: فدعا مالكا ومعنا وأخاه، زاد البغوي: وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، وزاد في التجريد: سويد بن عباس الأنصاري، فقال:
انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه. قال الزرقاني في شرح المواهب:
فيحتمل أنه أرسلهما أولا وخاطبهما بلفظ التثنية، وعززهما بالأربعة، وخاطبهم بالجمع،
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام ج 2 ص 517 تحت عنوان: تحريق بيت سويلم وشعر الضحاك في ذلك طبعة البابي الحلبي 1955.
(1/255)

فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، فخرجا قال ابن إسحاق: أتيا بني سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلاه، وفيه أهله فحرقاه وهدماه، وفي رواية: فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم فأخذ مالك سعفا وأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوه بين المغرب والعشاء، وفيه أهله فحرقوه وهدموه حتى وضعوه في الأرض. وتفرق عنه أصحابه. وراجع ما سيأتي في القسم التاسع لدى الكلام على البناء وصناعته.
وفي الصحيح «1» أن المصطفى عليه السلام أمر بقطع نخل بني النضير، وقال الإمام أبو عبد الله بن غازي، في تكميل التقييد على قول المدونة، وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، وأحرق قراهم. روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وهي البويرة (اسم موضع) وفيها يقول حسان:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
وليس في الأمهات شعر إلا هذا البيت، ولهذا قال الشيخ أبو الفضل ابن النحوي.
أصحبت فيمن له دين بلا أدب ... ومن له أدب عار عن الدين
أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا ... كبيت حسان في ديوان سحنون
باب في معاملته عليه السلام المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك
قصة العرنيين مشهورة خرجها البخاري في مواضع، ولنسقها من باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، أي استوخموها فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وساقوا الغنم. فجاء الخبر في أول النهار، فقمنا في آثارهم فلما ارتفع النهار، جيء بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرّة (أرض ذات حجاة سود) يستسقون فلا يسقون زاد فيه الأوزاعي: حتى ماتوا. وعند ابن أبي عوانة من رواية عقيل عن أنس فيه: فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين، فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة، وقال جماعة منهم ابن الجوزي: إن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص، وفي الصحيح قال: أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.
__________
(1) انظر كتاب الجهاد ج 4/ 23 باب 154.
(1/256)

وخرج مسلم «1» عن أنس قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء، وإلى هذه الرواية أشار البخاري في كتاب الجهاد بتبويبه باب: إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق، وقيل: السبب في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء، من الجوع والوخم، لأن المصطفى دعا بالعطش على من عطّش آل بيته، في قصة رواها النسائي فيحتمل أن يكون في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لقاحه، في كل ليلة كما ذكر ذلك ابن سعد، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
وروى الطبراني والبارودي وابن عدي وغيرهم، من طريق زيد بن الحريش عن عبيد الله بن عمر عن أيوب وعن نافع عن ابن عمر قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعه، وكان غريبا في شدة البرد، فقام رجل يقال له فاتك، فضرب عليه خيمة، وأوقد له نويرة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك فقال: اللهم اغفر لفاتك كما اوى عبدك هذا المصاب.
تنبيه: في شرحي الشفا للخفاجي وابن عبد السلام بناني الفاسي: سئل العتبي عن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: 44] وقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: 25] أي مناسبة بين ذلك وبين الحديد، وما هو إلا كما يجمع بين الضب والنون، فأجاب بأن ملك الملوك سبحانه أرسل رسوله لإجراء أوامره ونواهيه بين عباده، وهما قسمان عقلاء ذوو بصيرة، وإرشادهم بالكتب الإلهية وما حوته من الأدلة القطعية، وجهلة وتسخيرهم بالقهر والإرهاب بالسيف والسنان، فصار المعنى أرسلناهم لضبط العامة والخاصة وأي مناسبة أتم من هذه اهـ.
باب في الرجل يجعل على الأساري
ترجم في الإصابة أسلم بن بجرة «2» الأنصاري، فذكر أنه خرج الطبراني في الصغير من طريق الزبير بن بكار عن عبد الله بن عمرو الفهري عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم الأنصاري قال: جعلني النبي صلى الله عليه وسلم على أسارى بني قريظة الحديث.
وترجم فيها أيضا لبديل بن ورقاء «3» فذكر أن البخاري خرج في تاريخه، عن ابن بديل بن ورقاء عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: أمره بحبس السبايا والأموال بالجعرانة، حتى يقدم عليه ففعل وقال إنه حديث حسن انظر ص 141 من الجزء الأول. وترجم فيها أيضا لمسلم بن أسلم بن بجرة الأنصاري الخزرجي فذكر أن ابن أبي عاصم خرج عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله
__________
(1) انظر كتاب الجهاد للبخاري ج 4/ 22 باب 152 ومسلم كتاب القسامة ص 1296/ 2.
(2) انظر ج 1 ص 37 من الطبعة الأولى سنة 1328 هـ في مصر.
(3) انظر ج 1 ص 141 من الطبعة الأولى.
(1/257)

على أسارى بني قريظة، ينظر إلى فرج الغلام فإذا رآه أنبت ضرب عنقه. وقد أخرجه الطبراني عن أحمد بن المعلى عن هشام.
وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى عليه السلام أمر بأسارى المريسيع فكتفوا وجعلوا ناحية واستعمل بريدة بن الخصيب عليهم، وفيها في ترجمة شقران مولى رسول الله أنه عليه السلام استعمله على جميع ما وجد في رحال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء وجيمع الذرية ناحية.
باب في المقيمين للحدود ومن كان يتولى ذلك (في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)
«قال ابن العربي في الأحكام: الحدود على قسمين الأول إيجابها وذلك للقضاة، وتناول إستيفائها: وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم لقوم منهم علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة» .
باب في الرجل يجعل لقطع الأشجار في الغزو
في ترجمة عبد الغني بن كعب المزني من الإصابة، أنه عليه السلام استعمل أبا ليلى المزني، وعبد الله بن سلام على قطع نخل بني النضير.
(1/258)

القسم الخامس في ذكر العمليات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيها أبواب
(1/259)

العمليات الحربية
باب في الإمارة على الجهاد وفيه فصول فصل في مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وكم غزوة غزاها
«قال في الإستيعاب: أكثر ما قيل في ذلك أن غزواته بنفسه كانت ستة وعشرين غزوة، وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل صناديد قريش، وظهر دينه من يومئذ» .
قلت: هاهنا نكتة لطيفة: لشاعر مصر أحمد بك شوقي في سيرته:
قالوا غزوت ورسل الله ما بعثت ... لقتل نفس ولا جاءت لسفك دم
جهل وتضليل أحلام وسفسفة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
لما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم
والشر إن تلقه بالخير ضقت به ... والشران تلقه بالسيف ينحسم
علمتهم كل شيء يجهلون به ... حتى القتال وما فيه من الذمم
فصل في بعثه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم الأمراء للغزو وفيه عدد بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه
«قال أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب: كانت بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية اهـ وقال غيره: بلغت ستا وخمسين كما ذكر الحافظ الدمياطي، وقيل ثمانية وأربعين، وقيل سبعا وأربعين. وقيل: ستا وثلاثين» .!
باب في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره
«كان يستخلف المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل غزواته، وآخرها غزوة تبوك استخلف محمد بن مسلمة الأنصاري» .
وفي الإصابة نقلا عن ابن عبد البر، وجماعة من أهل العلم بالنسب والسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة، حتى في تبوك وخروجه لحجة الوداع وفي خروجه إلى بدر، ثم استخلف أبا لبابة لما رده من الطريق اهـ وفيها أيضا في ترجمة جعال
(1/261)

ابن سراقة الضمري «1» نقلا عن ابن إسحاق: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق، في شعبان سنة ست استعمل على المدينة جعالا الضمري.
وفيها لما ترجم لسباع بن عرفطة الغفاري ذكر أنه عليه السلام استخلفه على المدينة لما ذهب لغزوة خيبر.
وفيها في ترجمة أبي رهم الغفاري استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة الفتح.
وفي المواهب وشرحها واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة تبوك على ما قال ابن هشام: محمد بن مسلمة الأنصاري قال الدمياطي تبعا للواقدي: وهو عنده أثبت ممن قال استخلف عليا أو سالما أو ابن أم مكتوم.
ولكن قال الحافظ زين الدين العراقي: في ترجمة علي من شرح التقريب، لم يتخلف علي عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خلّفه على المدينة، كما رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح، عن سعد بن أبي وقاص. ولفظه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي بن أبي طالب.
وفي الإستيعاب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة يستخلف عليا في أكثر غزواته.
وفي محاضرات الأبرار للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي: نوابه صلى الله عليه وسلم الذين استعملهم على المدينة في وقت خروجه لغزوة أو عمرة أبو لبابة، وبشير بن المنذر، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن أم مكتوم، وأبوذر وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وسباع بن عرفطة، ونميلة بن عبد الله الليثي، وعريف بن اضبط الديلمي، وأبو رهم ومحمد ابن مسلمة الأنصاري، وزيد بن حارثة، والسائب بن عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وسعد بن عبادة، وأبو دجانة الساعدي، ثم فصل ولاية كل واحد من هؤلاء انظر ص 28 منها ولا بد.
باب في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر
«خلف المصطفى في غزوة تبوك علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم» .
وفي المواهب نقلا عن شرح التقريب. أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف عليا على المدينة وخلفه على عياله اهـ قال الزرقاني: خلّفه على عياله فقال: يا علي اخلفني في أهلي، واضرب وخذ وأعط، ثم دعا نساءه فقال: اسمعن لعلي وأطعن. رواه الحاكم في الأكليل من مرسل عطاء بن أبي رباح.
وأخرج ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص: خلّف صلى الله عليه وسلم عليا على أمر أهله وأمره بالإقامة فيهم اهـ وفي طبقات ابن سعد، لدى ترجمة صفية بنت عبد المطلب: أن النبي
__________
(1) انظر الإصابة ج 1 ص 235 من الطبعة الأولى 1328.
(1/262)

عليه السلام كان إذا خرج لقتال عدوه من المدينة رفع أزواجه ونساءه في أطم حسان بن ثابت، لأنه كان من أحصن آطام المدينة، وتخلف حسان يوم أحد فجاء يهودي، فلصق بالأطم يستمع ويختبر، فقالت: صفية بنت عبد المطلب لحسان: إنزل إلى هذا اليهودي فاقتله فكأنه هاب ذلك، فأخذت عمودا فنزلت فختلته حتى فتحت الباب قليلا قليلا، ثم حملت عليه فضربته بالعمود فقتلته.
باب في الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو يستعمل له فيها مكيدة
ترجم في الإصابة «1» لأوس بن خولي الأنصاري، فذكر عن المدائني وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم: خلفه في عمرة القضاء بذي طوى، ليقطع كيدا إن كادته به قريش، وخلف بشر بن سعد بممر الظهران.
باب في المستنفر
«بعث النبي صلى الله عليه وسلم بسر بن سفيان الخزاعي، مع بديل بن أم اصرم، إلى خزاعة يستنفرهم إلى قتال أهل مكة عام الفتح، ذكره في الإستيعاب وفيه أيضا، أن بديل بن أم أصرم الخزاعي هو الذي بعثه صلى الله عليه وسلم إلى بني كعب يستنفرهم لغزو مكة، هو وبسر بن سفيان الخزاعي ونحوه» .
ونقله عنه في الإصابة انظر ص 149 وفي ترجمة أبي رهم الغفاري منها عن ابن سعد: كان بعثه صلى الله عليه وسلم يستنفر قومه إلى تبوك. وفي طبقات ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بريدة بن الحصيب حين أراد غزوة تبوك إلى أسلم يستنفرهم إلى عدوهم.
باب في صاحب اللواء وفيه فصول فصل في ذكر أول لواء رفع بين يديه صلى الله عليه وسلم
«في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابن حيان الأصبهاني في ذكر قصة الهجرة، ولحاق بريدة به وإسلامه فقال- النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، قال: فحلّ عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه ثم دخل المدينة» .
قلت: اللواء بكسر اللام والمد روى أبو يعلى عن انس: إن الله أكرم أمتي في الألوية وسنده ضعيف، كما في فتح الباري. وهو العلم الذي يحمل في الحرب، ليعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر، وفي الفتح أيضا في كتاب الجهاد: اللواء: الراية ويسمى أيضا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم
__________
(1) انظر الإصابة ج 1 ص 84.
(1/263)

صارت تحمل على رأسه، وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف الراية واللواء فقالوا: في كل منهما علم الجيش ويقال: أصل الراية الهمزة وآثر العرب تركه تخفيفا. ومنهم من ينكر هذا القول ويقول: لم يسمع الهمز، لكن رواه أحمد والترمذي عن بن عباس: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ولواؤه أبيض. ومثله عند الطبراني عن بريدة، ومثله عند ابن عدي عن أبي هريرة، وهو ظاهر في التغاير بين اللواء والراية. وبه جزم ابن العربي فقال: اللواء غير الراية فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الراية. وقيل: اللواء العلم الضخم، والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار. والراية يتولاها صاحب الحرب، فلعل التفرقة فيه عرفية فلا يخالف ما صرح به الجماعة من الترادف.
فصل في ذكر من حمل رايته ولواءه صلى الله عليه وسلم بين يديه (ومن حملها ليقاتل بها)
«فمنهم أبو بكر وعمر، وعلي والزبير بن العوام، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وقيس بن سعد بن عبادة، ومصعب بن عمير، وذلك مفرق في غزواته صلى الله عليه وسلم» . أنظر سيرة ابن هشام والروض وغيره.
فصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها
«في الصحيح: لما ساق قصة الفتح وقول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: إحبس أبا سفيان عند الوادي، ليرى جيوش الله، فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم كتيبة كتيبة، على أبي سفيان فمرت كتيبة فقال: من هذه فقال: هذه غفار، ثم مرت جهينة، ثم مرت سليم، حتى مرت كتيبة لم ير مثلها فقال من هذه؟ قال: هذه الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، حتى جاءت كتيبة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير» .
فصل في عقده صلى الله عليه وسلم الرايات لأمراء البعوث والسرايا (وذكر أول راية عقدها صلى الله عليه وسلم في الإسلام ولمن عقدت)
«في السنة الثانية من الهجرة، بعث صلى الله عليه وسلم عبيدة بن الحرث بن المطلب بن عبد مناف، على سرية وعقد له راية قال ابن إسحاق: فكانت فيما بلغنا أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين، وبعث في تلك المدة أيضا حمزة بن عبد المطلب، إلى جهة أخرى فقال بعض الناس أيضا: إنها أول راية عقدت ويحتمل التوفيق بأن بعثهما متوافق متقارب» .
وروى السراج من طربق زر بن حبيش قال: أول راية عقدت في الإسلام لعبد الله بن جحش.
أقول: وبذلك تعلم ما في قول السيوطي في أوائله: أول ما عقدت الرايات يوم
(1/264)

خيبر، وكانت قبل ذلك الألوية، وعزا ذلك الحافظ في الفتح لإبن إسحاق، وأبي الأسود عن عروة قال الزرقاني في شرح المواهب: وهذا ظاهر في التغاير بينهما انظر ص 453 من الجزء الأول.
(فصل في مقدار الراية)
خرج إسحاق بن إبراهيم الرملي في الأفراد من أحاديث بادية الشام من طريق حرام بن عبد الرحمن الخثعمي عن أبي زرعة الفزعى «1» ثم الثمالي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد له راية رقعة بيضاء ذراعا في ذراع هذا لفظ ابن منده، وفي رواية الدولابي راية بيضاء وقال: اذهب يا أبا زرعة إلى قومك فناد فيهم: من دخل تحت راية أبي زرعة فهو آمن. ففعلت» «2» .
فصل في رسم الهلال فيها
ترجم في الإصابة لسعد بن مالك الأزدي فنقل عن ابن يونس: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وعقد له راية على قومه سوداء، وفيها هلال أبيض. وشهد فتح مصر وله بها عقب. فيؤخذ من هذا أصل رسم صورة الهلال في الراية الإسلامية، وبذلك تعلم ما وقع لصاحب وفيات الأسلاف فإنه قال في ص 380: إن وضع رسم صورة الهلال على رؤوس منارات المساجد بدعة، وإنما يتداول ملوك الدولة العثمانية رسم الهلال علامة رسمية أخذا من القياصرة.
وأصله أن فيلبس المقدوني والد الإسكند الأكبر لما هجم بعسكره على بزنطية وهي القسطنطية في بعض الليالي دافعه أهلها وغلبوا عليه، وطردوه عن البلد، وصادف ذلك وقت السحر.
فتفاءلوا به واتخذوا رسم الهلال في علمهم الرسمي تذكيرا للحادثة. وورث ذلك منهم القياصرة، ثم العثمانية لما غلبوا عليها، ثم حدث ذلك في بلاد قازان اهـ.
فصل في ألوان ألويته وراياته صلى الله عليه وسلم واسم رايته وما كتب على لوائه الأبيض
«قال ابن إسحاق: دفع صلى الله عليه وسلم اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض. وفي سنن النسائي وأبي داود عن جابر: أنه كان لواؤه صلى الله عليه وسلم يوم دخول مكة أبيض:
وفي سنن أبي داود «3» عن سماك بن حرب، عن رجال من قومه، عن واحد منهم قال:
رأيت راية النبي صلى الله عليه وسلم صفراء. الأغبر: ذكر ابن جماعة في مختصر السير في باب سلاح رسول الله أنه كان له لواء أغبر. الأسود: قال ابن إسحاق في أخبار غزوة بدر وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان؛ إحدا هما مع علي بن أبي طالب والآخرى مع بعض الأنصار.
__________
(1) ذكره في الإصابة ثم قال والصواب: أيو رويحة واسمه عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي. 4/ 72.
(2) لم أعثر على هذا النص في كتاب التخريج للخزاعي.
(3) انظر كتاب الجهاد ج 3/ 72 والنسائي 5/ 200.
(1/265)

وذكر عبد الله بن حيان الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم سوداء تسمى العقاب. وفي تاريخ البخاري عن الحرث بن حسان قال: دخلت المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر يخطب وفلان قائم متقلد السيف وإذا رايات سود تخفق قلت: ما هذا؟ قالوا عمرو بن العاص قدم من جيش ذات السلاسل» .
راية الصوف
«قال القضاعي في كتاب «الأنباء» كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم راية تدعى العقاب من صوف أسود» .
قلت: جمع الحفاظ بين هذه الروايات باختلاف الأوقات.
الراية من النمرة
«وهي شملة مخططة من صوف وقيل فيها مثال الأهلة، وفي المحكم النمرة: النكتة من أي لون كان، والأنمر الذي فيه نمرة بيضاء وأخرى سوداء، والنمرة شملة فيها خطوط بيض وسود. قال ابن جماعة في مختصر السير له: وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم راية سوداء مربعة من نمرة مخملة يقال لها العقاب» .
ما كان مكتوبا فيها
«ذكر أبو عبد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن بريدة أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كانت سوداء ولواؤه أبيض زاد ابن عباس مكتوب على لوائه لا إله إلا الله محمد رسول الله» .
قلت: هذا من تقصير الخزاعي في العزو، وإلا فالحديث في مسند أحمد، والترمذي عن ابن عباس، ومثله عند الطبراني عن بريدة الأسلمي وعند ابن عدي عن أبي هريرة أيضا.
اسم رايته صلى الله عليه وسلم
«قال قاسم بن ثابت السرقسطي في الدلائل كان اسم راية النبي صلى الله عليه وسلم العقاب» .
وفي فتح الباري وقيل: كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة، وراية تسمى الريبة بيضاء، وربما جعل فيها شيئا أسود اهـ.
باب في لون راية الأنصار
ترجم في الإصابة «1» لمزيدة العصري فقال ذكرها أبو نعيم وأخرج عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد رايات الأنصار وجعلها صفراء.
__________
(1) انظر ص 406 ج 3. وهو مزيدة بن جابر العبدي العصري.
(1/266)

وفي طبقات ابن سعد أن وفد سليم لما وردوا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: اجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدم ففعل ذلك بهم.
تنبيه- في تاريخ الوزير جودت باشا التركي الشهير نقلا عن تاريخ واصف افندي مقالة يبين فيها ما كان للألوية من الإعتبار في الدول، صدّرها بقوله: إن السر في أحداث السنجق واللواء: هو أنه إذا اجتمع قوم تحت لواء واحد يجعل بينهم الإتحاد، بمعنى أن هذا اللواء يكون علامة على اجتماع كلمتهم ودلالة على اتحاد قلوبهم، فيكونون كالجسم الواحد، ويألف بعضهم بعضا أشد من ائتلاف ذوي الأرحام، وإذا كانوا في معركة القتال لا ييأسون من الظفر، ما دام لواؤهم، منشورا بل تقوى همتهم ويشتد عزمهم، فإذا سقط لواؤهم أخذوا من جانب العدو، وباتوا موضوعا للخوف والرهبة فيهزم بعضهم ويتبدد البعض الآخر، بخلاف ما إذا كان علمهم مرفوعا خافقا مزدهيا تبتهج به نفوسهم فتأخذهم شدة الفرح والبسالة، وتتسلط على أعدائهم هزمة الرعب، فتأخذ بمجامع قلوبهم، وكما أن الموسيقى العسكرية تنعش أرواحهم، وتحثهم على الإقدام والشجاعة، كذلك مناظر الألوية وتموجها فإنها تحدث فيهم دواعي العزة، وتجلب لأعدائهم الدهشة والفتور، وكان لجميع الأمم السالفة والدول الماضية آلات موسيقية، وأعلام عديدة ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم موسيقى بل أعلام فقط الخ انظر بقيته في ص 35 من مقدمة التاريخ المذكور.
باب في تعميم الإمام للصبي
ترجم في الإصابة لقرط ويقال له قريط بن أبي رمثة البلوي، فذكر عن أبي موسى في ذيله عن ابن منده أنه هاجر مع أبيه فلما دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي رمثة ابنك هذا قال نعم أشهد به قال إنه لا يجني عليك ولا تجني ودعا بقرط فأجلسه في حجره ودعا له بالبركة ومسح رأسه وعممه بعمامة سوداء، وهو والد لاهز بن قريط أحد الرؤساء الذين كانوا مع أبي مسلم الخراساني.
أقول: إن صحت هذه القصة كان فيها الدليل لما كنا نرى الشيخ الوالد يعتني به من تعميم من في سن البلوغ أو قريب منه مع إرخاء العذبات، وبذلك تعلم ما في توقف بعضهم في ذلك قائلا: لم أقف على شيء من الأحاديث، ولا من نصوص الفقهاء على الوقت الذي يطلب فيه التعميم. هل هو من بلوغ السبع أو العشر أو حين البلوغ أو حين بدء طلوع اللحية لخ انظر إلى ص 29 من الدعامة في أحكام العمامة. وأهل الحجاز إلى الآن يعتنون بتعميم الصغار، وكأنه عمل قديم متوارث، بدليل ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن مالك قال: لا ينبغي أن تترك العمامة، ولقد أعتميت وما في وجهي شعرة. وفي المدارك قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: إني لأذكر وما في وجهي شعر، وما منا أحد يدخل المسجد إلا متعمما إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/267)

باب في انقسام الجيش إلى خمسة أقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة وكون الرئيس في القلب منها
«كان العرب يسمون الجيش خميسا لقسمه على خمسة أقسام قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة قال ابن إسحاق في السير في أخبار يوم فتح مكة حدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوي أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان الزبير على المجنبة اليسرى وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأعلى مكة وضربت له هناك قبة» .
باب في أمير الرماة
ترجم في الإصابة لعبد الله بن جبير الأنصاري فقال: كان أمير الرماة في أحد، ثبت ذكره في حديث البراء بن عازب في الصحيح «1» ، وفيه أن المشركين لما انهزموا ذهبت الرماة ليأخذوا من الغنيمة، فنهاهم عبد الله بن جبير فمضوا وتركوه.
باب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش
ويلبس الإمام لأمته، ويلبس هو لأمة الإمام حياطة للإمام حتى لا يعرف فيقصد.
«في الإستيعاب: كان كعب بن مالك يوم أحد لبس لأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت صفراء. ولبس النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحا» .
وينبغي أن يذكر هنا أيضا ما وقع في قصة الهجرة، فإن عليا نام على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان قريش يظنونه عليه السلام، فلما أصبح الصباح خرج عليهم علي وذلك ليطمئن بال كفار قريش حتى لا يتبعوه عليه السلام، والقصة شهيرة. وفيها نزل قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: 30] الآية حتى قال الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر المشهور بالجاحظ في كتابه العجيب: التاج في أخلاق الملوك ص 124: يجب على ملوكنا حفظ مقامهم، وصيانته عن كل عين تطرف، وأذن تسمع. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وهو من الله بمكانه المخصوص من كلاءته إياه وحراسة الروح الأمين له، لقد كان يحق عليهم أن يقتدوا به ويمتثلوا فعله، وقد كان المشركون هموا بقتله، فأخبره جبريل بذلك فدعا علي بن أبي طالب فأنامه على فراشه، ونام هو صلى الله عليه وسلم بمكان آخر. فلما جاء المشركون إلى فراشه فنهض منه علي انصرفوا عنه. ففي هذا أكبر الأدلة وأوضح الحجة على ما ذكرنا؛ إذ كانت
__________
(1) انظر كتاب المغازي باب 10 ص 11/ 5.
(1/268)

أنفس الملوك هي الأنفس الخطيرة الرفيعة التي تزن كل من أظلت الخضراء وأقلت الغبراء وكانت الأعاجم تقول: لا ينبغي للملك أن يطّلع على موضع منامه إلا الوالدان فقط، أما من دونهما فالوحشة منه وترك الثقة به أبلغ في باب الحزم، وأوكد في سياسة الملك، وأوجب في الشريعة وأوقع في الهوينا اهـ منه.
باب فيمن كان على مواقف الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وفي المقدمة
«قال ابن إسحاق في السير: وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين في يوم الفتح، وفي الإستيعاب في ذكر خالد بن الوليد أنه كان على مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في بني سليم، وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى يوم الفتح، والزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح على البيادقة، وهم الرجالة وهم أيضا أصحاب الملك والمتصرفون له وبطن الوادي. وفي غزوة بدر الكبرى وكان على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخو بني مازن بن النجار، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف» .
باب في شعار المحاربين والعلامة التي يتعارفون بها في الحرب
خرج أبو يعلى بسند جيد عن علي قال: كان شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم يا كل خير، وروى الطبراني عن عقبة بن فرقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه متأخرا فقال يا أصحاب سورة البقرة. وخرج الإمام أحمد وأبو داود عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع أبي بكر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان شعارنا: أمت أمت مرتين. [3/ 74 كتاب الجهاد] .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن رجل من مزينة أو جهينة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يقولون في شعارهم: يا حرام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حلال.
وترجم في الإصابة لسنان بن وبرة الجهني فذكر أن الطبراني روى من طريق خارجة بن الحرث بن رافع الجهني عن أبيه سمعت سنان بن وبرة الجهني يقول: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة بني المصطلق وكان شعارنا: يا منصور أمت.
وقال في الأوسط: لا يروى عن سنان إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن جهضم.
قال البرهان الحلبي في نور النبراس: أمت. أمر من الموت، والمراد به التفاؤل بالنصر مع الأمر بالإماته مع حصول الغرض بالشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل اهـ.
وفي الغريبين على حديث إذا بيتتم فقولوا حم لا ينصرون عن أبي عبيد أنه قال: كان المعنى اللهم لا ينصرون اهـ.
وذكر في الإصابة أيضا: المهلب رجل غير منسوب فقال: ذكر ابن شاهين من طريق ذكوان مولى لنا قال: كان شعار المهلب: حم لا يُنْصَرُونَ. وقال المهلب: وكان شعاره صلى الله عليه وسلم.
(1/269)

وأخرج النسائي عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنكم تلقون عدوكم غدا فليكن شعاركم: حم لا ينصرون دعوة بينهم «1» .
وأخرج أبو داود «2» والترمذي: إن بيّتكم العدو فقولوا: حم لا ينصرون.
قال بعض الفضلاء من المشارقة قيل: إن معناه إن السور السبع التي فيها حم سورة لها شأن فتنبه صلوات الله وسلامه عليه أن ذكرها لشرف منزلها وفخامة شأنها، يستظهر به على إنزال رحمة الله في نصرة المسلمين، وقوله: لا ينصرون مستأنف كأنه حين قال: حم.
قال له قائل: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: لا ينصرون. قال ابن حبيب: ولم يزل الشعار من أمر الناس.
قال ابن عباس: كان الشعار يوم بدر: يا منصور. ويوم حنين: حم لا ينصرون.
وشعارهم حين انهزموا: يا أصحاب سورة البقرة تخصيصا، حكاه ابن يونس عنه.
قال بعض الشافعية وقد ذكر الحقوق المرتبة على أمير الجيش لهم فعدّ منها: أن يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به، ليصيروا به متميزين، وبالإجتماع به متظافرين. قال:
وروى عروة بن الزبير عن أبيه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد الرحمن شعار الخزرج يا بني عبد الله، وشعار الأوس يا بني عبيد الله، وسمّى خيله خيل الله. قال: وجاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: تسوّموا فإن الملائكة قد تسومت وقد علّم أبو دجانة بعصابة حمراء يوم بدر حين أخذ السيف الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: من يأخذه بحقه. الحديث انظر فوائد الدرر.
وفي ترجمة أبي دجانة سماك بن حرشة من الإستبصار: أنه كان يعلم في الحرب بعصابة حمراء وكان إذا علم بعصابة حمراء يعصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل. وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله بن أبي الخصال الغافقي، في ترجمة سيدنا حمزة الذاهب بصيت الملاحم، وعلاء الأيام المعلم بريش النعامة، ووطيس الحرب في احتماء واحتدام، لتتراآه الأبطال علما من الأعلام يصادم الخميس العرمرم فردا ويبيد الأبطال الممنعين بدا.
باب في الوازع الذي يتقدم إلى الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر
يقال: وزعت الجيش، إذا حبست أولهم على آخرهم.
«في الإكتفاء في قصة الفتح: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة، ولما وقف هنالك قال أبو قحافة وقد كفّ بصره لابنة له من
__________
(1) ورد في أبي داود ج 3 ص 74 عن المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم: إن بيّتم فليكن شعاركم: حم لا ينصرون. ورواه الترمذي في كتاب الجهاد ص 197 ج 3 حسب النص الوارد أعلاه: إن بيتكم العدو فقولوا: (حم لا ينصرون) .
(2) عثرت عليه في أحمد 4/ 289.
(1/270)

أصغر ولده: أي بنية إظهري على أبي قبيس فأشرفت به عليه فقال: أي بنية ماذا ترين؟
قالت: أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعر بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. قال: أي بنية ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ثم قالت: قد والله انتشر ذلك السواد قال: إذا دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي الخ القصة» .
وترجم في الإصابة «1» جندب بن الأعجم الأسلمي فذكر عن الواقدي في غزاة حنين قال: وعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ووضع الرايات والألوية الخ انظر ص 256.
وفي سيرة ابن إسحاق حدثني حبان بن واسع عن أشياخ له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّل أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل الصفوف به فمر سواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو متنقل في الصف قال ابن هشام ويقال: مستنصل من الصف، فطعن في بطنه.
وقال: استو يا سواد القصة انظرها فيه «2» وفي ابن التلمساني على الشفا.
باب في اتخاذ الخيل
«في جامع الترمذي «3» عن علي: كانت أموال بني النضير مما أفاه الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع: الخيل والسلاح عدة في سبيل الله. قال الترمذي: حسن صحيح. وذكر ابن إسحاق في غزوة بني قريظة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بها خيلا وسلاحا» .
حديث «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» رواه البخاري «4» ومسلم من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر. قال الخطابي: فيه الإشارة إلى أن المال المكتسب بالخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها، والعرب تسمي المال خيرا كما في قوله: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: 180] وقال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب، لأنه لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم في شيء غيرها مثل هذا القول.
وفي النسائي لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل، وانظر كتاب الخيل للحسن بن عرفة، وللحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وللحافظ السيوطي كتاب جر الذيل من علم الخيل، وللشمس محمد بن الأمير عبد القادر الجزائري كتاب الصافنات الجياد وهو مطبوع أيضا. واختصر وهو مطبوع أيضا. وللشمس
__________
(1) انظر ص 247 ج 1 من الإصابة الطبعة الأولى.
(2) انظر سيرة ابن هشام ص 626 المجلد الأول.
(3) انظر الترمذي ج 4 ص 216 من كتاب الجهاد رقم الحديث 1719.
(4) انظر صحيح البخاري ج 3 ص 215 من كتاب الجهاد رقم الباب 43- 44.
(1/271)

محمد بن محمد البخشي الخلوتي رشحات المداد فيما يتعلق بالصافنات الجياد وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر، وللحافظ ولي الدين أبي زرعة العراقي المصري «فضل الخيل» وما جاء فيها من الفضل والنيل. وللحافظ سراج الدين محمد بن رسلان البلقيني «قطر السيل في أمر الخيل» لخصه من تأليف الخافظ الدمياطي، وزاد عليه أشياء و «حلية الفرسان وشعار الشجعان» لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن المعروف بابن هذيل الأندلسي. وتحفة الأنفس وشعار سكان الأندلس، له أيضا وهو ينقسم إلى قسمين: الأول في الجهاد والثاني:
في الخيل والسلاح، وكتاب يقظة الناعس في تدريب المجاهد الفارس، وتهذيب الإمعان في الشجاعة والشجعان، وراحة القلوب والأرواح في الخيل والسلاح.
ذكر خيله صلى الله عليه وسلم
«ذكر ابن جماعة في مختصر السير: خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: منها السكب، وهو أول فرس ملكه، اشتراه صلى الله عليه وسلم من أعرابي وكان أغر محجلا طلق اليمين كميت، وقال ابن الأثير: كان أدهم، ثم عدّد أسماء أفراس سبعة متفق عليها، وقيل: كانت له صلى الله عليه وسلم أفراس أخر 15 مختلف فيها، وكان عليه السلام يسابق عليها ويجلس لذلك في الملأ العام، ويفرح للسابق وراكبه.
وفي الأكتفاء كان عمر رضي الله عنه قد اتخذ في كل مصر خيولا على قدره من فضول أموال المسلمين عدة لما يعرض فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس يشتّيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته في مكان لأجل ذلك يسمى الآري ويربعها فيما بين الفرات من الكوفة مما يلي العاقول فسمته الأعاجم آخور الشاهجان يعنون معلف الأمراء وكان قيّمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة يجريها كل يوم وبالبصرة نحو منها وقيمه عليها جزء بن معاوية وفي كل مصر من الأمصار على قدره.
وفي الأستيعاب: معاوية أول من قيدت بين يديه النجائب» .
وفي التهذيب للنووي كان له عليه السلام أفراس فأول فرس ملكه السكب، بفتح السين المهملة وإسكان الكاف وبالباء الموحدة، وكان أغرّ محجلا طلق اليمنى، وهو أول فرس غزا عليه وفرس آخر يقال له سبقة، وهو الذي سابق عليه فسبق وفرس آخر يقال له المرتجز وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت، وقال سهل بن سعد: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس: لزاز بكسر اللام وبزاءين والظرب بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء، واللحيف بضم اللام وفتح الحاء المهملة، وقيل: بالمعجمة فأما لزاز فأهداه له المقوقس، واللحيف أهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض، والظرب أهداه له فروة بن عمر الجذامي، وكان له فرس يقال له الورد أهداه له تميم الداري، وهبه لعمر. وكان له صلى الله عليه وسلم دلدل يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبرت وذهبت أسنانها، وكان يحش لها الشعير وماتت بينبع، وكان له صلى الله عليه وسلم ناقته العضباء، ويقال لها الجدعاء
(1/272)

والقصواء، وقيل هي ثلاث. وكان له حمار يقال له عفير، وكان له في وقت عشرون لقحة، ومائة شاة، وثلاثة أرماح وثلاثة أقواس وستة أسياف ودرعان وترس، وانظر كتاب أمتاع الإسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع للتقي المقريزي وهو في ست مجلدات.
فائدة في حواشي ابن غازي على الصحيح نقلا عن ابن بطال على قول الراوي: كان السلف يستحبون الفحولة ما نصه: لم ينقل عن السلف ركوب الإناث، إلا عن سعد بن أبي وقاص فإنه كانت له فرس أنثى بلقاء.
أعجوبة ترجم الحافظ في الإصابة للزبرقان بن بدر بن امرىء القيس التميمي السعدي الصحابي الجليل ذكر الكوكبي أنه وفد على عبد الملك، وقاد إليه خمسة عشرين فرسا ونسب كل فرس إلى آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس منها يمينا غير التي حلف بها على غيرها. فقال عبد الملك: عجبي من اختلاف أيمانه أشدّ من عجبي بمعرفته بأنساب الخيل.
باب في المسرج
«في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابن حيان الإصبهاني، عن أبي عبد الرحمن الفهري قال:
شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في يوم صائف شديد الحر فقال: يا بلال أسرج لي فرسي فأخرج سرجا رقيقا من لبد ما فيه بطر ولا أشر؛ وفي مسند أبي داود الطيالسي من حديث أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين، وذكر قصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال فثار من تحت الشجرة كأن ظله ظل طائر قال: لبيك وسعديك، وأنا قدامك قال: أسرج لي فرسي، فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر» .
باب من أي شيء كان سرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
«في كتاب ابن حيان أنه من لبد وعن الطيالسي والسجستاني أنه من ليف، ولم يجىء في أشعار العرب في سروجها إلا أنها من لبد» .
باب في ذكر من أخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ركوبه
«خرج النسائي عن عبد الله بن بشر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فذكر قصة قال: ثم قام يركب بغلة له بيضاء فقمت لآخذ بركابه» .
ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه
«ذكر الثعالبي في فقه اللغة، والمطرزي في اليواقيت، عن ابن عباس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا في سرية فرأيته قد ألبسه ثيابه وعممه. فركب علي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له ويوصيه وصفن ثيابه في سرجها أي جمعها» .
(1/273)

باب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليه وفيه فصول فصل في أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق بين الخيل
«في البخاري عن ابن عمر قال: سابق رسول الله بين الخيل التي أضمرت فأرسلها، وكان ابن عمر ممن سابق عليها. سابق بين الخيل أجراها ليرى أيها اسبق» .
فصل في ذكر مسابقة النبي صلى الله عليه وسلم بخليه وذكر من ركبها من الصحابة للمسابقة بها
«ذكر أبو عبيد البكري عن الزهري قال: سبق سهل بن سعد الساعدي على فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له الظرب، فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا يمانيا. وسبق أبو أسيد الساعدي على فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما طلع الفرس جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وأطلع من الصف وقال: كأنه بحر، وكسا أبا أسيد حلة يمانية» .
وقد ترجم البخاري في الصحيح باب السبق بين الخيل «1» وباب إضمار الخيل للسبق وباب السباق للخيل المضمرة وترجم الترمذي باب المراهنة على الخيل. انظر فتح الباري.
باب في صاحب الراحلة الناقة
«ذكر ابن جماعة والقسطلاني في ذكر خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم بن شريك بن عوف قال: وكان صاحب راحلة صلى الله عليه وسلم»
قال الزرقاني: أي الذي كان ينزل الرحل عنها ويضعه عليها.
وفي معجم الطبراني من طريق الهيثم بن رزين، عن أبيه عن الأسلع بن شريك الأشجعي، عن الربيع بن بدر، حدثني أبي عن أبيه، عن رجل يقال له الأسلع قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأرحّل له فقال لي ذات يوم: يا أسلع قم فارحل فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، ثم خرج عنه أيضا قال: كنت أرحل ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقته وأنا على جنابة، فأسخنت ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: يا أسلع مالي أرى راحلتك تغيرت، فقلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحّلها رجل من الأنصار قال: ولم؟ قلت: أصابتني جنابة فأمرته يرحلها.
قال الحافظ في الإصابة: وقع للشيخ مغلطاي في شرح البخاري أول التيمم نسبة قصة الأسلع إلى الجاحظ في كتاب البرهان «2» ، وهذا تقصير شديد منه مع كثرة إطلاعه. وأخرج الحاكم أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك كان يرحل له صلى الله عليه وسلم في بعض اسفاره، وفي
__________
(1) انظر كتاب الصلاة باب 41 ج 1/ 108.
(2) انظر الإصابة ج 1 ص 37 في ترجمة الأسلع الأعرجي.
(1/274)

ترجمة كلثوم بن الهدم من الإستبصار: صاحب رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف بذلك.
باب في صحاب البغلة
«ذكر ابن جماعة في مختصر السير له في ذكر خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عقبة بن عامر الجهني، كان صاحب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقود به في الأسفار» .
وقال الزرقاني في شرح المواهب: رفقا به صلى الله عليه وسلم في صعود الدابة لمرتفع، وهبوطها منه أو خروجها عن الطريق، وأنه كان في سيره مشغولا بالعبادة كصلاة نافلة، واشتغاله بالدابة يشغله عن ذلك اهـ ص 341 من الجزء الثالث وأصله للشبراملسي قلت: وقع ذكر عقبة بذلك في مسند أحمد وأبي داود والنسائي وكان عامر المذكور عالما بالفقه والفرائض شاعرا مفوّها ولي مصر لمعاوية.
فائدة: في أوائل السيوطي: أول بغلة ركبت في الإسلام دلدل، بغلة النبي صلى الله عليه وسلم، أهداها إليه المقوقس، وعزا ذلك لابن سعد، عن محمد بن إبراهيم التميمي وفيها: أن أول بغلة شهباء رؤيت بالمدينة البغلة التي أهداها فروة بن عمرو الجذامي للنبي صلى الله عليه وسلم.
وترجم في الإصابة لبسر بن أبي بسر المازني فذكر أن ابن السكن خرّج عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم وهو راكب على بغلة، كنا نسميها الحمارة الشامية انظر ص 153 وترجم فيها أيضا لفروه بن عامر الجذامي عامل الروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فذكر إسلامه وإهداءه للمصطفى صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء انظر ص 213/ 3.
وفي آخر كتاب بدء الخلق من تشنيف المسامع على الصحيح الجامع على قول الراوي: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر. ابن العربي سؤال السائل عن الحمير لأنها لا كرّ فيها ولا فرّ كالخيل، ولأنهم لم تكن لهم بغال، ولا دخل الحجاز منها شيء، إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم دلدل التي أهداها إليه المقوقس اهـ.
عبارة ابن سعد في الطبقات: لما ذكر إهداء المقوقس له عليه السلام دلدل ولم يكن في العرب يومئذ غيرها، وذكر غيره بغالا كانت له عليه السلام غير هذه، فعلها دخلت بعدها.
وذكر في السير أنه كان المرتجز من أفراسه عليه السلام أشهب، وكذلك كان حماره عفير أشهب أيضا، وكانت ناقته القصواء شهباء، وهي التي هاجر عليه السلام عليها، وبغلة شهباء،
باب في القائد
«تقدم أن عقبة كان يقود به في الأسفار، وفي سنن أبي داود عن أم الحصين قالت: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» «1» .
__________
(1) انظر كتاب الحج ج 2/ ص 416 ورقمه 1834. وأول الحديث: حججنا.
(1/275)

وذكر الطبري أن حسان الأسلمي وخالد بن يسار الغفاري، كانا يقودان بالنبي صلى الله عليه وسلم.
انظر المواهب وشرحها ص 345 الجزء الثالث.
باب فيمن كان يسوق به صلى الله عليه وسلم
ذكر في الإصابة حسان الأسلمي فنقل عن الطبري أنه كان يسوق بالنبي صلى الله عليه وسلم هو وخالد بن يسار الغفاري وقال استدركه ابن فتحون انظر ص 10 الجزء الثاني «1» . وفي الإستبصار في أنساب الأنصار، أن الحارث بن الصمة، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان يسوق به فقال الشاعر:
يا رب إن الحارث بن الصمة ... أهل وفاء صادق وذمة
أقبل في مهامه ملمة ... في ليلة ظلماء مدلهمة
يسوق بالنبي هادي الأمة ... يلتمس الجنة في مؤتمة
باب في سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم
ترجم في الإصابة لخالد بن سيار بن عوف الغفاري، فنقل عن ابن الكلبي: كان سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم، هو وحسان الأسلمي، ذكره ابن شاهين والطبري ابن شاهين والطبري انظر ص 92 الجزء الثاني.
باب في صاحب بدن النبي صلى الله عليه وسلم
ترجم في الإصابة لناجية بن جندب الأسلمي فقال فيه: كان صاحب بدن النبي صلى الله عليه وسلم.
باب في راعي لقاح النبي صلى الله عليه وسلم
ترجم الحافظ في الإصابة لذر بن أبي ذر الغفاري، فقال: ذكر الحافظ شرف الدين الدمياطي في سيرته، أنه كان راعي لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي كانت بالغابة، وترجم في الإصابة أيضا لغريب [بوزن عظيم] المليكي فذكر عن ابن السكن فقال إنه كان راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ص 240 من الجزء الرابع. وفي الطبعة الأولى، ص 479/ 2.
باب فيمن كان يقوم بلقاحه صلى الله عليه وسلم
ترجم في الإصابة لرباح مولاه عليه السلام فذكر عنه ذلك.
باب فيمن كانت عنده خيل النبي صلى الله عليه وسلم
ترجم في الإصابة لسعد بن مالك الساعدي، فذكر أن أبا نعيم خرّج عن أبي العباس، عن أبيه عن جده قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أفراس.
__________
(1) من الطبعة الأولى ص 328 ج 1 ورقم صاحب الترجمة 1711.
(1/276)

باب في جماله عليه السلام
ترجم في الإصابة «1» لعبد الملك بن أبي بكر فقال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم مع تميم الداري وكنت جمّاله. استدركه ابن الأمين اهـ وهكذا في الإختصار: ونصه عبد الملك بن أبي كثير، وقد مع تميم الداري وكان جماله اهـ من خط مؤلفه ولكنه جعله ابن أبي كثير لا ابن أبي بكر كما بالنسخة المطبوعة بمصر ثم وجدته في التجريد على ما عند العراقي ابن أبي كثير ونقل نحو ما ذكر عن ابن بشكوال، إلا أن ما بعده تصحف في النسخة المطبوعة في الهند انظر ص 387 منها.
باب فيمن كان يمسك دابة المصطفى في خيبر عن القتال
ترجم في الإصابة لكركرة مولاه عليه السلام، فنقل عن الواقدي: كان يمسك دابة النبي صلى الله عليه وسلم عند القتال في يوم خيبر
باب فيمن كان يأخذ بركابه عليه السلام وهو على الناقة
ترجم في الإصابة منقع بن الحصين التميمي السعدي فذكر أن ابن السكن أخرج عنه؛ أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم على ناقة، وأسود آخذ بركابه، قد حاذى رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيت من الناس أطول منه «2» .
وفي مسلم في غزوة خيبر، عن العباس بن عبد المطلب، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار، وأنا آخذ بلجامها، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بركابها. وقد بوّب البخاري في كتاب المغازي باب الركاب والغرز للدابة، قال في الفجر الساطع: الركاب:
يكون من حديد أو من خشب، وهو للفرس. والغرز: جلد وهو للجمل بمنزلة الركاب للفرس، أي جواز اتخاذ ما ذكر. وأشار به إلى أن ما ورد عن عمر من قوله: إقطعوا الركاب، وثبوا على الخيل وثبا، ليس على منع اتخاذ الركاب أصلا وإنما أراد تدريبهم على الوثوب. قاله ابن بطال اهـ.
وفي ابن التلمساني على الشفا: أول من ضرب الركاب من حديد المهلب بن أبي صفرة اهـ.
باب فيمن كان يأخذ بخطام ناقته عليه السلام
في ترجمة أبي كامل الأحمسي من الإصابة عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، يخطب الناس يوم عيد على ناقة، وحبشي يمسك بخطامها. وأصله في طبقات ابن سعد انظر ص 345/ 6.
__________
(1) انظر الإصابة ج 2 ص 431 رقم الترجمة: 5262.
(2) الإصابة ج 3 ص 464.
(1/277)

وفي الصحيح في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ربّ مبلّغ أوعى من سامع، من كتاب العلم:
عن أبي بكرة أنه عليه السلام قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال في فتح الباري: الشك من الراوي، والزمام والخطام بمعنى الخيط الذي تشد فيه الحلقة، التي تسمى بالبرة بضم الموحدة وتخفيف الراء المفتوحة في أنف البعير، وهذا الممسك سماه بعض الشراح بلالا واستند إلى ما رواه النسائى من طريق أم الحصين، قالت: حججت فرأيت بلالا يقود بخطام راحلة النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
ووقع في السنن من طريق عمرو بن خارجة قال: كنت آخذا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر بعض الخطبة، فهو أولى ما يفسر به المبهم من بلال، لكن الصواب أنه هنا أبو بكرة، فقد ثبت ذلك في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن عون، ولفظه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته يوم النحر، وأمسكت إما قال بخطامها وإما قال بزمامها، واستفدنا من هذا أن الشك ممن دون أبي بكرة، لا منه وفائدة إمساك الخطام صون البعير عن الإضطراب، حتى لا يشوش على راكبه اهـ كلام الفتح.
ووجدت قصة في أسد الغابة تدل على أن الصحابة كانوا لا يحبون أحدا ينازع المكلف بشؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان المصطفى «1» وهم يحبون اختصاص كل مكلف بما كلف به، وذلك أنه ترجم سعد بن الآخرم فقال: مختلف في صحبته، سكن الكوفة روى عنه ابنه المغيرة، روى عيسى بن يونس ويحيى بن عيسى عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن المغيرة بن سعد بن الآخرم عن أبيه أو عن عمه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأريد أن أسأله فقيل لي: هو بعرفة فاستقبلته فأخذت بزمام ناقته فصاح بن الناس، فقال: دعوه. ثم ذكر قصة انظرها ص 267 من الجزء الثاني وفي آخر القصة قول المصطفى له: دع الناقة ثم قال ذكره أبو أحمد العسكري.
باب في الحادي
(الحدو سوق الإبل والغناء لها) .
«في سنن النسائي عن عبد الله بن رواحة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال له:
يا ابن رواحة، إنزل فحرك الركاب، فقال: يا رسول الله قد تركت ذلك، فقال عمر، اسمع وأطع قال فرمى بنفسه فقال: اللهم لولا أنت ما اهتدينا.
وفي النسائي عن عبد الله بن مسعود قال: كان معنا ليلة نام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس حاديان. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أنس: كان أنجشه يحدو بالنساء، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال، وكان أنجشة حسن الصوت، وكان إذا
__________
(1) قوله: بل كان المصطفى جملة معترضة غير تامة!
(1/278)

حدا أسرعت الإبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنجشة رويدك (أي على مهل) بالقوارير (أواني الزجاج) الواحدة قارورة شبه النساء لضعف قلوبهن بقوارير الزجاج» .
من كان على هديه عليه السلام في حجة الوداع
خرج عليه السلام لحجة الوداع ومعه هدي كثير كان عليه كما قال ابن سعد ناجيه بن جندب الأسلمي، وكان على جميع الهدي الذي ساقه من المدينة. انظر الطبقات.
باب في صاحب السلاح وفيه ذكر سلاحه عليه السلام
«تقدم عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث سعيد بن زيد إلى نجد ليبتاع له الخيل والسلاح، واتخذ صلى الله عليه وسلم أنواع السلاح التي كانت موجودة إذ ذاك عند الأمم. كان له من السيوف تسعة لكل واحد إسم يخصه» .
قلت: قد نظمها الشيخ عبد الباسط سبط السراج البلقيني فقال:
لهادينا من الأسياف تسع ... رسوب والمخذم ذو الفقار
قضيب حتف والبتار عضب ... وقلعي ومأثور الفجار
وحكمتها تناسب آي موسى ... وكلّ للعدا سبب البوار
واستدرك بعضهم سيفا آخر سماه المعصوب، وقال البدر القرافي: هو من أسياف النبي صلى الله عليه وسلم، واستدرك غيره سيفا آخر سماه الصمصامة انظر شرح ابن الطيب الشرقي على سيرة ابن الجزري، وانظر مادة حسم وعضب وفقر ورسب من حواشي ابن الطيب على القاموس «1» .
أين كان عليه السلام يجعل السيف منه
والسنة في حمله عليه السلام السيف تقلده به في عنقه الكريم، كما قاله ابن الجوزي، لا شدّه في وسطه كما هو العرف الآن، ونقله الزرقان في شرح المواهب ص 335 من ج 4، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا، قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه وهو يقول: لن تراعوا وهو في الصحيحين وأبي داود والترمذي. قال الزرقاني على قوله: والسيف في عنقه أي حمائله معلقة في عنقه الشريف متقلدا به، وقال الخفاجي في شرح الشفا قوله والسيف في عنقه، أي حمائله معلقة في عنقه الشريف متقلدا به عليه السلام، وعلم أن هذا هو السنة في حمل السيف، كما قال ابن الجوزي لا شدة في وسطه، كما هو المعروف الآن اهـ.
__________
(1) في كتاب الخزاعي ص 416 تفصيل حسن لسيوف النبي صلى الله عليه وسلم واسم كل منها ومتى وقع في يد النبي صلى الله عليه وسلم. فليت المؤلف نقل كلام الخزاعي بتمامه.
(1/279)

وقال الزرقاني في غزوة أحد: وتقلد سيفه، أي جعل علاقته على كتفه الأيمن، وهو تحت ابطه الأيسر، وعند ابن سعد: أظهر الدّرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه، وتقلد السيف وألقى الترس في ظهره اهـ.
وكان يحلي السيف وآلة الحرب بالذهب والفضة، وكان له خمس أرماح وعدة حرب وغزاة ودروع 7 وبيضة وقال ابن جماعة في سيرته: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جباب يلبسها في الحرب؛ منها جبة سندس أخضر رقيق الديباج، ولبس صلى الله عليه وسلم ضيقة الكمين، وكان لرسول الله منطقة (المنطقة ما شددت به وسطك من أديم جلد) مبشر وفيها ثلاث حلق من فضة، والأبزيم فضة والطرف من فضة، ونحوه لأبي الفتح اليعمري في سيرته وذكر ابن سعد وغيره أنه صلى الله عليه وسلم يوم أحد: حزم وسطه بمنطقة وأقره اليعمري وغيره، قال الزرقاني في شرح المواهب فقول ابن تيمية لم يبلغنا أنه شد على وسطه بمنطة تقصير، فابن سعد ثقة حافظ فهو حجة على النافي، ولا سيما أنه نفى ولم يطلق النفي فدع عنك قيل وقال اهـ ودخل صلى الله عليه وسلم عام الفتح مكة وعلى رأسه المغفر، والمغفر ما يجعل من الزرد على الرأس مثل القلنسوة والخمار، وهو حديث مشهور أفرده جماعة من الحفاظ بعدة مصنفات.
لطيفة للشيخ علاء الدين علي بن محمد السعدي المتوفى عام 717 رسالة في المفاخرة بين السيف والرمح، ولأبي حفص أحمد بن محمد بن أحمد الكاتب الأندلسي، وكان حيا بعد عام 404 مفاخرة بين السيف والقلم، ولعلي بن هبة الله بن ماكولا المفاخرة أيضا بين السيف والقلم والدينار، ولإبن نباتة أيضا وغيرهم.
غريبة في شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي عن المرغيناني: لما استولى عمر على خزائن كسرى أمر سراقة وكان أطول أصحابه أن يلبس قباء كسرى فلبسه، ثم قال له تحزم فتحزم ثم قال تمنطق فشد المنطقة، وكانت مذهبة فيها فصوص من جواهر فدل على الجواز اهـ منه.
باب في حامل الحربة بين يديه عليه السلام
«ذكر أبو محمد بن حيان الأصبهاني عن ابن يزيد قال: بعثني نجدة الحروري إلى ابن عباس أسأله: هل سيّر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحربة قال: نعم مرجعه من حنين» .
وتقدم أن النجاشي ملك الحبشة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حربة، وكانت تقدم بين يديه إذا خرج إلى المصلى يوم العيد، وتوارثها الخلفاء، وأنها الحربة التي قتل بها النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف بيده يوم أحد، وتسمى العنزة أيضا.
باب في حامل السيف
«في الإستيعاب والروض الأنف ونور النبراس، أن الضحاك بن سفيان بن كعب، كان أحد الأبطال يقوم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفه، وكان يعد بمائة فارس وحده، وذكر ابن بدر:
(1/280)

أن الضحاك بن سفيان كان سياف النبي صلى الله عليه وسلم، قائما على رأسه متوشحا بسيفه» «1» . التوشح بالسيف التقلد به.
وفي قصة صلح الحديبية أن عروة «2» كان يكلم المصطفى صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف وعليه المغفر. قال الحافظ في الفتح؛ فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف لقصد الحراسة ونحوها، من ترهيب العدو. ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس، لأن محله إذا كان على وجه العظمة والكبر اهـ.
وقال الإمام مجد الدين بن تيمية في المنتقى على قيام المغيرة المذكور: فيه استحباب الفخر والخيلاء في الحرب لإرهاب العدو، وأنه ليس بداخل في ذمّه لمن أحب أن يتمثل له الرجال قياما، وكذا قال غيره وقال الخطابي: فيه دليل عى أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه في مقام الخوف، ومواطن الحروب جائز، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: من أحبّ أن يتمثل له الرجال صفوفا فليتبوأ مقعده من النار، هو لمن قصد به الكبر، وذهب مذهب النخوة والجبرية اهـ.
قال الإمام ابن مفلح في الآداب الكبرى: ولعل المراد أن من فعل ذلك لمقصد شرعي لا بأس به اهـ.
باب فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم
ترجم لهم في سيرة ابن سيد الناس، فذكر خمسة وهم: علي بن أبي طالب والزبير، والمقداد، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت، وزاد ابن القيم: الضحاك بن سفيان الكلابي. قال في نور النبراس: ولم يذكر ابن سيد الناس منهم عويمر بن ساعدة، ولا عثمان، ولا شخصا من الأنصار. وقد ذكر المصدر (ابن سيد الناس) في غزوة أحد، في قصة الحرث بن سويد بن الصلت، أنه قدمه عليه السلام فضرب عنقه، ضربه عويمر بن ساعدة، ولعل المراد من كان يتكرر ذلك منه اهـ.
وفي المواهب: وكان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحّاك بن سفيان، والأخير كان شجاعا يعد بمائة فارس.
باب في الصيقل
صقل السيف حلاه. «في الإستيعاب: مرزوق الصيقل، مولى الأنصار، له صحبة صقل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
__________
(1) وانظر في الإصابة ج 2 ص 206 ترجمة الضحاك بن سفيان بن عوف الكلابي رقم الترجمة 4166.
(2) هو عروة بن مسعود الثقفي، انظر سيرة ابن هشام ج 2 ص 313.
(1/281)

وفي الإصابة أخرجه البغوي والطبراني من طريق محمد بن حمير قال: حدثنا أبو الحكم حدثني مرزوق الصيقل: أنه صقل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الفقار، وكان له قبيعة من فضة وحلق في قيده وبكرة في وسطه من فضة، ثم تردد في الجزم بصحبته بعد أن نقل عن العسكري وغيره فيه: له صحبة. وعن ابن حبان يقال: إن له صحبة.
«تنبيه» - الآلات القتالية من نبل وسيف وحربة هي التي كانت معروفة لذلك العهد، وأما المدافع وما يرجع إليها فحادث، ولأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد غانم الأندلسي كتاب سماه: العز الذائع في المجاهدين بالمدافع، وهو كتاب عديم الوجود توجد منه نسخة بمصر الآن، وللإمام الحافظ بدر الدين بن جماعة المقدسي كتاب سماه: مسند الأجناد في آلات الجهاد، ذكره له ابن سليمان الرداني في صلته.
«تتمة» في فتح الوهاب على هداية الطلاب، للشيخ سيدي المختار بن أحمد الكنتي:
مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في صدر الإسلام، لا يضع الرجل فيها سلاحه لقلة الأمن، لأن جميع أهل الأرض أعداء لهم.
قلت: ويؤيده ما ورد من الترغيب في حمل السلاح، ولو في الصلاة. وانظر المدخل وغيره.
باب في الدليل في الطريق دليله صلى الله عليه وسلم في الهجرة
«استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة كما في الصحيحين رجلا من بني هذيل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، دليله صلى الله عليه وسلم في أحد: أبو حتمة بن الحارث، كما في ابن إسحاق، دليله في غزوة الحديبية رجل من أسلم» .
ترجم في الإستيعاب سعد العرفي فقال: كان دليله عليه السلام إلى المدينة في هجرته «1» ، وترجم في الإصابة: تبيع الحميري ابن امرأة كعب الأحبار، ونقل عن أبي بكر البغدادي أنه ذكره في الطبقات العليا من أهل حمص التي تلي الصحابة، وقال كان رجلا دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم. قال فعرض عليه الإسلام فلم يسلم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ص 190 من الجزء الأول، وترجم فيها أيضا لثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري، فذكر ابن أبي داود وابن السكن خرّجا من طريق أبي بكر بن أبي الأسود: كان ثابت بن الضحاك رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. انظر ص 201 وترجم فيها أيضا جبار الثعلبي فذكر عن الواقدي أنه كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى غطفان انظر ص 302 من الجزء
__________
(1) ذكر في الإصابة أثناء ترجمته لأم معبد الخزاعية ص 497 ج 4 اسم عبد الله بن أريقط الذي كان دليلا للنبي صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مولاه. وقد نقل ذلك عن الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة نفس الورقة!! محققه.
(1/282)

الأول، وترجم فيها أيضا جميل الأشجعي، فذكر أنه عليه السلام استأجره بعشرين صاعا ليدل أصحابه على طريق خيبر ففعل ثم أسلم، وترجم أيضا [396/ 3] مذكور العذري فنقل عن الواقدي أنه كان دليل المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم نقل عن الحاكم في الإكليل راويا بسنده لما أراد عليه السلام أن يدنو من الشام ومعه دليل خريت هاد من بني عذرة الحديث انظر ص 76 من ج 6.
باب في البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك (ويتخذ علما لبلوغ دعوته ثمة)
في السير «1» أنه عليه السلام لما خرج في غزوة الطائف سلك على نخلة اليمانية بحرة الرّغاء فابتنى فيها مسجدا وصلى فيه قال: ابن باديس: فيه بناء المساجد في المفازات، والمواضع العامرة لتكون علما على الإسلام وبلوغ الدعوى اهـ.
وفي المواهب لدى الكلام على غزوة تبوك: وبنى في طريقة مساجد. قال الزرقاني:
عشرين أي كان سببا في بنائها للصلاة أي تلك الأماكن أو علّم عليها، فبنيت بعده اهـ وهو تكلف.
باب في مسهل الطريق
«في الإستيعاب غالب بن عبد الله الليثي هو الذي بعثه صلى الله عليه وسلم يسهل له الطرق» .
وعزا ذلك في الإصابة لتخريج البخاري في التاريخ والبغوي وزاد: ولأكون له عينا.
[انظر الأصابة: 3/ 183] .
باب في ذكر من يطأطأ هامته للإمام ليركب
ترجم في الإستيعاب مارية خادمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تكنى أم الرباب حديثها عند أهل البصرة أنها تطأطأت للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين اهـ منه ص 778 وترجمها في الأصابة وزاد «2» . قلت وأخرجه ابن منده من طريق يعلى بن أسد عن عبد الله بن خبيب عن أم سليمان عن أمها عن جدتها مارية قالت: تطأطأت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره والعجب من الخزاعي كيف أهمل هذه الترجمة مع أن الإستيعاب كان بيده وهو معظم مادته والكمال لله.
وينبغي أن يذكر هنا ما وقع في غزوة أحد، وهو أنه عليه السلام لما كسرت رباعيته في سبيل الله، وشج وجهه الكريم، نهض إلى صخرة من جبل ليعلوها، وقد كان بدّن وظاهر يومئذ بدرعين، فلم يستطع فجلس تحته طلحة حتى استوى، فقال: أوجب طلحة.
أي فعل فعلا يوجب له دخول الجنة.
__________
(1) انظر ابن هشام ج 2 ص 482.
(2) انظر ج 4 ص 405.
(1/283)

باب في صاحب المظلة
«ذكر ابن إسحاق في خبر هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم،. ووصوله إلى المدينة؛ وخروج الناس إليه سرعانا فلما زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليه أبو بكر فأظله بردائه، وفي صحيح مسلم عن أم الحصين بنت إسحاق الأخمصية أو الأخمسية قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة بن زيد وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة» .
باب في ذكر صاحب الثقل متاع المسافر وحشمه
قال الزرقاني في شرح المواهب بفتح المثلاثة وكسرها وفتح القاف اهـ وأصله في الصحاح وفي التهذيب أنه بضم القاف. «في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، وفي مسلم عن أبي رافع وكان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت قبته فجاء فنزل» .
وترجم في الإصابة لعبد الله بن زيد بن عمرو بن مازن الأنصاري فقال: ذكره ابن منده، وأخرجه من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، أنه كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعقبه أبو الفتح بأن الذي كان على الثقل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول «1» وقوله على الثقل ذكره بالمثلاثة والقاف، وإنما هو بالنون والفاء ولا مانع من تعدد القصة، والحكم عليه بالتصحيف فيه صعوبة، لأن صورة الكلمتين محتملة. وترجم لعبد الله بن كعب الأنصاري، فذكر أنه كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
باب ذكر فسطاطه عليه السلام
قال سبحانه: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ [النحل: 80] .
ومن المعلوم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: أحدهما البيوت المتخذة من الخشب، والطين، والآلات التي يمكن بها تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً» وهو ما يسكن إليه الإنسان أو يسكن فيه، وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقله، بل الإنسان ينتقل إليه القسم الثاني: الخيام والقباب والفساطيط، وإليه الإشارة بقوله «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم» وهذا القسم من البيوت يمكن نقله وتحويله، والمراد بها الأنطاع يعني البسط المتخذة من الجلد، وما يعمّ البيوت منه، مما تستعمله العرب وغيرهم، من أهل البوادي.
__________
(1) انظر الإصابة ج 2 ص 362.
(1/284)

والمعنى: يخفف عليكم في أسفاركم وإقامتكم، لا يثقل عليكم في الحالتين ويسمّى. أي الفسطاط: الكن. قاله ابن سيد الناس اليعمري، وفي الفوائد له: الفسطاط البيت من الشعر، والكن ما يستر من الحر والبرد، قال في نور النبراس والفسطاط بضم الفاء وكسرها، وبالطاء والتاء الخباء. قاله في المطالع اهـ ويقال له في المغرب الخزانة ومجموع ما يدخله الملك بأهله آفراك بلهجة المغاربة، والمكلفون به يسمون في حاشية الملك بالمغرب قديما «الفرايكية» ، وكانت الخزائن في القديم تستعمل من جلد أو صوف أو شعر، وأول من عملها من كتان أحد أسلافنا، وهو يحيى بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس بن إدريس رضي الله عنه؛ لما بويع بزواوة من عمالة قسمطينة، أيام فرار الأدارسة من فاس، ومن هناك جرى على عائلتنا الكتانية اللقب بالكتاني، ونقل مؤرخ الدولة الحسنية العلوية، أبو العباس ابن الحاج في الدر المنتخب المستحسن نظما لأحد أعلام بيتنا جاء فيه.
فجدنا يحيى وبالكتاني ... نسبته قائمة البرهان
سببه جعل الخبا كتانا ... جرى على من بعد حتى الآنا
وقت إمارة له فيما سلف ... وفي كنوز قد أتانا مؤتلف
كذا تلقى ناظم اللآلي ... عن بعض أعيانهم الكمال
وفي بهجة المحافل للعاملي: كانت له عليه السلام قبة يضربها في إسفاره تسع أربعين رجلا اهـ انظر ص 172 منها.
وفي المقالات السنية:
روى الذين رأوا قبابا واحدة ... كانت مربعة حمراء من أدم
من شعر أخرى، وأخرى أربعين بها ... رأى من أصحابه في صحبة العلم
حمراء من أدم أبو جحيفة ثم ... جابر مع عبد الله ذو القدم
تنبيه- هذه الترجمة تعرفك أنه عليه السلام كان يحس بالحر والبرد، وهو مقتضى غير ما حديث، ولما ساق في المواهب قول البدر الزركشي: أنه عليه السلام كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان في ظل غمامته، من اعتدال تبرأ منه بقوله: كذا قال رحمه الله. قال شارحها: لأنه منابذ لما تشهد به الأحاديث من أنه عليه السلام كان يحس بالحر والبرد، ففي حديث الهجرة أن الشمس أصابته وظلله أبو بكر، وفي الصحيح أيضا أنه كان بالجعرانة، وعليه ترس قد أظل به. وروى ابن منده والبيهقي مرفوعا: لا نصبر على حر ولا برد وخرّج أحمد «1» بسند جيد أنه عليه السلام وضع يده في
__________
(1) في أحمد ج 4 ص 474 من حديث أبي رهم الغفاري: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما فصل سرى ليلة فسرت قريبا منه وألقي علي النعاس ... وقد دنت راحلتي من راحلته ... فأصابت رجله فلم أستيقظ إلا بقوله: حس. فرفعت رأسي فقلت: استغفر لي يا رسول الله.
(1/285)

طعام حار فاحترقت أصابعه الشريفة فقال: حس، وحس بفتح الحاء المهملة وكسر السين بلا تنوين: كلمة تقال عند الألم من نحو إحراق كحز. قاله الحلواني في مولده الكبير.
باب فيمن كان يضرب قبته عليه السلام
يؤخذ من الترجمة السابقة أن أبا رافع كان يتولى ذلك.
باب فيمن يكتنف الإمام إذا أراد الدخول إلى الحضرة
في الصحيح «1» : عن أنس في قصة سقوط المصطفى عن راحلته هو وصفية، وفيه فركب، واكتنفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن غازي في حاشيته نقلا عن المهلب: فيه اكتناف الإمام عند دخول المدن وتلقي الناس، وفي ترجمة الورد بن خالد بن حذيفة من طبقات ابن سعد: صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان على ميمنته يوم الفتح.
باب في الأمين على الحرم في ذكر أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على حرمه
«في الإستيعاب: كان عبد الرحمن بن عوف أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه، وفي البهجة لابن هشام: وفي سنة 23 من الهجرة حجّ عمر واستأذنه نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فأذن لهن فخرجوا في الهوادج عليهن الطيالسة، وكان أمامهن عبد الرحمن بن عوف، ووراءهن عثمان بن عفان، وكانا لا يدعان أحدا يدنو منهن» .
وأخرج علي بن حرب في فوائده عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح: أن المصطفى عليه السلام قال: إن الذي يحافظ على أزواجي من بعدي هو الصادق البار، فكان عبد الرحمن بن عوف يخرج بهن، ويحج معهن، ويجعل على هوادجهن الطيالسة وينزل بهن في الشعب الذي ليس له منفذ.
وخرج ابن سعد في الطبقات عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فحملهن في الهوادج عليهن الأكسية الخضر، وبعث معهن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، فكان عثمان يسير على راحلته أمامهن فلا يدع أحدا يدنو منهن، وكان عبد الرحمن يسير على راحلته من ورائهن، فلا يدع أحدا يدنو منهن، ينزلن مع عمر كل منزل.
وفي رواية في الطبقات أيضا فكان عثمان يسير أمامهن فلا يترك أحدا يدنو منهن ولا يراهن إلا مدّ البصر، وعبد الرحمن كذلك.
وفي رواية أخرى في طبقات ابن سعد أيضا: يسير أمامهن ابن عفان ويصيح إذا دنا
__________
(1) انظر البخاري كتاب الجهاد ج 4/ 39 باب 197.
(1/286)

