Advertisement

تراجم مشاهير الشرق 1


تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الأول)




تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الأول)

تأليف
جُرجي زيدان




تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الأول)

جُرجي زيدان

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ? ?

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة الطبعة الأولى


رأينا من جمهور القراء ارتياحا لما ننشره في الهلال من تراجم مشاهير الناس، وتقدم إلينا غير واحد من حضراتهم أن نؤلف من تلك التراجم وأمثالها كتابًا على حدة مع ما تقتضيه من الرسوم ونحوها؛ ليسهل الاطلاع عليها والاعتبار بها، فرأينا أن نلبي الطلب على أن يكون عملنا قاصرًا على مشاهير الشرق دون سواهم، وأن لا يتجاوز وفيات القرن التاسع عشر.
ومما يهوّن ذلك علينا أننا قضينا العقد الأخير من القرن المذكور في البحث عن مشاهير رجالنا في السياسة، والإدارة، والعلم، والأدب، وقد نشرنا كثيرًا من تراجمهم في أهلة السنين الماضية، فعمدنا إلى جمع تلك التراجم في كتاب نرتب فيه أولئك المشاهير باعتبار ما اشتهروا به؛ فقسمناه إلى جزأين: الجزء الأول في رجال الحكومة. والثاني في رجال العلم مع ملاحظة الشروط الآتية: (?) أننا لا ننشر إلا تراجم المشاهير الذين توفوا في أثناء القرن التاسع عشر، إلا في أحوال خصوصية أهمها أن يكون المترجم قد فرغ من العمل الذي انتدب نفسه له أو أوقف سيرته عند حد لا يرجى له أن يتعداه.
(?) توسعنا في المراد من لفظ الشرق إلى آخر الشرق الأقصى، فترجمنا الذين بلغت إلينا شهرتهم من رجال فارس، والهند، والصين، واليابان.
(?) عددنا في جملة مشاهير الشرق رجالًا من الإفرنج خدموا الشرق، وقضوا معظم حياتهم فيه، مثل: سليمان باشا الفرنساوي، والدكتور كلوت بك، والدكتور فنديك، وغيرهم، وفعلنا نحو ذلك بمشاهير المسلمين في بلاد المغرب.
(?) قسمنا كلًّا من جزأي الكتاب إلى أبواب، ورتبنا رجال كل باب باعتبار سني وفاتهم بقطع النظر عن أهليتهم.?
فالجزء الأول: من تراجم مشاهير الشرق — وهو هذا — يحتوي على تراجم من اشتهر في الشرق من رجال الحكومة في أثناء القرن الماضي، وهو يقسم إلى أربعة أقسام:أولا: أمراء العائلة الخديوية.ثانيًا: الملوك والأمراء.ثالثا: القواد.رابعا: رجال الإدارة والسياسة.
والجزء الثاني: يشتمل على من اشتهر في الشرق من رجال العلم والأدب في أثناء القرن التاسع عشر، وهو أربعة أقسام:(?) أركان النهضة العلمية الأخيرة.(?) المنشئون وكتاب الجرائد.(?) سائر رجال الأقلام وخدمة العلم والأدب.(?) الشعراء.
فالجزء الأول عبارة عن تراجم رجال الحكومة، وتاريخ أعمالها الإدارية في الأستانة ومصر والشام والسودان وسائر المشرق، أو هو تاريخ الشرق السياسي في القرن التاسع عشر. والجزء الثاني عبارة عن تاريخ العلم والأدب في النهضة الشرقية الأخيرة. وقد توخينا تحري الحقائق جهد طاقتنا والعصمة لله وحده.
ونظرًا لما يَعتَوِر هذا المشروع من العقبات في انتقاء الرجال، والبحث عن تراجمهم لقلة المآخذ المؤدية إلى ذلك؛ لقرب عهدنا من الحضارة الجديدة، فلا يخلو أن يكون قد فاتنا ذكر بعض المشاهير من رجالنا، فنرجو من أهل الاطلاع أن ينبهونا إلى ذلك، ويبعثوا إلينا بما يعلمونه من تراجم أولئك الرجال؛ لندرجها في ملحق نجعله جزءًا ثالثًا لهذا الكتاب إن شاء الله.
? قد اختل معنا هذا الترتيب بعدما أضفناه من التراجم بهذه الطبعة.
مقدمة الطبعة الثانية


صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة ???? فلم تمض بضع سنين حتى نفدت نسخها واضطررنا إلى إعادة طبعها، وكنا قد حصرنا موضوع الكتاب في ترجمة الرجال العظام الذين توفوا في الشرق قبل انقضاء القرن التاسع عشر، ثم رأينا في ذلك تقصيرًا بحق جماعة نبغوا في القرن المذكور لكنهم توفوا في أوائل القرن العشرين، وفيهم جماعة من أرباب الأقلام أو غيرهم، وآخرون من كبار الرجال لا يدخلون في باب من الأبواب الأربعة التي عيناها في الطبعة الأولى وفصلناها في مقدمتها المنشورة مع هذه، فأضفنا إلى أبواب الجزء الأول هذا بابًا خامسًا سميناه «باب رجال العمل وأهل البر والإصلاح» فدخل في الكتاب بسبب ذلك جماعة من خيرة الرجال؛ كالشيخ محمد عبده، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، وغيرهم فنشرنا تراجمهم في هذا الكتاب مع تراجم أخرى فاتتنا في الطبعة الأولى، ونبهنا إليها بعض الأدباء.
فأصبحت أبواب هذا الكتاب خمسة، وهي: (?) أمراء العائلة الخديوية.
(?) الملوك والأمراء.
(?) القواد.
(?) رجال الإدارة السياسية.
(?) رجال الأعمال وأهل البر والإصلاح.
وأضفنا إلى الجزء الثاني تراجم كثيرين من أهل العلم والأدب فاتنا ذكرهم في الطبعة الماضية، ولا نزال نوالي البحث عن تراجم رجالنا لنضيفها إلى ما عرفناه في فرصة أخرى وبالله التوفيق.

الجزء الأول
العائلة الخديوية



الفصل الأول
محمد علي باشا


شكل ?-?: محمد علي باشا.
(?) صبوته وشبيبته

انظر إلى خارطة بلاد الروملي في سواحلها الجنوبية على مسافة ??? كيلومترًا من الأستانة غربًا، ترَ قرية اسمها قوالة لا يزيد عدد سكانها على ثمانية آلاف نفس، وكان في تلك القرية في أواسط القرن الثامن عشر رجل اسمه إبراهيم أغا، كان متوليًا خفارة الطرق، وُلد له سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم إلا واحدًا، وفي سنة ???? توفي هذا الرجل وامرأته عن ذلك الولد وسنه أربع سنوات واسمه محمد علي.
فأصبح الغلام يتيمًا ليس له من يعوله إلا عمًّا اسمه أغا، وكان متسلمًا على قوالة، فجاء به إلى بيته شفقة عليه، غير أن المنية عاجلت طوسون فقُتل بأمر الباب العالي بعد ذلك بيسير، فأصبح الغلام يتيمًا قاصرًا وليس من ينظر إليه.
وكان لوالده صديق يعرف بجربجي براوسطة فشفق على الغلام وجاء به إليه، وعني بتربيته مع أولاده، غير أن ذلك لم ينسه حاله من اليتم، فكان يشعر بالذل وضعة النفس. ويُروى أنه بعد أن ارتقى ذروة المجد واعتلى منصة الأحكام، أنه كان يُحدث أخصاءه عما قاساه في صبوته من الذل إلى أن يقول: وُلد لأبي سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم سواي، فكان يُحبني كثيرًا ولا تغفل عينيه عن حراستي كيفما توجهت، ثم توفاه الله فأصبحت يتيمًا قاصرًا، وأُبدِل عزّي بذلٍّ، وكثيرًا ما كنت أسمع عشرائي يكرّرون هذه العبارة التي لا أنساها، وهي: (ماذا عسى أن يكون مصير هذا الولد التعيس بعد أن فقد والديه)، فكنت إذا سمعتهم يقولون ذلك أتغافل عنه، ولكنني أشعر بإحساس غريب يُحركني إلى النهوض من تحت هذا الذل، فكنت أجهد نفسي بكل عمل أستطيع معاطاته بهمة غريبة حتى كاد يمرُّ عليّ أحيانًا يومان ساعيًا لا آكل ولا أنام إلا شيئًا يسيرًا. وفي جملة ما قاسيته أني كنت مسافرًا مرة في مركب فتعاظم النوء حتى كسره، وكنت صغيرًا، فتركني رفاقي وطلعوا إلى جزيرة هناك على قارب معنا، أما أنا فجعلت أجاهد في الماء وِسْعي، تتقاذفني الأمواج، وتستقبلني الصخور حتى تهشمت يداي، وكانتا لا تزالان يانعتين، وما زلت حتى أراد الله ووصلت الجزيرة سالمًا، وقد أصبحت هذه الجزيرة الآن قسمًا من مملكتي.
ومما يُحكى عنه في أيام صبوته أنه كان يتردّد على رجل فرنساوي مقيم في قوالة اسمه المسيو ليون، وكان من كبار التجار محبًا للفضيلة وحالمًا، رأى محمد علي للمرة الأولى، فشفق عليه وأحب مساعدته لما توسم فيه من الفطنة والنباهة، فكان يُقدم له كثيرًا من حاجياته ويسعفه بكل ما في وسعه حتى ألفه محمد علي كثيرًا. وهذا هو سبب وثوقه بالأمة الفرنساوية بعد توليه الأحكام في مصر واستخدامه أفرادًا منهم في مصلحة البلاد، ويُقال: إنه رحمه الله بعث سنة ???? إلى المسيو ليون المشار إليه يدعوه إلى مصر يقضي فيها زمنًا في ضيافته، فأجاب دعوته، ولكنه مات قبل قدومه، فأسف عليه محمد علي كثيرًا وبعث إلى شقيقته هدية تساوي عشرة آلاف فرنك.
قلنا: إنه رُبِّي في صبوته ببيت جربجي براوسطة، وتعلم في صغره ما يتعلمه أبناء تلك البلاد من ألعاب السيف والجريد والحَكم وما شاكل، فنبغ فيها حتى إذا بلغ أشده انتظم في سلك الجهادية تحت إدارة مربية فأظهر في جباية الضرائب مهارة وبسالة عجيبتين، فرقَّاهُ إلى رتبة بلوك باشي وزوَّجه إحدى ذوات قرابته وكانت مطلقة ولها مال، وعقار، فترك الجهادية وتعاطى التجارة وعلى الخصوص في صنف التبغ؛ لأنه أكثر أصناف التجارة في بلاده. وقد برع في تلك التجارة حتى اكتسب شهرة واسعة، وثقة عظمى لدى عملائه، وكان قد ذاق لذة التجارة وأحبها مذ كان يتردد على المسيو ليون — المتقدم ذكره — ولذلك رأيناه بعد أن تولى مصر يوجه انتباهه بنوع خاص لتنشيط التجارة.
وما زال يتعاطى التجارة إلى سنة ???? حينما عزم الباب العالي على إخراج الفرنساوية من مصر بمساعدة إنكلترا، وكان الفرنساويون قد جاءوا مصر تحت قيادة نابليون بونابرت سنة ???? فحاربوا الأمراء المماليك، ودخلوها عنوة، وأقاموا فيها ثلاث سنوات والحكومة العثمانية تبعث إليهم الجنود، وتحاربهم تارة وحدها وطورًا بمساعدة إنكلترا، وهم قائمون بين إقدام وإحجام إلى سنة ???? فبعثت العثمانية إليهم عمارة قوية تحت قيادة قبطان باشا وفيها قوات إنكليزية وبعثت الصدر الأعظم في حملة من جهة البر.
(?) ارتقاؤُه منصة الأحكام

وكان محمد علي في جملة القوة البحرية، وقد تجند إليها في جملة من تجند في براوسطة بصفة معاون لعلي أغا ابن مربيه على ثلاث مئة جندي ألباني (أرناءوط).
فجاءت العمارة إلى أبي قير، وكانت الغلبة هناك للفرنساويين، ثم عاد علي أغا إلى بلاده تاركًا رجاله تحت قيادة محمد علي، وكان هذا قد ترقى إلى رتبة بكباشي.
ثم تغلب العثمانيون بمساعدة العمارة الإنكليزية وحملة الصدر الأعظم، ودخلوا البلاد وأخرجوا الفرنساويين منسحبين انسحابًا قانونيًا، وجعلوا يهتمون بتأييد سلطة الباب العالي فيها.
وكان في الجنود العثمانية جماعات من الأرناءوط والإنكشارية والغليونجية، فتفرقت هذه الجنود لحماية مصر السفلى وبعض مدن الصعيد. أما الإنكليز فكانوا تحت قيادة الجنرال هتشنسون فنزلوا الإسكندرية ريثما يقيمون في القطر المصري واليًا عثمانيًّا يؤيد سلطة الباب العالي، ويكبح جماح المماليك الذين كانوا لا يزالون يحاولون الاستقلال.
فأقاموا محمد خسرو باشا وكان في الأصل من مماليك حسين قبطان باشا، وهو الذي سعى له في هذه الولاية فجاء القاهرة وقاص الذين كانوا فيها من محالفي الفرنساوية. وكان في يده أوامر سرية بإعدام المماليك جملة بأي وسيلة كانت، فبعث إلى محاربتهم وكانوا في الصعيد فتضايقوا ولم يروا وسيلة إلا الالتجاء إلى فرنسا، فكتبوا إليها يستنجدونها متعهدين بإجراء كل ما تطلبه منه فلم يسعدهم الحظ بمساعدتها.
أما الحملة التي بعثها خسرو باشا إلى الصعيد فإنها عادت ولم تأت بفائدة، ثم حاربهم مرارًا في أماكن مختلفة وفي جملتها واقعة بعث إليها حملة من جنده وكان محمد علي قد ترقى إلى رتبة سرحشمة، وصار قائدا لأربعة آلاف من الألبانيين فأمره أن يسير في رجاله مددًا لتلك الحملة، فسارت الحملة وحاربت المماليك وانكسرت قبل وصول محمد علي ورجاله فنسب قائدها انكساره إلى تأخر محمد علي عن المجيء، وأبلغ ذلك لخسرو باشا. وكان هذا حاقدا على محمد علي فاستقبل ذلك البلاغ بالصدق، وأقر على إعدامه سرًّا، وكتب إليه أن يوافيه في منتصف الليل للمخابرة ببعض الشئون، فأدرك محمد علي مراده، ولم يجب الدعوة ولم يرَ وسيلة لنجاته من مكيدته وعدوانه إلا بالالتجاء إلى المماليك فانحاز إليهم، وأخذ في مخابرتهم سرًّا وجهرًا فتمكنوا بذلك التحالف من إخراج خسرو باشا من القاهرة قهرًا، ففر إلى دمياط وأقاموا مكانه طاهر باشا، واحتل محمد علي القلعة برجاله، فقام أحمد باشا والي الشرطة إذ ذاك بطلب الولاية فأخرجه المماليك من القاهرة ذليلاً، ثم اتحد الجميع وساروا لمحاربة خسرو باشا في دمياط فأسروه، وجاءوا به إلى القاهرة وحجروا عليه في القلعة.
أما الباب العالي فلما بلغه ما حصل في مصر بعث إليهم واليا اسمه علي باشا الجزائرلي فلم يصل القاهرة إلا بشق الأنفس، ولما وصلها عمد إلى الكيد بالمماليك ومحمد علي فعادت العائدة عليه. شكل ?-?: أمراء المماليك أوطة باشي (أبو طبق) جندي.
وكان للماليك زعيمان: الألفي والبرديسي يتنازعان السلطة، وكان الألفي قد سار إلى إنكلترا يطلب مساعدتها على رفيقه للاستئثار بالسلطة، فلما عاد من سفرته اغتنم محمد علي تلك الفرصة وأوغر صدر مناظرة البرديسي عليه، فنصب له مكيدة لم يقع فيها ولكنه فر إلى الصعيد فظن البرديسي أن جو القاهرة قد خلا له، ولكن محمد علي قد كان له بالمرصاد فحرك الألبانيين عليه وأوعز إليهم سرًّا أن يُثيروا ويطالبوا بمرتباتهم، فقاموا وهددوا البرديسي بالأذى إذا لم يدفع إليهم المتأخرات، فضرب على أهل القاهرة أموالاً، واستبد في تحصيلها بقساوة، فثاروا جميعًا عليه فاضطر إلى مغادرة القاهرة ولم يعد يرجع إليها، وكل ذلك سنة ????.
فلما فر الأميران، لم يبق في القاهرة من رجال السلطة إلا محمد علي فجمع إليه العلماء والمشايخ وتفاوضوا في إخلاء سبيل خسرو باشا، فأقروا على ذلك وأن يعود إلى منصبه فأعادوه، ولكنه لم يمكث فيه إلا يومًا واحدًا ثم أخرجوه من القاهرة إلى رشيد ومنها إلى الأستانة، وكل ذلك بمساعي محمد علي ودهائه وحسن سياسته.
ثم تظاهر أن الأمور لا تستقيم في مصر إلا بتنصيب وال عثماني حر، وأشار بتنصيب خورشيد باشا وكان في الإسكندرية، فوافقه العلماء والمشايخ في ذلك على أن يكون هو نائبًا عنه في الأحكام بصفة (قائمقام) وبعثوا إلى الباب العالي يخبرونه بذلك ويسترحمون تثبيت انتخابهم فأجيب طلبهم.
غير أن خورشيد باشا رأى محمد علي مستأثرا بالنفوذ عليه بمن معه من الجند الألباني فخاف عاقبة ذلك فاستقدم جندًا مغربيًّا (الدالاتية أو الدلاة) يكونون له عونا وقت الحاجة، فأدرك محمد علي قصده فوقف له بالمرصاد ثم جعل الدالاتية يسيئون معاملة أهل القاهرة، وينهبون، ويقتلون اعتمادا على نفوذ الباشا، فسئم أهل القاهرة منهم ولا سيما المشايخ والعلماء. شكل ?-?: الجند الألباني (الأرناءوط).
وفي ? صفر سنة ???? ورد لمحمد علي خط شريف بولاية جدَّة، فألبسه خورشيد باشا الفروة والقاووق المختصين بهذه الرتبة وقد توسم قرب تخلصه منه، فخرج محمد علي يريد الذهاب إلى جدة وفي نفسه ألا يخرج من مصر، فقامت العساكر وطالبوه بالعلوفة فقال: «هذا هو الباشا طالبوه بها» وسار إلى منزله في الأزبكية (قرب أوتيل شبرد) وهو ينثر الذهب على الناس فازدادوا له حبًّا ولخورشيد باشا كرهًا.
وبعد ثلاثة أيام (لا ندري ما دار في أثنائها بينه وبين علماء البلاد ومشايخها) سار المشايخ والعلماء جميعا إلى محمد علي في منزله ينادون بصوت واحد «لانقبل خورشيد باشا واليًا علينا» فقال: «ومن تريدون إذن» قالوا: «لا نريد أحدا سواك» فامتنع أولا وجعل يرغبهم في خورشيد ويحملهم على الإذعان والسكينة، وهم لا يزدادون إلا إصرارًا على طلبهم، فوافقهم فأحضروا له الكرك والقفطان وألبسوه إياهما، وبعثوا إلى خورشيد أن ينزل من القلعة فأبى، فحاصروه فيها، وكتبوا إلى الباب العالي بذلك فورد الفرمان بولاية محمد علي في ?? ربيع آخر سنة ????هـ (? يوليو (تموز) ????) وعزل خورشيد باشا، فخرج هذا من القلعة بأمر من الأستانة، وغادر البلاد وفي نفسه من الغيظ على محمد علي ما ليس وراءه غاية.
ولكن المماليك كانوا أشد غيظًا منه، لما ظهر لهم من تلاعب محمد علي بهم واستخدامه إياهم لأغراضه، فثاروا وفي مقدمتهم الألفي فإنه حالما علم بتولية محمد علي نزل بعصابته، وخابر حكومة إنكلترا بخلع محمد علي، واشترط على نفسه أنها إذا فعلت ذلك سلمها البلاد حالا، فعلم قنصل فرنسا بذلك فعرقل مسعاه، فعكف على مصالحة محمد علي باشا على شيء يرضى به الاثنان، فلم يتفقا، فعاد الألفي لمخابرة سفير إنكلترا، فأقنع هذا الباب العالي فبعث واليا اسمه موسى باشا مع العفو عن المماليك. وكادت تنطلي هذه الحيلة لو لم يقم العلماء والمشايخ من جهة وسفير فرنسا في الأستانة من جهة أخرى ويوضحوا للباب العالي مقصد المماليك فتثبت محمد علي، ولكنه أمر أن لا يتعرض للمماليك فيما بعد لصدور العفو عنهم قبلا، ولكن التقادير ساعدته فتوفي البرديسي بعد قليل، ثم الألفي فتولى على المماليك شاهين بك، ولكن شوكتهم ضعفت، ولم تعد تقوم لهم قائمة.
أما إنكلترا فاعتبرت إرجاع محمد علي مخلًّا بنفوذها، فبعثت حملة تحت قيادة الجنرال فرازر لإرجاع سلطة المماليك، ولكن المماليك كانوا قد تبعثروا في البلاد، فأقامت الجنود الإنكليزية على سواحل القطر مدة ثم عادت بخفَّي حنين بعد الاتفاق على صلح، فاجتمعت السلطة في قبضة محمد علي باشا، ثم سعى بعضهم في المصالحة بينه وبين شاهين بك زعيم المماليك فتصالحا، وقدم هذا إلى مصر بالهدايا الثمينة فأكرمه محمد علي، وبنى له قصرًا لسكناه في الجيزة، وفي ? جمادي الآخرة سنة ???? بويع السلطان محمود الثاني على عرش الأستانة العلية.
(?) أعماله الحربية

فلما رسخت قدم محمد علي باشا في مصر أخذ في تسليم مصالح حكومته إلى من يثق بهم من ذوي قرباه؛ لأنه كان شديد المحبة لعائلته ولا شك أن أزره اشتد بهم. ثم استفحل أمر الوهابيين في شبه جزيرة العرب فأرسل السلطان محمود خان يعهد إلى محمد علي باشا أمر إخضاعهم وتخليص البلاد من أيديهم.
والوهابيون فئة من المسلمين ذهبوا إلى إغفال كل الكتب الدينية الإسلامية إلا القرآن الشريف فهم بمنزلة الطائفة الإنجيلية عند المسيحيين. زعيمها الأول يدعى محمد عبد الوهاب، ولد سنة ????هـ (سنة ????م) ولما شبَّ تفقَّه وحج ثم أظهر دعوته فالتفَّت عليه أحزاب كثيرة، فافتتح نجدًا، فالحجاز، فالحرمين، وما زال يفتتح في بلاد العرب حتى توفي سنة ????هـ (سنة ????م) وسِنُّهُ ?? سنة فاستمرت أحزابه في أعمالهم حتى سنة ????هـ سنة ????م تحت قيادة الأمير سعود، وقد أصبحت حدود مملكتهم من الشمال صحراء سوريا، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الشرق خليج العجم، ومن الغرب البحر الأحمر، فنهبوا الكعبة وقد استفحل أمرهم، ولم ير الباب العالي بُدًّا من تكليف بطل مصر إخضاعهم.
فأجاب محمد علي مطيعًا، وجعل يجمع القوات اللازمة لتلك الحملة، لكنه فكر في أمر المماليك فخشي إذا سارت الحملة أن لا تكون البلاد في أمن منهم فيجمعون كلمتهم ويعودون إلى ما كانوا عليه من القلاقل، فعمد إلى إهلاكهم قبل مسير الحملة، لكنه في الوقت نفسه عمل على إعداد مواد الحملة، فجند أربعة آلاف مقاتل تحت قيادة ابنه طوسون باشا ثم طلب إلى الباب العالي أن يبعث إلى السويس بالأخشاب لبناء المراكب اللازمة لنقل الجند ومعدات الحرب، فأرسل إليه ما طلب، فابتنى ثمانية عشر مركبًا، وأعدها عند السويس في انتظار الحملة.
أما المماليك فكانوا قد يئسوا من الاستقلال بالأحكام لما رأوا ما حل بسلفائهم وما عليه محمد علي باشا من العزيمة فكفوا عن مطامعهم، واكتفوا بالتمتع بأرزاقهم وممتلكاتهم في حالة سلمية، فقطن بعضهم الصعيد، وبعضهم القاهرة، وتشتتوا في أنحاء القطر. وكان شاهين بك وهو الذي تولى رئاستهم بعد وفاة الألفي قد أذعن لمحمد علي باشا كما تقدم، فأقطعه أرضًا بين الجيزة وبني سويف والفيوم فأوى إليها، وفي محرم سنة ????هـ (فبراير(شباط) سنة ????م) سار قواد الحملة من القاهرة وعسكروا في قبة العزب في الصحراء ينتظرون باقي الحملة ومعها طوسون باشا، وتعين يوم الجمعة لوداع طوسون والاحتفال بخروجه ورجاله إلى قبة العزب، فأعلن ذلك في المدينة ودعى كل الأعيان لحضور ذلك الاحتفال وفي جملتهم المماليك وطلب إليهم أن يكونوا بالملابس الرسمية.
ففي يوم الجمعة ? صفر سنة ????هـ (أول مارس (آذار) سنة ????) احتشد الناس إلى القلعة، وجاء شاهين بك في رجاله فاستقبلهم الباشا في قصره بكل ترحاب ثم قُدِّمت لهم القهوة وغيرها، ولما تكامل الجمع وجاءت الساعة أمر محمد علي بالمسير فسار الموكب وكلٌّ في مكانه منه جاعلين المماليك إلى الوراء يكتنفهم الفرسان والمشاة حتى إذا اقتربوا من باب العزب من أبواب القلعة في مضيق بين هذا الباب والحوش العالي أمر محمد علي فأغلقت الأبواب وأشار إلى الألبانيين (الأرناءوط) فهجموا على المماليك بغتة فانذعر أولئك وحاولوا الفرار تسلقا على الصخور، ولكنهم لم يفوزوا لأن الألبانيين كانوا أكثر تعودًا على تسلقها. واقتحم المشاة المماليك من ورائهم بالرصاص فطلب المماليك الفرار بخيولهم من طرق أخرى فلم يستطيعوا لصعوبة المسلك على الخيول، ولما ضويق عليهم ترجل بعضهم وفروا ساعين على أقدامهم والسيوف في أيديهم، فتداركتهم الجنود بالبنادق من الشبابيك فقتل شاهين بك أمام ديوان صلاح الدين، وحاول بعضهم الالتجاء إلى الحريم أو إلى طوسون باشا بدون فائدة. ثم نودي في المدينة أن كل من يظفر بأحد المماليك في أي محلٍّ كان يأتي به إلى كحيا بك فكانوا يقبضون عليهم ويأتون بهم إليه أفواجًا وهو يقتلهم. شكل ?-?: أمين بك (المملوك الشارد).
وكان عدد المماليك المدعوين إلى الوليمة أربع مئة فلم ينج منهم إلا اثنان: أحدهما أحمد بك زوج عديلة هانم بنت إبراهيم بك الكبير كان غائبا بناحية موش. والثاني أمين بك كان قد أتى القلعة متأخرًا فرأى الموكب سائرا نحو باب العزب فوقف خارج الباب ينتظر خروج الموكب. ثم لما أقفلت الأبواب بغتة، وسمع إطلاق النار علم المكيدة فهمز جواده وطلب الصحراء قاصدًا سوريا. والمتبادر على الألسنة أن أمين بك هذا كان داخل القلعة فلما حصلت المعركة همز جواده فوثب به من فوق السور لجهة الميدان فقتل جواده وسلم هو. والأقرب للحقيقة أن هذه الإشاعة مختلقة أو مبالغ فيها. ثم نودي في الأسواق أن شاهين بك زعيم المماليك قد قتل فخاف الناس، ثم طافت العساكر المدينة ينهبون بيوت المماليك، ويأخذون حريمهم وجواريهم وعلا الصياح.
وفي اليوم التالي نزل الباشا من القلعة وطوسون معه، وطاف المدينة يأمر الناس بإيقاف النهب، وقتل كل من حاول ذلك، ولكنه حرض على قبض من يظفرون به من المماليك في سائر أنحاء القطر، فكانوا يأتون بهم أفواجا يسوقونهم كالغنم إلى الذبح فبلغ عدد من قتل من البكوات ?? بيكًا. وفي اليوم التالي نزل طوسون باشا إلى الأسواق في فرقة من الجند؛ لتسكين الخواطر وإيقاف النهب. أما الجثث التي كانت في القلعة فاحتفروا لها حفرا جعلوا فوقها التراب، وصرح محمد علي باشا بحماية نساء المماليك، ولم يسمح بتزويجهن إلا لرجاله.
ولما خلت البلاد من المماليك عكف محمد علي على المهام الأخرى، وأخصها مسألة الوهابيين فكتب إلى غالب شريف مكة يخبره بإعداد حملة تنقذه من الوهابيين فيفتح طريق الحرمين لجميع المسلمين، وطلب إليه أن يمهد له السبيل فأجابه شاكرا ووعده بالمساعدة.
أما سعود أمير الوهابيين فأنبأته الجواسيس بما نواه محمد علي قام فاجتمع حوله خمسة عشر ألفا ليدفع بهم جنود مصر. أما حملة طوسون فركبت من البحر من السويس حتى أتت ينبع على الساحل الشرقي من البحر الأحمر، ومنها يتصل إلى المدينة فتملكوا ينبع، وساروا منها إلى صفر وفيها معسكر الوهابيين وقد تأهبوا للدفاع، فهجم طوسون باشا فتقهقر سعود ورجاله أولاً ثم ارتدوا على الجيوش المصرية فانهزموا تاركين كل مؤنهم وذخائرهم وجمالهم، وعادوا إلى ينبع. فعلم محمد علي باشا بذلك فجند جندًا كبيرًا مددًا لابنه فاشتد أزر طوسون، وجمع إليه القوتين وسار حتى أتى المدينة، فأطلق عليها النار فهدم بعض السور ثم دخلها وأثخن في حاميتها حتى سلمت فكف السيف عنها. فانتشر خبر افتتاح المدينة في سائر الحجاز فخاف الوهابيون وفرح أعداؤهم، ولا سيما الشريف غالب. وكان في جدة لا يدري ماذا يكون من أمر تلك الحملة، فلما علم بانتصارها كاد يطير من الفرح.
وأجلى الوهابيون عن مكة خوفا من أهلها، فجاءها طوسون واحتلها وكتب إلى أبيه ففرح فرحًا لا مزيد عليه لما أتاه الله من النصر على يد ابنه نصرًا لم يأت لغيره من القواد العثمانيين، وجيء إليه بقائد حامية المدينة من الوهابيين، فأرسله في خفر إلى الأستانة فقتلوه حال وصوله إليها. أما من بقي من دعاة الوهابيين فكانوا لا يزالون في مأمن خارج مكة تحت قيادة كبيرهم سعود.
فلما جاء صيف سنة ???? (????هـ) علموا أن جنود طوسون لا يحتملون حَرَّ تلك البلاد، وأنهم إذا ناهضوهم إذ ذاك يتغلبون عليهم، فجندوا وساروا إلى تربة شرقي مكة فحاربوها واستولوا عليها ثم ساروا إلى المدينة وهددوها بعد أن استولوا على كل مابين هاتين المدينتين من القرى والمدن فاتصل الخبر بمحمد علي فلم ير بُدًّا من ذهابه بنفسه لنصرة الجنود المصرية، وقد أصبحت مصر في مأمن من المماليك وغيرهم، فسار في جند عظيم حتى أتى جدَّة فنزلها في ?? شعبان سنة ????هـ (?? أوغسطس) آب (سنة ????م) فلاقاه الشيخ غالب شريف مكة، ورحب به، وبعد أن أدى فروض الحج رأى أن الشريف ليس ممن يعتمد عليهم في الدفاع، فعمد إلى خلعه بطريقة تضمن حقن الدماء، ففاز ثم وضع يده على ممتلكاته، وبعث به وبعائلته إلى القاهرة، ومنها إلى سالونيك فعاش فيها أربع سنوات ومات. أما الوهابيون فمات قائدهم سعود في درعية في ?? ربيع آخر ????هـ (?? أفريل (نيسان) سنة ????م) فانحطت سطوتهم فأقاموا عليهم ابنه عبد الله ولم يكن كفئًا فحصلت بينه وبين الجنود المصرية مناوشات كبيرة لم تأت بنتيجة. وفي (?? محرم سنة ????هـ) ?? يناير (ك?) سنة ????م) حصلت معركة بين جنود محمد علي والوهابيين تحت قيادة فيصل أخي عبد الله شفَّت عن انتصار المصريين، فتقدم طوسون إلى نجد إلا أنه اضطر أخيرا إلى التوقف لقلة المؤن وهو لم يبلغ درعية.
ثم اقتضت الأحوال عود محمد علي إلى مصر فعاد وقد فتح طريق الحرمين، ولكنه لم يُبِدْ جميع الوهابيين فوصل القاهرة في ? رجب سنة ????هـ فاهتم بتدريب الجند على نظام جند أوروبا وهو أول من فعل ذلك في مصر، فأصدر أمرًا عاليًا في شعبان سنة ????هـ مؤداه أن الجنود المصرية ستدرب على النظام الحديث وهو النظام الفرنساوي فعظم على رجاله، ولا سيما الأرناءوط الامتثال إلى هذه الأوامر فرأى أن يدخل هذا النظام أولا بين الجنود الوطنية؛ لأنهم أقرب إلى الطاعة من هؤلاء الألبانيين ومن كان على شاكلتهم.
وفي أثناء ذلك عاد طوسون باشا من الحجاز، فخرج الناس لملاقاته بالاحتفال والإكرام، ثم نزل الإسكندرية حيث كان أبوه مقيما فوجد امرأته قد وضعت في أثناء غيابه غلاما دعته عباسًا. وبعد يسير أُصيب طوسون بألم شديد في رأسه وحمى لم يعش بعدها إلا بضع ساعات، وكان محمد علي في القاهرة. ولما اتصل به الخبر كان على ضفة النيل الغربية بجوار أهرام الجيزة، فقالوا له: إن طوسون مريض فأسرع إلى الإسكندرية لمشاهدته، فلما دنا من المكان علم بوفاته فوقف مبغوتا لا يبدي حراكا، وبقي على مثل هذه الحال ثلاثة أيام متوالية. ونُقِلَت جثة طوسون باشا إلى القاهرة ودفنت قرب مسجد الإمام الشافعي وراء جبل المقطم حيث مدفن العائلة الخديوية اليوم.
وبعد قليل عاد محمد علي إلى رَوعه فأخذ يهتم في أمر الوهابيين خشية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه، فكتب إلى عبد الله بن سعود أن يأتي إليه بالأموال التي استخرجها الوهابيون من الكعبة، وأن يتأهب متى قدم للمسير إلى الأستانة، فأجابه يعتذر بعدم الشخوص، وقال: إن تلك الأموال قد تفرقت على عهد أبيه، وأرسل له هدايا فاخرة فأرجع إليه محمد علي تلك الهدايا، وأوسعه تهديدًا، ثم جرد إليه حملة عهد قيادتها إلى ابنه إبراهيم وكان باسلا، مقدامًا، وقائدًا مجربًا، لا يهاب الموت، شديد الغضب سريعه، ولكنه كان سليم القلب حر الضمير؛ ولذلك كانت أحكامه عادلة صارمة. شكل ?-?: إبراهيم باشا بلباسه العسكري.
وفي ?? شوال سنة ????هـ سار إبراهيم باشا بحملته من القاهرة في النيل إلى قنا، ومنها في الصحراء إلى القصير على شاطيء البحر الأحمر، ومنها إلى ينبع ثم إلى المدينة، وتربص هناك بجميع قواته استعدادًا لهجوم شديد امتثالا لمشورة أبيه، فالتفت حوله عصبة جديدة من القبائل المتحابة، ولما تكاملت قواته أقام الحرب سجالا، ومازال بين هجوم ودفاع حتى فاز وقبض على زعيم الوهابيين عبد الله، فأرسله إلى أبيه فوصلا القاهرة في ?? محرم سنة ????هـ فأُذِن له بالمثول بين يدي الباشا وتقبيل يديه، فرحب به كثيرا؛ لأنه كان يعجب بجسارة الوهابيين ثم سأله ما ظنه بإبراهيم فأجابه قائلا: «إنه قد قام بواجباته ونحن قمنا بواجباتنا وهكذا أراد الله».
وفي ?? محرم أُرسل إلى الأستانة، وطافوا به في أسواقها ثلاثة أيام ثم قتلوه، وخلع السلطان على إبراهيم باشا خلعة شرف مكافأة له، وسماه واليًا على مكة، فاتصلت هذه الأخبار بدرعية فخاف أهلها فهدموا المدينة وفروا من وجه الموت، فاحتلتها الجنود الظافرة وانتهى أمر الوهابيين. أما محمد علي باشا فإنه نال من إنعام السلطان محمود لقب خان مكافأة لإخلاصه وبسالته، وهو لقب لم يمنح لأحد من وزراء الدولة إلا حاكم القرم.
ولما انتهى هذا الرجل الخطير من محارباته في بلاد العرب فكر في افتتاح السودان على أمل أن يلاقي فيها الكنوز الثمينة من معادن الذهب بجوار البحر الأزرق، ناهيك بما هنالك من المحصولات والواردات العجيبة من الصمغ والريش والعاج والرقيق وغير ذلك، فجند خمسة آلاف من الجند النظامي، وبعض العربان، وثمانية مدافع، وجعل الجميع تحت قيادة إسماعيل باشا أحد أولاده، فسارت الحملة من القاهرة في شعبان عام ????هـ (يونيو) حزيران ????م) في النيل فقطعت الشلال الأول فالثاني فالثالث حتى السادس فأتت شندي والمتمة، وقد أخضعت كل ما مرت به من القرى والبلدان بدون مقاومة. ومن شندي سارت إلى سنار على البحر الأزرق وراء الخرطوم، ولم يكن من القبائل التي يعتد بها هناك إلا الشائقية فقاوموا قليلا ثم سلموا، ودخلت سنار وكردوفان في أملاك مصر فسار إسماعيل باشا في جنوده إلى فزغل، وهناك ظن نفسه اكتشف معادن الذهب، ثم فشا في رجاله الوباء فمات منهم كثيرون، ثم أتته نجدة من ثلاثة آلاف رجل تحت قيادة صهره أحمد بك الدفتردار فاشتد أزره فأقام صهره هذا على كردوفان، وسار في جيش إلى المتمة على البر الغربي من النيل ثم عدى إلى شندي في البر الشرقي لجباية المال وجمع الرجال، فاستدعى إليه ملكها واسمه النمر، وقال له: «أريد منك أن تأتي إلي قبل خمسة أيام بملء قاربي هذا من الذهب وألفين من العساكر» فجعل الملك يستعطف إسماعيل باشا ليتنازل عن ذلك القدر، فقبل منه أخيرا عوضا عن الذهب مبلغ عشرين ألف ريال من الفضة، فأجابه إلى ما أراد، ولكنه لم يكن يستطيع جمعها في تلك المدة فطلب إليه تطويل الأجل فضربه إسماعيل بالشبق (الغليون) على وجهه قائلا: «لا. إن كنت لا تدفع المال فورا ليس لك غير الخازوق جزاء». فسكت النمر، وقد أضمر له الشر وصمم على الانتقام، فطيب خاطره ووعده بإتمام ما يريد. وفي تلك الليلة جعل يرسل التبن الجاف أحمالا إلى معسكر إسماعيل علفًا للجمال، ولكنه أقامه حول المعسكر كأنه يريد إشعاله. وفي المساء أتى إلى إسماعيل في سرب من الأهالي ينفخون بالمزمار ويرقصون رقصة خاصة بهم فطرب إسماعيل ورجاله وضباطه، ثم أخذ عدد المتفرجين من الوطنيين يزداد شيئا فشيئا حتى أصبح كل أهل المدينة هناك، فلما تكامل العدد أمرهم ملكهم بالهجوم فهجموا بغتة على إسماعيل ورجاله ثم داروا بالنيران على التبن فأشعلوه فمات إسماعيل باشا وكثيرون ممن كانوا معه بين قتل وحرق. وفي اليوم التالي أتموا على الباقين وساقوا سلبهم إلى المدينة.
فاتصل الخبر بأحمد بك الدفتردار فاشتعل غيظا، وأقسم إنه لا يقبل أقل من عشرين ألف رأس انتقاما لإسماعيل فنزل بجيشه القليل ولم ينفك حتى أنفذ قسمه فقتل ذلك العدد من الرجال متفننا في طرق قتلهم على أساليب مختلفة، فهدأت الأحوال بعد ذلك وهكذا تم افتتاح السودان. ومازال أحمد بك على حكومة سنار وكردوفان إلى عام ????هـ (عام ????م) ثم أبدل برستم بك.
وفي عام ????هـ أرسل محمد علي باشا بأمر الباب العالي حملة مصرية تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا لمحاربة المورا في بلاد اليونان فسار وحارب، وأظهرت العمارة المصرية في تلك الحروب شجاعة الأبطال، ولولا اتحاد الدول مثنى وثلاث على الجنود العثمانية والمصرية لما قامت لليونان قائمة في تلك الحرب، ولكننا نقول: إن إبراهيم باشا عاد عود الظافرين بعد أن بذل في سبيل ذلك عشرين مليون فرنك وثلاثين ألف مقاتل.
ثم كانت حملة إبراهيم باشا على سوريا لافتتاح عكا لأسباب تتضح للقارئ من مراجعة ترجمة الأمير بشير الشهابي الثاني في هذا الكتاب فجرد محمد علي باشا سنة ????هـ (عام ????م) حملة في البر والبحر فأرسل البيادة والطبجية عن طريق العريش برا، وسار إبراهيم باشا إلى يافا وسار في جيشه إلى عكا فوصلها في ?? جمادي الأولى سنة ????هـ فحاصرها برا وبحرا إلى ?? ذي القعدة منها فهجم عليها هجمة نهائية شفَّت عن تسليمها. ثم سار قاصدا دمشق فأخضعها، ولم تدافع إلا يسيرا وبارحها إلى حمص حيث كانت تنتظره الجنود العثمانية تحت قيادة محمد باشا والي طرابلس فوصلها في ? يوليو (تموز) سنة ????م فهجم عليه محمد باشا، وبعد الأخذ والرد استولى إبراهيم باشا على حمص فخافت سوريا سطوة هذا القائد العظيم فسلمت له حلب وغيرها من مدن سوريا، فتغير وجه المسألة باعتبار الباب العالي فبعث حسين باشا السر عسكر بجيش عثماني لإيقاف إبراهيم باشا عند حده، فجاء وعسكر في إسكندرونة فلاقاه إبراهيم باشا وحاربه وانتصر عليه، ولم يعد يلاقي بعد ذلك مقاومة تستحق الذكر. ثم تقدم في آسيا الصغرى تاركا طورس وراءه، وكان الباب العالي قد أرسل رشيد باشا في جيش لملاقاته فجند إبراهيم باشا جندا كبيرا من البلاد التي افتتحها، وسار نحو الأستانة لملاقاة رشيد باشا فالتقى الجيشان في دسمبر (ك?) سنة ????م في قونية جنوبي آسيا الصغرى فتقهقر رشيد باشا برجاله واخترق إبراهيم آسيا الصغرى حتي هدد الأستانة.
فتعرضت الدول وفي مقدمتهن الدولة الروسية فأنفذت إلى مصر البرنس مورافيل لمخاطبة محمد علي باشا بذلك وتهديده، فبعث إلى إبراهيم باشا أن يتوقف عن المسير. ثم عُقِدت بمساعي الدول معاهدة من مقتضاها أن تكون سوريا قسمًا من مملكة مصر وإبراهيم باشا حاكمًا عليها، وجابيا لخراج أدنة، وقد تم ذلك الوفاق في ?? ذي القعدة سنة ????هـ (?? مايو (أيار) سنة ????م) وهو المدعو (وفاق كوتاهيا). فعاد إبراهيم باشا إلى سوريا، واهتم بتدبير أحكامها وجعل مقامه والا في أنطاكية وابتنى فيها قصرا وقشلاقات وولى إسماعيل بك على حلب، وأحمد منكلي باشا على أدنة وطرسوس، أما الإجراءات العسكرية فلم يكن يسوغ لأحد أن يتولاها سواه.
وكان إبراهيم باشا سائرًا بالأحكام بكل دراية وحكمة خشية سوء العقبى إلا أنه مع ذلك لم ينج من ثورة ظهرت في ضواحي السلط والكرك في أواخر سنة ????هـ (منتصف عام ????م) وامتدت إلى أورشليم، وبعد الأخذ والرد اضطر إبراهيم باشا إلى الاعتصام بأورشليم؛ لأنها ذات أسوار منيعة ثم امتدت الثورة إلى السامرة وجبال نابلس.
وفي ?? يونيو (حزيران) منها هجم المسلمون على صفد وفيها جماهير من اليهود، فهدموا منازلهم، وقتلوا رجالهم، وفتكوا بنسائهم، وأصبحت تلك المدينة في حوزتهم ثم أجروا مثل هذه التعديات على المسيحيين في الناصرة، وبيت لحم، وأورشليم، ولكنهم لم يتمكنوا مما تمكنوه بصفد. ويقال بالجملة: إن سوريا أصبحت بسبب ذلك شعلة ثورية، فاتصل الخبر بمحمد علي باشا فبرح الإسكندرية إلى يافا فتقربت منه وجهاء البلاد وسراتها ثم عمدت الجيوش المصرية إلى قمع الثائرين فتشتت العصاة إلا النابلسيين فإنهم قاوموا طويلا، لكنهم أذعنوا أخيرا. ثم هاجم المصريون السلط والكرك وهدموها، وبعد قليل عادت الثورة إلى جبال النصيرية فاعترض أهلها فرقة من الجند كانت سائرة من اللاذقية إلى حلب وأعادوها إلى حيث أتت؛ فأرسل المصريون سبعة آلاف مقاتل اتحدوا بثمانية آلاف من الدروز والمارونيين تحت قيادة الأمير خليل بن الأمير بشير أمير لبنان، وسار الجميع إلى النصيرية وأخضعوهم ثم سعى إبراهيم باشا في تجريد السوريين من السلاح خوفا من عودتهم إلى الثورة ففعل، لكنه لم يستطع تجريد اللبنانيين. وكان الأمير بشير وإبراهيم باشا على وفاق تام وكأنهما خلقا ليتحدا.
وبعد أن أتم إبراهيم باشا جمع سلاح السوريين بمساعدة الأمير بشير هجم برجاله على أهالي الشوف والمتن من لبنان، وجمعوا ما استطاعوا جمعه من الأسلحة، وحملوا كل ما جمعوه منها إلى عكا، وكانوا يصنعون منها نعالا لخيولهم فاستتبت الراحة في سوريا وأذعنت البلاد، إلا أن محمد علي باشا لم يقف عند هذا الحد، فأحب استخدامها لتوسيع دائرة حكمه فجعل يجمع منها الرجال والخيل بطرق زجرية فشق ذلك على الباب العالي، فعقد مجلسا في يناير سنة ???? للنظر في مقاصد المصريين، فأقر المجلس على تجريد حملة من ثمانين ألف مقاتل منهم خمسة وعشرون ألفا من الباشبوزق طبقا لإرادة السلطان محمود الثاني، وأن تسير تحت قيادة حافظ باشا لمحاربة المصريين.
وكان محمد علي باشا قد سار إلى السودان تاركًا القاهرة تحت قيادة حفيده عباس باشا، فلما عاد إليها علم بإعدادات الباب العالي فانذعر لها فكتب إلى ابنه يستحثه، فأخذ إبراهيم في الاستعداد للدفاع، فحشد جيوشه في حلب لدفع الجنود العثمانية القادمة برا. ثم علم أن معظم الأهالي راغبون في دولتهم الأصلية، ومستعدون للتسليم وعلى الخصوص الدروز تحت قيادة شبلي العريان أحد أبطالهم المعدودين، فحصلت مواقع شديدة بين الجيوش العثمانية والجيوش المصرية في نزيب انتهت بانهزام الأولى إلى مرعش. وكان السلطان محمود قد أرسل عمارة بحرية لمحاربة المصريين فجاءت الإسكندرية فأصابها ما أصاب الحملة البرية، ولكنه توفي قبل بلوغه خبر تلك الوقائع، فخلفه السلطان عبد الحميد سنة ????.
ثم توالت الحوادث إلى ?? يوليو (تموز) سنة ????م فانعقدت معاهدة (لندرا) قاضية باعتبار محمد علي باشا من تابعي الدولة العثمانية، إلا أن ذلك لم يكن ليوقفه عن مقاصده، ولديه إذ ذاك نحو ??? ألفا من الجنود النظامية، و?? ألفا منها الباشبوزق منه ??? تحت قيادة ابنه إبراهيم في سوريا، والباقون متفرقون في الحجاز وسنار وكريد ومصر، لكنه علم بعد ذلك أن هذه القوات قليلة في جانب ما يلزمه لإتمام مشروعاته، فجعل يضم إليها كل تلامذة المدارس حتى استخدم المرضى والجرحى. ثم عمد إلى إنشاء خفر وطني احتياطيا، ولكنه لم ينجح به كل النجاح على أنه مع ذلك لما عرضت عليه معاهدة (لندرا) لم يصادق عليها، فعرض عليه أن يأخذ ولاية عكا ترضية له ويضمها إلى مصر وينسحب من سوريا فرفض أيضا.
وبعد ذلك بيسير جاءت الجيوش الإنكليزية إلى صيدا، وفر إبراهيم إلى الجبل. وكان الكومودور نابيه قد سار في عمارة بحرية إنكليزية لمحاصرة بيروت، وكانت تحت قيادة سليمان باشا الفرنساوي وقد حصنها تحصينا منيعا ومعه فرقتان من الجند وإنما لسوء الحظ جاءته الأنباء أن إبراهيم قتل وتشتت رجاله، فخاف سليمان ورأى أن لا بد له من تأكيد حقيقة ذلك الخبر حتى إذا تحقق موت إبراهيم يضم إليه ما بقي من الجيوش للمدافعة، فبرح بيروت بعد أن جعل عليها صادق بك أحد أميرالايات الفرقتين. أما هذا فلما رأى نفسه منفردا في بيروت خاف فترك المدينة، وفر فاستولى عليها الإنكليز ثم اتصل به من سليمان أن إبراهيم باشا لا يزال حيا، ويأمره بالثبات أمام العدو بينما يحضر، فخاف صادق بك الوقوع في شر أعماله فانضم إلى الإنكليز هو ورجاله. ثم سار نابيه من بيروت إلى عكا وحاصرها، ففر إسماعيل بك ومن فيها من الرجال وسلمت المدينة.
ثم سار نابيه إلى الإسكندرية بست سفن، وعرض على محمد علي باشا الصلح فقبل، وعقدوا معاهدة وقع عليها الطرفان، ولما أرادوا تثبيتها مانعت الدول في ذلك وبقيت الأمور على حالها حتى دارت المخابرات بين الباب العالي ومحمد علي باشا فأراد السلطان إرضاء محمد علي، فأعطاه أن تكون مصر وراثية لنسله بشرط أن يكون لجلالة السلطان الحق المطلق أن يختار من عائلة محمد علي من يريد توليتها فتردد محمد علي في بادئ الرأي. ثم أمر جيوشه أن تنسحب من سوريا وكان عددها عند ذهابها إليها مئة وثلاثين ألفا فلم يرجع منها إلا خمسون ألفا وقد أخذ التعب منهم مأخذا عظيما فلم ير بُدًّا من قبول إنعام السلطان، فبعث إلى الباب العالي بذلك فأرسل إليه خطا شريفا ?? فبراير سنة ????م بتثبيته على مصر مع حقوق الوراثة لأعقابه، وأن يكون لجلالة السلطان أن يختار منهم من يريد لهذا المنصب وغير ذلك. ثم صدر فرمان آخر بتثبيت ولايته على النوبة، ودارفور، وكردوفان، وسنار، فأصبحت حكومته بعد ذينك الفرمانين محصورة في مصر والسودان. وبمقتضى الخط الشريف تنازل محمد علي باشا عن عشرة آلاف من جنود سوريا فلم يبق عنده إلا ثمانية عشر ألفا بين مشاة وفرسان وغيرهم فاضطر إذ ذاك إلى الاقتصاد لإصلاح مالية البلاد، فأوقف كثيرا من المدارس العمومية التي كان قد خصص مبالغ معلومة للنفقة عليها، ومن ضمنها مدرسة شبرا الزراعية، وأبدل الأساتذة الأوروباويين لما بقي من المدارس بأساتذة أتراك أو وطنيين، وسار من ذلك الحين في خطة الإصلاح قانعا بما قسم له من البلدان فعمل على إرضاء جلالة السلطان فأنفذ إلى جلالته ابنه سعيد باشا لتقديم فروض العبودية.
أثم أصاب إبراهيم باشا انحراف في صحته، فسار إلى أوروبا لقضاء فصل الصيف سنة ???? فأصاب ترحابا عظيما في سائر الممالك الأوروبية، ولا سيما في فرنسا وإنكلترا وعاد إلى مصر في أواخر صيف ????م وكان والده قد توجه قبل وصوله بيسير إلى الأستانة بدعوة رسمية ليقدم عبوديته لجلالة السلطان فوصلها في ?? يوليو (تموز) عام ????م، ونزل في سراي رضا باشا ثم تشرف بالمثول بين يدي السلطان فرحب به، ولما أراد تقبيل الأعتاب الشاهانية أمسكه جلالته وأجلسه بجانبه ومكثا ساعة يتحادثان ثم انصرف شاكرا، وزار عدوه القديم خسرو باشا وتصافيا. وفي ?? أوغسطس من تلك السنة برح الأستانة قاصدا قوالة مسقط رأسه، فأقام فيها عدة أبنية لتعليم الفقراء وإعانة الضعفاء والمساكين، ثم بارحها إلى الإسكندرية فقوبل بالأنوار وسار منها إلى القاهرة فتقاطر إليه المهنئون من الأصدقاء أفواجا فكان يستقبلهم وعلى صدره الطغراء الشاهانية تتلألأ كالشمس.
وفي منتصف عام ???? توعك مزاج محمد علي باشا وازدادت فيه ظواهر الخرف فلم يعد ثم بد من تولية إبراهيم باشا، فتوجه هذا إلى الأستانة في أوغسطس من تلك السنة لأجل تثبيته على ولاية مصر خلفا لأبيه فثبته السلطان بنفسه فعاد لمعاطاة الأحكام. ثم راجعه المرض واشتد عليه بغتة ففارق هذا العالم في ?? نوفمبر عام ????م وبعد وفاته بإحدى عشرة ساعة دفن في مدفن العائلة الخديوية بجوار الإمام الشافعي بالقاهرة.
وكان عباس باشا غائبا في مكة فاستُقدِمَ حالا لاستلام زمام الأحكام، فوصل القاهرة في ?? دسمبر بعد أن قضى فروض الحج، وبما أنه أكبر أبناء العائلة لم يكن ثم اعتراض على توليته، فجاء الفرمان الشاهاني من الأستانة مؤذنا بذلك فتولى الأمور.
كل ذلك ومحمد علي باشا في الإسكندرية وقد أخذ منه الضعف مأخذا عظيمًا وما زال يهزل جسدا وعقلا إلى ? أوغسطس عام ????م فتوفي، ولم يستغرب الناس ذلك لأنه مكث في حالة النزاع مدة طويلة. وفي ? منه تقاطر الناس من الأعيان والقناصل إلى سراي رأس التين في الإسكندرية لحضور مشهد ذلك الرجل العظيم، فإذا هو في قاعة الاستقبال موضوعا في محمل تغطيه شيلان الكشمير، وعلى صدره سيفه والقرآن الكريم، وعلى رأسه طربوشه الجهادي أحمر تونسي، وحوله العلماء في الملابس الرسمية يتلون القرآن بأنغام محزنة. وكان سعيد أكبر من وجد في الإسكندرية من عائلة الفقيد فكانت توجه نحوه خطابات التعزية، وقد نقلت جثة الفقيد ودفنت في جامعه في القلعة ولا تزال هناك إلى الآن.
(?) إصلاحاته

استولى محمد علي على مصر وهي في معظم الخراب والفساد سياسيًّا، وماليًّا، وتجاريًّا، وزراعيًّا، وأدبيًّا، فأخذ على نفسه إصلاح شئونها وبذل في ذلك من الجهد والعناية ما ليس وراءه غاية، وقد فاز بما أراد فأحيا الديار المصرية وأنعشها وأنماها من سائر الوجوه حتى أصبحت تجاري مدن أوروبا، ولذلك لقبه كُتَّاب عصره بموجد الديار المصرية، يريدون أنه أوجدها من العدم.
(?-?) الإصلاح الإداري

وأول شيء باشره من الإصلاح مسح الأراضي والانتفاع بزرعها وتوزيعها. وتفصيل ذلك أن الأراضي المصرية كانت منقسمة من حيث ملكها إلى قسمين: أحدهما الأراضي التي كاد يكون لواضع اليد عليها الحق في ملكها ملكا مطلقا وكانت معفاة من الضرائب. والقسم الثاني الأراضي التي لم يكن لزُرَّاعها إلا حق التمتع بريعها وهي الأراضي التي كانت عليها الضريبة الخراجية، أما نفس العقار في هذين القسمين فكان ملك لبيت المال أو الحكومة أو السلطان.
هذا كان شأن الأراضي المصرية قبل الفتح العثماني وبعده إلى القرن السابع عشر حينما استأثر الأمراء المماليك بالقوة والسلطة واختل نظام الأرضين، وصار الناس يهاجرون فأهملت الأشغال العمومية، وقل ريع الأرض فأصبحت الحكومة في عجز كلي عن استحصال النقود فالتجأت إلى تلزيم الخراج، وذلك أن الحكام كانوا يضمنون خراج النواحي والبلاد للناس وكان ذلك الضمان أو الالتزام إما بالمزايدة أو بالاتفاق بين الملتزم من جهة والرزنامة بالنيابة عن الحكومة من جهة أخرى حتى إذا تم الأمر أعطت الرزنامة للملتزم تقسيطا؛ أي عقد تلزيم يصدق عليه شيخ البلد وهو كبير أمراء المماليك.
فإذا دفع الملتزم الضريبة يُعطَى له حق التصرف في تحصيل المال الذي عجله، وعلى فوائده التي كان يقرر سعرها هو بنفسه كما يريد، وكانت الحكومة تتعهد بمساعدته في التحصيل وتجعل له في مقابل ما ينفقه ويكابده في ذلك التحصيل أراضي غير التي التزمها معفاة من كل ضريبة تعرف بالأواسي. أما الفلاحون فلم يكونوا يملكون أرضا فقط على أن الملتزمين أنفسهم كانت تنزع منهم الالتزامات إذا تصدى لهم من كان أكثر صولة منهم وأشد بطشا. ولا يخفى ما كان ينجم عن هذا التصرف من اختلال الأمن وضياع الحقوق والأتعاب.
فلما استقام الأمر لمحمد علي باشا أمر بمسح كل أراضي مصر المزروعة، ثم قسمها إلى مديريات، والمديريات إلى مراكز أو أقسام، وهذه إلى نواحي، وعين فيها من يقوم بإدارة أمورها وآخرين لجباية الضرائب، وأبطل الالتزامات جملة، ووزع أراضي كل ناحية بين أهالي تلك الناحية نفسها بحيث يصيب كل فلاح قادر على الشغل جانبا من الأرض بقدر جانب الآخر، فبلغ نصيب كل فلاح ثلاثة أفدنة وبعضهم أربعة أو خمسة، وجعل لمشايخ البلاد جانبا من الأرض أعفاه من الضريبة في مقابل نفقات ضيافة جباة الأموال الأميرية الذين كانوا يمرون في بلادهم، وما كانت الحكومة تكلفهم به من المهام، ودعا تلك العطايا (مسموح المشايخ) أو (مسموح المسطبة)، وهي تقابل الأواسي المتقدم ذكرها.
ثم رأى رحمه الله أن الفلاح لا يستطيع من نفسه أمرًا كاملا إخراجه مما هو فيه من الضيق الذي تراكم عليه بمرور الأجيال، وكان قد انتهى من أعماله الحربية ولم يعد ثَمَّ حاجة إلى بقاء ضباط الجهادية منقطعين إلى وظائفهم العسكرية مع بقاء رواتبهم جارية عليهم في حالة السِّلم، وأن ليس من التدبير والحكمة أن يتناولوا معيناتهم وهم عطَّل من الأعمال، ورأى من الجهة الثانية أن الفلاح يحتاج إلى مرشد يهديه إلى الطرق اللازمة لاستقامة أمره، ووازعٍ يدفعه إلى النهوض بواجباته. وعلم أيضا أن المرء مهما كان صادقا في خدمة الحكومة يشتغل لنفسه أكثر مما يشتغل لغيره، فارتأى أن يعهد بأمر البلاد من حيث الزراعة إلى أولئك الضباط مفوضا إليهم تعميرها وإصلاحها بأنفسهم ففعل، ولم يحرم الفلاح مع ذلك من ثمرة أتعابه بل جعل لهذه الطريقة التي اعتمدها أصولا وقوانين تقضي بأن لا تُعطَى الأطيان للمتعهد ما دامت رائجة ومقتدرة على أداء ما عليها من الأموال في أوقاتها. أما الأطيان غير الرائجة فتحال إلى عهدته باختيار أربابها وهو يتعهد بأداء المال المطلوب للحكومة، وبهذه الواسطة نشطت الزراعة وتحسنت تحسنا عظيما، وما زالت تلك الأراضي في أيدي المتعهدين إلى أيام المغفور له عباس باشا، وهو الذي استردها.
ومن أعماله الإدارية إنشاء الدواوين، ومنها ديوان المعاونة وفائدته النظر فيما يعرض من الدواوين الأخرى والمديريات وسائر الجهات، ثم الديوان الخديوي وكان يقوم بأشغال ديواني الداخلية والخارجية والضابطة، ثم ديوان الأشغال، وديوان المبيعات، وديوان الفردة، ثم أنشأ بعد ذلك ديوان الخارجية خاصة، وديوان العسكرية، ثم الخزانة المالية وما يتعلق بها، وديوان الأوقاف، وديوان المعامل، وديوان التفتيش، والحقانية، والترسخانة، والأبنية، وديوان المدارس، وجميع ذلك أو معظمه عهد بإدارة أعماله إلى مديرين ورؤساء من أبناء هذا القطر السعيد، وكلها ترجع بأحكامها إلى ديوان المعاونة المتقدم ذكره.
ثم أنشأ مجالس للقضاء وما يقتضي لها من القوانين والأحكام، ورتب البريد يحمل على أيدي السعاة برًّا وبالسفن بحرًا، وأنشأ ما يقوم مقام التلغراف الآن من الإشارات بواسطة أبنية مرتفعة ممتدة على خط واحد بين المدن الكبيرة، بين البناء والآخر مسافة تكفي لفهم الإشارة لا يزال بعض منها قائما أثرًا لهمَّة ذلك الرجل.
وأنشأ لتأييد السِّلم وتوطيد الأمن فرقة الضابطة، وفرقهم في أنحاء البلاد فأمن الناس غائلات السبل ولا سيما الأوربيون فإنهم كانوا يقاسون أثناء تجولهم في القطر إهانات ومشاق جسيمة فأصبحت السبل في مأمن، وتسهلت الصلات التجارية على الخصوص بين إنكلترا والهند على طريق البحر الأحمر فاستعاضوا بها عن طريق رأس الرجاء الصالح في أمور كثيرة.
(?-?) الإصلاح الزراعي

ولم تقف إصلاحاته عند هذا الحد، ولكنه رأى خصب التربة المصرية وإمكان استخدامها لغير أنواع المزروعات المعروفة بمصر فجاء إليها بالقطن البدار (التقاوي) الأمريكاني، وجاء بنبات النيلة من جهات الهند، وبنبات الأفيون من أسيا الصغرى، وجاء بغير ذلك من أنواع المغروسات المفيدة، وجاء بأناس عالمين بكيفية زراعتها واستغلالها، وأكثر من غرس الحدائق والأشجار في القاهرة وضواحيها تلطيفا لحرارة الهواء واستزادة للغيث من جملة ذلك مغارس الليمون في شبرا، والحدائق في الروضة، وحديقة الأزبكية فقد كان في مكانها قبل أيامه بركة كبيرة يتصل إليها الماء من النيل أيام فيضانه، وكان الناس يأتون إليها في المواسم والأعياد في قوارب عليها الأنوار وسائر الزخارف فاحتفر محمد علي حولها ترعة ينصرف إليها الماء فظهرت أرض البركة، فجعل حول هذه الترعة صفوفا من الأشجار تحيط ببقعة كلها غرس طيب، أما الحديقة التي نراها الآن فهي من آثار الخديوي الأسبق إسماعيل باشا.
ومن آثاره الزراعية السدود التي أجراها في أبي قير وترعة الفرعونية وأشتوم الديبة وأشتوم الجميل وغيرها، وأنشأ كثيرا من الجسور والترع ونظر في تطهيرها، وأنشأ الترع الصيفية وأبدل الخول بالمهندسين في أعمال الري وبعث كثيرا من أبناء البلاد إلى أوروبا لدرس فن الزراعة وإتقانه ليخدموا بلادهم به.
ومن مشروعاته الخطيرة من هذا القبيل القناطر الخيرية القائمة عند رأس الدلتا، والسبب في بنائها أنه رأى النيل لما يصل إلى رأس الدلتا ينفصل إلى فرعين: وهما فرعا رشيد ودمياط أو الفرع الغربي والشرقي، ورأى أن الغربي أكبرهما ويمر في بقاع معظمها لا يصلح للزراعة فيذهب كثير من مائه هدرًا، والشرقي يخترق بقاعا واسعة حسنة التربة فإذا كانت أيام التحاريق لا يبقى من مائه ما يكفي للري، فأراد اتخاذ وسيلة ينتفع بها مما يزيد من ماء الفرع الغربي بإضافتة إلى الشرقي. ورأى الصعيد في زمن التحاريق يشح فيه الماء لارتفاع أرضه، وقد لا يرتوي جيدًا إلا في زمن الفيضان فأقر على بناء قناطر على عرض الفرعين عند أول تفرعهما عند رأس الدلتا، وأن يجعل لهذه القناطر أبوابا من الحديد تغلق وتفتح عند الاقتضاء، فإذا أقفل قناطر هذا الفرع انصرف جانب من الماء المنحدر فيه إلى الفرع الآخر فيستطيع صرف المياه كيف شاء، وإذا كان الفيضان قليلا يقفل قناطر الفرعين جملة فيرتفع الماء في الصعيد فيروي أراضيه ثم لا يصرف منه إلا ما يلزم لري الوجه البحري، فإذا كانت أيام التحاريق تفتح القناطر فتفيض المياه والأرض في حاجة إليها، فباشر هذا العمل الخطير ولم يضع الحجر الأول منه إلا عام ????هـ (????م) ولم ينثنِ عن عزمه حتى أتم بناءه بدراية لينان باشا المهندس الفرنساوي؛ غير أن ذلك المشروع لم يأت بالفائدة المطلوبة ولا سيما بما يتعلق بارتفاع الماء في الصعيد، ولكن الحكومة جعلت همها في السنين الأخيرة إصلاح ما هو فاسد منها وسد ما فيه من الخلل.
(?-?) الإصلاح العسكري

كانت القوة العسكرية في مصر لما تولاها محمد علي أخلاطا من الألبانيين (الأرناءوط) والدلاة (المغاربة) والإنكشارية ومن جرى مجراهم، ونظامهم الحربي النظام القديم الذي كان متبعا في الأزمنة السالفة عند الدولة العلية قبل هذا القرن فرأى رحمه الله أن يدربهم على النظام الفرنساوي الذي اتبعه بونابرت في غزواته وأخذته عنه دول أوروبا. فحاول ذلك مرارا فعظم على جنوده ولا سيما الأرناءوط، وعصوا أوامره فيه؛ لأنهم اعتبروا ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولما ألح عليهم ثاروا وتجمهروا إلى القلعة يطلبون الرفق بهم، فرأى من الدراية والحزم أن يعاملهم بالحسنى فأجابهم إلى ما أرادوا، وأخذ يدخل ذلك النظام أولا بين الجنود الوطنيين؛ لأنهم أقرب إلى الطاعة من الألبانيين ومن شاكلهم، فأسس مدرسة حربية في الخانكاه قرب المطرية تعلم فيها اللغات والحركات العسكرية، وجعل سراي مراد بك في الجيزة مدرسة للفرسان، وأقام فيها أساتذة من الإفرنج، وأنشأ مدرسة للطبجية وجعل في القاهرة معامل لسكب المدافع واصطناع سائر حاجيات الجند. والفضل في تدريب الجند على النظام الجديد راجع لقائد من قواد الفرنساويين اسمه الجنرال «سيف» ولكنه أسلم ودعى نفسه سليمان باشا، وقد خدم الحكومة المصرية خدمات صادقة في حربها ببر الشام وغيرها.
وبنى محمد علي في الإسكندرية دار صناعة أتى إليها بالسفن والدوارع من مرسيليا والبندقية، وأقام فيها مدرسة جاء إليها بالأساتذة من فرنسا وإنكلترا، وبنى حول الإسكندرية حصنًا منيعًا وحصونًا أخرى في أماكن أخرى. شكل ?-?: جند محمد علي النظامي الجديد يجلدون رجلا بين يدي الكاشف.
(?-?) الإصلاح التجاري

ولما أصلح الزراعة وكثرت حاصلات البلاد وجه التفاته إلى تنشيط التجارة، فأراد إنشاء مينا أمين تأوي إليه السفن التجارية، فلم تعجبه رشيد ولا دمياط لخشونة مرساهما فاختار الإسكندرية فاحتفر ترعتها الموصلة بينها وبين النيل ودعاها ترعة المحمودية نسبة إلى السلطان محمود الثاني فكثر نقل البضائع فيها بين الإسكندرية وداخل القطر، فاكتسبت الإسكندرية بذلك أهمية كبرى وتقاطر إليها التجار من أماكن مختلفة من أوروبا وغيرها، وأقيمت فيها البنايات الكبيرة على النمط الإفرنجي، ووجدت فيها الفنادق والنزل للغرباء. وأصلح مرفأ بولاق وغيره، ووسع للأجانب في الاستيطان والإتجار فاتسعت التجارة وكثرت العلائق وعاد كل ذلك بالنفع الجزيل. وتوطيدا لأعماله هذه أنشأ مجلسا تجاريا مؤلفا من الوطنيين والأجانب للحكم في القضايا التجارية.
(?-?) الإصلاحات الصناعية

أما الإصلاحات الصناعية فكثيرة، ولكن لم يبق منها إلى الآن إلا آثار بالية مع ما توخاه رحمه الله من إنشاء المعامل واستجلاب الصناع من أقطار أوروبا فإنه أنشأ في هذا القطر معامل عديدة لمعالجة القطن والنيلة واصطناع الطرابيش التونسية، والورق، والغزل، وأنواع الأقمشة من الحرير، والكتان، والقطن، والصوف في سائر جهات القطر، ومعمل الأسلحة على أنواعها وغيرها. أما سبب حبوط معظم تلك المعامل فعائد إلى عدم وجود معادن الفحم الحجري في القطر المصري.
(?-?) الإصلاحات الصحية

رأى ذلك الرجل العظيم أن البلاد في احتياج كلي لهذه الإصلاحات لانتشار التدجيل والتطبيب بالكتابة والحجابة وما شاكل، فاستقدم أحد مشاهير الأطباء الفرنساويين واسمه الدكتور كلوت (ثم صار كلوت بك وإليه ينسب شارع كلوت بك في القاهرة) فأنشأ المدارس الطبية، والمستشفيات، وفي مقدمتها المدرسة الطبية في قصر العيني (وكان هذا القصر قبلا مسكنا لإبراهيم بك الكبير من أمراء المماليك) يدرس فيها الطب والجراحة، ومدرسة أخرى في فن التوليد، ومستشفى كبيرا في أبي زعبل قرب المطرية، وأنشأ مجلسا صحيا ومدرسة بيطرية ورتب مستشفيات وأطباء للعساكر وأخرى للأهالي وعين أطباء لمراقبة الأحوال الصحية في المديريات.
(?-?) الإصلاحات العلمية

أما الإصلاحات العلمية فلا تقل أهمية عما تقدم لأنه ألف مجلسا للمعارف العمومية قصد به تعليم خدمة الحكومة الملكيين والجهاديين ما يؤهلهم للقيام بمهام أعمالهم، وفتح مدارس كثيرة لتعليم الشبان من أهل البلاد، وبعث بعضا منهم إلى أوروبا لإتقان الدروس على مثال الإرساليات العلمية بعد ذلك. وأنشأ المطبعة الأهلية في بولاق وأمر بترجمة كثير من الكتب المفيدة، وأنشأ الجريدة المصرية الرسمية (الوقائع المصرية) وديوان المهندسخانة وغير ذلك.
(?) صفاته ومناقبه

كان محمد علي متوسط القامة عالي الجبهة أصلعها، بارز القوس الحاجبي، أسود العينين غايرهما، صغير الفم باسِمُهُ، كبير الأنف متناسب الملامح مع هيبة ووداعة، أبيض اللحية كثيفها مع استدارة وسعة جميل اليدين، منتصب القامة جميل الهيئة، ثابت الخطوات منتظمها سريع الحركة، إذا مشى يجعل يديه متصلتين وراء ظهره غالبا على الخصوص إذا مشى في داره مفكرا في أمر، وكذلك كان يفعل بونابرت. وقلما كان يفاخر باللباس، فكان لباسه غالبا على زي المماليك، وعلى رأسه الطربوش الجهادي، ثم أبدله بالعمامة فزادته هيبة ووقارا، وأبدل اللباس العسكري بلباس واسع بسيط لا يمتاز به عن بعض أتباعه.
وكان يكره التفاخر بالحاشية، فلم يكن على بابه إلا رجل واحد يخفره. وإذا استوى في مجلسه لا يتقلد السلاح إنما يجلس وفي يده حقة العطوس والمسبحة يتلاهى بها، وكان يحب ألعاب البلياردو والداما ولا يأنف من مجالسة صغار الضباط. وأما جلساؤه العاديون فالقناصل وكبار السياح، وكانوا يحبونه ويجلُّون قدره، ويلقبونه بمبيد المماليك أو مصلح الديار المصرية. وكان سليم القلب مع دهاء وسياسة، سريع التأثر، لا يعرف الكظم، فكثيرا ما كان ينقاد بدسائس المفسدين، وكان كريم النفس سخي العطاء، وفي بعض الأحوال مسرفًا. وكان يتفاخر بعصاميته ويرتاح للتكلم عن سابق حياته، وكان محبا للاطلاع ولا سيما على الأخبار السياسية وكان يعتبر الجرائد وتأثيرها في الهيئة الاجتماعية فكانوا يترجمونها له فيطالعها بتمعُّن.
أما هواجسه السياسية فكانت تقلق راحته فلا ينام إلا يسيرًا، وقلما يرتاح في نومه ولا ينفك متقلبا من جانب إلى آخر، فكان يجعل عند فراشه اثنين من خدمته يتناوبان اليقظة لتغطيته إذا انكشف عنه الغطاء من التقلب. ويقال: إن من جملة دواعي أرقه الشهقة المرتجفة التي كانت تتردد إليه كثيرا، وكان قد أصيب بها في حملته على الوهابيين على إثر رعب شديد. على أن ذلك الأرق لم يكن ليضعف شيئا من سرعة حركته، فكان يستيقظ نحو الساعة الرابعة من الصباح ويقضي نهاره في المشاغل المختلفة بين مفاوضة مع ذوي شوراه أو مراقبة استعراضات العساكر أو استطلاع أمور أخرى تتعلق بمصالح الأمة. وكان بارعا في الحساب بغير تعلم لأنه شرع بتعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة والأربعين من عمره. ويقال: إنه ابتدأ بتعلم أحرف الهجاء على أحد خدمة حريمه، والكتابة على أحد المشايخ، وهذا مما يزيده شرفًا وفخرًا ويبرهن على ما فطر عليه من قوة الإدراك والحذاقة والمقدرة على المهام السياسية. وكان صارم المعاملة مع حس ورقة حسن الأسلوب، وكان متمسكا بالإسلام مع احترام التعاليم الأخرى، ولا سيما التعاليم المسيحية فكان يقرب أصحابها منه ويعهد إليهم أهم أعماله.
ويقال بالإجمال: إنه كان لرعيته أبًا حنونًا وصديقًا مخلصًا، ولذوي قرباه نصيرا مسعفا، ولأولاده أبا حقيقيا؛ ولذلك تراه بعد أن أصيب بفقد أكثرهم غلب عليه الحزن حتى أثر في صحته تأثيرا رافقه إلى اللحد. أما حبه للرعية فلا يحتاج إلى دليل، فهذه الديار المصرية عموما إذا قصرت ألسنة أهلها عن تعداد مآثره، ينطق جمادها بمزيد فضله، هذه الترع والجسور والبنايات والشوارع والجناين، هذه المطابع والمدارس، هذه النظامات الجهادية والملكية والقضائية، هذه الزراعة والفلاحة، هذه شبه جزيرة العرب تردد ما لاقته من نجدته. وقد كان محترما لدى رعيته وذويه، ومن الأجانب البعيدين منه وطنا ودينا ومشربا، وكثيرا ما تقربوا إليه بالنياشين والهدايا إقرارا بفضله على العالم عموما بتمهيد سبل التجارة بين أوروبا والهند على الخصوص.

الفصل الثاني
إبراهيم باشا


هو نجل محمد علي باشا، وقد تقدم في سيرة أبيه معظم سيرة حياته؛ لأنهما عملا معا في مصر. وكان إبراهيم ساعد أبيه الأيمن في فتوحه وسائر أعماله العسكرية، ولد في قوالة عام ????هـ ومال من صغر سنه للأعمال الحربية، وفيه مواهب أعاظم القواد يشهد بذلك ما أتاه من الأعمال العظمى في مصر والشام والمورة والسودان وغيرها مما فصلناه في ترجمة أبيه.
وكان يعرف الفارسية، والتركية، والعربية، وله اطلاع واسع في تاريخ البلد الشرقية، تولى الإمارة المصرية بعد تنازل أبيه عام ????هـ فسار على خطواته سيرا حسنا وإن كان في الحقيقة يختلف عنه بمواهبه الأصلية، فقد كان إبراهيم صارم المعاملة، صعب المراس، شديد الوطأة، كما يغلب أن يكون رجال العسكرية. وكان أبوه لين العريكة، حسن السياسة، ذا دهاء وحكمة، ولم يطل حكم إبراهيم إلا ?? شهرا وتوفي قبل والده.
وكان ربع القامة، ممتلئ الجسم، قوي البنية، مستطيل الوجه والأنف، أشقر الشعر، في وجهه أثر الجدري، كثير اليقظة قليل النوم، وكان نقش خاتمه «سلام على إبراهيم». شكل ?-?: إبراهيم باشا — في أواخر أيامه — (ولد سنة ????هـ وتولى وتوفي سنة ????هـ).

الفصل الثالث
عباس باشا الأول


هو عباس باشا بن طوسون باشا بن محمد علي باشا، ولد عام ????هـ أو ????م وربي أحسن تربية، وكان محبا لركوب الخيل، فرافق عمه إبراهيم باشا في حملته إلى الديار الشامية، وشهد أكثر الوقائع الحربية، وفي سنة ????هـ تولى زمام الأحكام على الديار المصرية بعد وفاة عمه إبراهيم، وكان على جانب من العلم والمعرفة؛ لأن المرحوم جده كان يحبه كثيرا فاعتنى بتعليمه في مدرسة الخانكاه.
ومن مشروعاته المهمة الشروع في إنشاء الخط الحديدي بين مصر والإسكندرية، وتأسيس المدارس الحربية في العباسية، ومد الخطوط التلغرافية لتسهيل سبل التجارة وغير ذلك. شكل ?-?: عباس باشا الأول (ولد عام ???? وتولى سنة ????هـ وتوفي عام ????هـ).
وكان له غلام يدعى البرنس إبراهيم إلهامي كان على جانب عظيم من الجمال، والذكاء، واللطف، والمعرفة، والعلم. زار الأستانة سنة ????هـ وتشرف بمقابلة جلالة السلطان عبد المجيد فأحبه وزوَّجه بابنته، وغمره بنعمه فرجع إلى مصر شاكرا حامدا. والمرحوم إلهامي باشا هو والد ذات العفاف والعصمة حرم المغفور له توفيق باشا الخديوي السابق، ووالدة مولانا الخديوي الحالي.
وعباس باشا هو الذي وضع الحجر الأول لمسجد السيدة زينب بيده، وقد كان لذلك احتفال عظيم حضره كثير من الأعيان ورجال الدولة، وذبحت فيه الذبائح، وفرقت الصدقات على الفقراء كميات كبيرة.
وفي أيامه كانت بين الدولة العلية والروسيين حروب، فبعث لنجدة الدولة حملة كبيرة سارت عن طريق بولاق في البحر، وسار هو بنفسه لوداعها هناك وقبل ركوبها النيل نهض لوداعها فألقى في الجمهور خطابا بليغا منشِّطا.
وتوفي عباس باشا في شوال سنة ????هـ أو يوليو سنة ????م في قصره في مدينة بنها العسل، ثم نقل ودفن في مدفن العائلة الخديوية في القاهرة.

الفصل الرابع
سعيد باشا


شكل ?-?: سعيد باشا (ولد سنة ????هـ وتولى سنة ????هـ وتوفي سنة ????هـ).
هو ابن محمد علي باشا، ولد في الإسكندرية عام ????هـ (????م) وكان محبًّا للعلم بارعا فيه وعلى الخصوص في اللغات الشرقية والعلوم الرياضية وسلك الأبجر والرسم، وكان يتكلم الفرنساوية جيدا. تولى زمام الأحكام عام ????هـ أو ????م بعد وفاة عباس باشا ابن أخيه، وكان محبًّا للعدل والفضيلة، وكان مهتما بالإصلاح الإداري، ومن أعماله المبرورة إتمام الخطوط الحديدية والتلغرافية بين إسكندرية ومصر، والشروع في مد غيرها، وتنظيم لوائح الأطيان واسترجاعها من المتعهدين إلى أربابها، وقد عدَّل الضرائب فجعلها عادلة، ورفع كثيرا من الضرائب التي كان يتظلم منها الرعايا، ونزح ترعة المحمودية، وفي أيامه تمت معاهدة (ترعة السويس)، وقد نشطها تنشيطا كبيرا، وأقام على طرفها الشمالي مدينة حديثة دعيت باسمه وهي (بورت سعيد) وغرس الأشجار في طريق المنشية.
وفي السنة الثانية من توليه على مصر وضع الحجر الأول لأساس القلعة السعيدية عند رأس الدلتا فيما بين القناطر الخيرية تداعت أركانها الآن، وقد عثرنا على قطعة فضية مستديرة قطرها قيراطان ونصف على أحد وجهيها رسم النيل عند تفرعه والقناطر الخيرية يليها على الجانبين برجا القناطر وبينهما عند رأس الدلتا القلعة السعيدية، وكل ذلك في أجمل ما يكون من الرسم. وعلى الوجه الآخر كتابة تركية تفيد «أن المغفور له سعيد باشا بن محمد علي باشا المشهور قد وضع أساس القلعة السعيدية وما يليها من الاستحكامات بيده في يوم الأحد ?? جمادي الآخرة عام ????هـ لأجل حماية الديار المصرية» نشرنا نصها التركي في كتابنا تاريخ مصر الحديث.
وفي أيامه ثارت مديرية الفيوم على الحكومة، فبعث إليها وأخمد الثورة فهدأت الأحوال. ولما اختتن نجله طوسون أطلق كل من كان في السجون من المجرمين حتى القاتلين. وفي أيامه أُعطيت بلاد السودان بعض الامتيازات، وتولى عليها البرنس حليم باشا حكمدارا. وفي عام ????هـ أو ????م توجه لزيارة سوريا فمكث في بيروت ثلاثة أيام، ونزل ضيفا كريما على وجهاء المدينة، وكان في أثناء مروره في الطرقات ينثر الذهب على الناس.
وفي عام ????هـ أو ????م توفي المغفور له السلطان عبد المجيد وتولى السلطان عبد العزيز، وفي يوم السبت ?? رجب عام ????هـ أو ?? يناير (ك?) ????م توفي سعيد باشا في الإسكندرية ودفن فيها.

الفصل الخامس
إسماعيل باشا


شكل ?-?: إسماعيل باشا. (ولد سنة ???? وتولى سنة ???? وخلع سنة ???? وتوفي سنة ????).
ترجمة حاله

هو إسماعيل باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا الكبير، وكان لوالده ثلاثة أولاد ذكور أكبرهم البرنس أحمد (ولد عام ????) ثم البرنس إسماعيل (ولد عام ????) ثم البرنس مصطفى (ولد عام ????) وكان البرنس أحمد نابغة من نوابغ الزمان ذكاء وفطنة، كثير الشبه بوالده شكلا وأخلاقا، ولكنه توفي في أثمن سني حياته بين الشباب والكهولة، فأصبح صاحب الترجمة كبير أبناء إبراهيم.
وربي إسماعيل باشا في حجر والده، وتعلم وتثقف بحياطة جده؛ لأن جده رحمه الله كان قد أنشأ لأولاده الصغار، وأولاد أولاده الكبار مدرسة خصوصية في القصر العالي، فيها نخبة من مهرة الأساتذة، فتلقى صاحب الترجمة فيها مبادئ العلوم واللغات العربية، والتركية، والفرنسية، ونذرًا يسيرًا من الرياضيات والطبيعيات، فلما بلغ السادسة عشرة من عمره بعث به جده مع ولديه المرحومين البرنسين حليم باشا، وحسين باشا، والمرحوم البرنس أحمد باشا مع إرسالية فيها نخبة من شبان مصر الأذكياء إلى مدرسة باريس يتولى رئاستهم وجيه أرمني اسمه أسطفان بك فقضوا في تلك المدرسة بضع سنوات تلقوا بها العلوم العالية ثم عادوا إلى مصر إلا حسين بك فإن المنية أدركته هناك. ومن العلوم التي تلقاها إسماعيل اللغة الفرنساوية، والطبيعيات، والرياضيات وخصوصا الهندسة وعلى الأخص فن التخطيط والرسم، وهذا هو سبب شغفه بعد ذلك بتنظيم الشوارع وزخرفة البناء.
ولما عادت الإرسالية كان عباس باشا الأول واليا على مصر فمكث إسماعيل معه على صفاء ومودة حتى وقع بين عباس باشا وسعيد باشا نفور مبني على اختلاف في اقتسام التركة، وانحاز سائر أفراد العائلة الخديوية إلى سعيد وفي جملتهم إسماعيل، فساروا كافة إلى الأستانة ورفعوا دعواهم إلى جلالة السلطان، فصدرت الإرادة الشاهانية بإنفاذ المرحوم فؤاد باشا الصدر الأعظم، وكان يومئذ فؤاد أفندي وجودت أفندي وهو (جودت باشا) الوزير والمؤلف الشهير إلى مصر فأتيا وسوَّيَا الخلاف، وتصالح أفراد هذه العائلة الكريمة فعادوا إلى مصر إلا إسماعيل فإنه بقي في الأستانة وتعين عضوا في مجلس أحكام الدولة العلية.
وفي سنة ???? توفي عباس باشا الأول، وتولى عمه سعيد باشا، فعاد صاحب الترجمة إلى مصر فولاه عمه المشار إليه رئاسة لمجلس الأحكام، فاهتم بشأنه أعظم اهتمام ونظمه على مثال مجلس أحكام الدولة العلية.
وفي عام ???? توفي المغفور له سعيد باشا فأفضت ولاية مصر إلى إسماعيل باشا، وهو خامس ولاتها من السلالة المحمدية العلوية فأخذ منذ تبوئه الأحكام في رفع شأن هذه الديار وإعادة رونقها الذي كان لها في عهد محمد علي باشا، فأطلق يده في النفقة لتنظيم الشوارع، وتشييد الأبنية، وإنشاء المشروعات النافعة، على أنواعها مما سيأتي تفصيله غير مبال بما قد يجر إليه ذلك من الضيق.
وكانت ولاية مصر تنتقل في العائلة الخديوية إلى من يختاره جلالة السلطان بقطع النظر عن علاقته بالوالي السابق، وكان ولاة مصر يلقبون بالعزيز أو الوالي أو الباشا وإذا لقبوا أحيانا بالخديوي فإنما ذلك يكون على سبيل التجميل والتفخيم. أما إسماعيل باشا فهو أول من نال رتبة الخديوية ولقب الخديوي، فأصبحت ولاية مصر إرثا صريحا في نسله ينتقل منه إلى أكبر أولاده ومنه إلى أكبر أولاده وهكذا على التعاقب. وهاك أهم نصوص الفرمان المؤذن بذلك الصادر في ?? جمادي الأولى سنة ????هـ الموافق ? يوليو عام ????. إن كيفية وراثة الحكومة المصرية المقررة في فرماننا الصادر ثاني ربيع الآخر عام ????هـ قد غيرت على وجه أن تنتقل الخديوية من متبوئي كرسيها إلى بكر أبنائه ومن هذا إلى بكر أبنائه أيضا وهلم جرا علما بأن ذلك أدنى إلى المصلحة وأشد ملاءمة لأحوال البلاد المصرية. واختصاصا لك بانعطافي الذي صرت له أهلا بحسن سعيك واستقامتك واجتهادك وأمانتك وإثباتا لذلك أجعل قانون الوراثة لخديوية مصر ومتعلقاتها وما يتبعها من البلاد وقائمقامية سواكن ومصوَّع وتوابعهما كما تقدم بيانه بحيث تكون الولاية لبكر أبنائه من بعده. فإذا لم يرزق من تولى الخديوية ولدا ذكرا كانت الولاية من بعده لأكبر إخوته أو لأكبر بني أخيه الأكبر كما تقرر ولا تكون هذه الوراثة لأبناء البنات. ولأجل تأييد هذه الأحكام ينبغي أن تكون الوصاية في حال كون الوارث قاصرا على الصورة الآتية وهي:
إذا توفي الخديوي وكان كبير ولده قاصرا؛ أي غير بالغ من العمر ثماني عشرة سنة يكون هذا القاصر بالحقيقة خديويا بحق الوراثة فيصدر إليه فرمانا بوجه السرعة إذا كان الخديوي المتوفى قد نظم قبل وفاته أسلوبا للوصاية وعين كفيتها فحوى إدارتها بصك مثبت بشاهدة اثنين من رؤساء حكومته فأولئك الأوصياء يقبضون إذ ذاك أزمة الأعمال عقب وفاة الخديوي. ثم ينهون بذلك إلى الباب العالي ليثبتهم في مناصبهم. ولكن إذا تُوفي الخديوي بغير وصية وكان ابنه قاصرا فمجلس الوصاية عند ذلك يؤلف من متولي إدارة الداخلية والحربية والمالية والخارجية والحقانية وقائد العسكر ومفتش المديريات فيجتمع هؤلاء الذوات وينتخبون للخديوي وصيا بإجماع الرأي أو بأغلبيته فإذا تساوت الآراء لاثنين من المنتخبين كانت الوصاية لأرفعهما رتبة باعتبار الترتيب السابق من الداخلية فما بعدها، ويشكل مجلس الوصايا من الباقين فيباشرون جميعا أمور الخديوية ويعرضون ذلك لسلطتها السنية ليصدق عليه بالفرمان الشريف. وكما أنه لا يجوز تبديل الوصي وتغيير هيئة الوصايا قبل انتهاء مدتها في الصورة الأولى أي فيما إذا كان تنظيمها بحكم وصية الخديوي المتوفى فكذلك لا تغير في الصورة الثانية. وأما إذا تُوفي الوصي أو أحد أعضاء مجلس الوصاية في خلال تلك المدة فينتخب بدل الأول أحد أعضاء المجلس وبدل الثاني أحد ذوات المملكة وبمجرد بلوغ الخديوي القاصر ثماني عشرة سنة يكون راشدا فيباشر إدارة أمور الخديوية، وذلك مما تقرر لدينا واقتضته إرادتنا السلطانية.
ولما كان تزايد عمارة الخديوية المصرية وسعادة حالها ورفاهة سكانها من أهم الأمور لدينا، وكانت إدارة المملكة المالية ومنافعها المادية المتوقف عليها تكامل وسائل الراحة وتوفر أسباب السعادة عائدة على الحكومة المصرية، رأينا أن نذكر كيفية تعديل الامتيازات وتوضيحها على شرط بقاء جميع الامتيازات الممنوحة سابقا للحكومة المصرية. وذلك أنه لما كانت إدارة المملكة الملكية والمالية بجميع فروعها وأحوالها ومنافعها عائدة بالحصر على الحكومة ومتعلقة بها وكان من المعلوم أن إدارة أي مملكة وحسن انتظامها وتزايد عمرانها وسعادة سكانها مما لا يتم إلا بالتوفيق والتطبيق بين الإدارة العمومية والأحوال والمواقع وأمزجة السكان وطبائعهم فقد منحناكم الرخصة المطلقة في وضع القوانين والنظامات الداخلية حسب الحاجة واللزوم. ولأجل تسهيل تسوية المعاملات سواء كانت من قبل الرعية أو من قبل الحكومة مع الأجانب ولتوسيع نطاق الصنائع والحرف وتوفير أسباب التجارة منحناكم أيضا الرخصة التامة في عقد المشاركات وتجديد المقاولات مع مأموري الدول الأجنبية في أمور المملكة الداخلية وغيرها على شرط أن لايكون ذلك موجبا للإخلال بمعاهدات الدول السياسية.
ولكون خديوي مصر حائزا لحق التصرف المطلق في الأمور المالية قد أعطيت له الرخصة في عقد القروض من الخارج بغير استئذان عندما يجد لذلك لزوما على شرط أن يكون القرض باسم الحكومة المصرية. وبما أن أمر المحافظة على المملكة وصيانتها من الطوارق (وهو أهم الأمور وأحوجها إلى العناية) من أقدم الوظائف المختصة بخديوي مصر قد منحناه الإذن المطلق بتدارك أسباب المحافظة وتنسيبها على مقتضى ضرورات الزمان والحال وبتكثير أو تقليل عدد العساكر المصرية الشاهانية على حسب اللزوم بغير تقييد ولا تحديد. وأبقينا كذلك لخديوي مصر امتيازه القديم بمنح الرتب العسكرية إلى رتبة ميرالاي والملكية إلى الرتبة الثانية على شرط أن تكون المسكوكات المضروبة في مصر باسمنا الشاهاني وتكون أعلام العساكر البرية والبحرية في القطر المصري كأعلام عساكرنا السلطانية بلا فرق أو تمييز ولا يجوز لخديوي مصر أن ينشئ البوارج المدرعة بغير استئذان أما سائر السفن والبوارج ففي استطاعته أن ينشئها متى شاء. انتهى.
وقد امتاز إسماعيل باشا عن سائر ولاة مصر قبله أنه حبب سكنى الديار المصرية إلى الأجانب من جالية أوروبا وأميركا وغيرهما بما مهده من وسائل الراحة والطمأنينة مع الأخذ بناصرهم وتأييد مشروعاتهم وتنشيطهم وتوسيع نطاق التجارة فتقاطروا إليها أفواجا، وأقاموا فيها على الرحب والسعة لما آنسوه من الكسب الحسن والعيش السهل.
وفي عام ???? احتفل إسماعيل باشا بافتتاح ترعة السويس، وكان قد بوشر بحفرها على عهد سعيد باشا فحضر ذلك الاحتفال جميع ملوك أوروبا أو من يقوم مقامهم وكان له رنة بلغ صداها أربعة أقطار المسكونة لما أعده فيه إسماعيل من وسائل الزينة مما قد تقصر عنه همم الملوك العظام. وفي جملة ذلك أنه بنى الأوبرا الخديوية بالقاهرة لتكون مرسحا يشاهد فيه ضيوفه صنوف التمثيل وكانت المدة غير كافية لتشييد ذلك البناء فبذل الدراهم والدنانير فلم تمض خمسة أشهر حتى تم البناء وسائر معدات التمثيل على ما نشاهده الآن، وهو من المراسح التي لا مثيل لها إلا في عواصم أوروبا العظمى. ومما اختص به صاحب الترجمة من الشرف العظيم دون سواه من الولاة أن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز حلت ركابه في القطر المصري في السنة الأولى من ولاية إسماعيل فلاقى ترحابا عظيما.
وفي عام ???? تعدى الحبشة على حدود مصر مما يلي بلادهم، وأسروا بعضا من رعايا مصر فبعثت الحكومة المصرية تطلب ردهم، فجرت المخابرات فآل ذلك إلى حرب جرد فيها إسماعيل حملة لم تنل غرضا فانتهت الحرب بالصلح. وفي عام ???? شخص رحمه الله إلى دار السعادة فاحتفل بقدومه، فعاد وقد حاز رضا الحضرة الشاهانية ورجال المابين الهمايوني، وفي تلك السنة احتفل بزواج أنجاله الثلاثة وهم: المغفور لهم توفيق باشا الخديوي السابق، والبرنس حسن باشا، ودولتلو البرنس حسين باشا احتفالا واحدا تحدث به الناس زمنا طويلا، ومما زاد ذلك الاحتفال بهجة أنهم نالوا عندئذ رتبة الوزارة الرفيعة معا.
ولنأت الآن إلى أمر هو أهم الأمور المتعلقة بصاحب الترجمة وعليها مدار ما آل إليه أمره نريد به أمر الديون التي تعاظمت على مصر في أيامه. وإيضاحا لذلك نذكر ملخص تاريخ الدين المصري، فأول من وضع جرثومة الدين المصري المغفور له سعيد باشا عام ???? وقدره الإسمي ??????? جنيه بفائدة ? بالمئة، وفي السنة التالية تولى صاحب الترجمة تخت الحكومة المصرية فأخذ في البذل والنفقات في التشييد والبناء وغير ذلك حتى زادت النفقات على الدخل فكان إذا أراد عملا جنح إلى الاستقراض لا يبالي بعاقبة ذلك حتى بلغت ديون مصر نحو مئة مليون جنيه، وأصبحت حملا ثقيلا على الخزينة المصرية وعلى أهالي البلاد؛ لأنه كان يضرب الضرائب الفادحة ليفي منها بفائدة تلك الديون، ويستخدم العنف في تحصيلها من الأهالي حتى آل الأمر إلى مداخلة الدول الأجنبية للمحافظة على أموال رعاياها أصحاب الديون.
فتخابرت الدول وتشاورت في أحسن الوسائل لضمان تلك الأموال واستهلاكها فألفت لجنة دولية مشتركة سموها (لجنة صندوق الدين العمومي) صدر الأمر العالي بتشكيله في ? مايو عام ???? وورد في ذلك الأمر أن هذا الصندوق قد أُنشِئَ لتأمين أرباب الديون على ديونهم واستلام ما يستحق لهم من الفوائد وغيرها، وأن الحكومة لا يجوز لها تجديد قرض إلا بالاتفاق مع صندوق الدين، وأن الدعاوى التي يتراءى لصندوق الدين رفعها على الحكومة تنظر في المجالس المختلطة.
وكانت الديون المصرية قسمين: دين الحكومة. ودين الدائرة السنية، فضموهما في ? مايو من تلك السنة إلى دين واحد فبلغ قدره ?? مليون جنيه، وسموه الدين الموحد بفائدة ? بالمئة، ويتم استهلاكه في ?? عاما ثم رأى إسماعيل باشا أن توحيدًا على هذه الصورة لا يتيسر له إتمامه، فأصدر في ?? نوفمبر منها أمرا يقول فيه: إن تصدر الحكومة المصرية عليها سندات بمبلغ ?? مليون جنيه تكون ممتازة برهن خصوصي هو السكة الحديدية المصرية ومينا الإسكندرية وفائدته ? بالمئة، وسماه (الدَّين الممتاز).
على أن كل هذه الوسائل لم تكن كافية لإقناع الدول؛ لأن الحكومة لم تكن تقوم باستهلاك الديون حسب الشروط فعينت الدول عام ???? لجنة مالية مختلطة لمراقبة حسابات الحكومة المصرية، فرأت فيها عجزا مقداره مليون ومائتا ألف جنيه، فتنازل إسماعيل باشا عن أملاكه الخاصة وأملاك عائلته للحكومة وهي التي تعرف بأملاك الدومين رهنا لها، وهذا هو الدين المعروف بدين روشيلد.
وكانت أعمال الحكومة المصرية تجري بمقتضى إرادة الخديوي رأسا، أما بعد تداخل الأجانب بأحوال المالية فلم ير إسماعيل بُدًّا من جعل حكومته شورية، فشكل مجلس النظار على ماهو عليه الآن برئاسة نوبار باشا وصادق على تعيين ناظرين: أحدهما إنكليزي، وهو المستر ولسن للمالية. والآخر فرنساوي، وهو المسيو بلينير للأشغال العمومية. فرأى مجلس النظار أن يقتصد شيئا من نفقات الجند فرفت جانبا منهم فثار المرفوتون، وجاء جماعة منه وفيهم ??? ضابط إلى نظارة المالية، وأمسكوا بنوبار باشا والمستر ولسن وطلبوا إليهما دفع ما تأخر لهم من رواتبهم، وخاطبوهم بعنف وشدة حتى علت الضوضاء وكادت تئول إلى ثورة لولا أن أقبل إسماعيل باشا وخاطب الجند ووعدهم وأمر بانصرافهم أما هم فحالما رأوه ذعروا وكأنه جاءهم بِرُقيَةٍ أو سحرٍ فانكفئوا راجعين والمظنون أن ذلك حصل بالتواطؤ من قبل.
ثم استقال الوزيران نوبار ورياض تخلصًا من عبء التبعة لما آنسوه في أعمال الخديوي من الخطر، فشكل مجلسا آخر برئاسة ابنه توفيق باشا (الخديوي السابق) على أن ذلك لم يقلل شيئا من القلاقل؛ لأن الداء لم يكن في المجلس، ولكنه كان في مقاصد إسماعيل لأنه استعظم إغلال يديه بمجلس فيه ناظران أجنبيان، فقلب هيئة ذلك المجلس في ? أفريل عام ???? وأخرج الناظرين الأجنبيين وعهد برئاسة المجلس إلى المرحوم شريف باشا فعظم ذلك على دولتي إنكلترا وفرنسا لأنهما اعتبرتا تلك المعاملة إهانة لهما فعمدتا إلى الانتقام، فسعتا في ذلك لدى الباب العالي سرا وجهرا وفي ?? يونيو عام ???? صدر الأمر الشاهاني بإقالته وتولية المغفور له توفيق باشا، وفي ?? منه، وقيل: في ?? سافر إسماعيل باشا من القاهرة إلى الإسكندرية ومنها إلى أوروبا، ويقال: إنه خاطب ابنه توفيق باشا عند سفره قائلا: لقد اقتضت إرادة سلطاننا المعظم أن تكون يا أعز البنين خديوي مصر، فأوصيك بإخوتك وسائر الآل بِرًّا، واعلم أني مسافر وبودّي لو استطعت قبل ذلك أن أزيل بعض المصاعب التي أخاف أن توجب لك الارتباك على أني واثق بحزمك وعزمك فاتبع رأي ذوي شوراك وكن أسعد حالا من أبيك.
وما زال بعد سفره مقيما في أوروبا حتى أفضى به الحال إلى الإقامة في الأستانة العلية، فأقام فيها إلى أن توفاه الله في ? مارس عام ???? وله من العمر ?? عاما فحملت جثته إلى مصر ودفنت فيها.
أعماله وآثاره

قلنا: إن إسماعيل باشا كان شغفا بتنظيم المدن حتى قيل: إنه يريد أن يجعل القاهرة تضاهي باريس بالنظام والترتيب فنظم طرقها ووسعها وأكثر من فتح الشوارع الجديدة وبناء الأبنية الفاخرة؛ كالأوبرا الخديوية، والقصور الباذخة في القاهرة والإسكندرية، وأعظم تلك الأبنية سراي الجيزة، وهي مما تقصر عنه همم الملوك حتى ضربت بها الأمثال، وأنشأ المتحف المصري في بولاق، والمكتبة الخديوية بالقاهرة، وهما من أجلِّ الآثار وأنفعها، وأما المتحف فقد أنشأه بأمره ماريت باشا وقبره فيه، وكان المتحف أولا في بولاق ثم نقل على عهد الخديوي السابق إلى سراي الجيزة، وهو اليوم في بناية بنوها له خاصة بجوار قصر النيل. أما المكتبة فقد كانت أولا في درب الجماميز، ثم بنوا لها بناية خاصة في ميدان باب الخلق نقلوها إليها، والمكتبة نفيسة تفتخر بها مصر على سائر الأمصار الشرقية لما حوته من الآثار العلمية، وبينها جانب كبير من الكتب الخطية التي يعزُّ وجودها.
ومن أعماله أنه جر الماء بالأنابيب إلى بيوت العاصمة، وكان الناس يستقون قبلا بالقرب والصهاريج، وعمم زرع الأشجار في المدن وضواحيها، وأنار القاهرة بالغاز، وتدارك ما ينجم عن الحريق باستجلاب آلات الإطفاء.
وهو الذي نظم معظم فروع الإدارة على ما هي عليه الآن، فقسم القطر المصري إلى ?? مديرية، وعين لها المراكز، وأسس مجلس النواب ونظمه، ونظم مجالس القضاء الأهلي والقضاء الشرعي، وجعل لكلٍّ روابط وحدودًا ووضع نظام المجالس الحسبية، وأنشأ مجلس حسبي القاهرة. وعلى عهده أنشئت المجالس المختلطة بمساعي دولتلو نوبار باشا، وقد أراد بها تقليل نفوذ القناصل، وحصر النفوذ الأجنبي، ولكنها كانت سببا لزيادة النفوذ واتساع دائرة المداخلة. وكانت مصلحة البريد قبلا شركات أجنبية فأنشأ مصلحة البوسطة المصرية، وجعلها من المصالح الأميرية كما هي الآن، وحسن مطبعة بولاق وزاد فيها، وأمر بترجمة الكتب المفيدة وطبعها ونشرها، وأسس معملا للورق، ونشط المطبوعات فلم يكن في القاهرة قبله إلا جريدة الوقائع المصرية. ولم تكن تصدر على نظام فجعل لها إدارة خاصة بها. وتكاثرت على عهده المطابع والجرائد العربية؛ كجريدة التجارة، ومصر، والوطن، والأهرام، والكوكب، الإسكندري، وروضة الإسكندرية، وروضة المدارس، واليعسوب، ونزهة الأفكار، وحديقة الأبصار، وغيرها. وبالجملة فقد كانت للعلم في أيامه نهضة، مرجع الفضل بها إليه؛ لأنه كان يقرب العلماء، ويجيز المجيدين منهم ويأخذ بناصرهم ماديا وأدبيا. وكان يشهد الاحتفال بامتحان التلامذة بنفسه ويسلم الجوائز لمستحقيها بيده، وقد يقف عند تقديمها تنشيطا لهم.
ولم يكن في القطر المصري يوم توليه إلا خط حديدي ممتد بين القاهرة والإسكندرية فأنشأ كثيرا من الخطوط الأخرى الممتدة إلى سائر أنحاء القطر شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، ومد أسلاك التلغراف حتى أوصلها إلى السودان، وقد بلغت نفقات الخطوط الحديدية والآلات البخارية والعربات والآلات التلغرافية التي أحدثها بين عام ???? و????هـ ??????? جنيها على تقدير المرحوم صالح مجدي بك.
ومن آثاره (الإسماعيلية) بناها على قنال السويس وسماها باسمه وجعل فيها الحدائق والقصور. وأنشأ المنارات في البحرين الأبيض والأحمر وزين حديقة الأزبكية بغرس أشجارها وتسويرها، ورتب فيها الموسيقى وبنى بنايات كثيرة بالقرب من طره على طريق حلوان لمعامل البارود والأسلحة الصغيرة، أنفق على بنائها مبالغ كبيرة، ولكنه لم يستعملها. وبنى ليمان الإسكندرية والحمامات المعدنية في حلوان ولولاها لم تعمر حلوان، وبنى المرصد بالعباسية وكثيرا من معامل السكر في سائر أنحاء القطر هذا فضلا عن الترع الكثيرة والجسور الهائلة. ومن أشهر تلك الترع الإبراهيمية بالصعيد، والإسماعيلية بين القاهرة والسويس. ومن أعظم الجسور كوبري قصر النيل الموصل بين القاهرة والجزيرة، وبنى حوضا لترميم السفن في السويس.
ومما تم على يده من الأعمال العظيمة إبطال تجارة الرقيق وإتمام فتح السودان وإخضاعها، فافتتح مملكة دارفور عام ????هـ وما بعدها حتى بلغت جنوده الدرجة الرابعة من العرض الجنوبي وراء خط الاستواء. وعني في تحسين أحوال السودان فمهد شلال عبكة، وفتح سدا كبيرا جنوبي مديرية فشودة طوله ستون ميلا، كان يُعِيق مسير السفن في النيل الأبيض فتسهلت طرق التجارة كثيرا. ومن مآثره تسهيل اكتشاف ما غمض من قارة إفريقيا بمد أصحاب الخبرة.
وكانت المدارس التي أنشأها جده رحمه الله قد أخذت في الاضمحلال لإغفال أمرها بعده، فأعاد رونقها وأحدث غيرها. فمن المدارس التي أسسها أو حسنها مدارس المبتديان والتجهيزية والمهندسخانة والمساحة والألسن والعمليات والإدارة واللسان القديم والتجارة ومدرسة البنات في السيوفية وغير ذلك من المدارس في القاهرة والإسكندرية والأرياف. وفي عهده تأسست المحافل الماسونية الوطنية، وبحمايته تعزز شأن الجمعية الماسونية في مصر وانتشرت مباديها حتى انتظم في سلكها نجله المغفور له الخديوي السابق وجماعة كبيرة من أمراء البلاد ووجهائها.
وخلاصة القول أن مصر كانت في أيامه زاهية زاهرة، والناس في رغد ورخاء، وخصوصا بعد ارتفاع أثمان الأقطان أثناء حرب أميركا، فإن ثمن القنطار الواحد بلغ ?? جنيها، فكان سكان هذا القطر السعيد وفيهم الكاتب، والشاعر، والتاجر، والصانع، يتحدثون بمآثره وإنعامه وتنشيطه. على أن العقّال منهم كانوا لا يغفلون عن ذكر ما كان من إسرافه فوق ما تحتمله حال البلاد، وتنبأ بعضهم بمنقلب تلك الحال ووقوع مصر في وهدة الدَّين وتعريضها لمطامع الدول الأجنبية، والواقع أنه لم يترك هذه الديار إلا وقد بلغت ديونها زهاء مئة مليون جنيه كما رأيت، وهي لا تزال تئن من وطأتها إلى الآن، وكان ذلك من أعظم الأسباب لمداخلة الأجانب في إدارة البلاد ومراقبة أعمالها.
على أننا لا ننكر أن الإصلاحات التي أجراها ببعض تلك الأموال قد عادت على البلاد بالنفع الجزيل، ولكننا لا نرى أنها تعوض الخسارة كلها، وزد على ذلك أنه لو أحسن التصرف في النفقات وسار بها سيرا قانونيًّا لكانت العواقب أحسن كثيرا ولأصبحت مصر في غنى عن كل هذه التقلبات، ويقال: إن مقدار الأموال التي دفعت من خزينة الحكومة المصرية بأمره بغير تسمية المدفوع إليه، بمعنى أنه كان يرسل إلى المالية تذكرة بإمضائه يقول فيها: ادفعوا إلى رافعه المبلغ الفلاني فيدفعونه وهم لايعلمون مصيره — فقد جمعت هذه المبالغ فبلغت ?? مليونا من الجنيهات. فإذا صحت هذه الرواية كان هذا المبلغ وحده كافيا لوفاء دين مصر.
صفاته

كان إسماعيل باشا ربعة، ممتلئ الجسم قوي البنية، عريض الجبهة، كثيث اللحية مع ميل إلى الشقرة، أما عيناه فكانتا تتقدان حدة وذكاء مع ميل قليل نحو الحول، أو أن إحداهما أكبر من الأخرى قليلا.
وكان جريئًا مقدامًا ذا قوة غريبة على إقامة المشروعات كثير العمل لا يعرف التعب ولا الملل ولا مستحيل عنده، وكان ساهرًا على ماجريات حكومته، لا تفوته فائتة. وأما أعمال الدائرة السنية فقد كان يطلع على جزئيات أعمالها وكلياتها فلا يباع قنطار من الفحم إلا بمصادقته.
وكان عظيم الهيبة جليل المقام لا يستطيع مخاطبه إلا الانقياد إلى رأيه حتى قيل على سبيل المبالغة: إن الذين يخاطبونه يندفعون إلى طاعته بالاستهواء أو النوم المغنطيسي.
وكان حسن الفراسة قَلَّ أن ينظر في أمر إلا استطلع كنهه، فإذا نظر إلى رجل عرف نواياه أو تنبأ بمستقبل أمره. ومما يتناقلونه عنه أنه أدرك مستقبل أحمد عرابي وهو لا يزال ضابطا صغيرا فأوصى المغفور له الخديوي السابق أن لا يرقيه لئلا يتمكن من بث نواياه الثوروية فتقود إلى ما لا تحمد عقباه.
وكان يتكلم الفرنساوية جيدًا، وهي اللغة التي يخاطب بها الأجانب ويحسن العربية، والتركية، والفارسية، ويحب الفخر والبذخ والأبهة، وكان منغمسا في الترف مكثرا من السراري والحظايا.
ولكنه مع ذلك كان كثير الميل إلى تنشيط المعارف ورفع منار العلم والأخذ بناصر المظلومين. ومما يؤيد ذلك أن مصر بليت عام ????م بطغيان النيل فأصابها جهد عظيم فوجه التفاته إلى حال المزارعين والتجار فأراد جماعة من تجار الإسكندرية أن يقيموا له تمثالا تذكارا لفضله فأبى، وأمر أن يقام بدل ذلك التمثال مدرسة للتعليم.
تركته ووصيته

يعسر تقدير تركة صاحب الترجمة تقديرا مدققا؛ لكثرة فروعها واختلاف جزئياتها وتفرقها في البلاد، ولكن المعروف من تركته أنه استبدل معاشه قبل مماته باثنين وعشرين ألف فدان من الأطيان، باع ألفين منها للأوقاف العمومية و???? للجناب العالي، فبقي له ????? فدان منها ?? ألف فدان في تفتيش إيتاي البارود وقفها على زوجاته الثلاث في حياتهن ثم يرثها ورثته بعدهن، والباقي وقدره ???? فدان يقسم على الورثة. وترك غير ذلك مما ورثه عن والدته وهو ???? فدان وهبها لها المرحوم عباس باشا الأول وهي مرهونة و??? فدان وقصر في حلوان، وسراي القصر العالي، و?? فدانا تابعة لها. وما ورثه عن ابنه المرحوم البرنس علي باشا جمالي الذي توفي منذ بضع عشرة سنة وهو??? فدان. وترك في العباسية قصر الزعفران وفي الأستانة قصر ميركون، وهو يحتوي على قصرين كبيرين وقصرين صغيرين، وترك فيها أيضا قناق بايزيد، وتقدر قيمة أرضه بثلاثين ألف جنيه، وأصله للمرحوم البرنس حليم باشا ورثه عن أخته زينب هانم فأخذه السلطان منه ووهبه للفقيد. فهذه التركة كلها ماعدا سراي الزعفران تقسم على الورثة بعد إيفاء ديونه التي تقدر بنحو ??? ألف جنيه.
أما وصيته فإنه كان قد أضاف ???? أو???? فدان من أطيانه في أيام ولايته إلى الأطيان الموقوفة على أهل قوالة وقدرها ?? آلاف فدان في كفر الشيخ وجعل لنفسه الشروط العشرة في هذا الوقف بما فيها من حق التغيير والإبدال. ثم آلت نظارة هذا الوقف إليه ففصل ???? فدان التي أضافها إليه عملا بحقه ووقفها على حاشيته كلها، ولم يستثن أحدا منهم فرنسويا كان مثل: سكرتيره أو إنكليزيا مثل: طبيبه أو غيرهما من الأتباع والجواري اللواتي يبلغ عددهن ??? جارية عدا ??? بيضاء كان قد زوجهن بأعيان مصر قبل مفارقته هذه البلاد.
وقد أقام صديقه الحميم دولتلو راتب باشا وكيلا لحرمه، وأوصى أن يعطى ??? جنيهًا شهريًا وأن تعطى حرمه ?? جنيها شهريا، وأن يضاف راتبها إلى راتبه إذا توفيت في حياته. ويؤخذ راتبهما كليهما من تفتيش إيتاي البارود.
وتئول نظارة وقف قوالة بعده إلى حضرة دولتلو عصمتلو البرنسس زبيدة هانم بنت محمد علي باشا الصغير ابن محمد علي باشا الكبير وتُأَوَّلُ نظارة وقف القصر العالي إلى البرنس عثمان باشا فاضل ولهذا الوقف بيوت ونحو ???? فدان من الأطيان ويبلغ دخله نحو ? آلاف جنيه سنويا. وقد ترك سراي الزعفران لحرمه الثلاث، وكذلك كل منقولاته وقيمتها غير معلومة.

