Advertisement

دولة الإسلام في الأندلس 001



الكتاب: دولة الإسلام في الأندلس
المؤلف: محمد عبد الله عنان المؤرخ المصري (المتوفى: 1406هـ)
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة
الطبعة:
جـ 1، 2، 5/ الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
جـ3، 4/ الثانية، 1411 هـ - 1990 م
عدد المجلدات: 5 مجلدات
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[دولة الإسلام في الأندلس]ـ
المؤلف: محمد عبد الله عنان المؤرخ المصري (المتوفى: 1406هـ)
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة
الطبعة:
جـ 1، 2، 5: الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
جـ3، 4: الثانية، 1411 هـ - 1990 م
عدد المجلدات: 5 مجلدات
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: دولة الإسلام في الأندلس (الجزء الأول)
تأليف: محمد عبد الله عنان
العصر الأوَّل - القسم الأوَّل
من الفتح إلى بداية عهد الناصر
__________
الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة
الطبعة: الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
(1/1)

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة
1417 هـ = 1997 م
رقم الإيداع: 8988/ 90
الترقيم الدولي: 4 - 082 - 505 - 977
مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر 68 شارع العباسية. القاهرة. ت: 4897851
(1/2)

نموذج من صفحات الجزء المخطوط من تاريخ ابن حيان المحفوظ بمكتبة جامع القرويين بفاس
(1/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
تصدر اليوم الطبعة الرابعة من كتاب " دولة الإسلام في الأندلس "، وقد أتيح لنا بعون الله وتوفيقه، أن نكمل تاريخ الأندلس منذ بدايته إلى نهايته، وأن تظهر عصوره الأربعة على النحو الآتي:
العصر الأول - ويشمل تاريخ فتوح إفريقية والأندلس، وعصر الولاة، ثم تاريخ الدولة الأموية الأندلسية منذ قيامها في ظل الإمارة، ثم قيام الخلافة الأموية، وانحلالها على يد الدولة العامرية، ثم انهيارها وسقوطها، وبدء قيام دول الطوائف الأندلسية: 22 - 450 هـ (643 - 1058 م).
وهذا العصر، هو الذى نقدمه اليوم إلى القارئ في طبعته الجديدة.
العصر الثاني - " دول الطوائف "، ويشمل تاريخ الأندلس منذ قيام دول الطوائف الأندلسية، في أوائل القرن الخامس الهجرى، حتى سقوطها على يد المرابطين في أواخر هذا القرن: 425 - 502 هـ (1033 - 1108 م).
العصر الثالث - " عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس " ويشمل تاريخ هاتين الدولتين المغربيتين العظيمتين، منذ بدايته حتى نهايته، وتاريخ الأندلس الكبرى في ظلهما، ثم انهيارها عقب انهيار سلطان الموحدين فى الأندلس، في أوائل القرن السابع الهجرى: 500 - 668 هـ (1106 - 1269 م).
العصر الرابع - " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين "، ويشمل تاريخ مملكة غرناطة آخر دول الإسلام في الأندلس، منذ قيامها حتى سقوطها، ثم تاريخ الأمة الأندلسية المغلوبة تحت نير اسبانيا النصرانية، بعد أن غدت طائفة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وما نزل بها من محن التنصير المغصوب، ومختلف ضروب الاضطهاد المفجعة، حتى إخراجها نهائيا من
(1/5)

الأراضي الإسبانية، وذلك في بداية القرن السابع عشر الميلادى: 635 - 1019 هـ (1237 - 1610 م).
وقد أتيح لنا إلى جانب هذه العصور الأربعة من تاريخ الأندلس، أن نصدر في نفس الوقت مؤلفا خاصا عن الآثار والنقوش الأندلسية الباقية، في شبه الجزيرة الأندلسية، وذلك بعنوان " الآثار الأندلسية الباقية، في اسبانيا والبرتغال ".
وتشغل هذه العصور الأربعة تسعة قرون من حياة الأمة الأندلسية، زاخرة بالأحداث والعبر والمآسي المشجية، لم نأل جهداً في سردها، وتحليلها، وإسنادها إلى مصادرها الوثيقة.
وقد أنفقت في كتابة هذه العصور الأربعة، من تاريخ الأمة الأندلسية، خمسة وعشرين عاماً، قمت خلالها بست عشرة رحلة في اسبانيا والمغرب، لم أدخر خلالها وسعاً في البحث والتنقيب، وتقصى مختلف المصادر والوثائق، ودراسة المخطوطات العربية، والوثائق القشتالية، في مختلف مواطنها.
ولقد كان لهذا التجوال المتكرر، في ربوع الأندلس القديمة، والزيارات المتعددة للقواعد الأندلسية الذاهبة، ولاسيما القواعد الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية، وبلنسية، وشاطبة، ومرسية، وسرقسطة، وطليطلة، وبطليوس، وماردة، وأشبونة، وباجة وغرناطة، وألمرية، ومالقة، وغيرها، وهذه الدراسات المستفيضة لآثارها ونقوشها الأندلسية الباقية، وهذه المشاهدات لطبائع الإقليم، والبقاع، والأوساط التي حلت فيها الأمة الأندلسية، وعاشت عدة قرون، ووضعت أسس حضارتها العظيمة - كان لذلك كله في نفسي أعمق الآثار، وقد أمدني بكثير من الحقائق والفكر الجديدة.
وأود أن أنوه هنا، بأنه فضلا عن استيعاب المصادر القشتالية واللاتينية القديمة، والمصادر الغربية الحديثة، إلى جانب المصادر العربية المختلفة العامة والخاصة، قد أتيح لي أن أنتفع بكثير من المصادر المخطوطة الهامة، مما عثرت عليه خلال بحوثي في المجموعات الإسبانية (ولاسيما مجموعة الإسكوريال ومجموعة أكاديمية التاريخ)، والمجموعات المغربية في الرباط وفاس، وأن أنتفع في هذا القسم من تاريخ الأندلس، بوجه خاص، بثلاث قطع مخطوطة نادرة
(1/6)

من مؤلف ابن حيّان القيم في تاريخ الأندلس، وهو كتاب " المقتبس في تاريخ رجال الأندلس " أو " المقتبس في أخبار أهل الأندلس ".
القطعة الأولى - وتشمل حوادث سنى 180 - 232 هـ، أعني عصري الحكم ابن هشام وعبد الرحمن بن الحكم، وتقع في نحو مائة صفحة (ص 88 - 189) من القطع الكبير، وهي عبارة عن بداية السفر الثاني من كتاب " المقتبس ": ويرجع الفضل في انتفاعي بهذا القسم، إلى صديقي العلامة المرحوم الأستاذ ليفى بروفنسال، وكان قد عثر عليه في مكتبة جامع القرويين بفاس، وقد اختفى الآن هذا القسم ولا نعرف مكان وجوده.
القطعة الثانية - وهي تأتي مباشرة بعد القطعة الأولى، وتشمل حوادث سنى 233 - 267 هـ، أعني بقية عصر عبد الرحمن بن الحكم، ومعظم عهد ولده الأمير محمد، والبوادر الأولى للثورة الكبرى، وتقع في 95 لوحة أعني مائة وتسعين صفحة من القطع الكبير، وهي عتيقة بالية كثيرة الخروم، متساقطة الحوافي، مكتوبة بخط أندلسي قديم، وقد كتب في نهايتها " كمل السفر الثاني بحمد الله تعالى، يتلوه الثالث، مبتدأ نجوم عمر بن حفصون كبير الثوار بالأندلس ". وهي تحتوى على تفاصيل ومعلومات هامة عن بلاط قرطبة وأحواله في هذا العصر، وعن الصقالبة والوزراء والعمال. وقد عثرت على هذه القطعة في مكتبة جامع القرويين بفاس، وحصلت منها على صورة فتوغرافية، وانتفعت بها منذ الطبعة الثالثة من الكتاب انتفاعاً عظيما، وذلك بالرغم من صعوبة المراجعة في هذه المخطوطة البالية (1).
ويتلو هذا القسم المخطوط الذى يشتمل على السفر الثاني من " المقتبس "، السفر الثالث، الذى قام بنشره المستشرق الإسباني الأب الأوغسطيني ملشيور أنتونيا عن مخطوطة المكتبة البودلية بأكسفورد (باريس سنة 1937)، وهو يشتمل على عهد الأمير عبد الله بن محمد، وحوادث الفتنة الكبرى من سنة 275 إلى سنة 298 هـ، قبيل عهد الناصر بعامين.
القطعة الثالثة - وهي تتعلق بأعظم اكتشاف من نوعه من كتاب " المقتبس "،
_______
(1) وقد قام صديقي الدكتور محمود علي مكي أخيراً بتحقيق هذه القطعة ونشرها، وسوف تظهر قريبا.
(1/7)

وهو العثور على " السفر الخامس " منه المتعلق بعهد عبد الرحمن الناصر.
إن هذا الاكتشاف يتعلق بأعظم قطعة مخطوطة عثر بها البحث حتى اليوم من هذا المؤلف الكبير. وقد تم العثور عليها منذ أعوام قلائل بين موجودات الخزانة الملكية بالرباط، وقد كان من حسن الطالع أن أتيح لنا الاطلاع عليها ودراسة محتوياتها دراسة وافية.
وهي عبارة عن جزء ضخم من كتاب " المقتبس " يقع في مائة وخمسة وثمانين ورقة كبيرة تضم 370 صفحة، ولا يحمل المخطوط عنوانا لأنه ناقص من أوله. ولكن لا يصعب على من يعرف منهج ابن حيان التاريخي وأسلوبه النقدي، ومصادره التي يقتبس منها، أن يدرك لأول وهلة أنه أمام جزء كبير من المقتبس. ومن جهة أخرى، فإنه مما يقطع بصحة هذا الاستنتاج، ما قرأناه في حوادث سنة 327 هـ، عن موقعة الخندق، من قول المؤلف خلال حديثه عمن قتل من المسلمن في الموقعة "وفشا القتل فيمن سواهم من المستنفرين والمحشودة، فافترطنا فيهم إلى جدنا حيان الأمثل طريقة أبا سعد مروان بن محمد بن حيان رحمه الله".
ويضم هذا المجلد الضخم السفر الخامس من كتاب " المقتبس "، وذلك حسبما ورد في ختامه. وهو يتعلق جميعه بعصر عبد الرحمن الناصر. ومن ثم كانت أهميته البالغة، بيد أنه مع ضخامته لا يشمل عصر الناصر كله، وهو يبدأ من سنة 300 هـ وينتهي في سنة 350 هـ. بل تنقص هذا السفر الخامس من " المقتبس " في البداية نحو ستين صفحة، وهو يبدأ بحوادث سنة " سبع وثلاثمائة "، وينتهي بحوادث سنة 330 هـ وإن كان يتناول أحيانا بعض الحوادث التي وقعت قبل ذلك أو بعد ذلك حتى سنة 340 هـ.
والمخطوط قديم، ومكتوب بخط أندلسي جميل، ولكنه لا يحمل تاريخ كتابته (1).
وقد قضينا في دراسة هذا المخطوط والنقل منه فترات طويلة، وانتفعنا
_______
(1) هذا وقد كتبت عن هذا الاكتشاف بحثا مفصلا، نشر بمجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد في المجلد الثالث عشر (سنة 1965 - 1966). ثم ألقيت بعد ذلك عنه محاضرة بالإنجليزية بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن في ربيع سنة 1967.
(1/8)

بمحتوياته أعظم انتفاع، في هذه الطبعة الرابعة من كتابنا، وما نقلناه منه يرى الضياء لأول مرة.
وتوجد إلى جانب ذلك قطعة مخطوطة أخرى من تاريخ ابن حيّان في مكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة كوديرا)، تقع في 136 صفحة صغيرة، وتشتمل على حوادث سنى 361 - 364 هـ، وهي أواخر عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وتحتوي على معلومات هامة عن الشؤون المالية والإدارية في هذا العصر.
فإذا ذكرنا بعد ذلك كله، ما نقله الكتاب والمؤرخون اللاحقون مثل ابن بسام صاحب الذخيرة, وابن عذارى صاحب البيان المغرب، وابن الخطيب، في الإحاطة، وأعمال الأعلام، والمقّري في نفح الطيب، من الفصول والشذور العديدة، من تاريخ ابن حيان، أدركنا أننا قد ظفرنا في الواقع بقدر كبير، وربما بمعظم محتويات هذا التاريخ العظيم الجامع، الذي يعتبر بحق من أقيم مصادر التاريخ الأندلسي، وأكثرها اتزانا، وأقواها من حيث الروح التحليلية والنقدية، ولا سيما فيما يتعلق بحوادث سقوط الخلافة الأموية، وأوائل عهد الطوائف، وهو العصر الذي أدركه ابن حيان وعاش فيه، وشاهد أحداثه المثيرة، وترك لنا عنها أبدع الصور وأقواها.
ونكتفي بهذه الإشارة إلى المصادر المخطوطة، وهي عديدة ذكرت في مواضعها، وكذلك المصادر الأخرى من عربية وقشتالية وغيرها، فقد ذكرت كذلك في مواضعها، وسوف نثبتها جميعا في نهاية الكتاب في ثبت خاص.
وأما المصادر والنصوص والوثائق اللاتينية والقشتالية، فقد راجعت معظمها في مدريد، في المكتبة الوطنية، وقسم المحفوظات التاريخية، وكذلك في مكتبة معهدنا المصرى بمدريد، وهي تضم مجموعة نفيسة من مصادر التاريخ الأندلسي.
* * *
ولا بد لي أن أكرر هنا ما سبق أن ذكرته في مقدمة الطبعة الأولى، وهو أني بذلت في كتابة هذا المؤلف الذي يمتزج فيه تاريخ الشرق والغرب، والإسلام والنصرانية، جهداً خاصا لتمحيص الروايات والنصوص العربية والإفرنجية، واستخراج الرواية الراجحة، وتكوين الرأي المستقل مهما يكن هذا الرأي
(1/9)

ومما تجدر ملاحظته أن تاريخ الأندلس كتاريخ الحروب الصليبية، يمتاز في كثير من الأحيان بتباين واضح بين الرواية الإسلامية والرواية النصرانية، وقد تتأثر هذه الرواية أو تلك، بالمؤثرات القومية أو الدينية؛ ولكن الرواية الإسلامية فيما يتعلق بتاريخ الأندلس، تبدو على العموم أقل تحاملا، وأكثر دقة واعتدالا.
وأما الرواية النصرانية فكثيرا ما يشوبها الإغراق والتحامل، وينقصها الإنصاف والدقة. ويرجع ذلك إلى أن الروايات النصرانية الأولى، التي كتبت عن تاريخ اسبانيا المسلمة، كانت من تصنيف بعض الأحبار المتعصبين، وإلى أن مؤرخي اسبانيا المحدثين، لبثوا حتى أواخر القرن الثامن عشر يكتبون تاريخ اسبانيا من ناحية واحدة، ويرجعون إلى المصادر النصرانية دون غيرها، ويجتنبون كل بحث أو تنقيب في المصادر العربية، وذلك بالرغم من أن تاريخ اسبانيا المسلمة يشغل أعظم مكانة في تاريخ اسبانيا في العصور الوسطى، ويكون صفحة من أمجد صفحاته. وقد نعى النقد الإسباني الحديث نفسه هذا المسلك على مؤرخي اسبانيا النصرانية، فمثلا يقول العلامة المستشرق الإسباني جاينجوس في مقدمة ترجمته لكتاب نفح الطيب: " إن ماريانا وأكابر المؤرخين الإسبانيين تحدوهم عاطفة بغض قومي عميق، أو نزعة تعصب ديني، أبدوا دائما أبلغ الإحتقار لمؤلفات العرب .. فكانوا يرفضون وسائل البحث التي تقدمها لهم الوثائق التاريخية العربية الكثيرة، ويهملون المزايا التي قد تترتب على المقارنة بين الروايات النصرانية والإسلامية، ويؤثرون أن يكتبوا تواريخهم من جانب واحد. وقد ترتب على هذا الروح الضيق الذي يطبع كتاباتهم أثر واضح. ذلك أن تاريخ اسبانيا في العصور الوسطى، ما يزال بالرغم من كل ما أفاض عليه النقدة المحدثون، معتركا من الخرافة والمتناقضات ".
وقد أرسل العلامة جاينجوس هذه الصيحة منذ نحو قرن. ومع ذلك فإن فريقا من المؤرخين والمفكرين الإسبان، ما زال حتى عصرنا يعتبر تاريخ الأمة الأندلسية صفحة بغيضة من التاريخ القومي، وأن القضاء على الأمة الأندلسية وعلى حضارتها إنما هو نصر قومي باهر، وأن مطاردات ديوان التحقيق المروعة لبقايا الأمة المغلوبة، إنما هي عمل إنقاذ وسلام. وينسى هذا الفريق أو يتناسى كل المزايا، وكل الجهود الإنتاجية، وكل التراث الحضاري، وكل التقدم الإنسان الذي
(1/10)

حققه المسلمون في اسبانيا؛ بل نجد في العصر الحديث عالما إسبانيا مثل المستشرق سيمونيت، يبرر، بل ويمجد العمل الوندلي الذي ارتكبه الكردينال خمنيس مطران طليطلة، بجمع الكتب العربية من المسلمن بعد سقوط غرناطة بقليل، وقد بلغت زهاء مائة ألف أو تزيد، والاحتفال بإحراقها أكداسا في ميادين غرناطة، لكى تحرم الأمة المغلوبة بذلك من غذائها الروحي والفكري.
على أن البحث الغربي الحديث، استطاع أن يستدرك كثيراً من شوائب هذا النقص، الذي يكتنف تاريخ اسبانيا في العصور الوسطى، فدرست الكتب والوثائق العربية منذ أوائل القرن الماضي، وتبوأت المصادر الإسلامية مكانها إلى جانب المصادر النصرانية، وترجم البعض منها إلى اللغات الأوربية، وظهرت طائفة كبيرة من الكتب والبحوث النقدية بمختلف اللغات الأوربية ومنها الإسبانية، تكشف للغرب عن كثير من الحقائق المتعلقة بتاريخ الأندلس، وأحوال المجتمع الإسلامي في اسبانيا، وتكشف بالأخص عن القسط البارز، الذي ساهمت به المدنية الإسلامية بالأندلس، في بناء الحضارة الإسبانية الحديثة، وحضارة عصر الإحياء الأوربي.
هذا وقد راعيت في سائر فصول هذه القصة الأندلسية المشجية، أن أسلك سبيل التبسط المعتدل، بعيداً عن الإيجاز المخل، بعيدا في الوقت نفسه عن الإسهاب والتفاصيل الكثيرة، إلا ما دعت إليه المناسبات الهامة أو المواقع الحاسمة، حريصا خلال ذلك كله على أن أبرز الحوادث والشخصيات والصور في إطارها النقدي، الذي تدعمه الوثائق والنصوص والقرائن، بعيدا كل البعد عن التأثر بالعاطفة أو الأهواء أو الاتجاهات القومية أو الدينية من أى نوع، وإني لأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك، إلى تأدية رسالة الحق والصدق والاعتدال، في كتابة هذه الصفحات المشرقة المؤسية معا من تاريخ الأمة الأندلسية.
وقد حرصت إلى جانب تاريخ اسبانيا المسلمة، أن أكتب في نفس الوقت تاريخ اسبانيا النصرانية، فاستعرضت منذ البداية نشأة المملكة النصرانية الأولى، ثم تاريخ الممالك النصرانية اللاحقة، ثم تناولت تاريخها تباعا في عصورها المتعاقبة، وعنيت بعد ذلك بتتبع أحداث المعركة الأبدية المضطرمة، التي نشبت بين الأندلس المسلمة وبين هاته الممالك النصرانية، وهي التي غدت فيما بعد محور التاريخ الأندلسي
(1/11)

كله، ثم تحولت من جانب اسبانيا النصرانية إلىَ ما يسميه المؤرخون الإسبان " معركة الاسترداد " La Reconquista، وانتهت إلى نتيجتها الطبيعية المحتومة، أعني إلى القضاء على دولة الإسلام في اسبانيا.
وهذه الطبعة الجديدة من " دولة الإسلام في الأندلس " تتضمن بعض الإضافات والنصوص الجديدة، التي استطعنا أن نقتبسها بالأخص من " السفر الخامس " من تاريخ ابن حيان، وهو الذي يتضمنه مخطوط المكتبة الملكية الذي سبق ذكره، وقد كنا لحسن الطالع، أول من وفق إلى مراجعته والانتفاع به. وقد نقلنا منه كثيرا من النصوص والوثائق الهامة، ولا سيما كتاب الناصر عن فتنة ابن مسرة، وكتابه عن موقعة الخندق، وغيرهما من الوثائق الرسمية التي ترى الضياء لأول مرة في البحوث الأندلسية. كما تتضمن هذه الطبعة فصلين جديدين ينشران لأول مرة، الأول عن نظم الحكم والأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في عصر الإمارة والخلافة، والثاني عن الحركة الفكرية الأندلسية. هذا إلى ما تتضمنه هذه الطبعة أيضا من النصوص والتعليقات الكثيرة، المستمدة من المصادر النصرانية والقشتالية، وهو أثر من آثار المراجعة المستمرة التي عكفت عليها في مدريد، خلال رحلاتي المتوالية إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
ولقد تمنيت في ختام مقدمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب، أن يكون صدوره " بداية مشجعة تبعث إلى اهتمام الباحثين بهذه الصفحة المجيدة من تاريخ الإسلام في الغرب ". وإنه لما يدعو إلى الغبطة، ما يلاحظ من تقدم الدراسات الأندلسية وانتعاشها في العهد الأخير، وذلك سواء في ميدان الكتابة والتصنيف، أو ميدان نشر الآثار الأندلسية المخطوطة، وهو نشاط تساهم القاهرة في قسميه بأوفي نصيب.
القاهرة في المحرم سنة 1389
الموافق مارس سنة 1969
محمد عبد الله عنان
(1/12)

الكتاب الأول
فتوح العرب في إفريقية والأندلس وغاليس وعصر الولاة في الأندلس 22 - 138 هـ: 643 - 755 م
(1/13)

الفصل الأول
فتوح العرب في إفريقية
الصراع بين الدولتين الإسلامية والرومانية. اتجاه الفتوح الإسلامية نحو الغرب. غزو برقة. جرجير حاكم إفريقية الروماني. موقعة سبيطلة وهزيمة الروم. فتح سبيطلة عقد الصلح. إفريقية وقت الفتح الإسلامي. أحوالها في ظل الحكم الروماني. انتقالها إلى الدولة الشرقية. فتحها على يد الوندال. كلمة بربر مدلولها. إستعادة الدولة الشرقية لإفريقية. ضعفها وانحلالها. وقف الفتوح العربية واستئنافها على يد الدولة الأموية. موقعة حصن الأجم. إفتتاح سوسة وحصن جالولاء. ولاية عقبة بن نافع الفهرى لإفريقية. افتتاحه لأقطار المغرب. بناؤه لمديئة القيروان. ولاية أبي المهاجر الأنصاري. ولاية عقبة الثانية. مسيره ثانية إلى المغرب. ثورة البربر وقيام كسيلة بن لمزم. هزيمته المسلمين واستيلاؤه على القيروان. ولاية زهير البلوى. زحفه على القيروان. مقتل كسيلة وافتتاح القيروان. هجوم الروم من البحر على برقة. هزيمة العرب ومقتل زهير. مسير حسان بن النعمان إلى إفريقية. غزو العرب لقرطاجنة واستيلاؤهم عليها. فقدهم إياها ثم استردادهم لها. ثورة البربر وقيام الكاهنة. القتال بين العرب والبربر. هزيمة العرب ارتدادهم إلى برقة. عود حسان إلى غزو المغرب. انصراف البربر عن الكاهنة وهزيمتها. تنظيم حكومة إفريقية وتجديد القيروان. عزل حسان وولاية موسى بن نصير. نشأة موسى وحياته الأولى. الخلاف على تاريخ توليته لإفريقية. عود البربر إلى الثورة. هزيمتهم وسحق ثورتهم. فتح موسى لطنجة. ولاية طارق بن زياد لها. إنشاء موسى للأسطول. غزو العرب لجزائر البليار وصقلية وسردانية.
كان الصراع الذي نشب بين الدولة الإسلامية الناشئة، وبين الدولة الرومانية الشرقية، يضطرم حيثما تبسط الدولة الشرقية سلطانها. وكانت بسائط الشام مهاد المعارك الأولى بين الدولتين، وكانت أول قطر غنمته الخلافة من أراضي الدولة الرومانية؛ ثم افتتح العرب مصر بعد الشام، وهي أيضا ولاية رومانية، وكان افتتاحها في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، على يد عمرو بن العاص، وذلك في المحرم سنة عشرين من الهجرة (ديسمبر سنة 640 م). ولما كانت مصر تتصل من الغرب بأملاك أخرى للدولة الرومانية هي الولايات الإفريقية، فقد كان من الطبيعي أن يتخذ العرب مصر قاعدة لافتتاح إفريقية، توطيداً لسلطانهم في مصر
(1/14)

والشام، وإتماما لسلسلة الفتوحات الغربية. غير أن تقدمهم نحو الغرب كان محفوفاً بمشاق وصعاب لم يألفوها في فتوحهم الأولى، فقضوا زهاء نصف قرن في معارك عنيفة مع الروم (الرومان) والبربر، وأصيبوا إلى جانب انتصاراتهم، بأكثر من هزيمة شديدة، وواجهوا عدة ثورات محلية عنيفة، وانهار سلطانهم الفتي غير مرة، قبل أن يستقر نهائيا في إفريقية.
وبدأ العرب فتوحهم في إفريقية عقب افتتاحهم لمصر مباشرة. ففي سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، أعني بعد افتتاح مصر بنحو عامين، سار عمرو ابن العاص غرباً إلى برقة، فافتتحها وصالح أهلها على الجزية، ثم افتتح طرابلس (أو إطرابلس) بعد أن حاصرها شهراً ولجأ سكانها إلى سفنهم في البحر، ولكنه تركها بعد اغتنام ما فيها (1). وفي خلافة عثمان توغل العرب في قفار إفريقية. وفي سنة سبع وعشرين (647 م) (2) سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي خلف عمراً في ولاية مصر إلى إفريقية في نحو عشرين ألف مقاتل (3)، وسارت معه حامية برقة بقيادة عقبة بن نافع، وكان عمرو قد ولاه على تلك الأنحاء (4). وقصد الغزاة بادئ بدء إلى طرابلس وهي يومئذ أغنى وأمنع ثغور إفريقية (5).
_______
(1) فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (طبعة لجنة ذكرى جب) ص 121، وأبو الفداء (مصر) ج 1 ص 164، وابن الأثير (مصر) ج 3 ص 10.
(2) هذه هي رواية ابن عبد الحكم (ص 187) وهي أقدم رواية. ويوافقه البلاذري، وهو معاصر له تقريبا، ولكنه يضيف إلى ذلك أن هناك رواية بوقوع هذه الغزوة سنة 28هـ، وثالثة بوقوعها سنة 29 (فتوح البلدان - مصر - ص 226). ويضع الطبري تاريخ هذه الغزوة في سنة 27هـ متفقا مع ابن عبد الحكم والبلاذري (مصر ج 5 ص 48 و49). ولكن ابن الأثير يضع ْتاريخها في سنة 26 هـ (ج 3 ص 33).
(3) فتوح مصر ص 184.
(4) فتوح البلدان ص 224.
(5) يطلق العرب اسم إفريقية على الأقطار الواقعة شمال هذه القارة دون مصر. وذكر ياقوت في معجمه أن حد إفريقية من برقة شرقا إلى طنجة الخضراء غرباً، وعرضها من البحر إلى الرمال التي في أول السودان (معجم البلدان في مقال إفريقية). وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول، إفريقية ويمتد من حدود مصر الغربية إلى شرق الجزائر، والثاني المغرب الأدنى ويشمل قطر الجزائر تقريبا، والثالث المغرب الأقصى ممتدا من غرب الجزائر إلى المحيط، ويشمل إقليم مراكش وطنجة. وكانت كلمة إفريقية تطلق أيضا في العصور الوسطى بمعنى أخص على إقليم تونس وما يليه.
(1/15)

ولكن الروم تقدموا إلى لقاء المسلمين في مائة وعشرين ألف مقاتل (1) بقيادة جريجوريوس أو جرجير حاكم إفريقية الروماني (2). وتختلف الرواية الإسلامية في أمر جرجير هذا، ويقول البعض إنه كان من الفرنج وليس من الروم، وإنه كان ملك الفرنجة في إفريقية ما بين طرابلس وطنجة، وإن سبيطله كانت دار ملكه. والحقيقة أن إفريقية كانت في ذلك الحين ولاية رومانية، تخضع لقيصر (إمبراطور) قسطنطينية، وكان جرجير أو جريجوريوس حاكمها من قبل الإمبراطور. على أن حاكم إفريقية الروماني، كان يتمتع وقتئذ بكثير من الإستقلال، نظراً لضعف السلطة المركزية في عاصمة الدولة الشرقية. وهكذا كان شأن جرجير، فقد كان حاكما بأمره في ولايته. ولما علم العرب بتحرك جرجير، تركوا حصار طرابلس وساروا إلى لقاء الروم، ونشبت بين الجيشين مدى أيام معارك شديدة في ظاهر سبيطلة (سوفيتولا) بالقرب من أطلال قرطاجنة القديمة، وهي عاصمة إفريقية يومئذ، فهزم الروم هزيمة شديدة، وقتل قائدهم جريجوريوس، وأسرت إبنته (28 هـ - 648 م) (3). ثم حاصر عبد الله سبيطلة، وافتتحها وخربها، وبث جيوشه في تلك الأنحاء حتى قفصة. ثم عقد الصلح مع أهلها على أن يؤدوا الجزية. وقضى في تلك الغزوات خمسة عشر شهرا، ولكنه لم ينشئ في البلاد المفتوحة حكومة جديدة. ولم يتخذ بها قاعدة إسلامية. ثم عاد إلى مصر بعد أن أنشأ حامية في برقة وأخرى في زويلة (4).
ويجب قبل أن نمضي في الكلام على افتتاح إفريقية أن نذكر كلمة عما كانت عليه أحوالها وظروفها وقت الفتح الإسلامي. كانت إفريقية منذ زوال قرطاجَنّة القديمة، في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد إلى أوائل القرن الخامس بعده, ولاية رومانية تخضع لسلطة رومة أولا، ثم بعد سقوطها لسلطة قسطنطينية أو الدولة
_______
(1) أبن الأثير ج 3 ص 34 - Li,.Gibbon: Roman Empire, Ch
(2) ابن خلدون - كتاب العبر - ج 6 ص 107.
(3) روى ابن عبد الحكم أن ابنة جريجوريوس وقعت بعد أسرها في نصيب رجل من الأنصار، ولكنها انتحرت أثناء الطريق (فتح مصر ص 185).
(4) ابن عبد الحكم ص 183.
(1/16)

الرومانية الشرقية؛ ولما غزت القبائل الجرمانية رومة واستولت على معظم أقطار الدولة الرومانية الغربية، نفذ الوندال إلى غاليا أو غاليس (جنوبي فرنسا) ثم إلى اسبانيا، واستقر الوندال حيناً في جنوبي اسبانيا في ولايات الأندلس، التي سميت يومئذ باسمهم " فانداليتا " Vandalita أو فاندلوسيا Vandalusia أى بلد الوندال (1).
وكان البربر أو سكان إفريقية، قبل الفتح الروماني، يدينون بالوثنية، ولكن رومة استطاعت منذ أوائل القرن الرابع، أن تفرض النصرانية على معظم القبائل. ويقول لنا ابن خلدون من جهة أخرى، إن القبائل البربرية كانت وقت الفتح الإسلامي تدين باليهودية، وإنهم تلقوها منذ أقدم العصور عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم لقرب الشام وسلطانه منهم، وكان من هؤلاء قبائل جبل أوراس وملكتهم الكاهنة (2). وكان الفتح الروماني شديد الوطأة على القبائل المغلوبة، وكانت النظم الإدارية والمالية التي فرضتها عليهم رومة غاية في التعسف والشطط، مع ما يقترن بها من اقتضاء الضرائب والمغارم الفادحة، فكان البربر يتوقون إلى التخلص من نيرها، وقد نزعوا فعلا إلى الثورة في عهد الإمبراطور تيودوسيوس في أواخر القرن الرابع، ونادوا بأحد زعمائهم ملكاً عليهم، ولكن الثورة أخفقت وأخمدت. ولما انتقلت إفريقية إلى سلطان قسطنطينية بعد سقوط رومة، كانت قد اضمحلت ثروتها، واضطربت نظمها، ومزقتها الخلافات الدينية، وضعف سلطان الدولة عليها، وكثر الخوارج من الحكام والزعماء المحليين. وفي أوائل القرن الخامس، عبر الوندال البحر من اسبانيا إلى إفريقية، بقيادة ملكهم جنسريك، وافتتحوها في سنة 429 م، وعاونهم البربر (3) حباً في التخلص من ْنير رومة. ولكن الوندال عاثوا في إفريقية أيما عيث، وخربوا المدن والمنشآت
_______
(1) سوف نفصل في حاشية لاحقة أصول هذه التسمية وفقا لمختلف الروايات.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 107.
(3) يطلق العرب كلمة " البربر " على سكان " إفريقية " أعني من برقة إلى المحيط، وأصل التسمية مجهول. ولكن المحقق أنها كانت موجودة قبل الفتح الإسلامي بعصور بعيدة. وترجعها الرواية اللاتينية إلى أقدم العصور. فكان يطلقها اليونانيون القدماء على الأمم ذات اللغات واللهجات المعقدة بوجه عام وحيثما وجدت، وعلى الأمم الغريبة عن لغة اليونانيين وحضارتهم. وكان يطلقها الرومان على شعوب الإمبراطورية خلا إيطاليا وولاياتها، ثم انتهوا إلى تحديد معنى الكلمة بإطلاقها على القبائل=
(1/17)

الرومانية، واستقروا سادة في البلاد المفتوحة مدى قرن، عانى البربر فيه أمر ضروب العسف والطغيان. وفي سنة 534 م بعث يوستنيان، إمبراطور (قيصر) الدولة الشرقية قائده الشهير بليزاريوس إلى إفريقية على رأس جيش ضخم فافتتحها وحطم سلطان الوندال وأجلاهم عنها؛ ومن ذلك الحين عادت إفريقية إلى سلطان الدولة الشرقية، وظلت كذلك حتى الفتح الإسلامى.
وكانت إفريقية يومئذ في حال يرثى لها من الانحلال والتفكك، يسود الاضطراب نظمها وإدارتها، وتمزقها الأهواء والمطامع والفتن؛ وكانت عصور من الطغيان والجور والمصادرة قد عصفت بمواردها، ولكن الثروات كانت مع ذلك تتكدس في بعض الثغور والمدن؛ وكانت الدولة الشرقية قلما تعني بإصلاح هذه الأقطار أو إعداد وسائل الدفاع عنها، وإنما كانت ترى فيها قبل كل شىء مورداً للكسب على نحو ما قدمنا، فكان البربر على استعداد للتخلص من هذا النير المرهق، ومعاونة الفاتحين الجدد.
ولكن العرب شغلوا حيناً عن متابعة الفتح حينما عصفت ريح التفرق بالخلافة الإسلامية، ونشب الخلاف بين علي بن أبي طالب، الذي ولى الخلافة على أثر مقتل عثمان، في مستهل سنة 35هـ (655 م)، وبين خصمه ومنافسه القوي معاوية بن أبي سفيان والى الشام، واضطرمت ثورة الخوارج التي كادت أن تزعزع أسس الدولة الإسلامية الناشئة، وشغلت الجزيرة العربية بضعة أعوام، بتلك الحوادث والفتن الداخلية. وكان مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رمضان سنة 40هـ خاتمة هذا النضال المؤلم، فآلت الخلافة إلى معاوية، وقامت الدولة الأموية في الشام لتفتتح في تاريخ الإسلام عصراً جديداً.
وكانت الدولة الأموية، تتشح إلى جانب ثوبها الخلافي، بأثواب الملك
_______
= المتوحشة أو المعادية خارج الإمبراطورية بأسرها. ثم حرفها العرب عند الفتح من اللاتينية وأطلقوها على الأمم والقبائل التي تسكن إفريقية (خلا مصر) راجع ( Gibbon. ibid, Chap.Li (note) ويقول ابن خلدون في أصل هذه التسمية، إن أحد ملوك التبابعة العرب لما غزا المغرب وإفريقية، ورأى هذا الجيل من الأعاجم، وسمع رطانتهم تعجب من ذلك وقال ما أكثر بربرتكم فسموا بالبربر. والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة، ومنه يقال بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة (كتاب العبر ج 6 ص 89).
(1/18)

الإمبراطوري، وهكذا قدر لها أن تكون منشئة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى. وما كادت تستقر الأمور الداخلية، حتى نشطت سياسة الفتح مرة أخرى. وكانت الخلافة في نفس الوقت الذي تسير فيه جيوشها نحو الشمال وتقترب من عاصمة الدولة الشرقية، تتجه ببصرها نحو الغرب، حيث كانت فتوحها في إفريقية ما تزال بحاجة إلى التوسع والتوطد. وهكذا وجه معاوية عنايته إلى إتمام فتح إفريقية. وكان الروم قد عادوا إلى الأرض المفتوحة عقب انسحاب العرب، فعاد إلها الجور والإرهاق، وأثقل كاهل البربر بما فرض عليهم من الأعباء والمغارم الجديدة، فاتصل زعماؤهم بالعرب واستحثوهم إلى العود واستئناف الفتح. ففي سنة 45هـ (665 م) سار معاوية بن حُديج التجيبي (1) إلى إفريقية وهزم الروم عند حصن الأجم، وتفرق الغزاة في مختلف الأنحاء، فسار عبد الله ابن الزبير إلى سوسة وافتتحها، وافتتح عبد الله بن مروان حصن جالولاء، وافتتحت عدة أخرى من البلاد والحصون.
وفي سنة خمسين (670 م) (2) قام العرب بأعظم فتح في إفريقية بقيادة عقبة ابن نافع الفهري. وكان عقبة جندياً عظيماً، خبيراً بتلك الأنحاء والمسالك، وكان يتولى قيادة حامية برقة منذ فتحها، فاختاره الخليفة (معاوية) لولاية إفريقية، وبعث إليه بعشرة آلاف مقاتل ليتم فتحها. فجاز عقبة وهاد برقة، وتوغل غربا حتى المغرب الأقصى، وافتتح جميع العواصم والثغور الإفريقية تباعاً، وهزم جيوش الروم والبربر في مواقع عديدة، وتوغل في مفاوز المغرب الأقصى، ثم
_______
(1) وذكر بعض المؤرخين أن معاوية بن حديج كان في ذلك الحين واليا على إفريقية (ابن الأثير ج 3 ص 184)، وذكر البلاذري أنه ولي بعد ذلك على مصر سنة 50هـ، وأنه هو الذي بعث عقبة بن نافع إلى إفريقية (ص 327)، وذكر الطبري أن معاوية بن حديج ولي مصر وعزله معاوية عنها سنة 50هـ (ج 6 ص 134). ويضع ابن الأثير تاريخ ولاية ابن حديج لمصر في سنة 47هـ. على أن صاحب النجوم الزاهرة الذي عنى عناية خاصة بتعداد ولاة مصر يقول: إن حاكم مصر من سنة 45 - 48هـ هو عقبة بن عامر الجهني (النجوم الزاهرة ج 1 ص 130)، وإن الذي وليها بعده هو مسلمة بن مخلد الأنصاري، واستمر في ولايتها حتى سنة 62هـ، وفي ولايته وقع فتح إفريقية الكبير.
(2) هذه هي الرواية الراجحة، ولكن ابن عبد الحكم يضع تاريخ هذه الغزوة في سنة 46هـ.
(1/19)

أنشأ مدينة القَيرُوان لتكون عاصمة للولاية الإسلامية الجديدة، وحصنا للدفاع عنها، وقاعدة لرد الروم والبربر.
ولم يمض قليل على قيام عقبة بذلك الفتح الكبير, حتى عزله والي مصر مسلمة بن مخلد الذي جمع له معاوية بين حكم مصر والمغرب (1)، وولى مكانه على إفريقية أبا المهاجر الأنصاري، فلبث في ولايتها عدة أعوام لم تقع فيها حوادث تذكر. ثم عزل أبو المهاجر وأعيد عقبة سنة 62هـ في بدء خلافة يزيد بن معاوية. وكانت البلاد المفتوحة ما تزال تضطرم بعوامل الخروج والثورة. وكان الروم والبربر كلاهما يترقب الفرص، ولكن عقبة شغل عن توطيد الدولة الفتية بفتوحات جديدة، وعاد فاخترق المغرب إلى أقصاه، ووصل إلى ساحل المحيط هذه المرة. وهنا تقول الرواية العربية، إن عقبة لما انتهي إلى المحيط دفع فرسه إلى الماء حتى بلغ نحره، ثم قال: " اللهم إني أشهدك أن لا مجاز، ولو وجدت مجازا لجزت " (2).
ففي ذلك الحين ثار البربر بقيادة زعيم لهم يدعى كسيلة بن لمزم (3) كان قد اعتنق الإسلام وحالف العرب ثم تغير عليهم، وانضمت إليه جموع كثيرة من الروم والبربر، وانتهز فرصة تفرق المسلمين في مختلف الأنحاء، وانقض بجموعه على جيش عقبة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة هزم فيها المسلمون، وقتل عقبة وجماعة من القادة (سنة 62هـ) وزحف كسيلة على القيروان واستولى عليها، وارتد حاكمها زهير بن قيس البلوي بقواته القليلة إلى برقة، وكادت بذلك تذهب دولة العرب في إفريقية.
ولما تولى الخلافة عبد الملك بن مروان (سنة 65 هـ) اعتزم أن يعمل لاستعادة إفريقية، فولى عليها زهير بن قيس البلوي، وكان منذ سقوط القيروان يتولى الدفاع عن برقة، وأمده بجيش ضخم، فزحف زهير على القيروان سنة 69 هـ (688 م) والتقى على مقربة منها بجيش كسيلة، فهزم البربر بعد معركة شديدة
_______
(1) ويضع ابن عبد الحكم تاريخ هذا العزل في سنة 51 هـ، ويقول الطبري إنه وقع في سنة 50 هـ (ج 6 ص 134).
(2) ابن عبد الحكم ص 199، وابن الأثير ج 4 ص 42.
(3) هذه هي تسمية ابن عبد الحكم (ص 200) وابن خلدون (ج 6 ص 108) ولكن ابن الأثير يسميه كسيلة ابن كمرم.
(1/20)

قتل فيها كسيلة وكثير من أصحابه، ودخل زهير القيروان وترك فيها حامية للدفاع عنها، وفرق جنده لإخضاع الثوار في مختلف الأنحاء. ولكن الروم انتهزوا فرصة توغل المسلمين غربا، وأمدهم قيصر قسطنطينية (1) بأسطول من صقلية، فنزلوا في قرطاجَنة ثم زحفوا. على برقة في جموع عظيمة، وعلم زهير بتلك المفاجأة، فارتد للدفاع عن برقة، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة هزم فيها المسلمون، وقتل زهير ومعظم ضباطه، وذهب المغرب من قبضة المسلمين مرة أخرى.
وكان وقع هذا الخطب شديداً في حكومة دمشق، وكانت تشغل يومئذ بمحاربة ابن الزبير وصحبه الخوارج عليها، فمضت أعوام أخرى قبل أن تتمكن من العناية بشئون إفريقية، فلما انتهت الثورة وقتل ابن الزبير، وجه عبد الملك عنايته إلى استعادة إفريقية، فولى عليها حسان بن النعمان الغساني سنة 73 هـ (2) (692 م) وسيره إليها في جيش ضخم كان أعظم قوة سيرتها الخلافة إلى إفريقية، فاخترق حسان برقة وقصد قرطاجَنة عاصمة إفريقية الرومانية، وكانت لا تزال في يد الروم ولم يغزها المسلمون بعد لحصانتها واتصالها بالبحر، وقربها من صقلية حيث كانت ترسل إليها الأمداد بسرعة، فحاصرها بشدة ثم اقتحمها واستولى عليها، ولكن الإمبراطور سير إليها جيشا بقيادة حاكمها يوحنا، يعاونه أسطول من صقلية، وقوة من القوط أرسلها ملك اسبانيا القوطي الذي أزعجه اقتراب العرب من بلاده، فانسحب العرب وارتدوا إلى القيروان، حتى إذا جاءتهم الأمداد أعادوا الكرة على قرطاجنة، وهزموا الروم والقوط هزيمة شديدة، ففروا إلى سفنهم، وخربت قرطاجنة وهدمت حصونها القوية. ثم سار حسان غربا وهزم الروم والبربر في عدة مواقع، واستعاد الإسلام سلطانه فيما بين برقة والمحيط (3).
وعاد حسان إلى القيروان لينظم جيشه. وكان البربر والقبائل الجبلية قد
_______
(1) كان إمبراطور قسطنطينية في ذلك الحين يوستنيان الثاني، 685 - 695 م.
(2) ابن عبد الحكم ص 200؛ ولكن ابن الأثير يضع تاريخ توليته في سنة 74هـ.
(3) ابن الأثير ج 4 ص 143، ومعجم ياقوت تحت كلمة قرطاجنة، وكذلك: Gibbon, ibid, Chap. L.
1
(1/21)

اجتمعوا منذ مقتل زعيمهم كسيلة، في مفاوز المغرب الأقصى، تحت لواء امرأة من قبيلة جراوة يعتقدون فيها السحر والكهانة وتعرف بالكاهنة (1)، وكانت تقيم ملكها في جبل أوراس. فسار حسان لقتالها وخرجت اليه بجموعها، فالتقيا عند نهر نيني، ونشبت بينهما موقعة هائلة هزم فيها العرب هزيمة شديدة، وقتل منهم جمع كبير، وارتد حسان إلى برقة. وسارت الكاهنة شرقا حتى قابس واستولت على كثير من البلاد والحصون، وبسطت سلطانها على معظم إفريقية مدى خمسة أعوام. ولبث حسان في برقة حتى أمده عبد الملك بالجند، فزحف على المغرب ثانية سنة 79هـ (698 م)، ولم تر الكاهنة وسيلة لوقفه إلا أن تحول البلاد إلى خراب بلقع، فهدمت جميع المدن والحصون، وأحرقت جميع القرى والضياع الواقعة في طريق المسلمين، ولكن ذلك لم يثن حسانا عن عزمه، فتابع سيره حتى أقاصي المغرب في وهاد ومفاوز صعبة. وكان البربر قد سئموا نير الكاهنة وعسفها، فهرع الكثير منهم إلى حسان يطلبون حمايته، وتفرقت جموع الكاهنة، وأدركها المسلمون بجبل أوراس فمزقت جموعها وقتلت. واستأمن البربر على الإسلام والطاعة، وأن يمدوا المسلمن باثنى عشر ألف مقاتل. وولى حسان جبل أوراس ابنَ الكاهنة بعد أن استوثق من طاعته، ثم عاد إلى القيروان بعد أن محق كل مقاومة وقضى على كل نزعة إلى الخروج والثورة (2).
ولبث حسان بن النعمان بإفريقية حينا، ينظم شؤونها العسكرية والإدارية
والمالية، وينشئ الدواوين ويرتب الخراج والجزية، ويوطد سلطان الحكم الجديد
في الثغور والنواحى. ثم جدد مدينة القيروان وأنشأ بها المسجد الجامع (3)، ولبث
_______
(1) ويسميها ابن خلدون دهيا بنت ماتية بن تيفان (ج 6 ص 109) ويسميها بعض المؤرخين الأوربيين داميا؛ راجع Aschbach: Geschicchte der Omaijaden in Spanien. B. 1.21
(2) ابن الأثير ج 4 ص 144، وابن خلدون ج 6 ص 109. وفي روايته من حيث التاريخ شيء من التناقض، فهو يؤرخ غزوة حسان الأولى وفتح قرطاجنة بسنة 79هـ ثم يؤرخ حرب الكاهنة المرة الثانية بعد أن يذكر أنها لبثت تحكم افريقية خمسة أعوام بسنة 74هـ - ولعل هذا تحريف في النقل أو الطبع، إذ يقتضي أن يكون هذا التاريخ طبقا لرواية ابن خلدون هو سنة 84هـ. ولكن ابن عبد الحكم وهو أقدم رواية وثيقة يؤرخ غزوة حسان الأولى بسنة 73هـ ويؤرخها ابن الأثير بسنة 74هـ - وينقض رواية ابن عبد الحكم عن مقتل الكاهنة تاريخ هذه الواقعة (ص 201).
(3) ابن خلدون ج 6 ص 110، وابن عبد الحكم ص 201.
(1/22)

في منصبه حتى توفي عبد الملك بن مروان سنة 86هـ (705 م) فخلفه ابنه الوليد بعهد منه، وولى عمه عبد الله بن مروان على مصر، فعزل حسانا عن ولاية إفريقية، واختار لولايتها موسى بن نصير اللخمي، وكانت إفريقية تابعة لمصر في شؤون الحكم والولاية كما بينا. وكانت ولاية موسى بن نصير لإفريقية سنة 89هـ (708 م).
ويجب قبل أن نمضي في الكلام عن حوادث إفريقية، أن نقول كلمة عن الرجل الذي قدر أن يجوز الإسلام على يديه لأول مرة إلى القارة الأوربية، وأن يكتب فيها صفحة من أمجد صفحاته. كان موسى بن نصير من أعظم الزعماء والقادة الذين وجهتهم الخلافة إلى الغرب. ومع أن الرواية الإسلامية تتبع حياته بإفاضة منذ ولايته لحكم إفريقية، فإنها لا تقدم إلينا عن نشأته وحياته الأولى تفاصيل شافية، شأنها نحو كثير من زعماء الإسلام في القرن الأول من الهجرة. بيد أننا نعرف مع ذلك أنه من التابعين، وأنه ولد سنة 19هـ في خلافة أمير المؤمنين عمر، في قرية من قرى الجزيرة، أو بوادي القرى في شمالي الحجاز على قول آخر. وأما عن نسبته، فتقول الرواية إنه ينتسب إلى بكر بن وائل، وان أباه نصيرا كان ممن سباهم خالد بن الوليد في موقعة عين التمر (سنة 12هـ) (1). وقيل إنه ينتسب بطريق الولاء إلى بني لخم، وان أباه نصيراً كان على حرس معاوية بن أبي سفيان. ثم كان وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه (2).
وأما عن حياة موسى الأولى فلا تذكر الرواية سوى القليل. وكل ما نعرفه منها أنه تقلب في بعض المناصب الحربية والإدارية الهامة، قبل أن يعهد إليه بحكم إفريقية، وأنه قاد بعض الحملات البحرية في عصر معاوية بن أبي سفيان، وغزا قبرص وغيرها من الجزر القريبة (3). وفي بعض الروايات أن عبد الملك بن مروان حينما ولى أخاه بشرا على البصرة في سنة 73هـ، وكيان يتولى قيادة الجند
_______
(1) الطبري ج 4 ص 22، و" أخبار مجموعة في فتح الأندلس " ص 3، وأبو المحاسن في النجوم الزاهرة (مصر) ج 1 ص 235.
(2) ابن خلكان ج 2 ص 176، وابن الأثير ج 4 ص 209، والبلاذري في فتوح البلدان ص 232.
(3) النجوم الزاهرة ج 1 ص 225.
(1/23)

بمصر، ندب موسى بن نصير لمعاونته، وكان يومئذ بمصر في خدمة أميرها عبد العزيز بن مروان صديقه وحاميه، وأن موسى لبث وزيراً ومستشارا لبشر أيام ولايته للبصرة. فلما وُليّ الحجاج حكم العراق في سنة 75 هـ، اتهم موسى باختلاس أموال البصرة، ولم ينقذه من بطش الحجاج سوى تدخل عبد العزيز ابن مروان، وكان قد وفد يومئذ على الشام بأموال مصر، وهرع إليه موسى مستجيرا به. ثم عاد موسى إلى مصر مع عبد العزيز بن مروان، ولبث بها يتبوأ لديه أسمى مراتب النفوذ والثقة حتى عين حاكما لإفريقية (1).
وتختلف الرواية في تاريخ ولاية موسى بن نصير لإفريقية اختلافا بينا، فالبعض يقول إنها كانت في سنة 78 أو 79 هـ في عهد عبد الملك، ويقول البعض الآخر إنها كانت في سنة 86 أو سنة 89 هـ في عهد ابنه الوليد (2)؛ ونحن نؤثر الأخذ بالقول الثاني لأنه أكثر اتفاقاً مع سير الحوادث في إفريقية، ولأن معظم الروايات تجمع على أن حسان بن النعمان والى إفريقية لبث على ولايتها حتى وفاة عبد الملك، وقد توفي عبد الملك في شوال سنة 86 هـ. وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر قد توفي قبل ذلك سنة 85 هـ، وندب عبد الملك ولده عبد الله أميرا
_______
(1) وردت هذه التفاصيل في كتاب " الإمامة والسياسة " المنسوب لابن قتيبة. ومع أن هذه النسبة يحيط بها كثير من الشك، فإن الكتاب يتضمن كثيرا من الأخبار والتفاصيل المفيدة عن رجالات الإسلام في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية (راجع الكتاب المشار إليه - طبع مصر - ج 2 ص 60 وما بعدها). وقد اعتبره المستشرق الإسباني جاينجوس Gayangos قديما وصحيحا، وإن كان يشك في نسبته لابن قتيبة لعدة أسباب وجيهة؛ وانتفع به المستشرق الألمانى فايل Weil، والمستشرق الإيطالى أماري Amari. ويرى دوزي أن الكتاب غير قديم وغير صحيح، وأنه يحتوي على أخطاء تاريخية وروايات خيالية غير معقولة، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة صاحب هذا التصنيف الضعيف؛ ويرى المستشرق هاماكر ويوافقه دوزي أن هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التاريخية الحماسية (مثل الكتب التي نسبت للواقدى)، قد ألفت أيام الحروب الصليبية لبث الحماس في نفوس المسلمين، وتذكيرهم بأمجاد أسلافهم وبطولاتهم الخارقة. راجع دوزي:
Recherches sur l'Histoiret Littérature de l'Espagne au moyen àge; V.i.p.21
(2) يقول بالرواية الأولى ابن عبد الحكم (ص 203)، ويتبعه صاحب كتاب الإمامة والسياسة (ج 2 ص 62)، وابن الأبار في الحلة السيراء (ليدن ص 70)، والحميدي في جذوة المقتبس (مصر ص 317)، والنجوم الزاهرة (ج 1 ص 188)، ويقول بالثانية ابن الأثير (ج 4 ص 144 و206)، وابن خلكان (ج 2 ص 176). وابن عذارى في البيان المغرب (ج 1 ص 23).
(1/24)

على مصر، فدخلها في جمادى الآخرة سنة 86 هـ قبيل وفاة أبيه بأشهر قلائل. وعزل عبد الله، حسان بن النعمان عن ولاية إفريقية، واختار لولايتها موسى بن نصير. وكانت ولاية موسى لإفريقية على أرجح الأقوال في سنة 89 هـ (708 م).
وكان موسى بن نصير قد اخترق مفاوز إفريقية من قبل، وسيره عبد العزيز ابن مروان في سنة 84 هـ إلى برقة، فافتتح درنة وسبى من أهلها جموعاً غفيرة. وكان البربر لا يزالون على اضطرابهم وتمردهم، يتحينون الفرصة للثورة كلما سنحت. فما كاد موسى يلي الحكم حتى نزعوا إلى الثورة شأنهم عند كل تغيير في الحكم، ولكنهم أخطأوا تقدير عزم الحاكم الجديد وصرامته. وسرعان ما سحقت الثورة في كل ناحية، ومزق موسى جموع الثوار بيد من حديد، ودوخ هوارة وزَتانة وكتامة وصِنهاجة وغيرها من القبائل البربرية القوية، ثم سار إلى طنجة وهي آخر معقل اعتصم به الثوار، ولم يكن غزاها العرب بعد، فافتتحها، وولى عليها جندياً عظيما هو طارق بن زياد الليثى، وأثخن في مفاوز المغرب الأقصى، وطهرها من العصاة والمتآمرين، وأحرز في تلك الغزوات من الغنائم والسبي ما لا يحصى، واستمال إليه وجوه القبائل، وحشد في جيشه آلافا من البربر المسالمين، واهتم بنشر الإسلام بين البربر اهتماماً عظيماً، فأقبلوا على اعتناقه وذاع بينهم ذيوعاً كبيراً، وهبت ريح من الأمن والسكينة على البلاد المفتوحة.
وكان الروم (الرومان) بعد أن أخفقوا في الحرب البرية، ويئسوا من استرداد إفريقية، قد لجأوا إلى غزو الثغور ونهبها، فابتنى موسى داراً عظيمة للصناعة (بناء السفن) على مقربة من أطلال قرطاجنة، وأنشأ أسطولا ضخماً لحماية الثغور. وكان العرب قد بدأوا غزواتهم البحرية الأولى في تلك المياه قبل ذلك بعدة أعوام، وسير موسى ابنه عبد الله في السفن إلى الجزر القريبة فغزا جزائر البليار (الجزائر الشرقية) وكانت يومئذ من أملاك ملك اسبانيا القوطى، وافتتح مَيُورقة ومِنُورقة (710 م) ولكنه لم يكن فتحاً مستقراً (1). وسارت
_______
(1) تعرف هذه الغزوة بغزوة الأشراف لكثرة من اشترك فيها من أكابر المسلمين. وورد في كتاب " الإمامة والسياسة " أن هذه الغزوة التي قادها عبد الله بن موسى كانت خاصة بصقلية لا بميورقة (ج 2 ص 73).
(1/25)

حملات بحرية أخرى إلى صقلية وسردانية وعاثت في ثغورها، وعادت مثقلة بالسبى والغنائم. وهكذا بسط العرب سلطانهم على شمالي إفريقية كله في البر والبحر، ولم يبق من ثغوره بيد النصارى بعد افتتاح طنجة سوى ثغر سبتة (1) الواقع في نهاية البحر الأبيض المتوسط شرقي طنجة، وكانت يومئذ من أملاك اسبانيا، ويحكمها زعيم من القوط أو الفرنج يدعى الكونت يوليان. وكانت سبتة قد استطاعت لمنعتها الطبيعية ويقظة حاكمها، أن ترد هجمات العرب، رغم مجاورتهم لها من الجنوب والغرب، وكان موسى يتوق إلى افتتاح هذا المعقل الحصين. على أن مشاريعه في الفتح لم تكن تقف عند سبتة بل كانت تجاوزها إلى ما وراء ذلك البحر الشاسع، الذي عرف العرب كثيراً عن شواطئه الشرقية والجنوبية، ولكنهم لم يعرفوا بعد شيئاً أو لم يعرفوا سوى القليل عن شواطئه الشمالية والغربية: أجل، كان موسى يتوق إلى افتتاح ما وراء ذلك البحر من الممالك والأمم المجهولة.
_______
(1) ومقابلها الإفرنجي هو Ceuta
(1/26)

