Advertisement

التراتيب الإدارية نظام الحكومة النبوية 003



الكتاب: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية
المؤلف: محمد عَبْد الحَيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (المتوفى: 1382هـ)
المحقق: عبد الله الخالدي
الناشر: دار الأرقم - بيروت
الطبعة: الثانية
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بالعدل والأنصاف» تحت عنوان قال: أبو بكر الخوارزمي الشافعي رضي الله عنه في مفيد العلوم، وهو مطبوع أيضا بمصر وأكبر جرما من الذي قبله، وكثير من القاصرين لا يفهمون؛ أن أهل القرن الرابع دونوا مدخلا للعلوم والفنون، يشتمل على الموضوعات والمصطلحات العلمية الموجودة لذلك العهد.
ثم قاضي طليطلة صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة 462 ألف كتابه طبقات الأمم وقد طبع أخيرا ومن وقف عليه يندهش لأسلوب وضعه، وواسع اطلاعه وبحثه، وجمعه باعتبار أنه بقلم أهل المائة الخامسة.
ثم الإمام أبو حامد الغزالي عدّد أنواع العلوم وفوائدها، وموضوعاتها في كثير من كتبه، وخصوصا في كتابه فاتحة العلوم والجواهر، ولما ذكر في كتابه الجواهر وكتاب الأربعين؛ أنواع العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز، واعتذر بعد ذلك عن إعراضه عن عدّها بأن القصد إنما هو ذكر ما يتعلق بالقرآن الكريم، ويتوقف على معرفته صلاح العباد والمعاش، قال بعد ذلك فيما يرجع لجنس تلك العلوم: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها، أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم لم تخرج إلى الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها، وعلوما قد خرجت إلى الوجود، واندرست الآن، فلم يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوما أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها. وكانت وفاته رحمه الله سنة 505.
ثم كتاب الفنون للإمام فخر العراق والحنابلة؛ أبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي، المتوفي سنة 513. قال سبط ابن الجوزي في ترجمته من مراة الزمان، وهو مائتا مجلد، جمعه طول عمره قال: واختصر منه جدي عشر مجلدات: فرّقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحو سبعين. وفيها حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب.
ثم كتاب قيد الأوابد لمحمد بن حسين الزاغوكي الشافعي المتوفي سنة 559 عن 79، وهو كما في كشف الظنون المطبوع: مجموع ذكر فيه العلوم كالتفسير وعلوم الحديث والفقه واللغة الخ الخ. ورتبها ولعلها بلغت أربعمائة مجلد، وفي رحلة الزيادي نقلا عن القاموس الجزم بأنه في أربعمائة مجلد.
ثم جامع الفنون وقامع الظنون للوادياشي البرار المتوفي سنة 596 منه الجزء التاسع في النجوم. وكتاب جامع العلوم لابن نسيب الحراني الحنبلي، المتوفي سنة 695. ذكره في كشف الظنون. وكتاب جامع العلوم للفخر الرازي المتوفي سنة 606. قال في كشف الظنون: وهو مجلد متوسط اشتمل على أربعين علما ألفه للسلطان علاء الدين تكش الخوارزمي، وهو كتاب مفيد جدا وفي ص 571 من ج 2 من كشف الظنون: أن للفخر الرازي كتاب «حدائق الأنوار في حدائق الأسرار» أورد فيه ستين علما. ومن أعظم
(2/132)

الموسوعات العربية التي جادت بها أقلام المسلمين في هذا التاريخ: الفتوحات المكية للشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، وهي في 8 مجلدات ضخمة. وأود لو وفق معتن لجعل برنامج عام لمسائلها، وعلومها الكونية وفلسفتها الدينية، ليظهر للعالم العجب العجاب المنطوي في طيات هذا الكتاب العظيم.
وللسيد جلال الدين البخاري كتاب جامع العلوم ذكره صاحب الكشف أيضا.
ثم جاء بعد هؤلاء شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري النويري الكندي الشافعي المتوفي سنة 732 له نهاية الارب في فنون الأدب قال في كشف الظنون في نيف وثلاثين مجلدا، قسمها إلى خمسة فنون، وكل فن إلى أبواب: الفن الأول في السماء، والآثار العلوية والأرض والعالم السفلي، ويشتمل على خمسة أقسام. الثاني في الإنسان وما يتعلق به، الثالث في الحيوان الصامت. الرابع في النبات. والقسم الخامس في أنواع الطب وفي التاريخ، والقسم التاريخي ينتهي إلى سنة 731 وهو موجود كاملا في بعض مكاتب الاستانة، والمكتبة الخديوية بمصر وقد شرع في طبعه الآن بمصر «1» .
ثم جاء المؤرخ النقاد النسابة ابن فضل الله العمري، الكاتب الدمشقي المتوفي سنة 748 له (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) في بضع وعشرين مجلدا، في الأدب والتاريخ والجغرافية والتاريخ الطبيعي، قسمه إلى قسمين: الأول في الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرا، وهو نوعان الأول في ذكر المسالك، والثاني في ذكر الممالك. والقسم الثاني في سكان الأرض من طوائف الأمم، وتحت كل قسم أبواب. وتحت كل باب فصول. قال في كشف الظنون: هو في عشرين مجلدا كبارا، وذيله شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني، ذكره السيوطي في طبقات النحاة.
ثم جاء الإمام شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري المتوفي سنة 749 فألف كتابه المسمى: ارشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ذكر فيه أصناف العلوم وأنواعها، وجملة ما فيه ستون علما منها عشرة أصلية: سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامها. وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنزل.
قال في كشف الظنون: وهو مأخذ مفتاح السعادة لطاشكبري زاده وقد ذكر في جملة العلوم أربعمائة تصنيف اهـ وقد طبع بمصر أيضا في جزء عام 1318 وعندي منه نسخة خطية سمعت في القرن الحادي عشر، على أبي مهدي عيسى الثعالبي المكي رحمه الله بمكة.
ثم الإمام عبد الرحمن بن محمد البسطامي، ألف كتابا أورد فيه غرائب وعجائب حتى أورد فيه مقدار مائة علم، وذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية.
__________
(1) وصل الطبع إلى الجزء 18 فقط. مصححه.
(2/133)

ثم المولى لطف الله بن حسن التوقادي المقتول سنة 900 ألف وللسلطان بايزيد كتابا جمع فيه نبذا من العلوم، ثم شرحه وسماه المطالب الإلهية.
ثم جاء الحافظ الأسيوطي فألف النقاية في أربعة عشر علما وهي مشروحة بقلم السيوطي وغيره، ومنظومة قديما وحديثا. ومن أشهر من نظمها الشهاب أحمد بن عبد الحق السنباطي المصري، من أهل القرن العاشر. وشرح هو النظم في مجلدين.
ثم جاء العلامة الأرتقي وهو في المائة العاشرة فألف مدينة العلوم، في تعريفات العلوم، وتراجم المؤلفين وهو كتاب مفيد يبحث في العلوم وأقسامها، وأشهر من ألف فيها بدأ بالخط فالكتابة وفروعها وعلومها، وتاريخ نشوئها، والشعر والأدب والعلوم الطبيعية والميكانيكية والسياسة والدين، وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر. ووقفت على نسخة من كتاب مدينة العلوم بالمغرب، وهي في مجلد وسط ولكنها منسوبة لعصام الدين أبي الخير أحمد بن الإمام مصلح الدين، وهو والله أعلم أبو الخير عصام الدين أحمد بن مصلح الدين مصطفى المعروف بطاشكبري زاده المتوفى سنة 967، والمعروف للمذكور كتابه المسمى، مفتاح السعادة ومصباح السيادة تكلم فيه على العلوم وأقسامها وتفرعها، وجعله على طرفين: الأول في خلاصة العلم؛ والثاني في تعداد العلوم وضمنه ثلاثة أقسام الهية واعتقادية وعملية، وجعل علم الأخلاق ثمرة كل العلوم. قال في كشف الظنون: ذكر فيه مائة وخمسين فنا اهـ.
قلت: وقعت لي منه نسخة خطية عتيقة فعددت العلوم المذكروة فيها فإذا هي مائة وخمسة وهذا برنامج ما فيه من العلوم لتستفاد:
الدوحة الأولى: في العلوم الآلية ولها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الآلية اللفظية العربية، وهي تنقسم إلى القسم اللفظي، وإلى القسم الخطي. القسم الأول في اللفظي:
فمنها على مخارج الحروف، علم اللغة، علم الاشتقاق علم الصرف، علم التمييز، علم النحو، علم المعاني، علم المحاضرة، علم التواريخ، علم السير والمغازي، علم البيان، علم البديع، علم التصحيف، علم العروض، علم القوافي، علم قرض الشعر، علم مبادي الشعر، علم الإنشاء، علم الأمثال، علم وقائع الأمم ورسومهم على مسامرة الملوك، علم استعمالات الألفاظ، علم الأحاجي والأغلوطات، علم الترسل، علم السجلات.
القسم الثاني: من علم الأدب فيما يتعلق بالخط العربي من العلوم: علم قوانين الكتابة، علم ترتيب حروف التهجي في الكتاب، علم تحسين الحروف، علم كيفية تولد الخطوط عن أصولها، علم تراكيب الأشكال، بسائط الحروف، علم إملاء الألفاظ العربية.
الشعبة الثانية في العلوم الآلية المعنوية: علم المنطق، علم النظر والمناظرة، علم الجدل، علم الخلاف.
(2/134)

الدوحة الثانية في العلوم الإعتقادية: وفيها شعبتان: الشعبة الأولى في العلوم الشرعية.
الاعتقادية: علم النواميس، علم القراءة، علم التجويد، علم الوقوف على رسم المصحف، علم الناسخ والمنسوخ، علم أسباب النزول، علم غرائب القرآن، علم دفع مطاعن القرآن، علم التفسير، علم التأويل، علم إشارات القرآن، علم دلائل الإعجاز مع خواص القرآن، علم أدب الدعاء وأوقاته، علم الخواص الروحانية، علم التصرف بالحروف والأسماء، علم متن الحديث، علم رجال الحديث، علم ناسخ الحديث ومنسوخه، علم أسباب ورود الأحاديث، علم شرح الحديث علم تأويل الحديث، علم رموز الحديث وإشاراته، علم غرائب لغات الحديث، علم مطاعن الحديث، علم تلفيق الأحاديث، علم طب النبي صلى الله عليه وسلم، علم المواعظ، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار، علم أصول الدين، علم أصول الفقه. الشعبة الثانية في العلوم الاعتقادية الحكمية والعلوم الفلسفية العلم الإلهي، علم التصوف، علم السير، علم الطير، علم الفناء والبقاء، علم الزهد والورع، علم البرزخ، علم الآخرة، علم الجفر والقضاء، علم الطبيعي، علم الطب، علم الباه، علم البيطرة والبيزرة، علم نوع النبات، علم الحيوان، علم الصيدلة، علم التشريح، علم الكحالة، علم الأطعمة والمزورات، علم الفراسة، علم الاختلاج، علم النظر في الكف، علم تعبير الرؤيا، علم قوس فزح، علم أحكام النجوم، علم الأدوار والأكوار، علم القرآآت، علم السّحر، علم الكهانة، علم كشف المدك كذا وإيضاح الشك، علم الحيل الساسانية علم الطلسمات، علم التبارج، علم استنزال الأرواح في قوالب الأشباح، علم العزائم، علم الكيميا، علم المعادن، علم معرفة الجواهر، علم الفلاحة، علم الرمل، علم الفال والقرعة.
العلوم الرياضية علم الهندسة، علم عقود الأبنية، علم المناظر، علم المرايا المحرقة، علم المراكز، علم الأثقال، علم المساحة، علم انبساط المياه، علم جر الأثقال، علم البنكامات، علم التعديل، علم الآلات الحرثية، علم الآلات الروحانية.
القسم الثاني في الهيئة علم الزيجات، والتقاويم، علم الجغرافية، علم المواقيت، علم كيفية الارصاد، علم تنظيم الارصاد، علم تسطيح الكرة، علم الآلات الظلية.
القسم الثالث العلم العددي ويسمى الارتماطيقي، علم الحساب، علم حساب التحت والميل، علم الجبر والمقابلة علم حساب الحظائر علم حساب الدور والوصايا علم حساب الدرهم والدينار علم خواص الأعداد علم التعابي العددية في الحروف، علم الحروف النورانية والظلمانية، علم التصريف بالإسم الأعظم، القسم الرابع علم الموسيقى، علم الرقص، علم الغنج.
(العلوم العلمية) وهي على قسمين: الأول: علم الفقه، علم الفرائض، علم الشروط
(2/135)

والسجلات، علم معرفة الساعات، علم معرفة قسم التركة، علم الموعظة، علم الأدعية والأوراد، علم الآثار.
القسم الثاني: علم الاحتساب، علم كيفية تحصيل ما لا يفي، علم كيفية ترتيب العساكر، علم الملاحة، علم الآلات الحربية.
النوع الثاني في الحكمة العملية: علم الأخلاق، علم تدبير المنزل، علم السياسة، وبها تم الكتاب فمجموع العلوم التي ذكر كما علمت 165.
وقد وقع في تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج 3 ص 316 إن عدد علومه نحو 30، وكذا جاء، في ص 316 من الجزء الثاني انظره وكأنه اشتبه عليه كتاب طاشكبري، بكتاب ولده ففي كشف الظنون: بعد أن ذكر كتاب مفتاح العلوم، ثم ترجمه ولده المولى كمال الدين محمد المتوفي سنة 1032 بإلحاقات كثيرة في مجلد كبير؛ فبلغ فيه من العلوم خمسمائة فن ولم يعرج جرجي زيدان على الذيل المذكور في التاريخ المذكور، وهو عجيب منه. ولعل الأصل والفرع؛ كل منهما يعرف بمفتاح العلوم؛ فقد يشيرون إلى الأصل، ويريدون الفرع والعكس. ولذلك وجدت صاحب كشف الظنون في فصل تقسيم العلوم؛ ذكر أيضا برنامج علوم كتاب طاشكبري، فأوصلها إلى ثلاثمائة وخمسة علوم، فلعله عنى به الذيل المذكور، أو غير ذلك. وقد وقفت على الذيل المذكور بمراكش سنة 1331، فإذا جرمه ضعف النسخة التي عندي، وقد طبع في الهند قريبا.
رأيت ذلك في بعض الإعلانات والله أعلم.
وممن فرّق بين ما للوالد والإبن الشيخ حمزة فتح الله المصري في كتاب المواهب الفتحية في علوم اللغة العربية فإنه ذكر أن أحمد بن مصطفى الشهير بطاشكبري زاده له مفتاح السعادة الذي جمع فيه مائة وخمسين فنا، وزاده ابنه كمال الدين محمد المتوفي سنة 1032 حتى بلغ خمسمائة فن. انظر ص 22 من الجزء الأول وفيه أيضا: أحسن تقسيمات العلوم ما ذكره الإمام طاشكبري في مفتاح السعادة، وذكر أنه سرد من علوم النظر ثلاثمائة وخمسة، واعترض بأن في ذكره تكثيرا كذكره في فروع التفسير الأنواع المذكورة في إتقان السيوطي وأجيب بأن الإعتراض على المؤلفات سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها، كما يشاهد في المباني الضخمة إذ يعترض على بانيها كل سخيف الفكر، لا يقدر أن يضع حجرا منها على حجر، ثم وجدت في ص 571 من كشف الظنون أن ابن طاشكبري المولى كمال الدين محمد؛ نقل مفتاح السعادة لوالده إلى التركية ببعض إلحاقات وتصرف في مجلد كبير، وإنه توفي سنة 1032 فانظره والله أعلم. وذكر أيضا أن المولى محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفي سنة 1036، جمع كتابا للسلطان أحمد العثماني أورد فيه 53 علما من أنواع العلوم العقلية والنقلية، وسماه الفوائد الخاقانية لأحمد خانية، ورتبه على ميمنة وميسرة، وساقة وقلب، على نحو ترتيب جيش السلطان، المقدمة
(2/136)

في ماهية العلم وتقسيمه، والقلب في العلوم الشرعية، والميمنة في العلوم الأدبية، والميسرة في العلوم العقلية، وأورد فيها ثلاثين علما، والساقة في علم آداب العلوم. وإنما اقتصر على ذلك العدد، ليكون موافقا لعدد اسم أحمد على حساب أبجد، ثم ألف بعد طاشكبري؛ الشيخ عبد القادر الطبري المكي كتابه: عيون المسائل من أعيان الرسائل، جمع فيه 40 علما، ولكن الموجود من نسخته المطبوعة أقل منها، ثم ألف بعد ذلك مصطفى حاجي خليفة المتوفي في سنة 1067 كتابه كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون، واستوعب فيه الكلام، على الفنون التي ذكرها طاشكبري زاده، في المفتاح الكبير والصغير، وما ألف فيها وكتاب الكشف هذا في مجلدين وله ذيول طبعت معه ولكن الطابعين لم يميزوا بين الأصل والفرع، فأوقعوا المطالع والناقل في الإشتباه، وسبب ذلك جهل المصححين والطابعين، أو قل المطالعين. ثم ألف بعده أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي المغربي المتوفي سنة 1101 القانون، وهو في مجلد وسط، ألفه في أحكام العلم، وأحكام العالم، وأحكام المتعلم، فهذه ثلاثة أبواب. وفي الفصل العاشر من الباب الأول: عرّف العلم وتكلم على تقسيم العلوم، فذكر أولا أنها تقسم على الجملة إلى قديمة وحديثة، وفلسفية، أو جلية أو إما قديمة أو إسلامية. قال: وهو اضبط، ثم ساق العلوم، فقسمها إلى ما رآه وهو تقسيمها إلى: فلسفية أو إسلامية، فبدأ بالفلسفيات، ثم الشرعيات، وهو كتاب مفيد جدا، فيه كثير من الأبحاث والفرائد.
وألف أيضا عصريّه أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي بلدا ولقبا المتوفي سنة 1096؛ كتابه الأقنوم في مبادي العلوم، وهو نظم رجزي، في نحو السبعة عشر ألف بيت.
وفي ترجمة مؤلفه من نشر المثاني للقادري: أنه اشتمل على مائة وخمسين علما أو أزيد.
وفي الصفوة للأفراني: اشتمل على أزيد من ثلاثمائة علم: ولكن ناظمه لم يكمله.
وهذا بيان ما في نظم الأقنوم من الفنون، مع بيان عدد أبيات كل فن: علم العقائد 29 بيتا، علم التفسير 107، علم اصطلاح الحديث 49، علم أصول الفقه 52، علم فقه الفرائض 30، علم النحو 56، علم التصريف 44، علم الخط 26، علم المعاني 73، علم البيان 31، علم البديع 52، علم التشريح 36، علم الطب 124، علم التصوف 50، علم الكلام 62، علم القرآات 303، علم السير 196، علم الجدل، 118 علم عمل الفرايض 98، علم الجمل 46، علم الرسم 112، علم الضبط 45، علم العروض 78، علم القوافي 24، علم الأدب 245، علم الجراحات 116، علم العلاج 146، علم آداب الدين 151، علم المنطق 61، علم التجويد 132، علم الشمائل 89، علم الخلافيات 80، علم الفرائض بالكسور 36، علم صنعة الإعراب 94، علم اللغة 171، علم الكتابة 55، علم ميزان الشعر 91، علم أصول القوافي 77، علم الموسيقى 72، علم البيطرة 115، علم طب الحيوان 74، علم الأذكار النبوية 59، علم المكونات 174، علم الوقف
(2/137)

والابتداء 120، علم الحديث 113، علم السفسطة 121، علم الحساب 118، علم أصول النحو 335، علم نظائر النحو 67، علم أسرار الرسم 155، علم كتابة الشعر 33، علم أصول اللغة 51، علم قانون اللغة 84، علم البيزرة 69، علم طب الطير 86، علم التربية بالإصطلاح 44، علم الفلسفة 121، علم آداب القراءة 11، علم التاريخ 178، علم الفقه 474، علم العدد 129، علم الجبر والمقابلة 170، علم التكسير 50، علم الإرتماطيقي 138، علم الهندسة 184، علم الجغرافيا 159، علم الاختلاج 80، علم الفراسة 79، علم السياسة 72، علم الرياسة 180، علم الإلهيات 151، علم العشر 87، علم الأحكام 445، علم القضاء 151، علم الفتيا 48، علم التعبير 88، علم الإسطرلاب 58، علم الربع المجيب 81، علم الصفيحة الزرقالية 69، علم الصفيحة الشكارية 63، علم الربع المقنطر 117، علم الاسطرلاب الجنوبي 32، علم السيميا 289، علم الحكمة 113، علم الهيميا «1» 170، علم الطبيعيات 190، علم العاديات 118، علم خط الرمل 240، علم الكتف 81، علم الأوفاق 84، علم الوثائق 47، علم فرض النفقات 480، علم البرهان 29، علم الحسبة 533، علم النظارة 70، علم نظر المواريث 64، علم الهيئة 344، علم الفلك 147، علم المجسطي 31، علم جومطريقا 24، علم الكلام العرفاني 142، علم أسرار الدين 104، علم الشهادة 172، علم النواميس 176، علم المناظر 56، علم الأنساب 361، علم المساحة 26، علم التوقيت 59، علم الأرصاد 43، علم التعديل 54، علم أحكام النجوم 62، علم أنساب الشرفاء 65، علم العشر 18، علم الجمع الكبير 17، علم جمع الجمع 19، علم السبع الصغير 16، علم أصول الدين 26، علم العقائد الحاتمية 32، علم الأصول الوسطى 37، علم الهيئة الحاتمية 5، علم المولدات 78، علم الدول 20، علم عروض المولدين 18، علم التوقيت المأثور 44، علم الرواية 27، علم الطب النبوي 39، علم الفقه الشافعي 527، علم الفقه 264، علم الفقه الحنبلي 426، علم الهيئة السنية 16، علم النجوم 17، علم الطلسمات 19، علم الغراسة 16، علم الأسماء 190، علم الأزياج 15، علم الفلاحة 14، علم فلاحة النحل 15، علم فلاحة الدجاج 16، علم فلاحة الحمام 15، علم فلاحة الأوز والبرك 140، علم الحروف 16، علم الديميا 15، علم الكهانة 29، علم ميزان الماء 16، علم الأمثال 17، علم القيافة 15، علم الإشارة 16، علم أسرار الخليقة 18، علم تشريح الطير 7، علم تشريح الدواب 20، علم فراسة الحيوان 15، علم أحكام الأهلّة 21، علم آل دشمان «2» 20، علم المسامتات 7، علم طب النبات 17، علم أسرار الحروف 33، علم الاستخدامات 38، علم الطب بالألحان 8، علم مساحة الأرض 15، علم إعراب المعجم
__________
(1) كذا في الأصل ولعل المقصود بها: الكيمياء. مصححه.
(2) دشمان لها بالفارسية معنى هو: العدو. ويحتمل: آل عثمان. مصححه.
(2/138)

8، علم حساب التحت والميل 21، علم عقود الأبنية 1، علم المطابقة 10، علم الموازنات 9، علم المعاملات السكية 22، علم المعاملات الطبية 17، علم المخارجات 17، علم أسرار العدد 16، علم الاقتباسات 6، علم السياسة العقلية 4، علم تدبير الطبيعة 38، علم أرض الحقيقة 1، علم الرياضة 1، علم صور المعاني 1، علم اختلاف الصور 1، علم أسرار الطبيعة 1، علم التاريخ النجومي 6، علم الاستعدادات 37، علم الزجر 18، علم التفاؤل 17، علم الوفيات 8، علم المناسبات 15، علم البنكمات 1، علم السيرة النجومية 1، علم الماديات 1، علم هيئة الأرض 1، علم التدريس 8، علم الفراسة الروحانية 4، علم التأليف 6، علم هندسة الأشجار 18، علم التواريخ القرآنية 19، علم هندسة المخروطات 1، علم التشكيك 1، علم الطواعية 5، علم التفاوت 1، علم السياسة الشرعية 5، علم إعمار العقاقير 74، علم إبدال العقاقير 79، علم قوى العقاقير 11، علم الأقرباذين 14، علم الشعوذة 14، علم نوريك 17، علم الشطارة 178، علم الشمعنة 15، علم النجامة 39، علم أصول الطب 17، علم المساحة بالإسطرلاب 16، علم التعبير من الفلك 13، علم المساحة بالربع 15، علم الطب من الحروف 18، علم المساحة الفلكية 17، علم الهيئة التوقيتية 23، علم استنباط المياه 27 علم الضروريات 17، علم الاستحضار 20، علم المساحة بالخطابين 7، علم المساحة بالجبر 7، علم الطب بالخيل 17، علم الهيئة الريحية 4، علم حساب الجملة 20، علم حساب التعديل 19، علم الاستنزالات 38، علم الجليان 18، علم حساب العام 53، علم الروحانيات 32، علم الامتزاجات 20، علم الاختبارات 18، علم حساب الخطأين 8، علم الجدول 18، علم حساب الربع 16، علم العرافة 18، علم الاختبارات السنية 7، علم المناظرة 36، علم تضاد النبات 1، علم الخط المنصف 1، علم طب الخط 10، علم الخط المجرور 1، علم التقويمات 17، علم الاختيارات الطبية 43، علم الطب النجومي 17، علم وضع الإسطرلاب 14، علم تخطيط الرخام 14، علم الإطريمونا 16، علم فلاحة الدواب 18، علم الخنقرطات 18، علم يداقبا 18، علم الزيرجة 19، علم السرجعة 17، علم السحر 19، مراكز الأثقال 1، علم المرايا المحرقة 1، علم جر الأثقال 1، علم المجسطي الحاتمية 1، علم الزجر 38، علم ميزان الملحون 8، علم الوجهتين 1، علم الإرتباطات 1، علم تدبير المنزل 1، علم الأخبار 56، علم أخبار المكاشفة 10، علم رسم الرخام 20، علم المرائي 71، علم الفروسية 19، علم تزبير الأشجار 18، علم الزراعة 19، علم وضع الجدول 17، علم التداخل 1، علم أنولوطيقا 1، علم طوريقا 1، علم الفراسة النبوية 1، علم حيل الشريعة 1، علم فراسة المسكي 1، علم المتقابلات 1، علم الاختيارات التجربية 18، علم التوسم 8، علم الأخلاق 11، علم الرقي 1، علم المخمس الخالي 27، فجميع ما فيه 278 فنا عدد أبياتها بعد ضم 62 بيتا في الخطبة 17383 بيتا.
(2/139)

كما ألف العلامة الشيخ علي الموصلي: طوالع النجوم في مفاخرة العلوم، ضمنه المفاضلة بين ثلاثة وسبعين علما من العلوم.
ثم جاء بعدهم فاضي فاس، الشيخ الطالب بن حمدون بن الحاج المتوفي سنة 1274 فألف كتابه الأزهار الطيبة النشر، فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادي العشر، وهو مفيد جدا وقد طبع بفاس، وألف بعده نادرة علماء مصر الشيخ عبد الهادي الأبياري المتوفي سنة 1306، كتابه سعود المطالع وشرحه في مجلدين مطبوعين بمصر، جمع فيه نحو الأربعين علما وهو مفيد جدا توسع فيه ما شاء، وأفاض وأطاب. ثم دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي المصري وهي في عدة مجلدات طبعت مرارا وكتابه كنز العلوم واللغة أيضا وهما من أفيد ما ألف في عصرنا هذا، مما يناسب روح العصر، وتقريب الأقصى، بلفظ موجز مع حسن الترتيب والتبويب والتقسيم والتسهيل جزاهم الله خيرا آمين.
باب في أن السنة بنت القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه في القرآن
قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدت مصداقه في كتاب الله، وقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله، أخرجها ابن أبي حاتم وقال ابن برهان: ما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شيء إلا وهو في القرآن، أو فيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه، وعمي عنه من عمي. وكذا كل ما حكم به أو قضى به، وإنما يدرك الطالب من ذلك بمقدار اجتهاده، وبذل وسعه ومقدار فهمه.
وفي أزهار الرياض لأبي العباس المقري، ناقلا عن خط أبي زيد عبد الرحمن بن القصير الغرناطي، على هامش الشفا، لشيخه عياض على قوله فيها: هو أي القرآن الفصل ليس بالهزل، قال عبد الرحمن: قال بعض من أدركنا من أهل العلم المتبحرين في العلوم:
الحديث الصحيح اطلبوا لفظه أو بعض لفظه أو معناه في القرآن، تجدوه، هذا من ذلك القبيل اهـ.
وذكر الإمام ابن مرزوق عن بعض شيوخه أنه كان كثيرا ما يشرح مضمون الأحاديث من الآيات. وقال رحمه الله، حين ذكر: الصبر عند الصدمة الأولى «1» . الحديث أن نظيره من القرآن قوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: 176] اهـ كلام ابن مرزوق بمعناه.
قلت: قد سلك هذه الطريقة من خيار عصرنا، الفقيه الصالح البركة العلامة العارف الصوفي، سيدي عبد الرحمن الفاسي حفظه الله، ذكر عنده حديث فاطمة في طلب الخادم من
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب 43 ص 84/ 2.
(2/140)

النبي صلى الله عليه وسلم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها ولعلي: فذاك خير لكما من خادم، قال حفظه الله مصداق ذلك قوله تعالى: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً [الكهف: 46] الآية اهـ.
وفي نفحة المسك الداري، لجد جدنا من قبل الأم أبي الفيض حمدون بن الحاج على قوله في نظمه لمقدمة ابن حجر:
كأن كتاب الله منسوج سندس ... ولفظ رسول الله طرز معلّم
كأن كتاب الله من قوم عسجد ... ولفظ رسول الله غنج متمم «1»
فكتب على شرحها بقلمه عن نفسه؛ أنه كان يدرس الصحيح، ويبين في كل باب أصله من الكتاب.
وفي رياض الورد لولده خاتمة المحققين المطلعين بفاس، أبي عبد الله محمد، الطالب بن حمدون بن الحاج، الذي ألفه في ترجمة والده المذكور؛ أنه كان كثيرا ما يشرح مضمون أحاديث الصحيح من الآية، ويبين في كل ترجمة أصلها من الكتاب. قال: وهذه طريقة أهل العلم المتبحرين في العلوم اهـ منه.
وقد سبق عن السيوطي أن ابن برهان وهو الإمام العارف أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان المعروف بأبي الرجال، دفين مراكش بعد الثلاثين وخمسمائة، أفرد كتابا فيما تضمنه القرآن من معاضدة الأحاديث.
قلت: وهذا الكتاب لابن برجان خاص بأحاديث صحيح مسلم وقفت على تسميته في ذيل على صلة ابن بشكوال عندي، بخط اندلسي لم أقف على اسم مؤلفه، وهذا سياقه في ترجمة ابن برجان، وألف كتاب الإرشاد، قصد به استخراج أحاديث صحيح مسلم بن الحجاج، من كتاب الله تعالى، فتارة يريك الحديث من نص آية، وتارة من فحواها، وتارة من إشارتها، ومن مجموع آيتين متوافقتين أو مفترقتين، ومن عدة آيات إلى أشباه هذه الماخذ، حتى وفي كتابه بالمقصد المذكور، بما عليه احتوى، وأراك عيان قوله تعالى: في نبيه صلى الله عليه وسلم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: 3] اهـ منه وهذا الكتاب من أنفس ما ألفه المسلمون وأغربه، وهو يلي كتاب الخزاعي عندي في الأهمية ولو ظفرت به لسموت.
باب مقدار الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم
لا يخفى أن الإحصاء لها غير ممكن، ضرورة أن عدد الصحابة لم يحص إلا على وجه التقريب، لأن الناس في القرن الأول لم يعتنوا كلّ الإعتناء بالتدوين، كيف وفي الصحيح أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن تبوك، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ يعني ديوان، وفي الفية العراقي:
__________
(1) هكذا ورد البيت في الأصل، والمعنى غير واضح فلعل فيه تصحيفا. مصححه.
(2/141)

والعد لا يحصرهم فقد ظهر ... سبعون ألفا بتبوك وحضر
أربعون ألفا وقبض ... عن دين مع أربع آلاف تنض
ومع ذلك لم يبلغ مجموع ما في تصانيف من صنف عشرة آلاف، وسبب ذلك أن الناس في القرون الأولى، لم يعتنوا بالتدوين في عددهم وضبطهم، ولكن بعلمك مقدار ما كان الأئمة يحفظونه تعلم مقدار السنة على وجه التقريب، ففي شرح بديعية البيان للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: أول محفوظ المحدثين من المتقدمين، كما قال أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث اهـ.
وفي القوت للإمام أبي طالب المكي قيل للإمام أحمد بن حنبل: إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي؟ قال: لا. قيل فمائتي ألف حديث؟ قال: لا. قيل فثلاثمائة ألف حديث؟ قال: أرجو اهـ انظر اهـ 147 من ج 1.
وفي ثمار مشتهى العقول في منتهى النقول، للأسيوطي كان أبو زرعة يحفظ ألف ألف حديث، والبخاري حفظ عشرها مائة ألف حديث، والكل من بعض محفوظ الإمام أحمد بن حنبل اهـ.
وقال عبد الوهاب الوراق؛ كما في غذاء الألباب: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
قالوا: وأي شيء بان لك من فضله وعلمه، على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة. فأجاب فيها بأن قال: حدثنا وأخبرنا، وروينا، وإلى هذا أشار الإمام الصرصري في لاميته بقوله:
حوى الف ألف من أحاديث أسندت ... وأثبتها حفظا بقلب موصّل
أجاب على ستين ألف قضية ... بأخبرنا لا من صحائف نقل
قال السفاريني في ص 359 من ج 2 وهذه لا يعلم أحد من أيمة الدنيا فعلها ونقل في ص 369 من ج 2 عن صيد الخاطر لابن الجوزي؛ أن الإمام أحمد دار الدنيا مرتين حتى جمع المسند اهـ وذكر في محل آخر؛ أن مسنده ثلاثون ألف حديث غير المكرر، والتفسير مائة وعشرون ألفا. وذكر في محل آخر أنه ذكر غير واحد من الحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني أنه لم يحط أحد بسنة المصطفى عليه السلام غير الأمام أحمد بن حنبل.
قال السفاريني: وهذه منقبة امتاز بها عن سائر هذه الأمة، وعمن مضى، وعمن بقي من الأيمة اهـ من ص 258 من ج 1 من شرح منظومة الآداب قلت: وانظره مع ما نصّوا عليه؛ من أن الحاكم الذي هو لقب المحيط بالسنة، لم يوجد ولا يوجد. وانظر أبن نص على ذلك الحافظ فهو في عهدته ولكن الناقل أمين، وفي كشف الظنون لدى كلامه على جمع الجوامع: لا مجال إلى دعوى الإحاطة والاستيعاب، لتعذر الوصول إلى جميع الروايات والمسموعات اهـ.
(2/142)

وقد قال الحافظ الأسيوطي أول تدريب الراوي له ص 8: ومما روي في قدر حفظ الحفاظ قال أحمد بن حنبل: انتقيت المسند من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث قيل له وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب وقال يحيى بن معين: كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال البخاري:
أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن. وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث. سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت أبا عبد الله بن وارة يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف. وهذا الفتى يعني أبا زرعة قد حفظ سبعمائة. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين اهـ.
قلت: رحم الله الحافظ البيهقي فقد أزال عن القلب غمة، ورفع عن الدين أكبر وصمة بهذه الإفادة التي شرح فيها هذه المقالة، فإن كثيرا من المتفقهين الآن يقولون: مع تكفل الله بالدين، أين هذا المقدار من السنة الآن؟ فهل لم يدون؟ فبيّن البيهقي أن مرادهم بهذه الأعداد العظيمة ما يشمل السنة وآثار الصحابة والتابعين، أو أنهم كانوا يريدون طرق الحديث المتنوعة، فيجعلون كل طريق حديثا، وكل حديث له طرق وروايات، فمرادهم بهذا العدد العديد طرق الحديث الواحد العديدة، ورواياته المتنوعة، وقد يكون الحديث واحدا ولكن باعتبار طرقه، واختلاف الفاظه وتعدد من رواه؛ يعدّ الحديث الواحد بالمائة؛ لأنهم كانوا يقولون: لو لم نكتب الحديث من عشرين وجها ما عرفناه.
وفي صدي الخواطر للحافظ ابن الجوزي في فصل 175: جرى بيني وبين أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعمائة ألف حديث، فقلت له: إنما يعني به الطرق. فقال: لا المتون. فقلت: هذا بعيد التصور، ثم رأيت لأبي عبد الله الحاكم في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل كلاما فعجبت كيف خفي هذا على الحاكم، وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله، وهو أربعون ألف حديث منها: عشرة آلالف مكررة قال أحمد: جمعته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد غير الطرق؟ فإن السبعمائة ألف إن كانت كلام النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ضاعت ولم أهملت؟ وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد، فانتقى منها ورمى الباقي، وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب، ولا يحسن أن يقال: إن الصحابة الذين رووها ماتوا، ولم يحدثوا بها التابعين.
فإن الأمر قد وصل إلى أحمد وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلا.
ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما
(2/143)

بلغ خمسين ألفا فأين الباقي؟ ولا يجوز أن يقال: تلك الأحاديث كلام التابعين فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم ودوّنوها وأخذوا بها، ولا وجه لتركها ففهم كل ذي لب أي الإشارة إلى الطرق وما توهمه الحاكم فاسد، ولو عرض هذا عليه وقيل له: فأين الباقي؟ لم يكن له جواب. لكن الفهم عزيز اهـ كلام ابن الجوزي باختصار.
ولما نقل الإمام أبو الحسن السندي المدني في حواشيه، على مسند أحمد عن الطيبي في شرح المشكاة أن أحمد قال: صح من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر، عقّبه بقوله:
والمراد بهذه الأعداد الطرق لا المتون اهـ وأصله للسيد الجرجاني كما نقله عنه صاحب الحطة ص 26.
وفي كشف الظنون بعد ذكره بعض هذه الأعداد: هي ليست على الحقيقة وإنما المراد منها معنى الكثرة فقط اهـ.
وقال المقبلي اليمنى في العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، ص 392 في ترجمة السيوطي «أنه قال: إنه يحفظ مائتي ألف حديث، ثم قال: ولا أظنه يوجد اليوم أكثر من هذا، فينتج مع ما مضى أن أحاديثه مائتا ألف، ولا يستشكل بما ذكره جماعة عن جماعة من المحدثين: أنه يحفظ ستمائة ألف حديث ونحو ذلك؛ لأن المحدثين على تسمية الحديث الواحد بحسب الصحابي، فقد يكون الواحد في كتاب السيوطي أربعة أو عشرة أو ستين حديثا باعتبارهم، وكذلك الموقوف عندهم. فليتنبه لما ذكرنا لئلا يتوهّم الناظر اهـ.
ولما عرّف المناوي أول شرحه على الشمائل الحافظ في اصطلاح المحدثين قال: هو من حفظ مائة ألف حديث متنا وإسنادا. ولو بتعدد الطرق والأسانيد اهـ.
وبهذا تفهم مجمل محفوظ السلف وقياسه بالموجود الآن، والمدون أو يكون مرادهم بذلك العدد الكثير المروي، سواء صح أو لا، فإنه قد كذب الكثير عليه عليه السلام في حياته وبعد موته، أو ما صحبه عمل، ومالا.
وفي رحلة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي الكبرى: أحمد بن حنبل حافظ الدنيا على الإطلاق، يشهد لذلك مسنده، وقد سئل كم عدد المروي من الأحاديث؟ فقال: اثنا عشر مائة ألف حديث فيما بين صحيح وسقيم، فقيل: من يحفظها؟
فقال: أنا وهذا الفتى لأبي زرعة الرازي يحفظ الثلثين اهـ ولما نقله الفقيه الواعظ النحوي سليل المحدثين أبو محمد عبد القادر بن أبي القاسم العراقي، فيما وجدته بخطه على أول نسخة بخط أحد سلفه عندي، من مسند الإمام أحمد قال: وإلى كون أبي زرعة الرازي يحفظ ثمانمائة ألف حديث إذ ذك، ثلثا ما كان يحفظ أحمد بن حنبل أشار صاحبنا الحوضي بقوله:
للرازي جاء مائة ألف ألفا ... وعشر أحمد الإمام تلفى
(2/144)

أو ألف ألف لابن خلكان ... ربّ ارحم الأيمة الأركان
لكن اقتصر على أن أحمد كان يحفظ مائة ألف حديث، وأفاد يعني الحوضي في شرح نظمه أن مسنده فيه أربعون ألف حديث، ولم يلتزم الصحة فيه وإنما أخرج فيه من لم يجتمع الناس على تركه، وليس كل ما فيه صحيحا خلافا لمن زعمه اهـ وفي حواشي الإمام أبي الحسن السندي على مسند أحمد نقلا عن ابن عساكر في عدد أحاديثه أنها تبلغ ثلاثين ألفا سوى المعاد، وغير ما ألحق به ابنه عبد الله، ثم نقل عن أحمد قال أنه قال فيه: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة اهـ.
وفي الحطة لصديق حسن الهندي؛ قال أبو المكارم علي بن شهاب الصديقي: الظاهر أن هذا القول موضوع على الإمام أحمد، لأن في الكتاب الصحيح من الأحاديث ما لم يوجد في المسند مع الإجماع على حجّتيها اهـ وفيه أن الصحيح عند قوم غير محتج به عند آخرين لاختلاف الاجتهاد والمدارك، وقد وقفت على بعض التقاييد المنقولة من إملاء حافط فاس والمغرب أبي العلاء العراقي الحسيني، أن أحمد بن حنبل قال: جملة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: اثنا عشر مائة ألف، وهذا الرجل وأشار إلى أبي زرعة الرازي يحفظ منها ثمانمائة ألف، والباقي متكلم فيه. قال المناوي عن البيضاوي: وليس كل ما نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق، أو الاستدلال به جائز، فإنه روي عن أحمد وشعبة والبخاري ومسلم أن نصف الحديث كذب اهـ.
والوضاعون للحديث هم نيف وثلاثمائة ووجدوا لخمسة منهم من الحديث الموضوع خمسة وثلاثون ألفا اهـ.
وقد أنشد محدث فاس أبو عبد الله محمد بن قاسم القصار لغيره في عدد الأحاديث الموضوعة التي أخبر بها حماد بن زيد:
وقال حماد بن الورع ... جملة ما من الأحاديث وضع
على نبينا الكريم اثني عشر ... ألف حديث كلها لا تعتبر
وقال الحافظ العراقي: روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: وضع الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث.
قلت: على أن الإمام فخر المغرب القاضي أبا بكر ابن العربي المعافري قال: ما ضمن الله الحفظ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ضمن القرآن؛ على اختلاف أيضا بين العلماء في تأويل قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] اهـ من كتاب القواصم والعواصم له بلفظه.
(2/145)

باب هل تصدى أحد من المتأخرين إلى جمع جميع السنة
قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي طالعة [في مقدمة] كتابه الجامع الصغير المشتمل على عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثين حديثا: هذا كتاب أودعت فيه من الكلم النبوية ألوفا، ومن الحكم المصطفوية صنوفا، اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في تحرير التخريج، وصنته عما تفرد به كذاب أو وضاع، ففاق بذلك الكتب المؤلفة في هذا النوع، كالفائق والشهاب وحوى من نفائس الصناعة الحديثية، ما لم يودع قبله في كتاب، وسميته الجامع الصغير لأنه مقتضب من الكتاب الكبير، الذي سميته بجمع الجامع، وقصدت فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها اهـ.
قال المناوي في شرحه الكبير على قوله بأسرها: أي لجميعها، وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر، لتعذر الإحاطة بها وإنافتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم، وقد اخترمته المنية قبل إكماله اهـ.
قلت: وكتاب جمع الجوامع المذكور؛ كتاب عظيم الشأن، ولم يؤلف في الملة مثله، اشتمل على نحو ثمان مجلدات ضخمة، سبر ألفاظ النبوة سبرا ويسر للناس الوقوف على كلام نبيهم الكريم، وعرفهم بمخرجيها، ومظان أسانيدها، ورواتها، فمنته على جميع من تأخر بعده من المسلمين عظيمة، وشكره والاعتراف له بذلك من خلوص الإيمان.
وقد قال العالم النظار الشيخ صالح المقبلي اليمنى في العلم الشامخ. ما زال الله يكرم كل متأخر بفضيلة يتضح نفعها في الدين، ويرتفق بها من وفق من المهتدين، وكنت أتمنى وأستغرب أنه لم يتصد لجمع الحديث النبوي على هذا الوجه المغرب أحد، وأقول لعلها كرامة ادخرها الله لبعض المتأخرين، وإذا الله أكرم بذلك وأهل له من لم يكد ير مثله في مثل ذلك الإمام السيوطي في كتابه المسمى بالجامع الكبير، صرح بهذا المقصد في أوله وفي أول الجامع الصغير اهـ منه ص 392.
وقال الإمام ابن الهندي طالعة كنزه: أنه وقف على كثير مما دونه الأئمة من كتب الحديث، فلم ير فيها أكبر جمعا منه بين أصول السنة، وأجاد مع كثرة الجدوى وحسن الألفاظ اهـ.
قلت: وهذا سياق خطبة جمع الجوامع المذكور:
هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل، بجمع الأحاديث النبوية الشريفة كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحا لأبواب المسانيد العلية، وقسمته قسمين:
الأول أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وأطوق كل خاتم منه بفصه، وأتبع متن
(2/146)

الحديث بذكر من خرّجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة ومن رواه من الصحابة من واحد إلى عشرة، أو أكثر من عشرة، سالكا طريقة يعرف منها: صحة الحديث، وحسنه، وضعفه.
الثاني الأحاديث الفعلية المحضة أو المشتملة على قول أو فعل أو سبب أو مراجعة أو نحو ذلك مرتبا على مسانيد الصحابة، وسميته جمع الجوامع اهـ مختصرا.
وفي التحفة القادرية للفقيه المؤرخ الجمّاع أبي محمد عبد السلام بن الخياط القادري الفاسي أن شيخ الإسلام بالمغرب أبا عبد الله القصار كان يقول في حقه: ما جمع أحد كجمعه فيه مع حسن الترتيب والتبويب اهـ.
وفي محل آخر منها: ما جمع أحد كجمعه في هذا المصنف، ولا تفحص كتفحصه فيه، وقد أورد عدة من حفاظ المحدثين متون أحاديث مرسلة، ومعلقة من غير ذكر إسناد لها، فلما جاء السيوطي خرّجها بإسانيدها من طرق أخرى ومتابعات، وأوردها وبين الحكم في مراتبها اهـ.
وعدد الأحاديث الموجودة في الجامع الكبير على ما في صدر الدرر اللوامع، على أحاديث جمع الجوامع، للحافظ أبي العلاء العراقي مائة ألف حديث اهـ.
ووجدت طرة على هامش رسالة للسيوطي في عدد مؤلفاته بخط بعض المشارقة على اسم جمع الجوامع هذا فيها ما نصه: مات رحمه الله ولم يتمه، جمع فيه مائة ألف حديث، مع الحكم على كل حديث منها. وكان في غرضه أن يجمع فيه جميع الأحاديث النبوية بأسرها، فاخترمته المنية قبل ذلك اهـ.
ووجدت في بعض مجامعي منقولا عن بعض تلاميذ السيوطي ما نصه: عدد أحاديث الجامع الكبير ثمانون ألف حديث، وعددها في الدر المنثور له فيها ثلاثة وثلاثون ألفا اهـ.
وقرأت في ثبت العلامة المسند المكثر أبي العباس أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني التميمي حين ذكر السيوطي ما نصه: الذي حفظ ثلاثمائة ألف حديث قال: ولو وجدت أكثر لحفظته، وكان مراده أن يجمعها كلها في كتاب واحد، فجمع ثمانين ألف حديث في جامعه الكبير ومات، فلم يرد الله بجمع الأحاديث كلها في كتاب واحد اهـ منه.
وقد وقع في أول نسختنا من الجامع الكبير تسمية الكتب التي أنهى السيوطي مطالعتها حال جمعه للجامع قال: خشيت أن تهجم المنية قبل تمامه على الوجه الذي قصدته فيقيض الله من يذيل عليه فإذا عرف ما أنهيت مطالعته استغنى عن مراجعته ونظر ما سواه من الكتب فسمى ثمانين مصنفا. ثم عقد فصلا آخر لبيان كتب وقع ذكرها في الجامع، ولم تذكر في هذه الترجمة، فسمّى ستا وسبعين مصنفا ولا أستحضر الآن أحدا اعتنى بالتذييل على جمع الجوامع من أهل المشرق والمغرب، لتراجع الأمة الإسلامية وتأخرها في القوة والعلم إلا
(2/147)

ما كان من مفخرة فاس أبي العلاء العراقي الحسيني الفاسي المتوفي سنة 1183، فإنه اهتم بالجامع المذكور اهتماما عظيما، فألف في التعريف بالرجال المخرج لهم في الجامع الكبير، وهو عندي في مبيضته وألف أيضا الدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع لم يتممه، وعندي بعضه بخطه أيضا. واهتم بالتذييل عليه كما ذكر ذلك شيخ شيوخنا العلامة أبو محمد الوليد بن العربي العراقي في ترجمته من الدر النفيس، والقاضي ابن الحاج في الأشراف لما ترجماه، ولم يذكرا عدد المزيد ولا كيفيته ووقع في ترجمة الحافظ المذكور من سلوة الأنفاس أنه استدرك أحاديث كثيرة على الجامع الكبير للسيوطي تنيف على الخمسة آلاف اهـ.
وأهمل صاحب السلوة «1» ذكر الذيل المذكور في رسالته المستطرفة، وكأنه بناه على ما كنت شافهته به، من أن الذيل المذكور لم يدونه العراقي ويفرده، إنما ألحق الحاقات بهامش نسخته.
ثم وجدت خاتمة الحفاظ بالمشرق الشيخ مرتضى الزبيدي المصري ترجم في معجمه لأبي العلاء العراقي المذكور قائلا بعد أن وصفه بحافظ العصر: حكى لي صاحبنا محمد بن عبد السلام بن ناصر، وهو أحد طلبته الملازمين له من رسوخه في الفن، وحسن ضبطه وحفظه ما يقضي به العجب، ولما أقرأ الجامع الكبير للحافظ السيوطي استدرك عليه نحو عشرة آلاف حديث، كان يقيدها في طرة نسخته بحيث لو نقل ذلك في كتاب لجاء مجلدا اهـ وابن عبد السلام الناصري أعرف الناس بأبي العلاء العراقي، لأنه أخذ عنه وعرف حاله فوصفه ووصف مصنفاته وصف السابرين.
ثم وقفت على كناشة ابن عبد السلام الناصري المذكور، المتضمنة لاجازته من مشائخه بخطوطهم، عقب استدعائه منهم فمنه استدعاؤه الإجازة من شيخه الحافظ العراقي المذكور وإجازته له عقبه بخطه فإذا فيه: واصفا ومحليا لشيخه العراقي بما نصه: ادعى صاحب جمع الجوامع أنه جمع الحديث كله، ثم استدرك عليه الشيخ المذكور أحاديث جمة فها هي مفرقة على هوامش أصله تبلغ عشرة آلاف من حفظه اهـ كلام ابن عبد السلام الناصري في استدعائه. وكان فيه بخطه استطرد فأصلحها شيخه العراقي بخطه استدرك، وأثر الاستدعاء المشتمل على ما ذكره وغيره إجازة شيخه العراقي بخطه ولعلها آخر ما كتب وقد اعتنى الشيخ علي المتقي المعروف بابن الهندي المكي بترتيب جمع الجوامع، والجامع الصغير على الأبواب الفقهية في عدة كتب: أكبرها كنز العمال، وقد اشتمل على خمسة وأربعين ألفا، وتسعمائة وتسعة وخمسين على عدّ مصححه، مع أن ابن الهندي يقول في صدره فمن ظفر بهذا التأليف فقد ظفر بجمع الجوامع مبويا مع أحاديث كثيرة ليست في
__________
(1) هو ابن خال المؤلف الحافظ السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله.
(2/148)

جمع الجوامع؛ لأن المؤلف رحمه الله زاد في الجامع الصغير وذيّله أحاديث لم تكن في جمع الجوامع اهـ.
ومن علم أن جمع الجوامع اشتمل علي ثمانين ألف حديث أو أكثر كما سبق وأن ابن الهندي غاية ما في كنزه نحو ستة وأربعين ألفا يظهر له إما أن جمع الجوامع الموجود بين أيدينا لم يشتمل على المقدار المذكور بل على قدر نصفه، أو أن ابن الهندي حذف منه المكرر ونحوه، وهذا أقرب على أن من تتبعه وجد فيه التكرار الكثير زيادة على كون الفائدة منه قليلة، ولعله زاد الأصل إغماضا وإيهاما، بحيث ربما تتيسر المراجعة في أصله ولا تسهل فيه، ولهذا الكنز مختصر اسمه منتخب كنز العمال وهو مطبوع بهامش مسند أحمد بمصر، وقد اشتمل المنتخب المذكور على نحو اثنين وثلاثين ألفا حديث، خالية عن التكرار، كما نقل عن العلامة الشمس الشوبري المصري.
تنبيه: إسم الجامع الكبير جمع الجوامع، كما سبق لنا خطبته، وفي أول الدرر اللوامع لأبي العلاء العراقي أنه جمع الجوامع، ومعروف عند العامة بالجامع الكبير، وكتب بهامش الدرر بخطه أيضا: انظر هذا، وإنما هذه التسمية لابن حجر، وأما السيوطي فسماه جمع الجوامع اهـ.
وكأنه اشتهر بذلك فرقا بينه وبين الجامع الصغير، والله أعلم. والجامع الكبير الذي ذكر لابن حجر هو؛ الجامع الكبير في سنن البشير النذير نسبه له ضمن مصنفاته المناوي، في: شرح توضيح النخبة المسمى باليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، ولم يذكره صاحب كشف الظنون، وكان على أبي العلاء العراقي أن يقول: إنما هذه التسمية أصلية للبخاري؛ ففي كشف الظنون: الجامع الكبير في الحديث للبخاري؛ ذكره ابن طاهر اهـ.
تنبيه آخر: تقدم عن فهرس الشيخ أبي العباس البوني، أن الحافظ السيوطي بلغ محفوظه من الأحاديث ثلاثمائة ألف حديث، والذي سبق عنه بواسطة العلم الشامخ دون هذا. ووجدت بخط العلامة النحرير أبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي ناقلا له عن طبقات الشعراني الوسطى هو ما نصه: قال أي السيوطي: كان الحافظ ابن حجر يحفظ ما يزيد على مائتي ألف حديث. وكان الشيخ عثمان الديمي يحفظ عشرين ألف حديث، قال وأنا أحفظ مائتي ألف حديث، ولو وجدت أكثر لحفظته، ولعله لا يوجد على وجه الأرض أكثر من ذلك.
قال الشعراني: وكان السيوطي أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، حافظا متقنا، ويعرف غريب ألفاظه واستنباط الأحكام منه، وقد بيّض ابن حجر لعدة أحاديث، لم يعرف من خرّجها ولا مرتبتها، فخرجها الشيخ وبين مرتبتها من حسن وضعف وغير ذلك اهـ.
تنبيه ثالث: لا أعلم في الإسلام من اهتم بجمع الأحاديث فوصل جمعه إلى العدد الذي
(2/149)

بلغه السيوطي، إلا ما رأيته في كشف الظنون، المطبوع بالاستانة ص 1185 من الجزء الأول؛ ففيه بحر الأسانيد للإمام الحافظ الحسن بن أحمد بن محمد السمرقندي المتوفى سنة 491 قال:
وهو كتاب جمع فيه مائة ألف حديث، ورتبه وهذبه ولم يقع في الإسلام مثله.
وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام، ولم أجد اسم الكتاب المذكور الآن في نسخة كشف الظنون الخطية عندي التي تم نسخها سنة 1220، فلعله في أحد ذيوله الثلاثة التي جمع، وألحقت بالأصل، وطبع الجميع وعنون عنه بكشف الظنون، ونسب لحاجي خليفة تدليسا من أصحاب الطبع، وكان يجب عليهم أن ينبهوا لئلا يقع الناس في اللبس، وقد تأملت النسخة الخطية التي بيدي من الكشف، فإذا هي نحو ثلث المطبوع أو تزيد قليلا، وبهذا يزاح عنك إشكال وجود عدة مؤلفات في النسخة المطبوعة، لمن وجد في القرن الثاني عشر وأواخر الحادي عشر، مع أن مؤلف كشف الظنون مات سنة 1067. كما في آكام المرجان في آثار هندستان.
وقد رأيت بعضهم قال: لكشف الظنون ثلاثة ذيول، مزجت به فانحل الإشكال، وقد بحثت عن ترجمة أبي محمد الحسن السمرقندي المذكور في وفيات الأعيان، وذيلها فوات الوفيات للصلاح الكتبي، وطبقات الشافعية لابن السبكي فلم أجدها، ثم وجدته مترجما في شرح بديعية البيان للحافظ بن ناصر الدمشقي، قال فيه: الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر القاسمي أبو محمد المسرقندي الكوفيخني قوام السنة، نزيل نيسابور، تخرّج بجعفر المستغفري، أحد الأعيان وحدث عنه وعن خلق، وعنه خلق منهم: إسماعيل التميمي ووجيه الشحالي، وهو إمام حافظ، جليل رحال، ثقة نبيل. سمع وجمع وصنف وألف ومن مصنفاته: بحر الأسانيد في صحاح المسانيد يشتمل على مائة ألف من الأخبار، وهو في ثمانمائة جزء كبار وهي آثار الصحابة، وغيرها من الموقوفات، فأصبح مقصود السيوطي أسمى وأجمع.
وترجم ابن عساكر في تاريخه: للحسين بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ما سرجس النسيابوي الحافظ الماسرجسي المتوفي سنة 365 فقال: صنف المسند الكبير في ألف وثمانمائة جزء مهذبا مبينا للعلل، ورأيت أنا مقدار مائة وخمسين جزآ منه، وعندي أنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه، فإنه وقع في خطه في ألف وثلاثمائة جزء.
قلت: على التحقيق أنه يقع في خطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء، وكان مسند أبي بكر بخطه في بضعة عشر جزء، بعلله وشواهده فكتبه الوراقون في نيف وستين جزآ اهـ من اختصاره.
وفي الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم للإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليمني ص 88 من الجزء الأول أن الحافظ الماسرجسي جمع المسند الكبير الذي فرغ في قدر ثلاثمائة مجلد كبار اهـ.
تنبيه آخر: في شرح بديعية البيان؛ للحافظ ابن ناصر الدمشقي، لما ترجم ليعقوب بن
(2/150)

شيبة السدوسي البصري، نزيل بغداد فقال فيه: صنف المسند ولم يكمله على منوال لم يصنف مثله، ولا رأى في العلل والكثرة شكله، فمسند، على ما قيل خمس مجلدات كبار لزمه على تخريجه عشرة آلاف دينار، وكان في بيته أربعون لحافا مرصدة لمبيت الوراقين الذين يبيّضون مسنده اهـ.
واصل ذلك في طبقات الحفاظ للذهبي، وزاد في حق المسند المذكور أنه: ما صنف مسند أحسن منه. وقيل: إن نسخة من مسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر فكان مائتي جزء. قال: والذي ظهر له من المسند مسند العشرة، وابن مسعود وبعض الموالي، وأرخ وفاته سنة 262 ثم قال الذهبي: كان وقع لي في مسنده جزء. اهـ فانظر لهذه الهمم السامية والماثر الهامية فرحم الله السلف وألهم الخلف.
باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي
أخرج أبو نعيم في آداب العالم والمتعلم، والديلمي عن أبي هريرة رفعه: إذا جلستم إلى العالم أو [المعلم] فادنوا، وليجلس بعضكم خلف بعض ولا تجلسوا متفرقين، كما يجلس أهل الجاهلية. ذكره الحافظ السيوطي في الجمع. وبوّب الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: باب الجلوس عند العالم ثم قال: عن قرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا جلس جلس إليه أصحابه حلقا حلقا. رواه البزار، وفيه سعيد بن سلام، وكذبه أحمد وعن يزيد الرقاشي قال: كان أنس مما يقول لنا إذا حدثنا هذا الحديث: إنه والله ما هو بالذي تصنع يعني أنت وأصحابك، يقعد أحدكم فتجتمعون حوله، فيخطب. إنما كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا يقرؤون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويزيد الرقاشي ضعيف اهـ.
وقد بوّب البخاري «1» في الصحيح باب الحلق والجلوس في المسجد. أي جواز ذلك فيه لتعلم العلم، وقراءة القرآن، والذكر ونحو ذلك، وإن استلزم ذلك استدبار بعضهم القبلة، وأما التحلق فيه في أمور الدنيا فغير جائز، وهو المراد بحديث ابن مسعود: سيكون في آخر الزمام قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا، أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة. ذكره الحافظ العراقي في شرح الترمذي وقال: إسناده ضعيف، وعليه أيضا يحمل حديث مسلم «2» عن جابر: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وهم حلق فقال: ما لي أراكم عزين؟ قال ابن حجر: إنما أنكر تحلقهم على ما لا فائدة فيه، ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنما كان لسماع العلم اهـ.
وقد عقد الإمام اليوسي فصلا في قانونه ذكر فيه أصول طرق نشر العلم، فقال: أما التعليم بصورة التدريس فأصله ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله في مجالسه مع أصحابه، من تبيين الأحكام
__________
(1) انظر كتاب الصلاة باب 84 ج 1/ 121.
(2) انظر كتاب الصلاة باب 27 ج 1/ 322.
(2/151)