الفصل السادس
محمد توفيق باشا الخديوي السابق


ولد سنة ???? وتوفي سنة ????
هو أكبر أنجال المرحوم إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، ولد سنة ???? وأدخله والده مدرسة المنيل وسنُّه تسع سنوات فدرس فيها اللغة، والجغرافية، والتاريخ، والطبيعيات، والرياضيات، واللغات العربية، والتركية، والفرنساوية، والإنكليزية، وكان ميالا للعلم من صغر سنه فأحرز منها جانبا أهَّله لرياسة المجلس الخصوصي في حياة والده وسنه ?? سنة. ثم تقلد نظارة الداخلية ونظارة الأشغال ورئاسة مجلس النظار.
ولما بلغ الحادية والعشرين من عمره تزوج بكريمة المرحوم إلهامي باسي وهي مشهورة بالجمال والتعقل والكمال. وفي السنة التالية (????) ولد له بِكره (الخديوي الحالي) فسماه عباس حلمي. ثم ولد البرنس محمد علي سنة ???? والبرنسس خديجة هانم سنة ???? والبرنسس نعمت هانم سنة ????.
وما زال يتقلد المناصب في عهد المرحوم أبيه حتى قضت الأحوال بإقالته كما تقدم في ترجمته فاستلم رحمه الله أرمّة الأحكام في ?? يونيو سنة ???? وجاءه الفرمان الشاهاني المؤذن بذلك. وكان مشهورا بحبه للوطن المصري وقد شعر باحتياجه إلى الحرية والرفق بالرعية فخفف الضرائب، ونظر في تأمين أصحاب الديون. وفي أيامه تشكلت لجنة التصفية وأنشأت قانونها فصادق هو عليه ثم طاف القطر المصري لتفقد الرعية واستطلاع أحوالهم فدرس في أثناء تلك الرحلة ما يحتاج إليه القطر من الإصلاح، وحالما عاد عمد إلى إصلاح حال الفلاح من حيث ما عليه من الضرائب، فأمر بتقسيط الأموال والعشور على أشهرٍ معلومة، وأن تقتضى من الكبير والصغير على السواء مع اتخاذ الرفق في تحصيلها، ومن تأخر عن السداد تُباع أرضه، فانتظمت الأحوال أحسن نظام. شكل ?-?: محمد توفيق باشا الخديوي السابق.
ثم وجه عنايته إلى إصلاح شئون المعارف، فأمر بإنشاء المدارس العالية والابتدائية، ووسع دوائر المدارس التي أنشأها آباؤه ونظم شئونها، وجعل للبلاد نظامات شورية، وشكَّل مجالس المديريات ومجلس شورى القوانين والجمعية العمومية. شكل ?-?: محمد توفيق باشا أمام مدافن قبلي واقعة طوسكي بين كروسكو وحلفا.
وفي أيامه أنشئت المحاكم الأهلية، وتحسنت حال الري بإنشاء الترع وبناء القناطر الخيرية، ورفع العونة والسخرة، وأنشأ لائحة المستخدمين الملكية والعسكرية ومعاشاتهم.
وكان مع سهره على مصالح رعاياه تقيًّا ورعًا، بنى المساجد ونظر في الأوقاف الخيرية وأصلح فيها، وكان شفوقا على رعاياه كثير الرفق بهم، فأكثر من تنشيط أهل العمل بالرتب والنياشين وكانت الرتب على عهد أبيه تستلزم زيادة الرواتب، فلما كثرت في أيامه جعلها لا تستلزم الرواتب بل هي علامة شرف من أمير البلاد.
وكأنه بالغ في إكرام الناس وزاد في إطلاق الحرية قبل استعداد البلاد لها فانقلب النفع المنتظر منها إلى ضرر فحدثت الثورة الوطنية المعروفة بالثورة العرابية، وسيأتي تفصيلها في ترجمة أحمد عرابي (باشا)، والحوادث السودانية، وسيأتي تفصيلها في ترجمة محمد أحمد المهدي.
وأصيب رحمه الله بالنزلة الوافدة إصابة شديدة لم تمهله إلا أياما قليلة فتوفي في ? يناير سنة ???? فبكاه الناس على اختلاف الطبقات والعناصر والمذاهب لما كان عليه من صدق النية وإخلاص الطوية والرفق والعدل، ودفن في مصر.

الفصل السابع
عباس حلمي باشا الخديوي الحالي


ولد سنة ???? وتولى عرش الخديوية سنة ????
شكل ?-?: عباس حلمي باشا — الخديوي الحالي.
هو بكر الخديوي السابق، ولما توفي والده كان سموه أعزه الله في مدرسة فينا، وكان قبل ذهابه إليها قد تثقف في مدرسة عابدين التي شادها والده له ولدولة شقيقه البرنس محمد علي فلما أتما دروسهما فيها أرسلهما والدهما إلى مدرسة جنيف بسويسرة فمكثا فيها مدة يجدَّان في تحصيل العلوم ثم برحاها إلى فينَّا وانتظما في مدرستها الملوكية العليا. وفي أثناء إقامتهما في تلك المدرسة استأذنا والدهما المرحوم بالتجول في أنحاء أوروبا لاستطلاع أحوال تلك المدينة من مصادرها، فزارا ألمانيا وإنكلترا وروسيا وإيطاليا وفرنسا، ولقيا من ملوك هذه الممالك ترحابا حسنا، وزارا الممالك الأخرى.
وفي سنة ???? عادا إلى مصر واستأذناه في زيارة معرض باريس لذلك العام، فأجابهما إلى ذلك، فلقيا هناك ترحابا جميلا وعادا إلى المدرسة. وفي سنة ???? عادا إلى مصر في أثناء الراحة المدرسية ثم رجعا إلى المدينة في فينَّا. وفي ? يناير من السنة التالية عام ???? جاءهما النبأ البرقي بوفاة الخديوي السابق فأصبح سمو أكبرهما مولانا الأمير خديويا على مصر من ذلك اليوم. ثم جاءته رسالة الصدر الأعظم بتثبيته على ذلك العرش، فأسرع إلى مقر حكومته فوصل الإسكندرية في ?? يناير المذكور فاحتفل القطر بقدومه احتفالا يليق بمقامه.
واشتهر سمو الخديوي بانعطاف المصريين إليه أكثر مما إلى كل خديوي سواه؛ لما يلاقونه من دعته ولطفه وصدق محبته لهم. ويمتاز عصره عن عصور سائر أسلافه بنهضة الأقلام، واتساع نطاق الصحافة، وإطلاق حرية المطبوعات، وتكاثر المطابع والجرائد والمجلات والمكاتب، وسائر عوامل النهضة العلمية.
وفي أيامه فتح السودان وانقضت دولة الدراويش بتعاضد الجيشين المصري والإنكليزي، ورحل الجناب العالي إلى السودان في شتاء سنة ???? لتفقد أحواله فاحتفظوا بوطء أقدامه هناك احتفالا عظيما، وتلا في الخرطوم خطابا دل على حسن ظنه بحكومة السودان المشتركة. شكل ?-?: الخديوي يقرأ خطابه أمام سراي الخرطوم.

الجزء الثاني
الملوك والأمراء



الفصل الثامن
السلطان محمود الثاني


شكل ?-?: السلطان محمود الثاني (ولد سنة ???? وتولى سنة ???? وتوفي سنة ????).
هو السلطان الثلاثون من سلاطين آل عثمان شقيق السلطان مصطفى الرابع، وابن السلطان عبد الحميد الأول، تبوأ السلطنة العثمانية وهي في اختلال عظيم وارتباك لم يسبق له مثيل. وكان السلطان سليمان القانوني آخر من قاد جيوشه بنفسه من سلاطين آل عثمان، وتقاعدوا بعده عن المسير إلى ساحة الحرب تاركين قيادة الجند إلى وزرائهم ورجال دولتهم، الأمر الذي آل إلى تقهقر الدولة، واختلال أحوالها وانتفاض ولاتها، وأصبح الإنكشارية عثرة في سبيل فلاحها بعد أن كانوا حصنا لها وقواما لسطوتها. وكان السلطان سليم الثالث ابن عم صاحب الترجمة قد شرع في إصلاح ما فسد من شئونها، فبث لابن عمه كل ما كان في نيته من ذلك.
فلما أتيح للسلطان محمود تولي السلطنة أخذ على عاتقه القيام بتلك المهام وإخراجها من حيز القوة إلى حيز الفعل. وكان أعظم وزراء الدولة إذ ذاك مصطفى البيرقدار، وهو الذي أجلس السلطان محمود على سرير السلطنة بعد سفك الدماء، فولاه السلطان الصدارة العظمى لما تبينه فيه من الشجاعة والإقدام وشدة البطش، فباشر البيرقدار أول كل شيء قطع شأفة الأحزاب المضادة، فقتل بعضا ونفى آخرين حتى خلا له الجو فأخذ في إصلاح شئون المملكة باذلا في ذلك جهد الطاقة عملا بإرادة مولاه، فرأى أن يبدأ بإصلاح القوة العسكرية وتنظيمها على النمط الحديث الذي وضعه نابليون بونابرت، وهو المعول عليه في تنظيم جنود أوروبا.
وعلم أن مباشرته ذلك تقضي بتغيير الإنكشارية وتمردهم لما يرون في الأمر من انحطاط سطوتهم وتقلص ظل مجدهم، فاحتال على العلماء والوزراء وكبار أهل الدولة واستجلب مصادقتهم في تنظيم جند جديد وإصلاح جند الإنكشارية بتدريبه على النظام الجديد، فتعهد له أولئك ببذل أرواحهم وأموالهم توصلا إلى تلك البغية فعلقت الآمال بإصلاح الحال على يد ذلك الوزير.
وكأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يتم ذلك على يده، فجاء البيرقدار بأمور غيرت عليه القلوب، أخصها أنه طمع في أموال الناس فأكثر من الضرائب واستخدم في استخراجها طرقا غير قانونية، فخاف الناس الانتظام في الجندية وأوجس العلماء والمشايخ خيفة على مال الأوقاف لئلا يصبح طعمة له. أما السلطان فإنه لم يكن أقل حذرا منهم، وقد رأى كل شيء سائرا على ما يريده هذا الوزير والأحكام في يده يريدها كيف شاء.
وما زالت الأحزاب تتعاظم وتتكاثر حتى صاروا يجاهرون بذلك في مجتمعاتهم العمومية، واتفق ذات يوم أن البيرقدار كان سائرا بموكبه الحافل والشوارع غاصة بالجماهير، فأمر رجاله أن يبعدوا الناس عن الطريق بالعنف وأن يضربوا من لا يطيع الأمر حالا فنفر الناس إلى القهوات والجوامع، وقد عدوا ذلك استبدادا وعتوا وأخذوا ينقمون عليه فاجتمع جماعة منهم إلى أغا الإنكشارية وتوسلوا إليه أن ينقذهم من استبداد ذلك الرجل، وكان الإنكشارية أشد منهم رغبة في قتله فتواطئوا على مهاجمة منزله بغتة فهجموا عليه وأحرقوه بما فيه من الرجال والنساء. وكان البيرقدار في جملتهم فذهب فريسة النار فتخلصت الأستانة منه، ولكنه لا يزال معدودا من جملة أهل الإصلاح لما آتاه من الأعمال العظيمة، وما خصه الله به من المواهب التي رفعته من حضيض الفاقة إلى منصة الصدارة العظمى، ويروى عنه أعمال تدل على قسطه وعدله مما يطلق الألسنة بالثناء عليه.
وكان في جملة من قتل أثناء تلك الثورة السلطانية مصطفى الرابع وكان معتزلا عن السلطة فلم يبق من عصبية آل عثمان إلا السلطان محمود، ولم يعد للإنكشارية باب للعزل والتولية فأمن دسائسهم ولاح له لحسن سياسته أن يصلح ما بينهم وبين العساكر الذين سيباشر تدريبهم على النظام الحديث، فأصلح ذات بينهم وأبعد من بقي من أصدقاء البيرقدار فسكنت الخواطر، فتربص ينتظر فرصة لتنفيذ ما يريده من الإصلاح، فشغلته الأعمال الحربية التي قامت بين الدولة العلية والروسيين، وقد أخذوا يزحفون بعدتهم ورجالهم نحو الدانوب فاحتلوا بعض المدن هناك فجرد السلطان جندا لدفعهم، واتفق أثناء ذلك تجريد نابليون بونابرت على روسيا سنة ???? فاضطر الروسيون لعقد معاهدة الصلح في ?? مايو (آيار) من تلك السنة مع الباب العالي وسحب جيوشهم عن الحدود لقتال نابليون.
وبقي ذلك الصلح مرعيا ثماني سنوات، اهتم السلطان أثناءها في إخماد ما ثار إذ ذاك في ولايتي بغداد وآيدين، وقمع عصيان الوهابيين الذين ظهروا في شبه جزيرة العرب بدعوى دينية حتى تعاظم أمرهم، فبعث السلطان إلى محمد علي باشا والي مصر إذ ذاك فجند عليهم وقطع دابرهم.
وفي عام ???? ثار اليونان في المورا، وشقوا عصا الطاعة حتى صاروا يهاجمون سواحل سوريا والأناضول وغيرهما، ويصادرون العمارات العثمانية فبعث السلطان جندا عظيما لردهم، فقامت الحرب على ساق وقدم وبعث الباب العالي إلى محمد علي باشا إذ ذاك أيضا فأرسل حملة تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا انضمت إلى جيوش الدولة وضيقوا على أهل المورا فاستنجدت اليونان الدول الأوروبية، فتوسطت دولتا إنكلترا وفرنسا، فلم يرض السلطان بتوسطهما فبعثا عمارتيهما وانضمت إليهما العمارة الروسية وهددوا إبراهيم باشا وعمارته في مينا نافارين من أعمال المورا وطلبوا إليه أن يكف عن القتال فأبى إلا أن يكون ذلك بأمر من السلطان، فدخلوا المينا وأطلقوا النار على العمارتين المصرية والعثمانية في ? يوليو (تموز) عام ???? وظهروا عليهما بعد دفاع شديد، فاضطر السلطان محمود لقبول اقتراح الدول المتحدة وأمضى معاهدة تقضي باستقلال اليونان.
وكان السلطان في أثناء ذلك مشتغلا بتنظيم الجند الجديد، لعلمه أن جند الإنكشارية لا يقوى على مدافعة جنود أوروبا المنظمة، ولكنه علم بما يحول بينه وبين ما يريد فجمع إليه رجال دولته بحضرة المفتي أفندي وخطب الصدر الأعظم إذ ذاك محمد سليم باشا خطابا عدد فيه ما وصلت إليه قحة الإنكشارية مع ماهم فيه من القصور في النظامات الحربية الجديدة، وطلب إليهم أن يبدوا رأيهم فيما يجب اتخاذه من الوسائل؛ لملاقاة ما يهدد المملكة العثمانية بسبب ذلك، فأقر الجميع وفي جملتهم أغا الإنكشارية على اتخاذ الوسائل الفعالة فتلا المكتوبجي أمرا قاضيا بتنظيم جيش جديد باسم (ايكنجي) وتهذيبه، فوقَّع الجميع على وجوب تنفيذ ذلك الأمر، وتُلِيَ ذلك بعدئذ على ضباط الإنكشارية فقبلوا به فأخذوا في تنظيم الجيش. وفي ? ذي الحجة عام ????هـ (?? يونيو????) استعرضوه وشرعوا في تهذيبه للمرة الأولى في ساحة الميدان.
أما الإنكشارية فحالما شاهدوا ذلك النظام نسوا عهودهم لما رأوا في الأمر مما يحط من سطوتهم ونفوذهم، وأخذوا يتحدثون سرا وينقمون على تلك البدعة، فحاول الصدر الأعظم قمعهم سرا وجهرا فلم يزدادوا إلا عنادا حتى هجموا أخيرا على منزله للإيقاع به فلم يظفروا بشخصه لأنه لم يكن هناك، فتفرقوا في المدينة يصادرون المارة والباعة، فبعث الصدر إلى السلطان بالأمر وأمر ضباطه وجنده الخصوصيين فحضروا في السراي. أما الإنكشارية فأصروا على أعمالهم وجاهروا بطلب رءوس الذين أشاروا بتنظيم ذلك الجيش، فوقف الصدر الأعظم وحوله من رجاله والعلماء والمشايخ عدد غفير في انتظار مجيء السلطان، وكان في بشكطاش فأسرع إلى السراي وخطب في الجماهير فأنهض هممهم، فأقسموا على الثبات حتى يفوزوا أو يقتلوا فداء عن سلطانهم، وطلبوا إليه أن يجرد العلم النبوي الشريف فجرده، ومشى فتبعه الناس وتقاطروا من أنحاء المدينة للدفاع عن السلطان والسنجق الشريف ففرق فيهم الأسلحة ثم سلم العلم إلى المفتي، وجلس في قصر (كشك) فوق باب السراي حيث يشرف على الساحة ويشاهد الجماهير.
ثم اجتمع الصدر الأعظم والمفتي والعلماء في جامع السلطان أحمد وتلوا الفاتحة وسورًا أخرى بالخشوع التام ثم نهضوا في هيئة الحرب وفيهم العساكر وأهل المدينة فأدركوا الإنكشارية وقد تجمهروا في ساحة الميدان فحاولوا ردهم بالتي هي أحسن فأبوا فأطلقوا عليهم الرصاص، والتحم الفريقان، وكانت المذبحة هائلة عادت فيها العائدة على جند الإنكشارية ومن لم يقتل منهم قيد أسيرا، فنجت البلاد منهم وهدأت الأحوال كما نجت مصر من أمراء المماليك بعد أن ذبحهم محمد علي قبل ذلك ببضع عشرة سنة.
وأخذ السلطان محمود بعد ذلك بتنظيم الجند على النمط الفرنساوي المتقدم ذكره، فاغتنمت الدولة الروسية انهماكه بذلك، وأشهرت الحرب وزحفت بجنودها الجرارة لجهة الدانوب في أوروبا وجهة القرص وأرضروم وغيرهما في آسيا، وبعثت عمارتها البحرية إلى البحر الأسود، فعظم ذلك على السلطان لما يعلمه من قصور جنده الجديد، ولكنه جند على الروسيين، وجاهد العثمانيون جهاد الأبطال دفعا لعدوهم عن حدود البلاد ما ليس فوقه غاية، وقد شهد لهم بذلك أعداؤهم. على أن جهادهم وبسالتهم وثباتهم لم تغن عنهم شيئا لأنهم كانوا يحاربون ثلاث دول عظام وليس الروس وحدهم، كما علمت من نجدة إنكلترا وفرنسا للمورة وانقضت الحرب الروسية هذه باحتلال بعض المدن في رومانيا وفي آسيا.
ولما علم السلطان بذلك اضطرب قلبه ولم يكن يعرف الاضطراب من قبل ذلك، ولكنه أظهر ثباتا وحزما جديرين بالسلاطين الفخام والمصلحين العظام، وانتهت تلك الشرور بعقد معاهدة (أدرنة) في ? سبتمبر (أيلول) عام ???? القاضية باستقلال اليونان استقلالا تاما، والتنازل عن إقليم السرب لعائلة دوبرينوفيتش وعن إقليمي الفلاخ والبغدان. وقد انضم هذان سنة ???? إلى إمارة واحدة عرفت بإمارة رومانيا تدفع جزية سنوية للدولة العلية كالديار المصرية، والتنازل عن بعض الجزائر الواقعة عند مصب الدانوب، وعن بلاد أخرى في آسيا مع غرامة حربية مقدارها مئة مليون وعشرة ملايين من الفرنكات.
وقد يستغرب القارئ رضوخ السلطان محمود لتلك المعاهدة، وهو من سلاطين آل عثمان الذين دوخوا العالم وأرجفوا ملوك الأرض، ودانت لهم أعظم ممالك الدنيا، ولكن ليس ذلك محل الاستغراب وإنما الغرابة في ثبات هذه الدولة أيدها الله ودفاعها الدولتين والثلاث أو أكثر معا بعزم ثابت. وكانت كل دول أوروبا ضدها تنتظر فرصة لابتلاعها فلو لم تكن أقوى الدول وأشدهن بطشا ما استطاعت دفع تلك الصدمات، ناهيك بما كان مستحكما في داخليتها من الخلل وما أفسده الإنكشارية ومن جرى مجراهم.
فلم تكد تتخلص من تلك المشاكل حتى كانت حملة الجنود المصرية تحت قيادة إبراهيم باشا على سوريا، فافتتحوا عكا وأوغلوا في داخل القطر وما وراءه حتى كادوا يهددون الأستانة فتوسطت الدول وأوقفتهم في سوريا حيث أقام إبراهيم باشا حاكما ضمن حدود وعهود تسع سنوات، توفي السلطان محمود في السنة التاسعة منها بعد أن حكم إحدى وثلاثين سنة كلها حروب وأهوال، ولولا حزمه وثباته وقسطه ما قوي على مقاومة تلك الصدمات التي لو كانت على أعظم دول الأرض لذهبت بها إلى الدمار.
وكان رحمه الله ثابت الجنان، مقداما، حازما، تتجلى في وجهه ملامح الوقار والرزانة، وقد قال الذين قابلوه من سفراء الدول الأجنبية: إنهم لم يجدوا في سائر ملوك أوروبا وإمبراطوريها المعاصرين ما في السلطان محمود من قوة التسلط على الأفكار والتأثير على العقول. وكان يحسن الخط ونظم الشعر متبصرا، لا يعمل عملا ما لم يتدبره وينظر في عواقبه. ومن أعماله إبادة وجاق الإنكشارية وتأسيس النظام الجندي الجديد. وهو أول من لبس الطربوش واللباس الإفرنجي على الزي المعتاد (في أواخر حكمه)، وأول من ركب عربة (فايتون) من سلاطين آل عثمان، وقد كان السلاطين قبله يلبسون العمامة والجبة ويركبون الخيل، وفي عصره ظهرت أول جريدة في المملكة العثمانية، ويقال: إنه أذن بنقل رسمه بالزيت وعرضه في الترسانة العامرة، وقد طبع ذلك الرسم بمطبعة الحجر وبيع في الأستانة.

الفصل التاسع
الأمير بشير الشهابي الثاني


شكل ?-?: الأمير بشير الشهابي الثاني — المعروف بالكبير أو المالطي — (ولد سنة ???? وتولى سنة ???? وفي سنة ???? وتوفي سنة ????).
هو أعظم أمراء بني شهاب حكام جبل لبنان في الأجيال الأخيرة، وهم عرب يتصل نسبهم إلى قريش، قدموا بلاد الشام في صدر الإسلام، وما زالوا يتناوبون الأحكام في لبنان ووادي التيم مع الأسر الأخرى من الأمراء وغيرهم تحت رعاية الباب العالي إلى أواسط القرن التاسع عشر.
ترجمته وأعماله

أما الأمير بشير فهو أعظم الأمراء الشهابيين سطوة وهيبة، وبسالة وبطشا، وأطولهم حكما، تنصر والده في آخر أيامه ثم توفي عن ولدين: حسن وبشير، فتزوجت والدتهما وتركتهما وهما في ضنك من العيش، وكان حسن أكبرهما سنا فانتظم في خدمة الأمير يوسف الشهابي أمير جبل لبنان إذ ذاك، وأقام في قصبة الإمارة بلدة دير القمر، فأصبح الأمير بشير وحيدا منفردا، وكان لوالده خادمة أمينة فلازمت الغلام شفقة عليه، وأقاما في برج البراجنة قرب مدينة بيروت. أما والدته فسكنت مع زوجها الجديد في قرية الحدت قرب البرج، وكانت تعول ولدها بشيرا وتسعفه بما يقوم بأود حياته من الطعام واللباس.
ولما ناهز السادسة عشرة أنفت نفسه من تلك المعيشة فغادر البرج قاصدا دير القمر، ونزل في بيت الدين بالقرب من الدير في منزل رجل يقال له: الشيخ أبو علي البتديني، وكان شيخ مجلس (خلوة) محترما محبا للبر. وكان يؤانس في وجه الأمير بشير مهابة الأُسود وشهامة الرجال ففتح له صدر بيته، وأنزله على الرحب والسعة، فأقام عنده بضع سنين يقضي نهاره في الصيد وليله في التحرق لما هو فيه من ضيق المعيشة مع شرف الحسب والنسب. ولكنه كظم على مضض الحياة ينتظر فرصة ينهض بها من حضيض الذل إلى ما تطلبه نفسه من المعالي.
فاتفق أن دروز لبنان وهم الفئة الكبرى من سكانه أنفوا من حكومة الأمير، وأجمعوا على إنزاله وإقامة أمير سواه، وكان كبير الدروز إذ ذاك الشيخ بشير جنبلاط، وكان نافذ الكلمة شديد البطش، فتشاور العقلاء والأعيان فأخبره بعضهم عن الأمير بشير وقال: «إن هذا إذا تولى الإمارة كان آلة بيدنا لصغر سنه، وقلة أحزابه» فقال الشيخ بشير: إليَّ به، وليكن مجيئه إلى منزلي سرا لأراه ولا يعلم به أحد، فبعثوا إليه فجاء في منتصف الليل، ودخل على الشيخ وحيَّاه، فسأله إذا كان يريد أن يتولى لبنان، فقال: «ومن أين لي ذلك ولا مال عندي ولا رجال» فقال: أما المال والرجال فنحن نقوم بتقديمهما لك، فكن ثابت الجأش وتربص ريثما نخلع الأمير يوسف، وأمر وكيله فجاء بصرة من الدراهم دفعها إليه قائلا: خذ هذه الآن، ومتى أنفقتها أبعث إليك بمثلها، واحفظ هذا سرا حتى يئين الوقت. فشكره الأمير بشير، وخرج ولم يعلم به أحد.
ولكن صدق من قال: «كل سر جاوز الاثنين شاع» فالأمير يوسف علم بما تواطأ عليه الدروز والأمير بشير، فعزم على إعدامه قبل تمكنه من الحكم، فبعث إليه أخاه حسنا وأمره أن يقتله ويأتي برأسه، فسار حسن بالرغم منه حتى أتى بيت الدين فبلغ الأمير بشير ذلك فجاء ببندقيته وذخيرته وجلس في صدر الحجرة، فلما أطل عليه أخوه من بعيد ناداه قائلا: «لا تقرب من هذا البيت وإلا فإني قاتلك لا محالة» وهول عليه بالبندقية، فقال له: «إنما جئت لأخاطبك في أمر، قال «لا تخاطبني في شيء، أما كفاكم أني مقيم هنا ولا ينظر إلي أحد كأنما أنا من السوقة — أليس ذلك عارا على الأمير يوسف» فخجل حسن وعاد وأخبر بما كان وحسَّن للأمير الرفق بأخيه، فبعث إليه جوادا يريد تقريبه منه وهو غير واثق بما سمعه عنه.
أما الدروز فكتبوا إلى الجزار والي ولاية صيدا (وكان لبنان تحت ولايته) يشكون من الأمير يوسف واستبداده فبعث إلى الجزار أن ينزل أو أن يبعث إليه أحدا من ذوي قرابته رهنا ضامنا لتسديد ما تأخر عليه من مال الحكومة. فأرسل الأمير بشير تخلصا منه، ويقال: إنه لما أمره بالذهاب إلى عكا ليكون رهنا عند الجزار قال له: «سر يا ولدي إلى الجزار في شغل» فأجابه: «أخاف أن أُذهِب ولدك وأُرجِع ولد الجزار» فلم يفقه الأمير لما قاله.
فوصل عكا ومعه كتب التوصية من الشيخ بشير للجزار وغيره من رجال حكومته وفي جملتهم رجل يهودي اسمه حاييم كان مديرا لدائرة الجزار وبيده الحل والعقد وعائلة سكروج، وكانوا كُتَّابا في ديوانه فساعدوا الأمير بشيرا مساعدة قوية، فولاه الجزار الإمارة على لبنان، وألبسه الفروة وأعطاه العُدَّة والرجال وأمره بالذهاب إلى دير القمر لاستلام مقاليد مصلحته، فسار في مائتي جندي وعلم الأمير يوسف بقدومه ففرَّ من الدير ودخلها الأمير بشير وتولاها. وكان الشيخ بشير جنبلاط وأنصاره أنصارا للأمير في كل ما يريد فتعززت سطوته وذاع صيته.
ولكن لم يستتب له الأمر إلا بعد مقتل الأمير يوسف؛ لأن اعوجاج حكم الجزار كان يقضي لمن يدفع إليه الرشوة الكبرى، فكان يتعهد له الأمير يوسف تارة بدفع قدر أعظم مما يدفعه الأمير بشير فيوليه ثم يزيد هذا على ذاك القدر فيعيده ويعزل ذاك. وكان اللبنانيون يشتكون أحيانا من قساوة الأمير فيتآمرون عليه ويتظلمون منه، وبقي الحال كذلك حتى قتل الأمير يوسف في عكا بأمر الجزار سنة ????م. وكيفية ذلك أن الجزار كان سائرا إلى الحج فوصل إليه وهو في المزاريب كتاب من الأمير بشير يشكو فيه من دسائس الأمير يوسف، وكان هذا قد التجأ إلى حمى الجزار في عكا فكتب الجزار إلى نائبه هناك أن يقتله ثم ندم على مسارعته فبعث إليه أن لا يقتله، ولكن سبق السيف العزل. فقُتِل الأمير يوسف شنقا قبل وصول الكتاب الثاني، ويقال: إنه وصل، وأخفاه ابن السكروج كاتب الجزار خدمة لمصلحة الأمير بشير ولما عاد الجزار وتحقق ذلك منه قتله.
فاستتب الأمر للأمير بشير غير أن الفتن بين ولايتي صيدا ودمشق لم تكن تنقطع، واللبنانيون تارة يثورون على أميرهم وطورا يستبد فيهم محصلوا الأموال. ونظرا لكثرة الفئات والطوائف في لبنان لم يكن يخلو ذلك الجبل من فتنة تُهرَق في سبيلها الدماء وتُسلَب الأموال. وكان الأمير بشير يتدبر كل ذلك حينا بالحكمة، وآونة بالقوة، وتارة بالحيلة والذكاء، حتى بهر الحكام وسحر الرعية. وزد على ذلك أنه لم يكن في مأمن من صداقة رئيسه الجزار والي صيدا؛ لأن الجزار لم يكن يرعى ذماما ولا يتفاضل الأمراء عنده إلا بنسبة ما يدفعونه إليه من الخراج والأموال. وكان إذا ولَّى أميرا لا يأمن انتقاضه فَيَسْتَرْهِنَ عنده ابنه أو أخاه أو زوجته، فإذا عزله بعث إليه بالرهن ويَسْتَرْهِنَ أحدا من أبناء الأمير الجديد وهكذا.
وفي سنة ????م قدم بونابرت بجيوشه لافتتاح سوريا بعد أن دوَّخ الديار المصرية فافتتح يافا ثم جاء عكا وحاصرها، وكان الأمير بشير عونا كبيرا للفرنساوية يمدهم بالمئونة والزاد وقد سُرَّ نصارى لبنان بقدوم تلك الجيوش وخاف الدروز. ولما طال الحصار على الفرنساويين وامتنعت عكا عليهم بمساعدة العمارة الإنكليزية تحت قيادة السير سدني سميث ملَّ الأمير بشير من معاضدتهم، ثم وردت عليه كتابات من السير سدني يبين له فيها: «أن الفرنساوية لما دخلوا مصر نشروا منشورات ادَّعوا أنهم مسلمون وقد كسروا الصلبان في رومية» وبعث إليه بنسخة من ذلك المنشور فنفر الأمير من الفرنساوية وقطع المؤنة عنهم. وكان ذلك من جملة أسباب فشلهم وعودهم على الأعقاب، ولم يفتحوا عكا مع أنهم حاصروها زهاء شهرين.
وكان الجزار قد تغير على الأمير لمساعدته الفرنساوية ثم علم بكفه عن مساعدتهم، ولكنه لم يقرّه في مكانه فتوسط له السير سدني سميث، وكان بين هذا والأمير صداقة ومهاداة. وسافر الأمير في أثناء تغير الجزار عليه في مركب من عمارة السير سدني إلى الإسكندرية، وكان ذلك المركب بانتظاره في طرابلس وبالغ السير سدني في إكرام الأمير وأحبه محبة شديدة لما رأى من هيبته وجسارته، وأمر بتصويره وخاطب بشأنه الصدر الأعظم، وكان قد قدم غزة لمحاربة الفرنساوية ليعيده إلى منصبه في إمارة لبنان فأعاده.
ولكنه اضطر بعد قليل لمغادرة لبنان لعدم رضوخ أصحاب المقاطعات له، فسافر في عمارة السير سدني إلى قبرص وأقام فيها ستة أشهر ثم سافر معه إلى الإسكندرية وما زالوا في البحر المتوسط بين ذهاب وإياب نحو شهرين. وبعد ذلك عاد إلى إمارته في لبنان وكانت بينه وبين الجزار ومن ولاهم مكانه حروب دامت أربع سنوات ثم تصالح والجزار سنة ????م.
وفي السنة الثانية توفي الجزار وخلفه إبراهيم باشا (غير ابن محمد علي باشا) ولم تطُل ولايته فخافه سليمان باشا وكان من مماليك الجزار، وبينه وبين الأمير صداقة فأقرّه في إمارته وأيد نفوذه. وكان أولاد الأمير يوسف من أكبر مناظري الأمير في الإمارة وكثيرا ما كانوا يتمكنون من إغراء الجزار على عزله والتولي مكانه بمساعدة مديره جرجس باز وأخيه عبد الأحد فلم يصف له الكأس حتى قتلهما بدسيسة سنة ????م. وفي سنة ????م بنى الأمير بشير جسر نهر الكلب وبعد سنتين بنى جسر نهر الصفا، وكان للأمير ثلاثة أولاد: الأمراء (قاسم وخليل وأمين).
وفي سنة ????م جاء إلى الأمير رجل حمصي اسمه بطرس بن إبراهيم كرامة، وكان شاعرا فصيحا ومُنشِئًا بليغا حسن الحظ، وكان قد قرأ صناعة الإنشاء والشعر على الشيخ أمين الجندي الشاعر المشهور فجعله الأمير نديما عنده ثم وكَّل إليه تعليم ابنه الأمير أمين، وصار بعد ذلك كاتب يده.
وكان بجوار دير القمر قرية يقال لها: بيت الدين — وقد تقدم ذكرها — فاتخذها الأمير مسكنا له وبنى فيها الدور لسكناه ولسكنى أولاده وفي جملتها السراي الباقية إلى هذا العهد المعروفة بسراي بيت الدين، وفيها مقر متصرفية لبنان إلى هذه الغاية. وأجرى إلى بيت الدين قناة من ماء تحت عين زحلتنا على مسافة ثلاث ساعات يسمى نبع القاع بجانب نهر الصفا وغرس فيها المغارس والبساتين حتى أصبحت من أجمل المساكن وأبهاها.
وكان الجنبلاطية عونا كبيرا له في كل حروبه وأعماله؛ لأنهم هم الذين سعوا في إمارته وقد شدوا أزره وقاموا بنصرته وأيدوا حكومته ماديا وأدبيا، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك حبا بتعزيز سطوتهم وتأييد نفوذهم فكانوا ينظرون من وراء مساعدتهم إلى ما يؤيد نفوذهم على الأسر الأخرى الدرزية التي كانت تناظرهم في السطوة ونفوذ الكلمة، وقد سعوا في استخدام الأمير بشير لأغراضهم حتى سئم هو من استبدادهم واعتراضهم له في أعماله، فرأى أن الجو لا يخلو له إلا إذا كسر شوكتهم وتفرد بالأحكام فعوَّل على التخلص منهم.
ولكنه لم يكن يتظاهر بذلك فاتفق أن أحد الأمراء المدعو الأمير حسن أراد التزوج بابنةٍ ولم يرضَ أبوها به فغضب وقتله — فعل ذلك برضاء الشيخ بشير جنبلاط، فغضب الأمير بشير على الأمير حسن وأمر بالقبض عليه ففرَّ إلى دمشق وهناك أسلم ووشى بالأمير أنه مسيحي وهيَّج عليه الوالي فحقد الأمير على الشيخ بشير لأنه نسب ذلك إليه. وفي أثناء ذلك بنى الشيخ بشير جامعا في المختارة بالقرب من بيت الدين وتظاهر بالإسلامية فازداد حقد الأمير عليه وأضمر له الشر وعزم على تعضيد الأحزاب المضادة له من الدروز، ولكنه كتم ذلك في باطن سره وبقي مظهرا الصداقة له كالعادة.
وفي سنة ????م توفي سليمان باشا والي عكا وخلفه عبد الله باشا الخزنه دار بن علي باشا أحد مماليك الجزار، فأقر الأمير في إمارته ولكنه أخلف بعد قليل وولَّى غيره مدة قصيرة ثم عادت الإمارة إليه فعاد مكرما مع الهدايا والتقادُم على أن يكون أميرا على لبنان مدة حياته. ولكن بعض اللبنانيين لم يذعنوا له بدسيسة ممن كان أميرا قبله، وأبَوا دفع الأموال كما أراده هو فقامت بينه وبينهم حروب آلت إلى خصام طويل بين ولايتي صيدا ودمشق، وكان الأمير يحارب مع عبد الله باشا والي صيدا أو عكا ضد درويش باشا والي دمشق، وقد أخلص النية وبذل قصارى الجهد في تلك المساعدة حتى أوجس درويش باشا خوفا منه، وكان عالما أن الفضل في ذلك النصر للأمير بشير فكتب إليه يستجلب رضاه ووعده بالولاية على صيدا ولقبه بوالي الشام وصيدا فأعرض الأمير عن إجابته وبعث الكتاب إلى عبد الله باشا فَسُرَّ هذا من صداقته وكتب إليه أن يثابر في محاربة الدمشقيين، ولقبه بوالي الشام وصيدا أيضا. أما الأمير فجاء عكا يريد إرجاع عبد الله باشا عن عزمه في ذلك فلم يجبه، فسار في الجند كما أمره وعاد إلى المحاربة فاعتبرت الدولة العلية أعمال عبد الله باشا هذه تعديا على حقوقها فأنجدت درويشا وأنذرت الأمير بذلك فأذعن، ولكنها اشترطت عليه بواسطة الشيخ بشير شروطا صعبة في إمارته فلم يرض فاتفق الأمير والشيخ على تولية الأمير عباس فقبل درويش بذلك وعقد الأمير مع الأمير عهدا أن يحافظ هذا على بيت الأمير وكل ماله أثناء غيابه، وركب قاصدا عكا فعلم أن درويش باشا بعث للقبض عليه، فعرج إلى صيدا ونزل من ضواحي بيروت في المراكب ومعه من الحاشية نحو المئة وخمسين رجلا قاصدا مصر سنة ????م وفيها إذ ذاك — المغفور له — محمد علي باشا واليا فلاقى منه كل رعاية وإكرام.
وكان الغرض من قدومه إليه الالتماس منه أن يتوسط لدى الباب العالي في العفو عن عبد الله باشا؛ لأن الدولة كانت تحب محمد علي باشا وتراعي خاطره على أثر ما أوتيه من النصر في حرب الوهابيين في بلاد العرب بعد أن تعبت الدولة في قهرهم.
وكان محمد علي باشا إذ ذاك في شاغل من أمر الحرب في المورة، وكانت الدولة قد بعثت إليه أن يجند جندا لمحاربتها فلما جاء الأمير مستنجدا طيب خاطره ووعده بالمساعدة وكتب إلى الباب العالي بذلك وأسكن الأمير في بني سويف ريثما يرد الجواب، وشدد في طلب العفو تشديدا كبيرا؛ لأنه كان راغبا في امتلاك قلب الأمير ولسانه ليكون له عونا في ما نواه من فتح الشام.
ولبث الأمير في مصر حتى وردت الأوامر بالعفو عن عبد الله باشا فحملها شاكرا بعد أن تداول مع محمد علي سرا بشئون كثيرة تعود إلى مقاصد الباشا في بر الشام. وسار الأمير من مصر إلى عكا بكل إكرام ومعه سلاحدار الباشا حاملا العفو فوصلوا عكا وبلغوه ذلك فَسُرَّ عبد الله باشا بفوزه، ولكن الجنود العثمانية في الشام طلبت النفقات المعينة في مثل هذا الصلح ولم يكن عند عبد الله باشا نقود، وكان الأمير قد جاء بنحو نصف القدر اللازم من محمد علي فضرب عبد الله باشا الباقي ضرائب على المقاطعات وفي جملتها جانب على الأمير. وكان الأمير قد زاد حقدا على الشيخ بشير، ولا سيما لما بلغه تواطؤه مع الأمير عباس عليه فأحب التخلص منه قطعيا ففرض عليه مبلغا كبيرا من ذلك المال فدفع جانبا واعتذر عن الباقي، فألحَّ عليه ففر إلى دمشق فطلبه من واليها فأمره بالذهاب ثم التمس من عبد الله باشا التوسط له عند الأمير بالعفو فأظهر الأمير القبول، فحضر الشيخ بشير وكان لا يزال خائفا من الغدر به فجاء في جماعة من رجاله إلى بيت الدين وسار توًّا إلى مقابلة الأمير في قصره فجعل رجاله صفين مر بينهما ذليلا خائفا من الغدر به حتى دخل على الأمير وسلم عليه فأمره بالجلوس فجلس مكتئبا واجسا. وأمر له بالقهوة فلم يستطع تناولها لما كان فيه من الارتعاش، ولكنه أمسك الفنجان وأراد الارتشاف منه فنظر إليه الأمير بعين الغضب فازداد ارتعاش يده حتى انسكبت القهوة على ثيابه وكان منظر الأمير مخيفا بغير غضب فكيف بالغضب. ولم يستطع الوقوف حتى حوَّل الأمير نظره عنه إلى نافذة بقربه، فنهض الشيخ مستأذنا وخرج.
ثم بعث إليه الأمير أن يصرف من جاء بهم من الرجال لئلا يتكدر خاطره عليهم فانصرفوا عنه، فخاف الشيخ ففرَّ إلى حوران فضبط الأمير أرزاقه وممتلكاته فعاد الشيخ بشير ناقمًا، وجمع إليه أحزابه الدروز وبعض أحزاب الأمراء مناظري الأمير وقدموا لمحاربته فانتشبت الحرب بينهما شديدة حتى اضطر إلى استنجاد ولاة طرابلس وعكا ومحمد علي باشا في مصر فبعث إليه محمد علي باشا «أن ألفي مقاتل متأهبة تنتظر أمركم».
ولكن لم تبق حاجة إليها لأن والي الشام قبض على الشيخ بشير وباقي المشايخ وقتل أحدهم الشيخ علي العماد؛ لأنه من أكبر زعماء الثورة، وكان لوالي دمشق ثأر عليه، وبعث بالباقين إلى عكا، أما الأمراء المتحزبون معهم فقبض عليهم الأمير، وأمر بسَمْلِ عيونهم وقطع رءوس ألسنتهم.
أما الشيخ بشير فكتب الأمير إلى عبد الله باشا أن يقتله لأن أصل الشر منه ثم علم الأمير أن الباشا أطلق سراحه وأذن له بالسكنى خارج السجن فبعث إلى محمد علي باشا على يد ابنه الأمير أمين — لأنه كان إذ ذاك في مصر — يخبره بالأمر ويلتمس منه كتابا إلى عبد الله باشا بقتل الشيخ بشير فبعث إليه برسول خاص بشأن ذلك فقتله شنقا مع شيخ آخر وبقيت جثتاهما معلقتين أمام باب عكا ثلاثة أيام.
وبقتل الشيخ بشير خلا الجو للأمير بشير ففرق أولاده وذويه حكاما في المقاطعات، وهدأت الأحوال إلى سنة ???? حينما قدمت مراكب اليونانيين إلى بيروت، وكان قدومها عدوانيا لأن اليونان كانوا في حرب مع الدولة العلية في المورة فبعثوا بمراكبهم إلى سواحل سوريا لافتتاح الثغور.
فلما بلغ الأمير قدوم تلك المراكب جمع إليه رجاله ونزل إلى حرج بيروت لدفعها، وكانت قد أطلقت بعض القنابل على المدينة، فلما علم اليونان بتجمع الرجال لدفاعهم تحولوا عن المدينة. وفي سنة ????م انتدبه عبد الله باشا لفتح قلعة سانور في نابلس فسار وفتحها فتحا أيَّد ما عرف به اللبنانيون من الشجاعة والإقدام، وفي السنة التالية قدم المغفور له إبراهيم باشا بن محمد علي باشا لحصار عكا.
والسبب الحقيقي لقدومه يكاد يكون مجهولا؛ لأن المؤرخين قلما أفصحوا عن حقيقته، ولكننا قد عرفناه ممن عاصر الأمير وكان من حاشيتة وسمع حقيقة الخبر من فيه قال: إن محمد علي باشا لما قدم إليه الأمير بشأن العفو عن عبد الله باشا تداولا في أمور كثيرة تعود إلى التعاضد والتعاون عند الحاجة. ولذلك رأينا عزيز مصر لم يتقاعد عن نجدة الأمير في حروبه مع الشيخ بشير كما قدمنا. وأما محمد علي فكان عازمًا على توسيع نطاق حكمه بافتتاح سوريا، وكان يظن صنعه الجميل مع عبد الله باشا والأمير يكفي لبلوغ أمانيه، ولكنه رأى من عبد الله باشا اعوجاجا عن غرضه والغالب أن عبد الله كان طامعا بمثل مطامع محمد علي، فلما علم بما نواه هذا صار يحاذره.
وأدرك محمد علي ذلك فعزم على اختياره والتعويل على تنفيذ مقاصده بالقوة، فبعث إلى الأمير بشير أن يبعث إليه بجانب من الأخشاب التي يحتاج إليها في بناء المراكب فباشر الأمير إجابة طلبه فمنعه عبد الله باشا فشق ذلك على محمد علي واعتبره بظاهر الأمر مخالفا لأوامر الدولة العلية؛ لأن تلك المراكب إنما هي للحكومة فجرد لمقاصته حملة تحت قيادة ولده إبراهيم باشا فسار لحصار عكا كما قدمنا.
فبعث عبد الله باشا إلى الأمير أن يعد رجاله ويأتي لدفع الجنود المصرية عن عكا، وكتب إبراهيم باشا بمثل ذلك لما بينه وبين والده من العهود فوقع الأمير في حيرة بين أن يطيع رئيسه الشرعي أو يقوم بمواعيده لدى والي مصر، وكان حاقدا على عبد الله باشا؛ لأنه رأى منه استبدادا فيه بعد أن كان هو السبب في عوده إلى ولاية عكا فترجح إليه أفضلية نصرة الجنود المصرية فجمع رجاله وسار قاصدا عكا وكان إبراهيم باشا قد استبطأ حضوره فكتب إلى والده بذلك فغضب محمد علي وكتب إلى الأمير يهدده فأدركه الكتاب وهو قادم إلى عكا، وفي جملة ما قال له فيه: «إذا تأخرتم عن الحضور إلى ولدنا إبراهيم أخربنا داركم وغرسنا موضعها زيتونا»، فظل سائرا إلى صحراء عكا فاستقبله إبراهيم باشا بترحاب؛ لأنه كان في حاجة كلية إلى مساعدته فيما جاء من أجله.
وكان الأمير عضدا قويا للجنود المصرية في حصار عكا وغيره من أعمالهم في سوريا. وكان إبراهيم باشا يحترمه كثيرا ويدعوه «والدنا» وكان اعتماده في كثير من المواقع عليه وعلى أولاده، ولا سيما الأمير خليل فإنه حارب عنه حروبا كثيرة في طرابلس وغيرها. أما أهل لبنان فكان دروزهم ضد إبراهيم باشا ونصاراهم معه غير أن الدروز اضطروا أخيرا إلى الإذعان بمساعي الأمير وتهديده، وقد جاهد هذا مع الجنود المصرية جهادا حسنا، وعرّض بنفسه للخطر مرارا حتى كان يضطر أحيانا إلى التنكر بلباس الفعلة وغيرهم خوفا من مكامن الدروز.
وبعد أن فتح إبراهيم باشا عكا وقبض على عبد الله باشا وبعث به إلى الإسكندرية سار إلى دمشق وبعث إلى الأمير أن يوافيه إليها فجند إليها وفتحوها، وعاد الأمير إلى بيت الدين وخرج إبراهيم باشا لفتح حمص ففتحها وسار منها إلى حلب يحارب الجنود العثمانية ففتحها ثم فتح أيقونية، وهناك قبض على الصدر الأعظم قائد الجنود العثمانية وزحف على مرسين فترسيس. وما زال في فتوحاته حتى توسطت الدول الإفرنجية وتم الصلح بين الدولة العلية وإبراهيم باشا على أن يقف عند حدوده في سوريا وأن يكون واليا عليها جابيا لأموالها (كما تقدم في ترجمة محمد علي باشا).
ولما كادت تهدأ الأحوال انتفض النابلسيون وهاجوا وماجوا حتى اضطر محمد علي إلى المجيء بنفسه لنجدة ولده فأتى وأخمد الثورة وعاد وكان ذلك عام ????م.
ثم رأى إبراهيم باشا أن الأمر لا يستتب له إلا إذا جرد اللبنانيين والنابلسيين وغيرهم من السلاح، فعهد بذلك إلى الأمير فجمع السلاح ولم يكن جمعه كافيا لاستتباب الراحة لأن البلاد لم ترضخ لحكومته رضوخا تاما، والدولة لم تفتأ عن محاربته تارة بعد أخرى فقضى إبراهيم باشا في سوريا نحوا من تسع سنوات لم يهدأ له فيها بال. وفي سنة ???? قدم الدكتور كلوت بك كبير الأطباء المصريين إلى بيت الدين فطلب إليه الأمير أن يستأذن محمد علي باشا في إرسال بعض اللبنانيين يدرسون الطب في القصر العيني على نفقة الحكومة فنال ما طلبه وبعث بعضا منهم إلى تلك المدرسة. وفي سنة ???? أمر إبراهيم باشا أن يلبس أولاد الأمير بدل العمائم الطرابيش وكتب الأمير إلى أقاربه أن يفعلوا ذلك أيضا ففعلوا.
وفي سنة ???? توسطت الدول الأوروبية ثانية في فض الخلاف فعقدوا مؤتمرا أقروا فيه على وجوب إخلاء الجنود المصرية للديار السورية. ومما حملهم على إخلائها أيضا أن الحكومة المصرية جندت عسكرا أدخلت فيه شبانا من الذين كانوا قد أرسلوا لدراسة الطب في مصر. فلما بلغ نصارى لبنان وسوريا ذلك خافوا أن يجري هذا التجنيد عليهم إذا استقام الأمر للمصريين بينهم فانقضوا عليهم، وكان الأمير بشير مع ذلك يحاول إقناعهم في الخضوع فلم ينجح، وحاول جمع سلاحهم ثانية فلم يفز.
ورأت الدول أن إبراهيم باشا لا بد من إخراجه من سوريا بالقوة فجاء ريشارد وود الإنكليزي بمأمورية سرية، وكان يعرف العربية فأغرى السوريين على كتابة عرض يطلبون فيه من الدولة العلية وسفراء دول إنكلترا وفرنسا والنمسا أن يخرجوا الجنود المصريين من بينهم فكتبوا، وأرسلت الكتابة إلى الأستانة.
فجاء الأميرال نابيه في عمارة إنكليزية إلى ميناء بيروت، وبعث يتهدد متسلمها ويبشر اللبنانيين والسوريين بقدوم عمارات أخرى لإنقاذ سوريا من الدولة المصرية ثم جاءت العمارة العثمانية وفيها بوارج إفرنجية كما تقدم وأطلقت المدافع على بيروت فتحققت الجنود المصرية أن الانسحاب أولى بهم بعد أن دافعوا دفاع الأبطال وصبروا صبر الرجال.
أما الأمير فخاب أمله وكان يظن فرنسا تساعده عند الحاجة فلم يتحقق ظنه، فاضطر إلى التسليم فسلم فأمر بالذهاب بمن أراد من أهله وذويه للإقامة في مالطة، فأخذ أولاده وحفدته وكاتبه المعلم بطرس كرامة وسائر الحشية، وسار مودعا لبنان بدموع الأسف في مركب أعد له حتى أتى مالطة، فأقام فيها مكرما نحو سنة ثم استأذن للإقامة في الأستانة فأذن له فأقام فيها مع أولاده نحو ثلاث سنوات ثم أرسل إلى الأناضول إلى بلدة اسمها زعفر أنبول فأقام فيها سنة ونصف سنة ثم أقام في بروسة سنتين منفيا أيضا ثم عاد إلى الأستانة ومات هناك شيخا هرما، ودفن في كنيسة الأرمن الكاثوليك بغلطة.
أما أولاده فالأمير أمين اعتنق الديانة الإسلامية بعد مجيئه الأستانة واستأمن فلم يسر مع والده إلى المنفى، وأما الأمير خليل فبقي مسيحيا حتى توفي في الأستانة.
أما بطرس كرامة فتعين مترجما في الباب العالي وبقي مع ذلك محافظا على صداقة الأمير وتوفي بعده ببضعة أشهر في الأستانة أيضا.
هكذا كانت نهاية هذه العائلة بعد الحروب الطويلة والمعاناة الشديدة.
صفاته ومناقبه

كان الأمير بشير ربع القامة، كثير الشعر، حاد العينين، عظيم الهيبة جدا، ويروى عن هيبته وشدة بأسه وصرامته رايات أشبه بالخرافات منها بالحقائق.
ومما يحكى عنه أنه كان لعظم هيبته لا يستطيع أحد أن يطيل النظر إليه بغير أن يخافه. وكان جهوري الصوت حتى قد يسقط الرجل خوفا ورعبا بمجرد سماع صوته إذا غضب. ولولا ذلك لم يستطع أن يحكم اللبنانيين المعروفين بالشجاعة وشدة البأس وقوة الأجسام والعقول. ومما يحكى عن صرامته أن أحد رجاله الذين كان يبثهم في أنحاء لبنان لصيانة الطرق من اللصوص جاءه يوما قائلا: «رأيت أيها الأمير بالأمس في وادي العليق فتاة منفردة في ظلام الليل غير خائفة فعجبت من جسارتها فسألتها عما جرَّأها على المسير وحدها في ذلك الوادي المخيف، فقالت: إني لا أسير وحدي لأن أبا سعدى (تريد الأمير بشيرا) سائر معي. فعجبت لجسارتها وتركتها» فحملق الأمير بالرجل حتى كاد يقع صريعا من الخوف، وقال له: «لقد صدقت الفتاة، ولكن ما الذي جرَّأك أنت على مخاطبتها وهي سائرة بنفسها في طريقها» وأمر فقبض عليه، ويقال: إنه قتله.
ويروى عنه من أمثال هذه الحكاية شيء كثير تشيب لهوله الأطفال.
ومما يحكى عن هيبتة أنه لما كان في الأستانة وكان قد زاده الشيب هيبة ووقارا دعاه الصدر الأعظم لزيارته في مجلس الوكلاء، فلما حضر وقف له وأكرمه فلما خرج عنف الوكلاء الصدر على وقوفه له فوعدهم أنه إذا جاء ثانية لا يقف له. فلما زاره المرة الثانية لم يستطع إلا الوقوف بالرغم منه فسأله الوكلاء بعد خروجه عما حمله على الوقوف وإخلاف وعده، قال: «إني وقفت له بالرغم مني لأني حالما رأيته وما هو فيه من الهيبة لم أشعر إلا أني وقفت بغتة».
وكان إذا جلس في مجلسه لا يجلس إلا جاثيا على طرف مقعد وغدارته محشوة إلى جانبه.
أما لباسه فكان بسيطا لا يزيد عن القفطان الحريري والجبة والعمامة وفي آخر أيامه لبس الطربوش كما يشاهد في الصورة.
وكان عفيف النفس قليل النهم في الطعام، وكان يدخن في شبق كبير يسع ربع رطل مصري من التبغ، فإذا أخذ في التدخين يتصاعد الدخان من فيه كدخان الأتون متخللا شعر شاربيه ولحيته.
وكان قوي البنية شديد البطش. أما آدابه فكانت من العفة على جانب عظيم، وكان بعيدا عن مغازلة النساء، ورعا تقيا مثابرا على الفروض الدينية حتى أقام كنيسة للصلاة في نفس منزله في بيت الدين، وقضى حياته طاهرا عفيفا لم يدنس عرضه ولا شرفه بدنيئة حتى توفاه الله. وقد أوضحنا أخلاق هذا الرجل وسائر مناقبه في روايتنا «المملوك الشارد».

الفصل العاشر
محمد أحمد المتمهدي السوداني


شكل ??-?: محمد أحمد المتمهدي السوداني (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
(?) المهدوية في الإسلام

المشهور بين المسلمين من أوائل الإسلام إلى الآن أنه سيظهر رجل منهم يؤيد الدين وينشر لواء العدل ويستولي على الممالك الإسلامية يسمى المهدي، ويسندون ذلك إلى أحاديث نبوية بحث كثيرون من علماء الإسلام في صحتها وفسادها وفي مقدمتهم العلامة ابن خلدون. ومن أوثق الأحاديث المروية من هذا القبيل رواية الترمذي وهي: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي.» ورواية الحاكم وهي: «تملأ الأرض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي فيملك سبعا أو تسعا فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما.» ولم يرد في هاتين الروايتين لفظ المهدي، ولكنهم ذكروا أحاديث أخرى ورد فيها لفظة انتقدها ابن خلدون انتقادا طويلا في كلامه عن أمر الفاطمي وما يذهب إليه الناس … إلخ (في مقدمته الشهيرة فمن أراد الإسهاب فليراجعه هناك).
على أن ذلك لم يقلل شيئا من اعتقاد الجمهور في مجيء المهدي فما انفك المسلمون ينتظرون مجيئه، فأدى ذلك إلى ظهور جماعة كبيرة في أزمان مختلفة ادعى كل منهم أنه المهدي المنتظر، فالتفت حوله الأحزاب وأسس بعضهم دولا عظمى لا يزال ذكرها باقيا إلى الآن، على أن كثيرين آخرين لم يكادوا يظهرون بدعواهم حتى طوى الزمان ذكرهم لأن الأحوال لم تكن معدة لقبولهم.
على أن بين الشيعة والسنة خلافا من قبيل المهدي وزمن ظهوره؛ فأهل الشيعة يعتقدون أنه ظهر في أواخر القرن الثالث للهجرة في شخص أبي القاسم محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر، وأنه سيظهر ثانية قبل انقضاء العالم من سرداب في سر من رأى بالعراق، وأما أهل السنة فيقولون إنه لم يظهر بعد. وتتمة للموضوع نذكر أشهر الذين ادعوا المهدوية من أول الإسلام إلى الآن. (?) محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية ظهر في المدينة سنة ???هـ في عهد الخليفة المنصور ثاني الخلفاء العباسيين فدعا الناس إليه، وكان له أخ اسمه (إبراهيم) نصره وقام بدعوته ففتح البصرة والأهواز وفارس ومكة والمدينة، وبعث عماله إلى اليمن وغيرها، وكان ذلك في زمن الإمام مالك فأفتى له وشد أزره فكثرت دعاته حتى كاد يذهب بالدولة العباسية لو لم يستدرك المنصور أمره ويتغلب عليه ويقتله (وترى تفصيل أخباره في الجزء السادس من تاريخ ابن الأثير).
(?) عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق مؤسس الدولة الفاطمية في المغرب التي فتحت الديار المصرية في أواسط القرن الرابع للهجرة وبنت مدينة القاهرة على يد القائد جوهر. وقد اتسعت دولة الفاطميين وامتدت سلطتهم وطالت أيام حكمهم (وترى تفصيل أخبارهم في الجزء الأول من كتابنا تاريخ مصر الحديث).
(?) محمد بن عبد الله تومرت المعروف بالمهدي الهرعي، ويكنى أبا عبد الله، أصله من جبل السوس في أقصى بلاد الغرب، رحل إلى المشرق حتى انتهى إلى العراق، واجتمع بأبي حامد الغزالي وغيره فأخذ العلم عنهم واشتهر بالنسك والتقوى وساح في الحجاز، وجاء مصر ثم سار إلى الغرب وأقام بمراكش وغيرها. وتأسست على يده دولة عظيمة في أوائل القرن السادس للهجرة هي دولة عبد المؤمن (وترى تفصيل ذلك في الجزء الثاني من تاريخ ابن خلكان).
(?) العباس الفاطمي ظهر بالمغرب في آخر المئة السابعة للهجرة، وادَّعى المهدوية فتكاتف الناس حوله وعظمت شوكته حتى دخل مدينة فاس عنوة، وأحرق أسواقها وبعث العمال إلى الأنحاء، لكنه قتل غيلة فانقضى أجله وسقطت دعوته.
(?) السيد أحمد ظهر في أوائل القرن التاسع عشر للميلاد في جهات الهند وحارب الأسياخ على حدود بنجاب الشمالية الغربية سنة ???? ولم تقم له قائمة.
(?) محمد المهدي السنوسي بن الشيخ محمد السنوسي الذي ظهر في المغرب في أواسط القرن المذكور، وأصله من جبل سوس بجزائر الغرب نبغ (والده) سنة ???? ولاقى من بعض أولي الأمر الإسلامي ترحابا، نشر دعوته وأيدها، وكان مقامه الرئيسي في جغبوب على مقربة من واحة سيوا نحو الغرب، ولكنه أنشأ زوايا عديدة في أماكن أخرى من بلاد الغرب يبلغ عددها ثلاث مئة كلها تعلم طريقته وتعاليمه.أما زاوية جغبوب (أو جربوب) فإنها أعظمها كلها تجتمع إليها الطلبة من تونس ومصر والشام ومن بادية الغرب، وفيها كان يقيم الشيخ محمد السنوسي، وقد وفق هذا الشيخ إلى نشر تعاليمه ونفوذه توفيقا غريبا وانتشرت طريقته بين القبائل المغربية، وامتدت إلى سلطنة ودَّاي ودارفور، ونال هناك نفوذا عظيما حتى أصبحت تلك السلطنة في قبضة يده، فلما توفي سلطانها سنة ???? استخاروا السنوسي في من يخلفه، فاختار لهم سلطانا اسمه يوسف.فالسنوسي هذا توفي منذ بضعة عشرة سنة، ولكنه لمح قبل وفاته أن المهدي المنتظر سيظهر قريبا ولعله ابنه فاستوضحوه فلم يزدهم إلا كلمة «لا أعلم» على أنه أنبأهم بأن ظهوره سيكون في ختام القرن الثالث عشر للهجرة (????م) فالسنوسيون يعتبرون شيخهم المشار إليه مهديا، وقد سموه محمد المهدي، وهو رجل عاقل شديد البطش، ومن كراماته خيمة سحرية يحملها في جربه يزعمون أن الزاد لا يفرغ منها.
(?) محمد أحمد المهدي السوداني، وقد نحا في دعواه منحى الشيعة، فقال: إنه الإمام الثاني عشر الذي ظهر مرة قبل هذه وفي تسمية أتباعه بالدراويش تأييد لرغبته في قول الشيعة لأن لفظة درويش فارسية.
(?-?) سبب ظهور المهدي السوداني وقيامه

لو بحثنا عن قيام دعاة المهدية (المتقدم ذكرهم) لرأينا لكل منهم داعيا حمله على القيام، وأحوالا ساعدت في تأييد دعواه. فالأسباب التي دعت إلى قيام محمد أحمد وساعدت في وقوع دعوته موقع القبول لدى أهل السودان كثيرة نذكر أهمها وهي: (?) ذكرنا انتظار جمهور المسلمين للمهدي وأهل السودان في جملتهم، ولكن السودانيين كانوا ينتظرونه قريبا اعتمادا على قول الشيخ السنوسي كما تقدم.
(?) من المتداول بين شيوخ أهل السودان وفقهائهم أن المهدي سيظهر من بينهم استنادا إلى أقوال يروونها عن بعض الأئمة منها قول الإمام القرطبي في طبقاته الكبرى، ونصه: «وزير المهدي صاحب الخرطوم» وقول السيوطي وابن حجر: «إن من علامات ظهور المهدي خروج السودان» وغير ذلك.
(?) كان تحصيل الضرائب في السودان منوطا بجماعة الباشبوزق فكانوا يسومون السودانيين في تحصيلها أنواع الخسف والذل، وقد يقتضونها مرارا، وروى المستر فرنك بلور قنصل إنكلترا بالخرطوم إذ ذاك أن الضرائب كانت تضرب على أهل السودان بلا شفقة فيضربون ضريبة على كل فرد منهم وعلى الأولاد والنساء يقتضونها ثلاث مرات في السنة مرة لصاحب القضاء وأخرى للجابي وأخرى للحكمدار. وكان الزارع إذا زرع حنطة لا يؤذن له بزراعتها حتى يدفع ثلاثة جنيهات كل سنة، ويدفع سبعة أخرى في مقابل التصريح له بريِّها من ماء النيل. فإذا تردد في الدفع سيق إلى السجن، وإذا صح زرعه دفع ذلك المال مرتين: مرة للحكومة. ومرة لجيب الباشا. وإذا كان من أصحاب السفن التجارية التي تجري في النيل فرض عليه أربعة جنيهات عن كل سفينة فإذا لم يرفع العلم المصري على سفينته غرم بأربعة أخرى، ومن تأخر عن تأدية تلك الضرائب اقتضتها الحكومة منه بالكرباج، وقد يعاقب ذلك المسكين بإحراق منزله أو سلب أمتعته. والخلاصة أن السوداني لم يكن يباشر أمرا إلا أدى عليه ضريبة.
(?) من المقرر المشهور أن التجارة السودانية محصورة في أصناف معدودة، أهمها: تجارة الرقيق. والنخاسون أو تجار الرقيق أشبه بالملوك والقواد منهم بالتجار في حاشية كل منهم مئات أو ألوف من الرجال بين خدمة وعمال وعبيد يقومون لقيامه ويقعدون لقعوده. فالنخاسون عمد السودان وعيون أعيانه وقادة أعماله تهابهم الحكام وتخشى سطوتهم الحكومة. ومازالت تجارتهم رابحة وأعمالهم سائرة حتى قام أهل العالم المتمدن لإبطال تجارة العبيد فجاء السودان السير صموئيل بكر للقيام بتلك المهمة ثم أنيطت بغوردون باشا فأخذ بالكف عن الاسترقاق جملة. وهي صدمة قوية ارتجت لها أركان السودان؛ لأن منع النخاسة لم يقتصر على تقليل أرباح النخاسين، ولكنه عرضهم لاستبداد الجباة؛ لأنهم كانوا يؤدون الجانب الأكبر من الضرائب عبيدا أو ماشية فأصبحوا بعد إبطال النخاسة لا يقومون على تأديتها فاستبد بهم الجباة، وساموهم الذل والعسف حتى خيف عصيانهم. ولكن غوردون باشا لحسن سياسته ولين جانبه لم يحدث في أيامه اضطراب، فلما غادر السودان تولاه رجل لم يكن عالما بمحل الضعف ليتلافى خطره، فكأن غوردون أوقد نارا في بعض جهات البيت فجاء غيره لا يدري كيف يطفئ تلك النار فتعاظمت والتهمت المدينة برمتها. فلما قام المهدي يدعو الناس إلى رفع المظالم آنس من أولئك التجار إصغاء، وكانوا له عونا في إضرام تلك الثورة.
(?) محمد أحمد المتمهدي السوداني

هو من قبيلة الداناقلة، ولد في جزيرة اسمها (نبت) مقابل دنقلا (وقال آخرون في حنك) سنة ???? ويقال: إن نسبه ينتهي إلى الشيخ القرفي صاحب كتاب الفروق، اشتهرت عائلته باصطناع سفن سودانية يضرب المثل بدقة صنعها ومتانتها، وكان اسم والده (عبد الله) هاجر إلى شندي بأولاده كلهم، ومحمد أحمد لا يزال طفلا. فقضى محمد أحمد حداثته في صناعة السفن ولم يكن ميالا إليها على أنه كان يختلف في أثناء ذلك إلى المدرسة، فحفظ القرآن وهو في الثانية عشرة. ويقال: إنهم عهدوا بتربيته وتدريبه في إتقان صناعة السفن إلى عمه شريف الدين في جزيرة شبكة بالقرب من سنار، فاتفق أن عمه هذا ضربه مرة ففر إلى الخرطوم وانتظم في سلك طلبة طريقة الفقراء، وهي من الطرق الشهيرة في السودان بمدرسة خوجلي بالقرب من الخرطوم، وخوجلي هذا مقام شهير هناك يؤمه أهل الخرطوم وضواحيها يتبركون به فقضى في هذه المدرسة بضع سنين ثم انتقل إلى بربر فدخل مدرستها ثم انتقل منها إلى قرية أرداب وتناول العلم فيها على الشيخ نور الدايم، وعنه تناول سر طريقة الفقراء سنة ???? ويقول الإمام السيد الميرغني: إنه أخذها عن القرشي، هذا كان عنده فرس لا تلد، فقال: إن فرسي هذه ستلد ويركب نتاجها المهدي فأخذها محمد أحمد فولدت عنده.
وكان قوي الذاكرة فحفظ القرآن وشيئا من الحديث، وجاء جزيرة آبا جنوبي الخرطوم وأقام فيها، وكان حسن الأسلوب لين العريكة، فطنا حاد الذهن، فصيحا قوي الحجة، إذا خطب أثَّر في السامعين، فمال الناس إليه وأحبوه، فكان يذكر ويعظ ويصلي ويظهر التقوى والزهد والاعتزال عن العالم، والناس يتقاطرون إليه أفواجا، وأكثرهم من قبيلة البقارة المشهورين بالقوة والشدة فكانوا يلتفون حوله حلقات يذكرون وينشدون.
وقد قال سلاطين باشا في حداثة هذا المهدي ما يخالف هذا القول من ذلك قوله: إنه ولد في جزيرة أرقو قرب دنقلة وأنه سار إلى بربر وانتظم في حلقة محمد الخير ثم ذهب إلى الخرطوم وانتظم في حلقة الشيخ محمد الشريف من شيوخ الطريقة السمانية ثم انتقل إلى جزيرة آبا، واتفق أن بعض التلامذة احتفل بختان أولاده فاجتمع في الحفلة جماعة كبيرة غنوا ورقصوا فنهاهم محمد أحمد عن ذلك لأن الشريعة لا تجيزه، وأن شيخ الشريعة نفسه لا يقدر أن يجيزه. فبلغ الشيخ محمد الشريف ذلك فغضب واستحضر محمدا فجاء ذليلا والتمس العفو فلم يعف عنه، بل وبخه ومحا اسمه من سجل الطريقة. فخرج محمد أحمد مطرودا ثم عاد وقد ذر الرماد على رأسه، وجعل في عنقه الشعبة وهي عود ذو شعبتين توضع في العنق علامة التذلل والاستعطاف، فانتهره محمد الشريف وطرده وأهانه. فلم يعد محمد يستطيع الكظم فالتجأ إلى شيخ آخر من الطريقة المذكورة اسمه الشيخ القرشي، وكان بينه وبين الشيخ الشريف منافسة فخاف هذا عاقبة الأمر فاستقدم محمد أحمد واستدناه فأبى وكان الإباء رنة في آذان أهل السودان، وعظم محمد أحمد في عيني الناس وانتقل إلى جزيرة آبا. وبعد قليل مات الشيخ القرشي فبنى محمد على قبره قبة. وبالغوا في إكرامه نكاية بالشيخ الشريف وازداد الرجل شهرة بالتقوى والكرامة في معظم أنحاء السودان، وهو إلى ذلك الحين لم يدع المهدوية.
وكان استبداد جباة الأموال ضاربا أطنابه وحال السودان كما تقدم من القلاقل والاضطراب فكان محمد أحمد إذا ذكر الضيق الذي أصابهم من ظلم الجباة نسب ذلك إلى خطية بني الإنسان وأن العالم قد فسد والناس قد ضلوا عن سواء السبيل فنالهم ما نالهم من غضب الله، وأن الله سيبعث رجلا يصلح ما فسد ويملأ الأرض قسطا وعدلا هو المهدي المنتظر. وقد كان ذلك حديث الناس في سائر أنحاء السودان فحينما اجتمعوا تحدثوا في ما يقاسونه من الضنك وما ينتظرونه من التمرج على يد ذلك المنتظر حتى أصبح لفظ «المهدي» يدوي في سائر مجتمعاتهم ومنازلهم في الأكواخ، والأسواق، والمساجد، والزوايا على الطرق وفي العطمور وحيثما وجد اثنان أو ثلاثة فلا حديث لهم إلا الفرج المنتظر على يد المهدي.
فلما رأى محمد أحمد ذلك وآنس من الناس ارتياحا إلى أقواله وإصغاء إلى مواعظه خطر له أن يكون هو صاحب ذلك الأمر على أنه لم ينطق به حتى سألوه: أَلَعَلَّكَ المهدي المنتظر فقال: «أجل، أنا هو» فأخذ يبث تعاليمه والناس يقدمون إليه ويسلمون له، فانتشر خبره رويدا رويدا من جزيرة آبا على ضفاف النيل حتى وصل الخرطوم وما والاها فآمن بدعوته قبائل البقارة ورئيسها علي ولد حلو ولم يكن إيمان البقارة به لمجرد اعتقادهم بمهديته، ولكن أكثرهم من النخاسين الذين نقموا على الحكومة لمنع الرقيق. ومكن هو علاقته معهم بعد ذلك بالتزوج ببنات كثيرين من كبارهم.
وكان في جملة الذين يجتمعون عليه عبد الله التعايشي من قبيلة التعايشة، وكان يشتغل بالتنجيم وكتابة الأحجبة، وله شأن كبير في قبيلته، فقال له محمد أحمد: أنت وزير المهدي. فقال عبد الله: إني في انتظار مجيئه، فإذا كنت إياه اظهر وأنا ناصرك. فقال: نعم أنا هو، فآمن به فاستوزره فكان هو وقبيلته أنصارا له، واتفق ظهور نجم ذي ذنب سنة ظهوره، فاعتقد أهل السودان أن ذلك النجم إنما هو راية المهدي تحملها الملائكة.
ووصل خبر هذه الدعوة إلى الخرطوم سنة ???? وحكمدارها رءوف باشا فأنفذ إليه رجلا من خاصته اسمه أبو السعود ليستقدمه إلى الخرطوم، فسار في أربعة من العلماء على باخرة حتى أتوا جزيرة آبا فلما نزلوا على الشاطئ نادوا بأعلى أصواتهم أين المهدي؟ فجاء محمد أحمد ويداه مخبأتان في ثوبه وجلس على عنقريب (مقعد سوداني) بجانب أبي السعود، فقال له أبو السعود: «ما هذا الذي قمت به؟» فأجابه محمد أحمد بلطف ودعة: «أنا هو المهدي» فقال أبو السعود: «ولكن يجب أن تذهب» فنهض محمد مغضبا ويده على قبضة حسامه، وصاح به: «لا لا أذهب» فخاف أبو السعود وترك الرجل للحال وأخذ علماءه، وعاد بباخرته إلى الخرطوم فوصلها ليلا فأيقظ رءوف باشا من فراشه، وأنبأه بما كان، وقال له: أعطني خمسين رجلا وأنا آتيك بهذا المنافق، فأذن له فسار بهم حتى أتوا الجزيرة فنزلوا إليها، وبقي أبو السعود في الباخرة. وهم يفكرون في كيفية الهجوم على المتمهدي، هجم رجاله عليهم بغتة، وقتلوهم عن آخرهم فاشتد أزر المهدي وتمكن اعتقاد اتباعه بدعوته.
على أنه أدرك خطر مقامه بالقرب من مركز الحكومة فرأى أن يوغل في السودان ريثما تتكاثر أحزابه فولى مكانه رجلا اسمه أحمد المكاشف وغادر آبا قاصدا جبل كردوفان وسمى انتقاله هذا «الهجرة».
وكان في كاوا على النيل الأبيض على مسافة خمسين ميلا من آبا شمالا قوة عسكرية مصرية مؤلفة من ???? رجل تحت قيادة محمد سعيد باشا فاقتصت آثار محمد أحمد فأوغل هو في جنوبي كردوفان فتعقبته شهرا حتى هلكت ولم تدرك منه وطرا. ثم انتقل محمد أحمد إلى جبل قدير فحارب رشيد بك حكمدار فشودة وتغلب عليه في ? دسمبر سنة ???? وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى الاعتقاد بدعوته والأخذ بناصره.
فلما علم رءوف باشا بفشل سعيد باشا ورشيد بك هاله أمر المتمهدي وأخذ يجمع الجند من دنقلة وبربر ودار الشايقية والثورة آخذة في الانتشار، فانضم إلى المهدي عرب الشلك وأصبحت قبائل الكبابيش في شمالي كردوفان، والرفاعة في سنار، والبشاريين بين سواكن وبربر، تتردد بين الطاعة والعصيان.
وفي مارس سنة ???? أُقيل رءوف باشا فقام مقامه جيكلر باشا فأنفذ يوسف باشا الشلالي لمحاربة المتمهدي، فجنحت به السفينة عند كلوا فتركه رجاله وفروا، فلما علم المكاشف بذلك تشدد وخرج برجاله على سنار ومديرها حسين بك شكري فدخلها، وقتل بعض حاميتها وتجارها فحاصر المدير ورجاله في المديرية، فبلغ ذلك جيكلر باشا فأنفذ لإنقاذهم صالح بك في خمس مئة جندي فجاءوا المدينة ودخلوها ورفعوا الحصار عن المديرية فتقهقر الدراويش إلى كركوج وراء سنار فخرجت عليهم الجنود المصرية من أبي حراز ومعهم ??? مقاتل من عرب الشكرية بقيادة أميرهم عوض الكريم باشا أبي سن فلقيهم العصاة في المسلمية وأرجعوهم على أعقابهم بعد أن قتلوا منهم جمعا كبيرا. فخرج جيكلر باشا على العصاة بنفسه فغلبهم في أبي حراز وفي موقعة بالقرب من سنار ثم عاد إلى الخرطوم. وكان قد وصلها عبد القادر باشا حكمدار بدلا من رءوف باشا (في ??مايو سنة ????).
وكان الشلالي باشا قد أعد حملة في كاوا للخروج على المهدي في جبل قدير فسار بحرا في ستة آلاف مقاتل حتى أتى فشودة وجبل قدير ثم استأنف المسير في السهول والجبال حتى دنا من العدو في ? يونيو، وكانوا فئة ضعيفة جائعة ولكن الشلالي استخف بمهمته ولم يحسن التحصين فهاجموه بغتة وكسروه شر كسرة وأخذوا كل ما كان معه من المؤن والذخيرة ولم يبقوا إلا على القليل من رجاله، وكان ذلك النصر أعظم ما ناله المتمهدي إلى ذلك الحين فاتخذ السودانيون نصرة هذا مع قلة رجاله دليلا على صدق دعوته وكان قد طاف كردوفان قبل أن صرح بدعوته واشتهر بين أهلها بالتقوى والكرامة والغيرة على الدين فجاء نصره هذا مصداقا لما في أذهانهم، فتقاطروا إليه بالمال والرجال من أقاصي كردوفان، وعظم أمره في عين الحكومة فأخذ عبد القادر باشا في تحصين الخرطوم، وفرض لمن يقتل الدراويش جنيهين عن كل درويش و?? جنيها عن كل أمير وبعث إلى الدراويش أن يثوبوا إلى الطاعة، ووعدهم خيرا وأخذ من الجهة الثانية يجمع الجند فاستقدم فرقا من حاميات القلابات وسنهيت وجيرا وجند غيرهم فاجتمع لديه ?? ألف مقاتل، وأمد حامية الأبيض بألف.
وفي أثناء ذلك هجم المكاشف على شات وافتتحها، وقتل حاميتها وحاول فتح الدويم فلم يستطع. وكان المهدي لايزال في جبل قدير لا يبدي حراكا، أما قواده فكانوا يسيرون برجالهم يفتحون البلاد في جهات كردوفان فحاربوا الحامية المصرية في أماكن مختلفة وهددوا بارا وكشحيل والبركة وغيرها. ثم سار المهدي برجاله إلى الأبيض عاصمة كردوفان، وفيها محمد سعيد باشا فلما علم بقدوم العصاة جمع جنده من الجهات وحصن المدينة. وفي أوائل سبتمبر سنة ???? أصبح المتمهدي برجاله على مقربة من الأبيض فكتب إلى محمد سعيد باشا يدعوه إلى التسليم فجمع الباشا رجال مجلسه وشاورهم في الأمر فأقروا على شنق الرسل، وأن لا يبعثوا جوابا، ولكن أهل الأبيض كانوا على دعوة المهدي سرا، وهم الذين دعوه إلى فتحها وفي مقدمتهم إلياس باشا أعظم تجار كردوفان وحاكمها السابق فانضموا إلى العصاة في تلك الليلة هم وبعض الحامية وبقي محمد سعيد باشا في نحو عشرة آلاف من الجند الباشبوزوق، وأما جيش المتمهدي فكان جرارا فيه ???? تحمل البنادق التي غنموها من الجنود المصرية بالمواقع الماضية. وأما سائر قواته فتبلغ ستين ألفا، ويقول سلاتين باشا في كتابه (النار والسيف في السودان): إن حملة البنادق لم تأت معه الأبيض بل بقيت في قدير.
وفي ? سبتمبر هجم العصاة على الأبيض فارتدوا خاسرين، وقد غنم الجند المصري ?? راية من جملتها راية المتمهدي نفسه واسمها «راية عزرائيل» وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف، وفي جملتهم محمد أخو المهدي، ويوسف أخو عبد الله التعايشي، ولم يقتل من الحامية إلا ??? فعظم ذلك على المتمهدي وأدرك خطر الهجوم على الأسوار الحصينة وعول من ذلك الحين أن لا يهاجم سورًا، وإنما يفتح البلاد بالتضييق عليها بالحصار حتى يضنيها الجوع وتعمد إلى التسليم. ثم جاء العصاة مدد فاشتد أزرهم فشددوا الحصار على الأبيض وعلى بارا، وكان في بارا نور عنقرة أحد أمراء العرب وكان مواليا للحكومة، ولكنه رأى مقامه حرجا وتحقق الفشل فكتب إلى المهدي سرا أنه إذا أرسل إليه أميرا من أكابر أمرائه سلم له، فأرسل إليه ولد النجومي فخرج نور عنقرة مع محمد الخير وكان يلقب سر سواري؛ أي قائد الخيالة وسلما لولد النجومي فقبلهما وانقضت سنة ???? والحصار شديد على الأبيض وبارا والعصاة يتكاثرون في سنار وغيرها.
وكان المهدي قد أرسل فرقا من رجاله لنشر دعوته في دارفور وبحر الغزال فانتشرت الثورة هناك، ولكنهم لم يغتنموا سنة ???? إلا بعضا من بلادها. وفي أوائل سنة ???? فتحوا دارا في ? يناير واضطرت الأبيض إلى التسليم من الجوع في ?? منه فدخلت كردوفان في حوزة الدراويش، وغنموا منها شيئا كثيرا من المؤن والذخائر والأسلحة والأموال، وصار المتمهدي من ذلك الحين حاكما على كردوفان، وقبض على سعيد باشا ورجاله، وبعد أسرهم مدة اكتشف على تقرير بعثوا به سرا إلى الخرطوم وأمر بقتلهم. شكل ??-?: طبيب المهدي.
وكان عبد القادر باشا قد سار بنفسه وجنده لقمع العصاة في جهات سنار، فوشى به بعضهم في مصر، فاستقدمته الحكومة إليها على حين غفلة وعينت مكانه علاء الدين باشا وكان قبلا في مصوَّع، وعهدت بقيادة الجند الذي كان في سنار إلى حسين باشا، وأرسلت حملة جديدة لاسترجاع كردوفان، وعهدت بقيادتها إلى ضابط إنكليزي اسمه الكولونيل هيكس ثم سمي هيكس باشا.
وكان المهدي لما فتح الأبيض ودانت له كردوفان وآمن به معظم أهل السودان أخذ ينظم حكومته على غير نظام الحكومة. وأهم أقسام الإدارة على أبسط وجوهها ثلاثة: الجند والمال والقضاء، فجعل على الجنل خليفته عبد الله التعايشي قائدا عاما لجماعة الدراويش يدير حركاتهم. وإنشاء إدارة سماها بيت المال وفيه تحفظ الأموال كالعشور، والغنائم، والفطرة، والزكاة، والغرامات التي يضربونها على شارب المسكر أو السارق. وعهد بإدارة بيت المال إلى صديق له اسمه أحمد ولد سليمان. أما القضاء فأقام عليه رجلا اسمه أحمد ولد علي كان قاضيا في دارفور وسماه قاضي الإسلام. وكان محمد أحمد منذ أوائل ظهوره قد عين خلفاءه وجعلهم أربعة، مثل: الخلفاء الراشدين، يتولون الأمر بعده الواحد بعد الآخر، أولهم عبد الله التعايشي. والثاني علي ولد الحلو. والثالث محمد الشريف. والرابع محمد السنوسي، ولكن هذا رفض الخلافة.
وعلم المتمهدي أن الحكومة المصرية ستحمل عليه بكل قوتها لاستخراج كردوفان من يديه فأخذ يحث الناس على الجهاد ويحقر الدنيا في أعينهم ويحبب الآخرة إليهم وهم يفدون إليه زرافات وقبائل يتبركون به، وقد آمنوا بدعوته بعد أن ذاقوا الراحة والاستقلال على يده فتخلصوا من الضرائب ونجوا من الباشبزوق واستبدادهم، فاعتقدوا أنه المهدي المنتظر الذي جاء «ليملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» ومما ساعدهم على هذا الاعتقاد تظاهر هذا الرجل بالتقوى والزهد، فلم يكن يلبس غير السراويل والجبة فوقها منطقة من خوص يقضي نهاره في الصلاة ونشر المنشورات يحث بها الناس على ترك الدنيا والتمسك بالآخرة، ويضع لهم القوانين والأحكام، ومن أمثلة ذلك منشور نشره من الأبيض سنة ????هـ وقعت لنا نسخة منه ننشرها مثالا لتعاليمه، وهاك نصها بالحرف الواحد على علاتها اللغوية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الوالي الكريم، والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم.
وبعد فمن عبد ربه محمد المهدي بن السيد عبد الله إعلاما منه إلى كافة المشايخ في الدين والأمراء والنواب والمقاديم أتباع المذكورين. يا عباد الله اسمعوا ما أقول لكم وكونوا على بصيرة، واحمدوا ربكم واشكروه على النعمة التي خصكم بها، وهو ظهورنا فهو شرف لكم على سائر الأمم، ولكن المطلوب منكم يا أحبابنا المهاجَرة في سبيل الله والمجاهَدة في سبيل الله، والزهد في الدنيا، وكل ما فيها فإلى البوار، ولو كانت لها بال لكان ربكم يحليها، وانظروا في أهلها الذين كانت في كل ما يطلبوه وصارت لهم بعد ما كانت عسلا حنظلا وسُمًّا وصاروا في غاية العذاب والهلاك بعده وشدة التعب والمشقة، ولو كان فيها خير لما صاروا هكذا، وبعد ذلك فلهم العذاب الشديد فإن عجبكم هذا فافعلوا، وإلا فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وجاهدوا في سبيل الله فلَهَزَّةُ سيفٍ مسلم في سبيل الله أفضل من عبادة سبعين سنة. وعلى النساء الجهاد في سبيل الله فمن صارت قاعدة وانقطع منها أرب الرجال فلتجاهد بيديها ورجليها، والشبابة فليجاهدن نفوسهن ويسكن بيوتهن، ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، ولا يخرجن إلا لحاجة شرعية، ولا يتكلمن كلاما جهرا، ولا يسمعن الرجال أصواتهن إلا من وراء حجاب، ويقمن الصلاة ويطعن أزواجهن ويستترن بثيابهن، فمن قعدت كاشفة فاتحة رأسها ولو لحظة عين فتؤدب وتضرب سبعة وعشرين سوطا، ومن تكلمت بفاحشة فعليها ثمانون سوطا، ومن قال لأخيه: يا كلب أو يا خنزير أو يا يهودي أو يا … أو يا … فيضرب ثمانين سوطا ويحبس سبعة أيام، ومن قال: يا فاجر أو يا سارق أو يا زاني أو يا خائن أو يا ملعون فعليه ثمانون سوطا، أو يا كافر أو يا نصراني أو يا لوطي فعليه ثمانون سوطا ويحبس سبعة أيام. ومن تكلم مع أجنبية وليس بعاقد عليها ولا لأمر شرعي يُجَوِّزُ ذلك الكلام فيضرب سبعة وعشرين سوطا، ومن حلف بطلاق أو حرام يؤدب سبعة وعشرين سوطا، ومن شرب الدخان يؤدب بثمانين ويحرق التمباك إن كان عنده، وكذلك من خزنها في فمه ومن عملها بأنفه ومن أبقاها في فيه يؤدب مثل ذلك، ومن باعها واشتراها ولم يستعملها يؤدب سبعة وعشرين سوطا، ومن شرب الخمرة ولو مصة إبرة فيؤدب ثمانين صوتا ويحبس سبعة أيام وجاره إن لم يقدر عليه يكلم أمير البلد، وإن لم يكلمه فيضرب ثمانين صوتا ويحبس سبعة أيام، ومن ساعد شارب الخمر بشربة ماء أو إناء فيؤدب كذلك ويحبس ويجاهد نفسه في طاعة الله حقيقة أشد من الجهاد بالأرماح؛ لأن النفس أشد من الكافر مقاتلة، فالكافر تقاتله وتقتله وتكون لك الراحة منه، وهي عدوة في صورة حبيب فقتلها صعب ومسلكها تعب. ومن ترك الصلاة عمدا فهو عاصي الله ورسوله، قيل: كافر، وقيل: يقتل، وجاره إن لم يقدر عليه يكلم أمير البلد، فإن لم يكلمه فيضرب ثمانين سوطا، ويحبس سبعة أيام، وقيل: أموالهم غنيمة. وبنت خمس إن لم يسترها أهلها فيضربون من غير حبس، ومن علم بأمة معها زوج بغير عقد وصبر يوما، قيل: يقتل، وقيل: يحبس وماله غنيمة. واعلموا أيها الأحباب أن خلافتكم وإمارتكم ونيابتكم عنا في الأحكام والقضايا لأجل أن تشفقوا على الخلق، وتزهدوهم في الدنيا ليتركوها، وترغبوهم في الآخرة ليرغبوها ويطلبوها، وتعلموهم عداوة نفوسهم ليحذروا منها وتنصفوا من أنفسكم إذا ادعوا عليكم فيها، فما أشكل فأمروهم فيه بالصبر لغاية طلب الأمراء وجمعهم عندنا، ويصير تخيره بحسب الحكم فيه من الله ورسوله، واعلموا يقينا أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وكونوا عباد الله مع الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. واعلموا أيها الأحباب أن القضايا التي كانت من اثني عشر رجب الماضي عام ???? بقمة ماسة قد صار رفعها مطلقا ما عدا الأمانة والدين ومال اليتيم، وأما التي بعد الاثني عشر رجب الماضي وقبل الفتوح تسمع فيه الدعاوى، وأما قتل النفس ففيه تفصيل في كونه محير ولي المقتول في أخذ الدية أو القصاص، وأما بعد الفتوح بالنسبة إلى العهد فيتعين فيه القصاص لا غير فاعملوا بذلك طبق المنشور وكذلك مال الخلع أخذه عموما من الأزواج بعد الدخول بهن والاستمتاع بهن فلا يصح أخذه منهن، فاحكموا فيه بالحكم الذي فصله الله تعالى في القرآن العظيم واعلموا يا أحبابي ولا تخالفوا وامتثلوا الأمر وكونوا سامعين طائعين لأمري ولا تعيروا ولا تكفروا النعمة التي مَنَّ الإله عليكم بها فقيِّدوها بالشكر. وتزوج الغنية بعشرة ريال مجيدي أو أنقص، والعزبة بخمسة ريال مجيدي أو أنقص، ومن خالف هذا فعليه الأدب بالضرب والحبس في السجن حتى يتوب أو يموت في سجنه، ومقطوع من أهل زمرتنا، ونحن بريئون منه وهو بريء منا والسلام.
(الختم) وكان مع ذلك لا يغفل طرفة عين عن بث العيون والأرصاد لاستطلاع حركات الحكومة ومعرفة أغراضها، فكان يعرف كل ذلك في حينه معرفة تامة فلا تحدث حادثة أو تنوي الحكومة نية أو تخطو الجنود المصرية خطوة إلا ويعلم بها هو، وأرسل في أثناء ذلك قواده تبث دعوته في أنحاء السودان، فبعث عثمان دقنة إلى السودان الشرقي يتولى قيادة العصاة هناك، وأرفقه بالمنشورات إلى قبائل السودان الشرقي لتكون عضدا له، وكان عثمان دقنة هذا من تجار الرقيق في سواكن، وكان ناقما على الحكومة. شكل ??-?: هيكس باشا.
(?-?) حملة هيكس باشا

هذه هي الحملة التي زادت الويلات على مصر، وكان من أمر فشلها وهلاكها ما هو أشهر من نار على علم فيجدر بنا بسط واقعتها وسبب هلاكها، وكيفيته لأن الناس ما زالوا حتى الآن يعجبون لهلاك تلك الحملة وذهابها أدراج الرياح وعدد رجالها أحد عشر ألفا أو تزيد معظمهم من الجنود المنظمة.
جاء هيكس باشا في بادئ الرأي إلى الخرطوم، والحكومة لم تصمم على فتح الأبيض، فأقام هناك مدة فبلغه أن بضعة آلاف من العصاة البقارة بقيادة الأمير أحمد المكاشف وكيل المهدي هناك فخرج إليهم هيكس وحاربهم عند مرابية بالقرب من جزيرة آبا، فقتل المكاشف وعدد من قواده ورجاله، وفر الباقون وكان لتلك الواقعة تأثير حسن في إرجاع ثقة أهالي سنار والخرطوم إلى الحكومة وقوة جنودها.
فصممت الحكومة على إرسال حملة تفتح الأبيض فكتب هيكس باشا إلى الحكومة بالقاهرة أنه لا يتحمل تبعة هذه الحملة إلا إذا كانت القيادة إليه وحده فسلمت له بذلك، ولكنها أرسلت معه علاء الدين باشا حكمدار الخرطوم فطلب هيكس مددا من الرجال والمال وسار علاء الدين باشا إلى شرقي النيل الأزرق فاستحضر أربعة آلاف جمل، وفي أواخر أوغسطس تمت كل معدات الحملة من أم درمان.
وفي ? سبتمبر استعرض هيكس باشا جنوده، وفي ? منه خرجت الحملة من أم درمان قاصدة الدويم وبينهما مئة وعشرة أميال، وكانت تلك الحملة مؤلفة من أربع أرط من الجنود المصرية معظمهم من الذين حاربوا في سبيل الثورة العرابية، وخمس أرط سودانية، وأرطة من الطبجية والخيالة، وكانت الجنود المصرية تحت قيادة سليم بك عوني، والسيد بك عبد القادر، وإبراهيم باشا حيدر، ورجب بك صديق. والباشبوزق بقيادة خير الدين بك، وعبد العزيز بك، ووالي بك، وملحم بك، ويحيى بك. والطوبجية والسواري بقيادة عباس بك وهبي، وبلغ عدد جنود الحملة أحد عشر ألفا؛ منهم سبعة آلاف من المشاة المصريين، والباقون من الباشبوزوق والخيالة وتوابع الحملة من الجمالة وغيرهم، وفيها ???? جمل، و??? فرس، وأربعة مدافع كروب، وعشرة مدافع جبلية، وستة من نوع النوردنفلت، وكان فيها من الضباط الإفرنج الكولونيل فركوهار رئيس أركان حرب، والبكباشية سكندروف ووورتر، وماسي، وإيفانس، وغيرهم، ومكاتيو التمس والدالي نيوز، والغرافيك.
وفي ?? سبتمبر وصلت الحملة إلى الدويم، وهناك اجتمعت بعلاء الدين باشا، أما هيكس فكان لا يزال في الخرطوم وقد أرسل تلغرافا إلى القاهرة أنبأ الحكومة بخروج الحملة من الخرطوم، وبين الصعوبة التي ينتظر ملاقاتها في طريقه نظرا لحرارة الإقليم وقلة المياه، وكان في عزمه أن يجعل مسير الحملة من الدويم إلى الأبيض عن طريق باره، وطول هذه الطريق ??? ميلا يقيم في أثنائها محطات فيها قوات عسكرية لحفظ خط الرجوع (خط الاتصال) إلى الدويم فيفتح أولا بارة يقيم فيها مدة ثم يخرج على الأبيض.
فلما جاء الدويم وانضم إلى الحملة تفاوض هو وعلاء الدين باشا في الأمر، فقال علاء الدين: إنه أرسل أناسا جسُّوا الأرض، فقالوا: إن طريق باره قليلة المياه وإن أحسن طريق للأبيض بمثل هذا الجند الكبير طريق خور أبو جبل والرهد إلى الجنوب فإن الماء كثير فيها نعم، إن طولها ??? ميلا ولكن مئة منها سهلة يسير بها الجند بكل راحة والماء كثير إلا أن المسافة بين الدويم ونورابي — وطولها ?? ميلا — قليلة المياه فأقنعه علاء الدين باشا أن الماء في تلك المسافة يسهل الحصول عليه، وبناء على ذلك قرَّرا أن تسير الحملة عن طريق خور أبو جبل فوصلوا في ?? سبتمبر إلى شات واستولوا على آبارها، وأنشأوا نقطة عسكرية. وبدأ الجند منذ خروجهم من الدويم يقدرون العواقب الوخيمة وينتظرون البلاء العظيم. وكان سيرهم على شكل مربع يتأهب للقاء العدو في مقدمته الدليلان فالطلائع فالضباط العظام وأركان الحرب ثم المربع وهو مؤلف من المشاة المصريين وفي ساقته الخيالة، والجمال، والأحمال، والأثقال، وفي وسط المربع الطوبجية، وقد شبه سلاتين باشا ذلك المربع بغابة من الرءوس والأعناق إذا أطلق العدو عليها رصاصة يستحيل أن تخطئها كلها.
وزد على ذلك أن الجمال لم تكن تستطيع المرعى بالنظر إلى انحصارها في المربع فجاعت، وأكلت قش أرحالها، وخارت قواها حتى مات كثير منها. وفي ?? سبتمبر وصلت الحملة إلى قرية تبعد ?? ميلا عن الدويم اسمها زريقة.
كل ذلك والحرارة تشتد، واللغط يتعاظم بين الجند، وكلهم خائف من سوء العاقبة ثم حدث نفور بين هيكس وعلاء الدين سببه اختلافهما في الرأي بشأن خطة المسير، فرأى علاء الدين أن النقط العسكرية في خط الاتصال لا حاجة إليها؛ لأنها تقلل عدد الجند فخالفه هيكس في ذلك لأن قطع ذلك الخط يقطع كل أمل برجوع أحد من رجال الحملة حيًّا إذا قدر انكسارها في ساحة الحرب على أنهم لم ينشئوا نقطة عسكرية بعد شات.
أما محمد أحمد فحالما علم بمسير حملة هيكس جمع رجاله ودعاهم إلى الجهاد في سبيل الله، وخرج بنفسه وعسكر بقرب شجرة كبيرة بضواحي الأبيض ينتظر وصول الحملة، فاقتدى به خلفاؤه وأمراؤه فخرج كل منهم برجاله وعسكروا هناك، وبنوا الأكواخ والنكول (نوع من العشش).
أما الحملة فما زالت سائرة تسحف سحفا كأنها مثقلة بالقدر المحتوم حتى وصلت عقيلة (إيجلا) في ?? أكتوبر. وفي ?? منه وصلت بحيرة شركلا فتناولت شيئا من مائها وهي لم تزدد إلا يأسا وخوفا. وكانت الحكومة المصرية قد أنبأت هيكس باشا قبل خروجه من الدويم أن ستة آلاف من أهل جبل تاج الله، وبعض الجبانية سينضمون إليه فكان ينتظر وصولهم بفارغ صبر، فذهب انتظاره عبثا. وقبل أن تصل الحملة بحيرة الرهد بقليل فرَّ منها رجل ألماني اسمه كلوتس من صف الضابطان والتجأ إلى العصاة، ولكنه لم يكن يعرف الطريق فلقيه بعض الدراويش فأرادوا قتله فأشار إليهم أنه جاء بمهمة فأرسلوه إلى الأبيض فوقف بين يدي المهدي وأخبره عن الضيق المحدق بالحملة وما هي فيه من اليأس فكانت خيانته هذه مساعدا كبيرا على هلاك حملة هيكس فَسُرَّ المهدي سرورا لا مزيد عليه، وأسلم كلوتس هذا وسمي مصطفى. وبعث المهدي إلى هيكس ورجاله ينصح لهم أن يسلموا إليه ويؤمنوا بمهدويته فلم ينل منهم جوابا فضلا عن احتقارهم كتبه واستخدام أوراقها في سبل هاجت غضب المتمهدي. شكل ??-?: الأفيال في صحاري السودان.
ووصلت الحملة إلى الرهد في ?? أكتوبر، فأقامت هناك ? أيام شاهدت في أثنائها طلائع الدراويش وشرذمات منهم يهاجمونها. وفي ?? أكتوبر سارت ولم تكد تترك معسكرها حتى احتلته، فعلم علاء الدين خطأه في إهمال خط الاتصال وقد أصبحوا محاطين بالعدو من كل الجهات. وكان في عزمهم المسير إلى الأبيض عن طريق البركة، ولكن الجواسيس أخبروا هيكس أن العصاة نزلوا البركة ومعهم خلفاء المهدي وأمراؤه بعدتهم ورجالهم فتشاور علاء الدين وهيكس في هل يرجعون إلى الرهد أو يسيرون إلى كشجيل ومنها إلى ملييس فالأبيض لا من خور أبو جبل يتشعب عند الرهد إلى شعبتين: تسير إحداهما إلى البركة، والأخرى إلى كشجيل، فأقر الرأي على المسير إلى كشجيل فساروا في ? نوفمبر عشرة أميال بين الغابات والأحراج وقد أخطأوا الطريق ثم وقفوا وأنشأوا زريبة باتوا فيها إلى الصباح فاستأنفوا المسير حتى صاروا على مسافة ميلين من شيكان بين كشجيل والبركة، وقد أجهدهم العطش فهجم عليهم شرذمة من العصاة فتبادلوا إطلاق الرصاص وقبضوا على بعض منهم فعلموا أن الدراويش هناك بكثرة عظيمة فجمع هيكس باشا كبار رجاله وعقدوا مجلسا تشاوروا فيه فلم يقروا على أمر، وكثر اللغط بين الجند وتسلط الرعب على قلوبهم وأيقنوا بالهلاك. وفي الصباح التالي عول هيكس على المسير تحت رحمة الله فجعل جيشه ثلاث مربعات وسار في طريق وعر كثير الأشجار والصخور فحصل بينه وبين الدراويش موقعة قتل فيها كثير من رجاله. ثم سار أيضا فلم يمض ميلا حتى هاجموه ثانية في شيكان. وقد رأينا في منشور أرسله المتمهدي إلى عثمان دقنة يخبره بتلك الواقعة ويسمي مكان وقوعها علوية، وكانت تلك الهجمة القاضية لم تبق على تلك الحملة ولم تذر؛ لأن الدراويش هاجموها من كل جانب حتى صار الجنود المصريون يطلقون الرصاص بعضهم على بعض وهم لا يعلمون فقتل هيكس وكل قواده وجنده ولم ينج منهم إلا نحو ثلاث مئة رجل أكثرهم من الضعفاء الذين اختبأوا بين الشجر أو تحت جثث القتلى وفي جملتهم رجل اسمه محمد نور البارودي كان في خدمة هيكس باشا، وهو الذي روى أكثر ما تقدم من مهلك هذه الحملة.
فرجع المهدي وخلفاؤه وقواده إلى البركة، وقد سُكِروا من خمرة النصر، وتركوا بعض الأمراء يجمعون الأسلاب والغنائم إلى بيت المال، وبعد ?? يوما عاد المهدي إلى الأبيض بالمدافع والذخيرة والأموال التي اكتسبوها من حملة هيكس، وكان دخوله الأبيض باحتفال شائق. ولا ريب أن تغلُّبِه في موقعة شيكان جعل حكومة السودان تحت إخمصه لأن كثيرا من القبائل كانوا يترددون في أمره، وينتظرون حربه مع هيكس باشا فلما علموا بما كان انضموا إليه وصاروا من أعوانه. شكل ??-?: سلاتين باشا.
وكان سلاتين بك (سلاتين باشا الآن) إلى ذلك الحين حكمدارا على دارفور، وقد قاسى مشقات جسيمة في مناوأة العصاة وتمردهم وكان يرجو الفرج على يد حملة هيكس، فلما علم بفشلها لم ير بُدًّا من التسليم فبعث إلى المهدي بذلك وأن ينفذ إليه بعض أقاربه ليسلم البلاد له، فبعث إليه الأمير محمد خالد، ويكنى (زقل) أميرا على دارفور، وأوصاه بسلاتين خيرا فوصلت الدراويش دارا ونهبوها، وأرسلوا بعضا من حِسانها هدية للمهدي، وجاء سلاتين مخفورا إلى الأبيض وبايع المهدي، وأظهر الإسلام والإيمان بالدعوة، وسمي عبد القادر. وهاك نص إيمان البيعة كما رواه سلاتين باشا: بسم الله الرحمن الرحيم بايعنا الله ورسوله على توحيد الله ولا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نأتي ببهتان، ولا نعصاك في معروف، بايعناك على ترك الدنيا والآخرة، ولا نفرَّ من الجهاد.
ويظهر أن فيه تحريفا عن الأصل إذ لا يعقل أن يبايعوه على ترك الدنيا والآخرة معا، وهم إنما يرغبون في دعوته طمعا في الآخرة فكيف يبايعونه على تركها. والظاهر أن الأصل «ترك الدنيا والتماس الآخرة» وأقام سلاتين من ذلك الحين ملازما لعبد الله التعايشي يقف عند بابه في جملة الملازمين.
(?) السودان الشرقي

وفيما كان هيكس يتجشم الأخطار في قطع الصحاري والقفار ينتظر القدر المقدور، وكان عثمان دقنة ينشر دعوة محمد أحمد في السودان الشرقي، وقد اجتمع حوله أحزاب كبيرة. وقد حدثنا صديق فاضل رافق تلك الحوادث في السودان الشرقي، وعرف خفاياها قال: إن توفيق بك محافظ سواكن إذ ذاك تصرف مع العربان الذين يتولون خفارة الطريق بين سواكن وكسلا تصرفا أوجب نفورهم؛ وذلك أنه ولى عليهم شيخا اسمه محمد الأمين ليكون مسئولا عنهم لدى الحكومة على جاري العادة، وكانوا يكرهون هذا الرجل فالتمسوا من المحافظ أن يبدله بسواه فأبى إلا توليته، فغضبوا جميعا ونفروا من الحكومة وهم كثار، واتفق مجيء عثمان دقنة بمنشور المهدي فانضموا إليه جميعا فاشتد أزره بهم ثم انضم إليه غيرهم فسار لمناواة الحكومة في سواكن وضواحيها فهاجموا سنكات في ? أوغسطس سنة ???? ولكنهم عادوا خاسرين، فساروا إلى طوكر وحاصروها، فأرسلت الحكومة محمود طاما باشا قائد حامية السودان الشرقي لإنقاذها فباغته الدراويش بكل وسيلة وحصلت مواقع كثيرة في تمانيب وترنكتات وغيرهما فلم تعد منهم بطائل. وما زالت سنكات وطوكر محاصرتين تطلبان المدد فأعدت الحكومة في أوائل سنة ???? حملة تحت قيادة باكر باشا، سارت إلى سواكن لفتح الطريق بين سواكن وبربر، وطرد العصاة من البلاد الواقعة بينهما، فسارت ومعها نجدة من مصوَّع وكسلا فلاقاها العصاة في التب بغتة في ? فبراير فحاربوها، ففشلت وعادت بخفي حنين. كل ذلك وحامية سنكات لا تزال محاصرة وفيها توفيق بك محافظ سواكن المتقدم ذكره، وكان رجلا باسلا شهما، أظهر في حصاره شجاعة لم تعهد إلا بالقليل من الناس، وقد جاء سنكات عرضا وانحصر فيها، وسنكات قرية صغيرة لا تزيد حاميتها على ستين رجلا، وقد ضيق عثمان دقنة السبل عليها وقطع المؤن عنها حتى كاد أهلها يهلكون جوعا، فكتب عثمان إلى توفيق أن يسلم فلا يقتله، فأبى إلا البقاء على ولاء الحكومة، فلما جاء باكر باشا وعاد خائبا، بعث عثمان إليه أن يسلم فيسلم وأن الأمل بإنقاذه قد انقطع فلم يجبه إلا بالثبات، ولما رأى توفيق بك أخيرا أن المؤن فقدت، والجند جاعت وأهل البلد ملَّت جمع إليه رجاله وأهل سنكات وشاورهم في الأمر، وحثهم على الثبات على ولاء الحكومة، فقالوا: نحن على ماتريد، فقال: إذ قد نفد زادنا والطريق مقطوع بيننا وبين المدد فلنخرج مستقتلين فإما أن نسير إلى سواكن، وإما أن يلاقينا العصاة فندافع عن أنفسنا حتى الموت.
فخرجوا في أوائل فبراير سنة ???? بعد أن هدموا الطوابي وأخربوا المنازل وما ساروا ميلين حتى لا قاهم عثمان دقنة برجاله وهاجموهم فقاتل توفيق بك حتى قتل شهيد الأمانة والبسالة ولم ينج من رجاله وأهل قريته إلا نفر قليلون.
وكان ذلك من جملة العوامل لتأييد دعوى المتمهدي ونشر سطوته وخوف الحكومة عاقبة أمره. وبدلا من مواصلة العمل في كبح جماح العصاة واسترجاع ما ملكوه من بلادها أقرت بمشورة الحكومة الإنكليزية على إخلاء ما بقي من السودان في قبضتها وسحب جنودها منها والتخلي عن السودان المصري كله للدراويش، وأصدرت بذلك أمرا بتاريخ ? يناير سنة ???? وأنفذت الحكومة الإنكليزية الجنرال غوردون باشا إلى السودان للنظر في أفضل الوسائل لسحب حامية السودان وسكانها من الإفرنج وغيرهم وتثبيت حكومة منتظمة على سواحل البحر الأحمر وغير ذلك. فسار غوردون باشا ومعه الكولونيل ستيوارت كاتم أسراره فوصل القاهرة فأنبأه السير افلن بارنغ (اليوم اللورد كرومر) إن الحكومة الإنكليزية قد فوضت إليه إخلاء السودان وإعادة حكم الأمراء الذين كانوا يحكمونها لما فتحها محمد علي باشا، ويقال لهم الملوك أو أن يولي غيرهم كما يتراءى له.
فسار غوردون عن طريق كروسكو وأبي حمد فوصل بربر في ? فبراير سنة ???? وفي ?? منه وصل الخرطوم فتلقاه أهلها بالإكرام، وكان السودانيون يحبونه ويكرمونه للين جانبه وكرم أخلاقه. ومن الغريب أن يسير غوردون بنفسه بلا جيش إلى بلاد اشتعلت بنار الثورة، ولكنه كان كثير الاتكال على الله، وقد صرح بذلك عند وصوله الخرطوم، فقال: «لم آت لإنقاذ السودان بجيش، ولكني اتكلت على الله فلا أحارب إلا بسلاح العدل». شكل ??-?: غوردون باشا.
سقوط الخرطوم ومقتل غوردون: سافر غوردون من القاهرة في ?? يناير سنة ???? ومعه مساعده الكولونيل ستيوارت قاصدين الخرطوم في عطمور أبي حمد، فبربر، فالخرطوم، ومعهم أوامر عالية تنحصر خلاصتها في ما يأتي: (?) أن يسحب الموظفين المصريين وعائلاتهم وأموالهم من سائر أنحاء السودان إلى مصر.
(?) أن يقيم مقامهم موظفين من أهل السودان يدبر شئونهم بحكمته كأنه يؤسس دولة جديدة.
(?) أن يجمع كلمة القبائل المجاورة للخرطوم ويحركها على قبائل الهدندوة في السودان الشرقي فيفتح الطريقين بين بربر وسواكن وبربر وكسلا.
(?) أن ينقذ سنار وسائر البلاد الواقعة بين النيلين الأزرق والأبيض (الجزيرة).
(?) أن يرسل خمس بواخر لنقل عائلات الجنود المصرية في مديريات خط الاستواء وبحر الغزال.
(?) أن يدبر طريقة لمن بقي في دارفور أن ينسحبوا إلى مصر عن طريق دنقلا.
هذه كانت مقاصده عند خروجه من مصر وخلاصتها إخلاء السودان، فلما وصل بربر أراد أن يتلوها على أهلها فمنعه حسين باشا خليفة مدير بربر؛ لأن التصريح بذلك يعجل على بقية نفوذ الحكومة فأطاعه، ولكنه تلاها في المتمة فكانت داعية إلى سرعة سقوط بربر بعد ذلك. وأما غوردون فوصل الخرطوم في ?? فبراير — كما تقدم — وفي يوم وصوله جمع أعيان الخرطوم كافة في بناية المديرية وأفهمهم مهمته ثم خرج إلى سراي الحكمدارية فلاقاه مئات من الناس، وتراموا على يديه ورجليه يقبلونها وهم يقولون: «يا سلطاننا، يا والدنا، يا مخلص كردوفان» ثم أخذ غوردون وستيوارت في تدبير شئون الأحكام فأنشأوا أقلاما مختلفة في الحكمدارية للنظر في قضايا الناس وإنصافهم على اختلاف طبقاتهم. فأخرج دفاتر الحكومة القديمة وفيها قيود لذممات مطلوبة من أصحاب الأطيان خراجا عن أطيانهم، فوضع تلك الدفاتر في باحة عمومية وأوقد فيها النار ولما اتقدت النيران وتعالى لهيبها استخرج الكرابيج والعصي وسائر أدوات الضرب والصفع التي كان يستخدمها الحكمداريون قبلا، وألقاها في ذلك اللهيب وأهل الخرطوم ينظرون فكان لذلك تأثير حسن في أذهانهم ثم أنشأ مجلسا وطنيا مؤلفا من أعيان المدينة، وبعد قليل زار الترسانة والمستشفى وأخيرا ذهب لتعهد السجن ومعه ستيوارت وكونلجن والمستر بوار قنصل إنكلترا هناك، فرأى فيه حوادث تتفتت لها الأكباد فضلا عن القذارة وشاهد بين المسجونين أولادا وشيوخا بعضهم قد ثبتت براءتهم، ولا يزالون في السجن وآخرون سجنوا لتهمة فقضوا ثلاث سنين في السجن قبل أن تثبت عليهم جناية. ورأى هناك امرأة قضت خمس عشرة سنة مسجونة لذنب اقترفته في صباها، فأمر غوردون بإخراج المسجونين كافة، وتنظيف السجن فلم يأت المساء حتى خرجوا زرافات ووحدانا وهم يطلبون إلى الله تعالى أن يطيل عمره. وقضى أهل الخرطوم تلك الليلة سهارى فأضاءوا الأنوار الملونة وأوقدوا المشاعل وباتوا فرحين مسرورين.
وأراد غوردون أن يمكن محبته من قلوب أهل السودان فخفف الضرائب وأنصف المظلومين، وأبطل كثيرا من العوائد ثم أصدر منشورا يلغي فيه كل الأوامر الصادرة بشأن إلغاء تجارة الرقيق وهاك مفاد المنشور:منشور إلى أهل السودان كافة.

