Advertisement

تراجم مشاهير الشرق2


تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الثاني)




تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الثاني)

تأليف
جُرجي زيدان




تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الثاني)

جُرجي زيدان

رقم إيداع ?????/??????
تدمك: ???? ??? ???? ?? ? ?

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2011 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



الجزء الأول
أركان النهضَة العلميَّة



الفصل الأول
الدكتور كلوت بك


مؤسس الإصلاحات الطبية في الديار المصرية
الطب القديم

كانت مصر إلى آخر القرن الثامن عشر في حوزة الأمراء المماليك، ولا يخفى عليك ما كان من أمرهم في دولتهم، وإماتة العلم والصناعة واستنزاف أموال الناس، حتى لقد كان القطر يئنُّ من شدة عتوِّهم، فلم يكن للعلم باب يدخل فيه أو تربة ينمو فيها؛ وخصوصًا علم الطب، فإنه كان من جملة العلوم الدائرة.
وكان الأطباء في الغالب من جالية بلاد المغرب يطببون بالحجامة والكي والفصد، وغير ذلك مما لا يزال جاريًا في أماكن كثيرة من هذه الديار، وغيرها من بلاد المشرق.
أما المدارس الطبيَّة فلم يكن لها صورة في أذهان أولئك الحكام أو رعاياهم، على أن بعض هؤلاء الأطباء المغاربة كانوا يلقون دروسًا من تلقاء أنفسهم على من يرغب في تلك الصناعة من أهل البلاد أو غيرهم، وكان الغالب في إلقائها في البيمارستان المنصوري بالنحاسين، أو في أروقة الجامع الأزهر، أو في بيوت أولئك الأطباء، وأما كتب التعليم فكانت مما كُتب في الأعصر الإسلامية القديمة؛ كعصر العباسيين أو الفاطميين أو غيرهما؛ ولذلك كان طبُّ القرن الثامن عشر طبَّ القرون الأولى في صدر الإسلام، أو هو طب قدماء اليونان والرومان؛ كأبقراط وجالينوس؛ لأن المسلمين أخذوا الطب عنهم.
وما زالت حال الطب في هذه الديار على ما تقدم إلى زمن الحملة الفرنساوية التي أغار بها نابوليون بونابرت على هذا القطر السعيد سنة ????م، فدخلت الجنود الفرنساوية مصر وأوغلوا في مدنها، وكان في جملة تلك الحملة جماعة من العلماء الذين اشتهروا في العلم، ولا تزال أسماؤهم مشهورة في سائر أنحاء العالم، جاء بهم بونابرت إتمامًا لمعدات الاستعمار؛ ظنًّا منه بطول مكثه واستعماره الديار المصرية.
وقد بحثت هذه الجمعية في الآثار المصرية وتربة البلاد، وحللوها، ودرسوا طبائع الحيوان والنبات فيها، وكان في عزمهم أن ينشروا لواء العلم بين أهلها، لو لم تفاجئهم طوارئ الحدثان بالانسحاب إلى ديارهم بعد ثلاث سنوات من احتلالهم (سنة ????م)، ولم يتمُّوا شيئًا مما كانوا شرعوا فيه في الإدارة أو العلم أو الصناعة، ولكنهم تركوا آثارًا من التمدُّن الحديث كانت بمنزلة جراثيم ضعيفة لو طال الأمد عليها كامنة لعفت آثارها وبادت، ولكن الله قيَّض لها رجل الإصلاح والحزم المغفور له محمد علي باشا؛ فبعد أن قبض على أزِمَّة الإدارة والسياسة، ودانت له الرقاب، أخذ في تنظيم الأحوال وإحياء المعالم المصرية؛ أراد بذلك أن ينشئ دولة عربية، وقد علم أن الوسيلة الوحيدة لنجاح الأمة إنما هي العلم والصناعة وحسن الإدارة.
أما حسن الإدارة فكان هو الكافل لها مع من كان حوله من ذوي شوراه من المصريين وغيرهم، وأما العلم فعَلِم أنه لا مندوحة له عن استخراجه من معدنه، فبعث الوفود إلى أوربا يستقدمون رجال العلم والصناعة، وأرسل جماعة من أذكياء شبَّان هذا القطر إلى أوربا يتلقون العلوم عن أهلها؛ حتى يعودوا ويبثوها بين أبناء جلدتهم، وكان ذلك أول الإرساليات العلمية.
كلوت بك

وكان في جملة من استخدمهم للإصلاح العلمي النطاسي الشهير الدكتور كلوت بك، صاحب الترجمة، استقدمه من أوربا بقصد تطبيب الجيش؛ منعًا لتفشي الأمراض فيه، وهو فرنساوي الجنس والنزعة، واسمه الأصلي أنطون برطلمي كلوت، وُلد في غرينوبل بفرنسا سنة ????م من أبوين فقيرين، وربِّي في شظف من العيش وضيق ذات اليد، على أن ملامح النجابة كانت تلوح على وجهه، ومواهبه الطبية تتجلَّى في أعماله منذ كان صبيًّا؛ لأنه كان على صغره ولعًا بتشريح الحشرات ودرس طبائعها.
وتوفي والده سنة ????م بعد أن نزح إلى برينول، وكان له صديق اسمه الدكتور سابيه، فلما عاين ما في الغلام من المواهب على حاله من الفقر جعله مساعدًا له، يرافقه في أعماله الطبية، ويتمرَّن في الجراحة، وكان كلوت يطالع ذلك العلم بنفسه ساعات الفراغ، حتى قرأ كتاب الجراحة تأليف (لافه)، ثم رأى أن برينول — لصغرها — لا تفي بما تجنح إليه نفسه، ولا تروي مطامعه، فنزح إلى مرسيليا رغم إرادة والدته التي كانت كثيرة التعلق بولدها؛ هذا لأنه كان وحيدًا لها، ولكنه أصرَّ على عزمه، وضغط على عواطفه؛ طلبًا للعلى وسعيًا وراء العلم، وهو لا يملك إلا بعض الدريهمات وشيئًا من الثياب، على أنه لم يلاقِ في مرسيليا إلا الخيبة، فحدَّثته نفسه أن يسافر في سفينة جرَّاحًا لبحارتها، ويتحمل مشاقَّ الأسفار وأخطارها سدًّا لعوزه وهو في التاسعة عشرة من سنه، فلم يقبله ربَّانها، وكان ذلك لحسن حظ المترجم؛ لأن السفينة غرقت في ذلك السفر. الدكتور كلوت بك ????–????م.
فاضطره العوز لتعاطي مهنة الحلاقة، فصار يختلف إلى حلاق يعالج بالفصد والجراحة الصغرى، ثم عاد إلى بلده مرغمًا، ودخل في المستشفى بعد عناء وتكرار الالتماس، وأكبَّ على الدرس والمطالعة حتى نبغ بين أقرانه، ولكن الفقر كان لا يزال ضاربًا أطنابه بين يديه.
وفي سنة ????م أتمَّ دروسه، وعُيِّن طبيبًا صحيًّا، وكان قد درس العلوم بنفسه وأتقن اللغة اللاتينية على أحد القسوس، ونال رتبة بكلوريوس في العلوم (بكلوريا)، وفي سنة ????م نال شهادة الدكتورية بعد شق الأنفس ومعاناة البلاء، ولكنه أصبح قابضًا على ما يؤهله للعمل والتعيُّش، فعاد إلى مرسيليا وعيِّن طبيبًا ثانيًا بمستشفى الصدقة، ومستشارًا جراحيًّا بمستشفى الأيتام، فنمَّ به بعض ذوي الحسد فأقيل من منصبه، ولكنه لم يسعَ في الانتقام، بل تضاعفت همَّته في العمل؛ أراد بذلك أن يبرهن على عدم اكتراثه بالسعاية والوشاية، وأنه إنما ينال الشهرة والسعادة بالسعي والاجتهاد، فكتب كتابًا في استعمال آلات الولادة في الأحوال الخطيرة، حتى صار دكتورًا في فن الجراحة، وذاع صيته في مرسيليا، وكان ذلك كافيًا لرغم أنف حسوده.
وفي سنة ????م اجتمع إليه المسيو تورنو، وكان تاجرًا فرنساويًّا من نزالة مصر، بعث به المغفور له محمد علي باشا لاختيار من يليق بمنصب طبيب لجيشه، فحبَّب إليه المسير إلى مصر في ذلك المنصب، فقَدِم على طيب خاطر، فرأى أمامه بابًا واسعًا للعمل؛ لِمَا قد علم من حاجة البلاد إلى الإصلاح الطبي، فأخذ يعمل ليله ونهاره مفكرًا في الوسائل المؤدية إلى المراد.
وكان محمد علي باشا يركن إليه، ويثق برأيه، ويجيب مطاليبه، فأسَّس — أولًا — مجلسًا صحيًّا؛ ليستعين بأعضائه على الإجراء والتنفيذ وبث الوصايا الصحية، فرتَّبه على مثال المجالس الصحية الفرنساوية، ولإتمام النظام العسكري أنشأ المستشفيات العسكرية، ومصلحة الصحة البحرية، ولا يخفى أن المستشفيات تحتاج إلى عَمَلَة من الأطباء والتومرجية وغيرهم، ولم يكن في مصر شيء من ذلك، فاضطر أن يعلِّم كلًّا من هؤلاء واجباته من التطبيب وملاحظة المرضى وغير ذلك.
وأشهر المستشفيات التي بُنيت بناء على إشارته مستشفى أبي زعبل، وهي قرية على مسافة أربعة فراسخ من القاهرة، وكانت مقرَّ الجند، وأنشأ في المستشفى بستانًا للبنات، وفي نحو سنة ????م أسَّس المدرسة الطبية في تلك القرية أيضًا؛ وأراد بذلك أن لا يقتصر الطب على الجيش، بل يتعلَّمه أبناء البلاد؛ حتى يفيدوا أبناء جلدتهم بتطبيبهم وتعليمهم، وكان في السنين الأولى من تأسيس هذه المدرسة هو وحده الذي يلقي الدروس بواسطة المترجمين تسهيلًا لفهمهما، فتُرجمت كُتب عديدة إذ ذاك، وفي جملتها قاموس نستين الطبي، وغيره من كتب الطب والجراحة والعلوم الطبيعية.
وممَّا كان عقبة في طريق التشريح العملي أن تشريح جثث الموتى كان أمرًا منكرًا في عيون المشارقة، فبذل كلوت جهده حتى أُبيح له التشريح سرًّا، على أن ذلك لم ينجِهِ من غضب الأهالي عليه، حتى إن أحدهم جاءه يريد قتله خلسة بخنجر، ولكنه لم يفز.
وفي سنة ????م سار الدكتور كلوت بك في ?? تلميذًا من تلامذة مدرسته هذه لامتحانهم في باريس، فامتحنتهم الجمعية العلمية الطبية فحازوا استحسانها، وأظهروا كل نجابة وذكاء وبراعة؛ وهاك أسماء هؤلاء التلامذة:
أحمد الرشيديمصطفى السبكيحسن الرشيديمحمد الشباسيمحمد منصورمحمد السكريإبراهيم النبراويمحمد الشافعيحسين الهيهاويأحمد بخيتعيسوي النحراويمحمد علي البقلي
وقد كان نجاح هؤلاء المصريين في امتحانهم موجِبًا لسرور أستاذهم كلوت بك سرورًا زائدًا؛ لأنهم سيكونون له عونًا في نشر الفوائد الطبية والوصايا الصحية في هذه الديار.
وفي سنة ????م نُقلت المدرسة الطبية من أبي زعبل إلى القاهرة، وهي المعروفة بمدرسة قصر العيني، ثم أنشأ فيها فرعًا لدرس فن القِبالة، يتعلمها النساء؛ لعلمه أن عوائد المشارقة لا تسمح بولادة النساء على يد أطباء من الرجال، وأنشأ لهن مستشفى خاصًّا بهن، وكان لهذه الخدمة فائدة عظمى؛ خصوصًا لأن النساء — لمبالغتهن في التحجُّب — لا يؤذن للطبيب بمساعدتهن في الولادة، ولا الكشف عليهن في تشخيص بعض الأمراض، فكم كان يموت منهن لنقص المعالجة! أما بعد مدرسة القوابل فصارت القابلة (الداية) تقوم بأعمال الطبيب في معالجة النساء، فكم شَفَتْ أنفسًا، وكم أنقذت أناسًا من الموت بإذن الله!
ثم رأى — تعميمًا للفوائد الصحية — أن ينشئ أماكن للاستشارة الطبية بالقاهرة والإسكندرية، ففعل وجعل في كل استشارة أجزاخانة، وأنشأ أماكن كثيرة لمعالجة المرضى؛ كالمستشفيات وغيرها في المدن الكبيرة في القطر، وأدخل تطعيم الجدري للأطفال والغلمان، ولم يكن متداولًا قبل ذلك بمصر، فأوقف انتشار ذلك الوباء، وكان يموت بسببه قبل ذلك ألوفٌ كل سنة، وقد ظهرت نتائج إجراءات الدكتور كلوت بك الصحية في ازدياد عدد سكان القطر إلى أضعاف ما كانوا عليه.
وأظهر الدكتور كلوت سنة ????م من الهمَّة في دفع داء الكوليرا ومعالجة المصابين ما يشهد له به التاريخ، وقد عَرف له ذلك محمد علي باشا، فأنعم عليه على أثر ذلك برتبة «بك»، وهي رتبة لم يكن ينالها إلا نفر قليل، وكلوت أول من نالها من الأوربيين على ما نعلم؛ وأنعمت عليه الحكومة الفرنساوية أيضًا برتبة ليجيون دونور.
وفي سنة ????م ظهر الطاعون بالقاهرة، فخاف الأطباء واعتزلوا في بيوتهم خوفًا من العدوى، إلا الدكتور كلوت بك وثلاثة من زملائه، فإنهم ثابروا على خدمة المرضى ومعالجتهم، وقد رأى صاحب الترجمة أن هذا الداء غير معدٍ بمجرد الدنو من المرضى ومعالجتهم، وقد طعَّم نفسه بالصديد الجدري، المعروف بالمادة الفحمية.
وكان لخدمته هذه وَقْع حسن في عيون محمد علي باشا وسائر من عرفه، فبعد انقضاء تلك الأزمة أنعم عليه محمد علي باشا برتبة (جنرال)، وكتب إليه بذلك يقول: «لقد تقلَّدت بصنيعك هذا قلادة الفخر؛ فقد جعلتك لذلك جنرالًا»، وأنعمتْ عليه الدولة الفرنساوية برتبة أوفيسيه دي لاليجيون دونور، وأهدته سائر الدول الأخرى نياشين بطبقات مختلفة؛ إقرارًا بخدمته لها في معالجة رعاياها أثناء ذلك الوباء.
وفي سنة ???? سار إلى فرنسا، وعرض كتابين من تأليفه؛ أحدهما يشتمل على أعماله في مصر، والثاني في الحوادث الوبائية، ولما سار المرحوم إبراهيم باشا في حملته إلى الشام رافقه صاحب الترجمة، فزار أكثر مدن الشام، والتقى في بيت الدين بالأمير بشير الشهابي، فالتمس منه هذا أن يتوسط له لدى عزيز مصر في إدخال نفر من اللبنانيين مدرسة قصر العيني؛ لدراسة صناعة الطب على نفقة الحكومة المصرية، فأجاب ملتمسه ثم عاد إلى مصر.
وما زال عاملًا بنشاط وغيرة حتى توفي محمد علي باشا ثم إبراهيم باشا، وتولى عباس باشا الأول سنة ????م، فاستأذنه الدكتور كلوت بك بالذهاب إلى مرسيليا، وبقي هناك حتى تولى سعيد باشا سنة ????، فعاد كلوت بك إلى مصر وسنُّه ?? سنة، والظاهر أنه رحل إلى مرسيليا في عهد عباس باشا الأول؛ لوحشة بينهما، فاستشار سعيد باشا في من يليق لتولي إدارة المدرسة الطبية، فاختار له خمسة من نوابغ الأطباء؛ وهم: كلوتشي بك، وفيجري بك، وبرجير بك، وشافعي بك، ومحمد علي بك، فتبادلوا رئاسة المدرسة الطبية والمستشفيات زمنًا.
أما كلوت بك فإنه عاد إلى باريس في سنة ????م، ونشر نبذة تتعلق بالحجور الصحية، فأنعمت عليه الحكومة الفرنساوية برتبة كومندور دي لاليجيون دونور، ومما ناله من علامات الشرف أيضًا لقب (كونت روماني)، لقَّبه به بابا رومية لخدمة قام بها نحو المسيحيين، وهو لقب يُعطى لمن لا يقبل الرشوة، وفي سنة ????م سافر إلى مرسيليا، وتوفي فيها في ?? أغسطس سنة ????م.
وكان الدكتور كلوت بك ليِّن العريكة، حسن الطويَّة، محبًّا لأبناء وطنه، محافظًا على كرامة ديانته، راغبًا في العمل، نشيطًا، غيورًا، متقنًا لمهنته، مخلصًا في خدمة الإنسانية، نزيهًا عن الأغراض الشخصية؛ ولذلك فقد تسابقت الدول إلى إهدائه النياشين والرتب، وقد أهدى ولده تمثاله إلى مدرسة الطب سنة ????م، فنصبوه بمشهد حافل من الوجهاء والعلماء والأطباء، يتقدمهم ناظر المعارف بالنيابة عن الحكومة الخديوية.
وألَّف صاحب الترجمة — فضلًا عن المواضيع الطبية — كتابًا عن مصر في مجلدين، طُبع سنة ????م بالفرنساوية، صدَّره برسم محمد علي باشا، ووصف فيه مصر إداريًّا وزراعيًّا واجتماعيًّا على اختلاف الأزمان، وأفاض في تاريخها الطبيعي، وتقويمها بما فيها من السكان وعددهم، واختلاف أجناسهم وآدابهم وعوائدهم، ونظر في مصر نظرًا دقيقًا من حيث تجارتها وصناعتها وعلومها وجندها، وأعمالها في الري وحفر الترع، وما يُشاهَد من آثارها، إلى غير ذلك مما يعجز عن مثله سواه.
وخلاصة القول أن الدكتور كلوت بك ممَّن يُخلَّد ذكرهم في التاريخ المصري مدى الدهور.

الفصل الثاني
الشيخ ناصيف اليازجي


????–????م.
ترجمته

هو الشاعر المطبوع، واللغوي المدقِّق، والنحوي المحقِّق، أحد أركان النهضة اللغوية في بلاد الشام، ابن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط بن سعد اليازجي، اللبناني المولد الحمصي الأصل، هاجر جدُّه سعد المذكور من حمص مع جماعة من ذويه نحو سنة ???? م؛ لحَيْفٍ لحقهم في تلك الديار، فتوطَّن أناس منهم في ساحل لبنان في الجهة المعروفة بالغرب، وآخرون في وادي التيم، وتفرَّق بعضهم في مواطن أخرى، ولا تزال بقية أسرتهم في حمص ونواحيها، وهم عشيرة كبيرة من ذوي الوجاهة واليسار.
وكان مولد صاحب الترجمة في قرية كفر شيما، من قرى الساحل المذكور، في ?? مارس سنة ????م، وكانت وسائل التعليم إذ ذاك محصورة في جماعة الإكليروس، فتلقَّى القراءة البسيطة على يدي القس متَّى من قرية بيت شباب، وكان والده من الأطباء المشهورين في وقته على مذهب ابن سيناء، وكان مع ذلك أديبًا شاعرًا، إلا أنه كان قلَّما يتعاطى النَّظْم؛ لقلة الدواعي إليه إذ ذاك، ومن شعره أبيات قرظ بها ديوان الخوري حنانيا المنير أحد شعراء ذلك العصر، لم يحفظ منها إلا بيتان رواهما لنا حضرة حفيده اللغوي الشهير الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء، وقد اعتمدنا عليه في تحقيق أكثر ما أثبتناه في هذه الترجمة؛ أما البيتان فهما قوله في مطلع ذلك التقريظ:
عش بالهنا والخير والرضوانِيا من عُنيت بنظم ذا الديوانإني لقد طالعته فوجدتهُنظمًا فريدًا ما له من ثان فنشأ ولده على الميل إلى الأدب والشعر، وأقبل على الدرس والمطالعة بنفسه، وتصفَّح ما تصل إليه يده من كتب النحو واللغة ودواوين الشعراء، ونَظَم الشعر وهو في العاشرة من عمره، ومن نظمه في الصبا قوله:
ولمَّا تثنَّى وهو ريان معطفٍيميل على سفح العقيق ويخطرُتذكَّرت أغصان الرياض يهزُّهانسيم الصبا والشبه بالشبه يذكر ومن ذلك قوله أيضًا:
كفَّ عني لا أبا لكقد تبينَّا محالكوعرفناك وإلافمتى نعرف حالكقد مضى لي بك عصرحاملًا فيه ملالكحسب قلبي منك جورٌكاد منه يتهالكوكفانا ما احتملنامنك فاستدع احتمالكسنرى النادم منَّاويسيء الله فالك ولمَّا لم تكن الكتب لذلك العهد ميسورة — لقلة المطبوع منها؛ إذ لم يكن في البلاد السورية ولا المصرية إلا مطابع نادرة قلَّما كانت تشتغل بطبع الكتب العلمية — كان جلَّ معتمده على كتب يستعيرها من بعض الأديار والمكاتب القديمة، فمنها ما يقرأها مرة فيحفظ زبدتها، ومنها ما ينسخها بخطه، ولا يزال كثير من تلك الكتب باقيًا إلى اليوم محفوظًا عند أسرته، وهي جميلة الخط على القاعدة الفارسية، وبعضها يبلغ عدة مئات من الصفحات.
وقد بلغ من كل علم من علوم العربية لُبابه، ودرس أشهر مصنفاته، وله في جميعها تآليف مشهورة، هي اليوم عمدة التدريس في أكثر المدارس المسيحية، وله ثلاثة دواوين شعرية تعدُّ من عيون الشعر، كثير منها محفوظ على الألسنة؛ ولا سيما الأبيات الحكمية منها، وهي في شعره أكثر من أن تحصى، وله المقامات المشهورة باسم مجمع البحرين، وهي ستون مقامة أودعها من فنون الإنشاء وصناعات البديع ومن غريب اللغة وألفاظها المنتقاة وأمثال العرب والآيات الشريفة، ما دلَّ على طول باعه وغزارة محفوظه، وذلك فضلًا عما أودعها من المسائل العلمية في كل فن، وما ضمَّن شرحها من تواريخ العرب وأنسابهم ووقائعهم.
ثم إنه لما بلغ أشدَّه اتصل بالأمير بشير الشهابي الشهير (راجع ترجمته في الجزء الأول من هذا الكتاب)، فقرَّبه إليه وجعله كاتبًا ليده، فلبث في خدمته اثنتي عشرة سنة، ولمَّا كانت سنة ????م، وهي السنة التي خرج فيها الأمير بشير من البلاد الشامية، انتقل صاحب الترجمة بأهل بيته إلى بيروت، فأقام بها وتفرَّغ للمطالعة والتأليف والتدريس ونظم الشعر ومراسلة الأدباء، حتى لهج بذكره القطران؛ الشامي والمصري. الشيخ ناصيف اليازجي وامرأته وأولاده سنة ????م.الصف الأول: وردة، سارة، إبراهيم (سنة ????م)، فارس (سنة ????م)، عبد الله (سنة ????م).الصف الثاني: مريم (سنة ????م)، حنة، صابات امرأة الشيخ (سنة ????م)، الشيخ ناصيف (سنة ????م)، حبيب (سنة ????م)، نصار (سنة ????م).الصف الثالث: اسين، راحيل (سنة ????)، خليل (سنة ????).
وكانت تتوارد إليه ركائب الزائرين من كل صقع وفيهم العلماء والوزراء، وفي جملة من زاره منهم محمد عزت باشا أحد قواد الجنود السلطانية، فمدحه بأبيات ارتجالية، يقول في مطلعها:
أعطى محمد عزةٍ من فضلهِشرفًا لساحتنا بوطأة نعله ومنها يقول:
يا زائرًا بيتي أراك فتنتهُفعليك بيت غيره من مثلهِأجللته عني فصرت أهابهحتى كأني لم أكن من أهله وأقبل أكابر الشعراء من جميع الأنحاء العربية على مراسلته، ومدحوه بما دلَّ على وفور فضله وعلوِّ كعبه في الشعر والأدب، ومما قال فيه الشيخ عبد الباقي العمري البغدادي، حين وقف على النبذة الأولى من ديوانه:
على نبذة من شعر ناصيف ذي الفضلوقفت ومني العين في موضع الرجلوطأطأت إجلالًا لها رأس شامخٍلأخمصهِ هام العلى مواطئ النعل وهي قصيدة طويلة يقول منها:
إذا أنكرتْ دعواه في الشعر فتيةٌأقام عليها شاهد العقل والنقلوإن رام شعري أن يباري شعرهيقول شعوري إنني عنك في شغل وقرَّظ هذه النبذة أيضًا الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري بقصيدة مطلعها:
هكذا تنسق اللآلي وتنضدهكذا تجمع المعاني وتحشدهكذا هكذا الكلام كلامٌصيغ درًّا بفكرة تتوقد ومن هذه القصيدة يقول:
ما سمعنا بمثله عيسويًّايتحدى بمثل معجز أحمدألمعي لكنه عيسويكان أولى بفضل دين محمد ومما قال فيه الشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي:
ورا معانيه يصلي الورىإذا جرى الفرسان يوم الرهانصرح بأن الفضل أمسى لهودع أحاديث فلٍ أو فلان وكفى بهذا القدر شاهدًا على منزلته في عيون جلَّة العلماء من أهل عصره، وهي أول مرة مُدِح فيها مسيحي بمثل هذا الكلام، وأجمع مثل هذه الطبقة على إطرائه وتفضيله، ومن رام الوقوف على سائر أقوالهم فيه فليطالع ذلك في مجموعة هذه المراسلات المسماة بفاكهة الندماء.
ثم إنه ما زال عاكفًا على التعليم والتصنيف والنظم والنثر حتى أصيب بمرض عضال سنة ????م، فانفلج فالجًا نصفيًّا عطَّل شطره الأيسر، فلزم داره، ولكنه ما برح ينظم الشعر ويتلقَّى السائلين والمستفيدين، إلى أن فاجأه القدر بوفاة بِكره المرحوم الشيخ حبيب، فوقع ذلك الحادث عليه وقوع الصاعقة، ولم يعِش بعد ذلك إلا أربعين يومًا، وكان قد بدأ بنظم قصيدة يرثيه بها، ثم غلب عليه الحزن حتى لم يعد يملك عنان قريحته؛ ومما نظم في هذه القصيدة قوله:
ذهب الحبيب فيا حشاشة ذُوبيأسفًا عليه ويا دموع أجيبيربَّيته للبين حتى جاءهفي جنح ليل خاطفًا كالذيبيا أيها الأم الحزينة أجمليصبرًا فإن الصبر خير طبيبإني وقفت على جوانب قبرهأسقي ثراهُ بمدمعي المصبوبولقد كتبت له على صفحاتهيا لوعتي من ذلك المكتوبلكَ يا ضريح محبة وكرامةعندي لأنك قد حويت حبيبي وهي آخر ما نظمه، وبعد أيام عاودته السكتة الدماغية فمات فجأة، وكانت وفاته في ? شباط (فبراير) سنة ????م بعدما لزمه الداء ما يقرب من سنتين، فعظم خطبه عند كل من عرف فضله أو سمع بذكره، وكان له مأتم حافل شهده الكبراء والعظماء من بيروت ولبنان، ومشى في جنازته ما ينيف عن عشرة آلاف نفس؛ ووُلد له ?? ولدًا ورثوا ذكاءه وسرعة خاطره، ولم يخلفه منهم في خدمة اللغة وآدابها إلا الشيخ إبراهيم صاحب الضياء.
صفاته

وكان (رحمه الله) معتدل القامة فوق الربعة، أسمر اللون حنطيه، أسود الشعر، أجش الصوت، مهيبًا، وقورًا، شهمًا، كاملًا، متواضعًا، متأنيًا في حديثه، قليل الضحك، عفيف اللسان، لم تُسمع له كلمة بذيئة قط؛ لا في حديثه ولا في كتابته، ولم يهجُ أحدًا ولا هجاه أحد في زمانه، غير بيتين قالهما على سبيل الفكاهة في بخيل؛ وهما:
قد قال قوم إن خبزك حامضوالبعض أثبت بالحلاوة حكمهكذب الجميع بزعمهم في طعمهمن ذاقه يومًا ليعرف طعمه وكان إذا ذُكر أحد أمامه بسوء أطرق وأغضى كأنه لا يسمع، وكان ودودًا مخلصًا، سريع الفهم، قوي الذاكرة، متسع المدارك، إذا حدَّث أخذ بمجامع القلوب لكثرة رواياته ونكاته، وكان يروي القصة بتواريخها وأسماء أصحابها وأسماء بلدانهم، ولم يكن على شيء من التأنق في اللفظ، ولكن حديثه كان كأبسط أهل وقته.
ومن غريب ذاكرته أنه كان إذا نظم الشعر لا يكتبه بيتًا بيتًا، ولكنه كان ينظم الأبيات ثم يكتبها، حتى إنه في مدة اعتلاله نظم مرة ثمانية عشر بيتًا ثم أملاها دفعة واحدة، وقد ألَّف إحدى مقاماته، وهي المقامة اليمامية، على ظهر الفرس، وكان مسافرًا بأهل بيته من بيروت إلى بحمدون سنة ???? بقصد الاصطياف، فلمَّا انتهى إليها أخذ قرطاسًا فعلقها، وكان يحفظ القرآن بتمامه، ويعي من الشعر شيئًا كثيرًا؛ ولا سيما شعر المتنبي؛ لشدة إعجابه به، وكان يقول: كأن المتنبي يمشي في الجو وسائر الشعراء يمشون على الأرض.
شعره

أمَّا شعره فهو النهاية في السلاسة والانسجام وحسن اختيار الألفاظ والتراكيب، فضلًا عمَّا له من المعاني المبتكرة، والإكثار من الحكمة، وضرب الأمثال، ومع قلة رغبته في الغزل فإن الغزل القليل الذي له في منتهى الرقة، مثل قوله:
يا ناحل الأعطاف معشوقًا تُرىأتلوم مثلي عاشقًا أن ينحلاحاولت سفك دمي بعينك ثانيًاهيهات قد سفكته عيني أولا وقوله:
حواك وقد حللت بكل قلبفؤاد لم يحلَّ به سواكنزلت به على طلل تفانىولست بمن على طلل تباكىأطعت العاذلين بقتل صبٍّيريد القتل لكن عن رضاكاتعز كرامة ويهون ذلافتأنف أن يقول دمي فداكا وقوله:
أخاف إذا أشار براحتيهلعلمي أن روحي في يديهويخفق عند نظرته فؤاديلأن سواده من مقلتيه وقوله:
إن كان يلبس ما أفاد تجملافبياض هذا الجيد تلبسه الحلىوإذا تزيَّنت العيون بكحلهافلقد نراه بمقلتيك تكحلايا ناحل الأعطاف معشوقًا تُرىأتلوم مثلي عاشقًا أن ينحلا وقوله — وهو مما نظمه في صباه:
ألوى عليَّ فضمَّني وضممتهوصدورنا بصدورنا لم تعلمأهوي عليه وفيَّ عفة يوسفحتى يميل وفيه عفة مريم ومن نظمه في المديح قصيدة مدح بها أسعد باشا قائد جيش البلاد العربية، قال فيها:
إذا قام من تحت السرادق راكبًاأقام عجاجًا فوقه كالسرادقولما رأينا كيف تنقضُّ خيلهعلمنا بها كيف انقضاض الصواعقتفارق أطراف البلاد خيولهوأصواتها في قلبها لم تفارق وله في الحِكَم شيء كثير، منه قصيدة جرت أبياتها مجرى الأمثال، مطلعها:
لعمرك ليس فوق الأرض باقولا مما قضاه الله واق ومنها:
أضلُّ الناس في الدنيا سبيلامحبٌّ بات منها في وثاقوأخسر ما يضيع العمر فيهفضول المال تُجمع للرفاق ومنها:
ألا يا جامع الأموال هلَّاجمعت لها زمانًا لافتراقرأيتك تطلب الإبحار جهلاوأنت تكاد تغرق في السواقيإذا أحرزت مال الأرض طرًّافما لك فوق عيشك من تراقأتأكل كل يوم ألف كبشٍوتلبس ألف طاق فوق طاقفضول المال ذاهبة جزافًاكماء صُبَّ في كأس دهاق وله من قصيدة:
متى ترى الكلب في أيام دولتهفاجعل لرجليك أطواقًا من الزردواعلم بأن عليك العار تلبسهمن عضة الكلب لا من عضة الأسد وله في صناعة التاريخ الشعري اليد الطولى والتفنُّن الغريب، ولم يحدث حادث هام في أواسط القرن الماضي يستحق حفظ تاريخ حدوثه إلا نَظَمَ الشيخ اليازجي أبياتًا في تاريخه، ومن أشهر ما نظمه في هذا الباب بيتان قالهما في فتح عكاء، يتضمنان ?? تاريخًا، وبيتان آخران نظمهما في السلطان عبد العزيز، وله من هذا القبيل قصيدة هنَّأ بها إبراهيم باشا المصري بفتح عكا، ضمَّن كل بيت منها تاريخين لسنة ????هـ، يقول في مطلعها:
الزهر تبسم نورًا عن أقاحيهاإذا بكى من سحاب الفجر باكيها ومع التزامه التاريخ فيها لا ترى تكلُّفًا في تركيبها مطلقًا.
ومن مديحها قوله:
كل البلايا من الدنيا متى نزلتبنا فنيران إبراهيم تطفيهانار ونور متى قال النزال لهوالجود هات يدا لم يلق ثانيها وله قصيدة من هذا النوع في مدح السلطان عبد العزيز، وقد أمر له بالإنفاق على طبع بعض كتبه من الخزينة الخاصة، مطلعها:
قف بالمطايا على اتحاد ذي سلموقل سلام على من دام في الخيم ومن مخترعاته في فن النظم عاطل العاطل؛ وهو أن تكون أحرف الكلمة خالية من النقط، وإذا تهجأت اسم الحروف كان هجاؤه أيضًا خاليًا من النقط، وهذه الأحرف ثمانية فقط؛ وهي الحاء والدال والراء والصاد والطاء واللام والهاء والواو، وقد نظم من هذا الجناس أربعة أبيات في مقاماته مجمع البحرين، وهي هذه:
حول درٍّ حلَّ وردهل له للحر وردُلحصور حلو وصلورده للصحو طردُوله حولٌ وطولٌوله صد ورددهره حرٌّ صدورهل له لله حدُّ وقد نظم من جناس ما لا يستحيل بالانعكاس أربعة عشر بيتًا، وهي أيضًا في مقاماته، ولم يُسمع بهذا المقدار لشاعر قبله، ونظم بيتين طردهما مديح وعكسهما هجاء، وهذا من مبتكراته، وهما في المقامات أيضًا، وله فيها غير ذلك من الفنون مما نستغني عن سرده بشهرتها.
مؤلفاته

وأما مؤلفاته — سوى ما تقدَّم ذكره من دواوينه ومقاماته — فمعظمها من الكتب المدرسية لتلقي العلوم الأدبية، وقد سلك فيها؛ ولا سيما في الصرف والنحو، مسلكًا تدريجيًّا يناسب حالة الطالب في كل سن؛ فمنها المختصر الذي لا اختصار بعده؛ كالرسالة المسماة بالجوهر الفرد، وقد جمع فيها الصرف والنحو في ست صفحات؛ ومنها المطوَّل الذي أتى فيه على أشهر أقوال المصنفين في هذين العلمين، مع الإحاطة بجميع قواعدهما، وتعليل أحكامها؛ كالأرجوزتين اللتين سمَّى إحداهما الجُمانة في علم الصرف، والأخرى جوف الفرا في علم النحو، تشتملان على ما يزيد عن ألف وخمس مئة بيت، وكل واحدة منهما مشروحة بقلمه شرحًا مستوفيًا، وله بين ذلك تأليف آخر منها بالنثر، وهي فصل الخطاب في الصرف والنحو أيضًا، وهو جامع لأصول هذين العلمين، وقد وقع إجماع المدرسين على أنه أفضل متن وُضع فيهما، وقد جمع فيه بين الإحاطة والاختصار، حتى لا يمكن أن يُحذف منه كلمة ولا يُزاد عليه كلمة.
وفي طبقته وعلى أسلوبه عقد الجمان في علم البيان، ونقطة الدائرة في العروض والقوافي، وقطب الصناعة في المنطق، وهذه الكتب الأربعة مشروحة بقلمه.
ومن ذلك أرجوزتان مختصرتان في الصرف والنحو، مشروحتان بقلمه أيضًا، سمَّى الأولى لمحة الطرف في أصول الصرف، والثانية الباب في أصول الإعراب، ومختصر آخر في النحو سمَّاه طوق الحمامة، وهو نثر، وله في البيان أرجوزة مختصرة سمَّاها الطراز المعلم، وأرجوزة أخرى في النطق سماها التذكرة، وشرح كلًّا منهما شرحًا موجزًا، وله أرجوزة مطوَّلة في فن العروض والقافية، وهذه شرحها ولده المرحوم الشيخ حبيب، وهذه التآليف كلها مطبوعة.
ومن مؤلفاته التي لم تُطبع، رسالة في التوجيهات النحوية، سمَّاها عمود الصبح، انتهى فيها إلى المفعول فيه، ولم يُفسح له في الأجل لإتمامها، وأرجوزة مختصرة في الطب القديم سمَّاها الحجر الكريم، وشرحها بقلمه، ومعجم في أعضاء الإنسان والصفات التي على أفعل سمَّاه بجمع الشتات في الأسماء والصفات، وشرح لبديعيته سمَّاه القطوف الدانية، استوفى فيه جميع الجناسات والأنواع البديعية.
وكان قد شرع في وضع شرح لديوان المتنبي، وكان يعلِّق عليه الحين بعد ما يعن له من التفاسير؛ ولا سيما للأبيات الغامضة، فأتمَّه من بعده ولده الشيخ إبراهيم وسماه العرف الطيب في ديوان أبي الطيب، وقد طُبع هذا الشرح سنة ????م.

الفصل الثالث
رفاعة بك رافع الطهطاوي


هو السيد رفاعة بك بن بدوي بن علي بن محمد بن علي بن رافع، ويُلحقون نسبهم بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء.
وُلد في طهطا بمديرية جرجا من صعيد مصر، ويؤخذ مما كتبه عن نفسه في رحلته — التي سيأتي ذكرها — أن أجداده كانوا من ذوي اليسار، وأخنى الدهر عليهم وقعد بهم كما هو شأنه في بني الزمان، فلمَّا وُلد المترجم كانت عائلته في عسر، فسار به والده إلى منشأة النيدة بالقرب من مدينة جرجا، وأقام بين قوم كرام يقال لهم بيت أبي قطنة، من أهل اليسار والمجد، فأقاما هناك مدة ثم نزحا إلى قنا، ولبثا بها حتى ترعرع الغلام، فأخذ يقرأ القرآن، ثم نقل إلى فرشوط، وأخيرًا عاد إلى طهطا وكان قد حفظ القرآن، وقرأ كثيرًا من المتون المتداولة على أخواله، وفيهم جماعة كبيرة من العلماء الأفاضل؛ كالشيخ عبد الصمد الأنصاري، والشيخ أبي الحسن الأنصاري، والشيخ فراج الأنصاري، وغيرهم.
ثم توفي والده، فجاء رفاعة إلى القاهرة وانتظم في سلك الطلبة بالجامع الأزهر سنة ????هـ، وجاهد في المطالعة والدرس جهادًا حسنًا حتى نال من العلم شيئًا كثيرًا، ولم تمضِ عليه بضع سنين حتى صار من طبقة العلماء الأعلام في الفقه واللغة والحديث وسائر علوم المعقول، وكان في جملة من تلقَّى العلم عليهم من العلماء الشيخ حسن العطار، المتوفى سنة ????هـ، شيخ الجامع الأزهر، فأحبَّ صاحب الترجمة وميَّزه عن سائر أقرانه التلامذة، وخصَّه بالتقرب منه لِمَا آنس فيه من الذكاء والاجتهاد، فكان يتردد إلى منزل الشيخ يأخذ عنه بعض العلوم، أو يستشيره في أمر، أو ما شاكل ذلك. رفاعة بك رافع الطهطاوي ????–????هـ.
وقضى صاحب الترجمة بمجاورة الأزهر زهاء ثماني سنوات، وكان — كما قدمنا — في عسر، وكانت والدته تنفق عليه مما تبيعه من بقايا حُليِّها ومصاغها، فلمَّا أتم دروسه تعيَّن سنة ????هـ إمامًا في بعض آلايات الجند براتب يساعده على القيام بأود حياته.
وكان ذلك العصر زاهيًا بالمغفور له محمد علي باشا مؤسس العائلة الخديوية الكريمة، وكان (رحمه الله) آخذًا في مشروعاته تعزيزًا لشأن هذا القطر السعيد، وفي جملتها نشر العلوم، فأحبَّ إرسال جماعة من شبَّان هذا القطر إلى أوربا لتلقي العلوم الحديثة؛ ليكونوا له أعوانًا في فتح المدارس، وبثِّ تلك العلوم في أبناء البلاد، فأمر بتعيين صاحب الترجمة إمامًا لهم للوعظ والصلاة، فسارت الإرسالية المشار إليها من مصر سنة ????هـ، وهي أول إرسالية مصرية إلى فرنسا، فتاقت نفس المترجم إلى علوم المغرب، فعكف على درس اللغة الفرنساوية من تلقاء نفسه؛ رغبة منه في تحصيل العلوم بها، أو نقله منها إلى العربية لعله يتخلص من مهنة الإمامة.
وكان معظم درسه اللغة بنفسه، فلم يتقن التلفظ بها، ولكنه تمكَّن من فهم معانيها فهمًا جيدًا، وأخذ يطالع العلوم الحديثة، فأتقن التاريخ والجغرافيا وعلومًا أخرى، وكان ميَّالًا إلى التأليف والترجمة، فترجم وهو في باريس كتابًا سمَّاه «قلائد المفاخر في غرائب عوائد الأوائل والأواخر» وغيره، فبلغ المغفور له محمد علي باشا ما أظهره السيد رفاعة من النباهة والرغبة في العلم من تلقاء نفسه، فسُرَّ به سرورًا عظيمًا واستبشر بطالعه.
وفي سنة ????هـ عاد (رحمه الله) إلى الديار المصرية بعد أن نال الشهادات الناطقة بدرجته من العلم والفضل، فولَّاه محمد علي منصب الترجمة في المدرسة الطبية التي كان أنشأها سنة ????هـ في قرية أبي زعبل قرب القاهرة برئاسة كلوت بك الشهير، وكان متواليًا رئاسة الترجمة بها قبله المرحوم يوحنا عنحوري، من أبناء سورية، وله فيها خدمات جليلة، وشهد لصاحب الترجمة بقصب السبق فولوه الترجمة، وعمل على خدمة البلاد؛ ولا سيما وأن عارفي اللغات الأجنبية إذ ذاك كانوا يعدون على الأصابع، ومما يعدُّ له فضلًا جزيلًا أنه أول من باشر إنشاء جريدة عربية في سائر المشرق، وهي الوقائع المصرية؛ فإنها أنشئت بمساعيه ومساعدته سنة ????هـ، ولا تزال إلى الآن، وهي الجريدة الرسمية المصرية.
وفي سنة ????هـ انتقل من مدرسة أبي زعبل إلى مدرسة الطوبجية في طرا لترجمة الكتب الهندسية والفنون العسكرية، وفي سنة ????هـ افتتح المغفور له عزيز مصر مدرسة للألسن الأجنبية، وعهد بإدارتها إلى صاحب الترجمة، وسمِّيت عند فتحها مدرسة الترجمة، فقام الشيخ رفاعة إذ ذاك حق القيام بإدارة هذه المدرسة، واختار لها التلامذة من مدارس الأرياف بسائر جهات القطر، فبلغ عدد تلامذتها في أول الأمر خمسين تلميذًا، ثم زاد حتى صار ???، وكان في أبي زعبل مدرسة تجهيزية للطب فنُقلت إلى جهات الأزبكية، فعهدت إدارتها إليه فضلًا عن مدرسة الألسن ومدارس أخرى فرعية، منها مدرسة للفقه والشريعة، وأخرى للمحاسبة، وأخرى للإدارة والأحكام الإفرنجية.
وفي سنة ????هـ تشكَّل قلم الترجمة من أول فرقة خرجت من مدرسة الألسن، وبعد سنة ونصف من تشكيله نال رتبة قائمقام، وكان قد نال ما يتقدمها من الرتب تدريجيًّا في أوقات متتابعة، وفي سنة ????هـ نال رتبة أميرالاي، فصار يدعى رفاعة بك بدلًا من الشيخ رفاعة.
وما زال رفاعة بك ناظرًا لمدرسة الألسن حتى أُقفلت على عهد المغفور له عباس باشا الأول، فأمر بإرساله إلى السودان لنظارة مدرسة الخرطوم، وما زال هناك حتى توفي عباس باشا المشار إليه سنة ????هـ، وتولى المرحوم سعيد باشا، فعاد يشكر الله على نجاته من تلك الأقطار، فمَثُل بين يدي سعيد باشا فعهد إليه سنة ????هـ وكالة مدرسة الحربية بجهات الصليبة، تحت رئاسة المرحوم سليمان باشا الفرنساوي، وبعد قليل أنشئت مدرسة الحربية بالقلعة، فأحيلت إليه نظارتها مع نظارة قلم الترجمة ومدرسة المحاسبة والهندسة الملكية والتفتيش والمعمارجية، وعند ذلك نال الرتبة الممايزة.
وفي سنة ????هـ ألغيت كل هذه المدارس، فبقي رفاعة بك بغير منصب إلى سنة ????هـ، فأعيد إلى نظارة قلم الترجمة وتعيَّن عضوًا من قومسيون المدارس، وتولى إدارة جريدة «روضة المدارس» مع مثابرته على التأليف.
وما زال قائمًا بهذه المهام حتى توفاه الله سنة ????هـ بداء النزلة المثانية، وله من العمر ?? سنة، وقد ملأ الديار المصرية من المترجمين والأساتذة والمهندسين وغيرهم، ممن استفادوا من مؤلفاته وتعاليمه، وقد اطلعنا على كتاب خطي اسمه «حلية الزمن بمناقب خادم الوطن» تأليف صالح بك مجدي، عدَّد فيه مناقب صاحب الترجمة، وعنه أخذنا معظم ما ذكرناه هنا، وقد ذكر فيه أيضًا عددًا كبيرًا من الذين أخذوا العلم عنه ونبغوا واشتهروا، وذكر مناصبهم ووظائفهم وأعمالهم مما لا محل لذكره هنا.
وكان (رحمه الله) قصير القامة، واسع الجبين، متناسب الأعضاء، أسمر اللون، حازمًا، مقدامًا، على ذكاء وحدة، وهذا ما نهض به من حضيض العسر إلى مراتب المجد والفخر، حتى أصبح ممن يشار إليهم بالبنان، ويقتدي بأعمالهم بنو الإنسان.
وكان في أوائل حياته إلى أن عاد من الديار الإفرنجية يلبس اللباس العربي الخاص من الجِبَّة والعمامة والقفطان — كما ترى رسمه في صدر هذه المقالة — ثم بدَّله باللباس الإفرنجي المشهور.
نختم ترجمة حاله بذكر مؤلفاته الواحد بعد الآخر، مع وصفها بقدر الإمكان: (?) خلاصة الإبريز والديوان النفيس: وهو رحلته إلى فرنسا، ذكر فيه ما شاهده من العادات، والأخلاق، والأزياء، وآثار التمدُّن الحديث، وكل ما يتعلق بذلك، وقد حازت من القبول لدى المغفور له محمد علي باشا، حتى أمر أن تتلى في قصوره، ثم أمر بطبعها وتفريقها في الدواوين وبين الوجهاء والأعيان.
(?) التعريبات الشافية لمريد الجغرافية: وهو مجلد ضخم ترجمه من الفرنساوية إلى العربية لتدريس الجغرافية في المدارس المصرية، وقد طُبع غير مرة في مجلد كبير.
(?) جغرافية ملطبرون: وهو كتاب مؤلف من عدة مجلدات كبيرة، يبحث في الجغرافية بحثًا تاريخيًّا مطوَّلًا، ترجم منه المؤلف أربعة مجلدات كبيرة طُبعت في مطبعة بولاق، ويظهر من مطالعتها أنه ترجمها على عجل، والواقع يؤيد ذلك؛ لأننا علمنا أنه ترجم مجلدًا منها في ستين يومًا سنة ????هـ.
(?) كتاب قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر: ترجمه في باريس، وقد تقدَّم ذكره.
(?) كتاب المرشد الأمين في تربية البنات والبنين: وهو مجلد واحد ألَّفه للتعليم في مدرسة البنات.
(?) كتاب التحفة المكتبية في النحو: ألَّفه لتعليم قواعد النحو في المدارس الابتدائية، مطبوع طبع حجر.
(?) مواقع الأفلاك في أخبار تليماك: وهو تعريب وقائع تليماك الفرنساوية، ترجمه يوم كان في الخرطوم مع بعض التصرف، وهو مطبوع في بيروت.
(?) مباهج الألباب المصرية في مناهج الألباب العصرية: وهو بحث عن آداب العصر وساسته وصنائعه وعلومه وفنونه، ومطبوع بمطبعة بولاق الأميرية.
(?) مختصر معاهد التنصيص: وهو اختصار المعاهد مع بعض الزيادات إلى الأصل، ولم يطبع.
(??) المذاهب الأربعة: وهو بحث في المذاهب الأربعة، ألَّفه أثناء رئاسته لمدرسة الألسن.
(??) شرح لامية العرب.
(??) القانون المدني الإفرنجي، مطبوع.
(??) كتاب توفيق الجليل وتوثيق بني إسماعيل: وهو تاريخ لمصر، طُبع ونشر.
(??) كتاب هندسة ساسير: ترجمه من الفرنساوية إلى العربية، وقد طُبع ببولاق.
(??) رسالة في الطب لم تطبع.
(??) جمال الأجرومية: وهو منظومة سهلة في الأجرومية (مطبوعة).
(??) نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز: وهو آخر مؤلفاته، طُبع في روضة المدارس بمطبعة المدارس الملكية.
وله (رحمه الله) غير ما تقدم ذكره من المآثر العلمية بين منظومات ورسائل ومقالات شيءٌ كثير لم يُطبع، وقد وقفنا على بعضه، وأما خدماته في التعليم والتهذيب فغنية عن البيان، ويقال بالإجمال إن رفاعة بك رافع خدم خدمة كبرى في نشر العلوم الحديثة بنقلها إلى اللغة العربية، وتسهيل تناول اللغات الأجنبية بمدرسة الألسن وقلم الترجمة وغيرهما.

الفصل الرابع
بطرس البستاني


في إقليم الخروب، من قضاء الشوف في جبل لبنان، قرية صغيرة على مسافة ثلاث ساعات من دير القمر، وثلاث ساعات ونصف من صيدا، وسبع ساعات من بيروت، يقال لها الدبية، عدد سكانها خمس مئة نفس من طائفة الموارنة، وقليل من البروستانت، نشأ فيها غير واحد من مشاهير اللبنانيين، جميعهم من آل البستاني؛ أشهرهم المرحوم المطران عبد الله البستاني، والمطران بطرس البستاني، والمعلم بطرس البستاني، صاحب الترجمة، وقد اقتطفنا ترجمة حياته مما كتبته جرائد الشام على إثر وفاته، وأثبتته دائرة المعارف في جزئها السابع، ومما عرفناه بنفسنا من آثار اجتهاده وفضله.
تاريخ حياته

هو بطرس بن بولس بن عبد الله بن كرم بن شديد بن أبي شديد بن محفوظ بن أبي محفوظ البستاني، من أعيان الطائفة المارونية، وُلد في الدبية عام ????م في عهد إمارة الأمير بشير الشهابي الكبير في جبل لبنان، وظهرت عليه مخائل النجابة والذكاء منذ نعومة أظفاره، فأخذ في تلقي مبادئ العربية والسريانية على المرحوم الخوري مخائيل البستاني، وكان المرحوم المطران عبد الله البستاني إذ ذاك مطرانًا على صور وصيدا، وكان يقيم في بيت الدين، فنمى إليه أن هذا الغلام وغلامًا آخر يدعى شبلي بن الخوري يوسف البستاني (المطران بطرس البستاني بعدئذٍ) قد تفرَّدا بالذكاء والفطنة والاجتهاد بين أقرانهما، فاستقدمهما إليه، ثم بعث بهما إلى مدرسة عين ورقة بلبنان، فقضيا فيها عشر سنوات حتى أتقنا آداب اللغة العربية مما تيسر الحصول عليه إذ ذاك؛ كقواعد اللغة والمنطق والتاريخ والحساب والجغرافيا، وتناولا اللغات السريانية واللاتينية والإيطالية، وتلقيا الفلسفة واللاهوت الأدبي والنظري ومبادئ الحق القانوني. بطرس البستاني ????–????م.
وكان صاحب الترجمة قد بلغ العشرين من سنِّه، فأراد غبطة بطريرك الطائفة المارونية إذ ذاك إرساله مع رفيقه إلى رومية للتبحر في العلوم الدينية، وكان والده قد توفي فعارضت والدته في إبعاده، فتعيَّن مدرسًا في مدرسة عين ورقة مشمولًا بأنظار البطريرك، وكان البطريرك يعهد إليه قضاء بعض المصالح إلى سنة ????م، وكانت حال الجبل في اضطراب لِمَا كان في نفس الدولة العليَّة على الأمير بشير وإبراهيم باشا، وكانت الدول الإفرنجية قد بعثت مراكبها إلى سواحل سورية تعِين الباب العالي على إخراج إبراهيم باشا منها، وكان صاحب الترجمة قد درس اللغة الإنكليزية في بيروت أثناء إقامته بمدرسة عين ورقة وبعدها، فاستخدمه الإنكليز للترجمة، وكان دعاة المذهب الإنجيلي من الأميركان قد أخذوا في الإقامة ببيروت للتعليم ونشر مذهبهم، فتعرف إلى بعضهم، وجعل يختلف إليهم يعلِّمهم اللغة العربية، ويعرِّب لهم بعض الكتب، حتى تمكَّنت علائق المودة بينه وبينهم، ووافقهم على مذهبهم.
وفي سنة ????م عزم أستاذنا الخطير المرحوم الدكتور فان ديك على إنشاء مدرسة عبيه، فاستعان بصاحب الترجمة في إنشائها، فتولى التعليم فيها عامين ألَّف في أثنائهما كتابًا مطولًا في علم الحساب، سمَّاه كشف الحجاب، طُبع مرارًا عديدة، وذاع استعماله في سائر مدارس سورية.
ثم قَدِم بيروت وتولى منصب الترجمة في قنصلية أميركا مع مباشرة التأليف والترجمة والوعظ والخطابة، ودرس في أثناء ذلك أو قبيله اللغتين العبرانية واليونانية، وكان المرحوم الدكتور عالي سميث الأميركاني قد باشر ترجمة التوراة إلى العربية، فاستعان بصاحب الترجمة على ترجمتها، ولكن الأجل عاجَل الدكتور سميث فأتمَّ الترجمة المرحوم فان ديك، وهي الترجمة الأميركانية المشهورة، أما المعلم بطرس فإنه شرع في تأليف قاموسه محيط المحيط.
وفي سنة ????م نشر نشرة سماها نفير سورية، وهي أول نشرة عربية ظهرت في سورية، وإذا جاز لنا أن نسميها جريدة فالبستاني أول من أنشأ جريدة عربية غير رسمية بين قراء اللغة العربية.
وفي عام ????م أنشأ في بيروت مدرسة عالية سمَّاها «المدرسة الوطنية»، أسسها على الحرية الدينية ومبدأ الجامعة الوطنية العثمانية، فتقاطر إليها الطلبة من سائر أنحاء الشام ومصر والآستانة وبلاد اليونان والعراق وغيرها، فذاع صيتها في الآفاق، وظهر فضلها على رءوس الأشهاد، فأنعمت عليه الحضرة السلطانية بنيشان عالٍ؛ تنشيطًا له ومكافأة لخدمته، وقد تولى ولده المرحوم سليم البستاني نيابة رئاسة المدرسة، وكان متضلعًا في العلوم الحديثة، فكان يدرس التاريخ والطبيعيات والصف الأول في اللغة الإنكليزية، وكان والده (رحمه الله) يلقي على التلامذة الخطب والمواعظ مرتين في الأسبوع.
وفي سنة ????م فرغ من تأليف قاموسه محيط المحيط، وقد أخذه عن أشهر متون اللغة؛ ولا سيما الفيروزابادي وصحاح الجوهري، ولكنه يمتاز عنها كلها بما يأتي: (?) أنه رتَّبه على حروف المعجم باعتبار الحرف الأول من الثلاثي المجرد.
(?) جمع فيه كثيرًا من الألفاظ العامية وفسَّرها بالألفاظ الفصحى.
(?) أنه أوضح كثيرًا من أصول الألفاظ الأعجمية كان أصلها مجهولًا أو مهملًا.
(?) أنه أدخل فيه كثيرًا من المصطلحات التي حدثت في اللغة بحدوث العلوم الحديثة المنقولة عن اللغات الأعجمية، فضلًا عن بسط عبارته وسهولتها.
فجاء كتابًا وافيًا بغرض طلاب اللغة العربية، تفهمه العامة وترضى به الخاصة، طبعه في مجلدين كبيرين، واستخرج منه مختصرًا سمَّاه قطر المحيط، أصغر منه حجمًا، خصَّصه لتلامذة المدارس، فشاع استعمال الكتابين في سائر أنحاء سورية وغيرهما، فلما تم طبعهما رفع نسخةً من محيط المحيط إلى حضرة الشاهانية، ونسخةً إلى الصدارة العظمى، وأخرى إلى نظارة المعارف بالآستانة، فوقع عمله هذا موقع الاستحسان، فأجازته الحضرة السلطانية بالجائزة الأولى التي ينالها المؤلفون، وهي مئتان وخمسون ليرة عثمانية، وأنعمت عليه بالنيشان المجيدي من الدرجة الثالثة — وترى في صدر هذه الترجمة رسم البستاني والنيشان المشار إليه معلَّق في أعلى صدره.
وفي أول عام ????م أنشأ مجلة علمية أدبية سياسية سمَّاها الجنان، وعهد بإدارتها وإنشائها في بادئ الأمر إلى نجله المرحوم سليم البستاني، وفي أواسط ذلك العام استعان ابنه سليمًا في إنشاء صحيفة سياسية سمياها الجنة؛ فهي من أقدم الجرائد السياسية العربية ببلاد الشام، ثم أصدر جريدة الجنينة، وتولى تحريرها ابن عمه سليمان أفندي البستاني ناظم الإلياذة، والجرائد الثلاث المشار إليها لا تصدر الآن.
ووعد في آخر قاموسه بتأليف قاموس للأعلام؛ أي: مشاهير الناس، ولكنه رأى — بعدئذٍ — أن يتوسَّع في مشروعه هذا، فعوَّل على تأليف قاموس شامل لسائر العلوم على اختلاف مواضيعها وأزمانها، فشرع فيه عام ????م يعاونه به ولده سليم وبعض الكتاب، وسماه «دائرة المعارف»، وهو كتاب فريد لم ينسج على منواله في اللغة العربية، فأصدر منه (رحمه الله) ستة مجلدات، وتوفي وهو في بدء السابع، فأتم السابع والثامن ابنه المرحوم سليم، ولكنه توفي قبل الشروع في التاسع، فأصدر أبناؤه الباقون الجزء التاسع بمعاضدة ابن عمهم سليمان أفندي البستاني، ثم حالت موانع أدت إلى إيقاف العمل في بيروت، ومضت على ذلك بضع سنوات إلى أن قَدِم القاهرة سليمان أفندي — المشار إليه — وأخذ في إتمام الدائرة مع ابني عمه نجيب أفندي ونسيب أفندي البستاني، فصدر الجزء العاشر ثم الحادي عشر.
وكانت وفاته في أول أيار (مايو) سنة ????م فجأة بِعلَّة في القلب، فطار خبر منعاه في البلاد، فاهتزت له أنحاء سورية؛ لأن بفقده فقد الوطن السوري ركنًا من أقوى أركانه في نهضته الأخيرة، فبكاه الأهل والأصدقاء، وأبَّنه الخطباء والعلماء، ورثاه الكتَّاب والشعراء.
مآثره وأعماله

نبغ البستاني في سورية والعلم لا يزال طفلًا في مهده، فأخذ في التعليم والتهذيب علمًا وعملًا، فألَّف الكتب وأنشأ المدارس والجرائد، فهو أول من أنشأ مجلة علمية، وجريدة سياسية، ومدرسة وطنية، وأول من أقدم على المشروعات الأدبية بعزم ثابت، فألَّف الكتب وسهَّل طبعها ونشرها.
وأشهر مؤلفاته: دائرة المعارف، ومحيط المحيط، وقطر المحيط، وكشف الحجاب، ومسك الدفاتر، ومفتاح المصباح في الصرف والنحو، وكتب أخرى ورسائل عديدة للتثقيف والتهذيب، فضلًا عن ترجمة الكتب الدينية والأدبية، وأنشأ ثلاث جرائد: الجنان، والجنة، والجنينة.
ومن مشروعاته: المدرسة الوطنية، وقد رأس مدرسة الأحد في بيروت خمس عشر سنة، وترجم لها عدة رسائل دينية دعا فيها إلى تربية الأولاد والإمساك عن المسكرات، وسنَّ قانونًا للمدرسة الداوودية التي أنشأها المرحوم داود باشا، وكان كثير الحث على تعليم النساء، وهو أول من خطب في هذا الموضوع بالشرق، وله خطب كثيرة تلاها على منابر بيروت وفي جمعياتها، ومقالات جمة نشرها في جرائده، كلها فوائد، وقد وصفنا كتبه في أثناء ترجمة حياته.
صفاته وأخلاقه

كان ربعة، ممتلئ الجسم سمينًا، قوي البنية، ولولا ذلك ما استطاع القيام بما عني به من المشروعات العقلية والإدارية، وكان حازمًا نشيطًا، لا يفتر عن التفكر في مشروع يشرع فيه أو عمل يعمله لخدمة وطنه، فإذا بدأ بعمل أكبَّ عليه بكلِّيته مواصلًا العمل للقيام به، وكانوا إذا افتقدوه ليلًا أو نهارًا عثروا عليه في مكتبه بين كتبه وأوراقه.
وكان ثابت الجنان، قادرًا على الأعمال، لا يأخذه ملل ولا ضجر مع ما يعترض المشروعات العلمية والأدبية في بلادنا من العقبات مما يثبِّط العزيمة ويضعف العزم؛ وخصوصًا في أيامه؛ فقد نبغ في عصر لم تتوافر فيه معدات الطبع والنشر، ولا اعتاد فيه الناس مطالعة الجرائد والإقبال على المؤلَّفات، ومع ذلك فإنه عمل أعمالًا يقصر عن القيام بها عدة من الرجال الأقوياء؛ فكان يؤلِّف ويعلِّم ويترجم، ويدير أعماله ويكاتب عمَّاله وأصدقاءه، ويضبط حساباته ويدير مدرسته علمًا وعملًا، ناهيك بما كان يقوم به من المساعدات الأدبية لمن يقصده من المستشيرين والمستعينين، فيقضي حاجاتهم، ويحضر اجتماعات الجمعيات، ويقدِّم الخطب والمواعظ، وهو مع ذلك يستقبل الزائرين بوجه باشٍّ، فلا يرجع أحدهم من بين يديه إلا شاكرًا حامدًا معجبًا بلطفه وغيرته.
وكان مخلص الطوية، دمث الأخلاق، لين العريكة، صادق النية، محبًّا لوطنه ودولته، كريم الخلق، بعيدًا عن التعصب، كارهًا للتملق والرياء، وكان سخيًّا على المشروعات الأدبية، بسيط المعشر، حسن المحاضرة، يسترضي جليسه شابًّا كان أو شيخًا، ويخاطب كلَّا بما يناسب ذوقه وأخلاقه، وكان يعتقد أن المصالح العامة أساس كل تقدم، فيبذل جهده في تأييدها متخذًا الصدق شعارًا والنشاط عمادًا.
وكان مع ذلك رفيع الجناب، وقورًا محترمًا، لم يجالسه أحد إلا خرج وفي نفسه انعطاف إليه، وفي قلبه احترام له، فكان حيثما ذكر اسمه قُرِن بالمدح والثناء والتجلَّة والوقار، فنال مقامًا رفيعًا في نفوس ذوي الوجاهة والمقامات الرفيعة وأهل الفضل على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم، وكان من أشدهم صداقة له أستاذنا الخطير المرحوم الدكتور كرنيليوس فان ديك؛ فقد ساكنه وآكله وشاربه زمنًا طويلًا كانا معًا أخوين متصافيين ونعم الأخوان، فلما توفي صاحب الترجمة رثاه الأستاذ بلسان الصديق، وبكاه بدموع الأخ الشقيق، ومما قاله وقد وقف لتأبينه في الكنيسة:إن لم يكن في نقد الرجال يدانظر إلى الموت كيف الموت ينتقديدور في الأرض حول الناس ملتمسًاكريم قوم ولا يرضى الذي يجد إني لمظلوم بوقوفي هنا اليوم خطيبًا؛ لأن المقام الذي يليق بي وأرغب فيه إنما هو أن أقوم في وسطكم باكيًا نائحًا على أخي وحبيبي الذي خُطف من بيننا خطفًا، بل هو معلمي وأستاذي ورفيقي، فكم أحيينا من الليالي معًا في الدرس والمطالعة والتأليف وحلاوة المعاشر الصادرة عن اتحاد المقاصد والأغراض، فكيف أقف فوق جثته خطيبًا ولا أركع بجانبه حزينًا كئيبًا.
ومما يدل على منزلته الرفيعة بين أهل الأدب والفضل، أنه لما وقع القضاء ومات البستاني تسابق الخطباء والعلماء إلى تأبينه ورثائه، فملأت الجرائد أعمدتها رثاء، وسوَّدت صفحاتها حزنًا، ووقف الخطباء على ضريحه يرددون ذكراه، ويذكرون مآثره وآثاره، وهاك ما قاله في تأبينه المرحوم أديب إسحاق، إذ وقف على قبره والناس وقوف خشوع، وكنا في جملة السامعين، فانتصب الأديب (رحمه الله) وقد امتقع لونه وابتلَّت عيناه وأخذ يقول:كذا فليجلَّ الخطب وليفدح الأمروليس لعين لم يفِض ماؤها عذر إن هذا المصاب مصاب جسيم، إن هذا الخطب خطب عميم، إنها لمصيبة وطنية يقلُّ في مثلها بذل الدموع، إنها لنائبة عمومية لا يكثر في نظيرها تمزيق الضلوع؛ أجل، إن المصيبة فيك مصيبة الوطن يا من أنفقت العمر في خدمته مقدمًا مجتهدًا صابرًا متجلدًا متعففًا مستقيمًا، فلا بدع أن تبكيك العيون، ولا غرو أن تنفطر لفقدك القلوب، أَوَلم تكن فينا مثال الفضل والاجتهاد، ونموذج البراعة والأدب، وعنوان التجلد والثبات في خدمة العلم، بذلت في هذه الخدمة شبابك، ووقفت على هذا السبيل أتعابك، وجعلت العلم غايتك القصوى من دنياك، فكان لروحك روحًا، وكنت لذاته قوامًا.
فأي أثر أدبي رأيناه ولم تكن أنت البادئ به والداعي إليه، وأي مشروع مفيد شهدناه ولم تكن أنت الشارع فيه أو المعين عليه، أَوَلست أول من خطَّ على صفحات القلوب ورسم على صحف الجنان «حب الوطن من الإيمان»، وأول من أقدم على المشروعات الجسيمة العلمية بهمة، لا تخاف المصاعب والعقاب، ولا تألف إلا صدق العزيمة والثبات.
بأي آثارك لا تُذكر، وبأيها إذا ذُكرتْ لا تُشكر، وأي عين ترى أعمال يديك ولا تفيض دمعًا، بل دمًا، حزنًا عليك، وما الذي نذكره من آثار اجتهادك في استمرار ارتيادك ولا نجده عظيمًا، أمواظبتك على خدمة العلم والأدب أربعين عامًا أو تزيد، أم تآليفك وتصانيفك الغنية بشهرتها عن الوصف، أمحيط محيطك أم قطر محيطك، أم مدرستك الوطنية التي ملأت بها الوطن أنوارًا، ورفعت فيها للأدب الصحيح منارًا، أم جنانك التي غرست فيها أغصانًا من العرفان من كل فاكهة زوجان، أم جنتك الزاهرة الدانية القطوف، أم دائرة المعارف التي … كدنا نخاف أن تدور الدائرة عليها لولا الأمل فيمن أبقيت لها خلفًا كريمًا يحقق رجاء المحبين، ويتم الأمنية ويحقق الرجاء فيكون به للوطن عزاء.
في الأثر المأثور يا سادتي «من علمني حرفًا كنت له عبدًا»، فمن منَّا لم يعلِّمه هذا الفقيد حروفًا، من منا لم يستفد منه فوائد صنوفًا؛ من تصانيفه في كل فن، من مدرسته الوطنية، من جرائده الزاهرة، من آثار معارفه في كل موضوع، ومن منا لم يدفع الملل في أوقات الفراغ، ويغلب الضجر في ساعات الراحة، وينزِّه الفكر بعد تعب الأشغال، بتلاوة ما كان فقيدنا يحيي لإنشائه الليالي الطوال؛ فكيف لا نرثيه، وكيف لا نبكيه، وكيف لا نستعظم المصيبة فيه!
أي هذا الراقد تحت ظلال الرحمة والرضوان، لقد عشت سعيدًا مفيدًا، وقضيت حميدًا فقيدًا، وإن كان عموم الأسف وشمول الحزن مما يبرد ثرى ويجلب غفرانًا، فقد جادتك سحب الرضوان والغفران مسوقة إلى ثراك من كل مكان مستمطرة على ضريحك بكل لسان:
نم سعيدًا يا من قضيت فقيدًابجميل قدَّمت بين يديكأنت أحسنت في الحياة إليناأحسن الله في الممات إليك.
الفصل الخامس
علي باشا مبارك?


ولد في قرية برنبال الجديدة من مديرية الدقهلية سنة ????هـ، واسم والده الشيخ مبارك بن مبارك بن سليمان بن إبراهيم الروجي، وابتدأ في تعلُّم القراءة والكتابة على رجل من أهل القرية أعمى، ثم نزحت العائلة إلى ناحية الحماديين فلم يَطِب لهم المقام فيها، فارتحلوا إلى عرب السماعنة بالشرقية، ولم يكن عندهم فقهاء، فأنزلوا والد صاحب الترجمة منزل الإكرام، وصار مرجعهم إليه في الأمور الدينية؛ لأنه كان صالحًا تقيًّا متفقهًا، فاعتنى بتربية ولده بنفسه، ثم عهد تعليمه إلى معلم اسمه الشيخ أبو خضر في مكان قرب برنبال، لا يذهب إلى والده إلا كل يوم جمعة، فختم القرآن بسنتين، ولكنه ترك معلمه لكثرة ضربه له وجعل يقرأ على والده.
على أن كثرة أشغال الشيخ مبارك حملت صاحب الترجمة على اللهو واللعب حتى نسي ما كان قد تعلَّمه، فأشفق والده عليه لئلا يعيش بغير تعلُّم، فأراد إجباره على العود إلى معلمه فأبى خوف ضربه، فتوسط له أشقاؤه لدى والده، فسأله عما يريد تعلُّمه، ففضَّل العدول عن الفقه ورغب في الكتابة؛ لِمَا كان يرى من حسن زي الكتَّاب وهيبتهم، وكان لوالده صديق يتعاطى الكتابة في القسم بناحية الأخيوة، فعهد إليه تعليمه، فأنس عليٌّ به وألفه حتى اختلط بعائلته، فرأى حالته الداخلية غير ما كان يراه منه في الظاهر، واتفق أنه سأله مرة كم يجمع الواحد والواحد، فأجابه «اثنين»، فضربه بمقلاة البن فشجَّ رأسه، وكان ذلك في محضر من الناس، فشقَّ ذلك على عليٍّ فغادره وسار إلى والده يشكوه إليه، فنقم عليه والده ففرَّ من البيت إلى المطرية جهة المنزلة ملتجئًا إلى خالة له هناك.
واتفق انتشار الوباء (الكوليرا) إذ ذاك، فأصيب به في الطريق، فحمله بعضهم إلى بيته في قرية صان الحجر، وعالجه حتى شفي، وادَّعى أنه يتيم الأب والأم، ولكن والده وأخاه كانا ساعيَيْن في التفتيش عنه، فلمَّا رآهما في تلك القرية طلب الفرار، ولكنهما أمسكاه بعد ذلك وحملاه على العود إلى التعليم، فسلَّمه والده إلى كاتب آخر فلم يلبث معه إلا قليلًا ثم عاد إلى القراءة على والده، فجعله مساعدًا لأحد الكتَّاب في القسم، ولم يكن يدفع إليه الراتب المعين له، وقدره خمسون قرشًا، فاتفق أنه أرسل يومًا لقبض حاصل بعض القرى، فقبضه وأبقى معه من المقبوض استحقاقه من الراتب وأرسل الباقي، فغضب عليه الكاتب حتى إذا اتفق جمع أنفار العسكرية وشى به إلى المنوط به جمعهم، فأمسكوه وألقوه في السجن، فتوسط له والده أمام عزيز مصر إذ ذاك محمد علي باشا فأطلقوا سراحه. علي باشا مبارك ????هـ–????هـ.
ثم سعى له بعضهم في أن يكون كاتبًا لدى مأمور زراعة القطن في أبي كبير، فحضر بين يدي المأمور؛ واسمه عنبر أفندي، فإذا هو حبشي اللون، لكنه سمح الوجه، ورأى المشايخ والحكام وقوفًا بين يديه، فتأخر حتى انصرفوا ثم دخل عليه، وقبَّل يده، فخاطبه بكلام رقيق عربي فصيح، والتمس خدمته عنده على أن يدفع إليه ?? قرشًا شهريًا مع كفاءته من العيش، فسُرَّ عليٌّ بذلك، ولكنه عجب لحال هذا المأمور المخالفة لسواد وجهه؛ لاعتقاده أن الحكام لا يكونون إلا من الأتراك.
وما زال يتحرى الأسباب التي جعلت ذلك العبد حاكمًا حتى علم أخيرًا أنه معلِّم في مدرسة قصر العيني، وأن تلك المدرسة تعلِّم الخط والحساب واللغة التركية، فسأل إذا كان يجوز للفلاحين الانتظام فيها، فقيل له إنما يدخلها من ساعدته الوسائط، فاتقدت في قلبه نار الغيرة، ومال بكلِّيته إلى الدخول في تلك المدرسة على بُعدها عن مقره وقلة وسائطه، فاستأذن رئيسه يومًا مدَّعيًا الذهاب إلى بيت أبيه، فأذن له فغادر البلدة، والتقى في قرية بني عياض بطريقه بتلامذة مدرسة الخانقاه، فأراد أن يدخلها لعلمه أن تلامذة قصر العيني إنما ينتخبونهم من هذه المدرسة، فأجبره والده أن لا يفعل، واختطفه قهرًا وحمله إلى بيته، وعهد إليه رعاية الماشية، ولكن ذلك لم يحوِّله عن عزمه، ففرَّ ذات ليلة حتى جاء المدرسة، ودخلها ولم يخرج منها ليلًا ولا نهارًا؛ خوفًا من أن يلقاه والده فيختطفه ويرجع به إلى البيت.
ولم يكن والده يكره تعليمه، ولكنه يودُّ بقاءه قريبًا منه، ثم جاء بعد ذلك ناظر تلك المدرسة لانتخاب أنجب التلامذة وادخالهم في مدرسة قصر العيني — ولم تكن فيها دراسة الطب بعد — فكان عليٌّ من المنتخبين؛ لذكائه وفطنته، فدخل تلك المدرسة سنة ????هـ، وسنُّه ?? سنة فقط.
وكانت معاملة التلامذة هناك سيئة ومهينة جدًّا، والطعام تافهًا قبيحًا، فأوقع صاحب الترجمة في مرض الجرب، واشتد عليه، فعلم والده بذلك فأراد استخراجه من المدرسة بالحيلة؛ لأنهم لم يؤذنوا له بإخراجه، فلم يرضَ عليٌّ، بل فضَّل البقاء في المدرسة؛ رغبة في إتمام علمه، فقبَّله والده وودَّعه وهما باكيان.
وفي السنة التالية سنة ????هـ نقه من مرضه وعاد إلى دروسه، ولكن محمد علي باشا أمر بأن تجعل مدرسة قصر العيني لتعليم صناعة الطب، فنقل تلامذة العلم منها إلى مدرسة أبي زعبل، وكانت العلوم الرياضية لديه إلى ذلك الحين كالطلاسم لا يفهم لها معنى؛ لتعقدها وسوء طرق تدريسها، فاعتنى ناظر تلك المدرسة المرحوم إبراهيم بك رأفت بإلقاء تلك الدروس بنفسه، يشرحها للتلامذة بأبسط عبارة — قال صاحب الترجمة: «وكانت طريقته هذه باب الفتوح عليَّ».
وأخذ عليُّ من ذلك الحين يذوق لذة العلم على أنواعه، ثم انتخب فيمن انتخب لمدرسة المهندسخانة، فدرس فيها خمس سنوات.
وفي سنة ????هـ عزم المغفور له محمد علي باشا على إرسال أنجاله إلى فرنسا للتعلُّم، فانتخب عليٌّ في جملة تلك الإرسالية، فأقاموا في باريس سنتين ثم أُرسل بعضهم — وفي جملتهم هو — إلى متس، وقد تقلَّد كلٌّ منهم رتبة الملازم، فأقاموا في هذه أيضًا سنتين، درسوا فيها فن الحرب وما يتعلق به.
ثم لمَّا توفي المغفور له محمد علي باشا وتولى عباس باشا استقدم الإرسالية إلى مصر، وأنعم على صاحب الترجمة ورفاقه برتبة يوزباشي، وأُلحق هو بالجيش المصري، وقائده إذ ذاك سليمان باشا الفرنساوي الشهير، ثم انتدبه المغفور له عباس باشا الأول ليكون في لجنة الامتحانات التي عيَّنها لامتحان مهندسي الأرياف، فقام بتلك المهمة حق القيام.
وفي سنة ????هـ أوعز إليه عباس باشا أن ينظم أسلوبًا للمدارس مع الاقتصاد بالنفقة، فنظمه وقدَّمه إليه، فأعجبه وأنعم عليه بمقابل ذلك برتبة أميرالاي، ولكنه طلب إليه أن يتولى نظارة تلك المدارس بنفسه، فاهتم بذلك أشد الاهتمام، ولم يكتفِ بالإدارة، ولكنه كان يؤلِّف بعض الكتب اللازمة للتدريس، وأتى إلى المدرسة بمطبعة حجر لطبع الكتب، وكان يراقب سير المدارس جيدًا من النظافة والترتيب وطرق التعليم، وألَّف في العمارة كتابًا للتعليم (لم يُطبع).
وما زالت الحال كذلك حتى تولى المغفور له سعيد باشا، فوُشي إليه به ففصله من نظارة المدارس، وبعث به في الحملة التي سارت لمحاربة روسيا مع الدولة العلية سنة ????هـ، فسافر وقاسى أهوالًا كثيرة، وعاد سالمًا، وعند عودته كان في جملة من أُخلي سبيلهم من العسكرية، فعاد إلى مسكن حقير أوى إليه لا يملك شيئًا، ولم يلتفت إليه أحد ممن كانوا له أصدقاء وقت الرخاء.
مكث سنين في هذه الحال حتى أنف المناصب والرتب، وأَلِف العزلة والسكنى بعيدًا عن الناس، وعزم على العود إلى بلدته، وفيما هو في ذلك صدر الأمر بفرز ضباط الجهادية لانتقاء الصالحين منهم للخدمة، فكان هو من المختارين، فتقلَّد منصب معاون في نظارة الجهادية، ثم تعيَّن وكيلًا لمجلس التجار، ثم مفتشًا لنصف الوجه القبلي، ثم أُقيل من هذه المناصب وتبرَّع بتعليم الضباط والصف ضباط القراءة والكتابة والهندسة، وفي أثناء ذلك ألَّف كتابًا في الهندسة سمَّاه «تقريب الهندسة»، وكتابًا آخر في الاستحكامات، وآخر سمَّاه تذكرة المهندسين.
ثم رُفِتَ فضاقت ذات يده، حتى عزم على معاطاة التجارة، فاشترى جانبًا من الكتب كانت الحكومة عرضتها للمبيع بأثمان بخسة، فاشتراها وباعها، فربح منها ربحًا حسنًا، ولكنه ما زال قانطًا مما كانت تطمح إليه أنظاره من المناصب بسبب تغيُّر سعيد باشا عليه بما وشي به إليه — كما قدمناه، فلما توفي سعيد باشا سنة ????هـ وخلفه الخديوي الأسبق إسماعيل باشا، تجدَّدت آماله، وألحقه إسماعيل باشا بمعيته، ثم عيَّنه في نظارة القناطر الخيرية، وكانت لا تزال في حاجة إلى المهندسين، فأجرى فيها عدة إجراءات.
وفي سنة ????هـ بُعث به للنيابة عن الحكومة الخديوية في المجلس الذي تشكَّل لتقدير الأراضي التي هي حق شركة خليج السويس، على مقتضى القرار المحكوم به من إمبراطور فرنسا، فقام بتلك المأمورية حق القيام، فأُحسن إليه برتبة المتمايز، وأنعمت عليه الدولة الفرنساوية أثناء ذلك برتبة (أوفيسيه ليجون دونور).
وفي سنة ????هـ عُهدت إليه وكالة ديوان المدارس، ثم انتدبه الخديوي للسفر إلى باريس في مهمة مالية، فاستفاد من سفره هذا فوائد جمَّة، واجتلى أهم المتاحف والآثار والمدارس، وبعد عودته بقليل أُنعم عليه برتبة ميرميران، وأحيلت إلى عهدته إدارة السكك الحديدية المصرية، وإدارة ديوان المدارس، وديوان الأشغال العمومية، ونظارة الأوقاف، مع بقائه على نظارة القناطر الخيرية، ولا يخفى ما يقتضي للقيام بكل هذه الأعمال من الهمة والنشاط والقدرة، فكان يعمل ليله ونهاره حتى لا تفوته فائتة، وفي أثناء ذلك سعى في نقل المدارس من العباسية إلى درب الجماميز في القاهرة، حيث لا تزال إلى اليوم، وأسَّس الكتبخانة الخديوية، وهي أيضًا هناك إلى هذه الغاية، وأنشأ كثيرًا من المدارس الأميرية المنظمة في البنادر الكبيرة بالوجهين القبلي والبحري، وأنشأ مدرسة دار العلوم، يتخرج فيها المعلمون ويتعلمون طرق التعليم والعلوم العالية، ومعرضًا للآلات الطبيعية وغيرها من أدوات العلوم الرياضية؛ لكي يتمرَّن عليها التلامذة فتكون معارفهم مبنية على المشاهدة والاختبار، ووجَّه التفاته إلى الأوقاف فأصلح كثيرًا فيها، ودبَّر أملاكها ورتَّب حساباتها.
وأما أعماله مما يتعلق بديوان الأشغال فكثيرة؛ منها تنظيم شوارع القاهرة وتوسيعها كما هي الآن، ومن الشوارع التي فُتحت على يده شارع محمد علي وميدانه، وشوارع الأزبكية وميدانها، وما يحيط بعابدين من الشوارع ونحوها، وباب اللوق، وكانت جهات الفجالة والإسماعيلية تلالًا وآكامًا قذرة فأنعم بها الخديوي الأسبق على الناس فمهدوها، وبنوا فيها القصور والحدائق حتى صارت كما نراها الآن.
وفي عهده بُني كبري قصر النيل الباذخ المتين، وتنظَّمت الجزيرة، وأنشئت فيها الشوارع المحفوفة بالأشجار، وجلبت المياه إلى القاهرة بواسطة الشركة، وأنشئ كثير من الجسور والترع في جهات القطر؛ كترعة الإبراهيمية والإسماعيلية، وفي عهد تولِّيه الأشغال أيضًا تم فتح قنال السويس رسميًّا، ودُعي الملوك لحضور الاحتفال بذلك، فكانت الأعمال اللازمة للقيام بمعدات ذلك الاحتفال منوطة به، فأُهدي إليه بعد الاحتفال نيشان غران كوردون من النمسا، ونيشان كوماندور من فرنسا، والغران كوردون من بروسيا.
وبقيت عهدة تلك الإدارة بيده إلى سنة ????هـ، ثم فصل عنها لخلاف حدث بينه وبين ناظر المالية إذ ذاك، وتعيَّن ناظرًا للمكاتب الأهلية، ثم استقل ديوان الأشغال فتعيَّن وكيلًا له، ثم تعيَّن في مناصب أخرى حتى سنة ????م، عندما ترتب مجلس النظار وصارت إدارة أعمال الحكومة منوطة به، فتألَّف المجلس تحت رئاسة نوبار باشا، وتعيَّن صاحب الترجمة ناظرًا على المعارف والأوقاف، فبذل جهده في توسيع نطاق المعارف، فأنشأ مدارس كثيرة في الوجه البحري، حتى كانت حادثة تذمُّر الجهادية، ثم سقوط الوزارة النوبارية، وتألَّفت وزارة أخرى لم تدُم طويلًا لانفصال الخديوي الأسبق وتولي المرحوم الخديوي السابق، وفي مدته هذه أيضًا أجرى إصلاحات كثيرة؛ وخصوصًا في الرَّي.
وعقب تولي المغفور له الخديوي السابق الحادثة العرابية، وكان فيها صاحب الترجمة من المحافظين على ولاء الجناب الخديوي، وطالما حثَّ الناس على الرضوخ والإذعان ولم تنجح مساعيه، فلما انقضت تلك الأزمة بالاحتلال الإنكليزي وتشكَّلت الوزارة، تقلَّد هو نظارة الأشغال، ونال رتبة روملي بيكلر بيكي سنة ????م، وعاد إلى اهتمامه في الري وما يتعلق به من بناء الجسور والحيضان وحفر الترع وتوزيع الماء، وفي أواخر تلك السنة سقطت تلك الوزارة وتنصَّبت الوزراة النوبارية وبقيت إلى سنة ????م، ثم استعفت وقامت الوزراة الرياضية، فعهدت فيها نظارة المعارف إلى صاحب الترجمة، فأجرى في المعارف هذه المرة أيضًا إصلاحات جمَّة، ثم اعتزل الأعمال، وما زال حتى توفاه الله.
مؤلفاته

لصاحب الترجمة مؤلفات مفيدة تقدَّم ذكر بعضها، وأشهر ما بقي منها كتاب «الخطط التوفيقية»، طُبع بمصر في عشرين جزءًا، وهو تكملة لخطط المقريزي ومؤلَّف على مثالها، ومنها كتاب علم الدين، وهو عبارة عن رواية أدبية عمرانية في عدة أجزاء.
? هذه الترجمة ملخصة عما كتبه عن نفسه في الخطط التوفيقية الجزء التاسع صفحة ?? وما بعدها.
الفصل السادس
الدكتور كرنيليوس فان ديك