والحكم والحقائق، وتفسير الآيات القرآنية، وذكر فضائلها وخواصها، وغير ذلك. وهم في ذلك مجتمعون عليه، فهذا تقرير وتبيين. قال تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:
44] وهذه حلقة العلم، ولم تزل حلق العلم على العلماء كذلك، وهلم جرا اهـ منه.
وأخرج المروزي وابن أبي شيبة عن أبي معاوية الكندي قال: قدمت على عمر بالشام فسألني عن الناس فقال: لعل الرجل يدخل المسجد كالبعير النافر، فإن رأى مجلس قومه ورأى من يعرفهم جلس إليهم فقلت: لا ولكنها مجالس شتى يجلسون فيتعلمون الخير ويذكرونه. قال: لن تزالوا بخير ما دمتم كذلك.
باب في وقوفه عليه السلام على حلق العلم لأصحابه وجلوسه فيها معهم وإيثارها على حلق الذكر
اتصل بنا في ذلك حديث مسلسل، بحرف العين في اسم كل راو أرويه، وأنا عبد الحي، عن والدنا الشيخ عبد الكبير الكتاني، سماعا عليه غير مرة، والشيخ عبد الجليل برادة المدني، والشيخ عبد الحق الإلهابادي الهندي ثم المكي، شفاها منهما بمكة ومسند المدينة المنورة أبي الحسن علي بن طاهر الوتري المدني كتابة منها وغيرهم، قالوا: حدثنا الشيخ عبد الغني ابن أبي سعيد الدهلوي المدني بها، قال أنا عابد السندي الأنصاري المدني، قال: إني الشيخ علي بن عبد الخالق المزجاجي قال: أخبرنا والدي قال أنبأنا عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي، عن علاء الدين بن محمد باقي المزجاجي عن عبد الله بن سالم البصري، عن عيسى بن محمد الثعالبي، عن علي الاجهوري، عن عمر بن ألجاي، عن الحافظ عبد الرحمن الأسيوطي، أنا أبو هريرة عبد الرحمن بن الملقن، أنا علي بن أبي المجد، أنا عيسى بن عبد الرحمن بن مطعم، قال: أنا عبد الله بن عمر اللتي، أنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، أنا عبد الرحمن بن محمد الداودي، أنا عبد بن أحمد السرخسي، أنا عيسى بن عمر السمرقندي، أنا الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أنا عبد الله بن يزيد أنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلسين في مسجده فقال: كلاهما خير، وأحدهما أفضل من صاحبه؛ أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم، ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما. قال: ثم جلس فيهم.
قلت هكذا أورده الحافظ الدارمي في مقدمة مسنده تحت باب فضل العلم والعالم انظر ص 84 من المطبعة الهندية الأولى «1» .
__________
(1) انظر ص 83 من المقدمة باب (17) . طبعة استانبول.
(2/152)

وقد أخرجه ابن ماجه في سننه تحت باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، وهذا سياقه: حدثنا بشر بن هلال الصواف حدثنا داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرأون القرآن ويدعون الله، والآخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلّ على خير، هؤلاء يقرؤون القرآن ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلما فجلس معهم.
قال الحافظ السخاوي كما في حصر الشارد قوله: هذا حديث غريب وابن أنعم الأفريقي ضعيف لسوء حفظه، ولكن للمتن شواهد، قال السيوطي: وأخرجه ابن ماجه من حديث بكر بن خنيس عن ابن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، فكان الحديث عن ابن أنعم عنهما معا عن ابن عمرو اهـ.
قال ابن حجر الهيثمي في حواشي المشكاة، على قوله: مر بمجلسين؛ أي حلقتين اهـ.
وفي ترجمة جابر بن عبد الله من در السحابة للسيوطي نقلا عن مصنف وكيع: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد النبوي، يؤخذ عنه العلم اهـ.
باب فيمن كان يخلف المصطفى بعد قيامه من مجلسه للتذكير والفقه
في شرح الإحياء نقلا عن القوت: وكان عبد الله بن رواحة يقول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعالوا حتى نؤمن من ساعة فيجلسون إليه، فيذكرهم العلم بالله، والتوحيد في الآخرة، وكان يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قيامه، فيجمع الناس ويذكرهم الله، ويفقههم فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فربما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم مجتمعون عنده، فيسكتون، فيقعد إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما كانوا فيه. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهذا أمرت ويروى نحو هذا عن معاذ بن جبل: وكان يتكلم في هذا العلم. وقد روينا هذا مفسرا في حديث جندب: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن اهـ.
باب في تدارسهم القرآن وتفسير المصطفى لهم آية
في صحيح مسلم «1» وغيره من حديث طويل عن أبي هريرة: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتعلمون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. قال القاري في شرح المشكاة:
«التدارس قراءة بعضهم على بعض؛ تصحيحا لألفاظه، أو كشفا لمعانيه، كذا قال ابن الملك. ويمكن أن يكون المراد بالتدارس: المدارس: المدارسة المتعارفة؛ بأن يقرأ
__________
(1) انظر كتاب الذكر ج 3 ص 2074 رقم 38. وأوله: عن أبي هريرة: من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا.
(2/153)

بعضهم عشرا مثلا، وبعضهم عشرا آخر. وهكذا. فيكون أخصّ من التلاوة، أو مقابلا لها، والأظهر أنه شامل لجميع ما يناط بالقرآن، من التعلم والعلم» .
فانظر أصل التدريس وتعاطي علوم القرآن، فإنه قديم. وقد ذكر السيوطي في الإتقان: أنه عليه السلام بيّن لأصحابه جميع تفسير القرآن، أو غالبه. ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه «1» عن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها. فدل فحوى الكلام على أنه كان عليه السلام يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر لهم هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن لتخصيصها وجه.
وأما ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن، إلا آيات بعد أن علمه إياهن جبريل، فهو حديث منكر. كما قال الحافظ ابن كثير، وأوّله ابن جرير وغيره على أنها إشارات إلى آيات مشكلات، أشكلن عليه، فسأل الله عنهنّ، فأنزل إليه على لسان جبريل، وانظر الحديقة الندية.
باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه
خرّج أبو نعيم عن علي قال؛ تزاوروا وتذاكروا هذا الحديث؛ إن لا تفعلوا يدرس.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن ابن مسعود قال: تذاكروا الحديث، فإنه يفهم بعضهم بعضا، وذكر أيضا عن عون بن عبد الله قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها فقلنا:
أمللناك يا أم الدرداء فقالت: ما أمللتموني، لقد طلبت العبادة بالمدينة، فما وجدت أشهى لنفسي من مذاكرة العلم، أو قالت من مذاكرة الفقه.
وروي عن عمر بن الخطاب قال: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب، أو أجالس قوما يلتقطون أطيب القول، كما يلتقط طيب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله.
وحكى ابن قتيبة أن معاوية قال لعمر: ما بقي من لذة الدنيا إلا محادثة الرجال أهل العلم، أو خبر صالح يأتيني من ضيعتي.
وخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدوا يتحدثون، وكان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجل سورة من القرآن.
وفي القاموس: الفقه بالكسر: العلم بالشيء والفهم له والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه اهـ.
__________
(1) انظر ابن ماجه كتاب التجارات ج 2 ج 764 ورقمه 2276 ونصه عن عمر بن الخطاب قال؛ إن آخر ما نزلت آية الربا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يفسرها لنا. فدعوا الربا والريبة.
(2/154)

وقال الشمس ابن الطيب في حواشيه: قيده جماعة بأنه العلم بالشيء الخفي، فلا يقال مثلا: فقهت السماء والأرض. وقيل: الفقه شدة الفهم والفطنة، وقيل: الفقه أنزل من العلم اهـ.
باب في الأمر بالاعتناء بالسند في نقل السنة
أسند الديلمي عن علي مرفوعا: إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده. قال السيوطي في تدريب الراوي: وفي الباب أحاديث غير ذلك اهـ.
وقال ابن حجر الهيثمي في شرح المشكاة على حديث الصحيحين وغيرهما: بلغوا عني ولو آية «1» ، ولكون الإسناد يعرف به الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية، وقيل: بلغوا عني؛ يحتمل وجهين أحدهما: اتصال السند بنقل الثقة إلى مثله إلى منتهاه، لأن التبليغ من البلوغ. وهو انتهاء الشيء على غايته. والثاني: أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين، لوقوع بلغوا: مقابلا لقوله: حدثوا عن بني إسرائيل اهـ بنقل من سلطان في المرقاة.
باب إباحته عليه السلام التحديث بالأخبار الإسرائيلية وعجائب الأمم الماضية
حديث الصحيحين عن أبي هريرة وابن عمر مشهور وفيه: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: الظاهر منه أنه عليه السلام أباح التحدث عنهم بما يذكر فيهم من العجائب، وإن لم يأت ذلك بنقل العدل عن العدل، إذا كان من الكلام الحسن الذي لا يدفعه العقل، وأنه ليس تحته حكم فيلزم التثبت في روايته اهـ منه.
وقال العلقمي: أي لا ضيق عليكم في التحديث عنهم؛ لأنهم كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر إلى كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدنيوية، خشية الفتنة ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار اهـ نقله القاوقجي في الذهب الأبريز، وهو حسن. وقال المناوي في التيسير: أي بلغوا عنهم القصص والمواعظ ونحو ذلك، ولا حرج عليكم في التحديث عنهم ولو بلا سند، لتعذره بطول الأمد، فيكفي غلبة الظن بأنه عنهم اهـ.
وقال السيد جمال الدين كما في القاري على المشكاة: المراد بالتحديث هنا التحديث بالقصص من الآيات العجيبة، وكحكاية عوج بن عنق، وقتل بني إسرائيل أنفسهم، في
__________
(1) انظر صحيح البخاري كتاب الأنبياء باب 50 ص 145 ج 4. وبقية الحديث: وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
(2/155)

توبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب.
ولكن أخبار عوج بن عنق موضوعة، أفرد الحافظ الأسيوطي الكلام عليها بمؤلف، انظره وفي تثقيف اللسان، وتلقيح الجنان؛ لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الحميري المازري، قاضي تونس في باب: ما تأول على غير تأويله وهو الباب 41 منه.
ومن ذلك توهمهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، أن معناه:
حدثوا عن بني إسرائيل بما يصح عندكم وما لا يصح، وليس كذلك: قال لنا الشيخ أبو محمد عبد الحق أيده الله: إنما المعنى لا حرج عليكم أن لا تحدثوا عن بني إسرائيل، لأن أول واجب هو قوله: بلّغوا عني ولو آية وليس بواجب عليكم أن تحدتوا بما صح عندكم من حديث بني إسرائيل، إن شئتم حدثوا وإن شئتم فلا حرج عليكم، كما عليكم الحرج أن لا تبلغوا عني اهـ منه.
وذكر الخطيب البغدادي؛ كما نقله عنه السخاوي في فتح المغيث: إن اطّراح أحاديث بني إسرائيل المأثورة عن أهل الكتاب، وما نقل عن أهل الكتاب واجب، والصدود عنه واجب قال: وأما ما حفظ من أخبار بني إسرائيل وغيرهم، من المتقدمين عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء السلف، فإن روايته تجوز ونقله غير محظور.
ثم روى عن الشافعي أن معنى: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي؛ لا بأس أن تحدثوا عنهم بما سمعتم، وإن استحال أن يكون في هذه الأمة. قال السخاوي: لكن قال بعض العلماء: إن قوله: ولا حرج في موضع الحال، أي حدثوا عنهم، حال كونه: لا حرج في التحديث بما حفظ من أخبارهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني وعن أصحابه والعلماء. كما قاله الخطيب فإن روايته تجوز اهـ.
وقد بينت ذلك واضحا في كتابي (الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل) اهـ.
قلت: انظر ما سيأتي ممن كان من الصحابة يقرأ الكتب القديمة، وفي الدر المختار في شرح تنوير الأبصار، للعلامة الحصكفي الدمشقي من كتب فقه الحنفية حديث حدثوا عن بني إسرائيل يفيد حل سماع العجائب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه، بقصد الفرجة لا الحجة بل وما يتيقن كذبه، لكن بقصد ضرب الأمثال والمواعظ، وتعليم نحو الشجاعة على لسان آدميين أو حيوانات ذكره ابن حجر اهـ.
قال الشمس ابن عابدين في حواشيه عليه، المسماة رد المحتار على قوله: لكن بقصد ضرب الأمثال، وذلك كمقامات الحريري، فإن الظاهر أن الحكايات التي فيها عن الحرث ابن همام والسروجي لا أصل لها. وإنما أتى بها على هذا السياق العجيب لما لا يخفى
(2/156)

على من طالعها، وهل يدخل في ذلك مثلا قصة عنترة والملك الظاهر، إذا قصد به ضرب الأمثال ونحوها فيحرر اهـ.
قلت: ومنه قصص ألف ليلة وليلة، وألف يوم ويوم، فكل ذلك من معنى ما ذكر وأمثاله، مما يقصد به زيادة على تنشيط النفس العلم بما جريات من سبق، لأن القصص وإن كانت خرافية، فلا تخلو من إفادة عن حال واضعيها ومدونيها، أو من دوّنت على لسانهم والله أعلم.
وفي فتاوى ابن حجر الهيثمي: مقامات الحريري على صورة الكذب ظاهرا ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، وإنما هي ضرب الأمثال، وإبراز الطرق الغريبة والأسرار العجيبة، والبديع الذي لم ينسج على منواله، ولا خطر بفكر أديب فشكر الله سعي واضعها، ومن أطلق عليها الكذب استهزاء بما فيها من العلوم كفر: فقد قال الأيمة من قال: قصعة من ثريد خير من العلم إنه يكفر، فإذا كفر بهذا سواء قصد استهزاء أم لا. فما ظنك بمن يستهزىء بالعلم ويجعله كذبا اهـ وانظر شرح النابلسي على الطريقة المحمدية ص 250 من ج 2.
باب في إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى ما تميز بفضيلة من أصحابه ليؤخذ عنه
قال الحافظ أبو نعيم: وإذا ظهر للعالم البلاغ والكمال في العلم من بعض أصحابه، دله على مكانه ومنزلته من العلم ليفزع الناس إليه بعده، إذا فقدوه ونزلت بهم الحوادث والمعضلات. واحتج لذلك بحديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي «1» ، وأشار إلى أبي بكر، واهتدوا بهدي عمر، وإذا حدثكم ابن أم عبد فصدقوا، ومنه حديث:
استقرئوا القرآن من أبي وابن مسعود، فدل على من فيه الأهلية. وهي شهادة منه عليه السلام لهم.
ومنه أخذ الشمس محمد بن مسعود الطرنباطي الفاسي الأصل للشهادات التي يعطيها الشيوخ لتلاميذهم، تعريفا بمعلوماتهم وتقديرا لمزاياهم. انظر بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام له. خرّج أحمد «2» والترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر وزاد فيه: وأقضاهم علي، وأخرجه الديلمي
__________
(1) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب باب 16 ج 5/ 609.
(2) رواه أحمد ج 3/ 281 والإسلامي 356/ 3 ورقمه فيه: 13974.
(2/157)

في مسند الفردوس، من حديث شدّاد بن أوس. وزاد: أبوذر أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان أحكم أمتي. وقد ذكر هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر؛ في الاستيعاب من طرق مسندا ومرسلا وقال: روينا عن عمر من وجوه أنه قال: أقضانا علي، وأقرؤنا أبي اهـ.
قال السيوطي عقبه في تاريخ الخلفاء: وقد سئل شيخنا الكافيجي عن هذه التفصيلات: هل تنافي تفضيل أبي بكر فأجاب بأنه لا منافاة اهـ.
وقال الشافعي، كما في جمع الجوامع وشرحه للمحلي: أن الخبرين المتعارضين في مسألة الفرائض يرّجح منهما الموافق لزيد فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعلي، والمتعارضين في مسألة في غير الفرائض يرجح منهما الموافق لمعاذ، فإن لم يكن له فيها قول فالموافق لعلي، قال المحلي: وذكر الموافق للثلاثة على هذا الترتيب لترتيبهم، كذلك المأخوذ من الحديث السابق، فقول الصادق عليه السلام فيه: أفرضكم زيد على عمومه، وقوله أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، يعني في غير الفرائض، وكذا قوله: أقضاكم علي يعني في غير الفرائض، واللفظ. في معاذ أصرح منه في علي، فقدم عليه في الفرائض وغيرها اهـ.
قال العطار في حواشيه: توضيح ما ذكره أن الحلال والحرام علم، وعلم القضاء المستفاد من قوله: أقضاكم علي عام، والفرائض المستفاد من قوله أفرضكم خاص، والخاص مقدم على العام فيخص العام به، جمعا بين الدليلين. وقوله: أصرح منه يعني أن الحلال والحرام عام مصرح به، وعلم القضاء، غير مصرح به، بل مستفاد من قوله:
أقضاكم علي. كما أوضح ذلك الناصر اهـ.
وعن ابن عباس قال خطب عمر بن الخطاب الناس بالجابية وقال: أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت إلى أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني واليا قاسما. رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن داود بن الحصين لم أر من ذكره قاله النور الهيثمي في مجمع الزوائد.
قلت: وفي مرآة المحاسن، عن والد مؤلفها الشيخ أبي المحاسن، في وجه ذكر كل واحد من الخلفاء بوصف خاص، كما في حديث: أنا مدينة العلم وعلي بابها أن هذا كالطبائع الأربع، وإنما يحكم على الإنسان بالغالب، وعليه الخلفاء لم يخل أحد منهم بما يحكم به على الآخر اهـ.
وفي المقتصر على المختصر للباجي على حديث: أقرؤكم أبي، وأفرضكم زيد، ليس في هذا الحديث ما يوجب كونه فوق الخلفاء الراشدين، وفوق أجلاء الصحابة فيما ذكروا به، وإنما المعنى أن من جلّت رتبته في معنى من المعاني، جاز أن يقال: إنه أفضل الناس
(2/158)

في ذلك المعنى، وإن كان فيهم مثله، أو من هو فوقه، وكذا يجوز أن يقال عمن برع في العلم: إنه أعلم الناس، وإن كان لا يعرف الناس جميعا ولا مقدار علومهم اهـ منه ص 394.
وفي الوسيلة الأحمدية والذريعة السرمدية. في شرح الطريقة المحمدية للشيخ رجب بن أحمد التركي:
الأولى في تفضيل الخلفاء الأربعة، أن كلّ واحد منهم أفضل من الآخر، باعتبار الوصف الذي اشتهر به، لأن فضيلة الإنسان ليست من حيث ذاته، بل باعتبار أوصافه.
وعلى هذا نقول: إن أبا بكر أفضل من الصحابة، باعتبار كثرة صدقه واشتهاره فيما بينهم، وعمر أفضلهم من جهة العدل، وعثمان أفضلهم من جهة الحياء، وعلي أفضلهم من جهة العلم واشتهاره به، ويؤيده ما ذكره البزازي في كتاب أدب القاضي: بأن سيف الهدى كان بيد محمد عليه السلام، وسيف [القضاء على] الردة كان بيد أبي بكر الصديق، وسيف الفتح كان بيد عمر الفاروق، حيث نصب في عهده اثنا عشر ألف منبر، وسيف البغي كان بيد علي المرتضى اهـ.
على أنه يمكن أن تكون فضيلة واحدة أرجح من فضائل كثيرة، إما بشرفها في نفسها، أو لزيادة كيفية. أنظر بقيته فيه.
باب في إطلاق العلّامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر
في الإحياء لدى كتاب العلم: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل والناس مجتمعون عليه، فقال: ما هذا قالوا: رجل علامة، فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. قال: علم لا ينفع، وجهل لا يضر. قال الحافظ العراقي في المغني أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة، وضعفه. وفي آخر الحديث: إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة اهـ «1» .
وفي التخريج الكبير للعراقي رواه أبو نعيم في رياض المتعلمين من رواية بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فرأى جمعا من الناس على رجل فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله رجل علامة؟ قال: وما العلامة؟ قالوا أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بالشعر، وما اختلفت فيه العرب. فقال: هذا علم لا
__________
(1) قال في تخريج أحاديث الأحياء ص 30 ج 1: وهذه القطعة من الحديث في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ونصها في ابن ماجه ص 21 ج 1 من المقدمة باب 8 والقلم ثلاثة فما وراء فلك فهو فضل؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة. ورواها أبو داود في أول كتاب الفرائض ص 306 ج 3.
(2/159)

ينفع وجهل لا يضر. ثم قال: العلم ثلاثة ما خلاهن فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة اهـ.
قلت: وقد قدمنا عن شارح الإحياء: الإيماء، إلى الجمع بين الحديث المذكور، والحديث السابق الذي فيه: تعلموا من أنسابكم ما تصلونه به أرحامكم، بأن محل النهي، إنما هو في التوغل فيه، والاسترسال بحيث يشغل به عما هو أهم، وكأني به عليه السلام أراد بخبر هذه الترجمة لمن يجعل الوسائل مقاصد، ويخلط بين المقامات. وكم من عالم يريد أن يشوّف الناس إلى علم ما يعلم، كعلمه فخرج ذلك منه عليه السلام مخرج الحض على ذلك، وإلا فعلم أيام العرب وأشعارهم من أجل العلوم قدرا، وبه نهتدي إلى مواضع غوامض القرآن والسنة، والله أعلم.
وفي القاموس ممزوجا بكلام التاج: ورجل عالم وعليم، جمع: علماء وعلّام.
كجهال. وعلمه العلم تعليما وعلاما، ككذاب. والعلامة مشددة وكشدّاد وزنّار والتعلامة العالم جدا، والعلامة والعلّام النسابة وهو من العلم اهـ.
وفي ترجمة عقبة بن عامر الجهني من التذكرة: كان فقيها علامة قارئا لكتاب الله بصيرا بالفرائض كبير القدر اهـ «1» .
باب في ذكر اختبار المصطفى قوابل أصحابه ومبلغهم من الذكاء والفهم في العلم
ترجم البخاري «2» على هذا القدر في كتاب العلم بقوله: باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وذكر فيه قصة لغز المصطفى صلى الله عليه وسلم في النخلة، وكان ابن عمر أصغر الحاضرين قال: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قال: حدثنا ما هي يا رسول الله قال: هي النخلة وكان ابن عمر على ما في الفتح هو عاشر عشرة. قال الحافظ: فكان منهم أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو هريرة وأنس. وفي الموطأ من رواية ابن القاسم قال عبد الله: حدثت بالذي وقع في نفسي من ذلك عمر بن الخطاب فقال عمر: أن تكن قلتها أحبّ إليّ من حمر النعم اهـ.
قال البدر الزركشي في كتابه: عمل من طب لمن حب، أن النخلة لا يطلق عليها شجرة، وتأويل قوله عليه السلام: أن من الشجرة شجرة لا يسقط ورقها، أنه استعمله للألغاز اهـ وقد رده ابن الطيب الشركي في حواشيه على إرشاد القسطلاني وغيره: بأن الزجّاج وغيره نصّوا على أن العرب سموا النخل شجرا فانظره.
__________
(1) من العجيب كيف لم يشر المؤلف هنا وهو بحر إلى مكانة الصديق في معرفة أنساب العرب، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر حسان ثابت أن يأخذ عنه مثالب قريش حين أراد الرد على هجائهم.
(2) انظر كتاب العلم للبخاري ج 1 ج 26 باب 14.
(2/160)

وقال أبو عبد الله ابن زكري على هذه الترجمة: ينبغي أن لا يبالغ في التعمية لئلا يوقعهم في الحيرة، وقد سألهم المصطفى وفي يده جمّار ففيه إشارة إلى وجه المخرج.
وأما نهيه عن الأغلوطات فهي صعاب المسائل المعماة، أو ذلك محمول على ما لا يوقع فيه، أو خرج مخرج تعنيت المسؤول وتعجيزه اهـ.
وفي ألغاز ابن فرحون المسماة درة الغواص في محاضرة الخواص قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي للعالم أن يميز أصحابه بألغاز المسائل العويصات عليهم، ليختبر أذهانهم في كشف المعضلات، وإيضاح المشكلات، وهذا النوع سمّته الفقهاء الألغاز، وأهل الفرائض سموه المعايات، والنحاة يسمونه الأحاجي، وقد ألف العلماء في ذلك تصانيف عديدة اهـ.
باب في تخصيصه صلى الله عليه وسلم لأهل العلم أياما معلومة
ترجم البخاري لهذا القدر أولا بقوله: ما كان صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم، كي لا ينفروا. فأخرج عن ابن مسعود: كأن صلى الله عليه وسلم يتخّولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السامة علينا «1» ، ثم أخرج عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا «2» ثم ترجم أيضا بقوله باب من حفظ لأهل العلم أياما معلومة فاسند إلى أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك تذكرنا في كل يوم. قال: أما أنه يمنعني من ذلك إني أكره أن أملّكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السامة علينا «3» .
قال الحافظ في الفتح: يستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في العمل أيضا، خشية الملل. وإن كانت المواظبة مطلوبة لكن على قسمين: إن كان يوم مع عدم التكلف، وإما يوما بعد يوم، الترك لأجل الراحة، ليقبل على الثاني بنشاط. وإما يوما في الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط: الحاجة مع مراعاة وجود النشاط اهـ.
باب في أن العلم كانوا يحملونه تدريجيا وأنه يؤخذ الأوكد والأسهل، فالأصعب، والمبادي قبل غيرها
ذكر البخاري «4» عن ابن عباس: كونوا ربانيين علماء فقهاء علماء قال البخاري:
والمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها. وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده اهـ.
__________
(1) انظر كتاب العلم ج 1/ ص 25 باب 11.
(2) كتاب العلم ج 1 ص 25 من الصحيح.
(3) كتاب العلم ج 1 ص 25 من الصحيح.
(4) كتاب العلم ج 1 ص 25 من الصحيح.
(2/161)

باب في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار
قال البخاري في باب: الأغتباط بالعلم والحكمة: وقد تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم «1» .
قلت: والشأن كان عندهم في طلب العلم صغر السن؛ للأثر المشهور التعلم في الصغر كالنقش في الحجر قيل: من كلام علي، وقيل: من كلام الحسن، وما تعلم ابن عباس وعلي إلا في صغرهما.
وقال بعض الشيوخ كما في روضة الأعلام لابن الأزرق الغرناطي: تعليم الكبير آكد من تعليم الصغير، ولا يقول الكبير: لا أتعلم لأني لا أحفظ، لأن الصحابة تعلموا وهم كبار شيوخ، وكهال، واشتغلوا بالعلم فكانوا بحورا اهـ.
وفي سراج الملوك للطوطوشي: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون شيوخا وكهولا وأحداثا. وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن، وهم بحور العلم، وأطواد الحكمة والفقه، غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولا وأبسق فروعا اهـ.
باب في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج
ذكر البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلموا قبل أن تسودوا «2» . ونقل عياض عن بعض العلماء: أي أن تتزوجوا، لئلا تشغلكم أزواجكم وبيوتكم عن ذلك.
باب في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر
بوّب البخاري «3» في صحيحه: باب التناوب في العلم، فذكر فيها قول عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار، نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما. فإذا نزلت يوما جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي. وإذا نزل فعل مثل ذلك. قال الحافظ: وفيه أن الطالب لا يغافل في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يقوله يوم غيبته، لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذلك اهـ.
باب في كون الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى كان يجعل للنساء يوما على حدة
بوّب البخاري «4» على هذا القدر بقوله: باب تعليم الرجل أمته وأهله، فذكر فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: في الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين، ومنهم رجل كانت عنده أمة فأدبها
__________
(1) كتاب العلم ج 1 ص 26 من الصحيح.
(2) كتاب العلم ص 25/ 1.
(3) كتاب العلم ص 31/ 1.
(4) كتاب العلم ص 32 ج 1 باب 31.
(2/162)

وأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها. ثم بوب البخاري «1» أيضا باب عظة الأمام النساء وتعليمهن، فذكر فيه خروج المصطفى، ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة.
قال الحافظ: نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصا بأهلهن، بل ذلك مندوب إلى الإمام الأعظم، ومن ينوب عنه اهـ.
ثم بوّب البخاري «2» أيضا باب: هل يجعل للنساء يوما على حدة؟ فذكر قول النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن اهـ.
ومن اللطائف أن الإمام أبا إسحاق الأسفرايني، ذهب إلى أن الأحكام والأحاديث التي يرويها الرجال والنساء إذا تعارضت، فالمقدم مروي المرأة. قال: وأضبطية جنس الذكر إنما تراعى حيث ظهرت في الآحاد، وإلا فكثير من النساء أضبط من كثير من الرجال، وصوّبه الزركشي، ونقله عنه العراقي وأقره. وعكس السبكي في جمع الجوامع؛ فجعل من المرجّحات كون الراوي ذكرا. قال المحلي: لأنه أضبط منها في الجملة، قال العبادي: ظاهر تقديم خبر الذكر حتى على خبر الأنثى التي علمت أضبطيتها. وفيه نظر ولا يبعد تخصيص هذا إذا جهل الحال. أما لو علمت اضبطية تلك الأنثى فيقدم خبرها اهـ.
وثالثها: يرجحّ الذكر في غير أحكام النساء؛ بخلاف أحكامهن؛ لأنهن اضبط فيها. ومن الأئمة من فصّل: فجعل محل تقديم الذكر على الأنثى إن لم تكن الأنثى صاحبة الواقعة المروية، وذكر التاج السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: أن السر في نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ الناس حياء، فجعل الله له نسوة؛ ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله، التي قد يستحيا من الأفصاح بها بحضرة الرجال، فيتكمل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة وغيرها، وأيضا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كل ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي. وما كان يشاهدها غيرهن، فحصل بذلك خير عظيم. ثم نقل نحوه عن صاحب التعجيز. انظر حواشي العطار على المحلى.
باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه عليه السلام وكيفية ذلك
أخرج أبو نعيم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عند صلاة العشاء فقال:
__________
(1) كتاب العلم ص 33 ج 1 باب 32.
(2) كتاب العلم ص 34 ج 1 باب 36.
(2/163)

احتشدوا للصلاة غدا فإن لي إليكم حاجة. فقال رفقة منهم: دونك أول كلمة يتكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت التي تليها وأنت التي تليها؛ لئلا يفوتكم شيء من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: هذه أصول علم الإختزال اليوم.
باب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه
بوّب البخاري «1» على ذلك بقوله: باب من سمع شيئا فراجع فيه حتى يعرفه، فذكر فيه أن عائشة كانت لا تسمع شيئا إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وذكر الحافظ أبو نعيم من آداب طلبة العلم: أن يراجع بعضهم بعضا، ويفيد بعضهم بعضا، لما في ذلك من الإستعانة على الحفظ، ورسوخ التحصيل. ثم استظهر على ذلك بما أخرجه من طريق ابن كيسان بسنده إلى أنس بن مالك قال: كنا قعودا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعسى أن يكون ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم نريد الحاجة فنراجعه شيئا ثم هذا ثم هذا فنقوم كأنما زرع في قلوبنا.
باب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب
ترجم البخاري «2» على ذلك بقوله: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ولولا حرصهم على التبليغ ما وصل الدين إلينا الآن في القرن الرابع عشر غضا طريا.
باب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا
ترجم البخاري «3» على ذلك بقوله: باب العلم والموعظة بالليل، ثم ترجم باب السمر في العلم بالليل «4» قال الحافظ: ويدخل في هذا الباب حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعد العشاء، وحديث عمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين، أخرجه الترمذي «5» والنسائي، ورجاله ثقات. وحديث عبد الله بن عمر: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا إلى عظيم صلاة. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. وأما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو حديث عند أحمد فيه راو مجهول، وعلى تقدير ثبوته، فالسمر في العلم يلحق بالسمر في صلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى الأشعري في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة اهـ.
__________
(1) كتاب العلم ص 33 ج 1 باب 35.
(2) كتاب العلم ص 34 ج 1 باب 37.
(3) كتاب العلم ص 37 ج 1 باب 40.
(4) كتاب العلم ص 37 ج 1 باب 41.
(5) انظر كتاب الصلاة ج 1 ص 315 باب 12 وبقية الحديث وأنا معهما. وثمة تعليق نفيس لمصحح سنن الترمذي فانظره ص 316 ج 1.
(2/164)

وقال الدماميني على الترجمة الأولى: أراد الإحتجاج على صحة تصرف الناس في الدروس بالليل والتذكير، ولا يدخل ذلك في النهي عن الحديث بعد العشاء اهـ.
باب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين
ترجم البخاري «1» على ذلك بقوله باب من خص بالعلم قوما دون آخرين كراهية أن لا يفهموا وقال حدثوا الناس بما يعرفون اتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر قول معاذ للمصطفى صلى الله عليه وسلم حين أخبره ببشارة دينية أفلا أخبر به الناس فيستبشروا قال: إذا يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
وترجم البخاري أيضا بقوله باب في ترك بعض الإختبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، فذكر فيه قول المصطفى لعائشة «2» : لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس باب يخرجون. قال الحافظ: يستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وإن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم، ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما اهـ.
باب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة
في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال: 60] الآية. أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.
وفي أحكام القرآن للجصاص على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: 6] هذا يدل على أن علينا أن نعلم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [طه: 132] ونحو قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] ويدل على أن للأقرب فالأقرب مزية، في لزومنا تعليمهم، وأمرهم بطاعة الله، ويشهد له قوله عليه السلام: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) «3» .
__________
(1) انظر كتاب العلم ج 1 ص 40 باب 48.
(2) انظر البخاري كتاب الحج ج 2 ص 156 وكتاب الأنبياء 4/ 118 والتفسير 5/ 150. وقد رواه مسلم بتفصيل واف مع ما جرى لابن الزبير والحجاج في كتاب الحج باب 15 ص 970 فانظره.
(3) رواه البخاري في عدة أبواب الجمعة ص 215 ج 1 والنكاح ص 146 ج 6 والجنائز ص 79 ج 2 والعتق والاستعراض والوصايا.
(2/165)

ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه، فكذلك عليه تهذيبه وتعليمه. ثم خرّج بسنده عن عبد الله بن عمر رفعه: ما نحل والد ولده خيرا من أدب حسن «1» أخرجه من طرق.
وأخرجه البيهقي عن عائشة رفعته: حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه «2» وفي حديث أبي هريرة عند أبي نعيم والديلمي رفعه: حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب.
قال الشمس القاوقجي في الذهب الابريز: يعني القرآن ويؤيده ما في رواية الديلمي:
ويعلمه الصلاة إذا عقل، ويحتمل إرادة الخط؛ ويؤيده ما رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو الشيخ في ثواب الأعمال، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله للولد حق علينا كحقنا عليهم؟ قال حق الولد على الوالد، أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبا. والمراد بالكتابة الخط، لقوي نفعه وجموع فضله، والسباحة العوم في الماء، والرماية بالقسي، وفي هذا الزمان بطل حكمه «3» فيبدل بتعلم الرمي بالرصاص والبارود فتنبه اهـ منه.
باب في القلم والدواة في العصر النبوي
بوّب النور الهيثمي في المجمع بقوله: باب فيمن كتب بقلمه أو غيره. ثم ذكر عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس ما تقول في؟ قال: وما عسى أن أقول فيك؟ فقال: إني عامل بقلم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بصاحب القلم في تابوت من نار، قفل عليه باقفال من نار، فإن أجراه في طاعة الله ورضوانه، فكّ عنه التابوت، وإن أجراه في معصية الله هوى به التابوت سبعين خريفا حتى باري القلم ومصلحه، ولائق الدواة. رواه الطبراني في الأوسط والكبير. وفيه أبو أيوب الحيري عن إسماعيل بن عياش. والظاهر أن آفة هذا الحديث الحيري؛ لأن الطبراني في الأوسط قال: تفرّد به الحيري اهـ.
وقوله: لائق الدواة؛ في مجمع بحار الأنوار: ألق الدواة بفتح الهمزة وكسر لام أمر من ألاق يليق إلاقة وهي لغة، والفصيح لقة الدواة، فهي ليقة كمبيعة إذا أصلحت مدادها اهـ والمحبرة في اللغة الدواة، يوضع فيها الحبر وفيها لغات منها؛ كسر الميم وفتح الباء كمعلقة اقتصر عليها الجوهري، وانكرها الفيروز آبادي وغلطه وهي صحيحة قياسا وسماعا،
__________
(1) رواه الترمذي في كتاب البر، 33 ص 338 ج 4 وقال عنه: مرسل.
(2) قال المناوي: وفي رواية: مرضعه بدل موضعه. وسنده ضعيف جدا.
(3) الأولى أن يقال: لكل عصر وسائله، فيعلمه ما يمكنه من الدفاع عن نفسه حسب السلاح المستعمل في أي وقت.
(2/166)

نص عليها جماعة كالفارابي في ديوان الأدب، والفيومي في المصباح، ونشوان في شمس العلوم، والنووي في التهذيب، قال: والمحبرة وعاء أكبر، وكعب الحبر. قال الفرّاء: إنما قيل له كعب الحبر لمكان هذا الحبر، والذي يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب. انظر الجاسوس على القاموس.
وفي الخفاجي على الشفا في ترجمة كعب: وجه اطلاقه أنه من الحبر وهو المداد الذي يكتب به، وإليه نسب كعب المذكور، فقيل: كعب الحبر لكثرة كتابته بالحبر حكاه الأزهري اهـ.
باب الأقلام القصبية في زمن الصحابة
وجدت في مسند الدارمي في باب: من رخص في كتابه العلم أثرا هذا سياقه: حدثنا محمد بن سعيد أنا وكيع، عن عبد الله بن حنش قال رأيتهم يكتبون عند البراء بأطراف القصب على أكفهم اهـ من ص 69 «1» .
وقد ترجم البخاري في كتاب العلم «2» من الصحيح باب: كتابة العلم ثم ذكر فيه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في مرض موته: إيتوني بكتاب أكتب لكم كتابا. قال في الفجر الساطع: أي بأدواته من قلم ودواة وكتف، ففيه مجاز الحذف اهـ.
وخرّج أبو داود في سننه في باب السواك «3» من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال أبو سلمة فرأيت زيدّا يجلس في المسجد، وأن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب [وبقية كلامه: فكلما قام إلى الصلاة استاك] ، فلولا أن الكتّاب في ذلك الزمن الطاهر كان شأنهم وضع أقلامهم فوق آذانهم، ما شبّه بهم. وفيه احالتهم على معروفين بعلامة وميزة يتميزون بها، وتقدم في الجزء الأول في قسم الكتابة أن المصطفى؛ أمر معاوية أن يضع القلم على أذنه فإنه أذكر لخ.
باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب
في وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص 337 شيوع صنعة الكاغد وتوفيرها، واتخاذها من الأبريسم والقطن والقنب. اخترع يوسف بن عمرو المكّي اتخاذ الكاغد من القطن، في حدود ثمانين في الهجرة بالحجاز، وموسى بن نصير اتخذه من الكتان والقنب
__________
(1) وهو في الطبعة الجديدة في المقدمة ص 106 باب 43 ورقمه 509.
(2) انظر ص 37 ج 1 باب 39. من حديث ابن عباس.
(3) رواه أبو داود في كتاب الطهارة ص 40 ج 1 ورقم الحديث 47.
(2/167)

في بلاد المغرب، وبالجملة وإن كان ابتداء هذه الصناعة في أهل الصين ولكن الأسلاميين إهتموا في إصلاحها، وبلغوها إلى غاية كمالها، ونشروها في الأقطار، وكثّروها في الأمصار، ومنهم انتقل إلى أوروبا. وكان قبل ظهور الإسلام يكتب في القضيم «1» ، ولا يتيسر للأكثر لندرته وغلاء قيمته، فظهرت صناعة اتخاذ الكاغد في الإسلام، واعتنى أهله حتى جاؤوا من وراء الغاية، بحيث يظهر في الصفحة صورة الناظر، وتكون على ألوان مختلفة ونقوش مستحسنة اهـ.
وفي المطالع النصرية للشيخ نصر الهوريني: وكان الصحابة ومن تبعهم قبل أن يكثر الكاغد أي الورق الذي كان يجلب من الهند، يكتبون آيات القرآن وغيرها على عسيب السعف، وهو الأصل العريض من جريدة النخل، وعلى الألواح من اكتاف الغنم وغيرها، من العظام الطاهرة، والخرق والأدم أي الجلود مثل رق الغزال، فقد جمعت بعض آيات قرآنية، وفي البخاري «2» لما نزلت آية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 95] قال عليه السلام للبراء بن معرور: أدع لي زيدا ليجيء باللوح والدواة والكتف لخ.
وروي أن عثمان بعث إلى أبي بن كعب بكتف شاة مكتوب عليها بعض قرآن ليصلح بعض حروفه، وفي بعض روايات البخاري «3» : أن المصطفى قال قبل موته بأربعة أيام:
ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي. ويروى أن الشافعي كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام، لقلة الورق حتى ملأ منها الخبايا، ورأيت بعض مصاحف مكتوبة على رق الغزال.
نعم المصاحف التي أمر عثمان بنسخها وإرسالها إلى الأمصار؛ كانت على الكاغد ما عدا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال كما شوهد بمصر اهـ منه على ما فيه.
وفي فضائل عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم المصري أن عمر كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر أنه كان يجري على من قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا وكذا، فأبليت بحوائجك فيه فإذا جاءك كتابي هذا، فارق القلم وأجمع الخط، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل أضر بيت مالهم والسلام عليك اهـ.
هذا يدل على ما كان يفرق على أمراء العمالات والجهات في زمن سليمان بن عبد الملك من القراطيس للكتابة وذلك أواخر القرن الأول من الهجرة.
__________
(1) أي الجلد الأبيض كما في القاموس ويقال له أيضا رق الغزال.
(2) انظر كتاب فضائل القرآن ص 99 ج 6 باب 4.
(3) انظر كتاب الجزية والموادعة ص 66 ج 4.
(2/168)

باب في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى لهم بالتقييد
خرّج الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط «1» . قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر ثم قال: هذا حديث ليس اسناده بذلك القائم.
وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها، قال: أكتبوا ذلك ولا حرج.
وعن عبد الله بن عمرو قال: كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من أصحابه وأنا معهم، وأنا أصغر القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فلما خرج القوم قلت: كيف تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعتم ما قال؟ وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحكوا وقالوا: يا ابن أخينا إن كل ما سمعنا منه عندنا في كتاب. رواه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وعن أنس قال: شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم سوء الحفظ فقال: استعن بيمينك، وفيه إسماعيل بن يوسف وهو ضعيف.
وعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سوء الحفظ فقال: استعن بيمينك على حفظك، رواه البزار وفيه الخطيب بن مجدر وهو كذاب.
وفي ترجمة أنس من طبقات ابن سعد أنه قال لبنيه: يا بني قيّدوا العلم بالكتاب انظر ص 14 من ج 7.
وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن عمر قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك أحاديث، أفتاذن لي أن أكتبها؟ قال: نعم فكان أول كتاب كتبته بيدي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة.
وأخرج ابن قانع من طريق عاصم بن مهاجر الكلاعي عن أبيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الخط الحسن يزيد الحق وضوحا. وساقه الحافظ في الإصابة في ترجمة مهاجر الكلاعي.
وأخرج الحكيم والطبراني في الكبير وسمويه والخطيب في تقييد العلم عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال فذكره.
وأخرج ابن الجوزي في العلل عن ابن عمر رفعه: من كتب عني أربعين حديثا رجاء أن يغفر الله له غفر له، وأعطاه ثواب الشهداء.
وفي مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، من مسند الإمام أحمد ص 176 ج 2 ثنا
__________
(1) رواه في كتاب العلم باب 12 ص 39 ج 5.
(2/169)

يحيى بن إسحاق قال: ثنا يحيى بن أيوب قال: حدثني أبو قبيل قال: كنا عند عبد الله عمرو بن العاصي، وسئل أي المدينتين تفتح أولا قسطنطينية أو رومية، فدعا عبد الله بن عمرو بصندوق له حلق، فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولا؟ أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا يعني قسطنطينية قال الشيخ أبو الحسن السندي في حواشيه: قوله: له حلق بحاء مهملة مكسورة جمع حلقة أو بخاء معجمة مفتوحة ولام مفتوحة صفة صندوق أي عتيق. وفي المجمع رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. غير أبي قبيل وهو ثقة اهـ.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن عمرو قال: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب ما سمعت منه فأذن لي فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة.
وأخرج ابن سعد أيضا عن مجاهد قال: رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة فسألت عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه فيها أحد ص 125 ج 2 من القسم 3.
وعن أبي هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، قال: كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستاذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأذن له، رواه أحمد والترمذي. وقال حديث حسن صحيح، وأصله في الصحيح. وبوّب عليه الترمذي في كتاب العلم. من الجامع تحت باب: الرخصة في كتابة العلم ولفظ البخاري «1» : فإنه كان يكتب ولا أكتب قال الحافظ في الفتح على قوله: ولا أكتب: قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال تحدث عند أبي هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتبا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا هو مكتوب عندي قال ابن عبد البر: ويمكن الجمع بأنه لم يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه اهـ منه.
وقال الحافظ السيوطي في تدريب الراوي: وأباح كتابة الحديث طائفة وفعلوها منهم:
عمر وعلي، وابنه الحسن، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وابن عباس، وعمرو، وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين اهـ.
وأخرج البيهقي في المدخل وابن عساكر عن الحسن بن علي قال لبنيه وبني أخيه:
إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين: فتعلموا العلم فمن لم يحسن منكم أن يؤديه أو يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته.
__________
(1) كتاب العلم باب 39 ص 36/ 1.
(2/170)

وأخرج البغوي في معجمه عن يزيد الرقاشي قال: كنا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمجال له فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبتها وعرضتها. أورده الحافظ السيوطي في التدريب انظر ص 143 منه.
وقال محمد بن هارون الروياني في مسنده: حدثنا محمد بن زياد ثنا فضيل بن عياض عن عائد عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي ابن رافع فيقول: ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم يوم كذا؟ ومع ابن عباس من يكتب ما يقول.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سلمى قالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة في كتابه مشكل الحديث، بعد أن ذكر أحاديث النهي عن كتابة شيء دون القرآن، وقوله عليه السلام: قيّدوا العلم بالكتابة فقال: إن في هذا معنيين أحدهما: أن يكون من منسوخ السنة بالسنة؛ كأنه نهى في أول الأمر أن يكتب قوله، ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد، والمعنى الآخر أن يكون خصّ بهذا عبد الله بن عمرو بن العاص، لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والإثنان. وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له. ثم أسند مرفوعا أن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويظهر القلم ويفشو التجار قال عمر: وإن كنا لنلتمس في الحواء العظيم (البيوت المجتمعة من الناس على ماء) الكاتب، ويبيع الرجل البيع فيقول: حتى استأمر تاجر بني فلان اهـ «1» .
وفي الأكليل على قوله تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [طه: 52] أخرج ابن أبي حاتم عن أبي المليح قال: الناس يعيبون علينا الكتابة، وقد قال تعالى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى قال البلقيني: هذا أحسن استنباط لكتابة الحديث والعلم اهـ.
وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: لما علم الشارع أن حفظ القرآن والسنة يصعب أمر بكتابة المصحف، وكتابة الحديث، فأما القرآن فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه الآية دعا بالكاتب فأثبتها، وكانوا يكتبونها في العسب، والحجارة وعظم الكتف، ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صونا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان وبقية الصحابة، وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء. وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن، وقال: لا تكتبوا عني سوى القرآن، فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة، ثم ذكر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة في رواية: لما شكا إليه قلة الحفظ: استعن على حفظك بيمينك يعني الكتابة. ثم ذكر حديث قيّدوا العلم بالكتابة انظر بقيته فيه.
__________
(1) انظر كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 286 المطبوع 1966 بمصر.
(2/171)

وفي العتبية قال مالك: كان عمر قد أراد أن يكتب الأحاديث وكتب منها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: المعنى في هذا أن عمر كان أراد أن يكتب الأحاديث المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجعلها أصلا يحمل الناس عليها، كما يفعل بالقرآن فتوقف عن ذلك، إذ لا يقطع على صحة نقل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما يقطع على صحة نقل القرآن الذي قد نقل بالتواتر، فرأى أن يكل أمر الأحاديث إلى الاجتهاد والنظر في صحتها، ووجوب العمل بها. وأما أن يكتب الرجل الحديث قد رواه ليتذكره ولا ينساه فلا كراهية في ذلك، وقد حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله فقال: أكتبوا لأبي فلان. وقال أبو هريرة: ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. ولولا أن العلماء قيدوا الحديث، ودوّنوه وضبطوه وميزوا الصحيح منه من السقيم لدرس العلم، وعمي أثر الدين فالله يجازيهم عن اجتهادهم في ذلك بافضل الجزاء اهـ منه وهو حسن.
باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة واتباعهم التدوين والتصنيف؟
قال الهروي في ذم الكلام: لم تكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يدونونها حفظا ويأخدونها لفظا إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الإستقصاء اهـ بنقل صاحب الحطة ص 27.
وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الصحابة كانت همتهم مصروفة إلى الجهاد، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، فلم يتفرغوا للتصنيف، وكذلك التابعون لم يصنفوا اهـ منه.
وقال الإمام أبو علي اليوسي في قانونه: لما تكلم على أصول طرق نشر العلم، وأنها مأثورة قديمة قال: وأما التأليف فأصله ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله من كتب الوحي إذا نزل، وكتب الرسائل إلى الملوك وغيرهم، وكتاب الصدقات وقد جمع فيه مسائل، فهو علم مدون.
وذلك هو التأليف. ولئن كان صلى الله عليه وسلم لا يكتب بيده لما أغناه الله عن ذلك، لقد كان يأمر بالكتب. والمقصود: إنما هو وضع العلم وتدوينه وتخليده، سواء كتب العالم بيده أم لا وكم من عالم يملي ولا يكتب، ويكون ذلك تأليفا اهـ منه، وهو جيد.
وفي سمط الجوهر الفاخر: كتب صلى الله عليه وسلم بيده كتبا لأهل الإسلام في الشرائع والأحكام، منها كتابه صلى الله عليه وسلم في الصدقات، كان عند أبي بكر، وكتابه صلى الله عليه وسلم في نصاب الزكاة وغيرها الذي كان عند عمر، وكتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في أنواع من الفقه وأبواب مختلفة، هو كتاب جليل واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات اهـ.
(2/172)

قلت: كتابه صلى الله عليه وسلم في الصدقات، الذي ذكر أنه كان عند أبي بكر؛ خرّجه أحمد وأبو داود والترمذي [40/ 3] وحسنه، والحاكم من طريق سفيان بن حسين عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال:
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات، فلم يخرجه إلى عماله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في كل خمس من الإبل شاة، فذكره قال الترمذي: وقد روى يونس وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه وإنما رفعه سفيان بن حسين، وعند البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث أنس، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين، فذكره بنحوه، وفي رواية لأبي داود أن أبا بكر كتب لأنس وعليه خاتم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد ساقه مالك في الموطأ «1» في باب صدقة الماشية من كتاب الزكاة قائلا: حدثني يحي عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة قال فوجدت فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الصدقة فساقه. قال القاضي عياض: اعتمد مالك والعلماء والخلفاء قبلهم، على ما في هذا الكتاب، ولم يرد عن الصحابة إنكار شيء منه اهـ قال في الإستبصار في أنساب الأنصار، لدى ترجمة عمرو بن حزم الأنصاري: استعمله عليه السلام على نجران، ليفقههم في الدين ويعلمهم، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات، وكتاب عمرو بن حزم مشهور، يحتج به العلماء قال أبو عمر: شهرته أقوى من الإسناد أو كما قال اهـ.
قلت: وقد غاب عن علم الجميع في هذا الباب، وعن كل من تكلم على أول من دون في الإسلام ديوان العطاء الذي دوّن في زمن عمر رضي الله عنه وبإذنه وانتدابه لكتبه عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وقال: اكتبوا الناس على منازلهم، يعني في العطاء فإنه ينبغي أن يكون هذا الديوان العمري، من أول ما دون في الإسلام. وإن اعتبرنا كتابة أول من أسلم قبل ذلك، في مدته عليه السلام، كما ذكر لك في موضعه، وهو الذي بوّب عليه البخاري بقوله في كتاب المغازي: باب كتابة الإمام الناس.
وذكر فيه قوله عليه السلام: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام. قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية يمكننا الجزم بأن أول تدوين وقع هو ما ذكر ولا شك أن كتابة الناس على مراتبهم، في السبقية للإسلام والهجرة والنصرة هو المادة الأولى، لكتب تراجم الصحابة وتراجم زعماء الإسلام وابنائهم، فلذلك أرى أن يكون هذا أول ما دوّن، لأنه مادة كبرى وضعها من سبق لمن سيلحق. ألا ترى أن حوالات الأحباس [حجج الأوقاف] (سجلاته
__________
(1) انظر الموطأ ص 257 ج 1 من طبعة استانبول الجديدة.
(2/173)

الآن) نأخذ منها فائدة عظمى في معرفة زمن وجود المحبسين [الواقفين] مع ذكر الحدود والمجاورات، وحلا [وصف] البيوت ورجالاتها، فتدوين من أسلم، مع ديوان عمر هذا لو وجدا اليوم، لكانا أعظم مادة لرجال الإسلام، وقد ظفر ببقاياهما من سبق، فدونوا ما بأيدينا من ذلك انظر إلى قول ابن سعد في طبقاته، لما ترجم للنعمان بن مالك، وسبب تسمية آله قواقله؛ كذلك هم في الديوان يدعون بني قوقل، وكذلك قال لدى كلامه على بني جشم، وزيد بني الحارث بن الخزرج، ودعوتهما واحدة في الديوان الخ. وقد وجدت عبارة كتبها عن غير قصد صاحب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص 47 نصها:
بعد الفتح الإسلامي بوقت وجيز اضطرت شؤون الإدارة والأحكام إلى تكليف العمال والموظفين بالتقارير الجغرافية عن الأمصار والأقاليم، التي قد كان فتحها المسلمون. هذه هي مبادي الجغرافية عند العرب، وتوسعوا أيضا في معرفة جزيرة العرب، وأرض إيران أي العجم وهي بلاد فارس، وأرض بر الشام، وأتوا ببعض إيضاحات عن أقاليم التتار، وجنوبي روسيا، والصين، والهند، ومن هذه المبادي الصغيرة التي أنشأتها دواعي الإدارة السياسية، تولدت شيئا فشيئا آداب عربية جغرافية مسطرة واسعة وجامعة، نتمتع نحن أبناء هذا الجيل بمطالعتها مطبوعة اهـ فانتظره.
ومن أمثلة التقارير الجغرافية، التي كانوا يرفعونها للخلفاء، المكتوب الذي كتبه عمرو بن العاص لعمر بعد فتح مصر في وصفها: انظره في التواريخ المصرية، وسيأتي لنا سياقه بنصه، فانتظره قريبا.
وفي تاريخ آداب العرب للرافعي المصري: أول ما عرف يعني في باب التدوين، أن ابن عباس كان يكتب الفتاوى التي يسأل عنها انظر ص 287.
وفي بلوغ اقصى المرام للعلامة الطرنباطي: لما علم مهرة الصحابة والتابعين، أن ليس كل أحد يقدر يفهم معاني القرآن، اشتغلوا بتفسيره ودوّنوا التفاسير، نصحا لمن بعدهم. ودونوا الأحاديث النبوية، لأن ذلك وسيلة إلى معرفة ما وقع به التكليف، وهو وسيلة إلى امتثال المقصود اهـ منه. ومثله في الأزهار الطيبة النشر للقاضي أبي الفتح ابن الحاج فانظرها.
وفي أوائل الحافظ السيوطي: أول من صنف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، أخذ ذلك من أسئلة ابن الأزرق لابن عباس اهـ.
وفي آخر «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للحافظ الزيلعي: أن الواقدي أسند عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته فإذا فيه: وأتى بنص كتاب المصطفى عليه السلام للمنذر بن ساوى، وجواب المصطفى عليه السلام له انظر ص 381 من المجلد 2. فيؤخذ منه: أنه كان لابن عباس الكتب إما من تصنيفه، أو
(2/174)

من جمعه فيفيد على كل حال ما قبله، ويفيد أيضا على الأقل أنهم كانوا يعددون النسخ، من مكاتيبه ويدخرونها وهو عين التدوين، ثم وجدته في ترجمة ابن سيرين من طبقات ابن سعد عنه أنه قال: لو كنت متخذا كتابا لا تخذت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم، انظر ص 141 من ج 2 من خطط المقريزي عن زيد بن أسلم قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فهذا يدل على أنهم كانوا يعتنون بجمع المكاتيب الرسمية، أو نظائرها. ثم وجدته في طبقات ابن سعد ص 216 من ج 5 عن موسى ابن عقبة قال: وضع عندنا كريب بن أبي مسلم، مولى عبد الله بن عباس المتوفي بالمدينة سنة 98 من الهجرة حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه أن ابعث لي بصحيفة كذا وكذا قال: فينسخها فيبعث إليه بإحدهما. انظر ترجمة كريب مولى ابن عباس من الطبقات.
وفي ترجمة سعيد بن جبير من الطبقات أيضا عنه قال: ربما أتيت ابن عباس فكتب في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثا حتى أرجع لا سأله أخذ شيء. وفيها أيضا: كنت آتي ابن عباس فأكتب عنه، فيها أيضا عنه قال: كنا إذا اختلفنا بالكوفة في شيء كتبت عندي حتى ألقى ابن عمر فأسأله عنه، وفيها أيضا عن وفاء بن أياس قال: رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب، ومعه الدواة انظر ص 186 من ج 6.
قلت: ويتداول الناس تفسيرا ينسبونه لعبد الله بن عباس، ولكن لم يدونه هو، وإنما جمع فيه ما نقل عنه، ومنه ما لا يصح.
وممن جمع ما روي عن ابن عباس الإمام مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس بكتاب سماه تنوير المقياس من تفسير ابن عباس، وقد طبع مرارا بمصر والهند.
وقد وقع في المعيار للونشريسي من جواب في فصل البدع ص 377 من المجلد الثاني: وتكلم أهل النقل في صحة نسبة التفسير المنسوب لابن عباس اهـ منه.
وفي إيثار الحق على الخلق للإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليمني: قد جمع عنه تفسير كامل، ولم يتفق ذلك لغيره من الصدر الأول، الذين عليهم في مثل ذلك المعول، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير اهـ.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة، وهو عامله على الكوفة أن: ادع من قبلك من الشعراء، فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والإسلام، ثم اكتب بذلك إلي. انظر القصة في جمع الجوامع للحافظ الأسيوطي، ثم كنز العمال ص 176.
وفي الخطط للتقي المقريزي ص 143 من الجزء الرابع طبع مصر سنة 1326، قال
(2/175)

أبو سعيد بن يونس، في تاريخ مصر، عن حياة بن شريح قال: دخلت على حسين بن شفي وهو يقول: فعل الله بفلان، فقلت ماله؟ قال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد الله بن عمرو بن العاص أحدهما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا والآخر، ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب، يعني بالخولة والرباب: مركبين كبيرين من سفن الجسر، كانا يكونان عند رئيس الجسر مما يلي الفسطاط اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة جابر بن عبد الله من تذكرة الحفاظ: الفقيه مفتي المدينة في زمانه، حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا نافعا، وله منسك صغير أخرجه مسلم اهـ منها ص 37 من ج 1.
قلت: منسك جابر الذي أشار له الذهبي، خرجه مسلم في صحيحه مطولا في كتاب الحج، وهو عنده في نحو أربع ورقات، وعنون عليه فبّوب صحيح مسلم بقوله: حديث جابر الطويل. [وفي طبعة استانبول: باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ص 886/ 1] .
وفي حواشي الأبي على مسلم عن عياض عليه: قد أكثر الناس الكلام على ما فيه من الفقه، وألف فيه ابن المنذر جزآ كبيرا، ذكر فيه مائة ونيفا وخمسين نوعا من الفقه، ولو استقصى لزاد على هذا العدد قريبا منه اهـ ونحوه للسيوطي في الديباج أيضا ولجابر صحيفة معروفة، وقع ذكرها في ترجمة مجاهد من طبقات ابن سعد قال: كانوا يرون أن مجاهدا يحدث عن صحيفة جابر. ومات مجاهد سنة 102، انظر ص 344 من ج 5.
وذكر صديقنا البحاثة النادرة الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي في كتابه توجيه النظر إلى أصول الأثر ص 8 قال: توهم أناس أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض، وذكر البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في صحيحه كتابا ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي، فقال: حدثنا داود. بن عمرو الضبي، حدثنا نافع عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني «1» ، فقال: ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضلّ.
وحدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجر عن طاوس قال: أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر- وأشار سفيان بن عيينة- بذراعه، والظاهر أن الكتاب الذي محاه إلا قدر ذراع على هيئة درج مستطيل اهـ انظره وهو مفيد.
__________
(1) لعل الصواب: ولا يخفي عني. مصححه.
(2/176)