اعلموا أن راحتكم هي غاية ما نرجوه، وبما أني أعلم أن إبطال تجارة الرقيق قد ساءكم وهالكم ما وضعته الحكومة من القصاص على من يتعاطاها وغير ذلك مما صدر من الأوامر العالية بشأن تأكيد إلغائها فقد رأيت التماسا لراحتكم أن أُبطل كل تلك الأوامر وأمنحكم الحرية التامة فلا يعترضكم أحد في اتخاذ الرقيق لخدمتكم والسلام لكم.
الخرطوم
غوردون باشا
ففرح تجار الرقيق لهذا المنشور، ولكنهم استدلوا منه على ضعف الحكومة، وأنها إنما أصدرته بالرغم منها لأنها لم تقوَ على تنفيذ أوامرها في إبطال تلك التجارة. ثم حول نظره إلى أمر المهدي فأرسل إليه في الأبيض كتابا يطلب فيه إطلاق الأسرى ويوليه كردوفان، وأرفق الكتاب بخلعة نفيسة، فرد محمد أحمد الخلعة وبعث إلى غوردون أن يسلم فيسلم، وأن المهدي لم يقم دعوته طمعا في الولاية.
وكان غوردون باشا في أثناء مسيره إلى الخرطوم قد تدبر أمر مهمته هذه، فرأى أن ترك السودان وشأنها بعد إخلائها تعود على مصر بالوبال، فلا تلبث الثورة أن تنتشر ويزحف الدراويش إلى حدود مصر، فبعث يوم وصوله الخرطوم رسالة برقية إلى الحكومة الإنكليزية يطلب فيها أن تبعث إليه الزبير رحمت باشا حالا وكان الزبير باشا من أكابر تجار الرقيق في دارفور وبحر الغزال، وعاضد الحكومة وفتح لها دارفور ثم جاء مصر قبل الحوادث السودانية ليشكرها على رتبة أنعمت بها عليه فلم تأذن له بالعودة إلى بلاده فظن غوردون باشا أنه إذا أخلى السودان ودبر حكومته جعل الزبير باشا خلفا له عليه خوفا من استفحال أمر المهدي وخروجه على مصر فأبت الحكومة إرسال الزبير فشق ذلك عليه كثيرا.
ثم ما لبث أن علم بانتشار دعوة المهدي وانضمام معظم القبائل إليه فأصدر منشورا يتوعد الثائرين بعذاب أليم، وينصح لهم أن يثوبوا إلى طاعة الحكومة وبعث إلى مصر يقول: «إذا شئتم أن تتخلص مصر من عذاب دائم أرسلوا جندا لمقاتلة المهدي وسحق قواته وهو أمر ميسور لكم الآن، أما إذا دخلت الخرطوم في حوزته فيصعب عليكم قهره على أنكم ستضطرون إلى ذلك إن عاجلا وإن آجلا التماسا لسكينة القطر المصري، وسيكون ذلك شاقًّا كثيرا بعد الآن».
وكان الكولونيل ستيوارت قد سار في مئة رجل بالأعلام البيضاء لمسالمة القبائل القاطنة على النيل الأبيض وتلاوة منشورات غوردون عليهم فكان كلما بعد عن الخرطوم ازداد نفور الناس عنه حتى صاروا يعترضون مسيره ويحاربونه وأكثرهم من قبيلة البقارة فعاد إلى الخرطوم فأرسله غوردون ثانية في ? مارس سنة ?? بمنشورات أخرى فعاد بخفي حنين. وما زالت الثورة تقترب من الخرطوم وضواحيها حتى أحدقت بها من كل الجهات. وفي أثناء ذلك جاءت حملة من الدراويش لحصار الخرطوم فجاء جمع منهم إلى حلفاية شمالي المدينة فانهزمت حاميتها فجرد غوردون في ?? مارس عليهم ألفي مقاتل بالبنادق وفيهم الباشبوزوق والجند المنظم لاسترجاع حلفاية فماطلهم الدراويش حتى غدروهم وكسروهم شر كسرة، فعادوا القهقرى إلى الخرطوم وقد قتل منهم جمع كبير ففشل غوردون لهذه الكسرة وحاكم قواد تلك التجريدة وأكبرهم سعيد باشا وحسن باشا وكلاهما من أهل السودان فحكم عليهم بالإعدام لثبوت الخيانة عليهما فقُتلا وقُطعت أعضاؤهما.
وفي ?? يونيو سنة ???? وصلت الأخبار بسقوط بربر والقبض على مديرها وإرساله أسيرا إلى الأبيض وتولى بربر أمير من أمراء الدراويش اسمه محمد الخير، وكان سقوط بربر ضربة قوية على الخرطوم؛ لأنها كانت واسطة الاتصال بينها وبين مصر، فأدرك غوردون صعوبة مركزه وتحقق يقينا أن إنفاذ مهمته لم يعد ممكنا بالحسنى فلا بد من استعمال قوة الجند فطلب إلى حكومته إرسال حملة لمساعدته فترددت إنكلترا طويلا قبل الإقرار على الحملة على أنها أقرت في مايو على وجوب إرسالها، ولكن جنودها لم تبدأ بالمسير إلى السودان إلا في سبتمبر، فتذمر أهل الخرطوم وشكوا إلى غوردون حالهم وفي جملتهم كل الأجانب المقيمين هناك، فقال لهم: من أراد الذهاب فليذهب، أما أنا فلا أستطيع الخروج إلا بعد إنقاذ الحامية والناس أو أن أموت معهم. ولكنه أشار على ستيوارت أن يسير إلى مصر بمن أراد مرافقته من الأجانب وعهد إليه إيصال تقاريره اليومية عن أحوال الخرطوم من أول مارس إلى ? سبتمبر وهو يوم سفر ستيوارت وظن غوردون أن ذهاب ستيوارت بهذه التقارير إلى مصر يفيد الحملة القادمة لانقاذه، فركب ستيوارت باخرة وركب معه بعض الإفرنج ورافقته باخرتان فوصل بربر فضربها ومر بها فعادت الباخرتان وجرت باخرته حتى إذا تجاوزت أبو حمد إلى واد قمر ضايقها الدراويش من البر ثم جنحت فنزل من فيها فلقيهم الدراويش وقتلوهم وحملوا الأسلاب والأوراق إلى المهدي. كل ذلك وغوردون يستحث الإنكليز ويستنهض هممهم وينذرهم بالخطر القريب فجاءه خبر هلاك ستيوارت ومن معه قبل خروج الحملة. على أن تلك الحملة لم تصل الخرطوم إلا في ?? يناير سنة ?? أي بعد سقوطها ومقتل غوردون بيومين.
فلننظر في حركات الدراويش وإجراءاتهم في أثناء حصار الخرطوم من معسكرهم ملخصا عما رواه سلاتين باشا في كتابه «السيف والنار في السودان» وما أحكاه غيره من الأسرى الذين رافقوا تلك الحوادث داخل الخرطوم وخارجها.
تركنا المتمهدي وقد عاد ظافرا إلى الأبيض بخيله ورجله فبعد وصوله إليها أنفذ بعض أمرائه لتأييد سلطته في دارفور وبحر الغزال وما جاورهما، ثم علم ما كان من أمر السودان الشرقي وظفر عثمان دقنة في سنكات وتمانيب والتب وحصار كسلة، وكان قد ولى صهره ولد البصير على الجزيرة ما بين النيلين الأزرق والأبيض فبلغه أنه حارب الجنود المصرية هناك وغلبها، وعلم في أثناء ذلك أن غوردون باشا جاء الخرطوم بلا جند ثم وصله كتابه يطلب إليه إطلاق الأسرى ويوليه كردوفان فلم يعبأ به وأجابه بلهجة شديدة كما قدمنا.
وتكاثر دعاة المهدي بعد انتصاره على هيكس وتقاطر الناس إليه قبائل وجماعات قياما بنصرته وكانوا يعسكرون بخيامهم وإبلهم وخيلهم حول الأبيض فقلّت مياه الأبيض فخاف المهدي أن يصيبهم جهد فأشار بالانتقال إلى الرهد وفيها الماء غزيرا فانتقلوا إليها رجالا ونساء وأولادا في أواسط أفريل سنة ???? بأحمالهم وأثقالهم ودوابهم وأقاموا هناك والمهدي يقضي نهاره في الصلاة والوعظ والحث على الجهاد ثم سمع بخروج الجنود المصرية من الخرطوم على أهل الجزيرة فبعث محمد أبا جرجا أميرا عليها في عدد عظيم من الدراويش على أن يمد أهل الجزيرة ويحاصر الخرطوم، فحصلت بينه وبين جنود الخرطوم مواقع انتصرت في أولها الجنود المصرية ثم عادت العائدة عليهم بعد ذلك كما رأيت. وأرسل المهدي الشيخ محمد الخير أميرا على بربر فسار إليها وحاصرها وفتحها وأرسل مديرها حسين باشا خليفة أسيرا إلى معسكر المهدي في كردوفان فالتقى بسلاتين باشا وتشاطرا مصيبة الأسر. أما دنقلا فكان مديرها مصطفى بك ياور (ثم صار مصطفى باشا) قد كتب إلى المهدي غير مرة يسلم إليه فلم يركن هذا إلى تسليمه بل بعث السيد محمد علي وبعض الشائقية ليجسوه فحاربهم وفرق جمعهم وكان الماجور كتشنر (اللورد كتشنر باشا) قد جاء بمهمة سرية لاستطلاع نوايا مصطفى بك ياور وأحوال السودان فشهد بعض مواقعه مع الدراويش.
وخلاصة الأمر أن حجار السودان ورماله كادت تنطق بصوت واحد: «صدق محمد أحمد بدعواه» وكان إلى ذلك الحين مقيما في الرهد فكتب إليه أمراؤه من أنحاء مختلفة أن ينزل برجاله إلى النيل الأبيض فكان يؤجل مسيره مظهرا الازدراء بقوة أعدائه والاعتداد بقوته ويستعرض جنوده كل جمعة استعراضا عموميا يحضره هو بنفسه يسمونه (عرضة) والجيش إذ ذاك ثلاثة أقسام يرأس كل منها خليفة من خلفائه، ولكن الخليفة عبد الله التعايشي كانت له الرئاسة الكبرى ويلقب «رئيس الجيش» وفرقته تسمى «الراية الزرقاء» ينوب عنه في قيادتها أخوه يعقوب التعايشي وفرقة الخليفة علي ولد الحلو تدعى «الراية الخضراء» وفرقة الخليفة محمد الشريف تسمى «الراية الحمراء» أو «راية الشرفاء» وتحت قيادة كل من هذه الرايات الثلاث رايات صغيرة لا يحصيها عد يجتمع حول كل راية منها مئات من الدراويش.
وكيفية الاستعراض عندهم أن يقف أمراء الزرقاء براياتهم صفا واحدا يولون وجوههم المشرق، ويقف أمراء الراية الخضراء صفا آخر يقابل الصف الأول وجها لوجه، ويقف أمراء راية الأشراف صفا آخر يقابل الشمال فيؤلفون مربعا ينقصه ضلع كأنه باب يدخل به المهدي وحاشيته فيمر بجانب الصفوف يحييها قائلا: «الله يبارك فيكم».
فلما انقضى رمضان تلك السنة قال محمد أحمد: إنه قد أوحي إليه في الرؤيا (الحضرة) أن ينزل لمحاصرة الخرطوم فبعث إلى أبي عنقر وكان قد أرسله في مهمة إلى جبل الدير وأوعز إلى كل أمير أن يجمع رجاله للخروج على الخرطوم، فلما تكامل الجمع زحف المهدي برجاله من الرهد في ?? أوغسطس (آب) سنة ???? في ثلاث فرق سارت كل منها في طريق أعظمها الفرقة التي فيها المهدي وخلفاؤه فهذه سارت على طريق حملة هيكس السيئة الحظ؛ أي من الرهد فشركلا فالدويم وكان في هذه الفرقة سلاتين باشا بمعية التعايشي فلما وصلوا شركلا جاءهم غريب أمسكوه أسيرا فوقف بين يدي التعايشي وسلاتين يترجم بينهما فإذا هو فرنساوي واسمه أوليفيه باين، قال: إنه جاء من قبل دولة فرنسا يعرض مساعدتها على المهدي ليقهر الإنكليز فأبقاه التعايشي في جملة الأسرى ريثما يقيمون، فينظر في أمره ولكن الرجل مرض من سوء المعاملة واشتدت عليه الحمى فمات في أثناء الطريق قبل أن تصل الحملة إلى الخرطوم.
أما الحملة فوصلت جوار الخرطوم في أواسط أكتوبر سنة ???? فعسكرت على مسافة يوم منها، وهناك بعث المهدي إلى سلاتين وأمره أن يكتب إلى غوردون يدعوه إلى التسليم ويقول له: إن المهدي حق وإن عبد القادر (يعني سلاتين) نفسه يكون أول الحمامين له فاستأذن سلاتين المهدي، قائلا: «أخاف إذا كتبت إليه ذلك أن يستغشني فأرى أن أنصح له بالتسليم للإمام المهدي؛ لأن جنوده مظفرة لا تقوى جنود الخرطوم عليها، وأن أتوسط في أمر تسليمه إليكم» فاستحسن المهدي الرأي فذهب سلاتين إلى خيمته وهو لا يصدق أنه سيكتب إلى غوردون فكتب إليه كتابا طويلا عريضا بالنمساوية (لأنه لا يعرف الإنكليزية جيدا) شرح فيه حكاية تسليمه دارفور والأحوال التي قضت عليه بذلك، وقال: إن الأسرى المقيمين مع المهدي هم على ولاء الحكومة يسلمون لها ويضربون بسيفها حالما يتاح لهم ذلك وأوعز إليه أن يخبره عن حاله بالخرطوم، وأن يكتب إليه كتابا في العربية يطلب فيه مقابلته في أم درمان للنظر في شروط التسليم. وكتب كتابا آخر إلى هنزل قنصل النمسا بمثل هذا المعنى، وجاء بالكتابين إلى المهدي فأمره أن يرسلهما مع أحد خدمه إلى أم درمان، ولم يكد يسير الرسول حتى جاء خيالة من بربر ينبئون المهدي بمصاب ستيوارت ومن كان معه وجاءوا بالأسلاب وفيها كثير من الأوراق، فبعث المهدي إلى سلاتين ليخبره بما في تلك الكتب فقلب فيها، وقال: إنها كتب خصوصية أرسلها بعض أهل الخرطوم إلى أهلهم في مصر وغيرها، ورأى تقارير غوردون نفسها وعرف خطه فتأسف أسفا لا مزيد عليه، ولكنه أظهر الجلد فقال له المهدي: «اكتب الآن إلى عمك (يريد غوردون) أن مركبه قد كسر ورجاله قتلوا، وأرسل إليه هذا التقرير تأييدا لذلك فأظنه إذا تحقق الأمر أسرع إلى التسليم» فكتب سلاتين إليه وإلى القنصل كتابين وأرسلهما مع خادمه إلى أم درمان. وكان في مكان أم درمان إذ ذاك طابية من طوابي الخرطوم اسمها «طابية أم درمان» أم «طابية رجب بك» فعاد الخادم من عند القنصل هنزل بجواب مقتضب لم يشف غليلا فارتاب المهدي بنية سلاتين فأمر بتقييده فأثقلوه بالحديد وحجزوا عليه في خيمة منفردة.
وبعد قليل زحف المهدي برجاله وأحمالهم وأثقالهم ودوابهم فضربوا نقارتهم وساروا حتى أشرفوا على الخرطوم وسلاتين معهم فعسكروا هناك تحت راية التعايشي، وسار الأمراء الآخرون يبحثون عن مكان آخر يعسكرون فيه. ثم أمر المهدى أن يحدق جنده بالخرطوم ويشددوا الحصار عليها، فأمر أبا جرجا وولد النجومي أن يحاصراها برجالهما من البر الشرقي للنيل الأبيض عند مكان اسمه كلاكلا وأمر أبا عنقر (أو أبو عنقة) وفضل المولى أن يحاصرا طابية أم درمان على البر الغربي، وما زالوا محاصرين تلك الطابية حتى فتحوها في ?? يناير سنة ???? وهي أول طابية فتحوها من حصون الخرطوم. ويؤخذ من تقرير كتبه الشيخ المضوي أحد قواد المهدي في ذلك الحصار أن المهدي كان عازما أن يشدد الحصار على الخرطوم حتى تسلم من الجوع كما فعل بالأبيض، وأن رجال ولد النجومي وحدهم بلغوا عشرين ألفا. فربما كانت قوة الدراويش كلها هناك ستين ألفا أو سبعين وأكثر.
فلنعد إلى الخرطوم ولنشرح حالها أثناء الحصار. قلنا: إن غوردون وصل الخرطوم في ?? فبراير سنة ?? ولكنه لم يقض فيها شهرين حتى نفدت النقود من خزينتها فاصطنع نقودا من الورق بفئات متفاوتة يتعامل بها الناس إلى أجل مسمى، وقد شاهدنا كثيرا منها عند وصولنا المتمة سنة ???? وفي الشكل ??-? صورة أجداها برسمها الأصلي تماما. شكل ??-?: نقود غوردون.
على أن ذلك قلما خفف من ضيق أهل الخرطوم ونزلائها فإنهم ما انفكوا ويشعرن بالضغط يوما بعد يوم والحصار يزيدهم تضييقا حتى أصبحوا محاطين بالعدو من كل جهة، وقل زادهم أو نفد وجاعوا، وغوردون يصبرهم ويعدهم بقرب وصول الحملة الإنكليزية لإنقاذهم، ولكنها تأخرت كثيرا فمل الناس الانتظار واشتد الجوع حتى أكلوا لحوم القطط والكلاب ومضغوا سعف النخل وجذور الذرة، كل ذلك وهم واثقون بوعد غوردون ولكنهم كادوا يسيئون الظن به أخيرا.
أما الحملة الإنكليزية التي أقروا على إرسالها لإنقاذ غوردون فبرحت مصر في أوائل الخريف وعدد رجالها ستة آلاف من نخبة الجند الإنكليزي وأكثر قوادها من الأشراف فقد تسابق الإنكليز إلى الإنتظام في سلك هذه الحملة لزعمهم أنها عبارة عن (فسحة) على النيل فلم يصل من رجالها إلى كورتي إلا بعضهم وتفرق الباقون في نقط خط الاتصال، ومن كورتي سارت حملة في عطمور صحراء بيوضة إلى المتمة بقيادة الجنرال ستيوارت والقصد بها سرعة الوصول إلى الخرطوم، وسارت حملة أخرى على النيل إلى بربر بقيادة الجنرال. وكنا ممن سار برفقة حملة العطمور فشهدنا وقائعها وسمعنا إطلاق مدافعها ورنات قنابلها ورصاصها وترى تفصيل ذلك في كتابينا «تاريخ مصر الحديث» و«رواية أسير المتمهدي» فقطعت الحملة جدكول إلى أبي طليح فلاقاها العرب على تلك الآبار فحصلت بين الفريقين واقعة شفت عن انهزام العرب فتعقبهم الإنكليز إلى المتمة، وهناك حصلت واقعة أخرى انهزم بها الدراويش أيضا وعادوا على أعقابهم. وقبيل هذه الواقعة أصيب الجنرال ستيوارت برصاصة في أحشائه، وأحيلت القيادة إلى السير شارلس ولسن فنزلت الجنود الإنكليزية على ضفاف النيل في مساء ?? يناير سنة ???? بعد أن قضت ?? يوما في الصحراء واسم مكان الواقعة أبو كرو، ونزل الجند بعد الواقعة في مكان اسمه القبة والإفرنج حرّفوه فجعلوه (جوبات).
وكان غوردون قد أنفذ إليهم أربع بواخر كانت في مياه الخرطوم ليستعينوا بها في الوصول إليه وبعث يقول لهم: إنكم إذا لم تصلوا إلينا في بضعة أيام ذهبنا هباء منثورا. وقد علم السير شارلس بذلك في ?? يناير وكان يحب أن يبادر حالا إلى الخرطوم بدلا من أن يقضي أربعة أيام بجوار المتمة بلا داع، فغادرها في ?? يناير سنة ???? على باخرتين لم تصلا الخرطوم إلا في ?? منه وكانت قد سقطت وقتل غوردون في ?? منه فعاد السير شارلس كاسف البال ولم يصل المتمة إلا بعد شق الأنفس؛ لأن باخرتيه انكسرتا وأصابه من الخطر ما لا محل له لتفصيله هنا. شكل ??-?: دلالات الأرقام في خريطة الخرطوم: (?) الحكمدارية (?) السراي (?) حواصل الحنطة (?) الترسخانة (?) القشلاق (?) طابية بوري (?) مخازن البارود (?) قرية توتي (?) الطابية البحرية (??) السراي الشرقية.
أما كيفية سقوط الخرطوم فعلى ما يأتي: من تأمل هذه الخارطة (ش??-?) علم أن الخرطوم واقعة موقعا طبيعيا حصينا للغاية فهي محاطة من الشمال والغرب بالنيل ومن الجنوب والغرب بسور منيع وراؤه من الخارج خندق عميق والجند قائمون على السور ليلا ونهارا وترى بين بنايات الخرطوم وسورها أرضا لا بناء فيها. وقد ذكرنا أن المهدي حاصر الخرطوم وشدد الحصار عليها لكي تسلم من الجوع، فلم تمض مدة حتى أنبأه جواسيسه أن حملة الإنكليزية قادمة لإنقاذ الخرطوم وغوردون فبعث إليها جندا لاقاها في أبي طليح تحت قيادة موسى ولد الحلو وأبي صافية، فعادت خاسرة فأرسل جندا آخر إلى أبي كرو بقيادة نور عنقرة فانكسر أيضا كما تقدم. فلما بلغه خبر انكسار رجاله أراد التمويه على أتباعه فأمر باطلاق مئة قنبلة وقنبلة وهي إشارة النصر عندهم فاطمأن الدراويش، ولكن محمد أحمد جمع أمراءه وخلفاءه في جلسة سرية، وقال لهم: إن الحضرة جاءته (أي رأى رؤيا روحية) فأوحت إليه أن يهاجر إلى الأبيض. فاعترضه الأمير محمد عبد الكريم قائلا: «إن الهجرة ميسورة لنا كل حين والطريق إلى الأبيض مطلق لنا فلنهاجم الخرطوم أولا فإذا امتنعت علينا هاجرنا إلى الأبيض، وإذا فتحناها فلا يقوى الإنكليز ولا غيرهم على أخذها منا» فاستحسن المهدي رأيه وصبر بضعة أيام وهو يستقصي أخبار الإنكليز وحركاتهم، وفي ?? يناير بلغه قيام الباخرتين من المتمة فأقر الرأي على مهاجمة المدينة في صباح اليوم التالي (يوم الإثنين في ?? يناير سنة ????) فبعث المهدي إلى القوات المحاصرة يقول: إنه علم بالوحي أن الله جعل أرواح أهل الخرطوم كلها في قبضته.
وفي مساء ذلك اليوم ?? منه قطع المهدي النيل الأبيض من أم درمان وكل من أراد الجهاد معه ونزل إلى معسكر ولد النجومي في كلاكلا وتلا هناك خطابا حث رجاله فيه على الجهاد وأوصاهم ألا يقتلوا غوردون باشا، ويقول سلاتين باشا: إن غرضه من ذلك بقاء غوردون أسيرا حتى يفتدي به أحمد عرابي المنفي في سيلان، فلما أتم خطبته عاد ببطانته إلى أم درمان.
وفي الصباح التالي ?? منه الساعة الأولى بعد نصف الليل زحف الدراويش من كلاكلا بقيادة ولد النجومي وانقسموا فرقتين فرقة تهاجم السور بين النيل الأبيض وباب المسلمية وفرقة تهاجمه من ناحية بوري (انظر الخارطة) وكان السور بين باب المسلمية والنيل الأبيض قد تهدم بعضه مما يلي النيل لمجاورته أرضا يغمرها ماء النيل في فيضانه ترى حدودها في الخارطة منقطعة وكان الماء قد انحسر عنه إذ ذاك وتهدم بعضه فتكونت فيه ثغور دللنا عليها بتقطيع السور هناك إلى نقط. فعوًّل الدراويش على أن يدخلوا المدينة من تلك الثغور على أنهم إذا فازوا بالدخول منها عدلوا عن الهجوم من جهة بوري، ودخل القسمان معا من جهة النيل الأبيض.
فزحفوا سكوتا حفاة تحت جناح الليل لا تسمع لهم حركة حتى صاروا عند تلك الثغور فردموا الخندق ووسعوا الثغور وصاحوا صياح الحرب قائلين: «في سبيل الله» ودخلوا يزاحم بعضهم بعضا، وقد غاصوا في الأوحال إلى الركب فبغتت الحامية فأطلقت بعض الطلقات، وكان فرج باشا على باب المسلمية فما انتبه إلا وقد قضي الأمر ولم تبق فائدة بالدفاع، ففتح الباب وسلم فانهال الدراويش على المدينة كالصواعق وهم ينادون «للكنيسة.. للسراي» وأمعنوا في الأهالي المساكين قتلا ونهبا لم يبقوا ولم يذروا. وسار بضعة منهم إلى السراي حيث يقيم غوردون، وكان قد يئس من قدوم الحملة وبات تلك الليلة حوالي نصف الليل ولم يكد يغمض جفنه حتى سمع إطلاق النار فصعد إلى سطح السراي وأشرف على الأسوار فرأى العرب قد دخلوا السور ولم يعد باليد حيلة، فلبس ثيابه وتقلد سلاحه وهم بالنزول فلاقاه ثلاثة من الدراويش عند أعلى السلم، فسأل أولهم قائلا: «أين سيدك المهدي؟» فأجابه بطعنة قاضية، وضربه آخر بالسيف فخر قتيلا لم يبد دفاعا، ويقال: إن قتلته من رجال ولد النجومي ولم يكن ولد النجومي معهم فجاء بعدئذ فساءه قتله، فأمرهم بجر جثته إلى باحة السراي وأن يقطع رأسه ويحمل إلى المهدي في أم درمان، فحملوه إليه في منديل كبير في الساعة الأولي من النهار وكان سلاتين مقيدا في خيمته بأم درمان وقد سمع إطلاق المدافع، وعلم بهجوم العرب على الخرطوم ثم سمع بفتحها فوقف حزينا كئيبا فمر حاملوا رأس غوردون به وبينهم رجل اسمه شطا كان يعرفه سلاتين قبلا فكشف له عن رأس غوردون، وقال: «أليس هذا رأس عمك الكافر؟» كما ترى في الرسم ش ??-?. فأثر ذلك المنظر في سلاتين كثيرا، وكان قد هزل جسمه من الأسر والخوف وكاد يغمى عليه، ولكنه تجلد، وقال بصوت ضعيف: «إنه مات في سبيل الدفاع عن واجباته هنيئا له فقد استراح من متاعبه» فقال له شطا ضاحكا: «أتمدح الكافر، سوف تلقى ما لقيه قريبا» فتأمل حال سلاتين إذ ذاك. شكل ??-?: رأس غوردون يريه الدراويش لسلاتين باشا.
ثم حملوا الرأس إلى المهدي فأظهر كدره لذلك، ولكن سلاتين يظن أن المهدي لو أراد أن يبقي عليه وأوصى رجاله بذلك ما استطاع أحد مخالفة أوامره.
هكذا سقطت الخرطوم عاصمة السودان في أيدي الدراويش وبسقوطها سقط كل أمل بافتتاحها، ولكن المهدي لم يقم فيها بل أقام في أم درمان وبنى هناك مدينة جعلها عاصمة ملكه من ذلك الحين.
أما الحملة الإنكليزية فإنها انسحبت من المتمة إلى كورتي فأقامت هناك مدة ثم عادت إلى دنقلا فمصر، وسحبت معها كل من أراد مرافقتها من سكان السودان شمالي كورتي وأصبحت السودان من ذلك الحين مملكة المهدي السوداني.
(?-?) موت المهدي وخلافة التعايشي

فلما فتحت الخرطوم وعادت الحملة الإنكليزية إلى مصر ازداد الناس وثوقا بدعوى المهدي مع ما شاهدوه من توفيقه في مشروعاته فإنه لم يشهد موقعة إلا انتصر فيها، ولا حاصر مدينة إلا فتحها (تقريبا) وإذا اعتبرت ما لاقت الحملة الإنكليزية القادمة لإنقاذ غوردون من العراقيل والعوائق عجبتَ لما اتفق لمحمد أحمد هذا من غرائب التوفيق فاتخذ أشياعه ذلك دليلا على أنه إنما يعمل بوحي من الله وأيقن هو أنه أصبح المالك المتصرف في السودان من أقصاه إلى أقصاه، وخُيِّلَ له أنه سيفتح الأمصار ويخضع له الملوك والسلاطين فتنتشر سلطته في الخافقين. على أنه لم يكن يرجو أن يتم ذلك كله على يده، ولكنه كان يقول: إنه لن يموت إلا بعد فتح الحرمين وبيت المقدس ثم ينزل الكوفة ويموت فيها. ولكن ساء فأله فإنه لم يكد يؤيد سلطته ويقيم في عاصمته (أم درمان) بضعة أشهر حتى داهمته الوفاة في ?? يونيو سنة ???? على أثر إصابة شديدة بالحمى التيفوس لم تنجع فيها حيلة ففارق هذا العالم على عنقريب (سرير سوداني) وحوله خلفاؤه الثلاثة وخاصة أمرائه، منهم أحمد ولد سليمان، ومحمد البصير، وعثمان ولد أحمد، والسيد المكي. فلما شعر المهدي بدنو الأجل قال لمن حوله بصوت منخفض: «إن النبي ? اختار الخليفة عبد الله خليفة الصديق خليفة لي وهو مني وأنا منه فأطيعوه ما أطعتموني. أستغفر الله» ثم تلا الشهادتين وجعل يديه متقاطعتين على صدره وتمطط وأسلم الروح.
ولم يكد يخرج النفس الأخير من أنفاسه حتى تقدم الحضور فبايعوا عبد الله وسموه «خليفة المتمهدي» وكان في جملة من حضر موت المهدي امرأته عائشة ويدعونها «ستنا أم المؤمنين» فسارت لإبلاغ خبر وفاته إلى نسائه الأخريات وتعزيتهن، وكان الناس قد تجمهروا مئات وألوفاً حول المنزل ينتظرون الخبر عن سيدهم ومهديهم، فلما علموا بموته ضجوا وصاحوا فأوعز إليهم أن البكاء والندب حرام؛ لأن المهدي إنما فارق مقامه في الأرض بمجرد إرادته ليلقى وجه ربه. فغسَّلوا الجثة ولفُّوها بالأكفان واحتفروا لها حفرة في تلك الغرفة حيث فارقتها الروح، ودفنوها وجعلوا فوقها بعد ذلك مقاما من الخشب يغشاه ستر أسود، وبنوا فوقه قبة، وسموا ذلك المقام «قبة المهدي» يزورها الناس للتبرك، واحتفروا بجانب القبة بئرا يستقي الزائرون منها للشرب والوضوء، وحول القبة درابزون من خشب (ش ??-??). وكان سلاتين باشا قد نال العفو من المهدي قبل وفاته، فحُلَّت قيوده وعاد إلى معية التعايشي، فشاهد تلك الحوادث شهادة عين، ووصفها في كتابه السيف والنار والسودان وصفا تاما. شكل ??-??: قبة المهدي وفيها قبره.
فبعد دفن المهدي سار خليفته عبد الله إلى الجامع وخطب في الناس، وأنبأهم بوفاة المهدي، فبكى وبكى الناس ثم أوصاهم بالطاعة والاتحاد للعمل بأوامره، وبعد الخطبة تقدم الناس لمبايعته فتتلوا صورة المبايعة التي ذكرناها قبل الآن، ولكنه غيَّر العبارة الأولى منها فجعلها «بايعنا الله ورسول الله ومهدينا وبايعناك على توحيد الله … إلخ».
(?) أوصاف المهدي

كان طويل القامة، عريض المنكبين، أسمر اللون فاتحه، قوي البنية. وكان أول قيامه بدعوته ربع القامة، فأصبح في أواخر أيامه سمينا ضخما. وكان كبير الرأس، عريض الجبهة، حادّ العينين أسودهما، خفيف اللحية أسودها، وعلى خديه آثار الأخاديد العرضية، ثلاثة من كل جانب كسائر الدناقلة أبناء قبيلته. وكان متناسب الأنف والفم لا ينفك مبتسما فتظهر أسنانه وبين الأماميتين منها فلجة تشبه الثمانية (?) تعد عند السودانيين وغيرهم من المشارقة علامة السعد، ويقال لصاحبها: أفلج، وكان ذلك من جملة ما حبب المهدي إلى النساء وكن يسمينه (أبو فلجة).
وكان يلبس جبة بيضاء قصيرة مضربة، تراها دائما مغسولة نظيفة، مطيبة برائحة خشب الصندل والمسك وعطر الورد، وكان مشهورا بين أتباعه بهذه الرائحة حتى نسبوها إليه فسموها «رائحة المهدي» وذكر بعضهم خالا كان في خده ادَّعى أنه من علامات المهدية.
وقد علمت من تدبر ترجمة حاله أنه كان نبيهًا مدبرًا، رضي الخُلق، حسن السياسة، ماهرا في التأثير على عواطف الناس، إذا تكلم ظهر للسامعين أن جوارحه كلها تتكلم، فإذا ذكر مآثم بني الإنسان أو وصف النعيم المقبل أو حث على الجهاد بكى وتخشع وأبكى السامعين. ويظهر من مجمل سيرة حياته أنه صبور على البلوى، كاظم للغيظ، مسالم للأحزاب، محسن إليهم، راغب في امتلاك قلوبهم باللطف وحسن الأسلوب، وكان ذلك من أكبر العوامل في نشر دعوته وقيام الناس بنصرته، ولو أمد الله في أجله لكان فتح السودان صعبا على الجنود المصرية نظرا لاستهلاك قواده في سبيل نصرته. أما خليفته فكان على غير خلقه من اللين والدعة والمسالمة إلى حدٍّ هاج غيرة الخليفتين الآخرين وغيرهما من الأمراء، فقام الشقاق بين الدراويش، فضعفت عزائمهم، وفسدت أمورهم، وتضعضعت أحوالهم، وسهل الفتح على المصريين.
(?) تعاليمه

ذكرنا في ما تقدم ما كان من أعماله الحربية منذ ظهوره إلى وفاته، فنقتصر الآن على ذكر ما أحدثه من التعاليم والتقاليد بين مسلمي السودان: (?) علَّم الزهد في الدنيا وملذاتها، ونبذ المجد الدنيوي، فأبطل الرتب والألقاب الرسمية وغير الرسمية، وساوى بين الغني والفقير، وفرض على أتباعه لباسا واحدا يمتازون به ويدل على تزهدهم وهو الجبة المرقعة. شكل ??-??: دراويش المهدي.

(?) جمع المذاهب الأربعة (المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي) ووحدها بتسوية بعض ما بينها من الخلاف وإلغاء البعض الآخر، واختار آيات من القرآن الكريم تتلى كل يوم بعد صلاة الصبح وصلاة العصر سماها «الراتب» وسهل طرق الوضوء.
(?) حرم الاحتفال بالأعراس احتفالا يدعو إلى النفقة ومنع شرب الخمر وغيرهما مما يتناولونه في الأعراس، وخفض مهر الزواج فجعله عشرة ريالات وبدلتين للبكر، وخمسة ريالات وبدلتين للثيِّب، وجازى من يخالف ذلك بسلب أمواله كلها. وأبدل ولائم الأعراس بطعام من التمر واللبن فتسهلت بذلك وسائل الزيجة على الفقراء، وقد كانت نفقات العرس الباهظة حائلة بينهم وبين الاقتران.
(?) أبطل الرقص واللعب، ومن رقص أو لعب فقصاصه الجلد وأخذ أمواله وترى تفصيل ذلك في منشور المهدي الذي تقدم نشره.
(?) منع الحج إلى الحرمين خوفا على قواته من التفريق وتعاليمه من الضياع؛ لعلمه أنها تخالف تعاليم أهل الإسلام. ووضع قصاصا على من يشك في دعوته أو يتردد في تنفيذ أوامره أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ويكفي لثبوت الدعوى عليه شهادة شاهدين وقد يكفي أن يدعي علمه ذلك بالوحي. وتأييدا لدعوته أحرق كل كتاب أو ورقة تخالف هذه التعاليم.
شكل ??-??: نقود المهدي.
وقد ضرب المهدي نقودا باسمه ترى صورة قطعة فضية منها بحجمها الطبيعي (شكل ??-??) على أحد وجهيها اسم المدينة التي ضربت فيها «أم درمان» وعند أسفل ذلك تاريخ ????هـ وهي سنة استقلالهم بالأقطار السودانية، وإلى أعلاها رقم واحد يقصدون به الستة الأولي من سلطانهم، وعلى الوجه الآخر ما يشبه الطغراء، يقرأ منها كلمة «مقبول» كأنهم يريدون بها أن هذه النقود مقبولة عند حكومتهم. وعند أسفل الطغراء يقرأ سنة (?) ربما يقصدون بها السنة الخامسة من ظهور المهدي أو هجرته. (?) دولة الدراويش

هذا ما كان من أمر محمد أحمد المهدي زعيم هذه الثورة، فقد مات وقلبه عالق بما أوتيه من النصر؛ لأنه غرس غرسا ولم يذق ثمر غرسه، فترك تلك الشجرة وقد آن أثمارها لأقوام اختلفوا على اقتسامها، وتوكأوا على أغصانها حتى كادوا يكسرونها. فقد تولى التعايشي الخلافة وهو يخالف مناظرة الخليفتين الآخرين ويخشى أحزابهما. على أن الأعمال الحربية ما زالت في بادئ الرأي سائرة بقوة الاستمرار كما كانت على عهد المهدي.
وكان المهدي قد بعث أمراءه على الأنحاء لبثِّ دعوته وتأييد سلطته وحث الناس للمهاجرة إلى أم درمان، فسعى خالد في دارفور فأتم إخضاعها، وسار أبو عنقر (أو أبو عنقة) إلى كردوفان، وكانت قد سلمت إلى المهدي إلا سكان الجبال الجنوبية منها فأخضع بعضهم وبقي البعض مستقلا. أما ما بقي من السودان الغربي من ضفاف النيل الأبيض إلى حدود وداي فقد دانت للمهدي برُمَّتها.
أما في السودان الشرقي فما زالت سنار وكسلا محاصرتين، وقد دافعت حاميتهما دفاعا حسنا حتي اضطرت إلى التسليم فلم تنقضِ سنة ???? حتى بلغ نفوذ المهدي وسلطته جنوبا إلى لادو من مديرية خط الاستواء، ولم يبق من السودان في حوزة الحكومة المصرية إلا سواكن وحدها.
واتفق في أثناء حصار سنار أن القوة المحاصرة لها كانت تحت قيادة الأمير عبد الكريم وهو من أقارب المهدي، فدافعته حامية سنار فأنفذ التعايشي ولد النجومي وهو من أعظم قواد الدراويش، ففتحها في أوغسطس سنة ???? فبعث التعايشي إلى عبد الكريم أن يأتي هو ورجاله إلى أم درمان وكان قد أخذ معه لحصار سنار الجنود السودانية بلواء الخليفة الشريف، وهو من أقارب المهدي أيضا، فلما فتحت سنار على يد ولد النجومي، ثم دعي عبد الكريم إلى أم درمان حمل عبد الكريم ذلك من التعايشي محمل الإهانة له وذاع على الألسنة إذ ذاك أن عبد الكريم قال: لو ضمت إليه رجاله ورجال الخليفة الشريف لأخرج الخلافة من يد التعايشي ودفعها إلى الخليفة الشريف لأنه أولى بها من ذاك. فبلغ ذلك الكلام مسمع التعايشي فبعث إلى أخيه يعقوب وهو عمدته وقائد جنده وأخبره الخبر، وأوصاه أن يكون الجند على استعداد عند وصول عبد الكريم، فلما وصل عبد الكريم لاقاه التعايشي بالتحية والتهنئة وأثنى على ما بذله في حصار سنار ثم شرفه وبعث إلى الخليفتين وسائر الأشراف (أقارب المهدي) فأدخلهم غرفة داخلية، ولما استتبَّ بهم المقام أمر كاتبه فتلا عليهم منشورا كان قد كتبه المهدي في الأبيض يحرض أتباعه به على طاعة التعايشي.
فلما تمت تلاوة المنشور، قال لهم عبد الله: إن عبد الكريم خائن، فأنكروا ذلك عليه ودافعوا عن صداقته وأمانته، فتظاهر بالعفو عنه، ولكنه اشترط إخراج الجنود السودانية من قيادته إلى قيادة أخيه يعقوب، فقبل الشريف وسائر الأقارب بالرغم منهم ثم أشار التعايشي إلى الخليفة علي ولد الحلو بطرف عينه أن يجددوا المبايعة ويمين الطاعة فوضعوا أيديها على القرآن، وأقسموا أن يسلموا الجنود السودانية وأن يحافظوا على الطاعة. ولا ريب أن الشريف ورجاله فعلوا ذلك بالرغم منهم وفي أنفسهم حزازات يودون لو أنهم يذهبون بحياة التعايشي، وكانت تلك الحادثة أمثولة ذات بال أصبح بها مقاوموه مقصوصي الأجنحة لا يستطيعون حراكا ولكنهم حقدوها عليه. وأخذ كل من الفريقين ينظر إلى الآخر بعين الحذر على أن الظواهر كانت تدل على اتحاد وارتباط متينين. أما التعايشي فما انفك يدعو الناس من الجهات البعيدة للمهاجرة إلى أم درمان ليعمرها ويحشد فيها قوة عظمى يستعملها عند الحاجة.
وفي أثناء ذلك تعدى بعض السودانيين على الأحباش في بلاد الحبشة، وأخربوا كنيسة من كنائسهم، والتجأ المعتدون إلى قلابات وهي في بلاد الدراويش مما يلي حدود الحبشة فحماهم حاكم المدينة، فجاء الأحباش بجند كبير تحت قيادة الرأس عادل وأخربوا البلدة وأحرقوها حتى صارت قفرا يأوي إليها الضباع والذئاب، وساقوا الأولاد والنساء أسارى إلى الحبشة فبلغ التعايشي ذلك، فكتب إلى يوحنا نجاشي الحبشة إذ ذاك أن يرسل الأسرى ويعين الفدية التي يريدها عنهم، ولكنه بعث أيضا يونس أحد قواده بجند إلى قلابات، وأمره أن يحصنها ويقيم فيها حتى يأتيه أمر آخر. وبعث ولد النجومي إلى دنقلا وأبا جرجا إلى كسلا، وكتب إلى عثمان دقنة يؤمِّره على السودان الشرقي بين كسلا وسواكن — أراد بذلك كله أن يثبت سلطته على تلك الأماكن — وأخذ من الجهة الأخرى ينظم حكومته في أم درمان ففرض ضريبة سماها «فطرة» تدفع بانقضاء عيد الفطر لا يعفى من دفعها أحد كبيرا كان أو صغيرا، وأخذ في تنظيم المالية وعهد بذلك كله إلى إبراهيم عدلان فوضع أنواع الضرائب واتخذ كل وسيلة يمكنه اكتساب المال بها وفي جملة ذلك تجارة الرقيق.
وفي أواسط سنة ???? عاد أبو عنقر إلى أم درمان ومعه الغنائم والأسلاب، فاحتفلوا باستقباله احتفالا عظيما حضره التعايشي وسائر الخلفاء والأمراء وضربت به الطبول وغيرها.
وبعد قليل جاء التعايشي نبأ أن يونس في ضيق فبعث أبا عنقر يتولى قيادة الدراويش في قلابات، فسار في جنده وأنقذه من ضيقه. وسبب ذلك الضيق أن بعض رجال يونس ادَّعى أنه عيسى المسيح والتف حوله تلامذة كثيرون، بعضهم مؤمن به والبعض الآخر تبعوه نكاية في يونس لأحقاد بينهم وبينه، فلما وصل أبو عنقر قبض على ?? أميرا ظهر له أنهم تآمروا على قتل يونس وبعث إلى الخليفة يستشيره في أمرهم فبعث إليه أن يقتلهم ثم ندم فبعث أن لا يفعل ولكن سبق السيف العزل.
وكان جند أبو عنقر إذ ذاك أكبر جند اجتمع في حوزة الخليفة عبد الله مؤلفا من ?? ألفا من حملة البنادق و?? ألفا من حملة الرماح والنبل وثماني مئة فارس فجمع أبو عنقر هذه القوة وسار نحو رأس عادل لينتقم منه فوُفِّق في هذه الحملة على غير انتظار وتغلب على رجال رأس عادل وأخرجهم من محلتهم واستولى على الخيم والمؤن وكل الأمتعة وأسر امرأة رأس عادل وابنته وكأنه بهذه الغلبة قد فتح كل مقاطعة أمحرة، فسار توًّا إلى غندور على أمل أن يلاقي فيها خزائن وأموالا فلم يجد شيئا، فأحرق البلدة وعاد وهو ينهب ويسلب كل ما مر به بطريقه حتى ساقوا أمامهم قطيعا من نساء الأحباش وأطفالهم سوق الأغنام، فلما وصلوا قلابات بعثوا الأسرى إلى أم درمان، فأخذ الخليفة خمسهم وضموا الباقي إلى بيت المال وقد مات منهم في الطريق مئات من الجوع والتعب، وأصبح الطريق بين قلابات وأبي حراز مملوءًا بجثث أولئك المساكين وفي جملتها جثتا ابنة رأس عادل وابنه.
وبعث التعايشي إلى أبي عنقر أن يحصن قلابات؛ لأن الأحباش لا يتقاعدون عن الانتقام، ولكن المنية عاجلت أبا عنقر فمات شابا لم يتجاوز ?? سنة من عمره.
ثم ما لبث النجاشي يوحنا ملك الحبشة أن جند للانتقام من الدراويش على خراب غندر فحمل بجند كبير على قلابات، وكانت جنود أبي عنقر لا تزال هناك ولم تفقد إلا قائدها الأكبر فتأهبوا للدفاع، فوصل النجاشي وعسكر بالقرب من قلابات فانقسم جنده فرقتين هاجمت المدينة من ناحيتين فدخلت إحداهما المدينة من أثلام في السور واشتغلت بالنهب والقتل وبقيت الأخرى تهاجم السور من الخارج وفيها النجاشي وقد وقف يستحث رجاله ويحرضهم على الدراويش فأصابته رصاصة قتلته، فبعد أن كان النصر للأحباش عادت العائدة عليهم فخافوا وتقهقروا في أثناء الليل، فأصبح الدراويش وهم يحسبون لهجمة الأحباش ألف حساب فإذا بالأرض خالية من الخيم، فبعثوا الجواسيس فعلموا أن النجاشي قُتِل فتعقبوهم، وكان الأحباش قد عسكروا على مسافة نصف يوم من قلابات فباغتهم الدراويش ففر الأحباش وتركوا المعسكر غنيمة للدراويش فوجدوا في جملة الغنائم تاج النجاشي يوحنا مصنوعا من الفضة ومحلى بالذهب وسيفه وكتابا مرسلا إليه من ملكة الإنكليز فحملوا ذلك غنيمة إلى أم درمان.
(?) فتح مصر

ومن أغرب مطامع التعايشي فتح مصر وضمها إلى مملكته على حين أن المهدي نفسه لم يجاهر بذلك صريحا. فلما توفي هذا كتب التعايشي كتابا إلى جلالة السلطان، وآخر إلى سمو الخديوي، وآخر إلى ملكة الإنكليز يطلب إليهم جميعا أن يسلموا له ويذعنوا لسلطانه وأرسل الكتب مع رسل خصوصيين إلى مصر، فعاد الرسل ولم ينالوا جوابا غير الاحتقار والازدراء فشق ذلك عليه وحقده عليهم.
فلما قدر له الفوز على الأحباش حدثته نفسه أن يجرد على مصر فيفتحها ويقيم نخاسا من البقارة أو التعايشة أميرا يتولى حكومتها أو يأتي هو بجلالة قدره من بيته في أم درمان فينصب عنقريبه في سراي عابدين.
ففي أوائل سنة ???? استشار بعض رجاله في التجريد على مصر فشوقوا إليه سكناها ووصفوا له قصورها وغياضها وأموالها ونساءها. فما أشبه وصفهم هذا بما وصفها به عمرو بن العاص للخليفة عمر بن الخطاب يوم حثه على فتحها قبل ظهور التعايشي بثلاثة عشر قرنا، فتاقت نفس التعايشي إلى فتح مصر ولم ير بين قواده أولى بهذه المهمة من عبد الرحمن ولد النجومي، وكان من أشد الدراويش بطشا، وأصعبهم مراسا، وأكثرهم استهلاكا في نصرة الدعوة، وكان قبل ظهور المهدي تاجرا بين مصر والسودان قد خبر الأرض وعرف الطرق فأرسله في حملة أكثرها من قبائل الجعالين والدناقلة وغيرهم ممن جاوروا حدود مصر العليا وخالطوا سكان تلك الأقاليم متظاهرا أن قصده بذلك فتح مصر برجال هم أدرى بها من غيرهم، ولكن الحقيقة أنه لم يجهل الخطر الذي يهدد ذلك المشروع فلم يجعل في تلك الحملة أحدا من أقاربه وأبناء عشيرته ولا من قبائل البقارة وغيرهم من عرب غربي النيل الأبيض؛ لأنهم من حزبه فادخرهم لحين الحاجة. أما الدناقلة والجعالين فأكثرهم من حزب الخليفة محمد الشريف، وقد رأيت ما قام بينه وبين التعايشي وما كان من تغير قلبيهما، فما انفك هذا بعد ذلك يعتبر الشريف عدوا له تحت طي الخلفاء، فبعث أحزابه في حملته هذه وفي نيته أنهم إذا فتحوا مصر عاد الفخر له واتسعت مملكته، وإذا انكسروا تقهقروا إلى دنقلا وقد ضعف شأنهم وتخلص هو من دسائسهم.
فجعل دنقلا محط رحال تلك الحملة، وأقام يونس ولد الدغيم أميرا على دنقلا يقيم فيها ويدير شئونها، وولد النجومي يقود الحملة ولا يعمل إلا بمشورة يونس.
واتفق في أثناء تجريد تلك الحملة حادث يدلك على ظلم التعايشي وعسفه فتعلم أن دولته لم تقم إلا لأجل قصير؛ لأن الظلم مرتعه وخيم. والحادثة أن التعايشي أمر جماعة من قبيلة البطاحين أن يرافقوا تلك الحملة وفيهم أحمد ولد جار النبي. والبطاحين قبيلة تسكن شمالي النيل الأزرق بين قبيلة الشكرية والنيل مشهورة بالشجاعة والاستقامة من عهد الحكومة المصرية، وكان التعايشي قد استعمل جماعة كبيرة منهم في دنقلا وبربر فلم يروا في أعماله خيرا، فلما أوعز إليهم أن يرافقوا تلك الحملة أبَوا، وفر ولد جار النبي فتعقبه بعض رجال الخليفة فجرح واحدا منهم فشق ذلك على التعايشي، فأنفذ جماعة قبضوا على البطاحين عن بكرة أبيهم إلا نفرا قليلين تمكنوا من الفرار. فجيء بسبعة وستين منهم بنسائهم وأولادهم فأوعز التعايشي إلى القضاة أن يحكموا عليهم فحكموا أنهم (مخالفين، عصاة، فقال: «وما قصاص العاصي» قال القضاة: «قصاصه الموت» فنصب المشانق، وقسم هؤلاء المنكودي الحظ إلى ثلاثة أقسام: قتل قسما بقطع الرأس. وقسما بالشنق. والقسم الثالث أمر فقطعت أطرافهم. وكان ذلك اليوم يوما مشهودا في أم درمان جاء فيه عبد الله على جواده إلى ساحة السوق وحوله ملازموه وفي جملتهم سلاتين باشا ووقفوا لمشاهدة ذلك المنظر المريع، وكان بعض المحكوم عليهم معلقين بالمشانق أزواجا، وأثلاثا، والبعض الآخر مكتوفي الأيدي جاثين أمام الجلادين، وفيهم من قد قطع رأسه وزهقت روحه، ومن قد أصابه السيف بضربة لم تفصل رأسه فتململ وتوجع في باطن سره لئلا يقال: إنه جبان، وفيهم الجاثي مكتوفا ينتظر مجيء الساعة إلى غير ذلك مما يفتت الأكباد. أما هم فكانوا يلاقون الموت بصدور منشرحة، ومنهم من ينادي بأعلى صوته: «هذا هو يوم العيد عندي فمن لم ير شجاعا يقتل فلينظر إلي» أما التعايشي فدار بجواده حول تلك الساحة ينزه نظره بذلك المنظر حتى قضي الأمر فعاد بموكبه وحاشيته.
(?) عود إلى مصر

فلما أعد التعايشي تلك الحملة بعث كتبا أخرى إلى مصر وفيها الإنذار الأخير فبقي الرسل مدة في أصوان ثم أُعِيدوا بلا جواب، فبعث التعايشي رأس النجاشي يوحنا إلى يونس أمير دنقلا على أن يرسله إلى وادي حلفا تهديدا للمصريين، وأمر أن يسير النجومي بحملته على مصر فلا يحرك ساكنا في حلفا بل يهاجم أصوان فإذا فتحها يقيم فيها حتى تأتيه أوامر أخرى.
فخرج ولد النجومي من دنقلا في مايو سنة ???? في جيش لا نظام له، والحكومة المصرية عالمة بكل حركة من حله وترحاله، وكان سردار الجيش المصري إذ ذاك الجنرال غرانفل باشا المشهور بالتأني وحسن الروية، فضلا عن الرقة ولين الجانب، فحصَّن حلفا وأصوان وسائر الحدود، فلما دنت حملة الدراويش من أرجين بجوار حلفا اقتربت شرذمة منهم إلى النيل، وولد النجومي لا يعلم بها فخرجت إليها الحامية المصريون بقيادة وودهاوس باشا فكسروها شر كسرة.
وكان غرانفيل باشا قد خرج من أصوان فبعث إلى ولد النجومي يبين خطر موقفه، وينصح له أن يسلم فيسلم فأبى، فسار السردار بجيش معظمه على البر الغربي للنيل، وبعضه على البر الشرقي؛ لأن الدراويش كانوا قادمين على البر الغربي فجرت بينهم وبين الحاميات مناوشات ليست بذات بال حتى وصلوا توشكي، وهناك حصلت الواقعة التي قضت على تلك الحملة، فقُتِل قائدُها وتشتت شملها وإليك التفصيل.
(?-?) واقعة توشكي

توشكي قرية حقيرة على البر الشرقي وبعضها على البر الغربي للنيل بين كروسكو وحلفا على بضعة أميال من هيكل أبي سمبل شمالا مؤلفة من أعشاش صغيرة من الطوب والقش متفرقة على ضفة النيل في مسافة من الأرض على موازاة النيل يبلغ طولها ثلاثة أميال وعرضها منه إلى الصحراء نحو نصف ميل وفيها بعض النخيل.
وفي البر الغربي مقابل توشكي على بعد أربعة أميال منها جنوبا سلسلة تلال عالية من حجر الغرانيت، تمتد من الضفة غربا نحو ثلاثة أميال في الصحراء، وعند طرف هذه السلسلة وإلى جنوبيها كان معسكر الدراويش بقيادة ولد النجومي، وعلى نحو تلك المسافة شمالا سلسلة أخرى، وبين السلسلتين سهل واسع متصل بالصحراء وفي هذا السهل جرت الواقعة.
وكان السردار مقيما في توشكي فبعث طلائعه في صباح ? أوغسطس سنة ???? باكرا لاستكشاف معسكر العدو فعادوا وأخبروا بأن العرب يستعدون للمسير، فخرج السردار لمجرد الاستكشاف فلم يكد يشرف على معسكرهم حتى رآهم هاجمين كالجراد، فبعث إلى الجند في توشكي وكان بعضهم لم يتناول طعاما ولا تهيأ للمسير، فساروا بأسرع من لمح البصر، وهم لم يأكلوا بعد ولا حملوا من الماء إلا شيئا قليلا، فعزم السردار إذ ذاك أن لا يكف عن الدراويش حتى يشتت شملهم في ذلك اليوم، وكان قد علم بما كانوا فيه من الضيق والجوع. وهاك أسماء الأرط التي شهدت تلك الواقعة وهي: الأرطة التاسعة بقيادة البكباشي دن، والثالثة عشرة بقيادة اليوزباشي كمستر، والطوبجية بقيادة البكباشي رندل، فضلا عن البيادة الراكبين والأورطة الثانية من البيادة جاءت متأخرة. وقال الذين شهدوا واقعة توشكي أن الإرط السودانية عملت في ذلك اليوم أعمالا عجيبة وبالغوا برغبتهم في الحرب حتى عصوا أوامر قوادهم لما دعوهم إلى الكف عنها. والخلاصة أن الواقعة المشار إليها لم تنقض إلى الساعة الثانية بعد الظهر من ذلك اليوم (? أوغسطس سنة ????).
وبلغ عدد قتلى الدراويش ???? قتيل وزاد عدد أسراهم على أربعة آلاف وفيهم النساء والأولاد، فضلا عن الأسلاب والأعلام والسيوف والرماح ولم يقتل من الجيش المصري إلا ?? وجرح ???.
ووجد بين قتلى الدراويش إذ ذاك أعظم أمراء تلك الحملة ما عدا عثمان الأزرق، وعلي ولد سعد، وحسن النجومي، وميرغني سوار الذهب، وشيخ الأبيض، فقد نجا هؤلاء بنحو ألف وأربع مئة شريد وهم الذين استطاعوا الفرار من تلك الموقعة فقط. أما ولد النجومي فقد قتل وحز رأسه وجيء به إلى السردار.
فكان ذلك النصر نصرا مبينا سر المغفور له الخديوي السابق فبعث إلى السردار يهنئه به لعلمه أنه أمثولة علًّمت التعايشي مالم يكن يعلم، أما الذين قتلوا من الجنود المصرية فابتنوا لهم مقاما قرب مكان الواقعة ضموهم إليه، وبنوا فوقه قبرا نقشوا فوقه باللغة العربية حفرا على واجهة القبر كتابة هذا نصها: شُيِّدَ هذا الأثر تذكارا لواقعة توشكي التي حصلت في ? ذي الحجة سنة ????هـ وانهزم فيها جيش العصاة السوداني المرسل تحت إمرة عبد الرحمن ولد النجومي فتشتتوا بعد قتل أميرهم، وكان الجيش المصري تحت قيادة سعادة السردار غرانفل باشا، وفي هذا القبر دفنت جثث العساكر المصرية الذين استشهدوا بالميدان.
وبعيد الواقعة سار الخديوي السابق في بعض رجال معيَّتِهِ لتفقد أحوال الحدود، فركب إلى مكان تلك الواقعة، ووقف أمام قبر شهدائنا يتأمل ما أظهره جنده من البسالة في ذلك القتال. وقد نشرنا رسمه رحمه الله واقفا أمام ذلك القبر وقد أسند رأسه على كفِّه متأملا (انظر الشكل ?-?). (?-?) قحط عظيم

وكان خبر ذلك الانكسار صدمة قوية على الدراويش في أم درمان، فعرفوا قدرهم ووقفوا عند حدهم، ولكنهم لم يكادوا يتخلصون من عواقب تلك الكسرة حتى داهمهم قحط غلت فيه أثمان الحنطة، وقل الزاد واشتدت وطأة الجوع على الفقراء حتى أكلوا سيور الجلد التي يشدون بها مقاعدهم فكثر النهب وازداد الضغط وقد بالغ سلاتين باشا في وصف هذا الجوع وحال الجائعين، ومما حكاه قوله: «خرجت في ليلة مقمرة وبينما أنا عائد إلى منزلي في منتصف الليل اقتربت من الأمانة (مخازن الأسلحة والذخيرة) فآنست عن بعد شبحا يتحرك على الأرض فدنوت منه فرأيت ثلاث نسوة عاريات (تقريبا) وقد أرخين شعورهن مجعدة على أكتافهن وجلسن القرفصاء حول جحش صغير ملقى على الأرض ولعله مولود حديثا لم يكد يخرج من جوف أمه حتى سرقنه وجئن به إلى حيث لا يراهن أحد فشققن جوفه وأخذن يلتهمن أحشاءه، والجحش المسكين لا يزال حيا يتنفس فلما رأيت ذلك المنظر المريع صحت بهن فنظرن إليَّ وقد حملقن بأعينهن كأنهن أصبن بجنة، وكان بعض الجاعة المتسولين من الفقراء قد لحقوا بي يلتمسون حسنة، فتركوني وهموا باختطاف الفريسة منهن فتركتهم وسرت في طريقي آسفا لتلك الحال».
وكانت وطأة الجوع في الغالب أشد على المارين بأم درمان والقادمين إليها مما بأهلها حتى اتصلت الحاجة ببعضهم إلى بيع أولادهم بيع الرقيق إنقاذا لهم من الموت جوعا. قال سلاتين: وكانت الجثث ملقاة في الشوارع والمنازل مئات وليس من يدفنها، فأصدر التعايشي منشورا قال فيه: إن كل صاحب منزل مسئول بدفن الجثث التي تشاهد ملقاة قرب منزله، فقلَّت الجثث عن الشوارع ولكن بعضهم كانوا يحفرون حفرا بقرب المنازل يدفنونها بها تخلصا من مشقة الحمل إلى المدافن. وكانت مياه النيلين الأزرق والأبيض تجري أمام أم درمان حاملة مئات من الجثث فارق أصحابها الحياة على ضفاف النيل أو بالقرب منها فألقوها أهلهم أو أصحابهم فيه. وخلاصة القول أن الجوع أهلك من الدراويش أضعاف ما أبادته الحروب منذ ظهور المهدي إلى ذلك اليوم، ورافق هذا الضيق جراد جارف أكل ما بقي من الزرع.
على أن التعايشي ما زال يبث دعاته في سائر الأنحاء لتأييد دعوته، وكانت بقية من خط الاستواء لا تزال على ولاء الحكومة بقيادة أمين باشا فأنفذت ألمانيا حملة بقيادة ستانلي الرحالة الشهير لإنقاذ أمين باشا، فقاست في ذلك مشقات جسيمة تمكنت بعدها من الخروج به وببعض الحامية فدخلت مديرية خط الاستواء بحوزة الدراويش، ولم يبق للحكومة من السودان المصري إلا سواكن وطوكر.
(?-?) خصام بين خلفاء المهدي

أشرنا غير مرة إلى النفور الواقع بين التعايشي ومحمد الشريف؛ لتناظرهما على الخلافة فالتعايشي تولاها بإرادة المهدي، ويرى الشريف أنه أولى بها بحق القرابة، على أن هذا لولا استبداد التعايشي واحتقاره الأشراف (أقرباء المهدي) ما حدثته نفسه بسوء، ولكنه رآه لا يدع فرصة لا يحط بها من شأنه فحقد عليه وما انفك ساعيا في ذلك سرا بمساعدة ابني المهدي؛ وهما شابان لا يتجاوز عمر أحدهما عشرين سنة، وكثيرين من الأشراف فاتحدوا سنة ???? وعقدوا الخناصر على خلع التعايشي والقبض على أزمة الحكومة، فألَّفوا لذلك جمعية سرية في أم درمان ضموا إليها جماعة من القائلين بقولهم، وكاتبوا إخوانهم الدناقلة المقيمين في الجزيرة (بين النيلين الأبيض والأزرق) يدعونهم إلى أم درمان للتضافر على ذلك العمل، فجاء منهم جمع كبير إلا أن أحد أمراء الجعالين وشى بهم إلى التعايشي، وكان قد أقسم الأيمان المعظمة أن لا يبوح بسرهم لأحد غير إخوته وأعز أصدقائه، فأفتى لخيانته هذه بأنه يعتبر التعايشي من أعز أصدقائه فأخذ هذا في تدبير الوسائل الفعالة لعرقلة مساعي الأشراف، وعلم هؤلاء أيضا أن سرهم قد انكشف فأسرعوا في تنفيذ مشروعهم قبل أن يستعد التعايشي لدفعهم، فاجتمعوا في المنازل المجاورة لقبة المهدي وعاضدهم البحارة وغيرهم ممن اعتبروا تصرف التعايشي في أحكامه مخالفا للشريعة الغراء.
وكان الأشراف قد أعدوا الأسلحة وخبأوها في مكان فأخرجوها ذات ليلة من مخابئها وفرقوها في رجالهم، ولكنها لم تكن تزيد على ??? بندقية (رمنتون) وشيء من الذخيرة وبعض المدافع، وكان زعيم تلك الحركة أحمد ولد سليمان، فقال للقوم: إن المهدي ظهر له في الرؤيا وأنبأه بفوز الأشراف. ولم يبق من الأشراف أحد إلا تقلد الحسام أو البندقية واستعد للقتال حتى أرامل المهدي أنفسهن، فقد كن إلى ذلك العهد محجوزات في منازلهن لا يخرجن ولا يرين أحدا، فخرجن تلك الليلة في جملة المطالبين وخصوصا «أم المؤمنين» فإنها تقلدت الحسام وتهيأت للحرب.
كل ذلك والخليفة عبد الله في منزله، وقد أوصى ملازميه باليقظة وفرق فيهم العدة والذخيرة، وأمر أن يلازموا بابه لا يبرحوه مطلقا، وبعث ملازميه من الجهادية السود فبثهم في الأسواق ليمنعوا المدد عن الأشراف ثم أمر برجاله التعايشية ففرق فيهم ما يزيد على ألف بندقية وأوقفهم في الساحة بين قبة المهدي ومنزله ليكونوا حاجزا بين الأشراف وبينه، وأقام العساكر السود في وسط الجامع ينتظرون أوامر أخرى، وهناك كانت الرماحة والخيالة أيضا تحت قيادة أخيه يعقوب. أما الخليفة على ولد الحلو فأشيع أنه على دعوة الأشراف قلبيا، فأمره التعايشي أن يقيم في أقصى أم درمان شمالا وقطع كل مواصلة بينه وبينهم، كل ذلك أجراه التعايشي مساء الإثنين، وفي صباح الثلاثاء أحاط بالأشراف إحاطة السوار بالمعصم وبعث إليهم قاضيه يدعوهم إلى الإرعان ويُذكِّر أولاد المهدي بمنشور والدهم وبما قاله وهو يحتضر، وأنهم إذا كانوا يشكون أمرا فهو يتعهد بدفع كل ضيم عنهم فأجابوه أنهم يريدون القتال فرأى من الحكمة أن يجتنب الخصام بقدر الإمكان لاعتقاده أن الحرب إذا بدأت لا تنتهي إلا بخراب أم درمان إذ يغتنم الدراويش تلك الفرصة للسلب والنهب. فبعث إليهم ثانية أن يرجعوا عن عزمهم، فأبوا إلا القتال ثم أطلقوا بعض الطلقات فأجابهم رجال التعايشي بمثلها فرأى أن يوسط الخليفة علي ولد حلو في الأمر فبعث إليه فلما جاء دفع إليه منشورا للأشراف يطلب إليهم الصلح والكف عن العدوان فكان جوابهم هذه المرة أقرب إلى المسالمة، فقالوا: نريد أن نعرف ماهي شروط الصلح، فأجابهم التعايشي: «ضعوا الشروط أنتم» وما زالت المخابرة جارية بقية ذلك اليوم وطول ليله إلى الصباح التالي، فانقضت الأزمة وتم الصلح على شروط أهمها: (?) أن يعفو التعايشي عفوا عاما عن كل المشتركين في تلك الثورة.
(?) أن يجعل لمحمد الشريف عملا يليق بمقامه ويخلي له كرسيا في مجلسه.
(?) أن يرجع له الرايات التي مات أمراؤها في واقعة توشكي لكي ينصبها ويجمع رجالا تحتها.
(?) أن يخصص لأقارب المهدي أموالا تنفق عليهم من بيت المال.
(?) أن يسلم الأشراف كل سلاحهم ويطيعوا أوامر التعايشي إطاعة عمياء. فكتبت هذه الشروط وأمضاها الفريقان، وعادت الأحوال إلى الهدوء ظاهريا، ولكن القلوب ما فتئت على غلها.

الفصل الحادي عشر
عبد الله التعايشي


شكل ??-?: عبد الله التعايشي (قتل سنة ????).
ويجدر بنا في هذا المقام الاستطراد إلى ترجمة التعايشي، ووصف أحواله وأحوال السودان قبل فتحها الأخير، فنقول:
هو السيد عبد الله بن السيد محمد التقي، ويتصل نسبه بعشيرة الحبيرات من قبيلة التعايشة، والتعايشة من قبائل البقارة، والبقارة اسم يطلق على القبائل القاطنة غربي النيل الأبيض، وهم بدو، أكثر اشتغالهم برعاية البقر والنخاسة وتجارة الرقيق، ويقيم التعايشة في الغرب الجنوبي من دارفور.
وكان السيد محمد التقي مشهورا في قبيلته بالتقوى والكرامة والاستقامة، يؤمه المرضى وذوو الأسقام يلتمسون الشفاء بما يتلوه عليهم من الآيات أو يردده من الصلوات أو بما يكتبه من الأحجبة والعقود. وقد ولد له أربعة ذكور وانثى وهم: عبد الله، ويعقوب، ويوسف، وسماني، وفاطمة. وكان عبد الله ويوسف أقلهم ميلا إلى العلم فلم يحفظا القرآن إلا بعد الجهد الشديد وكثرة المزاولة، وكانا أكثر ميلا إلى النخاسة (اقتناص العبيد)، أما يعقوب وسماني فكانا أقرب إلى الهدوء والسكينة، فحفظا القرآن سريعا، ولازما أباهما يساعدانه في صلاته وسائر أعماله.
واتفق في أثناء حرب الزبير باشا لدارفور أن عائلة السيد محمد التقي هذا كانت في جملة القائمين على الزبير، فوقع عبد الله أسيرا في بعض مواقع شكّا، وأراد الزبير قتله فتوسط بعض العلماء في العفو عنه فأبقي عليه، فأراد عبد الله أن يكافئ الزبير على عفوه عنه، فقال له سرا: «رأيت في الحلم أنك المهدي المنتظر وأني أحد أتباعك»، فأجابه الزبير: «لست المهدي، ولكنني رأيت هؤلاء العرب قد قطعوا الطرق على التجارة فجئت لفتحها».
فلما فتحت دارفور واستقر الأمن فيها نزح التقي وعائلته من وطنهم إلى شكّا أقاموا فيها سنتين ثم ساروا منها إلى دار الحمر فالأبيض فدار القمر، ونزلوا أضيافا على شيخ ذلك المكان عساكر أبي كلام بضعة أشهر، وهناك توفي السيد محمد التقي ودفن في شركلة، وقبل مماته أوصى عبد الله ابنه الأكبر أن يلازم بعض مشايخ الدين في وادي النيل مدة ثم يهاجر إلى مكة فيقيم فيها ولا يعود إلى السودان.
فترك عبد الله إخوته عند الشيخ عساكر، وسار قاصدا وادي النيل فسمع في أثناء الطريق بمحمد أحمد المهدي وما يتحدث به الناس من كرامته مع شهرته في طريقه فقصده وطلب الانضمام إليه. واتفق أن محمد أحمد كان إذ ذاك في خصام مع أستاذ طريقته أفضى إلى الشحناء، فاغتنم عبد الله تلك الفرصة وخدم محمد أحمد خدما حببته إليه فأسس محمد أحمد طريقة كان عبد الله من أقدم المشتركين فيها ورأى تجمع الأحزاب حول محمد أحمد، فقال في نفسه: لعل هذا هو المهدي المنتظر، وكان أهل السودان ينتظرون ظهور المهدي قريبا، وكلما رأوا رجلا يفضلهم عقلا ودراية ظنوه المهدي، فقال عبد الله لمحمد أحمد: «إن كنت المهدي المنتظر قل» فقال، وجعل عبد الله خليفة له فهو أقدم خلفائه وأول القائمين بنصرته ويده اليمنى في كل أعماله كما قد رأيت في سياق تاريخ المهدي مما لا فائدة من إعادته.
(?) صفاته وأخلاقه وأعماله

(?-?) وجهه

بلغ التعايشي السنة الخمسين من عمره وهو ربع القامة، أسمر اللون قليلا، على وجهه آثار الجدري، أقنى الأنف حسن شكل الفم، خفيف الشاربين والعارضين، كثيف العثنون (شعر الذقن)، أشيب الشعر، عربي الملامح، وكانت ملامحه في أوائل أيامه تتخللها طلاقة وبهجة فأمست في أواخرها، وقد غشاها انقباض تنقبض منه النفس ويدل على ما انطوى عليه الرجل من الاستبداد والمكر والدهاء. وهو قصير الشفتين تظهر أسنانه من خلالهما وخصوصا إذا تكلم فإنها تبرز لامعة بيضاء كأنه يبتسم.
(?-?) لباسه

وكان قبل وفاة المهدي يلبس الجبة المرقعة الخاصة بالدراويش، فلما تولى الخلافة جعل جبته من القطن الأبيض الرفيع بلا رقع، ولكنه خاط بحوافيها شرائط ملونة. وكان يلبس السراويل من القطن أيضا، ويلف عمامة بيضاء حول طاقية من الحرير صنع مكة، ويلقي على كتفيه أحيانا شالا من القطن. وترى في صورته (ش ??-?) رسمناها بناء على ما وصفه به سلاتين باشا وغيره ممن شاهدوه لأن الرجل لم يتصور صورة منقولة عنه رأسا. وكان في بادئ الأمر يحتذي نعالا كنعال سائر الدراويش ثم أبدلها بالخف واليابوج من جلد ضارب إلى السمرة فإذا مشى حمل بيساره سيفا جميلا، وبيمينه رمحا صغيرا جميل الشكل من صنع قبيلة الهدندوة يتوكأ عليه كالعصا. وهو لا يمشي إلا محاطا بحلقة من صغار العبيد وأكثرهم من أبناء الأحباش الذين أسروا في المواقع الأخيرة المتقدم ذكرها، وواجباتهم إيصال أوامره إلى من أراد في أم درمان فإذا بلغ أحدهم أشده انتظم في سلك الملازمين.
(?-?) أخلاقه

كان حاد الطبع، مقحام غضوب، إذا غضب سارع في حكمه وأصر على عناده، لا يسمع نصحا ولا يصغي إلى مشورة، كثير الشكوك، سيء الظن، لا يثق بأحد ولو كان من أقرب أقربائه أو من أهل منزله لاعتقاده أن الإخلاص والأمانة يندر وجودهما. يرتاح إلى الإطراء والتملق، فإذا خاطبه أحد صدَّر خطابه بذكر محامده، ونسب كل ما حدث من الحسنات إلى حكمته ودرايته وعدله وبسالته وكرمه، فيسمع كل ذلك مصغيا ويزداد عجبا وافتخارا وهو يثق بمقدرته وثوقا تاما، ويظن نفسه قادرا على كل شيء فما كان من ذلك فوق استطاعة البشر نسبه إلى قوة إلهية حلت فيه.
ومن أخلاقه الحقد والصرامة، والعنف والانتقام فيفرح بتكدير الآخرين وخذلانهم. وأسعد يوم عنده يوم يضبط فيه الأموال ويلقي الناس في الأغلال والقيود أو يسوقهم إلى القتل والذبح فيبعد الولد عن والديه والامرأة عن زوجها ظلما وعدوانا، فكثيرا ما أمر بقتل الألوف من النساء والأولاد الأبرياء.
(?-?) مجلسه

ويكلف التعايشي القائمين بخدمته والجالسين في مجلسه تذللا لا تستطيعه نفس الحر، فالداخل عليه يقف أمامه مطرقا ويداه متقاطعتان على صدره ينتظر أمره بالجلوس، والتعايشي جالس في صدر القاعة على عنقريب عليه حصير مصنوع من سعف النخل فوقه فرو من جلد الضأن يرف عن حوافي العنقريب، وقد يتكئ إلى وسادة من القطن فإذا كان الداخلون عليه أهلا للجلوس في حضرته أشار إليهم فيجلسون على الأرض جلوسهم للصلاة مطرقين ينتظرون ما يلقيه عليهم من الأسئلة فيجيبون وهم ينظرون إلى الأرض لا يبدون حراكا إلا إذا أمرهم بالانصراف فينصرفون.
(?-?) داخليته

ومن الغريب أنه مع استبداده في حكومته وعنفه في تنفيذ أوامره فهو على الضد من ذلك مع أهل منزله، فقد كان يحب ابنه عثمان أكبر أولاده حبا شديدا وينعطف نحوه انعطافا غريبا وقد بذل كل مرتخص وغال في سبيل تعليمه القرآن والتفسير والحديث وسائر العلوم الإسلامية، فلما بلغ السابعة عشرة أزوجه ابنة عمه يعقوب، وأغضى عن وصية المهدي بإبطال ولائم الأفراح، فنصب الموائد ومد الأبسطة ثمانية أيام حتى لم يبق أحد من أهل أم درمان إلا أم ذلك الاحتفال، ثم أزوجه فتاتين أخريين من أقاربه، وأهداه قطيعا من السراري والجواري، وأوعز إليه صريحا أن لا يقرب امرأة من نساء وادي النيل (الدناقلة) وزوج ابنته بمحمد بن المهدي وكان محمد هذا ينوي الاقتران ببعض ذوات قرابته لأنه لا يحب ابنة التعايشي، ولكنه لم يتجرأ على التصريح بذلك لعلمه أن التعايشي يسيء الظن به ويتعرض في أموره تعرض الوصي ويراقبه مراقبة الحرس فكظم غيظه وصبر على بلواه.
(?-?) نساؤه

كان التعايشي قبل فتح أم درمان يقيم في منزل كبير على مقربة من الجامع، ونساؤه الشرعيات أربع، وأما الجواري فعددهن يزيد على الأربع مئة أكثرهن من الفتيات اللواتي أُخِذن من والديهن بالأسر بعد الحرب. فهن في اعتباره مما ملكت أيمانه وفيهن البيضاء والسمراء والحبشية والسوداء جعلهن أقساما يرأس كل عشرين منهن رئيسة، وعلى كل ثلاثة أو أربعة من هذه الأقسام امرأة حرة هي في الغالب سرية يختارها هو لهذه المهمة. وفي دار الحريم هذه خصيان معظمهم صغار السن وفي جملتهم عشرون خصيا يرأسهم واحد منهم اسمه عبد القيوم.
(?-?) طعامه

وكان طعامه في أوائل حكومته قاصرا على العصيدة واللحم المطبوخ والدجاج، ولكنه ما لبث أن صار يتناول الأطعمة المركبة التي يتخذها الأغنياء في مصر وغيرها.
(?-?) ملازموه

كان بخدمة التعايشي جند من الملازمين، يقف جماعة منهم في بابه أو يسيرون إلى جانبه إذا ركب. وكان سلاتين باشا واحدا منهم، وأراد التعايشي تعزيز حاشيته فأمر بتجنيد جند لحرسه الخصوصي، فاختار عددا كبيرا من عساكر الجهادية، وأوعز إلى أمراء الغرب (غربي النيل الأبيض) فاختاروا له عددا آخر وأضاف إلى هذا وهذا جماعة من أحاسن الجعالين وغيرهم إلا الدناقلة والمصريين فإنه كان لا يثق بهم فاجتمع من ذلك كله جند عدده ?? ألفا قسمهم إلى ثلاث فرق: يتولى قيادة الأولى منها ابنه عثمان، ويتولى قيادة الثانية أخوه هارون أبو محمد وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، ويتولى الفرقة الثالثة رجل حبشي اسمه رابح ربي في منزل التعايشي. وتقسم كل من هذه الفرق إلى أقسام عدد كل منها مئة يتولى قيادتها ضابط يسمونه (رأس مئة) على أن ابنه عثمان كان يعتبر في أي حال قائد الملازمين كافة. وراتب الملازم نصف ريال من ريالات الدراويش في الشهر، ويصرف لكل منهم وظيفة من الذرة مقدارها ثمن أردب كل أسبوعين. وواجبات الملازمين المحافظة على شخص التعايشي وهو لا يغفل عن مراقبة حركاتهم وتعهدهم بنفسه ليتحقق قيامهم في مراكزهم وإخلاصهم في خدمته.
(?-?) أعماله

أما واجباته بالنسبة إلى رعاياه فإقامة الصلوات الخمس كل يوم في مسجد أم درمان الأكبر فيجلس في المحراب بحيث يرى كل من في الجامع، ووراءه ابنه والقضاة وبعض من اختصهم بالتقرب منه، وإلى اليمين واليسار الملازمون ووراءهم من اليمين أخوه يعقوب وسائر الأمراء، ومن اليسار بعض رجال علي ولد الحلو ثاني خلفاء المهدي، وبعض الجعالين والدناقلة ووراء هؤلاء مجلس العامة صفوفا. ويبلغ عدد الحضور عادة عدة آلاف. وكان التعايشي كثير التدقيق في حضور الأمراء للصلاة فإذا تخلف عنها أحد منهم لامه أو حقدها عليه، وإذا منع التعايشي مانع كمرض أو غيره عن إقامة الصلاة ناب عنه بعض قضاته، ولكنه لا يجلس في المحراب. ويشتغل التعايشي ما بين صلاتي العصر والغروب في سماع ما يرد عليه من الأعمال والمداولة بشأنها مع القضاة، ولما كان أميًّا لا يحسن القراءة ولا الكتابة فيتلوا الأوراق عليه بعض كتابه أو كتمة سره وهم الذين يكتبون الأوامر والمنشورات ثم يختمها هو بختمه.
(?-??) البريد

والمخابرات بين عاصمة الدراويش وسائر أعمالها بواسطة الهجانة؛ وهم عبارة عن ستين أو سبعين هجينا يتولاها بضعة من الرجال يختارهم التعايشي لحمل أوامره إلى العمال ورؤساء القبائل ويعودون إليه بالأخبار والأجوبة، وقد أشار عليه إبراهيم عدلان أن يرتب البريد ويعين له مواقيت ومحطات فأبى بدعوى أن الهجانة الذين يحملون البريد رأسا ينقلون إليه أخبارا شفاهية هي أثمن عنده من نظام البريد. شكل ??-?: عبد الله التعايشي يقطع النيل عند أم درمان ويحرض رجاله على القتال.
(?-??) ركوبه

وكان التعايشي يركب أحيانا فيخرج بموكبه لتعهد بعض منازله في أطراف المدينة فينفخ بوَّاق في بوق طويل من قرن الخرتيت اسمه أمبايو له صوت مزعج، فضلا عن أصوات الطبول، فإذا سمع الناس صوت الأمبايو والطبل علموا أن التعايشي خارج من ديوانه فيفتح الناس أبوابهم ويطلون من السطوح والكوى لمشاهدة خليفة مهديهم. فإذا مشى الموكب ركب الخليفة في حلقة الملازمين يتقدمها شرذمات منهم وراءهم جماهير الناس من أهل المدينة بين راكب وماش. ويمشي إلى يسار التعايشي رجل ضخم اسمه أبو ضحكة يساعده في ركوبه وترجله، ويسير أمام التعايشي البوَّاق ينفخ الأمبايو بأمره ووراءه أصحاب النفير العسكري لتبويق الوقوف أو المسير أو غير ذلك حسب أمره، ويمشي وراءهم خدمته الخصوصيون يحملون له الركوة (إبريق من جلد يملأ ماء للوضوء) وفروًا للسجود عند الصلاة ورماحا، ويرافق هذه الجماهير الموسيقى العسكرية يضربها خمسون عبدا؛ وهي عبارة عن أبواق من قرون الوعل وطبول مصنوعة من جذوع الشجر مجوفة ومغطاة بالجلد أصواتها تزعج الحواس. وفي أثناء مسير الموكب يلعب بعض الخيالة من الملازمين على ظهور الخيل.
(?-??) الاستعراض

وكان يستعرض التعايشي رجاله أربع مرات في السنة في الأعياد الأربعة: المولد النبوي، والمعراج، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، باحتفال شائق يحضره أهل أم درمان وغيرهم وكان يستعرضهم قبلا مرة كل أسبوع في يوم الجمعة.
(?-??) قواته

وأما قواته ومقدار ما كان عنده من الذخيرة والمئونة قبيل ذهاب دولته فمعظمها من المشاة حملة السيوف والرماح وعددهم ????? ومن الخيالة ???? ومن العساكر الجهادية ????? وغيرهم. وجملة ذلك نحو مئة ألف وخمسة آلاف مقاتل وعدد الأسلحة ?? مدفعا و????? بندقية، هذه قوات التعايشي الرسمية ولكنها كانت تتضاعف بما ينضم إليها من القبائل القائمة بنصرته.
(?) حكومة التعايشي وإدارتها وأعمالها

المالية: تسمى المالية عند الدراويش «بيت المال» أو هي بيوت المال يختص كل بيت منها بنوع من أنواع الدخل والخرج أهمها خمسة، وهي: (?) بيت المال العمومي.
(?) بيت مال الملازمين.
(?) بيت مال الخمس للخليفة.
(?) بيت مال ورشة الحربية.
(?) بيت مال ضابطة السوق.
(?-?) بيت المال العمومي

هو عبارة عن الخزينة العمومية لمملكة الدراويش يجمع دخلها من المصادر الآتية: (?) الزكاة والفطرة.
(?) الأسلاب والغنائم المكتسبة بالحرب.
(?) العشور وهي ما يدفعه التجار ضريبة على بضائعهم (المكس).
(?) ضريبة الصمغ.
(?) ضريبة القوارب.
(?) قروض يعقدها بيت المال مع التجار ولا ينوي دفعها.
(?) ضرائب العبور في النيل من ضفة إلى أخرى (المعديات).
(?) غلة الأرض الواقعة غربي النيل الأبيض وشرقي النيل الأزرق، وهي تمتد جنوبا إلى كركوج وفشودة، وشمالا إلى حجر العسل.
(?) معين يستولي عليه بيت المال العمومي من بيوت المال الأخرى.
وأما نفقات بيت المال العمومي فهي: (?) نفقات نقل الجيوش ومؤنهم وذخائرهم إلى المديريات والمقاطعات.
(?) أعطيات الجند (رواتب الجهادية).
(?) رواتب المستخدمين.
(?) الصدقات.
(?-?) بيت مال الملازمين

ويراد به خزينة الملازمين وهم جند التعايشي الخصوصيين، ومنهم حراسه وياورانه يجتمع دخل هذه الخزينة من محاصيل أرض الجزيرة «بين النيلين الأبيض والأزرق» وأما نفقاتها فمحصورة في رواتب الملازمين.
(?-?) بيت مال الخمس للخليفة

وهو أشبه شيء بالخزينة الخاصة ودخله من المصادر الآتية: (?) معظم ما يفضل في خزائن المديريات بعد نفقاتها المعلومة.
(?) محاصيل الجزائر الواقعة في النيل وفي جملتها جزيرة توتي تجاه الخرطوم ومحصول أرض الغيمة ومنها حلفاية وكملين وكانتا قبلا من أملاك الخاصة الخديوية.
(?) عشر البضائع التي ترد من بربر إلى أم درمان.
(?) أثمان العبيد الذين يرسلون من المديريات.
(?) محصول أكثر البواخر والسفن. أما خرج بيت مال الخليفة فمحصور في نفقات منزله الخصوصي.
(?-?) بيت مال ورش الحربية

ويشبه خزينة الحربية عندنا دخله من: (?) غلة جنائن الخرطوم.
(?) محصول بعض السواقي بجوار الخرطوم.
(?) العاج الوارد من خط الاستواء، وخرجه:(?) نفقات البحرية.(?) نفقات الترسخانة، ويسمونها بيت الأمانة.(?) استخراج ملح البارود وتنقيته.(?) نفقات معمل الأسلحة.
(?-?) بيت مال ضابطة السوق

وهي خزينة الضابطة، دخله من أموال السكيرين والمقامرين التي يحكم التعايشي بضبطها ومن ضريبة الحوانيت. وأما نفقاته فعلى ما يأتي: (?) رواتب الضابطة من الأنفار والضباط.
(?) نفقات بيت الضيافة وهو ليعقوب أخي عبد الله التعايشي.
(?) نفقات بناء السور الكبير لأم درمان.
هذه هي أقسام المالية من الدخل والخرج، أما المقادير التي تدخل وتخرج فلا تتيسر معرفتها.
(?) النقود والتجارة

لما أقام المهدي بدعوته ووفق إلى فتح المديريات استولى على خزائنها وأموال أهلها فكان ينفق مما وصل إلى يديه من ذلك، وهي النقود الدارجة في السودان على عهد الحكومة المصرية، أهمها الريال المجيدي، والريال أبو مدفع، فلما اتسعت مملكته ونفدت تلك الأموال أخذ في ضرب النقود باسمه، أشار عليه بضربها أحمد ولد سليمان فضرب نقودا فضية شبيهة بالريال المصري، وجنيهات شبيهة بالجنيهات المصرية، ولكنهم لم يكونوا يضبطون المقادير اللازمة من كل معدن منها، وكان الذهب قليلا بين أيديهم فكفوا عن ضرب الجنيه، وأكثروا من ضرب النقود الفضية فضربوا منها ضربات عديدة تعرف بأسماء خاصة منها (ريال المهدي) وهذا أحسنها كلها، ومنها (مقبول) و(أبو سدر) وكلاهما من ضرب نور القيرافوي و(أبو كيس) وعليه رسم رمحين متصلين. و(العملة الجديدة) على أنهم أخذوا ينقصون مقدار الفضة بالنسبة إلى النحاس كنسبة ? إلى ? مع أنها كانت في بادئ الرأي ? إلى ? أي أن الريال كان يحتوي سبعة أجزاء من الفضة وجزءا من النحاس، وهو ريال المهدي فصار يحتوي جزئين من الفضة وخمسة من النحاس، وذلك دليل على فقر السودان وفساد حكومته. على أن دار ضرب النقود كان يتخذها كبار الدراويش تجارة يكتسبون بها أموالا طائلة لأنها تعطي حكرا أو ضمانة، ومن قوانينها أن يرأسها اثنان معا يدفع الواحد منهما ستة آلاف ريال كل شهر، وما يضربانه من النقود يجب أن يكون مقبولا لدى التجار وغيرهم، فإذا اعترض أحد على صحتها أو تمنع عن قبولها فعقابه الجلد أو سلب الأموال، فالريال صار يستبدله تجار أم درمان بثمانية ريالات من العملة الجديدة، ويستبدلون الريال أبو مدفع بخمسة ريالات، فاضطروا ملافاة لما يلحقهم من الخسارة بهذه المعاملة أن يرفعوا أثمان بضائعهم حتى بلغ ثمن شقة البفتة الزرقاء التي يصطنعون منها ثياب النساء ستة ريالات، وكان ثمنها على عهد الحكومة المصرية ثلاثة أرباع الريال، وأصبح رطل السكر (الرطل ??? درهما) بريالين.
ومن الغريب أن غلاء الأثمان قاصر على البضائع الواردة من مصر، أما ما يجلب من السودان فأثمانه بخمسة بالنسبة إلى تلك، فالجمل مثلا يساوي ستين ريالا، والبقرة مئة ريال، وأردب الذرة ستة ريالات، والخروف خمسة ريالات فأكثر. شكل ??-?: مجلس التعايشي.
(?) القضاء

كان القضاء منوطًا عندهم بالقضاة، وكبيرهم يسمى «قاضي الإسلام» وجميعهم آلات صماء بأيدي التعايشي فلا يصدرون حكما إلا كما يوحيه هو إليهم ما خلا القضايا الطفيفة من الأحوال الشخصية وما شاكلها، فقضاة الدراويش بهذا الاعتبار بين جاذبين قويين ضميرهم والأحكام الشرعية من جهة وإدارة التعايش من جهة أخرى، وهناك أسماء قضاة أم درمان عام سنة ????. (?)حسين ولد زهرةمن قبيلة الجعالين(?)سليمان ولد الحجازمن قبيلة الحجماب(?)حسين ولد قيسومن قبيل الحمر(?)أحمد ولد حمدانمن قبيلة العراقين(?)عثمان ولد أحمدمن قبيلة البطاحين(?)عبد القادر ولد أم مريموكان قاضي كلاكلا على عهد الحكومة المصرية(?)محمد ولد المفتيوهو قاضي المواد الجزئية بين الملازمين
وهناك قضاة آخرون للقبائل الغربية إذا حضروا الجلسة لا يصدرون حكما، بل يبدون رأيهم. وأما شيخ الإسلام فهو حسين ولد زهرة المتقدم ذكره أول القضاة، تلقى الفقه في مدرسة الجامع الأزهر، وهو أعلم أهل السودان كافة مع الميل إلى العدالة، وكثيرا ما أصدر أحكاما تنطبق على مقتضى الشريعة الغراء، وتخالف إرادة التعايشي غير راض عنه تمام الرضى، وقلما يدعوه لحضور الجلسات.
وأساس الأحكام عندهم الشريعة الإسلامية وتعاليم المهدي التي أشرنا إليها في كلامنا عن أوصاف المهدي وتعاليمه، ويزعمون أن هذه التعاليم إنما وضعها المهدي لإحياء ما كاد يندثر من أحكام الشريعة الغراء بالإهمال. وأهم تلك التعاليم الاعتقاد بأن محمد أحمد هو المهدي المنتظر، ومن شك في ذلك فعقابه القتل.
وواجبات قاضي الملازمين الحكم في ما يعرض بين الملازمين أو بينهم وبين عامة الناس، وفي الحالة الثانية فالحق دائما في جانب الملازمين. وهناك قاضيان ملحقان ببيت المال ينظران في القضايا المتعلقة بالأحكام الشرعية من جهة بيع الرقيق وشرائه. وعندهم قاض يقيم في السوق ليحكم في الأمور الطفيفة التي تعرض هناك.
تلك كانت حال حكومة الدراويش سنة ???? ثم توالى عليها النحس وجندت الحكومتان المصرية والإنكليزية لقهرها وبعد مواقع عديدة فتحوا أم درمان سنة ???? وفر التعايشي ورجاله إلى الجبال في كردوفان فتبعوه بعد قليل، وحاربوه سنة ???? فحاربهم مستهلكا حتى قُتِل هو وكل من كان معه إلا قليلين التجأوا إلى الفرار وانقضت بتلك الواقعة دولة الدراويش.