ترجمة حياته

ولد الدكتور فان ديك في قرية كندرهوك، من أعمال ولاية نيويورك بأميركا، في ?? أغسطس (آب) سنة ????م، ووالداه هولانديَّا الأصل، من عائلة هاجرت إلى أميركا منذ مئتي سنة، ووُلد لهما سبعة بنين هو أصغرهم، وسمَّياه كرنيليوس، فتلقى مبادئ العلم في مولده، فظهرت عليه مخائل النجابة والذكاء، وأتقن اللغتين اليونانية واللاتينية، فضلًا عن اللغتين الإنكليزية والهولاندية اللتين رضعهما مع اللبن. الدكتور كرنيليوس فان ديك ????م–????م.
وحاز قصب السبق على رفاقه، وكلهم أكبر منه سنًّا، وكان والده يتعاطى مهنة الطب في تلك القرية، وله فيها صيدلية (أجزاخانة) فكان كرنيليوس يعمل ساعات الفراغ في صيدلية والده، وهو مع ذلك مغرم بالعلم عامل على اكتسابه بكلِّيته، حتى جمع من تلقاء نفسه منبتة فيها كل النباتات البرية التي تنمو في تلك النواحي، وتعلم تجفيفها وتقسيمها وترتيبها بنفسه على نظام لينيوس، وسماها بأسمائها وهو صبي صغير، فكان ذلك دليل على ميله الفطري إلى العلم.
ثم أخنى الدهر على والده، فنُكب بحادثة أذهبت كل ماله؛ ذلك أنه كفل صديقًا له على مال، فحان زمن الدفع فغدر الصديق، فاضطر هو إلى دفع المال، فاستغرق كل ما كان يملكه من متاع وعقار، فأصبح صفر اليدين، ولم يعد في وسعه تعليم أولاده في المدارس العالية.
أما صاحب الترجمة فكان لشدة ميله إلى العلم لا يفتر لحظة عن تدبير الوسائل للحصول على الكتب وهو في البيت؛ إما بالاستعارة، أو بالاستئجار بدريهمات يجمعها بشق الأنفس، أو أن يحفظ مضمونها بالسماع، وكثيرًا ما كان يتزلَّف إلى بعض أصحاب الكتب التماسًا لمطالعة كتبهم، وكان في تلك القرية طبيب كريم الأخلاق، في داره مكتبة، فلما آنس في الغلام ذلك الاجتهاد أخذته الحمية ودعاه إليه، وأباح له مطالعة كل ما يريده من الكتب، فأكبَّ على المطالعة يغترف العلم اعتراف الظمآن للماء الزلال، وكان في تلك المكتبة كتاب في علم الحيوان للعالِم كيفيه الشهير، فدرسه حتى تفهَّمه جيدًا، ثم درس بنفسه كل ما تيسَّر له الوصول إليه من حيوان بلاده.
ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره حتى بلغ من العلم مبلغًا حسنًا، وصار يلقي خطبًا في فن الكيمياء على صف البنات، ولا يُستغرب بلوغ مثله هذا المقدار من العلم، ولكن الغريب أنه ناله بالرغم من ضيق ذات يده وقلة وسائل التعليم، ثم عكف على دراسة الطب على والده، وكان قد أتقن فن الصيدلة علمًا وعملًا، فرأى بعض ذوي قرباه ما خصه الله به من المواهب الثمينة، فخافوا أن يحول الفقر بينه وبين خدماته لبني الإنسان، فأدخلوه مدرسة سبرنكفيلد، ثم مدرسة فيلادلفيا، وهناك نال الدبلوما الطبية مع لقب دكتور، وكانت مساعدة هؤلاء له أساسًا لأفضال هذا الرجل العظيم على بلادنا، جزاهم الله خيرًا.
ثم اختاره مجمع المرسلين الأميركانيين مرسلًا وطبيبًا للديار السورية، ففارق الأهل والوطن وهو في الحادية والعشرين من عمره، وجاء مدينة بيروت فوصلها في ? إفريل (نيسان) سنة ????م، وكان في بيروت عند وصوله حَجْر صحي على واردات أوربا، فأقام في الحجر (الكرنتينا) أربعين يومًا، حفظ في أثنائها مئتي كلمة من اللغة العربية، ولم تطل مدة إقامته في بيروت فأوعز إليه أن يسير إلى القدس لتطبيب عائلات بعض المرسلين، ثم عاد إلى بيروت وشرع في تعلُّم اللغة العربية، فتعرَّف بالمرحوم المعلم بطرس البستاني، وكانا عزبين فأقاما معًا في غرفة واحدة، وائتلف قلباهما وتمكنت بينهما رُبُط المودة، وما برحت الصداقة بينهما متينة يتحدث بها أهل الشام حتى الآن.
ونذكر أننا شهدنا الصلاة على المرحوم البستاني يوم وفاته وقد طُلب من الدكتور فان ديك تأبينه، فوقف وقد تلعثم لسانه وارتعشت شفتاه، وخنقته العبرات ولم يقوَ على الكلام، ما خلا قوله: «يا صديقي ورفيق صباي»، كررها مرارًا بصوت ممتزج بالبكاء فأبكى كل من حضر.
فتناول مبادئ القراءة العربية أولًا من الياس فوار البيروتي، ثم قرأ على أبي بشارة طنوس الحداد الكفرشيمي، وأخذ شيئًا عن صديقه البستاني، ثم أتقن الفنون العربية على الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير، فبرع فيها حتى صار من المعدودين في معرفتها، وحفظ أشعارها وأمثالها وشواهدها ومفرداتها وكل علومها، وأتقن التلفُّظ بها إتقانًا لم يسبقه إليه أحد قبله من جالية الإفرنج على اختلاف أصولهم ولغاتهم، فإذا نطق لا تميز نطقه عن نطق أهل الشام مطلقًا، فضلًا عمَّا وعاه في حافظته من الأمثال الفصيحة والعامية، حتى صار يضرب المثل بضربه الأمثال، وأتقن أيضًا اللغة العبرانية والسريانية.
وفي خريف سنة ????م انتقل إلى عيتات بلبنان، واقترن هناك بالسيدة جوليا بنت المستر بطرس آبت قنصل إنكلترا في بيروت، المشهورة بلطفها وحسن أخلاقها — وفي الصفحة رسماهما بعيد الزفاف سنة ????م.
وكان اقترانه هذا عونَا كبيرًا له على إتقان اللغة العامية وحفظ أمثالها؛ فقد كان لقرينته خادمة تدعى أسماء، كانت نابغة في حفظ الأمثال العامية أشبه بقاموس حيٍّ لها، فكان الدكتور يأخذ عنها الأمثال والألفاظ العامية ويحفظها، حتى تمكَّن منها — كما تقدم. قرينته.
ومما حكاه لنا أعرف الناس بأحواله، أنه لم يكن في منزله عند زفافه إلا ستة كراسي قش، وثلاث حلل، ومائدتان من خشب غير مدهون، وكانون من طين، غير أن ذلك كله لم يحطَّ من منزلته، ولا قلَّل شيئًا من قدر خدماته.
ثم انتقل من عيتات إلى قرية عبيه، وهناك أنشأ مدرسة عبيه الشهيرة بمعاضدة صديقه البستاني، وكانت اللغة العربية قليلة الكتب التعليمية في الفنون الحديثة، فأخذ في تأليف الكتب اللازمة للتدريس، فألَّف كتابًا في الجغرافية، وآخر في الجبر والمقابلة، وآخر في الهندسة، وآخر في اللوغرثمات والمثلثات البسيطة والكروية، وسلك البحار والطبيعيات، ومعظم هذه الكتب مطبوع.
وبعد أن قضى في عبيه أربع سنوات بالتدريس والتأليف دعاه مجمع المرسلين إلى صيدا، وعهد بمدرسة عبيه إلى المرحوم سمعان كلهون، المشهور بالفضل والاستقامة والتقوى، وبقي الدكتور فان ديك مع صديقه الدكتور طمسن في صيدا وتوابعها معلمًا واعظًا ومبشرًا جائلًا من مكان إلى مكان، حتى توفي المرحوم عالي سميث سنة ????م، فانتدب الدكتور فان ديك لترجمة التوراة والإنجيل مكانه.
وعالي سميث المذكور من أفاضل المرسلين الأميركانيين، وكان قد باشر ترجمة الكتاب من اللغتين الأصليتين بمعاونة المعلم بطرس البستاني، وأتم ترجمة سفر التكوين وسفر الخروج إلا الاصحاح الأخير منه، وراجعهما وصحَّحهما وترجم أسفارًا أخرى لم يراجعها، فلما انتُدب الدكتور فان ديك مكانه أبقى السفرين الأولين على حالهما، وترجم وراجع ما بقي، وعانى في غضون الترجمة أتعابًا جزيلة في التفتيش عن أصل كل لفظة باللغات الأصلية وتطبيقها على العربية، ما جعل الترجمة الأميركانية كما وصفناها في كلامنا على ترجمات التوراة في السنة الثانية من الهلال، وتولى مع الترجمة إدارة المطبعة الأميركانية المشهورة، وحسَّن فيها وزاد الحركات على الحروف، حتى صارت من أحسن مطابع المشرق وأشهرها، وأتم الترجمة سنة ????م، وبعثه مجمع المرسلين إلى الولايات المتحدة سنة ????م ليتولى أمر طبعها وتصفيح صحائفها بالكهربائية هناك، فأقام في الولايات المتحدة سنتين حتى أتم هذا العمل، وعاد إلى سورية سنة ????م.
وكان أثناء إقامته في أميركا هذه المرة يدرس العبرانية في مدرسة يونيون اللاهوتية، وكثيرًا ما كان الطلبة يعافون درس هذه اللغة ويأبون الحضور في ساعة تدريسها؛ لصعوبتها وعدم مناسبة أسلوب إلقائها، أما هو فغيَّر أسلوب التدريس، وجعل يعلمهم إياها كلغة حية، فصار الطالب يجد في درسها معنى ولذة، ويرغب في تحصيلها، فتقاطر الطلبة إلى صفِّه وتكاثر عددهم، فلما رأت عمدة المدرسة ذلك عرضت عليه أن يبقى أستاذا للعبرانية فيها، وعيَّنت له راتبًا كبيرًا، فاعتذر عن قبوله قائلًا: «قد تركت قلبي في سورية، فلا لذة لي إلا بالعودة إليها».
وتمَّ في تلك الأثناء إنشاء المدرسة الكلية السورية في بيروت على نفقة جماعة من أهل البر في الولايات المتحدة بأميركا، فعرضت عليه عمدة تلك المدرسة الكبرى في أميركا أن يكون أستاذا فيها، فأجابها إلى ذلك، ثم طلبت إليه أن يعيِّن راتبه السنوي بنفسه، فكتب ??? ريال مع أن راتب أصغر أساتذتها لا يقل عن ???? ريال؛ وإنما فعل ذلك حبًّا بخير البلاد ونفع أهلها.
ولما وصل بيروت باشر تأسيس المدرسة الكلية الطبية مع صديقه الدكتور يوحنا ورتبات، ووضعا وحدهما نظامًا لدروسها، وشرعا في التعليم لا يحاسبان على أتعاب، ولا ينظران إلى مكافأة أو مدح، ولما رأى الدكتور فان ديك أن المدرسة تفتقر إلى أستاذ يدرِّس الكيمياء فيها أقبل من فوره على تدريسها، وهو إنما عُيِّن أستاذًا لعلم الباثولوجيا لا لغيره.
ولم يكن في المدرسة — حينئذ — من أدوات الكيمياء إلا قضيب من زجاج وقنينة عتيقة، فأنفق مئتي ليرة إنكليزية من ماله لاستحضار ما يلزم من الأدوات، وألَّف كتابه المشهور في مبادئ الكيمياء لتدريس التلامذة، وطبعه على نفقته وهو يعلم أنه لا يسترجع نفقات طبعه قبل مماته، وما زال يدرِّس هذا الفن ست سنوات متوالية ينفق على لوازم التدريس من جيبه، وعيَّنت عمدة المدرسة أستاذًا للكيمياء، فجاء وبقي سنتين يتعلم العربية ويقبض أجرته، والدكتور فان ديك يدرِّس مكانه مجانًا؛ حبًّا بمصلحة المدرسة وخير أبناء البلاد، ولمَّا تولَّج أستاذ الكيمياء أشغاله ترك الدكتور فان ديك للمدرسة كل ما أنفقه عليها، ولم يأخذ مقابله إلا مئة ليرة إنكليزية.
ولم يقتصر الأستاذ على ذلك، ولكنه تولَّج منصبًا ثالثًا لتعليم علم الفلك؛ لأن المدرسة لم يكن في وسعها القيام بنفقة تدريسه، فتبرَّع هو بتدريس هذا الفن مجانًا، وألَّف كتابًا له وطبعه على نفقته أيضًا، كما طبع كتاب الأنساب والمثلثات والمساحة والقطوع المخروطية وسلك البحار.
ولم يكن في المدرسة آلات فلكية يعتد بها، فما لبثت أن شرعت في بناء مرصدها حتى ابتاع له آلات بقيمة سبع مئة ليرة إنكليزية من ماله الخاص، وأثثه وفرش فيه على نفقته، واشتهر ذلك المرصد باسمه في المشارق والمغارب، ولما خَلَفه معاونه في تدريس علم الفلك الوصفي ألَّف كتابًا في الفلك العملي، وجعل يعلِّم به الطلبة على الآلات، وكان مع تدريسه الباثولوجيا والكيمياء والفلك يتولى إدارة المطبعة الأميركانية، فينتقد ما يُطبع فيها من الكتب، ويهتم بتأليف النشرة الأسبوعية، ويطبِّب في المستشفى البروسياني، وكان المرضى يتقاطرون عليه أفواجًا أفواجًا حتى بلغ عددهم الألوف في السنة، فضلًا عن تأليف الكتب العلمية والطبية والدرس والمطالعة والامتحانات العلمية وحضور الجمعيات النافعة ومراسلة العلماء في سائر أقطار الأرض، مما يعجز جماعة من الرجال عن القيام به.
وفيما هو لاهٍ بأشغال التأليف والتدريس والرصد والمراسلات العلمية عما سواها من مطامع البشر، نُكبت المدرسة الكلية بحادثٍ شوَّه تاريخها، ولا نريد ذكره لأن فيه إثارة الأحقاد وتكدير العواطف، ولكننا نقول بالإجمال إن الدكتور فان ديك أظهر في ذلك الحادث شهامة وغيرة وشرفًا ومروءة تُذكر له مدى الدهر؛ لأنه ضحَّى مصلحته الخصوصية انتصارًا للحق والعدل، فاعتزل عن المدرسة محتملًا آلام فراقها وملام ذوي الأغراض؛ محافظة على مبادئه، فعوضته المدرسة عما ترك في مرصدها خمس مئة ليرة إنكليزية دفعتها له أقساطًا.
وما زال يطبِّب في المستشفى البروسياني على جاري عادته حتى سعى البعض في صدِّ فؤاده عن بني الوطن، فترك المستشفى على غير رضى منه، لكنه إنما تركه ليحيي في الوجود مستشفى مار جرجس لطائفة الروم الأرثوذكسيين، فكان له في تأسيسه وإنشائه أياد تُذكر، وما زال يطبِّب المرضى فيه ويبذل ما في وسعه في تنشيطه أدبيًّا وماديًّا إلى أواخر أيامه، والطائفة الأرثوذكسية لا تنسى فضله في ذلك.
وفي ? إفريل سنة ????م احتفل أهل سورية بمرور خمسين عامًا على إقامته بينهم، فأقاموا له يوبيلًا شاركهم فيه أفاضل المشارقة في مصر والعراق وغيرهما بالاكتتاب، وتقاطرت عليه الرسائل والقصائد وكتب التهنئة من وجهاء سورية وأمرائها وجمعياتها وبطاركتها وأساقفتها ومجامعها، على اختلاف المذاهب والنحل، وملأت جرائد القطرين السوري والمصري أعمدتها بذكر مآثره وأفضاله وأعماله، ولولا ضيق المقام لجئنا ببعض ما قيل فيه، ولكن ذلك مجموع في كتاب مطبوع على حدة بمطبعة الأميركان ببيروت — من أراد التفصيل فليطالعه.
اليوبيل الخمسيني

لما دنى اليوم الثاني من أفريل سنة ????م، وهو اليوم الذي وطئت به قدم الدكتور أرض الشام منذ خمسين عامًا، اجتمعت فئة من وجوه بيروت على اختلاف مذاهبهم وألَّفوا لجنة تجمع ما تيسَّر من المال لتبذله في تقديم هدية لحضرته؛ دليلًا على إقرارهم بفضله، واعترافهم بمقدار خدماته. الدكتور فان ديك بلباسه الشرقي.
وقبل مباشرة العمل سارت اللجنة إلى دولة الوالي إذ ذاك (عزيز باشا) واستأذنته، فنشَّطها كثيرًا، ومما قاله لها: «يسرني أن أرى السوريين يعترفون بالجميل ويقدِّرون خدم الرجال حق قدرها، وهو دليل على تمدُّنهم ورقة عواطفهم، ولا ريب أن سيدنا ومولانا الخليفة الأعظم يشترك مع رعيته الأمينة في مكافأة الرجل الذي خدم الإنسانية في بلاد جلالته خمسين عامًا».
فعادت اللجنة وقد اشتد عزمها، وباشرت العمل بالاكتتاب، فآنست من السوريين وغيرهم رغبة شديدة في تنشيط مشروعها، وأنعم جلالة السلطان الأعظم في أثناء ذلك على الدكتور بالنيشان المجيدي من الرتبة الثالثة؛ مشاركة لرعيته في إكرامه، وما زالت اللجنة تكاتب الجهات وتنشر أعمالها في الجرائد والمجلات حتى جاء يوم اليوبيل فإذا في صندوقها خمس مئة ليرة، فتفاوضت في ماذا تعمل بها، واستشارت دولة الوالي، فأجمع الرأي على أن تُقدَّم إليه نقدًا، على شريطة أن لا يبذلها في سبيل الخير كعادته، بل يبقيها في يده بالوجه الذي يختاره علامة دائمة لما عند أهل الوطن من الشكر والمحبة له.
ولما كان صبح الأربعاء ? إفريل (نيسان) سنة ????م سار أعضاء اللجنة إلى دار الأستاذ للقيام بفروض التهنئة وتقديم الهدية، فإذا بتلك الدار قد غصَّت بالوفود من المهنئين على اختلاف الأديان والنحل، والدكتور وقرينته جالسان في صدر القاعة يقابلان المهنئين بما جبلا عليه من اللطف والأنس، فدخل أعضاء اللجنة وقدموا له عريضة مكتوبة على رق غزال، تتضمَّن إحساسات السوريين نحوه وإقرارهم بفضله، وتلاها الرئيس؛ وهاك نصها: أيها السيد الجليل الفاضل:
روت عنك أخبار المعالي محاسنًاكفت بلسان الحال عن السن الحمد لما علم السوريون بلوغكم نهاية السنة الخمسين منذ حضوركم إلى سورية، وعرفوا أنكم شغلتموها بخدمة الوطن، رأوا مما توجبه خدمة الإنسانية إشعاركم بما في أفئدتهم من عواطف الشكر على ما لكم من الأيدي البيضاء عندهم في كل هاتيك السنين، ولم يفُتهم أنكم منذ وطئتم أرضهم نهجتم المنهج السوري حتى صرتم كأحد أبناء سورية، وشربتم حبها، ورغبتم في نفعها، وجعلتم غاية حياتكم إفادة سكانها، فألَّفتم كثيرًا من مفيدات الكتب على اختلاف صنوفها من أدبية وعلمية وطبية، وسعيتم في تشييد صروح العلم ونوادي الخير، وعلَّمتم الفقراء والمرضى، فنشأ من مساعيكم وأتعابكم عظيم الفوائد لشبَّان هذا القطر، وقد صار كثيرون من تلامذتكم فيه كهولًا، وشارككم بعضهم في الشيخوخة، وهم جميعًا موقنون أنه ما حملكم على ذلك سوى حب الإنسانية بخلوص أثبتته شواهد السنين.
وعلى ما ذُكر، اختاروا لجنة تنوب عنهم في التهنئة لكم بإدراككم هذا اليوم الموافق ليوم دخولكم سورية في سنة ????م، وفي التصريح بأطيب الثناء عليكم لما سبق بيانه من مناقبكم ومآثركم، وفي سؤال المثيب الكريم أن يطيل بقاكم ويجعل سائر أيامكم زمن راحة وسلام، وتقديم هدية منهم على اختلاف الملل والمذاهب، وهي وإن تكن أمرًا يسيرًا لا تقتصر عن أن تكون آية ما في قلوبهم من خالص الشكر لجنابكم؛ وفي الختام نسأله (تعالى) أن لا يضيع لكم أجرًا، وأن يجزيكم خير الجزاء، آمين.
فأجابهم الدكتور والدموع تتلألأ في عينيه من الفرح قائلًا: ليس لديَّ ألفاظ تُعرِب عما في قلبي، فالأجدر بي قبول إكرامكم بالسكوت الأبكم، وهو شاهد لا تحتاج شهادته إلى تزكية، ومن أقوى حاسياتي اليوم أني لم أفعل شيئًا يستحق من حضراتكم كل هذا الالتفات، وإذا كان الله (سبحانه وتعالى) قد فسح في أجلي حتى أقضي في هذه الديار ?? سنة، فلست أرى أن ادَّعي لنفسي جميلًا، على أني أصرِّح قدام الله والناس أني أقمت بين أهل الشرق بكل نية صافية، ولم أقصد غير نفع جيلي وترقيته، وتخفيف الأثقال على قدر الاستطاعة، وهذا من فضل الله يؤتيه من يشاء.
إلى أن قال: فأقدِّم لحضراتكم الشكر الجزيل من صميم القلب، وأرجو أن تنوبوا عني في إبلاغ شكري وامتناني لكل من شارككم في هذا الاكرام؛ ولا سيما أصحاب الجرائد الذين سعوا في المعونة على ما أجريتموه؛ أي من الجرائد المصرية: الأهرام والمقتطف والشفاء واللطائف والمقطم، أما الجرائد السورية، أعني: لسان الحال وبيروت والثمرات والصفاء والمصباح والتقدم، فلا أتجاسر أن أتفوَّه من جهتها؛ لأن (القاق في الجوزة) جزاكم وإياهم الله عني كل خير في الدنيا والآخرة، وأدام لنا مليكًا رتعنا تحت ظله بالأمن والسلام.
ثم نهض جماعة من العلماء والشعراء وأرباب المناصب العالية وغيرهم من وجهاء البلاد، وتلوا القصائد والخطب في تهنئة حضرته وتقديم الهدايا؛ ومن جملة ما قُدِّم إليه منها صورته بالفوتوغرافية مرسومة كبيرة على صفيحة من البلور، يحيط بها برواز شرقي جميل، ومكتبة ثمينة مصنوعة من خشب الجوز، وفيها تآليفه مجلدة تجليدًا متقنًا، قدَّمها إليه المرسلون الأميركان في سورية، وطاقم قهوة فضي قدَّمته عمدة مستشفى ماري جرجس للروم الأرثوذكس، وكتاب فوتوغرافي (ألبوم) من عمدة المستشفى البروسياني، وغير ذلك.
أعماله ومؤلفاته

قضى الأستاذ العلَّامة (رحمه الله) نيفًا وخمسًا وخمسين عامًا في سورية، وهو (كما وصفته جمعية الروم الأرثوذكس) لا تنفتح في الصبح عيناه إلا عن لائذٍ بجنابه، ولا تسير في النهار قدماه إلا إلى معونة أعدائه وأصحابه، ولا يغلق في المساء بابه إلا على منصرِف مرتضٍ واقف في بابه، ولا يأوي في ليلته غرفته إلا لينكبَّ على مكتوباته وكتابه؛ حياة امتلأت بطاعة الحداثة، ونشاط الصبا، ومروءة الفتوة، وإقدام الشباب، ومقدرة الكهولة، وحكمة الشيخوخة، وهي في كل أدوارها ذكاءٌ وفطنة ودرس ومعرفة وعلم وعمل واستفادة وإفادة وعبادة الله وحب للقريب وخدمة للإنسانية.
وزد على ذلك قيامه بتنشيط المشروعات العلمية والأدبية، فلم تقم جمعية علمية أو أدبية إلا كان هو المنشط في إمشائها، ولا أنشئت مدرسة إلا كانت له يد بيضاء فيها، وهكذا قل عن المستشفيات والكنائس، ولا يقتصر في مساعدته على التنشيط الأدبي، ولكنه يجود بالبذل والعطاء والخدمة الشخصية علمًا وعملًا، لا ينظر في كل ذلك إلى مذهب دون آخر، أو طائفة دون أخرى، فهذا مستشفى القديس جاورجيوس للطائفة الكاثوليكية ببيروت، فإن الدكتور أول من فتح جيبه لتنشيطه، وقضى بضعة عشر عامًا يطبِّب مرضاه، ويخفف أسقامهم، ويلطِّف أحزانهم برقته وإيناسه، وهذه الجمعية السورية لا يُذكر اسمها إلا مقرونًا باسمه؛ فإنها أول جمعية تأسست في بلاد الشام، وهو الواضع لأساسها؛ اسأل جمعية شمس البر والمجمع العلمي الشرقي، اسأل المجامع الدينية الإنجيلية، ناهيك بما أفاده بعظاته وخطبه ومراسلاته، بل ما قولك بما آثره بقدرته، فإن من يجاوره أو يعاشره لا تلبث أن تراه قد اكتسب شيئًا من أخلاقه وهو لا يدري، فيعكف على اكتساب العلم وخدمة الوطن.
مما نذكره له ونعدُّه خدمة كبرى إيعازه إلى أحد منشئي المقتطف أن ينقل كتاب سر النجاح إلى اللسان العربي، فإن نشر هذا الكتاب النفيس بين قرائها أثَّر تأثيرًا كبيرًا في بعثة العلم والعمل بينهم؛ لأنه كتابٌ لم يكتب علماء الأخلاق والأعمال على مثاله، ولا ريب عندنا أنه كان سببًا كبيرًا في إنهاض الذين قرأوه؛ وخصوصًا الشبان، فإن مطالعة ما فيه من سِيَر رجال العلم والعمل تثير في أنفس الأحرار رغبة في الاقتداء بهم والنسج على منوالهم، على أن في سيرة أستاذنا (رحمه الله) ما يغني عن مطالعة ذلك الكتاب.
ومن أعماله أنه كان أكبر مساعد في تأسيس المدرسة الكلية السورية والمرصد الفلكي والمتريولوجي، وكان دعامة أعمال المرسلين الأميركانيين في سورية، ومن أقوى أركانهم في نشر تعاليمهم وبث روح العلم والعمل بغير أن يمسَّ كرامة طائفة من الطوائف، إلا ما قد سيق إليه سوقًا مما يعد من قبيل المناظرة أو المسابقة؛ وهذا هو سبب إجماع الناس على اختلاف طوائفهم على احترامه وحبه.
أما مؤلفاته فتشمل أهم العلوم الحديثة، وهو أول من نشر تلك العلوم بالعربية في سورية، فألَّف فيها وأجاد، فضلًا عما كان ينشره من قلمه في النشرة الأسبوعية، وممَّا صحَّحه أو ترجمه من الكتب الدينية؛ وخصوصًا التوراة، وأما مؤلفاته المطبوعة فهي: (?) الباثولوجية الداخلية الخاصة: وتبحث في مبادئ الطب البشري النظري والعملي في مجلد ضخم.
(?) محيط الدائرة في العروض والقوافي.
(?) المرآة الوضية في الكرة الأرضية، طُبعت غير مرة.
(?) الروضة الزهرية في الأصول الجبرية.
(?) الأصول الهندسية.
(?) التشخيص الطبيعي.
(?) الأنساب والمثلثات المستوية والكروية ومساحة السطوح والأجسام والأراضي وسلك الأبحر.
(?) أصول الكيمياء.
(?) رسالة الجدري للرازي، مع ملحق بقلم الدكتور.
(??) أصول الهيئة في علم الفلك.
(??) محاسن القبة الزرقاء.
(??) النقش في الحجر، في تسعة مجلدات صغيرة، كل منها يبحث في علم من العلوم الحديثة؛ كالفلسفة الطبيعية والكيمياء والجغرافية الطبيعية والنبات والفلك والجيولوجيا وغيرها؛ يراد بها تعليم هذه العلوم في المدارس العالية، أو نشرها بين الذين شبُّوا وتعاطوا التجارة أو الصناعة ولم يدرسوا شيئًا منها.
(??) النفائس لتلامذة المدارس.
(??) قصة شونبرج وبركا، وهما دينيَّان.
صفاته وأخلاقه

كان ربع القامة مع ميل إلى القصر، خفيف العضل، سريع الحركة، وقد أمسى في أواخر أيامه شيخًا هرمًا طويل اللحية والشاربين أشيبهما، خفيف الشعر ولكنه ما انفك على شيخوخته، طلق المحيَّا باشَّه، وديعًا، لطيف الحديث، رقيق الجانب، لطيف المعشر، أو كما قيل فيه: قد جمع إلى حكمة الشيخوخة مقدرة الكهولة وإقدام الشباب ومروءة الفتوة ونشاط الصبا وطاعة الحداثة.
ومن أخلاقه حسن الطوية، والإخلاص في عمله، وهو السبب الرئيسي في ما ناله من الشهرة وملكه من قلوب السوريين، وفي اعتقادنا أن المرء لا يفوز في عمله ولا يجمع الناس على مدحه إلا إذا أخلص النية في خدمتهم، ولا يفلح المراؤون.
ومنها اقتداره على العمل، وقد علمتَ — مما تقدَّم — أنه عمل أعمالًا لا يستطيعها جماعة من الرجال، وكان ذلك من أكبر أسباب نجاح الإرسالية الأميركانية في بلاد الشام؛ فإنها قامت بأربعة من أفاضلهم، امتاز كل منهم بصفات لا بد منها في قيام مشروعهم؛ وهم: عالي سميث، ووليم طمسن، وسمعان كلهون، والدكتور فان ديك، فامتاز الأول: بالتأني والتدقيق،
والثاني: بالسياسة والتدبير،
والثالث: بالتقوى والورع،
وامتاز أستاذنا (رحمه الله) بالعلم والعمل، وكان يحب كل العلوم؛ وخصوصًا علم الفلك. ومنها حرية الضمير قولًا وعملًا؛ فهو أبعد الناس عن المدالسة والمواربة، لا يحتمل الحق ولا يطيق الإجحاف، ومن أقرب الأدلة على ذلك أنه ترك المدرسة الكلية واحتمل ضيم فراقها، وأنكر ذاته وتنازل عن مصلحته الخصوصية إذعانًا لحرية ضميره؛ فإنه لم يستطع المشاركة في الحكم على شبان لم يطلبوا إلا العدل والحق، ومن هذا القبيل حدة طبعه في شبوبيته، وحرُّ الضمير يغلب أن يكون حاد الطبع؛ لعدم صبره على المدالسة والمماطلة، ومن قبيل ذلك أيضًا استنكافه من المدح، وتحاشيه كل ما تشم منه رائحة الفخر.
ومنها الإقدام والإنجاز، فإنك لا تكاد تلتمس منه أمرًا حتى تراه قد باشره حالًا، وهي خلَّة لا بد منها في قيام الأعمال ونجاح المشروعات؛ فالأستاذ (رحمه الله) كان مقصدًا للطلاب وملجأ للسائلين والمستفيدين، لا يخلو منزله من مستشير أو مستفيد أو ملتمس، فضلًا عن مراسلات الأدباء ومكاتبات تلامذته المتفرقين في أربعة أقطار المسكونة.
ومن أكره الأمور لديه التأجيل؛ فهو لا يؤجل إلى الغد ما يستطيع عمله اليوم، ويبكِّر في عمله فيستيقظ باكرًا، ويقضي طول نهاره عاملًا، وقد قال إنه اعتاد ذلك منذ صباه؛ لأن والدته غرست في ذهنه «أن من استيقظ باكرًا ساق عمله أمامه، ومن استيقظ متأخرًا ساقه عمله».
ومنها رباطة الجأش، فهو لا يهاب الأهوال، وقد ربَّى أنجاله على ذلك، فكان يرسل أولاده للصيد أو ركوب الخيل منفردًا وهو حوالي العاشرة من عمره، وقد يبعث به إلى بلد آخر ليلًا ولا يخاف عليه شرًّا، فإذا لامته والدتهم على ذلك أجابها: «أتريدين أن يشبَّ أولادك على الجبن والضعف»، وكان في شبوبته يحب الخيل ويقتني الجياد منها.
ومنها أنه كان مغرمًا بأمرين: الأول: أشغاله وتآليفه،
والثاني: أهله وأولاده،
ولم يكن يحب الدعوات إلى الأفراح، ولا يأنس باللهو والطرب. ومنها النفور من الدَّيْن؛ فهو يكره الدَّيْن كرهًا شديدًا، وقد بالغ في ذلك حتى كان لا يلبس لباسًا قبل أن يدفع ثمنه، وقد سمعناه مرة يلوم خياطه لأنه أرسل الثوب إليه ولم يرسل من يقبض ثمنه، قائلًا: «ألعلك تريد أن لا ألبس هذه البدلة!»، ومن أمثاله: «الحلاقة بالفاس ولا جميل الناس».
ومنها حبُّه للأمثال العامية والفصحى؛ فلا يرد في حديثه معنى إلا أيَّده بمثل عامي، ولا تسأله عن لفظ فصيح إلا أورد عليه شعرًا، فسئل كيف حفظ ذلك، فقال إنه اقتبسه من المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي.
ومن أهم أوصافه تخلُّقه بأخلاق المشارقة، والتزيِّي بزيهم، واكتساب عوائدهم في الطعام والشراب واللباس، وكان أثناء إقامته في عبيه يلبس اللباس السوري الخاص بالأمراء في ذلك العهد، وهو السراويل من البفتا البيضا (العنبركيس)، والمنطقة الحريرية الطرابلسية، وكبران من الجوخ الأزرق عليه تطريز بالقبطان الأسود، وعلى رأسه طربوش مغربي ذو زر طويل (شرابة).
فكان إذا مشى أو ركب تحسبه من الأمراء، ولكنه اضطر إلى العدول عنه إلى اللباس الإفرنجي كرهًا؛ وسبب ذلك أنه دعي مرة لتطبيب أحد وجهاء عبيه، فركب وسار بركابه خادم ذلك الوجيه، فاتفق في أثناء عودته الشروع في الثورة التي حصلت قبل حادثة ????م بين النصارى والدروز، فرآه بعض الدروز بذلك اللباس فظنوه من أمراء بني شهاب فهموا بقتله، ولم ينجُ من بين أيديهم إلا بعد الجهد، وعوَّل من ذلك الحين على اللباس الإفرنجي.
على أنه ما انفك ميالًا إلى لباس المشارقة، فيلبس في منزله طربوشًا من المخمل الأسود أو الأزرق مطرزًا بالقصب، تتدلَّى منه شرابة من القصب، ويلتف بعباءة واسعة كما تراه في الرسم وهو يدخن النارجيلاء في منزله أمام غرفة المطالعة، وقد تخلَّق بأخلاق المشارقة، وأحب أهل المشرق، فالسوريون على اختلاف طوائفهم ومشاربهم يعتبرونه أبًا لهم، أما هو فقد برهن على حبه لهم ببذل عمره وصحته في خدمتهم، وما كسبه من أغنيائهم أنفقه على فقرائهم، فخدم الفئتين جسدًا ونفسًا وعقلًا.
وكان تقيًّا حسن العقيدة، عن روية وحسن نظر لا عن تسليم وسذاجة، ومن أثمن ما نطق به وصيته لنجله المستر إدوار أثناء زيارته له في أواخر أيامه؛ وهي: «احذر أن يخدعك أحد فيسلبك اعتقادك في مبادئ الديانة المسيحية؛ فإنها الركن الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه في مصائبنا وأمراضنا وشيخوختنا، أما ما وراء تلك المبادئ مما هو موضوع اختلاف اللاهوتيين فكله إبهام وظلمة».

الفصل السابع
السيد جمال الدين الحسيني الافغاني


قد تمرُّ القرون وتتوالى الأجيال والناس على ما ساقتهم إليه الحاجة من شئون معائشهم لا يفقهون غثَّها من ثمينها، ولا يدركون مبدأها ولا مصيرها، حتى تتمخَّض الطبيعة فتلد من أبنائها أفرادًا يميطون عن أسرارها اللثام، فيرى الناس من ورائه شرائع ونواميس كانوا عنها غافلين؛ أولئك هم أقطاب العلم وأنوار العالم، ومنهم الفلاسفة الطبيعيون الذين مزَّقوا أستار الجهل وكشفوا غوامض الطبيعة، فمهَّدوا سبل الاختراع والاكتشاف، ومنهم الفلاسفة العقليون الذين استطلعوا أسرار الحكمة المستترة وراء تلك النواميس، وبيَّنوا ما أودعه الخالق في خليقته من القواعد العقلية والروابط الأدبية.
ولكن الطبيعة لا تجود بواحد من أولئك الأفراد إلا كل بضعة قرون، فيسير الناس على خطواته أجيالًا، حتى إذا كادوا يرجعون إلى غيِّهم جادت عليهم بآخر ينفث فيهم روحًا حية فيهبُّون من رقادهم، ويعودون إلى رشدهم ريثما يأتيهم ثالث.
هكذا كان شأن العالم من بدء عمرانه، ومن أولئك الفلاسفة سقراط وأفلاطون ومَن تقدَّمهم، وجاء بعدهم من فلاسفة اليونان والرومان والفرس والعرب وغيرهم من علماء المعقول والمنقول ممن لا نزال نستضيء بنبراسهم.
ولكن لله في خلقه حكمة لا تدركها العقول؛ فقد ينبغ في بعض الأجيال أفراد توافرت فيهم قوى الفلاسفة ومواهب رجال الأعمال، فتحيط بهم بيئات لا تصلح لنماء ما يغرسون، فيذهب سعيهم هباءً منثورًا.
ولما كان الإنسان لا يقدِّر العمل إلا بنسبة ما يترتب عليه من الفائدة، كان نصيب كثيرين من عظماء الأرض جهل الناس حق قدرهم، وأغفل التاريخ ذكرهم كما هو شأننا بفقيد الشرق الفيلسوف الخطيب السيد جمال الدين الأفغاني (رحمه الله)؛ فقد نشأ قطبًا من أقطاب الفلسفة، وعاش ركنًا من أركان السياسة، ولكنه مات ولم يتم عملًا ولا ألَّف كتابًا، على أن ذلك لا يحطُّ من مقامه، وقد رأينا أعظم فلاسفة اليونان (سقراط) مات ولم يدوِّن شيئًا من كلامه، ولكن تلامذته حفظوا فلسفته ودونوها فتوارثتها الأجيال خلفًا عن سلف، فعسى أن لا نحرم من مريدي الأستاذ وتلامذته من يفعل مثل ذلك.
ترجمة حاله

هو السيد محمد جمال الدين بن السيد صفتر، وُلد في بيت شرف وعلم بقرية أسعد أباد من قرى كنر من أعمال كابل ببلاد الأفغان سنة ????هـ/????م، ويتصل نسبه بالسيد علي الترمذي المحدِّث المشهور، ويرتقي إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وآل هذا البيت عشيرة كبيرة تقيم في خطة كنر، ولها منزلة عليا في قلوب الأفغانيين لحرمة نسبها، وكانت تملك جزءًا من أرض الأفغان حتى سلب الملك منها دوست محمد خان، جد الأمير عبد الرحمن، وأمر بنقل والد السيد جمال الدين وبعض أعمامه إلى مدينة كابل، وجمال الدين لا يزال في الثامنة من عمره، فعني والده في تربيته وتثقيفه، فتلقى مبادئ العلوم العربية والتاريخ وعلوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول وكلام وتصوف والعلوم العقلية من منطق وحكمة عملية سياسية ومنزلية وتهذيبية وحكمة نظرية طبيعية وإلهية والعلوم الرياضية من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك ونظريات الطب والتشريح، وكانت ملامح النجابة والذكاء ظاهرة فيه منذ نعومة أظفاره، فأتمَّ هذا كله وهو في الثامنة عشرة من عمره. السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني.
ثم عرض له سفر إلى بلاد الهند فأقام بها سنة وبضعة أشهر، ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الإفرنجية الحديثة، وقدم بعد ذلك إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج، فقضى سنة ينتقل من بلد إلى آخر حتى وافى مكة المكرمة في سنة ????هـ/????م، فوقف على كثير من عادات الأمم التي مرَّ بها في سياحته، ثم رجع إلى بلاده وانتظم في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان المتقدم ذكره، ولما زحف هذا الأمير إلى هراة ليفتحها ويملكها علي سلطان أحمد شاه صهره وابن عمه، سار السيد جمال الدين معه في جيشه، ولازمه مدة الحصار، إلى أن توفي الأمير وفتحت المدينة بعد معاناة الحصر زمنًا طويلًا.
وتقلَّد الإمارة ولي عهدها شير علي خان سنة ????هـ/????م، وأشار عليه وزيره محمد رفيق خان أن يقبض على إخوته ويعتقلهم، فإن لم يفعل سعوا بالناس إلى الفتنة وألَّبوهم للفساد طلبًا للاستبداد بالإمارة، وكان في جيش هراة من إخوة الأمير ثلاثة؛ محمد أعظم، ومحمد أسلم، ومحمد أمين، فانتصر السيد جمال الدين لمحمد أعظم، فلما أحسوا بتدبير الأمير ومشورة الوزير أسرعوا إلى الفرار، وتفرقوا في الولايات، فذهب كل منهم إلى ولايته التي كان يليها من قِبل أبيه، وطاشت بهم الفتن، واشتعلت نيران الحروب الداخلية.
وبعد مجادلات عنيفة عظم أمر محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن، وتغلَّبا على عاصمة المملكة، وأنقذا محمد أفضل والد عبد الرحمن من سجن قزنة، وسمياه أميرًا على أفغانستان، ثم أدركه الموت بعد سنة، وقام على الإمارة بعده شقيقه محمد أعظم خان، فارتفعت منزلة جمال الدين عنده فأحلَّه محل الوزير الأول، وعظمت ثقته به، فكان يلجأ لرأيه في العظائم وما دونها، وكادت تخلص حكومة الأفغان لمحمد أعظم بتدبير السيد جمال الدين لولا سوء ظن الأمير بالأغلب من ذوي قرابته، مما حمله على تفويض مهمات الأعمال إلى أبنائه الأحداث وهم خلو من التجربة عراة من الحنكة، فساق الطيش أحدهم — وكان حاكمًا في قندهار — على منازلة شير علي في هراة، ولم يكن له من الملك سواها، وظن الفتى أنه يظفر فينال عند أبيه حظوة فيرفعه على سائر إخوته، فلمَّا تلاقى مع جيش عمه دفعته الجرأة على الانفراد عن جيشه في مئتي جندي اخترق بها صفوف أعدائه، فأوقع الرعب في قلوبهم وكادوا ينهزمون لولا ما التفت يعقوب خان قائد شير علي فوجد ذلك الغلام منقطعًا عن جيشه، فكرَّ عليه وأخذه أسيرًا، فتشتت جند قندهار وقوي الأمل عند شير علي فحمل على قندهار واستولى عليها، وعادت الحرب إلى شبابها، وعضد الإنكليز شير علي وبذلوا له قناطير من الذهب، ففرقها في الرؤساء والعاملين لمحمد أعظم، فبيعت أمانات ونقضت عهود وجددت خيانات، وبعد حروب هائلة تغلَّب شير علي وانهزم محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن، فذهب عبد الرحمن إلى بخارى، وذهب محمد أعظم إلى بلاد إيران، ومات بعد أشهر في مدينة نيسابور.
أما السيد جمال الدين فبقي في كابل لم يمسسه الأمير بسوء؛ احترامًا لعشيرته، وخوف انتقاض العامة عليه حمية لآل البيت النبوي، إلا أنه لم ينصرف عن الاحتيال للغدر به والانتقام منه بوجه يلتبس على الناس حقه بباطله، ولهذا رأى السيد جمال الدين خيرًا له أن يفارق بلاد الأفغان، فاستأذن للحج فأذن له على شرط أن لا يمر ببلاد إيران كيلا يلتقي فيها بمحمد أعظم، وكان لم يمت بعد، فارتحل على طريق الهند سنة ????هـ/????م بعد هزيمة محمد أعظم بثلاثة أشهر، فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته حكومة الهند بحفاوة وإجلال، إلا أنها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها، ولا أذنت للعلماء في الاجتماع عليه إلا تحت مراقبة رجالها، فلم يقم هناك إلا شهرًا، ثم سيَّرته من سواحل الهند في أحد مراكبها إلى السويس، فجاء مصر وأقام بها نحو أربعين يومًا تردد فيها على الجامع الأزهر، وخالطه كثير من طلبة العلم السوريين، ومالوا إليه كل الميل، وسألوه أن يقرأ لهم شرح الإظهار، فقرأ لهم بعضًا منه في بيته، ثم تحوَّل عن الحجاز عزمه، وتعجَّل بالسفر إلى الآستانة.
وبعد أيام من وصوله الآستانة قابل الصدر الأعظم عالي باشا، فنزل منه منزلة الكرامة، وعرف له الصدر فضله، وأقبل عليه بما لم يسبق لمثله، وهو مع ذلك بزيِّه الأفغاني من القباء والكساء والعمامة العجراء، وحوَّمت عليه لفضله قلوب الأمراء والوزراء، وعلا ذكره بينهم، وتناقلوا الثناء على علمه وأدبه وهو غريب عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم، ولم تمضِ ستة أشهر حتى سمِّي عضوًا في مجلس المعارف، فأدى حق الاستقامة في آرائه، ولكنه أشار إلى طرق لتعميم المعارف لم يوافقه عليه رفقاؤه، وبينها ما ساء شيخ الإسلام إذ ذاك؛ لأنها كانت تمسُّ شيئًا من رزقه، فأرصد له العنت حتى كان رمضان سنة ????هـ/????م، فرغب إليه مدير دار الفنون أن يلقي فيها خطابًا للحث على الصناعات، فاعتذر إليه بضعفه في اللغة التركية، فألحَّ عليه فأنشأ خطابًا طويلًا كتبه قبل إلقائه وعرضه على نخبة من أصحاب المناصب العالية فاستحسنوه.
فلما كان اليوم المعين لاستماع الخطاب تسارع الناس إلى دار الفنون، واحتفل له جمٌّ غفير من رجال الحكومة وأعيان أهل العلم وأرباب الجرائد، وحضر في الجمع معظم الوزراء، فصعد السيد جمال الدين على منبر الخطابة وألقى ما كان أعده ببلاغة سحرت عقول السامعين، فأنكر مشائخ العلم شيئًا من آرائه، واتصل الأمر بشيخ الإسلام وكان متغيرًا عليه — كما علمت، فالتمس من الدولة إبعاده عن الآستانة، فصدر له الأمر بالجلاء عنها بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب ثم يعود إن شاء، ففارقها وحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر، فجاء إليها في أول المحرم سنة ????هـ/?? مارس ????م.
قدم السيد جمال الدين إلى مصر على قصد التفرُّج بما يراه من مناظرها ومظاهرها، ولم تكن له عزيمة على الإقامة بها حتى لاقى صاحب الدولة رياض باشا، فاستمالته مساعيه إلى المقام، وأجرت عليه الحكومة راتبًا مقداره ألف قرش مصري كل شهر نزلًا أكرمته به لا في مقابل عمل، واهتدى إليه بعد الإقامة كثير من طلبة العلم، واستوروا زنده فأورى، واستفاضوا بحره ففاض درًّا، وحملوه على التدريس فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى، والحكمة النظرية من طبيعة وعقلية، وفي علم الهيئة الفلكية، وعلم التصوف، وعلم أصول الفقه الإسلامي، وكانت مدرسته بيته، فعظم أمره في نفوس طلاب العلوم، واستجزلوا فوائد الأخذ عنه وأعجبوا بعلمه وأدبه، وانطلقت الألسن بالثناء عليه، وانتشر صيته في الدار المصرية.
ثم وجَّه عنايته لتمزيق حجب الأوهام عن أنوار العقول، فنشطت لذلك ألباب واستضاءت بصائر، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية، فاشتغلوا على نظره وبرعوا، وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه، وكان القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة قليلين.
فنبغ من تلامذته في القطر المصري كتبة لا يُشقُّ غبارهم ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن شيوخ في الصناعة، وما منهم إلا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته، أو قلد المتصلين به، هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوا سبيلًا للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية؛ أخذًا بقول جماعة من المتأخرين في تحريم النظر فيها، فتمكَّنوا من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل، وأذاعوا ذلك بين العامة، ثم أيدهم أخلاط من الناس من مذاهب مختلفة، غير أن هذا كله لم يؤثر في مقامه من نفوس العارفين بحاله.
وكان (رحمه الله) — على علمه وفضله — ميالًا إلى السياسة، فنظر في حال مصر وما آلت إليه من التداخل الأجنبي، فعلم أن لا بد من تغير أحوالها، وكان قد انتظم في سلك الجمعية الماسونية، وتقدَّم فيها حتى صار من الرؤساء، فأنشأ محفلًا وطنيًّا تابعًا للشرق الفرنساوي، دعا إليه مريديه من العلماء والوجهاء، فصار أعضاؤه نحوًا من ثلاث مئة عدًّا.
وكان شديد الكره للدولة الإنكليزية كما تقدم من حاله معها في الهند، وما كان من اعتدائهم على أبناء أبيه، فجهر بذلك غير مرة، ونشر فصولًا ناطقة به ترجموها إلى جرائد إنكلترا، واهتموا بها كثيرًا حتى تولى المستر غلادستون نفسه أمر الجدال في موضوعها، فلمَّا عظم أمر محفله داخَل الخوف قنصل إنكلترا فوشى به إلى الحكومة، وبثَّ الرقباء في المحفل، فسعوا فيه فسادًا، وفي خلال ذلك بلغت أحوال مصر نهاية الارتباك فصرَّح بأمور قوَّت حجة الساعين، وكان تولى مصر المرحوم الخديوي السابق توفيق باشا، فأصدر أمره بإخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبو تراب، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة ????هـ/????، وأقام بحيدر آباد الدكن، وفيها كتب رسالته في «نفي مذهب الدهريين».
ولمَّا كانت الحوادث العرابية بمصر دُعي من حيدر آباد إلى كلكتة، وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها حتى انقضى أمر مصر وفثأت الحرب الإنكليزية، ثم أبيح له الذهاب إلى أي بلد، فاختار الشخوص إلى أوربا، وأول مدينة نزلها مدينة لوندرا، أقام بها أيامًا قلائل ثم انتقل إلى باريس، فوافاه إليها صديقه الشيخ محمد عبده المصري، وكانت في مصر جمعية وطنية اسمها جمعية العروة الوثقى، فكلَّفته — على بُعد الدار — أن ينشئ جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة الإسلامية، فأنشأ «العروة الوثقى»، وكلف صديقه المشار إليه بتحريرها، وكان لها وقع حسن في العالم الإسلامي، فنشر منها ?? عددًا، ثم قامت الموانع دون استمرارها؛ حيث أقفلت أبواب الهند عنها، وشددت الحكومة الإنكليزية في إساءة من يقرأها.
وقضى جمال الدين في باريس ثلاث سنوات، نشر في أثنائها مقالات في جرائدها تبحث في سياسة روسيا وإنكلترا والدولة العلية ومصر، ترجمت جرائد إنكلترا كثيرًا منها، وجرت له أبحاث فلسفية مع الفيلسوف الفرنساوي رينان في «العلم والإسلام»، فشهد له هذا بسعة العلم وقوة الحجة، ثم شخص إلى لندرا بإيعاز اللورد شرشل واللورد سالسبري ليسألاه عن رأيه في المهدي وظهوره إذ ذاك، ثم عاد إلى فرنسا وتعرَّف بكثيرين من علمائها وفلاسفتها، فأحلوه مكانًا عليًّا.
ثم عزم على نجد، فاستقدمه شاه الفرس إذ ذاك المرحوم ناصر الدين شاه على لسان البرق ليراه، فسار قاصدًا طهران، فالتقى في أصفهان بالأمير ظل السلطان فلاقى منه إكرامًا، حتى إذا وصل طهران استقبله الشاه أحسن استقبال، وأكثر من الثناء عليه حيثما ذكره، حتى في بلاطه وبين أهله وأولاده، وولَّاه نظارة الحربية على أن يرقيه بعد قليل إلى منصب الصدارة.
وكان جمال الدين قد درس أخلاق الأمم، وعرف تواريخ الدول، وتدبر أحوال السياسة على اختلاف الأمكنة والأزمنة، مع بلاغته وقوة برهانه، فنال لدى أمراء الفرس وعلمائها منزلة قلَّ أن ينالها غيره في مثل حاله، فأصبح منزله حلقة علم يؤمها سراة البلاد ووجهاؤها، يتسابقون إلى سماع حديثه، فخامر الشاه ريب من أمره؛ مخافة أن يكون وراء ذلك ما يخشى منه على سلطانه، فأبدى تغيره عليه، فأدرك جمال الدين ما في نفسه فاستأذنه في السفر لتبديل الهواء، فأذن له فسار إلى موسكو في روسيا، فلاقاه أهلها بالتجلة والإكرام لما سبق إلى مسامعهم من شهرته، ثم شخص إلى بطرسبورج وتعرف بأعظم رجالها من العلماء والسياسيين، ونشر في جرائدها مقالات ضافية في سياسة الأفغان والفرس والدولة العلية والروسية والإنكليزية كان لها دويٌ شديد في جو السياسة.
واتفق إذ ذاك فتح معرض باريس لسنة ????م فشخص جمال الدين إليها، فالتقى بالشاه في مونيخ عاصمة بافاريا عائدًا من باريس، فدعاه الشاه إلى مرافقته، فأجاب الدعوة وسار في معيَّته إلى فارس، فلم يكد يصل طهران حتى عاد الناس إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه، والشاه لا يرتاب من أمره، كأن سياحته في أوربا محت كثيرًا من شكوكه، فكان يقرِّبه منه ويوسِّطه في قضاء كثير من مهام حكومته، ويستشيره في سن القوانين ونحوها، فشق ذلك على أصحاب النفوذ؛ وخصوصًا الصدر الأعظم، فأسرَّ إلى الشاه أن هذه القوانين وإن تكن لا تخلو من النفع فهي لا توافق حال البلاد، فضلًا عما ستؤول إليه من تحويل نفوذ الشاه إلى سواه، فأثَّر ذلك في الشاه حتى ظهر على وجهه، فأحس جمال الدين بالأمر فاستأذنه في المسير إلى بلدة شاه عبد العظيم على ?? كيلومترًا من طهران، فأذن له فتبعه جمٌّ غفير من العلماء والوجهاء، وكان يخطب فيهم ويستحثهم على إصلاح حكومتهم، فلم تمضِ ثمانية أشهر حتى ذاعت شهرته في أقاصي بلاد الفرس، وشاع عزمه على إصلاح إيران، فخاف ناصر الدين عاقبة ذلك فأنفذ إلى شاه عبد العظيم خمس مئة فارس قبضوا على جمال الدين، وكان مريضًا، فحملوه من فراشه وساقوه يخفره خمسون فارسًا إلى حدود المملكة العثمانية، فعظم ذلك على مريديه في إيران فثاروا حتى خاف الشاه على حياته. السيد جمال الدين الأفغاني في حال مرضه.
أما جمال الدين فمكث في البصرة ريثما عادت إليه صحته، فشخص إلى لندرا وقد عرفه الإنكليز من قبل، فتلقوه بالإكرام، ودعوه إلى مجتمعاتهم السياسية وأنديتهم العلمية ليروه ويسمعوا حديثه، وكان أكثر كلامه معهم في بيان حال الشاه وتصرفه في المملكة، وما آلت إليه حالها في عهده، مع حث الحكومة الإنكليزية علي السعي في خلعه.
وفيما هو في ذلك ورد عليه كتاب من المابين الهمايوني بواسطة المرحوم رستم باشا سفير الدولة العلية في لندرا إذ ذاك، أن يقدم إلى الآستانة، فاعتذر لأنه في شاغل وقتي لإصلاح بلاده، فورد عليه كتاب آخر وفيه ثناء وتحريض، فأجاب الدعوة تلغرافيًّا على أن يتشرف بمقابلة جلالة السلطان ثم يعود، فقدم الآستانة سنة ????م فطابت له فيها الإقامة لما لاقاه من التفات الحضرة السلطانية وإكرام العلماء ورجال السياسة، وما زال فيها معززًا مكرمًا وجيهًا محترمًا حتى داهمه السرطان في فكه أواخر سنة ????م، وامتد إلى عنقه، فتوفاه الله في ? مارس سنة ????م، واحتفل بجنازه ودفْنه في مدفن «شيخلر مزارلفي» قرب نشان طاش.
صفاته الشخصية

كان أسمر اللون بما يشبه أهل الحجاز، ربعة ممتلئ البنية، أسود العينين نافذ اللحظ، جذاب النظر مع قصر فيه، فإذا قرأ أدنى الكتاب من عينيه، ولكنه لم يستخدم النظارات، وكان خفيف العارضين مسترسل الشعر، بجبة وسراويلات سوداء تنطبق على الكاحلين، وعمامة صغيرة بيضاء على زي علماء الآستانة.
طعامه

كان قانتًا قليل الطعام، لا يتناوله إلا مرة في النهار، ويعتاض عما يفوته من ذلك بما يشربه من منقوع الشاي مرارًا في اليوم، والعفة في الطعام لازمة لمن يعمل أعمالًا عقلية؛ لأن البطنة تذهب الفطنة، وكان يدخن نوعًا من السيكار الإفرنجي الجيد، ولشدة ولعه بالتدخين وعنايته في انتقاء السيكار لم يكن يركن إلى أحد من خدمه في ابتياعه فيبتاعه هو بنفسه.
مسكنه

كان يقيم في أواخر أيامه بقصر في نشان طاش بالآستانة، أنعم عليه به جلالة مولانا السلطان، وفيه الأثاث والرياش وعربة من الإسطبل العامر يجرها جوادان، وأجرى عليه رزقًا مقداره خمس وسبعون ليرة عثمانية في الشهر، فكان قبل مرضه الأخير يقيم معظم النهار في منزله، فإذا كان الأصيل ركب العربة لترويح النفس في منتزه كاغدخانه بضواحي الآستانة، وكان كثير القيام لا ينام إلا الغلس إلى الضحى.
مجلسه وخطابه

كان أديب المجلس، كثير الاحتفاء بزائريه على اختلاف طبقاتهم، ينهض لاستقبالهم ويخرج لوداعهم، ولا يستنكف من زيارة أصغرهم على امتناعه من زيارة أكبرهم إذا ظن في زيارته تزلفًا، وكان ذا عارضة وبلاغة، لا يتكلم إلا اللغة الفصحى بعبارات واضحة جلية، وإذا آنس من سامعه التباسًا بسَّط مراده بعبارة أوضح، فإذا كان السامع عاميًّا تنازل إلى مخاطبته بلغة العامة.
وكان خطيبًا مصقعًا لم يقم في الشرق أخطب منه، وكان قليل المزاح رزينًا كتومًا، قد يخاطب عشرات من الناس في اليوم فيبحث مع كل منهم في موضوع يهمه، فإذا خرج جليسه كان خروجه آخر عهده بذلك الموضوع حتى يعود هو إليه بشأنه.
أخلاقه

كان حرَّ الضمير، صادق اللهجة، عفيف النفس، رقيق الجانب، وديعًا مع أنفة وعظمة، ثابت الجأش، قد يساق إلى القتل فيسير إليه سير الشجاع إلى الظفر، وكان راغبًا عن حطام الدنيا، لا يدخر مالًا ولا يخاف عوزًا، ومما رواه المرحوم أديب إسحق أن جمال الدين لما أُبعد من مصر أُنزل في السويس خالي الجيب، فأتاه السيد النقادي قنصل إيران في ذلك الثغر ومعه نفر من تجار العجم، قدَّموا له مقدارًا من المال على سبيل الهدية أو القرض الحسن، فرده وقال لهم: «احفظوا المال، فأنتم إليه أحوج، إن الليث لا يعدم فريسة حيثما ذهب».
وكان مقدامًا حاثًّا على الإقدام، فلا يخرج جليسه من بين يديه إلا وقد قام في نفسه محرِّض على العلى، منشِّط على السعي في سبيلها، ولكنه كان على فضله لا يخلو من حدة المزاج، ولعلها كانت من أكبر الأسباب لما لاقاه من عواقب الوشاية.
عقله

كان ذكيًّا فطنًا، حادَّ الذهن سريع الملاحظة، يكاد يكشف حجب الضمائر ويهتك أسرار السرائر، دقيق النظر في المسائل العقلية، قوي الحجة ذا نفوذ عجيب على جلسائه، فلا يباحثه أحد في موضوع إلا شعر بانقياد إلى برهانه، وربما لا يكون البرهان بحد ذاته مقنعًا، وكان مع ذلك قوي الذاكرة، حتى قيل إنه تعلَّم اللغة الفرنساوية أو بعضها، وصار يقدر على الترجمة منها ويحفظ من مفرداتها شيئًا كثيرًا في أقل من ثلاثة أشهر بلا أستاذ، إلا من علمه حروف هجائها يومين.
علومه

كان واسع الاطلاع في العلوم العقلية والنقلية؛ وخصوصًا الفلسفة القديمة وفلسفة تاريخ الإسلام والتمدن الإسلامي وسائر أحوال الإسلام، وكان يعرف اللغات الأفغانية والفارسية والعربية والتركية والفرنـساوية جيدًا، مع إلمام باللغتين الإنكليزية والروسية، وكان كثير المطالعة، لم يفته كتاب في آداب الأمم وفلسفة أخلاقهم إلا طالعه، وأكثر مطالعته في اللغتين العربية والفارسية.
آماله وأعماله

يؤخذ من مجمل أحواله أن الغرض الذي كان يصوب نحوه أعماله، والمحور الذي كانت تدور عليه آماله، توحيد كلمة الإسلام، وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في حوزة دولة واحدة إسلامية، تحت ظل الخلافة العظمى، وقد بذل في هذا المسعى جهده، وانقطع عن العالم من أجله، فلم يتخذ زوجة ولا التمس كسبًا، ولكنه مع ذلك لم يتوفق إلى ما أراده، فقضى ولم يدوِّن من بنات أفكاره إلا رسالة في نفي مذهب الدهريين، ورسائل متفرقة في مواضيع مختلفة قد تقدم ذكرها، ولكنه بث في نفوس أصدقائه ومريديه روحًا حية، حركت هممهم وحددت أقلامهم، فانتفع الشرق، وسوف ينتفع بأعمالهم.

الفصل الثامن
أحمد خان


ركن النهضة العلمية الأخيرة في بلاد الهند
النهضة العلمية الأخيرة في الشرق

من يطالع تاريخ الشرق في القرن التاسع عشر، وهو عصر النهضة العلمية الحديثة، يرى تشابهًا بين سائر أصقاعه؛ فقد دخل هذا القرن والشرق من أقصاه إلى أقصاه في ظلمات من الجهل، تغشاه جنود التعصب، وقد لعبت به عوامل الشقاق، كذلك كانت الهند والعراق والشام ومصر، وكان الغرب قد بزغت فيه شمس العلم فاستنار أهله بالاختراع والاكتشاف، ثم اقتضت مصالحهم ارتياد بلاد المشرق؛ إما فاتحين أو معلمين أو مبشرين أو مكتشفين أو تجارًا أو صناعًا أو نحو ذلك، فانبهر المشارقة في بادئ الرأي لما رأوه من مستحدثات التمدن، ثم ما لبثوا أن أخذوا يقلدونهم على قدر ما بلغ إليه إمكانهم، فأنشأوا المدارس والجرائد والمطابع وغيرها.
على أن كل أمة منهم سارت في خطة اقتضتها أحوالها؛ فالمصريون نهضوا نهضتهم الأخيرة بمساعدة حكومتهم، فهي التي أنشأت لهم المدارس لتعليم اللغات والعلوم، وهي أول من أنشأ جريدة عربية، وهي التي باشرت ترجمة الكتب وتأليفها وغير ذلك، وأما أهل الشام والعراق فالفضل في ما أدركوه من العلم إنما هو عائد إلى أهل الفضل من النزالة الأميركانية والفرنساوية والإنكليزية وغيرهم من المبشرين أو الرهبان؛ كالآباء اليسوعيين والفرير والعازريين والفرنسيسكانيين.
وأما أهل الهند، فإن الفضل في نهضتهم راجع معظمه إلى رجل منهم، خصَّه الله بهمة وإقدام وغيرة يندر اجتماعها في رجل واحد، مع إخلاص وحسن نظر؛ نعني به السيد أحمد خان صاحب الترجمة، فقد نشأ في عصر نقم فيه الهنود على الإنكليز وهم في أول عهد الفتح، ولا تلام أمة كرهت قومًا فتحوا بلادها وغلبوها على ما في أيديها، فما زال الهنود إلى أواسط القرن الماضي يكرهون الإنكليز كرهًا شديدًا، لا يؤاكلونهم، ولا يشاربونهم، ولا يعاشرونهم، ولا يقرأون كتبهم، ولا يتعلمون لغتهم، ولا يمسُّون شيئًا من أشيائهم، بل كانوا لا تفوتهم فرصة في شق عصا الطاعة جهادًا في سبيل الاستقلال، فأدرك السيد أحمد خان أنهم إنما يحاولون عبثًا طالما كان عامتهم جهالًا، فأخذ على عاتقه ترقية شئونهم وتهذيب أبنائهم بالعلم، فأنشأ المدارس واستحثَّ الناس على اقتباس العلم، فقضى في ذلك خمسين عامًا لا يألو جهدًا في هذا السبيل، حتى ذاع صيته في أقطار الهند، ولم يبقَ قارئ من قرائهم لا يعرف اسم السيد أحمد خان، فهو من هذا القبيل شبيه بأستاذنا الدكتور فان ديك في سورية؛ وإليك ترجمة حاله: السيد أحمد خان ????م–????م.
ترجمة حياته

يتصل نسب السيد أحمد خان بأرومة عريقة في الشرف، فكان أجداده الأولون من أهل المناصب الرفيعة في بلاط إمبراطوري المغول؛ أولهم السيد هادي، أصله من هرات، ثم نزح إلى هندستان وأقام فيها، وحفيده جد صاحب الترجمة نال من دولة الهند على عهد الإمبراطور ألامجـير لقب جواد علي خان وجواد الدولة، وأما جده لأمه فهو خوجه فريد الدين أحمد، وكان رجلًا فاضلًا، تقلد منصبًا سياسيًّا كبيرًا، وأنفذ سفيرًا إلى شاه الفرس، أنفذه اللورد ولسلي (غير ولسلي مصر).
وأما والد السيد أحمد خان، فهو السيد محمد تقي، وكان تقيًّا ورعًا، اعتزل الدنيا وانقطع إلى الصلاة والعبادة، ولما غلب الإنكليز على الهنود وآلت حال إمبراطور المغول (أكبر الثاني) إلى الضعف، انحصر في دهلي، وبعث إلى السيد محمد تقي أن يتولى الوزارة، فأجابه معتذرًا شاكرًا، وأوعز إليه أن يوليها حماه خوجه فريد الدين؛ لأنه أهل لها، وكان مقيمًا في كلكته، فأطاعه واستقدم خوجه فريد الدين وقلَّده منصب الوزارة، ولقَّبه بمدير الدولة وأمين الملك خان بهادر، وبالجملة فإن صاحب الترجمة شريف الأصلين، ورث الهمة والذكاء من الجدين.
نشأته الأولى

ولد السيد أحمد خان في دهلي من أعمال الهند سنة ????م، وربِّي في كنف والده معززًا مكرمًا — لِمَا علمت من منصب جده خوجه فريد الدين ومقام والده السيد محمد تقي — ولكنه كان في حداثته خجولًا جبانًا؛ ويغلب في من يكونون كذلك في طفوليتهم أن يشبوا على التعقل والدراية؛ كأن قواهم العقلية تنمو بنمو أجسادهم، وتبلغ ببلوغها، فيعملان معًا بقوة متعادلة، وكان الذين تظهر فيهم حدة الذهن في صغرهم تنمو القوى العاقلة فيهم قبل سائر الجسد، فلا يبلغ الجسد أشده حتى تكون القوى العقلية قد مالت إلى التقهقر، فلا تستطيع العمل معه، وأما الأخلاق فيغلب أن تظهر في المرء واضحة منذ نعومة اظفاره؛ فالصادق يتبين صدقه من أبسط المسائل وأحقرها، وكذلك سائر الأخلاق؛ كالإخلاص والرياء والبخل والكرم والحقد والحلم وغيرها.
وعلى هذا المبدأ يقال في السيد أحمد خان؛ لأنه كان حر الضمير منذ حداثته، ومما يروى عنه أن قيِّم البلاط الإمبراطوري نادى السيد أحمد — وكان في جملة أحداث آخرين اجتمعوا هناك لغرض — فلم يجب، وكان والده واقفًا بجانب الإمبراطور، فذكر له الإمبراطور ذلك، فأجاب والده أن الغلام حاضر هناك، فاستقدمه فوقف بين يدي الإمبراطور، فسأله لماذا لم يجب عند ذكر اسمه، فقال: «إني كنت غارقًا في النوم»، فعجب أرباب المجلس لجسارته، وأوعزوا إليه أن يتجمَّل في الجواب ويعتذر عن نفسه، فأجاب أنه إنما يقول الصدق وليس عنده عذر آخر يقوله، فضحك الإمبراطور وأنعم عليه بعقد من اللؤلؤ يضعونه إكليلًا على الرأس.
تلقَّى مبادئ العلم منذ الثانية عشرة، وكانت والدته تستعيده كل ليلة ما تعلمهُ في النهار، حتى نبغ بين أقرانه (ما أجمل هذه العناية من الوالدات!).
وفي سنة ????م توفي والده، فأنعم عليه الإمبراطور بهادر شاه آخر ملوك دهلي، برتب والده ونعوته، مع لقب «عريف يونغ»؛ أي «أستاذ حرب»، وفي سنة ????م انتظم في خدمة الحكومة بإدارة الإنكليز بالرغم عن أقاربه، وفي السنة التالية تولى منصبًا قضائيًّا في دهلي، وفي السنة الخامسة والعشرين من عمره تقلد منصب «منصف» في قضاء فتح بور، وبعد سنوات أخر انتقل إلى دهلي، وبعد عودته أكبَّ على المطالعة، وذاق لذة العلم، فألَّف كتابًا في «آثار دهلي»، فانتخبته الجمعية الآسيوية الملوكية عضوًا فيها.
وفي سنة ????م كانت ثورة أهل الهند في دهلي وغيرها، ففتكوا بالإنكليز فتكًا ذريعًا، وكان السيد أحمد خان — يومئذ — في منصب نائب قاضي في بجنور، فرأى تلك الثورة في غير أوانها، وتحقق أنها آيلة إلى الضرر بوطنه، فنصح لبعض زعمائها فلم يصغوا إليه، بل تهددوه بالأذى إذا ساعد الإنكليز، فلم يُطِق أن يرى النساء والأولاد تقتل بلا ذنب، فجمع رجاله حول مكان ضم فيه كل إنكليز تلك المقاطعة، وأحاطهم برجاله وبالغ في المدافعة عنهم، حتى عرَّض نفسه للخطر، وكاد العصاة يقتلونه مرة لو لم يلجأ إلى غابة شائكة هناك، فلما انقضت الثورة وفاز الإنكليز أكرموه براتب مستديم مقداره ??? روبية في الشهر، يرثه بِكره من بعده، فضلًا عن هدايا كثيرة قدموها له.
وفي أثناء ذلك كتب كتابًا في اللغة الأوردية (الهندستانية) في «أسباب الثورة الهندية»، ترجم إلى الإنكليزية سنة ????م، انتقد فيه كثيرًا من أعمال الإنكليز، وكشف الغطاء عن بعض مقاصدهم، وبيَّن الأسباب التي حملت الهنود على الثورة على كيفية أثبتت فيها وطنيته، ولم تبهره هدايا الإنكليز ولا رواتبهم، على أنه لم يغفل ذكر الخطأ الذي ارتكبه الهنود في تلك الثورة، فبنى أقواله كلها على جهل الشعب الهندي واحتياجه إلى العلم قبل كل شيء، وبناء على ذلك عاهد نفسه على الانقطاع إلى هذه الخدمة، وجعل دأبه السعي في تعليم الشعب الهندي من المسلمين بأي وسيلة كانت، وهو مع ذلك مستخدم في مصالح الحكومة، فكان فضلًا عن قيامه بواجبات مصلحته لا تفوته فرصة للسعي في هذا السبيل، وكتب في أثناء ذلك شرحًا للتوراة في ثلاثة مجلدات، وهو أول مسلم ألَّف مثل هذا الكتاب، فكان له وقع حسن لدى الهنود والإنكليز معًا.
خدمته في العلم

نظر هذا الرجل العاقل بنيِّر بصيرته في ما يرجو منه النفع لترقية شئون أبناء وطنه، فلم يرَ خيرًا من نزع التعصب الأعمى من بين ظهرانيهم، وإقناعهم أن الإنكليز وغيرهم من الأمم الإفرنجية بشرٌ مثلهم، وأن العلوم الحديثة كالطبيعيات ونحوها لا تخالف الحقائق الدينية في شيء، فضلًا عن نفعها الجزيل، فأنشأ في بادئ الرأي «جمعية الترجمة» (وصارت الآن الجمعية العلمية في علي كدة)، وجعل موضوعها تقريب علوم الغربيين وآدابهم من أذهان الشرقيين، فآنست تلك الجمعية تنشيطًا من الحكومة، فجعلها دوق أركيل تحت حمايته، فتمكنت من نقل كثير من المؤلفات الإنكليزية إلى اللسان الهندي ونشرها بين العامة، فنال السيد أحمد خان من الحكومة الإنكليزية سنة ????م وسامًا ذهبيًّا، ونسخة من مؤلفات ماكولي المؤرخ الإنكليزي المشهور؛ مكافأة له على تلك الخدمة.
وفي سنة ????م انتقل إلى بنارس من أعمال الهند، وكان ابنه السيد محمود قد بلغ أشده فعوَّل على إرساله إلى بلاد الإنكيز لتلقي العلم في مدرسة كمبريدج الشهيرة، وسار هو معه لعله يرى هناك أسبابًا يستطيع الاستعانة بها في خدمة بلاده، فلاقى ترحابًا عظيمًا، وتعرَّف بجماعة كبيرة من أهل العلم والسياسة، فأجلُّوه وأكرموه، وكان دوق أركيل — حينئذ — وزيرًا للهند فمنحه عضوية كوكب الهند، وانتخبه عضو شرف في نادي الأثينيوم.
وكانت سفرته هذه بما شاهده في بلاد الإنكليز من أسباب التمدن ووسائل التعليم، كأنه نور انبثق لديه بغتة فكشف له عن حقيقة حال الشعب الهندي وما يحتاج إليه، واتضح لديه جيدًا أن التمسك بالقديم من عادات الآباء وتقاليد الأجداد، والنفور من العلوم الحديثة وتجنب الأمم الأخرى، إنما هو السبب الأكبر في استيلاء الجهل على أبناء جلدته، فعاد في أواخر سنة ????م إلى بنارس، وتولى مهام وظيفته، وفي نفسه إنشاء مدرسة في بلاد الهند على مثال مدرسة كمبريدج، ولكنه أدرك خشونة ذلك المركب فلبث متربصًا ينتظر الفرص.
فبدأ في تمهيد السبيل لذلك المشروع، فأنشأ جريدة سمَّاها «مصلح الهيئة الاجتماعية الإسلامية»، نشر فيها مقالات ضافية بيَّن فيها خطأ الذين يطعنون في العلوم الحديثة أو يحرمون من يقتبسها، وأورد لهم الأدلة الدينية والشواهد الشرعية المؤيدة لأقواله، وقضى في هذا الجهاد تسع سنوات متوالية؛ قال الكولونيل غراهم — وقد كتب ترجمة الرجل: «إن كتابته هذه أثَّرت في الهيئة الاجتماعية الإسلامية الهندية تأثيرًا غريبًا، وكانت خير وسيلة لتقريب الهنود من حكامهم»، ولكنه بُلي بغضب كثيرين من المسلمين، فجاءه التهديد والوعيد من البيت الحرام، واتهمه بعضهم بالضلال، ولكنه ما انفك يجادلهم بالحسنى حتى أقنعهم بصدق إسلامه، وفي جملة ما مكَّن اقتناعهم ردٌّ شديد اللهجة دافع فيه عن المسلمين ضد كتاب ألَّفه السير وليم هنتر، وموضوعه «مسلمونا بالهند وهل هم يعتقدون وجوب نبذ طاعة المملكة».
على أن ما لاقاه من أمثال هذه العقبات لم يثنِ عزمه عن الغرض الذي أوقف بقية حياته لإتمامه، وهو إنشاء مدرسة كلية إسلامية، فألَّف — أولًا — لجنة سمَّاها «لجنة رأس مال المدرسة الهندية الإنكليزية الإسلامية»، على أن تكون تلك المدرسة في بنارس، ثم أقروا على أن تكون في مدينة علي كدة؛ لأنها في وسط العالم الإسلامي هناك، فيسهل قدوم الطلاب إليها من البنجاب والأود والبهار وراجبوتانا وغيرها.
ولكن تأسيس تلك المدرسة لم يكن بالأمر الهين؛ لأن في سبيلها — فضلًا عن النفقات الطائلة — عقبة وعرة، هي عقبة التعصب، فقام لمصادرة المشروع جماعة يرون بقاء القديم على قدمه، ويعدون الخروج عنه بدعة، ولكن صاحب الترجمة تصرف بالحكمة والدراية، وعدَّل في بروغرام المدرسة وقوانينها تعديلًا أقنع الجميع أن الغرض منها تعليم المسلمين وتثقيفهم على ما توجبه ديانتهم، وأن التعليم فيها يكون باللغات الشرقية والعلوم الشرقية، وساعده في هذا الجهاد جماعة من رجال الإنكليز المشهورين، فأخذوا في جمع الاكتتاب من مسلمي الهند، فلاقوا مشقة كبرى، فمضت مدة ولم يجتمع من المال ما يقوم بالنفقة اللازمة، أما السيد أحمد ولجنته فلم ينتظروا اجتماع المال كله مخافة أن تطول المدة فتفتر الهمم مع ما يتخلل ذلك من ضعف الثقة، فتناولوا ما اجتمع لديهم من النقود وأنشأوا به مدرسة صغيرة في علي كدة سنة ????م، وكان إنشاؤها داعيًا إلى وثوق الناس في تلك اللجنة ومشروعها، فأقدموا عليه، ولم تمضِ سنتان أخريان حتى انهالت عليهم الهبات والمساعدات، فأنشأوا المدرسة الكبرى، وهي المدرسة الكلية في علي كدة، وظلت المدرسة برئاسة بعض رجال الإنكليز حتى انتقل هو إلى علي كدة فصارت إليه، فاستقال من منصبه في القضاء وانقطع إليها منذ عام ????م، وعكف على التعليم والتأليف والخطابة حتى توفاه الله في مارس سنة ????م وله من العمر ?? عامًا، وقد جلله الشيب فزاده وقارًا، ونال كثيرًا من علامات الشرف مع لقب سير وألقاب أخرى.
صفاته الشخصية

كان (رحمه الله) عظيمًا في كل شيء؛ جسمًا وعقلًا وخلقًا، كان عظيم الرأس، واضح الملامح، كبير العينين، كبير اللحية، غليظ الشعر — كما يتضح ذلك من النظر إلى رسـمه في صدر هذه الترجمة، وكان عظيم الهيبة مع رقة ووداعة، عالي الهمة حازمًا مقدامًا، كثير الصبر على المشروعات الوطنية، وما برح إلى آخر نسمة من حياته مستهلكًا في خدمة وطنه، ساعيًا في تأييد جامعة الإسلام ورفع شأن المسلمين.
ومما ذكره لنا بعض معارفه أنه لما عزم على إنشاء كلية علي كدة — المتقدم ذكرها — واحتاج إلى جمع المال، طاف البلاد بنفسه متنقلًا من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، وكانت شهرته قد طارت في الآفاق، فكان إذا نزل مدينة همَّ أهلها بإعداد الاحتفالات وإيلام الولائم احتفاءً به، فكان يقول لهم: «لم آتِ لآكل ولا لأشرب، وإنما جئت استحثكم على مشروع وطني، فما تنوون إنفاقه على الاحتفال ادفعوه إليَّ نقدًا؛ لأن المدرسة أحوج إليه»، فبلغ مقدار ما جمعه في هذا السبيل ?????? روبية (نحو ?????? فرنك)، أنفقها كلها على المدرسة، وقضى نحو عشرين سنة في خدمتها ليلًا ونهارًا لا يلتمس أجرًا ولا شكورًا، وإنما كان ينفق على نفسه من راتب استحقه من خدمته في القضاء، ومقداره ??? روبية في الشهر، وابنه السيد محمود الآن قاضي قضاة المسلمين في مدينة الله أباد.
كلية علي كدة

هي أعظم مدرسة كلية إسلامية في الهند، تعلم فيها اللغات الهندية والفارسية والعربية والإنكليزية، عدد أساتذتها نحو خمسة عشر أستاذًا، كان في جملتهم صديقنا شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني أستاذ العربية فيها، وهو من كبار العلماء المحققين، وعدد تلامذتها نحو ??? تلميذ يفدون إليها من أنحاء الهند؛ بعيدها وقريبها، وهي المدرسة الوحيدة الكبرى التي أنشئت على نفقة الوطنيين، واقتدى بها أهل لاهور منذ بضعة عشر عامًا، فأنشأوا مدرسة سموها «مدرسة لجنة حماية الإسلام»، وفي كلية علي كدة مكتبة نفيسه، وجامع، ومطبعة تصدر منها جريدة أسبوعية في اللغتين الأوردية والإنكليزية اسمها (أليكار أنستيتوت غازت)؛ أي جريدة كلية علي كدة، ويقدرون نفقات تلك المدرسة بستة آلاف روبية في الشهر.
فالسيد أحمد خان قد مات، ولكن فضله لم يمت، وهيهات أن يغيب ذكره عن أذهان أهل الهند، وبالحقيقة أنهم قدروه حق قدره، فألَّفوا بعد وفاته جمعية سموها «جمعية إحياء ذكر السيد أحمد خان»، فقررتْ أن أفضل عمل يحيا به ذكره إنشاء مدرسة جامعة مثل مدرسته الأولى تسمى باسمه، وتجمع لها الأموال من المسلمين في أقطار الهند، وقدَّروا ما يقتضي لها من ذلك فبلغ نحو نصف مليون جنيه، ولا تزال الجمعية آخذة في هذا المشروع، وفق الله مسعاها!

الجزء الثاني
المنشئون وكتاب الجرائد



الفصل التاسع
أديب إسحق


ترجمته

ولد في دمشق في ?? يناير سنة ????م، وتلقى مبادئ العلم في مدرسة الآباء العازريين، فتناول شيئًا من العربية والإفرنسية، وكان على حداثته ظاهر النباهة ممتازًا على أقرانه، وكان أستاذه في العربية يقول لأبيه: «إن ابنك سيكون قوَّالًا»؛ أي شاعرًا، ونظم الشعر قبل أن يتجاوز العاشرة، وهو لم يتعلم العروض، واتفق أن أسرته أصيبت بنكبة اضطر هو معها إلى إعالتها، فزايل المدرسة في الحادية عشرة، وتولى الكتابة في الكمرك بمئتي قرش في الشهر، ودرس في أثناء ذلك مبادئ التركية فحصل على الكفاية منها في بضعة أشهر، وأصبح قادرًا على التعبير بها عما يجول بخاطره تكلمًا وكتابة، ثم تمكَّن منها حتى ترجم قصيدة كمال باشا في مقتل السلطان عبد العزيز، ملتزمًا فيها الروي والقافية والبحر واللفظ التركي بعينه، وهاك مثالًا من الأصل التركي:
دين ودولت خائني برقاج ملاعين يزيدإيلمشر حضرة عبد العزيز خاني شهيد وتعريبه:
خانة للدين وللدولة من قوم يزيدقتلوا عبد العزيز المرتضي فهو شهيد ودعت نجابته قي التركية ومهارته في الكتابة إلى سرعة ترقيه، ولم يكن ذلك ليشغله عن الأدب والشعر، فكان يغتنم ساعات الفراغ فينظم القصائد والموشحات، ويطالع كتب الإنشاء في العربية والفرنساوية والتركية، ويراسل المجلات الأدبية، وله في السنين الأولى من الجنان عدة مقالات وألغاز، ولم يتم الثانية عشرة من عمره حتى اجتمع من نظمه نحو ألف بيت؛ أكثرها في الغزل والنسيب، وبعضها في المدح والعتاب والرثاء وغيره، وقد تشتت معظمها. أديب إسحق ????م–????م.
وفي الخامسة عشرة من عمره استقدمه والده إلى بيروت ليعيِّنه في خدمة البريد، فقدم إليها وعرف فيها جماعة من الادباء والشعراء من شبان تلك المدينة الزاهرة، وله معهم مطارحات ومراسلات في الأدب والشعر تدل على توقد ذهنه وبديهته الشعرية، وكان من فطرته ميالًا إلى التكلم باللغة الفصحى.
واضطر بعد برهة أن يعود إلى مهنة الكتابة في كمرك بيروت، وما لبث أن زايلها إلى ما تعلو به الهمم، وقد نزعت به نازعة العلى إلى الاشتغال بفن الكتابة، فتولى تحرير جريدة التقدم بُعيد نشأتها الأولى، ولم يمضِ عليه زمن وهو يكتب المقالات الرنانة حتى تحدَّث الناس بطلاوة عبارته ورشاقتها وهو لم يتجاوز السابعة عشرة، وترجم في أثناء ذلك قسمًا من كتاب المعاصرين الفرنساوي لم يطبع، وألَّف كتابًا سماه نزهة الأحداق، طبعه وقدَّمه إلى أحد وجهاء الثغر، وترجم لصاحب التقدم أيضًا كتابًا في الأخلاق والعادات، وكتابًا صحيًّا، طُبعا — يومئذ — وليس عليهما اسمه.
ثم دخل جمعية زهرة الآداب، وقام فيها عضوًا مهمًّا، ثم تولى رئاستها، وكان يلقي فيها الخطب البليغة والمباحثات وينظم القصائد.
وفي سنة ????م انتدبه سليم أفندي شحادة لمشاركته مع المرحوم سليم الخوري في إنشاء آثار الأدهار، فاشتغل بذلك عامًا وبعض العام، وعرَّب في خلال ذلك رواية أندروماك، عن راسين الشاعر الفرنساوي؛ إجابة لطلب قنصل فرنسا يومئذ، فترجمها ونظم أشعارها ورتب ألحانها وعلم أدوارها في مدى ثلاثين ليلة، فمثَّلها البنات اليتامى فجمعوا من ريعها ????? قرش.
ثم شاركه صديقه المرحوم سليم نقاش في تأليف بعض الروايات وتعريب البعض الآخر، ولم يلبث أن شخص بإشارته إلى الإسكندرية، وهناك نقَّح رواية أندروماك، وعرَّب رواية شارلمان، وألَّف رواية ثالثة سماها غرائب الاتفاق، سُرقت في جملة ما سرق من آثاره من بيته في الحدث، وقد مُثِّلت هذه الروايات في الإسكندرية مرارًا، وكان لها وقع عظيم، فنزعت به نفسه إلى ما هو أسمى من ذلك، وهو ما أعدته له يد الأقدار، فجاء القاهرة وفيها — يومئذ — المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني، فلزم حلقته وأخذ عنه دروسًا في الفلسفة الأدبية والعقلية والمنطق، فتاقت نفسه إلى إنشاء جريدة عربية، فأنشأها في مصر وسماها «مصر»، وأصدرها حالًا ولم يكن عنده من معداتها إلا عشرون فرنكًا، ولكنها لم تكد تظهر حتى أعجب الناس بها، وتسابقوا إلى اقتنائها وكلهم معجبون بطلاوة إنشائها وبلاغتها، فنقلها إلى الإسكندرية، واشترك في تحريرها مع المرحوم سليم نقاش، فلقيت نجاحًا عظيمًا، وطارت شهرتها في الآفاق، وكثر مريدوها، وأصبح الناس يتحدثون بعبارة أديب ومزاياها، ويحفظون أقواله كما يحفظون الحكم والأمثال؛ لما حوته من بلاغة التركيب والتطبيق بين الأسلوب الإفرنجي والعربي، فتنشَّطا وأنشئا جريدة أخرى يومية سمياها «التجارة»، وظلت «مصر» أسبوعية، وكانتا من أعظم أركان النهضة الإنشائية في الجرائد، وتحداهما الكتاب ونسجوا على منوالهما من أساليب التحرير البسيط الخالي من التعقيد أو التقييد، فأحدث ذلك حركة في الأفكار وحرية في الأقوال لم تكن معروفة من قبل، فأصدرت الحكومة أمرها بإلغائهما جميعًا.
فغادر صاحب الترجمة الإسكندرية إلى باريس، وأعاد فيها جريدة مصر، لا يبالي بما يتهدد في سبيل ذلك من الخطر على حياته، وسماها «القاهرة»، وكتب فيها فصولًا متناهية في البلاغة، وألَّف هناك أيضًا كتابًا في تراجم رجال مصر في هذا العصر، سُرق أيضًا في جملة ما سرق، وعرف في باريس عدة من رجال الأقلام من الفرنساويين والأتراك، ولقي جماعة من رجال السياسة، وحضر في مجلس النواب جلسات كثيرة، فزادته خطب البلغاء إقدامًا على الخطابة، وطالع كثيرًا من المخطوطات العربية في مكتبة باريس، وكانت صحته قد تعرضت للمؤثرات؛ لنحافة بدنه بالنظر إلى سرعة نمائه بدنًا وعقلًا مع إجهاد عقله في ما تتطلبه نفسه من المطالب العالية رغم ما كان في سبيله من العقبات، فلما نزل باريس كان بردها قارسًا جدًّا في ذلك العام، ولم يكن مهتمًّا بصحته، فأصيب هناك بعلة الصدر، وتألم منها مدة الشتاء، وعاد إلى بيروت مصدورًا، فعهد إليه صاحب التقدم بتحرير جريدته، فتولى تحريرها للمرة الثانية، وأقام على ذلك نحو سنة.
فلما انقلبت الوزارة المصرية أواخر عام ????م عاد إلى مصر، فودَّعه أصدقاؤه آسفين على فراقه، ثم جاء القاهرة فعُين ناظرًا لقلم الإنشاء والترجمة بنظارة المعارف، وأذنت له الحكومة في إصدار جريدة مصر، فأصدرها في شكل كراس، ثم أعادها إلى مظهرها الأول، وعُيِّن في الوقت نفسه سكرتيرًا لمجلس النواب، ونال في خلال ذلك الرتبة الثالثة، ثم أحال امتياز الجريدة إلى شقيقه ليتفرغ لمهام منصبه، وظل مع ذلك يحرر القسم الأكبر منها.
ولما طرأت الحوادث العسكرية بمصر عاد أديب إلى بيروت في من هاجر إلى القطر السوري، وبعد احتلال الإنكليز إسكندرية عاد إليها مرة أخرى في التماس شأنه الأول، فلم يحصل عليه، وأُبعد إلى بيروت بعد أن أوقف في السجن بضع ساعات، نظم في خلالها أبياتًا ذيَّل بها قصيدة في مدح سلطان باشا.
وتولى في بيروت تحرير التقدم للمرة الثالثة، وطبع في خلال ذلك رواية الباريسية الحسناء، وكان قد عرَّبها في أيام الصبا وهي مشهورة، ثم اشتدت عليه علة الصدر فأشار عليه الأطباء بالذهاب إلى مصر للاستشفاء بهوائها، فاستأذن من المغفور له الخديوي السابق فأذن له، فأتاها وأقام فيها أيامًا، ثم عاد إلى الإسكندرية، قضى بضعة أيام في الرمل، فلم يرَ فائدة فعاد إلى بيروت وانصرف توًّا إلى مصيفه في الحدث بلبنان، ولم تمضِ على عودته ثلاثين يومًا حتى توفاه الله سنة ????م وله من العمر تسعة وعشرون عامًا.
صفاته وأعماله

كان (رحمه الله) طويل القامة والعنق، مع انحناء قليل، أبيض اللون برّاق العينين، عريض الجبهة بارزها، جهوري الصوت طلق اللسان، ثبت الجنان لطيف الحديث، ذكيًا نبيهًا جريئًا مقدامًا، حادّ الذهن، أبي النفس، سليم القلب، وقد أبّنه الخطباء فعدَّدوا مناقبه ووصفوا قلمه، ورثاه الشعراء والكتاب، وقد جُمعت أقوالهم في مقدمة كتاب الدرر الذي جمعوا فيه منتخبات أقواله.
واشتهر (رحمه الله) خصوصًا في الخطابة والإنشاء، فإذا خطب تدفق السيل يهتز له المنبر، وتنقاد إليه الكمات آخذة بعضها برقاب بعض، وإذا كتب سحر الألباب بحسن البيان مع السلامة والبلاغة، وكان قدوة المنشئين وعمدة الكتَّاب، ولو أمد الله بعمره لخدم الأوطان خدمات قلَّ أن يستطيع الناس مثلها.
وكان مع ذلك شاعرًا بليغًا، نظم القصائد الرنانة، في جملتها قصيدة طويلة نظمها بعد حوادث مصر سنة ????م، وصف فيها تلك الحوادث أحسن وصف، وهي طويلة؛ إليك مقتطفات منها:
عج بي على تلك الطلول ونادِأنى تحمل أهل هذا النادييا وارد الإسكندرية طامعًابمنافع الإصدار والإيرادأقصورها خفيت عن الأنظار أمآثار لقصر في القفار بوادأم تدمر قد دمرت وعمورةما عمرت أم دار ذي الأوتادفأبادها جهل خفيٌّ ما بدامثل له من حاضر أو بادجهل الذي رام الأماني وهي فيقمم الجبال وكان دون الواديشقيت بزلته الجموع وطالماأشقت جموعًا زلة الأفرادوتلاه في سبل الغواية معشرٌزلو وضلوا حيث ضل الهاديفأتاهم رعد المدافع مبرقًافنبوا عن الإبراق والإرعاديا هولها من ساعة مرت بمازهقت به الأرواح في الأجسادكم حامل خرجت به محمولةفوق الكواهل أو على الأعوادومصونة نفسًا تقول لصحبهايا ليتني قدمت قبل ولاديومبأبأ يدميه لمس حريرهطفل قريب العهد بالميلادومعمر لم يبقَ في الدنيا لهغير السكينة من منى ومرادوالنار موقدة سرت من خلفهمفكأنها حيَّات بطن الواديوالجند شردهم فنال عدوهمفرقًا فلم يتجلدوا لجلادونضوا على أهل السبيل بواترًافي الحرب ما نضيت من الأغمادوبلادهم قد نالها من عارهمما لم يحق في عهدنا ببلاد ومنها في التخلص:
عيبت فلولا السابقون ومجدهموبقاء من ولدوا من الأمجادومؤيدٌ ملك أمير عادلأربى بمفرده على الأعدادوعصابة كانت قلائد فصلهمأبهى من الأطواق في الأجيادلم تلق في مصر ومصر عزيزةمن قائل هذه البلاد بلادي وله رسائل كثيرة تدل على حسن بيانه في مخاطبة الأصدقاء، قد نشر بعضها في جملة منتخباته في الدرر، وبلغنا أن شقيقه عوني بك إسحق سيطبع الدرر ثانية ويضيف إليها كثيرًا مما فاتهم في الطبعة الأولى، جزاه الله خيرًا!