وما استظهره في الكتاب الذي محاه ابن عباس، أنه كان على هيئة درج أصله للنووي، كما نقله السنوسي عنه في إكمال الإكمال، وكأنه رحمه الله لم يستحضر ما في الصحيح في باب: كتابة العلم عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر اهـ. قال الحافظ في الفتح: وقوله الصحيفة أي الورقة المكتوبة، وللنسائي من طريق الأشتر: فأخرج كتابا من قراب سيفه قوله: العقل، أي الدية، والمراد أحكامها، ومقادريرها، وأصنافها، ووقع للبخاري «1» ومسلم: من طريق يزيد التيمي عن علي قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، فإذا فيها: المدينة حرام الحديث ولمسلم عن أبي طفيل عن علي: ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، لم يعم به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا وأخرج صحيفة مكتوب فيها. لعن الله من ذبح لغير الله. الحديث. [ج 2/ 1567 كتاب الأضاحي] .
وللنسائي [كتاب القسامة 10 ص 19/ 8] من طريق الأشتر وغيره عن علي، فيها:
المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. الحديث، ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة، والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، فنقل كل واحد من الرواة ما حفظه انتهى ملخصا.
قال البدر الدماميني، في المصباح: على قوله: أو فهم أعطيه رجل قال ابن المنير:
يعني بالفهم: التفقه والإستنباط والتأويل، وانظر هل يقتضي لفظه أن الفقه كان مكتوبا أولا؟
والظاهر أنه كان مكتوبا عندهم، لأن السائل قال لهم: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أو هذه الصحيفة. وكانت فيها أحاديث وأشياء من الفقه، والكتاب يدل على أن الفهم الذي هو الفقه كان حينئذ كتابا، وإلا كان استثناء من غير الجنس قطعا فالمعطوف منها مثلها أيضا وهو مرفوع. والإستثناء من غير الجنس لا يكون إلا فيه منصوبا، فيكون ذلك أصلا في كتابة الفقه اهـ.
وانظر ما يأتي عن ابن ليون في كون أبي الأسود الدؤلي: أمره علي أن يضع علم النحو.
وفي ترجمة الحسن البصري من طبقات ابن سعد ص 115 من ج 7 قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة يعني ابن جندب التي يرويها الحسن عنه: سمعنا أنها من كتاب، وفيها أيضا عن حميد قال: كان علم الحسن في صحيفة مثل هذه، وعقد عفان، بالإبهامين والسبابتين. وفي ترجمة منها أيضا أخبرني موسى بن اسماعيل ثنا سهل بن حصين عن مسلم الباهلي قال: بعثت إلى عبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ابعث إلي
__________
(1) انظر في البخاري كتاب العلم ج 1 ص 36 باب 39. وكتاب الجزية والموادعة ج 4 ص 67 باب 10، و 17 ص 69.
(2/177)

بكتب أبيك فبعث إلي إنما لها ثقل قال: اجمعها لي. فجمعتها له، وما ندري ما يصنع بها، فأتيته بها فقال للخادم: اسجري التنور. ثم أمر بها فأحرقت غير صحيفة واحدة فبعث بها إلي ثم لقيته بعد ذلك فاخبرني مشافهة، بمثل الذي أخبرني الرسول.
وفي ترجمة أبي قلابة منها أيضا أخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد قال:
أوصى أبو قلابة قال: ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حيا وإلا فاحرقوها، ومات أبو قلابة سنة أربع أو خمس ومائة.
وفي ترجمة الحارث الأعور من طبقات ابن سعد، من طريق علباء بن أحمد أن علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: من يشتري علما بدرهم، فاشترى الحارث الأعور صحفا بدرهم، ثم جاء بها عليّا فكتب له علما كثيرا، ثم إن عليا خطب الناس بعد فقال: يا أهل الكوفة: غلبكم نصف رجل، انظر ص 116 من ج 6 وفي ترجمة حجر بن عدي الكندي أحد كبار أصحاب علي منها أيضا عن غلام لحجر قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ قال ناولني الصحيفة من الكوة فقرأ.
بسم الله الرحمن الرحيم وهذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر أن الطهور شطر الإيمان، قال. وكان ثقة معروفا. انظر ص 154 من ج 6 أيضا.
وفي عقيدة السلف لشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني: أن صبيغ التميمي الذي كان يسأل عن المتشابه في أيام عمر، لما قدم المدينة كانت عنده كتب، ولما ترجم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء للحارث بن كلدة الثقفي الطائفي قال فيه: وللحارث بن كلدة من الكتب كتاب المحاورة في الطب بينه وبين كسرى أنوشروان اهـ منه ص 118 من ج 1 وذكر قبل ذلك، حين ذكر محاورته مع كسرى أحسن صلته وأمره بتدوين ما نطق به اهـ.
قلت: والحارث المذكور ترجمه ابن سعد في الطبقات في ترجمة من نزل بالطائف من الصحابة، وترجمه الذهبي في الصحابة وقال فيه: اختلف في صحبة الحارث، ثم قال:
وقيل: إن الحارث سافر إلى فارس وتعلم الطب وحذق فيه، واشتهر أمره ونال بالطب مالا وأدرك الإسلام اهـ.
ولكن لما ترجمه في الإصابة، نقل عن ابن أبي حاتم فيه؛ لا يصح إسلامه. ثم قال:
ووجدت له رواية في الجزء التاسع من الأمالي المحاملية، وفي التصحيف للعسكري فذكر بعض كلامه اهـ ولذا قال أبو زيد العراقي في اختصار الإصابة عقب ذلك: أقول ذكر المصنف في ولده أن ابن عبد البر قال: لا يصح إسلامه ثم قال؛ وهو قول ابن أبي حاتم، ويأتي الرد عليه فلم يذكر شيئا. ونقل العراقي حسبما هو بخط شيخنا عن ن وغيره إسلامه، فعلى إسلامه وصحبته ينتج أن صحابيا ألّف في الطب.
(2/178)

وفي طبقات ابن أبي أصيبعة أيضا، لدى ترجمة تيادون الطبيب الفاضل المشهور، الذي كان في دولة بني أمية، المتوفى بواسط في نحو تسعين من الهجرة، له من الكتب كناش كبير، ألّفه لابنه، كتاب ابدال الأدوية وكيفية دقها، وانقاعها واذابتها، وشيء من تفسير أسماء الأدوية اهـ من عيون الأنباء ص 123 من ج 1.
ونقل صاحب الجاسوس على القاموس في ص 501 عن الفرّاء في كعب الحبر «1» ، وهو كعب بن ماتع الحميري، كان يهوديا، وأدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما قيل له كعب الحبر، لمكان هذا الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب اهـ وكانت وفاة كعب في خلافة عثمان، وفي ترجمة عبيدة بن قيس السلماني: ممن أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ولكنه لم يلقه، ومات سنة 72 من الهجرة، من طبقات ابن سعد بسنده إلى النعمان بن قيس قال:
دعا عبيدة بكتبه عند موته فمحاها وقال: أخشى أن يليها أحد بعدي، فيضعونها في غير موضعها اهـ وعنه أيضا قال: لا تخلدن علي كتابا انظر ص 63 من ج 6.
وفي ترجمة عروة بن الزبير، من طبقات ابن سعد أيضا، أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، أنا عبد الرزاق بن همام، أنا معمر عن هشام بن عروة قال: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له، فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي اهـ انظر ص 133 من ج 5 ووقعة الحرة كانت سنة 63 من الهجرة وكثير من الصحابة كانوا في الأحياء قال بعضهم: هل احترقت كتب عروة في اليوم الذي كتبت فيه، بل كتبت هي وغيرها من الكتب في غضون القرن الأول، فهل بقي شك في أن العرب دوّنوا علومهم في الصحف من ابتداء القرن الأول الهجري؟ اهـ.
ويؤيد هذا الظن القاضي بأن الكتب كثرت أول القرن الثاني، وآخر الأول: ما في ترجمة أبي عمرو بن العلاء، من ابن خلكان؛ أن كتبه التي كتبت عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتا غرفة إلى قريب من السقف، وولد المذكور سنة 65، ومات وسط القرن الثاني.
وفي ترجمة ابن شهاب الزهري، من تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر: قال معمر عن صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: تعال نكتب السنن قال: فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة قال: فكتب ولم أكتب فنجح وضيعت.
ونقل أيضا عن أبي الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس، هذا مع أن ابن شهاب ولد سنة خمسين أو بعدها بيسير، ومات سنة 123، وأدرك جماعة من الصحابة أخذ عنهم، كعبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وجابر، وأبي الطفيل، والسائب بن يزيد، ومحمود بن الربيع، وأبي أمامة وغيرهم، أوصلهم أبو نعيم في الحلية لأزيد من العشرين.
__________
(1) قلت: وهو المشهور بكعب الأحبار. مصححه.
(2/179)

فعلى هذا كتب السنن المرفوعة مجردة، ثم لما أفردها، كتب ما جاء عن الصحابة.
وأخرج ابن سعد في ترجمة ابن شهاب، من طبقاته عنه قال: كنا نكره كتب العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين.
وفي الطبقات عنه أيضا؛ عن معمر: كنا نرى أنا أكثرنا عن الزهري، حتى قتل الوليد. فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه. يقول: من علم الزهري.
وفي طبقات ابن سعد أيضا عند ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كان ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرا ما تقرأ ويأمرنا بتعلمها اهـ.
وهذا يؤذن بأنها كانت عنده مدونة مجموعة.
وفي ترجمة ابن شهاب من وفيات الأعيان لابن خلكان: أنه كان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما، والله لهذه الكتب اشد علي من ثلاث ضرائر اهـ.
وفي كشف الظنون، أن لابن شهاب المذكور كتب المغازي. انظر ص 301 من ج 2، وأعاد ذلك أيضا في ص 471 من ج 2 أيضا. وفيه أيضا يقال: أول من صنف فيها يعني المغازي والسير، عروة بن الزبير، وجمعها أيضا وهب بن منبه، ولوهب بن منبه صاحب الأخبار والقصص، المتوفى سنة 110 أو بعدها، كتاب في الملوك المتوجين من حمير وأخبارهم، وأشعارهم وقصصهم، قال ابن خلكان: إنه شاهده بنفسه، وأنه في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة اهـ انظر ترجمة وهب بن منبه من وفيات الأعيان.
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان حين ترجم لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي، المتوفى سنة 85 من الهجرة بعد أن وصفه بأنه كان من أعلم قريش بفنون العلم ما نصه: له كلام في صنعة الكيمياء والطب، وكان بصيرا بهذين العالمين، متقنا لهما. وله رسائل دالة على معرفته، وأخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال له: مريانس الرومي. وله فيها ثلاث رسائل، تضمنت إحدا هن ما جرى له مع مريانس المذكور، وصورة تعلمه منه، والرموز التي أشار إليها، وله فيها أشعار كثيرة مطولات، ومقاطع دالة على حسن تصرفه، وسعة علمه اهـ كلام ابن خلكان ص 168 من ج 1.
وقد ذكر ابن النديم في فهرسته ص 89، والسجستاني في كتاب المعمرين، أن عبيد بن شرية الجرهمي النسابة الأخباري، المعمر المتوفى سنة 67، ألّف كتاب الملوك وأخبار الماضين، لمعاوية ابن أبي سفيان، وذلك أن معاوية استحضره من صنعاء اليمن، فسأله عن الأخبار المتقدمة، وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة، وافتراق الناس في البلدان، ونحو ذلك، فلما أجابه أمر معاوية أن يدون قوله. ونسب إلى عبيد هذا. فكان
(2/180)

ذلك أوّل ما دون في الأخبار. وسمى كتابه هذا كتاب الملوك وأخبار الماضين وألف كتابا آخر سمّوه أيضا كتاب الأمثال. وقد ترجم لعبيد المذكور الحافظ في الإصابة، ونقل عن الرشاطي عن الهمذاني: أن معاوية كان مستشرفا لأخبار حمير. فقال عمرو بن العاص: أين أنت عن عبيد بن شرية، فإنه أعلم من بقي بأخبارهم وأنسابهم، فكتب إليه فأخذ عنه الأخبار فألفها كتابا، وقد زيد فيه ونقص، فلا يوجد منه نسختان مستويتان اهـ.
وذكر ابن النديم كتبا في مواضع مختلفة، ألفها أبو مخنف الأزدي من أصحاب علي، فيها تراجم المشاهير وغيرهم، وكان أبو مخنف هذا صاحب أخبار وأنساب والأخبار أغلب عليه، وكتاب ألفه عوانة بن الحكم الكلبي في التاريخ، وذكر ابن النديم أيضا أن زياد بن أبيه الداهية المشهور الذي استلحقه معاوية بنسبه، ليستعين به على أعدائه عمل في نسبه كتابا دفعه إلى ابنه. وفي شرح الشفا للقاضي الخفاجي ص 175 من ج 1: حين ترجم أبا العالية وهو رفيع بن مهران التابعي- أسلم في زمن أبي بكر ومات سنة 90- ما نصه: وله تفسير.
اهـ من نسيم الرياض.
ونسب صاحب كشف الظنون لمجاهد بن جبر المكي المتوفي سنة 104 تفسيرا، ولقتادة بن دعامة السدوسي تفسيرا أيضا، وزاد فيه خارجة بن مصعب: مقدار ألف حديث اهـ انظر ص 13 وصفحة 14 منه.
وفي كشف الظنون أيضا لدى الكلام على الوجوه والنظائر في القرآن، نقلا عن الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، وقد نسب كتاب فيه إلي عكرمة عن ابن عباس، وكتاب آخر إلى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وألف فيه مقاتل بن سليمان اهـ انظر حرف الواو من الكشف ص 628.
وفيه أيضا في حرف الكاف كتاب الإخلاص للحسن البصري، ذكر الخطيب في ترجمة الحلاج من تاريخ بغداد أن القاضي أبا عمر المالكي توقف في أمره، أي الحلاج، حتى قرأ في كتاب له فوقف على أمر له فقال: له من كتاب الإخلاص للحسن فقال: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة، ولم يكن فيه شيء من هذا، ثم حكم بقتله. كذا في النكت الوفية، فهذا إقرار من القاضي أبي عمر أن كتاب الإخلاص للحسن فهو أول من صنف مطلقا اهـ من كشف الظنون ص 259 من ج 2.
وفي ترجمة حميد الطويل، من طبقات ابن سعد: أخبرت عن حمّاد بن سلمة عن حميد أنه أخذ كتب الحسن فنسخها وردها عليه اهـ انظر ص 7 من ج 7 من القسم 2.
وفي طبقات ابن سعد، لما ترجم للحسن بن محمد بن الحنفية، المتوفي في أيام عمر بن عبد العزيز: عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء فقال لزاذان: يا أبا عمر، لوددت أني كنت ميتا ولم أكتبه انظر ص 241 من ج 5.
(2/181)

وقد ذكر شيخ بعض شيوخنا حافظ الحجاز الشيخ محمد عابد الأنصاري السندي في ثبته حصر الشارد: إسناده لكتاب التفسير عن مجاهد واسناده لكتاب التفسير عن الضحاك وإسناده لكتاب التفسير عن روح بن عبادة. انظر حرف التاء. وبكل ذلك تعلم ما نقله الحافظ السيوطي في تنوير الحوالك على موطأ مالك عن الشيخ أبي طالب المكي في القوت: هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة، فانظره ونص عبارة القوت ص 109 من ج 1: هذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين ومائة من التاريخ، وبعد وفاة كل الصحابة. وعلية التابعين، ثم قال بعد سنة عشرين أو أكثر من التاريخ.
باب في اعتناء قوّاد الصحابة برفع التقارير الجغرافية للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يفتحونها
في صناجة الطرب في تقدمات العرب ص 419، أن الخلفاء صدر الإسلام أمروا أمراء جيوشهم وعمالهم، أن يرسم كل منهم خطط البلاد التي افتتحها واستولى عليها اهـ.
قلت: ومن أمثلة تلك التقارير، أن عمرو بن العاص لما أتم فتح مصر أرسل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كتابا يصف له فيه مصر، وشرح له السياسة التي سيتخذها فيها ونصه:
مصر تربة غبراء (سهلة الإنبات) وشجرة خضراء (كثيرة الشجر الأخضر) طولها شهر، وعرضها عشر (لعله يريد أن الماشي يقطعها طولا في شهر، وعرضا في عشرة أيام) يكتنفها جبل أغبر (يحيط بها جبل ضارب إلى السواد) ورمل أعفر (أبيض مائل إلى الحمرة أو الصفرة) يخط وسطها نهر ميمون الغدّوات مبارك الروحات (محمود الذهاب والإياب) يجري بالزيادة والنقصان، كجري الشمس والقمر. له أوان (يزيد وينقص في أزمنة معينة) تظهر به عيون الأرض وينابيعها حتى إذا عجّ عجيجه (معظم مائه) وتعظمت أمواجه (انقطعت وتسربت في الأرض) لم يكن وصول بعض أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب وصغار المراكب، فإذا تكامل في زيادة نكص (رجع وذهب) على عقبه، كأول ما بدا في شدته، وطمى في حدّته (ونقص في شدة كما زاد بقوة) فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه (أعالي الأرض وأسافلها) يبذرون الحبّ ويرجون الثمار من الرب، حتى إذا أشرق وأشرف (ظهر وبان) سقاه من فوقه النّدى وغذاه من تحته الثرّى، فعند ذلك يدرّ حلابه ويغنّي ذبابه (يعظم محصوله) فبينما هي يا أمير المؤمنين درّة بيضاء إذا هي عنبرة سوداء، وإذا هي زبرجدة خضراء فتعالى الله الفعال لما يشاء، الذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر قاطنها فيها أن لا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وأن لا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبتدأ والمال اهـ.
(2/182)

قال أبو المحاسن في النجوم الزاهرة: في ملوك مصر والقاهرة المطبوع بليدن سنة 1850 م فلما ورد هذا الكتاب على عمر بن الخطاب قال: لله درك يا ابن العاص، لقد وصفت لي خبرا كأني أشاهده اهـ.
وقد ترجم هذا التقرير ونشره إلى عدة لغات أجنبية الكاتب الفرنسوي الشهير (أو كتاف أوزان) في جريدة (الفيجارو) الفرنسوية ووصفه بقوله، إنه من أكبر آيات البلاغة، في كل لغات العالم، وقال عنه: إنه من الفرائد في إيجازه وإعجازه، واقترح وجوب تدريسه في جميع مدارس المعمورة، حتى يتعلموا منه مع قوة الوصف ومتانة التعبير، صحة الحكم على الأشياء وكيفية تنظيم الممالك وسياسة الإستعمار اهـ.
وقد ترجم هذا الوصف من مؤرخي الإنجليز المؤرخ جيبون والدكتور بطلر انظر ص 130 من تاريخ عمرو بن العاص.
باب في أن ترجمة الكتب القديم العلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أواخر أيام الصحابة
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 255 في كتابه البيان والتبيين:
وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء اهـ منه ص 126 من ج 1 ط مصر سنة 1313.
وذكر ابن أبي الحديد المدائني، في شرح نهج البلاغة، ص 476 من ج 3 طبعة مصر أن خالد بن يزيد بن معاوية كان أول من أعطى التراجمة والفلاسفة، وقرّب أهل الحكمة، ورؤساء أهل كل صناعة، وترجم كتب النجوم والطب، والكيمياء والحروب، والأداب والصناعات اهـ.
ولا شك أن خالدا المذكور مات سنة 85 من القرن الأول، وقد عاش بعد هذا التاريخ كثير من الصحابة.
وفي شرح الشمس محمد السفاريني على عقيدته؛ نقلا عن الصلاح الصفدي: لم يبتكر المأمون العباسي النقل والتعريب، بل فعل ذلك قبله كثير؛ فإن يحيى بن خالد عرّب من كتب الفرس كليلة ودمنة، وعرّب لأجله كتاب المجسطي، من كتب اليونان، والمشهور أن أول من عرّب كتب اليونان: خالد بن يزيد بن معاوية، لما ولع بكتب الكيمياء. ثم قال السفاريني بعد ص 10 أما خالد بن يزيد فعربت له كتب الطب والنجوم. وقيل: الذي عربت له كتب الطب والنجوم المنصور. وأما خالد فإنما ولهه في صنعة الكيمياء. وله في ذلك رسائل، وكان قد أخذ ذلك عن رجل من الرهبان يقال له: مريان الرومي اهـ منه.
وفي كشف الظنون المطبوع: كان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حاكم «1» آل
__________
(1) كذا ولعل الصواب: حكيم.
(2/183)

مروان، خطر بباله الصنعة. فأحضر جماعة من الفلاسفة، فأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اليوناني إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام اهـ منه ص 447 من ج 1.
وفي أوائل السيوطي: أول من ترجمت له كتب الطب والنجوم خالد بن يزيد بن معاوية. وقيل: المنصور اهـ.
وذكر ابن النديم في فهرسته: أن صناعة الكيمياء كانت رائجة في أيام خالد بن يزيد بن معاوية في مدرسة الاسكندرية، فاستقدم جماعة منهم راهب رومي اسمه اسطفان القديم انظر ص 242 وص 244 منها.
وبكلام ابن أبي الحديد السابق تعلم ما في قول جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية: لعلهم ترجموا لخالد بن يزيد شيئا في علم النجوم لم يصلنا خبره، وفي أخبار الحكماء لابن القفطي ص 440 في ترجمة ابن السنبدي؛ أنه شاهد في خزائن الكتب بالقاهرة كرة نحاس، وعليها مكتوب: حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية. [تاريخ الحكماء وهو مختصر الزوزني من أخبار العلماء طبعة 1903 لينبريغ] .
قلت: وبكل ما سبق عن الجاحظ، وابن النديم، وابن خلكان، وابن القفطي، وابن أبي الحديد، والصفدي، والسيوطي، وغيرهم تعلم ما في تعقل ابن خالدون البارد، وذلك في قوله: من المعلوم البيّين أن خالدا من الجيل العربي والبداوة إليه أقرب، فهو بعيد عن العلوم والصنائع بالجملة، فكيف له بصناعة غريبة المنحى مبنية على طبائع المركبات وأمزجتها، وكتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات والطب لم تترجم بعد اهـ.
ويكفي في رد تهجمه قول ابن النديم: وهو من هو من القرب إلى ذلك الزمن والاطلاع العظيم أن صناعة الكيمياء كانت رائجة في زمن خالد. وبذلك يهوي تعقل ابن خالدون في الدرك الأسفل من الفساد والله أعلم.
وفي تاريخ آداب اللغة العربية المذكور أن طبيبا كان معاصرا لمروان بن الحكم اسمه ماسرجوية سرياني الجنس يهودي المذهب، كان يقيم في البصرة، وظهر في أيامه، كتاب في الطب هو كناش (حاوي) من أفضل الكنانيش ألفّه القس أهرون بن أعين في اللغة السريانية، فنقله ماسرجوية إلى العربية. فلما تولى عمر بن عبد العزيز، وجد هذا الكتاب في خزائن الكتب في الشام، فحرضه بعضهم على إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به، فاستخار الله في ذلك أربعين يوما ثم أخرجه إلى الناس، وبثه في أيديهم انظر ص 233 من ج 1.
وفي شفاء الغليل: الكنّاش بضم الكاف العربية وتخفيف النون وآخره شين معجمة بوزن غراب لفظ سرياني: المجموعة والتذكرة وقد وقع هذا اللفظ كثيرا في كلام الحكماء، وسموا به بعض كتبهم كما يعرفه من طالع كتب الحكمة اهـ.
(2/184)

باب في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة
قال ابن ليون التجيبي في الأنالة العلمية: أول من تكلم في علوم التصوف علي اهـ.
وقال العالم الصالح أبو القاسم علي بن محمد بن خجو: في ضياء النهار: الصحابة كان علمهم بالله وبالآخرة، وكانوا أهل خوف وحزن، ومجاهدة، ومراقبة، وقناعة، وصبر، وتوكل، ورضى، وانقطاع إلى الله، واخلاص عميم، وكانوا مشغولين بتحصيل العبادة، من جهاد ومجاهدة النفوس، والايثار والبحث عن مكارم الأخلاق، والتوحيد والاخلاص، واليقين والذكر وهذا هو علم التصوف. ولم ترد جل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وجل وصاياه إلا بما اشتمل عليه علم التصوف، وكانت تتعاطاه الصحابة من الذكور والاناث. فالعلم الواجب على كل مكلف: هو ما كانت تتعاطاه الصحابة في وقته، وذلك علم التوحيد، والاخلاص، وسائر مقامات التصوف، من التوبة إلى انقضاء غايته اهـ.
وبذلك تعلم أن ما وقع في المدخل من أن الحسن البصري أولّ من فتح الكلام في طريق القوم، وهو رضيع إحدى زوجاته عليه السلام، وهي أم سلمة يعني بعد علي، ثم وجدت القاضي ابن الحاج نقل في حواشيه على الدر الثمين عن التستري في رسالته العلمية أن الحسن البصري قال: أول من تكلم في التصوف والفقر علي. قال: ومن ثم جعله الوالد في نظمه للحكم واضعا لعلم التصوف فقال:
وله علي واضع ... هو ذو العلم وذو الحكم
اهـ ونحوه له في الأزهار الطيبة النشر، لدى كلامه على واضع علم التصوف، وفي الذهب الأبريز للقاوقجي: أبو ذر الغفاري هو أول من تكلم في علم البقا والفنا اهـ.
وفي القوت للإمام أبي طالب المكي: كان الحسن البصري أول من نهج سبيل هذا العلم، وفتق الألسنة به، ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره وكشف قناعه، وكان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من اخوانه. فقيل له: يا أبا سعيد، أنت تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك فممن أخذت هذا؟ فقال من حذيفة بن اليمان. وقيل لحذيفة بن اليمان: نراك تتكلم في هذا العلم لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فممن أخذته قال: خصني به رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ منه.
وقال: قيل: الحسن هو إمامنا في هذا العلم، الذي نتكلم فيه، أثره نقفو، وسبيله نقتفي ومن مشكاته نستضيء، أخذنا ذلك بإذن الله، وإمامنا عن إمام، إلى أن ينتهي ذلك إليه. وقد لقي سبعين بدريا، ورأى ثلاثمائة صحابي. ورأى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب الخ وذكر قبل أنّ علي بن أبي طالب انتهى. في مسجد البصرة إلى حلقة الحسن البصري، وهو يتكلم في هذا العلم، فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه. انظر ص 148 و 149 و 150 من ج 1 من القوت. وبذلك تعلم كذب من زعم أن سيدنا عليا أخرجه من المسجد، ونهاه عن التكلم.
(2/185)

باب في أن أول من وضع علم النحو في الإسلام الصحابة
أخرج أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي في أماليه قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري؛ حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سعيد بن سالم الباهلي، حدثنا أبي عن جدي، عن أبي الأسود الدؤلي قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فرأيته مطرقا مفكرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما انبنى على المسمى، والفعل ما انبنى على معنى؛ والحرف ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود؛ أن الأشياء ثلاثة، ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.
قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء عرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن وأن وليت ولعلّ وكأن، ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. قال: بلى هي منها، فزادني فيها «1» . هكذا ساق هذا الأثر الحافظ السيوطي في أوائله، وجمع الجوامع، وابن الهندي في الكنز؛ عن الزجاجي. كما ذكر. ولم أجده في أمالي الزجاجي المطبوعة، فلعله في غيرها، إذ له الأمالي الكبرى، والصغرى، والوسطى، والصغرى هي المطبوعة بمصر، أو لزجاجي آخر، لعله أبو إسحاق.
وفي ترجمة أبي الأسود من الاصابة؛ نقلا عن أمالي أبي علي القالي: أول من وضع العربية، ونقط المصحف أبو الأسود. وقد سئل أبو الأسود عمن نهج له الطريق فقال:
تلقيته من علي.
وأخرج الأصبهاني في الأغاني، من طريق جعفر ابن أبي حرب ابن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه قال: قيل لأبي الأسود الدؤلي: من أين لك هذا العلم؟ يعني النحو.
قال: أخذت حدوده عن علي.
وأخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر، وابن النجار، عن صعصعة بن صوحان أن عليا قال لأبي الأسود: ضع للناس شيئا يستدلون به على صلاح ألسنتهم، فرسم له الرفع والنصب والخفض. انظر كتاب العلم من كنز العمال.
ولما رفع الشيخ أبو محمد عبد القادر بن أحمد الكوهن الفاسي، في فهرسته إسناده
__________
(1) انظر كنز العمال ج 10 ص 283 وصححت منه بعض الأخطاء.
(2/186)

في علم النحو إلى أبي الأسود، عن علي كرم الله وجهه قال: وهو أي علي واضعه؛ كما أخرجه الزجاجي في أماليه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأبو الفرج في الأغاني، من طرق متعددة. وهذا مظهر قوله عليه السلام: أنا مدينة العلم وعلي بابها أخرجه الترمذي «1» ، والحاكم، عن علي، وأخرجه الحاكم أيضا والطبراني عن ابن عباس اهـ ومن نسخة عليها خطه نقلت.
وفي الأزهار الطيبة النشر، للقاضي أبي الفتح ابن الحاج: لما جاء الأسلام واختلطت الأمم، وخيف على العربية الضياع، تكلم فيها علي بن أبي طالب ورسم أصولها، ومن ثم جعله والدنا في ميميته في السيرة تبعا لغيره، واضعا لهذا الفن فقال بعد أبيات:
هو الذي كان واضعا لنحو أتى ... في اسم وفعل وحرف غير ملتئم
ثم تصدى بعد ذلك لتحرير قواعدها، ودفع الشكوك عنها، والشبه أبو الأسود الدؤلي، ومن ثم جعله الشريشي في شرح المقامات، والأزهري في التصريح؛ تبعا لغيرهما واضعا لهذا الفن. وهو تابعي مات بالبصرة سنة 69 عن 85. وإلى هذا أشار ابن شعبان في ألفيته بقوله:
أول من أفادنا النحو علي
وحكى الفخر الرازي: أن عليا رسم لأبي الأسود باب الاضافة، وباب الإمالة، ثم صنف أبو الأسود باب العطف، وباب النعت، ثم باب التعجب، وباب الاستفهام اهـ الخ.
وفي سعود المطالع للأبياري: واشتهر أن أول من وضعه أبو الأسود الدؤلي من الصحابة، بأمر من الإمام علي، أو عمر لأسباب مختلفة يمكن الجمع بينها بتعدد الوقائع اهـ واستظهر الشيخ الأبياري المذكور؛ في أول كتابه القصر المبني في حواشي المغني أن قواعد هذا العلم وأصوله التي بها يعرف وجوه الكلام؛ كانت معروفة بين الصحابة، أو بين أفراد منهم، وأن أمر علي لأبي الأسود بوضع النحو؛ يدل على أن هذا العلم معروف معلوم، لدى الآمر والناهي. انظر الحاشية المذكورة. وذكر ابن الأنباري في ترجمة أبي الأسود من نزهة الألباء في طبقات الأدباء أنه وضع مختصرا في النحو، منسوبا له. وأن سببه أن زياد بن أبيه قال له: لو وضعت للناس شيئا. أنظر ص 11 منه.
وقد ذكر ابن النديم في فهرسته، مما شاهده بعينه، في عرض كلامه، عن خزانة كتب أطلعه عليها أحد جمّاعي الكتب، فكان من جملة ما فيها: قمطر كبير فيه نحو 300 رطل جلود فلجاب وصكوك وقرطاس مصري وورق صيني وورق خراساني وبينهما أربع أوراق قال: أحسبها من ورق الصين؛ ترجمتها هذه: فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي
__________
(1) جاء في الترمذي في كتاب المناقب ج 5 ص 637 قوله: أنا دار الحكمة وعليّ بابها. ثم قال: هذا حديث غريب منكر.
(2/187)

الأسود، بخط يحيى بن يعمر. وتحت هذا الخط بخظ عتيق هذا خط علّان النحوي، وتحته هذا خط النضر بن شميل، ثم لما مات هذا الرجل، فقدنا القمطر انظر ص 40 من الفهرست.
وبعد أن قرر القاضي ابن الأزرق في عروض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام، أن السلف تسارعوا إلى وضع العربية، لما علموا في ذلك من المصلحة، قال:
هذا إن سلّم أن وضع هذا العلم لم يتقدم إليه الخلفاء الراشدون، وأما إن كانوا هم الذين أمروا به، وأرشدوا إلى تأصيل أوضاعه، كما يدل عليه ما تقدم، فهو بلا شك من جملة ما سنّوا من الخير الذي سبقوا إليه، ودليله هو بعينه دليل جمع المصحف وغير ذلك، مما تقتضيه قاعدة المصالح المرسلة اهـ منه.
وذكر قبل ذلك بعد أن نقل من عدة وجوه: أن أول من وضع النحو علي. وأن عنه اقتفى أبو الأسود وضعه على مقتضى ما علمه، وقد ضمن بعضهم هذا المعنى في عرض الفخر به والمدح، لابن عصفور، لما وافق اسمه اسم أمير المؤمنين، فاتح باب الوضع لهذا العلم المنسوب إليه فقال:
نقل النحو إلينا الدؤلي ... عن أمير المؤمنين البطل
بدأ النحو عليّ وكذا ... ختم النحو ابن عصفور علي
وانظر رسالة الأخبار المروية في سبب وضع العربية، للحافظ السيوطي.
باب في أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع
وهو أن تأتي بلفظ واحد تحتمل قراءته بوجهين، وتسمية بقية ما استنبطه من العلوم.
من ألطفه قول سيدنا علي كرم الله وجهه: كل عنب الكرم تعطيه، فإنه يصحف بقولك: كل عيب الكرم يغطيه، قال جد جدنا لأمه العلامة أبو الفيض حمدون ابن الحاج في شرحه: النوافح العالية في المدائح السليمانية: علي هو أول من نطق بالتصحيف في كلامه، انظره. ثم وجدت من سبقه إلى ذلك، وهو صاحب مدينة العلوم؛ نقل عن الشيخ عبد الرحمن البسطامي: أول من تكلم بعلم التصحيف الإمام علي بن أبي طالب، ومن كلامه في ذلك: خراب أهل البصرة بالريح، بالراء والحاء. المهملتين بينهما ياء. قال الحافظ الذهبي: ما علم تصحيف هذه الكلمة إلا بعد المائتين من الهجرة: يعني خراب البصرة بالزنج بالزاي والنون والجيم. قال: وللإمام في هذا العلم صنائع بديعة اهـ.
وفي إتحاف الرواة بمسلسل القضاة، للشهاب أحمد بن الشلبي الحنفي المصري؛ تعرضه لأوليات سيدنا علي قيل: إنه أول من تكلم في التصحيفات اللوذعية فقال: كل عنب الكرم الخ الخ ونحوه لابن هشام، في الفصل الرابع من كتابه موقد الأدهان وموقظ الوسنان، وفي الجرعة الصافية والنفحة الكافية، للشيخ المختار بن أحمد الكنتي الوافي: علي هو
(2/188)

الذي استنبط علم النحو، والكيمياء، والاسطرلاب، وأسرار الحروف، وأسرار الحساب، والتنجيم، والأوفاق، والتعبير، والفرائض، ودقائق القسمة، إلى غير ذلك اهـ.
وفي بهجة الآفاق في علم الحروف والأوفاق لجوّاب الكرة الأرضية، الشمس محمد بن الغلاني الدانكوري السوداني، دفين مصر: صنف علي في الجفر، والجامعة في أسرار الحروف الكونية، وهو ألف وسبعمائة مصدر من مفاتيح الأسرار، وهو أول من وضع مربع مائة في مائة من الصحابة، كما قال صاحب الكنز الباهر في شرح حروف الملك الظاهر.
باب في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم فيه ويدوّن الإمام الأشعري
نقل الشيخ الأمير، في حواشي الجوهرة عن الإمام أبي علي اليوسي: أنه اشتهر عن أبي الحسن الأشعري أنه واضع علم الكلام، وليس كذلك. بل تكلم فيه عمر بن الخطاب، وأنس، وألف فيه مالك رسالة قبل أن يولد الأشعري اهـ نقله الشيخ عليش في فتاويه أثناء جواب له: في واضع علم الكلام قائلا: الأولى أنه علم قرآني، لأنه مبسوط في كلام الله، بذكر العقائد، والنبوات، والسمعيات، انظر ص 13 من ج 1 ونقل الحافظ السيوطي في شرح نظمه لجمع الجوامع، عن أبي الوليد الباجي: ناظر ابن عمر منكري القدر، واحتج عليهم بالحديث، وناظر ابن عباس الخوارج اهـ منه.
قلت: من طالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي لم يبق له شك في أنه علم قديم خاض فيه المصطفى والصحابة وصدور التابعين.
باب املاء الصحابة على من يكتب عنهم
روى ابن عدي والبيهقي في المدخل عن أبي الخطاب معروف الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع يملي على الناس الأحاديث، وهم يكتبونها عنه.
باب وقت بروزه عليه السلام للجواب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه
عن أبي موسى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر انحرفنا إليه فمنا من يسأله عن القرآن، ومنا من يسأله عن الفرائض، ومنا من يسأله عن الرؤيا، رواه الطبراني في الكبير.
قال الهيثمي: وفيه محمد بن عمر الرومي ضعفه أبو داود وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان.
فائدة: في طبقات ابن سعد عن الزهري؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأذن بعد الظهر. وهي السنة وكان يأذن عليه أنس مولاه انظر ص 33 من ج 3.
فعلى هذا: كان عليه السلام إذا دخل إلى منزله بعد صلاة الزوال، إنما يأذن الناس في الدخول عليه ولقائه بعد الظهر.
(2/189)

باب في مراجعتهم الحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى عليه السلام
ترجم الهيثمي في المجمع: باب في مدارسة العلم ومذاكرته، عن أنس قال: كنا قعودا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعسى أن يكون قال ستين رجلا فيحدثنا الحديث، ثم يدخل لحاجته، فنراجعه بيننا هذا، ثم هذا، فنقوم كأنما درّ [فتح] في قلوبنا. رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف.
باب في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن
خرّج الحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة.
باب في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره
روى البيهقي في المدخل؛ بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال لسعيد بن جبير:
حدث. قال: أحدث وأنت شاهد؟ قال: أو ليس من نعم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أخطأت علمتك.
وفي ترجمة سعيد من طبقات ابن سعد أن ابن عباس قال لسعيد: حدث قال أحدث وأنت هاهنا؟ قال: أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك.
باب في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا
عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الآخرى؛ حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. قال: فتعلمنا العلم والعمل رواه أحمد، وابن سعد في الطبقات. وفيه عطاء ابن السائب، اختلط في آخر عمره، وعن ابن عمر قال: لقد عشت برهة من دهري، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد، فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم القرآن. فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده فيه، وينثره نثر الدقل. رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وفي ذيل مجمع بحار الأنوار؛ على حديث. من تعلّم القرآن وعلمه، لا يلزم منه فضله على الفقيه، لأن المخاطبين الصحابة. وكانوا فقهاء يعرفون الفقه من معانيه أكثر مما يعرفه من بعدهم اهـ منه.
(2/190)

وأورد في الجامع الكبير حديث: تعلموا القرآن والتمسوا غرائبه، وغرائبه فرائضه، وفرائضه حدوده، وحدوده حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، واعتبروا بأمثاله. وعزاه للديلمي عن أبي هريرة.
وفي الموطأ «1» أن ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها. قال الباجي في المنتقى: ليس ذلك لبطء حفظه، معاذ الله، بل؛ لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها، وما يتعلق بها.
وأخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا. نقله السيوطي في تنوير الحوالك وقد عدّ الونشريسي في فصل البدع من المعيار: من البدع اقتصار الناس على حفظ حروف القرآن دون التفقه فيه، ثم إنه ذكر عن ابن عمر ما سقناه. قال: قال العلماء معناه: أنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها اهـ منه.
ونقل ابن عبد السلام في محاذيه عن الحافظ الذهبي في حق مجاهد: أنه صح عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه فيها عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ اهـ.
وفي جامع البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه قد حفظ القرآن في البصرة في هذه السنة خلق كثير، فكتب له أن يفرض لهم ثم كتب له في السنة بعدها أنه قد حفظ القرآن أضعاف ذلك، فقال له أتركهم، فإني أخشى أن يشتغل الناس بحفظ القرآن، ويتركوا التفقه فيه اهـ.
قلت: قصة أبي موسى أوردها في الكنز فانظره، وفي شرح الملا علي القاري على مسند أبي حنيفة: كان من يقرأ القرآن في الصدر الأول عالما بالسنة والفقه المتعلق بالصلاة ونحوها، ولذا ورد: يؤمهم اقرأهم اهـ منه. ومن أقرب ما يمثل لنا تفقه من سبق في القرآن حالة حفظه، ما في بذل المناصحة لأبي العباس أحمد بن علي البوسعيدي السوسى، دفين فاس في ترجمة أستاذ درعة أبي القاسم الوحلاني الدرعى قال: حدثني عنه بعض الأصحاب: أنهم سمعوا منه: أنه لا يمحى اللوح حتى يقرأها، بكل ما يتعلق بها من الأحكام، من التجويد بالقراآت والرسم، والأعراب والتفسير. ولكل فن شيخ قال: وربما يبقى في ثمن الجمعة حتى يجتاز بها على جميع شيوخ مطالبها اهـ ومن خط البوسعيدي نقلت.
__________
(1) انظر الموطأ كتاب القرآن باب 4 رقم الحديث 11 ص 205 ج 1.
(2/191)

باب في أول من أطلق على سفر القرآن المصحف
أخرج ابن أشته في كتاب المصاحف، من طريق كهمس بسند منقطع عن بريدة قال:
إن أول من جمع القرآن في مصحف؛ سالم مولى أبي حذيفة، ثم ائتمروا على أن يسموه باسم فقال البعض منهم: سموه السفر. فقال: إن ذلك من تسمية اليهود لكتبهم، فكرهوا ذلك. فقال: إني رأيت مثله في الحبشة يسمى المصحف، فأجمع رأيهم على أن يسموه المصحف، فسمى به أنظر أزهار العروش في أخبار الحبوش.
وفي باب العلم من سمى المصحف مصحفا أبو بكر. أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف.
وفي شرح الطريقة المحمدية للعارف النابلسي؛ أن المصحف بضم الميم وقد تكسر وقد تفتح، مأخوذ من أصحف أي جعل فيه الصحف، ثم جعل علما على القرآن الكريم.
وأول من سماه به: أبو بكر الصديق. ذكره الوالد في شرحه على الدرر اهـ منه ص 269 من ج 2، ونحوه للزرقاني على المختصر لدى قول الشيخ خ في باب الركوة والقرآن والمصحف. انظره.
باب فتوى الصحابة في حكم أجرة نسخ المصاحف
عن ابن عباس أنه سئل عن أجرة كتابة المصاحف فقال: لا بأس؛ إنما هم مصورون، وإنما يأكلون من عمل أيديهم. ذكره التبريزي في المشكاة وعزاه لرزين السرقسطى. قال القاري في المفاتيح: فإنما هم مصورون أي ينقشون صور الحروف، وقال: لا بأس، لأن القرآن كما يطلق على صفة الله القديمة، يطلق على ما بين الدفتين من النقوش، فهم إنما يأخذون الأجرة في مقابلة تلك النقوش، الدالة على تلك الصفة. ولذا قال: إنما هم مصورون أي ينقشون صور الحروف. ثم نقل عن الطيبي: الصورة الهيئة والنقش، والمراد هنا: النقش إشعار بالمجموع، لأنه أثبت النقش والمنقوش، والقرآن كان عبارة عن المجموع من القرآن والمقروء، والكتابة والمكتوب، والمقروء هو القديم والكتابة والقراءة ليستا من القديم، لأنها من أفعال القارئي والكاتب، فلما نظر المسؤول إلى تمييز معنى المقروء والمكتوب، وأنهما من صفات الإنسان جوزها اهـ.
باب في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها
ترجم في الاصابة؛ لناجية الطفاوي الصحابي فقال: كان يكتب المصاحف، وترجم لنافع بن ظريب النوفلي فقال: هو الذي كتب المصحف لعمر. وقال هشام الكلبي: كان يكتب المصاحف لعمر، وقال البلاذري: كتب المصاحف لعثمان، وقيل لعمر، وذكر خالنا
(2/192)

أبو المواهب جعفر بن ادريس الكتاني في فهرسته، وتلميذه المطلع المحدث، أبو عبد الله محمد المدني ابن جلون، في كناشته أنه نقل من خط شيخ الأول قاضي الجماعة بفاس شارح تيسير ابن الدّيبع أبي محمد عبد الهادي بن عبد الله العلوي المدغري، أن جده العلامة مولاي التهامي، نظم تركة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله:
قد خلف الرسول تسعا تعرف ... سجادة وسبحة ومصحف
وقفتان، وسواك وحصير ... مشط ونعلان وابريق منير
واضعها مكتوبة في منزله ... يدوم أمن أهله ونزله
فعد منها المصحف والسبحة، وربما يستغرب ذلك، ويستنكر أما المصحف فلما اشتهر، وتقرر أن أبا بكر أول من جمع القرآن، فلعله أراد بالمصحف المعدود من المتخلفات النبوية؛ تلك الصحف التي كان يكتب فيها القرآن، وقت نزوله من عظم ونحوه، وقد قال ابن سعد في الطبقات: إن عمر أول من جمع القرآن في المصحف اهـ ص 202 من ج 3 من القسم 1.
وقال الخزاعي في فصل: إن عمر أول من دوّن الدواوين، وقد كان أبو بكر جمع القرآن في صحف، وبقيت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين، إلى زمن عثمان ذكر ذلك أبو محمد بن عطية وغيره، وكان جماعة من الصحابة قد جمعوه أيضا قبل ذلك، ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود.
قال أبو عمر ابن عبد البر: إن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب وهو بعرفات فقال:
جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب لذلك عمر غضبا شديدا، وقال: ويحك من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود. فذهب عنه ذلك الغضب، وسكن إلى حاله. وقال: والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحقّ بذلك منه اهـ.
وقالوا: إن عثمان حين أكمل كتب المصحف أمر بانتزاع ما عند الصحابة من المصاحف، فانتزعت إلا مصحف عبد الله بن مسعود اهـ.
فهذا يدل على أنه كانت مصاحف جمعت قبل مصحف عثمان، وإنما نسبوا ذلك له، لأنه المصحف الذي بعث نسخه إلى الأمصار، وابتهج المسلمون به في جميع الأقطار اهـ.
ثم بعد كتبي هذا بمدة وجدت بخط سيدنا الخال رحمه الله إثر الأبيات السابقة ما نصه: والمراد بالمصحف ما جمعه الصحابة، مما بين الدفتين أي اللوحين من القرآن، وفي البخاري: باب من قال: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس، وابن الحنفية، أنه لم يترك إلا ذلك، لأنه جمع في الصحف ثم جمعت تلك الصحف في المصحف بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان التأليف في الزمن النبوي والجمع في الصحف في زمن الصديق، والنسخ في المصاحف في زمن عثمان. وقد كان القرآن كله مكتوبا في
(2/193)

عهده صلى الله عليه وسلم، لكنه غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور. قاله القسطلاني.
قلت: قد ظفرت بما يدل على أن ما كان نزل من القرآن؛ كان الصحابة يعددون منه النسخ في زمنه عليه السلام. وبوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد «1» من الصحيح بقوله:
باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، ثم خرّج عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وفي لفظ لإسحاق بن راهواه في مسنده: كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. وخرجه أحمد بلفظ: نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو.
وقال البخاري في الترجمة المذكورة؛ وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أرض العدو، وهم يعلمون القرآن. قال الحافظ: أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالمصحف، خشية أن يناله العدو، لا السفر بالقرآن نفسه اهـ فلولا أن ما كان نزل من القرآن يجمع في الصحف ونحوها، ويتداوله الناس بالنسخ والملك، ما صح ورود النهي المذكور فتأمله.
وأخرج أحمد «2» والطبراني والدارمي عن أبي أمامة قال: لما كان في حجة الوداع:
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم، وقبل أن يرفع العلم، الحديث. فسأله اعرابي يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا، فرفع النبي رأسه إليه وهو مغضب وقال:
هذه اليهود والنصارى بين أيديهم المصاحف، لم يتعلقوا منها بشيء مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته. ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك، وابن عمر، وصفوان وهي عند أحمد والترمذي والطبراني والدارمي. والبزار بالفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعني.
وفي مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد «3» عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن له فقال يا رسول الله إن ابني هذا يقرأ المصحف في النهار ويبيت بالليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما.
وفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الأحزاب: 53] في المتاع أربعة أقوال الرابع: صحف القرآن اهـ.
وفي المسلسل 41 من مسلسلات المنح البادية في الأسانيد العالية؛ بإسناد مؤلفها إلى القاضي أبي بكر ابن العربي المعافري قال: اشتكت عيني فشكيت إلى الشريف نسيب الدولة
__________
(1) انظره ص 15 ج 4 باب 129.
(2) رواه أحمد في الجزء الخامس من مسنده ج 5 ص 266 وفي طبعة المكتب الإسلامي ص 334/ 5.
(3) رواه أحمد في ج 2 ج 173، وفي طبعة المكتب الإسلامي ص 230.
(2/194)

فقال لي: انظر المصحف وهكذا تسلسل إلى علقمة فقال: اشتكت عيني. فقال لي عبد الله بن مسعود: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر في المصحف، زاد غيره في هذا الحديث بقوله: فإن عيني اشتكت، فقال لي جبريل: انظر في المصحف.
ثم نقل عن كتاب سلوة الأحزان في فضائل القرآن للزناتي عن أنس رفعه: من قرأ في المصحف لم ير سوآ في بصره ما عاش. انظر المنح. وأما السبحة فقال الشيخ الأمير في فهرسته: لم يصح ما اشتهر من عدها أي السبحة من مخلفاته عليه السلام اهـ وسبقه إلى نحوه ابن سلطان في شرح المشكاة قائلا: إن السبحة المعروفة لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم اهـ ونقل كلام الأمير والقاري، وأقره أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في رسالة: نزهة العطر في سبحة الذكر، واقتصر على كلام الأمير في كتابه ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني، ص 151 ونحوه لابن الطيب، في حواشي القاموس.
والصواب أن اتخاذ السبحة ونحوه لعد الذكر ثبت عن الصحابة في حياته عليه السلام وبعده، والذي حدث هو خرز، ونظم تلك الحبوب في الخيط ونحوه، كما قاله الشيخ عبد الغني الدهلوي المدني، على أن مخلفات النبي صلى الله عليه وسلم من خيل ودواب وإبل وغنم وفراش وأجنة «1» وأثاث وغيرها، أكثر من ذلك بكثير، والعلم عند العلي الكبير. وقد نظمها غيره على غير هذا الوجه. انظر رحلتنا (الدرنية) .
باب في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف لهم في أسفارهم
يستفاد ذلك من الترجمة قبله، وذكر المسعودي في مروج الذهب في عرض كلامه على واقعة صفين بين على ومعاوية، وما كان من ظهور علي، وما أشار به عمرو بن العاص، من رفع المصاحف؛ ورفع من معسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف اهـ.
وليست هذه كل المصاحف إذ ذاك، مع أن بين جمع القرآن وواقعة صفين سبع سنين، فانظر إلى هذا العدد الذي وجد في ذلك الجيش فكيف بغيره من مصاحف من لم يحضر.
وفي ترجمة أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري من طبقات ابن سعد، عن يزيد بن مردانيه قال: رأيت أبا بردة راكبا على راحلة، ومصحف معلق مقدم الراحلة.
لطيفة: وقع في حواشي الشيخ الأمير الكبير، على الزرقاني على المختصر، عن شيخه الشمس البليدي المالكي. فرع: يكره جعل القرآن أجزاء. قال مالك: إنه تعالى يجمعه وهم يفرقونه اهـ ثم وجدت في العتبية: وأن مالك كره ذلك كراهة شديدة. قال ابن رشد في البيان
__________
(1) كذا ولعلها مصحفة عن: أمتعة. مصححه.
(2/195)

والتحصيل: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء حتى كمل الدين واجتمع القرآن في الأرض، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا.
تنبيه: المصاحف القديمة الموجودة في المكاتب العظيمة، التي يظن إنها كتبت في القرون الأولى، لا تجدها إلا بأرفع الخطوط وأوضحها في أغلى الصحف ثمنا وأجملها وأغلظها. وما ذلك إلا لأنهم كانوا يرون ذلك من رفع المصحف وإكباره. وفي مدينة العلوم، لما تكلم على آداب كتابة المصاحف، أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى مصحفا كتب بقلم دقيق ضرب كاتبه، وكان إذا رأى مصحفا عظيما سرّ به. وكان علي يكره أن تتخذ المصاحف صغارا اهـ.
وقد أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن انظر الاتقان. وقد عد في الطريقة المحمدية من الآفات تصغير المصحف. قال العارف النابلسي في شرحها: أي كتابته في أوراق صغار، ثم نقل عن أبي حنيفة: أنه يكره أن يصغر المصحف، وأن يكتب بقلم دقيق، ثم قال: ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن يكتبه بأحسن خط وأثبته، على أحسن ورق وأبيض قرطاس، بأفخم قلم وأبرق مداد، ويفرّج السطور، ويفخم الحروف، ويجرده عما سواه من التفاسير، وذكر الآي وعلامات الوقف وصونا لنظم الكلمات كما هو مصحف الإمام عثمان رضي الله عنه اهـ منه.
باب هل كانوا يحلّون المصاحف
ترجم ابن رشد في جامع البيان والتحصيل؛ لصفة مصحف جد الإمام مالك المكتوب على عهد عثمان، قال ابن القاسم: وأخرج إلينا أي مالك مصحفا لجده (أبي عامر الأصبحي المختلف في صحبته) فحدثنا أنه كتب على عهد عثمان بن عفان، فوجدنا حليته فضة، وأغشيته من كسوة الكعبة، وأعاد ذلك في العتبية مرة أخرى، وزاد فيها: ما زدت أنا فيه شيئا قال ابن رشد: أحفظه في إجازة تحلية المصحف بالفضة، أما تحليته بالذهب فأجيز وكره، وظاهر ما في الموطأ إجازته اهـ.
باب في أن حفظ المصاحف كان له ولاة مختصون به في زمن أبي بكر رضي الله عنه
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، لابن عبد السلام، في ترجمة أبي بكر أن عمر كان قاضيه، وعثمان كاتبه. وسعد مولى مصاحفه، وسعد القرظ مؤذنه.
باب هل كانوا يقبلون المصاحف؟
في شرح الأحاديث الأربعين للشمس محمد بن مصطفى الكرماني الحنفي: المصحف قبّله عمر وعثمان في كل غداة، وقيل: إنه بدعة في المنية اهـ منه ص 106. وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار، للعلامة الحصكفي الدمشقي، من كبار كتب الحنفية: روي أن
(2/196)

ابن عمر كان يأخذ المصحف كل غداة ويقبله ويقول: عهد ربي ومنشور ربي عز وجل، وكان عثمان يقبل المصحف ويمسحه على وجهه اهـ انظر ص 254 من ج 5 من هامش رد المختار لابن عابدين.
ونقل الشمس السفاريني الحنبلي في شرح منظومة الآداب عن الرعاية: إنه يستحب تقبيل المصحف، لأن عكرمة بن أبي جهل «1» كان يفعل ذلك. رواه جماعة منهم الدارمي بإسناد صحيح. قال: كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربي كتاب ربي.
وممن صحح إسناد الدارمي عن عكرمة النووي في التبيان، وفي مناسك العلامة شيخ الجماعة بفاس أبي عبد الله محمد بن عبد السلام البناني، ورد أن الحجر الأسعد يمين الله في أرضه، والعادة تقبيل يمين من يقصد إكرامه. فجعل إشارة إلى ذلك تعالى الله عن التشبيه، وهذا معنى لطيف في تقبيله، ولا يخفى أن القرآن العظيم صفة الله فهو بالتقبيل أولى، ومنه يؤخذ تقبيل المصحف، ويد العالم والولي والرجل الصالح، وآثار الصالحين ونحو ذلك مما يعظم. ذكر معناه السبكي في طبقاته اهـ.
باب كون الصحابة كانوا يستحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا إلا وقد نظر في المصحف
ذكر الحافظ أبو القاسم الغافقي الملاحي، في فضائل القرآن، له نقلا عن القوت؛ لأبي طالب المكي: كان كثير من الصحابة يقرؤون في المصحف ويستحبون أن لا يخرج يوم إلا وقد نظروا فيه، وخرق عثمان مصحفين من كثرة درسه فيهما اهـ.
وفي المنح البادية للفاسي: كان الأيمة والصالحون من السلف أول ما يبدؤون به إذا أصبحوا النظر في المصحف، وكان يأمرون من اشتكى ببصره أن ينظر في المصحف.
وفي ترجمة أبي العالية من طبقات ابن سعد ص 75 ج 6 عن مجاهد: كان لعبد الرحمن ابن أبي ليلى بيت فيه مصاحف، يجتمع إليه فيه القراء قلما تفرقوا إلا عن طعام وبذلك كله تعلم ما في تحفة الأكابر عن مختصر ابن أبي زيد: لم تكن القراءة في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج، وأكره أن يقرأ في المصحف في المسجد اهـ وانظر التحفة أيضا على حديث من استظهر القرآن خفف الله عن أبويه العذاب.
باب في أن معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ
في ترجمته من مروج الذهب للمسعودي أنه كان في السمر يحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارهم، والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان مرتبون، وقد وكلوا بقراءتها وحفظها انظر ص 52 من ج 2 المطبعة المصرية لسنة 1304.
__________
(1) انظر سنن الدارمي كتاب فضائل القرآن باب 4 ص 714.
(2/197)

باب في تعلمهم القرآن في زمنه عليه السلام وتسويغه أخذ الأجرة عليه
خرّج البخاري «1» في الصحيح، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله: قال ابن بطال: هذا عام في التعليم وغيره. وقد أجاز الإجارة على تعليمه والرقية به مالك والشافعي وأحمد اهـ.
وقال المجاجي هذا الحديث يدل دلالة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله:
إنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وذهب آخرون إلى المنع من ذلك؛ مستدلين بحديث يروى في ذلك أيضا، ظاهره يقتضي تحريم أخذ الأجرة، وهو عند المالكية ومن قال بقولهم مؤول اهـ.
وفي البخاري: إذهب فقد زوّجتكها بما معك من القرآن «2» .
وفي حديث عبادة: كنت أعلم إنسانا من أهل الصفة القرآن، وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: ذكر رجل عنذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، فقال: أو لم تروه يتعلم القرآن؟ انظر ص 66 من مسند عائشة ج/ 6.
وفي الأجوبة المهمة عن الحافظ السيوطي: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء منها.
وسوادها بأكدار المعصية والضلال، وكان صلى الله عليه وسلم يشترط على وفود الأعراب بعد إسلامهم إقراء القرآن بينهم، وتعليمهم أمر الدين وإقامة المؤذنين اهـ.
وسبق في القسم الأول دلائل صريحة في هذا؛ من حضه عليه السلام الناس على تعلم القرآن، وإرسال المعلمين إلى الجهات، ومما أغفلناه هناك حديث: «تعلموا القرآن فاقرأوه وأقرئوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به؛ كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان ومثل من يتعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكىء على مسك، خرّجه الترمذي «3» ، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان عن أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب. وحديث: تعلموا كتاب الله وتغنوا به فإنه أشدّ تفلتا من المخاض في عقلها أي النوق الحوامل المحبوسة في العقل جمع عقال خرجه أحمد «4» عن عقبة بن عامر- والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
__________
(1) انظر كتاب الإجارة ج 3 ص 53 باب 16.
(2) انظر كتاب النكاح ج 6 ص 134 رقم الباب 37.
(3) أخرجه الترمذي في حديث طويل في فضائل القرآن من حديث أبي هريرة في فضل سورة البقرة ج 5 ص 156 باب 2.
(4) وانظر الجزء الرابع من المسند ص 153 والإسلامي ص 210 ج 5.
(2/198)

وفي نجوم المهتدين في دلائل نبوة سيد المرسلين؛ لأبي المحاسن النبهاني: الصحابة كان بعضهم يحفظ القرآن كله، والبعض يحفظ أكثره، والبعض يحفظ أقله، ويحفظ أحدهم ما لا يحفظه الآخر، وقلما رجل منهم لا يحفظ منه شيئا، حتى كان عمر رضى الله عنه؛ يأمر بقسمة الغنائم على مقادير الحفظ للقرآن؛ وبذلك تزداد الرغبة في الدين والدنيا اهـ ص 401.
وقال الولي ابن خالدون في مقدمة العبر في فصل تعليم الولدان: إعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار من شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، بما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان، وعقائده من آيات القرآن، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه، ما يحصل بعد من الملكات.
ثم قال: اختصت العوائد الإسلامية بتقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من الآفات، والقواطع عن العلم، فيفوته القرآن اهـ.
وعلى ذلك جرى حال أهل ملة الإسلام في كل عصر وزمان، حتى قال الأئمة: إن تعليم القرآن وتعلمه فرض. وكذا معرفة معانيه، لأنها المقصود الأهم، والمطلوب الأعظم.
وفي المجاجي نقلا عن الغبريني، أنه سئل عن أهل قرية امتنع بعضهم من بناء مسجد للصلاة، وأخذ المؤدب لقراءة أولادهم. هل يجبرون على ذلك.
فقال: جبرهم على بناء المسجد واجب، وكذا جبرهم على تعليم أولادهم ونحوه للعقباني أيضا.
تنبيه: في ابن غازي على الصحيح نقلا عن ابن بطال: أجاز أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه تعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه رجاء إسلامهما اهـ.
باب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم
نقل الشيخ أبو علي ابن رحال في شرحه على خ: بيعت المصاحف أيام عثمان فلم ينكروا ذلك اهـ منه لدى قول خ ولو مصحفا في باب الإجارة. انظر بكم بيع أول مصحف نسخ، وعرض للبيع وهل ثمنه كان على مقدار قيمة الناسخ والخطاط؟ أو على نسبة المنسوخ فيه من جلد ونحوه مما كانوا يكتبون فيه؟ لا بد أن يكشف المستقبل للباحث القول الفصل في هذه المسألة أيضا والله أعلم.
باب في المكاتب لقراءة الصبيان
في كتاب الديات من صحيح البخاري «1» : أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب أن
__________
(1) ج 8/ 46 باب 27: من استعان عبدا أو صبيا، ويذكر أن أم سليم بعثت إلى معلم الكتاب: ابعث إلى غلمانا ينفشون صوفا، ولا تبعث إليّ حرا.
(2/199)