الفصل الثاني
إسبانيا قبل الفتح الإسلامي
أصل القوط. نزوحهم من الشمال إلى الجنوب. عبورهم نهر الدانوب. يهزمون الإمبراطور ديسيوس. هزيمتهم على يد الإمبراطور قسطنطين ثم الإمبراطور فالنس. زحف الهذن على القوط. دخولهم في طاعة الإمبراطور. ثورة القوط في عهد هونوريوس. زعيم القوط ألاريك. عقدهم الصلح مع الإمبراطور واندماجهم في الجيش الروماني. استقرارهم في غاليس. فاليا أول ملوكهم. تيودريك الأول يعاون الدولة في محاربة آتيلا. تيودريك الثاني يفتتح إسبانيا من يد الوندال. قيام مملكة القوط في اسبانيا. اعتناقهم للنصرانية. اسبانيا وقت الفتح الإسلامي. المجتمع الإسباني. استئثار القوط بالسيادة والثراء. نفوذ رجال الدين. بؤس الشعب وانحلال الجيش. ركون القوط الى الرفاهة والدعة. يهود اسبانيا. اضطهاد الكنيسة لهم وإرغامهم على التنصير. محاولتهم الثورة والمبالغة في إرهاقهم. ملك القوط وتيزا والخوارج عليه. تفرق المملكة ونشوب الثورة. مقدم العرب إلى شواطىء الجزيرة. محاصرة العرب لسبتة. زعيم الثورة ردريك. الحرب بينه وبين وتيزا. مقتل وتيزا واستيلاء ردريك على الملك. الكونت يوليان حاكم سبتة والخلاف في شأنه. الاتفاق بينه وبين وتيزا عل الإستنجاد بالعرب. قصة فلورندا إبنة الكونت يوليان. أقوال الرواية الإسلامية في شأنها. إنكار الرواية الإسبانية لصحتها. ما يرجحها في نظر التاريخ.
كانت اسبانيا (1) في الوقت الذي امتد فيه سلطان العرب إلى الشواطىء القريبة منها، وإلى الجزر المجاورة لها، خاضعة لنير القوط وكانت قبل ذلك بنحو ثلاثة قرون كإفريقية، ولاية رومانية تخضع لسلطان رومة. فلما اضمحل سلطان رومة، وغزتها القبائل البربرية الجرمانية في أوائل القرن الخامس الميلادي،
_______
(1) لا يستعمل العرب اسم " اسبانيا " للإشارة إلى شبه الجزيرة المعروفة بهذا الإسم، وإنما يطلق
العرب اسم " الأندلس " على شبه الجزيرة كلها (راجع الروض المعطار - مصر - ص 1). وفي بعض
الروايات العربية أن التسمية نسبة لملك من الرومان اسمه إشبان بن طيطش غلب الأفارقة على ملك
الأندلس، وباسمه سميت إشبانية. وذكر بعضهم أن اسمه أصبهان فحرف. وأنه هو الذي بني إشبيلية،
وأن " اشبانية " كانت تطلق على إشبيلية التي كان ينزلها اشبان هذا. ثم غلب الاسم، بعده عل الأندلس
كله، فالعجم يسمونه إشبانية (نفح الطيب عن الرازي ج 1 ص 67)؛ وذكر ابن حيان أن
الإشبانيين ينسبون إلى إشبان وفسر منشأهم بخرافة دينية (نفح الطيب ج 1 ص 69). ولم تنفرد
الرواية الإسلامية بذكر " إشبان Espan " هذا ولكن تذكره أيضا رواية ألفونسو العاشر القشتالية،
فتقول لنا انه ابن أخ للملك هرقل، وأنه هو الذي عمر جزيرة قادس واتخذها مقرا له. راجع:
Primera Cronica General de Espana (Ed. Pidal) Vol, I.p. 10
(1/27)

اقتسمت هذه القبائل أملاك رومة الغربية، واستولت على إيطاليا وفرنسا واسبانيا وكانت اسبانيا من نصيب القوط.
والقوط هم إحدى هذه القبائل أو الشعوب البربرية. التي هبطت من شمال أوربا، وقوضت صروح الإمبراطورية الرومانية. وتقول الأساطير القديمة إنهم نزحوا من اسكندناوة، وهي رواية يؤيدها كثير من القرائن والشواهد. ويذكر المؤرخ تاسيتوس أنهم كانوا منذ ظهور النصرانية إلى أواخر القرن الثاني، يسكنون شواطىء البلطيق الجنوبية، وأن قبائل عديدة من الوندال كانت تسكن على ضفاف نهر "أودر". وهنالك من المشابهات بين القوط والوندال، في الدين والعادات والأخلاق والتقاليد، ما يدل على أنهما يرجعان في الأصل إلى شعب أو جنس عظيم واحد. وفي عهد الإمبراطور اسكندر سيفروس (222 - 235 م) ظهرت طلائع القوط في ولاية "داسيا" (1) الرومانية، وأغارت على بعض مدنها، وكان هذا نزوحهم الثاني حيث استقروا عندئذ في إقليم " اليوكرين ". وفي عهد الإمبراطور ديسيوس عبروا نهر الدانوب وخربوا ولاية ميزيا (2) الرومانية، ثم تقدموا إلى قلب البلقان، فسار ديسيوس لقتالهم ولكنه هزم ومزق جيشه (250 م) وسار القوط إلى اليونان فعاثوا فيها وخربوها. ولم ينقطع عيثهم حتى نشط الإمبراطور قسطنطين الكبير لقتالهم ورد عدوانهم، فحاربهم في عدة مواقع وهزمهم هزيمة شديدة، وردهم إلى أقاصي داسيا (سنة 322 م) وفرض عليهم شروطا فادحة. ثم حاربهم الإمبراطور فالينس قيصر قسطنطينية وهزمهم في سنة 369 م. وفي سنة 375 م زحف الهون من المشرق على القوط ومزقوهم، ففروا إلى ضفاف الدانوب. واستغاثوا بالإمبراطور وطلبوا الدخول في طاعته، فأجابهم إلى ذلك، واستقروا حيناً في ولاية تراقية، ولكنهم ثاروا مراراً من جراء قسوة الحكام الرومانيين وعسفهم (3).
وفي عهد الإمبراطور هونوريوس، قام القوط بثورة أعظم وأبعد أثرا بقيادة زعيمهم " ألاريك "، وخربوا تراقية واليونان، ثم عبروا إلى إيطاليا
_______
(1) كانت ولاية داسيا تقع في شرقي حوض الدانوب وتشغل مكان رومانيا والمجر.
(2) كانت ولاية ميزيا تقع في وسط البلقان وتشغل مكان بلغاريا الحديثة.
(3) Gibbon, ibid, Chap X, XIV & XXV
(1/28)

وافتتحوا رومة ونهبوها (سنة 410 م). ولكن زعيمهم ألاريك توفي في نفس هذا العام فارتدوا إلى الشمال. ثم عقدوا الصلح مع الإمبراطور، واندمجوا في الجيش الإمبراطوري، وقاموا بقمع الثورات المحلية في غاليا أو غاليس (1) (جنوبي فرنسا) وشمالي اسبانيا، ثم استقروا في أواسط فرنسا وجنوبها، فيما بين نهري اللوار والجارون، واتخذوا تولوز (تولوشة) عاصمة لهم. وأقطع الإمبراطور ملكهم " فاليا " حكم هذا القطر، وقامت بذلك مملكة قوطية تابعة للدولة الرومانية. وعاون القوط الدولة على محاربة الوندال والآلان والسوابيين (2)، وعاونها بالأخص ملكهم تيودريك الأول ولد ألاريك، على هزيمة آتيلا التتري وبرابرته الهون في موقعة شالون (سنة 451 م). ثم عبر خلفه وأخوه تيودريك الثاني إلى اسبانيا، لانتزاعها من الوندال والسوابيين المتغلبين عليها، مشترطاً على الدولة أن يحتفظ بما يفتتحه من اسبانيا لنفسه ولعقبه. وحارب الوندال والسوابيين وهزمهم (سنة 456 م)، وافتتح اسبانيا ما عدا ركنها الشمالي الغربي (جليقية)، الذي استعصم به الوندال حيناً. ولم تأت نهاية القرن الخامس حتى ملك القوط شبه الجزيرة كلها، وامتد ملكهم من اللوار إلى شاطىء اسبانيا الجنوبي. ولكن الفرنج غزوهم من الشمال، وأجلوهم عن فرنسا في أعوام قلائل، فاستقروا في اسبانيا، واتخذوا طليطلة دار ملكهم، ووضعوا لمملكتهم الجديدة نظماً وقوانين خاصة، تتأثر بروح الحضارة والأنظمة الرومانية؛ وكانوا أيضاً قد اعتنقوا النصرانية منذ أواخر القرن الرابع، كما اعتنقها الوندال وغيرهم من الشعوب البربرية، التي تقاسمت تراث رومة وأملاكها. ولبث القوط زهاء قرنين سادة لإسبانيا حتى الفتح الإسلامي (3).
_______
(1) هكذا يسميها ابن الأثير. ويسميها البكري، " بلاد غاليش " وهو اسمها الروماني: La Gaule
(2) ويبدي ابن خلدون دقة في تسمية هؤلاء البربر، فيسميهم " القندلس والآبيون والشوابيون " (ج 2 ص 235).
(3) يقدم المؤرخون المسلمون عن تاريخ اسبانيا قبل الفتح الإسلامي روايات غامضة أكثرها خرافي. ولكن بعضها يقترب من التاريخ. فابن الأثير مثلا يشير في روايته عن القوط إلى غزوهم لمقدونية ومحاربة قسطنطين الأكبر لهم. ثم يذكر زعيمهم " ألريق " (ألاريك) وكيف غزا رومة، وكيف استقر القوط أولا في غاليس (أى غاليا) ثم انتقلوا إلى اسبانيا. غير أنه يذكر ثبت ملوكهم=
(1/29)

ولنعرض بعد ذلك إلى حالة اسبانيا وقت الفتح. كانت المملكة القوطية تجوز دور انحلالها قبل ذلك بأمد طويل، وكان المجتمع الإسباني يعاني صنوف الشقاء والبؤس، وقد مزقته عصور طويلة من الظلم والإرهاق والإيثار. ولم يكن القوط في الحقيقة أمة بمعنى الكلمة، فإنهم لم يمتزجوا بسكان الجزيرة، ذلك الامتزاج الذي يجعل الغالب والمغلوب، والحاكم والمحكوم، أمة واحدة. بل كان القوط يستأثرون بمزايا الغلبة والسيادة، وينعمون بإحراز الإقطاعات والضياع الواسعة، ومنهم وحدهم الحكام والسادة والأشراف. أما سواد الشعب الأعظم، فقوامه طبقة متوسطة رقيقة الحال، وزراع شبه أرقاء يلحقون بالضياع، وأرقاء للسيد عليهم حق الحياة والموت. وإلى جانب السادة والأشراف، يتمتع رجال الدين بأعظم قسط من السلطان والنفوذ؛ ذلك أن القوط كانوا أتقياء مؤمنين رغم خشونتهم، وكان للأحبار عليهم أيما تأثير، وقد استطاعوا أن يوجهوا القوانين والنظم، وأن يصوغوا الحياة العقلية والاجتماعية، وفقا لمثل الكنيسة وغاياتها. ثم استغلوا هذا النفوذ في إحراز الضياع وتكديس الثروات، واقتناء الزراع والأرقاء. وهكذا كانت ثروات البلاد كلها تجمع في أيدي فئة قليلة ممتازة من الأشراف ورجال الدين، اختصت بترف العيش ومتاع الحياة، وكل نعم الحرية والكرامة والاعتبار.
أما الشعب فقد كان في حالة يرثى لها من الحرمان والبؤس، يعاني أمر ضروب الظلم والعسف والإرهاق، ويُخص وحده دون الطبقات الممتازة، بأعباء المغارم والضرائب الفادحة، ومشاق العمل، والسخرة في ضياع الأشراف والأحبار، وتسلبه فروض العبودية والرق، كل شعور بالعزة والكرامة. ولم يكن الشعب كما قدمنا سوى كتلة مهيضة من طبقة فقيرة وسطى، ومن جمهرة من الزراع شبه الأرقاء والأرقاء، ومع ذلك فقد كان يقع عليه إلى جانب هذه الفروض والمغارم
_______
= في كثير من التحريف والخلط (ج 4 ص 212 و213). وقال ابن حيان بعد أن ذكر أصل اسم اسبانيا " وغلب على هؤلاء الإشبانيين من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات (الوندال) وملكهم طلويش بن بيطة وذلك من بعث المسيح. ثم دخلت عليهم أمة القوط " (نقله المقري في نفح الطيب ج 1 ص 69). وأقرب الروايات إلى الصحة هي رواية ابن خلدون، فهو يقول متفقا مع الرواية اللاتينية: " إن القوط قد امتلكوا القطر الأندلسي لمئتين من السنين قبل الإسلام. بعد حروب كانت لهم مع اللطنيين، حاصروا فيها رومة ثم عقدوا معهم السلم على أن تنصرف القوط إلى الأندلس " (ج 4 ص 116).
(1/30)

الفادحة، عبء الحرب والدفاع عن الوطن. وكما أن الجيوش الرومانية كانت وقت ظهور الإسلام، قد فقدت وحدتها وروحها القومي وقوتها المعنوية، لتكوينها من الرعايا الأجانب والمرتزقة، فكذلك كان الجيش الإسباني منذ العهد الروماني، قوامه الزراع شبه الأرقاء واليهود. فلما حل القوط في اسبانيا وذاقوا نعم السلم، بعد مشاق التجوال والغزو، وتبوأوا مراكز الغلبة والسيادة، اعتمدوا في الدفاع عن ملكهم الجديد على هذا الجيش، الذي تموج صفوفه بجماعات مضطهدة ناقمة على سادتها. " ولاريب أن شبه الأرقاء كانوا في الجيش أكثر بكثير من الأحرار، وهذا ما يعني أن الدفاع عن الدولة كان يعهد به إلى أولئك الذين يؤثرون ممالأة العدو على الذود عن ظالميهم " (1). أما القوط أنفسهم فقد فقدوا منذ بعيد خلالهم الحربية القوية، وركنوا إلى حياة النعماء والدعة، وفتت في عزائمهم وشجاعتهم نعومة الجو وترف العيش، ولم يعودوا بعد أولئك الغزاة الأشداء الذين أخضعوا رومة، وتوغلوا فيما بين الدانوب والمحيط، " بل كان خلفاء ألاريك يحتجبون بصخور البرنيه غارقين في سبات السلم، لا يعنون بتحصين مدينة، ولا يعبأ شبابهم بتجريد سيف " (2).
وكان يهود الجزيرة كتلة كبيرة عاملة، ولكنهم كانوا موضع البغض والتعصب والتحامل، يعانون أشنع ألوان الجور والاضطهاد. وكانت الكنيسة منذ اشتد ساعدها ونفوذها تحاول تنصير اليهود، وتتوسل إلى تحقيق غايتها بالعنف والمطاردة. ففي عصر الملك سيزبوت (3) فرض التنصر على اليهود أو النفي أو المصادرة، فاعتنق النصرانية كثير منهم كرها ورياء (سنة 616 م). ثم توالت عليهم مع ذلك صنوف الاضطهاد والمحن، فركنوا إلى التآمر وتدبير الثورة، وتفاهموا مع إخوانهم يهود المغرب على المؤازرة والتعاون. ولكن المؤامرة اكتشفت قبل نضجها (694 م). وكان ذلك في عهد الملك إجيكا، فقرر أن يشتد في معاقبتهم، واجتمع مؤتمر الأحبار طليطلة للنظر في ذلك، وأجاب الملك إلى ما طلبه، وقرر معاقبة اليهود باعتبارهم خوارج على الدولة يأتمرون بسلامتها، ولأنهم ارتدوا
_______
(1) I. p. 269.Dozy: Histoire des Musulmans de l'Espagne (1932) Vol
(2) L1. .Gibbon, Ibid, Chap
(3) ويسميه ابن الأثير، سيسفوط (ج 4 ص 213).
(1/31)

عن النصرانية التي اعتنقوها من قبل؛ وقرر أن ينزع أملاكهم في سائر الولايات الإسبانية، وأن تحول إلى جانب العرش، وأن يشردوا ويقضى عليهم بالرق الأبدي للنصارى، وأن يهبهم الملك عبيداً لمن شاء، وألا يسمح لهم باسترداد حرياتهم ما بقوا على اليهودية، وأن يحرر أرقاؤهم من النصارى ويمنحون بعض أملاكهم، وأن ينزع أبناؤهم منذ السابعة ويربون على دين النصرانية، وألا يتزوج عبد يهودي إلا بجارية نصرانية، ولا تتزوج يهودية إلا بنصراني (1). وهكذا عصفت يد البطش والمطاردة باليهود أيما عصف، فكانوا قبيل الفتح الإسلامي ضحية ظلم لا يطاق، وكانوا كباقي طوائف الشعب المهيضة يتوقون إلى الخلاص من هذا النير الجائر، ويرون في أولئك الفاتحين الذين يتركون لهم حرية الضمائر والشعائر مقابل جزية ضئيلة ملائكة منقذين (2).
هكذا كانت حال اسبانيا حينما افتتح العرب إفريقية واقتربوا من شواطىء الأندلس. وكان على عرش اسبانيا يومئذ الملك وتيزا (3) خلف الملك إجيكا وولده. وكان يحكم مملكة مزقها الخلاف وشعباً أضناه العسف. وتحمل بعض الروايات الإسبانية القديمة على وتيزا، وتصفه بأنه كان ملكاً خليعاً فاجراً، مغرقا في شهواته، وأنه كان على رأس بلاط منحل وضيع الخلال. ويقول البعض الآخر إنه كان بالعكس ملكاً فاضلا حسن السيرة، وافر الحكمة والعدالة، وإنه عمل على رد المظالم وإقامة العدل (4). والمرجح المتداول، أنه أحسن السيرة في بداية عهده، ورد إلى اليهود سابق حقوقهم وامتيازاتهم، ولكنه حاول أن يحد من سلطة الأشراف والأحبار، وأن يجمع السلطة في يد العرش، فسخط عليه الأشراف ورجال الدين، ودبروا لإسقاطه ثورة بعد ثورة؛ ولكنه أخمدها
_______
(1) راجع كتاب " تاريخ لانجدوك " Histoire de Languedoc، تأليف الراهب Dom Vissette ( الطبعة الجديدة ج 1 ص 750 و751)، وهذا المؤلف موسوعة ضخمة من ستة عشر مجلدا، ويشتمل على وثائق وتفاصيل هامة عن تاريخ اسبانيا قبل الفتح الإسلامي، وغزوات العرب الأولى لإسبانيا وفرنسا.
(2) Dozy: Hist,: V. I. p. 268
(3) ويسميه العرب " غيطشة ".
(4) يقول بالرواية الأولى سبستيان الشلمنقي وردريك الطليطلي، ويقول بالرواية الثانية إيزيدور الباجي؛ ويوافقه في هذا ابن عذارى المراكشي (البيان المغرب ج 2 ص 4). وراجع:
Dozy: Recherche, V. I p. 16
(1/32)

جميعاً، وهدم جميع المعاقل والحصون الداخلية لكي يحطم سلطان خصومه ويجردهم من وسائل الدفاع والمقاومة، فلم يزدهم البطش والهزيمة إلا ظمأً إلى الخروج والثورة. وكان في مقدمة خصومه الذين يخشى بأسهم دوق تيودوفريد الذي نفاه أبوه الملك إجيكا إلى قرطبة، فزاد على ذلك أن سمل عينيه مبالغة في النكاية به، وحاول أن يفعل ذلك مع بلاجيوس ولد فافيلا دوق كانتابريا، ولكنه استطاع الفرار من نقمته (1). وكان الشعب من جهة أخرى يرزح أبداً تحت نير الجور والإرهاق، فكان عرش القوط يرتجف فوق بركان مضطرم من السخط. وتقول الرواية النصرانية إن الزعماء الناقمين انتهزوا فرصة اقتراب أسطول إسلامي من جنوب اسبانيا ورفعوا لواء الثورة، وإن وتيزا استطاع أن يرد هذا الأسطول وإن تيودومير قائد الأسطول القوطي هزم المسلمين في معركة بحرية كبيرة وذلك في سنة 708 م (2). وكان العرب كما قدمنا قد طوقوا أسوار سبتة معقل القوط في الضفة المقابلة من البحر، وأمد وتيزا حاكمها الكونت يوليان بأشجع جنده، فانتهز خصومه فرصة ضعفه في الداخل ليدبروا الثورة مرة أخرى. وقاد الثورة عندئذ زعيم جرىء هو رُدريك ابن دوق تيودوفرد الذي سمل وتيزا عيني أبيه، فكان يحفزه باعث الانتقام أيضا، وكان يتزعم حزباً قوياً، والتف حوله رجال الدين والأشراف والأسر الرومانية، فجمع جيشاً كبيراً ونادى بنفسه ملكاً. ووقعت بين الفريقين حرب أهلية شديدة. وهنا تختلف الرواية فيقال إن وتيزا قتل في هذا النضال وخلص الملك لمنافسه، وفي رواية أخرى أن ردريك ظفر به وسمل عينيه انتقاماً لأبيه، ويقال أيضاً إنه ارتد إلى إحدى الولايات الشمالية وامتنع بها حتى وفاته. ويختلف المؤرخون كذلك في تاريخ ولاية ردريك الملك، فيقول البعض، ومنهم ردريك الطليطلي، إنه تولى سنة 711 م، وحكم مع وتيزا قسما من اسبانيا، وإنه لما توفي وتيزا في سنة 713 م، استأثر بالحكم مدى
_______
(1) Dom Vissette: Ibid, V. I. p. 756
(2) أورد هذه الرواية إيزيدور الباجي Isidorus Pacensis ونقلها المؤرخ الألماني يوسف أشباخ في كتابه Geschichte der Omajaden in Spanien ( ج 1 ص 26). والظاهر أن المقصود هنا هو الحملة البحرية التي جهزها موسى بن نصير بقيادة ابنه عبد الله سنة 89 هـ (708 م) وهي المعروفة بغزوة الأشراف. ولكن المسلمين لم يهزموا يومئذ في أية معركة بحرية، وقد غزوا جزائر البليار كما قدمنا.
(1/33)

عام آخر حتى فتح اسبانيا، ويقول إيزودور الباجي، إن ردريك ظفر بالعرش في أواخر سنة 711 م وإنه لم يحكم قبل الفتح سوى عام واحد (1)؛ وفي الروايتين تحريف ظاهر، ولا بد أن ردريك ولى الملك قبل سنة 711، إذ كان فتح العرب لاسبانيا في صيف هذا العام نفسه. وعلى أى حال فإن المعركة استمرت مدى حين بين ردريك وولدي وتيزا، وهما إيفا وسيزبوت يعاونهما عمهما أوباس (2) أسقف طليطلة وإشبيلية ورأس الكنيسة، والتفت حولهما رجال الدين وكل أنصار الحكم القديم. وكان ردريك قوى الجانب وافر الشجاعة والعزم، فاستطاع أن يخمد الثورة في كل ناحية، واستتب له الأمر حينا، ومع ذلك فقد بقيَ عرش القوط مضطربا يهتز في يد القدر، وكان الخطر يجثم في ناحية أخرى.
ذلك أن خصوم ردريك اتجهوا بأبصارهم إلى خارج الجزيرة. وكان الكونت يوليان حاكم سبتة والمضيق، محط أنظارهم ومساعيهم. وقد اختلف في أمر ْالكونت يوليان اختلافا بينا، فالروايات العربية القديمة كلها تشيد بذكره، وبالدور العظيم الذي أداه في الفتح، وينكر وجوده بعض أكابر المؤرخين الإسبان مثل ماسدي وغيره، لأن ذكره لم يرد لأول مرة إلا في روايات القرن الثاني عشر. على أنه مما يعزز إجماع الرواية العربية، إشارة إيزيدور الباجي، صاحب أقدم رواية إسبانية عن الفتح، إلى شريف نصراني كان يصحب موسى في كل غزواته. كذلك تختلف الرواية في صفة الكونت، فيقال إنه لم يكن تابعا لملك القوط، وإن سبتة كانت في ذلك الحين ما تزال تابعة لقيصر الدولة الشرقية، ولكن حاكمها الكونت رأى لبعدها وعزلتها أن يستظل بحماية اسبانيا (3). على أنه يبدو من أقوال الرواية العربية، وهي في نظرنا أقوى وأرجح، أن الكونت يوليان كان قوطيا اسبانيا، وأنه كان يرتبط ببلاط طليطلة بصلات وثيقة. وتؤيد الرواية العربية
_______
(1) Dom Vissette: Ibid, V. I. p. 756 وذلك نقلا عن Rodericus Tolétanus Chronicon و Isidorus Pacensis
(2) يسمى ابن القوطية أولاد وتيزا كما يأتي: المند. ورملة. ثم أرطباس. ولعل أرطباس هو أوباس. ولكن صاحب " أخبار مجموعة في فتح الأندلس " أصح وأدق فهو يسميهما شبشرت وأبة باعتبار أنهما اثنان فقط (ص 8).
(3) Dozy: Recherches: V. I. p. 60-65, Hiet: v. I. p. 270
(1/34)

بعض التواريخ النصرانية المتأخرة، فيقول لنا ردريك الطليطلي، ولوقا التطيلي، إن الكونت يوليان كان حاكماً لسبتة، وهي يومئذ من أملاك العرش القوطي، وإنه كان رجلا شجاعاً، ولكنه كان مغامراً منتقماً، وإنه كان من أقارب الملك فامبا (1). ويقول لنا ألفونسو العاشر في تاريخه العام إن الكونت يوليان كان من أكابر الأشراف الذين يرجع أصلهم إلى القوط، وإنه كان قريبا للملك وتيزا (2). ولما نشب الخلاف الداخلي حول العرش، انضم الكونت إلى أنصار الحكم القديم وأنصار الملك وتيزا. وكان غنيا شديد البأس، كثير الأتباع والجند، يعتصم بالبحر، بعيداً عن سلطة العرش، ويقبض على مفتاح اسبانيا بحكمه لسبتة والمضيق. وكان من خصوم الحكم الجديد يخشى عواقبه على مركزه وسلطانه. فاتصل به إبنا وتيزا وباقي الزعماء الخوارج، واستقر الرأي على الاستنجاد بالعرب جيران الكونت، وهذا هو التعليل التاريخي للتحالف الذي عقد بين يوليان وموسى ابن نصير وانتهى بفتح العرب لإسبانيا. ولكن الرواية - والرواية الإسلامية بنوع خاص - تقدم إلينا تعليلا آخر، فتقول لنا إن يوليان كان يعمل بدافع الانتقام الشخصي أيضا. فقد كانت له إبنة رائعة الحسن تدعى فلورندا أوكابا، أرسلها إلى بلاط طليطلة جريا على رسوم ذلك العصر، لتتلقى ما يليق بها من التربية بين كرائم العقائل والفرسان، فاستهوى جمالها الفتان قلب ردريك فاغتصبها وانتهك عفافها. وعلم الكونت بذلك فاستقدم ابنته إليه وأقسم بالانتقام، ونزع ردريك ذلك العرش الذي اغتصبه. فلما نشبت الحرب الأهلية بين ردريك وخصومه، والتجأ هؤلاء الخصوم إليه، رأى الفرصة سانحة للعمل، ولم ير خيرا من الاستنصار بالعرب ومعاونتهم على فتح اسبانيا.
والرواية الإسلامية تجمع على قبول هذه القصة والأخذ بها، مع أخذها في الوقت نفسه بالعوامل السياسية التي ذكرناها (3). ولكن الرواية النصرانية تتردد
_______
(1) Camille Julian: Histole de la Gaule p. 727.
(2) Pr. Cronica General (Ed. Pidal) Vol. l. p. 307
(3) يتناقل المؤرخون المسلمون هذه القصة منذ أقدم العصور، فتراها في رواية ابن عبد الحكم الذي كتب تاريخ فتح الأندلس بعد وقوعه بنحو قرن فقط (أخبار مصر وفتوحها ص 205). وذكرها ابن حيان مؤرخ الأندلس (نقله نفح الطيب ج 1 ص 109)، وابن القوطية القوطي في " افتتاح الأندلس " (ص 8) - وهو يصف يوليان بأنه كان تاجرا من تجار العجم لا حاكما لسبتة، ويعلل=
(1/35)

في قبولها، وتنكرها معظم الروايات الإسبانية الحديثة، وتعتبرها أسطورة صاغتها الأغاني والقصص القديمة. وهكذا نجد ماريانا وماسدي أعظم مؤرخي إسبانيا في مقدمة المنكرين لصحتها. ويذهب البعض الآخر مثل مونتيخار وغيره إلى أبعد من ذلك، فينكر شخصية الكونت يوليان ذاته، ويعتبرها شخصية خيالية، ويعتبر القصة كلها خرافة وأسطورة فقط (1). ويقول كوندي إن اسم كابا (فلورندا) ووصيفتها أليفا وكل أشخاص هذه الرواية تدل على أن القصة كلها إنما هي خرافة موريسكية (2) اشتقت من الأساطير والأغاني العامية التي كانت ذائعة بين المسلمين والنصارى (3).
ْوإنكار الرواية الإسبانية لمثل هذه القصة معقول ظاهر الحكمة، فهي تأبى الاعتراف بواقعة تسجل خيانة الوطن على نفر من زعماء اسبانيا الأوائل، وهي خيانة كان من أثرها أن افتتح العرب اسبانيا وحكمها الإسلام قروناً طويلة. على أننا نجد في القصة ما يبعث إلى إنكارها، فوقوعها ممكن معقول في مثل الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا يومئذ، من خلاف في الرأي، وتنازع على السلطة، وانحلال أخلاقي واجتماعي. ولسنا من جهة أخرى نلمس في الرواية الإسلامية أثر الاختراع. فليس ثمة ما يدعو إليه. وليس من المعقول أن تخترع الرواية الإسلامية قصة مفادها أن المسلمين لقوا في فتح اسبانيا معاونة لم يتوقعوها، وأن هذه المعاونة سهلت لهم سبل الفتح، ولعلهم لم يقدموا بدونها على الاضطلاع به، أو لعلهم كانوا يتعرضون للإخفاق والفشل. هذا إلى أن بعض الروايات الإسبانية ْالقديمة، ومنها ما هو قريب من الفتح، يشترك مع الرواية العربية في سرد قصة فلورندا والأخذ بها.
_______
= وقوع الفتح بخروج أولاد وتيزا وخيانتهم. وكذا صاحب أخبار مجموعة (ص 5). وابن الأثير (ج 4 ص 213). وابن خلدون (ج 2 ص 236 وج 4 ص 117). وعبد الواحد المراكشي في " المعجب " (ص 6). وابن عذار المراكشي في " البيان المغرب " (ج 2 ص 8). وصاحب الروض المعطار في " وصف جزيرة الأندلس " المنشور بالقاهرة 1937 (ص 7).
(1) راجع الهامش في: Aschbach: ibid, I. p. 28
(2) نسبة إلى الموريسكيين Moriscos أو العرب المتنصرين، وهم بقية الأمة الأندلسية المغلوبة بعد سقوط غرناطة (1492 م) وانتهاء دولة الإسلام في الأندلس.
(3) Historia de la Dominacion de los Arabes en Espana
(1/36)

فمن ذلك ما ورد في رواية إيزيدور الباجي الذي عاش في أوائل القرن الثامن، وما ذكره ردريك الطليطلي في روايته، من أن الكونت يوليان ثار لاعتداء ردريك على ابنته أو زوجه، واعتزم أن ينتقم لنفسه بدعوة العرب إلى فتح اسبانيا، وهي قصة يرددها أيضاً التاريخ العام الذي وضع بأمر الملك ألفونسو العالم في أواخر القرن الثالث عشر (1). ففي هذه الروايات الإسبانية النصرانية كلها تأييد لهذه القصة الشهيرة. كذلك يختلف النقد الأوربي الحديث في أمر هذه القصة، فيرى البعض أنها أسطورة لا يصح الأخذ بها، ويرى البعض الآخر أنها معقولة لا أثر للاختراع فيها (2). ونحن مع هذا الفريق نرى قصة فلورندا حادثاً طبيعيا معقولا، ونرى في إجماع الرواية الإسلامية على تدوينها دليلا آخر على صحتها. ومهما كان من أمر يوليان، ومهما كان من بواعث غضبه ونقمته على مليكه، فقد كان تدخله أكبر عامل في تذليل فتح المسلمين لشبه الجزيرة الإسبانية، والقضاء على مملكة القوط.
_______
(1) Gibbon, ibid. Chap. LI (Note) - Pr Cronica General ; Vol.I.P. 307, C. Julian, ibid, p, 757
(2) قال الفيلسوف جيبون في تعليقه على تلك القصة: " طالما كانت أهواء الملوك يطبعها الجموح والعبث. ولكن هذه القصة المعروفة، وإن كانت روائية في ذاتها، لم تؤيدها الأدلة الكافية، وتاريخ اسبانيا يقدم من بواعث المصلحة والسياسة ما هو أليق بتفكير السياسي القديم (يريد الكونت يوليان) Gibbon, ibid, L1. ويسخر فولتير في تاريخه العام من القصة ويقول: " إن الاغتصاب صعب التنفيذ صعب التدليل، فهل يتحالف الأحبار من أجل فتاة ". ولكن المؤرخ المستشرق دوز يروي القصة ويأخذ بها في شرح حوادث الفتح Dozy: Histoire V.p.I 271. وكذا يرويها ويأخذ بها المستشرق كاردون في كتابه: Histoire de l'Afrique et de l'Espagne p.65..
(1/37)

الفصل الثالث
فتح أسبانيا
المفاوضة بين موسى بن نصير والكونت يوليان. استئذان موسى الوليد في الفتح. فكرة يوليان وأصحابه في استدعاء العرب. حملة تمهيدية إلى الجزيرة الخضراء. حملة الفتح. طارق بن زياد. عبوره الى الأندلس واختراقه الجزيرة الخضراء. تأهب ردريك ملك القوط لملاقاة العرب. مكان اللقاء بينهما. موقعة شذونة أو وادي لكة. تفرق الجيش القوطي. هزيمة القوط ومقتل ردريك. الخطاب الذي ينسب إلى طارق والشك في صحته. هل أحرق طارق سفن الحملة. اللقاء الثاني بين القوط والعرب في استجة. هزيمة القوط الثانية. زحف طارق على طليطلة. إفتتاح قرطبة وغرناطة ومالقة. معاونة اليهود للمسلمين. افتتاح تدمير وعقد الصلح مع أميرها. طارق يخترق الأندلس. كلمة أندلس وأصلها. استيلاء طارق على طليطلة. اختراقه قشتالة وليون وجبال أستورية. عوده إلى طليطلة. موسى وموقفه من الفتح. أوامره لطارق. يقود حملة جديدة إلى اسبانيا. استيلاؤه على شذونة وقرمونة واشبيلية. حصاره لماردة وافتتاحها. غضبه على طارق ثم عفوه عنه. مسيرهما إلى الشمال وافتتاحهما لسرقسطة وطركونة وبرشلونة. مسير طارق إلى جليقية. موسى يخترق البرنيه ويغزو سبتمانيا. افتتاحه لأربونة وقرقشونة ووادي الرون. مشروعه في اختراق الأمم النصرانية شرقا إلى مقر الخلافة. إعتراض حكومة دمشق. مسيره لإخضاع جليقية. استدعاؤه وطارق إلى دمشق. بواعث هذا الإستدعاء. افتتاح عبد العزيز بن موسى لبلنسية ولبلة. معاهدته مع تيودمير. إشبيلية عاصمة الأندلس. إستخلاف موسى لولده عبد العزيز. سفره وطارق إلى المشرق. ما أصاب المسلمون من غنائم الأندلس. مصير موسى واختلاف الرواية في شأنه. وفاته وخلاله. مصير طارق. مصير الكونت يوليان والأمراء المحالفين للعرب. سارة القوطية وحفيدها المؤرخ.
في الوقت الذي كانت شبه الجزيرة الإسبانية تجوز فيه هذه الحوادث والأزمات الخطيرة، كان العرب قد أتموا فتح المغرب الأقصى، واستولوا على ثغر طنجة، وأشرفوا على شواطىء الأندلس من الضفة الأخرى من البحر، ولم يبق لإتمام فتح افريقيه سوى ثغر سبتة الذي يقع مقابل طنجة في الطرف الآخر من اللسان المغربى. وكانت سبتة قد استطاعت لمنعتها وسهر حاكمها الكونت يوليان، أن تحبط كل محاولة لأخذها. وكان موسى بن نصير بتوق إلى افتتاح هذا الثغر المنيع، وتطهير افريقية من البقية الباقية من العدو. وبينا هو يرقب الفرص لتحقيق هذه الأمنية، إذ جاءته رسالة من الكونت يوليان نفسه يعرض فيها
(1/38)

تسليم معقله، ويدعوه إلى فتح اسبانيا، وجرت بينهما المفاوضة في هذا المشروع الخطير. وتختلف الرواية في أمر هذا الاتصال، فيقال إن موسى ويوليان اتصلا بالمراسلة، وقيل إنهما اتصلا بالمقابلة الشخصية، وإن الكونت استدعى موسى الى سبتة، وهنالك وقعت المفاوضة بينهما. وقيل أخيرا إنهما اجتمعا في سفينة في البحر (1). وعلى أى حال فقد استجاب موسى لدعوة الكونت، واهتم بمشروعه أعظم اهتمام، وكان قد وقف على أحوال اسبانيا وخصبها وغناها، واستطاع أن يقدر أهمية مثل هذا الفتح، وجليل مغانمه ومزاياه، فلما علم من يوليان وحلفائه ما تعانيه اسبانيا من الخلاف والشقاق، وما يسودها من الانحلال والضعف، ورأى مما يعرضه يوليان من تسليم سبتة وباقي معاقله، وتقديم سفنه لنقل المسلمين في البحر، ومعاونته بجنده وإرشاده، أن الفوز ميسور محقق، كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بأمر المشروع، فكتب إليه الوليد أن يختبره بالسرايا، أعني بالحملات الصغيرة بادىء بدء، وألا يزج بالمسلمين إلى أهوال البحر، بيد أن المسلمين كانوا قد خاضوا قبل ذلك غمر المعارك البحرية في هذه المياه، وغزوا صقلية وسردانية، ثم غزوا جزائر البليار (الجزائر الشرقية) كما قدمنا، وكان البحر الذي يفصل بين إفريقية والأندلس مجازا ضيقا سهل العبور.
ولبث موسى حينا بطنجة يهيئ عُدة الفتح، والظاهر أن يوليان وحلفاءه لم يقصدوا بدعوة موسى أن يمتلك العرب اسبانيا، وأن يحكموها، بل كان مشروعهم أن يستعينوا بالعرب على محاربة المغتصب وإسقاطه، واستخلاص الملك لأنفسهم. وكان اعتقادهم أن العرب متى امتلأت أيديهم بالأسلاب والغنائم، قفلوا إلى إفريقية. وهو فرض معقول يؤيده سير الحوادث في اسبانيا، فقد كان الخوارج على ردريك يقصدون إلى انتزاع الملك من يده. وتحقيق أطماعهم يالحلول مكانه. أما الفرض الآخر - وهو أنهم كانوا يقصدون بالفعل تسليم وطنهم إلى العرب - فمعناه أنهم كانوا يعملون للقضاء بأنفسهم على مشاريعهم وأطماعهم، وهو مما يصعب قبوله وتعليله (2)، والظاهر أن موسى بن نصير كان من جانبه
_______
(1) راجع ابن الأثير ج 4 ص 213، والبيان المغرب ج 2 ص 6.
(2) قدم ابن الأثير في روايته ما يفيد صحة الفرض الأول (ج 4 ص 214). وكذا صاحب =
(1/39)

يؤكد ليوليان أنه لايقصد بالغزو سوى مجد الفتح وكسب الغنائم، وأنه لا ينوي إنشاء دولة مسلمة فيما وراء البحر. ونزل موسى على نصح الخليفة في اختبار الفتح الجديد بالسرايا، وبدأ مشروعه بمحاولة صغيرة، فجهز خمسمائة مقاتل بينهم مائة فارس، بقيادة ضابط من البربر يدعى طريف بن مالك، فعبروا البحر من سبتة في أربع سفن قدمها يوليان، إلى البقعة المقابلة التي سميت جزيرة طريف باسم قائد الحملة، وذلك في رمضان سنة إحدى وتسعين (يوليه سنة 710 م)، وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء بإرشاد يوليان، فأصابت كثيراً من الغنائم، وقوبلت بالإكرام والترحيب، وشهدت كثيرا من دلائل خصب الجزيرة وغناها، ثم عادت في أمن وسلام، وقص قائدها على موسى نتائج رحلته، فاستبشر بالفوز، وجد في أهبة الفتح.
وفي شهر رجب سنة اثنتين وتسعين (إبريل سنة 711 م) جهز موسى جيشا من العرب والبربر يبلغ سبعة آلاف مقاتل بقيادة طارق بن زياد الليثي، وكان يومئذ حاكماً لطنجة كما قدمنا (1). ومن الغريب أن الرواية الإسلامية لا تحدثنا عن فاتح الأندلس بشىء قبل ولايته لطنجة، بل إنها لتختلف في أصله ونسبته، فقيل هو فارسي من همذان، كان مولى لموسى بن نصير، وقيل إنه من سبي البربر، وقيل أخيراً إنه بربري من بطن من بطون نفزة، وهذه فيما يظن أرجح رواية، وهي رواية يؤيدها صاحب البيان المغرب، بإيراد نسبة طارق مفصلة. ويبدو منها أن طارقاً تلقى الإسلام عن أبيه زياد عن جده عبد الله، وهو أول اسم عربي إسلامي في نسبته، ثم ينحدر مساق النسبة بعد ذلك خلال أسماء بربرية محضة حتى ينتهي إلى نفزة، وهي القبيلة التي ينتمي إليها (2).
_______
= " أخبار مجموعة " (ص 8)، والمقري (ج 1 ص 120). ومن جهة أخرى فإن البحث الحديث يؤيده ويرجحه. راجع دوزي: Dozy: Hist, V.l.p.272، وأيضا جيبون حيث يقول: " يظهر أن الكونت لا يستحق وصمات الخيانة والخسة والغدر مطلقة، فإن التاريخ لم يثبت أنه كان يريد تسليم بلاده للعرب. وإنما كان مشروعه أن يستعين بهم على قلب الحكومة وإسقاط ردريك حتى يكون له في حكومة هو منشؤها مكانة أسمى " ( note) L1. .Gibbon: ibid. Chap
(1) يقول صاحب البيان المغرب إن ولاية طارق لطنجة كانت في سنة 85هـ (ج 2 ص 28)، ولكن الظاهر أنه وليها بعد ذلك ببضعة أعوام.
(2) راجع البيان المغرب (ج 2 ص 6) وفيه ترد نسبة طارق هكذا: - طارق بن زياد ابن عبد الله بن ولغو ين ورفجوم بن نيرغاس بن ولهاص بن يطومث بن نفزا؛ وراجع أيضا نزهة =
(1/40)

وتقدم إلينا الرواية الإسلامية التي يسوقها الينا صاحب كتاب " الإمامة والسياسة " وصفا لشخص طارق خلاصته أنه كان " رجلا طويلا أشقر، بعينيه قبل أى حول وبيده شلل " (1). فإذا صحت هذه الرواية، فإنها يمكن أن تقدم إلينا دليلا آخر على انتماء طارق إلى الجنس البربري. فالبربر حسبما شهدنا من التجوال في بعض ربوعهم بالمغرب، يكثر بينهم الطول والشقرة.
وكان طارق جنديا عظيما ظهر في غزوات المغرب بفائق شجاعته وبراعته، وقدر موسى مواهبه ومقدرته واختاره لحكم طنجة وما يليها، وهي يومئذ أخطر بقاع المغرب الأقصى وأشدها اضطربا، ثم اختاره لفتح الأندلس. فعبر البحر من سبتة بحيشه تباعا في سفن يوليان القليلة، ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة التي ما زالت تحمل اسمه إلى اليوم أعني جبل طارق، وذلك في يوم الإثنين الخامس من رجب سنة 92هـ (27 إبريل سنة 711 م) (2). واخترق طارق المنطقة المجاورة غرباً بمعاونة يوليان وإرشاده، وزحف على ولاية الجزيرة التي كان يحكها تيودومير القوطي عامل ردريك واحتل قلاعها، بعد أن هزم شراذم من القوط تصدت لوقفه. وبادر حكام الولايات المجاورة بإخطار بلاط طليطلة بالخطر الداهم. وكان ردريك يشتغل يومئذ بمحاربة بعض الخوارج في الولايات الشمالية، فهرع إلى طليطلة شاعراً بفداحة الخطر المحيق بعرشه وأمته، وبعث قائده إديكو لرد العدو حتى يستكمل أهبته. ولكن طارقا هزمه ثم اخترق بسائط " الفرنتيره " (3) معتزماً السير صوب عاصمة القوط.
وكان رُدريك أو رذريق أو لذريق كا يسميه العرب (4)، أميراً شجاعاً وافر المقدرة والعزم، ولكنه كان طاغية يثير بقسوته وصرامته حوله كثيراً من البغضاء
_______
= المشتاق للشريف الإدريسي حيث يقول إنه بربري من زناته (طبع رومة ص 179)، وكذلك ابن خلدون (ج 4 ص117)، والمقري (نفح الطيب ج 1 ص 119).
(1) الإمامة والسياسة ج 2 ص 74. وذقل إلينا المقري ما يفيد أن طارقا كان ضخم الهامة، وفي كتفه الأيسر شامة (ج 1 ص 107).
(2) المقري (ج 1 ص 119)، والبيان المغرب؛ وهناك خلاف على الشهر الذي عبر فيه طارق.
(3) الفرنتيره La Frontera، هي المنطقة الوسطى والغربية في المثلث الإسبانى.
(4) ويسميه الواقدي باسم آخر هو "الأدرينوق"؛ راجع الطبري ج 8 ص 82.
(1/41)

والسخط (1). وكان عرشه يرتجف فوق بركان من الخلاف، وكانت اسبانيا قد مزقت شيعا وأحزابا، يتطلع كل منها إلى انتزاع السلطان والملك، وكان أهم هذه الأحزاب وأقواها حزب العرش القديم الذي يلتف حول ولدي وتيزا (غيطشة). ومع ذلك فقد اعتصم القوط حين الخطر الداهم بنوع من الاتحاد، واستطاع ردريك أن يجمع حوله معظم الأمراء والأشراف والأساقفة، وحشد هؤلاء رجالهم وأتباعهم، فاجتمع للقوط يومئذ جيش ضخم تقدره بعض الروايات بمائة ألف (2)، ويقدره مؤرخ أندلسي متأخر بتسعين ألف (3)، وسار ردريك نحو الجنوب للقاء المسلمين، وكان طارق قد وقف على أمر هذه الأهبة العظيمة، فكتب إلى موسى يستنجد به، فأمده بخمسة آلاف مقاتل، فبلغ المسلمون اثنى عشر ألفاً، وانضم إليهم يوليان في قوة صغيرة من صحبه وأتباعه.
كان القوط أضعاف المسلمين، وكان المسلمون يقاتلون في أرض العدو في هضاب ومفاوز شاقة، ولكن قائدهم الجرىء تقدم إلى الموقعة الحاسمة بعزم. فكان اللقاء بين الجيشين في سهل الفرنتيره Frontera على ضفاف نهر وادي لكه أو وادي بكه. وقد اختلف البحث الحديث في تحديد المكان والنهر الذي يحمل هذا الاسم الذي تورده الرواية العربية. فذكر البعض أنه هو نهر "جواداليتي" Guadalete ( وادي لكه) الذي يصب في خليج قادس على مقربة من مدينة شريش، وأن اللقاء حدث على ضفته الجنوبية شمالي مدينة شذونة. وذكر البعض الآخر، وهي الرواية الراجحة فيما يرى البحث الحديث، أن اللقاء قد حدث جنوبي بحيرة " خَندة " Janda الصغيرة المتصلة بنهر بارباتي Barbate الصغير
_______
(1) p.62.Cardonne: ibid
(2) راجع ابن الأثير ج 4 ص 214؛ والمقري ج 1 ص 120. ويقدره في مكان آخر بسبعين ألف (ص 112). ويأخذ جيبون بهذه الرواية فيقدر جيش القوط بتسعين ألف أو مائة ألف (الفصل الحادي والخمسون). ولكن ابن خلدون يقدره بأربعين ألف فقط، وهو في نظرنا أقرب إلى المعقول (ج 4 ص 117).
(3) هذه هي رواية علي بن عبد الرحمن بن هذيل صاحب كتاب " تحفة الأنفس وشعار أهل الأندلس " وهو من كتاب القرن الرابع عشر الميلادي (مخطوط بالإسكوريال رقم 1652 دير نبور - لوحة 48) وهو مؤلف فريد في بابه يتحدث عن الجهاد والمغازي والصوائف والفروسية وأحوالها وشروطها. وبه نبذ تاريخية مفيدة. وقد نشره المستشرق مرسييه.
(1/42)

خريطة:
مواقع معركة وادي لكه وخط سير طارق.
(1/43)

الذي يصب في المحيط على مقربة من رأس " طرف الغاز " (1) وأن الرواية العربية تقصد هذا النهر بما تورده من إسم وادي لكه أو وادي بكه. ففي هذا السهل الصغير الذي تحده من الجنوب سلسلة من التلال العالية، وعلى ضفاف بحيرة خنده ونهر " بارباتي " تلاقى العرب والقوط، والإسلام والنصرانية، وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 92 (17 يوليه سنة 711 م) (2). وفرق النهر بين الجيشين مدى أيام ثلاثة شغلت بالمعارك البسيطة. وفي اليوم الرابع التحم الجيشان ونشبت بينهما معركة عامة. وظهر ردريك وسط الميدان في حلل ملوكية فوق عرش تجره الخيل المطهمة، وهو منظر يثير سخرية الفيلسوف جيبون ولاذع تهكمه إذ يقول: " ولقد يخجل ألاريك (مؤسس دولة القوط) عند رؤية خلفه (ردريك) متوجا باللآلىء، متشحا بالحرير والذهب، مضطجعاً في هودج من العاج " (3). واستمرت المعركة هائلة مضطرمة بين القوى النصرانية الضخمة، وبين القوة المسلمة المتواضعة نحو أربعة أيام (4). ولكن الجيش القوطي كان رغم كثرته مختل النظام منحل العري، وكان يقود جناحيه إيفا وسيزبوت خصما ردريك (5)،
_______
(1) يقول دوزي إن هذا النهر يحمل اليوم اسم سلادو Salado ( ج 1 ص 273 هامش) وهو خطأ لأن هذا الإسم يطلق على نهر آخر يقع شمالي نهر بارباتي. ويسميه ابن القوطية " وادي بكه " (ص 7). وراجع: الأستاذ ليفي بروفنسال: Histoire de l'Espagne Musulmane p.15 & 16. (1944) والهوامش.
(2) تجمع الرواية الإسلامية تقريبا على أن الموقعة كانت في ذلك التاريخ. ولكن ابن حيان مؤرخ الأندلس يقول إنها كانت في السابع من ربيع الأول سنة 92 هـ (المقري عن ابن حيان ج ص 116) ولعله ينفرد بهذا الخلاف.
(3) تشير معظم الروايات الإسلامية إلى هذا المنظر؛ فيقول الطبري نقلا عن الواقدي: " فزحف الأدرينوق في سرير الملك، وعلى الأدرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلة التي كان يلبسها الملوك " (ج 8 ص 82)، والمقري (ج 1 ص 112)، وابن الأثير (ج 4 ص 212)، وابن عذارى (ج 2 ص 9).
(4) قال الرازي: " كانت الملاقاة يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فاتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال. ثم هزم الله المشركين فقتل منهم خلق عظيم أقامت عظامهم بعد ذلك بدهر طويل ملبسة بتلك الأرض، قالوا: وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره، فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتم الذهب يجدونها في أصابعهم، ويعرفون من دونهم بخواتم الفضة، ويميزون عبيدهم بخواتم النحاس " (المقري ج 1 ص 121).
(5) أخبار مجموعة (ص 8).
(1/44)

وتتكون صفوفه من أتباعهما وأتباع حلفائهما من الأمراء والزعماء الناقمين، الذين تظاهروا بالإخلاص وقت الخطر، وكلهم يتحين الفرصة للإيقاع بالملك المغتصب (1)، فكانت الخيانة تمزق جيش القوط شر ممزق. واستمال يوليان والأسقف أوباس وهما في صف المسلمين كثيراً من جند القوط، وبثا بدعايتهما في الصفوف الموالية لردريك كثيراً من عوامل الشقاق والتفرق، فأخذ كل أمير يسعى في سلامة نفسه. وتمكن الجيش الإسلامي على ضآلة عدده، بجلده وثباته واتحاد كلمته، من جيش القوط، فلم يأت اليوم السابع من اللقاء حتى تم النصر لطارق وجنده، وهزم القوط شر هزيمة، وشتتوا ألوفاً في كل صوب.
أما ردريك آخر ملوك القوط، فقد اختفي عقب الموقعة، ولم يعثر له بأثر. ويقول إيزويدور الباجي إنه بقي في ميدان الحرب حتى قتل مدافعاً عن عرشه وأمته. وتقول بعض الروايات النصرانية الأخرى إنه فر عقب الهزيمة على ظهر جواده، ولكنه غرق في مياه النهر. وتميل التواريخ الإسلامية إلى تأييد هذه الرواية، وتقول لنا إن ملك القوط مات غريقاً، وإنهم عثروا على جواده وسرجه الذهبي، ولم يعثر إنسان بجثته. وتزعم بعض الروايات النصرانية أيضا أن ردريك استطاع أن يلوذ بالفرار، ولكنه قتل بعد ذلك، أو أنه فر إلى بعض الأديار في البرتغال وترهب، وعاش متنكراً حيناً من الدهر. وينفرد صاحب كتاب الإمامة والسياسة بين المشارقة برواية أخرى، وهي أن طارقاً ظفر بجثة ردريك، فاحتز رأسه وبعث بها إلى موسى بن نصير، وبعث بها موسى إلى الخليفة، ويتابعه في هذه الرواية كاتب أندلسي هو صاحب كتاب تحفة الأنفس الذي تقدم ذكره (2). هذا إلى روايات كثيرة أخرى. ولكن المرجح في هذه الروايات كلها هو أن ردريك فقد حياته في الموقعة التي فقد فيها ملكه، وأنه مات قتيلا أو غريقاً على الأثر (3).
_______
(1) ابن الأثير (ج 4 ص 214) والمقري (ج 1 ص 121) ودوزي (ج 1 ص 272).
(2) راجع كتاب الامامة والسياسة ج 2 ص 75 و76. ووردت هذه الرواية في كتاب تحفة الأنفس في المخطوط المتقدم ذكره (لوحة 48).
(3) راجع في مصير ردريك، notes &،LI. Chap.C.Julian: Histoire de la Gaule p.750 - Gibbon, ibid وراجع من المصادر الإسلامية: ابن الأثير حيث يقول إنه غرق في نهاية الموقعة (ج 4 ص 214). والمقري حيث يقول إنه رمى بنفسه مختارا إلى النهر، وقد ثقلته الجراح (نفح الطيب=
(1/45)

هكذا كانت موقعة شذونة التي دالت فيها دولة القوط، بعد أن لبثت زهاء ثلاثمائة عام منذ قيامها في غاليس، وغنم الإسلام فيها ملك إسبانيا. وتحيط الرواية الإسلامية حوادث الفتح بطائفة كبيرة من الأساطير والقصص التي لا يستطيع المؤرخ أن يقف بها (1). بيد أنه يجدر بنا في هذا المقام أن نذكر ما تعرضه الرواية من أن طارقا خطب جنده قبيل نشوب المعركة الحاسمة؛ كما أنه يجدر بنا أن نورد نص هذا الخطاب الشهير الذي ينسب لفاتح الأندلس، والذي يعتبر نموذجا بديعا من الفصاحة والحماسة الحربية وهو:
" أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم. وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا، ذهبت ريحكم وتعوضت. القلوب عن رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص متاعا فيها للنفوس، أبدأ بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفي من حظي. وقد بلغكم ما أنشات هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمرجان.
_______
= ج 1 ص 121). وقال ابن الأبار في الحلة السيراء إنهم عثروا على جواد ردريك وسرجه من ذهب وزبرجد وإحدى نعليه وغاب شخصه، فما وجد حيا ولا ميتا (ليدن ص 31). وهذه هي أيضا رواية صاحب " أخبار مجموعة " (ص 6)، وقال ابن عذارى إن ردريك اختفي ولم يعرف له موضع ولا وجدت له جثة، وإنما وجد له خف مفضض، فقالوا إنه غرق وقالوا إنه قتل (ج 2 ص 10)؛ وتردد بعض التواريخ الغربية هذه الرواية (كامي جوليان في تاريخ " غاليس " ص 758). وتقول بعض الروايات الإسبانية إنه فر إلى مغار ناسك، والبعض الآخر إنه ألقى حيا إلى بئر ملأى بالأفاعي حيث صاح: " وإنها تلتهم الجزء الذي ثقلته بالخطايا " (جيبون الهامش في الفصل الحادي والخمسين).
(1) راجع رواية ابن عبد الحكم عن فتح الأندلس (ص 304 وما بعدها) فقد تخللها بعض هذه الأساطير، ولكن المقري يستوعب الكثير منها نقلا من مختلف الروايات (نفح الطيب ج 6 ص 114 وما بعدها).
(1/46)

والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوى التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم. والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين. أيها الناس: ما فعلت من شىء فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، وإنى عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أنهيه حتى أخالطه وأمثل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تنازعوا، فتفشلوا وتذهب ريحكم، وتولوا الدبر لعدوكم فتبدوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من المهنة والذلة، وما قد أحل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله معكم ومفيدكم، تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين، وهأنذا حامل حتى أغشاه فاحملوا بحملتي " (1).
ويشير صاحب كتاب تحفة الأنفس إلى خطبة طارق في قوله: " لما التقى العرب والقوط، فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام يعظهم ويحضهم على الصبر ويرغبهم في الشهادة، وبسط في آمالهم "، ثم يورد نص الخطبة (2).
ثم تنوه الرواية الإسلامية بما كان لهذا الخطاب من أثر فعال في إذكاء همم المسلمين وشجاعتهم وثقتهم، ودفعهم إلى طريق النصر والظفر.
على أنه يسوغ لنا أن نرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق؛ فإن معظم المؤرخين المسلمين، ولاسيما المتقدمين منهم لايشير إليها، ولم يذكرها ابن عبد الحكم
_______
(1) هذا، ومما ينسب لطارق أيضا من قصيدة قالها في الفتح:
ركبنا سفينا بالمجاز قصيرا ... عسى أن يكون الله منا قد اشترى
نفوسا وأموالا وأهلا بجنة ... إذا ما اشتهينا الشىء فيها تيسرا
ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا ... إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا
(2) كتاب تحفة الأنفس وشعار أهل الأندلس؛ المخطوط المتقدم ذكره لوحة 48.
(1/47)

ولا البلاذري، وهما أقدم رواة الفتوحات الإسلامية؛ ولم تشر إليها المصادر الأندلسية الأولى، ولم يشر إليها ابن الأثير وابن خلدون، ونقلها المقري عن مؤرخ لم يذكر اسمه؛ وهي على العموم أكثر ظهوراً في كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين. وليس بعيداً أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة، فنحن نعرف أن كثيرا من قادة الغزوات الإسلامية الأولى، كانوا يخطبون جندهم في الميدان؛ ولكن في لغة هذه الخطبة، وروعة أسلوبها وعباراتها، ما يحمل على الشك في نسبتها إلى طارق، وهو بربري لم يكن عريقاً في الإسلام والعروبة. والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين، صاغها على لسان طارق مع مراعاة ظروف المكان والزمان.
وتشير الرواية الإسلامية في هذا الموطن إلى واقعة أخرى جديرة بالتأمل والبحث؛ وهي واقعة قد يغلب عليها لون الأسطورة، وإن كانت مع ذلك تعرض علينا في ثوب التاريخ الحق؛ تلك هي واقعة إحراق السفن التي نقل عليها طارق جيشه من الشاطىء الإفريقى إلى شاطىء الأندلس. ونحن نعرف مما تقدم أن الكونت يوليان هو الذي قدم السفن التي ركبها العرب إلى الأندلس في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقيادة طريف بن مالك، ثم في حملتهم الغازية بقيادة طارق. وهنا تذكر الرواية أن طارقاً ما كاد يعبر بجيشه إلى الشاطىء الأندلسي، حتى أمر بإحراق السفن التي عبر عليها جيشه، وذلك لكى يدفع جنده إلى الاستبسال والموت، أو النصر المحقق، ويقطع عليهم بذلك كل تفكير في التخاذل والارتداد. فما مبلغ هذه الرواية من الصحة؟ إن جميع الروايات الإسلامية التي تحدثنا عن فتح الأندلس لا تذكر شيئاً عن هذه الواقعة، ولا تذكرها الرواية الإسلامية إلا في موطن واحد، فقد ذكر الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي " نزهة المشتاق " عند الكلام على جغرافية الأندلس، أن طارقا أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلى الأندلس (1)، وقد نقلت بعض التواريخ النصرانية المتأخرة هذه الرواية عن الإدريسي فيما يرجح. وفيما عدا ذلك فإن جميع الروايات الإسلامية تمر عليها بالصمت المطلق.
وقد يقال إن في الخطاب المنسوب إلى طارق ما يؤيد صحة هذه الرواية،
_______
(1) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (المختصر)، طبع رومة، ص 178.
(1/48)