الفصل العاشر
أحمد فارس الشدياق


ترجمة حياته

هو فارس بن يوسف بن منصور بن جعفر، شقيق بطرس الملقب بالشدياق، من سلالة المقدم رعد بن المقدم خاطر الحصروني الماروني الذي تولى جبل كسروان في سورية سبعًا وثلاثين سنة في أوائل القرن السابع عشر للميلاد.
ولد في عشقوت من أعمال لبنان سنة ????م، ثم انتقل والداه إلى الحدث بلبنان سنة ????م، فربِّي فيها وقد ظهرت عليه مخائل النجابة منذ نعومة أظفاره، فتعلم القراءة في مدرسة عين ورقة بلبنان، وتناول شيئًا من اللغة والنحو على يد أخيه أسعد، وبدأ بنظم الشعر وهو في حدود العاشرة، وكان فيه ميل غريزي لقراءة الكلام الفصيح، والتبحر في معاني الألفاظ الغريبة التي يعثر عليها في ما يقرأه من الكتب التي في مكتبة والده؛ لأن والده كان قد أحرز كتبًا عديدة في فنون مختلفة، ثم توفي والده وهو صبيٌّ، فأصبح يتيمًا، فعلم أنه يجب عليه أن يعتمد على نفسه في التعيش، فأتقن صناعة الخط، وجعل ينسخ الكتب لنفسه أو لغيره بالأجرة، ولكنه لم يرَ فيها فائدة تذكر، وكانت نفسه تحدثه من ذلك الحين بالأسفار والجد في طلب العلى، ولم يكن يرى في ما حوله ينشطه على ذلك وينهض به من حضيض الفقر؛ لقلة الوسائل واستبداد القوي بالضعيف. أحمد فارس الشدياق ????م–????م.
قلنا إنه تلقى بعض العلم عن أخيه أسعد، وكان أخوه هذا نابغة عصره ذكاءً وفطنة، فاتفق أنه خلع مذهب والديه وتمذهب بالمذهب الإنجيلي، فغضب عليه البطريرك، وما زال يتهدده ويسومه العذاب ألوانًا حتى يرجع عن رأيه، فلم يزدد إلا تمسكًا وإصرارًا إلى أن آل ذلك إلى موته بدير قنوبين في عنفوان شبابه شر موتة، ولا يزال أهل سورية ولبنان يتحدثون بقصته إلى هذه الغاية.
وكان صاحب الترجمة شديد التعلق بأخيه هذا، فعظم عليه أمره حتى كره الإقامة في بلاد الشام جملة، فغادرها ناقمًا عليها وعلى الذين كانوا سببًا في موت أخيه أسعد، وطلب الاغتراب فجاء الديار المصرية في عهد المغفور له محمد علي باشا، وكان مجيئه إليها بصفة أستاذ للمرسلين الأميركان لتعليم اللغة العربية وقواعدها وأشياء أخرى، وقد أرسله لذلك المرسلون الأميركان ببيروت؛ لأنهم شعروا بأن موت أخيه أسعد إنما كان دفاعًا عن مذهبهم، وكان أسعد مضطهدًا من أكثر أعضاء عائلته إلا جماعة منهم لم يكونوا يستطيعون المجاهرة في الدفاع عنه؛ خوفًا من سطوة الحكام؛ لأنهم كانوا موافقين للأكليروس بما أتوه بشأن المرحوم أسعد، أما فارس فإنه لم يكن يكتم ما في نفسه من استصواب عمل أخيه، فأصبح في خطر على حياته، فحماه الأميركان ثم أرسلوه إلى مصر — كما قدمنا.
ولبث في مصر بين تعليم وتعلم حتى أتمَّ دروسه في العلوم العربية وغيرها، وقد قرأ بعضها على الفاضلَيْن نصر الله أفندي الطرابلسي الحلبي والشيخ محمد شهاب الدين، وطالع كتاب صحاح الجوهري وديوان المتنبي وغيرهما من كتب اللغة والأدب، وكان كثير الرغبة في قراءة الشروح التي تبين مآخذ الكلام من اللغة، شديد الولع بالشعر ونظمه، فخاض عبابه حتى بلغ منه مبلغًا عظيمًا، ونظم شيئًا كثيرًا بين غزل وحماسة ومدح وهجاء، وتمكَّن من سائر علوم اللغة؛ كالنحو والصرف والاشتقاق والمنطق، وتقرَّب من خيرة علماء المصريين ومعية عزيز مصر حتى تولى كتابة الوقائع المصرية، وكانت أول نشأتها تكتب باللغة التركية فقط، فكتب فيها زمنًا بالعربية.
وتعرَّف في مصر بعائلة الصولي من وجهاء السوريين، فصاهرهم وولدت له امرأته هذه ولدين؛ هما فائز وسليم، أما الأول فتوفي بعد ذلك في ضواحي لندرا أثناء إقامته فيها — كما سيجيء — وبقي سليم وحيدًا، وهو سليم أفندي فارس نزيل بلاد الإنكليز.
وفي سنة ????م سافر إلى جزيرة مالطة، وأقام فيها زهاء أربع عشرة سنة يدرس في مدارس المرسلين الأميركان، وقد تولى تصحيح ما يطبع في مطبعتهم هناك، وأخذ في التأليف والتصنيف، ولا يكاد يوجد كتاب مطبوع في مطبعة مالطة إلا كان هو مؤلفه أو مترجمه أو مصححه؛ ومن جملة ما ألَّفه كتاب للتدريس، وآخر سماه «الواسطة في معرفة أحوال مالطة»، لم يغادر شيئًا عن تلك الجزيرة وسكانها إلا أبانه وانتقده فيه.
وفي سنة ????م بعثت جمعية ترجمة التوراة في لندرا تطلبه من حاكم مالطة على يد وزير خارجيتها للمساعدة في ترجمة التوراة إلى العربية، وكانت هذه الجمعية قد عهدت بترجمتها إلى الدكتور لي، فبعثت إلى صاحب الترجمة لتنقيحها وضبطها، فسار إلى لندرا، ومرَّ في طريقه بمدن كثيرة من أوربا، ثم عاد بعد انتهاء الترجمة إلى باريس، أقام فيها زمنًا، وقد كتب سياحته هذه في كتاب سماه «كشف المخبَّا في أحوال أوربا»، وصف به تلك البلاد وصفًا دقيقًا بعبارة رقيقة تأخذ بمجامع القلوب، لا يمل القارئ من قراءتها، فضلًا عما يستفيده منها عن أحوال أمم أوربا؛ وخصوصًا لندرا، وأخلاق أهلها وعلومهم وآثارهم وكل ما يتعلق بهم، أما باريس فأوجز في وصفها اعتمادًا على ما كان قد كتبه عنها العلامة المرحوم رفاعة بك الشهير، وقد طبع كشف المخبَّا الطبعة الأولى في تونس، والثانية في الآستانة سنة ????هـ، وهي مشهورة ومتداولة، وألَّف أثناء سـياحته هذه أيضًا كتابًا سماه «الساق على الساق فيما هو الفارياق»؛ والفارياق لفظ مقتطع من اسمه (فارس الشدياق) — وسيأتي وصف هذا الكتاب عند الكلام من مؤلفاته.
قضى في سياحته هذه بضع عشرة سنة متجولًا في أنحاء أوربا، يتردد إلى مالطة، وهو لم يغير شيئًا من لباسه التركي، ولا بدَّل طربوشه، على أنه أتقن أثناء ذلك أيضًا اللغة الإنكليزية، وتعلم الفرنساوية، وتزوج سيدة إنكليزية لم تلد له أولادًا، ونال الحماية الإنكليزية بعد سعي؛ لأنهم لم يكونوا يمنحونها إلا لمن استحقها، ولا تتوقف على مدة سني الإقامة، فنالها وحلف اليمين المتعلقة بها؛ وهاك نص بعضها: أنا فلان أعد وأقسم صادقًا بأني أكون أمينًا ومخلصًا في الطاعة لجلالة الملكة فيكتوريا، وأحامي عنها بغاية جهدي وطاقتي ضد جميع من يتحالف عليها أو يهم بسوء عليها؛ سواء كان على شخصها أو تاجها أو شرفها، وأبذل غاية جهدي في أن أكشف لجلالتها ولورثتها ولمن يخلفها جميع الخيانات والخائنين والمتغاوين عليها أو عليهم، وأعد بأمانة أني أبذل غاية استطاعتي في أن أحفظ وأسند وأجير خلافة التاج المعبر عنه في الأحكام بحكم كذا.
… إلخ. واتفق في غضون ذلك أن أحمد باشا باي ولاية تونس إذ ذاك زار مدينة باريس، وفرَّق على فقراء مرسيليا وباريس وغيرهما أموالًا طائلة، ثم رجع إلى مقامه، فنظم صاحب الترجمة قصيدة يمتدحه بها، وبعثها على يد من بلغها إليه، فحازت حسن قبوله وفتن الباي بها، حتى بعث إليه يستقدمه على سفينة حربية، وقد عجب صاحب الترجمة لتلك الدعوة وذلك الإكرام وقال: «لعمري، ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقًا ينفق فيها، ولكن إذا أراد الله بعبد خيرًا لم يعقه عنه الشعر ولا غيره!»، فجاء تونس وأقام فيها مدة على الرحب والسعة، وحرَّر في جريدة الرائد التونسي، وهي جريدتهم الرسمية إلى الآن.
وكان في أثناء إقامته بباريس قد نظم قصيدة امتدح بها المغفور له السلطان عبد المجيد على أثر الحرب بين الدولة العلية والروسية (????)، وبعث بها على يد سفير الدولة العلية بباريس، والقصيدة تزيد أبياتها على المئة والثلاثين، نكتفي منها بما يأتي مثالًا لما جادت به قريحة المترجم من النظم:
قال في مطلعها:
الحقُّ يعلو والصلاح يعمرُوالزور يُمحَق والفساد يُدمَّرُ ومنها:
يا مؤمنون هو الجهاد فبادروامتطوعين إليه حتى تُؤجروا ومنها:
في لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفقوامما تُحبُّون الدليل الأظهرُوتمسكوا بالعروة الوثقى من الصــبر الجميل على القتال وذمروايغنيكم التكبير والتهليل عنأن تعملوا فيهم سلاحًا يبتر ومنها:
لو لم يكن منكم سوى نفر لماغلبوا فكيف بكم وأنتم أكثر ومنها:
أنتم عباد الله حقًّا فاعبدواللدين فهو بكم يعز ويجبر ومنها:
ما أن يقاويكم بهم من عسكرلو أن ملء الأرض طرًّا عسكرقد قال في الذكر المفصل ربكمحقًّا علينا نصرهم فتذكروا ومنها:
غاروا على حرم مخدرة لكمقد طالما أحصنَّ عمن يعهرالصبر محمودٌ ولكن حين تنـتهك المحارم لا أرى أن تصبروا ومنها:
والله قد وعد المجاهد منكمفتحًا مبينًا في الكتاب فأبشرواويبوِّئُ الشهداء خير مبوَّءجنات عدن ملكها لا يغبرالحرب بينكم سجال فاثبتواوالنصر عقبى أمركم فاستبشروا ومنها:
ولعل نسرهم المدوم واقعفمن الهلال علاه ضوء يبهر ومنها:
من كان من بين الورى سلطــانه عبد المجيد فإنه لمظفر ومنها:
كفر المبايع غيره والمعتديبغيًا وطغيانًا عليه أكفر ومنها:
من جوهر الإخلاص صور ذاتهرب قدير كيف شاء يصورولَّاه أمر الدين والدنيا معًافهو الإمام الحاكم المتأمرُ ومنها:
وهو الذي بين العباد محببومعظم ومبجل ومعززيستدفعون الضر فيهم باسمهوعلى المنابر حمده المتكرر ومنها:
إيهٍ أمير المؤمنين ومن دعاإيهٍ أمير المؤمنين فقد سرواسد بالمعالي فائقًا كل الورىمجدًا وشانئك البغيض الأبتر ومنها:
ليست فروق لغير عرشك وهي مابقيت عن الفرقان ليست تقفرأنت الذي بمديح وصفك تنجليعنا الهموم وأفقنا يتعطر وقال في ختامها:
حرس الإله جنابك الأعلى ولازالت عبادك في حماه تخفروأدام دولتك العلية ما سرىنجم وما زخرت كجودك أبحرأنشدت تاريخين هجريين فيختمي مديحك وهو حظي الأوفرعبد المجيد الله أزكى ضدهسلطاننا خير بجد ينصر وكان لهذه القصيدة وقع حسن لدى الجلالة الشاهانية، فورد عليه بسببها إيعاز بالقدوم إلى الآستانة لمكافأته، وكان قد همَّ بالمسير فحبَّب إليه بعض الصدور العظام الإقامة في تونس، فسار إليها — كما تقدم، ووجه إليه حضرة الباي أحسن منصب لديه، وهناك اعتنق الديانة الإسلامية على يد شيخ الإسلام، وسمي أحمد، فصار اسمه أحمد فارس الشدياق، وأخذ صيته ينتشر في سائر الأنحاء الإسلامية؛ وخصوصًا الآستانة العلية، فطلبته الصدارة العظمى من الباي، فقدم إلى الآستانة وتولى تصحيح الطباعة العامرة بضع سنوات.
وفي سنة ????هـ، أنشأ جريدة الجوائب الشهيرة في الآستانة، وأجاد في إنشائها وسبكها، فولع الناس بمطالعتها، وذاع صيتها في الآفاق الشرقية، فبلغت الهند وفارس والعراق وسائر بلاد العرب ومصر والشام والمغرب، وأجاد في إتقانها، حتى لم يغادر أسلوبًا من أساليب الكتابة لم يطرقه؛ بين لغة وسياسة ومدح ورثاء وجد وهزل ولوم وعتاب وحزن وطرب وسائر فنون الأدب، فضلًا عن القصائد الرنانة والمقالات العديدة في العلم والأخلاق — كما تراه محفوظًا في «منتخبات الجوائب».
ولم تنحصر منزلة الجوائب في المشرق، ولكنها دخلت المغرب حتى كانت جرائد باريس ولندرا تأتي بذكرها وذكر محررها في الكلام عن سياسة الشرق، مستشهدة بأقواله، وكانت تلقبه بالسياسي الشهير والإخباري الطائر الصيت، وقد خاطبه الملوك والأمراء والعظماء في سائر أقطار العالم، ووجدوا بين أوراقه بعد وفاته مئات من الكتب واردة عليه من عظماء العالم وملوكهم.
وقد نال الالتفات الشاهاني بنوع خاص، فأنعم عليه بالرتب والنياشين، ونال مثل ذلك أيضًا من الدول الأخرى.
وما زال عاملًا على التأليف والتحرير إلى أواخر أيامه، فعهد بتحرير الجوائب إلى ولده سليم أفندي فارس، فقام بذلك خير قيام إلى أن قضت الحوادث بعطلتها سنة ????م على أثر الحوادث السودانية في الديار المصرية.
وفي سنة ????م، قدِم صاحب الترجمة إلى هذه الديار، وقد شاخ وهرم وأتيح لنا مشاهدته وقد علاه الكبر، وأحدق بحدقتيه قوس الأشـياخ، واحدودب ظهره، ولكنه لم يفقد شيئًا من الانتباه أو الذكاء، وكان إلى آخر أيامه حلو الحديث، طلي العبارة، رقيق الجانب، مع ميل إلى المجون.
وقد لاقى أثناء إقامته بمصر هذه المرة حسن الوفادة، فزاره الوزراء والعظماء، وتشرَّف بالمثول بين يدي المغفور له الخديوي السابق، فأكرمه ولاطفه وذكر خدمته للشرق.
ثم عاد إلى الآستانة العلية، وأقام هناك حتى وافته المنية وقد شبع من الأيام، فتوفي في مصيفه بقادي كوي، وكان لوفاته في الآستانة رنة ودوي، فرثاه الكبراء والعظماء، وبعثت الحضرة السلطانية سماحتلو رشادتلو الشيخ محمد ظافر أفندي لحضور الاحتفال، ونقلت جثته إلى سورية عملًا بوصايته قبل وفاته، ودفنت في سفح لبنان في محلة الحازمية قرب مدينة بيروت.
وكان لتشييع جنازته في بيروت احتفال شائق مشى فيه كبار المأمورين وأعيان البلاد وعلماؤها وأفاضلها، إلى أن واروه التراب واستمطروا عليه صيب الرحمة والرضوان.
وترى في صدر هذه المقالة رسمه منقولًا عن أصل فوتوغرافي دقيق الصنعة، وهو آخر رسم نقل عنه على ما نعلم، وترى فيه ظواهر الشيخوخة واضحة، ولكنها كانت أوضح كثيرًا عند قدومه القاهرة المرة الأخيرة، وكان (رحمه الله) ربع القامة، كبير الأنف، واسع العينين مع بروز وحدة، وكان طلي الحديث مع ميل إلى المجون، وترى هذه الصفة واضحة كل الوضوح في ما كتبه، فإن من يطالع كتبه يتحقق ذلك فيها.
وقد رثته الجرائد على اختلاف لغاتها ونزعاتها، وأبَّنه العلماء والأمراء، ورثاه الشعراء في أنحاء المملكة العثمانية؛ وخصوصًا في مصر وسورية، وقد عني بجمع تلك المراثي من نظم ونثر حضرة يوسف أفندي آصاف، صاحب جريدة المحاكم، وطبعها في مطبعة المحروسة في كتاب سماه «هو الباقي»، وقد علمنا أنه وردت كتابات أخرى في رثائه بعد أن تم طبع المجموعة، وبالحقيقة أن الرثاء وإن كثر قليل في جانب ما يليق بمقام هذا الفقيد.
مؤلفاته

ويجمل بنا قبل الشروع في وصف مؤلفاته أن نصف قلمه؛ أي أن ننظر في مؤلفاته نظرًا عامًّا، ونذكر ما اختص به من أوصاف الكتَّاب، فنقول:
امتاز المترجم بإتقان فنَّي النظم والنثر والإجادة في كليهما، فتراه إذا نظم أو نثر إنما يفعل ذلك عن سعة وارتياح، كأنه وعى ألفاظ اللغة في صدره، وأخذ عليها عهدًا أن تأتيه صاغرة حالما يحتاج إليها، فإذا خطر له معنًى سَبَكَه في قالب من اللفظ لائق به، بغير أن يتكلف في ذلك مشقة أو ترددًا، فترى كتاباته طلية طبيعية ليس فيها شيء من التكلف أو التقعر، على كونها بليغة فصيحة؛ والسبب في ذلك حدة ذهنه، وقوة ذاكرته، وسعة اطلاعه، وكثرة محفوظه، مع حرية قلمه، وكان يطلق لقلمه العنان غير محاذر، وأظنه السبب فيما نراه ببعض مؤلفاته من المجون الذي تنفر منه طباعنا وتمجُّه أذواقنا، على أن المجون إذا لم يتجاوز حده كان أحماضًا، أو هو بمثابة الملح للطعام، وذلك كثير في كتابات المترجم مما يرغب المطالع في المطالعة، فلا يمل منها وإن طالت.
ومن خصائص كتابة الشيخ أحمد فارس السلاسةُ، وارتباط المعاني بعضها ببعض، وانتساقها مع التوسع في التعبير، وتتبع الموضوع إلى جزئياته مع مراعاة الموضوع الأصلي والعود إليه، وترى ذلك واضحًا في كتابه كشف المخبَّا، فإذا أراد وصف عادة من عادات أهل باريس — مثلًا — فإنه يتطرَّق منها إلى ما يماثلها من عادات العرب أو الأتراك، فيذكر وجه الخطأ هنا أو هناك، وما هو سبب هذه العادة، وربما جاء بتاريخها ومن جاء بها، حتى يخال لك أنه خرج عن الموضوع، ثم لا تشعر إلا وقد عاد بك إليه بغير تكلف، وكل ذلك بغاية السلاسة والطلاوة مع البلاغة، وترى في مؤلفاته كثيرًا من الألفاظ العربية، جاء بها للتعبير عن معانٍ حديثة إفرنجية لم تكن عند العرب، وهي في الغالب تدل على حسن اختياره.
ومن الأدلة على اقتداره في التعبير أنه مغالٍ، فإذا مدح بلغ ممدوحه عنان السماء، وإذا هجا أنزل مهجوه دركات الجحيم، وترى كتاباته على بلاغتها وحسن سبكها تتجلى فيها البساطة والسهولة، كأن كاتبها كان يكتب كل ما يمرُّ بذهنه على غير تكلف أو مراعاة لخطة الكتاب قبله، وهو استقلال في الرأي، واعتماد على النفس؛ فمن ذلك في بداية فصل يصف به مصر في كتاب الفارياق قوله: «قد قمت حامدًا لله شاكرًا، فأين القلم والدواة حتى أصف هذه المدينة السعيدة الجديرة بالمدح إلخ …»، وفي هذا الأسلوب من الطلاوة ما لا يخفى، ولكل مقام مقال.
فلنشرع إذن في وصف مؤلفاته: (?) سر الليال في القلب والإبدال: وهو كتاب لغوي تحليلي، كتبه في الآستانة العلية لثلاثة مقاصد؛ أولًا: لسرد الأفعال والأسماء التي هي أكثر تداولًا وأشهر استعمالًا، وتنسيقها بالنظر إلى التلفظ بها لإيضاح تناسبها وإبداء تجانسها، وكشف أسرار معانيها وأصل مدلولاتها، ثانيًا: استدراك ما فات صاحب القاموس من لفظ أو مثل أو إيضاح عبارة أو نسق مادة، والكتاب يشتمل على نحو ست مئة صفحة بقطع كبير طبع بالآستانة سنة ????هـ.
(?) الساق على الساق في ما هو الفارياق: وقد تقدَّم ذكر هذا الكتاب في ترجمة حياته، وهو كبير الحجم يشتمل على نحو ثمان مئة صفحة كبيرة، كتبه أثناء سياحته في أوربا، ويظهر لمن طالعه أن مؤلفه أراد به ثلاثة أمور:الأول: وصف أسفاره وأحواله الخصوصية، وما قاساه في أوائل حياته، والثاني: التنديد بجماعة من الأكليروس، لم يذكر أسماءهم إلا رمزًا، وتقبيح ما ارتكبوه في مقتل أخيه أسعد، وأما الأمر الثالث وهو الأهم: فهو إيراد الألفاظ المترادفة في اللغة في مجموعات، كل موضوع على حدة؛ كأسماء الآلات والأدوات وأصناف المأكول والمشروب والمشموم والمفروش والمركوب والحلي والجواهر، وأوصاف الرجال والنساء، وغير ذلك مما لا يتيسر وجوده في كتاب واحد، وعلى أسلوب لم نشاهد مثله في العربية.على أننا لا نستطيع الانتقال من وصف كتاب الفارياق قبل الإشارة إلى أمر وددنا لو كفانا (رحمه الله) مئونة النظر فيه؛ وذلك أنه أورد في ذلك الكتاب ألفاظًا وعبارات أراد بها المجون، ولكنها تجاوزت حدوده حتى لا يتلوها أديب إلا ودَّ لو أنها لم تمرَّ في ذهن شيخنا، ولا دوَّنها في كتابه؛ تنزيهًا لأقلام الكتَّاب عما يخجل من قراءته الشاب فضلًا عن العذراء، وقد طبع الفارياق في باريس سنة ????هـ.
(?) الجاسوس على القاموس: ألفه في الآستانة ينتقد فيه معجم القاموس المحيط للفيروزابادي، وهو يشتمل على مقدمة وأربعة وعشرين نقدًا؛ أما المقدمة فهي ملاحظات كثـيرة لغوية، من جملتها ترتيب الأفعال بحسب ما نسقه الكوفيون، ثم ترجمة صاحب القاموس وصاحب العباب وصاحب الصحاح وصاحب المحكم وصاحب لسان العرب، وهم من فطاحل علماء اللغة، أما الأربعة والعشرون نقدًا، فهي انتقاده ما ورد في القاموس من عبارته وخطته ومعاني ألفاظه واشتقاقها وما شاكل ذلك، وعدد صفحات الكتاب زهاء سبع مئة صفحة.
(?) كشف المخبَّا عن فنون أوربا: وهو سياحته في أوربا، وصف فيه عوائد أهل أوربا؛ وخصوصًا الإنكليز والفرنساويين، ومتاحف لندرا وباريس وآثارهما، وقد قال إنه اختصر في وصف باريس؛ لأن المرحوم رفاعة بك قد سبقه إلى وصفها مطولًا، وقد طبع هذا الكتاب غير مرة.
(?) الواسطة في أحوال مالطة: وفيه وصف جزيرة مالطة جغرافيًّا وتاريخيًّا ومدنيًّا، وعوائد أهلها وأخلاقهم ولغاتهم وكل ما يتعلق بهم.
(?) اللفيف في كل معنى ظريف: جمع فيه كلمات مفيدة، وحكمًا مأثورة، وأمثالًا أدبية، وحكايات تهذيبية، ونكاتًا لغوية.
(?) غنية الطالب ومنية الراغب: وهو كتاب مدرسي في علم الصرف والنحو.
(?) الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية وتليها المحاورة الأنسية في اللغتين العربية والإنكليزية: وهو كتاب مدرسي لتعليم اللغة الإنكليزية.
(?) السند الراوي في الصرف الفرنساوي: وهو كتاب لتعليم اللغة الفرنساوية.
هذا عدا جريدة الجوائب التي حررها زهاء ثلاثين سنة، وقد تقدم ذكرها في ترجمة حاله، وجمع نجله سليم أفندي فارس نخبًا منها في كتب سماها منتخبات الجوائب.
وهناك كتب ألفها ولم تطبع؛ منها كتاب النفائس في إنشاء أحمد فارس، والتقنيع في علم البديع، والروض الناضـر في أبيات ونوادر، وتليه رسائل ومحررات أدبية، وديوان شعري من نظمه يشتمل على اثنين وعشرين ألف بيت.
وقد ألَّف كتابًا مطوَّلًا في اللغة سماه «منتهى العجب في خصائص لغة العرب»، قضى في تأليفه سنين عديدة، نحا فيه نحوًا حديثًا لم يسبقه إليه غيره على أسلوبه، وقد أسهب فيه حتى بلغ مجلدات كثيرة، وموضوعه البحث في خصائص الحروف الهجائية العربية؛ مثال ذلك قوله إن من خصائص حرف الحاء السعة والانبساط؛ أي إن الألفاظ التي تنتهي بحرف الحاء يكون في معناها شيء من خصائص هذا الحرف؛ نحو الابتحاح والبندح والبراح والأبطح والابلنداح والحج والرحرح والمسفوح والمفرطح والمسطح وما شاكل، ومن خصائص حرف الدال اللين والنعومة والغضاضة؛ نحو البرخداة والتيد والثأد والخود والرادة والرهادة والفرهد والأملود والقشدة والملد وغيرها، ومن خصائص حرف الميم القطع والاستئصال والكسر؛ نحو إرم وترم وجزم وجلم وخسم وحطم وما جرى مجراها وقس عليها.
ولو نظرنا في ما أورده من الأمثال لرأينا منه تساهلًا في تطبيقها على ما أراده، على أننا لا ننكر ما كان يرجى منه من الفوائد الجزيلة لو طبع الكتاب ونشر، ولكنه فُقد حرقًا على أثر حريق أصاب منزله في الآستانة، فأسف هو لذلك أسفًا شديدًا، وأخبرنا صديق أنه رأى بين أوراق الشيـخ أحمد فارس تاليفًا في تراجم مشاهير العصر لم يطبع، وربما كان له مؤلفات أخرى لم نقف على خبرها.
وما لا يليق بنا الإغضاء عنه أن مطبعة الجوائب طبعت كتبًا عربية كثيرة كانت نادرة الوجود، فأحيتها ونشرتها بين المتكلمين بالعربية، وسهَّلت تناولها، وهي مأثرة حسنة تضاف إلى مآثره الأخرى.

الفصل الحادي عشر
محمد نامق كمال بك


أكتَبُ كتَّاب الأتراك وأشعرُ شعرائهم في القرن الماضي
هذه الترجمة ملخصة من رسالة كتبها رفيق صباه صاحب السعادة أبو الضيا توفيق بك الكاتب التركي:
ولد كمال بك — المشار إليه — في قصبة (تكفور طاغي) سنة ????هـ، وكان جده (أبو أمه) محصلًا هناك، والمحصل لقب لمنصب قديم في الدولة يقابله في الفرنساوية (Percepteur)، فأرَّخ عارف أفندي أحد شعراء تلك الأيام مولده بهذا المصراع: «ايردي شرف بودهره محمد كمال ايله»، ومعناه بالعربية: «فقد تشرف هذا الدهر بمولد محمد كمال»، وقد تسلسل كمال بك من بيت عريق في الحسب والنسب؛ فوالده مصطفى عاصم بك، وجده شمس الدين بك، القرين الأول لجلالة السلطان سليم الثالث، ووالد جده القبطان أحمد راتب باشا من نوابغ الشعراء، ووالد هذا طوبال عثمان باشا الصدر الأعظم المشهور. ومن أقوال صاحب الترجمة في فضل النسب: «إن مزايا الحسب والنسب من الأمور التي لا يستطاع القول إنها مما لا يرغب فيه أو يسعى إليه، فإن من خالط الناس واختبر أخلاقهم تحقق أن المولود من نسب رفيع أفضل من المولود من أصل دنيء».
على أن طيب أرومة هذا الرجل لا تزيد شيئًا في تعريف فضله، ولو فرضنا أنه من أصل دنيء لكان كفوًا لاكتساب الفخر والمجد؛ لجده واجتهاده، وإيراثهما لأعقاب أعقابه.
فلما ترعرع دخل في مدرسة بيازيد، فقضى فيها بضع سنين، ثم انتظم في سلك تلامذة مدرسة «الوالدة»، لكنه لم يمكث فيها إلا بضعة أشهر، فخرج منها سنة ????هـ وهو في الثانية عشرة من عمره، فقضت الأحوال أن يسير والده بمهمة إلى «قارصة»، فلم يعد يستطيع مزاولة الدرس، وذلك دليل على أن ما اشتهر به بعد ذلك من العلم والفضل إنما بلغ إليه بالجد والاجتهاد من تلقاء نفسه لا بواسطة المدارس.
وأول ما جال بخاطره وأخذ بمجامع قلبه في إبَّان شبابه الشـعر، فنظم القصائد الحسان، وكان أهل الآستانة يتناقلون أقواله ويتمثلون بها، ويتحدثون به وبذكائه وظفره حتى لقبوه «نامق»، وأول شعر اشتهر به قصيدة نظمها وهو في السابعة عشرة من عمره، قال في مطلعها:
ظهور انك كثرت برتونور خداوندرتلون هيأت اشياده تأثير ضيا دندر معناه: «أن للكثرة (ربما يريد الجماعة أو الاتحاد) لونًا أو شكلًا حاصلًا من انعكاس نور الله، كما أن ألوان الأشياء في الطبيعة ناتجة عن انعكاس نور الشمس».
وسار كمال بك في نسق شعره على خطوات الشاعرين التركيين المفلقين «نفعي وفهيم»، فبلغ من ذلك شأوًا عظيمًا، ونبغ بالأشعار الحماسية والفخرية، ومن قوله في الفخر:
بزا أول عالي همم أرباب جد واجتهاد زكيمجهانكير انه بردولت جيقاردق برعشيرتدن معناه: «نحن الأولى نشأنا من أمة حقيرة وبجدنا واجتهادنا أنشأنا دولة عظمى فتحت العالم». محمد نامق كمال بك ????هـ–????هـ.
وفي سنة ????هـ، تولى تحرير جريدة «تصوير أفكار»، وكان مع ذلك يزاول الترجمة في الباب العالي، ومن هذا التاريخ أخذت أفكاره وآراؤه في الظهور، فلم يغادر موضوعًا أدبيًّا أو فلسفيًّا إلا طرقه وأجاد فيه، فلقَّبوه «كمال» بدلًا من «نامق»، وكانت جريدة «تصوير أفكار» هذه فاتحة النهضة التركية الحديثة من حيث الإنشاء والأدب، فهي أول جريدة تركية خاضت في المناظرات الأدبية التي استلفتت انتباه أهل اللسان التركي، وأهم تلك المناظرات ما قام بينها وبين جريدة «روزنامه جريدة حوادث»، وكانت حدًّا فاصلًا بين الإنشاء التركي القديم والإنشاء الحديث.
ومن ذلك الحين أخذت الآداب الحديثة في الانتشار هناك، وكثر أشياعها ومدَّعوها، واتفق إذ ذاك سفر العلامة شناسي مؤسس جريدة «تصوير أفكار» إلى باريس لدواعٍ اقتضت ذلك، فعهد بإدارة جريدته إلى كمال بك (سنة ????هـ)، وكان في ريعان الشباب، فاعتزل العلم والشعر، وانقطع إلى السياسة بالرغم عنه، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والمشقة مما لا يفلح فيه إلا نوابغ الرجال القادرون على تكييف مواهبهم حتى تطابق وظائفهم، ولو اقتصر صاحب الترجمة على نظم الشعر لبلغ منه مبلغًا فاق به (نفعي) الشاعر الشهير، ولكنه لو فعل ذلك ما استطاع ما استطاعه من خدمة ملَّته ووطنه خدمة كان يسعى في سبيلها ليله ونهاره.
لا نقول ذلك امتهانًا للشعر، فإننا نقدره حق قدره، ولكننا لا نرى له ما نرى للنثر من التأثير في ترقية شأن الآداب، ومن الشواهد على ذلك (هيكو وتيرس) العالمان الفرنساويان الشهيران؛ فهيكو أشعر شعراء الفرنسيس في القرن التاسع عشر، ولكنه لم ينفع أمته بنظمه كما أفادها تيرس بأدبه وسياسته.
وجملة القول أن كمال بك اندفع بكليته الى السياسة وعلم الأخلاق، وهما ركنا الأدبيات، فبث بين أبناء لغته روحًا عصرية نشَّطتهم وفتحت عيونهم وقلوبهم، وبعد أن كنت لا ترى بين الأتراك عشرين كاتبًا أصبح كتَّابهم يُعدون بالمئات والألوف، والفضل في ذلك لصاحب الترجمة؛ فإنه هو الذي أحيا فيهم حب العلم وحبَّب إليهم الأدب بما كان ينشره بين ظهرانيهم، أو يشنف به آذانهم من المقالات الرنانة في «تصوير أفكار» وغيرها، مما قد ألبس اللغة التركية حلة عصرية جديدة.
وأول ما نشر من نفثات أقلامه رسالة «دور استيلاء» طبعت سنة ???? هـ؛ قال أبو الضياء: «وقد أملى عليَّ هذه الرسالة في الساعة الثالثة من الليل في اليوم الحادي عشر من رمضان المبارك سنة ????هـ، فخبرت بها مقدرته على الإنشاء، فإنه أوعز إليّ أن أتناول القلم والورق، ثم أخذ يملي عليَّ فقال (وقتاكه مقدمًا)، فلم أتمالك عن التوقف محتارًا، فقال: ما بالك لا تكتب؟ فقلت: لا أعرف حتى الآن عبارة تبتدئ بلفظ (وقتاكه)، وكنت أظن أنك تخاطبني في شأن من الشئون! فتبسَّم وقال: (اكتب ما أقوله وستعلم)، وما زال يملي عليَّ وهو يخطر ذهابًا وإيابًا، تارة يقف وطورًا يطوف غرف المنزل، حتى انتهت الرسالة في الساعة العاشرة، فجاءت كما قيل «كالفاتحة مكتوبة على أرز»، وما زال ذكرها متغلبًا على كل ما كتبه بعد ذلك.
ومن مواهبه الخصوصية حدة اللسان وقوة الحجة، فإنه لم يناظر كاتبًا أو خطيبًا إلا ظهر عليه وأفحمه، ومن آثار فضله أنه أدخل الآداب التركية في دور جديد، فقد كان كتَّاب الأتراك منذ ست مئة سنة سائرين على خطة واحدة في آرائهم وإنشائهم، فجاء كمال بك فنوَّع الإنشاء تنويعًا هو أساس النسق التركي الحديث.
ومما يذكر له أنه لم يستخدم قلمه للهجو، ولا أدخل في إنشائه ألفاظًا بذيئة أو معاني مخجلة، وكان إذا كتب في المواضيع الدينية مثَّل الحقيقة تمثيلًا واضحًا يفتن المطالع ولو كان من المعطلين، وكان يستخدم ألفاظًا لغوية لم يألفها العامة، لكنه كان يسبكها في قالب يسهل عليهم فهمها.
وكان كثير المطالعة دقيق التنقيب والبحث، حتى قيل إنه لم يغادر كتابًا تركيًّا أو فارسيًّا مطبوعًا أو غير مطبوع من مؤلفات الأتراك أو ما ترجموه عن الألمانية والفرنساوية والإنكليزية إلا طالعه وتبحر فيه، وكان قوي الذاكرة إلى حد يفوق التصديق، حتى يكاد لا ينسى شيئًا نظره أو سمعه، فقد يتلو عليك ألوفًا من الأشعار الفارسية والتركية والعربية والإفرنسية، وكان متمكنًا من الفقه وعلم الكلام، مدركًا لأكثر المسائل الغامضة المتعلقة بهما، وقد طالع علم الحقوق على العلَّامة الفرنساوي الشهير (إميل أفولا)، ودرس فنَّي الاقتصاد والسياسة، أما التاريخ فقد كان من أكبر علمائه؛ وهاك أشهر مؤلفاته وترجماته: تراجم الأحوال: ترجمة صلاح الدين الأيوبي — والسلطان سليم — والفاتح — وأمير نوروز.
حكايات وروايات: وطن (وهي رواية ترجمت إلى اللغات الألمانية والروسية والفرنساوية) — وكل نهال — وعاكف بك — وزواللي جوجق — وانتباه — وجزمي.
رسائل: دور استيلاء — وبارقه ظفر — وقانيزه — وحكمة الحقوق — ومكتوب إلى عرفان باشا — وبه بربزون مؤاخذه سي — وتخريب — وتعقيب — ومقدمة جلال — وبهاردانش — ومنتخبات تصوير أفكار.
مقالات متنوعة: تصوير أفكار — ومخبر — وحريت — وعبرت وبصيرة — وحديقة — واتحاد — وصداقة — وغير ذلك من المقالات التي كان يكتبها إلى أصدقائه وفيها الحكم الفلسفية والأدبية.
ترجماته عن اللغات الإفرنجية: شرائط الاجتماع (تأليف روسو) — وروح الشرائع (تأليف مونتسكيو) — وبعض كتابات باكون وفولني وغيرهما — وقسم كبير من كتابات كوندرسه تحت عنوان (تاريخ ترقيات أفكار بشر).
وكان في أثناء أعماله هذه مشتغلًا بتأليف التاريخ العثماني، وهو تاريخ مطول، بحث فيه عن عظمة هذه الدولة وما مرت به من الأدوار، من أول عهدها إلى الآن، له مقدمة يصح أن تسمى وحدها تاريخ الإسلام؛ لأنها حوت كل ما وقع من المسلمين من البعثة إلى ظهور السلطة العثمانية، وكل ما رافق ذلك من الحوادث في آسيا وإفريقيا وأوربا، والمقدمة المشار إليها مكتوبة على نحو ألف وخمس مئة طليحة من الورق، ولكن من موجبات الأسف أن مطالعتها منعت ثاني يوم ظهورها؛ لوشاية بعض ذوي الأغراض، فحفظًا لآثار هذا الفاضل نرجو أن يعاد نشرها مع ما تمَّ تأليفه من هذا التاريخ، وهو أربعة أجزاء تنتهي بوقائع السلطان سليمان القانوني.
وكانت وفاته بعلة الخناق الصدري، فلم تمهله إلا عشرة أيام، فقضى بعد ظهر الثامن من ربيع الأول سنة ????هـ.

الفصل الثاني عشر
سليم بك تقلا


مؤسس جريدة الأهرام
في سفح لبنان مما يلي ساحل مدينة بيروت قرية حسنة الموقع، جيدة الهواء والماء، كثيرة البساتين والغياض، اسمها كفر شيما، نبغ فيها جماعة كبيرة من العلماء، ملأت شهرتهم الأسماع؛ منهم اللغوي المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي، وسائر آل اليازجي، والعلماء الأفاضل آل شميل الكرام، ومنهم المرحوم أمين شميل، وشقيقه الدكتور شبلي شميل، وغيرهم من الأطباء والشعراء والأدباء، ومن هذه القرية نبغ صاحب الترجمة المرحوم سليم بك تقلا مؤسس جريدة الأهرام.
ولد (رحمه الله) في أواسط سنة ????م، وربِّي في حجر والديه على الصلاح والتقوى وحسن السيرة، وظهرت عليه مخائل النجابة منذ نعومة أظفاره، فتلقى مبادئ العلوم في مدرسة تلك القرية، ففاق أقرانه، فلمَّا رأى والده فيه ذلك سعى في إدخاله مدرسة عبيه بلبنان، ولكن المدرسة لم تكن تقبل في صفوفها من كان دون الخامسة عشرة من عمره، فاستنجد الدكتور فان ديك فأنجده وتوسط في إدخاله، فقبلته المدرسة واغتفرت صغر سنه بما توسَّمته من توقد ذهنه واستعداده، فأقام في المدرسة يتلقى علومها ومعارفها، حتى أعجب أساتذتها بذكائه وتعقله على صغر سنه، مع سهولة في خلقه، ولين في طبعه، وهمة في الدرس، واجتهاد في مسابقة أقرانه.
وما زال مكبًّا على كتابه وكتابته حتى كانت سنة ????م، فانتشبت في ربوع الشام الثورة المعلومة، فاتصل لهيبها بعبيه وما جاورها، فبرح المدرسة ونزل مدينة بيروت، ودخل المدرسة الوطنية التي أنشأها الطيب الذكر المرحوم المعلم بطرس البستاني، وعكف على الدرس والمطالعة مجدًّا ساهرًا حتى أصبح مثالًا بين أقرانه التلامذة بالثبات والاجتهاد؛ لأنه كان يعمل ساعات الفراغ أعمالًا يستعين بها على نفقات التعليم، شأن من يلتمس العلى بجده واجتهاده.
فلما أتم دروسه تعين أستاذًا في المدرسة البطريركية في بيروت، يعلِّم بها ما أتقنه، ويتقن ما فاته؛ وخصوصًا الفنون العربية، فإنه كان يتلقاها على الشيخ ناصيف اليازجي، وكان الشيخ (رحمه الله) معجبًا بذكائه وحدة ذهنه، وكان يعتمد عليه أحيانًا في شرح بعض الدروس على طلبته؛ دلالة على ثقته به وركونه إلى صحة مباديه وسمو مداركه، ولم يمضِ عليه في المدرسة البطريركية مدة حتى صار رأس أساتذتها، ووكيل أعمالها، ومدير شئونها، وألَّف في أثناء ذلك كتابًا في النحو والصرف على أسلوب مبتكر طبع ونشر، وكان الاعتماد عليه في تلقي هذين العلمين في المدرسة البطريركية. سليم بك تقلا ????م–????م.
وكان (رحمه الله) مفطورًا على حب الرفعة والسعي في طلب العلى، فلمَّا رأى أنه بلغ من مهنة التدريس أعلى درجاتها مال إلى التماس مهنة تروي مطامعه، فلاحَ له أن يقدم إلى الديار المصرية، وهي إذ ذاك في عصر المغفور له الخديوي الأسبق إسماعيل باشا، الذي كان يحبِّب إلى السوريين وغيرهم من جالية الإفرنج الإقامة في مصر؛ لما يبذله في صلاتهم وتنشيط مشروعاتهم؛ وخصوصًا المشروعات الأدبية، فنظم قصيدة تاريخية رنانة في مدح الخديوي إسماعيل، وغادر ربوع الشام قاصدًا للقطر المصري حتى جاء القاهرة، فرفع قصيدته — المشار إليها — إلى الخديوي الأسبق، وتعرَّف بجماعة من أهل الفضل وذوي المناصب، فقربوه منهم، فلاح له أن ينشئ جريدة عربية، والجرائد العربية لا تزال إلى ذلك العهد جرثومة لا تكاد تنقف عن جنينها، والناس لا يعرفون من الجرائد إلا اسمها، مع تردد الحكومة في الإذن بنشرها، فقضى سنة يتردد بين مصر والإسكندرية يجاهد في الحصول على امتياز الجريدة، فمنحته الحكومة امتياز جريدة الأهرام سنة ????م، فأصدرها بالإسكندرية وليس لديه من معدات التحرير والتحبير والنشر والطبع إلا ما فطر عليه من الثبات وحسن التصرف والاستقامة، وما اكتسبه من العلم والاختبار، مع شيء يسير من المعدات المادية، فقاسى في سبيل نشر الأهرام مشقات جسيمة مع علمك باستهجان الناس إذ ذاك للجرائد؛ لحداثة عهدها، مع قلة وسائل النشر لديه.
ولكنه ذلل كل تلك الصعاب بثباته وحسن سياسته، ومما قاله لنا مرة في سياق حديث دار بيننا عن الجرائد العربية وتاريخ نشأتها، قوله: «أنشأتُ الأهرام وأنا عالِم بما يحول دون نشرها من المصاعب، فكنت أقضي النهار والليل عاملًا بدنًا وعقلًا، فكنت أحررها وأديرها وألاحظ عملتها وأكتب أسماء مشتركيها وأتولى أعمالها مما يقوم به الآن عشرة من العمال».
وصدرت الأهرام — أولًا — مرة في الأسبوع، ولم يستطع نشرها يومية إلا بعد زمن طويل؛ وذلك أنه بعد إصدار الأهرام ببضع سنوات أصدر جريدة يومية سماها صدى الأهرام، والأهرام تصدر أسبوعية كالعادة، فلاقى في إصدار الصدى فوق ما لاقاه في إصدار الأهرام، ومما يحكى من هذا القبيل، وفيه دليل على ثباته، أنه طبع صدى الأهرام لعدده الأول أربعة آلاف نسخة وزعها على نخبة أهل القطر وأعيانه، كجاري العادة في الجرائد عند أول صدورها، فرجعت إليه إلا بضع عشرات منها، على أن ذلك لم يثنِ عزمه، بل ما انفك مواظبًا على إصداره حتى صدر أمر الحكومة بإلغائه وإقفال المطبعة؛ لأنه درج أمرًا ساء الخديوي الأسبق، فاستتر صاحب الترجمة من وجه الحكومة مدة، وسجن أخوه المرحوم بشارة باشا، ثم توسط بعض أهل النفوذ فأفرج عن المطبعة وأصحابها، فأصدر (رحمه الله) جريدة الوقت يومية، ولكنها لم تعش طويلًا، فصدر الأمر بإقفالها، ثم عادت فظهرت حالًا، وأخيرًا استبدلها بجريدة الأهرام فصارت من ذلك الحين يومية.
وما زالت الأهرام آخذة في العمل لا تزداد إلا انتشارًا ورفعة، حتى كانت الحوادث العرابية سنة ????م، فاضطر (رحمه الله) للمهاجرة إلى سورية كما فعل سائر نزالة هذا القطر غير المصريين، فلما احترقت الإسكندرية أصابت النيران مطبعة الأهرام، فأحرقت شيئًا كثيرًا من أعماله وكتاباته ومؤلفاته، فلما انقشعت غياهب تلك الثورة عاد إلى الإسكندرية وأعاد إصدار الأهرام، وعوض عما فات، وما زالت تصدر إلى الآن، وخطتها وطنية عثمانية منتصرة لفرنسا ومجاهرة بالمقاومة للاحتلال الإنكليزي.
وفي سنة ????م سافر إلى دمشق، واقترن بسيدة من كرام الدمشقيين اشتهرت بالجمال واللطف، ثم عاد إلى الإسكندرية يمارس أعمال الجريدة ويعاني تحريرها، وفي سنة ????م سافر إلى فرنسا، فزار عاصمتها وكثيرًا من مدنها وقراها، وكان يكاتب الأهرام منها، وفي السنة التالية (????م) أصيب بألم في القلب، فأشار عليه الأطباء بالذهاب إلى سورية لتبديل الهواء، فسار ولكن القضاء المبرم كان في انتظاره هناك، فقضى وطار نعيه في الآفاق، ودفن بما لاقَ بمقامه من التجلة والإكرام، ولم يخلِّف ذرية.
وكان (رحمه الله) همامًا حازمًا، مخلصًا مسالمًا، سهل الأخلاق، وديعًا، رقيق الجانب، ما عاشره أحد أو عامله إلا وأثنى على رقة جانبه، ودماثة أخلاقه، وحبه للمسالمة، ورغبته في إرضاء الناس ولو تحمل منهم ضيمًا أو تكبد خسارة، وقد كان ذلك من أهم الوسائل التي ساعدت على نشر الأهرام وإقبال الناس على مطالعتها حتى بلغت ما بلغت من سعة الانتشار، على أننا لو دققنا البحث في العوامل الأساسية التي أيدت الأهرام ونشرتها لرأيناها الثلاثة: (?) حسن سياسة صاحب الترجمة وميله إلى المسالمة.
(?) نشاط شقيقه المرحوم بشارة باشا، وكان مدير الأهرام إذ ذاك، ثم قام بعده بكل شئونها حتى توفاه الله سنة ????م، فصارت الأهرام إلى نجله جبرائيل.
(?) مساعدة بعض أرباب المناصب العالية؛ فإنهم كانوا ينشِّطونها إلى درجة لا تكاد تقل عن حمل الناس على الاشتراك فيها، فضلًا عن اشتراكات الحكومة نفسها، فإنها كانت تعد بالمئات.
وكان حائزًا لرضاء الدولة العلية، متمتعًا بإنعاماتها وإنعامات الدول الأخرى، وبعض المجامع العلمية، وحاز من الرتب العليا الرتبة الأولى من الصنف الأول، ونال من النياشين النيشان المجيدي الثاني، ونيشان اللجيون دونور من رتبة شفاليه، ونيشان الافتخار التونسي من رتبة كومندور، ونيشان الشمس والأسد من تلك الرتبة، ونيشان المجتمع العلمي الفرنساوي من رتبة أوفيسيه، وغير ذلك.
وكان سليم الذمة صادق الوعد، ومما يذكره العارفون من هذا القبيل أن والده توفي عن دَيْن عليه، ولم يكن أصحاب الدين ينتظرون الوفاء من أولاده، فلما أنعم الله عليهم وسهَّل لهم أبواب الرزق اتفق الإخوة، وصاحب الترجمة في مقدمتهم، على وفاء ما في ذمة والدهم من أموال الناس، فسافر هو بنفسه إلى بلاد الشام، ولاقى الدائنين ودفع إليهم أموالهم. بشاره باشا نقلا.
وكان محبًّا للأخذ بناصر الشبان الذين يلتمسون الأشغال؛ ولا سيما أبناء وطنه، فيبذل كل مرتخص وغالٍ في سبيل مساعدتهم أدبيًّا وماديًّا.
وكان كاتبًا فاضلًا، وشاعرًا مجيدًا، تشهد بذلك مقالاته وقصائده في صفحات الأهرام، وقد جمعت منتخبات أشعاره ومقالاته بعد وفاته وطبعت على حدة في ديوان ضخم، وجمعت أقوال الجرائد وقصائد الأصدقاء ومقالاتهم في تأبينه ورثائه في كتاب آخر.

الفصل الثالث عشر
السيد عبد الله نديم


قد لخصنا ترجمة المرحوم السيد عبد الله نديم من سيرة مطولة بقلم حضرة صديقه الوفي أحمد أفندي سمير:
نشأته الأولى

هو عبد الله بن مصباح بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى إدريس الأكبر من أسباط الحسن بن علي، ولد بالإسكندرية سنة ????هـ/????م، فحفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ التاسعة، وكان أبوه وسطًا في اليسار، فلما رأى ذكاءه ونجابته أدخله مدرسة جامع الشيخ إبراهيم باشا، فقرأ على أكابر الأشياخ، فأتقن فقه الشافعي والأصول والمنطق وعلوم الأدب اللسانية وهو في سن المراهقة، فأخذ من ذلك الحين يقول الشعر الرقيق والنثر المسجوع المحكم، فما لبث أن سارت الأمثال ببدائع آدابه، وتسابق بلغاء الكتَّاب والشعراء إلى مطارحته، وكانت الكتابة إلى ذلك العهد قاصرة على السجع فتوخى المترجم فيها أساليب جديدة في الإنشاء، فاق فيها المتقدمين وأعجز المتأخرين، تشهد بذلك رسائله الأدبية ومؤلفاته التي تبلغ نحو مئة مؤلف في فنون مختلفة، فُقد أكثرها سرقة أو اغتصابًا أو حرقًا أو إغراقًا في مياه النيل — كما سيأتي تفصيله.
وكان (رحمه الله) منذ ترعرع جريئًا مقدامًا، يميل إلى ركوب الأخطار ومعاناة الشدائد سعيًا وراء المعالي، وقد رأى أن ذلك لا يُنال عفوًا، فكان أول ما بدأ به من تلك المطالب المعجزة أنه نظر في الوجود نظرة باحث مدقق، فتبين له أن الاشتغال بالعلم ربما عاقه عن بلوغ مقصده، فتعلَّم صناعة التلغراف وأتقنها في أقل مما يتصور من الزمن، كأن الكهرباء لم توجد إلا لتزاحم خاطره في السرعة، فلم يمضِ عليه بضعة أسابيع حتى استُخدم تلغرافيًّا (أو تلغرافجيًّا) في مكاتب مختلفة؛ أهمها مكتب تلغراف القصر العالي الخاص على عهد عزيز مصر المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق. السيد عبد الله نديم ????هـ–????هـ.
ولم تكن وفرة الأعمال عائقة له عن التحصيل؛ فقد كان يغتنم نوبة فراغه من العمل فيتردد إلى الجامع الأزهر، يطالع مع بعض رفاق شبيبته الدروس التي كانوا يشتغلون بها، وأخص هؤلاء الرفاق العلَّامة الشيخ حمزة فتح الله المفتش الأول للغة العربية بنظارة المعارف المصرية.
ثم طرأ ما أوجب انفصاله عن الخدمة، فاتصل بكثير من المقربين والعظماء، فكانت له معهم مجالس مشهودة حضرها أفاضل الشعراء والمنشئين، وناظروه وطارحوه نظمًا ونثرًا، فظهر عليهم جميعًا.
ثم قصد المنصورة ترويحًا للنفس، ورأى أن التجارة خير رياضة له، فأنشأ هنالك متجرًا، فراجت سوق بضاعته رواج آدابه، ولكن كرمه تغلب على رأس المال والربح ففقدهما جميعًا، وكان بيته ومتجره كعبة يحج إليها رجال الأدب، وكانوا يتحدثون بمعجز رسائله ومحرراته نظمًا ونثرًا.
نشأته السياسية

ثم عاد إلى الإسكندرية أوائل سنة ????م، وهنالك أخذت شمس حياته السياسية تبدو، فكان أول سعيه في هذا السبيل أن اجتمع بصديقيه المخلصين محمد أفندي أمين باشكاتب محكمة أسيوط الأهلية، ومحمود واصف أفندي أحد جامعي كتاب سلافة النديم ومحرر جريدة العدل، وكانا — وقتئذ — من مؤسسي جمعية مصر الفتاة، فكان الأول نائب رئيسها، والثاني كاتم أسرارها، فتعرف ليلة اجتماعه بهما بالمأسوف عليهما أديب أفندي إسحق وسليم أفندي النقاش، صاحبَي جريدتي مصر والتجارة، وتعرف بكثير من أعضاء هذه الجمعية، وشرع في بث أفكاره بما كان ينشره في تينك الجريدتين، ثم رأى أن جمعية مصر الفتاة سرية يخشى عليها من الحكومة، فأقنع صديقيه المشار إليهما بالانفصال عنها، فانفصلا وتبعهما كثير من أعضائها، ثم ذاكرهما في إنشاء جمعية علنية تسعى في ما يعود على الوطن وأهله بالمنفعة الحقيقية، فاستصوبا رأيه.
وشرع منذ ذلك الحين في تأليف قلوب أهل الثغر، علمًا بأن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، فتألَّفت الجمعية الخيرية الإسلامية في آخر ولاية المغفور له إسماعيل باشا، والقلوب واجفة والأفكار مضطربة، وقد خرست الألسنة وغُلَّت الأيدي إلى الأعناق، حتى دنت ساعة الفرج بولاية المرحوم محمد توفيق باشا، فقُرَّت العيون وهدأت الأفكار، فقام المترجم يثبت دعائم دعوته، ويبث في الأذهان فوائد الاجتماع بلسان طلق، فبرزت الجمعية الخيرية بمساعيه في ثوب الائتلاف، وتسارع أعيان الثغر ووجهاؤه للانتظام في سلكها، وكانت هي أول جمعية إسلامية أسست في القطر المصري، وكانت ترمي إلى غرض واحد، هو تربية الناشئة، وبث روح المعارف فيهم؛ لترقية الأفكار، وتطهير الأخلاق من دنس الجهالة.
فأنشأت هذه الجمعية مدرسة لتعليم الأيتام وأبناء الفقراء مجانًا، فسعى المترجم جهده حتى أكسبها عناية أمير البلاد، فجعلها تحت رئاسة ولي عهده ووريث تاجه إذ ذاك، وهو خديونا الحالي — أطال الله عمره، فكان ذلك أدعى لنشاط رجالها وزيادة اهتمامهم، فسعوا في توسيع دائرة المدرسة، واستحضروا لها فضلاء المعلمين من العرب والإفرنج، وأقاموا المترجم مديرًا لها، فوضع لها أساسًا محكمًا، وعلَّم فيها الإنشاء وعلوم الأدب، فنمت وزهت حتى زاد عدد الطلاب فيها على الثلاث مئة في زمن وجيز، ورتبت لها نظارة المعارف ??? جنيهًا كل عام.
فلما رأى المترجم أن غرسه قد كاد يثمر استرحم المغفور له الخديوي السابق أن ينعم على الجمعية بالمدرسة البحرية؛ لاتساعها وجودة موقعها، فأجابه إلى ما طلب.
ولقد بلغت هذه المدرسة من الشهرة وبُعد الصيت على قصر المدة ما لم يبلغه غيرها في أزمان متطاولة، ونالت من التفات المرحوم توفيق باشا ونجليه الكريمين؛ سمو الخديوي الحالي ودولة شقيقه، ما رفع قدرها ونشَّطها وزادها زهوًا ونماءً، مع ما كان يبذله صاحب الترجمة من العناية في عقد الحفلات العامة في بهرة المدرسة، يحضرها كبار القوم وسراتهم، فيسمعون المطرب والمغرب منه ومن تلامذته، ثم ينصرفون ولا حديث لهم إلا ترداد ما سمعوه من العبارات الآخذة بمجامع القلوب.
وفي تلك الأثناء مثَّل المترجم بالإسكندرية حالة البلاد، وكيف يكون الوصول إلى الشهامة والمروءة بروايتيه المشهورتين باسمَي «الوطن» و«العرب»، مثَّلهما هو وتلامذته في ملهى زيزينيا بحضرة ساكن الجنان الخديوي السابق، فكان لهما في نفسه من حسن الوقع ما بعثه على أن يدفع من ماله الخاص مئة جنيه مساعدة للجمعية، ولكن الحسد جرَّ بعض ذوي النفوذ إلى الإيقاع بالنديم، ففُصل عن الجمعية وأقيل من إدارتها.
وكان قبل ذلك قد ترك الكتابة الأدبية واشتغل بالتحرير السياسي على الأسلوب الحديث بلا سجع ولا تقفية، فكان يحرر في جريدتي «المحروسة» و«العصر الجديد»، اللتين صرَّح للمرحوم سليم أفندي النقاش بإصدارهما عقيب إلغاء «التجارة ومصر»، وإبعاد المرحوم أديب أفندي إسحق إلى خارج مصر، فجاء فيهما بالمعجب والمطرب.
وما زال كذلك حتى استدعى صاحبهما من بيروت الكاتبين الفاضلين سليم أفندي عباس والمرحوم فضل الله أفندي الخوري، فترك لهما أمر هاتين الجريدتين، وأنشأ «التنكيب والتبكيت»، وهي جريدة أسبوعية ظاهرها هزل وباطنها جد، فأودعها ما لم يسبقه أحد من كتاب العرب إليه.
ثم استبدلها بالطائف على ما قضت به المناسبات الزمانية قبيل الثورة العرابية، وكانت «الطائف» سياسية محضة، بلغت من الشهرة ما لم تبلغه جريدة قبلها من التأثير على الأذهان، ثم اغتصبها منه أمراء الجند أثناء الثورة، ولم يدعوا له منها غير الاسم، فكانوا ينشئون فيها ما يشاءون دون أن يقدر على رد واحد منهم، حتى انطفأت جمرة تلك الثورة فاختفى.
أما قيامه بنصرة الحزب الوطني فسببه أنه لاقى من معاملة الحكومة له ولغيره ما يدل على تفضيلها الأجنبي لخدمتها على الوطني، واتفق ظهور نيران الثورة، فأصابت منه هوى في الفؤاد فتمكنت؛ لأنه سمع رجالًا تنادي بطلب الإصلاح، وتعقد الاجتماعات العلنية مجاهرة بمقاصدها في أهم الصحف، حتى اتفقت الآراء على أن في مصر حزبًا وطنيًّا لا همَّ له إلا انتشال البلاد من وهدة الخراب، فكانت رسل الحزب العسكري تتردد على المترجم، ورؤساؤه يكرمونه ويعظمونه، فما زالوا به حتى انضم إليهم، فوسموه بخطيب الحزب الوطني، واتخذوا جريدته مجالًا لأقلام كثيرين منهم، ومظهرًا لأفكارهم، ولكنه كان يتأفَّف سرًّا من وقوعه في تلك الورطة، فإذا خلا بأحد من أخصائه أظهر له حقيقة ما يضمر، وأنبأه بمصير تلك الحال.
ولم يمضِ بضعة أسابيع حتى هاجت القاهرة وماجت؛ إذ أنبأها البرق بضرب الإنكليز للإسكندرية في ?? يولية سنة ????م، وانتشاب الحرب بينهم وبين عرابي، فقام المترجم مع محمود باشا سامي البارودي وغيره من رؤساء الجند المتخلفين إلى الإسكندرية، فوجدوا الجيش المصري يتأهب لمغادرتها إلى كفر الدوار بعد أن صارت معالمها دوارس، فباتا (هو وسامي) في منزل المترجم، فلما كانت ما يسمونه بواقعة التل الكبير في ?? من شهر سبتمبر سنة ????م وقت السحر فرَّ عرابي وأخوه وعلي الروبي، وتبعهم المترجم، فجاءوا القاهرة في الساعة الرابعة بعد الظهر، وساروا توًّا إلى قصر النيل مركز نظارة الحربية إذ ذاك، فتألَّف وفد ليسيروا إلى الإسكندرية يلتمسون العفو من الخديوي، والنديم في جملتهم، ولكنه لم يصل الإسكندرية، بل عاد من كفر الدوار واختفى من ذلك الحين.
فقضى عشر سنوات مختفيًا في مديرية الغربية بين ميت الغرقا والعتوه والجيزة وغيرها، فيتنكر تارة بزي الدراويش، وطورًا بزي المغاربة أو غيرهم، والحكومة تبث العيون والأرصاد للقبض عليه، وهو أقرب إليها من حبل الوريد، فلما أعيتها الحيلة جعلت لمن ينبئها بمكانه مكافأة مقدارها ألف جنيه، وكان العارفون بمكانه كثيرين، ولكنهم حافظوا على ولائه فأخفوه مكرمًا معززًا حتى قُبض عليه في شهر نوفمبر سنة ????م، أواخر ولاية المرحوم توفيق باشا، فجيء به إلى طنطا حيث حبس أيامًا.
وسئل عن موجب اختفائه، فأوضحه بما لا يخرج عما تقدم، فعفا الجناب الخديوي عنه، ولكنه أمر بإبعاده إلى حيث يشاء من البلاد غير المصرية، فاختار يافا من ثغور فلسطين، فسافر إليها بإكرام، وأقام هناك مدة ثم أزمع السياحة في تلك البلاد المقدسة، فخرج من يافا في مارس سنة ????م مع صديق له إلى جبل الطور المسمى جبل جارزيم، وزار مقام العزيز هناك، وقبور كثيرين من الأنبياء، ومرَّ بأماكن كثيرة من جملتها نابلس ومدينة الخليل وبيت لحم والمسجد الأقصى، ثم عادا إلى يافا.
وفي تلك السنة (????م) تولى الأريكة الخديوية سمو العزيز عباس باشا الثاني، فعفا عن المترجم، فعاد من يافا إلى القاهرة، وظل مترددًا بينها وبين الإسكندرية أكثر من شهر، ثم اتخذ الأولى موطنًا، وأنشأ بها مجلته العلمية الأدبية التهذيبية «الأستاذ»، فنالت من الشهرة والانتشار في شهور ما لم تنله سواها بأعوام، وكان لها تأثير شديد في أفكار الأمة على اختلاف نحلها.
ثم ألغيت لأسباب يعلمها كل متدبر؛ لأن العهد بها غير بعيد، وكلِّف المترجم بالخروج من مصر، فغادرها ثانية إلى يافا، ودفعت له الحكومة المصرية أربع مئة جنيه يعتد بها لسفره، ورتبت له ?? جنيهًا كل شهر، على شرط أن لا يكتب شيئًا في الجرائد يختص بسياسة مصر، فلبث أربعة أشهر في يافا، ثم أعيد منها بإرادة سلطانية، فرجع إلى الإسكندرية وأقام فيها أيامًا، قابل في خلالها صاحب الدولة الغازي مختار باشا المندوب السلطاني العالي، فساعده هذا على المسير إلى الآستانة، فسافر إليها، وصدرت الإرادة السلطانية بتعيينه مفتشًا للمطبوعات بالباب العالي، وترتيب ?? جنيهًا مجيديًّا له كل شهر فوق ما كان يتقاضاه من الحكومة المصرية، وكان ينفقها كلها في سبل الخيرات والبر بالأهل والأقارب والأصدقاء.
وقد نال لدى المقام السلطاني الحظوة الكبرى، وتعرَّف بكثير من الوزراء وأرباب المظاهر العلمية، ولكنه اختص بالملازمة والمودة الإمام العلَّامة الفيلسوف السيد جمال الدين الأفغاني، فاتصلت بينهما أسباب الألفة، وتمكَّنت منهما روابط الاتحاد حسًّا ومعنى، وقد بلغ تعلق السيد جمال الدين به وجميل اعتقاده فيه أنه أصبح وأمسى يعجب بقوة حجته في المناظرة والجدل، وسرعة بديهيته في التحضير، حتى صرَّح في عدة مجالس بأنه ما رأى مثل النديم طول حياته؛ في توقد الذهن، وصفاء القريحة، وشدة العارضة، ووضوح الدليل، ووضع الألفاظ وضعًا محكمًا بإزاء معانيها إن خطب أو كتب.
وقد كان يودُّ الرجوع إلى مصر ليقضي بها بقية أيامه، فلم تتِح المنية ذلك، فداهمته بمخالبها فقضى بداء السل الرئوي في ?? أكتوبر سنة ????م، فأمر جلالة السلطان أن يحتفل بمشهده على نفقة الجيب الشاهاني الخاص، فسار أمام نعشه فرقتان من الجيش، وفرقة من الشرطة، وتلامذة المكتب السلطاني، وعدة من الوجوه والكبراء والعلماء يتقدمهم السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد ظافر شيخ السلطان، والسيد عبد الرحمن الجزولي، حتى دفنوه في باشكطاش، ولقد مات المترجم ولم يورِّث أهله إلا الحزن والعناء؛ لأنه كان يقبض مرتبه من مصر والآستانة، فلا يمضي عليه بضعة أيام حتى يفرغ من توزيعه على الأقارب والأباعد دون نفسه.
أما أخلاقه فإنه كان برًّا بوالديه وذوي قرابته وقصَّاده، ولو لم يكن يعرفهم، فما أقرض أحدًا شيئًا وطالبه به، ولا رد يومًا سائلًا، ولا خضع لعظيم قط، وإنما كان يلين ويتواضع لصغار الناس وأوساطهم، وكان ذكيًّا فطنًا قوي الحافظة، فصيحًا جريئًا، شاعرًا مطبوعًا وكاتبًا ناثرًا.
مؤلفاته وكتاباته

ومن مؤلفاته الكثيرة ديوان شعر يشتمل على نحو أربعة آلاف بيت نظمها وشبابه باسم الثغر طلق المحيا، وديوان آخر في نحو ثلاثة آلاف بيت، وروايتا «الوطن والعرب»، ورسائل أدبية مسجوعة لم تصل أيدي جامعي السلافة منها إلا إلى أربع عشرة رسالة بعد السعي الكثير ومكابدة العناء الجزيل، وكان ويكون (وهو الذي طبع بعضه في الأستاذ)، وواحد وعشرون كتابًا في فنون مختلفة، قطع لأجلها أيام حرب الاختفاء رقاب الفراغ بسيوف الأقلام؛ منها ديوان شعر يحتوي على ما يقارب عشرة آلاف بيت، وهو الآن محجور عليه في الآستانة، ومنها النخلة في الرحلة، والاحتفاء في الاختفاء، والشرك في المشترك، وكتاب في المترادفات، وآخر في اللغة سمَّاه موحد الفصول وجامع الأصول، والفرائد في العقائد، والآلئ والدرر في فواتح السور، والبديع في مدح الشفيع، وأمثال العرب، وغير ذلك.
وقد فُقد كثير من مؤلفاته ومنظوماته حرقًا أو ضياعًا أو اغتيالًا، على أن شقيقه عبد الفتاح أفندي نديم وصديقه محمود أفندي واصف قد عنيا في جمع ما تيسَّر من ذلك في كتاب سمياه «سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم»، وطبعاه، فمن أراد الاطلاع على ما كتبه أو نظمه أو خطبه فعليه بالسلافة.

الفصل الرابع عشر
إبراهيم بك المويلحي


الكاتب السياسي والمنشئ الصحافي
يتصل نسبه ببيت من البيوت الكريمة التي ظهرت بمصر بعد الانقلاب في أول القرن الماضي، وكان جده السيد إبراهيم المويلحي في أول أمره كاتبًا للمرحوم حبيب أفندي كخيا المغفور له محمد علي باشا الكبير، ثم ارتقى كما ارتقى سواه من ذوي المواهب في مثل حال مصر في دورها الانتقالي من عصر الأمراء المماليك إلى عصر التمدن الحديث؛ إذ هددتها مطامع الدول، وحام حولها طلاب السيادة من الوزراء والقواد، فتسابقت العقول واختلفت الأغراض، ففاز كلٌّ بما بلغ إليه إمكانه وساقته إليه فطرته، فارتقى بعضهم إلى منصات الحكم، وأثرى آخرون بالتجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها، فكان للسيد إبراهيم المويلحي جدِّ المترجم حظ كبير من ذلك الارتقاء.
ومع انغماس أهل ذلك الانقلاب بالمطامع السياسية والمكاسب المالية، واشتغالهم بالملاذ والملاهي لتسلط الجهل على معظمهم، فالسيد إبراهيم كان محبًّا للأدب، لا يخلو مجلسه من الأدباء والشعراء يطارحهم ويذاكرهم، وقد أدَّى لمحمد علي في أوائل ولايته خدمًا جليلة حفظها له البيت الخديوي، فانتفع بها المترجم في حال ضيقه — كما سترى. إبراهيم بك المويلحي ????هـ–????هـ.
ولد صاحب الترجمة في أوائل سنة ????هـ، في بيت وجاهة وعز، وكان والده مشهورًا بصناعة الحرير نسيج مصر، وله فيها بيت تجاري كبير، فجمع ثروة طائلة، ونشأ إبراهيم في سعة ورغد وهو يتهيأ للعمل في تجارة والده، ولكنه كان مولعًا بالأدب والشعر من حداثته، ورث ذلك من جده، ولم يخطر له ولا لوالده أنه سيجعل الأدب مهنته، وهي يومئذ مهنة الفقراء … ولكن الأقدار ساقته إلى الاشتغال بها في كهولته فكان من أعظم نوابغها.
ظلَّ إبراهيم في حجر والده آمنًا سعيدًا حتى توفي الوالد سنة ????هـ، والمترجم في العشرين من عمره، فتولى تجارة أبيه وقبض على ثروته، وجرى على خطته في العمل حينًا فازداد تقدمًا، وكانت مضاربات البورصة حديثة العهد في هذا القطر، وقد تحدَّث الناس بمعجزاتها، وبهروا من سرعة الإثراء بها، وكان إبراهيم طلَّابًا للعلى، فلم يكتفِ بما بين يديه من الرزق الواسع، وحدَّثته نفسه أن يطلب الزيادة بالمضاربة، فضارب وهو يكسب تارة فيطمع بالمزيد، ويخسر أخرى فيطلب التعويض، على نحو ما نشاهده الآن مع ما يعلمه الأكثرون من عواقبها الوخيمة، فما زال المترجم يتدرج في المضاربة حتى استنزفت ثروته وأثقلته بالديون.
على أن فروغ يده من المال لم ينشأ بما نشأ عليه من العز والأنفة، ولا ضاعت مآثر جده لدى البيت الخديوي، فنظر إسماعيل باشا الخديوي — يومئذ — في هذا البيت نظر الانعطاف، وكان إسماعيل إذا أعطى أغنى، فوهبه هبات الملوك، فوفَّى الديون ووسَّع التجارة، ثم أنعم عليه بالرتبة الثانية، وعينه عضوًا في مجلس الاستئناف وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأنعم على أخيه عبد السلام باشا بتلك الرتبة أيضًا، وأبقاه في مزاولة التجارة؛ محافظة على ذلك المعهد التجاري، وتأييدًا لذلك أصدر أوامره لجميع من في قصوره من النساء أن يعدلن عن لبس الأنسجة المصرية من صنع هذا البيت، وأن لا يدخل في تشريفات السيدات سيدة لابسة غير هذه الأنسجة، وأمر باصطناع كمية عظيمة منها لإرسالها إلى معرض فيينا في تلك الأيام.
وما زال المترجم في وظيفته بمجلس الاستئناف حتى أفضت رئاسته إلى المرحوم حيدر باشا يكن، فوقع بينهما شقاق انتهى باستقالة المترجم، ولكن عناية الخديوي إسماعيل ما زالت شاملة له، فأمر بإعطائه مصلحة تمغة المشغولات والمنسوجات على سبيل الالتزام، واتفق في أثناء ذلك سقوط وزارة نوبار باشا المختلطة التي كان فيها عضوان أجنبيان، وخلفتها وزارة شريف باشا المعروفة بالوزارة الوطنية، وهمُّوا بإنشاء اللائحة الوطنية لتأسيس مبادئ الحكومة الدستورية، فانتدب المترجم للاشتغال في ذلك مع المرحوم السيد على البكري، ثم صدر الأمر بتعيينه سكرتيرًا للمرحوم راغب باشا ناظر المالية، ولم يتولَّ هذه الوظائف إلا لما ظهر من نجابته وسداد رأيه.
على أن ميله إلى الأدب والشعر كان ينمو بين مشاغل السياسة والإدارة، فاتفق مع المرحوم عارف باشا، أحد أعضاء مجلس الأحكام بمصر وصاحب المآثر الكبرى في نشر الكتب، على تأسيس جمعية عرفت بجمعية المعارف، غرضها نشر الكتب النافعة وتسهيل اقتنائها، وأنشأ هو مطبعة باسمه سنة ????هـ لطبع تلك الكتب، وهي من أقدم المطابع المصرية، على أن الجمعية كانت تطبع كتبها أيضًا في مطابع أخرى؛ خصوصًا المطبعة الوهبية، ولهذه الجمعية شأن كبير في تاريخ هذه النهضة؛ لأنها نشرت كثيرًا من الكتب المهمة؛ كتاج العروس، وأسد الغابة، ورسائل بديع الزمان، وسلوك الممالك، وألف باء، وغيرها من كتب التاريخ والأدب والفقه.
أما صاحب الترجمة، ففي السنة التالية لإنشاء مطبعته اتحد مع محمد عثمان بك جلال لإنشاء جريدة عربية، ولم يكن من الجرائد العربية بمصر — يومئذ — إلا الجريدة الرسمية وجريدة وادي النيل، فنال رخصة بجريدة سماها «نزهة الأفكار»، ولكنه لم يصدر منها إلا عددين ثم حالت العوائق دون إصدارها، ويقال عن السبب في ذلك أن المرحوم شاهين باشا أظهر لإسماعيل باشا تخوفه من أنها تثير الأفكار وتبعث على الفتن، فصدر الأمر بإلغائها، وظلت المطبعة تشتغل بطبع الكتب لجميعة المعارف وغيرها، وقد طبع فيها كتبًا على نفقته.
فنرى المترجم (رحمه الله) قد تقلَّب في أعمال مختلفة بين تجارة، وخدمة في الحكومة، وإنشاء المطابع والجرائد، ونشر الكتب وغيرها، وهو دون الثلاثين من العمر، ولم ينل كل مرامه من واحد منها مع اقتداره وذكائه؛ ولعل السبب في ذلك لحاجته في استثمار عمله قبل أن ينضج، وعدم ثباته في خطة واحدة؛ لأنه لو ثبت في التجارة — مثلًا — ولم يرغب عنها في خدمة الحكومة لكانت تجارته من أوسع التجارات، أو لو ثبت في الخدمة ولم يعدل عنها إلى الصحافة والطباعة لكان من أكبر أصحاب المناصب، ولو ثبت في الصحافة إلى الآن لكانت صحيفته من أكبر الصحف وأهمها، ولكنه لم يكن يستقر على حال، والأذكياء الذين لا يثبتون في عمل إنما يكون سبب تقلبهم الرغبة في النجاح السريع، يريدون الطلوع إلى الأوج دفعة واحدة، فإذا استبطأوا الوصول إلى قمة النجاح في عمل تركوه وانتقلوا إلى سواه، فيأول ذلك في الأكثرين إلى ضياع العمر في بناء القصور بالهواء، ولو ثبتوا في عمل واحد مهما يكن نوعه لكفاهم مئونة الشكوى من معاكسات الزمان.
على أن المترجم لم يشكُ ضيمًا؛ لأنه كان مرعيَّ الجانب، وما زال الخديوي إسماعيل يذكر صدق خدمته له، فلمَّا حدث التغيير في منصب الخديوية سنة ????هـ، وأبعد الخديوي إلى أوربا، واستقرَّ في إيطاليا، استقدم المترجم إليه، فجاءهُ وأقام في معيته بضع سنوات، كان في أثنائها كاتب يده (سكرتيره العربي)، يكتب عنه الرسائل إلى الملوك والأمراء، ولم يكن ذلك ليمنعه من العمل لنفسه، فأنشأ في أثناء إقامته بأوربا عدة جرائد؛ كجريدة الاتحاد، وجريدة الأنباء، ولم يثبت في واحدة منهما، أو لعله كان ينشئها لغرض مؤقت فإذا ناله عطَّلها، وقال المؤيد إنه اشترك مع المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني في تحرير «العروة الوثقى».
في سنة ????هـ ذهب إلى الآستانة على أثر إنشائه تلك الجرائد، فأكرم السلطان وفادته، وعينه عضوًا في مجلس المعارف، وناظرها — يومئذ — منيف باشا العالم الشهير، فقدر الرجل حق قدره، وقرَّبه منه وعوَّل عليه في كثير من شئون النظارة، وبعد أن أقام في هذا المنصب نحو عشر سنوات عاد إلى مصر، وعاد إلى الاشتغال بالكتابة وقد نضجت مواهبه الإنشائية، واكتسب ملكة الصحافة لطول ممارسته إياها، مع ما اختبره في أثناء أسفاره، ومخالطته كبار رجال السياسة، واطلاعه على مخبآت الأمور، فعمد — أولًا — إلى مراسلة الجرائد بمقالات جامعة بين السياسة والأدب وقواعد العمران، أشهرها ما جمع على حدة في كتاب «ما هنالك»، ثم أنشأ جريدة مصباح الشرق الأسبوعية، وهو يتردد في خلال ذلك إلى الآستانة، ويعود منها مشمولًا بالنعم السلطانية من العطايا والرتب، حتى بلغ الرتبة الأولى من الصنف الأول، وما زال عاملًا في خدمة الصحافة العربية، مخلصًا للبيت الخديوي، شديد التعلق بمرضاة الجناب العالي، وسموه يخصه بالمنح والمنن حتى توفاه الله في ?? يناير سنة ????م وهو في الثانية والستين من عمره.
صفاته

كان ربع القامة، ممتلئ الجسم، حسن الملامح — كما ترى رسمه في صدر هذه الترجمة، وكان حلو الحديث، لطيف النادرة، سريع الخاطر، حسن الأسلوب، نابغة في الإنشاء الصحافي وفي الطبقة الأولى بين كتاب السياسة رشاقة ومتانة وأسلوبًا، مع ميل إلى النقد والمداعبة، ولا يخلو نقده من لذع أو قرص لا يراعي في ذلك صديقًا ولا قريبًا، حتى قيل: «لم ينجُ من قوارص قلمه إلا الذي لم يعرفه»، وقد انتقدوا عليه تقلُّبه في خطته، وذلك تابع لتقلبه في سائر أحوال معائشه؛ لما قدمناه من تردده في أعماله حتى قضى العمر في التنقل من عمل إلى آخر، وضاعت الفائدة التي كان يرجى استثمارها من مواهبه؛ لأنه كان نادرة في الذكاء وحدة الذهن والاقتدار على تفهم الأمور والإحاطة بخفاياها وكشف غوامضها، فلو رافقه الثبات في المبادئ والأعمال لكان من هذا الرجل غير ما كان.
وهاك مثالًا من إنشائه (رحمه الله) يصف موكب صلاة الجمعة في الآستانة، قال: ما قيصر في موكب انتصاره ولا الإسكندر في يوم افتخاره، أستغفر الله، بل ما سعد قادمًا من القادسية ولا المعتصم من عمورية أملأ للقلوب مهابة ولا للعيون بهاءً من رؤية جلالة السلطان يوم الجمعة في موكبه.
في يوم الجمعة، قبل الظهر بساعتين، ترد العساكر رجالًا وفرسانًا من أطراف الآستانة إلى بشكطاش عشرة آلاف أو يزيدون، فينتظرون في طريق السراي السلطانية صدور الإرادة السنية بتعيين المسجد، وهي عادة جارية إلى اليوم، وإن كان المسجد الحميدي قد اختص بصلاة جلالته دون سواه، فإذا صدرت الإرادة اجتمعت العساكر في ساحة المسجد أمام باب السراي، واصطفت صفوفًا مضاعفة بعضها وراء بعض، وفي هذه الأثناء تتسابق مركبات المشيرين والوزراء والمشائخ والأجانب من السفراء وغيرهم، فيجلس السفراء ومن كان معهم من علية قومهم الوافدين على الآستانة في قاعة الجيب الهمايوني المطلة على تلك الساحة التي لا يسمع السامع فيها قيلًا ولا صهيلًا إلا صليل الأسياف وترديد الأنفاس؛ هيبة وإجلالًا وانتظارًا واستقبالًا لإشراق نور الحضرة السلطانية.
فإذا حان وقت الصلاة أشرقت المركبة السلطانية المذهبة كالشمس ضياء من مطلع السراي تحمل الإمام نائب الرسول ?، ويجلس أمامه الغازي عثمان باشا، والمشيرون وكبار رجال المابين حافُّون من حول المركبة مشاة، خشع الأبصار ترهقهم ذلة من جلال تلك العظمة الأمامية، وهو في غير هذه الساعة أكاسرة الزمان وقياصرة الرومان كبرًا وجبروتًا، وكلهم في أمواج الملابس الذهبية يسبحون وعلى صدورهم نياشين الجوهر تخطف الأبصار وتأخذ الألباب، حتى إن الناظر ليكاد يوالي الحمد لله تباعًا على ما منحه للدولة من عديد الرجال الصادقين في خدمة الأمة والملة بشهادة الكلمات الناطقة فوق النياشين، لولا ما يعتريه من الاشتباه فيهم، والنيشان عنوان كتبته الدولة ووضعته على صدر حامله شهادة منها للناس ببيان ما هو مكنون وراءه من فضائل الغيرة والحمية، فإذا اختلف المكتوب على الصدر عن المكنون في القلب كانت كبائع يغش الناس بوضعه على زجاجة الخل عنوان ماء الورد … إلخ.

الفصل الخامس عشر
الشيخ إبراهيم اليازجي


ولد (رحمه الله) في ? مارس سنة ????م في بيروت، ونشأ فيها وتلقى مبادئ العلم على أبيه اليازجي الكبير؛ ولا سيما أصول اللغة وقواعدها، على أن أكثر ما اكتسبه من العلوم واللغات إنما قرأه على نفسه واكتسبه بجده وذكائه، وقد ورث الخيال الشعري عن أبيه، فنظم الشعر وهو صبيٌّ، وزاول النظم في شبابه، فلما قارب الكهولة عدل عنه إلى الاشتغال بسواه إلا ما قد ينظمه لحادث أو باعث، وكانت قد اشتهرت منزلته في جودة النظم، فتقاضى إليه الأدباء يستفتونه أو يستشيرونه أو يحكمونه في قصيدة أو مسألة، ولم يكن مجلسه يخلو من بحث أدبي أو شعري، فتحدق به حلقة من أدباء بيروت ولبنان، وكلهم آذان تسمع ما يتلوه عليهم أو يصدر حكمه فيه من شعر أو نثر، غير ما كان يرد عليه في هذا الشأن من رسائل الشعراء وغيرهم مما كاد يستغرق وقته ويشغله عن سواه، فصمم على ترك الشعر وتفرغ لدرس اللغة وآدابها وعلومها، فعكف على المطالعة، فدرس الفقه الحنفي على الشيخ محيي الدين اليافي أحد مشاهير أئمة بيروت. الشيخ إبراهيم اليازجي ????م–????م.
وكانت الصحافة البيروتية في أوائل نهضتها، ومن جرائدها — يومئذ — «النجاح»، فعُهد إليه بتحريرها سنة ????م، فظهر اقتداره على الإنشاء العصري مما لم يعهد الناس مثله في المرحوم أبيه، فضلًا عن تمكنه من قواعد اللغة ومعاني ألفاظها، وكان المرسلون الأميركان لما أرادوا نقل التوراة إلى اللسان العربي في أواسط القرن الماضي استعانوا في تنقيح مسوداتها وضبط عبارتها من حيث اللغة والإعراب بالمرحومين الشيخ ناصيف والمعلم بطرس البستاني، ثم بالشيخ يوسف الأسير، ولكنهم التزموا الترجمة الحرفية، ولم يبيحوا للمصححين التصرف بالأسلوب، فجاءت عبارة ترجمتهم ضعيفة.
ثم عمد الآباء اليسوعيون إلى ترجمة الكتاب المقدس ترجمة كاثوليكية، فاستعانوا بالشيخ إبراهيم، وفوضوا إليه تنقيح العبارة من حيث الإنشاء، فضلًا عن الضبط النحوي واللغوي، فقضى في ذلك، وفي تصحيح كتب أخرى، تسع سنين، وقد درس اللغة العبرانية على نفسه لتطبيق عبارة التعريب على الأصل، فجاءت ترجمة اليسوعيين أصح ترجمات التوراة العربية لغة، وأفصحها عبارة، وأجزلها أسلوبًا.
ويصدق ذلك على الخصوص في العهد القديم، أما العهد الجديد فقد أخبرنا (رحمه الله) أنهم لم يطلقوا يده في تنقيحه كما يشاء، وكان في أثناء ذلك وبعده يعلِّم المعاني والبيان وآداب اللغة في المدرسة البطريركية، فتخرج عليه جماعة من أذكياء الشبان، اشتهر بعضهم بالصحافة، وبعضهم بالتجارة أو الإدارة، وتمم بعض ما تركه والده غير كامل من المؤلفات أو الشروح؛ وأشهرها ديوان المتنبي، وكان والده قد علَّق على بعض أبيات المتنبي شرحًا موجزًا، فعكف هو على إتمامه سنة ????م، فأتمه في أربع سنوات شرحًا، وطبعه، وهو مشهور بضبطه وما ألحقه به من النقد الشعري.
وكانت الصحافة السورية قد نمت وظهرت مجلة الجنان، ثم مجلة المقتطف، وتحدث بهما وبما استفادوه منهما، فأحب الشيخ الرجوع إلى الصحافة العلمية، وكان الدكتور بوسط الجراح الشهير قد أنشأ في بيروت مجلة طبية سماها «الطبيب»، فاتحد الشيخ مع صديقيه المرحوم الدكتور بشارة زلزل والدكتور خليل سعادة نزيل القاهرة وأصدروا الطبيب معًا سنة ????م، نشر فيه الشيخ — فضلًا عما كان يكتبه زميلاه من المقالات الطبية والعلمية — مقالات لغوية وأدبية إنشاؤها من الطبقة الأولى، وحجب الطبيب عن قرائه في السنة التالية، ثم استأنف إصداره الدكتور إسكندر بك البارودي، ولا يزال يصدر في بيروت حتى الآن.
ترك الشيخ تحرير الطبيب ونفسه تتطلب الشهرة الصحافية، ورأى الآداب العربية والصحافة قد تحولتا إلى مصر بما أطلق فيها من حرية الأقلام والأقوال، فعزم على المجيء إليها لإنشاء مطبعة ومجلة علمية، واتفق على ذلك مع الدكتور زلزل شريكه في الطبيب، فبرح الشيخ مدينة بيروت سنة ????م، وعرج ببلاد الإفرنج، أعدَّ بها بعض ما يقتضيه مشروعهم من الآلات ونحوها، ثم جاء القاهرة وأنشأ مع زميله — المشار إليه — مطبعة البيان، وأصدر مجلة البيان سنة ????م، ثم حجباها بعد سنة وافترقا.
واستقل الشيخ بإنشاء «الضياء» سنة ????م، وهي مجلة علمية أدبية صحية صناعية اشتهرت بمتانة إنشائها وفصاحة عبارتها وبلاغة أسلوبها — كما سنبينه، وما زالت تصدر حتى حال الأجل دون إصدارها بعد انقضاء عامها الثامن، وكان (رحمه الله) قد أصيب بداء الروماتزم في أواخر الصيف الماضي بعد تحرير آخر أعدادها، فلما استبطأ الشفاء أعلن توقيفها ريثما يبل من الداء، وما علم أنه الداء الأخير، ففاضت روحه في المطرية بعد ظهر ?? ديسمبر سنة ????م وهو في الستين من عمره ولم يتزوج، ولم يبق من بيت اليازجي إلا الشيخ حبيب ابن أخيه الشيخ خليل، فاحتفل أصدقاؤه ومريدوه بدفنه في اليوم التالي احتفالًا يليق بمنزلته، فحملوا جثته بقطر خاص من المطرية إلى القاهرة، ومشى في جنازته من المحطة جمهور كبير من خاصة الأدباء والوجهاء، وأوصوا أن يرجئوا التأبين إلى يوم آخر يعين في وقت آخر، ثم احتفل في تأبينه بعض المحافل الماسونية بمصر والإسكندرية، فضلًا عن حفلات التأبين وغيرها، وأمر سمو الخديوي سر تشريفاتي سموه أن يكتب إلى الشيخ حبيب كتاب تعزية، هذا نصه: جناب الفاضل الشيخ حبيب اليازجي:
لما علم جناب الخديوي العالي بتعظيم رزء اللغة العربية وآدابها لانتقال العلَّامة الشيخ إبراهيم اليازجي من هذه الديار الفانية إلى الدار الباقية، أظهر مزيد أسفه على انقضاء تلك الحياة الطيبة الحافلة بجلائل الخدم للعلوم العربية في القطرين مصر والشام، وأمرني سموه الفخيم أن أبلغ جنابكم وسائر أعضاء الأسرة اليازجية تعزيته السامية، وإني أشترك مع قراء العربية في تقديم واجب التعزية إلى حضراتكم.
سر تشريفاتي الخديوي
أحمد زكي
والفقيد (رحمه الله) حائز على الوسام العثماني من جلالة السلطان، وعلى نوط العلوم والفنون من جلالة ملك أسوج ونروج، وانتدبته كل من الجمعية الفلكية في باريس وفي أنفرس والجمعية الفلكية الجوية في السلفادور أن ينتظم في عضويتها.
أخلاقه وصفاته

كان ربع القامة، نحيف البنية، عصبي المزاج، حاد البصر، ذكي الفؤاد، سريع الخاطر، حاضر الذهن، لطيف المحاضرة، حلو المفاكهة، لا يملُّ مجلسه، يطرب للنكتة الأدبية ويضحك لها، وكان مع ذلك شديد الحرص على كرامته، لا يحتمل مسَّها في جدٍّ أو هزل، تلميحًا ولا تصريحًا، وكان سريع الانتباه لما يتخلل أحاديث المجالس من الإشارات الأدبية، وكان متعففًا بطعامه وشرابه، ولولا ذلك ما صبر على معاناة صناعة القلم بضعة وأربعين عامًا مع نحافة بنيته.
وقضى أعوامه الأخيرة يقتصر في عشائه على كأس من اللبن خوف التثقيل على معدته، وإنما العمدة في الغذاء على أكلة الغداء، ولم يكن نهمًا، وأما في الصباح فيتناول طعامًا خفيفًا ويعكف على العمل، فإذا تغدى الظهر شرب قهوته ودخن شيشته ونام، ثم ينهض ويقضي بقية النهار في الراحة، أو في عمل لا يتعبه، ويخرج لترويح النفس في بعض الأندية يلاعب بعض معارفه بالنرد على سبيل التسلية، أو يقضي ذلك الوقت بالمباسطة والمفاكهة، فإذا آن العشاء عاد إلى منزله فيتناول اللبن ويستأنف العمل، وكان مولعًا بتدخين الشيشة في أثناء الكتابة، كما كان والده مولعًا بالقهوة وتدخين التبغ في ذلك الحين.
وكان عفيف النفس، كثير الإباء، ظاهر الأنفة إلى حد الترفع؛ ولا سيما في ما يتعلق بالارتزاق، يعدُّ مجاملة الناس في سبيل الكسب تملقًا، وكلما قلَّ ماله زادت أنفته وعظم إباؤه، وكثيرًا ما أراد أصدقاؤه إقناعه أن سنة الارتزاق تقضي بمجاملة الناس والتقرب من كبارهم بالحسنى، فربما أطاع ناصحه برهة ثم يعرض له خاطر فيعود إلى الإباء، ولولا ذلك لعاش في سعة وراحة، ولكن القناعة كانت من أكبر أسباب سعادته.
على أنه كان يشتغل بالقلم التماسًا لتلك اللذة التي كثيرًا ما أغوت أصحاب القرائح واستنزفت قواهم، فعاشوا فقراء وماتوا أعلَّاء، ولو أراد الشيخ مجرد الارتزاق لكان له مما فُطر عليه من دقة الصناعة اليدوية خير سبيل، بل لم يكن يعدم منصبًا في بعض مصالح الحكومة، وقد ندب أن يكون قائمقام على مدينة زحلة من لبنان سنة ????م فلم يقبل.
ومن إبائه وكرم أخلاقه أنه كان صادقًا في معاملته على اختلاف وجوهها، لا يحلف ولا يخلف، أمينًا في ما ينقله أو يقتبسه من الآراء أو الأقوال، ينسب الفضل إلى صاحبه، وكان عكس ذلك في ما يفعله هو مع الآخرين من تصحيح مقالة أو تنقيح عبارة، فإنه كان شديد الإنكار لذلك، ولكن ديباجته كانت تنمُّ عليه؛ لظهور أسلوبه من خلال السطور.
وكان برًّا بأبيه، وقد خدم اسمه وزاد في شهرته بما أتمه من آثاره أو شرحه من كتبه، فأنفق في سبيل ذلك جانبًا كبيرًا من وقته، وأتم شرح المتنبي، أو هو شرحه كله، فنسب الشرح إلى والده، واستبقى لنفسه فضل التتميم.
قرائحه ومواهبه

أظهر قرائحه الإتقان الفني؛ فإنه كان متأنقًا في إتقان ما يتعاطاه من صناعة أو أدب أو شعر؛ سواء اصطنعه بيده أو أنشأه بقلمه أو نظمه بقريحته، بما يعبر عنه الإفرنج بقولهم Artist، فكنت ترى التأنق والإتقان ظاهرين في كل عمل يعمله، حتى في لباسه وجلوسه ومشيه وكلامه وطعامه، وكل ذلك فرع من تأنقه في الصناعة اليدوية، فكان حفَّارًا ماهرًا ومصوِّرًا متقنًا، ظهر ميله إلى ذلك منذ حداثته. حدثنا صديقنا المستر إدوار فان ديك، نجل أستاذنا الدكتور فان ديك، أنه عرف الشيخ الفقيد منذ نيف وأربعين سنة؛ إذ كان يتردد على مطبعة الأميركان في بيروت، وإدارتها — يومئذ — بيد الدكتور فان ديك، وكانت للشيخ ناصيف علاقة حسنة بالأميركان من التعليم بمدارسهم والتصحيح في مطبعتهم، قال صديقنا —المشار إليه — أنه كان يلاحظ في الشيخ إبراهيم من ذلك الحين ميلًا خصوصيًّا لصناعة الحفر، وكثيرًا ما كان يحفر الأختام على سبيل الغية، ثم حفر الصور والنقوش، وخطر له يومًا أن يصطنع روزنامة عربية تعلَّق على الحائط من قبيل الروزنامات الشائعة، ولم تكن معروفة — يومئذ — بالعربية، فاستأذن الدكتور فان ديك في استخدام بعض أدوات المطبعة لحفر الأحرف والأشكال اللازمة لهذا العمل، فأمر رئيس العمال في ذلك العهد موسى عطا أن لا يمنعه شيئًا يحتاج إليه في هذا السبيل، فتأنق الشيخ في رسم حروف الروزنامة وأرقامها حتى أتمها على أجمل ما يكون، وهي أول روزنامة عربية من هذا النوع.
على أن تأنقه ظهر — أولًا — في خط يده، فكان جميل الخط من حداثته، وظل خطه جميلًا إلى آخر أيامه، وقاعدته فارسية، والذين يقرءون رسالة بخطه لا يكون إعجابهم بجمال ذلك الخط أقل من إعجابهم ببلاغة أسلوبه، ومن هذا القبيل تأنقه في التصوير باليد، حتى صور نفسه عن المرآة صورة ناطقة، رأيناها معلقة في منزله، وأهم ما نجم من ثمار هذه القريحة اصطناع الحروف الحديثة التي سنذكرها في جملة آثاره.
إنشاؤه