أبعث إلي غلمانا. وترجم البخاري في الأدب المفرد باب: السلام على الصبيان، فأسند إلى ابن عمر، أنه كان يسلم على الصبيان في المكتب.
وسئل الأستاذ الكبير الشيخ المختار الكتبي عن الأصل في ترك المعلم للصبي قراءة الخميس والأربعاء والجمعة فأجاب: بأن الصحابة كانوا قبل ولاية عمر إنما يقريء الرجل ابنته وأخاه الصغير ويأخذ الكبير عن الكبير مفاهمة لسيلان أذهانهم، فلما كثرت الفتوحات، وأسلمت الأعاجم وأهل البوادي، وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم، وكانوا يسردون القراءة في الأسبوع كله. فلما فتح عمر الشام ورجع قافلا للمدينة تلقاه أهلها ومعهم الصبيان، وكان اليوم الذي لاقوه فيه يوم الأربعاء، فظلوا معه عشية الأربعاء ويوم الخميس وصدر يوم الجمعة، فجعل ذلك لصبيان المكاتب وأوجب لهم سنة للاستراحة، ودعا على من عطل هذه السنة. ثم اقتدى به السلف في الاستراحات المشروعة إلى يومنا هذا، وهي يوم النحر وثلاثة بعده ويوم الاثنين سرورا بمولد المصطفى عليه السلام، وثلاثة قبل المولد وثلاثة أيام بعده، ويوم المولد كانوا يسمونها التجميمات اهـ.
عجيبة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، أن عامر بن عبد الله سجن ابنا له كان ماجنا، حتى جمع كتاب الله فأتي فقيل له: قد جمع كتاب الله فخله. فقال له: ما من موضع خير له من موضع جمع فيه كتاب الله، فأبى أن يخليه. انظر تحفة الناظر للعقباني.
باب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم
في شرح المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة قال أنس بن مالك: إذا لم يتحفظ معلم الأولاد على ماء الألواح، ولم يسأل أين يطرحونه فلينظر على أي دين يموت. دين اليهود أو دين النصارى. قيل له: كيف كانوا يفعلون يا أنس؟ قال: كان المؤدب في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يجعل إناء كبيرا معدا لمحو الألواح. فيأتي كل يوم صبي من أولئك بماء، ثم يجعل الماء في حفرة. قال ابن عرفة: وكان من عادتنا أن نجعله في حفرة عند القبور، ثم وجدت البرزالي في نوازله، ذكر عن أنس نقلا عن آداب المتعلمين لابن سحنون بلفظ: إذا محت صبية المكاتب تنزيل رب العالمين بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره ثم لا يبالي، حين يلقى الله على ما يلقاه قيل لأنس: كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة إناء يغسل فيها الثياب، وكل صبي يجيء في نوبته بماء طاهر فيصبه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس ثم يحفرون له حفرة في الأرض فيصبون ذلك الماء فيها فينشف اهـ.
ونقل القرطبي في مقدمة تفسيره أن السلف كانوا يستشفون بغسالة الألواح، وفي المدخل لابن الحاج أن هذه الغسالة إما أن تصب في بحر أو بئر أو حفرة طاهرة لا توطأ.
(2/200)

باب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف
قال الشيخ المحدث محمد طاهر الفتني، في خاتمة كتابه الجامع في مجمع بحار الأنوار ص 513 من ج 2؛ كتبنا إلى شيخنا الشيخ علي المتقي أي الشهير بابن الهندي المكي مبوب الجامعين، فيما جرت عليه عادة أكثر هذه البلاد أنهم يبتدئون تعليم الصغار القرآن، حين يمضي عليهم أربعة سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام. هل له أثر في الحديث أو السلف؟ فكتب رضي الله عنه: إنه لم يوجد شيء يعتمد عليه إلا ما سمع عن بعض أنه شق صدره صلى الله عليه وسلم وأمر بإقرأ حينئذ فهذا مع اختلاف فيه لو صح استنبط ما ذكر منه اهـ.
زاد الزركشي: لكنه يخالف المشاهير اهـ وقد قال الدماميني، في كتاب الزكاة، من حواشيه على الصحيح، على قصة إزالة المصطفى عليه السلام، لتمر الصدقة من في الحسن عليه السلام: وفي الحديث أن الأطفال إذا نهوا عن شيء عرفوا لأي شيء نهوا عنه، ليكبروا فيأتي عليهم وقت التكليف، وهم على علم من الشريعة، على أن مالكا كره أن يعجل بتعليم الطفل القرآن، وأنكر لما قيل له، عن طفل جمع القرآن ابن سبع سنين ونحوها. قاله ابن المنبر. وما أراه والله أعلم كره ذلك إلا خشية أن ينطق به على خلاف ما ينبغي له، من إقامة الحروف وإخراجها من مخارجها، أو أن في إعجاله منعا من الذي ينبغي أن يفسح له فيه، من اللهو المقيم لبنية الأطفال، المروح لأنفسهم، ومقصود البخاري من ترجمة الباب: التنبيه على الاعتدال في تأديب الأطفال اهـ.
ونقل كلام ابن المنبر هذا في تحفة الأكابر، واقره وانظره مع ما ذكره الشعراني في كشف الغمة، أنه عليه السلام، كان يرخص في إمامة الصبي المميز لا سيما إن كان أكثر القوم قرآنا، وكان عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، يؤم قومه ابن ست أو سبع أو ثمان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ابن عباس يقول: كانوا يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث فيصلون بهم ويقولون: ليس لهم ذنوب فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء: 49] أي أمثالهم كما قال تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: 32] أي أمثالكم دونكم.
قلت: وقصة عمر بن سلمة بكسر اللام الجرمي التي ذكر الشعراني أشار لها الحافظ في الإصابة في ترجمته وهذا سياقه: إنهم قدموا عمرو بن سلمة إماما مع صغره، لأنه كان أكثرهم قرآنا أخرجه البخاري اهـ ولا شك أن ذلك يدل دلالة صريحة على أنهم كانوا يبتدئون بتعليم الصبيان، وهم صغار. وبذلك تعلم ما نقله المجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة، عن ابن الحاج في المدخل: أن السلف إنما كانوا يقرئون أولادهم إذا بلغوا سبع سنين. قال: وكثير من الناس يقرئون أولادهم في حالة الصغر، وذلك تعب بلا فائدة.
(2/201)

وذكر القسطلاني عند باب تعليم الصبيان القرآن: إن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين اهـ.
وفي فواتح الرحموت شرح مسلّم الثبوت أن الشافعي حفظ الموطأ وهو ابن خمس، ولعل القول الفصل أن ذلك يختلف باختلاف القوابل، والمقابلين والجهات أو أن ما في كشف الغمة ليس بصريح في حفظ أولئك في ذلك السن جميع القرآن، بل بعضه. وهذا ليس هو الذي كرهه مالك والله أعلم.
ومن الغريب ما رأيته في حاشية الصبان على شرح الملوي على السلم: أن ابن مرزوق نظم جمل الخونجي وهو ابن ست سنين، كما صرح بذلك في نظمه اهـ وبعضهم ذكر ذلك عن ابن الحاجب، ومن خالط أهل صحراء شنجيط «1» لم يستغرب مثل هذا كل الإستغراب، وانظر آخر رسالتنا كشف اللباس عن حديث وضع اليد على الرأس، وهي مطبوعة، وجماع القول في هذا الباب ما في العتبية: أن مالكا سئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن قال: ما أرى هذا ينبغي. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال: مالك لا ينبغي ذلك من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع الحمل عليه في التأديب والتعليم، وهو صغير جدا. ونرى الرفق به في ذلك وأن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله اهـ.
باب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه عليه السلام إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده عليه السلام ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك
تقدمت هذه الأبواب أول القسم الثاني؛ وهي بهذا القسم أنسب، لكن سقتها هناك تبعا لترتيب الخزاعي رحمه الله، وأحلت عليها هنا جمعا للنظائر، وليكون القسم العلمي واسع الأطراف، تام الوصف لعلم ذلك الزمن الكريم.
باب في تعاطي علم الخط
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كان نبي من الأنبياء يخط «2» ، فمن وافق خطه ذلك الخط علم رواه البزار عن شيخه أبي الصباح محمد بن الليث، وأبو الصباح محمد بن الليث. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال: يخطىء ويخالف وبقية رجاله رجال
__________
(1) وتعرف اليوم بدولة موريتانيا في ساحل غرب افريقيا شمال السنغال.
(2) في مسلم كتاب السلام ج 2/ 1749 عن معاوية بن الحكم السلمي. قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك. وفي كتاب المساجد أيضا ص 382/ 1 باب 7.
(2/202)

الصحيح، وعن ابن عباس قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أثاره من علم. قال:
الخط، رواه أحمد والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال: هو أثارة من علم. قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط أيضا عن ابن عباس موقوفا قال في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف:
4] قال: جودة الخط.
وفي المواهب الفتحية في علوم العربية نقلا عن الحافظ ابن الجوزي: أن كتابة الصحابة للمصحف الكريم مما يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصة، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم اهـ ص 17.
وقد استدل الحافظ السيوطي على قدم علم النحو بما منه كتابة المصحف، على الوجه الذي يعلله النحاة في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالألف اهـ واستفسره الأبياري في «القصر المبني على حواشي المغني» بأن الرسم القرآني توقيفي، كما ذكره الشيخ الدباغ في الإبريز، وهو كما ترى غير داحض معرفة الصحابة بذلك، إذ كانوا تعلموه منه عليه السلام.
وأخرج ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد قال: قدم عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب فسأله عمر: من استخلفت على مصر؟ قال مجاهد بن جبر. فقال له عمر: مولى ابنة غزوان؟ قال: نعم. إنه كاتب فقال عمر إن العلم ليرفع بصاحبه.
باب في حضهم على تعاطي الشعر
قال الإمام النووي صدر كتابه تهذيب الأسماء واللغات؛ بعد أن ذكر أن لغة العرب لما كانت في المحل الأعلى اجتهد أولوا البصائر في الاعتناء بها، والتمكن من اتقانها، بحفظ أشعار العرب وخطبهم، ونثرهم حال كان هذا الاعتناء في زمن الصحابة، مع فصاحتهم نسبا ودارا، ومعرفتهم باللغة استظهارا. وكان ابن عباس وعائشة وغيرهما يحفظون من الأشعار واللغات ما هو من المعروفات الشائعات، وأما ضرب عمر وابنه أولادهما لتفريطهم في حفظ العربية فمن المنقولات الواضحات الجلية اهـ وذكر أبو نعيم في رياض المتعلمين بعد أن ذكر تعلم العربية لغة ونحوا، ثم ليعرف طرفا من الشعر فإنه ديوان العرب، وموروث في الأعقاب والأخلاف باق مدحه وذمه لازم خيره وشره قال:
وفيه الشاهد والحاضر، والمثل السائر، والشرح والإيضاح، وبيان غريب القرآن، ومعاني سنن الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسند عن عائشة قالت: عليكم بالشعر فإنه يعرب ألسنتكم اهـ.
وفيها ذكره ابن الأنباري عن ابن عباس قال: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليكم الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب إرجعوا إلى ديوانها، فالتمسوا معرفة ذلك منه.
وفي شرح الشفا لأبي الحسن علي الحريشي: البحث عن الشعر مسنون كغيره من
(2/203)

العلوم، وقد عدّ من فروض الكفاية، حتى شعر المولدين. ذكره السيوطي في شرح منظومة المعاني.
وقد ترجم البخاري «1» في صحيحه على جواز إنشاد الشعر في المسجد. وفي الموطأ أواخر أبواب الصلاة؛ مالك إنه بلغه أن عمر بن الخطاب بني رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة. كتاب قصر الصلاة في السفر باب 24/ ص 175 ج 1.
قلت: هذا يصح أن يكون أصلا لبناء المدارس والربط متصلة بالمسجد، لسكنى المتعلمين والذاكرين والمنقطعين والمعتكفين، وقد أفرد شعر الصحابة بالتدوين جماعة، منهم: تركي في عصرنا رأيت المجلد الأول منه مطبوعا، وسبق أن الحافظ ابن سيد الناس أفرد الصحابة الذين مدحوه عليه السلام بمؤلف في مجلد عدد فيه نحو المائتين «2» .
باب في علم الأنساب
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم «3» . رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أبو الأسباط بشر بن رافع، وقد أجمعوا على ضعفه. وعن العلاء بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. فذكر الحديث وهو بتمامه في صلة الرحم، رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي: ورجاله موثقون اهـ.
وأورده في الجامع الصغير بلفظ: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال أي؛ سبب لكثرته، منسأة في الأجل، أي مظنة لتأخيره. وعزاه لأحمد «4» والترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وفي التيسير: قال الحاكم:
صحيح وأقروه اهـ وممن أقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد وثقوا. وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث له طرق؛ أقواها ما أخرجه الطبراني من حديث العلاء بن خارجة.
وجاء هذا عن عمر أيضا، وساقه ابن حزم بإسناد رجاله موثقون؛ إلا أن فيه انقطاعا اهـ.
وأخرج ابن زنجوية من حديث أبي هريرة: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ثم انتهوا، وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله تعالى ثم انتهوا، قال الزبيدي في الاتحاف: وهذا يظهر الجمع بين الحديثين، وأن محل النهي إنما هو في التوغل فيه والاسترسال، بحيث يشغل به عما هو أهم اهـ أي في إبانه اهـ.
__________
(1) انظر كتاب الصلاة ج 1 ص 116 باب 68 الشعر في المسجد.
(2) وقد طبع في دمشق وصدر عن دار الفكر 1987 تحت عنوان: منح المدح.
(3) عزاه في جمهرة ابن حزم لأحمد ج 2/ 374.
(4) من حديث أبي هريرة ج 2 ص 374 والإسلامي ص 492 ج 2.
(2/204)

وترجم في الإصابة لتمام بن أوس فقال: له إدراك، وكان علّامة في الأنساب، حتى قال ابن الكلبي: كان أنسب العرب. وهو الذي قال لمعاوية: إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها اهـ.
وأما خبر: علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، فقال الحافظ في الفتح: روي مرفوعا ولا يثبت، وروي عن عمر أيضا ولا يثبت اهـ وقد أقام البرهان على بطلانه الحافظ ابن حزم، أول جمهرته، وجعله من العلوم النافعة التي جهلها يضر، لأن من علم النسب ما هو فرض على الأعيان، وأسند إلى عمر قوله: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم.
قال ابن حزم: وكان أبو بكر الصديق وأبو الجهم بن حذيفة العدوى، وجبير بن مطعم بن عوف بن نوفل بن عبد مناف، من أعلم الناس بالأنساب. وكان عمر وعلي وعثمان فيه علماء. وإنما ذكرنا أبا بكر وأبا الجهم وجبيرا قبلهم، لشدة رسوخهم في العلم بأنساب العرب. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يأخذ ما يحتاج إليه من علم أنساب قريش عن أبي بكر. وهذا يكذب قول من نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر؛ لأن هذا القول لا يصح، وكل ما ذكرنا صحيح مشهور منقول في الأسانيد الثابتة، يعلمها من له أقل علم بالحديث، وما فرض عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب الديوان إذ فرض إلا على القبائل، ولولا علمه بالنسب ما أمكنهم ذلك، فبطل قول كل مخالف اهـ كلام الجمهرة من نسخة عندي بخط نسّابة المغرب، ونقيب الأشراف به أبي الربيع الحّوات رحمه الله.
وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء: كان الصديق أعلم بأنساب العرب، لا سيما قريش. أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عنبسة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش، والعرب قاطبة. وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب اهـ منه.
وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب، بسنده عن عبد الله بن بريدة، أن معاوية بن أبي سفيان دعا دغفلا فسأله عن العربية، وسأله عن أنساب الناس، وسأله عن النجوم، فإذا رجل عالم قال: يا دغفل من أين حفظت هذا؟ قال: حفظت هذا بقلب عقول، ولسان سئول، وإن غائلة العلم النسيان. فقال معاوية: انطلق إلى يزيد فعلمه أنساب الناس، وعلمه النجوم وعلمه العربية اهـ.
ودغفل هذا هو ابن حنظلة السدوسي الشيباني النسابة العلامة، قاله ابن عبد البر. قال بعض الكاتبين: علم النسب في الحقيقة ليس عبارة عن نسب الأشخاص والقبائل، فإن هذه معرفة بسيطة لا تستحق أن تسمى علما، وإنما كان النسابون يعرفون أخبار أولئك الأشخاص، وأخبار تلك القبائل. وهذا هو التاريخ، وربما كان السبب في اشتهار هذه المعرفة بعلم الأنساب، أن عارفي الأخبار، كما إليهم المرجع في معرفة الأنساب، التي من
(2/205)

أهم فوائدها معرفة تفريع القبائل، وإلحاق الفروع بأصولها، على شدة البعد بين تلك الأصول والفروع. وقد كان منهم اختصاصيون بهذا العلم يلقونه على من يتحلقون حولهم اهـ.
باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي وحضه عليه السلام الناس على تعلمه وتعليمه
قال حافظ المذهب المالكي حطاب المغرب أبو علي بن رحال، في شرحه العظيم على المختصر: علم الفرائض علم قرآني، حيث بين فيه السدس وغيره، ولمن هو، وبيّن فيه الحجب من حال لحال، وغير ذلك واجتهاد الصحابة فيه، واختلافهم فيه لقوة اعتنائهم به، وحضّ الرسول صلى الله عليه وسلم كاف في ذلك، وهو فرض كفاية إجماعا، ذكره ابن العربي والستاني اهـ.
قلت وأخرج ابن ماجه «1» والحاكم عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم، وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي» وفيه حفص بن عمر متروك.
وعن أبي هريرة «2» إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس، فإني مقبوض، وإن العلم سيقبض. أي يموت أهله، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما. خرّجه الترمذي عن أبي هريرة. وقال فيه اضطراب.
وورد نحوه في مسند أحمد والحاكم عن ابن مسعود، وعند الدارمي: في أوائل الجامع في باب الاقتداء بالعلماء والواحد في آية فريضة من الله. وخرج الشيرازي في الألقاب وغيره نحوه أيضا، انظر الجامع الكبير. وفي مسند الدارمي عن عمر قال: تعلموا الفرائض واللحن (الأعراب) والسنن، كما تعلمون القرآن. وخرج عنه أيضا قال: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم، وخرج أيضا عن عبد الله قال: تعلموا القرآن والفرائض، فإنه يوشك أن يفتقر الرجل إلى علم كان يعلمه أو يبقى قوم لا يعلمون.
ثم خرّج عن أبي موسى: من علم القرآن ولم يعلم الفرائض فإن مثله مثل الرأس لا وجه له، أو ليس له وجه. وخرج أيضا عن الحسن. قال: كانوا يرغبون في تعلم القرآن والفرائض، والمناسك.
وعن عبد الله أيضا: من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض؛ فإن لقيه إعرابي قال: يا مهاجر اتقرأ القرآن؟ فإن: قال: نعم. قال: تفرض. فإن قال: نعم، فهو زيادة وخير، وإن قال:
لا قال ما فضلك عليّ يا مهاجر؟.
__________
(1) ونصه في ابن ماجه أول كتاب الفرائض ص 908 ج 2 ورقمه 2719 وأوله يا أبا هريرة.
(2) خرّجه الترمذي في كتاب الفرائض ج 4 ص 414 باب 2 بدون: وإن العلم سيقبض الخ.
(2/206)

وفي تحفة الناظر للعقباني، نقلا عن جامع المستخرجة قال؛ وحدثني أنه بلغه أن ابن مسعود كان يقول: إذا لم يحكم أحدكم الفرائض، وسنة الحج والطلاق، فما فضله على أهل البادية؟.
قال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن. لأن أهل البادية أهل جهالة، فإنما فضلهم أهل الحاضرة بمعرفتهم بأمور الدين، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: 11] اهـ.
وقال ابن العربي في الأحكام: كان علم الفرائض جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف العلم. مبالغة في الثناء على عظيم فائدته، وتحريكا للنفوس على المبادرة إلى تحصيله، حتى كأنه بشرفه نصف جميع ما يتعلم من العلوم، وروى أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يكون الرجل عالما مفتيا حتى يحكم الفرائض والنكاح، والطلاق والإيمان، قال ابن العربي: إشارة إلى عظم منازل هذه الأصول في الدين، وعموم وقوعها بين المسلمين. وقال المتيطي [كذا] في نهايته بعد ذكر بعض الأحاديث: وقد حض على تعليم الفرائض جماعة من الصحابة والتابعين اهـ.
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر التلمساني: الرسقي نزيل سبتة، في رجزه في الفرائض المشهور رحمه الله:
وخصّنا بالمصطفى محمد ... هادي الأنام للطريق الأرشد
فبيّن الحلال والحراما ... وفصّل الحدود والأحكاما
وحضّ في تعليم علم الفرض ... صلّى عليه الله أيّ حضّ
وقال في ذاك: تعلموه ... ثم جميع الناس علّموه
جعله من العلوم شطرا ... فهو أجل كل علم قدرا
وهو الضروري بلا محالة ... أرى عليّ فرضا انتحاله
إذ ليس يخلو الدهر بالحدوث ... من وارث في الناس أو موروث
قال الإمام أبو يوسف يعقوب بن موسى السيتاني في شرحها: وقوله عليه السلام:
نصف العلم؛ مما يدل على تأكيدها على غيرها، من سائر العلوم سواها وتشريفها عليها، ولأجل أنها بهذه المنزلة الشريفة أمر الإنسان ببذل المجهود في تحصيلها، وأمر أيضا بعد تحصيلها ببذلها لجميع الناس. ثم قال: أورد على قوله عليه السلام: نصف العلم سؤالان.
أنه قال في الفرائض: إنها نصف العلم، وقال حسن السؤال نصف العلم، «1» والشيء لا يكون له أكثر من نصفين؟ والذي بقي أضعاف ما اندرج بكثير. وثانيهما: أن مسائل
__________
(1) ورد في كشف الخفاء هذا الحديث هكذا: (الاقتصاد في النفقة نصغ المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم) وعزاه للبيهقي والعسكري وغيرهما عن ابن عمرو مرفوعا وضعفه البيهقي. الخ ما علق عليه.
(2/207)

الفرائض بالنسبة إلى مسائل الفقه لا تفي بعشرها؛ فضلا عن مسائل غير الفقه من سائر العلوم الشرعية.
وأجيب عن الأولين بوجهين: أحدهما: أن قوله عليه السلام: حسن السؤال نصف العلم، جاء باعتبار السائل والمسؤول، وهذا الحديث باعتبار الفرائض مع غيرها، فلم يتواردا على محل واحد الوجه الثاني: إن هذا مجاز على جهة التشريف والمبالغة في الحث عليها، كقوله عليه السلام: الحج عرفة، وقوله: الهم نصف الهرم، والتدبير نصف العيش، والقود نصف العقل، تنبيها على عظم هذه الأشياء، وموقعها مما نسبت إليه. قال القرافي: وقد أورد هذا السؤال على فرضي قليل التصرف، فلم يجد ما يجاوب به. وأجيب عن الثاني بوجهين:
أحدهما إن علم الفرائض لما كان عظيم المنفعة، تمس الحاجة إليه أكثر مما تمس إلى غيره، وإن كان صغير الجرم فهو يساوي ما عداه، مما هو أكثر مسائل. وهذا من المحسوسات كثير. وثانيها: أن ما أمر به الإنسان شيئان؛ شيء في الحياة وشيء بعد الممات. فهو نصف بهذا الاعتبار، وأورد عليه أن الذي يتوجه عليه الخطاب بعد الموت ليس الفرائض وحدها، بل مع الوصايا النظرية والمالية ومسائل الجنازة، وأجيب بأنا نلتزم بأنها من حق الفرض أن يتكلم فيها، وإنها من جملة الفرائض، أو يقال: الوصية ليست مما يتوجه [يتوجب] بعد الموت. وإنما يتوجه بعد الموت انفاذها. وأما إنشاؤها فقبل الموت، وأيضا فليست بلازمة في كل حال؛ بخلاف الميراث. وما في كتاب الجنائز إنما يتعلق بالأحياء وردّ بأن تعلّم الفرائض إنما يتوجه إلى الحيّ وما يفعل بالميت وماله، إنما يخاطب به الحق. وهذا كله تكلف، والأولى أن يقال: هذا على وجه المبالغة؛ كالحج عرفة، ونظائره.
وقال بعض المتأخرين: وأظنه لم ير كلام القرافي: يحتج الأكثر من أهل هذا الفن على فضله بالحديث عن أبي هريرة، بناء على أن الفرائض فرض الوارث، والذي يظهر أن هذا الحمل بعيد. وأن المراد إنما هو الفروض التكليفية في العبادات والعادات وغيرهما، وبهذا المعنى تصح النصفية والثلثية، ثم الاعتراض الثاني، ثم قال: ويتعين المراد أن حمله على هذا الفن المخصوص، وتخصيصه بفروض الوراثة إنما هو إصطلاح ناشىء عند حدوث الفنون والاصطلاحات، ولم يكن صدر الإسلام يطلق إلا على كونه مشتقا من الفرض، الذي هو لغة التقدير. أو القطع. وما كان المراد إلا جميع الفروض كما قلناه، وهي حقيقته الشرعية، فلا ينبغي أن يحمل إلا على ما كان يحمل عليه في عصرهم. فهو الأليق بمرادهم. هذا نص كلامه. وظاهره أن أهل الفرائض بل بعضهم اختصوا بجلب هذا الحديث، وليس كما قاله بل جلبه ابن ماجه، وكثير من المحدثين والفقهاء والمفسرين والموثقين، وكلهم جلبوه في مقدمة كتاب الفرائض بلفظه أو معناه، وأتوا بعد ذلك باثار عن الصحابة والتابعين، تدل على هذا. وفيها لفظ الفرائض، وكلهم أطلقها على فرض الوراثة وهم أعلم منه بالإطلاق اللغوي والشرعي اهـ كلام أبي يوسف السيتاني.
(2/208)

قلت: مراده ببعض المتأخرين الولي ابن خالدون؛ فإنه الذي بحث بما ذكر في مقدمة العبر، وبحث السيتاني معه بمن ذكر الحديث في أبواب المواريث من أئمة السلف وجيه، وناهيك بالإمام الترمذي فقد ترجم أبواب الفرائض، ثم ترجم بقوله: باب ما جاء فيمن ترك مالا فلورثته، ثم ترجم ثانيا بقوله: باب ما جاء في تعليم الفرائض، وذكر حديث الترجمة.
وكذا ابن ماجه وغيره.
وناهيك بقرين البخاري أبي محمد الدارمي فإنه بوّب في مسنده كتاب الفرائض، وذكر عدة آثار عن الصحابة في ذلك، وقد قدمناها أول الترجمة. وذلك أعظم دليل على أن اطلاق علم المواريث على علم الفرائض قديم الإستعمال.
وفي نهاية ابن الأثير على حديث ابن عمر: العلم ثلاثة منها فريضة عادلة، يريد العدل في القسمة بحيث تكون على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة، وقيل: إنه أراد أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة، وإن لم يرد بها نص فيهما. فتكون عادلة للنص، وقيل: الفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون اهـ.
وقال بعض شيوخنا- رادا على ابن خالدون- قوله في آخر الحديث في رواية النسائي: حتى يختلف الاثنان في الفرائض فلا يجدان من يفصل بينهما، وقوله تعالى:
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: 11] وقوله في الحديث الآخر: وأعلمكم بالفرائض زيد بن ثابت، يبعد ما قاله ابن خالدون ويرجح ما لغيره وقوله: إنما هو اصطلاح ناشىء للفقهاء في محل المنع اهـ.
أما المناوي في التيسير؛ فإنه ذكر الحديث على الإحتمالين قائلا: قيل: المراد بالفرائض هنا علم المواريث، وقيل: ما افترض الله على عباده بقرينة ذكر القرآن اهـ وكذا فعل صاحب مجمع بحار الأنوار، مع ميلانه لكلام ابن خالدون والله أعلم، بل وجدت الشيخ أبا علي ابن رحال، قال في شرحه على المختصر، إثر كلام السيتاني: ما قاله ابن خالدون هو الحق، والعلم عند الله. قال: ويكون المراد بالحديث الحض على الإعتناء بالواجبات، والواجبات نصف العلم؛ باعتبار المندوب وترك المحرم واجب وترك المكروه مندوب والجائز قد علمت ما ذكر فيه أهل الأصول، وهاته الآثار التي أشار لها السيتاني يشترط في الإحتجاج بها صحتها، ويشهد بذلك أرباب الفن من المحدثين فافهم اهـ وهو كما علمت ساقط بمن بوّب على الحديث في أبواب التركات؛ كالدارمي، وابن ماجه، والترمذي، وغيرهم. والإحتجاج قد يكون بالحسن اتفاقا. نعم. قال أبو علي ابن رحال:
حديث حسن السؤال نصف العلم معناه: والعلم عند الله وإن لم يشر إليه السيتاني ولا غيره ممن وقفت عليه؛ أن المراد بالعلم، العلم الذي وقع عليه السؤال. كما إذا قال إنسان لعالم: ما حكم الوتر هل الوجوب أو الندب فيقول له العالم مثلا: هو الوجوب أو الندب فسؤال الرجل: هو نصف هذا العلم الذي أجيب به، إذ بسؤاله ظهر هذا الحكم مع إجابة
(2/209)

العالم، وذلك لأنه لما أحسن السؤال أعان المجيب على إجابته. فللسائل جهة التصور وحده، وللعالم المجيب جهة التصديق، وحده. وإن شئت قلت: السائل صوّر والعالم حكم. وإن شئت قلت: السائل هيأ المحل للحكم، والعالم أنزله في ذلك المحل، هذا الذي فهمناه من هذا الحديث، ومن ابتلي بالفتوى علم قدر حسن السؤال، وأنه كما قال عليه السلام؛ لا سيما إن كان الطالب نجيبا غاية، فإنه في سؤاله يشير للأحكام إشارة إجمالية ينبه المجيب لما لم يخطر بباله اهـ وهو حسن.
باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية في زمن الخلفاء الراشدين
عقد الإمام أبو يوسف السيتاني في شرح التلمسانية، تنبيها ذكر فيه أن مما يحتاج إليه في فمن المواريث علم الحساب قال: وبحسب قوته في الحساب يكون اقتداره على إخراج الحظوظ [السهام] ، فإن كان فقيها لا حساب له لم يقدر على عملها، وغاية ما يتأتى له من الفرائض البسيطة ما يتأتى للعامي بعقله، ثم قال: وقد حكي عن [ابن] عمر: أنه سئل عن فريضة فقال: سلوا عنها سعيد ابن جبير، فإنه يعلم عنها مثل ما أعلم: ولكنه أحسب مني اهـ فأفاد أولا أن عمر كان حيسوبيا، ولكن أحال على سعيد لأن السلف كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة أحال فيها على غيره، وربما دارت بين جماعة يحيل فيها كل واحد على صاحبه، حتى ربما رجعت إلى المسؤول عنها أولا:
وفي شرح الإمام ابن قنفذ القسمطيني على منظومة ابن أبي الرجال في الفلك: اعترض على الإمام فخر الدين حيث قال: الصحابة لم يكونوا متبحرين في دقائق علم الحساب والهندسة، قال شهاب الدين: وهو خلاف ما هو معلوم لأهل الإطلاع على أحوال الصحابة، وقد قال الشعبي: ما رأيت أحسن من علي بن أبي طالب. قال غيره: وكان يخرج وقائع صفين من قوله تعالى: حم عسق إلى غير ذلك من أحوالهم المعروفة في دقائق العلوم اهـ.
وفي الفروق للقرافي: ومن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب، المسألة المحكية عن علي ابن أبي طالب، وذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما، ثم بعد الفراغ من الأكل دفع لهما الذي أكل معهما ثمانية دراهم وقال: اقتسما هذه الدراهم على قدر ما أكلت لكما، فقال صاحب الثلاثة: إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم، فقال له الآخر: إلا ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع. فترافعا إلى علي، فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، ولصاحب الخمسة سبعة دراهم، فتنكر من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي: الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ثلثا، بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثا، إلا ثلثا وهي خمسة، يبقي له رغيفان وثلث،
(2/210)

وذلك سبعة أثلاث، أكلها صاحب الدراهم. فهذه مسألة فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي، والقاضي الملزم، وهي لا تعلم إلا بدقيق الحساب كما ترى اهـ منها ص 240 من ج 2.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية:
اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب، وأخرج ابن النجار عن العرباض قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب.
وفي مدينة العلوم لما تكلم على حساب العقود، والمراد بالعقود عقود الأصابع قال:
وكان هذا العلم تستعمله الصحابة كما وقع في الحديث؛ في كيفية وضع اليد على الفخذين في التشهد أنه عقد خمسا وخمسين. وأراد بذلك هيئة وضع الأصابع، لاهيئة وضع خمس وخمسين وهي عقد ما عدا الإبهام والسبابة من الأصابع، وتخليف الإبهام مع السبابة اهـ وانظر الشرح الجلي على بيتي الموصلي.
باب في أخذ أهل أوروبا الأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه
ذكر ذلك الشهاب المرجاني في الوفيات قائلا «1» : دخلت بلادهم في سنة أربعين في خلافة علي اهـ انظر ص 33 منه.
باب ايثارهم في أخذ العلم القرشيّ علي غيره
أورد في جمع الجوامع عن ابن أبي شيبة وابن جرير عن سهل ابن أبي حثمة رفعه:
تعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموا قريشا ولا تؤخروها فإن للقرشي قوة الرجلين من غيره وقصره المناوي في التيسير على الشجاعة أو الرأي الجزم، كذا قيد به ولا تعلموها قال: فإنها به عالمة، والظاهر في التعلم العموم فيما يوجد عندهم، فأخذه عنهم أولى فإنهم بيت الخلافة ومهبط الوحي، ومنبع الرياسة والسيادة، وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر رفعه: سلوا أهل الشرف عن العلم فإن كان عندهم علم فاكتبوه عنهم فأنهم لا يكذبون.
باب الأمر بتعليم علم النجوم
أخرج أبو نعيم في روض المتعلمين عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله، ثم أسند عن أبي الدرداء موقوفا عليه: إنّ أحبّ عباد الله إلى الله الذين يحبون الله، ويحببون الله إلى الناس، والذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله. ثم روى بسنده أيضا إلى ابن عمر رفعه:
تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ومن النجوم ما تهتدون في الظلمة.
__________
(1) الضمير في دخلت لا يمكن أن يعهد على المؤلف فمن هو يا ترى المسلم الداخل على بلاد أوروبا في أيام على؟
(2/211)

وأخرج البيهقي والمقدسي بسندهما عن ابن أبي أوفى رفعه: إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأهلة لذكر الله. ثم اسند عن أبي هريرة موقوفا عليه قال:
ألا إن خيار الأمة الذين يراعون الشمس لمواقيت الصلاة، واورد السيوطي في الجامعين من حديث ابن عمر رفعه: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا، وعزاه لابن مردويه في تفسيره، والخطيب في كتاب النجوم، وعزاه في الكبير لأبي الشيخ، والديلمي قال المناوي: تعلموا من علم النجوم أي من علم أحكامها فإن ذلك ضروري لا بد منه وقال على قوله ثم انتهوا: أي أتركوا النظر فيما سوى ذلك، فإن النجامة تدعو إلى الكهانة، فالمأذون في تعلمه علم التيسير لا علم التأثير اهـ.
وفي سعود المطالع أن علم الفلك من فروض الكفاية، وقيل: إنه من الفروض العينية لأنه به تعرف أوقات الصلوات، وقد ورد في فضله آيات وأحاديث كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: 5] وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها [الأنعام: 97] وقوله عليه السلام:
تعلموا الوقت ولا تكونوا كالذين يؤذنون بعضهم بعضا، وقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ جمع سنة، وهي: إما عربية أو قبطية. والعربية إما هلالية أو قمرية حسابية، والقبطية هي الشمسية. لخ كلامه انظره.
وقال صاحب الهداية من أئمة الحنفية في كتابه مختارات النوازل: وأما علم النجوم فهو في نفسه حسن غير مذموم، وهو قسمان حسابي، وإنه حق نطق به القرآن قال تعالى:
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [الرحمن: 5] أي سيرهما بحساب، واستدلال بسير النجوم وحركات الأفلاك على الحوادث بقضاء الله وقدره، وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض، وهو يعتقد بقضاء الله وإن ادعى علم الغيب بنفسه كفر اهـ وللحافظ الخطيب البغدادي كتاب: القول في علم النجوم المحمود منه والمذموم، ذكره له ابن سليمان الرداني في الصلة.
باب أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة
ترجم البخاري «1» في الصحيح، باب التحريض على الرمي، أي تعلمه بالسهام ونحوها، فذكر فيه قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60] قال الحافظ في الفتح: جاء في تفسير القوة في هذه الآية إنها الرمي، وهو عند مسلم «2» ، في حديث عقبة بن عامر ولفظه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، إلا أن القوة الرمي، ثلاث قال البيضاوي: لعله صلى الله عليه وسلم خصه بالذكر لأنه
__________
(1) انظر كتاب الجهاد باب 78 ص 226 ج 3.
(2) رواه مسلم في كتاب الإمارة ج 2 ص 1522 ورقمه 167 (1917) .
(2/212)

أقواه اهـ وعند أبي داود «1» عن عقبة رفعه: إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به ومنبله أي راده على الرامي به، فأرموا وأركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. الحديث وفيه: ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنه نعمة كفرها، وفي مسلم أيضا من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى «2» قال الأبي:
معناه ليس متصلا بنا ولا داخلا في زمرتنا. وقال النووي: هذا تشديد عظيم في نسيانه بعد تعلمه وهو مكروه كراهة شديدة اهـ وقال ابن أبي جمرة: روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بموضع كان بعض الصحابة يتعانون فيه الرمي فنزع نعله ومشى فيه، ثم قال: روضة من رياض الجنة، ومعناه أن العمل الذي عمل فيه يوجب روضة من رياض الجنة اهـ من بهجة النفوس له.
وأورد الحافظ الأسيوطي في الجامع الكبير حديث: تعلموا الرمي والقرآن وعزاه للديلمي عن أبي سعيد ثم أورد فيه أيضا: تعلموا الرمي فإن ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة، وعزاه للديلمي عن أبي هريرة. وأخرج ابن منده من طريق إسماعيل بن عياش عن سليمان بن عمرو وقف على الدر المنثور لدى قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 61] ، وانظر ما سبق مما يتعلق بالرماية والسباحة في الصنائع.
باب في أمرهم بتعلم العربية
أورد السيوطي في الجامع الكبير حديث: تعلموا اللحن فيه، أي في القرآن كما تعلمون حفظه، وعزاه للديلمي عن أبي بن كعب.
باب في أمر عمر لعماله بضرب كتابهم إذا لحنوا وتأخيرهم
في روضة الأعلام، للقاضي ابن الأزرق، روى ابن الأنباري: أنّ كاتب أبي موسى الأشعري كتب إلى عمر رضي الله عنه، فكتب: من أبو موسى فكتب إليه عمر، إذا أتاك كتابي هذا فأضرب كاتبك سوطا، واعزله عن عمله، وعنه أيضا أنه كان إذا سمع رجلا يخطيء فتح عليه، وإذا أصابه يلحن ضربه بالدرة، وعن عبد الله ابنه: أنه رضي الله عنه كان يضرب ولده على اللحن في كتاب الله.
باب في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقي والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك
تقدم ذلك مفصلا في أبواب متفرقة في الأقسام السابقة.
__________
(1) رواه أبو داود في كتاب الجهاد 23 باب في الرمي ص 28 ج 3.
(2) انظره في كتاب الإمارة باب 52 ص 1523/ 2.
(2/213)

باب في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين
قال على: تريدون أن يكذب الله ورسوله؟ حدثوا الناس بما يعرفون. ودعوا ما ينكرون. رواه البخاري «1» . وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يعزب أو يشق عليهم، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: يا ابن عباس لا تحدث حديثا لا تحمله عقولهم، فيكون فتنة عليهم. وأخرج العقيلي وابن عساكر عن عثمان بن داود عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله ما نسمع منك نحدث به؟ قال: نعم، إلا أن تحدث قوما حديثا لا تضبطه عقولهم، فيكون على بعضهم فتنة، فكان ابن عباس يكنّ أشياء لا يفشيها إلى قوم.
وقال عبد الله بن مسعود: ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، رواه مسلم «2» . وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم «3» وانظر كتابنا أداء الحق الفرض فيما يتعلق بهذه الترجمة.
باب في وصاية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشباب من طلبة العلم
في رياض المتعلمين، لأبي نعيم عن شهر بن حوشب: كنا نأتي أبا سعيد الخدري ونحن غلمان نسأله، فكان يقول: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
سيأتيكم قوم يتفقهون ففقهوهم، وأحسنوا إليهم. وفيه وذكره الرامهرمزي أيضا عن أبي سعيد الخدري: كان إذا رأى الشباب قال: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرنا أن نحفظ لكم الحديث، ونوسع لكم في المجلس. وترجم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد بقوله:
باب حثّ الشباب على طلب العلم. انظر ص 50، وانظر شرح التلمسانية لدى قولها:
هذا وإن لا حظها من يعدل ... فلبني العشرين عذر يقبل
وترجم ابن الجوزي باب: إيثار الشباب على الأشياخ بالعلم، ثم اسند عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استودعوا العلم الأحداث.
وأخرج ابن عبد البر، والبيهقي، عن الزهري. قال: كان مجلس عمر مختصا بالقراء
__________
(1) انظر كتاب العلم باب 49 ج 1 ص 41 وعنوانه: من خص بالعلم قوما وذم قوم كراهية أن لا يفهموا. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟
(2) لم أعثر عليه في مسلم ولكن رواه صاحب التيسير وعزاه لابن عساكر عن ابن عباس.
(3) رواه في كتاب العلم باب 42 ص 38 ج 1.
(2/214)

شبابا وكهولا، فربما استشارهم ويقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنّه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه، ولكن الله يضعه حيث يشاء.
باب في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والإهتمام بوقايتهم من الأهواء وحنوّهم عليهم
في روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق عن ابن عباس قال: أكرم الناس عليّ جليسي، الذي يتخطّى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على جبهته لفعلت.
وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني اهـ.
باب في ذكر الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك الزمن تعلما وتعليما
لما تكلم ولي الدين ابن خالدون في فصل: إن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم من مقدمة العبر قال: على أن الناس في الزمن الأول لم تدعهم الحاجة إلى التدوين والتأليف، قال: وجرى الأمر على ذلك في زمن الصحابة والتابعين، وكانوا يختصون بحمل ذلك. ونقله القراء أو الذين يقرؤون الكتاب، وليسوا أميين فقيل لحملة القرآن يومئذ: قرّاء إشارة إلى هذا فهم قرّاء لكتاب الله، والسنة الماثورة عن الله، لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه، ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح اهـ كلامه على ما وقع في كلامه رحمه الله، في هذا الفصل من المجازفات. وربما يردّ على ما ذكره ما في ترجمة سعد بن عبيد الأنصاري المعروف بسعد القاري، من طبقات ابن سعد من أنه كان يسمى بالقاري، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى القاري غيره اهـ ص 30 من ج 3، مع أن حفظة القرآن من الأنصار وغيرهم كثير، سبق عدّهم من القسم الأول فانظره. ثم وجدت في ترجمة حرام بن ملحان الأنصاري، من الطبقات أيضا عن أنس قال:
جاء ناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إبعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم: القراء، منهم خالي حرام. كانوا يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل، ويتعلمون. القصة وأصلها في الصحيح. فلعلها مستند ما لابن خالدون وبعد ذلك صار العلماء يتميزون بالتحنك. قال القرافي في الفروق ص 130 من ج 2: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك، كان من شعار العلماء. حتى إن مالكا سئل عن الصلاه بغير تحنك فقال: لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك. وهذا هو شأن أهل الفتيا في الزمن القديم اهـ.
باب في تسميته عليه السلام حملة الحديث ونقلته عنه خلفاء له عليه السلام
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أرحم خلفائي قلنا: من خلفاؤك يا
(2/215)

رسول الله؟ قال: الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس. رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه أحمد بن عيسى الهاشمي. قال: الدارقطني كذاب، وعزاه السيوطي في الجامع الكبير: للطبراني في الأوسط، والرامهرمزي في المحدث الفاصل، وأبي الأسعد هبة الله القشيري، وأبي الفتح الصابوني معا في الأربعين، والخطيب في شرف أصحاب الحديث، والديلمي، وابن النجار، ونظام الملك في أماليه، ونصر المقدسي في الحجة، وأبي علي بن خنيس الدينوري في حديثه، وقد أخرجه من حفاظ المغرب أبو القاسم العزفي في الدر المنظم، فانظره.
قال المنّاوي في فتح القدير: وهذه منقبة لأهل الحديث أعظم بها من منقبة، فهم خلفاؤه عليه السلام على الحقيقة اهـ لهذا كان المحدث في العصر الأول يلقب بأمير المؤمنين. قال الحافظ الأسيوطي في التدريب أخذا من هذا الحديث: وممن لقب بذلك من المحدثين قديما سفيان بن راهواه والبخاري وغيرهم اهـ.
وللحافظ أبي علي الحسن بن محمد البصري التبيين بمن سمّي أمير المؤمنين ذكر فيه أن أول من سمي به من المحدثين أبو الزناد، ثم بعده مالك، ومحمد بن إسحاق، وشعبة ابن الحجاج، وسفيان، وعبد الله بن المبارك، والدارقطني، انظر التعريف برجال مختصر ابن الحاجب.
قلت: وممن لقب بأمير المؤمين في الحديث من المتأخرين الحافظ ابن حجر رحمه الله، ولعصرينا المحدث المقري أبي عبد الله محمد حبيب الله الجكني الشنجيطي منظومة سماها هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث «1» .
باب عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات
في الأجوبة المهمة لمن له بأمر دينه همة، للشيخ العالم العارف أبي محمد المختار ابن أبي بكر الكنتي، صاحب الطريقة الشهيرة: الأصل في البرنامج قوله تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [إبراهيم: 52] ولقد اتفق العلماء الراسخون في العلم أن هذه الآية برنامج القرآن، لأنها مشتملة على جميع ما فيه من الفرائض، وجميع أنواع المعاملات، والزجر عن جميع المنهيات، وجميع معارف الله، وتوحيده، وتعريفه حق انبيائه، والنص على جميع أمور المعاد؛ من الموت، وعذاب القبر، والنشر، والحشر، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، فباعتبار هذه الآية أخذ الفقهاء بجواز البيع على البرنامج اهـ.
قلت: وقد رأيت مصحفا كتب في أول ورقة منه الآية المذكورة.
__________
(1) طبعت مؤخرا في بيروت سنة 1410 هـ 1989 عن دار البشائر الإسلامية.
(2/216)

باب في حضه عليه السلام طلبة العلم على السؤال عما لم يفهموا
قال أبو نعيم: وليتحرضوا على مساءلة العلماء، ثم أسند عن أبي جحيفة قال: كان يقال: جالس الكبراء، وخالط الكبراء، قال: وزاد غيره: وسائل العلماء. رواه أبو ملك النخعي، عن سلمة مرفوعا. ثم أسند عن أبي سلمة عن أبي جحيفة رفعه: جالس العلماء، وسائل الكبراء، وخالط الحكماء.
وبوّب عليه ابن عبد البر في كتاب العلم: باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم، ولما كان الافراط فيه، أو صدوره على غير ما يحمد منه مطلوب الترك، قال ابن عبد البر متمما لذلك: ومنع ما منع منه. وخرّج في الباب جملة آثار صدّرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يكن شفاء العي السؤال «1» ، وذكر عن عائشة «2» : رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن اهـ وفي الحديث المشهور: حسن السؤال نصف العلم وراجع من خرّجه «3» ، صدر رسالتنا البيان المعرب عما ورد في أهل اليمن والمغرب، وقيل، لابن عباس: بم نلت هذا العلم؟ فقال: بلسان سؤول وقلب عقول.
باب في اجابته عليه السلام السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام
من تأمل أجوبته عليه السلام لأسئلة السائلين، وأفراد المستفتين يرى أنها كانت تتنوع بحسب الأحوال، والأشخاص، والمعاملات، والأعراف، وذلك كالذي سأله كما في الصحيحين وغيرهما: عن أفضل الأعمال؟ فأجاب كل سائل عن فضيلة قال النووي في شرح مسلم وأجاب صلى الله عليه وسلم كلّا من السائلين بما رآه أنفع له وأخص به، فقد يكون ظهر من أحدهما كبر وانقباض عن الناس، فأجابه بإطعام الطعام وإفشاء السلام، وظهر من الآخر قلة مراعاة ليده ولسانه، فأجاب بالجواب الآخر، أو يكون عليه السلام تخوّف عليهما ذلك، أو كانت الحاجة في وقت السؤال كل منهما أحسّ به فجاوب به. وقال الشيخ أبو عبد الله السنوسي، في مكمل إكمال الإكمال قال بعض الشيوخ: وفي اختلاف الأجوبة عن السؤال الواحد دليل على أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأعراف، وحتى في الفتاوى، كما ذكره المتأخرون.
وفي شرح أحكام عبد الحق للإمام ابن مرزوق قالوا: يؤخذ من اختلاف الأجوبة لاختلاف الأحوال وجوب تعليم الإمام، أو المذكر للناس ما جهلوه، ويذكرهم ما نسوه،
__________
(1) رواه أحمد ص 330 ج 1 من حديث ابن عباس والإسلامي: 411.
(2) بوّب البخاري في كتاب العلم باب 50: ج 1 ص 41 وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. كما أخرجه مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه.
(3) راجع كشف الخفاء للعجلوني تحت عنوان: الاقتصاد نصف المعيشة فقد عزاه للبيهقي وغيره.
(2/217)

وتحريضهم على فهم ما أهملوه. قالوا: ولهذا جرت عادة خطباء المشرق، وقدماء الأندلس بتنويع الخطب بحسب الحاجة الوقتية للتنبيه على ما يفعل الناس لذلك، فتحصل للسامع أعظم منفعة، وأكبر فائدة، وأهمل هذا أهل المغرب؛ بل طالما أنكره وانتقده من ينتمي إلى العلم، ولو علم هذا ما اشتملت عليه خطبه عليه السلام، وخطب خلفائه لما أنكره. وهي طريقة مشهورة عن السلف. ذكرت شواهدها في شرح خطبي التي أنشأتها اهـ منه.
باب في روايته صلى الله عليه وسلم عن أصحابه وتحديثه عنهم
روى عليه السلام في خطبته عن تميم الداري في قصة الجساسة وهي في آخر صحيح مسلم، وروي عن مالك بن مزود وقيل: ابن مرارة وقيل ابن مرارة الرهاوي، وفيما أخرجه ابن منده في الصحابة بسنده عن زرعة بن ذي يزن، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه كتابا، وأن مالك بن مزود الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين، فأبشر بخير. الحديث.
ومنه روايته صلى الله عليه وسلم عن أمه في حديث عنها أنها أخبرته بإضاءة قصور الشام وبصرى عند ولادته، ومنه قراءته صلى الله عليه وسلم على أبيّ بن كعب، وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: 1] قال السيد السمهودي في الجوهر من فوائده: أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفصول اهـ.
قلت وهذا الأصل في رواية الأكابر عن الأصاغر. ومنه كما في كشف الظنون: رواية الخلفاء الأربعة وغيرهم، عن عائشة في كثير من الأحكام، وهو النوع الحادي والأربعون من تقريب النووي، وهو كما قالوا: نوع لطيف. ومن فوائده معرفة الأمن من الانقلاب، فلا يظن ولا يتوهم في السند انقلاب وتنزيل أهل العلم منازلهم؛ عملا بخبر أبي داود من حديث عائشة مرفوعا: أنزلوا الناس منازلهم «1» ، وهذا النوع يحمل عليه الرغبة في الفائدة؛ لأنها ضالّة المؤمن فحيث ما وجدها من كبير أو صغير أو تلميذ أو قرين التقطها.
باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض
وهو من أنواع نقل السنة ووجوهها، وهو نوع مهم جدا ذكره البلقيني في محاسن الإصطلاح ولم يذكره ابن الصلاح ولا اتباعه في أنواع الحديث، لأن الغالب رواية الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية التابعين عن الصحابة، ومن أمثلته حديث اجتمع فيه أربعة صحابة يروي بعضهم عن بعض؛ وهو حديث الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى عن عبد الله بن السعدي عن عمر بن الخطاب مرفوعا: ما جاءك الله من هذا المال من غير إشراف ولا سائل فخذه، ولا تتبعه نفسك «2» .
__________
(1) رواه في كتاب الأدب باب 20 ص 173 ج 5.
(2) رواه النسائي في كتاب الزكاة باب 94 ج 5 ص 104 ونصه: ما آتاك الله عز وجل من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فتموله أو تصدق به ومالا فلا تتبعه نفسك.
(2/218)

ومنه حديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقدام بن معدي كرب، عن ابي أيوب عوف بن مالك، وحديث اجتمع فيه أربع نسوة صحابيات، ثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما رواه مسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوما محمرا وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث «1» . وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث بجزء ووقع في بعض الأجزاء حديث اجتمع فيه خمس من الصحابة تضمن رواية عبد الله بن العاص عن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب عن أبي بكر الصديق عن بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الموت كفارة لكل مسلم.
باب في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يؤدهم إليه اجتهادهم
نقل في روضة الإعلام، عن الشيخ أبي العباس بن زاغ التلمساني مخالفة التلميذ للشيخ في بعض المسائل، إذا كان لها وجه، وعليها دليل قائم يقبله غير الشيخ من العلماء:
ليس من سوء أدب التلميذ مع الشيخ، ولكن مع ملازمة التوقير الدائم، والإجلال اللازم.
فقد خالف ابن عباس عمر وعلي وزيد بن ثابت، وكان قد أخذ عنهم اهـ وقد ألف الحافظ السيوطي رسالة أثبت فيها تهاجر الصحابة فيما بينهم بسبب خلافات في مسائل سياسية ودينية.
باب في أدب الصحابة مع من يتعلمون منه أيضا
خرّج أبو نعيم عن ابن عباس قال: إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فاتي بابه وهو قائل، (نائم) فأتوسد ردائي على بابه، تنسف الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول:
يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جاء بك ألا أرسلت إلي فاتيك؟ فاقول: أنا أحق أن آتيك فاسألك عن الحديث.
وذكر ابن عبد البر عنه في كتاب العلم أنه قال: وجدت علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذا الحي من الأنصار. إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئت أذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وروى أبو الزناد عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله يسأله عن علم ابن عباس، فربما أذن له، وربما حجبه وأخرج الخطيب في الجامع عن علي عليه السلام قال: من حق العالم عليك، أن تسلم على القوم عامة، وتخصه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تسارّ في محله، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلجّ
__________
(1) أخرجه مسلم في أول كتاب الفتن وأشراط الساعة ص 2207 ج 3.
(2/219)

عليه إذا ملّ، ولا تعرض من طول صحبته، فإنما هو بمنزلة النخلة، تنظر متى يسقط عليك منها شيء، فإن المؤمن العالم لأعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، فإذا مات العالم، انثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة.
باب في رواية الصحابة عن التابعين
وهو نوع مهم، كثير الفائدة؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنكر بعضهم وجود ذلك. وقال: إن رواية الصحابة عن التابعين إنما هي في الإسرائليات والموقوفات، وليس كذلك. وقد جمع الحافظ العراقي الأحاديث التي بهذه الشريطة، فبلغت إلى عشرين حديثا. ومنه؛ رواية أنس بن مالك عن ابنه غير مسمى حديثا، وقد ذكر ابن سليمان الرداني، في حرف الراء من الصلة كتاب: روايات الصحابة عن التابعين، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب فانظرها.
باب في أخذ كبار الصحابة العالم عن الموالي
في ترجمة بلال «1» من الإستيعاب قال: علي بن عمر روى عن بلال جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وكعب بن عجرة والبراء بن عازب وغيرهم.
وفي ترجمة صهيب من طبقات ابن سعد أن عمر قال لأهل الشورى، فيما يوصيهم به عند موته، وليصلّ بكم صهيب، وإن عمر لما توفي نظر المسلمون فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فقدموا صهيبا فصلى على عمر، وناهيك بمن يقدم للصلاة على مثل عمر، وفي ترجمة سالم مولى أبي حذيفة من الإستيعاب، وتهذيب النووي، أن عمر كان يثني عليه كثيرا، حتى قال حين أوصى قبل وفاته: لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البر: وهذا عندي على أنه كان يصدر فيها عن رأيه والله أعلم اهـ من الإستيعاب.
باب أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود
من أول من أسلم بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عبد الله بن سلام هو وآله، ولازم المصطفى وأخذ عنه العلم الجم، وروى عنه أبو هريرة وعبد الله بن مغافل، وأنس، وعبد الله بن حنظلة، وقيس، وغيرهم. وفيه نزل قوله تعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: 43] وفي التاريخ الصغير للبخاري بسند جيد عن يزيد قال: لما حضرت معاذا الوفاة قيل له: أوصنا قال التمسوا العلم عند أبي الدرداء، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهوديا فأسلم، وأخرج البغوي في المعجم بسند جيد عن عبد الله بن معقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليا عن خروجه إلى العراق، وقال:
__________
(1) انظر هامش ص 142 من الإصابة ج أول.
(2/220)

إلزم قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنك إن تركته لا تراه أبدا. فقال علي: إنك رجل صالح منا.
وأخذ كثير من علية الصحابة عن كعب الحبر معروف. وانظر الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة لابن زكريا الفاسي.
باب في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به
ذكر ابن عبد البر عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، ولو كانت بنت ذي العصبة، يعني زيد بن الحصين الحارثي فمن زاد القيت زيادته في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء، طويلة فيها فطس فقالت له: ليس كذلك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: سأل رجل عليا عن مسألة فقال فيها. فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا. فقال علي رضي الله عنه: أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم، وحكى ابن بطال أن صاحبا لمعاذ بن جبل قدم على ابن مسعود، فقال له أصحابه: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. قالوا: من أهل الجنة قال: لا أدري لذنوب فلو أعلم أنها غفرت لقلت لكم: إني مؤمن من أهل الجنة. فتضاحك القوم. فلما خرج ابن مسعود قالوا له: ألا تعجب هذا يزعم أنه مؤمن ولا يزعم أنه من أهل الجنة، قال ابن مسعود: لو قلت: إحداهما اتبعتها الآخرى. فقال الرجل: رحم الله معاذا حذرني زلة العالم، وهذه زلة منك، وما الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والجنة والنار، والبعث والميزان، ولنا ذنوب لا ندري ما يصنع الله بها، فلو نعلم أنها غفرت لنا لقلنا إنا من أهل الجنة. فقال ابن مسعود: صدقت يا أخي.
باب في تأديب النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في التعليم واقتفاء الصحابة أثره في ذلك
قال الحافظ أبو نعيم: فإن عاود أي التلميذ مساءلته أي الشيخ؛ فلا بأس لها بأن يناله بأدب خفيف ثم استظهر بحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه خرج إلى الصلاة فلقيه أعرابي فسأله عن شيء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هذه ساعة فتوى، فأعاد عليه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فضربه بسوط كان معه أو بشيء، وذكر أبو نعيم في محل آخر تنبيهه على استحسان الأدب الخفيف، على إساءة أخرى منها معاودة الاستفهام مرة ثانية بعد الإفهام قال: فله الانتهار واحتج له بما أخرجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: إركبها. قال: إنها بدنة قال: إركبها قال: إنها بدنة قال؛ إركبها ويلك في الثانية أو الثالثة. ومنها إذا عاد معترضا قال: عليه أن يعظه بلسانه واستدل بما رواه عن أبي الدرداء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قال: قلت وإن زنى وإن
(2/221)

سرق؟ قال: نعم. قلت: وإن شرب الخمر؟. قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء. قال أبو الدرداء: فإن عاوده في الرابعة. فلا بأس أن يناله بضرب خفيف. واحتج له بما رواه عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أو نؤاخذ بكل ما نقول؟ ويكتب علينا. فضرب النبي صلى الله عليه وسلم منكب معاذ مرارا ثم قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم- وفي ضمن ذلك طلب المتعلم باحتمال الصبر على تأديبه وزجره.
ولطمة عالم في الخدّ مني ... ألذ إليّ من شرب الرحيق
وذكر الكاساني في أصول البدائع: أن عبد لله بن عباس قيّد عبدا له يعلمه تأويل القرآن، قال: وبه جرت العادة في سائر الأمصار من غير نكير فصار إجماعاا اهـ منه.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن. انظر ص 133 من ج 2 من القسم الثاني «1» .
باب مناظرة الصحابة بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم
ذكر أبو نعيم في أدب العلم: أنه لا بأس بالمناظرة والمماراة في العلم بحضرة العالم، ثم أسند إلى أبي هريرة قال: لقد رأيتنا يكثر مراؤنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ولا بدّ مع هذا من مراعاة ما يختص بأدب الحضور بين يدي الشيخ «2» .
باب في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى ومنها تعلم الآداب المعروفة لطالب العلم في زمن النبوة
عقد لذلك بابا الإمام أبو نعيم في آداب المتعلم، ذكر فيه أمورا.
أولا: ملازمة السواك، وهو أول ما ندب إليه من هذه الخصال، قال ما نصه: وليعلم أنه لا يخلو إذا غشي المجالس من مجالسة العلماء، ومخاطبة الحكماء ومذاكرة المتعلمين، ومجادلة المخالفين فليتعاهد نفسه بما يصلحه ويزينه وليبدأ بالسواك، فليلزمه. وخرّج لذلك عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستاكون، فقال: يدخلون علي ولا يستاكون فلولا أن اشق على أمتي لفرضت عليهم السواك، كما فرضت عليهم الصلاة [روى البخاري في كتاب الجمعة باب 8 عن أبي هريرة: لولا ... الخ ص 214/ 1] .
ثانيا: قص أظفاره إذا طالت، لما أخرجه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن خبر السماء. فقال: أتسألني عن خبر السماء، وتدع أظفارك كأظفار الطير، فيها الخباثة والتفث [رواه أحمد ج 5/ 417] .
__________
(1) تأديب المتعلمين بالضرب والزجر ليس بمحمود على إطلاقه، وإن كان مطلوبا في بعض الأحوال. مصححه.
(2) كثرة المراء والجدال بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة فيها نظر، فليحرر. مصححه.
(2/222)