فطارق يستهله بقوله: " أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر ... "، وفي ذلك ما يمكن أن يحمل على أن الجيش الفاتح قد جرد من وسائل الارتداد والرجعة إلى الشاطئ الإفريقي، أو بعبارة أخرى قد جرد من السفن التي حملته في عرض البحر إلى اسبانيا، ولكنا رأينا أن هذا الخطاب لا يمكن الاعتماد عليه من الوجهة التاريخية، كوثيقة بعيدة عن شوائب الريب. ولو صح أن طارقا ألقى في جنده مثل ذلك الخطاب، فقد نجد تفسيراً لأقوال طارق في أن السفن كانت ملكاً للكونت يوليان، وفي أنها لم تكن تحت تصرف الغزاة في جميع الأوقات.
ومع ذلك كله فإن رواية الشريف الإدريسي عن واقعة إحراق طارق للسفن ليست من الأمور المستحيلة؛ وهي عمل بطولة يتفق مع بطولة فاتح الأندلس. على أنها تبقى عرضة لكثير من الريب، فقد دونت لأول مرة في القرن الخامس الهجري. أعني بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون، ولم تؤيدها أية رواية إسلامية أخرى (1).
وعلى أثر الموقعة الحاسمة التي غلب فيها الجيش القوطي ومزق، ساد الرعب على القوط، فامتنعوا بالحصون والجبال، وقصدوا إلى الهضاب والسهول. وذاعت أنباء النصر في طنجة وسبتة وما جاورهما من أراضي العدوة، فعبر إلى الجيش الفاتح سيل من المجاهدين والمغامرين من العرب والبربر. وزحف طارق بجيشه شمالا. وكانت بقية الجيش القوطي قد اجتمعت عند إستجة لتحاول رد الجيش الفاتح، فالتقى الجيشان هناك ثانية، وهزم القوط مرة أخرى، ولم يبق إلا أن يستولى الفاتحون على المدن والقواعد الحصينة واحدة بعد الأخرى.
وكان يوليان وأصحابه إلى جانب المسلمين، يعاونهم بالنصح والإرشاد كما قدمنا، ففي إستجة وضعت خطة السير، وتقرر أن يسير طارق بنفسه إلى طليطلة عاصمة المملكة القوطية، وأرسل طارق مغيثاً الرومي مولى الوليد بن
_______
(1) يقدم لنا التاريخ الحديث مثلا بديعا للفاتح الذي يحرق السفن التي عبر عليها جيشه لكى يقطع على جيشه كل تفكير في الرجعة والارتداد، هو مثل المستكشف الإسباني هرناندو كورتيث فاتح المكسيك. فقد أمر هذا الفاتح الشهير، حينما أشرف على شواطىء المكسيك. مستكشفا فاتحا في سنة 1519 م. بإحراق سفنه التي قدم عليها جيشه من اسبانيا. ومن الغريب أن يكون بطل هذا الحادث إسبانيا، وهو ما يحملنا على الظن بأنه قد تأثر في عمله بالمثل الذي ينسب لطارق فاتح الأندلس.
(1/49)

عبد الملك إلى قرطبة في سبعمائة فارس، فاقتحم أسوارها الحصينة واستولى عليها دون مشقة، وأرسل حملات أخرى إلى غرناطة وإلبيرة ومالقة، فافتتحت مالقة وفر سكانها إلى الجبال، ثم لحق جيشها بالجيش المتجه إلى إلبيرة وغرناطة، فحوصرت غرناطة قليلا وفتحت، ثم فتحت إلبيرة. وكان اليهود يعاونون المسلمين في كل هذه الفتوح، فكان المسلمون يضمون إليهم في كل مدينة من المدائن المفتوحة حامية صغيرة لحفظها. ثم سار المسلمون بعد ذلك شرقاً نحو ولاية مرسية، وكانت تسمى يومئذ تيودمير (أو تدمير) باسم أميرها، وقاعدتها مدينة أوريولة؛ وكان تيودمير جندياً كبيراً، وافر العزم والبأس، فالتقى بالمسلمين ونشبت بينه وبينهم معارك شديدة هلك فيها معظم رجاله، فارتد إلى أوريولة، وامتنع بها، وعرض النساء، حسبما تقول الرواية، على الأسوار بأثواب الرجال إيهاما بكثرة جنده، واستطاع بثباته وجلده، أن يعقد الصلح مع المسلمين بشروط حسنة أنقذت بها مدينته من السبي والجزية (1).
وسار طارق في بقية الجيش إلى طليطلة مخترقاً هضاب الأندلس (2) وجبال
_______
(1) ابن الأثير (ج 4 ص 215). والبيان المغرب (ج 2 ص13). وسنورد فيما بعد نص هذه المعاهدة.
(2) يطلق المؤرخون والجغرافيون العرب كلمة " الأندلس " على شبه جزيرة إيبيريا المكونة من اسبانيا والبرتغال (ياقوت في معجم البلدان تحت كلمة الأندلس. والروض المعطار ص 1). وتطلق في الرواية العربية أيضا على اسبانيا المسلمة، التي كانت عقب الفتح تشمل كل إسبانيا ما عدا جليقية وولايات جبال البرنيه. ولكن " الأندلس " تطلق في العصور المتأخرة وفي الجغرافية الحديثة على ولايات الأندلس الواقعة في جنوبي إسبانيا بين نهر الوادي الكبير والبحر، وبين ولاية مرسيه وإشبيلية؛ وما زالت " الأندلس " Andelucia تحتل في تقسيم اسبانيا الإداري الحاضر نفس هذه المنطقة. والرواية العربية تعلل هذه التسمية بصور مختلفة فتقول مثلا إنها سميت أندلس باسم أول من سكنها من قديم الزمان وهم قوم من الأعاجم يقال لهم أندلوش (نفح الطيب ج 1 ص 67). ويقول ابن الأثير إن النصارى يسمون الأندلس إشبانة باسم اشبانس أحد ملوكها، وهذا هو اسمها عند بطليموس (ج 4 ص 212). ولكن ابن خلدون يقدم لنا تعليقا أدق فيقول إنها سميت "الأندلس" باسم "قندلس" ولعلها فندلس، ومن الواضح أنه يقصد الفندال أى الوندال (ج 2 ص 235 في تاريخ القوط). ويقدم لنا البكري خلاصة دقيقة لهذه المسميات الجغرافية التاريخية فيقول في وصفه لجزيرة الأندلس، " إن اسمها في القديم إباريه Iberia من وادي إبره، ثم سميت بعد ذلك باطقة Baetica، من وادي بيطي وهو نهر قرطبة. ثم سميت إشبانية من إسم رجل ملكها في القديم كان اسمه إشبان. وقيل سميت بالإشبان سكنوه في أول الزمان على جرية النهر وما والاه. وقال قوم إن اسمها هو في الحقيقة إشبارية Hisperia =
(1/50)

سيرّا مورينا (جبل الشارّات) التي تفصل بين الأندلس وقشتالة، بإرشاد يوليان وأصحابه. وكان القوط قد فروا منها نحو الشمال بأموالهم وآثار قديسيهم. ولم يبق بها سوى اليهود وقليل من النصارى، فاستولى طارق عليها، وأبقى على من بقي من سكانها، وترك لأهلها عدة كنائس، وترك لأحبارها حرية إقامة الشعائر الدينية، وأباح للنصارى من القوط والرومان اتباع شرائعهم وتقاليدهم، واختار لحكمها وإدارتها أوباس مطرانها السابق وأخا الملك وتيزا. وتابع طارق زحفه شمالا، فاخترق قشتالة ثم ليون في وهاد ومفاوز صعبة، وطارد فلول القوط حتى أسترقة؛ فلجأت إلى قاصية جليقية واعتصمت بجبالها الشامخة. وعبر طارق جبال أشتوريش (أستورياس) (1) واستمر في سيره حتى أشرف على ثغر خيخون الواقع على خليج بسكونية (غسقونية) فكان خاتمة زحفه ونهاية فتوحاته، ورده عباب المحيط عن التقدم فعاد إلى طليطلة حيث تلقى أوامر موسى بوقف الفتح. وكان ذلك لعام فقط من عبوره إلى اسبانيا.
وقد اختلف المؤرخون في تعليل البواعث التي حملت موسى على أن يصدر أوامره إلى طارق بوقف الفتح، فقيل إن موسى لم يكن يتوقع كل هذا الفوز لقائده ومبعوثه، فلما وقف على مبلغ فوزه وتقدمه، تحول إعجابه به إلى حسد وغيرة، وخشى أن ينسب ذلك الفتح العظيم إليه دونه، فكتب إليه ألا يتقدم
_______
= من إشبرش وهو الكوكب المعروف بالأحمر. وسميت بعد ذلك بالأندلس من أسماه الأندليش من الذين سكنوها ". والأندليش هم الوندال Vandals. ( أبو عبيد البكرى في جغرافية بلاد افريقية والمغرب طبعة دى سلان). وهذا هو التعليل الذي يأخذ به دانفيل Danville إذ يقول إن الاشتقاق مأخوذ من كلمة فاندالوسيا Vandalusia أى بلد الوندال، (نقله جيبون عن كتاب ممالك أوربا في هامش الفصل الحادي والخمسين). وهذا ما يقرره الغزيري أيضا في معجم مخطوطات الإسكوريال ( Bibliotheca Arabico - Hispana Escurialensis II, p.237)
(1) وهنا تذكر الرواية العربية أن طارقا انتهى إلى مدينة المائدة خلف جبال أستوريه واستولى على مائدة سليمان بن داود، وهي خضراء من زبرجد حافاتها منها وأرجلها ثلثمائة وخمسة وستون. ويقال إن هذه المائدة غنمها الرومان من المشرق أو بيت المقدس في بعض غزواتهم ثم نقلوها إلى رومة، فغنمها القوط حين افتتحوا رومة، ثم أحرزها العرب عند فتح اسبانيا. وذكر ابن الأثير أن أحد ملوك اسبانيا في عهد الوندال غزا بيت المقدس وأحرز المائدة (ج 4 ص 212). وذكر صاحب الروض المعطار، كما ذكر بعض مؤرخي الإفرنج، أن هذه المائدة هي من نفائس ملوك القوط، وأن العرب عثروا بها في كنيسة طليللة وهو أقرب إلى المعقول. (الروض المعطار ص 5).
(1/51)

حتى يلحق به، ويتوعده بالعقاب إذ توغل بعد بغير إذنه (1). ولكن البعض يعلل غضب موسى على طارق ولحاقه به، بأن طارقا خالف الأوامر الصادرة إليه بألا يجاوز قرطبة أو حيث تقع هزيمة القوط (2). وهذا تعليل حسن يتفق وما أثر عن موسى من الحيطة والحذر، فقد ينكب المسلمون إذا توغلوا في أراض ومسالك مجهولة. على أن ذلك لا يمنع من أن يكون للغيرة أثرها أيضاً في نفس موسى وفي تصرفه. وعلى أى حال فقد عبر موسى البحر إلى اسبانيا في عشرة آلاف من العرب وثمانية آلاف من البربر، في سفن صنعها خصيصا لذلك، يحفزه شغف الفتح بالرغم من شيخوخته، ونزل بولاية الجزيرة حيث استقبله الكونت يوليان، وذلك في رمضان سنة ثلاث وتسعين (يونيه سنة 712 م). وبدأ موسى زحفه بالاستيلاء على مدينة شَذُونة (3)، ثم سار إلى قَرْمونة وهي يومئذ من أمنع معاقل الأندلس، فاستولى عليها بمعاونة يوليان وأصحابه. وقصد بعدئذ إلى إشبيلية أعظم قواعد الأندلس. فافتتحها بعد أن حاصرها شهرا. ثم سار إلى ماردة وحاصرها مدة، وقتل تحت أسوارها جماعة كبيرة من المسلمين في كمين دبره النصارى. وانتهت بالتسليم في رمضان أو شوال سنة أربع وتسعين، على أن تكون أموال الغائبين والكنائس، غنيمة للمسلمين دية لمن قتل منهم. وقصد موسى بعدئذ إلى طليطلة فالتقى بطارق على مقربة منها وكان قد سار إلى استقباله. فأنبه وبالغ في إهانته، وزجه مصفداً إلى ظلام السجن بتهمة الخروج والعصيان، وقيل بل هم بقتله أيضا (4). ولكنه ما لبث أن عفا عنه ورده إلى منصبه (5).
_______
(1) هذه هي رواية ابن عبد الحكم (ص 207)، وصاحب أخبار مجموعة (ص 15)، وابن القوطية (ص 9)، وابن الأثير (ج 4 ص 215)، وابن خلدون (ج 4 ص 117)، وابن حيان مؤرخ الأندلس (نفح الطيب ج 1 ص 126)، وبغية الملتمس للضبى (ص 11)، والحميدى في جذوة المقتبس (طبع مصر) ص 5.
(2) البيان المغرب (ج 2 ص 15 و18).
(3) Medina Sedonia، ويسميها ابن الأثير مدينة سالم (ج 4 ص 215). ولكن شدونة أو شذونة تسمية أكثر ذيوعا.
(4) ابن عبد الحكم (ص 208)، وابن الأثير (ج 4 ص 215)، والمقري في نفح الطيب (ج 1 ص 127)، والحميدي في جذوة المقتبس (ص 6).
(5) ينفرد ابن عبد الحكم برواية عن إطلاق سراح طارق، هي أن طارقا استجار بمغيث الرومى وكان عائدا من الأندلس إلى المشرق، ووعده بمائة عبد إذا هو أبلغ أمره إلى الوليد بن عبد الملك، فقام مغيث بالرسالة وبادر الوليد بالكتابة إلى موسى أن يطلق سراح طارق ويتوعده إذا أساء اليه=
(1/52)

ووضع الإثنان خطة لافتتاح ما بقى من إسبانيا. ثم زحفا نحو الشمال الشرقي واخترقا ولاية أراجون (الثغر الأعلى) وافتتحا سرقسطة وطركونة وبرشلونة وغيرها من المدائن والمعاقل. ثم افترق الفاتحان، فسار طارق نحو الغرب ليغزو جليقية، وليتم القضاء على فلول القوط. وسار موسى شمالا فاخترق جبال البرنيه (جبال البرت أو البرتات أو الممرات) (1)، وغزا ولاية لانجدوك أو سبتمانيا التي كانت تابعة إذ ذاك لملوك القوط، واستولى على قرقشونة (كاركاسون) وأربونة (ناربون). ثم نفذ إلى مملكة الفرنج وغزا وادي الرون (رذونة) حتى مدينة لوطون أو لوذون (ليون)، فاضطرب أمراء الفرنج وأخذوا في الأهبة لرد الغزاة؛ ويقال إن المعارك الأولى بين العرب والفرنج وقعت في تلك السهول على مقربة من أربونة (2).
وهنا فكر القائد الجرىء في أن يخترق بجيشه جميع أوربا غازياً فاتحا، وأن يصل إلى الشام من طريق قسطنطينية، وأن يفتتح في طريقه أمم النصرانية والفرنجة كلها. وهو ما يجمله ابن خلدون في تلك العبارة القوية: " وجمع أن يأتي المشرق على القسطنطينية، ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس، ويخوض مابينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانية مجاهداً فيهم، مستلحماً لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة " (3). وكان موسى يقدر تنفيذ مشروعه العظيم بجيش ضخم يقتحم البرنيه، يؤيده من البحر أسطول قوي، فيبدأ بافتتاح مملكة الفرنج ثم يقصد إلى مملكة اللومبارد (4) في شمالي إيطاليا، فيخترقها فاتحا إلى رومة قاعدة النصرانية، فيفتتحها ويقضى فيها على كرسي النصرانية. ويتابع سيره بعدئذ شرقاً إلى سهول الدانواب،
_______
= وحمل مغيث هذا الكتاب إلى الأندلس، فأفرج موسى عن طارق ورده إلى منصبه (ص 210)، وذكر الطبري أن طارقا ترضى موسى فرضي عنه وقبل منه عذره (ج 8 ص 90).
(1) البرت أو البرتات محرفة عن الاسبانية Puerta، ومعناها الباب. وسميت الجبال بهذا الاسم لأنها تحتوى على خمسة أبواب أو ممرات طويلة كانت تستعمل للعبور والغزو. وسنعود إلى تفصيل ذلك. أما تسميتها بجبال البرانس فهو خطأ جغرافي حسبما نوضح بعد.
(2) ابن حيان مؤرخ الأندلس (نقله المقري في نفح الطيب ج 1 ص 128)، والبيان
المغرب (ج 2 ص 14). ومعظم الروايات على أن موسى وقف في زحفه عند أربونة.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 117، ونفح الطيب ج 1 ص 130.
(4) في الجغرافية العربية بلاد اللنبرد أو أنكبردية.
(1/53)

مثخنا في القبائل الجرمانية التي تسيطر على ضفافه، ثم يخترق أراضي الدولة البيزنطية حتى قسطنطينية فيستولى عليها، ثم يعبر إلى آسيا الصغرى قاصدا إلى دمشق فيصل بذلك أملاك الخلافة الإسلامية فيما بين المشرق والمغرب من طريق الشمال، كما اتصلت من طريق الجنوب (1).
ولم يك ثمة ما يحول دون تنفيذ هذا المشروع الضخم، فقد كان الإسلام يومئذ في ذروة الفتوة والقوة والبأس، وكانت جيوشه تقتحم أرجاء العالم القديم ظافرة أينما حلت. وكانت أمم الغرب من جهة أخرى يسودها الضعف والانحلال، وكانت مملكة الفرنج وهي أضخمها وأقواها يمزقها الخلاف والتفرق، وقد بدأ العرب غزوها بالفعل. ولم تستطع النصرانية أن توحد جهودها لرد الإسلام، ولم تقم فيها زعامة قوية تجمع كلمتها وتنظم قواها في جهة دفاعية موحدة. ولم تكن أوربا في ذلك الحين سوى مزيج مضطرب من الأمم والقبائل المتنافرة، تمزقها المطامع والأهواء المختلفة. فكان الإسلام يستطيع غزوها وفتحها. ولم يكن حلما وإغراقاً ما تصوره موسى بن نصير واعتزمه. ولكن سياسة الإحجام والتردد التي اتبعها بلاط دمشق نحو الفتوح الغربية، والتي كادت تحول دون فتح اسبانيا، أودت بذلك المشروع البديع، وكتب الوليد بن عبد الملك إلى موسى يحذره من التوغل بالمسلمين في دروب مجهولة، ويأمره بالعود، فارتد موسى مرغما آسفا، ولكنه تمهل في العود حتى يتم إخضاع معاقل جليقية التي اعتصمت بها فلول القوط، ويطهر اسبانيا بأسرها من كل خروج ومقاومة، فاخترق جليقية واستولى على معظم معاقلها، ومزق كل قوة تصدت لمقاومته، ولم يبق من النصارى سوى شراذم يسيرة اجتمعت حول زعيم يدعى بلاجيوس أو بلايو، ولجأت إلى قاصية جليقية؛ وبينما كان موسى يتأهب للحاق بها وسحقها، إذ وصله كتاب آخر من دمشق يستدعيه وطارقا، ويأمرهما بتعجيل العودة ولعل أقوى البواعث التي حملت الوليد على هذا الاستدعاء ما نمى إليه من خلاف موسى وطارق، وخوفه أن ينتهي هذا الخلاف، بتفرق كلمة المسلمين ونكبتهم في تلك الأقطار
_______
(1) V.I.p. 96-97.Cardonne: ibid. ويقول الفيلسوف جيبون تعليقا على هذا المشروع إنه تمكن مقارنته بخطة مثراديتيس ليفتتح ما بين القرم ورومة، أو خطة قيصر ليفتتح المشرق ثم يعود من طريق الشمال. ويفوق هذه المشاريع جميعا مشروع هانيبال الذي نفذ بنجاح عظيم (الفصل الحادي والخمسون).
(1/54)

الجديدة المجهولة التي افتتحوها (1). أو لعله خوف الوليد أن يفكر موسى بما عرف من طمعه ودهائه، في الاستقلال بذلك الملك الجديد النائي، وهو أفضل تعليل يقبله النقد الحديث ويرجحه. وربما كان من هذه البواعث أيضا ما بلغ الوليد عن وفرة الأموال والتحف التي اغتنمت من الأندلس، وخوفه أن تمتد إليها يد التبديد. ومهما كانت العوامل التي دفعت، الوليد إلى استدعاء فاتحي الأندلس، فلا ريب أنه كان خطراً على مستقبل الإسلام في اسبانيا. ذلك أن هذه الشراذم النصرانية الصغيرة التي نجت من المطاردة واعتصمت بصخور جليقية، لم تلبث أن نمت وقويت، وكانت منشأ المملكة النصرانية التي قامت في الشمال، ولبثت قرونا تكافح دولة الإسلام في اسبانيا حتى انتهت بالقضاء عليها.
وفي ذلك الحين كان عبد العزيز بن موسى قد افتتح منطقة الساحل الواقعة بين مالقة وبلنسية، وأخمد الثورة في إشبيلية وباجة، وافتتح لبلة وغيرها من المعاقل والحصون، وأبدى في معاملة البلاد المفتوحة كثيرا من الرفق والتسامح، والاعتدال في تطبيق الأحكام وفرض الضرائب. ولنا في معاهدته مع تيودمير خير شاهد باعتدال السياسة الإسلامية ولينها وتسامحها. وإليك نص هذه المعاهدة، حسبما نقله إلينا الغزيري في معجمه، نورده نموذجاً للوثائق السياسية الإسلامية في عصر الفتح:
" نسخة كتاب الصلح الذي كتبه عبد العزيز بن موسى لتدمير عبدوش - بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد العزيز إلى تدمير، أنه نزل على الصلح، وأنه له عهد الله وذمته أن لا ينزع عنه ملكه، ولا أحد من النصارى عن أملاكه. وأنهم لا يقتلون ولا يسبون، أولادهم ولا نساؤهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا تحترق كنائسهم ما تعبد ونصح، وأن الذي اشترط عليه أنه صالح على سبع مدائن، أوريوالة وبلنتلة ولقنت ومولة وبقسرّة وأنة ولورقة. وأنه لا يأوى لنا عدوا، ولا يخون لنا أمناً ولا يكتم خبرا علمه. وأنه عليه وعلى أصحابه دينارا
_______
(1) لم توضح الرواية الإسلامية أسباب هذا الاستدعاء. ولكن الغزيري نقل في معجمه عن بعض أوراق مخطوطة في الإسكوريال في سبب الاستدعاء هذه الفقرة: " ولما علم الوليد بن عبد الملك ما حدث لطارق بن زياد وموسى بن نصير من الخلاف بعث فيهما فانصرفا إلى المشرق ". ويعتقد الغزيري أن الأوراق التي عثر بها ونقل منها هذه الفقرة إنما هي من تاريخ الرازي لقرائن ذكرها. راجع II.p. 328.Casiri: ibid ; V.
(1/55)

كل سنة، وأربعة أمداد قمح وأربعة أمداد شعير، وأربعة أقساط طلا، وأربعة أقساط خل، وقسطي عسل، وقسطي زيت، وعلى العبد نصف ذلك. كتب في أربع من رجب سنة أربع وتسعين من الهجرة. شهد على ذلك ... الخ " (1).
واتخذ موسى بن نصير أهبته للعود إلى دمشق نزولا على أوامر الخليفة. فنظم حكومة الأندلس قبل رحيله ما استطاع، وجعل حاضرتها إشبيلية (2) لاتصالها بالبحر وكانت حاضرتها أيام الرومان، واختار لولايتها ولده عبد العزيز، واستخلف على المغرب الأقصى ولده عبد الملك، كا استخلف على إفريقية عبد الله أكبر أولاده. وفي شهر ذي الحجة سنة خمس وتسعين (أغسطس 715 م) قفل راجعاً إلى المشرق وطارق معه، وفي ركبه من نفيس التحف والغنائم ما لا يقدر ولا يوصف، ومن أشراف السبي عدد عظيم (3).
_______
(1) نقل الغزيري هذا النص في معجمه عن بعض مخطوطات الإسكوريال، وقرنه بترجمة لاتينية ( Casiri: ibid.V II.p. 105)
هذا وقد أورد لنا العذري نصا آخر لهذا الأمان في كتابه " ترصيع الأخبار وتنويع الآثار "؛ على نفس المدن السبعة، جاءت شروطه على النحو الآتي: " ألا يقدم ولا يؤخر لأحد من أصحابه بسوء، وأن لا يسبون، ولا يفرق بينهم وبين نسائهم وأولادهم، ولا يقتلون ولا تحرق كنائسهم، ولا يكرهون على دينهم؛ وأنه لا يدع حفظ العهد، ولا يحل ما انعقد، ويصحح الذي فرضناه عليه، وألزمناه أمره، ولا يكتمنا خبرا علمه، وأن عليه وعلى أصحابه غرم الجزية من ذلك على كل حر دينار .. الخ " ثم يلي ذلك شهود هذا الأمان " (راجع " نصوص عن الأندلس " وهي عبارة عن أوراق منقولة من كتاب " ترصيع الأخبار " ومنشورة بعناية الدكتور عبد العزيز الأهواني، وصادرة عن معهد الدراسات الإسلامية بمدريد - ص 4 و5).
(2) اقتبس العرب اسم " إشبيلية " من اسمها اللاتيني " هسبالي " Hispali، ثم حرف الإسبان هذا الاسم إلى " سفيليا " Sevilla، وهو الذي يطلق عليها في الجغرافية الحديثة.
(3) تفيض الرواية الإسلامية في وصف ما أصابه المسلمون في الأندلس من الغنائم الجليلة والسبي الذي لا يحصى. وتقول إن موسى بن نصير حمل إلى دمشق من التحف والذخائر من الذهب والدر والياقوت والزبرجد ما لا يقدر؛ منها مائدة سليمان السالفة الذكر؛ وأما السبايا فيقال إنه حمل منها ثلاثين ألفا، بينهم مئات من أشراف القوط والوصفاء المختارين، من ذو الشباب الغض والجمال الباهر ذكورا وإناثا. وذكر ابن القوطية أن موسى بن نصير عاد ومعه من أبناء الملوك والعجم أربعمائة، على رؤوسهم تيجان الذهب وفي أوساطهم مناطق الذهب (ص 10). ونقل المقري عن بعض المؤرخين أن العرب وجدوا في طليطلة حين فتحوها من الذخائر والأموال ما لا يحصى، فمن ذلك مائة وسبعون تاجا من الذهب الأحمر مرصعة بالدر وأصناف الحجارة الكريمة، ووجد فيها ألف سيف ملوكي، ومن الدر والياقوت أكيال، ومن أواني الذهب والفضة ما لا يحيط به وصف (نفح الطيب ج 1 ص 130 و135 و136).
(1/56)

وقد اختلفت الرواية العربية في مصير موسى بن نصير، واختلف الرواة في أمر لقائه بالخليفة؛ فقيل إنه وصل إلى دمشق قبل وفاة الوليد بن عبد الملك، وقدم إليه الأخماس والغنائم؛ فأكرمه وأحسن إجازته، وقيل بل وصل عقب وفاة الوليد وارتقاء سليمان بن عبد الملك أخيه عرش الخلافة، وأن سليمان غضب عليه ونكبه (1). على أنه يمكن التوفيق بين القولين أعني وفود موسى على الوليد ابن عبد الملك ثم نكبته على يد سليمان. وهنالك ما يرجح لدينا أنه لحق بالوليد قبيل وفاته، فإن ابن عبد الحكم وهو أقدم رواة فتوح الأندلس، يقول لنا إن موسى بن نصير مر بمدينة الفسطاط في أواخر شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين في طريقة إلى دمشق (2). وقد توفي الوليد في منتصف جمادى الآخرة من هذا العام أعني بعد وصول موسى إلى مصر بأكثر من شهرين ونصف. ولما كانت مسافة السفر بين الفسطاط ودمشق لا تتجاوز في هذا العصر بضعة أسابيع، فإن الوقت كان يكفي لمقدم موسى على الوليد قبل وفاته بأسابيع. على أن الرواية من جهة أخرى تكاد تجمع على أن سليمان سخط على فاتح الأندلس ونكبه. ذلك أن موسى وصل إلى الشام والوليد في مرض موته، فكتب إليه سليمان ولي العهد أن يتمهل في السير، رجاء أن يموت الوليد بسرعة، فيقدم عليه في صدر خلافته بما يحمل من التحف والغنائم الكثيرة، فأبى موسى وجد في السير حتى قدم والوليد حى فسلم إليه الأخماس والغنائم. ثم توفي الوليد بعد ذلك بقليل مستخلفا أخاه سليمان على كرسى الخلافة. فغضب سليمان على موسى، وزاد في حقده عليه، ما قدمه في حقه طارق ومغيث من مختلف التهم (3). وفي الحال أمر، بعزله واتهمه وبنيه باختلاس مقادير عظيمة من المال والتحف، وقضى عليه بردها، وبالغ في إهانته وتعذيبه، ثم ألقاه إلى ظلام السجن. واستجار موسى بصديقه يزيد بن المهلب من نقمة سليمان. وكان من أخصائه وذوى النفوذ عنده، فيروى أن يزيداً
_______
(1) يقول بالرواية الأولى ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص 211)، وصاحب كتاب الإمامة والسياسة (ج 2 ص 93 و94)، وابن خلكان (ج 2 ص 181). ويقول بالرواية الثانية ابن الأثير (ج 4 ص 216)، والحميدي في جذوة المقتبس (ص 6)، وابن خلدون (ج 4 ص 118).
(2) فتوح مصر ص 211.
(3) أخبار مجموعة ص 29.
(1/57)

قال له: " لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس وأعرفهم بمكائد الحروب ومداراة الدنيا. فقل لى كيف حصلت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار، وتيقنت بعد المرام واستصعابه، واستخلفت بلاداً أنت اخترعتها، وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعاقل ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد من لا يرحمك. ثم إنك علمت أن سليمان ولي عهد وأنه الوالي بعد أخيه، وقد أشرف على الهلاك لامحالة، وبعد ذلك خالفته وألقيت بيدك إلى التهلكة، وأحقدت مالكك ومملوكك ". وما زال يزيد بسليمان حتى عفا عن موسى، وأعفاه من الغرامة الفادحة التي قضى بها عليه، ويقال بل عفا عن حياته، ولم يعفه من الغرامة، وإن موسى استطاع أن يفتدي نفسه ببعض ما فرض عليه، وإن سليمان عفا عنه بعد ذلك (1)، وأقر ابنه عبد الله على إفريقية وابنه عبد العزيز على الأندلس. وتبالغ بعض الروايات فتقول إن سليمان أصر على معاقبة موسى وتغريمه، حتى كان يطوف أحياء العرب مع حراسه ليسأل بعض المال ليفتدي نفسه، وإنه لبث على تلك الحال حتى توفي في منتهي البؤس والذلة بوادي القرى في شمال الحجاز حيث ينسب مولده، وذلك سنة سبع وتسعين (2).
بيد أنه لا يوجد ما يبرر الأخذ بمثل هذه الرواية المغرقة. والصحيح المعول عليه أن سليمان عفا عن موسى، وأقاله من محنته؛ وتوفي موسى بعد ذلك بقليل في سنة سبع وتسعين (وقيل في سنة تسع وتسعين) وهو في طريقه إلى الحج مع سليمان، وقد جاوز الثمانين من عمره.
_______
(1) هذه هي رواية ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص 213). وهي رواية يؤيدها البلاذري (فتوح البلدان ص 230).
(2) يراجع في مصير موسى بن نصير: فتوح مصر (ص 211)، وأخبار مجموعة (ص 29 و30)، وابن القوطية (ص 10 - 11)، وابن الأثير (ج 4 ص 216)، والمقري عن ابن حيان وابن بشكوال والحجارى، (نفح الطيب ج 1 ص 134 و135)، وابن خلكان (ج 2 ص 181)، وكذلك كتاب الإمامة والسياسة (ج 2 ص 86، 89 و93، 96). هذا ويبدي المستشرق دوزي ريبه في صحة الروايات والقصص التي قيلت عن مصير موسى بن نصير، ويقول إنه لا يوجد ثمة ما يبررها، لأن موسى كان يتمتع بحماية يزيد بن المهلب صديق سليمان وصاحب النفوذ لديه، ويستشهد برواية البلاذري إلى أشرنا إليها، وأيضا برواية مؤرخ نصراني معاصر هو إيزيدور الباجي ( Dozy, Hist.V.I.p. 134-135)
(1/58)

هذا ما تردده الرواية الإسلامية عن مصير موسى بن نصير. ومهما كان من الأمر، فإن فاتح الأندلس لم يلق الجزاء الحق، بل غمط حقه وفضله أشنع غمط، وأبدت الخلافة بهذا الجحود والنكران، أنها لم تقدر البطولة في هذا الموطن قدرها، ولم تقدر عظمة الفتح الباهر الذي غنمته على يد رجلها وقائدها.
وكان موسى بن نصير من أعظم رجال الحرب والإدارة المسلمين في القرن الأول للهجرة. وقد ظهرت براعته الإدارية في جميع المناصب التي تقلدها، كما ظهرت براعته الحربية في جميع الحملات البرية والبحرية التي قادها. على أن هذه المواهب تبدو بنوع خاص في حكمه لإفريقية، حيث كانت الحكومة الإسلامية تواجه شعباً شديد المراس، يضطرم بعوامل الانتقاض والفتنة، وإذا كان موسى قد أبدى في معالجة الموقف وإخماد الفتنة كثيرا من الحزم والشدة، فقد أبدى في الوقت نفسه خبرة فائقة بنفسية الشعوب، وبراعة في سياستها وقيادتها. وكان موسى فوق مواهبه الإدارية والعسكرية غزير العلم والأدب، متمكنا من الحديث والفقه، عالماً بالفلك مجيداً للنثر والنظم. غير أن هذه المواهب والخلال البديعة كانت تشوبها نزعة قوية إلى الطغيان والبطش، وشهوة الحقد والحسد (1).
وإلى موسى بن نصير يرجع الفضل الأول في عبور الإسلام إلى أوربا من الغرب وقيام دولته فيها، بعد أن اخفقت محاولته في العبور إليها من المشرق عن طريق قسطنطينية. ومع أن سيل الفتح الإسلامي رد غير بعيد في سهول بلاط الشهداء، فإن الإسلام استطاع مع ذلك أن يستقر في إسبانيا قروناً، يبهر بضوء مدنيته الزاهرة جميع الأمم الأوربية في العصور الوسطى.
* * *
هذا ما كان من شأن موسى ومصيره، فماذا كان مصير طارق؟ هذا ما تمر عليه الرواية الإسلامية بالصمت. وكل ما هنالك أنها تشير إلى ما كان من نية سليمان بن عبد الملك في تعيينه والياً للأندلس مكان موسى، وكيف عدل عن ذلك حينما وقف من مغيث الرومي فاتح قرطبة، على ماكان يتمتع به طارق في الأندلس من عظيم الهيبة والنفوذ، وذلك توجساً مما قد يجيش به من أطماع ومشاريع نحو ذلك
_______
(1) نفع الطيب (ج 1 ص 133 و134).
(1/59)

القطر النائي من أقطار الخلافة (1). وقد كان مغيث يحقد على موسى وطارق منذ الفتح ويسعى إلى منافستهما والإيقاع بهما، وكان لوقيعته ومساعيه ضدهما أكبر الأثر في استدعائهما إلى دمشق. وإذا كانت هذه الرواية لا تلقى ضوءا كافيا على مصير طارق، فإنها قد تسمح لنا مع ذلك أن نعتقد أن طارقاً لم يلق مثل المصير المحزن الذي لقيه موسى، وأنه بالعكس قد استقبل في بلاط دمشق استقبالا حسناً، وربما أحسن الخليفة فوق ذلك إثابته، بدليل أنه فكر في تعيينه واليا للقطر الذي ساهم في افتتاحه بأعظم قسط.
ولكن الرواية الإسلامية لا تحدثنا بعد ذلك عن طارق بشىء، ولا تذكر لنا أين ومتى توفي، بل تسدل على نهايته حجابا عميقا من الصمت (2).
وليس في وسعنا إزاء هذا الغموض الذي يحيط بسيرة طارق أن نتحدث عن صفاته وخلاله، وكل ما نستطيعه في هذا الموطن هو أن ننوه بخلاله العسكرية الباهرة، التي ظهرت بوضوح في حروب المغرب وفتح الأندلس، وهو بهذه الخلال يتبوأ مكانته بين أعظم الفاتحين المسلمين.
أما مصير الكونت يوليان الذي مهد لفتح الأندلس، فلم تشر إليه الرواية الإسلامية. وفي بعض الروايات أنه عاد بعد الفتح إلى سبتة وأقطع ما حولها من الأراضي، وقُلد إمارتها جزاء خدماته. ولكنه بقي نصرانيا هو وبنوه الأقربون، ثم دخل عقبه في الإسلام بعد ذلك. وتقول الرواية الكنسية الإسبانية إنه قتل بيد مواطنيه في معركة نشبت بينه وبينهم، أو أنه قتل بعد ذلك بأعوام في ولاية الحر الثقفي بيد العرب لريبة في ولائه. وتقول هذه الرواية أيضاً إن العرب أعدموا ابني وتيزا وأفراد أسرته لمثل هذا السبب (3). وهذا ما تنفيه الرواية الإسلامية وتؤكد عكسه. فالمصادر الإسلامية تجمع كلها على أن العرب أحسنوا معاملة إيفا (أو إيبا) وسيزبوت ابني وتيزا وعمهما أوباس؛ فأما أوباس فقد عين كما تقدم مطراناً لطليطلة، وأقطع إيفا وسيزبوت ما كان لأبيهما من الضياع.
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 55.
(2) ولا نعرف مصدرا لما يقوله السيد أمير على من أن طارقا لقي نفس المصير التعس الذي قيل إن موسى لقيه وأنه مات في فقر وضعة: History of the Saracens p. 122
(3) Empire, V. I. P. 259 Ch Li - Scott: Moorish.P. 324.Cardonne: ibid. V.I.P.85 - Gibbon, ibid.II. Cronica General ; Vol
(1/60)

ثم توفي إيفا أكبر الأخوين بعد ذلك بأعوام عن إبنة تدعى سارة وولدين صغيرين، فاغتصب سيزبوت ميراثه وضياعه، فبادرت سارة بالسفر مع أخويها إلى دمشق، وشكت عمها إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فأنصفها وقضى لها برد ميراث أبيها، وبعث بذلك إلى والي الأندلس أبي الخطار الكلبي. وتزوجت سارة في دمشق من سيد عربي يدعى عيسى بن مزاحم، ورزقت منه بولدين هما إبراهيم وإسحاق. ثم عادت مع زوجها إلى الأندلس، وأحرز ولداها، مكانة ممتازة. وإليها ينتمي نسب ابن القوطية القرطبي المؤرخ، نسبة إلى لقبها العربي وهو سارة " القوطية " (1).
_______
(1) تضطرب معظم الروايات العربية في ذكر ابناء وتيزا، فتقول إنه ترك ثلاثة بنين وتسميهم المند ورملة وارطباس. والظاهر أن الخطأ في اعتبارها أوباس (ولعله هو أرطباس) ابنا لوتيزا. والمند هو إيفا ورملة هو سيزبوت. (راجع فتح الأندلس لابن القوطية ص 5 و6): والمقري (ج 1 ص 125)، ولكن صاحب " أخبار مجموعة " يقرر أنهما اثنان. ويسميهما ششبرت وأبة، وهو تعريب حسن للاسمين (ص 8)، وكذا ابن الأثير (ج 4 ص 213).
(1/61)

الفصل الرابع
إسبانيا بعد الفتح الإسلامي
(1) آثار الفتح الإسلامي. سياسة العدل والتسامح. أقوال النقد الغربي الحديث في ذلك. الحرية الدينية. المجتمع الإسلامي الجديد. عناصر الضعف فيه. العرب والبربر والمولدون. الخصومة بين اليمنية والمضرية. أسباب هذه الخصومة. رأى ابن خلدون في تعليلها. الخصومة بين العرب والبربر. أثر دعوة الخوارج في إذكائها. (2) الأقاليم الأندلسية الجديدة. تفرق القبائل في المدن المختلفة. منازل البربر في شبه الجزيرة. ولاية عبد العزيز بن موسى. تنظيمه للحكومة الجديدة. زواجه بأرملة ردريك. التوجس من سياسته. مقتله. بواعث هذه الجريمة. ولاية أيوب ابن حبيب اللخمي. نقل قاعدة الحكم إلى قرطبة. ولاية الحر الثقفي. قمعه للمنازعات والفتن. غزوه لسبتمانيا وافتتاحه لقواعدها. محاربته لثوار الشمال. الإضطراب في قرطبة. ولاية السمح بن مالك. فصل حكومة الأندلس عن إفريقية. فكرة عمر بن عبد العزيز في جلاء المسلمين عن الأندلس. إصلاحات السمح ومنشآته. غزوه لسبتمانيا. زحفه على تولوشة.
- 1 -
كان فتح الإسلام لاسبانيا فاتحة عصر جديد، وبدأ تطور عظيم في حياتها العامة وفي نظمها الاجتماعية. وقد كانت لعهد الفتح كما رأينا ترزح في غمر مرهقة من الجور والعسف، وكانت أقلية باغية من الأمراء والنبلاء تسود شعباً بأسره وتستغله أشنع استغلال، وتفرض عليه رسوم الرق والعبودية، وتستبيح منه كل الحريات والحرم. فجاء الإسلام ليقضي على ذلك كله، وليحمل نعم العدل والحرية والمساواة إلى الناس جميعاً، وليعطي كل ذي حق حقه، وليقمع البغي والظلم. وبالرغم من أن العرب شغلوا حيناً بتوطيد الفتح الجديد وتوسيعه، فإنهم استطاعوا في أعوام قلائل أن يقمعوا عناصر الشر والفوضى، وأن ينظموا إدارة البلاد المفتوحة، وأن يبثوا في الجزيرة روحا جديدا من العزم والأمل، فنشطت الزراعة والصناعة والتجارة بعد ركودها، وهبت ريح من الرخاء والدعة، على مجتمع أضناه العسف والفاقة مدى عصور.
قضى الفتح على سلطان الطبقات الممتازة، فتنفس الشعب الصعداء، وخف عن كاهله ما كان ينوء به من الأعباء والمغارم. وفرض المسلمون الضرائب
(1/62)

بالمساواة والاعتدال والعدل، بعد أن كان يفرضها حكم الهوى والجشع، وأمن الناس على حياتهم وحرياتهم وأموالهم. وترك الفاتحون لرعاياهم الجدد حق اتباع قوانينهم وتقاليدهم، والخضوع لقضائهم وقضاتهم، واختاروا في معظم الأحوال لهم حكاما من أبناء جنسهم، يعهد إليهم بسن الضرائب المطلوبة، والإشراف على النظام والسكينة. أما في شأن الدين وحرية العقائد والضمائر، فقد كانت السياسة الإسلامية مثلا أعلى للتسامح. فلم يظلم أحد أو يرهق بسبب الدين أو الاعتقاد، وكان أداء الجزية هو كل ما يفرض على الذميين من النصارى أو اليهود، لقاء الاحتفاظ بدينهم وحرية عقائدهم وشعائرهم, ومن دخل الإسلام منهم سقطت عنه الجزية، وأصبح كالمسلم سواء بسواء في جميع الحقوق والواجبات. ونرى في هذا الموطن أن نقدم طائفة من الأقوال والآراء التي يعلق بها المؤرخون والنقدة الغربيون، على سياسة الفتح الإسلامي وآثاره في اسبانيا. يقول العلامة المستشرق رينهارت دوزي:
" لم تكن حال النصارى في ظل الحكم الإسلامي مما يدعو إلى كثير من الشكوى بالنسبة لما كانت عليه من قبل. أضف إلى ذلك أن العرب كانوا يتحلون بكثير من التسامح. فلم يرهقوا أحداً في شئون الدين. ولم تكن الحكومة - إذا لم تكن مغرقة في الدين - لتشجع إسلام النصارى، إذ كانت خزانة الدولة تخسر بإسلامهم كثيرا. ولم يغمط النصارى للعرب هذا الفضل، بل حمدوا للفاتحين تسامحهم وعدلهم، وآثروا حكمهم على حكم الجرمان والفرنج وانقضى القرن الثامن كله في سكينة، وقلما نشبت فيه ثورة. كذلك لم يبد رجال الدين في العصور الأولى كثيراً من التذمر، وإن كانت لديهم أكثر البواعث لذلك. وهذا ما تؤيده روح الرواية اللاتينية التي كتبت سنة 754 في قرطبة، والتي تنسب لإيزيدور الباجي، فإن كاتبها رغم كونه من رجال الدين، يبدي نحو المسلمين من العطف، ما لم يبده أى كاتب إسباني آخر قبل القرن الرابع عشر ". ويقول دوزي عن آثار الفتح الإجتماعية: " كان الفتح العربي من بعض الوجوه نعمة لإسبانيا. فقد أحدث فيها ثورة إجتماعية هامة، وقضى على كثير من الأدواء التي كانت تعانيها البلاد منذ قرون .. وحطمت سلطة الأشراف والطبقات الممتازة أو كادت تمحى، ووزعت الأراضي توزيعاً كبيرا، فكان ذلك حسنة سابغة، وعاملا في ازدهار الزراعة إبان الحكم العربي. ثم كان الفتح عاملا في تحسين أحوال الطبقات المستعبدة،
(1/63)

إذ كان الإسلام أكثر تعضيداً لتحرير الرقيق من النصرانية، كما فهمها أحبار المملكة القوطية. وكذا حسنت أحوال أرقاء الضياع، إذ غدوا من الزراع تقريبا، وتمتعوا بشىء من الإستقلال والحرية " (1).
ويقول الأستاذ لاين بول: " أنشأ العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة العصور الوسطى، بينما كانت أوربا تتخبط في ظلمات الجهل، فلم يكن سوى المسلمين من أقام بها منائر العلم والمدنية ".
" ماكان المسلمون كالبرابرة من القوط أو الوندال، يتركون وراءهم الخراب والموت. حاشا، فإن الأندلس لم تشهد قط أعدل وأصلح من حكمهم. ومن الصعب أن نقول أنى اكتسب العرب تلك الخبرة الفائقة بالشئون الإدارية، فقد خرجوا من الصحراء إلى الغزو، ولم يفسح لهم تيار الفتح مجالا يدرسون فيه إدارة الأمم المفتوحة " (2).
ويقول المستشرق الإسباني جاينجوس: " لقد سطعت في اسبانيا (الأندلس) أول أشعة لهذه المدنية، التي نثرت ضوءها فيما بعد على جميع الأمم النصرانية. وفي مدارس قرطبة وطليطلة العربية، جمعت الجذوات الأخيرة للعلوم اليونانية بعد أن أشرفت على الانطفاء، وحفظت بعناية. وإلى حكمة العرب، وذكائهم، ونشاطهم، يرجع الفضل في كثير من أهم المخترعات الحديثة وأنفعها " (3).
وقال المؤرخ الأمريكي سكوت: " في أقل من أربعة عشر شهراً، قضى
_______
(1) II, p. 277 - 278. Dozy: Histoire, V. ويذكر دوزي من جهة أخرى أن الفتح أعقبته فترة من الفوضى نهب فيها المسلمون عدة أماكن، وأحرقوا عدة مدن وشنقوا بعض الأشراف، وقتلوا الأطفال بالخناجر، ولكن الحكومة العربية قمعت في الحال هذه الفظائع (ج 2 ص 275). ويندد من جهة أخرى بقضاء العرب على حرية الكنيسة، واستئثارهم بتكوين المجالس الدينية، وتعيين الأساقفة وعزلهم. ثم يقول إن العرب بعد أن توطد سلطانهم، كانوا أقل احتراما للمعاهدات المعقودة (ج 2 ص 281). ونقول نحن إن دوزي لم يعتمد في سرد هذه الفظائع إلا على الرواية النصرانية وهي متحاملة مغرضة تحمل طابع المبالغة، خصوصا فيما يتعلق بقتل الأطفال. أما تنديده بقضاء العرب على سلطة الكنيسة فليس مما يمكن تبريره، لأن سياسة الفتح المستنيرة، وبواعث توطيد دعائم الدولة الجديدة، تقضي بأن يأخذ الغالب بزمام كل السلطات في البلد المفتوح.
(2) Lane - Poole: The Moors in Spain, Ch. I.
(3) p VII & VIII.I.Gayangos: History of the Mohammedan Dynasties in Spain V.P
(1/64)

على مملكة القوط قضاء تاما، وفي عامين فقط وطدت سلطة المسلمين فيما بين إلبحر الأبيض المتوسط وجبال البرنيه. ولا يقدم لنا التاريخ مثلا آخر اجتمعت فيه السرعة والكمال والرسوخ بمثل ما اجتمعت في هذا الفتح ... وقد كان المظنون في البداية أن الغزو إنما هو أمر مؤقت فقط. ولم يتوقع أحد أن يكون احتلال البلاد دائما. فلما استقرت الجماعات المستعمرة، وفتحت الثغور لتجارة المشرق، وأقيمت المساجد، أدرك القوط فداحة الخطب الذي نزل بهم. ولكن اعتدال حكامهم الجدد خفف من ألم الهزيمة. وكان دفع الجزية يضمن الحماية لأقل الناس, وكان يسمح للورع المتعصب أن يزاول شعائره دون تدخل، كمكا يسمح للملحد أن يجاهر بآرائه دون خشية المطاردة، والأحبار يزاولون شئونهم في سلام. أما أقوال الكتاب النصارى التي ينسبون فيها للعرب أفظع المثالب، فهي محض مبالغة أو افتراء " (1).
أجل، لم يك ثمة ما يدعو لأن يعتبر الفتح الإسلامي لاسبانيا كارثة قومية يفزع لها الشعب ويأسو، بل كان كل ما هنالك بالعكس يدعو إلى اعتباره نذير الخلاص والأمل. ألم يكن شعار الفاتحين التسامح والعدل والمساواة؟ لقد كان تسامح الإسلام نبراساً يشع بضوئه المنقذ في هاتيك المجتمعات التي أضناها الإرهاق الديني، ولم ير الإسلام بأساً من أن يستقبل النصارى واليهود إلى جانب المسلمين في مجتمع واحد، يسوي فيه بينهم في جميع الحقوق والواجبات، ولم ير بأساً من أن تقوم الكنائس والبيع إلى جانب المساجد، ألم يكن ذلك أبدع وأروع ما في سياسة الفتح الإسلامي؟ لقدكانت حرية الضمائر والعقائد والفكر، وما زالت منذ أقدم العصور, أثمن ما تحرص عليه الشعوب الكريمة وتذود عنه.
فإذا ذكرنا أن هذا التسامح الذي أبداه الإسلام نحو الأمم المغلوبة، وهذا الاحترام لضمائر الناس وعقائدهم، وهذه الحرية التي تركها لهم في إقامة شعائرهم، إنما جاءت بعد عصور طويلة من الاضطهاد الديني، اتخذت فيها مطاردة الضمائر والعقائد أشنع الأساليب والصور، استطعنا أن نقدر ما كان لذلك الانقلاب من
_______
(1) Scott: ibid, V.I.P 260 & 264. وينوه باحث أمريكي حديث آخر هو الدكتور لي Lea بتسامح العرب والمسلمين خلال العصور الوسطى، وترفعهم عن الخصومات الدينية، وبغض الأجناس أو التفرقة بينها. راجع: History of the Inquisition in Spain V.I.P.356.
(1/65)

أثر عميق في نفسية الشعوب المغلوبة وعواطفها، وما كانت تحبو به حكم الإسلام من التأييد والرضى.
ويبدي كثير من العلماء الإسبان أنفسهم مثل هذا التقدير، والإشادة باعتدال السياسية الإسلامية وآثار مسلكها المستنير. ذلك أن العرب تركوا الشعب المغلوب دون مضايقة، يحيا حياته الخاصة في نظمه وتقاليده. وهذا ما يسلم به المستشرق سيمونيت، بالرغم من كونه من أشد العلماء الإسبان تحاملا، فهو يقول لنا " إنه فيما يتعلق بالقوانين المدنية والسياسية، فإن النصارى الإسبان احتفظوا في ظل حكم الإسلامي بنوع من الحكومة الخاصة، واحتفظ الناس بأحوالهم القديمة دون تغيير كبير؛ وفيما يتعلق بالتشريع، فإنهم قد احتفظوا في باب النظم الكهنوتية بقوانين الكنيسة الإسبانية القديمة، واحتفظوا في الناحية المدنية بالقوانين القوطية أو قانون التقاضي " Fuero Juzgo "، يخضعون لها في كل ما له علاقة بحكومتهم. وهي حكومة بلدية محلية، وما لم يكن يتعارض مع القوانين والسياسة الإسلامية " (1).
وفيما يتعلق بالناحية النظامية يقول العلامة ألتاميرا، إن أغلبية الشعب الإسباني الروماني والقوطي بقيت في ظل حكم المسلمين محتفظة برؤسائها (وهم الأقماط أو الكونتات Condes) وقضائها وأساقفتها وكنائسها، وبالجملة بقيت محتفظة بما يشبه استقلالها المدني الكامل. وقنع الولاة بأن يفرضوا على النصارى المحكومين الضرائب الشرعية " (2).
ويقول المستشرق كارديناس: " إن الفضل يرجع إلى تسامح الولاة والأمراء الأوائل، في أنه خلال العصور الأولى من الحكم الإسلامي، كان الشعبان - المسلمون والمستعربون (النصارى) - يعيشان جنباً إلى جنب عيشة حرة ".
" واستطاع المستعربون في ظل الحكم الإسلامي أن يحتفظوا باستقلالهم، ولغتهم وعاداتهم وقوانينهم، وأحياناً بأساقفتهم وكونتاتهم، وأن يسهروا على صيانة الفنون القوطية التي كان العرب أنفسهم يقتبسون من أساليبها " (3).
_______
(1) V. I. p. 106 (Madrid 1897) D. Francisco J. Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana
(2) R. Altamira y Crevea: Historia de Espana y de la Civilizacion Espanola (Barcelona 1900) T. I. P. 217
(3) O. Almagro y Cardenas: La Cultura Arabigo - Sevillana (Sevilla 1894) P. 10
(1/66)

ونكتفي بما تقدم من أقوال المؤرخين والمفكرين الغربيين في الإشادة باعتدال السياسة الإسلامية وتسامحها. وفي أقوالهم أبلغ رد على ما ينسبه بعض الأحبار والعلماء المتعصبين لحكم المسلمين، من ضروب التعصب والطغيان المدني والديني.
غير أن هذا الدولة الجديدة التي أنشأها الإسلام في اسبانيا، كانت تحمل منذ البداية جرثومة الخلاف الخطر. وكان هذا المجتمع الجديد الذي جمع الإسلام شمله ومزج بين عناصره، يجيش بمختلف الأهواء والنزعات، وتمزقه فوارق الجنس والعصبية. كانت القبائل العربية ما تزال تضطرم بمنافساتها القديمة الخالدة، وكان البربر الذين يتألف منهم معظم الجيش، يبغضون قادتهم ورؤساءهم العرب، وينقمون عليهم استئثارهم بالسلطهّ والمغانم الكبيرة، واحتلالهم لمعظم القواعد والوديان الخصبة، وكثيراً ما رفعوا لواء العصيان والثورة. وكان المسلمون الإسبان وهم " المولدون أو البلديون " (1) محدثين في الإسلام، يشعرون دائماً بأنهم رغم إسلامهم، أحط من الوجهة الاجتماعية، من سادتهم العرب. ذلك أن العرب رغم كون الإسلام يسوي بن جميع المسلمين في الحقوق والواجبات، ويمحو كل فوارق الجنس والطبقات، كانوا يشكون في ولاء المسلمين الجدد، ويضنون عليهم بمناصب الثقة والنفوذ، هذا إلى أن العربي في الأقطار القاصية التي افتتحها بالسيف، لم يستطع أن يتنازل عن كبرياء الجنس، التي كانت دائما من خواص طييعته، فكان مثل الإنكليزي السكسوني يعد نفسه أشرف الخليقة (2). على أن الخلاف بن العرب أنفسهم كان أخطر ما في هذا المجتمع الجديد من عوامل التفكك والانحلال، فقد كانت عصبية القبائل والبطون، ما تزال قوية حية في الصدور، وكان التنافس على السلطان والرياسة بين الزعماء والقادة، يمزق الصفوف ويجعلها شيعا وأحزاباً، وكانت عوامل الغيرة والحسد تعمل عملها في نفوس القبائل والبطون المختلفة. وأشد ما كانت تستعر نار ذلك الخلاف والتنافس بين اليمنية والمضرية، وذلك لأسباب عديدة ترجع إلى ما قبل الإسلام. منها أن الرياسة كانت لعصور طويلة قبل الإسلام في حمير وتُبع، أعظم القبائل اليمنية، وكانت لهم دول ومنعة وحضارة زاهرة، بينما كانت مضر بدوا متأخرين يخضعون لحمير ويؤدون
_______
(1) ابن القوطية - افتتاح الأندلس - ص 30.
(2) Ameer Ali: ibid, p. 118
(1/67)

الجزية لهم. وكان بينهما خصومات وحروب مستمرة طويلة الأمد، إذ كانت حمير تعمل للاحتفاظ برياستها وسلطانها، وتجاهد مضر في سبيل استقلالها وحريتها. ولنا في " أيام " العرب ووقائعها المشهورة، أمثلة رانعة من هذا النضال. قال ابن خلدون: " واستمرت الرياسة والملك في هذه الطبقة اليمانية أزمنة وآماداً، بما كانت صبغتها لهم من قبل، وأحياء مضر وربيعة تبعاً لهم - فكان الملك بالحيرة ْللخم في بني المنذر، وبالشام لغسان في بني جفنة، ويثرب كذلك في الأوس والخزرج. وما سوى هؤلاء من العرب فكانوا ظواعن بادية وأحياء ناجعة. وكانت في بعضهم رياسة بدوية وراجعة في الغالب إلى أحد هؤلاء. ثم نبضت عروق الملك، وظهرت قريش على مكة ونواحى الحجاز، أزمنة عرفت فيها منهم ْودانت الدول بتعظيمهم. ثم صبغ الإسلام أهل هذا الجيل، فاستحالت صبغة الملك إليهم وعادت الدول لمضر من بينهم، واختصت كرامة الله بالنبوة بهم، فكانت فيهم الدول الاسلامية كلها، إلا بعضاً من دولها قام بها العجم اقتداء بالملة وتمهيداً للدعوة " (1). وهكذا أسفر النضال لظهور الإسلام عن تحول في الرياسة، إذ انتهت إلى قريش زعيمة المضرية، بعد أن لبثت عصوراً طويلة في اليمنية، وانقلبت الآية، فأصبحت المضرية تعمل على الاحتفاظ برياستها، واليمنية تجاهد في انتزاعها منها. وكانت مسألة اللغة أيضاً من أسباب ذلك الخلاف. ذلك أن لسان حمير، كان أصل اللغة العربية التي اعتنقتها مضر، وأسبغت عليها آيات باهرة من الفصاحة والبيان، ونزل بها القرآن الكريم على النبي القرشي المضري - صلى الله عليه وسلم -، فكانت اللغة من مفاخر مضر، تغار عليها وتحافظ على سلامتها ونقائها، بينما فسدت لهجات القبائل الأخرى بالاختلاط وضعف بيانها. وفي ذلك قول ابن خلدون: " ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وتميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وأياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم " (2). أضف إلى هذا وذاك ما كان بين الفريقين من تباين شديد
_______
(1) ابن خلدون ج 2 ص 239 و240.
(2) ابن خلدون ج 1 (المقدمة) ص 487.
(1/68)