ومن قرائحه اقتداره الغريب على الإنشاء المرسل مع سلامة ذوقه في انتقاء الألفاظ، وأسلوب عبارته جمع بين المتانة والبلاغة والسهولة، يشبه أسلوب ابن المقفع شبهًا إجماليًّا، ولكنه من أكثر وجوهه خاص بالشيخ، على أن إنشاء ابن المقفع لم يصل إلينا كما كتبه صاحبه، ولكنه جاءنا بعد أن هذبته أقلام المنشئين ونقحته قرائح اللغويين زهاء اثني عشر قرنًا، أما الشيخ فلم يمس عبارته سواه، ناهيك بما يعترض الكاتب اليوم من المعاني الجديدة التي لم يعرفها القدماء وليس في المعجمات لفظ يدل عليها، مما يقف عثرة في طريق المنشئين.
أما فقيدنا اليازجي فكان يتخطى هذه العقبات على أهون سبيل، فجاءت عبارته خالية من غريب اللفظ ووحشي التركيب، وقد يأتي باللفظ الغريب فيضعه موضعًا يجعله مألوفًا، فلا يمجُّه السمع ولا ينكره الفهم، فكان أسلوبه بليغًا بلا تقعُّر أو تعقيد، سهلًا بلا ضعف أو ركاكة، متسلسلًا متناسبًا متناسقًا، يطابق ما قدمناه من توخيه التأنق والإتقان في كل شيء، ورغبته في الإتقان حملته على التأني في نشر ما يكتبه، فكان لا يرسل المقالة إلى المطبعة إلا بعد تنقيحها وتهذيبها، ثم يكتبها بحرف واضح جلي كأنه سلاسل الذهب؛ حذرًا من الوقوع في الخطأ، فآل ذلك إلى إبطائه في إخراج بنات أفكاره، وقلَّل مقدار ما كان يرجى الحصول عليه من ثمار علمه ودرسه.
ومما حمله على المبالغة في التأني، أنه كان شديد الوطأة في انتقاد ما يعرض له من الغلط اللغوي في ما يقرأه من الصحف أو الكتب، وذلك طبيعي في من يخصص بحثه في فرع من فروع العلم يستقصيه ويدرس دقائقه، فيكثر ما يقع عليه نظره من الغلط في ما يكتبه سواه في ذلك الفرع، فلا يصبر على السكوت عنه؛ ولا سيما إذا كان عصبي المزاج مطبوعًا على التأنق والإتقان مثل فقيدنا، فالانحراف عن الصواب كان يؤلمه، ولا يشفي ألمه غير النقد، ويمتاز نقده بشدة اللهجة، وبما يتخلله من قوارص الكلم، لا يراعي في ذلك صداقة ولا عهدًا، وسبب تلك الشدة —على الغالب — غيرته على اللغة وإخلاصه في خدمتها، فلما كتب «أغلاط المولدين» لم يستثنِ والده ولا نفسه؛ لأنه كان يرى الغلط اللغوي أو النحوي من أكبر السيئات، ويرى السلامة منهما من أكبر الحسنات؛ ولذلك كان يثني على شعر ابن الفارض، ويعجب بشعر المتنبي على الخصوص؛ لقلة ذلك الغلط فيهما، وربما احتقر شعر شاعر مطبوع أو مقالة عالم كبير إذا رأى فيها غلطًا لغويًّا أو نحويًّا.
فكان يبالغ في تنقيح ما يكتبه ويتأنق في إتقانه خوفًا من الانتقاد، ولعله تنبه لذلك على الخصوص منذ أخذ في الدفاع عن والده لمَّا انتقده الشيخ أحمد فارس وشدد النكير عليه، وكان الشيخ إبراهيم في إبان شبابه، فأجاد في الدفاع، وتعوَّد الحذر من الخطأ بالمراجعة والتنقيح من ذلك الحين، فاعتبر مع سعة علمه بمفردات اللغة وجزالة أسلوبه كم تكون لغته صحيحة وعبارته بليغة فصيحة، حتى أصبح استعماله حجة وإنشاؤه قاعدة، فلا عجب إذا دعوناه حجة اللغة وإمام الإنشاء، وأكثر ما يكتبه مرسل سهل، وإذا سجع فلا تجد في تسجيعه تكلفًا، وإليك أمثلة من ذلك، وهو من قبيل الشعر المنثور:
قال من مقالة في مصير الأرض: واعتبر ذلك في الأرض وما يؤلف أديمها من الجواهر، ويشتمل عليه جوِّها من العناصر، وما يعيش عليها من النبات القائم في الصحراء، والحيوان السارح على وجه العراء، والسابح في لجتي الماء والهواء، تجد هناك سلسلة يتصل أعلاها بأسفلها، ويتحول بعضها إلى بعض حتى يرتد آخرها إلى أولها، بل ترى الأرض نفسها عرضة للطبيعة تغزوها بالسيول الجوارف، والرياح النواسف، والأمواج التي تهاجم ثغورها، والزلازل التي تصدع صخورها، متعاقبة عليها ما تعاقب الليل والنهار، إلى أن يأتي يوم تنحل فيه الجبال وترسب في درك البحار، ثم لا تزال المياه تسحل وجه الأرض حتى لا يبقى فيه أمت ولا انحناء، وحتى يغمرها الماء من كل ناحية وقد عاد سطحها مستويًا تحت الماء كاستواء سطح الماء، فعادت كما كانت في أول خلقها ماءٌ غامر، وكون بائر، قد خلا من عالمي البر والهواء، ولم يبقَ فيه من ذوات الحياة إلا عالم الماء.
هذا إذا لم تصب الأرض قبل ذلك بالهرم، وينضب ماؤها بعد خمود ما في باطنها من الضرم، ولم تتشرب هواءها فلا يتنفسه بعد ذلك نبات ولا حيوان، ولا يجد ذو جناح ما يعتمد عليه جناحه في الطيران، على حد ما تم من مثل ذلك في القمر، حتى لم يبقَ فيه وشل لمرتاد، وحتى تجرد من ثوب هوائه أو كاد، وحتى أصبح قفرًا هامدًا لا ينبت عليه شجر، ولا يتنفس فيه دابة ولا بشر، بل لو بقي هواء الأرض وهو خال من بخار الماء لجمَّد البرد سطحها تجميدًا، وانقبض الأحياءُ من وجهه حيث يقع شعاع الشمس عمودًا، ثم لا يزال بساطهم يزداد ضيقًا على توالي الحقب، إلى أن تموت آخر عشيرة منهم بالبرد والسغب، فتدفنها الثلوج حيث لا تنكشف رممها إلا يوم التلاقي، وتخط يد القضاء على أديم الأرض سبحان الحي الباقي.
وهذه إذا لم تهرب فتنقلب نارها بردًا، ولكنه برد بغير سلام، فتهيم السيارات والأقمار من حولها في فضاء من الزمهرير والظلام، ويومئذ لا يبزغ الصباح، فيذهب آفاق المشرق ولا يقبل المساء فيخيم على أرجائه بجيشه المطبق، ولا يكون إذ ذاك كسوف ولا خسوف، ولا تبدو القبة الزرقاء بلونها المألوف، ولكنها تلتحف السواد حدادًا على عالمها بالأمس، وقد التف بكفن من الثلج فآوته منها إلى مثل ظلمة الرمس، ويومئذ تتجمد البحار فلا يكون ثمة موج يتنفس، ولا سحاب يتبجس، ولا سيل يتدفق ولا جدول يترقرق، وتركد حركة الهواء، فلا تهب شمال ولا صبا، ولا تجري نسمة على الوهاد والربى، وأنَّى والشمس مصدر الحركة في العوالم، وقوام الحياة لكل قائم، فإذا هب الريح فالشمس هي التي تهب، وإذا دبت النعم فالشمس هي التي تدب، فإذا انتشر الغمام فهي التي تنتشر، وإذا انهمرت الغيوث فهي التي تنهمر، ألا وهي الشمس التي تجري في الأنهار، وهي التي تغرد في الأطيار، وهي التي تزهر في الرياض، وهي التي يسمع حفيفها في الغياض، وعلى الجملة، فالشمس هي روح الكائنات وفؤادها، وإذا ماتت الأفئدة فمحال أن تعيش أجسادها.
وقال من مقالة في وصف القمر: بل هو مثال الرونق والجمال، وآية الأبهة والإجلال، إذا برز من الأفق فانهزمت من وجهه جيوش الظلماء، وانفرجت الكواكب لمرِّه في عرض السماء، فأقبل يتنقل بينها وهو يمير عزة وخيلاء، فسمت إليه الأبصار إعجابًا وإكبارًا، وانصرفت إليه ابتهاجًا واستبشارًا، وانطلقت إليه النفوس نشاطًا وارتياحًا، واتسعت به الصدور انبساطًا وانشراحًا، وخلا إليه العاشق يتذكر وجه حبيبه، ولها به المحزون فسلا عن حبيبه ونسيبه، وآوى إليه المسهد فكان سميره في سهده، واتخذه المسافر رفيقًا فذهل به عن مخاوف سفره ومشقة جهده، وجلس إليه الشرب يتعاطون مثل الشمس في مثله، وتساير بإزائه المتعاشقان يستبصران بنوره ويستتران بظله، وقد تخلل شعاعه نسج النسيم، حتى اتحد اتحاد الماء بسلافة النديم، فكان ألطف ما مر ببصر في ألين ما التحف بشر، فأسجل الشاهد أن لياله أصفى الأوقات، وأنه الجالي لأكدار النهار كما تجلى كدورة الظلمات.
لا بل هو مبعث الوحشة ومحرك الأشجان، ومثير هواجس الصدر وبلابل الجنان، إذا طلع في ليله وقد سكتت الأصوات، وسكنت الحركات ولم يبقَ إلا تموُّج الهواء باختلاف الأصوات الصوامت، وخفيف النسائم بين ورق الشجر المتخافت، فأرسل نوره الضعيف سابحًا في أنحاء الفضاء، مترقرقًا على وجه الغبراء، تظهر من تحته الوهاد المنبسطة في العراء، والقمم الشاخصة في الهواء لا يمشي فيها حيوان ولا تسمع نأمة إنسان، فوقف المتأمل أمام مشهد ذلك الجمود وقد ملكت عليه مشاعره حتى توهم نفسه أنه بمعزل عن الوجود، فتخيل ما حوله من الأرض مجاهل خالية أو أطلالًا بالية، بل تخيل الأرض كأنها يوم خلقت فهي أدغال وتنائف، وتصور نفسه آدمها وقد وقف فيها بين الدهش والمخاوف، فخيمت فوقه وحشة العزلة، وأحاطت بنفسه هيبة الوحدة، وانبعثت الأشجان في صدره فتفرع لمناجاتها، وهاجت الذكر في نفسه فغاص بين تياراتها، وتوارد عليه من الخواطر ما حبَّب إليه اللحاق بعالم الفناء، ثم استهواه ما يرى من جمال الطبيعة فثابت إليه الرغبة في البقاء، فتمنى لو اتخذ سببًا إلى هذا العالم الماثل فوق رأسه، أو تعلق بما تدلَّى إليه من أشعة نبراسه، فربما تخيل أن هناك حدائق غلباء، ومدائن غناء، وقصورًا شاهقة، وأنهارًا دافقة. وأقوامًا يمرحون في نعيم، ويرتعون في خصب مقيم، وما تمت لو يعلم إلا كونٌ جامد، وقفر هامد، وسكوت سائد، وحطام خلق بائد، لا يخطر هنالك غاد ولا رائح، ولا يسمع صوت باغم ولا صادح ولا يسبح طائر في السماء، ولا يدب حيوان على العراء، ولا يخضر واد ولا أكمة، ولا تحسب أذيالها نسمة، ولا ينتشر سحاب ولا ضباب، ولا يترقرق ماء ولا سراب، ولكن جملة ما هنالك طلل داثر، وعالم من عوالم الدهر الغابر، بل جنازة يطاف بها حول الأرض، وإن لم تحملها المناكب، وقد صلت عليها السيارات فترحمت عليها الكواكب.
وقال من مقالة في وداع القرن التاسع: من تأمل كرور الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، ورأى الثواني تجرُّ الأيام، والأيام تجرُّ الأعوام، والناس يذهبون بين ذلك أفواجًا، ويمرون فرادى وأزواجًا، ورأى أن هذه الحركة التي ترى بها الشمس تطلع من المشرق، ثم تراها تغيب في المغرب، يتخللها من حركات دقائق الكون ما يمثل دبيب عوامل الفناء، حتى لا يرد كل منظور إلى عالم الهباء، وقف حائرًا دهشًا يتأمل في الكائنات وفي نفسه، وقد اختلط عليه الوجود بالعدم حتى كاد يتهم شواهد حسه، ثم نظر فتمثل وراءه ماضيًا تغيب أوائله في ظلمات الأزل، وأمامه آتيًا تتصل أواخره بحواشي الأبد، وهو بينهما كنفاخة قذفها التيار فوق أديم البحر، فما كاد يقع عليها ضوء الشمس حتى عادت إليه فغاصت فيه آخر الدهر، فملكه من الرهب ما ارتعشت له أعضاؤه، ومن الإشفاق ما جمدت له دماؤه، ثم تمنى لو تخلَّص من هذا الوجود المشوَّه، وأيقن أن الكون ضرب من الزور المموه، إنما هي صور تتبدل. وأشكال تتحول، وهي المادة إلى أن تنحل الأرض، وينتثر نظام السيارات والأقمار، وتتبدد ذرات الشمس في الفضاء، فيمحى رسمها من صحيفة الأدهار.
ودعنا القرن التاسع عشر كما يودِّع المرء يومه عند انقضائه، وقد تذكر ما لقي بين صباحه ومسائه، وما تقلَّب عليه من حالي كدره وصفائه، ثم استشف من خلال ليله المقبل وميض صباح الغد باسمًا عن ثغور الآمال، مبشرًا بما فاته في يومه من الغبطة ونعمة البال، فبات يعد نفسه المواعيد، ويرى كل بعيد من الأوطار أقرب إليه من حبل الوريد، وقد ذهل أكثرنا عن أنه يودع شطرًا من دهره، وقد يكون من بعضنا أطيب شطري عمره، فإذا التفت إلى خلفه رأى خيال نشأته وشبابه، وتمثلت له أوقات لذته ومجالس أترابه، والصفحة التي ارتسم عليها تاريخ ميلاده، ودون فيه تذكار أبهج أعياده، فحن إلى أيامه السوابق، حنين المحب المفارق، وقد حيل بينه وبينها وطويت عليها صحيفة الفناء، وختم عليها بطابع الأبد فهي هناك إلى يوم اللقاء.
شعره

وقد رأيت أنه نظم الشعر في شبابه وقعد عنه في كهولته، على أن شاعريته ظاهرة في ما ظهر من شعره، وبين منظوماته ما جرى على ألسنة القوم مجرى الأمثال مع رغبته في كتمانه؛ إذ جمعه في كتاب بخط يده وضنَّ على الناس بنشره، وهو لا يزال باقيًا كما تركه؛ ومن أشهر شعره قصيدته السينية التي مطلعها:
دع مجلس الغيد الأوانسوهوى لواحظها النواعس وأختها التي مطلعها:
تنبهوا واستفيقوا أيها العربفقد طمى الخطب حتى غاصت الركب والقصيدتان مهيجتان، اقتضتهما بعض الأحوال السياسية في سورية من التحريض على النهوض، ولعل الفقيد حمل على نظمها بإشارة جماعة أو أمر رجل كبير، فجاء نظمهما بليغًا.
ومن قوله في النسيب والغزل:
ما مرَّ ذكرك خاطرًا في خاطريإلا استباح الشوق هتك سرائريوتصببت وجدًا عليك نواظرباتت بليل من جفائك ساهربلغ الهوى مني فإن أحببت صلأو لا فدتك حشاشتي ونواظريقسما بحسنك لم أصادف زاجرًاإلا وحسنك كان عنه زاجريأو ما كفاك من الذي لاقيتهولهٌ كساني الذل بين معاشريوضنى يكاد يشف عن طي الحشىحتى خشيت به افتضاح ضمائريأخذت عيونك من فؤادي موثقًاوعلي عهد هواك لست بغادركن كيف شئت تجد محبك مثلماتهوى على الحالين غير مغايريصبري عليك بما أردت مطاوعأبدًا ولكن عنك لست بصابرعذبت قلبي بالصدود وإن يكنلك فيه بعض رضى فدونك سائريوأضعت عمري بالدلال وحبذاإن صح عندك مطمع في الآخركثر التقول بيننا وتحدثوايا هاجري حاشاك أنك هاجريوأطال فيك معنفي فعذرتهوعساك في كلفي فديتك عاذريحسبي رضاك إذا مننت بزورةيمسي المزور بها رقيق الزائر ومن قوله في الحكم:
حياة أسر العيش فيها مذمموناس بها قلب الخليِّ متيمسقت كل قلب كل يوم مشارباتوهم فيها لذة وهي علقموما الأرض إلا قفرة زأرت بهاأسود المنايا حولنا وهي حوملها كل يوم بيننا كل منذرينادي علينا مسمعًا وهو أبكمتنبهنا بعضًا ببعض فتنثنيوأجفاننا في غفلة اللهو نومخلت دونها شمُّ الحصون فلم تكنلساكنها من غارة البين تعصموأصبح من قد كان يرهب بأسهيناح عليه بعد حين ويرحمتراب من الأرض استوى تحت صورةتلوح عليها مدة ثم تهدمإذا ما دفعنا للبلية مرةولم ننتفع بالحزن فالصبر أحزمجرى قدر المولى بما شاء واستوىلديه جزوع في الأسى ومسلموليس لنا من مطمع فات نيلهإذا كان ما نبغيه ما ليس يغنموما كان ما لا بد منه مؤخرًايهون لديه الرزء وهو مقدموما الفرق في الحالين إلا هنيهةتمر سريعًا والقضا متحتم ومن قوله في الحكم أيضًا:
وإنما نحن في دار إذا اعتبرتليست سوى مأتم ناحت به البشرفي كل يوم أناس فوقها فجعواعلى أناس طوتهم تحتها الحفربئس الحياة التي ما زال واردهايمازج الورد في كاساته الصدرحالان إحداهما مملوءة حذرًامما يليها وأخرى فاتها الحذر ومن قوله في الرثاء:
أيها النائح المبكر مهلًاجاوز الأمر دمعك المستهلَّاشق من قبلنا الورى كل قلبولقد كان لو شفى النفس سهلاإنما نحن ثاكل وصريعذاك يشقى وذاك في الترب يبلىليس أرضها لم يسقها صوب دمعأو سماء لم يشجها نوح ثكلى ومما جرى مجرى الأمثال، ويصح أن يكتب بماء الذهب، بيتان قالهما في معرض رد على أحمد فارس الشدياق لمَّا انتقد كتب والده وشدد الطعن عليه، فقال الشيخ إبراهيم:
ليس الوقيعة من شأني فإن عرضتأعرضت عنها بوجه بالحياء نديإني أضن بعرضي إن يلمَّ بهغيري فهل أتولى خرقه بيدي ومن نظمه ليكتب على عود:
وعود صفا الندمان قدمًا بظلهوما برحت تصفو إليه المجالستعشقه طير الأراكة أخضرًاوحن إليه ريشهُ وهو يابس ومن نكاته الشعرية:
تعجب قوم من تأخر حالناولا عجب في حالنا إن تأخرافمذ أصبحت أذنابنا وهي أرؤوسغدونا بحكم الطبع نمشي إلى الورا وكانت له قريحة في الرياضيات واطلاع واسع في علم الفلك، اتصلت بسببه مخابرات بينه وبين بعض كبار الفلكيين الفرنساويين، واشتغل في حل المشكلة الرياضية المشهورة، وهي قسمة الدائرة إلى سبعة أقسام، وتوصل قبل وفاته ببضع سنين إلى حل يقرب من الصواب كثيرًا، بعث به إلى أكاديمية العلم في باريس، ولا نعلم ما صار إليه أمره، وكان عارفًا اللغة الفرنساوية، وله إلمام بالعبرية والسريانية، ومشاركة حسنة في العلوم الطبيعية.
أعماله وآثاره

نظرًا لما قدمناه من طبعه في التأنق والإتقان، وتوخيه التأني والتدقيق، فقد جاءت ثمار قرائحه أقل مقدارًا مما كان يرجى من مثله — كما قدمنا — فضلًا عن انصراف ذهنه في شبابه إلى الاشتغال بالحفر والرسم، على أنه خدم اللغة العربية من هذا الطريق خدمة ذات بال باصطناع حروف العربية في بيروت، وذلك أن الطباعة بالحروف الإفرنجية لم تكد تظهر بأوربا بأواسط القرن الخامس عشر حتى اهتم أصحابها هناك باصطناع الحروف العربية، فاصطنعوا حروفًا طبعوا بها كتبًا بالبندقية وروما وباريس ولندرا وأكسفورد وغيرها، ولكل منها تقريبًا شكل خاص وإن تشابهت على الإجمال، ثم ظهرت الطباعة العربية في الآستانة، وحرفها يعرف بالحرف الإسلامبولي، ويشبه القاعدة التي تقرأها في هذه الصفحة.
وفي أوائل القرن الثامن عشر ظهرت الطباعة في سورية نقلًا عن حروف رومية، ثم جاء المرسلون الأميركان إلى سورية في أوائل القرن الماضي، ولهم مطبعة عربية في مالطة أسسوها سنة ????م، وحروفها من حروف مطابع لندن، وطبعوا بها كتابًا بعناية المرحوم الشيخ أحمد فارس، ثم نقلوها إلى بيروت سنة ????م، وبعد انتقالها بأربع سنين اهتم مديرها — يومئذ — المرحوم عالي سميث باصطناع حروف جديدة، فاستخدم أحد كتبة الآستانة، فكتب له حروفًا جميلة سبكها في لايبسك، وهي الحروف الأميركانية المشهورة.
ولكن القاعدة الأميركانية على جمالها ورونقها كانت كثيرة النفقة في اصطناعها؛ لكثرة أشكالها، والقاعدة الإسلامبولية تفضُلها من هذا القبيل، لكنها تقل عنها من جهات أخرى، فعني الشيخ صاحب الترجمة سنة ????م بصنع قاعدة جديدة يجمع بها حسنات الحرفين، وهي القاعدة المعروفة بحرف سركيس؛ لأنها تسبك في مسبك خليل أفندي سركيس، صاحب لسان الحال في بيروت، وهي القاعدة الشائعة الآن في أكثر المطابع العربية في سورية ومصر وأميركا.
واصطناع هذه الحروف يحتاج إلى دقة ومهارة لا يعرف مقدارهما إلا من يعاني هذه الصناعة؛ لأن الحرف لا يتمثل للطبع إلا بعد أن يحفر على قضيب من الفولاذ حفرًا دقيقًا، ويقال له باصطلاح الطباعة «الأب»، ثم يضرب على النحاس ضربًا حتى يُطبع غائرًا في النحاس، ويسمونه — حينئذ — «الأم»، وعلى هذه الأم يصبون الرصاص فيخرج الحرف المعروف في المطابع.
فالشيخ كان يصطنع الأب من الفولاذ، ويضربه على الأم النحاسية، واصطنع هذا الحرف عدة أقيسة، ولما جاء القاهرة صنع حرفًا على قياس متوسط بين الحروف الكبرى والصغرى يعرف بحرف (بنط ??)، وقد اتخذته مسابك القاهرة واصطنعوا له قوالب، وشاع استعماله في مطابعها، وبه طبعنا هذه الترجمة.
وأدخل في الطباعة العربية بعد قدومه مصر صورًا للحركات الإفرنجية، يحتاج إليها المعرِّبون في التعبير عن الحركات الخاصة بها التي لا مقابل لها في العربية، ولمَّا أرادت الحكومة المصرية صنع حروف مطبعة بولاق سنة ????م على قاعدة مختصرة مفيدة كانت الأبصار متجهة إلى الشيخ؛ لأنه أقدر من يستطيع ذلك بالدقة والرونق، ولو فوضت إليه هذا العمل لأحسنت صنعًا، واستثمرت قريحته ثمرًا نافعا للغة العربية على الإجمال.
أما آداب اللغة العربية فقد خدمها الشيخ خدمًا ذات بال بما ألَّفه أو نقَّحه أو انتقده أو وضعه في المصطلحات الجديدة، وإليك البيان:
فمؤلفاته أكبرها «الضياء»، وقد ظهر منه ثمانية مجلدات، وفيها مقالات في مواضيع شتى، من جملتها مقالات ضافية في انتقادات لغوية يحسن أن يعاد طبعها على حدة؛ خدمة لهذا اللسان، وهي: (?) اللغة والعصر.
(?) لغة الجرائد؛ فقد انتقد بها ما هو شائع في الصحف السيارة من الغلط اللغوي.
(?) مقالة في التعريب، بيَّن بها شروط التعريب، وتاريخ ذلك من صدر الإسلام.
(?) أغلاط العرب القدماء.
(?) اللغة العامية واللغة الفصحى.
(?) أصل اللغات السامية.
(?) نقد لسان العرب، وهو بحث طويل انتقد به الطبعة المتداولة من معجم لسان العرب.
(?) أغلاط المولدين، بيَّن فيها ما وقع للمولدين من الغلط اللغوي في صدر الإسلام إلى الآن، وفي جملة ذلك ما وقع للمرحوم والده، ثم ذكر ما وقع هو نفسه فيه من الخطأ في بعض المواضع.
فهذه المقالات وغيرها من الأبحاث اللغوية؛ كمقالتيه في المجاز والنبر في اللفظ العربي، وغيرهما مما ظهر في البيان والطبيب، لو جمعت لزاد مجموعها على مئتي صفحة، وفي الضياء مقالات فلكية في القمر وحركاته، والزهرة والمريخ والمشتري، وقياس الأجرام السماوية، وما وراء نبتون، وتكوُّن العالم الشمسي، وسعف الشمس، وغيرها مما يدخل في مئة صفحة أو مئتين.
ومن مؤلفاته التي ظهرت كتاب «نجعة الرائد» في المترادف والمتوارد من ألفاظ اللغة العربية وتراكيبها، في مجلدين.
وكان (رحمه الله) قد شرع من سنوات عديدة في وضع معجم للغة العربية، يشتمل على المأنوس من كلام العرب الأولين، وعلى ما طرأ من موضوعات المولدين والمحدثين، مقتصرًا على الفصيح دون المولد، والمحدث في الاصطلاح، وسماه «الفرائد الحسان من قلائد اللسان»، وقد شغلته العوائق عن إتمامه، وكنا نحسب مواده مجموعة كلها أو بعضها، فإذا هي تعاليق على حواشي الكتب وبعض المذكرات في أوراق متفرقة، لا يستطيع جمعها أو تأليفها سواه، فذهب الأمل بظهور ذلك الكتاب المفيد.
أما ما صححه من الكتب، فأهمها ترجمة التوراة اليسوعية التي تقدم ذكرها، وفيها خدمة كبرى في ضبط لغة المسيحيين لاكتساب الملكة الصحيحة بمطالعتها من صغرهم، ومما صححه وهذب عبارته تاريخ بابل وأشور، تأليف جميل أفندي مدور، ونفح الأزهار في منتخبات الأشعار، ودليل الهائم في صناعة الناثر، والناظم للمرحوم شاكر البتلوني، وعقود الدور في شرح شواهد المختصر، للمعلم شاهين عطية، ورسالة الغفران، غير ما صححه أو اختصره أو شرحه من كتب المرحوم والده؛ كمختصر نار القرى، ومختصر الجمانة لمطالع السعد، ومطالع الجوهر الفرد، والعرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، وغيرها.
ومن آثار علمه أنه انتقى ألفاظًا اصطلاحية لما حدث من المعاني العلمية بنقل العلوم الحديثة إلى اللغة العربية بما عُرف به من سلامة الذوق في اختيار الألفاظ، وهاك أمثلة من ذلك مرتبة على أحرف الهجاء مع أصولها الفرنساوية:
الأربةCravateالشمبنزيChimpanzéالاستعهادAssuranceالشحنةPoliceالأسربPlombagineالشعارArmoiriesالأنبوبياتBacillesالشعريةBrosseالبائنةDotالضلعFuseauالبيئةMilieuالطارئةColonieالتألقPhosphorescenceالطبرخيCutta-PerchaالتليدAcclimatationالطلاءVernisالجناحBalconالكفافCadreالحاكيPhonographاللهاةVavleالحساءSoupeاللولبVisالحسرMyopieالمأساةTragédieالحوذيCocherالمتمعجاتVibrionsالدراجةBicycleteالمجلةRévueالدريئة?cranالمحببGranitالذريراتMicrocoqueالمصلدImperméableالراجبياتBactèriesالمقصفBuffetالرثيةRhumatismeالمصقلةGuillotineالرعادTorpilleالمنضحةDoucheالسفعTache (du soleil)النابضRessortالشاريPoratonnerie
ومن هذا القبيل وضعه «النوام» لمرض النوم الذي حدث في إفريقيا مؤخرًا، و«المداد» القلم الحبر المشهور، وغير ذلك مما يصعب حصره.

الفصل السادس عشر
خليل خوري


مؤسس الصحافة العربية في سورية
تمهيد في النهضة العلمية الحديثة ونصارى الشام

نريد بالنهضة العلمية الحديثة الانتقال الذي أصاب آداب اللغة العربية في القرن الماضي على أثر اختلاطنا بأهل التمدن الحديث، واقتباسنا علومهم المبنية على المشاهدة والاختبار، واقتفائنا آثارهم في إنشاء المطابع والجرائد وغيرها من عوامل التمدن، وكان العلم قبل هذه النهضة لا يزال على النمط القديم الذي بني على أنقاض التمدن اليوناني والفارسي منذ نيف وألف سنة، فكان معولهم في الطب على ابن سينا والزهراوي، وفي الحيوان على الجاحظ والدميري، وفي الكيمياء على جابر والرازي، وفي النبات على ابن البيطار، وقس على ذلك سائر العلوم الطبيعية والرياضية.
على أنهم قلَّما كانوا يشتغلون بهذه العلوم، وإنما كان معولهم في الأجيال الوسطى على العلوم اللسانية؛ كالصرف والنحو والشعر، وبعض العلوم الأدبية، وكان ذلك قاصرًا تقريبَا على المسلمين؛ ولا سيما من حيث الشعر واللغة، جريًا على سنة الاستمرار، ولما جاءنا التمدن الحديث، وقد حمله إلينا نصارى الغرب، كان نصارى الشام أسبق إلى اقتباسه من المسلمين.
وإذا أعملنا الفكرة في تاريخ هذه النهضة في الشام على الخصوص رأيناها مرت في نموها على ثلاثة أطوار؛
الأول: يبدأ بدخول إبراهيم باشا الشام سنة ????م، وينتهي بحادثة سنة ????م؛ لأن إبراهيم حمل معه غرض أبيه من التقريب بين الطوائف المختلفة ليجتمع العرب تحت لوائه وينصروه في تأييد دولته، والتفت إلى نصارى الشام على الخصوص لقيام بعض رجالهم في نصرته، وكانت مصر قد سبقت سائر المشرق إلى إنشاء المدارس على النمط الحديث؛ ولا سيما الطب، وكان مع إبراهيم جماعة من الأطباء المتخرجين في مدرسة الطب المصرية يتعلمون فيها على نفقة حكومتها، جعل ذلك قاعدة متبعة لم تبطل إلا من عهد قريب. لم تطل إقامة إبراهيم في الشام، فخرج منها سنة ????م، وخلف في نفوس أهلها احترامًا للعائلة الخديوية، ورغبة في وادي النيل، وشوقًا إلى علومه، فأمَّه كثيرون تلقوا فيه الطب وغيره، وعادوا إلى بلادهم ينشرون ثمار رقيهم بين أهليهم وذويهم، فحدثت في نفوس القوم نهضة رافقها قدوم بعض جالية الإفرنج من المبشِّرين، وترغيب الناس في تعليم أبنائها مجانًا، فنبغ من نصارى الشام غير واحد من الأدباء والشعراء؛ كاليازجي الكبير، وكرامة، ومراش، وحسون، ودلال، وبعضهم اشتغل بالعلوم العصرية؛ كالدكتور مشاقة بالشام، وآخرون بالتاريخ؛ كطنوس الشدياق، ونبغ في هذا الطور أيضا مارون النقاش واضع علم التمثيل في اللغة العربية.
ويبدأ الطور الثاني بالحوادث المشومة التي أصابت بلاد الشام سنة ????م، فاهتزت جوانبها وانتقل المصابون من أهلها إلى بيروت، وداخلت فرنسا في شئونها، ووجدت سائر الأمم وسيلة لإنفاذ المبشرين، فابتنوا المدارس الكبرى، وألفوا الجمعيات، وطبعوا الكتب في العلوم الحديثة وغيرها، فنشأت طائفة من الأطباء والعلماء والكتَّاب أنشأوا الصحف وألفوا الكتب أو نقلوها أو لخصوها، وأصبحت بيروت مبعث العلوم العصرية ومنشأ رجال الصحافة وكتَّاب الأدب والسياسة. وفي هذا الطور نبغ مؤسسو هذه النهضة، وفيهم أشهر كتَّاب الشام وشعرائها في القرن الماضي؛ كالبستاني واليازجي والشدياق وأديب ونقاش وشميل وتقلا ونوفل ومشاقة وخوري وغيرهم، وأكثرهم من المسيحيين اللبنانيين، ووافق ذلك قيام إسماعيل على عرش الخديوية المصرية، وقد رغب الناس في النزوح إلى مصر، ونشط أهل الأدب، فنزح إليها جماعة منهم أنشأوا فيها الصحف ومثَّلوا الروايات وألفوا الكتب ونظموا الشعر، وينقضي هذا الطور بالانقلاب السياسي الذي أصاب مصر على أثر الحوادث العرابية.
والطور الثالث يبدأ بالاحتلال الإنكليزي بمصر؛ لتكاثر الوفود من أدباء السوريين في أثنائه إلى وادي النيل للعمل بالأدب أو التجارة أو خدمة الحكومة أو الزراعة أو غيرها، وكان لهم شأن كبير في الحركة العلمية والمالية والصحافية، وكانت الهجرة في أول الأمر قاصرة على المسيحيين، ثم تطرقت إلى المسلمين، فهاجر منهم جماعة من الكتَّاب والعلماء لأسباب لا محل لها هنا؛ فكأن الشام في الطور الثالث من نهضتها قد تقهقرت إلى الوراء، أو أنها وقفت حيث كانت، ويمتاز هذا الطور في بيروت بنبوغ طائفة من أدباء المسلمين اشتغلوا بالصحافة والعلوم الحديثة، فضلًا عن الأدب والشعر. فالنهضة العلمية في الشام مرت على ثلاثة أطوار، يبدأ كل منها بفتح أو ثورة ولا نزال في الطور الثالث.
خليل الخوري

ولد سنة ????م في الشويفات من أعمال لبنان، ثم انتقلت عائلته إلى بيروت مهجر اللبنانيين؛ ولا سيما بعد دخولها في حوزة الدولة المصرية على عهد إبراهيم، ولم يكن فيها مدارس كبرى، فتلقى مبادئ العلم في بعض المدارس الطائفية للروم الأرثوذكس على ما تأذن به أحوال ذلك العصر، وكان فيه ذكاء ونشاط، ونفسه تبغي العلى فطلب الرقي من طريق القلم، ولا سبيل إليه — يومئذ — إلا بخدمة الحكومة، وهي عسيرة على غير المسلمين إلا لمن تفقَّه بالعلم وأتقن اللغة التركية.
فأخذ يتعلمها، وتعلم اللغة الفرنساوية على أساتذة مخصوصين حتى أتقنهما تكلمًا وكتابة، فتاقت نفسه للاشتغال بالقلم، فأقدم على الصحافة، وهو أول من فعل ذلك في الشام، فأنشأ جريدة «حديقة الأخبار» سنة ????م قبل انقضاء الطور الأول من هذه النهضة وهو في الحادية والعشرين من عمره، وما زالت تصدر وحدها في بيروت حتى صدر الجنان للبستاني سنة ????م، وظلت الحديقة تصدر إلى سنة ????م، فأوقفها مراعاة لصحته. خليل خوري ????–????م.
وأفضت مصر إلى سعيد باشا سنة ????م، وشخص إلى الشام سنة ????م، وأقام في بيروت ثلاثة أيام، فاحتفل به وجهاؤها، وكان إذا مشى في الطرقات نثر الذهب على الناس، فأحبوه ورغبوا في بلده، ولا يقدم على ذلك غير الأديب الهمام، فشخص صاحب الترجمة إلى مصر، وكان ينظم الشعر من صباه، فنظم قصيدتين رفعهما إلى سعيد باشا، وحظي بمقابلته فأعجبه أدبه وذكاؤه، فعهد إليه أن يؤلف كتابًا في تاريخ مصر، فعاد إلى سورية والحرب الأهلية ناشبة أظفارها، وقد جرت المذابح في دمشق وحاصبيا ودير القمر وغيرها، وألَّف الباب العالي لجنة دولية، مندوبها العثماني فؤاد باشا الشهير، فاحتاج إلى رجل يحسن التفاهم بينه وبين الناس فوقع اختياره على صاحب الترجمة، فتعيَّن في معيته، وكان رفيقه في مهمته، ولما رجع فؤاد ظل خليل بمعية قبولي باشا إلى الفراغ من تلك المهمة.
وكان في أثناء ذلك يشتغل بتأليف تاريخ مصر، ففرغ منه سنة ????م، وقد صارت الخديوية إلى إسماعيل باشا، فحمل الكتاب إليه فأجازه بألفي جنيه، ولم نقف على ذلك الكتاب ولا سمعنا به قبل البحث عن ترجمة هذا الفقيد.
وعاد خليل إلى سورية وقد أصبح موضع إعجاب رجال الدولة، فجعلت الحكومة جريدته رسمية لنشر أوامرها وأخبارها، ولما أنشئت مطبعة سورية وجريدتها عهدت إليه بإدارتها، وأوعزت إليه حكومة لبنان على عهد فرنكو باشا أن يصدر جريدته باللغتين العربية والفرنساوية، وبذلت في مقابل ذلك ثلاثة آلاف قرش كل شهر، وعهدت إليه الحكومة العثمانية بتفتيش المدارس غير المسلمة في سورية، وعينته مديرًا للمطبوعات فيها، وهي توالي عليه الإنعام بالرتب والنياشين، ثم عينته سنة ????م مديرًا للأمور الأجنبية في ولاية سورية، وظل في هذا المنصب حتى أحيل على المعاش قبيل وفاته.
وكان له شقيق أديب اسمه سليم، فيه نشاط أخيه وذكاؤه، فاشترك مع سميه المرحوم سليم شحاده في تأليف معجم مطول في التاريخ الجغرافية — لو تم لكان أحسن ذخيرة لآداب اللغة العربية — سمياه آثار الأدهار، فتوفي سليم الخوري سنة ????م، ولم يصدر من الكتاب إلا بضعة أجزاء، فتوقف العمل، وكانت تلك الوفاة صدمة قوية على صاحب الترجمة، وخسارة كبيرة على اللغة العربية.
صفاته وأعماله

كان (رحمه الله) طويل القامة، حيوي المزاج، قوي البنية، أبيض اللون، أشهل العينين، أسود الشعر، بشوشًا مع هيبة ووقار، وكان دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، رقيق الجانب، ميالًا إلى البساطة، بعيدًا عن الأبهة والبهرجة، رحب الصدر، متوقد الذهن، سريع الخاطر، رقيق الإحساس، وتظهر رقة شعوره على الخصوص في شعره الغزلي، وكان وجيهًا، حسن الوفادة، بيته منزل الولاة والوزراء، يرتاحون فيه من عناء الأسفار، وله صداقة مع رجال الدولة، وكلمته نافذة عندهم، ونال الأوسمة والنياشين من معظم دول أوربا، فضلًا عن رتب الدولة العلية ونياشينها.
وجمع إلى الوجاهة والسياسة الأدب والشعر، فرافق هذه النهضة من أولها، وكان له شأن في أكثر عواملها، فقد رأيت أنه مؤسس الصحافة السورية، وقد أنشأ مطبعة نشر فيها عدة كتب، وهو من مؤسسي الشعر المصري، وكان شاعرًا مطبوعًا يميل بشعره إلى السهولة والرشاقة، وقد نظم الشعر في صباه وشبابه وكهولته وشيخوخته، وله عدة دواوين مطبوعة أكثرها في الغزل والمديح والتهنئة والرثاء، وأكثر مدحه للسلاطين ورجال الدولة؛ ولذلك سموه شاعر الدولة، وكان لطريقته بالشعر العصري وقع حسن لدى المستشرق رينو الفرنساوي، فنقل مثالًا منها إلى اللغة الفرنساوية نشره في المجلة الآسيوية الفرنساوية وفي الديبا وغيرهما.
وذكره لامارتين الفرنساوي الشهير في مؤلفاته، وأثنى عليه وأظهر إعجابه به، وكانت بينهما صداقة ومراسلة، على أنه كان صديقًا لكثيرين من أدباء معاصريه من شعراء الترك والفرس والعرب، وأشهر دواوينه «زهر الربى» و«العصر الجديد» و«السمير الأمين» و«الشاديات» «والفتحات»، وكلها مطبوعة وتحتوي على ما نظمه إلى سنة ????م، أما منظوماته بعد ذلك فهي مجموعة في ديوان كبير لم يطبع، ويمتاز عن سائر الشعراء أنه لم يستجد بشعره قط، ولولا ضيق المقام لأتينا بأمثلة من منظومه، وأحسنه في النسيب.
وله — فضلًا عن الشعر — كتب ومقالات في مواضيع شتى، أكثرها منشور في جريدته، ومنها رواية «النعمان»، و«حنظلة» المشهورة، وهي التي نظمها بعد ذلك المرحوم الشيخ خليل اليازجي وسماها «المروءة والوفاء»، وترجمها إلى الفرنساوية ميشيل بك سرسق، وله رواية اجتماعية أخلاقية نشرها في الحديقة اسمها «وي إذن لست بإفرنجي»، وترجم عن التركية كتاب تكمله العبر لصبحي باشا، وهو تتمة تاريخ ابن خلدون وطبعه، وتولى إدارة ترجمة الدستور التي قام بها المرحوم نوفل نوفل، وطبع مجلديه الأول والثاني، ونشر عدة كتب مفيدة، وله خطب كثيرة بعضها غير مطبوع، وكان منشطًا للمشروعات الأدبية الخيرية من الجمعيات أو المدارس أو الصحف أو غيرها.
ولصاحب الترجمة حادثة غريبة في زواجه يندر اتفاقها؛ وذلك أنه أحب في شبابه نحو سنة ????م سيدة فاضلة من آل بسترس، اسمها كاتبة ابنة موسى بسترس، وكانت من العلم والأدب على جانب عظيم، وقد حال أهلها دون اقترانهما، وزفت كاتبة إلى وجيه من آل نوفل، ثم توفيت وله منها ابنتان، فتزوج خليل إحداهما «ظافر» سنة ????م، ولم تعش معه إلا سنة، رحمهما الله.

الفصل السابع عشر
رزق الله حسون الحلبي


نشأت أسرة حسون الأرمنية في بلاد العجم، وقيل في ديار بكر، وقد أشار المترجم إلى هذا في قوله من قصيدة:
ديار كرج وأرمن وطنيقبل انتقال أبي إلى أخرى فجاء جدها الأعلى وسكن حلب، وولد أولادًا ذهب أحدهم إلى مدينة أزمير، فبقي اسم أولاده أولًا بني حسون، ثم عرفوا ببني حلب أوغلي (أي أولاد حلب)، وهم فيها بهذا الاسم الأخير إلى عهدنا، وذهب أحدهم إلى الآستانة قبل تغيير اسمهم (حسون)، وبقيت سلالته فيها باسم بني حسون إلى عهدنا، ومنهم نشأ البطريرك حسونيان (وزيادة الياء والألف والنون من اصطلاحات اللغة الأرمنية)، وكان من رجال الفضل والعلم، ولا تزال بقية أسرته في الآستانة إلى يومنا، وذهب أحد أولاد حسون — الجد الأعلى المذكور — إلى القطر المصري، أما ولده الآخر فبقي في حلب، ومن أسرته ولد المترجم نحو سنة ????م، فتعلم فيها مبادئ القراءة، وأتقن الخط على الشيخ سعيد سعيد الأسود الحلبي، الشهير بجودة خطه، وما ترعرع حتى انتقل إلى دير بزمار، وهو دير لرهبنة الأرمن الكاثوليك الأنطونية، وفيه مقر الرئيس العام، وموقعه في ساحل كسروان من أعمال لبنان، فدرس العلوم اللاهوتية واللغات الفرنسية والتركية والأرمنية والعربية والعلوم الرياضية، وكان نابغة في جودة حفظه وذكائه، حتى إنه نظم الشعر وهو تلميذ؛ وذلك أنه لما استقدم المطران باسيليوس عيواظ إلى دير بزمار ليُسام فيها أسقفا على الأرمن في حلب، وتمت سيامته في ? فبراير سنة ????م، أنشده رزق الله قصيدة من نظمه وهو في الثالثة عشرة من عمره.
ولما أتم دروسه في بزمار عاد إلى مسقط رأسه حلب، وكان يمارس التجارة؛ لأن والده كان غنيًّا، وكثيرًا ما كان يختلف إلى دار قنصلية النمسا في حلب حيث كان والده ترجمانًا فيها، فيتمرن على أعمال الترجمة في القنصلية.
ثم نزعت نفسه إلى طلب العلى فذهب إلى أوربا، وطاف في لندن وباريس، وجاء مصر واستنسخ كتبًا كثيرة؛ لأنه كان ولوعًا بالمطالعة، كثير الميل إلى صناعة الخط التي عُرف بينهم بها، كما أشار إلى ذلك بقوله من قصيدة:
لا خاملًا لا دنيًّا منشأي حلبفسل وهاك بفضلي يشهد القلم ثم عاد إلى الآستانة وتقرَّب من رجالها، ونال منزلة عندهم، واتخذه الحاج أبو بكر آغا القباقيبي، من كبار أغنيائها وتجارها وأعيانها، مدبرًا لشئونه، ومؤتمنا على أموالهن وبواسطته استخدم في الحكومة، وقد اتصل بالمرحوم يوسف جلبي الحجار، وتزوج السيدة متيلدة ابنته سنة ????م، وأرَّخ ذلك بطرس كرامة بقوله من أبيات:
فلا زلتما طول الزمان بصحبةوعيش رغيد بردة الأمن والرفدزفاف سعيد والهناء مؤرخموافٍ لرزق الله بالخير ما تِلدُ وقد كانت بينه وبين أدباء عصره في سورية ومصر والآستانة مراسلات ومساجلات؛ ولا سيما وطنية الشاعر نصر الله الطرابلسي المشهور، وأحمد فارس الشدياق، وبطرس كرامة، وغيرهم ممن جاء بعدهم؛ مثل: فرنسيس مراش، وشقيقه عبد الله، وجبرائيل الدلال، وشقيقه نصر الله من مواطنيه، والقس لويس الصابونجي، وديمتري شحادة الدمشقي، والمطران أغابيوس صليبا الأرثوذكسي، وخليل الخوري وغيرهم.
لقد عرف رؤساء الأساقفة بعهده ومدحهم، من ذلك أبيات موجودة بخطه في دار بطريركية الروم الكاثوليك بدمشق، مدح بها الطيب الذكر البطريرك مكسيموس مظلوم الحلبي الشهير، سنة ????م/????هـ، مطلعها:
صرفت كربة من ناجاك مبتهلًاولم تُرد صرف من ينحوك ذا بدَدِ وقال من قصيدة مدح بها الطيب الذكر البطريرك بولس مسعد الماروني الشهير:
إمامٌ على سر الإله أمينأضاءت بنور من سناه دجونبدا علمًا في أوج لبنان للهدىولبنان للدين القويم عرينسميُّ الإناء المصطفى نعته الصفاعلى نسج أسلاف طوته قرونهو البطريرك الندب بولس ذو الحجىوكعبة فضل للزمان جبين وختمها بقوله:
ودونكم نظم ابن حسون فائقًابمعنى وألفاظٍ لهن رنين ومن ذلك ما بعث به إلى صديقه بطرس كرامة شاعر الأمير بشير الشهير، من قصيدة ذكرت في ديوانه صفحة ??? منها:
خدين المعالي وابن بجدتها الفردبقيتَ بقاءَ الدهر يخدمك السعدوزادك رب العرش أسنى كرامةٍقرين بها الإقبال والفخر والمجدولا زلت في أمنٍ وموفور نعمةٍويمن إيادٍ كسبها الشكر والحمدوبعدُ فقد طال البعاد ومهجتييكاد من الأشواق يضرمها الوجدفأبغي للاطمئنان منكم ألوكةإذا لم يكن منكم قدوم هو القصد فأجابه بطرس كرامة بأبيات تجدها في ديوانه، ومنها قوله:
فلا تحسبوا بعدي بعادًا وإنماودادي لكم قربًا وبعدًا هو الودوإني لأرجو كل يوم لقاكمولكن دهري شأنه المنع والصدفلا زلت رزق الله خدن كرامةٍويصحبك التوفيق والعز والسعد ولما نشبت حرب القرم بين روسيا والدولة العلية، وتداخلت فيها الدول المتعاهدة منحازة إلى دولتنا سنة ????م، أنشأ المترجم جريدة «مرآة الأحوال» في دار السعادة، فكانت أول جريدة عربية فيها، وكان يصف فيها حرب القرم ومواقعها، ويكتب الفصول السياسية الدالة على حنكته، ويتطرق إلى وصف أحوال بلادنا؛ ولا سيما بعلبك ولبنان وحاصبيا، وما كان يجري فيها إذ ذاك من الفتن الأهلية، فذاعت جريدته شهرة، وزادت نجاحًا بعد ذلك إلى أن عطلها.
ولما نشبت حوادث سنة ????م في سورية، وسفكت الدماء وتفاقم الخطب، وجاء فؤاد باشا لإصلاح ذات البين، كان صاحب الترجمة من رجاله، اتخذه لتعريب المناشير والأوامر التي يصدرها للشعب، وكان قد نال لديه حظوة أيام كان وزيرًا للخارجية في أثناء حرب القرم، ومدحه في جريدته المرآة، وأثنى على بسالته حينما كان قيِّمًا على الجند بقيادة عمر باشا النمساوي في حرب القرم.
واتصل وهو في دمشق بالأمير عبد القادر الجزائري الشهير، وله فيه مدائح كثيرة، نشر بعضها في كتابه النفثات الذي قدمه له، وتبادل المودة مع أدباء بيروت ودمشق ولبنان.
وعثر وهو في دمشق على كثير من الكتب المخطوطة القديمة، وأحرزها، ومن جملتها إنجيل عربي وجده في قرية عين التينة، قرب معلولا في جبل القلمون، نسخ سنة ???? لآدم و???هـ (????م)، فأهداها إلى المرحوم متري شحادة الدمشقي لما كان في القسطنطينية سنة ????م، وهو الآن في مكتبة البطريركية الأرثوذكسية في دمشق عدد ???? وخطه كنسي جميل، وقد تفقد مكاتب دمشق القديمة، ووقف على نوادر مخطوطاتها، ونسخ بعض تعاليق مفيدة عنها كان يفيد بها المستشرقين بعد ذهابه إلى أوربا.
ولما عاد فؤاد باشا إلى الآستانة نائلًا منصب الصدارة العظمى سنة ????هـ/????م، نال المترجم حظوة لديه، فكان من خاصته، ولم يلبث فؤاد باشا أن صار عضوًا في مجلس الأحكام العدلية في السنة الثانية من صدارته، وذهب إلى معرض مدينة لندن معتمدًا عثمانيًّا سنة ????هـ/????م، فأخذ المترجم معه، ولما عاد إلى الآستانة أعاده معه فرقَّاه إلى نظارة جمارك الدخان، فكثر حساده ومناوئوه، واشتد الأمر بينه وبينهم، فوُشي به أنه رمُي بالغلول في مال الجمارك هو وبعض المستخدمين، فسُجن معهم، ثم فر إلى روسيا، وهناك أطلق لسانه بالانتقاد على الحكومة، وألف رسالة بعنوان «قول من رزق الله حسون يبرئ نفسه من الغلول».
وذكر البعض أنه أنشأ جريدة في فرنسا لهذه الغاية، وذلك غير ثبت إلَّا إذا كان قد أعاد نشر جريدة مرآة الأحوال، ثم توسط في أمره فقبلت الحكومة أن ترسل إليه أسرته؛ أي زوجته وأولاده، فلم يقبل إلا بجميع مطاليبه منها، فأوغر صدر السلطان عبد العزيز عليه، فطلب من الحكومة أن تمنعه عن التنديد بالدولة، فلم يصخ لها سمعًا، بل غادرها وحل لندن، وأصدر فيها جريدته مرآة الأحوال، وخصها بالشكوى من أعمال بعض موظفي الحكومة لعهده.
وقد رأيت منها العدد السادس عشر بتاريخ ?? كانون الثاني سنة ????م، مكتوبًا بخطه الجميل، مطبوعًا على الحجر وفيه مقالات سياسية بليغة، وكان يكتب فيها كثير من أدباء عصره ومواطنيه؛ ولا سيما المرحومان جبرائيل الدلال وعبد الله المراش شقيق الشاعر الشهير فرنسيس مراش، وكان قد أصدر مجلة عربية عنوانها «رجوم وغساق إلى فارس الشدياق»، نشر منها عددين في لندن؛ الأول في ? أيار سنة ????م، في ?? صفحة صغيرة، والثاني ? أيار سنة ????م، وذلك ردًّا على المرحوم أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب، على أثر ما حدث بينهما من الخصام الشديد، وكانا يتناظران مناظرات موجعة شديدة اللهجة، وكان يبيع من مرآة الأحوال في سنتها الأولي في لندن ??? نسخة.
ثم عطل مرآة الأحوال ونشر مجلة عربية طبعت في لندن سنة ????م، كانت تصدر كل خمسة عشر يومًا مرة، عنوانها «حل المسألتين الشرقية والمصرية»، وهي أول مجلة عربية شعرية؛ لأنها كانت قصائد تبحث في هذه المواضيع، فاجتمع منها مجلد بقطع ربع في أكثر من ثلاث مئة صفحة.
ثم انقطع بعد ذلك إلى النسخ والاشتغال بتصحيح حروف الطباعة العربية في أوربا، ومساعدة كثير من المستشرقين، حتى بلغ ما استنسخه من نفائس الكتب أكثر من عشرين؛ أهمها: ديوان الأخطل، وديوان ذي الرمة، ونقائض جرير والفرزدق، وصبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي، والمتمم لابن درستويه، والأناجيل المقدسة ترجمة أبي الغيث الدبسي الحلبي، وديوان حاتم الطائي — وهذا طبعه كما سيجيء، ولا تزال بعض مخطوطاته في مكاتب روسيا وفرنسا وإنكلترا، حيث كان يتردد بين هذه الممالك، وجاء حلب قبل وفاته بسبع سنوات متنكرًا، فتفقد مكاتبها واستنسخ منها بعض الآثار النادرة، ثم عاد إلى إنكلترا التي اتخذ معظم سكناه فيها؛ ولا سيما قرية وندسورث، حيث تفرغ لوضع كتبه وطبعها.
وعلى الجملة، فإن رزق الله حسون كان سياسيًّا حرًّا، يرغب في إصلاح الدولة العثمانية، ويذهب مذهب كبار أحرارها؛ كمدحت باشا وأعوانه، ولما ذهب مدحت باشا إلى لندن قابله فيها، وسرَّ به، ولا صحة لما شاع من أنه سعى في قتله.
أما منزلته الأدبية، فإن نثره من النمط العالي المتين، وسجعه كثير ينحو فيه نحو الأقدمين، وشعره يدل كثير منه على طبيعته، ولكنه كان قليل التدقيق في الأوزان ومراعاة الأصول الصرفية والنحوية، فيشبع الحروف التي لم يرد مسوِّغ لإشباعها، ويسكِّن ويحرِّك ويختار القوافي الصعبة، وهذا التكلف ظاهر في كتابه «أشعر الشعر»، وقد خرج في بعض القصائد عن الطرق المألوفة، فلم يتقيد بقافية كما ترى في كتابه «أشعر الشعراء»، وكثيرًا ما يميل إلى الألفاظ المهجورة.
وبقي بين المحابر والأقلام نحو سنة ????م غريبًا عن أسرته التي بقيت في الآستانة، وولده ألبير الوحيد حي إلى اليوم فيها، ولما شعر بدنو أجله نظم احتضاره (على أصح الروايات التي محصتها) بهذين البيتين:
قد قضى الله أن أموت غريبًافي بلاد أساق كرها إليهاوبقلبي مخدرات معانٍنزلت آية الحجاب عليها وقد أتقن فوق اللغات التي تلقنها في بزمار وبرع بها، اللغة الإنكليزية، وألم بالروسية، وأهم ما وصلت إليه يد البحث من مؤلفاته ومطبوعاته هو: (?) النفثات: وهو قسمان؛ أولهما: في تعريب قصص كريلوف شاعر الصقالبة، التي وضعها على طريقة بيدبا الهندي في كليلة ودمنة، ولافونتين الفرنسي في خرافاته، ولقمان في حكاياته، وما شاكل، عرَّبها نظمًا في ?? قصة تقع في ?? صفحة، بقطع ربع، وألحق بها نخبة من منظوماته من تواريخ وأوصاف ومدائح وشكوى، وبينها قطعة عرَّض فيها بالشيخ أحمد فارس الشدياق، حتى إن الشدياق لما انتهت إليه قال فيها عبارته الشهيرة: «كان حسون لصًّا وله سرقات، فأصبح صلًّا وله النفثات»، وجميع هذا الكتاب يقع في ?? صفحة، وقدمه للمرحوم الأمير عبد القادر الجزائري نزيل دمشق، وطبعه في لندن سنة ????.
(?) أشعر الشعر: وهو نظم سفر أيوب الصديق في ?? صفحة، بقطع ربع، فرغ منه في ?? نيسان سنة ????م، وهو في وندسورث (إنكلترا)، ثم نشيد موسى النبي، ثم سفر الجامعة، ونشيد الإنشاد لسليمان الحكيم، ومراثي آرميا النبي، وهذه بدأ بنظمها في ?? نيسان سنة ????م، وأتمها في ? آيار، والكتاب يقع جميعه في ??? صفحة، وهو مطبوع في المطبعة الأميركية ببيروت سنة ????م، ووضع في أوله مقدمة قال فيها إن أيوب وهوميروس وشكسبير أشعر الخلق، وأشار إلى نظمه سفر أيوب في أيام اعتقاله، وأنه نظم الفصل الثامن عشر منه على أسلوب الشعر القديم بلا قافية، وقد كتب بعض الفصل نثرًا بليغًا، وربما أبقى بين ما نظمه في بعضها فقرات نثرية، في أشعر الشعر من الركاكة والجوازات الشعرية ما يدل على اضطراب بال المؤلف حين نظمه، وسرعة إعداد بعض الأسفار الأخرى، فلم تمسه يد النقد ولا جال فيه خاطر التهذيب.
(?) السيرة السيدية: وهو عبارة عن مزج الأناجيل الأربعة المعروفة بالبشائر، طبع بمطبعة الأميركان في بيروت في ??? صفحة.
(?) رسالة مختصرة في الطباعة العربية، والاقتصاد فيها ماديًّا ووقتًا، وقد وجدت منها نسخة بخطه الجميل في مكتبة أسقفية الأرثوذكس بحلب فاستنسختها — سأنشرها قريبا لفوائدها.
(?) ديوان حاتم الطائي المشهور بكرمه، استنسخه عن نسخة قديمة، وطبعه في لندن سنة ????م في ?? صفحة.
(?) كتاب المشمرات: طبع في سانباولو من أعمال البرازيل، سعت بطبعه إدارة جريدة المناظر منذ بضع سنوات.
(?) حسر اللثام: وهو كتاب جدلي، تم تأليفه سنة ????م، ولا أظنه طبع.
ولقد ذكر المترجمَ كثيرون من المستشرقين، وآخرهم ثناء عليه المسيو كليمان هوار الفرنسي في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية، وقد اقتصر على ذكر كتابه النفثات وجريدته مرآة الأحوال في لندن، ولم يذكر نشأتها في الآستانة.
(المقتطف)
عيسى إسكندر المعلوف

الجزء الثالث
سَائِر رجَال العلم وَالأدب



الفصل الثامن عشر
محمد علي باشا الحكيم


رئيس المدرسة الطبية المصرية وكبير جراحيها
هو السيد محمد علي بن السيد علي الفقيه البقلي بن السيد محمد الفقيه البقلي، ولد في زاوية البقلي التابعة لمديرية المنوفية سنة ????هـ، ونشأ فيها حتى ترعرع، فأدخله أهله مكتبًا في تلك البلدة، فتعلم مبادئ الكتابة وقرأ القرآن، فلما بلغ التاسعة من سنِّه جاء به أحمد أفندي البقلي إلى القاهرة، وأدخله مدرسة أبي زعبل التي كان قد بناها المغفور له محمد علي باشا الكبير في قرية أبي زعبل، وفيها مكتب ديواني، فمكث فيه ثلاث سنين أتم فيها قراءة القرآن، وتلقى بعض مبادئ العلوم اللغوية، فنقله إلى المدرسة التجهيزية فمكث فيها أيضا ثلاث سنين، فأظهر من الذكاء والاجتهاد ما حبَّب به أساتذته؛ لأنه كان ممتازًا عن سائر أبناء صفه، راغبًا في العلم، فنقلوه إلى مدرسة الطب، وكانت تحت إدارة المرحوم كلوت بك محيي العلوم الطبية في الديار المصرية، ففاق أقرانه، وظهرت فيه مخائل النجابة وحدة الذهن، حتى إذا صدر أمر محمد علي باشا بإرسال نخبة من تلامذة تلك المدرسة إلى باريس للتبحر في العلوم الطبية كان صاحب الترجمة في جملة المنتخبين، وعددهم إثنا عشر شابًّا، وقد أتموا دراسة الفنون الطبية، وفيهم من نال رتبة اليوزباشية. محمد علي باشا الحكيم ????–????هـ.
وكان راتب السيد محمد علي عند سفرته هذه مئة وخمسين قرشا، فأوصى بخمسين منها لوالدته وأبقى لنفسه مئة، فدخل مدرسة باريس الطبية، وبذل غاية جهده في تحصيل علومها، فنال حظًّا وافرًا من سائر علوم الطب والجراحة، وشهد له أساتذته بالامتياز على سائر رفاقه، مع أنه كان أصغرهم سنًّا، وما زالوا في تلك المدرسة حتى أتموا دروسهم وقدموا امتحاناتهم الشفاهية، ولم يبقَ عليهم إلا الامتحان الخطي، وهو عبارة عن تأليف رسالة في الطب يقترحها عليهم الأساتذة، فوردت عليهم الأوامر بالعودة إلى مصر، فعادوا فإذا بذلك الأمر قد صدر لهم سهوًا بغير علم العزيز، فأمر بعودتهم إلى باريس لإتمام الامتحان ونيل الشهادة الطبية، فعادوا إليها فامتحنوهم خطًّا، فألَّف المترجم رسالة طبية في الرمد الصديدي المصري، وقعت وقعًا حسنًا لدى أساتذته، فمنحوه الشهادة وعاد إلى مصر سنة ????هـ، وكانت شهرته قد سبقته إليها فتعيَّن حال وصوله باش جراح، وأستاذًا للعمليات الجراحية الكبرى والصغرى والتشريح الجراحي، وأنعم عليه محمد علي باشا إذ ذاك برتبة صاغقول أغاسي، ولم تمضِ مدة حتى نال رتبة بكباشي.
فلما كانت ولاية المغفور له عباس باشا الأول حصلت بينه وبين بعض أطباء المستشفى الأوربي منافسة، فأمر بنقله إلى ثمن قوصون من أثمان القاهرة، ليتولى التطبيب فيه على نفقة الحكومة، وكان قد ذاع صيته بين الناس، فتحول المرضى من مستشفى قصر العيني إلى ثمن قوصون، وزاد اشتهاره بالفنون الطبية؛ وخصوصًا الجراحة، وما زال يطبب في ذلك الثمن خمس سنين متوالية، فأنعم عليه برتبة قائمقام، وتعيَّن رئيسًا لأطباء الآلايات السعيدية.
ولكنه لم يمكث في ذلك المنصب إلا قليلًا، فاعتزل المناصب ولزم منزله سنة، ثم تعيَّن رئيسًا لجراحي قصر العيني، وأستاذًا للجراحة، ووكيلًا للمستشفى والمدرسة الطبية، فقام بمهام أعماله حق القيام، فأنعم عليه برتبة أميرالاي، وكان ذلك في عهد المغفور له سعيد باشا، فقرَّبه منه وجعله حكيمه الخاص، وأدخله في معيته مع بقائه في مناصبه المشار إليها، ثم أحسن إليه برتبة المتمايز، فلما سافر سعيد باشا إلى أوربا سار صاحب الترجمة في معيته.
ولما توفي سعيد باشا وتولى المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، تعيَّن المترجم رئيسًا للمستشفى والمدرسة الطبية، وفي سنة ????هـ نال الرتبة الأولى من الصنف الثاني، وفي آخر سنة ????هـ لزم بيته وانقطع عن الأعمال، ولم يعلم سبب ذلك، فلما كانت الحرب بين مصر والحبشة سار (رحمه الله) في الحملة المصرية التي سافرت إلى الحبشة برفقة المرحوم البرنس حسن باشا، عم الجناب الخديوي، فخدم الجنود المصرية هناك خدمًا يذكرها له العارفون، ولكن أجله عاجله في الحبشة فتوفي هناك سنة ????هـ/سنة ????م ولم يعلم أحد مكان ضريحه، على أن لهم في ذلك أقوالًا مختلفة، نذكر منها رواية كتب بها إلينا حضرة مصطفى أفندي صبري قومندان حملة طوكر في ذيل كتاب اقترح فيه نشر ترجمة صاحب الترجمة، وهاك نصها، قال: ومما يهمني ذكره ليطلع عليه أبناء وطني أنه بلغني من بعض الأحباش أن الفقيد (تغمده الله برحمته ورضوانه) قد أقيم له قبر بالحبشة ببلدة تسمى جراع، ما بين عدوى وأسمرة، إلا أنها أقرب إلى هذه من تلك، وقد شيدوا فوق القبر قبة عظيمة يزوره فيها الأحباش على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، ويقيمون له الدعوات، وليس ذلك إلا تعظيمًا له وتخليدًا لذكره، مع علمهم بأنه كان في مدة حياته سفاكًا لدمائهم، راغبًا في سلب أملاكهم، وإن يكن في ذلك مأمورًا لا آمرًا، وهي خدمة يستحق عليها أهل الحبشة الشكر والثناء لقيامهم بواجب قصر عنه أبناء جنسه؛ وخصوصًا الذين ارتشفوا من بحر علومه.
وكان (رحمه الله) حائزًا للنيشان المجيدي من الرتبة الثالثة، ناله مكافأة لما بذله من الجهد وأظهره من الشهامة في حوادث الهواء الأصفر سنة ????م، وله في الطب مؤلفات حسنة؛ منها كتاب في العمليات الجراحية الكبرى، وضعه في اللغة العربية في مجلدين، وسماه «غاية الفلاح في أعمال الجراح»، وكتاب في الجراحة أيضا في ثلاثة أجزاء، وباشر تأليف قانون في الطب، وقانون في الألفاظ الشرعية والمصطلحات السياسية، ولم يمهله الأجل لإتمامها.
وكان محبًّا لوطنه، راغبًا في ترقية شأنه، عاملًا على بث العلوم والمعارف بين أبنائه، غيورًا على الفقراء، طويل الأناة في معالجتهم، لا يلتمس على ذلك أجرًا، ومما يذكره له العارفون أن معظم أساتذة الطب ومن تولى رئاسة المدرسة الطبية بعده هم من تلامذته، وقد سمعنا الثناء عليه من جماعة كبيرة من الأطباء المصريين وغيرهم، وامتدحوا مهارته بنوع خاص في الفنون الجراحية، وقد أعقب أولادًا نجباء، عرفنا منهم الدكتور أحمد باشا حمدي.

الفصل التاسع عشر
مارييت باشا


مؤسس المتحف المصري
الآثار المصرية

ما برحت مصر منذ أجيال متطاولة مطمحًا لأنظار الرواد والمستطلعين من سائر الأمم والشعوب على اختلاف الزمان والمكان، ينظرون في آثارها، ويعجبون لما خلَّفه الفراعنة من الهياكل والأهرام والمدافن والأصنام، مما يستوقف الطرف ويبهر العقل، ولم يكد يقوم مؤرخ عمومي قبل المسيح أو بعده إلا ذكر آثار المصريين وأعجب بضخامتها وبُعد عهدها، وأشهر هؤلاء المؤرخين هيرودوتس وأسترابون وغيرهما من مؤرخي اليونان والرومان.
أما العرب، فقد ذكرها كثيرون منهم؛ كالمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وعبد اللطيف البغدادي، ولكن هذا الأخير جاء الديار المصرية بنفسه في القرن السادس للهجرة، فتفقد تلك الآثار وأفاض في وصفها، وأكثر من الإعجاب بضخامتها ودقة صنعها، مما تراه مفصلًا في كتابه «الإفادة والاعتبار»، ناهيك بمن كان يتقاطر إليها من جالية الإفرنج في القرون الأخيرة؛ وخصوصًا بعد أن وطئها نابوليون بونابرت.
ويرى الناظر في ما كتبه هؤلاء أنها كانت في أقدم الأزمنة أكثر عددًا وأكبر مساحة مما هي عليه الآن، وأن الدول التي توالت على مصر بعد الفراعنة كانت تستخدم كثيرًا من أحجارها في ما بنته من القصور والكنائس والجوامع، حتى كثيرًا ما تعمدوا هدمها لغير نفع يرجونه من أنقاضها، كما فعل الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين، فأمر بهدم الأهرام العظمى بدءًا بالصغير منها، فأخرج إليه النقابين والحجارين قضوا ثمانية أشهر يعملون بكرة وأصيلًا، فلم يهدموا إلا جزءًا صغيرًا، فكفوا عن العمل.
ومن هذا القبيل ما فعله بهاء الدين قراقوش وزير السلطان صلاح الدين، فإنه نقل كثيرًا من أنقاض الأهرام وغيرها، فبنى بها سورًا يحيط بالفسطاط والقاهرة.
وبالجملة، فقد كانت تلك الآثار عرضة للهدم والنقب أجيالًا متوالية، فضلًا عما كان يأتيه عامة المصريين وغيرهم من التنقيب عن الكنوز والمطالب، فيفتحون القبور يستخرجون منها الذهب والفضة والآنية من النحاس وغيره، وكثيرًا ما كانوا يبيعون قطع المومياء والمحنطات الأخرى بيعًا بخسًا، وقد ذكر البغدادي ما يؤيد ذلك بقوله: «وأما ما يوجد في أجوافهم وأدمغتهم مما يسمونه مومياء فكثير جدًّا، يجلبه أهل الريف إلى المدينة ويباع بالشيء النذر، ولقد اشتريت ثلاثة أرؤس مملوءة منه بنصف درهم مصري، وأراني بائع جواليق مملوءًا من ذلك، وكان فيه الصدر والبطن وحشوه … إلخ».
وناهيك بما كان يتعمَّده بعضهم من السرقة والنهب، وأكثر ما سُرق منها في هذا القرن على أثر انتباه الإفرنج لحفظ الآثار، فكانت فرنسا أو إنكلترا أو غيرهما تبعث بالنقَّابين على نفقاتها يستخرجون ما في جوف الهياكل من التماثيل أو المومياء أو المصاغ أو غيره، فيحملونه إلى متاحفهم أو معارضهم، وأول من نبَّه الأذهان إلى ذلك اللجنة العلمية التي رافقت حملة بونابرت، ولم يكن يهم الإفرنج قبل ذلك من الآثار إلا ما يتعلق منها بصناعة البناء؛ كالأهرام وأبي الهول ونحوها؛ لجهلهم الكتابة الهيروغليفية، وقد كانوا يظنونها رسومًا لا معنى لها، حتى أتيح لشامبليون حل رموزها، فعرف الناس قدر تلك الآثار، فتسابقت دول أوربا إلى إحرازها، لا يدخرون وسعًا في ذلك، ولو استطاعوا حمل الأهرام والهياكل لنقلوها، وإذا زرت متحف لندرا أو باريس أو غيرهما الآن رأيت فيها الآثار المصرية شيئًا كثيرًا، وفيه ما لو بيع لجاء بالملايين من الجنيهات.
وما زالت الحال على ما تقدم حتى تولى المغفور له محمد علي باشا، فانتبه في أواخر حكمه إلى ما يترتب على ذلك من الخسائر الفادحة، فأصدر أمرًا بمنع الإفرنج من حمل هذه الآثار إلى بلادهم، على أنهم كانوا يحملونها خلسة، فقيَّض لها الله المرحوم مارييت باشا، فجمع ما بقي من شتاتها في بناء سمَّاه المتحف المصري — كما سيجيء.
مارييت باشا

هو فرانسوا أوغست فردينان مارييت، ولد في بولون سيرمير من أعمال فرنسا في ?? فبراير سنة ????م، وكان أبوه رئيسًا في بعض دوائر الحكومة، فكان يجب أن ينشأ مارييت مرشحًا لمثل هذه الخدمة، ولكنه نشأ ميالًا إلى الأسفار محبًّا للاكتشاف منذ نعومة أظفاره، فاتفق له قبل أن يدرك الحُلُم أنه دخل دهليزًا تحت الأرض في بولون لا يُعرف آخره، فحدَّثته نفسه أن يتتبعه إلى آخره، فما زال سائرًا حتى خرج من طرفه الآخر. مارييت باشا ????–????م.
وكانت عائلته في ضيق من دنياها، فأسرع في العمل لمساعدتها، فتعيَّن سنة ???? معلمًا للرسم واللغة الفرنساوية في مدرسة أسترافورد بإنكلترا وهو لم يتم دروسه بعد، فنمت فيه موهبة الرسم العملي، ولكن ميله إلى العلم تغلب عليه، فعاد إلى بولون لنيل رتبة البكلورية، ونظرًا لضيق ذات يده اضطر لمعاطاة مهنة التعليم لتحصيل ما يقوم بنفقات التعلم، ولكنه ملَّ هذه المهنة، ولم تعد نفسه تطيق الإعراب والنحو، وطمحت أنظاره نحو العلى فأحب صناعة الكتابة، فتولى تحرير جريدة فرنساوية اسمها الشارح البولوني (Annotateur Boulonnais)، فاشتهر بحسن الأسلوب في الإنشاء. وكان الرحالة المسيو دينتون رفيق حملة بونابرت إلى مصر قد أهدى إلى متحف بولون سنة ????م تابوتًا مصريًّا فيه مومياء، فاتفق لمارييت أنه رأى ما على التابوت من الصور الهيروغليفية، فتاقت نفسه إلى حل رموزها، فاستعان بكتابين لشامبليون؛ أحدهما في نحو اللغة الهيروغليفية، والآخر معجم لحل ألفاظها، فوفِّق إلى فهم بعض تلك الرموز، فشعر بلذة حبَّبت إليه لغة الهيروغليف، فما برح من ذلك الحين يتردد إلى المتحف يقضي أوقاته بين الآثار المصرية حتى تمكن من تلك اللغة، فلم يعد يقنعه غير الشخوص إلى مصر، فعرض على نظارة المعارف الفرنساوية أن تعيَّنه في مهمة يسير بها إلى وادي النيل للبحث في آثارها فأبت، فالتمس أن تأذن له بالمسير على أن لا يكلفها إلا نفقة السفر فلم ترضَ، فاستأذنها في الذهاب إلى باريس برخصة فأذنت له، فسافر وانقطع إلى متحف اللوفر يقرأ ما فيه من الآثار المصرية. ثم كانت ثورة سنة ????م، فتضعضعت الأحوال وانقطع راتبه، فتوسط له بعض أصدقائه بمنصب صغير في متحف اللوفر، تمكَّن بواسطته من التبحر في اللغة الهيروغليفية، وألَّف كتابًا يتعلق بالكتب القبطية.
واتفق سنة ????م أن الإنكليز أنفذوا إلى مصر وفدًا لغويًّا يبحث في مكاتب الديور المصرية عن الكتابات القبطية القديمة، فعثروا في دير بوادي النطرون على أوراق كثيرة أرسلوها إلى لندرا، فاقتدى الفرنساويون بهم، وكانوا إنما يرجون بأبحاثهم هذه الوقوف على حقائق جديدة تتعلق بتاريخ اليونان، وكان مارييت قد اشتهر بينهم بمعرفة هذه اللغة، فعيَّنوه في هذه المهمة براتب مقداره ثمانية آلاف فرنك، فسافر في ? سبتمبر سنة ????م حتى جاء القاهرة، فرأى أنه لا يستطيع الذهاب إلى ذلك الدير أو غيره إلا بوصية من البطريرك، وكان البطريرك قد غضب من تصرف الوفد الإنكليزي؛ لأنهم حملوا ما حملوه من الكتب القبطية جبرًا.
وبعد السعي والالتماس رضي أن يكتب لمارييت كتاب توصية باسم رئيس دير الأنبا مقار، على أن مارييت لم يكن يرجو الحصول على ذلك الكتاب قبل مضي ?? يومًا، فلكي لا يضيع الفرصة عمد إلى تعهد مشاهد القاهرة، فسار إلى القلعة، وكان ذهابه إليها سببًا لتغيير عظيم في مستقبل حياته؛ لأنه أشرف من سورها على ضواحي العاصمة فرأى أهرام الجيزة وأهرام سقارة، فتاقت نفسه إلى زيارتها وقد نسي ما جاء من أجله، فركب إلى سقارة وتوغل في صحرائها يتوقع الحصول على آثار مهمة؛ لقربها من أنقاض منف العظمى، فوقف يتفرَّس في تلك الرمال القاحلة، فرأى فيها حجرًا ناتئًا يشبه رأس الإنسان، فتأمله فإذا هو رأس أبي هول، وكان قد شاهد أمثال هذا التمثال قبلًا، فلم يهمه ذلك الاكتشاف لغرابته، ولكنه توسم منه خيرًا لما سبق إلى ذهنه مما قرأه في أسترابون عن آثار منف، وكان أسترابون قد زارها في القرن الأول للميلاد، فكتب عنها ما ترجمته: «ورأينا هناك هيكل سرابيوم (Serapium)، فإذا هو قائم في بقعة مغمورة برمال تقذفها الرياح عن أكمات هناك، ورأينا تماثيل أبي الهول عند زيارتنا هذه مغطاة بالرمال، إلا بعضها لا تزال رءوسها ظاهرة، وبعضًا آخر رأينا نصف أبدانها مكشوفة، فتمثل لنا المشقة الذي كان المصريون القدماء يقاسونها في طريقهم إلى هذا الهيكل من شدة العواصف». وكان من عادة المصريين القدماء أن يجعلوا أمام هياكلهم صفين من هذه التماثيل، يسير الناس بينهما إلى الهيكل، فبحث في غربيه فعثر على تمثال آخر، فما زال يتتبع بحثه حتى اكتشف ??? تمثالًا، ولما وصل إلى المئة والخامس والثلاثين آنس بالقرب منه منحدرًا، فكشف ما فيه من التماثيل حتى انتهى إلى التمثال المئة والحادي والأربعين، فوصل إلى قنطرة عليها أشباه بعض آلهة اليونان وفلاسفتهم، فواصل النقب من جهة اليمين، فانتهى إلى دهليز استطرق منه إلى أروقة تحت الأرض، عثر في أوائلها على تماثيل أُسود وعجول وغيرها، فرقص قلبه طربًا، وتحقق أنه عثر بضالته.
والهيكل المشار إليه لا يزال مقصدًا للرواد والمستطلعين إلى اليوم، ويُعرف بمدافن سقارة، وكان محمد علي باشا — كما قدمنا — قد منع الإفرنج وغيرهم من النقب عن الآثار، فلما توفي أُغفل ذلك المنع وعاد الباقون إلى أعمالهم.
فلما اكتشف مارييت هذا الهيكل العظيم اتصل خبره بمدير الجيزة، فأبلغه إلى عباس باشا الأول والي مصر إذ ذاك، فبعث إلى مارييت أن يكفَّ عن العمل ويتخلى عما اكتشفه من التحف، فأجاب أن الجواب على ذلك من متعلقات قنصل فرنسا، فأغضى عباس باشا عن المطالبة، ولكن العملة الذين كان يستخدمهم مارييت في الحفر تقاعدوا عن العمل بإيعاز المدير، فتوقف الحفر شهرًا.
وبلغ خبر هذا الاكتشاف مسامع حكومة فرنسا، فنسيت الكتب القبطية والبحث عنها، وبذلت لمارييت ????? فرنك أخرى تنفق في سبيل نقل هذه التحف إلى باريس سرًّا، فبلغ الخبر مسامع الحكومة المصرية، فأرسلت مندوبًا يستطلع تلك المكتشفات ويلقي الحجز عليها.
والمظنون أن إنكلترا هي التي حرَّضت الحكومة على ذلك؛ غيرة وحسدًا، وبلغ عدد المكتشفات ??? قطعة بين تماثيل ومومياء وغيرها، فأبى مارييت تسليمها إلا بأمر من حكومته، فكتب أسطفان بك بالنيابة عن عباس باشا كتابًا إلى مارييت يقول له فيه: «إن الحكومة المصرية لم تسكت عما أجراه من النقب إلا لاتفاقها مع قنصل فرنسا بأن تبقى التحف المكتشفة ملكًا لها»، فبقي مارييت على إصراره، ودارت المداولة بهذا الشأن بين الحكومتين المصرية والفرنساوية حتى انتهت على الشروط الآتية: (?) أن تتخلى الحكومة المصرية عما اكتُشف من الآثار إلى ذلك الحين لجمهورية فرنسا.
(?) أن يتوقف النقب مؤقتًا.
(?) أن يباح للحكومة الفرنساوية العود إليه، على أن يكون ما تكتشفه بعد ذلك ملكًا لمصر.
وبناء على ذلك عاد مارييت إلى العمل، فاكتشف من التماثيل والتحف ما يعجز القلم عن تعداده فضلًا عن وصفه؛ فقد كان هذا المدفن العجيب مملوءًا بالآثار الثمينة، وفيها الذهب والحجارة الكريمة مما يطول شرحه، وكثيرًا ما كان مارييت يبيع من تلك المثمنات بما يساعده على نفقات الحفر.
ولما فرغ من كشف هيكل السرابيوم تذكَّر كلامًا قرأه في كتاب بلينيوس بشأن أبي الهول الأكبر قرب أهرام الجيزة، مآله أن في جوف هذا التمثال قبرًا للملك هرمكيس، وكان مارييت مرتابًا مما قرأه؛ لاعتقاده أن أبا الهول حجر منحوت لا جوف له، فلاح له أن يكون ذلك القبر في جواره، فسار إلى أبي الهول وأخذ ينقب ويبحث حوله، فعثر على آثار كثيرة، في جملتها هيكل يعرف بالكنيسة، وهو أقدم الهياكل المصرية.
وفي سنة ????م، عاد مارييت إلى فرنسا بسبعة آلاف قطعة من الآثار المصرية على اختلاف الأشكال والأقدار، مع أن العدد الذي وهبته الحكومة المصرية لفرنسا بموجب ذلك الاتفاق لا يزيد على ???، ولكن سرقة آثار المشرق حلال في شرع أهل المغرب، ولا تزال هذه التحف في متحف اللوفر بباريس إلى هذه الغاية.
وفي تلك السنة توفي المغفور له عباس باشا الأول، وخلفه عمه سعيد باشا، وكان بينه وبين الموسيو دلسبس الشهير صداقة قديمة سهلت له الوصول إلى مشروع قنال السويس، فلما تم حفر هذا القنال كثر مرور الإفرنج بوادي النيل، فكانوا يتوغلون أحيانًا في أنحاء القطر، وأكثرهم من الإنكليز، فيحملون ما تصل إليه أيديهم من الآثار، فسعى دلسبس في وسيلة تحفظ تلك الآثار في مصر — ولا نظنه فعل ذلك لمجرد رغبته في مصلحة مصر، ولكنه أراد الكيد بالإنكليز، وشاع في أثناء ذلك عزم برنس نابوليون على زيارة مصر، فتداول سعيد باشا ودلسبس في استقدام رجل عالم بالآثار يصلح لمرافقة البرنس في تجواله، فوقع الاختيار على مارييت، فجاء مصر وقد أطلق له التصرف في آثارها كما يشاء، فجد في العمل لا يخاف رقيبًا ولا يخشى حرجًا.
فكان يقضي معظم أيامه في الصحاري، لا سمير له إلا الرمال، ولا أنيس إلا الأحجار، فاكتشف آثارًا كثيرة في سقارة وما جاورها، ثم انتقل إلى الصعيد فارتاد الكرنك وأبو وأبيدوس ودندره، ونزل إلى مصر السفلى فنقب عن آثار الرعاة في صان وغيرها، فأنعم عليه سعيد باشا في أواخر سنة ????م بالرتبة الثانية.
ولم يكتف مارييت باكتشاف تلك الآثار، فأخذ يسعى في حفظها لمصر بعد أن كان في المرة الماضية يجاهد في حملها إلى باريس، ولكنه من الجهة الأخرى سعى في تقوية نفوذ الفرنساويين في مصر، فخاطب دلسبس بذلك، فحببا إلى سعيد باشا السفر إلى فرنسا على سبيل الزيارة، فسار إليها في خريف سنة ????م، ولما عاد من سفرته هذه رقَّى مارييت إلى رتبة المتمايز، وزاد راتبه.
المتحف المصري

وفي سنة ????م توفي سعيد باشا، وخلفه إسماعيل فثبَّت مارييت في منصبه، وأمره ببناء متحف مصري في ساحة الأزبكية يكون وسطًا يسهل تردد الناس إليه، فيدخر فيه الآثار اليونانية والعربية الإسلامية فضلًا عن المصرية، فسُرَّ مارييت بذلك، ولكنه لم يكد يشرع فيه حتى ورد على إسماعيل باشا من الآستانة أن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز عازم على زيارة وادي النيل قريبًا، فاشتغل عن بناء المتحف بإعداد معدات الاستقبال، وأمر أن تجعل الآثار المصرية في بناء يليق بها ليشاهدها السلطان ريثما يتيسر بناء المتحف في فرصة أخرى، فوضعوها في بناء رحب على ضفة النيل في بولاق.
وفي تلك السنة زار الديار المصرية البرنس نابوليون، فرافقه مارييت إلى جزيرة أصوان، ولما عاد برنس نابوليون عاد مارييت إلى متحفه، وعمل على ترتيبه، وعول على الإقامة في مصر، فاستقدم أهله وأولاده، وفي سنة ????م أنشأت فرنسا معرضًا عامًّا للآثار القديمة، جعلت فيه نصيبًا لمصر، فنالت قصب السبق بتدبير مارييت، وأنعمت فرنسا عليه برتبة كومندور.
وفي سنة ????م احتفل الخديوي إسماعيل بفتح قنال السويس، احتفالا دعا إليه ملوك أوربا أو من ينوب عنهم، وكان في جملة ما أعده لهم من دواعي الاحتفاء متحف الآثار، فاهتم مارييت بذلك كثيرًا وكتب كتابًا يساعد المشاهدين على فهم الآثار، فسُرَّ الخديوي منه، فأنعم على ابنتيه بمئة ألف فرنك تقتسمانها بينهما، وأهدته الحكومة الفرنساوية ????? فرنك مكافأة على مؤلفاته، وكان قد ألَّف بعضًا منها، فازداد نشاطًا فألَّف كتبًا أخرى، وكان يتردد كل عام تقريبًا إلى فرنسا لتبديل الهواء أو طبع الكتب، وفي سنة ????م أقيل إسماعيل باشا، وخلفه توفيق باشا، فأنعم على مارييت برتبة لواء مع لقب باشا، وما زال عاملًا مجتهدًا حتى وافاه الله في أواخر عام ????م، ودفن في متحف بولاق.
وظل المتحف المصري في بولاق حتى نقلته الحكومة المصرية إلى سراي الجيزة مذ بضع عشرة سنة، ثم اهتمت بإرجاعه إلى القاهرة تسهيلًا للوصول إليه، فقررت سنة ????م بناء متحف جديد بجوار قصر النيل، وشرعت في بنائه سنة ????م، وتم البناء سنة ????م، واحتفلوا بافتتاحه رسميًّا في ?? نوفمبر منها.
مؤلفاته

ألف مارييت باشا مؤلفات كثيرة بالفرنساوية، يزيد عددها على ?? بين صغير وكبير، بعضها طبع على حدة، وبعضها نشر في الجرائد العلمية في أوربا؛ أهمها: (?) سرابيوم منف.
(?) جدول سقارة.
(?) ملخص تاريخ مصر من أقدام أزمانها إلى فتوح الإسلام.
(?) زيارة متحف بولاق.
(?) أبيدوس، وهو كتاب في ? مجلدات.
(?) وصف هيكل دندره الكبير، طبع في ? مجلدات أو ?.
(?) أطلس متحف بولاق.
(?) مصر العليا.
(?) ملاحظات.
(??) وصف هيكل الكرنك وتاريخه.
(??) الدير البحري.
(??) سياحة في مصر العليا، وغير ذلك شيء كثير.

الفصل العشرون
السيد صالح مجدي بك


هو من نوابغ أواسط القرن الماضي الذين ارتقوا بذكائهم ونشاطهم إلى مناصب الحكومة، ونبغوا في النظم والإنشاء والترجمة، وكان ذلك صعبًا نادرًا قبل النهضة الأخيرة. السيد صالح مجدي بك ????هـ–????هـ.
ولد السيد صالح في أبي رجوان من مديرية الجيزة سنة ???? للهجرة، وتلقى مبادئ العلم في مدرسة حلوان الأميرية، ثم انتقل إلى مدرسة الألسن وناظرها — يومئذ — المرحوم رفاعة بك الطهطاوي الشهير، فآنس فيه أساتذته ذكاء ونباهة فألحقوه بقلم الترجمة، ورقِّي لرتبة الملازم وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ثم انتقل إلى مدرسة المهندسخانة الخديوية يتولى تدريس اللغتين العربية والفرنساوية فيها، وكانت كتب التدريس في العلوم الرياضية — يومئذ — لا يزال معظمها في اللغة الفرنساوية، فعهدوا إلى صاحب الترجمة نقلها إلى اللسان العربي، فنقل منها كتبًا جمَّة لا تزال يُنتفع بها إلى اليوم؛ منها كتاب في الطبوغرافية والجيولوجية، وكتاب في الميكانيكيات النظرية، وآخر في الميكانيكيات العلمية، وأخر في حساب الآلات، وكتب في الطبيعة والهندسة الوصفية، وكلها مطبوعة، فضلًا عن كتاب في حفر الآبار، ورسالة في الأرصاد الفلكية، تأليف أرجو الشهير، لم تطبع، وألَّف كتبًا أخرى.
وفي سنة ????م، أحيل إلى آلاي المهندسين والكبورجية، وقد ترقى إلى رتبة يوزباشي، وتولى رئاسة الترجمة وتصحيح ما يعرب من الفنون العسكرية، وجعل يترقى في مناصب الحكومة بجده واستحقاقه حتى صار سنة ????هـ ناظرًا لقلم الترجمة بقلعة الجبل، وهو مع ذلك يلاحظ طبع الكتب العسكرية، ولما تولى المغفور له إسماعيل باشا أعجبه ذكاؤه ونشاطه فرقَّاه إلى الرتبة الثالثة، وعيَّنه في قلم الترجمة بالمعية السنية، ثم انتقل إلى ديوان المعاونة فالداخلية، ثم إلى ديوان المدارس، وتعيَّن سنة ????هـ مأمور إدارة المدارس، وفي سنة ????هـ أنعم عليه بالرتبة الثانية، وفي سنة ????هـ ألغيت إدارة المدارس فاعتزل الأعمال، وتشكلت المحاكم المختلطة بمصر سنة ????هـ فتعيَّن قاضيًا بمحكمة القاهرة، وما زال في هذا المنصب حتى توفاه الله في ?? ذي الحجة سنة ????هـ/????م.
وكان شاعرًا مطبوعًا، جمعت أشعاره في ديوان كبير طبع في المطبعة الأميرية سنة ????هـ، مصدَّرًا بترجمة له مطوَّلة، أخذنا عنها معظم ما ذكرناه عنه، وكان ميالًا إلى الإنشاء، فلم تخلُ جريدة من جرائد تلك الأيام من مقالات بقلمه أو قصائد من نظمه؛ كالوقائع المصرية، وروضة المدارس، والجوائب.
ومما نقله إلى اللسان العربي من المؤلفات الرياضية — غير التي تقدم ذكرها — كتاب في الحساب، وآخر في الجبر، وآخر تطبيق الجبر على الأعمال الهندسية، وآخر في المثلثات وغيرها، وكانت هذه الكتب لا تزال إلى عهد قريب معتمد المدارس الأميرية في تدريس هذه الفنون، وقد عرَّب وهو في آلاي المهندسين كثيرًا من كتب الفنون العسكرية؛ منها كتاب الترع والأنهر، وكتاب ميادين الحصون والقلاع ورمي القنابر باليد والمقلاع، وكتاب استكشافات عمومية، وكتاب استحكامات قوية، ومن معرَّباته كتاب تذكير المرسل بتحرير المفصَّل والمجمل، واشترك في ترجمة قوانين فرنسا (كود نابوليون)، وترجم كتبًا أخرى ونشر رسائل شتى في مواضيع مختلفة، واشترك في تحرير جريدة روضة المدارس التي أنشأها المرحوم علي باشا مبارك، واتحد مع علي باشا المذكور في تأليف تاريخ عام مطوَّل للديار المصرية، فألَّفا منه ما يتعلق بالفراعنة والأكاسرة والبطالسة والرومانيين، حتى انتهيا إلى فتوح الإسلام، وتجاوزاه إلى سنة ??? بعد الفتح، فبلغ ما كتباه منه نحو ??? كراس، وتوفي صاحب الترجمة والكتاب بين أوراق المرحوم علي باشا مبارك، لا ندري ما آلَ إليه الأمر بعد وفاة علي باشا.
ويقال بالإجمال إن صالح مجدي بك كان من رجال العلم الذين خدموا آداب اللغة العربية بترجمة الكتب الرياضية والعسكرية، فضلًا عن قريحته الشعرية؛ فإن صفحات ديوانه المطبوع ??? صفحة كبيرة تدل على طول باعه في النظم، واطلعنا مؤخرًا على كتاب فيه مقالات أدبية من إنشاء صاحب الترجمة كانت تنشر في جريدة روضة المدارس، قيل — يومئذ — إن فيها تعريضًا ببعض رجال ذلك العهد، فمنع نشرها، فعني بجمعها نجله محمد مجدي بك، القاضي بمحكمة الاستئناف بمصر، وطبعها في المطبعة الأميرية.

الفصل الحادي والعشرون
سليم بسترس


إن عائلة بسترس من أشهر عائلات سورية غنًى ووجاهة، وقد نبغ منهم جماعة اشتهروا بالذكاء والإقدام والمهارة في الشئون التجارية، نذكر اليوم ترجمة أحدهم المرحوم سليم بسترس بن موسى بسترس، من نوابغ أواسط القرن الماضي.
ومما دعانا إلى نشر ترجمة هذا الرجل بنوع خاص أنه كان على غناه ووجاهته ميالًا إلى العلم، راغبًا في اكتسابه ونشره، وذلك نادر في بلادنا؛ فهو يجدر أن يكون مثالًا لأهل اليسار، وفيهم من يحسب العلم مهنة الفقراء، وإذا قيل لهم تعلَّموا قالوا وما ينفعنا العلم ونحن لا نحتاج إلى كسب، كأن العلم والغنى لا يتفقان! وهي أوهام تقادم عهدها وآن لنا أن ننزعها، وما من عاقل إلا وهو يعلم أن العلم زينة الغنى، ودعامة التمدن، وإكليل الملوك، بل هو نور العالم ودليل الإصلاح.
فنرجو أن تكون ترجمة سليم بسترس قدوة لهم حسنة، وإليك هي:
هو سليم بسترس بن موسى بسترس، ولد في بيروت في ?? من شهر آب (أغسطس) سنة ????م، وكان الولد الذكر الوحيد لوالده موسى بسترس، وكان موسى عين قومه ورئيس أسرته ومؤسس اتحادها، وكان ولده كثير الحسنات رحب الصدر، ممتازًا بمحامد الصفات، توفي مأسوفًا عليه سنة ????م، فتربى ولده سليم في حجر والدته، فقامت بتهذيب أخلاقه، ولم يلبث أن حصَّل المعارف والآداب العربية، وأحرز بعض اللغات الأجنبية، وكان له شعر رقيق. سليم بسترس ????م–????م.
وكانت أحوال أوربا في فتوته مجهولة لدى السواد الأعظم في سورية، فسافر إليها سنة ????م، وجاب بعض ممالكها، وألَّف في رحلته كتابًا مفيدًا سماه الرحلة السليمية، حرَّض فيه أبناء وطنه على طلب أسباب تقدم أوربا، وضمَّنه كثيرًا من النصائح والحكم، ومما قاله في تقدم الأمم: «إنه يكون بالاتحاد والتعاضد والاجتهاد، وبتغيير عناصر التعصب، واتباع السنن العمومية؛ إذ هي مفتاح الترقي، وأن أفراد الرجال هم الذين يبثون الآراء الصحيحة بين الناس بكتاباتهم وكلامهم وقدوتهم»، وقد عرَّب عدة روايات قصد بها استصلاح العادات، وبث الآراء الصحيحة، والاحتفاظ بالآداب، جعلها أقاصيص يصبو الناس إلى مطالعتها.
وفي سنة ????م استوطن الإسكندرية قصد الاتجار، وسافر سنة ????م ثانية إلى أوربا، وأنشأ بيتًا تجاريًّا في ليفربول، ثم جاء بيروت سنة ????م لزيارة أهله وخلانه، ولما عاد إلى إنكلترا انتقل بيته التجاري إلى لندن.
وسنة ????م قدم بيروت زائرًا، وفي أول أيلول (سبتمبر) سنة ????م زفَّت إليه في مدينة لندن أدما ابنة ابن عمه حبيب جرجس بسترس، فرُزق منها ولدين؛ البكر إسكندر موسى عرابه القيصر إسكندر الثاني إمبراطور روسيا الأسبق، والثاني فلديمير عرابه القيصر إسكندر الثالث والد القيصر الحالي، وهي حظوة يستدل بها على ما كان له من المكانة في البلاط الروسي.
وكان يهب جمعيات الإحسان الخيرية في سورية وإنكلترا وغيرها من ممالك أوربا، وكان عضوًا في جملة جمعيات؛ منها الملجأ ببطرسبرج، وجمعية القديس يوحنا الأورشليمي في لندن، فقلَّدته وسامها المخصوص، ومنحته لقرينته بعد وفاته، وقد أحرز شهرة حسنة في سورية وبلاد الإنكليز.
كان صادقًا كريمًا، معروفًا بالفضل والنبل وسعة المعارف، فنال الوسام المجيدي العالي الشأن من العواطف الشاهانية، ومنحه إمبراطور روسيا وسام سنت آن (القديسة حنة) الثالث، ووسام الصليب الأحمر، ووسام سان ستانسلاس الثاني، وكانت وفاته بعلَّة القلب في مصيفه في فلكستن قرب لندن في ? شباط (فبراير) سنة ????م، وقد نقلت جثته إلى بيروت، فدفن فيها سنة ????م.
وقد عني بعضهم في جمع مراثيه وأقوال الجرائد فيه وصور الرسائل العديدة التي كانت ترد عليه من وزراء الروس وحجَّاب الإمبراطور الروسي، وطبعها في كتاب يسمَّى صدى الحسرات، طبع في بيروت في مطبعة القديس جاورجيوس سنة ????م — فلتراجع فيه — وله ديوان شعر اسمه أنيس الجليس.