الفصل الثاني عشر
ناصر الدين شاه ملك الفرس


شكل ??-?: ناصر الدين شاه ملك الفرس الأسبق (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
مملكة الفرس من الممالك القديمة التي عاصرت البابليين والمصريين واليونان والرومان، وامتدت سطوتها إلى الخافقين أجيالا متطاولة وتوالى على سرير ملكها دول متعددة أقربها عهدا منا الأكاسرة، بدأ حكمهم فيها في القرن الثالث للميلاد حتى استخرجها العرب من أيديهم في صدر الإسلام، وما زالت في حوزة العرب إلى سنة ????م فتولاها التتر إلى سنة ????م فأخرجها من أيديهم رجل عربي الأصل اسمه إسماعيل، فتولاها ?? سنة وسمى نفسه الشاه، ثم تولى خلفاؤه بعده وعُرِفوا بالشاهات، واشتهر بينهم أفراد امتازوا بالحكمة والشجاعة. وآخر عائلة من شاهات الفرس عائلة قاجار أولها أغا محمد خان، تولى الملك سنة ???? وخلفه ابن أخيه فتح علي شاه سنة ???? ثم محمد شاه حفيد فتح علي سنة ????م ثم ابنه ناصر الدين شاه الذي نحن في صدده.
ولد رحمه الله يوم الإثنين ? صفر سنة ???? (?? يوليو سنة ????) واسم والدته البرنسس وليت، فرُبِّيَ في حجر والده وتولى في صباه ولاية أذربيجان بحياة والده وفي ?? أكتوبر سنة ???? توفي والده محمد شاه فأفضت السلطة إليه، وهو لم يكد يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فتولى الأحكام بعقل ودراية مع ميل إلى الإصلاح ومجاراة التمدن الحديث، وكان في أوائل حكمه كثير الاعتماد على مشورة وزيره الأعظم الأمير مرزا طاغي، وكان وزيره هذا رجلا محنكا عاقلا، فكانت له باع طولى في سائر الإصلاحات التي أحدثها الشاه في بلاده وعرف الشاه له ذلك فكافأه بتزويجه أخته، وتلك نعمة قلما نالها وزير فحسده بعض زملائه فوشوا به إلى الشاه، فنفاه، وقالوا: بل قتله.
على أن ذلك لم يقف في سبيل أعماله فتابع الإصلاح والأحكام بحكمة وثبات، ولكن موقع بلاد إيران الجغرافي جعلها عرضة لمطامع دولتين من أعظم دول أوروبا، وهما الروسية من الشمال وإنكلترا من الشرق فملافاة لما يخشاه تقرب من فرنسا فعقد معها سنة ???? معاهدة صداقة وتجارة، ولما انتشبت حرب القرم التزم الحيادة.
وفي سنة ???? احتلت جنوده هرات فشق ذلك على حكومة إنكلترا فجردت عليه جندا هنديا في آخر سنة ???? واستعرت نار الحرب بضعة أشهر، وانتهت بإخلاء هرات ومعاهدة عقدت بباريس في ? مارس سنة ???? يعود النفع بها على إنكلترا. ولم يكد يستريح من مناضلة ذلك العدو الشديد حتى ثارت عليه بعض الولايات المجاورة فحاربها وتغلب عليها وأرسل حملة إلى التركمان وعاد ظافرا غانما.
فلما هدأ باله من الحروب والفتن عمد سنة ???? إلى الإصلاح فغير نظام الجند، وأدخل الأسلاك التلغرافية إلى بلاده. وأول سلك نصبه احتفل بنصبه بنفسه سنة ????. وفي سنة ???? عقد مع إنكلترا عهدا بشأن إنشاء المواصلات التلغرافية بين أوروبا والهند عن طريق الفرس وأنشأ المدارس والمكاتب ونشط المشروعات الأدبية والعلمية على أنه لم يخل من أعداء يتربصون له ويغتنمون الفرص للفتك به ففي سنة ???? اكتشف على مؤامرة سعى فيها جماعة من رعيته فانتقم منهم انتقاما جاوز به حد الرأفة، وعرَّض اسمه للوم أمام أوروبا فهاجت خواطرها ولكنها لم تحرك ساكنا.
وفي سنة ???? أصاب بلاد فارس قحط رافقه الهواء الأصفر والحمى فأصاب الناس جهد شديد فبلغ عدد الذين ماتوا في أصبهان وحدها ?????.
فلما زالت النكبات وعاد الخصب، عزم ناصر الدين شاه على السياحة في أوروبا فسار في ?? مايو سنة ???? من طهران شمالا فقطع بحر قزوين إلى استراخان ومنها إلى موسكو فبطرسبورج فألمانية فبلجيكا فإنكلترا ففرنسا فسويسرا فإيطاليا فسالسبورج ففينَّا، ثم عاد إلى إيطاليا وسار منها إلى الأستانة ومنها إلى تفليس، ومنها إلى باكو بالعربة، وعاد إلى طهران مسرعا فوصلها في ? سبتمبر سنة ???? وشاع عند عودته أنه إنما أسرع لملافاة مؤامرة كانوا يسعون فيها لخلعه فجازى المؤامرين بعصا من حديد.
وفي سنة ???? ثار الجهادية وتمردوا على الشاه حتى اضطروه لمغادرة طهران، ولكنه ما لبث أن أخمد نارهم وعاد إلى كرسيِّه. وفي سنة ???? ساح سياحة أخرى في روسيا. وفي سنة ???? ثار عليه الأكراد فأبلى فيهم بلاء حسنا فثابوا إلى السكون، وفي سنة ???? مد أول خط حديدي بين طهران وشاه عبد العظيم على أن السكك الحديدية دخلت بلاد الفرس منذ سنة ???? وفي أوائل سنة ???? خرج للسياحة في أوروبا مرة ثالثة فلاقى ترحابا عظيما، وعاد في أواخرها وقضى السنين الأخيرة بالراحة والسكينة مهتما في شئون مملكته وترقية شأن رعيته، وقد أخذ الإيرانيون يشتغلون في إعداد المعدات للاحتفال بالعام الخمسين لملكه ففاجأهم ذلك المصاب بمقتله بغتة.
قتله رجل معتوه في أول مايو سنة ???? وهو داخل مسجد عبد العظيم ليصلي فأصابت الرصاصة قلبه فمات، وأفضى الملك بعده إلى أكبر أنجاله مظفر الدين شاه. شكل ??-?: مظفر الدين شاه ملك الفرس السابق.
(?) النهضة العلمية الأخيرة في بلاد الفرس

(?-?) تمهيد

اشتهر الفرس من قديم الزمان بالعلم والأدب ونبغ منهم الشعراء، والفلاسفة، والحكماء، والأطباء، يوم كانت أوروبا لا تزال محجوبة بظلمات الجاهلية. حتى إذا ظهر الإسلام ودخلت بلاد فارس في حوزته كان الفرس من أكبر العوامل الفعالة في نشأة التمدن الإسلامي.
فلما قضي على الشرق بالتقهقر في الأجيال الأخيرة أصاب بلاد فارس من ذلك ما أصاب الشام ومصر، فانغمست تلك البلاد في حمأة الجهل إلا ما كان من بقايا العلوم القديمة الذائعة على أيدي المشايخ والفقهاء وغيرهم مما لا يلائم مقتضيات العصر الجديد عصر الاختراع والاكتشاف. وتفتخر مصر ويحق لها الفخر بأنها سبقت سائر بلاد المشرق في اقتباس أنوار التمدن ثم نسج الشرقيون على منوالها.
ومما لا يحسن السكوت عنه أن الفضل الأكبر في تأسيس النهضة العلمية في الشرق سواء كان ذلك في مصر أو الشام أو فارس إنما هو للفرنساويين، وأول من غرس بذور التمدن فيه إنما هو رجلهم بل هو رجل العالم وفرد أفراده «نابليون بونابرت» حمل هذا القائد على الشرق يريد اكتساحه كما اكتسحه الإسكندر قبله، لكنه لم يأته بالعدة والسلاح فقط، بل نقل إليه بذور التمدن وأصول المعارف فأرفق حملته الحربية بحملة علمية جمعت نخبة من علماء فرنسا في ذلك الحين. ولم يوفق بونابرت في فتوحه الشرقية فعاد على أعقابه وظلت تلك البذور كامنة حتى نهض من رجال الشرق من أحسن تعهدها وتربيتها فنمت، وكان منها ما كان من نهضة مصر والشام. فالنهضة الأخيرة تبدأ فيهما من آخر القرن الثامن عشر، وقد نمت وازدهرت وأثمرت على يد أرومة العائلة الخديوية المغفور له محمد علي باشا الكبير ومن خلفه من أعقابه الكرام.
أما بلاد فارس فإن الفضل في نهضتها الأخيرة للمغفور له ناصر الدين شاه.
(?-?) أساس النهضة

تبدأ هذه النهضة سنة ????هـ (????م) لأن في هذه السنة أرسل المغفور له ناصر الدين شاه أربعين شابا من أدباء الفرس وأهل العصبية برئاسة حسن علي خان أمير نظام من مشاهير قواد الفرس وأهل البيوت الرفيعة. سار أولئك الشبان إلى فرنسا فتلقوا فيها العلوم الحديثة بأنواعها من الطب والرياضيات والطبيعيات، وعادوا إلى بلادهم، وعملوا على نشر تلك العلوم بإنشاء المدارس كما سيجيء.
(?-?) المدارس

كانت المدارس في بلاد فارس قبل هذه النهضة على نسق الكتاتيب المصرية القديمة وربما كان في البلدة الواحدة عدة مدارس، ولكن التعليم كان على الطريقة القديمة يقتصر الخوض فيها على العلوم الدينية وشيء من العقليات والرياضيات والعلوم العربية. وكانت اللغة العربية يومئذ سائدة بعد الفارسية كما هي الآن فلما عادت البعثة المتقدم ذكرها سنة ????هـ أنشئت المدارس على النمط الحديث في طهران وتبريز. ففي طهران اليوم سبع مدارس كبرى للحكومة، وهي: (?) مدرسة الطب.
(?) المهندسخانة.
(?) مدرسة الميكانيك.
(?) مدرسة المعادن (الطبيعيات).
(?) مدرسة الصنائع.
(?) مدرسة المبتديان.
(?) التجهيزية،
ويطلق عليها جميعا اسم «دار الفنون». وفي تبريز مدرسة كبيرة تعلم فيها اللغات الفارسية والعربية والإنكليزية والفرنساوية والروسية وسائر العلوم العصرية. وكل من المدارس المتقدم ذكرها كانت تحت رئاسة عالم فرنساوي، وأكثر أساتذتها ورؤسائها من متخرجي مدارس فرنسا.
وأسس ناصر الدين شاه في مدينة طهران فضلا عما تقدم مدرسة سماها «دار الترجمة» أقامها في قصره وتحت رئاسته لترجمة الكتب العلمية من اللغات الإفرنجية، وكان ينفق عليها من ماله الخاص.
(?-?) مدرسة الطب

ومما يحسن ذكره أن الطب كان قبل هذه النهضة على ثلاثة أشكال: الطب الهندي، والطب اليوناني، والطب الفارسي. وكان كل منها يعلم على حدة وله قوانين خاصة. فلما أراد ناصر الدين شاه إنشاء المدرسة الطبية استقدم من فرنسا طبيبا ماهرا اسمه الدكتور طولوزان كلفه بإنشاء مدرسة طبية كلية على مثال مدرسة باريس، وفرض على كل طالب أن يتعلم الطبين الحديث والقديم، وأمر بترجمة الكتب الطبية من الفرنساوية إلى الفارسية، واستحضر سائر المعدات الطبية من الأدوات والتماثيل ونحوها بحيث يخرج الطالب منها وشهادته مقبولة في سائر الممالك كأنها معطاة من أكبر مدارس فرنسا، وقد توفي مؤسسها الدكتور طولوزان وخلفه غيره. ونبغ من هذه المدرسة جماعة من الأطباء نذكر منهم الدكتور ميرزا علي خان، والميرزا محمد خان، وزين العابدين خان، وغيرهم من نطس الأطباء. شكل ??-?: أحمد شاه ملك الفرس الحالي.
ولما تولى جلالة مظفر الدين شاه سنة ???? سار على خطوات المرحوم والده فنشط العلم ووسع الساعين في إنشاء المدارس فأنشئ منها تحت رعايتة ست عشرة مدرسة، بعضها في طهران والبعض الآخر في تبريز وبوشهر وغيرهما. ثم شغلت الأمة بالقيام على الشاه المذكور التماسا للدستور حتى أفضى الأمر إلى خلعه سنة ???? وتولية أحمد شاه الحالي.
(?-?) المطابع

يظهر أن المطابع في إيران أقدم من المدارس الحديثة فيها، وأول مطبعة أنشئت في تبريز سنة ????هـ (????م) سعى في إنشائها عباس ميرزا ولي عهد فتح علي شاه ملك الفرس يومئذ فإنه استدعى اثنين من فحول العلماء، وهما: ميراز صالح شيرازي، وميرزا محمد جعفر التبريزي الشهير بأمير، وأرسلهما إلى موسكو وبطرسبرج فاستحضرا ?? آلة طباعة من الطراز القديم (مكبس) تطبع على الحجر (ليتوغراف) وأسسا دار الطباعة في تبريز باسم الحكومة، وبعد بضع سنين تنازلت لهما الحكومة عنها. ثم أنشئت في طهران مطبعة حروف (تيبوغراف) وأول كتاب طبع فيها القرآن الشريف. ولكن هذه الحروف لم يطل استعمالها أكثر من بضع وعشرين سنة فأهملت وانتشرت المطابع الحجرية في طهران وخراسان وشيراز ثم عادوا منذ بضع سنين فأنشأوا مطبعة حروف في تبريز تسمى «مطبعة سركاري» سعى في إنشائها محمد علي ميرزا ولي العهد يومئذ. وفي تبريز وطهران فضلا عما تقدم كثير من المطابع الأجنبية الفرنساوية والأرمنية.
(?-?) الصحافة الفارسية

أول صحيفة فارسية ظهرت للوجود جريدة «روزنامه» صدرت في تبريز في أواسط القرن الثالث عشر للهجرة، وكانت أسبوعية ثم جريدة «إيران» الرسمية وجريدة «رومية» في أذربايجان. و«فرهنك» في أصبهان تحت رعاية السلطان مسعود ميراز، ظل السلطان الشقيق الأكبر للشاه السابق.
وظهرت في أيام مظفر الدين شاه جريدة «تبريز» في تبريز و«صدى الفرس» بالفرنساوية و«اطلاع» و«شرف» (وهي جريدة مصورة) و«خلاصة حوادث» يومية و«تربيت» في طهران. ثم «شرافت» مصورة و«ناصري» و«احتياج» و«أدب» و«كمال» في تبريز. وجريدة «رومية» ظهرت في رومية باللغة الكلدانية. ولما أعيد الدستور الفارسي بالأمس ظهرت جرائد كثيرة لا محل لها هنا.
أما الصحافة الفارسية خارج إيران فأولها جريدة «اختر» (الكوكب) صدرت في الأستانة سنة ???? (????م) لصاحبها آقا محمد طاهر تبريزي ظلت تصدر إلى عام ???? فتعطلت لضعفٍ ألمَّ بصاحبها، ثم صدرت «حكمت» في مصر القاهرة سنة ???? وهي مجلة سياسية علمية لمنشئها زعيم الدولة الدكتور ميراز محمد مهدي خان التبريزي رئيس الحكماء، وهو من فطاحل علماء إيران، وعليه كان معتمدا في أكثر ما ذكرناه عن النهضة الأخيرة في بلاد الفرس. ولا تزال «حكمت» تصدر بين ظهرانينا مرة كل أسبوع. ثم صدرت جريدة «كوكب ناصري» في بومباي. ثم «حبل المتين» في كلكتة من بلاد الهند سنة ???? للسيد جلال الدين الكاساتي. ثم ظهرت جريدة «ثريا» في القاهرة سنة ???? لمنشئها ميراز علي محمد خان، وظهرت منذ بضع سنين جريدة جهره نما بالإسكندرية وهي الآن تصدر في القاهرة. والفرس ميالون إلى المطالعة، وكلهم يقرءون العربية لأن تعلم هذه اللغة إلزامي في مدارسهم.
وفي بلاد الفرس جماعة كبيرة من العلماء وهم على أربعة أصناف: (?) علماء العلوم الدينية، وهم الفئة الكبرى، ومنهم الفقهاء وكل اشتغالهم باللسان العربي مطالعة وتأليفًا.
(?) الحكماء ويسمونهم الحكميين نسبة إلى الحكمة؛ أي الفلسفة وهم كتار ومبتسرون ويكتبون بالعربية والفارسية.
(?) علماء العلوم الحديثة ومنهم الأطباء والمهندسون وغيرهم، وهم يعرفون العربية والفارسية والفرنساوية وغيرها.
(?) الشعراء، وهم جماعة كبيرة لهم شأن عظيم عند الدولة والملة؛ لأن الشاه وأهل دولته يعظمون شأن الشعراء ويجلُّون مقامهم. ومنهم شاعر خاص يسمونه «ملك الشعراء» وآخر لولي العهد يسمونه «صدر الشعراء».
وليس في بلاد فارس جمعيات أدبية أو علمية على ما يعلم إلا جمعية نشأت منذ عدة أعوام تسمى «أنجمن دآتش» وفي النجف طائفة كبيرة من علماء الدين عندهم، كان لهم تأثير كبير في إعادة الدستور وهم الذين تعاقدوا مع ثريا بك مندوب جمعية الاتحاد والترقي العثمانية على الثبات في نصرة الحرية، وهذا رسمهم وهم يتعاقدون (راجع تاريخ الدستور الفارسي في السنة ?? من الهلال). شكل ??-?: تعاقد علماء النجف وثريا بك.
(?-?) نظام الجند

ولا بأس من استطرادنا إلى ذكر نظام الجند الفارسي لأنه من جملة مقتضيات التمدن الحديث. دخل هذا النظام سنة ????هـ (????م) بدأ بتنظيمه فتح علي شاه، وكان قد سمع بنظام الجند الفرنساوي على ما وضعه بونابرت، فبعث إلى فرنسا استقدم أحد مشاهير قوادها ومعه عشرون ضابطا جعلهم جميعا تحت قيادة ابنه عباس ميراز ولي عهده، وكان يومئذ واليًا على أذربايجان فدربوا الجند على نظام الجند الفرنساوي. ثم تراءَى له إبداله بالنظام الإنكليزي، وسمي الجندي «سرباءَ» أي فادي الرأس. ثم أبدله ناصر الدين شاه بالنظام النمساوي سنة ????هـ (????م) على أثر رحلته المشهورة إلى أوروبا، واختار لجنده ضباطا نمساويين عقد معهم اتفاقا على خمس سنوات. فلما قضوا تلك المدة طابت لهم الإقامة هناك فتجنسوا بالجنسية الفارسية وتوطنوا ولا يزال هذا نظام جند فارس إلى اليوم.

الفصل الثالث عشر
الأمير عبد الرحمن أمير الأفغان


شكل ??-?: الأمير عبد الرحمن خان (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
(?) استقلال أفغانستان

يبدأ تاريخ أفغانستان بالوضوح منذ استيلاء تيمورلنك عليها وهو القائد المغولي الشهير الذي دوَّخ آسيا في أواخر القرن الرابع عشر للميلاد، وفتح أفغانستان في جملة فتوحاته وتولاها خلفاؤه بعده. وفي سنة ????م استخرجها من دولة آل تيمور ظهير الدين محمد القائد المغولي المعروف ببابر «بابر» في الهندية «النمر» سمي بذلك لما ظهر من أعماله الدالة على البطش والشجاعة. وهو من سلالة جنكزخان وفي عروقه شيء من دم تيمورلنك. ظهر هذا القائد في فرغانة بين سمرقند ونهر الهند. وكان أبوه أميرًا على فرغانة فطمع هو في الغزو ففتح كابل، ودوَّخ بلاد الهند، وأسس فيها دولة مغولية دخلت أفغانستان في حوزتها.
وما زالت أفغانستان تابعة لدولة بابر حتى ظهر نادر شاه القائد الفارسي الشهير بنابليون الشرق (راجع ترجمته في الهلال ?? سنة ?) فكان من جملة غزواته أنه فتح قندهار وكابل سنة ???? واكتسب ثقة الأفغانيين فأحبوه وانتظموا في جنده وفي جملتهم شاب شجاع اسمه أحمد خان الدراني من قبيلة العبادلة، وكان يعرف بأحمد خان العبدالي. شكل ??-?: تيمورلنك القائد المغولي الشهير.
وظلت أفغانستان في حوزة الفرس عشر سنوات. فلما قتل نادر شاه سنة ???? اختار الأفغانيون أحمد المذكور أميرا عليهم. فأصبحت أفغانستان مملكة مستقلة وملكها أحمد العبدالي، وقد سموه أحمد شاه. فتولى حكومتها بضعا وعشرين سنة، وفتح بلادا كثيرة أخضعها للأفغان. فأصبحت مملكته تمتد من بحر قزوين غربا إلى حدود الهند شرقا. ومن أشهر حروبه واقعة بني بتان قرب دهلي حارب بها قبائل المهراتة من الهنود الوثنيين في ? يناير سنة ???? والمهراتة يومئذ في إبَّان بطشهم، وقد أعجزوا أعاظم السلاطين التيمورية في الهند حتى طمعوا بنزع السلطة من أيدي المسلمين، وكانت جنود الهند في تلك الواقعة ثمانين ألفا، وجند أحمد شاه ستين ألفا نصفهم من الأفغان، ولم يكن أحمد شاه يعتمد في حروبه على سواهم، فانهزمت المهراتة شر هزيمة ونكَّل بها الأفغانيون تنكيلا عظيما. فطار صيت أحمد شاه في أقطار الهند وهابه الملوك والأمراء، وانتشرت سطوته هناك ففتح بنجاب وكشمير والسند وما والاها.
ثم بلوجستان ومكران وبلخ وغيرها، واتسعت مملكة الأفغان في أيامه اتساعا عظيما، ونالت ثروة وسطوة لم تبلغ لهما قبله ولا بعده. وأحبه رعاياه وأكرموه حتى لقبوه ببابا، وصار اسمه «أحمد شاه بابا». شكل ??-?: نادر شاه — الفاتح الفارسي الشهير.
ولكن الممالك القائمة بقوة سلطانها أو أميرها فقط لا تلبث إذا هو مات أن تسقط حتى يقوم من يقيمها بعده خلافا للحكومات المؤسسة على النظام والمقيدة بالشورى، فإن موت الملك قلما يؤثر فيها. ومات أحمد شاه سنة ???? فخلفه ابن له اسمه تيمور وكانت قصبة المملكة قندهار فجعلها كابل وهي لا تزال قصبة أفغانستان إلى الآن. وكان تيمور هذا حكيما عاقلا فاجتهد في استبقاء ما خلفه أبوه من العز فبقيت المملكة سعيدة طول أيامه. وتوفي بعد عشرين سنة، وخلَّف ?? ولدا، خلفه منهم ابنه الخامس شاه زمان، وقام النزاع بين الإخوة فتضعضعت المملكة وخرج كثير من الولايات من حوزتها، وصار القواد يختطفونها والأعداء يسطون عليها مما يطول شرحه، حتى أفضى الأمر إلى انقسامها فاستولى على كابل أحد القواد من قبيلة الباركزائية واسمه دوست محمد (جد عبد الرحمن أمير الأفغان) في أوائل القرن الماضي. وطمحت مطامع نابليون بونابرت في أثناء ذلك إلى أواسط آسيا فبعث الجواسيس إلى أمرائها وملوكها وفي جملتهم شاه الأفغان. فخاف الإنكليز عاقبة تلك الدسائس فبعثوا سفيرا إلى الشاه سنة ???? لمقاومة دسائس بونابرت، وكان ذلك أول علاقات الإنكليز بالأفغان. ثم سطا الفرس على الأفغان فحاصروا هرات سنة ???? وتحرك الروس فخاف الإنكليز على أغراضهم، فأرسلوا سفيرا اسمه بارنس ليقيم في كابل، وازدادت العلائق بعد ذلك بين دوست محمد وإنكلترا، وكُتِبت المعاهدات وإنكلترا تنصره على كل مهاجم أو منازع. وكان دوست محمد شاه هذا حكيما ينظر في شئونه بعين الحكمة والدراية فاستفاد من علائقه الحسنة مع إنكلترا فائدة كبرى.
وتوفي دوست محمد عام ???? ونذكر من أولاده ثلاثة، وهم: أفضل خان، وأعظم خان، وشير علي خان، وكان هذا أصغرهم، ولكن أباه اختصه بولاية العهد من دونهم فشق ذلك على أخويه، وقام النزاع بين الإخوة وشبت الحروب الداخلية، فكان النصر حليف شير علي خان حتى قبض على أخيه أفضل خان (والد الأمير عبد الرحمن) وألقاه في السجن، وكان عبد الرحمن شابًّا لا يزيد عمره على العشرين عام، ففر إلى بخارا ثم عاد إلى أفغانستان، وانضم إلى جيش عمه أعظم خان، وحارب معه حتى تمكن من دخول كابل بجيشه ظافرا ثم طارد شير علي خان وتغلب عليه في مواقع كثيرة.
ثم عاد شير علي ومعه القبائل والأحزاب فأخرج عبد الرحمن من كابل فأراد الالتجاء إلى الهند فمنعه حاكمها من الدخول إليها فاحتمى بروسيا نكاية بإنكلترا، وأقام عبد الرحمن بين سمرقند وتشقند عشر سنوات، والحكومة الروسية تجري عليه راتبا يزيد على مئة وخمسين جنيها في الشهر.
(?) الأمير عبد الرحمن

هو عبد الرحمن خان بن أفضل خان بن دوست محمد خان. ولد عام ???? ونشأ منذ نعومة أظفاره بين الفتن والحروب بما قام من التنازع على النفوذ في أفغانستان بين الروس والإنكليز. ناهيك بما استحكم من الخصام بين والده أفضل خان، وأعمامه أولاد دوست محمد خان، لكن عبد الرحمن يناضل عن والده نضالا حسنا، واشتهر بالشجاعة والإقدام، ولم تبق بقعة في أفغانستان لم تتلوث أرضها بدماء قتلاه. حتى إذا حمي وطيس الحرب بعد دخول الإنكليز لجأ هو إلى الروسيين وتلك عادة أمراء الأفغان في مثل هذه الأحوال. فأجرى القيصر عليه الرواتب والوظائف حتى كانت سنة ???? وخلَّت كرسي الملك في كابل فأقامه الإنكليز عليها على أن يراعي جانبهم.
ثم أخذوا بناصره وعضدوه وبالغوا في تقريبه بالهدايا والرواتب، وفي جملة ذلك راتب مقداره ?????جنيه في العام فضلا عن النياشين والرتب، ولقبوه السير عبد الرحمن خان. وجهزوه بكثير من الأسلحة والمدافع، وجعلوا من مقتضى المعاهدة المبرمة بينهم وبينه أن يمدوه بالمال وينصروه بالرجال عند الحاجة، وأنشأوا له في كابل ترسانة للأسلحة وأمدوه بالعملة والمهندسين حتى صاروا يعتقدون أنه صنيعهم وخادم مصالحهم. أما هو فلم يكن يعترف بذلك ولا يريد أن يعترف به، بل كان يعتبر نفسه مخالفا لإنكلترا، ويؤيد ذلك أنه أراد أن يرسل سفيرا من قبله يقيم في لندن كما تفعل سائر الدول المستقلة. على أنه كثيرا ما صرح بصداقته لإنكلترا جهارًا، ومن جملة ذلك أنه التقى باللورد دوفرين في بندي في ربيع عام ???? فأعرب الأمير عما في نفسه من الاحترام لجلالة الملكة ورجال حكومتها، وكانوا في وليمة جمعت جمًّا غفيرًا من رجال الدولتين فاستل الأمير عبد الرحمن سيفه من غمده المرصع، ولفظ خطابا قال في ختامه: إنه سيقتل عدو إنكلترا بحد ذلك السيف.
ولم يكن جلوسه على كرسي الملك كافيا لتأييد سلطانه فحارب حروبا كثيرة قبل أن استتب الأمر له، من جملتها أن أيوب خان أحد منازعيه ثار في قندهار فأرسل إليه عبد الرحمن جندا عادوا خاسرين، فلم ير بُدًّا من اقتحام الوغى بنفسه فحمل عليه وقهره، ففرَّ أيوب إلى بلاد إيران، وعاد عبد الرحمن وقد سكر بخمر الظفر وحكم رعاياه بعصا من حديد، فنفر الوجهاء منه فساء الظن بهم وخيل له أنهم يتآمرون على خلعه، ولم يهدأ له بال حتى قتل كل من ظنه من أعدائه أو كان وجيها محبوبا يخشى منه على نفوذه. فازداد الناس كرها له ورعبا منه، ولكنهم لم يحركوا ساكنا لما يعلمونه من شدته واستبداده.
على أن ذلك لم يمنع ظهور ثورات أخرى بل ربما كان داعيا لها، فإن النازية حاربوه مرارا ولم ينج من مطامعهم إلا بسفك الدماء.
وفي سنة ???? حاربه ابن عمه إسحق خان، وكان حاكما في أفغانستان تركستان وسبب حربه أن عبد الرحمن دعاه إلى كابل دعوة ظاهرها حبيٌّ، فخاف إسحق تلك الدعوة لما يعلمه من عاقبة المدعويين قبله فاعتذر عن القدوم، فأعاد الدعوة وتفنن بأساليب التجميل فلم ينخدع إسحق وظل على عزمه، فاتهمه عبد الرحمن بالعصيان وأنفذ جيشا للقبض عليه فشتته إسحق وطمع بكابل فحمل عليها. فأسرع عبد الرحمن لملاقاته وحاربه، ففرَّ إسحق إلى بلاد الروس، وأقام في سمرقند هو وأنصاره تحت رعاية روسيا وحمايتها وهي تنفق عليهم وتبالغ في إكرامهم.
ثم ثار عليه الهرارية بين كابل وهرات، وهم من أهل الشيعة فحاربهم فتعقبوه، ولكنه تغلب عليهم واستتب له الملك ثم أصيب بمرض النقرس، ولا يزال يتردد عليه العام بعد العام حتى ذهب بحياته سنة ????.
(?-?) صفاته وأخلاقه

هو ربعة، ممتلئ الوجه، حاد البصر، متناسب الملامح كما نرى في الرسم. يتكلم الفارسية، والبوسنية، وبعض العربية. قال بعض الذين جالسوه أنه حسن المحاضرة، فصيح الكلام، محتشم صحيح القياس مع مبالغة وإطراء، وتظهر فيه هذه الصفات خصوصا إذا وقف على منبر الخطابة، فإنه يؤثر على سامعيه تأثيرا شديدا. ومن غريب ما يروونه عنه مما يندر في أمراء تلك الأصقاع أنه معتدل المزاج، لا نهمٌ ولا شرهٌ، لا يشرب الخمر إلا قليلًا، ويكره الأفيون ولا يقبله إلا إذا اشتد به الألم من مرض أو نحوه فيتخذه مسكنًا. ولكنه شديد الإعجاب بنفسه كثير التحدث بما أوتيه من النصر حتى جعل نفسه قرينًا للإسكندر الكبير فهو يعتقد أنه متصل بهذا الرجل العظيم بحلقات كثيرة تفصل بينهما، لكنها بالية لا يُعبَأ بها.
ويؤخذ من بعض أحاديثه أنه مطلع على كثير من أخبار الأمم، قوي الذاكرة، وشديد الحذر من الأجانب، فلا يأذن لأحد أن يجتاز بلاده لتجارة أو نحوها إلا في أحوال خصوصية، ولكنه مع ذلك كثير الإكرام للنزيل لا يذخر وسعا في سبيل راحته.
(?-?) حكومته

هي ملكية مطلقة وتقسم مملكته إلى أربع إيالات: كابل، وتركستان، وهرات، وقندهار، وأضاف إليها مقاطعة بدكشان وما يتبعها. يتولى كل ولاةٍ والٍ يسمونه «حاكما» وكان يسمى في أيام شير علي خان «نائب» ويتولى القضاء قاض وبعض المفتين أو المحتسبين وهم الشرطة يجرون على نظامات لو روعيت لم يكن بها بأس.
وأما جنده فقد نظمه شير علي خان سنة ???? على نظام الجند الأوروبي، وكان قد أهمل هذا النظام فأعاده عبد الرحمن وعنده فضلا عن الجند النظامي عدد كبير من الأهالي، وفيهم الفرسان والمشاة ينجدونه عند الحاجة. أما عدد الجند فلا يمكن تحديده لاختلاف الروايات في شأنه. فقد قدروه سنة ???? بخمسين ألف ماش تحت السلاح وأربعين كوكبة من الفرسان، وأما سنة ???? فقد بلغ جند الأفغان ?????? مقاتل، وعنده من الأسلحة النارية ست بطاريات جبلية تجرها البغال، وبطارية تجرها الأفيال. ومراكز الجند في هرات ومزارع الشريف وقندهار وجلال أباد وتصنع الذخيرة في ترسانة كابل بإدارة بعض الإنكليز يصنع فيها في كل يوم ????? فشكة من فشك مارتيني و????? من فشك سنايدر و?? بندقية ويصنع فيها مدفعان في كل أسبوع. شكل ??-?: الأمير عبد الرحمن في أثناء سياحته ببلاد الهند سنة ????، إلى يمينه دوك كابوت وإلى يساره ماركيز دوفرين.
ومما يذكره الإنكليز من علائقه الحسنة بإنكلترا زيارته الهند سنة ???? لحضور المجلس الأعلى (دربار) الذي عقد في روال بندي في شمالي الهند الغربية على أثر المؤتمر الذي تشكل يومئذ من روسيا وإنكلترا بشأن الحدود الشمالية لأفغانستان بعد احتلال روسيا لمرو. وقد جرى أمير الأفغان في هذا الأمر على مقتضى مصلحة الإنكليز فأكرموه واحتفلوا باستقباله في روال بندي احتفالا شائقا على النمط الشرقي، وقدموا له سيفا مرصعا. وفي (ش ??-?) صورته في أثناء ذلك الاحتفال. (?-?) حياته في بيته

اطلعنا على رسالة للدكتورة هملتن طبيبة بيت الأمير عبد الرحمن نقتطف منها ما يأتي تتمة لما ذكرناه من مناقب هذا الأمير، قالت:«اعتقاده في النساء»: لم أسمعه يتكلم عن زواجه إلا قليلا، وكان ذلك بمناسبة ذكر زواجه الأول الذي تم وله من العمر ثمانية عشر عاما، فقد قال لي: قد يتزوج الرجل غير مرة لأسباب تدعوه إلى ذلك، ولكن قلبه لا يعرف إلا زوجة واحدة وتلك زوجته الأولى» وقال لي: إنه لكي يكاتب خطيبته الأولى ويراسلها تُعلَّم الكتابة والقراءة فلهذا يجل تذكارها ويقدس أيامها فقد اقتطفت المنون زهرة شبابها في نضرة عمرها وهي بنت عمه الأمير محمد أعظم خان، وأقول: إنها لو كانت كأفراد العائلة فإنها تستحق الشهرة التي نالتها في اللطف والجمال.وفي السنوات الأخيرة لم يكن يحفل الأمير بالنساء، ولا يسمح لهن بحضور مجلسه إلا في القليل النادر، وإذا سمح لهن بذلك فإنما يعاملهن كما يعامل الأطفال الصغار لا كما يستحق أن يعامل من في يده تربية الناشئة الجديدة. والحق يقال: إن تربية النساء الأبناء ليست موكولة هناك إلى الأمهات. إذ لا يكاد يقدر أحد أنجال الأمير على المشي حتى يُسَلَّم إلى المعلم يتولى تربيته ويبقى تحت رعايته حتى يصير رجلا. وأتذكر أنني أبديت له استغرابي من هذه الطريقة، فقال: «ليت شعري كيف يكون حال أولادنا لو تركناهم إلى تربية نسائنا؟ وكيف ينشأ الولد الذي يتربى بين أحضان هاته النسوة» ولما قلت له: إن النساء الإنكليزيات يتولين تربية أبنائهن في زمن الصغر حتى يقدرن على الذهاب إلى المدرسة، تبسم، وقال: «كيف يمكنك أن تقارني بين سيدة أوروبية وسيدة شرقية» ولم أقدر على إقناعه بأن نساء الأفغان إذا تعلمن وتربين وأطلقت لهن الحرية، أصبحن كنساء أوروبا؛ لأنه كان يرى أن الزمن لم يأت لهذه الحركة، وأن نساء الأفغان لا يصلْنَ إلى درجة المرأة العربية حتى قال ذات مرة: «أيُّ دليل أظهره نساؤنا على رغبتهن في التعليم أو ميلهن إلى المعارف؟ هل طلبن منك أن تعلميهن شيئا من الأعمال التي تقومين بها؟ ألا يحتقرنك ويرين علمك ومعارفك من سقط المتاع؟ ألا يتحسرن عليك بدلا من أن يغبطنك» فلم أقدر على الجواب، ولكني لا أزال أعتقد أنه لو مهد لهن سبيل التعليم، وأطلقت لهن حرية الفكر، فإنهن يترقين شيئًا فشيئًا. شكل ??-?: الأمير عبد الرحمن بلباسه الرسمي.
«اعتقاده في الدين»: جمع الأمير عبد الرحمن في صفاته الأخلاق المتضادة، فبينما تظنه متمسكا بعادات قومه وعقائد شعبه ت راه يبدي لك رأيا أو يبرهن لك قضية لا يصدران إلا عن استقلال فكر وحرية ضمير مع ثبات عليه وتمسك به مهما حاول أحد إقناعه. وكان كثير السعف بالمجادلات الدينية، حتى أنه طالما كان يتهمني بأني مشركة لا أعبد إلها واحدًا وكان لا يصغي كثيرا إذا أردت أن أشرح له حقيقة اعتقادي. وأتذكر أني تكدرت من هذه التهمة وظهر على وجهي التأثر الشديد، فقال وهو يبتسم: «خففي عنك وطأة الانقباض أيتها السيدة لأننا إنما ننظر إلى المسألة من وجوه مختلفة، وأرجو أن تضعي هذا الإناء الصيني — وكان بالقرب مني — على المائدة». ثم قال: «إجلسي أمامي» وسألني: «ماذا ترين من النقش على هذا الإناء؟» فقلت: «إني أرى صورة تنين أخضر فاغر فاه محملق بعينيه وله ذنب طويل». فأجابني على الفور قائلا: «هذا كلام لا حقيقة له فإن المنقوش على الإناء صورة بحر وأسماك ومغارة تتكسر عليها المياه وتحوم حولها أشباح صغيرة أظنها حشرات أو ما أشبه ذلك. والآن أرجو أن تصغي أيتها الطبيبة وتعلمي أنني لا أمزح، بل إنني حقيقة أرى ما وصفته لك ولا أرى ما ترينه أنت.. لأنني لا أبصره ولم يقع تحت نظري — فإذا أنا أنكرت وجود البحر والأسماك فهل يقتضي ذلك أن نتشاجر ونتقاتل؟» ولا خلاف فإنني فهمت كل ما أراد أن يعبر عنه، لأن مثل هذا التعبير ظاهر جلي ولكنني استغربت صدوره منه وزاد عجبي حينما رأيته بعد ذلك قد اضطجع على كرسي كبير وأسند رأسه على وسادته، ثم قال: «هكذا نحن في هذه الدنيا ننظر إلى الأمور من وجه واحد، ولكن سوف نرى بأعيننا الوجهين في العالم الآخر، بل سوف نعلم أن كل نظر إلى جهة واحدة باطل وخطأ مبين».
«قلت: إن الأمير كان ذا شغف بالمجادلات الدينية إلا أنه كان لا يحب أن يسمح لي تفسيرا عن معتقداتي. وفي ذات يوم أخذ برتقالة وعلَّقها في سلسلة ساعة ثم طلب مني خيطا من الصوف وكنت جالسة بالقرب منه أنسج شيئا من القماش، ومع رغبتي في عدم قطع الخيط لم أتأخر عن إجابة طلبه، ثم قال: «والآن أحضري لي خيطا من الحرير وسلكا دقيقا من الحديد» ثم ربط كل خيط بالبرتقالة وأنا واقفة أنظر إليه ولا أدرك ما يريد، ثم قال: «انظري أيتها الطبيبة إنني حينما أعلق هذه البرتقالة بأحد هذه الخيوط لا تقع، ولكنها ليست كلها متساوية في القوة فأحد هذه الخيوط أمتن من الآخر، انظري إلى الخيط الصوفي وإلى سلسلتي الذهبية فهما متساويان متبادلان في تأدية المطلوب. وهذا مثال الأديان وقيمتها فبعضها أنقى وأطهر وأعلى وهو بذلك أمتن سببا وأقوى رابطة. ولكنها كلها تربط الإنسان بالخالق القادر المبدع سبحانه وتعالى حتى أدنى الأديان وأحطها أنفع من لا شيء. فهذا الخيط الحريري لا يدوم طويلا بل ينقطع حالًا. وهذا السلك الحديدي يفلت من البرتقالة كغيره فتمسكي بدينك فإن الأفضل أن يكون لك دين ولو فيه خطاء من أن لا تديني بشيء. (انتهى).
(?-?) نظر الإنكليز إلى عبد الرحمن

شكل ??-?: حبيب الله خان أمير الأفغان.
قال أحد كتبة الإنكليز يصف علاقة الأمير عبد الرحمن بإنكلترا: «إن علاقة هذا الأمير بنا لا يصح أن نعتبرها مرضية وإن ظهرت لنا كذلك. نعم، إنه يسايرنا في كل ما نرجوه من نفعه ويقابل سفراءنا بالإكرام والتعظيم، وقد أرسل ابنه لزيارتنا في لندن — ولكن القرائن الأخرى تدلنا على أنه كثيرًا ما ساير ألدَّ أعدائنا في الهند. ولا أظنه لو وفق في سعيه معهم إلا راميا بصداقتنا عرض الحائط. وغاية ما يقال في هذا الرجل أنه صديق حميم وحليف مفيد للهند طالما كانت حكومة الهند شديدة البطش، وأما إذا ضعفت فإنه من أشد الجيران خطرا عليها، قال: وأما خليفته حبيب الله خان فإننا لا نتوقع منه غير السكينة والمسايرة وهو لا يرى منا إلا كل مساعدة ونصرة».

الفصل الرابع عشر
حبيب الله خان


هو أكبر أنجال الأمير عبد الرحمن الجديد تولى الملك بعد وفاة أبيه بمقتضى نظام وضعه أبوه لذلك. وهو الآن في حدود الأربعين من عمره ودلائل الصحة والشباب بادية في صورته. وقد تأتَّى له أن يتولى نيابة حكومة كابل في حياة أبيه وهو يحارب إسحق خان سنة ???? ورأى الأمير بعد رجوعه ما حقق ظنه في ولده حتى عهد إليه مراجعة ما يرد من كتب الولايات فلا يقرؤها هو إلا بعد أن ينظر فيها ابنه ثم ولاه بيت المال سنة ???? وعهد إليه القضاء الأعلى.
وكان من رغائب الأمير المتوفى أن يوطد العلائق بين ابنه والأسر الأفغانية الكبرى فلم ير وسيلة لذلك خيرًا من المصاهرة فأزوجه سبع زيجات، ولكن الغرض الذي رمى إليه الوالد بهذا الزواج لا يوازي ما يخشى من الفساد بتكاثر النسل والخصام على الملك. ولم يقتصر الأمير عبد الرحمن على تزويج ابنه، ولكنه أزوج أبناء ابنه المذكور بفتيات اختارهن من العائلات الكبرى المشار إليها.
ومن الأعمال التي تولاها الأمير حبيب الله خان في حياة أبيه نظارة الخارجية فقد كانت المخابرات مع الدول الأوروبية على يده. على أن أسرار السياسة كانت منحجبة في صدر عبد الرحمن، والغالب أنه أطلعه عليها قبل موته، وأهمها أن يكون مواليًا لإنكلترا حليفًا لها وفي لسان حبيب خان لثغة أو عجمة تعيقه عن الاسترسال في الكلام يظن أبوه أنها نتجت عن سُمٍّ دسَّه له بعض الأعداء ولم يمته، ولكنه أضرَّ بنطقه.

الفصل الخامس عشر
تسي هي إمبراطورة الصين


شكل ??-?: تسي هي إمبراطورة الصين.
حداثتها

هي من أصل منشوي والمنشو قبيلة نزحت إلى الصين منذ قرنين ونصف ومنها العائلة المالكة. وكان والد «تسي» في أول أمره في سعة، ثم نكب فخسر ماله، وسيق منكسر الخاطر إلى «كانتون» فأقام فيها ومعه امرأته وابنته «تسي» هذه وابن آخر. ورُبِّيت تسي قوية البنية، نشيطة سريعة الحركة لأن النتولا يحبسون أقدامهم في أحذية الحديد كما يفعل سائر أهل الصين. ولعلها اشتغلت في حداثتها بجمع العيدان من الطرق والدروب وقودًا لبيت والدها.
نزح والدها إلى كانتون سنة ???? وسن ابنته أربع سنوات، فكان ذلك قبل حرب الأفيون التي أذلت إمبراطور الصين، وكسرت نفوس الصينيين، وكان والد تسي يغالب الفقر والفقر يغلبه، فلم ير له مخرجًا منه إلا ببيع ابنته. والصينيون إذا أصابهم فقر فرجوا ضيقهم ببيع بناتهم، وهم يرون في ذلك حكمة؛ لأن الفتاة إذا بيعت أمنت الجوع وخصوصا إذا كانت جميلة وينتفع أهلها بثمنها. ويقال: إن فتاتنا هي التي اقترحت على والدها أن يبيعها فأبى عليها ذلك في بادئ الرأي؛ لأنه منشوي من أهل الشمال، وبيع البنات شائع بالأكثر بين الصينيين الأصليين في ولايات الجنوب. ولكن الجوع اضطره بعد ذلك إلى بيعها فاشتراها تاجر أُعجِبَ بذكائها ونباهتها. ومن غرائب الأمور أنها تعلمت القراءة والكتابة قبل الثامنة من عمرها بمجرد رغبتها مع صعوبة ذلك في الصين يومئذ حتى على الرجال. وأغرب من ذلك أن بعض كتبة الإنكليز يدعيها لأَمَتِهِ فيزعم أن فيها دما إنكليزيا — وهو من غرائب الادعاء.
زواجها بالإمبراطور

ولما بلغت «تسي» بضع عشرة سنة أصبحت في بيت سيدها كإحدى بناته. واتفق لإمبراطور الصين يومئذ «هيان فونغ» أن زوجته لم تلد له أولادا فأعلن رغبته في فتاة يقع اختياره عليها فيتزوجها التماسا للنسل، وعيَّن يوما تحضر فيه الفتيات اللواتي يطمعن في ذلك النصيب. على أن يكون سنهن بين ?? و?? سنة وأن يكون حضورهن في قصر الإمبراطور في بكين.
قالوا: وكانت «تسي» مارة في بعض الشوارع فقرأت منشور الإمبراطور على بعض الجدران، فوجدت سنها يساعدها على ذلك مع كونها منشوية فخطر لها أن تعرض نفسها في جملة العارضات. وأكبرت ذلك في بادئ الأمر ولكنها عوَّلت على التجربة فاستشارت سيدها فاستغرب جرأتها، ولكنها أقنعته فسلم وادَّعى أنها ابنته لعله يصيب خيرا بنجاحها.
وجاء يوم الاستعراض فبلغ عدد المعرضات بضعة آلاف فتاة حاز السبق منهن عشرٌ وفيهن «تسي» ولما عرضن على الإمبراطور اختارها هي من بينهن فتزوجها وسنها ?? سنة فولدت له بعد ثلاث سنوات ولدا ذكرا هو ولي عهد المملكة سموه «تونغ تشي».
وليس من الغريب في بلاد لجمال النساء سلطانٌ على قلوب ملوكها أن تنال المرأة حظوة في عيني الملك، ولكن الغريب أن هذه الفتاة مع صغر سنها وأنها دخلت على البلاط الإمبراطوري وفيه إمبراطورة قبلها، تمكنت بحسن سياستها ولطافة أسلوبها أن تجتذب قلب ضرتها وقلوب سائر أهل البلاط. وكانت منذ دخلت ذلك القصر تظهر اللطف والأنس لرفيقتها الإمبراطورة، فلما صارت أم ولي العهد لم تغير شيئا من ذلك.
الإمبراطور الجديد

وظلت الأحوال في استكانة ووفاق حتى كانت الحوادث المشومة على الصين سنة ???? يوم أغار عليها الإنكليز والفرنساويون يدا واحدة، فهدموا حصون طاكو وحملوا على بكين ففر الإمبراطور بامرأتيه وابنه وعمره ست سنوات إلى قصر له يسكنه في أزمنة الصيد في مكان يقال له: «ياهو». أما المهاجمون ففتكوا بالمدينة وأحرقوا قصر الصيف.
وفي السنة التالية توفي هيان فونغ وولي عهده لا يزال في السابعة من عمره. فعهد بالحكومة قبل موته إلى مجلسٍ أعضاؤه أميران من العائلة المالكة، ووزيره «لونغ تشي» وترك العناية بأمر الغلام إلى الإمبراطورتين. واختص الإمبراطورة الأولى بعهد مختوم دفعه إليها وفيه تفويض تام في أمر الغلام وتربيته. ولكنها كتمت ذلك التماسا للوفاق بينها وبين ضرتها. قال الكاتب: «وهذه أول مرة اتفقت فيها سارة وهاجر».
وما لبثت «تسي» أن رأت نفسها إمبراطورة بالاسم فقط وأن الأحكام صائرة إلى قبضة مجلس الوصاية، فأغرت البرنس (كونغ) أخا الإمبراطور المتوفى على مشاركتها في التخلص من ذلك المجلس. فوافقها واتهمهم بتقصير ارتكبوه في جنازة الإمبراطور فقبض عليهم وقتلهم. فخلا الجو للإمبراطورتين في البلاط الملوكي، واستبد البرنس (كونغ) في إدارة شئون المملكة.
مضى على ذلك ثلاث سنوات والبرنس كونغ عمل على رد ما فقدته الصين بالحروب الماضية والثورات المتوالية. فشاع في المملكة أنه الفاعل لما يريد، فخافت (تسي) أن يجره ذلك إلى الاستبداد بالأمر دونها، فأصدرت في ? أفريل سنة ???? أمرا بإغلال يديه عن مصالح الحكومة؛ لأنه تعدى الحد الذي وضع له. فأطاع واعتزل، ولكن المملكة لم تكن تستغني عنه فأعادوه بعد خمسة أسابيع إلى كل ما كان فيه إلا رئاسة المجلس.
وفي سنة ???? أرشد الإمبراطور وآن زواجه فأخذت والدته على نفسها أن تختار له زوجة. فأعلنت غرضها وتقاطرت الفتيات من أنحاء المملكة يعرضن جمالهن وفي يد كل منهن لوح فيه اسمها وسنها. فإذا مرت بين يدي الإمبراطورة دفعت اللوح إليها. فإذا وقعت منها موقعا حسنا سألتها بعض الأسئلة وإلا أمرت لها بحذاء من الفضة وزنه أوقية وخلَّت سبيلها.
فالفتيات اللواتي لم يأخذن تلك الهدية مررن ثانية، فاللواتي أخرجن منهن هذه المرة أعطين لفة من الحرير، وفي المرة الثالثة عينت الفتاة التي وقع اختيارها عليها، واسمها (ألوتى) وهي جميلة عاقلة. وقبل الزواج بثلاثة أيام أرسل الإمبراطور العريس إلى عروسه حُلَّة الملك ثم بعث إليها أمرا بتسميتها إمبراطورة وزفت إليه باحتفال لم يسبق له مثيل، مشى فيه الأمراء واستقبلتها حماتها (تسي) في القصر الإمبراطوري بكل رعاية وإكرام.
وكانت (تسي) بعد ذلك لا تظهر لأحد من الوزراء، ولا يراها أحد من الناس، ولكنها كانت تستطلع حركاتهم وتتبع خطواتهم من وراء الحجاب. ولم تظهر للوزراء وجها لوجه إلا بعد أن أدركت العام الستين من عمرها.
وكان البرنس كونغ بعد ما آنسه من حرج مركزه قد احتال في الإيقاع ما بين الإمبراطورتين فلم يفز. وما زالتا في وفاق معا حتى أرشد الإمبراطور الجديد، وتولى عرش الصين فافترقتا على وفاق. فسكنت (تسي) في جناح القصر الغربي وضرتها في الجناح الشرقي وسميت الأولى الإمبراطورة الغربية، والثانية الإمبراطورة الشرقية.
وأقامتا في سلام إلى سنة ???? على رواية مراسل كتب إلى بعض الجرائد عام ???? قال: «بعثت الإمبراطورة الشرقية إلى وصيفتها تطلب إليها الاجتماع في بعض شرفات القصر فاجتمعتا، وبعد السلام والكلام صرحت هذه الإمبراطورة أن من بواعث ذلك الاجتماع أن المهمة التي اجتمعنا لأجلها قد انقضت، وآن زمن الافتراق. وأنها تود من صميم فؤادها أن تتخلص من ثقل التبعة بعد أن وفقتا إلى التضافر على العمل كل ذلك الزمن الطويل بوفاق تام لخير المملكة ومصلحة الإمبراطور الصغير. وأشارت إلى التفويض الشرعي الذي بيدها من زوجها المتوفى، ولم تكن ذكرته قبل ذلك الحين فاستخرجته حينئذٍ، وأطلعت رفيقتها عليه ثم أحرقته، وهي تقول: (لم يبق له نفع الآن) فأثر ذلك الفصل الدهش في (تسي) تأثيرا شديدا، وأبغضت ضرتها من ذلك اليوم.
هذا ما رواه المكاتب ولكن يظهر أنهما ظلتا في وفاق مدة أخرى ففي سنة ???? أمر الإمبراطور بخلع البرنس كونغ وابنه لأنهما فاها بما لا يليق. ولكن كونغ عاد إلى منصبه في اليوم التالي بأمر الإمبراطورتين، وما زال فيه إلى سنة ???? حتى عزلته الإمبراطورة (تسي) نفسها.
إمبراطور ثالث

أما الإمبراطور تونغ تشي فإنه مات سنة ???? وترك زوجته (ألوتى) حاملا، فاتفقت الإمبراطورتان ثانية على العمل. وكان لابد لهما من انتظار الولادة ليريا إذا كان المولود ذكرا أو أنثى. فإذا كان ذكرا كانت والدته هي الوصية على الملك ولا يبقى لحماتها وضرتها ذِكْر، وإذا كانت أنثى قضت شرائع الصين بأن تتبنى الوالدة صبيا باسم الإمبراطور وتكون مع ذلك هي الوصية عليه.
فرأت (تسي) أنها فاقدة نفوذها في الحالين، فاتفقت مع وصيفتها والبرنس كونغ على حيلة أخرى. وذلك أنهم قبل أن تلد الحامل تبنوًا ولدا سنه أربع سنوات، هو ابن (تشون أصغر إخوة الإمبراطور (هيان فونغ) فأصبحت (ألوتى) في زاوية النسيان. وعادت (تسي) ورفيقتها إلى الوصاية مرة أخرى. فبسطتا أيديهما في الحكومة واستبدتا في أعمال المملكة ومعهما البرنس كونغ.
وعهدتا بتربية الغلام وتثقيفه إلى رجل مشهور بالتعقل والصلاح اسمه (ونغ تونغ شو) وهو الذي غرس فيه الميل إلى قبول الآراء الحديثة. ويقال: إن الغلام شب وفيه انعطاف إلى الإمبراطورة الأولى أكثر مما إلى (تسي). ولكن القضاء فصل بينهما، فماتت تلك سنة ???? وخلا الجو لتسي. وما زال كونغ على الحكومة إلى سنة ???? فعزلته، وولَّت مكانه البرنس (تشون) والد الإمبراطور الغلام. ولم يكن تشون كفئًا لذلك المنصب العظيم ولكنها استخدمته آلة واستعانت في إدارة شئون المملكة بالرجل السياسي الصيني الشهير لي هنغ تشانغ. وفي سنة ???? آن وقت انتخاب عروس للإمبراطور الجديد فاستعرضت البنات واختارت له فتاة اسمها (تيت هونالا) ابنة أحد رجال الحكومة. شكل ??-?: كوانغ سو إمبراطور الصين الحالي.
وفي سنة ???? جلس الإمبراطور الجديد على كرسي المملكة وسمي (كوانغ سو) والصين أرقى حالا مما كانت عليه يوم تولاها سلفه. وكانت تسي قد شعرت قبل جلوسه أن النفوذ ذاهب منها، فأرادت حفظ حقوقها فكتبت عهدا اشترطت لنفسها فيه بعض الحقوق في السلطة، وطلبت إلى الإمبراطور أن يمضيه قبل أن يتولى فأمضاه، فلما تولى أنكر ذلك عليها فاعتبرت إنكاره خيانة ونشأ النزاع بينهما من ذلك الحين.
الإمبراطور كوانغ سو

كان هذا الإمبراطور في حداثته ميَّالا إلى الصناعة اليدوية والآلات الميكانيكية مع ميل قليل إلى الدروس والمطالعة. ولما تولى الملك أظهر من الجلد على العمل ما يندر مثله في الملوك بالنظر إلى صغر سنه. فإنه ينهض من فراشه الساعة ? ونصف بعد نصف الليل فيتناول فطورا خفيفا، ويستقبل وزراءَه من الساعة الرابعة إلى الساعة السادسة ثم يخرج لإقامة الشعائر الدينية. ويتناول غذاءه الساعة الحادية عشرة، ويتعشى في العصر ويذهب إلى الفراش باكرا جدًّا.
وهو نحيف البدن، أصفر اللون مع اسمرار، لوزيّ العينين أسودهما، مرتفع الجبهة منتظمها، مقوَّس الحاجبين، لطيف الفم بارز الذقن، إذا ابتسم ظهرت أسنانه صفراء مستطيلة غير منتظمة تلوح على وجهه النباهة يخالطها بعض السويداء. ولعل ذلك ناتج عن انقطاعه إلى العمل الشاق مع تحمله التبعة الكبرى في هذا المنصب العظيم. وكان اعتماده الأكبر على وزيره لي هنغ تشانغ. وكل ما تم من المشروعات المفيدة على يده إنما تم برأي هذا الوزير العظيم.
وفي عام ???? ظهر شاب اسمه «كانغ يومي» كان أستاذا في كانتون. وكان مغرما بتاريخ بطرس الأكبر قيصر الروس الشهير، فحدثته نفسه أن يصلح الصين كما أصلح بطرس الأكبر روسيا، فرفع إلى الإمبراطور تقريرا في الإصلاح اللازم لمملكته حرَّضه فيه على نقض عوائد أسلافه وتقاليدهم، وأن يتبع خطوات جيرانه اليابانيين والروسيين في التماس التمدن الحديث. وأن يجمع وزراءَه ورجال حكومته إلى الهيكل الذي يصلون فيه ويأخذ عليهم المواثيق والعهود المقدسة بأن يجروا الإصلاح في المملكة، وأن ينقح قوانين الإدارة ويفتح لرعيته سبيلًا يرفعون به ظلاماتهم إليه رأسا. وأن يختار لحكومته شبانًا أذكياء نشيطين بقطع النظر عن حالهم في دنياهم أو أنسابهم، وأن يُنشِئ ?? إدارة كسائر الممالك المتمدنة، وبسط له كيفيات الحكومة ووضع الضرائب وغير ذلك مما يطول شرحه.
ودفع هذا التقرير أولا إلى أحد الوزراء، فكان جوابه: «وكيف نغير تقاليد أسلافنا وعاداتهم» أما الإمبراطور فأعجب بما فيه وعول على العمل به وشرع في تنفيذ ذلك سريعا، ولكنه لسوء حظه لم يكن له ما كان لبطرس الأكبر من القوة والمنعة. وكان في جملة مساعيه أنه أبعد الإمبراطورة (تسي) إلى جزيرة في ساحة القصر. فلما هاج الشعب من صدمة تلك الإصلاحات خابروا الإمبراطورة واتفقوا معها على محاصرة القصر فحاصروه. ثم دخلته (تسي) وأصدرت سنة ???? أمرا بإمضاء الإمبراطور يعترف فيه أنه بالنظر لعجزه عن إدارة شئون المملكة قد كلف الإمبراطورة (تسي) أن تنوب عنه فيها، فعادت إلى ولاية الأحكام وفرَّ رجال الإصلاح وفي مقدمتهم «كانغ يومي» وظل كوانغ سو محصورا في قصره تصدر الأوامر باسمه وهو لا يعلم بها. أما نصراء الإصلاح فإنهم طافوا في أنحاء المملكة يطعنون في الإمبراطورة واستبدادها. فشق ذلك عليها فأمرت بإعدامهم ووعدت من يأتي برأس زعيمهم «كانغ يومي» بجائزة كبرى.
وقد يخيل للقارئ مما قدمناه أن هذه المرأة مفطورة على الأذى أو أنها وحش بصورة إنسان، ولكن بعض الذين قابلوها ودرسوا أخلاقها يقولون فيها ما يخالف ذلك، ومنهم كاتب إنكليزي قال في عرض كلامه عن فظائعها في القصر الإمبراطوري: «ولكنها بالنظر إلى العالم الخارجي لا تقل شيئا في أخلاقها وسجاياها عن الملكة فيكتوريا» وهو إطناب كبير وخصوصا من رجل إنكليزي. وذكروا لها حسنات أخرى. على أن بعضهم عدَّد سيئاتها وبالغ في فظاعتها حتى لم نعد نعرف الحقيقة، والظاهر أنها جمعت إلى قوة العقل كثرة المطامع والله أعلم.

الفصل السادس عشر
منيليك ملك الحبشة


شكل ??-?: منيليك ملك الحبشة.

الفصل السابع عشر
علي بن حمود سلطان زنجبار


شكل ??-?: علي بن حمود (سلطان زنجبار).

الجزء الثالث
القواد والوزراء



الفصل الثامن عشر
سليمان باشا الفرنساوي


شكل ??-?: سليمان باشا الفرنساوي مؤسس الجند النظامي المصري (ولد سنة ????م وتوفي سنة ????م).
تاريخه في أوروبا

ولد في ليون من أعمال فرنسا في أوائل أفريل سنة ???? وسُمِّي يوسف سيف، وكان أبوه متوسط الحال يتعاطى الصناعة، فلما بلغ يوسف أشده أراد والده أن يستعين به في أعماله، ولكن الغلام كان يشعر بأنه أرفع من ذلك المكان فضلا عن ميله الفطري إلى الخروج والجولان فلم يستطع المواظبة فشق ذلك على أبيه، فتوعده إذا لم يثابر على العمل بأن يُخلِّه في سلك الملاحة عقابا له، فلم يكن ذلك إلا موجبا لسروره فأدخله في مهنة البحرية سنة ???? وهو لم يتم السنة الثالثة عشرة من عمره، فأعجبه جوب البحار وركوب الأخطار في سفن كانت إلى ذلك العهد تسير بلا بخار حتى كانت حروب ترافلغار سنة ???? بين الأسطول الإنكليزي بقيادة الأميرال نلسون الشهير والأساطيل المتحدة لدول فرنسا وإسبانيا تحت قيادة الأميرال فلينوف وأميرالين أسبانيين وكان الفوز للإنكليز، لكن صاحب الترجمة أظهر على صغر سنه أعمالا تدل على استعداده للشئون الحربية وكان المنتظر أن ينال في مقابل ذلك مكافأة تستحق الذكر فاتفق أنه تخاصم وأحد رؤسائه، وكان سيفٌ عنيفا خشنا فجرَّتهما المعاتبة إلى المضاربة، فبدأ الضابط فضرب سيف ضربة جرحته، فلم يستطع صبرا على ذلك فهَمَّ بالضابط وما زال يضربه حتى قيل: كفى، فقُبض عليه وحُوكم، فحُكم عليه بالإعدام وهو حكم عسكري لا مرد له.
ولكن العناية سخرت له رجلا من الأشراف اسمه الكونت بول دي سيفور، يقال: إن سيف كان قد أنقذه من الموت مرة فذكر له هذا الجميل فلما حكم عليه توسط في أمره فأنقذه وأرسله إلى الجيش الفرنساوي الذي كان إذ ذاك في إيطاليا.
ولما شبَّت الحرب بين فرنسا والنمسا كان سيف في جملة الأسرى عند النمساويين، وبقي مغتربا عامين حتى إذا كانت حملة نابليون الشهيرة على روسيا سنة ???? فكان سيف في جملة جندها وأظهر في أثناء وقائعها الهائلة بسالة أوجبت التفات نابليون الخصوصي حتى أراد أن يقلده نيشان اللجيون دونور فدعاه إليه بهذا الشأن فآنس منه استخفافا فحنق عليه وحرمه من ذلك الشرف على أنه ما لبث أن رقي في الرتب العسكرية حتى بلغ رتبة كولونيل (أميرالاي) بعد رجوع تلك الحملة السيئة الحظ.
ثم كانت الوقائع المشهورة التي قضت على رجل فرنسا (نابليون) بالأسر والنفي فقضي على الكولونيل سيف بالخروج من الجندية والانقطاع إلى التجارة التماسًا للتعيش، ولكن أنّى للجندي المحارب أن يساوم امرأة أو غلاما على مبيع سلعة فبيح قبل إتمام المبايعة وخصوصًا صاحب الترجمة فقد كان قليل الصبر على مثل ذلك، فأنِفت نفسه التجارة ولم يفلح فيها. وسمع في أثناء ذلك أن شاه العجم في حاجة إلى ضباط حاذقين في تدريب الجند فكتب إلى صديقه الكونت دي سيفور المتقدم ذكره يلتمس كتاب توصية منه إلى الشاه، فنصح له الكونت أن يتوجه إلى محمد علي باشا بمصر.
تاريخه وأعماله في القطر المصري

فجاء مصر سنة ???? ومعه كتاب توصية، فأحسن محمد علي باشا مقابلته وكلفه بالبحث في جهات السودان عن معادن فحم الحجر، ولكنه لم يعثر على شيء منه فعاد إلى القاهرة واتفق وصوله إليها يوم الاحتفال بغلبة الجنود المصرية على الوهابية.
وكان محمد علي باشا لحسن نظره واهتمامه في تأييد دولته ما زال يفكر في سبيل يوسع به ملكه. وتوسيع الملك لا يكون لا بتعزيز الجند، والجند لا يقوم إلا بالنظام، وكان قد شاهد الجنود الفرنساوية بمصر وأعجبه نظامها وهو النظام الذي وضعه بونابرت وتمكن به من التغلب على معظم دول الأرض. وكانت الجنود المصرية إلى ذلك العهد لا تزال على النمط القديم لا يعرفون الخطوط ولا المربعات ولا ما شاكل كل ذلك من النظامات العسكرية، بل كانوا عبارة عن فرق أو وجاقات وفيهم الأرناءوط والإنكشارية والمغاربة ونحوهم ولكل من هذه الفرق قائد، فإذا نزلوا ساحة الوغى ركب كلٌّ جواده واستلَّ حسامه أو بندقيته أو رمحه وهجم على ما يتراءى له.
فرأى محمد علي باشا رحمه الله أن يجعل جنده نظاميا، ففاوض الكولونيل سيف بالأمر فرغَّبه فيه فعهد إليه تأليف الجند على هذه الصورة وتدريبه على الحركات العسكرية فشق ذلك على جماعة الأرناءوط وغيرهم؛ لأن ذلك النظام في اعتبارهم بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فلم يقبلوا الإذعان ونفروا وتمردوا وتجمهروا حول القلعة يطلبون الرفق بهم، فرأى محمد علي أن يعاملهم بالحسنى، فأجاب ملتمسهم وأغضى عن تعليمهم، ولكنه رأى أن يدخل ذلك النظام بين جماعة الوطنيين لقربهم من الإذعان، فأنشأ مدرسة حربية في الخانكاه قرب المطرية تعلم فيها اللغات والحركات العسكرية، وجعل سراي مراد بك بالجيزة مدرسة للفرسان، وأنشأ مدرسة للطوبجية ثم أنشأ في القاهرة معامل لسكب المدافع واصطناع سائر حاجيات الجند، وعهد بذلك كله إلى الكولونيل سيف وكان قد أسلم وسمى نفسه سليمان، فصار يعرف باسم سليمان بك الفرنساوي، وأحبه المصريون وأذعنوا له فنظم جندا نظاميا بلغ عدده ????? جندي كانوا له عونا في حروبه بالمورة والشام وغيرهما.
ولما كانت حروب المورة المشهورة منذ سنة ???? أنفذ الباب العالي إلى محمد علي باشا أن يجند جيشا لمحاربة المورة فأرسل عمارة بقيادة ابنه إبراهيم باشا سنة ???? وكان سليمان بك من جملة أبطالها، وتمكن ببسالته من الاستيلاء على جزيرة ميسولنغي سنة ???? ثم عين حاكما لبريوبتزا فساس أمورها، ثم انقضت مشكلة المورة بمداخلة الدول الأوروبية فعادت الجنود المصرية، وعاد سليمان بك ومعه فتاة يونانية على مثل ما كان يفعل أبطال اليونان القدماء.
ولكن هذه الحرب أثقلت كاهل الجندية المصرية، فأعاد محمد علي اهتمامه في إصلاحها ثم كانت الحوادث التي قضت بتجريد الجنود المصرية على عبد الله باشا والي عكا سنة ???? بقيادة المرحوم إبراهيم باشا، وفوَّض قيادة الطوبجية إلى سليمان بك فسارت الحملة إلى الشام في حرب عكا ثم فتحها عنوق فقبض إبراهيم باشا على واليها عبد الله باشا وأرسله إلى الإسكندرية وأوغل في الشام وسليمان بك ساعده الأيمن في كل المواقع الكبيرة، وكان قائدا لستة آلاف جندي فأنفذ الباب العالي جندا كبيرا لقهر الجند المصري فوكَّل إبراهيم باشا مقابلة جانب من هذا الجند إلى سليمان بك، وسار هو لمقابلة الباقين فحارب سليمان فرقة كبيرة قرب حمص فتغلب عليها في بيلان ثم في الإسكندرونة ثم في قونية، وكانت قد تعززت بنجدات قوية. فأعجب إبراهيم باشا بشجاعة هذا الرجل ومهارته في الحركات العسكرية، ورقاه إلى رتبة باشا. وكان في عزم المصريين البقاء على الزحف لو لم تتداخل الدول وتقرر الصلح فعادت الجنود المصرية إلى السكينة، ولكنها ما لبثت أن عادت إلى الحرب لهياج حدث في بيت المقدس، فساروا ومعهم سليمان باشا فأخمدوا الفتنة.
وبعد قليل أصدر محمد علي باشا أمره برجوع سليمان باشا إلى مصر ثم عادت الحرب في سوريا فعاد إليها إبراهيم باشا وما زال يحارب بسيف المصريين حتى اقتضت السياسة الأوروبية انسحاب الجنود المصرية من سوريا، فرجع سليمان باشا معها إلى مصر وتعين رئيسًا عاما للجيش المصري، وما زال فيها عالى الكلمة، مرعي الجانب حتى أراد إبراهيم باشا السفر إلى جبال البيروني للاستحمام فانتدب سليمان باشا لمرافقته فرافقه وساعده الحظ أن يرى وطنه رأي العين بعد أن غاب عنه أعوامًا طوالًا. ولما شفي إبراهيم باشا من مرضه زار فرنسا ثم لندرا وصاحب الترجمة معه فسرَّته تلك الرحلة لأنه تمكن من تفقد الثكنات العسكرية في أكبر عواصم أوروبا، وملاحظة الحركات الحربية ثم عاد إلى باريس وإبراهيم باشا لا يزال في لندرا، وبرح باريس إلى البلجيك وهولندا ثم عاد إلى ليون مسقط رأسه فأقام فيها مدة بين أهله وذويه ثم رجع إلى الإسكندرية فمصر ورفع إلى محمد علي باشا تقريرا بما رآه ولاحظه في أثناء سفره، وعاد إلى الاهتمام في تدريب الجند وما زال عاملا مجتهدا حتى توفي إبراهيم باشا، فصار الأمر إلى عباس باشا الأول ثم إلى سعيد باشا فتوفي صاحب الترجمة على عهده في ?? مارس سنة ????.
صفاته وأخلاقه

كان ربعة ممتلئ الجسم، قوي العضل، شديد التعلق بالجندية، وكان عنيدا مع ميل إلى خشونة المعيشة العسكرية، ومما يروى عنه من هذا القبيل أن عباس باشا الأول رغب إليه مرة أن يخرج بتلامذة الحربية إلى النزهة ففعل، فلما كان وقت الغذاء أرسل إليه عباس باشا طعامًا شهيًّا متقنًا فرفضه، وقال لحامله: «سحقًا لهذا الغذاء، ألا يعلم عباس باشا أننا جنود لا نأكل إلا مثل أكل الجنود» وأصر على إرجاع الطعام بالرغم عن تقدم نجل عباس باشا إليه في قبوله. وله نوادر كثيرة تدل على صلابة طباعه وخشونته، وقد يتوهم بعضهم أن الخشونة والصلابة لازمتان في قيادة الجند، ولكن اللِّين أولى بها، والجند يطيع رئيسه إذا خشنَ طاعة الخائف، وأما إذا لان فإنه يطيعه طاعة المحب وبينهما فرق واضح. أما سليمان باشا مهما قيل في أخلاقه فإنه كان ماهرا في قيادة الجند وتدريبه وكان طلَّابًا للعلى فتمكن منه بجده واجتهاده.

الفصل التاسع عشر
عمر باشا


شكل ??-?: عمر باشا (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
هو نمساوي الأصل، وكان أبوه ضابطا في الجند النمساوي، ولد له هذا الغلام في بلاسكي على حدود بوسنة غربًا سنة ???? فسماه ميخائيل وأدخله في المدرسة الحربية في بورن قرب كرستات وحب الجندية موروث فيه. فلم تمض مدة حتى تعين في إحدى فرق الجند النمساوي وارتقى إلى درجة معاون في مساحة الطرق والجسور. وفي الثامنة والعشرين من عمره نزح من وطنه وترك منصبه فيه، وجاء بوسنة العثمانية فاعتنق الدين الإسلامي لسبب لا نعلمه وسمى نفسه عمر، وتولى تعليم أبناء بعض تجار الأتراك هناك. ثم زار الأستانة ومعه تلامذته ففتح له باب التدريس في مدرسة للعسكرية أنشأتها الدولة هناك، وكان ناظر الجهادية يومئذ خسرو باشا، فأنس في ذلك الشاب اقتدارا عسكريا فأضافه إلى أركان حربه وجعله تحت عنايته، وقدمه في مصالح الدولة فأدى خدمات حسنة في إمارات الدانوب ثم سعى له في وظيفة تعليم في البلاط السلطاني فتعين مدرسا للسلطان عبد المجيد قبل توليه السلطنة. وفي سنة ???? كان عمر باشا في جملة ضباط الحملة التي أنفذتها الدولة لمحاربة إبراهيم باشا المصري في الشام وبعد ثلاث سنوات تعين قومندانا عسكريا في إحدى ولايات سوريا.
وفي سنة ???? أرسلت روسيا جندًا لإخماد ثورة المجريين فدخل جندها بلد الفلاخ، فتعين عمر باشا قائدا لجند عثماني أقام هناك للمراقبة، ثم انتدبه الباب العالي لإقماع بعض ولاة البوسنة فأقمعهم وعادوا إلى كنف الدولة. وفي سنة ???? سار في عشرين ألف جندي لمحاربة رجال الجبل الأسود ولإرجاعهم إلى الطاعة ففاز بذلك فوزًا عظيمًا فانتدبه الباب العالي لقيادة الجند العامة في البلغار، وكان على ضفة الدانوب الأخرى جند الروس بقيادة البرنس غورتستاكوف الشهير. وحدث بين الجندين والقائدين حركات عسكرية ومناورات دلت على مهارة عمر باشا في الجندية حتى بهر البرنس المشار إليه، على أنه مازال يحاربهم والنصر رفيقه في أكثر المواقع حتى اضطروا إلى الانسحاب عن ضفاف الدانوب، وتعين سنة ???? في حرب القرم المشهورة فغلب الروسيين في بوباتوريا غلبًا صريحا فانتدبته الدولة لإنقاذ الفرس، ولكنها سلمت قبل وصوله.
وبعد الفراغ من الحروب تعين واليا في بغداد، ولكنه ساء الحكومة وأغضب الباب العالي فنُفي ثم أعيد في السنة التالية. وفي سنة ???? انتدبه الباب العالي لإخماد ثورة البوسنة والهرسك ففعل، وهاجم الجبل الأسود وافتتح أعظم مدنه. وفي سنة ???? تقاعد عن الأعمال العسكرية وقد نال رتبة الوزارة وصار من مشيري الدولة حتى توفي سنة ???? وقد نال أعظم الرتب العسكرية العثمانية، ونال من روسيا رتبة فارس من صنف القديسة حنه، وكانت له منزلة رفيعة لدى رجال الحرب، ولكنه كان شديد البطش صعب المراس، وذلك شأن رجال العسكرية على الأكثر.

الفصل العشرون
الأمير عبد القادر الجزائري


شكل ??-?: عبد القادر الجزائري (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
هو الأمير عبد القادر ناصر الدين ابن الأمير محيي الدين الحسيني? يتصل نسبه بالإمام الحسين، ولد في شهر مايو (آيار) عام ???? في قرية القيطنة التابعة لأيالة وهران في جزائر الغرب، وكان والده من أكابر العلماء العاملين محترمًا لدى أعيان الجزائر لبسط يده وكرم أخلاقه ودعته. وقد بذل قصارى جهده في تثقيفه لما آنس فيه من الذكاء والدراية حتى إنه تمكن بمدة قصيرة من اكتساب جانب عظيم من العلم وحفظ القرآن الشريف حفظا جيدا. واشتهر في السابعة عشرة من عمره بشدة البأس، وقوة البدن، والفروسية، حتى كان يشار إليه بالبنان بين الفرسان لمهارته في ركوب الخيل واللعب على ظهورها، وكان يطارد الخنزير البري في الغابات ويصطاده، على أن ذلك لم يشغله عن القيام بواجباته الدينية.
وفي نوفمبر من سنة ???? صحب والده إلى الحرمين لأداء فريضة الحج فمرَّا بحاشيتهما بالإسكندرية، وزارا القاهرة وفيها المغفور له محمد علي باشا فأكرمهما. ومن القاهرة قصدا الحجاز عن طريق السويس، وعرجا بعد الحج نحو دمشق قضيا فيها زمنًا، وسارا منها إلى بغداد لزيارة مقام سيدي عبد القادر الكيلاني فنالا كل رعاية وإكرام. ثم عادا من هناك إلى الحرمين ثانية ومنها إلى وطنهما، فوصلاه في أوائل عام ????.
ولم يزدد عبد القادر بعد هذا السفر إلا شغفا في العلم، فاعتزل لتحصيله ولازم الخلوة يطالع كتب العلم والفلسفة فدرس رسائل أفلاطون، وفيثاغورس، وأرسططاليس، وتعمق في درس الفقه، والحديث، والجغرافية، والفلك، والتاريخ، وكتب العقاقير، وجمع مكتبة من أثمن مكاتب تلك الأيام.
وفي عام ???? استولى الفرنساويون على الجزائر، ونشروا المنشورات الرسمية بامتلاك البلاد واستخراجها من أيدي العثمانيين فشق ذلك على القبائل العربية القاطنة في تلك الأنحاء وانتفضوا على الفرنساويين. وكان الفرنساويون تحت قيادة الجنرال برمونت وقد بلغوا جبل الأطلس فاضطروا للتقهقر إلى الشطوط، وأخذوا في تحصينها ثم عادوا فاستولوا على مدينة وهران.
وتسبب عن تداخل الفرنساويين وخروج جانب من تلك البلاد من حوزة الدولة العلية اختلال الأحوال، فسادت الفوضى واجتمع المرابطون ورؤساء القبائل وفي جملتهم الأمير محيي الدين والد صاحب الترجمة وتشاوروا في الأمر فقرَّ رأيهم على الانضمام إلى سلطان مراكش مولاي عبد الرحمن فبعثوا إليه بذلك فوافقهم فدخلت الجزائر في سلطانه وخطب الجزائريون له وبايعوه فغضب الفرنساويون وبعثوا إلى مولاي عبد الرحمن يهددونه بالحرب أو يسحب جنوده من الجزائر، ففضَّل الانسحاب فاجتمع كبار أهل الجزائر وتفاوضوا في أمرهم فقرَّ رأيهم على أن يقيموا عليهم الأمير محيي الدين سلطانا يرجعون إليه فذهبوا إلى القيطة (بلدته) وطلبوا إليه قبول اقتراحهم وأرادوا مبايعته فأمسك عن الإجابة فأصروا عليه وهددوه بالقتل إذا تمنع، فأجابهم على أن تكون تلك السلطة لولده عبد القادر فقبلوا، وكان عبد القادر يحارب الفرنساويين في مكان يقال له: (حصن فيليب) فبعثوا إليه وبايعوه وسنُّهُ إذ ذاك ?? سنة فذهب إلى الجامع وصلى وحث الناس على الطاعة والسير بمقتضى الشرع الشريف والاقتداء بالخلفاء الراشدين. وأول شيء باشره جمع كلمة القبائل وضمها بعضها إلى بعض حتى يقووا على مقاومة العدو الأجنبي وإخراجه من بلادهم، وحارب بهم عدة مواقع فاز في بعضها ولا سيما في موقعة وهران، فإنه انتصر فيها انتصارا مبينا، وكانت الجنود الفرنساوية تحت قيادة الجنرال ميشيل، فصار يهابه الفرنساويون ويخشون بطشه.
وكانت فرنسا على رغبتها في التفرد بسلطتها في الجزائر لا تحب المخاطرة بحملة كبيرة من جندها تقهر عبد القادر فأوعزت إلى الجنرال ميشيل أن يعقد معه معاهدة صلح فخابره بذلك وتمت المعاهدة سنة ????.
ولما هدأت الأحوال تفرغ عبد القادر لإصلاح شئون داخلية بلاده، وإعداد المعدات الحربية لاعتقاده أن الحرب لابد من العود إليها، فأنشأ معامل لعمل الأسلحة وصب المدافع واصطناع البارود ونظم الجند، فاضطر من أجل كل ذلك للنفقات الطائلة، فطالب القبائل بالزكاة عن المواشي فانتقض عليه بعضهم، ولكنه تمكَّن بحسن درايته من إخضاعهم ولَمِّ شعثهم فاتسعت سلطته، وامتد نفوذه فشق ذلك على الجنرال دي أورلين القائد الفرنساوي إذ ذاك، فبعث إليه أن يلازم حدوده ولا يمد يده إلى خارج وهران، فأجابه أن دائرة سلطانه غير محدودة بمقتضى المعاهدة المار ذكرها. فدارت المداولة بين الفريقين بالمسالمة، ولكن مطالب عبد القادر لم تحز قبولا لدى الفرنساويين فأضمر لهم الشر وأمر بعض القبائل المقيمة بجوار وهران أن تنزح إلى داخل البلاد، فخاف هؤلاء بطش الفرنساوية وطلبوا حمايتهم، فطلب الأمير إلى الفرنساويين أن لا يحموهم فاستاءوا وأشهروا عليه القتال، وساروا في خمسة آلاف ماشٍ وعدة من الفرسان وبعض المدافع، ولكنهم رأوا من رجاله ما اضطرهم إلى الانسحاب حالا فعلم الأمير بجهة انسحابهم فسار لملاقاتهم في مضيق وهم لا يعلمون، فلما بلغوا المضيق هجم عليهم برجاله فأبلوا فيهم، ولم يبقوا إلا على نفر منهم.
وكان لهذه الغلبة رنة في باريس، وقام الخطباء يحثون الحكومة على إرسال القوات اللازمة لقتال ذلك الأمير البدوي وقهره، وكان عبد القادر يعرف كل ما يدور في باريس من هذا القبيل؛ لأنه كان يطَّلِع على الجرائد الفرنساوية بواسطة تراجمة يحسنون فهمها فكان على بينة من مقاصد عدوه.
وفي نوفمبر سنة ???? قدمت الجنود الفرنساوية إلى وهران لمحاربته فقاتلهم، ولكنه لم يفز فتفرق رجاله فعاد إلى عاصمته (مسكرا) ونزل في بلد على مقربة منها وهو في حالة اليأس الشديد؛ خوفا من نهوض الفرنساويين عليه، وكانوا معسكرين في مسكرا فأصبح يومًا وقد أخلوها لغير سبب يعلمه، فعاد هو إليها ونزلها فعاد إليه رجاله واشتد أزره وأخذ في مقاصة الذين عصوه.
أما الفرنساويون فاحتلوا تلمسان فلاقاهم أهلها بالترحاب، ولكنهم ضربوا على يهودها ضريبة كبيرة اعتذروا عن دفعها، فأجبروهم فندم هؤلاء على التسليم وصاروا يودون العود إلى عبد القادر، وكان ذلك مما شدد عزم الأمير فجاء وطارد الفرنساويين وأخرجهم من تلمسان.
فغضب الفرنساويون في باريس فبعثوا بالنجدات القوية فحاربها عبد القادر مرارًا، ولكنه انكسر في واقعة منها انكسارًا رديئا انتقض من أجله العرب عليه وفي جملة المنتقضين قاضٍ يقال له: (سيدي إبراهيم) كان في نيته خلع عبد القادر والاستيلاء مكانه، فحمي غضب الأمير لتلك الخيانة فجرد سيفه وعلقه بسرج جواده وركب، وأقسم إنه لا يغمد ذلك السيف حتى يقطع رأس ذلك الخائن. فلما بلغ منزله أمر بإحضاره، فأحضروه وهو يرتعش فضربه ضربة قطعت رأسه، فكان لذلك وقع عظيم في قلوب رجال عبد القادر فاجتمعوا إليه، واستهانوا بالموت في سبيله فحمل بهم على مواقع الفرنساويين وضايقهم مضايقة عظيمة حتى قلَّت المؤن لديهم، وقلَّت الذخائر لديه.
فدارت المخابرة بين الفريقين في أن يتبادلوا التجارة فيبتاع كل من الفريقين ما يحتاج إليه وتم الاتفاق على ذلك وهدأت الأحوال.
وبعد ذلك بيسير قدم الجنرال بوجيد من جانب حكومة فرنسا إلى وهران يستحث الجند الفرنساوي على القتال حتى يبيد الأمير ورجاله أو يقبل بهذه الشروط وهي: (?) اعتراف عبد القادر بسيادة فرنسا.
(?) تحديد مملكته إلى نهر الخليف.
(?) أداؤه الجزية لفرنسا.
فعظمت هذه المطالب على عبد القادر، وأجاب أنه لا يحق لفرنسا أن تشترط هذه الشروط وهي ليست المنتصرة في مواقع الحرب معه، وهددها، فشق ذلك على الفرنساويين ولكنهم فضلوا الصلح على الحرب لعلمهم أن عدوهم عنيد باسل.
وبعد المخابرات والأخذ والرد، رأى بوجيد أن الحرب أولى له لأنه لم يستطع التوصل إلى وفاق موافق لدولته فعرض عساكره فإذا هم لا يستطيعون مناوأة عدوهم فاستأنف المخابرة بشأن الصلح، وطال الجدال بشأنه حتى تم القرار عليه في ?? أيار سنة ???? فعقدت المعاهدة المعروفة بمعاهدة (التافنا) وفي جملة بنودها أن لا يسلم الأمير شيئا من شواطئ بلاده لدولة أجنبية إلا بعد مشورة فرنسا، وأن يكون لكل من الأمير وفرنسا قناصل في بلاد الآخر.
ولما ارتاح الأمير من قبيل المعاهدة، وجه انتباهه إلى إصلاح الداخلية وتنظيم مملكته، والاستعداد للحرب لأنه علم لحسن فراسته أن الحرب لا بد من استئنافها، فعصاه بعض القبائل فأخضعهم بالسيف وحسن الدراية، وكان الفرنساويون ينصرونه عند الحاجة. وفي جملة القبائل التي أقلقت راحته بعصيانها قبيلة أرارق، ولكنه ما انفك حتى أذلها وأدخلها تحت لوائه.
ثم ابتنى مدينة دعاها (تقدمة) وجعلها مركزا تجاريا، وأنشأ كثير من المعاقل، ونظم جيشا على النمط الإفرنجي الحديث تحت قيادة قواد أوروبيين، وأنشأ معامل للمدافع والأسلحة في تلمسان وغيرها، واستخرج المعادن ونشط الصناعة والزراعة والتجارة، وأخذ بناصر العلم فافتتح المدارس حتى في الأحياء الصغيرة، وكان في عزمه إنشاء مدرسة جامعية في تقدمة تجمع بين العلوم الدينية الإسلامية والعلوم الحديثة. وضرب نقودا فضية ونحاسية نقش على أحد وجهيها: «هذه مشيئة الله وعليه توكلت» وعلى الوجه الآخر: «ضرب في تقدمة السلطان عبد القادر» وكان شديد السهر والتيقظ على مصالح بلاده حتى كان يتفقدها بنفسه.
ولكن الأقدار لم تسمح باستمرار الأمن؛ لأن الفرنساويين بعد أن استولوا على قسطنطينة أرادوا مد سلطتهم على البلاد الواقعة بجوارها وكانت في حوزة الأمير فعارضهم بدعوى أن معاهدة التافنا تقضي له بها فأصروا على عزمهم، وأنكروا عليه الأمر بتحريف كلمة من كلمات المعاهدة، فاستأنف أمره إلى باريس فلم تنصفه الحكومة الفرنساوية، فأخذ على نفسه الدفاع بالقوة، وحصَّن الأماكن التي عليها الخلاف، وبعث إلى قائد الحملة الفرنساوية، وإلى المسيو تيريس وزير فرنسا الشهير إذ ذاك ينذرهم بأن الإصرار على طلبهم لا يفيدهم إلا سفك الدماء فلم يعبأوا بتهديده، ولكنهم قوَّوا جندهم وأخذوا يتظاهرون بالتأهب للحرب ظنًّا منهم أنه يخاف عَدَدهم وعُدَدهم فيذعن بدون حرب وكان الأمر بالعكس فإنه ثبت على عزمه حتى انتشبت الحرب وتقهقر الفرنساويون إلى الشطوط.
فعظم الأمر على الحكومة الفرنساوية، وبعثت بالنجدات القوية فاشتد أزر الفرنساويين وقاتلوا الأمير بجوار جبال الأطلس، وتغلبوا عليه وكان جنده على النظام الإفرنجي فعدل عنه إلى النظام القديم فقوي على أعدائه، وأعادهم على أعقابهم وكان يفوز عليهم في كل موقعة، ودامت تلك الوقائع ست سنوات. فتعبت فرنسا منه وهو لم يتعب فأبدلت قائد الحملة، وبعثت القائد القديم الجنرال بوجيد ومعه الجيوش المجيشة، ولكنه لم يثبت أمام ذلك البطل المغوار.
ولما رأى الأمير أن البلاد أصبحت برمتها ميدانا للحرب ابتنى مدينة نقالة دعاها (الزملة) يلجأ إليها المنهزمون بنسائهم وأولادهم ويقيم فيها الصناع والعمال والخفر فحيثما انتقل الجند انتقلت تلك المدينة معهم، وهي مؤلفة من خيم جعلها على نظام المدن فإذا نقلت من مكان إلى آخر يعرف كل واحد خيمته. وأمر رجاله أن لا يقتلوا أسيرًا وأجاز من يأتي بالأسير حيًا. وعلم الفرنساويون بالزملة وبما لها من المنفعة للأمير ورجاله فاهتدوا إليها بخيانة بعضهم، وهاجموها فأحرقوا وقتلوا ونهبوا ولم يبقوا عليها، وكانوا قبل ذلك بقليل قد أحرقوا تقدمة المدينة التي ابتناها الأمير لنفسه.
وكان الأمير في أحراج سيرسو فبلغه خبر حريق الزملة وتقدمة فتكدَّر كدرًا لا مزيد عليه؛ لعلمه أن ذلك يقلل من نفوذه ويقود رجاله إلى الفشل، ولكنه أظهر الجلد، وقال لمن حوله: «لا تخافوا ولا تحزنوا لأن إخواننا الذين قتلوا قد مضوا إلى النعيم» ثم نهض وجدد قوته وألَّف زملة جديدة، واستنجد حكومة إنكلترا فلم تنجده ثم استنصر سلطان مراكش فلم ينصره فاضطر لأن يقوم بأعماله بنفسه وهو ثابت العزم لا يثنيه شيء ولا يخيفه أمر.
ولكن فرنسا أنجدت جندها، وأغرت سلطان مراكش على معاضدتها فاشتد الأمر على الأمير ووقع في وهدة اليأس حتى حدَّثته نفسه بنشر راية الجهاد والمسير برجاله إلى مكة المكرمة تاركا البلاد خرابا لمحتليها، وفيما هو يفكر في ذلك جاءته نجدات عديدة من بعض القبائل فاشتد عزمه وعاد إلى الحرب حتى أصبحت الجزائر بجملتها ميدانا للقتال، وما زالت الحال كذلك إلى نهاية سنة ???? فملَّ العربان وانحاز جانب منهم إلى سلطان مراكش، فاغتنم الفرنساويون تلك الفرصة وأثاروا المراكشيين وأنهضوهم على الأمير وقتاله فبعثوا إليه جيوشا حاربته في أماكن مختلفة، وكان الأمير يقاتل بالأمر الممكن لا تثنيه كثرة أعدائه ولا شدتهم، ولكنه استاء من خيانة سلطان مراكش فبعث إليه يذكره بالصداقة القديمة، فأجابه: إما أن يسلم نفسه أو أن يرحل إلى براري الجزائر، فكظم الأمير على نفسه وفضَّل الاعتزال عن الناس على التسليم فأقام على الصلاة وتلاوة القرآن الشريف.
وفي أواخر سنة ???? علم بقدوم المراكشيين لغزو زملته، ولم يكن فيها أكثر من خمسة آلاف، والمراكشيون يزيدون على الخمسين ألفًا فخاف الأمير على رجاله وإن لم يكن يعرف الخوف قبلا. فعادت إليه نخوته فهجم ليلا بذلك الجيش القليل، وفرق شمل المراكشيين ثم عادوا واجتمعوا ثانية وهاجموه فطاردهم وظهر عليهم، ولكنه خسر جانبا من رجاله فرأى الانسحاب أفضل له، فرجع إلى الجزائر فوصل مكانًا علم بعد وصوله إليه أن الجيش الفرنساوي على مسافة ثلاث ساعات منه، ورأى أن جيشه قد أنهكه السفر والحرب فخشي أن يقع هو وزملته في يد الفرنساوية لأنه لا يستطيع الرجوع والمراكشيون من ورائه يطاردونه، ولكنه عاد فرأى أن يبذل قصارى جهده، فجمع إليه رجاله وخطب فيهم مفصحا عما هم فيه من الضيق، وقال: «أراكم قد وفيتم بما بايعتموني عليه وبذلتم جهدكم في معاضدتي. وأما الحالة الراهنة فتقضي علينا بالتسليم للعدو، وعندي أن التسليم للفرنساوية خير من التسليم للمراكشيين فما رأيكم؟»
فأجابوه أنهم على رأيه فنظر إليهم فإذا هم عدة من أحسن الرجال وأشدهم وقد رافقوه في حروبه خمس عشرة سنة فشق عليه أن ينتهي جهاده هذا بالتسليم للعدو، ولكنه أذعن لحكم الضرورة قسرًا وهو غير خائب لأنه جاهد الجهاد الحسن مدة ?? سنة حتى نفدت الحيلة.
وأراد ليلة ?? دسمبر سنة ???? كتابة شروط التسليم فلم يستطع لتساقط الأمطار وهبوب العواصف، فبعث اثنين من خاصته دفع إليهما ختمه شاهدًا على صدق نيابتهما عنه أمام قائد المعسكر الفرنساوي الجنرال لاموريسير فذهبا وعرضا الشروط ومن مقتضاها أن يبارح الأمير بلاده ويسكن في الإسكندرية بمن معه من الرجال والنساء والأولاد أو في مدينة بورصة. فقبل الجنرال الشروط بدون تردد، وسُرَّ لانتهاء متاعب فرنسا في حروب هذا الأمير، وأخبر فرنسا بذلك فابتهجت باريس. وهكذا سلم الأمير ولكنهم احتفلوا به عند قدومه المعسكر احتفالا عظيما.
وفي ?? منه سافر الأمير بمن أراد مرافقته من رجاله وعددهم ثمانون على دارعة إلى طولون فقوبلوا بالترحاب، ثم طلبوا إليه التنازل عن اشتراطه السكني في الإسكندرية أو غيرها من المدن العثمانية، وأن يقيم في فرنسا بكل احترام وبكل ما يحتاج إليه من النفقات فأبى، ثم انقلبت حكومة فرنسا من الملكية إلى الجمهورية، وبعد أخذٍ وردٍّ أجابوه إلى ما أراد، ولكنهم اشترطوا عليه التعهد بعدم الذهاب إلى الجزائر فتعهد بذلك كتابة هو ورجاله في آذار (مارس) سنة ???? وبات ينتظر الأمر بالذهاب. فورد عليه الجواب على غير المراد، ومفاده أن الجمهورية تعتبره أسيرًا كما تركته الحكومة السالفة، وزجُّوه في السجن مع رجاله. فتكدَّر الأمير كدرًا لا مزيد عليه، ولكنه كان يتأسى في سجنه بالكتابة والتأليف، ورأى رجاله يتذمرون من الأسر، فألح عليهم أن يتركوه ويذهبوا لأنهم غير مكلفين باحتمال الأسر من أجله، فأبوا إلا مرافقته في السرَّاء والضَّراء، وبقوا في ذلك الأسر إلى أكتوبر سنة ????.
فقدر الله أن البرنس نابليون كان متجولا في أنحاء المملكة فمرَّ بأبيس حيث كان الأمير مأسورًا فزاره ووعده بالإنقاذ، وبعد بضعة أيام أطلق سراحه، ودعاه لزيارته في باريس، فقُوبل فيها بالتجلَّة والإكرام والباريسيون مُطِلُّون من الشبابيك والكوى لمشاهدة الأمير البدوي الذي شغل دولة فرنسا ?? سنة بالحروب. ثم دعي لزيارة البرنس نابليون في قصره فسار مع أربعة من أخصائه، وكانت الحفلة حافلة فتكلم الأمير معتذرًا عن عدم معرفته العادات الجارية في فرنسا وطلب الإغضاء عما ربما يأتيه مما يخالف ذلك، وتعهد له بعدم الرجوع إلى الجزائر فشكره البرنس، وبعد الغذاء طاف به في القصر وأهداه جوادا عربيا، وبالاختصار إن احتفال البرنس نابليون بالأمير عبد القادر كان عظيمًا جدًّا، وبعد مضي شهر في باريس اتفق إجماع الفرنساوية على إرجاع الإمبراطورية، فكان الأمير في جملة المنتخبين، ووقع الانتخاب على البرنس نابليون، ولما تنصب زاره وهنَّأه، فلاقى منه كل رعاية وأعطاه سيفا مكتوبا عليه: «من الإمبراطور نابليون الثالث إلى الأمير عبد القادر بن محيي الدين». وفي ?? دسمبر سنة ???? برح الأمير فرنسا فوصل الأستانة، فاحتفل به سفير فرنسا هناك احتفالا شائقا، وبعد أيام سار إلى بورصة على نية الإقامة فيها وله نفقات معينة من فرنسا تبلغ أربعة آلاف جنيه سنويا تنفق عليه وعلى رجاله، ولم يطِب له المقام هناك فاستأذن بالعود إلى فرنسا، فعاد ومكث فيها مدة ثم عاد إلى بورصة قضى فيها بضعة أسابيع ريثما أعدَّ نفسه ورجاله ومتاعه وبرحها إلى بيروت فوصلها في ?? يونيو (حزيران) سنة ???? ومنها إلى دمشق فخرج إلى لقائه جماهير كبيرة بالاحتفاء اللائق رجالًا ونساءً حتى وصل المحل المعد لإقامته ثم اتخذ مسكنًا له في محل يقال له: (العمارة) في دمشق، وقام فيه وقد طابت له المعيشة في تلك المدينة الفيحاء إلى آخر أيامه لما لاقى من لطف أهلها وأُنسهم، وكان يقضي معظم وقته في المطالعة والصلاة والتأليف لا يخلوا مجلسه من العلماء والفضلاء.
وفي سنة ???? كانت الثورة المشهورة في دمشق، وهي المذبحة التي ذُبِح فيها المسيحيون، وكان الأمير من أكبر المعارضين لإجرائها. ولما نفدت حيلته في منعها أصر على بذل قصارى جهده في كف الأذى عن المسيحيين.
فلما علم يوم الإثنين في ? يوليو (تموز) سنة ???? بابتداء المذبحة تكدر جدًّا وبعث حالا إلى كل مغربي في دمشق وفرقهم في أحياء المدينة لإنقاذ من يستطيعون إنقاذه من المسيحيين فكانوا يهجمون كالأسود بقلوب لا تهاب الموت، ورءوس قد ثارت فيها الحمية والمروءة فيأتون بمن يستطيعون إنقاذه رجالًا ونساءً وأولادًا إلى دار الأمير، ولما علم النصارى بما عزم عليه الأمير كانوا يفرون إليه من تلقاء أنفسهم ويقيمون في بيته حتى غصت داره فأخذ البيوت المجاورة له وأخلاها وأقام فيها اللائذين به وفي جملتهم قناصل الدول وغيرهم، وكان ينفق عليهم كل ما يحتاجون إليه من الطعام وغيره، وممن عاضده في هذا العمل الخيري العالمان الشريفان: محمود أفندي حمزة، وأخوه أسعد أفندي رحمهم الله أجمعين.
في ثالث يوم من المذبحة هجم الأكراد الثائرون على بيت الأمير للقبض على النصارى، فدافعهم الأمير ورجاله والشريفان بكل ما في وسعهم فعاد الأكراد خاسرين. ثم إن والي دمشق إذ ذاك وعد النصارى إذا سلموا ودخلوا القلعة أنهم يكونون فيها آمنين من القتل فاجتمع فيها نحو من خمسة آلاف وكأنه أراد بهم الغدر بعد ذلك بجماعة من الدروز كانوا قادمين للنهب، فخرج إليهم الأمير ورجاله وهددهم بالرصاص فخافوا وكرُّوا على أعقابهم. وبقيت الثورة سبعة أيام متوالية لم يفتُر فيها الأمير لحظة عن نصرة المظلومين وإنقاذهم من القتل وتطبيب الجرحى وتعزية الثكالى والأرامل واليتامى.
وكان يقضي أكثر الليالي ساهرا والبندقية في يده حرصًا على من هم في حماه، فإذا غلب عليه النعاس أسند رأسه إلى فمها قليلا. وفي ?? يوليو سنة ???? جاء دمشق والٍ جديد وعزل القديم وأخذت الأحوال في الهدوء وقد كان في حمى الأمير من النصارى يوم جاء ذلك الوالي نحو أربعة آلاف نفس وفي القلعة نحو ستة آلاف وبعد يسير جاء فؤاد باشا لتحري المسألة ومقاصة المعتدين وهكذا انتهت المذبحة.
أما النصارى فهم كافة مدينون لفضل هذا الرجل العظيم؛ لأنه جاء عملا برهن على عظم نفسه ومروءته وشهامته، وقد نال جزاءه من الدول الأوروبية فبعثت إليه بوسامات الشرف ورسائل الثناء وخصوصا الدولة العلية أيدها الله.
ولما هدأت الأحوال عاد إلى السكينة، وعكف على المطالعة والصلاة والتدريس.
وفي سنة ???? استأذن الإمبراطور في الذهاب إلى الحج فأذن له، فزار الحرمين وقضى فروض الحج كما يجب، وزار الطائف والمدينة المنورة وكان حيثما حلَّ يلاقي كل رعاية وإكرام، وفي أثناء عوده من الحجاز سنة ???? مرَّ بالإسكندرية وانتظم في سلك الجمعية الماسونية في ?? يونيو (حزيران) من تلك السنة. وبعد أيام عاد إلى دمشق، وعكف على ما اعتاده من التدين والصلاة واشتهر بالتقوى حتى كان الصوفيون يعتبرونه مكاشفا وينزلونه منزلة سيدي محيي الدين بن العربي والشيخ عبد الغني النابلسي، وكان له في قلوب أعيان دمشق منزلة رفيعة جدًّا. وقد كتب كتبًا في التصوف والتوحيد ولم يترك ملابسه العربية مطلقًا. ونظرًا لمحافظته على عهوده مع نابليون كان يدعوه صديقه الباسل.
وكانت معيشته في بيته في غاية البساطة مع الترتيب، وما زال معظَّمًا مكرَّمًا محترمًا لدى كل من عرفه حتى توفاه الله سنة ???? في منزله بدمشق، فأسف الناس عليه واستعظموا المصاب فيه وأبَّنَهُ الكُتَّاب والعلماء ورَثَتْهُ الجرائد في سائر الأقطار رحمه الله.
? ملخصه من تاريخ سوريا سنة ???? لنعمان أفندي قساطلي (لم يطبع).
الفصل الحادي والعشرون
عثمان باشا الغازي


شكل ??-?: عثمان باشا الغازي (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
هو عثمان نوري باشا القائد العثماني الشهير. ولد في طوقات إحدى مدن سيواس في شمالي آسيا الصغرى. قدم الأستانة صغيرا وكان شقيقه حسين أفندي أستاذَ اللغة العربية في المدرسة الإعدادية هناك فأدخله في تلك المدرسة فتلقى فيها مبادئ العلم ثم انتظم في سلك المدرسة الحربية فنبغ بين رفاقه، وخرج منها سنة ???? ضابطا ملازما في فرقة الفرسان (سواري).
ولما انتشبت حرب القرم أُلحق بأركان حرب عمر باشا القائد الشهير، وشهد مواقع كثيرة أظهر فيها بسالة استلفتت انتباه رؤسائه، فلما عاد من الحرب ترقى إلى رتبة يوزباشي في الحرس الشاهاني بالأستانة.
وكان عثمان باشا في جملة رجال العسكرية الذين توسطوا في إصلاح شئون الحوادث السورية عام ???? وهو في رتبة بكباشي. واشتغل سنة ???? في إخماد ثورة ظهرت في كريد فارتقى على أثر ذلك إلى رتبة قائمقام. وعاد إلى الأستانة فارتقى هناك إلى رتبة أميرالاي. وترى مما تقدم أنه إنما كان يرتقي على أثر أعمال تؤهله للارتقاء.
وفي سنة ???? أحرز رتبة لواء، وفي السنة التالية صار فريقا، وتولى قيادة الفيلق الخامس وخرج لمحاربة الصرب ففاز في كل المواقع وعاد وقد حمل الصربيين على التماس الصلح — كما سيأتي — فصدرت الأوامر السنية بترقيته إلى رتبة المشيرية مكافأة له.
وفي سنة ???? انتشبت الحرب الشهيرة ببين الدولة العلية والروس فتولى قيادة ?? طابورًا و?? كوكبة و??? مدفعا وحارب جند الروس في مواقع كثيرة. وفي هذه الحرب نال هذا القائد شهرته الكبرى.
حرب الروس

وسبب هذه الحرب أن البوسنة والهرسك في غربي بلاد الروملي تمردتا على الدولة العلية سنة ???? وامتنع أهلهما عن دفع الرسوم الأميرية، وربما كان سبب ذلك متصلا بمطامع النمسا فيهما، وتفاقم أمر هذه الثورة حتى خيف منها على السلم العام. فاجتمع قناصل الدول العظمي في مستار بالهركس في سبتمبر سنة ???? وأقروا على تسوية تقضي على الباب العالي ببعض الإصلاح وعلى الثائرين بالامتثال فلم يجد سعيهم نفعا. فأنفذت الدولة العلية جندها لإخماد الثورة بالسيف. فجرت مواقع كثيرة سُفِكت بها دماءٌ غزيرةٌّ، ولكنها لم تقرر النصر لأحد الفريقين.
وتوقفت الحكومة العثمانية في أكتوبر من تلك السنة عن دفع فائدة الدَّين العمومي، وأصدر الباب العالي بلاغا إلى الدول يعدهن فيه بدفع نصف المطلوب معجلا، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لدفع النصف الآخر، ولكنه لم ينجز الوعد. فوضع الكونت أندراسي رئيس وزارة النمسا لائحة طلب بها من الدولة العلية مطاليب إصلاحية صادقت عليها روسيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنكلترا ورفعوها إلى الباب العالي في ?? يناير سنة ???? فوعد بإجراء ذلك. ولكن البوسنة والهرسك لم تقبلا لأن الدول لم تشركهما في كيفية التسوية. وفي مارس من تلك السنة عادت الحرب إلى ما كانت عليه.
ووقع في ? مارس المذكور خصام بين المسيحيين والمسلمين في سالونيك قُتِل فيه قنصلا فرنسا وألمانيا فاحتج سفيرا هاتين الدولتين في الأستانة على الحكومة العثمانية فأمر الباب العالي بقتل الجانين، وعوَّض على عائلتي القتيلين، ووعد بتجنب مثل هذه الحوادث في المستقبل.
ولكن ذلك لم يمنع مطالبة الدول بإجراء الإصلاح فاجتمع البرنس غورتشاكوف وزير روسيا، والبرنس بسمارك وزير ألمانيا، والكونت أندراسي وزير النمسا في منزل البرنس بسمارك في برلين في ?? مايو عام ???? واتفقوا على مذكرة وضعها غورتشاكوف يطلب فيها إنفاذ لائحة أندراسي. فأبت إنكلترا المصادقة على هذا الطلب لأنه يقضي باتحاد الدول الست على استخدام السلاح إذا لم يتم ما طلبوه.
وزد على ذلك أن البوسنة والهرسك لم تقبلا بتلك المذكرة فألغيت.
وفي أثناء ذلك الشهر نزل المغفور له السلطان عبد العزيز عن العرش العثماني وحصل ما حصل من الاضطراب على إثر خلعه تولى السلطان عبد الحميد.
وكانت إمارة الصرب منذ ثورة البوسنة والهرسك واقفة وقوف المتحفز للقتال، وكذلك الجبل الأسود فإنه انتصر للهرسك. فأصبح الباب العالي في حرب مع البوسنة والهرسك والصرب والجبل الأسود بدأت في يوليو عام ???? وقتل فيها كثيرون حتى جرت الدماء سيولا. وكانت الجنود العثمانية تحارب الصرب بقيادة عثمان باشا — صاحب الترجمة — ودرويش باشا، وحافظ باشا، وسليمان باشا، وعبد الكريم باشا، وغيرهم. وكان الفوز نصيبهم في معظم المواقع، أما في الجبل الأسود والهرسك فكان الجند العثماني بقيادة مختار باشا وسليم باشا، والبلاد هناك أكثر وعورة فقاسوا فيها عذابًا شديدًا. وأخيرا تضايق الصربيون فالتمسوا الصلح في سبتمبر عام ????.
وكانت الثورة قد ظهرت في بلغاريا من مايو السابق، فأرسل الباب العالي بعض الشراكسة والباشبوزق لإخمادها، فارتكبوا في أثناء ذلك فظائع تقشعر من ذكرها الأبدان، دوَّى صداها في سماء أوروبا فقام شعب الإنكليز قومة واحدة يطلبون توسط دولتهم في هذه الشئون. فتوسطت والتمست من الباب العالي تحري تلك الفعال ومعاقبة الجانين فوعد ولكنه أبطأ في الإنجاز، وأصدر منشورًا يقول فيه: إنه سيوقف دفع الدين ريثما تخمد الثورات القائمة في ولاياته. وكان لإنكلترا أكبر حصة في هذا الدين فآل ذلك إلى فتور بينها وبين الدولة العلية.
وعرضت الدول من الجهة الأخرى شروطا للصلح بين الدولة العلية ومحاربيها طال أمد المخابرة بشأنها، وأخيرًا رفضها الباب العالي فاعتبر الروس رفضها مهينًا لهم لعلاقاتهم الجنسية والدينية بالصرب. فنشأت الضغائن بين الدولتين، وتداولت الدول بشأن الإصلاح فاقترحت روسيا أن تتوسط الدول جميعا يدًا واحدة في شئون تركيا فرفضت فرنسا وإنكلترا والنمسا هذا الاقتراح. فصرحت روسيا بميلها إلى مساعدة الصرب وهو أول ما ظهر في رغبتها في الحرب، فطلب الباب العالي هدنة ستة أشهر، فلم تسمح روسيا إلا بستة أسابيع وأذاعت ذلك بمنشور على الدول العظمى، قالت فيه: إنها إذا لم ينفذ طلبها هذا حملت على تركيا واكتسحتها. فاهتزت أوروبا لذلك التهديد، وأخذت كل دولة تتحفز وتتأهب وخصوصًا إنكلترا فإنها استاءَت من الروس لأنهم لم يساعدوها على طلب التعويض عن فظائع بلغاريا.
أما روسيا فعبأت الجند في بندار وتفليس، وقد عولت على محاربة الدولة العلية في أوروبا وآسيا معا والدول التي تسعى من الجهة الأخرى في التسوية، وسعيهن ذاهب هدرا وما قُدِّر فقد كان.
وليس من غرضنا البحث في ما دار من المخابرات، ولا ما لعب من الأيدي إذ لا محل له هنا. وإنما المراد أنه لما تقررت الحرب بين الدولتين زحف الروس على بلاد الدولة في أوروبا وآسيا. فزحف ?????? مقاتل بقيادة الغراندوق ميخائيل والجنرال مليكوف نحو بلاد الدولة في آسيا إلى أرمينيا، وقلوب الأرمن مع الروس أيضًا.
ولا حاجة بنا إلى الدخول في تفاصيل هذه الحرب، ولكننا نقول بالاختصار إنه كان من نصيب صاحب الترجمة ملاقاة الروس في الروملي، ومعه عبد الكريم باشا، وسليمان باشا ولم ينقض شهر مايو سنة ???? حتى احتلَّت جنود الروس ضفة الطونا (الدانوب) الشمالية من كلفات إلى غلاتس. على أن معظمهم كان في جورجيفو مقابل روستجق. والطونا — كما لا يخفى — فاصل بين رومانيا وبلغاريا، وكان عدد الجند العثماني في جنوب ذلك النهر نحو مئتي ألف مقاتل بقيادة عبد الكريم باشا ومركز المعسكر في شملة على حدود البلقان. ولكنهم احتلوا كل الحصون على ضفة الطونا الجنوبية، وأصبح الموقف حرجا وصرحت الدول بحيادتها، وهدأت الحال شهرين والطونا فاصل بين الجيشين. ثم حاول الروس عبور النهر وعددهم ?????? مقاتل. وفي يونيو من تلك السنة عبروه من أماكن مختلفة، واحتلوا بعض المدن في بلغاريا وزحف البعض الآخر إلى جبال البلقان. وفي طريقهم هذه من الطونا إلى البلقان لقيهم صاحب الترجمة في بلافنا وردَّهم إلى الوراء في ? يوليو.
ولكن قائدًا روسيًا اخترق حدود البلغار في جبال البلقان بشجاعة غريبة فكان لخبر تقدمه هذا وقع موجع في الأستانة. فنقل الباب العالي قيادة الجند من عبد الكريم باشا إلى محمد علي باشا، وهو بروسياني واسمه الأصلي شلوتز. وأصبح الجند العثماني في ساحة الحرب أربع فرق يقودها أربعة من القواد العظام، وهم: عثمان باشا في ويدين على ضفة الطونا في الغرب، ومحمد علي باشا في شملة بالشرق، وكلاهما شمالي جبال البلقان، وأما القائدان الباقيان، وهما: سليمان باشا، ورءوف باشا، فكانا في جنوبي تلك الجبال.
حصار بلافنا

وفي ?? يوليو هجم أربعون ألفا من الروسيين على بلافنا وفيها عثمان باشا وخمسة آلاف جندي فدافع العثمانيون دفاعًا حسنًا، ولكن الروسيين لكثرتهم وقفوا في أول الأمر للاستيلاء على ذلك المكان الحصين، وكأن صاحب الترجمة نفخ في جنوده روحًا حيَّة فانقضوا على الروس انقضاض الصواعق، وصبُّوا عليهم نارًا حامية فتقهقر الروسيون وعاد العثمانيون إلى حصونهم، فتجدد القتال في اليوم التالي والفوز لا يزال مع العثمانيين. ففرَّ الروس من ساحة الوغى وقد تركوا خمسة آلاف من جندهم بين قتلى وجرحى، وحدث فشل عظيم في معسكرهم.
وفي ? سبتمبر ???? عاد الروسيون إلى بلافنا بمدافعهم وبنادقهم، وأطلقوا القنابل على حصونها يومين متواصلين فاستولوا على تلال في جنوبها في مساء ? منه، وواصلوا الإطلاق طول الليل واليوم التالي والذي بعده، وفي ?? منه فتحوا حصن كريغتزا بعد جهاد اليأس. أما العثمانيون فتشددوا في اليوم التالي بتشجيع قائدهم الباسل وانقضوا على الروس بقلوب لا تهاب الموت فطردوهم واسترجعوا كل الحصون إلا كريغتزا، وخسر الروس في هذه المعركة سبعة آلاف رجل بين قتيل وجريح. ولما بلغ خبر هذا النصر إلى الأستانة أنعم جلالة السلطان على صاحب الترجمة بالنيشان العثماني المرصع مع لقب «غازي».
وعاد الروسيون مرة ثالثة بقيادة الجنرال تودلين بطل سباستبول فحاصروا بلافنا وصبُّوا عليها النيران من مدافعهم، وفي ?? أكتوبر فتحوا حصن كريغتزا الثاني بعد أن ارتدوا عنه مرتين. على أن العثمانيين عادوا فاستولوا عليه في تلك الليلة بقوة السلاح، وبنوا سورا آخر داخليا لزيادة المناعة.
ونظر صاحب الترجمة في مركزه الحرج فعلم أنه يحتاج إلى النظام أكثر منه إلى الرجال، فأمر كل من كان معه من الشراكسة والباشبوزق بالخروج من بلافنا، وثبت هو بمن بقي من جنده فيها ثبات الجبال.
وكان الروسيون في أثناء ذلك يحاربون ما يحيط ببلافنا من الحاميات العثمانية، ويطاردونهم حتى خلت تلك البقاع من الجند العثماني إلا بلافنا فإنها ظلت ممتنعة إلى ?? دسمبر وقد نفدت مئونتها وانقطع عنها المدد. فخرج عثمان باشا من حصنه وهو ينوي أن يخترق صفوف المحاصرين لعله ينجو من حصاره. فسار في مقدمة رجاله، ومشوا جميعا إلى جهة واحدة والروسيون يطلقون عليهم النار وهم لا يبالون، فاخترقوا خطين من خطوط الجند الروسي ولم يبق لنجاتهم إلا خط واحد كادوا يخترقونه لو لم يروا بطلهم عثمان باشا سقط على الأرض هو وجواده وقد أصيب برصاصة اخترقت فخذه، وأصابت الجواد فظنوه قُتِلَ ففشلوا واضطروا للتسليم. فسلموا أسلحتهم بلا شرط وعددهم أربعون ألفا فضلا عن ????? بين مريض وجريح. فلما سلم عثمان بعث إليه قائد الروسيين مركبة يركب فيها إلى بلافنا لمداواة جراحه فركب. وهو في الطريق لقيه الغراندوق نيقولا ومعه البرنس شارل أمير رومانيا فأوقفا عربته وسلما عليه مصافحة.
وفي صبيحة اليوم التالي سار صاحب الترجمة يتوكأ على طبيبه الخاص إلى القصر الذي نزل به القيصر إسكندر الثاني ببلافيا. فلما أقبل عثمان وقف له القيصر وسلم عليه وأثنى على بسالته وأمانته، وأُعجِبَ بما أبداه من الشجاعة في محاولته الخروج من بين صفوف المدافع والبنادق إلى أن قال: «وهذا سيفك أردُّه لك إقرارًا ببسالتك وأهليتك ولك أن تتقلده في بلادي، وهذه مركبتي وهؤلاء حرسي تحت أمرك إذا شئتَ ركبت، وإن شئتَ مكثت». شكل ??-?: القيصر إسكندر الثاني.
ولا يخفى ما في ذلك من الإكرام الذي لم يصدر من هذا القيصر إلا لما يعتقده من فضل هذا القائد العظيم. ومما يزيد فضله في هذا الحصار أن الذين حاصروا بلافنا يزيد عددهم على ?????? ومعهم ??? مدفع، وقوات هذا الغازي لم تكن أكثر من خمسين ألفا وثمانين مدفعا، وقد رأينا مع ذلك أنه لما يئس من الزاد والذخيرة لم يطلب التسليم وهو داخل الحصون، ولكنه خرج مستقتلا فإما أن يَسْلَم وإما أن يُسَلِّم. وكان لسقوط بلافنا دويٌّ عظيم ففرح به الروسيون واستاء العثمانيون.
أواخر أيامه

وبعد انقضاء تلك الحرب وعقد شروط الصلح في مارس ???? عاد عثمان باشا إلى الأستانة وتعين قائدا للحرس الشاهاني، وفي ?? يونيو من تلك السنة عين مشير المابين ثم واليًا لجزيرة كريد.
وفي آخر تلك السنة انتُدِب لوزارة الحربية وتقرَّب من الحضرة الشاهانية فنال كل التفات ورعاية وتقلب في أحسن مناصب الدولة وأشرفها ونال أشرف وساماتها ووسام كومندور اللجيون دوتور من فرنسا.
ومن غريب ما تقوله الناس على أثر ما ظهر من بسالته في حصار بلافنا أن كل أمة حاولت أن تدَّعيه لنفسها، فقال الأمريكان: إن الرجل أمريكاني الأصل، وقال الفرنساويون: إنه فرنساوي، وقال غيرهم غير ذلك، ولكنهم تحققوا بعد ذلك أنه تركي لا شك فيه.
وكان صاحب الترجمة في آخر أعوامه مشير المابين الهمايوني وقائد الفيلق الخاص، ولا يجتمع مجلس في سراي يلدز إلا وهو من أعضائه. وإليه النظر في شئون جند المابين وملاحظة كل ما يتعلق بالمابين وكل ما يحدث فيه. وله دائرة خصوصية هناك يقيم فيها وله الكُتَّاب والمأمورون.
ومما ناله من التفات جلالة السلطان أن اثنين من أولاده تزوجا بكريمتي جلالته. ثم أصيب بمرض عز شفاؤه فتوفي في الأستانة في أوائل أفريل ???? وهو لم يتجاوز الثامنة والستين من عمره، وفي موته خسارة كبرى على الدولة العثمانية؛ لأنه من أعاظم أفرادها.