في الطبائع والخلال، مما كان يذكى بينها أسباب النفور والتباعد. وقد كان الإسلام مدى حين عاملا قوياً في جمع الكلمة، وتوطيد الصفوف، وتلطيف أسباب الخصومة، ولاسيما في شبه الجزيرة العربية. ولكن ما كاد ينقضي العصر الأول، حتى هبت كوامن الخصومة والنضال من مرقدها، وعادت تعصف بوحدة المجتمع الإسلامي، وكان هذا الخلاف أخطر وأشد في الأقطار القاصية التي افتتحها الإسلام، ففتحت أمام القبائل والأجناس المختلفة، التي تعمل معا تحت لوائه، مجالا واسعا للتنافس والتطاحن. وكان هذا هو بالأخص شأن المجتمع الإسلامي المضطرم المتنافر، الذي قام عقب الفتح في اسبانيا.
وكانت إفريقية وهي أقرب قطر إسلامي لإسبانيا، وتتبعها حكومة الأندلس من الوجهة الإدارية، تفيض أيضاً بعناصر اضطراب خطرة. فقد نزح إليها الدعاة الخوارج منذ أواخر القرن الأول، وذاعت مبادئ الخوارج الثورية بين البربر بسرعة، لحداثة عهدهم بالإسلام، وتعددت نحلهم وطوائفهم، واشتد الخلاف والجدل فيما بينهم، وفسد من جهة أخرى مابينهم وبين العرب من علائق الإخاء والمودة، وكثر نزوعهم إلى الثورة. وهذا ما يصفه ابن خلدون في قوله: " ثم نبضت فيهم (أى البربر) عروق الخارجية، فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق، وتعددت طوائفهم، وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية. وفشت هذه البدعة، وعقدها رؤوس النفاق من العرب، وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الأمر، فاختلفوا في كل جهة، ودعوا إلى قائدهم طغام البربر، تتلون عليهم مذاهب كفرها، ويلبسون الحق بالباطل فيها، إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائسها. ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمر العرب " (1). واشتد تحريض الخوارج على حكومة الأمويين في إفريقية، بعد أن أخفقوا في مقاومتها في العراق، وتوالت الثورات والحروب الأهلية حينا. وكان لذلك كله صداه في اسبانيا، وخصوصا بن البربر الذين يتألف منهم معظم الجيش، فاضطرب أمر الحكم والنظام في الأندلس، وذكا الخلاف بين الزعماء والقادة على نحو ما قدمنا، ولبثت حكومة اسبانيا العسكرية مدى حين عرضة للخروج والثورة، وذهب ضحية الفتنة جماعة من الحكام والزعماء كما نفصل بعد.
_______
(1) ابن خلدون ج 6 ص 110.
(1/69)

- 2 -
عنى الفاتحون عقب الفتح بتنظيم شئون الحكم والإدارة، فقسمت اسبانيا على ضوء تقسيمها القديم أيام الرومان والقوط، في المبدأ، إلى أربع ولايات كبيرة على رأس كل منها حاكم محلي يعينه الحاكم العام، ويُسئل أمامه مباشرة عن أعماله وشئون إدارته. أما حاكم الأندلس أو واليها العام، فكان تعيينه في المبدأ راجعا إلى حاكم إفريقية يختاره بموافقة الخليفة.
وكانت الولاية الأولى تشمل إقليم الأندلس، الممتد بين البحر المتوسط ونهر الوادي الكبير، وما يلي هذا النهر حتى نهر وادي أنة أو وادي يانة، وأشهر مدنها قرطبة، وإشبيلية، ومالقة، وإستجة، وجيان. وتشمل الثانية جميع اسبانيا الوسطى، من البحر المتوسط شرقا إلى حدود البرتغال غربا (لوزيتانيا)، ثم إلى نهر دويره (دورو) شمالا، وأشهر قواعدها طليطلة، على نهر تاجُه، وقونقة وشقوبية، وبلنسية، ودانية، ولقنت، وقرطاجنة، ومرسية، ولورقة، وبسطة. وتشمل الثالثة جليقية ولوزيتانيا (البرتغال القديمة)، وأشهر قواعدها ماردة، ويابرة، وباجة، وأشبونة، وقلمرية، ولك، وأسترقة، وشلمنقة وغيرها. وتمتد الرابعة من نهر دويره إلى جبال البرنيه (جبال البرت أو الممرات) على ضفتي نهر إبره (إيبرو)، وغربا إلى جليقية. وأشهر قواعدها سرقسطة، وطرطوشة، وطركونة، وبرشلونة، وأرقلة (أرجل)، وبلد الوليد، ووشقة، وببشتر وغيرها. ولما اتسع نطاق الفتوح الإسلامية شمالا، أنشئت ولاية خامسة شمالي جبال البرنيه شاملة لأربونة، ونيمة (أونومشو)، وقرقشونة، وبزييه، وأجده، وماجويلون (أو مقلون)، ولوديف (1).
ففي هذه الولايات والقواعد الجديدة تفرقت القبائل والعشائر المختلفة، فنزلت قبائل دمشق بكورة قرطبة، وحمص بإشبيلية ولبلة وأنحائهما، وقنسرين بجيان وأنحائها، وفلسطين بشذونة والجزيرة وريُّه ومالقة وأنحائها، وقبائل اليمن بطليطلة وأراضيها، ونزل الفرس بشريش وأحوازها، والعراقيون، بكورة إلبيرة (غرناطة).
_______
(1) يقدم لنا أبو عبيدة البكرى في وصفه للأندلس تفصيلا لهذا التقسيم، ويسميه تقسيم قسطنطين. وهو يقوم على تقسيم اسبانيا إلى ست وحدات إدارية، تقترب في أوضاعها مما ذكر. (راجع الروض المعطار - الترجمة الفرنسية ص 246).
(1/70)

والمصريون بتدمير وماردة وأشبونة وأراضيها، واستقر الحجازيون بالقواعد الداخلية (1).
وأما البربر فقد نزل أغلبهم بالأطراف الغربية في نواحي ماردة وبطليوس وأراضي البرتغال، ونواحي الثغر الأوسط شمالي طليطلة فيما وراء نهر التاجُه، وفي بعض أنحاء الثغر الأعلى، وفي قطاع قونقة والسهلة، ونزلت أقليات منهم بين القبائل العربية، بنواحي شاطبة ولقنت، وفي أحواز شذونة وأراضي الفرنتيرة (2). ويلاحظ من الناحية الإقليمية، أن القبائل العربية قد احتلت معظم البقاع والوديان الخصبة في شبه الجزيرة، وأن البربر نزلوا أو بعبارة أخرى أنزلوا بالعكس في معظم الأقاليم والهضاب القاحلة، ولم يحتلوا من البقاع الخصبة سوى القليل. وقد كان هذا التقسيم المجحف للأقاليم المفتوحة عاملا آخر في ازدياد الشقاق بين العنصرين الفاتحين - العرب والبربر -. وسنرى فيما بعد كيف كان استقرار البربر في تلك الأطراف الوعرة النائية، من العوامل التي شجعتهم على تحدي السلطة المركزية، ورفع لواء الثورة من آن لآخر.
وقد ذكرنا أن موسى بن نصير قبل رحيله إلى المشرق في شهر ذي الحجة سنة 95، اختار ولده عبد العزيز لولاية الأندلس، فكان أول ولاتها من المسلمين، وأنه استخلف ولده عبد الله في ولاية إفريقية، وأن سليمان بن عبد الملك أقر هذا الاختيار. فقضى عبد العزيز بن موسى في ولايته زهاء عامين عنى فيهما بتحصين الثغور، وقمع الخروج والعصيان، وافتتح عدة أماكن وحصون، وأبدى همة في تنظيم الحكومة الجديدة وإدارتها، وأنشأ ديوانا لتطبيق الأحكام الشرعية وتنسيقها، لتوافق مشارب الرعايا الجدد، ولتجمع حولها كلمة المسلمين من مختلف القبائل، وشجع الزواج بين العرب والإسبان، وتزوج هو بالملكة إيجلونا (3) أرملة ردريك ملك القوط، واختار في إشبيلية عاصمة، الأندلس
_______
(1) ابن خلدون ج 4 ص 119.
(2) يقدم لنا ابن حزم في كتاب " الجمهرة " بيانا مفصلا عن القبائل والبطون البربرية التي نزلت في شبه الجزيرة، والنواحي التي نزلت بها. راجع " جمهرة أنساب العرب " (القاهرة) ص 464، 465.
(3) ويسميها العرب " إيلة " أو أم عاصم. وقال الواقدي، ونقله ابن عبد الحكم، إنها كانت ابنة ردريك لا زوجته (أخبار مصر ص 212)، وكذا ورد في البيان المغرب (ج 2 ص 22).
(1/71)

الجديدة، دير " سانتا روفينا " ليكون مقاما له ولزوجه، وفيه أجريت أول تعديلات على الطراز العربي، ووفد عليه المهاجرون من مصر والشأم والعراق وفارس، فأحيوا بالجزيرة سبل الزراعة والصناعة والتجارة. ولكنه لم يستطع أن يوفق بين مختلف القبائل، ولا أن يهدىء من فورة الجند. هذا إلى ما ثار من ريب حول مقاصده ونياته، بانقياده إلى زوجه، واتخاذه نوعاً من رسوم الملك، حتى قيل إنه تنصر، وقيل إنه كان يبغى الملك ويسعى إليه بتحريض زوجه، ويعمل للاستقلال بإسبانيا (1).
وهذا ما يراه المستشرق سيمونيت، إذ يقول إن عبد العزيز بن موسى كان يدبر مشروعا يرمي إلى الاستقلال بإسبانيا، والى أن يؤسس مملكة أو إمارة مستقلة فوق أنقاض المملكة القوطية، وقد كان مما يدفعه إلى هذا العزم، فضلا عن طموحه الشخصي، تحريض زوجه إيجلونا، التي كانت تضطرم رغبة في استرداد تاجها القديم، وأسباب أخرى تتعلق بالسياسة العليا. ولم يكن يخفى عليه أن سلطان خلفاء المشرق، غدا قاصراً عن أن يسيطر على هذا القطر الغربي، الذي كان سكانه الوطنيون أقل انحطاطا من الأمم الأخرى التي فتحها المسلمون، والذي كان يقدم إلى الفاتحين بعدده وحضارته مزية عظيمة (2). وبالرغم من أنه ليست لدينا أدلة حاسمة على مشروع عبد العزيز بن موسى في الاستقلال باسبانيا، فإنه يبدو ممكنا ومعقولا في الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا يومئذ. وعلى أي حال، فإن خصومه شنوا عليه وعلى تصرفاته دعاية قوية انتهت بالثورة، فوثب به جماعه من الجند على رأسهم وزيره حبيب بن أبي عبدة الفهري، وقتلوه أثناء صلاته بأحد مساجد إشبيلية، وذلك في رجب سنة 97 (يناير 716 م)، وبعثوا برأسه إلى دمشق. ومن المرجح أن يد الخلافة لم تكن بعيدة عن هذه المؤامرة، وأن سليمان بن عبد الملك هو روحها والمحرض عليها، فمن المعقول أن يتوجس سليمان ريبة من عبد العزيز ومقاصده، بعد الذي أنزله بأبيه موسى، وأن يرى التخلص منه وسيلة لتأمين الخلافة على سلطانها في ذلك القطر الجديد. وفي اهتمام
_______
(1) ابن الأثير، ج 5 ص 8. وراجع C. Julian: ibid, p. 778
(2) F.J. Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana, Vol. I, P. 147
(1/72)

الجناة بإرسال رأس القتيل إلى دمشق اتهام واضح للخليفة. وقد عزل سليمان، عبد الله بن موسى بن نصير عن إفريقية، في نفس الوقت. الذي قتل فيه عبد العزيز، وهو ما يؤيد هذا الفرض. أيضا. والواقع أن أكثر من رواية إسلامية وثيقة يلقى تبعة هذه الجريمة على سليمان، ويتهمه البعض صراحة بأنه مدبرها، بل لقد ذهب بعضهم إلى القول بأن سليمان لم يكتف بأن حمل الجناة إليه رأس عبد العزيز، وأنه عرضها على أبيه موسى زيادة في إيلامه والتشفي منه (1)، على أن سليمان لم يعدم من الرواة من يبرئه من ارتكاب هذه الجريمة، فقد ذكر لنا صاحب " أخبار مجموعة " أن سليمان أسف لمقتل عبد العزيز، أو بعبارة أخرى أنه برىء من تبعة مقتله، وهي الرواية الوحيدة من نوعها، وهي رواية ظاهرة الضعف (2).
وعلى أثر مقتل عبد العزيز، اتفق الزعماء في إشبيلية على تولية أيوب بن حبيب اللخمي، وهو ابن أخت موسى بن نصير، وكان عاقلا صالحا، فهدأت الخواطر نوعاً، ولبث في ولايته ستة أشهر نقلت خلالها قاعدة الحكم من إشبيلية إلى قرطبة باتفاق الجماعة (3). ثم أقاله محمد بن يزيد الذي خلف عبد الله بن موسى في ولاية إفريقية، وعين لولاية الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي، فقدمها في ذى الحجة سنة 97 في جماعة كبيرة من وجوه إفريقية. وأنفق الحر صدر ولايته في قمع الفتن والمنازعات التي كانت قائمة بين العرب والبربر، وإصلاح الجيش، ومطاردة الخوارج والمعتدين من الجند، وتنظيم الإدارة وتوطيد الأمن، وكان صارماً جائراً شديد الوطأة. ثم سار نحو الشمال في جيش ضخم ليستعيد المدن والحصون الشمالية التي غزاها المسلمون من قبل، فعبر جبال البرنيه واخترق ولاية سبتمانيا (4) أو لانجدوك في ربيع سنة 718 (99هـ)، وكانت مدن سبتمانيا قرقشونة
_______
(1) راجع ابن عبد الحكم ص 212 و213؛ والبيان المغرب ج 2 ص 22 و23؛ وابن الأثير ج 5 ص 8، وابن القوطية (ص 41) وهو صريح في أن سليمان هو الذي دبر الجريمة وعهد بتنفيذها إلى جماعة معينة من الجند، وابن خلدون وهو صريح أيضا في أن الجريمة تمت بتحريض سليمان (ج 4 ص 118).
(2) راجع أخبار مجموعة ص 22.
(3) وهناك رواية أخرى في أن الذي نقل قاعدة الحكم إلى قرطبة هو الحر الثقفي، راجع البيان المغرب ج 2 ص 24 و25؛ ونفح الطيب ج 2 ص 56.
(4) سميت كذلك لاحتوائها على المدن السبعة أربونة وقرقشونة وأجدة وبيزييه ولوديف ونيمة وماجويلون.
(1/73)

وأربونة وبزييه ونيمة تابعة لمملكة القوط، وكانت تخلفت عن الطاعة بعد أن غزاها المسلمون لأول مرة بقيادة موسى بن نصير على نحو ما قدمنا. فافتتحها الحر واستولى عليها، وتابع زحفه حتى ضفاف نهر الجارون. ولكنه اضطر أن يعود أدراجه، إذ علم أن النصارى في منطقة نافار الجبلية (نبره أو بلاد البشكنس)، قد نظموا حركة مقاومة خطيرة، وأن الأمور قد اضطربت في قرطبة. وكان النظام قد اختل، وعادت المنازعات والدسائس تعمل عملها، في تقويض الأمن والسكينة، فأنفق الحر حينا آخر في قمع الفتنة، حتى عزله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، في منتصف سنة مائة لقسوته وصرامته، واضطراب النظام في عهده، فكانت ولايته سنتان وثمانية أشهر، سادت فيها القلاقل والفتن.
واختار عمر بن عبد العزيز لولاية الأندلس السمح بن مالك الخولاني. وقرر أن تكون الأندلس ولاية مستقلة عن إفريقية تابعة للخلافة مباشرة، لما رآه من أهميتها واتساع شئونها، وكانت إلى ذلك الحين تابعة لعامل إفريقية وإليه تعيين ولاتها. ويقال إن عمر بن عبد العزيز فكر في إخلاء الأندلس وإجلاء المسلمين قاطبة عنها، لانقطاعهم بها، وعزلتهم فيما وراء البحر عن باقي أقطار الخلافة، فقيل له إن المسلمين قد تكاثروا بها واستقروا، فعدل عن مشروعه. " قالوا وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل، فإن مصيرهم مع الكفار إلى بوار إلا أن يستنقذهم الله برحمته " (1). وقدم السمح إلى الأندلس في رمضان سنة مائة (إبريل سنة 719) مزوداً بنصح الخليفة في أن يتبع الرفق والعدل، وأن يقيم كلمة الحق والدين. وكان السمح حاكما وافر الخبرة والحكمة والعقل. فقبض على زمام الأمور بحزم وهمة، وبادر بقمع المنازعات والفتن، وإصلاح الإدارة والجيش. وخمس جميع أراضي الأندلس التي فتحت عنوة، أعني مسحها وقرر عليها الخراج بنسبة الخمس.
ويقول لنا العلامة ألتاميرا، فيما يتعلق بتوزيع أراضي الأندلس ما يأتي:
" وقد ترك الفاتحون للإسبان الذين أسلموا أو خضعوا، سواء أكانوا جندا
_______
(1) أورد هذه الرواية صاحب البيان المغرب (ج 2 ص 25)، ونقلها المقري عن ابن حيان مؤرخ الأندلس (ج 2 ص 56)، وأشار إليها ابن الأثير أيضاً (ج 5 ص 182).
(1/74)

أم نبلاء - حقوقهم في ملكية أملاكهم كلها أو بعضها، مع فرض ضريبة عقارية عليهم مشابهة للخراج هي (الجزية)، على الأراضي المنزرعة والأشجار المثمرة، واتبعت هذه القاعدة نحو بعض الأديار، كما حدث في الامتياز الذي منح لمدينة " قُلُمرية "، وأبيح لهؤلاء الملاك فوق ذلك حرية التصرف في أملاكهم، وهو حق كان وفقا للقوانين الرومانية القديمة مقيدا أيام القوط. وأما مازاد عن الخمس في الأراضي التي استولى عليها الفاتحون، فقد وزع بين الرؤساء والجند، وبين القبائل التي يتألف منها الجيش.
" وقد روعي في توزيع الأراضي أن تخصص الولايات الشمالية، وهي جليقية وليون والأسترياس للبربر، وأن تخصص الولايات الجنوبية، أعني الأندلس للقبائل العربية. وكان يفرض على العمال الملازمين siervos من القوط، الذين يشتغلون بزرع الأرض، أن يدفعوا للسيد أو القبيلة المالكة ثلثي أو ثلاثة أخماس المحصول. وكان من أثر ذلك أن تحسنت أحوال المزارعين، كما أنه أدى في نفس الوقت إلى تقسيم الملكية وتمزيق الملكيات الكبيرة. كذلك تحسنت حال العبيد، لأن المسلمين كانوا يعاملونهم بأفضل مما كان الإسبان الرومان والقوط، ولأنه كان يكفي أن يدخل العبد في الإسلام ليغدو حرا " (1).
وأنشأ السمح قنطرة قرطبة الشهيرة، على نهر الوادي الكبير، تحقيقا لرغبة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وأبدى في جميع أعماله حزما ورفقا وعدلا، فالتف الزعماء حوله، وخبت الفتنة وهدأت الخواطر، واستقر النظام والأمن.
وكان السمح فوق كفايته الإدارية جندياً جريئاً وقائداً عظيماً. فلما انتهي من مهمة التنظيم والإصلاح، تأهب لاستئناف الغزو، وتوطيد سلطان الخلافة في الولايات الجبلية، والقواعد الشمالية، التي لم يستطع أن يتمم إخضاعها الحر الثقفي. فزحف على لانجدوك (سبتمانيا) في أواخر سنة 719 م في جيش ضخم، وفي جماعة كبيرة من وجوه الزعماء والقادة، واخترق جبال البرنيه من الشرق من ناحية روسيون، واستعاد أربونة وقرقشونة ومعظم قواعد سبتمانيا وحصونها، وعاث في تلك الأنحاء، وشتت كل قوة تصدت لمقاومته. ووقعت هذه الغزوة
_______
(1) R. Altamira. Historia de Espana. V.I.p. 217-218.
(1/75)

الشاملة في سنة 720 م (101 هـ). ويقول إيزيدور الباجي إن العرب اجتاحوا يومئذ غاليس القوطية كلها وجميع قواعد سبتمانيا (1). ثم اتجه السمح بعد ذلك نحو الشرق ليغزو مملكة الفرنج الجنوبية أو أكوتين، وزحف توا على قاعدتها تولوشة (تولوز) (2)، وبدأ بذلك النضال بين العرب والفرنج في بسائط غاليس قوياً رائعاً.
_______
(1) Dom Vissette: ibid. V.I.p. 781.
(2) ويسميها ابن عذارى طرسونة (البيان المغرب ج 2 ص 25) وهو تحريف ظاهر لأن طرسونة كانت من أعمال تطيلة في شمال شرق الأندلس (راجع معجم ياقوت).
(1/76)

الفصل الخامس
غاليس بين العرب والفرنج
(1) مملكة الفرنج. نزوحهم من الشمال إلى فرنسا. كلوفيس أول ملوكهم. كلوتير الثاني. داجوبرت. نمو مملكة الفرنج. ضعف سلطان العرش. الزعماء المحليون. محافظ القصر. الأسرة الكارلية. نفوذها وتقدمها في الرياسة. المعارك الأهلية. قيام إمارة أكوتين. ببين دي هرشتال محافظ القصر. حفيده تودفالد يخلفه. ولده كارل مارتل ينتزع السلطة لنفسه. الدوق أودو أمير أكوتين. السمح يغزو إمارته. موقعة تولوشة ومقتل السمح. (2) انتخاب عبد الرحمن الغافقي للرياسة. إخماده للفتنة في الشمال. ولاية عنبسة بن سحيم الكلبي. رد الأندلس إلى حكومة إفريقية. سير عنبسة الى الشمال. غزوه لسبتمانيا. استيلاؤه على قرقشونة. غزوه لوادي الرون. تفاهم أودو مع المسلمين. أقوال ايزودور الباجي. كمين الفرنج لعنبسة ومقتله. تتابع الولاة على الأندلس. عزرة بن عبد الله الفهري. يحيى بن سلمة الكلبي. عثمان بن أبي نسعة الخثعمي. حذيفة بن الأحوص القيسي. الهيثم ابن عبيد الكلابي. اضطراب شئون الأندلس. غزو الفرنج لمواقع المسلمين. اجتماع فلول القوط في جليقيه. إصلاحات الهيثم. عبوره إلى سبتمانيا. غزوه لوادي الرون وبرجونية. ولاية محمد ابن عبد الله الأشجعي. ولاية عبد الرحمن الغافقي الثانية. مواهبه وخلاله. بوادر الثورة في الشمال. منوسة حاكم الولايات الشمالية. غموض شخصيته. أطماعه ومشاريعه. تفاهمه مع أودو دوق أكوتين وتحالفه معه. اقترانه بلامبيجيا ابنة الدوق. ارتياب عبد الرحمن في موقفه وتصرفاته. إرساله جيشا إلى الشمال. فرار منوسة ومقتله وأسر زوجه. مخاوف أودو. تأهب عبد الرحمن للغزوة الكبرى. سيره إلى الشمال. زحفه على مدينة آرل واستيلاؤه عليها. اختراقه لأكوتين. موقعة الدردون وهزيمة الفرنج. استيلاء عبد الرحمن على بوردو. سيره ثانية إلى وادي الرون. استيلاؤه على ليون وبيزانصون وصانص. زحفه غربا نحو اللوار. أقوال الفيلسوف جيبون.
- 1 -
يجدر بنا قبل أن نمضي في تتبع الغزوات الإسلامية لتلك الأنحاء، أن نقول كلمة عن مملكة الفرنج تمهيداً لما سيجىء من لقاء العرب والفرنج وتطور العلائق يينهما. كان الفرنج (أو الفرنك) شعبة من القبائل الجرمانية استقرت منذ أواخر القرن الخامس للميلاد، بين نهر الرَّين والبحر في إقليم فلاندر وما إليه (البلجيك الحديثة)، ثم على ضفاف الرين الوسطى والموزل. وفي نهاية القرن الخامس كان زعيم هذه القبائل أمير شجاع مقدام يدعى كلوفيس بدأ حكمه في مدينة "تورني".
(1/77)

وفي سنة 486 م غزا شمال فرنسا وانتزعه من يد الحاكم الروماني سباجريوس، وكان قد أقام به دولة مستقلة، ثم حارب قبائل " الألماني " القاطنة شرق نهر الرين، وافتتح أراضيها حتى بافاريا. وفي سنة 507 م حارب كلوفيس القوط، وكانوا قد استقروا كما قدمنا في القسم الجنوبي من فرنسا المسمى بغاليا (أو غاليس) وقتل ملكهم ألاريك، واستولى على الأراضي الواقعة ما بين اللوار والبرنيه، عدا ولاية سبتمانيا (لانجدوك) التي بقيت في يد القوط. واعتنق كلوفيس النصرانية وأذاعها بين قبائله الوثنية، وجعل باريس مقر ملكه الشاسع، وبذا قامت مملكة الفرنج القوية أصل فرنسا الحديثة. وتابع أبناء كلوفيس وخلفاؤه من بعده سياسة الفتح، وافتتحوا برجونية وأواسط ألمانيا وشمالي إيطاليا. ثم وقعت الحرب الأهلية حينا بين أمراء الفرنج الذين اقتسموا تراث كلوفيس، حتى جاء كلوتير الثاني سنة 613 م فبسط سلطانه على غاليس كلها (فرنسا) (1)، واستأنف الفتح لإخضاع باقي الإمارات الفرنجية الواقعة شرقي الرين. وسار ولده داجوبيرت في أثره، وجمع كلمة الفرنج تحت لواء واحد، وغلبت سلطة الفرنج على ألمانيا الغربية ثانية، وهذبت النصرانية التي جاهد في إذاعتها الفرنج بين هذه القبائل المتوحشة، كثيراً من خشونتها، وقضت على كثير من رسومها الوثنية.
ولكن داجوبيرت كان آخر ملك من الفرنج الميروفنجية - أسرة كلوفيس (2) - استطاع أن يقبض على زمام السلطة المركزية بيد قوية. ذلك أن نظام الإقطاع والعشائر، كان يسود هذه المملكة الشاسعة، وكانت جمهرة من الأمراء والدوقات والكونتات تتقاسم السلطة في مختلف الولايات والأنحاء، وكلما ضعف سلطان العرش اشتد نفوذ أولئك الزعماء المحليين.
وكان أولئك الزعماء قد استطاعوا خلال العصور المتعاقبة، أن يحدوا تباعا من سلطة العرش، وأن يحرزوا لأنفسهم كثيرا من الامتيازات والسلطات، فلما جاء كلوفيس استطاع بعزمه وصرامته، أن يقبض على السلطة المركزية بيد قوية، وأن يبسط على مملكة الفرنج كلها سلطانا مطلقا، واستطاع بعض خلفائه
_______
(1) تطلق كلمة غاليس في الرواية الإسلامية على جنوب فرنسا، وهي تعريب حسن لكلمة Gaule أو Gaulia ( راجع ابن الأثير ج 4 ص 213). وتسمى فرنسا أيضا في الجغرافية العربية بالأرض الكبيرة.
(2) The Merovingians، نسبة إلى مؤسس أسرتهم الملك مرفيج جد كلوفيس.
(1/78)

حتى داجوبيرت أن يبسطوا مثل هذا السلطان حيناً. ولكن خلفاء داجوبيرت كانوا رجالا ضعاف الخلال والعزائم، ينغمسون في نعماء الترف والملاذ، فضعف سلطان العرش، وانهارت السلطة المركزية القوية التي كان يقبض عليها، واسترد الأشراف والزعماء المحليون استقلالهم وامتيازاتهم. هذا إلى أن ما استطاع العرش أن يحتفظ به من السلطات، امتدت إليه سلطة جديدة في القصر ذاته، هي سلطة محافظ القصر. وكان هذا المنصب في المبدأ متواضعا، ليست له أية صفة سياسية أو إدارية، تقتصر مهامه على النظر في شئون القصر المنزلية، ولكنه غدا منذ أوائل القرن السابع، أعني منذ أخذت سلطة العرش في الضعف، منصبا هاماً، يتولاه رجال أقوياء يتطلعون إلى السلطان، وتؤازرهم عصبية الأسرة والثروة، وأصبح بمضي الزمن أهم مناصب الدولة السياسية والإدارية، يستأثر صاحبه بكل السلطات الحقيقية، وإليه منتهى الأمر في أخطر شئون الدولة، يباشرها باسم العرش ومن ورائه، ولا يباشر الملك إلى جانبه غير رسوم الملك الإسمية، ويلتف حوله الزعماء والأكابر، ويباشر في معظم الأحيان سلطة الملك الحقيقية، خصوصاً إذا كان الملك طفلا قاصراً، فهو عندئذ يغدو الملك الحقيقي باسم الوصي أوالنائب.
وكانت الأسرة الكارلية (1) القوية قد اختصت بهذا المنصب الخطير، منذ عهد الملك داجوبيرت، وأخذت تهدد بنفوذها وقوتها مصير الأسرة الميروفنجية الملكية. وكانت أقوى بطون الفرنج في أوستراسيا (مملكة الفرنج الغربية)، تملك ضياعاً شاسعة ما بين نهري الرَّين والموز وتتزعم جماعة النبلاء، وترعاها الكنيسة لنفوذها وسلطانها، ويمنح زعيمها محافظ القصر لقب " دوق الفرنج " تنويها برياسته وسلطانه، الذي أصبح فوق سلطان العرش. وكان انحلال الأسرة الميروفنجية وانهيار سلطانها على هذا النحو، سببا في تفرق كلمة الفرنج وانحلال الإمبراطورية الفرنجية الشاسعة، وتطلع الزعماء إلى الاستقلال والرياسة، أسوة بما انتهى إليه محافظ القصر؛ فاضطرمت الحرب الأهلية حيناً بين الفرنج في أوستراسيا والفرنج في نوستريا (الفرنج الشرقية)، وأسفر هذا الصراع عن استقلال ولاية أكوتين في غاليا الجنوبية، وكذا استقلال معظم الولايات الألمانية، برياسة طائفة من
_______
(1) Carlovingians أو Carolingians، نسبة إلى أعظم ملوكها كارل الأكبر أو الإمبراطور شارلمان.
(1/79)

الأمراء الأقوياء. ثم آل منصب المحافظ في أواخر القرن السابع إلى أمير مقدام جرىء من الأسرة الكارلية، هو ببين دى هرشتال، فحارب الفرنج الخوارج في فريزيا وسكسونيا وبافاريا وأخضعهم، ولبث محافظا للقصر يحكم مملكة الفرنج في الشرق والغرب بقوة وعزم، مدى سبعة وعشرين عاماً، تم توفي سنة 715 م موصياً بمنصبه لحفيده الطفل تودفالد، ولد ابنه جريمولد الذي قتل قبل وفاته.
وكان لببين ولد آخر من زوجته " ألفايده " ابنه راتبود زعيم فريزيا الوثني، وهو كارل (أو شارل) مارتل، تركه أبوه فتى قوياً في نحو الثلاثين من عمره، وكان من الطبيعي أن يكون هو محافظ القصر بعد وفاة أخويه الكبيرين جريمولد ودروجو. ولكن ببين تأثر بتحريض زوجه الأولى " بلكترود " وأوصى بالمنصب لحفيده، فكان محافظ القصر طفلا هو تودفالد، يحكم مكان الملك الميروفنجي وهو طفل أيضاً، بواسطة بلكترود التي عينت وصية على حفيدها. وكان أول ما فعلت بلكترود أن قبضت على كارل مارتل، وزجته إلى السجن لتأمن شره ومنافسته. ولكن أشراف أوستريا ساءهم أن تتولى الحكم امرأة. فثاروا ونادوا بأحد زعمائهم " راجنفرد " محافظاً للقصر، ونشبت الحرب بين الفريقين، وهزم حزب بلكترود، فارتدت مع حفيدها إلى كلونية، وقبض راجنفرد على زمام الحكم. وفي تلك الأثناء فر كارل مارتل من سجنه، والتف حوله جماعة من أنصار أبيه، وحارب النوستريين، فاستغاث راجنفرد بالدوق أودو أمير أكوتين القوي، فلم يغنه ذلك شيئاً، وانتهي كارل بأن هزمه ومزق قواته، واضطره إلى التسليم والصلح. أما بلكترود فقد عقدت الصلح أيضاً، ونزلت عن كل حقوقها. وغدا كارل منذ سنة 720 م محافظاً للقصر لا ينازعه منازع، يحكم جميع الفرنج في أوستراسيا ونوستريا (1).
وهكذا كانت مملكة الفرنج حينما عبر المسلمون إلى غاليا أو غاليس (فرنسا) لثالث مرة بقيادة السمح بن مالك، وغزوا ولاية سبتمانيا القوطية، واستولوا على قواعدها، وزحفوا على مدينة تولوشة (تولوز) عاصمة أكوتين. وكان أودو
_______
(1) راجع في تاريخ مملكة الفرنج ونشأتها وعصر الأسرتين الميروفنجية والكارلية:
Zeller: Histoire de l'Allemagne Ch. VII وكذلك Hodgkin: Charles the Great, ch. II & III
(1/80)

دوق أكوتين أحد أعضاء الأسرة الميروفنجية، أقوى أمراء الفرنج في غاليا وأشدهم بأساً. وكان أثناء الاضطراب الذي ساد مملكة الفرنج، قد استقل بأكوتين وبسط حكمه على جميع غاليس الجنوبية، من اللوار إلى البرنيه، والتف حوله القوط والبشكنس (النافاريون)، وأخذ يطمح إلى انتزاع ملك الفرنج أو ملك أسرته، ويعد العدة لقتال كارل مارتل المتغلب عليه. ولكنه اضطر أن يشتغل عن مشروعه برد خطر العرب الداهم.
استولى السّمح على سبتمانيا وأقام بها حكومة إسلامية، ووزع الأراضي بين العرب والسكان، وفرض الجزية على النصارى، وترك لهم حرية الاحتكام إلى شرائعهم، ثم زحف نحو الغرب ليغزو أكوتين كما قدمنا، فقاومه البشكنس والغسقونيون سكان هذه الأنحاء أشد مقاومة. ولكنه مزق جموعهم وقصد إلى تولوشة. وكان الدوق أودو قد جمع في تلك الأثناء جيشاً ضخماً وسار لرد العرب، وعلم السمح بذلك فارتد عن مهاجمة تولوشة ليلقى جيش الدوق رغم تفوقه على جيشه في العدد. والتقى الفريقان بظاهر تولوشة، ونشبت بينهما معركة هائلة سالت فيها الدماء غزيرة، وكثر القتل في الجيشين، وأبدى المسلمون رغم قلتهم شجاعة خارقة، وتراوح النصر حيناً بين الفريقين. ولكن السمح سقط قتيلا من فوق جواده، فاختل نظام الفرسان المسلمين، ووقع الإضطراب في الجيش كله، وارتد المسلمون إلى سبتمانيا بعد أن فقدوا زهرة جندهم، وسقط منهم عدة من الزعماء الأكابر، وذلك في التاسع من ذي الحجة سنة اثنتين ومائة (9 يونيه سنة 721 م) (1).
وعلى أثر مقتل السمح اختار الجيش أحد زعمائه، عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي للقيادة العامة، فارتد عبد الرحمن إلى الجنوب تواً، وأقرته " الجماعة " واليا للأندلس، حتى يأتي الحاكم الجديد. فلبث في منصبه فترة وجيزة، ولكنه استطاع خلالها أن يخمد بوادر الخروج التي ظهرت في الولايات الجبلية الشمالية،
_______
(1) يضع كوندى وهو ينقل عن مصادر عربية اسبانية لم يبينها، تاريخ الموقعة في سنة 103 هـ Conde: ibid.I.p. 72)) ولكن المصادر العربية التي بين أيدينا تجمع كلها على أن الموقعة كانت سنة 102 هـ (نفح الطيب عن ابن بشكوال وابن حيان ج 2 ص 56، والبيان المغرب ج 2 ص 25، وابن خلدون ج 4 ص 118). ومعظم المصادر الفرنجية على أن الموقعة كانت سنة 721 م (102 هـ) متفقة بذلك مع الرواية الإسلامية. راجع Dom Vissette: ibid ; I.p. 781 & 784
(1/81)

وأن يستبقى الجزية على أربونة وغيرها من قواعد سبتمانيا. ولبث يخمد الفتن، ويصلح الأمور حتى قدم عنبسة بن سحيم الكلبي، الذي اختاره بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية، واليا للأندلس. وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد جعل الأندلس ولاية مستقلة كما قدمنا، تتبع الخلافة مباشرة. ولكن خلفه يزيد بن عبد الملك لم يقر هذا التعديل، فعادت الأندلس تابعة في إدارتها لإفريقية كما كانت.
وقدم عنبسة بن سحيم الكلبي إلى الأندلس في صفر سنة 103. وأنفق حيناً في تنظيم الإدارة، وضبط النواحي، وإصلاح الجيش، وإعداده لغزوات جديدة. وفي أواخر سنة 105 هـ (أوائل سنة 724 م) سار عنبسة في الجيش إلى الشمال غازياً، وعبر جبال البرنيه (1) مرة أخرى، وغزا سبتمانيا التي فقد المسلمون كثيرا من معاقلها، منذ هزيمة تولوشة، واستولى على قرقشونة ونيمة وما بينهما من القواعد، وارتد القوط عن محالفة الفرنج إلى محالفته. وتابع زحفه شمالا في وادي الرون ونفذ إلى برجونية حتى مدينة أوتون فغزاها وخربها (أغسطس سنة 725 م)، ثم غزا مدينة صانص. وخشى أودوق أكوتين أن يهاجمه المسلمون مرة أخرى، فسعى إلى مفاوضتهم ومهادنتهم. وبسط المسلمون سلطانهم قويا في شرق جنوبي فرنسا. وفي ذلك يقول إيزيدور الباجي: " كان نجاح عنبسة راجعاً إلى الجرأة والبراعة، أكثر منه إلى القوة والكثرة. وكان لينه ورفقه وحسن معاملته للسكان، عاملا في تقوية سلطان الإسلام في جنوبي فرنسا ". ولكن قضى نكد الطالع أن ينكب المسلمون مرة أخرى. فإن عنبسة حين عوده إلى الجنوب، داهمته قبل أن يجتمع إليه جميع جيشه، جموع كبيرة من الفرنج، فأصيب أثناء الموقعة التي نشبت بجراح بالغة توفي على أثرها، وذلك في شعبان سنة 107 هـ (ديسمبر سنة 725) فارتد الجيش إلى الداخل، وعاد الاضطراب إلى الجزيرة مرة أخرى.
_______
(1) يحسن بنا أن نشير هنا إلى أن بعض الكتاب والباحثين يسمون جبال البرنيه خطأً بجبال " البرانس " ذلك لأن جبال البرنيه تسمى في الجغرافية العربية حسبما قدمنا بجبال البرت أو البرتات. أما جبال " البرانس " فهي سلسلة أخرى من الجبال الإسبانية، تقع شرقي ماردة، وجنوبي طليطلة، وهي التي تعرف في الجغرافية الحديثة بجبال المعدن Sierra de Almaden، لوقوعها على مقربة من مدينة " المعدن ". وسيمت في الجغرافية العربية " بالبرانس " نسبة لقبيلة البرانس البربرية، التي كان منزلها في الأندلس على مقربة من هذه الجبال (راجع البيان المغرب ج 2 ص 143 و163 حيث يشير إلى الحملات التي جردت لمقاتلة الثوار في منطقة جبال البرانس).
(1/82)

وتوالى على الأندلس مدى الأعوام الخمسة التي تلت وفاة عنبسة، ستة ولاة أولهم عزرة بن عبد الله الفهري (1)، الذي تولى قيادة الجيش عقب وفاة عنبسة، فلبث في منصبه شهرين فقط. ثم يحيى بن سلمة الكلبي، ولاه بشر بن صفوان عامل إفريقية، فقدم الأندلس في شوال سنة 107، وامتد حكمه عامين ونصف لم تقع فيهما حوادث أو غزوات تذكر. ثم توفي بشر بن صفوان، وخلفه في ولاية إفريقية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، فولى على الأندلس عثمان بن أبي نسعة الخثعمي، فقدمها في شعبان سنة 110، ولبث في منصبه ستة أشهر فقط ثم عزل، وخلفه حذيفة بن الأحوص القيسي فلم تطل ولايته سوى أشهر أيضا، فخلفه الهيثم ابن عبيد الكلابي أو الكناني، ولاه أيضا عبيدة السلمي عامل إفريقية، فقدم الأندلس في المحرم سنة 111 هـ. وكان تتابع الولاة على هذا النحو سببا في تفاقم الخلل والاضطراب في شئون الجزيرة، وتفاقم الخلاف بين الزعماء والقبائل. وكان تخلف المسلمين عن الغزو من جهة أخرى مشجعا للفرنج على مهاجمة القواعد الشمالية، مشجعة للخوارج من القوط والبشكنس على تنظيم قواتهم. وكان أخطر أولئك الخوارج شراذم القوط التي لجأت كما أسلفنا إلى قاصية جليقية، واجتمعت هناك حول زعيم يدعى بلايو أو بلاي، ولم يعن الولاة بتتبعها والقضاء عليها، إما احتقاراً لشأنها أو لوعورة الجبال التي امتنعت بها، ففي أثناء اضطراب الشئون وانشغال الولاة، كانت هذه الشراذم تنمو وتشتد داخل هضابها النائية، وكانت هي نواة هذه المملكة النصرانية القوية التي نشأت سراعاً، واشتد ساعدها، حتى غدت قبل قرن تنافس الإسلام وتنازعه سيادة اسبانيا.
فلما ولى الهيثم حاول أن يقمع الفوضى، وأن يرد النظام. وكان الهيثم حازما قوى العزم، ولكن صارماً شديد الوطأة، فطارد الشغب والفوضى بشدة، واضطهد معظم الزعماء والمخالفين له في الرأي، وبالأخص اليمنية، وتتبع كثيرين منهم بالسجن والمطاردة، وقاد حملة ضد " منوسة " وهو حسبما نوضح بعد زعيم بربري غامض الشخصية، كان حاكماً لمنطقة الأسترياس وظهرت منه أعراض التمرد، ولكنه لم يوفق إلى القضاء عليه. ثم سار في الجيش إلى الشمال ليقمع
_______
(1) يرى بعض المؤرخين أن عزرة لم يكن من ولاة الأندلس، أو أن ولايته كانت غير رسمية (المقري عن ابن بشكوال ج 2 ص 57؛ والبيان المغرب ج 2 ص 26).
(1/83)

أعراض الثورة التي بدأت في الولايات الجبلية، وليستأنف الغزو؛ فعبر البرنيه، واخترق سبتمانيا إلى وادي الرون وغزا ليون (لوذون) وماسون (1) وشالون الواقعة على نهر الساؤون، واستولى على أوتون وبون، وعاث في أراضي برجونية الجنوبية. ولكن هذا الفتح الكبير لم يكن ثابت الأثر، فقد أدى اختلاف القبائل وتمرد البربر إلى تفكك الجيش الفاتح، وإلى تخلف المدن المفتوحة عن قبضة الفاتحين. فعاد الهيثم إلى الجنوب، ولم يلبث أن توفي بعد أن حكم الأندلس مدى عامين، فاختارت " الجماعة " مكانه محمد بن عبد الله الأشجعي حتى يعين الوالي الجديد (2)، فلبث في منصبه شهرين، حتى عين عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي واليا للأندلس، عينه عبيدة بن عبد الرحمن السلمي والي إفريقية بمصادقة الخليفة هشام بن عبد الملك في صفر سنة 113هـ (إبريل سنة 731) (3) فكانت ولايته الثانية. وكانت ولايته الأولى سنة 103هـ على أثر كل مقتل السمح كما قدمنا. وكان عبد الرحمن جندياً عظيماً ظهرت مواهبه الحربية في غزوات غاليا، وحاكماً قديراً بارعاً في شئون الحكم والإدارة، ومصلحاً كبيراً يضطرم رغبة في الإصلاح، بل كان بلا ريب أعظم ولاة الأندلس وأقدرهم جميعاً. وتجمع الرواية الإسلامية على تقديره والتنويه برفيع خلاله، والإشادة بعدله وحلمه وتقواه (4). فرحبت الأندلس قاطبة بتعيينه
_______
(1) لعل ماسون هي التي يسميها ابن عذارى منوسه (راجع البيان المغرب ج 2 ص 27).
(2) يقدم كوندي رواية أخرى عن مصير الهيثم، فيقول إن أمر عسفه وجوره نمى إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فانتدب محمد بن عبد الله الأشجعي للتحقيق معه. فلما تحقق صحة التهم المنسوبة إليه عزله وسجنه وصادر أمواله، وأطلق الذين اعتقلهم ظلما. ويقول كوندي أيضا إن الأشجعي هو الذي اختار عبد الرحمن الغافقي لولاية الأندلس، لما تحقق من شجاعته وحزمه بتفويض لديه من الخليفة Condeibid.V.I.p. 81 ويأخذ دوزي بهذه الرواية (( Hist.V.I.p. 137. وكوندي يستقي روايته من بعض المصادر العربية الإسبانية، ولكنه لا يعين هذه المصادر. على أن المصادر العربية التي أمامنا تجمع على أن ولاية الهيثم اختتمت بوفاته، وأن الأشجعي خلفه باختيار الجماعة (البيان المغرب ج 2 ص 27، ونفح الطيب ج 2 ص 58 عن ابن بشكوال، وابن خلدون ج 4 ص 119).
(3) تختلف الرواية الاسلامية في تارخ ولاية عبد الرحمن، فيقول الضبي إن تعيينه كان في ْحدود سنة 110هـ (بغية الملتمس رقم 1021)، وكذا ابن بشكوال (نفح الطيب ج 2 ص 56). ويقول ابن عذارى إنه كان في صفر سنة 112 (ج 2 ص 28)، وابن حيان إنه كان في صفر سنة 113 (نفح ج 2 ص 56). وهي أرجح رواية فيما نعتقد وبها أخذنا لاتفاقها مع سير تواريخ الولاة المتقدمين.
(4) راجع ابن عبد الحكم ص 216، 217 وبغية الملتمس رقم 1021، والحميدي في جذوة المقتبس ص 6 و255.
(1/84)

وأحبه الجند لعدله ورفقه ولينه، وجمعت هيبته كلمة القبائل، فتراضت مضر وحمير، وعاد الوئام نوعاً في الإدارة والجيش، واستقبلت الأندلس عهداً جديدا.
وبدأ عبد الرحمن ولايته بزيارة الأقاليم المختلفة فنظم شئونها، وعهد بإدارتها إلى ذوي الكفاية والعدل، وقمع الفتن والمظالم ما استطاع، ورد إلى النصارى كنائسهم وأملاكهم المغصوبة، وعدل نظام الضرائب وفرضها على الجميع بالعدل والمساواة، وقضى صدر ولايته في إصلاح الإدارة، ومعالجة ما سرى إليها في عهد أسلافه من عوامل الاضطراب والخلل. وعني بإصلاح الجيش وتنظيمه عناية خاصة، فحشد الصفوف من مختلف الولايات، وأنشأ فرقاً قوية مختارة من فرسان البربر بإشراف نخبة من الضباط العرب، وحصن القواعد والثغور الشمالية، وتأهب لإخماد كل نزعة إلى الخروج والثورة (1).
وكانت الثورة في الوقع توشك أن تنقض في الشمال، وبطلها في تلك المرة زعيم مسلم هو حاكم الولايات الشمالية. فمن هو ذلك الزعيم الثائر؟ إن الرواية الإسلامية تلتزم الصمت إزاء شخصية هذا الزعيم، وإزاء الحوادث التي اقترنت باسمه. وكل ما هنالك أن صاحب البيان المغرب يقول لنا في حديثه عن ولاية الهيثم بن عبيد الكناني " وهو الذي غزا أرض منوسة " (2). ثم يردد المقري هذه العبارة في قوله مشيراً أيضا إلى الهيثم " وغزا أرض منوسة فافتتحها " (3). ويبدو لأول وهله من استقراء هاتين الإشارتين القصيرتين، أن " منوسة " تنصرف فيما يرجح إلى المكان، ومنوسة قد تكون مدينة " ماسون " وهي التي غزاها الهيثم ضمن، غزواته في أرض فرنسا. ولكن معظم الروايات النصرانية والفرنجية المعاصرة، تحدثنا في نفس الوقت عن شخصية زعيم مسلم يدعى Munuza " منوزا " أو Munez " مونز "، وهو كما يبدو مطابق لاسم " منوسة "، تسرد لنا سلسلة من الحوادث الهامة التي اقترنت باسمه. وفي موطن واحد فقط تقول الرواية النصرانية إن منوسة كان زعيماً نصرانياً من زعماء منطقة الأسترياس، وأنه كان حاكماً لمدينة خيخون (4). ولنسلم نحن بهذه المطابقة بين الإسمين،
_______
(1) Conde ; ibid V.I.p. 82 & 83
(2) البيان المغرب ج 2 ص 27
(3) نفح الطيب ج 1 ص 109.
(4) Cronica General ; Vol.I.p.319 & V.II.p.324.
(1/85)

فتقول إن منوسة، كان وفقا لأقوال هذه الروايات النصرانية والفرنجية، زعيما مسلما يحكم بعض ولايات البرنيه الغربية وسبتمانيا فيما وراء البرنيه باسم حكومة الأندلس، وذلك حوالي سنة 725 إلى سنة 730 م (1). وكان الدوق أودو أمير أكوتين منذ اجتاح المسلمون أراضيه، ورأى خطر الفتح الإسلامي يهدد ملكه يسعى إلى مهادنة المسلمين والتقرب من حكومة الأندلس، ويحاول في نفس الوقت أن يجمع الحلفاء من حوله لمقاومتها إذا اقتضى الأمر. فلما تولى منوسة حكم الولايات الشمالية. وهي تجاور أكوتين من الشرق والجنوب، سعى الدوق إلى التفاهم معه. وكان منوسه كما تصفه الرواية النصرانية المعاصرة، زعيما قوي المراس، كثير الأطماع، نافذ الهيبة في هاتيك الوهاد، ولم يكن على اتفاق مع حكومة الأندلس. ذلك أنه كان من أقطاب البربر الذين عبروا الأندلس مع طارق بن زياد (2)؛ وقد سبق أن شرحنا عوامل الخلاف بين العرب والبربر، وكيف حقد البربر على العرب لاستئثارهم بمغانم الفتح والرياسة. وعلى ضوء هذه التفاصيل، نعود فنتساءل من يكون " منوسة "؟ هل يكون هو عثمان بن أبي نسعة الخثعمي الذي ولى إمارة الأندلس قبل ذلك بثلاثة أعوام حسبما قدمنا، ولم يطل أمد ولايته سوى أشهر قلائل؟ وهل يكون اسم " منوسة " Munuza تحريفاً نصرانياً للقب " نسعة " العربي؟ إذا صح أن منوسة كان زعيما بربريا كما تصفه الروايات النصرانية المعاصرة، وهي وحدها مصدر التعريف عنه، فيكون من المشكوك فيه إذن أن يكون منوسة، هو عثمان ابن أبي نسعة الخثعمي والى الأندلس (3). ذلك أن عثمان بن أبي نسعة كان زعيما
_______
(1) ويقول ألتاميرا إن " منوسه " Munuza هو الحاكم البربري الذي تركه موسى ابن نصير في خيخون في منطقة الأسترياس وكان حاكما لمدينة أوفيدو، وأنه أي منوسة قد اضطر عقب فشله في القضاء على بلايو الزعيم القوطي، وهزيمته في موقعة كوفادونجا أن يخلي منطقة الأسترياس. راجع: Altamira: ibid, T.I.p. 221-223
(2) هذه هي رواية إيزيدور الباجي وقد نقلتها بعض الروايات النصرانية المتأخرة؛ راجع Dom Vissette: ibid, V.I.p. 794 & II. p.129 و Dozy: Histoire,V.I.p. 160 et nots
(3) كنت من قبل أعتقد كبعض الباحثين أن " منوزا " (منوسة) هو تحريف لاسم ابن أبى نسعة؛ وأنهما اسمان لشخص واحد. وهذا ما يقوله في الواقع يوسف كوندي ( V.I.p. 80) . ولكني أصبحت بعد الذي قرأته من مختلف التفاصيل والتعليقات التي أوردتها الروايات النصرانية المعاصرة، وبعد مقارنتها بأقوال الرواية الإسلامية عن ابن أبي نسعة، أشك في صواب هذا الرأي. والمرجح كما يبدو من مختلف الشروح المتقدمة أن منوسة كان فعلا من زعماء البربر المتمردين على حكومة قرطبة.
(1/86)

عربيا ينتسب إلى خثعم إحدى البطون العربية العريقة (1)، ولم يفز بإمارة الأندلس في تلك الفترة سوى زعماء العرب، ولم تسند إلى أحد من البربر. هذا إلى أن الرواية الإسلامية تقدم إلينا عن مصير عثمان بن أبي نسعة رواية أخرى غير التي تقدمها إلينا الرواية النصرانية عن مصير "منوسة"، فهي تقول لنا ان ابن أبي نسعة ولي الأندلس في شعبان سنة 110هـ (728 م) واستمرت ولايته خمسة شهور أو ستة ثم عزل، وانصرف إلى القيروان فمات بها (2). أما " منوسة " فقد مات محارباً، ومات قتيلا كما سنرى.
وعلى أي حال فقد تفاهم دوق أكوتين ومنوسة، وقوت المصاهرة بينهما أواصر الصداقة والتحالف. ذلك أنه كانت للدوق ابنة رانعة الحسن تدعى لامبجيا (أو منينا أو نوميرانا على قول بعض الروايات) فرآها منوسة أثناء بعض رحلاته في أكوتين أو أنه أسرها في بعض غاراته عليها. تقول الرواية: " وكانت لامبجيا أجمل امرأة في عصرها، كما كان منوسة أقبح رجل في عصره، وكانت نصرانية متعصبة، ولكن أطماع الوالد غلبت على كل شىء، فارتضى مصاهرة الزعيم المسلم ".
وكما يحيط الغموض بشخصية منوسة، فكذلك يحيط بشخصية لامبجيا وظروف زواجها من الزعيم المسلم، فتقول الرواية مثلا، إن منوسة بعد أن أسر لامبجيا، وشغف بها حبا وتزوج بها، حمل بتأثيرها ونفوذها على محالفة أبيها الدوق ومناوأة حكومة الأندلس، وتقول أيضا إن ابنة الدوق أكوتين التي تزوجها منوسة لم تكن لامبجيا التي اشتهرت بفائق حسنها، بل كانت أختها " منينا " التي كانت من قبل زوجة لفرويلا القوطي أمير أستورية، كما تورد لنا غير ذلك من الأنباء والتفاصيل التي يقع معظمها في حد الأساطير (3).
وهكذا اجتمعت عوامل الحب والسياسة لتوثيق عرى التحالف بين الزعيم المسلم وبين الدوق أودو. وكان أودو، فضلا عما يهدده من خطر الغزو الإسلامي، يخشى بأس خصمه القوي كارل مارتل زعيم الفرنج، وكذا كان كارل مارتل
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 1 ص 139.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 28.
(3) راجع خلاصة الروايات النصرانية والفرنجية في موسوعة Bayle V.IV. والتعليقات.
(1/87)

ينقم على أودو نفوذه واستقلاله بالجنوب، وقد غزا بالفعل أكوتين غير مرة وهزم أميرها. فكان أودو في الواقع بين نارين، يخشى الفرنج في الشمال، والعرب في الجنوب. وكانت جيوش كارل مارتل تهدده وتعيث في أرضه (سنة 731) في نفس الوقت الذي سعى فيه منوسة إلى محالفته، والاستعانة به على تنفيذ مشروعه في الخروج على حكومة الأندلس، والاستقلال بحكم الولايات الشمالية. وقد رأى منوسة اكتساباً للوقت وكتماناً لحقيقة مشروعه، أن يسبغ على محالفته مع الدوق صفة هدنة عقدت بينه وبين الفرنج، ولكن عبد الرحمن أمير الأندلس ارتاب في أمر الثائر ونياته، وأبى إقرار الهدنة التي عقدها. وعندئذ كشف منوسة القناع، وأعلن الثورة، فأرسل عبد الرحمن إلى الشمال حملة قوية بقيادة ابن زيان لتأديب الزعيم الثائر، والتحوط لسلامة الولايات الشمالية، فاستعصم منوسة بمواقعه الجبلية، وتحصن في عاصمة إقليمه " مدينة الباب " (1)، الواقعة على منحدر جبال البرنيه، وكان يظن أنه يستطيع أن يتحدى الجيش الإسلامي، وأن يعتصم بالصخر، كما اعتصم به الزعيم القوطي "بلاجيوس" (بلايو) ولكنه كان مخطئاً في تقديره، فقد نفذ ابن زيان بجيشه إلى مدينة الباب، وحاصر الثائر في عاصمته، ففر منها إلى شعب الجبال الداخلية، فطارده ابن زيان من صخرة إلى صخرة، حتى أخذ وقتل مدافعاً عن نفسه، وتحطمت أطماعه ومشاريعه (113هـ - 731 م) (2)، وأسرت زوجه الحسناء لامبجيا، وأرسلت إلى بلاط دمشق، واستقبلها الخليفة (هشام بن عبد الملك) بحفاوة وإكرام، وزوجت هنالك من أمير مسلم لا تذكر لنا الرواية اسمه (3).
_______
(1) واسمها بالقشتالية Ciudad de la Puerta، وقد كانت تقع على أحد ممرات البرنيه وتسمى أحيانا "بويكاردا ".
(2) تمر الرواية الإسلامية على هذه الحوادث كلها بالصمت كما قدمنا، ولا تذكر لنا أي
تفصيل أو لمحة تلقي الضياء عل شخصية منوسة، ويوافق دوزي على أن منوسة Munuza هو اسم
للزعيم البربري المتقدم الذكر.
راجع: & Dozy: Histoire V.II.p.129 & note, وكذلك Lévy - Provençal: Hist.de l'Espagne Musulmane (1944) p.43 & note. .
(3) Dom Vissette: ibid, I.p. 764. وتحيط الرواية سيرة لامبجيا وزوجها بكثير من القصص الخيالية الشائقة، التي اتخذت فيما بعد مستقى لخيال بعض الشعراء والكتاب. غير أن معظم هذه القصص لا يخرج عن حد الأساطير.
(1/88)

هذا، وهناك في شأن "منوسة" وزوجه رواية أخرى، أوردها الحبر ماريانا كبير مؤرخي إسبانيا، فقد ذكر أن منوسة كان زعيماً نصرانياً اختاره المسلمون لحكم المنطقة الواقعة غرب البرنيه، ولكنه كان صارماً يشتد في معاملة النصارى، وأنه كان للدون بلاجيوس زعيم جليقية القوطي أخت بارعة الحسن، شغف بها منوسة حباً، ولكن بلاجيوس لم يوافق على زواجها منه، فاحتال منوسة، وبعثه في مهمة إلى قرطبة، وأسر الأميرة أثناء غيبته وتزوج بها قصراً، فأسر بلاجيوس وأخته هذه الإهانة، ولبثا يرتقبان الفرص حتى استطاعت الأميرة فراراً من أسرها وسارت مع أخيها إلى جبال جليقية حيث اعتصم بلاجيوس مع أنصاره، وأعلن الخروج والثورة، فأخطر منوسة حكومة قرطبة، فأرسلت حملة لتأديب الثائر بقيادة " علقمة ". ولكن بلاجيوس استطاع مع أنصاره القلائل، أن يعتصم بشعب الجبال، فارتد المسلمون منهزمين، وقتل علقمة، وارتاع منوسة لفوز خصمه، وخشي انتقام مواطنيه، فحاول الفرار إلى الجنوب، ولكنه وقع في يد شرذمة من الفلاحين النصارى فقتلوه، ويضع ماريانا تاريخ هذه الحوادث في سنة 718 م (1).
ولكن رواية ماريانا هذه ظاهرة الضعف، أولا لأنه ليس بمعقول أن تعهد حكومة الأندلس المسلمة بحكم ولاية من ولاياتها إلى زعيم نصراني. وثانياً لأن هذه الرواية تخالف في مجموع تفاصيلها كل ما كتبته الروايات المعاصرة عن شخصية منوسة، وعن مصاهرته لأمير أكوتين. وثالثاً لأن تاريخ هذه الحوادث متأخر عن التاريخ الذي يعينه ماريانا بأكثر من عشرة أعوام.
ولما قتل منوسة، وانهارت مشاريعه، ورأى أودو ما حل بحليفه، واستشعر الخطر الداهم تأهب للدفاع عن مملكته، وبدأ الفرنج والقوط في الولايات الشمالية بالتحرك لمهاجمة المواقع الإسلامية. وكان عبد الرحمن يتوق إلى الانتقام لمقتل السمح وهزيمة المسلمين عند أسوار تولوشة، ويتخذ العدة منذ بدء ولايته لاجتياح مملكة الفرنج كلها. فلما رأى الخطر محدقاً بالولايات الشمالية، لم ير بدا من السير إلى الشمال، قبل أن يستكمل كل أهبته. على أنه استطاع أن يجمع أعظم جيش سيره
_______
(1) Mariana في تاريخ اسبانيا العام - الترجمة الفرنسية ج 3 ص 5 وما بعدها.
(1/89)