ثالثا: تنقية براجمه ورواجبه لحديث ابن عباس «1» أن جبريل ابطأ علي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فقال: كيف لا يبطأ علي وأنتم حولي لا تستنقون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم، قال أبو نعيم: البراجم العقد التي في مفاصل قصبات الأصابع من باطن، والرواجب: ملتقى رؤوس السلاميات إذا قبض القابض كفّ شخص.
رابعا: هو اغتساله مهما أحس من نفسه ريحا أو عرقا يتأذى به، لما رواه عن عائشة قالت: كان الناس يأتون الجمعة من العوالي فيأتون في الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح، فأتى إنسان منهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تطهرتم لهذا اليوم [رواه البخاري في كتاب الجمعة باب 15 ص 217/ 1] .
خامسا: أخذه من شاربه إذا طال، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعفوا اللحى وخذوا من الشارب [روى مالك في الموطأ عن ابن عمر كتاب الشعر ص 947: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفاء الشوارب وإعفاء اللحى] .
سادسا: تسكينه من شعره إذا كان ذا شعر، لما رواه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا أشعث الرأس فقال: أما يجد هذا ما يسكن به شعره [رواه أحمد ج 3/ 357] .
سابعا: أن لا يغافل الترجل والتدهن، لحديث جابر قال: كان لأبي قتادة وفرة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: إدهنها وأكرمها.
ثامنا: اجتهاده في نظافة ثوبه، وتحرزه من الوسخ عليه، لما رواه أيضا عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا أشعث. قال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه، ويلم شعثه. وروي عن أبي صالح قال: ما كنت أتمنى من الدنيا إلا ثوبين أبيضين أجالس فيهما أبا هريرة [انظر مسند أحمد ج 3/ 357] .
تاسعا: أن يمسّ من الطيب إذا وجد إليه سبيلا لما رواه عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يخرج إلى أصحابه ثقيل الريح، وكان إذا كان في آخر الليل مسّ طيبا.
عاشرا: اجتنابه للطعام الذي فيه رائحة كريهة؛ لما رواه «2» عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل من هذه البقلة، فلا يقربنّ مساجدنا.
إحدى عشر: غسله ليده إذا أكل زهيما لئلا يؤذي محاذيه، لما رواه عن ابن عمر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يده من وضره، لا يؤذي من يحاذيه [روى أحمد ج 4/ 180 حديثا بمعناه عن سهل بن الحنظلية: من أكل لحما فليتوضأ] .
الثاني عشر: احترازه من اشتغال العالم أو جليسه بالجشاء بل يكظمه، لما رواه «3» عن ابن عمر أن رجلا تجشأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كف جشاءك عنا.
__________
(1) رواه أحمد عن ابن عباس 1/ 243.
(2) مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة رقم 69 ص 394/ 1.
(3) ابن ماجه في كتاب الأطعمة باب 50 ج 2/ 1111.
(2/223)

الثالث عشر: أن لا يلبس من الثياب ما لا يجوز لبسه، لما رواه عن عبد الله بن عمرو: قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين. فقال إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها [رواه مسلم في كتاب اللباس 27 ج 2/ 1647] .
الرابع عشر: أن يلبس ما ابيض من الثياب فإنه مستحب لأهل العلم، لما رواه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالبياض فإنه خير ثيابكم، فكفنوا فيها موتاكم وليلبسها أحياؤكم فإنها أطيب وأطهر.
الخامس عشر: أن يعتمّ قال: لأنها زينة لأهل العلم. وخرّج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اعتموا تزدادوا حلما «1» .
السادس عشر: أن يعتني بحفظه لصحته، ليستعين بها على طلب العلم والتحصيل، وذكر أبو نعيم من ذلك أمورا: من ذلك اجتنابه لما يخل قوة الفهم والحفظ، ويعود بضعف في النفس أو البدن، وتعاهده إخراج الدم، وشرب الدواء واستعانته على تقوية بصره بالجلوس على الخضرة والماء الجاري، وتهذيب بدنه بترك ما يورث السمن، وترك التملي من الطعام والشراب لئلا يقطع عن الدرس، ثم استدل لكل أدب من هذه الآداب، فراجع كلامه الذي لخصه ابن الأزرق: في روضة الأعلام فإنه أحلى من العسل، وألذ من الماء البارد على الظمأ. وعلى قدر اطلاع المتتوّر على ما يقال الآن عن المسلم وطالب العلم من أهله، يكثر فرحه بهذه الآداب الإسلامية، التي كانت رائجة في ذلك الزمن النبوي، ويبتهج بما سقناه لأنه بذلك يعلم أن دينه وتعاليمه أسبق التعاليم إلى الحضر والنظافة، والرقي والاعتناء بحفظ الصحة، والاقتصاد النافع، وانظر كتاب آداب المتعلم لأبي نعيم الأصبهاني، وآداب المحدث للحافظ عبد الغني بن سعيد البغدادي، ومقدمة شرح تهذيب النووي، وكتاب تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، للشيخ بدر الدين بن جماعة، وجواهر العقدين للسيد السمهودي، وروضة ابن الأزرق وشرح ألفية العراقي للسخاوي، وبلوغ أقصى المرام للطرنباطي، وممن ألف في مكارم الأخلاق من السلف الطبراني، والخرائطي، له كتاب في مكارم الأخلاق وآخر في مساوي الأخلاق.
باب في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم
في العلم والسن والآداب التي كانوا يوصون بها المتعلم ليعامل بها معلمه ذكر ذلك أبو نعيم في آداب المتعلمين، واستدل له بما هو معروف؛ من أن زيد بن ثابت، أراد أن يركب فوضع رجله في الركاب، فأمسك له ابن عباس رضي الله عنهما. فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء والكبراء، ولما قال البلخي في عين العلم:
ويأخذ بركاب العلماء للتوقير، قال شارحه الملا على القاري، بعد ذكر قصة ابن عباس هذه:
وأخذ عمر بغرز زيد أي بركابه، حتى رفعه. وقال: هكذا فافعلوا بزيد وأصحابه اهـ منه.
__________
(1) حديث: اعتموا تزدادوا حلما ذكره في التيسير على الجامع الصغير وقال عنه: رواه البيهقي مرسلا عن خالد بن معدان.
(2/224)

وقد أخرج أحمد «1» والترمذي عن ابن عباس وأحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت رفعاه: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا ولم يعرف لعالمنا حقه.
باب في إنزال النبي ص الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكثر علما أو سنا
ذكره أبو نعيم واستدل له بحديث الصحيح «2» عن ابن مسعود قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، وبحديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليقم الأعراب خلف المهاجرين والأنصار، ليقتدوا به وفي سيرة مالك: من أمره بالتخلق بهذا الأدب، وأخذه أصحابه بالاستعمال له في مجالس تدريسه عبرة، وقد ذكر تفاريع هذه الترجمة، وصورها ابن العربي في الأحكام: منها مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والتفسح فيه بالهجرة والعلم، ومنها: مجلس الجمعة والتفسح فيه بالبكور إلى ما يلي الإمام، ومنها:
مجلس الحرب يتقدم فيه ذو النجدة والمراس من الناس، ومنها مجلس الرأي والمشورة، يتقدم فيه من له بصر بالشؤون، وهو داخل في مجلس الذكر بوجه. قال: وكل ذلك يتضمنه قوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: 11] فيرتفع المرء بإيمانه أولا، ثم بعلمه ثانيا. وفي الصحيح «3» أن عمر بن الخطاب كان يقدم ابن عباس، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير: إذا جاء نصر الله والفتح فسكتوا. فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه الله إياه، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما يعلم.
باب رحلة الصحابة في طلب العلم أو رغبة في علو السند
قال القاضي ابن العربي المعافري: إن موسى عليه السلام أول من رحل في طلب العلم من أهل الشرائع، وقال الغزالي: قلّ مذكور في العلم محصّل، من زمان الصحابة إلى زماننا هذا إلا وحصل العلم بالسفر، وسافر لأجله اهـ.
والأمر بالرحلة في الجملة وقع في القرآن في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة 122] وذكر ابن عبد البر عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى موسى أن أتخذ نعلين من حديد، ثم اطلب العلم حتى تخرق نعليك، وتنكسر عصاك. وبوّب البخاري في صحيحه:
__________
(1) انظره في الجزء الأول ص 257 والإسلامي ص 320 وأوله: ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من حديث ابن عباس وثمة روايات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(2) رواه مسلم في كتاب الصلاة باب 28 رقمه 122 ص 323 ج 1.
(3) انظر كتاب تفسير القرآن، ج 6 ص 94، سورة النصر.
(2/225)

باب الرحلة في طلب العلم «1» ، وذكر أن جابر بن عبد الله رحل إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر، في حديث واحد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: السائحون هم طلبة العلم، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه، وقد أفرد فوائد الرحلة وذكر الرحالين الخطيب البغدادي بجزء.
باب ترغيب الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي يريدون العلم لأن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وذلك بعد انتقاله عليه السلام
قال السيد السمهودي في جواهر العقدين: خرّج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة أنه مرّ بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟ قالوا وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا؛ ألا تذهبون، فتأخذون نصيبكم منه. قالوا: وأين هو؟ قال في المسجد، فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة قد أتينا المسجد، فدخلنا فيه فلم نر شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة. أو ما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى رأينا أقواما يصلون وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة:
ويحكم فذاك ميراث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر، عن سلمان بن مهران قال: سمعت أحد القراء يقول:
بلغني أن قوما كانوا يتناظرون بالعراق في العلم، فقال قائل: من هؤلاء؟ فقيل له: قوم يقتسمون ميراث النبي صلى الله عليه وسلم.
باب في القاص في الزمن النبوي وجلوسه عليه السلام مجلسه
خرّج أحمد «2» وأبو يعلى عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة وقاص يقصّ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم قصّ، فلأن أقعد هذا المقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب ولأن أقعد هذا المقعد بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب، أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير. قال: ورجاله موثقون إلا أن فيه أبا الجعد عن أبي أمامة، فإن كان هو الغطفاني، فهو من رجال الصحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه، وعن رجل من أهل بدر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب. قال شعبة: فقلت أي مجلس يعني؟ قال: كان قاصا. رواه أحمد «3»
__________
(1) انظر البخاري ص 27 ج 1 من كتاب العلم باب 19.
(2) رواه أحمد في ج 5 ص 261 والإسلامي: 328.
(3) ج 3/ 474 والإسلامي/ 620.
(2/226)

وفيه كردوس بن قيس وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، وعن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا كعب يقص قال من هذا؟ قالوا: كعب يقص علينا. قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال، قال: فبلغ ذلك كعبا فما رئي بعد ذلك يقص. رواه أحمد. «1» قال الهيثمي: وإسناده حسن، وعن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. رواه أبو داود «2» غير قوله أو متكلف. ورواه الطبراني في الأوسط.
قال الهيثمي: وفيه أبو العباس الرازي، لم أر من ترجمه، وعن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف. رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
قال الملا على القاري في شرح المشكاة: القصص التكلم بالقصص والأخبار والمواعظ وقيل المراد به الخطبة خاصة اهـ وقال غيره: القصص التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ، يريد من يعظهم إما أمير أو مأمور، أو يجوز لهما الوعظ أما مختال يعظ لطلبه الرياسة والتكبر، فلا يقبل هذا في الخطبة فالأمر فيها إلى الأمراء أو إلى من يتولاها من قبلهم. قال الطيبي في شرح المشكاة: وكل من وعظ وقص داخل غمارهم، وأمره موكول إلى الولاة اهـ انظر مجمع بحار الأنوار، في الإكليل للسيوطي على قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: 5] عن ابن العربي: هذه الآية أصل في الوعظ المرقق للقلوب اهـ.
قلت: ولا ينافي أحاديث الترجمة ما جاء عن بعض السلف؛ من إنكار القصص وذم القاصين. ففي الإحياء بعد أن ذكر أن الحسن البصري كان يتكلم في قصصه في علم الآخرة، والتذكير بالموت، والتنبيه على عيوب النفس، وآفات الأعمال، وخواطر الشيطان، ووجه الحذر منها. ويذكر بالاء الله ونعمائه، وتقصير العبد في شكره، ويعرف حقارة الدنيا وتصرفها وقلة عهدها، وعظم الآخرة وأهوالها فهذا هو التذكير المحمود شرعا، ثم تكلم عل الذين نقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم، وذهلوا عن طريق التذكير المحمود، واشتغلوا بالقصص التي يتطرق إليها الاختلاف والزيادة، والنقصان، وتخرج عن القصص الواردة في القرآن، وتزيد عليها فقال: من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر سماعه، وإن كان صادقا. قال: فترجع القصص المحمودة إلى ما يشتمل عليه القرآن، وإلى ما صحّ من الكتب الصحيحة، من الأخبار.
قال في الإتحاف: أخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن ابن سيرين قال: بلغ عمر أن قاصا يقص بالبصرة فكتب إليه: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 5] قال فعرف الرجل فتركه، وأخرج عبد بن حميد في تفسيره، عن قيس بن سعد قال: جاء أن ابن عباس مرّ على عبيد بن عمير
__________
(1) انظره في المسند ج 6/ 26 والإسلامي: 34 عن عوف بن مالك.
(2) رواه في كتاب العلم ج 4 ص 72 ورقمه: 3665 ورواه أحمد أيضا 6/ 23 والإسلامي/ 29.
(2/227)

وهو يقص فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ [مريم: 54] الآية وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ [مريم: 56] الآية ذكرنا بأيام الله، وأثن على من أثنى الله عليه، وانظر كتاب القصّاص والمذكّرين للحافظ ابن الجوزي، وكتاب المذكر والتذكير والذكر، لأبي أحمد بن عمرو ابن أبي عاصم، وكتاب الحافظ العراقي المسمى بالباعث على الخلاص من حوادث القصاص، وللحافظ السيوطي أيضا فيهم رسالة.
قال الزبيدي في الاتحاف: الذي تلخص مما ذكرنا أنه لا ينبغي أن يقصّ على الناس إلا العالم المتقن، الحافظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، العارف بصحيحه من سقيمه، وبسنده ومقطوعه، ومنفصله، العالم بالتواريخ وسير السلف، الحافظ لأخبار الزهاد، الفقيه في دين الله، العالم بالعربية واللغة، ومدار كل ذلك على تقوى الله، وأن يخرج الطمع في أموال الناس من قلبه. كذا حققه ابن الجوزي فانظره.
تنبيه: خرج أبو نعيم والعسكري، أن تميما الداري استأذن عمر أن يقصّ على الناس قائما فأذن له فقص قائما.
مهمة: ترجم ابن سعد في طبقاته لأم الحسن البصري، فأخرج بسنده عن أسامة بن زيد عن أمه قالت: رأيت أم الحسن البصري تقصّ على النساء، وأم الحسن هذه كانت في عصر كبار الصحابة، وروت عن أم سلمة وغيرها، من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي طبقات ابن سعد عن الحسن قال: كان الأسود بن سويع رجلا شاعرا وكان أولّ من قص في هذا المسجد. قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات، وفيها أيضا عنه قال: كان الأسود بن سويع يذكر في مؤخر المسجد، انظر ترجمة الأسود من الطبقات ص 28 من ج 7.
باب في ذكر ما بثه عليه السلام من الفرائض الطبية والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيه الدواوين
ذكر المولى أحمد طاشكبري زاده في مفتاح العلوم: علم طبه عليه السلام من جملة العلوم التي اشتغل بها البشر، فقال ما نصه: علم طب النبي صلى الله عليه وسلم هو علم أبرز من الحديث، كإبراز الفرائض من الفقه، والكحالة من الطب، وهو علم يعرف منه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أمر تصحيح الأبدان الإنسانية، وموضوعه ومباديه يظهر بالقياس إلى علم الحديث، وغرضه وفائدته أظهر من أن تخفى.
وقد صنف فيه الإمام المستغفري. تصنيفا فائقا ولا أجمع وأنفع من كتاب ابن طرخان يجده من يطلبه اهـ وقد ترجم لهذا العلم أيضا صاحب كشف الظنون، فذكر أن ممن ألف فيه أبو نعيم الأصبهاني، وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضى، للمأمون رسالة مشتملة عليه. والحبيب النيسابوري جمعه أيضا، وابن السني وعبد الملك بن حبيب، والحافظ
(2/228)

السيوطي، واسم كتابه فيه (المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي) وإن أول كتابه:
الحمد لله الذي أعطى كل نفس خلقها، وهو مرتب على ثلاثة فنون الأول: في قواعد الطب، الثاني في الأدوية والأغذية الثالث: في علاج الأمراض.
قلت: ولعله اختصره من كتاب الطب النبوي للحافظ الذهبي أيضا، فإنه على هذا النسق، وقد طبع مرارا، ولم يذكر صاحب الكشف كتاب ابن طرخان، الذي ذكره طاشكبري، وهو كتاب نفيس في مجلد، اسمه الأحكام النبوية في الصناعة الطبية، ومؤلفه الإمام أبو الحسن علي بن مهذب الدين أبي المكارم عبد الكريم بن طرخان بن بقى الحموي، ثم الصفدي، صاحب كتاب مطلع النجوم في شرف العلماء والعلوم، رتب ابن طرخان كتابه الطبي هذا على عشرة أبواب، وبناه على أربعين حديثا في الطب مما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم.
الباب الأول: في الأحاديث الواردة في ذكر الأمراض ومعالجتها، والأمر بالتداوي، ومن تطبب ولم يعلم منه طب.
الباب الثاني: في الأحاديث الدالة على ما يتعلق بحفظ الصحة من صفة الأكل والشرب والنوم وغير ذلك.
الباب الثالث: في شأن أصل الطب وهل هو وحي، أو تجربة أو قياس. وذكر الواضع وفضيلته، وموافقته للعقل والشرع.
الباب الرابع: في بيان الصحة وفضلها، وذكر الأحاديث الواردة فيها.
الباب الخامس: في بيان المرض وفضله، وذكر الأخبار الواردة فيه وفيه شيء من الرقى.
الباب السادس: في فضل عيادة المريض، وما ورد في ذلك من الأحاديث النبوية.
الباب السابع: في ذكر أربعين حديثا طبية فصلت عن الأربعين الأولى فنبه على أكثرها.
الباب الثامن: في ذكر الخلاف هل التداوي أفضل أو تركه؟ وحجة كل واحد من الطائفتين.
الباب التاسع: في ذكر الحمية وفضلها، وما يكتب للحمى وما ورد في ذلك.
الباب العاشر: في ذكر أدوية مفردة وقواها، ومنافعها وما ورد فيها من الأحاديث الطبية وغيرها، وهو كتاب نادر الوجود، كندورة ترجمة مؤلفه عندي منه نسخة قديمة، بخط مشرقي كتبت بمكتبة الناصرية بالشام بقرب زمن مؤلفه، كنت ظفرت بها بالمدينة المنورة سنة زيارتي لها عام 1324.
وممن أتى بقسم نافع من الطب النبوي؛ الحافظ ابن القيم في الهدى النبوي، وتبعه
(2/229)

الشهاب القسطلاني في المواهب، فإنهما أتيا بزبدة ما لمن تقدم جزاهم الله خيرا، وفي الهدية المقبولة في حلل الطب المشمولة، للشهاب أحمد بن صالح الأكتاوي الدرعي:
هذا النبي المصطفى من يرتضى ... سيد كل من يجيء أو مضى
أرقى وعالج تداوى واحتجم ... مع التوكل الذي فيه ارتكم
والأمر بالتوكل الصحيح ... عن مثلنا يفيد بالتصريح
وفي العلاج سنة الرسول ... وتطييب «1» لخاطر العليل
فقال النظام في شرح هديته: الأذن فيه أي الطب من الشارع يكفي فيه فعله، وما تواتر عنه نقله، كما صرحت به أحاديث كثيرة، وأخبار وافرة جديرة، يطول بنا نقلها، ويعرفها من أصولها وفروعها أهلها اه.
وقد اعتنى بالتعرض لما جاء عن جانب النبوة من درر الحكمة في هذا الباب، أحد حكماء الإسلام الشيخ داود الأنطاكي في التذكرة في مواضع منها؛ لدى كلامه على داء الاستسقاء، وأفضى به الكلام إلى ذكر أن من علاجه لبن اللقاح وأبوالها فقال: إنه غاية في أنواع الاستسقاء الثلاثة؛ خصوصا إذا كانت في البادية لاقتياتها حينئذ بالعطريات المفتحة، كالشيح والقيصوم وقال: وفيها أحاديث عن صاحب الشرع عليه السلام، أخرجها ابن السني وأبو نعيم وأحمد والترمذي في حديث غريب، ثم ذكر قصة العرنيين وحاصلها: أن قوما وفدوا عليه وهو في المدينة، ففي رواية فأصابهم وعك وأخرى فاجتووها بالتخمة، أي المدينة أي أصابهم منها الاجتواء، وهو عبارة عن فساد البطن ورائحة كريهة، وفي رواية فذربت بطونهم، فأرسلهم إلى إبل الصدقة، فشربوا من ألبانها وأبوالها وقصتهم مشهورة.
وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك، لكون الاستسقاء من الأمور الباردة اللزجة القروية، وفيها تقطيع وتفتيح وجلاء يطابق المادة، كما في المفردات وتخصيصه في الرواية الأخيرة بالبرية إما لتعدد الواقعة وكون مرض المأمورين بذلك أشد، فنصّ على البرية لرعيتها المفتحة الفعالة في ذلك بنفسها أيضا، كالشيخ والعرفج أو غير متعددة فيكون من حمل المطلق على المقيد، ومن هنا حكم بعض المجتهدين بطهارة بول ما يؤكل لحمه، لأمره به، ومنع بعضهم لزوم ذلك، وجعله من باب الجواز الضروري إذا تعين كإساغة اللقمة بالخمر، واعلم أنه غير لازم في مداواته عليه السلام، بما من شأنه أن ينفع من ذلك المرض، بل قد يداوي بما لا يجوّز العقل استعماله، فمن عثر على شيء من ذلك فليعلم أنه خرج مخرج الإعجاز، كما في قصة ملاعب الأسنة، وقد شكى إليه صلى الله عليه وسلم الاستسقاء، فأرسل إليه بحثية من تراب تفل فيها فحين شربها برىء اهـ كلام التذكرة. وانظر ما كتبه في الجذام والحمي تر عجيبا.
وفي الطرق الحكمية لابن القيم ص 264 على قوله عليه السلام: لا تديموا النظر
__________
(1) الموزن هنا مضطرب ويستقيم لو قال: مطيب.
(2/230)

للمجذومين، فيه فائدة عظيمة، وهي أن الطبيعة نقالة، فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل الطبيعة، وقد جرب بين الناس أن المجامع إذا نظر إلى شيء عند الجماع، وأدام النظر إليه انتقل منه صفته إلى الولد. وذكر البيهقي وغيره أن المصطفى تزوج امرأة من غفار، فدخل عليها فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بياضا عند ثديها، فانحاز النبي صلى الله عليه وسلم عن الفراش، فلما أصبح قال: إلحقي بأهلك، وحمل لها صداقها اهـ.
وفي الهدي النبوي لابن القيم أيضا، وسفر السعادة للمجد الفيروز آبادي: لم يجمع صلى الله عليه وسلم بين سمك ولبن، ولا بين لبن وشيء من الحوامض، ولا بين غذاءين حارين، ولا باردين لزجين، ولا بين قابضين، وقابض ومسهل، ولا مسهلين، ولا بين غليظين، ولا بين سريع الهضم وبطيئه، ولا بين مشوى ومطبوخ، ولا بين قديد ورطب، ولا بين الحليب والبيض، ولا بين اللحم والحليب، ولا أكل طعاما بائتا، ولا ما فيه عفونة من الأطعمة، ولم يثبت أنه تناول شيئا من الملوحات والمخللات، وثبت أنه شرب الحليب المشوب بالماء، وماء التمر المنقع للهضم، والعسل الممزوج بماء بارد في غاية البرودة اهـ.
وانظر بسط الكلام على ماكله صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بذلك في المناهج السنية للفاكهي، وتأليف سيدنا الوالد في السنة تر عجبا عجابا. ومن المهاثرة ما ذكره الفيلسوف ابن خالدون في مقدمة تاريخه حين فصل أنواع الطب ومستنداته قال: وللبادية من أهل العمران طب بنوه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح فيه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا موافقة المزاج. وكان في العرب أطباء من هذا القبيل معروفون، كالحارث بن كلدة وغيره، والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا عند العرب اهـ كلامه الخشن.
ولله در العلامة الشيخ عبد الهادي الأبياري المصري، إذ قال إثره في سعود المطالع ص 155 ج 2 ما نصه: وأقول: هذه هفوة لا ينبغي النظر إليها، كيف وقد قال عليه السلام للمبطون الذي أمره بشرب العسل، فلم ينجح: صدق الله وكذب بطنك اهـ.
وإذا قرأت كلام الشيخ داود الذي سقناه لك أولا تعلم أن عقيدته في هذه المسألة أسلم مما لابن خالدون، والجواد قد يكبو والكمال لله.
ولنختم هذا المبحث بلطيفة ذكرها السيوطي في الإكليل، نقلا عن كتاب العجائب للكرماني، قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له: جمع الله الطب في نصف آية، وهي قوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف: 31] ، فقال الطبيب: ما ترك كتابكم لجالينوس طبا اهـ.
(2/231)

ولما تكلم الحافظ ابن رجب على حديث «1» : لم يخلق الله وعاء إذا ملىء شرا من بطن، فإذا كان لا بد فاجعله ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح: إنه أصل عظيم جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب ابن أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات يعني قوله عليه السلام حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه إلى أخرى لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات [المستشفيات] ، ودكاكين الصيادلة.
وقال القرطبي في شرح الأسماء: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، وفي الأحياء: ذكر هذا الحديث يعني تقسيم البطن أثلاثا لبعض الفلاسفة فقال: ما سمعت كلاما في قلة أكل أحكم من هذا، ولا شك أن أثر الحكمة فيه واضح.
وقال ابن القيم في الهدى النبوي: مراتب الغذاء ثلاثة؛ أحدها مرتبة الحاجة، والثانية مرتبة الكفاية، والثالثة مرتبة الفضيلة، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته، ولا يضعف فإن تجاوزها فليأكل ثلثا لبطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس. وهذا أنفع للبدن والقلب، انظر بقيته فيه.
وفي شرح منظومة الآداب للسفاريني، وفي مسند أحمد «2» عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى يلقى أحد طرفيه) يعني يبرأ أو يموت، وهو أصل ما سبق عن الجيش لاكنسوس في باب الطب، من القسم الثامن انظره.
باب في ذكر توسعه عليه السلام مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدروس اليوم في شبه ذلك
بوّب البخاري «3» باب السمر في العلم، وخرج أبو داود وصححه ابن خزيمة، وهو من رواية أبي حسان عن عبد الله بن عمر، وهو ليس على شرط البخاري: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا لعظيم صلاة. وأخرجه أحمد والطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح عن عمران بن حصين قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظيم صلاة «4» .
__________
(1) روى الترمذي حديثا يقاربه عن المقدام بن معدي كرب وأوله: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن. انظر كتاب الزهد باب 47 ص 590/ 4. وأحمد 122/ 4 وابن ماجه كتاب الأطعمة ص 111/ 2.
(2) ج 6/ 138.
(3) انظر الجزء الأول ص 37 باب 41.
(4) انظره في الجزء الرابع ص 444 والإسلامي 592.
(2/232)

قلت: وذلك منه عليه السلام امتثال لأمر الله له، ففي القرآن: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: 5] . وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: 26 أ] بمعنى وذكرهم بوقائع الله التي وقعت للأمم السالفة، ويريد أن يعرفكم ما خفي عنكم من مصالحكم، ومحاسن أعمالكم ببيانها، ويهداكم مناهج من تقدمكم، من أهل الرشد والخير، لتسلكوا مسالكهم، فإن التاريخ يبحث فيه عن أحوال الأمم الخالية والأجيال الفانية، مع ضبط أشخاصهم بأسمائهم وألقابهم، وكناهم وأنسابهم واستيعاب رسومهم وأخبارهم، وبضائع علومهم وآثارهم، وصنائع الطوائف وعوائدهم، وسقوطهم ونهضتهم، وهو علم يتنافس فيه عقلاء الأمم والأجيال، ويتفاخر به الملوك والأقيال، وتسمو إلى معرفته حتى السوقة والأغفال، وتشد إلى تحصيله الركائب والرحال.
وناهيك أن الله قص علينا في القرآن ما دار بين الأنبياء وأممهم، وأوضح لنا بيان مدتهم ومواطنهم، وأسماء أماكنهم كسبأ، والأحقاف، والحجر، ومكة، والمدينة، ومدين، ومصر، وأرشدنا بذلك إلى تعاقب أدوار الزمان، والتحول والنضارة والذبول، والعمار والدمار، وأمرنا بالمسير لننظر الحقائق، ونتناظر فيها، ونجانب الظنون، ولا نركن إليها، ولنطلع على عجائب صنع الله فيها، وامتن عل عباده بالجبال الشاهقة، التي يأوون إليها ويعتصمون فيها، وبالبحار الزاخرة الواسعة، التي ينتفعون بما يخرج منها، ويسافرون عليها، وبالحدائق المزينة بالأزهار، المطرزة بالثمار، وذكر لنا الجب والكهف والأخدود والغار، والقصر والبيت والدار، والقرى، والمدائن، والبروج، والحصون والمساكن، والبيع والصلوات، والمقاعد والعمد، والمحاريب، والمساجد والمجالس، والتناد والصخر والواد، وعنّف القاعدين الذين لم يركبوا متن الآمال الواسع، واستبعدوا المحل الشاسع، ولم يهجروا المضجع الوثير، لطلب المحل الأثير فقال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الروم: 9] وحضّ سبحانه على النظر والتأمل والاعتبار بقوله، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [الروم: 42] ولا يرد على ما ذكر أول الترجمة حديث: لا سمر إلا لمصل أو مسافر، فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول. قال الحافظ في الفتح: وبتقدير ثبوته فالسمر في العلم يلحق بالصلاة النافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة فقال عمر: إنا في صلاة.
قلت: القصة التي أشار لها الحافظ خرّجها عبد الرزق، وابن أبي شيبة عن أبي بكر ابن أبي موسى، أن أبا موسى أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال له عمر: ما جاء بك؟
قال: جئت أتحدث إليك قال: هذه الساعة قال: إنه فقه، فجلس عمر فتحدث طويلا، ثم إن أبا موسى قال الصلاة يا أمير المؤمنين قال إني في الصلاة.
(2/233)

باب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية
ترجم البخاري في الصحيح «1» باب وقت المغرب، ثم أسند إلى رافع بن خديج قال:
كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله، قال الحافظ في الفتح: بفتح النون وسكون الموحدة أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى ناتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا إسناده حسن، والنبل هي السهام العربية اهـ. [ج 4/ 36 والإسلامي 51/ 4] .
باب اتخاذ معاوية رضي الله عنه وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال
ذكر المسعودي ترجمته في مروج الذهب ص 52 ج 2 أن من أخلاق معاوية أنه كان إذا صلى الفجر يجلس للقاص حتى يفرغ من قصصه، ثم كان إذا صلّى العشاء يأذن للخاصة، وخاصة الخاصة فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكائد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر على سمعه كل ليلة جملة من الأخبار، والسير والآثار، وأنواع السياسات ثم يخرج فيصلي الصبح.
باب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا
خرّج أبو نعيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العلم ضالّة المؤمن حيثما وجده أخذه، قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: وروينا عن علي رضي الله عنه أنه قال في كلام له: العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه، قال: وعنه أيضا: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي المشركين، وانظر روضة الأعلام للقاضي ابن الأزرق، وقد سبق أن الصحابة تعلموا الكتاب من أسارى بدر، وهم كفار، ومن اليهود بالمدينة.
وفي فتاوى الحافظ ابن تيمية: الحق يقبل من كل من تكلم به، كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في سننه: إقبلوا الحق من كل من جاء به
__________
(1) من كتاب مواقيت الصلاة باب 18 ص 140 ج 1.
(2/234)

وإن كان كافرا، أو قال فاجرا. وأحذروا زيغة الحكيم «1» قال: وكيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: فإن على الحق نورا، أو كلاما هذا معناه اهـ وحديث: أطلبوا العلم ولو بالصين «2» شهير، ومن المعلوم كما قال الشيخ رفاعة الطهطاوي، أن أهل الصين، إذ ذلك وثنيون، وأن المقصود من الحديث كان السفر إلى طلب العلم اهـ.
باب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير
جاء عن علي في خطبة خطبها: واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرىء ما يحسن، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم، وفي معناه أيضا قال: المرء مخبوء تحت لسانه، وربما قال: تحت بنانه، وقال أيضا: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، قال القرافي: ولم يقل بيديه، أي هو معتبر بهما، فإن رفعاه ارتفع، أو وضعاه اتضع، فالقلب معدن الحكم، واللسان ترجمانه وما عداهما في حكم الأعوان البعيدة، التي لا اعتداد بها وأنشد علي أيضا:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن أتيت بفخر من ذوي نسب ... فإن نسبتنا الطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
فاطلب لنفسك علما واكتسب أدبا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء
قال الشيخ أبو عمر ابن عبد البر على قول علي الخ: كل امرىء ما يحسن، من الكلام العجيب الخطير، وقد طار الناس به كل مطير، ونظمه جماعة من الشعراء اعجابا به وكلفا بحسنه، ثم أنشد في معناه لجماعة. وانظر روض الأعلام في منزلة العربية من علوم الإسلام.
فائدة: ممن أفرد فضل العلم من المتقدمين بالتأليف 1- ابن أبي خيثمة 2- وأبو يوسف بن يعقوب القاضي و 3- ابن أبي عاصم و 4- إسحاق بن راهواه و 5- أبو بكر أحمد بن علي المروزي و 6- أبو العباس أحمد بن علي المرهبي و 7- آدم ابن أبي أياس و 8- للحافظ أبي نعيم: فضل العالم العفيف علي الجاهل الشريف و 9- لأبي عبد الله محمد بن أبي الصدق العدوي؛ منتقى من كتاب العلم لابن أبي خيثمة زهير بن حرب السابق الذكر و 10- الحافظ ابن عبد البر و 11- الشمس محمد بن عبد الرحمن
__________
(1) وردت ضمن كلام معاذ وهو في كتاب السنة ج 5 ص 17 ورقم الحديث 4611.
(2) حديث اطلبوا العلم ولو بالصين ذكره العجلوني في كشف الخفاء وعزاه للبيهقي والخطيب وغيرهما عن أنس وهو ضعيف إجمالا.
(2/235)

الأصابي الحبيثي اليمني له: نشرطي التعريف في فضل حملة العلم الشريف، وغيرهم من المتأخرين كثير و 12- أفرد العارف البكري الأحاديث الواردة في فضل العلم فأوصلها إلى خمسمائة، وإن كان بعضهم قال: لم يصح فيه شيء وهو غلط كبير، أنظر كتاب فضل العلم لابن عبد البر، واختصاره للفاكهي، وشرح الإحياء للحافظ الزبيدي ترعجبا.
باب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب
ذكر أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن عباس عنه؛ أن طلاب العلوم لما ازدحموا عليه حتى ضاق بهم الطريق، رتبهم في التقديم على حسب مطالبهم، ولم يراع في ذلك سابقا؛ فنادى بالطالبين للقرآن وحروفه، وما أرادوا منه على سائر الطالبين، فإذا فرغوا دعا لمن طلب تفسير القرآن وتأويله، فجعلهم في الرتبة الثانية، فلما فرغوا دعا لمن طلب الحلال والحرام والفقه، فجعلهم في الثالثة، فلما فرغوا دعا لمن طلب الفرائض وما أشبهها، قال الشيخ أبو العباس ابن زاغ، كما في روضة الأعلام: يعني- والله أعلم- علم المواريث، فجعلهم في الرابعة، فلما فرغوا دعا لمن طلب العربية والشعر والغريب من الكلام، فجعلهم في الخامسة.
باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة
خرّج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة قال: لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مخرفين، ولا متهاونين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فاذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه، كأنه مجنون.
وأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الثقفي رفعه: في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني:
القرآن والشعر وقال: المناوي: يشير رفعه في هذا مرة، وفي هذا مرة يعني: القرآن والشعر وقال. المناوي: يشير إلى إنه ينبغي للطالب عند وقوف ذهنه ترويحه بنحو شعر، أو حكايات. فإن الفكر إذا غلق ذهل عن تصور المعنى، وذلك لا يسلم منه أحد ولا يقدر إنسان على مكابدة ذهنة على الفهم، وغلبة قلبه على التصور.
وذكر عياض في شرح حديث أم زرع عن أبي الدرداء قال: إني لأستجم نفسي بالباطل، كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملها، وذكر الشيخ عبد القادر الفاكهي المكي، في مناهج الأخلاق السنية في مباهج الأخلاق السنية، عن أبي رضي الله عنه: إني لأستجم ببعض الباطل ليكون أنشط للحق، وقال عقبه: مراده بالباطل نوع من اللهو المباح، كما هو ظاهر، وذكر عياض أيضا عن محمد بن إسحاق قال؛ كان ابن عباس إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة وقال: حمّضونا فيأخذ في أحاديث العرب، ثم يعود. فيفعل ذلك مرارا.
(2/236)

وفي مناهج الفاكهي: كان ابن عباس يقول لأصحابه إذا داموا في الدرس: أحمضوا أي ميلوا إلى الفاكهة، وهاتوا من أشعاركم، فإن النفس تمل كما تمل الأبدان اهـ.
ونقل عياض في معنى الأمر بالإحماض، كما في هذه الآثار أي: إذا مللتم من الحديث والفقه، وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب، كما أن الإبل إذا ملت ما حلا من النبت، رعت الحمض وما ملح.
باب في حديث خرافة
روينا في الشمائل للترمذي بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نساءه حديثا فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
أتدرون ما خرافة؟ كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث دهرا فيهم ثم ردوه إلى الأنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة.
قال ابن المعافي: عوام الناس يرون أن القائل هذا خرافة، إنما معناه أنه حديث لا حقيقة له، وإنما هو مما يجري في السمر، وينتظم في الأعاجيب وطرف الأخبار، وأنه لا أصل له، وأضيف فيه الجنس إلى بعضه كثوب خز، واشتقاقه على هذا من أخرف الثمرة إذا اجتناها، وهي خرفة، ولذا سمى الفصل خريفا لاختراف الفواكه فيه، فكأن هذه الأحاديث بمنزلة ما يتفكّه به من الثمار للتلهي به، وأرى أن قولهم: خرف إذا ثغر عقله من هذا، لأنه يتكلم بما يضحك ويتعجب منه، ومن هاهنا قيل: فكهت كذا أي تعجبت منه، وقيل للمزاح: فكاهة لما فيه من مسرة أهله، والاستمتاع به وقالوا: الغيبة فاكهة القراء، قال الزمخشري في ربيع الأبرار: سمعت العرب يشددون الراء من خرافة، ويسمون الأباطيل الخراريف اهـ.
باب في حديث أم زرع «1»
في الشمائل باب: ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر. عن عائشة قالت:
جلست إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.
قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، اني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجي العشنّق، أن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سئامة.
__________
(1) حديث أم زرع ورد في الصحيحين أيضا انظر كتاب النكاح في البخاري باب 82 ص 146/ 6 وفضائل الصحابة في مسلم باب 14 الحديث 92 ص 1896/ 2.
(2/237)

قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولم يولج الكف ليعلم البث.
قالت السابعة: زوجي عياياء أو غياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلّالك.
قالت الثامنة: زوجي المسّ مس أرنب، والريح ريح زرنب.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد كثير الرماد، قريب البيت من الناد.
قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس «1» من حلي أذني وملأ من شحم عضدي وبجحني فبجحت إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني من أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقّ، فعنده أقول: فلا أقبح وأرقد فأتصبح، وأشرب فاتقمح، أم أبي زرع، فما أم أبي زرع عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع مضجعه كمسل شطبة، وتشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع طوع أبيها، وطوع أمها. وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها، كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريا وأخذ خطيا وأراح عليّ نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع قالت عائشة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك.
أخذ الأئمة من هذا الحديث جواز التحديث عن الأمم الماضية، والأجيال البائدة، وضرب الأمثال بهم، لأن في سيرهم اعتبارا للمعتبر، واستبصارا للمستبصر، واستخراج الفائدة للباحث المستكثر، فإن في هذا الحديث، لا سيما إذا حدّث به النساء منفعة في الحض على الوفاء للبعولة، والندب لقصر الطرف، والقلب عليهم.
قال القاضي عياض: وفيه من الفقه التحدث بملح الأخبار، وطرف الحكايات، تسلية للنفس، وجلاء للقلب.
وهكذا ترجم أبو عيسى الترمذي عليه باب ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر، وأدخل في هذا الباب هذا الحديث، وحديث خرافة، ويروي عن علي أنه قال: سلوا هذه
__________
(1) أناس: فعل ماض متعد ولازمه: ناس ينوس.
(2/238)

النفوس ساعة بعد ساعة، فإنها تصدأ كما يصدأ الحديث، ويروى عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: إذا أفاض من عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: حمّضوا أي إذا مللتم من الفقه والحديث وعلم القرآن، فخذوا في الأشعار وأخبار العرب. ومنه قول أبي الدرداء:
إني لأستجم ببعض اللهو؛ ليكون لي عونا على الحق. وقال علي: القلب إذا أكره عمي، وهذا كله ما لم يكن دائما متصلا وأما أن يكون ذلك عادة الرجل حتى يعرف به ويتخذه ديدنا، ويضحك به الناس فهذا مذموم غير محمود.
وفيه من الفقه أيضا بسط المحدث والعالم، لما أجمل من علمه لمن حوله، وبيانه عليهم من تلقاء نفسه، كما فعل عليه السلام في هذا الحديث. وقد قال عليه السلام لعائشة: كنت لك كأبي زرع قالت ثم أنشأ يحدث الحديث، وقد روي في غير حديث ابتداؤه عليه السلام أصحابه المسائل جملا وتفصيلا. قاله عياض.
ولأهمية فوائد هذا الحديث وكثرة ما استنبط منه أفرده بالتصنيف إسماعيل بن أويس، من شيوخ البخاري في جزء مفرد، وثابت بن قاسم، والزبير بن بكار، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث، وأبو محمد بن قتيبة، وابن الأنباري، وإسحاق الكلاباذي، وأبو القاسم عبد الحليم بن حيان المصري، ثم الزمخشري في الفائق، ثم عياض وهو أجمعها وأوسعها وهو عندي في جزء وسط، والإمام الرافعي. وساقه برمته في تاريخ قزوين. ونقله عنه بنصه الحافظ السيوطي في تعليقه على الشمائل للترمذي، سماه الرافعي ذرة الضرع بحديث أم زرع، وربع الفرع في شرح حديث أم زرع للحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي، ولتاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد المكلي المتوفي سنة 743 مطرب السمع في شرح حديث أم زرع، ثم العارف أبو الحسن ابن وفا المصري علي لسان القوم وأهل الإشارات، والشيخ مرتضى الزبيدي وغيرهم.
المضحكون والمضحكات في الزمن النبوي
دون ما سبق في القسم الأول منهم: نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري ممن شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها قال ابن الأثير في ترجمته من أسد الغابة: كان كثير المزاح يضحك النبي صلى الله عليه وسلم من مزاحه، وهو صاحب سويبط بن حرملة، وكان من حديثهما أن أبا بكر خرج إلى الشام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكلاهما بدري. وكان سويبط على الزاد فجاءه نعيمان فقال: أطعمني فقال: لا حتى يجيء أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحاكا فقال؛ لأغيظنك. فجاء إلى أناس جلبوا ظهرا فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيا فارها، وهو ذو لسان. ولعله يقول: أنا حر. فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي، فقالوا: بلى بل نبتاعه منك بعشر قلائص، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها. ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم فقالوا: قم قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كذاب أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به، فجاء
(2/239)

أبو بكر فأخبر فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص، وأخذوه. فلما عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه الخبر ضحك النبي صلى الله عليه وسلم حولا هو وأصحابه.
وروى عباد بن مصعب من طريق ربيعة بن عثمان قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه. فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم ويغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنها، قال فنحرها نعيمان، ثم خرج الأعرابي، فرأى راحلته فصاح واعقراه: يا محمد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فعل هذا فقالوا: نعيمان، فاتبعه يسأل عنه فوجدوه في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفيا، فأشار إليه رجل ورفع صوته ويقول: ما رأيته يا رسول الله، وأشار بإصبعه حيث هو. فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: الذي دلوك عليّ يا رسول الله. هم الذين أمروني، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه ويضحك وغرم ثمنها، وأخباره في المزاح مشهورة اهـ «1» .
وفي الاصابة قال الزبير بن بكار: وكان لا يدخل المدينة إلا اشترى منها ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: هذا أهديته لك. فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أعط هذا ثمن متاعه. فيقول: أو لم تهده لي فيقول: والله إنه لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه.
وأخرج الزبير قصة البعير بسياق آخر من طريق ربيعة بن عثمان قال: دخل أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأناخ ناقته. فقال بعض الصحابة لنعيمان الأنصاري: لو عقرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم ففعل. وخرج الأعرابي وصاح: واعقراه يا محمد فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقال؛ من فعل هذا فقالوا نعيمان. فاتبعه يسأل عنه حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، واستخفى تحت سرب لها فوقه جريد. فأشار رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث هو، فأخرجه فقال: له ما حملك على ما صنعت؟ فقال؛ الذين دلوك عليّ يا رسول الله. هم الذين أمروني بذلك، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويضحك، ثم غرمها للأعرابي.
وقال الزبير: حدثني علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب قال: لقي نعيمان أبا سيفان بن حرب فقال: له يا عدو الله أنت الذي تهجو سيد الأنصار نعيمان بن عمرو فاعتذر إليه، فلما ولّى قيل لأبي سفيان: إن نعيمان هو الذي قال ذلك فعجب منه وقصته مع سويبط بن حرملة تقدمت، وقال بعد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن عمر بن سيرين:
إن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلوا بماء، وكان نعيمان بن عمرو يقول لأهل الماء:
يكون كذا وكذا فيأتونه باللبن والطعام، فيرسله إلى أصحابه فبلغ أبا بكر خبره قال: أراني آكل من كهانه نعيمان منذ اليوم، واستقاء ما في بطنه.
__________
(1) هنا استطرد المؤلف رحمه الله ما لا يتناسب مع العنوان فحذفت ستة أسطر تقريبا.
(2/240)

ومما جاء عن المضحكات في الزمن النبوي بالمدينة المنورة، ومكة المعظمة، وما رويناه في سنن أبي داود بسنده إلى الليث عن عمرة قالت: كانت امرأة مكية بطالة تضحك النساء، وكانت بالمدينة امرأة مثلها، فقدمت المكية المدينة فتعارفتا فدخلتا على عائشة، فتعجبت من اتفاقهما فقالت عائشة للمكية: عرفت هذه؟ قالت: لا ولكنا التقينا فتعارفنا، فضحكت عائشة وقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف «1» .
وعن الزبير بن بكار في كتاب المزاح والفكاهة، من حديث ابن شهاب، عن عروة عن عائشة: أن امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن، فلما هاجرن ووسع الله دخلت المدينة قالت عائشة: فدخلت عليّ فقلت: فلانة ما أقدمك؟ قالت: اليكن. قلت:
فأين نزلت؟ قالت: على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة، قالت: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فلانة المضحة عندكم قالت: عائشة نعم. قال: فعلى من نزلت؟ قالت: على فلانة المضحكة قال الحمد الله: إن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. انظر المقاصد الحسنة للحافظ السخاوي، وعروس الأفراح في معنى حديث:
الأرواح للمحدث الشمس محمد بن عقيلة المكي.
قلت: مما يصح إدراج ذكره هنا جحى المعروف، فإنه يعدّ من التابعين، ونوادره مدونة، وهي نهاية في الحلاوة، وفي القاموس: جحى كهدى لقب أبي الغصين بن ثابت، ونقل الشمس محمد بن الطيب الشركي في حواشيه على القاموس، ثم الحافظ مرتضى الزبيدي في تاج العروس، ثم الشيخ عبد الهادي الأبياري في نيل الأماني ثلاثتهم، عن المنهج المطهر للقلب والفؤاد للعارف الشعراني ما نصه: عبد الله جحى كما رأيته بخط الجلال السيوطي قال؛ وكانت أمه خادمة لأم أنس بن مالك، قال: وكان الغالب عليه السماحة وصفاء السريرة، فلا ينبغي لأحد أن يسخر به إذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة، بل يسأل الله أن ينفعه ببركاته. قال الجلال: وغالب ما يذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصل له، قال في تاج العروس، عن شيخه الشرقي: وذكره غير واحد، ونسبوا له كرامات جمة وعلوما كثيرة اهـ انظر ص 68 من المجلد العاشر من التاج و 89 من نيل الأماني على مقدمة القسطلاني.
وقال العلامة السيد محمد كبريت المدني (في رحلته) : رأيت في بعض المجاميع عن جحا أنه كان فاضلا ماجنا، وقد عمل الناس على لسانه كثيرا من النكت والنوادر.
ولابن أبي اليمن الغفاري مؤلف في ذلك، يشتمل على ألف ورقة. وفي كتاب نزهة الجليس أن الخواجة ناصر الدين الفزاري المكني بأبي القص، صاحب التفسير، المتوفي
__________
(1) الحديث المذكور رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 2 ج 4 ص 04- ومسلم وغيره.
(2/241)

سنة 386، تزعم العامة أنه جحا الذي تضرب أمثاله في الجد والهزل، وللإمام الزبير بن بكار كتاب الفكاهة والمزاح، وللقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي كتاب: النوادر والأخبار، وللحافظ أبي الشيخ الأصبهاني كتاب النوادر والنتف، وللحافظ تمام بن محمد الرازي كتاب، النوادر ولد علج كتاب النوادر، ذكر هذه المصنفات الشيخ عابد السندي في حصر الشارد. انظرها في حرف الفاء والنون منه.
المقصد الثاني
فيما حازه أصحابه عليه السلام من السبقيات وما تميز به أفرادهم من علو المدارك والكيفيات مما يعرفك أن المدينة المنورة كانت في الزمن الأول مجموعة مهولة بصنوف واختلاف الأعمال والأفكار والصفات والأشغال الحياتية التي لا بد منها في كل مصر واتخذ عاصمة لمدنية عظمى سادت على العالم في أقرب وقت وما وصل إليه ذلك العصر الزاهر والمصر الطاهر من الاختلاط والإختلاف في الأحوال والإتفاق في الآمال وإنه من أندر ما حفظه التاريخ عن الأجيال والدهور وفيه أبواب:
باب [في اجتهاد الصحابة]
(في أن الصحابة كانوا أهل اجتهاد في الأحكام وقدرة على استنباطها والتبصر بمواقع الخطابات التشريعية ومحاملها.
قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في أحكام القرآن على قوله تعالى:
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159] في الآية ضروب من الفوائد، منها إشعاره بمنزلة الصحابة، وأنهم أهل الإجتهاد، وجائز اتباع آرائهم، إذ وفقهم الله إلى المنزلة التي يشاورهم المصطفى فيها، ويرضى اجتهادهم، وتحريهم لموافقة النصوص من أحكام الله، ومنها أن ضمائرهم مرضية عند الله، ولولا ذلك لم يأمره بمشاورتهم، فدل ذلك على يقينهم، وصحة إيمانهم، وعلى منزلتهم في العلم. اهـ.
وانظر أحكام الجصاص في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] .
وقال الإمام تقي الدين السبكي، في طالعة كتاب الإبتهاج في شرح المنهاج، بعد أن بيّن عظمة أصول الفقه ومنزلته، وأنه مادة الإجتهاد: فإن قلت: قد كان العلماء في الصحابة والتابعين من أكابر المجتهدين، ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي فكيف يجعله شرطا في الإجتهاد؟
قلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين بطباعهم، كما كانوا عارفين بالنحو بطباعهم، قبل مجيء الخليل وسيبويه، وكانت ألسنتهم قوية وأذهانهم مستقيمة، وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد، لأنهم أهله الذين يؤخذ عنهم، وأما بعدهم فقد فسدت الألسن وتغيرت الفهم.
(2/242)

واعلم أنّ كمال الإجتهاد متوقف على ثلاثة أشياء:
أحدها: التكيّف بالعلوم التي تهذب الذهن، كالعربية وأصول الفقه وما تحتاج إليه العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ، بحيث تصير هذه العلوم ملكة للشخص.
وأصول الفقه كان الصحابة أعلم منا بها من غير تعليم، وغاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم، فقد يخطىء ويصيب.
الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة، حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه حق أو موافق.
الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة؛ ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل، وأن يصرح به، فإذا وصل الشخص إلى هذه المرتبة وحصل على الأشياء الثلاثة؛ فقد حاز رتبة الكاملين في الإجتهاد، ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة، وأما الأول فبطباعهم، وأما الثاني والثالث فلمشاهدتهم الوحي، ومعرفتهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فأين لمن بعدهم مداناته؟ اهـ كلامه ملخصا.
وقال الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي ص 10 من كتابه: مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول، فصل: والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا خاصا بالصحابة فمن بعدهم، فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله فيها من كتاب الله وسنة نبيه اهـ.
وقال الإمام شرف الدين سلطان المادحين أبو عبد الله البوصيري في همزيته في حق الصحابة:
كلهم في أحكامه ذو اجتهاد ... وصواب، وكلهم اكفاء
رضي الله عنهم ورضوا عن ... هـ فأنى يخطو إليهم خطاء
قال ابن حجر على قوله: واجتهاد صحيح: لتوفر شروط الإجتهاد كلها في جميعهم زيادة، ولذلك لم يعرف عن أحد منهم أنه قلّد غيره في مسألة من المسائل، وكان الناس يستفتون كلّ من روى منهم فيفتيه باجتهاده، ولا يعترض أحد منهم على أحد، إلا إن كان هناك نص صريح خولف فيذكر لهم، فمنهم من يرجع إليه ومنهم من يؤوله أو يعارضه بمسألة اهـ ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلوي وأبي عبد الله بنيس الفاسي.
وقال الجوجري: أحكامهم ليست صادرة عن هوى النفس، بل هي ناشئة عن الإجتهاد التام، المستوفي لشروط الإجتهاد، المحصل للأجرين أصابوا أو أخطأوا اهـ منه ونحوه لأبي عبد الله الحضيكي، والشيخ سليمان الجمل المصري، والصومعي التادلي وغيرهم، ممن شرحها.
(2/243)

وقال الشريف السجلماسي في شرحها: هم علماء أئمة يقتدى بهم، لأنهم ورثوا من علمه صلى الله عليه وسلم ما تميزوا به عن جميع من جاء بعدهم، وقد أنزل القرآن بلغتهم، وعلى أسباب عرفوها، وقصص كانوا فيها، فعرفوا مسطوره ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله، قال الشيرازي في طبقات العلماء الفقهاء: ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز لم ينقل أن أحدا من الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتهم، يعرفون معناه، ويفهمون منظومه وفحواه، وأفعاله هي التي فعلها من العبادات، والمعاملات في السير والسياسات، وقد شاهدوا ذلك كله، وعرفوه وتكرر عليهم وتحروه، غير أن الذي اشتهر منهم بالفتوى والأحكام جماعة مخصوصة، وأما من لم يلازمه صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس بهذه المثابة، فقد جاء أن الحسن البصري كان يفتي الصحابة في زمنه، وهو من تصديق قوله عليه السلام: رب مبلّغ أوعى من سامع، ثم أتى بكلام ابن حجر السابق، وما أشار إليه من أنّ أكثرهم كذلك، نحوه قول ابن حجر. وهذا بالنسبة لأكثرهم، وغاية ما يقال في نحو الحسن البصري؛ أن السائل له من الصحابة قبل أن يصرف قوة اجتهاده وملكته بنفسه، فإذا أفتاه نظر فيه وبذل وسعه في النظر في الدليل، فيوافق إفتاء الحسن اجتهاده ثم استدل بقول الجوجري عقب ما سبق عنه، وكلهم في ذلك متكافئون، متساوون من حيث الإجتهاد، وعدم صدور شيء من الأحكام عن شهوة أو غرض اهـ.
وقال الشهاب الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري: كلهم في أحكامه ذو اجتهاد أي صواب، وكلهم أكفاء؛ متكافئون في أصل الصحبة، والفضلية والعلم والإجتهاد، وإبراز الأحكام لله، وإنما يتفاوتون في الزيادة في ذلك، وحينئذ فلا ينافي ذلك قول ابن عمر:
أبو بكر أعلمنا، ولا سؤال عمر لعلي فيجيبه فيقول: لا قدس الله أمة لست فيهم يا أبا الحسن، ولا تقديم عمر لابن عباس علي أكابر مشيخة المهاجرين والأنصار، لأنه كان يجد عنده من العلم ما ليس عندهم، ولا سؤال معاوية لعلي بالإرسال إليه في المشكلات فيجيبه. ولقد قال له أحد أهل بيته: لم تجيب عدونا فقال: أما يكفينا أنه احتاج إلينا وسألنا اهـ.
وفي حاشية الباجوري، على شرح السلم، بعد أن ذكر عن ابن حجر مستدلا بأنه لم يعرف أن واحدا من الصحابة قلّد غيره في مسألة من المسائل، قال: لكن رجح بعض أن فيهم المقلدين والمجتهدين اهـ.
وفيه أنه لم يأت بما يناقض ما ذكره ابن حجر فتأمله، والله تعالى أعلم. ثم وجدت في فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، حين تكلم على قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي، هل يلحق بالسنة؟ وذكر منه القول بأن ذلك خاص بقول الشيخين، ما نصه: وينبغي أن يكون النزاع في الصحابة الذين أفنوا أعمارهم في الصحبة، وتخلقوا بأخلاقه الشريفة، كالخلفاء وأزواجه الطاهرات والعبادلة وأنس، وحذيفة ومن في طبقتهم، لا مسلمة الفتح، فإن أكثرهم لم تحصل لهم معرفة الأحكام الشرعية إلا تقليدا اهـ.
(2/244)

باب في تحريهم في الفتوى ومدافعتهم لها وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها
قال الحافظ أبو شامة في اختصار كتاب المؤمل، إثر ما سبق عنه: وكانوا يتدافعون الفتوى، ويود كل منهم لو كفاه إياها غيره، وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع، ويقولون للسائل عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا قالوا: دعها حتى تقع، ثم يجتهد فيها. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به، واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد. فإذا وقعت واقعة لم يكن بد من النظر فيها.
وعن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب، وهو على المنبر: أحرّج الله على كل امرىء مسلم سأل عن شيء لم يكن، فإنه قد قضى فيما هو كائن.
وعن عبد الرحمن بن شريح إن عمر بن الخطاب كان يقول: إياكم وهذه العضل، فإنها إذا نزلت بعث الله من يقيمها ويفسرها.
وعن معاذ بن جبل: يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإن لم تعجلوا قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدّد.
وكان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى يقول: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس، ووضعها في عنقه. يشير إلى أن الفتوى والقضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة، وقال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار، من أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ودّ أنّ أخاه كفاه إياه، لا يستفتى عن شيء، إلا ودّ أن أخاه كفاه إياه، وفي رواية يسأل أحدهم المسألة فيردها إلى هذا حتى ترجع إلى الأول اهـ.
قلت: قول عبد الرحمن ابن أبي ليلى المذكور خرجه عنه من طرق وروايات ابن سعد في ترجمته من طبقاته، انظر ص 75 ج 6 وأخرج عبد الغني بن سعيد في أدب المحدث من طريق داود ابن أبي هند قلت للشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال على الخبير سقطت كان إذا سئل الرجل، قال لصاحبه: أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول، وفي مسلم عن أبي المنهال أنه سأل زيد بن أرقم عن الصرف؟ فقال: سل البراء بن عازب، فسأل البراء فقال: سل زيدا.
باب من كان يوسم بأعلم الصحبة وأذكاهم
هكذا عقد الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء له، لما ترجم لأبي بكر فقال: فصل في علمه: وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم؛ ثم نقل عن الذهبي في تهذيبه: استدل أصحابنا
(2/245)