الفصل الثاني والعشرون
حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو


شكل ??-?: حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو.
لم يتعود قراء هذا الزمان الاطلاع على أخبار الهمم العالية، والنفوس الكبيرة، وظهور نوابغ القواد ورجال الدهاء إلا بين أهل العرب. ويعجبهم على الخصوص إذا قرأوا عن قائد أو وزير أو ملك نبغ من بين العامة وتسلم عرش السيادة بجدِّه وسعيه. ولكن بين أهل الشرق اليوم نوابغ لا تقل نفوسهم كبرًا ولا هممهم سموًّا عن أولئك، فقد ينبغون في أواسط آسيا وإفريقيا ويأتون بمعجزات السياسة والدهاء والقيادة ولا نعرف أخبارهم. وإليك ترجمة رجل منهم ولد في الفقر والضنك، وارتقى بهمته وسعيه حتى قاد الألوف وفتح البلاد — نعني به حميد بن محمد بن جمعة المرجبي الملقب بتييوتيب فاتح الكونغو بأواسط إفريقيا — وقد بعث إلينا برسمه وترجمة حاله حضرة الشيخ ناصر بن سليمان بن ناصر اللمكي ساكن زنجبار فأثبتناهما مع الثناء على غيرته في نشر مآثر الشرقيين، قال:
تمهيد

كانت الأقطار الزنجبارية ملكا للبرتغال كما لا يخفى على ذوي الإلمام بالتاريخ، فلما أراد العرب تخليص هذه الأقطار من يد الإفرنج بقوة سلطانهم سيف بن سلطان اليعربي، جهزوا جيشا من بلاد عُمان مؤلفا من قبائل شتى من العرب، وفيهم القبائل المراجية. فبرح هذا الجيش مسقط في سفن شراعية فوصل إلى ممبسة سنة ???? مسيحية، وهناك جرت بينهم وبين البرتغال وقائع كثيرة قضى الله بعدها بانجلاء البرتغال من تلك الأقطار واستلم العرب أزمة الملك. ولما رجع السلطان إلى مسقط أحب بعض أصحابه الإقامة في تلك الأقطار، فأقاموا وفيهم العائلات من قبائل الحواتم والنباهنة واليعاربة والمراجية واتخذ كل فريق منهم المناخ الموافق له، ولا تزال هذه القبائل باقية هناك إلى الآن. ولكن رجالها لا يتكلمون إلا اللغة الزنجبارية وإنما حفظوا اسم القبيلة فقط. فالمراجية اختاروا قرية بجنوب دار السلام اسمها مبوماجى مناخًا لهم ولا يزالون فيها إلى اليوم.
ثم آل أمر تلك الأقطار مع توالي الزمن إلى الانحطاط حتى جاءها سعيد بن سلطان الأزدي جد العائلة المالكة الآن في زنجبار وعمان فأخذت في التقدم، وفتحت أبواب التجارة، وجعلت عاصمة المملكة جزيرة زنجبار ثم رحل إليها العرب من عمان كما رحل إليها قبائل البراري والإفرنج.
ترجمة حاله

في هذه الجزيرة وُلِد صاحب الترجمة، وهو حميد بن محمد بن جمعة المرجبي في سنة ????هـ وقد نشأ في عصر مظلم وبلاد مظلمة. ولم ير بين يديه إلا أقواما لباسهم الجهل وطعامهم الفقر، خالين من كل فضيلة متردين بكل رذيلة، لا يميزون بين الخير والشر. ولما بلغ السنة الخامسة من العمر اجتهد والده بتعليمه القراءة والكتابة وكتاب الله فأخذ منه بالقسط الأوفر في أقرب وقت، ثم مكث في حالة الفقر عدة سنوات كأنه على النار إذ كان يشعر في نفسه بشيء يستحثه على طلب العلى، وهو لا يدري بأي وسيلة يسمو إليها، واتفق أن والده سافر إلى داخل البلاد لطلب الرزق وترك ولده في زنجبار، فالولد لم يقر له قرار لأنه رأى في نفسه ضيقا شديدا لم يعلم له سببا، ذلك هو دأب عظماء الرجال يحسون بالكبرياء والعظمة وهم في المهد. فإذا أتيحت لأحدهم الوسائط لقضاء مراده، وجد لذلك طريقًا يسهل عليه الأمر، واستعمل الحيلة والمال لبلوغ أربه، ولكن المترجم لم يجد لنيل بغيته طريقًا مع مطالبة نفسه بها، وظل كذلك حتى تطرق إلى قلبه اليأس فأخذ في طلب ما يسد رمقه به.
ولما بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة اقترض اثني عشر ريالا اشترى بها ملحًا سافر به إلى دار السلام، ومنها إلى داخل البلاد للاتجار، ولبث شهورا يتردد في بيع الملح، وقد ذاق حلاوة الجد والاجتهاد، وكانت أسفاره لا تزيد عن مسير يومين أو ثلاثة، ثم طال سفره شيئًا فشيئًا واطمأن إليه التجار بأموالهم فاتجر في الثياب والمأكولات والكوتشوك وغيرها حتى اجتمع عنده شيءٌّ يسير من المال. ثم بلغه أن والده وصل إلى مدينة تبورة وتزوج بابنة سلطان الاتيموز (قبيلة من الزنوج لا يختتنون وهم كثيرو العدد) فشمَّر عن ساعد الجد، وعزم على اللحاق به في تلك البلاد، فسافر من باجمويو، وبعد مسير ثمانين يوما في البراري والقفار وصل إلى تبورة فوجدها كبيرة، وفيها من العرب نحو خمس مئة نفس، وجملة سكانها أربعون ألفا، ثم واجه السلطان وهو صهر والده، فلقي منه إكراما وأهدى إليه عاجا، وقرَّبه منه فقوي نفوذه لديه وبقي هناك متاجرا.
ثم حصل خلاف بين صهر والده وسلطان آخر من سلاطين الزنوج فتحاربا مدة، وخرج حميد بن محمد لنجدة صهر والده ببعض الزنوج والمماليك فدخل بلاد العدو ليلا وأحرقها واستباحها قتلًا وسلبًا وجمع الكثير من العاج، واستتبَّ أمره في تلك البلاد حتى صارت ملكًا له وأطاع أهلها أمره. ولما عاد إلى والده منصورًا أخذ ما كان معه من العاج، وقفل راجعا إلى زنجبار فحظي بمقابلة سلطانها يومئذ ماجد بن سعيد بن سلطان ثم باع ما معه من العاج ووفَّى ما عليه من الديون، وأخذ في تجهيز ما يحتاج إليه في سفره، فلما تم ما أراد تجهيزه عمد إلى السفر.
نشأته السياسية

لقي حميد في هذه النشأة من المصاعب والمشاغب ما تشيب له الولدان؛ لأنه كان يسافر إلى مكان لم تطأه أقدام أسلافه، ولكنه لم يتهيب من ذلك بل كان يسافر والسعد حليفه والعناية تساعده والاجتهاد نصيره على المصائب. برح زنجبار ومعه من الثياب والخرز والبارود والرصاص ما قيمته تسعون ألف ريال حتى وصل باجمويو، ثم برحها في سنة ???? هجرية وبعد مضي ?? يومًا من سفره قطع اللصوص الطريق عليه، وأرادوا نهب ما معه فدافعهم، لكنهم أخذوا بعض أمواله فلم يرهبه ذلك وقد أصابت رجاله الشمس. فمكثوا ? أيام يشربون بول الدواب ثم أصابهم طاعون فمات منهم خمس مئة رجل، ولم يجد من يحمل الخمس مئة حمل التي كانوا يحملونها فتركها ومضى إلى حال سبيله، وسار مجدًّا حتى وصل تبورة وقد أنهكه التعب ومعه نصف أمواله فتاجر بها سنتين ثم مضى إلى البلاد التي كان قد أخذها قبلا، فوجد سلطانها استنجد بسلطان آخر فحاربهما فانكسر شر انكسار وضل عن الطريق، وتشتت أصحابه من الهزيمة فوصل تبورة مقهورًا مدحورًا ثم برحها إلى ألوجيجي فربح منها أموالا طائلة، وركب في بحيرة تكنيكه فوصل إلى الجانب الثاني منها سنة ????هجرية فمكث هناك نحو سنة ونصف سنة بين الزنوج، وقد خاف أن يسافر إلى الكونغو لقلة معداته، فعاد إلى الوجيجي ومنها إلى تبورة سنة ????. شكل ??-?: الأفيال في أواسط إفريقيا.
وبعد سنة وصلهم الخبر بوفاة سلطان زنجبار ماجد بن سعيد وتعيين أخيه برغش بن سعيد مكانه فكتب حميد بن محمد لسلطان زنجبار كتابا يهنئه بالملك، ويطلب منه بارودًا، ثم سافر لمحاربة السلطان المغتصب للبلاد التي كان قد أخذها، فوصل إليه فوجده متحصنا في مدينته فحاصره ستة أشهر، ولم يقدر عليه فجمع أصحابه وحفروا قناة حولوا إليها النهر الذي يشرب أهل المدينة منه فانقطع الماء عن المحصورين فأسلم السلطان نفسه بشرط أن يسلم ماله لحميد بن محمد ويكون خاضعا لأمره فرضي السلطان، وقويت شوكة حميد وهابه الأهالي فرجع والسلطان معه. وقبل وصوله إلى تبورة جاءَه أحد أصحابه بكتاب من سلطان زنجبار برغش بن سعيد يخبره أنه أرسل إليه ألفي رطل من البارود فلما وصلته عزم على السفر إلى أوجيجي فأخذ أمواله وأرسل العاج إلى تبورة ليبيعوه ويبتاعوا له بثمنه الثياب فنزل لوجيجي، وأقام فيها حتى وصلته البضائع فقطع بحيرة تنكنيكه في أواخر سنة ???? وسار قاطعًا البراري بين همجية الزنوج وأنياب الضواري يتلقى الأهوال مرة بالعطايا وتارة بالسيف، والنصر حليفه والشهرة تتقدمه، فترتعد الملوك خوفا منه فيصالح المطيعين ويحارب العاصين، ولم يشغله هذا عن البيع والشراء من العاج والثياب. اتجه جنوبا وعاد إلى الشمال الغربي فوصل إلى نهر الكونغو عند المدينة التي يسمونها (ستانلي فولس) ولبث فيها مدة يلتمس الراحة. ولما عوَّم على السفر في نهر الكونغو بلغه أن أحد سلاطين الزنوج قطع عليه السبيل ليأخذ أمواله فتركها في تلك المدينة، وجهز جيشا من رعاياه ومماليكه قدر ????? نفس وأمرهم بالسير إلى الشرق فالشمال ليأتوا العدوَّ من ورائه، وجهز جيشًا آخر وسيَّره على شاطئ الكونغو بحذاء قواربه، وعددها ??? قارب. فاستمر السير شهرين كان في خلالها يبيع ويشتري وبعد هذه المدة التقى به العدو، وكان شديدًا عزيز الجانب، والجيش الذي بعثه المترجم في البراري لم يصل بعد فانكسر حميد شر انكسارة وغنم العدوّ القوارب، واستولى على شيء كثير من ماله وبعد ?? يوما من الهزيمة وفد الجيش فعاد به إلى عدوِّه وهجم عليه فتحارب الفريقان ثلاثة أشهر انجلت عن قتل السلطان واستيلاء حميد بن محمد على أملاكه. وأقام هناك مدة رتب فيها جيشه على أربعة أقسام: قسم مؤلف من ????? نفس أنفذه في الطريق الذي جاءَ منه ليصلوا إلى ستانلي فولس ويخبروا أهله وأصحابه بالنصر، ويحفظوا الأموال التي له هناك، ويذهبوا منها إلى الشرق حتى يبلغوا وسط المنيما في مكان عيَّنه لهم، وقسم مثل الأول عدة وعددًا سيَّره من المكان الذي هو فيه من الجنوب الشرقي ليدعو الناس لطاعته، ثم يتحولوا إلى المحل الذي عينه للقسم الأول، وقسم مؤلف من ????? نفس أمرهم بالبقاء في ذلك المكان وخرج بمن معه وهم ????? نفس لمحاربة قبائل نيام نيام.
ومن ينظر في هذه السياسة ينذهل لصدورها من رجل لم يتعلم فنون الحرب، ولم يدخل مدرسة حربية، وقد اتخذ نقطًا عسكرية لحفظ خطوط الرجعة. أما الجيش الذي كان يقوده بنفسه فوصل إلى قبائل نيام نيام وحاربهم، وانتصر عليهم وأخذ أموالهم وسبى أولادهم ثم اتجه نحو الشرق فالجنوب فوصل إلى النقطة الذي عينها لأصحابه فوجدهم سبقوه، ولم يلق في طريقه هذه المرة حربًا فاستتبَّ الأمن وأمنت السبل قليلا. وأدركه العرب من أصحابه وانفتحت طرق التجارة إلى باجمويو فكثرت مداخيل زنجبار.
وقد يقول القارئ كيف يمكن لحميد بن محمد أن يجيش مئة ألف وكيف كان يطعمهم ويكسوهم، فنقول: إنه لا محل للدهشة لأن الثوب الذي قيمته فرنك في زنجبار كان يباع هناك في ذلك الزمان بألف رطل من الأرز. ثم إن الأهالي كانوا يحبون متابعته ليغتنموا عند انكسار العدو. ولما استتبَّ الأمن عاد بأمواله وبعض مماليكه إلى زنجبار تاركًا ولاية الأمر لإخوته وصحبه. وفي عودته هذه عبر بحيرة تنكنيكة في السفن الشراعية. واتصل به في اوجيجي نعي والده محمد بن جمعة، فبكى عليه وحزن لأنه لم يجن شيئا من ثمار أعمال ابنه ومرَّ على تبورة فوجد أرملة والده وصهره، فأقام عندهما ريثما استراح من عناء السفر، ثم واصل السير حتى دخل دار السلام، وقبل وصوله إليها لقيه في الطريق أخوه من أمه محمد بن مسعود الوردي، وأرسل سلطان زنجبار السيد برغش رجلًا يسلم عليه من قِبَله أو يهنئه بما ناله من النعمة والشهرة وكتب إليه كتابا هذا نصه:بسم الله الرحمن الرحيم

من برغش بن سعيد إلى حضرة الشيخ الأفخم حميد بن محمد بن جمعة المرجبي سلمه الله تعالى، وبعد السلام عليك، أخبرني المحب ابن مسعود بأنك واصل إلينا قريبا فوجبت علينا التهنئة لك، وأرسلنا هذا الكتاب للسلام عليك، والسلام.
شكل ??-?: الأخطار في أواسط إفريقيا.
وصل حميد بن محمد دار السلام ومعه ????? رطل من العاج وغيره من أنواع التجارة، فسافر إلى زنجبار بحرًا فوصلها في أوائل سنة ????هجرية وباع ما كان معه من العاج وغيره، فاجتمع عنده مبلغ ????? جنيه صافي بلا ديون.
ثم تجهز للسفر فاشترى بضائع كثيرة خرج بها من زنجبار سنة ???? إلى باجمويو، ومنها إلى داخل البلاد يقتحم الأخطار والمفاوز. وبعد عشرة أشهر وصل البلاد التي اتخذها عاصمة له فوجد الأمر على غير ما كان يعهده، إذ شاهد التجارة كثيرة والأرزاق واسعة، والتجار من الإفرنج والهنود والعرب عديدين. أما أهل البلاد فكانوا على ما تركهم من السذاجة والجهل، وكان الأمن متزعزعًا فتكبَّد مشاق جسيمة في محاربتهم، ومضت أيامه في الحروب ولكنها لم تشغله عن التجارة، بل كانت تجارته الرابحة لأنه كان يكسب منها أموالا طائلة غير العاج والعبيد والغنم، وكان جميع ما يحصله يرسله إلى زنجبار لوكيله ويطلب منه البضاعة الصالحة للزنوج.
فلما توفر عنده المال والرقيق عاد إلى زنجبار سنة ???? قاصدًا الجهات الداخلية، ولسنا ذاكرين هنا جميع ما أصابه في طريقه من الحرب والجوع والعطش وما لقيه من اللصوص والوحوش، وإنما نقول: إنه وجد هناك عند وصوله هذه المرة رجلا بلجيكيا قنصلا لدولته، وكان الخطر محدِّقا به؛ لأنه طلب من سيف بن حميد بن محمد أن يأتيه بجميع العاج الموجود هناك ليكتب عليه اسم الدولة البلجيكية، فقبض عليه سيف وأرسله إلى سردار الجيش راشد بن محمد فحكم عليه بضرب خمسين جلدة وحبس سنتين، ولولا وصول حميد بن محمد في تلك الأيام لنال البلجيكي جزاء شديدًا، وكان البلجيكيون قبل ذلك يهاجمون العرب مرارًا فيصدهم هؤلاء ويقتلون منهم كثيرين. وربما يسأل القارئ عن الرجال الذين كانوا ينصرون البلجيك إذ كان جميع الزنوج رعايا العرب، فالجواب أن العرب كانت لهم عادة يكرهها الزنوج وهي أنهم كانوا يحملون أولاد الزنوج يبيعونهم في زنجبار. فلما دخل الإفرنج تلك الديار خدعوا الزنوج وزخرفوا لهم القول بأنهم سيحررونهم ويعملون كيت وكيت من الخير، وما زالوا بهم حتى استمالوهم واستعانوا بهم على محاربة العرب. ولم تَخْفَ على حميد بن محمد هذه الحيلة فكان دائما يعرض عن محاربة الإفرنج، ويعدهم خيرًا، وكان يقول: «دخلت هذه البلاد صغيرًا فقيرًا وملكت هذه الرقاب جميعها ولم يكن لدي مال ولا سلاح فهل أقوى بهم على الإفرنج».
وكان يكلِّم أولاده دائمًا بهذا المعنى، ويحذرهم من غدر الزنوج. ولما باع تجارته هناك رجع إلى زنجبار فوصلها سنة ???? هجرية فوجد الإنكليز له بالمرصاد، وقد أخبره قنصل الإنكليز بما تم عليه الاتفاق، وأن البلجيك سيدخلون الكونغو، ونصحه بعدم معارضتهم، وأنهم لا يريدون سوى التجارة، وأنه سيكون كسابق أمره مطلق الحرية وتدفع دولة البلجيك له مقابل تجارتها ?? جنيها شهريا فأبى أولا، فقال له قنصل الإنكليز: إن إنكلترا تعهدت بمساعدة البلجيك وإنه إذا أصر على إبائه فأول شيء تفعله هو منعه عن السفر مرة أخرى.
فلم يجد بدًّا من القبول، وعندئذ قيل له: إن أيَّ شيء يطلبه من إنكلترا يُعطَى له، وتتحقق أمانيه فطلب من القنصل تحميل عبيده من باجمويو إلى زنجبار، وكان الإنكليز متشددين في منع بيع الرقيق وتحميله، ولكنهم أذنوا له بذلك لحاجة كانت في نفوسهم فحمل حميد بن محمد سبع مئة عبد من باجمويو إلى زنجبار ثم وصلت الأخبار من الكونغو أن البلجيك هجموا على العرب مرارًا فصدوا عنهم، وأن العرب أخرجوا جميع الإفرنج من تلك البلاد فلم يبق بها بلجيكي ولا ألماني، وكلما أراد البلجيك المسير إليهم التقوا بهم على ضفاف نهر الكونغو، ورموهم بالرصاص فشق هذا الخبر على الإنكليز، وطلبوا من حميد بن محمد أن يعجِّل بالسفر إلى الكونغو ومعه المعتمدان الإنكليزي والبلجيكي، فسافروا سنة ???? في باخرة عن طريق رأس الرجاء الصالح فوصلوا إلى مدينة الكاب ومنها إلى بنتا عند مصب نهر الكونغو، ثم سارت الباخرة في النهر ? ساعات فوقفت بسبب الشلالات، فركبوا الفلك وساروا بها شهرين حتى وصلوا إلى مدينة ستانلي فولس. ولما أطل العرب على هذه الفلك ورأوا فيها الإفرنج رموهم برصاص البنادق، فأشاروا إليهم أنهم ليسوا محاربين فلم يقبلوا، وأخيرا رمى حميد بن محمد نفسه في النهر فلما رأوه عرفوه وأمسكوا عن إطلاق البنادق، ونزل هو والإفرنج الذين معه وبوّأ لهم مكانًا وأمَّنهم، وبواسطته تم الاتفاق بين العرب والإفرنج. وفي غضون ذلك أتتهم الأخبار بوفاة برغش بن سعيد سلطان زنجبار، وارتقاء خليفة بن سعيد سلطانا مكانه، فمكث حميد يتاجر بماله إلى سنة ???? ثم عقد النية إلى الرجوع إلى زنجبار فسافر، وبعد مسير عشرة أيام أتاه الخبر بوفاة خليفة بن سعيد وولاية علي بن سعيد مكانه، فواصل السير حتى بلغ تبورة وفيها أصيب بمرض فتأخر هناك، وبعد شهرين وصل إليه ولداه سيف وثابت فوجداه مريضًا، فكانا قاصدين الكونغو فأمرهما بالسفر إليها، ومكث هو في تبورة سنة، حتى إذ عوفي من مرضه برحها إلى زنجبار فبلغها سنة ???? وبعد أن صفا الجوّ للبلجيك هجموا على العرب مرارًا فصدوا عنهم وطلبوا منهم أن يسافروا جميعا إلى زنجبار فأبوا، ولما أعيت البلجيك الحيلة خدعوا الزنوج وزخرفوا لهم القول فانفضوا عن العرب وانحازوا إلى البلجيك ثم هجموا على العرب فهزموهم وغنموا أموالهم، وقُتِل سيف بن حميد، وهرب ثابت أخوه ومحمد بن سعيد وغيره، واستولى البلجيك على أموال حميد بن محمد، ويقدرونها بمئة ألف جنيه، وكان حميد بن محمد يتمثل دائما بقول الشاعر:
ومن يفعل المعروف مع غير أهلهيلاقي كما لاقى مجير أم عامر حيث ذهبت أمواله، وقُتِل ولده جزاء إحسانه إلى البلجيك.
وفي سنة ???? وصلت أخبار الهزيمة إلى زنجبار ووصل ثابت وإخوته وأنفار من العرب إليها، أما بقية أولاد محمد بن سعيد فأسرهم البلجيك وبقوا في أسرهم إلى ???? حيث أطلقوا سراحهم وسمحوا لهم بالعودة إلى زنجبار فبلغوها في حال يُرثى لها، وهكذا انتهت دولة العرب في إفريقيا الوسطى، وتقلص ظل ملكهم منها، وكانت نهاية أمرهم أنهم عاشوا في زنجبار فقراء.
لكل أجل كتاب

ولما وصل حميد بن محمد إلى زنجبار سنة ???? حسب ثروته فوجدها نيفا ومئة ألف جنيه إلا أن وكيله الذي كان في زنجبار احتال عليه وقدم وأخر في دفاتره فاختلس من تلك الثروة ????? جنيه و????? جنيه كانت في يد هندي أعطيت له للتجارة فذهب ولم يحصل إلا على ???? و???? جنيه أعطاها محمد بن خلقان الذي ادَّعى الشركة في ملكه، وحكمت له محكمة دار السلام بدفع هذا المبلغ، ونحو ?????جنيه دفعت إلى المحامين عنه في دعاويه حينما أراد الدفاع عن نفسه في أمر الشركة وغيرها من الدعاوى، وكان دائما يقول: «ذهب ربع ملكي في أفواه المحامين».
والذي بقي عنده اشترى به بيوتا وبساتين فعاش من ريعها. وفي سنة ???? توفي سلطان زنجبار علي بن سعيد، وعين حمد بن ثويني مكانه فنال منه رتبة. وفي سنة ???? توفي حمد بن ثويني، وهبت ثورة في البلاد فأطلقت الإنكليز القنابل على القصر السلطاني، ثم عين حمود بن محمد بن سعيد سلطانا. وفي سنة ???? توفي السيد حمود بن حمد فخلفه ابنه علي بن حمود وهو السلطان الحالي أدام الله ملكه.
مضى هذا الزمان وحمد بن حميد بين الدعاوى والشكاوى وفي شهر ذي الحجة سنة ???? أصابه مرض الاستسقاء ثم عوفي منه، ولكن صحته بقيت ضعيفة فاشتد به الألم حتى كانت الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء عاشر ربيع الثاني (?? يونيو) قبضه الله إليه، وما شاع هذا الخبر حتى توافدت الجموع إلى منزله وفي مقدمتهم قنصل جنرال أمريكا وفيس قنصلها، وتتابعت الجموع، وسار في جنازته أناس كثيرون، وفي الصباح جاء قنصل جنرال الإنكليز، وقنصل الألمان وغيرهما من معتمدي الدول والتجار الأجانب، وأعيان العرب والهنود والزنوج لتعزية أهله، ونقل البرق خبر وفاته إلى العالم المتمدن، فأتت جرائده مملوءة بالكلام عن سيرته.

الجزء الرابع
رجال الإدارة والسياسة



الفصل الثالث والعشرون
المعلم جرجس الجوهري


شكل ??-?: المعلم جرجس الجوهري: نقلت هذه الصورة بالموتوغراف عن رسم له بباريس ولكنها أخذت من موضع منحرف فظهرت كما نرى. (توفي سنة ????).
كان للأقباط في أثناء دولة أمراء المماليك شأن كبير في مصالح الدولة، فنبغ منهم في القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر رجال اشتهروا بالحزم والدراية، ونالوا نفوذا عظيما لدى الأمراء حتى كانت الأمور كلها إليهم. منهم المعلم رزق كاتب علي بك الكبير، والمعلم إبراهيم الجوهري رئيس كُتَّاب الأمير إبراهيم بك، وكان لهما تأثير كبير في تاريخ الأمة القبطية وقد ذكر الجبرتي أن النصارى اعتز جانبهم في أيامها بما كان لهم من التأثير على صاحب الأمر والنهي. وجاء في تاريخ الأمة القبطية لمؤلفه يعقوب بك نخلة روفيله تفاصيل مهمة من أخبارهما، ومن هذا الكتاب استخرجنا ترجمة المعلم جرجس هذا، وهو أخو المعلم إبراهيم الجوهري — المتقدم ذكره — فلما توفي أخوه قلَّده إبراهيم بك رئاسة الكُتَّاب كما كان أخوه قبله، ورافق أعمال هذا الأمير إلى آخر أيامه.
وقد جاء ذكره في كتاب الجبرتي بين وفيات عام ????هـ وهاك نص قوله: ومات المعلم جرجس الجوهري القبطي، كبير المباشرين بالديار المصرية، وهو أخو المعلم إبراهيم الجوهري. ولما مات أخوه في زمن رئاسة الأمراء المصرية تعيَّن مكانه في الرئاسة على المباشرين والكتبة، وبيده حل الأمور وربطها في جميع الأقاليم المصرية، نافذ الكلمة وافر الحرمة. وتقدم في أيام الفرنسيس فكان رئيس الرؤساء، وكذلك عند مجيء الوزير والعثمانيين، وقدموه وأجلسوه لما يسديه إليهم من الهدايا والرغائب حتى كانوا يسمونه جرجس أفندي. ورأيته يجلس بجانب محمد باشا خسرو، وبجانب شريف أفندي الدفتردار، ويشرب بحضرتهم الدخان وغيره، ويراعون جانبه ويشاورونه في الأمور. وكان عظيم النفس ويعطي العطايا، ويفرق على جميع الأعيان عند قدوم شهر رمضان الشموع العسلية والسكر والأرز والكساوى والبن ويعطي ويهب. وبنى عدة بيوت بحارة الونديك والأزبكية وأنشأ دارا كبيرة وهي التي يسكنها الدفتردار الآن، ويعمل فيها الباشا (محمد علي) وابنه (إبراهيم) الدواوين عند قنطرة الدكة. وكان يقف على أبوابه الحجاب والخدم، ولم يزل على حالته حتى ظهر المعلم غالي، وتداخل في هذا الباشا وفتح له الأبواب لأخذ الأموال، والمعلم جرجس يدافع في ذلك، وإذا طلب الباشا طلبًا واسعا منه يقول له: هذا لا يتيسر تحصيله. فيأتي المعلم غالي فيسهل له الأمور، ويفتح له أبواب التحصيل، فضاق خناق المعلم جرجس وحق على نفسه فهرب إلى قبلي، ثم حضر بأمان كما تقدم، وانحط قدره ولازمته الأمراض حتى مات في أواخر شعبان. وانقضى وخلا الجو للمعلم غالي، وتعين بالتقدم، ووافق الباشا في أغراضه الكلية والجزئية، وكل شيء له بداية وله نهاية، والله أعلم. أ.هـ.
شكل ??-?: مراد بك أحد أمراء المماليك في أواخر القرن الثامن عشر.
وذكر صاحب تاريخ الأمة القبطية من سبب خوفه وهربه إلى الوجه القبلي: أنه لما كثرت معارضته لمحمد علي باشا وتوقفه له في تحصيل النقود التي كان في غاية الاحتياج إليها قبض عليه ومن معه من الأقباط بحجة أنه متأخر عليه مبالغ من حساب التزامه، وحجزهم ببيت كتخداه وأحضر المعلم غالي وكان كاتبًا عند الألفي (أحد كبار المماليك وعدوّ محمد علي باشا الألدّ) وعيّنه رئيسًا مكانه، وكلفه بعمل حساب التزامه عن الخمس سنين الماضية. وبعد سبعة أيام أمر بالإفراج عنه ومن معه على شرط أن يدفع أربعة آلاف وثمان مئة كيس، فقام هو بدفع مبلغ عظيم من هذا المقدار ووزَّع الباقي على الكُتّاب والصيارف ما عدا المعلم غالي وشخص آخر يقال له (المعلم فلتاءوس) لأسباب اختلفت فيها الأقوال نضرب صفحًا عن ذكرها، فحصلت له ولهم مضايقات شديدة اضطرته إلى التنازل عن أفخر أملاكه، ولا سيما التي كانت على بركة الأزبكية وقنطرة الدكة، ولم تزل باقية في وقف القصر العالي للآن، ومن ذاك الحين أخذ نجم المعلم جرجس في الأفول ونجم المعلم غالي في الظهور والصعود، فلم يسعه غير الهرب إلى الوجه القبلي حيث كان الأمراء المماليك، ثم نزع محمد علي باشا البلاد التي كانت تحت التزامه وطرحها في المزاد على الراغبين فأخذها القادرون. وفي رواية أنه لم يهرب، بل إن محمد علي باشا نفاه إلى الصعيد. وقبل قيامه إلى الصعيد إما هاربًا أو منفيًّا كما قيل جمع كل حجج أملاكه وسلمها إلى البطركخانة لتنفق من ريعها على أهل بيته فوضعت اليد عليها وبقيت في حوزتها للآن.
وبعد أربع سنين صرَّح له الباشا أن يعود بأمان إلى القاهرة فوصلها في اليوم الثالث عشر من شهر شوال سنة ????هـ — قال الجبرتي: ولما حضر «ذهب إلى الباشا فقابله وأكرمه ونزل في بيته الذي بحارة الونديك، وفرشه له المعلم غالي وقام له بجميع لوازمه، وذهب الناس مسلمهم ونصرانيهم وعالمهم وجاهلهم للسلام عليه» وفي سنة ????هـ مات ودفن بمصر العتيقة بدير مارجرجس، ولا يزال قبره موجودا ولكنه قد تخرب وليس من يفكر في إصلاحه. أ.هـ.

الفصل الرابع والعشرون
المعلم غالي


توفي سنة ????
هو من مشاهير رجال الإدارة من الأقباط، نبغ في أوائل أيام محمد علي باشا الكبير. قال صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية: إنه كان في الأصل كاتب الأمير الألفي من أمراء المماليك ثم تركه لسبب غير معلوم، وتعلق بخدمة محمد علي باشا، قال: «وكان على جانب عظيم من الذكاء والنباهة، ويعرف من أين تؤكل الكتف، فلم يظهر للباشا معارضة في أوامره بل كان يساعده على تنفيذ أغراضه بتسهيل الأمر له، ولا سيما فيما يختص بتحصيل الأموال، وقيل: إنه كان يعرف اللغة التركية ويتكلم بها فأحبه ورفع منزلته، وعوَّل عليه في الأعمال المالية، وركن إليه وعمل برأيه وفكره فيها: ولما قصد محمد علي باشا تأسيس حكومة منتظمة، وكان لا يخفى على المعلم غالي أنه توجد أراض كثيرة يزرعها أصحاب الاقتدار بغير دفع أموال عليها، شرع في مساحة عموم أراضي القطر المصري فأخذ جملة أراض فربطت عليها الأموال، وبذلك نمت الإيرادات فكانت هذه خدمة وطنية عظيمة قام بها. وقسم أطيان كل بلد إلى حيضان وقبائل، وجعل لكل بلد زمامًا مخصوصًا، وغير ذلك مما لا تخفى فائدته فلا حاجة لإطالة الشرح فيه.
ولما نكب المعلم جرجس الجوهري وأسندت رئاسة الكُتَّاب إليه طلب منه الباشا ألف كيس فوزعها على المباشرين والكتبة وجمعها في أقرب وقت. ولكن كان جمعها بسرعة موجبا لغير ما يتوقعه المعلم غالي، وسببا في جلب الضرر عليه وعلى غيره، فإن الباشا بعد قليل أوقع الحوطة على بيته وبيت المعلم جرجس الطويل، وحنا أخيه، وفرنسيس أخي المعلم غالي، والمعلم فلتاؤس، واثنين آخرين، وأخرجوهم منها بصورة منكرة وسمروا دورهم وأخذوا دفاترهم، فلما حضروا بين يديه، قال لهم: أريد حسابكم بموجب دفاتركم هذه، وأمر بحبسهم إن لم يدفعوا ثلاثين ألف كيس، وبعد أيام أفرج عنهم بواسطة شخص يسمى حسين أفندي الرونامجي على شرط أن يدفعوا سبعة آلاف كيس، فقاموا بدفعها ولكن لم تمض سبعة شهور حتى قبض عليهم ثانية وحبسهم في القلعة، وختموا على دورهم ثم أنزلوا المعلم غالي والمعلم فلتاؤس في مركب ليسافر إلى دمياط كمنفيين، وكان على ديوان الجمرك رجل يقال له: المعلم منصور صريمون ومعه كاتبان آخران: يسمى أحدهما بشارة، والآخر رزق الله الصباغ، والبعض يقول: إن الثاني من عائلة المعلم جرجس الجوهري فأحضر الباشا المعلم منصور وقلَّده مباشرة الدواوين ثم سعى الساعون في مصالحة المعلم غالي ورفقائه فقبل الباشا العفو عنهم والرضا عليهم بشرط أن يدفعوا أربعة وعشرين ألف كيس. ولما حضر المعلم غالي من دمياط طلع إلى القلعة وقابل الباشا فخلع عليه وألبسه فروة سمور، وتنازل له عن أربعة آلاف كيس وأمر أن ينزلوا به إلى داره وأمامه الجاويشية بالعصي المفضضة، وأعاده إلى الرئاسة كما كان أمام المعلم منصور فجعله كاتبًا لابنه إبراهيم باشا.
وتكرر حصول ذلك من الباشا فكان يغضب عليه تارة ويعزله ويقلد غيره من رفقائه، ويرضى عليه أخرى فيرده إلى منصبه بعد دفع مبلغ طائل لا يستطيع القيام به من ماله الخاص فيختص هو بجانب منه، ويوزع الباقي على زملائه وغيرهم من رؤساء الكتبة، فنتج من ذلك أنه داخل بعض رفقائه الغيرة منه فانفكت رابطتهم وتفرقت كلمتهم وكان هذا غاية مقصد الباشا.
واتفق أن الباشا كان قد توجه إلى الإسكندرية لمهمة واحتاج لنقود فحول على المعلم غالي صرف ستة آلاف كيس كانت باقية عليه، فاعتذر بعدم الاقتدار على أدائها في الحال بدعوى أنها بواق على أربابها وهو ساع في تحصيلها فلم يقبل هذا العذر منه، وأرسل إلى كتخداه في مصر بالقبض عليه وعلى أخيه فرنسيس وأمينه المدعو المعلم سمعان وسجنهم في القلعة حتى يدفعوا هذا المبلغ. وخاف المعلم جرجس الطويل وحنا أخوه سوء العاقبة وكان في نفسيهما شيء من جهة المعلم غالي فتحاملا عليه ووسوسا للباشا أنه إذا حوسب يظهر عليه ثلاثون ألف كيس وتعهدا بأنه إذا فوض لهما عمل حسابه ولم يظهر عليه هذا المقدار فيكونان ملزومين بأدائه للخزينة فاشتد غضبه عليه وعزله من رئاسة الكتابة وولى آخر مكانه يسمى المعلم منقريوس البتانوني، وضيق عليه في الحبس وأهانه إهانة شديدة وكرَّر الضرب على أمينه حتى أشرف على الهلاك، وبعد ذلك أفرج عن أخيه وأمينه ليسعيا في التحصيل، أما المعلم غالي فبقي في الحبس مدة، وبعد قليل شرع الباشا في تغيير هيئة الدواوين واستبدالها بأنظم منها بحيث تعود بالفائدة على الخزينة، فرضي على المعلم غالي وأناطه بذلك، فقسم البلاد إلى مديريات وأقسام، والأطيان إلى أحواض وقبائل.
وبعد أن غاب المعلم غالي نحو سنة في الصعيد وهو يشتغل في ذلك عاد إلى مصر وكان المتولي إمارة الصعيد رجلا يدعى محمد بك الدفتردار، فلما قصد المعلم غالي العود إلى مصر زوَّده بكتاب منه للباشا يمدح فيه نصحه وسعيه في فتح أبواب تحصيل الأموال للخزينة، وأنه ابتكر أشياء وحسابات يتحصل منها مقادير وافرة من المال، فقابله الباشا بالرضا وأثنى عليه ومن ثم اتخذ كاتبًا لسره وخصه بمباشرة الأعمال الحسابية التي ابتكرها فكانت يده فوق يد الجميع حتى حكام الأقاليم، واستمر في هذا المنصب الجليل إلى أن قُتِل سنة ????م لأسباب لا تزال حقيقتها خافية علينا. وبقيت جثته ملقاة في الخلاء ببعض بلاد مديرية الشرقية يومين إلى أن استأذن أحد الأقباط في رفعها فأخذها ودفنها. أ.هـ.

الفصل الخامس والعشرون
علي باشا تيه دلنلي


شكل ??-?: علي باشا تيه دلنلي بطل ألبانيا (ولد سنة ???? وتوفي ????).
(ألبانيا) هي بلاد الأرناءوط يحدها الجبل الأسود من الشمال، وبلاد اليونان من الجنوب، والروملي من الشرق، والبحر الأدرياتيكي من الغرب، وتقسم إلى ثلاثة أقسام: يسمى كل منها بإيالة، وهي: (?) إيالة اشقودرا في الشمال وقصبّها مدينة اقشودرا.
(?) إيالة يانيا في الجنوب وقصبّها يانيا وبلاد اميروس داخلة في حكمها.
(?) روميليا في الوسط وقصبّها موباستير.
ويقسم الألبانيون باعتبار أصلهم إلى ثلاث قبائل: (?) قبيلة نجح أو العح ويقطنون في اشقود وما جاورها.
(?) التوسك ويسكنون أواسط ألبانيا في لبرات والباسن غربي مونلستير.
(?) الليار وهم أحقر سكان ألبانيا ويقطنون الجبال بين التوسك وحدود ابيروس.
والألبانيون معروفون بقوة الأبدان ويضرب المثل بشدة بطشهم، ولكنهم لانقسامهم وتنازعهم فيما بينهم لم تتحد كلمتهم ولا تمكنوا من تأسيس الممالك، وما برحوا عرضة لمطامع الدول العظمى من أول عهد العمران. وكانوا مع ذلك يدافعون عن أوطانهم دفاع الأسود فلا يرضخون للسلطة إلا بعد شق الأنفس، فدخلوا أولا في حوزة دولة اليونان حتى إذا مالت شمسها استقلوا ثم طمع فيهم البلغار فحاربهم الألبان وردوهم، فلما ظهرت الدولة العثمانية وفتحت الروملي وجهت أسنَّتها نحوهم على عهد السلطان محمد الفاتح. وكان على الألبان قائد شهير اسمه جورج كستريوت ويسميه الأتراك إسكندر بك قاد الألبانيين بمهارة وحذق فردوا الأتراك عن بلادهم. ولكنهم دخلوا في حوزة الدولة العلية قهرًا سنة ???? بعد موت إسكندر بك، ولا يزالون حتى الآن على أنهم ما انفكوا منذ أول رضوخهم للدولة يتذمرون ويتمردون فيكلفونها تجنيد الجند لقمع عصيانهم، حتى لقد كان خيرًا لها لو تخلت عنهم على أنها استخدمت بعضهم في بعض حروبها. ثم لم ينل الألبان استقلالًا بعد ذلك إلا ردحًا من الزمن على عهد علي باشا التيه دليلي صاحب الترجمة وإليك ترجمة حاله:
علي باشا

ولد هذا الرجل في بلدة دبيلين على نهر فوبوتسا بجوار جبل كليسورا بولاية موناستير. ومنها لقبه بالتركية «تبه أو دبه دلنلي» وهو من قبيلة التوسك وكان أسلافه من أشرافها ويلقبون ببكوات دبيليني، ويتصل هذا اللقب في أعقابهم بالإرث، ولما كان حصار أهل البندقية لجزيرة كورفو سنة ???? كان جد علي باشا إذ ذاك في جملة المدافعين عنها، فقتل هناك فورث اللقب ابنه والد علي باشا، ويقول بعض عارفيه: إنه كان رقيق الجانب، محبًّا للسلام، ونظنه كان ضعيفًا فسطا عليه جيرانه وسلبوه أملاكه، فلا نعدُّ ذلك حبًّا منه للسلام، بل هو عجز. أما والدته فكانت عظيمة الأنفة، فلم يعجبها تصرف زوجها، وقد توفي وعليٌّ في الرابعة عشرة من العمر، فبذلت جهدها في تربيته على الخشونة وأرضعته حب الانتقام وكره الذين اختلسوا أموال والده. فشبَّ على النهب والسلب والسطو والغزو شأن أكثر شبان ألبانيا، فقضى شبابه الأول في الجبال مع زمرة من أصحابه يصطادون المارة، ويسطون على أعداء والده، ويحاربونهم حتى تمكن من استرجاع بعض أملاكه في دبيليني. ويقال: إنه قتل أخاه وسجن والدته، وأن والدته لم تعش بعد سجنه إلا مدة قصيرة.
فلما استرجع أملاكه وصار بيكًا، تاقت نفسه إلى السلطة بتوسيع دائرة سلطانه، واتفق أن والي أشقودرا إذ ذاك كان متمردًا على الدولة فعرض عليٌّ على الباب العالي أن يخرج هو لتسكين الثورة، فأذن له بذلك فحمل عليه وقتله فكافأته الدولة بحق التمتع بكل أملاكه، وعيَّنته معاونًا لدرويند باشا الروملي وهو لقب يسمى به حامي الطرق ومانع اللصوصية في الجبال.
ولكنه طمع بالمال وحاد عن واجباته، فكان يشارك اللصوص بسرقتهم ويطلق سراحهم، فعلمت الحكومة بذلك فاتهمت رئيسه بالأمر وحاكمته، وحكمت عليه بالإعدام. أما عليٌّ فنجا بمساع خصوصية استخدم فيها الأصفر الرنان.
ثم كانت الحرب بين العثمانيين والروس سنة ???? وكان علي باشا في جملة القواد، فأظهر بسالة شديدة نال عليها إنعامًا عظيمًا، فتعين واليًا على تريكالا من تساليا (اليونان) ودرويند الروملي في وقت واحد مع لقب باشا، فلم يمض زمن قصير حتى طهَّر البلاد من اللصوص بترغيبهم في الخدمة العسكرية، فأدخل في خدمته جماعة كبيرة منهم فألف تحت لوائه جندًا كبيرًا. وكانت يانيا متمردة على الدولة فخرج عليها بجنده فأخضعها سنة ???? وأصلح أحوالها، فلما رأت الدولة منه ذلك ثبتته على كرسيها وسمي من ذلك الحين «والي يانيا» وهو اللقب الذي ما زال يعرف به إلى اليوم.
فلما رأى نفسه حاكما وأنه توصل إلى الحكومة بعدَّتِهِ ورجاله، حدثته نفسه أن يوسع دائرة سلطانه، فجعل ينتحل أسبابًا يسطو بها على جيرانه كما فعل محمد علي باشا لما تولى مصر. وقد يرى القارئ مشابهة في ترجمة حياة هذين الرجلين من بعض الوجوه وسنأتي على إيضاح ذلك فيما يلي.
فسطا علي باشا على حدود اليونان، ففتح غربي شماليها وهي المقاطعة التي كانت تسمى ليفاديا، وطمع في جبال سوليوتس في الجنوب الغربي من أبيروس، وحاربهم طويلا فلم يخضعوا فضيَّق عليهم إلى سنة ???? فقبلوا بإخلاء جبالهم والمهاجرة إلى جزيرة كورفو، فعاهدهم على ذلك ولكنهم لم يكادوا يخرجون حتى لقيهم رجاله وذبحوهم غدرًا.
وعلم علي باشا أن مطامعه هذه لا تسلم من عقاب الدولة إلا إذا تحصن وأكثر من العُدَّة فاتفق سنة ???? أن الفرنساويين استولوا على البندقية، وكان كلما سمع ببسالتهم ونهضتهم أظهر إعجابه ولمح أنه يريد المسير على خطواتهم ولكنه يحتاج إلى الحصون والمعاقل، فخابر بونابرت إذ ذاك بالأمر فبعث إليه مهندسين بنوا له حصون يانيا التي لا تزال باقية إلى هذه الغاية، فضلا عن حصونها الطبيعية. وكان عدد سكان تلك المدينة إذ ذاك ????? بين مسيحيين ومسلمين وبوهيميين.
ولم يمض قليل حتى فشل نابليون في مصر، فاغتنم علي باشا تلك الفرصة واستخرج بريفيزا عند خليج أوطا من أيدي الفرنساويين ثم نال مصادقة السلطان على ما فتحه من البلاد، فأصبحت مملكته شاملة كل ألبانيا من الجبل الأسود إلى أبيروس، ولم تأت سنة ???? حتى انضم اليها أبيروس وبعض تساليا والجزء الغربي من شمالي اليونان، وتولى أحد أولاده حكومة المورا فأصبح سلطانه واسعًا، واتضحت مطامعه لدى الباب العالي فلم تر الدولة طمأنينة إلا بقتله، وكان قد بلغ الثمانين من عمره، فلم تجد سبيلا إلى ذلك وهو يتظاهر بموالاتها مع الاستعداد للدفاع، فلم تسمح العناية ببقاء دولته كما سمحت ببقاء دولة محمد علي في وادي النيل. فاتفق أن ضابطًا من جنده انتظم في جند الأستانة فغضب علي باشا، وبعث إليه من يقتله سنة ???? فشق ذلك على الباب العالي فبعث إلى سائر ولاة الدولة في تركيا وأوروبا أن يزحفوا عليه، فلم ينالوا منه مأربًا لمناعة يانيا بالحصون فلم يرَ الباب العالي بُدًّا من العدول إلى السياسة، فبعث إليه خورشيد باشا أول سنة ???? أن يسلم فينال العفو السلطاني، فأذعن الشيخ تخلصًا من الحروب. وفي ? فبراير سنة ???? دعا خورشيد باشا عليًّا إليه ليسلمه الخط الشريف الناطق بالعفو عنه فجاء وهو لا يدري ما نصب له، فدخل عليه وجلسا برهة يتحادثان ثم مد خورشيد يده فاستخرج الفرمان المؤذن بقتله ودفعه إليه. فلما رآه عليٌّ أجفل واعترض ودافع عن نفسه دفاعًا شديدًا ولكن الكثرة غلبته فقتلوه وأرسلوا رأسه إلى الأستانة، وانقضت دولته بعد حكومة بضع وثلاثين سنة.
علي باشا ومحمد علي باشا

لا يقرأ المطالع ترجمة علي باشا إلا ويتذكر سيرة رجل مصر المغفور له محمد علي باشا لمشابهة بينهما في غرضهما الأساسي وهو تأسيس الدول. فقد سعى كل منهما إلى تأسيس دولة يستقل بها تمثلا بمن سبقه أو عاصره من الرجال العظام. والمثل الأول لديهم بونابرت الذي كان معاصرًا لهم وارتقى بإقدامه وشجاعته وتدبيره من أدنى رتب الضباط إلى أسمى رتب الملوك، فكان قدوة رجال في الإقدام ومثال القواد العظام. وطبيعيٌّ أن ظهور مثل هذا الرجل ينبه أذهان معاصريه إلى الاقتداء به فضلا عن النهضة العمومية التي نشأت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن على أثر الحروب وإشراق شمس العلوم، وما نتج عنها من الاكتشافات والاختراعات، فتحركت الهمم وثارت الأفكار، وكان ذلك بمنزلة الاحتكاك للأذهان فظرت القوى الكامنة في الناس على اختلاف مراتبهم وأصقاعهم، فنبغ من نبغ ومات من مات عملا بناموس الارتقاء العام.
وكان في جملة من ثارت قواهم، وظهرت مواهبهم العسكرية علي باشا في ألبانيا، ومحمد علي باشا في مصر وكلاهما من ولاة الدولة العلية فسعيا سعيًا متشابهًا يلتمسان غرضًا متشابهًا فانتهى بأحدهما إلى الانقضاء، وبالآخر إلى البقاء. فبعد أن بلغ علي باشا أوج سعده واستقل تقريبًا بألبانيا وبعض ملحقاتها سقط وأمَّحى أثره، وظل محمد علي باشا سائرًا في خطته، وأسس دولة يتوارث الحكومة فيها أعقابه من بعده (تحت رعاية الدولة العلية). فما هي الأسباب التي قضت بزوال الدولة الأولى وبقاء الثانية.
يلوح لنا أن السبب الأول في ذلك: اختلاف الرجلين في الأخلاق الغريزية، فقد كان علي باشا شجاعًا شديد البطش كبير المطامع طلَّابًا للعلى، ولكنه لم يكن عادلًا حسن السياسة لين العريكة مثل محمد علي. يدلك على ذلك معاملته لأهالي سوليوتس المتقدم ذكرهم، وفتكه بأهل كارديكي من ولايته، وذلك أنه علم بأن بعضهم ذكر والدته بالسوء فأعمل السيف فيهم، وذبح منهم مذبحة هائلة، على حين أن محمد لم يترك وسيلة في استرضاء المصريين، واستجلاب طاعتهم بالبذل، وإجراء العدل، ونشر العلوم، وضبط الإدارة. وقد يُعترض على محمد علي بذبحه المماليك غيلة في القلعة، ولكنه فعل ذلك مضطرًّا استبقاءً لسلطته وتنفيذًا لأوامر الباب العالي السرِّية. أما علي باشا فإنه فضلًا عن تنبيه ذهن الباب العالي لمطامعه مدَّ يده إلى كرامة عاصمة الدولة فقتل أحد ضباط الجند العثماني في وسط الأستانة — كما تقدم — وفي ذلك من ضعف السياسة ما فيه. أما محمد علي فكان عونًا للدولة العثمانية في كثير من حروبها فدوَّخ لها الوهابيين، وأعانها في إخماد ثورة اليونان وإن لم ينجح.
ثانيًا: أن محمد علي باشا استعان في تأييد حكومته بمصر ونشرها إلى ما يجاورها بواسطة أولاده، فقد حارب الوهابيين بقيادة ابنه طوسون، وحارب الشام والمورة بقيادة ابنه إبراهيم القائد العظيم، وأخضع السودان بابنه إسماعيل، وأيد سلطانه فيها كلها بحسن سياسته مع الدولة العلية، والمحافظة على علاقته بها بالحسنى. ثالثا: أن المصريين فضلا عن قربهم من الطاعة وسهولة حكومته، فقد سبق محمد علي قبل ولايته وطبع على أذهانهم صورة حسنة من عدله وكرمه حتى حملهم على أن يطلبوا ولايته من الباب العالي رأسًا، فلما تولاهم أحسن معاملتهم ورقى شئونهم وحافظ على رضاهم، فلم يأت عملًا يوجب نفورهم، وحافظ مع ذلك على رضاء جنده القديم من الألبانيين وغيرهم الذين كانوا له عونًا في ارتقاء أريكة الملك، حتى إذا أراد تنظيم جند جديد ورأى منهم تمردا اقتصر على تنظيم ذلك الجند من أهالي البلاد الأصليين بلا مقاومة وأضمر للمتمردين من رجاله وسيلة يتخلص بها منهم، فأنفذهم لفتح السودان على أن يفتحوها أو يبيدوا فيها وهم لا يشعرون، وفي ذلك من الدهاء والسياسة ما لا يخفى على اللبيب. أما علي باشا فقد كان مطمعه في الولاية محصورًا في ما يرجوه من النفع المؤقت. وزد على ذلك أن الألبان قوم يصعب التسلط عليهم لما تقدم من خشونة طباعهم وصعوبة مراسهم. رابعًا: أن مصر نظرًا لبعدها عن مركز الخلافة كانت أقرب للاستقلال الإداري من ألبانيا؛ لأن هذه في الروملي قريبة من الأستانة، وكان الألبانيون أنفسهم كثيرًا ما يتجندون في خدمة الدولة العلية مأجورين، فلم يكونوا قلبًا واحدًا مع واليهم، فلما قتل لم يبدوا مقاومة. ناهيك بغنى هذا القطر وما بذله محمد علي من المساعي الخيرية في تحسين الزراعة وتنشيط التجارة والصناعة، ففتح المعامل ونظم الجند ونشط العلم فدرَّت مصر ذهبًا وفضة، فلقي أهلها رغدًا وعيشًا هنيئًا أنساهم ما كانوا يقاسونه من البلاء على عهد المماليك. ولم يتأتَّ لعلي باشا أن يفعل شيئًا من ذلك ولعل طبيعة البلاد الخشنة من جهة، وانطباعه على السلب والنهب من جهة أخرى كانا من أكبر العقبات في سبيل الإصلاح. خامسًا: أن مساعي محمد علي في الولاية إنما كانت تحت ظل مصلحة الدولة، وفتح ما فتحه من البلاد باسمها، فلم يأت عملًا يوجب الضغينة عليه منها إلا في حربه في الشام، فلما سُئِل الرجوع عنها أذعن وتوسطت بعض الدول فجعلت لكل من الجانبين حدودًا رضي بها الفريقان، ونال على أثر ذلك الامتيازات المعلومة. سادسًا وأخيرًا: أن علي باشا هذا انخدع باقتراح خورشيد باشا انخداعًا آل إلى قتاله وانقراض حكومته مما لا نظن محمد علي ينخدع به — لو كان في مكانه — يدلنا على ذلك أنه لما كان قائدًا لفرقة الألبانيين قبل أن يخطر بباله أمر الولاية، وتأخرت فرقته عن نجدة عساكر خسرو باشا في حرب المماليك، أراد خسرو الفتك به غيلة وطلب مقابلته سرًّا في منتصف الليل فأدرك محمد علي بذكائه ودهائه أنه إنما يريد به شرًا فلم يقبل دعوته، بل كان ذلك سببًا قويًّا في سعيه إلى الولاية.
الفصل السادس والعشرون
بوغوص بك


شكل ??-?: بوغوص بك (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
هو بوغوص بك يوسفيان، ولد في أزمير سنة ???? وتثقف في مدارسها حتى برع في اللغات الأرمنية والتركية واليونانية والإيطالية والفرنساوية تكلُّمًا وكتابة، وتعاطى في أوائل شبابه التجارة عملًا بمشورة أبيه، ثم تعين مترجمًا في قنصلية إنكلترا.
وفي سنة ???? توفي والده، فقضت عليه الأحوال أن يأتي رشيد بالقطر المصري، فجاء وتعين في بعض مصالح الكمرك ثم انتقل إلى كمرك الإسكندرية حتى إذا كانت الحملة الفرنساوية عام ???? بقيادة نابليون بونابرت هاجر بوغوص إلى وطنه، ولما انسحب الفرنساويون سنة ???? عاد إلى الإسكندرية.
وكان كمرك الإسكندرية إذ ذاك يحتكر بالمزايدة، ففي سنة ???? انتهى المزاد عنده على أن يدفع خمسين كيسًا في العام، والكيس يساوي خمس مئة غرش. وكان محمد علي قد تولى عرش الحكومة المصرية، فلما دنا انقضاء مدة الاحتكار استدعاه إليه لتجديد الشروط وكان محمد علي على بينة من مقدار دخل الكمارك، فلما اجتمع به طلب منه خمس مئة كيس في العام لمدة خمس سنوات. فلم يقبل بوغوص في بادئ الرأي خوف الخسارة، فتعهد محمد علي إذا قلَّ دخل الكمرك عن ??? كيس في السنة أتمَّ له المبلغ من جيبه، وإذا زاد على ذلك قسم الربح بينه وبين الحكومة المصرية. فقبل بوغوص بك بذلك؛ لعلمه أن محمد علي لا يقدم على هذا الأمر إلا وهو ينوي للإسكندرية خيرًا، وبالواقع أنه احتفر الترعة المحمودية فتسهلت وسائل النقل، وعظمت تجارة الإسكندرية فربح بوغوص أرباحًا حسنة اقتسمها هو ومحمد علي، فأصبح شريكا للحكومة المصرية. وكان محمد علي قد جعل فوق يد بوغوص كاتبًا يراقب حساباته، فوشى به سنة ???? بأنه قبض مبلغًا لم يدونه في دفاتره، فاستدعاه محمد علي إليه وكان يومئذ في دمياط، وحاكمه فأثبت الواشي دعواه بالحساب، فأمر محمد علي بإعدام بوغوص فساقوه إلى السجن على أن يقتلوه في صباح الغد، وتولى الاحتفاظ به تلك الليلة رئيس حرس الباشا وهو كردي الأصل، وكان لبوغوص فضل عظيم عليه لأنه أنقذه مرة من القتل فعوَّل هذا على مكافأته بالمثل.
فلما أمره محمد علي بإعدامه ساقه إلى منزله في دهبية على النيل، وجاءَ في الصباح التالي إلى السراي، فلما رآه محمد علي سأله عن بوغوص، فأجابه بقوله: «أطال الله بقاءَ سمو مولاي» ففهم محمد علي على أنه قتله فلم يعد يذكره قط.
واتفق بعد بضعة أيام أن محمد علي قدم القاهرة لتعهد شئون حكومته فسمع باختلال أحوال الولاية، وكانت التقارير ترد عليه من الكشاف (المديرين) تناقض بعضها بعضًا فشق ذلك عليه وتذكر بوغوص لأنه كان عمدته في حل هذه المشاكل.
فصاح بأعلى صوته قائلًا «من لنا ببوغوص الآن … كيف أني قتلته» وكان رئيس حرسه حاضرًا، فامتقع لونه واضطرب، فأدرك محمد علي ذلك، فقال له والغضب ظاهر على وجهه: «ادعه حالًا» فخاف الكردي خوفًا شديدًا، واصطكت ركبتاه فترامى على قدمي الباشا فرفسه محمد علي برجله، ولم يزد على قوله: «ادعهُ إليَّ» فجاءَه به وبوغوص يرتعد خوفًا ورهبةً. أما الباشا فلم يبد ملاحظة، ولكنه استشارهُ في حل المشكلة التي وقع فيها فتناول بوغوص الأوراق فتلاها وحل رموزها، واستطلع ما بطن منها وما ظهر. فأصدر محمد علي حكمه فيها طبقًا لمشورة بوغوص. ولما انفضت الجلسة وانصرف الكتبة دعاه للطعام معه فتناولاه ولما همَّ بوغوص بالانصراف، قال له محمد علي: «قد تناولت الخبز والملح معك ونسيت ما مضى فاذهب إلى الإسكندرية بسلام» فالتمس بوغوص منه أن يعفو عن رئيس الحرس، فعفا عنه على شرط أن لا يرى وجهه بعد ذلك. فأخذه بوغوص معه وأسكنه في أهله زمنًا طويلا ثم أراد النزوع إلى وطنه، فجهزه بمال يكفي لمعيشته بالرخاء والنعيم كل حياته.
وأصبح بوغوص بك من ذلك الحين موضع ثقة محمد علي ومرجع مشورته ولم تبق ثمة حاجة إلى تجديد شروط احتكار كمرك الإسكندرية. وأصبح بوغوص بك من موظفي الحكومة المصرية بلا راتب معين، فكان يستولي على ما أراده من دخل الكمارك بلا حساب على أن محمد علي لم ير منه طمعًا ولا إسرافًا، فرقَّاه إلى رتبة فريق مع لقب بك، وأطلق له التصرف في كل أعماله. ولما نظم محمد علي حكومته، وأنشأ فيها النظارات ولاه نظارة الخارجية والتجارة، فقضى في ذلك المنصب نحوًا من عشرين سنة ومحمد علي يعتمد عليه اعتمادًا تامًّا في كل ما يتعلق بعلاقاته السياسية والتجارية مع الدول الأخرى. وكانت كل محاصيل القطر المصري تمرُّ تحت يده كأنه ناظر المالية، ونظم له أقلام الحسابات فاكتسب صداقة محمد علي فضلا عن ثقته.
وتوفي بوغوص بك في الإسكندرية أول عام ???? عن ?? عامًا، وكان محمد علي يومئذ في القاهرة فحزن حزنًا شديدًا، فأصدر أمره أن يحتفلوا بجنازته على نفقة الحكومة، فدفنوه في كنيسة الأرمن الغريغورية في الإسكندرية. ولم يكن من أقاربه في مصر يومئذ إلا نوبار باشا، وكانت سنه ?? سنة فخدمه في أثناء مرضه.
وكان محمد علي لما سافر إلى السودان عام ???? لتفقد أحوالها سلَّم إلى بوغوص بك أوراقًا مختومة على بياض لاستخدامها في ما يقتضي إصداره من الأوامر أو المنشورات سريعا، فبعد انقضاء مدة الحداد فتحوا صناديقه فوجدوا تلك الأوراق لا تزال كما كانت عليه، ومعها جواهر ومصاغ كان محمد علي قد عهد إليه بها قبل سفره، ويدل ذلك على أمانته وإخلاصه في خدمته.
وكان ربعة مع ميل إلى القصر، قوي البنية، يتقلد العمامة ويلبس القفطان والجبة، لا يختار من ألوان الألبسة إلا المظلمة، ولم يلبس الطربوش قط. ولم يخلِّف بوغوص أولادًا، فورثه أخوه بدروس يوسفيان، وكان يقيم في تريستا ولم يعش بعده إلا قليلا.

الفصل السابع والعشرون
مصطفي رشيد باشا


شكل ??-?: مصطفي رشيد باشا (ولد سنة ????هـ وتوفي سنة ????هـ).
هو الوزير الخطير والسياسي العثماني الشهير، المعروف بحبه لوطنه وحسن خدماته لدولته وأمته، ابن مصطفى أفندي روزنامه جي الأوقاف الهمايونية، ولد سنة ????هـ بالأستانة العلية وتهذب على أيدي والديه إلى سن الشيبوبة، فأدخل بقلم مكتوبجي الباب العالي وكان يختلس الفرص، ويذهب إلى المساجد لتناول العلوم العربية عن أئمتها.
وكان رؤساؤه يحبونه لاستعداده ودرايته فترقى بمدة وجيزة، وصار من الكتاب الممتازين في القلم المذكور، ونال فوق ذلك رتبة رئاسة التعليم ولم تكن تعطي لحديث السن مثله، وكان على صغره يفصل المشاكل المهمة فصلا يقصر عنه الشيوخ، فكان يسمع مدحه وتنشيطه من الرؤساء، فيزداد همة ونشاطًا، وكان برتو باشا الشهير من جملة من قدر مزِيَّتَه واقتداره.
ولما ارتقى إلى درجة باش خليفة (باشكاتب) أرسلته الدولة العلية إلى المورة برفقة الأودو الهمايوني تحت قيادة خسرو باشا، فابتدأ من ذلك الحين يصرف ذهنه إلى استطلاع أسباب تلك الحادثة، وما يضمن رجوع النفوذ العثماني.
وبعد رجوعه من المورة أرسل إلى القطر المصري مرتين برفقة برتو باشا على عهد — المغفور له — محمد علي باشا فأظهر من الدراية في حل المشاكل ما اشتهر بين الخاص والعام.
ولما تبوَّأ السلطان عبد المجيد خان كرسي السلطنة كان المشار إليه بمأمورية آمدي الديوان الهمايوني، وكانت المذكرات جارية بمجلس الوكلاء (الوزراء) إذ ذاك بشأن إصلاح شئون الدولة لوقوعها في ارتباك عظيم بمسألة المورة واستقلال اليونان وإلغاء أجواق الإنكشارية ومحاربة روسيا، وكان السلطان حريصًا على أمته وصيانة ممالكه حتى كان يود إصلاح ذلك كله دفعة واحدة، ولكن مقاصد الوزراء إذ ذاك متباينة متضادة مثل ما كانت أحوال الولايات. ولما لم ينتج من تلك المذاكرات نتيجة فعالة ضاق السلطان ذرعًا، فجاء يومًا بغتة إلى الباب العالي ودعا الوكلاء إليه وكان من جملتهم رشيد بك صاحب الترجمة.
فأخذ السلطان في تلك الجلسة يبين الخطر العظيم المحيط بالدولة من جميع أطرافها، وطلب إلى الوكلاء إبداء آرائهم في تخليص الممالك والأمة، فلم يكن جوابهم إلا التأوُّه والتأسف فأثر ذلك برشيد بك تأثيرًا فوقف وصرَّح برأيه بكل احترام وأدب ووعد بأن يقدم رأيه خطًّا للأعتاب السلطانية، وهكذا فعل فإنه قدم لائحة كانت السبب الوحيد لخلاص الأمة والمملكة من تلك الوهدة المخطرة، ونال بسببها الشهرة العظمى فوجهت إليه رتبة الوزارة مع لقب باشا، ثم أرسل سفيرًا إلى باريس ولوندره لحل مسألة مصر وهو لم يتجاوز الثلاثين من العمر، وزد على ذلك أنه كان يجهل اللغات الغربية فأرسل برفقته ترجمان يسمى المسيو كور. ولكنه رأى أن لابد له من دراسة لغة أوربية، فتعلم الفرنساوية وطالع بواسطتها نظامات المماليك وأسباب نجاحها وثباتها، وكان ينظر إلى تلك الممالك نظرةً وإلى حال دولته نظرة أخرى، ويقابل بين الحالتين توصلًا إلى دواء يشفي الدولة مما كانت فيه من الأمراض العضالة.
وكان الغربيون ينظرون إلى الشرق نظر الاحتقار، لما كان يتصل إليهم من المبالغات بشأنه فكان صاحب الترجمة يبذل جهده لتكذيب تلك الأراجيف بالدليل والقياس استجلابًا لحسن ظنهم بالدولة العلية، وكان الملك جورج (ملك إنكلترا) إذ ذاك يصغي إلى كلامه حتى اقتنع منه بأن المحافظة على قوام الدولة العلية ووقاية ملكها يعودان بالنفع على سائر ممالك أوروبا، فانعقدت المعاهدة المسماة (بروتوكول لوندرة) ومن مقتضاها التخلي لمحمد علي باشا عن ولايتي مصر وعكا طول حياته، ولكن محمد علي باشا لم يوافق على ذلك فاضطرَّت دولة إنكلترا إذ ذاك أن ترسل سفنها الحربية إلى تلك الأمصار، وكانت النتيجة احتراق السفن الحربية المصرية أمام بيروت، وإخراج عساكرها من البلاد السورية وإعادة البلاد التي افتتحها إلى الدولة العلية، وحصر ولاية محمد علي باشا بالقطر المصري مدة حياته، ثم يتوارثها أكبر أولاده بموجب الشروط المذكورة بالفرمانات الهمايونية. وترى ذلك مفصلا في كتابنا تاريخ مصر الحديث.
وكانت دول أوروبا حينئذ تنظر إلى الدولة العلية نظرها إلى المغتصب، ولم تكن تصادق على تملكها ولا تعد الدولة العلية من جمعية الدول الأوروبية، وربما كان ذلك ناتجًا عن إهمال عمال الدولة وما تمكن من الخلل في داخليتها حتى شغلهم عن علاقاتها الخارجية.
وكان السلطان عبد المجيد خان قد تحقق صداقة رشيد باشا فصار يعتمد عليه الاعتماد التام، فاتَّخذه مستشارًا خاصًّا، وفي سنة ????هـ قام على الكرسي العالي بالنيابة عن جلالته في ميدان الكلخانة، وقرأ الخط الشاهاني المعلن المساواة بين سائر أصناف العثمانيين، فاعتقد الدول الأوروبية فلاح الدولة العلية بذلك وابتدأت تثق بالباب العالي كل الوثوق، وكان هذا الخط الشريف صورة من لوائح صاحب الترجمة قد أفرغت بقالب رسمي.
وعلم أيضًا أن قلة الرجال المقتدرين يقف عثرة في طريق الإصلاح، فأخذ يرقي أصحاب اللياقة والاقتدار من شبان الوطن إلى أعلى المراتب بمدة قليلة، وفي جملة من ترقى على يده فؤاد باشا وعالي باشا وأحمد توفيق باشا الذين اشتهروا بخدمتهم للدولة العلية.
ولما وجهت إليه الصدارة العظمى كانت الأحوال وخيمة جدًّا — كما اتضح مما تقدم — فأخذ بإصلاح الأمور الملكية والعسكرية فأسس سفارات دائمة في برلين وباريز وقيانة ولوندره، فكان يطَّلع بواسطتها على الحقائق السياسية في حينها، ويتخذ الاحتياطات اللازمة والتدابير المصيبة لصيانة حقوق الدولة والملة. وإن ما ناله من التوفيق في مسألة إعادة المجرمين التي ظهرت بعد الاختلال الكبير في المجر سنة ???? كان نتيجة ما اتخذه من المسلك القويم في طرق السياسة، وبرهانا على فرط حميته وغيرته؛ وتفصيل ذلك أنه لما ضيقت روسيا والنمسا على المجرمين التجأ جماعة منهم إلى حدود المملكة العثمانية فطلبت الدولتان المشار إليهما وهددتاها بالحرب إذا خالفت طلبهما، فأصدر رشيد باشا لهما ردًّا وفقه على الحقوق الدولية، وصان شرف الدولة وكان السلطان يؤيد كل ما يقوله أو يعمله، ومن جملة كلام جلالته بهذه المسألة، قوله: «ومن المحال أن أسلم هؤلاء المساكين وقد التجأوا إلى باب سلطنتي السنية، وهذا ما تقتضيه الحمية والعدالة، وقد اختار الحرب على تسليمهم» فعلمنا أن الدولة ساهرة على حقوقها وشرفها بهمة وزيرها رشيد باشا فأذعنتا إلى أن يتلافى الأمر بالمخابرات السياسية والقانون الدولي وتحققتا أن التهديد لا يفيدهما شيئًا.
وتقلب رشيد باشا في مناصب متعددة على مقتضى الأحوال، فتقلد منصب الصدارة ست مرات، ونظارة الخارجية أربعًا، وتقلَّد سفارات متعددة، وتعين واليًا لأدرنة مرة واحدة، وكان الفوز مرافقًا له في كل أمر شرع فيه. وأول جريدة عثمانية نشرت في الأستانة «تقويم قائع» كان هو مؤسسها. وقد أسس أيضًا نظارة المعارف ومجلس المعارف ونظامنامه المعارف وسالنامه الدولة والمكاتب الرشدية وغيرها من عوامل الارتقاء.
واتفق في أيامه ظهور مسألة القدس وهي الاختلاف الذي حصل بين الكاثوليك والأرثوذكس بحق التصرف في الكنيسة الشرقية، وتداخلت روسيا في أمره وأرسلت (منشيقوف) الشهير إلى الأستانة ليبلغ الدولة العلية مطاليب الدولة الروسية الباهظة، فاتخذ رشيد باشا الاحتياطات اللازمة فأودع المسألة حالًا إلى مؤتمر فيانه، وطلب تسويتها وفقًا لقانوني الدول والملل. فأصدر المؤتمر لائحة إلى الدولتين فقبلتها الروسية ولم تقبلها الدولة العلية لاشتمالها على شروط تحتاج إلى التعديل، فطلبت تعديلها وإجراء المذاكرات بذلك، فصرحت الدول الأوروبية بأنها لا تستطيع معاضدة الدولة العلية، وإذا لم تقبل بالشروط المذكورة فالمسئولية تعود عليها إذا آلات الحال إلى حرب.
فنهض رشيد باشا حينئذ بهمة وغيرة فائقتين، وجمع الوكلاء والوزراء والعلماء والأمراء والمأمورين والأعيان في الباب العالي بموجب إرادة سنية، وشرح المسألة وأبان لهم أن بعض مواد تلك اللائحة مخلٌّ بحقوق الدولة العلية، وأن الدولة الروسية لم تقبل تلك الشروط إلا رغبة بمواد فيها قابلة للتأوُّل. ثم أخذ رأيهم ودارت المذاكرات بذلك، فأعلنت الدولة العلية الحرب على دولة روسيا سنة ????هـ وكان رشيد باشا عالما بقصور الدولة عن مناهضة الروس إذ ذاك، ولكنه رأى قبول الشروط أكثر ضررًا من الحرب فاختار أهون الشرَّين. ولم تمض برهة على ذلك حتى تأكدت فرنسا وإنكلترا وسردينيا أن الدولة الروسية قد تجاوزت الحد، فأعلنَّ عليها الحرب وأوقفنها وكانت نتيجة تلك الحرب الاعتراف بحقوق الدولة العلية، وإدخالها في عداد الدول الأوروبية سنة ????هـ وهذا ما كان يتمناه رشيد باشا، ويسهر الليل والنهار لأجله، وهي خدمة تكفي لتخليد ذكره إلى الأبد.
وكان رحمه الله طويل الباع في الكتابة والأوراق المحفوظة الآن بخطه في الباب العالي دليل واضح على ذلك.
وفي سنة ????هـ وافاه الأجل فلبَّاه، وأودع حسرة في قلوب العثمانيين كافة، ولم يزل العثمانيون يذكرون اسمه بكل احترام وإكرام.

الفصل الثامن والعشرون
فؤاد باشا


شكل ??-?: فؤاد باشا السياسي العثماني الشهير (ولد سنة ????هـ وتوفي سنة ????هـ).
ولد في الأستانة سنة ????هـ ووالده عزت ملا بن كيجه زاده أحد الشعراء والعلماء في زمانه. سلك فؤاد باشا في عهد شبيبته المسلك العلمي ثم دخل المكتب الطبي الذي أسسه السلطان محمود الثاني في سراي غلطة، وحصَّل فيه العلوم الطبية بنسبة زمانه واستعداده وارتقى لرتبة قائمقام. وعند ذهاب طاهر باشا بن جنكل واليًا لولاية طرابلس الغرب تعين فؤاد (أفندي) طبيبًا للآلاي في معيته.
وفي سنة ???? كان مصطفى رشيد باشا في نظارة الخارجية، وتوسم في صاحب الترجمة مستقبلًا عظيمًا في السياسة فحرَّضه على ترك الطب، فتركه وتعيَّن مترجمًا في الباب العالي. ثم صار مترجمًا أول للديوان الهمايوني. وفي سنة ????هـ سافر رشيد باشا إلى لوندره سفيرًا مؤقتًا، فاصطحب فؤاد أفندي كاتبًا أول للسفارة المذكورة. وبقي المشار إليه في لندرة ثلاث سنوات ثم عزل إلى الأستانة، وبقي فيها سنتين معتزلا.
ولما تعيَّن رشيد باشا سفيرًا في باريس للمرة الخامسة، تعيَّن فؤاد أفندي سفيرًا مؤقتًا لإسبانيا والبرتغال وبقي فيها سنتين، وبعد عودته للآستانة نال الرتبة الثانية المتمايزة، وتعين ترجمانًا للديوان الهمايوني في شهر جمادي الآخر من سنة ???? وفي ربيع أول سنة ???? أحسن إليه بالرتبة الأولى من الصنف الأول، وتعيَّن في (ديوان آمدي همايون) أي ديوان الاستقبال الهمايوني.
وفي سنة ????هـ أُرسِل إلى عاصمة الفلاخ والبغدان بمأمورية مخصوصة فقام بها حق القيام، وبرهن على ما فطن عليه من الاقتدار الباهر، فأرسل من هناك إلى بطرسبرج سفيرًا، وفي أثناء وجوده في بطرسبرج عُيِّن مستشارًا للصدارة العظمى وأُعطِيت له رتبة يالا في محرم سنة ????.
وهذه أول خطوة خطاها نحو مرامي الشهرة البعيدة والمجد الباذخ، ثم أُرسِل إلى مصر بمأمورية مخصوصة بتعليمات من رشيد باشا فتكلل سعيه بالنجاح، وحصل على رضاء السلطان عبد المجيد ورشيد باشا ومدحه على إجراءاته وولاَّه السلطان نظارة الخارجية مكافأة له. وكان فؤاد أفندي إلى هذا التاريخ مدينًا بما أحرزه من التقدم إلى رشيد باشا وغريس نعمته، لكنه بعد ذلك حالف رشيد باشا في مسلكه السياسي، ووطد أركان إقباله بالاتحاد مع عالي باشا تارة، والانفراد بنفسه تارة أخرى.
وكان المنتظر من فؤاد باشا تعضيد رشيد باشا ومضافرته في كبح من يعارضه في ترقية الأمة والوطن لا مخالفته والتهالك وراء الرفعة والإقبال. وحب ترقية الأمة الذي كان فؤاد باشا مفطورًا عليه يقضي عليه بذلك.
وفي محاربة القرم أرسل إلى يانيه لتأديب أشقياء اليونان فتمكن من إعادة الأمن لتلك الجهات في ستة أشهر، وفي سنة ???? وجهت إليه رتبة الوزارة.
وفي سنة ???? تعين مندوبًا لمؤتمر باريس المنعقد لعمل معاهدة السنة المذكورة، وكان ناظرًا للخارجية في ذلك التاريخ ورافق عالي باشا بصفته مرخص ثان. أهـ
هذا ما رواه أبو الضياء من ترجمة هذا الرجل في كتابه «نمونه وأدبيات». شكل ??-?: الماركيز دفرين.
وفي سنة (????هـ /????) حدثت الحوادث الشهيرة في بلاد الشام، فاهتمت أوروبا بشئون المسيحيين فيها. وكان البادئ بذلك الاهتمام فرنسا فخابرت إنكلترا واتفقتا على تكليف الباب العالي بتشكيل لجنة دولية من مندوب عثماني ومندوبين من سائر الدول العظمى تسير إلى سوريا للبحث عن أسباب تلك الفتن ومعاقبة مسببها وتقرير الخطة التي تضمن الأمن في المستقبل، وأن يرفعوا بذلك تقريرًا إلى الباب العالي، فتشكلت اللجنة المشار إليها، وأعضاؤها هم: فؤاد باشامن قبل الدولة العليةاللورد دفرينمن قبل إنكلتراالموسيو بيكلارمن قبل فرنساالموسيو نوفيكوفمن قبل روسياالموسيو ويكبيكرمن قبل اوسترياالموسيو ريفوسمن قبل بروسيا
واجتمعت اللجنة اجتماعها الأول في بيروت في ? نوفمبر سنة ???? ثم واصلت الاجتماع خمسة أشهر متوالية، دارت في أثنائها المداولات للقيام بالمهمة التي تألفت اللجنة لأجلها، وأهمها: (?) إعادة النظام والأمن.
(?) إرجاع المسيحيين المهاجرين إلى قراهم وبلادهم.
(?) تقدير ما لحقهم من الخسائر وتعويضها عليهم.
(?) تعيين الأشخاص الذين سببوا تلك الثورة ومقاصتهم.
(?) الاتفاق على حكومة تضمن للبنانيين أرواحهم وأموالهم وراحتهم.
وقد طال البحث في تفاصيل هذه الشئون واحتدم الجدال خصوصًا بين فؤاد باشا المندوب العثماني واللورد دفرين المندوب الإنكليزي، وكلاهما من أعظم رجال السياسة. فكتبت القوائم بأسماء المنكوبين حسب قراهم ومقاطعاتهم، ودفعت لهم مساعدة وقتية، فأصاب كل واحد منهم نحو عشرة غروش مصرية، وفرقوا فيهم الدقيق والأقمشة، وأنشأوا المستشفيات لجرحاهم ومرضاهم ونحو ذلك مما يخفف مصائبهم وقتيًّا.
فلما سد الناس رمقهم عادت اللجنة إلى البحث عن مقدار التعويضات اللازمة، فقدروا خسائر اللبنانيين وحدها بثلاثة ملايين جنيه، وشخصت اللجنة إلى دمشق للنظر في ما لحق تلك المدينة أيضًا فقدروا خسارتها بمليون جنيه. فرجعت اللجنة إلى بيروت لإعادة النظر في هذه الشئون فجعلوا خسائر دمشق ?????? جنيه فقط، وقرروا أن يُجمَع هذا المال من مسلمي الولاية ثم والت اللجنة اجتماعاتها والآراء مضطربة. وفي اجتماعها الخامس عشر صرح فؤاد باشا أن مسألة التعويضات أصبحت من خصائص الأستانة، وللباب العالي وحده الحق في ذلك، فأرادت اللجنة مقاومته والاعتراض على قوله فلم تفلح، وبعد مخابرات طويلة تقرر أن تكون تعويضات دمشق ?????? جنيه فقط تدفع تدريجيًّا. وطال الجدال أيضًا في المسائل الأخرى مثل معاقبة الجانين ومحاكمتهم، وأظهر اللورد دفرين ورفقاؤه ثباتًا كثيرًا، ولكن فؤاد باشا تغلب عليهم وأجرى ما رآه أضمن لمصلحة دولته وأحفظ لاستقلالها، والدول الأوروبية تراه مجحفًا بحقوق المسيحيين هناك.
وكان في جملة مطالبهم سرعة تنفيذ القصاص على الدروز الذين ثبتت الجناية عليهم، ولكن فؤاد باشا تغلب على سياستهم في ذلك، وأجَّل القصاص وغيَّر أوجه المسألة وخفف الجريمة، فانتهت تلك المهمة إلى ما هو مشهور من أمرها، وقد تغلب فيها رأي فؤاد باشا بوجه الإجمال.
وفي سياحة السلطان عبد العزيز إلى أوروبا أُلحِق فؤاد باشا بمعيَّته؛ لأنه كان ناظرًا للخارجية. وتعين وكيلًا لعالي باشا الصدر عند سفره إلى كريد ولبث فيها مدة سنة. وأصيب فؤاد باشا في أواخر حياته بمرض في القلب، اشتدت وطأته عليه حتى ألزمه أطباء فرنسا الذهاب إلى «نيس» فذهب إليها وتوفى فيها سنة ???? وعمره خمسون سنة، وتقلد صاحب الترجمة منصب الخارجية خمس مرات، ثلاث منها في عصر السلطان عبد المجيد، واثنتان في عهد السلطان عبد العزيز والسر عسكرية. وتعين رئيسًا للمجلس العالي (مجلس والا) وكان فؤاد باشا في صدارته الأولى يوقع على الأوامر بختم محفور عليه عبارة (الوزير الأعظم محمد فؤاد) وفي صدارته الثانية انضمت له السر عسكرية وأحسنت إليه الذات الشاهانية بعنوان (ياور أكرم مقبل صادق).
ولفؤاد باشا شهرة طائرة في عالم السياسة ويذكرون له وصية إصلاحية لم نقف عليها كلها.

الفصل التاسع والعشرون
محمد شريف باشا


شكل ??-?: محمد شريف باشا (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????م).
هو الوزير الخطير الجامع بين العلم والسياسة والفضل والرئاسة والشهير بين أقرانه الوزراء بالغيرة على الوطن المصري غيرة خالصة من كل شائبة كما سيتضح لك من سيرة حياته رحمه الله.
ولد في القاهرة في سنة ???? من عائلة تركية الأصل عريقة في الحسب والنسب، وكان والده قد جاءَ الديار المصرية في أيام المغفور له محمد علي باشا بمنصب قاضي القضاة، فأقام فيها زمنًا ثم عاد إلى الأستانة حتى أذن ساكن الجنان السلطان محمود الثاني نقَّاد الرجال بتقليده منصب القضاء في الحجاز، فمرّ في طريقه بمصر أقام فيها أيامًا وولده — صاحب الترجمة — معه وسنُّه إذ ذاك بضع سنين. وكان محمد علي باشا رحمه الله لحسن فراسته ينتقد الرجال بمجرد النظر إليهم، فلما رأى الغلام تنبأ بعظم مواهبه وفرط ذكائه فاستبقاه عنده، وجعله كأحد أولاده فأدخله المدرسة العسكرية التي أنشأها في الخانكاه بضواحي القاهرة وجعل فيها أولاده وأولاد الأمراء والأعيان. وبعد أن درس فيها مدة بعثه محمد علي باشا في الرسالة المصرية التي كان يبعث بها إلى أوروبا للتخرج في العلوم، وكانت تلك الرسالة مؤلفة من ثلاثة وأربعين تلميذًا، أُرسِلوا إلى المدرسة المُعدَّة لأبناء مصر في باريس، وكان في جملة تلك الرسالة محمد سعيد باشا ابن محمد علي والي مصر، وإسماعيل باشا الخديوي الأسبق، وغيرهما من أبناء العائلة الخديوية، وعلي باشا شريف، وعلي باشا مبارك، ومراد حلمي باشا، وعلي باشا إبراهيم، وغيرهم من أبناء الأعيان والوجهاء.
وكان صاحب الترجمة رحمه الله ميَّالا ميلا طبيعيًّا إلى العلوم العسكرية والحركات الحربية، ولا سيما في إبَّان شبيبته، فاختار تعلُّمها لأن التعلم كان في تلك الرسالة اختياريًّا فأدخلته الحكومة مدرسة سان سير المُعدَّة لتعليم الضباط العسكرية سنة ???? وبعد سنتين أتمَّ دروسها وامتاز عن رفاقه، فانتقل منها إلى مدرسة تطبيق العلوم العسكرية، قضى فيها سنتين أظهر فيهما كل ما دل علي النجابة والذكاء، فانتظم في الجند الفرنساوي للتمرن عملًا بمقتضى قوانين تلك المدرسة حتى توفي المغفور له إبراهيم باشا ووالده محمد علي باشا سنة ????م فلما تولى المرحوم عباس باشا حلمي الأول استرجع الرسالة المصرية فرجع صاحب الترجمة وقد نال رتبة يوزباشي أركان حرب في الجيش الفرنساوي، وأُلحِق بالجيش المصري ولقب من الحين بالفرنساوي، وما زال معروفًا به بين عامة المصريين بشريف باشا الفرنساوي إلى هذه الغاية.
وكان أعظم قواد الجنود المصرية إذ ذاك سليمان باشا الفرنساوي فلما رجع صاحب الترجمة من فرنسا كما تقدم أُلحِق بأركان حرب سليمان باشا وتقرب منه حتى تمكنت علائق المودة بينهما كثيرًا، وبقي في الجيش المصري إلى سنة ???? فلما رأى أنه لم يرتقي عن رتبته التي جاء بها من فرنسا اعتزل العسكرية، ودخل في خدمة البرنس حليم باشا بوظيفة كاتب يده إلى سنة ???? فلما توفي المرحوم عباس باشا الأول استقدمه خلفه سعيد باشا، وأنعم عليه بما كان يستحقه من الالتفات، ورقَّاه إلى رتبة أميرالاي لحرسه الخصوصي، وبعد سنتين منحه رتبة لواء. أما علاقته مع سليمان باشا فكانت لا تزال ودية حتى تصاهرا فتزوج صاحب الترجمة بابنة سليمان باشا، وأخذت مواهبه بالظهور من ذلك الحين فاشتهر بالحزم والعفة والاستقامة. فرأى المرحوم سعيد باشا أن الإدارة أحوج إليه من العسكرية فعينه ناظرًا للخارجية سنة ???? فلما توفي سعيد باشا سنة ???? خلفه إسماعيل باشا فعينه ناظرًا للداخلية مع بقائه على الخارجية؛ نظرًا لما كان له من المنزلة الرفيعة في عينيه، فقام بما عهد إليه أحسن قيام وأظهر من الغيرة الوطنية والإخلاص في خدمة الديار المصرية، ما زاد مولاه ثقة فيه حتى ولاه سنة ???? النيابة الخديوية أثناء غيابه في الأستانة العلية.
ولما عاد إسماعيل باشا من الأستانة قلَّده نظارة المعارف مع نظارة الخارجية، ثم رئاسة مجلسه الخصوصي سنة ???? ثم مناصب أخرى حتى لم يبق منصب من المناصب المصرية الرفيعة إلا تقلده بين داخلية وخارجية وحقانية ورئاسة مجلس النظار وغيرها في أيامه وأيام الخديوي السابق المرحوم محمد توفيق باشا.
وكان صاحب الترجمة معروفًا بين الأهالي بالوطنية الخالصة حتى إن الأحزاب العرابية الذين قاموا بالدعوة الوطنية، ولم يثقوا بأحد من وزراء مصر تقريبًا، ولم يرضوا سواه لتولي رئاسة مجلس النظار يوم حادثة عابدين الشهيرة، وقد تردد زمنًا في قبولها لما كانت فيه البلاد من الاضطراب، ولكنه قَبِلَ بها غيرة على الأمن العام. وهو الذي أسس مجلس النواب المصري مراعاة للأمر الخديوي ولرغبة الأحزاب الوطنية إذ ذاك، ولما اشتدت الأزمة العرابية تنحى عن الوزارة ثم عاد إليها بعد تدمير الإسكندرية، وبقي فيها إلى عام ???? فتنحى عنها ولم يعد يتولاها ولا سواها من مناصب الحكومة.
وتنحِّيه هذا جاءَ مؤيدًا لإخلاصه للوطن المصري، وصدق طويَّته وعزة نفسه، وسببه أن المتمهدي السوداني كان قد استفحل أمره في الأقطار السودانية البعيدة وافتتح كردوفان ودارفور، وتهدد الخرطوم، وكانت الحكومة المصرية قد بعثت حملة هيكس باشا وبادت عن آخرها، فأشارت الحكومة الإنكليزية بإخلاء السودان وتركها للعصاة فلم يقبل شريف باشا بتلك المشورة بدعوى أن السودان كلفت الحكومة المصرية مالًا ورجالًا منذ افتتحها محمد علي باشا إلى ذلك الحين، وهي مصدر ثروة تجاري للقطر المصري فضلًا عما يتهدد مصر من الخطر بسبب إخلائها إلى غير ذلك من الأدلة القاطعة، ولكن الإنكليز أصروا على مشورتهم، وطالت المخابرات بين مصر ولندره وهو لم يتحول عن رأيه. ولما رأى من الحكومة المصرية ميلا لموافقة الحكومة الإنكليزية تنحى عن الوزارة حتى لا يكون هو المؤذن بإخلاء تلك الأقطار، ولكي لا يُجري عملا غير مطابق لما يناجيه به ضميره.
ومن تتبع الحوادث المصرية السودانية من وزارة شريف باشا الأخيرة إلى الآن يتحقق صواب رأيه، وأفضلية استبقاء الأصقاع السودانية تحت كنف الحكومة المصرية، ولكن حكم القضاء ونفذ المقدر.
وبقي رحمه الله معتزلا الأعمال الإدارية منقطعًا إلى الدرس والمطالعة حتى أصيب بداء الكبد في أوائل سنة ????م فأشار عليه الأطباء بتغيير الهواء، فسافر إلى الأقطار الأوروبية ولم يكد يصل مدينة غرانس من أعمال النمسا حتى فاجأه المنون، فتوفاه الله عن ?? عامًا. ولما بلغ الحكومة الخديوية أمرت بإقفال الدواوين يومًا كاملًا حدادًا عليه، وبعث رئيس النظار رسالة برقية إلى ابن الفقيد يقول فيها: «إننا أسفنا على الفقيد بقدر حبنا له».
وجيء بجثته إلى القاهرة في ?? أفريل (نيسان) من تلك السنة، ودفن بالتجلة والإكرام والناس يتأسفون على فقده ويستمطرون عليه الرحمة والرضوان.
وكان شريف باشا حسن الخلق والخلق، مهيبًا جليلا، ممتلئ البدن، طويل القامة، تظهر في عينيه وجبينه ملامح الذكاء وحدة الذهن، وكان متمكنًا من أكثر العلوم العصرية وخصوصًا علم الفلك، حليم الطبع لين العريكة، وقد أجمع المصريون على ولائه ونال إنعام الحكومة الخديوية والحضرة الشاهانية، وسائر الدول العظام من الرتب والنياشين ما تتحلى به صدور الرجال، وتفتخر بنيله كرام الأنام رحمه الله وتغمَّده برحمته ورضوانه.

الفصل الثلاثون
رستم باشا


شكل ??-?: رستم باشا (ولد سنة ????م وتوفي سنة ????).
هو الوزير العثماني الشهير سفير الدولة العلية في لندرا مؤخرًا، وأصله إيطالي، ولد سنة ???? من عائلة كونية عريقة في الحسب والنسب، ولكنه انتظم في خدمة الدولة العلية، وتخلق بأخلاق رجالها وأتقن لغتهم فضلا عن لغته ولغات أخرى كما فعل كثير من خدمة الدولة العلية من الأوروبيين، وكانوا غالبا إذا انتظموا في سلكِ خِدْمَتِها اعتنقوا الإسلام. أما رستم باشا فبقي على مذهب آبائه وهو النصرانية، وكان منذ نعومة أظفاره جريئًا مقدامًا حاد الذهن ذكيًا، فما لبث أن انتظم في خدمتها حتى أخذ يرتقي ويتقلب في المناصب حتى تعين سفيرًا للدولة العلية في إيطاليا على عهد ملكها فيكتور عمانوئيل الثاني وما زال في ذلك المنصب إلى سنة ???? فاستقدمه الباب العالي ليتولى متصرفية لبنان.
وكان الجبل قد حال بين أحكامه والعدل نفوذ ذوي الوجاهة والرئاسة وخصوصًا طائفة الأكليروس، وكان رستم باشا لحزمه وصرامته يتوخى القسط ولا يقبل الوساطة فشق ذلك على بعض جماعة الأكليروس، وحاولوا استخدام نفوذهم فلم يروا منه إلا البقاء على عزمه فنتج عن ذلك نفور بينه وبين جماعة منهم. وتمكن النفور حتى آل إلى حكمه على المطران بطرس البستاني بالنفي إلى القدس سنة ???? بواسطة قنصل فرنسا لنفور مؤقت كان بينهما. والمطران المشار إليه من ذوي الرأي والوجاهة والكلمة النافذة في الطائفة المارونية فتزعزعت أركان لبنان، واشتدت الأزمة فعادت فرنسا النظر في الأمر، فتحققت خطأ قنصلها فعزلته، ووافقت الدولة العلية على إعادة المطران إلى كرسيه. على أن هذا الحادث كان عبرة لسائر الأحزاب والعصب في لبنان، فسارت الأحكام على ما يرام من العدالة والقسط وساد الأمن وعرف كل ذي حق حقه.
ويقول المدافعون عن المطران بطرس: إن سبب النفرة بينه وبين رستم باشا ذود المطران عن حقوق منحتها الدولة العلية لمواطنيه فأغرى رستم باشا أن تقويض نظام لبنان وأثقال كاهله بضرائب جديدة يكسبانه رضاء الباب العالي، ولعلمه أنه لا يستطيع التسلط على أعضاء الإدارة والمطران على يمينه سعى في إبعاده.
وبقي رستم باشا في ولايته هذه عشر سنوات، ولا يزال أهل الشام كافة وخصوصًا أهل لبنان يتذكرون حكمه وعدالته، وقد شهد عقلاؤهم على اختلاف أغراضهم ونزعاتهم أن ولايته على لبنان خطت به خطوة كبرى نحو الإصلاح والتمدن. وفي سنة ???? عند انتهاء المدة المعينة لحكمه أُبدِل بالمرحوم واصه باشا، فتوفي سنة ???? فخلفه دولتلو نعوم باشا، ثم أُبدِل سنة ???? بمظفر باشا.
أما رستم باشا فتعين سفيرًا للدولة العلية في لندرا، وهي أخطر سفاراتها وذلك دليل على ثقة الدولة به، وما زال هناك حتى توفاه الله سنة ???? وله من العمر زهاء تسعين سنة ولم يخلف عقبًا.
وكان ربعًا نحيفًا، سريع الحركة، حاد العينين والذهن، صارمًا حرًّا، وقد نال بسبب ذلك شهرة كبرى لدى رجال أوروبا حتى صرح اللورد سالسبوري وهو يذكر وفاته، أن بموته ماتت رجال الدولة العثمانية كأنه يريد أنه فريد في الدولة، وهو قول لا يخلو من المبالغة، ولكنه يدل على منزلة هذا الرجل عند قهارمة السياسة في أوروبا.

الفصل الحادي والثلاثون
نوبار باشا


شكل ??-?: نوبار باشا أحد وزراء مصر العظام (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
امتازت مصر عن سائر ممالك الأرض بتعدد الجنسيات، واختلاط أهلها بسائر أصناف الناس، وقد خدم حكومتها رجال من أمم شتى وفيهم الفرنساويون والإنكليز والألمان وغيرهم من أمم أوروبا. والأتراك والأرناءوط والأرمن والشركس والسوريون وغيرهم من رعايا الدولة العلية.
وقد تناوب رئاسة وزارتها من أول عهد العائلة الخديوية إلى أمد غير بعيد ثلاثة من كبار الوزراء؛ اثنان تركيان هما: المرحوم شريف باشا، وصاحب الدولة رياض باشا. وواحد أرمني هو نوبار باشا صاحب الترجمة. وقد اشتهر الأرمن بالإقدام وعلو الهمة والذكاء والثبات، وقضت عليهم بيئتهم بالاغتراب، وتجشم الأسفار التماسًا للرزق بعرق الجبين والصبر والمواظبة فلم يعدموا حيثما حلوا نصيبًا حسنًا من ثمار أتعابهم. فنبغ بينهم رجال اشتهروا بالسياسة، وآخرون بالثروة، ومنهم في الأستانة جماعة كبيرة من أهل اليسار، وجاء بعضهم مصر على عهد المغفور له محمد علي باشا، فتولوا أعظم المناصب الإدارية وخدموا الحكومة المصرية خدمات تستحق الاعتبار. أشهرهم بوغوص بك، وأرتين بك، ونوبار باشا.
ولد نوبار باشا في أزمير من أعمال آسيا الصغرى سنة ???? وتلقى العلم في مدارس سويسرا، ثم فرنسا فخرج من المدرسة وهو في السابعة عشرة من عمره، ونفسه تتطلب المعالي فقدم الديار المصرية سنة ???? وقد حبب إليه الإقامة فيها بوغوص بك وكان ناظرًا للتجارة والأمور الخارجية فيها على عهد المغفور له محمد علي باشا وكان من ذوي قرابته فقدمه إلى محمد علي فعينه سكرتيرًا للأمور الأجنبية ثم صار سنة ???? سكرتيرًا ثانيًا، ومترجمًا في مجلس محمد علي. ولم يمض قليل حتى ظهرت نجابته، وعُرِف قدره فارتقى إلى رتبة سكرتير أول ومترجم للمغفور له إبراهيم باشا. ولما شخص هذا القائد العظيم إلى أوروبا لتبديل الهواء سنة ???? سار نوبار في معيته، وشهد ما لاقاه إبراهيم هناك من الحفاوة والإكرام.
وفي سنة ???? توفي محمد علي وإبراهيم، وارتقى عباس باشا الأول إلى منصة الأحكام فأدخل نوبار في خدمته كما كان عند عمه إبراهيم، ورقاه إلى الرتبة الثانية مع لقب بك، وحدث خلاف يتعلق بحقوق ورثة الأريكة المصرية فأنفذه عباس باشا إلى لندرا سنة ???? لإثبات تلك الحقوق، فعاد منها ظافرًا فعرف عباس باشا له ذلك، فلم يصبر على مكافأته فسماه وزيرًا وهو في فينَّا. وما زال في هذا المنصب حتى توفي هذا الوالي سنة ???? وتولى عمه سعيد، فأسرع هذا إلى خلعه. ولم تمض سنتان حتى استقدمه وعهد إليه إنشاء مصلحة تتولى شئون البضائع الصادرة إلى الهند فقام بتلك المهمة قيامًا دل على ذكائه وحكمته.
فلما تولى إسماعيل باشا الخديوي الأسبق سنة ???? انتدبه للمسير إلى الأستانة لهذا الشأن، وللمفاوضة بأمور أخرى هامة. فلما عاد أنعم عليه إسماعيل باشا بالرتبة المتمايزة، وبعد قليل نال رتبة اللواء من السلطان عبد العزيز أثناء مروره بالإسكندرية في سياحته إلى أوروبا. ولم يزدد إسماعيل باشا إلا ثقة في نوبار واعتمادًا عليه، فلما نشأت مشكلة قنال السويس بين الحكومة المصرية وشركة القنال سنة ???? عهد إليه السعي في حلها فسوَّى ذلك على أسلوب رضي به الفريقان. فعينه إسماعيل باشا عند عودته ناظرًا للأشغال العمومية. وفي سنة ???? وكَّل إليه وزارة الخارجية.
وفي السنة التالية دارت المخابرات بين الباب العالي وإسماعيل باشا بشأن وراثة الحكم، وكانت لا تزال في أكبر أعضاء العائلة وإسماعيل يريد حصرها في نسله، فأنفذ نوبار باشا إلى الأستانة لتسوية ذلك، فعاد إليه بالفرمان القاضي بترقيته إلى رتبة الخديوية مع توسيع دائرة استقلاله، وحصر الحكومة في نسله. وفي تلك السنة شخص نوبار باشا إلى أوروبا مندوبًا مفوضًا من إسماعيل باشا لمخابرة الدول العظمى في إنشاء محاكم مختلطة تقوم مقام المحاكم القنصلية التي كانت مرجع محاكمة الأجانب في ذلك الحين فقضى في سعيه هذا سبع سنوات يتردد في أثنائها بين ممالك أوروبا، ويفاوض عظماءهما وملوكها والخزينة المصرية مفتوحة بين يديه فأنفق أموالًا طائلة، ولكنه عاد مظفرًا غانمًا. وكان قد عهد إليه سنة ???? أيضًا النيابة عن الحكومة المصرية في مؤتمر النقود في باريس فحضره.
ولما قضى مهمته في إنشاء المحاكم المختلطة عام ???? اعتزل الأعمال مدة ثم عاد إليها.
وأصاب مصر في أثناء ذلك أزمة مالية مما تراكم عليها من الديون لما أتاه إسماعيل من النفقات في سبيل عمارة القاهرة وغيرها كما هو مشهور، حتى أفضى الأمر إلى مراقبة الدول والسعي في غل يديه وضبط الميزانية والاقتصاد فيها، ورأت الدول أن تقيد حكومته بالشورى، فاقترحت عليه تشكيل مجلس النظار على ما هو عليه الآن، فلم ير إسماعيل خيرًا من نوبار لتشكيل ذلك المجلس فاستقدمه إليه، وكلفه بذلك سنة ???? فألفه وجعل في جملة أعضائه عضوين أجنبيين: أحدهما إنكليزي، وهو المستر ولسن، والآخر فرنساوي، وهو المسيو دي بليفير يراقبان سير الأعمال بالنيابة عن إنكلترا وفرنسا. ولكن ذلك لم يكن ليرضي إسماعيل باشا فلم تمض على تلك الوزارة الشورية سبعة أشهر حتى حلها إسماعيل فحدثت ثورة عسكرية نسبها إلى الوزيرين الأجنبيين، وحمل نوبار على خلعهما ليلقى تبعة الأمر عليه فاستعفى نوبار، وكان ما كان على أثر ذلك من تداخل الدول في خلع الخديوي، فصدر الأمر الشاهاني في ?? يونيو سنة ???? بخلع إسماعيل باشا وتولية نجله المغفور له توفيق باشا الخديوي السابق، وسافر نوبار باشا من مصر. على أنه كان يتردد إليها حينًا بعد آخر فحدثت الثورة العرابية وعقبتها الحوادث السودانية، فظهر المهدي وفتح كردوفان، ونوبار باشا معتزل الأعمال مشتغل بأحواله الشخصية. ثم استفحل أمر المهدي وأشارت إنكلترا إلى الحكومة المصرية سنة ???? بإخلاء السودان والتخلي عنه للدراويش، وكانت الوزارة المصرية إذ ذاك برئاسة المرحوم الطيب الذكر شريف باشا، فلم يوافق إنكلترا على مشورتها فألحَّت عليه ففضَّل الاستقالة على ركوب ذلك الخطأ، فاستقدم الخديوي نوبار باشا وعهد إليه بتشكيل وزارة جديدة فشكلها وتولى هو أيضًا نظارة الخارجية، ووافق إنكلترا على إخلاء السودان. وما زال في ذلك المنصب إلى ? يونيو سنة ???? فاستقال منه، وانقطع إلى خصوصياته حتى أصابه المرض الأخير فسافر إلى أوروبا للاستفتاء، فأدركه القدر المحتوم هناك، فنقلت جثته إلى مصر، ودفنت فيها بما لاق بمقامه من الإكرام والوقار.
فترى مما تقدم أن صاحب الترجمة خدم الحكومة المصرية خدمات ذات بال، فعاصر كل ولاتها من محمد علي باشا إلى الخديوي الحالي عباس باشا الثاني، وهو يعمل بنشاط وحكمة، فلم يقم فيها مشروع عظيم إلا كانت له فيه باع طولى. وقد نال من رتب الدولة العلية إلى رتبة المشيرية، وحاز نياشين شتى منها: نيشان أوفيسيه دي لجيون دنوردونور من الحكومة الفرنساوية وغير ذلك.
وكان رحمه الله ذكيًا حازمًا، حسن السياسة، ليِّن العريكة، وقد أحرز ثروة طائلة، وهو يُعَدُّ من أغنى سكان وادي النيل. وكان كريمًا غيورًا على مصلحة أبناء جلدته، فنال الأرمن في أيام وزارته مساعدات كثيرة بذل لهم فيها المال الكثير.

الفصل الثاني والثلاثون
جواد باشا


شكل ??-?: جواد باشا (ولد سنة ????هـ وتوفي سنة ????هـ).
هو نجل المرحوم مصطفى عاصم بك من أعضاء دار الشورى العسكرية المعروف بقبا أغاجلي وأصله من بلدة قرا حصار. ولد صاحب الترجمة في دمشق الشام سنة ???? (رومية) الموافق ???? للهجرة. فسماه والده «أحمد جواد» ليدل جمله على سنة ولادته. وتلقى مبادئ العلم في مدارس بورصه وأتمه في الأستانة، ونال الشهادة العسكرية الرسمية، وأتقن اللغتين التركية والفرنساوية مع مبادئ اللسان العربي.
فخرج من المدرسة وفيه ميل شديد إلى خدمة العلم، فألف كتابين: أحدهما «المعلومات الكافية في الممالك العثمانية» والآخر «تاريخ عسكري عثماني» ثم أنشأ مجلة سماها «بادكار» أي «تذكار» أصدر منها ?? عددًا فقط. وترجم رسالة في علم الهيئة إلى اللغة التركية سماها (سماء) وأخرى في تطبيق الصناعة على الكيمياء وأخرى في المباحث الرياضية الدقيقة. وشرع في تأليف تاريخ مطول للدولة العثمانية، لكنه مات قبل إتمامه.
فترى مما تقدم أن الفقيد فطر على حب العلم، فجعل الاشتغال فيه باكورة أعماله، ولكن الأحوال قضت عليه بعد ذلك بالتحول إلى السياسة والإدارة، فانتظم في خدمة الحضرة الشاهانية وارتقى فيها حتى صار من القرناء برتبة بكباشي سنة ????هـ ثم عين أستاذًا للرياضيات في المكتب الهندسي الملكي، ثم مأمورًا في الفيلق الخامس في دمشق الشام مسقط رأسه. ويذكرون من مآثره في تلك الخدمة أنه بنى ثكنة عسكرية في جبل الدروز، فكوفئ بزيادة راتبه. وما زال في ذلك الفيلق حتى انتشبت الحرب في السرب فنُقِل إلى جند الطونه رئيسًا لأركان حرب عزيز باشا، وهناك ارتقى إلى رتبة قائمقام سنة ????هـ ثم صار رئيسًا لأركان حرب نجيب باشا، ثم ارتقى إلى رتبة أميرالاي. وتنقل في عدة قومندانيات تولى رئاسة أركان حربها في تلك الأثناء. وشهد مواقع ستان كوي وفانساوي، وعُيِّن بعد عقد الصلح مندوبًا ثانيًا لتحديد تخوم السرب بمكافأة شهرية مقدارها ???? غرش فوق راتبه الأصلي ثم صار مندوبًا أول، ولما انتهت مهمة الحدود أنعم عليه ملك السرب بنيشان طاقوا من الدرجة الثالثة. شكل ??-?: مختار باشا الغازي.
ولما توجه المشير مختار باشا الغازي لتحديد تخوم اليونان صحبه جواد باشا. ثم تعين على تخوم الروس من جهة الأناضول، وانتهى أخيرًا إلى تخوم بايزيد وأحسنت عليه الدولة العلية إذ ذاك بالنّيِشان العثماني الثالث، وأهداه القيصر نيشان القديسة حنة من الدرجة الثانية.
وما زال يرتقي من منصب إلى آخر في الأستانة وفي الجبل الأسود وتتوالى عليه الإنعام والنياشين والرتب حتى صار سنة ????هـ فريقًا. وكان عضوًا في لجنة التفتيش العسكري فانتقل إلى رئاسة أركان حرب جزيرة كريد، ثم صار وكيلا لها ثم تعين واليًا على كريد وأحسن إليه بالميدالية الذهبية. وفي سنة ????هـ ارتقى إلى رتبة المشيرية، وصار راتبه ????? وفي السنة التالية وجه إليه مسند الصدارة العظمى، وأنعم عليه بالنيشان المرصع العثماني ولقب بياور أكرم. ثم أهدي إليه النيشان المجيدي المرصع وتقلد ميدالية اللياقة الذهبية فنيشان الافتخار المرصع فمدالية الصنائع النفيسة فنيشان الامتياز المرصع.
وتوالت عليه الوسامات من الدول الأجنبية غير ما تقدم. فنال من ملك السرب نيشان طاقوا من الدرجة الأولى، ومن حضرة البابا نيشان بي نوف الأول، ومن إمبراطور ألمانيا نيشان النسر الأحمر المرصع، ومن جمهورية فرنسا نيشان اللجيون دونور الأول، ومن شاه إيران نيشان شير خورشيد المرصع، ومن ملكة إسبانيا نيشان الصليب الأول، فضلا عن ميداليات الجمعيات العلمية وغيرها.
وفي أواخر سنة ???? فُصِل من الصدارة العظمى، وتقلب في مناصب مختلفة في كريد وانتدب سنة ???? لاستقبال إمبراطور ألمانيا أثناء زيارته فلسطين، وتعين على أثر ذلك مشيرًا للفيلق الهمايوني الخامس بدمشق، وما زال في هذا المنصب حتى اعتل مزاجه فانتقل إلى الأستانة قضى فيها بضعة أيام ثم وافاه الأجل المحتوم.