المسلمون إلى غاليس (فرنسا) منذ الفتح. وفي أوائل سنة 732 م (أوائل سنة 114هـ) سار عبد الرحمن إلى الشمال مخترقا ولاية أراجون (الثغر الأعلى) ونافار (بلاد البشكس) وعبر البرنيه من طريق بنبلونة، ودخل فرنسا في ربيع سنة 732 م، وزحف تواً على مدينة آرل الواقعة على نهر الرون، لتخلفها عن أداء الجزية، واستولى عليها بعد معركة عنيفة، نشبت على ضفاف النهر بينه وبين قوات الدوق أودو. ثم زحف غربا وعبر نهر الجارون، وانقض المسلمون كالسيل على ولاية أكوتين (1)، يثخنون في مدنها وبسائطها، فحاول أودو أن يقف زحفهم، والتقى الفريقان على ضفاف نهر الدردون، فهزم الدوق هزيمة فادحة، ومزق جيشه شر ممزق. قال إيزيدور الباجي: " والله وحده يعلم كم قتل في تلك الموقعة من النصارى ". وطارد عبد الرحمن جيش الدوق حتى عاصمته بوردو (بردال). واستولى عليها بعد حصار قصير (2)، وفر الدوق في نفر من صحبه إلى الشمال، وسقطت أكوتين كلها في يد المسلمين. ثم ارتد عبد الرحمن نحو الرون كرة أخرى واخترق الجيش الإسلامي برجونية واستولى على ليون وبيزانصون (3)، ووصلت سرياته حتى صانص، التي تبعد عن باريس نحو مائة ميل فقط. وارتد عبد الرحمن بعد ذلك غربا إلي ضفاف اللوار ليتم فتح هذه المنطقة ثم يقصد إلى عاصمة الفرنج (4).
_______
(1) كانت إمارة أكوتين في ذلك الحين تمتد بين نهر الرون شرقا وخليج غسقونية (بسكونية) غربا، وبين نهر اللوار شمالا ونهر الجارون جنوبا، وتشمل من مقاطعات فرنسا الحديثة جويان وبيرجور وسانتونج وبواتو وفنده وجزءا من أنجو.
(2) Dom Vissette: ibid, I.p. 795
(3) وهى مسقط رأس الشاعر الفرنسي الأشهر فكتور هوجو.
(4) يقدم المستشرق كاردون شرحا آخر لسير عبد الرحمن، فيقول إنه زحف أولا على آرل وحاصرها فبادر الكونت إلى إنجادها، فلقيه عبد الرحمن وهزمه وألجأه إلى الفرار، ثم عبر عبد الرحمن نهر الجارون واستولى على بوردو. وكان الكونت قد جمع جيشا جديدا وحاول رده فهزم مرة أخرى، ثم اخترق عبد الرحمن وبيرجور وسانتونج وبواتو وهو يثخن في تلك الأنحاء حتى انتهي إلى تور Cardonne: Hist.de l'Afrique et de l'Espagne - I - 129 ولكن عبد الرحمن اقتحم وادي الرون أيضا كما بينا، وقد شرحنا سيره طبقا لجميع الروايات مجتمعة، وطبقا للمواقع الجغرافية التي تتعلق بهذه الغزوة. وقد يكون أن عبد الرحمن لم يسر بنفسه شمالا نحو برجونية، ولكن الجيش الإسلامي اقتحم هذه الأنحاء بلا ريب.
(1/90)

وتم هذا السير، وافتتح نصف فرنسا الجنوبي كله من الشرق إلى الغرب، في بضعة أشهر فقط. قال إدوارد جيبون: " وامتد خط الظفر مدى ألف ميل من صخرة طارق إلى ضفاف اللوار. وقد كان اقتحام مثل هذه المسافة يحمل العرب إلى حدود بولونيا وربى اسكتلندا. فليس الرَّين بأمنع من النيل أو الفرات، ولعل أسطولا عربيا كان يصل إلى مصب التيمز دون معركة بحرية، بل ربما كانت أحكام القرآن تدرس الآن في معاهد أكسفورد وربما كانت منابرها تؤيد لمحمد صدق الوحي والرسالة ". (1)
_______
(1) Gibbon: ibid, Ch - LII
(1/91)

الفصل السادس
بلاط الشهداء
معركة الاسلام والنصرانية. تحول هذه المعركة إلى سهول فرنسا. العرب والفرنج على أطلال الدولة الرومانية. حلول الفرنج في فرنسا. خواص المجتمع الفرنجي. انحلال عصبيته بالاستقرار. تفككه وتنافره. خطر القبائل الجرمانية الوثنية. الدولة الإسلامية. انتظامها وتماسكها. تفرق الفرنج. سيل الفتح الإسلامي. عبد الرحمن الغافقي وجيشه. كيف يصوره الشاعر سوذي. اختراق عبد الرحمن لفرنسا. موقف الدوق أودو. كارل مارتل محافظ القصر. تمهله في لقاء العرب. ما تقوله الرواية في ذلك. اتجاه أودو إلى كارل. مسير كارل للقاء العرب. اجتياح العرب لأكوتين. أين التقى العرب والفرنج. هجوم المسلمين على مدينة تور. وصول الفرنج إلى اللوار. ارتداد عبد الرحمن الى ما وراء النهر. حالة الجيش الإسلامي. وفرة غنائمه وخطرها على نظامه. بدء القتال. المعارك المحلية. المعركة العامة. مهاجمة الفرنج لمعسكر الغنائم. ارتداد الفرسان المسلمين لحمايته. اختلال نظام المسلمين. مقتل عبد الرحمن الغافقي. الذعر في الجيش الإسلامي. رجحان كفة الفرنج. افتراق الجيشين. الخلاف في القيادة الإسلامية. تقرير الانسحاب. ارتداد المسلمين إلى الجنوب. توجس كارل مارتل. أقوال الرواية الكنسية. مبالغتها في التقدير والتصوير. وصفها لحوادث اللقاء الحاسم. صمت الرواية الأندلسية. وصفها لحوادث الغزوة الإسلامية. وصفها للجيش الإسلامي. حديثها عن الموقعة الحاسمة. أقوال المستشرق كاردون. تحفظ الرواية الإسلامية ومغزى هذا التحفظ. بلاط الشهداء. لون الموقعة الديني. أقوال المؤرخين المسلمين عنها. موقف الرواية النصرانية. مبالغتها في تصوير هزيمة المسلمين وتقدير خسائرهم. ما يدحض هذا الإغراق. إحجام الفرنج عن مطاردة العرب. خسارة المسلمين بمقتل عبد الرحمن. النقد الحديث وبلاط الشهداء. كيف ينوه بأهميتها في خلاص النصرانية من سلطان الإسلام. تأملات.
أجل، كان اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية، وبين الشرق والغرب على وشك الوقوع. وكان اجتياح الإسلام للعالم القديم سريعاً مدهشاً، فإنه لم يمض على وفاة النبي العربي نصف قرن، حتى سحق العرب دولة الفرس الشامخة، واستولوا على معظم أقطار الدولة الرومانية الشرقية، من الشام إلى أقاصي المغرب، وقامت دولة الخلافة قوية راسخة الدعائم فيما بين السند شرقاً والمحيط غرباً، وامتدت شمالا حتى أواسط آسيا الصغرى. وكانت سياسة الفتح الإسلامي مذ توطدت دولة الإسلام، ترمي إلى غاية أبعد من امتلاك الأقطار، وبسطة السلطان والملك. فقد كان الإسلام يواجه في الأقطار التي افتتحها من العالم القديم أنظمة
(1/92)

راسخة مدنية واجتماعية، تقوم على أصول وثنية أو نصرانية. وكانت النصرانية قد سادت أقطار الدولة الرومانية منذ القرن الرابع. فكان على الخلافة أن تهدم هذا الصرح القديم، وأن تقيم فوق أنقاضه في الأمم المفتوحة، نظماً جديدة تستمد روحها من الإسلام، وأن تذلل النصرانية لصولة الإسلام، سواء بنشر الإسلام بين الشعوب المفتوحة، أو بإخضاعها من الوجهتين المدنية والاجتماعية لنفوذ الإسلام وسلطانه. وكان هذا الصراع بين الإسلام والنصرانية قصير الأمد في الشام ومصر وإفريقية، فلم يمض نصف قرن حتى غمر الإسلام هذه الأمم بسيادته ونفوذه، وقامت فيها مجتمعات إسلامية قوية شاملة، وغاضت الأنظمة والأديان القديمة. ثم دفعت الخلافة فتوحها إلى أقاصى الأناضول من المشرق، وجازت إلى اسبانيا من المغرب. فأما في المشرق فقد حاول الإسلام أن يعبر إلى الغرب عن طريق قسطنطينية، وبعثت الخلافة جيوشها وأساطيلها الزاخرة إلى عاصمة الدولة الشرقية مرتين، الأولى في عهد معاوية بن أبي سفيان في سنة 49هـ (669 م) والثانية في عهد سليمان بن عبد الملك سنة 98 هـ (717 م)، وكانت قوى الخلافة في كل مرة تبدي في محاصرة قسطنطينية، غاية الإصرار والعزم والجلد، ولكنها فشلت في المرتين، وارتدت عن أسوار قسطنطينية منهوكة خائرة، وأخفق مشروع الخلافة في افتتاح الغرب من تلك الناحية، ولقي الإسلام هزيمته الحاسمة في المشرق أمام أسوار بيزنطية، وقامت الدولة الشرقية في وجه الإسلام حصناً منيعا يحمى النصرانية من غزوه وسلطانه. ولكن جيوش الإسلام جازت إلى الغرب عن طريق اسبانيا، وأشرفت من هضاب البرنيه على باقي أمم أوربا النصرانية، ولولا تردد الخلافة وخلاف الزعماء، لاستطاع موسى بن نصير أن ينفذ مشروعه في اختراق أوربا من الغرب إلى المشرق، والوصول إلى دار الخلافة بطريق قسطنطينية، ولكان من المرجح أن تلقى النصرانية يومئذ ضربتها القاضية، وأن يسود الإسلام أمم الشمال كما ساد أمم الجنوب، ولكن الفكرة غاضت في مهدها لتوجس الخلافة وترددها.
على أن الفتوح التي قام بها ولاة الأندلس بعد ذلك في جنوب فرنسا، كانت طورا آخر من أطوار ذلك الصراع بين الإسلام والنصرانية. فقد كانت مملكة الفرنج أعظم ممالك الغرب والشمال يومئذ، وكانت تقوم في الغرب بحماية النصرانية،
(1/93)

على نحو ما كانت الدولة الرومانية في الشرق، بل كانت مهمتها في هذه الحماية أشق وأصعب، إذ بينما كان الإسلام يهدد النصرانية من الجنوب، كانت القبائل الوثنية الجرمانية تهددها من الشمال والشرق. وكانت الغزوات الإسلامية تقف في المبدأ عند سبتمانيا ومدنها، ولكنها امتدت بعدئذ إلى أكوتين وضفاف الجارون، ثم امتدت إلى شمال الرون وولاية برجونية، وشملت نصف فرنسا الجنوبي كله، وهكذا بدا الخطر الإسلامي على مصير الفرنج والنصرانية قوياً ساطعاً، وبدت طوالع ذلك الصراع الحاسم، الذي يجب أن تتأهب لخوضه أمم الفرنج والنصرانية كلها.
كانت المعركة في سهول فرنسا إذاً بين الإسلام والنصرانية، بيد أنها كانت من الجانب الآخر بين غزاة الدولة الرومانية، والمتنافسين في اجتناء تراثها. كانت بين العرب الذين اجتاحوا أملاك الدولة الرومانية في المشرق والجنوب. وبين الفرنج الذين حلوا في ألمانيا وغاليس (فرنسا). والفرنج هم شعبة من القبائل البربرية التي غزت رومة وتقاسمت تراثها، من وندال وقوط وآلان وشوابيين. فكان ذلك اللقاء بين العرب والفرنج في سهول فرنسا، أكثر من نزاع محلي على غزو مدينة أو ولاية بعينها: كان هذا النزاع في الواقع أبعد ما يكون مدى وأثرا، إذ كان محوره تراث الدولة الرومانية العريض الشاسع، الذي فاز العرب منه بأكبر غنم، ثم أرادوا أن ينتزعوا ما بقي منه بأيدي منافسيهم غزاة الدولة الرومانية من الشمال.
وكانت هذه السهول الشمالية، التي قدر أن تشهد موقعة الفصل بين غزاة الدولة الرومانية، تضم مجتمعاً متنافراً، لم تستقر بعد قواعده ونظمه على أسس متينة. ذلك أن القبائل الجرمانية التي عبرت نهر الرين وقضت على سلطان رومة في الأراضي المفتوحة، كانت مزيجاً مضطرماً من الغزاة الظمأى إلى تراث رومة من الثروة والنعماء. وكان القوط قد اجتاحوا شمالي إيطاليا منذ القرن الخامس، وحلوا في جنوبي غاليس واسبانيا. ولكن هذه الممالك البربرية لم تكن تحمل عناصر البقاء والاستقرار، فلم يمض زهاء قرن آخر حتى غزا الفرنج فرنسا، وانتزعوا نصفها الشمالي من يد حاكمه الروماني المستقل بأمره، وانتزعوا نصفها الجنوبي عن القوط، وحلت في غاليس سلطة جديدة ومجتمع جديد. وكان الغزاة في كل
(1/94)

مرة يقيمون ملكهم على القوة وحدها، ويقتسمون السلطة في نوع من الإقطاع، فلا يمضي وقت طويل حتى تقوم في القطر المفتوح عدة إمارات محلية، ولم يعن الغزاة بإقامة مجتمع متماسك ذي نظم سياسية واجتماعية ثابتة، ولم يعنوا بالأخص بأن يندمجوا برعاياهم الجدد. فكان سكان البلاد المفتوحة من الرومان والغاليين، الذين لبثوا قرونا يخضعون لسلطان رومة، ما تزال تسود فيهم لغة رومة وحضارتها، ولكن القبائل الجرمانية الغازية كانت تستأثر بالحكم والرياسة، وتكون وحدها مجتمعا منعزلا، لبثت تسوده الخشونة والبداوة أحقاباً، قبل أن يتأثر بمدنية رومة وتراثها الفكري والاجتماعي. وكان اعتناق الفرنج للنصرانية منذ عهد كلوفيس، أكبر عامل في تطور هذه القبائل وتهذيب عقليتها الوثنية وتقاليدها الوحشية. ثم كان استقرارها بعد حين في الأرض المفتوحة، وتوطد سلطانها وتمتعها بالنعماء والثراء، بعد طول المغامرة والتجوال، وشظف العيش، وحرصها على حياة الدعة والرخاء، عوامل قوية في انحلال عصبيتها الحربية وفتور شغفها بالغزو، وإذكاء رغبتها في الاستعمار والبقاء. وهكذا كانت القبائل الجرمانية التي عبرت الرّين تحت لواء الفرنج واستقرت في غاليس، قد تطورت في أوائل القرن الثامن، إلى مجتمع مستقر متماسك نوعا. ولم تكن غاليس قد استحالت عندئذ إلى فرنسا، ولكن جذور فرنسا المستقبلة كانت قد وضعت، وهيئت الأسباب والعوامل لنشوء الأمة الفرنسية. بيد أن هذا المجتمع رغم تمتعه بنوع من الاستقرار والتماسك، كان وقت أن نفذ العرب إلى فرنسا، فريسة الانحلال والتفكك، وكان الخلاف يمزقه كما قدمنا. وكانت أكوتين وباقي فرنسا الجنوبية، في يد جماعة من الأمراء والزعماء المحليين، الذين انتهزوا ضعف السلطة المركزية، فاستقلوا بما في أيديهم من الأقاليم والمدن. ثم كانت القبائل الجرمانية الوثنية، فيما وراء الرين من جهة أخرى، تحاول اقتحام النهر من آن لآخر، وتهدد بالقضاء على مملكة الفرنج. فكان الفرنج يشغلون برد هذه المحاولات ويقتحمون النهر بين آونة وأخرى لدرء هذا الخطر، ولإرغام القبائل الوثنية على اعتناق النصرانية. فكانت المسألة الدينية أيضاً عاملا قويا في هذا النضال الذي يضطرم بين قبائل وعشائر تجمعها صلة الجنس والنسب. ولم ينقذ مملكة الفرنج من ذلك الخطر، سوى خلاف القبائل الوثنية وتنافسها وتفرق كلمتها (1).
_______
(1) راجع Creasy: Decisive Battles of the World, Ch. VII ( الفصل السابع) =
(1/95)

هكذا كانت مملكة الفرنج والمجتمع الفرنجي في أوائل القرن الثامن، أعني حينما انساب تيار الفتح الإسلامي من اسبانيا إلى جنوبي فرنسا. وكان قد مضى منذ وفاة النبى العربي، إلى عهد هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية (سنة 732 م)، مائة عام فقط. ولكن العرب كانوا خلال هذا القرن، قد افتتحوا جميع الأمم الواقعة بين السند شرقاً والمحيط غرباً، واكتسحوا العالم القديم، في فيض مدهش من الظفر الباهر، واستولوا على جميع أقطار الدولة الرومانية الجنوبية، من الشأم إلى أقاصي المغرب واسبانيا، وعبروا البرنيه إلى أواسط فرنسا، هذا بينما أنفقت القبائل الجرمانية الشمالية، أكثر من ثلاثة قرون في افتتاح أقطار الدولة الشمالية، ومحاولة الاستقرار فيها. وبينما قامت الدولة الإسلامية ثابتة وطيدة الدعائم، وقامت في جميع أقطار الخلافة حكومات محلية قوية، ومجتمعات إسلامية مستنيرة، وجيوش غازية منظمة، إذا بمعظم القبائل الجرمانية غزاة رومة من الشمال، ما يزال إذا استثنينا مملكة الفرنج، على حاله كل من البداوة والتجوال والتفرق. وكان الفرنج هم قادة القبائل الجرمانية في هذا الصراع، الذي نشب في سهول فرنسا، وآذن طوره الحاسم بعبور المسلمين إلى فرنسا في ربيع سنة 732 م. وكان سيل الفتح الإسلامي، ينذر باجتياح فرنسا منذ عشرين عاماً، أعني مذ عبر المسلمون جبال البرنيه بقيادة موسى بن نصير لأول مرة واستولوا على سبتمانيا، ثم اقتحموا بعد ذلك وادي الرون وأكوتين غير مرة. ولكن مملكة الفرنج كانت يومئذ تشغل بالمعارك الداخلية، وتقتتل حول السلطان والرياسة، حتى ظفر كارل مارتل بمنصب محافظ القصر، وأنفق أعواماً أخرى في توطيد سلطانه، بينما كان خصمه ومنافسه أودو أمير أكوتين، يتلقي وحده ضربات العرب. فلما استفحل خطر الفتح الإسلامي، وانساب نحو الشمال حتى برجونية، فزع الفرنج وهبت القبائل الجرمانية في أوستراسيا ونوستريا لتذود عن سلطانها وكيانها.
وكان الخطر داهماً حقيقياً في تلك المرة، لأن المسلمين عبروا البرنيه عندئذ في أكبر جيش حشد، وأتم أهبة اتخذت منذ الفتح. وكان على رأس الجيش الإسلامي قائد وافر الهمة والشجاعة والمقدرة هو عبد الرحمن الغافقي، وهو أعظم
_______
= ففيه استعراض حسن لأحوال المجتمع الجرماني في هذا العصر، وعرض شائق لحوادث موقعة تور. وراجع أيضا Zeller: Hist.de l'Allemagne, p. 67.
(1/96)

جندى مسلم عبر البرنيه. وكان قد ظهر ببراعته في القيادة منذ موقعة تولوشة، حيث استطاع إنقاذ الجيش الإسلامي من المطاردة عقب هزيمته ومقتل قائده السمح، والارتداد إلى سبتمانيا. وتبالغ الرواية الفرنجية في تقدير جيش عبد الرحمن وأهبته، فتقدره بأربعمائة ألف مقاتل، هذا غير جموع حاشدة أخرى صحبها لاستعمار الأرض المفتوحة. وهو قول ظاهر المبالغة. وتقدره بعض الروايات العربية بسبعين أو ثمانين ألف مقاتل، وهو أقرب إلى الحقيقة والمعقول. وقد أثارت هذه الغزوة الإسلامية الشهيرة، وهذا الجيش الضخم، خيال الشاعر، الأوربي الحديث، فنرى الشاعر الإنجليزي سوذي يقول في منظومته عن ردريك آخر ملوك القوط.
" جمع لا يحصى.
" من شأم وبربر وعرب، وروم خوارج.
" وفرس وقبط وتتر عصبة واحدة.
" يجمعها إيمان، هائم راسخ الفتوة.
" وحمية مضطرمة، وأخوة مروعة.
" ولم يك الزعماء،
" أقل ثقة بالنصر، وقد شمخوا بطول ظفر
" يتيهون بتلك القوة الجارفة،
" التي أيقنوا أنها كما اندفعت،
" حيثما كانوا بلا منازع، ستندفع ظافرة إلى الأمام،
" حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق،
" يطأطىء الرأس إجلالا لاسم محمد،
" وينهض الحاج من أقاصي المنجمد،
" ليطأ بأقدام الإيمان، الرمال المحرقة،
" المنتثرة فوق صحراء العرب وأراضي مكة الصلدة " (1).
ونفذ عبد الرحمن في جيشه الزاخر إلى فرنسا، في ربيع سنة 732 م (أوائل سنة 114 هـ)، واقتحم وادي الرون وولاية أكوتين، وشتت قوى الدوق أودو، وأشرف بعد هذا السير الباهر على ضفاف نهر اللوار. وتقول بعض الروايات
_______
(1) Southy: Roderic the last of the Goths
(1/97)

الكنسية، إن أودو هو الذي استدعى عبد الرحمن إلى فرنسا، ليعاونه على محاربة خصمه كارل مارتل (1). ولكن هذه الرواية مردودة غير معقولة، لما قدمنا من أن أودو هو الذي بادر إلى مقاومة عبد الرحمن ورده، وكانت مملكته وعاصمته أول غنم للمسلمين. وكان ملك الفرنج يومئذ تيودوريك الرابع، ولكن ملوك الفرنج كانوا في ذلك العصر أشباحاً قائمة فقط. وكان محافظ القصر كارل مارتل هو الملك الحقيقي، يستأثر بكل سلطة حقيقية، وعليه يقع عبء الدفاع عن ملكه وأمته. وكان منذ استفحل خطر الفتح الإسلامي يتخذ أهبته ويحشد قواه. ولكن عبد الرحمن سار إلى قلب فرنسا قبل أن يتحرك للقائه. وترد الرواية الإسلامية هذا التمهل إلى خطة مرسومة مقصودة. فتقول في هذا الموطن: " فاجتمعت الفرنج إلى ملكها الأعظم قارلة وهذه سمة لملوكهم، فقالت له ما هذا الخزي الباقي في الأعقاب. كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها، واستولوا على بلاد الأندلس، وعظيم ما فيها من العدة والعدد، بجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم. فقال لهم ما معناه: الرأي عندى أن لا نعترضهم في خرجتهم هذه، فانهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم، ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلىء أيديهم من الغنائم، ويتخذوا المساكن، ويتنافسوا في الرياسة، ويستعين بعضهم ببعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر " (2). ونستطيع أيضاً أن نفسر تمهل كارل مارتل بأنه كان يقصد إلى ترك خصمه ومنافسه أودو دون إغاثة، حتى يقضي المسلمون على ملكه وسلطانه، فيتخلص بذلك من منافسته ومناوأته. وعلى أى حال فإن عبد الرحمن كان قد اقتحم أكوتين وجنوبي فرنسا كله، حينما تأهب كارل مارتل للسير إلى لقائه. وجاء الدوق أودو بعد ضياع ملكه، تمزيق
_______
(1) موسوعة Bouquet: Recueil des Historiens de la Gaule et de la France رواية القديس دني Vol.III.p. 310. وراجع أيضا موسوعة: Bayle: Dictionnaire Historique et Critique تحت كلمة Abderame
(2) المقري عن الحجاري في المسهب (نفح الطيب ج 1 ص 129). ويورد الحجارى هذه الرواية بمناسبة عبور موسى بن نصير إلى فرنسا. ولكن ظاهر من اسم قارلة (كارل) أن الأمر يتعلق بالغزوة الكبيرة التي نتحدث عنها؛ وإليها ترجعها الرواية الكنسية اللاتينية. راجع: Gibbon: ibid, Ch.LII حيث يورد نفس هذه الفقرة في كلامه عن موقعة تور.
(1/98)

قواته يطلب العون والنجدة من خصمه القديم أعني كارل مارتل (1). وكان كارل قد حشد جيشا ضخماً من الفرنج ومختلف العشائر الجرمانية المتوحشة، والعصابات المرتزقة فيما وراء الرين، يمتزج فيه المقاتلة من أمم الشمال كلها، وجله جند غير نظاميين، نصف عراة يتشحون بجلود الذئاب، وتنسدل شعورهم الجعدة، فوق أكتافهم العارية. وسار زعيم الفرنجة في هذا الجيش الجرار نحو الجنوب لملاقاة العرب في حمى الهضاب والربى، حتى يفاجىء العدو في مراكزه قبل أن يستكمل الأهبة لرده. وكان الجيش الإسلامي قد اجتاح عندئذ جميع أراضي أكوتين، التي تقابل اليوم من مقاطعات فرنسا الحديثة جويان وبريجور وسانتونج وبواتو، وأشرف بعد سيره المظفر على مروج نهر اللوار الجنوبية، حيثما يلتقي بثلاثة من فروعه هي " الكريز " و" الفيين " و" الكلين ".
ومن الصعب أن نعين بالتحقيق، مكان ذلك اللقاء الحاسم في تاريخ الشرق والغرب، والإسلام والنصرانية. ولكن المتفق عليه أنه السهل الواقع بين مدينتي بواتييه وتور، حول نهري كلين وفيين فرعي اللوار، على مقربة من مدينة تور. والرواية الإسلامية مقلة موجزة في الكلام عن تلك الموقعة العظيمة، وليس فيما لدينا من المصادر العربية عنها أي تفصيل شامل، وإنما وردت تفاصيل للرواية الإسلامية عن الموقعة، نقلها إلينا المؤرخ الإسباني كوندي سنعود إليها بعد. وتفيض الرواية الفرنجية والكنسية بالعكس في حوادث الموقعة، وتقدم إلينا عنها تفاصيل شائقة، ولكن يحفها الريب وتنقصها الدقة التاريخية. وقد رأينا أن نحاول وصف الموقعة أولا مما لدينا من أقوال الروايتين، ثم نعود بعد ذلك إلى ذكر كل منهما. انتهي الجيش الإسلامي في زحفه إلى السهل الممتد بن مدينتي بواتييه وتور كما قدمنا، واستولى المسلمون على بواتييه، ونهبوها وأحرقوا كنيستها الشهيرة. ثم هجموا على مدينة تور الواقعة على ضفة اللوار اليسرى، واستولو عليها وخربوا كنيستها أيضا. وفي ذلك الحين كان جيش الفرنج قد انتهي إلى اللوار، دون أن يشعر المسلمون بمقدمه بادئ بدء، وأخطأت الطلائع الإسلامية تقدير عدده وعدته. فلما أراد عبد الرحمن أن يقتحم اللوار، لملاقاة العدو على ضفته اليمنى فاجأه كارل مارتل بجموعه الجرارة. وألفى عبد الرحمن جيش الفرنج يفوقه في
_______
(1) Dom Vissette, ibid, V.I. p. 795
(1/99)

الكثرة، فارتد من ضفاف النهر ثانية إلى السهل الواقع بين تور وبواتييه. وعبر كارل اللوار غربي تور، وعسكر بجيشه إلى يسار الجيش الإسلامي بأميال قليلة، يين نهري كلين وفيين فرعي اللوار.
وكان الجيش الإسلامي في حال تدعو إلى القلق والتوجس، فإن الشقاق كان يضطرم بين قبائل البربر التي يتألف منها معظم الجيش، وكانت تتوق إلى الانسحاب ناجية بغنائمها الكبيرة. وكان المسلمون في الواقع قد استصفوا ثروات فرنسا ْالجنوبية أثناء سيرهم المظفر، ونهبوا جميع كنائسها وأديارها الغنية، وأثقلوا بما لا يقدر ولا يحصى، من الذخائر والغنائم والسبي، فكانت هذه الأثقال النفيسة تحدث الخلل في صفوفهم، وتثير بينهم ضروب الخلاف والنزاع. وقدر عبد الرحمن خطر هذه الغنائم على نظام الجيش وأهبته، وخشي مما تثيره في نفوس الجند من الحرص والانشغال، وحاول عبثا أن يحملهم على ترك شىء منها. ولكنه لم يشدد في ذلك خيفة التمرد. وكان المسلمون من جهة أخرى، قد أنهكتهم غزوات أشهر متواصلة، مذ دخلوا فرنسا، ونقص عددهم بسبب تخلف حاميات عديدة منهم، في كثير من القواعد والمدن المفتوحة. ولكن عبد الرحمن تأهب لقتال العدو وخوض المعركة الحاسمة بعزم وثقة.
وبدأ القتال في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر من أكتوبر سنة 732 م (أواخر شعبان سنة 114 هـ) فنشبت بين الجيشين معارك محلية مدى سبعة أيام أو ثمانية، احتفظ فيها كل بمراكزه. وفي اليوم التاسع نشبت بينهما معركة عامة، فاقتتلا بشدة وتعادل، حتى دخول الليل. واستأنفا القتال في اليوم التالى، وأبدى كلاهما منتهي الشجاعة والجلد، حتى بدا الإعياء على الفرنج، ولاح النصر في جانب المسلمين. ولكن حدث عندئذ أن افتتح الفرنج ثغرة إلى معسكر الغنائم الإسلامي، وخشي عليه من السقوط في أيديهم، أو حدث كما تقول الرواية أن ارتفعت صيحة مجهول في المراكز الإسلامية، بأن معسكر الغنائم سوف يقع في يد العدو. فارتدت قوة كبيرة من الفرسان من قلب المعركة إلى ما وراء الصفوف لحماية الغنائم، وتواثب كثير من الجند للدفاع عن غنائمهم، فدب الخلل إلى صفوف المسلمين. وعبثا حاول عبد الرحمن أن يعيد النظام وأن يهدئ روع الجند، وبينما هو يتنقل أمام الصفوف يقودها ويجمع شتاتها، إذ أصابه من جانب الأعداء سهم أودى
(1/100)

بحياته، فسقط قتيلا من فوق جواده، وعم الذعر والاضطراب في الجيش الإسلامي، واشتدت وطأة الفرنج على المسلمين، وكثر القتل في صفوفهم. ولكنهم صمدوا للعدو حتى جن الليل، وافترق الجيشان دون فصل. وكان ذلك في اليوم الحادي والعشرين من أكتوبر سنة 732 م (أوائل رمضان سنة 114 هـ) (1).
وهنا اضطرم الجدل والنزاع بين قادة الجيش الإسلامي، واختلف الرأي وهاجت الخواطر، وسرى التوجس والفزع. ورأى الزعماء أن كل أمل في النصر قد غاض، فقرروا الانسحاب على الأثر. وفي الحال غادر المسلمون مراكزهم، وارتدوا في جوف الليل وتحت جنح الظلام، جنوبا صوب قواعدهم في سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم أسلابهم غنماً للعدو. وفي فجر الغد، لاحظ كارل وحليفه أودو سكون المعسكرات العربية، فتقدما منها بحذر وإحجام، فألفياها خاوية خالية إلا من بعض الجرحى الذين لم يستطيعوا مرافقة الجيش المنسحب، فذبحوا على الأثر وخشي كارل الخديعة والكمين فاكتفى بانسحاب العدو، ولم يجرؤ على مطاردته، وآثر العود بجيشه إلى الشمال.
هذه هي أصدق صورة لحوادث تلك الموقعة الشهيرة، طبقا لمختلف الروايات.
والآن نورد ما تقوله الرواية الفرنجية الكنسية ثم الرواية الإسلامية.
أما الرواية الفرنجية الكنسية فيشوبها كثير من المبالغة والتحامل والتعصب، وهي تصف مصائب فرنسا والنصرانية من جراء غزوة العرب، في صور مثيرة محزنة، وتفصل حوادث هذه الغزوة فتقول إحداها: " لما رأى الدوق أودو أن الأمير شارل (كارل) قد هزمه وأذله، وأنه لا يستطيع الانتقام، إذا لم يتلق النجدة من إحدى النواحي، تحالف مع عرب اسبانيا، ودعاهم إلى معاونته ضد الأمير شارل وضد النصرانية، وعندئذ خرج العرب وملكهم عبد الرحمن، من
_______
(1) تجمع معظم الروايات الفرنجية والكنسية على أن الموقعة كانت في أكتوبر سنة 732 م. وهذا التاريخ يوافق بالهجرية شعبان سنة 114. بيد أن الرواية الاسلامية تختلف في تحديد هذا التاريخ؛ فالبعض يقول إنها كانت سنة 115 هـ (ابن عبد الحكم ص 317، والضبي في بغية الملتمس رقم 1021، وابن عذارى في البيان المغرب ج 1 ص 37؛ ولكنه يعود فيذكر أن الموقعة كانت سنة 114هـ (ج 2 ص 28). ولكن ابن الأثير (ج 5 ص 74)، وابن خلدون (ج 4 ص 119) والمقري عن ابن حيان (ج 1 ص 109 وج 2 ص 56) متفقون عل أنها كانت سنة 114هـ؛ ويقول الأخيران إنها كانت في رمضان سنة 114 هـ، وهو أصح تعيين يتفق مع الرواية الغربية.
(1/101)

اسبانيا، مع جميع نسائهم وأولادهم وعددهم وأقواتهم، في جموع لا تحصى ولا تقدر، وحملوا كل ما استطاعوا من الأسلحة والذخائر، كأنما عولوا على البقاء في أرض فرنسا، ثم اخترقوا مقاطعة جيروند، واقتحموا بوردو، وقتلوا الناس، ونهبوا الكنائس، وخربوا كل البسائط، وساروا حتى بواتيو ... " (1).
وتقول أخرى: " ولما رأى عبد الرحمن أن السهول قد غصت بجموعه، اقتحم الجبال، ووطيء السهول بسيطها ووعرها، وتوغل مثخنا في بلاد الفرنج، وسحق بسيفه كل شىء، حتى أن أودو حينما تقدم لقتاله على نهر الجارون وفر منهزما أمامه، لم يكن يعرف عدد القتلى سوى الله وحده، ثم طارد عبد الرحمن الكونت أودو، وحينما حاول أن ينهب كنيسة تور المقدسة ويحرقها، التقى بكارل أمير فرنج أوستراسيا، وهو رجل حرب منذ فتوته، وكان أودو قد بادر بإخطاره. وهناك قضى الفريقان أسبوعاً في التأهب، واصطفا أخيراً للقتال، ثم وقفت أمم الشمال كسور منيع، أو منطقة من الثلج لا تخترق، وأثخنت في العرب بحد السيف ".
" ولما أن استطاع أهل أوستراسيا (الفرنج)، بقوة أطرافهم الضخمة، وبأيديهم الحديدية، التي ترسل من الصدر تواً ضرباتها القوية، أن يجهزوا على جموع كبيرة من العدو، التقوا أخيراً بالمك (عبد الرحمن) وقضوا على حياته. ثم دخل الليل ففصل بين الجيشين، والفرنج يلوحون بسيوفهم عالية احتقارا للعدو. فلما استيقظوا في فجر الغد، ورأوا خيام العرب الكثيرة كلها مصفوفة أمامهم، تأهبوا للقتال معتقدين أن جموع العدو. جاثمة فيها. ولكنهم حينما أرسلوا طلائعهم، ألفوا جموع المسلمين، قد فرت صامتة تحت جنح الليل، مولية شطر يلادها. على أنهم خشوا أن يكون هذا الفرار خديعة يعقبها كمين من جهات أخرى، فأحاطوا بالمعسكر حذرين دهشين. ولكن الغزاة كانوا قد فروا، وبعد أن اقتسم الفرنج الغنائم والأسرى فيما بينهم بنظام، عادوا مغتبطين إلى ديارهم " (2).
_______
(1) هذه هي رواية القديس دني Saint Denis - وردت في موسوعة Bouquet. ووردت في هذه الموسوعة أيضا أقوال آخرين من الرواة الأحبار.
(2) هذه هي رواية إيزيدور الباجي وهو معاصر للموقعة. راجع Creasy: ibid , Ch.VII و Hodgkin,Charles the Great;Ch.III، وكذلك Gibbon: ibid ,Ch.LII ففيها تنقل هذه التفاصيل أو تلخص.
(1/102)

وأما الرواية الإسلامية فهي ضنينة في هذا الموطن كل الضن كما أسلفنا. ويمر معظم المؤرخين المسلمين على تلك الحوادث العظيمة، بالصمت أو الإشارة الموجزة كما سنرى. غير أن المؤرخ الإسباني كوندي يقدم إلينا خلاصة من أقوال ينسبها الى الرواية الأندلسية المسلمة (1)، عن غزو فرنسا وعن موقعة تور؛ ونحن ننقلها مترجمة فيما يلى:
" لما علم الفرنج وسكان بلاد الحدود الإسبانية بمقتل عثمان بن أبي نسعة، وسمعوا بضخامة الجيش الإسلامي الذي سير إليهم، استعدوا للدفاع جهدهم، وكتبوا إلى جيرانهم يلتمسون الغوث. وجمع الكونت وسيد هذه الأنحاء (يريد أودو) قواته وسار للقاء العرب، ووقعت بينهم معارك سجال. ولكن النصر كان إلى جانب عبد الرحمن بوجه عام، فاستولى تباعاً على كل مدن الكونت. وكان جنده قد نفخ فيهم حسن طالعهم المستمر، فلم يكونوا يرغبون إلا في خوض المعارك، واثقين كل الثقة في شجاعة قائدهم وبراعته.
" وعبر المسلمون نهر الجارون، وأحرقوا كل المدن الواقعة على ضفافه، وخربوا جميع الضياع، وسبوا جموعاً لا تحصى، وانقض هذا الجيش على البلاد كالعاصفة المخربة فاجتاحها، وأذكى اضطرام الجند، نجاح غزواتهم، واستمرار ظفرهم وما أصابوا من الغنائم.
" ولما عبر عبد الرحمن نهر الجارون اعترضه أمير هذه الأنحاء، ولكنه هزمه ففر أمامه وامتنع بمدينته. فحاصرها المسلمون ولم يلبثوا أن اقتحموها، وسحقوا بسيوفهم الماحقة كل شىء. ومات الكونت مدافعاً عن مدينته، واحتز الغزاة رأسه (2). ثم ساروا مثقلين بالغنائم في طلب انتصارات أخرى، وارتجت بلاد
_______
(1) لم نقف في أي المصادر العربية التي بين أيدينا، على أصل هذه التفاصيل التي يقول كوندي إنه اقتبسها من الرواية العربية، ولم يذكر هو مصدر اقتباسه. ولعله نقلها عن بعض مخطوطات الإسكوريال أو المجموعات الخاصة وقد فقدت آثارها اليوم، كما فقدت مخطوطات كثيرة من المجموعة الأندلسية بالإسكوريال. ولعله أيضا نقل شيئا منها من شذور لابن حيان وابن بشكوال كانت موجودة في عصره ولم تصل الينا. ويلوح لنا أن الحجاري في كتابه " المسهب " قد تناول هذه الحوادث بالتفصيل حيث نقل المقري عنه شذرة تفيد ذلك. (نفح ج 1 ص 139)، ولعل كوندي وقف على شىء منها. على أننا لم نعثر خلال بحوثنا في مجموعة الإسكوريال على أثر لمثل هذه المخطوطات أو الأوراق. راجع حديث كوندي عن مصادره: Conde: ibid, V.I Prologo, p. 20 & 21.
(2) هذا خلط بين، لأن الكونت أودو لم يقتل عندئذ، بل فر إلى الشمال، وعاد لقتال عبد الرحمن في تور كما قدمنا.
(1/103)

الفرنج كلها رعباً لاقتراب جموع المسلمين، وهرع الفرنج إلى ملكهم قلدوس في طلب الغوث، وأخبروه بما يأتيه الفرسان المسلمون من العيث والسفك، وكأنهم في كل مكان، وكيف أنهم أحتلوا واجتاحوا كل أقاليم أربونة وتولوشة وبردال (1) وقتلوا الكونت. فهدأ الملك روعهم ووعدهم بالغوث العاجل. وفي سنة 114هـ سار على رأس جموع لاتحصى للقاء المسلمين. وكان المسلمون قد اقتربوا عندئذ من مدينة تور، وهنالك علم عبد الرحمن بأمر الجيش العظيم الذي سيلقى. وكان جيشه قد دب إليه الخلل، لأنه كان مثقلا بالغنائم من كل ضرب. ورأى عبد الرحمن وأولوا الحزم من زملائه, أن يحملوا الجند على ترك هذه الأثقال، والاقتصار على أسلحتهم وخيولهم، ولكن خشوا التمرد أو أن يثبطوا عزائم الجند، واستسلموا لرأي الواثقين المستهترين. واعتمد عبد الرحمن على شجاعة جنده، وحسن طالعه المستمر. ولكن الأضطراب خطر خالد على سلامة الجيوش. نعم إن الجند يحملهم ظمأ الغنم، قد أتوا جهوداً لم يسمع بها، فطوقوا مدينة تور، وقاتلوا حصونها بشدة رائعة، حتى سقطت في أيديهم أمام أعين الجيش القادم لإنقاذها، وانقض المسلمون على أهلها كالضواري المفترسة، وأمعنوا القتل فيهم. قالوا، ولعل الله أراد أن يعاقب المسلمين على تلك الآثام، وكان طالعهم قد ولى.
" وعلى ضفاف نهر " الأوار " (اللوار) اصطف رجال اللغتين، والتقى المسلمون والنصارى، وكلاهما جزع من الآخر، وكان عبد الرحمن ثقة منه بظفره المستمر، هو البادئ بالهجوم، فانقض بفرسانه على الفرنج بشدة، وقابله الفرنج بالمثل. ودامت المعركة ذريعة مروعة طوال اليوم حتى جن الليل. وفرق بين الجيشين. وفي اليوم التالي استؤنف القتال منذ الفجر بشدة، وشق بعض مقدمي المسلمين طريقهم إلى صفوف العدو وتوغلوا فيها. ولكن عبد الرحمن لاحظ والمعركة في أوج اضطرامها، أن جماعة كبيرة من فرسانه، غادرت الميدان بسرعة لحماية الغنائم المكدسة في المعسكر العربي، لأن العدو أخذ يهددها. فأحدثت هذه الحركة خللا في صفوف المسلمين، وخشي عبد الرحمن عاقبة هذا الاضطراب، فأخذ يثب من صف إلى صف يحث جنوده على القتال، ولكنه ما لبث أن أدرك أنه يستحيل عليه ضبطهم، فارتد يحارب مع أشجع جنده حيثما استقرت المعركة،
_______
(1) مدينة بوردو.
(1/104)

حتى سقط قتيلا مع جواده وقد أثخن طعانا. وهنا ساد الخلل في الجيش الإسلامي وارتد المسلمون في كل ناحية، ولم يعاونهم على الانسحاب من تلك المعركة الهائلة سوى دخول الليل.
" وانتهز النصارى هذه الفرصة فطاردوا الجنود المنهزمة أياماً عديدة، واضطر المسلمون أثناء انسحابهم أن يحتملوا عدة هجمات، واستمر الصراع بين مناظر مروعة حتى أربونة.
" وقد وقعت هذه الهزيمة الفادحة بالمسلمين، وقتل قائدهم الشهير عبد الرحمن سنة 115 هـ. ثم أن ملك فرنسا حاصر مدينة أربونة، ولكن المسلمين دافعوا عنها بشجاعة فائقة، حتى أرغم على رفع الحصار، وارتد إلى داخل بلاده وقد أصابته خسائر كبيرة " (1).
وأورد المؤرخ كاردون من جهة أخرى في كلامه عن الموقعة، فقرة ذكر أنه نقلها عن ابن خلكان جاء فيها: "لما استولى العرب على قرقشونة خشي قارله (كارل) أن يتوغلوا في الفتح، فسار لقتالهم في الأرض الكبيرة (فرنسا) في جيش ضخم، وعلم العرب بقدومه وهم في لوذون (ليون) وأن جيشه يفوقهم بكثرة، فعولوا على الارتداد. وسار قارله حتى سهل أنيسون دون أن يلقى أحداً إذ احتجب العرب وراء الجبال وامتنعوا بها، فطوق هذه الجبال دون أن يدري العرب، ثم قاتلهم حتى هلك عدد عظيم منهم، وفر الباقون إلى أربونة. فحاصر قارلة أربونة مدة، ولم يستطيع فتحها فارتد إلى أراضيه، وأنشأ قلعة وادي رذونة (الرون)، ووضع فيها حامية قوية لتكون حداً بينه وبين العرب " (2).
ونعود بعد ذلك إلى الرواية الإسلامية فنقول إن المؤرخين المسلمين يمرون على حوادث هذه الموقعة الشهيرة إما بالصمت أو الإشارة الموجزة. ويجب أن نذكر بادىء بدء أن موقعة تور، تعرف في التاريخ الإسلامي بواقعة البلاط أو بلاط
_______
(1) Conde: ibid , Vol,I, p. 86-88
(2) راجع: Cardonne: ibid, V.I.P.129-131 وقد بحثنا طويلا في كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان في مظان وجود هذه التفاصيل فلم نعثر بها. ولعل كاردون وقد كتب في أواسط القرن الثامن عشر، واستعان بمخطوطات عربية في المكتبة الملكية في باريس، قد نقل عن نسخة لابن خلكان فيها زيادات عن النسخة التي بين أيدينا. ولسنا نعلم من جهة أخرى أن لابن خلكان مؤلفا تاريخيا آخر يمكن أن يحتوي مثل هذه التفاصيل.
(1/105)

الشهداء، لكثرة من استشهد فيها من أكابر المسلمين والتابعين. وفي هذه التسمية ذاتها، وفي تحفظ الرواية الإسلامية، وفي لهجة العبارات القليلة التي ذكرت بها الموقعة، ما يدل على أن المؤرخين المسلمين، يقدرون خطورة هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية، ويقدرون فداحة الخطب الذي نزل بالإسلام في سهول تور. ويدل على لون الموقعة الديني ما تردده الأسطورة الإسلامية، من أن الأذان لبث عصوراً طويلة يسمع في بلاط الشهداء (1). ونستطيع أن نحمل تحفظ المؤرخين المسلمين في هذا المقام، على أنهم لم يروا أن يبسطوا القول في مصاب جلل نزل بالإسلام، ولا أن يفيضوا في تفاصيله المؤلمة، فاكتفوا بالإشارة الموجزة، ولم يكن ثمة مجال للتعليق أيضا، ولا التحدث عن نتائج خطب، لاريب أنه كان ضربة للإسلام ولمطامع الخلافة ومشاريعها. وإذا استثنينا بعض الروايات الأندلسية التي كتبت عن الموقعة في عصر متأخر، والتي نقلناها فيما تقدم، فإن المؤرخين المسلمين يتفقون جميعا في هذا الصمت والتحفظ. وهذه طائفة من أقوالهم وإشاراتهم الموجزة:
قال ابن عبد الحكم، وهو من أقدم رواة الفتوح الإسلامية وأقرب من كتب عن فتوح الأندلس ما يأتي: " وكان عبيدة (يريد والي إفريقية) قد ولى عبد الرحمن بن عبد الله العكي على الأندلس، وكان رجلا صالحا فغزا عبد الرحمن إفرنجة، وهم أقاصي عدو الأندلس، فغنم غنائم كثيرة وظفر بهم ... ثم خرج إليهم غازيا فاستشهد وعامة أصحابه، وكان قتله فيما حدثنا يحي عن الليث في سنة خمسة عشر ومائة " (2). ولم يذكر الواقدي والبلاذري والطبري وهم أيضا من أقدم رواة الفتوح شيئاً عن الموقعة. وقال ابن الأثير في حوادث سنة ثلاث عشرة ومائة مرددا الرواية ابن عبد الحكم. " ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله، فغزا إفرنجة وتوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة. ثم خرج غازيا ببلاد الفرنج في هذه السنة (أعني 113 هـ)، وقيل سنة أربع عشرة ومائة وهو الصحيح، فقتل هو ومن معه شهداء " (3). وينسب ابن خلدون الموقعة خطأ لابن الحبحاب والى مصر وإفريقية فيقول: " وقدم بعده (أي بعد الهيثم) محمد
_______
(1) المقري عن ابن حيان (نفح الطيب ج 2 ص 56).
(2) فتوح مصر وأخبارها ص 216 217.
(3) ابن الأثير ج 5 ص 64.
(1/106)

ابن عبد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاث عشرة، وغزا إفرنجة وكانت له فيهم وقائع، وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة فولى سنتين " (1). ولدينا من الرواية الأندلسية ما قاله صاحب " أخبار مجموعة " عند ذكر ولاة الأندلس وهو: " ثم (أي وليها) عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وعلى يده استشهد أهل البلاط الشهداء، واستشهد معهم واليهم عبد الرحمن " (2). ونقل الضبي في ترجمة عبد الرحمن ما ذكر ابن عبد الحكم عن الموقعة (3). وقال الحميدي وهو من مؤرخي الأندلس في حديثه عن عبد الرحمن: " وعبد الرحمن الغافقي هذا من التابعين ... استشهد في قتال الروم بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة " (4). وقال ابن عذارى المراكشي: " ثم ولي الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115، بموضع يعرف ببلاط الشهداء " (5) وقال في موضع آخر " ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا (أى الغافقي) ثانية وكان جلوسه لها في صفر سنة 112 فاقام والياً سنتين وسبعة أشهر وقيل وثمانية أشهر، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة 114 " (6). وقال المقري فيما نقل: " قدم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية، فدخلها (أى الأندلس) سنة ثلاث عشرة، وغزا الإفرنجة وكانت له فيهم وقائع، وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة " (7).
ونقل في موضع آخر: " وذكر أنه قتل (والإشارة هنا خطأ إلى السمح بن مالك) في الواقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه، فأحاطت بالمسلمين فلم ينج من المسلمين أحد. قال ابن حيان،
_______
(1) ابن خلدون ج 4 ص 119، وفي نسبته الموقعة لمحمد بن الحبحاب خطأ بين لأن ابن الحبحاب كان عامل مصر، ولم يندب لولاية إفريقية سوى سنة عشرة ومائة. ولم يل هو أو ولده الأندلس قط (راجع ابن عبد الحكم ص 217).
(2) أخبار مجموعة في فتح الأندلس ص 25.
(3) بغية الملتمس رقم 1021.
(4) جذوة المقتبس (طبع القاهرة) ص 256.
(5) البيان المغرب ج 2 ص 27.
(6) البيان المغرب ج 2 ص 28.
(7) نفح الطيب ج 1 ص 109.
(1/107)

فيقال إن الأذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن ". ونقل عن ابن حيان: " قال دخل الأندلس (أي عبد الرحمن) حين وليها ولايته الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة، وغزا الإفرنج فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد، وأصيب عسكره في موضع يعرف ببلاط الشهداء. قال ابن بشكوال وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط " (1).
هذه الفقرات والإشارات الموجزة، التي تكاد تتفق جميعا في اللفظ والمعنى، هي ما ارتضت الرواية الإسلامية أن تقدمه إلينا في هذا المقام، وإن كان في تحفظها ذاته ما ينم عن تقديرها لرهبة الحادث وخطورته وبعد آثاره. وإذا كان صمت الرواية الإسلامية تمليه فداحة الخطب الذي أصاب الإسلام في سهول تور، فإن الرواية النصرانية تفيض بالعكس في تفاصيل الموقعة إفاضة واضحة، وتشيد بظفر النصرانية ونجاتها من الخطر الإسلامي، وترفع بطولة كارل مارتل إلى السماكين. وتذهب الرواية النصرانية، ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين، في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق، فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة بلغوا ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألفاً، في حين أنه لم يقتل من الفرنج سوى ألف وخمسمائة. ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها الدوق أودو إلى البابا جريجورى الثاني، يصف فيها حوادث الموقعة وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة واللاحقة، كأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيغها. بيد أنها ليست سوى محض خرافة، فإن الجيش الإسلامي كله، لم يبلغ حين دخوله فرنسا على أقصى تقدير، أكثر من مائة ألف (2). والجيش الإسلامي لم يهزم في تور ولم يسحق، بالمعنى الذي تفهم به الهزيمة الساحقة، ولكنه ارتد من تلقاء نفسه بعد أن لبث طوال المعركة الفاصلة، يقاتل حتى المساء محتفظا بمراكزه أمام العدو، ولم يرتد أثناء القتال ولم يهزم. ومن المستحيل أن يصل القتل الذريع في جيش يحافظ على ثباته ومواقعه، إلى هذه النسبة الخيالية. ومن المعقول أن تكون خسائر المسلمين فادحة في مثل هذه المعارك الهائلة، وهذا ما تسلم به الرواية الإسلامية. ولكن مثل هذه
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 56.
(2) وهذا التقدير يأخذ به بعض الؤرخين الغربيين أيضا، مثال ذلك المؤرخ الفرنسي Mezeral. راجع التعليقات في موسوعة Bayle، تحت كلمة Abderame.
(1/108)

الخسائر لا يمكن أن تعدو بضع عشرات الألوف في جيش لم يزد على مائة ألف.
وأسطع دليل على ذلك هو حذر الفرنج وإحجامهم عن مطاردة العرب عقب الموقعة، وتوجسهم أن يكون انسحاب العرب خديعة حربية، فلو أن الجيش الإسلامي انتهي إلى أنقاض ممزقة، لبادر الفرنج بمطاردته والإجهاز عليه. ولكنه كان مايزال من القوة والكثرة إلى حد يخيف العدو ويرده (1). على أن خسارة المسلمين كانت بالأخص فادحة في نوعها، تتمثل في مقتل عبد الرحمن وجمع كبير من زعماء الجيش وقادته. بل كان مقتل عبد الرحمن أفدح ما في هذه الخسارة، فقد كان خير ولاة الأندلس، وكان أعظم قائد عرفه الإسلام في الغرب، وكان الرجل الوحيد الذي استطاع بهيبته وقوة خلاله، أن يجمع كلمة الإسلام في اسبانيا، فكان لمقتله في هذا المأزق العصيب، ضربة شديدة لمثل الإسلام ومشاريع الخلافة في افتتاح الغرب (2).
ويعلق النقد الحديث على هذا اللقاء بين الإسلام والنصرانية أهمية كبرى، وينوه بخطورة آثاره وبعد مداها في تغيير مصاير النصرانية وأمم الغرب، ومن ثم في تغير تاريخ العالم كله. وإليك طائفة مما يقوله أكبر مؤرخي الغرب ومفكريه في هذا المقام:
قال إدوارد جيبون، إن حوادث هذه الموقعة " أنقذت آباءنا البريطانيين وجيراننا الغاليين (الفرنسيين) من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال رومة، وأخرت استعباد قسطنطينية، وشدت بأزر النصرانية، وأوقعت بأعدائها بذور التفرق والفشل " (3). ويعتبر المؤرخ أرنولد الموقعة " إحدى هاته المواقف
_______
(1) قال ادوارد جيبون تعليقا على مزاعم الرواية الفرنجية " ولكن تلك القصة الخرافية يمكن ردها بحذر القائد الفرنسي (كارل مارتل) إذ توجس من شراك المطاردة ومفاجآتها ورد حلفاءه الألمان إلى أوطانهم. ان سكون الفاتح ينم عن فقد الدماء والقوة، وأن أشنع تمزيق للعدو لا يقع حين التحام الصفوف، وإنما حين الانسحاب وتولية الأدبار ".
(2) راجع موسوعة Bayle تحت كلمة Abderame، ففيها أيضا إنكار للرواية الفرنجية عن خسائر العرب. وفي هذه الموسوعة تعليقات وملاحظات مفيدة لطائفة من المؤرخين الفرنسيين تجمع كلها على التنديد بمبالغة الرواية الفرنجية. وراجع أيضا Dom Vissette: ibid , V.I.p. 797 حيث يدحض مزاعم الروايات النصرانية.
(3) Romann Empiree - Ch.LII..
(1/109)

الرهيبة لنجاة الإنسانية وضمان سعادتها مدى قرون " (1). ويقول السير إدوار كريزي: " إن النصر العظيم الذي ناله كارل مارتل على العرب سنة 732 وضع حدا حاسما لفتوح العرب في غرب أوربا، وأنقذ النصرانية من الإسلام، وحفظ بقايا الحضارة القديمة، وبذور الحضارة الحديثة، ورد التفوق القديم للأمم الهندية الأوربية على الأمم السامية " (2). ويقول فون شليجل في كلامه عن الإسلام والإمبراطورية العربية: " ما كاد العرب يتمون فتح إسبانيا حتى تطلعوا إلى فتح غاليا وبرجونية. ولكن النصر الساحق الذي غنمه بطل الفرنج كارل مارتل بين تور وبواتييه وضع لتقدمهم حداً، وسقط قائدهم عبد الرحمن في الميدان مع زهرة جنده. وبذا أنقذ كارل مارتل بسيفه أمم الغرب النصرانية من قبضة الإسلام الفتاكة، الهدامة إلى الذروة " (3)، ويقول رانكه: " إن فاتحة القرن الثامن من أهم عصور التاريخ، ففيها كان دين محمد ينذر بامتلاك إيطاليا وغاليا، وقد وثبت الوثنية كرة أخرى إلى ما وراء الرّين فنهض إزاء ذلك الخطر فتى من عشيرة جرمانية هو كارل مارتل، وأيد هيبة النظم النصرانية المشرفة على الفناء، بكل ما تقتضيه غريزة البقاء من عزم، ودفعها إلى بلاد جديدة " (4). ويقول زيلر: " كان هذا الانتصار بالأخص انتصار الفرنج والنصرانية. وقد عاون هذا النصر زعيم الفرنج على توطيد سلطانه، لا في غاليا وحدها ولكن في جرمانيا التي أشركها في نصره " (5). على أن هناك فريقاً من مؤرخي الغرب لا يذهب إلى هذا الحد في تقدير نتائج الموقعة وآثارها. ومن هذا الفريق المؤرخان الكبيران سسموندي وميشليه، فهما لايعلقان كبير أهمية على ظفر كارل مارتل. ويقول جورج فنلي: " إن أثرة الكتاب الغاليين قد عظمت من شأن تغلب كارل مارتل على حملة ناهبة من عرب اسبانيا، وصورته كانتصار باهر، ونسبت خلاص أوربا من نير العرب إلى شجاعة الفرنج، في حين أن حجاباً ألقى على عبقرية ليون الثالث (إمبراطور قسطنطينية) وعزمه، مع أنه نشأ جنديا يبحث وراء طالعه، ولم يكد يجلس على
_______
(1) History of the Roman Commonwealth
(2) Decisive Battles of the World
(3) Philosophie der Geschichte
(4) History of the Reformation
(5) Histoire de l'Allemagne.
.
(1/110)