منهن أحد: إليك وابن عوف من ورائهن كذلك، فنزلن بقديد واعتزلن الناس، وقد ستروا عليهن الشجر من كل ناحية انظر ص 151 من ج 8 من طبقات ابن سعد.
وفي التوشيح للسيوطي: كان عمر يتوقف أولا في الإذن لأمهات المؤمنين بالحج، اعتمادا على قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: 33] يرى تحريم السفر عليهن، فظهر له جوازه، فأذن لهن في آخر خلافته، فكان عثمان يحج بهن في خلافته أيضا ووقف بعضهن عند ظاهر الآية، وهي زينب وسودة فقالتا: لا تحركهما دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ.
باب من كان يقود أو يسوق نساء المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجه
قال القاضي ابن باديس، في شرح مختصر ابن فارس، نقلا عن أبي عمر: أنجشة العبد الأسود، كان يسوق أو يقود نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ويحدو الإبل لتزيد في الحركة.
باب في ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من ماء وكلأ
وهؤلاء يعرفون في جيش السلطان بالمغرب بالمهندسين والفرايكية، في قصة الحديبية، أنه عليه السلام لما سلك ثنية المرار قال: انزلوا فقالوا ما بالوادي ماء، قال القاضي ابن باديس: فيه دليل ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من الماء والكلأ.
وفي البخاري عن البراء. نزلوا على بير اهـ وقصة الحباب بن المنذر في الباب مشهورة.
باب في الحارس ذكر من حرسه صلى الله عليه وسلم بالمدينة
«قد تقدم قول سعد بن أبي وقاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لأحرسك، وحرس يوم بدر سعد بن معاذ وغيره، كما في سيرة ابن إسحاق (وجزم به اليعمري تبعا لغيره) . ففيها أنه كان على باب العريش، الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، متوشحا بالسيف في نفر من الأنصار، يحرسون. وحرسه صلى الله عليه وسلم حين أعرس بصفية بخيبر، أو ببعض الطريق أبو أيوب الأنصاري.
ففي ابن إسحاق أنه بات متوشحا سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى مكانه قال: مالك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك فزعموا أن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني وكان يحرسه عليه السلام في مكة وهو يصلي بالحجر عمر بن الخطاب، كما في علل الدارقطني أنه كان يقوم بالسيف على رأسه حتى يصلي» .
وترجم في الإصابة للأدرع السلمي فخرّج من طريق ابن ماجه عنه قال: جئت ليلة
(1/287)

أحرس النبي صلى الله عليه وسلم الخ القصة. وترجم أيضا لخشرم بن الحباب الأنصاري فنقل عن الطبري:
كان حارس المصطفى عليه السلام (الأصابة: 1/ 428) .
فصل في الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس خلفه في عاصمته
أخرج ابن فتحون، من طريق عبدان عن إسحاق بن الصيف، عن عبد بن يوسف عن إسماعيل بن عياش، عن نافع عن ابن عمر قال: كانت غزوة بدر وأنا ابن ثلاث عشرة، فلم أخرج وكانت غزو أحد وأنا ابن أربع عشرة فخرجت، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم استصغرني وردني وخلفني في حرس المدينة في نفر منهم أوس بن ثابت، وأوس بن عرابة، ورافع بن خديج، قال الحافظ في ترجمة أوس من الإصابة: هكذا أورده وقد أورده ابن أبي خيثمة عن عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر الهذلي عن نافع فقال: فيه زيد بن ثابت وعرابة بن أوس ويحتمل أن يكون محفوظا اهـ انظر ص 22.
وبذلك تعلم تقصير أبي الحسن الخزاعي في قوله: من باب حراسة أبواب المدينة في زمن الهرج، لم أجد فيهما نصا، أنهما كانتا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهما يستخرجان مما ذكرنا فتأمله.
حراس عسكره صلى الله عليه وسلم
«في الكلام على غزوة ذات الرقاع، في سيرة ابن إسحاق: فنزل صلى الله عليه وسلم منزلا وقال: من يكلأنا الليلة؟ فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله.
قال: فكونوا عند الشعب. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي وهما عمار بن ياسر، وعبّاد بن بشر، وذكر قصة عجيبة.
وذكر أيضا عند الكلام على غزوة بني قريظة: خرج من تلك يعني الليلة التي نزل في صبيحتها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة.
غزوة الفتح في الصحيح: عن عروة أن أبا سفيان لما خرج يتجسس عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد النيران فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
في ترجمة عباد بن بشر من طبقات ابن سعد: واستعمله عليه السلام على حرسه بتبوك من يوم قدم إلى أن رحل، وكان أقام بها عشرين يوما اهـ وحرسه صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين: أنس بن أبي مرثد الغنوي خرج أبو داود والنسائي والبغوي والطبراني وابن منده من طريق أبي توبة عن معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثنا السلولي يعني أبا كبشة أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة الظهر، فذكر الحديث. وفيه فقال رسول الله
(1/288)

صلى الله عليه وسلم: من يحرسنا الليلة؟ فقال ابن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله وفي آخر الحديث فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نزلت الليلة؟ فقال: لا إلا مصليا أو قاضي حاجة فقال: قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها. إسناده على شرط الصحيح. قاله الحافظ في الإصابة في ترجمة أنس المذكور.
وحرسه صلى الله عليه وسلم جماعة سماهم الشامي في سيرته. وقال البرهان الحلبي: إن الباب قابل للزيادة فاكشف عنه اهـ.
وفي سيرة ابن إسحاق في قصة قدوم ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع: فلما دنوا من المدينة، ألفوا المغيرة بن شعبة يحرس في نوبته ركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رعيتها نوبا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين، وذهب يشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه. (والركاب دواب السفر التي تحمل الأثقال عليها من الإبل وغيرها) .
تنبيه: كان الصحابة يحرسونه عليه السلام في أسفاره قبل أن ينزل عليه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67] فلما نزلت منعهم من الحراسة، والآية لا تنافي ما أصابه عليه السلام في غزوة أحد، لأن الآية نزلت بعدها أو المراد حفظه من القتل، كما فصله القطب الخيضري في خصائصه، وانظر نسيم الرياض.
الرجل يلازم المصطفى من خلفه
ترجم في الإصابة لجبلة بن عامر البلوي، فذكر أن الرشاطي نقل عن ابن الكلبي: أنه كان صاحب خلف المصطفى صلى الله عليه وسلم أنظر ص 236.
الرجل يتقدم أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم ينشد شعرا
ترجم النسائي «1» في السنن إنشاد الشعر في الحرم، والمشي بين يدي الإمام، ثم خرّج أنه عليه السلام دخل مكة يوم الفتح، وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشده:
خلّوا بني الكفار عن سبيله
وهو في الترمذي أيضا وذكر فيه دخل في عمرة القضاء قال الترمذي: وروي في غير هذا الحديث وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤته، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك اهـ قال في نور النبراس: وهذا الذي قاله الترمذي فيه نظر، لأن عمرة القضاء كانت في السنة السابعة من ذي القعدة، ومؤته في جمادي الأول سنة ثمان اهـ.
__________
(1) كتاب المناسك ج 5/ 202.
(1/289)

باب في طلائع الجيش
ترجم الحافظ في الإصابة لسليط بن سفيان الأسلمي، فنقل عن أبي عمر: هو أحد الثلاثة الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع في آثار المشركين يوم أحد.
باب في المتجسس ذكر من بعثه صلى الله عليه وسلم متجسسا
«خرّج مسلم عن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان» .
بيبس المذكور روي بسيبسة مصغرا أو بسبس وبسبسة وجوه ثلاثة انظر الإصابة في ترجمته ج 1 ص 147، وفيها في ترجمة عدي بن أبي الزغباء الجهني أرسله عليه السلام مع بسبسة بن عمرو يتجسسان خبر أبي سفيان في وقعة بدر، فسارا حتى أتيا قريبا من ساحل البحر. ذكره ابن عقبة عن ابن شهاب انظر ص 130 من ج 4 ونحوه في الاستبصار: إلا أنه قال مع بسبس بن عمرو الجهني، وفي البخاري في قصة الهجرة عن عائشة قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش وهو غلام شاب فطن، فكان يبيت عندهما ويخرج من السحر فيبيت مع قريش اهـ.
وفي سيرة ابن إسحاق أنه عليه السلام لما خرج إلى بدر، وبلغ قريبا من الصفراء بعث بسبسة بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار، إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره.
وفي ابن إسحاق أيضا في غزوة بدر أنه عليه السلام ركب بنفسه هو ورجل من أصحابه، (أبو بكر) حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فأخبره. فلما فرغ من خبره قال لهما: ممن أنتما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ماء. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وغيرهم إلى بدر يلتمسون له الخبر الخ انظر ص 65 من ج 2.
وبعث صلى الله عليه وسلم كما في الاستيعاب، قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر، طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة، فقدماها يوم وقعة بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وبأجرهما.
وفي ترجمة أبي تميم الأسلمي من طبقات ابن سعد هو أرسل غلامه مسعود بن هنيدة من العرج على قدميه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبره بقدوم قريش عليه، وما معهم من العدد والعدد والخيل والسلام ليوم أحد.
(1/290)

وفي الاستيعاب لدى ترجمة حذيفة بن اليمان قال: هو الذي بعثه عليه السلام يوم الخندق، ينظر إلى قريش فجاء بخبر رحيلهم اهـ ص 105.
وفي سيرة ابن إسحاق أيضا في قصة هوازن ما اجتمعوا لينظروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ويأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيهم فأقام بينهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر ونحوه في المواهب وشرحها ص 2 من ج 3.
وترجم في الإصابة لأمية بن خويلد، فذكر أن المصطفى بعثه عينا وحده إلى قريش قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها فحللت خبيبا.
وترجم فيها أيضا لبشر بن سفيان العتكي، فذكر فيها أنه أرسله صلى الله عليه وسلم إلى مكة؛ يتجسس له أخبار قريش.
وترجم فيها أيضا لجبلة بن عامر البلوي، فذكر أنه كان عين المصطفى يوم الأحزاب، وترجم فيها أيضا لخبيب بن عدي الأنصاري، فذكر عن البخاري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، ثم نقل أيضا عن تخريج ابن أبي شيبة أنه عليه السلام بعثه وحده عينا لقريش.
باب في الرجل يتخذ في بلد العدو عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام
«في الاستيعاب في ص 426، في أخبار العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه إن مقامك بمكة خير» .
وترجم في الإصابة لأنس بن أبي مرثد الغنوي، فنقل عن ابن سعد: هو كان عين النبي صلى الله عليه وسلم بأوطاس.
باب في جعل الإمام العين على الناس في بلده
في شمائل الترمذي من حديث ابن أبي هالة الطويل: كان صلى الله عليه وسلم يسأل الناس عما في الناس قال ابن التلمساني في شرح الشفا: ليس من باب التجسس المنهي عنه، وإنما هو ليعرف به الفاضل من المفضول، فيكونون عنده في طبقاتهم، وليس هو من الغيبة المنهي عنها، وإنما هو من باب النصيحة المأمور بها هـ. وقال المناوي على الشمائل: وهذا إرشاد للحكام إلى أن يكشفوا ويتفحصوا، بل ولغيرهم ممن كثر أتباعه كالفقهاء والصالحين والأكابر، فلا يغافلوا عن ذلك لئلا يترتب عليه ما هو معروف من الضرر، الذي قد لا يمكن تدارك رفعه اهـ، وقال الحافظ في باب الصبر على الأذى، من الفتح على القصة التي قال فيها عليه السلام: رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من
(1/291)

هذا فصبر: في هذا الحديث «1» جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم، ليحذروا القائل اهـ.
وأخرج أسيد بن موسى في كتاب: فضائل الشيخين عن الحر قال: كان لعمر عيون على الناس.
عجيبة في فوائد المناصحة في فعل المصافحة، للعلامة الصالح أبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي: أخبرني سيدي علي بن بلقاسم البطيوي قال: بلغنا بأن الشيخ ابن غازي قد عيّن بعض أصحابه أن يكتب له كل ما جرى في البلد، وما قال وقيل من خميس إلى خميس، فيطالع ذلك. ويكون ذلك يوم الخميس الذي تفرّغ فيه من التدريس، فحمل هذا من الشيخ ابن غازي على معرفة الزمان وأهله المأذون فيه، أو المكلف به، لما تقرر أن من لم يعرف الزمان الخ كلامه، ومن خط مؤلفها نقلت.
وفي المحاضرات للشيخ أبي علي اليوسي أن الأمير محمد الحاج الدلائي حدثه عن الحافظ أبي العباس المقري، أنه كان يوم مقامه بمصر، قد اتخذ رجلا بنفقته وكسوته، وما يحتاج على أن يكون كلما أصبح ذهب يخترق البلد، أسواقا ومساجد ورحابا وأزقة، وكلما رأى من أمر وقع أو سمع يقصه عليه في الليل اهـ.
لا شك أن ابن غازي والمقري، لو ظهرت الجرائد في أيامهما لكانا أول المشتركين فيها، وكان الاشتراك عليهما في عشرة من الجرائد يومية مثلا أهون من نفقة الرجل المذكور وتوابعه والله أعلم.
وفي الدرر المرصعة في صلحاء درعة، لأبي عبد الله محمد المكي بن موسى الناصري، في ترجمة الإمام السني القدوة أبي العباس أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي، عن بعض تلاميذه قال: كان الشيخ كثير السؤال والفحص عن أحوال الناس ومجرياتهم في الأقطار والمدائن، وكان يسألني عن ذلك كثيرا قال فقلت مرة في نفسي: ما للشيخ وما للأخبار؟ لو اشتغل بصلاته وصيامه وسبحته كان أحسن له من هذا. قال فلقيني بعد ذلك بقريب وقال لي: المؤمن يسأل عن إخوانه المسلمين وعن أحوالهم، فمن كان في خير دعا له بالزيادة والهناء، ومن كان في شر وفقر دعا له بخير ورحمة. قال صاحب الدرر: وكان على هذا القدم العارف الشعراني.
وفي ترجمة عثمان من طبقات ابن سعد عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان بن عفان والمؤذن يؤذن وهو يحدث الناس يسألهم ويستخبرهم عن الأسعار والأخبار، وأخرج أيضا عن موسى قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة فيجلس على المنبر، فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم وعن قوامهم وعن مرضاهم، ثم إذا سكت المؤذن
__________
(1) انظره في البخاري ج 7/ 87 من كتاب الأدب والاستئذان 143.
(1/292)

قام يتوكأ على عصا فيخطب، ثم يجلس جلسة فيبتدىء كلام الناس فيسائلهم كمسألته الأولى ثم يقوم فيخطب ثم ينزل ويقيم المؤذن.
باب في المخذل
(خذّل [عنه] أصحابه تخذيلا، أي حملهم على خذلانه، والخذلان ضد النصر.
والمراد به من يشتت الجموع بدهائه وسياسته) .
«ذكر ابن حزم في الجمهرة نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي فقال فيه: هو الذي شتت جموع الأحزاب. وفي الاستيعاب: أسلم في الخندق، وهو الذي خذّل المشركين ببني قريظة، حتى صرف الله كيدهم، وخبره في تخذيل المشركين وبني قريظة عجيب في السيرة» .
وقصة نعيم مبسوطة في ترجمته من طبقات ابن سعد؛ انظر ص 19 ج 4.
وفي الإصابة هو الذي أوقع الخلف بين الجيشين قريظة وغطفان في وقعة الخندق، فخالف بعضهم بعضا، ورحلوا من المدينة.
وفي مبحث فصاحته صلى الله عليه وسلم من المواهب، وقوله عليه السلام: الحرب خدعة. رواه البخاري «1» ومسلم، عن أبي هريرة قال سمى النبي صلى الله عليه وسلم: الحرب خدعة وليس عند مسلم سمى. وقوله خدعة مثلث الخاء أشهرها فتح الخاء وإسكان الدال. قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية ضم الخاء وإسكان الدال، والثالثة ضم الخاء وفتح الدال. وقد قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب؛ لما بعث نعيم بن مسعود، وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى أن المماكرة أنفع من المكاثرة اهـ.
وقصة نعيم الأشجعي المذكور أنه أتى بني قريظة، وكان نديما لهم فقال: قد عرفتم ودي لكم، قالوا: صدقت قال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان، جاؤا إلى حرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، لأنهم إن رأوا ثمرة أصابوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به إن خلابكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم أتي قريشا فقال: قد عرفتم ودي وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر، رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم. إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا بذلك إلى محمد وقالوا: يرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك حتى تستأصل باقيهم، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك. فأرسلوا إلى بني قريظة
__________
(1) في كتاب الجهاد 4/ 24 رقم الباب 157 من حديث أبي هريرة. ورواه مسلم في كتاب الجهاد ج 2 ص 1361، عن جابر وأبي هريرة.
(1/293)

عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فقالت القبيلتان: إن الذي حدّثكم به نعيم لحق، وأرسلوا إليهم: لا ندفع إليكم رجلا واحدا. فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق.
قال ابن باديس: يؤخذ منه جواز مخادعة العدو، والتحيل في دفع ضرره على المسلمين، لقوله لنعيم: خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة وإذا أبيح كلام الخير في الصلح بين الاثنين من المسلمين، وإن لم يقله أحد منهما تأليفا للقلوب، فما بالك بمحق الكفار وحقن دماء أهل النصرة والدار، الباذلين أنفسهم في إظهار دين الله وسنة نبيه المختار، فهو من باب النصح للمسلمين والأمانة، لا من باب الكذب والخيانة اهـ.
وخرّج ابن أبي حاتم في العلل عن النوّاس بن سمعان قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فقال: تهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، إن كل كذب مكتوب كذبا لا محالة، إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة.
وفي التوشيح على قوله عليه السلام: الحرب خدعة بنقط حاء مثلث أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن، وقال ابن المنير: أي الحرب الكاملة في مقصودها، البالغة إنما هي مخادعة، لا مواجهة. وذلك لخطر المواجهة، وحصول الغرض: الظفر بالمخادعة بلا خطر اهـ.
زاد أبو الحسن الدمنتي في اختصاره للتوشيح: أخبرني بعض علماء القسطنطينية أنهم قالوا للنصارى: إنا غلبناكم بالسلاح، وإنما غلبتم أنتم ملوكنا بحيلكم، وتزيين الملاهي والمحرمات، فاتبعوكم بإفساد الدين. فقالوا لهم: أليس بصحيح إخبار نبييكم: الحرب خدعة قلنا نعم. قالوا إذا إنما غلبناكم بشرعكم الخدعة اهـ.
باب في النمام
ترجم في الإصابة لمسعود «1» فذكر أن ابن أبي شيبة، أخرج عن عروة قال: كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له مسعود، وكان نماما، فلما كان يوم الخندق بعثه أهل قريظة إلى أبي سفيان أن إبعث إلينا رجالا حتى نقاتل محمدا مما يلي المدينة، وتقاتله أنت مما يلي الخندق، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن يقاتل من جهتين، فقال: يا مسعود، نحن بعثنا إلى بني قريظة أن يرسلوا إلى أبي سفيان، فيرسل إليهم رجالا فإذا أتوهم، مكنوا منهم فقتلناهم، فلم يتمالك مسعود لما سمع بذلك أن أتى أبا سفيان فأخبره فقال: صدق والله محمد ما كذب قط، فلم يرسل إلى بني قريظة أحدا. قال الحافظ: وفي هذه القصة شبه بقصة نعيم بن مسعود الأشجعي والله أعلم اهـ.
__________
(1) انظر الإصابة ج 3/ 413.
(1/294)

باب في استعمال السفن البحرية وفيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
«وقع في السيرة ذكر عدة سفن استعملها الصحابة في العهد النبوي، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، سنة ست إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وأرسل إليه كل من أقام بأرض الحبشة من الصحابة، حين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي وجعلهم في سفينتين، فقدم بهم عليه وهو في خيبر، منهم جعفر بن أبي طالب، وحمل معه في السفينة نساء من هلك هناك من المسلمين، وركب أبو موسى الأشعري وإخوانه وقومهم في هجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة، فوافوا جعفر بن أبي طالب، وأصحابه عنده، فأقاموا معه حتى قدموا جميعا والقصة في الصحيح «1» .
وفي الموطأ «2» عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا الماء القليل، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر قال:
هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وهو في جامع الترمذي وغيره أيضا.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ناسا من أمتي يركبون البحر غزاة في سبيل الله، ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، قال ذلك في بيت أم حرام بنت ملحان كما في الموطأ «3» ، فقالت أدع الله إن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين، فركبت البحر في زمن معاوية، ونزلت في جزيرة قبرس ودفنت هناك» .
الحديث الأخير بوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد «4» : باب غزو المرأة في البحر، وساقه بلفظ: ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرة، فقالت ابنة ملحان يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فال: أنت مع الأولين ولست من الآخرين قال أنس فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحر مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت.
نقل الحافظ عن موطأ ابن وهب عن ابن لهيعة: أن معاوية أول من ركب البحر للغزاة اهـ ونحوه للحافظ أيضا على باب ركوب البحر من كتاب الجهاد أيضا، انظره وفي جامع العتبية قال مالك: استأذن معاوية بن أبي سفيان عمر بن الخطاب في ركوب البحر فأبى أن يأذن له، فلما ولي عثمان كتب إليه يستأذنه فأبى، ثم رد عليه فكتب إليه عثمان: إن كنت
__________
(1) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ص 1946/ 2.
(2) رواه في كتاب الطهارة ورقمه 12 ص 22/ 1.
(3) رواه في كتاب الجهاد ورقمه 39 ص 464.
(4) رواه في كتاب الجهاد باب 3 ص 201/ 3.
(1/295)

تركب بأهلك وولدك فاركب فقد أذنت لك، فركب معاوية ومعه امرأته بنت قرظة [بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف] ، وفيها أيضا قال مالك: أمّر عثمان بن عفان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان: «عمرا على البر، ومعاوية على البحر وإذا اجتمعا فمعاوية الأمير، فلما بلغا رأس مغزا هما أرسل معاوية إلى عمرو أن يأتيه فأبى، فأرسل يعزم عليه فقال عمرو: أنا أعزم على نفسي أن لا آتيك. فقال معاوية: أدن مني على شاطىء البحر فأتى عمرو على قوس فكلمه ما شاء الله، فقال له معاوية: أفشات أنت فقال: قافلون.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: وقع هذا في موطأ ابن وهب، وإنما لم يأت عمرو ومعاوية إذ عزم عليه في الإتيان إليه، من أجل أنه من حيث لم يجعل له عليه عثمان أمرا، ولعله قد كانت له في الإتيان إليه مشقة، ولما سأله أن يدنو منه أجابه لذلك لخفة الأمر اهـ وفي الخطط للمقريزي، لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وعمر، وأول من ركب البحر للغزو العلاء بن الحضرمي، وكان على البحرين من قبل أبي بكر وعمر، فأحب أن يؤثر في الأعاجم أثرا يعز الله به الإسلام على يديه، فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك، وفرقهم أجنادا على أحدهم الجارود بن المعلّى، وعلى الثاني سوار بن همّام، وعلى الثالث خليد بن المنذر بن ساوى، وجعل على عامة الناس خليدا فحملهم في البحر إلى فارس، بغير إذن عمر بن الخطاب، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازيا كراهية للتغرير بجنده، فلما فتح الله الشام ألحّ معاوية بن أبي سفيان، وهو يومئذ على جند دمشق والأردن- على عمر في ركوب البحر، ثم لما كانت خلافة عثمان غزا المسلمون في البحر. وكان أول من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الحارثي حليف «1» بني فزارة، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية وصائفة في البر والبحر، ولم ينكب فيه.
وغزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح في البحر، لما أتاه قسطنطين بن هرقل عام 34، في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار عبد الله في مائتي مركب أو يزيدون شيئا، وحاربه فكانت وقعة ذات الصواري فهزم قسطنطين وقتل جنده.
وأغزى معاوية عقبة بن عامر الجهني في البحر، وأمره أن يتوجه إلى رودس فأتى إليها.
وقد ذكر شيخنا ولي الدين ابن خالدون تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أول الأمر: أن العرب لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه، فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم العجم خولا لهم، وتحت أيديهم وتقرّب كل ذي صنعة إليهم، تاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه، وانشأوا السفن وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأمدوها بالعساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا لذلك من
__________
(1) ذكره في الإصابة ج 933. وذكره أيضا الطبري ج 3/ 317 من الطبعة 19309 مطبعة الاستقامة والمكتبة التجارية لمصطفى محمد من حوادث سنة 28 هـ.
(1/296)

ممالكهم وثغورهم، ما كان أقرب إلى هذا البحر، وعلى ضفته مثل: الشام وأفريقية والمغرب والأندلس الخ.
وقال الشيخ أبو راس المعسكري في الحلل السندسية: على قوله عليه السلام لأم حرام: أنت من الأولين أي وهم من الآخرين، وهم الذين ركبوا لغزو الأندلس مثل:
طريف، وطارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين وابنه علي، وعبد المؤمن بن علي، وابنه وابن ابنه ويعقوب بن عبد الحق. فقد أعطي عليه السلام جوامع الكلم اهـ.
وقال الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالته التي ذكر فيها فضائل علماء الأندلس: لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله صلى الله عليه وسلم بشّر به ووصف أسلافنا المجاهدين فيه بصفات الملوك على الأسرة في الحديث، الذي رويناه من طريق أنس بن مالك أن خالته أم حرام حدثته عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أخبرها بذلك، لكفى شرفا بذلك، يسرّ عاجلة ويغبط آجله، فإن قال قائل: لعله صلى الله عليه وسلم إنما عنى بذلك أهل صقلية واقريطش [كريت] وما الدليل على ما ادعيته من أنه صلى الله عليه وسلم عنى الأندلس حتما، ومثل هذا من التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم: قد أوتي جوامع الكلم، وفصل الخطاب، وأمر بالبيان لما أوحي إليه، وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج البحر، غزاة واحدة بعد واحدة، فسألته أم حرام أن يدعو ربه أن يجعلها منهم، فأخبرنا صلى الله عليه وسلم، وخبره الحق أنها من الأولين. وهذا من إعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وهو إخباره بالشي قبل كونه، وصح البرهان على رسالته بذلك، وكانت من الغزاة إلى قبرس، وخرّت عن بغلتها فتوفيت هناك. وهي أول غزاة ركب فيها المسلمون البحر، فثبت يقينا الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم صلى الله عليه وسلم، وكانت أم حرام منهم، كما أخبر صلوات الله عليه، ولا سبيل أن يظن به، وقد أوتي من البلاغة والبيان أن يذكر طائفتين قد سمى إحدا هما أولي إلّا والتالية لها ثانية، فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد وهذا مقتضى طبيعة صناعة المنطق، إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية، ولا الثانية ثانية إلا لأولى، فلا سبيل لذكر ثالث، إلا بعد ثان ضرورة الخ. كلامه. وانظر بقيته في الرسالة المذكورة، وهي مثبوته في نفح الطيب أول المجلد الثاني.
وفي تاريخ الخميس للديار بكري: لما تكلم على ما نقم الناس على سيدنا عثمان قال: السادس زعموا أنه حمى البحر؛ أن لا تخرج منه سفينة إلا في تجارته. جوابه: أما حمى البحر فعلى تقدير صحته يحمل على أنها كانت ملكا له، لأنه كان منبسطا في التجارات متسع الحال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه هـ ففيه أن عثمان كانت له سفن بحرية للتجارة.
وترجم في الإصابة لبسر بن أرطاة فذكر أنه ولي البحر لمعاوية، فأخذ من ذلك أن إمارة البحر في زمن معاوية ضبطت وتوسع أمرها.
وفي صناجة الطرب في تقدمات العرب: لما كان عهد معاوية بن أبي سفيان أذن
(1/297)

للمسلمين في ركوب البحر، والجهاد على أعدائه، فاستخدموا حينئذ من النوتية، في حاجاتهم البحرية أمما تكررت ممارستهم للبحر، وأنشأوا السفن والشواني، جمع شونة، وهي مركب البحر إلى أن بلغت في أيامه ألفا وسبمعمائة مشحونة بالرجال والسلاح، اهـ ص 327.
وفي تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار، للقس هنري لامنس اليسوعي، ص 184 ذكر تاوفانوس المؤرخ أن معاوية أول خلفاء بني أمية، ابتنى 1700 سفينة شراعية، واتخذ أعوادها من جبل لبنان، ولم تمض سنوات قليلة بعد ذلك حتى جهز أيضا أسطولا ثانيا أكثر عددا وأشد هولا من الأول اهـ منه «1» .
تنبيه: لعلي بن حرب العراقي كتاب البحار، نقل عنه الحافظ في الإصابة؛ انظر سلامه العذري ص 60 ج 2 ولبعض المعاصرين المصريين كتاب: سفن الأسطول الإسلامي، وتاريخها وأنواعها وأوصافها. وهو مطبوع.
باب في صانع المنجنيق التي ترمى بها الحجارة معربة
قال الخفاجي في نسيم الرياض: وهو بفتح الميم وكسرها آلة لرمي العدو بحجارة كبيرة بأن يشد سوار مرتفعة جدا من الخشب يوضع عليها ما يراد رميه، ثم تضرب سارية توصله لمكان بعيد جدا، وكانت هذه الآلة قديما قبل اختراع المدافع والبارود اهـ.
«في السير أنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف، ورماهم بالمنجنيق. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق أهل الطائف» .
قلت: وبذلك جزم أيضا السيوطي في أوائله فقال: أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام في غزوة الطائف وفي الكامل لابن الأثير أشار به سلمان الفارسي، وفي نور النبراس؛ حديث نصب المنجنيق على أهل الطائف هو مرسل، وهو في الترمذي كذلك، وقال: ضعيف ولكن هو في البيهقي من رواية أبي عبيدة.
وفي الميزان في ترجمة عبد الله بن خراش أن له عن العوام عن إبراهيم التيمي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف «2» .
أقول: صنع المنجنيق وحفر الخندق وإيجاد الدبابات، من علم الآلات الحربية التي عرفها العرب، ودوّنوا فيها.
وقال ابن الأكفاني في إرشاد القاصد: علم الآلات الحربية علم يتبين منه كيفية إيجاد
__________
(1) بمراجعة الكتاب المذكور ص 184 قال: وكان إذا ذهبت الأنواء بقسم منها أسرع فجهز غيرها بدلا منها لأنه لم يشأ أن يكون أسطوله أقل من 500 مركب. مصححه.
(2) وجدت ترجمته برقم 248 ص 33 في ميزان الاعتدال الطبعة الأولى 1325/ هـ محمد أمين الخانجي الكتبي.
(1/298)

الآلات الحربية، كالمجانيق وغيرها ومنفعته شديدة الغناء في حماية المدن، ودفع الأعداء ولموسى بن شاكر فيه كتاب مفيد اهـ.
وذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن جذيمة الأبرش التنوخي آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من اتخذ المنجنيق ووضعه على الحصون.
باب في الدبابات
(الدبابة بفتح الدال المهملة مخففة عن تاء التأنيث، آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون إلى الأسوار ينقبون) قال في القاموس: الدبابة تتخذ للحروب فيدفع في أصل الحصن فيشنون وهم في جوفها اهـ وهي بيت صغير تعمل للحصون، يدخلها الرجال فينقبون من داخلها، ويكون سقفها حرزا لهم من الرمي اهـ.
«في كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل: أول دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين حاصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وفي طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد ثقيف: ولم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار الطائف كانا بجرش يتعلمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبابات الخ.
قلت: جرش: كما في القاموس بلد بالأردن قرب عمان، وكزمر: مخلاف باليمن منه الأديم، والعرّادات قال فيه أيضا: شيء أصغر من المنجنيق، وفي كتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن الطلاع، في السير: أول من رمى بالمنجنيق رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه اهـ منه.
باب في القوم يحرقون الأشجار ويقطعونها
«في صحيح مسلم «1» عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير، فأنزل الله عز وجل: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: 6] » .
باب في حفر الخندق الحفير
« (وخندق ما حوله حفر خندقا) ذكر ابن إسحاق في السيرة خبر اليهود الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهم، وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ترغيبا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون.
وذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون والأنصار
__________
(1) ج 2 ص 1365 من كتاب الجهاد والسير رقم الحديث 1746.
(1/299)

في سلمان رضي الله عنه وكان رجلا قويا فقال المهاجرون: منا وقال الأنصار: منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منا أهل البيت.
«وفي سيرة ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم ضرب معهم، وحفر بنفسه الكريمة، وأقبل فوارس من قريش حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
«وفي ترجمة سلمان من الاستيعاب ص 572 من ج 2 أن سلمان هو الذي أشار به، وأن أبا سفيان هو الذي قال: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وفي نفحة الحدائق: أول من ضرب الخندق في الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة» .
وقال: السهيلي أيضا: اتخاذ الخندق من مكايد الفرس في الحروب، ولذلك تفطن سلمان وأشار به، والفرس أول من خندق «1» وبختنصّر أول من اتخذ الكمائن. ويدل ذلك على جواز مثل هذا في التحرز من العدو، والأصل فيه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 61] اهـ نقله ابن باديس.
وفي ذلك أعظم دلالة، على أن المماليك والدول التي لا تنسج على منوال مجاوريها، فيما يتخذونه من الآلات الحربية، والتراتيب العسكرية والأنظمة العلمية والعملية الصناعية والزراعية، يوشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين، فحال نبينا الكريم كان يقضي بأخذه بالأحسن والأنفع في كل باب، سواء كان قومه يعلمونه ويعملون عليه أم لا، ولذلك ثببت أنه قال لعاصم بن ثابت: من قاتل فليقاتل كما يقاتل.
وقال الحافظ ابن تيمية في رسالة عموم بعثته عليه السلام: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتال الترك، وأن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية ولكن قوتلوا بالقسي العربية التي تشبه قوس القطر فلم تغن شيئا؛ بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم، فلا بد من قتالهم بما يقهرهم، وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب: إن العدو إذا رأيناهم لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة فقال: وأنتم فالبسوا كما لبسوا، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في عمرة القضاء بالرّمل والاضطباع، ليرى المشركون قوتهم، وإن لم يكن هذا مشروعا قبل هذا، ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا اهـ.
ويوضح هذا ما تضمنته وصية الصديق، لخالد بن الوليد حين بعثه لقتال المرتدين فقال: يا خالد، عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك، إلى أن قال: ثم إذا لاقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، قال في أقوم المسالك: ولو أدرك هذا الزمان لأبدل ذلك بذكر المدفع، والقنابل والسفينة المدرعة ونحو ذلك من المخترعات، التي تتوقف عليها المقاومة، ولا يتحصل بدونها الاستعداد الواجب شرعا الذي يلزم معرفة قوة المستعد له، والسعي في تهيئة مثلها أو خير منها، ومعرفة الأسباب المحصلة له اهـ.
__________
(1) خندق كلمة معربة عن كندك. بمعنى حفرة واليوم يقال في الفارسية: كنده. مصححه.
(1/300)

ولأبي عبد الله محمد بن عبد القادر الكردودي الفاسي كتاب: «كشف الغمة في أن حرب النظام واجب على هذه الأمة» وهو مطبوع بفاس.
وقد قال الزرقاني في شرح المختصر لدى قوله ونلتم نقلا عن العز بن عبد السلام:
ليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، بل ما خالف فيه شرعنا، وقد حفر صلى الله عليه وسلم الخندق ولم تكن العرب تعرفه، ومدح قسيّ العجم وقال: هم أقوى منكم رميا اهـ.
وقال المواق في سنن المهتدين: كنت أبحث لأهل الفحص في لبسهم الرندين، كما قال مالك في المظال: ليست من لباس السلف وأباحها لأنها تقي من البرد، يعني فأفتيت بإباحتها، فشنّع عليّ في ذلك فكان من جوابي أن قلت: الرندين ثوب رومي يضمحل التشبه فيه بالعجم في جنب منفعته، إذ هو ثوب مقتصد ينتفع به ويقي من البرد، ونص من أثق به من الأيمة إنه: ليس كل ما فعلته الأعاجم نهينا عن ملابسته، إلا إذا نهت عنه الشريعة، ودلت القواعد على تركه، والمراد بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم أتباع الأكاسرة في ذلك الزمن، ويختص النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا وأما ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة في شرعنا فلا نترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه، لأن الشرع لا ينهى عن التشبه بفعل ما أذن الله فيه، فقد حفر صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة، تشبها بالأعاجم حتى تعجب الأحزاب منه، ثم علموا أنه بدلالة سلمان الفارسي الخ كلامه.
وانظر تحديد الأسنة في الذب عن السنة لشيخنا الأستاذ الوالد رضي الله عنه.
وفي حواشي الشمس بن عابدين على الدر المختار نقلا عن الذخيرة من كبار كتب الحنفية قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت أترى بهذا الحديد بأسا قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك لأن فيه تشبها بالرهبان، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس لها شعر، وإنها من لباس الرهبان، قال:
فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا يضر، فإن الأرض مما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع اهـ منه ص 438 الجزء الأول.
وفي الزرقاني على المختصر لدى قوله: ونلتم عن بعضهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم العرب عن التشبه بالعجم، ولم يأت أنه نهى وافدا عليه من العجم عن زيهم وندبهم إلى زي العرب قال بعضهم: ومن هذا المعنى أن ما وافق الجاهلية ولم يرد نهي شرعنا عنه «1» ، وصلة الناس أرحامهم في المباحات في النيروز والمهرجان، وقال مالك: لا بأس بلباس البرانس، وليست من لباس السلف.
أبو عمر: الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يثبت النهي اهـ منه. وجعل الشيخ بناني قولة مالك في البرانس التي ذكر ز محرفة، وأن مالكا قال: إنها من لباس السلف، ولعل الموضوع مختلف.
__________
(1) ثمة نقص في الجملة وتكملته: فلا بأس به. والله أعلم.
(1/301)

تنبيه قال الشيخ أبو سالم العياشي في كتابه الحكم بالعدل والإنصاف أن المواق في كتابه سنن المهتدين كسر شوكة من يرى أن كل ما لم يكن في الصدر الأول بدعة، وأن كل ما خالف المشهور ضلالة، ولم نزل نسمع من شيخنا أبي محمد عبد القادر الفاسي، أن المواق قصد تسهيل الأمر على الناس فيما ذكره ابن الحاج في مدخله من التشديد، وادخال كثير مما عملت به الأمة من القرب في حيز البدعة، حيث لم يكن في الصدر الأول مع أنها قد قال بها بعض الأيمة، وربما كان لها أصل في السنة، ولو ضعيفا. وأخذ من حديث أو فعل من أفعاله عليه السلام أو حال من أحواله ولو من وجه بعيد، وكل ذلك يصدق عليه أنه مأخوذ منه عليه السلام. والنسبة تقع بأدنى شيء، والناس أطوار، وكلهم مستمد منه عليه السلام فالقوي من قوته وصريح مقاله، والضعيف من مفهوم مقاله وإشارات بعيدة تؤخذ من بعض كلماته أو فعلاته عليه السلام، ولا يضل كل الضلال في جميع المسائل إلا من قطعت بينه وبينه عليه السلام كل العرى والوسائل اهـ منه.
باب في صاحب المغانم وفيه ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى قسمت يوم بدر
«قال ابن إسحاق في أخبار يوم بدر: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف. وقال ابن حزم في الجماهر 411- 312 محمية بن جزء الزبيدي وقال: ولّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر. وقال القضاعي في كتاب الأنباء: كان في يوم حنين من السبايا ستة آلف، ومن الأبل والغنم ما لا يدرك عدده، وروى ابن فارس «1» في كتابه مسند الزهري عن سعيد بن المسيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم: سبى يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أبا سفيان بن حرب» .
وقد سبق لنا استدراك أن بديل بن ورقاء أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه.
باب في ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى عليه السلام
في العقد الفريد لابن عبد ربه: وكان معيقيب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي صلى الله عليه وسلم اهـ انظر ص 144 من الجزء الثاني.
ذكر من تولى بيع ما احتيج إلى بيعه من المغانم
«ذكر أبو القاسم خلف بن بشكوال، في كتابه الذي ألفه في تفسير ما استعجم، من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة عن مالك قال: أمر رسول الله
__________
(1) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي الحافظ النيسابوري، روى عنه البخاري. نقلا عن حاشية التخريج ص 501.
(1/302)

صلى الله عليه وسلم السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغانم بذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا أو كل أربعة بثلاثة عينا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربيتما فردا، قال ابن بشكوال السعدان المذكوران أولى ما قيل فيهما سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة» .
باب في هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم
ترجم الحافظ للقيم الدجاج فقال: ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان وقال: إنه مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر بشعر، فوهب له النبي صلى الله عليه وسلم دجاج خيبر عن آخرها، فمن حينئذ قيل له: لقيم الدجاج «1» ذكر ذلك أبو عمرو الشيباني، والمدائني عن صالح بن كيسان، قال الحافظ: قلت: قصته مذكورة في السيرة لابن إسحاق لكنه قال ابن لقيم فيحتمل أن يكون وافق اسمه اسم أبيه.
باب في صاحب الخمس
قال ابن عبد البر: كان على غنائم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري، وكان على خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم في غيرها. وفي صحيح مسلم من كتاب الزكاة؛ في ترك استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فقال: عن محمية بن جزء استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخماس. انظر ترجمته من الإصابة. [ج 3، ص 388] .
باب في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنئونه به
«قال ابن إسحاق في أخبار بدر: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة مبشرا إلى أهل العالية (ما كان من جهة نجد من المدينة) . وفي طبقات ابن سعد: والعالية بنو عمرو بن عوف وخطمة ووائل بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة (السافلة ما كان من جهة تهامة) . قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه وما معه من المسلمين» .
ترجم البخاري في كتاب الجهاد: باب البشارة في الفتوح «2» ثم خرّج أن المصطفى عليه السلام وجه جرير بن عبد الله البجلي لهدم صنم ذي الخلصة المسمى كعبة اليمانية، وفيه أنه لما هدمه أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره، ثم ترجم باب ما يعطى للبشير، فذكر أن كعب بن مالك أعطى ثوبين حين بشر بالتوبة.
باب الطعام عند القدوم
هكذا بّوب البخاري آخر كتاب الجهاد، فذكر فيها عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة، ثم ذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه بعيرا بأوقيتين
__________
(1) انظر ترجمته في الإصابة ج 3/ 331 ورقمها 7560.
(2) نظر ج 4 ص 37 باب 192.
(1/303)

ودرهم، أو درهمين فلما قدم صرارا (موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق) أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا منها. قال ابن بطال: فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف، ويسمى النقيعة وزن عظيمة، ونقل عن المهلب: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أطعم من يأتيه اهـ.
باب في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره
في الموطأ عن ابن عمر: كان النبي عليه السلام إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون (أي راجعون) تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم عند كل قرية أراد أن يدخلها
في كتب السير أنه عليه السلام لما أشرف على خيبر قال: قفوا؛ اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. وكان يقولها لكل قرية دخلها خرّجه النسائي «1» من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: قال كعب الأحبار: والذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثني أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يرقرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب الخ الحديث. إلا أنه قال والأرضين السبع، ولم يذكر ابن إسحاق السبع إلا في السماوات قال كعب: والذي فلق البحر لموسى: أنها كانت دعوته حين يرى العدو، وذكر ابن عاث من طريق آخر زيادة في آخره: أسألك مودة خيارهم، وأن تحميني من شرارهم، وانظر أذكار النووي وشرحها لابن علّان المكي، وتخريج أحاديثها للحافظ ابن حجر.
كيف كان حال كفار جزيرة العرب معه عليه السلام
كان الكفار بعد الهجرة كما أفاده الحافظ في غزوة بني النضير وغيرها على ثلاثة أقسام.
قسم وادعهم عليه السلام على أن لا يحاربوه، ولا يؤلبوا عليه عدوا، وقيل على أن لا يكونوا معه ولا عليه، وقيل: على أن ينصروه ممن دهمه من عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وبنو قينقاع فنقض الثلاثة العهد، فمكن الله رسوله منهم فقاتل قريظة من أجل الآخرين.
وقسم حاربوه صلى الله عليه وسلم، ونصبوا له العداوة، كقريش فنصره الله عليهم وفتح مكة فصار
__________
(1) لم أعثر على الحديث في النسائي ووجدته في الأذكار للنووي ص 238 وقد عزاه للنسائي وابن السني. وروى الترمذي حديث يقاربه لفظا ومعنى: ج 5/ 539 كتاب الدعوات.
(1/304)

أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجة الوداع لم يبق أحد من قريش إلا أسلم وصاروا كلهم أتباعه.
وقسم تركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف العرب، منهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، ومنهم المنافقون فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، ثم النضير ثم قريظة، فحاربهم المصطفى بعد وقعة بدر بشهر.
وقال الحافظ ابن تيمية في كتابه: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص 98: لا خلاف بين أهل السير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل المصطفى بيد ولا لسان، ولا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك، وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن اتباعه، أو يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة ونحو ذلك مما فيه تخذيل عنه وحض على الكفر به، لا على قتاله.
ومن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة، أنه عليه السلام لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة، بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج، فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه، وهو متروك لا يحارب ولا يحارب، وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على حلفهم.
قال موسى بن عقبة: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فيها دار من دور الأنصار، إلا فيها رهط من المسلمين، إلا بني خطمة، وبني واقف، وبني وائل، كانوا آخر الأنصار إسلاما. وحول المدينة حلفاء للأنصار كانوا يتظاهرون بهم في حربهم، فأمر المصطفى أن يخلوا حلف حلفائهم، للحرب التي كانت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين من عادوا الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط فيهم المسلمون، الذين تجمعهم دعوة الإسلام، وفيهم أهل الحلقة والحصون، وفيهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم.
كان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا. ومن المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض، وكان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه، وكان الإسلام يفشو في بطون الأنصار بطنا بعد بطن، حتى لم يبق فيهم مظهر الكفر، بل صاروا إما مؤمنين أو منافقين.
وكان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادع لهذين، أو هم أحسن حالا من اليهود، لما يعرف فيه من العصبية لقومه، وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعاملهم بالكف عنهم، واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود، لما كان يرجو منهم، ويخاف من تغير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم، وهو في ذلك متبع قوله تعالى:
(1/305)

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186] اهـ منه.
كيفية معاملته صلى الله عليه وسلم مع كفار زمانه
من استعمال الشدة في وقتها والعطف والمجاملة في إبانها ومناسبتها زيادة على ما سبق.
عن ابن تيمية: كان عليه السلام في أول أمره يتحمل أذاهم، ويصبر على بلواهم حتى أذن الله له بالقتال، لاثني عشر ليلة مضت من صفر في السنة الثالة من الهجرة، قال الزهري:
أول آية نزلت في الأذن بالقتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: 39] خرّجه النسائي بإسناد صحيح، قال أبو حيان في البحر: والمأذون فيه في الآية محذوف؛ أي في القتال لدلالة الذين يقاتلون عليه، وعلل بأنهم: ظلموا. كانوا يأتون من بين مضروب ومشجوج فيقول لهم: إصبروا، فإني لم أومر بقتال، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وقال غيره: وإنما شرع الله الجهاد في الوقت الأليق، لأنهم كانوا بمكة، وكان المشركون أكثر عددا فلو أمر المسلمين وهم قليل بقتال الباغين لشق عليهم، فلما نفر المشركون وأخرجوه عليه السلام من بين أظهرهم، وهموا بقتله واستقر عليه السلام بالمدينة، واجتمع عليه أصحابه وقاموا بنصره، وصارت المدينة دار إسلام، ومعقلا يلجأون إليه، شرع الله الجهاد فبعث عليه السلام البعوث والسرايا وغزا بنفسه وقاتل هو وأصحابه، وكان عدد مغازيه التي خرج فيها بنفسه عليه السلام سبعا وعشرين، كما قاله أئمة المغازي، وجزم به ابن الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقيل غير ذلك.
قال ابن تيمية: ولا يعلم أنه عليه السلام قاتل في غزاة إلا في أحد، ولم يقتل أحدا إلا أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل كذا أنه بنفسه، كما فهمه بعض الطلبة ممن لا إطلاع له على أحواله عليه السلام اهـ.
قال في النور: قد يرد على ابن تيمية حديث: كنا إذا التقينا كتيبة أو جيشا أول من يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن تأويله، وكانت سراياه عليه السلام التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية. قال الشامي: الذي وقفت عليه في السرايا والبعوث يزيد على السبعين، وقال الحافظ: قرأت بخط مغلطاي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال اهـ.
وقد جرت عادة المحدثين وأرباب السير أن يسموا كل عسكر حضره عليه السلام بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثا، وفي حال جريان الأعمال الحربية مجراها أو السلم والصلح أو الهدنة، كان عليه السلام يتألف كبار المشركين والكفار، ويلين لهم القول ويظهر لهم إذا قدموا عليه مزيد الإعتبار استيلافا لهم وليعرفوا خلقه، وناهيك بقصة (عبس وتولّى) المتقدمة، وفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم:
أن الإمام أحمد سئل هل يكني الرجل أهل الذمة فقال: قد كنى النبي صلى الله عليه وسلم أسقف نجران،
(1/306)

وعمر فقال: يا أبا حسان لا بأس به انظر ص 122 الجزء الرابع، وكان يأمر الصحابة بذلك أيضا. قال المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير لدى حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، المخرج من ابن ماجه والبزار والطبراني، وابن عدي والبيهقي والحاكم عن عدة من الصحابة ما نصه: إذا أتاكم كريم قوم أي رئيسهم المعظم فيهم المعود منهم بإكبار الإعظام، وإكثار الإحترام فأكرموه، برفع مجلسه وإجزال عطيته ونحو ذلك، مما يليق به؛ لأن الله عوّده ذلك منه إبتلاء له، فمن استعمل معه غيره فقد إستهان به وجفاه، وأفسد عليه دينه؛ فإن ذلك يورث في قلبه الغل والحقد والبغضاء والعداوة، وذلك يجر إلى سفك الدماء. وفي إكرامه إتقاء شره، وإبقاء دينه، فإنه قد تعزز بدنياه وتكبروتاه وعظم في نفسه، فإذا أحقرته فقد أهلكته من حيث الدين والدنيا، وبه عرف أنه ليس المراد كريم القوم عالمهم أو صالحهم، كما وهم البعض، ألا ترى أنه لم ينسبه في الحديث إلى علم ولا دين.
ومن هذا السياق انكشف أن إستثناء الكافر والفاسق كما وقع لبعضهم منشؤه الغافلة عما تقرر، من أن الإكرام منوط بخوف محذور ديني أو دنيوي، أو تكون ضررا للفاعل أو المفعول معه، فمتى خيف شيء من ذلك شرع إكرامه بل يجب، فمن قدم عليه بعض الولاة الظلمة الفسقة فأقصر مجلسه وعامله معاملة الرغبة، فقد عرض نفسه وماله للبلاء، فإن أوذي ولم يصبر فقد خسر الدنيا والآخرة وقد قيل: دارهم ما دمت في دارهم، وحيهم ما دمت في حيهم. اهـ.
وقال عليه السلام: بعثت نبيا مداريا «1» . ولهذا كان كثير من أكابر السلف المعروفين بمزيد الورع يقبلون جوائز الإمراء المظهرين للجور ويظهرون لهم البشاشة حفظا للدين ورفقا بالمسلمين، ورحمة بذلك الظالم المبتلي المتكبر، وهكذا كان أسلوب المصطفى عليه السلام مع المؤلفة قلوبهم، وقد غلط في هذا الباب كثير غفلة عن معرفة تدبير الله ورسوله، والجمود على ظاهر: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: 18] وما دروا أن السنة شرحت ذلك وبينته أحسن البيان بموضع طلب إهانة الفاسق والكافر للأمن من حصول مفسدة،
والحاصل أن الكامل إنما يكرم لله أو يهين لله. ولهذا قال بعض العارفين: ينبغي للفقير أن يكرم كل وارد عليه من الولاة، فإن أحدهم لم يزر الفقير حتى خلع عنه كبرياءه ورأى نفسه دونه، وإلا لما أتاه مع كونه من رعاياه، قال: فمن أتانا فقيرا حقيرا أكرمناه، كائنا من كان وإن كان ظالما فنحن ظالمون أنفسنا بالمعاصي وغيرها، ولو بسوء الظن فظالم قام لظالم، وأكرمه. وقد كان المصطفى يتواضع لأكابر كفار قريش ويكرمهم، ويرفع منزلتهم لأنهم مظاهر العزة الالهية ورؤي بعض الأولياء في النوم، وعليه حلة خضراء والأنبياء واقفون بين يديه فاستشكل ذلك الرائي فقصه على بعضهم فقال: لا تنكره فإن
__________
(1) ذكر في كشف الخفاء حديثا بمعناه: بعثت بمداراة الناس وعزاه للبيهقي عن جابر.
(1/307)

تأدبهم مع من ألبسه الخلعة لامعه، ألا ترى أن السلطان إذا خلع على بعض غلمانه ركب أكابر الدولة في خدمته اهـ منه ص 37.
وفي الأكليل على قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: 44] أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب وغيره قال: كنّياه قولا له: يا أبا مرة، ففيه جواز كنية الكافر، وإستحباب إلانة القول للظالم عند وعظه لعله يرجع. وفيه أيضا على قوله في سورة مريم (سلام عليك) إستدل به من أجاز إبتداء الكافر بالسلام.
وفي سيرة عمر: أنه بعد إتمام فتح الشام، جرت بينه وبين ملك الروم المكاتبات الودادية، وأن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وزوج عمر بن الخطاب، أرسلت مع رسول جاء إلى المدينة من قبل ملك الروم هدية من ألطاف المدينة إلى إمبراطورة الروم امرأة هرقل، وأرسلت هذه في نظيرها عقدا نفيسا من الجواهر، فأخذه منها عمر ورده إلى بيت المال، هذا على ما في رواية ساقها أين الهندي في كنز العمال.
وفي تاريخ ابن جرير الطبري أن أم كلثوم أرسلت تلك الهدية مع بريد عمر، وأن امرأة هرقل جمعت نساءها وقالت: هذه هدية امرأة ملك العرب وبنت نبيهم، وكاتبتها وكافأتها وأهدته لها. انظر أخبار سنة 28 من تاريخ ابن جرير، وسيرة سيدنا عمر للحافظ ابن الجوزي.
وفي الخطط المقريزية: أن أسامة بن زيد التنوخي من رجال مصر في القرن الأول، وكان صاحب خراج مصر، إبتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار. كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الروم، وضرب الفلفل بدار بمصر كانت تعرف بدار الفلفل انظر ص 304 الجزء الثالث. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن علقمة الخزاعي عن أبيه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم بمال لأبي سفيان بن حرب يفرقه في فقراء قريش وهم مشركون يتألفهم، فقدمت مكة ودفعت المال إلى أبي سفيان فجعل أبو سفيان يقول: من رأى أبر من هذا، ولا أوصل يعني النبي صلى الله عليه وسلم إنا نجاهد ونطلب دمه وهو يبعث إلينا بالصلات يبرنا بها.
أورده الحافظ السيوطي في الجمع، وابن الهندي في الكنز انظر ص 42 من الجزء الخامس.
وفي الهداية من كتب الحنفية: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد يهوديا بجواره قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثها: محمد بن الحسن في الآثار، أخبرنا أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد، عن أبي بريدة عن أبيه قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لنا: قوموا بنا نعود جارنا اليهودي فأتيناه فقال له: كيف أنت يا فلان؟ ثم عرض عليه الشهادتين ثلاث مرات فقال له أبوه: يا بني إشهد فشهد، فقال الحمد لله الذي أعتق به نسمة من النار، ومن هذا الوجه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، وروى عبد الرزاق من مرسل ابن أبي حسين نحوه، وزاد فيه وغسله النبي صلى الله عليه وسلم وكفّنه وحنّطه وصلّى عليه اهـ.
وقعت لسيدنا الجد قصة تشبه هذه مع يهودي أيضا من يهود ملاح فاس.
(1/308)

القسم السادس في العمالات الجبائية ويشتمل على أبواب
(1/309)

العمالات الجبائية
قال القاضي عياض في الشفا: فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجبي إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه ولا أمسك منه درهما بل صرفه في مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين اهـ وفيه عدة أبواب:
باب في صاحب الجزية
الجزية: الخراج المجعول على رأس الذمي، كأنه جزاء للمنّ عليه بالإعفاء من القتل، أو إكراهه على الإسلام.
كيفية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية وممن أخذها
«قال الحافظ ابن المندر في الأشراف: قال الشافعي: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وصالح أهل اليمن على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وقال ابن عبد البر في التمهيد عن ابن شهاب: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران في عملنا، وكانوا نصارى. ثم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا، وممن تولّى قبض الجزية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أبو عبيدة بن الجراح، كما في البخاري، ومعاذ بن جبل كما في سنن أبي داود» .
باب في صاحب الأعشار ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
«في سنن أبي داود «1» عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي عن جده قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، وعلّمني الإسلام وعلمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت يا رسول الله كلما علمتني خفظت إلا الصدقة أفأعشرهم قال لا» .
__________
(1) ذكره في كتاب الخرّاج والإمارة والفيء باب 31 ص 435 ج 3 ورقم الحديث 3049.
(1/311)

باب في متولي خراج الأرضين
«في صحيح مسلم «1» عن عمر: قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة.
وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله قال عياض في الإكمال: قال الطبرى:
كل ما أفاء الله على رسوله طعمة له من الله على أن يأكل منه هو وأهله إن احتاجوا، ويصرفوا ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين» .
«وعن عمر بن عبد العزيز: كان ينفق منها على فقراء بني هاشم، ويزوج أيمهم.
وقال المازري: ما أجلي عنه أهله من غير قتال فعندنا أنه لا يخمّس ويصرف في مصالح المسلمين «2» ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرف ما يؤخذ من بني النضير، وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجميع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا. حرّر بن بشكوال أن المذكور هو سواد بن غزية الأنصاري [من بني عدي] .
وفي مدة عمر كان ولي عثمان بن حنيف الأنصاري مساحة الأرض وجبايتها وضرب الخراج والجزاية على أهلها وولاه عليّ البصرة» .
وفي المجلد السابع من تصنيف أبي علي أحمد بن عمر بن رسته ص 104 وروي عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد عن أبيه عن الشعبي؛ إن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيفة فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وفقيزا، قال أبو عبيد: إن حد السواد الذي مسح عثمان بن حنيف هو من لدن تخوم الموصل. مادا إلى ساحل البحر من بلاد عبّادان، من شرق دجلة طولا وعرضا، من منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية، مما يلي العذيب من أرض العرب. وحدث غيره أن عمر بن الخطاب أمر بمساحة السواد كله، وطوله من القلب إلى عبادان، وهو مائة وخمسة وعشرون فرسخا وعرضه من عقبة حلوان إلى العذيب ثمانون فرسخا، فبلغ جربانه ستة وثلاثين ألف ألف جريب، جعل على كل جريب من أرض الشعر درهمين، وعل كل جريب من أرض الكرة والرطاب
__________
(1) انظر كتاب الجهاد والسير حديث رقم 48 باب حكم الفيء ص 1376/ 2.
(2) كذا ورد في كتاب التخريج: لا يخمس. ص 528 نقلا عن الإمام المازري.
(1/312)

ستة دراهم، وعلى كل جريب من أرض النخل ثمانية دراهم، وختم على خمسمائة ألف إنسان للجزية على الطبقات، فجبى عمر السواد من الورق مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم اهـ.
وفي روض الأعلام لابن الأزرق أن عمر لما وجّه إلى الكوفة عمّار بن ياسر على صلاتهم وجيوشهم وابن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وقد فرض لهم في كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار، والشطر الآخر بين الآخرين، ثم قال: لا أرى قرية يؤخذ منها شاة كل يوم إلا سريعا في خرابها.
وأصل ذلك في طبقات ابن سعد من عدة طرق إلا قوله: لا أرى قرية، فلم أره فيها، وقد أخذ من ذلك الأئمة إجراء الأرزاق على من يقوم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين؛ من تعليم أو حكم أو غير ذلك. ومنه قول الإمام الغزالي في الإحياء في:
كتاب الحلال والحرام؛ كل من يتولى أمرا تتقوى به مصلحة المسلمين، ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه، فله في بيت المال حق الكفاية، قال: ويدخل فيه العلوم كلها، أعني التي تتعلق بمصالح الدين، كعلم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتى يدخل فيه المعلمون وطلبة هذه العلوم يدخلون فيه، فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب اهـ.
وقد حكى البرزالي عن القفصي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أجروا على طلبة العلم الرزق وفرغوهم، قال: والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا، فبالعلماء حراسة الدين، وبالأجناد حراسة الدنيا، والدين والملك توأمان، فلا يستغني أحدهما عن الآخر، قال: وليس شرط في هؤلاء الحاجة، بل يجوز أن يعطوا مع الغنى، فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار، ولو لم يعرفوا بالحاجة اهـ.
انظر ابن الأزرق فقد أطال وأطاب في المسألة. وقال الباجي في المنتقى على قوله عليه السلام: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة: المراد بعامله كل عامل يعمل للمسلمين، من خليفة أو غيره، فإن كل من قام بأمر المسلمين وبشريعته فهو عامل له عليه السلام، فلا بد أن يكفى مؤونته وإلا لضاع اهـ بواسطة تنوير الحوالك للسيوطي.
ونقل الفاكهي في المناهج عن الغزالي: أنه يجب لحافظ القرآن في كل سنة من بيت مال المسلمين مائة دينار. ونقل صاحب الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: أن لمعلم الصبيان من بيت مال المسلمين مائة دينار، فإن لم يكن من بيت المال فعلى
(1/313)

جماعة المسلمين، فإن لم تكن جماعة فعلى أهل الحسبة، لأن تعليم الصبيان فرض كفاية يحمله من قام به اهـ.
وانظر ما سبق في ترجمة [هل كان للقضاة والولاة راتب في زمنه عليه السلام] . وقال الحافظ السخاوي: من السلف الصالح من كان يتجر يقصد القيام بمؤونة من قصر نفسه على بث العلم والحديث، ولم يتفرغ من أجل ذلك للتكسب لعياله؛ فعن ابن المبارك أنه كان يقول للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك وعنى بهم السفيانين وابن علية وابن السماك ما اتجرت اهـ.
باب في العامل على الزكاة
«ذكر ابن إسحاق في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان بعث عماله وامراءه على الصدقات، إلى كل ما وطىء الإسلام من البلدان، وعدّ منهم جملة، وذكر الكلاعي في السيرة أنه عليه السلام لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة حتى رأى هلال المحرم سنة 11 بعث المصدقين في العرب، وذكر منهم جماعة من أشهرهم عمر بن الخطاب، وخالد بن سعيد بن العاصي، ومعاذ بن جبل، وعدي بن حاتم الطائي، والزبرقان بن بدر التميمي وغيرهم» .
وترجم في الإصابة للأرقم بن أبي الأرقم الزهري، فذكر أن الطبراني خرّج أنه عليه السلام إستعمله على السعاية. وترجم فيها أيضا كافية بن سبع الأسدي فنقل عن الواقدي؛ أن المصطفى عليه السلام استعمله على صدقات قومه. وترجم أيضا لحذيفة بن اليمان الأزدي فنقل عن ابن سعد أنه عليه السلام بعثه مصدقا على الأزد (مصدقا بتشديد الدال وكسرها أي عاملا يستوفي الزكاة من أربابها) وفي معالم السنن للخطابي، أن المصدق بتخفيف الصاد: العامل. قاله ابن الأثير مطولا. وفي المطالع: والمصدق بتخفيف الصاد آخذ الصدقة.
قال ثابت ويقال أيضا للذي يعطيها من ماله، فإذا شددت الصاد فهو المتصدق لا غير اهـ من نور النبراس.
وترجم في الإصابة أيضا لكهل بن مالك الهذلي فذكر أن المصطفى عليه السلام استعمله على صدقات هذيل، وترجم فيها أيضا لخالد بن البرصاء فذكر أن أبا داود والنسائي خرجا من طريق معمر عن الزهري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا الحديث.
وترجم لخالد بن سعيد بن العاص الأموي، فذكر أن المصطفى عليه السلام استعمله على صدقات مذجح. وترجم أيضا لخزيمة بن عاصم العكلي، فذكر أن ابن قانع روى من طريق سيف بن عمر عن المستنير بن عبد الله بن عدس، أن عدسا وخزيمة وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فولّى خزيمة على الأحلاف: وكتب له بسم الله الرحمن الرحيم:
(1/314)

من محمد رسول الله لخزيمة بن عاصم إني بعثتك ساعيا على قومك فلا يضاموا ولا يظلموا، ذكره الرشاطي وقال: أهمله أبو عمر.
وترجم أيضا لرافع بن مكيث الجهني قال: استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه.
وترجم أيضا لسهل بن منجاب التميمي فنقل عن الطبري أنه كان من عمّال النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات بني تميم، فمات المصطفى عليه السلام وهو على ذلك. وترجم لعكرمة بن أبي جهل فنقل عن الطبري أن النبي عليه السلام استعمله على صدقات هوازن عام وفاته.
وترجم لمالك بن نويرة فذكر أنه كان من أرداف الملوك، وأنه صلى الله عليه وسلم استعمله على صدقات قومه. وترجم لمتمم بن نويرة التميمي فقال: بعثه عليه السلام على صدقات بني تميم. وفي ترجمة مرداس بن مالك الغنوي أنه عليه السلام ولاه صدقة قومه.
وفي الهيثم والد قيس أنه عليه السلام استعمله على صدقات قومه. (موعظة تبرهن عن عدل المصدقين في ذلك الزمن الطاهر) .
قد أخرج ابن سعد في الطبقات [6/ 68] عن سويد بن غفلة قال أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده فقرأت في عهده، فإذا فيه:
أنه لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، فأتاه رجل بناقة عظيمة فأبى أن يأخذها ثم أتاه آخر بناقة دونها فأبي أن يأخذها، ثم قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت خيار إبل امرىء مسلم. وانظر ترجمة قرة بن دعموص النميري من الطبقات ص 31 ج 7.
باب في ذكر من كان يكتب الصدقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم
«قال ابن حزم في كتابه جوامع السيرة: كان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات الزبير بن العوام، فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت، وحذيفة بن اليمان» .
ونقل الحافظ في تلخيص الحبير عن القضاعي: كان الزبير وجهم يكتبان أموال الصدقات اهـ.
وترجم الحافظ في الإصابة جهم بن سعد فقال: ذكره القضاعي في كتّاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو والزبير كانا يكتبان أموال الصدقة، وكذا ذكره القرطبي في المولد النبوي من تأليفه اهـ. منها ص 266 من الجزء الأول.
وفي اختصار الإصابة لأبي زيد العراقي: جهم بن سعد من كتبته، قيل: كان يكتب أموال الصدقات مع الزبير.
وأقول: يأتي في جهيم مثل هذا وانظر لم لم يقل الحافظ: يأتي في جهيم اهـ وهو
(1/315)

ظاهر، فإن الحافظ في ترجمة جهيم بن الصلت، ذكر نحو ما في ترجمة هذا، نقلا عن صاحب التاريخ الصمادحي، والظاهر أنهما اثنان.
وفي صبح الأعشى ص 11 من ج 1 نقلا عن عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف للقضاعي: أن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان للنبي صلى الله عليه وسلم أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل، فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه عليه السلام اهـ.
باب في الخارص
«والخرص حزز ما على النخل من الرطب تمرا. في صحيح مسلم «1» عن عن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى، على حديقة لإمرأة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرصوها فخرصناها، وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق (الوسق ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم) وقال: أحصاها حتى نرجع إليك، إن شاء الله وانطلقنا حتى قدمنا تبوك: الحديث.
وفي البخاري «2» عن ابن عمر: عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وتمر فكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسقا تمرا وعشرون وسقا شعيرا.
وفي الموطأ «3» أنه عليه السلام كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه، وعن سلمان بن يسار قال:
فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها.
فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وكان الخرص في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من النخل والعنب والحبوب. خرّج أبو داود في سننه عن عتّاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، وأن يأخذ زكاة العنب زبيبا كما يأخذ زكاة النخل تمرا» .
ترجم في الإصابة لزياد بن عبد الله الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى عن زياد قال؛ لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة يخرص على أهل خيبر لم يجده أخطأ بحشفة «4» ، قال ابن منده: تفرد به عبيد بن إسحاق عن قيس.
__________
(1) انظر كتاب الفضائل باب 3 ج 2/ 1785.
(2) انظر كتاب الحرث والمزارعة ج 3/ 68.
(3) انظر أول كتاب المساقاة ص 703.
(4) الحشف: هو أردأ أنواع التمر. مصححه.
(1/316)

وترجم أيضا لسهل بن أبي حثمة فقال: هو الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم خارصا. وترجم أيضا للصلت بن معديكرب الكندي، فذكر أن المصطفى عليه السلام استعمله على الخرص، وترجم أيضا لفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري البياضي، فذكر أن عبد الرزاق روى في الزكاة من مصنفه، عن معمر عن حسن بن عثمان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يبعث رجلا من الأنصار من بني بياضة يقال له: فروة بن عمرو فيخرص تمر أهل المدينة. ومن طريق أخرى: فإذا دخل الحائط حسب ما فيه من الأقناء، ثم ضرب بعضها على بعض على ما يرى فيها فلا يخطىء.
وترجم في الإستبصار لأبي خيثمة، عامر بن ساعدة والد سهيل بن أبي خيثمة فقال:
بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارصا إلى خيبر.
باب في الوقف
قال في التنبيه: الوقف مصدر: وقفت الأرض وغيرها أقفها، هذه اللغة الفصحى الشهيرة اهـ ويعبر عنه بالحبس فيسمى: وقفا، لأن العين موقوفة وحبسا كما يفيده التنبيه:
وهو جعل منفعة مملوك ولو بأجرة أو غلة لمتحقق بصيغة دالة عليه: كحبست ووقفت مدة ما يراه المحبّس فلا يشترط فيه التأبيد، وهو مندوب لأنه من البر وفعل الخير، قال تعالى:
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77] .
وقد حبس النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده، حتى صار الحبس في الإسلام من أعظم مصادر المال لنفع أهله، وموارده اليوم في سائر بلاده من أوسع دوائر الجبايات، قال الإمام الشافعي في الأم: حفظنا الصدقات عن عدد كبير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم، أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات، فكما وصفت يتصدق بها المسلمون من السلف، وإن نقل الحديث بها كالمتكلف اهـ من الأم ص 276 ج 3.
«وفي جامع ابن يونس أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس تسع حوائط (الحائط حديقة النخل) أوصى له بها مخيريق لما قتل يوم أحد بأن يضعها حيث أراه الله، فحبسها من أموال بني النضير. قال السهيلي: هي أول حبس في الإسلام، وكل ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق به.»
وقال عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن ابن سهل: كانت صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالا لمخيريق وصى بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أنظر ترجمته من الإصابة، وقد عقد السيد السمهودي في الوفا بابا في ص 152 لصدقاته عليه السلام، فتكلم فيها على أموال مخيريق المذكور، نقل فيها عن الواقدي: وقف النبي صلى الله عليه وسلم الأعراف، وبرقة،
(1/317)

وميت، والدلال، وحس، والصافية، ومشربة أم إبراهيم، سنة سبع من الهجرة.
وروى الواقدي بسنده عن بعد الله بن كعب بن مالك قال: قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت فأموالي لمحمد، يضعها حيث أراه الله، فهي عامة صدقاته عليه السلام. فانظر الوفا.
وفي الصحيح «1» : أن عمر دفع إلى العباس وعلي صدقته عليه السلام بالمدينة، وهي حوائط مخيريق، ونخل بني النضير، وما أعطاه له الأنصار، وأما خيبر وفدك فبقيت بيد عمر، كما في حديث عائشة في الصحيح أيضا، ولم يدفعها لغيره، وهي بيد عثمان إلى أن أقطعها لمروان فبقيت بيد ولده. قال القرطبي: دفعها إليهما على أن لا ينفرد أحدهما بالآخر بعمل، حتى يكون الآخر معه فيه، فشق عليهما ذلك، وطلبا قسمها بينهما حتى يستقل كل واحد بالنظر فيما يكون في يده، فأبى عمر عليهما ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يظن ظان أن ذلك قسمة ميراث بينهما، وهو موافق لنسبة القسمة بينهما فمنعهما حسما للمادة اهـ.
وقال عياض في الإكمال: خرج أبو بكر البرقاني في صحيحه، قصة نزاعهما ثم قال:
فغلب علي عليها العباس فكانت بيد علي، ثم بيد الحسن ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس اهـ.
وروينا في صحيح البخاري عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها فيشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أن الله يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحبّ أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ ذلك مالك رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين قال أبو طلحة أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه «2» ، وفي رواية فجعلها لأبي وحسان كان أقرب إليه مني.
وفي رواية له أيضا عقب قوله: وإن أحب أموالي بيرحاء، وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويتظلل فيها، ويشرب من مائها، قال: فهي إلى الله ورسوله، أرجو برها
__________
(1) انظر البخاري كتاب النفقات باب 3 ج 6/ 190.
(2) روى البخاري هذا الحديث في أكثر من موضع في كتاب الزكاة: ج 2 ص 126 والوكالة والتفسير والأشربة والوصايا.
(1/318)