الفصل الثاني والعشرون
محمود باشا الفلكي


العالم الرياضي الفلكي المصري
ولد (رحمه الله) في بلدة اسمها الحصة في مديرية الغربية سنة ????هـ، ولم يكد يترعرع حتى توفي والده فاحتضنه أخوه، وكانت النجابة تتجلى في وجهه منذ صباه، فأدخله أخوه في مدرسة الإسكندرية سنة ????هـ، فأقبل على الدرس والمطالعة، وأكبَّ على اكتساب العلم بهمة ونشاط، فلم تمضِ عليه بضع سنوات حتى نال رتبة بلوك أمين، فانتقل من هذه المدرسة إلى غيرها من المدارس الأميرية المصرية، وكان حيثما حلَّ اشتهر بالنباهة والذكاء؛ وخصوصا في الفنون الرياضية، فلما أتم دروسه عيَّنته الحكومة أستاذًا للعلوم الرياضية والفلكية في مدرسة المهندسخانة، وكانت إذ ذاك برئاسة لامبير بك، فترقى فيها إلى رتبة صاغقول أغاسي، أنعم بها عليه المغفور له محمد علي باشا الكبير سنة ????هـ. محمود باشا الفلكي ????هـ–????هـ.
ولا يخفى ما كان للرتب من المنزلة إذ ذاك، فكانت الحكومة لا تنعم على أحد برتبة ما لم يأتِ عملًا عظيمًا يمتاز به عن أقرانه، أو يقوم بخدمة ذات بال، فحصول صاحب الترجمة على هذه الرتبة دليل على علو همته ورفع منزلته، على أنها كانت داعيًا إلى تنشيطه، فأكبَّ على التبحر في العلوم، فاختارته الحكومة المصرية سنة ????م وبعثت به إلى أوربا لإتمام علومه الرياضية والفلكية، فثابر على ذلك تسع سنوات متوالية، لازم في أثنائها مرصد باريس، وكان لا يترك فرصة لا يستفيد بها شيئًا حتى آن الامتحان، فقدمه وحاز به قصب السبق، فنال الشهادات وعاد ظافرًا منصورًا في عهد المغفور له سعيد باشا، فأنعم عليه برتبة أميرالاي، وكلَّفه رسم خريطة للديار المصرية، فأخذ في مباشرة هذا العمل — وهو أول من باشره من المصريين — فرسم خريطة الوجه البحري رسمًا مدققًا يدل على طول باعه ومهارته في التخطيط والهندسة، وهي خريطة مشهورة باسمه، يرجعون إليها عند التدقيق، ولعلها أول مؤلف وضعه، ثم أردفه بمؤلفات أخرى بين رسائل وكتب، بعضها في العربية وبعضها في الفرنساوية، وهاك أسماؤها ومواضيعها: (?) الخريطة المتقدم ذكرها، وقد أشرنا إلى ما نالته من المنزلة الرفيعة.
(?) رسالة في التقاويم الإسرائيلية الإسلامية، نشرها سنة ????م، بعد أن قدمها لمجمع العلوم في البلجيك، وخلاصة موضوعها تعيين زمن ابتداء تاريخ اليهود، وهو عندهم في ? تشرين أول سنة ???? قبل الميلاد، ويريدون به اليوم الذي تمت الخليقة فيه، والنظر في حدود يومهم وهو يبتديء عندهم في الساعة السادسة إفرنكية مساء، ويقسم إلى ?? ساعة، وتقسم الساعة إلى ???? قسمًا، يقسم كل منها إلى ?? جزءًا، وبحث في أسبوعهم وشهرهم وسنتهم والأيام التي تبتدئ بها شهورهم وسنوهم، مع تعيين أعيادهم، ومقارنة تاريخهم بتاريخ الميلاد المسيحي.
(?) رسالة في الحالة الحاضرة للمواد المغناطيسية الأرضية بباريس وضواحيها، تلاها سنة ????م على المجمع العلمي الفرنساوي، وقد أعدَّ موادها أثناء تجواله في أوربا.
(?) كتاب في التقاويم العربية قبل الإسلام، نشره سنة ????م، وهو من أجلِّ كتبه، بحث فيه عن يوم ولادة صاحب الشريعة الإسلامية، فوصل إلى نتيجة مآلها أنه ولد في ? ربيع الأول، الموافق ?? إبريل سنة ??? للميلاد.ودقق النظر في حال التقويم قبل الإسلام، فحكم بأنهم كانوا يعملون بالحساب القمري الصرف، وبحث فيه أيضًا عن عمر النبي عند وفاته، فبلغ ستين سنة شمسية و?? يومًا، أو ?? سنة قمرية و? أيام، وارتأى أن العرب في جاهليتهم لم يكونوا يعرفون الساعات التي ينقسم اليها اليوم، وهو رأى كوسين دي برسفال المؤرخ الفرنساوي وشوسن.
(?) رسالة في الكسوف الكلي الذي ظهر بدنقلا في ?? يولية سنة ????م، وشاهده هو بنفسه هناك، وكانت تلك الرسالة داعيًا إلى اشتهاره بين علماء الفلك.
(?) رسالة في الإسكندرية القديمة، وصف بها تلك المدينة في أقدم أزمانها، مستشهدًا بما اكتشفه هو من شوارعها ومراسحها وأبنيتها، وأرفق الكتاب بخارطة أوضح بها ذلك.
(?) رسالة في الإيضاح عن أعمار الأهرام، بحث فيها بحثًا دقيقًا، فتبيَّن له الغرض الأصلي من بنائها مطابقتها للشعرى، ومن رأيه أن الأهرام إنما بُنيت لغرض فلكي؛ قال مختار باشا المصري: «وعلى ذكر هذه الرسالة يجدر بي إيراد عبارة هي في حد ذاتها صادرة عن أفكار شخصية، فقد كنت موجودًا مع المرحوم عند شروعه في أخذ مقاييس الأهرام وموقعها من التناسب الفلكي، وأعلم علم اليقين بأنه وصل للاطلاع على الغرض من تشييدها، إذ وجد تحكيمها في رسم يقابل بالضبط كوكب الشعرى عند طلوعه، فكان الآمر ببنائها أراد أن يجعلها مزولة يعرف بها يوم شم النسيم العلماءُ، ولأجل تعريض جثث المدفونين فيها لموافاة صعود الكوكب المذكور، فيسبغ عليه من آياته رحمة وغفرانًا؛ إذ ليس بخافٍ أن كوكب الشعرى كان عند الأقدمين؛ وخصوصًا المصريين، من أجلِّ المعبودات، حتى عبَّر عنه بعضهم بإله الآلهة».
(?) رسالة في التنبؤ عن ارتفاع النيل قبل ارتفاعه.
(?) بحث في ضرورة إنشاء مرصد لمراقبة الحوادث الجوية في مصر.
(??) رسالة في مقياس مصر ومكيالها وميزانها، ومقابلة ذلك بالأقيسة الفرنساوية.
(??) رسالة في مشابهة (كان) الناقصة بالفعل الفرنساوي (Avoir).
(??) رسالة في توحيد موازين العملة في القطر المصري، باشر كتابتها، والموت حال بينه وبين إتمامها.
وتقلَّد محمود باشا الفلكي (رحمه الله) مناصب ذات شأن لا يتقلدها إلا نخبة أهل الفضل؛ منها أنه ناب عن الحكومة المصرية في المجمع الجغرافي بباريس سنة ????م، وفي البندقية سنة ????م، وتقلب في مناصب الحكومة حتى بلغ مسند الوزارة، فعهدت إليه نظارة الأشغال العمومية، ولكن الحوادث العرابية التي داهمت هذا القطر سنة ???? لم تمكِّنه من إدارة شئونها طويلًا، ثم عهدت إليه نظارة المعارف العمومية، فلمَّ شعثها ونظَّمها ورتَّب كثيرًا من أقسامها، فزهت المعارف على عهده وأضاءت البلاد بها، وتولى رئاسة الجمعية الجغرافية الخديوية مدة.
وخلاصة القول أنه كان همامًا حازمًا محبًّا لوطنه، قضى سني حياته عاملًا في خدمته، مجاهدًا في سبيل نشر المعارف بين أبنائه، حتى توفاه الله فجأة سنة ????هـ وهو محاط بالكتب والأوراق، آسفًا على مؤلفات كان في عزمه إتمامها، فحال المنون بينه وبينها، فشقت وفاته على أهل الوطن المصري، فأبنه العلماء ورثاه الكتاب والشعراء بما دل على تقديرهم فضله حق قدره.

الفصل الثالث والعشرون
نوفل نعمة الله نوفل الطرابلسي


تاريخ حياته

هو أحد رجال النهضة العربية الأخيرة، ولد في طرابلس الشام سنة ????م، وكان والده نعمة الله نوفل من أصحاب المناصب الذين يشار إليهم بالبنان، على أن آل نوفل بوجه الإجمال قوم معروفون بالوجاهة والإخلاص للدولة العلية، وقد تولوا خدمتها في أثناء ثلاثة قرون، وتقلبوا في مناصب متنوعة ولا يزالون. نوفل نعمة الله نوفل الطرابلسي ???? م–????م.
فعني والده بتثقيفه جريًا على مثال أعضاء أسرته، فأدخله بعض المدارس الابتدائية في مدينة طرابلس، فاكتسب مبادئ القراءة والكتابة في اللغة العربية، وتناول بعض الشيء من والده؛ وخصوصًا الإنشاء والخط، فبرع فيها، وفي سنة ????م قضت الأحوال بسفر والده إلى الديار المصرية على عهد المغفور له محمد علي باشا، وكانت له عليه دالة لما تولاه من الإنشاء في ديوانه، وكان العلم إلى ذلك العهد قاصرًا في سورية ومصر على العلوم العربية والتركية، ويندر من يتعلم الفرنساوية أو الإيطالية، وكان محمد علي باشا قد أنشأ المدارس لتعليم تينك اللغتين، فدخل نوفل بعضها، فنبغ فيهما حتى عني ولاة الأمر بتعيينه معاونًا لأبيه في قلم التحريرات بالديوان الخاص.
وفي سنة ????م عاد إلى سورية مأمورًا لمحاسبة لواء طرابلس وقضاء اللاذقية، ظل في هذا المنصب سبع سنين، تزوج في أثنائها بالمرحومة أنجلينا، كريمة المرحوم حنا غريب، وهو في أوائل أفراحه نكبه الزمان بمصيبة نغصت عيشه؛ وذلك أن المغفور له إبراهيم باشا دخل سورية — كما هو معلوم — سنة ????م، فقضى فيها عشر سنوات بين مدافع ومهاجم، لم تخلُ البلاد في أثنائها من ثورة في بلد أو جبل، ولكنه كان صارمًا سريع الانتقام، ذلك ما أوقع هيبته في قلوب السوريين فباتوا يخافون اسمه، ولا تزال أيام إبراهيم باشا مثلًا يضربونه بالعدل والصرامة، فنقل إليه بعض الناس وشاية بنعمة الله نوفل والد المترجم، فأمر بإعدامه، ثم عاد إبراهيم إلى طرابلس وقد تقدم إليه بعضهم أن يتفحص ما بلغه عن المقتول، فبحث فتحقق براءة الرجل وأن الأمر كان وشاية، فاستقدم صاحب الترجمة، وكان معتزلًا في منزله حزينًا، فقدم فأكرمه ودفع إليه مالًا كثيرًا، وخلع عليه خلعًا سنية، وأرسل بعض رجال معيته ليعزي والدته، ويعدها بالانتقام من الواشين جبرًا لقلبها الكسير، وقد فعل.
وفي سنة ????م تعيَّن المترجم باشكاتبًا لخزينة طرابلس، وفي السنة التالية نقل إلى بيروت للكتابة في مجلس إدارة ولاية صيدا، وفي أثناء ذلك أنفذت الدولة العلية أمين أفندي أحد كبار مأموريها لمساحة جبل لبنان، وعيَّنت المترجم سكرتيرًا له.
وفي سنة ????م تولى باشكاتبية كمرك بيروت، وطال مكثه في هذا المنصب لما أظهره فيه من النشاط واللياقة، وفي سنة ????م توجه إلى طرابلس بمعية قبولي باشا، ثم عاد معه إلى بيروت، فرأى في السنة التالية أن صحته لا تساعده على تولي المناصب الشاقة فاستقال من الخدمة، وعاد إلى مسقط رأسه لترويح النفس، فعينوه هناك ترجمانًا لقنصلية ألمانيا، ثم لقنصلية أميركا معًا، وانقطع عن سائر الأشغال، ووجَّه التفاته إلى عقاره وأمواله، وشغل ساعات الفراغ في المطالعة والتأليف والبحث والتنقيب، فقضى في ذلك نيفًا وعشرين سنة حتى توفاه الله سنة ????م، عن ثروة تركها لأرملته، فأسف عليه كل من طالع كتاباته.
علمه وفضله ومؤلفاته

كان صاحب الترجمة من محبي المطالعة، وأكثر ما يقرأه في اللغتين العربية والتركية، فجمع مكتبة نفيسة فيها مئات من المجلدات في العلم والأدب والتاريخ والفكاهة، بين مطبوع ومخطوط، فلما دنا أجله وقفها للمدرسة الكلية الأميركية في بيروت خدمة لتلامذتها، ولا تزال تذكارًا له على ممر الأيام، ولم يكن يقتصر في المطالعة على تمضية ساعات الفراغ، ولكنه كان يجني ثمار ما يطالعه، فيكتب المقالات والرسائل والكتب في مواضيع معظمها جديد لم يسبقه أحد إلى مثله في العربية؛ فمن مقالاته ورسائله ما نشر في مجلة الجنان، ومنها ما نشر في لسان الحال وغيرهما.
أما الكتب المطبوعة على حدة، فبعضها ترجمة عن التركية، والبعض الآخر ألَّفه تأليفًا، فالكتب المترجمة منها كتاب قوانين المجالس البلدية، التي قررها مجلس المبعوثان، وكتاب في أصل ومعتقدات الأمة الشركسية، وكتاب دستور الجدولة العلمية، وهو جزءان، كافأته الدولة على ترجمته بثلاث مئة ليرة عثمانية، وكتاب حقوق الأمم وغيرها، وكلها كما ترى في مواضيع جدية تحتاج إلى علم وتضلُّع في اللغتين العربية والتركية.
أما مؤلفاته، فإنها أوضح دلالة على علمه وفضله؛ لأنها مما لم ينسج على منواله في العربية، وقد يعجب الذي يطلع عليها لصدورها عن مؤلف لا يعرف شيئًا من اللغات الإفرنجية، كما صرح هو في مقدمة بعضها.ومن مؤلفاته

(?) زبدة الصحائف في أصول المعارف: طبع في بيروت سنة ????م، وفيه أبحاث في تاريخ العلوم عند الأمم المتمدنة قديمًا وحديثًا؛ فقد صدَّره بتاريخ الفلسفة عند الكلدان والفينيقيين والفرس والهند والصينيين والمصريين واليونان، مع تفصيل فرق الفلاسفة عندهم وتسلسل آرائهم، إلى أن وصلت الفلسفة إلى العرب ومن جاء بعدهم، ويلي ذلك فصول في أصول العلوم وتواريخها؛ كالمنطق واللغة، ويتفرع عن ذلك الكلام في تواريخ اللغات فعلوم اللغة والصرف والبيان والشعر، ثم أصول العلوم الرياضية والفلك، فالطبيعيات، فالطب وفروعه، فالتاريخ، فالجغرافية، وسائر العلوم الحديثة؛ كالجيولوجيا والكيميا والمعادن والنبات وغيرها، وكلامه في كل ذلك تاريخي فلسفي تلذ مطالعته.
(?) زبدة الصحائف في سياحة المعارف: واسمه يدل على موضوعه، فهو يبحث في كيفية تنقُّل العلم والفلسفة في الأرض من أقدم الأزمان إلى الآن عند كل مملكة وكل دولة، ويعد هذا الكتاب تتمة للكتاب السابق، مع أنه أكبر منه.
(?) سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان: وفيه أصول اضافية في أصول أديان الناس من الوثنية والمجوسية إلى الأديان الإلهية، وتفصيل ذلك؛ خصوصًا في الديانات الثلاث المشهورة، مع ما حدث من الفرق النصرانية والإسلامية والإسرائيلية على أسلوب سهل لذيذ.
(?) صناجة الطرب في تقدمات العرب: وهو كتاب عظيم الفائدة يدل على سعة اطلاع مؤلفه المرحوم في تاريخ العرب وآدابهم وأخلاقهم وعاداتهم، فقد صدَّره بمقدمات جغرافية عن جزيرة العرب، ثم بسط الكلام في أقسام العرب وتقاطيعهم وسحنهم وأوصافهم، ثم في أديانهم ومعابدهم ومناسكهم ومساكنهم وملابسهم ومآكلهم ومخاطباتهم، ويلي ذلك الكلام في أخلاقهم وشجعانهم وفصحائهم وخيولهم وإبلهم، ثم جيوش العرب وأسلحتهم وحروبهم ودولهم، وأبحاث في وضع آداب اللغة العربية وأصول العلوم عند العرب علمًا علمًا، وكيف نشأت عندهم أو وصلت إليهم، وفي ذيل الكتاب فذلكة تاريخية عن دول العرب من خلفاء الراشدين إلى أواخر بني العباس.
(?) الرد على الغضنفري: قد طبع مؤخرًا، وله مؤلفات أخرى لم تطبع.

الفصل الرابع والعشرون
الدكتور ميخائيل مشاقة


هو من أفراد القرن التاسع عشر، ونابغة من نوابغه ذكاء وفطنه وهمه، ولد في قرية رشميا من أعمال جبل لبنان، من عائلة ذات نسب جليل يتصل بيوسف بتراكي الذي هو جد جد صاحب الترجمة، وأصله من كورفو ببلاد اليونان، ولقِّب بمشاقة لاحترافه تجارة مشاقة الحرير، وكان والده جرجس في بلاط الأمير بشير الشهابي الكبير أمير جبل لبنان إذ ذاك، ومن المقربين منه، فنقل بيته إلى دير القمر مركز الإمارة؛ ليكون قريبًا من مكان عمله. الدكتور ميخائيل مشاقة ????–????م.
وكان ميخائيل نبيهًا ذكيًّا متوقد الذهن، فتمكَّن من القراءة في مدة وجيزة، وكان له ميل طبيعي إلى الرياضيات، فتلقَّن الحساب البسيط عن أبيه، ثم تعلَّم مسك الدفاتر.
وكان على صغر سنِّه يجالس كبار القوم ويستفيد من أحاديثهم، فسمع من يهود دير القمر أنهم يعرفون أوان الخسوف والكسوف قبل حدوثهما، فمال إلى استطلاع كيفية ذلك فلم يستطع، فازداد قلقه، وكان يعتقد مثل اعتقاد أكثر أهل تلك الأيام من أن علم الفلك ينبئ صاحبه بالغيب.
وفي سنة ????م قدم بطرس النحوي، خال صاحب الترجمة، من دمياط إلى دير القمر، وكان بارعًا في علم الفلك وسائر العلوم الرياضية والطبيعية، فانتهز ميخائيل تلك الفرصة وطلب إلى خاله أن يدرسه علم الفلك، فسُرَّ بطلبه وأخذ يدرسه باجتهاد، فاكتسب منه جانبًا كبيرًا بمدة قصيرة، فأحبه خاله محبة شديدة، وأعجب بذكائه وفطنه، وفي سنة ????م ذهب ميخائيل إلى دمياط وتعيَّن كاتبًا في محل عمه هناك، وكان كبير النفس لا يقنع بأقل من الاستقلال، فما لبث زمنًا حتى تعاطى التجارة بنفسه، واكتسب ثروة صغيرة.
واتفق أنه طالع سنة ????م كتاب سياحة الفيلسوف فولني وآراءه، فوقع في حالة التردد من أمر الدين، وصار ذلك شاغلًا لأفكاره.
ومن غريب أخلاقه وحميدها أنه لم يكن يرى شيئًا أو يسمع به إلا أحب استطلاع كنهه، وكانت له ثقة تامة بقواه العقلية؛ ولذلك كان يعتقد أنه يقدر أن يتعلم كل ما يريده.
ويحكى أنه حضر عرسًا في مدينة دمياط كانت تصدح فيه الموسيقى، فسأله أحد الحاضرين عن لحن هل يعرفه، فأظهر البعض الآخر استخفافًا به؛ لأنه لا يعرف الألحان، فثارت في رأسه الحمية، وعزم في تلك الساعة أن يدرس فن الموسيقى، ففعل وتمكَّن منه، حتى ألَّف فيه رسالة بديعة بعد أن أتقن الضرب على سائر آلاته.
وفي سنة ????م ظهر في دمياط وباء الطاعون، فرجع ميخائيل إلى دير القمر وهو لا يفتر عن المطالعة، وكان يطالع الجبر والمقابلة بنفسه.
وبعد ذلك انتدبه الأمير بشير الكبير ليكون مدبرًا عند أمراء حاصبيا، فأكرموا مثواه ووهبوه بقاعًا واسعة في جهات الحولة ونهر اللدان وقرية في قضاء القنيطرة، وهذا يدلنا على مقدار ما كان من إعجابهم به وبأعماله، ولكنه أصيب بمرض سنة ????م فاضطر لأن يعود إلى دير القمر للمعالجة، فتعالج خمسة أشهر كان في أثنائها يلاحظ العلاج الذي كان يتناوله، ويودُّ لو أنه يعرف صناعة الطب جريًا على طبيعته — كما قدمنا، فحالما نقه من مرضه عكف على مطالعة ما وصلت إليه يداه من الكتب الطبية حتى فهم أكثرها، ولكنه عجز عن إدراك كثير من مصطلحاتها، وكان المتقدم ذكره قد عاد إلى دير القمر فأفهمه إياها، واستعان أيضًا بطبيب آخر إيطالي كان هناك.
وفي سنة ????م جاء إبراهيم باشا بن محمد علي باشا الكبير بجنوده لافتتاح عكا، وكان بينه وبين الأمير بشير تحالف، فجاء الأمير لمعاضدته في ذلك الحصار، وقدم ميخائيل مشاقة برفقة الأمير، ومن ثم انضم إلى الجنود المصرية ورافقها إلى دمشق وحمص يطيِّب جرحاها والمصابين بالكوليرا (الهواء الأصفر)، ثم رجع إلى دير القمر.
وقد لحقه بسبب حروب إبراهيم باشا خسائر جسيمة مالية، حتى اضطر للتطبيب بالأجرة، وكان قبل ذلك يطيب مجانًا، ونزح إلى دمشق وأقام فيها، واغتنم وجود الدكتور كلوت بك الشهير هناك مع الحملة المصرية، فطالع ما نقصه من الطب عليه، فتمكَّن من تلك المهنة حتى ولته الحكومة رئاسة أطباء دمشق.
ولم يكن يقنع بعلم دون آخر، فلمَّا تمكن من الطب طلبت نفسه شيئًا آخر، فدرس المنطق وتوسع فيه، وعندما خرجت الجنود المصرية من سورية تعيَّن مترجمًا للسير وود الذي أُرسل قنصلًا لدولة إنكلترا في دمشق.
وفي سنة ????م قدم الديار المصرية، وواظب على ممارسة العمليات الجراحية في مدرسة قصر العيني حتى نال الدبلوما الطبية مع لقب دكتور، ثم عاد إلى دمشق، وتحرَّكت أفكاره في أثناء ذلك حركة دينية، فجعل يتردد بين الديانة المسيحية وما ذهب إليه فولتير حتى وقع على كتاب البينة الجلية، فأخذ يراجع فيه وفي غيره لعله يهتدي إلى ما يريح ضميره من التردد، ثم أخذ يطالع كتبًا جدلية بين طائفتي الكاثوليك والبروتستانت، وجرى بينه وبين البطريرك مكسيموس مظلوم إذ ذاك مجادلات طويلة انتهت بانحيازه إلى طائفة البروتستانت، وصار من أكبر المدافعين عنها وعن تعاليمها تكلمًا وكتابة.
وفي سنة ????م تعيَّن فيس قنصل الولايات المتحدة الأمريكية في دمشق، وفي السنة التالية كانت الثورة المشهورة، بل المذبحة المعلومة في دمشق وغيرها من سورية، فأصاب الدكتور مشاقة جراحًا كثيرة، ولولا مساعدة الأمير عبد القادر الجزائري ما نجا من القتل، ولكنه تمكَّن بمساعدته من الالتجاء إلى مكان طبَّب فيه جراحه حتى شفي.
وبقي هذا الرجل عاملًا في الطب والسياسة والديانة والفقه والحساب وسائر أنواع العلوم حتى كانت سنة ????م، فأصيب بفالج بجانبه الأيمن، فانقطع عن أشغال القنصلية، فأحيلت لولده نصيف بك.
أما هو فلم ينفك عن العمل في بيته، ولم يكن يخلو منزله من الزائرين على اختلاف الأجناس والطبقات؛ لمشاهدته، وتحقق ما سمعوه عنه، وقد أتيح لنا الحظ بزيارته سنة ????م في منزله بدمشق، فإذا به رجل ذو هيبة ووقار يجلِّله الشيب، يلبس العمامة والجبة، طويل القامة، كبير الجثة، لطيف الحديث، واسع الاطلاع، كثير الترحيب بزائريه كسائر أهل دمشق، وقد اطلعنا على كثير مما كتبه ولم يطبعه من المؤلفات، وفي جملة ذلك رسالة في الألحان الموسيقية العربية، ومطوَّل في الحساب والمعين على حساب الأيام والأشهر والسنين، مذيل بجداول لمدة مئة سنة تحتوي على مطابقة أيام الشهور العربية والرومية والقبطية والعبرانية والهجرية، ومواقع كسوف الشمس والقمر لطول دمشق وعرضها، وغيرها.
أما الكتب التي طبعت من مؤلفاته فأكثرها ديني جدلي، وفي جملتها كتاب سماه البرهان على ضعف الإنسان، جوابًا لصديق له كان تابعًا لتعاليم فولتير، وقد طبعت مجلة المشرق رسالته في الصناعة الموسيقية، ومن مؤلفاته «الجواب على اقتراح الأحباب»، وفيه ترجمة أسرته وحوادث أيامه، قد طبع مؤخرًا باسم «مشهد العيان».
وكانت وفاته في السادس من شهر يولية (تموز) سنة ????م في دمشق الشام، وله من العمر تسع وثمانون سنة، قضاها في العمل والاجتهاد وخدمة بني الإنسان.

الفصل الخامس والعشرون
الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري


هو من أكبر علماء مصر في القرن التاسع عشر، ومن أعظم كتَّابهم ومؤلفيهم، وكان له شأن كبير في النهضة العلمية الأخيرة في القطر المصري.
ولد في إبيار من أعمال الغربية بمصر السفلى سنة ????هـ/????م، ولم يكد يتلقى مبادئ القراءة حتى مال بكليته إلى الدرس والمطالعة، فأحب والده ذلك الميل فيه، فأخذ يلقنه العلم بنفسه، فعلَّمه الأدب وسائر علوم اللغة العربية، فأدرك منها في بضع سنين شيئًا كثيرًا، ثم جاور في الأزهر مدة طويلة، وقرأ على خيرة علمائه؛ كالشيخ البيجوري والشيخ الدمنهوري وغيرهما، ولم يطل الأمد حتى ذاع ذكره بين الناس على اختلاف طبقاتهم، وتحدث القوم بعلمه وفضله، فاستدعاه إسماعيل باشا الخديوي الأسبق وأثنى عليه، وعهد إليه بتعليم أنجاله خاصة، ومن جملتهم توفيق باشا الخديوي السابق، وكان وهو في ذلك المنصب يتصدر للتدريس والإقراء في بيته وفي الجامع الآزهر، وأخذ عنه كثيرون من الذين اشتهروا — بعدئذ — بالعلم والفضل؛ كالشيخ حسن الطويل، والشيخ محمد البسيوني وغيرهما من أكابر علماء الأزهر.
ولما تولى المرحوم توفيق باشا أريكة الخديوية المصرية قرَّبه إليه، وأحله محلًّا رفيعًا، وجعله إمام المعية ومفتيها، فبقي على تلك الرتبة حتى توفي سنة ????هـ/????م.
وكان (رحمه الله) طائر الشهرة، قصده أهل عصره، وكاتَبه كثيرون من فضلائه، وله رسائل مدونة مع أكابر العلماء والشعراء؛ كالشيخ أحمد فارس، والشيخ ناصيف اليازجي، والشيخ إبراهيم الأحدب، وغيرهم، وله مؤلفات كثيرة ربما زادت على أربعين مؤلفًا لم يطبع منها إلا بعضها؛ وأشهر ما طبع منها: (?) سعود المطالع: وهو كتاب جمع فيه واحدًا وأربعين فنًّا في شرح لغز باسم إسماعيل على نسق غريب، وجعله تحفة للخديوي إسماعيل باشا، وطبع في بولاق سنة ????هـ في مجلدين عدد صفحاتهما نحو سبع مئة صفحة.
(?) نفح الآكام في مثلثات الكلام: طبعت في مصر سنة ????هـ، وهو تفسير الألفاظ التي تحتمل ثلاثة معانٍ باختلاف حركاتها.
(?) الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية: هي مكاتبات في مواضيع لغوية أدبية جرت بينه وبين المرحوم الشيخ إبراهيم الأحدب في بيروت.
(?) الكواكب الدرية في نظم الضوابط العلمية.
(?) نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني.
(?) الباب المفتوح لمعرفة أحوال الروح — تصوف.
ومن مؤلفاته المهمة التي لم تطبع: (?) كتاب ترويح النفوس على حواشي القاموس.
(?) القصر المبني على حواشي المغني.
(?) صحيح المعاني في شرح منظومة البلياني.
(?) الفواكه في الأدب.
(?) الدورق في اللغة.
(?) النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس والجوائب: وسبب وضعه أنه كان بين صاحب الجوائب المطبوعة في الآستانة والبرجيس المطبوع في باريس مناظرة في المسائل اللغوية أفضت إلى المشاحنة والتنافر، ودام الأمر بينهما طويلًا، فكتب الشيخ عبد الهادي كتابه المشار إليه للفصل بينهما.

الفصل السادس والعشرون
شفيق بك منصور


هو من نوابغ الناشئة المصرية في القرن الماضي، وُلد في القاهرة سنة ????م، وأبوه منصور باشا يكن، فربِّي في مهد العز والفخار، وعني والده في تعليمه فأقام مدة في مدرسة النيل، ثم في مدرسة العباسية، ثم أتقن العربية والفرنساوية والتركية على أساتذة مخصوصين. شفيق بك منصور ????–????م.
وسافر سنة ????م إلى باريس مع صاحب الدولة البرنس حسين باشا كامل، عم الجناب العالي، فلم يقم فيها إلا قليلًا؛ لانتشاب الحرب بين الألمان والفرنساويين سنة ????م، فعاد إلى مصر ثم رجع منها إلى سويسرا سنة ????م، واستقر هناك ست سنوات يشتغل في العلوم الرياضية، وكان شديد الميل إليها، ودرس العلوم الطبيعية فنال منها حظًّا وافرًا، واشتهر بين أقرانه بحل المسائل الرياضية العويصة، ثم بما كان ينشره من هذا القبيل في مجلة المقتطف، ثم ذهب إلى باريس فأقام فيها أربع سنوات قرأ في أثنائها علم القوانين، وحاز قصب السبق وامتاز على أكثر معاصريه، بما اختص به من قوة العارضة، وطلاقة اللسان، ودقة النظر، وسداد الرأي.
فعاد إلى مصر ومحبوها يتمنون لها مئات من أمثاله، ويودون أن يكون قدوة لشبانها، فلما تشكلت لجنة تحقيق جنايات حريق الإسكندرية سنة ????م على أثر الحوادث العرابية انتدبته الحكومة المصرية وكيلًا للنائب العمومي، فأظهر من الاقتدار في المسائل القانونية وطهارة الذمة وقوة الحجة ما بهر كبار المحامين ودهاة رجال الثورة في أثناء دفاعه وشروحه ومطالبته، ولم تمضِ برهة حتى تشكلت المحاكم الأهلية، فتعيَّن قاضيًا في محكمة الاستئناف، ثم صار وكيلًا للنائب العمومي ورئيسًا لنيابة محكمة الاستئناف.
وفي سنة ????م استقال من هذا المنصب بعد أن خدم خدمًا ثمينة في تنظيم المحاكم وتحسين إدارتها، فتعيَّن سنة ????م مستشارًا في محكمة الاستئناف الأهلية، وهو يعمل في منصبه ويطالع ويؤلف ويباحث ويحقق أصابته علَّة في عينيه حالت بينه وبين مطامعه، فشخص في ربيع عام ????م إلى أوربا لمعالجتهما، على أن يعرج في أثناء عودته بالآستانة ويقترن بكريمة البرنس عبد الحليم باشا، فأصابه وهو في أوربا داء حَارَ فيه شاركو وبوشار وغيرهما من نخبة أطباء تلك القارة، حتى قطعوا الأمل من شفائه، فأشاروا بعودته إلى مصر، فعاد فخفَّت وطأة المرض بدون علاج حتى نال الشفاء، لكنه ما لبث أن انتكس داؤه وعز شفاؤه حتى توفاه الله في ?? نوفمبر سنة ????م وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، فبكاه الناس لعلمه وذكائه، ولما كانوا يرجونه من أعماله وخدمه للعلم والإدارة.
على أنه ترك آثارًا لا يزال أهل القطر ينتفعون بها إلى اليوم، فضلًا عن انتفاعهم بما كان ينشره من نفثات أقلامه في المقتطف وغيره، وما كان يبثه بين ظهراني قومه من روح النشاط والسعي في طلب العلم، ومن مؤلفاته كتاب التفاضل والتكامل، بسط فيه قواعد هذا الفن بسطًا يقربه من أفهام الطلبة، وله كتب في مبادئ الحساب والجبر والهندسة والقوسموغرافيا، اقترحت الحكومة المصرية عليه تأليفها لتدريسها في مدارسها، فكانت عمدة هذه الدروس في كل مدارس مصر.
ونقل كتاب رياض المختار وكتاب إصلاح التقويم من التركية إلى العربية، وكلاهما لصاحب الدولة مختار باشا الغازي، واشتغل في تطبيق الموسيقى العربية على العلامات الإفرنجية، وألَّف في ذلك رسالة مسهبة لم تنشر، وله رسالة في الفرنساوية طبَّق فيها الجبر على بعض المسائل الفقهية، واشتغل في شرح القانون المدني وغير ذلك.

الفصل السابع والعشرون
الشيخ يوسف الأسير


هو الشيخ يوسف بن السيد عبد القادر الحسيني الأسير، وُلد في مدينة صيدا من أعمال سورية سنة ????ه، وربِّي في حجر والده، وتلقى مبادئ العلوم فختم القرآن وهو في السابعة من عمره، وكان أبوه تاجرًا، فلم يمِلْ هو إلى التجارة، بل عكف على العلم، فدرس شيئًا على الشيخ أحمد الشرمبالي، وكان ميالًا منذ نعومة أظفاره إلى العلم، فلما بلغ السابعة عشرة شخص إلى دمشق، ومكث في مدرستها المرادية نحو سنة، فأخذ شيئًا من العلم عن علمائها، ثم بلغه خبر وفاة والده فعاد إلى صيدا ودبَّر أحوال إخوته، ومهَّد لهم سبيل المعيشة.
ونظرًا لتعلقه بالعلم لم تطِبْ له الإقامة في صيدا، فشخص إلى الديار المصرية وأقام في الجامع الأزهر سبع سنين يتبحر في العلوم، وفيه إذ ذاك جماعة من فطاحل العلماء؛ كالشيخ حسن القويسني، والشيخ محمد الدمنهوري، والشيخ محمد الطندتاوي، والشيخ محمد الشبيني، وغيرهم، فنبغ في جميع العلوم العقلية والنقلية؛ كاللغة، والفقه، والحديث، والتفسير، وصار إماما يرجع بها إليه، حتى أعجب به أساتيذه، فكتب إليه الشيخ محمد الطندتاوي (وكان إذ ذاك في بطرسبورج) قصيدة يمدحه فيها ويثني على علمه وفضله.
وكان في أثناء إقامته بمصر يجالس أكابر علمائها، وكثيرًا ما كان يحضر الامتحانات العمومية التي كانت تجري بحضور عزيز مصر إذ ذاك في المدارس العمومية، فيقترح أكثر المسائل على التلاميذ بإشارة مشائخه. الشيخ يوسف الأسير ????هـ–????هـ.
ثم اعتراه مرض الكبد فعاد إلى صيدا، ولكنه لم يرتَح إلى الإقامة فيها؛ إذ لم يجد فيها مجالًا لنشر فضله، فسافر إلى طرابلس الشام فلاقى من علمائها ووجهائها حسن الوفادة والرعاية، فقضى بينهم ثلاث سنوات لم يخلُ مقامه يومًا من جماعة منهم، وأخذ عنه العلم كثير من أفاضلهم، وأخيرًا اختار الإقامة في بيروت لجودة هوائها، فهرعت إليه الطلبة، وكثر مريدوه، وتولى في أثناء ذلك رئاسة كتابة محكمة بيروت الشرعية في أيام قاضيها مصطفى عاشر أفندي، ثم تولى الفتوى في مدينة عكا، ثم تعيَّن مدعيًا عموميًّا في جبل لبنان على عهد متصرفه داود باشا، ثم انتقل إلى الآستانة العلية وتولى رئاسة التصحيح في دائرة نظارة المعارف، وتعيَّن في الوقت نفسه أستاذًا للغة العربية في دار المعلمين الكبرى.
ونال في أثناء إقامته بالآستانة مقامًا رفيعًا بين رجال الآستانة، وعرضوا عليه منصبًا من المناصب الرفيعة براتب جزيل على وعد الترقي، فأبى رغبة في مواصلة خطته العلمية، ثم ثقلت عليه وطأة البرد في الآستانة وهمَّ بالرجوع إلى بيروت، فأسف وزير المعارف إذ ذاك على خسارته، وماطله في قبول استعفائه على أمل استبقائه؛ لما آنس من سعة علمه، وعاين من رواج الكتب التي صححها، ولكنه أصرَّ على النزوح إلى ربوع الشام، فعاد إليها وأقام في بيروت، وأخذ يبث العلم بين طلبتها، وأكبَّ على التأليف والتصنيف، وكان اشتغاله غالبًا في الفقه واللغة، فألَّف كتابًا في الفقه سمَّاه رائض الفرائض، وشرح كتاب أطواق الذهب تأليف الزمخشري، ونظم كثيرًا من القصائد الرنانة، طُبع منها جانب كبير في ديوان يعرف باسمه.
وكان على جانب عظيم من الرقة والدعة ولين الجانب وحسن المعاشرة، يحب العلم والعلماء، ويأخذ بناصرهم، وكان شافعي المذهب، سالكًا مسلك الأقدمين في حب العلم والرغبة في نشره ابتغاء الفائدة العامة، وكان لحسن عقيدته راغبًا عن الدنيا زاهدًا فيها ثابتًا في اتباع فروض الدين، لا يستنكف من حمل حاجيات بيته الضرورية بنفسه، وكان كثير الشغف بتلاوة القرآن الكريم أو سماعه كل يوم.
وكان ربع القامة، معتدل الجسم، أسمر اللون، أسود الشعر، كثَّ اللحية، صادق الوعد، قوي الذاكرة، إذا سئل أجاب في أي موضوع كان مع تقريب الموضوع من ذهن السامع ببسيط العبارة.
توفي سنة ????هـ وله من العمر سبع وسبعون سنة، ودفن في مقبرة الباشورة ببيروت، وترك خمسة ذكور وبنتين، ولم يترك لهم شيئًا سوى الذكر الحسن، وقد أسف أهل بيروت وسائر أهل الشام على فقده؛ لأن جماعة كبيرة منهم أخذوا العلم عنه، وما برح مرجعًا للفائدة علمًا وعملًا حتى توفاه الله.

الفصل الثامن والعشرون
الشيخ إبراهيم الأحدب


هو من علماء بيروت في القرن الماضي، وُلد في طرابلس الشام سنة ???? للهجرة، تلقى مبادئ العلم فيها وقرأ القرآن على الشيخ عرابي والشيخ عبد الغني الرفاعي، فتعلم التفسير والحديث والأصول والكلام واللغة والفرائض والنحو وسائر علوم اللغة، وفي سنة ????هـ عكف على التدريس، فنبغ من تلامذته جماعة من الأفاضل في طرابلس، وكان ذا قريحة شعرية مع سرعة الخاطر، حتى بلغ ما نظمه نحو ثمانين ألف بيت، وندر من بلغ هذا القدر من النظم.
وزار الآستانة على عهد السلطان عبد العزيز، ثم جاء القطر المصري واجتمع بأجلِّ علمائه، فرحبوا به، وفي جملتهم الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري، وفي «الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية» خلاصة ما دار بينهم من المراسلة الأدبية.
واشتهر صاحب الترجمة ببراعته في الفقه الحنفي، وكانت محاكم جبل لبنان تعتمد على فتاويه وتحكم بمقتضاها، وكاتَب العلماء والأدباء في أنحاء العالم العربي، وامتدح الأمراء والوزراء؛ وخصوصًا المرحوم الأمير عبد القادر الجزائري الشهير في دمشق، ومدح المرحوم محمد صادق باشا باي تونس فأجازه، وفي سنة ????هـ استدعاه سعيد بك جنبلاط حاكم مقاطعة الشوف — حينئذ — واتخذه مستشارًا في الأحكام الشرعية والأمور العقلية، وفي سنة ????هـ استقدم إلى بيروت وعيِّن نائبًا في المحكمة الشرعية، وعند إجراء تنسيقات النواب جعل رئيسًا لكتاب المحكمة المذكورة، وظل في هذا المنصب ما ينيف على ثلاثين سنة، تولى في أثنائها تحرير ثمرات الفنون، وله فيها مقامات ورسائل أدبية وفصول حكمية، ولمَّا تشكلت ولاية بيروت انتخب عضوًا في مجلس المعارف مع اشتغاله بالتدريس والتأليف ونقل الكتب، حتى قيل إنه نقل ألف كتاب بخطه.ومن آثاره:

(?) «ديوان شعر» نظمه في صباه، ورتَّبه على ثمانية فصول.
(?) ديوان «النفح المسكي في الشعر البيروتي» نظمه سنة ????هـ في بيروت.
(?) ديوان آخر نظمه بعده.
(?) مقامات تبلغ ثمانين مقامة أملاها على لسان أبي عمر الدمشقي، وأسند رواياتها إلى أبي المحاسن حسان الطرابلسي على نحو مقامات الحريري.
(?) فرائد الأطواق في أجياد محاسن الأخلاق: تحتوي على مئة مقالة نثرًا ونظمًا على مثال مقامات الزمخشري.
(?) فرائد اللآل في مجمع الأمثال: نظم فيه الأمثال التي جمعها الميداني في نحو ستة آلاف بيت، وقد شرح هذا الكتاب في مجلدين وجعله خدمة لجلالة السلطان، وعني ولداه بطبع هذا الكتاب بعد موته، فجاء كتابًا ضخمًا، صفحاته تسع مئة صفحة كبيرة مطبوعة طبعًا جميلًا، تلونت به الأمثال باللون الأحمر لتظهر وحدها دون سائر النظم والشروح.
(?) تفصيل اللؤلؤ والمرجان في فصول الحكم والبيان: فيه ??? فصلًا في الحكم والآداب.
(?) نشوة الصهباء في صناعة الإنشاء.
(?) منظومة اللآل في الحكم والأمثال.
(??) كتاب إبداع الإبداء لفتح أبواب البناء: في التصريف.
(??) كشف الأرب في سر الأدب: وهما مطبوعان في بيروت.
(??) مهذب التهذيب في علم المنطق: نظمًا.
(??) ذيل ثمرات الأوراق: طبع بهامش المستطرف وغيره.
(??) كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان: ألف هذا الشرح في أواخر أيامه، وطبع بنفقة الآباء اليسوعيين.
وله كتب أخرى ورسائل ومنظومات كثيرة، وما زال عاملًا في التأليف والتدريس حتى توفاه الله في بيروت سنة ????هـ.
وكان (رحمه الله) طويل القامة، معتدل الجسم، أبيض اللون، جميل الصورة، وكان حسن المجالسة، لين الجانب، بشوش الوجه، واسع الاطلاع في الفقه واللغة، وقد وعى كثيرًا من أشعار المتقدمين وأقوالهم وآدابهم ونوادرهم.

الفصل التاسع والعشرون
أحمد جودت باشا


الوزير العالم التركي
هو الوزير أحمد جودت باشا بن الحاج إسماعيل آغا بن الحاج علي أفندي بن أحمد آغا بن إسماعيل أفندي مفتي مدينة لوفجة المشهور ابن أحمد آغا أحد ضباط الحملة العثمانية التي ظهرت على بطرس الكبير إمبراطور الروس في الحرب المعروفة بحرب بروث. أحمد جودت باشا ????–????هـ.
ولد في مدينة لوفجة التابعة لولاية الطونة سنة ????هـ، وكان والده من أعيان لوفجة وعضوًا من أعضاء مجلسها، فربِّي أحمد في حجر والديه، وتهذَّب على يديهما، وتلقى مبادئ العلوم البسيطة في وطنه، وقد ظهرت عليه مخائل النجابة منذ نعومة أظفاره، فلمَّا شبَّ قدِم الآستانة العلية سنة ????هـ في أواخر أيام المغفور له السلطان محمود الثاني المصلح الشهير، فأقام فيها يلتقي العلوم والآداب على أحسن علمائها، فأتقن الفقه وأصوله والحديث والتفسير وعلم الكلام والمنطق والفلسفة على أنواعها، والرياضيات بفروعها، والجغرافية والتاريخ واللسان الفارسي، وأتقن اللسان التركي والعربي حتى نظم الشعر فيها جميعًا.
وفي سنة ????هـ عكف على درس القضاء، فنال قصب السبق على أقرانه فأحرز في السنة التالية رتبة ينالها السابقون في هذا المضمار، يقال لها (رتبة رءوس تدريس)، وأخذ في التأليف فذاع صيته، فعينته الحكومة السنية عضوًا في مجلس المعارف العمومية سنة ????هـ، وفي تلك السنة أنعم عليه بالنيشان المرصع من الرتبة الثانية، وفي السنة التالية عين عضوًا في المجمع العلمي العثماني (الأكاديمية)، وفي سنة ????هـ تقلَّد كتابة وقائع البلاد، وفي السنة التالية عين قاضيًا لغلطة أحد أقسام الآستانة الثلاثة.
وكان كلما تقلد منصبًا قام بمهامه حق القيام، فانهالت عليه الرتب والمناصب والنياشين فنال سنة ????هـ باية ولاية مكة المكرمة والنيشان المجيدي من الرتبة الثالثة، وتعيَّن عضوًا في مجلس التنظيمات، ورئيسًا للقومسيون المنعقد إذ ذاك لترتيب القوانين والنظامات المتعلقة بالأراضي، وكان في جملة أعضاء هذا القومسيون — وقتئذ — محمد رشدي أفندي شوراني الذي صار — بعدئذ — واليًا على سورية، ثم ناظرًا للمالية، ثم صدرًا أعظم.
وفي سنة ????هـ سار الصدر الأعظم محمد باشا القبرسي إلى الروم إيلي للتفتيش، فسار صاحب الترجمة بمعيته، وفي سنة ????هـ وجهت إليه باية إستانبول والنيشان المجيدي من الرتبة الثانية، وفي السنة التالية عين عضوًا في مجلس الأحكام العدلية على أثر إلغاء مجلس التنظيمات وإحالته إلى مجلس الأحكام العدلية.
واتفق إذ ذاك وقوع اختلال في جهات أشقودرة أفضى إلى تشويش الأذهان، فانتدب صاحب الترجمة أن يسير إليها بمهمة خصوصية لإصلاح أحوالها عسكريًّا وملكيًّا، فسار إليها وأصلح شئونها ورتب أحكامها بمدة يسيرة وعاد.
وفي أواخر سنة ????هـ عيِّن مفتشًا في البوسنة والهرسك، وقبل سفره وجهت إليه باية قاضي عسكر الأناضول، وأحسن إليه بالنيشان المجيدي من الرتبة الأولي، وكانت ولاية البوسنة والهرسك إلى ذلك الحين خلوًا من التنظيمات العسكرية بنوع استثنائي، فأدخل إليها التنظيمات ورتب أحكامها، فنال رضى الباب العالي بنوع خاص، فأنعم عليه بالنيشان العثماني من الرتبة الثانية، ولم يحُز هذا النيشان أحد من العلماء قبله، وأهدى إليه بندقية من الطراز الذي فرقه في الجند بالبوسنة والهرسك، وقد نقش عليها ما معناه: «تذكرة افتخار من السر عسكرية إلى حضرة جودت أفندي، من أجل الهمة التي بذلها في تدريب شجعان بوسنة على الخدمة العسكرية».
وفي سنة ????هـ أرسل في الفرقة الإصلاحية التي سارت لإصلاح ما اختل من شئون جبال القوزاق، وكانت تلك الفرقة تحت قيادة درويش باشا مشير المعسكر الهمايوني الرابع، فأصلحا الأحوال وضبطا أمور تلك الجبال، فلما عادا سنة ????هـ أنعمت الحضرة الشاهانية على صاحب الترجمة بعلبة مرصعة إشارة إلى نيله رضائها لما بذله من الهمة والإقدام في إصلاح شئون القوزاق، ثم عيِّن عضوًا في المجلس العالي، وبعد قليل وجهت إليه رتبة الوزارة السامية، ثم ضمت إيالات حلب وأطنة وألوية القوازق ومرعش وأورفة إلى ولاية واحدة قصبتها مدينة حلب، عهدت حكومتها إليه، فقدمها واستلم زمام الأحكام بهمة ونشاط نحو سنتين، حتى إذا كان انقسام مجلس الأحكام العدلية العالي سنة ????هـ إلى قسمين، وتشكلت منه هيئتان عرفتا بمجلس شورى الدولة وديوان الأحكام العدلية، ولي هو رئاسة ديوان الأحكام العدلية، ثم تحولت هذه الرئاسة إلى نظارة الديوان، ثم إلى نظارة العدلية، وتشكلت تحت رئاسته لجنة علمية لتأليف كتاب في الفتاوي على مذهب أبي حنيفة، فألَّفه، وهو المعروف بمجلة الأحكام العدلية، وعليه المعول في سائر المحاكم الشرعية النظامية.
وفي سنة ????هـ عين عضوًا في مجلس شورى الدولة، وفي السنة التالية عهدت إليه ولاية مرعش، ولم يلبث بها إلا قليلًا، ثم استقدم لتولي نظارة الأوقاف الهمايونية، وفي سنة ????هـ عين ناظرًا للمعارف العمومية، وفي السنة التالية انحرفت صحة كامل باشا رئيس مجلس شورى الدولة فعيِّن هو نائبًا عنه، وأحيلت إليه أيضا ولاية يانيه، وفي سنة ????هـ أعيدت إليه نظارة المعارف العمومية، وفي أواخر هذه السنة عهدت إليه نظارة العدلية، ثم اقتضت الأحوال أن يتولى تفتيش الروم إيلي مع بقائه على العدلية، وفي تلك السنة سمِّي واليًا على سورية، وقبل أن يأتيها أعيد إلى نظارة المعارف العمومية، وبعد أشهر رجعت إليه نظارة العدلية.
وفي سنة ????هـ تقلَّد نظارة الداخلية، وعهد إليه أن يرتب جندًا من سكان الآستانة باسم الموكب الهمايوني، وفي أواخر تلك السنة نقل من نظارة الداخلية إلى نظارة الأوقاف الهمايونية، وفي سنة ????هـ تعين واليًا على سورية، ولكنه لم يقم فيها طويلًا بسبب اختلال ظهر في قوزان اقتضى مسيره إلى إصلاحه، وفيما هو عائد منها فصل عن سورية، وتعيَّن ناظرًا للتجارة والزراعة في دار السعادة.
وفي سنة ????هـ استعفى خير الدين باشا من مسند الصدارة، فقام هو بمهامها مؤقتًا، ثم عهدت إليه نظارة العدلية، وفي سنة ????هـ تغيَّر الوكلاء جميعًا، فاعتزل الأعمال وأكبَّ على المطالعة والتأليف، وفي سنة ????هـ تعيَّن مأمورًا لقمسيرية الروم إيلي الشرقي، ولكنه تأخر عن السفر بسبب تكدير جو السياسة إذ ذاك، فعاد إلى نظارة العدلية.
وفي السنة التالية أنعم عليه جلالة السلطان بنيشان الامتياز، وفي أواخر سنة ????هـ انفصل عن نظارة العدلية، وبقي من أعضاء مجلس الوكلاء إلى أن توفاه الله في ? ذي الحجة سنة ????هـ، وصدرت الإرادة الشاهانية أن تنفق حاجيات التجهيز والدفن من الجيب الهمايوني، وقد دفن في تربة السلطان محمد الفاتح وله من العمر ?? سنة، قضاها في خدمة الدولة والأمة علمًا وعملًا.
وكان عالمًا فاضلًا، اشتهر في كثير من العلوم الإسلامية والتاريخ، وكان يعرف اللغات التركية والفارسية والعربية معرفة جيدة تكلمًا وكتابة، مع إلمام بالفرنساوية والبلغارية، وكان سهل الخلق كريم الخصال، وديعًا متواضعًا، واسع العلم عالي الهمة، مخلصًا للدولة.
مؤلفاته

أما مؤلفاته فعديدة في التركية والعربية، بين مطبوع وغير مطبوع؛ أشهرها وأكبرها تاريخ آل عثمان المعروف بتاريخ جودت، طبع بالتركية في تسعة مجلدات، وهو جليل في بابه، بل هو المرجع الوحيد لتاريخ الدولة العلية، وقد عني في نقله من اللسان التركي إلى العربي عبد القادر أفندي الدنا، رئيس محكمة تجارة بيروت، فنشر منه الجزء الأول سنة ????هـ مطبوعًا طبعًا متقنًا في بيروت.
ومن مؤلفاته رسائل عديدة في العربية، وبعض التعليقات طبعت مجموعة واحدة، وله تتمة شرح ديوان صائب المشهور في الدواوين الفارسية، وكان قد شرع في شرحه فهيم أفندي وتوفي قبل نجازه، وله ترجمة القسم الثالث من مقدمة ابن خلدون، وهي منشورة باسمه، والقسمان الأولان ترجمهما صائب أفندي، وله بيان العنوان والمعلومات النافعة وتقديم الأدوار، وكلها رسائل مطبوعة بالتركية، وله في علم المنطق كتاب اسمه (ميعاد سداد)، وفي علم الأدب (آداب سداد)، ومؤلفات في روايات الأنبياء وتواريخ الخلفاء، مع ترجمة التاريخ المقدس، وقد طبعت وشاعت في المدارس للتدريس.
وله رسالة في كيفية تربية التوت والدود، وقانون نامة الأراضي، والنظام المتفرع عنه، مع قانون نامة الجزاء الهمايوني، وجميع النظامات وتواريخ القوانين الصادرة من مجلس التنظيمات، وله كتاب في ترتيب وظائف العدلية وابتداء تشكيلها مع تنظيم مجلة الأحكام العدلية تحت رئاسته — كما قدمنا، وله تعليمات مخصوصة في نظارة المعارف لتدريس الطلبة على أساليب سهلة جديدة، وجميع ذلك باللغة العثمانية، على أن بعضها قد ترجم إلى اللغة العربية؛ كتاريخ آل عثمان، ومجلة الأحكام العدلية، وغيرهما.

الفصل الثلاثون
محمد مختار باشا المصري


ترجمة حاله

ولد في بولاق مصر سنة ????هـ، وقرأ مبادئ العلم في مدرسة عباس الأول وفي مدارس أخرى، وتلقى الفنون العسكرية في مدرسة البوليتكنيك، وانتظم في خدمة الجيش المصري وهو في الثانية والعشرين من عمره، وما زال يرتقي في مناصب الجهادية حتى نال رتبة لواء سنة ????م.
وتولى عدة مناصب مهمة في أنحاء السودان قبل ظهور المهدي، فلما فتحت الحكومة المصرية إقليم هرر كان صاحب الترجمة أركان حرب الحملة التي سارت لذلك الفتح، ثم تعيَّن رئيس عموم أركان حرب السودان، ولما عقد مؤتمر جنوه العلمي انتدب لينوب فيه عن القطر المصري، ويدل ذلك على ثقة الحكومة الخديوية في أهليته.
وبعد خدمات متوالية في نظارة الحربية عيَّنه الجناب الخديوي مأمورًا للخاصة الخديوية، وما زال في هذا المنصب حتى توفي، وقد حاز النيشان العثماني الثاني والمجيدي الثاني والمملوكي الإيطالي الثاني وميدالية الامتياز الذهبية، وكان عاملًا نشيطًا ساهرًا على مصلحته وواجباته. وأصيب في أواخر أعوامه بمرض ما زال يتردد عليه حتى قضى أنفاسه الأخيرة في ?? نوفمبر سنة ????م. محمد مختار باشا المصري ????م–????م.
مؤلفاته وآثاره

لصاحب الترجمة عدة مؤلفات، أكثرها رياضية فلكية، وهي: (?) التوفيقات الإلهامية: وهو تقديم كبير لمقارنة السنين الهجرية بالسنين الإفرنجية والقبطية، من السنة الأولي للهجرة إلى عام ???? بعدها مرتبة في جداول سنوية، وقد جعل الأشهر في كل سنة منها متناسقة على ما يقارن أول كل شهر عربي، وبإزاء كل شهر أهم الحوادث التاريخية التي وقعت فيه؛ وخصوصًا الحوادث الإسلامية والمصرية، بحيث يصح أن يكون هذا الكتاب تقويمًا حسابيًّا يوميًّا، ومعجمًا تاريخيًّا لألف وخمس مئة سنة هجرية، وقد جعله تقدمة لسمو الخديوي عباس باشا الثاني.
(?) المجموعة الشافية في علم الجغرافية، ومعها أطلس جغرافي.
(?) جداول تحويل المسطحات المترية إلى ما يقابلها من الفدان والقيراط والسهم، يبدأ من جزء من مئة من السهم، وينتهي إلى ألف فدان.
(?) ترجمة حال المرحوم محمود باشا الفلكي.
(?) رسالة في سيرة الجنرال ستون الأميركاني وخدماته للحكومة المصرية.
(?) مختصر في تبيين كيفية حساب القديم وأوقات الصلاة.
(?) رسالة في الكلام على بلاد زيلع وهرر والجالا (بالفرنساوية).
(?) رسالة في بلاد الجاديبورسي (بالفرنساوية).
(?) رسالة في رأس هافون ووادي تهوم (بالفرنساوية).
(??) رسالة في الكلام على ابتداء الأشهر الهلالية في السنة الإسلامية (بالفرنساوية).
(??) رسالة في السودان الشرقي (بالفرنساوية).
(??) رسالة في تحديد أطوال المقاييس والمكاييل والأوزان المصرية، ومقارنتها بالمقاييس الفرنساوية والإنكليزية (طبعت بالعربية والفرنساوية).
(??) نبذة تتضمن إقامة البرهان على معرفة قدماء المصريين لحقيقة شكل الأرض.
(??) مقالة في تخطئة القائلين بإمكان استعمال ساعة عامة أو ساعات محددة لجميع أقطار الدنيا، وقد تليت هذه المقالة والتي قبلها على أعضاء المؤتمر العلمي في جنوه.
(??) الطريقة العلمية لاستعمال المسطرة المصرية في قياس القواعد الجيوروزية.
(??) جدول لرسم خطوط الأطوال والعروض لأية طريقة جغرافية.
وللمترجم اختراع فلكي يهم المسلمين كثيرًا، وهو «دليل القبلة الإسلامية العام»، وضعه بضبط وسعة لم يسبق لهما مثيل، وهو آلة دقيقة عرضت على الجناب الخديوي وحازت قبوله.
وبالجملة أن صاحب الترجمة لم يكن يغفل يومًا عن التفكير في تأليف أو اختراع، وأكثر ما وجَّه انتباهه إليه الرياضيات — كما رأيت.

الفصل الحادي والثلاثون
الشهاب الآلوسي


العالم العراقي الشهير?
هو السيد محمود أفندي شهاب الدين أبو الثناء، المفسر الشهير بآلوسي زادة البغدادي، مفتي الحنفية بالعراق، ابن صلاح الدين السيد عبد الله أفندي رئيس المدرسين في بغداد، ومدرس المدرسة العظمى في جامع الإمام الأعظم، ابن السيد محمود أفندي الخطيب، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين، وأما أمه فصالحة بنت الشيخ حسين أفندي العشاري صاحب الديوان المعروف باسمه، ومؤلف حاشية شرح الحضرمية في فقه الشافعية.
ولد في جانب الكرخ من بغداد في شعبان سنة ????هـ، وهو من بيت عريق في النسب ضليع في الأدب، ينسب إلى آلوس، وهي جزيرة وسط نهر الفرات على ? مراحل من بغداد، فرَّ إليها أجداده من وجه هولاكو التتري عندما دهم بغداد وفتك بأهلها.
ومنذ نحو ثلاث مئة سنة رجع أبناؤه إلى بغداد ولبثوا فيها حتى الآن، وكان صاحب الترجمة في صغره آية في الذكاء، فقرأ العلوم على والده وغيره، واستجاز علماء كثيرين؛ كالشيخ علي البغدادي، والشيخ علاء الدين الموصلي، ومحدث الشام الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ومفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف، وشيخ الإسلام ومفتي الديار الرومية أحمد عارف بك واقف المكتبة العظمى في المدينة المشرفة.
وقرأ وهو شاب بعض الدروس في علم الكلام على الولي المشهور بمولانا خالد الكردي النقشبندي حينما ورد بغداد، ولم يبلغ الثالثة عشرة من عمره حتى نبغ في عدة علوم، ثم أخذ يشتغل بالتدريس والتأليف، فتخرج عليه كثير من الفضلاء، وقصده الطلبة من كل صقع ونادٍ، واستجازه الجمُّ الغفير من ذوي العلم والأدب، وما لبث أن أصبح العلم المفرد وعلَّامة العراق، فتولى المدرسة المرجانية وأوقافها، وقُلد سنة ????هـ منصب إفتاء السادة الأحناف، وظل وهو في ذلك المنصب الخطير يشتغل في التأليف وتدريس العلوم وقضاء الحاجات، لا يضيع ساعة من وقته ولا يضن بشيء مما أنعم به الله عليه من العلم والجاه والمال.
وسنة ????هـ قصد الآستانة العلية في عهد السلطان عبد المجيد، وعاد منها سنة ????هـ بالمنح السنية، وتفصيل رحلته ذهابًا وأيابًا مدوَّن في سفرين دعاهما نشوة الشمول ونشوة المدام، وله تآليف وتصانيف كثيرة منها: (?) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: وهو أعظمها شأنًا وأجلها قدرًا، في تسعة أسفار كبار، جمع فيه خلاصة ما في سائر التفاسير، وأزال المشكلات بيراعٍ يدلُّ على ما كان له من غزارة المادة وراسخ العلم وطول الباع في هذا الموضوع، وقد قال فيه أحد تلامذته:إن كان محمود جار الله قد جمعتله المعاني بتفسير وتبيانِفإن محمودنا الحبر الشهاب لهروح المعاني وكان الفخر للثانيوقد طُبع في مطبعة بولاق سنة ????هـ على عهدة ولده متولي المدرسة المرجانية الشيخ نعمان أفندي خير الدين.
(?) الأجوبة العراقية: وقد طبع في الآستانة.
(?) الطراز المذهب في شرح القصيدة الممدوح بها الباز الأشهب: طبع في مصر.
(?) شرح درة الغواص في أوهام الخواص: طبع في دمشق الشام.
(?) كتاب المقامات الخيالية: طبع في كربلاء.
(?) كتاب الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية: طبع في بغداد.
(?) نشوة الشمول ونشوة المدام: طبع في بغداد أيضا.
(?) الفيض الوارد في الشيخ خالد: طبع في مصر.
(?) شرح القصيدة العينية في مدائح أمير المؤمنين علي (كرم الله وجهه): طبع أيضا في مصر.
(??) نزهة الألباب: وهي الرحلة الكبرى الجامعة لتراجم الرجال، والأبحاث العلمية التي جرت بينه وبين شيخ الإسلام.
(??) حاشية شرح القطر لابن هشام: ألفها في شبابه.
(??) حاشية على شرح ابن عصام في الاستعارة: ألفها في شبابه أيضًا.
(??) حاشية على مير أبي الفتح في علم آداب البحث.
(??) شرح البرهان في إطاعة السلطان.
(??) سفرة الزاد لسفرة الجهاد.
(??) حاشية على حاشية عبد الحكيم السيالكوتي: في علم المنطق.
(??) رسالة في الأمانة: ردًّا على الشيعة.
وله علاوة على ما ذكر رسائل وفتاوٍ وحواشٍ وتعليقات كثيرة، انتهبت أيدي الزمان كثيرًا منها، والباقي غير مطبوع.
وتوفي في ?? ذي القعدة سنة ????هـ، ودفن قرب والده المتوفى بالطاعون سنة ????هـ عن يمين الذاهب إلى الشيخ معروف الكرخي، قريبًا من باب مسجده في الشونيزية، وقبره الآن مشهور يُزار.
وكان (رحمه الله) ربع القامة، واسع العينين، ضخم الكراديس، ريان الجسم غير سمين، كث اللحية، أبيض اللون مشربًا بحمرة، يخيل بوجهه أثر الجدري، كريمًا مهيبًا، وقورًا وديعًا، محبًّا للفقراء، وكان مجلسه مجمعًا لأرباب الفضل والعلم، ومن قرأ رسائل علماء زمانه ووقف على دواوين فحول الشعراء في العراق؛ كعبد الباقي الفاروقي، والسيد عبد الغفار الأخرس، ورأى أنه بيت قصيدهم، والإمام الذي يرجع إليه، عَلِمَ ما كان له من علو المنزلة والشأن.
وقد كُتبت الأسفار المطولة في ترجمته؛ منها كتاب «حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود» تأليف تلميذه الملا عبد الفتاح أفندي المعروف بشواف زادة، وهو كتاب كبير في نحو مجلدين، وكتاب «أريج الند والعود في ترجمة مولانا العلامة شهاب الدين السيد محمود» لبعض تلاميذه أيضًا، وترجمة للسيد محمد ثابت الدين البغدادي، وله فضلًا عن تآليفه الكثيرة شعر لا نعلم أنه جمع في ديوان، وأكثره في الورع والحِكَم والتصوف، فمن ذلك قوله:
أنا مذنب أنا مجرم أنا خاطئٌهو غافر هو راحم هو عافيقابلتهن ثلاثة بثلاثةوستغلبن أوصافه أوصافي وقد نظم شعراء عصره القصائد الرنانة في وصفه وتعداد مناقبه، وفي جملة المعجبين به والناظمين في مدحه الشيخ عبد الباقي العمري، والشيخ عبد الغفار الأخرس، وغيرهما من شعراء العراق.
وقد نال من المغفور له السلطان عبد المجيد علامات شرف، في جملتها الوسام المرصع العلي الشأن.
? اعتمدنا في تحقيق هذه الترجمة على سليمان أفندي البستاني ناظم الإلياذة العربية.
الفصل الثاني والثلاثون
محمود حمزة الحسيني


العالم الدمشقي الشهير?
يتصل نسب السيد محمود حمزة الحسيني بعائلة من أقدم عائلات دمشق، حسينية الانتساب، أصلها من حران وهاجرت إلى دمشق منذ قرون، وتوالت نقابة الأشراف فيهم عدة أجيال حتى عرفوا ببيت النقيب، وأول من تولاها منهم إسماعيل بن حسين النتيف سنة ???هـ، ونبغ منهم جماعة من العلماء وأهل الفضل، ونالوا الرتب العالية لدى ولاة الأمر، وقد سموا بيت حمزة نسبة إلى حمزة الحراني أحد أجدادهم، وقد ذكر المحبي تراجم بعضهم، وأورد سلسلة أنسابهم إلى النبي.
أما صاحب الترجمة فهو محمود بن محمد نسيب، وُلد في دمشق الشام سنة ????هـ، ونشأ في حجر والده كما ينشأ ربيب العز والمجد، وكانت المدارس في أيامه ضعيفة فتعلم القرآن وأتقن الخط في مكتب ابتدائي وهو في الثانية عشرة، واشتهر خطه بالجمال من ذلك الحين، ثم عكف على اكتساب العلم، وأكبَّ على المطالعة والتبحر على علماء دمشق، فأخذ الفقه والنحو والصرف والأصول والكلام عن الشيخ سعيد الحلبي، وتلقى الحديث والمصطلح عن الشيخ عبد الرحمن الكزبري، والتفسير والتصرف عن الشيخ حامد العطار، والمعاني والبيان عن الشيخ عمر الأمامدي، والفرائض والحساب والعروض عن الشيخ حسن الشطي، والحكمة والوضع والآداب عن منلا بكر الكردي، وأجيز من الجميع.
وطالع اللغة التركية وبرع فيها، وصار من أكابر علمائها والمتبحرين فيها، يدرك أسرارها ويروي نكاتها ومنظوماتها وآدابها كأحسن فضلائها، ولمَّا اشتهر فضله وجهت إليه النيابات الشرعية سنة ????هـ، ولبث إلى سنة ????هـ، وسافر إلى الآستانة والأناضول بعد أن انتظم في سلك الموالي سنة ????هـ، ورجع إلى دمشق ثم انتظم في سلك أعضاء مجلسها الكبير الذي ألغي سنة ????هـ بعد الحادثة المشهورة، وكان في أثناء هذه المدة قد ألَّف تفسيره المهمل والقاموس المهمل الذي ألفه للاستعانة به على التفسير المذكور، وقدم تفسيره للسلطان عبد المجيد فأنعم عليه بالنيشان المجيدي الرابع، وكانت النياشين في ذلك الوقت عزيزة لا ينالها إلا أصحاب الأعمال العظيمة.
وكان يشتغل بالتأليف والتدريس والمطالعة والنظم، وفي سنة ????هـ تولى إفتاء دمشق، بل إفتاء الديار الشامية؛ لأن سورية كانت ولاية واحدة، وظل في وظيفته هذه إلى آخر حياته، ونال أسمى المراتب العلمية الرسمية وأوسمة الدولة العلية؛ مجيدية وعثمانية، لحد الرتبة الثانية، وأهداه نابليون الثالث إمبراطور فرنسا على أثر حادثة دمشق (المشهورة بحادثة سنة ????م) جفتًا بطقم ذهب في صندوق من عاج؛ إقرارًا بجميله لِمَا أتاه من الخير بمساعدته مسيحي دمشق في تلك الحادثة المشئومة، وحصل بصنيعه المذكور على رضا الدولة العلية واحترام عظماء أوربا وثقتهم.
وكان مع تبحره بالعلم واشتغاله به وبمنصبه آية في صناعة اليد، يشتغل أدق الأشغال اليدوية وأتقنها بغاية الضبط والانتظام، وأما في الكتابة فقد كان أية الزمان بها، فكان يكتب جميع الخطوط بغاية الضبط والجمال، فضلًا عن تفننه بهذه الصنعة، فقد كتب الفاتحة على حبة أرز، وبقي ثلث الحبة فارغًا، وترى الكتابة بالعدسية واضحة جميلة الخط جدًّا، وأغرب من ذلك كتابته على ورقة بمساحة فص الخاتم أسماء شهداء وقعة بدر الكبرى، وهم ???.
ولكثرة مشاغله مال إلى الرياضة لتجديد قواه، فاختار الصيد ومال إليه وغرم به، وكان يصرف به أوقات الفراغ فصار صيادًا مشهورًا، وقد بلغ بالرماية مبلغًا عظيمًا، واشتهر بها، فيرمي مئة رمية ولا يخطئ في واحدة، وقيل إنه ما وجه بندقيته إلى شيء وأخطأه إلا ما ندر جدًّا، وبالإجمال أنه أتقن كل ما تعاطاه.
وكان مقصودًا في قضاء الحاجات، يحبه الناس على اختلاف المراتب والنحل، يحترمه رجال الدولة والولاة والأجانب، وكان صادقًا في القول والفعل، محبًّا لوطنه ودولته، مستقيمًا متضعًا يأبى الفخفخة، ومع كثرة علامات شرفه وتعداد أوسمته لم يظهر مرة بها إلا عند الضرورة.
وكان يعتبر الوقت ثمينًا، لا يضيعه بلا عمل، وهذا ما مكَّنه من القيام بمشاغله الكثيرة وأعماله الخطيرة؛ ولذلك كان يميل إلى الوحدة، لا يتداخل فيما لا يعنيه.
وكان ذا مهابة وجلال، إذا مرَّ بطريق وقف له الناس وتسابقوا بتأثير حبهم له لتقبيل يديه، مع إبائه ذلك عليهم لمخالفته طبعه، فلِدفع هذا كان يختار السلوك في الطريق التي لا يكثر فيها المارة.
وقد نظم القصائد الفريدة، وصنف التصانيف المفيدة، وهاكَ أسماء ما صنَّفه: (?) تفسير القرآن بالحرف المهمل في مجلدين كبيرين، سماه دور الأسرار.
(?) الكمل إلى الكلام المهمل، ألفه للاستعانة به على التفسير المذكور.
(?) كتاب الفتاوي، نظمًا في مجلد.
(?) الفتاوي المحمودية (أو الحمزاوية)، مجلدان ضخمان.
(?) نظم الجامع الصغير للإمام محمد، نحو ثلاثة آلاف بيت من البسيط على قافية واحدة في مجلد، أوله:حمدًا جزيلًا لذي الإحسان والكرمثم الصلاة على الهادي إلى الأمم
(?) نظم أصول الفقه، نحو ذلك من البحر والقافية المذكورة.
(?) القواعد الفقهية.
(?) قواعد الأوقاف.
(?) تحرير المقالة في الحيلولة والكفالة، على مثال لم يسبق إليه.
(??) جدول الأحق بالحضانة للولد.
(??) خلل المحاضر والسجلات.
(??) كشف الستور عن المهايا في الماجور.
(??) كشف القناع، وهو شرح بديعية والده.
(??) غنية الطالب، وهو شرح رسالة الصديق لعلي بن أبي طالب.
(??) تنبيه الخواص على أن الإمضاء في الحدود لا في القصاص.
(??) رسالة في الدرهم والمثقال.
(??) مصباح الدراية في إصلاح الهداية.
(??) التفاوض في التناقض.
(??) رفع الغشاوة عن جواز أخذ الأجرة على التلاوة.
(??) السوار اللامع في أصول الجامع.
(??) التحرير في ضمان الأمر والمأمور والأجير.
(??) فتوى الخواص في حل ما صيد بالرصاص.
(??) فصيح النقول في جواز دعوى المرأة بالمهر بعد الدخول.
(??) كشف المجانة عن الغسل في الإجانة.
(??) الكواكب الزاهرة في الأحاديث المتواترة.
(??) شرح صلاة ابن مشيش.
(??) العقيدة الإسلامية.
(??) كتاب ترجيح البينات المسماة بالطريقة الواضحة.
(??) عنوان الأسانيد.
(??) الأجوبة الممضاة على أسئلة القضاة.
(??) مختصر الجرح والتعديل.
(??) صحيح الأخبار عن التنقيح ورد المحتار.
(??) أعلام الناس.
(??) القطوف الدانية في خبث أجر الزانية.
(??) البرهان على بقاء دولة آل عثمان إلى آخر الزمان.
وله غير ذلك عدة رسائل؛ منها أرجوزة في علم الفراسة، واعتراه في أواخر عمره ضعف برجليه، فلزم بيته ولم يخرج منه إلا قليلًا، مع ملازمة وظيفته والعمل بموجبها، وفي اليوم التاسع من محرم سنة ????هـ وافته المنية عن ?? سنة، فكبر خطبه، وعظم مصابه، وتقفلت دوائر الحكومة، وتوقفت أشغال المدينة في ذلك اليوم، وأذن له بالمآذن، وعم الحزن والأسف عموم الناس.
وكان ربع القامة، ممتليء البدن، قوي العضل، أسود الشعر، طفح الوجه، عالي المحيَّا، عريض الحاجبين أفرقهما، أسود العينين حاد النظر، دقيق الأنف، متوسط اللحية وقد وخط الشيب نحو ربعها، حنطي اللون، أشعر الجسم، وكان بالإجمال حسن المنظر عظيم الهيبة.
? اعتمدنا في تحقيق هذه الترجمة على نعمان أفندي قساطلي صاحب تاريخ دمشق.
الفصل الثالث والثلاثون
أمين شميل


ترجمته

هو ابن المرحوم إبراهيم شميل، من محتدٍ كريم، ولد في كفر شيما من أعمال لبنان في ?? فبراير سنة ????م، وقد اشتهرت هذه القرية بجماعة من النابغين في العلم والإدارة؛ كآل اليازجي، وآل شميل، وآل تقلا، وقد وردت تراجم بعضهم في هذا الكتاب.
دخل صاحب الترجمة في السنة الحادية عشرة من عمره مدرسة المرسلين الأميركانيين، فتلقى فيها مبادئ النحو والحساب واللغة الإنكليزية، ثم تتبع درس اللغة العربية والفقه على أساتذة أفاضل، نذكر منهم السيد محيي الدين أفندي اليافي.
ولم يكد يبلغ الحادية والعشرين من عمره حتي صار رجلًا يُركن إليه في حل المشاكل، فتولى الفصل في خلاف عظيم وقع سنة ????م بين البطريرك مكسيموس مظلوم والمطران أغابيوس، فقضى من أجل ذلك سنتين في رومية وزمنًا في الآستانة، حتى صرف المشكل على ما أراد. أمين شميل ????–????م.
وفي يولية سنة ????م قصد إنكلترا، فتعرف في لوندرا إلى أحد تجار المسلمين المشهورين، السيد عبد الله أدلبي قنصل الدولة العثمانية في مانشستر، فاتخذه السيد مديرًا لأشغاله التجارية، وفي سنة ????م أرسله إلى بيروت بمهمة تجارية فأنجزها وعاد إلى مانشستر، واستأذن السيد عبد الله أدلبي بفتح محل تجاري على حسابه الخاص في مدينة ليفربول، فأذن له بذلك، وشرع من ثمَّ يشتغل بالتجارة، وفي سنة ????م ترك أخاه بشارة في ليفربول يدير حركة محله، وجاء سورية ثم الإسكندرية وفتح فيها محلًّا تجاريًّا مكث فيه نحو عشرة أشهر، ثم أدخل أخاه المرحوم ملحم في المحل، وأطلق عليه اسم شميل إخوان وشركاهم.
وفي سنة ????م عاد إلى ليفربول، واتسع نطاق تجارته فيها اتساعًا عظيمًا، حتى كان يستأجر بواخر على حسابه الخاص لنقل بضائعه من سورية ومصر إلى إنكلترا، ومن إنكلترا إلى هذين القطرين، وفي تلك الأثناء ارتفعت أسعار الأقطان، وكلفه بعض عملائه بالإسكندرية ببيع ثلاثين ألف قنطار على التسليم بأسعار تعدل الليبرة فيها ?? بنسًا، ثم ارتفعت الأسعار إلى ?? بنسًا، وقصر تجار الإسكندرية في تسديد ما عليهم، فخسر رجل الترجمة بسبب ذلك ما بين فرق كونتراتات وخسائر أخرى ثمانين ألف جنيه.
وفي سنة ????م جدد محله التجاري بشركة أسهم رأسمالها أربعون ألف جنيه، وفي سنة ????م صفى أشغال محله في ليفربول، وترك تلك المدينة وقصد القطر المصري، واشتغل في التجارة بالإسكندرية ومديرية الغربية، فخسر مع الفلاحين اثني عشر ألف جنيه.
على أن فشله في التجارة بما توالى عليه من الخسارة لم يفلَّ عزمه، ولا أقعده عن العمل وهو يكاد يناهز الستين من عمره، فعمد إلى استخدام مواهبه العقلية الأخرى، فعدل عن التجارة إلى التعيُّش من العلم، فاختار مهنة المحاماة مع ما تحتاج إليه هذه المهنة من التعقل والصبر على المراجعة والمقابلة والتبحر والاستنتاج، وأصدر سنة ????م جريدة حقوقية سماها الحقوق، وهي أول جريدة صدرت في هذا الموضوع في اللغة العربية، ولا تزال الحقوق حية يصدرها إبراهيم أفندي الجمال المحامي، وقد تولى معاونة صاحب الترجمة بضع عشرة سنة، وعليه اعتمدنا في كثير من حقائق هذه الترجمة.
ولم يمضِ زمن على اشتغال المترجم في المحاماة حتى نال ثقة رجال القضاء خصوصًا والناس عمومًا، بما فطر عليه من الصدق والاجتهاد ولين العريكة وسلامة الطوية، على أن المصيبة التي أصابته بفقد ولديه في سنة ????م؛ وهما أرثر في عمر ?? سنة، وفردريك في عمر ?? سنة، وبين الواحد والآخر ?? يومًا فقط، أسست في قلبه الأحزان المستمرة، ثم جاءت وفاة ابنته البكر أمينة سنة ????م فقوضت بنيته المتينة حتى انحلت قواه وأتاه القدر المحتوم فلبَّاه.
مؤلفاته

ترى مما تقدم أن المترجم قضى معظم حياته العلمية في التجارة، ولكنه كان وهو تاجر يشتغل في العلم التماسًا للذة البحث والكتابة، فكان يؤلف الكتب وينظم القصائد وينشئ المقالات، فيقضي ساعات الفراغ بما يلذ ويفيد، على أن اشتغال رجال التجارة بالعلم في ساعات الفراغ كثيرًا ما يكون عونًا لهم على الارتزاق عند الضرورة، كما اتفق لصاحب الترجمة، فلما انقطع للقضاء انصب بكليته إليه، فكتب فيه وفي غيره مؤلفات عديدة؛ منها: (?) الوافي للمسألة الشرقية: في كتابين ينقسمان إلى ستة أجزاء كبار، تشتمل على تاريخ الإسلام إلى حرب الروس، طبع منه جزء في نحو ??? صفحة كبيرة.
(?) مقدمات تاريخية علمية: نشرت تباعًا في الحقوق من سنة ????م.
(?) بستان النزهات في فن المخلوقات: وهو ثلاثة أقسام، لم يطبع.
(?) سهام المنايا: وهي رسالة رد فيها على بعض المعترضين على الوافي، حذا فيها حذو ابن زيدون في رسالته المشهورة.
(?) المبتكر: هو كتاب مبتكر في بابه، يشتمل على خمس مقامات تدعى مقامات الأوهام في الآمال والأحكام، وخمس وعشرين قصيدة مؤلفة من ألف وستة وخمسين بيتًا، شرح فيها درجات حياة الإنسان السبع من حين تصوره في الرحم إلى موته وتواريه في التراب (طبع غير مرة).
(?) الزفاف السياسي: وهي رواية تشخيصية رمزية تمثل حالة الدول في إبَّان حرب الروس سنة ????م (لم تطبع).
(?) مشروع البنك الوطني: رسالة عرض فيها على الحكومة المصرية إنشاء بنك وطني أهلي تشتمل على تفاصيل وافية في بابها.
(?) نظام الحكومة الإنكليزية.
(?) السدرة الجلية في المباحث القضائية.
(??) جريدة الحقوق المتقدم ذكرها، وهي الآن في سنتها الثامنة عشرة.
وكان شاعرا مجيدًا، نظم كثيرًا من القصائد الحكمية والفلسفية.
صفاته الشخصية وأخلاقه

كان ربع القامة، ضخم العضل، أبيض اللون، أصلع الجبهة، حليق الذقن، مهيب المنظر، مقدامًا على الأعمال، جلودًا على التعب، صبورًا على المصائب، كثير العناية في أشغاله، شديد المحبة لبنيه وأفراد عائلته، لين العريكة، كريم النفس، بادي المروءة، حاد الطبع في أواخر عمره، سريع الرضا، قوي الذاكرة، شديد الذكاء، عزيز النفس، صادقًا، حر الضمير واللسان، وبالجملة فقد كان مثال الرجولية وعنوان رجال الأعمال.
وقد رثاه شقيقه الدكتور شبلي بمراثاة فلسفية، نذكر منها الأبيات الآتية:
ذعر الناس أنهم مايتوناجهل الناس أنهم ذاهلوناحيرة المرء في الوجود حياةكل يوم تريك منها شئوناقال قوم أعياننا باقياتقال قوم بل إننا فانوناإن آثارنا لأثبت مناتلك آثارنا تدوم قروناقسم الناس بين خلق يجازيثم قوم يعد ذاك مجوناهل دريتم بما جنيتم فمظلومون أنتم وأنتم الظالمونا
الفصل الرابع والثلاثون
الشيخ محمد العباسي المهدي?


هو ابن الشيخ محمد أمين المهدي، مفتي الديار المصرية الأسبق، المتوفى سنة ????هـ، نجل المغفور له شيخ الإسلام الشيخ محمد المهدي.
ولد صاحب الترجمة سنة ????هـ، وتوفي والده وهو ابن ثلاث، وأخوه الشيخ محمد عبد اللطيف المهدي ابن خمس، وكان لأبيهما شركة مع والي مصر الأسبق المرحوم إبراهيم باشا في مصنوعات القصر من أقمشة وغيرها من تجارة الأقطار السودانية، وبعد والد المترجم حصرت المعية تركته باعتبار أنه مدين، وقد استمر المترجم وأخوه في اضطهاد وضيق عيش بسبب ذلك حتى تأهلا لطلب العلم بالأزهر الشريف، واجتهدا في تحصيله على المرحوم الشيخ السقا والشيخ البلتاني والشيخ خليل الرشيدي، ثم لما ظهر الحق للمغفور له إبراهيم باشا في أمر إدانة والد المترجم أفرج عن التركة، واستدعي المترجم وأسدل عليه خلعة الإفتاء في محفل من الأكابر والعلماء، ونزل بموكب حافل في ذي القعدة سنة ????هـ، وكان حين ذاك يحضر مقدمة السعد على الشيخ السقا.
ومما استلفت أنظار الجناب العالي إلى إعادة تلك المناصب العالية إلى ذلك البيت أن شيخ الإسلام في الآستانة أوصى المرحوم إبراهيم باشا بنجلي المرحوم محمد أمين المهدي مفتي مصر الأسبق؛ لما يعهده في أبيهما من الأمانة وحسن المعاملة والحماية عن الدين.
وحيث كان عمر المترجم إذ ذاك إحدى وعشرين سنة قد عين أستاذه الشيخ خليل الرشيدي أمينًا للفتوى ولحداثة سنِّه أيضًا لاقى من أهل صناعته ما دعاه إلى التحري والتحزر، حتى أصبح أجدر أئمة عصره بهذه المكانة الرفيعة علمًا وسياسة.
ومن جليل مقترحاته أنه اخترع تطبيق الوقائع على النصوص الشرعية، كما يشهد بذلك كتابه «الفتاوي المهدية».
ثم ظهرت فيه الكفاءة التامة لأعظم وظائف الإسلام؛ لِمَا كان له من الإدارة ولين العريكة والاقتدار العلمي والحزم والدهاء، فأسدلت عليه شياخة الإسلام مع الإفتاء في عهد المغفور له إسماعيل باشا في منتصف شهر شوال سنة ????م، فدبر نظامها وأعاد لها ما انحل من مرتباتها إلى أن ظهرت الفتنة العرابية، فعزل عن شياخة الإسلام لتوقفه عن التوقيع على طلب عزل الخديوي السابق توفيق باشا بعد أن بذل من الحزم والدهاء والسياسة والشهامة ما حير به الألباب، ولم يتمكن أحد من أن يمسه بسوء مع أهل تلك الفتنة من الاستبداد والانتقام من وضيع ورقيع، ومن حسن تدبير المترجم ظل ناعم البال محبوبًا لدى الأكابر والأمراء.
ثم بعد ما خمدت نار الثورة، وراقت سماء السياسة، وانجلت تلك الأباطيل، وكانت الدائرة على أهل التضليل، أعيدت إليه شياخة الإسلام بالاستحقاق، واستمر هكذا مقلدًا بكلتا الوظيفتين حتى عزل عنهما لمعارضته الحكومة فيما خالف الشريعة الغراء في عهد المرحوم الخديوي السابق توفيق باشا يومئذ، وأعيدت شياخة الإسلام للشيخ الإمبابي، وقلد الإفتاء الشيخ البنا.
وكان الشيخ البنا المذكور شديد الثقة باقتدار المترجم في العلم، وغيرته على الدين، حتى كان إذا سألته الحكومة أن يقضي في أمر مهم أعلنها بأنه لا يقول في الأمر شيئا إلا بعد أن يعرضه على المترجم، فكانت الحكومة تلح عليه في الطلب، وتقول له: أنت المفتي الرسمي لا هو، فكان يجيب: وإن كنت ذلك إلا أنه هو صاحب القول في الدين، واستمر ذلك إلى أن عاد الإفتاء إلى المترجم بعد قليل، واستمر معه إلى أن اعتراه مرض المنية، وقد عين في أثناء تمرضه الشيخ حسونة النواوي وكيلًا عنه، ثم أصيلًا بعد حياته، واستمر نحو سنتين، وعزل عنه وتقلده المرحوم الشيخ محمد عبده.
وقد كان المترجم صاحب الحق دون غيره في تعيين القضاة الشرعيين والمفتيين (بخلاف الآن؛ فإن الحقانية هي صاحبة الحق وحدها)، وكان يعين الأكفاء الغيورين، ولذا كان يذب عن حقوقهم في كل ما يرى فيه مساسًا لكرامتهم؛ فقد أتاه الشيخ حسن العدوي مستغيثًا به حينما استصدر شيخ الإسلام الشيخ مصطفى العروسي أمر المغفور له إسماعيل باشا بإبعاده، فتوسط له في العفو.
وقد كان المترجم (رحمه الله) شديدًا في الدين، لا يقول غير الصدق، ولا يحيد عن الحق، لا تثنيه المرهفات، ولا تورطه المرجفات؛ كم رأى في سبيله من العقبات فأزالها بسيف هذا الدين، وكم اؤتمن على أرقى المناصب فأداها بالأمانة، وكم هدده الأمراء بالقتل والنفي فلم يجدهم منه شيء، ولم ير غير تعزيز الإسلام ملاذًا لتطهير ذمته وشفيعًا له عند ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون.
طلب منه المرحوم عباس باشا الأول فتيا بأن ما بأيدي عائلة محمد علي باشا الأكبر من أطيان وأملاك هو حق لبيت مال مصر؛ إذ هو حاصل لهم من مال المصريين، لما ظنه الوالي من أحقية بيت المال به، فلم يفته، بل قال: «لا يسأل المالك من أين ملك»، وقد جوز ذلك وأفتاه به بعضهم، ولما كان من الرسميات افتاؤه تولى الطلب وهو لا يتحول عما أجاب به، إلى أن أمر بنفيه في شهر رمضان إلى أبي قير، حيث كان بها الوالي يومئذ، وكرر عليه الطلب فأجابه أخيرًا: «إن الأمير يأبى أن أترك الشرع حتى يقال عني غيَّر أحكام الله وأهان الشريعة السمحاء، ومع ذلك أنا قابل النفي والقتل في سبيل تعزيز ديني»، فلما رأى الوالي أن ذلك غير مجدٍ، وأن المترجم مخلص لدينه ولا غرض له غير إعلاء كلمته، أعاده إلى مصر وأنعم عليه؛ إقرارا بأحقية ما فعل، وجزاء له على ما أصاب، وبهذا كان بينه وبين الأمراء المودة المكينة بعد عرفانهم بقيمته؛ فقد كان بينه وبين سعيد باشا مودة يُضرب بها المثل، وخلع عليه الخلع الجزيلة، ومنحه المنح الجليلة.
وقد كان المترجم عضوًا في المجلس العلمي مع شيخه الشيخ السقا والشيخ العروسي والشيخ البقلي، وكان إسماعيل نائبًا عن الوالي سعيد باشا، وقد صادفهم أمور معضلة قد توقف هو وحماة الدين الأعضاء المذكورين عن التصديق عليها؛ لجنوحهم عن الأغراض والسير على غير نمط الشريعة الإسلامية.
وقد كانت عضوية هؤلاء الأفاضل سببًا عظيمًا في معرفة الخديوي الأسبق إسماعيل باشا قدر رجال الدين وقدر المترجم، حتى ثبت مودة المترجم في فؤاده.
ومما رفع مكانته لدى الأمير المذكور أنه أراد إلحاق الأوقاف الأهلية بالأوقاف العمومية حينما كان ناظرها، وأراد أن يستعيض أربابها ما يكلف معاشهم، وسأله الفتيا بالجواز حتى عظم الأمر لدى الأمير المذكور، وتجمهر المخالفون له، إلى أن توالت إليه الرسائل وازداد التهديد، فأعلن المترجم أنه ليسهل عليه تجرده مما يملك وما ورث عن آبائه من أن يعلن أنه حكم بما لم ينزل الله، وأنه حابى بدينه، أو راعه التهديد فراعى جانب المخلوق أو أخذته في الدين لومة.
فبعد ذلك دعاه الوالي وعقد مجلسًا تحت رئاسته ليقف على حقيقة الخلاف، فحضر المترجم ودار حديث الشيخ مع مخالفيه الواحد بعد الواحد، حتى أجمع الجميع وأقروا بخطئهم، فازدادت مكانته رفعة، وشكره الوالي لمحافظته على حقوق الشرع الشريف، وألغى إفتاء غيره، وصار المترجم مورد استشارة الحكومة في المهمات، حتى أوصى المرحوم إسماعيل باشا نجله المرحوم توفيق باشا بالمحافظة على المترجم، واستشارته في المعضلات؛ لأنه رجل الدولة والدين.
ثم إن إسماعيل باشا شرع في بيع شركة إلهامي باشا لرغبته في أطيانها لدين غير مستغرق، فتوقف معه المترجم، وأورد إليه سبيلًا حلًّا حتى ينال قصده بما هو أطهر وأطيب عند الله، فأشار باقتران ولي العهد بكريمة المدين، وقد رأى الوالي هذه الطريقة أنسب وأحفظ فاتبعها، وهكذا صار المترجم طول عمره في دفاع عن الدين؛ خصوصًا في وظيفة الإفتاء التي استمرت معه اثنتين وخمسين سنة، وأما الشياخة فاستمرت ثماني عشرة سنة، ثم أصيب بنقطة وهو يتوضأ لآداء فريضة الجمعة، وأحيلت وظيفة الإفتاء إلى شيخ الجامع بصفته وكيلًا عنه — كما ذكر، وقد كان ملازمًا لأداء الفريضة جماعة طول عمره حتى في أيام مرضه الذي لازمه أربع سنين، حتى مات في ليلة الأربعاء ?? رجب سنة ????هـ لاثنين وسبعين من العمر.
وأشهر مؤلفاته كتاب «الفتاوي المهدية في الوقائع المصرية»، وهو كتاب مطول في الإفتاء، طبع بمصر في سبعة أجزاء، وهو مشهور ومتداول.
? بقلم نجله الشيخ محمد عبد الخالق الحفني.
الفصل الخامس والثلاثون
أمين باشا فكري


ولد أمين باشا في القاهرة سنة ????هـ/????م، وربِّي في حجر والده المرحوم عبد الله باشا فكري — وستأتي ترجمته بين الشعراء — وكان يومئذ في جملة مستخدمي الدائرة السنية على عهد المغفور له سعيد باشا، فلما بلغ أشده أدخله والده المدارس الأميرية على عهد المرحوم إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، ففاق أقرانه ذكاء واجتهادًا، فكان امتيازه هذا داعيًا إلى إرساله في جملة الشبان الذين أرسلهم إسماعيل باشا إلى إكس بفرنسا لتلقي علم الحقوق، فعاد من المدرسة حاملًا الشهادة الناطقة بتبرزه في هذا الفن، فتعيَّن في المحكمة المختلطة، ثم ولَّاه الخديوي السابق رئاسة النيابة في مصر سنة ????م.
وقد عرفناه في هذا المنصب نزيهًا نشيطًا، قدوة العاملين، ومثال اللطف والدعة، وهو مع ذلك لا يفتر عن المطالعة والبحث، فألَّف في أثناء ذلك كتابًا مطولًا في جغرافية مصر والسودان، وهو أطول جغرافية في بابها، ثم تعين سنة ????م قاضيًا في محكمة الاستئناف الأهلية، فلم تزدد الحكومة إلا ثقة به واعتمادًا عليه، وفي السنة التالية انتدبت المرحوم والده لرئاسة الوفد العلمي المصري في المؤتمر الذي انعقد في عاصمة أسوج إذ ذاك، فصحبه نجله صاحب الترجمة في جملة أعضاء الوفد، فشاهد أوربا ودرس أحوالها، فلما عاد كتب رحلة والده هذه وسماها «إرشاد الألباء إلى محاسن أوربا»، طبعت بمصر سنة ????م في كتاب ضخم. أمين باشا فكري ????–????م.
ثم رأت الحكومة المصرية أن تنتدب لخدمة مصالحها الإدارية رجالًا من أهل القضاء، فكان صاحب الترجمة في جملة من تولى مصالح الإدارة، فتولى محافظة الإسكندرية مدة اكتسب بها قلوب أهل الإسكندرية كافة، ثم انتدب لنظارة الدائرة السنية سنة ????م، وما زال عاملًا فيها حتى داهمه المرض، فقضى مأسوفًا عليه في ?? يناير الماضي عن ?? عامًا، على أثر مرض كان يتردد إليه حينًا بعد آخر، وعاوده هذا العام فتحسنت حالته وعاد إلى مطالعة أوراق أشغاله في منزله، والكل فرحون بصحته، فبات ليلة ?? يناير والأمل ملء صدورهم، فأصبحوا فإذا هو فاضت روحه وهم لا يشعرون، وكانت وفاته بعارض لا علاقة له بالعلة الأصلية.
ومن مآثره — فضلًا عن الجغرافية المتقدم ذكرها وكتاب إرشاد الألباء — أنه عني بنشر مآثر المرحوم والده، فجمع منظوماته ورسائله في كتاب سماه «الآثار الفكرية»، وطبعه ونشره، وله كثير من الرسائل والمنظومات، ولو مُدَّ في أجله وأوتي صحة لجاء بما يخلد ذكره؛ لأنه كان أهلًا للعمل بما طبع عليه من الذكاء والنشاط، ولكن المنون عاجلته.