العرش حتى أحبط خطط الفتح، التي أنفق الوليد وسليمان طويلا في تدبيرها " (1) ونحن مع الفريق الأول نكبر شأن بلاط الشهداء أيما إكبار، ونرى أنها كانت أعظم لقاء بين الإسلام والنصرانية، وبين الشرق والغرب، ففي سهول تور وبواتييه فقد العرب سيادة العالم بأسره، وتغيرت مصائر العالم القديم كله، وارتد تيار الفتح الإسلامي أمام الأمم الشمالية، كما ارتد قبل ذلك بأعوام أمام أسوار قسطنطينية، وأخفقت بذلك آخر محاولة بذلتها الخلافة لافتتاح أمم الغرب، واخضاع النصرانية لصولة الإسلام. ولم تتح للإسلام المتحد فرصة أخرى، لينفد الى قلب أوربا في مثل كثرته وعزمه واعتزازه، يوم مسيره إلى بلاط الشهداء. ولكنه أصيب غير بعيد بتفرق الكلمة، وبينما شغلت إسبانيا المسلمة بمنازعاتها الداخلية، إذ قامت فيما وراء البرنيه إمبراطورية فرنجية عظيمة موحدة الكلمة، تهدد الإسلام في الغرب وتنازعه السيادة والنفوذ.
_______
(1) Byzantine Empire
(1/111)

الفصل السابع
الأندلس بين المد والجزر
صدى بلاط الشهداء. اهتمام الخلافة بحوادث الأندلس. تعيين عبد الملك بن قطن واليا للأندلس. مسير ابن قطن إلى الشمال. محاربته للثوار في الثغر الأعلى وبسكونية. غزوه لأكوتين. هزيمته أثناء العودة. صرامته وعزله. ولاية عقبة بن الحجاج. حزم عقبة وإصلاحاته. غزوه لجليقية. تحصينه لقواعد الثغر. غزواته في غاليس. حوادث أكوتين. عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس يغزو آرل. تحالف مورنتوس دوق بروفانس مع العرب. غزو القوات المتحدة لبرجونية. مهاجمة الفرنج لأفنيون واستيلاؤهم عليها. حصار كارل مارتل لأربونة. موقعة بين العرب والفرنج. هزيمة العرب. رفع الحصار عن أربونة. استيلاء كارل على مدن سبتمانيا وتخريبها. عوده إلى الشمال. مسير عقبة إلى سبتمانيا. استرداده لآرل. غزو الفرنج واللومبارد لبروفانس. قدوم كارل مارتل. ارتداد المسلمين. هزيمة مورنتوس وتمزيق قواته. مهاجمة البشكنس لعقبة حين عبوره الجبال. وفاة عقبة. ولاية عبد الملك ابن قطن الثانية. حوادث إفريقية. سخط البربر على العرب. ذيوع الدعوة الخارجية بين البربر. موقف البربر في اسبانيا. أقوال ابن خلدون في ذلك. أقوال دوزي. اضطرام البربر بعوامل الثورة. إخماد الثورة في المغرب الأقصى. ولاية إسماعيل بن عبيد الله للمغرب. عودة الثورة بزعامة ميسرة المدغري. استيلاء الثوار على طنجة. الحرب بين العرب والبربر. مصرع ميسرة. موقعة الأشراف. ولاية كلثوم بن عياض لإفريقية. الخلاف بين زعماء العرب. مسير كلثوم إلى المغرب. استئناف الحرب بين العرب والبربر. هزيمة العرب ومقتل كلثوم. امتناع الشاميين بسبتة. ولاية حنظلة بن صفوان لإفريقية. الثورة في إفريقية الوسطى. قتال حنظلة للثوار. هزيمة البربر ومصرع زعمائهم.
كان للخطب الجلل الذي أصاب الإسلام في بلاط الشهداء وقع عظيم في بلاط دمشق، وفي جميع أرجاء العالم الإسلامي، وكان ارتداد الإسلام أمام أسوار قسطنطينية قد وقع للمرة الثانية قبل ذلك بأربعة عشر عاما فقط، فكانت نكبة البلاط تتمة الفشل المؤلم، الذي أصاب مشاريع الخلافة في افتتاح أمم الغرب. ْعلى أنها لم تكن خاتمة الفتوح الإسلامية في فرنسا.
وأثار هذا الخطب في نفس هشام بن عبد الملك، أيما اهتمام بشئون الأندلس ومصير الإسلام في الغرب، فاختار عبد الملك بن قطن الفهري واليا للأندلس، وأمره أن يعمل على حماية شبه الجزيرة، وتوطيد هيبة الإسلام في تلك الأقطار
(1/112)

النائية. فعبر عبد الملك إلى اسبانيا، في جيش منتخب من جند إفريقية، في أواخر سنة 114هـ (1). كان ثوار المقاطعات الشمالية قد انتهزوا فرصة مقتل عبد الرحمن وانحلال جيشه، وحاولوا أن ينزعوا عنهم نير الإسلام، فسار عبد الملك إلى الثغر الأعلى (أراجون) وهزم الثوار في عدة مواقع، ثم عبر البرنيه إلى بسكونية (بلاد البشكنس) (2) سنة 115 هـ (733 م)، وكانت دائما أشد المقاطعات الجبلية مراساً، وأكثرها خروجاً وانتقاضاً، فعاث فيها وشتت جندها وألجأهم إلى طلب الصلح (3). ثم سار إلى لانجدوك، وكان الفرنج منذ موقعة البلاط، يتطلعون إلى استردادها، ويكثرون من الإغارة عليها، فنظم حامياتها، وحصن قواعدها. ثم أغار على أراضي أكوتين وعاث فيها، فاعترضه الدوق أودو ورده، ولم يخاطر عبد الملك بالتوغل في أرض الفرنج لصغر جيشه, فارتد إلى الجنوب، ولكنه أثناء عبوره جبال البرنيه، هاجمته العصابات الجبلية البسكونية، وأصابته في قتالها خسارة كبيرة، فعاد إلى قرطبة دون أن يتمكن من إخضاعها.
ولم يطل عهد عبد الملك بعد عوده، فقد كان صارماً، شديد الوطأة، كثير الظلم والبطش (4). فسخط عليه الزعماء وأولو الرأي، ودب الخلاف بين القبائل، وبدت بوادر الفتنة. هذا إلى أنه لم يوفق إلى إخماد الثورة في الولايات الشمالية، وتوطيد سلطان الإسلام فيها. فعزل في رمضان سنة 116 لسنتين من ولايته. واختار عبيد الله بن الحبحاب عامل إفريقية، مكانه لولاية الأندلس. عقبة بن الحجاج السلولي. فدخلها في شوال سنة 116 (أواخر سنة 734 م). وكان عقبة من طراز عبد الرحمن الغافقي جندياً عظيماً، نافذ العزم والهيبة، محمود الخلال والسيرة، كثير العدل والتقوى (5)، فأقام النظام والعدل، ورد المظالم، وقمع الرشوة
_______
(1) المقري ج 2 ص 58، ابن الأثير ج 5 ص 64. ولكن ابن عبد الحكم يقول إن ولاية ابن قطن كانت سنة 115هـ (ص 217). وهذا يرجع إلى أنه يقول كما قدمنا بوقوع بلاط الشهداء سنة 115.
(2) بسكونية أو بسكونس أو بلاد االبشكنس بالعربية هي vasconia القديمة، وقد كانت تشمل الرقعة الممتدة في غرب البرنيه بحذاء الشاطىء إلى شرق الأسترياس، وكانت أهم أجزائها في ذلك العصر ولاية نافار التي يسميها العرب أحيانا نبره، وكانت عندئذ إمارة مستقلة يحكمها على الأرجح زعيم أو أمير قوطي، وتشمل من مقاطعات اسبانيا الحديثة نافار وبسكاية Vizcaya
(3) المقري ج 2 ص 58.
(4) المقري ج 1 ص 110؛ وعن ابن بشكوال ج 2 ص 58.
(5) المقري ج 2 ص 58؛ والبيان المغرب ج 2 ص 28.
(1/113)

والاختلاس، وعزل الحكام الظلمة وألقاهم في غيابة السجن، وأقام مكانهم جماعة من ذوى الحزم والنزاهة، وأنشأ كثيرا من المدارس والمساجد. فاستقرت الأحوال وخبت الفتنة، وتراضت القبائل. واعتزم عقبة في الوقت نفسه أن يعيد عهد الجهاد والفتوح العظيمة، وأن يوطد سلطان الإسلام في الولايات الشمالية، وفي غاليس (فرنسا). فنظم الجيش وزاد في قواته وأهبته، وغزا جليقية وتوغل فيها، واستولى على كثير من مواقعها، ولكنه لم يستطع أن يسحق بقية النصارى التي اجتمعت حول الزعيم القوطي بلاي (أو بلايو)، وما زالت معتصمة بأقاصي
الجبال في شعب عرفت لمنعتها " بالصخرة "، متحدية كل أمير وقائد مسلم (1). وحصن عقبة جميع المواقع الإسلامية على ضفاف نهر الرون، واتخذ ثغر أربونة قاعدة للجهاد والغزو، فحصنها وبعث إليها بالجند والمؤن والذخائر. وتقول الرواية الإسلامية إن عقبة لبث طوال حكمه الذي امتد خمسة أعوام مثابرا على الجهاد والغزو، وأنه كان يخرج للغزو كل عام، حتى عاد نهر الرون رباط المسلمين أو معقل فتوحاتهم (2)، بعد أن كان الفرنج قد استردوا ما بيد المسلمين في تلك الأنحاء. ولا تفصل الرواية الإسلامية حوادث هذه الغزوات، ولكن الروايات الفرنجية المعاصرة تلقى عليها شيئا من الضياء، وإليك ملخص الغزوات الإسلامية في غاليس في تلك الفترة حسبما تقصه علينا تلك الروايات:
رأى الفرنج على أثر ما أصاب المسلمين في بلاط الشهداء، أن الفرصة قد سنحت لإخراجهم من فرنسا. ولكن كارل مارتل شغل حينا بمحاربة القبائل الوثنية فيما وراء الرّين، في فريزيا وسكسونية، وشغل أودو برد العرب حينما غزوا أكوتين مرة أخرى بقيادة ابن قطن. ثم توفي أودو في العام التالي (سنة 735 م)، وتخلص كارل مارتل بذلك من منافسه القوي، وبادر إلى غزو أكوتين ودخل بوردو عاصمتها، وأقام هونالد ولد أودو دوقا مكان أبيه، على أن تكون أكوتين تابعة للمملكة الفرنجية. وفي تلك الأئناء ولي الأندلس عقبة بن الحجاج، وأخذ ينظم الأهبة لاسترداد الثغور الإسلامية الشمالية. وفي سنة 735 م (117هـ) غزا العرب مدينة آرل للمرة الثانية، بقيادة عبد الرحمن بن علقمة اللخمي والي
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 29.
(2) المقري ج 2 ص 58؛ والبيان المغرب ج 2 ص 29.
(1/114)

أربونة، الموصوف بأنه " فارس الأندلس في عصره " تنويها بشجاعته الفائقة (1) واستولوا عليها. وكانت الولايات المجاورة لسبتمانيا الواقعة حول ضفاف الرون، وكلها مزيج من القوط والبرجونيين، تنزع إلى الخروج على كارل مارتل، وتحاول التخلص من نير الفرنج، وكان الدوق مورنتوس أو مورنت أمير بروفانس أقوى زعماء هذه المنطقة، يحكم ما بين نهر الرون وجبال الألب، ويسعى إلى توطيد استقلاله. وتوزيع ملكه على نحو ما كان يفعل أودو في أكوتين، فاتصل بالعرب وتحالف معهم. وفي سنة 736 م عبر الدوق وعبد الرحمن اللخمي الرون في جيش مشترك، واستولوا على مدينة أفنيون ورغم حصانتها (2). واخترق العرب بعد ذلك إقليم دوفينه، استولوا على أوسيز وففييه وفالانس وفيين وليون وغيرها، وغزوا برجونية وحصلوا على غنائم لا تحصى (3). وعلم كارل مارتل بذلك أثناء انشغاله بالحرب في سكسونية، فبعث أخاه شلدبراند في جيش ضخم ليصد العرب، ثم لحق به جيش آخر، وزحف الفرنج على أفنيون في كثرة وهاجموها بشدة حتى سقطت في أيديهم، وقتلوا حاميتها المسلمة، وتحصن العرب في أربونة، فسار إليها كارل مارتل، وحاصرها فقاومه المسلمون أشد مقاومة. وردوا كل هجماته. وأرسل عقبة في الحال جيشا لإنقاذ المدينة، فقصدها من جهة البحر. وجاز إلى الشاطئ قبل أن يشعر به الفرنج حتى صار على مقربة من أربونة. فلما علم كارل بمقدم هذا الجيش الجديد، بادر إلى لقائه ونشبت بينه وبين العرب موقعة هائلة، فيما بين البحر وأربونة، هزم فيها العرب هزيمة شديدة، وطاردهم الفرنج حتى الشاطىء، فلم ينج منهم سوى شراذم قليلة لجأت إلى السفن، وذلك في ربيع سنة 737 م (119هـ) ومع ذلك فلم تسلّم أربونة ولم يهن عزمها. فاضطر عندئذ كارل مارتل إلى رفع الحصار عنها، وارتد إلى مهاجمة المواقع الإسلامية الأخرى، فاستولى على بزييه وأجده وماجلونة وخرب قلاعها ومعاهدها، وأحرق نيمة وآثارها الرومانية الفخمة، فغدت جميعا أطلالا دارسة، بعد أن كانت أيام المسلمين زاهرة باسمة، وحول السهل الواقع غرب سبتمانيا وشمالها إلى قفر بلقع ليحول دون تقدم المسلمين. وهنا وصلته الأنباء بوفاة تيودوريك الرابع
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 59 و62.
(2) وهي في الرواية العربية " صخرة أبنيون " (راجع نفح الطيب ج 1 ص 128).
(3) Dom Vissette: ibid, V.I. P. 803.
(1/115)

ملك الفرنج الميروفنجي (سبتمبر سنة 737)، فارتد مسرعاً إلى عاصمة ملكه ليتقي تدابير خصومه، ولم يقم ملكا جديداً على العرش رغم وجود أعضاء من الأسرة الميروفنجية، بل آثر أن يترك العرش خاليا، حتى تمهد الظروف له أو لبنيه اعتلاءه، وتتويج سلطان محافظ القصر الفعلي بألقاب الملك.
وفي ذلك الحين كان عقبة بن الحجاج يتأهب لاستئناف الغزو، واسترداد ما انتزعه كارل مارتل من قواعد سبتمانيا. ففي ربيع سنة 738 م (120هـ) عبر عقبة جبال البرنيه في جيش ضخم ونفذ إلى سبتمانيا، وعبر الرون واسترد مدينة آرل للمرة الثالثة أو الرابعة. ثم استولى بمعاونة الدوق مورنتوس على أفنيون وعدة معاقل أخرى في بروفانس. وكان كارل في ذلك الحين قد عاد إلى محاربة السكسونيين، فبعث لقتال العرب جيشا بقيادة أخيه شلدبراند، واستغاث بصهره وحليفه لوتيراند ملك اللومبارد (1)، فغزا بروفانس من جهة الشرق ليضيق على قوات الدوق، ثم أسرع كارل إلى الرون بجيش ثالث، وزحفت الجيوش المتحدة على مواقع المسلمين، فاضطر عقبة إلى إخلاء بروفانس والارتداد الى ما وراء الرون، واستولى الفرنج أيضا على معظم سبتمانيا، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى أربونة، ورقعة ضيقة من الأرض على الشاطىء بين أربونة والبرنيه، ومزقت قوى الدوق مورنتوس، وطارده الفرنج في شعب الجبال، ففر ناجياً بحياته، واستولى الفرنج على أراضيه، واصطدم عقبة حين عبوره البرنيه إلى الأندلس بعصابات قوية من البسكونيين والقوط، حاولت بتحريض الفرنج أن تسد دونه ممرات الجبال، فتكبد في تمزيقها بعض الخسائر، ولكنه ارتد بجيشه سالما إلى قرطبة. وكان هذا اللقاء الأخير بين العرب والفرنج في سهول الرون في سنة 739 م (121هـ) (2).
ثم توفي عقبة بن الحجاج بعد ذلك بقليل، وقدمت الجماعة مكانه عبد الملك ابن قَطَن، فولى الأندلس للمرة الثانية. وقيل بل ثار ابن قطن على عقبة في جمع
_______
(1) يسمى العرب لومبارديا أنكبردة، واللومبارد بالأنكبرد، محرفة عن التسمية القديمة (لانجوبارد) Langobard ( راجع معجم ياقوت الجغرافي ج 1 ص 262).
(2) رجعنا في تفصيل هذه الغزوات والوقائع إلى ما ورد في موسوعة Bouquet من أقوال الرواة والمؤرخين المعاصرين من الأحبار وغيرهم. وراجع أيضا: Dom Vissette: ibid , V.I.p 807 & 809.
(1/116)

كبير من أنصاره، وكان عقبة قد ولاه على أثر عزله، قيادة الجيش في الشمال، فلبث يتحين الفرص للخروج والثورة. فأسر عقبة وقتل، أو أسر حتى توفي، وانتزع ابن قطن ولاية الأندلس لنفسه، ووقع هذا الانقلاب سنة 122 هـ (1)، وقيل بل سنة 123. قال الرازي: " ثار أهل الأندلس بأميرهم عقبة في صفر سنة ثلاث وعشرين، في خلافة هشام بن عبد الملك، وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية، وكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر، وتوفي بقرمونة في صفر سنة ثلاث وعشرين واستقام الأمر لعبد الملك " (2). وعلى أى حال فقد كان هذا الانقلاب بالنسبة للأندلس فاتحة عهد من الاضطراب والفتن والحرب الأهلية المتصلة كما سنرى.
ويجب لكي نعرف عوامل هذا الاضطراب، أن نعود إلى حوادث إفريقية قبل ذلك بثلاثة أعوام أو أربعة. ففي سنة 116هـ عُين عبيد الله بن الحبحاب عامل مصر والياً لإفريقية، وقد بينا فيما سلف كيف كان البربر يضطرمون سخطاً على سادتهم العرب، وشرحنا طرفاً من عوامل هذا السخط، وبينا كيف أن دعوة الخوارج ذاعت بين البربر منذ أواخر القرن الأول، فأقبلو على اعتناقها لما تضمنت من مبادئ الحرية والديمقراطية، والحث على مقاتلة الغاصبين للرياسة والحكم. كذلك رأينا كيف استبسل البربر في الدفاع عن حرياتهم، وانقضوا على الفاتحين غير مرة، وحطموا سلطانهم، وفتكوا بقادتهم وجيوشهم، ولم يخضعوا لنير العرب إلا بعد كفاح رائع، استطال زهاء نصف قرن. ومع أن الأمر استتب للعرب آخر الأمر، واستطاعوا أن يفرضوا سلطانهم ودينهم على البربر، وأن يتخذوهم جندا لجيوش الخلافة في الغرب، فإن البربر لبثوا يعتبرون العرب أجانب غاصبين لحرياتهم، ولبثت القبائل البربرية القاصية، تضطرم دائما بنزعات الخروج والثورة. وكانت مثل هذه العواطف تحفز البربر في اسبانيا، إلى مخاصمة العرب والسخط عليهم والتربص بهم، خصوصاً لأنهم رغم قيامهم بمعظم أعباء الفتح، لم يفوزوا بكثير من مغانمه، واستأثر العرب دونهم بالسلطان والحكم. وفي ذلك يقول ابن خلدون: " ثم نبضت فيهم (أى البربر) عروق الخارجية
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 29.
(2) المقري عن الرازي (نفح الطيب ج 1 ص 110). راجع أيضا عن مصير عقبة، نفح الطيب ج 2 ص 58، وابن الأثير ج 5 ص 92، وابن خلدون ج 4 ص 119.
(1/117)

فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق، وتعددت طوائفهم، وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية. وفشت هذه البدعة وعقدها رؤوس النفاق من العرب، وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الأمر، فاختلوا في كل جهة، ودعوا إلى قائدهم طغام البربر، تتلون عليهم مذاهب كفرها، ويلبسون الحق بالباطل فيها، إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائسها. ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمر العرب " (1).
ويصف دوزي موقف البربر من العرب فيما يأتي: " اعتنق البربر سكان الأكواخ الحقيرة، كل التعاليم بحماسة لا توصف، ولا ريب أنهم لجهالتهم وسذاجتهم، لم يدركوا شيئاً من تضارب المذاهب ودقائقها، مما تدركه وتسيغه أذهان مستنيرة، فمن العبث إذاً أن نبحث عن أي الفرق كانوا يفضلون الانضمام إليها، وعما إذا كانوا من الحرورية أو الصفرية أو الإباضية، فقد اختلف الرواة في ذلك. ولكنهم كانوا يفقهون من المبادئ. ما يسمح لهم باعتناق المبادئ الثورية والديمقراطية، ومشاطرة الآمال الخيالية التي يذيعها فقهاؤهم في المساواة العامة، وما يقنعهم بأن ظالميهم كانوا آثمين نصيبهم النار. ولما كان الخلفاء منذ عثمان جميعاً غاصبين غير مؤمنين، فلم يكن جريمة أن يثوروا على المظالم الذي يسلبهم أراضيهم ونساءهم. فقد كان هذا حقاً بل كان واجباً. ولما كان العرب قد أبعدوهم عن السلطة، ولم يتركوا لهم إلا ما عجزوا عن أخذه منهم، أعني حكم القبائل، فقد اعتقدوا بسهولة أن نظرية سيادة الشعب، وهي نظرية يعتنقونها في ظل استقلالهم الوحشي منذ غابر العصور، إنما هي نظرية عريقة في الإسلام عريقة في الإيمان. وأن أقل بربري يمكن رفعه إلى العرش برأي الجماعة. وهكذا كان هذا الشعب الذي بولغ في ظلمه، يثيره متعصبون أنصاف فقهاء وأنصاف جند، وينزع إلى رفع هذا النير باسم الله وباسم النبي، وباسم هذا الكتاب المقدس (القرآن) الذي اعتمد عليه آخرون في إقامة الطغيان الرائع " (2).
فلما ولي عبيد الله بن الحبحاب إفريقية، كانت القبائل البربرية تضطرم بعوامل الثورة ولاسيما في المغرب الأقصى، فسير عبيد الله إلى مواطن الثورة في قاصية المغرب جيشاً بقيادة حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فأثخن في هاتيك الأنحاء ومزق
_______
(1) ابن خلدون ج 6 ص 110.
(2) Dozy: Hist.V.I. P. 149 - 150
(1/118)

جموع الثائرين، وعاد مثقلا بالغنائم والسبي، وسادت السكينة حيناً في المغرب الأقصى. وسير ابن الحبحاب حبيباً في معظم قواته في غزوة بحرية إلى سردانية وصقلية، وعين ولده إسماعيل واليا للمغرب الأقصى. ولكن هذه السكينة كانت ظاهراً خلباً فقط، فقد كان البربر يتوقون إلى الانتقام ويرقبون الفرص. وكان إسماعيل يحفزهم ويثيرهم بعسفه وسوء تصرفه، وذاع فوق ذلك أنه ينوي أن يعتبر مسلمي البربر كالنصارى فيئاً وغنيمة، وأن يفرض الأخماس عليهم. فذكا الهياج واستفحل، وانتهز البربر فرصة غياب الجيش والقادة في صقلية، فأعلنوا الثورة والتفوا حول داعية من الخوارج الصفرية، وهو سقاء يدعى ميسرة المدغري، وانقضوا على طنجة وهزموا حاميتها، وقتلوا قائدهم عمر بن عبد الله، واستولوا عليها ودعوا لميسرة بالخلافة. ثم زحفوا على السوس وهزموا إسماعيل بن عبيد الله وقتلوه، فقويت جموعهم واستفحل شأنهم، وذاعت الدعوة الخارجية في قفار المغرب ذيوعاً كبيراً، واضطرب سلطان العرب في معظم النواحي. فسير ابن الحبحاب في الحال جيشاً إلى المغرب الأقصى بقيادة خالد بن حبيب، واستدعى حبيب بن أبي عبيدة وجيشه من صقلية، ووقعت بين خالد والبربر بقيادة ميسرة معارك شديدة غير حاسمة في ظاهر طنجة، تم ارتد ميسرة إلى طنجة حينا، واغتاله بعض أنصاره لأمور نقموها منه، وولوا مكانه خالد بن حميد الزناتي، وهو من بطون زناتة. فبرز لقتال العرب ثانية، ونشبت بين الفريقين في مكان يعرف بوادي سلف، معارك هائلة هزم فيها العرب، وقتل خالد بن حبيب وجماعة كبيرة من الزعماء والقادة، وسميت الموقعة لذلك بغزوة الأشراف (أوائل سنة 123هـ) (1).
فلما رأى هشام بن عبد الملك عجز ابن الحبحاب عن ضبط الأمور، استدعاه وأقاله، واعتزم أن يخمد ثورة البربر بأي الوسائل، فعين لولاية إفريقية كلثوم ابن عياض القشيري (2)، وسيره إليها في جيش ضخم من عرب الشام، بقيادة ابن أخيه بَلْج بن بشر القشيري (جمادى الثانية سنة 123) واجتمعت إليه أثناء
_______
(1) ابن عبد الحكم ص 217 و218؛ ابن الأثير ج 5 ص 70؛ وابن خلدون ج 6 ص 110
(2) هكذا يسميه ابن الأثير (ج 5 ص 70)، وابن خلدون (ج 6 ص 111)، والمقري (ج 2 ص 58) ولكن ابن عبد الحكم يسميه كلثوم بن عياض القيسي (ص 218). وكذا بشر ابن بلج فيسميه القيسي بدلا من القشيري (ص 219).
(1/119)

مسيره قوات أخرى من مصر وطرابلس، حتى بلغ جيشه زهاء سبعين ألفا (1). وكان حبيب بن أبي عبيدة قد وقف بجيشه في منتصف الطريق، مترددا لما رآه من استفحال أمر البربر، فاستوقفه كلثوم حتى يصل إليه. وكان حبيب وزعماء العرب في إفريقية، يتوجسون شرا من غلبة الشاميين، فاستقبلوا كلثوما وبَلْجا بفتور، وأبدى بلج بالأخص جفاء وخشونة في معاملة أهل القيروان، وثارت بينه وبين حبيب مناقشات عاصفة، وكاد الخلاف يضطرم بين الفريقين، ويرتد العرب لقتال بعضهم بعضا لولا أن غلبت الحكمة إزاء الخطر الداهم (2). فسارت القوات المتحدة لقتال البربر، وسار البربر لقتالهم من طنجة في جموع زاخرة بقيادة خالد بن حميد الزناتي، ونشبت بين الفريقين على مقربة من طنجة في مكان يعرف بوادي سبسر، معارك هائلة كان النصر فيها حليف البربر، فمزق العرب للمرة الثالثة، وقتل كلثوم وحبيب وكثير من الزعماء والقادة (3). وارتدت فلول العرب إلى القيروان، وفر بلج بن بشر ونفر من الزعماء، منهم ثعلبة بن سلامة الجذامي وعبد الرحمن بن حبيب في بقية من جند الشام إلى سبتة، فامتنعوا بها واستغاثوا بوالي الأندلس عبد الملك بن قطن، ووقعت هذه النكبة في أواخر سنة 123 أو أوائل سنة 124هـ (741 م).
عندئذ سير هشام بن عبد الملك والي مصر، حنظلة بن صفوان الكلبي واليا لإفريقية، فقدمها في ربيع الثاني سنة 124. وكانت دعوة الخوارج قد سرت أيضاً إلى إفريقية الوسطى، بعد أن خرج المغرب الأقصى من قبضة الخلافة، وثار البربر في كثير من النواحي. وخرج منهم في ناحية قابس زعيم يدعى عكاشة الفزاري. وخرج في غرب القيروان زعيم آخر هو عبد الواحد بن يزيد الهواري. فحشد حنظلة كل قواته، ولقي الفزاري أولا، وهزمه وبعد معركة عنيفة ومزق جموعه. ثم التقى بجيش عبد الواحد على مقربة من القيروان بمكان يعرف بالأصنام،
_______
(1) المقري عن ابن حيان ج 2 ص 58.
(2) ابن عبد الحكم (ص 219)، وابن الأثير (ج 5 ص 70) وراجع أيضا دوزي: Hist, V.I.p. 245.
(3) يتفق ابن عبد الحكم (ص 220) وابن الأثير (ج 5 ص71) وابن خلدون (ج 6 ص 111)، على أن كلثوم بن عياض قتل في الموقعة، ولكن المقري يقول نقلا عن ابن حيان إنه فر مع بلج إلى سبتة، وعبر إلى الأندلس حيث توفي (ج 2 ص 58 - 59).
(1/120)

ويقال إن جموع البربر بلغت يومئذ ثلاثمائة ألف، وبلغ العرب أربعين ألفاً فقط (1). ونشب بين الفريقين قتال رائع ثبت فيه العرب، ومزق البربر وقتلت منهم جموع عظيمة، وقتل عبد الواحد وأسر الفزاري وقتل بأمر حنظلة. وكانت هذه الموقعة الشهيرة سنة 125هـ (842 م).
وليس من موضوعنا أن نتتبع ما تلا من الحوادث في إفريقية (2)، ويكفي أن نقول إن ثورة الخوارج لبثت على اضطرامها، وظهر الثوار والمتغلبون في كل ناحية، ولبثت إفريقية عصراً آخر فريسة الاضطراب والفوضى، واضمحلت سيادة العرب، ثم زالت غير بعيد لتحل مكانها سيادة المستعربين من البربر والموالي.
_______
(1) ابن الأثير ج 5 ص 71.
(2) يفصل ابن خلدون هذه الحوادث في ج 6 ص 111 وما بعدها، وكذلك ابن عبد الحكم في أخبار مصر وفتوحها ص 233 وما بعدها.
(1/121)

الفصل الثامِنُ
الحرب الأهلية
صدى حوادث إفريقية في الأندلس. استغاثة الشاميين بابن قطن. إعراضه عن دعوتهم. ثورة البربر في الأندلس. مفاوضة ابن قطن لبلج زعيم الشاميين واستقدامهم. سير القوات المتحدة لمحاربة البربر. هزيمة البربر في شذونة وقرطبة. سحق ثورتهم. مطالبة ابن قطن الشاميين بالجلاء. ثورة بلج بن بشر وادعاؤه ولاية الأندلس. مقتل ابن قطن وولاية بلج. ثورة أمية وقطن ابنى عبد الملك. الخصومة بين الشاميين والعرب المحليين. لقاء الفريقين في ظاهر قرطبة. مصرع بلج وانتصار الشاميين. ولاية ثعلبة بن سلامة. ضعف حكومة قرطبة. خروج الزعماء في مختلف النواحي. استئناف الحرب بين الشاميين وخصومهم. هزيمة ثعلبة ثم فوزه. مقدم أبي الخطار الوالي الجديد. قبضه على زمام السلطة. تفرقته للشاميين. ضمه لولاية تدمير إلى الأندلس. مطاردته للزعماء الخوارج. سكون الفتنة. تعصب أبي الخطار لليمنية. الصميل بن حاتم زعيم المضرية. ثورة المضرية والجذامية. الحرب بين الفريقين. هزيمة أبي الخطار. ولاية ثوابة بن سلامة. ثورة أبي الخطار. زحفه على قرطبة. فشله وهزيمته. الخلاف بين اليمنية والمضرية. ولاية عبد الرحمن اللخمي لشئون الحكم. الاتفاق على تولية يوسف بن عبد الرحمن الفهري.
كان لهذه الفتنة التي اضطرمت في إفريقية، بين العرب والبربر. وما اقترن بها من الأحداث الخطيرة، صداها في شئون الأندلس. وكانت الأندلس تتبع يومئذ إفريقية من الوجهة الإدارية، فكان لاضطراب الحكم في إفريقية أثره في اضطراب الحكم في الأندلس، كما كان لثورة البربر في المغرب. أثرها في تحريك البربر في الضفة الأخرى من البحر. وقد سبق أن بينا كيف كان البربر في شبه الجزيرة الإسبانية يجيشون سخطا على العرب. لما استأثروا به دونهم من مغانم السيادة والحكم، وكيف كانت عصبية القبيل تمزق وحدة العرب أنفسهم، وكيف كانت عوامل التنافس والتنازع، تضطرم باستمرار بين اليمنية والمضرية. وسنرى الآن كيف كان صدى هذه العوامل المختلفة قوياً بارزاً في حوادث الأندلس، وفي اضطراب شئونها، وتمزيق وحدتها. وكيف انحدرت الأندلس من جرائها، إلى معترك خطر من الفتن، والحروب الأهلية الطاحنة، والفوضى. تولى عبد الملك بن قطن الفهري إمارة الأندلس للمرة الثانية على أثر وفاة عقبة بن الحجاج سنة 122 أو 123هـ، وثورة البربر يومئذ على أشدها في المغرب
(1/122)

الأقصى. فلما هزم الجيش العربي في مفاوز طنجة للمرة الثالثة، وقتل كلثوم ابن عياض والي إفريقية ومعظم قواده، فر بَلْج بن بشر في بقية من جند الشام إلى سبتة، وامتنع بها حسبما أسلفنا، فطاردهم البربر وشددوا الحصار عليهم حتى جهدوا وأشرفوا على الهلاك. واستغاث بلج وزملاؤه بعبد الملك بن قطن ورجوه أن يعاونهم على العبور إلى الأندلس. وكان عبد الملك مضريا شهد موقعة الحَرَّة (1) قبل ذلك بستين عاماً، وشهد ما ارتكبه جند يزيد في المدينة من رائع السفك والإثم، فكان يبغض الشاميين أشد البغض، وكان فوق ذلك يخشى مطامعهم ومنافستهم، فأبى إغاثتهم بادىء ذى بدء، وعاقب بالجلد والقتل زعيما من بني لخم، أمدهم ببعض المؤن، ولكنه من جهة أخرى خشي عاقبة تصرفه، وأن يتهمه الخليفة بالعمل على إهلاك جنده. ولم يمض قليل حتى اضطرته الحوادث نفسها إلى استدعاء بَلْج وأصحابه. ذلك أن ثورة البربر كان لها في الأندلس أكبر صدى، فتحرك البربر في معظم الأقاليم الشمالية. وعصفت بالأندلس ريح ثورة بربرية دينية سياسية، كتلك التي عصفت بإفريقية، وإن كانت دونها شدة، واضطرمت الثورة بالأخص في جليقية وماردة وقورية وطَلْبيرة، وحشد الثوار جموعهم واختاروا لهم إماما، واعتزموا الزحف على طليطلة وقرطبة ثم الجزيرة، ليمهدوا لبربر العدوة سبيل القدوم إلى اسبانيا، ومعاونتهم على سحق العرب. واستطاع البربر، وهم في عنفوان ثورتهم، أن يهزموا كل الحملات، التي وجهها ابن قطن لإخضاعهم. وهنا ارتاع ابن قطن، وفكر في الحال أن يستعين بجند الشام المحصورين في سبتة، وهم زهاء عشرة آلاف، فكتب إلى بلج يدعوه إلى معاونته، واشترط عليه للعبور إلى الأندلس، أن يغادرها متى صلحت حال جنده، وانتهت الثورة. فقبل بَلْج وقدم الرهائن من أصحابه لتنفيذ هذا الميثاق. وعبر بَلْج وأصحابه إلى الأندلس (سنة 123 هـ)، وقدمت إليهم المؤن والثياب. وانضموا إلى قوات ابن قطن بقيادة ولديه أمية وقطن. والتقت القوات المتحدة بالبربر أولا في شذُونة (مدينة سدونيا) فهزم البربر، وأصاب الشاميون منهم غنائم كثيرة. ثم وقع القتال في ظاهر قرطبة مع جموع البربر الزاحفة عليها، فهزموا أيضا بعد مقاومة
_______
(1) هي ضاحية المدينة الشرقية وتعرف بحرة واقم، وكانت موقعة الحرة سنة 63 هـ؛ وفيها هاجم جند يزيد بن معاوية المدينة بقيادة مسلم بن عقبة المري، واستباحوها وقتلوا من أهلها جموعا كبيرة، ونهبوا الأموال، وسبوا الذرية، وهتكوا الأعراض؛ وكانت من أشنع الوقائع.
(1/123)

شديدة، ثم هزم البربر للمرة الثالثة، في وادي سليط على مقربة من طليطلة، وكانوا قد بدأوا حصارها, وبذلك سحقت الثورة، ومزق البربر وطوردوا في كل مكان، وانتعش بلج وأصحابه وقويت نفوسهم واشتدت شوكتهم (1).
وعندئذ طالب ابن قَطَن بتنفيذ الميثاق وجلاء الشاميين عن الأندلس متوجسا من بقائهم. ولكن بَلْجا كانت تحدوه أطماع أخرى، فماطل في الجلاء وسوّف، ثم كشف القناع فجأة، وادعى أنه أمير الأندلس الشرعي بعهد من عمه كلثوم، وأيده في ذلك ثعلبة بن سلامة وغيره من الزعماء. ثم نادى الشاميون بخلع ابن قطن وتولية بلج، وانحازت إليه اليمانية، ووثب بلج وأصحابه على ابن قطن وهو في قلة من جنده, فقبضوا عليه بقصره بقرطبة، وكان شيخاً قد أشرف على التسعين فلم يرحموا شيخوخته بل قتلوه وصلبوه ومثلوا بجثته، فتم الأمر بذلك لبلج بن بشر القشيري، وتولى إمارة الأندلس في أوائل ذى القعدة سنة 123 هـ (سبتمبر سنة 741 م) (2).
ولكن الفتنة لم تنته بعد. فإن أمية وقَطَن ابنى عبد الملك فرا إلى الشمال، وحشدا جموعهما في سرقسطة، وآزرهما البلديون (العرب المحليون) والبربر، وانضم إليها جماعة من الزعماء، الذين أنكروا فعلة بلج بعبد الملك، مثل عبد الرحمن ابن حبيب الفهري كبير الجند، وكان من أنصار بلج قبل الانقلاب، وعبد الرحمن ابن علقمة اللخمي، حاكم أربونة " فارس الأندلس في عصره "، وكان قوي البأس كثير الأتباع. وانقسمت الأندلس بذلك إلى معسكرين كبيرين، معسكر الشاميين (3) المتغلبين على الحكم، ومعسكر العرب والبربر المحليين الذين اعتبروا الشاميين دخلاء غاصبين، فعظمت الفتنة واشتد الاضطراب، وسار أمية وقطن وأنصارهما إلى قرطبة لقتال الشاميين في جيش قيل إنه بلغ نحو مائة ألف، وتأهب بلج وأنصاره للدفاع في نحو عشرين ألفاً، والتقى الفريقان على مقربة من قرطبة في شوال سنة 124 (أغسطس سنة 742 م) ونشبت بينهما معارك
_______
(1) المقري عن ابن حيان ج 2 ص 59، والبيان المغرب ج 2 ص 30 و31، وراجع أيضا: Dozy: Hist.V.I. P. 163
(2) ابن عبد الحكم ص 220، وابن الأثير ج 5 ص 92.
(3) ويعرف هؤلاء الجند الشاميون أيضا " بالطالعة البلجية " نسبة إلى زعيمهم بلج (ابن الأبار في الحلة السيراء - ليدن - ص 51).
(1/124)

شديدة، وأبدى الشاميون شجاعة وجلداً. ولكن عبد الرحمن اللخمي صمم على قتل بلج، فحمل بجند أربونة على الشاميين، وشق بينهم طريقاً إلى مكان بلج، وأثخنه طعاناً توفي منها بعد أيام. ومع ذلك فقد انتصر الشاميون على البلديين انتصاراً باهراً فارتدوا منهزمين. وعاد الشاميون ظافرين إلى قرطبة، وقدموا عليهم ثعلبة بن سلامة العاملي، وكان من أصحاب بلج الذين عبروا معه إلى الأندلس كما قدمنا. فتولى إمارة الأندلس، وقيل في إمارته ما قيل في إمارة بلج، من أنه وليها بعهد من الخليفة، أو من كلثوم والي افريقية يليها بعد بلج، وكانت ولايته في شوال سنة 124 (1). فقبض ثعلبة على زمام الأمور بحزم، وحاول أن يضبط النظام والأمن، وأبدى كثيرا من اللين والاعتدال، ولكن سلطان الحكومة المركزية كان قد تضعضع، وانقسمت الأندلس إلى مناطق عديدة للنفوذ، ولبثت الغلبة في الأقاليم الوسطى والشمالية، لجماعة من الزعماء الخارجين على حكومة قرطبة، مثل أمية وقطن ابنى عبد الملك، وعبد الرحمن بن حبيب الفهري، وعبد الرحمن اللخمي حاكم أربونة، واستمر يؤازر هذا الفريق سواد العرب المحليين والبربر. ولم تمض أشهر قلائل حتى اضطرمت الحرب مرة أخرى بين الفريقين المتنازعين، ونشبت بينهما مواقع عديدة على مقربة من ماردة، فهزم الشاميون أولا واعتصم ثعلبة بقلعة ماردة، ولكنه عاد فكر على خصومه وهزمهم هزيمة شنيعة، وأسر وسبى منهم جموعا كبيرة، وعاد ظافرا إلى قرطبة، وقرر إعدام الأسرى ليلقى على خصومه درسا قاسياً. ولكنه قبل أن يتمكن من تنفيذ عزمه، قدم إلى قرطبة حاكم جديد للأندلس، هو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي، بعثه حنظلة بن صفوان والي إفريقية، إجابة لجماعة من زعماء الأندلس، خشوا من عواقب الفتنة، وما قد تؤدي إليه من استظهار نصارى الشمال، وإغارتهم على الأراضي الإسلامية (2)، وقيل إن الذي اختار أبا الخطار لولاية الأندلس، هو هشام بن عبد الملك (3)، اختاره قبيل وفاته بقليل، إذ توفي في ربيع الثاني سنة 125. وقدم أبو الخطار إلى الأندلس
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 32 و33؛ ونفح الطيب ج 2 ص 59 و60؛ وابن الأثير ج 5 ص 95.
(2) ابن عبد الحكم ص 221؛ وأخبار مجموعة ص 45؛ وابن الأبار في الحلة السيراء ص 46؛ وكذلك Dozy: Hist , V.I. p. 168
(3) ابن الأثير ج 5 ص 100؛ وابن الأبار ص 48.
(1/125)

في رجب، ولم يكن مضى على ولاية ثعلبة سوى عشرة أشهر، فقبض في الحال على زمام السلطة. وأفرج عن جموع الأسرى والسبايا، التي اعتزم أن يزهقها وينكل بها ثعلبة، واهتم برد السكينة والنظام، وإخماد شوكة الزعماء الخارجين، ففرق الشاميين في مختلف الكور تمزيقا لعصبتهم، وأنزل جند الشام بإلبيرة (غرناطة)، وجند حمص بإشبيلية ولَبْلة، وجند فلسطين بشذونة والجزيرة، وجند الأردن برَيُّه، وجند قنسرين بجيان، وجند مصر بعضهم في أكشُونبة وباجة والبعض في تدمير. ونذكر أن ولاية تدمير (مرسية) كانت قد تركت عند الفتح لصاحبها تيودمير، وفقا للمعاهدة التي عقدت بينه وبين عبد العزيز بن موسى (1)، ولكن تيودمير كان قد توفي، وخلفه في حكم الولاية ولده أتاناجلد. واعتبر أبو الخطار أن نص المعاهدة، كان قصرا على تيودمير، وأنه لا يسري على خلفائه، وطالب أتاناجلد بتأدية الجزية لحكومة قرطبة، وأنزل جند مصر قسرا بقواعد تدمير، وأقطعهم أراضيها، وبذلك فقد القوط آخر معاقلهم الحرة في الجنوب، وضمت تدمير إلى باقي ولايات الأندلس، تحت سلطان الحكومة المركزية (2). وتتبع أبو الخطار الزعماء الخارجين، فقبض على ثعلبة ونفاه إلى إفريقية مع نفر من زملائه، وأعلن أمية وقطن ابنا عبد الملك الطاعة، وتفاهما مع أبي الخطار، فولاهما حكم بعض الولايات الشمالية. أما عبد الرحمن بن حبيب فاستطاع أن يتقي المطاردة وفر إلى تونس، وهناك أقام حينا يرقب الحوادث، حتى سنحت له فرصة الوثوب وانتزاع إمارة إفريقية من حنظلة ابن صفوان على ما سيجىء. وأما عبد الرحمن اللخمي فلبث مستقلا برباط الثغر في أربونة وما جاورها.
وسلك أبو الخطار في البداية سبيل الحزم والاعتدال، وسوى بين جميع القبائل في المعاملة، فرضى الجميع واجتمعت الكلمة على تأييده وطاعته، وسكنت الفتنة واستقر النظام حينا. ولكن نزعة العصبية ما لبثت أن حملته كما حملت أسلافه من قبل، فمال إلى قومه اليمانية، وتنكر لخصومهم من المضرية، واضطرمت الأحقاد
_______
(1) أوردنا نص هذه المعاهدة في ص 55 و56 من هذا الكتاب. وراجع في توزيع القبائل على الكور، ابن الأبار في الحلة السيراء ص 46. وكذلك: Conde: ibid, V.I. P. 112.
(2) Conde: ibid, quot isodorus,V.I.P. 112 (note) وكذلك Aschbach: ibid.v.I.P.92
(1/126)

والمنافسات القديمة. وحدث أن اعتدى أبو الخطار على زعيم من زعماء المضرية بالإهانة والضرب لأنه تدخل لحماية رجل من بني قومه. وهذا الزعيم هو الصُّمَيل ابن حاتم بن شمر الكلابي، وجده شمر بن ذى الجوشن من أشراف الكوفة، وكان قد اشترك في قتل الحسين بن علي في كربلاء، ثم نزح بأسرته إلى الشام خيفة الانتقام، فلما ولي كلثوم بن عياض القشيري حكم إفريقية. كان الصميل بين أشراف الشام الذين انتظموا في جيش بلج القشيري، ثم جازوا معه إلى الأندلس (1). وكان الصميل فارساً شجاعاً وزعيماً ذا نجدة، يلتف حوله المضرية وبعض اليمنية، من خصوم أبي الخطار ومنافسيه مثل جذام ولخم. فلما اعتدى أبو الخطار عليه بعث إلى قومه في مختلف الأنحاء، وأيدته المضرية وحلفاؤهم في الخروج، وتفاهم مع باقي الزعماء الناقمين على أبي الخطار، ومنهم ثوابة بن سلامة الجذامي زعيم جذام، وكان يمنيا ولكنه كان يحقد على أبي الخطار. لأنه عزله عن ولاية إشبيلية. وتكفل ثوابة بمحاربة أبي الخطار، وقدّمته المضرية، وزحف بجموعه على قرطبة، فلقيه أبو الخطار بقواته في شذونة على ضفاف وادي لكه في رجب سنة 127 , ونشبت بين الفريقين معارك شديدة انتهت بهزيمة أبي الخطار وأسره، ودخل ثوابة قرطبة وارتضته المضرية أميراً للأندلس مكان أبي الخطار، ووافق عبد الرحمن بن حبيب الفهري أمير إفريقية على هذا الاختيار. وكان قد استطاع ْفي تلك الفترة أن ينتزع ولاية إفريقية من حنظلة بن صفوان. ولكن أبا الخطار استطاع أن يفر من سجنه بمعونة نفر من أصدقائه. فذهب إلى باجة وحشد جموعه وقصد إلى قرطبة، فلقيه الصميل في المضرية وثوابة في أنصاره من اليمنية، ووقعت بينهما معركة غير حاسمة، وعندئذ دعا بعض اليمنية من فريق ثوابة إلى وقف القتال، ونعى على أنصار أبي الخطار أنهم بقاتلون ثوابة. مع أنه يمني منهم، وقد عفا عن أبي الخطار وعف عن دمه حين كان في قبضته؛ فأحدثث هذه الدعوة أثرها، وانفض عن أبي الخطار جنده. واضطر أن يعود إلى باجة وهنالك لبث ينتظر مجرى الحوادث (2).
ولم يمض سوى قليل حتى توفي ثوابة في أوائل سنة تسع وعشرين ومائة.
_______
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 49؛ والمقري عن ابن حيان في نفح الطيب ج 2 ص 62.
(2) المقري ج 2 ص 60 و61، وابن الأثير ج 5 ص 126، والبيان المغرب ج 2 ص 35 و36.
(1/127)

بعد أن حكم الأندلس زهاء عام ونصف. وهنا نشب الخلاف بين الزعماء والقبائل كرة أخرى، وأصرت اليمنية على أن يكون الأمير منهم خلفاً لأميرهم المتوفي، وأصر الصميل أن يكون الأمير من المضرية، واشتد النزاع بين الفريقين، ووقعت بينهما مصادمات ومعارك عديدة، ولبثت الأندلس بضعة أشهر دون أمير رسمي، وتولى الأحكام فيها عندئذ عبد الرحمن بن كثير اللخمي باتفاق الفريقين. ولما تفاقم الخلاف، وخشي الزعماء عاقبة الفتنة والحرب الأهلية، اتفقوا على تولية يوسف ابن عبد الرحمن الفهري أحد زعماء المضرية، فولى إمارة الأندلس في ربيع الثاني سنة 129 (يناير 747) دون مصادقة أو مراجعة من دمشق أو إفريقية.
وكانت حكومة دمشق قد اضطربت يومئذ شئونها، وأخذت نذر السوء تبدو في الأفق، وشغلت الخلافة الأموية بما يهددها من خطر داهم على سلطانها، وضعف إشراف الحكومة المركزية على الولايات النائية، فاستقلت إفريقية والأندلس كل بشئونها، حتى يستبين المصير، وتستقر الأمور.
(1/128)

الفصل التاسع
خاتمة عصر الولاة
ْأصل يوسف الفهري. عبد الرحمن بن حبيب واستيلاؤه على إفريقية. استئثار يوسف بالسلطة. تحرك اليمنية. خروج أبي الخطار وابن حريث. التقاء المضرية واليمنية في شقندة. هزيمة اليمنية ومقتل زعمائها. استقرار الأمر ليوسف والصميل. ولاية الصميل لسرقسطة. إصلاحات يوسف الإدارية والمالية. تقسيم اسبانيا الجديد. إصلاحه للجيش. إرساله جيشا إلى الشمال. ثورة البشكنس والقوط. استيلاء الفرنج على المواقع الإسلامية في سبتمانيا. اضطراب أمر الخلافة في المشرق. سخط الزعماء على يوسف والصميل. عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس. محاولته الخروج ومصرعه. الثورة في إشبيلية وسحقها. ثورة عروة بن الوليد في باجة. استيلاؤه على إشبيلية. هزيمته ومصرعه. ثورة المضرية واليمنية بقيادة عامر العبدري. فراره إلى الشمال وتحالفه مع الحباب الزهري وتميم الفهري. محاصرة الثوار الصميل في سرقسطة. هزيمة الصميل واستيلاء الثوار على سرقسطة. إدعاء عامر لولاية الأندلس. ولاية الصميل لطليطلة. مسير يوسف إلى سرقسطة واستيلاؤه عليها. أسر زعماء الثورة ومصرعهم. اجتماع يوسف والصميل في طليطلة الإخطار بمقدم عبد الرحمن الأموي. مسيره إلى قرطبة. ببين ملك الفرنج وأنزيموند أمير القوط يحاصران أربونة. القتال بين ببين وأمير أكوتين. مصرع أنزيموند. خيانة النصارى في أربونة. سقوطها في يد الفرنج. انتهاء سيادة الإسلام فيما وراء البرنيه. نصارى الشمال. امتناعهم بهضاب جليقية. إغارتهم على الأراضي الإسلامية. نمو المملكة النصرانية.
ويجب أن نقف قليلا عند شخصية يوسف بن عبد الرحمن الفهري هذا، الذي اختارته " الجماعة " واليا للأندلس، واستقل بولايتها زهاء عشرة أعوام، وكان آخر هذا الثبت من أمرائها، وعلى يده انتقلت إلى عهد جديد، ودولة جديدة. فمعظم الروايات على أنه ولد عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقية. ويؤيد هذا القول من مؤرخي الأندلس ابن القوطية، وابن حزم، والرازي، وابن الفرضي. ولكن ابن حيان يرتاب في هذه النسبة ويقول لنا إنه لم يقف على ما يؤيد بنوة يوسف لعبد الرحمن بن حبيب، أو صلته بهذا الفرع (1). بيد أن اتفاق معظم مؤرخي الأندلس، ولا سيما المتقدمين منهم
_______
(1) نقل ابن الأبار في الحلة السيراء أقوال ابن القوطية وابن حيان وابن حزم في هذه النقطة - الحلة السيراء ص 53 و54 - وراجع أقوال ابن الفرضي والرازي في نفح الطيب ج 2 =
(1/129)

على صحة هذه النسبة يجعلها في نظرنا أقوى وأرجح. وإذن فيوسف بن عبد الرحمن خاتمة ولاة الأندلس هو ولد عبد الرحمن بن حبيب، الذي تتبعنا أخباره فيما تقدم خلال الحروب الأهلية، التي اضطرمت منذ قدوم بَلْج القشيري إلى شبه الجزيرة. وقد أسلفنا أنه فر إلى تونس اتقاء لنقمة أبي الخطار، وهنالك لبث يرقب الحوادث مدى حين، فلما جاءت الأخبار إلى إفريقية بمقتل الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك (في جمادى الآخرة سنة 126)، رأى عبد الرحمن الفرصة سانحة للعمل، فدعا أنصاره وحشد جموعه لقتال حنظلة بن صفوان والى إفريقية، وزحف على القيروان، وخشى حنظلة عاقبة الفتنة، فانسحب مع أصحابه إلى الشام دون قتال، ودخل عبد الرحمن القيروان (سنة 127 هـ) وأعلن ولايته لإفريقية، وأيدته المضرية، وبعث إلى الثغور عمالا من أقاربه وأنصاره. ولم يختر يزيد بن الوليد، الذي ولى الخلافة عقب مقتل أبيه، والياً لإفريقية نزولا على حكم الواقع. فلما خلفه مروان بن محمد بعد ذلك بأشهر، كاتبه عبد الرحمن وهاداه وأظهر له الطاعة فأقره على ولايته (1). ولبث عبد الرحمن مستقلا بحكم إفريقية أكثر من عشرة أعوام، وفي عهده وقعت بإفريقية ثورات وقلائل كثيرة، فأخمدها جميعاً وغزا صقلية وسردانية. ولما دالت دولة بني أمية أعلن الطاعة لبنى العباس، ودعا لهم بإفريقية. ولكنه لم يلبث أن قتل غيلة في شهر ذي الحجة سنة 138 (755 م). وأما ابنه يوسف فقد فر منه مغضباً لأمور نقمها عليه، ودخل الأندلس يبحث وراء طالعه في حوادثها، وكان مثل أبيه فارساً هماماً وخطيباً مفوهاً (2). فلم يلبث أن ظهر بين أنجاد المضرية وسادتهم، ولازم الصميل وصادقه حتى عظم نفوذه، وانتهي بأن ظفر بإمارة الأندلس في ربيع الثاني سنة 129، وهو يومئذ في السابعة والخمسين من عمره.
وكانت مصاير الخلافة الأموية تهتز يومئذ في يد القدر، وقد شغلت بما يواجهها من خطر الفناء الداهم عن حوادث الأندلس، فلم تحاول تدخلا أو اعتراضا على ما يحدث في ذلك القطر النائي، ولم يكن يوسف بحاجة إلى مصادقة أو مراجعة.
_______
= ص 61. ويقر ابن عذاري هذه النسبة أيضا (البيان المغرب ج 3 ص 107) وكذلك صاحب أخبار مجموعة (ص 21).
(1) البلاذري في فتوح البلدان ص 233.
(2) نفح الطيب (عن الرازي) ج 2 ص 61، وابن الأبار في الحلة السيراء ص 55.
(1/130)

وكان المتفق عليه بين اليمنية والمضرية أن يتعاقبا في الولاية فيمكث يوسف عاما فقط ثم يُرد الأمر إلى اليمنية (1). ولكن المضرية وعلى رأسهم الصميل مرجع الزعامة والأمر يومئذ، لم يفكروا بلا ريب في تمكين اليمنية من الرياسة بأى الصور، وكذلك لا ريب في أن يوسف بن عبد الرحمن لم يفكر بعد أن ظفر بالإمارة أن ينزل عنها طائعاً مختاراً، بل بادر منذ البداية إلى استخلاص جميع السلطات لنفسه، فنزع ولاية ريُّه من يحيى بن حريث الجذامي أحد الزعماء اليمنية، وكان ينافسه ويعارض إمارته، فأقطع ريه ثمناً لموافقته. فلما نزعت منه ريه ثار قومه من اليمنية والتفوا حوله. وهنا أيضا ظهر أبو الخطار الأمير المعزول على مسرح الحوادث، وكان يقيم كما تقدمنا في باجة، بغرب الأندلس. فلما علم بتولية يوسف وخروج ابن حريث، تحرك للعمل، وفاوضه ابن حريث ولكنهما لم يتفقا، إذ أصر كل منهما على ترشيح نفسه للإمارة، بيد أنهما اجتمعا على قتال يوسف ابن عبد الرحمن، وحشد كل منهما جموعه من الفريق الذي يؤازره، وزحفا على قرطبة. وحشد يوسف والصميل جموع المضرية، وبالغ كل فريق في الأهبة، والتقيا أخيرا في شقندة بالقرب من قرطبة (سنة 130 هـ - 747 م) ونشبت بينهما موقعة هائلة تبالغ في روعتها الرواية الأندلسية، إذ تقول لنا: " إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب، حرب أصدق منها جلاداً ولا أصبر رجالا، طال صبر بعضهم على بعض إلى أن فنى السلاح، وتحاذبوا بالشعور، وتلاطموا بالأيدي، وكلّ بعضهم عن بعض " (2). واستمر القتال حيناً سجالا بين الفريقين، ثم داهمت المضرية ذات يوم جموع اليمنية على غرة، فأوقعت بها، وأسر أبو الخطار واِبن حريث وكثير من أصحابهما، وقتلوا جميعاً بأمر الصميل، وجردت اليمنية من زعمائها، واستقر الأمر ليوسف، ولكنه كان يخشى الصميل، لأنه كان بنفوذه وكثرة عصبته، يقبض على ناصية الموقف، فرأى أن يبعده عن قرطبة، وأقطعه ولاية سرقسطة وأعمالها، فسار الصميل إلى سرقسطة واستقل يوسف بالأمر.
ونشط يوسف إلى ضبط النظام، وإصلاح الشئون في ظروف صعبة. وكانت السلطة المركزية قد اضمحلت، وهبت ريح الفتنة من كل صوب.
_______
(1) ابن الأثير ج 5 ص 183.
(2) المقري عن ابن حيان ج 2 ص 61.
(1/131)

واستقل كثير من العمال بالنواحي، وتحرك النصارى في الولايات الشمالية، وعصف القحط فوق ذلك بالأندلس سنة 133هـ (750 م)، واستطال زهاء عامين، فأجدبت السهول والوديان، وأمحلت الزراعة، وفتك الجوع بالمدن والقرى، وهبطت عندئذ على شواطىء الأندلس عصابات بحرية ناهبة كثيرة من أمم الشمال، وعاثت في الشواطىء والثغور والمدن القريبة (1). ولكن يوسف أبدى في مغالبة هذه الصعاب والمحن همة فائقة، فطاف بالأقاليم وعزل الحكام العابثين، وقمع المظالم والفوضى ما استطاع، وأصلح الطرق الحربية، لتكون ممهدة لحملاته حيثما اضطر إلى الحرب، وعدل نظام الضرائب فاقتضى ثلث الدخل من كل ولاية، ولكنه أمر بمراجعة السجلات القديمة، واستبعاد الأموات منها، وكانت الضرائب ما تزال تجبى طبقاً للإحصاء القديم، فكان في ذلك إرهاق للسكان، لأن عددهم تناقص منذ الفتح، فقرر يوسف أن تجبى الضرائب عن الأحياء فقط، وأسقطها عمن توفوا، واكتسب بذلك عطف كثير من النصارى (2). وأعاد يوسف أيضاً تنظيم الأقاليم الإداري، فقسم اسبانيا إلى خمس ولايات كما كانت أيام القوط، وكما قسمت عند الفتح مع تعديل في حدودها، فأصبحت كما يأتي: ولاية الأندلس وهي ولاية " باطقة " Baetica القديمة، وتقع بين نهر وادي يانة والبحر الأبيض المتوسط، وأشهر قواعدها قرطبة، وقرمونة، وإستجة، وإشبيلية، وشَذُونة، ولَبْلَة، ومالقة، وإلبيرة، وجيان. وولاية طليطلة، وهي ولاية قرطاجنة القديمة، وتمتد من جبال قرطبة في شمال شرقي ولاية الأندلس حتى نهر دويره (الدورو)، وجبال وادي الحجارة شمالا، أشهر قواعدها طُلَيطلة، ومرسية، ولوَرقَة، وأوريولة، وشاطبة، ودانية، ولَقنت، وبلنسية، وشَقُوبية، ووادي الحجارة، وقُونْقَة. وولاية ماردة وهي ولاية اوجدانيا أو جلِّيقية القديمة، وتمتد فيما وراء نهر وادي يانة شرقاً حتى المحيط، وأشهر قواعدها ماردة، وباجة، وأُشبُونة، وأستُرقه، وسمُّورة، وشلمنقة. وولاية سَرَقُسطة، وهي ولاية كانتبريا القديمة، وتمتد من منابع نهر التَّاجُه شرقاً، على ضفتي نهر إيبرو حتى
_______
(1) إيزودور الباجي. راجع: Aschbach: ibid,V.I.p. 102. وكذا البيان المغرب ج 2 ص 38.
(2) Conde: ibid,V.I.p Aschbach,quot.Isidorus,ibid.V.I.p. 101
(1/132)