على عظيم علمه بقوله: في الحديث الثابت في الصحيحين «1» : والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه.
واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته؛ على أن أبا بكر أعلم الصحابة، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكمة في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته في المسألة أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه.
وروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو بكر وعمر، ما أعلم غيرهما. وفي الصحيحين «2» في قصة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قبيل موته في العبد الذي خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المخيّر وكان أبو بكر أعلمنا.
وفي حديث السقيفة قول عمر: وكان من أعلم الناس بالله، وأخوفهم لله، وقال ابن كثير: كان الصديق اقرأ الصحابة، أي أعلمهم بالقرآن، لأنه صلى الله عليه وسلم قد قدمه إماما للصلاة بالصحابة، مع قوله: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة، كما رجع إليه الصحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظها هو، ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم. وكيف لا يكون كذلك؛ وقد واظب على صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من أول البعثة إلى الوفاة. وهو مع ذلك من أذكى عباد الله، وأعقلهم. وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل، لقصر مدته، وسرعة وفاته، وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه ولكن كان الذي في زمنه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته، فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم، وكان من أعلم الناس بالأنساب والتعبير، ثم عقد السيوطي فصلا لما روي عنه من الحديث، فأوصل مرويّه إلى مائة وأربعة أحاديث. وساقها. وكان مع ذلك أسدّ الصحابة رأيا، وأكملهم عقلا انظر تاريخ الخلفاء له، وقد سبق ويأتي عن جماعة أن عليا كان أفضل الصحابة من جهة العلم، أشهر به من غيره، وعلمه وفتاويه وحكمه ووقائعه تشهد لذلك، انظر الكتب المؤلفة في تراجمه وهي كثيرة لا حصر لها.
باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم
خرّج الترمذي من حديث علي رفعه: أنا مدينة العلم وعلى بابها، وقال: منكر، وجزم جماعة ببطلانه، لكن قال الحافظ أبو سعيد العلائي: الصواب أنه حسن باعتبار طرقه، لا صحيح ولا ضعيف، فضلا عن أن يكون موضوعا اهـ وكذا قال الحافظ ابن حجر
__________
(1) انظر كتاب الاعتصام في البخاري ج 8/ 141 وكتاب الإيمان في مسلم ص 52/ 1.
(2) انظر في البخاري كتاب مناقب الأنصار باب 45 ص 253/ 4 وفي مسلم كتاب فضائل الصحابة ص 1854/ 2.
(2/246)

في فتوى له: قال الحافظ السيوطي في الدرر المنثورة: وقد بسطت كلام العلائي وابن حجر في التعقبات الذي لي على الموضوعات اهـ ومصداقه ما ظهر على سيدنا على من العلم الواسع، الذي خضعت له به الرقاب، ودانت له الفلاسفة والحكماء، من كل أمة وملة، وقد سبق عن القرافي أنه: جلس ابن عباس يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر، وقال ابن المسيب: ما كان أحد يقول: سلوني غير علي. وقال ابن عباس:
أعطي علي تسعة أعشار العلم ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي. قال: وإذا ثبت الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره، وسؤال كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن والمعضلات مشهور، وناهيك أن انتهاء طرق علوم القوم وسلاسلهم إليه، فلست ترى من طريقة في الإسلام إلا وانتهاؤها إليه، ومنتهى سندها عنه رضي الله عنه، تصديقا لكونه باب مدينة العلم.
وقد قال الشيخ مصطفى البكري في كتاب تشييد المكانة لمن حفظ الأمانة: أن عليا رضي الله عنه لما استقر له الأمر، نشر أعلام الحقائق، وكشف أسرار الدقائق، وأخذ عنه ولداه الحسن والحسين، وكميل بن زياد، والحسن البصري طريق الذكر والتلقين، وتفرعت عنه سائر الطرق حتى النقشبندية، فإن لهم سلسلتين تتصل إحداهما بسلمان والثانية بعلي، وتكلم في جفره على سر القدر، لكن برموز اصطلح عليها، فكان هو الباب الذي انفتح لقلوب العارفين، حتى دخلوا منه، وظهر عنهم ما ظهر، وتحقق العالمون بما كشف لهم من السر المصون لكنه أوصى بنيه بكتم ما أسره لهم، حفظا للأسرار عن أهل الإنكار، ولما سأله كميل بن زياد عن الحقيقة فأجابه فقال: أريد أوضح من هذا فأجابه، ثم طلب الزيادة فزاده، ثم قال: طلع الفجر فأطف المصباح، أي طلع فجر البيان عما سألته، فاطفأ السراج السؤال فقد اتضح لك وحققته اهـ.
وفي حواشي الدر الثمين، للقاضي ابن الحاج عقب ما سبق عنه، في أن واضع علم التصوف سيدنا علي كرم الله وجهه، وقال فيه بعض الشيوخ، إنه أعطي العلم اللدني، ولا تصح النسبة إلى الولاية التي هي منبع الولاية الحقيقية، والمعارف الإلهية إلا من جهته، وحقيقته، فهو إمام الأولياء المحمدييين كلهم، وأصلهم ومنشأ انتسابهم إلى الحضرة المحمدية، ومظهر الولاية الأحمدية، وهو أرفع عارف في الدنيا بما خصه صلى الله عليه وسلم بقوله: أنا دار الحكمة وعلي بابها، ونحوه له في الأزهار الطيبة النشر، وزاد وعنه أخذ الحسن البصري قال: فإن قلت مرجع الطرق الصوفية الموجودة الآن إلى أربعين طريقا حسبما في الرحلة العياشية، عن الشيخ حسن العجيمي، وجلّها إنما ينتهي للحسن البصري، أجيب بأن الحسن البصري رأى عليا على ما صححه السيوطي وغيره، وحينئذ فلا مانع من أخذه عنه كما يقوله الصوفية، لأن أخذ العلم وتلقيه من الشيخ باللسان، غير مشترط في هذه الطريقة، وإنما المقصود أن يحصل على سبيل الهمة، والحال هداية المريد، وإشراق الأنوار في قلبه اهـ الخ.
(2/247)

وانظر تعليقنا على جامع الترمذي، وقد وقع من الولي ابن خالدون كلام في هذا الفصل، أشار فيه إلى الطعن على من يرفع سند الخرقة لعلي قائلا: هو من هذا المعنى بريء، وإلا فعلي لم يختص من بين الصحابة بتحلية ولا طريقة في لباس ولا حال، بل كان أبو بكر وعمر من أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه بالخصوص، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد، والمجاهدة اهـ ملخصا.
ولله در الشيخ عبد الهادي الأبياري إذ قال إثره في سعود المطالع: وفي النفس من هذا الكلام شيء؛ إذ فيه من القدح في أجلة المشايخ وخرق الإجماع منهم، في انتهاء أسانيد طرقهم إلى الإمام علي، ما لا يخفى على المطلع على أحوالهم، المطالع لصحف طرقهم، ما تجمح من أن تقبله- وقد كان صلى الله عليه وسلم يخص من شاء من العلوم والطرائق بما شاء، كما يرشد، إلى ذلك حديث حذيفة الذي أعلمه صلى الله عليه وسلم بما كان ويكون إلى يوم القيامة، وحديث أبي هريرة: أخذت وعاءين من العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك اهـ.
وقد أفرد ما رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة؛ فقد ذكر ابن سليمان الرداني في صلته: الذين جمعوا المسند لعلي: أبو جعفر محمد بن عبد الله الحضرمي عرف بمطين، وأبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو محمد عبد الرحمن بن عثمان ابن أبي نصر وغيرهم، وللخادمي في شرح الطريقة المحمدية؛ أن جميع الفرق ينتسبون لعلي في الأصول والفروع، وكذا المتصوفة في صفاء الباطن وابن عباس رئيس المفسرين تلميذه اهـ.
قلت: ومن أراد أن يعرف مقدار سعة علم سيدنا علي ومصداق كونه باب مدينة العلم النبوية فليطالع بتتبع شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ير العجب العجاب الذي يفوق أعداد الحساب.
باب من كان يلقب منهم بأسد الله
كان يقال لحمزة بن عبد المطلب أسد الله، لتقدم قدمه في الحرب، وشدة إقدامه على أعداء الله، وقد قال هو عن نفسه يوم بدر: أنا أسد الله وأسد رسوله، وأخرج الديلمي عن ابن عبد الصمد عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده: إنه لمكتوب في السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله.
باب الملقب فيهم بشيخ الإسلام
سبق عن الحافظ السخاوي أن أول من لقب في الإسلام بشيخ الإسلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفي تفسير البيضاوي لدى قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [البقرة: 14] قول ابن أبيّ لأبي بكر: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام، والقصة خرّجها الواحدي، وقال ابن حجر: منكر وذكر إسنادها وقال: هو سلسلة الكذب
(2/248)

لا سلسلة الذهب اهـ ولكن قال القاضي الخفاجي في العناية: شيخ الإسلام كان في زمن الصحابة يطلق على أبي بكر وعمر وهما الشيخان والمراد بشيخ الإسلام كما للحافظ ابن ناصر الدمشقي في الرد الوافر عند الجهابذة النقاد: المتتبع لكتاب الله، المقتفي لسنن رسول الله، المتقدم بمعرفة أحكام القرآن، ووجوه قراآته، ووجوهه وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، الآخذ بالآي المحكمات، والإيمان بالمشتبهات، أحكم من لغة العرب ما أعانه على علم ما تقدم، وعلم السنة إسنادا ونقلا وعملا، واستنباطا للأصول والفروع من الكتاب والسنة، قائما بما فرض الله عليه، متمسكا بما ساقه الله إليه، مع التواضع لله، العلي الشأن الخائف من عثرة اللسان، لا يدعي العصمة ولا يفرح بالتبجيل انظر ص 10 منه.
وقال الحافظ السخاوي في كتابه الجواهر، الذي ألف في مناقب شيخه ابن حجر شيخ الإسلام: أطلقه السلف على المتبع للكتاب والسنة، مع التبحر في العلوم، من المعقول والمنقول، وربما وصف به من بلغ درجة الولاية، ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين الصديق والفاروق، فإنه ورد وصفهما بذلك ثم ساق أثرا عن علي من طريق الرياض النضرة للمحب للطبري أطلق فيه ذلك على الشيخين أنظر العناية.
باب الملقب فيهم بسيف الله
هو خالد بن الوليد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف الله، لحسن آثاره في الإسلام، وصدقه في قتال المشركين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر إليه وإلى عكرمة بن أبي جهل قرأ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [آل عمران] ، لأنهما من خيار الصحابة، وأبواهما عدوّان لله ورسوله، وكان على مقدمة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وهو الذي تولى كسر أكثر الأصنام، وهدم الأوثان التي كانت قريش تعبدها، أنظر تحليل ما سمع من جوفها حين أراد هدمها عند الجاحظ، وقد نقل ذلك الثعالبي في ثمار القلوب ص 17.
ولما توفي المصطفى، وكانت أيام الردة حسن بلاء خالد فيها، وكان عميدا عند أبي بكر فبعثه إلى طليحة فهزمه، وصالح أهل اليمامة، ونكح ابنة مجّاعة ولما توفي لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبره، أو حلقت رأسها. ولما ارتفعت أصوات النساء عليه أنكرها بعض الناس فقال عمر: دع نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان، ويرقن من دموعهن سجلا أو سجلين.
باب في الذي يضرب به المثل في العدل منهم
يقال: سيرة العمرين؛ وهما أبو بكر وعمر يضرب بهما المثل، إذ لم يعهد بمثلهما بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عبد الملك بن مروان يقول: انصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر، ولا ترون منها، ولا في أنفسكم سيرة الحبيب أبي بكر وعمر، وقال البحتري:
(2/249)

إن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية قد ساسها المتوكل
وقال بعض البلغاء: وقد ذكر بعض الملوك: رأيت صورة قمرية وصورة عمرية، وعن عائشة رضي الله عنها: إذا ذكر عمر ذكر العدل، وإذا ذكر العدل ذكر الله. وإذا ذكر الله نزلت الحرمة. وعنها أيضا قالت: زينوا مجالسكم بذكر عمر، وقال بعض الشيوخ: من أصابه هم فليناد عمر ما سلكت فجا إلا وسلك الشيطان فجا غير فجك، لأن أكثر الهموم من مثيرات الشيطان يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [البقرة: 268] وفي العتيبة قال مالك: كانت عائشة تقول: إذا أردتم أن يطيب لكم المجلس فاذكروا عمر رضي الله عنه، قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قول عائشة بيّن لأن ذكر هديه، وما كان عليه من السيرة مما تشرح له الصدور، وتطيب به النفوس اهـ.
ولا تزال سيرة عمر الشغل الشاغل للأمم يردد دويها الناس في كل عصر وزمان، ولو تتبعت من أفرد سيرته بالتأليف لطال الحال، وحتى الإفرنج فقف على كتاب الكساندر مازا الذي سماه أعيان الشرق في مجلدين طبع بباريز سنة 1847، وترجمة سيدنا عمر فيه من ص 106 إلى صحيفة 160 وعلى الموسوعات والمعاجم التاريخية المتنوعة في لغات الإفرنج.
باب فيمن كان يضرب به المثل في الهيبة من الصحابة
قال الشعبي: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج، ولما جيء بالهرمزان ملك خراسان أسيرا إلى عمر وافق ذلك غيبته عن منزله، فما زال الموكل بالهرمزان يقتفي أثر عمر، حتى عثر عليه في بعض المساجد، نائما متوسدا درته، فلما رآه الهرمزان قال: هذا والله الملك الهني عدلت فنمت، والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة، أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة، وقد عقد ابن الجوزي في سيرة عمر بابا هو 45 من أبواب في ذكر شدة هيبته في القلوب، فروى فيهما عن القاسم بن محمد قال: بينما عمر يمشي وخلفه عدة من الصحابة إذ بدا له فالتفت فما بقي منهم أحد إلّا خرّ لركبتيه ساقطا قال: فأرسل عينه بالبكاء، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني أشدّ فرقا وعن عكرمة أن حجاما كان يقص شعر عمر بن الخطاب، فتنحنح عمر وكان مهيبا فأحدث، فأعطاه عمر أربعين درهما، واسم هذا الحجام سعيد بن الهبلج كذا وقصته هذه عزاها السيوطي في الجمع لابن سعيد والخطيب.
وعن عبد الله بن عباس يحدث قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن آية فلا أستطيع لهيبته. أنظره في خبر هيبته من الباب المذكور من سيرته للحافظ ابن الجوزي.
وأخرج ابن عساكر عن عائشة أنه كان بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم كلام، فقال رسول الله ترضين أن يكون بيني وبينك أبو بكر؟ فقلت: لا. فقال: أترضين أن يكون بيني وبينك عمر قلت: من
(2/250)

عمر؟ قال: ابن الخطاب. قلت: والله أني أفرق من عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشيطان يفرق من عمر. وفي لفظ من حسّ عمر.
باب فيمن كان يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة
كان يضرب المثل بفضائل علي في الكثرة، كما قال محمد بن مكرم لأبي على البصير: فضولك والله أكثر من فضائل علي، وقال الجاحظ: لا يعلم رجل في الأرض، متى ذكر السبق في الإسلام، والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة، والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور، التي يتناصر الناس عليها، وكان مذكورا في هذه الخلال كلها، إلا عليّ.
وكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالما، وليس بعابد، وعابدا وليس بعالم، وعابدا عالما وليس بعاقل، وسليمان بن يسار عالم عابد عاقل. قال الثعالبي في الثمار:
انظر ابن تقع خلال سليمان من خصال علي اهـ.
وقال الحافظ ابن الجزري في كتابه أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ص 59: انتهت إليه جميع الفضائل من أنواع العلوم، وجميع المحاسن، وكرم الشمائل، من القرآن والحديث، والفقه، والقضاء، والتصوف، والشجاعة، والولاية، والكرم، والزهد، والورع، وحسن الخلق، والتقوى، وإصابة الرأي.
ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب.
باب فيمن كان يضرب به المثل في الصدق
كان يضرب المثل في الصدق بأبي ذر رضي الله عنه، وقول المصطفى: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء بعد النبيئين أصدق لهجة من أبي ذر» «1» مشهور. قال الثعالبي في الثمار: ومن أملح ما سمع في ضرب المثل به قول الصاحب بن عبّاد في إنسان كذوب (والفاختة عنده أبو ذر) لأن الفاختة عنده يضرب بها المثل في الكذب، وأبو ذر يضرب به المثل في الصدق.
باب فيمن كان يضرب به المثل في المشية من الصحابة
كان يضرب المثل بسماك بن خرشة الأنصاري «2» ، وكان شجاعا بطلا قد تعوّد الإقدام حيث تزل الأقدام. وله آثار جميلة في الإسلام، وكانت له مشية عجيبة في الخيلاء، ونظر
__________
(1) رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء ج 2 ص 175، 223، ج 5 ص 197، ج 6 ص 442.
(2) هو المعروف بكنيته أيضا أبو دجانة وانظر ترجمته في الإصابة ج 4 ص 58 ورقمها 373.
(2/251)

إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في المعركة، وهو يتبختر بين الصفين فقال: إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان. وكان يقال له: ذو المشهرة لأنه كان له مشهرة (درع) إذا لبسها في الحرب لا يبقى ولا يذر. انظر ثمار القلوب.
باب فيمن كان يضرب به المثل في الفقه من الصحابة
في مسند أبي حنيفة من جمع الحصكفي، أنه روى عن حماد عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمعوا في منزل فأقيمت الصلاة فجعلوا يقولون: تقدم فأبى فقال: أي صاحب المنزل لابن مسعود: تقدم أمّ بنا يا أبا عبد الرحمن، فتقدم فصلى بهم. قال ابن سلطان في شرحه: لأنه كان أفضلهم، فقد قيل: إنه أفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة، ولما قال صاحب القاموس في الصحابة العبادلة، وليس منهم ابن مسعود. قال القاري عليه: لأنه أجلّ منهم، لا يعد منهم. ولهذا إذا أطلق عبد الله عند المحدثين فهو ابن مسعود اهـ.
وكان يضرب المثل في الفقه بالعبادلة وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهؤلاء من فقهاء الصحابة وثباتهم وعلمائهم، ومن أثبتهم ومن عبادلتهم أيضا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، كذا في ثمار القلوب.
وفي شرح الفية العراقي لمؤلفه قيل لأحمد بن حنبل: من العبادلة قال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وقيل له: فابن مسعود؟ قال: لا قال البيهقي لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى عملهم. فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة. وهذا هو المشهور بين المحدثين وغيرهم، واقتصر صاحب الصحاح في اللغة على ثلاثة وأسقط ابن الزبير. ووهم صاحب القاموس حيث وقع له أن الجوهري عدّ منهم في الصحاح ابن مسعود.
قال الشمس ابن الطيب الشركي في حواشيه: وليس في شيء من أصول الصحاح المقررة ذكر ولا تعرض، وقد راجعت أكثر من خمسين نسخة منه، فلم أره ذكره، وانظر بقية القول في العبادلة في الحواشي المذكورة، وفي فتح القدير «1» للكمال بن الهمام: أن اسم العبادلة غلب على من اشتهر بالفقه والفتوى من الصحابة، قال الشمس ابن عابدين الدمشقي، في حاشية نسمات الأسحار على شرح المنار، وعلى هذا يدخل تحته كل من اشتهر بالققه؛ كابن مسعود وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعائشة، كما في ابن نجيم [صاحب البحر الرائق] . وانظر شرح الحافظ السخاوي على الألفية.
__________
(1) من شروح كتاب الهداية في الفقه الحنفي.
(2/252)

باب في الحائز لقب أمين الأمة من الصحابة
هو أبو عبيدة بن الجراح، كان من عظاماء الصحابة، وكان عليه السلام يقول فيه:
لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. أخرجه البخاري عن أنس «1» .
والإمام أحمد عن عمر، وأحمد عن خالد بن الوليد والبيهقي، والنسائي عن أنس، وابن أبي شيبة عن قتادة، وأبو نعيم في فضائل الصحابة، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله عن خالد بن الوليد، والخطيب، وابن عساكر، عن أم سلمة قال الطيبي: كما في قوت المغتذي: الأمين كامير: الثقة الرضي، والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، ولكنه عليه السلام خصه بصفة غلبت عليه، وكان بها أخص، زيادة في معناها على غيره.
مفخرة: للمترجم؛ أخرج ابن سعد عن ابن نجيح قال: قال عمر بن الخطاب لجلسائه: تمنّوا، فتمنوا. فقال عمر: لكني أتمنى بيتا ممتلئا رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: ما ألوت الإسلام، قال ذاك الذي أردت «2» .
وفي ترجمة معاذ بن جبل، من الاستبصار لابن قدامة، أن عمر قال للصحابة يوما:
تمنوا فتمنى كل إنسان شيئا، فقال: عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان. وقال بعض من كتب في ترجمة أبي عبيدة رضي الله عنه من المصريين: اشتهر عند الروم بحلو الشمائل وصدق المقال. وفي فتوح دمشق أمّن أهلها على نفوسهم، ورخّص لمن لم يسلم إذا أراد الخروج أن يخرج بجانب من أمواله، وأعطاهم فرصة الأمان ثلاثة أيام من حين خروج من يريد الخروج، لا تلحقهم فيها جيوش الإسلام.
وقال بعض من كتب على هذه الواقعة من مؤرخي الإفرنج: لو كانت أوصاف هذا الصحابي الجليل الذي كان أمير الجيش الإسلامي، في ذلك العصر مجتمعة في أمراء جيوش الأعصر الجديدة المشهورة بالتمدن والتقدم؛ لافادتهم غاية المجد والشرف، ونفت عنهم مثالب الجور. فأجل أمراء جيوش الدول العظيمة المتمدنة في عهدنا لم تبلغ درجة ذلك الأمير الخطير، الذي هو بين الفاتحين عديم النظير فكل منقبة من مناقب عدله وحلمه ووفائه، تخجل أكابر رؤساء كل جيش من جيوش الدول المعاصرة وتزري بأمرائه اهـ.
باب فيمن أولم وليمة بقي يضرب بها المثل
كان الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، كما في الرياض المستطابة شريفا مطاعا في قومه، ثم وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة عشر من الهجرة، في قومه كندة، فأسلموا
__________
(1) رواه البخاري في أكثر من كتاب؛ في أخبار الآحاد والمغازي وفضائل الأصحاب انظر ج 8 ص 134.
(2) أي لم تقصر في مصلحة الإسلام.
(2/253)

ورجعوا إلى اليمن، ثم ارتد الأشعث زمن الردة، فأسرته خيل أبي بكر، وجاؤوا به إليه فأسلم، وقال للصديق: استبقني لحربك وزوجني أختك، فزوّجه أخته لأبيه أم فروة اهـ.
قال الثعالبيّ: فأصبح صبيحة البناء شاهرا سيفا فلم يلق ذات أربع، مما يؤكل لحمه إلا عقرها، فقال الناس: هذا الأشعث ارتدّ ثانيا، ثم إنه قال: يا أهل المدينة إنا والله لو كنا ببلادنا لأولمنا فاجتزوا من هذه اللحمان، وتصادفوا في الأثمان. فلم تبق دار من دور المدينة إلا دخلها من تلك اللحوم، ولم يمر يوم أشبه بيوم الأضحى من ذلك، فضرب أهل المدينة المثل لوليمة الأشعث، وأولم من الأشعث، وفي الأجوبة المهمة للشيخ المختار الكنتي نقلا عن الحافظ المنذري: أن أعظم وليمة بلغنا خبرها وليمة الأشعث بن قيس الكندي، حين تزوج أم فروة، فكانت وليمة ألف رأس من إبل وبقر وغنم اهـ وانظر ترجمته من الإصابة.
باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة
كان يضرب المثل في الحلم بالأحنف بن قيس التميمي السعدي، وفي الزهد لأحمد عن الحسن عن الأحنف: لست بحليم ولكني أتحلم.
وترجم النووي في التهذيب؛ لقيس بن عاصم الصحابي المشهور فقال: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له لما رآه: هذا سيد أهل الوبر. وكان قيس عاقلا حليما مشهورا بالحلم، وقيل: للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوما بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه، يحدث قومه، فأتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فو الله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه وقال: يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت عند ربك فقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك وفتت عضدك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني إلى ابن عمك فحلّ كتافه، ووار أخاك، وسق إلى أمك مائة ناقة من الإبل، دية ابنها فإنها غريبة.
قال الجاحظ: قد ذكروا في الإشعار حلم لقمان، وذكروا قيس بن عاصم، ومعاوية بن أبي سفيان، ورجالا كثيرين، ما رأينا هذا الإسم التزق والتحم بإنسان وظهر على الألسنة كما رأيناه تهيأ للأحنف بن قيس، ثم كان على ذلك رئيسا في أكثر الفتن، فلم ير حاله عند الخاصة والعامة، وعند النساك والفتاك، وعند الخلفاء الراشدين، والملوك المشتغلين، ولا حاله في حياته، ولا حاله بعد موته، إلا مسنونا فينبغي أن يكون قد سبقت له من النبي صلى الله عليه وسلم دعوة، ونال منه كما رووه وذكروه، أو يكون قد كان يضمر حسن النية، ومن شدة الإخلاص، ما لم يكن عليه أحد من نظرائه اهـ.
قلت: دعاء المصطفى له قد ساقه الحافظ في ترجمته في القسم الثالث من الإصابة، وهو قوله عليه السلام: اللهم اغفر للأحنف وذكر إن الأحنف كان يقول: ما من شيء من
(2/254)

عملي أرجى عندي من ذلك، وإن أحمد خرّج في كتاب الزهد من طريق جبير بن حبيب، أن رجلين بلّغا الأحنف بن قيس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فسجد.
وفي شرح بديعية البيان في ترجمة أبي ذر الغفاري: كان حليم الأمة وواحد الأيمة، ومفتي أهل الشام وأول قضاة دمشق في الإسلام.
باب في من كانت تستحي منهم ملائكة الرحمن من الصحابة
قال الشيخ يوسف بن عمر، في شرح الرسالة، لما تكلم على عورة الفخذ: قد كشفه النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر، وستره مع عثمان اهـ قال الشيخ أبو الإرشاد على الأجهوري:
وهذا يدل على أن عثمان ليس عنده عليه السلام من الخاصة، الذين يجوز كشفه بحضرتهم كالشيخين اهـ.
قال الزرقاني على المختصر: وفيه نظر: لأنه غطاه لعلة، وهي استحياء الملائكة منه، فعن عائشة أنه عليه السلام كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذنه أبو بكر، فأذن له وهو على حاله، فاستأذن عمر فأذن له، وهو على حاله، ثم استأذن عثمان، فأرخى عليه السلام ثيابه، فلما قاموا. قلت يا رسول الله: استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما، وأنت على حالك، فلما استأذنك عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: يا عائشة ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه. رواه أحمد «1» .
وسئل الحافظ السخاوي عن المواطن التي استحيت فيها الملائكة من عثمان فقال: لم أقف عليها في حديث يعتمد، ولكن أفاد شيخنا البدر النسابة في بعض مجاميعه، عن الجمال الكازروني، أنه صلى الله عليه وسلم: لما آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة في بيت أنس، وتقدم عثمان كذلك كان صدره مكشوفا فتأخرت الملائكة منه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتغطية صدره فعادوا إلى مكانهم، فسألهم عن سبب تأخرهم فقالوا: حياء من عثمان.
قلت وروى الطبراني في الكبير، وابن عساكر في تاريخه، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرّ بي عثمان وعندي جيل من الملائكة فقالوا: شهيد من الآدميين، يقتله قومه إنا نستحيي منه اهـ انظر شرح صحيح مسلم للسنباطي.
باب في ذي الرأي من الصحابة
هو الحباب بن المنذر بن الجموح، صاحب المشورة يوم بدر، أخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم برأيه، ونزل جبريل عليه السلام فقال: الرأي ما قال حباب. وكان له في الجاهلية آراء مشهورة، حتى لقب بذي الرأي، وهو الذي قال يوم سقيفة بني ساعدة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب.
__________
(1) رواه في ج 6 ص 62 والإسلامي ص 73 ج 6.
(2/255)

وأخرج ابن عساكر عن طلحة بن عبد الله رفعه: إن عمرو بن العاص لرشيد الرأي.
وأخرج الطبراني وسعيد بن منصور عن طلحة رفعه: يا عمرو إنك لذو رأي رشيد في الإسلام. وفي طبقات ابن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم يوم قريظة والنضير، قال: فقام الحباب بن المنذر فقال: إلا أن تنزل بين القصور فتقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله.
باب في ذي اليدين من الصحابة
هو عمير بن عبد عمرو من خزاعة، كان يعمل بيديه جميعا. فقيل له: ذو اليدين.
وكان يدعى ذا الشمالين، وهو الذي ذكر في حديث سهوه عليه السلام في الصلاة، قال الحافظ: كان يقال ذو الشمالين فسماه عليه السلام ذو اليمينين اهـ.
وفي القاموس: ذو اليدين: الخرباق قال الفاسي عليه: وهو بالكسر ابن سارية أو ابن عمرو، كما في شروح البخاري. وفي شرح التسهيل لأبي حيان أن اسمه خملاق وهو غريب لم يذكره المحدثون، ووقع الخلاف هل هو ذو الشمالين؟ والأصح أنه غيره. كما في التوشيح، والإرشاد، والفتح، وغيرهم، من شروح البخاري اهـ كلام ابن الطيب.
وفي ترجمة ذي الشمالين من الاصابة: روى الطبراني من طريق أبي شيبة الواسطي عن الحكم قال: قال عمار: كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة كلهم أضبط ذو الشمالين، وعمر بن الخطاب، وأبو ليلى اهـ والأضبط هو الذي يعمل بيديه جميعا اهـ كلام الإصابة.
وفي ترجمة عمر بن الخطاب من أسد الغابة: كان أعسر يعمل بكلتا يديه.
باب في ذي العمامة
هو سعيد بن العاص بن أمية، قال الثعالبي في ص 231 من ثمار القلوب؛ كان يقال له: ذو العمامة، لأنه كان في الجاهلية إذا لبس عمامته لم يلبس قرشي عمامته، حتى ينزعها. كما أن حرب بن أمية كان إذا حضر ميتا لم يبكه أهله حتى يقوم، وكما أن أبا طالب كان إذا أطعم لم يطعم غيره اهـ.
قلت: في ترجمة سعيد من أسد الغابة: كان جده أحيحة إذا اعتم بمكة لا يعتم أحد بلون عمامته إعظاما له، وكان يقال له ذو التاج، ولعله هو الصواب.
باب فيمن كان يضرب المثل بسيفه من الصحابة
علي بن أبي طالب كان يضرب المثل بسيفه في المصاعب كما قال الصاحب:
أحسن من عود ومن ضارب ... ومن فتاة طفلة كاعب
قدّ غلام صيغ من فضة ... متصل الحاجب بالحاجب
س لّ على الأمة من طرفه ... سيف علي بن أبي طالب
(2/256)

باب من كان من الصحابة يعدّ صوته في الجيش بألف رجل
أخرج الإمام أحمد، والحاكم، وأبو يعلى عن أنس وجابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة، وأخرج سمويه وابن سعد في الطبقات عن أنس رفعه: صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل، وأخرج الحاكم عن جابر رفعه:
لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل، وأخرج عبد بن حميد عن أنس: لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة، وطلحة هذا هو زيد بن سهل الأنصاري، كان من شجعان الصحابة، وأكابرهم راميا شديد الرمي، وفي الذهب الإبريز: ولا مستنكر أن يجمع هيبة ألف في واحد على طريق الحقيقة، لا المبالغة وقد وقع ذلك في أفراد من الناس اهـ.
باب فيمن كان يسبق الفرس شدا على قدميه من الصحابة
ترجم في در السحابة لسلمة بن الأكوع فقال: كان شجاعا راميا، ودخل مصر لغزو المغرب، وكان يسبق الفرس شدّا على قدميه.
باب فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، نقلا عن الذهبي، كان يقال: داهية قريش أبو بكر وأبو عبيدة. وفي ترجمة المغيرة بن شعبة من الإستيعاب؛ روى مجالد عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة معاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير.
وحكى الرياشي عن الأصمعي قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبديهة، وزياد للصغير والكبير، والمغيرة للأمر العظيم. قال ابن عبد البر إثر ما نقل، قال أبو عمر:
يقولون إن قيس بن عبادة لم يكن في الدهاء بدون هؤلاء، مع كرم كان فيه وفضل اهـ.
وفي بهجة المجالس لابن عبد البر قال عمرو بن العاص: أنا للبديهة، ومعاوية للأناة، والمغيرة للمعضلات، اهـ وفي در السحابة: كان يقال في حق المغيرة بن شعبة:
مغيرة الرأي، وقال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد. وقال قبيصة بن جابر:
صحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها اه.
وفي ثمار القلوب: دهاء معاوية ذلك مما اشتهر أمره، وسار ذكره، وكثرت الروايات والحكايات فيه، ووقع الإجماع على أن الدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه فأما ما كان من معاوية فحيث هو من الدهاء وبعد الغور، وانضم إليه الثلاثة الذين يريدون بأول آرائهم أواخر الأمور، فكان لا يقطع أمرا حتى
(2/257)

يشهدوه، ولا يستضيء في ظلم الخطوب إلا بمصابيح آرائهم، سلم له أمر الملك، وألقت إليه الدنيا أزمّتها، وصار دهاؤه ودهاء أصحابه الثلاثة مثلا، ولم يذكر معهم في الدهاء إلا قيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي اهـ.
باب فيمن عرف من الصحابة بالقوى المدهشة حتى باهى به العرب فارس والروم
ترجم الحافظ السيوطي في در السحابة، فيمن دخل مصر من الصحابة لقيس بن عبادة فقال فيه: أبو عبد الله من زهاد الصحابة وشرفائهم، وكان شجاعا مطاعا قالت له عجوز:
أشكو إليك قلة الجرذان. فقال: ما أحسن هذه الكناية املأوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا. وكانت له صحفة يدور بها حيث دار، وينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد.
وكان أبوه وجده من قبله يفعلان ذلك. وكان مديد القامة جدا.
كتب ملك الروم إلى معاوية أن إبعث إليّ بسراويل أطول رجل من العرب، فأخذ سراويل قيس. فوضعت على أنف أطول رجل في الجيش فوقعت على الأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث برجلين من جيشه، يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم وقال: إن كان في جيشك من يفوقهما؛ هذا في قوته؛ وهذا في طوله بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من يشبههما فهادني ثلاث سنين؛ فدعا للقوي بمحمد بن الحنفية، فجلس وأعطى للرومي يده، فأجهد بكل ما يقدر عليه من القوى أن يزيله عن مكانه، أو يحركه ليقيمه فلم يجد إلى ذلك سبيلا. ثم جلس الرومي وأعطى لابن الحنفية يده فما لبث أن أقامه سريعا ورفعه إلى الهواء ثم ألقاه إلى الأرض، فسرّ بذلك معاوية سرورا عظيما، ودعا بسراويل قيس بن سعد بن عبادة، وأعطاها للرومي الطويل فلبسها، فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط الأرض. فاعترف الرومي بالغلب.
باب فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول
في ترجمة عمر من أسد الغابة: كان طويلا قد فرع الناس أي طالهم كأنه على دابة اهـ وقال في صبح الأعشى: كان عمر بن الخطاب كأنه راكب والناس يمشون لطوله، وكان عدي بن حاتم إذا ركب تكاد رجلاه تخط في الأرض، وكذلك جرير بن عبد الله البجلي اهـ.
قلت: روى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند أن نعل جرير بن عبد الله البجلي طولها ذراع. ثم قال القلقشندي: وكان عبد الله بن عباس في نهاية الطول، وكان أبوه العباس أطول منه، وجده أطول من أبيه.
وفي ترجمة العباس من طبقات ابن سعد أنه حين أسر في وقعة بدر طلب له قميص فما وجدوا له قميصا يقدر عليه إلا قميص عبد الله بن أبي، ألبسه إياه فكان عليه. وفيها:
كان العباس بن عبد المطلب أقرب الناس شحمة أذن إلى السماء.
(2/258)

قلت وفي قصة سريّة الخبط، وخروج دابة العنبر للصحابة أن أبا عبيدة أخذ ضلعا من أضلاعه فنصب، ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته، ثم عمد إلى أطول رجل معه، وفي رواية عبادة عن ابن إسحاق: ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها، وما مست رأسه. والقصة في الصحيح للبخاري «1» . وجزم الحافظ في مقدمة الفتح أن الرجل قيس بن سعد وتبعه القسطلاني في الإرشاد، وقال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه وأظنه قيسا، فإنه كان مشهورا بالطول، وقصته مع معاوية مشهورة، لما أرسل له ملك الروم أطول رجل منهم، ونزع له قيس سراويله، فكانت طول قامة الرومي، بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نزع سراويله فأنشد:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود
قلت: قيس هذا هو المذكور طوله في الترجمة قبله عن در السحابة، ولكن قال النووي في ترجمته من التهذيب: قال ابن عبد البر: وخبره في السراويل عند معاوية باطل لا أصل له اهـ وممن كان يعرف بالطول من الصحابة، الزبير بن العوام وفي در السحابة:
كان الزبير طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب، أخرجه الزبير بن بكار. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عروة قال: كان الزبير طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة.
وقال محمد بن الربيع: أدرك الإسلام عشرة؛ طول كل رجل منهم عشرة أشبار:
عبادة بن الصامت، وسعد بن معاذ، وقيس بن سعد بن عبادة، وجرير بن عبد الله البجلي، وعدي بن حاتم الطائي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، والأشعث بن قيس الكندي، ولبيد بن ربيعة، وأبو زيد الطائي وعامر بن الطفيل، ويقال: طلحة بن خويلد.
وقد أورد الحافظ الهيثمي في المجمع: باب أخذ الحديث من الثقات؛ عن المنقع بن الحصين قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو على ناقة له، ومعه أسود قد حاذى رأسه برأس النبي صلى الله عليه وسلم، ما رأيت أحدا من الناس أطول منه، فلما دنوت منه كأنه أهوى إليّ، فكفّه النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثا. وهذه القصة للطبراني في الكبير، وابن سعد في ترجمة المنقع من الطبقات أنظر ص 43 ج 7.
باب من كان من الصحابة في غاية القصر
كان عبد الله بن مسعود قصيرا يكاد الجالس يوازيه من قصره.
باب من كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل
أبو بكر الصديق في معرفة الأنساب، عمر بن الخطاب في قوة الهيبة عثمان بن عفان في التلاوة [الحياء] علي بن أبي طالب في القضاء، ومعاوية في كثرة الإحتمال، وأبو عبيدة
__________
(1) انظر كتاب الذبائح والصيد ج 6 باب 1 ص 223.
(2/259)

بن الجراح في الأمانة، وأبوذر في صدق اللهجة وأبي بن كعب في القرآن، وزيد بن ثابت في الفرائض، وابن عباس في تفسير القرآن، وعمرو بن العاص في الدهاء، وأبو موسى الأشعري في سلامة الباطن.
وفي نزهة الجليس للعباس بن علي الموسوي المكي، لدى ذكره الذين رزقوا السعادة في أشياء لم يأت بعدهم من نالها قال: وهم أبو بكر الصديق فإنه كان نسابة عصره، علي بن أبي طالب في القضاء، أبو عبيدة في الأمانة، أبوذر في صدق اللهجة، أبي بن كعب في القرآن الخ.
باب من كان يضرب به المثل من الصحابة في الجمال
جرير بن عبد الله البجلي كان كامل الجمال حتى قال فيه عمر: هو يوسف هذه الأمة. وكان المصطفى يحبه ويكرمه لذلك، قاله المناوي في فيض القدير، وقول عمر المذكور فيه أخرجه ابن سعد، والخرائطي في اعتلال القلوب، وقال فيه المصطفى لما ورد عليه: سيدخل عليكم من هذا الفخ أو من هذا الباب من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك. أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، وأبو نعيم، وأخرجه الطبراني عنه قال: كان إذا قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفود دعاني فباهاهم بي، وأخرج الطبراني في الكبير، والحكيم من طريق صابر بن سالم بن حميد بن يزيد بن عبد الله بن ضمرة بن مالك البجلي عن أبيه، عن سالم عن أبيه، حميد عن أبيه يزيد قال: حدثتني أختي أم القصاف عن أبيها عبد الله بن ضمرة أنه كان قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فطلع جرير فبسط له رداءه.
وفي صحيح البخاري «1» وشمائل الترمذي عن جرير قال: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك. قال المناوي ما حجبني: منعني منه الدخول عليه مع خواصه وخدمه، وقال ابن سلطان: ولعل وجه التبسم له كل مرة في رؤيته أنه رآه مظهر الجمال فإنه كان له صورة حسنة على وجه الكمال اهـ.
وأخرج الترمذي في الشمائل أيضا عن جرير قال: عرضت بين يدي عمر، فألقى جرير رداءه، ومشى في إزار فقال: خذ رداءك. فقال عمر للقوم: ما رأيت رجلا أحسن من جرير إلا ما بلغنا من صورة يوسف عليه السلام.
ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي قال: كان طول جرير ستة أذرع، وقال عبد الملك بن عمر: رأيت جرير بن عبد الله وكأنّ وجهه شقة قمر، وكان نعله ذراعا، وقال الموقري: وكان جرير طويلا يصل إلى سنام البعير، وكان نعله ذراعا فيه اهـ أنظر جميعه في حاشية العلقمي على الجامع الصغير، على حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
ونقل ابن سلطان على الشمائل: عن أبي عثمان مولى عمرو بن حريث عن عبد
__________
(1) انظر كتاب الجهاد والسير باب 162 من لا يثبت على الخيل ص 25 ج 4.
(2/260)

الملك بن عمير قال: رأيت جرير بن عبد الله، وكأنّ وجهه شقة قمر، وممن كان يضرب به المثل في حسن الصورة دحية الكلبي، وكان جبريل ينزل على صورته.
وروى العجلي في التاريخ؛ عن عوانة بن الحكم، قال: أجمل الناس من كان جبريل ينزل على صورته، وقال ابن عباس: وكان دحية إذا قدم المدينة لم تبق مخدرة إلا خرجت تنظر إليه. ذكره ابن قتيبة في الغريب. وقد سبق عن الفتوحات المكية أنه بلغ من أثر جمال دحية في الخلق، أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس، ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها. وعن العمدة للعيني: أن دحية هذا كان يمشي متلثما خشية أن تفتتن به النساء، وأنظر أبواب الرسل من المجلد الأول.
أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
في در السحابة عن مسلم: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشرافا، ولدوا في دار واحدة أبعد قبورا من بني العباس: عبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة، والفضل بالشام، ومعبد وعبد الرحمن بافريقية؛ وقثم بسمرقند، وكثير بالينبع. وقيل: إن الفضل بأجنادين وعبيد الله بأفريقية اهـ.
قلت: قبر الفضل معروف الآن برملة فلسطين، زرته وروبت فيه. وحدثت حين مروري على الرملة لزيارة بيت المقدس، عام 1324، [1906] وأم أولاد العباس الستة وهم: الفضل وعبد لله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب، أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، وفيها عبد الله بن يزيد الهلالي:
ما ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أم الفضل
أكرم بهم من كهلة وكهل
أنظر طبقات ابن سعد. وهنا يحق أن نتمثل بقول الشاعر:
وإن لنا قبرين قبر بلنجر ... وقبر بصين يا لك من قبر
فذاك الذي بالصين عمّت فتوحه ... وهذا الذي يسقي به وابل القطر
باب في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة
في در السحابة لما ترجم لعبد الله بن عمرو بن العاص فقال عنه: أسلم قبل أبيه وكان أصغر منه بإحدى عشرة سنة، وفي كتاب الشهادات من ابن غازي على الصحيح، على قول فقرة: أسلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، نقلا عن ابن حجر. هذا فقرة الكوفي، ومثله عن عمرو بن العاص، وذكروا أنه ما كان بينه وبين ابنه عبد الله إلا اثنتا عشرة سنة.
(2/261)

باب من كان من الصحابة بيده سيف الفتح بحيث فنصب في عهده اثنا عشر ألف منبر
هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقع ذلك في كلام البزازي من أئمة الحنفية في كتاب أدب القاضي، ونقل ذلك عنه العالم النحرير الحاج رجب ابن أحمد التركي في شرح الطريقة المحمدية المسمى، بالوسيلة الأحمدية أنظر ص 271 ج 1 منه وقد سبق كلامه في الاختصاصيين من الصحابة.
باب من كان من الصحابة له ألف مملوك يؤدون له الخراج
في درّ السحابة لدى ترجمة الزبير بن العوام: كان له ألف مملوك يؤدون له الخراج، وكان يتصدق به كله، أخرجه يعقوب بن سفيان. ولا يدخل بيته شيئا اهـ ونحوه في ترجمته من الإصابة عازيا له ليعقوب بن سفيان: أنه كان لا يدخل بيته منه شيئا، وفي ظل الغمامة، لأبي عبد الله بن أبي الخصال الغافقي، في ترجمة الزبير: المتصدق في كل يوم ما تل [كذا] جديد بخراج ألف كامل من العبيد اهـ.
باب فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة
وكان له مائة غلام، كل غلام منهم يتكلم لغة خاصة، تقدم ذلك عن عبد الله بن الزبير في أبواب السفراء والتراجمة، وهو شيء عجيب يدل على اتساع المعارف وثبوت قدمها عندهم، ولا أعلم مثل هذا نقل عن أمة من الأمم، أو دولة من الدول، فغاية ما جاء عن الفرس: أن ملوكهم كانوا كما في مفاتيح العلوم للخوارزمي؛ يتكلمون في مجالسهم باللغة الفهلوية، وهي من لغات الفرس، وكانوا يتكلمون في الخلاء ومواضع الإستفراغ وعند التعري في الحمام، وفي الأندية والمغسل باللغة الخوزية، وهي لغة منسوبة إلى خوزستان، وكان حاشية الملوك إذا التمسوا الحوائج وشكوى الظلامات يتكلمون باللغة النبطية، لأنها أملق الألسنة، وكان يجري كلام الموابذة وهم القضاة، ومن كان مناسبا لهم بلغة كور فارس.
وعبارة ابن عابدين في حواشي الدر؛ نقلا عن ابن كمال باشا: أن الفارسية خمس لغات: فهلوية كان يتكلم بها الملوك في مجالسهم، ودرّية يتكلم بها الموابذة ومن كان مناسبا لهم، وخوزية وهي لغة خوزستان يتكلم بها الملوك والأشراف في الخلاء، وموضع الإستفراغ، وعند التعري للحمام، وسريانية منسوبة إلى السريان وهم بالعراق اهـ ص 339 ج 1 وقوله: الموابذة قال في القاموس: موبذان مفرد ومعناه: فقيه الفرس أو حاكم المجوس، وجمعه موابذة وهذه التاء تاء العجمة اهـ «1» .
__________
(1) موبذ: هو الكاهن والقاضي لدى المجوس، وجمعه بالألف والنون موبذان. وقاضي القضاة الأكبر يسمى: موبذ موبذان. وأما موابذة فجمع تكسير عربي. مصححه.
(2/262)

قلت: وهذا شيء سهل يسير جدا بالنسبة لما في هذه الترجمة عن موالي عبد الله بن الزبير وسيدهم.
باب فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم
في كتاب العلم من الأحياء؛ لما مات عمر بن الخطاب قال عبد الله بن مسعود: مات تسعة أعشار العلم، قال في الإتحاف: رواه صاحب القوت بلا سند. وأخرجه ابن أبي خيثمة في كتاب العلم، فقال: حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم قال قال عبد الله: إني لأحسب أنه مات تسعة أعشار العلم بموته. ولفظ أبي خيثمة إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم، قال في القوت فعرّف بالألف واللام، ثم فسره بالعلم بالله، وذلك لما قيل له: أتقول هذا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون؟ فقال: إني لست أعنى العلم الذي تذهبون إليه، إنما أعنى العلم بالله عز وجل اهـ منه ص 235 ج 1. ونحوه؛ نقل عن ابن مسعود النووي في ترجمة عمر، من تهذيب الأسماء واللغات.
باب في ذكر صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين
في تذكرة الحفاظ لدى ترجمة أبي بن كعب: أن عمر بن الخطاب كان يهابه، ويستفتيه، ولما مات قال عمر: اليوم مات سيد المسلمين اهـ.
باب في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية
قال ابن سيد الناس في سيرته: لما تكلم على غزوة تبوك: أنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها اهـ وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألفي دينار فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم ارض عن عثمان. فإني راض عنه اهـ.
قال البرهان الحلبي في نور النبراس: وجهزهم بسبعمائة بعير وخمسين بعيرا، وبخمسين فرسا،. قاله ابن عبد البر. ثم قال عن أسد بن موسى: حدثني أبو هلال الراسبي قال: حدثنا قتادة قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا اهـ.
وفي جامع الترمذي، والحاكم، وأخرجه أحمد والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، عن عبد الله بن حباب السلمي الصحابي قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحثّ على جيش العسرة، قال عثمان: عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حثّ على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله عليّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله على ثمانمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر، وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد ذلك، قال الترمذي: إسناده جيد وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن سمرة قال: أتى عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(2/263)

بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، قال الترمذي، بل في مسند أبي يعلى الموصلي بسنده، أن عثمان جهز جيش العسرة، وجاء بسبعمائة أوقية من الذهب، وأخرج ابن عدي عن حذيفة وأبو نعيم في مسند أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان يستسلفه في غزوة غزاها، فبعث إليه بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه. ذكره الذهبي في الميزان في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الثقفي.
وأخرج ابن سعد في الطبقات، عن محمد بن ربيعة بن الحارث قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوسعون على نسائهم في اللباس، الذي يصان ويتجمل به، ثم يقول: رأيت على عثمان مطرف خزّ ثمنه مائتا درهم فقال: هذا لنائلة كسوتها إياه، فأنا ألبسه أسرها به، وأخرج فيها أيضا أن عثمان أجاز الزبير بن العوام بستمائة ألف، وقال سيدنا سعد بن الربيع: أنا أكثر الأنصار مالا، وكانت عند المقداد بن الأسود غرائر من المال، ببركة دعائه عليه السلام، وكذا دعا لعروة بن الجعد فقال: فلقد كنت أقوم بالكناسة، وهو موضع بالكوفة فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
وذكر الخفاجي وبناني في شرح الشفا أن حكيم بن حزام لما حج في الإسلام أهدى مائة، بدنة وألف شاة، ووقف بمائة وصيف في أعناقهم أطواق فضة، منقوش عليها عتقاء الله عن حكيم بن حزام، انظر ص 406 ج 1 من نسيم الرياض.
وبلغ من غنى عبد الرحمن بن عوف أن قال: كما للحافظ الشامي: لو رفع حجرا لرجا أن يصيب تحته ذهبا، وفتح الله عليه. ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤوس حتى مجلت منه الأيدي، وأوصى بخمسين ألف دينار وأعتق يوما ثلاثين عبدا، وتصدق بشطر ماله أربعة ألاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم بخمسمائة فرس، ثم بخمسائة راحلة.
وفي الترمذي أنه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف، قال: بحديث حسن.
وقال عروة بن الزبير: أوصى عبد الرحمن بن عوف لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ. وأوصى بألف فرس في سبيل الله، وعن أنس قال: لقد رأيته منح لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف.
قال الحافظ في الفتح إثره. قلت: مات عن أربع نسوة فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ومائتي ألف، وهذا بالنسبة لتركه الزبير التي تقدم شرحها في الخمس قليل جدا فيحتمل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم لأن كثرة مال عبد الرحمن بن عوف مشهورة جدا اهـ من باب الوليمة، من كتاب النكاح.
وفي الاستيعاب: كان عبد الرحمن بن عوف تاجرا مجدودا في التجارة، وكسب مالا
(2/264)

كثيرا. وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع على الجرف بعشرين ناضحا، فكان يدخر من ذلك قوت أهله سنة. وروي أن زوجته التي طلقها صولحت عن ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا قيل: صولحت بهذا المقدار عن ربع الثمن من متروكه اهـ.
وقال جعفر بن يرقان [كذا] بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة.
أخرجه أبو نعيم في الحلية، وأخرج ابن سعد في الطبقات أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار على ثلاثين ألفا، وصدقاته أكثر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر.
وفي أيام خلافة عثمان توسع الناس في أمور الدنيا أكثر مما كانوا عليه في زمن عمر، واستعملوا النفيس من الملبس، والمسكن، والمطعم، واقتنوا الضياع والأثاث.
قال المسعودي، في مروج الذهب: في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار، وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وخيبر وغيرهما مائتا ألف دينار، وخلف إبلا وخيلا كثيرا. وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلف ألف فرس وألف أمة.
قلت: وفي طبقات ابن سعد أن الزبير خلّف أربع نسوة أصاب كل امرأة ألف ألف ومائة ألف، قال فجميع ماله خمسة وثلاثون ألف ألف ألف ومائتا ألف، وفيها عن سفيان بن عيينة قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف، وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان قيمة ما ترك الزبير إحدى وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وفيها أيضا عروة قال:
كان للزبير بمصر خطط، وبالإسكندرية خطط، وبالكوفة خطط، وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة، انظر ص 77 ج 3. من طبقات ابن سعد.
وفي باب إدام النبي صلى الله عليه وسلم من المناوي على الشمائل، في حق ابن مسعود قال في الكشاف: روي أنه خلف تسعين ألف دينار سوى الرقيق والماشية اهـ ثم قال المسعودي في مروج الذهب: وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك.
قلت: وفي طبقات ابن سعد: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة ألف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالإعراض له غلات، وكان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله وزوج أياماهم وأخدم عائلهم، وقضى دين غارمهم، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن صبيحة التميمي ثلاثين ألف درهم.
وفي طبقات ابن سعد أن طلحة كان في يده خاتم ذهب فيه ياقوتة حمراء، وفي الطبقات أيضا عن عمرو بن العاص قال: حدثت إن طلحة ترك مائة بهار، في كل بهار
(2/265)

ثلاث قناطير ذهب، وسمعت أن البهار جلد ثور. ثم قال المسعودي: وكان على مربض عبد الرحمن بن عوف ألف فرس، وألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ الربع من متروكة يوم وفاته أربعة وثمانين ألفا، وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلّف من الأموال والضياع بمائة ألف دينار. وبنى الزبير داره بالبصرة، وكذلك بمصر، والإسكندرية، والكوفة، وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة، وشيّد داره بالمدينة، وبناها بالجص والآجر، والساج. وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، ورفع سمكها، وأوسع فضاءها، وجعل على أعلاها شرفات.
وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن، وفي تاريخ ابن عساكر: أن الثائرين على عثمان انتهبوا ماله كله يوم قتل، وكان ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم اهـ.
وترجم في الإصابة لحمزة بن أيفع الهمداني فذكر عن ابن الكلبي، أنه هاجر في زمن عمر إلى الشام ومعه أربعة آلاف عبد فاعتقهم كلهم، وفي مسند أحمد «1» عن أنس قال:
بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف، قدمت من الشام، تحمل كل شيء. قال: فكانت سبعمائة بعير. قال: فارتجت المدينة من الصوت، فذكر القصة. وفيها: فجعلها عبد الرحمن بن عوف بأقتابها وأحمالها في سبيل الله عز وجل.
وممن كان يعدّ من أغنياء الصحابة عمرو بن العاص خرج ابن عساكر أن عمروا كان يلقح كروم الوهط (بستان له بالطائف بألف ألف خشبة، كل خشبة بدرهم، فالكرم الذي يحتاج إلى خشب بألف ألف. كم تكون غلته؟ وكانت له دور كثيرة بمصر، ودور بدمشق، منها دار بجيرون ودار في ناحية الجابية، ودار تعرف بدار بني أحيحة، ودار تعرف بالمارستان، أنظر تاريخ ابن عساكر، حتى قال بعض العصريين: إن ما ذكره المؤرخون من مقدار ثروة عمرو لا يقبله العقل.
ومن أغنيائهم أيضا عمرو بن حريث القرشي المخزومي، ترجمه النووي في التهذيب فقال: مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، ودعا له بالبركة في صفقته وبيعته، فكسب مالا عظيما فكان من أغنى أهل الكوفة، وهو أول قرشي اتخذ بها داره، وولي بها لبني أمية اهـ.
وفي ترجمة حويطب بن عبد العزى من الإصابة أن المصطفى عليه السلام استقرضه مالا فأقرضه أربعين ألفا، ونزل المدينة، وبقي بها إلى أن مات. وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس فقال حويطب: وما هذه لمن عنده خمس من العيال.
__________
(1) ج 6 ص 115.
(2/266)

قلت: هذا يدلك على مقدار ما كانوا يستهلكون من المصاريف، ونفقات عيالهم.
وفي طبقات ابن سعد: عن سفيان بن الربيع قال: انطلقت في رهط في نسّاك أهل البصرة إلى مكة فقلت: لو نظرت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدللنا على عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، فقلت: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم هو ومواليه وأحباؤه الخ أنظر ص 2 ج 4.
ومن أغنيائهم سيدنا أنس، خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات: كان أنس بن مالك من أحرص أصحاب محمد على المال، وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، على قول البوصيري في الصحابة:
أغنياء نزاهة فقراء ... علماء أيمة أمراء
من كان بيده منهم فال كابن عوف وعثمان، فإنما كان خازنا لله يصرفه في مصارفه الشرعية، فهو مقتنيه لذلك لا لفخر، ولا لمحبة جمع الحطام الفاني، ولذلك جاء أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف رقيق، وتصدق هو وعثمان في غزوة تبوك بما يبهر العقل، وكان للزبير ألف مملوك يؤدون له الخراج، وما مات إلا وعليه قدر كثير جدا من الديون، وكون المخلف عن ابن عوف في ربع ثمنه ثمانون ألف دينار، لا ينافي ما تقرر أنه إنما كان خازنا لله، فإنه ليس معناه يخرج جميع ما بيده دفعة واحدة، بل يبقيه ويخرج منه ما هو المطلوب منه في كل حال، أو زمان. وأما إخراجه صلى الله عليه وسلم لجميع ما كان بيده دفعة فهو إما لاحتياجه لذلك، لسدّ ضروريات أصحابه أو لأن حاله في الأمور الخارقة للعادة، لا يقدر غيره على التأسي به فيها، فلا يكلف بذلك اهـ ونحوه لأبي عبد الله زنيبر السلاوي، والشريف السجلماسي، وأبي عبد الله الحضيكي السوسي، ثلاثتهم في شرحها أيضا وزاد الحضيكي على قوله:
زهدوا في الدنيا فما عرف الميل ... إليها منهم ولا الرغباء
لا ينافي زهدهم فيها كونهم أغنياء كما تقدم، وحصولها بأيدي بعضهم بدعائه صلى الله عليه وسلم لأنس، وابن عوف، وثناؤه عليه السلام على المال بقوله: نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح، لأنهم خزان الله الخ. وانظر تحفة الأكابر على أثر عبد الرحمن بن عوف: يدخل الجنة حبوا.
وسأل السلطان الملك الأشرف حافظ عصره الشمس السخاويّ عن حديث: اللهم من أحبني فارزقه الكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده، هل هو صحيح؟ وما الجمع بينه وبين دعائه عليه السلام؛ لأنس بكثرة المال والولد، فأجابه بجواب نفيس جدا في نحو كراسين مضمونه؛ أن الحديث المذكور وارد من طرق ودعاؤه لأنس أصح منه، ومحملها أن المال الذي دعا به عليه السلام لأنس هو المطلوب من حله والمأخوذ من وجهه، أنظر الجواب المذكور فإنه مفيد.
(2/267)

ومن اللطائف ما في فهرسة شيخ الجماعة بالمغرب؛ أبي عبد الله محمد تو بن سودة أن شيخه الوجيه العيدروس قال في قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: 27] الضمير للرزق، لا للإسم الشريف «1» ، قال: فقد بسط سبحانه لعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، ولم يكن منهم بغي انظر الفهرسة المذكورة، ثم وجدت السيد العيدروس مسبوقا بذلك قاله قبله العارف ابن وفا في كتابه.
باب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية
ذكر الشيخ المختار الكنتي في الأجوبة المهمة، نقلا عن الحافظ الدميري: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لما تزوج زينب بنت علي، فإنه أصدقها أربعين ألف دينار، فقيل له في ذلك فقال: والله ما فيّ رغبة إلى النساء، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «2» : كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فأردت تأكيد النسب بيني وبينه عليه السلام، فأردت أن أتزوج ابنته، كما تزوج ابنتي. وأعطيت هذا المال العريض إكراما لمصاهرتي إياه عليه السلام اهـ منها. هذا مع كون عمر نهى عن المغالاة في المهر ولكن قاطعته امرأة احتجت عليه بقوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً [النساء: 20] انظر قصتها معه في فتح الباري.
باب في ذكر عدد الصحابة
قال الحافظ أبو زرعة الرازي لمن قال له: أليس يقال: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؛ قال؛ ومن قال ذا قلقل الله أنيابه. هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وعشرة آلاف ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه. قال أهل المدينة وأهل مكة، ومن بينهما من الإعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة، قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد إيراده لهذا: أجاب به أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم اهـ قال السخاوي إثره في شرح الألفية: وكذا لم يدخل في ذلك من مات في حياته صلى الله عليه وسلم في الغزوات وغيرها اهـ وقال الشمس البرماوي في شرح الزهر البسام: العدد الأصح في النقل عنه أي أبي زرعة رواه ابن المديني في ذيله، على كتاب الصحابة: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ممن روى عنه، وسمع منه، واستبعده البرماوي. قال الشمس السفاريني في شرحه على عقيدته؛ قلت: قد جزم بهذا العدد الحافظ السيوطي في الخصائص الصغرى، وذكره شيخنا الشهاب المنيني في نظمها بقوله.
__________
(1) أي لعباد الرزق: بمعنى الذين يحبون المال لدرجة العبادة؛ فالضمير يعود على الرزق مصححه.
(2) عزاه صاحب التيسير للطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر وفي رواية للطبراني عن ابن عباس والمسور بن مخرمة، قلت: وفي أحمد بمعناه 4/ 323.
(2/268)