وذخرها، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ يا أبا طلحة. ذلك مال رابح قد قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين فتصدق به أبو طلحة على ذوي قربى رحمه قال: كان منهم أبي وحسان قال: فباع حسّان حصته منه من معاوية، فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة، فقال ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم، وكانت الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية.
قال الحافظ ابن حجر: وبيع حسان لحصته من معاوية دليل على أن أبا طلحة ملّكهم الحديقة المذكورة، ولم يوقفها عليهم، ويحتمل أنه أوقفها، واشترط أن من احتاج إلى بيع حصته جاز له. كما قال بجوازه علي وغيره اهـ. وفي ضبط بيرحاء اختلاف بين المحدثين، حتى أفرده بعضهم بمصنف لخصه المجد ثم السمهودي في تاريخ المدينة.
وقال ابن رشد في المقدمات: حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عوف، وعلي، وطلحة والزبير، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص.
وقيل لمالك: إن شريحا كان لا يرى الحبس. فقال: تكلم شريح ببلاده ولم ير المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواجه صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، وهذه صدقات النبي صلى الله عليه وسلم سبعة حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا.
وبهذا احتج مالك حين ناظره أبو يوسف بحضرة الرشيد فقال: هذه أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقاته، ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن اهـ.
وترجم أبو داود في سننه باب: في الرجل يوقف الوقف «1» ، ثم أخرج عن نافع عن ابن عمر قال: أصاب عمر أيضا بخيبر فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضا لم أصب قط مالا أنفس عندي منه، فكيف تأمرني به؟ قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل، وزاد عن بشر: والضيف، ثم اتفقوا على أن لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقا غير متمول فيه. زاد عن بشر قال: وقال محمد: غير متأثل مالا.
ثم أخرج أبو داود من طريق الليث عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب عبد الله بن عمر في تمغ) فقص من خبره نحو حديث نافع قال (غير متأثل مالا فما عفا عنه من تمره فهو للسائل والمحروم) قال وساق
__________
(1) انظر ج 3/ ص 298 من كتاب الوصايا رقم الباب 13.
(1/319)

القصة قال وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله بن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم ذوي الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا منه.
فذكر أبو داود كما ترى لعمر وثيقة الوقف، وهما وثيقتان ذكرهما أيضا عمر بن شبة، فنسخ عبد الحميد ليحيى بن سعد كلا الكتابين، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي عثمان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفا حرفا. ونصها الثاني يقتضي أن عمر كتب الوقفية في خلافته، لأن معيقيب كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقف أولا في زمنه عليه السلام باللفظ، وتولى هو النظر عليه ألى أن حضره الموت فكتب حينئذ.
وثمغ بفتح المثلاثة وسكون الميم والعين المعجمة، وحكى النووي فتح الميم قال أبو عبيد البكري: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر، وفي مراصد الإطلاع ثمغ بالفتح ثم السكون والغين معجمة، موضع مال لعمر بن الخطاب وقفه وقيده بعض المغاربة بالتحريك اهـ.
وفي النهاية ثمغ وصرمة بن الأكوع مالان معروفان بالمدينة، كانا لعمر بن الخطاب فوقفهما اهـ.
وقيل: المراد في حديث عمر بالصرمة: القطعة الخفيفة من النخل والإبل اهـ وفي نص الحبس المذكور، وهو من وهو إيصاء عمر بالنظر في حبسه إلى امرأة وهي بنته حفصه، وعند عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون في آخر الوقف وأوصى به عمر إلى حفصة أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر ونحوه، في رواية عبيد الله بن عمر في رواية الدارقطني، وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد: يليه ذو الرأي من آل عمر، فكأنه كان أولا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عين عند وصيته لحفصة، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني قال: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفا حرفا. (وهذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ أنه لحفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها) .
(1/320)

أقول: وقد أذكرتني وصية عمر رضي الله عنه، وجعله النظر في وقفه إلى الأقرب فالأقرب من أهله وصية عالم الدنيا الإمام أبي عبد الله، محمد بن مرزوق التلمساني، شارح البردة فقد رأيت بخط الحافظ أبي العباس أحمد الونشريسي ناقلا بعض فصول وصية ابن مرزوق المذكور، في تحبيس كتبه على أولاده ونص بذلك: إن جميع ما احتوت عليه غرفتي التي لم أفارقها إلا منذ ثلاثة أيام وما احتوى عليه مسكني الآن، من دواوين الكتب والمفردات والكراريس وسائر التاليف، وما هو معار عند الناس حسبما ذلك مقيد في أزمتي محبّس على من يتعاطى العلم وعرف بالإشتغال به من ذريتي، من أي جهة كانوا فينتفعون بمطالعة ما يحتاجون إليه منها، إلا أن أولادي الذكور وأولادهم أولى بالتقديم عند ازدحام حاجتهم إلى ما يطالع منها، كما إن الأولى فالأولى الأعلى فالأعلى من أولادي الذكور أولى عند ذلك أيضا، وإن متولي النظر في كتبي المذكورة الأقرب فالأقرب والأعلم الأدين، فإن لم يجتمع الوصفان فالأدين ثم الأعلم، ثم الأقرب مع أمانتهما عليها، فإن لم يؤمنا فالأمين كيف كان اهـ.
ومن خط الونشريسي نقلت واستفدت. وممن ثبت عنه الوقف من الصحابة سيدنا علي كرم الله وجهه، ففي مسند أحمد وغيره أن عليا قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا.
وفي رواية أربعين ألف دينار «1» . وفي تهذيب الأسماء للنووي: قال العلماء لم يرد به زكاة مال يملكه، وإنما أراد الوقوف التي تصدق بها وجعلها صدقة جارية، وكان الحاصل من غلتها يبلغ هذا القدر اهـ.
وفي الأم للشافعي أخرج إليّ والي المدينة صدقة علي بن أبي طالب، وأخبرني أنه أخذها من آل أبي رافع، وإنها كانت عندهم فأمرهم فقرئت علي اهـ أنظر الأم وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة، سيدنا عثمان بن عفان، ففي طبقات ابن سعد، أنه ترك صدقات كان يتصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار. وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة سيدنا الزبير بن العوام، فقد خرج ابن سعد في ترجمته من الطبقات: أنه جعل دارا له حبسا على كل مردودة من بناته، وأنه أوصى بالثلث. وممن أوقف من كبار الصحابة سيدنا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، ة فقد ترجم الحافظ محب الدين الطبري في ذخائر العقبى، في ترجمة العباس بن عبد المطلب: فذكر صدقته رضي الله عنه بداره على المسجد الشريف النبوي ليوسعه، عن كعب قال: كان للعباس دار، فلما أراد عمر توسعة المسجد قال العباس: قد جعلتها صدقة على مسجد المسلمين، قال الحافظ الطبري: حديث صحيح. وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد.
__________
(1) انظر المسند الجزء الأول 1/ 159 وفي طبعة المكتب الإسلامي 1/ 196.
(1/321)

ومنهم أبو الدحداح الأنصاري في الإستبصار: لما نزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: 245] كان أبو الدحداح نازلا في حائط له هو وأهله، فجاء لامرأته فقال:
أخرجي، فقد أقرضته ربي، فتصدق بحائطه على الفقراء.
ومنهم الأرقم بن أبي الأرقم وهو السابع ممن أسلم في طبقات ابن سعد: أن داره كانت بمكة على الصفا، وهي الدار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون فيها أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، ودعيت دار الإسلام تصدق بها الأرقم على ولده، وهذا نص الصدقة.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى الأرقم في ريعه ما حاز الصفا أنها محرمة بمكانها، من الحرم، لا تباع ولا تورث، شهد هشام ابن العاص وفلان مولى هشام بن العاص به ولم تزل بيد ولده صدقة قائمة فيها ولده يسكنون ويؤاجرون ويأخذون عليها، حتى كان زمن أبي جعفر المنصور فأخذها منهم، وابتاعها عليهم قهرا وظلما لأجل ميلانهم لمحمد النفس الزكية لما قام عليه.
وممن ثبت عنه الوقف من كبار الصحابة وسادات آل البيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ففي الأم للشافعي: أخبرني محمد بن علي بن شافع قال: أخبرني عبد الله بن حسن بن حسين عن غير واحد من أهل بيته وأحسبه قال: زيد بن علي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت بمالها على بني هاشم والمطلب، وإن عليا تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم.
تنبيهان: الأول: في التوشيح للسيوطي فائدة: أخرج أحمد عن ابن عمر قال: أول صدقة أي موقوفة في الإسلام صدقة عمر، وأخرج عمر بن شبة عن عمر بن سعيد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام؟ فقال المهاجرون: صدقة عمر. وقال الأنصار صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ.
والثاني: قال بعضهم: الوقف من خصائص الإسلام فلا يعرف وقوعه في الجاهلية اهـ.
قلت: أصل ذلك للإمام الشافعي، قال: الوقف من الأمور التي اختص بها الإسلام، ولم يبلغني أن الجاهلية وقفوا دارا أو أرضا، ولا يرد بناء الكعبة وحفر زمزم لأنه كان على وجه التفاخر، لا التبرر. ذكره النووي قاله الأمير: في ضوء الشموع. ونقل عن شيخه البليدي في حواشيه على الزرقاني على قول خ أو على بنيه دون بناته، أن المنوي «1» على الخصائص بحث في قول الشافعي هذا بأن وقف الخصائص بحث في قول هذا بأن وقف
__________
(1) كذا في الأصل فلعل الصواب: النووي. فليحرر.
(1/322)

الخليل باق إلى الآن. وكانت مصر وإقطاعها وقفا على كنيسة الروم، قال الشيخ الأمير عقبه: أقول إنما ادعى الشافعي أنه لم يثبت عن الجاهلية ولم ينفه عن الأنبياء، ولا عن أهل الكتاب المتقدمين فهو تخصيص نسبي اهـ.
فائدة: في حواشي العلامة الشمس محمد بن عرفة الدسوقي المالكي المصري، على شرح الشهاب الدردير، على مختصر خليل ص 69 ج 4 نقلا عن حاشية شيخ مشايخه العلامة المعمر الشمس محمد البليدي المصري على ز على مختصر خ أنه كان في قيسارية فاس ألف أوقية من الذهب، موقوفة للسلف، فكانوا يردونها نحاسا فاضمحلت اهـ وممن ذكر ذلك من فقهاء فاس الشيخ أبو عبد الله التاودي بن سودة في شرح التحفة، لدى قولها: الحبس في الأصول جائز وفي الخ ونصه: وقد كان بقيسارية فاس دراهم موقوفة للسلف «1» . فلم يزالوا يتسلفونها ويردون فيها النحاس، والنقص حتى اندرست اهـ منه وهذا من أعظم ما يدلنا على الرقي في الزمن القديم، وعملهم على تنشيط الزارع والتاجر، ومدّيد المساعدة للفقير والصانع، فهذا مما سبقنا به أروبا بقرون، ولله في خلقه ما أراد من الشؤون.
باب في المستوفي (وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويتخلصه منهم) (ويقدم به عليه)
«في الصحيح «2» عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى خالد ليقبض الخمس، قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب إلى أهل نجران يجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم، وذلك سنة عشر «3» كما في الكامل ففعل وعاد ولقي النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حجة الوداع» .
وترجم في الإصابة لحاجب بن زرارة الدارمي التميمي فذكر أنه عليه السلام بعثه على صدقات بني تميم انظر ص 288 من ج 1.
تنبيه وقع في قصة حجة الوداع من صحيح مسلم، مقدم علي من سعايته، قال القاضي: أي من عمله في السعي في الصدقات، وقال بعضهم في غير مسلم: إنه بعثه أميرا لا عاملا، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات. وفي النسائي عن البراء: كنت مع علي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقات، فصرّح بأنه أمره ولم يقل
__________
(1) للسلف: الظاهر أن معناها القرض. أي يستقرضونها ثم يعيدونها.
(2) رواه البخاري في ج 5/ ص 110 من كتاب المغازي رقم الباب 61 چ
(3) انظر السيرة لابن هشام ج 2/ 600.
(1/323)

استعمله، قال القاضي ويحتمل أنه ولي الصدقات احتسابا أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة.
قال بعضهم: السعاية تستعمل في مطلق الولاية فلا تدل على الصدقات خصوصا.
باب خروجه عليه السلام بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة
في ص 112 من ج 6 من مسند أحمد عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البادية إلى إبل الصدقة، فأعطى نساءه بعيرا بعيرا غيري، فقلت يا رسول الله أعطيتهن بعيرا بعيرا غيري، فأعطاني بعيرا آدد صعبا لم يركب عليه، فقال: يا عائشة أرفقي به، فإن الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه، ولا يفارق شيئا إلا شأنه «1» .
باب ذكر من وكله عليه السلام لحفظ زكاة رمضان
في سمط الجوهر الفاخر أنه عليه السلام وكل ذلك لأبي هريرة.
باب ذكر من جعله عليه السلام على قبض مغانمه
كان عليها خزاعة بن عبد نهم المزني ذكر ذلك في سمط الجوهر الفاخر «2» .
باب من كان على خمسه عليه السلام
كان عليه عبد الله بن كعب الأنصاري من بني مازن ابن النجار، كما في سمط الجوهر الفاخر أيضا، وفي ترجمته من الإستبصار: شهد بدرا وكان على الغنائم يومئذ، وشهد سائر المشاهد، وكان على خمس النبي صلى الله عليه وسلم فيها اهـ.
__________
(1) هو في ص 129/ 6 من طبعة المكتب الإسلامي في بيروت.
(2) وترجمته في الإصابة 1/ 424.
(1/324)

القسم السابع في العمالات الإختزانية وما أضيف إليها وفيه فصول
(1/325)

العمالات الاختزانية
« (الموازين) في صحيح «1» مسلم عن جابر قال: اشترى مني النبي عليه السلام بعيرا بأوقيتين وبدرهم، أو درهمين، فلما قدم المدينة وزن لي ثمن البعير فأرجح، وفي سنن النسائي فدعا بميزان فوزن لي وزادني، وفي أبي داود قوله عليه السلام للوزان: زن وأرجح، وفي الإستيعاب: أن أبا سفيان بن حرب أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين وكان شهدها معه مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال» .
خازن الطعام
«في الصحيح «2» أنه عليه السلام كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنة، وفي جامع الترمذي أنه عليه السلام كان يعزل نفقة أهله سنتهم. ومن المعروف عن الحسن عليه السلام أنه قال: اذكر أنه عليه السلام حملني على عاتقه فأدخلني في غرفة الصدقة فأخذت تمرة فجعلتها في فيّ فقال: ألقها أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، فأخرجتها من فمي» انظر مسلم كتاب الزكاة باب تحريم الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ج 1/ 751.
الكيال
«في الصحيح عن المقدام بن معديكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه «3» . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ثمانين وسقا من تمر وعشرون وسقا من شعير. [كتاب المساقاة، ج 2/ 1186] .
وفي مسلم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله «4» .
وبوّب البخاري في كتاب البيوع باب ما يستحب من الكيل، ثم ذكر الحديث السابق قال في الفجر الساطع: أي الطعام المكيل، ويقاس عليه وزن الموزون وعدّ المعدود. وقال
__________
(1) انظر كتاب المساقاة ج 2/ 1223 ورقمه 115.
(2) انظر البخاري كتاب النفقات 190/ 6.
(3) انظر كتاب البيوع ج 3 ص 22.
(4) انظر كتاب البيوع ج 2 ص 1160.
(1/327)

على قوله: يبارك لكم أي فيه كما عند غيره، قال الحافظ: الذي يظهر أن الحديث محمول على الطعام الذي يشترى، والبركة تتحصل فيه بالكيل لإمتثال أمر الشارع.
فالبركة الحاصلة فيه أما لسلامته من الجزاف، أو للتسمية عليه أو لإمتثال أمر الشارع، وحديث عائشة الآتي المتضمن أنها لما كالت طعامها فني، محمول على أنها كالت الباقي من المخرج للنفقة واختباره واستكثار ما خرج منه، فانتزعت منه البركة قاله ابن المنير اهـ.
ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة على عهده عليه السلام
وهي عشرة: الدرهم، والدينار، والمثقال، والدانق، والقيراط، والأوقية، والنش، والنواة، والرطل، والقنطار.
ذكر الدرهم واستعماله
«قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في جواب سئله في سنة 616 قال أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعض شيوخه أن الدراهم كانت على عهده عليه السلام على نوعين السوداء الوافية ووزن الدرهم منها ثمانية دوانق والطبرية وزن الدرهم منها أربعة دوانق قال: وكان الناس يزكون بشطرين من الكبار والصغار. قال أبو العباس العزفي: قال أبو جعفر الداودي: وذكر قول من قال: إن الدرهم لم يكن معلوما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا قول فاسد، لم يكن القوم ليجهلوا أصلا من أصول الدين، فلا يعلمون فيه نصّا. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج السعاة، فلا يجوز أن يظن بهم جهل مثل هذا، ولم يأت ما قاله من طريق صحيح.
وقال أبو عمر بن عبد البر وعياض؛ لا يجوز أن تكون الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزون ثم يوجب الزكاة عليها وهي لا يعلم مبلغ وزنها، وتقع بها البيوعات والأنكحة، وهذا يبين أن قول من قال: إن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك، حتى جمعها برأي الفقهاء وهم، وإنما معنى ذلك أنها لم تكن من ضرب أهل الإسلام، وعلى صفات لا تختلف، وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغار وكبار أو قطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية وبعد ذلك في أيام عبد الملك كرهوا الضرب الجاري من ضرب الروم فردوها إلى ضرب الإسلام» .
قال النووي في شرح المهذب: الصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معروفة الوزن معلومة المقدار، وهي السابقة إلى الأفهام وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية، ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخر أقل أو أكثر من هذا المقدار، فإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم الدراهم محمول على
(1/328)

المفهوم من الإطلاق، وهو كل درهم ستة دوانق وكل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا على هذا. ولا يجوز أن يجمع على خلاف ما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
وأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عطية في كتاب الأحكام. قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه مائتان وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم. وقال النووي بعد إيراده في شرح المهذب، وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع الدرهم، وهو تسعون مثقالا اهـ بواسطة سبل الرشاد للشامي.
وقال أبو السعود الفاسي في إملآته على الصحيح، على قوله في كتاب النكاح: وزن نواة من ذهب، المراد بالنواة قيل نواة التمر، وقيل إسم لمقدار من الوزن كان عندهم، كما هو عند غيرهم. ولم تكن سكة عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر، ولم يضربوا سكة في الإسلام حتى ضربها عبد الملك بن مروان، إلا إنهم كانوا يتعاملون بسكة فارس والروم، وكان لهم من ذلك درهمان، فجمع عبد الملك نصف هذا مع نصف هذا، وجعله درهما واحدا اهـ.
وقال الحافظ السيوطي في رسالته: قطع المجادلة في تغير المعاملة، قال الخطابي: كان أهل المدينة يتعاملون بالدارهم وقت قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قول عائشة في قصة شرائها بريرة: إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عدة واحدة فعدت الدراهم، فأرشدهم النبي عليه السلام إلى الوزن وجعل الوزن عيار أهل مكة، وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستة دوانق، وكانوا يتعاملون بها وهو درهم الإسلام في جميع البلدان، وأما الدنانير فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم، وقال ابن عبد البر في التمهيد: كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام، وعند عرب الحجاز كلها رومية، تضرب ببلاد الروم عليها صورة الملك، واسم الذي ضربت في أيامه مكتوبة بالرومية، وكانت الدراهم بأرض العراق، وأرض المشرق كلها كسروية، عليها صورة كسرى، واسمه فيها مكتوب بالفارسية اهـ.
قال العزفي: قال الخطابي: كانت الدنانير تحمل إليهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلاد الروم، فكانت العرب تسميها الهرقلية.
وهذه الدراهم مع إثبات صور ملوك الروم عليها كانوا في صدر الإسلام يصلون بها ويحملونها معهم، ولا يتنزهون عن ذلك، وقد كنت رأيت في سفري لتطوان عام 1341 درهما من هذه الدراهم الهرقلية منقوش عليها صورة هرقل، ثم اشتريت بعد ذلك درهما
(1/329)

رسم عليه اسم قيصر وصورته، ولعله أحد القياصر المعاصرين لأول الإسلام، وفي فتاوي الشهاب الفقيه أحمد بن حجر الهيثمي جماعة ذكروا جواز حمل الدنانير التي تجلب من أرض الأفرنج، وعليها صورة حيوان حقيقة يقينا، واستدلوا على ذلك بأنها كانت تجلب من عندهم في زمن السلف، ولم ينهوا عن حملها في العمامة وغيرها لأن القصد منها النقد، لا تلك الصور ولتعذر إزالتها أو تعسره.
فإذا جاز هذا في تلك الدنانير فجواز الكتابة في الورق الإفرنجي أولى، وإن تحقق أنه فيه صورة حيوان اهـ.
وفي فتاوي الشهاب أحمد الرملي الشافعي المصري أنه سئل عن دنانير عليها صورة حيوان تامة، أيحرم حملها كحرمة الثياب المصورة؟ فأجاب بأنه لا يحرم حملها فقد قال ابن العراقي: عندي أن الدراهم الرومية التي عليها الصور من القسم الذي لا ينكر لإمتهانها بالإنفاق والمعاملة، وقد كان السلف يتعاملون بها من غير نكير، فلم تحدث الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبد الملك بن مروان كما هو معروف اهـ منها.
تنبيه: سبق أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكة ولا زمن أبي بكر ولا عمر، والمعروف أن أول من ضرب السكة عبد الملك بن مروان، قال ابن سعد في الطبقات:
حدثنا محمد بن عمر الواقدي حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمسة وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها، وفي أوائل العسكري: أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر عن المغيرة: أول من ضرب الدراهم الزيوف عبيد الله بن زياد، ونقله السيوطي في أوائله والشامي في سيرته.
وربما يعكر عليه وعلى ما سبق من أن الدراهم في الزمن النبوي لم تكن من ضرب أهل الإسلام ما وقع في سنن أبي داود. وابن ماجه من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس بوّب عليه ابن ماجه بقوله: باب النهي عن كسر الدراهم والدنانير، وأبو داود بقوله: باب كسر الدراهم.
وأخرجه أيضا أحمد والحاكم في المستدرك.
قال الحافظ الشوكاني في نيل الأوطار: قوله سكة بكسر السين المهملة أي الدراهم المضروبة على سكة الحديد المنقوشة التي تطبع عليها الدراهم والدنانير، وقوله الجائزة بينهم يعني: النافقة في معاملتهم، وقوله: إلا من بأس، كأن تكون زيوفا وفي معنى كسر الدراهم كسر الدنانير والفلوس التي عليها سكة الإمام، لا سيما إذا كان التعامل بذلك جاريا بين المسلمين كثيرا اهـ.
(1/330)

وقال شيخ كثير من شيوخنا محدث المدينة المنورة مسندها، الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي، في حاشيته على سنن ابن ماجه، المسماة انجاح الحاجة: في الحديث النهي عن الكسر بثلاثة شرائط الأول أن تكون سكة الإسلام، الثاني أن تكون رائجة، والثالث أن لا يكون فيها بأس وضرر على المسلمين، فلو أزال سكة الكفار لم يكن موردا للنهي، وكذا لو أزال السكة الغير الرائجة أو المزيفة اهـ ونقله عنه الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود وأقرّه.
وهذا كما ترى كالصريح في أنه كان للمسلمين في الزمن النبيوي سكة مضروبة كانوا يتعاملون بها، ولله درّ صاحبنا العلامة السيد أحمد بن محمد الحسيني الشافعي المصري حيث قال: في ص 181 من نهاية الإحكام فيما للنية من الأحكام، بعد أن ذكر حديث أبي داود هذا ونحوه: مقتضى هذا أن سكة المسلمين كانت معروفة ومستعملة في زمنه عليه السلام، وليس ما يخالفه من الأقوال الدالة على أن سكة المسلمين لم تضرب إلا في عهد عمر، أو في عهد من بعده أولى بالقبول منه إلا بمرجح وأين هو؟ اهـ بلفظه.
وفي تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان ص 138: أما النقود التي ضربت في عهد الخلفاء الراشدين فكانت نحاسية، وفي غاية البساطة مما جرى في الشكل، وليس عليها من الكتابة إلا صورة الشهادة بالحرف الكوفي، ولم تضرب النقود القضية في الإسلام حتى أيام الخليفة عبد الملك ثم صور نقوده.
وقد انتقده الرحالة الشيخ محمد أمين بن الشيخ حسن الحلواتي المدني في رسالته: نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان بقوله: لم يثبت في الرواية الصحيحة أن أحدا من الخلفاء الأربعة ضرب سكة أصلا إلا علي بن أبي طالب، فإنه ضرب الدراهم على ما نقله صبحي باشا الموره لي في رسالة له: رسم فيها صورة ذلك الدرهم وعزا ذلك إلى لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة، وأما هذه الثلاثة المسكوكات التي رسمها جرجي زيدان فلا تثبت علي فرض وجودها، لأنه لم تكن عليها تواريخ دالة على زمانها، وأكبر شيء فيها دال على كذبها على الخلفاء كون أحدها فيه صورة شخص، وهذا مما تحرمه الديانة الإسلامية فكيف يفعل ذلك الخلفاء؟ وكون هذه المسكوكات مزورة غير بدع عن الإفرنج وبياعي الإنتيكات اهـ انظر ص 5 منه طبع لكنو بالهند، فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف إفرنسي وأحال على ص 26 من تاريخ مصر لمارسا، أنظر ردّ رينان على نشر الهذيان.
وكأنهم لم يروه في المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية للشيخ حمزة فتح الله المصري ص 152 ج 1 نقلا عن شرح العيني على البخاري أنه نقل عن المرغيناني:
أن الدراهم كانت شبه النواة ودورت على عهد عمر، لما بعث معقل بن يسار وحفر
(1/331)

نهره الذي قيل فيه: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها، الحمد لله وفي بعضها محمد رسول الله، وفي بعضها: لا إله إلا الله وحده، على وجه، وعلى الآخر عمر. فلما بويع لعثمان ضرب دراهم نقشها: الله أكبر، فلما اجتمع الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا سيفا، فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدوّرة ثم غيّرها الحجاج.
ولما استقر الأمر لعبد الملك بعد ابن الزبير، ضرب الدنانير والدراهم في سنة 76 من الهجرة اهـ ولا ما في رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي المقريزي فإن فيها نحو ما ذكر عن المواهب باللفظ وزاد: إن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال متقلدا سيفا. وذكر أن عبد الملك بن مروان لما أمر الحجاج بضرب السكة ضربها، وقدمت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبها بقايا الصحابة فلم ينكروا منها شيئا سوى نقشها، فإن فيها صورة وكان سعيد بن المسيب يبيع بها ويشتري ولا يعيب من أمرها شيئا اهـ انظر ص 5 منها، ونحوه في خطط مصر لوزير المعارف بمصر الشيخ علي بن مبارك باشا انظر ص 6 من ج 20 منها، وقد ساق كل كلام المقريزي المذكور محتجا به الشيخ عبد الغني النابلسي، في شرحه على الطريقة المحمدية انظر ص 499 ج 2، ووقع في وفيات الأسلاف ص 361 ما نصه: وأقدم سكة في الإسلام فيما وجد، ما ضرب في خلافه عثمان سنة ثمان وعشرين من الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط الكوفي بسم الله ربي، وفي خلافة علي سنة 37 وكتب فيها: ولي الله. وفي سنة 38 و 39 بسم الله ربي. وفي درهم بالخط الكوفي في جانب منها: الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وفي دورته: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وفي الجانب الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورته: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين، وفيها ضرب بدارابجرد سنة سبعين. وفي يزد سنة إحدى وسبعين بالخط الكوفي: بسم الله، وفي الطرف الآخر: بالخط البهلوي عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين، وقيل: أول من ضرب النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله، ونقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد أنّ عبد الملك أمر الحجاج بضرب الدراهم، وتمييز المغشوش من الخالص سنة 74. وقال المدائني: سنة 75، ثم أمر بضربها في النواحي سنة 76. وهذه الدراهم ما وقع نظري عليها، وإنما نقلته عما نقله الثقات في هذا الشأن اهـ.
ثم وجدته أخذ ذلك من تاريخ الوزير جودت باشا التركي الشهير، فإنه نقل كل ما ذكر عن تاريخ واصف أفندي، وفيه أيضا ذكر واصف أفندي أنه نقل عن التواريخ،
(1/332)

الموضوعة في أخبار سلاطين العرب، أن عمر بن الخطاب ضرب سكة في عام 18 على النقش الكبير، وكتب على بعضها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعلى بعضها لا إله إلا الله، واسم عمر. ثم قال: إلا أنه ثبت نقلا أن حضرة عمر لم يضرب سكة باسمه والرواية المذكورة يحتمل أن تكون غلطا حصل من السكة التي ضربها أحد الأتراك بطبرستان، المسمى عمر على المنوال السابق، فالظاهر أن تاريخها المكتوب بالخط البهلوي لم يتمكنوا من قراءته، وأسندت إلى حضرة عمر عند ما قرىء اسم عمر. وكذلك السكة المنسوبة إل عبد الله بن الزبير، لم يطلع عليها أحد من أهل العلم.
ومن المسلم عند أهل العلم أن الذي أحدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج. ولكن ظهر خلاف ذلك عند وجود الكشف الجديد في هذا الفن سنة 1276، وذلك أن رجلا إيرانيا اسمه جواد أتى إلى دار السعادة بسكة فضية عربية، ضربت في البصرة سنة أربعين هجرية، وأنا الفقير رأيتها بين المسكوكات القديمة الإسلامية، عند صبحي باشا أفندي، مكتوب على أحد وجهيها بالخط الكوفي: اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، وفي دورتها محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله، ولو كره المشركون. وعلى الوجه الآخر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي دورتها: ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة أربعين. ونقل عن بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية وخالد بن الوليد مقلدين سيفهما، وتابعهما واصف أفندي فأدرج ذلك في تاريخه، ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت والصحة، ولكن أنا الفقير رأيت على وجه الترتيب، جميع المسكوكات الأموية المخلفة التي ضربت عندهم، في دور الضرب من الذهب والفضة، في كل سنة على الترتيب السابق؛ من سنة 72 إلى تاريخ انقراض دولتهم سنة مائة واثنين وثلاثين هجرية، فلم يكن على أحدها اسم الخليفة اهـ راجع مقدمة التاريخ المذكور ص 274.
ووقع في رسالة لصديقنا الكاتب الكبير الأصيل السيد توفيق البكري الصديقي المصري، في الموافقة بين الأعراف الأوروبية والأعراف العربية منقولة في شرح كتابه:
صهاريج اللؤلؤ ص 290 أن عمر بن الخطاب كان يستعمل الورق والجلود، مكان النقود للحاجة وأنشد لأبي تمام:
لم ينتدب عمر للإبل يجعل من ... جلودها النقد حين عزه الذهب
وبمكتبتنا في قسم النقود دراهم مكتوبة بالكوفي عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي آخر الكتابة إسم علي، يقطع الناظر المتأمل فيها، وفي كتابتها ونقشها القديم إنها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(1/333)

«تتمات» الأولى في أوائل الحافظ السيوطي: أول من ضرب الدراهم في بلاد المغرب عبد الرحمن بن الحكم الأموي، القائم بالأندلس في القرن الثالث وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من الدراهم الزيوف ذكره الذهبي في تاريخه اهـ ونحوه نقل عن الذهبي الشامي في سيرته سبل الرشاد.
وعبد الرحمن بن الحكم هذا: هو عبد الرحمن الثاني بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الأموي الداخل إلى الأندلس سنة 138. وعلى كل حال فإن كان عنى بالمغرب الأندلس فقط فذاك، وإن كان يعني المغرب الأقصى أو القطر الإفريقي ففيه نظر، لأن الإمام إدريس بن إدريس رضي الله عنهما، قد كان ضرب السكة أيام خلافته، آخر القرن الثاني من الهجرة، قبل ولاية عبد الرحمن بن الحكم، وقد عقد لذلك جدنا من قبل الأم الإمام أحمد بن عبد الحي الحلبي، ثم الفاسي فصلا في كتابه «الدر النفيس» وهو الفصل 34 قال عنها: أما درهم الإمام إدريس بن إدريس، فمكتوب على دائرته: «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون وتحت محمد رسول الله، في الدائرة، إدريس في الوسط، ومحمد في سطر، رسول الله في سطر، وذلك بالخط الكوفي. وفي الوجه الأخير مكتوب على دائرته: بسم الله، ضرب هذا الدرهم سنة 198. انظر ص 221 من الدر النفيس، طبعة فاس سنة 1314.
ثم وجدت الحافظ السيوطي قال في تاريخ الخلفاء: له عند الكلام على عبد الرحمن المذكور، المتوفي سنة 239، أول من فخّم الملك بالأندلس من الأموية، وكساه أبهة الخلافة والجلالة، وفي أيامه أحدث بالأندلس ضرب الدراهم، ولم يكن بها دار ضرب منذ فتحها العرب، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق اهـ.
فظهر أن كلامهم في الأندلس، ومولاي إدريس كان في العدوة.
الثانية: قال الشيخ أبو سالم العياشي: في شرح على نظمه لبيوع ابن جماعة، المسمى إرشاد المتسبب إلى فهم معونة المكتسب، وأما الدرهم السني، فقد وجدت عند شيخنا سيدي عبد الواهب الفاسي أسماه الله درهما ورثه عن والده مكتوب عليه بالخط الكوفي، أنه ضرب بواسط سنة تسع ومائة، وذلك في خلافة هشام بن عبد الملك، وقد نص المؤرخون على أن أول من ضرب السكة في الإسلام عبد الملك بن مروان، وأنه بولغ في تحريرها وتحقيقها في خلافة ابنه هشام، فيكون هذا الدرهم من المضروب في أيام تجويد السكة.
وقد ذكر سيدي العربي الفاسي، وهو ممن يوثق به في مثل ذلك، ويعتمد عليه أنه اختبر الدرهم المذكور، بما قاله الفقهاء فوجده: خمسين وخمسي حبة. بتحقيق كما قالوا،
(1/334)

وقد وزنت عليه درهما عندي صنعته من صفر بمعاينة العدول، واستخرج لي شيخنا سيدي عبد الوهاب، من الدرهم وزن الدينار الشرعي، وهو ممن يرجع إليه في ذلك، وقد ذكر أبو الحسن بن باق الأندلسي في تأليف له، ما يتحقق به المكيال الشرعي على وجه سهل، لا يكاد أن يقع فيه شيء، مع مراعاته اختلاف «1» .
الرابعة في مكتبتنا كتاب نادر الوجود اسمه: الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة، لم أكن أعرف مؤلفه، حتى ظفرت به في مجموعة «بأبي الجعد» «2» في دخولي لها الثاني عام 1337، بخط ابن أبي القاسم الرباطي شارح العمل، فإذا هو الإمام أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم، ورتبه على أبواب.
الباب الثالث: في المعادن وكيفية توليدها [التنقيب عنها] واستخراجها وتحصيلها ومنفعة كل منهم.
الباب الرابع: في مقدار ما ينظم فيها من نفيس الأحجار، مع بقاء بهجة الصنعة من غير نقص لذلك.
الباب الخامس: في أول من ضرب الدينار والدرهم، وأماكن طبعها وضوابط سكتها.
الباب السادس: في مقدار الدينار والدرهم الخاصين بنا (المغرب) .
الباب السابع: في التعامل بها صرفا ومراطلة.
الباب الثامن: فيما يجوز استعماله منها للحمل وغيره.
الباب التاسع: فيما وعد به سبحانه من الثواب لمنافقها.
الباب العاشر: في تسمية ما يحدثه المفسدون من غش السكة، ويستفاد من آخر فصل من الباب السادس أن جد مؤلفه علي بن محمد الكومي الحكيم المديوني، كان أمين وناظر دار السكة بفاس، على عهد السلطان أبي يعقوب يوسف بن عبد الحق المريني، وتكلم في الفصل الثاني من الباب الخامس، على أول من ضرب الدراهم وأول من أقام دار الضرب بفاس، وذلك صاحب الدرهم هو أبو عبد الله المهدي القائم بأمر الموحدين. ثم قال: وكان لمدينة فاس (عدوة) القرويين و (عدوة) الأندلس دارا سكة، فنقلها الخليفة أبو عبد الله الناصر بن منصور الموحدي، لدار أعدها بقصبتها، جربناها سنة ستمائة، وأعد بها مودعا للأموال المندفعة بها، ولطوابع سكتها. فانظره فإنه مهم.
الخامسة: كما ألف في الباب أيضا الحافظ السيوطي رسالة سماها قطع المجادلة في تغيير المعاملة وهي رسالة نفيسة، في نحو كراسة ذكر في أولها أن ابن أبي شيبة أخرج في
__________
(1) الكلام هنا ناقص، ولا سبيل إلى إصلاحه بالظن. ولم أجد فيه التتمة الثالثة.
(2) أبي الجعد: يبدو أنها اسم مكان.
(1/335)

مصنفه عن كعب أن أول من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام، وذكر في آخرها أثرا يرمي إلى قطع المسكوكات النقدية وهو قوله: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: قرض الدرهم والدينار من الفساد في الأرض اهـ.
قلت: وهو تقصير من الحافظ السيوطي رحمه الله فإن الأثر في موطأ محمد بن الحسن، بوّب عليه بقوله: باب ما يكره من قطع الدرهم والدينار، ثم قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قطع الورق والذهب من الفساد في الأرض. قال محمد: قطع الدراهم والدنانير لغير منفعة اهـ منها.
وعزا التقي المقريزي في رسالته في النقود الإسلامية، قول ابن المسيب هذا إلى تخريج مسدد، قال: حدثنا خالد بن عبد الله قال: حدثنا مالك عن ابن سعيد به، فذكره وهو في طبقات ابن سعد بلفظ: أنه سئل عن قطع الدراهم فقال: هو من الفساد في الأرض انظر ص 100 ج 5.
وقد اختلف في معنى كلام سعيد فقيل: كما في حاشية أبي الحسنات اللكنوي: مراد محمد من قطعها كسرها وإبطال صورها، وجعلها مصوغا معروف وهو ما مال إليه القاري في شرح الموطأ وقال التقي المقريزي عقب الأثر المذكور: يعني كسرهما اهـ.
وقال بيري زاده في شرح الموطأ عن ابن الأثير: كانت المعاملات بها في صدر الإسلام عدّا لا وزنا، فكان بعضهم يقصّ أطرافها فنهوا عنه اهـ انظر اللكنوي. وما نقله عن ابن الأثير هو له في النهاية على حديث أبي داود نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسر السكة الجائزة بين المسلمين، إلا من بأس يعني الدنانير والدراهم المضروبة، أي لا تكسر أي من أمر يقتضي كسرها، إما لرداءتها أو شك في صحة نقدها، وكره ذلك لما فيه إسم الله، وقيل لأن فيه إضاعة المال، وقيل إنما نهى عن كسرها على أن تعاد تبرا، فأما للنفقة فلا وقيل:
كانت المعاملة بها في صدر الإسلام عدّا لا وزنا، فكان بعضهم يقص أطرافها فنهوا عنه اهـ من النهاية واختصارها.
وربما يكون المراد من قطعها استئصالها وعدم المصارفة بها وبأصلها رأسا، كما هو الحال في زماننا هذا في كثير من جهات الكرة الأرضية، بعد الحرب الطاحنة الكبرى، التي عمت العالم والله أعلم.
السادسة: ما ذكره السيوطي في أول من ضرب الدرهم والدينار نحوه في المواهب الفتحية، عن شرح الإمام النابلسي، على الطريقة المحمدية: أول من ضرب الدرهم والدينار آدم عليه السلام، وقال: لا تصح المعيشة إلا بهما اهـ وهو في الحلية لأبي نعيم عن معاوية بن عبد الله الجعبري، عن كعب الأحبار، عزاه لها الحلبي في الدر النفيس، ثم وجدت في مسند أبي حنيفة رواية الحصكفي، أن أبا حنيفة روى عن أبي سلمان قال: أول
(1/336)

من ضرب الدنانير على الذهب تبّع، وأول من ضرب الدراهم تبّع الأصغر، وأول من ضرب الفلوس وأدارها في أيدي الناس نمروذ بن كنعان.
وفي القاموس: التبابعة ملوك اليمن، الواحد ككسرى، ولا يسمى به إلا إذا كانت له حمير وحضرموت، ودار التبابعة بمكة، ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم. وانظر شرح المسند المذكور لابن سلطان ص 278.
وقد أفرد الأوزان والمكاييل والنقود الشرعية بالتأليف جماعة من الأعلام، منهم:
أبو محمد الحسن بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان، له مقالة أملاها سنة 647. وأبو محمد عبد الحق بن عطية، وأبو بكر بن خلف الأنصاري، شهر بابن المواق، وأبو العباس بن البنا، وأبو العباس العزفي، له كتاب إثبات ما لابد لمريد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد، والتقي المقريزي «1» المصري، ورسالته مطبوعة والشيخ عبد الرؤوف المناوي، والشيخ مصطفى الذهبي المصري شيخ بعض شيوخنا المصريين، والشيخ عبد القادر الخطيب الطرابلسي المدني، ورسالة الأخيرين أيضا مطبوعة.
ذكر أسماء الأكيال المستعملة في عهده عليه السلام
«وهي المدّ والصاع والفرق والعرق والوسق. أما المدّ فقد بوّب البخاري عليه بقوله: باب صاع المدينة، ومدّ النبي صلى الله عليه وسلم، وبركته، وما توارثه أهل المدينة من ذلك، قرنا بعد قرن. وأما الصاع ففي الموطأ «2» عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرض زكاة الفطر في رمضان صاعا من تمر، وصاعا من شعير، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. قال في المشارق: الصاع مكيال لأهل المدينة معلوم، فيه أربعة أمداد بمده عليه السلام» .
وفي القاموس: نقلا عن الداودي معيارها الذي لا يختلف: أربع حفنات بكفيّي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين، ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
قال الفيروز آبادي: وجربت ذلك فوجدته صحيحا اهـ وفي لسان العرب: صاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي في المدينة أربعة أمداد بمدهم المعروف عندهم اهـ.
فيؤخذ من كلامهم أن الصاع النبوي، كان موجودا إلى زمانهم إن لم يكن بعينه فالمقيس عليه المحقق.
__________
(1) أصله من مدينة بعلبك في الشام.
(2) انظر كتاب الزكاة 28 ص 284.
(1/337)

وفي تنبيه الغافل لأبي محمد عبد الله بن محمد بن مسعود التفجزوتي وهو: أي صاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد بمده عليه السلام. القباب الصاع: هو كيل مدينة فاس في وقتنا هذا، ورأيت للشيخ أبي القاسم الشاطبي: الصاع مد ممسوح من أمداد غرناطة، ويغرف الإنسان أربع حفنات بكلتي يديه.
وعن الرجراجي شارح المدونة قال أبو محمد بن أبي زيد: وأحسن ما أخذنا عن المشايخ أن قدر مدّ «1» النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يختلف فيه، ولا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الأوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع ولا بمقبوضها «2» .
كما أن أهل الحديث ببلاد الهند يتداولون أيضا أمدادا وصيعانا يرجع عيارهم للأمداد المرينية المغربية منها.
وقد أشار إلى القصد الديني من هذه الإمداد من قال في أبيات وجدتها في كناشة أبي العباس أحمد بن عاشر السلوي الحافي وهي:
فضائل ما حوى مدّ النبي ... فلا تخفى على فهم الذكي
نبي وجهه بدر منير ... بدا للناس في ظلم وغي
فأهدانا وأرشدنا سبيلا ... سبيل الفضل والدين الرضي
فأول ما استفدنا منه علما ... رويناه عن الهادي السري
وذلك أن هذا المدّ أعني ... به مد النبي الزمزمي
فأربعة به في الفطر تجزي ... بحكم الشرع في نص جلي
وعن كفارة الأيمان عشرا ... إذا أقسمت بالله العلي
فهذا مستفاد العلم منه ... عظيم القدر مكيال النبي
كما أن كلمة الأنصاف أن مباحث المكاييل والأوزان والدرهم والدينار من كتاب الخزاعي هنا لم أر أوعب منها ولا أجمع فيما رأيت ممن كتب في المسألة من أهل المشرق والمغرب بحيث لو لم يشتمل كتابه إلا عليها لكان جديرا بالإعتبار، وذلك أنه عقد تحت باب ذكر أسماء الأكيال والأوزان الشرعية عدة فصول أولها في قوله عليه السلام: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة. الثاني في معرفة الأوزان في عهده عليه السلام، معرفة أقدارها وهي عشرة، ثم ترجم للدرهم بسبع مسائل الأولى في ذكر استعماله الثانية هل كان معلوم القدر أم لا؟ الثالثة في معرفة مقداره، الرابعة في الترجيح بين هذين القولين في عدة حبوب الدرهم الخامسة في الدليل على
__________
(1) هنا خطأ في النقل فقد ذكر المد والصواب: الصاع.
(2) استطرد المؤلف هنا أكثر من ثلاث صفحات مما لا داعي للإطالة فيه فحذفته. مصححه.
(1/338)

استعمالهم حب الشعير في أوزانهم في الجاهلية والإسلام السادسة في معنى تسمية الدرهم بالشرعي، ثم ترجم لذكر الدرهم والمثقال ومعرفة مقداره وللقيراط واستعماله ومقداره والأوقية واستعمالها ومقدارها والنش واستعماله وقدره والنواة واستعمالها ومقدارها والرطل واستعماله ومقداره والقنطار واستعماله ومقداره ثم ترجم لأسماء الأكيال المستعملة في عهده عليه السلام وهي المد والصاع والفرق والعرق والوسق وأوسع أيضا في استعمال كل ومقداره فقف عليه أو على اختصاره لكاتبه فإذا ضم ما زدناه عليه هنا لما عنده صح أفراده بمؤلف مستقل لا يكون أفيد منه في الموضوع «1» .
باب في اتخاذ الإبل والغنم
«ذكر ابن جماعة في مختصر السيرة له أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم: الناقة التي هاجر عليها من مكة، اشتراها من أبي بكر بأربعمائة درهم، وكان له جمل يقال له الثعلب، وغنم يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل وكانت له عشرون لقحة بالغابة على بريد من المدينة، من طريق الشام، يراح إليه صلى الله عليه وسلم كل ليلة بقربتين من ألبانها، وكانت له خمس عشرة لقحة غزارا، كان يرعاها يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له سبع لقاح، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شياه عديدة منها سبعة أعنز ترعاهن أم أيمن وغيرها عند غيرها.
وفي العتبية قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب اتخذ إبلا من مال الله يعطيها الناس يحجون عليها، فإذا رجعوا ردوها إليه، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: هذا من النظر الصحيح في مال الله لأن أولى ما صرف فيه مال الله ما يستعان به على أداء فرائض الله، فينبغي للأيمة أن يتأسوا به في ذلك اهـ منه.
ذكر الوسّام
«ترجم البخاري «2» باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده وخرج فيه عن أنس بن مالك قال: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم، يسم به إبل الصدقة، وفي مسلم «3» عن أنس يحدث أن أمه حين ولدت، انطلقت بالصبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحنكه قال: فإذا النبي صلى الله عليه وسلم في مربد يسم غنما. قال سبعة أو أكثر، علمي أنه قال في آذانها» .
قلت: وفي ترجمة عكراش بن ذؤيب التميمي من طبقات ابن سعد قال: قدمت على
__________
(1) أطال المؤلف رحمه الله في موضوع المد والمكيال إطالة بالغة فرأيت اختصارها إلى بضع صفحات فقط وليته نقل كلام العلامة الخزاعي لاختصاره وضبطه وإتقانه لكان أصوب.
(2) انظر كتاب الزكاة باب 69 ص 138/ 2.
(3) انظر كتاب اللباس والزينة باب 30 ص/ 1674/ 2.
(1/339)

النبي صلى الله عليه وسلم بإبل الصدقة فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضم إليها انظر ص 52 من ج 7 «1» .
في الحمى يحميه الإمام
«في الصحيح «2» ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى البقيع، زاد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: لخيل المسلمين. قال عياض: على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب واد هناك، وهو ميل في بريد، وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب، ومتى ذكر البقيع بالباء دون إضافة فهو هذا، ومن المحدثين من جعله بالنون، والنقيع موضع كان ينقع فيه الماء وبه سمي هذا» .
وترجم في الإصابة لعياض بن عبد الله الثقفي، فذكر أن البخاري وابن منده أخرجا عن عبد الله بن عياض عن أبيه قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل من بهز بعسل فقال:
ما هذا؟ قال: أهديته لك. فقبله فقال: احم لي بقيعي. قال فحماه له وكتب له كتابا، وفي تاريخ الخميس للديار بكري لما ذكر ما انتقد الطاعنون على سيدنا عثمان قال: الخامس:
قالوا إنه حمى سوق المدينة في بعض ما كان يباع ويشترى، فقال: لا يشتري منه أحد النوبة حتى يشترى وكيله ويفرغ من شراء ما يحتاج إليه عثمان لعلف أبله، فهذا مما اختلق عليه، وعلى تقدير صحة ذلك يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة وألحقه بحمى المرعى لها اهـ.
__________
(1) وهنا ينقل المؤلف فتوى غريبة عن البزازية بوسم الخيل في أفخاذها بجملة طويلة فحذفتها.
(2) انظر البخاري كتاب المساقاة باب 11 ص 78/ 3.
(1/340)

القسم الثامن في سائر العمالات وفيه عشر أبواب
(1/341)

سائر العمالات
باب في المنفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم
«في مختصر السيرة لابن جماعة: كان بلال المؤذن على نفقات رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ وفي سنن أبي داود «1» والبيهقي عن عبد الله الهوزني قال لقيت بلالا بحلب فقلت يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما كان له شيء وكنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله حتى توفي، وكان عليه السلام إذا أتاه الإنسان مسلما يراه عاريا يأمرني فانطلق فأستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، وروى ابن المنذر في الأشراف في كتاب النفقات بسنده عن مسروق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وفي ترجمة مروان بن قيس الدوسي، وتقصيره في أمر الغلامين، وأنهما شكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا أن يقوم بنفقتهما.
وفي ترجمة العباس بن مرداس من طبقات ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: لأقطعنّ لسانك. وقال لبلال: إذا أمرتك أن تقطع لسانه فاعطه حلة، ثم قال: يا بلال إذهب به فاقطع لسانه، فأخذ بلال بيده ليذهب به، فقال: يا رسول الله أيقطع لساني يا معشر المهاجرين؟ أيقطع لساني يا للمهاجرين؟ أيقطع لساني وبلال يجره، فلما أكثر قال: إنما أمرني أن أكسوك حلة أقطع بها لسانك، فذهب به فأعطاه حلة.
وفي السيرة الشامية كان بلال يلي أمر النفقة على العيال ومعه حاصل ما يكون من المال اهـ ونحوه في حاشية الشبراملسي على المواهب.
وترجم في الإصابة لأبي نيزرولد النجاشي فقال: جاء وأسلم وكان مع النبي عليه السلام في مؤونته ثم كان مع فاطمة ثم كان مع ولدها.
باب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية
في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول
__________
(1) انظر كتاب الخراج والإمارة باب 35 ص 439/ 4.
(1/343)

الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته [4/ 48 كتاب الأقضية] .
«وترجم ابن فتحون في الذيل مروان بن الجذع الأنصاري فقال: كان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهمان خيبر (السهمان جمع سهم) وهو النصيب» .
وقد ترجمه في الإصابة وذكره بذلك ناقلا عن ابن الكلبي.
باب في أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو
ترجم في الإصابة لمسعود القارّي (بالتشديد من غير همز من القارة) فقال: كان على المغانم يوم خيبر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة وقال: كذا أورده أبو عمر مختصرا، والذي في جمهرة ابن الكلبي: عمر بن القاري استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على المغانم يوم حنين.
باب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به (من وجوه مصارفه في غير الحضرة)
«في سيرة ابن إسحاق «1» قصة بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة، وما أزهق من النفوس هناك، وتألمه عليه السلام من ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي رضي الله عنه حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من درهم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم: علي حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يؤد لكم؟ قالوا: لا فقال: إني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا نعلم، ولا تعلمون ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال: أحسنت وأصبت، وفي سنن أبي داود «2» عن عبد الله بن عمرو الخزاعي عن أبيه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان بمكة قبل الفتح فقال: التمس صاحبا الحديث» .
قلت: ترجم في الإصابة لسعد بن زيد بن مالك الأنصاري، فذكر أنه هو الذي بعثه المصطفى عليه السلام بسبايا من بني قريظة، فاشترى بها من نجد خيلا وسلاحا.
باب في انزال الوفد وفيه فصول ولها مقدمة
قال ابن هشام في سيرته: قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه.
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام ص 430/ 2.
(2) كتاب الأدب ج 5/ 184.
(1/344)

حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وإنها كانت تسمى سنة الوفود قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس، وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام عرف العرب أنهم لا طاقه لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه اهـ.
فصل في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه عليه السلام (وبنائه صلى الله عليه وسلم فيها بنفسه)
في الوفاء للسيد السمهودي ص 555 من ج 1 ذكر ابن شبة في دور بني زهرة: أن من دور عبد الرحمن بن عوف التي اتخذها الدار التي يقال لها الدار الكبرى، دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وإنما سميت بالدار الكبرى، لأنها أول دار بناها أحد المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تسمى أيضا دار الضيفان، فسرق فيها بعض الضيفان، فشكى ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بنى عليه السلام فيها بيده فيما زعم الأعرج اهـ منها واختصر ذلك السمهودي في خلاصة الوفا راجع ص 187 منها.
«ذكر أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء عن الواقدي، أن حبيب بن عمرو كان يحدث قال: قدمت وفد سلامان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا منه، إلى جنازة دعي لها، فلما رأيناه قلنا: يا رسول الله السلام. فقال رسول الله: وعليكم السلام من أنتم؟ قلنا: قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال: أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد، فخرج ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة وفيها نخل، وفيها وفود من العرب، وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية. وساق الحديث» .
وقد ترجم في الإصابة لحبيب بن عمرو المذكور، وأورد قصته هذه وساق سند الواقدي فيها، وأفاد أن قدومه كان في شوال سنة عشر من الهجرة، وذكر ابن إسحاق أيضا في خبر بني قريظة، أنه لما حكم فيهم سعد بن معاذ حبسوا في دار رملة بنت الحارث النجارية، وذكر ابن فتحون أنه نزل فيها وفد تميم عيينة بن حصن ومن معه.
وذكر الطبري أنه نزل عندها أيضا وفد بني كلاب وهم ثلاثة عشر رجلا.
وترجم في الإصابة للحارث بن عوف المزني المشهور من فرسان الجاهلية، فذكر عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: قدم وفد بني مرة ثلاثة عشر رجلا رئيسهم الحارث بن عوف، وذلك منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، فنزلوا بدار بنت الحارث الخ.
(1/345)

وذكر في طبقات ابن سعد لدى كلامه على وفد بني حنيفة، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم ضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء. مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا ومرة خبزا وسمنا.
وفي المواهب: وقدوم الوفد المذكور، وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار. قال الزرقاني: منزلهم بفتح الميم والزاي مصدر ميمي أي نزولهم مضاف لفاعله، ويجوز ضم الميم مع فتح الزاي أيضا من إضافة المصدر لمفعوله فيفيد أن النبي أو أحد أصحابه أمر بإنزالهم.
وقد ضبط البرهان الزاي بالفتح وسكت عن الميم فيشمل الضبطين، وإن كسر الزاي مع فتح الميم اسم للموضع، فكأنه ليس مرادا هنا لإيهامه موضعا معينا من الدار مع أن المراد مجرد النزول دون تعيين محل، وقوله: في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، هي كما قال الحافظ رملة بنت الحدث بدال بعد الحاء المهملة لابراء قبلها ألف كما عند ابن سعيد وغيره، والحدث هو ابن ثعلبة بن الحدث بن زيد الأنصارية، كانت دارها دار الوفود، وهي صحابية زوجة معاذ بن عفراء. انظر الفتح ومقدمته، والرد على السهيلي في زعمه خلاف ذلك وما سبق عن الزرقاني من أنها رملة بنت الحدث بالدال ربما ينافي ما سبق مكررا من أنها بنت الحارث بالراء وقد ذكر في الإصابة والدها بالوجهين راجع ترجمتها في ص 84 من جزء النساء.
وقد جرى على ذلك سيدنا عمر فإنه أقام في خلافته دور الضيافة، وأدار عليها الأرزاق وجعل فيها الدقيق والسويق والتمر، وما يحتاج إليه، يعين به المنقطع. ووضع فيما بين مكة والمدينة في الطريق ما يصلح من ينقطع به، وفعل مثل ذلك بين الشام والحجاز انظر سيرته رضي الله عنه.
فصل في انزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمانه عليه السلام
«قال ابن إسحاق في السيرة: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وذكر حديث قدومهم، وفيه: ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ساق قصة هؤلاء في الإصابة في ترجمة سعيد بن رفاعة الثقفي، وعزاها لابن منده، وفيها أيضا في ترجمة علقمة بن سفيان عن تخريج يونس بن بكير في زيادات المغازي عن علقمة قال: كنت في الوفد من ثقيف، فضربت لنا قبة فكان بلال يأتينا بفطرنا من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أخرجه البغوي والطبراني من طريق يونس. قال الزرقاني في باب الوفود من شرح المواهب، على قوله: ضرب عليهم قبة، أي خيمة في ناحية المسجد، لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا.
(1/346)

فصل في انزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
«روى قاسم [بن ثابت السرقسطي] في الدلائل عن أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف، فنزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة، فكان يأتينا كل ليلة ونحوه في سنن أبي داود «1» .
وعزاه الحافظ الشامي في سيرته لابن أبي خيثمة عن يحيى بن عبد الله بن أوس عن جده.
وفي طبقات ابن سعد أن وفد ثقيف نزل من كان منهم من الأحلاف على المغيرة بن شبعة فأكرمهم، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان فيهم من بني مالك قبة في المسجد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم كل ليلة بعد العشاء، فيقف عليهم ويحدثهم، حتى يراوح بين قدميه ويشكو قريشا، ويذكر الحرب التي كانت بينه وبينهم.
وذكر في الطبقات أيضا في ترجمة عبد القيس أن وفد عبد القيس أناخوا رحالهم على باب رملة بنت الحدث، وكذلك كان الوفد يصنعون، فكانت ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم تجري عشرة أيام، وذكر في الإصابة قصة قدوم وفد نجران وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى، فأنزلهم عليه السلام دار أبي أيوب الأنصاري.
وترجم فيها أيضا لعبد الرحمن بن أبي مالك الهمذاني، فذكر أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزله على يزيد بن أبي سفيان.
وترجم فيها أيضا لقيس بن عاصم أحد دهاة العرب فذكر قصة وروده على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه، فسأله النعمان بن مقرن فقال: يا رسول الله إيذن لي أن يكون منزله على أمي.
قال: نعم.
وفي ترجمة يزيد بن عبيد السلمي من الإصابة أن ابن شاهين خرّج في الصحابة: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، فيهم خارجة بن حصين، والحارث بن قيس، وهو أصغرهم فنزلوا في دار رملة بنت الحرث، وهذا مرسل.
وفي ترجمة أبي صفرة الأزدي من الإصابة ما يدل على أن أبا بكر في أيام خلافته، كان ينزل الوفود في هذه الدار أيضا.
وترجم فيها أيضا لأم شريك فذكر أنه وقع في صحيح مسلم، وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله تعالى، ينزل عليها الضيفان.
وفي طبقات ابن سعد أن يحنه بن رؤبة ملك أيلة لما أقبل مع أهل الشام واليمن والبحر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر بإنزاله عند بلال.
__________
(1) انظر كتاب شهر رمضان باب 9 ص 114/ 2.
(1/347)

وفي در السحابة حين ترجم لعثمان بن قيس بن أبي العاص التميمي فقال عنه: هو أول قاض بمصر، وكان شريفا سريا قال في: مرآة الزمان هو أول من بني بمصر دارا للضيافة للناس.
فصل في ذكر من ولي النظر في أمر الوفود في زمنه عليه السلام
«قد تقدم قبل أن خالد بن سعيد بن العاص كان يمشي بين وفد ثقيف وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
قلت: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عنده صلى الله عليه وسلم، حتى يأكل منه خالد. نقله الزرقاني في شرحه على المواهب. وفيه أيضا نقلا عن ابن إسحاق: أن بلالا كان يأتيهم بفطرهم وسحورهم، في الأيام التي صاموها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رمضان، وأن النبي عليه السلام أمر ثوبان غلامه بإنزال وفد بني سلامان في الدار التي ينزلها الوفود.
وفي طبقات بن سعد لدى كلامه على وفد تجيب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم رحّب بهم وأكرم منزلهم وحباهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد. وفيها أيضا أن وائل بن حجر القيل أحد ملوك اليمن «1» ، لما ورد على النبي صلى الله عليه وسلم مسلما أمر صلى الله عليه وسلم معاوية أن ينزله فأنزله منزلا بالحيرة «2» ووقعت له معه قصة عجيبة، انظرها في الطبقات.
أمره عليه السلام بالزاد للوفود
روى البيهقي عن النعمان بن مقرن المزني قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة رجل، فلما أردنا أن ننصرف قال: يا عمر زوّد القوم قال: ما عندي إلا شيء من تمر، ما أظنه يقع من القوم موقعا. قال: انطلق فزوّدهم، فانطلق بهم فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية (بكسر العين وضمها غرفة) فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق (ما في لونه بياض إلى سواد وهو أطيب الإبل) فأخذ القوم منه حاجتهم، قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها، معجزة نبوية انظر ص 43 من شرح المواهب في سفر الوفود.
جوائزه عليه السلام للوفود
بوّب البخاري «3» في كتاب الجهاد باب: جوائز الوفود، وخرّج عن ابن عباس:
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عند موته بثلاث: منها؛ وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم اهـ.
وفي طبقات ابن سعد أجاز رسول فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمان باثني عشر أوقية ونش، قال: وذلك خمسمائة درهم انظر ص 18 ج 1 من القسم الثان.
__________
(1) ترجمه في الإصابة ص 628/ 3.
(2) كذا في الأصل.
(3) كتاب الجهاد باب 175 ج 4/ 31.
(1/348)

وفيها أيضا أن وفد تميم لما وردوا على رسول الله أمر لهم بالجوائز، كما كان يجيز الوفد، وذكر أن امرأة من بني النجار قالت: أنا أنظر إلى الوفد يومئذ يأخذون جوائزهم عند بلال ثنتي عشرة أوقية ونشا، قلت: وقد رأيت غلاما أعطاه يومئذ، وهو أصغرهم خمس أواق يعني عمرو بن الأهتم.
وفيها أيضا: أن وفد عبد القيس لما قدموا عليه عليه السلام، أمر لهم بجوائز وفضل عليهم عبد الله الأشج، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا.
وفي المواهب: أن وفد بهراء وهم قبيلة من قضاعة، وكانوا ثلاثة عشر رجلا أقاموا أياما، ثم ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر لهم بجوائز، قال الزرقاني: لم يبين قدرها اهـ.
وفي المواهب أيضا أن وفد غسان وكانوا ثلاثة عشر نفرا فأسلموا، وأجازهم عليه السلام بجوائز، وانصرفوا وذكر فيها أيضا وفد سلامان بطن من قضاعة، كانوا سبعة نفر، فأمر لهم بالجوائز. ذكر الزرقاني، فأعطيت خمس أواقي فضة لكل رجل منها، واعتذر إلينا بلال وقال: ليس عنده مال اليوم، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه.
وترجم فيها أيضا لوفد عامر بطن من الأزد باليمن، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأمر أبيّ بن كعب أن يعلمهم القرآن، وأجازهم عليه السلام، قال الزرقاني: كما كان يجيز الوفود، وهو تشبيه في أصل الجائزة، لأنه لم يكن له جائزة مخصوصة، وإنما يدفع ما اتفق وجوده وهو يتفاوت قلة وكثرة، فقد أجاز بخمس أواق وبعشر وباثني عشر، وبأزيد هـ.
وفي طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد بني حنيفة: فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بجوائزهم، خمس أواق لكل رجل، فقالوا: يا رسول الله إنا خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له بمثل ما أمر به لأصحابه، وقال: ليس بشركم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم، وكان الرجل المذكور مسيلمة الكذاب.
وفي الطبقات أيضا لدى ترجمة أشجّ عبد القيس وأمره عليه السلام للوفد بالجوائز، وفضل عليهم عبد الله الأشج، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشا وكان ذلك أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيز به الوفد، وانظر السبل للحافظ الشامي رحمه الله.
باب تجمله عليه السلام للوفود وأجازتهم
أخرج أبو نعيم والواقدي عن جندب بن مكيث الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وفد عليه وفد كندة وعليه حلة يمانية، وعلى أبي بكر وعمر مثله ساقه ابن الهندي في الكنز في الوفود، وهو في طبقات ابن سعد في ترجمة: جندب بن مكيث، ولمحمد بن عمر الأسلمي شيخ ابن سعد كتاب
(1/349)

الوفود قال الحافظ الشامي في سيرته: وفيه فوائد لم يلم بها ابن سعد اهـ وانظر ترجمة علقمة بن سفيان من الإصابة.
باب في الخانات (الفنادق) لنزول المسافرين
قد استنبط بعضهم ذكر الخانات من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور: 29] ذكره غير واحد منهم الروضي في شرح الأنموذج.
وفي طبقات ابن سعد: واتخذ عمر دار الرقيق، وقال بعضهم: الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق، والتمر والزبيب، وما يحتاج إليه يعين به المنقطع والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من يقطع به، ويحمل من ماء إلى ماء اهـ ص 203 ج 3.
وفيها أيضا أن عمر استأذنه أهل الطريق يبنون ما بين مكة والمدينة فأذن لهم وقال:
ابن السبيل أحق بالماء والظل اهـ ص 220 ج 3.
باب في المارستان (دار المرضى والمستشفى اليوم) وقيام النساء (الصحابيات به في زمنه عليه السلام)
قال الجوهري في الصحاح: المارستان «1» بيت المرضى معرب عن ابن السكيت. قال زاهد العلماء أبو سعيد نصر بن عيسى: أول من اخترع المارستان وأوجده بقراط، وذلك أنه عمل بالقرب من داره من بستان كان له موضعا مفردا للمرضى وجعل فيه خدما يقومون بمداواتهم.
«في صحيح مسلم عن عائشة «2» أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد خيمة يعوده من قريب، وقال ابن إسحاق في السيرة:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها: رفيدة في مسجده عليه السلام، كانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيعة من المسلمين» .
فهذا أوسع ما علمنا عن المستشفيات في حياته عليه السلام. «وأول من بني المارستان من ملوك الإسلام الوليد بن عبد الملك سنة 88 هـ وجعل فيه الأطباء، وأجرى فيها الإنفاق «3» ، وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم الأرزاق وعلى العميان.
قلت: ولا شك أن معنى ذلك أن الوليد هو أول من اجتهد في توسعته وزخرفته،
__________
(1) الصحيح هو البيمارستان. معرب عن الفارسية.
(2) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب 77/ ج 1/ 119؛ ومسلم في كتاب الجهاد باب 22 ص 1389/ 2.
(3) الأنفاق هكذا وجدتها في كتاب التخريج للخزاعي ص 664 ومعناها: النفقات.
(1/350)

والقيام بما يلزم له على حسب سعة الحال والمال في زمنه، وإلا ففي الإصابة: رفيدة الأنصارية أو الأسلمية ذكرها ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ، لما أصابه السهم بالخندق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد، حتى أعوده من قريب، وكانت أمرأة تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على من كانت به ضيغة من المسلمين.
وقال البخاري في الأدب المفرد: حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: ولما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فقيل: حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول:
كيف أصبحت كيف أمسيت فيخبره.
وأورده في التاريخ في قصة وفاة سعد وسنده صحيح، وأورده المستغفري من طريق البخاري، وأبو موسى من طريق المستغفري اهـ.
وفي الإصابة أيضا في حرف الكاف كعيبة بنت سعيد الأسلمية فذكرها بنحو ذلك، وكانت أخت رفيدة.
باب في الطبيب
«ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن هشام بن عروة قال عروة لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من علمك بالشعر، وأنت ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس ولكن أعجب من علمك بالطب، فضربته على منكبه وقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم إليه وفود العرب من كل وجه، فينعت لهم الإنعات فكنت أعالجه فمن ثمّ» .
وفي ترجمتها من الإصابة قال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. (وفي الأحكام النبوية لأبي الحسن بن طرخان الحموي، أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يديم التطبب في حال صحته ومرضه، أما في صحته فباستعمال التدبير الحافظ لها من الرياضة وقلة المتناول، وأكله الرطب بالقثاء، والرطب بالبطيخ ويقول: يدفع حرّ هذا برد هذا وبرد هذا حرّ هذا. وإكحال عينيه بالأثمد كل ليلة عند النوم، وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر القوي، ويقول: أبردوا بها. وأما تداويه في حال مرضه فثابت بما روي من ذلك في الأخبار الصحيحة منها من عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه، وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه.
وعنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات فكنت أعالجه بها.
فثبت حينئذ ما ذكرناه من تداوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومداومة تطببه في حال صحته ومرضه، وأمر بالمداواة في عدة أحاديث صحيحة اهـ.
(1/351)

وفي المواهب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعى صفات الأطعمة وطبائعها، ويراعي استعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى تحسين وتعديل لحرارته كسره وعدله، وهذا أصل كبير في المركبات والأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من غير إسراف اهـ.
وفي آخر الجيش العرمرم الخماسي لأبي عبد الله أكنسوس المراكشي: شرع سيد المتوكلين التداوي، وكان يستعمله في نفسه ويأمر به غيره، حتى قيل: إن القدر التي تطبخ فيها أدويته عليه السلام لا تكاد تنزل عن النار اهـ منه.
وفي سنن أبي داود «1» عن سعد وهو ابن أبي وقاص قال: مرضت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها في فؤادي، فقال إنك مفؤود أي مريض بفؤادك، ائت الحرث بن كلدة أخا ثقيف، فإنه رجل يتطبب أي يعرف الطب مطلقا، أو هذا النوع من المرض، فيكون مخصوصا بالمهارة والحذاقة. قاله شارح السنن.
قال الحافظ الذهبي في التجريد، لما ترجم للحرث: قيل إنه عالج سعدا في حجة الوداع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره ابن سعد بلا سند يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيسأله عن علته اهـ وقع ذلك في طبقات ابن سعد ص 372 ج 5.
وقال ابن طرخان بعد أن ذكر قصة أكل الحارث بن كلدة مع أبي بكر، وقوله له:
أكلنا سم سنة وإنهما ماتا في يوم واحد. وكان الحارث بن كلدة طبيبا من أفاضل أطباء العرب من أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل تلك الديار، ومن أهل جندي سابور وغيرها في الجاهلية، وأجاد في هذه الصناعة، وطبّ بأرض فارس وحصل له بذلك مال كثير، وشهد من رآه ببلد فارس بعلمه وشاع اسمه بينهم، ثم رجع إلى بلاده واشتهر طبه بين العرب، وأدرك الإسلام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر من كانت به علة أن يأتيه فيستوصفه اهـ.
وقال ابن القيم في الهدى النبوي: عن الحارث المذكور أنه طبيب العرب. بل أطبهم. وكان فيهم كإبقراط في قومه اهـ.
وأخرج ابن منده من طريق اسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: مرض سعد فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأرجو أن يشفيك الله، ثم قال للحارث بن كلدة: عالج سعدا.
قال ابن سعد: لا يصح إسلام الحرث قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فدل ذلك على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله اهـ.
ونقله الحافظ المنذري في اختصار السنن، والوزير أبو الحسن بن يوسف القفطي في
__________
(1) كتاب الطب 4/ 207 باب في تمرة العجوة.
(1/352)