جبال البرنيه وبلاد البشكنس، وأشهر قواعدها سرقسطة، وطركونة، وجيرندة، وبرشلونة، وأرقلة، ولاردة، وطُرطُوشة، ووشقة. ثم ولاية أربونة وهي ولاية الثغر، وتقع شمال شرقي جبال البرنيه حتى البحر، وتشمل مصب نهر الرون، وأشهر قواعدها أربونة، ونيمة، وقَرْقشونة، وأجدة، وبزييه، وماجلونة (1).
وعنى يوسف بتنظيم الجيش وإصلاحه أشد عناية، وحشد قوات جديدة ليستطيع قمع الثورة في الداخل وحماية الحدود الشمالية، وسير إلى الشمال جيشا بقيادة ولده محمد أبي الأسود، وسليمان بن شهاب، والحصين العقيلي. وكان النصارى قد انتهزوا فرصة الاضطراب الداخلي، وأغاروا على الأراضي الشمالية، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، ووصلوا في تقدمهم حتى ضفاف نهر دويره (الدورو). وثار البشكنس والقوط فيما وراء البرنيه واستدعى أميرهم الكونت آنزيموند، ملك الفرنج ببين الملقب " بالقصير " لمحاربة المسلمين، وكان آنزيموند هذا من نبلاء القوط، فانتهز فرصة اضطراب الحوادث في اسبانيا، واستولى على قواعد سبتمانيا المسلمة، وهي نيمة وأجدة وماجلونة وبزييه وما حولها، وأنشأ منها مملكة صغيرة، والتف حوله السكان النصارى، واستطاع بمؤازرة الزعماء المحليين، أن يقضى على سلطان المسلمين في تلك الأنحاء. ولكنه رأى أنه لايستطيع الاحتفاظ بمملكته الصغيرة، والعرب على مقربة منه في أربونة أقوياء يخشى بأسهم، وكذلك توجس شراً من جاره أمير أكوتين، إذ كان يطمح إلى ضم هذه الأراضي إلى أملاكه، فلم خيراً من الانضواء تحت لواء ملك الفرنج ببين، واستدعائه لمعاونته (2).
وكان ببين قد خلف أباه كارل مارتل كحافظ للقصر الفرنجي، ولكنه لم يلبث أن قبض على مليكه شلدريك الثالث آخر الملوك الميروفنجية، وزج به إلى ظلام الدير، وانتزع العرش لنفسه (751 م). فلما استدعاه آنزيموند، استجاب لدعوته، ورحب بتلك الفرصة ليتم ما بدأه أبوه من إجلاء المسلمين عن غاليس، وغزا لانجدوك، وهاجم المواقع الإسلامية مع حليفه آنزيموند، وفتك بالمسلمين في تلك الأنحاء (753 م). وقاومته الحاميات الإسلامية أشد مقاومة، ولكنها لم تثبت طويلا لعزلتها، وحرمانها من كل معاونة ومدد، واستولى الفرنج على تلك
_______
(1) سبق أن أشرنا إلى تقسيم اسبانيا الإدارى الذي أورده البكري، راجع الهامش في ص 70
(2) Dom Vissette: ibid, V.I.p. 872
(1/133)

القواعد والمعاقل كلها خلا أربونة، فإنها لبثت بيد المسلمين أعواماً أخرى. ولم يستطع الجيش الذي سيره يوسف إلى الشمال، أن يحقق الغاية المنشودة، بل رد بخسارة فادحة وقتل قائده سليمان بن شهاب، ونجا الحصين العقيلي وفرسانه بصعوبة (1). وترك الشمال لمصيره، واستغرقت الثورات والحروب الداخلية اهتمام يوسف وكل نشاطه وموارده.
ذلك أن الأحقاد والمنافسات القديمة التي هدأت حيناً بتولية يوسف، عادت فاضطرمت حين استأثر يوسف وحليفه الصميل بكل سلطة وولاية، وكان المفهوم أن ولاية يوسف لإمارة الأندلس إنما هي حل مؤقت لحالة طارئة حتى يأتي الأمير الشرعي الذي يختاره الخليفة، ولكن الخلافة الأموية لقيت مصرعها غير بعيد (132هـ - 750م)، وتفاقم الاضطراب الذي سرى إلى شئون إفريقية والأندلس قبل ذلك بأعوام، وأصبح تراث الخلافة الأموية نهباً مباحاً لكل طامع ومتغلب.
وكان بالأندلس عدة من الزعماء النابهين ذوى الجاه والعصبية، ينقمون من يوسف والصميل استئثارهما بالسلطة، ويرى كل منهم أنه أولى بها وأجدر، وكان يوسف يعمل من جهة أخرى لتوطيد سلطانه في ذلك القطر البعيد، الذي رفعه القدر إلى ولايته ورياسته، والذي يضارع بضخامته وأهميته ملكاً عظيماً. وكان أقوى أولئك الخصوم والزعماء المنافسين ليوسف، عبد الرحمن بن علقمة اللخمي حاكم ثغر أربونة الملقب " بفارس الأندلس " تنويهاً بفائق شجاعته (2). وكان قد اشترك في الحرب الأهلية قبل ذلك بأعوام حسبما قدمنا. ثم ارتد بجنده إلى أربونة، واستعصم بها يرقب الحوادث والفرص. فلما تولى يوسف إمارة الأندلس، واضطربت شئون الشمال، أخذ يدبر العدة لعبور البرنيه ومحاربة يوسف، ولكن لم يلبث أن اغتاله بعض أصحابه وحملوا رأسه إلى يوسف، وتمت هذه الخيانة بوحي يوسف وتحريضه على الأرجح، وانهارت تلك المحاولة في مهدها (3). وخرج على يوسف في إشبيلية يوسف بن عمرو بن يزيد الأزرق، وكثر جمعه وقوى أمره، فزحف إليه يوسف وقاتله حتى هزمه وقتله. وخرج عليه في باجة عروة بن الوليد
_______
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 58. وكذا Conde: ibid, V.I.p 127 و Aschbach:ibid,V.I.p. 102 ويضع صاحب أخبار مجموعة تاريخ هذه الحملة بعد ذلك بنحو عامين ص 76 و77.
(2) ابن القوطية ص 43.
(3) المقري عن ابن حيان ج 2 ص 62، والبيان المغرب ج 2 ص 39.
(1/134)

المعروف بالذمي لتحالفه مع أهل الذمة، والتف حوله النصارى فضلا عن أنصاره من العرب والبربر، وسار إلى إشبيلية فاستولى عليها, واتسع نطاق الثورة في تلك الأنحاء، فوجه إليه يوسف جيشاً لقتاله فهزمه عروة، فسار إليه يوسف بنفسه، ووقعت بينهما معارك شديدة انتهت بهزيمة عروة وأسره، ثم بقتله مع نفر من أصحابه. بيد أن ثورة أخطر وأوسع نطاقا كانت تدبر عندئذ في الشمال لخلع يوسف والصميل وسحق سلطانهما. وكان روح هذه الثورة ومدبرها زعيم مضري شديد البأس والجاه، هو عامر بن عمرو بن وهب العبدري، وكان عامر عريق الحسب والعصبية، وافر الجاه والأتباع، يتزعم مضر ويقودها خلال الحوادث، وكان صديقاً ليوسف الفهري قبل ظفره بالإمارة، يتولى مثله قيادة الجيش، فلما وُلِّى يوسف نزعها منه، وكان كباقي الزعماء ينقم من يوسف والصميل استئثارهما بالسلطة واستبدادهما بالشئون. فلما اضطرمت الأندلس بالفتن واتسع نطاق الثورة، أخذ يدبر وسائل الخروج على يوسف، وكان يبسط نفوذه على الجزيرة الخضراء، ثم انتقل إلى قرطبة يرقب الحوادث، وكاتب الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور، وعرض عليه أن يدعو له بالأندلس، وأن يحكمها باسمه، إذا بعث إليه بمرسوم إمارتها. وكان يتودد فوق ذلك إلى اليمانية، وينعى على يوسف والصميل إسرافهما في سفك دمائهم يوم شَقُندة، فالتفت حوله اليمنية والمضرية. ولم يكن يوسف يجهل حركاته وتدابيره، فلما هم بمطاردته والقبض عليه، فر إلى الشمال في كثير من أتباعه. وكان ثمة زعيمان قرشيان آخران هما الحباب بن رواحة الزهري من بني كلاب، وتميم بن معبد الفهري، قد رفعا لواء الثورة في ولاية سرقسطة، فتفاهم معهما عامر وتحالف، واجتمع إليه جيش كبير من اليمنية والمضرية والبربر، وزحف عامر والحباب الزهري على سرقسطة، حيث كان الصميل، وضيقا عليه الحصار. فاستغاث الصميل بحليفه يوسف. ولكن يوسف لم يستطع أو لم يُرد إنجاده بغية القضاء على سلطانه (1). فاضطر الصميل أن يلقى خصومه في أنصاره وأتباعه القلائل. ونشبت بين الفريقين مدى أشهر معارك عديدة، انتهت بهزيمة الصميل وانسحابه من سرقسطة في فل أنصاره، فدخلها عامر وحليفه، واستوليا عليها (سنة 136 هـ - 753 م). وعمت الثورة كورة
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 38 و43.
(1/135)

سرقسطة وما إليها، ودعا عامر لنفسه بولاية الأندلس، بمرسوم زعم أنه تلقاه من أبي جعفر المنصور، وخرج الشمال كله عن قبضة يوسف الفهري.
أما الصميل فارتد إلى طليطلة التي أسند إليه يوسف ولايتها بدلا من سرقسطة، وكان يوسف قد أنهكت قواه واستنفدت موارده تلك الحروب والثورات المتوالية، فاضطر أن يلزم السكينة حيناً. وبسط عامر سلطانه زهاء عامين، على كورة سرقسطة. وفي أواخر سنة 137هـ (754 م) سار يوسف إلى سرقسطة في جيش كبير، وحاصرها بشدة حتى ضاق أهلها بالحصار ذرعاً، ورأوا أن يتقوا مصائب الحصار، بتسليم عامر وابنه وهب والحباب الزهري إلى يوسف، فحملهم يوسف معه في الأصفاد، وارتد صوب طليطلة، ثم أمر بهم فقتلوا أثناء الطريق، وتخلص يوسف بذلك من آخر الزعماء الخوارج عليه (1). ولكنه لم يقدر أن خطراً آخر سيأتيه من خارج الجزيرة، وينذر جميع مشاريعه وتدابيره بالانهيار. ذلك أنه ما كاد يجتمع بصديقه وحليفه الصميل في ظاهر طليطلة، حتى أقبل عليه رسول من قرطبة يحمل كتاباً من ولده عبد الرحمن، خلاصته أن فتى من بني أمية يدعى عبد الرحمن بن معاوية قد نزل بساحل الأندلس في ثغر المُنكّب Almunecar، واجتمع إليه أشياع بني أمية في كورة إلبيرة (غرناطة)، وانتشرت دعوته في جنوب الأندلس بسرعة. وذاع الخبر في جيش يوسف فأحدث فيه ذعراً واضطراباً، وتفرق كثير من جنده. وقيل إن نبأ مقدم الأمير الأموي انتهى إلى يوسف أثناء سيره إلى الشمال ليقاتل نصارى جلّيقية، وبعد أن سحق الثوار في سرقسطة (2). وعلى أى حال فقد بادر يوسف والصميل فيمن بقى من الأشياع والجند بالسير إلى قرطبة، ليدبرا الخطط لرد هذا الخطر الجديد، وكان ذلك في أواسط سنة 138هـ (أواخر سنة 755 م).
وفي أثناء هذه الفتن والقلاقل المتواصلة، استولى الفرنج كما قدمنا على جميع القواعد والأراضي الإسلامية في سبتمانيا ولانجدوك، وهي التي تكون ولاية الثغر أو رباط الثغر، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى أربونة. وكانت
_______
(1) راجع في تفصيل هذه الحوادث، ابن الأبار في الحلة السيراء ص 52؛ وابن الأثير ج 5 ص 140 و184؛ والبيان المغرب ج 2 ص 43 و44؛ وكذا في Dozy: Hist: V.I.p. 184 & 185
(2) ابن القوطية ص 20؛ ونفح الطيب ج 1 ص 154.
(1/136)

أمنع قلاع المسلمين فيما وراء جبال البرنيه، وقد استطاعت أن ترد غزوات الفرنج أيام كارل مارتل. فلما فقدت أربونة بطلها المدافع عنها أعني عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس، وسقطت أراضي الثغر كلها في يد النصارى، زحف ببين ملك الفرنج ومعه حليفه الكونت آنزيموند القوطي أمير سبتمانيا على أربونة، وطوقها بقوات كثيفة وضرب حولها الحصار الصارم (سنة 755 م). وكانت أربونة في غاية المنعة والحصانة، فاعتزم المسلمون الدفاع عنها لآخر نسمة، واضطر ببين خلال الحصار أيضاً، أن يرتد عنها بقسم من جيشه لمحاربة أمير أكوتين حفيد الدوق أودو، ورده عن الأراضي الفرنجية، وترك آنزيموند لمتابعة الحصار. ولكن آنزيموند قتل أثناء ذلك غيلة تحت أسوار أربونة، فعاد ببين لاستئناف الحصار وهاجم المدينة المحصورة مراراً، ولكن المسلمين استطاعوا أن يقاوموا الفرنج، ْوأن يردوا كل هجماتهم مدى أربعة أعوام، رغم عزلتهم وانقطاع صلتهم بالأندلس، وعدم تلقيهم أى مدد من أولى الأمر في قرطبة، لاشتغالهم بالحرب الأهلية. وكان اتصال المدينة بالبحر يسهل على المسلمين تلقى بعض المؤن، وتحمل ويلات الحصار. فلما رأى ببين أنه لا يستطيع أخذ المدينة بالحرب لجأ إلى الخديعة والخيانة، وتفاهم مع أهلها القوط، وقطع لهم عهوداً مؤكدة أنهم إذا عاونوه على أخذها، فإنه يترك لهم حرية التمتع بقوانينهم، ويمنحهم حقوقاً ومزايا كثيرة، فعمل القوط على إضرام الثورة داخل المدينة، ثم انقضوا ذات يوم على حراسها المسلمين وقتلوهم وفتحوا أبوابها، فدخلها الفرنج وفتكوا بسكانها المسلمين أيما فتك، وخربوا مساجدها ومعاهدها ودورها وذلك في سنة 759 م (142هـ) (1). وسقطت بذلك آخر المعاقل الإسلامية في غاليس في يد النصارى، وانهارت سيادة الإسلام فيما وراء جبال البرنيه، بعد أن استمرت هنالك زهاء نصف قرن، وعادت قوى النصرانية، فاحتشدت وراء تلك الآكام تتربص بالإسلام في الأندلس، بينما كانت قوى الإسلام داخل شبه الجزيرة يمزق بعضها بعضا.
وحذا نصارى الشمال حذو الفرنج في الاستفادة من تمزق الإسلام بالأندلس، ونريد بنصارى الشمال تلك البقية الباقية من القوط الذين ارتدوا أمام الفتح الإسلامي
_______
(1) Dom Vissette: ibid, V.I.p. 827
(1/137)

الكتابُ الثاني
الدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْ
القسم الأول عَصْرُ الإمارة من عبْد الرحمن الداخل إلى عبْد الرحمن بن الحَكم
138: 238 هـ - 756: 852 م
(1/139)

الفصل الأول
مصرع الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية
اضمحلال الدولة الأموية إبان فتوتها. عوامل هذا الاضمحلال. السياسة الأموية. ما أثارته وسائلها من السخط. استغلال الشيعة لهذه العاطفة. اضطرام العصبية والخلافات القومية. خلاف العرب والبربر. خلاف العرب فيما بينهم. وهن دعائم الدولة الأموية. العوامل الخفية التي عملت على تقويضها. الخصومة بين بني أمية وآل البيت. تقدم الدعوة الشيعية. ظهور الشيعة في النواحي. أئمة الشيعة بعد الحسين. محمد بن علي ولد العباس. أبو مسلم الخراساني أعظم دعاة الشيعة. إضطرام الدعوة في خراسان. إستنجاد أميرها نصر بن سيار بالخليفة. غزو أبي مسلم الخراساني وفرار أميرها. استيلاء أبى مسلم على خراسان وفارس. وفاة إبراهيم الإمام والدعوة لأخيه عبد الله بن محمد. غزو الشيعة العراق. نزول أبي العباس عبد الله بن محمد بالكوفة. من هو السفاح. مسير مروان الثاني لقتال الشيعة. لقاء الأموية والشيعة على ضفاف الزاب. هزيمة مروان. فراره ومصرعه. ذهاب الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية.
كانت الدولة الأموية دولة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى، ففي ظلها امتدت الفتوح الإسلامية شرقاً إلى السند وغرباً إلى المحيط الأطلنطي وإسبانيا، ووصلت الإمبراطورية الإسلامية إلى ذروة ضخامتها وقوتها، متماسكة الأجزاء، وثيقة العرى، موحدة السلطان والإدارة. ولكن الدولة الأموية لم تنعم طويلا بطور فتوتها ومنعتها ووحدتها، ولم تأت فاتحة القرن الثاني للهجرة حتى كانت هذه الدولة الشامخة التي لم تجز بعد طور الفتوة، قد هرمت سراعاً وأدركها الانحلال والوهن، وتصدع صرح وحدتها الباذخ. واختتم ثبت الخلفاء الأقوياء من بني أمية، بالوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان (86 - 99هـ) ثم بأخيهما هشام. ومنذ عصر هشام بن عبد الملك، نجد عوامل الانحلال والتفكك، تعمل عملها في هذا الصرح العظيم، فلم يمض طويل حتى اضطرمت الأندلس بالفتن وخرجت من حظيرة الإمبراطورية، ولم يبق للخلافة عليها سوى سلطة إسمية، واستقل الزعماء المتغلبون بحكم إفريقية، بعد أن خرجت أطرافها القصوى عن قبضة الخلافة، واضطرب سلطان الخلافة في الولايات الشرقية النائية مثل خراسان وفارس، وأخذ ملك بني أمية يهتز فوق بركان مضطرم من الدعوات الخصمية، التي لبثت قبل
(1/140)

ذلك بنصف قرن تعمل في الخفاء، ثم لاح لها أن الفرصة قد آذنت بالانفجار. ولهذا الانحلال الذي سرى إلى الدولة الأموية، قبل أن تستكمل أطوار نموها وئوطدها، أسباب خاصة، ترجع إلى الظروف التي قامت فيها، وإلى الآثار الدينية والمعنوية، التي أثارتها السياسة الأموية في الجزيرة العربية. ثم إلى نتائج تلك المعركة الخالدة التي نشبت بين مختلف العناصر والقوى، التي اشتركت في بناء الإمبراطورية الإسلامية. فقد استطاع بنو أمية أن ينتزعوا الخلافة والملك، خلال معركة اعتبرها فريق كبير من الأمة العربية، خروجا على آل البيت ذوي الحق الشرعي في الخلافة، وبوسائل لم تكن دائماً نزيهة ولا عادلة. وكان لما ارتكبه بنو أمية خلال هذه المعركة من الأحداث المثيرة، أسوأ وقع في نفوس الأمة العربية. فقد فتك بنو أمية بآل البيت وشيعتهم أشنع فتك، وكان مقتل الحسين ابن علي في كربلاء (سنة61هـ) (1)، ومقتل عدة من أبنائه وإخوته أشهر حوادث الفتك بآل البيت وأروعها. ومع أن مصرع الحسين وآله، لم يكن سوى نتيجة للصراع السياسي الذي اضطرم بين آل البيت وبين بني أمية منذ خلافة علي، فقد كان لهذا الحادث أعظم وقع في العالم الإسلامي، ولم يمض عامان على تلك المأساة المؤلمة، حتى أرسل يزيد بن معاوية (سنة 63 هـ) جنده إلى المدينة بقيادة مسلم بن عقبة المرِّي، لمعاقبة أهلها على خروجهم عن طاعة بني أمية، فاقتحم الجند الأمويون مدينة الرسول، وعاثوا فيها واستباحوا الحرم المقدسة، وارتكبوا أشنع صنوف الكبائر والإثم (2)، ثم ساروا بعد ذلك إلى مكة فحاصروها، وضربوا البيت الحرام بالمنجنيق والنار. وكان لهذه الحوادث وأمثالها أثر عميق في الأمة الإسلامية، وألفى الشيعة صحب آل البيت ودعاتهم، في تلك الأحداث المثيرة، غذاء للتشهير بالسياسة الأموية وأساليبها، وأصيبت هيبة الخلافة الأموية من هذه الناحية، بصدع لم تنهض من بعده، وذكت عوامل السخط عليها.
_______
(1) كان مقتل الحسين بن علي في كربلاء في العاشر من المحرم سنة 61هـ، وهو يوم " عاشوراء " الذي اتخذته الخلافة الفاطمية بمصر يوم حزن وأسى؛ وكانت تقام في ذلك اليوم بمدينة القاهرة طائفة من المراسم والاحتفالات المؤثرة. (راجع كتابي الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية - الطبعة الثانية - ص 354).
(2) وتعرف هذه الموقعة الشهيرة بموقعة الحرة أو حرة واقم، وهي ضاحية المدينة الشرقية، وقد سبقت الإشارة إليها.
(1/141)

واستغل الشيعة هذه العاطفة لبثِّ دعوتهم وتدعيم قضيتهم، وحشد العناصر الناقمة في صفوفهم. وكان اضطرام العصبية والخلافات القومية من جهة أخرى، يعمل عمله لتمزيق روابط هذه الإمبراطورية الشاسعة. ففي إفريقية كانت ثورات البربر القومية، تستنفد قوى الخلافة ومواردها بلا انقطاع، وكان الخلاف بين العرب والبربر في الأندلس، يهدد مصير الإسلام والخلافة في ذلك القطر النائي، ويفت في عضد الزعماء والقادة، ويبعث الاضطراب والوهن إلى صفوف الغزاة. وكان العرب أنفسهم قدوة سيئة في تفرق الرأي والكلمة. فكانت المعركة الخالدة بين مضر وحمير، وبين مختلف القبائل والبطون، تمزق أوصال الوحدة العربية، وتقوض دعائم هذه العصبية القومية، التي دفعت يوم اتحادها وتماسكها، سيل الفتوح الإسلامية إلى أقاصي المشرق والمغرب.
كانت الخلافة الأموية تسيطر على دولة عظيمة مترامية الأطراف. ولكن سلطانها الحقيقي كان محدود المدى داخل هذه الإمبراطورية الشاسعة، وكان فوق ذلك يقوم على دعائم مضطربة. وفي ذلك ما يفسر تلك الظاهرة التي يعرضها سقوط الدولة الأموية. فبينا هي تبدو في أوج قوتها وفتوحها، إذ بها تنهار فجاة، وتبدو في الحال مظاهر ضعفها وتفككها، ويبدو ما كان يحيط بسلطانها الشاسع من عوامل مصطنعة، وما كان يهدده من عوامل الهدم الخفية، المعنوية والنفسية. وكانت هذه العوامل الخفية في الواقع أخطر ما يهدد سلطان بني أمية، فإن تلك الأحقاد المرة التي أثارتها السياسة الأموية في نفوس خصومها، كانت تسري وتجيش، وتحيط ملك بني أمية بسياج خطر من الحفيظة والبغض. وكانت هذه الخصومة الخطرة التي يغذيها ظمأ الانتقام، هي عماد الدعوة الشيعية التي لبثت تشق طريقها منذ مقتل عليّ، ثم مقتل بنيه من بعده. ثم تأثلت هذه الخصومة وتوطدت منذ أوائل القرن الثاني من الهجرة. واستطاع الشيعة أن يظهروا في النواحي، ولاسيما في العراق وخراسان، وأن يدبروا عدة ثورات محلية خطيرة. وقد أخمدت هذه الحركات الأولى في سيل من الدماء. ولكن القمع كان يذكي النضال، وإراقة الدم تذكي ظمأ الانتقام. ولم تكن المعركة متكافئة من الوجهة المادية، فلم يك للشيعة جيوش منظمة أو موارد يعتد بها، ولكن خطر المعركة كان يجثم في نواحيها المعنوية. واشتد هذا الخطر حينما ضعف أمر العمال في
(1/142)

النواحي، واتسع الأمر على الحكومة المركزية، وانحل سلطانها في الأنحاء النائية، وأضحى عرضة للانتقاض والانهيار.
ولبث دعاة الشيعة زهاء نصف قرن ينظمون دعوتهم، ويضعون لها الأصول والقواعد، ويحشدون لها الصحب والأنصار في سائر النواحي، وكانت كغيرها من الدعوات السرية الثورية، تلقى في الخفاء تأييداً كبيراً. وليس من موضوعنا أن نتحدث عن مبادئ الشيعة ورأيهم في الإمامة ومساقها (1). ويكفي أن نقول إن اختلاف الشيعة فيما بينهم، على حق الإمامة ومساقها في ولد علي، لم يحل دون إجماعهم على خصومة بني أمية، ولا دون استمرار الدعوة الشيعية وتقدمها. وكانت إمامة الشيعة قد انتقلت بعد مقتل الحسين إلى أخيه، محمد بن علي بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية (2). فلما توفي سنة 81هـ، قام بها ولده أبو هاشم عبد الله بوصية منه. واستمر أبو هاشم أيام الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان قائماً بأمر الشيعة، يفدون عليه ويؤدون له الخراج. ثم توفي مسموماً سنة 98هـ بتحريض سليمان بن عبد الملك فيما يقال، وأوصى بالإمامة إلى ابن عمه محمد ابن على بن عبد الله بن العباس كبير عقلاء الشيعة يومئذ. والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي. وتقدمت الدعوة الشيعية على يد محمد بن علي تقدما كبيراً، وظفرت في ذلك الحين بأعظم دعاتها السياسيين، ونعني أبا مسلم الخراساني. وقد كان أبو مسلم شخصية عظيمة، وكان يتمتع بمقدرة ومواهب فائقة. ولكن الغموض محيط مع ذلك بأصله ونشأته، وتختلف الرواية في أمره اختلافاً كبيراً، حتى أنها لتختلف فيما إذا كان من الأحرار أو الموالي. فيقول البعض إنه حر، يرجع إلى أصل فارسي رفيع المنبت، وإنه ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة، واسمه الحقيقي إبراهيم بن عثمان بن بشار. ويقول البعض إنه من الموالي، وأصله من أصبهان، واسمه إبراهيم. وقيل بل كان عبداً لبكير بن ماهان أحد عمال السند، وإنه استصحبه إلى مكة في زيارته لإبراهيم الإمام، فأعجب إبراهيم بذكائه وفطنته واشتراه منه. وأما تسميته بأبى مسلم، فيقال إنه سمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم،
_______
(1) أورد ابن خلدون في مقدمته شرحا حسنا لمبادىء الشيعة ومساق الإمامة عند مختلف فرقهم (المقدمة ص 164 - 168). ويتناولها الشهرستاني في " الملل والنحل " بشيء من التفصيل؛ وكذلك عبد القاهر البغدادي في كتابه " الفرق بين الفرق ".
(2) وهو أخو الحسن والحسين من الأب فقط. ويعرف بابن الحنفية نسبة لأمه خولة بنت جعفر بن قيس المعروف بالحنفية.
(1/143)

واتخذ كنيته أبا مسلم، وقيل إن إبراهيم الإمام هو الذي سماه بهذا الإسم. ولعل أرجح رواية في شأن هذا الداعية الكبير أنه كان فتى مغموراً، ولد بمرو في أسرة رقيقة الحال، ونشأ بأصبهان، واتصل منذ فتوته ببعض نقباء الشيعة في الكوفة، فآنسوا فيه ذكاء خارقاً، وحماسة تضطرم لآل البيت وقضيتهم، وسار معهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بمكة، فأعجب بذكائه وعزمه، واختاره داعية للشيعة في خراسان، موطنه وأصلح ميدان لنشاطه. ولما ظهر أبو مسلم وقوي أمره، وكثر أنصاره، ادعى أنه من آل البيت من ولد سليط بن عبد الله بن عباس (1). ولما توفي محمد بن علي، وخلفه في الإمامة ولده إبراهيم الملقب بالإمام بعهد منه (سنة 126 هـ) استمر أبو مسلم في مهمته، يبث الدعوة، ويحشد لها الأنصار. وكانت خراسان كما قدمنا أخصب ميدان للدعوة الشيعية لبعدها عن الحكومة المركزية، وتعاقب الفتن فيها بن المضرية واليمنية. وكان أميرها من قبل بني أمية نصر بن سيار في مأزق صعب، يستنجد عبثاً بحكومة دمشق، ويشهد تفاقم الحوادث عاجزاً، وحركة الشيعة تشتد، وتجتاح خراسان بسرعة. ويروى أن نصر بن سيار كتب إلى مروان بن محمد الخليفة يومئذ، هذا الشعر الفياض بالنبوءة والنذير يستنجد به، ويستحثه للدفاع عن عرشه وتراث أسرته:
أرى تحت الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فان النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فان كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام
فقري عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام (2)
وكان أبو مسلم رجل الموقف يدير الخطط بقوة وبراعة، فلم يمض بعيد حتى ألفى الفرصة سانحة للعمل الحاسم، فاعتزم أمره ووثب في صحبه على نصر بن سيار
_______
(1) راجع في أصل أبي مسلم وسيرته، ابن الأثير ج 5 ص 95 - 97، وابن خلكان ج 1 ص 352 - 354، وابن خلدون ج 3 ص 100 و117 - 120.
(2) تروى هذه الأبيات بصورة أخرى. راجع مروج الذهب للمسعودي (بولاق) ج 2 ص 159.
(1/144)

وقوات بني أمية وهزمهم في عدة معارك (سنة129 - 130هـ) " واستولى على مرو وسمرقند وخراسان ونيسابور، وطرد منها عمال بني أمية، وفر نصر بن سيار إلى العراق. وبسط أبو مسلم سلطانه على خراسان وفارس، ورفع فيهما لواء الشيعة الأسود، ودعا لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي المعروف " بالسفاح " أخى إبراهيم الإمام وخلفه. وكان الخليفة الأموي مروان بن محمد، قد هاله ما رأى من تغلغل الدعوة الشيعية في النواحي، فقبض على إبراهيم الإمام، وهو يومئذ بإحدى قرى الشام، وزجه إلى السجن حتى مات (سنة 132هـ)، وزعم أخوه عبد الله أبو العباس وأصحابه، أنه أوصى إليه بالإمامة من بعده. فدعا له أبو مسلم في خراسان وفارس حسبما تقدم. ثم سير أبو مسلم جيشاً إلى العراق فلقيه أميرها ابن هبيرة في قواته، ووقعت بين الفريقين على ضفاف الفرات معارك شديدة، هزم فيها ابن هبيرة وفر إلى الشمال. واستولى الشيعة على العراق، ودعوا لأبى العباس بالخلافة (ربيع الآخر سنة 132 هـ)، ونزل أبو العباس عبد الله " السفاح " بالكوفة، واستقر بها يرقب الحوادث.
وفي ذلك الحين كان مروان بن محمد أو مروان الثاني (1)، الذي ولى الخلافة سنة 127هـ، يتأهب للدفاع عن ملك بني أمية، الذي تصدع صرحه سراعاً. فحشد جيشاً ضخماً، وسار شرقاً حتى وصل إلى ضفاف نهر الزاب، وهو فرع من دجلة يتصل به في الضفة الشرقية جنوب شرقي الموصل، وسار للقائه قائد المسوّدة (الشيعة) في الشمال، أبو عون عبد الملك بن يزيد الأزدي، وأمده أبو العباس بجيش آخر بقيادة عمه عبد الله بن علي، وبلغت قوات الشيعة كلها زهاء عشرين ألفاً، وبلغت القوات الأموية زهاء مائة وعشرين ألفاً. ولكن حماسة الشيعة كانت تغني عن الكثرة، وكان تعاقب الظفر يذكي عزائمهم ويضاعف قواهم، وكان الجيش الأموي على ضخامته قد خبت عزائمه، واختلت صفوفه وغاضت قواه المعنوية. والتقى الفريقان على ضفة الزاب اليسرى ونشبت بينهما معركة شديدة حاسمة، انتهت بهزيمة الجيش الأموي وتمزيقه، وذلك في الحادي عشر من جمادى الثانية سنة 132 هـ (25 يناير 750 م)، وغرق في النهر آلاف من جند الشام، وعدة من زعمائه وقادته، واستولى الشيعة على أسلابه، وفر
_______
(1) يعرف مروان بن محمد أيضا بمروان الجعد، وحمار الجزيرة، أو مروان الحمار.
(1/145)

مروان في فل من صحبه إلى الشام، فسار في أثره عبد الله بن علي، وحاصر دمشق واقتحمها في الخامس من رمضان من نفس العام. وفر مروان إلى فلسطين ثم إلى مصر. فبعث " السفاح " في أثره جيشا بقيادة عمه صالح بن علي، فلحق به في مصر، وظل يطارده من مكان إلى مكان، حتى ظفر به في قرية بوصير على مقربة من الجيزة. وهنالك مزقت البقية الباقية من أنصار بني أمية، وقتل مروان آخر الخلفاء الأمويين بالمشرق، وأرسل رأسه إلى "السفاح" وذلك في السابع والعشرين من ذى الحجة سنة 132هـ (6 أغسطس سنة 750 م).
وهكذا انهارت دعائم الدولة الأموية بسرعة مدهشة، وقامت على أنقاضها دولة بني العباس. ولا ريب أن أكبر الفضل في تحطيم ذلك الصرح الشامخ، يرجع إلى جهود تلك الشخصية العظيمة ونعني أبا مسلم الخراساني. كان أبو مسلم إحدى هذه العبقريات الشاملة، التي تتفتح في معترك الإنقلابات الحاسمة، وتقوم على سواعدها الدول العظيمة. وكانت دعوة الشيعة وإمامة آل البيت مبعث هذا الانقلاب وروحه. ولكن بني العباس ما كادوا يتبوأون ذلك الملك الباذخ، حتى غلبت عليهم عصبية الأسرة، وألفوا في أبي مسلم منافساً تخشى عواقبه، وفي الدعوة الشيعية خطراً يجب القضاء عليه. فلم تمض أعوام قلائل حتى قتل أبو مسلم (شعبان سنة 137هـ)، قتله أبو جعفر المنصور أخو أبي العباس وخلفه. ثم تتبع زعماء الشيعة وولد علي بن أبي طالب بالقبض والمطاردة، حتى مزق شملهم وسحق دعوتهم. واستخلص بنو العباس تراث بني أمية لأنفسهم. وقامت تلك الدولة العباسية الزاهرة، تصل تاريخ الإسلام في المشرق، وتسير به إلى عصر جديد من العظمة والبهاء.
(1/146)

الفصل الثاني
بعث الدولة الأموية في الأندلس
موقف الأندلس بعد سقوط الدولة الأموية. يوسف الفهري حاكم بأمره. مطاردة بني العباس لبني أمية. المذبحة الرائعة. من هو السفاح. نجاة عبد الرحمن بن معاوية. فراره وظروفه المؤثرة. تجوله في برقة وإفريقية. نجاته من قبضة عبد الرحمن بن حبيب. التجاؤه إلى المغرب الأقصى. إرساله لبدر مولاه إلى الأندلس. مفاوضة بدر الزعماء. سعي أبي عثمان وعبد الله بن خالد لتأييد عبد الرحمن. موقف الصميل بن حاتم. عبور عبد الرحمن إلى الأندلس. توجس يوسف الفهري واختلال جيشه. تقدم الدعوة الأموية. الزعماء المؤيدون لعبد الرحمن. عود يوسف والصميل إلى قرطبة. عرض يوسف على عبد الرحمن وكتابه إليه. رفض عبد الرحمن لهذا العرض. مبايعة ريه وشذونة وإشبيلية لعبد الرحمن. زحفه على قرطبة. خروج يوسف والصميل لملاقاته. لقاء الفريقين في موقعة المسارة. هزيمة يوسف والصميل. دخول عبد الرحمن قرطبة ومبايعته بالإمارة. الموقف بعد المسارة. مهمة عبد الرحمن الفادحة. معركة الدولة والإمارات المستقلة. الأخطار التي تحيق بالأندلس. الكفاح المستمر.
بينما كانت حوادث هذا الانقلاب الحاسم في مصاير الإسلام تجري في المشرق، كانت حوادث الأندلس تؤذن بانقلاب عظيم آخر في مصاير الإسلام في ذلك القطر النائي. وكانت الفتن والحروب الأهلية المتعاقبة التي فصلنا أخبارها، تدفع بالأندلس إلى مصير مجهول تخشى عواقبه، وتعصف تباعا بمنعة الإسلام في الغرب، وتشجع الفرنج ونصارى الشمال على اقتطاع الأطراف النائية، والتوغل في الأراضي الإسلامية. وكان من عناية القدر أن تولي أمر الأندلس في ذلك المأزق العصيب، رجل قوي حازم هو يوسف بن عبد الرحمن الفهري. ولكن ولاية يوسف لم تكن حلا نهائياً للأزمة، لأنه تولى دون مصادقة شرعية من السلطة العليا، ولأن منافسيه من الزعماء والخوارج لم يقروا بولايته، ولم يخلدوا إلى السكينة، وأخيراً لأن السلطة العليا التي يرجع إليها أمر الأندلس، ونعني خلافة دمشق قد انهارت غير بعيد، وقامت على أنقاضها دولة وخلافة جديدتان. والحقيقة أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري كان حاكماً بأمره في الأندلس. وكانت الأندلس في ذلك الحين إمارة أو دولة مستقلة، يتوقف مصيرها ومصير السلطات فيها على سير الظروف والحوادث. وكان للانقلاب الذي وقع في المشرق صداه
(1/147)

في الأندلس، إذ قام بعض الخوارج على يوسف يدعو لبني العباس، طمعاً في الرياسة على نحو ما بينا، ولكنه كان صدى ضعيفاً لم يحدث أثره، واستمر يوسف ثابتاً في مركزه، يناهض الخارجين عليه بقوة وعزم. ولاريب أنه كان يحرص على ذلك السلطان الذي ألقى إليه به القدر، بل لعله كان يعمل لغاية أتم وأبعد، هي أن يؤسس بالأندلس مملكة مستقلة قوية، يتبوأ عرشها، وأسرة ملوكية جديدة من بنيه وعقبه، يلقى إليها بهذا التراث الباذخ.
على أن حوادث المشرق كانت تتمخض عن عوامل ومفاجآت أخرى. ذلك أن بني العباس بعد أن ظفروا بملك بني أمية ومزقوا شمل أسرتهم، أخذوا في تتبع من بقي من أمرائهم وزعمائهم، حتى لا تقوم لفلهم قائمة بعد. وعهد أبو العباس عبد الله " السفاح "، إلى عمه عبد الله بن علي وهو بالشام، تنظيم هذه المطاردة الدموية (1). فتتبع وجوه بني أمية ومواليهم في كل مكان، وأمعن في مطاردتهم وسفك دمائهم، وقتل منهم جماعة كبيرة من الأمراء والسادة، ولم يبق حتى على النساء والأطفال، ولما شعر أن كثيرين منهم فروا ولاذوا بالاختفاء، زعم أن أبا العباس قد ندم على ما فرط منه في حقهم، وأنه يشملهم بعفوه وأمانه، فخدع كثيرون منهم بهذا الوعد، ولبوا دعوة عبد الله إلى الظهور، واستطاع بهذه الوسيلة أن يقتل منهم نحو سبعين رجلا آخر. وكانت مأساة هائلة ارتكبت خلالها ضروب مروعة من القسوة، ومثل بكثير من الضحايا أشنع تمثيل، وألقيت جثثهم للكلاب، واستخرجت رفات الخلفاء الأمويين من مثواها وبددت، ولم تترك جريمة مثيرة، أو لون من العقاب أو المهانة، إلا كان فلُّ بني أمية لها فرائس وضحايا (2).
وهنا يسوغ لنا أن نتساءل، من هو " السفاح "؟ أهو أبو العباس عبد الله ابن محمد أول خلفاء بني العباس؟ أم هو عمه عبد الله بن علي؟ هذا ما تختلف
_______
(1) وقد أشار أحد الشعراء من دعاة بني العباس وهو سديف بن ميمون إلى هذه المطاردة في شعر أنشده بين يدي أبى العباس وفيه يقول:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
(2) راجع طرفا من فظائع هذه المطاردة في ابن خلدون ج 3 ص 132 و133؛ وابن الأثير ج 1 ص 161.
(1/148)

الرواية الإسلامية في شأنه. ويتفق معظم المؤرخين المسلمين، مثل الطبري، وابن الأثير، وابن خلكان، وابن خلدون (1) على أن " السفاح " إنما هو لقب أبى العباس عبد الله بن محمد أول الخلفاء العباسيين. ويذكر لنا الطبري وابن الأثير كيف أن أبا العباس، هو الذي أطلق على نفسه هذا اللقب حينما ألقى خطابه الأول بمسجد الكوفة على أثر مبايعته بالخلافة، إذ قال للناس في ختام خطابه -: "فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح " (2). ولكن هناك روايات أخرى ومنها رواية قديمة هي رواية صاحب " أخبار مجموعة في فتح الأندلس " تذكر لنا أن لقب "السفاح " لم يطلق على أبي العباس ولكنه أطلق على عمه عبد الله بن علي (3). ولهذه الرواية ظاهر من الوجاهة فيما ارتكبه عبد الله بن علي من الفتك الذريع ببنى أمية، وتتبعهم بالقتل في سائر الأنحاء دون هوادة. ولكن من الذي يحمل في الواقع تبعة هذه المطاردة الدموية المروعة؟ إن الذي أوصى بمطاردة بني أمية والفتك بهم هو أبوالعباس ذاته، وهو أول من اجتنى ثمار الجريمة، وتلقى تراث القتلى، ولم يكن عمه عبد الله بن علي سوى منفذ لإرادته وأمره، وعلى ذلك فهو أحق بأن يحمل ذلك اللقب الذي يتفق مع تبعاته ونتائج لسياسته، وهو لقب يخصه به جمهرة من الثقاة المؤرخين.
ولكن هذه المطاردة الدموية الشاملة لم تجتث الشجرة من أصلها، وشاء القدر أن تفلت بعض فروعها من يد الجناة، وأن تزكو لتستعيد أصلها الراسخ في أرض أخرى. وكان ممن نجا من المذبحة الهائلة فتى من ولد هشام بن عبد الملك هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام. وكان وقت أن حلت النكبة بأسرته يقيم مع أهله وأخوته، في قرية تعرف بدير خنان من أعمال قنسرين، وفيها كان مولده قبل ذلك بنحو عشرين عاماً سنة 113 من الهجرة (731 م)؛ وقيل بل كان مولده بالعليا من أعمال تدمير. وتوفي أبوه معاوية شاباً في أيام أبيه هشام بن
_______
(1) راجع الطبري ج 9 ص 123؛ وابن خلكان في الوفيات ج 1 ص 354؛ وابن الأثير ج 5 ص 145 و155، وابن خلدون ج 3 ص 128 و131 و173.
(2) الطبري ج 9 ص 132؛ وابن الأثير ج 5 ص 155.
(3) راجع " أخبار مجموعة في فتح الأندلس " ص 48؛ وراجع أيضا كتاب الإمامة والسياسة ج 2 ص 148.
(1/149)

عبد الملك في سنة 118 هـ، فكفله وأخوته جدهم هشام (1). ولما انهار صرح الخلافة الأموية، وأمعن الظافر في مطاردة بني أمية، فر عبد الرحمن بأهله وولده إلى ناحية الفرات، وحل هناك ببعض القرى واختفى بها حيناً يدبر أمره، ولكن جند المسوّدة ما لبثت أن حلت بتلك الجهة تستقصي آثار بني أمية، فبادر عبد الرحمن بالفرار. وتنقل إلينا الرواية على لسانه قصة مؤثرة عن حوادث فراره، وتصف لنا كيف أدركته خيل المطاردين على ضفة النهر مع أخيه الصبي، فوثبا إلى النهر واستطاع عبد الرحمن أن يقطعه سباحة إلى الضفة الأخرى، ولكن الغلام عجز عن قطعه وعاد إلى الضفة الأولى، حيث وعده المطاردون بالأمان، ولكنه ما كاد يقع في أيديهم حتى انقضوا عليه وقطعوا رأسه أمام عينى أخيه، وقلبه يتفطر روعة وأسى (2). ولما أن أمن عبد الرحمن خطر مطارديه، سار مختفياً إلى الجنوب، قاصداً إلى المغرب. وتقول لنا الرواية أيضا، إن المغرب كان مقصده منذ الساعة الأولى، وإن نفسه كانت تحدثه بما سيكون له في الأندلس من شأن، وإن بني أمية كانوا قبل مصرعهم، يهجسون بمثل هذه النبوءة ويرددونها (3).
واخترق عبد الرحمن فلسطين ومصر، ولحق به مولياه بدر وسالم، أنفذتهما إليه أخته أم الأصبغ بشىء من المال والجوهر، تم جاز إلى برقة والتجأ إلى أخواله بنى نفزة، وهم من برابرة طرابلس، وكانت أمه بربرية منهم تدعى راح، وأقام لديهم طويلا يرقب الفرص. والظاهر أن محاولة الاستيلاء على إفريقية لم تكن بعيدة عن ذلك الذهن الجرىء المغامر، وقد كانت إفريقية في الواقع منذ ربع قرن مطمح الخوارج والمتغلبين. وكان عبد الرحمن بن حبيب الفهري قد انتزعها لنفسه في سنة 127 هـ، ولما دالت دولة بني أمية دعا لبني العباس كما قدمنا، ولكن الفتى الأموي لم يجد على ما يظهر أية فرصة للعمل في هذا السبيل. وكان عبد الرحمن ابن حبيب يخشى على سلطانه من ظهور بني أمية في إفريقية، فطارد اللاجئين إليها منهم، وقتل ولدين للوليد بن يزيد بن عبد الملك، واعتقل آخرين وصادر أموالهم.
_______
(1) نفح الطيب ج 1 ص 156.
(2) أورد هذه الرواية صاحب أخبار مجموعة (ص 51 - 53). وكذلك أوردها ابن حيان مؤرخ الأندلس ونقلها المقري (نفح الطيب ج 2 ص 62 و63).
(3) أخبار مجموعة ص 51؛ نفح الطيب ج 2 ص 62؛ والبيان المغرب ج 2 ص 43، وابن خلدون ج 4 ص 121.
(1/150)

ولما شعر بظهور عبد الرحمن الأموي حاول القبض عليه، ولكن عبد الرحمن استطاع أن يتجنب المطاردة، وفر مع صحبه إلى المغرب الأقصى، وتجول حيناً في تلك الأنحاء، ولقي كثيراً من الصعاب والخطوب، وكان يرى الموت والأسر ينذرانه في كل خطوة. وأقام حيناً متخفياً عند شيخ من شيوخ البربر يدعى وانسوس، كانت له فيما بعد لديه حظوة، ثم نزل عند قوم من زناتة على شاطىء البحر، ولحق حينا بمليلة وغيرها، وكان أثناء تجواله يدرس أحوال الأندلس وأخبارها، ويرقب فرص العبور إليها.
وفي أواخر سنة 136 هـ (753 م) لاحت له فرصة العمل، وقوي أمله ما علمه من اشتداد الخلاف بين المضرية واليمنية، فبعث بدراً مولاه إلى الأندلس ليسبر غور شئونها، وليحاول بث دعوته بين أنصار بني أمية وأهل الشام، فنزل بدر بساحل إلبيرة (كورة غرناطة) وكانت منزل جند الشام كما أسلفنا، وفيها تجتمع عصبة بني أمية. وكانت رياسة الأمويين (أو المروانية) والشاميين يومئذ لزعيمين من موالي بني أمية، هما أبو عثمان عبيد الله بن عثمان وصهره عبد الله ابن خالد. فاجتمع بدر بأبى عثمان وأبلغه رسالة عبد الرحمن، وناشده العمل لنصرته، وبث دعوته بين أصدقائه وشيعته، ولاسيما بين اليمنية، وهم خصوم يوسف الفهري ومنافسوه (1). فاستجاب أبو عثمان لهذه الدعوة، وكانت بينه وبين الصميل مودة وصداقة، ففكر في التماس عونه في ذلك المشروع، وسار إليه مع عبد الله بن خالد في طليطلة، وكان الصميل قد ارتد إليها منهزماً عن سرقسطة وفي نفسه مرارة من يوسف لأنه قصر في غوثه وإنجاده، ففاوضاه في أمر عبد الرحمن وطلبا منه العون والتأييد. ولكن الصميل أبدى تردداً وفتوراً، واقترح أن يتزوج عبد الرحمن من ابنة يوسف، وأن ينزل آمناً في ظله، ثم صرفهما ببعض الوعود الغامضة (2). وكان الصميل يحرص في الواقع على أن تبقى السلطة ليوسف،
_______
(1) يروي لنا ابن حيان قصة اتصال بدر باليمانيين على النحو الآتي: قال لهم، ما رأيكم في رجل من أهل الخلافة يطلب الدولة بكم، فيقيم أودكم، ويدرككم آمالكم؛ فقالوا: ومن لنا به في هذه الديار. فقال بدر: ما أدناه منكم، وأنا الكفيل به. ثم ذكر لهم خبر عبد الرحمن ومكان وجوده، وأنه يقدم نفسه إليهم، فقالوا: فجىء به أهلا، إنا سراع إلى طاعته، وأرسلوا بدرا بكتبهم يستدعونه (راجع الإحاطة لابن الخطيب (1956) ج 1 ص 453).
(2) البيان المغرب ج 2 ص 45؛ ونفح الطيب ج 2 ص 64؛ وابن القوطية ص 23.
(1/151)

لأنه مستأثر في ظله بالنفوذ والسلطان، ويشاركه في تدبير الأمر وحكم الأندلس، فعاد أبو عثمان وزميله إلى إلبيرة ونشطا إلى بث الدعوة فيها، وحث اليمنية على القيام للأخذ بالثأر، وبثا عمالهما في أنحاء الأندلس يدعون إلى تأييد عبد الرحمن الأموي. وعاد بدر إلى عبد الرحمن على مركب خاصة جهزها أبو عثمان ومعه عدة من أنصار الأموية، وأفضى إليه بنتائج رحلته، فاستبشر عبد الرحمن، وعبر البحر معهم إلى الأندلس، ونزل بساحل إلبيرة في ثغر المُنكَّب Almunecar (1) ، وذلك في ربيع الآخر سنة 138هـ (سبتمبر سنة 755 م)، فاستقبله أبو عثمان وأنزله بمقامه في طرُّش Torrox، وهي قرية تقع غربي المنكب على مقربة من البحر، فاستقر بها ينظم دعوته ويدبر خططه (2).
وكان يوسف بن عبد الرحمن الفهري أثناء ذلك في الشمال يعسكر بجيشه تحت أسوار سرقسطة، وقد استعصم بها عامر العبدري والحباب الزهري. فلما تم له الأمر بالاستيلاء على سرقسطة والقبض على الزعيمين الثائرين وإعدامهما علي نحو ما فصلنا، ارتد بجيشه صوب طليطلة. وبينا هو في الطريق على مقربة منها، إذ أتاه رسول أوفده على جناح السرعة ولده عبد الرحمن بن يوسف، الذي استخلفه على قرطبة، ومعه كتاب ينبؤه فيه بمقدم عبد الرحمن الأموي، وانتشار دعوته في جنوب الأندلس، فذعر يوسف، وذاع النبأ في الجيش، فسرى إليه الخلل، وتسللت العناصر الناقمة، ولم يبق منه سوى فلول يسيرة. فهرول يوسف في بقية جنده إلى طليطلة، ليبحث مع الصميل في خير الوسائل لرد هذا الخطر. وكانت الدعوة الأموية في ذلك الحين قد اجتاحت جنوبي الأندلس، والتف حول عبد الرحمن عدة من زعماء القبائل والجند، منهم تمام بن علقمة اللخمي (3)، وقد أخذ له بيعة جند فلسطين، ويوسف وبن بخت وقد أخذ له بيعة جند الأردن، وجدار بن عمرو المذحجي من زعماء ريُّه، وحسان بن مالك الكلبي من زعماء
_______
(1) وما تزال المنكب كما كانت ثغرا من ثغور الأندلس الجنوبية. وهي مدينة كبيرة بيضاء تقع على خليجين متجاورين كقوسين في البحر، وتحميها الجبال من الخلف. وربما كان موقعها الحصين من البر والبحر، هو الذي حدا بعبد الرحمن إلى اختيارها للنزول في شاطىء الأندلس. فضلا عن قربها لمركز دعوته.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 46؛ ونفح الطيب ج 2 ص 65؛ وأخبار مجموعة ص 76.
(3) لعله أخ لعبد الرحمن بن علقمة اللخمي والي أربونة، المعروف بفارس الأندلس الذي فصلنا أخباره فيما تقدم.
(1/152)

إشبيلية، وحشد أبو عثمان وعبد الله بن خالد حوله جموعاً كبيرة من الأموية وأهل الشام. وعاد يوسف والصميل إلى قرطبة ليدبروا الأمر معاً، وأشار الصميل على يوسف بمصانعة عبد الرحمن وملاطفته وإغرائه بمصاهرته، فأرسل إليه يوسف وهو ما يزال بطرُّش وفداً يعرض عليه أن يزوجه ابنته، ويقطعه كورة إلبيرة (غرناطة) أو كورة ريه أو يقطعه ما بينهما، وبعث إليه هدية وشيئاً من المال، وكتاباً طويلا يرغبه فيه بمحالفته. وينقل إلينا منه صاحب البيان المغرب هذه الفقرة: " أما بعد فقد انتهى إلينا نزولك بساحل المنكب، وتأبش من تأبش إليك، ونزع نحوك من السراق وأهل الختر والغدر، ونقض الأيمان المؤكدة التي كذبوا الله فيها وكذبونا، وبه جل وعلا نستعين عليهم. ولقد كانوا معنا في ذرى كنف ورفاهية عيش، حتى غمضوا ذلك، واستبدلوا بالأمن خوفا، وجنحوا إلى النقض، والله من ورائهم محيط. فإن كنت تريد المال وسعة الجناب. فأنا أولى بك ممن لجأت إليه، أكنفك وأصل رحمك، وأنزلك معي إن أردت أو بحيث تريد، ثم لك عهد الله وذمته بي، ألا أغدرك ولا أمكن منك ابن عمي صاحب إفريقية ولا غيره ... ". ولكن عبد الرحمن لم يخدع بوعود يوسف وعهده، فأبى عرضه ورد رسله، وكان يسمو بأطماعه إلى أبعد من ذلك وأرفع، وكان سلطان الأندلس كلها مطمح آماله (1). وكان قد آنس عندئذ ذيوع دعوته وقوة أنصاره، فسار في صحبه من طرّش إلى ريُّه، فبايعه عاملها عيسى بن مساور، ثم إلى شذونة فبايعه عاملها علقمة بن غياث اللخمي، ثم إلى إشبيليه، فبايعه كبيرها أبو الصباح بن يحيى اليحصبي زعيم اليمنية، وانضم إليه أثناء تجواله كثير من الأنصار والجند، واجتمع له في إشبيلية زهاء ثلاثة آلاف فارس، وذاعت دعوته في غربي الأندلس كله، وأقبلت إليه المتطوعة من كل صوب، من المضرية واليمنية وأهل الشام. ولما رأى أنه يستطيع البدء بمناجزة يوسف سار في قواته صوب قرطبة، وكان ذلك في فاتحة ذى الحجة سنة 138 هـ (أوائل سنة 756 م). وفي ذلك الحين كان يوسف والصميل قد حشدا جموعهما، ومعظمها من الفهرية والقيسية، وكان جند يوسف قد وهن، وتفرق معظمه خلال الفتن والغزوات المتوالية، وجاءت دعوة عبد الرحمن الأموي فزادته تفرقاً وضعفاً.
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 47؛ وأخبار مجموعة ص 79 و80.
(1/153)

وخرج يوسف بقواته إلى المسارّة في ظاهر قرطبة من الغرب، على ضفة نهر الوادي الكبير، وكان عبد الرحمن قد أشرف بجيشه على ضفة النهر الجنوبية، في قرية مقابلة تسمى " بلَّة نوبة " (فليا نويفا Villanueva) (1) . وفرق النهر بين الجيشين مدى أيام ثلاثة، وفي اليوم الرابع وهو يوم الخميس تاسع ذى الحجة، هبط ماء النهر وانحسر في بعض المواضع، فتأهب الفريقان للحرب، ولم تنجح محاولة يوسف في سبيل عقد الصلح، وصمم عبد الرحمن على القتال في اليوم التالي أعني يوم الجمعة، وكان يوم الأضحى، متيمنا في ذلك بذكرى موقعة مرج راهط الشهيرة، التي انتصر فيها جده مروان بن الحكم، على قوات عبد الله ابن الزبير، التي يقودها الضحاك بن قيس الفهري، وذلك في يوم الأضحى - وقد كان الجمعة أيضاً - سنة 64 هـ. وفي اليوم التالي دفع عبد الرحمن قواته لاقتحام النهر، وكان أول من اقتحمه منهم جند بني أمية، وكان يوسف يتفوق على خصومه بكثرة فرسانه، ولكن التفرق كان يسود جنده، وكانت جموع عبد الرحمن تضطرم على قلتها عزماً وحماسة، فنشبت بين الفريقين معركة عنيفة ولكن قصيرة، فلم يأت الضحى حتى مزقت خيل يوسف، وهزم جيشه هزيمة شديدة، ونهبت أسلابه، وقتل كثير من وجوه القيسية والفهرية (2). وفر يوسف صوب طليطلة، حيث كان ولده عبد الرحمن، وفر الصميل صوب جيان. ودخل عبد الرحمن الأموي وصحبه قرطبة دون معارضة، وحمل جنده ما استطاع على الاعتدال والقناعة، وحمى أسر خصومه وحريمهم وأموالهم من العيث، وصلى الجمعة في الجامع، ثم نزل بالقصر، وبويع في الحال بالإمارة، وذلك في العاشر من ذى الحجة سنة 138هـ (13 مايو سنة 756 م) (3).
كان يوم المسارّة بالنسبة لعبد الرحمن فاتحة الظفر لا غايته، فقد استطاع بعد أحداث وخطوب جمة أن يجوز إلى الأندلس، وأن يفتتح عاصمتها، وأن ينتزع إمارتها لنفسه، ولكنه ظفر بعرش لم يتوطد سلطانه بعد. وكان ثمة بينه وبين مُلْك
_______
(1) ابن القوطية ص 26.
(2) ويبالغ البعض في تقدير عدد القتلى فيقدره بسبعين ألفا (ابن القوطية ص 27).
(3) يفرد صاحب أخبار مجموعة فصلا مسهبا لهذه الموقعة، وكيفية تقسيم الجيشين المتحاربين وأسماء القادة في كل منها (ص 86 - 90). وراجع أيضا ابن القوطية ص 26 - 28؛ ونفح الطيب ج 2 ص 65 و66؛ والبيان المغرب ج 2 ص 48 و49.
(1/154)