وعدّهم للأنبيا يقارب. اهـ أنظر ص 47 ج 1.
ومع ذلك حصر ابن فتحون عدد ما في الاستيعاب في ثلاثة آلاف وخمسمائة، واستدرك عليه هو قريبا من ذلك. وقال الذهبي في كتابه التجريد: ولعل جميع ما فيه ثمانية آلاف نفس إن لم يزيدوا لم ينقصوا اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: إنه لم يحصل أي كل من صنف في الصحابة على العشر من أساميهم بالنسبة إلى ما مضى عن أبي زرعة، فكل حكى عن قدر تتبعه ومبلغ علمه اهـ.
قال السخاوي: وسبب الخفاء أنّ أكثرهم أعراب وأكثرهم حضروا في حجة الوداع اهـ.
وقد ألفّ في معرفة الصحابة جماعة من المتقدمين والمتأخرين كابن سعد كاتب الواقدي، وأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، وعبد الباقي بن قانع القاضي، وأبي علي ابن السكن، وأبي عبد الله محمد بن منده، وأبي حاتم محمد بن حيان، وأبي موسى المديني، والبغوي، وابن عبد البر، وهو أشهر من ألف فيهم، وابن الأثير، والذهبي، وابن حجر، كتابه الإصابة وهو أجمعها وأقربها إفادة، ولم يأت بعده إلا من خدمه بالاختصار ونحوه. ومن آخر من اختصره بفاس أبو زيد العراقي الحسيني، والموجود عندي من اختصاره بخطه إلى حرف العين.
باب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه عليه السلام آخر الأمر
قال الغزالي في الباب الثالث من أعمال الباطن، من ربع العبادات من الأحياء: مات صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألفا من أصحابه. قال الحافظ العراقي: لعله عنى [من] بالمدينة، وعن الشافعي، كما في مناقبه للآبري، والساجي من طريق ابن عبد الحكم عنه: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ستون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفا في قبائل العرب وغيرها.
وعن أحمد فيما رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن علي الطبري عنه قال: قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل. قال السخاوي في فتح المغيث: وكأنه عنى [من] بالمدينة ليلتئم مع ما قبله اهـ.
باب في المكثرين الرواية عنه صلى الله عليه وسلم من الصحابة
المكثرون منهم رواية كما قال أحمد فيما نقله ابن كثير وغيره الذين زاد حديثهم على ألف وهم: ستة، عبد الله بن عمر، وعائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر، وسعد، وأبو هريرة، وهو بالإجماع أكثرهم، ويدل لذلك أن بقي بن مخلد حافظ الأندلس روى:
1- لأبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين.
و2- لابن عمر ألفين وستمائة وثلاثين.
(2/269)

و 3- لأنس ألفين ومائتين وستة وثمانين.
و4- لعائشة ألفين ومائتين وعشرة.
و5- لابن عباس ألفا وستمائة وستين.
و6- لجابر ألفا وخمسمائة وأربعين. ولهم سابع نّبه عليه الحافظ العراقي تبعا لابن كثير، وهو أبو سعيد الخدري، فروى له بقيّ ألفا ومائة وسبعين وقد نظمه البرهان الحلبي فقال:
أبو سعيد نسبة لخدرة ... سابعهم أهمل في القصيدة
وقال آخر:
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... عن النبي رسول الله خير مضر
أبو هريرة سعد جابر أنس ... صديقة وابن عباس كذا ابن عمر
وأدرج ابن كثير في المكثرين؛ ابن مسعود، وابن عمرو بن العاص، ولكن لم يبلغ حديث واحد منهم ألفا عند بقي، إذ حديث أولهما عنده ثمانمائة وثمانية وأربعون، وثانيهما سبعمائة.
تنبيه قال ابن سعد في الطبقات: قال محمد بن عمرو الأسلمي: إنما قلّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون، ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدّوها. فكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلّ حديثا عنه من غيرهم؛ مثل أبي بكر وعثمان وطلحة وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأسيد بن حضير، ومعاذ بن جبل ونظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ونظرائهم. لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم، ومضى كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث عنه، ولكن الأمر في ذلك منهم على التأني في الحديث، أو على أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الإشتغال بالعبادة والاسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء اهـ.
فائدة أفرد مسند عبد الله بن عمرو بالتصنيف جماعة، منهم محدث بغداد أبو خيثمة زهير بن حرب.
(2/270)

باب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام
قدمنا أن أبا هريرة أحفظ الصحابة، وقد حكى الإجماع على ذلك النووي، وقاله سعيد ابن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح، والعراقي في الألفية، وغيره، وترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ، فنقل عن الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال: وروى كهمس عن عبد الله بن شقيق قال: قال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحفظ لحديثه مني، وذكر أن ابن عمر قال، لأبي هريرة: إن كنت لألزمنا وأعلمنا بحديثه.
وذكر الذهبي أيضا عن أبي بكر بن داود قال: رأيت في النوم وأنا بسجستان أبا هريرة فقلت له: أنا أحبك فقال: أنا أول صاحب حديث في الدنيا.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي، في شرح بديعية البيان، في ترجمة أبي هريرة: هو حافظ الصحابة في عصره ومكثرهم اهـ.
وقد أفرد مسند أبي هريرة بالتصنيف، دون بقّي بن مخلد جماعة، منهم؛ الطبراني، وإسماعيل بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو العباس أحمد بن محمد البرقي، وخلق سواهم. ونقل صاحب فواتح الرحموت على مسلّم الثبوت، عن العراقي قوله: أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر أميري المؤمنين، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير.
اهـ وفي محل آخر من فواتح الرحموت أيضا: أبو هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته، فإنه كان يفتي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، وكان يعارض قول ابن عباس وفتواه، وفي بعض شروح الأصول للإمام فخر الدين: روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار، وروى عنه جماعة من الصحابة اهـ.
قلت: وقد وقفت في تونس على رسالة جليلة لمفتي المالكية بها الأستاذ الشيخ محمد النجار سماها: شمس الظهيرة في بيان فضل وفقه أبي هريرة، ولما ذكر الحافظ ابن القيم، في كتابه: الوابل الصيب حفظ عبد الله بن عباس وفقهه قال: وأين تقع فتاوي ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوي أبي هريرة وتفسيره، وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والإستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها. وهكذا الناس قسمان حفاظ، ومعتنون بالإستنباط اهـ.
قلت: وقع في كلام لبعض العصريين: يبدأ تاريخ الحفاظ المعدودين في الإسلام بعبد الله بن عباس، فقد كان لا يدور في مسمعيه شيء إلا وعاه وأثبته، وسمع قصيدة ابن
(2/271)

أبي ربيعة «1» ولم يكن سمعها إلا تلك المرة فوعاها، فلا جرم أن كان صدره خزانة العرب، إليه مرجعهم في التفسير والحديث، والحلال والحرام، والعربية والشعر، ولو صحت نسبة ما رواه بعض الرواة عن الزهري، عن عكرمة عن ابن عباس، أنه قال: يولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء، لكان ابن عباس نفسه صاحب السبعين الأولى في الإسلام، وأما إن كان الخبر من أكاذيب عكرمة، فيكون قد وصف به أستاذه ابن عباس أصدق الوصف، على مبالغة فيه خبيثة.
باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة
المكثرون منهم إفتاء سبعة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم، ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون: أبو بكر وعثمان وأبو موسى، ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان وجابر وأبو سعيد، وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، وابن الزبير، وأم سلمة، قال: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير، وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا جدا، لا تروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث؛ كأبيّ ابن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد وسرد الباقين. قال: ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير.
قاله السخاوي. في فتح المغيث، والسيوطي في تدريب الراوي.
وفي ترجمة بقي بن مخلد حافظ الأندلس وفخرها من تاريخ ابن عساكر: أنه صنف في فتاوي الصحابة والتابعين ومن دونهم، حتى أربى فيه على مصنف عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهم. وانتظم علما عظيما لم يقع في شيء من هذه الكتب فصار هو وغيره من تاليفه قواعد في الإسلام لا نظير لها اهـ انظر اختصاره ص 279 ج 3.
قلت: وبذلك مع ما سيأتي عن ابن القيم عن ابن حزم؛ من أن فتاوي ابن عباس أفردت بسبع مجلدات، تعلم ما في قول النووي في تهذيب الأسماء واللغات: لم ينقل عن الصحابة إلا مسائل معدودات إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع، وكانت همتهم مصروفة إلى جهاد الكفار، لاعلاء كلمة الإسلام، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة، الخ لخ. فإن الصحابة في زمنه عليه السلام كانوا ينقسمون إلى من يتعلم ويعلم، وإلى من يتجر ويزرع، ولم يكونوا يحاربون على الدوام إلا إذا كان النفير العام في عام من الأعوام، ومن كان يفقه المئات والآلاف والملايين الذين أسلموا في زمنهم
__________
(1) قصيدة عمر بن أبي ربيعة ومطلعها:
أمن أم أوفى أنت غاد فمبكر ... غداة غد أو رائح فمهجّر
(2/272)

رضي الله عنهم، ويبث فيهم الشرائع، لولا قيام طائفة منهم بالإفتاء والتعليم، وقصرهم أنفسهم على ذلك، والله أعلم.
لطيفة في جامع البيان والتحصيل لابن رشد، روي أن أبا هريرة ترك الفتيا، فقيل له في ذلك قال: أما جسمي فقد ضعف، والقلب بضعة من الجسم، وأنا أخشى أن يكون فهمي ضعف كما ضعف جسمي.
باب في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن ورباني الأمة والغواص ومن كان يعرف ممره من الطريق ومن وجم الناس عن تعزيته عن أبيه هيبة له وإجلالا
أكثر الصحابة على الإطلاق فتوى؛ فيما قاله الإمام أحمد: عبد الله بن عباس، بحيث كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، كيف وقد دعا له المصطفى صلى الله عليه وسلم، بقوله: اللهم علمه الكتاب «1» وفي لفظ اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، وفي آخر: اللهم علمه الحكمة وتاويل الكتاب، وفي آخر: اللهم بارك فيه وانشر منه وقال ابن عمر: هو أعلم من بقي بما أنزل على سيدنا محمد، وقال أبو بكرة: قدم علينا البصرة وما في العرب مثله حشما وعلما وبيانا وجمالا وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. ووصفه بالبحر ثابت في صحيح البخاري، وغيره. وإنما وصف بذلك لكثرة علمه كما قال مجاهد، وعن عطاء أنه كان يقول: قال البحر: وفعل البحر يريد ابن عباس، بل سماه غير واحد حبر الأمة وبعضهم حبر العرب وترجمان القرآن، ورباني الأمة، وانظر فتح المغيث.
وفي ترجمته من الأصابة: كان يقال له حبر العرب، ويقال إن الذي لقبه بذلك جرجير ملك طرابلس الغرب، وكان قد غزا مع عبد الله ابن أبي سرح أفريقية، فتكلم مع جرجير فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في الأخبار المنثورة له اهـ.
وفي ترجمته من الإستيعاب: كان عمر بن الخطاب يحبه ويدنيه ويقربه، ويشاوره مع أجلة الصحابة، وكان عمر يقول فيه: فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول، وقال طاوس: أدركت نحو خمسمائة من الصحابة إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يقرر لهم حتى ينتهوا إلى قوله. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم، وكان عمر يعدّه للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. ويروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يوما يتكلم، فأتبعه بصره وقال متمثلا:
__________
(1) البخاري كتاب العلم باب 17 ج 1 ص 27.
(2/273)

إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر
يصّرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر
وخرّج ابن عبد البر أيضا عن عطاء قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب وناس يأتون لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه، ما فيهم صنف إلا يقبل عليه بما شاء اهـ.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات: أن عمر قال لابن عباس، بعد مراجعة في قضية، رجع فيها عمر لقول ابن عباس مع صغره: يا ابن عباس من ظن أنه يرد لبحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال:
دخلت على عمر بن الخطاب يوما فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن، فأجبته فيها فقال عمر: أشهد أنك تنطق عن بيت نبوة.
وأخرج الدينوري عن المدائني قال علي ابن أبي طالب في عبد الله بن عباس: إنه لينظر إلى الغيب [من] خلف ستر رقيق؛ لعقله وفطانته بالأمور، وفي ترجمة ابن عباس من طبقات الحفاظ عن الأعمش قال: استعمل عليّ ابن عباس على الحج، فخطب يومئذ خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ سورة النور فجعل يفسرها. وقال الحافظ ابن القيم في كتابه، الوابل الصيب: هذا عبد الله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ العشرين حديثا، الذي يقول فيه سمعت ورأيت وسمع كثيرا من الصحابة، وبورك له في فهمه واستنباطه، حتى ملأ الدنيا علما وفقها.
قال أبو محمد بن محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار، وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وقد سمع كما سمعوا وحفظ القرآن كما حافظوا، ولكن كانت أرضه أخصب الأراضي، وأمثلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبت من كل زوج كريم، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة: 4] اهـ.
وذكر ابن سليمان في صلته أن أبا محمد دعلج بن أحمد السجستاني أفرد مسند عبد الله بن عباس بالتصنيف، وأن الحافظ ابن رجب له نور الإقتباس في مشكاة وصية ابن عباس، وفي خلاصة الخزرجي قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس ويقول:
غواص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهما ولا ألبّ لبا ولا أكثر علما ولا أوسع حلما من ابن عباس. ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مرّ في الطريق قالت النساء: أمرّ المسك أو ابن عباس؟ وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت أفصح الناس، وإذا حدّث قلت أعلم الناس اهـ.
وفي كتاب رونق التحبير في حكم السياسة والتدبير لمحمد ابن أبي العلاء بن سماك، والفروق للقرافي ص 195 ج 2 روي أن العباس بن عبد المطلب لما مات عظم المصاب به
(2/274)

على ابنه عبد الله وكان عبد الله بن عباس عظيما عند الناس في نفسه، لأنه كان ترجمان القرآن، وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة، فأعظمه الناس على التعزية إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه، وعظمة من أصيب به، فإنّ العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي بعد وفاته مثل والده، وكان يقال: من أشجع الناس؟ فيقال: العباس.
ومن أعلم الناس؟ فيقال: العباس ومن أكرم الناس؟ فيقال: العباس. فلما مات عظم خطبه وجلّت رزيته في صدور الناس، وفي صدر ولده عبد الله، وأحجم الناس عن تعزيته، فأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون، فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس، فقال الناس: ما تريد؟ قال: أريد أن أعزي عبد الله بن عباس. فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية، فلما رأى عبد الله بن عباس قال له: السلام عليك يا أبا الفضل فرد عليه عبد الله فأنشده:
إصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية عند صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس
فلما سمع الشعر عبد الله زال ما كان به، واسترسل الناس في تعزيته اهـ.
تتمة ممن دون فقهه من أهل القرن الأول الحسن البصري، ففي رسالة الحافظ أبي محمد بن حزم في مفاخر أهل الأندلس، أن القاضي محمد بن يمن بن مفرج له سبعه أسفار في فقه الحسن البصري، وكتب كثيرة جمع فيها فقه الزهري اهـ أنظرها في نفح الطيب ص 132 ج 2.
باب في ذكر من كان في الصحابة له أتباع يقلدونهم في فتواهم
قال ابن المديني: انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة؛ ممن أخذ عنهم العلم وهم: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس. وإلى ذلك إشار الحافظ العراقي في الألفية فقال:
وهو وزيد وابن عباس لهم ... في الفقه أتباع يرون قولهم
فأما ابن عباس فذكر الشمس ابن عابدين الحنفي الدمشقي: أوّل حواشيه على الدر المختار ص 40 أن ملوك الدولة العباسية؛ كانوا على مذهب جدهم عبد الله بن عباس، قال: وإن كان أكثر قضاتهم ومشايخ إسلامها حنفية. انظره. وانظر لم لم يحملوا الناس على مذهبه مع أن مذهبه وفتاويه دونت قبل ابن حزم في سبع مجلدات، كما سبق في الترجمة قبل. والله أعلم ثم وجدت ابن عابدين المذكور ذكر في باب العيدين أن مذهب ابن عباس في تكبير العيدين أن يكبر الإمام في الأولى سبعا وفي الثانية ستا قال في الهداية:
عليه عمل العامة اليوم لأمر الخلفاء من بني العباس به، قال في الظهيرية: وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ومحمد فإنهما فعلا ذلك لأن هارون أمرهما أن يكبرا بتكبير جده
(2/275)

ففعلا ذلك امتثالا لأمره، لا مذهبا واعتقادا. قال في المعراج: لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة اهـ أنظر ص 583 ج 1.
وأما ابن مسعود ففي الدر المختار، شرح تنوير الأبصار، للحصكفي الحنفي، قد قالوا: الفقه زرعه عبد الله بن مسعود، وسقاه علقمة وحصده إبراهيم النخعي، ودرسه حمّاد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف، وخبزه محمد، فسائر الناس يأكلون من خبزه وقد نظم بعضهم فقال:
الفقه زرع ابن مسعود، وعلقمة ... حصّاده ثم إبراهيم درّاس
نعمان طاحنه يعقوب عاجنه ... محمد خابز والآكل الناس
قال محشي الدر على قوله: زرعه أي أول من تكلم باستنباط مرويه عبد الله بن مسعود اهـ.
باب في ذكر الذين انتهى إليهم العلم من الصحابة
قال مسروق بن الأجدع: انتهى الذي كان عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ستة أنفس: زيد، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وانتهى علم الأربعة الأولين لعلي وابن مسعود، وجعل الشعبي أبا موسى الأشعري بدل أبي الدرداء، وخرّج الحاكم مرفوعا: أبو هريرة وعاء العلم وأخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يرحمك الله فإنك عليم معلم.
وفي طبقات ابن سعد؛ أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فينا يعني ابن مسعود، وأخرج فيها أيضا أن عبد الله أقبل يوما وعمر جالس قال: فلما رآه مقبلا قال: كنيف ملىء علما أو قال فقها: وقال في القاموس [للفيروز آبادي] : وكنيف لقب ابن مسعود لقبه به عمر تشبيها بوعاء الراعي اهـ قال ابن الطيب في حواشي القاموس: هذا هو المعروف المشهور، خلافا لما في الظهيرية وغيرها، من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: كنيف مليء علما فإنه ليس بمعروف اهـ.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة عن أبي سفيان عن أشياخ لهم في امرأة أمر عمر برجمها وهي حبلى، فأشار معاذ بن جبل بحبسها حتى تضع، فخرجت إشارة معاذ فقال عمر: عجزت النساء أن تلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.
وأخرج ابن سعد عن شهر بن حوشب قال: قال عمر: إن العلماء إذا حضروا يوم القيامة كان معاذ بن جبل بين أيديهم قذفة بحجر، وفي الإستبصار: أن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا.
ولم يكن من المشركين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله إن إبراهيم كان أمة فأعاد قوله: إن معاذا فلما رأيته أعاد عرفته أنه تعمد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما
(2/276)

القانت؟ قلت: الله أعلم. قال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، ويؤتم به، ويقتدى به، والقانت المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير، مطيعا لله.
وأخرج ابن سعد عن شهر بن حوشب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: خرج معاذ إلى الشام، لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمات أبا بكر أن يحبسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، قال كعب بن مالك: وكان معاذ بن جبل يفتي الناس بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: وكان معاذ معلما من المعلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه: لكل أمة عالم، وعالم هذه الأمة عبد الله بن عمر.
تنبيه منتهى غالب سلاسل الفقه المالكي، والفقه الحنبلي إلى عبد الله بن عمر، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الحنفي إلى عبد الله بن مسعود، ومنتهى غالب سلاسل الفقه الشافعي إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، أنظر حرف الفاء من حصر الشارد للشيخ محمد عابد السندي الحنفي، وفي غير الغالب تنتهي إلى غير هؤلاء من فقهاء الصحابة، انظر: كنز الرواية المجموع، والرحلة العياشية وغيرها.
باب من عرف بالكرم والجود من الصحابة
مشاهيرهم وعظاماؤهم به سادوا، وعنهم في باب الجود الحديث الغريب يساق، وناهيك بجودهم بأنفسهم وأولادهم فمالهم بالأحرى، ومجيء أبي بكر له عليه السلام بجميع ماله، وعمر بنصفه معروف، خرّجه الدارمي وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن أبي عاصم وابن شاهين في السنة، والحاكم وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي وابن الضريس وغيره، وتجهيز عثمان جيش العسرة معلوم.
وممن جاء عنه العجب في هذا الباب سيدنا سعد بن عبادة سيد الخزرج، وهو الذي كان يلقب من بين الصحابة بالكامل، وقد ترجمه الدارقطني في كتاب الإستحياء قال في الأصابة:
مشهورا بالجود هو وأبوه وجده، وكان لهم أطم ينادى عليه كل يوم: من أحب اللحم والشحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنته تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت أزواجه.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن سيرين قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالأثنين، والرجل بالجماعة، أما سعد فكان ينطلق بثمانين كل ليلة يعشيهم، هكذا ساقه في ترجمة فضائله ابن الهندي في الكنز، وكان سعد يقول: اللهم لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلح لي القليل، ولا أصلح عليه.
وأخرج أبو بكر في الغيلانيات، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بعثهم في بعث عليهم قيس بن سعد بن عبادة، فجهدوا فنحر لهم تسع
(2/277)

ركائب، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن خديج قال: أقبل أبو عبيدة ومعه عمر بن الخطاب فقال لقيس بن سعد: عزمت عليك لا تنحر، فلما نحروا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه في بيت جود انظر ص 84 ج 7 من كنز العمال.
وفي الإستبصار في انساب الأنصار؛ يقال: لم يكن في الأنصار كله أربعة مطعمون يتوالون في بيت واحد، إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم ولم يكن مثل ذلك في سائر العرب.
وجاء ابن عمر على أطم سعد فقال لنافع: هذه أطم جده. لقد كان مناديه ينادي يوما: من أراد اللحم والشحم فليأت دار دليم فمات دليم فنادى عبادة بمثل ذلك ثم مات عبادة فنادى سعد بمثل ذلك ثم رأيت قيسا يفعل مثل ذلك اهـ.
قال ابن قدامة: قيس بن سعد أحد الأجواد المذكورين، وأخباره في الجود والبسالة مشهورة، ومن مشهورها أنه كانت له ديون كثيرة، فمرض، فاستبطأ عوّاده فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك عليهم، فأمر مناديا فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه.
وفي ترجمة سنطاس مولى سعد بن عبادة من الأصابة، وقع ذكره في الإستحياء للدار قطني، فأخرج عن محمد بن عبد العزيز قال: كان سعد بن عبادة يغزو سنة ويغزو ابنه قيس بن سعد سنة. فغزا سعد مع الناس، فنزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيوف كثير مسلمون فبلغ ذلك سعدا، وهو في ذلك الجيش فقال: إن يكن قيس ابني فسيقول: يا سنطاس هات المفاتيح، أخرج لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، فيقول سنطاس: هات من أبيك كتابا فيدق أنفه ويأخذ المفاتيح ويخرج لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، فكان الأمر كذلك. وأخذ قيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وسق.
وعزا محدث الشام الشمس السفاريني في ص 99 ج 2 من شرحه على منظومة الآداب، لأبي بكر أحمد بن مروان المالكي الدينوري، في المجالس عن معن بن كثير عن أبيه أن سعد بن عبادة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحفة أو جفنة مملوءة مخا فقال: يا أبا ثابت ما هذا؟ قال؛ والذي بعثك بالحق، لقد نحرت أو ذبحت أربعين ذات كبد، فأحببت أن أشبعك من المخ، قال: فأكل ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير، قال: إبراهيم بن حبيب: سمعت أن الخيزران حدثت بهذا الحديث فقسمت قسما من مالها على ولد سعد بن عبادة، وقالت:
أكافىء ولد سعد عن فعله برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال السفاريني: الخيزران هي أم هارون الرشيد وهي أمة بربرية ولها خيرات، وقد أخرج هذه القصة ابن عساكر، فساقها الحافظ السيوطي في الجمع وابن الهندي في الكنز. أنظر ص 40 ج 7.
(2/278)

قلت: هذه القصة من عظيم ما جاء عن ذلك التاريخ، مما يدل على التوسع والرفاهية، ولذيذ المطعم، وفيه قوة عمارة المدينة، وأنها كانت تحمل أن يذبح فيها مثل ذلك العدد من ذوات الكبد، ولا يعد ذلك تضييعا للمال، وما كان الصحابة يأتون من الأعمال الحامل عليها منهم التقرب إليه عليه السلام بكل غال ورخيص، وقال ابن المسيب كما في الاصابة: عن سعد كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل العباس فقال: هذا أجود قريش كفا، وأخرج أبو نعيم عن المسوّرين مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة، وفقراء المسلمين، وأمهات المؤمنين.
وبعث معي إلى عائشة بمال من ذلك المال، فقالت له عائشة: أما أني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
فهذا يدل على ارتفاع الأرضين في زمن الخلفاء الراشدين، فإن البلدة التي يكون ثمنها الآن نحو الثمانين ألف ريال بلدة عظيمة، فكيف بها هناك في ذلك الزمن، ويدل على عظيم بذل الصحابة وبرّهم وهبتهم، فبخ بخ لتلك الهمم القعساء، والخلل الشماء.
وأخرج الإمام أحمد «1» وأبو نعيم قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا رجت منه المدينة فقالت؛ ما هذا فقالوا عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف، من الشام، وكانت سبعمائة بعير فقالت عائشة: أما أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الحنة حبوا، فبلغ ذلك ابن عوف، فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته فقال: إني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر، عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة، ولما ذكر ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزية، أن الزبير كان له ألف عبد يؤدون له الخراج، كتب عليه الشمس الحفني في حواشيه أي: في كل يوم فيتصدق في مجلسه به ولا يقوم بدرهم اهـ.
وأخرج الروياني وابن عساكر، عن حبيب ابن أبي ثابت، أن أبا أيوب أتى معاوية فشكا له أن عليه دينا، فلم ير فيه ما يحبه ورأى ما يكرهه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم سترون بعدي أثرة قال: فأي شيء قال لكم؟ قال: اصبروا. قال: فاصبروا.
قال: فو الله لا أسألك شيئا أبدا، فقدم البصرة فنزل على ابن عباس، ففرغ له بيته وقال:
لأصنعن لك كما صنعت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أهله فخرجوا، وقال له: لك ما في البيت كله، وأعطاه أربعين ألفا وعشرين مملوكا: انظر فضائل أبي أيوب من كنز العمال. وترجم
__________
(1) انظر ج 6 ص 115 من المسند.
(2/279)

النووي في التهذيب: عياض بن غنم الصحابي الجليل فقال: كان جوادا وكان يسمى زاد الراكب، يطعم الناس من زاده، فإذا نفد نحر لهم بعيره اهـ.
باب في ذكر أعلم الأمة بالفرائض من الصحابة
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، في ترجمة زيد بن ثابت: كاتب الوحي المعظم، وأعلم الأمة بالفرائض وأحكم وأحد القراء المذكورين والأئمة المشهورين اهـ وقد سبق أن سيدنا زيدا ألف في الفرائض، في ترجمته من الإستيعاب، لابن عبد البر: كانوا يقولون: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنين؛ القرآن والفرائض اهـ وقال السهيلي: كما في الأزهار الطيبة النشر: كان عمر أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة، فيبدأ باسمه قبل اسمه.
وحين أشكلت عليه مسألة الجد، مشى بنفسه إلى منزل زيد بن ثابت، يستفهمه فيها اهـ.
وأخرج ابن سعد عن سلمان بن يسار قال: ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء والفتيا، والفرائض والقراءة.
وأخرج ابن سعد أيضا عن سالم بن عبد الله قال: كنت مع ابن عمر يوم مات زيد بن ثابت، فقال: مات عالم الناس اليوم. فقال ابن عمر: يرحمه الله اليوم، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر، وحبرها، فرّقهم عمر في البلدان، ونهاهم أن يفتوا برأيهم، وجلس زيد بن ثابت في المدينة يفتي أهل المدينة، وغيرهم، وحديث: أفرضكم زيد معروف «1» خرجه أحمد بسند صحيح، قال ابن الأثير في الأسد بعد أن ذكره في ترجمة سيدنا زيد، فأخذ الشافعي بقوله في الفرائض عملا بهذا الحديث اهـ.
قلب: وكذلك مالك بنى مذهبه في الفرائض على قول زيد، إلا في أربعة مسائل فقط كما نبه على ذلك الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم، ابن القاضي في كتابه البحر الفائض، فيما تضمنه اسم زيد من الفرائض، وهو كتاب عجيب، استخرج جميع مسائل الفرائض من رسم زيد رضي الله عنه، وهو من بديع الاتفاق الغريب، والتناسب العجيب، وكأنّ القاضي ابن الحاج لم يقف على اسم مؤلف كتاب البحر هذا، فلذلك ذكر المؤلف ولم يسم صاحبه، بل عبر عنه ببعض المتأخرين والله أعلم.
باب في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة
أخرج الإمام أحمد «2» والبخاري في الأدب والنسائي عن بريدة رفعه أن عبد الله بن
__________
(1) الحديث في مسند أحمد ج 3 ص 184 وأوله: ارحم أمتي أبو بكر. واعلمها بالفرائض زيد بن ثابت. من حديث أنس وفي الإسلامي: ص 232 ج 3.
(2) انظر المسند ج 2 ص 354، 369 من حديث أبي هريرة وطبعة المكتب الإسلامي ص 466، 486 ج 2.
(2/280)

قيس «1» أعطي مزمارا من مزامير آل داود، وأخرج مسلم «2» عن أبي موسى رفعه: لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. وقال الحافظ ابن حجر، في ترجمة أبي موسى الأشعري، أحد قضاة الأمة الأربعة، وجامع العلم، فما أوسعه المنفرد بحسن الصوت إذا قرأ، كأن مزمارا من مزامير آل داود معه اهـ وترجمه الذهبي في تذكرة الحفاظ فنقل عن ابن الهندي: ما سمعت طنبورا ولا صنجا ولا مزمارا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، حين كان يصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة اهـ.
باب فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا
في طبقات ابن سعد عن سماك بن حرب، أن معاوية استعمل النعمان بن بشير على الكوفة، وكان والله من أخطب من سمعت من أهل الدنيا يتكلم. انظر ص 35 ج 6.
باب في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة
عن عبد الرحمن بن جبر، قال معاوية: ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء، إلا أن كعب الأحبار أحد العلماء، نقله صاحب الجاسوس ص 501.
وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه. لكل أمة حكيم وحكيم هذه الأمة أبو هريرة وأخرج ابن عساكر عن جبر بن نفير مرسلا رفعه: إن لكل أمة حكيما وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء، وترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ أبا الدرداء فقال فيه: الإمام الرباني، وكان يقال هو حكيم هذه الأمة وحفظ القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عالم أهل الشام ومقرىء أهل دمشق وفقيههم، وقاضيهم، وقال ابن أبي مليكة: سمعت يزيد بن معاوية يقول: إن أبا الدرداء من الفقهاء العلماء، الذين يشفون من الداء وروى الليث بن سعد عن فلان قال؛ رأيت أبا الدرداء دخل المسجد ومعه الأتباع، مثل ما يكون مع السلطان وهم يسألونه العلم اهـ. وانظر ترجمة الحكيم والمنجم والقافي فيما سبق.
باب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها
أخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ القرآن ليلة، والتوراة ليلة، قال السيوطي في الجمع: فيه إبراهيم بن محمد بن يحيى المدني ضعيف اهـ.
وترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ عبد الله بن سلام هذا، فنقل عن إبراهيم بن أبي يحيى ثنا معاذ بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني قرأت القرآن والتوراة، فقال: اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة. قال الذهبي: فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها اهـ.
__________
(1) وهو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2) انظر كتاب صلاة المسافرين ج 1/ 546.
(2/281)

وفي طبقات ابن سعد: سئل علي عن سلمان الفارسي فقال: أوتي العلم الأول والعلم الآخر، أيدرك ما عنده؟ وفي رواية: قرأ الكتاب الأول وقرأ الكتاب الآخر. وكان بحرا لا ينزف.
وفي طبقات الحفاظ للذهبي: عن أبي هريرة أنه لقي كعبا فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة اهـ.
وفي ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص منها: أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمنت النظر فيها ورأى فيها عجائب اهـ.
وفي طبقات ابن سعد؛ عن شريك بن خليفة قال: ورأيت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ بالسريانية.
وأخرج البخاري «1» عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال أجل. والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، قال الشهاب الخفاجي؛ في شرح الشفا، على هذا الحديث: فإن قلت:
عبد الله قرشي عربي فلا يناسب سؤاله عمّا في التوراة، والتوراة وغيرها من الكتب القديمة.
قال الفقهاء: لا تجوز قراءته فما وجه هذا. قلت: إن عبد الله كان يقرأ ويكتب كما مر، وقال البرهان الحلبي في المقتفى: إنه كان يحفظ التوراة. وقد روى البزار أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى في المنام في إحدى يديه عسلا، وفي الآخرى سمنا وهو يلعقهما، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: تقرأ الكتابين التوراة والقرآن، فكان يقرؤهما.
وأما النهي عن قراءتها وإن صرح به الفقهاء، فليس على إطلاقه، لوقوعه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الصحابة من غير إنكار، فهو مقيّد بمن لم يميز المنسوخ والمخرج منها، ويضيع وقته في الاشتغال بها، وأما غيره فلا يمنع منه، بل قد يطلب لإلزامهم بما أنكروه منها، كما في قصة الرجم اهـ انظر ص 189 ج 1 وما عزاه للبزار من رؤيا ابن العاص، خرّجه أحمد والبغوي من طريق واهب المعافري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عزاه لهما أبو الحسن السندي أول مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، من حاشيته على مسند أحمد. وصرح الحافظ ابن حجر بأن القول بجواز النظر في التوراة وكتابتها نسب لوهب بن منبه. قال: وهو من أعلم الناس بالتوراة اهـ.
وفي ترجمة أبي الجلد الجوني من طبقات ابن سعد قال: كان أبو الجلد يقرأ القرآن في كل سبعة أيام، ويختم التوراة في ستة أيام يقرؤها نظرا، فإذا كان يوم ختمها حشد إلى ذلك ناس وكان يقول كان يقال: تنزل عند ختمها الرحمة انظر ص 161 ج 7.
__________
(1) انظر كتاب البيوع باب: 50 ج 3/ 21.
(2/282)

قلت: وبذلك تعلم ما حكاه الزركشي في التلقيح؛ من الإجماع على عدم جواز الاشتغال بكتابة التوراة والإنجيل ونظرها، قال: وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي، ولولا أنه معصية ما غضب منه اهـ.
ونقل نحوه الشيخ زكرياء الأنصاري في شرحه على البخاري؛ عن الشمس البرماوي بلفظه: ولله در الحافظ ابن حجر فإنه اعترضه قائلا: الذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ؛ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، وقد فعل ذلك جمع من الأمة. ثم قال: وأما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب ودعوى أنه لو لم يكن معصية ما غضب فهو معترض بأنه يغضب من فعل المكروه، ومن فعل ما هو خلاف الأولى، إذا صدر ممن لا يليق به ذلك، كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة، وقد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الأمر الواضح، مثل الذي سأل عن لقطة الإبل اهـ.
قال الشيخ زكرياء إثره: وهو أوجه اهـ بواسطة الفجر الساطع انظر آخر كتاب التوحيد، ونقل كلام الحافظ هذا أيضا الشهاب ابن حجر الهيثمي في فتاويه الفقهية ص 49 ج 1 قائلا: وما ذكره واضح لا محيد عنه، وكل ما ذكره الزركشي وغيره محمول على غير متمكن، أو متمكن لم يقصد بالنظر فيها مصلحة دينية، أو متمكن قصد ذلك فلا وجه لمنعه، ويأتي ما ذكر في التوراة والإنجيل اهـ.
ومما يتفرع عن حكم قراءة الكتب القديمة النقل منها، وفي تكملة الديباج في ترجمة أبي العباس أحمد بن بقي، ومسألة النقل من التوراة والإنجيل هي إحدى المسائل الواقعة بين البرهان البقاعي والحافظ السخاوي، وألف كل منهما ردا على الآخر؛ البقاعي يجوزه والسخاوي يمنعه اهـ.
قلت: سمي السخاوي كتابه الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل انظره وفي ترجمة الإمام شرف الدين يحيى المناوي من طبقات حفيده [عبد الرؤوف المناوي] لدى ذكره نثره، ومنه ما كتبه في تقريظ على مناسبات القرآن للبقاعي، لما اعترضه جماعة من أهل عصره منهم السخاوي في نقله عن التوراة والإنجيل، وأفتى بعضهم بحرمة ذلك ووجوب غسل المناسبات لما تضمنته من ذلك، فكتب الشرف على الكتاب وكان أول من كتب بحسن صنيع البقاعي، ثم قال: ولا يقال قد استوضح في بعض المناسبات بما جاء في التوراة والإنجيل؛ لأنه اقتدى في ذلك بأئمة الإسلام أهل الأصول والتأصيل، كعبد الله بن عمرو في صفة سيد الأنام، وبعده الأئمة الأعلام، فتعين القول بالجواز على من اتّضح ذلك لديه، والمنع على من اشتبه ذلك عليه اهـ من الطبقات.
(2/283)

فائدة: في شرح المنهاج للشهاب ابن حجر الهيثمي صح أنه عليه السلام قام إلى التوراة اهـ ففيه القيام للكتب السماوية، وبالأخص القرآن الكريم. وانظر فتاوى ابن تيمية وشرح منظومة السفاريني في الآداب، والبرماوي على الغاية من كتب فقه الشافعية.
قلت: كان هذا هو الأصل لما ذكره الشيخ عبد الغني النابلسي في كتاب الرد المتين على منتقص الشيخ محيي الدين من الأئمة الحنفية نقلوا أن الجنب يكره له قراءة التوراة، والزبور، والإنجيل، لأن الكل كلام الله، وما بدل منه بعض غير معين، وغير المبدل غالب فالاحتياط في التحرز عن المس، لأن غير المبدل واجب التعظيم، وإذا اجتمع المحرم والمباح غلبه المحرم.
وفي المبتغى: لا يجوز يعني للجنب مسّ التوراة والزبور والإنجيل، والتفسير. كذا ذكره والدي في كتابه الأحكام اهـ منه ص 81 ج 1 ونحوه. نقل ابن عابدين في حواشي الدر عن شرح المنيني «1» .
ومن هذا الباب في التوسعة ما في شرح الطريقة المحمدية للنابلسي أيضا ص 361 ج 2 من أن العلماء اختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزها أبو بكر وكرهها مالك خوفا من أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى فإنهم لا غرض لهم في ذلك، بخلاف غيرها مما بدلوه اهـ وفي الكافي للحافظ أبي عمر بن عبد البر ما نصه: وإذا رقى الذمي المسلم بكلمات الله وأسمائه جاز اهـ منه بلفظه.
باب ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة
ترجم الذهبي في تذكرة الحفاظ، عائشة فقال: من أكبر فقهاء الصحابة، كان فقهاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجعون إليها. تفقه بها جماعة. يروى عن قبيصة قال: عائشة أعلم الناس. يسألها أكابر الصحابة، وروى أبو بريدة عن أبيه: ما أشكل على أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألوا عنه عائشة، إلا وجدوا عندها منه علما. قال الذهبي: كانت غزيرة العلم بحيث أن عروة كان يقول: ما رأيت أحدا أعلم بالطب منها، وقال علي بن مسهر، ثنا هشام عن أبيه قال: ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن، ولا بفريضة، ولا بحلال، ولا بحرام، ولا بشعر، ولا بحديث العرب، والنسب من عائشة اهـ.
وأخرج الحاكم عن عطاء قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة.
وأخرج الحاكم عن الزهري قال: لو جمع علم الناس كلهم ثم علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكانت عائشة أوسعهم علما. وقال القاسم بن محمد: كانت عائشة استقلت بالفتيا في خلافة
__________
(1) ينقل المؤلف كلاما غريبا حذفه أولى وهو حوالي 12 سطرا.
(2/284)

أبي بكر وعمر وعثمان، وهلم جرا، إلى أن ماتت وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله الغافقي في حق عائشة: أروى الراوين وأفقه المفتين تنتجه من أبعد أرض، لعلم سنة وفرض، وتروي كل شعر للعرب محض وتقرب في تفسير وفصاحة لفظ، وتضرب في الطب بأوجه حظ، ثم نقل عن أبي الزناد: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: ما روايته في رواية عائشة. ما كان ينزل بي شيئا إلا أنشدت فيه شعرا. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكان علم عائشة أفضل.
وأخرج ابن سعد في الطبقات: عن مسروق أنه قيل له: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: أي والذي نفسي بيده، لقد رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقد جمع الحافظ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي جزآ فيه استدراك عائشة على الصحابة، ذكره وساق إسناده إليه الحافظ أبو بكر بن خير الأشبيلي الأموي في معجمه ص 124.
وفي مكتبتنا جزء للحافظ السيوطي في الموضوعات سماه: عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة قال في طالعته [مقدمته] : هذا جزء لخصت فيه كتاب الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، للإمام بدر الدين الزركشي، مع زيادة ما تيسر، وقد سبق الشيخ بدر الدين إلى التأليف في ذلك الأستاذ أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادي، الفقيه المحدث المشهور فعمل في ذلك كتابا أورد فيه خمسة وعشرين حديثا بأسانيده عن شيوخه، ثم فصل السيوطي تأليفه المذكور على الأبواب هكذا: باب الطهارة، باب الصلاة، باب الجنائز، باب الصيام، باب الحج، باب النكاح، باب جامع وفي آخره قال: هذا ما أورده الزركشي، وقد حذفت فيما أورده أشياء، لأنها ليست من باب الاستدراك، وهذه زيادات لم يذكرها، ثم ساقها وقد جمع مسندات عائشة وأفردها بالتصنيف أبو بكر عبد الله بن أبي داود صاحب السنن، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد وغيرهم، أنظر المسانيد من صلة الرداني.
باب في ذكر من قيل فيه من نساء الصحابة: لو كان رجلا لصلح للخلافة
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب، لابن عبد السلام: روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو كانت امرأة تكون خليفة لكانت عائشة خليفة.
باب ذكر أن من الصحابة مولى قال عمر: لو كان حيّا لاستخلفته
في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة، من الاستبصار، كان من فضلاء الموالي من خيار الصحابة وكبارهم، ومعدود في القرّاء. وكان عمر يفرط في الثناء عليه، وروي عنه أنه قال عند موته: لو كان سالم حيّا ما جعلتها شورى، وروي أن المهاجرين الأولين لما قدموا
(2/285)

لقباء، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان أكثرهم قرآنا. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله.
أنظر الاستبصار.
باب من قيل فيه أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة
وأخرج الحاكم عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أحدا أفصح من عائشة، وأخرج الحاكم عن الأحنف قال: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء، وهلم جرا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة، ساقها السيوطي في عين الإصابة.
باب ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة
ترجم الصلاح الصفدي في نكت الهميان، لعبد الله بن عمر فقال: كان لا يتخلف عن السرايا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كان بعد موته مولعا بالحج قبل الفتنة، وفي الفتنة يقال:
إنه كان أعلم الصحابة بمناسك الحج [ص 183] .
باب فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة
في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب: لما ترجم لعبد الله بن عمر بن الخطاب أنه أفتى في الإسلام ستين سنة وقال مولاه نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان.
باب من كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي
تقدم إطلاق ذلك على ابن عباس، وأخرج الحاكم وتعقب عن ابن عمر رفعه: أن حبر هذه الأمة لعبد الله بن عباس، وذكر أبو علي محمد بن علي بن معلى السبتي، في منسكه؛ أنه جاء في رواية قوله عليه السلام للأنصار، لما ورد عليهم سعد، قوموا إلى حبركم اهـ ونقل السيد السمهودي في الوفا عن الواقدي: كان مخيريق أحد بني النضير حبرا عالما فامن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وجعل ماله وهو سبع حوائط لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
باب أمره عليه السلام الصحابة بالقيام إلى العالم منهم وأخذ ركابه
في منسك ابن معلى السبتي، حين تكلم على مسألة القيام للداخل، وساق حديث سعد، وقوله عليه السلام للصحابة: قوموا إلى سيدكم، أو إلى حبركم. ما نصه: فالحبر العالم، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فهي نص في القيام للعالم، وهكذا روينا هذه اللفظة في السنن، من طريق اللؤلؤي بالحاء غير المعجمة، اهـ.
وللإمام النووي كتاب: الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية في الإسلام، على جهة البر والتوقير والاحترام، لا على الرياء والإعظام. وقد طبع قريبا، وقد باحثه فيه ابن الحاج في المدخل، وانتصر للنووي الشهاب ابن حجر الهيثمي بمؤلف خاص.
(2/286)

باب من كان من الصحابة يقبل تلاميذه يده
عن جميلة أم ولد أنس بن مالك قالت: كان ثابت إذا أتى أنسا قال: (أي أنس) يا جارية: هات لي طيبا أمسح يدي، فإن ثابتا لا يرضى حتى يقبّل يدي، رواه أبو يعلى ورجاله موثقون، قاله السيد السمهودي في جواهر العقدين.
باب من قبّل من الصحابة يد تلميذه لكونه من أهل البيت
أخرج ابن عساكر، عن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت، ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه فقال، تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يدك فأخرج يده فقبّلها. وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. أورده في مناقب زيد من كنز العمال بهذا اللفظ وأورد أيضا عن ابن النجار: أنه أخرج عن ابن عباس أنه أخذ بركاب زيد بن ثابت، ثم قال: أمرنا أن نأخذ بركاب معلمينا وذوي أسناننا.
قال شيخ بعض شيوخنا، محدث الحجاز ومسنده الشيخ محمد عابد السندي في رسالته، في تقبيل اليد: قول زيد هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، يؤخذ منه أن تقبيل يد ذي الشرف مأمور به من النبي صلى الله عليه وسلم، لأن قول الصحابي أمرنا له حكم الرفع؛ إذ ليس له آمر غير النبي صلى الله عليه وسلم. كما حققه ابن الصلاح والحافظ ابن حجر، وكلما كان مأمورا به من النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يفعله كان آثما، فكل من لم يقبل يد ذي شرف، كان آثما مخالفا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] فإذا كانت هذه الحالة لمن لم يقبل، فما ظنك بمن أنكر التقبيل رأسا، كان إثمه أكثر، ووزره أوفر اهـ.
وقد أفرد الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقري جزآ في تقبيل اليد وما ورد فيه، ولي رسالة أفردتها فيمن قبّل يد النبي صلى الله عليه وسلم، وللشيخ محمد عابد السندي الأنصاري في الباب رسالة نفيسة وهي عندي.
باب صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه
أخرج البيهقي في الشعب، وابن عساكر عن أبي رافع قال: وجّه عمر بن الخطاب جيشا إلى الروم، وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأسره القوم فذهبوا به إلى ملكهم فقالوا له: إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تنتصر وأشركك في ملكي وسلطاني، فقال له عبد الله: ولو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب، على أن أرجع عن دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت، قال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به فصلب، وقال للرماة: ارموه قريبا من يديه، قريبا من رجليه، وهو يعرض عليه، وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم دعا بقدر فصبّ
(2/287)

فيه ماء حتى احترقت، ثم أمر بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى ثم أمر به أن يلقى فيها فلما ذهب به بكى: فقيل له إنه قد بكى، فظن أنه فزع، فقال: ردّوه فعرض عليه النصرانية فأبى. فقال: ما أبكاك إذن؟ قال: أبكاني أني قلت في نفسي: الساعة تلقى في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى في الله، قال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، قال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبل رأسه يخلي عني وعن جميع أسارى المسلمين، لا أبالي فدنا منه فقبّل رأسه، فدفع إليه الأسارى فقدم بهم عمر، فأخبر عمر بخبره فقال عمر: حقّ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، قام عمر فقبّل رأسه.
هكذا أورد هذه القصة ابن الهندي في مناقب عبد الله بن حذافة المذكور ص 62 ج 7 من كنز العمال وأوردها الحافظ في ترجمته من الإصابة، وذكر أن البيهقي أخرجها من طريق ضرار بن عمرو عن أبي رافع وأخرج ابن عساكر هذه القصة شاهدا من حديث ابن عباس موصولا وآخر من فوائد هشام بن عثمان، من مرسل الزهري فأنظرهما.
باب صحابي قال فيه عمر: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير منه
ترجم النووي في التهذيب سيدنا عويم بن ساعدة الأنصاري الصحابي، فقال: توفي في خلافة عمر، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت راية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وعويم تحت ظلها رضي الله عنه.
باب صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه
أخرج ابن سعد عن رجل من بني عامر، عن خالد له أن سلمان لما قدم على عمر قال للناس: أخرجوا بنا نتلقى سلمان. أورده ابن الهندي في الكنز في ترجمته، من فضائل الصحابة، وهو في طبقات ابن سعد ص 61 ج 4، وهذا يدل على أمر عظيم كانوا يرونه لسلمان رضي الله عنه.
باب الصحابة الطلس ومن استخلف منهم
ترجم في درّ السحابة لعبد الله بن الزبير بن العوام؛ فوصفه بأمير المؤمنين وقال عنه:
كان فصيحا ذا لسانة وشجاعة، وكان أطلس لا لحية له، وذكر أبو عمر بن عبد البر، وابن قدامة في الاستبصار، عن الزبير بن بكار أنّ قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن الزبير وشريحا القاضي لم يكن في وجوهم شعر، ولا شيء من اللحية اهـ ويجمعهم للحفظ هذا البيت.
(2/288)

قيس بن سعد ما بوجهه شعر ... كابن الزبير وشريح بن الأغز
وذكر مؤلف سنن المهتدي في أوله عن الدميري وغيره: الثلاثة وزاد الأحنف بن قيس. فالسادات الطلس إذا أربعة ولكن الصحابة منهم ثلاثة.
وفي الاستبصار لابن قدامة أنّ الأنصار كانت تقول: لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا، وكان مع ذلك جميلا رحمه الله.
باب في الخصي
نقل المنجور في شرح المنهج عن ابن رشد: أنّ أوّل من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية، وجدت ذلك في البيان والتحصيل بلفظ: قيل إن معاوية هو أول من اتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على نفسه حرسا، وأول من قيدت بين يديه النجائب، وأول من اتخذ الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة اهـ من جامعه.
وفي تحفة المحبين والأحباب، فيما للمذنبين من الأنساب، لدى كلامه على الأغوات من حرف الألف: أول من استخدم الخصيان في الإسلام معاوية، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خادما خصيا والله أعلم، أن خصاه كان خلقيا، وقد صرح الجمهور من العلماء بكراهته، وأحكامهم مذكورة في كتب الفقه، وقد حررها العلامة عبد القادر الطبري المكي، في كتابه نشأة السلافة في شأن الخلافة، وأطال فيهم المقال: أنظره، فإنه كتاب مفيد جدا، وأول من استخدمهم في المسجد النبوي، والمسجد المكي بالحرمين الشريفين صلاح الدين الأيوبي اهـ.
ثم نقل الكلام على أصل استخدامهم من رسالة تحفة المحبين للمحبوب، في تنزيه مسجد الرسول من كل خصي ومحبوب للعلامة جمال الدين القطان، ومن التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للحافظ السخاوي فانظر كلامهم في التحفة وقد وقفت على رسالة للحافظ السيوطي، سماها آكام العقيان في أحكام الخصيان، والتوصية بهم، عقد فيها فصلا قال فيه: ذكر الصحابة منهم، وترجم لمأبور، وسندر مولى زنباع الجذامي، وذكر في ترجمة الأخير أنه قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: أوص بي فقال: أوصي بك كل مسلم، ثم جاء إلى أبي بكر فعاله حتى مات، ثم لقي عمر فقال إن شئت أن تقيم عندي أجريت عليك مالا فانظر إلى أي المواضع أحب إليك لأكتب لك، فاختار مصر فلما قدم على عمرو بن العاص أقطعه أرضا واسعة، ودارا. وعمّر سندر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وذكره محمد بن الربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين دخلوا مصر، وأن لأهل مصر عن سندر حديثين اهـ.
باب المخنث
الخناثة اللين والتكسر، قال في المصباح: زاد بعضهم، ولا يشتهي النساء. وقال الحافظ: هو من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه اهـ.
(2/289)

وفي صحيح البخاري «1» في كتاب النكاح باب ما ينهى من دخول المشتبهين بالنساء على المرأة، ثم أخرج عن أم سلمة أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان عندها وفي البيت مخنّث فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد الله بن أبي أميمة: إن فتح الله لكم الطائف غدا أدلك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: لا يدخلن هذا عليكم.
قال الحافظ في الفتح: تقدم في غزوة الطائف أن اسمه هيث وأن ابن عيينة ذكره عن ابن جريج بغير إسناد، وذكر ابن حبيب في الواضحة عن حبيب كاتب مالك قال: قلت لمالك أن سفيان بن عيينة زاد في حديث ابنة غيلان أن المخنث هيث، وليس في كتابك هيث فقال: صدق هو كذلك.
وأخرج الجرجاني في تاريخه؛ من طريق الزهري، عن علي بن الحسين بن علي قال: كان مخنث يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: هيث. وأخرج أبو يعلى وأبو عوانة وابن خبان كلهم من طريق يونس عن الزهري، عن عروة عن عائشة أن هيثا كان يدخل.
الحديث.
ورواه المستغفري من مرسل محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى هيثا في كلمتين تكلم بهما من أمر النساء.
وذكر ابن إسحاق في حديث البائع أن اسم المخنث مانع. وهو بمثناة، وقيل: بنون.
فروى عن محمد بن إبراهيم التميمي قال: كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الطائف مولى لخالته، فاختة بنت عمرو بن عابد، مخنث يقال له مانع يدخل على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون في بيته لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطن لشيء من أمر النساء، مما يفطن له الرجال، ولا أن له إربة في ذلك، فسمعه يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن فتحتم الطائف فلا تفلتن منك بادية بنت غيلان بن سلمة، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك منه: لا أرى هذا الخبيث يفطن لما سمع. ثم قال لنسائه: لا تدخلن هذا عليكنّ فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحكى أبو موسى المديني في كون مانع لقب هيث أو بالعكس، أو أنهما اثنان خلاف. وجزم الواقدي بالتعدد قال: كان هيث مولى عبد الله بن أبي أمية، وكان مانع مولى فاختة، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نفاهما معا إلى الحمى. قال الحافظ: ويستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به في أمر من الأمور.
وفي الحديث أيضا تعزير من يتشبه بالنساء، بالإخراج من البيوت والنفي، إذا تعيّن ذلك طريقا ليردعه. وظاهر الأمر وجوب ذلك؛ وتشبّه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقا، وسيأتي لعن من فعل ذلك في كتاب اللباس اهـ.
__________
(1) انظره ج 6/ 159.
(2/290)

وبوّب البخاري «1» في كتاب الحدود بقوله: باب نفي أهل المعاصي والمخنثين، ثم خرّج عن ابن عباس: لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال:
أخرجوهم من بيوتكم: وأخرج عمر فلانا. وفي الشرح الجلي على بيتي الموصلي: كان في المدينة على عهده صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المخنثين وهم؛ هيث وهرم، ومانع، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم منهم هيثا إلى خاخ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظنه أنه من غير أولي الإربة من الرجال، لما يرى فيه من التكسر ولين الكلام، فكان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصف جارية من العرب، فسمعه يقول في وصفها: أنها إذا قامت تثنت، وإذا قعدت تبثت، وبين فخديها شيء مخبوء، كأنه الإناء المكفوء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنت أحسب هذا الخبيث يحسن هذا الكلام أو كما قال. ونفاه إلى خاخ.
وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فكان بالمدينة ستة من المخنثين اهـ انظر ص 231. وقال الحافظ في ترجمة أنجشة من الإصابة: وقع في حديث واثلة ابن الأسقع أن أنجشة كان من المخنثين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج الطبراني بسند فيه لين عن واثلة قال: لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، وأخرج النبي صلى الله عليه وسلم أنجشة، وأخرج عمر فلانا.
وترجم في الإصابة أيضا لأنة فنقل عن البارودي؛ أنه أخرج من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن حفص، قال: قالت عائشة لمخنث كان بالمدينة يقال له أنة: ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر؟ قال: بلى فوصف امرأة إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أنة أخرج من المدينة إلى حمراء الأسد فليكن بها منزلك، ولا تدخلن المدينة، إلا أن يكون للناس عيد.
ورمز له بالزاي. وعجبا لأبي زيد العراقي؛ فإنه اختصر هذه الترجمة بقوله: إنه المخنث ذكره اهـ إلا أنه ضبط إنة بالكسر والتشديد وهو غلط منه رحمه الله. وفي التجريد للذهبي أنه المخنث. قال السهيلي: المخنثون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: هيث وهرم ومانع اهـ.
وترجم في الإصابة أيضا هيث في حرف الهاء فقال: هيث المخنث الذي كان يدخل على النساء، قيل: اسمه مانع، وأشار له بالسين وهي إشارة إلى تخريج أبي موسى المديني له، وترجم أيضا لمانع المخنث مولى فاختة بنت عمرو بن عابد، بن عمران بن مخزوم، فذكر أنه كان هو وهيث في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال لعائشة لما سمعها تطلب امرأة تخطبها لعبد الرحمن ابن أبي بكر أخيها: عليك بفلانة فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنفاه إلى حمراء الأسد فبقي إلى خلافة أبي بكر وخلافة عمر.
وذكر ابن وهب في جامعه عن الحرث بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذيب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن مخنثين كانا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقال لأحدهما: هيث وللآخر
__________
(1) انظر ج 8/ 28.
(2/291)

مانع، فهلك مانع وبقي هيث بعده. قال ابن وهب: وحدثني من سمع أبا معشر يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فضرب. الحديث.
تنبيه: قال الحافظ أبو محمد بن حزم في الإحكام في أصول الأحكام: الصحابي كلّ من جالس النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه عليه السلام أمرا يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم، واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه؛ كهيث المخنث، ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا فهو صاحب، وكلهم عدل إمام فاضل رضى مرضي، علينا توقيرهم وتعظيمهم وأن نستغفر لهم ونحبهم، وثمرة يتصدق بها أحدهم أفضل من صدقة أحدنا بما يملك، وجلسة من الواحد منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عبادة أحدنا دهره كلّه. اهـ ص 19 ج 5.
باب في المجبوب
ترجم في الإصابة لمأبور القبطي الخصي، قريب مارية القبطية أم ولد النبي صلى الله عليه وسلم، قدم معها من مصر، فنقل عن الطبري أنه رضي لمكانته منها، أن يجب نفسه، فقطع ما بين رجليه، حتى لم يبق قليل ولا كثير. الحديث قال الشيخ الطيب في شرح الألفية: لا منافاة بين كونه أهداه خصيا وكونه جبّ نفسه لاحتمال أنه أهداه فاقد الخصيتين، مع بقاء الذكر، وهو الذي قطع.
وترجم في الإصابة لأبي مريم الخصي فقال: له إدراك، ذكره ابن منده. وأخرج من طريق الأوزاعي عن سليمان بن موسى قال: قلت لطاووس: إن أبا مريم الخصي أخبرني، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحلني على غير خصي ونحوه في أسد الغابة، وقال أخرجه ابن منده وأبو نعيم اهـ وفي نور النبراس: لا أعلم في الصحابة خصيا إلا هذا مأبور، وآخر يقال له سندر،
باب هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة
تغالي معاوية في بردة كعب معروف، واحتفاظ خالد وأبي زمعه وغيرهما بشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم منقول ومعروف، ومحافظة أم أنس على عرق رسول الله لا يخفى، وفي العتبية:
مالك سئل عن نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رآها كيف كان حدوها؟ قال: رأيتها إلى التدوير ما هي، وبحصرها في مؤخرها، وهي معقبة من خلفها، قلت: أكان لها زمامان؟ قال: ذلك الذي أظن، وكانت عند آل أبي ربيعة المخزوميين من قبل أم كلثوم أمهم، وسمعت مالكا يذكر أن عند عبد الرحمن بن عبد العزيز فراش من شعر، وجرس لحفصة. فقلت له: ما قصة الجرس قال: لا أدري. قال ابن رشد في البيان والتحصيل الأجراس كانت تعلق في أعناق الإبل لتعرف مواضعها بأصواتها إن شذّت أو ضلت، ومعنى السؤال في هذه الحكاية عن قصة الجرس إنما هو لم كانوا يحبونه ويرفعونه، وقد جاء النهي عن استعماله فلم يجب
(2/292)

على سؤاله، والجواب: فيه أن استعماله وإن كان لا يجوز ففي حبسه منفعة وهو أنه يذكر العهد القديم، ويترحم من أجله على من قد مات من السلف الكريم اهـ منه.
باب [في حديث ابن أبي هالة]
جعلته خاتمة الأبواب وزبدة الكتاب في حديث ابن أبي هالة الذي هو أجمع حديث عندي في صفاته عليه السلام الخلقية والخلقية.
وبتتبعه لا يستغرب أحد أن يربي صاحب تلك الأحوال، والتراتيب والأخلاق رجالا يصلحون لإرشاد الخليقة، والقيام بسياسة الكون، وتأسيس دول في مشارق الأرض ومغاربها.
أخبرنا عاليا القاضي المسند المعمر نصر الله بن عبد القادر الخطيب الدمشقي سماعا عليه بدمشق، عن عمر بن مصطفى الآمدي، أنا مصطفى الرحمتي الأيوبي، عن العارف عبد الغني بن إسماعيل النابلسي، أنا نجم الدين بن بدر الدين الغزي، عن أبيه قال أنا شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري، أخبرنا العز بن الفرات، عن إبراهيم التنوخي أخبرنا الدلاصي، عن ابن تاميتت، أخبرنا ابن الصائغ، عن أبي عمرو بن التوزري، عن أبي محمد بن برطلة، عن أبي الحسين الغافقي، أخبرنا القاضي أبو الفضل عياض، قال حدثنا القاضي أبو علي الحسين بن محمد الحافظ رحمه الله، بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة قال أنا أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي قرأت عليه، أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله ابن الحسن النيسابوري، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوخشي، قالوا: أنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي، قالوا أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاسي، قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ، قال أنا سفيان بن وكيع، أنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، إملاء من كتابه قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، يكنى أبا عبد الله ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وصّافا، وأنا أرجوا أن يصف لي منها شيئا أتعلق به قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن إنفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفّره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشم، كثّ اللحية، أدعج سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا سواء البطن والصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة
(2/293)