أخبار الحكماء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن باديس في شرح المختصر، والخزاعي هنا وجماعة من الأيمة وأقروه.
قال الحافظ في الإصابة: وهذا يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب اهـ.
وقد نقل عبارة الإصابة هذه النور على الشبراملسي في حواشي المواهب، بواسطة شيخه الشمس الشوبري الشافعي، ولكن عقبها بما نصه: أقول وفيه أنه مناف لما نص عليه الأئمة أنه لا يجوز التطبب بأهل الذمة إلا أن يقال: المنهي عنه تقليدهم في ذكر الدواء والعمل به، وهاهنا وقع الوصف من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما طلب الاستعانة به في تركيبه اهـ.
وفي مسند أحمد ما هو كالصريح في الباب؛ وهو ما خرجه عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة الصديقة قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه، فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه، هكذا عزاه إليه الشمس السفاريني في غذاء الألباب ص 392 من ج 1.
وفي طبقات ابن سعد عن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مسقاما، وكانت العرب تنعت له فيتداوى بما تنعت له العرب، وكانت العجم تنعت له فيتداوى اهـ ص 116 ج 1 من القسم 2.
وتقدم عن الأحكام النبوية لابن طرخان أن قول عائشة هذا روي بأسانيد صحيحة، وقال في محل آخر بعد أن كرره: فيدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يديم الطب.
ولا شك أن العجم إذ ذاك أو أغلبهم كفار، ومع ذلك كان يستوصفهم عليه السلام بعد حصول الثقة بمن يثق به منهم إذ ذاك، واستفدنا من الحديث المذكور أن الأطباء من العجم كانوا يقدمون عليه عليه السلام.
وانظر هل كانوا يردون عليه من قبل أنفسهم أو بطلب أو لغرض كسفارة مثلا والعبارة واسعة.
ولما عرف عياض في المدارك بالشيخ أبي إسحاق الجنبياني قال: قال أبو يحيى القابسي: لما خرجنا من عنده هربت من يد صبي دابة كان يمسكها لنا، فقلت أعطيتموها لصبي لا يقوم بها فضاعت، فقال لي أبو إسحاق: اغتبته فقلت له وصفته بحاله. وفي السنة ما يبيح ذلك وهو قوله عليه السلام للتي شاورته في النكاح: أما أبوجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فرجل صعلوك لا مال له فقال لي: لا حجة فيها لأن المستشار مؤتمن، وأيضا إنما شاورته في أنه يدخلها في النكاح أو يصرفها عنه، ومسألتنا ليست كذلك بل في السنة وإن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه طبيبان، وكانا نصرانيين فلما خرجا قال: لولا أن تكون غيبة لأخبرتكم أيهما أطب. قال أبو الحسن: ولم أكن أعرف أنهما نصرانيان قبل ذلك اهـ.
قال ابن عرفة في تفسيره لدى قوله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا إثر هذه القصة: يحتمل
(1/353)

أن يكون معنى الحديث في الطبيبين أنهما استويا في القدر المجزي منهما المحصل للغرض، وزاد أحدهما بأمور تكميلية لا يضر تركها، ولا ينقص من معرفة العلاج والمعاناة، فزاد بمعرفة الطبيعيات فحينئذ يكون تفضيل أحدهما على الآخر غيبة، وأما حيث يكون المرجوح منهما لا يحصل المقصود منه في التطبب؛ فالظاهر أن التعريف بذلك ليس غيبة اهـ منه. فاستفيد من القصة ذكر عياض عن القابسي قصة الطبيبين النصرانيين وحضور المصطفى عليه السلام معهما.
وقد أخرج ابن سعد في ترجمة معيقيب الدوسي من الطبقات: عن محمود بن لبيد في قصة الأكل مع المجذوم. وفيها: وكان عمر يطلب الطب من كل من سمع له تطبب، والقصة مبسوطة في كنز العمال ص 191 من ج 5.
وخرّج مالك وابن أبي شيبة وابن جرير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها.
فقال أبو بكر أرقيها بكتاب الله عز وجل.
وأخرج ابن جرير عن عمرة أن عائشة كانت ترقيها يهودية، فدخل عليها أبو بكر رضي الله عنه وكان يكره الرقي فقال: ارقيها بكتاب الله.
وقد عقد فصلا للتطبب بالكافر والذمي الإمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه المسمى «الآداب الشرعية الكبرى» فنقل فيه عن الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عدلا جاز له أن يتطبب، كما يجوز له أن يودعه المال، وأن يعامله كما قال تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران:
75] وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلا يهوديا خريتا، والخرّيت الماهر بالهداية واستأمنه وأتمنه على نفسه وماله، وكانت خزاعة عيبة [أي وفية] لرسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستطب الحارث بن كلدة، وكان كافرا وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكيل أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهودي والنصراني المنهي عنها، وإذا جاز طبه ومخاطبته بالتي هي أحسن كان حسنا قال تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: 46] اهـ كلامه.
وقال الخطابي على حديث صلح الحديبية، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عينا له من خزاعة وقبوله خبره، فيه دليل على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة، ووجه العلاج إذا كان غير متهم بما يصفه، وكان غير مظنون به الريبة اهـ.
وفي بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم، في استيئجار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل
(1/354)

والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولايته تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة اهـ.
وذكر ابن مفلح مثال ما ذكر عن المروزي: أدخلت على أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل نصرانيا فجعل يصف، وأمر عبد الله بكتب ما وصفه ثم أمرني فاشتريته له اهـ من كتاب الآداب الكبرى وما أجمعه وأوسعه من كتاب.
وقد ترجم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء جماعة من أطباء النصارى من أهل القرن الأول الهجري؛ كان معاوية ومن بعده من ملوك الإسلام يتطببون بهم، فترجم لطبيب اسمه أبو الحكم فقال فيه: كان طبيبا نصرانيا عالما بأنواع العلاج، وله أعمال مذكورة.
وكان يستطبه معاوية بن أبي سفيان، ويعتمد عليه في تركيب الأدوية لأغراض قصدها منه.
وترجم فيها أيضا لابن أثال فقال: كان طبيبا متقدما من الأطباء الممتازين في دمشق نصراني المذهب. ولما ملك معاوية دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الاعتناء به والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلا ونهارا. وكان ابن أثال خبيرا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، وما فيها من مسموم قاتل، وكان معاوية يقربه لذلك كثيرا. انظر عيون الأنباء وإلى هذه المسألة أشار أيضا الإمام محمد بن عبد القوي المرداوي الحنبلي في منظومته في الآداب فقال:
ومكروه استئماننا أهل ذمة ... لاحراز مال أو لقسمته اشهد
ومكروه استطبابهم لا ضرورة ... وما ركّبوه من دواء موصد
قال السفاريني في شرحها على قوله: لا ضرورة لا يكره إستطباب أهل الذمة ضرورة أي لاجل الضرورة، لأن الحاجة داعية إليه ولأن إدخال الضرر من إستطبابهم متوهم، والعلة معلومة فلا يمنع من إتخاذ ما يزيل المعلوم من الضرر بخوف إدخال ضرر متوهم اهـ ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق بواسطة ابن مفلح، وانظر شرح العارف النابلسي على الطريقة المحمدية ص 236 الجزء الأول.
«وفي الطبقات لابن جلجل وذكر أبا رمثة رفاعة فقال كان طبيبا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالما بصناعة اليد وفي سنن أبي داود «1» عن جابر قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيّ بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا اهـ وتقدم قول ابن إسحاق في رفيدة الأسلمية وأنها كانت تداوي الجرحي، وتحتسب نفسها على خدمة من كانت فيه ضيعة من المسلمين» .
وترجم في الإصابة للشمردل بن قباب الكعبي النجراني فذكر عن الخطيب في المتفق أنه كان يتطبب، وأن المصطفى عليه السلام ذاكره في مسائل طبية. وأخيرا قبّل الشمردل
__________
(1) كتاب الطب باب 6 ج 4/ 197.
(1/355)

المذكور ركبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والذي بعثك بالحق أنت أعلم بالطب مني. قال الخطيب:
في إسناده نظر، وقال ابن الجوزي: في روايته مجاهيل.
وترجم فيها لضماد بن ثعلبة الأزدي فقال: كان ضماد صديقا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان عاقلا يتطبب ويرقي، وذكره بذلك أيضا ابن عبد البر في الإستيعاب.
وقد عقد ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء بابا فقال: الباب السابع: في طبقات الأطباء الذين كانوا في أول ظهور الإسلام من أطباء العرب وغيرهم، فترجم فيها للحرث بن كلدة، وولده النضر بن الحرث، وابن أبي رمثة التميمي، فقال في الأخير: كان طبيبا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مزاولا أعمال اليد أبي رمثة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت بين كتفيه الخاتم وذكر قصة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت رفيق والطبيب الله. قال سلمان بن حسان: علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رفيق اليد ولم يكن فائقا في العلم، فبان ذلك من قوله الطبيب الله اهـ.
فائدة: عرفت الحقنة في الصدر الأول، فقد أخرج أبو نعيم عن سعيد بن أيمن أن رجلا كان به وجع، فنعت له الناس الحقنة. فسأل عمر بن الخطاب عنه فزجره، فلما غلبه الوجع احتقن فبرىء من وجعه ذلك، فرآه عمر فسأله عن برئه فقال: احتقنت فقال عمر:
إن عاد لك فعد لها، يعني احتقن. ساقه ابن الهندي في الكنز في كتاب الطب؛ فبوّب عليه الحقنة فأفاد ما يدل على أن العرب عوفوا الحقنة.
وفي طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة: أن كسرى سأل الحارث بن كلدة طبيب العرب قال له: أتأمر لي بالحقنة. قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء عنه، والعجب ممن احتقن كيف يهرم اهـ انظر ص 111 من الجزء الأول. وبذلك تعلم ما ذكره الحطّاب ونقله عنه الشيخ عليش في فتاويه ص 246 الجزء الأول؛ من أن العرب كانت لا تعرف الحقنة وأنها من فعل العجم.
وسئل مالك في مختصر ابن عبد الحكم عن الحقنة فقال: لا بأس بها «1» . الإبهري إنما قال ذلك لأنها ضرب من الدواء وفيها منفعة للناس، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم التداوي الخ انظر التوضيح.
وفي تاريخ الخميس للديار بكري إن أول من لبس التبان تحت ثيابه لأجل الفتق عمار بن ياسر لما ضرب، فيؤخذ منه أن حمل الفتق على ما يقرب من الحال الآن عرفه الصحابة. ومما يدل على أهتمام الصحابة بالطب والعلاج ما أخرجه ابن جرير عن أم جميلة أنها دخلت على عائشة فقالت لها: إنّي امرأة أداوي من الكلف من الوجه، وقد تألمت منه فأردت تركه فما تأمرين فقالت لها عائشة: لقد كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لو أن إحدانا كانت إحدى عينيها أحسن من الآخرى فقيل لها: إنزعيها وحوّليها مكان الآخرى، وانزعي
__________
(1) في الكلام نقص.
(1/356)

الآخرى فحوليها مكانها ثم ظنت أن ذلك يسوغ لها ما رأينا به بأسا، فإذا زاولت فزاوليها، وهي لا تصلح ساقه ابن الهندي أول كتاب الطب من الكنز.
باب في قاطع العروق
«تقدم عن جابر قوله: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا، وعن ابن جلجل إن أبا رمثة كان عالما بصناعة اليد» العرق بكسر العين وسكون الراء من الحيوان الأجوف الذي يكون فيه الدم والعصب غير الأجوف قاله في النهاية، وقد استدل بحديث جابر هذا أن الطبيب يداوي بما ترجح عنده.
باب في الكي
«في صحيح مسلم «1» عن جابر قال: بعث البني صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه» .
ترجم في الإصابة أسعد بن زرارة فذكر عن عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أسعد ابن زرارة، وكان أحد النقباء ليلته، وقد أخذته الشوكة فكواه. وفي سنن أبي داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ من رميته، والمعنى أن الجراحة التي أصابت سعدا من أجل العدو الرامي له في أكحله كواها له النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مسلم: رمي سعد بن معاذ في أكحله قال: فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية، وأخرج ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أنس أن أبا طلحة اكتوى وكوى أنسا من اللقوة.
وأخرج الحاكم وصححه والطحاوي عن أنس قال: كواني أبو طلحة في زمنه عليه السلام، وأصله في البخاري. وأنه كوى من ذوات الجنب. وعند الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في أثر صحيح أنه صلى الله عليه وسلم إكتوى إلا القرطبي نسب إلى الطبري أنه صلى الله عليه وسلم إكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه إكتوى للجرح الذي أصابه، والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. وجزم ابن التين أنه أكتوى. وعكس ابن القيم في الهدي اهـ.
وقال الخطابي إنما كوى صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ليرقأ الدم عن جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكي يستعمل في هذا الباب وهو من العلاج الذي تعرفه الخاصة وأكثر العامة، والعرب تستعمل الكي كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء ويقال في أمثالها: آخر الدواء الكي. والكي داخل في جمله العلاج.
__________
(1) انظر ج 2 كتاب السلام ص 1730 رقم الحديث 73.
(1/357)

باب في أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه
ترجم في الإصابة لكهيل الأزدي فقال: كانت له صحبة، قال: أصيب الناس يوم أحد، وكثرت فيهم الجراحات، فأتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: إنطلق فقم على الطريق، فلا يمر بك جريح إلا قلت: بسم الله ثم تفلت في جرحه. الحديث أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من رواية علقمة بن عبد الله عن القاسم بن محمد عنه.
باب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس
خرج أبو داود «1» والنسائي والدارقطني عن عمرو بن شبة عن أبيه عن جده رفعه: من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن، وفي رواية لأبي نعيم: من تطبب ولم يكن بالطب معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن، قال ابن طرخان: هذا الحديث فيه إحتياط وتحرز على الناس، وحكم سياسي مع ما فيه من الحكم الشرعي، وقوله: تطبب أي تعاطى علم الطب، ولم يكن من أهله، ومعناه: من تعاطى علم الطب ولم يتقدم له به استعمال ومزاولة وتدرب مع الفضلاء فقتل بطبه فهو ضامن اهـ.
باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة
في الصحيحين «2» وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وقد رجع عمر بن الخطاب بسبب هذا الحديث لما خرج إلى الشام، وأخبر أن الوباء قد وقع بها وأن عمر حمد الله وانصرف.
قال ابن طرخان في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الدخول للأرض التي حلها الطاعون، فائدتان:
أحداهما لئلا يستنشقوا الهواء الذي قد عفا وفسد فيمرضون. والثانية لئلا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فتتضاعف عليهم البلية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من القرف التلف. وفسر بأنه ملابسة الداء ومداناة المرضى. وبالجملة قوله: لا نقدموا عليه إثبات للحذر والنهي عن التعرض للتلف، وحديث أبي داود «3» المذكور من حديث فروة بن مسيك قال: قلت يا رسول الله أرض عندنا يقال لها: أرض أبين (قرية إلى جانب البحر من ناحية اليمن) هي أرض ريفنا (كل أرض فيها زرع ونخل) وميرتنا (الطعام المجلوب من بلد إلى بلد) وإنها وبئة (كثيرة الوباء) أو قال: وباؤها شديد. فقال عليه السلام: دعها عنك فإن من القرف (ملابسة الداء ومداناة المرضى) التلف (الهلاك) قال الخطابي وابن الأثير: ليس
__________
(1) كتاب الديات باب 23 ج 4/ 710 ورقمه 4586.
(2) في البخاري كتاب الحيل 13 ج 8/ 64 وفي مسلم كتاب السلام باب 32 ص 1740/ ج 2.
(3) كتاب الطب ج 4/ 238 ورقمه 3923.
(1/358)

هذا من باب الطيرة والعدوى، وإنما هذا من باب الطب؛ لأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى إسقام البدن عند الأطباء، وكل ذلك بإذن الله ومشيئته اهـ.
ومن هذا الباب ما أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها.
ومن العجب ما وقفت عليه في مكتوب السلطان أبي العباس المنصور؛ كتب لولده أبي فارس وهو خليفته على مراكش بتاريخ 1011 في أمر وباء حدث إذ ذاك بسوس قال فيه ما نصه [والبطاقة التي ترد عليكم من سوس من عند الحاكم أو ولد خالكم وغيرهما لا تقرأ ولا تدخل دارا بل تعطى لكاتبكم، هو يتولى قراءتها ويعرفكم مضمونها ولأجل أن كاتبكم يدخل مجلسكم ويلابس مقامكم حتى هو لا يفتحها إلا بعد أن تغمس في خل ثقيف وتنشر حتى تيبس، وحينئذ يقرؤها ويعرفكم بمضمونها إذ ليس يأتيكم من سوس ما يوجب الكتمان عن مثل كاتبكم] اهـ.
وهذا هو عمل الأفرنج اليوم في تحفّظهم من الوباء المسمى عندهم ب [الكرنتينة] المعروفة في باب الوقاية ودوائر الصحة، وقد كانت وقعت المحاورة بين عالمي تونس أبي عبد الله محمد المناعي المالكي والشيخ أبي عبد الله محمد بيرم الحنفي في إباحتها وحصرها، فألف الأول في الحرمة وألف الثاني في الجواز مستدلا على ذلك بنصوص من الكتاب والسنة. انظر رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي لباريز.
وفي إرشاد الساري في تفسير سورة النساء لدى قوله تعالى (وخذوا حذركم) دل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المظنونة. ومن ثمّ علم أن العلاج بالدواء والإحتراز عن الوباء والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب اهـ وانظر كلاما لصاحب الإستقصاء في النازلة جعل ذلك مقيدا بالوجه الذي ليس فيه مفسدة شرعية والله أعلم.
النسوة الممرضات
انظر آخر القسم الثامن ترعجبا
(باب في الحكيم)
ترجم في الإصابة لأبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الأصبحي الحميري، فنقل عن الرشاطي في الأنساب أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ففرش له رداءه، وأنه كان بالشام، وكان يعد من الحكماء. حكاه الهمذاني في النسب قال: وكان يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث اهـ.
وترجمه أيضا كذلك الحافظ الذهبي في التجريد وقال: أفاده الحافظ قطب الدين وزاد أنه قتل مع علي في صفين.
(1/359)

وترجم الحافظ أيضا فيها أكثم بن صيفي التميمي الحكيم المشهور ورد على ابن عبد البر إنكاره ذكره وذكر من خرّج أن قوله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: 99] ومكاتبة المصطفى له ونقل عن الخطيب فيه: كانت له حكمة وبلاغة، وفي ترجمة الحكم بن سعيد بن العاص من الإصابة نقلا عن السراج في مسنده: كان الحكم يعلم الحكمة.
وانظر في الإصابة أيضا ترجمة حكيم العرب غيلان بن سلمة الثقفي.
وفي ابن التلمساني على الشفا هو ممن وفد على كسرى، وخبره معه عجيب. قال له كسرى يوما: أي ولدك أحب إليك؟ فقال له غيلان: الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يؤوب [يقدم] فقال له كسرى: مالك ولهذا الكلام، وهذا كلام الحكماء وأنت من قوم جفاة لا حكمه بينهم، فما غذاؤك قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر، لا من اللبن والتمر، وكان شاعرا أسلم يوم الطائف، وتوفي في خلافة عمر رضي الله عنهم.
وفي نور النبراس للحافظ برهان الدين الحلبي عن تخريج الخطيب رفعه: يقدم عليكم الليلة رجل حكيم، فقدم عمرو بن العاص. وهو في مسند أحمد اهـ.
وذكر أبو نعيم في كتاب معوفة الصحابة، وأبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجب ما رأى من سمتنا وزيّنا فقال: من أنتم قلنا: مؤمنون، فتبسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قلنا: خمس عشرة خصلة؛ خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ فذكروا له قواعد الإيمان والإسلام. قال: فما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى عن القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال صلى الله عليه وسلم: حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخالدون فانصرفوا وقد حافظوا وصيته، وعملوا بها.
وقال العراقي في المغني: أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ، من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضيعف اهـ.
وفي مشيخة الأنصاري فقال عليه السلام: أدباء حكماء علماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء.
(1/360)

وقال الحافظ ابن حجر: هو في كتاب المعرفة لابي نعيم من رواية أبي سليمان الداراني عن زاهد بالشام سماه عن أبيه عن جده سويد اهـ.
وقال الذهبي في الميزان: علقمة بن يزيد بن سويد عن أبيه عن جده لا يعرف أتى بخبر منكر لا يخبر به اهـ.
قلت: وإن أقره شارح الأحياء ففيه إفراط والصواب: قول العراقي في المغني، والحديث في الحلية في ترجمة أبي سليمان الداراني انظره قال الزرقاني في شرح المواهب على قوله: حكماء علماء، وقدم الحكمة على العلم، لأنها الصفة القائمة بهم الدال علي كمال عقلهم، والعلم طريق إلى معرفة الحسن من القبيح اهـ.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلا رفعه: حكيم أمتى عويمر، وهو أبو الدرداء، الوارد فيه أيضا: لكل أمة حكيم وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء.
ومعناه عالم الحكمة قاله القاوقجي في الذهب الأبريز.
وفي الإستبصار في أنساب الأنصار؛ لما ترجم لابي الدرداء: وله حكم مشهورة منها قوله: الدنيا كدر وليس ينجو منها إلا أهل الحذر، ولله فيها علامات يتبعها الجاهلون، ويعتبر بها العالمون، ومن علاماتها فيها أن حفت بالشبهات، وارتطم فيها أهل الشهوات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات. ومزج حلالها بالمؤبات، وحرامها بالتبعات، فالمثري فيها تعب والمقل فيها نصب.
قال ابن قدامة: وبلغنا عن أبي الدرداء أنه كان يقول: مساكين أهل الدنيا يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم، فإذا كان يوم القيامة كان حسابها عليهم، ونحن منها براء اهـ.
وفي المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية: من تبصر في أحوال العرب وأخلاقهم صح له من طريق العقل أن لا بدع في أن سيد الأنبياء لم يبعث من سواهم، كما يتضح له بطلان القول بأنهم لم يكن لجاهليتهم حظ في الفلسفة، فإن في تتبع أقوالهم وأحوالهم، ما يذهل عقول الحكماء، في جميع ضروب الحكمة اهـ منها ص 192 الجزء الأول.
وقد حقق الصدر الشيرازي وغيره من المحققين أن ما جاءت به الفلسفة الصحيحة من العلوم العقلية أو السياسية عمرانية كانت أو كونية لا يخالف ما جاء به الكتاب والسنة، وأن ما كان يبدو من المخالفة في العصور الأولى إنما كان منشؤه الغلط، والخطأ في الترجمة فقط، وبعد أن ترجم الترجمة الصحيحة تبين الوفاق.
باب في المنجم
ترجم في الإصابة للربيع بن زياد الحارثي الذي كان الحسن البصري كاتبا له فقال: لم يكن في عصره عربي ولا عجمي أعلم بالنجوم منه، وكان يتحرج أن يقضي، فكان يبصر حكم ما دله عليه النجوم.
(1/361)

وفي الذيل لكتاب بشائر الإيمان في فتوحات آل عثمان، للشيخ حسين خوجه رئيس ديوان الإنشاء بتونس في ترجمة علامة تونس الشيخ قويسم بن علي صاحب سمط اللآلي أن له رسالة سماها: إصابة الغرض في الرد على من اعترض. موضوعها في مباحثة متعلقة بالوقت والنجوم، وبين أن له أصلا من السنة وذكر ما ورد في ذلك من الآثار اهـ انظر ص 103 من الذيل المذكور.
باب في القافي
ترجم في الإصابة مجززا المدلجي الكناني، وهو مذكور في الصحيحين من طريق عائشة قالت: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام من بعض، وفي رواية لابن قتيبة: مر على زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، قال الحافظ: لو كان كافرا لما اعتمده في حكم شرعي اهـ.
وقد كان علم القيافة عند العرب ينقسم إلى نوعين: الإستدلال بأثر الماشي عليه، والإستدلال بتقاطيع الجسم على صحة النسب وبطلانه، وكان فيهم قبائل شهرت بذلك حتى كان قول الفرد منها حكما في الآثار والإنسان، كبني مدلج الذي منهم مجزز المذكورة قصته في الترجمة، وكان لهم في الفرع الثاني ما لا يقل عن الأول؛ يجيئون بالرجل والولد ويغطون جميع بدنهما ما عدا الأقدام كما في القصة المذكورة، والشريعة لم تلغ حكم القائفين، بل رضيه النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيت وسر به كما يراه من اعتبره.
باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء والمنقطعين
والزوايا جمع زاوية مأخوذ إما من الانزواء، أي الإنقباض لانقباضهم عن الناس، أو من زاوية البيت الناحية لميلهم عن البعد عن الناس والخفاء، وهي حادثة بظهور طائفة التصوف في القرن الثالث واختصاصهم بهذا الإسم، وكانوا في زمن التابعين يسمون العباد، فكأنهم منسوبون إلى أهل الصفة. هؤلاء الذين كانوا في زمنه عليه السلام قصروا أنفسهم على الطاعات، ولا يرجعون إلى أهل أو مال فيهم كما قيل: ضيوف الله والإسلام يسكنون فيها ليرتزقوا من أوقافها. قاله صاحب بذل الكرامة لقراء المقامة. وقال التقي المقريزي في الخطط: ولاتخاذ الربط والزوايا أصل من السنة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ لفقراء الصحابة الذين لا يأوون إلى أهل ولا مال مكانا من مسجده، كانوا يقيمون به عرفوا بأهل الصفة اهـ منه ص 293 الجزء الرابع.
«في صحيح البخاري عن أبي هريرة واصفا ما لاقى في صدر إسلامه من الشدة، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلحق أهل الصفة فأدعهم لي. قال وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون
(1/362)

على أهل ولا على مال، ولا على أحد إذا أتته الصدقة، بعث إليهم بها. ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها» .
أردت أن أبسط القول هنا على أهل الصفة وأحوالهم وعددهم ومن كان على طعامهم لتقصير الخزاعي هنا فأقول؛ قال عياض: الصفة بضم الصاد وتشديد الفاء ظلة في مؤخر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأوي إليها المساكين وإليها تنسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل.
وقال الحافظ الذهبي: إن القبلة قبل أن تتحول كانت في شمال المسجد فلما حولت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة، وقال الحافظ ابن حجر: الصفة مكان في آخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يسافر، وقال المجد نقلا عن الدارقطني: الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها، وفي التوشيح للسيوطي: الصفة بصاد وفاء محل وراء الحجرة النبوية مظلل معد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل في مؤخر المسجد إلا أنه يحسب الآن في مؤخرهما معا، محاذيا للحجرة، فالكل داخل فيه في وقتنا اهـ.
ثم قال المجد وذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال: وفي آخر الغرفة تل مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه دار الصفة، حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة، وكأن هذا وهم والله أعلم، قال السيد السمهودي في الوفا: يظهر لي من قول عياض فيما قدمناه عنه على أشهر الأقوال أن في ذلك خوفا، فيكون ما ذكر ابن جبير أحد الأقوال لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد فاشتهرت بذلك.
وفي تلبيس إبليس لابن الجوزي: أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل أهل الصفة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجلين أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أكثر أو أقل فيؤتي النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال ناموا في المسجد.
وروى ابن شبة قال: كان من قدم المدينة فكان من له بها عريف (رئيس) نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت ممن نزل الصفة، فرافقت رجلين كانا يجريان عليهما كل يوم مدّين من تمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن النجار: روى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال: نفرق هذا الأضياف في دور الأنصار، ونجعل لك في كل حائط قنوا ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بلى فلما وجد ماله أتى بقنو، فجعله من المسجد بين ساريتين، ويجعل الإقناء على الحبل، ويجمع العشرين أو أكثر فيأكلون وينصرفون، ويأتي غيرهم فيفعل بهم مثل ذلك فإذا كان الليل فعل بهم مثل ذلك.
(1/363)

وقد بّوب البخاري في القسمة وتعليق القنو في المسجد، ولم يذكر في الباب صريحا فأشار بذلك إلى ما رواه النسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عصا، وقد علق قنو حشف فجعل يطعم من ذلك القنو، ويقول: لو شاء ربّ هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا.
وأخرج ثابت في الدلائل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل حائط بقنو يعلق في المسجد، يعني للمساكين. وفي رواية له: وكان عليها معاذ بن جبل، أي على حفظها أو قسمتها راجع الوفاء ص 323.
وفي ترجمة والد واثلة بن الأسقع من الإصابة أن أبا نعيم خرّج في الدلائل قال: كنا في الصفة وهم عشرون رجلا، فأصابنا جوع وكنت من أحدث أصحابي سنا فبعثوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشكو جوعهم، وفي المواهب: أنه كان عليه السلام يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه ويبقى طائفة معه، قال الزرقاني: مواساة وتكرما. وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه خادما فقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم.
وفي تحفة الناظر للعقباني قال عز الدين: إنما يرخص في المبيت في المسجد لمن لا ينتهك حرمته من الضعفاء، فقد كان أصحاب الصفة يبيتون فيه مع القيام بحرمته اهـ.
ونقل ابن التلمساني على الشفا عن الكشاف: أصحاب الصفة كانوا نحو أربعمائة رجل من مهاجري قريش، لم يكن لهم مسكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى اهـ.
وقال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا. اهـ.
ولما تكلم الإمام أحمد بن قاسم الصومعي التادلي في كتاب «اللباب في معاملة الملك الوهاب» على أهل الصفة نقل عن قتادة: أنهم لزموه عليه السلام لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع ولا إلى ضرع، يصلون صلاة وينتظرون أخرى اهـ منه.
وفي طبقات ابن سعد أن القراء في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يقرأون القرآن ويتدارسون بالليل، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة، والفقراء. انظر ص 71 الجزء الثالث.
وقال الأستاذ الصالح أبو عثمان سعيد بن أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن ليون التجيبي في رسالته الأنالة العلمية! إن الفقراء المتجردين من الصوفية، هم الذين ورثوا أهل الصفة في الجلوس في المساجد، والرباط والتجرد وقلة التسبب، والناس ينكرون على الفقراء هذه
(1/364)

الصفة وهي السنة لأن السنة في عرف الشرع ما أقره عليه السلام أو عمله أو علّمه. وكان عليه السلام يحسن إليهم ويؤنسهم، ولم يأمرهم بتكسب.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يبعث معهم رجالا يعلمونهم القرآن والسنة، فبعث معهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القرّاء منهم خالي حرام- بحاء مهملة وراء- يقرأون القرآن ويتدارسونه، وبالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة، والفقراء. فبعثهم إليهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فهؤلاء لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم ولا نهى القراء عن خدمتهم، ثم ذكر حديث البخاري السابق وقال إثره: فصح أنهم كانوا فقراء متجردين يقرأون في المسجد غير متسببين، وهذه الصفة هي صفة الفقراء المتجردين اليوم.
قال أبو طلحة: كنا نأتي المدينة فمن كان له بها عريف نزل عليه وإلا نزل بالصفة. وكان الراتبون بالصفة نحو أربعمائة رجل منهم أبو هريرة وابن أم مكتوم وصهيب وسلمان وخباب وبلال، والمؤمنون به عليه السلام ومنهم من قام بالقراءة ومنهم من ركن للعبادة، وهم أهل الصفة والكل في عبادة وسنة، ولما كان المهاجرون والأنصار لهم قبائل وعشائر انضاف بعضهم إلى بعض، فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة وضمهم إليه إذ كانوا لا يملكون شيئا ولا لهم بيوت يسكنون فيها، ولا قبائل ينضافون إليها، فصاروا كالقبيلة الواحدة وكذلك الفقرا اليوم، ومنهم الذين قال تعالى فيهم:
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: 93] كانوا ضعفاء عن الجهاد قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام: 52] ونزل في حق ابن أم مكتوم عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فقد ظهرت صفة أهل الصفة الذين يقتدي بهم الفقراء المتجردون.
يا طالبا من الإله الزلفة ... لا تنتحي لغير أهل الصفة
وليّن القول لهم برأفة ... فإنهم أهل التقى والألفة
وفي تكملة السيوطي لتفسير المحلي على قوله تعالى: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: 272] إنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا، ومعنى الذين أحصروا في سبيل الله: أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ [البقرة: 273] أي للتجارة والمعاش لشغلهم بالجهاد اهـ.
وقال ابن ليون التجيبي في محل آخر من رسالته: وفي الصحيح: أن أهل الصفة لم يتسببوا ولا اشتغلوا بغير الذكر والفكر والقعود في المسجد، وكان القرّاء يخدمونهم، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يطعمونهم وقال لهم: أبشروا يا أهل الصفة، فترك التسبب طريقة أقرها النبي
(1/365)

صلى الله عليه وسلم ولم يصح أنه أمرهم بالتسبب، وإنما أمرهم بالتوكل «1» اهـ وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية على قولها في حق الصحابة:
زهدوا في الدنيا فما عرف المي ... ل إليها منهم ولا الرغباء
الصحابة في الزهد فيها على قسمين: فأكثرهم ترك السعي في تحصيلها بالكلية واشتغل بالعلوم والمعارف ونشرها، وبالعبادات حتى لم يبق من أوقاته شيء إلا وهو مشغول بشيء من ذلك، وكثير منهم حصلوها لكن كانوا فيها خزانا لله تعالى كما مر اهـ ونقله عنه بنيس ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلوي عليها والصاوي في تقاريره عليها، ولو كان تعبيرهم في تاركي السعي من الصحابة قاصرا على أهل الصفة لكان أقوم وإلا فالصحابة كانوا أكثرهم أهل تكسب وسعي على ما سيأتي إلا أهل الضفة والله أعلم. ثم وجدت الشيخ سليمان الجمل أتى في حاشيته على الهمزية بتعبير لطيف: وذلك أنه قال في هذا الموضع: وكان الصحابة فيها على قسمين فأكثرهم كأهل الصفة ترك السعي في تحصيلها بالكلية واشتغل بالعلوم والمعارف والعبادات وكثير منهم حصلها اهـ ووجدت الشيخ محمد ابن عبد الرحمن الصومعي التادلي عبر في شرحه على الهمزية بما هو أسلم فقال: فمنهم من أعرض عنها بالكلية وأشتغل بالعلوم والمعارف، ومنهم من سعى في تحصيلها وحصلها بقدر نفع الغير بها اهـ وإنما جلبت النقول هنا في انقطاع أصحاب الصفة عن التكسب لتهجم متهور عليهم رضي الله عنهم، فنسب لهم أيضا الجري وراء الدنيا معه وهو غالط أو متغافل عن نص القرآن في الواقعة وذلك قوله تعالى في حقهم: (لا يستطيعون ضربا في الأرض) وفي حواشي الشمس ابن عابدين الحنفي الدمشقي على الدر المختار، نقلا عن المصفي: الجلوس في المسجد للحديث مأذون فيه شرعا لأن أهل الصفة كانوا يلازمون المسجد، وكانوا ينامون ويتحدثون ولهذا لا يحل لأحد منعه، كذا قي الجامع البرهاني.
فيؤخذ منه أن الأمر الممنوع منه إذا وجد بعد الدخول مقصدا لعبادة لا يتناوله اهـ.
وفي أس المقاصد في تعظيم المساجد للشيخ علوان بن عطية الحموي: إن بعضهم تعلل عليه في نهيه عن الكلام في المسجد بأحوال أهل الصفة في زمانه عليه السلام فقال؛ انظر أيها الأخ وتعجب ممن يقيس على أولئك الصحابة الأخيار هؤلاء الحثالة الأشرار! أترى كان إجتماع أهل الصفة على الحظوظ النفسانية، والأخلاق الشيطانية، واللهو واللعب والضحك والمزاح، وحديث الدنيا؟ اهـ.
وقد اعتنى بجمع أسامي أصحاب الصفة ومناقبهم وأحوالهم ابن الأعرابي، والسلمي في كتاب تاريخ أهل الصفة، والحاكم والإكليل، وأبو نعيم في الحلية، فزادوا عنده على
__________
(1) أقول: في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانت وسائل العمل ضيقة فلم يأمرهم بالتسبب وأما إذا تغيرت الأحوال فالتسبب أولى من انتظار الصدقات بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: اليد العليّا خير من اليد السفلى، وبقية النصوص التي تحص على السعي والكسب. مصححه.
(1/366)

مائة وعند كل ما ليس عند الآخر، وقال الحافظ ابن تيمية: جملة من آوى إلى أهل الصفة مع تفرقهم قيل أربعمائة. وقيل أكثر اهـ وعدّهم أربعمائة السيوطي كما سبق، ونحوه في تفسيره وسبقهم إلى ذلك السهروردي في العوارف، والزمخشري في الكشاف، قال الشهاب في شرح الشفا عقبه: ولا ينافي ما روي أنه رأى منهم نحو ثلاثين رجلا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم بلا أردية اهـ.
وفي لب اللباب في معاملة الملك الوهاب للإمام أبي العباس أحمد بن قاسم الصومعي التادلي لدى كلامه على أهل الصفة: كانوا أربعين فبلغوا أربعمائة. وقال قتادة بلغوا تسعمائة رجل اهـ وانظر سمط الجوهر الفاخر فقد عدّ منهم أزيد من المائة مسميا لمن عند أبي نعيم في الحلية، وزاد عليه نحو الثلاثة، قال الخفاجي عقب ما سبق عنه: وهؤلاء يعني أهل الصفة هم صفوة الله. هنيئا لهم وإنا نتوسل بهم إلى الله أن يجعلنا في بركاتهم اهـ وإن فسح الله في الأجل أفردتهم بمؤلف وليس ذلك على الله بعظيم.
إختصاص أبي بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم للمداولة في الأمر يعرض
خرج النسائي والترمذي «1» قال الحافظ ورجاله ثقات عن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين.
__________
(1) انظر كتاب الصلاة باب 12 رقم الحديث 169 ج 1/ 315.
(1/367)

فهرس المحتويات
مقدمة المحقق 7
إهداء الكتاب 9
اسم مؤلف كتاب التخريج ونسبه وبلده 34
بلده ووفاته ومدفنه 39
نسخ كتاب التخريج الموجودة في المكاتب ومن نقل منه 41
أول خطبة كتاب التخريج 42
مقصده من تدوينه 42
تاريخ اشتغاله بتدوينه وكلمة جامعة في أبي الحسن الخزاعي 42
السلطان الذي قدمه إليه 43
خطته في الدولة المرينية 44
اصطلاح الخزاعي في كتابه التخريج وصنيعه 44
الأصول التي استمد منها في كتابه ونقل عنها 47
المقدمة الثانية 49
برنامج القسم الأول 49
ذكر مواليه الذين أعتقهم في مرض موته 50
برنامج القسم الثاني من كتاب الخزاعي 50
(ومما استدركت عليه في هذا القسم خلال تراجمه من الأبواب) 51
القسم الثالث من كتاب الخزاعي 52
برنامج القسم الرابع من كتاب الخزاعي 53
برنامج القسم الخامس من كتاب الخزاعي 55
برنامج القسم السادس من كتاب الخزاعي 58
(1/368)

برنامج القسم السابع من كتاب الخزاعي 58
برنامج القسم الثامن عند الخزاعي 59
برنامج القسم التاسع من كتاب الخزاعي 60
القسم العاشر من كتاب الخزاعي 64
المقصد الأول 65
المقصد الثاني 70
القسم الأول في الخلافة والوزارة (الصدارة) وما يضاف إلى ذلك من الخدمات النبوية الشخصية التي كان يقوم بها أفراد من الصحابة 77
الخلافة 79
ذكر الفرق بين الخليفة والملك والسلطان من حيث الشرع والاصطلاح 85
الوزير 88
ذكر صاحب السر 90
في ذكر الآذن [الحاجب] 90
ذكر حبس بعض الوافدين عن الآذن 90
الحاجب 91
البواب 91
ذكر من تولى خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحرار والموالي 94
ذكر من كان يخدمه عليه السلام من مواليه 94
ذكر الموالي الذين أعتقهم عليه السلام في مرضه 94
ذكر من كان يوقظه عليه السلام إذا نام ويستره إذا اغتسل 95
ذكر من كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حاجته داخل منزله 95
ذكر من كان يبيت على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجال 95
استخدامه عليه السلام في ذلك امرأة 95
استخدامه عليه السلام غلاما يهوديا 96
الأشياء التي كان عليه السلام لا يكلها إلى أحد من خدمه 96
ذكر الذين قام بخدمتهم المصطفى بنفسه 96
ذكر صاحب الوساد [المخدة] 97
(1/369)

في إدناء النبي صلى الله عليه وسلم الوساد للداخل 97
ذكر صاحب النعلين 98
مضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم 100
ملاعبة الإمام أقاربه الصغار 100
الرجل يعلم الوفد كيف يحيّون المصطفى صلى الله عليه وسلم 100
القسم الثاني في العمليات الفقهية وأعمال العبادات وما يضاف إليها من عمالات المسجد وعمالات الطهارة وما يقرب منها، وفي الإمارة على الحج وما يتصل بها وفيه وظائف 101
في العمليات الفقهية وأعمال العبادات 103
ذكر معلم القرآن وفيه فصول 103
ذكر من نقل عنه وجوه القراءة من الصحابة 107
ذكر معلم الناس الكتابة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المعلم من الرجال- المعلم المسلم 108
المعلم الكافر 108
ذكر المعلمة من النساء 109
اتخاذ الدار ينزلها القراء ويستخرج منه اتخاذ المدارس 112
ذكر المفتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 112
ذكر من كان يتوسط بين المصطفى وبين الصحابة إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء 114
ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم 114
الإمام في صلاة الفريضة 117
ذكر استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق على الصلاة وكم من صلاة صلّاها 118
استخلاف المصطفى على الحج 119
اتخاذ المنبر 119
خطبته عليه السلام في حجة الوداع على الدواب 121
اتخاذه صلى الله عليه وسلم عليا يعبر عنه 121
(1/370)

أمره عليه السلام باستنصات الناس رجلا أطول الناس قامة وأبلغهم وأنداهم صوتا 122
تكليف الإمام عظيما من أصحابه يحشر له قومه 122
ارساله عليه السلام عليا يبلّغ عنه نزول أول سورة القتال 122
الإمام في صلاة رمضان 123
ذكر مؤذّن النبي صلى الله عليه وسلم 124
ذكر الموقت 126
فصل في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذّن المسجد الجامع 126
على أي شيء كانوا يؤذّنون 127
ذكر صاحب الخمرة 128
الذي يحمل العنزة 129
الذي كان يحمل العصا بين يديه عليه السلام ويتقدم إذا أراد أن يدخل منزله الكريم 129
المسرج وهو الموقد 130
هل أوقدت الشموع في المدينة على عهده عليه السلام 131
المجمر 132
الذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والقذي والعيدان منه 132
الرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها 134
الرجل يتقدم إلى المصلين يرتب صفوفهم ويضربهم على ذلك 134
الرجل يمنع الناس عن المنازعة واللغط في المسجد 134
صاحب الطهور 135
ذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم 135
هل كان صلى الله عليه وسلم يستعمل الماء السخن أو دخل الحمام 136
وضوؤه عليه السلام في آنية زجاج 137
وضوؤه صلى الله عليه وسلم في الطست من صفر وغيره 137
صاحب السواك 138
اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرسي 138
ذكر جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على الكرسي 138
(1/371)

في السقّاء وفيه فصول 139
فصل في سقي الماء له عليه السلام من الآبار الطيبة بالمدينة 140
فصل فيما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يبرّد له الماء 140
فصل في طلبه عليه السلام ماء زمزم من مكة إلى المدينة وتحريضه على التعجيل بأصرح عبارة 140
فصل في الروايا تسافر مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن كان يذهب يملأها 141
فصل في ساقي النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين 141
فصل في ساقيه عليه السلام من اليهود 141
فصل في سقي الماء 141
الانتباذ في الاواني الخضر 142
دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم لمن أزال شعرة من مائه 142
الخادم يخدم عند الأكل 142
أوانيه عليه السلام 142
هل كانوا يهنئون الشارب في الزمن النبوي 142
الامارة على الحج 145
صاحب البدن 145
حجابة البيت وهي العمارة والسدانة فصل في ذكر من وليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم 146
السقاية 147
مباشرته عليه السلام لنحر الهدي بيده الكريمة في حجة الوداع واذنه لعلي في إتمام البقية 148
القسم الثالث في العمليات الكتابية وما يشبهها وما يضاف إليها وفيه أبواب 149
الباب الأول في كتّاب الوحي وفيه فصول: 149
العمليات الكتابية 151
باب كتابه عليه السلام مطلقا 151
باب في خليفة كل كاتب من كتّابه عليه السلام 153
باب في كتاب السر 154
(1/372)

فصل في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع 154
باب فيمن كان يكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم للبوادي 155
فصل في كتابته عليه السلام في الجلد ومقداره 155
فصل في كتّاب العهود والصلح 156
فصل فيمن كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أموره الخصوصية 156
نظرة إجمالية في الكتّاب 156
باب في تعليم المصطفى لكتّابه أدب وضع القلم ومحل وضعه ورسم الحروف وتقويمها نحو ذلك 157
باب في ندب المصطفى عليه السلام الكتبة إلى تتريب الكتابة 158
فصل في اصطلاح المكاتيب النبوية 159
فصل في كيفية مخاطبة الملوك وغيرهم من المعاصرين له (عليه السلام في زمانه) 160
فصل في عنوان المكاتب إليه عليه السلام في ذلك الزمن 160
فصل في عنوان كتبه عليه السلام 161
فصل بما كان يفتتح كتبه عليه السلام 161
فصل في التزامه عليه السلام أما بعد في صدور كتبه وخطبه 161
احتياطه عليه السلام في مكاتيبه الرسمية 162
باب اتخاذه عليه السلام أما بعد لفصل من فصول الكتاب ورؤوس المسائل 162
فصل في أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه عليه السلام 163
آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ عينه لنا من كتبه عليه السلام لأهل الإسلام وتحافظهم عليه 163
فصل في آخر كتاب حفظ التاريخ لنا عينه من كتبه عليه السلام (لأهل الكفر ومحافظتهم عليه) 165
فصل في أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه (عليه السلام الأحكامية) كتاب ابن حزم 165
ما كتبه عليه السلام ولم يخرجه 167
فصل هل كتب عليه السلام بنفسه شيئا وامضى بعض كتبه (بيمينه الشريفة أم لا) 168
(1/373)

فصل في ذكر صاحب الخاتم ومن أي شيء كان وما كان نقشه 170
فصل فيمن كان صاحب خاتمه صلى الله عليه وسلم 170
باب في عمله عليه السلام إذا لم يحضره الخاتم 171
باب في مسائل تتعلق بالخاتم النبوي 171
باب في وضع التاريخ وأصله 172
باب في الرسول (السفير) وفيه فصول فصل في صفات رسله عليه السلام من وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة المقنعة للخصم 173
اختياره عليه السلام لرسله أن يكونوا أحسن الناس وجها 178
وصايته عليه السلام لكل من بعثه لجهة من الجهات من سفرائه وأمرائه ورسله 178
اتّخاذ البريد في زمن الخلفاء الراشدين 179
فصل في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام 180
فصل في بعث الرسول في الصلح 181
فصل في بعث الرسول بالأمان ذكر من بعثه المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك من الرجال 181
ذكر من توجه في ذلك من النساء 181
فصل في الرسول يبعث إلى الملوك (ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين) 182
في الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين (تكون ببلاده ويبعثها) 182
في الرسول يبعث بالهدية 183
باب في جائزة المصطفى لرسول غيره له 184
باب في الرسول يتوجه إلى الملك منذرا له بالحرب إن هو لم يؤمن 184
باب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي 185
ذكر من كان يترجم له صلى الله عليه وسلم بالكتاب كتاب السريانية 185
كتاب اليهود 186
باب في تعليم السريانية 186
باب في الشاعر وفيه فصول فصل في ذكر شعراء النبي صلى الله عليه وسلم 190
(1/374)

باب في استنشاده صلى الله عليه وسلم شعر الهالكين في غير موضع 192
سماعه عليه السلام الشعر المتضمن التشبيب والغزل 192
الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه عليه السلام بعد موته 193
باب تكرمه عليه السلام بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له عليه السلام 193
باب في ذكر الخطيب في غير الصلوات ذكر من كان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم 195
هل خطب عليه السلام أو خطب الصحابة بغير اللغة العربية 195
باب في كتاب الجيش وفيه فصول 197
فصل في البيعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة 197
فصل فيمن تولى ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 199
فصل في ثبوت العطاء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 199
فصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك 200
تسامح المسلمين في صدر الإسلام 202
فصل في أي سن يجيز الإمام من يرسم في الديوان 203
فصل في عرض الناس كل سنة 204
باب في رده عليه السلام في الإستعراض من لم يستأذن أبويه 204
فصل في العريش يا بنى للرئيس يشرف منه على عسكره 204
باب في تكليف الإمام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام (وهو الإستعراض الذي يراد منه اليوم إظهار القوة) 205
باب في ذكر العرفاء وهم رؤساء الأجناد وقوادهم 205
باب في النقباء 206
باب في المحاسب 207
باب في الأوصياء والوصاية 207
القسم الرابع في العمليات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيه عدة أبواب 209
العمليات الإحكامية 211
باب في الإمارة العامة على النواحي ذكر من ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على النواحي 211
باب كيف كان يوصي عليه السلام (عماله في صفة البريد
(1/375)

الذي يبردون إليه) 215
باب في اشتراطه عليه السلام مثل ذلك في عماله 215
باب في كيفية عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمرائه 215
باب في القاضي وفيه فصول فصل في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس 217
ذكر من دوّن في النوازل 218
التي نزلت في حياته عليه السلام وحكم فيها 218
باب في ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها عليه السلام وأفتى 219
فصل في قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم 221
هل كان عليه السلام يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء 224
هل كان للولاة والقضاة راتب 226
النظر في المظالم (العدلية) 227
باب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل 230
باب في الشهادة وكتابة الشروط 231
باب في الشهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في الكتب النبوية والعقود المصطفوية 232
باب في سياق عقد من عقود ذلك العصر الطاهر وهو عقد عتق أبي رافع مولاه عليه السلام 233
باب فيمن كان يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم في الزمن النبوي 233
باب في ذكر من كان يكتب العقود والمعاملات زيادة على ما سبق 233
باب في فارض المواريث ذكر من كان فارضا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 235
باب في الوكيل في غير الأمور المالية ذكر من وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم 236
باب في ذكر البصير بالبناء وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله ذكر من كان كذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم 236
معرفته عليه السلام وأهل الصدر الأول بأمور الهندسة والبناء وإصلاح الطرقات 237
باب في القسام 239
باب في المحتسب 239
(1/376)

فصل فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسبة 239
فصل فيمن ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر السوق 239
وكيف كان يضرب من يعمل بالرّبا في الأسواق على عهده صلى الله عليه وسلم 239
باب في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح 243
باب في صاحب العسس بالمدينة 244
ذكر من ولي ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم 244
باب في السجن للرجال 245
سجن النساء 249
هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا 249
باب في التأديب بالضرب 249
التأديب بالنفي 250
الأدب بالهجران 250
باب في معاملته صلى الله عليه وسلم للمستحق بالتعبيس ونحوه 253
باب في قتله عليه السلام بيده 255
باب في تعذيبه عليه السلام بالإحراق والهدم ومن بعثه لذلك 255
باب في معاملته عليه السلام المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك 256
باب في الرجل يجعل على الأساري 257
باب في المقيمين للحدود ومن كان يتولى ذلك (في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) 258
باب في الرجل يجعل لقطع الأشجار في الغزو 258
القسم الخامس في ذكر العمليات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيها أبواب 259
العمليات الحربية 261
باب في الإمارة على الجهاد وفيه فصول 261
فصل في مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وكم غزوة غزاها 261
فصل في بعثه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم الأمراء للغزو وفيه عدد بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه 261
باب في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره 261
باب في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر 262
(1/377)

باب في الرجل يستخلفه الإمام في طريق يظن أن العدو يستعمل له فيها مكيدة 263
باب في المستنفر 263
باب في صاحب اللواء وفيه فصول 263
فصل في ذكر أول لواء رفع بين يديه صلى الله عليه وسلم 263
فصل في ذكر من حمل رايته ولواءه صلى الله عليه وسلم بين يديه (ومن حملها ليقاتل بها) 264
فصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها 264
فصل في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها 264
فصل في عقده صلى الله عليه وسلم الرايات لأمراء البعوث والسرايا (وذكر أول راية عقدها صلى الله عليه وسلم في الإسلام ولمن عقدت) 264
(فصل في مقدار الراية) 265
فصل في رسم الهلال فيها 265
فصل في ألوان ألويته وراياته صلى الله عليه وسلم واسم رايته وما كتب على لوائه الأبيض 265
راية الصوف 266
الراية من النمرة 266
ما كان مكتوبا فيها 266
اسم رايته صلى الله عليه وسلم 266
باب في لون راية الأنصار 266
باب في تعميم الإمام للصبي 267
باب في انقسام الجيش إلى خمسة أقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة وكون الرئيس في القلب منها 268
باب في أمير الرماة 268
باب في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش 268
باب فيمن كان على مواقف الجيش ميمنة وميسرة وقلبا وفي المقدمة 269
باب في شعار المحاربين والعلامة التي يتعارفون بها في الحرب 269
باب في الوازع الذي يتقدم إلى الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر 270
باب في اتخاذ الخيل 271
ذكر خيله صلى الله عليه وسلم 272
باب في المسرج 273
باب من أي شيء كان سرج رسول الله صلى الله عليه وسلم 273
(1/378)

باب في ذكر من أخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ركوبه 273
ما جاء في ضم ثياب الفارس في سره عند ركوبه 273
باب في الرجل يركب خيل الإمام يسابق عليه وفيه فصول فصل في أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق بين الخيل 274
فصل في ذكر مسابقة النبي صلى الله عليه وسلم بخليه وذكر من ركبها من الصحابة للمسابقة بها 274
باب في صاحب الراحلة الناقة 274
باب في صاحب البغلة 275
باب في القائد 275
باب فيمن كان يسوق به صلى الله عليه وسلم 276
باب في سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم 276
باب في صاحب بدن النبي صلى الله عليه وسلم 276
باب في راعي لقاح النبي صلى الله عليه وسلم 276
باب فيمن كان يقوم بلقاحه صلى الله عليه وسلم 276
باب فيمن كانت عنده خيل النبي صلى الله عليه وسلم 276
باب في جماله عليه السلام 277
باب فيمن كان يمسك دابة المصطفى في خيبر عن القتال 277
باب فيمن كان يأخذ بركابه عليه السلام وهو على الناقة 277
باب فيمن كان يأخذ بخطام ناقته عليه السلام 277
باب في الحادي 278
من كان على هديه عليه السلام في حجة الوداع 279
باب في صاحب السلاح وفيه ذكر سلاحه عليه السلام 279
أين كان عليه السلام يجعل السيف منه 279
باب في حامل الحربة بين يديه عليه السلام 280
باب في حامل السيف 280
باب فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم 281
باب في الصيقل 281
باب في الدليل في الطريق دليله صلى الله عليه وسلم في الهجرة 282
باب في البناء في المفازات التي يسلكها الإمام إعلاما بوصول قدمه هناك
(1/379)

(ويتخذ علما لبلوغ دعوته ثمة) 283
باب في مسهل الطريق 283
باب في ذكر من يطأطأ هامته للإمام ليركب 283
باب في صاحب المظلة 284
باب في ذكر صاحب الثقل متاع المسافر وحشمه 284
باب ذكر فسطاطه عليه السلام 284
باب فيمن كان يضرب قبته عليه السلام 286
باب فيمن يكتنف الإمام إذا أراد الدخول إلى الحضرة 286
باب في الأمين على الحرم في ذكر أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على حرمه 286
باب من كان يقود أو يسوق نساء المصطفى صلى الله عليه وسلم في حجه 287
باب في ارتياد الموضع لنزول الجيش وتخيره لهم من ماء وكلأ 287
باب في الحارس ذكر من حرسه صلى الله عليه وسلم بالمدينة 287
فصل في الإمام يخرج للغزو فيترك الحرس خلفه في عاصمته 288
حراس عسكره صلى الله عليه وسلم 288
الرجل يلازم المصطفى من خلفه 289
الرجل يتقدم أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم ينشد شعرا 289
باب في طلائع الجيش 290
باب في المتجسس ذكر من بعثه صلى الله عليه وسلم متجسسا 290
باب في الرجل يتخذ في بلد العدو عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام 291
باب في جعل الإمام العين على الناس في بلده 291
باب في المخذل 293
باب في النمام 294
باب في استعمال السفن البحرية وفيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم 295
باب في صانع المنجنيق التي ترمى بها الحجارة معربة 298
باب في الدبابات 299
باب في القوم يحرقون الأشجار ويقطعونها 299
(1/380)

باب في حفر الخندق الحفير 299
باب في صاحب المغانم وفيه ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى قسمت يوم بدر 302
باب في ذكر من كان يكتب غنائم المصطفى عليه السلام 302
ذكر من تولى بيع ما احتيج إلى بيعه من المغانم 302
باب في هبة الإمام جنس حيوان من غزاهم 303
باب في صاحب الخمس 303
باب في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنئونه به 303
باب الطعام عند القدوم 303
باب في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفره 304
باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم عند كل قرية أراد أن يدخلها 304
كيف كان حال كفار جزيرة العرب معه عليه السلام 304
كيفية معاملته صلى الله عليه وسلم مع كفار زمانه 306
القسم السادس في العمالات الجبائية ويشتمل على أبواب 309
العمالات الجبائية 311
باب في صاحب الجزية 311
كيفية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية وممن أخذها 311
باب في صاحب الأعشار ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 311
باب في متولي خراج الأرضين 312
باب في العامل على الزكاة 314
باب في ذكر من كان يكتب الصدقات لرسول الله صلى الله عليه وسلم 315
باب في الخارص 316
باب في الوقف 317
باب في المستوفي (وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويتخلصه منهم) (ويقدم به عليه) 323
باب خروجه عليه السلام بنفسه إلى البادية في إبل الصدقة 324
(1/381)

باب ذكر من وكله عليه السلام لحفظ زكاة رمضان 324
باب ذكر من جعله عليه السلام على قبض مغانمه 324
باب من كان على خمسه عليه السلام 324
القسم السابع في العمالات الإختزانية وما أضيف إليها وفيه فصول 325
العمالات الاختزالية 327
خازن الطعام 327
الكيال 327
ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة على عهده عليه السلام 328
ذكر الدرهم واستعماله 328
ذكر أسماء الأكيال المستعملة في عهده عليه السلام 337
باب في اتخاذ الإبل والغنم 339
ذكر الوسّام 339
في الحمى يحميه الإمام 340
القسم الثامن في سائر العمالات وفيه عشر أبواب 341
العمالات 343
باب في المنفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم 343
باب في الوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية 343
باب في أمر المصطفى الرجل أن يحبس السبايا والأموال في الغزو 344
باب في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما يأمره به (من وجوه مصارفه في غير الحضرة) 344
باب في انزال الوفد وفيه فصول ولها مقدمة 344
فصل في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمانه عليه السلام 345
(وبنائه صلى الله عليه وسلم فيها بنفسه) 345
فصل في انزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمانه عليه السلام 346
فصل في انزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 347
(1/382)

فصل في ذكر من ولي النظر في أمر الوفود في زمنه عليه السلام 348
أمره عليه السلام بالزاد للوفود 348
جوائزه عليه السلام للوفود 348
باب تجمله عليه السلام للوفود وأجازتهم 349
باب في الخانات (الفنادق) لنزول المسافرين 350
باب في المارستان (دار المرضى والمستشفى اليوم) وقيام النساء (الصحابيات به في زمنه عليه السلام) 350
باب في الطبيب 351
باب في قاطع العروق 357
باب في الكي 357
باب في أمر الرجل بذكر اسم الله على الجرح ثم التفل فيه 358
باب كون من لا يعرف بالطب لم يكن يباح له أن يعالج الناس 358
باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة [الحجر الصحي] 358
النسوة الممرضات (باب في الحكيم) 359
باب في المنجم 361
باب في القافي 362
باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء والمنقطعين 362
إختصاص أبي بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم للمداولة في الأمر يعرض 367
(1/383)

[نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية]
القسم التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله ص وذكر من عملها من الصحابة
رضوان الله عليهم زيادة على ما تقدم وفيه عدة أبواب ومقدمات وهي ثمان في ست لم يأت عليها الإمام الخزاعي فاستدركتها عليه فأقول:
(2/5)

المقدمات
(المقدمة الأولى)
قال الحافظ ابن القيم في الهدي النبوي إن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى وشراؤه أكثر، وآجر واستأجر وإيجاره أكثر، وضارب وشارك ووكّل وتوكّل وتوكيله أكثر وأهدى وأهدي له ووهب واستوهب واستدان واستعار وضمن عاما وخاصا ووقف وشفع فقبل تارة وردّ أخرى فلم يغضب ولا عتب، وحلف واستحلف ومضى في يمينه عدة، وكفّر أخرى ومازح وورّى ولم يقل إلا حقا وهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة الخ.
(المقدمة الثانية)
قال المواق في سنن المهتدين: الذي يتبين من الفقه أن الصناعات والتجارات والاشتغال بالعلم الزائد على فرض العين وعلى الطب كل ذلك أسباب شرعية فعلى هذا؛ فمن اشتغل بشيء من ذلك بلا نية فهو ظالم لنفسه وإن كان لا درك عليه، لكن فاته الأجر وإن قصد بذلك فرض الكفاية فهو سابق بالخيرات، وإن قصد بذلك الاستعفاف عن المسألة كان بذلك مقتصدا، وقال في موضع آخر: الذي هو من المقتصدين هو من جعله أي العلم سببا للدنيا المحتاج إليها من وجه حلال فمن قائل يقول: هو من خير الأسباب ومن قائل: طلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إليّ من طلبها بالعلم والدين اهـ بواسطة مختصر الرهوني لدى قول خليل في الاذان: وكره عليها.
وفي عمدة الطالب: طلب التكسب واجب فريضة، كما أن طلب العلم فريضة، ثم التكسب أنواع: كسب مفروض وهو الكسب بقدر الكفاية لنفسه ولعياله وقضائه دينه.
وكسب مستحب: وهو كسب الزيادة على أدنى الكفاية ليواسي به فقيرا أو يجازي به قريبا ثم قال: إنه أفضل حتى من التخلي لنفل العبادة، ثم قال: فافضل مكسوب التجارة، ثم الصناعة، ثم طلب العلم، ثم قال: فلو كان العلماء يتعلمون الحرف ما افتقروا حتى يطمعون في أموال الناس اهـ بواسطة هداية الضال المشتغل بالقيل والقال.
وفي شرح الزرقاني على الموطأ على حديث: إن أحدا لن يموت حتى يستكمل رزقه فأجملوا في الطلب، فيه إن الطلب لا ينافي التوكل، وإن حديث الترمذي «1» والحاكم
__________
(1) رواه في كتاب الزهد باب 33 ص 573/ 4 وأوله: لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير الخ.
(2/7)

وصححاه عن عمر رفعه: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. قال الإمام أحمد: فيه ما يدل على الطلب لا القعود.
وعن أحمد أيضا في القائل: أجلس لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي «1» . وقوله: تغدو خماصا وتروح بطانا. وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة اهـ الخ انظر جامع ما جاء في القدر من كتاب الجامع.
(المقدمة الثالثة)
قال العضد في صدر المواقف: قال بعض أكابر الأمة وأخبار الأئمة في معنى الخبر المشهور: اختلاف أمتي رحمة. يعني: اختلاف همتهم في العلوم، فهمة واحد في الفقه، والآخر في الكلام، كما اختلفت همم أصحاب الحرف، ليقوم كل واحد بحرفة فيتم النظام اهـ زاد السيد في شرحها: وهذا الاختلاف أيضا رحمة كما لا يخفى، لكن ذكر هنا تبعا ونظيرا اهـ.
(المقدمة الرابعة)
وترجم البخاري في كتاب البيوع من صحيحه:
باب ما ذكر في الأسواق «2»
وفي فتح الباري أيضا قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الاشراف والفضلاء إلى الأسواق، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه، من أنها شر البقاع. وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق.
وإسناده حسن. وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر قال ابن بطال: هذا خرج على الغالب، وإلّا فربّ سوق يذكر فيه اسم الله أكثر من كثير من المساجد اهـ.
قلت: غفل سيدنا الحافظ رحمه الله عن كون الحديث في صحيح مسلم، عن أبي هريرة بلفظ أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها. وهو من أفراد مسلم عن البخاري فإنه لم يخرجه خلافا لمن زعمه. وأخرج البخاري في هذه الترجمة قول عبد الرحمن بن عوف لما قدم المدينة: هل من سوق فيه تجارة؟ فقيل: سوق قينقاع، وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق. قال الحافظ الغرض منه ذكر السوق فقط، وكونه كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب 88 ص 230/ 3.
(2) إشارة إلى الحديث وفيه: وقال عبد الرحمن بن عوف لما قدمنا المدينة قلت: هل من سوق فيه تجارة. قال: سوق قينقاع وقال أنس: قال عبد الرحمن: دلوني على السوق. وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق. ص 19 ج 3 من كتاب البيوع.
(2/8)

والتعفف على الناس، وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 20] اهـ.
وترجم ابن رشد في جامع البيان والتحصيل، في جواز دخول أهل الفضل الأسواق ومقاربتهم في البيع والشراء، ثم ذكر عن مالك أنه سئل عن الرجل له فضل وصلاح يحضر السوق يشتري لنفسه فيقارب في ذلك لفضله ولحاله، قال: لا بأس بذلك وقد كان عمر بن الخطاب يدخل السوق، وسالم بن عبد الله إن كان ليقعد في سوق الليل، ويجلس معه رجال وإن الحرس ليمرون بجلسائه فيقولون: يا أبا عمر أمن جلسائك؟ فقيل له ما بال الحرس؟ قال: يطردون منه السفه والعبث.
قال ابن رشد: وأما جواز دخول الأسواق والمشي فيها، فكفى في الحجية في ذلك قول الله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 20] . ردا لقول المشركين: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 7] .
وقع في بعض الكتب: أمن جلسائك؟ والمعنى في ذلك إعلامهم إياه أنهم يحفظونهم بمجالستهم إياه فهم آمنون. والمعنى فيما داخل الكتاب الاستفهام في الرجل: هل هو من جلسائه؟ فيحفظونه من أهل السفه كما يحفظونه وجلساءه منه اهـ.
ثم ترجم البخاري أيضا باب السخب في الأسواق، وهو الصياح. نقل الدماميني عليها عن ابن المنير ترجم كثيرا على إباحة السوق ثم ترجم هنا على السخب فيها قال: وكان البخاري صاحب تجارة وزرع. وقال: يروي أنه أعطي ببضاعة له خمسة آلاف فذكر في نفسه ولم يتلفظ، فأعطي فيها بعد ذلك أضعاف الأولى ألوفا مؤلفة قال: لا، قد كنت ركنت إلى الأولى، فحاسب نفسه على الهواجس التي لا تلزم اهـ.
قلت: وبذلك وبغيره مما تقدم ويأتي تعلم ما في قول أبي علي اليوسي في قانونه:
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ألوف من الصحابة ما كان يحسن الواحد منهم أن يشتري حاجة من السوق بقيراط، وهم فقهاء في دين الله اهـ فإن هذا الاطلاق بصيغة الشمول والاستغراق عجيب من مطلقه، وأغرب ما يذكر عن عالم مثله إلا أن يكون عنى أهل الصفة، الذين كانوا كما سبق انقطعوا للعبادة والتأله والتعلم، وهم لم يصلوا إلى الألوف، على أن اتقطاعهم لا عن جهل بالبيع والشراء، بل ايثارا لما يبقى على ما يفنى. وقد قال ابن الحاج في المدخل: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في الأسواق يتجرون وفي حوائطهم يعملون، وقد ترجم البخاري أيضا باب: كسب الرجل وعمله بيديه، فذكر فيه عن عائشة لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف فيه للمسلمين، قال الحافظ: حديث أبي بكر هذا وإن كان ظاهره الوقف ولكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن
(2/9)

يستخلف كان يحترف لتحصيل مؤونة أهله يصير مرفوعا، لأنه يصير كقول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وتقدم في حديث أبي هريرة في أول البيوع: إن إخواني من المهاجرين، كان يشغلهم الصفق بالأسواق، ويأتي حديث عائشة أن الصحابة كانوا عمال أنفسهم اهـ.
وترجم البخاري أيضا باب التجارة في البر وغيره، وساق قوله سبحانه: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: 37] ثم ذكر قول قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون لكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله. قال العيني في العمدة: أراد بالقوم الصحابة، فإنهم في بيعهم وشرائهم إذا سمعوا إقامة الصلاة يتبادرون إليها، لإقامة حق.
ويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. قال ابن عمر: فيهم نزلت فذكر الآية. قال ابن بطال: ورأيت في تفسير الآية قال: كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفى فسمع الأذان لم يخرج الأشفى من الغرزة، ولم يوقع المطرقة. ورمى بها وقام إلى الصلاة اهـ.
وقال الحافظ على أثر كلام قتادة المذكور: لم أقف عليه موصولا عنه، وقد وقع لي موصولا من كلام ابن عمر أحرج عبد الرزاق عنه فساق ما سبق عن العيني.
وقال القسطلاني في الارشاد: رواه ابن أبي حاتم وابن جرير فيما ذكر ابن كثير في تفسيره، ثم قال الحافظ: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحوه. وفي الحلية عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة اهـ.
وترجم البخاري أيضا باب الخروج في التجارة وقوله سبحانه: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 11] فذكر فيها قول عمر: ألهاني الصفق بالأسواق، يعني بذلك الخروج إلى تجارة. قال القسطلاني: وكان احتياج عمر إلى السوق لأجل الكسب لعياله، والتعفف عن الناس. وفي ذلك رد على من يتنطع في التجارة فلا يحضر الأسواق، ويتحرج منها، لكن يحتمل أن يتحرج من يتحرج لغلبة المنكرات في الأسواق، في هذه الأزمنة بخلاف الصدر الأول اهـ.
وترجم البخاري أيضا باب قول الله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة:
267] قال القسطلاني عن مجاهد: المراد به التجارة. وقد ترجم البخاري في كتاب البيوع أيضا باب ذكر الصوّاغ، وباب ذكر القين، وباب الخياط، وباب النساج، وباب النجار، وباب بيع السلاح في الفتنة وغيرها، وباب العطار، وبيع المسك، وباب ذكر الحجام،
(2/10)

وباب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، فقال ابن المنير وابن حجر والدماميني والعيني والقسطلاني وغيرهم: فائدة الترجمة على هذه الصنائع التنبيه على ما كان في زمنه عليه السلام، وأقره مع العلم به، فيكون كالنص على جواز هذه الأنواع، وما عداها إنما يؤخذ بالقياس اهـ انظر ص 267 من ج 4 من الفتح وص 441 من ج 5 من العيني وص 31 من ج 4 من القسطلاني.
(المقدمة الخامسة)
قد بوّب البخاري أيضا باب كسب الرجل وعمله بيده قال الحافظ:
وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه في مذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة، لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام وقد أدخله البخاري في الترجمة، وفيه: ما أكل أحد طعاما قط خيرا من إن يأكل من عمل يده، ثم خرج البخاري أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده، قال النووي:
الصواب أن أطيب المكاسب ما كان بعمل اليد، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب، ولأنه لا بد فيه في العادة أن يأكل منه بغير عوض، ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل، لما ذكرنا. قال الحافظ: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص اهـ.
قال الحافظ: ومن فضل العمل باليد الشغل بالأمر المباح عن البطالة واللهو، وكسر النفس بذلك والتعفف عن ذلة السؤال، والحاجة إلى الغير، وفي الشرح الجلي قيل:
التجارة أفضل لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم اتجر ولم يزرع اهـ وفيه نظر، يعلم مما يأتي وعن رافع بن خديج قال: قيل يا رسول الله أي الكسب أفضل؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور.
وأورده التبريزي في المشكاة وعزاه لأحمد، وعزاه القاري للبزار أيضا، وقال على قوله:
بيده أي من زراعة أو تجارة أو كتابة أو صناعة اهـ وقال في محل آخر: أفضل أنواع التجارة البز، ثم العطر اهـ.
وقد ورد في التجارة والتجار عدة أحاديث، أخرج ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر قال الحاكم صحيح واعترض: التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة «1» ، وأخرج الترمذي «2» والحاكم عن أبي سعيد قال الترمذي: حسن غريب. وقال الحاكم من مراسيل الحسن: التاجر الصدوق الأمين مع النبيئين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه، والديلمي في الفردوس، عن أنس رفعه: التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة، وأخرج ابن النجار عن ابن عباس رفعه: التاجر الصدوق لا يحجب من أبواب الجنة. قال المناوي في التيسير: بل يدخل من أيها شاء لنفعه
__________
(1) رواه في كتاب التجارات ص 724/ 2.
(2) رواه في كتاب البيوع باب 4 ج 3/ 515.
(2/11)