الفصل السادس والثلاثون
الدكتور درِّي باشا


ترجمة حياته

ولد في القاهرة سنة ????هـ، وقد قام والده المرحوم السيد عبد الرحمن أحمد من محلة أبي علي القنطرة (بالغربية) إلى مصر بعد أن دخل العسكرية في زمن المغفور له محمد علي باشا الكبير، وأقام بها سنوات التحق فيها بالدكتور الطائر الصيت كلوت بك؛ لامتيازه إذ ذاك بمعرفة الكتابة والقراءة، ثم عوفي من تلك الخدمة واختار الإقامة في مصر، واشتغل فيها بالتجارة في الحبوب وغيرها، ورزق بأولاد منهم صاحب الترجمة، ربَّاهم كلهم تربية حسنة بتثقيفهم في المدارس، واختاروا الطب علمًا وعملًا، فكان لهم فيه ولأولادهم من بعدهم العمل النافع للبلاد والعباد. الدكتور دري باشا ????هـ–????هـ.
ولما بلغ صاحب الترجمة السابعة من عمره (????هـ) أدخل مدرسة المبتديان، المعروفة الآن بمدرسة الناصرية، ولم يقم فيها سوى بضعة أشهر، ثم ألغاها المرحوم عباس باشا الأول في تلك السنة التي عرفت بسنة (البرار والبراماز)؛ أي سنة ما ينفع وما لا ينفع، فانتقل مع من انتخبوا من التلامذة إلى المدرسة التجهيزية، وكانت في الأزبكية، ومكانها الآن فندق شبرد، وبعد بضعة أشهر انتقل تلامذة هذه المدرسة إلى مدرسة أبي زعبل، فأقام فيها صاحب الترجمة إلى أن أكمل دروسها أو كاد.
ثم انتخب تلميذًا في مدرسة المهندسخانة، وكانت في بولاق مصر، وناظرها المرحوم علي باشا مبارك، على أنه كان يميل بطبعه إلى الطب، فكان يترقب الفرص لنيل مقصده، ولكنه لم يوفَّق إلى ذلك إلا سنة ????هـ بعد صبر وعناء، فألحق بتلامذة الفرقة الخامسة منها (سنة أولى)، وفي الامتحان العمومي السنوي نقل إلى الفرقة الثالثة وهو يجدُّ في الطلب، لا يعلم ما خبَّأه القدر له ولسائر التلامذة، فلم تشعر المدرسة إلا وقد جاءها المرحوم علي بك علوي يدعو تلامذتها جميعًا إلى الديوان الخديوي بالقلعة بأمر المغفور له سعيد باشا، فخرجوا إليها واصطفوا أمام الديوان ينتظرون ما لا يعلمون، حتى خرج إليهم المرحوم سعيد باشا بنفسه في أبهة ملكه ومعه المرحوم الدكتور محمد بك شافعي الحكيم ناظر المدرسة الطبية وغيره، وفرز التلامذة بنفسه فجعلهم ثلاثة أقسام بحسب أعمارهم؛ فحديثو السن جدًّا أمر بطردهم من المدرسة، والمتوسطون أن يلحقوا بالشوشخانة السعيدية (أورطة عسكرية)، والمتقدمون ألحقهم بالمدرسة العسكرية الحربية في بلدة طره، وكان صاحب الترجمة من المتوسطين في السن فألحق بالعسكرية، فصرفت لهم الملابس العسكرية والجربنديات، وأقفلت مدرسة الطب، وخلت المدارس المصرية من علوم الطب والأطباء.
ولكن صاحب الترجمة لم يجيء في خاطره مع ذلك أن يترك ما تعلمه من العلوم، بل بقي يتذكره ويتعهده بالتفكير فيه؛ طمعًا في أن يعود الحاكم إلى صوابه فيعيد المدرسة الطبية، فيعود هو إليها ويكمل علومها، وغلب اليأس على رفاقه وهو يعزيهم وينشطهم، حتى صدرت الأوامر بالعفو عنهم وجعلهم تمرجية (ممرضين) في الجيش.
وبقي صاحب الترجمة تمرجيًّا ينتقل من أورطة إلى أورطة، ومن آلاي إلى آلاي، حتى نال رتبة الجاويش، ثم جاءت الهيضة سنة ????هـ فاشتغل في معالجة المرضى وتلطيف حالهم زمنًا طويلًا، مع العناية بالمرض والرفق بالمريض، وابتدأ من ذلك العهد في تأسيس آرائه في هذا المرض، وتدوين مشاهداته فيه، ونشر أكثر من ذلك في رسالته المعروفة بالإسعافات الصحية في الأمراض الوبائية الطارئة على مصر في سنة ????هـ، وهي مشهورة طبعت على نفقته في المطبعة الأميرية.
وفي سنة ????هـ عاد إلى مصر مؤسسُ مدارسها الطبية الشهير كلوت بك، والتمس من ولي أمرها المرحوم سعيد باشا إعادة المدرسة الطبية إلى ما كانت عليه، فأجابه إلى ذلك، وصدر أمره العالي بجمع تلامذتها من الآلاليات وإرجاعهم إلى المدرسة، فعادوا إليها وامتحنوا، فعاد صاحب الترجمة إلى الفرقة الثالثة، وما زال في المدرسة حتى أتم الطب، وخرج منها طبيبًا ماهرًا وعالمًا مدرسًا في فنونها، وتعيَّن فيها بوظيفة مساعد ومعيد لعلم الجراحة بمرتب قدره ثلاثة جنيهات في كل شهر.
وفي عام ????هـ توجه عباس باشا إلى أوربا، وصحبه في رحلته إليها المرحوم محمد علي باشا الحكيم، فشاهد تقدُّم فن الجراحة في باريس، فحرَّك ذلك غيرة سعيد باشا لإرسال فريق من النابغين في المدرسة الطبية المصرية إلى باريس؛ ليتقنوا هذا الفن ويعودوا إلى مصر في زمن قريب التماسًا لقلة النفقات، ولإمكان الانتفاع بهم قريبًا من جهة أخرى، فبعث بهذه الإرسالية في عام ????هـ، وفيها صاحب الترجمة، وكان أصغرهم سنًّا ورتبة، وبعد أقل من عام توفي المرحوم سعيد باشا، وخلفه المرحوم إسماعيل باشا، فعرض عليه شافعي بك الحكيم ناظر مدرسة الطب استرجاع تلك الإرسالية؛ لأن مصر في حاجة إلى الأطباء، فصدر أمر إسماعيل بإرجاعهم، فعادوا جميعًا ما عدا صاحب الترجمة لصغر سنه.
وبعد رجوع رفاقه اشتغل هو بإتمام معارفه العلمية والعملية على أشهر الجراحين في ذلك الوقت الدكتور نيلاتون والدكتور نيليو، ولازم عيادة الأول الجراحية مدة سنتين كاملتين، فأظهر من العناية والمهارة بحيث لم يتمالك هذا الأستاذ عن الإعجاب به وتبشيره بمستقبل مجيد، وحث رفاقه على الاقتداء به.
وظل صاحب الترجمة مقبلًا على العلم والعمل في باريس إلى أن نال شهادة الدكتورية، فأراد رئيس الإرسالية هناك أن يعيده إلى مصر، فالتمس بقاءه مدة أخرى لإتمام العمل في بقية المستشفيات، فألح عليه الرئيس في الرجوع إلى مصر، وبلغ ذلك الدكتور نيلاتون فكتب إلى هذا يقول: «يجب الالتفات لدرِّي المصري والعناية بشأنه؛ لأنه قلَّ أن يوجد له نظير في الإقبال على العمل والاستفادة مما يشاهده منه، وإنني في غاية الامتنان، وأثني عليه أحسن الثناء»، فاقتنع رئيس الإرسالية بذلك، وبعث إلى صاحب الترجمة أن يخبره بكل ما يحتاج إليه.
وفي هذه الأثناء وصل الخديوي إسماعيل باشا إلى فرنسا، فلقيه الدكتور نيلاتون وأطنب له كثيرًا بصاحب الترجمة، وأثنى على أعماله واجتهاده، وساعده على ذلك جمهور من الحكماء الذين كانوا في حمامات فيشي، فحرك ذلك عاطفة الرعاية في الخديوي إسماعيل، وأمر بأن يعطى لصاحب الترجمة عدة كتب وبعض الآلات الجراحية ومئة بينتو، فأخذ الكل وضم المال المنعم به عليه إلى ما كان معه، واشترى به القطع التشريحية التي أحضرها معه من البلاد الأوربية إلى الديار المصرية، وبقيت أثرًا له إلى الآن.
وفي عام ????هـ وصل إلى مصر، وأُنعم عليه برتبة الصاغقول أغاسي، وعيِّن حكيمباشي قسم العطارين في الإسكندرية، ثم عيِّن حكيمًا ثانيًا لقسم الجراحة في مستشفى الإسكندرية، وبقي بها إلى أواخر عام ????هـ، ثم نقل إلى مصر وعيِّن معلمًا ثانيًا لعلم التشريح، وجراح باشي إسبتالية النساء بالقصر العيني، وظل بها إلى عام ????هـ، ثم عيِّن معلمًا أول لفن التشريح، وجراح باشي إسبتالية النساء، وأنعم عليه برتبة البكباشي، وبقي كذلك إلى عام ????هـ، فأنعم عليه برتبة أميرالاي، وما زال في مستشفى القصر العيني بوظيفة جراح باشي وأستاذ أول الجراحة والكلينيك الجراحي إلى عام ????هـ، وفيها أنعم عليه برتبة المتمايز، وفي عام ???? أنعم عليه برتبة أمير ميران الرفيعة الشأن، وفي أثناء هذه المدة قُلِّد عدة نيشانات علمية، منها نيشان الحرب بين الدولة العلية والروسيا، فإنه كان قد أرسل مع الجيش المصري وعيِّن حكيمباشي إسبتالية صوفيا، وكان له من العمل في هذا السفر والاهتمام بالمرضى ما لم يشاركه فيه سواه.
وما زال أستاذ أول للجراحة في القصر العيني حتى جعلوا التعليم فيها باللغة الإنكليزية، فأحيل على المعاش فتفرغ لأعماله الخصوصية، ثم دُهم بفقد صهره وابن أخيه المرحوم حامد بك صدقي، فأثرت وفاته تأثيرًا شديدًا على صحته، فتوالت عليه العلل حتى توفاه الله في ليلة ?? يولية سنة ????م/????هـ.
أخلاقه وأعماله

كان (رحمه الله) محبًّا لقومه، ساهرًا على مصلحتهم، مستهلكًا في خدمتهم، حتى لقد يحيي ليله مفكرًا في أحوالهم ومصيرهم، وقد حدا به ذلك إلى صرف عنايته وماله وراحته في رفع منار بلاده في السبيل الذي يستطيعه، فأنفق معظم ثروته في اختيار الكتب وجمع رسوم مشاهير المصريين وغيرهم، وحفرها كلها على النحاس في باريس، ولا غرض له من ذلك إلا إحياء ذكر الفضلاء، ناهيك بما أنفقه من العناية في رسم صور الأمراض التي لها أجسام وأشكال، ولم يقف عند هذا الحد، ولكنه كلف نفسه عملًا ليس هو من لوازم مصلحته، فأحضر مطبعة كاملة الأدوات سماها المطبعة الدرِّية طبع فيها بعض مؤلفاته ومؤلفات غيره، ولا ريب عندنا أنه لم يكن يستثمر من وراء ذلك غير التعب والخسارة، ولكنه كان يفعله مدفوعًا بغيرته على العلم والعلماء، ورغبته في خدمة وطنه ومواطنيه.
واشتهر الدكتور درِّي باشا بفن الجراحة، وفي منزله مجموعة تشريحية جاء بها من أوربا، وجمع شيئًا آخر هنا، وقد شاهدناها منذ بضع وعشرين سنة، وكنا قد جئنا لإتمام درس الطب في مدرسة قصر العيني، وكان هو من جملة أساتذتها، وبيدنا كتاب توصية باسمه من صديق له في بيروت، فصحبنا إلى منزله أحد أصدقائنا من تلامذة القصر يومئذ (الدكتور نعمة الله أفندي طحان من أطباء الجيش المصري الآن)، فاستقبلنا الدكتور دري أحسن استقبال، وأحب من باب المباسطة أن يمتنحن معرفتنا في فن التشريح، فجاءنا بجمجمة صناعية ظهرت فيها الأعصاب أحسن ظهور، وسألنا عن العصب الخامس وفروعه، وهو من أصعب مسائل التشريح، فأجبناه بما حضرنا وهو يسمع ويبتسم، ثم دعانا إلى حجرة التشريح وأطلعنا على ما عنده من التماثيل التشريحية وغيرها، فعلمنا من ذلك اليوم أنه ذو ولع شديد في مهنته، وقد تحققنا ذلك فيما بعد مما سمعناه عنه وشاهدناه من آثار فضله.
وكان مدققًا كثير الانتباه للفرص التي تعرض له في معاطاة مهنته، فإذا جاءه مريض ذكر في دفتر خاص بالمرضى اسم ذلك المريض، ومرضه، والعلاج الذي عالجه به، وتاريخ سير العلة بالتفصيل والإيضاح، فلما أحيل على المعاش في آخر حياته جمع ذلك كله في مجموعة أهداها إلى قصر العيني، وهي لا تزال محفوظة هناك، وقد كتب عليها «مجموعة محمد دري باشا الحكيم».
واشتهر بين الأطباء بدقة التشخيص وصدق الإنذار، حتى كاد يقترب ذلك من الإلهام، فإذا شاهد مريضًا وأنذره أو بشره كان كما قال، وكان متعلق الذهن بمرضاه، فإذا عمل عملية مهمة وعاد إلى بيته لا يهدأ باله على مريضه حتى يتفقده مرارًا؛ إما برسول خاص، وإما أن يذهب هو بنفسه، ولا فرق عنده في ذلك بين الغني والفقير، وربما كان أكثر عناية بالفقير مما بالغني، ويذكرون من فضله بنوع خاص مواساته الناس في أزمنة الأوبئة الوافدة ومعالجتهم بما سهل ورخص، ومن آرائه الخصوصية في الجراحة أن العمليات الجراحية تكون عاقبتها سليمة إذا عملت في شهري بؤونة وأبيب، ويليهما كيهك وطوبة، أما مؤلفاته التي ظهرت في عالم المطبوعات فهي: (?) رسالة في الهيضة الوبائية: وفيها وصف الهيضة وطرق معالجتها بالأدوية البسيطة.
(?) كتاب بلوغ المرام في جراحة الأقسام: هو كتاب في الجراحة مطول، مزين بالرسوم والأشكال، ظهر منه ثلاث مجلدات ضخمة، طبعت كلها في مطبعته، والرابع كان عند وفاته لا يزال تحت الطبع.
(?) كتاب التحفة الدرية في مآثر العائلة المحمدية العلوية: جاء فيه على خلاصة تراجم أعضاء العائلة الخديوية مع رسومهم ورسوم أنجالهم.
(?) كتاب تذكار الطبيب: طبع مرتين أخيرتهما سنة ????هـ، يشمل كل التذاكر الطبية التي كان يصفها مشاهير الأطباء في مستشفى قصر العيني، وهو كتاب ضخم صفحاته ??? صفحة، ويسهل حمله في الجيب.
(?) ترجمة حياة المغفور له علي باشا مبارك، استخرجه من الخطط التوفيقية، وطبعه في مطبعته سنة ????هـ.
وهناك كتب أخرى لم يطبعها، وقد ظهرت في مطبعته كتب أخرى لمؤلفين آخرين.

الفصل السابع والثلاثون
السيد إقليميس يوسف داود


رئيس أساقفة دمشق على السريان
هو يوسف بن داود بن بهنام، من عائلة زبوني، ولد في العمادية من بلاد كردستان على مسافة ثلاث مراحل من الموصل، وأصل عائلته من الموصل، فلما بلغ الخامسة من عمره عاد به أبوه إليها فتلقى مبادئ العلوم في بعض المدارس الابتدائية، فأظهر من النجابة والذكاء ما جعله في مقدمة رفقائه التلامذة، ثم اتفق بعض ذوي الفضل — وفي مقدمتهم الأب يوسف والركا (الذي صار بعد ذلك بطريركا أورشليميا على اللاتين) — على إرساله إلى المدرسة الأربانية برومية؛ للتبحر في العلوم اللاهوتية ونيل رتبة الكهنوت، فبرح الموصل سنة ????م وله من العمر ?? سنة، فمر ببيروت وقضى بمدرسة غزير بضعة أشهر، ثم سار إلى رومية، وهناك أكبَّ بكليته على اكتساب العلوم على أنواعها، وفيها العلوم النحوية والبيانية والبديعية والمنطق والطبيعيات والكيمياء والرياضيات والجبر والهندسة والمساحة والجغرافية والفلك والفلسفة العقلية والأدبية واللاهوت الأدبي والنظري والفقه الكنائسي والتاريخ البيعي والموسيقى وعلم الكتاب المقدس، وتعلم اللغات اللاتينية والإيطالية والعبرانية واليونانية والإفرنسية والإنكليزية والألمانية، وأكمل اللغة السريانية والعربية والكلدانية، وذاع خبر نجاحه وذكائه وامتيازه على أقرانه، فوقع نزاع بين الطائفتين الكلدانية والسريانية من أجله، فادَّعت كل منها أنه من أبنائها رغبة في اكتساب خدماته لها، ولما طال النزاع خيروه في الانحياز إلى إحداهما، فاختار الطقس السرياني، وفي سنة ????م سيم قسيسًا للسريان. السيد إقليميس يوسف داود ????–????م.
وفي منتصف سنة ????م غادر رومية قاصدًا الموصل، فوصلها في أواخر تلك السنة، واستلم الأعمال الكهنوتية، وجعل يعظ ويعلِّم، ووجَّه انتباهه بنوع خاص إلى المدارس؛ لعلمه أن التعليم أساس كل فضيلة، فأسس بالموصل سنة ????م مدرسة بالاتفاق مع الآباء المرسلين الدومنكيين، كان يعلِّم فيها النحو والصرف بالعربية، ومبادئ اللغتين الإيطالية والفرنساوية والرياضيات والجفرافيا والتاريخ والموسيقى، ثم أنشأ المرسلون الدومنكيون مدرسة عالية كان هو أستاذها الأول، فأتت بفوائد يذكرها العارفون.
ويقال بالإجمال إن جميع كهنة الموصل وتوابعها كانوا من تلامذته أو تلامذة تلامذته، ونظرًا لقلة المؤلفات التدريسية إذ ذاك اضطر إلى تأليف الكتب اللازمة للتدريس، وقد طبعت بعد ذلك وستُذكر بين مؤلفاته، وكان مع كل ذلك لا يغفل لحظة عن رعاية رعيته والقيام بواجباته نحوهم دينيًّا وأدبيًّا.
وفي سنة ????م ترقى إلى رتبة الخورفسقفس، وعهدت إليه النيابة العامة على الأبرشية، وفي سنة ????م أوعز إليه بأمر البابا بيوس التاسع أن يكون مستشارًا في اللجنة المعينة لإعداد الأمور المتعلقة بقوانين الكنائس الشرقية وتواريخهن، وهي إحدى اللجنات الخمس التي أقامها البابا استعدادًا للمجمع الفاتيكاني المسكوني الذي كان في النية التئامه، وأن يستنسخ ما يقع في يده من الكتب الخطية السريانية والعربية، فقام بمهمته حق القيام، حتى استدعي سنة ????م إلى المجمع الفاتيكاني، فسار وحمل معه ما كان قد استنسخه من الكتب النفيسة إلى مكتبة مدرسة البروبغندا، وكان (رحمه الله) في جملة اللاهوتين العظام في ذلك المجمع، وهو العضو الشرقي الوحيد هناك، وقد سمي ترجمانًا فيه فنال على أثر أعماله هذه شهرة عظيمة جدًّا، وكان لا يضيع فرصة لا يؤلف فيها أو يطالع.
وفي سنة ????م عاد إلى الموصل، وعمل على تصحيح ترجمة التوراة العربية بمقابلتها على الترجمات السريانية واليونانية واللاتينية والعبرانية، وعلَّق الحواشي على بعض الآيات الغامضة، وقد طبعت هذه الترجمة في مطبعة المرسلين الدومنكيين بالموصل مرتين، وراجع أيضًا الترجمة السريانية البسيطة، وطبعها بالمطبعة المذكورة بأحرف كلدانية، ولولا هذه الطبعة لفسدت الترجمة البسيطة.
وفي سنة ????م توفي المطران يعقوب حلياني أسقف دمشق على السريان، وبقيت طائفة السريان هناك بلا أسقف سنتين، وفي سنة ????م انتخب صاحب الترجمة أسقفًا لها بإجماع الطائفة وتحريض البطريرك، ولكنه كان ميالًا إلى الابتعاد عن مهام الأسقفية؛ لعلمه بما يترتب على قبولها من التبعة، وكثيرًا ما عرضت عليه قبل ذلك ولم يقبلها، أما هذه المرة فاعتذر وتردد مدة حتى ملَّ المكاتبة، وورد عليه كتاب من البطريرك يقول فيه: «إن الحضرة البابوية تريد منك أن تذعن لصوت الجمهور، وتسلم للإرادة الإلهية التي تدعوك لتلك الوظيفة السامية، وأن تقبل الانتخاب»، فلم يرَ بدًّا إذ ذاك من القبول، فسار في أوائل سنة ????م من الموصل إلى دمشق لتولي مهام منصبه الجديد، وقد غادر الأهل والخلان والرفاق والجمعيات والمدارس والأخويات والكنائس والمطابع وأكثرها من غرس يمينه وهو لم يكد يجني ثمار أتعابه، فمرَّ بحلب، وهناك رقي إلى رتبة الأسقفية، ولقِّب إقليميس، فصار من ذلك الحين يدعى السيد إقليميس يوسف داود، وسار من حلب إلى دمشق، ولا تسل عن فرح الدمشقيين بنيل تلك الأمنية التي لم يكونوا يرجون الحصول عليها لعلمهم بإبائه قبلًا عن قبول الأسقفية.
أما هو فأخذ يدير شئون الطائفة بهمة ونشاط، فأنشأ الأخويات، ومجلسًا طائفيًّا للنظر في أمور الأبرشية، وشيَّد بعض الكنائس، ورمم البعض الآخر، وأنشأ كثيرًا من المدارس الصغيرة للقرى، ووجَّه التفاته إلى جمع الكتب، فجمع مكتبة يعزُّ وجود مثلها؛ لما حوته من الكتب الخطية المتعلقة بالمشرق التي يندر وجودها، وأخذ في التأليف والتصنيف، وأصلح الكتب الطقسية، فعانى في إصلاحها مشقات جسيمة.
ومما لا تنساه الطائفة السريانية سعيه في إنشاء مجمع السريان اللبناني؛ فإنه هو الذي هيأ مواده، والمجمع المذكور انعقد في الشرفة بلبنان سنة ????م، ونظر في أحوال الطائفة السريانية، وضبط أمورها الطقسية وقوانينها الشرعية، وكانت الطائفة قد حاولت عقد هذا المجمع غير مرة ولم تنجح إلا على يده.
وفي أوائل سنة ????م أصيب (رحمه الله) بداء القلب، فقاسى فيه أهوالًا جسيمة، وفي ?? أغسطس (آب) سنة ????م توفي إلى رحمة الله وله من العمر ?? سنة وبضعة أشهر.
مؤلفاته

لصاحب الترجمة مؤلفات كثيرة بين مطبوع وغير مطبوع في لغات مختلفة، وهاك أسماء مؤلفاته التي طبعت مع اسم اللغة التي ألفها فيها:
(?) كتاب التمرنة في الأصول النحوية، مع مقدمتين في أصول الكتابة والقراءة (مجلدين)عربية(?) التمرين في التمرنة (مجلدين)عربية(?) غراماطيق إفرنسي مع الشرح العربيإفرنسية وعربية(?) اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية، مع الشرح العربي بطريقة جديدة؛ أي بالمقابلة مع اللغة العربية واللغة العبرانية خاصةسريانية عربية(?) نحو اللغة السريانية مع الشرح اللاتينيلاتينية(?) نبذتان في العروض والشعر (ألحقهما بكتاب التمرنة)عربية(?) مدخل الطلاب في علم الحساب (مختصر)عربية(?) تروُّض الطلاب في علم الحساب (مطول)عربية(?) علم الجغرافياعربية(??) التواريخ البيعيةعربية(??) مختصر التواريخ البيعيةعربية(??) تاريخ مجمع السريان اللبناني المعقود سنة ????م في الشرفةإفرنسية(??) بيان رئاسة بطرس زعيم الرسل وخلفائه الأحبار الرومانيين من تقليد البيعة السريانية (طبع رومية)لاتينية(??) مقالة في تعليم البيعة السريانية في انبثاق روح القدسسريانية(??) خطبة تاريخية في رئاسة بطرس الرسول مع تأييدها بنصوص من آباء الكنيسة السريانيةعربية(??) القصارى في حل ثلاث مسائل تاريخية تتعلق ببلاد الشام وما يجاورهاعربية(??) بيان طقس البيعة الأنطاكية السريانية ونافورتهاإفرنسية(??) المقابلة بين نافورة القديس يعقوب المستعملة عند السريان ونافورة القديس يوحنا فم الذهب المستعملة عند اليونان (يتخللها شرح طويل عن الطقوس اللاتينية والكلدانية والأرمنية والمارونية والحبشية والقبطية)إفرنسية(??) مقالات شتى طقسية وتهذيبية ألفها وطبعها في روميةلاتينية إيطالية(??) بيان لغة أهل دمشق العربية في أيامناإفرنسية(??) بيان اللغة التي تكلم بها يسوع المسيح على الأرضإفرنسية(??) بحث عن لغة أهل سورية وفلسطين حين ظهور اللغة العربية فيهما. وبيان أنها كانت اللغة السريانيةإفرنسية(??) مواد مجمع السريان اللبناني المعقود في الشرفةعربية لاتينية(??) طقوس جديدة سريانية لأعياد مستحدثة في البيعة الكاثوليكيةسريانية(??) كلندار عام للبيعة السريانية على مدار السنةعربية(??) كلندار عام لجميع الطقوس غربية وشرقية (ألحقه بكتاب تحفة الزهور)عربية(??) نبذة من القوانين البيعية لكهنة أبرشية الموصلعربية(??) المقدمة والنتيجة في الخطبة والزيجةعربية(??) الكنارة الصهيونيةعربية وسريانية(??) خدمة القداس الأشحيميعربية وسريانية(??) فهرست القراءات من العهدين القديم والجديد التي تقال على مدار السنة بحسب الطقس السريانيعربية(??) تروُّض في آلام المسيح لكل يوم جمعة من الصوم الكبيرعربية(??) الرسالتان الأولى والثانيةعربية(??) إنشاء الرسائلعربية(??) التعليم المسيحيعربية(??) التصاريف العربيةعربية(??) تصاريف الأفعال الكلدانيةكلدانية(??) كراسة الاشتقاقاتعربية(??) تعليم القراءة السريانيةعربية
وهذه أسماء مؤلفاته التي لم تطبع: (??) جامع الحجج الراهنةعربية(??) تاريخ السريانعربية(??) علم الهندسةعربية(??) علم الجبرعربية(??) أغلاط ترجمة العهد الجديد العربية التي أنشأها البروتستنت في بيروتعربية(??) رياضة درب الصليب (وهي مؤثرة للغاية)عربية(??) مجموع خطبه أو مواعظه الدينيةعربية(??) مقالات في حقيقة سر الأوخارستياعربية وإفرنسية(??) قداس حبري سرياني على أصول الموسيقى الأوربيةعربية سريانية(??) تصانيف موسيقية شتىعربية سريانية(??) مجموع المناشير، أو الرسائل الراعوية التي أنفذها من حين أسقفيتهسريانية(??) التوطئة إلى الاحتجاج والتبرئة (فوائد تاريخية مهمة)سريانية
وله فضلًا عن ذلك خدمات جزيلة خدم بها العلم؛ كتنقيح بعض الكتب أو ترجمتها أو ضبطها، ومنه ما قد طبع؛ كالكتاب المقدس وكتاب الصلوات السريانية وغيرهما، وبعضها لم يطبع، وقد بلغ عدد الكتب التي ترجمها أو نقحها أو ضبطها ?? كتابًا، بعضها يزيد على عدة مجلدات، فيكون عدد كتبه بين تأليف وتصنيف وترجمة وضبط ?? كتابًا في لغات مختلفة، أكثرها في مواضيع وعرة المسالك.
صفاته

كان (رحمه الله) ربع القامة، بشوش الوجه، سريع الخاطر، رقيق الجانب، واسع العلم في سائر العلوم التاريخية واللغوية والدينية، وكان يعرف من اللغات ?? لغة، ولكنه كان مغرمًا بنوع خاص باللغات الشرقية وتحليلها بما يسمى علم الفيولوجيا أو الفلسفة اللغوية، وكان عمدة هذا العلم ومورد قصاده، فلما طبعنا كتابنا «الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية» سنة ????م أرسلنا إليه نسخة منه على سبيل الهدية، فكتب إلينا كتابًا يدل على حسن ظنه بنا، ورغبته في تنشيطنا، وهاك نص الديباجة ننشرة إقرارًا بفضله، ودليلًا على رقته ودعته؛ قال: أما بعد، فأقول إني قرأت كتابك النفيس الذي عنوانه الألفاظ العربية … إلخ، في النسخة التي تفضلت بإهدائها إليَّ، فوجدته مؤلفًا كاملًا في فنه، وافيًا بكل الشروط على أتم وجه، ودالًّا على طول باع مؤلفه في هذا الفن الجديد من العلوم اللغوية الذي لم ينتبه إليه قبل اليوم أهل وطننا، فلله درك! كم تبحرت في هذا العباب الصافي، وكم استخرجت منه من الدر الثمين! فحقك أن أهنئك وأشكرك باسمي وباسم الجمهور كله؛ ولا سيما أهل وطننا، إذ إنك على ما أعهد أول من فتح لهم هذا الباب الجليل والسلام.
عن دمشق الشام في ? شباط سنة ????م
المحب الشاكر
إقليميس يوسف داود
مطران دمشق على السريان
وقد دارت بيننا وبينه بعد ذلك مكاتبات بشئون مختلفة، مرجعها إلى مبحث اللغات وفلسفتها، لا محل لها هنا، وكم تمنينا أن نلقاه وجهًا لوجه، وقد عزمنا على ذلك وقصدنا زيارة دمشق سنة ????م لهذه الغاية، فأنبئنا بوفاته ونحن في منتصف الطريق في بلدة زحلة، فعدنا ولم ننل وطرًا.
أما في التاريخ، فقد كانت له باع طولى؛ ولا سيما في تاريخ الدول القديمة؛ كالفارسية والأشورية والبابلية والمصرية والفونية واليونانية والرومانية، وكان ورعًا تقيًّا سليم القلب، مخلصًا غيورًا متواضعًا، محافظًا على الفروض الدينية، كارهًا لنعم الدنيا راغبًا عنها.

الفصل الثامن والثلاثون
مارون النقاش


مؤسس فن التمثيل في اللغة العربية
ولد (رحمه الله) في صيدا سنة ????م، وتربَّى في بيروت، وكان من حداثته ميالًا إلى العلم، فأتقن الآداب اللسانية وغيرها؛ كالصرف والنحو والعروض والبيان والمنطق، وأخذ في نظم الشعر وهو في الثامنة عشرة، وتعلم الحسابات التجارية على الأصول الإفرنجية، وعلَّمها لكثيرين، فكان إمام هذا الفن في بيروت، وتعلَّم أيضًا القوانين التجارية، وكان التجار يرجعون إلى رأيه فيها، وأتقن اللغة التركية والإيطالية والفرنساوية، وكان له ولع بالموسيقى، وارتقى في مبدأ عمره إلى رئاسة كتَّاب جمرك بيروت، ثم انقطع للتجارة إلى آخر حياته.
وكان فيه ميل إلى السفر مع صعوبته في ذلك الحين، فساح في سورية كلها، ثم جاء الإسكندرية ومصر سنة ????م في أواخر أيام محمد علي، وشخص منها إلى إيطاليا، وهي يومئذ لا تزال أكثر ممالك أوربا علاقة بالشرق، وحضر فيها تمثيل الروايات على المراسح، فأدهشه ما في ذلك من اللذة والفائدة بتمثيل العبرة حتى يراها الناس رأى العين، وخطر له أن ينقل هذا الفن إلى العربية لفائدة أبناء وطنه، وأخذ في العمل حال رجوعه إلى بيروت، فضم إليه جماعة من أصدقائه الشبان النجباء الأدباء، وأخذ يعلمهم التمثيل، وألَّف لهم رواية «البخيل»، وهي أول رواية تمثيلية أُلِّفت في اللغة العربية.
فعلَّمهم أدوارها حتى أتقنوها، ومثلوها في بيته سنة ????م في ليلة حضرها قناصل المدينة وأعيانها، فأعجبوا بما شاهدوه من دقة التمثيل وإتقان التأليف مع حداثة هذا الفن، فشاع خبر ذلك حتى تناقلته الصحف الإفرنجية، فزاد نشاطًا وإقدامًا، فألَّف رواية «أبي حسن المغفل» أو «هارون الرشيد»، مثَّلها في بيته أيضًا في أواخر سنة ????م، ودعا إليها والي سورية وبعض الوزراء ورجال الدولة، وكانوا — يومئذ — في بيروت، فأعجبوا به وأثنوا على نشاطه، فلما تحقق نجاح عمله أنشأ مرسحًا خاصًّا بالتمثيل بجانب منزله خارج باب السراي بفرمان سلطاني — وقد تحول بعد موته إلى كنيسة عملًا بوصيته.
وفي هذا المرسح شخَّص رواية الحسود السليط، وهي كثيرة الفكاهة والعبرة، وكان مع ذلك يتعاطى أشغاله التجارية، وإنما يشتغل بالتمثيل حبًّا في الفن، وكذلك سائر أصدقائه الممثلين، وكانوا في بادئ الرأي يتزلَّفون إلى الناس ويتملقونهم ليحضروا تمثيلهم، ثم صار الناس يتقاطرون إليهم، وقد نبغ منهم بعد ذلك جماعة من كبار الوجهاء وأهل الأدب، ولو مد الله بأجل النقاش لكان لفن التمثيل شأن آخر، ولكنه توفي سنة ????م في طرسوس، وكان قد ذهب إليها لبعض أشغاله التجارية، وهو لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره.
فخلف النقاش في أهل بلاده حب التمثيل، ورغَّب بعض أدباء بيروت في هذه الصناعة، فجعلوا يمثلون الروايات في المراسح الخصوصية أو المدارس الكبرى أو المراسح العمومية؛ وأشهرها مرسح سورية، ولا يزال باقيًا إلى اليوم، ومن قدماء المشتغلين بالتمثيل في سورية بعد النقاش سعد الله البستاني، مثَّل رواية انتظم في سلكها جماعة من نوابغ الشبان — يومئذ — ومنهم الآن غير واحد من العلماء وأهل الوجاهة.

الفصل التاسع والثلاثون
ناصيف المعلوف


هو ناصيف بن إلياس منعم المعلوف، وُلد في قرية زبوغة في ?? آذار (مارس) سنة ????م، ومال منذ نعومة أظفاره إلى العلوم، وشغف بها؛ لأنه كان وهو صغير يرافق والده إلى دار الأمير بشير الشهابي الكبير، وكان مجلسه حافلًا بالشعراء والعلماء؛ كالشيخ ناصيف اليازجي، وبطرس كرامة، والشيخ رشيد الدحداح، وغيرهم، فكان الأمير وأولاده يقولون لوالده: «علم ناصيف فنظمه في سلك كتبة هذا الديوان»، وهو يسمع مقالهم فيزداد رغبة، فتلقى مبادئ العلوم على أحد الكهنة في دير القديس سمعان العمودي، واتصل بالطيب الذكر المطران أغابيوس الرياشي، فكان يكتب له لحسن خطه وإنشائه، فأتم بعض علومه على الخوري أغابيوس البنا في بيروت، واتصل ببعض علماء عصره، ودرس مبادئ اللغتين الفرنسية والإيطالية على بعض المرسلين، ومال إلى توسيع معارفه، وحدَّثته نفسه بالسفر؛ ولا سيما بعد أن انقطع حبل آماله لخروج الأمير بشير الكبير من سورية. ناصيف المعلوف ????–????م.
وفي تلك الأثناء قَدِم التاجر المشهور يوحنا العرقتنجي من مدينة أزمير لترويج تجارته في بيروت؛ إذ كانت قد بدأت حياتها التجارية، فكان يختلف إلى الدار الأسقفية لزيارة السيد أغابيوس صديق نسيبه الطيب الذكر المطران باسيليوس العرقتنجي مطران حلب، فصادقه ناصيف وعرف منه ترقي أزمير العلمي، فرغبه في السفر معه، ولما كان اليوم التاسع عشر من آيار (مايو) سنة ????م أبحرا من بيروت إلى أزمير، وكانت المدينة الثانية في عمرانها بين مدن الممالك المحروسة، وعدد سكانها نحو مئة ألف نفس، وأكثر أبنيتها خشبية، ولما وصلاها اتخذ يوحنا ناصيف مدرِّسًا لأولاده العربية والفرنسية، واعتمد عليه بإدارة شئونه التجارية لمهارته في فن الحساب، فاغتنم ناصيف الفرصة لاستزادة علومه، فدخل مدرسة إخوة التعليم المسيحي سنة ????م، ومارس الفرنسية والتركية.
وسنة ????م انتظم في سلك أساتذة اللغات الشرقية في مدرسة البروباغندة التي كانت بإدارة الآباء العازاريين، وكانت له رغبة شديدة بتحصيل اللغات، فأتقن التركية والإنكليزية واليونانية الحديثة فوق ما كان يعرفه منها، وأكبَّ على التأليف في بعضها، فنال منزلة لدى العلماء ورؤساء تلك المدرسة، فأثنوا عليه كثيرًا؛ ولا سيما الأب أوجان بورة رئيسها الشهير، فإنه أثنى مرارًا على براعته وحسن أسلوبه في التدريس، وبقي ناصيف زهاء عشر سنوات يلقن العلوم ويضع بعض التآليف، وقد زار بأثنائها الآستانة العلية وباريس ولندن وغيرها من عواصم أوربا ومدنها.
وفي صيف سنة ????م اغتنم فرصة العطلة المدرسية ورافق بعض السياح الأوربيين القادمين إلى سورية لتفقد آثارها، وجاء مسقط رأسه زبوغة في شهر تموز، فشاهد أسرته ثم ذهب إلى زحلة لملاقاتهم يوم الثلاثاء في ?? منه، وفيها بلغهم أن الهواء الأصفر تفشى في حلب قادمًا من مصر، ويوم الخميس في ?? منه كانت الأسر الكثيرة من دمشق تتقاطر إلى زحلة هربًا من الوباء، فذهب ناصيف مع رفاقه إلى بعلبك، وعادوا بسرعة إلى بيروت، وبرحوها قاصدين أزمير، فما وصلوها حتى بلغهم أن الوباء تفشى في بيروت في منتصف آب، ومنذ ذاك الحين اختبر ناصيف بنفسه حاجة السياح إلى معرفة اللغات الشرقية، فشرع في وضع بعض المؤلفات باللغات التي أتقنها، واشتهر بتضلعه بالشرقية منها.
ولما ذاعت معارفه في أنحاء الممالك المحروسة واتصلت بأوربا، استقدمه إليه اللورد ركلن (L. raglan) قائد الجيوش المتحدة في حرب الدولة العلية وروسية، فلبى طلبه مستأذنًا الدولة العلية، ورافقه في أسفاره في أول آب (أغسطس) سنة ????م، وبقي إلى ?? أيلول (سبتمبر) من السنة التالية بمهنة ترجمان، فشهد الوقائع الكبيرة، وكان يدرس الضباط اللغة التركية، وأظهر إخلاصه لدولتنا العثمانية العلية. وفي سنة ????م ذهب إلى مدينة لندن، فنال لدى كبار علمائها مقامًا رفيعًا، ونظَمته جمعية الأثينيوم العلمية في سلك أعضائها، فشكر لهم حفاوتهم هذه برسالة مؤرخة في آب سنة ????م، لا تزال نسخة منها في مكتبتنا، وبقي في عاصمة الإنكليز إلى شهر تشرين الأول (أكتوبر) من تلك السنة، فبرحها إلى مدينة بخارست حاضرة بلاد رومانيا، وانضم إلى السير هنري بلوير معتمد إنكلترا، وظل في خدمته، ثم رافقه إلى الآستانة العلية في حزيران (يونية) سنة ????م، وكان ترجمانًا له يدرسه اللغة التركية، فأهدى إليه معجمه التركي الفرنسي.
وفي العام التالي بينما كان يتأهب للسفر إلى بر الأناضول قنصلًا للدولة الإنكليزية فيها، فرغ منصب الترجمان الأول لقنصلية إنكلترا في أزمير ففضله على منصبه الأول لأسباب صحية، وناله برخصة الدولة العلية، وباشر القيام به في شهر أيار (مايو)، فخدمه خدمة أكسبته رضى هاتين الدولتين وغيرهما من الدول الشرقية والغربية، وكان مع انهماكه بهذا المنصب مكبًّا على التأليف وتصحيح المطبوع من مؤلفاته بجلَد غريب، حتى كثيرًا ما كان يستنسخها بخط يده مرتين أو ثلاثًا، وفي أول تشرين الأول سنة ????م نشر بعض علماء عصره سيرته باللغة الفرنسية في جريدة رائد الشرق (Courrier D' Orient)، ثم طبعت على حدة في ?? صفحة. وبقي مثابرًا على العمل والتأليف إلى أن تفشى الهواء الأصفر في مصر وسورية، واتصل بأزمير فأشار عليه الأطباء أن يبرحها إلى أوربا ترويحًا للنفس، فشخص إلى بعض عواصمها حتى انقطع دابر الوباء، فعاد إلى أزمير مريضًا واصطاف في قرية كوتجة من ضواحيها، فتوفي في ?? أيار (مايو) سنة ????م غريبًا عزيبًا، فنقل إلى أزمير ودفن في كنيسة الآباء اللعازاريين بضريح خاص، وقد أرَّختُ وفاته بقولي الذي كتب تحت رسمه الفوتوغرافي:
فقيد بني المعلوف ناصيف منعمٌولكن لأهليهِ وللعلم تكديرُونفس أديب العصر كالشمس أرَّختفمطلعها لبنان والغرب أزميرُ وكان ربعة القوام إلى الطول، رقيق الجسم، أبيض اللون، يضرب لونه إلى السمرة، خفيف الشعر، لطيف المنظر، حلو الحديث، وقد نال لدى معاصريه شهرة ذائعة، أما إخلاصه لدولتنا العلية — أيدها الله — فأشهر من أن يذكر؛ إذ كافأته بالوسام المجيدي الخامس ببراءة سلطانية في أواسط ذي القعدة سنة ????هـ/????م، وتنازل ساكن الجنان السلطان عبد الحميد خان فقبل هدية تآليفه، وانتظم في سلك أعضاء جمعية العلوم والآداب التركية (انجمن دانش) التي أنشئت في الآستانة سنة ????م، وفي الجمعيتين الآسيويتين الفرنسية والبريطانية، وأتقن من اللغات العربية والتركية والفارسية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية واليونانية، وألَّف في جميعها.
وأهداه المغفور له ناصر الدين شاه العجم وسام الأسد والشمس (شير خورشيد) من الطبقة الرابعة ببراءة مؤرخة في ربيع الآخر سنة ????هـ/????م، وفتحت جرائد الممالك المحروسة العربية والتركية والأرمنية أبوابها لملاقاته وتقريظ مؤلفاته والثناء عليه، وتكرر اسمه في الجرائد الأوربية ومجلاتها؛ ولا سيما في باريس ولندن وبخارست ومالطة، ولقبته بالعالم المتضلع باللغات الشرقية، وبالمستشرق الشهير الذائع الشهرة، ليس في الممالك المحروسة فقط، بل في عواصم أوربا أيضًا، وقال غرسان دي ناسي من مشاهير علماء فرنسا: «إن تآليف ناصيف المعلوف تنطق بسعة معارفه واجتهادة».
ولما أعاد الطباع ميزونوف في باريس طبع معجمه الفرنسي التركي الذي طبع أولًا في أزمير سنة ????م، تولى مراجعة مسوداته العلَّامة أوبيشيني، فصدَّره بمقدمة بيَّن فيها فضل الكتاب، وأفاض في وصف صاحبه، وتوسع في إظهار مزاياه ومؤلفاته؛ ولا سيما سهولة طريقته ووضوح عبارته وتضلعه باللغات الشرقية، وأعظم هذه الشهادات ما قاله المسيو بيانكي — وكان أول من عني من المستشرقين في وضع معجم فرنسي تركي طبعه سنة ????م، فأحرز رواجًا مذكورًا في أوربا، وبقي نسيج وحده فيها إلى أن نشأ ناصيف فوضع معجمه واحتذى طريقة بيانكي وتوسع في ذكر المصطلحات اللغوية للفنون والآداب والعلوم فنال رضى العلماء؛ ولا سيما بعدما جدد وأعاد النظر فيه — قال بيانكي في كتاب أرسله من باريس إلى المترجم سنة ????م أثنى فيه على تأليفه؛ وخصوصًا على كتابه الفوائد الشرقية: «فأنت أول شرقي يشتغل بهذه الأعمال؛ لأن مؤلفاتك الكثيرة النافعة قد ساعدت على تقدم الدروس العربية والتركية والفارسية … إلخ»، وكتب إليه مثل ذلك العلامة الفرنسي رينو (J. Reinaud) وغيره من كبار العلماء. ومما هو جدير بالذكر ما كتبه بعضهم في مقدمة إغراماطيقة التركي الفرنسي المطبوع في باريس سنة ????م، نقتطف من قوله ما تعريبه: «إن الكتب الكثيرة التي مثَّلها الموسيو معلوف بالطبع قوبلت جميعها بحفاوة، وأنالته شهرة واسعة، فبينما كان يشتغل بتدريس التركية في مدرسة البروباغندة الفرنسية في أزمير، وبرئاسة كتابة (باش كاتب) قومندان الفرسان العثمانيين وبأعباء الترجمان الأول لقنصلية إنكلترا في أزمير، ما انقطع قط عن سعيه في نشر تآليفه التي سهلت درس اللغات الشرقية على الأوربيين؛ ولا سيما التركية منها، كيف لا وأنه في مطاوي اثنتي عشرة سنة فقط ألَّف ومثَّل بالطبع أكثر من خمسة وعشرين مصنفًا، كانت مرشدًا للسياح في الشرق، ومرجعًا لعلماء الاشتقاق»، إلى أن قال: إن المؤلفين لم يعثروا حتى الآن على أسلوب أسهل وأكمل من الأسلوب الذي ابتكره المسيو معلوف؛ فإنه بعد أن يشرح القواعد بإيضاح يمرِّن الطلاب بمحاورات وأمثلة من مألوف الرسالات، وذلك بلا نكير من أسدِّ الطرق وأقوم المناهج للتوصل إلى إتقان التكلم بكل لغة … إلخ. أ.هـ.
أما تآليفه التي طبعت فهي وفقًا لبرنامج مكتبة ميزونوف في باريس سنة ????م وغيرها مع ما وجد منها في المتحف البريطاني، ومكتبة الآباء اليسوعيين الشرقية، ومكتبة المدرسة الكلية السورية في بيروت كما يأتي: (?) مفتاح اللغة التركية: طبع في أزمير سنة ????م.
(?) محاورات فرنسية وعربية وإنكليزية: في أزمير سنة ????م.
(?) محاورات فرنسية وتركية: أزمير سنة ????م.
(?) تمارين تركية: الآستانة سنة ????م.
(?) محاورات تركية وعربية باللغة العامية: الآستانة سنة ????م.
(?) فكاهات شرقية بالتركية لنصر الدين خوجة: أزمير ????م، والآستانة ????م.
(?) مجموع جديد لجمل ومحاورات بالفرنسية والتركية: أزمير ????م.
(?) مبادئ القراءة بالعربية والتركية والفارسية: أزمير ????م.
(?) معجم بالفرنسية والتركية: طبع أولًا في أزمير سنة ????م، وثانية في باريس سنة ????م، وثالثة في باريس في مجلدين بعد تنقيحه وإضافة أكثر من ستة آلاف كلمة جديدة إليه؛ من علمية وفنية وصناعية وتجارية وسياسية وحقوقية سنة ????م، وقد قدمه للسير بلوير كما مرَّ.
(??) محاورات ومنتخبات تاريخية وقصصية مختصرة بالتركية والفرنسية: أزمير ????م.
(??) الوادي الطيب بالتركية والعربية: أزمير ????م.
(??) مختصر الجغرافية القديمة والحديثة: أزمير ????م.
(??) كتاب المراسلات التركية (إنشائي جديد): الآستانة ????م.
(??) مختصر التاريخ العثماني بالفرنسية: أزمير سنة ????م.
(??) دليل المحادثات بالتركية والعربية والفارسية: أزمير ????م.
(??) محاورات بالتركية والفرنسية وبالفرنسية والتركية: أزمير ????م.
(??) فوائد شرقية في اللغات التركية والعربية والفارسية: أزمير ????م.
(??) الهجاء العثماني: طبع أولًا في أزمير ????م، وثانية في باريس ????م.
(??) المخاطبات المعلوفية بالتركية والعربية: الآستانة ????م.
(??) دليل المحادثات باللغات الخمس؛ الإيطالية واليونانية والتركية والفرنسية والإنكليزية: طبع مرتين في باريس سنة ???? و????م.
(??) دليل المحادثات باللغات الأربع؛ الفرنسية واليونانية الحديثة والإنكليزية والتركية: طبع ثلاثًا في باريس سنة ???? و???? و????م.
(??) دليل المحادثات باللغات الأربع؛ الإيطالية والتركية والفرنسية والإنكليزية: باريس سنة ????م.
(??) دليل المحادثات باللغتين الإنكليزية والتركية: طبع مرتين في باريس ???? و????م.
(??) دليل المحادثات باللغات الثلاث؛ الإنكليزية والفرنسية والتركية: طبع في باريس مرتين سنة ???? و????م.
(??) غرامطيق اللغة التركية بالعربية: طبع في باريس سنة ????م، ثم ????م بعد أن نظر فيه المسيو كليمان هوارت (C. Huart)، ترجمان السفارة الروسية الثاني في الآستانة العلية قبلًا، ومدرس في مدرسة اللغات الشرقية حالًا، وهو مصنف كتاب تاريخ آداب اللغة العربية بالفرنسية.
(??) معجم تركي وفرنسي بمجلد واحد: باريس سنة ???? و????م.
(??) دليل المحادثات باللغات الثلاث؛ الفرنسية والإنكليزية والعربية: طبع في باريس سنة ????م، ثم سنة ???? فيها.
هذا وهناك مؤلفات له لم نعثر على أسمائها وزمن طبعها؛ أخصها نقل حكايات باركن (Berquin) من الفرنسية إلى التركية، وما رواه صاحب راشد سورية في الصفحة ??، ولعله الجغرافية التي وصفت بعدد ??، فضلًا عما بقي مخطوطًا. وهاك بعض ألقابه المطبوعة تحت اسمه في الغراماطيق التركي المطبوع في باريس سنة ????م، وفي بعض مؤلفاته الأخرى كالمعجم الفرنسي التركي المطبوع في باريس سنة ????م؛ وهي: أستاذ اللغات الشرقية، وعضو الجمعية الآسيوية في باريس، وواضع التآليف الكثيرة بالتركية والعربية والفارسية والفرنسية وغيرها المؤذنة بنشرها جمعية العلوم والآداب الملكية في الآستانة العلية، وكاتم أسرار وترجمان قومندان الفرسان الإنكليزيين العثمانيين، وممتحن الضباط الإنكليزيين باللغات الشرقية ومدرسهم اللغة التركية، والترجمان الأول لقنصلية بريطانية في أزمير، وعضو الجمعية الآسيوية الملكية البريطانية العظمى وأيرلاندة، وناقل الوسام المجيدي العثماني ووسام الأسد والشمس الإيراني … إلخ.
عن داني القطوف في تاريخ بني المعلوف
الفصل الأربعون
سليم دي نوفل


نُعي إلينا من مدينة بطرسبورج عاصمة الروس رجلٌ من خيرة رجال سورية الذين أحرجتهم أحوالها فالتمسوا العمل في بلاد الغربة، فنالوا ما شاءوا من الثروة والجاه والمقام الرفيع في ممالك أوربا وأميركا، والسوري مقدام لا يبالي بالأسفار في طلب العلى، ورث ذلك عن أسلافه الفينيقيين، على أننا لا نظنه كان عرضة للمهاجرة وتجشم الأخطار في عصر من العصور السالفة مثل تعرضه لذلك في هذا العصر، بالنظر إلى سهولة الأسفار واتساع أبواب الرزق.
وفي جملة الذين قضوا حياتهم في ديار الغربة ونالوا جزاء اجتهادهم وفضلهم المرحوم سليم دي نوفل، مستشار الدولة الروسية، وترجمان إمبراطوريتها، وأستاذ اللغتين العربية والفرنساوية والفقه الإسلامي في قسم اللغات الشرقية بنظارة الخارجية الروسية. سليم دي نوفل ????–????م.
وهاك خلاصة ترجمة حاله مما نقله إلينا أحد أصدقائه القدماء، قال:
ولد (رحمه الله) نحو سنة ????م في طرابلس الشام، من عائلة عريقة في الفضل والوجاهة والعلم، ومنها المرحوم نوفل نعمة الله نوفل صاحب المؤلفات الشهيرة في آداب العرب وعلومهم (راجع ترجمته في هذا الكتاب)، تلقى مبادئ القراءة في بعض المدارس الابتدائية، وهي قليلة في ذلك العهد، ثم كان أكثر ما اكتسبه من العلم بعد ذلك بجدِّه واجتهاده فظهرت مخايل النجابة عليه من نعومة أظفاره، فلما شبَّ نال ثمرة أتعابه فتعيَّن وكيلًا لشركة البواخر الروسية في طرابلس الشام، ثم تاقت نفسه إلى السياحة فخرج إلى أوربا، فطاف ممالكها؛ وخصوصًا مملكة الإنكليز، ورجع إلى طرابلس.
واتفق نحو سنة ????م أن دولة الروس طلبت من قنصلها في بيروت أن يبعث إليها برجل يحسن اللغة العربية؛ ليعلمها للشبان الروسيين الذين يتهيأون للخدمة السياسية في الشرق، فوقع الاختيار على صاحب الترجمة، فشخص إلى بطرسبورج ومعه عائلته، وأقام مدة في التدريس نال في أثنائها ثقة أهل البلاط وكبار رجال الحكومة الروسية، فجعلوا يرقونه ويزيدون راتبه ويخلعون عليه حتى صار من مستشاري الدولة، فضلًا عن منصبه في تعليم اللغتين العربية والفرنسوية، وانتدبه جلالة القيصر غير مرة لينوب عنه في مهمات سياسية بباريس ورومية، وبعضها للمخابرة بشأن الكاثوليك في بولونيا؛ نظرًا لما كان له من سعة الاطلاع في تاريخ الأديان والآداب الشرقية، وانتدب غير مرة للحضور في المؤتمرات الشرقية التي كانت تعقد في أوربا للبحث في اللغات الشرقية وآدابها.
وكان يعرف اللغات العربية والفرنساوية والإنكليزية والإيطالية والروسية والتركية واليونانية وبعض اللغات الشرقية القديمة، وكانت له مهارة خصوصية بالإنشاء الفرنساوي، وكانت حكومة الروس تراعي جانبه وتكرمه، فأعطته قصرًا في أحسن أحياء بطرسبورج للإقامة فيه مع امرأته وأولاده، وله عدة مؤلفات في الفرنساوية؛ منها كتاب الزواج والطلاق، وكتاب سيرة النبي، طُبعا بنفقة نظارة المعارف الروسية.

الفصل الحادي والأربعون
محمد بيرم


هو من علماء تونس ووجهائها، ومن أكثر المسلمين تفانيًا في نصرة الإسلام، وُلد في تونس ????هـ/????م، ويتصل نسبه ببيرم أحد قواد الجند العثماني الذي جاء تونس بقيادة سنان باشا سنة ???هـ، تفقَّه في جامع الزيتونة، ونشأ حرَّ الضمير يكره الاستبداد، فسرَّه إنشاء مجلس الشورى في الحكومة التونسية على عهد الصادق باشا، وكان من أكبر نصرائه، وتولى رئاسة المجلس الوزير خير الدين باشا.
وتعيَّن بيرم سنة ????هـ مدرسًا في الجامع المذكور، وبعد سنتين توفي والده عن ثروة طائلة، وظهرت في أثناء ذلك فتنة عمومية في الأيالة التونسية على أثر إنحلال مجلس الشورى، فشقَّ ذلك عليه وتمكَّنت علائقه مع خير الدين باشا من ذلك الحين؛ لاتفاقهما في النقمة على الحكومة.
وفي سنة ????هـ عاد خير الدين باشا إلى الوزارة الكبرى في تونس، فجاهر بيرم بنصرته، وصرح بآرائه السياسية على صفحات الجرائد، وهو أول من تجاسر على ذلك هناك، وأعجب الوزير بنشاطه وتعقله فعهد إليه إدارة الأوقاف سنة ????هـ، فأحسن إدارتها ونظمها، وأصيب في السنة التالية بانحراف حمله على السفر إلى أوربا للاستشفاء، ولقي في باريس المارشال مكماهون فأكرمه، وحضر المعرض العام، وشاهد كثيرًا من ثمار قرائح أهل هذا التمدن، فلما عاد إلى تونس أخذ في تنظيم مستشفاها على نحو ما رآه في مستشفيات أوربا.
ووقع في أثناء ذلك بين قنصل فرنسا الكونت دوسانسي والحكومة التونسية نزاع على قطعة أرض كانت الحكومة منحته إياها لتربية الخيل على شروط أخلَّ بها، فأرادت استرجاعها فأبى، وبينما هي تنازعه وتجادله عليها ذهب الوزير وهو — يومئذ — مصطفى بن إسماعيل إلى تلك الأرض، ودخلها عنوة في زمرة من أعوانه، فاغتنم القنصل هذا التعدي لتمكين سيادة دولته في تونس، فرفع أمره إليها وطلب عزل الوزير، فخاف هذا وأسرع إلى الترضية، فعينوا لجنة تحكيم كان بيرم أحد أعضائها، فأخذ جانب الدفاع عن الحكومة بكل قواه، وكان نحيف البنية مصابًا بمرض في الأعصاب الموصلة بين المعدة والقلب، مع ضعف شديد في الدم، يستخدم المورفين لتسكين آلامه، فأثَّر ذلك في صحته، واضطر أن يشخص إلى باريس للاستشفاء، وأما اللجنة فصدر حكمها لمصلحة القنصل.
ونهض التونسيون على أثر ذلك يطلبون الجنوح من الحكم الاستبدادي إلى الشوري، وسعوا في ذلك سعيًا حثيثًا لم يأت بنتيجة؛ لأن أمير البلاد — يومئذ — لم يعضد مطالبهم، ويقال إن ذلك كان بتحريض فرنسا؛ لأنها تعتقد أن الحكومة الدستورية تخالف مصلحتها هناك، وأما بيرم فقد كان في مقدمة الراغبين في الشوري، وعاتبه الأمير على تعضيده الأهالي في مطالبهم، فأجابه بحرية لم يعهد مثلها وبيَّن له خطأه.
وتوجَّه تلك السنة إلى باريس كالعادة، واغتنم وجوده هناك فرفع إلى غمبتا تقريرًا مسهبًا يشكو فيه سوء تصرف القنصل ووقوفه في سبيل كل مشروع نافع للبلاد، وبلغ خبر ذلك إلى القنصل فزاد غضبًا ونقمة، واتفق في أثناء طلب التونسيين الشورى أن الدول كانت مشغولة بخلع إسماعيل باشا خديوي مصر، وكان الصدر الأعظم في الآستانة — يومئذ — خير الدين باشا، ونظرًا لما يعلمونه من علائق بيرم بخير الدين استنتج الفرنساويون أن مطالب التونسيين لم يكن الغرض منها إلا فتح السبيل لمداخلة الباب العالي، واتهموا صاحب الترجمة أنه الواسطة بذلك، ولما بلغه الخبر استعفى من منصبه في تونس وعزم على البقاء بعيدًا عنها، ولكنه عاد إليها بعد إلحاح أصدقاءه.
وكان قد فهم وهو في باريس رغبة فرنسا في ضم تونس إلى أملاكها ضمًّا كليًّا، وأنها أغرت الوزير مصطفى فمالأها طمعًا بالترقي، فذهبت آمال صاحب الترجمة بإنقاذ بلاده، فعزم على الخروج منها، فلم تأذن الحكومة بسفره، فاحتال بطلب الرخصة للحج، فأذن له فخرج سنة ????هـ، وجاء مصر وسافر منها إلى الحرمين، ثم يمم سورية فالقسطنطينية، فأحسنت الدولة وفادته، ولكن الوزير التونسي كتب إلى الباب العالي بإرجاع الشيخ بيرم؛ لأنه لم يقدم حسابًا عن إدارة الأوقاف التي كانت في عهدته، فنصره خير الدين ولم يسلمه، ولما تم لفرنسا ضم تونس إلى أملاكها سنة ????هـ عزلت الوزير مصطفى وعاملته معاملة الخائن.
واشتغل الشيخ محمد بيرم في أثناء إقامته في الآستانة بالكتابة والتحرير، وراعى صحته فتحسنت كثيرًا وقلَّ استعماله للمورفين، وكانت وجهته النظر في ما آل إليه حال البلاد الإسلامية من طمع الأجانب، ووصف الأدوية لملافاة ذلك، ولم يجدِ الكلام نفعًا.
ولمَّا تحقق رسوخ قدم فرنسا بتونس يئس من العودة إليها، فأراد أن يكون قريبًا من أهله، فانتقل إلى مصر بعد الحوادث العرابية سنة ????م، وقد باع أملاكه في تونس ونقل عائلته منها، وأنشأ في مصر جريدة سياسية اسمها «الإعلام»، تصدر ثلاث مرات في الأسبوع، ثم صارت أسبوعية، وكانت خطتها محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم، فانتقد بعضهم عليه هذه الخطة؛ لأنها تخالف ما كان عليه في تونس، وأنه إنما هجرها فرارًا من الحكم الأجنبي، فكيف يكلف المصريين عكس ذلك؟
ولكن الذين يرون رأيه كانوا يعتذرون بأنه إنما حث على محاسنة الإنكليز والاستفادة منهم؛ لأن معاكستهم وأمر البلاد في أيديهم لا يجدي نفعًا، وأن مجافاة الفرنساويين أوجدت أسبابًا ساعدتهم على ضم تونس إلى بلادهم، وقد ألجأه إلى انتهاج هذا المسلك أيضًا ما قاساه من ظلم الحكم الاستبدادي في تونس، وما آنسه من العوامل المحركة في مصر بإغراء بعض الأجانب الذين يغرون صدور الناس على حكامهم مما يعود بالضرر.
واضطر بعد إقامته سنتين بمصر أن يعود إلى أوربا، فتمم سياحاته فيها وعاد إلى مصر، فعيَّنته الحكومة سنة ????م قاضيًا في محكمة مصر الابتدائية، وكثيرًا ما كلفته الوزارة كتابة ملاحظاته على القضاء الشرعي؛ لأنه كان واسع الاطلاع فيه، وما زال عاملًا مجتهدًا رغم ما يعتوره من المرض، حتى توفي سنة ????هـ/????م.
وقد خلف آثارًا كتابية، أكبرها كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار، طُبع في مصر في خمسة أجزاء، وهو عبارة عن رحلة عامة في أوربا ومصر والشام والحجاز وغيرها، وذكر فيها كثيرًا من الحقائق التاريخية والاجتماعية عن بلاد العرب وتونس والجزائر، لا تجدها في كتاب آخر، وأكثرها شاهده بنفسه، أو كان داخلًا فيه؛ ولا سيما تاريخ تونس والجزائر.
وله ما خلا ذلك رسالة «تحفة الخواص في حل صيد بندق الرصاص»، ومختصر في فن العروض، ورسالة في «التحقيق في شأن الرقيق» بحث فيها عن كيفية معاملة الرق عند المسيحية، وأن منع الحكومات الإسلامية لتجارة الرقيق شرعي، وكتاب «تجريد الأسنان للرد على الخطيب رينان» رد فيه على ما كتبه رينان في الإسلام والعلم، ورسالة في جواز ابتياع أوراق الديون التي تصدرها الممالك الإسلامية حتى تبقى أموال المسلمين في بلادهم، ولا يحجبهم عنها اشتباه الربا، وهو لا ينطبق في هذه الحالة عليها، وألَّف كتابًا مسهبًا في شأن التعليم بمصر، ذهب فيه إلى وجوب انتشاره باللغة العربية لسهولة تناوله وتعميمه بين طبقات الناس.
وله كتابات أخرى لم نقف على أسمائها، ويؤخذ من مجملها أن صاحب الترجمة كان من محبي الإصلاح وتقريب المسلمين إلى عوامل التمدن الحديث، وإزالة ما قد يعترضهم من أشباه الموانع الدينية على نحو ما كان يفعله الشيخ محمد عبده (رحمهما الله).

الفصل الثاني والأربعون
نقولا توما


ولد في صور، وقد نفذت ثروة والده ونشأ وهو يسمع ما كان لهم من سعة الرزق، وكان فيه نشاط وهمة وذكاء فانصرفت أفكاره إلى إنهاض عائلته والأخذ بيد والده الشيخ، وقبل أن يدرك السادسة من عمره أخذ في تلقي العلم ببعض المدارس الصغرى، ثم في مدرسة الآباء اليسوعيين، فظهر ذكاؤه ونبغ بين أقرانه، وسبق كثيرين منهم، وكان في حداثته ميالًا إلى إلقاء الخطب، والأساتذة يلاحظون ذلك فيه ويبشرون والده أن ابنه سينبغ خطيبًا. نقولا توما ????–????م.
وكأنه رأى من والده عجزًا عن القيام بأجرة تعليمه (ريال مجيدي في الشهر) فعرض على الآباء اليسوعيين أن يعلِّم بعض صفوف المبتدئين في مقابل أجرة تعليمه فأجابوه، واتفق أنه سمع بعض رفاقه من آل أبيلا يتباحثون في بعض المسائل النحوية، فرغب في النحو والتوسع فيه فوق ما تدرسه تلك المدرسة، فبث أمره إلى والده، فأخذ يبحث عن المعلم وأجرة التعليم، فوجد أن المعلم هو عم أولئك التلامذة الخواجة ميخائيل أبيلا، فمضى إليه وفص رغبة ابنه عليه، فتبرع الخواجة أبيلا بتعليمه مجانًا وصاحب الترجمة — يومئذ — في الثانية عشرة، وقد كبر عليه أن يتعلم بدون أجرة أو ما يقوم مقامها، فجعل يخدم معلمه في جميع مصالحه جهد طاقته، وكان قوي الحافظة فتعلم النحو وبرع فيه، ومال إلى الشعر فدرس العروض.
ولم تمضِ عليه سنة في هذه الدروس حتى عُزل والده من وظيفته بالكمرك، وزادت ماليته ضيقًا، فتنغَّص الغلام فاستشار والده في الذهاب إلى بيروت ليعمل عملًا يعينه فيه على المعاش، فأبى إلا أن يتم دروسه، فأدخله مدرسة المعلم بطرس البستاني في بيروت، واتفق أن أخته كانت مقيمة مع زوجها هناك، ورأت في أخيها ذكاء ورغبة في العلم، فرتبت له معلمًا يعلمه الفرنساوية في بيتها، وحاطته أحسن حياطة وهو راغب في العمل، فعلم بعد نصف سنة أن جريدة التقدم تحتاج إلى محرر أو مترجم، فتقدم إليها فاستخدموه فيها براتب زهيد، فكان ذلك أول اشتغاله بالصحافة وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.
وأخذت مواهبه تظهر من ذلك الحين، وعمد إلى استحثاث رفاقه على تأسيس جمعية وطنية لم يتم له إنشاؤها، وكان خاطره مع ذلك قلقًا على حال عائلته بعد أن أقيل والده من وظيفته، فاغتنم قدوم والي سورية لتمضية فصل الشتاء في بيروت ونظم قصيدة رفعها إليه، فأمر له بجائزة على جاري العادة، فرفضها، فاستغرب الوالي ذلك منه واستقدمه وسأله عن سبب الرفض، فقال: «إني رفعت إليك مديحي ألتمس منك أن تستخدمني في بعض دوائر الحكومة للقيام بأود عائلتي»، وقص عليه حديث والده، فأعجب بنباهته فوظفه في قلم الأملاك والنفوس في قائمقامية صور، والتقى هناك بزوج عمة له اسمه نقولا الزهار، كان عالمًا بالفقه، فأحس بميل إلى هذا العلم فدرسه عليه، ثم أخذ يتبحر به لنفسه، حتى كثيرًا ما كانوا يستقضونه في بعض الشئون، وكان من حداثته ميالًا إلى الإعراب في كلامه، فإذا تكلَّم تكلَّم فصيحًا معربًا، وتعوَّد ذلك حتى صار مَلَكة فيه إلى آخر أيامه.
قضى تلك الحداثة الضيقة ونفسه تطلب المزيد، ومطامعه لا ترضى غير العلى، والأحوال تقعده وتمنعه، فاتفق استقالة الوالي الذي استخدمه، ورأى مقاومة من رئيسه فذهب إلى بيروت وقدم استعفاءه فأعفوه، فطلبه المطران أغابيوس الرياشي أن يتولى التدريس في مدرسة عين القش بلبنان، فأجاب ووجد في تلك المدرسة مكتبة حافلة بالكتب المنطقية والفلسفية والتاريخية، فاستفاد من مطالعتها كثيرًا، ولكنه عاد إلى مطامعه ورأى نفسه أكبر من أن تسعها تلك الحالة، فاستعفى ونزح للإسكندرية في آخر سنة ????م، وأخذ يبحث عن عمل يرتزق به، فوفِّق إلى وظيفة مترجم بمصلحة الملح، وظل ملازمًا التدريس في أوقات الفراغ، فرأى في تلك المصلحة فسادًا، فانتقده فعزلوه فأتى القاهرة ونظم قصيدة رفعها إلى رياض باشا أرفقها بكتاب ذكر فيه أنه يستطيع عرض نظام مفيد لمصلحة الملح والوزير حر بقبوله أو رفضه، فاستحسن الوزير عزة نفسه وأجاب طلبه، فرفع عدة تقارير كان لها وقع حسن عند الحكومة، وعملت بمقتضاها، فأصدرت أمرها باحتكار الملح سنة ????م، واعتمدت على صاحب الترجمة في كثير من مهامها، وارتقى في هذه المصلحة إلى وظيفة مفتش في المديريات، ولكن نفسه ما زالت تطلب المزيد، فاستقال سنة ????م.
وكانت الصحافة العربية — يومئذ — لا تزال طفلة، ولها مع ذلك تأثير في دوائر الحكومة، والنفس الكبيرة ترى في صناعة القلم بابًا لسد مطامعها في سبيل الشهرة، فضلًا عن لذة الكتابة، فأخذ صاحب الترجمة يشتغل في تحرير جريدة مرآة الشرق، ثم سافر إلى باريس للسياحة، فلقي هناك المرحومين السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، ورحل منها إلى لندن، وعرف في رحلته هذه عددًا من رجال الفضل، واطلع على حقيقة التمدن، ورأى الدنيا كما هي، فعاد إلى مصر وقد عدل عن الصحافة إلى المحاماة، فلقي مشقة كبرى فاز في آخرها ونفسه لا تزال تميل إلى القلم، فاستخدمه في سبيل المحاماة، فأنشأ مجلة الأحكام المصرية، وكان لها شأن حسن في عالم الصحافة، على أن سعة أعماله في المحاماة أدت إلى إيقافها من عامها الثاني.
وظل مثابرًا على تلك المهنة، ونبغ فيها حتى عد من أكبر رجالها، وامتاز عن معظم زملائه بفصاحة العبارة وإعرابها؛ فقد شهدناه في بعض مجالس القضاء يعرب الكلام ويلقيه فصيحًا بليغًا لا يتوقف ولا يتلجلج، مع جرأة واستقلال فكر، فلا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يبالي أن يقول للمخطئ أخطأت، ولو كان قاضيًا أو أميرًا، فاضطغنت عليه صدور البعض، حتى إذا سنحت لهم فرصة حاسبوه فيها على عمل لا يعد في عرف المحامين ذنبًا وإن كان القانون لا يسوغه، ورافق ذلك قرائن أخرى آلت إلى إخراجه من سلك المحامين وهو في إبان الحاجة إلى الراحة، وكان الأطباء قد أشاروا عليه بها منذ أعوام وهو لا يستطيع إيقاف تيار أعماله بعد أن اتسعت أشغاله وحام أصحاب القضايا حوله، فلما حكم عليه بالراحة كان ذلك لازمًا لصحته بعد أن أنهكها الجهاد في طلب العلى، وكأن الراحة أتت بعد فوات الفرصة، فذهب للاستشفاء في بعض مدن أوربا، فقضى هناك في مدينة إفيان في ?? أغسطس سنة ????م، وحُملت جثته إلى مصر.

الفصل الثالث والأربعون
حسن باشا محمود


هو من أهل الدور الثاني للنهضة الطبية الأخيرة، باعتبار تفاوتهم في أسلوب التأليف واختلافهم في المصادر التي تلقوا العلم عنها، نبغ من بين العامة، وارتقى بجده واجتهاده حتى صار في أرقى طبقات الخاصة علمًا ووجاهة، ونبوغ العامة إلى طبقة الخاصة يكثر على الخصوص في أثناء الانتقال من عصر إلى آخر، أو من دولة إلى أخرى؛ إذ تصبح السعادة فوضى يتنازع الناس في اغتنامها فينالون منها على مقادير قواهم وحظوظهم.
ولد حسن باشا محمود في قرية صغيرة على طريق الأهرام يقال لها الطالبية، وتلقى مبادئ العلم في المدرسة الحربية، حتى إذا آن زمن الإرسالية العلمية لعام سنة ????م — بعد وفاة المسيو جومار — أرسلوها إلى ألمانيا، وكان صاحب الترجمة في جملة أعضائها للتفقه في الطب، فأقاموا حينًا في ميونخ يتعلمون بالألمانية، ثم أتموا دروسهم في فرنسا لأسباب أوجبت ذلك الانتقال، فعاد صاحب الترجمة إلى مصر سنة ????م وبيده الدبلومة الطبية، فعينته الحكومة المصرية أستاذًا للتشريح في مدرسة القصر العيني، ثم تولى تدريس علوم أخرى وراتبه يزداد والأنعام تتوالى عليه، وكان راغبًا في الشهرة فانتظم عضوًا في جمعيتين قبل رجوعه من باريس، فلما صار أستاذًا في مدرسة قصر العيني انتدبته الأكاديمية البرازيلية لعضويتها، وعين عضوًا في عدة مؤتمرات طبية، وتقلَّب في مناصب كثيرة بدوائر الأمراء، وفي المعية السنية، وفي مصلحة الصحة والمدرسة الطبية، وما زال يرتقي في ذلك حتى تولى إدارة مجلس الصحة، ثم رئاسة مدرسة الطب، وكان كثير التفكير في العمل والسعي في التقدم، ومن مساعيه أنه أنشأ مجمعًا طبيًّا بمصر لم يطل عمره كثيرًا. حسن باشا محمود ????–????م.
وكان مع ذلك كثير الاشتغال في الكتابة والتأليف، وله مقالات طبية وعلمية تناقلتها الجرائد والمجلات، وتباحثت بها الأندية والجمعيات، أما مؤلفاته فأكثرها منقول أو ملخص عن الألمانية، ولكنه كان كثيرًا ما يبث آراءه واختباراته فيها؛ أولها كتاب ألفه في الفرنساوية قبل رجوعه من باريس، موضوعه «داء الفقاع»، أتى فيه على تاريخ هذا الداء من أول عهد الطب إلى الآن، وذكر رأيه في كثير من أبوابه، وكان له وقع حسن عند أطباء الإفرنج.
وأكثر ما ألفه من الكتب بعد ذلك منشور بمصر في العربية؛ ككتاب الفرائد الطبية في الأمراض الجلدية، ذكر فيه كثير من الأمراض الجلدية الشائعة في القطر المصري، وكتاب الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية، وكتاب البواسير ومعالجتها، وتحفة السامع والقارئ في داء الطاعون البقري الساري، وألَّف رسائل في حمى الدنج، وحمامات حلوان، والكوليرا، والنزلة الوافدة، ومقالات كثيرة نشر أهمها في المقتطف؛ منها مقالة ضافية في النباتات المصرية، ومقالات في الزراعة بوادي النيل والحشيش، والدمل المصري، والتراخوما، والسل، غير ما نشر من قلمه في المجلات الطبية بمصر وغيرها.
وبالجملة فقد كان (رحمه الله) عاملًا نشيطًا مجتهدً،ا مع رقة طباعه وسهولة أخلاقه ورغبته في خدمة وطنه بما يبلغ إليه إمكانه.

الفصل الرابع والأربعون
جميل المدور


هو جميل بن نخلة المدوَّر، وُلد في بيروت ببيت مجدٍ وأدب، وخدم آداب هذا اللسان خدمة حسنة يذكرها له التاريخ ما بقيت اللغة العربية، نعني كتابه «حضارة الإسلام في دار السلام»، فإنه من الآثار الباقية، وقد مثل به ما بلغت إليه الدولة العباسية من أسباب الثروة والترف والعز والسؤدد، برسائل على لسان رحالة فارسي قدِم بغداد في أوائل تلك الدولة، فلقي المهدي والرشيد وغيرهما، ووصف حال تلك الدولة سياسيًّا واجتماعيًّا وأدبيًّا وتجاريًّا على أسلوب بليغ تلذ مطالعته، وأشار في الحاشية إلى المآخذ التي نقل عنها؛ من ذلك قوله على لسان ذلك الرحالة يصف دار الخلافة وداخلية بيت الرشيد:لقد مضى بي في بغداد بعد العودة من خراسان نحوٌ من ست سنين، ما زلت منقطعًا فيها إلى البرامكة، وحافظًا لمقامي في الدولة تحت ظلهم وعنايتهم، وكنت أتردد في خدمتهم إلى دور الخلافة فأقف على أحوال الرشيد في داخليته وأهل بيته، فرأيته — أعزه الله — صالح السيرة، شديد الأعراق في الدين، محافظًا على أوقات الصلوة?، وشهود الصبح لأول وقتها، يصلي في كل يوم وليلة مئة ركعة، لا يتركها إلا لعلة تطرأ عليه، وأذكر أنه لما حصل في العام لزْنَةٌ وغلاء سعر للناس، واشتد الكرب عليهم اشتدادًا عظيمًا، أمرهم بكسر الملاهي وكثرة الدعاء والتوبة?؛ فذلك دليل فيه على حسن العبادة، أو مظهر يروم منه تأييد الدولة بإيهام الأئمة والعلماء أن الإسلام مغتبط بمناحيه.ولئن كنت رأيت له في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه، وإنما يرجع الرأي في ذلك إلى زوجه أم جعفر، وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة؛ إذ كانت خير بنات بني هاشم، وقد ربِّيت على مهاد الدعة والدلال، كما يشير اسمها إليه، فإنها سميت بزبيدة لغضاضة بدنها?، وكان جدها أبو جعفر يرقصها تهللًا بها?، وينظر إلى غضاضتها وملاحتها فسماها بزبيدة لذلك، فلما بنى بها الرشيد ووجدها طرفة حديث ومصدر رأي جميل، لم يرَ بدًّا من الانقياد إليها في قضاء جميع ما ترومه من الحوائج?، حتى إذا مكَّنها من بيوت المال أنفقت من سعةٍ ما ينيف عن ثلاثين ألف دينار، فبنت مسجدًا مباركًا على ضفة دجلة بمقربة من دور الخلافة يسمى بمسجد زبيدة?، ومسجدًا ساميَ الحسن في قطيعتها المعروفة بقطيعة أم جعفر? بين باب خراسان وشارع دار الرقيق?، وحفرت العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، ومهدت الطرق لمائها في كل خفضٍ ورفعٍ وسهلٍ ووعرٍ?، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلًا إلى مكة??، فبلغ جملة ما أنفقت عليها ألف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار??، وهذا من الأعمال التي لم تباشرها امرأة في الإسلام إلا الخيزران أم الرشيد؛ فإنها عمرت كثيرًا من المساجد?? أيضًا، وبَنَتْ دار ابن يوسف بمكة التي ولد فيها النبي ? مسجدًا جزيل البركة??، وتوافرت عندها الأموال حتى بلغ الذي خلفته مع ما توسعت فيه من النفقة مئة ألف ألف درهم??، فإن لم يكن لزبيدة من الأموال الخاصة ما يبلغ هذا القدر الجسيم فإن لها بالسياسة رأيًا يسمو بها إلى التداخل في أمور الدولة كأفطن ما يكون من الرجال.وقد صيَّر الرشيد الأمر في داخلية بيته بعد زبيدة إلى مسرور خادمه العبد??، وهو حاجبه وسيد مواليه??، وله في قصور الخلافة دواوين يقيم فيها حوزته من خدم وحرس وغلمان، والكاتب له هو زياد بن أبي الخطاب??، يقيم بمقربة من مجلس يوسف بن القاسم صاحب ديوان الإنشاء، والذي قام?? بين يدي الرشيد حين أخذت له البيعة على المسلمين، وفي ذلك دليل على مكان كتابه من الشرف وعلو المرتبة، ولا غرو فإن له من نفاذ الكلمة في الدولة ما ليس للأمراء والحكام مثله؛ إذ كان سيد دور الخلافة والحارس لها، لا يدخلها شيء ولا يخرج منها شيء إلا بعلمه وإذنه، وكثيرًا ما كنت أرى الملوك يتزلفون بالهدايا إليه ليخاطب الرشيد في حاجاتهم؛ إذ ليس في أهل بيته من يتجرأ عليه سواه??، حتى كان إذا ركب لا يجسر أحد على سؤاله إلى أين يذهب غيره??.وإلى مسرور هذا الخصي الأمر فيما هو خاص بالسراري والقيان، وإنهن لكثيرات في دار الرشيد، يبلغن زهاء ألفي?? جارية، يرفلن في أحسن زي من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر… غير أن المقدم عليهن ثلاثٌ أهداهن إليه الفضل بن الربيع سحر وضياء وخنث ذات الخال، لهن صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، وعيون لا ترتد إلا باقتناص النفس، وهن اللواتي يهواهن ويقول فيهن الشعر??؛ ومن ذلك قوله:أخذت سحرٌ ولا ذنبٌ لهاثلثي قلبي وترباها الثلثْإن سحرًا وضياءً وخنثهن سحرٌ وضياءٌ وخنثْ وكنت إذا حضرت مجلسه وهن يغنين له من وراء الستارة، ومعهن غانية منقطعة إلى حمدونة بنته يقال لها دقاق، لم يطق الستر أن يحجبهن عن نظره، فيخرجهن إليه ويقول: والله، لا صبر لي على الحجاب، وإنما هو ضعف يميل بي مع هوى النفس.
أما حريم الخلافة فإنه دوائر كبيرة لا اتصال لها في بعض، ولكل هاشمية من بنات الخلفاء دائرة منفردة عمَّا سواها من الدوائر، وأعظمها دائرة أم جعفر، ودائرة أولاد المهدي، ودائرة أولاد الهادي، ودائرة أولاد الرشيد من غير زبيدة زوجه، ولهن جميعا من الخدم والغلمان والخصيان ما ينتهي إليه إسراف الملوك في السعة، ويتجلى به جمال السلطان بالزينة والإشراق، وحسبي من أنغماسهن في النعيم وتقلبهن على مهاد الدعة والرخاء أنهن يجلسن على فرش الحرير، ويتخذن المخدات حشوها من الورد النثير …
وكنت أرى الجواري من خدم الحاشية يلبسن الوشي المنسوج بالذهب، ويتخذن العصائب مكللة بالجوهر، وهذه هي الزينة التي عمَّت نساء القصر؛ اقتداء بعلية أخت الرشيد؛ إذ كانت أول من اتخذ العصائب لعيب في جبينها، فسترته بها، فكان ذلك أحسن ما ابتدعته النساء، ثم اتخذها بعدها سحاء جارية إسحق النديم، وفريدة ومنة من مغنيات البرامكة، حتى انطلق استعمالها في جميع النساء، وصرن يكتبن عليها الكلام الذي يروق لأهل الهوى …
وكل الكتاب على هذا النسق البديع، وللمؤلف كتاب في تاريخ بابل وآشور صححه الشيخ إبراهيم اليازجي، وحب الفقيد للعلم والأدب موروث من المرحوم والده نخلة المدور، وللوالد فضل كبير على آداب اللغة العربية بطبع كتاب «مجمع البحرين» لليازجي الكبير، طبعه على نفقته يوم كانت بضاعة الأدب كاسدة، فبذل المال في نشر ذلك الكتاب رغبة في نشر العلم، فنظم الشيخ ناصيف اليازجي — يومئذ — في الثناء عليه قصيدة قال في جملتها:
إذا عدَّت رجال العصر يومًافإنك واحد بمقام ألف? الفخري ???.? المستطرف ?–??.? أغاني ?–???.? الشريشي ?–???.? أتليدي.? ألف ليلة وليلة ?–??.? ياقوت ?–???.? ابن خلكان ?–???، والمستطرف ?–???.? المسعودي ?–???.?? ابن جبير ???.?? الشريشي ?–???.?? ابن جبير ???.?? المسعودي ?–???.?? المسعودي ?–???.?? ألف ليلة وليلة.?? ابن خلدون ?–???.?? أغاني ?–??.?? المحاضرة ?–???.?? الأتليدي.?? أغاني ?–??.?? أغاني ?–??.?? أغاني ?–?? و??–??.
الفصل الخامس والأربعون
المطران يوسف الدبس


(?) ترجمة حاله

أصل عائلته من غزير بلبنان، وانتقل جده في أواخر القرن الثامن عشر إلى كيفا، ثم استقر أبوه في كفر زينا من زاوية طرابلس، فوُلد له صاحب الترجمة سنة ????م، فتلقى مبادئ العلم في مدرسة القرية، فلما بلغ الرابعة عشرة أُدخل مدرسة عين ورقة، وهي أرقى مدارس الطائفة المارونية في ذلك العهد، فتلقى فيها اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية والمنطق واللاهوت الأدبي في مدة أقصر مما تقدره لها المدرسة، واضطر مع ذلك أن يغادر المدرسة سنة ????م، ولم يمكث فيها إلا ثلاث سنوات، فأتم ما ينقصه من العلم بالدرس على نفسه؛ لأنه كان عالي الهمة ثابتًا صبورًا. المطران يوسف الدبس ????–????م.
ومدارس لبنان في ذلك العهد كانت تعد تلامذتها على الغالب إما للتعليم أو للكهانة، إلا من رحل منهم في طلب الرزق، ولم يكن صاحب الترجمة انتظم بالكهانة فعمد إلى التدريس، فافتتح سنة ????م مدرسة بطرابلس يعلِّم بها العربية، ويغتنم الفراغ للمطالعة والدرس، وعرف بين أقرانه بالنشاط وتوقد الذهن، فاستقدمه مطران أبرشية طرابلس سنة ????م وكلفه ترجمة كتاب اللدع ودحضدها ففعل.
واتفق في السنة التالية وفاة البطريرك يوسف الخازن، وقيام البطريرك بولس مسعد، وكانت للدبس صحبة مع أحد مطارنته، فاستقدمه البطريرك وأقامه معلمًا في مدرسة ماري يوحنا مارون، ثم آنس منه نفعًا للطائفة؛ إذ انتظم في خدمتها فجعله سنة ????م شماسًا، وأخذ يرتقي في رتب الكهنوت، فلم يمضِ عليه ثماني عشرة سنة حتى صار مطرانًا على بيروت، وهو المنصب الذي توفي فيه، وإنما ارتقى إليه على أثر ما بدا من غيرته على الطائفة، وسعيه في خدمتها بالدفاع عنها بلسانه وقلمه بما خطبه أو ترجمه أو ألَّفه، وازداد بعد تولية المنصب اجتهادًا في هذا السبيل، فارتقت الطائفة على عهده واجتمعت كلمتها بما كان يبثه فيها من روح الغيرة، وما كانوا يرونه من سهره على مصلحتهم ودفاعه عن حياضهم.
ومما زاده رفعة في أعينهم حتى استهلكوا في خدمته، أنه كان لا يطعن طاعن في المارونية إلا انبرى للدفاع عنها بتأليف الردود، وأشهر حرب من هذا القبيل انتشب بينه وبين المطران يوسف داود، فقد احتدم الجدال بين الرجلين نحو سنة ????م، وكلاهما عالم قوي الحجة، فأجادوا في الأخذ والرد بما يلائم روح ذلك العصر من المناظرات الطائفية التي يعافها أهل هذا الجيل، وأشهر ما ظهر من آثار صاحب الترجمة في سبيل الدفاع كتاب روح الردود، وقد ترجم إلى اللاتينية والفرنساوية، وطبع غير مرة.
وقد زاد الطائفة تمسكًا به وتفانيًا في تعظيمه سعيُ بعض حساده في تحقيره بوشاية رفعوها إلى رومية، فلما ظهرت براءته عاد مكرمًا مبجلًا، واحتفل رعاياه باستقباله احتفالًا احتشدت فيه الجموع من لبنان وبيروت، فقيلت الخطب، ونظمت القصائد، وتواردت عليه رسائل التهنئة بما لم يسبق مثله لمثله، وذلك طبيعي في سير الرجال العظام؛ فإن ما يلاقونه من المشاق أو يقام في طريقهم من العقبات يضاعف شهرتهم؛ لأنه يحمل مريدهم على المناداة بفضلهم وإذاعة آثارهم، وينشطهم على العمل، ما من عظيم لولا العقبات التي أقامها أعداؤه في سبيله لظل خامل الذكر، أو اقتصر في جهاده على بعض ما يستطيعه من الأعمال، فالرجل العاقل إذا كان على ثقة من نفسه وجب عليه أن يسر بما يقيمه أعداؤه أو حساده من العقبات في طريقه؛ لأن بالضغط والمقاومة تظهر القوى الكامنة، ويوافق ذلك قول الشاعر:
عداي لهم فضل علي ومنةفلا أبعد الرحمن عني الأعادياهم عرَّفوني زلتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وفي سنة ????م انقضت السنة الخامسة والعشرين من مطرانيته، فاحتفلت الطائفة بيوبيله، وكان قدوة حسنة لأبناء ملته، فتسابقوا إلى الأعمال المبرورة بإنشاء الجمعيات الخيرية، والأخذ بيده في مشروعاته، وما زال عاملًا حتى توفاه الله، وقد رحل إلى أوربا خمس رحلات زار بها رومية، ومرَّ بالآستانة، ونال كثيرًا من أوسمة الدولة العلية وفرنسا وغيرها.
(?) مآثره

مكث صاحب الترجمة في مطرانية بيروت ?? سنة، أتى في أثنائها أعمالًا تخلد ذكره، بعضها كتبٌ والبعض الآخر أبنية كالمدارس والكنائس والأديرة، غير ما خلفه من الأثر الحسن في نفوس رعيته من الاقتداء باجتهاده وفضله، أما الكتب فبعضها من تأليفه أو ترجمته قبل المطرانية وبعدها، والبعض الآخر نقَّحه وهذَّبه، ومجموع ذلك ?? كتابًا؛ إليك أشهرها:مؤلفاته:

(?) تحفة الجليل في تفسير الأناجيل.
(?) معجم للفقه، لم يطبع.
(?) مغني المتعلم عن المعلم بالنحو (مدرسي).
(?) مربي الصغار ومرقي الكبار (مدرسي).
(?) سِفر الأخبار في سفَر الأحبار (رحلة).
(?) روح الردود على المطران يوسف داوود.
(?) خطبة في الفلسفة واللاهوت، ثلاثة أجزاء.
(?) تاريخ سورية، مطوَّل ومزين بالرسوم في تسعة مجلدات.
ترجماته:

(?) كتاب البدع ودحضها.
(?) كتاب الرسوم الفلسفية، لم يطبع.
(?) كتاب اللاهوت الاعتقادي، ? مجلدات.
(?) كتاب الحق القانوني، لم يطبع.
ما نقَّحه وطبعه:

(?) كتاب تفسير رؤيا يوحنا للقس يوسف الباني.
(?) القداس.
(?) الرسائل وكتب الجنازات والإفراميات والحسابات والشحيم الكبير.
(?) الكاتيكزمو الروماني، وذخيرة الألباب، وغيرها.
مشروعاته:

(?) مدرسة الحكمة: وهي من أكبر مدارس بيروت، تمَّ بناؤها سنة ????م، وقد مضى عليها نحو ثلاثين سنة وهي تعلم العلوم واللغات، فتخرج فيها جماعة كبيرة من شبان هذه النهضة، وأنشأ من تلامذتها وكهنتها جمعية علمية لها حفلات وأعمال.
(?) الكنيسة الكاتدرائية الكبرى في بيروت: فرغ من بنائها سنة ????م، وقد أنفق عليها نحو ????? ليرة، وبنى كنائس أخرى ومدارس ونحوها، فبلغ مجموع ما أنفق عليها كلها وعلى مدرسة الحكمة ????? ليرة، ولم يكلف الإبرشية من هذه النفقات قرشًا واحدًا، وإنما كان يجمعه بسعيه وحسن أسلوبه.