الفصل الثالث والثلاثون
عرابي باشا


شكل ??-?: أحمد عرابي المصري (ولد سنة ????هـ ونفي سنة ????هـ وعاد من منفاه سنة ????هـ).
نشرنا ترجمة هذا الرجل مرارًا في تاريخ مصر الحديث وفي الهلال، ثم كتب هو إلينا ترجمة حياته بخط يده فآثرنا نشرها دون سواها، ومن أراد زيادة التفصيل فليراجع الحوادث العرابية في كتابنا تاريخ مصر الحديث، وفي أهلَّة السنة الخامسة والسنة التاسعة، وأما ما يقوله أحمد عرابي عن نفسه فهو:«نشأتي الأولى»: ولدت في ? صفر سنة ????هـ من أبوين شريفين من ذرية العارف بالله السيد صالح البلاسي البطائحي ومقامه الشريف بقرية فاقوس بمديرية الشرقية، وهو أول من قدم إلى بلاد مصر من بلاد البطائح بالعراق في أواسط القرن السابع للهجرة، وهو من ذرية الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم من سلالة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة الزهراء البتول بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. واسم والدي محمد عرابي بن السيد محمد وفى بن السيد محمد غنيم بن السيد إبراهيم بن السيد عبد الله إلى آخر السلسلة الشريفة. واسم والدتي فاطمة بنت السيد سليمان بن السيد زيد تجتمع مع والدي في جدي الثالث عشر المسمى إبراهيم مقلد رحمه الله تعالى. ومولدي كان بقرية هرية رزنة بمديرية الشرقية على ميلين من شرقي بندر الزقازيق، وهي بلدة قديمة جدًّا من ضواحي مدينة بوباسطة كرسي مملكة العائلة ?? من زمن شيشاق بن نمرود التي يقال لها الآن (تل بسطة). وعشيرتي فيها نحو ربع تعدادها، وكان والدي رحمه الله تعالى شيخًا عليها إلى أن توفي في شهر شعبان سنة ????هـ في زمن الهواء الأصفر عن ثلاث نسوة وأربعة أولاد وست بنات. وكنت ثاني أولاده الذكور، وسِنِّي ? سنوات، وترك لنا ?? فدانًا ولو شاء لاستكثر من الأطيان الزراعية، ولكنه كان رحمه الله تعالى يراعي صالح أبناء عمومته حيث إن أطيان القرية كغيرها كانت مكلفة بأسماء المشايخ يوزعونها بمعرفتهم على أهل بلادهم بحسب الاحتياج إلى عهد المغفور له عباس باشا الأول، وهو أول من كلف الأطيان بأسماء الأفراد وألزمهم بدفع خراجها، وما زاد عنهم يترك للميري ويسمونه المتروك. وكان والدي عليه سحائب الرحمة والرضوان عالمًا فاضلًا تقيًّا نقيًّا أقام بالجامع الأزهر ?? سنة تلقى فيها الفقه والحديث والتفسير، وبرع في كثير من العلوم النقلية والعقلية على كثير من المشايخ كشيخ الإسلام القويسني — رحمه الله تعالى — وغيره من العلماء الأطهار، ولما آلت إليه وظيفة الشياخة على عشيرته جدد عمارة المسجد المنسوب إلى عشيرته بالقرية المذكورة، وفيه أربعة أعمدة من الحجر الصوان القديم ومنبر من الخشب عجيب الصنعة، وأنشأ بجوار المسجد مكتبًا لتعليم القرآن الشريف، وجعل له فقيهًا صالحًا عالمًا يسمى الشيخ نجم من سلالة السيد العزازي وألزم الأهالي بتعليم أولادهم وكان رحمه الله يشدد عليهم في ذلك حتى صار نحو نصف تعداد الناحية المذكورة، يحسنون القراءة والكتابة، وكل منهم يعرف واجباته الدينية، ومنهم نحو مئة وخمسين فقيهًا عالما، ومنهم المرحوم الشيخ محمد حسين الهراوي من علماء الجامع الأزهر، والشيخ العارف بالله إبراهيم المصيلحي نفع الله به المسلمين. فلما بلغ سني ? سنوات أرسلني والدي إلى المكتب المذكور. فأقمت فيه ثلاثة أعوام ختمت فيها القرآن الشريف وعمري إذ ذاك ثماني سنين، وبضعة شهور فلما توفي والدي كفلني أخي الأكبر المرحوم السيد محمد عرابي الذي توفي في ?? شعبان سنة ???? رحمه الله تعالى، وأخذت عنه مبادئ علم الحساب وتحسين الخط مع ملاحظة بعض أشغال الزراعة ثم بدا لي المجاورة في الأزهر حين بلغت اثنى عشر عامًا، فكنت أجوِّد القرآن على أقاربي وأهل بلدي نهارًا، وأتوجه إلى بيت عمتي ليلا، وتلقيت شيئًا قليلًا من الفقه والنحو، وبعد سنتين رجعت إلى بلدي.(سعيد باشا): وكان المرحوم سعيد باشا عليه سحائب الرحمة والرضوان قد تولى الحكومة الخديوية في ?? شوال سنة ???? وأمر بدخول أولاد مشايخ البلاد وأقاربهم في العسكرية، فدخلت من ضمنهم وانتظمت في سلك الأورطة السعيدية المصرية بقناطر فم البحر في شهر ربيع أول عام ???? وجُعِلت فيها وكيل بلوك أمين من أول يوم صار انتظامي في سلك العسكرية بعد امتحاني بحضور إبراهيم بك أمير الآلاي وحسن أفندي الألفي حكيم الآلاي ثم ترقيت إلى رتبة بلوك أمين في شهر رجب من السنة المذكورة بعد إعادة الامتحان مع الطالبين لذلك من غير واسطة أحد غير الجد والاجتهاد. وبعد عام نظرت فرأيت بعض الباشجاوشية المصريين ترقى إلى رتبة الملازم الثاني، وعلمت أن البلوك أمين لا يرتقي إلا إلى رتبة الصول قول أغاسي وفيها يفنى عمره. فجزعت من ذلك وذهبت إلى أمير الآلاي وطلبت منه ترتيبي في رتبة جاويش في أورطة كانت أفرزت لإرسالها إلى مدينة المنصورة، فسألني الأميرالاي المذكور عن سبب ذلك حيث إن راتب الجاويش أقل ?? غروش من راتب البلوك أمين وإن كانت الرتبتان متساويتين فأفصحت له عما خالج فكري وأني إذا صرت جاويشًا سهل عليَّ الحصول على رتبة الباشجاويش ثم الانتقال إلى رتبة ضابط، فعجب لذلك الخاطر وأمر في الحال بجعلي جاويشًا، فمكثت في هذه الرتبة سنتين وفي تلك المدة حبب إلي الاعتزال عن الناس والاشتغال بدراسة قوانين العسكرية مع التدبير في معانيها حتى أتقنت قانون الداخلية، وقوانين تعليم النفر والبلوك والأورطة وبعض فصول من تعليم الآلاي. وفي أوائل عام ???? أمر سعادة راتب باشا بجمع الصف ضباط فاجتمعنا حوله في فسحة قصر النيل وبلغنا إرادة المرحوم سعيد باشا وقال: إن أفندينا بلغه أنكم تقولون في ما بينكم كيف يصير ترقي الصف ضباط الجدد، وتأخير من هو أقدم منهم في الرتب، وأنه أمر أن لا يترقى أحد بعد الآن إلا بعد الامتحان علما وعملا، فمن فاق أقرانه في الامتحان ترقى إلى الرتبة التي يستحقها ولو لم يلبث في رتبته الأولى غير شهر واحد فمن أراد منكم الامتحان فليتقدم إلى الأمام. فعند ذلك تقدمت أمام سعادته، وأحجم الآخرون خوفًا وهلعًا ظنًّا منهم أنه يريد معاقبة من يتظاهر بذلك. ولما كرَّر عليهم الطلب خرج آخر وآخر حتى بلغ عدد الراغبين في الامتحان نحو ?? شخصًا، فصار امتحانهم بحضوره تحت رئاسة المرحوم إسماعيل باشا الفريق، فكنت أول فائز في الامتحان. ثم صار جميع الضباط والصف ضباط بمعرفة سعادة راتب باشا الذي كان وقتئذٍ أميرالاي وصار طلبي أمام الجميع، ووضع في صدري نيشان الباشجاويش وأعلن ترقيتي إلى هذه الرتبة. وبعد عام أي في أول عام ???? صار امتحان الباشجاويشة بحضور سعادة راتب باشا أيضًا والمرحوم إسماعيل سليم باشا الفريق، فكنت الفائز الأول وترقيت إلى رتبة الملازم ثاني التي كنت أدأب في الحصول عليها منذ البدء. ثم بعد سبعة أشهر صار امتحان الضباط في القصر العالي فكنت أول فائز فيه، وكتب اسمي في أول جدول الامتحان. ولما عرض الجدول على ساكن الجنان سعيد باشا أمر بإعادة امتحاني وانتدب لذلك المرحوم سليمان باشا الفرنساوي رئيس رجال العسكرية. فطُلِبت ثانيا إلى الامتحان وكان يومًا مشهودًا، وبعد الامتحان التمس سليمان باشا المشار إليه خروج الخديوي المرحوم إلى ميدان الإمام الشافعي رضي الله عنه، وهناك يصير امتحاني في الميدان بأورطة من العساكر بحضرته الخديوية. فسأله الخديوي عما يقصده بذلك، فقال: إنه مستحق لرتبة الميرالاي لأن الذين ترقَّوا إلى هذه الرتبة من المدارس الحربية لم يقروا في أجوبتهم مثله. فقال الخديوي — رحمه الله تعالى — لا يمكن ذلك. فقال له: يحسن إليه على الأقل برتبة بكباشي، فأبى عليه ذلك، وقال: يلزم أنه يتدرج في كل رتبة ليعرف واجباتها وأحسن إليَّ برتبة ملازم أول، وأمر باعتبار جدول هذا الامتحان وأن يكون الترقي على مقتضاه بدون تجديد امتحان لمدة مجهولة، وقبل مضي شهرين أحسن عليَّ برتبة يوزباشي والتحقت بمعيَّته. وفي أوائل سنة ???? ترقيت إلى رتبة صاغقول أغاسي في بني سويف. وبعد العودة إلى مصر صار ختان المرحوم الطيب الذكر طوسن باشا النجل الوحيد للمرحوم سعيد باشا، فأولم المرحوم الخديوي وليمة شائقة، دعى إليها جميع أعضاء العائلة الخديوية في قبة عظيمة حضرها جميع الضباط والذوات وغيرهم من الأجانب، وبعد الطعام انتصب الخديوي رحمه الله تعالى قائما، وقال خطبة ارتجالية ذكر فيها: «أن من أمعن النظر في تاريخ بلادنا هذه وتوالي حوادثها المحزنة لا يسعه غير الأسف والتعجب، كيف توالت الأمم الأجنبية على أهلها وهم يظلمون سكانها كالكلدانيين والفرس قبل الإسلام والترك والأكراد والشركس وغيرهم بعد الإسلام وكلهم يفسدون ولا يصلحون، وإني عزمت على تثقيف أبناء البلاد وتهذيبهم وترقيتهم حتى تكون حكومة البلاد بأيديهم بصفة كوني مصريًّا منهم وبالله الاستعانة» فوقع هذا الخطاب على من حضر من غير المصريين وقوع الصواعق، وتهللت وجوه المصريين وشكروا ودعوا وانقضت الحفلة. ثم في أواخر سنة ???? ترقيت إلى رتبة بكباشي، وفي أوائل عام ???? أحسن إلي برتبة القائمقام الرفيعة كما أحسن بها إلى السيد محمد باشا النادي وعلى المرحوم راشد باشا راقب الذي استُشهِد بحرب الحبشة في عام ???? وعلى المرحوم عثمان باشا رفقي الذي صار ناظرًا للجهادية قبل الثورة الوطنية. فكنا أربعة قائمقامات: اثنين مصريين واثنين شركسيين، وكل منا استلم قيادة آلاي بيادة. وفي السنة المذكورة سافرت بمعية المرحوم سعيد باشا إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام برتبة القائمقام كما ذكرتم ذلك في كتابكم «تاريخ مصر الحديث».
وفي عام ???? رأى سعيد باشا أن الحكومة سقطت في دين يبلغ مقداره ? ملايين جنيه مصري، وذلك يساوي إيراد الحكومة في ذاك الوقت سنة كاملة تقريبًا، وكان ذلك المبلغ ثمن أسلحة ومهمات حربية وملبوسات وذخائر عسكرية موصى عليها في معامل أوروبا، وردت بعد وفاته رحمه الله تعالى. فأمر برفت جميع الآلايات وأبقى أورطة واحدة كان فيها يوزباشي سعادة مصطفى فهمي باشا رئيس النظار الآن وعلي فهمي باشا الذي نُفِيَ معنا إلى سيلان. وأمر باستيداع الضباط بالمحافظات والمديريات على حسب رغبتهم، ومن له بلد يتوجه إلى بلده ويصرف لهم نصف مرتباتهم في مدة استيداعهم، وأمر أن تضاف مرتباتهم على الأطيان مؤقتًا ريثما يتم تسديد الدين. فخص الفدان الواحد ?? فضة؛ أي غرش واحد وربع. وقد حصل ذلك فعلًا ثم صار بيع الخيول ومأكولات العساكر ومفروشاتها وكانت من البوسطى وغيرها، وكذا الفضيات الموجودة في خزائن الأمتعة والمسافرخنات وكذا الفوريقات الموجودة في جميع القطر المصري والأطيان المتروكة في كل المديريات كل ذلك رجاء تسديد الدين.
وفي أوائل عام ???? سافر المرحوم سعيد باشا إلى أوروبا لمعالجة نفسه من داء السرطان، وكان بمعيته المرحوم محمد علي باشا الحكيم المصري الذي استشهد في حرب الحبشة عام ???? فصدر أمره الكريم إلى قائمقام خديوي فخامة إسماعيل باشا الخديو الأسبق بطلب جميع الضباط المصريين من بلادهم، وإقامتهم في قصر النيل ومداومتهم على التدريس في القوانين العسكرية، يقول فيه: «إن الضباط الوطنيين المترقين من تحت السلاح قد اشتغلوا بملازمة نسائهم وتركوا دروسهم، ولو تركناهم على هذا الحال الذي لا يئول عليهم منه إلا بالوبال لفقدوا العافية والنظر، وصاروا عبرة لمن يعتبر. وبما أننا نحن الذين ربيناهم ورقيناهم وأظهرناهم فلا يصح لنا تركهم في هذا الحال الذي ذكرناه، فقد اقتضت إرادتنا جمعهم من بلادهم وعدم تمكنهم من نسائهم حتى ولا بالنظر إليهن بالعين، والتشديد عليهم بمداومة التدريس ليلًا ونهارًا في قصر النيل» وبناء على هذه الإرادة صار اجتماعنا في قصر النيل. وفي ربيع الأول انتُدِبت لفرز الصف ضباط في الوجه القبلي، وتعيَّن معي حكيمًا للفرز المرحوم سالم باشا سالم الحكيم وكان برتبة قائمقام أيضًا.
وفي ?? رجب من تلك السنة توفي المرحوم سعيد باشا، ودفن في الإسكندرية بالمدفن المجاور لمسجد النبي دانيال — عليه السلام — بعد عودته من أوروبا، وجلس على الأريكة الخديوية ابن أخيه إسماعيل باشا الخديو الأسبق وصار ترتيب الآلايات، فكان ترتيبي قائمقام ? جي آلاي بيادة. وأما سعادة نادي باشا فتعين على آلاي جميع ضباطه من المصريين المترقين من زمن سعيد باشا، وأرسل إلى السودان. وحاصل الأمر أني دخلت العسكرية نفرًا بسيطًا في أوائل سنة ???? وبلغت رتبة القائمقام في أواخر عام ???? بجدِّي واجتهادي وسهر الليل والنهار على حد قول القائل: ومن طلب العلى سهر الليالي. ونجح كثير من تلامذتي نجاحًا تامًّا حتى كانوا في مقدمة جميع الضباط في الامتحانات العمومية. وكان السبب في هذا الاجتهاد الغريب الذي فاقوا به المتخرجين من المدارس الحربية وكان أغلبهم أميين رغبة المرحوم سعيد باشا في تقدم أبناء الوطن ومساواتهم لغيرهم كما ذكر، ومحبته لهم وانعطافه إليهم، ومعاملتة للجميع بالعدل والمساواة مع تفقُّد أحوالهم ومراعاة سيرهم، وحسن سلوكهم كأنهم أولاده وكفى بالأمر الصادر منه وهو في بلاد أوروبا في حقهم المذكور آنفًا برهانًا صادقًا على حسن معاملته للوطنيين، كأنه كان وصية منه عليهم لمن يخلفه. وهذا هو الذي أوغل علينا صدور إخواننًا من الترك والشركس وغيرهم. ولقد قال لي مرة رحمه الله تعالى وأنا برتبة قائمقام: إن جميع الناس عادوني حتى أهلي رجالًا ونساء بسبب مساواتكم بغيركم، فحققوا أملي فيكم. فأجبته: «ولكن الله سبحانه وتعالى يرضى عنك، والأمة المصرية ترضى عنك بمراعتك للحق والإنصاف» هذا وبسبب عدله وقناعته أَثْرَت البلاد في زمنه وأخصبت الأرض، وانتعشت الأمة حتى صار الرجل المزارع بعمل يده يحصل له فوق ?? جنيهًا في السنة، وهذا ما حفظ مصر من الإفلاس في مدة خلفه الذي بلغ دين الحكومة في زمنه مئة ألف ألف وألف ألف جنيه كما هو مدون في بطون الدفاتر. شكل ??-?: أحمد عرابي وابنه في حديقته في سيلان.
«نشأتي الثانية»: ولما تولى الخديوية المرحوم إسماعيل باشا وأمر بإنشاء ? آلايات بيادة كنت قائمقاما في الآلاي السادس، وكان المرحوم خسرو باشا أمير آلايا على الآلاي الثاني ثم ترقى إلى رتبة لوا باشا، وكان رحمه الله متعصبًا لأبناء جنسه تعصبًا أعمى، وترتب قومندانًا على الآلاي ? و? ولما وجدني وطنيًّا قحًّا عظم عليه وجودي في الآلاي، وسعى في رفتي من الآلالي لأجل إخلاء محل لترقية أحد أبناء المماليك مصطفى أفندي سليم بن سليم بك المشهور بالحجازي. ولأجل هذه الغاية صار يترقب الفرص للإيقاع بي إلى أن صدر أمر الجهادية بامتحان الضباط لأجل استكمال النقصان. وبعد أن صار الامتحان، وتحررت العرايض للمستحقين، وختم عليها من أرباب الامتحان، وكنت من أعضاء مجلس الامتحان تحت رئاسة الباشا المذكور أرسل لي عريضة أحد الملازمين اسمه سيد أحمد أفندي، وطلب أخذ اسمي من عريضته والختم على عريضة ضابط آخر من أورطة مصطفى أفندي سليم البكباشي لكونه دائمًا يباشر خدمة منزل البكباشي المذكور. فشق عليَّ هذا الأمر وتوجهت إلى منزل اللواء باشا، وأخبرته أن يعفيني من الختم على عريضة من لا يستحق. فقال: لا بد من الختم لأجل خاطر البكباشي المذكور. فقلت: إن هذا ظلم لا أفعله، وإذا كنت تراعي خاطر البكباشي في الظلم، فأولى لك أن تراعي خاطر رئيسه في العدل. وذكرته بعاقبة هذا الأمر إذا تشكى المظلوم إلى ديوان الجهادية وطلب امتحانه مع الآخر كما حصل مثل ذلك في زمن المرحوم سعيد باشا، وصار عزل جميع أعضاء مجلس الامتحان مع رئيسهم بسبب ظلم نفر مستحق رتبة أونباشي، وهي أدنى رتب الصف ضباط. ثم ذكَّرته بعاقبة الظلم غدًا بين يدي العزيز الجبار، فحنق لذلك حنقًا شديدًا، وذهب إلى ناظر الجهادية المرحوم إسماعيل باشا سليم، وأخبره أني لا أطيع له أمرًا ولا أعبأ بأوامر ديوان الجهادية. وناظر الجهادية عرض للخديو الأسبق بذلك ثم صدر الأمر برفتي من الجهادية بالقول أني قوي الرأس شرس الأخلاق (وما بي والله من شراسة، ولكن جبلني الله سبحانه على حب العدل والإنصاف وكره الظلم والاعتساف) فترتب على ذلك رفتي من الخدمة وحرماني من المئتي فدان التي صدر أمر الخديوي بالإحسان بها على كل من القائمقامات الجهادية عقيب مناورة عسكرية حضرها الخديوي، وكنت من ضمن من حضرها، وكان أصدر إرادة سنية للمديريات بوجه بحري بتسليم تلك الأطيان إلى المنعم بها عليهم. فصدرت إرادة سنية ثانية بتوقيف التنسليم فيما يخصني وقد حصل. ولكن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون، فانتقم بعدله ممن ظلم من غير إمهال، وذلك أنه صدر أمر الخديوي في الأسبوع الذي رفت فيه بإلغاء الآلاي ? و? أي اللواء الثالث، وأرسل خسرو باشا إلى السودان، وأصيب حسين باشا الطوبجي بالفالج، ومحمد بك أمين القبرصلي بالفالج أيضًا حتى ماتا، وأمين بك رئيس قلم تركي بديوان الجهادية انتحر بعد تكبيله في الحديد، وإرساله إلى السودان، وهكذا كل من اشترك في هذه المظلمة أصيب بقارعة عظيمة. وأما مصطفى سليم المذكور فقد رفت أيضًا، وأقام في بيته مرفوتًا نحو عشر سنين حتى أذله الله. وأما إسماعيل سليم باشا ناظر الجهادية فإنه مات في حرب كريد، ولكن ليس شهيدًا بل مات بسبب أكلة من فريك القمح، فانعقدت أمعاؤه وقضى نحبه وجيء بجثته إلى مصر، ودُفِن فيها سامحه الله تعالى. وفي شهر ربيع أول عام ???? عرضت للخديو بواقعة الحال، والتمست إنصافه فصدر أمره في ?? رمضان عام ???? نمرة ?? وهاك صورته: «ديوان جهادية ناظري سعادتلو باشا حضرتارى
? جي بيادة سابق قائمقامي أحمد عرابي بكك اشبو عرضحال منظورم اولدى خطاسني عفو ايتمش اولد يغمدن حله مناسب خدمه ظهورنده استخدام ايتدير لمسى حقنده ايجابتي إجراء ايلمكز ايجون اشبو أمرم إصدار قلتدئ».
وحيث إن ناظر الجهادية المذكور كان مساعدًا لخسرو باشا كرهت الخدمة في العسكرية، وطلبت إحالتي على ديوان المالية. وفي التاريخ المذكور صار تعييني محافظًا على بحر مويس وجزء من البحر الأعظم بمديرية الشرقية زمن فيضان النيل بمعرفة المرحوم الشهيد المخنوق في خرائب دنقلة إسماعيل باشا صديق. وبعد انقضاء زمن النيل من غير أن يحدث أدنى ضرر في مديرية الشرقية كما حصل من الغرق بقطع نادر وقطع بطُره وغيرها ترتبت مأمورًا لتشهيل بناء قناطر فم الإسماعيلية بقصر النيل وتشهيل قطع الأحجار في معامل طره، والدقيقة بالعباسية والجبل الأحمر بالبساتين، وشحنها بالمراكب إلى القناطر المذكورة وإلى سد فم الرياح في شبرا وإلى القناطر الخيرية وإلى جميع مديريات الوجه البحري، وتشهيل مراكب النقل وتفريغها بقناطر الإسماعيلية وسد الرياح في شبرا، وكان عملا شاقًّا جدًّا من غير مراعاة الحكومة لأسباب التسهيل. فكنت أتنقل في كل يوم إلى المحلات المذكورة على ظهر فرسي أو حماري حتى جاء سنة ???? فانتُدِبت لتشهيل بناء كبري قشيشة العظيم بمديرية بني سويف، وكبري الرقة بمديرية الجيزة، وكبري أبو راضي على سكة حديد الفيوم، وبعد تمام تلك الأشغال كوفئ غيري بخمسة آلاف جنيه مصري لكوني وفرت عن طلب المقاولين من الأجانب ????? جنيه مصري … ثم أُحِيل إلى عهدتي تمديد سكة الحديد من محطة المنيا إلى محطة مللوي، وبعد نهوها تصادف جعل المرحوم قاسم باشا فتحي ناظر الجهادية، وكان يعرف قدر أعمالي واقتداري، فطلبني وكلفني الانتظام في سلك العسكرية ثانية. فأجبته إلى ذلك وترتبت قائمقامًا في ? جي آلاي بيادة في أوائل سنة ???? وفي سنة ???? انتقلت إلى رئاسة ? جي آلاي بيادة، ولكن برتبة القائمقام، وفي أواخر سنة ???? توجهت بالآلاي المذكور برًّا إلى رشيد للإقامة فيها وفي ?? شعبان سنة ???? انتدبت إلى ترتيب عساكر محافظين للقلاع الحجازية من أهالي تلك الجهات، وإرسال العساكر النظامية المصرية إلى مصر، فتوجهت إليها وحيدًا فريدًا على مصاريف نفسي من أول يوم من شهر رمضان حتى وصلت إلى قلعة نخل، ورتبت لها العساكر اللازمة للمحافظة عليها وجعلت فيها مكتبًا لتعليم أبنائهم القراءة والكتابة، ثم ذهبت إلى قلاع العقبة والمويلح والوجه، وأجريتُ فيها كما أجريت في قلعة نخل، وأرسلت العساكر النظامية إلى مصر، ثم عُدتُ قافلا بحرًا إلى بندر القصير ثم برًّا إلى قنا وبحرًا إلى أسيوط وبرًّا إلى مصر. ولما عرضت انتهاء مهمتي على ناظر الجهادية فخامة صاحب الدولة حسين باشا كامل، قال لي: إني لاعتمادي عليك ووثوقي بك قد عينتك مأمورًا للحملة الحبشية فاستعد لذلك بعد عشرة أيام. فانتخبت مَنْ أعتمد عليهم من الضباط والكتبة، وسافرنا جميعًا إلى مصوع، وبعد انتهاء تلك الحرب المشئومة عدت إلى مصر، فأمرني دولة المشار إليه أن أعود إلى السويس لتشهيل المحضرين من مصوع وزيلع، وإرسال الذخائر اللازمة لتلك الجهات بدل المرحوم علي غالب باشا، حيث إنه تعيَّن مديرًا لمديرية الدقهلية فذهبت إليها. وبعد انتهاء تلك المأمورية أيضًا عدت إلى الآلاي الذي بعهدتي برشيد، وفي أوائل سنة ???? صدر لنا الأمر بحضور الآلايات الموجودة برشيد إلى مدينة القاهرة، وتسليم الأسلحة والمهمات وإرسال العساكر إلى بلادهم فحضرنا. وكنا ثلاثة آلايات وسلمنا المهمات في يوم وصولنا، وفي اليوم الثاني صباحًا ذهبت إلى منزل سعادة محمد نادي باشا، وكان أميرالاي أحد الآلايات المحضرة من رشيد حينذاك فما نشعر إلا وأحد الضباط اسمه أحمد أفندي نجم حضر، وأخبرنا أن تلامذة الحربية وبعض الضباط أحاطوا بالمالية، فجاءت العساكر من ? جي آلاي وضربت عليهم بالسلاح فاندهشنا لهذا الخبر المريع، وأرسلنا غيره من الضباط ليستكشف الأمر ويأتينا بالحقيقة، فذهب وعاد وأخبرنا بما صار، وبعد يومين صار طلبي وطلب نادي باشا بطرف سر تشريفاتي خديو سعادة عبد القادر باشا حلمي. فذهبنا إليه في بيته فأخبرنا: «أن الخديوي بلغه أنكما وعلي بك الروبي قد أغريتم التلامذة والضباط على حصر المالية، وأنه سيجري تحقيق ذلك، فإن ثبت هذا عليكم صارت مجازاتكم بأشد الجزاء» وصار يهددنا تارة ويوعدنا بالسلامة تارة أخرى، فأجبناه بقولنا: «ياسبحان الله إننا حضرنا أمس من رشيد، وكنا مشغولين بتسليم الأسلحة والمهمات بمخازن العسكرية وصرف العساكر إلى بلادهم، فكيف يتصور أننا نغري تلامذة الحربية والضباط ونحن لسنا موجودين بالقاهرة، ولا كان أحد من ضباط عساكرنا موجودًا في هذه الحركة أصلًا، على أن هذا العمل الخارج عن حد التعقل يلزم تدبيره وترتيبه من قبل إجراءاته بمدة» فضحك؛ لأنه يعلم أن تلك الحركة كانت بإيعاز الخديو نفسه وعمل جاهين باشا جنج لأجل التخلص من نظارة ويلسن المختلطة، وأيضًا صار طلب المرحوم علي بك الروبي بطرف مأمور الضبطية محمود سامي باشا البارودي، وبلغه تلك التهديدات بعينها والافتراءات الظاهرة فتنصل منها. وبعد ذلك صار تشكيل مجلس عسكري فوق العادة تحت رئاسة رئيس أركان الحرب أسطون باشا الأمريكي، وعضوية سعادة أفلاطون باشا، والمرحوم مرعشلي باشا، وجميعهم يعرفون الحقيقة كما يعرفون آباءهم، ولكن المسألة خرجت عن مركزها المعين. ثم بعد ذلك صار طلب الضباط والمتهمين من رتبة بكباشي فما فوقها بسراي عابدين، وقام الخديوي يطيب خواطرنا ويوعدنا بخير ولكن …
أمور يضحك السفهاء منهاويبكي من عواقبها اللبيبهكذا قلت لسعادة محمد باشا النادي، والمرحوم علي باشا الروبي المتهمين معي في مسألة الإحاطة بديوان المالية. وفي هذا الاجتماع صار جعلنا نحن الثلاثة من ضمن الياوران الذين بمعيته — عجبا وألف عجب — لكن بعد أسبوع انخلع علي الروبي من العسكرية، وتعين رئيسًا لمجلس المنصورة، وأبعد نادي باشا بآلايه الجديد إلى الإسكندرية، ثم صار طلبي إلى ديوان المالية فذهبت إلى ناظرها المرحوم راغب باشا، فأخبروني أن أهالي جرجا وأسيوط ومديريات الوجه القبلي قد انتخبوني أمينًا من طرفهم في تسليم ??? ألف أردب قمح وشعير وفول إلى بنك قطاوي، وبيعة واجبون بإسكندرية لسداد ما عليهم من الديون — والله أعلم أن الأمر غير ذلك، وأنا أعلم أيضًا … ومع ذلك توجهت إلى الإسكندرية وأديت تلك المأمورية التي حقيقتها سلفة نصف مليون تنتوا أخذتها الحكومة لتسديد بعض الأقساط من أرباح الدَّين المصري. وفي ? رجب سنة ???? صار خلع المرحوم إسماعيل باشا وتولية المرحوم توفيق باشا، وشاهدت الاحتفال بتوديع الخديوي المخلوع بحق حين إنزاله في السفينة من أسلكة سكة الحديد منفيا إلى بلاد إيطاليا كما أنزل منها عمه حليم باشا منفيا إلى القسطنطينية. فانظر إلى آثار قدرة الله تعالى، واعلم أنه يكال لك بالكيل الذي تكيل به. وعلى هذا انتهت مدة ولاية إسماعيل باشا كما علمت ولم أنل منه رتبة ولا نيشانًا ولا اختصني بجارية من جواريه، ولا أصبت منه خيرًا قط، ولا أقسمت على الدفاع عنه كما ذكرتم، ولا خدمت بمعيته أصلًا، ولا انتهرني أبدًا، ولا صِحْت حول سراية، ولا قال عني ما ذكرت أن صوتي أكثر قعقعة أو قرقعة من الطبل وأقل نفعًا منه. وقد تحملت مدة ولايته بكل صبر وثبات جأشٍ على تحمل الظلم والاستبداد بل الاستعباد، ومكثت برتبة القائمقام ?? سنة وأنا أنظر إلى اليوزباشية والملازمين الذين كانوا تحت إدارتي، وقد صار بعضهم أميرالاي، وبعضهم أمير لواء، وبعضهم أمير الأمراء أعني باشوات وفرقاء وانهمرت عليهم سحب الإنعامات والإحسانات فاقتطعوا الإقطاعات الواسعة، وأخذوا القصور العالية، وأغدقت عليهم الخيرات وهم يعلمون قوتي واستعدادي. ولقد اجتهد صاحب الدولة حسين كامل باشا عم الحضرة الفخيمة الخديوية إذ ذاك في ترقيتي إلى رتبة أميرالاي، ولكن لم يقبل منه، وأخيرا قال لي: «إني بذلت ما في وسعي في طلب ترقيتك، ولكن قيل لي: إنك من رجال سعيد باشا» فعجبت لذلك، وقلت له: إني من رجال الوطن وبلدي اسمها هرية رزنة بمديرية الشرقية ولست مملوكًا لأحد. فطيَّب خاطري ولاطفني وقال لي: «لا تُفتِر همتك، وسأواصل السعي في إنصافك» فشكرت له، وخرجت وأنا أشعر بأني لا أنال خيرًا في مدة أبيه، وكنت أتوسم كل خير في المرحوم توفيق باشا. ولكن من اعتمد على غير الله سبحانه وتعالى أخلاه الله منه؛ لأنه سبحانه غيور على عباده المؤمنين. شكل ??-?: أحمد عرابي أمام منزله في سيلان.
«خاتمة أمري»: ولما تولى المرحوم توفيق باشا مسند الخديوية، وحضر إلى الإسكندرية أحسن علي برتبة أميرالاي على الآلاي الرابع، فتوجهت إلى رأس التين وقدمت تشكراتي وامتناني إلى حضرته الكريمة ودعوت له بخير، ثم جعلت من ضمن ياوران الخديوي، ولما صار المرحوم عثمان رفقي باشا الشركسي ناظر الجهادية في وزارة مصطفى رياض باشا واستبدوا بالإدارة لا يسأل كل من النظار عما يفعل في إدارته واستخفوا بأمر الخديوي كل الاستخفاف وخصوصًا عثمان رفقي لجهله وعجبه، خيلت له نفسه أن يمنع ترقية المصريين من العساكر العامل في الآلايات والاكتفاء بما يستخرج من المدارس الحربية، وصدرت أوامره بذلك. ثم أردفها بإحالة عبد العال حلمي بك أميرالاي السودان ديوان الجهادية ليكون معاونًا، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة ليس إلا، ورتب بدله خورشيد نعمان بك من جنسه على الآلاي المذكور، وكان سنُّه فوق الستين وهو ضعيف لا يقدر على الحركة العسكرية وبرفت أحمد بك عبد الغفار قائمقام السواري وترتيب شاكر بك طمازة من جنسه بدله وهو طاعن في السن ثم ختمت تلك الأوامر وصار قيدها بدفاتر الجهادية. وكنت لا أعلم بشيء من ذلك أصلًا، وإنما دعيت إلى وليمة وسماع تلاوة القرآن الشريف بمنزل المرحوم نجم الدين باشا لمناسبة عودته من أداء فريضة الحج الشريف، وكان ذلك ليلة ?? صفر سنة ???? ولما وصلت إلى منزل الداعي وجدته غاصًّا بالذوات العسكرية وغيرهم، فجلست بجوار المرحوم نجيب بك وهو رجل كردي الأصل، وبجانبه المرحوم إسماعيل كامل باشا الفريق، وهو شركسي الأصل، ولكنه يتظاهر بحب العدل والإنصاف، فأخبر نجيب بك بما صار، وأنه نصح ناظر الجهادية بالإعراض عن هذا الإجحاف فلم يصغِ لقوله، ولذا فهو ساخط ومضطرب. ثم أوعز إليه أن يخبرني بما سمع منه. فأخبرني نجيب بك بحقيقة الحال همسًا في أذني، فقلت لإسماعيل باشا كامل: «أحقٌّ هذا؟» فقال: «نعم وأعطيت الأوامر إلى الكتبة للإجراء على مقتضاها» فقلت له: «إن تلك لقمة كبيرة لا يقوى ناظر الجهادية عثمان رفقي على هضمها» وبعد تناول طعام المأدبة حضر لي أحد الضباط، وأخبرني بأن كثيرًا من الضباط ينتظرونني بمنزلي، وفيهم عبد العال بك حلمي وعلي بك فهمي. فأسرعت إليهم وهم في هياج عظيم، وقد بلغهم صدور أوامر ناظر الجهادية قبل إرسالها إليهم. فلما رأوني أخبروني بما سمعته من المرحوم إسماعيل باشا كامل. فقلت لهم: «لقد سمعت من غيركم، فماذا تريدون؟» فقالوا: «إنه ليس ذلك فقط، بل إنه قد كثر اجتماع الشراكسة بمنزل خسرو باشا الفريق صغيرًا وكبيرًا، وهم يتذاكرون في تاريخ دولة المماليك في كل ليلة بحضور عثمان رفقي باشا ويلعنون حزبك، ويقولون: قد حان الوقت لرد بضاعتنا، وأنهم لا يغلبون من قلة، وظنوا أنهم قادرون على استخلاص مصر وامتلاكها كما فعل أولئك المماليك». وقد تحققوا ذلك ممن يوثق بخبره، فقلت لهم: «وماذا تريدون إذن؟» فقالوا: «إنما جئناك لأخذ رأيك فيما دهمنا من الخطب العظيم». فقلت لهم: «أرى أن تطيبوا نفوسكم، وتهدئوا روعكم، وتعتمدوا على رؤسائكم، وتفوضوا لهم النظر في مصالحكم، وهم ينتخبون لهم رئيسًا منهم يثقون به كل الوثوق، ويطيعون أمره ويحفظونه بمعاضدتكم». فقالوا كلهم: «قد فوضنا الأمر إليك هذا الأمر، وليس فينا من هو أحق به وأقدر عليه منك». فقلت لهم: «لا.. انظروا غيري وأنا أسمع له وأطع وأنصح له جهدي» فقالوا: «لا نبغي غيرك ولا نثق إلا بك» فقلت: «ارجعوا لأنفسكم فإن هذا أمر عصيب لا يسع الحكومة إلا قتل من يقوم به أو يدعو إليه» فقالوا: «نحن نفديك ونفدي الوطن بأرواحنا» فقلت لهم: «اقسموا لي على ذلك» فأقسموا. وفي الحال كتبت عريضة إلى دولة رئيس النظار رياض باشا مقتضاها الشكوى من تعصب عثمان رفقي لجنسه والإجحاف بحقوق الوطنيين، والتمست فيها تشكيل مجلس نواب من نبهاء الأمة المصرية تنفيذًا للأمر الخديوي الصادر إبَّان توليته. ثانيًا: إبلاغ الجيش إلى ثمانية عشر ألفًا تطبيقًا لمنطوق الفرمان السلطاني. ثالثًا: تعديل القوانين العسكرية بحيث تكون كافلة للمساواة بين جميع أصناف الموظفين بصرف النظر عن الأجناس والأديان والمذاهب. رابعًا: تعيين ناظر الجهادية من أبناء البلاد على حسب القوانين العسكرية التي بأيدينا. ثم تلوت العريضة هذه على مسامع الجميع، فوافقوا كلهم عليها، فأمضيتها بإمضائي وختمتها بختمي، وختم عليها أيضًا علي فهمي بك أميرالاي الحرس الخديوي، وعبد العال بك أميرالاي السودان، ولما تم ذلك صار ترتيب ما يلزم لحفظ الذات الخديوية وحفظ أعضاء العائلة الخديوية، وحفظ الوزراء والأمراء الوطنيين إذا حدث أي حادث من الضباط الشراكسة الطامعين في التغلب على البلاد مع ترتيب اللازم لحفظ البيوت المالية وبيوت التجار من الأجانب والوطنيين من مطامع الرعاع، وحفظنا أيضًا من بطش الحكومة إذا أرادت الإيقاع بنا وارفضَّ الاجتماع على ذلك. وما دعانا إلى طلب إنشاء مجلس نواب للأمة ينظر في صوالحها ومصالحها إلا ما حل بالمرحوم إسماعيل صديق باشا الحائز لرتبة المشيرية التي من لوازمها حفظ صاحبها ولو باستعمال السلاح في عهد الخديوي الأسبق إسماعيل باشا بسبب كلمة حق قالها، وما حلَّ بحضرة السيد حسن موسى العقاد بسبب كلمة عدل أراد بها مساواة الأهالي الذين دفعوا للحكومة سبعة عشر مليون ???????? من الجنيهات المصرية باسم المقابلة، و??????? أخرى باسم السهام بالأجانب أصحاب الديون وما حصل لكثير من القتل والخنق في السجون بغير حق ولا تحقيق، بل بمجرد ظلم وإجحاف واستعلاء على الناس بالقهر والجبروت بما تأباه النفوس الشريفة، وفي ضحوة الغد ذهبتُ إلى ديوان الداخلية، وقدمتُ العريضة المذكورة إلى دولة رئيس النظار، فقال لنا: «سأنظر في هذا الأمر، وأتكلم مع ناظر الجهادية» وبعد يومين ذهبت إلى بيت الرئيس المذكور ومعي الأميران المذكوران، فلما تمثلنا بين يديه وسألناه عما تم في هذا الأمر، فقال: «إن هذا الطلب مهلك وهو أشد خطرًا من العرض الذي قدمه أحمد أفندي قني الذي أُرسِل بسببه إلى السودان» (وتحرير الخبر أن أحمد أفندي قني هذا كان كاتبًا بديوان المالية، وكان طلب المساواة مع خدمة الديوان المذكور لظلم حاق به، فكان جزاؤه إرساله إلى مقبرة الأبرياء من المصريين بالسودان) فأجبته: «بأننا لم نطلب إلا حقًا وعدلًا وليس في طلب الحق من خطر على أننا نعتبرك أبًا للمصريين، فما هذا التعريض وما هذا التهديد» فقال: إنه ليس في البلاد من هو أهل لمجلس النواب، فقلت له: «عجبًا إنك مصري وباقي النظار مصريون والخديو أيضًا مصري أتظن أن مصر ولدتكم ثم أعقمت؟ لا، بل فيها العلماء والفضلاء والنبهاء والبلغاء وعلى فرض أنه ليس فيها من يليق كما ظننت، أفلا يمكن إنشاء مجلس يستمد معارفكم ويكون كمدرسة ابتدائية، وبعد خمسة أعوام يتخرج منها رجال يخدمون الوطن بصائب فكرهم، ويعضدون الحكومة في مشروعاتها الوطنية» فانبهر لذلك، وقال لنا: «سننظر بدقة في طلباتكم هذه» فانصرفنا على ذلك. ولما كان يوم غرة ربيع الأول سنة ???? انعقد مجلس تحت رياسة الخديوي بعابدين، حضره جميع الباشوات المستخدمين والمتقاعدين وكلهم من الترك والشراكسة إلا قليلًا من الأوربيين، وقرروا فيه لزوم توقيف الثلاثة أمراء الآلايات الذين أمضوا على العريضة المتقدمة الذكر، ثم إجراء محاكمتهم في مجلس مخصوص مختلط من رجال الجهادية. فقال رئيس النظار رياض باشا: «إني أرى أنه إذا صار توقيف الميرالايات المذكورين يلزم أيضًا توقيف ناظر الجهادية؛ لأنه في عدم توقيفه مثلهم خطرًا عظيمًا، وذلك لما رأيته فيهم من الجراءَة» فلم يوافق المرحوم الخديوي على ذلك وتعهد ناظر الجهادية المذكور بأنه ضامن لأخذنا بسهولة. وفي الحال دُعي المرحوم أحمد خيري باشا الشركسي، وكان مهر دار الحضرة الخديوية وصاحب الرأي النافذ فحضر وتلا بالمجلس المذكور أمرًا فحواه «أن هؤلاء الثلاثة أمراء، أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي مفسدون في الأرض، وأنه يقتضى توقيفهم من الخدمة ومحاكمتهم على إفسادهم، ومجازاتهم بأشد أنواع الجزاء في مجلس عسكري فوق العادة تحت رياسة ناظر الجهادية، ويكون من أعضائه أسطون باشا رئيس أركان الحرب (وهو أمريكي) وناظر المدارس الحربية أرفي باشا (وهو فرنساوي)» فوقع الخديوي عليه، وسلمه إلى ناظر الجهادية عثمان رفقي باشا وارفضَّ المجلس بعد ذلك. وفي المساء أرسل ناظر الجهادية لكل منا تذكرة يدعونا فيها للحضور إلى ديوان الجهادية بقصر النيل في غد يوم ? شوال سنة ???? لنشهد الاحتفال بزفاف شقيقة الحضرة الخديوية المرحومة جميلة هانم، وكان وقت زفافها لم يحِن بعد، فتيقَّنَّا أنه يريد خدعتنا والبطش بنا. فالتجأنا إلى جانب الحق سبحانه وتعالى وأخذنا حذرنا ثم أعددنا ما يلزم لنجاتنا إذا اقتضت الحال ذلك. وحين حلول الوقت المعين ذهبنا إلى ديوان الجهادية فوجدناه غاصًّا بجمع الشراكسة من رتبة الفريق إلى رتبة الملازم الثاني، وجميع شبانهم بأيديهم الطبنجات ذوات ? طلقات مملؤة بالخراتيش، وكلهم في فرح ومرح، ولا فرح هناك ولا زفاف. فلما حضرنا دعينا للحضور أمام مجلس الهلاك فأجبنا طائعين، وتُلي الأمر الخديوي الآنف ذكره، ثم أمرنا بتسليم سيوفنا فأطعنا على هذا التسليم وما يعقبه من السجن، وهو مخالف للفظ الحكم بالتوقيف، ثم تعين بحضرتنا من يستلم إمرة الآلايات، وساقونا إلى السجن في قاعة بقصر النيل. فممرنا بين صفين من الشراكسة المسلحين، وبعد إقفال باب السجن جاء خسرو باشا، وكان رجلًا صلفًا جاهلًا فوقف خارج السجن، وقال: (ايه زنبيل لي همفلر) يعني فلاحين شغالين بالمقاطف، ولما أقفل علينا باب الغرفة قال علي فهمي بك أحدنا: «والله لا نجاة لنا من الموت وأولادنا صغار» وجزع جزعًا شديدًا، فأردتُ تثبيته، وقلت له متمثلا بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:ولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتىذرعًا وعند الله منها المخرجضاقت فلما استحكمت حلقاتهافُرِجت وكان يظنها لا تفرج فلا وأبيك ما كان إلا هنيهة حتى جاءت أورطتان من آلاي الحرس الخديوي بقيادة الشهم الهمام محمد أفندي عبيد البكباشي وأحدقوا بديوان الجهادية، ثم أسرع بعض الضباط والصف ضباط وفتحوا الأبواب وأخرجونا من السجن، وقد فر ناظر الجهادية الغشوم هاربًا، وكذا رجال المجلس وغيرهم من المجتمعين، ولما فرج الله علينا أسرعت إلى العساكر وحذَّرتهم وأنذرتهم، وقلت لهم: «لا تمدوا أيديكم بسوء إلى أحد من الجراكسة، فإنهم موالينا وإخواننا استأثروا بأنفسهم علينا، ونريد الإنصاف والمساواة معهم ليس إلا» ثم نظرت فوجدت بجانبي المرحوم إسماعيل باشا أنِفَتْ نفسه أن يفرَّ مع الفارِّين فأخذته بيدي وضممته إلى صدري أمام العساكر، وقلت: «هذا جركسي كما تعلمون، ولكنه أخي حرام علي دمه وماله وعرضه وكذلك غيره من الجراكسة» فانصرفوا بانتظام على بركة الله، ثم سرنا جميعًا إلى قشلاق عابدين وكانت الأورطة الأولى من الحرس الخديوي حكمدارية البكباشي المرحوم أحمد أفندي فرج واقفة أمام سراي الخديوي لحفظها منها، عسى أن يطرأ من الأمور كما أمرت بذلك من قبل أميرالاي الحرس علي فهمي بك، ولما تم وجود عساكر الآلاي المذكور أمر أمير الآلاي العساكر بحمل أسلحتهم بحركة (سلام دور) وعزفت الموسيقة بالسلام الخديوي، ونادوا جميعًا «يعش الخديوي» ثلاثًا، وذلك كان إشارة وإعلانًا للقوم بأننا على إخلاصنا للحضرة الخديوية. وكان جميع الذوات الذين كانوا بديوان الجهادية التجأوا إلى حمى الحضرة الخديوية. ثم إنهم تشاوروا فيما بينهم فقال أسطون باشا الأمريكي: هذا عصيان ظاهر، والواجب حصر القشلاق المذكور بالطوبجية وآلايات البيادة، ويطلب من هذا الآلاي تسليم الثلاثة أمراء، فإن أبوا تضرب عليهم المدافع وتمطر عليهم البنادق نارًا حامية حتى يضطروا إلى التسليم. فاستحسن الجميع ذلك الرأي الأمريكي، ولكن ابتدره المرحوم إسماعيل كامل باشا المذكور آنفًا، وقال: «أنا أعتقد اتفاق جميع أصناف العساكر على رأي واحد فلا يجدي هذا الرأي نفعًا». وفي أثناء مفاوضتهم حضر آلاي السودان من طره، وانضم إلى آلاي الحرس ثم عزفت الموسيقة بالسلام الخديوي وهتفوا جميعًا «أفندمز جوق يشا» وأنا العاجز الضعيف كتبت إلى وكيل فرنسا السياسي في مصر الكونت «دورنج» من غير أن يكون لي به ولا بغيره من قناصل الدول الأوروبية سابق معرفة ولا مقابلة ألتمس منه مخابرة باقي قناصل الدول بما حصل بيننا وبين حكومتنا من الخلاف، وأطلب منهم التوسط في إصلاح ذات البين. ثم بتنا على ذلك وفي صباح الغد حضر لنا المرحوم أحمد خيري باشا مهردار الخديوي ومعه محمود سامي باشا ناظر الأوقاف من قبل الخديوي، وقال لنا: «ماذا تريدون؟» فقلنا: «العدل والمساواة». قالا: «ثم ماذا؟» قلنا: «استبدال ناظر الجهادية برجل وطني. وتشكيل مجلس نواب للأمة ينظر في مصالحها وصوالحها، وتعديل قوانين العسكرية، وإبلاغ الجيش إلى ثمانية عشر ألفًا ونحن على طاعتنا للحضرة الخديوية». فذهبا إلى الخديوي ثم رجعا، وقالا: «قد عُزِل عثمان رفقي فمن الذي تريدونه ناظرًا للجهادية؟» قلنا: «الذي يختاره الخديوي من الوطنيين» فذهبا، وعادا ثانية وقالا: «إن الخديوي يقول اختاروا أنتم من ترضونه حتى لا يحصل منه مثل ما حصل من عثمان رفقي» فقلنا: «قد اخترنا هذا محمود سامي باشا، وهو من أولاد المماليك الأول، ولكنه صدق معنا ولم يقصد الغدر بنا» ثم صدرت الأوامر الخديوية بإعادة كل منا إلى آلايه، وعزل عثمان رفقي وصار تولية محمود سامي على نظارة الجهادية مع نظارة الأوقاف، وأخذ في سن القوانين العادلة، وتعديل القوانين الأصلية وتنقيحها.
ثم لما شاعت الأراجيف الكاذبة في أوروبا بخروج العساكر المصرية عن الطاعة، حضر من الحكومة العثمانية وفد برياسة المشير علي نظامي باشا، وبمعيته أحمد راتب باشا والي الحجاز الآن لتحقيق أمر العصيان، فرده الخديوي قائلًا: إن عساكري على طاعتي وأن ليس ثَمَّ عصيان. وبعد ذلك اجتهدت الحكومة في غدرنا، وأخذنا على غِرَّة أو بحيلة من ضروب الحيل، ولما لم يوافقها ناظر الجهادية محمود سامي باشا على نواياها صار عزله بتذكرة من رياض باشا رئيس النظار، وتشدد عليه بأن لا يجتمع بنا ولا يقيم بالعاصمة، وتعين بدله داود باشا يَكَن وهو عديل الخديوي، ولكنه رجل جاهل أحمق مشئوم فأسرع بإصدار أوامر لا يستطاع قبولها فرُدَّت إليه ونفرت القلوب منه. فكتبت له في ? سبتمبر سنة ???? بأننا سنحضر بجميع العساكر الموجودين في القاهرة إلى ساحة عابدين؛ لعرض طلباتنا على فخامة الحضرة الخديوية في الساعة الرابعة بعد الظهر من يوم الجمعة الموافق ? سبتمبر سنة ???? وكلَّفته عرض ذلك على الحضرة الخديوية ثم كتبت إلى جميع قناصل الدول بذلك، وأعلنتهم بحفظ جميع رعاياهم فلا خوف عليهم ولا على أموالهم. وفي الوقت المعين اجتمعت الآلايات البيادة والسواري والطوبجية في رحبة عابدين، وكان ماهو مسطر في بطون التواريخ، وهو إسقاط الوزارة وترتيب مجلس النواب، وإبلاغ الجيش إلى القدر المحدد بالفرمان السلطاني. وقد حبانا المرحوم الخديوي بإجابة تلك الطلبات العادلة. وقد تعرَّض لنا المستر كوكسن قنصل إنكلترا بالإسكندرية حين ذاك وهددنا فلم نعبأ بتهديده لاعتمادي على صدق عزيمتي وطهارة ذمتي. ثم صار استدعاء المرحوم شريف باشا من الإسكندرية، وتعيينه رئيسًا للوزارة على حسب اختيارنا له، وتعين محمود سامي باشا ناظرًا للجهادية ثانية، وقد توقف شريف باشا في قبوله ? أيام ثم رضي بعد ذلك، وصار توظيفي وكيلا للجهادية. وفي تلك النظارة صارت الامتحانات، وترقى كثير من الباشوات وأمراء الآلايات والقائمقامية وغيرهم من جميع الرتب، واستكملت الآلايات، وأنشئت القوانين العادلة، وتعدلت الرواتب والماهيات بنسبة كل رتبة إلى ما دونها. وصرفت الحقوق الموقوفة من زمن مديد، وأنشئ مجلس النواب وجعل رئيسه أبو سلطان باشا، وعم العدل واستقامت الأمور، وحين ذاك عرضت علي رتبة لواء (باشا) فرفضتها؛ لئلا يقال أني إنما اشتغل لمصلحتي فقط، وبقيت في رتبة الميرالاي مدة وكالتي للجهادية. وأما رفقاي عبد العال حلمي وعلي فهمي فقد تشرفا برتبة الباشوية الرفيعة. ثم إن مجلس النواب قرر في لائحته الأساسية أن يكون لهم الحق في نظر ميزانية الحكومة، ومعرفة كيفية إيرادها ومصروفها بشرط عدم الخروج عن دائرة التعهدات الدولية وقانون التصفية، فلم يجبهم المرحوم شريف باشا لذلك؛ لأنه — سامحه الله — أخذ رأي السير مالت وكيل إنكلترا السياسي في مصر وقنصل فرنسا أيضًا، فأشاروا عليه بعدم قبول لائحة المجلس، فأصر مجلس النواب على الطلب في تنفيذ لائحتهم فلم يوافقهم، وقدم استعفاءه واستعفت هيئة نظارته ثم تشكلت هيئة جديدة تولى رئاستها محمود سامي باشا، وجعل من رجالها حسن باشا الشريعي — رحمه الله تعالى — والمرحوم سليمان باشا أباظه، والمرحوم عبد الله باشا فكري، والمرحوم محمود باشا فهمي، وسعادة مصطفى باشا فهمي رئيس الوزارة المصرية الآن. وجعلوني أيضًا ناظرًا للجهادية لأجل اطمئنان خاطر العسكرية الذين لا يأمنوا غيري في ذاك الوقت فقبلت ذلك. ثم أحسن علي برتبة لواء باشا من لندن المرحوم الخديوي توفيق باشا، وكنت لا أريد، ولكن قالوا: إنه لا يليق أن يكون ناظرً الجهادية برتبة أميرالاي وفي نظارته اللواءات والفرقاء، فقبلتها للضرورة وشكرت للحضرة الخديوية وقد انتظمت الأمور وهدأت الأحوال، وصارت العساكر في أمن من الغدر، ولكن أوروبا لا يروق في نظرها انتظام حكومات الشرق، فأقلقوا حكومة الدولة العلية، فأرسلت وفدًا مندوبًا من طرفها تحت رئاسة المشير المرخص درويش باشا لتحقيق ما يقال من العصيان، فجاء درويش باشا وبحث في الأمر وكتب للحضرة السلطانية بأن العساكر على الطاعة، وكذلك كتب المرحوم الخديوي بالحقيقة، فأرسلت الحضرة السلطانية إلى الحضرة الخديوية أربع مئة نيشان من أنواع مختلفة للإحسان بها على المستحقين من ضباط العساكر، وأحسن عليَّ بنيشان الدرجة الأولى المجيدي وحضر بوابور مخصوص يحمله سعادة سليم بك ياور الحضرة السلطانية، فأبيت استلام النيشان المذكور إلا من يد مولاي الخديوي. ثم كتبت تلغرافًا إلى المابين الهمايوني برفع تشكراتي الخيرية للحضرة المقدسة السلطانية، وتشرفت تلغرافيًّا بقبول تشكراتي لدى جلالة السلطان الأعظم وحصول المحظوظية لدى جلالته. كذا قيل بالتلغراف. شكل ??-?: أحمد عرابي وحفيده إلى جانبه.
وفي شهر مايو سنة ???? جاءت الأساطيل الحربية الإنجليزية والفرنساوية إلى ثغر الإسكندرية، وتقدمت للحكومة المصرية لائحة مشتركة من دولتي فرنسا وإنكلترا مجحفة باستقلال الحكومة المصرية وحقوق الدولة العلية، وتقدمت نسخة منها للخديوي فرفضها مجلس النظار وقبلها الخديوي، فاستعفت النظارة من وظائفها. وهاجت الأفكار العمومية وطاشت العقول الزكية، واجتمع مجلس النواب وجميع قناصل الدول حولي كعرف الضبع يطلبون مني حفظ الأمن والراحة العمومية، فقلت لهم: لا قدرة لي على ذلك لأني قد استعفيت. فذهب وفد من مجلس النواب، وطلب من الخديوي إعادتي إلى نظارة الجهادية حفظًا للنظام والراحة، فصدر الأمر الخديوي بإعادتي إلى النظارة المذكورة، ثم دُعيت إلى الحضرة الخديوية فوجدت عنده جميع قناصل الدول ما عدا وكيل إنكلترا السياسي وبحضرته درويش باشا المندوب السلطاني، فأخذ عليَّ تعهد بحفظ رعايا الدول الأجنبية، وصار إعلان جميع مصالح الحكومة بذلك.
وفي ?? يونيه سنة ???? حدثت حادثة إسكندرية المشئومة بتدبير ذوي الغايات لأجل تشويه أعمالي في نظر أوروبا، وخدش تعهدي بالحفظ والأمن العمومي، فأسرعت بإرسال العسكر إلى الإسكندرية حتى مُلِئت شوارعها بالعساكر، وانتهت الفتنة التي ابتدأ بها أحد المالطية من التبعة الإنكليزية مع أحد حمارة الإسكندرية بإيعاز وتعليم، ثم صار الشروع في تحقيقها في مجلس مختلط تحت رئاسة ذي الفقار باشا محافظ الثغر ومن الغريب العجيب أنه لم يبحث أصلا في الدماء التي سفكت، بل كان البحث قاصرًا على مقدار البضائع التي انتهبها الرعاع ليس إلَّا. وبعد ذلك تشكلت الوزارة بمعرفة الخديوي تحت رئاسة المرحوم الطيب الذكر راغب باشا، وكنت من رجالها أيضًا، ثم انتقل الخديوي ودرويش باشا إلى الإسكندرية. وفي يوم ?? يوليو سنة ???? وردت إفادة إلى قومندان عساكر الإسكندرية من طرف أميرال الأسطول الانجليزي، يقول فيها: إنه جاري تهديد العمارة الإنجليزية بترميم القلاع والاستحكامات، وإنه يطلب تخريب القلاع وهدمها بأيدي العساكر المصرية وإلا ضرب الإسكندرية وخرَّب المدينة ودمَّرها. فعقد لذلك مجلس تحت رئاسة الخديوي حضره درويش باشا المندوب العثماني وقدري بك من رجال الوفد المذكور، وجميع النظار وكبار الذوات المتقاعدين، وبعد المذاكرة أجمعوا على رفض هذا الطلب والاستعداد للحرب، ولكن لا يبدأ بها إلا بعد إطلاق ثلاث قنابل من الأسطول الإنكليزي حتى لا نكون نحن البادئين بالحرب فأعطيت الأوامر بذلك.
وعند إشراق يوم ?? يوليو بدأت مراكب الإنكليز بالضرب على مدينة الإسكندرية وجميع سواحلها، وانتشب القتال بين مصر والحكومة الإنكليزية. وأما الأسطول الفرنساوي فاعتزل جانبًا كالمتفرج، وضربت الطوابي حتى تهدمت استحكاماتها. وفي أثناء الحرب خرج سكان المدينة مهاجرين منها خوفًا وهلعًا، وفي اليوم الثامن انهزمت العساكر فرجعت إلى كفر الدوار، واتخذت خطًا دفاعيًّا وتراجع المنهزمون إليَّ، وفي ?? يوليو أرسلت القطار الخديوي لاستحضار الخديوي ومعيته ومن معه من النظار، ولما وصلت القطارات إلى سراي الرمل لركوب الحضرة الخديوية ورجوعه إلى عاصمة بلاده أبى أن يعود، وأسرع في الذهاب إلى رأس التين بعائلته ومن بمعيته، وانحاز إلى العدو المحارب لبلاده. واستدام الحرب إلى أن قدر الله تعالى شأنه بالخذلان العظيم في التل الكبير كما هو معلوم للجميع، وتم الأمر بنفينا إلى مدينة سيلان، وخرجنا من مصر في يوم ?? صفر الخير سنة ???? على قطار مخصوص إلى السويس، وفي سبعة عشر منه بارحنا الثغر المذكور على مركب إنكليزي اسمه «مرتوطة». وفي أول شهر ربيع الأول خرجنا من السفينة إلى ثغر (كولومب) ومكثنا بها تسع عشرة سنة إلى أن تشرفت جزيرة سيلان بزيارة كريم الشيم عظم الرأفة والحنو الدوق (كرنوال ويورك) ولي عهد الحكومة الإنكليزية، وتشرفت بزيارة سموه في مدينة كندي، وتفضل عليَّ بالسؤال عن حالي وما أقاسيه من تاريح الغربة وذل النفي، فقلت لسموه الإمبراطوري: إني أعتبر تشريف سموه إلى هذه الجزيرة وتشريفي بإقبال سموه عليَّ سببًا عظيمًا لإنالتي نعمة الحرية، والعود إلى وطني العزيز من لدن مولاي الخديوي عباس باشا الثاني. فقال لي: وهل تعرفه؟ فقلت: نعم، وقبلت يد سموه مذ كان في سن ?? أعوام فوعدني خيرًا، فشكرت ودعوت ثم أحسن علي بسيجارة ملوكية قبلتها أدبًا لحفظها تذكارًا للطف سموه، ولم أحرقها بنار وفي ? صفر الخير سنة ???? صدرت الإرادة الخديوية بالرخصة لي بالعود إلى مصر والإقامة فيها. وإني أرجو من مكارم سمو مولاي الخديوي عباس باشا تمام رضاه وقد أعرضت لسموه العالي تشكراتي ودعواتي الخيرية الصادرة من صميم الفؤاد وإخلاص النية، وقد تفضل حفظه الله سبحانه وتعالى بحملي وعائلتي إلى مصر على مصاريف حكومته الخديوية فأرجو من الله أن يوفقني لما يحبه ويرضاه، هذا وإني أبرأ إلى الله من حولي وقوتي في كل ما ذكرته أو فعلته. وأنى يكون للمخلوق العاجز الضعيف مثلي من قوة يدافع بها إرادة أوروبا وقوة إنكلترا العظمى فضلًا عن بطش حكومة مصر الاستبدادية القادرة، وموافقة جلالة السلطان الأعظم على الإعلان بعصياني في جورنال الجوائب، وانحياز حاكم البلاد إلى المحارب لبلاده، وإنما كان ما كان بقضاء الله وقدره، ولا راد لقضائه وقدره، وليس لي فيه إلا مجرد الكسب الاختياري الذي أُثاب أو أُعاقب عليه، ولم يخطر ببالي أصلًا الاقتداء بالفاتحين والمتغلبين كما ذكرتم، ولا بتأليف دولة عربية كما أرجف المرجفون؛ لأني أرى ذلك ضياعًا للإسلام عن بكرة أبيه وخروجًا عن طاعة الله ورسوله — ? — وآله، والبرهان على ذلك ارتفاع صوتي بالمحافظة على حياة المرحوم الخديوي السابق كمحافظتي على نفسي بكرة وعشيًا مع احترام أعضاء عائلته الكريمة يشهد لي بذلك ما هو واضح بدفتر الأخبار اليومية المحفوظ بالديوان الخديوي وإرادته الخديوية الصادرة إلى مجلس التحقيق بعد الخذلان العظيم بالتل الكبير، وسجننا مع جميع رجال العسكرية وأعيان البلاد وحكامها وعلمائها وقضاتها وتجارها، مما هو معلوم لدى الجميع وغنيٌّ عن البيان. والله الذي لا إله إلا هو فالق الحب، وبارئ النسمة أني ما خدمت بذلك دولة إنكلترا ولا فرنسا ولا كنت آلة لدولة ما، ولا للخديوي الأسبق المرحوم إسماعيل باشا، ولا للمرحوم حليم باشا ولا أُوصي إليَّ بمساعدة الدولة العلية من عرش عظمتها. وإنما كنت أجتهد في حفظ استقلال بلادي مع نيل الحرية والعدل والمساواة لأهل بلادي المساكين وأنا خادم لهم، وناديت سرًّا وإعلانًا بتأييدها وتأييدات الذات الخديوية، ولكن المقادير الإلهية غالية، فانعكست المرئيات وتوالت الصعوبات لنفاذ ما هو كائن في علمه أولا سبحانه وتعالى. وإني والله لا أكره شركسيًا، ولا روسيًا لذاته، وإنما أكره الأعمال المغايرة للعدالة والإنسانية والآداب الشريفة. وأحب العدل والمساواة بين جميع بني الإنسان. والحمد لله أولًا وآخرًا والشكر لله وللحضرة الفخيمة الخديوية التي منحتني نعمة العود إلى وطني العزيز؛ لأحظى برؤية ذاته الكريمة، ورؤية أبناء وطني الكرام قبل أن أفارق هذه الحياة الدنيا والحساب على الله.
خادم وطنه العزيز
مخلصكم
أحمد عرابي الحسيني المصري

الفصل الرابع والثلاثون
لي هونغ تشانغ


شكل ??-?: لي هونغ تشانغ الوزير الصيني الشهير (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
ترجمة حاله

ولد لي هونغ تشانغ في بلدة «سوي تشو» من مقاطعة «نجان هواي» في شرق الصين في ?? فبراير سنة ????. وفي سنة ???? نال رتبة «هان لين» وهي من رتب الشرف عند الصينيين. وفي السنة التالية مات إمبراطور الصين «تاو كوانغ» وكان محبًّا للإصلاح، وقد اشتغل في أواخر أيامه بإدخال الصنائع الإفرنجية إلى بلاده حتى كادت تزهو وتنمو، فلما مات خلفه ابنه «هيانغ فونغ» وكان ضعيف الرأي معتسفًا، فعمل على هدم ما بناه أبوه فشق ذلك على بعض رجال النفوذ، وهاج الشعب الصيني وطلبوا خلع الإمبراطور وطرد التتر من بلادهم. ورأس العصاة رجلٌ اسمه «تيان تيه» كان قد تثقف على يد بعض الإفرنج وتعلم مبادئ الديانة المسيحية فنهض نهضة دينية، وزعم أنه معيدٌ عبادة «تشانغ تي». وجعل يعلم التعاليم والشرائع مما استخرجه من التوراة، وادَّعى أنه سلطان أهل الأرض قاطبة، وسُمِّي أتباعه «ناي ينغ» أي أمراء السلام، وكان الإنكليز يومئذٍ ناقمين على الصينيين لاختلاف سياسي، فخابر «تان تيه» الإنكليز وعرض عليهم المساواة بالتي هي أحسن.
وكان «لي هونغ تشانغ» في تلك الأثناء من حزب الإمبراطور وعمل على مساعدته وإصلاح ما فسد من أموره. وطالت ثورة «تاي بنغ» ?? سنة وانتهت أخيرًا على يد صاحب الترجمة لحسن سياسته. فانتحر زعيم الثورة وقبض الإمبراطور على سائر قوادها، وقتلهم سنة ????. وكان لي هونغ تشانغ في أثناء ذلك قد تقلب في مناصب عديدة، فتولى قضاءَ مقاطعة «تشي كيانغ» ثم حكومة «كيانغ سو» سنة ???? فلما قدم الجنرال غوردون سنة ???? إلى «كيانغ سو» لمطاردة العصاة كان صاحب الترجمة عونًا له في إخراجهم من تلك المقاطعة. فانقضَّت الثورة سنة ???? وكان الإمبراطور هيانغ فونغ قد توفي سنة ???? وخلفه ابنه «تونغ تشي» فعرف هذا الإمبراطور له فضله فخلع عليه الجاكت الصفراء، وقلَّده ريشة الطاووس، وهما شعار الأشراف. فأصبح لي هونغ تشانغ شريفًا من الدرجة الثالثة، يتوارث أعقابه ذلك الشرف من بعده. وفي سنة ???? تعيَّن حاكمًا عامًّا المقاطعة «ليانغ كيانغ» وفي أثناء ذلك ثار المسلمون في المقاطعات الجنوبية بقيادة قائد منه اسمه السلطان سليمان، وحاولوا خلع نير الصين والاستقلال فحاربهم الإمبراطور حربًا عنيفة استعان فيها برأي لي هونغ تشانغ وقيادته فانفثأت نار هذه الثورة سنة ???? فتناول السلطان سليمان السُّمَّ فرارًا من الوقوع في الأسر.
وكان فوز «لي هونغ تشانغ» في هذه الحرب سبيًا في ارتقائه إلى ولاية مقاطعة تشيلي أرقى مقاطعات الصين، لأن بكين واقعة فيها، وأصبح من ذلك الحين محل ثقة الإمبراطور وسائر أهل البلاط. فتقلَّب بعد ذلك في عدة مناصب رفيعة فتعيَّن مستشارًا أعظم للإمبراطور ومندوبًا ساميًا في الأمور الخارجية، ومديرًا عامًّا للقوات البحرية في الثغور، وناظرًا للتجارة في الشمال، وقائدًا عامًّا لجند الصين في مقاطعات الشمال. ولما انتشبت الحرب بين الصين واليابان ثم أرادت الصين المخابرة بأمر الصلح لم تر خيرًا منه للتوسط في ذلك. فانتدبته سنة ???? لمخابرات اليابان كما انتدبته بعد ذلك لمخابرة دول أوروبا.
وفي سنة ???? بعد انقضاء حرب اليابان رحل إلى أوروبا رحلة تحدث بها الناس زمنًا طويلًا، ولم تبق جريدة من جرائد العالم لم تذكر تلك السياحة أو تصف «لي هونغ تشانغ» وتعدد مناقبه وأخلاقه، فنشروا في ذلك المقالات الضافية وكلهم مجمعون على منزلة الرجل من التعقل والحكمة والدراية. على أن بعضهم بالغ في غرابة ما ظهر من عاداته مما يخالف عوائد الإفرنج هناك فذكر أحدهم في بعض الجرائد أن أحد رجال السياسة أهدى «لي هونغ تشانغ» كلبًا من جنس «البولدوك» المشهور بسمنه، واكتناز لحمه، فلما قابله في اليوم التالي سأله إذا كان مسرورًا من ذلك الكلب، فأجابه: «إنه سمين لكن لحمه مالح وقاس» فعلم صاحبنا أن رجل الصين ذبح الكلب وأكله.
وكتب بعضهم إلى جريدة الستاندرد يصف فيها أخلاق هذا السياسي من حيث المقابلات الرسمية، قال: إذا جاءه رجل في أمر استعجله في بيان غرضه وهو يصغي لسماع ما يقوله مخاطبه، فإذا أطال الكلام أظهر رغبته في قطع الحديث بإشارة يعرفها الذين عاشروه — وهي أنه يرفع فنجان الشان إلى شفتيه — ومعنى ذلك «أني مسرور بمقابلتكم، لكنني لا أحب تعويقكم أكثر من ذلك» وفي حديثه مع الأجانب من الإفرنج كثيرًا ما كان يظهر الفظاظة والاستبداد في الرأي، وكلما لان له جليسه زاد هو قسوة، فإذا رأى القسوة من جليسه لان هو. فكأنه من هذا القبيل تشبه بما نقلوه عن معاوية بن أبي سفيان داهية الإسلام، إذ قال: «إني لا أضع سيفي حيث يكفيني لساني. ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت» فقيل له: «وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟» قال: «كنت إذا شدُّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها».
ويُكرِم لي هونغ تشانغ زائريه بالسيكارة والخمر. وأما هو فلا يدخن غير الشبق (الغليون) وله خادم خاص لإصلاحه. وقد يتناول كأسًا من المرق أو الأرروط بين يدي زائريه، ولا يعد ذلك مخالفًا لآداب المجالسة. وربما أنصبَّ بعض المرق على لحيته أو صدرته فلا يلتفت هو إلى ذلك؛ لأن بجانبه خادمًا بيده منشفة يمسح بها ما انصبَّ. على أنه لم يكن أكولًا، ولم يشرب الخمر إلا نادرًا، ولم يتعاط الأفيون مطلقًا.

الفصل الخامس والثلاثون
الماركيز ايتو


شكل ??-?: الماركيز ايتو أكبر سياسي اليابان (ولد سنة ????).
ترجمته

اسمه هيروبومي ايتو ولد في ولاية تشوشو من أعمال اليابان سنة ???? وتلقى العلم فيها على قدر ما كانت تسمح به حالة تلك الأيام، فلما تجاوز العشرين من عمره تاقت نفسه إلى اكتساب العلوم العالية، وكانت ذكرى أوروبا ترن في أذنيه، فجاء إنكلترا سنة ???? فاطَّلع على علومها وتفقد أسباب تمدنها فأضاف معارف الغرب إلى معارف الشرق، واتخذ من المزيج قوة أهَّلته لأكبر المناصب، فكان هذا الرجل أكبر وسيلة ساعدت أمة اليابان على النهوض تلك النهضة التي أدهشت العالم وبهرت العقول.
وأخذ منذ عاد إلى بلاده يتدرج في المناصب حتى بلغ أعلاها جميعًا. فتولى سنة ???? حكمدارية هيوجو، وكانت في حال تدعو إلى والٍ ذي دراية في السياسة الخارجية فلم يروا أليق منه لذلك. ولكنه لم يلبث سنة في هذا المنصب حتى رأت الحكومة أنها تحتاج إليه في إصلاح المالية، فولته وكالة نظارة المالية، وشخص في السنة التالية (????) إلى أميركا قضى فيها سنة يدرس نقودها وما يتعلق بها، فلما عاد إلى منصبه ظهرت نتائج أبحاثه في سرعة تقدمه، فترقى سنة ???? إلى رتبة الوزارة، وتولى نظارة الأشغال العمومية، ومنزلته ترتفع في عيني الإمبراطور يومًا عن يوم فلم تدخل سنة ???? حتى عهد إليه بتشكيل الوزارة، فتولى رئاسة النظار ثلاث سنوات متوالية، ثم اعتزل هذا المنصب وتنقل في مناصب أخرى بخدمة الإمبراطور. فكان تارة رئيس الخاصة وطورًا صاحب الختم، وآونة رئيس مجلس الشرفاء، وأنعم عليه الإمبراطور بلقب كونت.
وعاد سنة ???? إلى الوزارة وما زال فيها إلى سنة ???? وجرت الحرب بين اليابان والصين في تلك الأثناء، فأبان فيها من الدهاء والحزم ما خلَّد له الذكر الجميل. فلما انقضت الحرب كافأه الإمبراطور بلقب ماركيز. ثم عاد إلى الوزارة ثالثة سنة ???? ورابعة سنة ???? ولكنه لم يمكث في كليهما إلا بضعة أشهر. ثم اقتضت صحته ومصالح بلاده انتقاله إلى أوروبا، وهذه هي سلسلة المناصب التي تولاها على وجه الاختصار:
الشورى: نرى من سرعة ارتقاء هذا الرجل في مناصب الدولة أنه ذو مواهب سامية؛ غير أن المواهب السامية لا تقتضي الإتيان بالمنافع الكبرى حتمًا إلا إذا تمهدت لها الأحوال وكان صاحب المواهب راغبًا في الإصلاح. أما ايتو فإنه وفق إلى خدم جزيلة يندر أن تتأتى لرجل وخصوصًا في الشرق، وسبب نجاحه أنه لم يشرع في عمل قبل أن يدرسه ويفحصه، وقد سار إلى أوروبا وأميركا غير مرة لهذه الغاية. ومن أهم تلك الأعمال أنه أدخل الشورى في الحكومة اليابانية، فبعد أن كانت حكومة مطلقة وقول الملك فيها شريعة المملكة جعلها شوروية. ولا يخفى ما يحول دون ذلك من المشقة في أمة كان يزعم المتمدنون أنها من الأمم الخاملة. بدأ بتأسيس الشورى سنة ???? فوضع لها اللوائح، وطال به أمر التنقيح والتعديل لغرابة هذا النظام عندهم حتى تقرر رسميًا سنة ????.
وخلاصة نظام الحكومة اليابانية أن الإمبراطور هو رأس المملكة، وله سلطة الإجراء بمساعدة مجلس شوراه، وهم مسؤلون بين يديه عن أعمالهم وهو يولِّيهم ويعزلهم. وهناك أيضًا مجلس خاص يبحث في المسائل الهامة المتعلقة بالمملكة مما يعرضه الإمبراطور. وللإمبراطور أن يشهر الحرب ويدعو إلى السلم ويعقد المعاهدات. وفي اليابان مجلس للأعيان ومجلس للنواب فلا يسنُّ الإمبراطور قانونًا إلا بمصادقتهما.
الجند: ومن أعماله أيضًا أنه أصلح الجندية اليابانية في البر والبحر، وبذل في سبيل ذلك العناية الكبرى. ولولا هذا الإصلاح ما استطاعت اليابان أن تتغلب على الصين في حروبها سنة ???? وللماركيز ايتو لائحة في بناء السفن لا يزال العمل جاريًا بها، وقد جعلت أسطول اليابان من أمنع الأساطيل. الإمبراطور: والسرُّ في نجاح مشروعاته وإخراجها من القوة إلى الفعل إنما هو ثقة الإمبراطور فيه وانقياده له، ولولا ذلك لذهب سعي الماركيز هباءً منثورًا. ولكنه تسلط على رأي الإمبراطور تسلطًا عجيبًا، وهان عليه اقناعه في ما يشرع فيه من الإصلاح. ولا ينكر ما للإمبراطور من الفضل في ذلك. وخلاصة القول أن الله رضي عن اليابان فمنحها وزيرًا حكيمًا، وسلطانًا سامعًا، فلم تمض عليها ثلاثون عامًا حتى انتقلت من مصاف الأمم الخاملة إلى أرقى مدارج المدنية. عيشته الخصوصية

يقيم الماركيز ايتو في عزبة له اسمها (أويسو) قرب مدينة طوكيو، وهو يحب الرياضة البدنية كثيرًا، ولكنه يفرط فيها حتى تتوالى عليه النزلات الشعبية. وقد خطه الشيب، ولكنه يخضب شاربيه ولحيته.
وهو يلبس اعتياديًا اللباس الإفرنجي وفوقه القباء الكبير المزرر من الأمام كما نراه في الرسم، وعلى رأسه طاقية إفرنجية، وهو يحسن التكلم بالإنكليزية، وإذا خاطبته وذكرت نهضة اليابان الأخيرة تنسمت من مجمل كلامه إعجابًا بما كان له من الباع الطولى في ذلك.
ومن أخلاقه التي يجب أن تكون مثالا لكل شرقي — سواءٌ كان من رجال السياسة أو العلم أو لأي فرد من أفراد الناس — أنه مع رغبته في اقتباس عوامل التمدن الحديث والاقتداء بآداب المتمدنين وترغيب مواطنيه في اقتباسها لم يكن يقبل عادة إفرنجية، ولا عملًا إفرنجيًّا إلا بعد أن يلبسه حلة يابانية محافظة على جامعة الوطن، واحترامًا لعوائد البلاد وشعائر أهلها. فهان عليه نشر ما أراد نشره من الأمور النافعة ولم يحطَّ من منزلة أمته. فما أجدره أن يكون مثالا لأناس بين ظهرانينا نراهم إذا اقتبسوا عادة إفرنجية بالغوا في المحافظة على أصلها أكثر من محافظة أصحابها عليها، وإن يكن في بعض تفاصيلها ما يخالف الآداب الشرقية.

الجزء الخامس
رجال الأعمال وأهل البر والإصلاح



الفصل السادس والثلاثون
كيرلس الرابع


شكل ??-?: كيرلس الرابع بطريرك الأقباط الأرثوذكسيين العاشر بعد المئة.
هو أحد رجال الإصلاح الذين يفتخر تاريخ الأمة القبطية بذكرهم؛ نظرًا لما له من الأيدي البيضاء في إصلاح الكنيسة القبطية في هذا القرن، وقد آثرنا شرح ترجمة حاله إقرارًا بفضله وأسوة أمثاله من أعاظم الرجال نقلًا عن أصدق المصادر وفي جملتها ما سمعناه من أفواه جماعة ممن عاشروه ورأوا أعماله رأي العين.
ولد هذا الرجل سنة ???? قبطية (????م) في قرية الصوامعة الشرقية من مديرية جرجا في مصر العليا، وكان اسمه داود، وكان والده مزارعًا معروفًا بين قومه بالسذاجة وسلامة النية وكان أميًّا لا يعرف القراءة، ولكنه لم يغفل عن تربية ولديه، وهما: داود — المتقدم ذكره — ويوسف وهو أصغرهما. فعني في تعليمهما فتعلما القراءة والكتابة في اللغتين العربية والقبطية ومبادئ الحساب.
فلما أكمل داود تعلمه على قدر ما سمحت به مدارس تلك الأيام عكف على معاضدة والده في أعماله الزراعية، فكان يقضي يومه بين المزارع والغياض في الأعمال الخشنة، فنما جسمه وتشددت عضلاته. أما أخوه فاختار الكتابة والحسابة فكان يقضي معظم يومه جالسًا في الديوان عاملًا فكرته، مجهدًا عقله، فنما ضعيفًا نحيفًا خلافًا لداود الذي لما بلغ أشده اختلط بالعربان المجاورين لقريته، وتعلم منهم ركوب الخيل حتى صار يراكبهم ويسابقهم ويرافقهم في أسفارهم في الجبال والبراري والصحاري، وألف كثيرًا من طرق الصحراء حتى إنه لم يحتج إلى دليل يرشده إلى طرق الدير عندما أراد الترهُّب.
وقلما نعلم عن حالة صاحب الترجمة فبل انخراطه في سلك الرهبنة، وإنما علمنا أنه لم يكن يهمه شيء من أعمال هذه الدنيا، ولم يكترث بعمل من الأعمال العالمية كأن العناية حفظته لخدمة لا يقوم بأعبائها إلا نفر قليلون من بني الإنسان. فلما بلغ الثانية والعشرين من عمره برح بيت أبيه، وفارق أصحابه وخلانه وقصد دير القديس أنطونيوس في الجبل الشرقي لمجرد الترهيب والانقطاع للعبادة وخدمة الله فوصله بعد مسيرة ثلاثة أيام، وترهب على يد القس اثناسيوس القلوصني رئيس ذلك الدير، ولم يلبث هناك مدة حتى اشتهر بين رفقائه الرهبان بالذكاء والورع ودماثة الأخلاق والهمة والنشاط. فكان الرئيس إذا غادر الدير لغرض له في العزبة أو مكان آخر يعهد بتدبير الدير لداود دون سواه لما رأى فيه من الأهلية، وحسن التدبير والغيرة على مصلحة الدير والمواظبة على مطالعة الكتب المفيدة حتى رآه يجمع إخوانه الرهبان في ساعات الفراغ، ويقرأ عليهم ويشرح لهم ويحثهم على المطالعة. وبعد دخوله الدير بسنتين توفي القس اثناسيوس المشار إليه فأجمع الرهبان كافة على إسناد منصب رئاسة الدير إليه فاستحضره الأنبا بطرس بطريرك الأقباط إذ ذاك وثبته في ذلك المنصب ودعا له وباركه. فانصرف القس داود إلى مقر وظيفته في بوش بمديرية بني سويف، وشرع في مباشرة المسام التي عهدت إليه بهمة ونشاط ودراية. وكان على كثرة تجواله لقضاء مهام الدير المتعددة في البلاد المختلفة لا يهمل شيئًا من لوازم الدير في الجبل في أوقاتها حتى لا يتخذ الرهبان تأخرها ذريعة لمغادرة الدير والتجول في البلاد من جهة أخرى مما يخالف عهود الرهبنة. إذ كان في اعتقاده أن الراهب لا يجب أن يبرح ديره إلا إذا دعاه رئيسه إلى ذلك، فإذا خالف أحد الرهبان هذا الأمر كان يتظاهر القس داود بالإغضاء عنه ثم يعمل على إجباره بحسن السياسة على إيثار البقاء في الدير على الخروج منه. وما زال ذلك اعتقاده في الرهبنة إلى آخر أيامه حتى إنه لما صار بطريركًا أصدر منشورًا يقضي بملازمة الرهبان الديور، وأن لايخرجوا منها إلا بإذن منه، ولم يبق في العزبة في بوش إلا الرهبان الذين لا غنى عنهم في الأعمال الزراعية ومتعلقاتها، ومن أقواله من هذا القبيل: «إن من يختار ثوب الرهبنة فقد مات عن الدنيا، ودُفِن في الدير فلا يخرج الميت من قبره. والرئيس الذي يؤذن للراهب في الخروج من ديره فقد أخرج ميتًا من قبره».
ومما يذكر من آثاره في أثناء إقامته في بوش رئيسًا للدير أنه خصص مكانًا في العزبة جمع إليه ما كان هناك من الكتب وضم إليها بعضًا آخر من كتب الدير، وكان يجمع الرهبان إليه في ساعات الفراغ ويستحثهم على المطالعة والمفاوضة في المواضيع الدينية، والأدبية، والتاريخية. وأنشأ مدرسة لتعليم شبان بوش الأقباط اللغة العربية بفروعها واللغة القبطية، واعتنى هو في تعلم النحو والصرف فاكتسب منهما ما يكفي لضبط القراءة والكتابة. وبالجملة فقد كان نورًا تنبعث منه أشعة الفضيلة، والقدوة الحسنة في سائر مديرية بني سويف، وأجمع أهلها على اختلاف المذاهب على حبه واحترامه ومشاورته في مهامهم.
وحدث في أثناء ذلك خلاف بين الأنبا سلامة مطران الحبشة واكليرسهم، وسببه أن المطران سلامة لما تولى أسقفية الحبشة رأى الشعب واكليرسهم هناك على ما هو مخالف لروح الكتاب، واستغرب تساهل أسلافه المطارنة في هذا الأمر وسكوتهم عنه، فأراد ردعهم وإهدائهم إلى الطريق الحق، فغضبوا وأصروا على اعتقادهم بدعوى أنه اعتقاد أجدادهم ولا يريدون الجنوح إلى سواهُ، فلما يئس من ردعهم بالبراهين الدينية هددهم بالسلطة الكنائسية، فشكوه للبطريرك الأنبا بطرس — المتقدم ذكره — وكان مشهورًا بالحلم والوداعة والتقوى، فكتب إلى المطران سلامة يحرضه على معاملة الرعية بالرفق واللين وتجنب كل ما يئول إلى الشقاق، فلما قرأ هذا الكتاب شقَّ عليه ما نسب إليه فيه من تلك التهم، وقد شرح المسألة شرحًا وافيًا وقال في آخر الكتاب إن موضوع الخلاف ليس عالميًّا حتى يتساهل فيه، وطاعة الله أولى من طاعة الناس. فلما تناول البطريرك الكتاب سُرَّ لثبات المطران وإخلاصه، وكان يرجو أن تنفرج تلك الأزمة على يده، ثم علم بتفاقم الخطب لتداخل بعض رجال الحكومة هناك ومقاومتهم له، فخاف العاقبة فلم ير بدًّا من ملافاة الأمر بالحزم، فبعث القسيس داود وأسرَّ إليه حقيقة الواقع، وأظهر له أسفه مما حصل، وأنه يخشى وقوع الانشقاق في الطائفة بسبب ذلك، وأنه لشيخوخته لا يستطيع الذهاب إلى الحبشة بنفسه لتسوية الخلاف، ولذلك فإنه لم ير من يليق لهذه المهمة أفضل منه. وعهد إليه بالمسير نائبًا عنه لما يعهد فيه من الدراية والحكمة والعزيمة. فأذعن القسيس لأمره، ولكنه طلب إليه أن يصرح لكاهن آخر بمرافقته ليكون له عونًا في ذلك، فأذن له فاصطحب راهبًا اسمه القس برسوم الراهب (ثم صار الأنبا يوأنس أسقف المنوفية) فسار القس داود أولا إلى بوش يتأهب للمسير وفي اليوم المعين سارا بكتاب من البطريرك للمطران وآخر إلى القسوس وسائر الشعب الحبشي، ولما ودعاه، قال البطريرك للقس داود على مسمع من الناس: «إنك إذا أديت هذه المهمة على وجه مرض تنال فيه نصيبًا صالحًا عند عودتك مكافأة لك» وقال آخرون: إنه وعده بمنصب مطران عند رجوعه، فسار على بركة الرحمن سنة ???? قبطية (????م) وقد أحسن بمرافقة الأنبا يوأنس؛ لأنه جدير بثقته وأهل لمثل ذلك المسعى الخيري.
وفي يوم ?? برمهات سنة ???? الموافق (????م) توفي البطريرك إلى رحمة الله في أثناء غياب القس داود بعد أن أقام في كرسي الكرازة المرقسية نيف وأربعين عامًا وكان رجلًا كاملًا أسف الناس على فقده.
وبعد وفاته بقليل جاء العاصمة أساقفة الوجه البحري والوجه القبلي لكي يتحدوا مع الشعب في انتخاب من يقوم مقامه، وفي اجتماعهم الأول في دار البطريركية كان اسم القس داود في جملة المرشحين لذلك المنصب فاعترض بعضهم على انتخابه؛ لأنهم لا يعلمون من أمر حياته شيئًا بدعوى أنهم سمعوا بخروجه من بلاد الحبشة منذ مدة ولم يعودوا يعلمون ما كان من أمره، وألحُّوا في انتخاب سواه فأرفضت هذه الجلسة ولم يتم الانتخاب. ومن غريب الاتفاق أنه قبل حلول ميقات الجلسة الثانية ورد من القس داود كتاب لبعض أصدقائه ينبئه بوصوله حدود مصر، وأنه سيكون في القاهرة بعد قليل فسُرَّ منتخبوه بذلك، فلما التأمت الجلسة صرحوا بكتابه وطلبوا انتخابه، فطلب بعضهم انتخاب الأنبا يوساب أسقف أخميم إذ ذاك وأوقفه جماعة من الحضور فاعترض منتخبو القس داود على ذلك، وأرفضت الجلسة بلا نتيجة فأخذ حزب القس داود في كتابة تزكية باسمه وقَّع عليها كثير من أبناء الطائفة لكي يكون شاهدًا لرضاء الجمهور عن انتخابه. وكان في جملة أحزابه تادرس شلبي وتادرس عريان وبرسوم واصف وحنا عبيد ويوسف نصر الله وحنين حنس وأخوه اسطفانوس حنس ورفائيل الطوخي وحنا القسيس وبطرس نخلة وإبراهيم لطف الله ويوسف مفتاح وتادرس سيدهم، وجميعهم من أعيان الطائفة ووجهائها، وكان من أشد الناس اهتمامًا في ذلك حنا أفندي جريس وإبراهيم أفندي خليل.
وبقي النزاع مدة وصل في أثنائها القس داود إلى القاهرة فسُرَّت أحزابه وتقاطروا للسلام عليه، وكانت مدة غيابه هذه المرة نحو ثمانية عشر شهرًا.
فلما رأت أحزاب أسقف أخميم ميل الجمهور إلى انتخاب القس داود عولوا على تنفيذ مآربهم بالحيلة، بأن يجتمعوا ذات ليلة ويسيموا الأسقف بطريركًا، فإذا أصبح الناس رأوا السهم قد نفذ وادَّعى بعض الراغبين في ذلك أنه تحصل على أمر شفاهي من المغفور له عباس باشا الأول برسم الأسقف بطريركًا. ولكنهم لم يستطيعوا كتم تواطئهم، فعلمت أحزاب القس بذلك فجاءوهم في الوقت الذي عينوه لذلك، وأخرجوهم من الكنيسة بالقوة وأقفلوا الأبواب وسلموا المفتاح لرجل حبشي اسمه سلطان كان في البطريركية مع جماعة من أبناء وطنه، وكان يدعي أنه عائلة النجاشي ملك الحبشة. ثم اجتمعوا وعرضوا للحكومة يشكون سوء تصرف بعض الأساقفة في هذا الأمر، وألحُّوا في انتخاب القسيس لرضاء الشعب عنه بشهادة التزكية التي كتبوها عنه، فأحالت الحكومة تسوية الأمر على الأنبا كبريل وتربيت الأرمن إذ ذاك، فأخفق سعيه لتمسك كل من الفريقين برأيه وغرضه. ومن الغريب أن تلك المقاومة لم يكن لها أساس حقيقي سوى حب السيادة ونفوذ الكلمة؛ غير أن حزب القس داود كانوا على بينة مما دعوا إليه لأنهم كانوا يعلمون صفات ذلك الرجل، وأنه لائق بذلك المنصب لما عرف به من شدة الميل إلى إصلاح الطائفة، وسعة اطِّلاعه وحسن درايته. وأما المتشيعون لغيره فكانوا يظنون أنه يكفي لرئيس الطائفة والقابض على أزمتها أن يكون حسن السيرة ورعًا تقيًا وقد يلتمس لهم في ذلك بعض العذر لأنهم لم يكونوا يعرفون للبطريرك عملًا غير الصلاة، والفصل في بعض القضايا الجزئية كتأييد الصلح بين رجل وامرأته أو ما شاكل، أما مصلحة الأمة العمومية فلم يكونوا يفقهون لها معنى.
ولما خابت مساعيهم جعلوا يختلقون على القس داود أقاويل وأراجيف لا أصل لها، فادعى عليه بعضهم أنه تزوج في الحبشة وله ولدان في قيد الحياة، وكان المختلق لهذه الأكذوبة قسيسًا حبشيًا جاء مصر لضغينة بينه وبين القس داود بسبب ما ذهب القس إلى الحبشة من أجله، وكان في عزم ذلك الحبشي أن يشي به إلى البطريرك، فلما رأى البطريرك قد توفي والشعب قائمًا على القس داود اختلق عليه تلك الأكذوبة واتهمه بالمداخلة في أمور السياسة في الحبشة مما يشبه خيانة الحكومة المصرية، ولكن حبل الكذب قصير فما لبثت هذه التقولات زمنًا حتى ظهر فسادها ظهور الشمس لذي عينين، وكان عباس باشا قد تغير عليه بسبب ما نسب إليه من المداخلات السياسية فلما تحقق الخبر اعتقد صدق طويته.
وما زال الخلاف والنزاع قائمًا بهذا الشأن نحو عشرة أشهر انتهت بواسطة وتربيت الأرمن بتعيين القس داود مطرانًا على مصر ثم إذا اتضح من أعماله أنه لائق بالبطريركية تقلدها فتنصب مطرانًا في ?? برمودة سنة ???? قبطية (????م) وأخذ من ذلك الحين في مباشرة أعماله وإدارة البطرخانة، وأظهر من الأهلية والهمة والغيرة ما استدر الثناء عليه من القاصي والداني. وأول أمر باشره بعد رسمه مطرانًا بناءَ مدرسة للأقباط بجوار البطرخانة، وهي أول مدرسة أقيمت لهذه الطائفة فاشترى عدة منازل، وأقام على أنقاضها مدرسة ذاع صيتها وفاح أريجها في سائر الديار المصرية وغيرها.
وكان بناء هذه المدرسة ونجاحها من موجبات إجماع الجميع على محبته حتى انتخبوه بطريركًا في ليلة الأحد ?? بئونة سنة ???? قبطية الموافق (????م) بحضور جميع الأساقفة ما عدا أسقفي أخميم وأبي تيج ولقبوه أنبا كيرلس الرابع.
فلما أصبح مستقلا في عمله شرع في إخراج مقاصده من حيز الفكر إلى الفعل فأتم بناء المدرسة، وأحضر لها الأساتذة الماهرين، وكان يقبل التلامذة فيها ويصف لهم الكتب والأدوات المدرسية مجانًا، وكان يباشر التعليم بنفسه فلا يمرُّ عليه يوم لا يفتقد فيه حالتها مرة أو غير مرة. ولزيادة الاعتناء بها اتخذ له محلًا فيها، فإذا أتى إليه زائر من الأجانب أو غيره من ذوي المعرفة باللغات والعلوم وطرق التعليم كلفه بزيارة المكاتب، وفحص التلامذة، وإبداء ملاحظته فيما يعود إلى تحسين حالتها وتسهيل طرق التعليم فيها. وكثيرًا ما كان يطيل الإقامة في المكتب مصغيًا لما يلقيه الأستاذ على الطلبة، ثم يقول مخاطبًا التلامذة قبل خروجه: «قد استفدت معكم اليوم فائدة لم أكن أعرفها قبلًا» وكان أحيانًا يلقي على التلامذة عبارات أدبية وتاريخية مما يناسب سنَّهم وإدراكهم. وقد جعل تعليم اللغة القبطية جبريًّا، وكان يلاحظ سير دروسها بنفسه.
ولما رتب مدرسة الأزبكية وارتاح باله من جهتها ورأى أن بعض الطلبة يأتون إليها من جهات بعيدة مثل حارة السقايين أشفق عليهم وأنشأ مدرسة وكنيسة هناك، ولم يكن بها من قبل كنيسة، وناط المرحوم حنا أفندي القسيس بملاحظتها وتقديم ما يلزم لها من المعدات والأدوات وكان حنا أفندي هذا من أفاضل القوم الغيورين، ولم يكتف جناب البطريرك بذلك بل كان يزورها ويفحص حالتها مرة في كل أسبوعين على الأقل، هذا فضلا عن تكليفه معلمها الأول بتعريفه عن حالتها وكيفية سيرها أول فأول.
ولكن مع كل التسهيلات التي أجراها رحمه الله وعدم تكليف الوالدين شيئًا لم يزد عدد التلامذة في أيامه بمدرسة الأزبكية على مئة وخمسين تلميذًا مع أنه لم يكن بمصر واسطة لتعليم أبناء الأمة القبطية غير هذه المدرسة، وكثيرًا ما كان يحمل الوالدين على إحضار أولادهم إلى المدرسة جبرًا، ولكنهم مع ذلك كانوا يفضلون وجود أولادهم بمكاتب العرفان القذرة الرديئة الهواء، وكان معظم هؤلاء التلامذة من أبناء وجهاء القوم ومعتبريهم؛ ولذا كان يعاملهم أحسن معاملة ويحث الأساتذة على تربيتهم التربية الحسنة، وبذل الجهد في توسيع عقولهم وتثقيف أذهانهم بالنصائح الأدبية والروايات الحكمية كما كان يفعل هو بنفسه في أكثر الأحيان.
وعهد إلى قسوس كنيسة الأزبكية المسمى القمس تكلا المشهود له بإتقان فن الموسيقى والألحان الكنائسية أن ينتخب من بين تلامذة المدرسة الشمامسة عددًا معلومًا من ذوي الأصوات الحسنة، وناطه بتعليمهم التراتيل الكنائسية بطريقة مضبوطة، وجعل لهم ملابس مخصوصة على طراز جديد لطيف يلبسونها في أثناء وجودهم في الكنيسة في أيام الآحاد والأعيان والمواسم، فنتج عن هذا التحسين الظاهري فائدتان: إحداهما إظهار مزايا المدارس وترغيب الأهالي في وضع أولادهم بها. والثانية مواظبتهم على الحضور إلى الكنيسة وهم منشرحوا الصدر من سماع التراتيل، وهاك ما قاله إبراهيم أفندي الطبيب في كتابه المسمى «مصباح الساري ونزهة القاري» المطبوع في بيروت سنة ????هـ في أثناء كلامه عن مصر ومدارسها وقال: وفي حارة الأقباط مدرسة عظيمة يعلمون فيها اللسان القبطي القديم والتركي والإيطالي والفرنساوي والإنكليزي والعربي وهم يقبلون فيها من جميع الطوائف، وينفقون على التلاميذ من مال المدرسة، وهذه بناها البطريرك كيرلس القبطي وأنفق عليها نحو ست مئة ألف قرش وكل هذا بخلاف ما نعهده في بلادنا من الاكليروس وأوجه الشعب.
ولم يمض زمن حتى خرج من هاتين المدرستين عدة تلامذة، واتفق حدوث مصلحة السكة الحديدية بالديار المصرية فانتظموا في خدمتها وانتشروا في جميع محطاتها، وكانوا يؤدون أعمالهم باللغة الإنكليزية وبعضهم استخدم في البنوكة وعند التجار لمعرفتهم اللغة الطليانية، وقد عرف جناب إسماعيل باشا الخديوي الأسبق مقدار هذه الخدمة الوطنية فاستدعى إليه الأنبا ديمتريوس البطريرك خلف السعيد الذكر الأنبا كيرلس، وأظهر ارتياحه للخدمة الوطنية التي قامت بها المدارس القبطية؛ لأن معظم مستخدمي السكة الحديد المصرية من تلامذتها، وأنعم عليه بألف وخمس مئة فدان ليتساعد بإيراداتها على توسيع نطاق المدارس، ورتب لها أيضًا مئتي جنيه مصري سنويًّا، ولكن هذه منعت عنها فيما بعد بسبب عسر المالية واضطرار الحكومة للاقتصاد.
ووجه نظره إلى تحسين حالة إدارة البطركخانة، فأنشأ لها ديوانًا وعين له المستخدمين الأكفاء، وقسم الإدارة إلى قسمين: قسم يختص بالأوقاف والمكاتبات الرسمية وغيرها، وقسم يختص بالأعمال الدينية والشرعية. وخص إبراهيم أفندي خليل بالقسم الأول، وأحد القسوس ومطران مصر بالقسم الثاني، وكلاهما تحت ملاحظاته الشخصية. ورأى أن أعمال الأوقاف جارية بطريقة غير منتظمة، وكان بعضها ضائعًا ولم يعرف الضائع منها والموجود، فأمر بإنشاء سجل لحصر جميع الأوقاف به من واقع الحجج، واستخدم لهذا العمل عمالًا اشتغلوا به زمنًا حتى أتموه على الوجه الذي كان يريده، وأنشأ أيضًا مطبعة وبعث يستحضر أدواتها من أوروبا على يد المرحوم الخواجا رفله عبيد السوري الأرثوذكسي. وقبل إحضارها اختار من أبناء الأمة القبطية أربعة من شبانها النجباء. ورتب لهم رواتب شهرية وملابس سنوية تصرف لهم في أوقاتها من الدار البطركية، وتحصل على أمر من المرحوم سعيد باشا بقبولهم في مطبعة بولاق الأميرية ليعلموا صناعة الطباعة إذ لم يكن في القطر المصري إذ ذاك مطبعة غيرها.
ومما يدلك على شدة احترامه للعلم ورغبته في نشره وتنشيطه أنه لما أنبأه الخواجا رفله عبيد — المتقدم ذكره — بوصول أدوات المطبعة إلى الإسكندرية، وكان البطريرك في الدير بالجبل بعث إلى وكيل البطرخانة بمصر يأمره باستقبال تلك الأدوات عند وصولها القاهرة باحتفال رسمي يقوم فيه الشمامسة بالملابس الرسمية المختصة بالخدمة الكنائسية يرتلون التراتيل الروحية، وكان لاستقبال تلك المطبعة احتفال تحدث الناس به زمنًا لغرابته غير أن التقادير لم تفسح له بالأجل حتى يتم المعدات ويباشر العمل بنفسه، فتولى أمرها بعده المرحوم رزق بك جرجس وطبع فيها عدة كتب دينية وأدبية، ثم صارت المطبعة تحت يد أخيه الخواجه إبراهيم جرجس وعرفت بمطبعة الوطن.
وفي أواخر شهر مسيري سنة ???? قبطية (????م) بعثه المغفور له سعيد باشا بمهمة سياسية إلى الحبشة فذهب وقلبه عالق بالمدارس، فأوصى المرحوم المعلم برسوم واصف بإدارة البطركخانة والمدارس. وطالت مدة غيابه في الحبشة فقلق الناس خوفًا عليه ثم سمعوا أنه قام من جهة الخرطوم مع اثنين من خاصة ثيوجدور ملك الحبشة، فاطمأن الناس واستبشروا بنجاح مهمته وفي ? أمشير سنة ???? وصل القاهرة فاستقبلوه باحتفال يليق به حتى غصَّت الشوارع بالناس، ولا سيما جهات الأزبكية، وما وصل البطركخانة حتى تهافت الناس عليه يقبلون يديه ويتبركون به، وأعدوا له زينة فاخرة في المدرسة والبطركخانة. ولما انتهت الزينة عاد هو إلى مباشرة أعماله في بناء الكنيسة واحتفل بتأسيسها احتفالًا عظيمًا جدًّا، حضره جميع رؤساء الطوائف وأعيان البلاد ورجال الحكومة يوم الخميس ?? برمودة سنة ???? (?? أفريل «نيسان» سنة ????).
وفي ليلة الأربعاء ?? طوبه سنة ???? قبطية (????م) توفي إلى رحمة الله، وحزن لفقده كل من عرفه أو سمع عنه، ولا سيما الطائفة القبطية لأنها خسرت بفقده خسارة جسيمة جدًّا، وكانت مدة توليه البطريركية سبع سنوات.
وكان البطريرك كرلس الرابع طويل القامة، ممتلئ الجسم، قوي البنية، صحيح الأعضاء، أسمر اللون، حاد النظر والذهن، كبير الرأس عريض الجبهة، كثيف اللحية أسودها، طليق الوجه واللسان، سريع الإقدام على ما ينويه، كثير الأمثال في حديثه، فقلما يلقي عبارة لا يسندها إلى مثل. وكان عاي الهمة، وديعًا فطنًا، سديد الرأي، قريب الرضا سريع العفو، لا يشرب الخمر كثير الاحترام للرهبنة، محافظًا على أصولها، وكان شديد الكره لمقابلة النساء وجمع المال، لا يحب الاستبداد في رأيه، ولو كان مصيبًا وكان كلفًا بمخالطة العلماء ومجالسة الفضلاء ومكالمتهم ومناظرتهم، ولم يكن يستنكف من الإقرار بغلطه إذا اتضح له. ومن أفضل ما اتصف به رحمه الله حبه لرعيته، وسهره على مصلحتهم، ورفع كل ما يوجب النفرة بينهم، والسعي في كل ما فيه تهذيب الشبان بإنشاء المدارس وتسهيل طرق التعليم.
ومن أعماله الحميدة أن القسس كانوا قبل زمانه يعيشون على حسنات الطائفة وصدقاتها، فرتب هو لهم رواتب شهرية تصرف لهم من البطركخانة. ورغبة في رفعة منزلتهم وحفظ مقاماتهم أصدر منشورًا يقضي بأن الراتب لا يصرف إلا لمن يعرف خدمة القداس باللغة القبطية معرفة جيدة.
وعند عودته من الحبشة رتب للقسس ميقاتًا يجتمعون فيه كل سبت في المدرسة يتباحثون في أمور دينية، وكان هو يحضر معهم يناقشهم ويشرح لهم واجبات القسوس وآدابهم وما يكسبهم مقامًا رفيعًا بين الناس، وكان في نيته أن يعقب ذلك بتأسيس مدرسة إكليريكية فلم تمهله منيته، وفتح في آخر أيامه مدارس للبنات ولكنها لم تثبت.
وكان كثير التيقظ لإصلاح ما يقع من النفور بين أولاده أو بين الرجال ونسائهم على أنه كان يكره مواجهة النساء حتى إنه لم يكن يقابل والدته إلا نادرًا.
وكانت العادة في الزيجة أن يعقد القسيس بين الشاب والشابة عقدًا يدعونه «عقد تمليك» قبل الإكليل بمدة، غير أن هذا العقد لا يقبل الحل أو هو بمنزلة عقد الزيجة، فأصدر البطريرك منشورًا بجعل ذلك العقد «عقد صلح وسلام» حتى إذا عرض لأحد الطرفين ما يمنع إتمام الاقتران يمكن حلُّه، وهذا لا يزال جاريًا في الطائفة إلى الآن. وكانت العادة أن يزوجوا البنات صغيرات جدًّا فأمر أن لا يتم عقد الزواج على الفتاة إلاَّ إذا تجاوزت الأربع عشرة سنة من العمر، وجعل الاعتراف قبل الإكليل فرضًا واجبًا على العروسين حتى لا يحصل ما يكره أحد الفريقين بسبب ما كان من التحجب بين الرجال والنساء في تلك الأيام، وأمر أن لا يعقد القسس إكليلًا إلا بعد استئذان البطركخانة حتى يسجل ذلك في دفاترها، والبطركخانة لا تؤذن بالأكليل إلا بعد الاطلاع على محضر الاتفاق بحيث لا يكون ما يمنع الاقتران.
ولشدة رغبته في تعليم أبناء طائفته ورفعة منزلتهم استأذن المغفور له سعيد باشا أن يدخل تلامذة مدرسته في مدرسة الطب وغيرها من المدارس الأميرية بصفة رسمية.
وخلاصة القول أنه كان قدوة البطاركة، وعنوان رجال الفضل، ولو أمهلته المنية بضع سنين أخرى لجاء من الأعمال العظيمة بأضعاف ما جاءه، ولكنها عاجلته فلم يتولَّ كرسي الكرازة المرقسية إلاَّ سبع سنين، عمل في أثنائها أعمالًا لا يعملها غيره بأضعاف تلك المدة.