لنفسه ولصاحبه، وسراية نفعه إلى عموم الخلق. وأخرج القضاعي عن أنس قال المناوي بإسناد حسن رفعه: التاجر الجبان محروم، والتاجر الجسور مرزوق، وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي ويحيى بن جابر الطائي مرسلا قال المناوي: ورجاله ثقات: تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي. يعني النتاج.
وقال الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في رسالته في مدح التجار وذم عمل السلطان: وقد علم المسلمون أن خيرة الله من خلقه، وصفوته من عباده، والمؤتمن على وحيه من أهل بيت التجارة، وهي معوّلهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة سلفهم وسيرة خلفهم. وبالتجارة كانوا يعرفون. ولذلك قالت كاهنة اليمن: لله الديار ولقريش التجار، اسم اشتق لهم من التجارة. والتقريش، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوّه الله به في كتابه، وخصهم به في محكم وحيه وتنزيله، ولهم سوق عكاظ وفيهم يقول أبو ذؤيب:
إذا ضربوا القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف
وقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم برهة من دهره تاجرا، وباع واشترى حاضرا اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: 124] ولم يقسم الله مذهبا رضيا ولا خلقا زكيا، ولا عملا مرضيا إلا وخصه منه أوفر الحظوظ، وأقسمه فيه أجزل الأقسام، ولشهرة أمره في البيع والشراء قال المشركون: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 7] فأوحى الله إليه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 20] فأخبر أن الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات اهـ كلامه انظر بقيته فيه ضمن مجموعة من رسائل الجاحظ طبعت بمصر سنة 1324.
وأخرج الديلمي عن ابن عباس: أوصيكم بالتجار خيرا فإنهم برد الآفاق، وأمناء الله في الأرض. وهذا كالصريح في تفضيل التجارة على غيرها من المكاسب، وللإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الخلال، كتاب في الحثّ على التجارة، ذكره له ابن سليمان الرداني في صلته، في حرف الجيم، وذكر إسناده له، وقد استدل كثيرون بحديث الصحيح: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) «1» ، على أن الزراعة أفضل المكاسب؛ لما فيها من النفع المتعدي. والنفع المتعدي أفضل من القاصر، وقال الحافظ ابن حجر: الصواب أن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والأشخاص اهـ.
وقال بعض الأعلام: وينبغي أن يختلف التفاضل بين الثلاثة باختلاف الحال؛ فإن
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الحرث والمزارعة ص 66 ج 3 من حديث أنس.
(2/12)

احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل، وإن احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وإن احتيج إلى الصنعة تكون أفضل، وهذا الخلاف في الأفضلية وإلّا فكلها فروض كفاية؛ كما في الاحياء، وجمع الجوامع، وغيرهما. وعبارة الغزالي: أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب والحساب وأصول الصناعات والسياسة.
(المقدمة السادسة)
قال أبو عمر بن عبد البر في الكافي: من المكاسب المجمع على تحريمها؛ الربا ومهور البغايا والسحت والرشى وأخذ الأجرة على النياحة، وعلى الكهانة وادعاء الغيب، وأخبار السماء وعلى الزمر واللعب والباطل كله اهـ نقله القرطبي في التفسير.
(المقدمة السابعة)
إلى ما غلب في تجارة الناس اليوم أشار الشهاب البربير كما في الشرح الجلي له:
أرى التجار سكارى ... من سكرهم ما أفاقوا
وليلنا اسودّ منهم ... واحمرت الآفاق
فالخسر عدوه ربحا ... غدا إليه يساقوا
للصدق فيه كساد ... وللنفاق نفاق
وقال أيضا:
أبناء دهري طلقوا الأخ ... رى وما ندموا عليها
إذا رأوا تجارة أو ... لهوا انفضوا إليها
وقال أيضا:
باتاجرا لازال يرجو ... ربحا ويخسر الخسارة
عبادة الله كل حين ... خير من اللهو والتجارة
فاعبده ما دمت واخش نارا ... وقودها الناس والحجارة
قال الشهاب البربير: ما أشعرت به آية وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. من ذمّ التجارة محمول على تجارة تشغل عن أمور الدين، وتصرفه عن أمور الآخرة، وتحمله على الاقبال والانهماك على الدنيا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: 11] وأما إذا خلت عن ذلك فهي ممدوحة وذمها عارض، وعلى ما ذكرنا يحمل حديث البخاري: «هم الفجار» كما حمل حديث: «إذا زرعت هذه الأمة نزع منها النصر» وحديث: «الذل في اذناب البقر» المشعرين بذم الزراعة، على زراعة تحمل الناس بالاشتغال بها على ترك الغزو بالكلية، لأنها إذا فعلت ذلك هجم العدو عليها في أوطانها، وهي على غير أهبة فينالها بذلك الذل، وتحرم النصر على العدو. وأما إذا جمعت بين
(2/13)

الزراعة والقدرة على دفع العدو فبالسنة أخذت، لأن خير المؤمنين من لا يترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرى للدنيا. بل يأخذ منهما كما قال تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [القصص: 77] اهـ وقد أنشد الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ص 51.
إن حزت علا فاتخذ حرفة ... تصون ماء الوجه لا يبذل
ولا تهنه أن ترى سائلا ... فشأن أهل العلم أن يسألوا
ودليله قول الأحنف بن قيس كما لابن الهندي في كتاب الرحمة في الطب والحكمة:
لا ينبغي للعاقل أن يترك من علم يتزوده لمعاده، وصنعة يستعين بها على أمر دينه ودنياه، وعلم طب يذهب به الداء والعلة عن نفسه وعن جسده، وانظر رسالة كشف الزور والبهتان من صناعة بني ساسان على مبالغات فيها.
(المقدمة الثامنة)
وربما تعلل بعض جهال المتعبدين في ترك التكسب بغلبة الحرام، قال القاري في المرقاة: واعلم أن هذا الزمان لا يوجد الحلال في كثير من الأحوال، فليكتسب السالك من غيره بما يحفظ حياته لئلا يموت جوعا، قال بعض الظرفاء:
يقول لي الجهول بغير علم ... دع المال الحرام وكن قنوعا
فلما لم أجد مالا حلالا ... ولم آكل حراما مت جوعا
لكن يجب أن يراعي درجات الحرام والشبهة، فمهما وجد ما يكون اقرب إلى الحلال لا يتناول مما يكون بعيدا عنه، حتى قال بعض المشايخ: المضطر إذا وجد غنما ميتا فلا يأكل من الحمار الميت، وإذا وجد الحمار فلا يأكل من الكلب، وإذا وجد الكلب لا يقرب من الخنزير، ولا ينبغي أن يساوي بين الأشياء كسفهاء الفقهاء حيث يقولون:
الحلال ما حل بنا والحرام ما حرّم منا اهـ.
وإن أردت بسط الكلام على أنواع المكاسب فقف على كتاب البركة في فضل السعي والحركة «1» وهو في مجلد اشتمل على سبعة أبواب:
الباب الأول: في فضل الحرث والزرع والثمار وغرس الأشجار وحفر الأنهار وفيه عدة فصول.
الباب الثاني: في فضل الغزل وفيه فصول.
الباب الرابع: فيما ورد من الآثار في الطب والمنافع.
الباب الخامس: في أربعين حديثا، كل حديث متضمن لفظ البركة وفيه فصول.
الباب السادس: في اذكار وأدعية.
__________
(1) طبع الكتاب في بيروت 1398- 1978 بدار المعرفة.
(2/14)

الباب السابع: في الأدعية والاذكار المتكررة في الأحوال والأعصار، وفيه أيضا عدة فصول، وهو كتاب جيد، كنت شديد البحث عن ترجمة مؤلفه حتى أفادنيها بمكة زينتها ومحدثها ومسندها وبركتها، شيخنا أبو علي حسين بن محمد بن حسين الحبشي الباعلوي، وأن اسمه محمد بن عبد الرحمن بن عمر الأصابي الحبشي اليمني، المولود سنة 712 هـ المتوفي سنة 782 هـ وعدّد لنا كثيرا من مؤلفاته. انظرها في رحلتنا الحجازية.
وكما أسهب الشهاب البربير في كتابه: الشرح الجلي على أنواع المتاجر والحرف والصنائع في موضعين، فتكلم على الزراعة والتجارة والخياطة والحياكة والقصارة والجزارة والطباخة والصباغة وغيرها، فقف عليه فإنه مفيد، وبسط القول فيها أيضا الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه: مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، وهو من أحسن ما كتب في هذا الباب وأفيد لأهل هذا الزمان، وكذا قف على شرح ابن عمنا العالم المؤرخ أبي محمد المأمون بن عمر الكتاني علي بيتي ابن فارس اللغوي:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... رسولا وأنت بها مغرم
فدع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم
المسمى هداية الضال فإنه مفيد جدا.
(المقدمة التاسعة)
الحرف والصناعات التي عرفها أهل الإسلام، واستعملوها ألف فيها جماعة، ففي أواخر عصر الصحابة ترجم بعض الكتب المصنفة فيها باللسان القديم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي، كما سيأتي عن ابن أبي الحديد.
ومن أقدم من صنف فيها الإمام أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي سنة 255، له كتاب: الأخطار والمراتب والصناعات، وله أيضا كتاب غش الصناعات قال عنه بعض أعدائه ما هو منقول في روضة الأعلام أفسد به على الناس أموالهم، وحثهم به على الغش والخيانة، وله أيضا رسالة في مدح التجار وذم عمل السلطان، طبعت بمصر ضمن مجموعة له.
ومنهم الشيخ أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي له الاشارة إلى محاسن التجارة ومعرفة جيد الأعراض ورديئها وغش المدلسين فيها، وهو مطبوع في ص 27 بمصر.
ومنهم الشيخ شهاب الدين محمد بن حسن بن الصائغ الدمشقي المتوفي سنة 720 له قصيدة ميمية في ألف بيت في الصنائع والفنون. ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي الخير الأرميوني الحسني المالكي له كتاب: النجوم الشارقات في بعض الصنائع المحتاج إليها في بعض الأوقات اشتمل على خمسة وعشرين بابا في نحو خمس كراريس، وقفت عليه في زاوية الهامل ببو سعادة بصحراء الجزائر، ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن سعيد بن إسماعيل السعدي الهروي، له كتاب: الصناع من الفقهاء والمحدثين. ذكره الإمام
(2/15)

الحافظ أبو سعيد عبد الكريم السمعاني المروزي في حرف السين من كتابه في الأنساب وقال رأيت من تصنيفه كتابا حسنا أظنه لم يسبق إليه سماه كتاب الصناع من الفقهاء والمحدثين اهـ من كتاب الأنساب له انظر ورقة 298 من النسخة المأخوذة بالفتوغراف وتعرض لكثير من الحرف الإمام ابن الحاج في المدخل، واختصر كلامه فيها وزاد وبسط ما على المسلم في استعمالها من النيات الفقيه الصوفي أبو العباس أحمد بن عجيبة التطواني في تأليف مخصوص.
باب كون الناس كانوا أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وما ينجي من الربا
حكى الإمام الشافعي في الرسالة، والغزالي في الأحياء الاجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، قال القرافي في الفروق: فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الاجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة، ويدل على هذه القاعدة من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هود: 47] ومعناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم، وذلك لكونه عليه السلام عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة، لكونه سأل قبل العلم بحال الولد، وأنه مما ينبغي طلبه أم لا. فالعتب والجواب كلاهما يدل على أنه لا بد من تقديم العلم، مما يريد الإنسان أن يشرع فيه.
إذا تقرر هذا فمثله قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الاسراء: 36] نهى الله نبيه عن اتباع غير المعلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجبا، على كل حالة ومنه قوله عليه السلام: طلب العلم فريضة على كل مسلم «1» قال الشافعي: طلب العلم قسمان؛ فرض عين، وفرض كفاية. ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ما عدا ذلك اهـ.
وفي الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم الفاسي قال عمر: لا يدخل الأعاجم سوقنا حتى يتفقهوا في الدين. يريد والله أعلم فقه ما يلزمه في خاصة نفسه. قلت: أي من أحكام البيوع وأصل ذلك من فعله عليه السلام، فإنه كان يعلم كل من يتعاطى عملا أحكامه وتكاليفه اهـ.
وقال المجاجي في شرح مختصر ابن أبي جمرة قال علماؤنا: لا يجوز أن يتولى البيع والشراء ويجلس في السوق لذلك إلا هو عالم بأحكام البيوع والشراء، وأن تعلم ذلك لمن
__________
(1) هذا الحديث ضعيف الإسناد وهو مشهور جدا على الألسنة انظر مقالة صاحب كشف الخفاء. وهو صحيح المعنى والله أعلم وقد رواه ابن ماجه في مقدمة كتابه ص 81 عن أنس بن مالك فانظره هناك.
(2/16)

أراده فرض واجب متعين عليه، وحكى على هذا الاجماع. وبهذا قال مالك في كتاب القراض. وفي المدونة: ولا أحب مقارضة من يستحل الحرام، أو من لا يعرف الحلال من الحرام وإن كان مسلما. وقد روي أن عمر بعث من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه اهـ ونحوه لابن رشد في المقدمات وفي الشبراخيتي على المختصر قال القبّاب: لا يجوز للإنسان أن يجلس في السوق حتى يعلم أحكام البيع والشراء. وبعث عمر من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه اهـ.
وفي المدخل لأبي عبد الله ابن الحاج: قد كان عمر بن الخطاب يضرب بالدرة من يقعد في السوق وهو لا يعرف الأحكام. ويقول: لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا أو كما يقول. وقد أمر مالك بقيام من لا يعرف الأحكام من السوق لئلا يطعم الناس الربا.
سمعت سيدي أبا محمد يذكر أنه أدرك المحتسب يمشي في الأسواق، ويقف على الدكان ويسأل صاحبه على الأحكام التي تلزمه في سلعته، من أين يدخل عليه الربا فيها؟ وكيف يحترز منها؟ فإن أجابه أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئا من ذلك أقامه من الدكان ويقول:
لا يمكنك أن تقعد في سوق المسلمين تطعم الناس الربا وما لا يجوز اهـ.
وفي نهج البلاغة أن عليا عليه السلام قال: من اتجر بغير فقه فقد ارتطح (ارتبك) في الربا. قال ابن أبي الحديد في شرحه لأن مسائل الدين مشتبهة بمسائل البيع ولا يفرق بينهما إلا الفقيه اهـ منه ص 479 من المجلد الرابع.
وفي قوت القلوب لأبي طالب مكي: كان عمر رضي الله عنه يطوف بالأسواق، ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء أو أبى اهـ.
وعزا بعض المتأخرين إلى الترمذي مرفوعا: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين، ولم أجده في كتاب البيوع من الجامع، ولا في الجامعين للسيوطي، ثم وجدته في كنز العمال، معزوا له انظر ص 218 من ج 1.
وفي تنبيه المغترين: كان مالك يأمر الأمراء فيجمعون التجار والسوقة ويعرضونهم عليه، فإذا وجد أحدا منهم لا يفقه أحكام المعاملات، ولا يعرف الحلال من الحرام، أقامه من السوق وقال له: تعلم أحكام البيع والشراء، ثم اجلس في السوق، فإن لم يكن فقهيا أكل الربا.
وقال الزرقاني في شرح المختصر عند قوله: وتجارة لأرض حرب عن مالك أنه: لا يجوز شهادة التجار في شيء من الأشياء، إلا أن يتعلموا أحكام البيع والشراء اهـ.
وفي البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية للشيخ أبي سعيد الخادمي الحنفي: على التاجر أن يتعلم أحكام البيوع صحة وفسادا وبطلانا حلا وحرمة وربا وغيرها.
(2/17)

قال في التتارخانية عن السراجية: لا ينبغي للرجل أن يشتغل بالتجارة ما لم يعلم أحكام البيع والشراء؛ ما يجوز وما لا يجوز.
وعن البزازية: لا يحل لأحد أن يشتغل بالتجارة ما لم يحفظ كتاب البيوع، وكان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيها يرجعون إليه في أمورهم، وعن أئمة خوارزم أنه: لا بد للتاجر من فقيه صديق اهـ وانظر شرح الشيخ أبي سالم العياشي على نظمه في البيوع لدى قوله فيه:
لا تجلسن في السوق حتى تعلما ... ما حلّ من بيع وما قد حرما
وفي الشرا أيضا وذاك واجب ... أيضا على جميع من يسبب
لنفسه أو غيره ما يعرف ... حكم الذي في فعله تصرف
ودفعك المال لمن لا يعلم ... حكم البياعات قراضا يحرم
وانظر أيضا قول أبي زيد التلمساني في نظمه لبيوع ابن جماعة التونسي:
ولم يحل جلوسه في الشرع ... حتى يكون عارفا بالبيع
أعني به في سائر الأسواق ... وذاك معلوم بالاتفاق
وهكذا في كل علم يجهله ... في نفسه في كل شيء يفعله
لا سيما القاضي مع الشهود ... وعممن واحذر من الوعيد
ولم يجز أن تدفع الأموالا ... لرجل لا يعرف الحلالا
وذاك في القراض والبيوع ... وجملة الأحكام في المشروع
قلت: وهذا هو الأصل في المدنية العصرية لعلم امساك الدفاتر والتخريج في المدارس التجارية والتحصيل على اجازاتها بعد المباراة في التحصيل على درجاتها.
باب تشديد عمر على الصحابة في تركهم الاتجار لغيرهم من العامة والاخلاط
في العتبية قال مالك: قال عمر بن الخطاب: عليكم بالتجارة لا تفتنكم هذه الحمراء على دنياكم. قال أشهب: كانت قريش تتجر وكانت العرب تحقر التجارة، والحمراء يعني الموالي اهـ من البيان والتحصيل وفي المدخل لابن الحاج ورد أن عمر بن الخطاب دخل السوق في خلافته فلم ير فيه في الغالب إلا النبط، فاغتم لذلك فلما أن اجتمع الناس أخبرهم بذلك وعذلهم في ترك السوق فقالوا: إن الله أغنانا عن السوق بما فتح به علينا.
فقال رضي الله عنه: والله لئن فعلتم ليحتاج رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى نسائهم، وقد كان بعض السلف إذا رأى بعض النبط يقرأون العلم يبكي إذ ذاك وما ذاك إلا أن العلم إذا وقع لغير أهله يدخله من المفاسد ما أنت تراه. والنبط، قال في المصباح: جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق، ثم استعمل في اخلاط الناس وعوامهم اهـ.
(2/18)

قلت: صدقت فراسة عمر في هذه الأمة، فإنها لما تركت التجارة بطرقها المشروعه المرغوبة، وأساليبها الناجحة تلقفها الغير فأصبحت الأمة عالة على غيرها، رجالنا على رجالهم، ونساؤنا على نسائهم في كل شيء. من الإبرة والخيط إلى أرفع شيء وأثمنه. وما ذكره ابن الحاج عن بعض السلف ولم يسمه هو سفيان. فقد أخرج الخطيب عن محمد بن عبد الوهاب البسكري قال: كان سفيان إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون الحديث بغير وجهه يشتد عليه، فقلت له: يا أبا عبد الله نراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك. قال:
كان العلم في العرب وسادة الناس، فإذا خرج من هؤلاء وصار في هؤلاء يعني النبط والسفل غيّروا الدين.
وأخرج أيضا عن سفيان بن حسين قال: قدم على الأعمش بعض السواد فاجتمعوا إليه فأبى أن يحدثهم، فقيل له: يا أبا محمد لو حدثتهم؟ فقال: من يعلق الدرر على الخنازير. قال السيد السمهودي في جواهر العقدين: فيه الإشارة إلى أن الحكمة لا توضع في غير أهلها.
باب ايثار الصحابة التكبير في الخروج للتجارة
بوّب الترمذي «1» في جامعة باب: ما جاء في التبكير بالتجارة. حدثنا يعقوب ابن إبراهيم الدورقي، حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك لأمتي في بكورها، قال: وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار. وكان صخر رجلا تاجرا، وكان إذا بعث تجاره بعثهم أول النهار، فأثرى وكثر ماله. وفي الباب عن علي وبريدة وابن مسعود وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر.
وحديث صخر الغامدي حديث حسن ولا نعرف لصخر الغامدي غير هذا الحديث اهـ.
قلت: «حديث الّلهم بارك لأمتي في بكورها» «2» خرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان من حديث صخر وقد اعتنى الحافظ المنذري بجمع طرقه فبلغ عدد من جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسا. وانظر باب الخروج بعد الظهر من فتح الباري في كتاب الجهاد.
باب أمر عمر بالسعي وحضه الناس على التكسب
سياتي قوله لاهل اليمن: إنما التوكل رجل ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله، وفي كتاب مناقب عمر لابن الجوزي؛ عن محمد بن سيرين عن ابيه قال: شهدت مع عمر بن الخطاب المغرب فأتى علي ومعه رزيمة (تصغير رزمة وهي الكارة من الثياب) فقال ما هذا معك فقلت رزيمة أقوم في هذا السوق، فاشترى وأبيع فقال: يا معشر قريش لا
__________
(1) انظر كتاب البيوع باب 6 ج 3 ص 517 من سنن الترمذي.
(2) رواه أبو داود في كتاب الجهاد 3/ 80 ورقمه 2606.
(2/19)

يغلبنكم هذا واشباهه على التجارة، فإنها ثلث الإمارة، وفيه أيضا عن الحسن قال: قال عمر: من اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه شيئا، فليتحول إلى غيره. وفيه عن الاكيدر العارضي قال: قال عمر: تعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة.
وفي كنز العمّال معزوا إلى عمر: لولا هذه البيوع صرتم عالة على الناس. وفي المناقب عن بكر بن عبد الله قال: قال عمر: مكسبة فيها بعض دناءة خير من مسألة الناس.
وفيه عن ذكوان قال: قال عمر: إذا اشترى أحدكم جملا فليشتره عظيما سمينا، فإن أخطأه خيره لم يخطئه سوقه.
وخرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ومناقب عمر عن خوّات التميمي قال: قال عمر: يا معشر الفقراء إرفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عالة على المسلمين.
وفي العقد الفريد قال عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول:
اللهم أرزقني. وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وأن الله إنما يرزق الناس بعضهم من بعض، وتلا قوله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: 10] وفيه قال عمر: حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، ومروءته خلقه.
وأخرج ابن ماجه، من طريق عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث، عن أخيه سعد بن حريث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من باع دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيها «1» .
باب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه
أخرج ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ومناقب عمر أيضا عن محمد بن عاصم قال:
بلغني أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا.
قال: سقط من عيني.
باب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينهما بالنسبة إلى نفسه
ذكر ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس، عن عمر أنه قال: لأن أموت من سعيي على رجلي اطلب كفاف وجهي أحبّ إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله.
وهنا انتهت الأبواب والمقدمات المستدرك كلها على الخزاعي.
فلنرجع إلي سياق ما في الجزء التاسع عند الخزاعي من الأبواب.
__________
(1) رواه ابن ماجه في كتاب الرهن ص 832/ 2.
(2/20)

الباب الأول في ذكر من كان يتجر في زمن رسول الله ص ثم من اتجر من كبار الصحابة بعده
«منهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب، وابن قتيبة في المعارف من طريق الزهري قال: خرج أبو بكر في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكان قد شهد بدرا وكان نعيمان على الزاد الخ القصة» .
وفي ترجمته من الإصابة: كان أبو بكر معروفا بالتجارة، ولقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أربعون ألفا وكان يعتق منها ويعول المسلمين حتى قدم المدينة بخمسة آلاف، وما مات حتى ما ترك دينارا ولا درهما.
أخرج ابن عساكر من أم سلمة قالت: لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجرا إلى بصرى، ولم يمنع أبا بكر الضن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وشحه على نصيبه منه من الشخوص إلى التجارة، وذلك لاعجابهم بكسب التجارة وحبهم التجارة. ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر من الشخوص في تجارته ومحبته وضنته بأبي بكر، وقد كان بصحابته معجبا لاستحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم التجارة وأعجابه بها.
وقال ابن سعد: لما استخلف أبو بكر: أصبح غاديا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها. فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالا: كيف تصنع هذا؟ وقد وليت أمر المسلمين. قال: فمن أين أطعم عيالي قال: نفرض لك. ففرضوا له كل يوم شطر شاه، قال ابن زكري على البخاري: وكل من شغلته مصالح المسلمين من قاض ومفت ومدرس كذلك اهـ.
«ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الصحيح في قضية استئذان أبي موسى الأشعري على عمر ورجوعه، واستدلاله لرجوعه بما خفي على عمر من الأثر فقال عمر:
أخفى علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهانى الصفق في الأسواق يعني الخروج إلى التجارة» .
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه قال: ما جاءني أجلي في مكان ما عدا الجهاد في سبيل الله أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي، أطلب من فضل الله وتلا: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: 20] .
ومنهم عثمان بن عفان تعاطيه للتجارة معروف في دواوين السلف، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله قال: كان عثمان رجلا تاجرا في الجاهلية والإسلام، وكان يدفع
(2/21)

ماله قراضا. وأخرج أيضا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن عثمان دفع إليه مالا مضاربة على النصف.
وفي مقدمات ابن رشد: أول قراض كان في الإسلام قراض يعقوب مولى الحرقة مع عثمان بن عفان، وذلك أن عمر بن الخطاب بعث من يقيم من السوق من ليس بفقيه. فأقيم يعقوب فيمن أقيم. فجاء إلى عثمان فأخبره فأعطاه مزود تبر قراضا على النصف، وقال له:
إن جاءك من يعترضك فقل: المال لعثمان فقال ذلك. فلم يقم. فجاء بمزودين؛ مزود رأس المال ومزود ربح اهـ.
قلت: ومنهم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، فقد علم أنه كان لها مال كبير وتجارة تبعث إلى الشام، فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة. ولما خرج عليه السلام في تجارتها مع غلامها ميسرة قالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي قومك، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج إلى سوق بصرى، وباع سلعته التي أخرج، واشترى غيرها، وقدم بها فربحت ضعف ما كانت تربح، فأربحت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعف ما سمت له أنظر ترجمة خديجة من طبقات ابن سعد.
«ومنهم الزبير بن العوام قال ابن عبد البر: كان الزبير تاجرا مجدودا «1» في التجارة.
وقيل له يوما: أدركت في التجارة ما أدركت؟ فقال: لم أشتر عيبا ولم أرد ربحا والله يبارك لمن يشاء وذكر ابن عبد البر أيضا؛ كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج» .
«ومنهم عبد الرحمن بن عوف في الصحيح: قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوجتها. فقال له عبد الرحمن بن عوف: لا حاجة لي في ذلك. هل من سوق فيه من تجارة؟ فدله عليه قال فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بشيء باعه الغد واستفضل، ثم تابع الغد فما لبث أن جاء وعليه صفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تزوجت؟ قال: نعم قال ابن عبد البركان عبد الرحمن بن عوف تاجرا مجدودا في التجارة، واكتسب مالا كثيرا فصولحت امرأته التي طلقها في مرضه، من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا. وروى ابن عيينة أنها صولحت عن ربع الثمن من ميراثه» .
ومنهم سعد بن عائذ المؤذن مولى عمار بن ياسر. ترجمه في الاصابة فقال: كان يتجر في القرظ، وهو ورق يدبغ به كقشر البلوط فقيل له سعد القرظ. وروى البغوي أنه اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة ذات يده، فأمره بالتجارة فخرج إلى السوق، فاشترى شيئا من قرظ فباعه فربح فيه. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بلزوم ذلك.
ومنهم منقذ بن عمرو الأنصاري الصحابي المدني، روى ابن إسحاق عن محمد بن
__________
(1) مجدودا أي ذا جّد، وهو الحظ.
(2/22)

يحيى بن حبان قال: كان جدي منقذ بن عمرو أصابته آفة في رأسه، فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا بعث فقل:
لاخلابة وأنت في كل سلعة بعتها بالخيار ثلاث ليال، وكان في زمن عثمان حين كثر الناس يبتاع في السوق فيصير إلى أهله فيلومونه، فيرده ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا. انظر ترجمته من تهذيب النووي.
ومنهم أبو معلق الأنصاري كان تاجرا يتجر بمال له ولغيره ويضرب في الأفاق وكان ناسكا ورعا مجاب الدعوة انظر ترجمته من الاصابة ص 182 ج 4.
ومنهم عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، في سراج الملوك للطرطوشي؛ لما دفع أبو موسى الأشعري مالا من بيت المال لعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب بالبصرة، اشتريا منه بضاعة فزكت، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، فراجعهم عبيد الله فحكم بينهم بنصف الربح فأخذا جميع نصف الربح وأخذ عمر النصف لبيت المال.
وقال ابن رشد في المقدمات: يقال إن أول قراض كان في الإسلام قراضهما اهـ.
وقد ذكر قضيتها في الموطأ وهي مشهورة. وفي الشبرخيتي على المختصر لدى باب القراض: عمل به النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة قبل البعث، وعمر وعثمان. فصدر الأمة وخيارها وأول من عمل به في الإسلام يعقوب مولى الحرقة لعثمان اهـ انظر ما سبق في ترجمة عثمان رضي الله عنه.
ومنهم أبو هريرة، في سراج الملوك قال مالك: كان عمر بن الخطاب يشاطر العمال فيأخذ نصف أموالهم، وشاطر أبا هريرة وقال له: من أين لك هذا المال؟ فقال أبو هريرة:
دواب تناتجت وتجارات تداولت الخ القصة.
ومنهم حاطب بن أبي بلتعة، سفير المصطفى إلى المقوقس في ترجمته من طبقات ابن سعد: أنه ترك يوم مات أربعة آلاف دينار، ودراهم ودارا وغير ذلك، وكان تاجرا يبيع الطعام وغيره.
ومنهم المتجر في غزوة خيبر «1» ذكر حديثه أبو داود في سننه في باب التجارة في الغزو؛ ثم أخرج عن عبيد الله بن سلمان أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه قال: لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي، فجعل الناس يتبايعون غنائمهم، فجاء رجل حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد ربحت ربحا ما ربح اليوم مثله أحد من أهل هذا الوادي. قال: ويحك ما ربحت؟ قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أنبئك بخير رجل ربح قال وما هو يا رسول الله؟ قال؛ ركعتين بعد الصلاة، والحديث سكت عنه المنذري.
__________
(1) انظر ج 3 من كتاب الجهاد ص 222.
(2/23)

وأخرج ابن ماجه من حديث خارجة بن زيد قال: رأيت رجلا سأل أبي عن الرجل يغزو ويشتري ويبيع ويتجر في غزوه فقال له: إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك نشتري ونبيع، وهو يرانا ولا ينهانا، وفيهما دليل على جواز التجارة في الغزو. وعلى أن الغازي مع ذلك يستحق نصيبه من المغنم، وله الثواب الكامل بلا نقص، ولو كانت التجارة في الغزو موجبة لنقصان أجر الغازي لبينه صلى الله عليه وسلم، فلما لم يبين ذلك بل قرره دل على عدم النقصان. ويؤيد ذلك جواز الاتجار في الحج لما ثبت في الحديث الصحيح: أنه لما تحرج جماعة من التجارة في سفر الحج أنزل الله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 198] قاله الشوكاني. [وانظر أبا داود كتاب المناسك ج 2/ 350 باب التجارة في الحج] .
ذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة
في أول كتاب البيوع من أوائل السيوطي أخرج ابن ماجه والطبراني عن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمّى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم السماسرة، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة «1» زاد الطبراني فكان أول من سمانا التجار.
قلت: عزاه الشامي في سبل الرشاد إلى أحمد والأربعة، واقتصر في مشكاة المصابيح على عزوه للأربعة دون أحمد، وقد بوّب على الحديث الترمذي في جامعه فقال: باب التجار «2» وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ثم قال: وفي الباب عن اليمان ورفاعة ثم قال: حديث قريظة حسن صحيح. ولا نعرف له سواه. وبوّب على الحديث المذكور ابن ماجه في سننه فقال: باب التوقي في باب التجارة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن قيس بن أبي غرزة فذكره. ثم قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاتب حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده رفاعة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا الناس يتبايعون بكثرة فناداهم: يا معشر التجار فلما رفعوا أبصارهم ومدوا أعناقهم قال: إن التجارة يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق «3» .
قال صاحب اللمعات: إنما كان اسم التجار أحسن من السماسرة لأن التجارة مذكورة في مواضع عديدة من القرآن في مقام المدح، والذي يتوسط بين البائع والمشتري يكون تابعا، وقد يكون مائلا عن الأمانة والديانة. وسماهم تجارا لكونهم مصاحبين لهم، مع شمول التجار التابعين أيضا اهـ.
__________
(1) انظره في ابن ماجه ص 726 ج 2 ورقم الحديث 2145.
(2) انظر كتاب البيوع ج 3 ص 514.
(3) انظره أيضا ابن ماجه ص 726 ج 2 ورقم الحديث 2146.
(2/24)

وقال القاري في شرح المشكاة على قوله: كنا نسمّى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم السماسرة، وهم الآن المتوسطون بين البائع والمشتري لإمضاء البيع، جمع سمسار. وهو في الأصل: القيم على الشيء الحافظ له، ثم استعمل في المتوسط، وقد يطلق على المقوم. فسمانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم هو أحسن من اسمنا الأول، قيل: لأن اسم التاجر أشرف من اسم السمسار في العرف العام، ولعل وجه الحسن أن السماسرة تطلق الآن على المكاسين، أو لعل هذا إسم في عهده عليه السلام كان يطلق على من فيه نقص، والأحسن ما قاله: الطيبي وذلك أن التجارة عبارة عن التصرف في رأس المال طلبا للربح، والسمسرة كذلك لكن الله تعالى ذكر التجارة في كتابه غير مرة على سبيل المدح، كما قال تعالى:
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصف: 10] وقوله: تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [النساء: 29] وقوله: تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: 29] اهـ ولعله أيضا أراد قوله: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [النور: 37] تنبيها لهم بهذا الإسم، على أن يكونوا موصوفين بهذه النعوت، خصوصا وفي هذا الإسم إيماء إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 11] الآية اهـ وسمّى السوق سوقا لنفاق السلع فيه قاله في المدخل.
باب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
البزّ نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصة من أمتعة البيت، قاله في المصباح وفي الصحيح: باب التجارة في البز وغيره. قال ابن العربي: إنما بوّب البخاري على التجارة في البز ردا على الذين يكرهون التوسعة في الدنيا، ويقولون: يجزي الثوب الخلق، والثوب الواحد.
واخرج الخطيب عن أبي هريرة رفعه: عليكم بالبزّ فإن صاحب البز يعجبه أن يكون الناس بخير وفي خصب.
واخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر رفعه: لو أذن الله لأهل الجنة في التجارة لا تجروا في البز والعطر. أوردها في جمع الجوامع.
«فمنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال ابن قتيبة في المعارف في صنائع الأشراف: كان عثمان بزازا وقال ابن عبد البر: جهز عثمان جيش العسرة تسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا وعن قتادة قال: حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا اهـ وكل ذلك مما اكتسب من المال بحرفة البزازة إذ لم يكن يحترف بغيرها.
ومنهم طلحة بن عبيد الله ذكر ابن قتيبة في المعارف وابن الجوزي في التلبيس: أنه كان بزازا.
وذكر الزبير بن بكار أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله
(2/25)

ألفا وافية كل يوم. قال: والوافي وزن الدينار وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية.
ومنهم سويد بن قيس العبدي، ترجمه في الأصابة ص 100 ج 2 فذكر أن سماك بن حرب روى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: اشترى منه رجل-[كذا] سراويل أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي رواية عنه: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتيت مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى فساومنا سراويل فبعناه منه فوزن ثمنه وقال للوازن: زن وأرجح. [المسند 4/ 352] .
ومنهم عبد الرحمن بن عوف، عدّة من البزازين ابن الجوزي في التلقيح.
باب في سوق البزازين في المدينة على عهده عليه السلام
في حديث أبي يعلى الموصلي بسند ضعيف جدا عن أبي هريرة قال: دخلت السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له صلى الله عليه وسلم: زن وارجح.، فقال الوزان: إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد القصة.
قال الزرقاني في شرح المواهب على قوله: إلى البزازين نسبة إلى البز، الثياب أو متاع البيت من ثياب ونحوها، وبائعه البزاز كما في القاموس. وقد أخرج حديث الترجمة أبو سعد النيسابوري، في كتاب شرف المصطفى في تجارته عليه السلام.
باب في العطار
«بوّب البخاري في صحيحه لدى كتاب البيوع باب العطار «1» وبيع المسك وخرّج فيه عن أبي موسى الأشعري: مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك، وكير الحداد.
لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة.
وذكر الثعالبي في كتاب التمثيل والمحاضرة عن عمر أنه قال: لو كنت تاجرا لما اخترت على العطر شيئا، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه» .
قال العيني: العطار على وزن فعّال الذي يبيع العطر، وهو الطيب اهـ وقال الحافظ في الفتح ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنه الحق العطار به لاشتراكهما في الرائحة الطبية اهـ.
__________
(1) ج 3/ 16
(2/26)

باب في الوزان في زمنه عليه السلام
تقدم عن مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة وكان لأهل السوق وزان يزن فقال له عليه السلام: زن وارجح، وهو في معجم الطبراني الأوسط أيضا. وأخرجه أحمد في مسنده وفي سنده ابن زياد هو وشيخه ضعيفان. قاله السيوطي في فتاويه. قال الخفاجي في شرح الشفا أقول: انجبر ضعفه بمتابعته اهـ.
ومعنى قوله عليه السلام: له زن أي زن الثمن وأرجحه أي زد عليه حتى ترجح الميزان أي بزيادة الكفة التي فيها الدراهم يقال وزن المعطي واتزن كالآخذ.
وفي تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر لأبي عبد الله العقباني التلمساني؛ روى عن علي رضي الله عنه: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له:
أتم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت، كأنه أمره بالتسوية ليعتادها ويعمل الواجب، وعن ابن عباس: إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم؛ المكيال والميزان. وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعا. وكانا مفرقين في الحرمين كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون اهـ.
وحديث أول الترجمة يدل على أنه عليه السلام كان يتكلم مع كل صاحب حرفة بما يتعلق بحرفته، ويقول له ما يزيده بها اغتباطا، وبادابها وأحكامها أرتباطا، فهو أصل ما ذكره مسند اليمن ومفتيه الوجيه الأهدل في (النفس اليماني) لدى ترجمة شيخه عبد الصمد الجاوي، أنه كان من طريقه إذا وصل إليه الطالب، يسأله عن تفصيل حاله، فإذا عرف ملازمته لخصلة خير أطال له المقال في مدحها، وشرح له من أحكامها وآدابها ليزداد ملازمة لها، ويكون على بصيرة من أمره. قال: ولما وصلت إليه لم يزل يقرر لي آداب الفتوى، وأن المفتي لا ينبغي له أن يقتصر على مجرد السؤال، بل إذا كان له إلمام بالواقعة لاحظها في جوابه، فإن في ذلك مصالح دينية يعرفها الممارس في هذا الشأن.
تتمة تمام الحديث السابق عند الطبراني وأبي يعلى أنه صلى الله عليه وسلم اشترى سراويل باربعة دراهم، وكان للسوق وزان فقال له زن وارجح. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السراويل فذهبت لأحمل عنه فقال: صاحب الشيء أحق بحمل شيئه إلا أن يكون ضعيفا فيعجز عنه، فيعينه أخوه المسلم. فقلت: يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: أجل في السفر والحضر، وبالليل والنهار فإني أمرت بالستر، فلا أجد شيئا أستر منه.
والحديث المذكور مستند ابن القيم في الهدى في جزمه بأنه صلى الله عليه وسلم لبس السراويل. ولذا قال الخفاجي في شرح الشفا: منه يعلم أن تخطئة ابن القيم لا وجه لها، وكونه اشتراها ولم يلبسها بعيد جدا، وقد لبسها عثمان وهو محاصر، وكون الثمن أربعة دراهم هو المروي، إلا ما في الأحياء من أنه بثلاثة اهـ وانظر تأليف سيدنا الخال في المسألة وهو مطبوع.
(2/27)

باب في الصراف ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
«في الصحيح عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم رضي الله عنه والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئا فلا يصلح، والصرف بيع الذهب بالفضة والنسأ التأخير» . كتاب البيوع ج 3/ ص 6.
وفي زمن سيدنا عثمان كبر هذا السوق، واحتيج إلى مراقب. ففي تاريخ الخميس للديار بكري لما تعرض لما نقم على سيدنا عثمان: وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة، ليراعي أمر المثاقيل والموازين فتسلط بعد يومين أو ثلاثة على باعة النوى، واشتراه لنفسه فلما رفع ذلك لعثمان أنكره عليه وعزله، وقد روي أنه جعله على سوق المدينة وجعل له كل يوم درهمين الخ.
التجارة في العنبر والزئبق
ذكر صاحب عون المعبود على سنن أبي داود أن الزعفران والعنبر والمسك والعود هذه الأربعة كانت موجودة في زمنه عليه السلام، واستعملها الصحابة في حضرته، وكذا بعده ثم ذكر أن النسائي «1» أخرج عن محمد بن علي قال: سألت عائشة أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطيب؟ قالت: نعم بذكارة بالكسر ما يصلح للرجال كالمسك والعنبر والعود. انظر ص 248 ج 3 وفي طبقات ابن سعد عن محمد بن علي قال قلت لعائشة يا أماه أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيب؟ قالت: نعم بذكارة الطيب قلت وما ذكارة الطيب قالت: المسك والعنبر.
وفيها أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: ذكروا المسك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أو ليس من أطيب الطيب.
وفيها عن ابن عمر كان إذا استجمر يجعل الكافور على العود ثم يستجمر به ويقول:
هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستجمر.
وفيها في ترجمة أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النجاشي لما زوّجها من النبي صلى الله عليه وسلم، أمر نساءه أن يبعثن لها بكل ما عندهن من العطر، قالت: فلما كان من الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير، فقدمت بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يراه عندي، وعليّ فلا ينكره.
وفي شفاء الغليل للخفاجي نقل إن الغالية وقع ذكرها في الحديث، وعن عائشة كنت: أغلل لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الجاحظ: ومعجونات العطر كلها عربية مثل الغالية،
__________
(1) ج 8 ص 151 من كتاب الزينة رقم 31.
(2/28)

والشاهرية والخلوق، واللخلخة والقطر، وهو العود المطري والدريرة اهـ وترجم في الإصابة لعمرو بن كريب الطائي فذكر أن له إدراكا، وابنه [شبيب] «1» هو الشاعر المشهور الذي أغار على الرواحي وهي ابل كانت تحمل امتعة التجار من العنبر والزئبق وغير ذلك في زمن الحجاج بالكوفة ذكر ذلك ابن الكلبي، ثم ترجم لعمرو بن كلاب فقال: له ادراك وهو الذي أنشد عمر يحرشه على عماله في أبيات:
إذا التاجر الهندي جاء بفارة ... من المسك راحت في مفارقهم تجري
ذكره ابراهيم بن الحسن في غريبه، من طريق ابن اسحاق عن يعقوب ابن عتبة عن الكوثر بن زفر، حدثي أبو المختار وحدثني عمرو بذلك.
حفر معدن الذهب
ترجم في الإصابة لأبي حصين السلمي فقال: ذكره البغوي وذكر أن الواقدي أخرج عن عبد الله بن يحيى عن عمر بن الحكم عن جابر قال: قدم أبو حصين السلمي بذهب من معدن فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا طويلا اهـ.
قلت: بسطه ابن سعد في الطبقات؛ انظر ترجمة أبي حصين ص 9 من ج 4 وفي التجريد: أبو الحصين السلمي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهب من معدن ذكره ابن عبد البر قال ابن سعد أبو حصين اهـ.
باب في بائع الرماح
في الإستيعاب كان نوفل بن الحرث بن عبد المطلب يتجر في الرماح، وبها فدى نفسه لما أسر في غزوة بدر، وكانت ألف رمح.
وفي طبقات ابن سعد: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفد نفسك برماحك التي بجدة. قال: أشهد أنك رسول الله ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح. وفيها أنه أعان النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين، انظر ترجمته في 31/ 4 من الطبقات.
باب في بائع الطعام
«في صحيح مسلم عن سالم بن عبد الله أن أباه قال: قد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم. ص 1161 ج 2.
وانظر ما سبق في ترجمة حاطب بن أبي بلتعة من طبقات ابن سعد.
__________
(1) انظر الإصابة ج 3 ص 645 في ترجمة ورد بن منظور بن سيار الطائي.
(2/29)

باب بيع الصبيان
ترجم في الإصابة لعبد الله بن جعفر فنقل أن البغوي خرج عن عمرو بن حريث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيع مع الصبيان. فقال: اللهم بارك له في بيعه أو صفقته، وترجم فيها أيضا للجلاح العامري فذكر أن أبا داود والنسائي في الكبرى خرجا عنه: كنا غلمانا نعمل في السوق. الحديث.
باب في بيع السكر
أخرج الدارقطني في الأفراد من طريق؛ هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال:
جلب رجل من التجار سكرا إلى المدينة فكسد عليه، فبلغ عبد الله بن جعفر فأمر قهرمانه أن يشتريه وينتهبه الناس. ذكره في الإصابة.
بيع العقاقير
ذكر ابن رشد المرافعة التي وقعت بين أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود في التحريم برضاع الكبير، وان ابن مسعود قال لأبي موسى: إنما أنت مداوي. ونقله ابن أبي زمنين وفسره بأنه كان يبيع العقاقير كأنه نفاه عن العلم بشغله بذلك، انظر شرح أبي علي بن رحال علي المختصر في الرضاع.
المرأة تبيع العطر
ترجم في الإصابة لأسماء بنت مخربة بالباء فذكر أن ابنها عباس بن عبد الله بن ربيعة كان بعث إليها من اليمن بعطر فكانت تبيعه. وفي الإستبصار في أنساب الأنصار: وروى عن الرّبيّع بنت معوذ بن عفراء قالت: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة، وهي أم عباس وعبد الله بن أبي ربيعة، فدخلت علي ومعها عطرها. فسألتني فانتسبت لها فقالت أسماء أنت بنت قاتل سيده يعني أبا جهل. فقلت: بل أنا ابنة قاتل عبده قالت: حرام علي أن أبيعك من عطري شيئا. قلت: وحرام علي أن اشتري منك شيئا. فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، وإنما قلت ذلك في عطرها لأغيظها. وقد خرّج قصتها هذه ابن سعد في ترجمتها من الطبقات، وفيها من قول الربيّع: فلما جعلت لي في قواريري وزنت لي كما وزنت لصواحبي الخ القصة.
وترجم في الإصابة أيضا للحولاء العطارة، فذكر أن أبا موسى أخرج من طريق أبي الشيخ بسنده إلى أنس قال: كانت بالمدينة امرأة عطارة تسمى حولاء بنت ثويب. وفي ترجمة مليكة والدة السائب بن الأقرع كانت تبيع العطر.
الزراعة والغراسة
انظر لم أغفل هذه الترجمة الخزاعي مع أهمية الزراعة في نظر الإسلام وكثرة اعتناء الصحابة بها. وقد أكثر سبحانه في كثير من الآيات التذكير بما أنعم به من إخراج الزرع
(2/30)

والنباتات، ووصف نفسه سبحانه بأنه هو الذي أخرج للحاجات فقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: 99] أي بالماء نبت كل شيء فاخرجنا منه يعني الماء خضرا يعني أخضر نخرج به حبا متراكبا سنابل البر والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب يركب بعضه على بعض وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام: 141] وهو ما انبسط على الأرض وانتشر كالعنب والقرع وهو شجر الدباء والبطيخ وغيرها. وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام 141] ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار ثم قال: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ، أي ثمرة وطعمه الحامض والمر، والحلو، والردي، وقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد: 4] أي متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض في الجوار ويختلف في التفاضل وجنات أي من بساتين من أعناب وزرع وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ والصنوان النخلات يجمعها أصل واحد تشعب منه الرؤوس فيكون نخلا وقال سبحانه: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 11] وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ [السجدة: 27] وهي التي لا نبات فيها فنخرج به زرعا وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا [يس: 33] وقال: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: 9] وقال: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ [الرحمن: 10] فيها فاكهة إلى قوله والحب يعني جميع الحبوب مما تحرث الأرض من الحنطة والشعير وغيرهما ذو العصف يعني الورق أول ما يبدو وقال نخرج به: حَبًّا وَنَباتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [عمّ: 16] يعني بساتين ملتفة وقال:
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا [عبس: 25] الآية وقال: جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً [الكهف: 32] يعني جعلنا حول الأعناب النخل ووسط الأعناب الزرع كذا ذكره الثعالبي وغيره.
وفي أحكام القرآن للإمام الجصاص الحنفي على قوله تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود: 61] يعني أمدكم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية اهـ انظر ص 165 من ج 3.
وفي صحيح مسلم «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها فقال:
لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة وهو في صحيح البخاري على وجه آخر، وبوب عليه بقوله: باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه وروى القرطبي وروى البزار وأبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره، من علم علما أو أجرى نهرا أو
__________
(1) انظر ج 2 ص 1188 باب فضل الغرس والزرع من كتاب المساقاة والبخاري ج 3/ 66 أول كتاب الحرث.
(2/31)

حفر بيرا، أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» . قال أبو نعيم ولا يخالف الحديث الصحيح فقد قال فيه: «إلا من صدقة جارية» وهي تجمع ما ورد من الزيادة.
قال المنذري: وقد رواه ابن ماجه «1» وابن خزيمة في صحيحه بنحوه من حديث أبي هريرة.
[روى المؤلف هنا عن الإصابة رواية بإسناد واه عن سعد بن معاذ «2» آخر حذفتها لكونها لا أصل لها] مصححه.
وأخرج الحاكم وابن أبي الدنيا في التوكل، والعسكري في الأمثال، والدينوري في المجالسة، عن معاوية بن قرّة قال: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال: من أنتم فقالوا: متوكلون. قال: كذبتم ما أنتم متوكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله.
وفي مسند عمر بن عبد العزيز، قال ابن شهاب: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فقال: جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أقطعني الشديد فإنه بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل غرس غرسا إلا أعطاه الله من الأجر عدد الغرس والثمر وأخذ بنفسي أسمعت هذا؟ فقلت: نعم وأشهد على عطاء بن يزيد أنه سمعه من أبي أيوب، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أحمد والطبراني من طريق مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة «3» . قال في المختار: المهر ولد الفرس والجمع أمهار، والأنثى مهرة، والمأبورة المصلحة، وفي المختار: وأبر نخلة: لقحه وأصلحه ومنه، سكة مأبورة اهـ.
وفي الصحيح «4» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال الله تعالى: ألست فيما شئت؟
فقال: بلى ولكن أحب أن أزرع، قال فأسرع وبذر أي ألق البذر على أهل الجنة فتبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله تعالى: دونك يا بن آدم فإنه لا يشبعك شيء. فقال الإعرابي: يا رسول الله لن تجده إلا قرشيّا أو انصاريا،
__________
(1) انظر في المقدمة ص 88 ج 1 ورقمه ص 242 ونصه: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته. يلحقه من بعد موته.
(2) هو غير سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس كما في الإصابة.
(3) رواه أحمد ج 3 ص 610 من طبعة، المكتب الإسلامي وهو في ص 468 ج 3.
(4) انظر صحيح البخاري كتاب التوحيد باب 38 ص 206 ج 8.
(2/32)

فإنهم أصحاب زرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحبشي في كتاب البركة: ففي هذا فوائد منها؛ دلالته على فضل الزرع، وفيه أن المهاجرين والأنصار كانوا مزارعين، لقول الإعرابي: إنك لن تجده إلا أنصاريا أو مهاجريا [ص 13] وهذا أكثر حجة ودلالة إذ المهاجرون والأنصار هم أفضل الأمة، كانوا أهل زرع لكن قال العارف الفاسي في تشنيف المسامع: المعروف بالزراعة إنما هم الأنصار، وأما قريش فإنما لهم التجارة لا الفلاحة، إذ ليست مكة بلاد زرع.
قلت: ذلك صحيح بحسب الأصل، وإلا فالمهاجرون بعد الهجرة زرعوا، واتجروا.
فالخبر على حاله.
وأخرج أبو داود في مراسيله عن علي بن الحسين مرسلا: أحرثوا، فإن الحرث مبارك، وأكثروا فيه من الجماجم «1» وفي لفظ آخر: يا معشر قريش إنكم تحبون الماشية فأقلوا منها فإنكم بأقل الأرض مطرا، واحرثوا فإن الحرث مبارك، وأكثروا فيه من الجماجم. خرجه أبو داود أيضا والبيهقي.
وأخرج الديلمي عن أبي مسعود رفعه لما خلق الله المعيشة جعل الله البركات في الحرث والغنم.
وفي الصحيح عن أبي هريرة: وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم قال القسطلاني في الزراعة والغراسة.
وفيه عن ابن عمر أنه عليه السلام عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر وبوّب عليه البخاري باب المزارعة مع اليهود. وفي الصحيح أيضا؛ وكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون تمرا وعشرون شعيرا.
وقسم عمر خيبر فخيّر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن، فمنهن من اختارت الأرض ومنهن من اختارت الوسق، وكانت عائشة وحفصة ممن اختارت الأرض.
قال القسطلاني: وفي هذا الحديث جواز الزراعة والتجارة، لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، واستمراره في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر. وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر. وصنف فيه ابن خزيمة جزآ بيّن فيه علل الأحاديث الواردة اهـ.
وقال الحبشي: وفي هذا فوائد منها اختيار عائشة وحفصة أفضل أزواجه عليه السلام منهن الأرض، فيزدرعنها قال البخاري: وزارع عليّ وسعد وابن مسعود.
__________
(1) ذكره صاحب التيسير ص 44 ج 1. وقال الجماجم هي البذور أو العظام التي تعلق على الزرع لدفع الطيور وغيرها عن الزرع.
(2/33)

قال الحبشي: وقد عدّ العلماء الزراعات من فرض الكفاية في كثير من المصنفات، لأنه لا يقوم الدين والدنيا إلّا بها فإن تركها كل الناس أثموا كلهم. انظر كتاب البركة.
وقال القاري في شرح المشكاة على حديث: (لا يدخل هذا أي المحراث بيت قوم إلا دخله الذل) «1» وهو في الصحيح عن أبي أمامة قال: بعض علمائنا: ظاهر هذا الحديث أن الزراعة تورث المذلة، وليس كذلك؛ لأن الزراعة مستحبة، لأن فيها نفعا للناس ولخبر:
«اطلبوا الخير من خباياها» بل إنما قال ذلك لئلا يشتغل الصحابة بالعمارات وترك الجهاد فيغلب عليهم العدو، وأي ذلك أشد من ذلك؟ وقيل: هذا في حق من يقرب العدو، ولأنه لو اشتغل بالحرث وترك الجهاد لأدى إلى الذل بغلبة العدو عليه اهـ.
وفي النهاية لابن الأثير على حديث ما دخلت السكة دار قوم الّا ذلوا أي التي تحرث بها الأرض، أي أن المسلمين إذا اقبلوا على الدهقنة والزراعة شغلوا عن الغزو وأخذ السلطان بالمطالبات والجبايات وقريب من هذا الحديث قوله: «العز في نواصي الخيل والذل في أذناب البقر» اهـ منها، ونقل الفتني في مجمع بحار الأنوار عن الكرماني، على الحديث المذكور: والحاصل أن فيها ذلك الدنيا وعز الآخرة لما فيها من الثواب بانتفاع ذي كبد، وهو أفضل المكاسب على الصحيح. ونقل عن الطيبي في شرح المشكاة: وجه الذل أن اختياره لجبن في النفس، أو قصور في الهمة، وأكثرهم يلزمون بالحقوق السلطانية، ولو آثروا الجهاد لدرت عليهم الأرزاق واتسعت المواهب اهـ.
كما قرر ابن خالدون في مقدمة العبر أن الفلاحة من معاش المستضعفين من البدو، وعلل ذلك بسببين قال: الثاني أن منتحلها مخصوص بالهوان والذلة، ففي الحديث: أنه عليه السلام قال وقد رأى السكة في بعض الأنصار: وما دخلت هذه دار قوم إلا دخلها الذل لكن حمله البخاري على الإستكثار منها قال وبه والله أعلم ما يتبعها من المضرة المفضي لتحكم اليد الغالبة إلى مذلة المغلوب وقهره اهـ قال ابن الأزرق إثره في بدائع السلك: ووجه آخر أن الإكثار منها مظنة لنسيان الدفاع عن البلاد، الذي به العز والحماية كما يلوح من توجيه البخاري، ويشهد له ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رفعه: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم اهـ وقال القسطلاني كان العمل في الأراضي أول ما فتحت على أهل الذمة، فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
وقال في الفتح: وقد أشار البخاري إلى الجمع بين حديث أبي أمامة والحديث السابق في فضل الغرس والزرع وذلك بأحد امرين: إما أن يحمل على ما ورد من الذم على ذلك ومحله إذا اشتغل به فضيع ما أمر بحفظه، وأما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه اهـ.
__________
(1) هو في الصحيح للبخاري انظره ج 3 ص 66 من كتاب الحرث والمزارعة.
(2/34)

وفي السير أنه عليه السلام كان يعجبه الجلوس في الحيطان (البساتين) والصلاة فيها.
وقد روى ابن سعد وابن المنذر قال في الفتح بإسناد صحيح: عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستانا له، ففيه أنه كان له بستان، وإنه كان يقوم عليه بالرعاية. وقال الإمام السخاوي: وقد تكون الكثرة التي دعا بها النبي صلى الله عليه وسلم لأنس: باللهم أكثر ماله وولده هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع والغرس، الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه كما في صحيح مسلم: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة، وذلك كان أكثر أموال الأنصار.
ويستأنس له بما ورد أنه كان له بستان يحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك اهـ.
وفي ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي من طبقات ابن سعد قصة عجيبة تدل على اهتمام كبار الصحابة بالأرض وغلتها وثمرها قال: أنا مسلم بن إبراهيم قال ثنا الحارث بن عبيد، ثنا أبو عمران الجوني أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع أبا بكر وربيعة الأسلمي أرضا فيها نخلة مائلة أصلها في أرض ربيعة وفرعها في أرض أبي بكر، فقال أبو بكر: هي لي وقال ربيعة:
هي لي، حتى أسرع إليه أبو بكر ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدره ربيعة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أجل فلا ترد عليه. قال فحوّل أبو بكر وجهه إلى الحائط يبكي قال: وقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالفرع لمن له الأصل انظر ترجمة ربيعة بن كعب الأسلمي ص 44 من ج 4 ويظهر أن أبا بكر بكى على عدم إصابة ظنه أولا، وتسرعه إلى طلب ما لا حقّ له فيه حتى احتاج إلى التداعي والترافع إليه عليه السلام.
وفي خطط المقريزي ص 154 من ج 1 أن سيدنا عمر قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنوات لا يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها ونحوه في صناجة الطرب في تقدمات العرب، وزاد ووصل النيل لجون العرب بواسطة خليج القلزم كما كان صنع البطالسة والفراعنة، وخصص ثلث إيراد مصر لعمل الجسور والترع لإرواء الأرضي اهـ انظر ص 306 منها.
قلت: يؤخذ أن عمر خصص ثلث إيراد مصر، لعمل الجسور والترع لإصلاح الري من التقرير الجغرافي الذي بعثه عمرو بن العاص لسيدنا عمر، وقد أثبتناه بنصه في القسم العاشر العلمي، وانظره ولا بد بذلك تعلم أيضا أنه كان من مبدأ عمر تقوية الزراعة وتنشيط الزراع، وأما ما جاء في ترجمته من أنه كان تقدم للعمال بأن لا يأذنوا لأحد من جنود المسلمين أن يزرع أو يزارع في البلاد المفتوحة كما في تاريخ ابن جرير وغيره وأن لا يقطعوا أرضا لأحد منهم البتة، فذلك لأمور.
(2/35)

أولها: كي لا يزاحم المسلمون أهل الذمة والعهد في أرضهم، ويضيقوا عليهم في معيشتهم.
والأمر الثاني: كي لا يألف الجنود العمل في الأرض في إبان الفتح فتميل نفوسهم إلى الراحة من عناء الحرب، والأمة حربية لم يأن لها أطراح لأمة القتال واعتزال الحرب «1» .
الثالث: كي تبقى الأرض بيد أهلها مادة تستمد منها الدولة ما يقوم بشؤونها العسكرية والإدارية، ولا يحتكرها المقتطعون من الجند.
وفي العتبية؛ قال مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب كان يقول: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليصلحه فيوشك أن يأتي من لا يعطي إلا من أحب.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: إنما أوصى بحفظ أموالهم بالقيام عليها مخافة أن يضيعوها اتكالا منهم علي أعطيات الإمام. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وهذا من إضاعة المال اهـ.
وقد وقع في المدونة والعتبية أنه كان بين رجلين من الصحابة خصومة في أرض لهما فركب عثمان أيام خلافته وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر قد قضى فيه فقال عثمان: ما أنظر في أمر قضى فيه عمر فرجع.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل أيضا: وكانت الخصومة بين علي بن أبي طالب وطلحة في ضفير سد بفحة [كذا] من الوادي بين ضيعتهما، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا فيه الخصومة بين يدي عثمان، فركب من الغد في المهاجرين والأنصار ثم رجع لما بلغه أن عمر كان ذلك في أيامه. فلما أخبر بذلك عبد الله بن جعفر عليا قال له قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي فرحب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما بدا لك. فقال قد قبلت وبي حاجة فقال علي ما هي؟ قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع من فيها من الغلمان والدواب والآلة قال علي: قد قبلت قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرقا قال عبد الله: لا أدري أيهما أكرم أعلي إذ جاد بالضفير أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنه بمسقاه؟ اهـ.
فهذا يدل على أن الحراثة كانت شائعة وبلغ الإهتمام بها إلى درجة الخصومة فيها من مثل علي وطلحة، وتوكيل علي ابن أخيه وخروج الخليفة في المهاجرين والأنصار للفصل فيها.
__________
(1) هذا هو السبب في كراهة الزراعة للعرب الفاتحين فمهمتهم هي الحفاظ على البلاد المفتوحة والاستعداد الدائم للجهاد، وبالزراعة يتخلون عن واجبهم الذي كانوا يتقاضون عنه العطاء والله أعلم. مصححه.
(2/36)

وفي الوفا للسيد السمهودي أنه كان بالمدينة وما حولها عيون كثيرة تجددت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لمعاوية اهتمام بهذا الباب، ولهذا كثرت في أيامه الغلال بأراضي المدينة. فقد نقل الواقدي في كتاب الحرة أنه كان بالمدينة في زمن معاوية صوافي كثيرة، وأن معاوية كان يحرث بالمدينة واعراضها مائة ألف وسق وخمسين ألف وسق ويحصد مائة ألف وسق حنطة اهـ منها ص 152 من ج 2.
وفي الكشاف لجار الله الزمخشري على قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود:
61] وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل الله نبي من أنبياء زمانهم عن سبب تعميرهم فأوحى الله إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.
وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر عمره فقيل له في ذلك فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
ولم يذكر اسم الشاعر في الكشاف، وذكره في ربيع الأبرار في موضعين قال في الروضة الثانية عشر: غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكن ذكرت قول الأسدي: ليس الفتى الخ.
وقال في الروضة الثالثة عشرة قال بعض الأشراف لابنه: حسن آثارك في الدنيا واسمع قول الشاعر: ليس الفتى اخ انظر الطريفة والتالدة.
وفي كتاب حسن الصناعة في البحث عن الزراعة: ومن الوصايا في إصلاح المرء ضيعته ما روي أنه قيل لأبي هريرة: ما المروءة قال: تقوى الله وإصلاح الضيعة، وقال قيس ابن عاصم لبنيه: عليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، وقال عتبة بن أبي سفيان لمولاه إذ ولاه أمواله: تعهد صغير مالي فيكبر، ولا تضيع كبيره فيصغر.
وفي شرح الحطاب وأبي علي بن رحال على المختصر ما نصه: قال الشيخ يوسف ابن عمر: من كانت له شجرة وضيعها بترك القيام بحقها فإنه يؤمر بالقيام بها، فإن لم يفعل فإنه مأثوم. وقاله الجزولي أيضا. وزاد ويقال له: ادفعها لمن يخدمها مساقاة بجميع الثمرة اهـ انظر باب النفقات.
وقال الإمام ابن حزم الأندلسي: إعلموا أن الراحة واللذة والسلامة والعز والأجر في أصحاب فلاحة الأرض، وفلاحة الأرض، أهنأ المكاسب جملة اهـ.
وفي كشف الظنون عن بعض العلماء: لو علم عباد الله رضاء الله في إحياء أرضه لم يبق في وجه الأرض موضع خراب.
(2/37)

وإنما أطلت في هذه الترجمة للرد على من يشين الإسلام بكونه جاء ناهيا عن الزراعة حتى قال لي مرة بعض علماء الإفرنج: إن في القرآن لعن المحراث والحارث فقلت له:
القرآن جاء بعكس ما تنسب له وأرشدته إلى بعض ما سبق فعجب. وقد ألف المسلمون في علم الفلاحة واستخراج المياه من الأرض عدة مصنفات؛ كالكرخي وأبي حنيفة الدينوري له كتاب النبات والشجر؛ وأبي زكرياء يحيى بن محمد بن العوام الأندلسي الأشبيلي من أهل المائة السادسة له كتاب في الفلاحة، طبع بمدريد في جزأين، استعان في كتابه هذا بنيّف وستين من كتب اليونان والرومان والعرب، وكان يطبق ما فيه على الفلاحة العملية التي أجراها بأرض بقرب أشبيلية.
وللشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي علم الملاحة في علم الفلاحة طبع بدمشق.
ولابن وحشية الكلداني كتاب في الفلاحة النبطية. وكان كلّف المستعين بالله العباسي في بغداد قسطا بن لوقا الطبيب البعلبكي بترجمة الكتب اليونانية، وله كتاب الفلاحة اليونانية ترجمة إلى العربية عن ترجمة سريانية وهو مطبوع بمصر. ولأهل الأندلس الكثير الطيب في هذا العلم وبمكتبتنا بعضها.
الخرازة
ترجم ابن سعد في الطبقات وابن حجر في الإصابة لزينب بنت جحش فذكر أنها كانت امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله اهـ ونحوه في التوشيح للحافظ الأسيوطي انظر ص 150 من اختصاره.
باب في الثمار
«سمى ابن فتحون في كتابه في الصحابة نبهان فوصفه بالثمار وذكر قصة فيها بيعه للثمر» . وترجم في الإصابة لسمويه «1» ويقال: سيما البلقاوي كان نصرانيا قدم المدينة بالتجارة فأسلم وذكر عنه أنه حمل القمح من البلقاء إلى المدينة قال فبعنا وأردنا أن نشتري الثمر فمنعونا فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما يكفيكم رخص هذا الطعام بغلاء هذا التمر الذي تحملونهم، ذروهم.
فائدة في فتح الباري أصناف تمر المدينة كثيرة جدا فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزاد على الستين قال والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم.
المسافة التي كان يأتي منها الزرع وغيره
كان يأتي من البلقاء وهي من أرض الشام إلى المدينة. يؤخذ ذلك من القصة
__________
(1) ترجمه في ج 2 ص 104 برقم 3635.
(2/38)

المذكورة عن الإصابة، وأخرج البخاري «1» في البيوع قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا فنزلت: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: 10] .
وانظر أيضا ترجمة جلب دقيق الحواري والسمن والعسل من الشام إلى المدينة فيما سيأتي وذلك يدل على أن المدينة صارت سوق العرب، تقصد بالبضائع من الأطراف البعيدة، وانظر ترجمة نبهان الأنصاري من الإصابة. وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي أن عمر أول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة (البحر الأحمر) إلى المدينة.
قلت: وذلك في الخليج الذي فتح بعد فتح مصر وكان يمتد من الفسطاط إلى السويس والذي تولى حفره عمرو بن العاص في خلافة سيدنا عمر فعرف بخليج أمير المؤمنين، وصار الصلة العظمى بين مصر والبحر الأحمر والهند وسبب حفره على ما في الخطط للمقريزي أن الناس في المدينة قحطوا، فأعانهم عمرو بن العاص بعير أوّلها كان بالمدينة وآخرها بمصر فأمر معمر بفتح هذا الخليج، ليتيسر النقل في البحر بدل الظهر فلم يأت الحول حتى سارت فيه السفن، فصار يحمل فيه ما يراد للحرمين الشريفين ثم غلب عليه الرمل فانقطع آخر الدولة الأموية، انظر الخطط المقريزية والخطط التوفيقية ففيهما كلام مشبع عن هذا الخليج ونقل الثاني ص 120 من ج 19 عن الكندي في كتاب الجند العربي؛ أن عمرو بن العاص حفره في سنة 23 وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، ثم نقل عن ابن الطوير أن مسافته خمسة أيام وكانت المراكب النيلية تفرغ وتحمل منه من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرغت حملت من القلزم ما وصل من الحجاز وغيره إلى مصر. وكان مسلك التجار وغيرهم.
وذكر أيضا أنه بقي مفتوحا إلى زمن أبي جعفر المنصور ولما ظهر محمد النفس الزكية بالحجاز أمر عامله على مصر بردم خليج مصر، لقطع الميرة عن البلاد الحجازية، فردم وصار نسيا منسيا وبقي كذلك ألف سنة، إلى أن حفرت الترعة أخيرا «2» وذكر أيضا أن عمر ربما توقف في فتح هذا الخليج قائلا: إن هذا الاتصال ربما أوجب اغارة الروم وهجومهم على الحجاز ولذا قال علي مبارك في ص 124 من ج 19 أن فتح ترعة البرزخ في زمانه آخر القرن المنصرم فتح على مصر أبوابا لم يكن من قدرتها إقفالها اهـ وقال غيره من الكتاب المعاصرين: إن فتح خليج السويس كان من أشد الآفات على ممالك الشرق اهـ فرضي الله عن عمر ما أصدق حدسه.
__________
(1) كتاب البيوع ج 3/ 6.
(2) في أيام الخديو إسماعيل 1869.
(2/39)

فائدة: بتأملك لهذه الترجمة تفهم أن سيدنا عمر رضي الله عنه أذن أخيرا للمسلمين بعد إتقانهم للعلوم البحرية في ركوب البحر والجلب فيه، فما نقل عنه من نهيه الناس عن ركوب البحر، واستعماله كان وقت جهل المسلمين بعلومه، ولما كملت علومه لدى العرب، اتخذ معاوية الأسطول، كما سبق في محله عن ابن خالدون والمقريزي.
وفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق، أن ابن المناصف اعتذر عن عمر في منعه ركوب البحر، بأن العرب لم يكن لها إذ ذاك علم بأحواله، وبعد تبحرهم في علوم البحر حفر الخلجان والترع، واتخذها واستعملها كما في هذه الترجمة. وبعد هذا وجدت في ترجمة علقمة بن مجزز المدلجي، من الإصابة «1» ، نقلا عن الطبري؛ أن في سنة 20 بعث عمر علقمة في جيش إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فجعل عمر على نفسه أن لا يحمل في البحر أحدا فأخذ من هذا السياق سبب منعه كأنه حداد على الغرقي. وبعده أصدر حفيده ومحيي أثره أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز منشوره العام إلى الأمة، الذي هو كالقانون الأساسي لدولته، ومن جملة ما جاء فيه وأما البحر فإننا نرى سبيله سبيل البر. قال: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [الجاثية: 12] فاذن أن يتجر فيه من شاء، وأرى أن لا تحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البحر والبر لله جميعا، سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف تحول بين عباد الله وبين مكاسبهم؟ اهـ من فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم.
بائع الدباغ
ترجم ابن عبد البر لسعد بن عائذ المؤذن مولى عمّار بن ياسر المعروف بسعد القرظ، وإنما قيل له سعد القرظ لأنه كان كلما اتجر في شيء وضع فيه، فاتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه.
قلت: القرظ شجر يدبغ به، وفي مختار الصحاح: القرظ ورق السّلم يدبغ به، وقيل: قشر البلوط. وفي مادة سلم منه أيضا. والسلم: شجر من الغضاة، الواحدة: سلمة قال القاضي في المشارق: إن سعدا سمي به لأنه كان يتجر فيه.
قلت: زاد في الإصابة أن البغوي روى عن القاسم بن الحسن بن محمد بن عمر بن حفص بن عمرو بن سعد القرظ عن آبائه أن سعدا اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة ذات يده، فأمره بالتجارة فخرج إلى السوق فاشترى شيئا من قرظ فباعه، فربح فيه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بلزوم ذلك، قال الشيخ الطيب بن كيران في شرح ألفية العراقي في السير: ففيه أن من رزق من باب فليلزمه اهـ.
__________
(1) ج 2 ص 505/ 506.
(2/40)