الفصل السادس والأربعون
سليم مخائيل شحادة?


ولد في بيروت يوم الثلاثاء في ?? ديسمبر سنة ????م، في بيت عرف بالفضل والعلم، فدرس في المدرسة الأرثوذكسية الكبرى المعروفة بالثلاثة أقمار (التي أسست أولًا في سوق الغرب نحو سنة ????م) على أشهر أساتذة عهده؛ ولا سيما إلياس حبالين، فأتقن عليه الفرنسية والعربية على بعض الأساتذة، ثم درس الإنكليزية والعلوم على بعض المرسلين، وتعمق في التاريخ والجغرافية، وانقطع إلى مكتبته الغنية بالمؤلفات المطبوعة والمخطوطة (مجلة المشرق ??–???)، وتبحَّر في المعارف، وتبسَّط في التاريخ تبسطًا كافيًا، وكان يتمرَّن بمساعدة والده مخائيل شحادة في القنصلية الروسية التي دخلها في سنة ????م.
وعرف بأصالة رأيه، وحصافة عقله، ومقدرته في اللغتين العربية والفرنسية، وله مع والده اليد الطولى في تأسيس الجمعية الخيرية الأرثوذكسية في مدينة بيروت، فترأسها نحو سبع عشرة سنة، وتولى إدارة شئون مدارسها نحو عشر سنوات، فنجحت وازدهرت، وفي أثناء ذلك تجددت الجمعية السورية العلمية سنة ????م بعهد المغفور لهما راشد ناشد باشا والي سورية، وكامل باشا متصرف لواء بيروت، فانتظم المترجم في سلك أعضائها العاملين، ونحو سنة ????م تجدد انتظامها ثانية باسم المجمع العلمي الشرقي، وكان من أهم أعضائها من نذكرهم بحسب الحروف الهجائية: إبراهيم الحوراني، إبراهيم اليازجي، أسبر شقير، الدكتور إسكندر بك البارودي، بطرس البستاني، جرجس همام، جرجي زيدان، جرجي ينِّي، سليم البستاني، سليم شحادة، سليم نوفل، الدكتور فارس نمر، الدكتور كرنيليوس فان ديك، مراد بك البارودي، نعمة يافث، الدكتور يعقوب صرُّوف، الدكتور يوحنا ورتبات وغيرهم.
فألقى المترجم — مثل كثير من زملائه الأعضاء — خطبًا شائقة؛ منها رسالات سنيكا الفيلسوف الروماني إلى لوسيليوس، نشرت في المجموعتين الثامنة والتاسعة لأعمالها، ولما نشرت جريدة حديقة الأخبار لصديقه المرحوم خليل الخوري باللغتين الفرنسية والعربية سنة ????م حسَب طلب المغفور له فرنكو باشا ثاني متصرفي لبنان، كان المترجم ينشئ القسم الفرنسي مع زميله المرحوم سليم شقيق صاحب الحديقة، وله فيها مقالات تشهد بطول باعه في السياسة والإنشاء.
وعلى منضدة مكتب تلك الجريدة اتفق السليمان على وضع «آثار الأدهار» في التاريخ والجغرافية، وساعدهما في بعض أبوابه المرحوم أديب إسحق الكاتب الشهير، فطبعا الجزء الأول من القسم الجغرافي في أوائل سنة ????م بالمطبعة السورية في ??? صفحة، ثم على أثر ذلك هصرت المنية زميل المترجم بالهواء الأصفر، فبقي هو مثابرًا وحده على العمل، وطبع الجزء الثاني في ?? نوفمبر سنة ????م، والثالث في ?? مارس سنة ????م، ثم الجزئين الرابع والخامس، وجميعها الآن في مجلد واحد لم تتجاوز حرف الباء، وصفحاتها ??? صفحة بقطع كبير في عمودين بحرف من الجنس الثاني، ونهاية مباحثه بعض تاريخ بلجيكا، ومن فوائده أنه ذكر فيه جميع قرى ومدن سورية وأوربا وأميركا … إلخ، القديمة والحديثة، وما تقلب عليها، وتاريخ نشأتها ومميزاتها، ومن إنصاف المترجم أنه أبقى جميع الأجزاء باسمه واسم زميله الذي عاجلته المنية على أثر إنجاز الجزء الأول.
أما القسم التاريخي فطبع الجزء الأول منه سنة ????م في ??? صفحة، وحفظ فيه اسم زميله بعد أن مضى على وفاته سنتان؛ وفاءً بحقوق الإخاء، ورفع الكتاب بقسميه خدمة للأعتاب السلطانية، وصدر القسم التاريخي بمقدمة في فلسفة العمران صدَّرها بالبحث عن الإنسان وشئونه، ثم استرسل إلى علم التاريخ وأحواله ومَنشئه ونتائجه وتقسيمه في ?? صفحة بقطع الكتاب وحرفه، وجاء بما لم يجيء به إلا كبار علماء العمران.
وعلى الجملة، فإن آثار الأدهار هو أول دائرة للمعارف التاريخية والجغرافية في اللغة العربية، مرتَّبة على الحروف الهجائية، وافية المباحث المفيدة، وعلى أنقاضه قامت دائرة المعارف العربية التي أسسها المرحومان بطرس البستاني وولده سليم، ولقد ذكر الآثار كثيرون من المستشرقين.
ولما أنشأ الصحافي الشهير خليل أفندي سركيس اللبناني مجلة «المشكاة» أنشأ المترجم فيها مقالات هامة في تاريخ الأندلس، وتراجم أهله ونوادرهم، ونشر في المقتطف مقالة ضافية في الجغرافية وجغرافيي الإسلام، وأنشأ سنة ????م مجلة ديوان الفكاهة الروائية القصصية، بشركة صديقه المرحوم سليم بولس طراد.
وكان رفيع المنزلة بين أصدقائه، وجيهًا في قومه، تولى الترجمة في القنصلية الروسية أعوامًا عديدة، فأنعم عليه القيصر بوسام القديسة حنة الثالث سنة ????م، فقضى حياته يخدم السياسة والعلم، واشتغل في أواخر أيامه بوضع تاريخ مطول للكنيسة لم يتمه، وتوالت عليه المحن في أواخر عمره بوفاة معظم إخوته ووالديه، فأثَّر به الحزن فأصيب بعلة قلبية ذهبت بحياته في ?? أكتوبر سنة ????م في سوق الغرب، فحُمل إلى بيروت ودفن فيها.
? لقد لخصنا هذه الترجمة من دواني القطوف بتصرف.
الفصل السابع والأربعون
الدكتور يوحنا ورتبات


أستاذ التشريح والفسيولوجيا في المدرسة الكلية السورية
(?) فضل الإرسالية الأميركية في سورية

لكل الإرساليات الدينية فضل على سورية، ولكن للإرساليات الأميركية ما عدا مدارسها العالية التي تخرَّج فيها الألوف من الشبان والشابات في العلم والطب والصيدلة والتجارة ومشروعاتها الخيرية التي أعالت الألوف من المعوزين وذوي الأسقام فضلًا يربو في نظر الباحث الاجتماعي على كل ما تقدم؛ نعني تربية الأخلاق.
إن فضل المرسلين الأميركان في هذا السبيل لا يمكن تقديره حق قدره؛ إنهم بلا خلاف من أكبر دعائم هذه النهضة العلمية، ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن هذه التربية كانت في جملة الأسباب التي مهدت السبيل لإعلان الدستور؛ لأنها ترقي نفوس الشباب، وتعودهم استقلال الفكر، والاعتماد على النفس، والصراحة في القول، والمجاهرة بالرأي، فيخرج الطالب من مدرستهم رجلًا يثق بنفسه، فيبث هذه الروح بين أهله، وينشأ مقدامًا لا يبالي بالأسفار في استدرار الرزق أو طلب العلى. الدكتور يوحنا ورتبات ????–????م.
ناهيك بما استفاده السوريون من جوارهم بالقدوة؛ ولا سيما في أوائل هذا العصر، لمسيس الحاجة إلى الإصلاح، ولتفرد بعض المرسلين — يومئذ — بمناقب تجذب القلوب وتستهوي العقول، فيحلو للنفس تقليدها والاقتداء بأصحابها، إذا جمعت هذه الحسنات وغيرها مما لا محل له هنا هان عليك تصور فضل الإرسالية الأميركية، وإنما عمدنا إلى ذكر هذا الفضل الآن لنتطرق منه إلى سبب ظهور صاحب الترجمة أستاذنا المرحوم الدكتور ورتبات؛ لأن ظهوره من جملة أفضال تلك الرسالة — كما سترى.
(?) أصله أرمني

كان للرسالة الأميركية عمل في بر الأناضول قبل عملها في سورية، وكان الإنكليز قد سبقوها إلى هناك وفيهم القسيس والقنصل والتاجر والكاتب، فأخذوا بناصرها وأصبح مرجع الأميركان في شئونهم إلى سفير إنكلترا في الآستانة، ولكن الآباء اليسوعيين كانوا أسبق الجميع إلى التعليم والتبشير هناك، ولهم شأن خاص في أرمينيا، فقد دخلوها ونشروا الكثلكة فيها من أواسط القرن الخامس عشر، فظهرت طائفة الأرمن الكاثوليك، وعرف الباقون باسم الأرمن الأرثوذكس، وكانوا أقل علمًا وأضعف عزيمة؛ لتفوق الكاثوليك بالعلم والنظام واجتماع الكلمة مع ارتباطهم برومية، فاضطر الأرثوذكس أخيرًا إلى استنجاد بطرس الأكبر قيصر الروس فحماهم؛ ولا تزال كنيستهم تحت حماية روسيا مثل سائر الكنائس الأرثوذكسية في الشرق الإسلامي.
وللكنيسة الأرمنية ثلاث طبقات من الأكليروس، وهي الأساقفة والكهنة والشمامسة؛ والأساقفة ثلاث درجات: (?) رئيس الأساقفة،
(?) الأسقف،
(?) نائب الأسقف، ويسمونه في اصطلاحهم «ورتباد»، وهو في الأصل يقابل لقب «دكتور في اللاهوت»،
ففي أواخر القرن الثامن عشر — أو أوائل التاسع عشر — حدث في أرمينيا حادث بعث على مهاجرة جماعة من كبار الأكليروس الأرمني، نزحوا من أرمينيا إلى بر الاناضول، وصل إلينا أسماء ثلاثة منهم؛ وهم أسقفان: أحدهما: قرابيب ديونيسيوس،
والثاني: يعقوب أبكاريوس،
والثالث: كان برتبة ورتباد — التي تقدم ذكرها، ثم قيل بالتحريف «ورتبات» — ولم نقف على اسمه.
لا نعلم سبب تلك المهاجرة، وقد يكون السبب اختلافًا في المذهب أو الرأي، ويقال إن الكنيسة الأرمنية ادعت عليهم أنهم تصرفوا بأموال دير أو كنيسة هناك، فلم يجدوا من ينصفهم فانضموا إلى الكنيسة الإنجيلية، ولجأوا إلى سفير إنكلترا في الآستانة اللورد ستراتفورد، فلما تفحص قضيتهم اعتقد براءتهم، فأخذ يناصرهم، وتوسط في إطلاق سراحهم، وأشار عليهم بالذهاب إلى سورية، وأرفقهم بكتب توصية إلى قنصل الإنكليز في بيروت، واسمه بطرس أبوت، وهو حمو أستاذنا الدكتور فان ديك، وجدُّ صديقنا المستر إدوار فان ديك لأمه، وعليه معولنا في تحقيق أصل عائلة صاحب الترجمة ونشأته الأولى.
شخص هؤلاء إلى سورية والمرسلون الأميركان لأول عهدهم فيها، فرحبوا بهم فأقاموا فيها وتزوجوا، فأقام يعقوب أبكاريوس في بيروت، وعرف يعقوب آغا وأشترى منزلًا قرب القشلاق عرف باسمه، ثم اشتراه الأرمن وجعلوه ديرًا لهم، ولا يزال إلى الآن وعائلة أبكاريوس مشهورة.
وأما ديونيسيوس فتزوج وأولد، وعرفت عائلته في بيروت باسم قرابيت، وأما ورتبات فتزوَّج وأولد يوحنا صاحب الترجمة، وكركور ويعقوب، ومات أبواهم وهم أطفال، فعنيت بتربيتهم مسز هواتين المرسلة الأميركانية أحسن تربية وعلمتهم، فلم يصبُ إلى الدين منهم إلا يوحنا، وأما أخواه فأحدها يعقوب نزح في شبابه إلى أميركا واختفى خبره، وكركور تعلم الطب في بلاد الإنكليز وتعاطاه في الكرنتينات، فأقام رئيسًا لكرنتينة كربلاء عدة سنين، ثم نقل إلى جدة ومات فيها.
(?) سيرة حياته

أما يوحنا ورتبات فقد وُلد سنة ????م، وتلقى مبادئ العلم في مدارس المرسلين الأميركان في بيروت، وكانوا لا يزالون حديثي العهد في التعليم، يعلمونه كل شيء في اللغة الإنكليزية، فساعد ذلك على إتقانه هذا اللسان تفهمًا وتلفظًا، وقرأ آداب اللغة العربية على الشيخ ناصيف اليازجي، وتفقَّه بالمنطق والعروض على الشيخ عقل من علماء حلب، وقرأ على المرسلين أيضًا بعض اللغات القديمة؛ كالعبرانية واللاتينية واليونانية، في أثناء درسه علم اللاهوت، وكانت التقوى قد ظهرت فيه منذ نعومة أظفاره فتفقَّه بالدين على أن يتعاطى التبشير.
ورأى أن عمله يكون أكثر نفعًا إذا تعلم الطب، فتلقى معظمه على المرحوم الدكتور فان ديك، ولم يكن يشترط بالطبيب لمعاطاة الطب أن يكون في يده شهادة، فأرسله المرسلون مبشرًا إلى حاصبيا، فأقام في هذا المنصب مدة طويلة تزوَّج في أثنائها بسالومي ابنه قرابيت — المتقدم ذكره، واشتغل وهو في حاصبيا بالعلوم الدينية، ودرس الأديان الشائعة في سورية؛ وخصوصًا الدرزية، وقد وفِّق إلى الاجادة في ذلك بمطالعة كتب وقعت لأحد الفرنساويين على أثر حادثة سنة ????م، وهو ينهب بعض الخلوات، فوصلت هذه الكتب إلى ورتبات، واستفاد منها كثيرًا في هذا الموضوع.
وأدت الحادثة — المشار إليها — إلى تشتت شمل الناس، فنزل جماعات من أهل لبنان وحاصبيا وسائر سورية إلى بيروت، وفي جملتهم يوحنا ورتبات، وترك مهنة التبشير أو التعليم، فأشار عليه أستاذنا الدكتور فان ديك أن يتمم دروسه الطبية في بلاد الإنكليز، فيسهل عليه الارتزاق من الطب، فسافر إلى إيدنبرج، وأتم الطب في مدرستها، وعاد إلى سورية وبيده الدبلوما الطبية، فاستخدمته جمعية التبشير C. M. S. طبيبًا ومبشرًا في حلب، مكث فيها بضع سنين وعاد إلى بيروت. وكانت المدرسة الكلية في أول نشأتها وتعليمها في اللغة العربية، فهي تحتاج إلى أساتذة من الأطباء يعرفون الإنكليزية والعربية جيدًا، فوجدوا في صاحب الترجمة الرجل المطلوب، وإنما ينقصه الاختصاص بفن يتقنه لأجل التعليم، فاقترحوا عليه أن يتخصص للتشريح والفسيولوجيا، وأشار عليه الدكتور فان ديك أن يتقنهما في أميركا ويتحصل على الدبلوما الأميركية؛ ليسهل على اللجنة تعيينه في عمدة المدرسة، فذهب إلى نيويورك وتفقَّه بالتشريح والفيسيولوجيا، وعاد إلى سورية فعينته عمدة المدرسة الكلية أستاذًا للتشريح والفيسيولوجيا فيها.
قضي في هذا المنصب نيفًا وعشرين سنة، وهو موضوع احترام التلامذة، فتخرج تحت يده مئات من الشبان، وكلهم يحبونه ويجلون قدره، وقد كنا في جملة الذين قرأوا عليه التشريح والفيسيولوجيا إلى سنة ????م، درسناهما في كتابيه اللذين ألفهما في هذين العلمين باللغة العربية، وهما مشهوران، وعبارتهما سهلة ممتنعة، وقد عانى المشاق الجسيمة في تأليفهما، وإن كان أكثرهما منقولًا عن الإنكليزية، وإنما المشقة في إيجاد الأوضاع العربية الملائمة للمصطلحات الإفرنجية في ذينك اللغتين، وكان يعتقد أن عبارة كتاب الفيسيولوجيا أحسن من عبارة كتاب التشريح، وأكثر التلامذة يرون عكس ذلك، فكنا إذا أردنا مداعبته قلنا له: «إن عبارة كتاب التشريح أحسن» فيظهر استغرابه.
وما زال أستاذًا لهذين الفنين حتى جرى في المدرسة الكلية الخلاف المشهور بين العمدة وطلبة الطب سنة ????م، واستقال الدكتور فان ديك من منصبه، وكان يعلِّم الباثولوجيا، فعهدوا بتعليمها إلى الدكتور ورتبات، فعلَّمها أربع سنوات؛ أي حتى خرج الطلبة الذين كانوا بدأوا الطب باللغة العربية، ثم جعلوا يعلمون الطب في اللغة الإنكليزية، فلم تبقَ حاجة إلى أستاذ يعرف العربية.
وقد أولد ثلاثة أبناء؛ هم: هنري وأمين ووليم، توفي هذا الأخير في شبابه، وابنتين؛ هما: لومي وأدلا، ولما توفي في بيروت لم يكن في منزله من أهله إلا ابنته أدلا؛ لأن ولديه كانا بعيدين، فتولى نعيه جماعة من نخبة وجهاء بيروت، وأكثرهم من تلامذته وأصدقائه، فنعوه إلى الناس، فاحتفل أهل المدينة بتشييع جنازته احتفالًا يليق بمنزلته.
وكان له مقام رفيع بين العلماء والوجهاء، وأحرز من علامات الشرف وسام الاستحقاق الذهبي، وساعة من أصحاب المستشفى البروسياني في بيروت بعد تطبيبه فيه ?? سنة، والمجيدي الرابع من الدولة العثمانية مكافأة على خدمته في الكوليرا التي تفشت سنة ????م، ثم العثماني الرابع جزاء عمله في نشر العلم.
(?) مناقبه ومؤلفاته

كان ربع القامة مع ميل إلى القصر، ممتلئ الجسم، عرفناه في كهولته وقد وخطه الشيب وزاد هيبة ووقارًا، وكان ذكي الفؤاد حسن النظر، لكنه كان ضعيف الذاكرة إلى ما يفوق التصديق؛ ولا سيما في أسماء الأشخاص، فقد يلتقي بأحد تلامذته اللذين تلقوا العلم عليه وعاشروه سنتين في الصفوف على الأقل وسنتين آخريين في المستشفى ولا يذكر اسمه، وإنما يذكر صورته، فيقول له: «إنك من تلامذتي ولكنني لا أذكر اسمك»، فإذا تسمَّى تذكر كل ما يعرفه عنه.
ومن أمثلة ذلك أننا بعد أن تركنا المدرسة الكلية في أثناء حادثتها المشار إليها أخذنا في درس اللغة العبرانية، فعلمنا أن عند الدكتور ورتبات كتابًا مطولًا في نحو هذا اللسان، فاستعرناه منه للمطالعة، ثم دوهمنا بالسفر إلى بلاد الإنكليز وبقى الكتاب معنا سهوًا، وفي السنة التالية عدنا إلى مصر وأعدناه إليه مع بعض الأصدقاء، لكنه لم يسلمه إليه بيده، فلم يكن يعلم أنه جاءه، واتفق أننا جئنا إلى بيروت بعد سبع سنوات فالتقينا بالأستاذ في منزل أحد الأصدقاء فلم يخاطبنا؛ لأنه نسينا على عادته، لكنه لم يكد يسمع اسمنا حتى التفت إلينا وقال: «ماذا جرى بالكتاب العبراني؟» فأخبرناه الواقع.
وكان طيب السريرة، مخلص الطوية، يميل إلى البساطة في كل شيء، حتى في اعتقاده وآرائه وفي عشرته وسيرته، فإذا استوصفه مريض وصف له أبسط العلاجات، ولم يكن يعول في الطب إلا على الوسائل الهيجينية؛ كالاستحمام بالماء البارد، وتبديل الهواء، والاعتماد على التغذية البسيطة، ويميل في إنذاره الطبي إلى التهوين على المريض، وكان قنوعًا في مطالبه لا يهمه جمع المال، إنما يهمه أن يشفى المريض، وأن يكون وسيلة لتخفيف الآلام والمصائب، فإذا كان مريضه فقيرًا أحسن إليه بما يستعين به على الغذاء والدواء، لا يفرق بين المسيحي وغير المسيحي، ولذلك سموه فان ديك الثاني؛ لاشتهار صديقه أستاذنا الدكتور فان ديك بهذه المناقب من قبل.
وله مؤلفات عديدة، بعضها كتب موضوعة، والبعض الآخر رسائل نشرت في المجلات أو على حدة، وكتبه أكثرها طبي، وبعضها غير طبي، أما الكتب الطبية فهي: (?) كتاب أصول التشريح: وهو كتاب كبير فيه مئات من الرسوم، كان عليه معوله في إقراء هذا العلم بالمدرسة الكلية.
(?) كتاب الفيسيولوجيا: وهو مزين بالرسوم — وقد تقدم ذكره.
(?) حفظ الصحة: سماه كفاية العوام في حفظ الصحة وتدبير الأسقام، وهو مجموع فوائد عامة لحفظ الصحة وتدبير المرض عند غياب الطبيب.
(?) كتاب التشريح الصغير: في مبادئ هذا العلم، وهو جزيل الفائدة، ومعه أطلس كبير فيه صور الأعضاء؛ لإفادة غير تلامذة الطب.
(?) رسائل عديده، أكثرها صدر بالإنكليزية، وكل رسالة في مرض خاص؛ كالجذام والطاعون والكوليرا والحمى التيفوئيدية والتريخينيا وغيرها.
أما مؤلفاته في غير الطب فمنها: (?) كتاب في أديان سورية، نشر في اللغة الإنكليزية واسمه Researches into the religions of Syria، وهو يبحث في الأديان الشائعه في سورية بحثًا تاريخيًّا واعتقاديًّا، ويشتمل بحثه بضعة عشر دينًا أو مذهبًا.
(?) قاموس إنكليزي عربي: وهو منسوب إلى ابنه، ولكن له فضلًا كبيرًا في تأليفه.
(?) قاموس إنكليزي وعربي، وعربي وإنكليزي، له وللدكتور بورتر.
(?) كتاب حكمه العرب في اللغة الإنكليزية.
(?) رسائل عديدة في الوصايا والتربية وغيرها، نشرت في المقتطف وغيره، يضيق المقام عن تعدادها.
وله رسائل في اللغة الإنكليزية وترجمات كثيرة في مواضيع مختلفة، وكان وسيلة في نشر بعض الآثار الشرقية الدينية؛ منها الكتب والأوراق التي استخرج منها كتابه في أديان سورية، فإنه دفعها إلى جان هندرسن أوف بارك الكويكري في لندن فطبعها.

الفصل الثامن والأربعون
الدكتور جورج بوست


أستاذ الجراحة في المدرسة الكلية الأميركية في بيروت
ترجمة حاله

وُلد في نيويورك سنة ????م، وكان أبوه الدكتور ألفريد بوست من مشاهير الجراحين، وعضوًا في اللجنة المركزية التي أنشأت المدرسة الكلية الأميركية بأموالها ومساعيها، انتظم الدكتور ألفريد في سلك هذه اللجنة في نيويورك سنة ????–????م، واشترك في عملها بمال وقفه لتنشيط القسم الطبي من هذه المدرسة بما ينتج من ريعه، فكان ينفق من هذا الريع حسب الحاجة في سبيل المدرسة الطبية وما زاد منه يحفظ، وبلغ ما اجتمع من ذلك الريع ولم ينفق نحو ????? ريال أميركاني «????? جنيه»، وهي مرصودة لعمل الخير في سبيل الطب، وعهد بإنفاقها بهذا السبيل إلى ابنه صاحب الترجمة، ولعلها تصير الآن إلى حفيده.
تلقى الدكتور جورج بوست العلم في كلية نيويورك، وتعلم الطب في جامعتها، وكان أبوه من أساتذتها، فنال شهادتها سنة ????م، ثم تعلم اللاهوت فصار من المبشرين الأطباء، وقضى مدة في خدمة الأمة الأميركية أثناء الحرب الأهلية، وفي سنة ????م قدِم إلى سورية للتبشير والتطبيب، فقطن طرابلس، وأخذ في إتقان اللغة العربية؛ ليسهل عليه مخالطة الناس وتبشيرهم أو معالجتهم، فنال منها حظًّا وافرًا، وكان يستعين على حفظ المفردات العربية بقوائم من ألفاظها يعلقها على جدران غرفته بحيث يراها كيفما اتجه، وما زالت لهجته عند التكلم كثيرة الشبه بلهجة الطرابلسيين إلى آخر أيامه. الدكتور جورج بوست ????–????م.
وكان المبشرون الأميركان في سورية لا يزالون مضطهدين، يخافون على حياتهم من القتل؛ لأن رؤساء النصرانية هناك كانوا يسيئون الظن بهم، ويعدونهم غرماء ينافسونهم على السيادة، فكثيرًا ما أصاب المتقدمين من مبشري الأميركان أذى، أو لحق بهم إهانة في سبيل التبشير، ومن هذا القبيل أن الدكتور بوست خرج يومًا إلى دوما للوعظ، فحضر الوعظ رجال من بسكنتا صاحوا به وهموا بقتله، فضربه أحدهم بالعصا على كتفه، وأطلق آخر الرصاص عليه فأخطأه، فأسرع بعض الأصدقاء وحملوه إلى البيت وقد تعطلت كتفه.
وبعد بضع سنوات عاد إلى نيويورك سنة ????م، وكان المرحومان الدكتور فان ديك والدكتور ورتبات قد باشرا تأسيس المدرسة الطبية وأخذا في العمل، فعينت اللجنة المركزيه الدكتور بوست أستاذًا للنبات والمواد الطبية والجراحة فيها، فعاد إلى سورية وأخذ في العمل مع رفيقيه المذكورين، وقد جعلوا تعليم الطب في اللغة العربية، ولم يكن فيها كتب تلائم التدريس فأخذوا يشغلون ساعات الفراغ بالتأليف، ويلقنون التلامذة ما يؤلفونه، فينسخونه في دفاترهم، ويدرسونه في منازلهم.
ولذلك كان تلامذة مدرسة الطب في السنين الأولى من إنشاء هذه المدرسة ينسخون الكتب بأيديهم، لا يجدون في ذلك مشقة؛ لأن أساتذتهم كانوا قدوة لهم بالنشاط والهمة والمواظبة، وما زال الدكتور بوست يعلِّم في هذه المدرسة ويطبب في المستشفى البروسياني ويعالج في المنازل ويخطب على المنابر ويؤلف الكتب إلى سنة ????م، فالتمس إقالته فأقيل وعينوا ابنه الدكتور ألفريد مكانه، ففاجأه المرض ولم يجد حيلة في دفعه، فمات مأسوفًا عليه.
أعماله وآثاره

قضي ?? سنة وهو يعلِّم الجراحة وغيرها في المدرسة، ويعالج المرضى في المستشفى بالجراحة، وهو الفرع الذي خصص نفسه له واشتهر به بين الخاصة والعامة، حتى أصبح لفظ «بوست» في عرف البعض مرادفًا للفظ «جراح»؛ لأنه أول من اشتهر بينهم بهذا الفن في أثناء هذه النهضة، ولم يكن عمله قاصرًا على التعليم والتطبيب والتأليف، فقد كان يشتغل بعلوم أخرى يساق إليها شغفًا بالعلم ورغبة في العمل؛ كاشتغاله بالنبات، وكان مولعًا به، وله فيه وفي علم الحيوان آراء واكتشافات مهمة؛ وخصوصًا في النبات، فإنه اكتشف كثيرًا من أنواعه في سياحاته بسورية وفلسطين ومصر وسينا والأناضول، وقد سمي بعضها باسمه «بوست»، وألَّف على أثر ذلك كتابه في نبات فلسطين وسورية، وأصبح ثقة بجغرافية فلسطين الطبيعية.
وقد جمع بتوالي الاعوام معرضًا نباتيًّا بالمدرسة الكلية، يعد من المعارض الثمينة، وكان (رحمه الله) يقضي أكثر ساعات الفراغ فيه، وقد أعانه في جمعه تلامذته في النبات؛ لأنه كان يفرض على كل منهم أن يجمع أمثلة من النبات ويجففها ويقدمها له، فيختار هو ما يستحسنه منها ويضيفه إلى معرضه، وكنا في جملة من فعل ذلك، فهو بهذا الفن وحده يستحق لقب العالم العامل، ويعد من كبار علماء النبات، وقد عرف فضله علماء أوربا وأميركا فأدخلوه في جمعياتهم الطبية والعلمية، فهو عضو في جمعية لينيوس في لندن، وفي نادي النباتيين، وعضو في أكاديمية الطب في نيويورك، ونال النيشان العثماني من الدولة العثمانية، ونيشان ال دوكان السكسوني، والنسر الأحمر من حكومة ألمانيا، ولقب فارس من جمعية فرسان أورشليم الألمانية جزاء خدمته في المستشفى البروسياني في بيروت.
وكان له في المدرسة — فضلًا عن معرض النبات — معارض للمواد الطبية والمستضرات الجراحية، وفيها آثار ما أجراه من العمليات الجراحية؛ كالحصى المثانية والأورام والعظام، وكان مع ذلك يجد فراغًا يشتغل فيه بهندسة أبنية المدرسة، فقد رسم بعضها بيده، وكثيرًا ما كان يتعهد بناءها وينتقده؛ وخصوصًا قاعة العلم، فإنه تتبع بناءها بنفسه، ولم يكن يضيع فرصة لا يفيد بها تلامذته حيثما التقى بهم؛ من شرح عملية في المستشفى، أو تفسير حادثة على الطريق أو في المنزل، وكان رابط الجأش وهو يعمل العمليات، فكثيرًا ما سمعناه يتحدث في السياسة أو الأدب أو الاجتماع ويداه غائصتان في الدم، لا يظهر عليه الارتباك مهما يكن من خطر العملية التي يشتغل بها، فضلًا عن خفة يده في العمل.
وكان يرحل إلى أميركا سعيًا في جمع الأموال للمدرسة، وخصوصًا للقسم الطبي، ومن ثمار سعيه في هذا السبيل إنشاء قاعة العلم التي جعلوها دارًا للمعارض العلمية، وقد سميت باسمه G. E. Post Science Hall، ومن آثاره الأدبية في خدمة هذه المدرسة أنه أنشأ لتلامذة الطب جمعية سماها الجمعية الكلية، يتباحث فيها التلامذة في المواضيع المفيدة، وقد تولى رئاستها مدة طويلة، ووضع لها نظامات كانت مثالًا لكثير من الجمعيات التي نشأت في سورية بعد ذلك، أما آثاره القلمية فأهمها في الطب وفروعه، وبعضها في سبيل الكتاب المقدس، وهي: (?) مبادئ التشريح والهيجين والفسيولوجيا.
(?) علم الحيوان، في جزئين: الأول في نظام الحلقات في سلسلة ذوات الفقرات، والثاني في الطيور.
(?) مبادئ علم النبات، ويتضمن شرح بنيته ووظائفه ووصف الفصائل الطبيعية.
(?) نبات سورية وفلسطين، الذي ألفه بعد رحلته التي تقدم ذكرها، وهو من أهم مؤلفاته، وقد خدم فيه علم النبات خدمًا جزيلة.
(?) كتاب الأقرباذين، أو المواد الطبية.
(?) المصباح الوضاح في صناعة الجراح، وهو مطول في الجراحة العلمية.
(?) مجلة الطبيب، أنشأها وحررها هو بنفسه بضع سنين، ثم حررها المرحومان الشيخ إبراهيم اليازجي والدكتور زلزل والدكتور خليل سعادة سنة واحدة، ثم تولى رئاسة تحريرها المرحوم الدكتور إسكندر بك البارودي، ولا تزال تصدر في بيروت إلى الآن.
(?) فهرس الكتاب المقدس، وهو فهرس أبجدي مطول لكل الألفاظ الواردة في التوراة والإنجيل والزبور.
(?) قاموس الكتاب المقدس، في مجلدين كبيرين.
غير ما كان يتلوه من الخطب أو ينشئه من المقالات مما نشر في المجلات العلمية وغيرها.
أخلاقه ومناقبه

قد رأيت مما تقدم أنه كان مثالًا في النشاط والهمة والثبات والمواظبة على العمل مع المحافظة على الوقت، وكان يعد التقصير في ذلك رذيلة، ويغضبه الإخلال في الوقت لأي سبب من الأسباب؛ ذكروا من أمثلة ذلك أنه كان في سفر بعيد، فلما رجع ذهب أصدقاؤه لملاقاته، ولم يذهب معهم ولده لاشتغاله بدرس كان عليه في تلك الساعة، فسألوه عن سبب تخلفه، فقال: «لأن والدي لا يرضى أن أترك درسي في هذا السبيل».
وكان مدققا في سائر معاملاته، لا يقصر في ما عليه للآخرين، ولا يحتمل تقصير الآخرين في حقه، وهذا هو السبب في ما أشيع عنه من التدقيق في اقتضاء حقه من مرضاه، فلم يكن يتجاوز عن شيء من أجرة العيادة أو العملية، وربما نقص المبلغ المطلوب قرشًا أو بعض القرش فلا يتحول ما لم يقبضه ولو كان المريض فقيرًا معوزًا، ويعدون ذلك بخلًا منه، وظهر هذا البخل مجسمًا بالمقابلة مع أريحية زميله الدكتور فان ديك وسخائه، فقد كان (رحمه الله) كثير التساهل مع مرضاه، يعين بعضهم بثمن الدواء والطعام، فضلًا عن أجرة العيادة.
فظهر تدقيق صاحب الترجمة بخلًا قبيحًا وتحدث الناس به، والحقيقة أنه إنما كان يفعل ذلك جريًا على طبيعته في دقة المعاملة — كما تقدم — بدليل ما علمناه عن ثقة أنه كان إذا دعى لإعانة في مشروع خيري تبرع بأضعاف ما يتبرع به سواه، والتمس أن لا يذكر اسمه في قائمة المتبرعين.
وكان عصبي المزاج، حاد الطبع، يتسرع إلى سوء الظن، ربما بعثه على ذلك بالأكثر صمم كان في إحدى أذنيه، فإذا رأى اثنين يتخاطبان سبق إلى ذهنه أنهما يتكلمان عنه، فيحكم بالظن، وقد يعاتب على الشبهة، وكثيرًا ما جرَّ ذلك إلى التنافر بينه وبين تلامذته حتى آل إلى التقاضي لدى عمدة المدرسة، وتجسم الخلاف مرة حتى اشتكاه طلبة الطب كافة إلى لجنة المبشرين الكبرى في سورية على أثر الخلاف الذي وقع بين الطلبة وعمدة المدرسة سنة ????م، وكنا من أولئك الطلبة، فاجتمعت تلك اللجنة من أنحاء سورية للنظر في ذلك الخلاف، لكنها لم تحسن السياسة في حكمها، فخرج معظم طلبة الطب من المدرسة، واستعفى الدكتور فان ديك انتصارًا لهم في حديث طويل لا محل له هنا — والكمال لله وحده.

الجزء الرابع
الشعَراء



الفصل التاسع والأربعون
الشيخ أمين الجندي الحمصي


هو أشهر من نظم المقطعات أو الأدوار الغنائية في سورية ووقَّعها على الألحان، وُلد في مدينة حمص في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة، ونشأ فيها وطلب العلم على علمائها، وتردد إلى دمشق وقرأ على أئمتها، وفي جملتهم الشيخ عمر اليافي الشهير، ثم عاد إلى موطنه وأقام فيه ومارس الشعر فنبغ به.
وفي سنة ????هـ جاء إلى حمص عاملٌ من قبل المغفور له السلطان محمود الثاني، فوشى إليه بعض أعوانه أن الشيخ أمين الجندي هجاه وطعن فيه، وبلغ ذلك الشيخ ففر إلى حماه، فبعث العامل في طلبه بعض رجاله، فقبضوا عليه وحبسوه في إصطبل الدواب، ومنعوا عنه الطعام إلا قليلًا من خبز الشعير وبعض الماء، واتفق بعد أيام قليلة أن رجلًا من قبيلة الدنادشة يقال له سليم بن باكير غشي مدينة حمص بمئتي فارس من عشيرته ودخلها عنوة، وقتل عاملها، وأخرج الشيخ من السجن بعد أربعة أيام من سجنه، وفرح به الناس، وظل موقرًا محترمًا حتى توفاه الله سنة ????هـ/????م، ودفن في حمص.
وقد عني بعضهم في جمع منظوماته في كتاب يعرف بديوانه، جمع فيه كثيرًا من القصائد والمقامات والموشحات، ننقل بعض الأغاني على سبيل المثال؛ لأن أهل الشام ومصر ظلوا يتغنون بمنظوماته معظم القرن الماضي، ومن ذلك قوله على نغم أبيات:
يا بدر حسنٍ تبدَّى من ورا الحجبيفترُ ياقوته عن لؤلؤ رطبويا غزالًا زها بالتيه والعجبأراش عمدًا لقتلي أسهم الهدبسل بنديه. عن عطفيه. في برديه ليلًا إذا بانا
من جفنيه. أم لحظيه. أم كفيه. دارت حميانا
دور
يا ذا الرضاب الشهبي والمبسم الحاليسل كل من تشتهي في الحي عن حالييا بدر لا أنتهي إن لامني الخاليحيرت للمنتهي في نقطة الخاليخف مولاك. في أهلاك. من يهواك. وارفق بمفتونك
من أفتاك. يا فتاك. أو أغراك. في قتل محزونك
وله من عروض حجاز:
هيَّمتني تيَّمتنيعن سواها أشغلتنيأخت شمس ذات أنسلا بكأسٍ أسكرتنيلست أسلوها ولو فينار هجرانٍ سلتنيكعبة لبَّيت أسعىللصفا لما دعتنيلنظام الحسن أبدتطرَّة فيها سبتنيأم رماح من لجينٍتحت رايات غزتنيجدل الشال السليميفوق أعطاف شجتني وله من عروض صبا:
إن أنعمت ليلايابالقرب يا بشرايا دور
شمسٌ إلى الأقمارتهدي سنا الأنواريا نسمة الأسحارأبدي لها شكوايا دور
سلَّت على العشاقسيفًا من الأحداقِلا تنكروا أشواقيفيها ولا بلوايا وله من قدّ لحنه رصد:
أقبل الساقي عليناوهو كالبدر التماموانثنى عجبًا لديناحاملًا كأس المدامكالفرقدبالخد المورَّدوالثغر المنضدولديه ايه ايه ايه قم واطرب واسكرولديه ايه ايه ايه كم بدر أسفر دور
تحسد الأغصان طولككلما حيت طلولكوالهوا يثني قوامكوالصفا يجلو شموسكيا أغيديا ذا القد الأملدواللحظ المهندبجمال خال حال عال في روضِ الزهرِوبشال سال طال مال يزهو بالجرّ وقال مخمسًا:
أفدي التي لو رآها الغصن مال لهاشوقًا ولو قتلتْ صبًّا لحلَّ لهاحوريةٌ لو رآها عابدٌ للهامرَّت بحارس بستان فقال لهاسرقتِ رمانتي نهديك من شجري
قالت وقد بهتت من قوله خجلًافتش قميصيَ حتى تذهب الوجلافهم أن يقبض النهدين ما مهلافصاح من وجنتيها الجلنار علىقضيب قامتها لا بل هما ثمري
وقال مشطرًا:
يا ناقل المصباح لا تمرر علىربع به صبح المحاسن أسفراواحذر بأن تغشى أشعة نورهوجه الحبيب وقد تكحل بالكرىأخشى خيال الهدب يجرح خدهفيبث مسك الخال منه العنبراأو أن يدبَّ لفيه نمل عذراهفيقوم من سنة الكرى متذعرا
الفصل الخمسون
المعلم بطرس كرامة


هو بطرس بن إبراهيم كرامة، من أعيان حمص، ولد فيها سنة ????م، ونشأ وتأدب فيها، ثم حدث اضطراب واضطهاد للطائفة الكاثوليكية، وكان عمه المطران أرميا كرامة على قلاية دمشق، ارتسم عليها سنة ????م، فقدِم السيد أرميا المذكور إلى حمص، ونزل ضيفًا على أخيه إبراهيم، ووفد في تلك السنة على حمص مطران من السريان الكاثوليك أصله من (صدد)، ولم يقبله السريان اليعقوبيون، فنزل على المطران أرميا في بيت أخيه إبراهيم، وأقام القداس هناك بضعة أيام، ثم سافر إلى الجبل.
فاغتاظ من ذلك شيخ صدد، وأغرى مسعود آغا سويدان حاكم حمص —يومئذ — أن يشكوه إلى بطل باشا عند قدومه إلى حمص، ويقول له إن إبراهيم كرامة جعل بيته كنيسة، ويشكو سائر الكهنة الكاثوليكيين اضطهادًا للكاثوليك على الإجمال، فقبضوا عليهم وسجنوهم وأهانوهم وضربوا عليهم مالًا لا يخرجون إلا بعد دفعه، فجمعوه ودفعوه، فكره إبراهيم الإقامة في حمص بسبب ذلك، فخرج إلى عكا مع ابنه بطرس، ومنها إلى لبنان.
وكان بطرس ذكيًّا من حداثته، يقول الشعر ويحسن اللغة التركية، وكان ذلك عزيزًا في تلك الأيام، واتفق أن الأمير بشير الشهابي الكبير أمير لبنان الشهير احتاج إلى من يعلم ولديه خليلًا وأمينًا، وبلغه خبر بطرس المذكور فاستقدمه إليه سنة ????م، فرأى من كفاءته وتعقله ما حببه إليه، فقربه وجعله معتمدًا من قبله في المسير إلى عكا إذا اقتضت الحاجة مخابرة واليها.
وكانت — وقتئذ — خزينة حكومة لبنان بلا نظام، فوضع لها القوانين ورتبها على أسلوب أعجب الأمير بشيرًا، فرفع منزلته وجعله كتخداه؛ أي: نائبه، فأصبح نافذ الكلمة، لا يراجعه الأمير في أمر أحبه، فوقعت في القلوب هيبته، وانتشرت شهرته، وما زال يدبر أعمال لبنان بحكمة وسياسة حتى قضت الأحوال بنفي الأمير بشير سنة ???? إلى الآستانة، فرافقه المعلم بطرس، وكان له أكبر تعزية في تلك الغربة، وتقرب هناك من رجال الدولة فتعين مترجمًا في المابين الهمايوني، وما زال في ذلك المنصب حتى توفي سنة ????م.
وكان (رحمه الله) شاعرًا مجيدًا كثير المحفوظ، متوقد الذهن فصيح اللسان، بليغ القول مهيبًا مكرم الجانب، وله مصنفان لم يطبعا، وأما منظوماته فهي في ثلاثة دواوين؛ أحدها منظوم في سورية، والثاني في مصر، والثالث في الآستانة، وقد طبع منها ديوان سنة ????م، وأكثر ما فيه من منظومات سورية عدد أبياته نحو سبعة آلاف بيت، أكثرها في مدح الأمير بشير ووصف أعماله، ومدح من عاصره من الأمراء والعظماء، ومكاتبة الشعراء الأدباء؛ من ذلك قوله من قصيدة غزلية:
فتن القلوب وقد تمنطق خصرهمن أعين العشاق أي نطاقأمسى يداعبني بورد خدودهلما رآه يفيض من آماقييفترُّ عن درٍّ فأبكى مثلهلله در الطرف من سرَّاقِ وقال يصف رشحًا ألم به:
وليلة بتُّ أشكو الرشح من ضررحتى فنيت وحال الحال وانساباقالوا أترشح يا هذا فقلت لهمكلا ولكنَّ أنفي صار ميزاباكأن عيني عين الماء في هطلوصار أنفي دلو الماء صبَّابا وقال من موشح يصف به قناة أجراها الأمير بشير من ينبوع اسمه الفوار ومنهل يعرف بنبع القاع ونهر يسمى الصفا:
دور
جاء بسم الله مجراه إلىبيت دين المجد منقادًا مطيعكانفجار الصبح يبدو من علىذلك السفح إلى الروض البديعوتباهى جاريًا يعلو علىكل طود شامخ الأنف منيعملئت منه السواقي فطمادافعًا كالعارض المنبجسِفغدا بالخصب يزهو منعمًاكل ربع مقفر مندرسدور
دارَ في دار السني مثل العريسيتهادى في رداء جوهريحوله السرو كعشاقٍ تميسفي رداءٍ من حرير أخضرِتبتغي لثم محياه النفيسوالحيا يمنعها بالنظرخلتهن قائمات خدماحوله منعطفات الأرؤسوعليه ساهرات هيماتلتوي أعناقها بالنعسِدور
أطلع الزنبق يسقي الياسمينمن ندا أقداحه صرف العقارفاعتلى المضعف بالحسن المبينوانثنى البان عليه ثم غاروشذا النسرين بالعطر الثمينفتدانى نحوه أنف البهارنقل النمام أن العنماعانق النوفر جنح الغلسِوالأقاحي قد أعار الخزماخفية تاج الشقيق الأطلسِدور
غرد الميزاب كالصب الولوعوتصابى حين صب الدررارقصت تلك السواقي والربوعوتغنت جاريات سحرالاعب الطالع من تلك النبوعنوفرات مسفرات غرراوسبيل الصفو منه قسماموكب الحزن بأفراح القسيطفح الأنبوب شوقًا عندماشاهد البدر لديه يحتسي وله قصيدة خاليَّة، تكرر لفظ الخال في كل قافية، وكل منها بمعنى وهي:
أمن خدها الوردي افتنك الخالُفسح من الأجفان مدمعك الخالُوأومض برقٌ من محيا جمالهالعينيك أم من ثغرها أومض الخالُرعى الله ذياك القوام وإن يكنتلاعب في أعطافه التيه والخالولله هاتيك الجفون فإنهاعلى الفتك يهواها أخو العشق والخالمهاة بأمي أفتديها ووالديوإن لام عمي الطيب الأصل والخالأرتنا كثيبًا فوقه خيزرانةبروحي تلك الخيزرانة والخالغلائلها والدر أضحى بجيدهانسيجان ديباج الملاحة والخالولما تولى طرفها كل مهجةعلى قدها من فرعها عقد الخالإذا فتكت أهل الجمال فإنمالهن على أهل الهوى الملك والخالوليس الهوى إلا المروءة والوفاوليس له إلا امرؤ ماجدٌ خالوكم يدعي بالحب من ليس أهلهوهيهات أين الحب والأحمق الخالمعذبتي لا تجحدي الحب بيننالما اتهم الواشي فإني الفتى الخالولي شيمة طابت ثناء وعفةًتصاحبني حتى يصاحبني الخالسلي عن غرامي كل من يعرف الهوىتري أنني رب الصبابة والخالولا تسمعي قول العذول فإنهلقد ساء فينا ظنه السوء والخالسعى بيننا سعي الحسود فليتهأشلُّ وفي رجليه أوثقهُ خالوظبية حسن مذ رأيت ابتسامهاعشقت ولم تخط الفراسة والخالتوسم طرفي في محاسن وجههافلاح له في بدر سيمائها خالإلى مثلها يرنو الحليم صبابةويعشقها سامي النباهة والخالأيا راكبًا يطوي الفلاة ببكرةيباع بها النهد المطهم والخالبعيشك إن جئت الشام فعج إلىمهب الصبا الغربي يعن لك الخالوسلم بأشواقي على مربع عفاكأن رباه بعدنا الأقفر الخالوإن ناشدتك الغيد عني فقل علىعهود الهوى فهو المحافظ والخالوإن قلن هل سام التصبر بعدنافقل صبره ولى وفرط الجوى خاللكل جماح إن تمادى شكيمةٌولكن جماح الدهر ليس له خال
الفصل الحادي والخمسون
عبد الباقي العمري (شاعر العراق)


بقلم  سليمان البستاني
هو عبد الباقي العمري الفاروقي الموصلي، الشاعر الشهير المولود بالموصل سنة ????هـ/????م، والمتوفي ببغداد سنة ????هـ/????م، يتصل نسب أبيه سليمان العمري بالخليفة عمر بن الخطاب، ولهذا يعرف هو وسائر أبناء أسرته بالعمريين والفاروقيين، ولهم وجاهة ومكانة سامية في بلدتهم الموصل وسائر بلاد العراق، وبيتهم بيت علم وفضل، أنتج كثيرين من الشعراء والأدباء.
وقد اتصف عبد الباقي منذ صغره بالحذق والذكاء، واشتغل بالأدب ونظم الشعر وهو بعدُ فتى، وتقلَّد المناصب السامية ولم يتجاوز العشرين من عمره، وكان أعيان الموصل ينتدبونه لعظام المهام، ويوجهونه في معضلات الأمور، فاشتهر أمره لدى الولاة والحكام، وكان تعيين والي الموصل في تلك الأيام منوطًا بوالي بغداد قبل أن يقره الباب العالي على ولايته، واتفق انفصال والي الموصل في أثناء ولاية داود باشا على بغداد، فانتدب أعيان الموصل عبد الباقي للتوجه إلى بغداد، والتوسط بتعيين يحيى باشا، فسار إلى بغداد، وكان داود باشا من أهل العلم ومروِّجي بضاعة الأدب، فأكرمه وسأله عن سبب قدومه فأجابه بهذين البيتين:
يا مليك البلاد أمنيتي حاشاك مثلي يعود منك كسيراأنت هارون وقته ورجائيإن أرى في حماك يحيى وزيرا فاستحسن داود باشا ذلك، وبادر إلى طلب الوزارة ليحيى باشا، وبعد أعوام انتقض داود باشا على الدولة وكان والي الموصل إذ ذاك قاسم باشا ابن عم صاحب الترجمة، فأتته الأوامر من الآستانة بالمسير في جيش كثيف إلى بغداد والقبض على المماليك، وداود باشا من جملتهم، فسار قاسم باشا إلى بغداد يصحبه عبد الباقي، فأظهر المماليك الطاعة حتى أتاهم قاسم باشا بنفر قليل فغدروا به، ورجع عسكر الموصل ومعه عبد الباقي، فسيرت الدولة على باشا اللاز من الآستانة إلى بغداد لقمع ثورتها وقتل داود باشا، فلما بلغ الموصل ورأى صاحب الترجمة أعجب بذكائه واصطحبه معه إلى بغداد، ولما استتب له الأمر وقبض على داود باشا أقرَّ عبد الباقي وقلده أسمى مناصبها، وجعله كتخدا الولاية؛ أي: معاونًا له، وبقي من ثم في بغداد إلى آخر أيامه، وكان نافذ الكلمة مرعي الجانب، يعهد إليه الولاة بالمهام الخطيرة، وهو على اشتغاله بخدمة حكومته يصرف همه في أثناء العطلة والفراغ للاشتغال بالآداب، ومجلسه حافل بالأدباء وسراة الأعيان.
وكان (رحمه الله) شاعرًا مجيدًا، قوي البديهة، سريع الخاطر، متفننًا في شعره، ميالًا إلى التصوف، كثير المدح لآل البيت، محبًّا لعلماء عصره وأدبائهم، بارًّا بهم وبغيرهم من ذوي الحاجات، ومن مؤلفاته: (?) ديوان أهلة الأفكار في معاني الابتكار.
(?) نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر.
(?) ديوان طبعه بمصر الشيخ عثمان الموصلي وسماه «الترياق الفاروقي من منشئات الفاروقي»، وذيله بترجمة له مسهبة لخصنا منها معظم ما تقدم.
وحسبنا أن نورد مثالًا من شعره مقطوعة نظمها عندما شخص بباخرة من بغداد إلى الكوفة يؤم ضريح الإمام علي بن أبي طالب:
بنا من بنات الماءِ للكوفة الغرَّاسبوح سرت ليلًا فسبحان من أسرىتمدُّ جناحًا من قوادمه الصباتروم بأكناف الغري لها وكراكساها الأسى ثوب الحداد ومن حلىتجملها بالصبر لاعجها أجرىجرت فجرى كلٌّ إلى خير موقفٍيقول لعينيه قفا نبكِ من ذكرىوكم غمرة خضنا إليه وإنمايخوض عباب البحر من يطلب الدرَّانؤمُّ ضريحًا ما الضراح وإن علابأرفع منه لا وساكنه قدراحوى المرتضى سيف القضا أسد الشرىعليَّ الذرى بل زوج فاطمة الزهرامقام عليٍّ شرف الله وجههمقام عليٍّ ردَّ عين العلى حسرىأثير مع الأفلاك خالف دورهفمن فوقه الغبرا ومن تحته الخضراأحطنا به وهو المحيط حقيقةبنا فتعالى أن نحيط به خبراتطوف من الأفلاك طائفة بهفتسجد في محراب جامعه شكراوحزب من العالين يهتف بالثناعليه بوحي كدت أسمعه جهراجدير بأن يأوي الحجيج لبابهويلمس من أركان كعبته الجدراحريٌّ بتقسيم الفيوض وما سوىأبي الحسنين الأحسنين بها أحراترى منه بالدنيا الثراء لمتربوللمذنب الجاني الشفاعة في الأخرىبأهداب أجفان وأحداق أعينوجرِّ وجوه عفرتها يد الغبراأمطنا القذى عن جفن وجه مذكرأجلَّ سيوف الله أشهرها ذكرافوالله ما ندري وقد سطع السناجلونا قرابًا أم جلينا له قبرا وخلف عبد الباقي ثلاثة أبناء: سليمان فهيم أفندي، وحسين حسني بك، ومحمد وجيهي بك، أقام الأول في الموصل، وأما الأخيران فإنهما قدما مصر سنة ????هـ وتنقلا أعوامًا في أسمى مناصب الحكومة المصرية.

الفصل الثاني والخمسون
فرنسيس فتح الله مراش


هو فرنسيس بن فتح الله مراش، ولد بمدينة حلب في ?? يونية سنة ????م، من أرومة طيبة الأصل، ولما بلغ الرابعة من عمره أصيب بداء الحصبة، وثقلت وطأتها عليه حتى كادت تودي به، ثم منَّ الله عليه بالشفاء، إلا أنه بقي من آثارها في جسمه وبصره ما نغص عليه عيشه، وأوهن قواه مدى العمر، ولبث في حلب إلى أن يفع يتلقن القراءة ثم مبادئ العلوم، إلى أن كانت سنة ????م، فسار والده إلى أوربا واستصحبه معه، فتجول فيها مدة تنيف على السنة، ثم رأى والده أن يطيل مكثه في فرنسا لضرورة دعت إلى ذلك، فأرجعه إلى حلب وبقي فيها إلى سنة ????م.
ولما عاد والده من أوربا في هذه السنة دعته مقتضيات تجارته إلى التعرج على بيروت، فعرج عليها واستدعاه من حلب، فسار منها إلى بيروت، وأقام بها معه نحوًا من سنة، ثم عاد إلى مسقط رأسه وألقى به عصا التسيار مدة مديدة، وأقبل يشتغل في خلالها بالأدب، وهو الفن الذي كان قد ولع به منذ صبوته، حتى إنه عرف له نظم على طريقة الصبيان، نظمه وهو ابن تسع سنين ودونها، ولكنه لم يقصر درسه على الأدب وحده، بل أقبل يدرس غيره من العلوم، وكان يتخرَّج في كل علم منها على من يلقاه من الأساتذة، ولما رأى آخر الأمر أن علم الطب لا يبلغ أحدٌ منه إربًا ما لم ينل الإجازة فيتعاطيه عملًا، وتيقن أن أعظم الإجازات اعتبارًا في تلك الأيام ما كان صادرًا منها من مدرسة باريز، رحل في طلب ذلك إلى هذه المدينة حوالي سنة ????م، وأقام بها نحوًا من سنتين يتردد على مدرسة الطب فيها إتمامًا لدروسه واستعدادًا للامتحان، ولكن صروف الدهر عاندته وخانته الجدود العواثر من وجوهٍ أخرى، فاعتراه من أسقام البدن وضعف البصر ما صرفه عن المثابرة على الدرس، فلم يظفر بمراده من التقدم للفحص لنيل الإجازة، بل اضطر أن يقفل راجعًا إلى حلب وهو عليل ومكفوف البصر أو يكاد، ولم يزل مقيمًا بحلب إلى أن توفاه الله في أواسط سنة ????م. فرنسيس فتح الله مراش ????–????م.
أما تصانيفه، فالمطبوع منها «غابة الحق» و«مشهد الأحوال»، وكلاهما مطبوع في بيروت، وله ديوان سمَّاه «مرآة الحسناء» أرسله بحياته إلى المرحوم سليم البستاني فطبعه له في مطبعة المعارف في بيروت، أما الكتابان الأولان فقد سلك فيهما مسالك فلسفية، وبث فيهما آراءه بأسلوب بديع، صنف معظم الأول منهما في باريز والثاني في حلب، وله أيضًا رسائل موجزة في مواضيع شتى، ولكنها لم تطبع، فلذلك لم تُعرَف، وله رحلة إلى باريس طبعت في بيروت، وشهادة الطبيعة بوجود الله والشريعة، طبعت بمطبعة الأميركان بعد نشرها في النشرة الأسبوعية، وله غرائب الصدف، وغيرها من الرسائل.
وكان في الجملة مشاركًا في كثير من العلوم، إلا أنه كان إلى العلوم الفلسفية أميل، وكان يؤثرها على العلوم الرياضية وغيرها؛ لما في تلك من سعة المجال للخواطر، ولما في هذه من ضيق المجال وحرج القيود والقوانين على من يريد أن يقتدح زناد نفسه، فإنه كان لا يطيق احتمال الأسر المعنوي فضلًا عن الحسي؛ ولذا كان يحاول التملص من رق العادات الجازمة بحجز حرية التصرف، بل طالما كان ينزع إلى الإغضاء عن قيود اللغة وأغلال قوانينها وسلاسل قواعدها أيضًا، حتى صار قليل الالتفات إلى تحرير أساليبه وتنقيح عباراته على ما تقتضيه أصول الإنشاء.
إلا أنه كان يعرف حق المعرفة أن الحرية المطلقة هي كالكبريت الأحمر، لا تقوم إلا في الذهن، ولا وجود لها في الخارج، وهذا ما حداه إلى أن يقول:
رقُّ الزمان جوى على كل الورىواقتادهم بسلاسلٍ وقيودِرسفَ الأمير مكبلًا بنضارهرسفَ الأمير مكبلًا بنضاره وأن يقول:
صدِّقوني كل الأنام سواءٌمن ملوكٍ إلى رعاة البهائمكل نفسٍ لها سرورٌ وحزنٌلا تني في ولائمٍ أو مآتمكم أميرٍ في دسته بات يشقىباله والأسيرُ في القيد ناعمأصغر الخلق مثل أكبرها جرمًا لهذا وذا مزايا تلائمهذه النمل تستطيع الذي تعجزعن فعله الأسود الضياغموالخلايا للنحل أعجب صنعًامن قصور الملوك ذات الدعائم وكان مَن أنعم النظر في تصانيفه خيِّل له أنه لم يكن في كل الأحوال راضيًا عن الزمان وأهله، وأنه كان كثير التبرُّم بالناس والأشياء كافة، وأن كلامه في كثير من المواطن يشفُّ عن الشكوى من الدنيا وأهلها، وهذا لا يستغرب من رجلٍ رماه الدهر بالأرزاء حتى أصبح كئيبًا كاسف البال، وقد حداه ذلك إلى أن قال:
توتر أقواس الردى لرمايتيومن أعين الحساد تبرى سهامهايجرُّ عليَّ الدهر جيش خطوبهفتلقاه نفسٌ يستحيل انهزامهاومن خبِّر الدنيا وأدرك سرهاتساوى لديه حربها وسلامها ومن هذا القبيل ما أورده في «غابة الحق»:
إذا كان وقع السيف ليس يمضنيفعندي سواءٌ غمده وغرارهوإن كان جمر الخطب ليس يصيبنيفلا خوف لي مهما يهبُّ شرارهأنا لا أرى في الأرض شيئًا يروقنيلذلك نور العمر عندي نارهأيطربني هذا الزمان وكلهعراكٌ على الدنيا يثور غباره هذا ما يلمح من خلال نظمه ونثره، إلا أنه كان في معاشرة الناس ومخالطتهم متوددًا أنيسًا، تأبى نفسه أن يصيب الناس أذىً مما ابتلاه الله به من الأشجان، وكان إذا عنَّ له خاطر أملاه على كاتب أو صديق، وتوفاه الله وهو في شرخ الشباب.
ومن نظمه قوله من قصيدة:
أنا على ما أنا من الخلقباقٍ على مذهبي وفي طرقيما لي عدوٌّ سوى الكذوب فلميزل عدوًّا لصاحب الصدقلا أكذب الله أن لي شيمًاتحمي فمي من شوائب الملقفلا كبيرٌ سطا عليَّ ولايدٌ لها منة على عنقيولا تسابقتُ في المفاخر بلسرت الهوينا وفزت بالسبقِولا اشتريت الثناء من أحدبالمال بل بالجهاد والأرقأسقي غروسي فإن أجد ثمرًاأقطف وإلا رضيت بالورق وقال في وصف الجمال:
يا ربة الحسن جمالك لايدوم إلا كدوام الخيالفحسن وجه ذاهبٌ كالهباوحسن طبع راسخ كالجبالفجملي الطبع وحلي النهىلتقتني الحسن العديم الزوالهذا هو الحسن البسيط وماللجوهر البسيط قط انحلال ومن هذا القبيل قوله:
طرقت خباها بغتة يوم تبكيرفصبَّحني وجه كرقعة تصويرهناك على المرآة كانت مكبَّةتموِّه خديها بصبغة حنجورفأيقنت أني في الهوى كنت والعًابمسحوق تبييض ومحلول تحمير
الفصل الثالث والخمسون
السيد عبد الغفار الأخرس


هو من نوابغ شعراء العصر، وإن كنا لا نكاد نسمع بذكر اسمه في هذه البلاد، فهو بعيد الصيت طائر الشهرة في بلاد العراق وما جاورها من بلاد العرب والعجم، يتناشد أشعاره الأدباء، ويتنافسون بها في مجالسهم، وهو السيد عبد الغفار الملقب بالأخرس للكنة كانت بلسانه، ابن السيد عبد الواحد بن السيد وهب.
ولد في الموصل نحو سنة ????هـ، ونزح منها إلى بغداد، وقضى حياته في العراق منتقلًا من بلدة إلى أخرى، وأكثر إقامته إنما كانت في بغداد والبصرة، وقد نمى منذ صباه خبر ذكائه وتوقد ذهنه إلى داود باشا والي بغداد، فأرسله إلى بلاد الهند في طلب إصلاح لسانه وحل لكنته، فقال له أحد الأطباء: إنا نعالج لسانك بدواء فإما ينطلق وإما أن تموت، فقال: لا أبيع بعضي بكلي، وقفل راجعًا إلى بغداد.
وسنة ????هـ أتى البصرة قصد الذهاب إلى الحج، فأقعده مرض ألمَّ به فعاد إلى بغداد، فلم ينجع فيه دواء، فرجع إلى البصرة وتوفي بها يوم عرفة من ذلك العام، فشيع جنازته أفاضل البصرة، ودفنوه في مقبرة الإمام الحسن البصري خارج قصبة الزير.
وكان (رحمه الله) قليل الاعتناء بحفظ شعره وإثباته على كثرته، فبقي منثورًا في أيدي حفظته إلى أن عني بجمعه شاعر عراقي آخر، وهو أحمد عزت باشا الفاروقي ابن اخي الشاعر عبد الباقي العمري، فحصل منه على عشرة آلاف بيت طبعها في الآستانة العلية سنة ????هـ بديوان سماه «الطراز الأنفس في شعر الأخرس».
ومما يدل على إعجابه وإعجاب شعراء العراق به قوله من جملة ما قال في مقدمة الديوان المذكور: «ورد من مسقط رأسه الموصل الخضراء إلى مدينة الزوراء، وجعلها له موطنًا، وعرينًا ومسكنًا، وكانت أكابرها تحترمه وتشتاق لطلعته، وأماجد العراق ترتاح إلى مفاكهته، ورؤيته ورويته، ومدح منها الأكابر الكرام، والفضلاء الأعلام، بشعر يقف مهيار عند أقوابه، ويعجز أبو تمام عن الوصول إلى فسيح رحابه، ويتمنى الرضي لو ارتشف الحميا من أكوابه، وابن الأزري لو اتزر برقيق ثيابه، من آدابه، حيث إن منواله العريض الطويل لم يتيسر لأحد أن يأتي له بنظير أو مثيل، وقد مازج برقته الأرواح، ممازجة الماء القراح، بأقداح الراح». انتهى.
ويؤخذ من مطالعة ديوانه أنه كان بعيد التصور، متوقد الذهن، يتصرف بالمعاني تصرفًا حسنًا، على أنه سلك مسلك أكثر شعراء المتأخرين من اتخاذ صناعة الشعر ذريعة للمعاش والترنم به في مجالس اللهو والطرب، ولذلك ترى تباينًا عظيمًا بين متانة قصائده والتفنن بأساليبها؛ فإذا مدح شاعرًا أو عالمًا أكثر فيها من الاعتناء، فجاءت بخلاف مدحه لأكابر القوم الذين لم يتخذ الشعر إلا وسيلة للتزلف إليهم، فكأنما هو باذل لكل من بضاعته.
ومن رقيق شعره قوله في الغزل:
لا تلم مغرمًا رآك فهاماكل صبٍّ تركته مستهامالو رآك العذول يومًا بعينيترك العذل في الهوى والملامايا غلامًا نهاية الحسن فيهما رأت مثله العيون غلامًاأتراني أبل فيك غليلًاأم تراني أنال منك مراماكلما قلت أنت برءٌ لقلبيبعثت لي منك العيون سقاماوبوحي من سحر عينيك يوحيلفؤادي صبابة وغراماعمرك الله هذه كبدي الحرَّى تشكَّت إلى لماك الأوامافاسقني من رحيق ريقك صرفًالا يريني كأس المدام مداماحام خالٌ على زلال برودهو في فيك فاصطلاها ضرامًاأطعمته في فيك أطماعنا فيــك فما نال بردها والسلامافالأمان الأمان من سحر عينــيك فقد جردت علينا حسامالست أدري وقد تثنيت تيهًاأقضيبًا هززته أم قوامًا وقوله في المدح من قصيدة أنفذها للعلامة الآلوسي:
لقد أوتيت غاية كل فضلبخوضك في العلوم وفي اشتغالكإذا افتخرت بنو آلٍ بآلففخر الدين أنت وفخر آلكوفي مرآك للأبصار وحيٌينبئنا فديتك عن جلالكفيا فرع النبوة طبت أصلًاثمار الفضل تُجنى من كمالكظفرنا من نداك بما نرجيعلى أن ما ظفرنا في مثالكوكم لله من سيف صقيلبجوهرة العناية في صقالكوما أنا قائل بنداك وبلٌلأن الوبل نوع من بلالكإذا الأيام يومًا أظمأتناوردنا من يمينك أو شمالكوإن جاوزت بالبرهان قومًاتحامى من يرومك في نزالكوكل منهم وله مجالٌفما جالت جميعًا في مجالكوإنك أكثر العلماء علمًاولست أقلهم إلا بمالكنعم هم في معاليهم رجالٌولكن لم يكونوا من رجالكوما في الناس من تلقاه إلاويسأل من علومك أو نوالكفتولي من جميلك كل شخصكأن الخلق صارت من عيالك وقوله في العتاب:
بقيت بقاء الدهر هل أنت عالمٌمن العتب ما يملي عليك وما أمليلقد كنت تجزيني بما أنت أهلهعلى الشعر قبل اليوم بالنائل الجزلفأرجعُ عن نعماك في ألف درهمأزيل بها فقري وأغني بها أهليفنقصتني شيئًا فشيئًا جوائزيوأوقفت حظي منك في موقف الذلولي فيك ملء الخافقين مدائحٌولي غررٌ ما قالها أحدٌ قبليفمن أي وجه أنت أنزلت رتبتيوأصبحت بعد الوبل أقنع بالطلفإن كان من بخلٍ فلم يرَ قبلهافتىً من رسول الله يوصف بالبخلوإن كان من قلٍّ هناك وجدتهفما تعذر القوم الكرام من القلوإن كان من طعن العداة وقدحهمفما قولهم قولي ولا فعلهم فعليأكان لمولانا بذلك حكمةٌفقصر عن إدراك حكمته عقليفليس من الإنصاف مثلي تضيعهوتجهله ظلمًا وحاشاك من جهلوبحرك تيارٌ ومالك وافرٌوجودك معلومٌ وأنت أبو الفضلوتبلغ منك الناس أقصى مرامهاويحرم من دون الورى شاعرٌ مثلي وقوله في الحماسة:
واقتحمها إذ نبت بك يومًافأرى المجد بابه الاقتحامُادفع الشرَّ إن علمت بشرٍّربما يدفع السقامَ السقامُفمتى تكبر العزائم بأسًاصغرت عندها الأمور العظامُوتقلد بالرأي قبل المواضيليس يجدي بغير رأي صدامرب رأي بالخطب يفعل ما لايفعل السمهريُّ والصمصامُواحذر الغدر من طباع لئيمعنده الغدر بالصديق ذمامُوادخر للوغى مقالة حربلا تقوي الأجسام إلا العظامُ ومن رقيق شعره قوله من موشح طويل:
بحياة الطاس والكاس عليكنزَّه المجلس من كل ثقيلوتحكم إنما الأمر إليكولك الحكم ومن هذا القبيلكيف لا والكاس تسقى من يديكما على المحسن فيها من سبيلولك الله حفيظًا ولناحيثما كنت وما شئت أفعلوآجر حكم الحب فينا وبناأنت مرضيَّ وإن لم تعدل دور
حبذا مجلسنا من مجلسجامع كل غريب وعجيبنعم العود وشعر الأخرسومحب مستهام وحبيبيتعاطون حياة الأنفسفي بديع اللفظ والمعنى الغريببابلي السحر معسول الجنىأين هذا واشتيار العسلوإذا مرَّ نسيم بينناقلت هذا ويحكم من غزلي
الفصل الرابع والخمسون
الحاج عمر الأنسي


هو ابن السيد محمد ديب بن أعرابي بن إبراهيم بن حسين، الشهير لقبُهم بالصقعان، ولد في بيروت سنة ????هـ وتعلم القرآن وأحكام التجويد على الحافظ الشيخ حسين الجيزي المصري، وتوجه سنة ????هـ مع الركب الشامي، وقضى فريضة الحج وهو في الثانية والعشرين من عمره، ولما عاد أكبَّ على تلقي العلم عن اثنين؛ هما أشهر علماء بيروت في القرن الماضي، أحدهما الشيخ محمد الحوت، والآخر الشيخ عبد الله خالد.
وكان مطبوعًا على الشعر، فكان أكثر اشتغاله به، على أنه تقلب في مناصب عديدة؛ منها أنه تقلد نظارة النفوس في جبل لبنان سنة ????هـ بأمر الأمير أمين أرسلان قائمقام جبل لبنان إذ ذاك، فأقام في الشويفات نحو أربع سنوات نظم عدة قصائد في مدحه، وتعيَّن سنة ????هـ عضوًا في مجلس إدارة بيروت، ثم تنقل في مناصب أخرى، فتقلد مديرية قضاء حيفا، ثم قضاء صيدا، ثم عاد إلى بلده واشتغل بالتدريس والمطالعة، وفي سنة ????هـ وجهت إليه نيابة صور بطلب من المرحوم أسعد باشا والي إيالة صيدا الملغاة، وعاد سنة ????هـ مريضًا إلى بيروت، ولم يتحمل المرض إلا بضعة أشهر، فتوفاه الله في رجب سنة ????هـ.
وكان عذب المنطق، سريع الحفظ، محبوبًا، وله منظومات بديعة عني نجله الدكتور عبد الرحمن أفندي أنسي نزيل بيروت بجمع شتاتها من بين أوراقه، وطبعها في ديوان سماه المورد العذب، تزيد أبياته على ???? بيت، نقتطف منه أمثلة نستدل بها على شاعرية صاحبه؛ قال من مطلع قصيدة في مدح النبي:
قلوب الورى في مطمح الفكر قلَّبُوبرق المنى في غيهب الوهم خلَّبُأمانيك الأحلام والحلم يقظةوأمالك الأوهام والنفس أكذبويا ربَّ نفس بالأماني عللتوصاحبها من قابض الماء أخيبفلا تعدن النفس بالخير طامعًاإذا لم يكن للنفس في الخير مذهبفكن صانع المعروف ما عشت إنهسبيل نجاح في الذي أنت تطلبوذو الود إن يذكر يدًا لك عندهفإن التناسي منك ثمة أنسبفإن قلوب الناس كالماء راكدًاإذا ما تولاه الهوى يتقلبويعجب من حال الزمان بنوه فيتقلبه جهلًا وهم منه أعجبوإياك والدعوى فيا ربَّ مدَّعله صدق كشف الامتحان يكذبإذا أنت لم تعمل بما أنت قائلفأنت أسير الجهل أو أنت تكذب وقال من قصيدة يمدح بها أخاه الحاج محمد بك ويهنئه بتقلده رئاسة حجاب السلطان، وفيها أبيات فخرية:
أأنت أم أنا ما نلت من رتبأولى بنيل التهاني يا ابن خير أبأنا المهنا بما أوليتَ من منحبنيل أضعاف ما قد نلت من أربإن كان فخر بني العلياء في نسبفنحن مفخر ذاك الفخر والنسبمن المفاخر أبناء الرسول وقدجاءت محامدهم في منزل الكتبكنا وكانت يد الأقدار تمنعناحظًّا بمجدين موروث ومكتسبيا ذا الذي ظن بي ما فيه من عوجإني أنا الشمس فانظر ظل نفسك بيأنا الذي ساد أصلاه ومفتخريأن اليراعة أمي والحسام أبي وقال يصف الشيشة عن لسان حالها:
أنا التي اختارني قومي سمير علىأن الأديب فصيح النطق مختارإذا الهوى بفؤادي مرَّ أكتمهوللهوى بفؤاد الحر أسرارقالوا تحملت نيراننا فقلت لهمالنار في حب من أهوى ولا العارشهرت حتى غدت تعشو السراة إلىناري ولي بمزيد الفضل آثارفها أنا مثل صخر حيث قيل بهكأنه علم في رأسه نار وقال يهجو خادمًا في قهوة اسمه هلال:
تعس الهلال القهوجي لأنهقد قطع الأنفاس في أنفاسههذا الهلال هو الهلاك وإنماغلطوا فلم يضعوا العصا في رأسه وله قصيدة مدح بها الأمير أمين أرسلان المشار إليه، تفنن بها فجعلها من أبحر متعددة وقوافٍ مختلفة، إليك أمثلة منها: يا للهوى من لصب لم ينل أربا (أملا) (وطرا)عطفًا على مستهام رقَّ وانتحبا (انتحلا) (انحسرا)عاني المها مستهل الدمع ساكبه (هاطله) (هامره)واهي القوى ما شكا بؤسًا ولا وصبا (ثقلا) (ضررا)بادي الضنا ذو غرام سامه شجناوافي العنا مشفقًا من برحه وهبا (وجلا) (حذرا)يهوى الظبا وهوى الأرام غالبه (قاتله) (قاهره)طول المدى وهو لا يصغي لمن عتبا (عذلا) (فشرا)ويح العدا واللواحي حملته عنا أزكى لظى لاعج من وجده التهبا (اشتعلا) (استعرا)جمر الأسى لم يزل دوما يصاحبه (يواصله) (يساهره)وسط الحشا مصعدًا أنفاسه لهبا (شعلا) (شررا)ماذا خوى ويح قلبي ظل مرتهنامضني الجوا تقاوي والهوى غلبا (قتلا) (قهرا)يرجو اللقا والظبا تيهًا تعاقبه (تماطله) (تغادره)بعد الغوى وعيائي داؤه صعبا (عضلا) (عسرا)كم من رشا وغزال هز قدّ قناتحت الحلى ذو جمال زين النقبا (الحللا) (الحبرا)إذا رنا فتن الألباب حاجبه (ناحله) (ناظره)يسبي الحجا وبلبي طالما لعبا (هزلا) (سخرا)
والقصيدة كلها على هذا النمط، فإن كل سطر مؤلف من شطرين، والشطر مقطوع إلى أربعة أجزاء، إذا تركَّبت الأجزاء الأولى تألف منها قصيدة مستقلة أو الأجزاء الثانية تألف منها قصيدة أخرى، ومن مجموع الجزئين في الشطرين تتركب قصيدة أخرى، ويتركب من أسطر كل حقل قصيدة على حدة، وأما الجزءان الثالث والرابع من كل شطر فهي ألفاظ يصح إبدال القوافي بها.
فالسطران الأولان يستخرج منهما هذه الأشكال: (?) يا للهوى مَن لصبٍّ لم ينل إربا (أو أملا أو وطرا)عطفًا على مستهام رقَّ وانتحبا (أو انتحلا أو انحسرا)عاني المها مستهل الدمع ساكبه (أو هاطله أو هامره)واهي القوى ما شكا بؤسًا ولا وصبا (أو ثقلا أو ضررا)
(?) يا للهوى. عطفًا على. عاني المها. واهي القوى

(?) يا للهوى. من لصب لم ينل أرباعاني المها مستهل الدمع ساكبه (أو هاطله أو هامره)بادي الضنا ذو غرام سامه شجنايهوى الظبا وهوى الآرام غالبه (أو قاتله أو قاهره)
(?) عطفًا على مستهام رقَّ وانتحباواهي القوى ما شكا بؤسًا ولا وصباوافي العنا مشفق من برجه وهباطول المدى وهو لا يصغي لمن عتبا
(?) من لصب لم ينل إربًامستهل الدمع ساكبهذو غرام سامه شجناوهوى الآرام غالبه
(?) مستهام رق وانتحباما شكا بؤسًا ولا وصبامشفقًا من برحه وهباوهو لا يصغي لمن عتبا
(?) من لصب لم ينل إربامستهام رق وانتحبامستهل الدمع ساكبهما شكا بؤسًا ولا وصبا
هذه سبعة أشكال، وإذا اعتبرنا إبدال القوافي تكرر ذلك ثلاث مرات، إلا الشكل الثاني، فيكون مجموع الأشكال ?? شكلًا، وربما أمكن استخراج أشكال أخرى.
وقال من مطلع قصيدة يمدح بها الشيخ محمد الخضري الدمياطي:
خذ في هوى الغيد عني أحسن الخبروقل رويناه بالإسناد عن عمروانقل أحاديث أشجاني مسلسلةعن صبوتي عن مجاري الدمع عن سهريواهجر مواضيع عذالي فقد وضعتفي العذل مفتريات حكمهن فريوانسخ صحاح رواياتي فقد نسختأحكام شرع الهوى في سالف العصروانقل عن الأغيد البسام لي أثرًاإذا نقلت عن العباس من أثريا ساحر الطرف كم بالسحر تمرضنيأنا السها بالخفا يا كوكب السحرنحول خصرك يا مولاي أنحلنيوطالما قد أطلت الهجر فاختصربما بعطفيك من لين ومن هيفوما بعينيك من غنج ومن حوروما بصبك من سكر ومن ولهوما بثغرك من خمر ومن سكرألا رحمت عليلًا لا علاج لهيا جارح القلب إلا مرهم النظرأشتاق رشف اللمى واللحظ يمنعنيفيظمأ القلب بين الورد والصدر وقال يصف شاطيء البحر:
يا حسن منظر شاطئ البحر الذييجلو الخواطر منه أحسن منظرهاجت به هوج الرياح فأرسلتأمواجه كطلائع الإسكندرتطفو على تلك الصخور وتنثنيمنهارة كالمدمع المتحدركسلاسل من فضة بفتائلنبطت بهن من الحرير الأخضر وقال من قصيدة في مدح الأمير أمين أرسلان، يتغزل باسمه:
كيف يقسو وعطفه حرف لينلم لا تعتريه نحوي آمالهوإذا قيل تلك همزة وصلقلت من لي بأن أنال وصالهوعلى الصدغ واو عطف فهلاعطفت من عليَّ أبدى دلالهوعساها أن تجتمع الشمل قربًافهي للجميع يا منى القلب آله
الفصل الخامس والخمسون
الشيخ خليل اليازجي


ترجمته

هو أصغر أولاد المرحوم الطيب الأثر الشيخ ناصيف اليازجي، وُلد في بيروت في بيت الشعر واللغة والإنشاء، فرضع آداب اللغة العربية مع اللبن، وقد قال الشعر وهو صبي ولم يدخل المدرسة، على أنه لم يدخل المدارس إلا بعد أن أخذ طرفا من الأدب، وقد درس الطبيعيات والرياضيات في مدرسة الأميركان في بيروت، وبرع فيها ونظمها في الشعر، وقدم ????م مصر، وتعرف فيها بجماعة من أهل العلم، فنال حظوة لدى الأمراء والوزراء وأنشأ مجلة «مرآة الشرق»، لم يصدر منها إلا بضعة أجزاء، ثم ظهرت الثورة العرابية فعاد إلى مسقط رأسه، فانتدبته المدرسة الكلية الأميركية والمدرسة البطريركية لتعليم اللغة العربية للصفوف العالية فيها. الشيخ خليل اليازجي ????–????م.
وفي سنة ????م أصابته علة في الصدر عجز عن مداواتها الأطباء، ولما فرغت حيل العقاقير وصفوا له تبديل الهواء في وادي النيل، فعاد إلى مصر وطبع فيها ديوانه المسمى «نسمات الأوراق»، وفيه نخبة منظوماته، وهي على ما طبع عليه (رحمه الله) من القريحة الشعرية.
واشتد عليه الداء في أثناء ذلك، فأشير عليه بالعودة إلى لبنان، فعاد وأقام في عبيه أشهرًا، ثم نزل إلى الحدث، وما زال فيها حتى توفاه الله في ?? يناير سنة ????م، ونقلت جثته إلى بيروت، ودفنت فيها بمحفل حافل، وكان (رحمه الله) شاعرًا مطبوعًا، سريع الخاطر، حاد الذهن، متوقد القريحة، كثير الرواية، متفننًا في أساليب الإنشاء، قريب البرهان مع لطف المحاضرة وسمو الآداب.
مؤلفاته

أكثر مآثره المنشورة شعرية؛ أشهرها رواية «المروءة والوفاء»، وهي رواية تاريخية تمثيلية شعرية غنائية، دلَّ فيها على مقدرته في النظم وسعة معرفته بالأنغام، أساسها حكاية حنظلة الطائي مع الملك النعمان في عصر الجاهلية، فمثل فيها فضائل المروءة والوفاء تمثلًا واضحًا، وصدَّرها بقصيدة طويلة بيَّن فيها الأحوال التي يجب اتباعها في هذا النوع من الروايات، وقد أتمَّ نظمها سنة ????م، فبلغت أبياتها نحو ألف بيت جمعت بين المتانة والسهولة، وقد مثلت هذه الرواية في بيروت سنة ????م، وشهدنا ما كان من إعجاب البيروتيين بها، وتصفيقهم المتواصل في أثناء تمثيلها، وقد طبعت في بيروت سنة ????م، وفي مصر سنة ????م.
وعني (رحمه الله) أيضًا في تنقيح كتاب كليلة ودمنة المشهور، وفسَّر الغريب من ألفاظه، وضبطه بالشكل الكامل، ووقف على طبعه، فجاء أضبط نسخ هذا الكتاب المعروفة.
ومما طبع من ثمار قريحته ديوان «نسمات الأوراق» — المتقدم ذكره، وفيه أكثر ما نظمه من تهانٍ ومراثٍ وتواريخ ومدائح وحكم وآداب في ما يزيد على ???? بيت — سنأتي على أمثلة منها.
ومن مؤلفاته التي لم تطبع «كتاب الوسائل إلى إنشاء الرسائل»، وهو مجموع ما ألقاه على تلامذته في المدرسة البطريركية من الرسائل وأصول الإنشاء، وهو يعلِّم فيها هذا الفن على أسلوب يتدرج فيه الطالب من الكتابة البسيطة إلى أعلى طبقة من الإنشاء، والكتاب لا يزال خطًّا في المدرسة المذكورة.
ومنها «الصحيح بين العامي والفصيح»، وهو معجم لم يسبقه أحد إلى مثله، جمع فيه مرادفات الألفاظ العامية من اللغة الفصحى، وقد رأيناه (رحمه الله) وهو يعنى في جمع تلك الألفاظ يوم جاء مصر للمرة الثانية، وتوسَّمنا في ذلك التأليف فائدة كبيرة لشدة حاجة الكتاب بنوع خاص إليه، وكان قد مثل بعضه للطبع فاشتدت عليه وطأة الداء، فانقطع عن العمل، فتوقعنا أن لا يحرمنا شقيقه الشيخ إبراهيم صاحب الضياء من إتمامه، لكنه لم يفعل، ولا نعلم مصير ذلك الكتاب.
أما شعره، فأحسن ما يقال في وصفه أن نأتي بأمثلة منه، قال من قصيدة قدم بها روايته المشار إليها إلى شقيقه المشار إليه:
لما وجدتك مثل بحر زاخرٍألقيت بين يديك بعض جواهريهاتيك جوهرة لدي وإن تكنصدفًا لدى دُرٍّ بلجك فاخرنزر المقل أجلُّ في عينيه منوفرٍ لدى عين الغني القادرتخذت لياليَّ الطوال محابراوسوادها اتخذته حبر محابرووهبتها إنسان عيني فاغتدتدعجاء إذ كحلت بإثمد ناظريعذراء لكن لا أقول فريدةللعقد إن العقد ليس بحاضريلم ينسج الشعرا على منوالهاإذ ليس معناها بقلب الشاعرحاشاك والإطلاق أضيق حيزًامن أن يحيط بك احتياط الدائرشعرية لا نثرَ فيها وهي منبعض الوجوه ترى كنثر الناثر وقال من قصيدة بعث بها إلى صديقه المرحوم أديب إسحق بالقاهرة:
تلك العيون منوننا فكأنماقد كلفتها قتلنا الأيامُولربما نام الزمان هنيهةًعنا وتلك تصيب وهي نيامُوإذا رأت في النوم طيف خيالهفتكت به ولو أنها أحلامُطمعت بخضرتها العيون وما درتأن السموم تكنها الأدسامُولرب حلو في المرارة مودعكالحبر فيه ثنا الأديب يقاممتنبه الأفكار يقظان الحجىحتى لأعجب منه كيف ينامُفإذا تروَّأ كاتبا فجميعهفكر فتوشك تفصح الأقلامُ وقال يمدح المرحوم شريف باشا وزير مصر من قصيدة:
قد قام في دست الوزارة فاكتسىشرف العلى وبه تشدد أزرهُولكل ما يولي الشريف مشرفٌكالنهر يكسبه التدفق بحرهُوغدا زمام الدهر طوع بنانهإذ بات مكشوفا لديه سرهُوهو الذي ضبط البلاد بكفهلما حوى ما عنه ضاقت صدرهُيرنو بفكرته فيوشك ما يرىبالعين منه أن يراه فكرهُ وقال من قصيدة في رثاء المرحوم المعلم بطرس البستاني:
أجرى اليراع عليك دمع مدادهفكسا به القرطاس ثوب حدادهِوبه نخط لك الرثآء من الأسىفهو المقيم على عهود ودادهِفكم بميدان الطروس هززتهُحتى جعلت الرمح من حسادهِإن كان يبكيك اليراع بدمعهفلقد بكاك حزيننا بفؤادهِياصاحب الفضل الذي لو أننانبكي به لم نخش وشك نفادهِيا قطر دائرة المعارف والحجىومحيط فضلٍ فاض في إمدادهِفإذا المحيط بكاك لم يك دمعهدون المحيط يزيد في أزبادهِيبكي الحساب عليك متخذًا لهدمعًا يسيل عليك من أعدادهِخدم البلاد وليس أشرف عندهمن أن يسمَّى خادمًا لبلادهِومحبة الأوطان كان يعدهامما يدور عليه أمر معادهِ وقال من قصيدة يرثي بها المرحوم أديب إسحق:
أخلق بجسمك أن يبيت كليلاعن جهد نفسك أن يموت عليلانهكته نفسك في المطالب والعلىحتى تمنى للفراق سبيلايا راحلًا أبكى عليه محابرًاومنابرًا ومحاجرًا وطلولاترثيك أقلامٌ يكون صريرهانوحًا عليك من الأسى وعويلاوهي التي قد كن بين بنانهاقضبًا وكان صريرهن صليلاولعل مثلك ليس يوجد عندناحتى نرى لك منك عنك بديلايروي مآثر عنك يقصر دونهاصوغ القوافي في ثناك طويلاويعدُّ ما أحصيته في مدةقصرت ففات العرض منها الطولاإن كان قلَّ مدى حياتك عندنافقليل مثلك لا يعد قليلافلقد ملأت به السماع جرائدًاوقصائدًا ورسائلًا وفصولاما بين شرق في البلاد ومغربلم تأل فيه تغربًا ورحيلامستصحبًا لك همة نفاذةًوعزيمة مثل الحسام صقيلاوقريحة وقَّادة وبصيرةنقادة تستوضح المجهولا وقال من قصيدة رثا بها المرحوم سليم البستاني وقد توفي فجأة:
وهو الموت إلا أن خطبك أعظمورزؤك في الأرزاء أشجى وأجسمُومن فلتات الدهر أمرك أنهلا شفق في أمثال هذا وأرحمُلك الله ميتًا كالقتيل ولم يسلله من دم لكن مدامعنا الدمُوإن نحن طالبنا المنايا بثأرهرمتنا، وقالت من يطالب عنكمُوإن نحن عاتبنا الزمان بفعلهقرعنا سماعًا ما له من يترجمُفعدنا وقد خبنا من الدهر مأملًاننوح على ماكان منه ونلطمُكذا الدهر إلا أن من زاد همهوقصر عن تفريجه يتظلمُفقدنا بني الأوطان عضوًا مكرمًاكجسم مضت منه يد فهو أجذمُألا إننا في فقده اليوم أسرةٌوأوطاننا في نوحه اليوم مأتمُعلى مثله يبكى وهيهات مثلهفتى طاب منه القلب واليد والفمُ قال يمدح المرحوم الدكتور فان ديك إثر مرض شفي منه على يده:
لو استطعت جعلت البرق لي قلماوالجو طرسا وحبري الغيث حين همىورحت أملأ آفاق السماء ثنًاعليك منتثرًا طورًا ومنتظمايا كنز فضل وعلم لا نفاذ لهمع أنه لزم الإنفاق والكرماإن النفيس عزيز قد ينال وقدبذلته بيننا غنمًا لمن غنماكالشمس تعطي ثناها كل ذي بصرٍوربما كان لا يدري له قيمانبغي مبالغة في الشعر فيك فلانستطيع ذاك ولا نقضي الذي لزماوالشعر لا بد فيه من مبالغةإلا بوصفك فهو الغالب الكلماأنت الطبيب لأجساد العباد وللـعقول والأنفس اللاتي اشتكت سقماوالفيلسوف الذي أحصى العلوم وقدأسالها منهلًا للمشتكين ظماتدعى الحكيم وإن نعنِ الطبيب وإنلا نعنِه فصحيح فيك كلهمايا مغفِلًا نفسه في جنب منفعةللآخرين جزيت الخير والنعماكأنما الناس طرًا عيلة لك منشكا فإنك معه تشتكي ألما وكتب من القاهرة وهو مريض إلى بعض أعزائه في بيروت:
قل صبر الفؤاد والشوق غالبوالضنى وحده لذا الشوق غالبْغالب السقم مني الشوق حتىبات قلبي ميدان كل محاربْغلب السقم بانحيازي إليهوانثنى الشوق إنما غير هاربْلم أقل هاربًا ومن لي بهذافهو طي الفؤاد ضربة لازبْغير أني قسمت قلبي فكان الـسقم في جانب وشوقي بجانبْكلما حن مني القلب قال الـعقل مهلًا فأنت لست بصاحبْوعسى الله أن يصير بي بلبكثيرين ذلك الظن خائبْوإذا لم يكن فقد قام عذريأنني قد عملت ما هو واجبْويكون هذا البعاد ابتداءًلبعاد هذا له لا يقاربْغير أني أرى لليلي فجرًاربما كان صادقًا غير كاذبْليس من عائق لهذا ولا ذافبكل من الخواطئ صائبْكيف يُشفى مَن كلّ حين يرى الموت وغِربانه عليه نواعبْخاف من موته فمات من الخوف كثير فثق وطاوع وناصبْ وقال مؤرخًا ميلاد غلام اسمه فضل الله سنة ????م:
أتى لبني الطوا غلام بوفدهنشرنا برود الأنس في كل محضرِفوافى الهنا يدعو أباه مؤرخًالقد حل فضل الله عندك فأبشرِ وكتب على إحدى صوره:
لما تملكتم على قلبي ولمأطمع له من عندكم بمعادِأهديتكم رسمي لكيما تجمعواما بين جسمي عندكم وفؤادي وكتب:
لك مني أثر العين التيلك فيها أثر في كل أينفتقبله ولو كنت امرءًاليس يرضى أثرًا من بعد عين وكتب:
رسم إليك بعثته وأناأهوى لو أن مكانه الجسمُإن كان ذلك ليس يمكننييا حبذا لو أنني رسمُ وكتب:
بعثت لكم موهوم شخصي ممثلًاوشخصكم في مقلتي ظل بالوهملعلي من الوهمين أجني حقيقةًفرسمًا ترى ذاتي وذاتًا يرى رسمي وقال في ضارب عود:
وضارب عود قد أزاغ عيونناببرقين من تلك البنان وذي الكفتنازعه آذاننا وعيوننافهذي إلى كحل وتلك إلى شنف
الفصل السادس والخمسون
عبد الله باشا فكري