الفصل السابع والثلاثون
الشيخ محمد عبده


شكل ??-?: الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????هـ/????م).
(?) ترجمة حياته

(?-?) نشأته الأولى

نشأ الفقيد في قرية صغيرة (محلة نصر) من أبوين فقيرين فلم يمنعه ذلك من الارتقاء بجدِّه واستعداده حتى بلغ منصب الإفتاء وأصبح علمًا في الشرق وقطبًا من أقطاب الدهر سينقش اسمه على صفحات الأيام، ويبقى ذكره ما بقي الإسلام.
ولد عام ????هـ وأبوه يتعاطى الفلاحة، وقد أدخل فيها أولاده إلاَّ محمدًا؛ لأنه توسم فيه الذكاء فأراد أن يجعله من الفقهاء، فأدخله كُتَّاب القرية تردد إليه حينًا، ثم أرسله إلى الجامع الأحمدي في طنطا أقام فيه ثلاث سنوات، ثم نقله إلى الجامع الأزهر فقضى فيه عامين لم يستفد فيهما شيئًا، وهو ينسب ذلك بالأكثر إلى فساد طريقة التعليم.
ثم انتبه لنفسه ولم يرَ بُدًّا من تلقي العلم، فاستنبط لنفسه أسلوبًا في المطالعة، وأعمل فكرته في تفهم ما يقرأه، فاستلدَّ العلم واستغرق في طلبه فأحرز منه جانبًا كبيرًا على ما يستطاع إدراكه بتلك الطريقة.
واتفق أن ورد على مصر سنة ????هـ (????م) السيد جمال الدين الأفغاني فيلسوف الإسلام، وصاحب الترجمة لا يزال في الأزهر وقد أدرك الثلاثين من عمره. وتولى جمال الدين تعليم المنطق والفلسفة فانخرط الفقيد في سلك تلامذته مع جماعة من نوابغ المصريين تخرجوا على جمال الدين الأفغاني، فخرجوا لا يشق لهم غبار كأنَّ الرجل نفخ فيهم من روحه ففتحوا أعينهم، وإذا هم في ظلمة وقد جاءَهم النور فاقتبسوا منه، فضلًا عن العلم والفلسفة روحًا حيةً أرَتهم حالهم كما هي، إذ تمزقت عن عقولهم حجب الأوهام فنشطوا للعمل في الكتابة، فأنشأوا الفصول الأدبية والحكمية والدينية. وكان صاحب الترجمة ألصق الجميع به، وأقربهم إلى طبعه، وأقدرهم على مباراته. فلما قضي على جمال الدين بالإبعاد من هذه الديار، قال يوم وداعه لبعض خاصته: «قد تركت لكم الشيخ محمد عبده، وكفي به لمصر عالمًا». شكل ??-?: جمال الدين الأفغاني.
وتقلب الفقيد في بعض المناصب العلمية بين تدريس في المدارس الأميرية، وتحرير في الوقائع المصرية، وكتابة في الدوائر الرسمية. حتى كانت الحوادث العرابية فحمله أصحابها على السير معهم وهو ينصح لهم أن لا يفعلوا وينذرهم بسوء العاقبة. ولما استفحل أمر العرابيين اختلط الحابل بالنابل، وسيق الناس بتيار الثورة وهم لا يعلمون مصيرهم. فدخل الإنكليز مصر والشيخ محمد عبده في جملة الذين قبض عليهم، وحوكموا فحكم عليه بالنفي؛ لأنه أفتى بعزل توفيق باشا الخديوي السابق، فاختار الإقامة في سوريا فرحب به السوريون، وأعجبوا بعلمه وفضله، فأقام هناك ست سنوات، فاغتنموا إقامته بينهم، وعهدوا إليه بالتدريس في بعض مدارسهم.
وانتقل من سوريا إلى باريس فالتقى فيها بأستاذه وصديقه جمال الدين، وكانا قد تواعدا على اللقاء هناك، فأنشآ جريدة العروة الوثقى وكتابتها منوطة بالشيخ، فكانت لها رنة شديدة في العالم الإسلامي، ولكنها لم تعش طويلًا. وتمكَّن الشيخ في أثناء إقامته بباريس من الاطلاع على أحوال التمدن الحديث، وقرأ اللغة الفرنساوية على نفسه حتى أصبح قادرًا على المطالعة فيها. ثم سعى بعضهم في إصدار العفو عنه فعاد إلى مصر، فولَّاه الخديوي السابق القضاء، وظهرت مناقبه ومواهبه فعُيِّن مستشارًا في محكمة الاستئناف، وسمي عضوًا في مجلس إدارة الأزهر، وعين أخيرًا مفتيًا للديار المصرية سنة ????هـ وما زال في هذا المنصب حتى توفاه الله في ?? يوليو ???? ولم يعقب ذكرًا يبقي به اسمه، ولكنه خلف آثارًا يخلد بها ذكره.
(?) مناقبه وأعماله

كان ربع القامة، أسمر اللون، قوي البنية، حاد النظر، فصيح اللسان، قوي العارضة، متوقد الفؤاد، بليغ العبارة، حاضر الذهن، سريع الخاطر، قوي الحافظة. وقد ساعده على إحراز ما أحرزه من العلوم الكثيرة الدينية والعقلية والفلسفية والمنطقية والطبيعية، وتلقى اللغة الفرنساوية وهو في حدود الكهولة في بضعة أشهر. وكان شديد الغيرة على وطنه حريصًا على رفع شأن ملته، وذاع ذلك عنه في العالم الإسلامي، فكاتبه المسلمون من أربعة أقطار المسكونة يستفتونه ويستفيدون من علمه، وهو لا يردُّ طالبًا ولا يقصر في واجب.
ناهيك بما عهد إليه من المشروعات الوطنية، فقد كان القوم لا يُقْدِمون على عمل كبير إلا رأسوه عليه أو استشاروه فيه. فرأس الجمعية الخيرية الإسلامية، وألف شركة طبع الكتب العربية، وشارك مجلس شورى القوانين في مباحثه. وآخر ما عهد إليه تنظيم مدرسة يتخرج فيها قضاة الشريعة ومحاموها. فضلا عما اشتغل فيه من التأليف والتصنيف، وما كان يستشار فيه من الأمور الهامة في القضاء أو الإدارة بالمصالح العامة والخاصة. وبالجملة فقد كان كنز فوائد للقريب والبعيد بين إفتاء ومشورة، وإحسان وكتابة، ومداولة ووعظ، وخطابة ومباحثة، ومناظرة واستنهاض، وتحريض وتنشيط، وغير ذلك.
(?) إصلاح الإسلام

على أن عظمته الحقيقية لا تتوقف على ما تقدم من أعماله الخيرية أو العلمية أو القضائية، وإنما هي تقوم بمشروعه الإصلاحي الذي لا يتصدى لكثله إلا أفراد لا يقوم منهم في الأمة الواحدة مهما طال عمرها إلا بضعة قليلة. وهذا ما أردنا بسطه على الخصوص في هذه العجالة.
(?-?) العظمة الحقيقية

تختلف العظمة شكلًا وأثرًا باختلاف السبيل الذي يسعى صاحبها فيه أو الغرض الذي يرمي إليه. فمنهم العظيم في السياسة أو الحرب أو العلم أو الدين، ومن العظماء من يوفق إلى إتمام عمله، ومنهم من يرجع بصفقة الخاسر من نصف الطريق أو ربعه أو عشره على أن أكثر العظماء إنما يأتون العظائم لمجرد الرغبة في الشهرة الواسعة، ويغلب أن يكون ذلك في رجال الحرب. وهؤلاء تنحصر ثمار أعمالهم في أنفسهم أو أهلهم أو أمتهم على أنهم لا يستطيعون نفعًا لأنفسهم إلا بضر الآخرين، اعتبر ذلك في سير كبار الفاتحين كالإسكندر وبونابرت وغيرهما، فكم سفكوا في سبيل عظمتهم من الدماء أو ارتكبوا من المحرمات، وكان النفع عائدًا على أنفسهم أو أمتهم ولم يطل مكثه فيهم إلا قليلًا.
وأما رجال العلم فعظمتهم تقوم بما ينيرون به الأذهان من الأصول العلمية، أو يكتشفونه من أسباب الأمراض والوقاية منها، أو يضعونه من النظامات والقوانين أو غير ذلك. ونفعهم يشمل القريب والبعيد، الرفيع والوضيع، ولا يسفكون في سبيل نشره دمًا ولا يرتكبون محرمًا، وهو باق ما بقي الإنسان وينمو بنموِّ المدنية.
وأما رجال الدين ومن جرى مجراهم من واضعي الشرائع والأحكام فتأثيرهم أوسع دائرة وأعم شمولًا؛ لأنه يتناول البشر على اختلاف طبقاتهم وأجناسهم، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، وعليهم يتوقف نظام الاجتماع وآدابه وأخلاق الناس وعاداتهم وعلائقهم بعضهم ببعض. وعلماء الدين فئتان: الفئة الأولى: واضعوا الشرائع كالأنبياء أو من في معناهم ممن ينسبون أعمالهم إلى ما وراء الطبيعة.
والفئة الثانية: المصلحون الذين يصلحون الدين بعد فساده؛ لأن الدين إذا مرَّ عليه بضعة قرون فسد وتغير شكله وانقلب وضعه تبعًا لمطامع الذين يتولون شئونه، فتفسد الأمة وينحط شأنها حتى يقوم من يصلحه ويعيده إلى رونقه.
ووضع الأديان عمل شاقٌّ قلَّ من يفوز به، والإصلاح الديني لا يقلُّ مشقة عنه. وربما كان إدخال دين جديد أيسر من إصلاح دين قديم. فالديانة المسيحية لم تكلف البشر في قيامها من الدماء أكثر مما كلفتهم في إصلاحها. على أن ما يضيعه رجال الدين في نشره من الدماء، يعوضونه بسرعة انتشاره اعتبر ذلك في الفرق بين النصرانية والإسلام في قيامهما. ويقال نحو ذلك في الإصلاح فقد طلبه وسعى فيه غير واحد من رجال النصرانية، فلم يتفق منهم إلى إصلاح كبير غير لوثير لأن أهل السياسة نصروه. ولا بد من استعداد الأذهان لقبول الإصلاح وتهيئة الأسباب الأخرى. فكم نهض من المصلحين بالسيف فغلبوا على أمورهم وذهب سعيهم عبثًا. وأقربهم عهدًا منا صاحب مذهب الوهابية في نجد، فقد استفحل أمره في أوائل القرن الماضي، وأراد في الإسلام نحو ما أراده لوثير في النصرانية فلم يوفَّق إلى غرضه؛ لأن الجنود المصرية غلبته وقلت عزيمته. أما المصلحون بالموعظة الحسنة والتعليم فعملهم بطيءٌ، ولكنه أرسخ في الأذهان، وأصبر على كوارث الحدثان، والشيخ محمد عبده واحد منهم. (?-?) هو وجمال الدين

نشأ الشيخ المفتي نيِّر البصيرة، حرُّ الضمير، ورُبِّي في الإسلام وتعلم علومه، فشب غيورًا عليه ثم اطلع على علوم الأمم الراقية من أهل هذا التمدن، ودرس تاريخ الاجتماع ونواميس العمران، فرأى الإسلام في حاجة إلى نهضة ترفع شأنه وتجمع كلمته. واتفق اجتماعه بالسيد جمال الدين الأفغاني، فأخذ عنه الفلسفة والمنطق والحكمة المشرقية، وكان جمال الدين غيورًا على الإسلام راغبًا في جمع كلمته، ورفع شأنه فتوافقا في الغاية، ولكنهما اختلفا في الوسيلة. لأن جمال الدين سعى في ذلك من طريق السياسة، فأراد جمع شتات المسلمين في أربعة أقطار العالم تحت ظل دولة إسلامية واحدة، وقد بذل في هذا السعي جهده، وانقطع عن العالم من أجله فلم يتخذ زوجة ولا التمس كسبًا، وإنما جعل همه السعي إلى تلك الغاية فلم يوفق إلى غرضه لأسباب عمرانية طبيعية لا محل لذكرها. وكان الشيخ محمد عبده رفيقه في كثير من مساعيه، واطَّلع على دخائل أموره، وعرف أسباب حبوطه، فعلم أن جمع كلمة المسلمين ورفع شأنهم من طريق السياسة لا يتيسر الوصول إليه، فسعى فيه من طريق العلم. فجعل همَّه رفع منار الإسلام، وجمع كلمة المسلمين بالتعليم والتهذيب وتقريبهم من أسباب المدنية الحديثة؛ ليستطيعوا مجاراة الأمم الراقية في هذا العصر. ورأى ذلك لا يتأتى إلا بتنقية الدين مما اعتوره من الشوائب التي طرأت عليه بتوالي العصور وتغلب الدول واختلاف أغراض أصحابها وأئمتها كما أصاب النصرانية في القرون المتوسطة، إذ تمسك الناس بالعرض وتركوا الجوهر، واستغرقوا في الأوهام ونبذوا الحقائق. والسبيل الوحيد لمغالبة الأوهام والخرافات إنما هو العلم الصحيح على ما بلغ إليه في هذا العهد. وعلم الفقيد رحمه الله أن محور العلوم الإسلامية اليوم مصر، ومركز العلم بمصر أو في العالم الإسلامي كافة «الجامع الأزهر» فرأى أنه إذا أصلح الأزهر فقد أصلح الإسلام، فسعى جهده في ذلك فاعترضه أناسٌ من أهل المراتب يفضلون بقاء القديم على قدمه، واستنصروا العامة عليه، وغرسوا في أذهانهم أن المفتي ذاهب بالمسلمين إلى مهاوي الضلال والبدع. فلم يهمه قولهم لعلمه أن ذلك نصيب أمثاله من قديم الزمان — على أنه لم ينجح في إصلاح الأزهر إلاَّ قليلًا، ولكنه وضع الأساس، ولا بدَّ من رجوع الأمة إلى تأييد هذه النهضة ولو بعد حين، فيكون الفضل له في تأسيسها.
على أن الجانب الأعظم من علماء المسلمين وخاصتهم يرون رأيه في إصلاح الدين ورجاله، وبما سبقه كثيرون منهم إلى الشعور بحاجة الإسلام إلى ذلك، ولا سيما المتخرجين بالعلوم العصرية من الناشئة المصرية، ولكنهم لم يجسروا على التصريح بأفكارهم في غير المجتمعات الخصوصية لئلاَّ ينسبهم الناس إلى المروق من الدين — فلما جاهر محمد عبده برأيه، وافقوه وصاروا من مريديه، ونصروه بألسنتهم وأقلامهم. فحاجة الإسلام إلى الإصلاح ليس هو أول من انتبه إليها، ولكنه أول من جاهر بها كما أن لوثير المصلح المسيحي ليس أول من انتبه لحاجة النصرانية إلى الإصلاح، ولكنه أول من جاهد في سبيلها، وقد فاز بجهاده لقيام السياسة بنصرته. وأما مصلح الإسلام فكانت السياسة ضده، وإنما حمله على تلك المجاهرة حرية ضميره، وجسارته الأدبية، ومنصبه الرفيع في الإفتاء.
(?-?) الإسلام والمدنية

فلما صرح الشيخ محمد عبده بحاجة الإسلام إلى الإصلاح، انقسم المسلمون إلى فئتين: فئة ترى بقاء القديم على قدمه، وهم حزب المحافظين. وفئة ترى حلَّ القيود القديمة وإطلاق حرية الفكر، والرجوع إلى الصحيح من قواعد الدين، ونبذ ما خالطه من الاعتقادات الدخيلة. وكان رحمه الله زعيم هذه الفئة يناضل عن مباديها بلسانه وقلمه وبكل جارحة من جوارحه. وكانت مساعيه من هذا القبيل ترمي إلى غرضين رئيسيين: الأول تنقية الدين الإسلامي من الشوائب التي طرأت عليه. والثاني تقريب المسلمين من أهل التمدن الحديث ليستفيدوا من ثمار مدنيته علميًّا وصناعيًّا وتجاريًّا وسياسيًّا. فأهل العصبية الإسلامية يرون هذا التقريب مغايرًا لما يرجونه من استقلال المسلمين بالجامعة السياسية؛ لأن مجاراة أهل التمدن الحديث بأسباب مدنيتهم وتسهيل الاختلاط بهم يضعف عصبية الإسلام على زعمهم، ويبعث على تشتيت عناصره فيستحيل جمعها في ظل دولة واحدة. ولكن الشيخ المفتي كان يرى ذلك الاجتماع السياسي مستحيلا في هذه الحال، فلم يشأ أن يضيع وقته سدى كما أضاعه أستاذه وصديقه جمال الدين، وأن يخسر فائدة تقرب المسلمين من أسباب هذا التمدن، فسعى في ذلك بما نشره من فتاويه المتعلقة بالربا، والموقوذة، ولبس القبعة، ونحو ذلك مما يقرب المسلمين من الأمم الأخرى ويسهل أسباب التجارة.
(?-?) تنقية الدين

وأما تنقية الدين الإسلامي من الشوائب الطارئة عليه فأساس سعيه فيها أنه أطلق فكرة الحرية في تفسير القرآن، ولم يتقيد بما قاله القدماء أو وضعوه من القواعد التي يحرم الأئمة تبديل شيء منها. فرأى أن يحلَّ نفسه من هذه القيود، ويفسر القرآن على ما يوافق روح هذا العصر، فيجعل أقواله وآراءه فيه موافقة لقواعد العلم الصحيح المبني على المشاهدة والاختبار، ولنواميس العمران على ما بلغ إليه هذا العلم إلى الآن مع مطابقته لأحكام العقل وأصول الدين، كما فعل النصارى في تفسير الكتاب المقدس بعد ثبوث مذاهب العلم الجديد، وهو أوعر مسلكًا في الإسلام لارتباط الدين بالسياسة فيه. والقرآن أساس الدين والدنيا عندهم فيعلقون على تفسيره أهمية كبرى؛ لأنه مرجع الفقه وغيره من الأحكام الشرعية والسياسية، ولذلك رأى أهل السنة تقييده بأقوال الأئمة الأربعة، وخالفهم الشيعة باستبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا فلا يرون بأسًا في العدول عن تفسير إلى آخر بشروط يشترطونها في مفسريهم وهم يعرفون عندهم بالأئمة المجتهدين.
(?-?) التفسير

وقد توالى على تفسير القرآن أحوال تختلف باختلاف العصور من الإسلام إلى الآن ترجع إلى أربعة أعصر: الأول العصر الشفاهي: وهو ينحصر في أيام النبي وأصحابه، فقد كانوا عند ظهور الدعوة كلما تليت عليهم سورة أو آية فهموها وأدركوا معانيها بمفرداتها وتراكيبها؛ لأنها بلسانهم وعلى أساليب بلاغتهم، ولأن أكثرها قيلت في أحوال كانت القرائن تسهل فهمها، وإذا أشكل عليهم شيء منها سألوا النبي فيفسره لهم. وكان التفسير مختصرًا بسيطًا لسذاجة الدولة الإسلامية يومئذ.
ثانيًا العصر التقليدي: ونريد به عصر التابعين أو حواليه، وكانت الدولة الإسلامية قد أخذت في النمو والارتقاء فاحتاجو إلى التوسع في التفسير، وكان أكثرهم أميين فإذا أعجزهم تفسير بعض الآيات سألوا عنها من أسلم من أهل الكتاب، ولا سيما اليهود المقيمين في اليمن، وكانوا قد أسلموا وظلوا على ما كان عندهم من التقاليد المتناقلة شفاهًا أو كتابة مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية.
ثالثًا العصر الفلسفي المنطقي: ونريد به تدوين التفسير وضبطه بالقياس الفلسفي والحكم المنطقي بعد أن اختلط المسلمون بأهل العلم القديم في الشام والعراق وفارس واطلعوا على علوم القدماء وفلسفة اليونان والهند، ونقلوا ذلك إلى لسانهم واستخرجوا منه علم الكلام. وكان العرب قد وضعوا العلوم اللسانية، وضبطوا معاني الألفاظ، وأساليب التعبير فنظروا في التفاسير السابقة نظر الناقد ومحصوها وضبطوها بالقياس العقلي بالاعتماد على قواعد المنطق بما تقتضيه الفلسفة اليونانية القديمة على نحو ما فعله لاهوتيو النصارى قبل ذلك.
رابعًا العصر العلمي: الذي نحن فيه وهو عصر الفلسفة الجديدة المبنية على العلم الطبيعي الثابت بالمشاهدة والاختبار، ويمتاز عن العصر السابق بإطلاق حرية الفكر من قيود التقليد القديمة التي أغلَّت السنة أسلافنا وأقلامهم، وأوقفت مجاري التمدن أجيالًا متطاولة. فالشيخ المفتي رحمه الله أراد أن ينقل التفسير إلى روح هذا العصر فيفسر القرآن بما يطابق أحكام العقل، ويحل الإسلام من قيود التقليد. فسار في هذا الطريق شوطًا بعيدًا فألقى على طلبة الأزهر خطبًا كثيرة في التفسير، نشرت في مجلة المنار وطبع بعضها على حدة، وكان لها تأثير حسن في نفوس العقلاء. ولو مدَّ الله في أجله لأتم هذا العمل، ولكنه قضى آسفًا خائفًا ولسان حاله يردد هذين البيتين، وقد قيل: إنهما من قصيدة نظمها في أثناء مرضه وهما:ولست أبالي أن يقال محمدٌأملَّ أو أكظت عليه المآتمولكن دينًا قد أردت صلاحهأحاذر أن تقضي عليه العمائم
على أنه خلف جماعة من تلامذته ومريديه أكثرهم من أهل العلم وأرباب الأقلام، وفيهم نخبة كتاب المسلمين وشعرائهم في هذا العصر. وأكثرهم مجاهرة بنصرته وإذاعة لآرائه وصيفنا السيد رشيد رضا صاحب المنار الإسلامي.
والشيخ محمد عبده زعيم نهضةٍ إصلاحية لا خوف منها على الدماء أو الأرواح، وأكثر نهضات الأمم في سبيل إصلاحها لا تخلوا من إهراق الدماء، فهو رجل عظيم يجدر بالمسلمين أن يبكوه، وأن يقتفوا آثاره في التوفيق بين الإسلام والمدنية الحاضرة، وتنقيته مما ألمَّ به بتوالي الأزمان، وذلك ميسور لمن أطلق فكره من قيود التقليد، واسترشد بما يهديه إليه العقل الصحيح بالإسناد إلى العلم الصحيح. على أننا نرجو أن لا تعدم هذه النهضة من يخلف الإمام الفقيد في الانتصار لها والعمل بها، والله على كل شيء قدير.

الفصل الثامن والثلاثون
مصطفى باشا كامل


شكل ??-?: مصطفي كامل صاحب اللواء (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
(?) مصطفى كامل والنهضة السياسية

شاهد المصريون في ?? فبراير سنة ???? ما لم يشاهدوا مثله من قبل. شاهدوا حزنًا على مصطفى باشا صاحب اللواء، عمَّ القطر المصري من أقصاه إلى أقصاه، وانتشر في سائر العالم الإسلامي، وسُمِع دويه في أوروبا والشرق الأقصى مما لم يُسمَع بمثله في وادي النيل. توفي صاحب اللواء في أصل ذلك اليوم ودفن في أصيل اليوم التالي، فمشي في جنازته عشرات الألوف، واشترك في المصاب أهل القطر على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم. فرثاه الشعراء وابنه والخطباء، وبكته الصحف، وقضت أيامًا في نشر ما يرد عليها من رسائل التعزية نثرًا ونظمًا. وأقيمت له المآتم في أنحاء القطر، فلم يبق جمعية خيرية أو أدبية أو نادٍ علمي أو مدرسة وطنية للذكور أو الإناث في القاهرة والإسكندرية أو في الأرياف إلا عقدت جلسة لتأبين ذلك الفقيد، حتى الجمعية الماسونية فقد احتفل بعض محافلها بتأبينه. وبعضهم أقام حفلات تأبين في الأزبكية غير ما بعثوا به من تلغرافات التعزية إلى إدارة اللواء من الأفراد والجماعات، كالجمعيات والمشيخات والمدارس، وتبرع كثيرون عن نفسه للجمعيات الخيرية ونحوها. وغير ما جاء من رسائل التعزية من إنكلترا وفرنسا وغيرهما ومن أطراف الهند. ونشرت التلغرافات العمومية والصحف الإفرنجية نعيَه، وتكلمت عنه. وتألفت في القاهرة لجنة لإقامة تمثال يحيا به ذكره، والناس يبذلون المال في هذا السبيل. وعينوا يوم ?? مارس التالي للاحتفال بتأبينه بجانب ضريحه بقرافة الإمام. فمن كان هذا وقع مصابه في النفوس جدير بأن ننظر ترجمة حاله، وندرس أخلاقه وأعماله، ونبين منزلته من التاريخ. ونقدم الكلام بفذلكة في تاريخ النهضة السياسية المصرية فنقول:
(?-?) النهضة السياسية المصرية

فتح العرب مصر في صدر الإسلام، فأصبح النفوذ فيها للفاتحين وأعظم مناصب الدولة في أيديهم، فتغلب العنصر العربي على سائر العناصر. ثم دخلت في حوزة الأكراد (الأيوبيين)، فالشراكسة (المماليك)، فالأتراك (العثمانيين)، فكان النفوذ ينتقل من أمة إلى أخرى حسب أدوار حكمها، على أن العنصر الشركسي ظلَّ متسلطًا في أثناء حكم الدولة العلية بمصر؛ لأنها ولتهم الأحكام تحت رعايتها، ومنهم أمراء المماليك والسناجق وبعض الجند. فأصبح العنصر العربي وهم المصريون الوطنيون أضعف سائر العناصر.
فقضى المصريون أجيالًا راضين بما قسم لهم، وكان الجهل ضاربًا أطنابه فيهم لاشتغال حكامهم بالحروب والخصومة عن ترقية شأن رعاياهم حتى أذن الله أن يتولى حكومتهم المغفور له محمد علي باشا الكبير فاقتضت سياسته ومقاصده إحياء معالم اللغة العربية، فأنشأ المدارس وفتح المعامل وسهل دخول الأجانب إلى هذه البلاد، وأرسل بعض شبانها إلى أوروبا لتلقي العلوم واقتباس حسنات التمدن الحديث. فاستنارت أذهان المصريين وفتحوا أعينهم، ففقهوا لما ضاع من حقوقهم، ولكنهم لم يطالبوا به لضغط حكامهم على أفكارهم بقوة الاستمرار، إذ لا يتأتى لهم أن ينتقلوا بغتة من الضغط الشديد تحت الأمراء المماليك إلى الحرية التامة تحت حكومة العائلة المحمدية العلوية. فتوالى على حكومة مصر محمد علي، فإبراهيم، فعباس، والمصريون ساكتون. فلما أفضت الولاية إلى سعيد باشا سنة ???? طلع على المصريين فجر الوطنية؛ لأنه كان يعدُّ نفسه مصريًّا، فأخذ يبث روح الوطنية في جنده إذ لم يكن للعامة ساعد يرجى ولا سطوة تخشى. وجاهر بوطنيته في حفلة اختتان نجله طوسون بحضور العائلة الخديوية وضباط الجيش وجماعة من الأجانب، فوقف وارتجل خطبة، قال فيها: «إن من أمعن النظر في تاريخ بلادنا هذه، وتوالي حوادثها المحزنة لا يسعه إلا الأسف والتعجب حيث تتوالى الأمم الأجنبية على أهلها، ويظلمون سكانها كالكلدانيين والفرس قبل الإسلام والترك والأكراد والشركس وغيرهم بعد الإسلام، وكلهم يفسدون ولا يصلحون، وقد عزمت على تثقيف أبناء البلاد، وتهذيبهم وترقيتهم حتى تكون حكومة البلاد بأيديهم بصفة كوني مصريًّا منهم، وبالله الاستعانة».
(فكان لقوله وقع شديد على السامعين، وفيهم أحمد عرابي باشا) وهو يومئذ صاغقول أغاسي، وكان جريئًا فازداد جرأة واتسعت مطامعه وأنبئت روح الوطنية في سائر الضباط، وارتقوا في رتب الجندية وأكثرهم غير متعلمين، وإنما رقاهم سعيد باشا تنشيطًا للوطنية فشق ذلك على الضباط الشراكسة والأتراك، وأوغرت صدورهم على الوطنيين، ووجلوا على سعيد باشا فأحس بجفائهم وتذمرهم فلم يبال، وربما ذكر ذلك للوطنيين تحريضًا لهم على الثبات.
النهضة العسكرية

فلما أفضت الولاية إلى إسماعيل سنة ???? تبدلت الأحوال لأنه كان على غير رأي سلفه في أمر الوطنيين، وقد بذل قصارى جهده في استقدام الأجانب إلى بلاده بما أنشأه من وسائل الرفاه وتسهيل التجارة وكان مع ذلك يعنى بتعليم الوطنيين وإرسال الإرساليات إلى أوروبا، فازداد المصريون معرفة لحقوقهم. ولكن الخديوي إسماعيل كان يرى من حسن السياسة أن يضغط عليهم، ويقيد أفكارهم ويطلق العنان للأجانب على اختلاف أجناسهم وخصوصًا الشراكسة، فكظم المصريون ما في نفوسهم أعوامًا على أنهم ظلوا يتهامسون به فيما بينهم، ولم يكن حديثهم حيثما اجتمعوا إلا التشاكي مما يقاسونه من الضغط مع خروج معظم مصالح البلاد من أيديهم إلى الأجانب.
وكان أكثرهم تشكيًا جماعة الجهادية لظهور الإجحاف فيهم أكثر مما بسواهم لأن القوة العسكرية كانت مؤلفة من المصريين والشراكسة وغيرهم. ولم يكن المصريون ينالون من الرتب إلا إمارة الآلايات فما دونها بخلاف الشراكسة، فقد كانت الآلوية والفرقاء منهم والسلطة والنفوذ في أيديهم، وكلما شاهدوا من المصريين تذمرًا زادوهم تضييقًا، فإذا اقتضت الأحوال تجنيد حملة إلى السودان أو غيرها من بلاد الشقاء جندوا إليها المصريين، وبقي الشراكسة يتمتعون بنفوذهم ورفاهيتهم في القاهرة والإسكندرية، فلم يكن ذلك إلا ليزيد الوطنيين حقدًا أو غيظًا. ولما لم يستطيعوا التصريح بشكواهم جهارًا ألفوا الجمعيات السرية يهمسون فيها بما في ضمائرهم سرًّا.
ثم أفضت الخديوية المصرية إلى المغفور له الخديوي توفيق باشا، وكان — رحمه الله — محبًا للوطن المصري راغبًا في ترقية أبنائه؛ لأنه تربى تربية وطنية محضة، وكان حر الضمير فنظر في شكوى الوطنيين فرفع الضغط عنهم واعترف بما لهم. وهي فضيلة جديرة بكل حاكم، ولكنها جاءت المصريين إذ ذاك على غير استعداد. فبينما هم تحت الضغط الشديد والنار كامنة في صدورهم إذ رفع الضغط بغتة، فاتقدت نيران الثورة وانتشرت في سائر أنحاء القطر.
هذا هو الطور الأول من النهضة السياسية الحديثة، والعامل فيه كما رأيت إطلاق الحرية فجأة بعد طول الضغط، وقد قام بها الجند وجاراهم الأهالي، وأكثر هؤُلاء لا يدركون ماذا يعملون وإن كانوا يرجون بذلك التخلص من امتياز الأجانب. وكان زعماء الجند أكثرهم من غير المتعلمين فلم يحسنوا التصرف في تلك الحركة، فبعد أن كانت نهضة وطنية سياسية تحولت إلى ثورة عسكرية آلت إلى الاحتلال الإنكليزي وأمره معلوم.
فلما ذهبت دهشة الحرب انتبه عقلاء الأمة فوجدوا أنفسهم قد نجوا من شر، ووقعوا في شرَّين لاعتقادهم أنهم سفكوا دماءهم، وبذلوا أموالهم للتخلص من شر الشراكسة وهم يختلفون عنهم جنسًا ويشتركون معهم في الدين، فإذا هم قد دخلوا في سيطرة دولة أجنبية تختلف عنهم جنسًا ودينًا. ونبغ على أثر تلك الثورة جماعة من رجال الفكر والحرية عملًا بسنة العمران على أثر كل حركة أهلية. وكان بعضهم قد مالئوا عرابي وحوكموا ونفوا ثم عادوا وقد زادتهم الغربة خبرة وعبرة، ورأوا الاحتلال قد توطدت دعائمه فرضخوا له، وهم يعللون أنفسهم بجلائه قيامًا بالوعد. على أن بعضهم يئس من الجلاء فتقرب من عميد الاحتلال واستعان به على خدمة مصالح الأمة، والبعض الآخر خدمها بنشر المبادئ الاجتماعية لترقية النفوس وتربية الأخلاق الحسنة، وعمل آخرون على بث المبادئ الإصلاحية في نفوس المسلمين ومحاربة البدع ونحوها مما يباعد بين المسلمين وسواهم.
أما الأمة على إجمالها فما زالت تئن تحت نير الاحتلال، وتتشكى همسًا في الأندية الخصوصية أو المجالس العائلية لا يسمع لها صوت، والصحافة مقيدة يومئذ بقانون المطبوعات إلا من كتب في جريدة إفرنجية لا سلطة للقانون عليها. وكان أكثر الأجانب تظاهرًا بتقبيح الاحتلال الفرنساويون.
ولما توفى المرحوم توفيق باشا وخلفه سمو الخديوي الحالي تجددت آمال الأمة بانقلاب سياسي يرفع ذلك النير عن رقابهم. وطبيعي أن يكون الجناب العالي أكثر الناس رغبة في الجلاء. ولم يخف ذلك على المصريين فزادوا تعلقًا بعرشه، وأحس الإنكليز بذلك فاستيقظوا وساعدتهم الأحوال على البقاء فبالغوا في استخدام نفوذهم، وأساء بعضهم معاملة المصريين فازدادوا كرهًا للاحتلال وتعلقًا بالخديوي كأولاد يستغيثون بوالدهم من غريب نزل في دارهم يحاول امتلاكها. ولنفس هذا السبب توجهت الآمال إلى الأستانة، وأكثر المصريون من ذكر الخليفة وسيادته على المسلمين وقلما كانوا يفعلون ذلك من قبل.
النهضة المدرسية

واقتضت سياسة إنكلترا في أثناء ذلك إطلاق حرية المطبوعات، ونبغ جماعة من الكتاب والمحررين تدرجوا في استقلال الفكر إلى نشر مساوئ الاحتلال، فحدثت نهضة سياسية صحافية انقسمت الصحف فيها إلى حزبين: حزب يعرف بجرائد الاحتلال يمتدح أعمال المحتلين. وحزب يعرف بالجرائد الوطنية ينتقدها وعميد إنكلترا يطلع على ما يقولون ولا يكلفهم السكوت. وكانت الجرائد الوطنية تعبر عن إحساس الوطنيين، وتطعن في جرائد الاحتلال لا يخرجون من ذلك عن المناقشة، وقلَّ فيهم من جاهر بطلب الجلاء. ونشأ في أثناء ذلك طبقة من الشبان تخرجوا في المدارس المصرية وتفقهوا في أوروبا، وتشرب بعضهم كره إنكلترا من معاشرة الفرنساويين، وفرنسا من ذلك الحين خصم إنكلترا تساعد كل من يقوم عليها. وزعماء هذه الطبقة من الناشئة المصرية طلبة الحقوق لما يتعوده طلاب هذا الفن من استقلال الفكر، والرضوخ للصواب، والتمسك بأهداب الحق. فتألف من الناشئة المصرية حزب جاهر بمقاومة الاحتلال، وانضم إليه سائر طلبة المدارس العالية، وهم في الغالب من أبناء الخاصة، ويعدون بالآلاف منتشرون في أنحاء القطر المصري، فبثوا تلك الأفكار في أهلهم وجيرانهم وهم سواد الأمة، فتكاثر الناقمون على الاحتلال، وهي نهضة سياسية مدرسية تختلف عن التي تقدمتها بقوة الحجة والاقتدار على المطالبة بالإقناع. وهي الطائفة التي نصرت مصطفى كامل وهو من طلبة الحقوق.
(?) مصطفي كامل

(?-?) ترجمة حاله

ولد في القاهرة من أبوين مصريين في ?? أوغسطس سنة ???? وكان والده علي أفندي محمد مهندسًا من جهة الصليبة، اشتهر بين معارفه وجيرانه بطيب العنصر، وحسن الخلق، ووالدته من جهة المحجر بالقاهرة. ولما بلغ السادسة من عمره، أتاه والده بمدرس لقنه القراءة والكتابة، ثم أدخله مدرسة عباس باشا الأول. وقبل إتمام دروسه الابتدائية توفي والده، فانتقل إلى مدرسة القربية وعمره ?? سنة فأتم دروسه الابتدائية فيها وظهر ذكاؤُه بامتيازه على سائر الرفاق، فنال جائزة الامتحان الأولى بين يدي المغفور له الخديوي السابق سنة ???? ثم انتقل إلى المدرسة التجهيزية فقضى فيها أربع سنين نال في نهايتها شهادة البكالوريا، وكان من النابغين واشتهر باستقلال الفكر وصراحة القول من ذلك الحين. وانتبه المرحوم علي باشا مبارك ناظر المعارف يومئذ لفصاحته وقوة عارضته، فقال له مرة: «إنك أمرؤُ القيس، وستصير عظيمًا» وأخبرنا أحد رفاقه في تلك المدرسة أن المرحوم علي باشا مبارك اختصه بجنيه يتناوله كل شهر مدة إقامته في المدرسة ودوَّن اسمه في كشف ماهيات المعلمين، واضطر مصطفى لنقش خاتم يختم به الكشف على اصطلاحهم، وهو أول عهده بالأختام.
وكان في أثناء إقامته بالمدرسة التجهيزية موضوع إعجاب الأساتذة والتلامذة جميعًا، لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان. ولم يكن ناظر المعارف أقل منهم إعجابًا به، فكان ينشطه ويدعوه إلى منزله ويناقشه في المسائل العلمية أو الاجتماعية ويقدمه إلى جلسائه من العلماء والوزراء والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلا مجيدًا. فلما أتم دروسه التجهيزية سنة ???? دخل مدرسة الحقوق الخديوية على أن يعدَّ نفسه لصناعة المحاماة، لأنها أحوج المهن إلى الخطابة. ورأى في وقته متسعًا فالتحق بمدرسة الحقوق الفرنساوية أيضًا، فكان يتلقى العلم بالمدرستين حتى نال الكفاية منه، فذهب إلى طولوز بفرنسا أدى فيها الامتحان ونال الشهادة وهو في التاسعة عشرة من عمره.
وتنبه خاطره وهو يدرس الحقوق إلى المسائل السياسية، ومدارها على مصر والاحتلال، وهو وطني حريص على وطنيته مستقل الفكر، شديد الثقة بنفسه، وقد تشرب من أساتذته الفرنساويين الاستهانة بإنكلترا والوثوق بفرنسا، فأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال. وكان عضوًا عاملًا في عدة جمعيات أدبية يخطب فيها ويباحث، وأكثر بحثه في مصر والاحتلال والجلاء. وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب هذه المواضيع. ولقي إصغاءً وتنشيطًا فألف رواية فتح الأندلس التمثيلية، وكتابًا في حياة الأمم والرق عند الرومان، وألف بعد ذلك كتاب المسألة الشرقية وغيره، وكلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال إلى المصريين وإحياء الشعور الوطني فيهم. فالتف حوله جماعة من المريدين والمعجبين وأكثرهم من رفاقه في المدرسة، ومن يرى رأيهم من تلامذة المدارس العالي، فأنشأ لهم مجلة شهرية سماها المدرسة يبث فيها آراءَه وأفكاره.
واتفق في أثناء ذلك رجوع المرحوم عبد الله نديم خطيب العراقيين إلى مصر سنة ???? وسمع بمصطفى كامل فقربه منه، واقتبس صاحب الترجمة بعض أساليبه، واطلع على دخائل الحوادث الماضية وتبين أسباب الفشل، فأصبح قادرًا على تجنبها وزاد رغبة في إنقاذ مصر من سلطة الأجانب، ولا يكون ذلك إلا بالالتفاف حول أمير البلاد فاستنبط فكرة الاحتفال بعيد الجلوس الخديوي، فحرض رفاقه التلامذة على ذلك، فاحتفلوا به في الأزبكية في ? يناير سنة ???? فقربته المعية، ورضي عنه الجناب العالي. وفي ذلك الاحتفال صرَّح مصطفى كامل للمرة الأولى بانتقاد حالة الحكومة، ودعا المصريين إلى مطالبة الإنكليز بالجلاء عن بلادهم قيامًا بوعودهم. وكان في جملة الحضور ناظر مدرسة الحقوق فاستدعى مصطفى إليه في الغد، وعاتبه على تصريحه، فأجابه أنه مصري وله الحق أن يبحث بشئون مصر، وشدد لهجته فرفع الناظر أمره إلى نظارة المعارف، فأصدرت أمرًا بمنع التلامذة من الاشتراك في مثل ذلك ومن مكاتبة الصحف. فاعتبر مصطفى هذا الأمر موجهًا إليه فازداد تمسكًا برأيه، وتضاعفت همته على إخراجه إلى حيز العمل.
وجاء مصر في ذلك الحين الموسيو دلونكل وهو فرنساوي كثير التظاهر بالغيرة على المصريين. وكان في مصر يومئذ حزب وطني تألف بطبيعة الحال من أوائل عهد الاحتلال، ولم يكن حزبًا منظمًا له رئيس ونائب وأمين وكاتب مثل أحزاب هذه الأيام، ولكنه ضم نخبة النبهاء والوجهاء الذين يكرهون الاحتلال وينتقدون أعمال الإنكليز إما رغبة في استقلال مصر أو نقمة لذهاب نفوذهم. ولهذا الحزب فضل على أكثر الصحف الوطنية التي نشأت في أوائل الاحتلال؛ لأنهم كانوا يساعدونها ماديًّا وأدبيًّا تحت طي الخفاء للاستعانة بها على جرائد الاحتلال. وكان مصطفى كامل طبعًا من جملة ذلك الحزب، وكان دلونكل يحضر مجتمعات الوطنيين ويستحثهم على الثبات. فالتقى هناك بصاحب الترجمة وأعجب بذكائه وفصاحته، فرغَّبه في السفر إلى فرنسا للتبحر في الحقوق، فسافر إلى باريس آخر سنة ???? وأعجبته حرية القوم وموافقتهم إياه في انتقاد الإنكليز، فعرف كثيرين من رجال السياسة والصحافة فيها. وفي ? يناير سنة ???? احتفل بعيد الجلوس الخديوي هناك احتفالًا شهده أكثر المقيمين في باريس من المصريين، وهم من التلامذة المرسلين لتلقي العلم على نفقة الحكومة المصرية. فألقى مصطفى فيهم خطابًا استحثهم فيه على الثبات في طلب الجلاء، فوافقوه وتواطأوا على استنجاد فرنسا في ذلك الطلب على أن تكون حجتهم وعد إنكلترا الذي صرحت به عام الاحتلال. وبلغ ذلك نظارة المعارف المصرية فأخرجت المشتركين في ذلك العمل من عداد الإرسالية.
وعاد مصطفى في أواسط السنة التالية إلى مصر، وتعاطى المحاماة أشهرًا فرآها أضيق من أن تسع مطامعه وفي صدره غرضٌ أصبح جزءًا من وجدانه، ولم يكتف بما كان ينشره في الجرائد، فعول على إلقاء الخطب السياسية في المنتديات العمومية، فألقى خطبته الأولى في الإسكندرية ونشرتها الجرائد، فرأى فيها الناس من شدة اللهجة على الاحتلال وطلب الجلاء ما لم يعهدوه من قبل فأعجبوا بالشاب وشاركوه في إحساسه وفيهم من يرى ذلك الطلب بعيد المنال، ولكن الإنسان يلتذ بالانتقاد على غالبه. فأطروه ونشطوه فازداد رغبة في الخطابة والصحافة، ولذت له الشهرة ووطن النفس على الاستهلاك في طلب الجلاء، وجعل ذلك وجهته وكعبة آماله ومدار أعماله، وهو يعلم عجزه عن تلك الأمنية بنفسه وأهله فرأى أن يستعين بفرنسا وقد جرَّأه على ذلك ما آنسه في رحلته الأولى من الحفاوة وما سمعه من التأمين والترغيب على عادة الفرنساويين من الانقياد إلى الوجدان. فكف عن صناعته، وانقطع للمطالبة بالجلاء فشخص سنة ???? إلى باريس ومعه رسمٌ كبير يمثل مصر والاحتلال الإنكليزي بشكل يرمز عن توسل المصريين إلى فرنسا أن تساعدهم كما ساعدت الأميركان واليونان والبلجيكيين والإيطاليان في نيل حريتهم.
رفع هذا الرسم إلى مجلس النواب الفرنساوي في ? يونيو من تلك السنة، ومعه عريضة قدمها باسمه ينوب فيها عن مصر في استنجاد ذلك المجلس على الإنكليز. وكان لهذا العمل دوي في فرنسا فضلًا عن مصر، وتحدث الناس يومئذ بجرأة هذا الشاب وعلو همته وإقدامه وهو إلى ذلك الحين لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره. فلم يأت هذا المسعى بالنتيجة المطلوبة ولكن الفرنساويين رحبوا بالخطيب المصري، وتقاطر إليه كتاب الصحف يقابلونه وينشرون آراءه في جرائدهم. وتسابق القوم يدعونه إلى إلقاء الخطب في أنديتهم، وكلها ترمي إلى الغرض عينه. وأول خطبة سياسية ألقاها على الإفرنج في طولوز صدرها بتاريخ الاحتلال وعهوده وفصل أحوال النظارات المصرية وسيطرة الإنكليز فيها، وبالغ في استئثارهم بالوظائف والنفوذ واحتقارهم الأهالي، وأخذ يبرهن أن وجود الإنكليز بمصر يخالف كل المعاهدات، وأن إخراجهم منها يوافق مصالح دول أوروبا كافة. ثم ألقى خطبًا أخرى وراسل الجرائد وكاتب الوزراء وكلها ترجع إلى انتقاد الاحتلال وطلب الجلاء. أشهرها خطاب بعث به إلى المستر غلادستون من باريس يسأله رأيه في مسألة مصر والاحتلال، فأجابه غلادستون جوابًا جاء في جملته قوله: «إننا يجب أن نترك مصر بعد أن تم فيها بكل شرف، وفي فائدة مصر نفسها العمل الذي من أجله دخلناها» و«أن زمن الجلاء على ما أعلم قد وافى منذ سنين».
فلا عجب بعد اعتراف أعظم رجال إنكلترا بموافاة زمن الجلاء إذا رأينا مصطفي كامل يزداد ثباتًا في دعوته. فرجع إلى مصر في أوائل سنة ???? وقضى بضع سنوات وهو يخطب ويكتب ويكاتب ويناضل. وكأنه خاف أن تضيق الصحف عن خطبه ومراسلاته، فأنشأ جريدة اللواء اليومية لنشر آرائه السياسية سنة ???? وهي الآن في سنتها الثانية عشرة، وصوتها في الدفاع عن مصر والمصريين من أعلى الأصوات.
ولما تم الاتفاق بين إنكلترا وفرنسا بشأن مصر والمغرب الأقصى، ولم ينل مصطفى من فرنسا غير المواعيد وجَّه احتجاجه إلى المراجع الأصلية إما إلى رجال السياسة بإنكلترا رأسًا أو إلى جرائدهم، وسافر إلى بلاد الإنكليز لهذه الغاية. ثم رأى ذلك لا يفي بمراده ولا يحيط بمدى صوته فأنشأ اللوائين الإنكليزي والفرنساوي لينشر فيهما أقواله عن مطالب مصر حتى يصل النداء إلى إنكلترا وسائر أوروبا، وألف لهما شركة مساهمة هي أول مساهمة تألفت لإنشاء الجرائد في هذه البلاد، وذهب بنفسه إلى إنكلترا واستقدم المحررين.
فطار صيته في الآفاق، وأصبح اسمه مرادفًا لاحتجاج مصر على إنكلترا، وهو في خلال ذلك لا يضيع فرصة لا يحتج بها. ومن أشهر مواضيع احتجاجه مسألة دنشواى، فقد كان في مقدمة المنادين بظلم الحكومة على أهلها واستكتب الأهلين عرائض لالتماس العفو وقَّع عليها ????? من المصريين ورفعها إلى الجناب العالي. وكان في أثناء ذلك يخدم مصلحة الدولة العلية من طرق كثيرة، فأنعم عليه السلطان بالرتب والألقاب حتى بلغ الرتبة الأولى من الصنف الثاني، والنيشان المجيدي الثاني. وتعلقت به قلوب المصريين، وتعشقوه بما لم يسبق له مثيل، فلما تشكل الحزب الوطني في العام الماضي انتخبوه رئيسًا له طول حياته، ولكنه رحمه الله كان قصير الحياة، فتوفي في العاشر من فبراير سنة ???? وهو في الرابعة والثلاثين من عمره. فانتخبوا مكانه رفيقه في جهاده محمد بك فريد رئيسًا للحزب، ومديرًا للألوية الثلاثة.
(?-?) صفاته وأعماله

كان رحمه الله متوسط القامة، قمحي اللون، سريع الحركة، جريئًا مقدامًا، فصيح اللهجة، قوي العارضة، شديد الثقة بنفسه، واسع الآمال، طموحًا للعلى، مستقل الفكر، صريح القول. وكان عصبي المزاج، والعصبي يغلب فيه الذكاء وحدة الذهن وسرعة الخاطر، وكانت هذه الطبائع ظاهرة في الفقيد ظهورًا واضحًا إذ كثيرًا ما كنا نراه في أثناء نضاله يكاد يغلب على رأيه لما يظهر لنا من حجة خصمه فما هو إلاَّ أن يصدر اللواء في اليوم التالي فنراه قد تدرع بدفاع أيده بشواهد تاريخية انتبه لها، وكانت تساعده على ذلك قوة الحافظة.
وكان فيه من طبائع العصبيين سرعة الانفعال. وسريعوا الانفعال يغلب فيهم التقلب في الرأي ولم يكن كذلك، ولكنه كان شديد الوطأة على مخالفيه ولو كانوا من أساتذته أو أقرب الناس إليه. وسرعة الانفعال مع هذه الشدة قد يبعثان على الفشل في الأعمال العظمى، لأنها تفتقر إلى التساهل والكظم والصبر على المكاره فالفقيد سدَّ هذا النقص بجرأته وعلو همته وثقته بنفسه. فكان إذا نهض لأمر اقتحمه اقتحام الأسد فريسته، وجاهد في سبيله بيده ولسانه وجَنانه، لا يعجزه السفر ولا يبالي بالتعب، فقضى زهرة شبابه يتنقل من قارة إلى قارة ومن عاصمة إلى عاصمة لا يتحول عن منبر عربي حتى يعلو منبرًا إفرنجيًّا. إذا كتب رأيت الحماسة تتجلى بين سطوره، وإذا خطب انقضَّ كالصاعقة أو انهال كالسيل. وإذا توهم في أحد وقوفًا في طريقه ناهضه وبارزه لا يبالي بمنصبه أو مقامه. وكان لا يهاب عظيمًا، ولا يراعي خليلًا ولا نزيلًا، ولا سيما في أوائل أدواره وهذا هو سبب ما كان يبدو في بعض أقواله يومئذ من التعريض بالنزلاء أو الدخلاء لاعتقاده أنهم يخالفون مصلحة مصر. وفهم القول يومئذ أنه يعني بالدخلاء السوريين فعاتبوه، فصرح أنه إنما يعني فئة منهم يعتقد أنها تكره مصلحة مصر. فلم يبق لهم حجة عليه لأن القائل أولى بتفسير أقواله. وقد يعذر على تعريضه بالسوريين إذا ساء الظن بهم فقد مرَّ بهم أعوام في أواسط الاحتلال لم يقم كاتبٌ يدعي الدفاع عن مصلحة مصر إلا حمل عليهم واتهمهم بالعداوة تصريحًا أو تلميحًا وهم ساكتون دائبون على أعمالهم حتى تحقق العقلاء بتوالي الأعوام أن السوري لا يقلُّ غيرة على مصلحة مصر من أخيه المصري وأن السوريين طائفة ذات شأن في المجتمع المصري، فعاد الفريقان إلى التحابِّ والتقارب. وكان الفقيد في مقدمة أولئك العقلاء.
وكان رحمه الله نزيه النفس عفيف الأزار، صادق اللهجة، طاهر الجيب، لا يلذ له من أحوال الحياة غير التفكير في الغاية التي وقف قواه عليها وهي خدمة بلاده بأشرف السبل وأنفعها، وكان يعتقد أن الاستقلال أول خطوة يجب السير بها ويعني بالاستقلال خروج الإنكليز من مصر بمساعدة دول أوروبا ورجوعها إلى ماكانت عليه قبله. واستجمع قواه في هذا السبيل فسافر وكتب وخطب وجادل وناقش لهذا الغرض. وكان يرى مصلحة مصر مرتبطة بمصلحة الإسلام على العموم، فكان شديد المدافعة عنه كثير السعي في نصرته، ومن أقصى أمانيه أن يكون نصير المسلمين في أربعة أقطار الأرض. وقد أطلعنا بعض الأصدقاء على كتاب من بعض رجال ابن الرشيد يؤخذ منه أن الفقيد سعى منذ بضع سنوات في السفر إلى نجد لملاقاة ذلك الزعيم هناك. وقرأنا في تأبين بعض مريديه أنه كان ينوي استئذان جلالة السلطان في أن يكون خطيب المسلمين في المدينة يوم وصول السكة الحديدية إليها، وأنه كان يهيئ أسباب الرحيل إلى اليابان لحضور معرضها ونقل نتائج الأفكار الكبيرة لربط العلائق مع الشعب الياباني على أن يمرَّ في أثناء طوافه ببلاد الهند ليرى أحوال النهضة الإسلامية هناك. كل ذلك يدلُّ على كبر نفس هذا الرجل وسعة مطامعه. فهل كان مخلصًا في سعيه حسن القصد بما يقوله؟ فإذا ثبت أنه كذلك حق للمصريين أن يبكوه ويعظموه وإن لم يروا ثمر عمله لأن الأعمال بالنيات، وإلاَّ فلا فضل له. ويظهر لنا من تدبر أعماله أنه كان مخلصًا وإليك الدليل: (?) ثباته في المبدأ الذي قام في نفسه منذ كان تلميذًا لا يسمع صوته إلا رفاقه حتى صار خطيب المحافل ومتكلم القوم وزعيم الحزب الوطني وصاحب الألوية الثلاثة، له دعوة واحدة كانت تتجلى في مطالبه إذا كتب أو خطب أو ناقش أو باحث بين الأصدقاء أو الأعداء بالعربية أو الإفرنجية على سواء.
(?) انقطاعه لهذه الدعوة وتفانيه في سبيلها حتى شغلته عن سائر مطالب الحياة وملاذ الشباب، فلم يتزوج ولا جلس لشرب أو لهو ولا التفت إلى جمال أو طرب. لا يلذ له غير التحدث بالوطن أو الاستقلال أو الجلاء، وقد يتبادر إلى الذهن أنه فعل ذلك طمعًا بالمال، وهذا باطل لأن الرزق من القلم أضيق من شقه. ويقول آخرون: إن غرضه الشهرة الواسعة، وقد نال منها ما لم ينله سواه من أهل هذا الجيل حتى تناقلت ذكره صحف العالم الإفرنجي وحدها ?????? مرة في أثناء جهاده فضلًا عن جرائد الشرق الأقصى والأدنى، وعرف اسمه كثيرون لا يعرفون اسم أعظم رجال مصر، ولكن طلب الشهرة في سبيل المصلحة العامة ليس من المعائب بل هو من أكبر دعائم العمران وطلاب الشهرة أعظم رجال العالم.
(?) إجماع الذين عاشروه من رفاقه وأصدقائه على حبه واعتقاد الإخلاص فيه فضلًا عن الآخرين مما لا يتأتى لغير المخلصين؛ لأن الانسان إذا سعى في مشروع عمومي طمعًا بمال أو جاه لا تلبث حقيقة حاله أن تنكشف لعشرائه الأقربين أو شركائه في عمله فينفضون من حوله، كما أصاب كثيرين من زعماء الأحزاب في العالم القديم والحديث، ففسدت نيات أصحابهم، وذهبت مساعيهم أدراج الرياح. وقد يبقى مع الزعيم المنافق أناس يداجونه ويداجيهم التماسًا للكسب. ولكن أصحاب مصطفى كامل ثبتوا في ولائه حيًّا وميتًا وهم يستهلكون في سبيل نصرته، وفيهم جماعة من نخبة العقلاء والفضلاء ومعظمهم أكبر منه سنًّا وأوفر مالًا وأعرض جاهًا، وبعضهم أغزر منه علمًا، وقد نصروه بعقولهم وأموالهم وقلوبهم ولم يستنكفوا من تصدره في مجالسهم ولا داخلهم الحسد من رئاسته عليهم.
(?-?) هل هو رجل عظيم؟

يختلف الحكم في عظمة الرجال باختلاف الأمم والأجيال، فبعضهم يقيسون العظمة بكبر المطامع وسعة الفتوح أو بكثرة الأموال، وبعضهم يقيسونها بمقدار النفع الذي يترتب على ظهور ذلك العظيم. فمن الفرنساويين من يعدُّ بونابرت أكبر رجال فرنسا لكثرة فتوحه وكبر مطامعه، وبعضهم يقدم باستور عليه؛ لأنه خدم الإنسانية باكتشافاته الميكروبية، وآخرون يفضلون رجال الدين والشارعين. وعندنا أن الرجل العظيم إنما يكون عظيمًا بما يخلفه من الإعجاب والأثر الحسن في نفوس معاصريه. إذ قد يكون عظيمًا بنفسه ولا يُوافق لإتمام عمله فيؤسس لمن يأتي بعده. وعلى هذا القياس نعدُّ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده عظيمين لأن الأول من مؤسسي النهضة السياسية، والثاني من مؤسسي النهضة الدينية الإصلاحية. وعلى هذا القياس أيضًا نعدُّ مصطفى كامل عظيمًا؛ لأنه أحيا في الأمة المصرية جامعة الوطن وهو القائل: «لو لم أكن مصريًّا لوددت أن أكون مصريًّا» وعلَّم المصريين المجاهرة بطلب حقوقهم، وأسمع دول أوروبا أصواتهم. فهو من أكبر مؤسسي النهضة السياسية المصرية. ولم يأت جمال الدين الأفغاني عملًا لا يستطيع مصطفى كامل مثله وأعظم منه لو بلغ إلى مثل سنه. ألم يواقف أعظم دول الأرض حتى عرَّض نفسه للنفي أو الطرد؟ وقد تفانى في خدمة مبدأه حتى مات شهيدًا في ريعان شبابه.
على أن ذلك لا يمنعنا من انتقاد أعماله لأن العصمة لله وحده ولكل أمرئ رأيه. والذي نراه في الفقيد رحمه الله كان متطرفًا في آرائه يعادي من ينتقدها أو يخالفه فيها. وإذا حمل على خصمه بالغ في الغض من فضله، وقد ينكر حسناته ولو كانت ظاهرة كالشمس. وكان مغاليًا في استسهال مطالبه لأنه طلب الاستقلال العاجل وقرائن الأحوال تشهد أن ذلك الطلب سابق لأوانه. أو لعله تعمد التطرف جريًا على سياسة المتطرفين Radical من أحزاب الأمم المتمدنة الذين يطلبون البعيد فإذا لم ينالوه نالوا بعضه. ومن ثمار هذه السياسة في مصر نهوض المعتدلين وتجرؤُ الخائفين من أرباب الصحف على طلب الإصلاحات الممكنة. ومن ثمار سياسة التطرف أيضًا سرعة نمو الشعور الوطني لما في تلك السياسة من الحماسة المثيرة للإحساس والحاملة على التضافر والتعاون. على أننا نرى أنه لو وجه تلك الهمة الشماء أو بعضها لاستدرار الأموال وإنشاء المدارس العالية، لكان ذلك أقرب إلى الغرض المقصود من سعيه، بدليل أنه إنما قام بمؤازرة أبناء تلك المدارس، ولولاهم لم يستطع عملًا يذكر، فكلما زاد عددهم زاد مشروعه قوة وثباتًا وتهيأت الأمة أن تحكم نفسها فإذا طلب الاستقلال بعد ذلك لا يجد المحتلون حجة للبقاء. ولم يكن يعجزه إنشاء عدة كليات كبرى بما فطر عليه من قوة العارضة وعلو الهمة، وبما له من المكانة في نفوس الأغنياء. ولا ننكر ما للفقيد من الأيادي البيضاء في نصرة التعليم والتربية، ولكننا في حاجة إلى أكثر من ذلك كثيرًا.
إن الفقيد أحيا الشعور الوطني بحماسته وجرأته، وجاءه الموت السريع في إبان جهاده فذهب شهيدًا. وعرف المصريون له ذلك فاتحدوا في البكاء عليه وتعاونوا في تعظيمه وتكريمه فظهر الشعور الوطني بعد موته أكثر مما كان ظاهرًا في حياته. فنتقدم إلى الساعين في مصلحة الأمة من مريديه وغيرهم أن يؤيدوا هذا الشعور بتعميم التعليم العالي ليكون اجتماع الأمة عن تعقل وروية، وذلك أدعى إلى الغرض المراد والسلام.

الفصل التاسع والثلاثون
سليم صيدناوي


شكل ??-?: سليم صيدناوي صاحب أكبر محل تجاري في مصر (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
المراد عندنا من نشر تراجم العظماء إما تدوين أعمالهم ليبقى ذكرهم إقرارًا بفضلهم وإعجابًا بمواهبهم، أو نشر تلك الأعمال للاعتبار بسير أصحابها قدوة لسواهم أو للسببين جميعًا. فترجمة بونابرت والإسكندر ومعاوية وبسمارك وغلادستون يراد بها تخليد أعمال أولئك العظماء والإعجاب بما أتوه من الأعمال العظمى. وترجمة كولمبوس مكتشف أميركا، وباستور مكتشف المكروب، وغونمبرج مخترع الطباعة وغيرهم من أصحاب الفضل على المجتمع الإنساني يراد بها على الغالب تدوين أفضالهم على صفحات التاريخ. وأما تراجم دزرائيلي وبالسي وسليني وروتشيلد وغيرهم من رجال النشاط والاجتهاد الذين ولدوا فقراء واكتسبوا الثروة أو العلم أو الصناعة بجدهم ونشاطهم فيراد بها فضلًا عن تخليد ذكرهم الاقتداء بأعمالهم، وكلما اقتربت سير هؤلاء من حاجات القراء زادت الفائدة من نشر تراجمهم. فترجمة رجال السياسة أو الإدارة أو الحرب لا تفيدنا شيئًا في ما نرجوه من التقدم في أعمالنا. وأما رجال العلم أو التجارة أو الصناعة إذا كانوا قد نالوا ما نالوه من الثروة أو الجاه بجدهم وأمانتهم فترجمة حالهم فيها قدوة حسنة للشبيبة من أبناء هذا الجيل، ودِرْهَمٌ قدوة خير من قنطار تعليم.
وقد جرت العادة أن يقتصر أرباب الأقلام عندنا على ترجمة العلماء أو القواد أو رجال السياسة، ونحنُّ أشد احتياجًا إلى ترجمة التجار العصاميين الذين أثروا بالطرق القانونية الموافقة لشروط النجاح. لأن التجارة أهم مصادر الارتزاق في بلادنا. ومن الأوهام الشائعة «أن الثروة لا تنال بطريق الحلال وأن الإنسان الأمين المستقيم يعيش فقيرًا ويموت معوزًا وإنما يثرى الكاذبون أهل الحيل والنفاق». ولهم في ذلك أقوال وأشعار وأمثال. وهو عذر الذين يفشلون في سعيهم مع رغبتهم في العمل وسهرهم واستقامتهم، فينسبون فشلهم على صدقهم وسلامة نيتهم. وهم إنما فشلوا لافتقارهم إلى بعض معدات النجاح كالذكاء أو المعرفة أو الثبات أو نحو ذلك؛ لأن الاستقامة وحدها لا تكفي، ولو رافقها السعي والسهر. وإليك أهم ما يحتاج إليه الإنسان من شروط النجاح على العموم:شروط النجاح

(?) المعرفة: أول ما يحتاج إليه طالب النجاح في هذه الحياة أن يكون متقنًا لعمل من الأعمال الصناعية أو التجارية أو الزراعية أو القلمية، كأن يكون نجارًا ماهرًا أو تاجرًا محنكًا في أصناف التجارة، أو عارفًا الحساب التجاري، أو مزارعًا يعرف أصول الزراعة علمًا وعملًا، أو عالمًا بفن من الفنون القلمية، أو متقنًا مهنة من المهن العلمية كالطب أو المحاماة أو الترجمة أو الإنشاء أو نحو ذلك. ويكفي أن يعرف مهنة واحدة معرفة جيدة لا أن يعرف غير واحدة معرفة ناقصة فإن المكثر لا يتقن، والنجاح يحتاج إلى إتقان.
(?) حسن الاختيار: وهو أن يحسن الإنسان اختيار المهنة الملائمة لمواهبه ويضعها في المكان الموافقة له، فلا يتعاطى الصناعة وهو مفطور على التجارة، ولا يشتغل بالعلم إذا لم تتوفر فيه المواد اللازمة له. ولا يتعاطى عملًا حيث لا يرجى له رواج، كأن يتجر بالأقمشة السميكة في البلاد الحارة، أو ينشئ معملًا لمصنوعات لا تروج في تلك البلاد أو أنها تكلف أكثر مما تكلفه إذا حملت إليها من الخارج أو نحو ذلك مما لا يمكن حصره وإنما يتكفل بتمييزه الذوق السليم.
(?) الثبات: كثيرًا ما يفشل العامل ولو توفرت فيه المعرفة اللازمة وحسن الاختيار، ويغلب أن يكون سبب فشله استعجاله في استثمار عمله. فإذا لم يذق ثمر سعيه عاجلًا عدل عنه وشكا سوء حظه أو نقم على الزمان لأنه لا يساعد غير الجهال … وقد يأتي بالشواهد القريبة عن أناس أفلحوا وهم أقل منه معرفة، وقد فاته أنهم إنما أفلحوا بالثبات أو بغيره من الأسباب التي لم تتوفر فيه وهي لازمة للنجاح.
(?) الاستقامة: من الأمثال الشائعة على ألسنة صغار الباعة أن هذا الزمان لا ينفق فيه غير النفاق، ولا يروج فيه غير الغش، وهم يقولون ذلك في كل زمان. وهو غير الواقع لأن الاستقامة والأمانة من أهم شروط النجاح، ولا سيما في هذا العصر عصر الحق والحرية وما نجاح الكاذبين إلا إلى حين. على أن الاستقامة لا تفيد شيئًا لأن المستقيم إذا جردته من المعرفة والثبات كان كالعجماوات؛ لأنها سليمة القلب لا تعرف الغش ويندر أن تسرق أو تخدع … وإنما يشترط في الاستقامة أن تكون دعامة للمعرفة لا أن تكون هي رأس مال العامل وحدها.
(?) الاجتهاد: قد تتوفر في الرجل المعرفة والاستقامة والثبات وحسن الاختيار ولا يصيب إلا نجاحًا قليلًا؛ لكثرة المناظرين له في مهنته أو لأسباب أخرى فلا يتم نجاحه إلا بالجد والسهر، وقد يكون الرجل متوسط الذكاء والمعرفة فيعوض جده عن ذلك النقص.
(?) مراقبة الفرص: إن اغتنام الفرص من أكبر أسباب النجاح وهي على الغالب أهم وسائل الإثراء. إذ قد تسنح للإنسان فرصة إذا تنبه لها واغتنمها أغنته عن سعي كثير أو فتحت له بابًا للكسب الطائل الذي لا يتوقعه من عمله الاعتيادي.
(?) أسلوب المعاملة: هذا سرٌ عظيم من أسرار النجاح، إذ قد يكون الإنسان متقنًا ثابتًا مستقيمًا مجدًا ساهرًا ولا يصيب نجاحًا كبيرًا؛ لأنه لا يحسن معاملة الناس أو أنه اتخذ في معاملتهم أسلوبًا لا يرضيهم. وينبغي لطالب النجاح أن يتحلى بالأخلاق الرضية مع خفة الروح، ورقة الطبع، ودقة الشعور. فإننا نعرف غير واحد من أشهر المتقنين لأعمالهم وقد فشلوا لأنهم لم يحسنوا الأسلوب في المعاملة وكثيرًا ما يتوقف نجاح المرء على حسن أخلاقه أكثر مما على حدة ذهنه وذكائه.
فسليم صيدناوي الذي نحن في صدد ترجمته ولد فقيرًا، ونال ثروة طائلة وشهرة واسعة بجدِّه واستقامته وثباته وحسن أسلوبه على ما تراه فيما يلي:
(?) ترجمة حاله

ولد سليم في دمشق سنة ???? من عائلة معروفة هناك، وكان أبوه المرحوم يوسف صيدناوي سمسارًا تجاريًّا. فربي في حضن والديه وتلقن مبادئ القراءة والكتابة على قدر ما تسمح به أحوال تلك الأيام. فقد كانوا إذا أتقن أحدهم القراءة في المزامير أو الأناجيل وعرف شيئًا من الحساب قالوا: «إنه ختم علمه» وكان والده كثير التفكير في مستقبل بنيه، ويرى أن الشاب لا يأمن الفقر ما لم يتعلم صناعة من الصنائع الضرورية فأدخل سليمًا في محل خياطة إفرنجية، وكانت حديثة العهد في سوريا يومئذٍ فتعلمها وما زال يشتغل بها حتى انتقل إلى مصر سنة ????.
وكان أخوه سمعان وهو أصغر منه بسنتين قد أتى مصر سنة ???? وفيه ميل إلى التجارة من صغره فخدم وهو في دمشق في محل تجاري نحو ثلاث سنوات مع رغبة أبيه في تعليمه الصناعة عملًا بالمبدأ الذي قدمناه. وقد علمه صناعة الحياكة، لكنه كان أكثر ميلًا إلى التجارة. وجاء مصر سنة ???? بلا رأس مال فلقي فيها عمه المرحوم نقولا صيدناوي، وكان تاجرًا في الحمزاوي يبيع الحرائر والخردوات، فخدم عنده ونفسه لا تطاوعه على البقاء في الخدمة. واتفق بعد خمسة أشهر من خدمته عند عمه أن تاجرًا سوريًّا اسمه إلياس جهامي توفي عن أولاد قاصرين، وله محل تجاري في الحمزاوي أراد الأوصياء تصفيته، فاغتنم سمعان هذه الفرصة وتصدى لتصفيته فسلموه إليه وعمل في أثناء التصفية على استخدام بعض ما يقبضه من ثمن المبيع في ابتياع بعض الأصناف وتصريفها مع سائر البضائع، على أن يكون له نصف ربحها وللمحل النصف الآخر. ولما قارب الفراغ من التصفية بلغت تلك الأرباح ??? جنيهًا نصفها له. فاتفق مع الأوصياء على استبقائها كلها بيده، وأن يدفع عن النصف الآخر وعن ثمن بضائع باقية في المحل قيمتها ??? جنيهًا فائدة قانونية. فكان رأس مال ذلك المحل نحو ??? جنيه ثلثها دين على سمعان يدفع فائدة ??? غرش كل شهر.
فصرف سمعان عنايته في طلب النجاح بالطرق الحلال، وكان سبب نجاحه على الأكثر أنه اهتدى بتفكيره وسهره إلى المصدر الأصلي للبضائع التي كان يبيعها في محله وهي الحرائر والمناديل، وكان تجار القاهرة يستوردونها من الأستانة فعرف هو أن تجار الأستانة يستجلبونها من أوروبا، فاستجلبها من هناك رأسًا وباعها بأرخص مما كان غيره يبيعها، فراجت تجارته واتسع شغله.
فلما قدم سليم إلى مصر كان سمعان في محله المشار إليه فاشتغل سليم أولًا بالخياطة من طريق التجارة، فاشترك مع الخواجه متري صالحاني في محل للخياطة والتجارة وحصة سليم من رأس المال دفعها أخوه. وبعد قليل احترق المحل وذهب رأس المال كله. وكان بين سليم وسمعان تآلف وتحاب فوق تآلف الأخوة كأنهما شخص واحد. وكان للمرحوم سليم انعطاف على أخيه منذ الصغر، فلما احترق المحل أغضى سمعان عن تلك الخسارة، وشارك أخاه في الباقي معه ففتحا حانوتًا في الموسكي عند مدخل شارع منصور باشا لا تزيد مساحته على أربعة أمتار مربعة، أقام فيه سليم وظل سمعان في الحمزاوي. وعقدا الشركة رسميًّا باسم «سليم وسمعان صيدناوي» سنة ???? أي منذ ?? سنة. وأخذا في العمل بنشاط وأمانة وهما عازبان يقيمان في غرفة بوكالة يعقوب بك بالحمزاوي ليس فيها من الأثاث إلا سرير ينام عليه أحدهما، ومقعد ينام عليه الآخر. ويأكلان في مطعم بغاية ما يكون من البساطة والاقتصاد. وقد سمعناهما يذكران ذلك بعد أن بلغا ما بلغاه من بسطة الجاه، وسعة الثروة، لا يرون في ذكره حطة ولا صغارًا.
(?-?) أساس النجاح

وأساس نجاحهما بعد الشركة حادثٌ يشبه ما يروى عن نجاح بيت روتشيلد يدلُّ على ثمار الأمانة والاستقامة. وذلك أن سليمًا وهو في حانوته المشار إليه أتته خادمة من قصر البرنس مصطفى فاضل باشا، وابتاعت منه ثوبي دانتيلَّا بستة عشر غرشًا (تعريفة) وفهمت أنه يعني ?? غرشًا صاغًا، فدفعت المبلغ ومضت وهو لم ينتبه لمقدار ما دفعته لاشتغاله بسواها، ثم عدَّ النقود فرأى المرأة دفعت ضعفي ما طلب منها ولم يكن يعرف مكانها. فجاءت في اليوم التالي لتبتاع ثوبين آخرين وبيدها ?? غرشًا أخرى، فأخبرها أن الثمن ? غروش وهي القيمة التي بقيت لها بالأمس، وأعطاها الثوبين ولم يأخذ منها شيئًا. فدهشت المرأة لهذه الأمانة، وهي نادرة الوقوع، لا سيما في معاملة الأغنياء لطمع الناس بأموالهم. وقصَّت ذلك على سيدتها فشاع خبر تلك الحادثة في بيوت الوجهاء من الأمراء وأقاربهم فرغبوا جميعًا في معاملة ذلك التاجر المستقيم. وكان سليم يعرف شيئًا من التركية سهل عليه معاملتهم وما زالوا يزدادون ثقة بأمانته كل يوم حتى أصبحوا لا يبتاعون فرشًا أو ثيابًا أو قماشًا إلا بمشورته أو على يده.
فاشتهر بالأمانة والاستقامة بين الأغنياء، فزادت مكاسبه وضاق ذلك الحانوت عليه فانتقل سنة ???? إلى حانوت أكبر منه في الموسكي أيضًا يطل على الخليج، ثم وسعوه من داخله بعد ذلك وهو شطر محلهم الحالي وفيه أصناف السجاد والفرش. ولما أخذا ذلك المحل اجتمع الإخوان للتعاون على العمل، وظل محل الحمزاوي لهما. وما زالت أشغالهما تتسع ورأس مالهما يكبر، وكلما ضاق المحل وسعاه حتى لم يبق سبيل إلى توسيعه، فأخذا محلًّا تجاهه جعلاه المحل المركزي وفيه الكتاب والحساب.
ومما يعدُّ خطوة كبرى في طريق النجاح اعتمادهم في المسواق على أوروبا. بدأوا بذلك سنة ???? في فرصة عرضت لهما وذلك أن المرحوم سليمًا أصيب بانحراف في صحته فوصفت له الأطباء الاستشفاء بأوروبا، فاغتنم وجوده هناك وخابر المعامل التي تشتغل بأصناف تجارته، ورأى فرقًا كبيرًا بالأثمان فعاملها رأسًا، فسار ذلك قاعدة في المسواق كل عام، وانقسم الشغل بين الأخوين فتولى سليم المسواق والحسابات وانفرد سمعان بتنظيم إدارة البيع وما زالا في تقدم، والشغل ينمو ويتسع ويتفرع حتى أصبح محلهم في القاهرة أعظم محل تجاري في الشرق، عدد عماله يناهز ??? عاملًا من الباعة والكتاب غير المستخدمين الصغار وغير مستخدميهم في أطيانهم وعقاراتهم وأعمالهم الأخرى، فضلًا عن محلاتهم الفرعية في منشستر وليون وباريس والإسكندرية وغيرها. وغير البنك الذي أنشأه قبل وفاته شركة مساهمة باسم «بنك صيدناوي وظريفة ونحاس وشركاهم» وأنعم عليهما الجناب العالي بالرتبة الثانية مع لقب بك. وفي ذلك العام جعلا محلهما التجاري بالقاهرة شركة مساهمة اسمها «سليم وسمعان صيدناوي ليمتد» وظلت شركتهما الأصلية في العقار والطين باسم «سليم وسمعان صيدناوي» أما ثروتهم فنحو ثمان مئة ألف جنيه، ثلثاها عقار وأطيان والثلث الآخر في التجارة.
حساب الحق أو العشور

قد رأيت أنهما أسسا شركتهما على الاستقامة والأمانة وقد سيجاها بالإحسان على أسلوب جعلا الإحسان فيه فرضًا عليهما لا يتوقعان عليه أجرًا. وذلك أنهما تعاهدا منذ تأسيس الشركة — وهما في ذلك الحانوت الصغير — أن يخصصا خمسة في المئة من الربح تفرق على الفقراء على سبيل الزكاة فأصبحا يجردان المحل في كل سنة، فإذا عرفا الربح أخرجا خمسة في المئة منه للإحسان، وسميا هذا المال «الحق أو العشور» تنفق في سبيل البر. وما زال ذلك دأبهما إلى الآن، وقد زادت أموال العشور بزيادة أرباحهما ففتحا لها حسابًا خاصًا في دفاتر خاصة وربما بلغ مقدارها الآن نحو ???? جنيه في العام تنفق في إعالة الفقراء لا يفرقان في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي وغيره، للكساء أو الطعام أو المأوى أو بتزويج العذارى اللواتي يحول الفقر دون زواجهن. فكم من عائلة سترها إحسانهما، وكم من بيوت أمست لولاهما خرابًا. يفعلان ذلك ولا يعدانه إحسانًا، وإذا أردت التنويه بذكره تجاهلا، وقد ينكرانه ولكن الحق يأبى إلا الظهور. فلا عجب إذا رأيت آثار إحسانها ظاهرة في الجمعيات والعائلات والمستشفيات والمدارس والكنائس. وهي أمثولة للأغنياء يحسن تحديها والعمل بها. فإن المحسنين بينهم قليلون، وإذا عملوا بِرًّا نفخوا بالبوق وضربوا بالطبل وأشاعوا ذلك على صفحات الجرائد التماسًا لحسن الأحدوثة.
(?) صفاته وأخلاقه

كان سليم رحمه الله ربع القامة، ممتلئ الجسم، مخلص الطوية، صادق اللهجة، لا يحلف ولا يخلف، وكان واسع الصدر، طويل الأناة، شديد الميل إلى المسالمة والتساهل، صبورًا على العمل، شديد المحافظة على الوقت، كثير الرغبة في مواساة الحزانى، وإعالة المساكين، فإذا احتضر والدٌ وعلم قبل موته أن سليم صيدناوي سيكون وصيًّا على أولاده مات قرير العين مطمئن الخاطر؛ ولذلك كثرت الوصايات إليه وهو لا يبالي بما ينفقه في سبيلها من الوقت أو الصحة. فضلًا عن أعماله في خدمة أوقاف الطائفة الكاثوليكية، وعن توسطه في حل المشاكل بين الشركاء أو الأقرباء أو الأصدقاء.
ومع كثرة شواغله كان كثير الائتناس بأهله، لا يبرح بيته زاهرًا مشرقًا بقرينته وهي ابنة عمه نقولا صيدناوي الذي تقدم ذكره في صدر هذه المقالة بما فطرت عليه من الذكاء واللطف والتعقل وحب المطالعة، فلم تكن تذخر وسعًا في سبيل راحته، فإذا أوى إلى منزله خففت عنه متاعب الحياة بلطفها وحسن أسلوبها، كما ينبغي أن تكون المرأة الفاضلة. ويعمد هو إلى ملاعبة أولاده أو أولاد أخيه ومداعبتهم فيذهب تعبه وتتجدد قواه، فيزداد نشاطًا على العمل.
(?) العبرة والموعظة

نحن في مقام ترجمة المرحوم سليم صيدناوي، ولكننا لم نرَ بدًّا من الكلام عن أخيه أيضًا لارتباطهما في العمل وتعاونهما على الخير. أما العبرة بما تقدم فهي أن نجاح هذين الأخوين حجة دامغة على أن الاستقامة والصدق ضروريان للنجاح، ولا يكون مأمونًا إن لم يتعهده أصحابه بالإحسان زكاة أو صدقة فتزداد المكاسب وينجو صاحبها من غوائل الحسد. ليس لأن الحسد يضر المحسودين ولكن الإنسان إذا ارتقى بأي باب من أبواب العمل كثر حساده ومنتقدوه، وكلما كبرت نفسه كثر الطاعنون فيه، ومن الناس من لا يهمه ما يقال عنه، وإنما يهمه أن تزيد ثروته أحبَّهُ الناس أو أبغضوه. ومنهم من لايهمه الكسب بقدر ما يهمه حب الناس. فهؤلاء يتلافون الطعن والحسد بالإحسان والتواضع والتلطف، وقد يكون إحسانهم عن إحساس ديني التماسًا للثواب، وكلا السببين الآخرين حسن نافع؛ لأن النتيجة منهما إعالة الضعفاء وعمل الخير. وأما الذين يقتصر همهم على جمع المال لا يبالون بما يقال عنهم فإنهم نموٌّ غريب في جسم الاجتماع ينمو بامتصاص غذائه ويعود بالضرر عليه.
أما الصيدناويان فإنهما أفضل مثال لما ينبغي أن يكون عليه رجال الثروة وأهل الجاه، وهما مع ثروتهما وجاههما يتوخيان البساطة في أساليب معاشهما ويبذلان الألوف في إعالة الفقراء. وهما مثال في الجد والنشاط يشتغلان من الصباح إلى ما بعد العشاء شغلًا شاقًا يعرفه كل من زار محلهما ورأى حركة العمل فيه.
ومن أسباب نجاحهما غير ما تقدم من الأمانة والنشاط واغتنام الفرص حسن الاختيار، فقد اختارا العمل واقتسماه على حسب استعداد كل منهما: سليم للمسواق والإدارة والحسابات، وسمعان لإدارة البيع. ومن تلك الأسباب أيضًا الثبات فقد ثبتا في شغل واحد ثلاثين سنة، وهو الإتجار بالحرير والخردوات لم يتحولا عنه، وإنما وسعوه بما يلائم أن يكون ملحقًا به. ومنها أسلوب المعاملة، وهما مشهوران باللطف والتواضع فلا يخرج الشاري ولا البائع من محلهما إلا راضيًا.

الفصل الأربعون
قاسم بك أمين


شكل ??-?: قاسم أمين نصير المرأة المسلمة والداعي إلى إصلاح العائلة (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
أصيب الإسلام في أوائل هذا القرن بفقد غير واحد من كبار رجاله ونوابغ عماله، نخص بالذكر اثنين من دعاة الإصلاح الاجتماعي أو الديني، أحدهما الشيخ محمد عبده زعيم النهضة الإصلاحية الإسلامية في هذا العصر. والثاني قاسم بك أمين نصير المرأة المسلمة والداعي إلى إصلاح العائلة. وقد مات كلاهما وبينهما ثلاث سنين فخسرنا بذلك خسارة لا يعرف مقدارها إلا الذين يعلمون افتقار تشرق إلى ذلك الإصلاح، ولا سيما العائلة فإنها قوام الأمة، وقوام العائلة المرأة فلا الصلح الأمة إلا بإصلاحها.
المرأة العربية قبل الإسلام وبعده

تبين لنا من أبحاثنا في «تاريخ العرب قبل الإسلام» الذي صدر ملحقًا للهلال أن المرأة العربية كان لها مقام رفيع في التمدن العربي القديم، فتعاطت الكتابة وتولت الإدارة وعانت سائر أعمال الرجال في الألف الثالث قبل الميلاد أي منذ أكثر من ???? سنة. وعرفنا دولًا عربية في أعالي الحجاز لا يتولى الملك فيها إلا النساء. ناهيك بما تناقله العرب من أخبار بلقيس صاحبة اليمن والزباء (زينوبيا) صاحبة تدمر. عدا اللواتي اشتهرن في أثناء الجاهلية من العرَّافات والكواهن، ولا يتولى الكهانة إلا الممتازون بالعقل والتدبير بعد أن ينالوا المقام الرفيع ويحرزوا العلم الواسع. ويقال بالإجمال: إن المرأة في الجاهلية كان لها شأن وإرادة وأنفة ورأي وحزم. ونبغ غير واحدة منهن قبيل الإسلام وفي أوائله بالسياسة والحرب والأدب والشعر والتجارة والصناعة على أثر ما حصل من النهضة في النفوس والعقول يومئذٍ، فاشتهر جماعة منهن بمناقب رفيعة تضرب بها الأمثال. وممن اشتهرن بالحزم والرأي خديجة بنت خويلد زوج النبي، وأسماء بنت أبي بكر، وسكينة بنت الحسين وغيرهن?. ظلت المرأة العربية على أنفتها وعزة نفسها وسمو منزلتها في أيام الراشدين، وزاد توسعها في طلب المعرفة إذ اتسع المجال للعقول والمواهب، فنبغت غير واحدة بالشعر والأدب، وأتت بعضهن أعمالًا يعجز عنها كبار الرجال. فلما أفضت الدولة إلى بني أمية في أواسط القرن الأول للهجرة، أصاب المرأة العربية صدمة قوية غيرت كثيرًا من طبائعها لتكاثر الجواري والغلمان في دور الأمراء، وانغماس بعض الخلفاء في الترف والقصف وانتشار الغناء والمسكر، وتكاثر المخنثين في المدن وتوسطهم بين الرجال والنساء بالباطل.
ولما استبحر عمران المسلمين في العصر العباسي زادوا انغماسًا في القصف واللهو والخلاعة، وفسدت النية بين الرجل وامرأته، وهو صاحب الذنب؛ لأنه بدد شعائره وأمياله بين عدة نساء فقلَّت ثقة امرأته به. ولم ينضج التمدن في ذلك العصر حتى تنوسيت المرأة العربية وذهبت حريتها وغيرتها وانحطت نفسها وذهبت أنفتها واستقلال فكرها، فاحتقرها الرجل وساء الظن بها، وصار يعاشرها على غل وسوء رأي، يقفل عليها الأبواب والنوافذ. وأصبح الطعن في طباعها وسوء سريرتها شائعًا على ألسنة الناس حتى ألفوا فيها الروايات والقصص، ونظموا بها الشعر وتفننوا في وضع الجمل الحكمية، والعبارات البليغة في تحذير الناس من المرأة وعدم الوثوق بها. هذه قصة ألف ليلة وليلة تمثل حال المرأة في الأعصر الإسلامية الوسطى بعد شيوع التسري وانغماس المسلمين في الترف. وأما الأشعار فإليك ما قاله أبو العلاء المعري:
إذا بلغ الوليد لديك عشرًافلا يدخل على الحرم الوليدوإن خالفتَنِي وأضعتَ نصحيفأنت وإن رزقت حجا بليدألا إن النساء حبال غيبهن يُضَيَّع الشرف التليد وأصبح الكاتب إذا أراد تعزية صديق، على فَقْد بنتٍ له قال ما قاله أبو بكر الخوارزمي إذ كتب إلى رئيس بهراه يعزيه ببنته وهو قوله:
ولولا ما ذكرته من سترها، ووقفت عليه من غرائب أمرها، لكنت إلى التهنئة أقرب إلى التعزية، فإن ستر العورات من الحسنات، ودفن البنات من المكرمات، ونحن في زمان إذا قدم أحدنا فيح الحرمة. فقد استكمل النعمة، وإذا زف كريمة إلى القبر، فقد بلغ أمنيته من الصهر قال الشاعر:
ولم أر نعمة شملت كريمًكنعمة عورة سترت بقبر وقال آخر:
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقًاوالموت أكرم نزال على الحرام وقال آخر:
وددت بنيتي ووددت أنيوضعت بنيتي في لحد قبر وقال آخر:
ومن غاية المجد والمكرماتبقاء البنين وموت البنات وقال آخر:
سمينها اذ ولدت تموتالقبر صهر ضامن وبيت هذا مثال من آراء أدباء المسلمين وشعرائهم في المرأة بين القرنين الرابع والخامس للهجرة، وقد زادت حطة وصغارًا في الأجيال الإسلامية الوسطى تبعًا للتقهقر العام، وبلغت غاية ذلك في القرون الأخيرة قبل النهضة، وقد تساوت في ذلك الانحطاط المرأة المسلمة وغير المسلمة من نساء الشرق الإسلامي على الإجمال والناس سكوت. لأن القرائح جامدة، والنفوس ميتة بما تولى الناس من فساد الأحكام وتفشي الجهل.
فلما أخذ القوم بأطراف التمدن الحديث، واستنارت العقول بالعلم انتبه العقلاء إلى المرأة، وعمدوا إلى النظر في تحسين حالها ورفع شأنها، — بدأ بذلك المسيحيون لكثرة اختلاطهم بأصحاب هذا التمدن، وقد أصابوا منه حظًّا وافرًا إذ ليس في تقاليدهم أو عقائدهم ما يمنع حريتها. ثم أخذ عقلاء المسلمين يفكرون في حال المرأة المسلمة ويشعرون بحاجتها إلى الإصلاح لعلمهم أن الأمة يتوقف إصلاحها على إصلاح المرأة. فطفقوا يتهامسون في ذلك تهيبًا من مقاومة تيار العامة الذين يعدون التضييق على المرأة من حقوق الرجل.
ثم أخذ بعضهم يتظاهرون بنصرتها، وأنشئت المدارس لتعليمها، وظهر القائلون بوجوب إصلاحها، وليس بينهم من تصدى للمجاهرة بذلك على الملأ بالكتابة والخطابة؛ لأن الشجاعة الأدبية كانت قليلة بيننا. وأسبق المسلمين إلى طلب الإفراج عن المرأة في هذا العصر الأتراك في الأستانة؛ لكثرة اختلاطهم بالأجانب، وسبقهم في الاطلاع على أسباب التمدن الحديث. ولذلك كان كتابهم أسبق إلى المجاهرة بوجوب رفع الحجاب، وأول من فعل ذلك من العرب هناك الشيخ أحمد فارس صاحب الجوائب.
أما في مصر فما زال العقلاء يتهامسون في هذا الموضوع وفي غيره مما يشعرون بحاجتهم إليه من الإصلاح الاجتماعي أو الديني حتى صرح الشيخ محمد عبده بآراءه فلاقى ما لاقاه من المعارضة والنقمة، وكانت وجهته الإصلاح الإسلامي على العموم بحل قيود التقاليد، وتحكيم العقل في التفسير، والتأويل إلى ما فيه ترقية شئون المسلمين. فكثر مريدوه والمؤَمِّنون على أقواله وإن قل المجاهرون بذلك على المنابر أو في الصحف. ومن أولئك القليلون فقيد الأمس قاسم بك أمين فإنه أخذ على عاتقه القيام بأهم أسباب الإصلاح المطلوب، نعني تحرير المرأة. تصدى لذلك بشجاعة يندر مثلها.
الشجاعة الأدبية

الشجاعة الأدبية أن يقول الإنسان اعتقاده، ولو كان فيه ما يسئ الكبراء أو يهيِّج عليه العامة مما يئول إلى الخطر على حياته أو مصلحته. وأصحاب هذه المنقبة قليلون، ولا سيما في الشرق بعد ما توالى على أهله من أصناف الذل والخسف.وأما في إبان تمدنه فقد اشتهر من رجاله جماعة نضرب الأمثال بشجاعتهم الأدبية لسيادة العدل ونزوع ولاة الأمور إلى نصرة الحق، والضرب على أيدي الظالمين. فلم يكن الناس يخافون أن يقولوا ما يعتقدون حتى كان الرجل من العامة ربما انتقد الخليفة أو الأمير في وجهه لا يخشى بأسًا، وقد تعود المسلمون ذلك من زمن الراشدين. فلما أفضت الدولة إلى بني أمية وعمدوا إلى الدهاء والشدة في تأييد سلطانهم أمسكوا على الناس حريتهم. ومع ذلك فقد نبغ غير واحد بذلوا حياتهم في سبيل شجاعتهم كما أصاب أبا ذر الغفاري، وحجر بن عدي الكندي، وسعيد بن حبير وغيرهم. ولا تقتصر تلك الشجاعة على المسائل السياسية أو الدينية، بل هي لازمة في العلم والأدب فقد عرَّض غاليليو حياته للخطر لمخالفة الأولين في قولهم عن ثبوت الأرض.
والإنسان من فطرته حرُّ الفكر، يدلك على ذلك ما يبدو في كلام الأطفال من الصراحة والحرية، ولكن تربيته على الخوف والحذر وتضييق الفكر منذ الصغر بالخرافات والأوهام تقيِّدان العقل حتى يعجز صاحبه عن التفكير إلا على القالب الذي صب عقله فيه — فعلى طالب الإصلاح قبل أن يحل لسانه من خوف العقاب أن يحل فكره من قيود التقليد — هذه هي الخطوة الأولى نحو الشجاعة الأدبية. وجمهور العامة مقيدو الفكر لا تتمشى أفكارهم إلا على الخطة التي رسمتها عاداتهم، فتبدو آراؤُهم مسبوكة في القوالب التي اقتضتها تربيتهم أو معتقداتهم. فقبل أن نطالبهم بحرية القول أو الشجاعة الأدبية يجب علينا أن نعلمهم «حرية الفكر» أي نجعلهم ينظرون في ما يعرض لهم من المسائل بعين العقل لا بعين الغرض، وأن يبحثوا عن الحقيقة المجردة بقطع النظر عما غرس في أذهانهم مما يخالفها فيحكموا عقولهم وليس عاداتهم ومعتقداتهم — ذلك ما يعبرون عنه باستقلال الفكر.
فمتى أطلق الرجل فكره من قيود الغرض أو التقليد بقي عليه أن يصرح بما يرشده إليه عقله إذ قد يكون في تصريحه ما يسوءُ سواه أو يعود عليه بالضرر، فيمسك عنه خوفًا أو مسايرة فيسكت. وقد يتمادى في جر المنفعة لنفسه فيقول عكس ما يعتقده التماسًا لرضى الآخرين. ونرى أمثلة من ذلك شائعة بيننا لهذا العهد.
فالناس من هذا القبيل ثلاث طوائف: طائفة غلبت عليها الأوهام وقيدتها التقاليد، فلا تنظر في الأمور إلا بعين الغرض وبما تقتضيه تلك القيود، فلا يلام أصحابها إلا على الجهل. وطائفة حلت أفكارها من تلك القيود ونظرت في الأمور بعين العقل فظهر لأصحابها في شئون العامة خلل يقتضي إصلاحًا، فمنهم من يسكت عن إبداء رأيه خوفًا من غضب الجمهور أو مراعاة لرئيس أو صديق — وهي جبانة وضعف. ومنهم من لا يكتفي بالسكوت عن الحق بل يجاري تيار الجهلاء فيقول عكس ما يعتقد — وهو النفاق والرياء. ومنهم من يقول ما يعتقده بشجاعة وصراحة لا يبالي بما قد يلحقه بسبب ذلك من الضرر — وهي الشجاعة الأدبية وأصحابها هم رجال الفضل على المجتمع الإنساني ومنهم كبار المصلحين والشارعين. وليس المصلح أو الشارع إلا رجلًا دعا الناس إلى غير ما ألفوه أو تعودوه من الإصلاح الديني أو الاجتماعي وضحى نفسه أو مصلحته في هذا السبيل — وصاحب الترجمة من أولئك المصلحين.
ترجمة حاله

كان أبوه أمين بك ابن أمير من أمراء الأكراد أخذ رهينة في الأستانة على أثر خلاف وقع بين الدولة العلية والأكراد. ثم جاء إلى مصر على عهد إسماعيل باشا، وانتظم في الجيش المصري ورقي فيه إلى رتبة أميرالاي، وتزوج بكريمة أحمد بك خطاب أخي إبراهيم باشا خطاب، فولدت له أولادًا أكبرهم قاسم صاحب الترجمة.
وليس في ترجمة قاسم أمين ما نراه في تراجم رجال الحرب أو السياسة من الحوادث العديدة، فقد رُبِّي كما يربو أمثاله من أولاد الوجهاء، وتثقف في مدارس الحكومة المصرية، وكان ممتازًا في صغره بالذكاء وحدة الذهن، ولما أكمل دروسه كان في جملة الذين اختارتهم الحكومة للإرسال إلى أوروبا يتعلمون بنفقتها على جاري العادة في ذلك الحين. فدرس الحقوق في فرنسا وعاد إلى مصر سنة ???? فتعين وكيلًا للنائب العمومي في محكمة مصر المختلطة، وما زال يرتقي حتى صار مستشارًا في الاستئناف، وكان في كل أعماله مثال الأمانة والنشاط واستقلال الفكر حتى توفاه الله بالسكتة في ?? أفريل الماضي وهو في الثالثة والأربعين من عمره.
صفاته وأعماله

كان رحمه الله ربع القامة، أسمر اللون، كثير التفكير، قليل الكلام، وكان حرَّ الفكر، صادق اللجة، وقد زاده التبحر في القوانين والنظر في أقوال الفلاسفة الاجتماعيين استقلالًا في الفكر، وصراحة في القول؛ لأن القضاء يعود على صاحبه التمسك بالحق وإجلال قدر الحقيقة، وممارسة القضاة الأحكام، وتعودهم إذعان الناس لأقوالهم بلا مراجعة يزيدهم جرأة لإبداء آرائهم في كل مسألة تعرض عليهم، ولذلك رأيت المحاباة والرياء نادرين فيهم.
وكان كبير النفس، شديد الحرص على كرامتها، ولذلك رأيناه محبًّا لأمته راغبًا في رفع منزلتها لأن حب الأمة من حب الذات، ولا يحب أمته إلا الذي يحب كرامة نفسه، ومن يتغالى في خدمة أمته فإنما يفعل ذلك حبًّا بنفسه.
واطلع قاسم على أحوال الأمم الراقية في أثناء إقامته بأوروبا، فتمنى أن تكون أمته مثلها، فنظر في أسباب الرقي فرآها كثيرة لا يمكن تناولها دفعة واحدة، ولا يتيسر تناول شيء منها قبل إصلاح العائلة، لأن الأمة تكون كما تكون العائلة، والعائلة تكون كما تريد المرأة، فوجه عنايته إلى إصلاح المرأة المسلمة، وليس هو أول من رأى ذلك أو فكر فيه كما قلنا، ولكنه كان حازمًا مقدامًا لا يكتفي بالقول والتذمر أو الاستسلام على عادة أكثر المفكرين بيننا، ومنهم طائفة لا يقِلُّون تعقلًا وسدادًا عن المفكرين في العالم المتمدن، ولكنهم يقولون ولا يفعلون — وهي آفة المشارقة. أما قاسم أمين فكان فعالًا إذا اقتنع بصواب فكر أخرجه إلى حيز العمل. فلما عرف الطريق المؤدي إلى إصلاح أمته بادر إلى مباشرته وهو يعلم ما يعتور مشروعه من العقبات، وما سيلقاه من مقاومة تيار الرأي العام. لأن إصلاح المرأة يقتضي منحها الحرية، ويتناول تقبيح الحجاب والنهي عن الطلاق وتعدد الزوجات مما يعدُّه العامة من قبيل العقائد الدينية وهو ليس من الدين في شيء فاضطر أن يبين ذلك في أثناء بحثه. وبعد إعمال الفكرة ألف كتابه «تحرير المرأة» واسمه ينم على منزلة المرأة المسلمة في اعتباره، فهو يعدُّها مستعبدة، وقد أخذ على نفسه أن يحررها. وعلم أن الناس سيكبرون قوله، وينكرن عليه مشروعه — حتى المرأة؛ لأنها ألِفَت الذل وتعودت أن تعتبر نفسها من أدوات المنزل. فلم يكن يتوقع أن يرى ثمرة سعيه في حياته فرضي أن يضع الأساس لسواه، فصدَّر كتابه المشار إليه بقوله: وغاية ما أريد هو أن أستلفت الذهن إلى موضوع قلَّ المفكرون فيه، لا أن أضع كتابًا يوفي الكلام في شأن المرأة ومكانتها من الوجود الإنساني. وقد يوضع مثل هذا الكتاب بعد سنين متى نبتت هذه البذرة الصغيرة، ونما نباتها في أذهان أولادنا، وظهرت ثمراتها، وعملوا على اقتطافها والانتفاع بها.
ثم بين حاجة المرأة المصرية أو المسلمة إلى الإصلاح موجهًا كلامه إلى الخاصة والعقلاء، فأورد فصلًا في «إن حال المرأة في الهيئة الاجتماعية يتبع حال الآداب في الأمة» لا يقرأه قارئ إلا توسم من خلال سطوره الحماسة، ونصرة الحقيقة، وصدق اللهجة، فقد افتتح كلامه بقوله: إني أدعو كل محب للحقيقة أن يبحث معي في حالة النساء المصريات، وإنا على يقين أنه يصل وحده إلى النتيجة التي وصلت إليها، وهي ضرورة الإصلاح فيها، هذه الحقيقة التي أنشرها اليوم شغلت فكري مدة طويلة كنت في خلالها أقلِّبها وأمتحنها وأحللها حتى إذا تجردت عن كل ما كان يختلط بها من الخطأ استولت على مكان عظيم من موضوع الفكر مني، وزاحمت غيرها وتغلبت عليه، وصارت تشغلني بورودها، وتنبهني إلى مزاياها، وتذكرني بالحاجة إليها فرأيت أن لا مناص من إبرازها من مكان الفكر إلى فضاء الدعوة والذكر.
ثم أخذ يبحث في علاقة المرأة بالأمة، ويورد الأدلة والبراهين التاريخية والاجتماعية ويستنهض الهمم، ويستحث القرائح على العمل بعبارات ملؤها الحماسة والإخلاص، وقال: ولا يركن إلى حب السكينة إلا أقوام على شاكلتنا. فقد أهملنا خدمة عقولنا حتى أصبحت كالأرض البائرة التي لا يصلح فيها نبات. وحتى مال الكسل بنا إلى معاداة كل فكر صالح مما يعدُّه أهل الوقت حديثًا غير مألوف، سواءٌ كان من السنن الصالحة الأولى، أو قضت به المصالح في الأزمنة.
وكثيرًا ما يكتفي الكسول وضعيف القوى في الجدل بأن يقذف بكلمة باطلة على حق ظاهر يريد أن يدفعه، فيقول: تلك بدعة في الإسلام. وما يرمي بهذه الكلمة إلا حبًّا بالتخلص من مشقة الفهم أو الخروج من عناء العمل في البحث أو الإجراء. كأن الله خلق المسلمين من طينة خاصة بهم، وأقالهم من أحكام النواميس الطبيعية التي يخضع لسلطانها النوع الإنساني وسائر المخلوقات الحية.
سيقول قوم إن ما أنشره اليوم بدعة. فأقول: نعم، إني أتيت ببدعة، ولكنها ليست في الإسلام بل في العوائد وطرق المعاملة التي يحمد طلب الكمال فيها.
وأفاض في بسط الموضوع وتأييده فأفرد فصلًا لتربية المرأة، وهو يعتقد أنها مساوية للرجل لا تختلف عنه إلا بما يستدعيه اختلافها في الصنف. وأن تعليمها العلوم الطبيعية والعقلية والأدبية يساعدها على القيام بواجباتها المنزلية وترقية نفوس أبنائها. وقسم الكلام في التربية إلى التربية بالنسبة إلى الوظيفة الاجتماعية وبالنسبة إلى الوظيفة العائلية. ثم تكلم في الحجاب — وكان قد ألف كتابًا بالفرنساوية قبل «تحرير المرأة» ردَّ به على كتاب الدوك داركور الذي طعن فيه على المصريين، وقبَّح أخلاقهم وعاداتهم، واختصر قاسم في دفاعه عن الحجاب هناك فأفاض هنا في حقيقة الحجاب من الوجهة الدينية ومن الوجهة الاجتماعية، واستأنف الكلام في «المرأة والأمة» وبين ارتباطهما في فصل طويل.
وختم كلامه بفصل في «العائلة» وتوسع في الكلام على الزواج وشروطه، وبين أن الشريعة الإسلامية تأمر بحسن المعاملة، وتنهى عن تعدد الزوجات وتقبح الطلاق مسندًا أقواله إلى القرآن والحديث والقواعد الاجتماعية والأحكام العقلية، وفي كل فقرة دليل على صراحة فكره وصدق لهجته وتفانيه في خدمة أمته. ومع ذلك فلم يكد يظهر كتابه وتتناقله الأيدي حتى تصدى لتخطئة أقوام جاهروا بالسخط على صاحبه بين منتقد وهازئ، إما تمسكًا بالقديم أو مجاراة لإحساس العامة لارتباط ذلك بمصالحهم وطرق معائشهم. وفيهم من فعل ذلك عن اعتقاد خالص، ولكنَّ بعضهم تجاوز حد الانتقاد إلى الاستهزاء والقول الهراء، فاتهمه بعضهم بالمروق من الدين، وآخرون بالخروج عن الآداب، وزعم غيرهم أنه يرمي إلى قلب الهيأة الاجتماعية المصرية وممالأة الإنكليز على ضياع البلاد …
أما هو فأغضى عن ذلك كله ورجع إلى الموضوع فزاده بسطًا بكتاب آخر سماه «المرأة الجديدة» تكلم فيه عن «المرأة في حكم التاريخ» من أقدم أزمنته إلى الآن في الأمم القديمة والحديثة تأييدًا لرأيه في وجوب تحريرها ورفع شأنها، وفي «الواجب على المرأة لنفسها» وفصول في «الواجب على المرأة لعائلتها» و«التربية والحجاب».
ولم يكتف بطلب تحرير المرأة، لكنه وضع لحريتها حدودًا، وبين ما يجب عليها وما يحق لها. ووضع للطلاق نظامًا جعله نموذجًا تنسج الحكومة على منواله إذا شاءت تحرير المرأة، وأعطاها حقها الشرعي والمدني. فقيَّد إرادة الرجل في الطلاق بحكم القاضي أو المأذون بعد أن يرشد الزوج إلى ما جاء في الكتاب والسنة من كره الطلاق عند الله وينصحه ويبين له تبعة عمله، وإذا أبى الإصغاء وسَّط حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها للإصلاح بينهما، فإذا لم يفلح في ذلك كله أذن بالطلاق. ولا يخفى ما في ذلك من تدارك الأضرار التي تصيب العائلات بتسرُّع البعض في تنفيذ طلب الطلاق، وقد يكون طلبه عن غضب مؤقت فإذا ثاب إليه رشده ندم على ما فرط منه.
ظهرت كتابات قاسم في هذا الشأن من تسع سنوات، فشغلت الألسنة والأقلام عامًا أو عامين تنبهت فيهما العقول وثارت الخواطر، وقام الناس وقعدوا. وقد لاقى من العقلاء إعجابًا كثيرًا فنصره بعضهم بألسنتهم وأقلامهم، وسكت الآخرون مجاراة للعامة ونصرائهم. وأكثر مجاهرة في نصرته وأخذًا بيده زميلنا إبراهيم بك رمزي فإنه أنشأ يومئذ مجلة سماها «المرأة في الإسلام» جعلها وقفًا على هذا المشروع، ظهرت سنة ثم احتجبت، ثم سكت الناس لا عن إهمال أو إغفال، ولكنها فترة الحضانة ريثما تتكيف عقول الأمة لقبول تلك الآراء — كالتلقيح بالجواهر النافعة فإنه يحدث عند دخوله البدن تهييجًا، وقد يولد صديدًا ثم يسكن في الظاهر ويعمل عمله رويدًا رويدًا. وقد أخذت نتائج ذلك السعي تظهر برغبة الناس في تعليم بناتهم وإنشاء المدارس لهذه الغاية. وهذا من أدلة تسرُّب فكر قاسم بالتدريج.
ستتوالى الأجيال وتمر السنون قبل أن تتحرر المرأة المسلمة، لكنها ستتحرر وترتقي وتتولى الأعمال الهامة، وترفع شأن العائلة كما كانت سالفاتها في جزيرة العرب منذ آلاف السنين فإذا بلغت إلى ذلك الرقي، تذكر أنه كان صاحب الفضل عليها، ويعظم ذكره فيبقى اسمه منقوشًا بحروف من نور على تاريخ الاجتماع الشرقي في التمدن الحديث.
أعماله في غير تحرير المرأة

قد تمرُّ القرون والناس على ما ساقتهم إليه الفطرة في طلب المعاش لا يفقهون معنى الحياة ولا الاجتماع حتى تتمخض الطبيعة فتلد من أبنائها أفرادًا ينهضون بالأمة إلى ما يظنون فيه خيرها — هؤلاء هم أقطاب العالم ودعائم الهيأة الاجتماعية، فمنهم من يرى ثمرة سعيه وينال الفخر بحياته، ومنهم من يراها خلفاؤه ويطوبونه بعد موته.
وصاحب الترجمة واحد من هؤلاء لم يجن ثمر سعيه، ولكن معاصريه عرفوا فضله واعترفوا بما طبع عليه من سعة العقل وسداد الرأي، والرغبة في خدمة الأمة، فعهدوا إليه بأعز المشروعات لديهم نعني إنشاء «الجامعة» فولوه رئاسة اللجنة، فلم يذخر وسعًا في سبيلها إلى آخر ساعة في حياته.
ذكرنا للفقيد فضله في نصرة المرأة، لأنه أظهر أعماله الاجتماعية، ولكنه كان راغبًا في سائر سبل الإصلاح يطلبها من أبوابها القانونية مع تطبيقها على القواعد الاجتماعية الصحيحة، لا يغريه إطراءٌ ولا يخيفه صياح، ولا يستغرب نقمة الناس وتخوفهم من كل جديد. وكان يشير إلى ذلك في أثناء أقواله ويحتاط له ويدفعه. وله في الإصلاح على إجماله مقالات كان ينشرها في المؤيد، عنوانها: «أسباب ونتائج وأخلاق ومواعظ» لم يذكر فيها اسمه، وكان لها وقع حسن.
وله أقوال مأثورة وجمل يتناقلها الناس عنه ويتخذونها قاعدة أو مثلا، نشرتها إدارة الجريدة في كتاب سمته: «كلمات لقاسم بك أمين» هو عبارة عن مختارات أفكاره أو مذكراته، وفيه حكم فلسفية اجتماعية، وشذرات علمية يجدر بالأدباء الاطلاع عليها والتمثل بها، وهذه أمثلة منها: إن الذي مدحك بما ليس فيك إنما هو مخاطب غيرك.
إذا استشارك عدوك فأخلص له النصيحة؛ لأنه باستشارتك قد خرج من عداوتك ودخل في مودتك.
تعصب أهل الدين وغرور أهل العلم هما منشأ الخلاف الظاهر بين الدين والعلم. وليس بصحيح أنه يوجد بينهما خلاف حقيقي لا في الحال ولا في الاستقبال، ما دام موضوع العلم هو معرفة الحقائق المؤسسة على الاستقراء. فمهما كثرت معارف الإنسان لا تملأ كل فكر — بعد كل اكتشاف يتحققه العلم يبحث عن اكتشاف آخر، وفي نهاية كل مسألة نحلها تظهر مسألة جديدة تطالبه بحلها. الآن وغدًا يشتغل عقل الإنسان بالعلم أي بمعرفة الحوادث الثابتة، ولا يمنعه ذلك من التفكير في المجهول الذي يحيط بها من كل طرف، هذا المجهول الذي لا قرار له ولا حد لا في الزمان ولا في المكان هو دائرة اختصاص الدين.
إن كان في الوجود إنسان يستحق أن يحسد على نعمته فهو العاشق.
من اختباري لأرباب الأفكار الذين اختلطت بهم يظهر لي أن الحمية عندهم سطحية لا تذكيها نار تتوقد في القلب — حمية ألفاظ متى انتشرت عادت هباءً لا تترك أثرًا بعدها.
لا أدري ما هي غاية الكُتَّاب الذين إذا أرادوا التعبير عن اختراع جديد يجهدون أنفسهم في البحث عن كلمة عربية تقابل الكلمة الأجنبية المصطلح عليها كاستعمالهم مثلًا كلمة السيارة بدلًا من كلمة الأوتوموبيل. إن كان القصد تقريب المعنى إلى الذهن فالكلمة الأجنبية التي اعتادها الناس تقوم بالوظيفة المطلوبة منها على وجه أتم من الكلمة العربية، وإن كان قصدهم إثبات أن اللغة العربية لا تحتاج إلى اللغات الأخرى فقد كلفوا أنفسهم أمرًا مستحيلًا، إذا لم يوجد ولن توجد لغة مستقلة عن غيرها مكتفية بنفسها.
لا تكمل أخلاق المرء إلا إذا استوى عنده مدح الناس وذمهم إياه (انتهت أقواله).
وجملة القول أن قاسم أمين من المصلحين العظام الذين يحفظ التاريخ ذكرهم، وتزداد منزلتهم رفعة وفضلهم ظهورًا بتوالي الأجيال. وفضله يشمل العالم الإسلامي على الإجمال بنصرته للمرأة المسلمة، وله فضل خاص على القطر المصري بما نشره بين المصريين من النصائح الخاصة بهم. وبما كان له من القدوة الحسنة بين زملائه وأصدقائه وغيرهم. لأنه خدم القضاء ?? سنة كان فيها مثال النزاهة واستقلال الفكر، والشجاعة الأدبية لا يراعي في الحق صداقة ولا قرابة ولا مقامًا.
? نرى تفصيل ذلك في الجزء الخامس من تاريخ التمدن الاسلامي.
الفصل الحادي والأربعون
بشارة الخوري


شكل ??-?: بشارة الخوري المحسن السوري الشهير (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
الأغنياء كثيرون في الأرض، ولكن المحسنين منهم قليلون. وأقلُّ من هؤلاء من جمع منهم بين الغنى والإحسان والتقوى، والمرحوم بشارة الخوري قد أضاف إلى هذه الفضائل حسنات يندر اجتماعها في رجل واحد كالدعة، واللطف، وحب السلام، والشهامة، والغيرة، وحسن الطوية، فضلًا عن النشاط والسهر على العمل، والعصامية فإنه جمع ما جمعه من المال بجده واجتهاده كما يتضح ذلك من ترجمة حاله.
ولد رحمه الله في عكاء سنة ???? من أسرة كريمة نشأت على التقوى والبر، فربي في الفضيلة منذ نعومة أظفاره ثم حدث في سوريا ما حمل تلك العائلة على المهاجرة إلى القطر المصري، فنزلت الإسكندرية وكان صاحب الترجمة لا يزال غلامًا، وقد أحسن القراءة والكتابة فمال إلى التجارة فعمل في بعض المحلات التجارية بصفة كاتب فلم تمض مدة حتى اكتسب شهرة بين التجار بالاستقامة فتهافتوا على استخدامه.
ولكنه أبى إلا الاستقلال بالعمل لحسابه، فافتتح محلًا لنفسه فاكتسب ثقة الناس، واستمال قلوبهم بحسن معاملته، حتى صار مثلًا بالصدق والاستقامة، وطبيعي أن من كانت له خصاله لا بد من نجاحه، فربح أموالا طائلة واتسعت ثروته بما اكتسبه من مقاولات عقدها مع الحكومة المصرية، فغلبت عليه القناعة، ومال إلى الراحة والتفرغ إلى المبرات، فاعتزل التجارة ونزح إلى بيروت ولم يفتر منذ إقامته هناك عن بذل الأموال في سبيل المشروعات الخيرية والأدبية، وانتظم في جمعية القديس منصوه ثم تولى رئاستها وهي من أعظم الجمعيات الخيرية في بيروت، ثم تولى رئاسة الجمعية الخيرية للروم الكاثوليك هناك نحو ?? سنة، ولم تقتصر حسناته على سوريا وجمعياتها ومدارسها، لكنها بلغت إلى وادي النيل، فبذل الأموال الطائلة في تنشيط المشروعات الخيرية على اختلاف مواضيعها بقطع النظر عن المذاهب والطوائف. ومما يذكر من حسناته المأثورة أنه لما احترقت الإسكندرية سنة ???? أثناء الثورة العرابية كان للمترجم في الإسكندرية مخازن مملوءة بالأرزاق فلم تمسها النار مع أنها التهمت كل ما جاورها، فعدّ الناس ذلك نعمة خصوصية نالها هذا الرجل لتقواه وحسن نيته، فلما أخذ مهاجرو المصريين بالعود إلى بلادهم وقد أصابهم ضنك مما تحملوا من تلك الثورة، فتح صاحب الترجمة يده بالبذل والعطاء، وفوض إلى بعض الأصدقاء الإنفاق على سفر أولئك المهاجرين من جيبه الخاص، وتظاهر أنه إنما ينفق من أموال المحسنين، وبلغ مقدار ما أنفقه في ذلك العام ???? جنيه.
ومما يروى عنه رحمه الله أنه لما أراد الاقتران قصد بعض مدارس البنات في بيروت، فالتمس من الرئيسة أن ترشده إلى أتقى تلميذاتها بقطع النظر عن حالها من الجمال أو المال أو غير ذلك مما يبحث عنه شبان هذا العصر، فأرشدته إلى أتقاهنَّ، فتزوجها وعاش معها بالسلام والوفاق، وولدت له أولادًا رباهم بخوف الله وغرس في قلوبهم حب الفضيلة، وقضى أيامه ساعيًا في إلقاء السلام بين أهل الخصام، يضرب المثل بإحسانه وحسن سريرته حتى توفاه الله في بيروت.