وقد سبق أن أم المؤمنين زينب بنت جحش كانت امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق.
وفي طبقات ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد هنأت يعني دبغت أربعين إهابا من أدم، وعجنت عجيني فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم القصة.
باب في الأديم [الجلد الطائفي]
ترجم في الإصابة خليسة جارية أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب فذكر فيها أن سودة إحدى أمهات المؤمنين كانت تعمل الأديم الطائفي.
الحطاب
«ذكر ابن رشد في البيان والتحصيل قصة أصلها في جامع الترمذي ج 3 ص 522 وسنن النسائي وهي أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي إليه الفاقة ثم عاد فقال يا رسول الله لقد جئت من أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم قال انطلق هل تجد من شيء فانطلق فجاء بحلس [حلس البيت ما يفرش تحت القتب ونحوه] فقدم فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفرشون بعضه ويلتفون ببعضه وهذا القدح كانوا يشربون فيه فقال: من يأخذهما مني بدرهم فقال رجل: أنا فقال من يزيد على درهم فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فقال:
هما لك فدعا بالرجل فقال اشتر بدرهم طعاما لأهلك وبدرهم فأسا ثم ائتني ففعل ثم جاء فقال: انطلق إلى هذا الوادي فلا تدعن شوكا ولا حطبا ولا تأتيني إلا بعد عشر ففعل، ثم أتاه فقال: بورك فيما أمرتني به فقال: هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة في وجهك نكتة من المسألة أو خموش من المسألة «1» . (الخموش الخدش في الوجه) » .
الدلال وهو السمسار
«في الصحيحين طاوس عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد وفي البخاري عن طاوس عن أبيه سألت ابن عباس ما معنى قوله: لا يبيعن حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارا» «2» .
قلت: قال شيخنا في الفجر الساطع: المراد بالسمسار هنا هو المتولي العقد بين البائع والمشتري بأجر، كالسماسرة القاعدين بالحوانيت وليس المراد به كما سبق اهـ.
وفي فتح الباري: السماسرة بمهملتين هو في الأصل القيّم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره اهـ.
__________
(1) روى أبو داود هذه القصة في كتاب الزكاة ج 2 ص 292 بألفاظ مقاربة. عن أنس بن مالك.
(2) انظر كتاب البيوع ج 3 ص 28 من صحيح البخاري.
(2/41)

وفي القاموس؛ السمسار: بالكسر المتوسط بين البائع والمشتري. قال الشمس ابن الطيب الفاسي في حواشيه: قلت هو الذي يسميه الناس الدلال، فإنه يدل المشتري على البائع. وهو لفظ أعجمي كما قاله الخطابي في معالم السنن وغيره واغفل المصنف ذلك اهـ وقد ألف في مسألة السماسرة وأحكامهم أبو العباس الأبياني التونسي.
النساج
قال العيني: بفتح النون وتشديد السين المهملة وفي آخره جيم ويلتبس بالنساخ بالخاء المعجمة «في الصحيح «1» عن سهل بن سعد قال جاءت امرأة ببردة منسوجة قال:
أتدرون ما البردة؟ كساء مخطط. وقيل: كساء مربع أسود، فقيل: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها فقالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي فجئت أكسوكها فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم. الحديث» .
قلت: ترجم على الحديث أيضا البخاري فقال في كتاب البيوع: باب النساج ثم ذكره. قال العيني: قولها منسوجة وقولها إني نسجت لا يدل على النساج ضرورة اهـ وأخرج الحديث المذكور أيضا البخاري في أبواب من استعد للكفن من أبواب الجنائز فانظره فيهما.
وفي الأحياء في أواخر كتاب الفقر والزهد من ربع المنجيات، عن سنان بن سعد قال: حكت للنبي صلى الله عليه وسلم جبة من صوف، وجعلت حاشيتها سوداء فلما لبسها قال: انظروا ما أحسنها وما أبهجها. فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لي. قال فكان إذا سئل شيئا لم يبخل به فدفعها إليه، وأمر أن تحاك له جبة أخرى، فمات وهي في المحاكة الخ قال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء: أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث سهل بن سعد وهو عند الطبراني في القضية الأخيرة، ووقع في كثير من نسخ الإحياء سنان بن سعد وهو غلط اهـ ونقله الحافظ في الإصابة عنه وأقره.
قلت: وبذلك تعلم ما في قول الحافظ ابن القيم في الطرق الحكمية: لم يكن في المدينة حائك بل كان يقدم عليهم بالثياب من اليمن والشام وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها اهـ منه.
قلت: خصوصا وفي القصة السابقة أن المصطفى عليه السلام لما خرج بالبردة التي صنعت له المرأة فاستحسنها فلان، فكساه إياها قال الحافظ في الفتح: في الجنائز، وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن تفرغ اهـ انظره.
وأخرج أبو داود الطيالسي عن سعد بن سهل قال: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وله جبة صوف في
__________
(1) انظر في البخاري كتاب الجنائز ج 2 ص 78.
(2/42)

الحياكة، وروى أبو الشيخ عنه قال خيطت للنبي صلى الله عليه وسلم جبة من صوف أنمار فلبسها الحديث كما سبق الخ.
وفي تلبيس إبليس للحافظ ابن الجوزي: كان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزازين، أي يعملون الخز وهي نساجة تنسج من صوف وإبريسم.
الخياط
قلت: هو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء قال العيني في العمدة: ويلتبس هذا بالحناط بفتح الحاء المهملة وتشديد النون وهو بياع الحنطة، وبالخباط بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء وهو بياع الخبط، ومنهم عيسى ابن أبي عيسى كان خياطا ثم صار خباطا. وفي طبقات ابن سعد عن عائشة قالت: كان صلى الله عليه وسلم يعمل عمل البيت، وكثيرا ما يعمل الخياطة.
في المعارف لابن قتيبة: كان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة خياطا وذكره ابن دريد في الوشاح.
قلت: ونحوه لابن الجوزي في تلبيس ابليس. وأخرج ابن عساكر والخطيب عن سهل بن سعد رفعه: عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء المغزل.
وفي الصحيح أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له. قال فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام. وعليه بوّب البخاري في كتاب البيوع فقال: باب الخياط. وذكر الحديث المذكور. قال العيني في العمدة: قال الخطابي وفيه جواز الأجرة على الخياطة ردا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة، وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري، من ذكر القين والصائغ والنجار؛ لأن هؤلاء الصناع إنما يكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والفضة والذهب وهي أمور من صنعة يوقف على حدها، ولا يختلط بها غيرها. والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده، فجمع إلى الصنعة الآلة وإحداهما معناها التجارة والآخرى الإجارة، وحصة أحدها لا تتميز من الآخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يغرز بخيوطه، ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك فاسد في القياس إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم على هذه الحالة أول زمن الشريعة فلم يغيرها؛ إذ لو طولبوا بتغييرها لشق عليهم فصار بمعزل من موضع القياس والعمل به ماض صحيح لما فيه من الأرفاق اهـ.
النجار
تقدم في ذكر المنبر النبوي الخلاف في اسم صانعه، وهنالك ما يدل على استظهار أن سبعة من المحترفين بهذه الصنعة اجتمعوا على صنعه، كما سبق قول العباس في غلام له نجار: إعمل للناس وكما سبق أنه صلى الله عليه وسلم رمى أهل الطائف بالمنجنيق. وأن جماعة من الصحابة زحفوا إلى جدار الطائف ليحرقوه تحت دبابة، وأن نار هذه الدبابة أول دبابة
(2/43)

صنعت في الإسلام، مما يدل على أن هذه الصناعة كانت نافقة في الزمن النبوي.
المهد للصبيان
وجدت في الإصابة في ترجمة إبراهيم بن المصطفى عليه السلام إن إسماعيل السدي روى عن أنس قال: كان إبراهيم قد ملأ المهد فدل على وجوده في ذلك الزمن وعلى صانعه. وفي كتب السير والموالد ذكر المهد له عليه السلام، قال الشهاب الحلواني في مولده الكبير: المهد سرير المولود الذي يربى فيه ويحرك به لينام، ويطلق على الفراش أيضا مجازا مرسلا على زمن الطفولية.
وفي الرقائق أن ابن أبي ذيب كلم المنصور فأغلظ له القول وقال: والله يا أمير المؤمنين إني أنصح لك من ابنك المهدي، ثم لقي سفيان فقال له: يا أبا الحرث لقد سرنا ما خاطبت به هذا الجبار، لكني ساءني قولك له: ابنك المهدي فقال: يغفر الله لك يا أبا عبد الله، كلنا مهدي كلنا كان في المهد اهـ.
وفي الخصائص الكبرى للحافظ السيوطي قال ابن الطراح: رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله محمد بن المعلى الأزدي أن من شعر حليمة لما كانت ترقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا ربّ إذ أعطيته فابقه ... وأعله إلى العلا وارقه
وادحض أباطيل العدا بحقه
وفي ترجمة عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب من الإصابة يقال: إن الزبير بن عبد المطلب كان يرقص النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير ويقول:
محمد بن عبدم:
عشت بعيش أنعم ... في عزّ فرع أسنم
وفي ترجمة الشيماء بنت الحارث من الإصابة ذكر محمد بن المعلى الأزدي في كتابه الترقيص قال: وقالت الشماء ترقص النبي صلى الله عليه وسلم:
يا ربنا ابق لنا محمدا ... حتى أراه يافعا وأمردا
ثم أراه سيّدا مسوّدّا ... واكبت أعاديه معا والحسّدا
وأعطه عزا يدوم أبدا
قال فكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول: ما أحسن ما أجاب الله دعاها.
صانع الأقداح من الخشب للشرب
في سيرة ابن إسحاق من قصة لأبي رافع: وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حفرة زمزم، ونحوه في ترجمته من طبقات ابن سعد.
الصوّاغ
صاغ الشيء: صوغا وصياغة سبكه.
وقال العيني في العمدة: الصوّاغ بفتح الصاد على وزن فعّال بالتشديد؛ هو الذي يعمل
(2/44)

الصياغة، وبضم الصاد جمع صائغ اهـ وقال القسطلاني الصوّاغ صائغ الحلي. بوّب البخاري باب ما قيل في الصوّاغ ثم خرج عن علي أنه لما أراد أن يا بني بفاطمة عليها السلام قال: وعدت رجلا صواغا من بني قينقاع (شعب من يهود المدينة) أن يرتحل معي فنأتي باذخر أردت أن أبيعه من الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي وفي الصحيح أيضا قول العباس رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه لنبات مكة إلا الأذخر لصاغتنا وسقفا لبيوتنا.
قلت: قال الحافظ في الفتح على حديث الترجمة: يؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها، ولو تعاطاها أراذل الناس مثلا. ولعل المصنف أومأ إلى حديث «أكذب الناس الصواغون، وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره اهـ «1» .
ثم قال: وغرض الترجمة ذكر الصياغة وتقرير المصطفى على ذلك. وقد ترجم في الإصابة لأبي رافع الصوّاغ، فذكر أن إبراهيم الحربي خرج في غريب الحديث بسند جيد عن أبي رافع قال: كان عمر يمازحني يقول: أكذب الناس الصائغ يقول اليوم: غدا.
وقال البدر الدماميني على الصحيح، على باب الصواغ عن ابن المنير: وفي معاملة الصواغ تنبيه على أنها صنعة جيدة لا تجتنب معاملة صاحبها، لا من حيث الدين ولا من حيث المروءة، وربما كثر الفساد في صنعته، ويتعاطاها أراذل الناس كاليهود. فما ذلك يقدح فيمن يتناولها، ولا يحط من درجته في العدالة إلى أن قال: الظاهر أن الصناعة التي يصير تعاطيها عند أهل العرب علما على دناءة الهمة وسقوط المروءة قادحة فيمن يتعاطاها، في زمن يقرر ذلك العرف ومكانه. وقد قال ابن محرز من أصحابنا المالكية: لا ترد شهادة ذوي الحرف الدنية؛ كالكناس والدبّاغ والحجّام والحائك إلا من رضيها اختيارا ممن لا يليق به، لأنها تدل على شيء في عقله اهـ من المصابيح له.
النقاش
خرّج ابن أبي حاتم في العلل، من طريق العقيلي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أمه قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقيل فوهب له خاتما أهداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي، مثل الفلكة، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: قل هو الله أحد والمعوذتين وقال: قال أبي: حديث منكر، والعقيلي هو ابن عبد الله بن محمد بن عقيل. وحديثه ليس بشيء.
وفي العلل أيضا وسألت أبي عن حديث رواه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر أن النجاشي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم فضة، فيه
__________
(1) انظره في الجزء الثاني من المسند ص 292 وفي طبعة المكاتب الإسلامي 385 ونصه: أكذب الناس أو من أكذب الناس الصواغون والصباغون من حديث أبي هريرة. وهو في سنن ابن ماجه ج 2 ص 728 ورقمه 2152.
(2/45)

تمثال فكتب النبي صلى الله عليه وسلم حوله قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس قال أبي: حديث منكر والقاسم متروك الحديث اهـ.
قلت: المنكر قد يطلق عندهم على الحديث الفرد، وإن كان أراد النكارة بمعناها فيغني في الباب أحاديث نقشه صلى الله عليه وسلم اسمه الكريم على خاتمه للختم به، على مكاتيب الملوك ونحوهم. ففيه أن النقش وقع بالمدينة، ولا يكون إلا من نقاش وفي الاكتفاء للكلاعي في حق أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة أنه كان نقاشا حدادا نجارا الخ.
صنع الأنف من ذهب
ترجم في الإصابة للضحاك بن عرفجة السعدي، فذكر أن ابن منده روى عنه أنه أصيب أنفه يوم الكلاب، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب قال الحافظ هكذا أوردوا والمشهور أن الذي أصيب أنفه عرفجة وانظر ترجمة طرفة بن عرفجة أيضا من الإصابة من ص 284 من ج 3 وحديث عرفجة هذا في جامع الترمذي «1» . وقال وقد روي عن غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الذهب خاصيته أن لا ينتن.
قلت: بوّب على حديثه أبو داود في السنن باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، ثم خرج أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب «2» فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب.
قلت: وهذا أعظم ما يدل على تقدم في دقة الصنعة والاتقان، لأن صنع الأنف من ذهب وتركبيه في محله ليس مما يستطيعه كل عامل أو صانع، وأخرج ابن سعد في الطبقات: أن عثمان كان يشد أسنانه بالذهب. وبذلك تعلم ما في عدّ بعضهم علم جراحة الأسنان وتركيبها من الاكتشافات الحديثة، كما حكاه البستاني في حرف السين من دائرة المعارف ص 125 ج 10. وهو مردود بما ذكر بأنه ورد في قصائد شعراء اليونان واللاتين ذكر الأسنان الاصطناعية.
إحداث الرحى الهوائية في آخر خلافة عثمان والصحابة متوافرون
في وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص 335 أن العرب أحدثوا الرحى الهوائية بالرياح المحدثة المترددة في الصناديق المتعددة، وكان ذلك سنة 29 بعد الهجرة في خلافة عثمان.
__________
(1) عثرت عليه في مسند أحمد ج 5 ص 23 والمكتب الإسلامي ص 461 ج 4 ونصه: عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفا من ورق (فضة) فانتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب. وفي الترمذي كتاب اللباس ج 4/ 240.
(2) انظر أيام العرب في كتاب بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب للآلوسي ج 2/ 72.
(2/46)

المصور
ترجم البخاري «1» في الصحيح باب: بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، ثم أخرج عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وأني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس بعد تحديثه بحديث النهي: إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح.
وفي كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام ملك العلماء علاء الدين ابن مسعود الكاساني الحنفي ص 117 من ج 1 عن ابن عباس أنه نهى مصورا عن التصوير.
فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار. وذكر فيه أن الصورة إذا كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد، فلا بأس بها لأن من يعبد الأصنام لا يعبد الصغير منها جدا. ونص على أن الصورة إذا كانت في البساط في مؤخر القبلة، أو تحت قدم المصلي قال: لا تكره الصلاة عليه. بل لا بأس. وقد روي أنه كان على خاتم لأبي موسى ذبابتان، وروي أنه لما وجد خاتم دانيال في عهد عمر كان على فصه أسدان بينهما رجل يلحسانه اهـ من البدائع.
وفي مواكب ربيع أنه كان نقش خاتم دانيال عليه السلام صورة أسدين يلحسانه لئلا ينسى نعمة ربه، وبه ظفر أبو موسى الأشعري حين وجد قبره بنهر السوس، كورة من كور الأهواز بين البصرة وفارس، أيام عمر. فأخرجه وكفنه وصلى عليه ثم أقبره في نهر السوس. وكان ذلك الخاتم في يد أبي بردة بن أبي موسى اهـ ص 192.
وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي ص 308 من ج 2 نقلا عن الكافي:
كان على خاتم أبي هريرة ذبابتان، وعلى خاتم دانيال صورة أسد ولبوة وبينهما صبي يلحسانه، فلما نظر إليه عمر أغرورقت عيناه، وذلك أنه ألقي في غيضة وهو رضيع، فقيض الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلحسانه، فأراد بهذا النقش أن يحفظ منّه الله عليه.
وكان لابن عباس كانون [موقد] محفوف بصور صغار، وقد وجد خاتم دانيال المذكور في عهد عمر فدفعه لأبي موسى، وذلك أن بختنصر قيل له: يولد مولود يكون هلاكك على يده، فجعل يقتل من يولد فلما ولدت أم دانيال ألقته في غيضة رجاء أن يسلم من القتل، فقيض الله له الأسد واللبوة كما ذكر في النهاية والفتح. ثم ذكر عن البحر واختلفوا فيما إذا كانت الصورة على الدراهم والدنانير. هل تمتنع الملائكة من دخول البيت بسببها؟ فذهب القاضي عياض إلى أنهم لا يمنعون، وأن الأحاديث مخصصة: وذهب الثوري إلى القول بالعموم. وفي الصميربي: إذا كانت التصاوير مستورة لا بأس بها ونحوه في الخلاصة،
__________
(1) انظر ج 3 ص 40 باب 104.
(2/47)

وجامع الفتاوي. ولو كانت في يده تصاوير وأمّ لا تكره إمامته كما في خزائن الفتاوي. ولو هدم بيتا مصورا بالإصباغ ضمن قيمة البيت وأصباغ غير مصوريها، كما في التفاريق اهـ.
ونقل المناوي في شرح الشمائل؛ في باب الخاتم عن ابن جماعة: أخطأ في هذا المقام؛ من زعم أن خاتم المصطفى كان فيه صورة شخص، قال المناوي: وإطلاق الخطأ لا ينبغي. فقد قال الزين العراقي: قد ورد من حديث مرسل أو معضل وآثار موقوفة نقش الصورة على الخاتم، فأما الحديث المعضل أو المرسل فرواه عبد الرزاق عن معمر أن عبد الله بن محمد بن عقيل أخرج خاتما وزعم أن المصطفى كان يختم به فيه تمثال أسد. قال:
فرأيت بعض أصحابنا غسله بالماء ثم شربه. وهذا مرسل أو معضل لا تقوم به حجة.
وأما الموقوفات فخرّج ابن أبي شيبة في مصنفه عن حذيفة أنه كان في خاتمه كركيان متقابلان بينهما مكتوب: الحمد لله. وأخرج أيضا أنه كان نقش خاتم أنس أسدا وأنه أيضا كان خاتم عمران بن حصين نقشه: تمثال رجل متقلدا سيفا قال الزين العراقي: وهذه موقوفات لا حجة فيها، وبعضها لا يصح وليس فيها شيء بغير علة إلا أثر أنس، وهو معارض بالأحاديث الصحيحة في منع التصوير اهـ.
قلت: قصة خاتم عمران هذه وما نقش فيه من تمثال رجل خرجه أيضا ابن سعد في الطبقات في ترجمته انظر ص 5 ج 6 وأثر أنس فيها أيضا بلفظ: كان في خاتم أنس ذيب أو ثعلب أنظر ص 11 ج 7. وفي ترجمة القاضي شريح منها كان نقش خاتم شريح أسدان بينهما شجرة، وفيها أيضا لدى ترجمة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان في خاتمه رأس كركي أو نقش كركي بين أحبل انظر ص 146 ج 6 وفيها أيضا في ترجمة الضحاك بن مزاحم الإمام العظيم الشأن أن خاتمه كان من فضة فيه فص شبه القوارير وكان نقشه صورة طائر انظر ص 210 من ج 6.
وفي المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية، للشيخ حمزة فتح الله المصري ص 253 من ج 1 أن معاوية بن أبي سفيان ضرب دنانير عليها تمثاله متقلدا بسيفه اهـ ولكن قال العلامة الوزير جودت باشا التركي في مقدمة تاريخه أنه نقل بعض المؤرخين أنه ضرب على السكة صورة معاوية، وخالد بن الوليد متقلدين سيفهما وتابعهم واصف أفندي في ذلك.
فأدرج في تاريخه أن معاوية كتب صورته على السكة متقلدا سيفه ولكن هذه الرواية المذكورة لم يصل نقلها إلى درجة الثبوت اهـ من تعريبه ص 270 وانظر ما سبق في الوسادة لدى القسم الأول.
وفي رحلة الحافظ أبي القاسم التجيبي أخبرنا المسند المعمر، الصدوق ناصر الدين أبو حفص بن عبد المنعم الدمشقي بقراءتي عليه، عن الشيخ الفقيه الإمام الفاضل موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، قال: روينا أن عمر بن الخطاب لما قدم الشام صنع أهل الكتاب له طعاما فدعوه فقال: أين هو فقالوا في الكنيسة،
(2/48)

فكره دخولها وقال لعلي: اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين فدخلوا وأكلوا «1» ، وجعل علي ينظر إلى الصور وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل منها، وقد رأيت هذه القصة بعنيها في كتاب ذمّ الموسوسين وذم الوسوسة للإمام موفق الدين بن قدامة المذكور، انظر ص 19 منه طبعة مصر.
وفي شرح كشف القناع على متن الإقناع للشيخ منصور بن إدريس الحنبلي، من كبار كتب الحنابلة، لما ذكر متنه أن المدعو للوليمة إن شاهد ستورا معلقة فيها صور حيوانات وأمكنه حطها أو قطع رأسها فعل، وإن لم يمكنه ذلك كره له الجلوس، إلا أن تزال، ما نصه: قال في الإنصاف: والمذهب لا يحرم اهـ لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم واسماعيل يستقسمان الأزلام، فقال: قاتلهم الله لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط رواه أبو داود «2» ولأن دخول الكتاتيب والبيع غير محرم، وهي لا تخلو منها وكون الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة لا يوجب تحريم دخوله، كما لو كان فيه كلب ولا يحرم علينا صحبة رفقة فيها جرس، مع أن الملائكة لا تصحبهم، ويباح ترك الإجابة إذن عقوبة للفاعل وزجرا له عن فعله اهـ منه.
ووقع في كلام لبعض المصريين: اشتهر العرب في العصر العباسي بالتصوير على الجدران، وعلى صفحات الكتب بحروف تخطيطية كانت ذات اتقان زائد، وقد اطلعنا على كتاب قديم يرجع تاريخه إلى القرن الثالث الهجري، رسم فيه مؤلفه جماعة من النوابغ الإعلام، واطلعنا أخيرا على عدة كتب مصورة يرجع عهدها إلى القرن الرابع والخامس والسادس. ومن قرأ تاريخ الأندلس وجد أن الخليفة عبد الرحمن الناصر بني قصر الزهراء، الذي يضرب به المثل، وجعله مسكنا للزهراء جاريته، وسماه باسمها الزهراء. ونقش صورتها على بابه رمزا للرسم التخطيطي.
وقال الشريف أبو عبد الله الجواني في كتاب النقط على الخطط أن الخليفة الآمر بأحكام الله، قد بنى قنطرة من الخشب مدهونة بالألوان، وصور فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل واحد منهم رف لطيف مذهّب. فلما دخل الآمر هذه القنطرة وقرأ الأشعار ابتهجت نفسه، وأمر أن يوضع على كل رف صرّة مختومة، تحتوي على خمسين دينارا، وأن يدخل كل شاعر يأخذ صرته بيده، وكانوا عدة شعراء. وعثر في أطلال
__________
(1) ما قرأت في مكان آخر خبر دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الشام. فهل كان بصحبة عمر حينما قدم إلى القدس. مأظن أن هذا الخبر إمدسوس. والله أعلم. مصححه.
(2) راجع البخاري كتاب الأنبياء ج 4 ص 111 ونصه: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بأيديهما الأزلام فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قطّ.
(2/49)

الحمراء بغرناطة في الأندلس، على صورة تمثل قضاة على طراز عربي، يظهر أنها من آثار القرن الثامن الهجري اهـ.
قلت: صورة القضاة الأندلسيين التى ذكر، وقفت عليها منقولة عن الأصل المذكور بالفوتو غراف. وأخبرني بعض من دخل مكتبة باريز أنه رأى كتابا لبعض فلكيي القرن السادس والسابع في التاريخ اشتمل على صورة كثير من أعلام الإسلام؛ منها الصورة النبوية «1» والظاهر أنها صورة خيالية لا حقيقية. ورأيت المقريزي ينقل في الخطط عن كتاب سماه ضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوقين من الناس قال: وأنه ألف في طبقات المصورين. وللزهراوي الطبيب كتاب في الجراحة يرجع تاريخه لسنة 584 فيه صور الآلات الجراحية بالإتقان التام، ويستدل منها على أن بعضها كان مثل الآلات الجراحية التي يظن حدوثها منذ عهد قريب انظر مادة كتب من دائرة المعارف الوجدية. وكنت رأيت في دمشق صورة يدوية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وولي الدين ابن خالدون، والأخيرة ظفرت بها وهي عندي منقولة عن صورة وجدت بالأسكوريال من بلاد اسبانية والله أعلم.
اتخاذ الشحم للإستصباح ودهن السفن وغيرها
في الصحيح «2» عن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها أجملوه أي أذابوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه. قال القاري في شرح المشكاة على قوله: تطلى بها السفن بضمتين جميع سفينة، أخشابها وقال النووي: الضمير في هو يعود إلى البيع، لا الإنتفاع وهذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه، وعند الجمهور: لا يجوز الإنتفاع به أصلا لعموم النهي إلا ما خص وهو الجلد المدبوغ، فالصحيح من مذهبنا جواز الإنتفاع بالإدهان النجسة من الخارج كالزيت والسمن وغيرهما بالإستصباح وغيره، بأن يجعل الزيت صابونا، أو يطعم النحل العسل المتنجس وأجاز أبو حنيفة وأصحابه بيع الزيت النجس إذا بينه اهـ.
بيع اللبن
عن أبي بكر بن أبي مريم قال كانت للمقدام بن معدي كرب جارية تبيع اللبن ويقبض
__________
(1) في بلاد العجم يهتمون بالصور كثيرا، وخاصة على السجاد النفيس الذي يعلق على الجدران وقد صوروا الإمام علي وأبناءه كما أنهم رسموا للنبي صلى الله عليه وسلم صورة في غاية البعد عما هو معروف من كتب الشمائل. والعجيب أن المؤلف يستشهد على إباحة الصور بما فعله الملوك وبعض المؤلفين، مع أن النصوص قاطعة بتحريمها. مصححه.
(2) انظر الجزء 3 ص 43 من كتاب البيوع باب 112.
(2/50)

المقدام ثمنه، فقيل له: سبحان الله أتبيع اللبن وتقبض الثمن؟ قال: نعم. وما بأس بذلك.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليأتين على الناس زمان لا ينفع إلا الدينار والدرهم، أورده التبريزي في المشكاة وعزاه لأحمد «1» قال القاري: عليها نقل عن الطيبي معناه: لا ينفع الناس إلا التكسب إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام.
كما روي عن بعضهم أنه قيل له: إن التكسب يدنيك من الدنيا فقال: لئن أدناني من الدنيا فقد صانني عنها، وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وروي عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها ويقول: لولا هذه [الدنانير] لتمندل بي بنو العباس، أي جعلوني كالمنديل يمسحون بي أوساخهم اهـ.
الحداد
«في الصحيح عن أنس بن مالك قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم (والدا له من الرضاعة) لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه، وفي الإستيعاب، قال أنس في قصة موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق عليه السلام وانطلقت معا فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره، وقد امتلأ البيت دخانا فأسرعت المشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك القصة» .
ترجم البخاري في الصحيح باب ذكر القين والحداد «2» قال الحافظ بفتح القاف، وقال ابن دريد: أصل القين الحداد ثم صار كل صانع عند العرب قينا، وقال الزجّاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضا الحداد. وكان البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما، وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحداد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم اهـ.
والحديث الذي ذكره البخاري عن خبّاب قال؛ كنت قينا في الجاهلية وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث «3» القصة.
وقال العيني في العمدة: قال مقاتل: صاغ خبّاب للعاص شيئا من الحلي، فلما طلب منه الأجر قال: أنتم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان. قال خباب:
نعم قال: العاصي فميعاد ما بيننا الجنة. وقال الواحدي وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب قينا اهـ ثم قال العيني وفي الحديث: أن الحداد لا يضره مهنة صناعته إذا كان عدلا.
قال أبو العتاهية:
ألا إنما التقوى هو العز والكرم ... وحبّك للدنيا هو الذل والعدم
__________
(1) انظره في المسند ج 4 ص 183 من طبعة المكتب الإسلامي وص 133 ج 4 من الطبعة الأولى.
(2) انظر كتاب البيوع ج 3 ص 13 باب 29.
(3) انظر كتاب البيوع ج 3 ص 13 باب 29.
(2/51)

وليس على حر تقي نقيصة ... إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم
وترجم في الإصابة للأزرق بن عقبة الثقفي، مولى الحرث بن كلدة وأنه أسلم لما حاصر عليه السلام الطائف وقال: ثم كان حدادا وقينا اهـ انظر ص 27.
وفي الأجوبة المهمة للشيخ الكنتي: أصل صناع الحديد والورق في الدولة الإسلامية أنه عليه السلام لما افتتح خيبر سبى فيما سبى ثلاثين قينا وكانوا صناعا سماسر وحدادين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعتهم، ويتقوون بها على جهاد عدوهم، فتركوا لذلك فمن تعلم عليهم الصناعة سمي صانعا أو معلما، ومن كان من أصلهم سمي قينا. فصاروا من يومئذ يلتجئون وينضوون إلى أكابر الناس أخرجه الخطيب القسطلاني اهـ منها.
وترجم في الإصابة لبشر بن قيس التميمي فذكر أن ابن شاهي خرج عن بشر بن قيس أنه قدم على المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه رجيح، وهما مقرونان في سلسلة كانت عليه، فقال:
يا بشر إقطعها فليست عليك يمين فقطعها وأسلم.
قلت: وقد غفل الحافظ في الفتح، لدى ترجمة باب الأسارى في السلاسل، من كتاب الجهاد عما عزاه لابن شاهين في الإصابة، فإنه نقل عن إبراهيم الحربي ما ينفي وجود السلسلة الحقيقية. وقد خرج البخاري في سورة آل عمران، من كتاب التفسير، عن أبي هريرة في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110] قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام.
البناء البناآت النبوية
«بنى صلى الله عليه وسلم مسجد قباء أول ما ورد المدينة، ووقف على أساسه قال السهيلي في الروض: ذكر ابن أبي خيثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أسس مسجد قباء، كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر ثم أخذ الناس في البنيان فيستخرج هذا أول من بنى مسجدا في الإسلام» .
الأصل في وضع الرؤساء والملوك أول حجر للمعاهد العلمية والدينية والقومية
يؤخذ مما قبله.
تعيين الإمام موضع المسجد وتعيين محل القبلة
ترجم في الإصابة أسامة الحنفي فذكر أن البارودي في الصحابة أخرج من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب عن رجل عن أسامة الحنفي قال لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في
(2/52)

السوق فقلت لهم: أين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: يريد أن يخط لقوم مسجدا. الحديث انظر ص 32 ج 1.
وترجم فيها أيضا جابر بن أسامة الجهني فذكر أن البخاري في تاريخه، وابن أبي عاصم والطبراني وغيرهم، خرّجوا من طريق أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن أسامة الجهني قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق في أصحابه، فسألتهم أين يريد؟ قالوا: اتخذ لقومك مسجدا، فرجعت فإذا قومي فقالوا: خط لنا مسجدا وغرز في القبلة خشبة انظر ص 211 ج 1.
أمر الإمام من ينوب عنه في تسمية البقعة مسجدا
ذكر في الإصابة في ترجمة عبد الله بن عمير السدوسي، أن جده جاء بإداوة من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال له: إذا أتيت بلادك رش به تلك البقعة، واتخذها مسجدا أخرجه الطبراني في الأوسط.
مسجد المدينة
«قال عليه السلام كما في الصحيح «1» ، وغيره إلى بني النجار بعد أن ارسل إليهم وكان موضع المسجد لهم: ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون قال ابن اسحاق: فعمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل وذكر ابن جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المسجد فبنى باللبن، وجعلت عضادتاه بالحجارة، وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك، فهو مربع، وجعل الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللبن» .
بناؤه صلى الله عليه وسلم المسجد ثلاث مرات منها ما لبنه بالأنثى والذكر
في الفجر الساطع في باب بناء المسجد عن تفسير ابن عطية: بنى صلى الله عليه وسلم مسجده ثلاث مرات، الأولى بالسميط وهو لبنة أمام لبنة، والثانية بالضفرة وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان اهـ.
مساكنه عليه السلام
ثم بنى صلى الله عليه وسلم مساكنه إلى جنب المسجد باللبن، وسقفهما بجذوع النخل والجريد،
__________
(1) ورد هذا الحديث في أكثر من موضع في صحيح البخاري انظره في كتاب الصلاة ج 1 ص 111 وفي كتاب البيوع ج 3 ص 117 في كتاب الوصايا ج 3 ص 196 وفي كتاب مناقب الأنصار ج 4 ص 266.
(2/53)

وكان محيطها مبنيا باللبن، وقواطعها الداخلة من الحديد المكسو بالطين والمسوح الصوفية، وجعل لها أبواب منافذ متقنة الهواء، داعية إلى السهولة في الدخول والخروج وخفة الحركة، مع وفر الزمن والسرعة إلى المقصد وان منزل السيدة عائشة صفة إلى منزل السيدة فاطمة، وكان به فتحة إلى القبلة. يؤيد ذلك قول ابن زبالة: كان بين بيت حفصة ومنزل عائشة طريق، وكانتا تتهاديان الكلام، وهما في منزلهما من قرب ما بينهما، وكان بيت حفصة على يمين خوخة آل عمر، في جنوب بيت عائشة إلى الشرق، وكان من دونهما منازل بقية الأزواج الطاهرات. وكان بمنزل فاطمة شباك يطل على منزل أبيها وكان صلى الله عليه وسلم يستطلع أمرها منه.
«قال السهيلي في الروض: إن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسعة بعضها من جريد مطين بالطين، وسقفها جريد وبعضها من حجارة موضوعة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا، وكان لكل بيت حجرة وهي أكسية من شعر مربوطة بخشب العرعر اهـ» .
أقول: إذا علمت أنها تسعة وأن كل بيت لا بد له من محل لقضاء الحاجة، ومحل لمئونة السنة والطبخ ومحل للقاء الناس، ومحل لمبيت النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجته الطاهرة، وإن زدتها محل خزائن السلاح وأدوات النقل، ومحل الدواب والخيل والنعم والحمير، وغير ذلك من الممتلكات النبوية، وممتلكات بيت المال مع دار الضيوف، والسجن ومحل المرضى، ومحل أهل الصفة وغير ذلك من الضروريات ظهر لك عظم تلك المباني، وسعة تلك المرافق، وهذه الضروريات التي الإتساع في البناء ضروري لها يجهلها أكثر الناس اليوم. ويظنون أن مساكن النبي صلى الله عليه وسلم كانت في نهاية الضيق والقلة. ولعمري إذا أمكنه صلى الله عليه وسلم ذلك في المبادي، فكيف لا يتسع أكثر من ذلك في آخر امره ولو عاش في المدينة بعد الهجرة أكثر من عشر سنوات؟ وكان يشتغل فيها بغير الحروب وتوجيه البعوث وإرسال السرايا إلى الجهات فانظر ماذا كان يصنع.
الدكة لجلوسه عليه السلام
«ذكر أبو محمد ابن حيّان في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة وأبي ذر: كان صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا منه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه ونجلس بجانبيه» «1» .
الحديث بذلك في صحيح مسلم في كتاب الإيمان في قصة مجيء جبريل، فاقتصار الخزاعي في العزو لمن ذكر ذهول وغفلة، وكان محل هذه الدكة هو الذي يعرف الآن في
__________
(1) عثرت على هذا الحديث في سنن أبي داود ج 5 ص 74 ورقمه 4698 وألفاظه قريبة جدا من النص أعلاه.
(2/54)

المسجد النبوي باسطوانة الوفود. ففي تواريخ المسجد النبوي: أنها عرفت بذلك لأنه عليه السلام كان يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، وقد تكلم عليها السمهودي في الوفا، والسيد جعفر البرزنجي في النزهة.
أول بنّاء كان في الإسلام
«في نفحة الحدائق والخمائل في ذكر الإبتداع والإختراع للأوائل أول بنّاء كان في الإسلام عمار بن ياسر» .
امره عليه السلام في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية
قال البيهقي في شعب الإيمان: أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو محمد بن جعفر بن درستويه الفارسي حدثنا عتبة الحمصي ثنا اسماعيل هو ابن عياش عن أبي بكر الهذلي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ما حق جاري علي؟ قال؛ إن مرض عدته، وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن عري سترته، وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا ترفع بناءك فوق بنائه، فتسد عليه الريح، ولا توذّه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها. قال البيهقي: إسناده ضعيف وله شواهد. خرّج ابن عدي في الكامل من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رفعه نحوه وفيه: ولا تطيل عليه البناء، وتحجب عنه الريح إلا بإذنه. انظر آخر كتاب كوكب الروضة للحافظ السيوطي.
وانظر ما سبق في معرفته عليه السلام بهندسة البناء تر عجبا.
هدمه عليه السلام مسجد الضرار
سمي مسجد الضرار لمحاولة الضرر ببنائه وكان الذين اتخذوه اثني عشر رجلا من المنافقين، وكان وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي لهم فيه، فنزل عليه الوحي بما أضمروه من التفريق بين المؤمنين، وإرادتهم به الطعن على الرسول، لتختلف الكلمة وذلك قوله تعالى:
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 107] الآية فأمر عليه السلام بتحريقه وأن يجعل محله كناسة يلقى فيها الجيف والأزبال، ودعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني وقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه. وفي رواية فدعا مالكا ومعنا وأخاه زاد البغوي وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة فأحرق حتى وضع إلى الأرض، وتفرق عنه أصحابه فلما قدم عليه السلام المدينة عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارا فقال: ما كنت اتخذه وقد أنزل الله فيه ما أنزل ولكن أعطه ثابت بن أقرن، فإنه لا منزل له فأعطاه فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ولا حمام ولا دجاج.
وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة قالوا: ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة فأبصر الدخان يخرج منها وفي تفسير الواحدي قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكانوا اثني عشر رجلا، سرد ابن إسحاق وتبعه
(2/55)

السهيلي والعمري وغيرهم أسماءهم انظر شرح المواهب، وراجع ما سبق في الكلام على الحدود، وفي أحكام القرآن لابن خويز منداد علي آية مسجد الضرار، وتضمنت الآية المنع من الضرر في المساجد، وفي بنيانها كذلك، قال أصحابنا: لا يجوز أن يا بنى مسجد إلى جنب مسجد لئلا يضر بأهل المسجد الأول، ويجب هدمه والمنع من بنائة، إلا أن تكون المحلة كبيرة ولا يكتفي أهلها بمسجد واحد فيا بنى الثاني.
قالوا: ولا جامعان في المصر، ويجب منع الثاني ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه، وفي البيان والتحصيل للقاضي أبي الوليد ابن رشد: سئل مالك عن العشرة يكون لهم مسجد يصلون فيه، فيريد رجل أن يا بني قريبا مسجدا أيكون ذلك؟ فقال؛ لا خير في الضرار ولا سيما في المساجد خاصة، فأما مسجد بني لخير وصلاح فلا بأس به. وأما ضرار فلا خير فيه، قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً لا خير في الضرار في شيء من الأشياء، وإنما القول في الآخر من المسجدين، قال ابن رشد: وهذا كما قال مالك أن من بنى مسجدا قرب آخر ليضرّ به أهل المسجد الأول، ويفرق به جماعتهم، فهو من أعظم الضرر، لأن الأضرار فيما يتعلق بالدين أشد فيما يتعلق بالنفس والمال، لا سيما في المسجد الذي يتخذ للصلاة التي هي عماد الدين، وقد أنزل الله تعالى في ذلك ما أنزل وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً إلى قوله: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وقوله: إنما القول أبدا في الأخير من المسجدين صحيح، لأنه هو الذي يجب أن ينظر فيه، فإن ثبت على بانيه أنه قصد به الإضرار وتفريق الجماعة لا وجها من أوجه البر، وجب أن يحرق ويهدم، ويترك مطروحا للأزبال، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسجد الضرار. فإن ثبت أن إقراره مضر بأهل المسجد الأول ولم يثبت على بانيه أنه قصد ذلك، وادعى أنه أراد القربة لم يهدم وترك مصلاه ولا يصلى فيه، إلا أن يحتاج إلى الصلاة فيه بأن يكثر أهل الموضع أو يهدم المسجد الأول.
قلت: وعلى هذه النصوص اعتمدت في الأمر بالإحراق لزاوية بناها مضر يريد تفريق كلمة الفقراء الكتانيين، المجموعة في قبيلة أمزاب بالشاوية فأحرقت، وفقنا الله لصالح الأعمال آمين.
في الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله
«قال أبو بكر بن فتحون في كتابه ذيل الإستيعاب: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قيس بن طلق الحنفي، وهو صلى الله عليه وسلم يا بني مسجده فشهده معه، فوكله صلى الله عليه وسلم بعمل الطين، لأنه رآه محسنا فيه» .
قلت: ترجم في الإصابة لطلق بن علي التميمي فقال حديثه في السنن أنه بنى معهم في المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: قربوا له الطين فإنه أعرف به وكذا ترجمه ابن سعد في الطبقات:
وهذا سياقه عن طلق قال؛ قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يا بني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذت المسحاة أخلط الطين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر
(2/56)

إلي ويقول: إن هذا الحنفي لصاحب طين. وحديثه الذي عزاه الخزاعي لابن فتحون خرّجه ابن حبان في صحيحه: عن طلق بن علي الحنفي قال: بنيت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فأخذت المسحاة بمخلطة الطين فكأنه اعجبه فقال: دعوا الحنفي والطين، فإنه اضبطكم للطين، وفي البيان والتحصيل لابن رشد، عن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقف على قبر فكأنه رأى باللبنة خلطا فأمر بأن يصلح وقال: إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه ويتقنه «1» .
قلت: هاهنا تتمات لتراجم البناء.
(الأولى) وهنا نسوق قول الشيخ أبي محمد عبد القادر الفاسي، كما في التعليق الذي قيد عنه على الصحيح على قول الراوي: ما أكل عليه السلام شاة مسموطة، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يترك هذا ومثله، مع وجوده إنما كان يأكل ما تيسر فلو سيق إليه المسموط وغيره لأكله، أو السكرجة وهي الأواني الرفيعة، أو الخوان وهي المائدة اهـ وكذا القول في بناآته صلى الله عليه وسلم وهيئة مساكنه.
(الثانية) في ذكر خريطة مسكن مارية بالعوالي، ترجم الحافظ ابن الأبار دفين تونس، في تكميل الصلة البشكوالية لمحمد بن حزم بن بكر التنوخي الطلمنكي، المعروف بابن المديني فقال: صحب محمد بن مسرة قديما واختص بمرافقته في طريق الحج، ولازمه بعد انصرافه وحكى عن ابن مسرة أنه كان في سكناه بالمدينة يتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، قال ودله بعض أهل المدينة على دار مارية أم إبراهيم سرية النبي صلى الله عليه وسلم، فقصد إليها فإذا دويرة لطيفة بين البساتين بشرق المدينة عرضها وطولها واحد قد شق في وسطها بحائط وفرش على حائطها خشب غليظ يرتقي إلى ذلك الفرش على خارج لطيف وفي أعلى ذلك بيتان وسقيفة كانت مقعد النبي صلى الله عليه وسلم في الصيف، قال: فرأيت أبا عبد الله بعد ما صلى في البيتين والسقيفة، وفي كل ناحية من نواحي تلك الدار أخذ البيتين بشبره فكشفته بعد انصرافي، وهو ساكن في الجبل عن ذلك فقال: هذا البيت الذي تراه فيه بنيته على تلك الحكاية في العرض والطول بلا زيادة ولا نقصان اهـ من نسختي من التكملة العتيقة المنسوخة سنة نيف وثلاثين وستمائة وعليه جرى طبع الجزء الأول منها بباريز.
(الثالثة) اذكر فيها توسع الحال عليه صلى الله عليه وسلم، وما جاد به وأعطى لسائليه، مما لا يقدر عليه ملك كريم. قال الحافظ السخاوي، نقلا عن القاضي عياض في الشفا، أوتي صلى الله عليه وسلم خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز، واليمن وجميع بلاد العرب وما دانى ذلك من الشام والعراق. وجلب إليه من أخماسه، وجزياتها، وصدقاتها، ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره
__________
(1) قال المناوي في التيسير: رواه البيهقي في شعب الإيمان وإسناده ضعيف عن عائشة.
(2/57)

وقوّى به المسلمين. وقال «1» : ما يسرني أن لي أحدا ذهبا ما يبيت عندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين.
وكان يدخر مما أفاء الله عليه، في صفاياه وغيرها قوت سنة لعياله ونفسه، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح في سبيل الله اهـ.
وثبت أنه عليه السلام قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة ناقة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك، كإعطائه جماعة كثيرة من خيبر. وقد فتح الله بها عليه، وفدك وقريظة والنضير وكانت خالصة له، وكان معه جماعة من أصحاب الأموال، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة بن عبيد الله والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن عبادة، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه وحضّ على تجهيز جيش العسرة، فجهزهم عثمان بألف بعير وجاء بعشرة الاف درهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووضعها بين يديه وروى أبو الشيخ وابن سعد من طريق علي بن زيد عن إسحاق بن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن أبيه قال؛ اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة بسبع وعشرين ناقة، فلبسها ولفظ ابن سعد أوقيه ورجاله ثقات لكن لعلي واسحاق فيها كلام.
وفي طبقات ابن سعد من طريق ابن سيرين، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى حلة وأما قال ثوبا بتسع وعشرين ناقة انظر ص 155 ج 1 من القسم الثاني.
وفيها لدى ترجمة أسامة بن زيد، أن حكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة، كانت لذي يزن، وهو يومئذ مشرك اشتراها بخمسين دينارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نأخذ هدية من مشرك، ولكن إذ بعثت بها فنحن نأخذها بالثمن. بكم أخذتها؟ قال بخمسين دينارا قال فقبضها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس على المنبر للجمعة ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسا الحلة أسامة بن زيد.
وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي، نقلا عن والده الشيخ اسماعيل في شرحه على الدرر: خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعليه رادء قيمته ألف درهم، وربما قام عليه السلام إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم اهـ منه ص 364 من ج 2 ونقل نحوه الخادمي في شرحها عن التتارخانية من كتب الفقه الحنفي انظر ص 36 من ج 3 منه.
واخرج ابن منده والمستغفري أن عبد العزيز بن سيف بن ذي يزن الحميري قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بهدية فدفع إليه حللا، فدفع منها النبي صلى الله عليه وسلم حلة إلى عمر فقومت بعشرين بعيرا.
انظر ترجمة عبد العزيز من الإصابة. وفيها في ترجمة هاني بن حبيب الداري، نقلا عن
__________
(1) ونصه في مسلم كتاب الزكاة ص 687 عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يسرني أن لي أحدا ذهبا تأتي على ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي.
(2/58)

الرشاطي قدم في وفد الداريين مع تميم الداري، واهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قباء مخوصا بالذهب، فاعطاه العباس فباعه من رجل يهودي بثمانية الاف.
وفي باب مناقب أبي بكر من ارشاد الساري عن ابن عباس عن عائشة أن أبا بكر انفق على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألف درهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأعطى غير واحد مائة من الإبل، والذين أعطاهم مائة ناس كثير منهم أبو سفيان وابنه معاوية، والحارث بن هشام وقد عدهم البرهان الحلبي وقال: إنهم يبلغون الستين من المؤلفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث الشفا، وأعطى صفوان بن أمية مائة ثم مائة، وذكر ابن فارس في كتاب أسماء النبي صلى الله عليه وسلم أنه في يوم خيبر جاءت امرأة فانشدت شعرا تذكر أيام رضاعه في هوازن، فرد عليهم ما أخذه وأعطاهم عطاء كثيرا، حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف، قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود.
وفي الشفا وشرحها للشهاب: وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستة الاف نفس، من النساء والذرية، غير الأموال التي غنمها لما غزاهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة. الأوقية أربعون درهما.
وقوّم ابن فارس ما وهبه لهوازن فكان خمسمائة ألف ألف، وقيل: ستمائة ألف ألف.
وقال ابن حجر المكي في المنح المكية: كان السبي وهو النساء، والذراري ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم فوق الأربعين ألفا، وأربعة الاف أوقية فضة، وفي المقالات السنية.
وردّ سبيا عظيما من هوازن إذ ... وافى إلى جوده جود مع الكرم
يبغون اصغ لهم إذ قال قائلهم: ... امنن علينا رسول الله في كرم
أنا لنشكر للنعماء إذ جحدت ... وعندنا الشكر ينمو غير منهضم
يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا حر الوطيس حم
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية يا ذا المنهل الشبم
فاصفح عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة والإنسان في ندم
وامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... طفلا يزينك أوفى الخلق بالذمم
فكم هنالك من منّ ومن نعم ... وكم هنالك من إحسانه العمم
خمس مئين الوف الف عطيته ... كانت لهم يومها من واسع العمم
هذا نهاية جود في الوجود ولم ... يسمح به غير من قد خصّ بالكرم
يعطي عطاء تقاصر عنه قيصر مع ... كسرى ولم يخش إقلالا من الحكم
يعطي الكواعب والجرد السّلاهب وا ... البيض القواضب والآلاف من نعم
الخ وفي البخاري من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم، أتي بمال من البحرين (بلدة بين البصرة
(2/59)

وعمان) فقال: انزوه يعني صبوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به صلى الله عليه وسلم من الدراهم، أو من الخارج فلا ينافي أنه غنم في خيبر ما هو أكثر منه، وقسمه وخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء إليه فجلس فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني فإني فديت نفسي وفديت عقيلا فقال له: خذ فحثى في ثوبه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي، قال: لا. قال: فارفعه أنت علي فقال: لا فنثر العباس منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي قال. قال: فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله فالقاه على كاهله. قال ابن كثير: كان العباس شديدا طويلا نبيلا فاحتمل ما يقارب أربعين ألفا، فانطلق فما زال صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي عليه عجبا من حرصه فما قام صلى الله عليه وسلم وثمّ منها درهم.
وفي رواية ابن أبي شبية: كان مائة ألف درهم، وأنه أرسله له العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل له صلى الله عليه وسلم، وكان يبذل المال مرة للفقير، أو المحتاج. ومرة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيشة الفقراء. وربما ربط الحجر على بطنه، فلا تنافي بين أحواله من السعة والضيق، وبين ما ذكر أولا وأخيرا.
قال الطبري كما في الفتح: إن ذلك كان في حالة دون حالة لا لعذر وضيق، قال الحليمي كما في شعب الإيمان، من تعظيمه عليه السلام أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة فلا يقال كان فقيرا، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد عليه. وقد ذكر القاضي عياض في الشفا، وعنه التقي السبكي: أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل صالح الطليطلي وصلبه، لتسميته النبي صلى الله عليه وسلم يتيما، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها اهـ.
وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن الشيخ تقي الدين السبكي، وحكاه عنه أيضا وله في التوشيح أنه كان يقول: لم يكن صلى الله عليه وسلم فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله. عليه السلام: اللهم أحيني مسكينا أن المراد به استكانة القلب، لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك اهـ.
ولما نقله القسطلاني في المواهب قال الزرقاني في شرحها: وهو حسن نفيس. وأما اللفظ الشائع وهو: الفقر فخري وبه أفتخر. فقال الحافظ ابن تيمية والعراقي وابن حجر باطل موضوع اهـ.
قال بعض العصريين: وعلى فرض وجود أصل له فمعناه الافتخار بالفقر وإيثاره على الغنى حالة نشأ الإسلام وتكوينه، فإن عقب الهجرة النبوية لم يكن في الإمكان تربية وإنشاء الثروة إذا ذاك، ولا ريب أن الفقر في سبيل الله غاية وفي سبيل الدولة والدين والوطن مزية
(2/60)

شريفة توجب الفخر والشرف فشظف العيش والإقتصاد فخر المؤسسين اهـ أما بعد أن عظمت الفتوح، فكثرت مداخيل المال على الخلفاء الراشدين، وخصوصا في زمن عمر بن الخطاب حتى إنه دهش أخيرا حينما أبلغه أبو هريرة عند قدومه من البحرين أنه أتى بخمسمائة ألف درهم، ثم كثر الدخل على بيت المال حتى إن عمر كان يحمل في العام علي أربعين ألف بعير، كما في طبقات ابن سعد انظر ص 218 ج 3 فأربعون ألف بعير باقتابها ومتعلقاتها وخدمتها شيء كبير، وملك عريض، وغنى واسع.
وفي طبقات ابن سعد أيضا أن عمر بن الخطاب كان ينحر كل يوم على مائدته عشرين جزورا انظر ص 227 ج 3 والجزور كما في القاموس: البعير أو خاص بالناقة المجزورة جمع جزر وجزرات اهـ فهذا توسع كبير، وبساط عريض لا يمكن لأكبر ملك اليوم في الأرض أن يؤكل كل يوم على مائدته هذا العدد من اللحوم، والله الملك القيوم الفتاح ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: 2] .
ولننقلب لتميم الكلام على بقية الحرف في الزمن النبوي فنقول:
الصباغ
في سنن ابن ماجه في باب الصناعات من أبواب التجارات، حدثنا عمرو بن رافع حدثنا عمرو بن هارون عن همام عن فرقد السنجي عن يزيد بن عبد الله بن الشخّير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذب الناس الصباغون والصواغون «1» قال في النهاية: هم صباغو الثياب وصاغة الحلي، لأنهم يمطلون بالمواعيد، وقيل أراد الذين يصبغون الكلام ويصوغونه فيغيرونه لخ.
الجلاب
في سنن ابن ماجه «2» باب الحكرة والجلب: حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن علي بن سالم بن ثوبان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، وفي الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية؛ وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من قدم بالحب لا يتلقاه أحد بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث الجالب مرزوق والمحتكر ملعون اهـ.
ذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام
ترجم البخاري «3» في كتاب البيوع قال: باب التجارة في البحر وقال مطر: لا بأس
__________
(1) سبق تخريجه وهو في مسند أحمد ج 2 ص 292 وطبعة المكتب الإسلامي ص 385 ج 2 وهو في سنن ابن ماجه ص 728 ج 2 ورقمه 2152.
(2) هو في ج 2 ص 728 ورقمه 2153.
(3) انظر ج 3/ ص 7 كتاب البيوع.
(2/61)

به، وما ذكره الله في القرآن إلا بحق ثم تلا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [النحل: 14] الفلك السفن وقال مجاهد: تمخر السفن الريح ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام، خرج ابن الجوزي في التلبيس عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في بحر الشام، منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد اهـ ونحوه ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن تخريج الإمام أحمد انظر ص 74 ج 4 وانظر ما سبق في الكلام على السفن البحرية.
الدباغ
«ذكر ابن دريد في الوشاح في باب الصناعات في باب من كان دباغا: الحرث بن حبيرة وقال في الإستيعاب: أبو وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن نهم: أسلم يوم الفتح هو وابنه» .
الخواص
«صنع القفاف ونحوها من الخوص وهو ورق النخل» .
كانت حرفة «سلمان الفارسي حتى وهو أمير في المدائن فيعيش بها وكان يقول:
أحب أن أعيش من عمل يدي؛ رغما عن راتبه. ذكره في الإستيعاب» .
وفي ترجمته من الإصابة: كان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده.
العوام
ترجم في الإصابة أحمد مولى أم سلمة فقال: روى ابن منده من طريق عمران النخلي عن أحمد مولى أم سلمة قال: كنا غزاة فجعلت أعبر الناس في واد أو نهر. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنت في هذا اليوم إلا سفينة. وأخرجه الماليني في ترجمة النخلي بالنون والخاء المعجمة. وروى الإمام الحافظ أبو مهدي عيسى بن سليمان الرّعيني الأندلس المالقي، نزيل دمشق في كتابه الجامع لما في المصنفات الجوامع، من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأقدام بسنده عن سفينة مولاه عليه السلام أنه قال: كنت معه عليه السلام في غزوة فمررنا بواد أو نهر فكنت أعبر الناس فقال: - يعني النبي صلى الله عليه وسلم- ما كنت منذ اليوم إلا سفينة.
وترجم في الإصابة أيضا لسعد بن عبادة الأنصاري فنقل عن ابن سعد: كان في الجاهلية يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل.
وترجم فيها أيضا لعبد الله بن الزبير، فذكر أنه جاء سيل بالبيت فطاف عبد الله بن الزبير سباحة.
فائدة وفي حديث ابن عباس في السيرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: في المدينة أحسنت العوم في بير
(2/62)

بني عدي بن النجار، قال الزرقاني في شرح المواهب: استدل به السيوطي على أنه عليه السلام عام، رادا على القائل من معاصريه: الظاهر أنه لم يعمّ؛ لأنه لم يثبت أنه عليه السلام سافر في بحر، ولا بالحرمين بحر.
قال السيوطي: وروى ابن القاسم البغوي وابن عساكر مرسلا وابن شاهين موصولا عن ابن عباس: سبح صلى الله عليه وسلم فقال: يسبح كل رجل إلى صاحبه فسبح صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر حتى عانقه، وقال أنا وصاحبي أنا وصاحبي. انظر ص 192 ج 1 من السيرة الحلبية، مع الرسالة العلمية للتجيبي.
واخرج ابن منده من طريق إسماعيل بن عياش عن سلمان بن عمرو الأنصاري عن بكر بن عبد الله بن ربيع الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علموا أولادكم السباحة والرماية. الحديث قال الحافظ في الإصابة في ترجمة بكر بن عبد الله وإسماعيل: يضعف في غير أهل بلده وهذا منه وشيخه غير معروف انظر ص 180 ج 1.
وقد أورد الحديث المذكور في الجامع الصغير بلفظ: علموا أولادكم السباحة والرماية، ونعم لهو المرأة المغزل، وإذا دعاك أبواك أجب أمّك. وعزاه لابن منده في المعرفة، وأبي موسى في الذيل والديلمي في مسند الفردوس، عن بكر بن عبد الله بن ربيع الأنصاري قال المناوي في التيسير: بإسناد ضعيف لكن له شواهد. وأورده في الجامع أيضا بلفظ: «علموا أولادكم السباحة والرماية والمرأة المغزل» وعزاه للبيهقي عن ابن عمرو قال في التيسير على قوله: السباحة بالكسر العوم؛ لأنه منجاة من الهلك، زاد في فتح القدير:
قيل لأبي هاشم العوفي: فيما كنت؟ قال: في تعليمي ما لا ينسى، وليس لشيء من الحيوان عنه غنى، فقيل؛ ما هو؟ قال: السباحة فإنهم يجدون من يكتب عنهم ولا يجدون من يسبح عنهم اهـ.
واخرج النسائي والبزار والبغوي والبارودي والطبراني وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب في كتابه «فضل الرمي» وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء عن عطاء بن رباح قال: جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصارى يرتميان، فملّ أحمدهما فجلس. فقال الآخر:
كسلت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو، إلا أربع خصال مشى الرجل بين الغرضين، وتأدبيه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة.
وأخرج القراب من طريق مكحول أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الشام أن علموا أولادكم السباحة والفروسية.
وأخرج القراب عن سليمان التيمي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يكون الرجل سابحا راميا. انظر الدر المنثور لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60] وللحافظ السيوطي رسالة سماها الباحة في فضل السباحة، وفي الاكليل له
(2/63)

على قوله تعالى في قصة يوسف: إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ [يوسف: 17] ونلعب فيه مشروعية المسابقة ورياضة النفس والدواب وتمرين الأعضاء على التصرف اهـ.
بيع الماء
ترجم في الإصابة «1» رومة الغفاري صاحب بير رومة فذكر أنه روى عبد الله بن عمر وابن ابان أنه لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة فكان يبيع القربة منها بالمد فقال له المصطفى عليه السلام بعنيها بعين في الجنة فقال يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم وجعلها للمسلمين.
باب في الصيد وهو على أنواع
ذكر من كان يتصيد بالكلاب
«في الصحيح «2» عن عدي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل» .
ذكر من كان يتصبد بالبزاة
«في جامع الترمذي عن عدي بن حاتم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل» . [كتاب الصيد باب 3 ج 4/ 66] .
ذكر من صاد بالرمح
«في صحيح مسلم «3» عن أبي قتادة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف عن أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه، وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا عليه، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله.
في مسلم أيضا أنه عليه السلام قال: فهل معكم منه شيء؟ فقالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها» .
الصيد بالسهام
«في صحيح مسلم «4» عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: إذا
__________
(1) انظر ج 1 ص 540.
(2) انظر البخاري ج 6 رقم الباب 10 ص 221.
(3) انظر مسلم ج 1 ص 851 وما بعدها من كتاب الحج رقم الحديث 57.
(4) انظر مسلم ج 2 ص 1534 من كتاب الصيد.
(2/64)

رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده وقع في ماء. فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» .
الصيد بالمعراض
«خشبة محددة الطرف وقيل: في طرفها حديدة يرمى بها الصيد» .
في صحيح مسلم «1» عن عدى أيضا سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعراض قال: إذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل» . (أي هو ميتة قتل دون ذكاة)
الصيد باليد
«في مسلم عن أنس مررنا فاستنفجنا (أثرنا) أرنبا فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها فجئت بوركها وفخذها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها» . [كتاب الصيد باب 9 ص 1547/ 2] .
الصيد بالآلات
«قال ابن عطية في تفسيره عند قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ [المائدة: 94] الظاهر أنه سبحانه خص الأيدي بالذكر، لأنها معظم التصرف في الإصطياد، وفيها يدخل ما عمل باليد من فخاج وشباك اهـ وقد عقد أبو الفتح كشاجم في كتاب الصائد والطرائد باب المصائد التي يتوصل بها إلى الصيد والآلات المتخذة لذلك الصيد على ضروب من الحيل وبالات مختلفة» .
منع الصيد في جهة معينة أو وقت مخصوص كما يقع اليوم
ترجم في الإصابة لضرار بن الأزور الأسدي فقال: يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى منع الصيد من بني أسد اهـ منها ص 208 ج 2.
الصياد في البحر
قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: 96] وقال تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: 12] «في صحيح مسلم «2» عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر. قال. انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئه الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ميتة قال فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى ولقد رأيتنا نغترف من وقبة عينه بالقلال الدهن (زيت السمك) فلقد أخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينه وأخذ
__________
(1) انظر كتاب الصيد ج 2 ص 1530.
(2) من كتاب الصيد والذبائح ج 2 ص 1535 باب إباحة ميتات البحر.
(2/65)

ضلعا من إضلاعه فأمالها ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه فلما قدمنا المدينة أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله» .
قلت: وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى عليه السلام، كتب إلى بني جنبه وهم يهود بمقنا وإلى أهل مقنا، ومقنا قريب من إيلة كتابا جاء فيها: وإن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ما صادت عروككم. (والعروك خشب تلقى في البحر يركبون عليها فيلقون شباكهم يصيدون السمك) . [انظر الطبقات ج 1 ص 276 طبعة دار صادر بيروت] .
باب لم يتصيد عليه السلام بنفسه الكريمة ولا اشترى صيدا
قال الشعراني في كتابه منح المنة في التلبس بالسنة ص 33: وكان عليه السلام يأكل لحم الدجاج والطير الذي يصاد ولا يشتريه، ولا يصيده ويحب أن يصاد له فيؤتى به فيأكله اهـ.
تنبيه من أجمع ما كتبه المتاخرون في الصيد واحكامه منظومة الإمام البارع أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الجبار بن أحمد الفجيجي المترجم في دوحة الناشر وغيرها التي أولها:
يلومونني في الصيد والصيد جامع ... لاشياء للإنسان فيها منافع
فأولها أكل الحلال به ... نصوص كتاب الله وهي مواضع «1»
فصحة جسم ثم صحة ناظر ... وأحكام اجراء السوابق رابع
وبعد عن الرذال مع صدق همة ... واغلاق باب القول والقال سابع
وأيضا لعرض المرء فيه سلامة ... وخفظ لدينه «2» وذلك تاسع
وفيه لأهل الفضل والدين عبرة ... وتذكرة لها لديهم مواقع
ويورث طيب النفس والجود والسخا ... ويألف منه الصبر من هو جازع
ويشفي الهموم المهرمات عن الفتى ... ويقمع وجد الشيب كي لا يسارع
ويورث عند الإلتحام شجاعة ... وفيه من السر الخفي بدائع
كرعي انتظام وافتقاد رعية ... وحفظ جناب من عدو ينازع
وتدبير أمر الجيش والفتك بالعدا ... وصيد أسود الأنس والأمر ضارع
ويصفو دماغ المرء والجسم جملة ... من أخلاق سوء أو فضول تطاوع
ويغني عن الطب الضعيف علاجه ... وما مثله للحزن والسقم دافع
وقد جاء سافروا تصحّوا وتغنموا ... وذلك من قول النبوة شائع
وما ريىء مفلوجا مريعا طريده ... حكى من ذوي التجريد قوم بلائع
وأيضا يزيد في الذكاء وفي الدها ... وذلك كلّ إلى العقل راجع
__________
(1) في الشطرة الأولى نقص اختل به الوزن.
(2) كلمة: لدينه هنا تخل بالوزن. ولو قال: بدنياه لاستقام.
(2/66)

وفيه خظوظ النفس من كل بغية ... وكل سرور بالمباح فواسع
وهي قصيدة نفيسة «1» سماها مؤلفها روضة السلوان وقد شرحها بشرح ممتع في مجلد وسط العلامة الجامع أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد الجبار الفجيجي وهو من أعيان أهل المائة الحادية عشرة رحمهما الله.
اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له عليه السلام والعكس
كان له عليه السلام رجل من البادية يسمى زاهرا، كان يهادي النبي صلى الله عليه وسلم بموجود البادية، أي بما يوجد حسنا من ثمارها وزهورها. وكان عليه السلام يهاديه ويكافيه بموجود الحاضرة، وبما يستظرف منها فكان عليه السلام يقول كما في الشمائل وغيرها: زاهر باديتنا «2» ونحن حاضرته. أي ساكنها. وإذا تذكرناها سكن قلبنا برؤيتها، ونستفيد ما يستفيده الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النباتات، فكأنه صار باديتنا. وإذا احتجنا متاع البادية جاء به لنا فأغنانا عن السفر لها، وقوله: ونحن حاضرته أي يصل إليه منا ما يحتاج إليه من الحاضرة، وتوقف بعض فيه فإن المنعم لا يليق به ذكر انعامه، منع بأنه ليس من ذكر المن بالأنعام في شيء، بل أرشاد إلى مقابلة الهدية بمثلها أو أفضل. قال ابن سلطان في شرح الشمائل: وإنما ذكره مع ما فيه من الإيهام بذكر المنعم بإنعامه، لكونه مقتضى المقابلة الدالة على حسن المعاملة، تعليما لأمته في متابعة هذه المجاملة اهـ.
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلا كان يهدي النبي صلى الله عليه وسلم العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعط هذا متاعه فما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبسم ويأمر به فيعطى؟ ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فيقول: أعط هذا الثمن. فيقول ألم تهده لي فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه، وقال ابن سلطان: كان هذا الصحابي من كمال محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كلما رأى طرفة أعجبته أشتراها وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز صار كالمكاتب فرجع إلى مولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم فرجع بالمطالبة إلى سيدة ففعل هذا جد حق ممزوج بمزاح صدق، وانظر ترجمة نعيمان من الإصابة وأسد الغابة.
العمال في الحوائط
«في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أنه كان يقول «3» : ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون بمثل حديثي فسأخبركم إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل
__________
(1) رغم نفاستها فثمة أخطاء في الوزن، مصححه.
(2) ذكر في الإصابة ج 1 ص 542 وسماه زاهر بن حزام الأشجعي.
(3) أول الحديث: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر، والله الموعد، التخريج/ 736.
(2/67)

أراضيهم وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق» . [مسلم ج 2 ص 1940 من كتاب فضائل الصحابة رقم الحديث: 160] .
قلت: وذكر السيد السمهودي في جواهر العقدين عازيا للدار قطني قال: من طريق ابن أبي عمر؛ سمعت عبد الرحمن ابن أبي إسحاق المديني يحدث أن عمر بن الخطاب فقد عليا فقال: أين أبو الحسن؟ فقيل ذهب إلى أرض له فقال: إذهبوا بنا إليه فوجدوه يعمل فعملوا ساعة معه، ثم جلسوا يتحدثون فقال علي لعمر: يا أمير المؤمنين؛ أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل وقال لك أحدهم: أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكانت له أثرة عندك؟ قال. نعم قال: فأنا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه. قال: فنزع عمر رداء فبسطه فقال: لا والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نفترق، فلم يزل جالسا عليه حتى تفرقوا. قال السيد السمهودي: إنما أراد علي بذلك الإعلام بما فعله عمر من التفقد له، ومجيئه إليه وعمله معه في أرضه، وهو أمير المؤمنين لقرابته من نبينا صلى الله عليه وسلم، وإن الواحد من بني عم الأنبياء الماضي وإن بعد يستحق الأثرة على غيره، فكيف بمن كان له هذا القرب من نبينا صلى الله عليه وسلم؟ اهـ.
وفي إرشاد الساري عن محيي السنة: أن رجلا مر بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير، وهي لا تطعم إلا في كذا كذا عاما؟ فقال: ما علي أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيري؟
من كان من الصحابة يعطي أرضه بالربع والثلث
ترجم في الإصابة لجبر بن عتيك الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى في ترجمته؛ من طريق حجاج ابن أرطأة عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال: رأيت جبرا وسعدا وابن مسعود يعطون أرضهم بالربع والثلث.
المستدل على محل الماء من تحت الأرض وإستخراجه
ترجم في الإصابة لعبد الله بن عامر بن كريز القرشي، فذكر أنه أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يتفل عليه ويعوده فجعل يتبلع ريق النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لمسقي وكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء، حكاه ابن عبد البر. وذكر الحافظ أنه: أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها الماء.
قلت: يسمى هذا العلم علم الريافة، وعلم إنباط المياه وبالأخير عنون عنه ابن الأكفاني في إرشاد القاصد قال: هو علم يتعرف منه كيفية استخراج المياه الكامنة في الأرض وإظهارها، ومنفعة إحياء الأرض الميتة وفلاحتها. وللكرخي فيه كتاب مختصر، وفي خلال كتابه الفلاحة النبطيه مهمات هذا العلم اهـ.
وقال من سماه علم الريافة: هو معرفة استنباط الماء من الأرض، بواسطة بعض الإمارات الدالة على وجوده فيعرف بعده وقربه بشم التراب، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص وهو من فروع الفراسه.
(2/68)

السقاء الذي يحمل الماء على ظهره
«أبو عقيل صاحب الصاع، ذكره أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب بذلك» .
الحمل على الظهر
«في سنن النسائي «1» عن ابن مسعود: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا ما يتصدق به، حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء الحديث» .
الحجام والحلاق
«أبو هند الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أبو هند «2» أمرؤ من الأنصار فانكحوه وانكحوا إليه، وكان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن إسحاق ص 77 ج 2 في غزوة بدر منصرفه صلى الله عليه وسلم منها. وأبو طيبة «3» حجّام النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه في الموطأ» .
قلت: وقال السهيلي في الروض: وأما أبو طيبة الحجام فهو مولى بني حارثة، واسمه نافع وقيل: ميسرة ولم يشهد بدرا اهـ.
وترجم في الإصابة خراش بن أمية فذكر أنه الذي حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وفي العمرة التي تليها، ثم ترجم أيضا لخراش بن مالك فذكر أن علي بن سعد العسكري قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ، قال: لقد عظمت أمانة رجل قام عن أوداج رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديدة قال في التجريد ولعله تابعي، ثم ترجم أيضا لسالم الحجام فنقل عن أبي عمر أنه حجم المصطفى صلى الله عليه وسلم، وشرب دم المحجم. وترجم أيضا لمعمر بن نضلة، فذكر عنه أنه قال: قمت على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي موسى لأحلق رأسه فقال: يا معمر مكّنك رسول الله صلى الله عليه وسلم من شحمة أذنيه. قلت: ذاك من منن الله علي. قال: أجل. فحلقت رأسه، وترجم أيضا لأبي رحيمة بالحاء أو الخاء فقال: ذكره أبو نعيم وأخرج من طريق روح بن جناح عن عطاء بن نافع عن أبي رحمة قال: حجمت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني درهما وفي سنده ضعيف. وقد ترجم البخاري في كتاب البيوع، باب: ذكر الحجام وأدرج فيها حديث أبي طيبة. وفي فتح الباري قال ابن المنير: ليست هذه الترجمة تصويبا لصنعة الحجامة، فإنه ورد فيها حديث يخصها. وإن كان الحجام لا يظلم أجره، فالنهي على الصانع لا على المستعمل، والفرق بينهما ضرورة المحتجم للحجامة، وعدم ضرورة الحجام لكثرة الصنائع سواها. قال الحافظ إثره: إن أراد بالتصويب التحسين والندب إليها فهو كما قال، وإن أراد التجويز فلا، فإنه يجوز تعاطيها للضرورة، ومن لازم تعاطيها للمستعمل تعاطيها للصانع لها
__________
(1) انظر كتاب الزكاة باب 49 ج 5 ص 59.
(2) ترجمة في الإصابة ج 4 ص 211 جهد المقل ورقمه 1193.
(3) ترجمة في الإصابة ج 4 ص 114 ورقمه 682.
(2/69)