هو عبد الله باشا فكري بن محمد أفندي بليغ بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، وكان الشيخ عبد الله من العلماء المدرسين في جامع الأزهر، وكان مالكي المذهب، أخذ العلم عن الشيخ عبد العليم الفيومي وغيره، وما زال الشيخ عبد الله مقيمًا في مصر حتى قدمت الجنود الفرنساوية في أواخر القرن الثامن عشر وأساءوا معاملة العلماء، فرحل إلى منية خصيب (المينا) فأقام بها مدة، ثم عاد إلى القاهرة وعكف على الاشتغال في العلم حتى توفي، فنشأ ابنه محمد أفندي بليغ على مثال أبيه؛ جادًا في طلب العلم.
وكانت مصر قد ازدهت بالعائلة المحمدية العلوية، وأنشئت مدارس العلوم الرياضية والمدرسة الحربية، فدخلها وخاض عباب علومها حتى تمكن منها، فانتظم في خدمة الجيش فترقى إلى رتبة صاغقول أغاسي، وحضر عدة مواقع حربية؛ أهمها حرب المورة، فعقد في المورة على والدة المترجم وعاد بها إلى الحجاز، فوضعت بمكة المشرفة غلامًا سماه باسم أبيه عبد الله، وهو عبد الله باشا فكري صاحب الترجمة. عبد الله باشا فكري ????–????هـ.
ومن غريب الاتفاق أن سنة ولادته وافقت مجموع جمل الآية: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ، وذلك سنة ????هـ، وقد وافق ذلك نبوغه بالعلم والفضل، واشتهاره بسائر فنون الكتابة نثرًا ونظمًا، وقد أعجب هو أيضًا بهذا الاتفاق، فلما شبَّ وتعلَّم نقش هذه الآية على خاتم له كان يختم به كتبه، ثم عاد محمد أفندي بليغ بولده إلى القاهرة، وما زال في خدمة الحكومة حتى نال منصب باشمهندس الشرقية، ثم مفتش هندسة الجيزة والبحيرة، وتوفى سنة ????هـ.
أما صاحب الترجمة فكان عند وفاة والده لم يتجاوز الحادية عشرة، فنشأ في حجر بعض أقارب أبيه، وكان قد بدأ يتعلم القرآن فأتمه وجوَّده، ثم اشتغل في طلب العلم بالجامع الأزهر، وتلقى العلوم المتداولة فيه؛ كاللغة والفقه والحديث والتفسير والعقائد والمنطق، على الشيخ إبراهيم السقا والشيخ محمد عليش والشيخ حسن البلتاني وغيرهم، وكان مع ذلك يشتغل في تعلم اللغة التركية حتى أتقنها، وتعيَّن في القلم التركي في الديوان الكتخدائي (????هـ) وهو لا يزال مكبًّا على طلب العلم في الأزهر، يغتنم ساعات الفراغ قبل ذهابه إلى الديوان وبعد رجوعه منه.
ثم انتقل من الديوان المذكور إلى ديوان المحافظة، ثم إلى الداخلية بصفة مترجم، ثم ألحق بالمعية السنية على عهد المغفور له سعيد باشا، وبقي فيها إلى ولاية الخديوي الأسبق إسماعيل باشا سنة ????هـ، فأبقاه في معيته فسافر معه إلى الآستانة عندما أمها لإتمام الرسوم في تقليد الولاية وأداء الشكر للحضرة السلطانية، وما زال في خدمته يرافقه في أكثر رحلاته فسافر إلى الآستانة مرارًا بمهمة الكتابة تارة مع الخديوي الأسبق، وطورًا مع الحرم الخديوي، وبمهمات أخرى، فنال الرتبة الثانية مع لقب بك سنة ????هـ.
وفي سنة ????هـ قلَّده الخديوي الأسبق ملاحظة الدروس الشرقية، وهي العربية والتركية والفارسية، بمعية أنجاله، وهم المغفور لهم محمد توفيق باشا الخديوي السابق، والبرنس حسن باشا، والبرنس حسين باشا عم الجناب الخديوي، وغيرهم من أمراء اللغة الخديوية.
فقام يباشر أمرهم في التعليم والتعلم، والتدرج في الفضل والتقدم، فكان أحيانًا يباشر التعليم بنفسه، وأحيانًا يقوم بمراقبة غيره من المعلمين، وملاحظة إلقاء الدروس وتقويم طريقة التعليم، فلم يزل على ذلك إلى أن ترقى الخديوي السابق إلى رتبة الوزارة والمشيرية، وتوجه إلى دار الخلافة العظمى لأداء رسوم الشكر على ذلك لجلالة السلطان الأعظم، فصحبه المترجم إلى دار السعادة، وبقي معه إلى أن عاد.
وفي سنة ????هـ نقل إلى ديوان المالية، فأقام أيامًا بغير عمل، ثم عهد إليه النظر في أمر الكتب التي كانت في ديوان المحافظة على ذمة الحكومة، وإبداء رأيه فيها، فلبث مدة يتردد إلى ذلك الديوان وينظر في الكتب، ثم رفع تقريرًا مفصلًا ضمنه بيانها وما رآه في حالها، وذكر فيه أن بقاءها على حالتها لا يحسن ولا يحفظها، ولا يمكِّن من الانتفاع بها، وقال بلزوم جعلها على هيئة ينتفع بها الناس؛ إما بإنشاء محل خاص تنقل إليه ويجعل فيه ما فيه الكفاءة لها من الخزائن، وتوضع به على الوضع الموافق، وإما بإحالتها على المدارس لتودع في المكتبة الجاري إنشاؤها بمساعي المرحوم علي باشا مبارك ناظرها إذ ذاك، على سعة لا تضيق بهذه الكتب وأمثالها، وأوضح أن الوجه الثاني أولى، وقد حصل ذلك على ما قرره، فاستنقذت تلك الكتب النفيسة من زوايا الخمول والإهمال، ورتبت ترتيبًا حسنًا في المكتبة المذكورة، وهي الكتبخانة الخديوية الشهيرة.
وكان المجلس الخصوصي إذ ذاك (وقد خلفه الآن مجلس النظار) مشتغلًا في جمع اللوائح والقوانين وتنقيحها وتعديلها، فعهد إلى صاحب الترجمة بالمساعدة في ذلك، فاستلم القوانين واللوائح التركية وأخذ في العمل إلى سنة ????هـ.
وفي سنة ????هـ تعيَّن وكيلًا لديوان المكاتب الأهلية والرئيس إذ ذاك المرحوم على باشا مبارك، وفي سنة ????هـ نال صاحب الترجمة رتبة المتمايز، وبعد سنتين تعيَّن وكيلًا لنظارة المعارف العمومية، ونال رتبة ميرميران الرفيعة، ثم عهد إليه منصب الكتابة الأولى بمجلس النواب مع المنصب السابق، وفي سنة ????هـ تعين ناظرًا للمعارف العمومية، وفي رجب من تلك السنة أقيل من منصبه مع سائر زملائه النظار لأحوال اقتضتها الثورة العسكرية إذ ذاك، وأمرها مشهور.
ثم كانت الثورة العرابية — المشار إليها — فلما انقضت وأخذت الحكومة في محاكمة زعمائها والقائمين بها كان من جملة المقبوض عليهم، وبعد استجوابه لدى لجنة التحقيق ظهرت براءته، فأطلق سراحه، ولكنهم قطعوا عنه معاشه، فشق ذلك عليه فالتمس المثول بين يدي المغفور له الخديوي السابق ليدرأ عنه ما بقي من آثار الشبهة عليه، فلم يؤذن له، فعاد يلتمس ذلك من وجهة أخرى، فنظم قصيدة شائقة يمدح بها الحضرة الخديوية، وقد أبان فيها براءة ساحته، نحا بها منحى النابغة في اعتذاره، وهاك مقتطفات قال منها:
كتابي توجَّهْ وجهة الساحة الكبرىوكبِّر إذا وافيت واجتنب الكبراوقف خاضعًا واستوهب الإذن والتمسقبولًا وقبِّل سدة الباب لي عشراوبلغ لدى الباب الخديوي حاجةلذي أمل يرجو له البشر والبشرالدى باب سمح الراحتين مؤملصفوح عن الزلات يلتمس العذراتنوء الجبال الراسيات لحلمهإذا طاش ذو جهل لدى غيظه قهرايراقب رحمن السموات قلبهفيرحم من في الأرض رفقًا بهم طرامليكي ومولاي العزيز وسيديومن أرتجي آلاء معروفه العمرالئن كان أقوام عليَّ تقوَّلوابأمر فقد جاءوا بما زوروا نكراحلفت بما بين الحطيم وزمزموبالباب والميزاب والكعبة الغرالما كان لي في الشر باع ولا يدولا كنت من يبغي مدى عمره الشراولكن محتوم المقادير قد جرىبما الله في أم الكتاب له أجرىأتذكر يا مولاي حين تقول ليوإني لأرجو أن ستنفعني الذكرىأراك تروم النفع للناس فطرةلديك ولا ترجو لذي نسمة ضرافعفوًا أبا العباس لا زلت قادرًاعلى الأمر إن العفو من قادر أحرىوحسبي ما قد مرَّ من ضنك أشهرٍتجرعت فيها الصبر أطعمه مرايعادل منها الشهر في الطول حقبةويعدل منها اليوم في طوله شهراأيجمل في دين المروءة أننيأكابد في أيامك البؤس والعسرا وكلها درر تشهد بفضله.
ولما عرضت على سموه أجلَّها وأحلَّها محلها، وسمح له بالمثول بين يديه، وأعاد له معاشه دلالة على رضائه عنه، فنظم قصيدة يشكره بها، نذكر منها الأبيات الآتية:
ألا إن شكر الصنع حق لمنعمفشكرًا لآلاء الخديوي المعظممليك له في الجود فخر ومفخرعلى كل منهلٍّ من السحب مرهمسأشكره النعماء ما عانقت يدييراعي أو استولى على منطقي فمي وفي سنة ????هـ توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، فلقي من علماء مكة والمدينة وأدبائهما ما يليق بمقامه من الإكرام والإعظام، وكتب في ذلك كتابا سماه الرحلة المكية، وفي السنة التالية شخص لزيارة بيت المقدس والخليل، ومعه نجله المرحوم أمين باشا فكري، فلقي من العلماء والعظماء هناك ما يجدر بفضله، ثم سارا إلى مدينة بيروت الزاهرة لتبديل الهواء، وأقاما فيها شهرًا، كان مقامهما فيها منتدى الفضلاء ومشرع الأدباء والعلماء، ثم ارتحل إلى دمشق فلاقى فيها ما لاقاه في بيروت من الاحتفاء وحسن الوفادة، ثم عرج إلى بعلبك فزار آثارها، وسار منها بطريق لبنان إلى بيروت، فأقام فيها شهرين وعاد إلى مصر.
وفي سنة ????هـ انتدبته الحكومة المصرية لرئاسة الوفد العلمي المصري في المؤتمر الذي انعقد في مدينة إستوكهلم عاصمة أسوج ونروج، وصحبه في هذه الرحلة أيضًا نجله — المتقدم ذكره — عضوًا في هذا الوفد، وقبل سفره من إسكندرية أحسن إليه الجناب الخديوي بالنيشان المجيدي من الدرجة الثانية، وقد مرَّ في وفادته المذكورة على تريستا من أعمال النمسا، وفينسيا (البندقية) وميلانو من أعمال إيطاليا، ولوسرن من أعمال سويسره، وباريس، فأقام بها أكثر من عشرين يومًا، تفرَّج فيها بمشاهد المدينة وضواحيها، وكان وقت المعرض، فشاهد ما فيه من عجائب الصنائع وغرائب الفنون، ثم برحها إلى لندره، ومنها إلى نوتردام، وهي من أعمال هولندا، وليدن من أعمالها أيضًا، وزار مكتبتها الشهيرة، ورأى مطبعتها المعروفة بالمطبوعات الشرقية، ثم توجه منها إلى كوبنهاجن عاصمة الدنيمارك، ومنها إلى إستوكهلم محل مأموريته، فنال من العلماء المجتمعين لهذا المؤتمر بإستوكهلم وخرستيانيا مزيد الرعاية، وأهداه أُسكار الثاني ملك أسوج ونروج عند إتمام هذه المهمة نيشان (وازة) من الدرجة الأولى.
ومر في العودة من مأموريته على برلين عاصمة بلاد ألمانيا، وفيينا عاصمة النمسا، فلقي بها ما لقيه في العواصم الأخرى من الاحتفاء، وقد أخذ بعد عودته إلى مصر يجمع المواد ويعد المعدات لتدوين رحلته التي وعد بها عن المهمة، وعما رآه في العواصم التي مر بها، ولكن منعه من استمرار السير في ذلك السكتة القلبية التي اعترته في شهر رجب سنة ????هـ، فأبقى إتمامها إلى ما بعد تمام صحته، ولكن عاوده بعد ظهر الخميس في ? ذي الحجة وهو عائد من أبعاديته بتلحوين، وتزايد عليه حتى وافاه الأجل المحتوم في الساعة الثانية عربية من صباح يوم الأحد عاشر الشهر، وهو يوم النحر، وشيِّع محمولًا على هامات الوقار والتبجيل، تودعه الحاجر والقلوب، ونظرًا لما كان له من المقام الرفيع لدى المغفور له الخديوي السابق تعطَّف (رحمه الله) بتعزية أهله وأولاده برسالة برقية.
وكان (رحمه الله) شاعرًا مطبوعًا، وكاتبًا فصيحًا، وقد نبغ بين الكتبة والشعراء ومصر قليلة الوسائل التعليمية، وكان يذهب في إنشائه مذهب القرون الوسطى من أبناء هذا اللسان، مع ميل إلى التسجيع.
أما رحلته إلى المؤتمر، فقد عني نجله — المتقدم ذكره — بنشرها في كتاب سماه «إرشاد الألبا إلى محاسن أوربا» في مجلد ضخم طبع بمصر سنة ????م، وهو جدير بالمطالعة حقيق بالاعتبار؛ لِمَا حواه من أوصاف المدن الأوربية وعادات أهلها وأخلاقهم، وفيه شيء كثير من نظم المؤلف ونثره مما لم ينشر في سواه، وأبحاث علمية ولغوية وأدبية.
ومن مؤلفاته أيضًا، المقامة الفكرية في المملكة الباطنية، طبعت في مصر غير مرة، ورسالة مطوَّلة إلى المرحوم سلطان باشا يحثُّه فيها على نشر العلوم في أنحاء الصعيد، ونبذة من محاسن آثار المغفور له محمد علي باشا الكبير، وله غير ذلك من المقالات والخطب، وله في رواية الحديث طرق عديدة وأسانيد سديدة، فضلًا عن قصائده الرنانة، وقد ذكرنا مثالًا منها.

الفصل السابع والخمسون
أسعد طراد


بيت طراد عائلة شهيرة في بيروت، وفيها جماعة من أرباب الثروة والتجارة، ورجال الأدب والشعراء، ومن شعرائهم أسعد طراد، وُلد في بيروت سنة ????م، وليس فيها من المدارس — يومئذ — ما يستحق الذكر، فأرسله والده إلى المدرسة الأميركية في عبيه بلبنان، فتلقى فيها مبادئ العلم وبعض العلوم العالية، وقرأ العلوم العربية على أشهر الأساتذة، وكان مفطورًا على الشعر منذ حداثته، فأكثر من الترداد إلى المرحوم الشيخ ناصيف اليازجين ونظم قصائد عديدة في مواضيع تحدَّى فيها شعر الشيخ من السهولة والمتانة.
وتقلَّب (رحمه الله) في مناصب الحكومة العثمانية، وكان موضع ثقة أولي الأمر لنزاهته ونشاطه، وفي سنة ????م برح سورية وجاء القطر المصري، وأقام به يتعاطى التجارة في الإسكندرية وزفتى والمنصورة إلى أن توفاه الله سنة ????م، فعني ابن أخيه الخواجة فضل الله طراد بجمع ما تيسر من قصائده، فجمع نحوًا من ألف وخمس مئة بيت، طبعها في كتاب وقف على طبعه ورتَّبه نجيب أفندي طراد، وهذه أمثلة منه:
قال من قصيدة مدح بها الشيخ ناصيف اليازجي:
إلى كم فؤادي يطلب العشق والحبَّاولم أرَ إلا الوجد والوعد والعتباعرفت بأن لا يعرف الود والوفالديك ولا يدري المحب له ذنباغزالة أنس بات قلبي لها حمىعليه عيوني قد غدت تمطر السحباتصيد ولكن لا تصاد على المدىوتسبي قلوب العاشقين ولا تسبىتقول اصطبر فالصبر للقلب واجبولم تبق لي للصبر يوم النوى قلباأأطمع منها بالوصال ولم أكنسمعت بخود في الورى رحمت صباوقد خاف نومي أن يبيت بمدمعيغريقًا فقد عاف التواصل والقرباوقد جزمت عن ناظري اليوم وجههاوحلت فؤادي ترغب السلب والنهبانصبت لها قلبي لترفع جزمهافقد علَّمتني الرفع والجزم والنصباقد انتسبت للعرب من أبدعوا الوفاسأشكو جفاها للذي أورث العرباإلى اليازجي اليوم تسعى ركابناكأهل الظما من بحره نطلب الشربالئن دثرت كتب الألى قد تقدموامن العرب هذا صدره جمع الكتباوأصعب شيء عنده منع فضلهوأهون شيء أن يحل لك الصعباعلى أي شيء نحوه جئت سائلًافقبل سؤال منك تنظره لبى وقال من قصيدة أجاب بها الشيخ محمد عاقل بالإسكندرية:
هيهات يسلم من جفونك عاشقوهي التي بالسحر تفتن بابلاأترى لمن أشكو الحبيب ولا أرىلي من قضاة الحب شخصًا عادلايا عاذلي في حبه مهلًا فمامن عاشق قبلي أطاع العاذلاإني قتيل في الغرام على رضىوبمهجتي أخفيت ذاك القاتلا وله قصيدة رنانة وصف فيها الاختراعات الجديدة، نقتطف منها قوله:
واترك حدوج المالكية إنهاملكت حشاك بخدرها مصفوداما بالحدائج والهوادج ما ترىفي عصرنا في قطر مصر جديداوجِّه لحاظك للبخار وقل لهإني أرى ماءً يجرُّ حديداوانظر لسلك البرق والتلفون كمقد قرَّبا ما كان منك بعيداغنَّت سليمى في الحجاز فأطربتمع بُعدها أهل العراق نشيداولسوف إن رقصت بمصر فقد نرىفي أصبهان لقدها تأويداألهِ الفؤاد بذكر ذاك وذا وذاعجبا وهاك الطائر الغرِّيدايهدي إليك مع البريد بوصفهفكأنما حمل البريد بريدايصف البريد ببره وببحرهويجوه متنوعًا معدوداذاك الصديق الصادق الخل الذيلا يعرف التأجيل والتعريداويريك منه بوصفه خلًّا يرىحفظ الأمانة سنة وعهوداحمل السفاتج والنضار لأهلهاوسرى بحول الله يطوي البيدايطوي القفار فكم عليه حلةمنها وكم منه بها أخدودامتفرع في أرض مصر كنيلهايسقي التجارة سقي ذاك صعيداأبدًا يطوف بها كصاحب كرمةيهدي لكل محطة عنقودا وقال يرثي الشيخ حسنين شيخ الزاهدين بالمنصورة:
سرى الحسنين اليوم يغتنم الأجرامن المسجد الأقصى فسبحان من أسرىوعن جانب النيل ارتقى نحو جنةجرت تحتها الأنهار جلَّ الذي أجرىبكته بنو المنصورة اليوم حسرةفكم عمها لطفًا وأكسبها نصراأراهم يبكون الدما وكأننيأراني من آماقهم أعصر الخمراينوحون شيخ الزهد والنسك والتقىومَن عمهم بالفضل عمهم براوسحت عيون الأفق حتى كأنمامنيته قد أبكت الأنجم الزهرافريدا وحيدًا قد قضى العمر زاهداولازم في أيامه الفقر والقفراعن الوابل استغنى بظل قناعةفي كسرة عما استعز به كسرى وقال يرثي المرحوم سليم بسترس المتوفى في لندن:
خلِّ الحزين اليوم في حسراتهودع العزاء لمن يعي كلماتهواطرح أحاديث السلو اليوم عندنف يخاف عليك من صعداتهدنف غرام البين لم يترك لهمن قلبه إلا صغار فتاتهنشوان كأس نوائب الدنيا علىأنواعها حسب اختلاف سقاتهولكل بلوى أنَّة في صدرهفتعد ما تحويه من أناته إلى أن قال:
لاقى المنية باسمًا فكأنهاوافته تخطر مع لفيف عفاتهوكأنما تلك النفيسة نفسهبيديه كانت عند بذل هباتهعظمت بقلب الشرق حسرة فقدهبذواته وقضاته وولاتهوالنيل من أسف تمنَّى لو جرىللشرق تعزية لقلب فراته ومن قصيدة رثا بها المرحوم سمعان كرم بالإسكندرية يخاطب الموت:
ويلاه لا يمحي خط القضاء ولومهما أمحى منك مما خط تبياناوألف ويلاه كم برَّحت في مهجيا موت فتكًا وكم فرَّحت أجفاناوكم ظلمت ولم ترحم نواح أخٍعلى أخيه وكم يتمت ولداناوكم جمعت بدار اللحد من نفرجمع الفراق وكم فرقت إخواناوكم أسرت غداة الروع من ملكبين الجنود وكم عطلت تيجاناوكم غلبت بدار الأسر متخذًانوائب الدهر أجنادًا وسجاناوكم مشيت على هام المشاة وكمألقيت عن صهوات الخيل فرساناما خفت مجدًا ولا جاهًا ولا شرفًاولا سموًّا ولا قدرًا ولا شاناولم تبالِ بأبطال الرجال ولوشنوا الإغارة فرسانًا وركباناولا قبلت شفيعًا لو عزمت علىفتكٍ ولو كان ريًّا بنت مرواناكم شاخ جيلٌ فجيلٌ وانقضى ومضىوأنت فيك الصبا يزداد ريعاناأفنيت عادًا وشيبانًا وجرهمةوتغلبًا وبني بكر وغساناوعشت في كل نفس كنت تسلبهارغمًا وما زلت بالأرواح رياناحتى متى وإلى كم لا تموت ودعليوم موتك كي يبكيك إنساناهيهات ينظر موت الموت ذو رمقمن الورى أكسبته النفس وجدانافحيُّنا موته حي بصاحبهما لم يمت لم يجد للموت هجراناوميتنا موته ميت قضى معهكأنه وكأن الموت ما كانايا أيها الميت لا موتًا يعاد فكنمن بعد ذا في سرير الملك سلطانامهما تبددت لا تخشَ الفناء فقدصادفت في فسحات الكون خزانا
الفصل الثامن والخمسون
المعلم ناجي


الشاعر التركي الشهير
ترجمة حاله

ولد في الآستانة حوالي عام ????هـ، وكان والده سراجًا يسمى على بك، توفي وولده هذا لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فكفلته أمه، وكان له أخ أكبر منه سنًّا فعنيا بتربيته، ولم يكونا في سعة من العيش، فتعلَّم مبادئ القراءة في مكتب ابتدائي، وقرأ شيئًا على أخيه — المشار إليه — فحفظ القرآن ومبادئ العلوم اللغوية، ثم عكف على اكتساب العلم بالمطالعة من تلقاء نفسه، فأتقن التركية والعربية والفارسية، ثم تعلم اللغة الفرنساوية بعدئذ، واكتسب كل ذلك بالجهد والاجتهاد وسهر الليل؛ لأن حاله لم تكن تساعده على تكبد نفقات المدارس والإنفاق على المعلمين والكتب ونحوها، حتى إنه كثيرًا ما اضطر إلى أعمال خصوصية يستعين بربحها على نفقات الدرس وأثمان الكتب. المعلم ناجي ????–????هـ.
ولمَّا تمكَّن من العلم على هذه الصورة تعيَّن أستاذًا في مدرسة رشدية وارنه (في الروملي)، وتعيَّن أيضًا كاتبًا خصوصيًّا لدولتلو سعيد باشا، وكاتبًا في إحدى المحاكم الجزائية، وترقى منها إلى أن صار مميز قلم مكتوبي إحدى الولايات، ومن الوظائف التي تقلدها أيضًا الكتابة في نظارة الخارجية، وكان مجتهدًا أديبًا، فاشتهر بين معارفه بالأدب والبراعة وجودة النظم وحسن الإنشاء، فتقرَّب من الفاضل التركي الشهير أحمد مدحت أفندي، فكان هذا يرتاح إلى ناجي ويعجب بذكائه وأدبه فأزوجه ابنته.
فكان ذلك من جملة ما حبب إليه الانقطاع إلى العلم، فاعتزل الخدمة في دوائر الحكومة وانخرط في سلك المحررين، فتولى تحرير القسم الأدبي من جريدة «ترجمان حقيقة»، ثم جريدة «سعادت»، وأنشأ مجلات شعرية انتقادية — سيأتي ذكرها بين مؤلفاته — وآخر مهمة تقلدها كتابة تاريخ آل عثمان، فقضى فيها بضع سنوات حتى توفاه الله.
وكان مع ذلك كله عاملًا على التأليف والتصنيف ونظم الشعر على أسلوب مختصر مفيد، حتى يكاد يستحيل عليك أن تجد في عبارته كلمة يمكن الاستغناء عنها أو وضعها في غير ما وضعت له، فعكف أدباء الأتراك على مطالعة مؤلفاته ومنظوماته؛ لما آنسوه فيها من الطلاوة والرقة مع اللذة والفائدة، وراجت كتاباته رواجًا حسنًا ساعده على التعيش، ثم كان ذلك سببًا في رفع منزلته بين أقاربه، وتقربه إلى رجال الدولة وأهل المابين وغيرهم من علماء الآستانة ووزرائها.
فلما أذن الله بانقضاء أجل حياته في ?? رمضان سنة ????هـ كان لخبر منعاه وقع أليم في قلوب العثمانيين كافة، فبكاه الأصدقاء، ورثاه الشعراء، وأبَّنه الخطباء، وترجمته الجرائد، وما وصل خبر منعاه إلى جلالة السلطان حتى أصدر إرادته بأن ينفق على جنازته ودفنه من جيبه الهمايوني الخاص، وأن يدفن في تربة ساكن الجنان السلطان محمود الثاني مدفن العظماء والعلماء.
واشتهر المعلم ناجي أفندي بحسن البيان، ودقة النظر، وإصابة الرأي، وجودة القريحة، وحسن الذوق نظمًا ونثرًا، فكانت الألفاظ والمعاني طوع بنانه، فيصوغ منها ما شاء على أساليب تلذ المطالعين على اختلاف طبقاتهم، واتخذ في الإنشاء والنظم نسقًا جديدًا، فلم يقلد الإفرنج المحدثين، ولا بقي على ما كان عليه السلف، لكنه اختار ما بين ذلك أسلوبًا حسنًا خلفت صورته في ذهنه، ممَّا حبَّب الناس في مطالعة ما كتبه ونشره خلافًا لما جرت به عادة كتَّاب هذا العصر من الأتراك والعرب، فهم في الغالب يتوخون تقليد الإفرنج في ما يكتبونه، وهو طبيعي لا غرابة فيه، ولكن التقليد الأصم مفسد للذوق؛ لأن لكل لغة أو أمة ذوقًا خصوصيًّا لا تلذ المطالعة إلا فيه، فليكن نظرنا في ما يكتبه الإفرنج نظر من يطلب التوسع في معرفة أذواق الكتاب على اختلاف الأعصر واللغات، ثم نختار ما يناسب ذوق أبناء لغتنا الذين إنما نكتب لهم.
فيظهر أن صاحب الترجمة سار على هذه الخطة، فكان لمؤلفاته ومنظوماته وقع حسن عند قراء اللغة التركية، وكان في عزمه أن يجعل للإنشاء التركي منهاجًا قائمًا بنفسه، لا يشبه الشرقيين القدماء ولا الغربيين المحدثين، بل يوافق مقتضيات اللسان والزمان، فبذل في ذلك قصارى جهده، ولكن المنية عاجلته قبل إتمامه، فمات عن ?? عامًا، ولو فسح الله في أجله لكان أكتب كتَّاب اللغة التركية بلا استثناء.
وكان عالي الهمة، نشيطًا حازمًا وفيًّا، سليم القلب، رقيق الحديث، حسن المعاشرة، عاملًا، لم يكن همه من حياته إلا التأليف والتصنيف.
مؤلفاته

وهذه أسماء ما طبع ونشر من مؤلفاته، وأكثرها مقالات ورسائل، وهي: (?) آتشياره: منظوم.
(?) إعجاز القرآن: وهو ملخص ترجمة الأسرار العقلية المستنبطة من سورة الفاتحة، المتدرجة في كتاب مفاتيح الغيب للإمام فخر الدين الرازي.
(?) معماي الهي: ترجمة الأقوال المنقولة عن علماء المسلمين بشأن الأحرف المندرجة بأول سورة القرآن.
(?) شرارة: منظوم.
(?) موسى بن أبي الغازان: منظوم.
(?) أمثال علي: يشتمل على ترجمة أمثال للإمام علي.
(?) مدرسة خاطرة لري (خواطر المدرسة): نثر.
(?) صائدة سوز: نثر.
(?) فروزان: منظوم.
(??) معلم: انتقاد على أشعار تركية.
(??) يازمش بولندم: مكاتب.
(??) دمدمة: انتقاد.
(??) مخابرات: مكاتيب.
(??) مكتوبارم: مكاتيب.
(??) نوادر الأكابر: نثر.
(??) شويلة بويلة: مجموعة مكاتيب أيضًا.
(??) هدر: تياتر.
(??) حكم الرفاعي.
(??) سانحات العرب.
(??) مترجم: أشعار ونثر مترجم عن اللسان الإفرنجي وغيره.
(??) آفاق.
(??) محمد مظفر.
(??) ترك شاعر لري: شعراء الترك.
(??) لغت ناجي: كتاب في اللغة.
(??) اصطلاحات أدبية: في الآداب.
(??) ترجمة دون ترجمة: ترجمة قصيدة ابن زيدون.
(??) نمونة سخن: أنموذج الكلام.
(??) سنبلة: بعض شعره ونثره.
(??) مجموعة معلم: مجلة أدبية.
(??) إمداد المداد: مجلة أدبية.
(??) ذات النطاقين: منظوم.
(??) خلاصة الإخلاص.
(??) عبيدية.
وله آثار أخرى لم تطبع.

الفصل التاسع والخمسون
إلياس صالح


وُلد في بيروت، وتلقى العلم في المدرسة الكلية السورية الأميركانية، فنبغ في اللغة العربية وآدابها، وكان منذ حداثته متوقد الذهن ذكيًّا فطنًا، ومن غريب قريحته أنه جمع بين الشعر والإنشاء، ويندر أن يتفق ذلك لواحد.
نال شهادة البكلورية من المدرسة الكلية سنة ????م، وكان قد اشتهر بين البيروتيين بقريحته السيالة في الشعر، وسلامة ذوقه في الإنشاء، فاستقدمته إدارة المقطم فتولى التحرير فيها حتى توفاه الله في ريعان الشباب، ولو فسح في أجله لأتى بمعجزات البيان؛ لأنه كان على صغر سنه من نوابغ الشعراء وعمدة الكتاب، حتى طار صيته في القطرين، وكان كاتبًا أديبًا تسيل عباراته سهولة، وتمتزج معانيه بالنفوس رقة، قلَّ أن يهفو هفوة يؤخذ عليها، متضلعًا بقواعد اللغة، لو سألته عن أي شاردة من شواردها لأجابك فورًا وأورد لك مثالًا أو أمثلة، وكان إنشاؤه عربيًّا فصيحًا خالصًا من صبغة العجمة، مع كثرة اشتغاله ومطالعته باللغات الأجنبية، وكان قابضًا على ناصية الألفاظ، عارفًا اشتقاقاتها ومواقعها وأظلال معانيها، فلا تسأله عن لفظ إلا أورد لك سائر اشتقاقاته ومعانيه، وأشار بأصبعه إلى موضع كل منها في الصفحة من القاموس. إلياس صالح ????–????م.
وكان شاعرًا مطبوعًا، يمتاز شعره مع الرقة والفصاحة بالسهولة والطلاوة، لا يخلو له بيت من نكتة تدل على الذكاء والظرف، وقد نظم على صغر سنه واشتغاله عن الشعر قصائد رنانة ومقاطع جرت مجرى الأمثال.
وكان مع ذلك سريع الخاطر فطنًا، لا تكاد تبدأ بحديثك حتى يدرك مرادك منه، ولا تخفاه خفية من مكنونات معانيك حتى يخال لك أنه ينطق بلسانك ويعبر عن جنانك، وكان حلو الحديث، حسن المعاشرة، لا يخلو مجلسه من المطارحة أو المذاكرة أو المباحثة في ما يحلو الخوض فيه من المواضيع الأدبية أو العلمية أو السياسية، وإذا ناظرته في أمر آنست منه آراء قويمة وأفكارًا أكثرها في جانب الإصابة.
وكان أديبًا عفيفًا يتحدث بعفته واعتداله سائر أصدقائه وخلانه، ما يصح أن يكون قدوة لشبان هذا العصر، ويندر أن نرى على مثاله بينهم.
وكان يعرف اللغة الإنكليزية معرفة جيدة؛ ترجمة وكتابة، ويحسن الفرنسوية، وكثيرًا ما عرَّب قصائد إنكليزية فنظمها في العربية، لا يشك قارئها أنها نظمت في العربية رأسًا، وترجم جانبًا من رواية الأميرة المصرية، درج شيء منه في مجلة اللطائف قبل مرضه، وفيها ما يدل على تمكُّنه من الإنكليزية مع اقتداره على نقل معانيها إلى عبارة عربية فصيحة لا يشتم منها رائحة التعريب.
وكان كبير النفس عزيزها، ممتليء القلب أنفة ونزاهة، لا يفتر لحظة عن الاهتمام بمستقبله، وقد بالغ في ذلك حتى أودى به إلى تعب الجسم ونحول البدن، فلما جاءه المرض لم يستطع إلى دفعه سبيلًا، فقضى ونفسه شاخصة إلى المعالي، وآماله لا تزال عالقة بنيل الأماني إلى آخر نسمة من حياته.
وأما آثاره، فإن الأجل لم يفسح له إلا قليلًا، ومع ذلك فإن من منظوماته ما تناقلته الألسنة، وأعجب به رجال الأدب، وأكثره منشور في جريدة المقطم، ومنه ما يتناقله زملاؤه في المدرسة في محفوظهم، ولم نوفق إلى جمع شيء يستحق النشر في كتاب على حدة، فنأتي بأمثلة منها دلالة على منزلته من عالم الشعر.
قال من قصيدة فلسفية في «الحرية»، ودَّع بها المدرسة الكلية عند نيل شهادتها:
خلِّ عنك الوقوف في دار ميَّةواعتزل ذكر زينب وأميَّهْرحم الله كل من قال شعرًافي ربوع الإسلام والجاهليهإنما دارنا بمن شرفوهاعن سليمي وعن سعاد غنيهبل هي الروض فتح الزهر فيهمن خلال اللواحظ النرجسيهوأقامت فيه خدود العذارىحرب بدر على القلوب الشقيهلا تلمني يا عاذلي بهواهافأنا قيس هذه العامريهوعلامَ الملام والقلب قلبيومعي فيه حجة شرعيهفإذا كنت تدعيه فقدم(عرض حال) للأعين التركيهوخبطنا العشواء لوكنت تدريفي ليالي تلك الشعور الدجيهواتخذنا سلاسل الشعر قيدًافنسينا المسكينة الحريهوزعمنا الإنسان ذا شهواتيمتطيها مهما تكن دنيويهوهو زعم إن صح فالمرء خلقمن جميع المناقب الأدبيهأفلا تستطيع إن جعت قل ليكبح تلك المطالب الجسديهأنت حر فتستطيع ومهماقاومتك الطبيعة البشريهولكون الانسان يسأل عمايمتطيه من الأمور الدنيهشاهدٌ أنه مدى الدهر حريفعل الأمر عن رضى ورويههب أدرت الإدارة أنت فأخطتأعليها في ذاك مسؤوليهكم تلظيت إذ أسأت صنيعًاوندمت الندامة الكسعيةإن في (ليتني فعلت) دليلًامن أصح الأدلة العقليهأنكر الناس ذاك قبلًا ولكنأثبتته الشرائع المبدنيهأنت حر يا أيها المرء فاعلمولك العلم فيه والأسبقيهأنت حر فاعلم بهذا وعلمأنت حر وهذه أوليهلست عبدًا إن كنت تحت نظاملا وليس النظام ذا أوليهأنت فوق النظام إن تتبعهولأنت الذي وضعت الوصيهيتمنى الإنسان لو كان عبدًاويقيم الأدلة العلميهولكم قد رأيت من حيوانيقضم الحبل بغية الحريهيا بني أمنا ذوي الفضل بل يامعشر الناطقين بالعربيهلست عبدًا أنا ولا أنت مولىأيها اللابس الحلي الذهبيههكذا الناس أيها الناس طرًّاما لزيد على عبيد مزيه وساق الكلام إلى وصف الفراق وفراق التلامذة والأساتذة فقال:
لست ممن يقوى عليه فرفقًابالمعنى يا ساكني الكليهكيف تلقون في لظى الوجد نفسيوأنا صالح ونفسي بريهيا بدورًا راموا التباعد عنيوأمطوا للفراق أي مطيهأفلا تجذب البدور بحورًاها دموعي فأين ذي الجاذبيهإن درًّا أودعتموه بإذنيصهرته حرارتي القلبيهوستذريه مقلتاي عقيقًافترون الغرائب الكيميه وقال يهنئ صاحبي المقتطف برتبة الدكتورية، وكان قد سافر إلى بيروت فبدأ بوصف السفينة واستطرد إلى المدح، قال:
تلك السفينة باسم الله مجراهاعلى دموعي مسراها ومرساهاتجري وفي قلبها النيران موقدةمثلي كأن هوى الأوطان أشجاهاسكرى تميد بمن فيها فتسكرهموهمًّا فكيف إذا ذاقوا حما ياهاوليس بدع إذا سارت بنا مرحًافتلك جارية يهتز عطفاهاهيفاء لكنها بالقار قد خضبتكالخود يخضب بالحناء كفاهاسلطانة البحر إذ ترسو يحيط بهامن القوارب جند من رعاياهاوإن سرت نشرت أعلامها وشداصوت البخار لها والموج حياهاطورًا ترى في قرار اليم غائصةوتارة فوق هام السحب تلقاهالم أنس ليلة بتنا والرفاق بمانرعى النجوم ولو شئنا مسسناهاوحولنا الماء من كل الجهات ولاشيء سوى الماء يغشانا ويغشاهاتزجي الركاب إلى أرض الشآم وفيمصر لنا حاجة هيهات ننساهاأنتم منى النفس لا زالت تطيب بكمنفس الصحاب وتلقى نجح مسعاهاسعى إليكم بنا فضل لكم شهدتبه البرية أقصاها وأدناهاوشهرة بين أهل الأرض طائرةيردد الصحب والأعداء ذكراهاورغبة في اقتباس العلم غاليةلم نهجر الأهل والأوطان لولاهايا بهجة الشرق حسب الشرق أنكمامن بعض أبنائه بين الورى جاهاأحييتما العلم فيه بعد أن درستمعالم الدرس والإهمال أفناهاشهادة لم ينلها غير ذي خطرقد نال من درجات الفضل أسماهالأنتما توأماها دون غيركماوأنتما أنتما في الشرق صنواهافلتهنأ وهي فلتهنأ ونحن بماحزنا وحازت وحزتم واشكروا الله وقال يصف جسر قصر النيل بالقاهرة، وفيه إشارة إلى دورانه في أثناء فتحه:
جسر قصر النيل المبارك جسرٌقصرت في الفخام عنه الجسورثابت كالزمان هيهات يفنىوهو أيضًا مثل الزمان يدور وله في نظم التواريخ أبيات لم نرَ مثلها في ما نظمه الشعراء، من ذلك تاريخ نظمه تقريظًا لكتابنا تاريخ مصر الحديث عند صدوره سنة ????هـ، يكاد يكون معجزة من معجزات النظم، وهو قوله بعد وصف الكتاب نثرًا:
وبالاختصار فقد حوى ووعىما لم يكن في الكتب منسوخافيرى الحكيم له به عظةويرى الجهول كذاك توبيخاويرى المطالع فيه تفكهةويرى المؤرخ فيه تاريخا وآخر ما نظمه قبل مرضه بيتان، كتبهما إلى خطيبته على بطاقة، وفيهما إشارة إلى ساعة أهداها إليها، وهما:
يا من دعاني حبه فأجبتهسمعًا لما تدعو إليه وطاعهْتفديك روحي إن حبك راسخفيها قديمًا قبل هذي الساعه وبيتان آخران كتبهما إليها، وقد أهداها حليًّا مرصعًا على شكل طائر يجعل في أعلى الصدر، وهما:
إليك حبيب القلب مني هديةتزيدك في عيني محاسنها حسناأتتك وقد حنت إليك صبابةولا عجب للطير أن يعشق الغصنا ومن النكات الشعرية قوله في نحوية:
ونحوية ساءلتها أَعْربي لناحبيبي عليه الحب قد جار واعتدىفقالت حبيبي مبتدًا في كلامهمفقلت لها ضميه إن كان مبتدا وقوله:
قد رماني بالصد والهجر عمدًاولحاني إذ ملت للسلوانما رأى نفسه فلا تعذلوهلا ترى العين نفسها بل تراني وآخر ما نظمه بعد مرضه، وقد ثقلت عليه وطأة الحمى، بيتان قالهما في وصفها وكانت تشتد عليه ليلًا:
إذا جنَّ الظلام وغاب صحبيوفارقني أحبائي وناسيأتت تسعى إليَّ وليس ترضىمقامًا غير أحشائي وراسي
الفصل الستون
الشيخ نجيب الحداد


ترجمة حاله

ولد في فبراير من عام ????م، ووالده سليمان أفندي الحداد، ووالدته كريمة المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي، فربِّي في مهد الأدب، وقد ورث ملكة الشعر من جدَّيه، ورضع لبان النظم والنثر من خاليه (المرحومين الشيخ إبراهيم اليازجي وشقيقه الشيخ خليل اليازجي)، وتلقى بعض العلم عنهما، ولكنه فطر على الأدب مذ نعومة أظفاره، فنظم الشعر قبل أن يدرك الحلم، وإليك مثال من أبيات نظمها قبل أن يدرك الخامسة عشرة من عمره.
أما ومن زين المعاليبكل صمصامة وحلىلأعنة الخيل في قتاميريك فيها الغبار كحلاأحب من عين ذات خدرمقرونة الحاجبين كحلا وجاء الإسكندرية بعد الحوادث العرابية، فتولى التحرير في جريدة الأهرام إلى عام ????م، فاعتزلها وأنشأ جريدة لسان العرب مع شقيقه أمين أفندي الحداد وعبده أفندي بدران، وتولى هو رئاسة التحرير، فاشتهر اللسان بمتانة عبارته وسهولتها، ثم قضت حال الصحافة بتعطيل الجريدة، فجاء القاهرة وأنشأها أسبوعية، ثم عاد إلى الإسكندرية وتولى تحرير مجلة أنيس الجليس وجريدة السلام، فكان يحرر الجريدتين وجريدته وهو مع ذلك لا ينقطع عن تأليف الروايات وترجمتها ونظم القصائد الرنانة، والمرض ينتابه ويكاد يقعده، وهو يجاهد في دفعه حتى قضى نحبه قبل أن يتم الثانية والثلاثين من عمره، وكان (رحمه الله) ذكي الفؤاد، سريع الخاطر، متوقد الذهن، كما سترى من أمثلة نظمه ونثره. الشيخ نجيب الحداد ????م–????م.
مؤلفاته

(?) رواية صلاح الدين الأيوبي: وهي في الأصل تأليف السير وولتر سكوت الشاعر الإنكليزي الشهير، فسبكها المترجم في قالب التشخيص وغيَّر فيها وبدَّل، حتى لقد يصح أن يقال إنه ألفها؛ مثلت في مصر والإسكندرية مرارًا فنالت شهرة واسعة تغنينا عن الإطناب.
(?) رواية السيد: وهي من مؤلفات كورنيل الكاتب الفرنساوي، فنقلها إلى اللسان العربي وسماها «غرام وانتقام»، وقد مثلت مرارًا.
(?) رواية المهدي: وهي تشخيصية تاريخية مثَّل فيها بعض حوادث المهدي السوداني.
(?) رواية حمدان: عرَّبها عن رواية أرنيني لفيكتور هوكو.
(?) رواية شهداء الغرام: عرَّبها عن روميو وجولييت لشكسبير.
(?) رواية الرجاء بعد اليأس.
(?) رواية البخيل: معرَّبة.
(?) رواية غصن البان.
(?) رواية ثارات العرب.
(??) رواية الفرسان الثلاثة الشهيرة لإسكندر دوماس، وقد نقلها إلى العربية.
فضلًا عما كتبه من المقالات الرنانة في لسان العرب وغيره؛ منها مقالة في المقابلة بين الشعر العربي والشعر الإفرنجي نشرت في مجلة البيان بمصر، وتمتاز ترجماته عن كثير من ترجمات أهل العصر بخلوصها من شوائب العجمية، وقد اشتهر (رحمه الله) خصوصًا في تأليف الروايات التمثيلية أو ترجمتها، وأكثر ما يمثل على المراسح المصرية اليوم من تأليف الحداد أو ترجمته.
شعره

وكان شاعرًا عصريًّا حسن الأسلوب، يكفينا في وصف شعره أن نورد بعضه على سبيل المثال، فقد قال من قصيدة نظمها في وصف سوق الإحسان التي احترقت بالنور الكهربائي في باريس عام ????م، ومات فيها نحو ??? امرأة من المحصنات الباريسيات:
أي رزء أجرى الدموع دماءَوأذاب القلوب والأحشاءليس بدع في خطب باريس أن تشــمل آثار حزنه الدنياءوهي أم الآداب أثكلها الدهرفأبكت بوجدها الأبناءقد دهاها مصاب سادوم لكنخص من قومها الأبرياءفهي في الحزن مثل راحيل إذتبكي بنيها ولا تريد عزاءأصلت الكهرباء فيها لهيبًاقد كرهنا لأجله الكهرباءورماها نور الضياء بنارأظلمتها فما تلاقى الضياءفي مكان أنشي لدفع بلاءٍعن فقير فكان فيه بلاءسوق بُرٍّ تباع فيها اللهىبيعًا ويشرى الثوب فيها شراءزينتها بيض الأيادي وأيديالبيض من محسن ومن حسناءأنفس تبتغي السماء فماأمسين إلا وقد بلغن السماءأدركت ما تروم من جنة الخـلد ولكن كان الطريق صلاءمن رأى قبلها جحيمًا يؤديلنعيم أبناءه الشهداءَأو رأى محسنًا يجود على الناس فيلقى نار الجحيم جزاءأترى كان ذاك مطهر من ماتوا فيمحوا عن النفوس الخطاءأم هو الدهر لا يزال مسيئًالكريم ومكرمًا من أساءيا ربوعًا كانت معاهد إحسان وحسن فأصبحت قفراءوديارًا كانت منازل إيناس فأضحت بلاقعًا وخلاءوكرامًا كانوا مناهل جودلفقير فأصبحوا فقراءأمراءٌ نادى الندى فأطاعوه أميرًا لهم ولبوا النداءوحِسان قد جدن برًّا كأن الــبر ثوب يزيدهن بهاءساحة تنبت المكارم والرأفة والمجد والندى والإخاءفنساء بها تباري رجالًاورجال بها تباري النساءأوجه يشرق السنا من محياها فتزداد بالجميل سناءرحن يزهين بالبياض فما أصــبحن إلا كوالحًا سوداءرحمًا لم تدع بها النار إلارسم جسم وأعظمًا جرداءكن ناسًا فصرن نارًا فأصــبحن رمادا بها فصرن هباءقد كفت لحظة لأن تقلب الأمــر وأن تجعل النعيم شقاءفاستحال الهناء بؤسًا وأحزانًاوأضحى ذاك السرور بكاءنقمة صبها القضاء على الأبرار ظلمًا ومن يرد القضاءرحم الله من قضى وشفى الجرحى وعزى الباكين والتعساء وقال من قصيدة يصف بها بعض منتزهات الإسكندرية ومركباتها ومخدراتها:
من بدور تسير في المركباتومن القبعات في هالاتكللتها أزاهر الصنع من نبــت الأيادي لا من أيادي النباتزهرات ما حاكها ابن سحابفي ربى الروض بل بنان البناتإن يكن فاتها الأريج فقد عوَّضن عنه روائح الغانياتأو يكن فاتها رياض جنانفهي فوق الرءوس في جناتأو عدتها الغصون فهي على مثــل غصون الربى من القاماتسائرات جوالس فهي لم تعــجل ولكنها على عجلاتمفردات الجمال تنطبق الخيــلُ فرادى بها ومزدوجاتوكأن الجياد تشعر بالحســن فتجري بهن مفتخراتقد درت أنها تجر بدورًافتبارت كالأنجم السائراتمسرعات ترى الدواليب من سرعتها في مرورها ثابتاتوقلوب العشاق تتبع الغيــد تباري أفراسها الجارياتصاح هذه هوادج الحضر اليوم فخل الهوادج البادياتودع النوق والفلاة فلا نوقا بأحيائنا ولا فلواتودع العيس والحداء لقومألفوا عيسهم وزجر الحداةتلك حالٌ مرَّت قديمًا وذي حال وسبحان مبدل الحالات وقال من قصيدة غراء وصف بها القمر:
وسار البدر يسبح في سماءعليها من كواكبها سفينتمرُّ به السحائب مسرعاتفيخفى تحتهن ويستبينكخود أقبلت في الروض تسعىفتظهر ثم تحجبها الغصونتقابل وجهه فيلوح فيهلصورة وجهك الرسم المبينفنحسب منه أن هناك ماءولا ماء هناك ولا عيونولا نبت عليه ولا حياةولا نسمٌ ولا غيثٌ هتونجنازة ميت لا نعش فيهاولا أيد حملن ولا أنينقرين الأرض ليس يغيب عنهاولكن لا يواصلها القرينيدور به ولكن حين يدنويفر فلا يجيب ولا يلينكمعشوق يداعب ذات خدرفلا يعطي الوصال ولا يبينفكم بسمت لمرآه ثغوروكم سالت لمرآه شئونوكم ذكر المحب به حبيبًاوكم نسي الخدين به خدينوتصفرُّ النجوم إذا تبدىكما يصفرُّ من حسد جبينيسير فتختفي من جانبيهنوافر وهو مجتازٌ رزينكما طلع المليك عليه تاجفأطرقت الوجوه له تدينكأن كواكب الأفلاك درٌّتبدى بينها حجرٌ ثمينفيا شبه الحبيب حويت منهبهاه وفاتنا منك الفتونوكم تحيي الظلام وأنت ميتوكم تعلو النجوم وأنت دونحويت عجائبًا فدعاك قومإلهًا حبه في الناس دينتخبرهم بأعداد اللياليويلزمك السكوت فما تبينوتصدقهم وفيك النقص طبعوعهدي كل ذي نقص يمينلنا في كل شهر منك شكولكن ليس يمهله اليقينترى فيك البداءة كيف كانتقديمًا والفناء متى يكون وله من قصيدة في وصف القمار:
لكل نقيصة في الناس عاروشر معايب المرء القمارتشاد له المنازل شاهقاتوفي تشييد ساحتها الدمارنصيب النازلين بها سهادٌفإفلاس فيأس فانتحارقد اختصروا التجارة من قريبفعدم في الدقيقة أو يساروبئس العيش فقرٌ مستديميعارضها يسارٌ مستعاروبئس المال لا تحظى يمينبه حتى تسلمه اليساريفرُّ من البنان فليس يبقىلهم من أثره إلا اصفرارفبينا تبصر الوجنات وردًاإذا هي في خسارتهم بهارتراهم حول بسطتها قعودًايدير عيونهم ورق يداريلاحظ بعضهم بعضًا بعينيكاد يضيء أسودها الشرارفتحسب أن بين القوم ثأرًاولا ثأر هناك ولا نفاركأن عيونهم لما أديرتفراش حائم والمال نارفهم لا يبصرون سواه شيئًاكساري الليل لاحَ له مناروهم لا يعطفون على خليلوليس يشوق أنفسهم مزاروهم لا يذكرون قديم عهدوليس لهم سوى الأمس اذكارفكم غضبوا على الأيام ظلمًاوكم حنقوا على الدنيا وثارواوكم تركوا النساء تبيت تشكووتسعدها الأصبية الصغارتبيت على الطوى ترجو وتخشىيؤرقها السهاد والانتظارفبئست عيشة الزوجات حزنوتسهيد وهجر وافتقاروبئست خلة الفتيان همٌّوأتعابٌ وخسرانٌ وعار ومن شعره أبيات نظمها إجابة لاقتراح مصلحة السكة الحديدية المصرية، وكانت قد اقترحت على الشعراء نظم أبيات تنقش على جدران المحطة بمصر، وفرضت جائزة ينالها المجيد، فنالها هو، وأما الأبيات فهي:
يا حسن عصرٍ بعباس العلى ابتسماحتى الحديد غدا ثغرًا له وفماطرائق في ضواحي القطر تبلغناأقصى البلاد ولم ننقل بها قدمامصرٌ كصفحة قرطاس بتربتهاغدا القطار عليها الخط والقلماأرض بها كان خصب النيل منتثرًاحتى أتاها قطار النار مضطرمالنا غنى عن قطار السحب منسجمًاولا غنى عن قطار النار مضطرمًايجري بها الرزق في جسم البلاد كمايجري دم في عروق الجسم منتظمامحطة هي قلبٌ والخطوط بدتمثل الشرايين فيها والقطار دمامع السلامة يا من سار مرتحلًاعنا وأهلًا وسهلًا بالذي قدما وكانت مجلة مرآة الحسناء قد فرضت جائزة لمن ينظم أحسن ترجمة لقصيدة إنكليزية نظمت في أمور اشترطها خاطب على خطيبته وجوابها عليه، فنظمها الحداد ونال الجائزة، وإليك القصيدة:
طلبتَ أثمن شيء في الوجود غلاقلب التي لم ينلها كل من سألاسألتني وأنا أنثى سؤال فتىفقف لتسألك الأنثى وكن رجلاتريدني أن أجيد الطبخ حاذقةوأرفأ الثوب حتى ما عليه بلىأما أنا فطلابي أن تقدم ليقلبًا كنجم ونفسًا كالسماء علىفإن طلبت لذيذ الأكل مجتهدًاوأن يكون عليك اللبس مكتملافأنت تطلب طباخًا على قدرٍوذات خيط صناعًا تصلح الحللاأما سؤالي فأعلى من سؤالك ليومنيتي فرق ما ترجوه بي أملاإذ أبتغي ملكًا بيتي ولايتهوأبتغي رجلًا بين الورى مثلاأنا صغيرة سن في الشباب وليمن فوق خدي ورد يكتسي خجلالكنَّ ذا كله فانٍ بجملتهوعن قريب ترى ورد البها ذبلافهل يدوم غرام في فؤادك ليبعد الصبا مثل ما قد كان مقتبلاوهل فؤادك بحر لا قرار لهتجري به سفن آمالي ولا وجلافإن كل فتاة زوجت حملتفي زهر إكليلها النعمى أو الأجلاهناك تعرف إما أن تسير إلىحيث النعيم وإما أن تسير إلىإني أريد مساواة ومعدلةوخير بعل بخير الخلق قد كملافإن ظفرت بهذا منك كنت كماترومني وأتاك القلب ممتثلاأو لا فإن الذي تبغي خياطتهوطبخه فأمور نيلها سهلاتنالها بأجور المال تبذلهاأما الفتاة وإخلاص الفتاة فلا
الفصل الحادي والستون
محمود باشا سامي البارودي


أصله

لم تخلُ مصر في عصر من عصورها القديمة أو الحديثة من طبقة في أهلها من «المولدين»، وهم المولودون فيها من آباء غرباء حتى في عهد الفراعنة، والأرجح أن الفراعنة أنفسهم غرباء الأصل، وتوالي في وادي النيل طبقات شتى من المولدين ممن نزح إليها على اختلاف عصورها؛ وفيهم الفرس واليونان والرومان والعرب والترك والبربر والجركس والأرمن والديلم وغيرهم، وكل فئة إذا طال مكثها عدت نفسها وطنية، وعدت القادمة بعدها غريبة، وآخر فئة توالدت في مصر الجركس والأتراك من بقايا المماليك، والغالب في المولدين من هؤلاء غموض منشأهم؛ لأن رباط العائلة كان ضعيفًا فيهم، والرجل منهم إنما ينتسب إلى مالكه أو رئيسه، أو يعرف بلقب يلقبونه به، فلم يعد تحقيق تلك الأصول ممكنًا فيهم. محمود باشا سامي البارودي ????–????م.
والبارودي صاحب الترجمة من مولدي الجركس بمصر، ويؤخذ من صحيفة كانت عنده، نشرتْها مجلة المنار، أنه ينتسب إلى نوروز الأتابكي الملكي الأشرفي، ولعله أحد رجال الأشرف قايتباي المحمودي المتوفي سنة ???هـ، ونستغرب ثبوت هذه النسبة للأسباب التي قدمناها من ضياع اسم العائلة عندهم، حتى نوروز هذا فإنه لا ينتسب إلى أبيه وإنما يعرف بانتسابه إلى الملك الأشرف، ومنها اسمه «الملكي الأشرفي».
وقد كان في هذا العصر جماعة يعرفون بهذا الاسم، كل منهم ينتسب إلى صاحبه؛ مثل نوروز المنصوري نسبة إلى الملك المنصور، ونوروز التمرعلائي الأشرفي برسباي نسبة إلى الملك الأشرف برسباي، وقس على ذلك، وقد بلغنا نقلًا عمن عرف البارودي وعاشره أنه كان شديد الحرص على معرفة نسبه وتتبعه إلى أصله، فبذل مبلغًا طائلًا من المال في سبيل البحث عنه في أنحاء القطر، ومراجعة النصوص، والسؤال من أهل العلم والسن — قالوا إنه أنفق في ذلك نحو ثلاثة آلاف جنيه.
على أننا لا نرى لصحة هذه النسبة البعيدة أو فسادها دخلًا في تقدير فضل الرجل؛ لأن المرء بأصغريه، وبما يحدث على يديه، ولكن المشهور أن الفقيد هو محمود باشا سامي بن حسن بك حسني، وكان أبوه هذا من أمراء المدفعية في الجيش المصري، وجده عبد الله بك الجركسي من الكشاف في أوائل عهد محمد علي، والكاشف يشبه مأمور المركز اليوم، وإنما أضيف اسمهم لفظ البارودي نسبة إلى إيتاي البارود؛ لأنها كانت في التزام أحد أجداده في عصر الالتزامات.
نشأته الأولي

ولد صاحب الترجمة في سراية بباب الخلق سنة ????م، وتلقى مبادئ العلم في المدارس الحربية التي أنشأها محمد علي، وخرج من المدرسة سنة ????م في أوائل ولاية سعيد باشا، وكان من نعومة أظفاره ميالًا إلى الأدب والشعر، فرغب في آداب اللغة العربية فأحرز منها شيئًا كثيرًا، وظهرت ثمار قريحته، وامتاز شعره بالسهولة والبلاغة من عهد شبابه، على قلة النابغين من الشعراء في ذلك الحين، فهو من أقوى أركان النهضة الشعرية الأخيرة بمصر.
وكان مع ذلك كبير المطامع في طلب العلى — وذلك نادر في الشعراء لرقة إحساسهم ولف مزاجهم وانصراف قرائحهم إلى الخيال — ولم يبالِ بركوب البحار في طلبها، فرحل إلى الآستانة يلتمس بها منصبًا، وكان يتكلَّم التركية وهي لغة أهل الطبقة العليا بمصر في ذلك الحين ولا تزال عند بعضهم إلى الآن، فانتظم في كتابة السر بنظارة الخارجية، وكانت اللغة التركية — يومئذ — في إبان نهضتها، فتبحر في أدبها وشعرها حتى نظم فيها القصائد، وتعلم الفارسية لمطالعة آداب الفرس وأشعارهم ونفسه تحن إلى مصر حنين كل من يقيم فيها ويتعود ماءها وإقليمها، فاتفق أن الخديوي إسماعيل باشا شخص إلى الآستانة سنة ????م على أثر ارتقائه الأريكة الخديوية، فدخل صاحب الترجمة في بطانته، ورجع معه إلى مصر، وعاد إلى الخدمة العسكرية، فترقى في سنة واحدة إلى رتبة بيكباشي، وانتدب مع جماعة من الضباط لمشاهدة بعض الحركات العسكرية في فرنسا، وسافر منها إلى لندرا، وعاد إلى مصر فرقاه الخديوي سنة ????م إلى رتبة قائمقام في آلاي الفرسان، ثم إلى رتبة أميرالاي.
سيرته السياسية

لو أردنا تفصيل ما تقلَّب فيه من المناصب لطال بنا الكلام، فنقول بالإجمال إنه ذهب في جملة الجيش المصري الذي أرسلته مصر لمساعدة الدولة العلية في إخماد ثورة كريد سنة ????م، ولما رجع ألحق بالحرس الخديوي (الياوران)، فأحبه إسماعيل وزاده من قربه، فجعله كاتب سره الخاص، ثم عاد إلى العسكرية بعد سنتين، وكان الخديوي ينتدبه في كثير من الأمور الهامة إلى الآستانة وغيرها، حتى إذا انتشبت الحرب بين الدولة العلية والروس سنة ????م أنفذت مصر نجدة من جيشها كان المترجم في جملتها مع فرقته، وعند رجوعه رقي إلى رتبة لواء.
ولم تمنعه رتبه العسكرية من الخدمة في المناصب الإدارية، فعيِّن سنة ????م مديرًا للشرقية، واضطربت مصر يومئذ، وهي السنة التي أقيل فيها إسماعيل، فسبق إقالته إثارة الخواطر بالمنافسة التي جاشت في نفوس الأمراء على الولاية، وبما كان من تداخل الدول الإفرنجية بشئون مصر الإدارية، فانتدبت الحكومة صاحب الترجمة لرئاسة الضبطية، فحفظ الأمن وهدأ الخاطر، فلما أقيل إسماعيل وتولى المغفور له توفيق باشا الخديوي السابق أعاده إلى المناصب الإدارية، فجعله وزيرًا، وقلَّده نظارة الأوقاف، فأصلح شئونها ونظَّمها.
والمرء يتقلب في مناصب شتى، ولا بد من شيء يعلق به ذهنه مما ترتاح إليه نفسه أو يدفعه إليه ميله، ولهذا الميل دخلٌ كبير في شئون الأمم؛ لأن الملك أو الأمير إذا كان ميالًا — مثلًا — للعلم نشَّط أهله ورفع شأنه، وإذا كان من أهل اللهو رغب الناس في الملاهي، ويقال نحو ذلك في سائر المناصب الإدارية، وقد تقدَّم أن المترجم كان مغرمًا من صغره بالعلم والأدب، فاهتم في أمر الكتب المبعثرة في المساجد، وجمعها في مكان واحد، فلما أخذ المرحوم علي باشا مبارك في إنشاء دار الكتب الخديوية كانت هذه الكتب من جملة ما نقلوه إليها.
فلما تحركت الخواطر، وهبَّت النفوس في الثورة العرابية، كان لصاحب الترجمة شأن كبير في ذلك، والناس بين متهم ومبرَّئ، وخلاصة رأينا في المترجم أنه كان من جملة المنشطين للحزب الوطني في مطالبهم سرًّا؛ لأنه كان ناظرًا للأوقاف — كما تقدم — فكان يحضر مجلس النظار وهواه مع العرابيين، وهو يعتقد أن مطالبهم عادلة، ورجال المطامع يغتنمون هذه الفرص لنيل المناصب الكبرى، وكثيرًا ما كانت أمثال هذه الحركات سببًا في انتقال الملك من دولة إلى دولة إذا وافقت الأحوال وتوافرت الرجال، وفي تاريخ مصر أمثلة كثيرة من هذا النوع.
أما المترجم فقد كان طامعًا في منصب الوزارة وما وراءه، فكان ينقل إلى عرابي ورفاقه من قرارات ذلك المجلس وأبحاثه ما يتعلق بهم؛ ليحذروه أو يتهيأوا للقائه مما يطول شرحه، وقد نجح في ما كان يؤمله، فتولى نظارة الجهادية، ثم رئاسة النظار، فكان له النفوذ الأعظم في تلك الثورة، وأما عرابي فقد تصدر لها وتظاهر بها عن صدق نية وبساطة، وهي بالحقيقة نهضة سياسية عمرانية لو أحسن أصحابها استخدامها، أو لو تصرفوا فيها بالحكمة والتؤدة لعادت بالنفع على الحكومة والأهالي، ولكنهم اختلفت أغراضهم، وتباينت مطامعهم، وغفلوا عن العواقب، ولم يكن ليغفل عنها الدرب الحازم، ولكن قدر فكان.
فلما دخل الإنكليز مصر وقبضوا على العرابيين وحاكموهم كان صاحب الترجمة من جملة الذين حكم عليهم بالنفي إلى سيلان مع زعيم الثورة، وما زال هناك حتى أرجع في جملة الذين أرجعوا منذ بضعة أعوام، واختصه الجناب الخديوي بإرجاع حقوقه ورتبته، وظل بين أهله وذويه حتى توفاه الله في ?? دسمبر سنة ????م، وقد كُفَّ بصره.
هذه خلاصة سيرته السياسية، وأما سيرته الأدبية فمجملها أنه كان محبًّا للأدب، مطبوعًا على الشعر، وشعره من الطبقة الأولى بين شعراء العصر بمصر، وكلهم يعترفون له بالتقدم والفضل، وله منظومات رنانة سارت بذكرها الركبان، ومنها ما جرى مجرى الأمثال، وفي جملتها قصيدة في السيرة النبوية تدخل في نحو ست مئة بيت على روي البردة، مطلعها:
يا رائد البرق يمِّم دارة العلمواحد الغمام إلى حي بذي سلم وإليك أمثلة مما بلغ إلينا من منظوماته، قال في وصف الليل من قصيدة بعث بها من جزيرة سيلان إلى الأمير شكيب أرسلان:
وترى الثريا في السماء كأنهاحلقات قرط بالجمان مرصعبيضاء ناصعة كبيض نعامةفي جوف أدحيٍّ بأرض بلقعوكأنها أكر توقد نورهابالكهرباءة في سماوة مصنعوالليل مرهوب الحمية قائمفي مسحة كالراهب المتلفعمتوشح بالنيرات كباسلمن نسل حام باللجين مدرعحسب النجوم تخلفت عن أمرهفوحى لهن من الهلال بإصبع وقال من قصيدة يعزي بها رصيفنا خليل أفندي مطران صاحب الجوائب المصرية عن فقد عمه حبيب باشا:
أعزيك لا أني أظنك عاجزًالخطب ولكني عمدت لواجبوكيف أعزي من فرى الدهر خبرةوأدرك ما في طيه من عجائبفيا حبي مهلًا فلست بواجدسوى حاضر يبكي فجيعة غائبوصبرًا فإن الصبر أكرم صاحبلمن بان عن مثواه أكرم صاحب ونظرا لما فطر عليه من الميل إلى الجندية فقد أجاد كثيرًا في نظم الفخريات، ومنها أبيات يتمثل بها الناس، كقوله من قصيدة عارض بها قصيدة أبي فراس:
من النفر الغرِّ الذين سيوفهملها في حواشي كل داجية فجرُإذا استل منهم سيدٌ غرب سيفهتفزعت الأفلاك والتفت الدهرُ وقوله من قصيدة أخرى:
وفيت بما ظن الكرام فراسةبأمري ومثلي بالوفاء جديرُوأصبحت محسود الجلال كأننيعلى كل نفس في الزمان أميرُإذا صلتُ كفَّ الدهر من غلوائهوإن قلت غصَّت بالقلوب صدورُ ومن هذا القبيل قوله من قصيدة يصف بها الحرب بجزيرة كريد:
والخيل واقفة على أرسانهالطراد يوم كريهة ورهانوضعوا السلاح إلى الصباح وأقبلوايتكلمون بألسن النيرانحتى إذا ما الصبح أسفر وارتمتعيناي بين ربى وبين مجانفإذا الجبال أسنة وإذا الوهاد أعنة والماء أحمر قان وله من الشعر الوصفي قصيدة يصف بها عصفورًا على غصن، وقد أبدع فيه، قال:
ونبأة أطلقتْ عينيَّ من سنةٍكانت حبالة طيف زارني سَحَرافقمت أسأل عيني رجع ما سمعتأذني فقالت لعلي أبلغ الخبراثم اشرأبت فألفت طائرًا حذرًاعلى قضيب يدير السمع والبصرامستوفزًا يتنزى فوق أيكتهتنزي القلب طال العهد فادَّكرالا يستقرُّ له ساق على قدمفكلما هدأت أنفاسه نفرايهفو به الغصن أحيانًا ويرفعهدحو الصوالج في الديمومة الأكراما باله وهو في أمن وعافيةلا يبعث الطرف إلا خائفًا حذراإذا علا بات في خضراء ناعمةوإن هوى ورد الغدران أو نفرايا طير نفرت عني طيف غانيةقد كان أهدى لي السراء حين سرىحوراء كالريم ألحاظًا إذا نظرتوصورة البدر إشراقًا إذا سفرازالت خيالتها عني وأعقبهاشوق أحال عليَّ الهم والسهرافهل إلى سنة إن أعوزت صلةعود ننال به من طيفها الوطرا وكان إذا عارض المخضرمين أو الجاهلين جاء نظمه مثل نظمهم متانة وعلوًّا، فمن قصيدة عارض بها دالية النابغة الذبياني قوله في وصف الفرس:
ولقد هبطت الغيث يلمع بورهفي كل وضاح الأسرة أغيدِتجري به الآرام بين مناهلطابت مشاربها وظلٍّ أبردبمضمر أرِنٍ كأن سراتهبعد الحميم سبيكة من عسجدخلصت له اليمنى وعم ثلاثةمنه البياض إلى وظيف أجردفكأنما انتزع الأصيل رداءهسلبًا وخاض من الضحى في موردرجل يردد في اللهات صهيلهدفعًا كزمزمة الحبي المرعدمتلفتًا عن جانبيه يهزهمرح الصبا كالشارب المتغردفإذا ثنيت له العنان رأيتهيطوي المعاهد فدفدًا في فدفديكفيك منه إذا استحس بنبأةشدًّا كألهوب الإباء الموقدصلب السنابك لا يمرُّ بجلمدفي الشد إلا رضَّ فيه بجلمدنعم العتاد إذا الشفاه تقلصتيوم الكريهة في العجاج الأربد وله من قصيدة نظمها في منفاه يصف به حاله هناك:
محا البين ما أبقت عيون المهى منيفشبتُ ولم أقضِ اللبانة من سنيعناءٌ ويأس واشتياق وغربةألا شدَّ ما ألقاه في الدهر من غبنفإن أكُ فارقت الديار فلي بهافؤادٌ أضلته عيون المهى عنيبعثتُ به يوم النوى إثر لحظةفأوقعه المقدار في شرك الحسنفهل من فتى في الدهر يجمع بيننافليس كلانا عن أخيه بمستغنولما وقفنا للوداع وأسبلتمدامعنا فوق الترائب كالمزنأهبت بصبري أن يعود فعزنيوناديت حلمي أن يثوب فلم يغنوما هي إلا خطرة ثم أقلعتبنا عن شطوط الحي أجنحة السفنفكم مهجة من زفرة الوجد في لظىوكم مقلة من غزرة الدمع في دجنوما كنت جربت النوى قبل هذهفلما دهتني كدت أقضي من الحزنلكنني راجعت حلمي وردَّنيإلى الحزم رأي لا يحوم على أفنولولا بنيات وشيب عواطللما قرعت نفسي على فائت سني وقال من قصيدة يصف بها حرب الروس:
أدور بعيني لا أرى غير أمةمن الروس بالبلقان يخطئها العدُّجواثٍ على هام الجبال لغارةيطير بها ضوء الصباح إذا يبدوإذا نحن سرنا صرَّح الشر باسمهوصاح القنا بالموت واستقتل الجند وختم شعره بأبيات شعرية وهي:
أنا مصدر الكلم النواديبين الحواضر والغواديأنا فارس أنا شاعرفي كل ملحمة ونادفإذا ركبت فإننيزيد الفوارس في الجلادوإذا نطقت فإننيقس بن ساعدة الأياديهذا وذلك ديدنيفي كل معضلة نآدِ ونظرًا لمنزلته الرفيعة في نفوس الشعراء فقد اجتمعوا على ضريحه في الإمام الشافعي يوم الأربعين من وفاته ورثوه وأبَّنوه مما لم يسبق له مثيل، إلا ما يقال عن توافد الشعراء لرثاء المعري على قبره.

الفصل الثاني والستون
عبده الحمولي


المغني المصري الشهير
إن الأمة شديدة التعلق بموسيقيها وشعرائها وخطبائها ومن جرى مجراهم من رجال الأدب ممن يشاركون الناس في إحساسهم، فالشعراء يصورون عواطف الأمة ويدافعون عن أعراضها، والخطباء يحركون حاساتها ويجمعون كلمتها، والموسيقيون، ومنهم المغنون، يطربونها ويشرحون صدورها، ويشتد شعور الأمة بفضل أولئك الرجال، ويتعاظم أسفها على ضياعهم بنسبة مبلغها من التقدم في معارج المدنية.
نعم إن الأمة إذا تمدنت عرفت قدر مخترعيها وعلمائها وفلاسفتها وساستها وغيرهم من رجالها العظماء، فتنحت لهم التماثيل، وتقيم لهم الأنصاب، وتؤلف الكتب في الثناء عليهم، ولكنها تفعل ذلك مدفوعة بإقرارها بالجميل، وأما الشعراء والموسيقيون والخطباء فإنها تشعر بفقدانهم شعور الصديق بموت صديقه أو الوالدة بضياع ولدها، فتبكيهم بلا كلفة ولا صناعة.
والفيلسوف أستاذ الأمة وحكيمها، والمخترع ساعدها وخادمها في تسهيل أعمالها، وأما الشاعر فإنه يترجم عواطفها ويصور إرادتها، والموسيقي ينفس كربها وينعش روحها، والخطيب ينهض همتها ويجمع كلمتها، ففي موت أحدهم تأثير على النفس يثير العواطف ويهيج الشجون، وفي حياته حياتها الأدبية، والأمم المتمدنة تكون آدابها كما يشاء شعراؤها وخطباؤها وموسيقوها، فلا غرو إذا جنَّ الناس بأهل تلك القرائح. عبده الحمولي ????–????م.
ألا ترى ما فعل الفرنساويون بفيكتور هيكو شاعرهم وكاتبهم، وقد عشقوه حتى كادوا يعبدونه، فحملوه على أكفهم وهو حي وطافوا به الشوارع والأزقة ينادون بفضله، وقس على ذلك ما تبديه الأمم المتمدنة من أمثال ما تقدم.
على أن إكرام الشعراء طبيعي حتى في عصور البداوة، فقد كان الشعراء في جاهلية العرب حماة الأعراض، تتفاخر بهم القبائل وتستحث قرائحهم في الدفاع عنها.
ويسرنا أن نرى ذلك الشعور قد أينع في وادي النيل في أواخر القرن الماضي، على أثر ما بلغته مصر من الارتقاء.
فقد أنبأنا صديق نثق بصدق روايته أن جماعة من أدباء المصريين في بعض مدن الصعيد لما بلغهم منعى الشاعر المرحوم الشيخ نجيب الحداد، وكانوا من قراء أشعاره ورواياته، لم يكتفوا بالبكاء والرثاء ساعة الفاجعة، ولكنهم تحالفوا على ندبه في كل حين؛ قال الراوي: «واشتد بهم الأسف حتى تواطأوا على ترك الدنيا والإسراف في صحتهم حتى يلحقوا به!»، ومهما يكن من بُعد هذا القول عن الحكمة والتعقل مع ما يتخلله من دلائل الطيش، فإنه يدل على درجة اشتراك عواطف الأمة بشعرائها.
والموسيقى أخت الشعر، وتأثيرها أعم من تأثيره؛ لأن الشعر لا يؤثر إلا على الذين يفهمونه، ولا يستطيع ذلك غير الأدباء المتعلمين، وأما الموسيقى فيفهمها ويتأثر منها كل ذي نسمة حية، حتى الحيوان إلى أدنى طبقاته، فالموسيقي ومن في معناه كالمغني والمنشد، يشارك الأمة في إحساسها، بل هو يتلاعب بعواطفها كما يشاء، ويغلب أن يدعو إلى انشراح الصدور وزوال الهموم، ومصر من أكثر بلاد الأرض حاجة إلى دواعي الأفراح؛ لأن إقليمها حار يورث الخمول ويضيق الصدر، وبقاعها متشابهة لا جبال فيها تشرح الصدر بمناظرها، ولا بحار واسعة يسرح فيها البصر، ولا غير ذلك من المناظر الطبيعية، فلا يجد المرء فرجًا من ضيقه إلا بالمجالسة والمحادثة وما يلحق بذلك من المسامرة والمنادمة والغناء وضرب الآلات، ونحو ذلك من بواعث الطرب.
وبالانتخاب الطبيعي انطبع المصري على لطف الحديث، وأصبح شديد التأثر من ألحان الغناء؛ فلا غرو والحالة هذه إذا أسف المصريون على عبده الحمولي وهو بلبل أفراحهم، بل هو أعظم مغنٍّ عربي في العالم اليوم، وما من بلد في وادي النيل لم يسمع أهله غناء «سي عبده»، ناهيك بما بلغ من شهرته في أقطار العالم الشرقي، ذلك ما حدا بنا إلى نشر ترجمة حاله، وجلُّ اعتمادنا في ذلك على ما كتبه صديقه إبراهيم بك المويلحي محرر مصباح الشرق، قال:
ترجمة حاله

ولد بمدينة طنطا، وكان أبوه يمارس تجارة البن، وكان للمرحوم أخ أكبر منه فوقع شقاق بين أخيه وأبيه ففر به أخوه من وجه أبيه هائمًا به في الخلوات، وكان كلما تعب المرحوم عبده من السير لصغر سنه حمله أخوه على كتفه، حتى دنا الغروب وهما على آخر رمق من الجوع والعطش وتعب السير، لا يجدان أحدًا يأنسان به أو يلجئان إليه، إلى أن سخر الله لهما رجلًا آواهما وسد رمقهما في ليلتهما، ثم أقاما عنده أياما.
ومن غريب الاتفاق أن الرجل كان يشتغل بصناعة الغناء، ويضرب الآلة المعروفة بالقانون في طنطا، فسمع صوت المرحوم في بعض روحاته وغداته فأعجبه، فعاد به إلى طنطا واشتغل معه هناك مدة وجيزة، وقد بقي تأثير تلك الوحشة والانفراد مع التعب والجوع في تلك الليلة التي خرج فيها المرحوم من بيت أبيه مرسومًا في رأسه، فكنت تراه في آخر عمره ينقبض صدره ويتقطب وجهه كلما آن الغروب، وطالما قصَّ هذه القصة على خلصائه ممن كانوا يعجبون لانقلابه الفجائي من السرور إلى الانقباض في ذلك الميعاد.
ثم رأى ذلك الرجل الذي آواه عنده — واسمه المعلم شعبان — أن يحضر به إلى مصر، فاشتغل معه في قهوة معروفة في ذلك العهد بقهوة عثمان أغا، في غابة أشجار كانت موضع حديقة الأزبكية، فاتسع به رزقه وخاف أن يخرج من يده ويستميله غيره من أهل هذه الصناعة فيضيع عليه رزقه، فرأى أن يربطه به بعقد زواجه من ابنته، فاستذله وأسره وانقلب يعامله أسوأ المعاملة، وكان في مصر رجل طائر الصيت في فن الغناء اسمه «المقدم»، أعجب بالمرحوم فسعى جهده ليلحقه به ويشتغل معه في «تخته»، حتى وصل إلى غرضه وجذب المرحوم إليه، وفصل بينه وبين زوجته قطعُا لعلاقته بصاحبه، وأنقذه مما كان فيه، واستمر معه يغني على الطريقة التي كانت معروفة عند المصريين في ذلك العهد.
تاريخ الغناء بمصر

وأصل طريقة الغناء بمصر على ما يُعلم من تاريخ وضعها، أن رجلًا من أهالي حلب اسمه شاكر أفندي وفد إلى القطر المصري في المئة الأولى بعد الألف، وكان فن الألحان فيه مجهولًا، فنقل إليه جملة تواشيح وقدود، وكانت هي البقية الباقية من التلاحين التي ورثها أهالي حلب عن أهل الدولة العربية، فتلقاها عنه بعضهم، وصارت عندهم ذخيرة نفيسة يضنون بها على الغير، واشتد حرصهم عليها، وصار الواقفون عليها يحرمون الناس من تلقينها، وبقيت بينهم على بساطتها الأصلية يتصرفون فيها بدون الشد والتصوير، فكانت قاصرة على أمهات المقامات وبعض الفروع المقاربة لها، وكانت بالنسبة للغناء مثل حروف الهجاء بالنسبة للكلام.
وأقام المغنون في مصر على هذه الطريقة البسيطة لا يتصرفون فيها إلى عصر عبده الحمولي، فتلقاها المرحوم منهم على أصلها، وغنى بها مدة ثم دفعته سجيته في الطرب وحسن ذوقه في الغناء أن يتصرف فيها، مع المحافظة على الأصل وعدم الخروج عن دائرته، فأزال عنها بعض الجفوة، وما زال يرتقي المرحوم في شهرته بحسن الغناء حتى ألحقه المغفور له إسماعيل باشا بمعيته، فسافر معه إلى الآستانة مرارًا، وسمع هناك آلات الموسيقى التركية، وجلب إسماعيل باشا في عودته إلى مصر جماعة من أكابر المغنين فيها، فكان المرحوم يحضر معهم دائمًا في اشتغالهم بالغناء، فاستمالته ألحانهم وأخذ ينتقي منها ما يلائم المزاج المصري ويناسب الطريقة العربية، ورأى المجال واسعًا له في الموسيقى التركية؛ إذ وجد فيها كثيرًا من النغمات التي لم يكن للمصريين علم بها ولم تطرق آذانهم من قبل؛ مثل النهاوند والحجاز كار والعجم وغيرها، فنقلها إلى الغناء المصري.
ثم التفت إلى بقية مصطلحات الغناء في الطبقات المختلفة من ذلك العصر؛ مثل المنشدين المشهورين بأولاد الليالي (الفقهاء)، والعوالم (القيان)، والمدَّاحين (الضاربين بالدفوف)، والتقط منهم ما استنسبه فأضافه مع المختار من الغناء التركي، وخلطه بالطريقة القديمة فجعلها طريقة جديدة خاصة به، وظهر في مصر وفيها شيوخ المغنين، فصار شيخًا عليهم، وقد دعاهم جهلهم بما صنعه إلى استنكار طريقته في أول الأمر، ولكن ما لبث الناس أن ذاقوا حلاوتها وطلاوتها، فعمَّ استحسانها وذهب استنكارها وانتصر بحسنها عليهم، وله فيها من التلاحين أشياء كثيرة.
مزاياه

ومن مزاياه في صناعته أنه كان شديد الطرب، لا يقل طربه في أثناء تأديته للغناء عن طرب السامع له، وهو أول مغنٍّ مصري اهتدى إلى حسن الأداء واستصحاب حركة الغناء بالإشارات التي تقوم مقام الحكاية، وكان شديد الحفظ لما يسمعه، مجتهدًا دائمًا في استخراج محاسن المسموع وطرح معايبه، ذا قدرة على أن يبدل القبيح فيه بالحسن.
وكان ذهنه شديد التعلق بالنغم فلا يكاد ينساه، وربما نام وهو على «التخت» في أثناء الغناء ثم يستيقظ فيرجع إلى الغناء كما كان فيه من غير مراجعة آلة أو استرشاد بأحد ممن معه؛ كأنما كانت الطبقة رسخت في ذهنه فلم تشوش عليها الأصوات التي مرت عليه وهو في نومه، ولم تؤثر عليه الغيبوبة في شيء، وكان لطيف التنقل، يوهم السامع في غنائه بأن مراده ما هو فيه، حتى إذا رسخ ذلك في ذهنه انتقل منه إلى مقام آخر يدهش السامع، ثم يتدرج حتى يعود إلى ما كان عليه، وذلك من أعظم المزايا وأكبر الفضل في هذا الفن.
وجملة القول في باب الغناء أن المرحوم جدَّد فيه وأبدع، وأحياه في مصر بعد أن كان شيئًا خاملًا، ثم تمكَّن فيه من التوفيق بين المزاجين التركي والمصري؛ فبعد أن كان أهل الطبقة الحاكمة في المصريين من الأصل التركي لا يطربون للغناء المصري ولا يلتفتون إليه، أصبحوا بفضل المرحوم وبما وفَّقه فيه من الأنغام التركية مقبولًا عندهم مفضلًا لديهم، وبعد أن كان المصريون لا يطربون من الغناء التركي ولا يروقهم غير طريقتهم؛ طريقة التوجع والأنين، أصبحوا يطربون لما يلائمهم من الأنغام التركية التي أنعش بها طريقتهم القديمة، فهو الجدير بأن يسمى في مصر معدل المزاجين بين الأمتين.
وكما امتزج الجنسان في الأجسام بالأنساب، فقد مزج بينهما عبده بالغناء في الأرواح، وكفاه فخرًا أنه لم يصل أحد من قبله، ولن يصل من بعده، إلى مثل ما وصل إليه من هذا الابتداع والاختراع الذي اهتدى إليه بما ميَّزه الله به من لطف الذوق وشدة الذكاء وحدة الطرب ومحبة الإتقان والترقي في درجات الكمال.
أخلاقه

وكان كبير النفس، عالي الهمة، يحاول الارتفاع عن طبقته ويسعى في الخروج منها، مقتصرًا على الاشتغال بالفن لذاته؛ لجهل الناس في جيلهم الماضي بعلو قدر هذا الفن، وغفلتهم عن جلال منزلته بين الفنون، وقد عمد المرحوم إلى ذلك بالفعل في أيام المغفور له إسماعيل باشا، فترك مزاولة صناعته بالأجرة بين الناس، وخرج من زمرة المغنين إلى زمرة التجار، غير طامع في الذهب الذي كان يسيل من حياله بممارسة صناعته في تلك الأوقات، فافتتح محلًّا لتجارة الأقمشة، واشترك فيه مع بعض التجار بمبلغ عشرين ألف جنيه، فما مضى عليها عشرون شهرًا إلا وانتهت به سلامة نيته وحسن ثقته أن خرج منها أصفر اليد مدينًا للشريك دائنًا للناس، يمنعه الخجل ويحجبه الحياء عن طلب الوفاء.
ولم يمتنع في أثناء ذلك عن الغناء بين الناس، بل امتنع عن طلب الأجر عليه، إلى أن عادت به حاجة العيش إلى مزاولة صناعته كما كان في أول أمره، ولم يزل يتطلع إلى غرضه في الانقطاع عنها كما فعل ودهره يحول دونه، فلم يستطع بلوغه إلى آخر مدته.
وكان شهمًا غيورًا شريف السيرة، يغار لنفسه ولأعراض الناس، لا يبالي في ذلك بهول المواقف وفداحة الخطوب؛ أمر له المغفور له إسماعيل باشا ذات ليلة بإحضار المرحومة ألمز لتغني في بعض قصوره، وهو في عزة سلطانه وشدة بطشه، لا يعصي له الناس أمرًا ولا يخالف هواه إلا من ارتضى لنفسه سكنى القبور، ولا يحلم أحد في منامه أن يقف موقف المعارض في رغبته أو الممانع لإشارته، فتوقف المرحوم عبده، وكان قد تزوج بها بعد أن منعها عن ممارسة الغناء، وأبى أن تخرج من بيته، فعاوده الطلب بالتشديد، فاستمر على إبائه إلى أن وصل الأمر إلى استعمال القوة، فأرسل مأمور الضابطة بعض أعوانه إلى منزله وأرادوا إخراجها منه بالقوة، فوقف أمامهم وقفة الليث يحمي أشبال العرين، وفضَّل الموت أو النفي على أن تغني المرحومة لحنًا واحدًا لأحد وهي في عصمته.
ولما لم يفده موقفه أمام القوة بفائدة استمهلهم برهة ريثما يعود إليهم، فدخل البيت وألقى بنفسه إلى حائط الجار، وخرج منها إلى الطريق لاجئًا إلى صديقه المرحوم الشيخ علي الليثي، فكاشفه بما هو فيه من هول الخطب، وكان هذا الشاعر المرحوم ممن جمع الله له أيضًا كثيرًا من المزايا الفاضلة والأخلاق الكريمة؛ وأخصها علو الهمة والسعي لخير الناس، وكان ذا مكانة رفيعة عند المرحوم إسماعيل باشا صدِّيق، فقام إليه في الحال وتواقع الشيخ عليه يلتمس حسن الوساطة لدى ذلك الحاكم القاهر ليرجع في أمره، فقام الوزير من ساعته وقصد مولاه وتلطف له ما أمكن في الاعتذار، وما زال به حتى رجع عن طلبه ورضي بعصيان عبده لطاعته.
وخلص المرحوم من هذه الحادثة معافًى في نفسه مصابًا في جسمه؛ فقد تولد له من اضطراب أعصابه من شدة ما قاساه في هذه النازلة داء الصداع، فلم يفارقه طول حياته، وكانت إذا اعترته نوبته ألقته على الأرض صريعًا يتخبط في أشد الآلام، لا يكاد من يراه على تلك الحال يصدق بنجاته فيها، فإذا أفاق لزم الفراش من عظم وقعها مدة طويلة، ولم ينجع في ذلك الداء معالجة الأطباء.
وسافر المرحوم في سنة ???? إلى الآستانة العلية، وحظي هناك بالمثول في الحضور الشاهاني مرارًا، وأعجب أمير المؤمنين بمهارته في فنه وحسن تأديته له، فأسنى عطيته وبلغه حسن رضائه، وكان الواسطة بينهما للتبليغ في ذلك المجلس السيد أبي الهدى، ومما تلقاه عنه من أوامر أمير المؤمنين أن يلقِّن ما غنَّاه في حضرته من الأصوات لبعض ضباط الموسيقى الشاهانية، فلقَّن المرحوم منه ما أمكنه، ولم يسع الوقت تمام القيام بالأمر فوعد أنه سيشتغل عند عودته إلى مصر بربط تلك الأصوات برابطة «النوطة»، ثم يعرضها على الأعتاب الشاهانية ليسهل أخذها على ضباط الموسيقى، فلما عاد إلى مصر أتمها عشرين صوتًا (دورًا) مربوطة (بالنوطة)، وأرسلها من طريق رسمي إلى الآستانة، فلم يلقَ فيها ما يحقق آماله.
وفاته

وعاد إلى مصر مصابًا بداء «البول السكري»، فأنهك جسمه وأضعف قواه، وغادر حلوان إلى سكنى مصر وقد تراكمت عليه هموم الحياة فزادت في ضعف الجسم، وظهر ذلك الداء الدفين في الرئة، ودخل من داء السل في الدرجة التي لا يرجى منها شفاء، وأشار عليه الأطباء بسكنى الصعيد مدة الشتاء، فأقام في سوهاج شهرين ونصفًا عادت له في أثنائها بعض قوته، وتقوى أمله في شفائه، ولم يدرك المرحوم ما كنه دائه إلا في اليوم الذي مات في غده، ثم عجل العودة إلى مصر ليشتغل بوضع غنائه في أسطوانات «الفونوغرافات» طلبًا للعيش، ولما حضر باشر ذلك فعلًا، ثم جاءه نعيُّ أحد أصدقائه المخلصين بالمنيا فاغتم غمًّا شديدًا، ولم يسمع لنصيحة أصحابه، بل خالفهم لقضاء ما توجبه عليه مروءته، وسافر إلى تلك المدينة وأقام هناك أيامًا مشاركًا لأهل الميت في أحزانهم، ولما عاد عاد باشتداد المرض عليه حتى أدركته منيته. (انتهى بتصرف).
هذا هو عبده الحمولي، وقد رأيت من ترجمة حاله أنه كان على استعداد كبير لفن الموسيقى، ومن أكبر الأدلة على استعداده شدة طربه من الغناء كأنه كان يغني ليطرب نفسه، وشغف المرء بصناعته وتلذذه بممارستها يدلان على انطباعه عليها واقتداره على إتقانها، ولكن الحمولي عاش في بلاد لم يكن لعلم الموسيقى أثر فيها، واشتغل بإطراب الناس عن طلب العلم من مصادره، فلم يبد من مواهبه إلا ما تهيأت له الأحوال.
وعندنا أن الرجل لو درس فن الموسيقى على أهله في أوربا، وعدل عن الغناء إلى التلحين، وألَّف الألحان، لكفانا مئونة التحسر على ضياع هذه الصناعة بيننا، وجعل الموسيقى العربية فنًّا مستقلًّا له روابط وضوابط، وكانت الألحان الشائعة على ألسنة المغنين مضبوطة في الكتب على قواعد ثابتة.
ولا لوم عليه، فإنه قد نشأ بين العامة، فلما شبَّ شغله إعجاب أكابر المصريين بما عنده من استزادته، ومصر في غفلة عن هذا الفن، فلما أفاقت كان هو قد شغل بصحته وداخليته، فأسف المصريون على ما فات، وأرادوا تدارك ما بقي فالتمسوا حبس صوته في الفونوغراف، فلم يمهلهم أجله فضاع، ولم يبقَ من آثار تفننه إلا ما اقتبسه بعض المغنين من مجالس غنائه في أثناء حياته، وبلغنا أن بعض أصدقائه تمكَّن من أخذ بضع أسطوانات فونوغرافية من صوته قبل موته.