الفصل الثاني والأربعون
السيد عبد الرحمن الكواكبي


شكل ??-?: السيد عبد الرحمن الكواكبي (ولد سنة ????هـ وتوفي سنة ????هـ).
العظمة والشهرة صديقتان يغلب أن تتصاحبا، فلا تكون إحداهما بدون الأخرى، ولكنهما كثيرًا ما تفترقان فتكون العظمة بلا شهرة، والشهرة بلا عظمة. فترى بين أهل الشهرة الواسعة من إذا لقيتهم وسبرت غورهم رأيتهم كالطبل يدوي صوته إلى بعيد وجوفه فارغ. وأنهم إنما نالوا تلك الشهرة بما طبعوا عليه من الميل إلى نشر محامدهم في الصحف ليقراها الناس ويتحدثوا بها، وقد ينفقون المال ويتحدون أوعر أسباب السعي في هذا السبيل. وترى بينهم من لا محمدة له فينتحل محامد غيره أو تكون له حبة منها فيجعلها قبة. فإذا نشر ذلك عنه في صحيفة أو نشرة أو كتاب حمله وطاف به في الأهل والأصدقاء يترنم بقراءته عليهم، ويتلذذ بما يلقي من آيات الإعجاب، وخصوصًا في هذه البلاد — بلاد المجاملة التي يزداد فيها المغرور غرورًا إذ لا يسمع من الناس ألا إطراءً وإعجابًا، ولو كانت حاله تدعو إلى التقريع والتعنيف — ويعدون ذلك من آداب الحديث.
فما كل شهير عظيم ولا عظيم شهير، فكم بين ظهرانينا من رجال توفرت فيهم شروط العظمة، ولو رافقتها الأسباب لأتوا بالأمور العظام. وقد تظهر مواهبهم من خلال أعمالهم وإن ضاقت دائرة العمل، ولكنهم لرغبتهم عن الشهرة لا يعرف أسماؤُهم إلا القليلون فإذا أصابهم سوءٌ أذاع مريدوهم أخبارهم وتحدثوا بأفضالهم.
ومن هذا القبيل المرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي الحلبي، فقد جاء مصر سنة ????هـ وأقام في قلب العاصمة ومع سعة علمه وغزارة مادته لم يسمع بذكره أحد، ولا عرفه إلا الأصدقاء والأخصاء. وهناك أناس يقصرون عن إدراك بعض منزلته علمًا وفضلًا، ولكنهم لا تطأ أقدامهم مصر حتى تتناقل الصحف أخبارهم بما ينشرونه فيها من نفتات أقلامهم أو ثمار قرائحهم — وقد لا تكون تلك الثمار شهية — وإنما يعمدون إلى نشرها رغبة في الشهرة. فالكواكبي رحمه الله لم يكن من أولئك، ولكن همَّه كان منصرفًا إلى خدمة الوطن، ونشر المبادئ الصحيحة فيه بالتأليف والتلقين بعد أن قضى معظم العمر في خدمة الحكومة العثمانية في حلب، وقاسى أمرًا صعابًا من وشايات ذوي الأغراض. فلم يلق تربة تصلح لغرس مبادئه فجاء مصر، ونشر بعض كتبه فعاجله الأجل، فمضى ومضت معه أمانيه، وهي شبيهة بأماني المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني، وقد استهلك في سبيلها كما استهلك ذاك من قبله.
ترجمته

آل الكواكبي أسرة قديمة في حلب هاجر إليها أجدادهم منذ أربعة قرون، ولهم شهرة واسعة ومقام رفيع في حلب والأستانة. يرجعون بأنسابهم إلى السيد إبراهيم الصفوي أحد أمراء أردبيل العظماء. ولهم آثار مشهورة، منها المدرسة الكواكبية في حلب. ونبغ منهم جماعة كبيرة من العلماء ورجال الإدارة، ومنهم فقيد الأمس السيد عبد الرحمن، وقد ولد في حلب سنة ????هـ وأبوه الشيخ أحمد الكواكبي أحد مدرسي الجامع الأموي الكبير.
تلقى السيد عبد الرحمن مبادئ العلم في بعض المدارس الأهلية، ودرس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية، وأتقن العربية والتركية وبعض الفارسية، ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة. وكان ميَّالًا من حداثته إلى صناعة القلم، فاشتغل في تحرير جريدة «فرات» التي كانت تصدر في حلب باسم الحكومة وهو في السابعة والعشرين من عمره. حررها خمس سنوات، وأنشأ في أثناء ذلك جريدة سماها «الشهباء» واشتغل بخدمة الحكومة، فتقلب في عدة مناصب علمية وإدارية وحقوقية، وأهل النقد يذكرون فضله في كل واحدة منها كبيرها وصغيرها؛ لأن اقتدار الرجل يظهر في الصغائر كما يظهر في الكبائر. وكان حب الإصلاح وحرية القول والفكر باديتين في كل عمل من أعماله، فلم يرق ذلك لبعض أرباب المناصب العليا فوشوا به، فتعمدت الحكومة حبسه ثم جردوه من أملاكه، فلم يقلل ذلك شيئًا من علو همته، فغادر الوطن وطلب بلاد الله فجاء مصر ثم خرج منها سائحًا فطاف زنجبار والحبشة وأكثر شطوط شرق آسيا وغربيها ثم رجع إلى مصر.
ومما يذكر له ونأسف لضياع ثماره أنه رحل رحلة لم يسبقه أحد إليها ويندر أن يستطيعها أحدٌ غيره، وذلك أنه أوغل في أواسط جزيرة العرب فأقام علي متون الجمال نيفًا وثلاثين يومًا، فقطع صحراء الدهناء في اليمن، ولا ندري ما استطلعه من الآثار التاريخية أو الفوائد الاجتماعية، فعسى أن يكون ذلك محفوظًا في جملة متخلفاته. وتحول من هذه الرحلة إلى الهند، فشرقي إفريقيا أيضًا وعاد إلى مصر وكان أجله ينتظره فيها.
كان الكواكبي واسع الصدر، طويل الأناة، معتدلًا في كل شيء، وكان عطوفًا على الضعفاء حتى سماه الحلبيون «أبا الضعفاء» وجاء في الرائد المصري أنه كان له في بلده مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس، ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين.
وكان واسع الاطلاع في تاريخ المشرق على العموم، وتاريخ الممالك العثمانية على الخصوص، وله ولع في علم العمران. وألَّف كتبًا لم ينشر منها إلا كتاب «طبائع الاستبداد» وهو فريد في بابه، قرَّظناه في الهلال، وكتاب «أم القرى» ومع تمسكه بالإسلامية والمطالبة بحقوقها والاستهلاك في سبيل نصرتها، فقد كان بعيدًا عن التعصب يستأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء؛ لأنه كان يرى رابطة الوطن فوق كل رابطة.
ومن يقرأ ترجمة الكواكبي والأفغاني وغيرهما من رجال هذه النهضة ويدرس أعمالهم والأحوال المحيطة بهم يعترف بفضلهم في نصرة الحقيقة وتأييد الحق والحرية.

تابع رجال الإدارة والسياسة



الفصل الثالث والأربعون
مدحت باشا


شكل ??-?: مدحت باشا أبو الأحرار (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
(?) نشأته الأولى

ولد مدحت باشا? في الأستانة سنة ???? ووالده الحاج علي أفندي أصله من روستشوك. نشأ مدحت في حجر أبيه، ولم يتلقَّ من العلم في صباه إلا المبادئ الأولية، وكان يتنقل مع أبيه ويقيم حيثما أقام حتى استقر في الأستانة سنة ????وشب هناك وفيه ذكاء وهمة. وأهل الهمم والمطامع في ذلك العهد كانت تتوجه رغائبهم إلى خدمة الحكومة، فألحق مدحت أولًا بسكرتارية الصدارة العظمى في الأستانة، وتنقل منها إلى مناصب مختلفة في الولايات، فأقام في دمشق سنتين ثم عاد إلى الأستانة سنة ???? وبرحها إلى قونية سكرتيرًا لمجلس تألف تحت رئاسة سامي بكير باشا. وارتقى سنة ???? إلى سكرتير ثاني لمجلس الولاية، وفي سنة ???? صار سكرتيرًا أول له. واتفق أن قبرصلي محمد باشا قائد جند الشام أساء التصرف في بعض الشئون المتعلقة بالأموال غير الأميرية في دمشق وحلب فاقتضت الحال انتداب من يتحرى الأسباب، ويحكم بما يتراءى له فانتدبوا مدحت فسافر، وبعد ستة أشهر عاد وقد نظم مسألة الجمارك هناك وردَّ إلى خزينة الدولة ?????? ليرة عثمانية. وأثبت اشتراك القائد المشار إليه في الاضطرابات التي حصلت وأشار بعزله. وأظهر مدحت في قضاء هذه المهمة ذكاءًا واقتدارًا استلفتا انتباه الصدر الأعظم رشيد باشا، فولاه منصبًا هامًّا في المجلس العالي فبقي في ذلك المنصب أثناء صدارة رشيد باشا وعالي باشا ورفعت باشا. وفي هذا المنصب عرف دخائل الأمور، واطلع على المخابرات المهمة التي دارت بين رفعت باشا وهو وزير للخارجية والبرنس منتشكوف مندوب قيصر الروس قبل حرب القرم.
وفي سنة ???? أفضت الصدارة إلى قبرصلي محمد باشا الذي كان مدحت قد أشار بعزله عن الشام، فأراد الانتقام لنفسه من ذلك الشاب الجريء، فعهد إليه حل أعقد المسائل السياسية وأدقها يومئذ، وهي مسألة البلقان، وكانت ثائرة وقد تكاثرت فيها العصابات المتمردة، فوكل إليه تسكين الثورة وتنقية البلاد من العصابات. فذهب في هذه المهمة ونجح فيها نجاحًا باهرًا. ولما عاد من سفرته، كان رشيد باشا قد رجع إلى الصدارة ودارت المداولة بينه وبين عالي باشا بشأن منح الولايات العثمانية استقلالا استقلالا إداريًا Decentralisation وأخذ في وضع القوانين اللازمة لذلك. فقدم مدحت تقريره عن مهمته فأعجب الصدر الأعظم باقتداره، فعقد له على أهم ولايات الطونه (بلغاريا) على أن يجرب فيها الاستقلال الإداري، فحدث تغيير فجائي في الوزارة حال دون كل إصلاح. وتعين بعد مدة قصيرة مندوبًا خصوصيًّا لتفتيش ولايتي ايدن وسيلستريه؛ لأنهما كانتا قد تمردتا على الدولة فقضى تلك المهمة كما قضى مهمة سوريا من قبل، واطلع بذلك على مواضع الضعف في نظام الولايات، ورأى الخلل السائد فشكى الولاة فسعوا لدى الباب العالي في تبرئة أنفسهم، فأمر السلطان عبد المجيد يومئذ بإعادة النظر. وخاف العقلاء أن يتغلب الباطل، فرفع خير الدين أفندي أحد العلماء المشهورين في الأستانة تقريرًا أيَّد به أقوال مدحت.
وتوفي رشيد باشا سنة ???? وخلفه عالي باشا فأعطى مدحت إجازة ستة أشهر يقضيها سائحًا في أوروبا يتفقد أحوال دولها ويدرس نظام بعض الإدارات الأوروبية. فسافر وهو في السادسة والثلاثين من عمره، فزار باريس ولندن وفينا وبروكسل. وامتاز بين رجال الدولة من ذلك الحين بمهارته الخصوصية في تدبير شئون الولايات فلا تحدث ثورة أو اضطراب أو خلل في ولاية ويحتاجون إلى من يصلحها إلا انتدبوه لذلك.
فانتدب مرة أخرى لتدبير شئون بلغاريا، وكان أهلها المسيحيون قد خافوا على حياتهم وأموالهم فأخذوا يهجرونها بعائلاتهم وأموالهم والجند لا يستطيع منعهم. فعهد بذلك إلى مدحت ومنح رتبة الوزارة (????) فسافر وفي عزمه أن يصلح الأمور بالمسالمة، فحالما وصل إلى بلغاريا بعث إلى أعيان البلاد وجمعهم في مؤتمر عرضوا فيه شكواهم، فطلب إليهم أن يشتركوا معه في إصلاح الحالة. وكانت تشكياتهم ترجع إلى أمرين رئيسيين: الأول: خلو البلاد من وسائل النقل والخبرات التي تساعد الأهالي، ولا سيما المزارعين على نقل حاصلاتهم وتصريفها.
والثاني: شيوع اللصوصية والعصابات المتمردة حتى أصبح الناس لا يأمنون على أرواحهم ولا أموالهم.
ولهذين السببين فضل البلغاريون الهجرة إلى بلاد السرب؛ لأنها أقرب إلى الأمن، فرأى مدحت أنهم محقون في شكواهم فأخذ يبحث مع أولئك الأعيان في سبل الإصلاح، وأشار عليهم أن يستخدموا نفوذهم أولًا في إيقاف الناس عن المهاجرة، وعاهدهم على إصلاحات وافقوه عليها. وقد برَّ بوعده فأعاد الجند إلى معسكراتهم وأخذ في تنظيم الطريق الأعظم بين نيس وصوفيا وفروعه الكثيرة. وبذل جهده في مطاردة العصابات وأنشأ الجسور وغيرها، وبالجملة لم يغادر أمنية يحلم بها البلغاريون إلا حققها لهم. وأقام نقطًا عسكرية على الحدود تمنع تعدي السربيين، فلما تمت هذه الإصلاحات عادت العائلات البلغارية من مهاجرها إلى مواطنها، وأدخلت إصلاحات كثيرة أثرت في أخلاق القوم وعاداتهم، وألف فرقة الجندرمة، ونظم تحصيل الضرائب، ومنع الاضطهادات الدينية، وأنشأ المدارس والمستشفيات للبلغاريين بلا تمييز بين أديانهم أو طبقاتهم. فاستتب الأمن وتعاقد القوم على السعي في مصلحة بلادهم.
(?) تنظيمه أعمال البلقان

إن ما أدخله مدحت باشا من الإصلاح في بلغاريا وفي ايدن وسليسترية وقع وقعًا حسنًا لدى الباب العالي في صدارة فؤاد وعالي خليفتي رشيد باشا. فاستقدماه إلى الأستانة سنة ???? للمداولة في نظام جديد يضعونه للولايات وقوانين يجري عليها الولاة. فأعدوا ذلك النظام وقرروا أن يعهد إلى مدحت بتنفيذه في ولايات سيلسترية وأيدن ونيش على أن تتحد كلها باسم ولاية الطونه (????) رغم مقاومة حزب التقهقر بإيعاز سروري أفندي — ولهذا الرجل شأن في الحكم على مدحت سيأتي ذكره.
وخلاصة النظام المشار إليه قسمة الولايات إلى سبعة سناجق، ويقسم السنجق إلى أقضية، والقضاء إلى نواحي، وفي كل ولاية مجالس خصوصية لوضع الأموال الأميرية وجمعها، وتولى مدحت هذه الولاية على هذا الطراز. وألغى السخرة ومهد ???? كيلومتر من الطرق وبنى ???? جسر، وأنشأ سفنًا تجري في الطونه (الدانوب) عليها العلم العثماني، وأبطل اللصوصية ونظم جندرمة، وأنشأ مصارف وطنية لتسليف فقراء المزارعين.
وقاعدة هذا النظام اشتراك الأهالي في تدبير شئون بلدهم مع الحكومة في تقدير الأملاك وتعيين خراجها فلا يحصل فيها حيف. فباتت تلك الولاية بسعادة استلفتت أنظار أهل الأستانة إلى مدحت، فجاءته التهاني من المابين والباب العالي. وصدرت الأوامر إلى سائر الولاة في المملكة العثمانية أن يجعلوا نظامات ولاياتهم مثل نظام مدحت في ولاية الطونه، فتوسم الناس مستقبلًا مجيدًا لهذه الدولة.
وانتبه مدحت أيضًا إلى أمر ذي بال كان سببًا في أكثر متاعب الدولة في البلقان، وذلك أن بعض البلغاريين كانوا يرسلون أبناءهم للتخرج في جامعات أودسا أو خركوف أو كيف وكلها في بلاد الروس، فكانوا يتشربون حب الجنس السلافي، ويعودون لبث تلك الروح في الأهالي فيثيرون التعصب الجنسي أو الديني، فيعود ذلك بالقلاقل والمتاعب على الدولة. فارتأى مدحت أن يتلافى ذلك بإنشاء المدارس العالية في الولاية نفسها بحيث يغني الناس عن إرسال أبنائهم إلى الخارج، فضلًا عن تألف الشبان على اختلاف مذاهبهم إذا شبوا في مدرسة واحدة، وتربوا تربية واحدة. ورفع بذلك لائحة للباب العالي وقسم النفقات اللازمة لهذا العمل إلى نصفين: النصف يؤخذ من فضلات الخراج في الولاية، والنصف الآخر يكتتب به الأهالي.
فلما وصلت هذه اللائحة إلى الأستانة علم بها اغناتيف سفير روسيا هناك، فقاومها بكل قوته لأنها تخالف الترتيب الذي رتبه الروس لتحويل قلوب البلغاريين عن دولتهم، وبذل جهده في إيغار صدر السلطان عبد العزيز على مدحت فأوهمه أن الخطة التي يتحداها في الولايات تنافي سيادة الخليفة المطلقة، وتأول إلى تشتت شمل المملكة العثمانية باستقلال كل ولاية بشئونها. فلم يصغ السلطان لوشايته في بادئ الرأي، لكنه وفق إلى غلطة وقعت في لائحة نشرها مدحت في الجريدة الرسمية يطلب فيها تعيين أعضاء مجلس الأهالي المشتركين مع الحكومة في تدبير شئون الولاية، فسماهم «نواب» ولم يغفل أغناتيف عن تنبيه ذهن السلطان إلى ذلك فاقتنع بسوء عاقبة تلك البدع، وأبى المصادقة على طلب مدحت تجنبًا للنفقة، ولم يذكر السبب الحقيقي.
فذهبت أعمال مدحت في سبيل الإصلاح أدراج الرياح، وأيد أصحاب اغناتيف غرضه باستنهاض بعض العصابات في البلقان للتعديات ونحوها. فما أحس مدحت إلا وقد ظهرت عصابات فتكت بالمسلمين، وقتلت أطفالًا من الرعاة، فنهض المسلمون لمثل هذا العمل في المسيحيين. فركب مدحت بنفسه وقبض على بعض المتمردين من النصارى فوجد باستنطاقهم أنهم رسل من جمعية السلاف في بوخارست وفي كشنو، فحكم المجلس على الرؤساء بالإعدام، وعلى الآخرين بأحكام أخرى فانفضت الثورة وعادت السكينة. على أن جرائد أوروبا شددت النكير على تصرف القضاء العثماني في هذا السبيل، وعدوا أحكامه بربرية ونسبوها إلى مدحت فبرأ نفسه. لكنهم لم يعدموا وسيلة أخرى لنكايته، وذلك أنه سمع برسل سرية قادمة من غلائز إلى بلغراد لدس الدسائس وإعداد مشاكل جديدة فقبض عليهم على ظهر باخرة نمساوية عند روستشوك وبعث صورتهم إلى قنصل النمسا، وطلب إليه أن يأذن بفحص تذاكرهم وأخذت الضابطة العثمانية في تفتيشهم ومعها مندوب من القنصلاتو النمسوية، فأطلق أحد الرسل مسدسًا على الضابطة في قاعة السفينة، فأجابهم العثمانيون والتحم الفريقان وانجلت الواقعة أخيرًا عن القبض على أولئك الدساسين وقد جرحوا جراحًا بليغة.
فكان لهذه الحادثة دويٌّ في أوروبا واتخذ اغناتيف ذلك ذريعة لطلب إقالة مدحت فلم يفلح، فأخذوا يسعون في قتله سرًّا، فأطلق عليه أحدهم في روستشوك رصاصة أخطأته. وحاول سربي قتله ففشل، ولما قبض عليه وسئل عن سبب عمله، قال: إن اثنين من كبار السرب أغروه على ذلك فحوكم الرجل وعوقب.
وبعد هذه الحوادث بقليل (????) استدعي مدحت إلى الأستانة ليتولى رئاسة مجلس أنشأه حديثًا فأتاها، ولكن وقع اختلاف في الرأي بينه وبين عالي باشا الصدر الأعظم في بعض الشئون فاعتزل مدحت باشا الرئاسة على أن يتولى ولاية بغداد سنة ????.
(?) إصلاحاته في ولاية بغداد

شخص مدحت إلى بغداد فوجد فيها من المشاكل غير ما في ولاية الطوفه أعني مسألة التجنيد. وكانت من المشاكل الصعبة؛ لأن القبائل العربية التابعة لولاية بغداد لم تكن ترضخ لحكم التجنيد، وكانت يومئذ قد تمردت على الدولة حتى عجزت عن إخضاعها لتفرق الكلمة بين والي بغداد ومشير جندها. ولم يكن إخضاعها ممكنًا إلا إذا كانت القوتان العسكرية والإدارية في يد واحدة فأخذ مدحت على نفسه الجمع بين القوتين، وعزم على إخضاع الثائرين بالقوة، ولم يكلفه ذلك إلا الحزم والشدة، فأذعن الثائرون صاغرين بسرعة أدهشت الباب العالي فسماه مشير الفيلق السادس ووالي بغداد.
وكان الولاة قبله يقاسون في تحصيل الضرائب من أولئك العرب عذابًا شديدًا، فتحدى الشدة في تحصيلها بقوة الجند وقد أفلح، ولكنه أعمل فكرته في حال أولئك البدو فوجد إذلالهم بالقوة يفضي إلى تجديد التمرد، فرأى أن يتخذ في إخضاعهم طرقًا أخرى فعمل على تغيير نظام ملكية الأرضين فيهم. وذلك أن الفلاح العربي كان يدفع للحكومة أجرة الأرض التي يستثمرها وثلاثة أرباع غلتها، وفي ذلك حيف عليه، فقسم مدحت الأرض إلى قطع عرضها للبيع بشروط سهلة، فلم تمض مدة يسيرة حتى ذاق ثمر ذلك العمل إذ تكاثر دخل الحكومة، وقلَّ تمرد العربان، وزادت غلة الأرض فزادت حركة الأعمال الأخرى. وكان من نتائج ذلك تسيير السفن في دجلة والفرات وتسهيل المواصلات بين المدن القائمة على ضفافهما.
وكانت إدارة السفن هناك بيد شركة إنكليزية تشتغل بين بغداد والبصرة فألف مدحت شركة عثمانية، ورمم السفن القديمة، وأوصى على سواها واختزن لها الفحم في مسقط وعدن وبندر عباس وبو شهر. وكانت هذه السفن أول سفن عثمانية عبرت قنال السويس إلى الأستانة. فرأى مدحت نجاح ذلك العمل فوسعه، وأوصل تلك البواخر شمالًا إلى آخر ما يستطاع من شواطئ النهرين فعمَّر كثير من البقاع واتسعت الأرض المزروعة. وعزم على ردم البقاع التي كان قد أغرقها الفيضان فعلقت الآمال أن يعود العراق إلى خصبه في الدولة العباسية.
وأنشأ مدحت خط ترمواي بين بغداد والكاظمية طوله سبعة كيلومترات، وابتنى معملًا للنسج تام الأدوات، وأنشأ المدارس في كل قضاء، وشاد المستشفيات والملاجئ. فتكاثرت البيوت المالية كالمصارف ونحوها، وأنشأ مطبعة تطبع فيها جريدة الزوراء الرسمية، وشكل مجالس بلدية في أهم المدن. واكتشفوا في أثناء ولايته منجمًا للبترول فسهل الانتفاع به، فتقدم العراق على يده تقدمًا مدهشًا، وقدم شاه الفرس سنة ???? لزيارة النجف وكربلاء مزار الشيعة فاغتنم مدحت تلك الزيارة وقرر أشياء كانت محل نظر بين الدولتين وفي جملتها تعديات الأكراد على ما يمرون به في طريقهم على تركيا. فاتفقت الدولتان على إنشاء نقط عسكرية عند الحدود على نحو ما فعل عند حدود السرب من قبل. وبلغه أن في بعض مزارات الشيعة بنجد كثيرًا من الجواهر والتحف اجتمعت هناك من هدايا الهنود والفرس ولا فائدة من اختزانها، فأشار مدحت باستخراجها وبيعها وهي تساوي نحو ??????? ليرة عثمانية على أن تصرف في إنشاء خط حديدي بين حدود إيران وبغداد أو بإقامة المستشفيات والمدارس وغيرها، فأبى علماء الشيعة عليه ذلك، فأغفل المشروع.
وجملة القول لم يذخر مدحت وسيلة لإحياء العراق اقتصاديًّا وإداريًّا وأدبيًا فضلًا عن تحسن العلائق مع الأمم المجاورة. من ذلك أنه حمل مشايخ الكويت على الاعتراف برعاية الدولة العثمانية بعد أن امتنع ذلك على سلفه نامق باشا. والكويت تبعد عدة أميال من البصرة على شاطئ نجد. وهي فرضة تجارية تحكمها أسرة الصباح وأصلهم من نجد لا يداخل في شئونهم أحد وهم يتعاطون التجارة البحرية مع شواطئ الهند وفارس وإفريقيا، واحتكروا مغاوص اللؤلؤ في البحرين وكانوا ينصبون على سفنهم علمًا خاصًّا بهم، وربما نصبوا علمًا هولنديًّا وإنكليزيًّا لغرض من الأغراض. فما زال مدحت يخابرهم بالحسنى حتى قبلوا برفع العلم العثماني على شرط الاستقلال بإدارتهم وسائر شئونهم الداخلية، فأصبحت الكويت من ذلك الحين سنجقًا من سناجق ولاية بغداد. وفعل نحو ذلك بنجد وغيرها والبحرين مما يطول بنا بسطه، وفي كل عمل منه دليل على علو همة مدحت باشا، ورغبته في تأييد الدولة العثمانية.
فزادت واردات العراق وتعددت السفن العثمانية التي تمخر في تلك البحار، ولم يكن للدولة هناك قبل فتح قنال السويس إلا دارعتان قد أفسدهما الإهمال فأصلحهما في بمباي، وأضاف إليها سبعًا آخر وعشرًا لسلك الأنهر، ووسع مرفأ البصرة. فاعترفت له الدولة بالفضل بكتاب جاءه من الصدر الأعظم عالي باشا مؤرخًا سنة ???? يثني فيه على همته لتسهيل طريق الحرمين، وأرسل إليه السلطان سيفًا مرصعًا وقد نقش عليه كلمة «نجد».
واتفق في أثناء ذلك أن الأستانة تبدلت أحوالها بموت رجليها فؤاد وعالي وبينهما ثلاثة أشهر، وكانا زعيمي الإصلاح ينصران مدحت في مطاليبه واقتراحاته فاتفقت وفاتهما على أثر عودة السلطان عبد العزيز من سياحته في أوروبا. ولم تكسبه تلك السياحة شيئًا من رغبة ملوك أوروبا في الأحكام الدستورية والرجوع إلى الشورى، لكنها أكسبته التصريح بما كان يخالج ذهنه من كره المشيرين من الوزراء، وعاد إلى تكليف الماثلين بين يديه بما كان يكلفهم به أجداده القدماء. وتوسع من الجهة الأخرى في النفقات الباهظة على الدولة وعلى نفسه، فأمر بابتناء الدوارع وإنشاء القصور الرخامية على شاطئ البوسفور وهو لا يقدر للنفقات عاقبة، ووافقه على ذلك الصدر الأعظم نديم باشا تملقًا له والتماسًا للنفوذ عنده، ففسدت الأحوال وتبدلت النيات، وامتد ذلك طبعًا إلى الولايات. ولما قلت الأموال في خزائن الأستانة بعثوا يطلبونها من الولايات ويلحون في طلبها، ولو ظلموا الأهالي في تحصيل الأموال مضاعفة، فآل ذلك طبعًا إلى إيقاف المشروعات النافعة فيها، فضاق مدحت ذرعًا عن احتمال ذلك، فاستقال من ولاية بغداد ورحل إلى الأستانة.
وعلم حال وصوله إليها أن الإرادة صدرت بتعيينه واليًا على أدرنة فعدَّ ذلك نفيًا لا ولاية، فطلب مواجهة السلطان فأذن له، وانطلق لسانه في تلك المقابلة فأفاض بما يكنه ضميره من الانتقاد على الحكومة وبين ضعف الدولة والخطر المحدق بها. فأثرت أقواله في السلطان حتى عزل الصدر الأعظم نديم باشا وولى مدحت مكانه سنة ???? فوجد حوله أعوانًا نشيطين أهل نزاهة منهم رشدي باشا الشرواني وجميل باشا وصادق باشا، فشرع قبل كل شيء بتنظيم المالية وهو عمل شاق لاختلال الحسابات وسوء إدارتها وكثرة التلاعب فيها.
فأخذ في تحقيق كل حادثة ومن جملة ذلك مبلغ ?????? جنيه خرجت من الخزينة ولم يعرف مصيرها، ثم ثبت أنها دخلت على الصدر السابق نديم باشا. فطولب بها رسميًّا بين يدي المجلس فادَّعى أنه إنما أخذها ليدفعها إلى القصر السلطاني، ثم سعى نديم بمساعدة والدة سلطانة وأصدقائها في المابين حتى أفسدوا نية السلطان على مدحت فأمر بنفيه إلى أدرنة ومنها إلى طرابزون وعاد نديم إلى نفوذه. فانقسم رجال الدولة إلى حزبين: أحدهما مدحت ومريدوه الأحرار وفيهم جماعة كبيرة من العلماء وكل الشبيبة العاقلة في الأستانة والولايات. والحزب الآخر نديم ووالدة سلطانة ورجال المابين. ومن أكبر أنصار هذا الحزب أغناتيف سفير روسيا بالأستانة وكان له نفوذ في المابين. ومما جعل السلطان ينفي مدحت أيضًا تصديه لنقد أعمال جرت على يد سلفه، وفيها خسارة على الخزينة، ومن جملتها امتياز سكة حديدية أعطي للبارون هرش أفسد مدحت العقد به.
(?) خلع عبد العزيز

غاب مدحت عن الأستانة بضعة أشهر قضاها في سلانيك ثم عاد إلى الأستانة، وتولى فيها وزارة العدلية ورئاسة مجلس الشورى، لكنه اضطر إلى الاستقالة لأنه رأى الوزارة سائرة على طريق يؤدي إلى خراب الدولة. وقد بين ذلك بكتاب بعث به إلى سكرتير السلطان (الباشكاتب) في شوال سنة ???? (سنة ????) واعتزل الأعمال ولجأ إلى منزل له بجوار الأستانة أقام فيها يترصد تبدل الأحوال فلم يرها تزداد إلا فسادًا وخللًا، وكثر تبديل الصدور فلا يقيم الصدر منهم إلا بضعة أشهر. وممن تناوبوا الصدارة في ذلك العهد محمد رشدي باشا وأسعد باشا ولم يستطيعوا إصلاحًا. ولم يرض بالحالة كما هي إلا محمود نديم باشا، فتولى الصدارة والمالية في ضيق لا مثيل له. ومع أن الدولة لم تكن دخلت في الدين الأهلي إلا منذ عشرين سنة، فقد هدَّدها الإفلاس وشعر بذلك الخطر أصدقاء الدولة من الدول الأخرى، وصرحوا به على منابرهم وأشار بعضهم بالمداخلة في شئونها فخاف عقلاء الأمة عاقبة هذا التصريح. شكل ??-?: السلطان عبد العزيز.
وحدث في صدارة أسعد باشا مناوشة على حدود الجبل الأسود ألت بالإهمال إلى فتنة أو ثورة عامة. وكان أسعد باشا حسن النية، لكنه ضعيف الرأي ساء التصرف، وأظهر الضعف لدى الدول فزادت الثورة سعيرًا وتوسطت روسيا والنمسا فأقيل أسعد وخلفه نديم باشا سنة ???? ولم يستطع هذا إخماد الثورة. فما زالت تنتشر حتى بلغت حدود البلغار، وأحس البرنس ميلان صاحب السرب بضعف الدولة فطلب أن تتحول إمارته إلى مملكة، وأخذ يهيء معدات الحرب عند الحاجة وفعل ذلك نحو الهرسك. وفي أوائل السنة التالية تضاعف الخطب بثورة البلغار وكان الجنرال أغناتيف لا يترك فرصة في أثناء ذلك لم يغتنمها لتمشية أغراضه، فتفاقم الخطب وساد اضطراب في المملكة العثمانية وأصبح العقلاء ينظرون إلى هذه الحالة نظرة اليأس. فدخل ربيع سنة ???? وبلغاريا والجبل الأسود والهرسك تتقد بنيران الثورة والسرب قد تهيأت للحرب بقيادة ضباط من الإفرنج. وهمت رومانيا بأن تقتدي بها، والصدر الأعظم يصغي إلى دسائس أغناتيف فينقلها إلى السلطان وهذا لا همَّ له إلا الانغماس في ملذاته. والدول الأوروبية من الجهة الأخرى فتحت المسألة الشرقية وطلبت الاجتماع للنظر فيها، وأخذت المذكرات والمفكرات تتساقط على المابين كتساقط المطر. ولم تكن تلك الاحتجاجات الخارجية أقل خطرًا على الدولة من الاضطرابات الداخلية. شكل ??-?: رشدي باشا.
ففي هذه الظلمات المدلهمة انبثق نور ضعيف من منزل مدحت باشا مجتمع عقلاء الأحرار. وكان مدحت في أثناء تلك الاضطرابات يفكر في وسيلة لإنقاذ الدولة، وقد لقي سفير إنكلترا وأسر إليه رأيه في جعل الحكومة العثمانية دستورية لأنها إذا ظلت سائرة على هذه الخطة ذهبت إلى الدمار لا محالة. وأظهر أمله أن إنكلترا تأخذ بيده في تأييد هذا الطلب، وأنه إنما يقتدي بها في هذا النظام لأنها أم الدول الدستورية. فأجابه السفير جوابًا مبهمًا لكنه شجعه على عادة رجال السياسة في مثل هذه الحال. وعقب هذه المحادثة تجمهر العلماء (الصفتاء) وتصديهم للبرنس يوسف عز الدين بن السلطان في طريقه إلى نظارة الحربية وتقدموا إليه إبلاغ والده أن الشعب يطلب عزل محمود نديم الصدر الأعظم وحسن فهمي أفندي شيخ الإسلام. فأجاب السلطان هذا الطلب فعزلهما وولى محمد رشدي باشا للصدارة، وحسن خير الله أفندي للمشيخة. وكان رشدي شيخًا طاعنًا في السن وأكثر مدحت من التردد إليه ففهم القوم أن هذه الصدارة سيديرها مدحت فاستبشروا، ولكن فرحهم لم يطل لأن السلطان عين في فروع الإدارة أناسًا من الطاقم القديم والناس لا يزدادون بذلك إلا طلبًا للدستور على لسان العلماء. وأذاعوا على رءوس الملأ أن تعاليم القرآن تأمر بالشورى ومن خالفها لا تجب طاعته. فأصبح مركز السلطان في خطر وما زالوا حتى خلعوه.
(?) كيف خلعوه

والعامل الرئيسي في خلعه حسين عوني باشا وزير الحربية، وكان جنديًّا شجاعًا وهمامًا حازمًا شديد الغيرة على دولته مع حدة في مزاجه ومضاءٍ في عزيمته. وكان قد تولى أرقى المناصب العسكرية ثم نفاه السلطان عبد العزيز من الأستانة — وكان يكره محمود نديم ويخافه، ولم يكن يدرك حقيقة الحكومة الدستورية كما أدركها صديقه مدحت، ولكنه كان كثير الاعتماد على آرائه. وتبادل الوزراء الأفكار فأقروا على خلع السلطان ولكي يكون خلعه شرعيًّا استفتوا شيخ الإسلام حسن خير الله أفندي، فأفتاهم بالخلع وهذه صورة الفتوى: إذا كان زيد الذي هو أمير المؤمنين مختل الشعور، وليس له إلمام في الأمور السياسية وما برح ينفق الأموال الميرية في مصارفه النفسانية في درجة لا طاقة للملك والملة على تحملها، وقد أخل بالأمور الدينية والدنيوية وشوشها وخرب الملك والملة، وكان بقاؤه مضرًّا بها فهل يصح خلعه؟ الجواب: يصح.
كاتبه الفقير حسن خير الله فلما حصل الوزراء على هذه الفتوى أسرعوا في تنفيذ قرارهم، وقام بتدبير ذلك عوني ورشدي ومدحت. واختلف مدحت وعوني في أسلوب الخلع فكان مدحت يرى أن تصادق الأمة على الخلع أولًا. وأما عوني فكان يرى أن الخلع يجب أن يكون حالًا على عادة العسكرية في سائر أحكامها. فأشار مدحت أن يجتمع العلماء وأعيان اسطانبول في مسجد نور عثمانية يبدون أسف الأمة، ويطلبون إبدال النظام الحالي. فوافقه على هذا الرأي أكثر الوزراء وعينوا لتنفيذ القرار يوم ?? مايو، وكادوا يعملون به، لكن طرأ أمر أوجب الرجوع إلى رأي عوني — وذلك أن امرأة من نساء يلدز أتت مدحت في ?? من الشهر المذكور، وأخبرته أن مؤامرتهم كادت تنكشف للسلطان، فخاف مدحت العاقبة إذا لم يبادر إلى العمل وتحقق قول المرأة؛ لأن السلطان دعا عوني باشا إليه مرتين في ذلك النهار مع أنه ادَّعى المرض فلم يقبل السلطان عذره. فأقر الوزراء على المبادرة في تلك الليلة إلى خلعه، ففي منتصف ليل ذلك اليوم خرج رشدي ومدحت وبين يدي كل منهما خادم يحمل فانوسًا، والليلة ممطرة حتى أتيا سركجي فركبا قاربًا إلى باشا ليماني حيث يقيم عوني باشا على البوسفور. وكان عوني في انتظارهما على أحرَّ من الجمر، فتفاوضوا وافترقوا وذهب عوني نحو سراي طولما بغجة وسار رشدي ومدحت إلى السر عسكرية. وكانوا قد قرروا أن يجتمع كبار الموظفين الملكيين والعسكريين في ساحة السر عسكرية ينتظرون مجيء السلطان مراد. وكان عوني مكلفًا باستقدامه، وأنهم عند وصوله يبايعونه وينادون باسمه سلطانًا، وأن يشعلوا نارًا على برج السر عسكرية يعلم منها أهل الأسطول في البحر بتنصيب السلطان الجديد فتطلق الدارعة (أحمد باشا) المدافع إيذانًا بذلك.
فمشى عوني إلى السراي حيث التقى بسليمان باشا أحد مشيري الجند، وكانا قد تواعدا ليعاونا على تدبير أمر الخلع، وكان سليمان من أقرب أعوان عوني وأنجد أنصار مدحت، وكانت الجنود المقيمة في طاش قشله وغيرها قد تلقت الأوامر من رديف باشا قومندان فيلق الأستانة أن تكون على الأهبة لمنع أي اقتراب من جهة البر، وكان الأسطول بقيادة ناظر البحرية نفسه قيصرلي أحمد باشا، وقد أعطى الأوامر بقطع الطريق عن القصر من جهة البحر. واصطحب سليمان نخبة من رجاله الذين يثق بأمانتهم وبسالتهم تحت قيادة الضباط أحمد بك وبدري بك ورفعت بك. وبعد أن رتب هذا الترتيب توجه إلى قصر البرنس مراد، وكان مراد عالمًا بما أعدوه وعزموا عليه، لكنه لم يعلم بتقديم الميعاد المضروب، فلما جاء سليمان في تلك الليلة وطلب إليه أن يخرج معه إلى عوني وأنه ينتظره بباب القصر ليرافقه إلى السر عسكرية حسب الموعد ظن في الأمر دسيسة. على أنه ما لبث أن تحقق الواقع فأطاعهما وسار معهما في طريق السر عسكرية.
أما سليمان فتقدمهما لإتمام المهمة الكبرى التي لا بد منها قبل كل شيء، وهي تبليغ السلطان عبد العزيز الخلع. فلما أتى القصر السلطاني (طولمه بغجه) اعترضه الخدم فأجابهم أنه يطلب مقابلة السلطان لأمر هام فأخذوه إليه. فبلغه سليمان ما جاء من أجله، وقرأ عليه الفتوى بخلعه فغضب السلطان وانتهر سليمان، ولكنه ما عتم أن سمع المدافع تطلق من الدارعة (أحمد باشا) فتحقق وقوع القضاء وأدرك حقيقة مركزه، وسلم نفسه لسليمان فأبلغه أنه مكلف بنقله من سراي طولما بغجه إلى سراي طوب قبو ليقيم فيها.
وعند ذلك نودي بالسلطان مراد سلطانًا فأقر الوزارة كما هي، وأضاف إلى حاشيته الخصوصية كمال بك وأبا الضيا بك وكلاهما من كبار أنصار الحرية والدستور. وبوجودهما في الحاشية يأمن الوزراء من الدسائس التي تعود المفسدون نقلها إلى السلطان.
وطبيعيٌّ أن الأحرار لم يدبروا هذا التدبير إلا وقد أخذوا على السلطان مراد المواثيق أن يعلن الدستور الذي أعده مدحت ورفاقه. فكادت تتحقق آمال الأحرار، ولكن حال دون تلك الأمنية عارضٌ أوقفها دهرًا طويلًا. وذلك أن عوني باشا لحظ في السلطان مراد في الليلة نفسها التي رافقه فيها من قصره أنه مضطرب وأصابته نوبة عصبية. وبعد الاحتفال بمبايعته في أثناء رجوعه إلى سراي طولمة بغجه زادت فيه الأعراض العصبية وكان معه مدحت باشا، فرأى من الحكمة أن لا يفارقه فمكث معه ثلاثة أيام واستشار الأطباء فأشاروا بعلاج وحمية، ولم يكبروا العلة فاتفق في أثناء ذلك حادثتان أزعجتا السلطان وزادتا علته، وهما:
(?) موت عبد العزيز

الأولى موت عبد العزيز: وذلك أن هذا السلطان أقام بعد خلعه خمسة أيام. وفي صباح ? يونية طلب من خادمه الخصوصي فخري بك مقراضًا ليقلم أظافره ويصلح لحيته. فتردد حينًا في إجابة طلبه ثم عرض الأمر على والدة سلطانة فأمرت أن يعطى المقراض الذي يطلبه. واتفق بعد حين أن بعض الحاشية أشرفن من إحدى النوافذ على المكان الذي كان عبد العزيز فيه فرأينه جالسًا على كرسي وظهره محول ورأسه مدلى إلى الأمام فأسرعن إلى الباب فلم يستطعن فتحه وظنن سوءًا، فأنبأن والدته فأمرت بخلع الباب فدخلوا فرأوا عبد العزيز ميتًا وقد نزف دم من جرحين في ذراعيه، ورأوا المقراض بجانبه الأيسر كأنه استخدمه بيمناه لقطع أوعية اليد اليسرى، ثم أراد استخدامه باليسرى لقطع أوعية اليد اليمني فلم تسعفه قواه أن يتم العمل جيدًا.
فاستقدموا الأطباء حالا فأثبتوا أنه ميت، وخاف الوزراء العاقبة فأمروا بلجنة من الأطباء تتولى فحص الجثة فاجتمع ?? من أمهر أطباء الأستانة فأقروا بالإجماع أن الموت إنما كان بالانتحار، ولا يمكن أن يكون بسواه وكتبوا بذلك شهادة مؤرخة في ? يونيو سنة ???? ثم دفنت الجثة في مقام السلطان محمود بعد غسلها. فلما بلغ السلطان مراد خبر هذه الفاجعة أثرت على أعصابه تأثيرًا كبيرًا.
(?) واقعة حسن الشركسي

ثم وقعت واقعة حسن الشركسي فأتمت عليه، وكان حسن هذا من ياوران عبد العزيز، وأراد عوني إبعاده فأمره بالسفر إلى بغداد ليلحق بجندها فأبى، وأخذ يشيع اتهام عوني بقتل السلطان كما اتهم بخلعه، فأمر عوني بالقبض عليه وسجنه. فأرسل حسن بعد يومين يقول أنه مستعد لإطاعة أوامره بالسفر إلى بغداد، لكنه يستأذنه في البقاء بضعة أيام في الأستانة ليتأهب للرحيل فأذن له. ففي يوم ?? يونيو وهو اليوم المعين لسفره ذهب إلى بيت عوني وطلب مقابلته بإلحاح، فقالوا: إنه سار إلى منزل مدحت باشا للاجتماع بسائر الوزراء فذهب إلى اسطانبول فنزل في مطعم تناول فيه بعض الخمر، ثم تحول إلى منزل مدحت في طوخان طاش فوصله نحو الساعة العاشرة، وقد اجتمع الوزراء وهم عشرة ومعهم شريف مكة وقد هموا بافتتاح الجلسة. شكل ??-?: حسن الشركسي.
دخل حسن الدار كما يدخل صاحب المنزل إلى منزله، فسأله الحرس عما يريده، فقال: إنه مسافر في الغد إلى بغداد، وعنده أمور هامة يريد عرضها على السر عسكر عوني باشا قبل سفره، فأجابه الحارس أن ذلك لا يتأتى إلا بعد انفضاض الجلسة. فوقف حسن ريثما غافل الحرس، ووثب على السلم وتسلقه ليخل إلى قاعة الجلسة، فمنعه خادم مدحت، ونادى خادم عوني باشا ليشتكي هذا الشركسي لرئيسه. فصعد الخادم لمقابلة عوني وتبعه حسن ليتحقق مجلس كل من الوزراء ولم ينتظر الإذن. فدخل وسلم سلامًا عسكريًا ثم أشار إلى عوني أن لا ينتقل من مكانه، وأطلق عليه المسدس فأصاب صدره، فتناثر الوزراء فرارًا من القتل، ولجأوا إلى غرفة أخرى إلا ناظر البحرية فإنه حاول أن يقبض على ذراع حسن فأفلت منه وجرحه جروحًا كثيرة في يديه ومنكبيه. وكان عوني لا يزال فيه رمق، فنهض يطلب السلم فأدركه حسن وطعنه طعنات عديدة، وعاد إلى القاعة وخاطب الصدر الأعظم وهو في الحجرة الأخرى قائلًا: «إني أحتاج إلى قيصرلي سلمه إليَّ فلا أؤذيك بشيء». فلم يجبه، فلما يئس ولم يظهر له أحد، جمع أبسطة القاعة وكراسيها وأوقد فيها النار فأدركه رجل من رجال مدحت باشا اسمه أحمد أغا، وطعنه في قفاه طعنة مميتة، فأطلق عليه حسن المسدس في عينيه فأماته وأطلق رصاصة أيضًا على ناظر الخارجية. قضى حسن في هذه المعركة نصف ساعة أجرى فيها مذبحة، وهو فرد وهم جماعة وعاش إلى اليوم التالي، واعترف أنه إنما جاء لينتقم من عوني باشا، وأنه يأسف لمقتل رشيد وزير الخارجية فحكموا عليه بالإعدام فمات قبل تنفيذ الحكم.
(?) خلع السلطان مراد وتولية عبد الحميد

فلما بلغت هذه الواقعة إلى السلطان مراد زاد اضطراب عقله وبعد أن كان الأطباء يرجون قرب شفائه رأوه بعيدًا عنه، فانقسم رجال الدولة بالنظر إلى هذا الحال إلى قسمين: قسم يرى استبقاء السلطان مراد وانتظار شفائه وهم الصدر الأعظم محمد رشدي ومدحت وأكثر زملائهم. والقسم الآخر أشاروا بخلعه وتولية من يخلفه وزعماء هذا الحزب داماد محمود جلال الدين باشا صهر السلطان ورديف باشا مشير فيلق الأستانة، ومشيران آخران ممن يرغبون في الرجوع إلى الحال القديم، فقد كانوا أصحاب النفوذ فيه، والدستور لا يوافق مطامعهم ولا هم يفهمون معنى الدولة والأمة. وكان هذا الداماد مجردًا من العلم كثير الحب لذاته، يكره الإصلاح لأنه يرفع أناسًا كانوا دونه، وإنما رفعته عنهم المصاهرة. فهؤلاء وغيرهم سعوا جهدهم في خلع مراد لعلة المرض، وقد ساعدهم الشرع على ذلك، وتداخل السفراء وألحوا في تسوية الحالة الحاضرة؛ لأنهم لا يأمنون على مصالح دولهم والدولة في هذا الاضطراب، وأشاروا بخلع مراد وتولية عبد الحميد. وسعى الداماد في إثارة خواطر أهل الأستانة لتأييد هذا الطلب، وأن الحاكم اليوم على الأمة ليس السلطان خليفة الرسول وإنما هو مدحت باشا ورشدي باشا، فلم يبق بدٌّ من خلع مراد. ولكن مدحت ورفاقه رأوا أن يأخذوا المواثيق على السلطان الجديد قبل مبايعته، فقرروا أن يذهب مدحت بنفسه إلى موصلواغلو حيث يقيم البرنس عبد الحميد أفندي ويستطلعه رأيه في الإصلاح الذي أخذوا في أدخاله من حيث الدستور وغيره حتى إذا خالفهم في ذلك عرضوه على أخيه رشاد أفندي. وقد قام باستطلاع رأي رشاد في هذا الشأن امرأة مدحت بطريقة سرية.
أما الشروط التي عرضوها على البرنس عبد الحميد إذا تولى السلطة فهي: (?) أن يعلن الدستور حالا.
(?) أن لا يستشير في أعمال الدولة إلا مشيريه المسئولين.
(?) أن يعين ضيا بك وكمال بك سكرتيرين خصوصيين للسلطان مع سعد الله بك رئيس السكرتيرية (الباشكاتب).
فأجاب مطالبهم بكل رضا، ووعد بأكثر منها وأن يوسع النظام الدستوري إلى أكثر مما يطلبون. وقال: إنه يتخلى عن العرش حالما يشفى أخوه مراد من المرض.
فعاد مدحت إلى اسطانبول وبلغ الوزراء نتيجة زيارته، فأقروا على خلع مراد وتولية عبد الحميد، ولم يكن لهم بد من فتوى الخلع فاستصدروها من خيرالله أفندي شيخ الإسلام، فخلعوا مرادا وولوا السلطان عبد الحميد الحالي في أول سبتمبر سنة ????.
(?) جلوس السلطان عبد الحميد وتعيين أعوانه

جلس السلطان عبد الحميد على العرش العثماني في أول سبتمبر سنة ???? واحتفلوا ببيعته احتفالا شائقا في سراي طولما بنجه حضره الوزراء والقناصل ورجال الدولة والأعيان. ولما بايعوه خاطبهم قائلا: «اشكر لكم تهانئكم ولا اشتهي شيئا غير تقدم مملكتنا وراحة رعايانا، وسترون من أعمالنا ما يؤيد وعودنا بالإصلاح. فعلى رعايانا أن يقوموا من الجهة الأخرى بما عليهم» وخطب في وزرائه خطابا حثهم به على الاتحاد في الرأي والعمل، وبعد ثلاثة ايام احتفلوا بتقليده سيف عثمان في مسجد أيوب بقرن الذهب على جاري عادتهم في تنصيب السلاطين. ثم عاد إلى قصر طوب قبو حيث ألبسوه البردة وسلموه العلم النبوي. ويذكرون أن رشدي باشا الصدر الأعظم، قال لرفاقه ساعة خروجهم من طولما بفحه: «أظننا تسرعنا بخلع مراد فعسى أن لا يحدث ما يبعث على الندم».
وأول عمل باشره جلالته أنه عين الداماد محمود جلال الدين باشا قائدا عاما للجند (سرعسكر) وعين سعيد باشا (الإنكليزي) رئيسا للياوران. فلم يعارضه أحد في ذلك كأن تعيينهما من حقوق السلطان. ولم يعلق مدحت باشا على تعيينهما أهمية وإنما اهتم على الخصوص بتسمية سكرتيرية السلطان لأن تقربهم منه يجعل لهم نفوذا كبيرا لا يقل عن نفوذ الصدر الأعظم.
وقد كان ينبغي له أن لا يستخف بمنصب السرعسكرية ولا يقبل أن يعين له إلا واحد من أهل ثقته، وقد علم بالاختبار أن خلع عبد العزيز لم يكن ممكنا لو لم يكن السرعسكر عوني باشا في جملة القائلين به والساعين فيه. فهل غفل مدحت عن ذلك أو تغافل؟ أو لعله أحسن الظن في مساعي اهل المابين وحُسن الظن في مثل هذه الحال من ضعف الرأي.
وقد يعترض بأن تعيين السرعسكر من حقوق السلطان، فكان الأجمل بمدحت أن يجعل من ضمن الشروط التي اشترطها على جلالته في مقابلته الأخيرة قبل المبايعة أن يكون السرعسكر فلانا، كما اشترط أن يعين كمال بك وضيا بك سكرتيرين وسعد الله بك رئيس السكرتيرية (باشكاتب) وهم من خيرة الأحرار.
على أن اشتراطه هذا لم يأت بفائدة لأن السلطان وعده بتعيينهم ولم يفِ فلما قابل جلالته بعد المبايعة أخبره أنه عين للباشكاتبية سعيد بك وهو من رجال محمود نديم الصدر الذي تقدم ذكره. فاعترض مدحت واحتج ونصح فلم يجد ذلك نفعا فأغضى. ولو أصر لانقلب وجه المسألة، وربما فاز فيولي في تلك المناصب أحرارا يؤيدون الدستور. فبإغضائه هذا جعل أهم مراجع النفوذ في قبضة رجال من حزب التقهقر. وقد كانت دسائسهم فاتحة عصر الاستبداد الذي انقضى بالامس، وظهر للناس بعد انقضائه أن السياسة الخرقاء التي اتبعها جلالة السلطان في مقاومة الأحرار إنما كانت بدسائس أولئك المقربين وأمثالهم.
فأغروه أولا على التخلص من مدحت زعيم ذلك الحزب ولا خوف عليه لأن الجند في قبضته وقائده طوع إشارته، لكنه لم يشأ أن يفعل ذلك مصادرة فعمد إلى سياسة المقاومة بالمطل والتسويف فجعل يتباطأ في إجابه مطاليب الصدارة ويعترض على أعمالها. فبدأ بالاعتراض على الفرمان الذي نصه مدحت وعرضه على جلالته ليخاطب الوزارة به وهو عبارة عن خطة سياستة بالدستور. فنقحه السلطان وحذف كثيرا من مواده الهامة كما بينا ذلك في مقالتنا «الانقلاب السياسى العثماني» في الهلال الأول من السنة ?? فقبل مدحت بذلك التبديل اعتمادا على أن إعلان الدستور واجتماع مجلس المبعوثين يعوضان تلك الخسارة.
(??) تعديل البند ??? من القانون الأساسي

على أنه لم يكد يفكر في ذلك حتى جاءه في ?? نوفمبر سنة ???? كتاب من السلطان بخط يده يقول فيه: «أنه مع ما يرجوه من الراحة والسعادة لشعبه بالنظام الدستوري الجديد فهو يطلب أن تكون حقوق السلاطين أيضا مضمونة فيه، ولذلك فهو يرى عرض القانون الأساسي على مجلس الوزراء لتنقيحه» فأجابه مدحت: «إن هذا القانون قد يكون في حاجة إلى التنقيح، ولكن عرضه على المجلس لتنقيحه يستغرق زمنا لا يسمح به حال الدولة لأن المضايق الحرجة التي وقعت فيها تدعو إلى المبادرة في نشر الإصلاحات وتسكين الخواطر إرضاء للدول التي تهددنا بعقد المؤتمر الدولي الذي قررت عقده في الأستانة حتى أصبحنا وليس لنا إلا أحد وجهين: إما أن نعلن القانون الأساسي وننشر الإصلاحات قبل عقد المؤتمر فلا يبقى للدول حجة علينا، أو أن نؤخر إعلانه فينعقد المؤتمر ويقرر المراقبة على أعمالنا. فإذا تأجل عقد مجلس المبعوثين لا يبقى لنا بد من الدخول في وصاية الدول».
فلما رأي أهل المابين قوةَ حجتِهِ في هذه المسألة أتوه من طرق أخرى، وذلك أنهم وافقوه على وجوب السرعة في إعلان الدستور، لكنهم اشترطوا تعديلا في البند (???) المتعلق بظهور التمرد أو الخلل في بعض الولايات. فقد جاء في البند المذكور «إنه يحق للحكومة أن تعلن الإدارة العرفية مؤقتا أي تبطل القوانين والنظامات» فطلبوا أن يضاف إليه هذه الفقرة: «إن الذين يثبت بواسطة تحقيقات الضابطة الصحيحة أنهم سبب في اختلال أمنية الحكومة فللحضرة السلطانية وحدها الحق أن تخرجهم من الممالك المحروسة وتبعدهم عنها».
فقبل مدحت هذا التعديل رغبة في سرعة العمل ولأن التعديل المشار إليه يتعلق بالولايات. ولم يخطر بباله أنه سيجري عليه هو نفسه لأنه كان قد احتاط لهذا الأمر بالمواد ?? و?? و?? وفحواها أن الوكلاء أو الوزراء لا يعزلون إلا بعد المحاكمة بالمجالس. وهذه نقطة أخرى يلام مدحت على تساهله فيها لأنها كانت علة نفيه.
وبنفيه تزعزع حزب الأحرار
(??) إعلان القانون الأساسي

ولكن السلطان لم يذخر وسعا في تقريب مدحت وترقيته، فلما استقال رشدي باشا من الصدارة لشيخوخته في ?? دسمبر سنة ???? انتدب مدحت باشا لذلك المنصب. فكان أول شيء أجراه عند ذلك تعجيل إعلان القانون الأساسي، وعقد مجلس المبعوثين لئلا تسيء الدول الظن بالدولة وتقلب لها ظهر المجن. وقد لاقى مقاومة شديدة من المتملقين ومن جملتهم جودت باشا وزير العدلية. ففي الجلسة الأولى التي عقدت للوكلاء في بيت الداماد محمود، اقترح جودت باشا تأخير إعلان الدستور إلى أجل غير مسمى «إذ لم يبق حاجة إليه بعد أن أفضت أزمة السلطنة إلى جلالة السلطان» فغضب مدحت لذلك الاقتراح غضبا عظيما، وألح في وجوب إعلانه بلا تأخير، وهددهم إذا لم يفعلوا وقد أفاد تهديده. فلو اتبع هذه الشدة في ما تقدم لغلب الحق على الباطل
على أن الاختلاف بين مدحت ورجال المابين لم يكن قاصرا على مسألة الدستور، لكنهم خالفوه في أمور كثيرة. منها مقاومتهم في تعيين ولاة مسيحيين وإدخال غير المسلمين في المدارس الحربية. ومنها إصرارهم على تعيين غالب باشا وزيرا للمالية، ونفي ضيا بك صاحب الاستقلال. أما تعيين الولاة من المسيحيين فقد ذهب مدحت إلى التعجيل فيه إرضاء للدول التي ستجتمع في المؤتمر فيكون تعيينهم حجة للدولة في إدخال الإصلاح. فأجاب السلطان «إنا لا نعرف رأي عامة المسلمين في التغيير الذي سيدخل على الدولة بالدستور فتعيين ولاة من المسيحيين ربما هاج خواطرهم وآل إلى ما لا تحمد عقباه» وبعد أخذ ورد أجلوا الإقرار على ذلك كله إلى ما بعد اجتماع المؤتمر على أن يبادروا إلى إعلان الدستور وانتخاب نواب الأمة.
فأُعلن الدستور رسميًّا في ?? دسمبر سنة ???? وتلا سعيد باشا (الباشكاتب) الفرمان بإعلانه في حضور الصدر الأعظم مدحت وكبار رجال الدولة والعلماء وغيرهم. ثم تقدم سعيد المذكور وسلم صورة القانون الأساسي إلى مدحت بعد أن قبلها، وتفرق منها نسخ على الحاضرين. وخطب مدحت خطابا ما له قبول الدستور وقانونه، ثم صلى المفتي وأُطلقت مئة مدفع ومدفع فعلم الناس أن الدستور قد أُعلن. فتهافت الكبراء وفي مقدمتهم شيخ الإسلام خير الله أفندي والعلماء ورجال الدين من النصارى مع بطاركتهم والوزراء وغيرهم يرفعون إلى مدحت التهاني على فوزه بإعلان الدستور وكانوا يصيحون «يحيا السلطان ومدحت» وانهالت عليه الرسائل البرقية من الولايات وغيرها والكل فرحون مستبشرون إلا سراي بشكطاش فإنها لم تحرك ساكنا لأن جلالة السلطان كان يشكو انحرافا …
وفي اليوم التالي خف مدحت لزيارة بطريرك الروم وهي المرة الأولى منذ الفتح العثماني زار فيها الصدر الأعظم بطريرك الروم. وإنما أراد بذلك إقناع الدول أن النصارى مشاركون للمسلمين في الدستور، واحتفل اليونان بزيارته فخطب فيهم وأجابه البطريرك بما يدل على الائتلاف والولاء.
(??) مؤتمر الأستانة

ومن غريب الاتفاق أن اليوم الذي تعين لعقد المؤتمر هو نفس اليوم الذي أُعلن فيه الدستور (?? دسمبر) فاجتمع المؤتمر في ذلك اليوم للمداولة مع مندوبي الدولة في ما ينبغي اتخاذه من الوسائل لتسكين الأحوال في الولاية العثمانية بأوروبا، ولم يكد يعلن افتتاح الجلسة حتى دوَّت أصوات المدافع عن إعلان الدستور، فنهض صفوت باشا أحد مندوبي الدولة في ذلك المؤتمر، وقال: «أيها السادة إن ما تسمعونه إنما هو إشارة إلى إعلان الدستور الضامن لما تطلبونه فلا حاجة إلى المباحثة» فوجم الحضور هنيهة ثم تكلم أغناتيف معتمد روسيا فطلب الرجوع إلى مدار البحث، فعادوا إليه فطلب استقلال بلغاريا بأحكامها، وأن يتعين عليها والٍ مسيحي فتباحتوا واتفقوا على أن تكون بلغاريا ممتازة بأحكامها. وبحثوا مثل ذلك في شئون الهرسك والبوسنة وغيرها مما لا محل له هنا. وأقرّوا على لائحة عرضها أغناتيف على الباب العالي للمصادقة عليها، فشكل مدحت مجلسًا عاليًا مؤلفًا من الوزراء والمشيرين وكبار رجال الدولة والرؤساء الروحانيين من كل الطوائف، وعرض عليهم اللائحة، وأخبرهم أن ردها يئول إلى الحرب فتباحثوا وتحمسوا وأبوا إلا ردها، فردها مدحت وانفضَّ المؤتمر، وبفضه اضطربت العلائق بين أوروبا والباب العالي.
(??) نفي مدحت باشا

ولم يكد ينفض المؤتمر حتى عاد رجال المابين إلى متابعة ما كانوا فيه من معاكسة رجال الإصلاح. فاستأنفوا البحث في إدخال المسيحيين المدارس الحربية، وعزل غالب باشا ناظر المالية، وكان مدحت يرى عزله لاعتقاده عجزه عن القيام بهذا المنصب. فرضي السلطان بعزله، لكنه اشترط أن يجعل عضوًا في مجلس الأعيان فطلب مدحت أن تفحص أوراقه، وتراجع حسابات أعماله. وكتب أخيرًا إلى المابين كتابًا بين فيه عدم لياقة غالب لهذا المنصب، ثم تحوَّل إلى البحث في مسألة المدارس، وكان يعتقد — واعتقاده صواب — أن مسألة الإصلاح في المملكة العثمانية لا يمكن حلها إلا بتوحيد العناصر على اختلاف الطوائف والنحل، ولا يكون ذلك إلا إذا نشأ شبانهم في مدارس واحدة، وتربوا تربية واحدة، فأراد أن يبدأ مشروعه هذا بالمدارس الحربية فطلب إدخال غير المسلمين فيها لينشأ منهم ضباط غير مسلمين يشتركون مع إخوانهم المسلمين في خدمة الأمة. فأجيب بالمدافعة والمماطلة والمعارضة وطال الأخذ والرد بين الصدارة والمابين أو بين مدحت وباشكاتب المابين بالنيابة عن السلطان. وأخيرًا كتب مدحت إلى جلالة السلطان كتابًا شديد اللهجة جاء في جملته: إني شديد الاحترام لشخص جلالتكم، أما من حيث القوانين والشرع فعليَّ يا مولاي أن أعصى كل أمر يصدر منكم إذا كان مخالفًا لمصلحة الأمة، وإلا فإني أتحمل مسئولية أنوءُ تحت أثقالها، وأخاف صوت ضميري لأني تعهدت بأن تكون أعمالي مطابقة لمصلحة الوطن ورفاهيته..
إلى أن قال: مضت تسعة أيام منذ عرضت على جلالتكم مشروعات لا غنى عنها لسعادة الأمة وصيانة الدولة، فلم تصادقوا عليها مما يئول إلى خراب لم نكد ننجو من مخالبه إلا بشق النفس..
بعث مدحت كتابه ومكث في منزله ثلاثة أيام فوجد أهل المابين مندوحة للتخلص من هذا العدو القوي. فأوفد إليه السلطان صفوت باشا ناظر الخارجية أن يأتي فأبى إلا أن يصادق السلطان أولًا على مشاريعه فبعث إليه سعيد باشا (الإنكليزي) فأكيد له أنه إذا أتى السراي فالإرادة تصدر حالًا بالمصادقة على مطاليبه. فوثق مدحت بقوله وركب معه وما عتم أن لحظ وهو في الطريق أن الشوارع غاصة بالجند، وخصوصًا حول منزله في نيشان طاش، ولم يكن يعلم أن الباخرة «عز الدين» في مرسى طولما بغجه منذ بضعة أيام لتحمل أبا الأحرار إلى منفاه. وهب أنه علم بذلك حينئذ فلم يكن علمه لينفعه لفوات الفرصة. فبحال وصوله لسراي طولما بغجه استمهلوه ريثما تصدر الأوامر السلطانية لمقابلته فجلس في غرفة الانتظار، وإذا هو برئيس الياوران جاءه، وأخذ منه ختم الدولة وساقه توًّا إلى الباخرة عز الدين، وكانت على أهبة السفر، فأقلعت ومع ربانها أوامر مختومة لا يجوز فتحها إلا بعد ?? ساعة، ثم فتحها فإذا فيها أن يحمل مدحت باشا إلى المحل الذي يختاره من سواحل أوروبا فأُنزِل في برنديزي بإيطاليا.
ولا يخفى ما كان من تأثير هذا النفي على الأحرار في الأستانة، لكن أهل المابين لم يقدموا على نفي زعيم الأحرار وأبي الدستور، وإلا قد مهدوا السبيل واحتاطوا لما يخشى وقوعه، وكانت حجتهم في نفي مدحت أن: «وجوده يسبب اختلال أمنية الحكومة» فللسلطان الحق بنفيه كما جاء في المادة ??? من القانون الأساسي. وكان في الأستانة عصابة من أهل الوجاهة لا يرون وجود مدحت نفسه ضروريًّا لتأييد الدستور ونشر الإصلاح، وكانوا يعتقدون أن السلطان مخلص في إجراءاته، وإنما يريد بها سلامة الدولة وسعادة الأمة، وتمكن هذا الاعتقاد من نفوسهم لما رأوه نفي مدحت وظل محافظًا على دستوره، وأمر بعقد مجلس المبعوثين. وإنما فعل ذلك تسكينًا لخواطر الأمة أو بالحري لخواطر الأحرار مريدي مدحت وأنصاره، وكانت الانتخابات جارية فتعجلها لفتح البرلمان في أول مارس سنة ???? ولم يتم عدد الأعضاء الكافي لعقده إلا في ? منه، فاحتفلوا بافتتاحه في سراي طولما بغجه بحضور السلطان نفسه. ولم يطل عمره إلا سنة وبعض السنة.
(??) مدحت في منفاه

وكانت الدول في أثناء ذلك تنظر في رفض الدولة العثمانية لقرارات المؤتمر — المتقدم ذكره — وكنَّ يتوقعن إصلاح الأحوال بإعلان الدستور، فلما نفي مدحت سبق إلى أذهانهن سوء الظن، ولا سيما روسيا فإنها عادت إلى العدوان، وأعلنت الدولة العثمانية بذلك في ?? أفريل سنة ???? فساعد الإعلان على تغلب حزب المابين، فلم يتقرب منه غير الذين يوافقون على سياسته وضعف حزب الدستور بعد نفي صاحبه.
انتشبت الحرب بين روسيا والدولة ومدحت منفي في أوروبا فلم يذخر وسعًا في مصلحة دولته، ولا سيما في لندن وكتب إلى الباب العالي أنه سعى في عقد صلح يحجب الدماء وطلب مصادقته فلم يجبه على ذلك؛ لأن كفة الحرب كانت لا تزال راجحة في جانب الدولة. ثم ما لبث الروس أن اخترقوا البلقان وأقبلوا على الأستانة، فجدد مدحت الهمة في الدفاع عن حقوق بلاده لدى الدول والباب العالي بالمكاتبات. فوسوس بعضهم لجلالة السلطان أن تَصدُّر مدحت باسم الدولة لدى دول أوروبا يخشى منه فعمل على استقدامه إلى الأستانة. فكتب إليه رئيس التشريفات الشاهانية كتابًا سريًّا يبثه فيه شعور السلطان معه بما يقاسيه في غربته، وأن جلالته بكى لما بلغه خبر عذابه، وأنه أمر له بألف جنيه ينفقها في مرافقه المستعجلة، ولا يعلم أحدٌ بها. وطلب إليه أن يعلمه كيف ينبغي أن يرسل هذا المبلغ إليه، فأجابه مدحت بالرفض، وأظهر تفانيه في خدمة دولته ووطنه، فدعاه للقدوم إلى الأستانة لأن بعده عنها يوجب الهواجس وسوء الظن. وما زال به حتى أقنعه بالمجيء رغم نصيحة أصدقائه أن لا يفعل.
فسافر، ولكنه فضل النزول في كريد ليمكث فيها بعيدًا عن الدسائس وأدرك من مجاري الأحوال أن سياسة المابين تقضي بإبعاد رجال الأعمال عن الأستانة واستخدام الضعفاء فقبل السلطان اقتراحه وبعث إليه عائلته إلى كنديا في سبتمبر سنة ???? فاحتفل الكريديون بمدحت وعرفوا قدره على اختلاف طوائفهم، وأطلقت الدوارع الراسية في مياهها المدافع لأجله، فنقل ذلك إلى السلطان فأوجس خيفة وكان في عزمه أن يعقد له على كريد فعقد له عليها وبعد شهرين جاءه تلغراف من الباب العالي بتعيينه واليًا على سوريا، فأطاع وركب إليها مع أهله على الباخرة «فوائد» حتى أتى بيروت وسافر منها إلى دمشق مركز الولاية يومئذ.
(??) ولايته على سوريا

ولم ينس السوريون أعمال مدحت في أثناء تلك الولاية، وكانت شهرته في مساعيه الحرة قد بلغت إلى مسامعهم، فلما وصل إليهم احتفلوا به احتفالًا عظيمًا، وقد حقق أمانيهم بما أدخله من الإصلاح فيها نحو ما فعل في العراق من قبل. فأنشأ مدرسة للصنائع والفنون، وأخرى للأيتام، وأيد الأمن فبات الناس في راحة وعدل، وفتح الشوارع في المدن ومهد الطرق بين القرى والبلاد لتسهيل الانتقال، وأنشأ خطًّا للترامواي بين مدينة طرابلس الشام والمينا، وقد نجحت نجاحًا باهرًا. ولا ينسى أهل دمشق كيف أنشأ لهم الشارع الأعظم، وأهم ما كان من تأثير ولايته أنه جمع العناصر المختلفة، وألف بين قلوبهم على اختلاف المذاهب والأجناس على شكل لم يسبق له مثيل في تلك البلاد. وأطلق حرية المطبوعات ونشط الكتاب والأدباء والشعراء فتألفت الجمعيات السياسية والعلمية.
وفي أيامه ظهرت القصيدة السينية المشهورة التي مطلعها «دع مجلس الغيد الأوانس» وفيها تحريض للعرب أن يطلبوا الاستقلال كما فعل أهل الجبل الأسود. وكان السوريون إذا لقوا مدحت في محفل صاحوا ليحيا مدحت باشا، وهو لا يحاذر المجاهرة بانتقاد المابين وربما تغنى بما تمَّ على يده من الخلع والتنصيب فساء السلطان الظن بمقاصده، وزاد حذره من أغراضه، وأصبح يخاف أن تنتظم أحوال سوريا وتجتمع كلمة أهلها فتخرج من يده، فأصبح إذا عرضت عليه مشروعات مدحت أجل المصادقة عليها أو رفضها. وأوحى إلى مشير الفيلق الخامس في الشام أن يكون على حذر منه. فأصبح المشير ينظر إليه نظر الرقيب وتباعدت القلوب بينهما وتضايق مدحت من ذلك فعزم على الاستقالة، وبعد مخابرات طويلة خير الباب العالي فيها بين قبول استعفائه أو المصادقة على مشروعاته فكانوا يماطلونه ويدافعونه مع حاجتهم إلى آرائه يومئذ في أثناء تمرد الدروز في حوران. وقد خدم الدولة في إخماد ذلك العصيان خدمة حسنة بإعادة الأمن إلى تلك البلاد مع المحافظة على شرف الدولة ونفوذها. ولما فرغ من هذا الواجب لم يعد يصبر على مضايقة الباب العالي ومعارضته بما يعمله، فاستقال بحجة شيخوخته وضعفه فأبت الحكومة إعفاءه، ولكنها نقلته من ولاية سوريا إلى ولاية أزمير سنة ????.
(??) ولايته على أزمير

إن ولاية أزمير هي ولاية آيدين وعاصمتها مدينة أزمير، وكانت في خلل واضطراب مثل سائر الولايات في ذلك العهد بل هي من أكثرها اضطرابًا بالنظر إلى تكاثر أهل الدعارة واللصوص وقطاع الطرق فيها. ولم يجهل مدحت أن مشروعاته في إصلاح هذه الولاية ستصادف ما كانت تصادفه مشروعاته لإصلاح سوريا، لكنه أطاع الأمر وقبل المنصب وانتقل إلى أزمير. وفكر في تسكين الخواطر وإعادة الأمن، وكان فيها فرقة من الجاندرمة فوجدها غير كافية لحفظ النظام، فأنشأ الضابطة على النسق الأوروبي ولم يكن لها وجود في تركيا من قبل. وأخذ في العمل جهد طاقته والسلطان يزداد فيه سوء ظن ويخافه، فزين له مشيروه ورجال خاصته أن يتخلص منه ويريح فكره من أخطاره، ولم يجدوا شراكًا يأخذونه بها إلا مسألة السلطان عبد العزيز فأحيوها. ورغم ما أثبته الأطباء في تقاريرهم عن موت ذلك السلطان بالانتحار ادَّعى رجال المابين أنه مات مقتولًا، وأن قتلته هم حسين عوني باشا الذي قتله حسن الشركسي في بيت مدحت سنة ???? والد أمادان محمود باشا ونوري باشا وأنه اشترك معهم أيضًا مدحت باشا ورشدي باشا وخير الله أفندي شيخ الإسلام.
فلما اعتقد السلطان هذا القول أمر بالقبض على الدامادين محمود ونوري ونشرت الصحف عود قضية عبد العزيز إلى التحقيق، وتزلف بعض كتابها إلى المابين فألح بالقبض على كل من اشترك في مسألة عبد العزيز أو شهدها، فقبض علي رشدي باشا زميل مدحت وحكم عليه بالنفي ليقضي شيخوخته في منغيسيا من ولاية آيدين، وحكم على خير الله بالنفي إلى مكة، وأبعد سائر من بقي من الأحرار في الأستانة. ولم يبق حول السلطان إلا المتملقون الذين أخذوا بناصره أو حرضوه على إفساد أمر الأحرار والتضييق عليهم وفيهم جماعة كانوا يتظاهرون بالحرية ثم انقلبوا طمعًا في الدنيا.
(??) القبض على مدحت

وكان مدحت باشا يومئذ في أزمير وجاءه النبأ أنه متهم وأن حياته في خطر، فأجاب أصدقاءه الذين أنبئوه أنه لا يجد في ضميره ما يوجب القلق لاعتقاده براءته لدى القضاء. أما السلطان فعمد إلى المبادرة بالقبض على مدحت فجأة، فأنفذ اللواء حلمي باشا والأميرالاي رضا بك (ثم صار رضا باشا سر عسكر) مع جماعة من الضباط والضابطان للقيام بهذه المهمة. فوصلوا أزمير على غرة والناس لا يفهمون سبب مجيئهم. أما مدحت فجاءه النذير بأمرهم فبث عليهم العيون يراقبون حركاتهم فتحقق أنهم جاءوا بأوامر من يلدز للقبض عليه. عرف ذلك من أحد رجال الضابطة التي أنشأها في أزمير كان قد تنكر بلباس تاجر ونزل في الفندق الذي نزل فيه حلمي باشا، وعاشره وتقرب إليه حتى وثق به، واعترف له أنه جاء للقبض على مدحت وأنه ينتظر أوامر أخرى. فبادر مدحت إلى الاحتياط ففتح في قصره بابًا سريًّا يؤدي إلى الشاطئ، وأعدَّ هناك سفينة لشركة إنكليزية تنقله إلى حيث يشاء.
ففي مساء أحد الأيام جاء جاسوس مدحت المشار إليه، وأخبره أن حلمي باشا دعي إلى مكتب التلغراف على عجل، ولما عاد تسلح وذهب إلى القشلاق. وكان سبب ذلك أن حلمي باشا تلقى الأوامر بقتل مدحت وذبح عائلته، ولم يكن يستطيع ذلك إلا إذا كان له من يواطئه عليه من أهل بيت مدحت. وكان قد عرف خادمًا من أهل ذلك البيت اسمه نذير، فاتفق معه أنه حالما يرى الجند قادمين إلى القصر يطلق عليهم طلقًا ناريًّا من مسدس فيكون ذلك حجة لهم في الهجوم والقتل. ويؤكدون وقوع هذه المواطأة بما ناله نذير هذا من الحظوى في المابين بعد نفي مدحت.
فلما علم مدحت بدنو الخطر أعمل فكرته بتروٍّ وأطلع أهل بيته على الأمر، وأوصاهم ألا يبدو حراكًا، وأخبرهم عزمه على الخروج من تركيا بحرًا من ذلك الباب السري والالتجاء إلى أوروبا. ففي نصف الليل أطلقت الثكنة العسكرية ثلاثة مدافع هي علامة الحريق عندهم، فأدرك مدحت أنهم فعلوا ذلك ليصرفوا أذهان الناس عن أغراضهم الحقيقية، فعمد إلى الخطة التي كان رسمها للفرار، فخرج مع سكرتيره من ذلك الباب السري يطلب الشاطئ، ولم يبعد بضع خطوات حتى رأى الجنود قائمة على المرفأ تحرسه، فركب مركبة وسار إلى قنصلاتو إنكلترا فوجد قنصلها غائبًا فتحول إلى قنصلاتو فرنسا وطلب حمايتها فآوته.
أما حلمي باشا فإنه أتي برجاله إلى قصر مدحت بحجة أنه جاء يستفتيه في أمر الحريق الذي شبَّ في المدينة، فأجابه أهل المنزل أنه خرج الساعة فظنهم يخدعونه. فأمر رجاله فكسروا الأبواب ودخلوا البيت عنوة حتى فتحوا غرف الحريم للبحث عنه. وكان الخادم نذير جالسًا على مقعد والمسدس في يده، فهمَّ أن يقوم بمهمته ويطلقه فهجم عليه خادم آخر عارف بغرضه واستخرج المسدس من يده بالقوة وسقط ميتًا من التأثر. ولم يترك الجند مكانًا لم يفتشوا فيه عن مدحت حتى سرير الطفل. فلما رأت امرأة مدحت باشا تطاول القوم إلى هذا الحد، خاطبت حلمي باشا قائلة: «ارجع رجالك عن منزلنا وإلا فإني أفتح النوافذ وأستنجد الأمة عليهم» فخاف حلمي تهديدها؛ لأنه أمر أن يعمل عمله بدون أن يشعر أحد به، فصرف رجاله إلا جماعة منهم استبقاهم معه وخرج. علم أن مدحت في قنصلاتو فرنسا فذهب إلى هناك، وسد عليه منافذ الطرق من كل ناحية حتى يقبضوا عليه إذا خرج أينما كانت وجهته، وكان قنصل فرنسا الموسيو بليسيه قد أنبأ سفير فرنسا بالأستانة بما جرى، وبعث مدحت إلى قناصل الدول العظمى في أزمير يدعوهم إلى الاجتماع في قنصلاتو فرنسا فجاءوا وقص عليهم الخطر الذي يحدق به، وطلب إليهم أن يوسطوا دولهم لدى الباب العالي، وأنه لا يطلب منهم عفوًا ولا رحمة وإنما يطلب إذا كان متهمًا أن يُحكَم جهارًا في محكمة قانونية قضاتها نزيهون. فجرت المخابرات التلغرافية وأخذت الدول المواثيق والعهود على ذلك فلم يبق لمدحت بدٌ من السفر إلى الأستانة للمحاكمة. وبعد أيام جاء اليخت السلطالني، فحملوه عليه إلى الأستانة، وأنزله السلطان في كشك مالطة في يلدز ريثما تتألف المحكمة لمحاكمته.
(??) محاكمته والحكم عليه

وأخذوا في استنطاقه، وبعد الفراغ من ذلك عقدوا جلسة في سراي يلدز حضرها السلطان من وراء الستار، ولم يحضرها إلا السفراء وبعض مكاتبي الصحف الإفرنجية مع أن الشرط أن تكون المحاكمة في جلسة جهارية. وكان القضاة خمسة: ثلاثة مسلمين، واثنين مسيحيين برئاسة سروري أفندي أحد العلماء، وقد تقدم ذكره في مكان آخر من هذه الترجمة. وكان في جملة المتهمين مع مدحت الدامادان محمود باشا ونوري باشا وعلي بك ونجيب بك وفخري بك الجزائرلي وبعض الخدم.
ولما فُتِحت الجلسة قُرِئت ورقة الاتهام، وفحواها: «إنه بعد خلع عبد العزيز ببضعة أيام تواطأ الدامادان نوري باشا ومحمود باشا مع اثنين من المصارعين، وأحد حرس السراي على قتل السلطان المخلوع، ووعدهم براتب قدره ثلاثة جنيهات عثمانية لكل واحد في الشهر مكافأة على هذه الخدمة، فقتلوا السلطان بمساعدة فخري بك أحد الحجاب، وأن علي بك ونجيب بك أدخلا القتلة إلى غرفة عبد العزيز، وأنه كان في الأستانة يومئذ لجنة مؤلفة من مدحت ورشدي وعوني وشيخ الإسلام خير الله، والداماد محمود لم يكن يصدر أمر أو يجري حادث ما لم تصادق عليه هي فلا بدَّ أن يكون القتل قد حصل بعلمهم، ولذلك كان مدحت مشتركًا في ارتكاب تلك الجريمة».
وبعد تلاوة ورقة الاتهام أخذ القضاة يسألون المتهمين أسئلة مختلفة وهم يدافعون عن أنفسهم. وتوالت جلسات هذه المحاكمة بين ?? يونيو و?? منه، وانتهت بالحكم على مدحت ومحمود ونوري وآخرين بالإعدام، وكانت أخبار هذه المحاكمة تنقل يوميًّا بالتلغراف إلى صحف أوروبا، ولم يستطع المكاتبون انتقادها؛ لأن رسائلهم كانت تمر على المراقب قبل إرسالها، يشهد بذلك رسالة مكاتب التيمس المؤرخة في أول سنة ???? بعد صدور الحكم، فقد صدرها بقوله: إنه لم ينتقد أعمال القضاة في رسائله السابقة خوفًا من المراقبة. ثم أفاض في النقد ومآله أن المحاكمة كانت مهيأة، وأنها جرت على رغائب أهل المابين فأكثروا من الشهود وفي جملتهم شاهد لم يذكر اسمه في قائمة الشهود، ولم يكن يجوز سماع شهادته واسمه رفعت أفندي، شهد أنه سمع مدحت يقول في دمشق أنهم إنما قتلوا عبد العزيز لئلا يعود إلى السلطة ويقتل الوزراء الذين خلعوه. وفي جملة انتقادات مكاتب التيمس أن المتهمين لم يكن يتيسر لهم المفاوضة مع المحامين الموكلين في الدفاع عنهم، وأن مدحت لم يتداول مع محاميه إلا مرتين. وغير ذلك مما يطول شرحه، وهو مفصل في رسالة التيمس المشار إليها. ثم توسطت الدول في الحكم فأبدل بالنفي، وعُيِّن لكل واحد منفاه.
(??) مدحت في منفاه إلى مقتله

أما مدحت فتعين منفاه في الطائف بقرب مكة، ومعه الدامادان محمود ونوري فحُمِل مع رفاقه في باخرة أنزلته في جدة، فالتقى هناك بصديقه خير الله أفندي شيخ الإسلام المنفي إلى مكه كما تقدم. أما عائلة مدحت فظلت في أزمير تنتظر ما يأتي به القدر. ففي السنة الثالثة من منفى رجلها جاءَهم منه كتاب مؤَرخ جمادي الآخرة سنة ???? يقول فيه: إنه مصاب بخراج في كتفه اليمنى شديد الألم — وظهر بعد ذلك أنه الجمرة (فرخ جمر) وأن طبيبه غلام غير محنك. وذكر ما يقاسيه من العذاب بجهل الطبيب، وما اتخذه رفاقه من الوسائط لراحته مع يأسه من الشفاء. وذكر طعامهم، فقال: إنه عبارة عن طبق شوربا لثمانية أشخاص وطبق ورق الفجل ونحوه. وذكر في كتاب آخر أن الخُرَّاج تتحسن حالته، لكنه يشعر بالضعف. وقال في كتاب آخر: إنه ربما كان آخر كتبه إليهم لأنه لحظ أن القوم عاملون على التخلص منه بواسطة السُّم، وأنه يقاسي العذاب من شدة التيقظ لنفسه لأنه محاط بأقوام أشرار لا يبالي أحدهم من يقتل ولا كيف يقتل. وذكر على الخصوص أحدهم بكير الشركسي رفيق حسن الشركسي الذي قتل عوني باشا قديمًا، وختم كتابه بالدعاء بحفظ العائلة. والكتاب مؤرخ في ?? سبتمبر سنة ????.
فلما وصل الكتاب إلى امرأته عرضته على سفير إنكلترا في الأستانة فوعدها ببذل الجهد، واجتهد اللورد دفرين بالبحث عن صحة مدحت بواسطة ترجمان قنصلاتو فرنسا في جدة، فأجاب بعد البحث على يد شريف مكة أن صحته حسنة، وتوفي في أثناء ذلك الداماد نوري باشا مجنونًا.
وفي ?? أفريل سنة ???? كان مدحت راقدًا في غرفته، فدخلها بضعة رجال فقبضوا عليه وعلى رفيقه الداماد محمود وقتلوهما خنقًا. وكتب بذلك خير الله أفندي تقريرًا مطولًا نشر في تاريخ مدحت الذي ألفه ابنه علي حيدر. ولم ينج خير الله من القتل إلا خوفًا من نقمة العلماء على الدولة لصِبغته الدينية.
وجاء في تقريره المشار إليه أسماء الأشخاص الذين اشتركوا في ذلك القتل، وهم تسعة قتلوا مدحت و?? قتلوا محمودًا، وهذه أسماء قتلة مدحت: اليوزباشي إبراهيم الشركسي، والضابط الصغير نوري أصله من كوما أحمد جاويش، والأنفار قندرجي إسماعيل، وأحمد، ومحمد وكلاهما من كوتاهية، ورجب، وعثمان من قراحصار، وإسماعيل البربري. وأما الذين قتلوا محمد الداماد فهم: الضابط الصغير مميش أصاله من سبارطة، ومحمد حسن جاويش من قوتاهية، وسليمان جاويش، ومحمد الأونباشي، وعثمان البلطاجي، وأحمد، وعلي الروملي، ومصطفى بربر.
ويقال: إنهم بعد أن قتلوا مدحت أرادوا أن يثبتوا صدق خدمتهم للمابين، فأرسلوا الجمجمة في علبة عنونوها إلى يلدز في الأستانة، وذكروا أنها تحتوي عاجًا يابانيًّا، وأدوات صناعية لجلالة السلطان فلم تفتح إلا هناك.
وكان مدحت كما رأيت من سياق سيرته ذكي الفؤاد، حاد المزاج، حرًّا، حازمًا، همامًا، مستقل الفكر جسورًا يحب وطنه ودولته، ويتفانى في مصلحتهما. وكان مخلص النية في أقواله وأعماله، شديد الرغبة في الإصلاح، يكره الاستبداد ولا يبالي بما يلاقيه في سبيل مقاومته — يدلك على ذلك أنه ذهب ضحية في هذا السبيل، ولكنه كان قليل الدهاء يحسن الظن في الناس حتى في أعدائه، ولم يكن كتومًا إلى الدرجة تقتضيها حاله لما يحيط به من أرباب الدسائس؛ ولذلك رأيته انخدع في مواقف بيناها في أثناء الكلام عنه، فلو كان أكثر دهاءً في تفكيره، وأقلَّ حدة في مزاجه، وأسوأَ ظنًّا في أعدائه وأكتم لأسراره لما انتهت حياته بالكيفية التي ذكرناها. فذهب رحمه الله شديد الحرية والدستور، فلما حدث الانقلاب الأخير وفاز الأحرار اعترفوا بفضله وسموه أباهم وصاحب دستورهم، وسيبقى ذكره ما بقي التاريخ.
? كان ينبغي أن ننشر ترجمته مع رجال السياسة ولكنها تأخرت سهوًا.
الفصل الرابع والأربعون
بطرس باشا غالي


شكل ??-?: بطرس باشا غالي (ولد سنة ???? وتوفي سنة ????).
نشأته المدرسية

هو أكبر أنجال المرحوم غالي بك نيروز، ولد في القاهرة سنة ???? ووافق نشوءه نهضة تعليمية ظهرت في الطائفة القبطية على يد المرحوم الأنبا كيرلس الرابع المتوفى سنة ???? بعد أن أسس المدارس القبطية في الأزبكية وحارة السقايين. دخل صاحب الترجمة مدرسة حارة السقايين فنبغ بين أقرانه، وكان البطريرك المشار إليه يتعهد المدارس بنفسه ويراقب سيرها، فلحظ في الفقيد ذكاءً واجتهادًا ممتازين، فتحدث فيما يرجوه من مستقبله. ويذكرون أن أستاذه في اللغة الفرنساوية كان المرحوم مصطفى بك رضوان، فلما صار صاحب الترجمة وكيلًا للحقانية عيَّنه رئيسًا لمحكمة المنصورة.
قضى بطرس ثماني سنوات في مدرسة حارة السقايين، ثم انتقل إلى مدرسة البرنس فاضل باشا (أبي الأحرار العثمانيين)، وكان والده غالي بك يشتغل في دائرة البرنس المذكور، فأتقن فيها اللغتين العربية والفرنساوية، وتعلم الفارسية والتركية، وفي تلك المدرسة ظهرت رغبته في العلم وتلذذه بالدرس — فقد حدثنا بعض الذين عاشروه في صباه أنه كان يقضي ليله ساهرًا لا يملُّ المطالعة، حتى شكى بعضهم ذلك إلى أبيه خوفًا على صحته. وقد ساعده على إتقان اللغات التي تعلمها أنه كان قوي الذاكرة يحفظ الصفحة والصفحات بعد تلاوتها. ذكروا أن معلم الفرنساوية فرض على الصف مرة حفظ ثماني صفحات من الأجرومية فتذمروا من طول الأمثولة وفي جملتهم بطرس، لكنه جرَّب حفظها فاستسهله، فحفظ ما بقي من الكتاب. ولما جاءَ التلاميذ للتسميع في اليوم التالي اعتذر الجميع بطول الأمثولة إلا هو فسمَّع الدرس وسائر ما بقي من الكتاب، فأثنى الأستاذ على ذكائه واجتهاده.
ومن أدلة رغبته في العلم أنه وهو يتعلم الفارسية والتركية في المدرسة المذكورة لم يكن يرتوي من شرح المعلم، فاتخذ أستاذًا فيهما من أهل خان الخليلي، كان يدفع له أجرته مما يجمعه من البارات التي كان أبوه يعطيه إياها ليتفكَّه بها. وقد أتقن هاتين اللغتين وما زال إلى أواخر أيامه يردد بعض الأبيات الفارسية التي حفظها في صباه، أما التركية فأحسنها جيدًا. وخرج من هذه المدرسة وهو يعرف أربع لغات ثم تعلم الإنكليزية والإيطالية والقبطية، ولم يكن يحتاج في درس اللغة إلا إلى الإرادة، فإذا أراد وعزم فثباته وذكاؤه يضمنان سرعة اكتسابه ذلك اللسان. وحكي لنا عن سبب تعلُّمه اللغة القبطية أن بعض المستشرقين لقيه في بعض سياحاته بأوروبا وكلمه بالقبطية فأجابه جوابًا ضعيفًا؛ لأنه لم يكن يحسنها، ووعده أن يكاتبه بها بعد عودته إلى مصر ببضعة أشهر، وقد فعل.
دخوله في عالم العمل

خرج من المدرسة فكان أول عمل تعاطاه التعليم في مدرسة حارة السقايين براتب قدره سبع مئة غرش، وكان ناظر المدرسة يومئذ يعقوب بك نخلة رفيله. ولكنه لم يمكث طويلًا في تلك المهنة لأن مطامعه كانت أوسع من ذلك كثيرًا، فعمد إلى الاستزادة من العلم الذي يؤهله للعلى. وكانت الحكومة المصرية يومئذ تهتم في إخراج المترجمين لمصالحها، وقد أنشأت مدرسة الترجمة للمرحوم رفاعة بك ونبغ منها طبقة حسنة من المترجمين فلازمها بطرس سنتين أتقن في خلالهما ما كان يعرفه.
واتفق أن مجلس تجار الإسكندرية أراد توسيع دائرته فاحتاج إلى كنبة ومترجمين، فتقدم بطرس في جملة الطالبين للامتحان، فنال قصب السبق فتعين كاتبًا. ولكنه ما زال يرتقي ويحرز ثقة رؤسائه حتى صار رئيس كتاب المجلس، وله فيه القول الفصل. وهو في ذلك المنصب نُظرت قضية في المجلس المذكور لأحد صنائع المرحوم إسماعيل باشا المفتش، وصدر الحكم ضده فادَّعى الرجل أن بطرس أضاع حقه بإفشاء بعض أسرار المصلحة، وأبلغ ذلك إلى مولاه المفتش، فأبلغ المفتش ذلك إلى ناظر الداخلية يومئذ شريف باشا، وكانت مجالس التجار تابعة لها. فدعاه الناظر إليه بحضرة المفتش، وسأله عن التهمة فتنصل منها، وقص الحقيقة بحرية واستقلال فكر. فلم يعجب المفتش تنصله، فأخذ يكلم شريف باشا بالتركية طعنًا فيه، فردَّ عليه بتلك اللغة ردًّا بليغًا أدهش الرجلين، وحكما ببراءته وأعجبا ببراعته.
ولما تأسست المحاكم المختلطة جعلوها نظارة مستقلة سموها نظارة الحقانية برئاسة شريف باشا، وكان قد عرف اقتدار صاحب الترجمة فولاه رئاسة كتابها سنة ???? فأخذت مواهبه تظهر من ذلك الحين، فاشتغل مع المرحوم قدري بك في ترجمة قوانين المحاكم وأكثرها يعمل به إلى اليوم.
ولما ارتابت الدولتان إنكلترا وفرنسا في مالية مصر، وعينتا مندوبين لتصفية ديونها شكَّلوا مجلسًا من كبار رجال المالية وفيه رياض باشا نائبًا عن الحكومة المصرية، وعينوا بطرس مساعدًا. ثم تبدلت الأحوال فصار رياض باشا رئيس المجلس وبطرس وكيلًا في الدفاع عن مصالح الحكومة، وقد أتاه هذا المنصب على غير استعداد، إذ لم يكن له إلمام في الشئون المالية، ولكنه عوَّل على نفسه، وأكب على دراسة الموضوع فقضى ليلتين وهو يفكر فيه ويدرسه حتى تمكن من خاطره، فوضع تقريرًا ومذكرة عن الضرائب والأطيان كأنه درس الموضوع من عدة أعوام، وقد طبعا باللغتين الفرنساوية والعربية. وعوَّل عليهما أكثر الذين كتبوا في مالية مصر وأطيانها بعده. ويقال: إن السير ريفرس ولسن مندوب إنكلترا في ذلك العمل لما رأى اقتدار صاحب الترجمة، قال له: «إنك ستكون ناظرًا للمالية يومًا ما» ومنحته الحكومة الرتبة الثانية — والرتب يومئذ عزيزة جدًّا. ولكنه أصيب على أثر ذلك بحمى تيفوسية شديدة حتى يئس الأطباء من شفائه.
وبعد الانقلاب الذي خلع فيه إسماعيل وخلفه المغفور له توفيق باشا عين صاحب الترجمة (بطرس بك غالي) وكيلًا لنظارة الحقانية. ولما تشكلت وزارة شريف باشا في أثناء الثورة العرابية عهدت إليه سكرتيرية مجلس النظار مدة، ثم استقل بوكالة الحقانية وأنعم عليه برتبة ميرميران الرفيعة سنة ???? وهو أول من حازها من الأقباط.
ومن الخدم التي يؤثرونها له في أثناء الثورة العرابية أن العرابيين بعد أن فروا من التل الكبير وأتوا القاهرة عقدوا مجلسًا للمفاوضة في ماذا يفعلون، ودعوا إليهم كبار الرجال من الأمراء العسكرية والملكية، وشاوروهم في ما ينبغي عمله، فكان رأي بطرس باشا التسليم للخديوي والرجوع عن العصيان، وكتبوا بذلك عريضة عهدوا إلى صاحب الترجمة ومحمد رءوف باشا بإيصالها إلى أصحاب الشأن في الإسكندرية، فذهبا نائبين عن الأمة المصرية في تقديم الطاعة للحضرة الخديوية.
وظل وكيلا ً لنظارة الحقانية عدة سنين بعد الاحتلال، وفي سنة ???? رُقِّي إلى منصب الوزارة فتعين ناظرًا للمالية في وزارة رياض باشا. ثم انتُخِب ناظرًا للخارجية سنة ???? في وزارة مصطفى فهمي باشا، وظهرت مواهبه هنا بحل المشكلات التي تعرض لناظر الخارجية؛ نظرًا لكثرة علائق مصر مع الدول من حيث المالية والسياسة وغيرهما. وقد شهد له اللورد كرومر بالاقتدار على حل المشكلات غير مرة، ومازال في هذا المنصب حتى سقطت الوزارة الفهمية فوقع الاختيار عليه لتشكيل وزارة جديدة، فشكَّلَها في ?? نوفمبر سنة ???? وتولى رئاستها مع نظارة الخارجية وهو أكبر منصب يرجوه ابن النيل. وفي عهد وزارته همت الحكومة بتوسيع اختصاصات مجلس شورى القوانين، فقررت اشتراك الأمة في النظر بمشروعاتها بعرضها على المجلس، ويحضر الوزراء للمناقشة فيها وأشياء أخرى، وقد انتقدوا عليه بعض أعمال الحكومة التي تمت في عهد وزارته مما يرونه مغايرًا لمصلحة مصر أو مخالفًا للشعور الوطني، ولكنه أتاه وهو يعتقد نفعه لمصر لأنها وطنه وهو شديد الغيرة عليها — أو أنه لم ير بدًّا منه. وما زال عاملًا مجدًّا حتى قتل في ?? فبراير سنة ???? وقاتله شاب اسمه ناصف الورداني أطلق عليه أربع رصاصات من مسدسه في باحة نظارة الخارجية وهو يهم أن يركب عربته. وقد قُبِض على الجاني واعترف بالجناية بلا تهيب، وقال: إنه قتله لأنه أمضى اتفاقية السودان وترأس محكمة دنشواي، وأعاد قانون المطبوعات، وقاوم الجمعية العمومية، ورضي بمشروع القناة. وقد حوكم القاتل وحكم عليه بالإعدام.
مناقبه وأخلاقه

قد تبين مما ذكرناه من ترجمة حياته أنه كان عالي الهمة، كبير المطامع، ذكي الفؤاد، قوي الحافظة، شديد العارضة. وكان قوي البنية، ربع القامة، ممتلئ الجسم، ونظرًا لثباته وقوة عزيمته لم يكن يصعب عليه عمل، فارتقى من بين العامة إلى أسمى المناصب المصرية بعد الإمارة بجدِّه وقوة عقله وثباته، فيصح أن يكون مثالًا لطلاب العُلى. وكان واسع الاطلاع في أهم مناهج الحكومة المصرية في المالية والقضاء والسياسة؛ فضلًا عن معرفته اللغات فإنه أتقن منها العربية والفرنساوية والإنكليزية والإيطالية والتركية، ويعرف أيضًا القبطية والفارسية وبعض الألمانية.
وكان مستقل الفكر يكره الدالة والوساطة، وينظر إلى حقائق الأشياء دون أعراضها. ومما يروى عن تقديره الأشياء حق قدرها أنه لما أخذت الحكومة في إنشاء المحاكم الأهلية، وكان هو وكيلًا للحقانية احتاجت الحكومة إلى موظفين لتلك المحاكم، فأعلنت ذلك وتقدم طلاب الخدمة بالعرائض ولكل منهم وسيط من الكبراء على جاري العادة في ذلك العهد إذ كان للدالة والوساطة شأن عظيم. واستخرج كُتَّاب الحقانية أسماء الطالبين في كشف شبه جدول دوَّنوا فيه اسم كل طالب، وذكروا إلى جانبه اسم الكبير الذي توسط له أو أوصى به. ورفعوا ذلك الكشف إليه فقرأه، فرأى اسم أحد الطالبين في آخر الكشف وليس له وسيط، وكان قد تحقق بالفعل أنه كفءٌ للعمل فنقل اسمه إلى أعلى الكشف، وكتب بجانب اسمه في محل اسم الوسيط لسائر الطالبين «وسيطه الله» يريد أن لا وسيط له غير الله، وقد نال الوظيفة.
وكان واسع الاطلاع في أحكام الشريعة الإسلامية، وقد شهد له أئمتها بالتبحر فيها، وكان لا يزال إلى الأمس يترأس كومسيون المجالس المختلطة، والأولى بذلك رسميًا ناظر الحقانية. وكان دقيقًا في إنجاز ما عليه لا يبالي بالتعب أو السهر. وكان لحسن أسلوبه ونفوذ كلمته وقوة حجته يكلفونه التوسط في حل ما يعرض من سوء التفاهم بين العناصر المختلفة أو القوات المضادة في هذا القطر؛ فضلًا عما يدخل في واجباته من التوسط بين مصر والدول الأخرى وهو ناظر الخارجية. ومما يذكر من مأثره في حل المشكلات أنه اغتنم ذهابه بمعية الجناب العالي إلى الأستانة سنة ???? وتشرف بالمثول لدى جلالة السلطان وجرى الحديث بينهما بالتركية فحل مسألة دير السلطان بالقدس.
وكان للجناب العالي ثقة فيه يعول عليه في الأمور الهامة؛ ولذلك كان أسف سموه عليه كبيرًا حتى تنازل لزيارته وهو مريض في المستشفى. ثم شرف بيته بعد الوفاة لتعزية أبنائه وأخيه، وهذا التفات لم يسمع بمثله في مصر.
وكان يميل إلى المطالعة في ساعات الفراغ، وأكثر مطالعاته في التاريخ وفيه ميل إلى المواضيع الفلسفية النظرية، وفي داره مكتبة نفيسة وكان يطالع الصحف كل يوم بسرعة غريبة.