فلا فرق، إلا بما اشرت إليه؛ إذ لا يلزم من كونها من المكاسب الدنية أن لا تشرع ولو تواطأ الناس على تركه لأضرّ بهم اهـ.
اللحام وهو الجزار والقصاب
«في الصحيح «1» عن ابن مسعود قال: جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصاب: إجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة الحديث» .
قلت: وهو في جامع الترمذي بلفظ لحام، قال محشيه: لحام بصيغة المبالغة بائع اللحم، وألفاظ الحرف واقعة بصيغة المبالغة، بناء على كثرة عملهم ومزاولتهم اهـ.
وترجم في الإصابة لخالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي فنقل عن ابن دريد: كان جزارا وترجم فيها أيضا لكرام فقال: الجزار صاحب الزقاق المعروقة بالمدينة، ذكره عمرو بن شبة. وفي التلقيح للحافظ ابن الجوزي: كان الزبير وعمرو بن العاص وعامر بن كريز جزارين اهـ وفي الصحيح أيضا أن عليا أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها لحومها والجلود. [كتاب الحج باب 120 ص 186/ 2] .
الحرف الممتهنة في نظره عليه السلام
أخرج الطبراني من طريق عبد الرحمن بن عثمان الوقاصي، عن ابن المنكدر عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وهبت خالتي فاختة بنت عمرو غلاما وأمرتها أن لا تجعله جازرا ولا صائغا ولا حجاما. والوقاصي ضعيف. قاله الحافظ في ترجمتها من الإصابة. ولكن قال الذهبي في التجريد: فاختة وهبها عليه السلام غلاما جاء في حديث واه. وفي سنن أبي داود: «إني وهبت لخالتي غلاما وإني أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا» «2» وقال أبو الحسن السندي في حواشي مسند أحمد قيل: إنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الإحتراز، وأما الصائغ فلما يدخل في صياغته من الغش، ولأنه يصوغ الذهب والفضة، وربما كان منه آنية أو حليّ للرجال، وهذا حرام أو لكثرة الوعد والكذب في كلامه اهـ وفي الذهب الإبريز للقاوقجي: وفيه إشعار بخسة هذه الصنائع اهـ.
الطباخ
«في الشمائل عن أبي عبيدة طبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرا وفي الإستيعاب: أبو عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يطبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم» .
__________
(1) انظر كتاب البيوع ج 3 ص 10 باب 21.
(2) انظره في ج 3 ص 712 من كتاب البيوع والإجارات باب في الصائع 41.
(2/70)

وقد وقع حديثه بذلك في شمائل الترمذي وجامع الدارمي وفي الإصابة بريل مصغر أخرج ابن شاهين عن بريل السهالي قال اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة رجل يعالج لأصحابه طعاما فاذاه وهج النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يصيبك حر من جهنم بعدها انظر ص 146 ج 1.
صنيعة الخزيرة
بخاء وزاي معجمتين فياء فراء فتاء تأنيث، ترجم في الإصابة لخولة بنت قيس الأنصارية الخزرجية، فذكر عن تخريج ابن منده عن خولة بنت قيس قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فصنعت له خزيرة، فلما قدمت له وضع يده فيها فوجد حرها فقبضها، ثم قال: يا خولة لا نصبر على حر ولا نصبر على برد، وعن عائشة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخزيرة طبختها له وقلت لسودة والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها: كلي فأبت فقلت لها كلي فأبت فقلت لها إما كلي أو لألطخن بها وجهك فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها فضحك رسول صلى الله عليه وسلم، فوضع فخذه لها وقال لسودة: الطخي وجهها فلطخت بها وجهي فضحك عليه السلام. الحديث رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي «1» ، وأخرجه الملا في سيرته.
قال في المواهب: والخزيرة اللحم يقطع صغارا أو يصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، هو في القاموس: الحريرة يعني بالإهمال: الدقيق يطبخ بلبن أو دسم. وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: وأكل صلى الله عليه وسلم الخزيرة بخاء معجمة ثم راء مكسورة وبعد التحتانية راء، وهي لحم تقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرّ عليه الدقيق، وهو الذي صنعته عائشة وقدمته وعنده بعض نسائه، التي مزحت معها وقيل: هي شيء على هيئة العصيدة لكنها أرق. وفي جوهرة الغواص: هي بخاء معجمة إذا صنعت من نخالة، وبالمهملة إذا صنعت من اللبن، وفي موجبات الرحمة للرداد ترجيح الأول اهـ.
الشواء
في سنن النسائي عن أبي رافع قال: كنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم «2» .
صاحب الخبز
ترجم في الإصابة مرداس المعلم فقال: ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير سند فقال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بمرداس المعلم فقال: إياك والخبز المرقق، والشرط على كتاب الله قال: وهذا لم اقف له على سند.
قلت: إن ثبت هذا الخبر يرد به قول الحافظ ابن القيم في الطرق الحكمية: إنما لم
__________
(1) لا أدري مدى صحة هذه القصة وليت المؤلف أبدى رأيه في سندها.
(2) عثرت عليه في صحيح مسلم ج 1 ص 274 من كتاب الحيض ورقمه 94: عن أبي رافع قال: أشهد لكنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ.
(2/71)

يقع التسعير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، لأنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم اهـ. منه 233.
هل كانت الأقراص النبوية صغارا
في المواهب وشرحها وقد تتبعت، هل كانت أقراص خبز النبي صلى الله عليه وسلم صغارا أم كبارا، فلم أجد شيئا في ذلك بعد التفتيش، نعم: روي أمره بتصغيرها في حديث عند الديلمي عن عائشة رفعته بلفظ: صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه، وهو واه بحيث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروي عن ابن عمر رفعه:
البركة في صغر القرص. ونقل عن النسائي أنه كذب.
لكن روى البزار والطبراني في الكبير بسند ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر. وقال شيخه النور الهيثمي: فيه أبو بكر بن مريم، وقد اختلط وبقية رجاله ثقات عن أبي الدرداء مرفوع: قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه. قال في النهاية وحكى عن الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة، وكذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله، عن بعض أهل العلم، أنه تصغير الأرغفة أشار إلى ذلك السخاوي في المقاصد.
وفي باب ما يستحب من الكيل من فتح الباري على قوله عليه السلام: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه. قيل: في مسند البزار أن المراد بكيل الطعام تصغير الأرغفة، ولم أتحقق ذلك ولا خلافه اهـ.
وفي موضوعات علي القاري؛ نقلا عن الزركشي حديث: الأمر بتصغير اللقمة، وتدقيق اللقمة، قال النووي لا يصح اهـ وفي منظومة إبن العماد في آداب الأكل والطعام:
قالوا وما صح في طحن الطعام ولا ... تصغير لقمته شيء لذي أكل
اهـ وأنت تعلم أن نفي الصحة لا يستلزم ما عداها. ثم قال في المواهب: ولعل هذا مستند أبي إسحاق إبراهيم المتبولي في تصغيره أرغفة سماطه كالشيخ أبي العباس البدوي والسادات الوفائية اهـ.
وفي شرح المنتهى من كتب الفقه الحنبلي للشيخ منصور البهوتي الحنبلي، وعن أحمد: الخبز الكبار ليس فيه بركة، وذكر معمر أن أبا أسامة قدم لهم طعاما، فكسر الخبز قال أحمد لئلا يعرفوا كم يأكلون اهـ منه وإلى مضمون كلام القسطلاني في المواهب أشار صاحب المقالات السنية فإنه بعد أن ذكر حديث «صغروا طعامكم يبارك لكم فيه» «1» قال:
روى الحديث بإسناد به ضعف ... عزا الرواية للأوزاعي ذي الرسم
__________
(1) قال في كشف الخفاء بعد ما ذكر حديث: صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه بأنه رواه الديلمي عن عائشة مرفوعا بسند واه. وعدّه ابن الجوزي في الموضوعات. ونقل أقوال العلماء في بطلان أصل الحديث.
(2/72)

أن المراد به تصغير أرغفة ... البزار أيضا عن إبراهيم ذي النعم
يدعى أبو الندب عبد الله والده ... الجنيد عن بعض أهل العلم والحكم
أن المراد به تصغير أرغفة ... ولعل ذا سند للعارف الفهم
شيخ الطريقة في تصغير أرغفة ... سماطه كأبي العباس ذي القدم
والاصطفا أحمد البدوي ثم أولي ... المواهب والسادات ذو القدم
بنو الوفا والصفا أهل المعارف ... اكسير السعادات والسادات في الأزم
وقد تتبع بعض الحافظين بأن ... يحيط علما بخبر خبز ذي النعم
هل كانت أقراص خبز المجتبى صغرا ... أم كبارا فلم يوجد بكتبهم
شيئا سوى صغروا الخبز الحديث عن ... رمتة صاحب المصطفى الرضى الفهم
الديلمي رواه عن بعض وروي ... حديث أصدق الخلق في الرمم
تنبيه: في ترجمة تملك التابعية الكوفية من طبقات ابن سعد أنها سألت أم سلمة قالت: إذا وضعت السكين في الخبز فاذكري اسم الله وكلي. النظر ص 362 ج 8 ففيه أنهم كانوا يقطعون الخبز بالسكين.
الماشطة
«قال ابن فتحون أم زفر ماشطة خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويكرمها ويقول: إنها كانت تأتينا أيام خديجة. وقال ابن إسحاق في السيرة: لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حييّ بن أخطب بخيبر أو ببعض الطريق كانت التي جمّلتها ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان» .
قلت: في طبقات ابن سعد؛ أن المصطفى عليه السلام لما اشترى صفية من دحية الكلبي دفعها إلى أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها.
وترجم في الإصابة لآمنة بنت عفان بن أبي العاص أخت أمير المؤمنين عثمان، فذكر عن ابن الكلبي أنها كانت في الجاهلية ماشطة، وذكر فيها أيضا لشبرة بنت صفوان القرشية، فذكر عن ابن الكلبي أنها كانت ماشطة، تقني النساء بمكة.
وترجم فيها أيضا لأم رعلة القشيرية فذكر عن المستغفري أنها كانت امرأة ذات لسان وفصاحة فقالت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، إنا ذوات الجدود ومحل أزهار البعول، ومن بنات الأولاد، ولا حظ لنا في الجيش فعلمنا شيئا يقربنا إلى الله وفيه فقالت: إني امرأة مقنية أقين النساء وأزينهن لأزواجهن. فهل هو حوب فاثبط عنه؟ فقال لها يا أم رعلة قينيهن وزينيهن الخ القصة.
وفي رواية أخرى: فكان المصطفى بها متعجبا. وفي التجريد أم رعلة القشيرية، لها وفادة في حديث واه اهـ.
(2/73)

وفي باب ذكر القن والحداد من فتح الباري: وأما قول أم أيمن: قنيت عائشة فمعناه:
زينتها. قال الخليل: التقيين التزيين، ومنه سميت المغنية قينة، لأن من شأنها الزينة اهـ منه.
تتمة خرج أبو داود في سننه عن عائشة قالت: أرادت أمي أن تسمنني لدخولي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أقبل عليها بشيء مما تريد، حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمنت عليه أحسن السمن. ترجم عليه أبو داود باب السمنة «1» .
المحرشة بين النساء
ترجم في الإصابة لحميدة بالتصغير، مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي والدة أشعب الطامع فقال: قيل: كانت تدخل بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتحرّش بينهن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعزيرها، وقيل: دعا عليها فماتت. وهذا لا يصح، لأن أشعب ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة، فلعلها أصابها بدعائه مرض اتصل بها إلى أن ماتت بعده بمدة وفي محل آخر من الإصابة أن ولدها أشعب افتخر بذلك. فقيل له: ويحك أو يفتخر بهذا أحد فقال: لو لم يكن موثوقا بها عندهن ما قبلن منها.
المرأة تذهب لجس نبض الرجل هل له بزواج فلانة أرب؟
في ترجمة خديجة من الإصابة عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى قالت: كانت خديجة امرأة شريفة، كثيرة المال ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما سافر النبي صلى الله عليه وسلم في تجارتها ورجع بربح وافر، رغبت فيه فأرسلتني دسيسا إليه فقلت: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي شيء. فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: ومن؟ قلت: خديجة فأجاب. وانظر ترجمتها من طبقات ابن سعد.
النساء الممرضات اللائي كن يرافقن المصطفى عليه السلام في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة
ترجم في الإصابة للربيّع بنت معوّذ بن عفراء فنقل عن أبي عمر: كانت ربما غزت مع النبي عليه السلام. وأخرج البخاري «2» والنسائي وأبو مسلم الكجي عن الربيّع قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكنا نسقي القوم ونخدمهم. ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
وترجم في الإصابة لرفيدة الأنصارية أو الأسلمية، فذكر عن ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ لما أصيب يوم الخندق فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: اجعلوه في خيمة رفيدة التي في
__________
(1) انظره في كتاب الطب باب 20 ص 224 ج 4.
(2) انظر كتاب الجهاد ج 3/ 222.
(2/74)

المسجد حتى أعوده من قريب. وكانت امرأة تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان ضيعة من المسلمين. ونحوه للبخاري في الأدب المفرد، وفي ترجمة كعيبة بنت سعد الأسلمية نقلا عن ابن سعد: هي التي كانت تكون في المسجد لها خيمة تداوي المرضى والجرحى وكان سعد بن معاذ حين رمى يوم الخندق عندها تداوي جرحه حتى مات وشهدت خيبر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأسهم لها بسهم رجل.
وفي ترجمة ليلى الغفارية كانت تخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في مغازيه، تداوي الجرحى وتقوم على المرضى، وأخرج ابن مردويه في تفسيره عن معاذة الغفارية قالت: كنت أنيسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج معه في الأسفار أقوم على المرضى وأداوي الجرحى ولكن في التجريد: ليلى الغفارية كانت تداوي في المغازي الجرحى في خبر باطل اهـ «1» .
قلت: الخبر الباطل مبسوط في الإصابة، وفيها أيضا في ترجمة أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وحاضنته، عن الواقدي: حضرت أم أيمن أحدا، وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى، وشهدت خيبر وترجم لأم زيادة الأشجعية «2» . فذكر أنها خرجت مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادسة ست نسوة. قال: فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا قال: بإذن من خرجتن؟
ورأينا في وجهه الغضب. فقلن: خرجنا ومعنا دواء نداوي به الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق. الحديث. وفيه أنه قسم لهن من التمر. أخرجه أبو داود والنسائي وابن أبي عاصم. [انظر كتاب الجهاد ج 3 ص 170 لأبي داود] .
وفي طبقات ابن سعد، في ترجمة أم سنان الأسلمية قالت: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر جئته قلت: يا رسول الله أخرج معك أخرز السقاء، وأداوي المريض والجريح إن كانت جراح، وأبصر الرحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجي على بركة الله، فإن لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهن من قومك، ومن غيرهم. فإن شئت فمع قومك، وإن شئت فمعنا قلت معك قال: فكوني مع أم سلمة زوجتي قالت فكنت معها.
وانظر ترجمة أم كبشة القضاعية من الإصابة، وأم ورقة بنت عبد الله الأنصارية.
وقد ترجم الشامي في سيرته استصحابه عليه السلام بعض النساء لمصلحة المرضى والجرحى، ومنعه من ذلك في بعض الأوقات، فذكر قصة حديث ليلى الغفارية وعزاها للطبراني، ثم ذكر أن الطبراني خرّج برجال الصحيح عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بنا نسوة من الأنصار نسقي الماء ونداوي الجرحى، ثم ذكر أن الطبراني خرّج في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح، عن أم كبشة امرأة من بني عذرة قضاعة قالت:
يا رسول الله إيذن لي أخرج في كذا جيش كذا وكذا قال: لا. قلت يا رسول الله إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجرحى والمرضى. قال: لولا أن يقال: فلانة خرجت
__________
(1) انظر الخبر في ص 402 ج 4.
(2) انظر الخبر في ص 453 ج 4.
(2/75)

لأذنت لك، ولكن اجلسي فاقتصر على ما ذكر، فكأن ما ذكرناه لم يتيسر له والحمد لله.
وقد بوّب البخاري في كتاب الجهاد «1» : جهاد النساء وباب غزو المراة في البحر وباب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه وباب غزو النساء وقتالهن مع الرجال وباب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو وباب مداواة النساء الجرحى في الغزو وباب رد النساء الجرحى والقتلى. وخرّج فيها عن أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولقد رأيت عائشة وأم سليم مشمرتان أرى خدم سوقهما تنغزان القرب وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما، ثم ترجعان فتملآنهما ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: كانت النساء تشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى.
ولأبي داود «2» من طريق حشرج بن زياد عن جدته أنهن خرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهن عن ذلك فقلن: خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ونداوي الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السويق.
ووقع عند مسلم عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين وقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه.
وذكر في ترجمة أم عمارة الأنصارية عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني.
وفي العتبية قال مالك: كان النساء يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوه؛ يسقين الماء ويداوين الجرحى. قال ابن رشد في البيان والتحصيل. لا خلاف في خروج النساء في الغزو، مع الجيش المأمون ليخدمن الغزاة اهـ.
وقال شيخنا الشبيهي في الفجر الساطع، على قوله في هذه الترجمة: وتداوي الجرحى قال القرطبي: معناه أنهن يهيئن الأدوية للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحل. ثم أولئك النساء إما متجالات فيجوز لهن كشف وجههن، وأما الشواب فيحتجبن، وهذا كله على عادة نساء العرب في الانتهاض والنجدة، والجرأة والعفة، وخصوصا نساء الصحابة. فإن اضطر لمباشرتهن بأنفسهن جاز. والضرورات تبيح المحظورات. وقال ابن زكري: فيه معالجة الأجنبية للرجل للضرورة اهـ.
ونقل الشيخ عبد الغني النابلسي في شرح الطريقة المحمدية عن والده أنّ ابن
__________
(1) انظر صحيح البخاري ج 3 ص 221 وما بعدها.
(2) انظر كتاب الجهاد ج 3 ص 170 رقم الحديث 2729 وأوله: مع من خرجتن.
(2/76)

الزبير لما مرض بمكة استأجر عجوزا لتمرضه فكانت تغمز رجله وتفلي رأسه اهـ منه.
النسوة التاجرات
زيادة على ما سبق تقدم منهن، ويأتي جماعات وفي ترجمة قيلة الأنمارية من الإصابة عنها من تخريج ابن ماجه قلت: يا رسول الله إني امرأة أشتري وأبيع. الحديث «1» .
وفي ترجمتها من طبقات ابن سعد اهـ ص 238 من ج 8 عن قيلة أم بني أنمار قالت: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المروة ليحل في عمرة من عمره، فجئت أتوكأ على عصاه حتى جلست إليه فقلت يا رسول الله إني امرأة أبيع وأشتري، فربما أردت أن أشتري السلعة، فأعطي بها أقل مما أريد أن آخذها به ثم زدت ثم زدت حتى آخذها بالذي أريد أن آخذها به، وربما أردت أن أبيع السلعة فأستمت بها أكثر مما أريد أن أبيعها به ثم نقصت ثم نقصت حتى أبيعها بالذي أريد أن أبيعها به. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلي هكذا يا قيلة ولكن إذا أردت أن تشتري شيئا فأعطي به الذي تريدين أن تأخذيه به أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئا فاستامي الذي تريدين أن تبيعيه به أعطيت أو منعت.
وفي تحفة الناظر للقاضي العقباني: استشكال ما قيل من تأكد الأبعاد بين السماسرة والنساء، ولما يخشى من الفتنة مع ما جاء في المذهب من إباحة التجر للمرأة، وأن الزوج ليس له منعها من الخروج لذلك، وليس التجر وتعاطي أسبابه بمقصور على المأمون عليها إذ لها اقتناء الربح من أي رجل كان، وإلا لما كان تجرأ. ثم أجاب عنه بأنه لا يلزم من إباحة التجر لها أن تليه بنفسها، ولعلها توكل من يقوم به عنها من الأمناء؛ محرما أو غيره.
قال: وما ذكرناه من أنه لا يمنعها من الخروج للتجارة نقله في الحادي عن المجموعة. قال بعض الشيوخ: يفهم من قوله: ليس له منعها من التجارة أنه لا يغلق عليها. وهو منصوص في الوثائق المجموعة في كتاب الوصايا اهـ.
وفي شرح أبي يحيى التازي على الرسالة: وأما البيع والشراء فيمنعها من ذلك في الأسواق، ويجوز لها ذلك في الدار ويدخل إليها الرجال، لكن تبايعهم من وراء حجاب، ولا تفتقر فيه إلى إذن زوجها اهـ منه.
القابلة
«قال في الاستيعاب عند ذكر إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم: إن قابلته سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي رافع فبشر به أبو رافع النبي صلى الله عليه وسلم، فوهب له عبدا وهي قابلة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي غسلت فاطمة عليها السلام مع زوجها» .
وفي ترجمة خديجة من الإصابة؛ وكانت قابلتها سلمى مولاة صفية، وكانت تسترضع
__________
(1) انظر كتاب التجارات في ابن ماجه ص 743/ 2 باب السوم/ 29.
(2/77)

لولدها، وتعد ذلك قبل أن تلد. وفي ترجمة سوداء من الإصابة: أنه جاء بإسناد فيه مجهول، أنها كانت قابلة لفاطمة حين وضعت الحسن.
الخافضة
«قال عليه الصلاة والسلام لأم عطية، وكانت تخفض النساء: أشمّي (لا تستقصي) ولا تنهكي (لا تبالغي) فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج (أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها) » .
المرضعة
«ذكر في الاستيعاب أم بردة بنت المنذر بن زيد من بني عدي بن النجار فقالت: هي التي أرضعت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه لها صلى الله عليه وسلم ساعة وضعته أمه فلم تزل ترضعه حتى مات عندها» [وهي زوج البراء بن أوس بن خالد] .
قلت: ونحوه في الإصابة وعقبه بقوله: وقال أبو موسى: المشهور أن التي أرضعته أم سفيان ولعلهما جميعا أرضعتاه «1» .
المرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي
في ترجمة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، من الاستبصار روي عنها أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فامنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت وموضع شهوات الرجال، وحاملات أولادكم، وأن الرجال فضلوا بالجماعات، وشهود الجنائز، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه وقال لهم:
هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. انصرفي يا أسماء. وأعلمي من ورائك من النساء، أن حسن تبعّل إحداكم لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، تعدل كلّ ما ذكرت. فانصرفت أسماء. وهي تهلل وتكبر، استبشارا بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ.
المغزل
أخرج أبو نعيم في المعرفة عن عبد الله بن ربيع الأنصاري، رفعه: علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل.
__________
(1) وروى البخاري في كتاب الجنائز 44 ص 85 ج 2 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه.
(2/78)

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس رفعه: لا تعلموا نساءكم الكتابة ولا تسكنوهن الغرف، وقال خير لهو المؤمن السباحة، وخير لهو المؤمنة الغزل. وخرّج الديلمي عن أنس رفعه: نعم لهو المرأة مغزلها. وتقدم حديث: عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء المغزل «1» ، وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس رفعه: زينوا نساءكم بالمغزل. وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن بكار السكسكي، حدثنا موسى ابن عوف، حدثنا النفيلي حدثنا زياد بن السكن قال: دخلت على أم سلمة وبيدها مغزل تغزل به فقلت: كلما أتيتك وجدت في يدك مغزلا، فقالت: إنه يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس، وأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظمكن أجرا أطولكن طاقة.
وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يزيد بن مروان، عن زياد بن عبد الله القرشي قال: دخلت على هند بنت المهلب بن أبي صفرة، وهي امرأة الحجاج بن يوسف، فرأيت في يدها مغزلا تغزل به، فقلت: أتغزلين وأنت ابنة أمير؟ قالت: سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطولكن طاقة أعظمكن أجرا، وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الحاكم. وأخرج ابن سعد عن أم صفية خولة قالت: كنا نكون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر في المسجد نسوة قد تخاللن، وربما غزلت بعضنا فيه الخوص، فأخرجنا منه عمر. وقد أفرد هذه الترجمة الحافظ السيوطي بجزء سماه الأجر الجزل في الغزل، وهو عندي ومنه لخصت ما سقته هنا «2»
في المغنين (ذكر المغنين في الأعياد) .
«في الصحيحين عن عائشة: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني صلى الله عليه وسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي انصرف عن النظر إليهم وفيهما أيضا أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان بالدف ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» «3» .
__________
(1) حديث موضوع ذكره صاحب التيسير وعزاه للخطيب وابن لال وابن عساكر وفي إسناده كذاب وقال الذهبي: فقبح الله من وضعه.
(2) لا شك بأن عمل المرأة بشكل عام في مهنة شريفة كالخياطة أو الغزل هو مما يناسب حال المرأة، ولكن الزمان تغير كثيرا فمن يقنع النساء بملازمة البيت وعدم الخروج إلا لضرورة. مصححه.
(3) البخاري ج 2 ص 11 من كتاب العيدين باب 25. وكذلك في مسلم ج 3 ص 608 كتاب العيدين.
(2/79)

وخرج الإمام أحمد وابن ماجه عن قيس بن سعد بن عبادة قال: ما من شيء كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قدر رأيته إلا شيئا واحدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغلس له يوم الفطر وقال جابر: هو اللعب. وروى ابن ماجه عن عياض الأشعري أنه شهد عيدا بالأنبار فقال: ما لي لا أراكم تغلسون كما كان يغلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: دخلت على جارية لحسان بن ثابت يوم فطر، ناشرة شعرها معها دف، فزجرتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعيها يا أم سلمة فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا.
«وخرّج مسلم عن عائشة قالت: دخل علي أبو بكر وجاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث يوم معلوم بين الأوس والخزرج- فقالت وليستا بمغنيتين- قال أبو بكر أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا وخرجه البخاري فقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم» .
قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري البغدادي في مؤلفه في السماع: من تمسك بتسمية أبي بكر مزمار الشيطان فقد أخطأ وأساء الفهم من وجوه؛ منها: تمسكه بقول أبي بكر مع رد النبي صلى الله عليه وسلم له قوله، وزجره عن عنفه لهن ورجوع أبي بكر إلى إشارة المصطفى، ومنها إعراض هذا القائل عن إقراره صلى الله عليه وسلم، واستماعه الذي لا احتمال فيه، أنه يقتضي الحل، والإطلاق إلى لفظ أبي بكر. ومحال أن يعتقد أبو بكر تحريم أمر حضره المصطفى وأقر عليه، مع علم الصديق أنه عليه السلام لا يقر على باطل. والصحيح أن يفهم من قول أبي بكر ما يليق به. وهو أنه رأى ضرب الدف وإنشاد الشعر لعبا من جملة المباح الذي ليس فيه عبادة، فخشي باطنه الكريم من تعظيم حضرة النبوة واحترام منصب الرسالة وشدة الاحتشام ما حمله على تنزيه حضرته عليه السلام عن صورة اللعب، ورأى أن الاشتغال بالذكر والعبادة في ذلك الموطن الكريم أولى، فزجر عنه احتراما لا تحريما فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم إنكاره لأمرين، أحدهما: أن لا يعتقد تحريم ما أبيح في شرعه توسعه لأمته ورفقا بها، وتفسحا في بعض الأوقات. والثاني: إظهار الشارع مكارم الأخلاق وسعة الصدر لأهله وأمته، فتستريح قلوبهم ببعض المباح، فيكون أنشط لهم في العود إلى وظائف العبادة، كما قال لما قال أبو بكر: أقرآن وشعر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ساعة من هذا وساعة من هذا اهـ.
هل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل (وهل سمع الصحابة العود والوتر)
قال الخزاعي هنا:
«لم أقف في شيء مما طالعته من الكتب ما استدل به على الدفوف، التي كانت الجواري يضربن بها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان فيها جلاجل أم لا؟ ولكن يحتمل إجازة
(2/80)

أبي حامد «1» استعمال ما فيه الجلاجل من الدفوف ثبوت استعمالها في عهده عليه السلام، ولذلك أباح استعمالها اهـ» .
قلت: قد وجدت التلمساني في شرح الشفا المسمى المنهل الأصفى قال: كانت العرب تعمل في دفوفها الجلاجل، وانظر قوله في الحديث «2» : وجويريات يلعبن بالدف.
هل هو المدور أو ذو الجلاجل؟ اهـ وقال العلامة الكمال الأدفوي في الإمتاع: ما ادّعوه أن الدفوف التي كانت في زمنه عليه السلام لم يكن لها جلاجل نفي يحتاج إلى الإثبات، ولو ثبت لم يكن فيه حجة، إنما الحجة أن لو كان ثم منع اهـ.
وذكر الشيخ أبو المواهب التونسي في تأليف له في إباحة سماع الآلات أن جمعا من الصحابة والتابعين سمعوا نقر العود، فمن الصحابة ابن عمرو وعبد الله بن جعفر، وعبد الله ابن الزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم اهـ نقله عنه القاضي ابن الحاج في حواشي شرح المرشد.
وفي رسالة إبطال دعوى الإجماع، على تحريم مطلق السماع، للحافظ الشوكاني؛ ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع؛ أن عبد الله بن جعفر كان لا يرى بالغناء بأسا، ويسوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره. وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وقال إمام الحرمين في النهاية، وابن أبي الدم: نقل الأثبات من المؤرخين أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوّادات وأن ابن عمر دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فناوله إياه فتأمله ابن عمر وقال:
هذا ميزان شامي. فقال ابن الزبير: توزن به العقول.
ذكر أسماء المغنيات في المدينة في العهد النبوي
تقدم في الحديث قبله: وجاريتان تغنيان من جواري الأنصار، قال في الفجر الساطع: جاريتان دون بلوغ لعبد الله بن أبي اسم إحداهما حمامة. قلت: سمى منهما حمامة في رواية ابن فليح عن ابن أبي الدنيا، عن هشام عن أبيه عن عائشة. انظر ترجمة حمامة من الإصابة، وترجم فيها لأرنب المغنية المدنية وقال: روينا في الجزء الثالث من أمالي المحاملي من طريق ابن جريج. أخبرنا أبو الأصبغ أن جميلة المغنية أخبرته؛ أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء فقال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهديت عروسك؟ قالت: نعم. قال: فأرسلت معها بغناء، فإن الأنصار يحبونه قالت: لا. قال فأدركيها بأرنب امرأة كانت تغني بالمدينة، وترجم أيضا لزينب الأنصارية فقال: جاء أنها كانت تغني بالمدينة. فأخرج الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في
__________
(1) هو الإمام الغزالي رحمه الله وانظر رأيه في السماع في إحياء علوم الدين ج 2 ص 282.
(2) انظر البخاري كتاب النكاح باب 48 ص 37/ 6.
(2/81)

كتاب الصفوة من طريق المحاملي أن جميلة أخبرته؛ أنها سألت جابر بن عبد الله عن الغناء. فقال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة، فذكر قصة تشبه التي قبلها وفيها قول المصطفى عليه السلام: فأدركيها بأرنب امرأة؛ كانت تغني بالمدينة وانظر ترجمة فريعة بنت معوذ بن عفراء. وقال الحافظ في كتاب النكاح، من الفتح على حديث النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها؛ ودعائهن بالبركة وفيه: فإن الأنصار يعجبهم اللهو.
وفي حديث ابن عباس وجابر: قوم فيهم غزل وفي حديث جابر عند المحاملي:
أدركيها بزينب. امرأة كانت تغني بالمدينة. ويستفاد منه تسمية المغنية الثانية في القصة التي وقعت في حديث عائشة الماضي في العيدين حيث جاء فيه: دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان. وكنت ذكرت هناك أن اسم إحداهما حمامة كما ذكره ابن أبي الدنيا في العيدين له بإسناد حسن. وإني لم أقف على اسم الآخرى، وقد جوّزت الآن أن تكون هي زينب هذه اهـ.
قلت: انظر هذا مع ما نقله الخزاعي هنا عن المشارق على قوله جاريتان تغنيان. قال وليستا بمغنيتين الغناء الأول من الإنشاد، والثاني من الصفة اللازمة أي ليستا ممن اتصف بهذا واتخذه صناعة إلا كما ينشد الجواري وغيرهن من الرجال في خلواتهن ويترنمن به من الأشعار في شؤونهن. ويحتمل أن يكون ليستا بمغنيتين هذا الغناء المصنوع العجمي الخارج عن إنشاد العرب اهـ.
قال الحافظ ابن الجوزي في تلبيس إبليس: الظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن، لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إليها الجواري يلعبن معها. ثم ذكر بعض طريق القصة وفيها ما كانوا يغنون به فقال: فبان بما ذكرناه ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب، ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم اهـ منه ص 240.
وقال النووي في شرح مسلم وقوله: وليستا بمغنيتين معناه ليس الغناء عادة لهما، ولا هما معروفتان به قال القاضي: وإنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب، والمفاخرة بالشجاعة والظهور، وهذا لا يهيج الجواري على شر ولا انشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا اهـ ونحوه للقسطلاني في الإرشاد وغيره.
ذكر ما كانوا يغنون به
سبق أن جواري الأنصار كانوا يغنون بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، وبعاث بضم الباء وآخره مثلاثة والعين مهملة وإعجامها تصحيف، وهو اسم حصن وقع الحرب عنده بين الأوس والخزرج، قال الأستاذ المعمر أبو النجاة سالم بو حاجب المالكي أحد الأعلام من مشايخنا التونسيين في تعاليقه على الصحيح: لله درّ البخاري في إيراد خصوص اللعب المذكور يوم العيد، حيث يؤخذ منه أن اللهو الذي يرتكب لإظهار المسرة العيدية ينبغي أن
(2/82)

لا يكون خاليا عن نحو مصلحة شرعية، حتى يخرج ذلك اللعب عن دائرة اللهو والباطل.
وفي هذا إشارة إلى أصل عظيم من أصول تمدن الأمة، وهو أن تجعل الألعاب مشحونة بتربيات تمكن القلوب من حب الدين والوطن، وترتوي بمكارم الأخلاق حتى يكون الإنسان في مباشرة تلك الألعاب ومشاهدتها يتنزل عليه المثل المشهور «يسرّ حسوا في ارتغاء» «1» وهذا الذي لمح له البخاري هنا، يؤخذ من قوله عليه السلام: كل لهو ابن آدم باطل، إلا في ثلاث: تأديب الفرس، والرمي بالقوس، وملاعبة الزوجة. ولله در الصديقة حيث جمعت بين حديث الجاريتين وحديث الحبشة، فإن غناء بعاث يحرك الحماسة القلبية، ولعب الحبشة يعلم سرعة الحركات البدنية. والأمران هما ملاك التقدم في الحرب.
فإن قيل: التدريب الحربي هو تعليم العلوم، والتعليم جدّ لا لعب، فكيف سماه البخاري لعبا؟ فالجواب كما أشار إليه ابن حجر: أنه شبّه اللعب من حيث الصورة، فإنك ترى أحد المتناضلين يظهر أنه يقصد طعن صاحبه ولا يفعل ويتهدده ولو كان أباه أو ابنه اهـ.
ذكر من غنّى في وليمة النكاح
«في الصحيح «2» عن عائشة أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو» .
قلت: وفي حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد وصححه الحاكم وابن حبان: أعلنوا النكاح زاد الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة: واضربوا عليه بالدف. قال الحافظ في الفتح: واستدل بقوله: واضربوا على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكن إسناده ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن بذلك للنساء، فلا يلحق بهن الرجال؛ لعموم النهي عن التشبه بهن اهـ وحديث ابن حاطب المذكور قال عبد الحق في الأحكام: وغير الترمذي يقول:
صحيح. وخرج النسائي عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بنت كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يتغنين فقلت: أنتما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقال اجلس إن شئت فاسمع معنا وإن شئت اذهب، قد رخص لنا في اللهو عند العرس.
وترجم في الإصابة لثابت بن يزيد الأنصاري فذكر أن البارودي وأبا نعيم خرّجا من طريق شريك عن ابن إسحاق عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بنت كعب وثابت بن يزيد وأبي مسعود وعندهم جوار وأشياء فقلت: تفعلون هذا وأنتم من الصحابة قالوا رخّص لنا في اللهو عند العرس انظر ص 217.
وانظر ترجمة علي بن هبار الأسدي فيها أيضا. وترجم فيها أيضا لمعبد بن قيس فذكر
__________
(1) ومعناه: يحسو اللبن وهو يظهر أنه يأخذ الرغوة فقط.
(2) ج 6/ 140 كتاب النكاح.
(2/83)

أن ابن السكن خرج قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تزوجت، فقال: هل من لهو؟.
وترجم البخاري «1» في الصحيح: باب ضرب الدف في النكاح والوليمة ثم خرج عن الربيّع بن معوذ بن عفراء قالت: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حين بني عليّ فجلس على فراشي فجعلت جويريات يضربن في الدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن:
وفينا نبيّ يعلم ما في غد.
فقال: دعي هذه وقولي الذي كنت تقولين.
قال الحافظ في الفتح على قوله: جويريات لم أقف على أسمائهن، ووقع في رواية حماد بن سلمة بلفظ: جاريتان تغنيان، فيحتمل أن تكون اثنتان هما المغنيتان، ومعهما من يتبعهما، أو يساعدهما في ضرب الدف من غير غناء. وقال: قوله: ويندبن من الندبة، وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه، وتعديد محاسنه من الكرم والشجاعة ونحوها. وقال:
قوله: وقولي بالتي كنت تقولين فيه إشارة إلى جواز سماع المدح، والمرثية مما ليس فيه مبالغة، تفضي إلى الغلو.
وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بنساء من الأنصار في عرس لهن وهنّ يغنين:
وأهدى لها كبشا تنحنح في المربد ... وزوجك في البادي ويعلم ما في غد
فقال: لا يعلم ما في غد إلا الله. قال المهلب: في هذا الحديث اعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح. وفيه إقبال الإمام إلى العرس، وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح، وفيه جواز مدح الرجل في وجهه، ما لم يخرج إلى ما ليس فيه.
وأغرب ابن التين فقال: إنما نهاها لأن مدحه حق والمطلوب في النكاح اللهو، فلما أدخلت الجد في اللهو منعها. كذا قال. وتمام الخبر الذي أشرت إليه يرد عليه. وسياق القصة يدل على أنها لو استمرت على المراثي لم ينهها. وإنما أنكر عليها ما ذكر من الأطراء حيث أطلق علم الغيب عليه، وهو صفة تختص بالله كما قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: 65] وقوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعراف: 188] وقوله: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف: 188] وسائر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى له، لا أنه يستقل بعلم ذلك، كما قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26، 27] .
__________
(1) الحديث في البخاري ص 127 ج 6 باب النكاح.
(2/84)

ذكر تلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إيابه
معروف خبر انشاد غلمان الأنصار بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
قلت هذا الشعر أنشد عند قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة، رواه البيهقي في الدلائل، وأبو بكر المقري في كتاب الشمائل، له عن ابن عائشة. وذكر الطبري في الرياض عن أبي الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول أراه عن أبيه فذكره. وقال: خرّجه الحلواني على شرط الشيخين. وراجع المواهب وشرحها ص 417 من ج 1.
وفي الكلام على غزوة تبوك من المواهب: ولما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا. وقد وهم بعض الرواة فقال: إنما كان هذا عند مقدمه المدينة، وهو وهم ظاهر؛ لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام كما قدمت ذلك اهـ.
قال الزرقاني: وقد تقدم أن الولي العراقي قال: يحتمل أن الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. وقدمت أن هذا يؤيده جمع الثنيات، إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم يجمع. ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر، مرة عند الهجرة ومرة عند قدومه من تبوك، فلا يحكم بغلط ابن عائشة لأنه ثقة. وانظر فتح الباري في الهجرة وغزوة تبوك. وزاد المعاد.
وذكر المطرزي في اليواقيت عن ابن عباس قال: لما قدم المدينة النبي صلى الله عليه وسلم استقبلته بنات الأنصار بأيديهن الدفوف يضربن بها ويقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
وخرّج الترمذي عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت بريدة يقول: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب» . قال الترمذي: حسن صحيح «1» .
قال التوربشتى كما في قوت المغتذي على جامع الترمذي: إنما مكّنها من ضربه بين يديه إذ نذرت. فدل نذرها على أنها عدّت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم الله عليها؛ فانقلب الأمر فيه من صفة اللهو إلى صفة الحق ومن المكروه إلى المستحب اهـ.
__________
(1) انظر كتاب المناقب ج 5 ص 620 رقم الحديث 3690.
(2/85)

ذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهم ولم ينكره
«روى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب آداب السماع فقال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه ومعه سماطان من أصحابه وجاريته تغنيهم فانتهى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول:
هل عليّ ويحكما ... إن لهوت من حرج
«فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا حرج وقد ذكر القصة ابن عبد ربه في العقد الفريد» .
قلت: في ترجمة حسان من الإصابة أخرج أبو نعيم من طريق بشر بن محمد المؤدب عن أبي أويس عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رسول عليه وسلم بحسان ومعه أصحابه سماطين وجارية له يقال لها سيرين، وهي تغنيهم فلم يأمرهم ولم ينههم رواه ابن وهب عن أبي أويس مثله لكن قال: وجارية طربة تغنيهم.
وقد ألف في السماع والغناء جماعة منهم.
(1) الإمام ابن قتيبة له كتاب الرخصة في السماع.
(2) الإمام أبو منصور التميمي البغدادي.
(3) الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي.
(4) الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد ابن أحمد بن حبيب العامري البغدادي.
وفي المنن الكبرى للشعراني بعد كلام: صنف الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي كتابا نقض فيها أقوال من قال بتحريم السماع، وجرح النقلة للحديث الذي أوهم التحريم، وذكر من جرّحهم من الحفاظ واستدل على إباحة السماع واليراع والدف والأوتار بالأحاديث الصحيحة، وجعل الدف سنة.
قال الشيخ القوصي بن عبد الغفار القوصي: وقد قرأت ذلك على الحافظ شرف الدين الدمياطي وأجازني به عن الحافظ أبي طاهر السلفي الإصبهاني بسماعه من المصنف وقال: لا فرق بين سماع الأوتار وسماع صوت الهزار والبلبل، وكل طير حسن الصوت، فكما أن صوت الطير مباح سماعه فكذلك الأوتار اهـ.
وكتاب المقدسي المذكور تأليف عجيب نادر الوجود واسع البحث، وقفت على نسخة منه بزاوية الهامل ببو سعادة من القطر الجزائري.
(6) لمحمد بن عمر بن محمد البستى المعروف بالدراج كتاب سماه الكفاية والغناء في أحكام الغناء.
(2/86)

(7) للإمام المؤرخ المطلع أبي الفضل كمال الدين جعفر الأدفوي الشافعي كتاب سماه الإمتاع بأحكام السماع وهو عندي في مجلد وهو كتاب لا نظير له في الباب، ونسب فيه:
(8) للشيخ أبي القاسم القشيري.
(9) الشيخ تاج الدين الفزاري.
(10) الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
(11) الشيخ تقي الدين ابن دقيق تأليف في الجواز مسميا كتاب الأخير باقتناء السوانح انظر وقد قال عن كتاب الأدفوي هذا الإمام الأسنوي في طبقات الشافعية: إنه كتاب نفيس أنبأ فيه عن اطلاع كثير اهـ وقال عنه الحافظ الشوكاني لم يؤلف مثله في بابه اهـ.
قلت: لم أر له نظيرا فيما ألّف في المسألة ولا أعلى نقلا وأجود بحثا.
(12) للأستاذ أبي المواهب التونسي «فرح الإسماع برخص السماع» .
(13) للإمام أبي الفتوح أحمد الغزالي: بوارق الإلماع في تكفير من يحرم مطلق السماع.
(14) للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي تحريم مطلق السماع.
(15) للقاضي أبي عيسى عبد الرحيم الكجراتي أحد شارحي خطبة القاموس رسالة أخرى وهذه الرسائل الأربعة مطبوعة بالهند.
(16) للأستاذ عبد الغني النابلسي إيضاح الدلالات في سماع الآلات وقد طبع مرارا.
(17) للعلامة العارف أبي زيد عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس اليمني المصري تشنيف الإسماع ببعض أسرار السماع.
(18) للحافظ ابن رجب الحنبلي نزهة الإسماع في مسألة السماع.
وانظر كتاب مواهب الأرب المبرأة من الجرب في السماع وآلات الطرب لخالنا أبي المواهب:
(19) جعفر بن ادريس الكتاني وهو في مجلد واختصاره لأبي العباس.
(20) أحمد بن الخياط الزكاري الفاسي. وقد طبع بفاس.
وقال الحافظ الشوكاني في رسالته «بطلان الإجماع على تحريم مطلق السماع» : روى الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة عمر كما رواه ابن عبد البر وغيره، وعثمان كما نقله الماوردي وصاحب البيان وحكاه الرافعي، وعبد الرحمن بن عوف، كما رواه ابن أبي شيبة وأبو عبيدة بن الجراح، كما أخرجه البيهقي وسعد بن أبي وقاص، كما أخرجه ابن قتيبة وأبو مسعود الأنصاري، كما أخرجه البيهقي وبلال وعبد الله بن الأرقم، وأسامة بن زيد كما أخرجه البيهقي وضمرة كما في الصحيح، وابن عمر كما أخرجه ابن طاهر، والبراء بن مالك
(2/87)

كما أخرجه أبو نعيم وعبد الله بن جعفر، كما رواه ابن عبد البر وغيره وعبد الله بن الزبير كما نقله أبو طالب المكي. وحسان كما رواه أبو الفرج الأصبهاني، وعبد الله بن عمرو كما رواه الزبير بن بكار وغرضة بن كعب كذا كما رواه ابن قتيبة وخوّات بن جبير كما أخرجه صاحب الأغاني والمغيرة بن شعبة كما حكاه أبو طالب المكي وعمرو بن العاص كما حكاه الماوردي، وعائشة والرّبيع كما في الصحيح.
هل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى
نقل صاحب الأنيس المطرب فيمن لقيته من أدباء المغرب، في ترجمة الأديب أبي عبد الله محمد البوعصامي، أنه أخبره أن علم الموسيقى كان في الصدر الأول عند من يعلم مقداره من أجل العلوم، ولم يكن يتناوله سوى أعيان العلماء واشرافهم. وذكر عنه أيضا أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان له اليد الطولى في العلوم، إلا أنه غلبت عليه شهرة الموسيقى، وأن الرشيد خرج يوما للعلماء وأمر بإحضارهم، وإدخال كل طبقة وحدها، وجعلوا يدخلون زمرا فكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي، كلما دخلت طائفة دخل معها فكان يقبض نصيبه مع كل طائفة حتى تردد إلى سفرة العطاء 24 مرة انظر ص 163 منه.
قلت: ونحوه في ترجمة أبي الأسود الدؤلي من الإصابة قال: كان يعدّ في التابعين والشعراء، والفقهاء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء والنحاة، والحاضري الجواب والشيعة والصلع والبخر والبخلاء اهـ.
ذكر قينة غنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذنه لتسمع أم المؤمنين عائشة
روى النسائي عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة تعرفين هذه؛ قلت لا يا نبي الله قال: هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك فغنتها «1» .
قلت: ترجم النسائي على هذا الحديث في سننه باب: إطلاق الرجل لزوجته سماع الغناء والضرب بالدف قال الأدفوي في الإمتاع: وسنده صحيح، وكذا قال الحافظ الشوكاني قال الأدفوي؛ وروينا هذا الحديث في معجم الطبراني الكبير، وهذا الحديث قوي الدلالة على إباحة الغناء من الرجال والنساء، وقوله: قينة يدل على أن هذه كانت صنعتها الغناء، فإن لفظة قينة مشهورة في ذلك، واستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة محبة أن تغنيها، ولم تسأله هي ذلك، وإنما ابتدأها به. وغناؤها لعائشة بحضرته عليه السلام كل ذلك صريح في الإباحة اهـ.
__________
(1) عثرت عليه في مسند أحمد ج 3 ص 449 من حديث السائب بن يزيد وبقية الحديث: فأعطاها طبقا فغنتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد نفخ الشيطان في منخريها.
(2/88)

قلت: ولكن تمام الحديث عند النسائي أنها لما غنت لعائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد نفخ الشيطان في منخريها فانظر لم لم يتمم سياقه عن النسائي الخزاعي هنا والله اعلم.
ذكر الغناء والإنشاد
ذكر أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب، وابن قدامة في الإستبصار، في ترجمة خوّات بن جبير الصحابي المعروف قال: خرجنا حجّاجا مع عمر فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف فقال القوم: غننا من شعر ضرار. فقال عمر:
دعونا من شعر ضرار، فليغن من بنيات فؤاده، يعني من شعره قال: فما زلت أغنيهم حتى كان السحر. فقال عمر: إرفع لسانك يا خوات فقد سحرنا، وساق هذه القصة في الإصابة من طريق السراج في تاريخه، وفي الصحيح: عن بلال أنه رفع عقيرته ينشد شعرا قال ابن بطال كما في ءرشاد ابن غازي: هذا النوع من الغناء هو نشيد الأعراب للشعر بصوت رفيع.
قال الطبري: هذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع، وهو الذي غنت به الجاريتان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينه عنه. وقال عروة بن الزبير: نعم زاد الراكب الغناء نصبا. وقال عمر: الغناء من زاد الراكب ورأى أسامة بن زيد واضعا إحدى رجليه على الآخرى يغني النصب، قال الطبري: وهو الإنشاد بصوت رفيع، وفعل هذا اليوم هو المسمى بالسماع، وصاحبه بالمسمع وكان يقال له في القديم: المغني.
قال ابن غازي وهو القوّال المسمع اهـ وفي القاموس: والمغبرة قوم يغبرون لذكر الله أي يهللون ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها، سموا بذلك لأنهم يرغبون الناس في المغابرة إلى الباقية اهـ.
وفي كشف القناع على متن الإقناع من كبار كتب الحنابلة إثر ما ذكر: وفي المستوعب منع من اطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمه، لأنه شعر ملحن كالحداء والحدو للإبل ونحوه.
ونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي أن أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم قوما أفضل منهم، قيل: إنهم يسمعون ويتواجدون. قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يغشى عليه؟ قال: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:
47] اهـ منه.
ما كان يقوله الذين يذهبون بالعروس لدار زوجها
ترجم في الإصابة لفارعة بنت أبي أمامة الأنصارية، فذكر أنه لما كانت الليلة التي زفت فيها قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا:
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
وأخرجه ابن الأثير من طريق المعافى بن عمران: أنه روى في تاريخه عن عائشة
(2/89)

قالت: أهديناا يتيمة من الأنصار، فلما رجعنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلتم: قلنا: سلمنا وانصرفنا. قال إن الأنصار قوم يعجبهم الغزل ألا قلت يا عائشة:
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
وترجم في الإصابة لأم نبيط فرفع فيها إسناده لقصة لطيفة، أردت أن أربط سندي به، ثم أسوقها عنه موصولة فأقول:
أخبرنا مسند الشام عبد الله بن درويش السكري الدمشقي شفاها عام 1324 عن مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، عن مصطفى الرحمتي أنا الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، أخبرنا نجم الدين محمد بن بدر الدين الغزي العامري، عن أبيه عن شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري أخبرنا شيخ الحفاظ ابن حجر قال: قرأت على فاطمة بنت المنجا عن سليمان بن حمزة وأبي نصر الشيرازي وإسماعيل بن يوسف بن مكتوم قالوا: أخبرنا أبو يعمر حمزة بن علي بن الحسن أخبرنا القاسم ابن أبي العلاء حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، حدثنا عتبة بن الزبير من ولد كعب بن مالك، أنا محمد بن عبد الخالق حدثنا عبد الرحمن بن نبيط عن أبيه هو نبيط عن جابر عن جدته أم نبيط قالت:
أهديناا جارية لنا من بني النجار إلى زوجها؛ فكنت مع نسوة من بني النجار ومعي دف أضرب به وأنا أقول.
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم
ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم
قالت: فوقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا أم نبيط فقلت بأبي أنت وأمي يا نبي الله جارية منا من بني النجار نهديها إلى زوجها قال: فتقولين ماذا؟ قالت فأعدت عليه قولي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولي:
ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاراكم
قال الحافظ هذا حديث غريب، أخرجه ابن منده وأخرجه ابن الأثير عن أبي البركات ابن عساكر، عن محمد بن الجليل بن فارس عن أبي القاسم بن أبي العلاء، فكان شيخنا سمعه منه.
وقال أبو نعيم: تقدم ذكره يعني في ترجمته وذكر أبو نعيم أن اسمها نائلة بنت الحسحاس، وقد ذكرتها في حرف النون وأهملها وهي على شرطه اهـ.
ذكر لعب الحبشة بحرابهم فرحا بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم
أخرج أبو داود عن أنس لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه عليه السلام. [انظر كتاب الأدب باب 51 ص 221/ 5] .
(2/90)

لعب البنات مع عائشة
في المواهب كان عليه السلام يرسل إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها رواه الشيخان اهـ. [البخاري كتاب الأدب ج 7/ 102
لعبها بالتماثيل مع البنات
في الصحيح «1» : عن عائشة قالت كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي.
قال في المشارق: البنات هي اللعب والصور شبه الجواري التي يلعب بها الصبيان اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات من اللعب، لأجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض. ونقله عن الجمهور. وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن في صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ اهـ.
وروى أحمد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: هذا خيل سليمان. قالت: فجعل يضحك من قولها. قال الإمام أحمد غريب.
وفي الصحيح أنها كانت في متاع عائشة لما تزوجها صلى الله عليه وسلم. قال ابن حزم كما نقله السفاريني: وجائز للصبيان خاصة اللعب بالصور، ولا يجوز لغيرهم، والصور محرمة إلا هذه وإلا ما كان رقما في ثوب. ونقل أيضا عن الأحكام السلطانية في فصل والي الحسبة:
وأما اللعب فليس يقصد به المعاصي، وإنما يقصد به إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير يقاربه معصية بتصوير ذوات الأرواح ومشابهة الأصنام فلا تمكن منها، وبحسب ما تقتضيه شواهد الحال يكون إقراره أو انكاره؛ يعني إن كانت قرينة الحال تقتضي المصلحة أقره وإلا أنكره انظر شرح قول المرداوي:
وحلّ شراء لليتيمة لعبة ... بلا راس أن تطلب وبالراس فاصدد
ولا تشتري ما كان من ذاك صورة ... ومن ماله لا مالها في المجرد
وأما مذهبنا فالتوسعة؛ ففي الفجر الساطع على باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك واستثنى العلماء من ذلك لعب الجواري، فأجازوا اتخاذها وبيعها، ولم يغيروا سوقها لأن المصطفى عليه السلام أقر عائشة على اتخاذها لما فيه من تدريب الصبيان على تربية الأولاد ولكن كره الإمام مالك للرجل أن يشتري ذلك لابنه أي أنه ليس من أخلاق ذوي المروءة لا أنه كره اللعب بها هذا معناه قاله عياض وأقره الآبي اهـ.
__________
(1) انظر كتاب الأدب ج 7 باب 81 ص 102.
(2/91)

وفي الآبي قال عياض في قول عائشة: كنت ألعب بالبنات. الحديث: فيه جواز اللعب بها وتخصيص النهي عن اتخاذ الصور، لما فيها من تدريب النساء في صغرهن على النظر في بيوتهن وأولادهن، وقد أجاز العلماء بيعها وشراءها.
رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه عليه السلام
جاء الحبشة بحرابهم يلعبون في المسجد، فكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يريهم لعائشة، وهي متكئة على منكبه. خرّجه البخاري «1» في مواضع منها: باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة من كتاب النكاح، وفي ترجمة انس من مسند أحمد: كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرقصون ويقولون: محمد عبد صالح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقولون؟
قالوا: يقولون: محمد عبد صالح اهـ انظر ص 152 من ج 3.
وفي جامع الترمذي «2» بلفظ: قام صلى الله عليه وسلم فإذا حبشية تزفن بفتح الفوقية وسكون الزاي وكسر الفاء وبالنون ترقص والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إليها [أي إلى الحبشية] ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: أما شبعت أما شبعت؟ فجعلت أقول: لا لا وقال حسن صحيح غريب.
قال الزرقاني في شرح المواهب ص 311 من ج 4 لعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلمه فتنقله بعد للناس اهـ واصله لابن بطال قال: يمكن أن يكون تركها لتنظر اللعب بالحراب لتضبط السنة في ذلك، وتنقل الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من ابناء المسلمين، وتعرفهم بذلك اهـ نقله عنه شارح الإحياء.
وقال القاضي عياض: فيه أقوى دليل على إباحة الرقص إذ زاد النبي صلى الله عليه وسلم على إقراراهم أن أغراهم اهـ. نقله المواق في سنن المهتدين والونشريسي في المعيار، وأقراه وإذا علمت كما سبق عن مسند أحمد أنهم كانوا يرقصون ويقولون: محمد عبد صالح ظهر لك أن تسميته لعبا تجوّز، وإلا فذكر المصطفى لا يكون معه اللعب، وإنما يكون في الجد. وانظر لقول الغزالي في كتاب السماع من الأحياء:
واجب أن يصان القرآن عن الضرب بالدف ونحوه، لأن صورة هذه الأمور صورة اللهو واللعب، والقرآن جدّ كله، فلا يجوز أن يمزج بالحق المحض ما هو لهو عند العامة، وصورته صورة اللهو عند الخاصة، وإن كانوا لا ينظرون إليها من حيث إنها لهو؛ ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرآن ليلة العرس، ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت الربيّع بنت معوّذ بن عفراء وعندها جوار يغنين، فسمع احداهين تقول: وفينا نبي يعلم ما في غد، على وجه الغناء فقال عليه السلام: دعي هذا وقولي ما كنت تقولين. وهذه شهادة بالنبوة،
__________
(1) انظر ج 6 ص 159 من كتاب النكاح باب 114.
(2) انظر ج 5 ص 621 من كتاب المناقب باب 17 ورقم الحديث 3691.
(2/92)

فزجرها عنها، وردها إلى الغناء الذي هو لهو. ولأن هذا جدّ محض فلا يقرن بصورة اللهو. فواجب في الإحترام العدول إلى الغناء عن القرآن، كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء اهـ منها ونحوه لابن التين السفاقسي في شرحه على الصحيح.
ونظيره ما سبق في باب ذكر ما كانوا يغنون به فانظره، وفي الإرشاد للقسطلاني على قصة الربيع هذه: وقوله دعي هذه وقولي الخ ما نصه: فإن مفاتيح الغيب عند الله لا يعلمها إلا هو، وأيضا يحتمل أن يكون الممنوع أن يوصف عليه السلام أثناء اللعب واللهو، إذ منصبه أجلّ واشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد اهـ.
وكذلك نقول هنا: لو كان فعل الحبشة مجرد لعب لنهاهم عليه السلام أن يقولوا وهم يلعبون: محمد عبد صالح. وحيث لم ينههم، بل أقرهم وأغراهم فهو ذكر قصد به التعبد وطاعة، وإظهار الفرح بالله وبرسوله، فلذلك أقرّهم عليه السلام وعجب من فعلهم ونالوا غاية الرضى منه.
وفي الشفا: كان السلف الصالح تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره عليه السلام اهـ.
ومن جواب للشيخ أبي السعود الفاسي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل أن يذكر إلا على قصد الثواب، ومواضع الفرجة فيجل ذكره عن ذلك كله اهـ.
وأما قول الحافظ ابن حجر في الفتح: استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات اللهو، وطعن فيه الجمهور لاختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو. ففيه نظر لأن رقص القوم ليس من اللهو واللعب ولذا قال شيخنا أبو عبد الله محمد الفضيل الشبيهي في الفجر الساطع إثره: وفيه نظر، فإن الرقص الذي أثبته الصوفية ليس قصدهم منه اللهو، وحاشاهم من قصد ذلك، وانما قصدهم به الإجتماع على الذكر، والإقبال عليه بالقلب والقالب، واستغراق الجوارح كلها فيه وهو قصد صحيح، لما جاء من الترغيب في الإكثار من الذكر على أي حال كان الذاكر، فلا طعن في الإستدلال عليه برقص واقع لمقصد صحيح أيضا اهـ منه.
أقول: غاية الرقص عند القوم ذكر من قيام، وهو مشروع بنص القرآن: اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، وتمايل واهتزاز وهو منقول عن الصحابة، فقد خرّج أبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكروا الله تمايلوا يمينا وشمالا كما تتمايل الشجرة بالريح العاصف إلى أمام، ثم ترجع إلى وراء انظر تأليف الرقص لشيخنا الأستاذ الوالد، وهو مطبوع واختصاره لشيخنا أبي العباس ابن الخياط الزكاري، وذيلنا على الأصل، ورسالة الحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي في المسألة وهي
(2/93)

مطبوعة بفاس أيضا. وللحافظ أبي بكر ابن أبي الدنيا الشهير كتاب: الوجد ذكره له ابن سليمان الرداني في حرف الواو من صلته. وانظر باب الحجل فيما سيأتي.
قوله عليه السلام اقدروا قدر الجارية الحديثة السن
خرّج أحمد «1» في مسنده عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه؛ لأنظر إلى لعبهم من بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو. وفيه عن عائشة أيضا قالت: كنت ألعب باللعب فيأتي صواحبي فإذا دخل رسول الله فررن منه، فيأخذهن رسول الله فيردهن إلي. قال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب السماع من الإحياء، بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام، وفيها دلالة على أنواع من الرخص:
الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.
والثاني فعل ذلك في المسجد.
الثالث قوله عليه السلام: دونكم يا بني أرفدة، وهذا أمر باللعب والتماس له فكيف يقرر كونه حراما؟
والرابع: منعه لأبي بكر وعمر من الإنكار والتغيير، وتعليله بأنه يوم عيد أو وقت سرور.
والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك، وسماعه لموافقة عائشة وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الإمتناع.
السادس قوله عليه السلام: أتشتهين أن تنظري، ولم يكن ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة.
والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين، مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان، وفيه بيان إن المزمار المحرم غير ذلك.
الثامن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرع سمعه صوت الجاريتين، وهو مضطجع فيدل هذا على أن صوت النساء إنما يحرم عند خوف الفتنة. فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف، واللعب بالدرق والحراب، والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد اهـ.
__________
(1) انظره ج 6/ 247 والإسلامي 281/ 6 دون الجملة الأخيرة (فاقدروا..) .
(2/94)

باب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم
ترجم البخاري في الأدب المفرد: باب لعب الصبيان، حدثنا موسى حدثنا عبد العزيز قال؛ حدثني شيخ من أهل الخير يكنى أبا عقبة قال: مررت مع ابن عمر مرة في الطريق، فمر بالحبش فرآهم يلعبون، فأخرج درهمين فأعطاهم. وفي الحسام المسنون في نصرة أهل السر المكنون لأبي عبد الله بن سودة، عن عكرمة لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت الدعوة لللعابين، فلعبوا فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم.
المسابقة
تقدم السباق في الخيل، وفي المواهب روي أنه صلى الله عليه وسلم سابق زوجته عائشة في سفر فسبقته لخفة جسمها، ثم سابقها بعد ذلك في سفر آخر وقد سمنت فسبقها فقال عليه السلام مطيبا لخاطرها: هذه بتلك،
وخرج أحمد «1» عنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض اسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: حتى أسابقك فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى حملت اللحم وبدنت وسمنت وخرجت معهه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا فقال أسابقك فسبقني فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك.
ورواه أبو داود «2» والنّسائي وابن ماجه من حديث عائشة، قاله في المغني.
قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: أترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان ينبسط مع عياله ويسابق عائشة أكان خارجا عن الأنس بالله؟ اهـ.
وفي ترجمة واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب من طبقات ابن سعد عن نافع قال:
مات واقد بن عبد الله بالسقيا فصلى عليه ابن عمر ودفنه، ثم دعا الأعراب فجعل يسبق بينهم فقلت: دفنت واقدا الساعة وأنت تسبق بين الأعراب؟ قال: ويحك يا نافع، إذا رأيت الله قد غلب على أمر فاله عنه.
المصارعة
ذكر ابن اسحاق في سيرته وغيره أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع، وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، بينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة، إذا لقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ فقال له: يا محمد هل لك من شاهد على صدقك؟ قال: نعم، أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟
قال: نعم يا محمد. فقال له تهيأ للمصارعة، فقال: تهيأت فدنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرعه.
__________
(1) انظر ج 6 ص 264.
(2) انظر كتاب الجهاد باب 61 ص 66 ج 3.
(2/95)

قال؛ فتعجب ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيا وثالثا فوقف ركانة متعجبا وقال: إن شأنك لعجيب رواه أبو نعيم والبيهقي، عن أبي أمامة من طريقين: مرفوعا ومرسلا.
وركانة المذكور هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، القرشي المكي الصحابي الذي أسلم عام الفتح. وتوفي في المدينة في خلافة معاوية عام 42. وكان شديد البأس قويا جسيما معروفا بالقوة في المصارعة بحيث إنه لم يصرعه أحد قط ولم يمس جلده الأرض مغلوبا قط، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم صارعه فصرعه، قاله الخفاجي في النسيم. وفي حواشي ابن الطيب الفاسي على القاموس في ركانة: قصته مشهورة وصرع النبي صلى الله عليه وسلم إياه من اعظم معجزاته، وكان ركانة أصرع أهل زمانه، وكان من شدته أنه يقف على جلد بعير لين جيد حين سلخه، فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه، كما في شروح الشفا والمواهب وغيرهما اهـ.
قلت: قصة ركانة المذكورة رواها الحاكم في مستدركه، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة المصارع عن أبيه محمد لكن قال الحافظ ابن حجر في التقريب أبو جعفر بن محمد بن ركانة مجهول ومحمد بن ركانة قال عنه أيضا فيه مجهول، ووهم من ذكره من الصحابة، وروى المصارعة أبو داود والترمذي «1» : من طريق أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد ابن ركانة عن أبيه، أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي: غريب وليس إسناده بالقائم. وقال ابن حبان في إسناد خبره في المصارعة نظر لا أعتمد على إسناد خبره قاله في الإصابة. وقد صارع صلى الله عليه وسلم كما في المواهب جماعة غير ركانة منهم ابنه يزيد بن ركانة ومنهم أبو الأسود الجمحي كما قال السهيلي. ورواه البيهقي وكان شديدا بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتفرك الجلد ويتقطع ولا يتزحزح عنه، فدعا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ.
وقال الحفني في حواشي شرح ابن حجر علي الهمزية قيل: وصارع أبا جهل ولكن لم يصح اهـ واصله للبرهان الحلبي في المقتفى، كما نقله عنه الخفاجي في نسيم الرياض في موضع. وفي محل آخر نقله عن المقدسي.
وعندي رسالة لطيفة للحافظ السيوطي سماها المسارعة إلى المصارعة، ذكر فيها مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ركانة من طرق، ومصارعة صغار الصحابة فيما بينهم لينجحوا في الأذن لهم في شهود الغزو، وأن أهل مكة كانوا لا يصارعون أحدا إلّا صرعوه، حتى رغبوا عن ماء زمزم. ومن طرق: مصارعة الحسن للحسين عليهما السلام، بمرأى منه صلى الله عليه وسلم. وقال
__________
(1) انظر كتاب اللباس في سنن أبي داود ج 4/ 341 والترمذي أيضا ج 4/ 247.
(2/96)

في نسيم الرياض على حديث ركانة: يقتضي جواز المصارعة إلا أنهم قالوا: بالمال حرام، كالمسابقة عليه أو أنه من خصائصه عليه السلام.
تتمة وكان لركانة المذكور ابنه يزيد وابن ابنه علي، وكانت لهما قوة زائدة كأبيهما ركانة، وقد صارع يوما يزيد بن معاوية عليا هذا فصرعه عليّ صرعة لم يسمع بمثلها، وكان يزيد من أشد العرب، ثم حمل معاوية بعد ذلك عليا على فرس جموح لا يطاق، فعلم علي ما يراد به فلما جمح الفرس به ضم عليه فخذه ضمة انفتق به الفرس فمات. وذكر عنه أيضا أنه تأبط رجلين باليدين، ثم جرى بهما وهما تحت إبطه حتى صاحا: الموت الموت فأطلقهما. كذا في ابن التلمساني على الشفا.
حجل بعض كبار الصحابة بين يديه صلى الله عليه وسلم
في الصحيح «1» أنه عليه السلام قال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي.
وفي التوشيح زاد ابن سعد من مراسيل الباقر فقال جعفر: فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي دار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال: شيء رأيت الحبشة يفعلونه لملوكهم. وفي طريق آخر: أن الثلاثة فعلوا ذلك والحجل بحاء فجيم فلام كسبب رقص على هيئة مخصوصة اهـ.
وفي تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي: اختصم علي وجعفر وزيد بن حارثة في ابنة حمزة فقال لعلي: أنت مني وأنا منك فحجل، وقال لجعفر أشبهت خلقي فحجل، وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل الحديث. أخرجه أبو داود من حديث علي بإسناد حسن وهو عند البخاري «2» دون ذكر الحجل. [ورواه أحمد ج/ 1 ص 108] .
قال الحافظ السيوطي في الحاوي، لما تكلم على مسألة الرقص، بعد أن ذكر حجل من ذكر، عن مسند أحمد وذلك من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم، فكان هذا أصلا في رقص الصوفية، يدركونه من لذة المواجيد اهـ.
حبس الطير للعب الصبيان به
قال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حزينا فقال: ما شأنه؟ قال: مات نغزه. فقال له يا أبا عمير ما فعل النغير؟ خرّجه البخاري «3» ومسلم والترمذي.
قال الجوهري: النغير تصغير نغر، بوزن رطب. وهو طائر صغير كالعصفور. وقيل
__________
(1) انظر البخاري كتاب الصلح ج 3 ص 168.
(2) انظر البخاري كتاب الصلح ج 3 ص 168.
(3) انظر في البخاري ج 7 ص 102 من كتاب الأدب.
(2/97)