والسرة بشعر، يجري كالخط، عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين وسائر الأطراف، سبط العصب.
ورواه ابن الأنباري: سبط القصب وهو شبه خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا إلتفت إلتفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام.
قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه، ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، لم يكن يذم ذواقا، ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدث إتصل بها يضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفترّ عن مثل حبّ الغمام.
قال الحسن: فكتمها الحسين بن علي زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخرجه، ومجلسه، وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبي عليه السلام عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزء لله وجزؤ لأهله، وجزؤ لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، قسمته على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب منكم، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنه إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون أو إذا قال في حديث سفيان بن وكيع ولا يفترقون إلا عن ذواق، يخرجون أذلة يعني فقهاء.
قلت: فأخبرني عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيهم، ويؤلفهم، ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصونه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا، أو يملوا، لكل حال
(2/294)

عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، لا يجاوز إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة، وموازرة.
فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه؟ فقال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ويوطيء الأماكن وينهى عن إيطائها، وإذا إنتهى إلى القوم يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قام منه لحاجة سايره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، متفاضلين فيه بالتقوى وفي الرواية الآخرى وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا توبن [كذا] فيه الحرم، ولا تتنى [كذا] فلتاته، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب.
فسألته عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها، فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافيء، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجاوزه فيقطعه بإنتهاء، أو قيام هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع.
وزاد الآخر: قلت: كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم؟
قال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر، فأما تقديره ففي تسوية النظر، والإستماع من الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر صلى الله عليه وسلم، فكان لا يغضبه شيء يستفزه، وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينهي عنه، وإجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في القواصم والعواصم ومنها نقلت: أخبرني أبو القاسم بن المنفوخ بزقاق القناديل، أنه سمع من رضوان الفيلسوف يقول: حين قرأت عليه
(2/295)

صفة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث هند وغيره: هذه الصفات لا تكون إلا لنبي، ولا يحتاج في الدلالة معها إلى غيرها وإن اعتدال الخلقة يدل على اعتدال الخلق، وإنها جبلة صدرت عن النور الساطع، والحق الذي ليس عنده باطل، وأنه لم يلق في طريقه ظلمة، ولا آفة، حتى خلص إلى الوجود على نهاية الكمال في الصنع، ثم استفسره خاتما كلامه بقوله: من نظر إلى كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما أبان من المعاني، وأوضح من المقاصد وأخبر عنه من الكائنات، ونظم من الترتيب، وقرر من التدريب، ودخول جميع المعاني من جميع الخلق أفعالا وأقوالا تحت ذلك النظام، علم قطعا أنه أمر يفوت طوق البشر، وأنه لا يحصيه فيهم إلا موجدهم، ولا يرأبه لهم إلا عالمهم وخالقهم، وهذه غاية في العصمة والحمد لله والمنة اهـ ملخصا.
خاتمة
وهنا عنّ لنا الإختتام وإيقاف القلم المسكين للإستراحة، موقف الإتمام معتذرا للسامع في الإقتصار على هذا القدر، من أحوال ذلك العصر النبوي الزاهر، بأن هذا ما أمكن الآن جمعه وعرضه، لا أن هذا غاية ما كان رائجا في ذلك الدور، من الصناعات والتجارات، والعمالات، والعلوم، لا، لا، فإن الواصل إلينا العلم به أدون مما كان موجودا بمراحل كثيرة، وبينهما فراغ متسع، لأن المقطوع به أنه ليس كل ما كان موجودا في ذلك الزمان في كل باب وصلنا العلم به التفصيلي التام الآن، ولا غيرنا ممن قبلنا وذلك لأسباب:
الأول أن أهل القرن الأول لم يكن لهم إعتناء تام كاف بالتدوين إكتفاء بالقرآن، وخشية أن يختلط به غيره، فلما أمن الناس ذلك في القرن الثاني، أقبلوا على التدوين في بعض الأبواب، على حسب الآكد بالنسبة لأدوار وأحوال ذلك الجيل لما رأوا إذا ذاك الحاجة ماسة إلى تدوينه بحيث لم يهتبلوا بتدوين ما كان من هذا النمط، ولو دونوا فيه لكان نهاية العبر وآية الإعجاز، بحيث ما تقف عليه الآن في هذه الأبواب إنما نقيمه ونستخرجه من خلال ذكر الغزوات والقضايا والواقعات، لا أنهم كانوا يقصدون الأخبار بهذا النوع بعينه، ولله در من قال: إن المدنية الإسلامية التي طبّقت شهرتها الآفاق، كادت تكون مع قرب عهدها، وبقاء آثارها، وآثار أهلها إلى الآن أشبه في الغموض بمدنية الأمم البائدة، التي ينقب الباحثون في تاريخها، عن دفائنها الأرضية، وآثارها العافية، ليقفوا على تاريخها الغابر اهـ.
وقال أيضا: أين هو لعمر أبيك التاريخ الذي يفصّل لنا أخبار السلف، التي تتعلق بمدنيتهم الغابرة، وأصول معيشتهم، وصنائعهم، وعوائدهم، وأزيائهم، وأصول حكومتهم، المتعلقة بالإدارة، والقضاء والسياسة، والجندية والتعليم، والمدارس، والمصانع، وغير ذلك مما يتعلق بترقي هذه الأمة وحالتها الإجتماعية.
الثاني: أن غالب مصنفات من تقدم في الأثر والسير إنعدمت اليوم أو كادت،
(2/296)

والموجود منها غير كاف لأنّ أكثر ما كان جمع وصنف أحرق أثناء الغارات، وقد ضاع من ذلك في وقعة التتر ما لم يذكر التاريخ أفظع منه، ألقي في نهر الدجلة حتى وقف عن الجريان، وأسودّ ماؤه بكثرة مداد ألقي فيه من الكتب الإسلامية، بل قد وجدت الشكاية بإندثار أكثر كتب السلف قبل وقعة التتر، وذلك من الحافظ ابن الجوزي في كتاب صيد الخاطر قال:
كانت همم القدماء عالية، تدل عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارهم، إلا أنّ أكثر التصانيف إندثرت، لأنّ همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطوّلات. ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فاندثرت الكتب، ولم تنسخ.
ويذكر التاريخ العربي عن مدينة قرطبة بالأندلس، أنها كانت أكثر بلاد الله كتبا، وأن مسيحي إسبانيا لما استولوا على قرطبة أحرقوا كل ما طالت إليه أيديهم، من مصنفات المسلمين، وعددها مليون وخمسون ألف مجلد، وجعلوها زينة وشعلة في يوم واحد، ثم رجعوا على تسعين مكتبة في الأندلس، وصاروا يتلفون كلّ ما عثروا عليه في كل إقليم، من مؤلفات العرب ذكر ذلك (موندي) في تاريخه اهـ.
وقال أحد مؤرخيهم (ويلس) : إن ما أحرقه الإسبان من كتب الأندلس، ألف ألف وخمسة آلاف مجلد، وقال في وفيات الأسلاف إن أسقف طليطلة أحرق من الكتب الإسلامية العالية ما ينيف على ثمانين ألاف كتاب، وأنّ الإفرنج لما تغلبوا على غرناطة أحرقوا من الكتب النفيسة، ما تتجاوز ألف ألف، وأنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش، تقلّ ما عزّ على المسلمين أن يخلّفوه وراءهم، فألقوها في قصر الإسكوريال، ثم لعبت بها النيران، وبقيت منها بقية رتّب فهرستها أحد مسيحي سورية، وجعلوها إلى اليوم مكتبة ينتابها علماء الأرض. وكان بقي منها على عهد من رتبها 1851 سفرا.
ورأيت بعض برنامجها أسماء الكتب العربي فيما قرب بقلم محمد محمود الشنقيطي، الشهير لما توجه إليها أيام السلطان عبد الحميد، فإذا هو تافه جدا بالنسبة للمظنون، أما بالنسبة لما كان بالمكاتب الأندلسية فلا نسبة. فقد ذكر صاحب الوافي في المسألة الشرقية أنه كان بمكتبة قرطبة وحدها على عهد الإسلام ستمائة ألف مجلد، من الكتب المختارة اهـ منه ص 172.
قال المرجاني بعد ذكر بعض ما ذكر في وفيات الأسلاف: وبالجملة فلم يبق من آثار علماء الإسلام إلا النادر الأقل [من] القليل اهـ منه ص 325.
وقال بعض المؤرخين المصريين: إن الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر، مما أحرقه الصليبيون، والتتر، والأسبان، اهـ.
ولذلك قلت قديما: إن آثار الأسلاف أتى عليها ناهبان قويان، جيش الإنسان وجيش الحيوان، وقد جاء في تاريخ الوافي في المسألة الشرقية ص 171 أن من مكتبة فاس
(2/297)

والعراق اغتنت مكاتب أوروبا فانظر كلامه فإن جادت اليوم أوروبا علينا بنقل شيء من مكاتبها، أو نشره استفدنا، وإلا بقيت تلك الكنوز مكنوزة، وفي مكاتبهم المحاطة بدواليب الماء، والمطافي خشية الإحتراق، وبالعسس الليلية والنهارية مصونة.
ولما ذكر أبو محمد عبد الله التيجاني في رحلته: أنه كان بخزانة أبي زكرياء الحفصي بتونس ثلاثون ألف مجلد، فنقصت إلى أن صارت سنة الاف، قال: حكي ذلك إلى الحسن بن معمر الهواري الطرابلسي، قاضي باحة، وكان من خواص السلطان المذكور، ومن علماء دولته، وسئل عن السبب فقال: المطر وأيدي البشر اه وعلّل ذلك بعض شيوخنا الجزائرين فقال: توالي البطالات والسكون إلى الراحات. وأين الموجود الآن من أسماء الكتب، مما ذكره الشيخ مسعود جموع في كتابه: منهاج رسم القرآن في شرح مورد الظمان، حسبما نقلته من خط تلميذه ابن عاشر الحافي السلوي في كناشه، نقلا عن شرح العقيلة قال: صنف المصنفون من هذه الأمة كتبا ما لها عدد في كل فن، ثم نقل عمن رأى بغرناطة عند بعض الطلبة كتابا كبيرا ضخما في القالب الكبير، وعلى ظهر الكتاب مكتوب السفر السادس والخمسون من أسماء الكتب، ولم يدر ما بقي معه، وليس في هذا السفر إلا إسم الكتاب وإسم مؤلفه، وبلده ووفاته، خاصة فانظر كم تضمنت هذه الأسفار من أسماء أجزاء الكتب اهـ.
وقد ذكر القاضي ابن خلكان في ترجمة الصاحب بن عباد أنه كتب إليه نوح بن منصور أحد ملوك بخارى يستدعيه ليفوض إليه وزارته، فكان من اعتذاره أنه قال له: إنه يحتاج لنقل كتبه خاصة أربعمائة جمل اهـ وابن عباد المذكور من أهل المائة الرابعة توفي في صفر سنة 385، وإذا كان هذا ما يملكه رجل واحد في قطر واحد، فما بالك بمن عداه من الرجال المنتشرين في الأقطار والأمصار، وإذا كان هذا ما بلغت إليه صنعة التأليف عند المسلمين في نحو ثلاثمائة سنة في علم واحد، فانظر ما بلغوه بعد.
قال الحافظ السيوطي في المزهر عقب حكاية الصاحب ابن عباد المذكور: قد ذهبت جلّ كتبه في اللغة في الفتنة الكائنة بين التتر وغيرهم، بحيث أن الكتب الموجودة الآن في اللغة، من تصانيف المتقدمين والمتأخرين، لا يجيء حمل جمل واحد اهـ بواسطة فتح القدوس، في شرح خطبة القاموس، لأبي العباس الهلالي، وجمع في الفتح المذكور بين رواية ابن خلكان في احتياج ابن عباد لأربعمائة جمل، وبين رواية غيره بإحتياجه إلى ستين جملا بأن الزائد على ما ذكر السيوطي هو من كتب غير اللغة، أنظر فتح القدوس.
وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار للحصكفي الحنفي قيل: إنه أي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة المتوفي سنة 189 صنّف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعة وتسعين كتابا اهـ وقال الشافعي: حملت من علم محمد وقر بعير كتبا، فإذا كان هذا مؤلف واحد في القرن الثاني الهجري بلغت مؤلفاته الألف منها ما كتب في ستين دفترا وآخر وهو
(2/298)

مالك بلغ ما أملاه في الأحكام الشرعية نحوا من مائة وخمسين مجلدا فكيف بغيره في ذلك القرن؟ فكيف بمن بعدهم؟
ونقل أبو الحسن علي الأجهوري في حواشيه على خطبة الرسالة، عن إمام الحرمين في حق مالك: أنه أملى في مذهبه نحوا من مائة وخمسين مجلدا في الأحكام الشرعية.
وقد ذكر قاضي قضاة حيدر آباد الهند خدابخش في مقالة له نشرتها مجلة المقتطف، ثم دائرة المعارف الوجدية أن كتب الواقدي تملأ ستمائة صندوق، ويقتضي حملها مائة وعشرين جملا. أنظر مادة كتب من المجلد 8.
وقال الحافظ السيوطي في الدوران الفلكي، على ابن الكركي: لو جمعت أسماء الكتب التي ألفها علماء الأمة في رد بعضهم على بعض لبلغت مجلدات، فإذا كانت أسماء كتب رد العلماء بعضهم على بعض إذا جمعت تبلغ مجلدات فكيف بموضوع آخر، وقد اهتممت فيما قرب بجمع أسماء الفهارس والأثبات فبلغت عندي أزيد من الألف في حين أن كشف الظنون لا يوجد فيه منها ولا عشره، وأين هذا مما تضمنه كشف الظنون في أسماء الكتب والفنون لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة رئيس كتبة أسرار السلطان مراد الرابع، ووزير ماليته، فإن غاية ما جمع من أسماء الكتب ثمانية عشر ألف وخمسمائة وخمسون اسما من أسماء الكتب، هذا مع كونه من المتأخرين عاش في المائة الحادية عشر، وقد سبقه إلى التأليف في هذا الباب جماعة، منهم: صاحب الكتاب الذي سبق ذكر من وقف على السفر السادس والخمسين منه، ومنهم صاحب كتاب: الدر الثمين في أسماء المصنفين، وهو عندي في مجلد ومؤلفه الإمام المؤرخ البارع، تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله، المعروف بابن الساعاتي البغدادي، المتوفي سنة 674، وهو مترجم في طبقات الحفاظ للذهبي، وكتابه هذا من الضنائن التي تفردت بها مكتبتنا، وقد ذكره صاحب كشف الظنون في حرف الألف تحت عنوان: أخبار المصنفين ست مجلدات، لأبي الحسين علي بن أنجب البغدادي المتوفي سنة 674. وذكر في حرف الدال إسم كتابه الدرّ الثمين، ولم يذكر مؤلفه وهذا عجيب منه رحمه الله.
ومنهم جمال الدين بن القفطي الصعيدي ترجمه الأدفوي في الطالع السعيد، فذكر من مؤلفاته أخبار المصنفين وما صنفوا.
ومنهم الإمام الطوفي البغدادي، ألف في تراجم المؤلفين في الإسلام ومؤلفاتهم، كتابا حافلا في ثمان مجلدات، وتوجد بعض مجلدات منه في إحدى دور الكتب بالآستانة واستانبول.
ومنهم الإمام أبو البركات محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي الأندلسي، له تأليف في أسماء الكتب والتعريف بمؤلفيها، على حروف المعجم.
ومنهم شرف الدين محمد بن معمر المقدسي الكاتب المتوفي سنة 712، له القصيدة
(2/299)

البائية في أسامي الكتب العلمية، وهذه المنظومة هي المنقول عنها في كشف الظنون المطبوع، ما رأيت من ألف في موضوعها شيئا غيره، وقد عرفت حال النظم وضيقه عن الإستيعاب كما ينبغي اهـ وهو قصور من صاحب كشف الظنون عجيب، فكأنه لم يقف على ما ذكرناه من الكتب في موضوعه لابن الساعاتي، والطوفي، وابن الحاج، وغيرهم على أن صاحب كشف الظنون، ذكر كما علمت كتاب ابن الساعاتي في الكشف في موضعين في حرف الألف، وفي حرف الدال أنظر ما سبق.
ولشيخ الإسلام محمد أبي السرور البكري الصديقي المصري المتوفي سنة 1087 كتاب في تاريخ المؤلفين على أسلوب أخبار المصنفين، لابن أنجب البغدادي وهو في مجلدات.
وقد ذيّل على كشف الظنون جماعة فمنهم الفاضل، إبراهيم بن علي الحنفي الرومي المتوفي سنة 1189، له الذيل على كشف الظنون لكاتب چلبي [شلبي] الرومي، في أسماء الكتب والإلحاقات. ذكره له في ترجمته صاحب سلك الدرر المرادي، ومنهم كمال الدين محمد بن مصطفى البكري الغزي الحنفي، المتوفي سنة 1196، قال في سلك الدرر:
جمع كتابا في أسماء الكتب على طريقة غريبة، سماه كشف الظنون في أسماء الشروح والمتون اهـ.
ومنهم عصرينا المعمّر المعتني سعادة المير آلاي إسماعيل باشا البغدادي الأصل، الآستانة لي المولد والدار، ذيّل على كشف الظنون في مجلدين، وله أيضا مؤلف في أربع مجلدات كبار في أسماء المؤلفين، ومؤلفاتهم، كان المذكور حيا سنة 1321-[1903] م وقد جاوز السبعين كما بلغني عن عصرينا المعتني البحاثة الشيخ جميل العظم البيروتي، أن له ذيلا على كشف الظنون، في عشر مجلدات، ولصاحبنا البحاثة الأثري السيد حسن حسني عبد الوهاب التونسي كتاب سماه (دليل الباحثين عمن ألف من الإفريقين) أخبرني أنه في ثلاث مجلدات، وأنه اشتمل على آلاف من أسماء الكتب التي ألفها من على شرطه، وأن فيه التراجم نحو الثمانمائة، يصف فيه كل كتاب وصفا مدققا عن محل وجوده، وجرمه ومخطوطه ومطبوعه إن كان طبع.
ولأبي المحاسن محمد بن خليل القاوقجي الطرابلسي (كواكب الترصيف فيما للحنفية من التصنيف) ذكره له من عرف به ولم أقف عليه.
ولمحدث الهند وعالمه أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الأنصاري:
(فرحة المدرسين بذكر المؤلفات والمؤلفين) وقبله ألف الحافظ قاسم بن قطلوبغا كتابه: تاج التراجم فيمن صنف من الحنفية، وهو موجود بالمكتبة الخالدية ببيت المقدس، كما ألف في أسماء المؤلفين دون من ذكر جماعة، وفي ترجمة أبي حفص عمر ابن المكي
(2/300)

الشرقاوي المتوفي سنة 1260 بفاس، من سلوة الأنفاس أن له صلوات تضمنت أسماء الكتب المؤلفة في الصلاة على سبيل التوراة والتوجيه.
وفي صبح الأعشي: كان للخلفاء والملوك في القديم بخزائن الكتب مزيد إهتمام، وكمال إعتناء، حتى حصلوا منها على العدد الجم، وعلى الخزائن الجليلة، ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن؛ إحداها خزانة الخليفة العباسي ببغداد فكان بها من الكتب ما لا يحصى كثرة ولا يقدّم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد. الثانية: خزانة الفاطميين بمصر، وكانت من أعظم الخزائن وأكثرها إلى أن إنقرضت دولتهم بموت العاضد آخر ملوكهم، الثالثة: خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، وكانت من أجلّ خزائن الكتب، ولم تزل إلى أن إنقرضت دولتهم فذهبت كتبهم كل مذهب اهـ.
قلت: في صناجة الطرب أن عبد الرحمن الناصر الأموي جمع في قرطبة على ما يقال: أربعمائة ألف مجلد، وستمائة ألف على قول البعض اهـ.
قال القلقشندي في صبح الأعشي: واعلم أن الكتب المصنفة أجلّ من أن تحصى، وأكثر من أن تحصر، لا سيما الكتب المؤلفة في الملة الإسلامية، فإنه لم يصنف مثلها في ملة من الملل، ولا قام بنظيرها أمة من الأمم اهـ.
أقول: يجب القول اليوم بأن أعظم مكتبة إسلامية في الكرة الأرضية المكتبة الخديوية المصرية، فإنها جمعت ما لم تجمعه الآن مكتبة في العالم الإسلامي، وبرنامجها في عشر مجلدات ولعله أضيف إليها بعد طبعه ما يقرب مما كان فيها وقت جمعه، وذكرت دائرة المعارف الوجدية أن عدد الكتب المطبوعة الموجودة بها 84000 مجلد، وعدد الكتب المخلوطة بها 19000 من ضمنها 189 مصحفا ومن هذه المصاحف 27 مصحفا بالخط الكوفي على رق غزال، وبها بردية كتبت في شهور سنة 117 هجرية، وهي أقدم ما بها وأقدم ما بها من الكتب رسالة الشافعي بخط تلميذه الربيع الجيزي، كتبها سنة 264، ويليها مكاتب الإستانة وهي كثيرة متعددة؛ فيها ما لا يوجد في غيرها غرابة وزخرفة، وأني أخاف عليها كثيرا اليوم أن تحرق أو تغرق، ويا ليت أهل أنقرة يبيعونها في أوروبا فتحفظ من مكرهم وغارتهم على الإسلام وعلومه وكتبه، ويا ليت جمعية الأمم تهتم بذلك، ثم مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، ولكن بلغني أن معظم ما كان بها تفرّق شذر مذر، ثم من المكاتب الخصوصية بمصر مكتبة البحاثة المعتني الكبير أحمد تيمور المصري، فقد أخبرني السيد حسن حسني عبد الوهاب، أنها اشتملت على أربعة وعشرين ألف مجلد، فيها بخطوط المؤلفين نحو سبعة آلاف مجلد، ويليها مكتبة الكاتب الكبير أحمد زكي باشا، فيها أيضا الكثير الطيب.
ومن الأسف أن المطابع المصرية وغيرها لا تعتني الآن إلا بطبع كتب المتأخرين غالبا، وربما كررت طبع الكتاب الواحد مرات، غاضة الطرف عن كتب المتقدمين التي
(2/301)

ألفت في القرن الثاني والثالث والرابع والخامس، مع أنها أجدر بالإهتمام؛ لإفادتها وقلتها في الوجود، فأخاف إن دام طرف أصحاب المطابع مغضوضا عنها أن تضيع بالكلية وتنعدم، فإن أكثر الموجود منها على قلته تخرّق وكاد يضمحل وأني أندب الكتّاب وأصحاب الهمم إلى الكتابة في هذا الموضوع الهام، وهو تحريض أصحاب المطابع على نشر الكتب القديمة الإسلامية، التي كادت تضمحل، وذلك بتكوين لجنة أولية تجمع أساميها وعناوينها ومحلات وجودها، ثم السعي في نشر الأهم، والأقدم، والأندر منها، والله الموفق.
ولكن وإن أحرق ما أحرق، ونهب ما نهب، وحجر ما حجر، وأخفي ما أخفي، فالأصل الأصيل لتفاصيل المدنية الإسلامية القرآن الكريم الذي جمع فأوعى، وكان حفظه الذي لا ينسى على ممر الدهور، السبب العظيم لحفظ ضوابط تلك المدنية الإسلامية، وقد حازت منه الأمة المغربية أوفر الحظوظ، حتى قالوا: إن القرآن نزل بلغة العرب ففسره العجم، وحفظه المغاربة ونطق به أهل مصر، وأحسن الإستماع له الترك، وعمل بالقسم الآخروي منه أهل اليمن. ومنذ نزل القرآن هذه مدة من أربعة عشر مائة سنة، والناس يستنبطون منه، ويستخرجون على إختلاف المدارك والغايات، والحظوظ، والفنون العلمية، والأخلاقية والقانونية والتاريخية والفلسفية، وهو إلى الآن بحر لا ينفد، ولا تنقضي عجائبه.
ومن بديع أمر القرآن الدال على أنه منبع الترقي والحضر، والإستعمار بمعناه اللغوي، أنك لا تجد اليوم حادثة في باب من أبواب العلوم الكونية إلا ويمكن أن تستخرجها أو ما يدل عليها من القرآن، وقد قام بهذا القسط اليوم من أهل الإسلام من شعروا بالغاية القصوى فيه، من أهل مصر، والشام، والعراق، فتجردوا لإستخراج فرائده، وإستيعاب مضامينه على حسب حاجات هذا العصر، وما يروج فيه مما هو في الحقيقة من العلوم الإسلامية، ولكن أعطي صبغة أخرى، وشكلا آخر، فقام كاتب حكيم في دمشق الشام وهو الأستاذ محمد بن أحمد الإسكندراني يستخرج منه العلوم الطبيعية، وما في الأرض من أسرار المياه، ومجاريها والأحجار وفوائدها، والنباتات وحكمها وخواصها، وكتابه هذا في غاية الإبداع، إشتمل على ثلاث مجلدات سماه: كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية، طبع سنة 1299. وقام العلامة الفلكي الكبير المرحوم أحمد مختار باشا التركي فألف كتاب: «موافقة الآي القرآنية للعلوم الفلكية» جمع فيه نحو سبعين آية.
وقام ضابط تركي من النابغين في الفلك والهيئة فألف كتابا في تطبيق قواعد هذا العلم على القرآن الكريم أيضا.
وما ألف أجمع ولا أوسع في هذا الباب من كتاب صديقنا الاستاذ العلامة عالم مصر الشمس محمد بن بخيث المطيعي الحنفي، وهو مطبوع في مجلد. وقام كاتب في مصر
(2/302)

وهو الشيخ طنطاوي جوهري جرّد وجهته إلى العلوم الفلكية، وإستخراجها منه، والشمس وشعاعها، والقمر وضيائه، والسماء ونجومها، في كتابه نظام العالم، والأمم، وكتابه نهضة الأمة، وحياتها وكتابه: ميزان الجواهر، وكتابه: جمال العالم.
وقام فريد وجدي الكاتب البحاث البارع في مجلة الحياة، وكتابه كنز العلوم واللغة، وكتابه دائرة المعارف، وكتابه الإسلام والمدنية، وتفسيره ومقدمته، صفو العرفان بإستخراج العلوم النفسية والقوانين الإجتماعية والعلوم العمرانية من القرآن وجواهره.
وقام عالم شيعي اسمه هبة الله الشهرستاني من أهل عصرنا، بكتابه المسمى الهيئة والإسلام إفتتحه بمقدمات هامة سدّ بها فراغا عظيما في باب العلوم الفلكية أيضا، وما أحسنه وأسهل مأخذه.
وألف صاحبكم «1» هذا كتابه في إقامة أصول الكهرباء والبخار ونتائج العلم بهما من تسيير القطارات والأتوموبيلات والغواصة البحرية والمنطادات الجوية، ومن الكتاب والسنة، سميته اليواقيت الثمينة في الأحاديث القاضية بظهور سكة الحديد ووصولها إلى المدينة، وقد طبع بالجزائر سنة 1329- 1911 وبلغني أنه ترجم لللغة الفرنسية.
ومن عجيب أمر القرآن والسنة أنهما لا يحجران علينا الأخذ بما لم يوجد فيهما صراحة ونصا، مما يصلح للزمن القابل، لأن الدين تكفل بتأييد مبادي الرقي، وجميع مشاريع العمران، فلم يحجر علينا إلا الأخذ بما يضر من آداب وأخلاق الأمم الآخرى، أما ما ينفع الناس، وظهرت فائدته فحاشا الدين الإسلامي أن يقوم عثرة في طريقه.
وفي العتبية قال مالك بن أنس: إن عمر بن عبد العزيز قال: «سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها إتّباع لكتاب الله، واستعمال لطاعته، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها، ولا تغييرها، ولا النظر في شيء يخالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن إنتصر بها منصور. ومن تركها اتّبع غير سبيل المؤمنين، وتولّاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: إتباع ما سنّوه إتباع لكتاب الله اهـ.
وإنما تتوهم المباينة من قصور أو تقصير الباحث المتصدي، أو قل الجمود على المبادي، والجمود ضد الإسلام، وعلى هذه الطريقة جرت الأمم الإسلامية، بالأخذ بالأحسن فالأحسن، وقت مدنيتها الزاهرة بقرطبة، وفاس، والقيروان، وبغداد، وقزوين، فلذلك، لم تكن إختراعاتهم تقف عند حدّ، وطرقهم لباب الرقي لم يكن يقف في وجوههم سدّ، فأتوا من ذلك وقت ما كانت أوروبا في نومها العميق، ما صيّرهم قدوة لغيرهم، واعترف لهم بذلك فطاحلة المؤرخين من غيرهم.
__________
(1) يعني المؤلف نفسه رحمه الله.
(2/303)

ولننقل لك بحثا للمؤرخ سيدليو السابق الذكر في كتابه خلاصة تاريخ العرب، الذي ترجمته إدارة المعارف المصرية وطبعته سنة 1309 هـ 1890 م قال فيه:
المبحث السابع عشر في إختراعات العرب، وإستكشافاتهم بيت الإبرة، وصناعة الورق، والبارود، والأسلحة النارية.
أسلفنا لك وصف الأسباب والمسببات المتعلقة بالتمدن المنتشر في الدنيا، بإنتشار العرب، من إبتداء بوغاز جبل طارق، إلى نهاية حدود آسيا. وبقي علينا التكلم على ما تغيرت به الحالة الأدبية والسياسية والعسكرية في جميع الدنيا، من إختراع العرب الورق، وبيت الإبرة وبارود المدافع، ولا عبرة ببعض الأفرنج الذي سلب عن العرب شرف إختراعها وتعليمها لأوروبا، زاعما أنّ أهل الصين عرفوا تلك الأشياء، منذ زمان قديم، عملا بما أطلع عليه من نسبته لغيرهم، في بعض متون موهومة العزو إلى من نسبت إليه، كما زعم أنّ المطبعة كانت موجودة لدى أهل الصين، منذ القرن الثامن من الميلاد، نعم، إستفاد العرب عمل الورق من الحرير من أهل الصين، الذين لو كانوا يعرفون صناعة الطبع قبل غيرهم لإستفادها العرب منهم، وكيف يظن أنهم إستعملوا بيت الإبرة، مع أنهم لم يزالوا إلى سنة 1800 ميلادية يعتقدون أنّ القطب الجنوبي من الكرة الأرضية سعير تتلظّى، وهل عرفوا إستعمال البارود وتلك الإستعمالات المتنوعة الباقي أثرها لدى العرب، المشهود لهم بإستعمالها أصنافا من القلل [الفنابل] في حصارهم مكة «1» سنة 690 ميلادية، وإستعمالهم بمصر في القرن الثالث عشر البارود المستخرج من ملح النجاة، ليرمى به نحو قلل ذات صوت كالرعد، وذكر استعماله في وصف معرض البحرية التي عقدها ملك تونس مع أمير أشبيلية في القرن الحادي عشر، كما استعمل في حصار جبل طارق سنة 1308 ميلادية، وحصار إسماعيل ملك غرناطة لمدينة بايطة سنة 1324، وحصار طريفة سنة 1340، أن الرصاص رمي بالبارود في تلك الحصارات، فابتدأ نصارى إسبانية يومئذ في استعماله، وقد استعمل العرب بيت الإبرة في ابتداء القرن الحادي عشر، في سفر البحر والبر، وضبط محاريب الصلاة، وصنع الورق من الحرير سنة 650 ميلادية في سمرقند وبخارى، ثم استبدل يوسف بن عمر سنة 706 ميلادية الحرير بالقطن الذي منه الورق الدمشقي، واستعمل ورق الغرب في الثالث عشر بقسطيلة، التي شاع منها استعماله في فرنسا وإيطالية وألمانية، وما أسلفناه هو كيفية تحكم العرب على جميع فروع تمدن أوروبا الحديث، ومنه يعلم أنه من القرن التاسع إلى الخامس عشر كان عند العرب أوسع ما سمح به الدهر من الأدبيات، وأن نتائج أفكارهم الغزيرة، وإختراعاتهم النفيسة، تشهد أنهم أساتذة أوروبا في جميع الأشياء، كالمواد المختصة بتاريخ القرون الوسطى، وأخبار السياحات والأسفار، وقواميس سير الرجال المشهورين، والصنائع العديمة المثال، والأبنية الدالة على
__________
(1) المشهور أن المسلمين في عصر النبوة حاصروا الطائف ورموها بالمنجنيق مصححه.
(2/304)

عظيم أفكارهم، وإستكشافاتهم المهمة، ولذلك كله وجب الإعتراف برفعة شأن هذه الأمة المحمدية، التي تحتقرها الإفرنج منذ أزمان عديدة اهـ من ص 267 منه إرجع إليه تر عجبا، ولا نحتاج إلى زيادة الإحتجاج على ما ذكرنا أكثر مما سمعت عن مؤرخ أوروبي كبير، فغضوا الجفون عن القذى، واستروا الهفوات، وغطوا الجلابيب على الردى بحسن الفهم ومزيد الروية.
اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن منك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي.
أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوآ وظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. والحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين إصطفى.
حرره بيده الفقير محمد عبد الحي الكتاني في شوال الأبرك عام 1341 بفاس، أمّنها المولى بمنه آمين.
ثم أعدت النظر إليه والإلتفات مشتغلا به نحو سنتين أو أكثر فتم تنقيحا وتهذيبا وإلحاقا وتبويبا عام 1346 بفاس، حرسها المولى بمنه مطالعا عليه مراجعا لأجله ما سبقت تسميته في المقدمة من الكتب والرسائل، وزدت على ذلك أخيرا ما لم يقع لنا فيما سبق تسميته، كالزرقاني على الموطأ وعون الودود على سنن أبي داود، وفضائل عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن الحكم المصري، والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد ابن إبراهيم الوزير اليمني، وإتحاف الرواة بمسلسل القضاة لأحمد بن محمد بن يونس الشلبي الحنفي المصري، وشرح السفاريني على منظومته في التوحيد، وصيد الخاطر لابن الجوزي، ونقط العروس لابن حزم، وروض التحبير في حكم السياسة والتدبير، لابن سماك الأندلسي، وتاريخ الخميس للديار بكري، والهدية المقبولة في حلل الطب المشمولة، وشرحها لأحمد بن صالح الأكناوي الدرعي، والمنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، لأحمد بن مرتضى وأنس السمير فيما وقع بين الفرزدق وجرير للياصلوتي والقانون لليوسي، والحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف، لأبي سالم العياشي، وشرح التحفة للشيخ التاودي بن سودة، وفهرسته، وكتاب وصف البريد، وشرح منظومة ابن أبي الرجال، في الفلك لابن قنفذ القسمطيني، والجرعة الكافية للشيخ المختار الكنتي، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. والحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين اصطفى.
(2/305)

تم كتاب التراتيب الإدارية للعلامة أعجوبة الزمان الحافظ المرحوم محمد عبد الحيّ الكتاني الإدريسي الحسني رحمه الله تعالى وقد صححت كثيرا من أخطائه المطبعية، وتركت بعضها مما لم يتضح لي سبيل تصحيحه كما وضحت بعض العبارات حسب الاصطلاح المعمول به في المشرق بوضعها بين حاصرتين [] وحذفت ما كان فيه إطناب زائد كثيرا عن الحاجة وأشرت لذلك في الهامش، كما رأيت ضرورة حذف بعض العبارات التي لا تتناسب مع جلالة هذا الكتاب الثمين وأسأل الله لمؤلفه الجليل أفضل الجزاء فقد كان بحرا لا يدرك قعره، ولولا خوضه في مستنقع السياسة لكان علما وإماما ليس له نظير، ولكن ما شاء الله كان، وإنه لشرف كبير لي أن أقوم بتصحيح هذا الكتاب خدمة للسنة النبوية المطهرة والسيرة المحمدية العطرة في أجلّى صورها وأدّق مناحيها وتفاصيلها الحياتية، مما يعطي القارىء صورة كاملة عن تصرفات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله في أمور لا تخطر بالبال لولا أن المؤلف بما آتاه الله من سعة العلم وقوة الحفظ وبعد النظر استطاع أن يضمنها دفتي هذا الكتاب العجيب الذي يكاد على صغر حجمه أن يكون موسوعة علمية نادرة. وقد قال المؤلف في آخر المقدمة النفيسة ص 80 من الطبعة الأولى.
فإليكم معاشر الآتين وأرواح أفراد من الماضين أسوق هذه المجموعة النفيسة، التي هي كمرآة مكبرة، تتجلّى لكم منها الحالة الاجتماعية والسياسية والحربية والعلمية والأخلاقية والعائلية التي كانت في زمن مصدر النبوة، وإبّان فيضان الكمال بأتمّ معانيه في وقت الرسالة المحمدية، فخذوها شاكرين، واقرأوها بالخير ذاكرين، والله المستعان.
ولا أنسى في خاتمة الكتاب من التنويه بالأخ الهمام الأستاذ أكرم الطبّاع صاحب دار الأرقم بن أبي الأرقم الذي قبل اقتراحي عليه بتجديد طباعة هذا الكتاب النفيس دون تردد، حبا منه في نشر الكتب العلمية النافعة وخدمة لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصا منه على إخراج هذا الكتاب في حلة جديدة زاهرة، لينتفع بها الشباب المؤمن المتعطش لمعرفة التفاصيل العملية لحياة الرسول الكريم في مختلف نواحي الحياة جزاه الله خير الجزاء.
وحقق آمال مؤلفه العلم الشامخ الذي قلّ نظيره في فضله وعلمه وحسبه ونسبه ولا بد من شكر العاملين الفنيين في تنضيد الحروف وهم الجنود المجهولون العامذون بصمت وعلى رأسهم الأخ حسن فتوني لصبرهم وجهدهم في تصحيح تجارب الطبع أعانهم الله.
ربنا أغفر لنا وارحمنا وعافنا واهدنا لما فيه رضاك آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
مصححه خادم أهل العلم عبد الله بن محمد رشيد الخالدي
بيروت في 20/ ذي القعدة 1416 هـ 8/ (اپريل) نيسان 1996 م.
(2/306)

فهرس الموضوعات
القسم التاسع في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر من عملها من الصحابة رضوان الله عليهم زيادة على ما تقدم وفيه عدة أبواب ومقدمات وهي ثماني ست لم يأت عليها الإمام الخزاعي فاستدركتها عليه فأقول 5
المقدمات 7
باب ما ذكر في الأسواق 8
باب كون الناس كانوا أول الإسلام لا يتعاطون البيع والشراء حتى يتعلموا أحكامه وآدابه وما ينجي من الربا 16
باب تشديد عمر على الصحابة في تركهم الاتجار لغيرهم من العامة والاخلاط 18
باب ايثار الصحابة في الخروج للتجارة التبكير 19
باب أمر عمر بالسعي وحضه الناس على التكسب 19
باب قول عمر إذا رأى غلاما فأعجبه 20
باب قول عمر في التكسب والغزو ورأيه في التفاضل بينهما بالنسبة إلى نفسه 20
الباب الأول في ذكر من كان يتجر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم 21
ثم من اتجر من كبار الصحابة بعده 21
ذكر أصل تسمية البيع والشراء تجارة 24
باب في ذكر من كان بزازا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 25
باب في سوق البزازين في المدينة على عهده عليه السلام 26
باب في العطار 26
باب في الوزان في زمنه عليه السلام 27
باب في الصراف 28
ذكر من كان يتجر في الصرف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 28
التجارة في العنبر والزئبق 28
(2/307)

حفر معدن الذهب 29
باب في بائع الرماح 29
باب في بائع الطعام 29
باب بيع الصبيان 30
باب في بيع السكر 30
بيع العقاقير 30
المرأة تبيع العطر 30
الزراعة والغراسة 30
الخرازة 38
باب في الثمار 38
المسافة التي كان يأتي منها الزرع وغيره 38
بائع الدباغ 40
باب في الأديم [الجلد الطائفي] 41
الحطاب 41
الدلال وهو السمسار 41
النساج 42
الخياط 43
النجار 43
المهد للصبيان 44
صانع الأقداح من الخشب للشرب 44
الصوّاغ 44
النقاش 45
صنع الأنف من ذهب 46
إحداث الرحى الهوائية في آخر خلافة عثمان والصحابة متوافرون 46
المصور 47
اتخاذ الشحم للإستصباح ودهن السفن وغيرها 50
بيع اللبن 50
الحداد 51
البناء البناآت النبوية 52
الأصل في وضع الرؤساء والملوك أول حجر للمعاهد العلمية والدينية والقومية 52
تعيين الإمام موضع المسجد وتعيين محل القبلة 52
(2/308)

أمر الإمام من ينوب عنه في تسمية البقعة مسجدا 53
مسجد المدينة 53
بناؤه صلى الله عليه وسلم المسجد ثلاث مرات منها ما لبنه بالأنثى والذكر 53
مساكنه عليه السلام 53
الدكة لجلوسه عليه السلام 54
أول بنّاء كان في الإسلام 55
امره عليه السلام في البناآت أن تكون على مقتضى القواعد الصحية 55
هدمه عليه السلام مسجد الضرار 55
في الرجل يحسن الشيء من عمل البناء فيوكل لعمله 56
الصباغ 61
الجلاب 61
ذكر من كان من الصحابة يتجر في بحر الشام 61
الدباغ 62
الخواص 62
العوام 62
بيع الماء 64
باب في الصيد وهو على أنواع ذكر من كان يتصيد بالكلاب 64
ذكر من كان يتصبد بالبزاة 64
ذكر من صاد بالرمح 64
الصيد بالسهام 64
الصيد بالمعراض 65
الصيد باليد 65
الصيد بالآلات 65
منع الصيد في جهة معينة أو وقت مخصوص كما يقع اليوم 65
الصياد في البحر 65
باب لم يتصيد عليه السلام بنفسه الكريمة ولا اشترى صيدا 66
اعتناء البدوي بطرف بلاده يهديها له عليه السلام والعكس 67
العمال في الحوائط 67
من كان من الصحابة يعطي أرضه بالربع والثلث 68
المستدل على محل الماء من تحت الأرض وإستخراجه 68
السقاء الذي يحمل الماء على ظهره 69
(2/309)

الحمل على الظهر 69
الحجام والحلاق 69
اللحام وهو الجزار والقصاب 70
الحرف الممتهنة في نظره عليه السلام 70
الطباخ 70
صنيعة الخزيرة 71
الشواء 71
صاحب الخبز 71
هل كانت الأقراص النبوية صغارا 72
الماشطة 73
المحرشة بين النساء 74
المرأة تذهب لجس نبض الرجل هل له بزواج فلانة أرب 74
النساء الممرضات اللائي كن يرافقن المصطفى عليه السلام في الغزو وما كان الصحابيات يظهرن من ضروب الشجاعة وخفة الحركة ومساعدة الغزاة 74
النسوة التاجرات 77
القابلة 77
الخافضة 78
المرضعة 78
المرأة تمثل النسوة في المجلس النبوي 78
المغزل 78
في المغنين (ذكر المغنين في الأعياد) 79
هل كانت الدفوف في الزمن النبوي بالجلاجل (وهل سمع الصحابة العود والوتر) 80
ذكر أسماء المغنيات في المدينة في العهد النبوي 81
ذكر ما كانوا يغنون به 82
ذكر من غنّى في وليمة النكاح 83
ذكر تلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إيابه 85
ذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهم ولم ينكره 86
هل كان لبعض السلف اعتناء بعلم الموسيقى 88
ذكر قينة غنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذنه لتسمع أم المؤمنين عائشة 88
ذكر الغناء والإنشاد 89
ما كان يقوله الذين يذهبون بالعروس لدار زوجها 89
(2/310)

ذكر لعب الحبشة بحرابهم فرحا بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم 90
لعب البنات مع عائشة 91
لعبها بالتماثيل مع البنات 91
رقص الحبشة في المسجد النبوي إمامه عليه السلام 92
قوله عليه السلام اقدروا قدر الجارية الحديثة السن 94
باب مرور أحد الصحابة على الحبشة يلعبون في الطريق واعطائهم 95
المسابقة 95
المصارعة 95
حجل بعض كبار الصحابة بين يديه صلى الله عليه وسلم 97
حبس الطير للعب الصبيان به 97
اتخاذ الوحش في المسكن 100
نهب اللوز والسكر ونثره في العرس 101
اللهو واللعب المأذون فيه 102
ذكر جعل الوليمة في العرس سبعا 102
جلب الدقيق الحواري 103
والسمن والعسل من الشام إلى المدينة وأكل المصطفى عليه السلام منه 103
جلب الجبن الرومي وأكله عليه السلام منه وقطعه بالسكين 105
اختياره عليه السلام محل السوق 105
باب الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع الناس بها في الإسلام 105
صانع السيوف 106
باب ذكر من كان يبري النبل 106
في الحفار للقبور 106
اتفاق القوم على من يمثلهم في محفل رسمي أو مأتم ديني 107
باب أخذ ستر المرأة في نعشها وهي ميتة عن الحبشة ومن حبّذ ذلك 107
المرأة الكبيرة السن تلازم القبر 107
القسم العاشر من كتاب الخزاعي ويتضمن أربعة أبواب 109
الباب الثالث في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال 109
وفيه خمسة فصول 109
(2/311)

الفصل الأول في أن لكل من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك 111
الفصل الثاني في أن ما يأخذه العامل زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول 112
الفصل الثالث كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في نفقته ونفقة أهله 112
الفصل الرابع في أرزاق الخلفاء بعده صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم 112
الفصل الخامس في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس 113
الباب الرابع في ذكر أسماء التواليف المخرج مها ما تضمنه هذا الكتاب 114
المستدرك على كتاب الخزاعي رحمه الله (في تشخيص الحالة العلمية على عهده عليه السلام) 121
الباب الأول من المقصد الأول باب في أن السنة بنت القرآن وأن الحديث الصحيح يتطلب لفظه أو بعضه أو معناه في القرآن 140
باب مقدار الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم 141
باب هل تصدى أحد من المتأخرين إلى جمع جميع السنة 146
باب في كيفية تلقي الصحابة للعلم وأنه كان حلقا حلقا في المسجد النبوي 151
باب في وقوفه عليه السلام على حلق العلم لأصحابه وجلوسه فيها معهم وإيثارها على حلق الذكر 152
باب فيمن كان يخلف المصطفى بعد قيامه من مجلسه للتذكير والفقه 153
باب في تدارسهم القرآن وتفسير المصطفى لهم آية 153
باب في أن الصحابة كانوا يعتنون بما يبلغهم من العلم بالحفظ والمذاكرة فيه 154
باب في الأمر بالاعتناء بالسند في نقل السنة 155
باب إباحته عليه السلام التحديث بالأخبار الإسرائيلية وعجائب الأمم الماضية 155
(2/312)

باب في إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى من تميز بفضيلة من أصحابه ليؤخذ عنه 157
باب في إطلاق العلّامة في العصر النبوي على أعلم الناس بأنساب العرب والشعر 159
باب في ذكر اختبار المصطفى قوابل أصحابه ومبلغهم من الذكاء والفهم في العلم 160
باب في تخصيصه صلى الله عليه وسلم لأهل العلم أياما معلومة 161
باب في أن العلم كانوا يحملونه تدريجيا وأنه يؤخذ الأوكد والأسهل، فالأصعب، والمبادي قبل غيرها 161
باب في حرص الصحابة على التعلم وهم كبار 162
باب في أمرهم بطلب العلم قبل التزوج 162
باب في ذكر أن التاجر منهم كان يتعلم والمتعلم منهم كان يتجر 162
باب في كون الصحابة كانوا يعلمون نساءهم وإماءهم وأن المصطفى كان يجعل للنساء يوما على حدة 162
باب في اعتناء الصحابة بحفظ وضبط ما كانوا يسمعون منه عليه السلام وكيفية ذلك 163
باب في كون الصحابة كانوا إذا سمعوا ما لم يفهموا من العلم استعادوه حتى يفهموه 164
باب في بناء أمرهم على تبليغ الشاهد الغائب 164
باب تعاطيهم العلم ليلا ونهارا 164
باب في احتفاظ المصطفى على قلوب المبتدئين فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين 165
باب من حق الأبناء على الآباء تعليمهم الكتابة 165
باب في القلم والدواة في العصر النبوي 166
باب الأقلام القصبية في زمن الصحابة 167
باب في اتخاذ الكاغد من القطن في أواخر أيام الصحابة بجزيرة العرب 167
باب في كتابة الصحابة للحديث وأمر المصطفى لهم بالتقييد 169
باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة واتباعهم التدوين والتصنيف 172
بباب في اعتناء قوّاد الصحابة برفع التقارير الجغرافية 182
للخلفاء الراشدين عن البلاد التي يفتحونها 182
باب في أن ترجمة الكتب القديم العلوم العمرانية من طب وكيمياء وصناعات ونحوها وقع الاعتناء به أواخر أيام الصحابة 183
باب في أن أول من تكلم في علوم القوم الصحابة 185
باب في أن أول من وضع علم النحو في الإسلام الصحابة 186
باب في أن عليا كرم الله وجهه هو أول من نطق بالتصحيف أحد أنواع البديع 188
باب في أن الصحابة تكلموا في علم الكلام قبل أن يتكلم فيه ويدوّن الإمام الأشعري 189
(2/313)

باب املاء الصحابة على من يكتب عنهم 189
باب وقت بروزه عليه السلام للجواب عن أسئلة السائلين وأغلب ما كانوا يسألونه عنه 189
باب في مراجعتهم الحديث فيما بينهم إذا فارقهم المصطفى عليه السلام 190
باب في أنهم كانوا إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة من القرآن 190
باب في أن العالم منهم قد يأمر تلميذه بالتحديث بمحضره 190
باب في أخذهم القرآن مع التفقه في معانيه تدريجيا 190
باب في أول من أطلق على سفر القرآن المصحف 192
باب فتوى الصحابة في حكم أجرة نسخ المصاحف 192
باب في اعتناء الصحابة ومن كان في زمنهم بنسخ المصاحف وتلاوتهم القرآن فيها 192
باب في اعتناء الصحابة بمصاحبة المصاحف لهم في أسفارهم 195
باب هل كانوا يحلّون المصاحف 196
باب في أن حفظ المصاحف كان له ولاة مختصون به في زمن أبي بكر رضي الله عنه 196
باب هل كانوا يقبلون المصاحف؟ 196
باب كون الصحابة كانوا يستحبون أن لا يخرج الرجل من منزله صباحا إلا وقد نظر في المصحف 197
باب في أن معاوية كان له غلمان وكلوا بحفظ دفاتر التاريخ 197
باب في تعلمهم القرآن في زمنه عليه السلام وتسويغه أخذ الأجرة عليه 198
باب هل كانت المصاحف تباع في زمنهم 199
باب في المكاتب لقراءة الصبيان 199
باب أين كانوا يصبون الماء الذي يغسل الصبيان به ألواحهم 200
باب هل هناك ما يدل على السن الذي كانوا يبتدئون فيه تعليم الصبي عن السلف 201
باب من كان يعلم القرآن في المدينة ومن كان يبعثه عليه السلام إلى الجهات لذلك وحفاظ القرآن من الصحابة ومعلم الناس الكتابة من الرجال والنساء مؤمنين وكافرين والمفتين على عهده عليه السلام ومعبري الرؤيا واتخاذ الدار في ذلك الزمن ينزلها القراء كالمدارس اليوم وغير ذلك 202
باب في تعاطي علم الخط 202
باب في حضهم على تعاطي الشعر 203
باب في علم الأنساب 204
باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي وحضه عليه السلام الناس على تعلمه وتعليمه 206
(2/314)

باب في ذكر من كان يحال عليه الأمور الحسابية 210
في زمن الخلفاء الراشدين 210
باب في أخذ أهل أوروبا الأرقام العربية عن العرب ودخولها إلى بلادهم في زمن علي كرم الله وجهه 211
باب ايثارهم في أخذ العلم القرشيّ علي غيره 211
باب الأمر بتعليم علم النجوم 211
باب أمرهم بتعلم علم الرماية والسباحة 212
باب في أمرهم بتعلم العربية 213
باب في أمر عمر لعماله بضرب كتابهم إذا لحنوا وتأخيرهم 213
باب في تعاطي الصحابة للحكمة والتنجيم والقافة والموسيقي والطب والإدارة والحرب والسياسة والترجمة والإملاء والتجارة والصناعة ونحو ذلك 213
باب في كونهم كانوا يتجنبون في التحديث والرواية ما يضر سماعه بالعامة والمبتدئين 214
باب في وصاية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشباب من طلبة العلم 214
باب في اهتبال علماء الصحابة بالآخذين عنهم والإهتمام بوقايتهم من الأهواء وحنوّهم عليهم 215
باب في ذكر الوصف الذي كان يحمله المنقطع للعلم في ذلك الزمن تعلما وتعليما 215
باب في تسميته عليه السلام حملة الحديث ونقلته عنه خلفاء له عليه السلام 215
باب عنوان القرآن وبرنامجه وهو الأصل في وضع المسلمين العناوين للمصنفات 216
باب في حضه عليه السلام طلبة العلم على السؤال عما لم يفهموا 217
باب في اجابته عليه السلام السائلين على حسب قوابلهم وتنويعه الخطب على حسب الحال والمقام 217
باب في روايته صلى الله عليه وسلم عن أصحابه وتحديثه عنهم 218
باب في أخذ الصحابة العلم بعضهم عن بعض 218
باب في أن جلالة بعضهم عند بعض كانت لا تمنع من المخالفة فيما لم يؤدهم إليه اجتهادهم 219
باب في أدب الصحابة مع من يتعلمون منه أيضا 219
باب في رواية الصحابة عن التابعين 220
باب في أخذ كبار الصحابة العالم عن الموالي 220
باب أخذ الصحابة من العرب عمن أسلم من اليهود 220
باب في رجوع الصحابة للحق إذا ظهر لهم واعترافهم به 221
باب في تأديب النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في التعليم واقتفاء الصحابة أثره في ذلك 221
(2/315)

باب مناظرة الصحابة بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم 222
باب في آداب طالب العلم المنصوص عليها لأهل القرون الأولى ومنها تعلم الآداب المعروفة لطالب العلم في زمن النبوة 222
باب في أن الصحابة كانوا يعرفون حق أكابرهم في العلم والسن والآداب التي كانوا يوصون بها المتعلم ليعامل بها معلمه 224
باب في إنزال النبي صلى الله عليه وسلم الناس ساعة التعليم منازلهم من تقديم الأكثر علما أو سنا 225
باب رحلة الصحابة في طلب العلم أو رغبة في علو السند 225
باب ترغيب الصحابة بعضهم بعضا وغيرهم من الناس إلى حضور الميراث النبوي يريدون العلم لأن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وذلك بعد انتقاله عليه السلام 226
باب في القاص في الزمن النبوي وجلوسه عليه السلام مجلسه 226
باب في ذكر ما بثه عليه السلام من الفرائض الطبية والعلوم الحكمية المتعلقة بالأغذية والأدوية وعلاج الأمراض حتى دونت فيه الدواوين 228
باب في ذكر توسعه عليه السلام مع أصحابه في ذكر الوقائع التاريخية وأخبار الأمم السالفة واتخاذه لذلك وقتا وهو أصل تعاطي الدروس اليوم في شبه ذلك 232
باب اتخاذ الأنصار ما بين العشاءين لتعلم الرماية 234
باب اتخاذ معاوية رضي الله عنه وقت السمر لسماع كتب التاريخ وأخبار الأمم والأجيال 234
باب في بناء أمرهم في التعليم على أن يتلقوا العلم ممن وجدوه عنده ولو كان صغيرا أو مشركا 234
باب تحريض علي بن أبي طالب على العلم وتنبيهه على شرفه بأبلغ تعبير 235
باب في ترتيب العلم في الأخذ عن الصحابة ومن كانوا يقدمون ويؤخرون من المجتمعين للطلب باب في أن الصحابة كانوا يروحون القلوب ساعة فساعة 236
باب في حديث خرافة 237
باب في حديث أم زرع 237
المضحكون والمضحكات في الزمن النبوي 239
المقصد الثاني 242
باب في تحريهم في الفتوى وتدافعهم لها 245
وكراهتهم الكلام في المسألة قبل نزولها 245
باب من كان يوسم بأعلم الصحبة وأذكاهم 245
باب من كان يعرف فيهم بباب مدينة العلم 246
(2/316)

باب من كان يلقب منهم بأسد الله 248
باب الملقب فيهم بشيخ الإسلام 248
باب الملقب فيهم بسيف الله 249
باب في الذي يضرب به المثل في العدل منهم 249
باب فيمن كان يضرب به المثل في الهيبة من الصحابة 250
باب فيمن كان يضرب به المثل في الفضائل كلها من الصحابة 251
باب فيمن كان يضرب به المثل في الصدق 251
باب فيمن كان يضرب به المثل في المشية من الصحابة 251
باب فيمن كان يضرب به المثل في الفقه من الصحابة 252
باب في الحائز لقب أمين الأمة من الصحابة 253
باب فيمن أولم وليمة بقي يضرب بها المثل 253
باب في من كان يضرب به المثل في الحلم من الصحابة 254
باب في من كانت تستحي منهم ملائكة الرحمن من الصحابة 255
باب في ذي الرأي من الصحابة 255
باب في ذي اليدين من الصحابة 256
باب في ذي العمامة 256
باب فيمن كان يضرب المثل بسيفه من الصحابة 256
باب من كان من الصحابة يعدّ صوته في الجيش بألف رجل 257
باب فيمن كان يسبق الفرس شدا على قديمه من الصحابة 257
باب فيمن عرف بالدهاء من الصحابة بحيث كان يضرب به المثل 257
باب فيمن عرف من الصحابة بالقوى المدهشة حتى باهى به العرب فارس والروم 258
باب فيمن كان من الصحابة في نهاية الطول 258
باب من كان من الصحابة في غاية القصر 259
باب من كان من الصحابة فردا في زمانه بحيث يضرب به المثل 259
باب من كان يضرب به المثل من الصحابة في الجمال 260
أخوة سبعة كلهم من الصحابة تباعدت قبورهم 261
باب في صحابي أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة 261
باب من كان من الصحابة بيده سيف الفتح بحيث فنصب في عهده اثنا عشر ألف منبر 262
باب من كان من الصحابة له ألف مملوك يؤدون له الخراج 262
باب فيمن كان يحفظ مائة لغة متباينة من الصحابة 262
باب فيمن مات من الصحابة فمات بموته تسعة أعشار العلم 263
(2/317)

باب في ذكر صحابي مات فقال فيه عمر مات سيد المسلمين 263
باب في ذكر الأغنياء من الصحابة ومن توسع منهم في الأمور الدنيوية 263
باب فيمن تغالى من الصحابة في صداقه لما تزوج بعلوية 268
باب في ذكر عدد الصحابة 268
باب في ذكر عدد من كان بالمدينة من الصحابة معه عليه السلام آخر الأمر 269
باب في المكثرين الرواية عنه صلى الله عليه وسلم من الصحابة 269
باب في ذكر أحفظ الصحابة وأول محدث في الإسلام 271
باب في ذكر أئمة الفتوى من الصحابة 272
باب في ذكر من كان أكثر الصحابة فتيا ومن جمع من فتاويه سبع مجلدات والمخصوص منهم بلقب البحر وحبر القرآن ورباني الأمة والغواص ومن كان يعرف ممره من الطريق ومن وجم الناس عن تعزيته عن أبيه هيبة له وإجلالا 273
باب في ذكر من كان في الصحابة له أتباع يقلدونهم في فتواهم 275
باب في ذكر الذين انتهى إليهم العلم من الصحابة 276
باب من عرف بالكرم والجود من الصحابة 277
باب في ذكر أعلم الأمة بالفرائض من الصحابة 280
باب في ذكر المعروف في الصحابة بحسن الصوت وتجويد التلاوة 280
باب فيمن قيل فيه من الصحابة أخطب أهل الدنيا 281
باب في المخصوص من الصحابة بلقب حكيم الأمة 281
باب في ذكر من كان يقرأ الكتب القديمة من الصحابة ويعلم ما فيها 281
باب ذكر من قيل فيه أعلم الناس من نساء الصحابة 284
باب في ذكر من قيل فيه من نساء الصحابة لو كان رجلا لصلح للخلافة 285
باب ذكر أن من الصحابة مولى قال عمر: لو كان حيّا لاستخلفته 285
باب من قيل فيه أفصح الناس وأفخمهم نطقا من الصحابة 286
باب ذكر من كان أعلم الناس بالمناسك من الصحابة 286
باب فيمن أفتى الناس ستين سنة من الصحابة 286
باب من كان يطلق عليه الحبر وهو العالم في الزمن النبوي 286
باب أمره عليه السلام الصحابة بالقيام إلى العالم منهم وأخذ ركابه 286
باب من كان من الصحابة يقبل تلاميذه يده 287
باب من قبّل من الصحابة يد تلميذه لكونه من أهل البيت 287
باب صحابي قال فيه عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأسه 287
باب صحابي قال فيه عمر: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير منه 288
(2/318)

باب صحابي قدم المدينة في خلافة عمر فأمر عمر الناس أن يخرجوا معه للقائه 288
باب الصحابة الطلس ومن استخلف منهم 288
باب في الخصي 289
باب المخنث 289
باب في المجبوب 292
باب هل كان السلف يحتفظون بالآثار القديمة 292
باب وهو خاتمة الأبواب وزبدة الكتاب 293
خاتمة 296
فهرس الموضوعات 307
(2/319)