فراخ العصافير. قال عياض: والراجح أنه طائر أحمر المنقار، وأهل المدينة يسمونه البلبل.
وقد أكثر الناس من استنباط الأحكام من هذا الحديث، وزاد أبو العباس بن القاص من الشافعية على مائة، وأفردها في جزء وقال ابن غازي: حدثني أبو الحسن ابن منون أنه بلغه أنه أي ابن الصباغ أملى في درسه بمكناس على حديث أبي عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة. وكان آخر ما أقرأ بها. قال وكنت تأملت هذا الحديث فانقدح لي زهاء مائتين وخمسين من الفوائد، فقيّدت رسومها ولم أجد فراغا لبسطها: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها اهـ وانظر ج 4 من نفح الطيب، وترجمة أبي عبد الله بن الصباغ المكناسي من كفاية المحتاج لأبي العباس السوداني.
وقال ابن غازي أيضا في حواشيه على الصحيح: مرّ بنا أن بعض العلماء استنبط منها زهاء ثلاثمائة فائدة، وسمعت من يذكر عن أبي الفضل ابن الصباغ المكناسي بلديّنا أكثر من ذلك، وكنت أعملت فيه الفكر فرسمت في مبيضة فوائد ما يزيد على المائتين، إلا أنها لا يخلو بعضها من تداخل والله أعلم اهـ.
وفي حواشي ابن الشاط على مسلم لدى حديث الترجمة عن عياض فيه جواز لعب الصغير بالطيّر، ومعنى هذا اللعب عند العلماء إمساكه وتلهيته بمسكه لا بتعذيبه وعبثه.
وقال الشيخ أبو علي بن رحال في باب الغصب، بعد أن ذكر أنه أخذ من المدونة جواز حبس الطير في القفص ما نصه: وما ذكر من حبس الطير إنما هو إذا لم يكن فيه تعذيب أو تجويع أو تعطيش، ولو بمظنة الغافلة عنه، أو بحبسه مع طير آخر ينقب رأسه، كما تفعله الديوك في الأقفاص، ينقب بعضها رأس بعض، حتى إن الديك يقتل آخر وهذا كله حرام بإجماع؛ لأن تعذيب الحيوان لغير فائدة لا يختلف في تحريمه. والفائدة يتأتى وجودها بلا تعذيب، وهذا إن كان يحبسه وحده أو مع لا ينقبه، أو يعمل بينهما حائلا، بحيث لا يصل بعضه إلى بعض، ويتفقده بالأكل والشرب، كما يتفقد أولاده ويضع للطير ما يركب عليه كخشبة. وأما أن يضعه على الأرض بلا شيء فذلك يضر به غاية في البرد. وهذه الأمور لا تحتاج إلى جلب نص فيها لوضوحها، وكم رأينا من يعذب الدجاج في الأقفاص على وجوه مختلفة من أنواع العذاب، وكذا حبس الكبش بلا أكل ولا شرب أو بغل، يربطه في موضع ويغلق عليه حتى يكاد يموت جوعا. ومن لا رحمة فيه لا يعتبر في الدفع عن الدواب إلا ما يقتلها أو يضعف بدنها. وأما عذابها في نفسها إذا سلمت مما ذكر فلا يبالي به. وذلك كله حرام وعقوبة في الدنيا والآخرة إن لم يعف الله، فإن هذه الحيوانات غير الإنسان لا تتكلم، فلا تنادي أنها في الحاجة في كذا إن لم تكن رحمة من مالكها. ومن مازج الناس وأمعن النظر بقلبه وتفكر ورأى من عذابه الحيوانات من هذه الجهة من لا يسامح فيه، إلا من له مائة رحمة ثم قال: فالحاصل أن هذا باب من العقاب ترك كثير الهروب منه، فينبغي لمن فيه رحمة أن ينبه على هذا كل من لا يعرفه، ثم قال: وكثير من الناس يسمع مثلا أن الطير
(2/98)

يجوز حبسه وأن العصفور يجوز أن يلعب به ويستدل بحديث أبي عمير ما فعل النغير، ويعتمد على ذلك بلا شرط عدم تعذيبه وهذه مسألة عظيمة الأجر والعقاب، وكذا تحميل الدواب أكثر مما تقدر عليه بحسب العادة وغير ذلك، وذلك كله من نزع الرحمة من القلوب ولكن إنما يرحم الله من عباده الرحماء اهـ.
وفي طبقات ابن سعد عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمّالا وقال: لم تحمل بعيرك ما لا يطيق. ووجدت في فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم: أن عمر كتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدا بلجام ثقيل من هذه الرستية، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة، وكتب عمر إلى حيان بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل.
وفي عون الودود على سنن أبي داود على حديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) «1» الراحمون أي لمن في الأرض؛ من آدمي وحيوان لم يؤمر بقتله في الشفقة عليهم والاحسان إليهم اهـ.
وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى عليه السلام قال لنقاده ابن عبد الله بن خلف الأسدي: يا نقادة ابغ لي ناقة حلبانة ركبانة، ولا تولّها على ولد «2» .
وفيها أيضا في ترجمة سوادة بن الربيع الجرمي عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأمي، فأمر لي بشياه وقال لها: مري بنيك أن يقلموا أظفارهم خشية أن يوجعوا أو يعبطوا ضروع الغنم، ومري بنيك أن يحسنوا غذاء رباعهم.
وفي طبقات ابن سعد أن عمر بن الخطاب؛ كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول:
إني لخائف أن أسأل عما بك.
ولما قال ابن رشد: يقضى للعبد على سيده إن قصّر عما يجب له عليه بالمعروف؛ في مطعمه وملبسه خلاف ما يملكه من الدواب، فإنه يؤمر بتقوى الله في إجاعتها ولا يقضى عليه بعلفها، ردّه مستعظما له حطاب المغرب الشيخ أبو علي بن رحال في باب النفقات، من شرح المختصر. بنص ابن عبد البر في الكافي، والرفق بالدواب في ركوبها، والحمل عليها، واجب سنة فإنها عجم لا تشكو وفي كل ذي كبد رطب أجر. هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان في الأحسان إليها أجر، فكذلك في الإساءة إليها وزر. ولا يحمل على الدواب أكثر من طاقتها، ولا تضرب وجوهها، ولا تتخذ ظهورها كراسي، ولا تقلد الأجراس، ولا تستعمل ليلا إلا أن يروح عنها نهارا، ولا يحل حبس بهيمة مربوطة عن السرح والانتشار بغير علف ولا طعام. قال ابن رحال: فإن قول ابن رشد: الدابة لا يقضى
__________
(1) رواه أبو داود في كتاب الأدب باب 58 ص 231 ج 5 ورقمه 4941.
(2) روى أحمد في مسنده ج 5 ص 77 حديثا يقرب معناه من هذا الحديث.
(2/99)

الخ يلزم ابن رشد أن الدابة إذا حمّلها مالكها ما لا تطيقه من الحمل أو اشتغل يعذبها عذابا شديدا، فلا فائدة أنه لا يقضى على المالك بترك ذلك، وأنه يترك هو واياها ويؤمر بتقوى الله فيها فقط. وذلك لا يحل أصلا مع مخالفة ذلك لكلام الناس، وحديث: (في كل ذي كبد رطبة أجر) رأيت أبا عمر قال: يلزم عليه أن الاساءة إليه فيها وزر، والوزر منكر، والمنكر يجب تغييره كما أشار إليه ابن عرفة، ولو كان الناس يزجرون بقول الإمام لهم:
اتقوا الله في كذا ما شرعت الزواجر والقتل والسجون والتعزيرات الخ. كلام أبي علي بن رحال انظره لدى قول خ: إنما تجب نفقة رقيقة ودابته ما لم يكن مرعى، وإلا بيع كتكليفه من العمل ما لا يطيق، ويجوز من لبنها ما لا يضر نتاجها. فإن أبا علي جلب وحطب من الأنقال في المسألة ما يسوغ لنا أن نجعله في طليعة جمعيات الرفق بالحيوان العجم يتخذونه قدوة ونعم الأسوة، وإنما أطلت القول هنا لتعلم أن أهل الإسلام قبل بقرون تفطنوا لما تظاهرت به الآن، جميعات الرفق بالحيوان في أوروبا فخذه شاكرا.
(لطيفة) كانت بالمدينة على عهد مالك رضي الله عنه دار تعرف بدار قدامة، كان الناس يلعبون فيها بالحمام، وهي التي أشار إليها مالك حيث عاب على تلميذه ابن الماجشون سؤاله عن مسألة واضحة فقال له: أتعرف دار قدامة. قال ابن حارثة: كانت لابن الماجشون نفس أبية؛ كلّمه مالك يوما بكلمة خشنة فهجره عاما كاملا، استبعد عليه الفرق بين مسألتين فقال له: أتعرف دار قدامة؟ وكانت دارا يلعب فيها الأحداث بالحمام. وقال البرزلي قيل: إن مالكا رمى عبد الملك بدار قدامة، لأنه نسبه للصغر واللعب انظر تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطّاب وفتاوي الشيخ عليش ص 267 ج 1.
اتخاذ الوحش في المسكن
في مسند أحمد ص 112 من ج 6 عن عائشة قالت: كان لآل النبي صلى الله عليه وسلم وحش، فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض، فلم يرمرم ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه.
وروى ابن عدي عن جابر رفعه: إذا كان أحدكم في بيته وحده خاليا فليتخذ فيه زوج حمام. وروى الطبراني بسند جيد عن عبادة بن الصامت قال: اشتكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتخذ زوجا من حمام.
وروى ابن السني وابن عساكر عن معاذ بن جبل؛ أن عليا كرم الله وجهه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوحشة، فأمره أن يتخذ زوج حمام. ويذكر الله في هديره. وروى وكيع في الغرر وابن عدي عن علي أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال له: ألا اتخذت زوجا من حمام، فانسك وأكلت من فراخه، أو اتخذت ديكا فانسك وأيقظك للصلاة.
مهمة في طبقات ابن سعد عن جابر بن عبد الله: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كلاب المدينة، فأتاه ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إن منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر ولي كلب.
(2/100)

قال: فرخص لي أياما، ثم أمره بقتل كلبه. انظر ص 153 من ج 4. وهذه المهمة أشبه بادخالها في باب الحسبة أو أبواب الصحة ولكن هاهنا كتبت وأثبتت.
نهب اللوز والسكر ونثره في العرس
أخرج أبو جعفر الطحاوي، والبيهقي في سننه «1» من حديث، لمازة بن المغيرة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل أن المصطفى عليه السلام حضر إملاك رجل من الأنصار لم يسم، زاد في رواية العقيلي فخطب صلى الله عليه وسلم، وأنكح الأنصاري. وقال:
على الألفة والخير والطائر الميمون. دففوا على رأسه فدفف عليه، فجاءت الجواري معهن الأطباق فيها اللوز والسكر، فنثر عليهم فأمسك القوم أيديهم فلم يمدوها إلى الأطباق فقال عليه السلام: ألا تنهبون؟ قالوا: أنت نهيت عن النهبة قال: إنما نهيت عن نهبة العساكر.
أما العرسات فلا.
وفي رواية العقيلي فأمسك القوم ولم ينتهبوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أزين الحلم؟ ألا تنتهبوا قالوا: نهيتنا عن نهبة يوم كذا وكذا. فقال إنما نهيتكم عن نبهة العساكر. ولا أنهاكم عن نهبة الولائم. ثم قال معاذ: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاذبهم ويجاذبونه في الانتهاب، واحتج به الطحاوي على أن النثار بنحو اللوز والسكر غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة. وقضى به على الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي. قال البيهقي بعد هذا الحديث وهذا لا يثبت. ثم قال: وروى من حديث عائشة عنه صلى الله عليه وسلم نحوه ولا يثبت في هذا المعنى شيء. وشنّع على الطحاوي القول في ذلك جدا في كتاب المعرفة وقال: إنما يروي عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفرة توجب ضعف الحديث، فكيف بهما مجتمعتان هذا وخالد بن معدان منقطع، ولا حجة في منقطع.
وقد أخرج العقيلي من طريق عائشة قالت: حدثني معاذ بن جبل قال: شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إملاك رجل من الأنصار الحديث. لكن قال عبد الحق: في إسناده بشر بن إبراهيم الأنصاري البصري وهو ضعيف، وذكر الحديث ابن عرفة في مختصره قائلا: ذكره العتبي ثم نقل عن عبد الحق ما ذكر، وعقبه بقوله: وفي ذكر ابن عبد السلام له دون ذكر قول عبد الحق إيهام بصحته. ولم يتعقبه ابن القطان بحال اهـ.
وفي المواق على المختصر: هذا قيل من أبي عمر لاجازة النهبة، وقد قال عليه السلام: لم أنهكم عن نهبة الولائم. وانظر ابن حجر والمناوي على الشمائل، والمواهب وشرحها، وحواشي الرهوني على المختصر. وترجمة خطف الفاكهة ونهبها من رسالة ابن ليون التجيبي.
__________
(1) انظر الجزء السابع من الطبعة الهندية ص 288 من كتاب الصداق. باب ما جاء في النثار في الفرح.
(2/101)

اللهو واللعب المأذون فيه
خرّج البيهقي عن المطلب بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الهوا والعبوا فإني أكره أن أرى في دينكم غلظة. وخرّج الحاكم عن عائشة رفعته: هل كان معكم من لهو؟
فإن الأنصار يحبون اللهو. وخّرج أحمد عن روح بنت أبي لهب قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل من لهو؟ قال الشهاب أحمد بن حجر الهيثمي في كتابه «كف الرعاع» قوله عليه السلام: الهوا والعبوا، دليل لطلب ترويح النفس إذا سئمت، وجلاها إذا صدأت باللهو واللعب المباح. الخ كلامه. وانظر إيضاح الدلالات في سماع الآلات للشيخ عبد الغني النابلسي الشامي، ومنه اللعب بالأرجوحة وهي حبل يعلق ويركبه الصبيان. قاله ابن درستويه. وتبعه الفيروز آبادي في القاموس، والجمهور. وقال صاحب العين والمصباح:
هي خشبة توضع من وسطها على تل ويعلق غلامان على طرفيها، وتترجح أي تميل تارة بهذا وتارة بهذا. وهذا الذي قاله ثعلب عن ابن الأعرابي، وقاله أهل الغريب في حديث عائشة: وأنا على أرجوحة. قال ابن الطيب في حواشي القاموس: وزاد لا بأس بنصب الأرجوحة واللعب بها، كما قاله في كتاب البركة ونقله شراح المختصر، وأيده الزرقاني بنقل القرافي عن غيره، أنها نافعة من وجع الظهر اهـ.
وقد ترجم أبو داود في سننه باب في الأرجوحة «1» ، وذكر حديث عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجني وأنا بنت سبع أو ست فلما قدم المدينة أتتني نسوة. وقال بشر «2» فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة فذهبن بي وهيأنني وصنعنني فأتي بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبنى بي وأنا ابنة تسع.
ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا
بوّب البخاري «3» في كتاب النكاح من الصحيح، باب حق اجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه. ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوما ولا يومين. قال الحافظ: يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار، دعا أبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما فكان أبي صائما فلما طعموا دعا أبي وانتثر. وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقا منه وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر إلى حفصة وقال: فيه ثمانية أيام وإليه أشار المصنف بقوله ونحوه، لأن القصة واحدة وهذا وإن لم يذكره المصنف ولكن جنح إلى ترجيحه لإطلاق الأمر بإجابة الدعوة بغير تقييد وقد نبه على ذلك ابن المنير. وأفصح البخاري بمراده في تاريخه؛
__________
(1) انظر ج 5 ص 228 من كتاب الأدب رقم الحديث 4933.
(2) هو بشر بن خالد أحد رواة هذا الحديث.
(3) انظر ج 6/ 143 باب/ 71.
(2/102)

فإنه أورد في ترجمة زهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود «1» والنسائي من طريق قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الوليمة حق. أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث سمعة ورياء. قال البخاري: لا يصح إسناده. وقال ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب. ولم يخص أياما ولا غيرها. وهذا أصح. وقال ابن سيرين عن أبيه أنه بنى بأهله أو لم سبعة أيام، فدعا في ذلك أبي بن كعب فأجابه اهـ.
وأخرج أبو يعلى بإسناد حسن عن أنس قال: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام. وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية؛ قال عياض:
استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا وقال غيره: إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم وعند الأمن من الرياء والسمعة اهـ ملخصا من فتح الباري.
جلب دقيق الحواري
الأبيض الناصع النقي سمي به لنقائه من النخالة فهو خلاصة الدقيق ولبابه.
والسمن والعسل من الشام إلى المدينة وأكل المصطفى عليه السلام منه
عن الليث بن أبي سالم قال: أول من خبص في الإسلام عثمان بن عفان؛ قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما، وبعث به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل فاستطابه. قال المحب الطبري في الرياض النضرة: أخرجه خيثمة في فضائل عثمان، وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان دقيق وسمن وعسل، فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية الحاكم وغيره، عن ابن سلام: خرج صلى الله عليه وسلم إلى المربد فرأى عثمان يقود ناقة تحمل دقيقا حواريا وسمنا وعسلا، فقال له: أنخ فأناخ فدعا فيها بالبركة، ثم دعا صلى الله عليه وسلم ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من الدقيق والعسل والسمن، ثم عصد حتى نضج أو كاد أن ينضج. ثم أنزله فقال صلى الله عليه وسلم: كلوا هذا شيء تسميه فارس الخبيص. قال الطبري: خرّجه تمام في فوائده، والطبراني في معجمه. قال الحافظ ابن حجر، وتبعه الحافظ الشامي. رجال الأوسط والصغير ثقات. وقد أخرجه الحاكم وصححه بقيّ بن مخلد «2» اهـ.
وقال الزرقاني في شرح المواهب: ومقتضاه أن أول من خبص في الإسلام النبي صلى الله عليه وسلم، فخالف قوله أولا: أول من خبص في الإسلام عثمان، ويحتمل أن نسبته إليه لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه، لكن روى الحرث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسمن والبر، وأتى به في قصعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم تسميه الخبيص. فأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويمكن الجمع أيضا بتكرار ذلك فيكون عثمان فعله بنفسه، ثم عرضه على النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن يصنع له منه ففعل اهـ.
__________
(1) الحديث في كتاب الأطعمة ج 4 ص 126.
(2) أحد كبار علماء الأندلس الثقات أهل الورع. ت 276 هـ نقلا عن جذوة المقتبس للحميدي ص 274/ 1.
(2/103)

قال شيخنا الأستاذ الوالد في تحديد الأسنة، عقب حديث أكله عليه السلام خالص الدقيق المذكور: فإن قلت خرّج الترمذي في الشمائل عن سهل بن سعد «1» ، أنه قيل: أأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي؟ يعني الحوار. قال سهل: ما رأى صلى الله عليه وسلم النقي حتى لقي الله عز وجل.
قلت: أخبر رضي الله عنه بحسب إطلاعه ومنتهى علمه، وإلا فالمثبت مقدم على النافي.
ومن أثبت حجة على من نفى. ولم يحط أحد بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم اهـ.
وفي طبقات ابن سعد أن ابن عمر كان يستحب أن يطيّب زاده، وأنه قيل لنافع: أكان ابن عمر يصيب من هذا الطعام؟ فقال: كان ابن عمر يأكل الدجاج والفراخ، والخبيص في البرمة.
وفي أوائل السيوطي: أول من خبص الخبيص عثمان، خلط العسل والنقي من الدقيق ثم بعث به إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزل أم سلمة، وفيها أيضا: أول من أدخل الفالوذج ديار العرب أمية ابن أبي الصلت، أطعمه بعض الناس ذلك بالشام، فبلغ ذلك عبد الله بن جدعان فوجه إلى اليمن من جاء له بمن يعمل له الفالوذج بالعسل، وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي: وفي رواية جمع وصححها الحاكم، كما نبه عليه الشيخ محمد الشافعي في سيرته: أهدى ملك الهند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا منها جرة فيها زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة قطعة. قال أبو سعيد الخدري وأطعمني رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعتين اهـ.
وقد قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه صيد الخواطر: بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم له طعام فقال: لا آكل. قيل له: لم؟ فقال لأن نفسي تشتهيه وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي. فقلت لقد خفيت طرق الصواب عن هذا من وجهين:
وسبب خفائها عدم العلم. أما الوجه الأول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على هذا ولا أصحابه، وقد كان عليه السلام يأكل لحم الدجاج ويحب الحلوى والعسل. ودخل فرقد السنجي على الحسن وهو يأكل الفالوذج فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله ولا أحب من يأكله فقال الحسن: لعاب النحل، بلباب البر، بسمن البقر هل يعيبه مسلم؟ وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج فقال: ولم؟ قال: يقول لا أؤدي شكره فقال:
إن جارك جاهل، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟ وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج واللحم المشوي ويقول: إن الدابة إذا أحسن إليها عملت، وجيء إلى علي بفالوذج فأكل منه، وقال: ما هذا قالوا: نور النيروز. فقال: نورزونا في كل يوم. فينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقا ويطلب دليلها، وقد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكل منه، ولا تكن ممن يرى صور الزهد، فرب مشبع لا يريد الشبع وإنما يريد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة؛ خصوصا من قد لاقى الكل [الكلل] وأجهده الفكر.
__________
(1) انظر باب صفة خبز رسول صلى الله عليه وسلم ص 93 من الطبعة الأولى 1344 هـ.
(2/104)

جلب الجبن الرومي وأكله عليه السلام منه وقطعه بالسكين
في حديث أبي داود «1» من حديث ابن عمر قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في تبوك. قال الزرقاني في شرح المواهب من عمل النصارى فقيل: هذا تصنعه المجوس، فدعا بسكين فسمى وقطع، وعبارة الشبراملسي عليها أيضا فسمى وقطع، أي ولم ينظر لكونه من عمل النصاري. وروى الطيالسي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة رأى جبنة فقال: ما هذا قالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال ضعوا فيه السكين وكلوا.
وروى أحمد والبيهقي عنه: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في غزوة تبوك فقال: أين صنعت هذه؟ قالوا: بفارس ونحن نرى أنه يجعل فيها ميتة. فقال صلى الله عليه وسلم: إطعنوا فيها بالسكين، واذكروا اسم الله تعالى وكلوا «2» .
قال الخطابي: أباحه صلى الله عليه وسلم على ظاهر الحال، ولم يمتنع من أكله لأجل مشاركة المسلمين في عمله، وتعقبه المقريزي بتوقفه على نقل، إذ لم يكن بفارس والشام حينئذ أحد «3» من المسلمين، قال الحافظ الشامي وهو ظاهر لا شك فيه.
اختياره عليه السلام محل السوق
روى الطبراني من طريق الحسن بن علي بن الحسن ابن أبي الحسن أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه حتى جاء موضع السوق، فلما رآه أعجبه وركض برجله وقال: نعم سوقكم هذا، فلا ينقص ولا يضربن عليكم خراج.
ورواه ابن ماجه بلفظ: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق النبيط فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقصن ولا يضرب عليه خراج «4» .
باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام
هكذا ترجم البخاري «5» في كتاب البيوع من الصحيح، ثم أخرج فيها عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ [البقرة: 198] في مواسم الحج أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قرأ ابن عباس كذا أي بزيادة مواسم الحج. وفي الإرشاد قال ابن
__________
(1) انظر كتاب الأطعمة باب 38 ج 4/ 169.
(2) في المسند ج 1 ص 302 عن ابن عباس وهو في الصفحة 376 من طبعة المكتب الإسلامي.
(3) كذا في الأصل. والسياق يقتضي أن يكون المعنى: والشام أقرب إلى المدينة من فارس.
(4) ابن ماجه ص 751/ 2.
(5) انظر كتاب البيوع ج 3/ 15.
(2/105)

كثير: وكذا فسره مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم.
وأخرجه أيضا في كتاب الحج «1» ، وبوّب عليه باب التجارة أيام المواسم والبيع في أسواق الجاهلية. قال البدر الدماميني في المصابيح: يتساءل عن الفرق بين حجر ثمود وبين أسواق الجاهلية. حيث أسرع عليه السلام لما دخل الحجر، وأمرهم أن لا ينتفعوا بشيء منه، لا يؤكل العجين الذي عجنوه بالماء، وأسواق الجاهلية طال مكثه فيها. والانتفاع بها.
والجواب أن أهل الأسواق لم يتعاطوا فيها إلا البيع المعتاد، وأما ثمود فإنهم تعاطوا عقر الناقة والكفر بالله ورسوله، ونزلت النقمة هناك. فهذا فرق ما بينهما اهـ.
وقد تكلم الحافظ في كتاب الحج على هذه الأسواق وعيّن مواضعها من أرض الحجاز، وذكر أسواقا أخرى دونها، ثم نقل عن الفاكهي: لم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام، إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة 129، وآخر ما ترك منها سوق جامة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة 197. ثم ذكر عن ابن الكلبي؛ أن كل شريف كان إنما يحضر سوق بلده، إلا سوق عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون لها من كل جهة، فكانت أعظم تلك الأسواق. وقد وقع ذكرها في أحاديث أخرى منها حديث ابن عباس: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ.
وروى الزبير بن بكار في كتاب النسب من طريق حكيم بن حزام. أنها كانت تقام صبح هلال ذي القعدة؛ إلى أن يمضي عشرون يوما. قال: ثم يقام سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة ثم يقوم سوق ذي المجاز ثمانية أيام، ثم يتوجهون إلى الحج.
وفي حديث ابن الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالة ربه الحديث أخرجه أحمد وغيره.
صانع السيوف
ترجم في الاصابة خبّاب بن الأرت فذكر أنه كان يعمل السيوف في الجاهلية.
باب ذكر من كان يبري النبل
في تلبيس إبليس لابن الجوزي: أن سعد بن أبي وقاص كان يبري النبل اهـ.
في الحفار للقبور
في سيرة ابن إسحاق في قصة الحفر لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح لحفر مكة وأبا طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة فكان يلحد.
وفي صيد الخواطر لابن الجوزي: كان أبو عبيدة بن الجراح وأبو طلحة يحفران
__________
(1) انظر كتاب الحج ص 197/ 2.
(2/106)

القبور. وترجم في الاصابة لأبي سعيد المقبري واسمه كيسان فقال له: أدرك وكان على عهد عمر فجعله على حفر القبور بالمدينة.
اتفاق القوم على من يمثلهم في محفل رسمي أو مأتم ديني
ترجم الموفق بن قدامة في الاستبصار لأوس بن خولي الانصاري فقال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا غسله حضرت الأنصار فنادت على الباب: الله الله فإنا أخواله فليحضره بعضنا، فقيل لهم: اجتمعوا على رجل منكم، فاجتمعوا على أوس بن خولي فحضر على غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه مع أهل بيته اهـ وقصته هذه في ترجمة أوس من طبقات ابن سعد أيضا انظر ص 61 من ج 3.
باب أخذ ستر المرأة في نعشها وهي ميتة عن الحبشة ومن حبّذ ذلك
خرج ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس قال: فاطمة أول من جعل لها النعش عملته لها أسماء بنت عميس، وكانت قد رأته يصنع بأرض الحبشة. وقال الوزير الأكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال الغافقي في كتابه «ظل الغمامة» في حق فاطمة الزهراء وموتها. استشعرت من وفاتها اليقين بما أنبأها به خاتم النبيئين، فانتظرت الوقت والحين، وأشفقت لمرأة توضع في نعشها وضع الرجال، فتصف الأكفان ما استترت به ربّات الحجال، وأخجلها ذلك لفرط الحياء أبرح الأخجال، وتشكت إلى أسماء بنت عميس ما تجده لذلك من عوارض الأوجال، فنفست عنها شغل البال، بما رأته في الحبشة من حسن التأني، برفع ما يهجس في البال ووضع ما ألهم الله به من محكم الأشكال، فدعت بجرائد رطبة، فعطفتها عطف قسي الضال وألبستها الثياب سابغة الأذيال، فصار خدرا للظعينة وحجابا للحرة الستيرة، فرضيت رضي الله عنها عن تلك الحالة الحسنى والسيرة. فكانت أول من خصه الله بتلك الكرامة، وأول من زف بتلك الصيانة إلى دار المقامة، وما عند الله لها من الحجة البالغة، والنعمة السابغة أتقى وأنقى يوم القيامة، فعند ذلك طابت نفسها العلية عن المنية.
المرأة الكبيرة السن تلازم القبر
ترجم في الاصابة لرقية مولاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عمرت حتى جعلها الحسين بن علي مقيمة عند قبر سيدتها فاطمة، لأنه لم يكن بقي من يعرف القبر غيرها.
قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة.
عجيبة: في ترجمة شبث بن ربعي التميمي أحد الراوين عن عثمان وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطبقتهم من طبقات ابن سعد، أخبرنا الفضل ابن دكين حدثنا حفص بن غياث قال: سمعت الأعمش قال شهدت جنازة شبث فأقاموا العبيد على حدة والجواري على حدة، والخيل على حدة، والبخت على حدة، والنوق على حدة، وذكر الأصناف قال: ورأيتهم ينوحون عليه يلتدمون انظر ص 150 من ج 6.
(2/107)

غريبة: ترجم ابن سعد في الطبقات، في ذكر التابعين من أهل المدينة، الحارث بن عبد الله أبي ربيعة، والي البصرة لعبد الله بن الزبير أيام خلافته فقال: كان خطيبا عفيفا، وكان فيه سواد لأن أمه كانت حبشية نصرانية فماتت، فشهدها الحرث بن عبد الله وشهدها معه الناس، فكانوا ناحية وجاء أهل دينها بولدها وشهدها منهم جماعة كثيرة، وكانوا على حدة وترجم في الاصابة لحجار بن أبجر العجلي وقال: له ادراك فقال: ذكر المرزباني في الشعراء أن أبجر والده مات على نصرانيته، في زمن علي.
وروى الطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال مرت جنازة أبجر بن جابر على عبد الرحمن بن ملجم وحجار بن أبجر يمشي في جانب مع أناس من المسلمين، ومع الجنازة نصارى يشيعونها.
قلت: يجب أن تكتب هذه القضية والتي قبلها بهامش فتوى للشيخ عليش في باب الجنائز من نوازله انظر ص 133 من الجزء الأول. والمحفوظ عن تراجم السلف في جنائزهم؛ كالإمام أحمد بن حنبل أن الناس كانوا يحضرون جنائزهم، على اختلاف المذاهب والأديان.
(2/108)

القسم العاشر من كتاب الخزاعي ويتضمن أربعة أبواب «1»
الباب الثالث في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال وفيه خمسة فصول
__________
(1) رأيت ضرورة تضمين الباب الثالث والرابع منه في هذا المكان لأهميته ولكونه لم يكن في النسخة التونسية التي اعتمدها المؤلف رحمه الله أما الباب الأول فبحث لغوي حول معنى الحرفة والصناعة والعمالة وما في معناها. والباب الثاني في النهي عن استعمال غير المسلمين والاستعانة بهم فلم أر ضرورة إضافتهما هاهنا والكتاب مطبوع فليرجع إليه من شاء في الصفحات 775- 782- مصححه.
(2/109)

الفصل الأول في أن لكلّ من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك
روى البخاري (9: 84- 85) «1» رحمه الله تعالى عن عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت: بلى. فقال عمر: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه منّي، حتى أعطاني مرّة ثانية فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذه فتموّله وتصدق به. فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك. انتهى.
قال ابن بطال، قال الطبري: في هذا الحديث الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، وذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم، لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله الذي استعمله عليه. فكذلك سبيل كلّ مشغول بشيء من أعمالهم له من الرزق على قدر استحقاقه عليه سبيل عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك. انتهى.
وفي «التهذيب» : ولا بأس بإرزاق القضاة والعمال إذا عملوا على حق، وكل عامل للمسلمين على حقّ، وما بعث فيه الإمام من أمور المسلمين فالرزق فيه من بيت المال، وأكره لقسّام القاضي والمغنم أن يأخذوا على أنفسهم أجرا، لأنه إنما يعرض لهم من أموال اليتامى وسائر الناس، كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أموال الناس، فإن كانت أرزاق القسّام من بيت المال جاز. انتهى.
قلت: والإستعمال: تولية العمل أيضا كالتعميل.
فائدة 1- قوله صلى الله عليه وسلم: «فرزقناه رزقا» الرزق هنا: ما يعطاه العامل من أجرة على عمله، وهو العمالة أيضا. قال الفارابي في «ديوان الأدب» (1: 450) العمالة: رزق العامل بضم العين.
__________
(1) الحديث في كتاب الأحكام باب 17 ج 8/ 111.
(2/111)

فائدة 2- قوله في حديث عمر الذي خرّجه البخاري: «غير مشرف ولا سائل» ترجم البخاري لهذا الحديث: باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس، وقال القاضي في «المشارق» من أخذه بإشراف نفس، قال الحربي: بطلب لذلك وارتفاع له وتعرّض إليه.
الفصل الثاني في أن ما يأخذه العامل زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول
روى أبو داود رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول «1» .
الفصل الثالث كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في نفقته ونفقة أهله
قال البخاري (4: 49) رحمه الله تعالى: ويذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: جعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري.
[من كتاب الجهاد والسير ج 3 ص 230 عن ابن عمر] .
وروى البخاري رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل. ج 3 ص 228.
وخرجه البخاري رحمه الله تعالى مختصرا عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم. ج 6 ص 190.
وقال القاضي عياض في «الإكمال» ، قال الطبري: كان مما أفاء الله على رسوله طعمة من الله له صلى الله عليه وسلم على أن يأكل منه وأهله ما احتاجوا، ويصرف ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين.
الفصل الرابع في أرزاق الخلفاء بعده صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم
1- أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه:
اختلف في ذلك: فذكر أبو الفرج ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (1: 97) عن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتّجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنهم فقالا: أنّي تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم
__________
(1) انظر ج 3 ص 353 من كتاب الخراج والإمارة والفيء باب: 9.
(2/112)

عيالي؟ قالا: انطلق حتى نفرض لك شيئا، فانطلق معهما، ففرضا له كلّ يوم شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن.
وذكر عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: افرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه، قالوا: نعم، بردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر: رضيت.
وذكر ابن هشام في «البهجة» وابن الأثير في «تاريخه» (2: 424) : أن الذي فرض له رضي الله تعالى عنه ستة آلاف درهم في السنة، قال ابن هشام: ولما حضرته الوفاة قال: ردّوا ما عندنا من مال المسلمين، فدفع إلى عمر بن الخطاب لقوح وعبد وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر رضي الله تعالى عنهما: لقد أتعبت من بعدك، وقال ابن الأثير: (2: 242) ولما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين.
2- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
ذكر ابن الأثير في «تاريخه» أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال للمسلمين:
إني كنت امرآ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحلّ لي في هذا المال؟ وعلي رضي الله تعالى عنه ساكت، فأكثر القوم، فقال: ما تقول يا علي؟ قال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ليس لك غيره، فقال القوم: القول ما قاله علي، فأخذ قوته.
3- معاوية بن أبي سفيان:
ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الإستيعاب» (1416) عن سليمان بن موسى عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رزق معاوية على عمله بالشام عشرة آلاف دينار في كلّ سنة.
وذكر أيضا في الكتاب المذكور، عن صالح بن الوجيه قال: في سنة تسع عشرة كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى يزيد بن أبي سفيان يأمره بغزو قيسارية، فغزاها وبها بطارقة الروم فحاصرهم أياما، وكان بها معاوية أخوه فتخلّفه عليها، وسار يزيد يريد دمشق، فأقام معاوية على قيسارية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة، وتوفي يزيد في ذي الحجة من ذلك العام في دمشق، واستخلف أخاه معاوية على ما كان يزيد يلي من عمل الشام، ورزقه ألف دينار في كل شهر، كذا قال صالح بن الوجيه. انتهى.
الفصل الخامس في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس
روى أبو داود (2: 123) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل «1» حظين، وأعطى العزب
__________
(1) الآهل: من كان له عيال.
(2/113)

حظا، فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا «1» . قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «المشارق» (2: 165) : فيء المسلمين: ما أفاء الله عليهم، أي رد عليهم من مال عدوهم.
وفي «الجواهر» لابن شاس: الفيء هو كل ما فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العقدة وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدنة، وما يؤخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز، وخمس الغنائم.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (24) : وهو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم، فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور [الناس] بحسن النظر للإسلام [وأهله] .
الباب الرابع في ذكر أسماء التواليف المخرج منها ما تضمنه هذا الكتاب
وهي مائة ونيف وستون تأليفا:
فمن ذلك من كتب تفسير كتاب الله العزيز، شرفه الله تعالى:
1- تفسير أبي محمد عبد الحق بن عطية الأشبيلي.
2- وتفسير فخر الدين محمد بن عمر الرازي بن الخطيب.
3- وتفسير منذر بن سعيد البلّوطي.
4- وتفسير أبي إسحاق أحمد بن محمد الثّعلبي.
5- وتفسير أبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري.
6- وكتاب معاني القرآن لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء رحمه الله تعالى.
ومن كتب أحكام القرآن شرفه الله تعالى:
7- أحكام أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي.
ومن كتب الحديث:
8- موطأ الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس.
9- وصحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
10- وصحيح أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
11- وسنن أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة التّرمذي.
12- وكتاب شمائل النبي صلى الله عليه وسلم للترمذي أيضا.
13- وسنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني.
14- وسنن أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي.
__________
(1) انظر كتاب الخراج والإمارة والفيء ج 3 ورقمه: 2953.
(2/114)

15- وسنن أبي عبد الله محمد بن مسلم بن شهاب الزّهري، صنعة محمد بن يحيى بن فارس الذّهلي.
16- ومسند أبي داود سليمان بن داود الطّيالسي.
17- ومختصر أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد من كتاب أبي جعفر الطحاوي.
18- وكتاب الأحكام الصغرى لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي.
19- وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لأبي محمد عبد الله بن حيان الأصبهاني.
20- ومسند محمد بن مخلد بن حفص العطار الدوري.
21- وكتاب الشهاب للقاضي محمد بن سلامة القضاعي.
ومن كتب الأغربة:
22- غريب القرآن شرفه الله تعالى لأبي بكر محمد بن عزيز السّجستاني.
23- والغريبان لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي.
24- والمشرع الروي في منزع كتاب الهروي لمحمد بن علي المعروف بابن عسكر المالقي.
25- وكتاب الدلائل لأبي محمد قاسم بن ثابت بن عبد العزيز السرقسطي.
26- وغريب الحديث للخطابي.
ومن كتب شرح الحديث:
27- المنتقى لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي على الموطأ.
28- والتمهيد لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر على الموطأ.
29- والاستذكار لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر على الموطأ.
30- وكتاب أبي الحسن علي بن بطّال على البخاري.
31- وأعلام الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي على البخاري أيضا.
32- ومعالم السنن له أيضا على كتاب أبي داود.
33- والمعلم لأبي عبد الله محمد بن علي المازري على مسلم.
34- والإكمال للقاضي عياض بن موسى بن عياض عليه أيضا.
35- ومشارق الأنوار على الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم له أيضا.
36- وعارضة الأحوذي على كتاب الترمذي لأبي بكر ابن العربي.
37- وشرح العمدة لمحمد بن علي بن وهب بن مطيع، شهر بابن دقيق العيد.
38- وكشف مشكل الصحيحين لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي.
39- وعلل الحديث لأبي الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني.
40- وتفسير ما استعجم من غوامض الأسماء في الأحاديث لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الأنصاري القرطبي.
(2/115)

ومن كتب ضبط الأسماء
: 41- الاشتقاق لأبي بكر محمد بن أبان بن سيد. [وفيه اختصر كتاب ابن دريد وقطرب وابن النحاس وابن قتيبة في الأدب] .
42- وجامع كتب الاشتقاق، لا أعلم من ألفه.
43- والمؤتلف والمختلف للحافظ عبد الغني بن سعيد بن علي بن مروان.
ومن كتب الأنساب:
44- جماهر أبي عبيد القاسم بن سلّام.
45- وجماهر أبي محمد بن أحمد بن حزم. [وهو مطبوع باسم جمهرة أنساب العرب] .
46- واقتباس الأنوار لأبي محمد عبد الله بن علي بن عبيد الله الرّشاطي.
47- والموالي والعرب لعمرو بن بحر الجاحظ.
ومن كتب الفقه:
48- التهذيب لأبي سعيد خلف بن أبي القاسم الأزدي البراذعي.
49- وكتاب أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس.
50- والتبصرة لأبي الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللّخمي.
51- وكتاب التنبيهات للقاضي أبي الفضل عياض.
52- والبيان والتحصيل للقاضي أبي الوليد ابن رشد.
53- وكتاب المقدمات له.
54- والكافي لأبي عمر ابن عبد البر.
55- والجواهر لعبد الله بن محمد بن شاس.
56- والشهاب الثاقب في شرح كتاب ابن الحاجب لأبي عبد الله محمد بن عبد الله راشد.
57- وشرح الكتاب المذكور للقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي.
58- وشرح الرسالة لموسى بن علي الزناتي.
59- والتبصرة للتّلمساني في شرح كتاب ابن الحاجب.
60- والأموال لأبي القاسم بن سلام.
61- والأموال لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي.
62- وأقضية النبي صلى الله عليه وسلم، لمحمد بن فرج الطّلاع.
63- والفرائض لأبي القاسم محمد بن خلف الحوفي.
64- وكتاب الإشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر.
65- والأحكام السلطانية لأبي الحسن بن محمد حبيب الماوردي.
66- والمحلّى لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم.
(2/116)

67- وحجة الوداع له.
68- وجوامع السيرة له.
ومن كتب أصول الفقه:
69- تنقيح الفصول في علم الأصول لشهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي.
ومن كتب الأوزان والأكيال الشرعية:
70- جواب أبي محمد ابن عطية على سؤال في ذلك.
71- وإثبات ما ليس منه بدّ لأبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد العزفي.
72- ومقالة لأبي يحيى أبي بكر بن خلف بن المواق.
73- ومقالة لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان.
74- ومقالة لولده حسن بن علي بن محمد.
75- ومقالة لأبي العباس أحمد بن عثمان بن البنّاء الأزديّ المراكشي.
ومن كتب التصوف والوعظ:
76- كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
77- وسراج المريدين لأبي بكر ابن العربي.
78- والمدهش لأبي الفرح الجوزي.
79- ورسالة القشيري.
ومن كتب السير والتواريخ:
80- السير لأبي عبد الله محمد بن إسحاق.
81- وشرحه لأبي القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن السّهيلي المسمّى بالروض الأنف.
82- وغريبه لأبي ذرّ محمد بن مسعود الخشني.
83- وخلاصة السير لأحمد بن عبد الله الشريف الطبري.
84- ومختصر السير لعز الدين بن عبد العزيز بن جماعة.
85- والدرّ المنظم في مولد النبي المعظم لأبي العباس العزفي.
86- والاكتفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي.
87- والاستيعاب في ذكر أسماء الأصحاب لأبي عمر ابن عبد البر.
88- وذيل الاستيعاب لأبي بكر محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون.
89- والتاريخ الكبير للبخاري.
90- وكتاب الصفوة لأبي الفرج الجوزي.
91- وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشّيرازي.
92- والكامل لأبي الحسن علي بن محمد بن الأثير.
93- وأنباء الأنبياء وتواريخ الخلفاء للقاضي محمد بن سلامة القضاعي.
(2/117)

94- والعمدة لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن موسى التلمساني.
95- وبهجة النفس لهشام بن عبد الله بن هشام الأزديّ.
96- وبلغة الظرفاء في تاريخ الخلفاء لأبي الحسن علي بن محمد بن أبي السرور.
97- وتاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب.
98- وكتاب معرفة مصر ومن دخلها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليف أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي.
99- وطبقات الفلاسفة لسليمان بن جلجل.
100- وطبقات الفلاسفة لصاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسيّ.
101- ونفحة الحدائق والخمائل، لا أعلم مؤلفه.
ومن كتب اللغة:
102- الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري.
103- والمحكم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده.
104- والمخصص له.
105- وديوان الأدب لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي.
106- وجامع اللغات لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي القزّاز.
107- ومختصر العين لأبي بكر محمد بن الحسن الزّبيدي.
108- والغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام.
109- وإصلاح المنطق لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت.
110- وأدب الكتاب لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة.
111- والاقتضاب في شرح أدب الكتاب لأبي محمد عبد الله بن السيد.
112- وفقه اللغة لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثّعالبي.
113- والتأنيث والتذكير لأبي زكريا يحيى بن زكرياء الفراء.
114- والفصيح لأبي العباس أحمد بن يحيى «ثعلب» .
115- واليواقيت لأبي عمر محمد بن عبد الواحد المطرز.
116- وخلق الإنسان لعبد الملك بن قريب الأصمعي.
117- ونوادر ابن الأعرابي.
118- وخلق الأنساب لقطرب محمد بن المستنير.
119- ولحن العامة لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني.
120- ولحن العامة لأبي بكر الزّبيدي.
121- والمقصور والممدود لأبي علي إسماعيل بن القاسم البغدادي.
122- والمقصور والممدود لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن القوطية.
(2/118)

123- وكتاب الأفعال لابن القوطية المذكور.
124- والأفعال لأبي مروان عبد الملك بن طريف.
125- والأفعال لأبي عثمان سعيد بن محمد السرقسطي المعروف بالحمار.
126- ومختصر زاهر ابن الأنباري، صنعة أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجّاجي.
127- وكتاب الزينة لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي في منزع كتاب الزاهر.
128- والمنتظم لأبي الحسن علي بن الحسن المعروف بالكراع.
129- ومعجم ما استعجم لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري.
130- والمستوعب لأسماء خيل العرب لأبي عبيد البكري أيضا.
131- ومجمل اللغة لابن فارس.
132- والفرق بين الحروف الخمس المشتبهة لأبي محمد ابن السيد.
133- وكتاب المثلث له أيضا.
134- وكتاب الجمل المعقبة لأبي عبد الله محمد بن عيسى بن المناصف.
135- وكفاية المتحفظ لإبراهيم بن إسماعيل الطرابلسي عرف بابن الأجدابي.
ومن كتب العربية:
136- المفصل للزمخشري.
137- والتسهيل لأبي عبد الله محمد بن مالك.
138- وشرحه لأبي عبد الله محمد بن علي بن هانىء اللخمي.
139- والبسيط في شرح كتاب الجمل لأبي الحسن بن أبي الربيع.
140- وشرح الجزولية للأبذي.
ومن كتب الأدب:
141- الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد المبرّد.
142- والبيان والتبيين للجاحظ.
143- والمراتب والأخطار له.
144- والعقد الفريد لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه.
145- وعيون الأخبار لابن قتيبة.
146- والمعارف له.
147- وكتاب زهر الآداب للحصري.
148- وكتاب الوشاح لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد.
149- وبهجة المجالس لأبي عمر ابن عبد البر.
150- والكتاب المنسوب للمظفر أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس.
(2/119)

151- وحلية المحاضرة للحاتمي.
152- والخريدة لأبي حامد محمد بن محمد العماد الأصبهاني.
153- وصناعة الكتابة لأبي جعفر أحمد بن محمد بن النّحّاس.
154- وصناعة الكتابة لابن قتيبة.
ومن كتب الأشعار:
155- شعر حاتم الطائي شرح ابن السكيت.
156- وشعر الأعشى ميمون بن جندل.
157- والحماسة لحبيب بن أوس الطائي، ترتيب الأعلم.
158- والحماسة ليوسف بن إبراهيم البيّاسي.
159- والورقة في أشعار الخلفاء لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي.
160- وأشعار الستة ليوسف بن سليمان الأعلم.
161- وكتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لأبي علي حسن بن رشيق القيرواني.
162- وشرح ابن السيد لسقط الزند من شعر المعري.
163- ترتيب الأعمال السلطانية في الدول الأندلسية لأبي الحسن علي بن خيرة السموري الميورقي.
164- والتحفة الفارسية في الآلات الفارسية، التي ألفت في سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
165- وتفسير الألفاظ الطبية لابن الحشا.
166- وكتاب الكفاية والغناء في أحكام الغناء تأليف محمد بن عمر بن محمد السبتي المعروف بالدرّاج.
كمل والحمد لله حمدا كثيرا. أكملته ولله الحمد والمنة والشكر على ما أولى، وأستزيده من فضله وكرمه كل خير من الدنيا والآخرة، فهو الجواد الذي لا يبخل، والغني الذي لا يفتقر، والمعطي الذي لا ينقضي عطاؤه، والمنعم الذي ينعم بغير حساب، جلّ وتعالى، وبه الاستعانة، وأستجير به في خطوب الدنيا والآخرة، وأستودعه نفسي وعقلي وديني ونعمته لديّ ورحمته بي ولطفه بي، إنه لا تجب [كذا] ودائعه. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، وأسأله متوسلا بهذا الرسول الكريم عليه أن يصلي عليه في كل وقت ويسلم عليه وعلى آله وأصحابه، وأن يهب لنا العفو والرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من نسخه في أواخر ربيع الثاني من عام ستة وسبعين وثماني ماية رزقنا الله خيره وخير ما بعده، لا ربّ غيره ولا معبود سواه «1» .
__________
(1) هذه الخاتمة وردت في آخر النسخة م. من كتاب تخرإيج الدلالات السمعية للخزاعي ص 789.
(2/120)

المستدرك على كتاب الخزاعي رحمه الله «1» (في تشخيص الحالة العلمية على عهده عليه السلام)
(وما كان عليه أصحابه في ذلك الزمان من السبق لكل فضيلة وسعة) (المدارك والأخلاق وجميل العوائد والأزياء ويتركب هذا القسم من مقصدين)
(المقصد الأول) في تشخيص الحالة العلمية على عهده عليه السلام
تعلما وتعليما وكتابة وأدواتها ونحو ذلك.
(المقصد الثاني) في تشخيص الحالة الإجتماعية، من حيث ما حازه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من السبقيات في أنواع النبوغ وسعة المدارك والكيفيات وغير ذلك وتحت كل مقصد أبواب.
الباب الأول من المقصد الأول
في ذكر أن أوسع دائرة للمعارف تناولها البشر هي القرآن الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42] ذلك الديوان العظيم، أول من قرأ في مدرسته وتربى بهديه واتخذه هجّيرا واهتدى بتربيته الصحابة الكرام، وكيف يرى أهل الإسلام استخراج جمع العلوم منه. عقد الحافظ السيوطي في كتاب الإتقان فصلا شائقا لهذا المعنى، وهو وإن كان مسهبا. ولكن نأت به لفرائده، قال رحمه الله:
النوع الحادي والستون في العلوم المستنبطة من القرآن. قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] وقال صلى الله عليه وسلم: ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟
قال: كتاب الله، فيه نبأ ما بعدكم، وخبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، أخرجه الترمذي وغيره. [كتاب فضائل القرآن باب 14 ص 172/ 5] .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين. قال البيهقي: يعني أصول العلم.
__________
(1) نظرا لأن المؤلف لم ير القسم العاشر من كتاب الخزاعي لنقص النسخة التي اعتمد عليها، لذلك أضاف هذا القسم استدراكا لذلك النقص- مصححه.
(2/121)

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ثم أودع علوم الثلاثة الفرقان وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة وجميع ما تقوله السنة شرح للقرآن، وقال أيضا: جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن.
ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: إني لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم. وقال الشافعي أيضا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، وقليل من الأحكام ما تثبت بالسنة ابتداء.
قلت: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة، لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول. وفرض علينا الأخذ بقوله.
وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عماشئتم أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر. وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور.
وأخرج البخاري عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن، المغيّرات لخلق الله تعالى. فبلغ ذلك لامرأة من بني أسد فقالت له: بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله.
فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال لئن كنت قرأته، لقد وجدته، أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] قالت:
بلى فقال: إنه نهى عنه.
وحكى ابن سراقه في كتاب الإعجاز عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال يوما: ما من شيء في العالم إلا وهو في كتاب الله. فقيل له: فإن ذكر الخانات فيه؟ فقال في قوله:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ [النور: 29] فهي الخانات.
وقال بعضهم ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله تعالى، حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة، من قوله: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [المنافقين: 11] فإنّها رأس ثلاث وستين سورة. وعقبها التغابن ليظهر التغابن في فقده.
وقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها حقيقة، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلا ما أستاثر به
(2/122)

سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون، من علوم وسائر فنونه، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها وعد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك، من حصر كلمات متشابهة، وآيات متماثلة من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه فسمّوا القراء، واعتنى النحاة بالمعرب منه من الأسماء والأفعال والحروف القابلة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به حتى أن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم كلمة كلمة.
واعتنى المفسرون بألفاظه فوجدوا لفظا يدل على معنى واحد ولفظا يدل على معنيين، ولفظا على أكثر. فأجروا الأول حكمه وأوضحوا المعنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني، وأعمل المعنيين كل فكره، وقال ما اقتضاه نظره.
واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، واستنبطوا منه أدلة على وحدانيته تعالى، ووجوده، وبقائه، وقدمه، وقدرته، وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به، وسمّوا هذا العلم بأصول الدين، فتأملت طائفة منهم معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي الخصوص، ومنها ما يقتضي العموم، وتكلموا في التخصيص، والأخبار، والنص، والظاهر، والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والإستقراء. وسموا هذا الفن بأصول الفقه.
وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر، فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام؛ فأسسوا أصوله وفرّعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا، وسموه بعلم الفروع والفقه أيضا.
وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم، حتى دوّنوا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص.
وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تغلغل قلوب الرجال، وتكاد تدك الجبال فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والنشر، والمعاد والمحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، فصولا من المواعظ، وأصولا من الزواجر، فسمّوا بذلك الخطباء والوعاظ.
(2/123)

واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا واستنبطوا تعبير كل رؤيا من الكتاب، وإن عزّ عليهم إخراجها منه فمن السنة، وهي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح الحكم والعوام في مخاطباتهم، وعرّف عادتهم، الذي أشار إليه القرآن بقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ.
وأخذ قوم لما في آيات المواريث، من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك وسمي علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض، ومسائل العدل. واستخرجوا منه أحكام الوصايا.
ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والبروج وعير ذلك، فاستخرجوا منه المواقيت.
ونظر الكتاب والشعراء، إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم وحسن السياق، والمبادي والمقاطع، والمخالص، والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه: المعاني والبيان والبديع.
ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة؛ فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق وجعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها، مثل: الفناء والبقاء، والحضور والخوف، والهيبة، والإنس والوحشه، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك.
هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك.
أما الطب فمداره علي حفظ الصحة، واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج، بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة؛ وهي قوله: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: 67] وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الصفاء للبدن بعد اعتلاله، في قوله تعالى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: 69] ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب، وشفاء الصدور.
وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر ملكوت السماوات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي، من البراهين والمقدمات ونتائج المخلوقات.
وأما الهندسة ففي قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: 30] الآية.
وأما الجدل فقد حوت آياتة من البراهن والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب والمعارضة، وغير ذلك شيئا كثيرا. ومناظرة إبراهيم نمرود ومحاجته قومه أصل في ذلك عظيم.
(2/124)

وأما الجبر والمقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سابقة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقى مضروب بعضها في بعض.
وأما النجامة ففي قوله: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: 4] وقد فسره ابن عباس بذلك.
وفيه أصول الصنائع التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة في قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ [الأعراف: 22] والحدادة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: 96] وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:
10] الآية والبناء في آيات والنجارة وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: 37] والغزل نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: 92] والنسج كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً العنكبوت: 41] والفلاحة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
[الواقعة: 63] الآية والصيد في آيات والغوص كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: 37] وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: 12] والصياغة وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً [الأعراف: 148] والزجاجةرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
[النمل: 44] الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ [النور: 35] والفخارة فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: 38] والملاحة أما السفينة الآية والكتاب علّم بالقلم والخبز أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً [يوسف: 36] والطبخ بعجل حنيذ والغسل والقصارة وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4] قال الحواريون وهم القصارون [والجزارة] إلا ما ذكيتم [والبيع والشراء] في آيات [والصبغ] صِبْغَةَ اللَّهِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ [والحجارة] وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الأعراف: 74] [والكيالة والوزن] في آيات [والرمي] وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60] وفيه من أسماء الأثاث وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع أو يقع في الكائنات، ما يحقق معنى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] اهـ. كلام المرسي ملخصا.
وقال ابن سراقة: من بعض وجوه اعجاز القرآن، ما ذكره الله فيه من أعداد الحساب، والجمع والقسمة والضرب، والموافقة والتأليف والمناسبة، والتنصيف والمضاعفة، ليعلم بذلك أهل العلم بالحساب، أنه صلى الله عليه وسلم صادق، وأن القرآن ليس من عنده، إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة، وأهل الهندسة ولا تلقى الحساب.
وقال الراغب: إن الله لما جعل نبوة النبيين بنبينا عليه السلام مختتمة، وشرائعهم منتسخة بشريعته من وجه، ومن وجه مكملة متممة؛ جعل كتابه المنزل عليه متضمنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك. كما نبه بقوله: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: 4] وجعل من معجزات هذا الكتاب، أنه مع قلة الحجم يتضمن المعنى الجم، بحيت تقصر الألباب والبشرية عن احصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: 27] فهو وإن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه ونفح ما يوليه:
(2/125)

كالنور من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا باقيا «1»
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن انعم قال: قيل لموسى عليه السلام: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن، كلما مخضته أخرجت زبدته.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي، في قانون التاويل في علوم القرآن:
خمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحدّ ومطلع. وهذا مطلق دون اعتبار تركيبه، وما ينهي من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله.
قال وأما علوم القرآن ثلاثة: توحيد، وتذكير، وأحكام. فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتذكير منه: الوعد، والوعيد، والجنة، والنار، وتصفية الظاهر، والباطن، والأحكام منها: التكاليف كلها، والمنافع، والمضار، والأمر والنهي، والندب. ولذلك كانت الفاتحة أم القرآن. فيها الأقسام الثلاثة.
وسورة الإخلاص ثلثه لإشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة، وهو التوحيد.
وقال ابن جرير: القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات. ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه؛ لأنها تشمل التوحيد كله.
وقال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا؛ الأعلام والتنبيه والأمر والنهي والوعيد، ووصف الجنة والنار، وتعليم الأقرار بسم الله وبصفاته وأفعاله، وتعليم الإعتراف بإنعامه، والإحتجاج على المخالفين، والرد على الملحدين، والبيان عن الرغبة والرهبة، والخير والشر، والحسن والقبيح، ونعت الحكمة وفضل المعرفة، ومدح الأبرار وذم الفجار، والتسليم والتحسر، والتوكيد والتفريع. والبيان عن ذم الإخلاق، وشرف الآداب، وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ابن جرير. تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يدرك ولا تحصى عجائبه.
وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء، أما أنواع العلوم، فليس فيها باب ولا مسألة هي أصل إلّا وهي في القرآن الكريم، وفيه ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل، والملائكة، وعيون أخبار الأمم، كالأخبار بقصة آدم مع إبليس في إخراجه. من الجنة، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة وقوم يونس، وقوم شعيب، والأولين والآخرين، وقوم لوط، وقوم تبع، وأصحاب الرس، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته نمروذ. ووضعه ابنه إسماعيل مع أمه
__________
(1) كذا في الأصل، وبما أن البيت الثاني قافيته بائية فالصواب أن يقال: ثاقبا.
(2/126)

بمكة، ومنامه وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها «1» ، وقصة موسى في ولادته، وإلقائه في اليم، وقتل القبطي ومسيره إلى مدين، وتزوجه بنت شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، ومجيئه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، والقوم الذين خرجوا معه وأخذتهم الصاعقة، وقصة القتيل وذبح البقرة، وقصته مع الخضر، وقصته مع الجبارين، وقصة القوم الذين ساروا في سرب من الأرض، وإلى الصين، وقصة طالوت وداود مع جالوت، وفتنته وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فرارا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة ذي القرنين، ومسيره إلى مغرب الشمس ومطلعها، وبنائه السد. وقصة أيوب، وذا الكفل، والياس، وقصة مريم وولادتها عيسى، وإرساله ورفعه، وقصة زكرياء وابنه يحيى، وقصة أصحاب الكهف، وقصة أصحاب الرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة، وقصة أصحاب مؤمن آل ياسين، وقصة أصحاب الفيل، وفيه من شأن النبي صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى، وبعثه وهجرته، ومن غزواته سرية ابن الحضرمي في البقرة، وغزوة بدر في الأنفال، وأحد في آل عمران، وبدر الصغرى فيها، والخندق في الأحزاب، والحديبية في الفتح، والنضير في الحشر، وتبوك وحنين في براءة، وحجة الوداع في المائدة، ونكاحه زينب بنت جحش وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه وقصة الافك، وقصة الإسراء وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت وما يفعل بالروح بعد، وصعودها إلى السماء وفتح الباب للمؤمنة، والغاء الكافرة.
وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، واشراط الساعة الكبرى، وهي نزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج، والدابة والدخان، ورفع القرآن والخسف، وطلوع الشمس من مغربها، وغلق باب التوبة. وأحوال البعث من النفخات الثلاث، نفخة الفزع ونفخة الصعق، ونفخة القيام والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس وظل العرش والميزان والخوض والصراط والحساب لقوم، ونجاة آخرين وشهادة الأعضاء وإتيان الكتب بالإيمان وبالشمائل وخلف الظهر، والشفاعة والمقام المحمود، والجنة وأبوابها وما فيها؛ من الأنهار والأشجار، والثمار والحلي، والأواني والدرجات، ورؤيته تعالى والنار وأبوابها وما فيها، من الأودية وأنواع العقاب، وألوان العذاب. والزقوم والحميم، وفيه جميع أسمائه الحسنى كما ورد في حديث: ومن أسمائه مطلقا ألف اسم. ومن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم جملة، وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون، وشرائع الإسلام والثلاثمائة والخمسة عشر، وفيه أنواع الكبائر، وكثير من الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. مما يحتاج شرحه إلى مجلدات.
وقد افرد الناس ما تضمنه القرآن من الأحكام كتبا كالقاضي إسماعيل، وأبي بكر بن
__________
(1) من البسط، أي ما أوسعها وليس من البساطة.
(2/127)

العلاء، وأبي بكر الرازي، والكيا الهراسي، وأبي بكر بن العربي، وعبد المنعم بن الفرس، وابن خويز منداد، وأفرد آخرون كتبا فيما تضمنه من علم الباطن، وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث، وقد ألفت كتابا سميته الإكليل في استنباط التنزيل، ذكرت فيه كل ما استنبط منه من مسألة فقهية، أو أصلية أو اعتقادية، وبعضا مما سوى ذلك، كثير الفائدة، جمّ العائدة، فمن أراد الشرح لما أجملته في هذا الباب فليراجعه من أراد الوقوف عليه.
(فصل) قال الغزالي وغيره: آيات الأحكام خمسمائة آية. وقال بعضهم: مائة وخمسون. قيل: ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام. قال عز الدين ابن عبد السلام في كتاب «الإمام في أدلة الأحكام» :
معظم آي القرآن لا تخلو عن أحكام مشتملة على آداب واخلاق جميلة حسنة، ثم في الآيات ما صرح فيها بالأحكام، ومنها ما يؤخذ بطريق الإستنباط إما بلاضم لآية أخرى؛ كاستنباط صحة نكاح الكفار في قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وصحة صوم الجنب في وقوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة: 187] الآية وإما كاستنباط أقل الحمل ستة أشهر في قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: 14] قال ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر، وتارة بإخبار مثل قوله: أحل لكم، حرمت عليكم الميتة كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وتارة لما رتب عليها في العاجل أو الآجل من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وقد نوّع الشارع في ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا إلى أذهانهم. فكان فعل عظّمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله، أو وصفه بالإستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله كالأقسام بالشفع والوتر، وبخيل المجاهدين وبالنفس اللوامة، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو لثواب عاجل أو آجل، أو شكره له، أو لهدايته أياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ذنبه وتكفير سيئاته، أو لقبوله أو لنصرة فاعله، أو وعده بالأمر أو نصب سببا للولاية، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه أو بكونه قربة أو بصفة مدح كالحياة والنور والشفاء، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب.
وكل فعل طلب الشارع تركه، وذمه أو ذم فاعله، أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبة فاعله، أو الرضى به، أو عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى، أو من القبول، أو وصفه بسوء، أو كراهة، أو استعاذة الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جعل سببا لنفي الفلاح، أو لعذاب عاجل، أو آجل أو لوم أو ضلالة، أو معصية أو وصف لخبث، أو رجس أو نجس، أو بكونه فسقا، أو ضلالة أو سببا لإثم، أو رجس، أو لعن، أو غضب أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من الحدود، أو قسوة أو خزي، أو ارتهان نفس، أو لعداوة الله، أو لمحاربته، أو لاستهزائه، أو سخريته أو جعله
(2/128)

سببا لنسيان فاعله، أو وصفه نفسه بالصبر عليه، أو بالحلم أو بالصفح عنه أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف فاعله بخبث، أو احتقار أو نسبه إلى عمل الشيطان، أو تزيين الشيطان لفاعله، أو وصفه بصفة ذم ككونه ظلما، أو عدوانا، أو بغيا أو إثما أو مرضا، أو تبرأ الأنبياء منه، أو من فاعله أو شكوا إلى الله من فاعله أو جاهروا فاعله بالعداوة، أو نهوا عن الأسف والحزن عليه، أو نصب سببا لخيبة فاعله، عاجلا أو آجلا، أو رتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو أعلن فاعله بحرب من الله ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره، أو قيل فيه: لا ينبغي هذا أو لا تكون أو أمره بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل مضاد له أو هجر فاعله، أو لعن فاعلوه في الآخرة، أو تبرأ بعضهم من بعض، أو دعاء بعضهم على بعض، أو وصف فاعله بالضلالة أو أنه ليس من الله في شيء، أو ليس من الرسول وأصحابه، أو جعل إجتنابه سببا للفلاح، أو جعل سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قيل: هل أنت منته؟ أو نهي الأنبياء عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه إبعاد أو طرد أو لفظة قتل من فاعله، أو قاتله الله أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه ولا يزكيه يوم القيامة، ولا يصلح عمله ولا يهدي كيده، ولا يفلح أو قيض له الشيطان، أو جعل سببا لازاغة قلب فاعله، أو صرفه عن آيات الله، وسؤاله عن علة الفعل، فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة.
وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ونفي الجناح، والحرج والإثم، والمؤاخذة من الاذن، والعفو عنه، ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع، ومن السكوت عن التحريم، بالإنكار على من حرم الشيء، من الأخبار بأنه خلق أو جعل لنا، والأخبار عن فعل من قبلنا غير ذام لهم عليه، فإن اقترن باخباره مدح دل على مشروعيته، وجوبا أو استحبابا اهـ كلام الشيخ عز الدين.
وقال غيره: قد يستنبط من السكوت، وقد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا وقال: إنه مخلوق. وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق. ولما جمع بينهما غاير فقال: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان اهـ من الإتقان وما أتمه وأوسعه ونحوه، في مقدمة الإكليل في استنباط التنزيل راجعه أيضا.
وفي ترجمة أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن بندار القزويني، المفسر المتوفى سنة 488، أنه أهدى إلى نظام الملك «1» أربعة أشياء، لم يكن لأحد مثلها: منها؛ مصحف بخط بعض الكتاب المجودين بالخط الواضح، وقد كتب كاتبه اختلاف القراء بين سطوره
__________
(1) هو الوزير العالم خواجه نظام الملك السلجوقي مؤسس المدارس النظامية العشرة وأشهرها نظامية بغداد 457 هـ وكان عالما فاضلا استشهد رحمه الله عام 484 هـ في صحنة على يد أحد الحشاشين قرب همدان من بلاد الجبل في إيران وكان الإمام الغزالي من أصدقائه.
(2/129)

بالحمرة، وتفسير غريبه بالخضرة، وإعرابه بالزرقة، وكتب بالذهب العلامات على الآيات الوعد والوعيد وما يكتب في التعازي والتهاني اهـ.
تتمة قدمنا أن أوسع موسوعات عرفها البشر القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والموسوعات وإصطلاح اليوم الكتب المجموع فيها الكلام على عدة علوم، وأنواع فهوم كدوائر المعارف، التي قصد فيها تدوين كل ما يخطر بالبال في الماضي والحال والإستقبال، وقد علمت مما ذكرناه عن القرآن وما بين طواياه أنه يجب أن يكون أول موسوعة ودائرة معارف عرفها البشر، وقد اعترف بذلك حتى فطاحلة الفرنج الدكتور (موريس) الفرنسي: القرآن بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة لللغويين وآجرومية لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروض لمحب الشعر وتهذيب العواطف و (انسكلوبيديا) دائرة معارف عامة للشرائع والقوانين اهـ.
وقال الدكتور (بوسورت سميت) في كتابه (حياة محمد) من حسن الحظ الوحيد في التاريخ دون غيره، أن محمدا أسس في وقت واحد ثلاثة أشياء: من عظائم الأمور وجلائل الأعمال، فإنه مؤسس لأمة وإمبراطورية وديانة، مع أنه أمي. وقلما كان يقدر أن يقرأ أو يكتب، ومع ذلك أتى بكتاب هو آية في البلاغة، ودستور للشرائع وللصلاة وللدين في آن واحد الخ كلامه.
وقد قال الإمام فخر الدين الرازي طالعة [في مقدمة] تفسيره الكبير مفاتيح الغيب:
إعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط من فوائدها عشرة آلاف عشرة آلاف مسألة، فاستبعد ذلك الحساد، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، وقدمت له مقدمة لتصير له كالبينة، على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول.
وفي مناهج الأخلاق السنية للفاكهي المكي: حكى ابن عادل في تفسيره عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي: أنه استنبط منه بضع وسبعون ألف علم. قال: ولا يعزب عن علمك قول الأمام علي كرم الله وجهه: لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت.
أو كما قال بل سمعت عن شيخنا البكري، أنه تكلم على بعض علوم البسملة بكرة كل يوم في سنين في الأشهر الثلاثة منها، وأنه قال في بعض مجالسه: لو أردت التكلم على ذلك العمر كله لم يف أو كما قال اهـ.
وفي ترجمة أبي الإكرام زين العابدين البكري، من مسالك الهداية لأبي سالم العياشي: نقلت من خط شيخ والدي سيدي أحمد إذ قال: إن العارف محمد البكري تكلم على نقطة البسملة في ألفي مجلس ومائتي مجلس اهـ.
ولأبي الحسن علي بن إبراهيم الحوفي كتاب في علوم القرآن، ذكره له ابن سليمان الردائي في صلته وقال: هو في مائة سفر. انظر حرف العين منها.
(2/130)

وبعد القرآن أول من اعترف التاريخ لهم بتدوين الموسوعات علماء الإسلام، لكن ابتداء التدوين فيها كان موضوعه والغرض منه عندهم إحصاء العلوم المستعملة، ثم وقع التوسع في الموسوعات شأن كل مرمى جديد.
وأول ما ظهر ذلك فيهم في القرن الرابع، ألّف الإمام أبو الرجاء محمد بن أحمد بن الربيع الأسواني الشافعي، المتوفي سنة 335 المترجم في يتيمة الدهر للثعالبي وغيره، قصيدة في أخبار العالم، وقصص الأنبياء، والحديث والفلسفة والطب والفقه ومختصر المزني، وغير ذلك. ذكرها له في كشف الظنون المطبوع. وفيه: أنه سئل قبل موته كم بلغت قصيدتك إلى الآن؟ فقال: ثلاثين ألفا ومائة ألف بيت، وبقي علي أشياء تحتاج إلى زيادة. انظر كشف الظنون، والطالع السعيد، للكمال الأدفوي ص 267. ولا تستغرب هذا العدد من النظم، عن أهل القرن الرابع، فقد جاء عن أهل القرن الثالث ما هو أعجب. ذكر أحمد بن يحيى ابن المرتضى: في باب ذكر المعتزلة من كتاب «المنية والأمل» في شرح كتاب الملل والنحل، في ترجمة بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي، أن له قصيدة في أربعين ألف بيت، ردّ فيها على جميع المخالفين. وبشر هذا توفي سنة 310 كما أرخه بذلك الذهبي، وابن البخاري، وكيفما ظننا أن مادة الأعداد مبالغ فيها، فلا تكون كل واحدة من هذه القصائد إلا أكثر من عدد أبيات الإلياذة، التي عدد أبياتها زهاء 16 ألف بيت.
وألف الإمام أبو نصر الفارابي المتوفي سنة 339 كتابه في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، ووجوه الانتفاع بها، وفيه قال القاضي صاعد في طبقات الأمم: هو كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه ولا ذهب أحد مذهبه، ولا يستغني طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه اهـ ص 62.
وقال عنه القاضي ابن الأزرق في روضة الأعلام: أحصى فيه العلوم القديمة وذكر فيه بعض علوم الإسلام اهـ وهو كتاب نادر الوجود توجد منه الآن نسخة خطية في إسبانيا، وهو مترجم إلى اللغة اللاتينية والعبرانية، ثم سمعت أنه طبع، ثم كتاب مفاتيح العلوم، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي المتوفي سنة 387 ألفه لأبي الحسن عبيد الله بن أحمد العتبي، وقد قسمه إلى مقالتين: الأولى تشتمل على اثنين وخمسين فصلا، تجتمع في ستة أبواب، وهي الفقه، الكلام، النحو، الكتابة، الشعر، العروض، الأخبار. والمقالة الثانية اشتملت على اثنين وأربعين فصلا في أبواب: الفلسفة، المنطق، الطب، علم العدد، الهندسة، النجوم، الموسيقى، الخيال، الكيمياء. وقد طبع الكتاب المذكور في ليدن سنة 1895 مسيحية، ثم في مصر وقد نقل عن هذا الكتاب المقريزي في الخطط؛ في تعريفه علم التاريخ فقال: قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخي:
في كتاب مفاتيح العلوم: وهو كتاب جليل القدر اهـ انظر ص 15 من ج 2 ولهم خوارزمي آخر له كتاب اسمه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ينقل عنه أبو سالم العياشي في كتابه «الحكم
(2/131)