الأندلس الحقيقي مراحل بعيدة، وكان ملك الأندلس قد غدا منذ انحلال الخلافة الأموية، كما رأينا، نهباً مشاعاً يتنازعه الزعماء والمتغلبون، وكانت الفتن المتوالية قد عصفت بالسلطة العليا، واقتصت من أطرافها، واستقل الزعماء الأقوياء بكثير من النواحي، وقضى يوسف الفهري معظم ولايته في إخماد الفتنة، واستخلاص الرياسة، ولكنه لم يوفق إلى إخماد كل عناصر النزاع والخروج. فلما ظهر الفتى الأموي في الميدان، كان صرح الأندلس يهتز فوق دعائمه الواهنة، وكان توطيده يتطلب كثيراً من العزم والعمل القوي.
وكان يوم المسارّة حاسما في مصاير الأندلس، وكان فاتحة عهد جديد في تاريخها. ولكن المهمة كانت فادحة، والمعركة شاقة مشعبة النواحي. وكما أن يوم المسارة كان فاتحة الظفر، فقد كان فاتحة الكفاح أيضا. ذلك أن الأندلس كانت يومئذ بسيطاً من الفتن المتأججة، وكانت الثورة تجثم في كل ناحية، وانحلت عري العصبية القديمة الشاملة، وانتثرت فرقا وشيعا صغيرة، فلم تبق الخصومة قاصرة على المضرية واليمنية فقط، ولكن غدت كل قبيلة وكل بطن تلتف حول زعامتها ومصالحها الخاصة. وكانت هذه القوى المنتثرة المستقلة برأيها وهواها، تتمسك باستقلالها المحلي، وتأبى الخضوع لأية سلطة عامة. وكان عبد الرحمن يرمي إلى إحياء دولة الإسلام في الأندلس موحدة متماسكة، كما كانت قبل أن تمزقها الحرب الأهلية، فكانت المعركة في الواقع معركة الدولة والإمارات المستقلة، ومعركة السلطة المركزية والإقطاع المحلي: معركة الرياسة الشاملة، والعصبية المتناثرة. وكان البربر عنصراً قوياً في الفتنة، يحتفظون دائماً ببغضهم القديم للعرب، ويحرصون على ما انتزعوه منهم خلال الفتنة من النواحي والضياع. ثم كان هنالك ما هو أشد خطراً على دولة الإسلام في الأندلس، ونعني اسبانيا النصرانية التي استطاعت أن تخرج سراعاً من غمر الهزيمة والفوضى، وأن تنتظم إلى مملكة جديدة في الشمال، وكذلك مملكة الفرنج القوية التي استطاعت أثناء الفتنة أن تنتزع الأراضي الإسلامية فيما وراء البرنيه. وكان نصارى الشمال والفرنج يتربصون يومئذ بالأندلس، ويرون في تفرقها وضعفها فرصة صالحة للعمل، ويتصلون بكثير من الزعماء والخوارج، ويمدونهم بالنصح والعون، ويتخذونهم وسائل لتحقيق مشاريعهم في تمزيق الأندلس وانتزاع أطرافها.
(1/155)

كان عبد الرحمن غداة ظفره الأول، يواجه هذه الخطوب والأخطار كلها، وكان عليه أن يقارعها جميعاً، لكي يغنم رياسة الأندلس القوية المتحدة. ولكن ذلك الأمير الفتى الذي لم يكن يجاوز السادسة والعشرين يوم ظفره، كان رجل الموقف، قد شحذت من عزمه الخطوب والمحن، وأعدته لحياة النضال والمغامرة. فقضى بقية عمره - اثنين وثلاثين عاما - في كفاح مستمر، لا ينتهي من معركة إلا ليخوض أخرى، ولا يقمع ثورة إلا تليها ثورة، ولا يسحق خارجاً إلا ليعقبه خارج، ولم تبق بالأندلس ناحية أو مدينة إلا ثارت عليه، ولا قبيلة إلا نازعته في الرياسة، ولم تبق قوة خفية أو ظاهرة إلا عملت لسحقه. فكانت الأندلس طوال عهده بركاناً يتأجج بضرام الحرب والثورة والمؤامرة. ولكنه صمد لتلك الخطوب كلها، واستطاع بكثير من الذكاء والإقدام والعزم والجلد، أن يغالب تلك الأخطار والقوى، وأن يقبض على مصاير الأندلس بيده القوية، وأن يحيى سلطان أسرته المندثر، في ذلك القطر النائي، ليستقر ويزدهر أكثر من قرنين. وكان تفرق خصومه أهم عامل في ظفره، فلم تك ثمة زعامة شاملة بعد يوسف والصميل، يجتمع الخصوم حولها، وكانت القوى الخصيمة منتثرة في النواحي والمدن، تعمل كل بمفردها حول زعيمها المحلي، وكانت فوق ذلك يعارض بعضها بعضاً في معظم الأحيان، وقد استطاع عبد الرحمن أن يقدر هذا الظرف وأن يستغله، فعمد إلى لقاء معارضيه في الميدان فرادى، واستطاع أن يخمد ثوراتهم، وأن يحطم قواهم بالتعاقب، وهو في كل مرة يزداد قوة ومنعة، ويزداد خصومه ضعفاً وتفرقاً، حتى قضى عليهم جميعاً.
(1/156)

الفصل الثالث
ولاية عبد الرحمن الداخل
- 1 -
بدء المعارك الداخلية. القتال بين يوسف والصميل وبين عبد الرحمن. إذعانهما إلى طلب الصلح وعودهما إلى قرطبة. فرار يوسف وسجن الصميل. يوسف يستأنف الحرب. هزيمته وفراره. مصرعه في طليطلة ومقتل ولده عبد الرحمن. فرار ولده محمد إلى طليطلة. هزيمته وأسره. مصرع الصميل. تأملات عن يوسف والصميل. ثورة القاسم بن يوسف في الجزيرة الخضراء. استيلاؤه على إشبيلية. مهاجمة عبد الرحمن لإشبيلية. هزيمة القاسم وأسره. ثورة عبد الغافر اليمني في إشبيلية وإخمادها. استئنافها على يد حيوة بن ملامس. عبد الرحمن يقاتله ويهزمه. ثورة هشام بن عزرة الفهري بطليطلة وامتناعه بها. ظهور العلاء بن مغيث واضطرام الثورة في باجة. شهر الدعوة العباسية واتساع نطاق الثورة. مسير عبد الرحمن لمقاتلة العلاء وحلفائه. لقاؤهما في قرمونة. هزيمة الثوار ومصرعهم. إرسال رؤوسهم إلى إفريقية ومكة. استئناف حصار طليطلة. تسليمها ومصرع زعمائها. ثورة المطري بلبلة. هزيمته ومقتله. ثورة أبي الصباح في إشبيلية. إستدراجه إلى قرطبة ومقتله. ظهور الفاطمي البربري ودعوته. ثورته في غرب الأندلس. هزيمته لقوات عبد الرحمن. مسير عبد الرحمن لقتاله. التجاؤه إلى الجبال. خطة عبد الرحمن لتفريق جموعه. عود الثورة إلى إشبيلية ولبلة. مسير عبد الرحمن لقتال الثوار. تفرق الثوار وهزيمتهم. عود عبد الرحمن لقتال الفاطمي. التجاؤه إلى شنت برية. اغتياله وانهيار دعوته.
وكان أول ما عنى به عبد الرحمن من أدوار ذلك النضال بعد يوم المسارة، هو أن يتعقب يوسف والصميل أقوى خصومه وأخطرهم. وكان يوسف قد فر عقب الموقعة صوب طليطلة، وفر الصميل إلى جيان معقل قومه. وحشد يوسف في طليطلة ونواحيها ما استطاع من أنصاره، بمعاونة عامله عليها هشام بن عزرة الفهري، ووافاه الصميل بمن حشد من المضرية. ثم سارا في قواتهما إلى جيان ثم إلى إلبيرة (غرناطة)، واجتمع أهل هذه الأنحاء حول يوسف، ونزل يوسف بإلبيرة يتأهب لمحاربة عبد الرحمن. ولكنه ما كان يستقر في إلبيرة، حتى بادر عبد الرحمن بالسير إليه، وترك حماية قرطبة لحليفه وقائده أبى عثمان. ولما علم يوسف مسيره إليه، بعث ابنه عبد الرحمن في بعض قواته إلى قرطبة، فاقتحمها وأسر أبا عثمان ونفراً من أهل عبد الرحمن وحريمه، ثم غادرها في الحال خشية
(1/157)

المفاجأة. ولكن عبد الرحمن الأموي لم يلو في طريقه على شىء، وقصد إلى إلبيرة توا، وحاصر يوسف والصميل. فلما شعرا بأن المقاومة عبث، فاوضاه في الصلح والتسليم بالأمر له، ونبذ كل دعوى في الولاية والسلطة، على أن يؤمنهما في النفس والمال والأهل، وأن يُؤمن حلفاؤهم وأصدقاؤهم جميعاً، وأن يُسمح لهما بسكنى قرطبة تحت رعايته ورقابته، فأجابهما عبد الرحمن إلى الصلح على ذلك، وعلى أن يقدم يوسف ولديه عبد الرحمن ومحمداً أبا الأسود رهينة لديه، يعتقلهما في قصر قرطبة برفق وإكرام، حتى تطمئن النفوس وتستقر الأمور، وتم عقد الصلح بين الفريقين في صفر سنة 139هـ، وأفرج عن أبي عثمان وباقي الأسرى الذين أسرهم ولد يوسف، وتصافى الفريقان، وقفل يوسف والصميل مع عبد الرحمن إلى قرطبة، وانفض جندهما (1). ونزل يوسف بشرقي قرطبة في قصر الحر الثقفي أحد الولاة السابقين، ونزل الصميل بداره بالربض (الضاحية)، وأبدى عبد الرحمن نحوهما عطفاً وليناً، وهو مع ذلك يشدد عليهما الرقابة، ويحرص على تجريدهما من كل سلطة وقوة. وكان في قرطبة فل من عصبة يوسف وأنصاره السابقين، الذين نالوا على يديه جاها وحظوة، يتطلعون إلى العهد السابق، ويلومون يوسف على تسليمه واستكانته، ويحرضونه على استعادة مركزه وسلطانه، وكان يوسف من جهة أخرى يشعر أنه في شبه اعتقال، وأن عبد الرحمن يضيق الخناق عليه، ويؤلب عليه صنائعه، ينازعونه في أملاكه وأمواله لدى القضاء، والقضاء يميل إلى غبنه وإعناته، حتى ذهب معظم أملاكه، وهو يشعر أن عبد الرحمن من وراء ذلك الاضطهاد (2). عندئذ عول على الفرار، وكاتب أنصاره في ماردة وطليطلة، ثم فر إلى ماردة، وكان بها معظم أهله وأصهاره (سنة 141هـ)، وهناك حشد أنصاره من العرب والبربر، حتى اجتمع له زهاء عشرين ألفاً، وتخلف الصميل ولم ويوافقه، فقبض عليه عبد الرحمن وألقاه في غيابة السجن بتهمة التحريض والتآمر. وبينا كان عبد الرحمن يحشد جنوده، سار يوسف بقواته إلى إشبيلية، وعليها عبد الملك بن عمر بن مروان المعروف بالمرواني، فحاصره في إشبيلية حتى أتاه ولده عبد الله بالمدد، ثم وقعت بينهما معارك شديدة
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 66؛ وأخبار مجموعة ص 93 و94؛ والبيان المغرب ج 2 ص 50.
(2) المقري عن ابن حيان (نفح الطيب ج 2 ص 66)، وأخبار مجموعة ص 95.
(1/158)

قتل فيها كثير من الفريقين، وارتد يوسف منهزما بفلوله. وكان عبد الرحمن الأموي يرابط عندئذ بقواته في حصن المدوّر، الواقع على مقربة من غربي قرطبة، على نهر الوادي الكبير، فوافته الأخبار بهزيمة يوسف وفراره، فتوقف عن مطاردته، وسار يوسف إلى طليطلة، ولبث يتردد في أنحائها مدى أشهر، وهو يحاول أن ينظم قواته مرة أخرى، ولكن بعض الخونة من أنصاره أو مواليه ائتمروا به، واغتالوه ذات يوم على مقربة من طليطلة، وحملوا رأسه إلى عبد الرحمن في قرطبة (سنة 142هـ). والظاهر أن هذه الجريمة لم تكن بعيدة عن وحي عبد الرحمن. وانتهت بذلك حياة يوسف الحافلة المضطربة، وأمن عبد الرحمن شره وخطره، وقتل ابنه عبد الرحمن المعتقل لديه، ورفع رأسيهما فوق الرماح أمام القصر ليلقي الرعب في قلوب الخوارج والمخالفين (1). أما ولد يوسف الآخر وهو محمد أبو الأسود، فقد استطاع أن يفر من سجنه، وقصد تواً إلى طليطلة معقل عصبة أبيه وتحصن بها، فبعث عبد الرحمن في أثره جيشاً بقيادة تمام بن علقمة وعينه والياً لطليطلة، فحاصرها حتى سلمت، وأسر محمد بن يوسف ثانية وجىء به إلى قرطبة، واستولت جنود عبد الرحمن على طليطلة (ذى الحجة سنة 142)، وسحق بذلك وكر الثورة الفهرية. وزج محمد إلى السجن ثانية وادعى العمى حتى استطاع الفرار بعد محنة طويلة، وعاد يرفع علم الثورة كما سيأتي. واستطاع أخوه الأصغر القاسم بن يوسف أن يفر من طليطلة متنكراً قبل سقوطها. وأما الصميل، فلبث يرسف في سجنه مدى أسابيع أخرى حتى دس عليه عبد الرحمن من قتله داخل السجن خنقا (أواخر سنة 142هـ) (2).
وهكذا انتهت بذهاب يوسف والصميل مرحلة خطيرة من الإضطراب والقلاقل. كان يوسف شخصية قوية وزعيما ممتازاً، وقد استطاع أن يحكم الأندلس زهاء عشرة أعوام في ظروف عصيبة، وأن يسهر على وحدتها وسلامتها بقوة
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 51؛ وأخبار مجموعة ص 100. ولكن كوندي يورد عن مصرع عبد الرحمن بن يوسف رواية أخرى هي أنه كان عند مقتل أبيه حرا طليقا، وقتل في معركة دموية نشبت بينه وبين جنود تمام بن علقمة والي طليطلة ( Conde: ibid, V.I.p. 174) وهي رواية ظاهرة الضعف.
(2) نفح الطيب ج 2 ص 67؛ وابن الأبار في الحلة السيراء ص 50؛ والبيان المغرب ج 2 ص 51، وأخبار مجموعة ص 101.
(1/159)

وذكاء، وأن يدرأ عنها خطر نصارى الشمال والفرنج، ولما فقد يوسف رياسة الأندلس في يوم المسارة، لبث مع ذلك أخطر قوة تهدد طالع عبد الرحمن الأموي وسلطانه، ولبث روح الثورة والمعارضة مدى أعوام أخرى. وكان الصميل زعيما قوى العصبية، نافذ الرأي والكلمة، وافر الدهاء والمكر، يخشى بأسه ووحيه. فكان ذهابهما من الميدان فوزاً لعبد الرحمن، وخطوة كبيرة في سبيل استقرار رياسته وتوطدها.
وقطع عبد الرحمن أعوامه التالية في كفاح مستمر، يتلقى وثبات الخوارج عليه من كل صوب. وكان أول الخوارج عليه بعد مصرع يوسف والصميل، القاسم ابن يوسف وحليفه رزق بن النعمان الغساني. وكان القاسم حينما فر من طليطلة كما قدمنا، قد سار إلى الجزيرة الخضراء، والتجأ إلى شيخها رزق بن النعمان صديق أبيه، وحشد حوله جمعاً من الأنصار والمرتزقة، واستولى بمعونة حليفه على شذونة، ثم سارا في قواتهما إلى إشبيلية، ولم تكن بها قوة تدافع عنها، فاستوليا عليها دون مشقة، فبادر عبد الرحمن الأموي في قواته إلى إشبيلية، ونشبت بينه وبين الخوارج معركة عنيفة، قتل فيها رزق بن النعمان ومزق جنده، ودخل عبد الرحمن إشبيلية ضافراً، وذلك في أواخر سنة 143هـ. أما القاسم فالتجأ بقواته إلى شذونة، وبعث عبد الرحمن في أثره تماماً والي طليطلة، فطارده حتى أسره ومزق قواته (1).
ولبث عبد الرحمن بإشبيلية بضعة أشهر، ولكنه ما كاد يغادرها إلى قرطبة حتى نشبت فيها ثورة أخرى، بقيادة عبد الغافر اليماني زعيم اليمانية، واستولى عبد الغافر على ما جاور قرطبة من الأنحاء، وكثرت جموعه ولا سيما من البربر، وأصبح يهدد قرطبة. فخرج عبد الرحمن لقتاله، والتقيا بوادي قيس على مقربة من قرطبة، فاستمال عبد الرحمن حلفاء عبد الغافر من البربر وانفض عنه جندهم، واقتتل الفريقان فهزم عبد الغافر هزيمة شديدة، وفر إلى لَقَنت، وطارد عبد الرحمن جنده حتى قتل منهم ألوفاً عديدة (سنة 144 هـ).
ورفع لواء الثورة من بعده في إشبيلية أيضاً، حيوة بن ملامس الحضرمي
_______
(1) Conde: ibid., V.I.p. 178 , وأخبار مجموعة ص 101.
(1/160)

كبير زعمائها، وتغلب على إشبيلية وإستجة وكثير من نواحي الغرب (1)، والتف حوله أهل هذه الأنحاء واستفحل أمره. فسار إليه عبد الرحمن، ونشبت بينهما معارك عنيفة مدى أيام، ودافع الثوار عن أنفسهم بمنتهى البسالة، حتى كادت الدائرة تدور على عبد الرحمن، ولكن التفرق دب أخيراً إلى صفوف الثوار، ولحقهم الإعياء والملل، فوقعت عليهم الهزيمة، وفر زعيمهم حيوة، وكتب إلى عبد الرحمن يلتمس منه العفو والأمان (سنة 144هـ - 761م) (2).
وعلى أثر ذلك نشبت الثورة في طليطلة. وكان عبد الرحمن قد اختار لولايتها تمام بن علقمة، ثم عينه لحجابته فكان أول حجابه، وخلفه في ولاية طليطلة حبيب بن عبد الملك. وكانت المدينة ما تزال تضطرم بعناصر الثورة وفيها كثير من أنصار الفهرية، فلم يلبث أن قام زعيمهم هشام بن عزرة الفهري، ولد عزرة أمير الأندلس السابق، وأعلن الثورة واعتصم بالمدينة. فسار إليه عبد الرحمن وحاصره مدى أشهر، حتى اضطر إلى طلب الصلح، وقدم ولده رهينة بحسن طاعته، فأجابه عبد الرحمن إلى طلبه، وآثر أن يهادنه مؤقتاً. ولكنه ما كاد يصل إلى قرطبة حتى عاد هشام إلى الثورة، فارتد إليه عبد الرحمن ليعاقبه على نكثه، وحاصره ثانية وقتل ابنه، وأطلق رأسه بالمنجنيق داخل الأسوار، ولكنه لم يظفر بحمل الثاثر على التسليم، فعاد إلى قرطبة ليضاعف أهباته، بيد أنه لم يستطع أن يعود تواً إلى طليطلة، إذ نمى إليه عندئذ خبر حادث داهم الخطر يتطلب كل جهوده وقواه.
ذلك أن داعية من خصوم بني أمية هو العلاء بن مغيث اليحصبي (3)، وكان من وجوه باجة وله بها رياسة وعصبة، كاتب أبا جعفر المنصور، واتصل برسله
_______
(1) كورة " الغرب " كانت تقع غربي إشبيلية، حتى جنوبي البرتغال ما بين لبلة وولبة والمحيط، وقد حرفت في الإفرنجية إلى كلمة Algarve.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 53، والمقري ج 2 ص 73. ويذكر كوندي أن حيوة بن ملامس كان بالعكس صديقا حميما لعبد الرحمن، وبالغ في الاحتفاء به يوم نزوله بإشبيلية، وأنه توفي بعد ذلك بقليل فرثاه عبد الرحمن بأبيات مؤثرة ( Conde: ibid, V.I.p. 179) , ولكن كوندي يخلط هنا في الوقائع. والحقيقة أن حيوة بن ملامس كان من أصدقاء عبد الرحمن لأول مقدمه وكانت له لديه منزلة، وينقل إلينا ابن الأبار بيتين ينسب قولهما إلى عبد الرحمن في امتداح حيوة وجوده ووفائه (الحلة السيراء ص 33 و34). ولكنه غدا بعد من ألد خصومه ومنافسيه. وله أخبار أخرى ستجىء.
(3) وقيل الحضرمي (أخبار مجموعة ص 107). والجذامي (البيان المغرب ج 2 ص 53).
(1/161)

في إفريقية، واستصدر منه سجلا بولايته للأندلس، ثم ارتد إلى الأندلس، وعاد إلى باجة في قوة كبيرة، ودعا لبني العباس، ورفع العلم الأسود، وأعلن أنه قد عين أميرا للأندلس من قبل المنصور (1) (سنة 146هـ). وكان الخليفة العباسي يحاول بهذه الدعوة، أن يحطم مشاريع بني أمية فيما وراء البحر، وأن يبسط سلطانه الإسمي على الأندلس. وقد رأينا أن عبد الرحمن بن حبيب المتغلب على إفريقية، دعا لبني العباس حينما انهار سلطان بني أمية، وكاتب الخليفة العباسي فأقره على حكم إفريقية، فكانت إفريقية تابعة لبني العباس من الوجهة النظرية، وهكذا كان شأن العلاء بن مغيث، فقد رأى أن يستظل في ثورته بالدعوة العباسية، لكي يسبغ عليها لونا من الشرعية، ولم يكن للخليفة العباسي اعتراض على محاولة لا يتحمل تبعتها من الوجهة المادية، وإن كان يعضدها من الناحية المعنوية، وقد أرسل بالفعل سجلا إلى الثائر بما طلب. وكان بعض الزعماء الخوارج على يوسف ابن عبد الرحمن، قد استظلوا بالدعوة العباسية كما قدمنا. وسنرى كيف يشهر الخوارج على عبد الرحمن الأموي هذه الدعوة في حوادث وخطوب أخرى (2).
واضطرمت باجة وما حولها بنار الثورة، وهرعت القبائل والأحزاب المختلفة إلى الانضواء تحت اللواء الأسود، ولاسيما الفهرية واليمنية وجند مصر، واستفحل أمر العلاء وكثر جمعه، وانضم إليه أمية بن قطن وأصحابه. وأعلن غياث ابن علقمة الثورة في شذونة محالفا للعلاء. فخرج عبد الرحمن من قرطبة في جميع قواته، وبعث بدرا مولاه في بعضها إلى شذونة، فحاصرها حتى أذعن غياث لطلب الصلح. وسار عبد الرحمن إلى قرمونة ما بين قرطبة وإشبيلية نظرا لمناعتها، واتخذ موقف الدفاع، فسار إليه العلاء في جموعه، وهاجم قرمونة مرارا، وحاصرها مدى أسابيع حتى وهنت قوى جنده، وعندئذ انقلب عبد الرحمن من الدفاع إلى الهجوم، وداهم العلاء في صفوة جنده، ونشبت بين الفريقين معارك شديدة مدى أيام، حتى هزم العلاء ومزق جيشه، وقتل منهم آلاف عديدة، وكان العلاء نفسه بين القتلى؛ وأسر ابن قطن. وجمع عبد الرحمن رؤوس الزعماء والقادة من خصومه ورقمها بأسمائهم. وحملها بعض رسله إلى القيروان، فألقيت في أسواقها سرا، وأثارت هناك دهشة وارتياعا، ووضعت رأس العلاء في سفط،
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 54.
(2) راجع ابن القوطية ص 32؛ وابن الأثير ج 5 ص 213؛ وابن خلدون ج 4 ص 122.
(1/162)

ومعها اللواء الأسود وسجل المنصور للعلاء، وحمله بعض التجار الثقاة إلى مكة، حيث كان المنصور يؤدي فريضة الحج في العام التالي (سنة 147 هـ). وألقي أمام سرادق المنصور، وحمل إليه فارتاع لرؤيته، وقال ما معناه: " ما في هذا الشيطان مطمح، فالحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر " (1).
ْوهكذا استطاع عبد الرحمن أن يسحق هذه الدعوة الخطرة، وكان أخطر ما فيها أنها لم تكن دعوة حزب أو قبيلة، وإنما كانت دعوة عامة تدعمها الصبغة الشرعية، ولم يك أصلح منها لجمع خصوم عبد الرحمن من سائر الأحزاب والقبائل تحت لواء واحد (2). ولما عاد عبد الرحمن إلى قرطبة كانت الثورة التي يثير ضرامها هشام الفهري في طليطلة، قد استفحلت واتسع نطاقها. فأرسل عبد الرحمن قائديه بدراً وتمام بن علقمة في جيش كبير إلى طليطلة، فطوقها وشدد الحصار عليها حتى ضاق أهلها ذرعاً، واضطروا إلى طلب الصلح، على أن يسلموا الزعماء الثائرين، وقبضوا على هشام وعدة من أصحابه، فأخذوا إلى قرطبة مصفدين معذبين، ثم صلبوا بأمر عبد الرحمن، وتم بذلك سحق الثورة في طليطلة إلى حين (سنة 147 هـ - 764 م).
وفي أوائل سنة 149 هـ - 766 م، خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بمدينة لَبْلة، مطالباً بثأر اليمانية الذين قتلوا مع العلاء، فهرعت إليه اليمانية وقوى جمعه. ثم سار إلى إشبيلية فاستولى عليها، وارتد عنها واليها عبد الملك بن عمر المرواني لقلة جنده، ولبث ينتظر المدد. وكانت إشبيلية مطمح كل ثائر لقربها من قرطبة، ولأنها لبثت مدى أعوام من أهم مراكز الثورة في الأندلس. وخرج في الوقت نفسه غياث بن علقمة اللخمي بمدينة شذونة ناكثاً لعهده. فسار عبد الرحمن أولا إلى إشبيلية، وانقلب المطري إلى قلعة رعواق القريبة وامتنع بها، فحاصره عبد الرحمن وقطع علائقه مع بقية أنصاره، فلما ضاق الثائر بالحصار ذرعا، حاول الخروج ليشق له طريقاً بين الجيش المحاصر، ووقعت بين الفريقين معركة شديدة قتل فيها المطري، وارتدت فلوله إلى القلعة، وقدموا عليهم خليفة بن مروان،
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 54؛ والمقري ج 1 ص 156 وج 2 ص 67؛ وأخبار مجموعة ص 102 و103؛ وابن القوطية ص 33.
(2) Dozy: Hist, V.I.p. 234
(1/163)

فاستمر عبد الرحمن في محاصرة الخوارج، حتى أذعنوا لطلب الصلح، وسلموا اليه قائدهم فقتله، واستولى على القلعة وهدمها، ثم سار إلى شذونة فحاصرها حتى أذعن أهلها لطلب الأمان.
وفي العام التالي عادت الثورة فاضطرمت في إشبيلية، ومدبرها وزعيمها في تلك المرة أبو الصباح بن يحيى اليحصبي، صديق عبد الرحمن وحليفه، وكان أبو الصباح زعيم اليمنية في إشبيلية يوم قدوم عبد الرحمن إلى الأندلس، فكان في طليعة من هرعوا يومئذ لتأييده ونصرته، وقاتل معه يوم المسارة، وغدا إلى جانب أبى عثمان وعبد الله بن خالد، من خاصة أعوانه وأركان دولته. ولكن عبد الرحمن كان يحقد عليه ويتوجس منه، لحديث نقل عنه يوم المسارة بوجوب التخلص من عبد الرحمن بعد التخلص من يوسف الفهري ورد الأمر إلى اليمنية (1). وكان عبد الرحمن قد ولاه إشبيلية، ثم عزله عنها لما ظهر من عجزه عن قمع الفتنة، فغضب أبو الصباح وأظهر الخلاف، واجتمع إليه أنصاره، ورأى عبد الرحمن أن يأخذه بالحيلة والملاطفة، فبعث إليه تمام بن علقمة يدعوه إلى قرطبة للتفاهم، ويبذل له ما شاء من الوعود، فسار أبو الصباح إلى قرطبة في أربعمائة من رجاله، واستقبله عبد الرحمن بالقصر، وعاتبه على ما كان منه، فأغلظ أبو الصباح في الجواب، ولامه على النكث بوعوده له، فأمر الفتيان بقتله، فقتل طعناً بالخناجر وانفض جمعه (سنة 150هـ).
ولم يمض قليل على ذلك حتى نشبت فتنة خطيرة من نوع جديد، شغلت عبد الرحمن مدى الأعوام التالية، وكان نشوبها في شمال شرقي الأندلس بين البربر، وزعيمها ومثير ضرامها، داعية بربري خطر يدعى شقنا أو شقيا بن عبد الواحد، وأصله من بربر مكناسة، وكان فقيها يعلم الصبيان، فزعم ذات يوم أنه سليل النبي ومن ولد فاطمة والحسين، وتسمى بعبد الله بن محمد. فذاعت دعوته بين البربر في تلك المنطقة، وكانوا أكثرية بها. والخصومة بين العرب والبربر قديمة مؤثلة كما بينا، وقد كان البربر دائماً على قدم الأهبة للثورة ضد العرب. ولما آنس الدعي الفاطمي قوة جمعه، سار إلى شَنت بريّة (2). فاستولى عليها وجعلها مركزه
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 66؛ وابن القوطية ص 30.
(2) شنت برية وبالإسبانية Santaver من الكور الأندلسية القديمة التي اندثرت، وكان موقعها يشغل مقاطعة قونقة اليوم، وقاعدتها شنت برية تقع شرقي وادي الحجارة. وسميت كذلك عن اسمها القديم Santebria.
(1/164)

العام، ثم سار في جموعه غرباً واستولى على ماردة وقورية ومدلين، وعلى جميع المنطقة الواقعة حولها بين نهري التاجُه ووادي يانة، فقويت دعوته وعظم أمره، واشتد بغيه وعيثه في تلك الأنحاء، وأخذت العناصر المخالفة لعبد الرحمن من العرب في التحرك أيضاً. فعهد عبد الرحمن إلى والي طليطلة أن يقمع ثورة الدعي، فبعث إلى شنت برية جيشاً بقيادة سليمان بن عثمان، فخرج إليه الفاطمي في قواته، فهزمه هزيمة شديدة، وأسر قائده سليمان وقتله، وزاد هذا الظفر في سلطانه وبغيه. فسار إليه عبد الرحمن بنفسه في العام التالي (سنة 152هـ)، واقتحم منطقة الثورة، ونشبت بينه وبين البربر وقائع عديدة ثبت فيها البربر، وامتنع الثائر بالجبال، ولم يجد عبد الرحمن سبيلا إلى مطاردته. فارتد إلى قرطبة، وبعث إلى شنت برية مولاه بدراً ليتابع القتال، فاستمر الفاطمي ممتنعاً بصحبه في الجبال، محاذراً لقاء الجيش المهاجم. وعاد عبد الرحمن لقتاله بنفسه في العام التالي (سنة 154هـ)، وشدد في محاصرته ومطاردته، ولكنه لم يفلح أيضاً في حمله على مغادرة مواقعه، ثم بعث لقتاله في العام التالي مولاه عبيد الله بن عثمان، فخرج الفاطمي للقائه واستمال جنده البربر، وبث الخلاف إلى صفوفه، فانحل عسكره وأثخن فيه الفاطمي، ففر عبيد الله واستولى الثائر على معسكره وأسلاب جيشه، وقتل جماعة كبيرة من وجهاء جنده (سنة 155هـ) (1).
وهكذا فشلت الحملات المتوالية لإخماد الثورة في تلك المنطقة الوعرة، فعاد عبد الرحمن بجيش جديد إلى شنت برية، ولكنه لجأ عندئذ إلى وسيلة جديدة لتمزيق شمل الثوار، فاستقدم إليه كبير البربر في شرقي الأندلس واسمه هلال الميديوني، وأقره على ما بيده من الأنحاء، وأصدر له عهداً بولاية الأنحاء التي غلب عليها الفاطمي، وفوض إليه أمر استخلاصها منه، وكان لتلك الحيلة أثرها في بث الخلاف إلى صفوف البربر، فانفض عن الفاطمي كثير من أنصاره، واضطر أن ينسحب من شنت برية إلى الشمال ليعتصم بالجبال مرة أخرى، وبينا عبد الرحمن يجد في مطاردته ويقتحم معاقله وضياعه، وينكل بأنصاره حيثما وجدوا، إذ بلغه نشوب الثورة في إشبيلية ولبلة وباجة، وقوامها اليمنية من عصبة أبي الصباح
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 56 و57؛ وابن الأثير ج 5 ص 224؛ وابن خلدون ج 4 ص 123.
(1/165)

وأنصاره. وكان على رأس الثورة في إشبيلية زعيمها القديم حيوة بن ملامس الحضرمي، وفي باجة عبد الغافر اليحصبي، وفي لبلة عمر بن طالوت، وهما من أبناء عمومة أبي الصباح، وانضم إليهم كثير من البربر، فحشد الثلاثة جموعهم واعتزموا السير إلى قرطبة في غيبة عبد الرحمن، وكان قد استخلف عليها مولاه بدرا (1). فعاد عبد الرحمن إلى قرطبة مسرعاً، ثم غادرها تواً إلى لقاء الثوار، فالتقى بهم في وادي منبس على نهر "بمبيزار" أحد فروع الوادي الكبير، ونشبت بين الفريقين في المبدأ عدة معارك محلية. ثم لجأ عبد الرحمن إلى الحيلة والخديعة، فعهد إلى جماعة من وجهاء البربر من جنده، أن يتصلوا بزملائهم البربر من جند العدو، وأن يقنعوهم بخطأ تصرفهم في نصرة اليمنية، وأنه إذا تغلب عليه العرب، كانت العاقبة وبالا عليهم أيضاً، فانسل الرسل إلى معسكر العدو تحت جنح الظلام، وخاطبوا أبناء جنسهم بما تقدم، وأخذوا عليهم العهود والمواثيق. وفي اليوم التالي نشبت بين الفريقين موقعة عامة. فنكث البربر وتقاعدوا عن القتال، فهزم الثوار شر هزيمة، وكثر القتل في جموعهم حتى قتل منهم زهاء ثلاثين ألفا (2). وهلك معظم الزعماء الثائرين، وفر عبد الغافر وركب البحر إلى المشرق، وقرن عبد الرحمن ظفره باجراء دموي آخر، إذ قبض على ثلاثين من وجهاء إشبيلية ممن كانوا في جيشه وأمر بهم فأعدموا (سنة 157 - 158 هـ).
وفي العام التالي عاد عبد الرحمن إلى مطاردة الفاطمي، فالتجأ الثائر إلى الجبال كعادته، ولم يجد عبد الرحمن سبيلا إلى اللحاق به، فغزا قورية وأثخن في تلك الأنحاء، وكان أمر الفاطمي قد ضعف خلال هذه الأعوام وتضاءل جمعه، ولكنه لبث يسيطر على شنت برية وماردة، ولبثت دعوته خطرا يهدد سلام الأندلس. فوجه عبد الرحمن لقتاله في العام التالي حملة قوية أخرى بقيادة تمام ابن علقمة وعبيد الله بن عثمان، فلقيهما الفاطمي ووقعت بينهما معارك شديدة، رجحت فيها كفته، ثم التجأ إلى حصن شبطران بقرب شنت برية، فحاصره تمام وعبيد الله مدى أشهر، ولم يظفروا منه بطائل، فعادا إلى قرطبة، وخرج الفاطمي عل أثر عودهما إلى شنت برية، ونزل بقرية من أعمالها تسمى قرية العيون،
_______
(1) ويقول ابن الأثير إنه كان يستخلف عليها ولده سليمان (ج 6 ص 3).
(2) ابن القوطية ص 31 و32.
(1/166)

وهنالك ائتمر به اثنان من أصحابه هما أبو معن داود بن هلال وكنانة بن سعيد، وانقضا عليه ذات يوم وقتلاه، واحتزا رأسه وحملاها إلى عبد الرحمن في قرطبة، وبذلك انفضت جموعه، وخبت ثورته، بعد أن لبثت زهاء عشرة أعوام تحمل الدمار والسفك إلى شرقي الأندلس وغربيها، وتهدد سلطان عبد الرحمن بشر العواقب، وحققت الخيانة في لحظة واحدة ما لم تحققه الحملات والبعوث المتعاقبة في أعوام طويلة. ولعل هذه الضربة الناجعة لم تكن بعيدة عن أصبع عبد الرحمن أو وحيه، وقد كانت الخيانة والجريمة من بعض أسلحته في مقارعة خصومه، وكانتا تحققان له في بعض الأحيان من الظفر ما لا تحققه أى الوسائل. وكان مصرع الفاطمي وانتهاء ثورته سنة 160هـ (776 م) (1).
_______
(1) أخبار مجموعة ص 111؛ وابن الأثير ج 6 ص 17.
(1/167)

الفصل الرابع
موقعة رونسفال أو باب شزروا
الثورة في الشمال. تحالف ابن يقظان والي برشلونة والحسين الأنصاري والي سرقسطة. هزيمة جيش عبد الرحمن وأسر قائده. سعي ابن يقظان لدى ملك الفرنج واستدعاؤه لغزو اسبانيا. تلبية شارلمان للدعوة. اتصال الزعماء الخوارج بالفرنج. سياسة الفرنج في تشجيع الثورة في الأندلس. صلة الخلافة العباسية بهذه السياسة. الصراع بين الأندلس والفرنج. اللون الديني لهذا الصراع. أقوال الروايات اللاتينية في تأييد هذه الخاصة. مسير شارلمان إلى اسبانيا. اختراقه لنافار وحصاره لبنبلونة. مقاومة البشكنس. سقوط المدينة في يد الفرنج. مقدم سليمان وتسليمه للرهائن. زحف شارلمان على سرقسطة. مقدم بقية الجيش الفرنجي. تطور الحوادث. تحول الحسين وامتناعه بسرقسطة. فشل شارلمان في أخذها. اعتقاله لسليمان وارتداده. بواعث هذا الارتداد الفجائى. عود شارلمان إلى مهاجمة بنبلونة وتخريبها. بدء المسير للعود. عيشون ومطروح ولدا سليمان. تحالفهما مع الحسين الأنصاري. سيرهما في قواتهما في أثر الفرنج. مسير شارلمان إلى البرنيه. أبواب البرنيه. رونسفال أو باب شزروا. مفاجأة الجيش الفرنجي وفصل مؤخرته. من هم الذين هاجموه. المسلمون أم البشكنس. المسلمون هم الذين دبروا الهجوم. معاونة البشكنس. وصف الرواية اللاتينية للهجوم. تمزيق مؤخرة الجيش الفرنجي. مصرع الفرسان والسادة الفرنج. أنشودة رولان وبعدها عن التاريخ الحق. مكانتها في أدب الفروسة. لماذا لم ينتقم شارلمان لهزيمته. مقارنة بين الروايتين العربية واللاتينية.
في ذلك الحين كانت ثمة حوادث هامة أخرى تقع في شمال الأندلس. وقد تتبعنا ثورة الفاطمي والبربر إلى نهايتها حرصا على صلة الحديث. ونعود الآن بضع سنين إلى الوراء. ففي سنة 157 هـ (774 م) ثار سليمان بن يقظان الكلبي (أو الأعرابي) والي برشلونة (أو برشنونة) (1) وجيرونة (جيرندة)، والحسين ابن يحيى الأنصاري والي سرقسطة، وهو من ولد سعد بن عبادة، وتحالفا على قتال عبد الرحمن وخلعه. وكان استمرار الثورة في الجنوب، وانشغال عبد الرحمن الدائم بقمعها، وطبيعة الشمال الجبلية ومنعته، مما يذكي عوامل الثورة في الولايات الشمالية، ويشجع مشاريع الزعماء الخوارج. وكان عبد الرحمن يشتغل يومئذ بمقاتلة الفاطمي، فأرسل إلى الشمال جيشاً بقيادة ثعلبة بن عبيد الجذامي، فهزمه
_______
(1) وهو تعريب مطابق لأصلها اللاتيني Barcenona
(1/168)

سليمان وأسره وتفرق جيشه (158هـ - 775 م) (1). واستفحل أمر الثورة في الشمال، ولكن زعماء الثورة وعلى رأسهم سليمان بن يقظان لم يطمئنوا إلى ذلك النصر المؤقت لما يعلمونه من عزم عبد الرحمن وبأسه وروعة انتقامه، ففكروا في الاستنصار بملك الفرنج. وسار سليمان (وتسميه الرواية اللاتينية ابن الأعرابي) مع نفر من صحبه الخوارج، إلى لقاء شارلمان أو كارل الأكبر في ربيع سنة 777 م (160هـ)؛ وكان يومئذ يقيم بلاطه في مدينة بادربورن من أعمال وستفاليا (شمال غربي ألمانيا)، ويعقد الجمعية الكبرى، حيث كانت جموع السكسونيين المغلوبة تعمّد للنصرانية، بعد أن شتت شارلمان شملهم وفر زعيمهم فيدوكنت؛ فهنا وفد عليه سليمان وصحبه، وعرض عليه المحالفة على قتال عبد الرحمن، واقترح عليه غزو الولايات الأندلسية الشمالية، وتعهد بمعاونته، وبأن يسلمه المدن التي يحكمها هو وصحبه من قبل أمير قرطبة ولاسيما سرقسطة، وأخيراً بأن يسلمه أسيره القائد ثعلبة بن عبيد. وتضيف الرواية اللاتينية إلى ذلك أنه كان مع ابن الأعرابي ولد ليوسف الفهري حاكم الأندلس السابق جاء ومعه صهره ليسعيا كذلك إلى خلع عبد الرحمن، وتقول الرواية الإسبانية النصرانية، إن الذي دعا شارلمان إلى غزو اسبانيا هو ألفونسو أمير إمارة ليون النصرانية (جليقية). ولكن الروايتين العربية والفرنجية (اللاتينية) كلتاهما صريحة في أن الدعوة جاءت من سليمان بن يقظان (الأعرابي) وحلفائه. والرواية العربية تقول لنا بمنتهى الوضوح، إن سليمان استدعى قارله (كارل أو شارلمان) ملك الفرنج إلى بلاد المسلمين، ووعده بتسليم برشلونة أوسرقسطة (2). وتوافق الرواية اللاتينية على ذلك، وتزيد أن سليمان
_______
(1) ويقدم إلينا الرازي بعض تفاصيل عن ذلك. فيقول لنا إن سليمان بن يقظان الكلبي (وهو الأعرابي) كان من زعماء سرقسطة، فلما ولى الثغر بدر مولى عبد الرحمن الداخل نقله إلى قرطبة، فحرضه البعض عل القيام بثأر قومه اليمانية فخرج من قرطبة إلى سرقسطة ودخلها. وخرج لمحاربة ثعلبة بن عبيد سنة أربع وستين ومائة، ونزل مدينة طرسونة، ووالى حربه، واضطرب على باب سرقسطة بمعسكره، فافترس سليمان بن يقظان غفلته، وافتراق أهل الجيش، فهجم عليه وأسر ثعلبة بن عبيد، وبعث به إلى ملك الفرنج. وأهم مفارقة في رواية الرازي هو التاريخ المتأخر الذي يقدمه إلينا عن هذه الموقعة، وذلك حسبما يتضح بعد من سير الحوادث (وقد نقل إلينا هذه الرواية العذري في كتابه ترصيع الأخبار الذي سبقت الإشارة إليه ص 125).
(2) أخبار مجموعة ص 112 و113، وابن الأثير ج 6 ص 5 و21، وابن خلدون ج 4 ص 124.
(1/169)

وحلفاءه أعلنوا خضوعهم لملك الفرنج وانضواءهم تحت حمايته (1).
ولبى ملك الفرنج دعوة الثوار المسلمين ووافق على عروضهم. وبعث إليه سليمان بأسيره ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن، عنواناً للثقة والتحالف، فسجن في إحدى القلاع الفرنسية. وفي رواية أخرى أنه سلمه إليه عقب مقدمه إلى اسبانيا. وعلى أى حال فقد كان حصول هذا الأسير، وهو من خاصة عبد الرحمن وأكابر وزرائه في يد ملك الفرنج، ضربة لعبد الرحمن، ورهينة قيمة يمكن استغلالها. وكان سليمان زعيم أولئك الخوارج يعمل مستقلا لنفسه، ويرمي قبل كل شىء إلى تحطيم سيادة قرطبة، وإلى الاستقلال بما في يده تحت حماية ملك الفرنج. ولكن ملك الفرنج كانت له مشاريع أخرى. وكانت السياسة الفرنجية ترمي إلى تعضيد روح الثورة والخلاف في إسبانيا المسلمة، ولاسيما منذ انهارت سيادة الإسلام في جنوبي فرنسا وارتد المسلمون إلى ما وراء البرنيه. وبدأ تطبيق هذه السياسة منذ عهد ببين أبى شارلمان. وكان سليمان بن يقظان زعيم الثورة في الشمال يتصل بملك الفرنج منذ سنة 760 م، أعني منذ استيلائه على أربونة واتصال الحدود الفرنجية بحدود اسبانيا المسلمة، ويسعى بهذا التحالف إلى تأييد استقلاله. وهكذا بدأت العلاثق تنتظم بين الزعماء المسلمين، الخوارج على حكومة قرطبة، وبين الفرنج المتربصين بدولة الإسلام في الأندلس، فكان الزعماء الخوارج كلما حاولوا الثورة والاستقلال بحكم مدينة أو ولاية، اتجهوا إلى الفرنج يستمدون عونهم ومناصرتهم، وكان الفرنج يسارعون إلى تلبية هذه الدعوات، ويتخذونها ذريعة للتدخل في شئون اسبانيا المسلمة، وإذكاء روح التفرق فيها، وسنرى كيف استطاع ملوك الفرنج تنفيذ هذه السياسة في فرص عديدة متعاقبة. والظاهر أن الخلافة العباسية في المشرق لم تكن بعيدة عن تأييد هذه السياسة في المغرب، والتوصل بذلك إلى مناوأة بني أمية الذين استطاعوا أن ينتزعوا هذا القطر النائي من أقطار الخلافة، ويقيموا فيه دولتهم الذاهبة على دعائم جديدة، فإن الرواية الفرنجية تحدثنا عن
_______
(1) تراجع أقوال الرواية اللاتينية في مؤلف العلامة الأستاذ بيدال: Ramon Menendez Pidal: La Chanson de Roland y el Neotradicionalismo (Espana - Calpe, Madrid 1959) p. 179-180. وهو مؤلف ضخم جامع، وأحدث ما أخرجه العلامة الإسباني، وهو يتناول حوادث موقعة باب الشزري بإفاضة شافية وتحليل ممتع. وراجع أيضا موسوعة بوكيه Bouquet. Vol.V.p. 14, 40 & 142 وكذلك Reinaud: Invasions des Sarrazins, en France, p. 94
(1/170)

علائق المنصور وببين وتقول لنا، إن ببين بعث في سنة 765 م سفارة إلى بغداد، ورد المنصور بإرسال سفراء إلى ملك الفرنج وفدوا عليه بعد ذلك بثلاثة أعوام، وقضوا حينا في البلاط الفرنجي في مدينة متز (1). وسار شارلمان ولد ببين على سياسة أبيه، فكان بينه وبين الرشيد فيما بعد تلك المكاتبات والسفارات الشهيرة التي فصلتها الرواية الفرنجية أيضاً، والتي نعود إليها في مقامها المناسب. وسنرى فيما بعد، أنه في الوقت الذي كان فيه يعقد هذا التحالف بين ثوار الشمال وبين ملك الفرنج، كانت ثمة محاولات تبذل لنشر الدعوة العباسية في الأندلس حيث نزل عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي في تدمير يدعو للخلافة العباسية على نحو ما نفصل بعد.
وكانت إسبانيا المسلمة تجوز إزاء هذا الخطر الأجنبي الذي يتربص بها ظرفا من أدق ظروفها، فقد كانت مصايرها تهتز في يد القدر، وكان الإسلام يجوز فيها معركة الحياة والموت، بعد أن كان قبل ذلك بحقبة يسيرة يتدفق إلى ما وراء البرنيه بقوة، ويسود معظم أنحاء فرنسا الجنوبية. وكانت مملكة الفرنج بالعكس قد توطدت دعائمها، وانتزعت من الإسلام كل معاقله في فرنسا، بعد أن لبث مدى حين يزعجها ويهدد وجودها. وبينما اجتمعت كلمة الفرنج بزعامة الأسرة القارلية القوية، إذا بالإسلام في اسبانيا تعصف به ريح التفرق من كل صوب وتمزقه شر ممزق، وإذا بالأندلس تغدو بركانا من القلاقل والحروب الأهلية. وكان كارل الأكبر (شارلمان) مذ ولي العرش (سنة 768 م) يشغل عن التدخل في اسبانيا المسلمة، بمحاربة القبائل الوثنية السكسونية فيما وراء الرين ليرد خطر اعتدائها على مملكته، وليخضعها إلى سلطانه. وكانت غزوات الأسرة القارلية تتخذ فيما وراء الرّين منذ عهد كارل مارتل، جد كارل الأكبر، لوناً دينياً عميقاً كالذي تتخذه حروب الفرنج مع العرب في غاليس. ذلك أن حروب الفرنج فيما وراء الرين كانت تتخذ مظهر حماية النصرانية، من خطر الوثنية المتدفق من المشرق، وكانت حروبهم في غاليس تتخذ مظهر حماية النصرانية، من وثبات الإسلام المتدفق من الجنوب. وكانت الكنيسة روح هذه المعارك توحي بها وتذكيها، إلى جانب شهوة الظفر والفتح. فلما ظفر الفرنج برد تيار الإسلام إلى ما وراء البرنيه، واستولوا
_______
(1) Reinaud: ibid.p. 89 & 92.
(1/171)

على جميع ثغوره ومعاقله في فرنسا، وفترت تلك النزعة الدينية العميقة، التي جعلت غاليس مدى نصف قرن مسرحا لصراع العرب والفرنج، بقيت الأطماع والبواعث السياسية، تحفز الفرنج إلى قتال الإسلام ومطاردته، وانتزاع اسبانيا أو على الأقل ولاياتها وثغورها الشمالية من قبضته، لتكون معقلا لدرء فورانه ووثباته من الجنوب.
وتشير الروايات اللاتينية إلى غايات السياسة الفرنجية من التدخل في شئون اسبانيا المسلمة، وتحدثنا عن هذا المزج بين الغايات الدينية والدنيوية. فأما عن الناحية السياسية فإن إجنهارت مؤرخ شارلمان يقول لنا إن الحملة التي نظمها الملك الفرنجي إلى اسبانيا كان يقصد بها مهاجمة قرطبة. وإنه ليبدو من ضخامة الجيش الذي حشده شارلمان، أن الأمر لم يكن متعلقا فقط بالاستيلاء على المدن التي وعد سليمان بن يقظان بتسليمها، وأن شارلمان كان يرمي بالعكس إلى السيطرة على اسبانيا كلها، أو على الأقل نصفها الشمالي. ويقول لنا "أبَدَال " وهو مؤرخ حملة شارلمان الإسبانية، إن الأمر لم يكن متعلقا بغاية دينية قوامها تحطيم دولة " كافرة " ولكن الحملة كانت ترمي إلى غاية سياسية قوامها أن يوضع حد لأخطار الغزوات الإسلامية لفرنسا. ويرى الأستاذ بيدال أن شارلمان لم تكن له غاية دينية خالصة في أية حملة من حملاته، وأن الباعث كان دائماً سياسياً، ولكنه يبطن في ثنيته الغاية الدينية. ذلك لأن المشكل الوحيد لإخضاع شعب " كافر " هو حمله على اعتناق النصرانية، وهذا ما وقع بالنسبة لحملات شارلمان ضد " الأفار " (1)، وضد " السكسونيين ".
ومن ثم فقد كان مسير شارلمان إلى اسبانيا يبطن الغاية الدينية إلى جانب الغاية السياسية، وهذا ما تؤيده الرواية اللاتينية Anales Mettenses، التي كتبت في حياة شارلمان، وفيها "أن كارلوس قد هزته شكاوى النصارى الإسبان الذين نكل بهم المسلمون فسار بجيشه إلى هنالك ". ويضيف الأستاذ بيدال إلى ذلك " انه وإن كان الإسلام يتسم حقا بالتسامح، إلا أن النصارى واليهود في اسبانيا كانوا يعانون ضغطا وإرهاقا في ظل الحكومة الإسلامية، ومن ثم فقد كان للنصارى المستعربين
_______
(1) الأفار أو الأفاريين Avars هم مجموعة من القبائل القوية كانت تسكن حوض نهر الدانوب الأوسط. وقد حطمهم شارلمان وانتهى الأمر بتنصيرهم (791 - 795 م).
(1/172)

أن يستقبلوا شارلمان كمحرر لهم ". وتؤيد هذه النزعة الدينية للحملة، روايات لاتينية كثيرة أخرى معاصرة ولاحقة. بيد أن أقطع دليل على روح الحملة الدينية هو أن شارلمان قد أبلغ البابا هادريان بأمرها قبل أن يضطلع بها، وأن البابا بارك عزيمته ووعده بإقامة الصلوات، لكى يعود ظافرا إلى مملكته (1).
وكان كارل حينما استدعاه الخوارج المسلمون لغزو اسبانيا، قد انتهى من الحرب في سكسونية، وهزم القبائل الوثنية الجرمانية، وأخضع زعيمها القوي " فيدوكنت " وألجأه إلى الفرار، فجاءت الدعوة إليه في وقت ملائم. وانتظر كارل حتى مضى الشتاء، ثم سار إلى الجنوب وقت أعياد الفصح في أكوتين على مقربة من بوردو. وفي فاتحة ربيع سنة 778 م، جمع قواته المؤلفة من فرنج نوستريا ومن الجرمان واللونبارد وفرق من بريتانيا وأكوتين، واخترق ولاية أكوتين، وقرر أن يفتتح الغزوة الإسبانية توا حتى لا يفاجئه الشتاء، وقسم جيشه الضخم إلى قسمين، عبر أحدهما جبال البرنيه من الناحية الشرقية، وعبرها القسم الثاني بقيادة كارل نفسه من الناحية الغربية، من الطريق الروماني القديم فوق آكام "جان دى لابور" الشاهقة التي تشرف على مفاوز رونسفال الوعرة، على أن يجتمع الجيشان على ضفاف نهر الإيبرو أمام سرقسطة حيث يلتقي شارلمان بحلفائه المسلمين. وكان عبوره لجبال البرنيه من " باب الشزرى " في شهر أبريل على الأرجح. واخترق شارلمان بلاد البشكنس أو نافار الحديثة، وحاصر عاصمتها بنبلونة، وهي قلعة النافاريين، واستولى عليها بعد قليل. وقد كان أولئك النافاريون دائماً شعبة خاصة من " البشكنس "، وكانت بنبلونة دائما مدينة البشكنس منذ أيام سترابون (2). وقد كان البشكنس دائما يحاولون الاحتفاظ باستقلالهم منذ أيام القوط، وكثيراً ما لجأوا في سبيل ذلك إلى الخروج والعصيان، والامتناع بهضابهم وجبالهم الشاهقة. وكان هذا شأنهم حينما وفد شارلمان بقواته الضخمة، فقد كانوا يحرصون على هذا الاستقلال، ولا يودون الخضوع لأية جهة، لا إلى الفرنج، ولا إلى مملكة (جليقية)، ولا إلى إمارة قرطبة الإسلامية. ومن ثم فقد اضطر شارلمان إلى محاصرة بنبلونة وأخذها بالعنف. وهنا تبرز هذه الحقيقة، وهي
_______
(1) راجع: R.M.Pidal: ibid, p. 181, 182, 183, 184
(2) R.M.Pidal: ibid, p. 186
(1/173)

أن شارلمان بغزو بلاد البشكنس، كان يحارب أمة من النصارى، وهو في ذلك لم تكن تحدوه سوى بواعث السياسة والفتح. ولم تكن النزعة الدينية خاصة بارزة في تلك الغزوة. أما الجيش الفرنجي الذي اخترق شرقي البرنيه، فقد كان يسير في منطقة يسيطر عليها الفرنج، مذ تقلص عنها سلطان المسلمين، منذ أيام ببين والد شارلمان، ومن ثم فقد كان يخترق بلادا صديقة، يرحب أهلها بمقدمه، أملا في عونه وحمايته.
وتقول لنا بعض الروايات اللاتينية (1) إن سليمان بن يقظان (ابن الأعرابي)، كان يتردد عندئذ بانتظام على بنبلونة، وإنه وفقا لتعهداته سلم الرهائن إلى شارلمان، وإنه قد وفد كذلك على بنبلونة أبو ثور بن قسي حاكم وشقه، وقدم أخاه وولده رهينة، وقد بقيت هذه الرهائن في معسكر شارلمان حتى وقعت النكبة. بيد أنه توجد روايات أخرى مفادها أن الرهائن سلمت فيما بعد، حين وفود شارلمان على سرقسطة. وعلى أى حال، فقد سار شارلمان بعد استيلائه على بنبلونة ومعه سليمان إلى سرقسطة (2)، وهي معقد المشروع كله حسبما اتفق عليه في بادربورن؛ وكان القسم الآخر من الجيش، قد اخترق في تلك الآونة منطقة جيرندة (جيرونة) وبرشلونة، واتجه غربا إلى سرقسطة حيث انضم إلى القوات التي يقودها شارلمان، وكان شارلمان، يعتقد حينما سار إلى سرقسطة أنه سيلقى هناك حلفاءه المسلمين على أهبة لمعاونته وتحقيق رغباته في الاستيلاء على المدينة الكبرى. ولكن الحوادث كانت تطورت عندئذ، ودب الخلاف بين الخوارج المسلمين. وكان الحسين بن يحيى الأنصاري والي سرقسطة حليف سليمان منذ البداية، وكان عضده في مشروعه لاستدعاء الفرنج، وبالرغم من أنه لم يذهب إلى بادربورن، ولا إلى بنبلونة، فقد كان موافقاً على الحلف الذي عقده سليمان مع شارلمان، وعلى العهود التي قطعها له. والظاهر أن الحسين نقم على سليمان موقف الصدارة والزعامة الذي اتشح به إزاء الفرنج، فنشبت بينهما الخصومة، أو أنه خشي عاقبة التورط في حلف الفرنج. فعدل موقفه في آخر لحظة حينما شعر بمسير الفرنج إلى مدينته والظاهر أيضاً أنه لم يكن في سرقسطة حينما أقبل إليها الجيش الفرنجي؛ إذ تقول
_______
(1) R.M. Pidal: ibid, cit. Anales Breves.p. 187
(2) ابن الأثير ج 6 ص 5.
(1/174)

لنا الرواية الإسلامية، إنه سبق إليها سليمان، وتحصن بها، فلما أشرف شارلمان مع حليفه سليمان على سرقسطة، رفض الحسين أن يستقبله، وألفى المدينة محصنة متأهبة للدفاع والمقاومة، فعبر نهر الإيبرو إلى الضفة الأخرى، وقدم إليه سليمان رهائن عدة من الأعيان والأكابر، وفي مقدمتهم ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن وكان أسيرا لديه حسبما تقدم. ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا لإقناع الحسين بفتح أبواب سرقسطة، ولم يستطع شارلمان من جهة أخرى الاستيلاء عليها، وردت المدينة المحصورة كل هجماته بشدة (1)، وعجز سليمان أن يحقق شيئا من وعوده في تسليم المدن والحصون الواقعة في تلك المنطقة. ولم يشأ ملك الفرنج أن يخوض في تلك الوهاد والهضاب الصعبة معارك لم يتأهب لخوضها، وارتاب من جهة أخرى في نية سليمان وموقفه، فقبض عليه (2)، وارتد بجيشه نحو الشمال الشرقي في طريق العودة. وكان ذلك في شهر يوليه سنة 778 م (شوال سنة 161هـ).
بيد أن هذه الوقائع ينقصها شىء من الوضوح. ذلك أنه لم تقع بين الفريقين معارك ذات شأن. فهل ارتد ملك الفرنج من تلقاء نفسه، أم اضطر مرغماً إلى الارتداد لبواعث وأسباب لا نعلمها؟.
يقول الأستاذ بيدال " إن الانسحاب لا شك فيه. ولكن فشل حملة الملك الفرنجي لا تفسرها لنا هجمات المحصورين. إذ كيف يرتد هذان الجيشان الفرنجيان اللذان يضمان هذه الجموع من جند بريتانيا ونوستريا وبافاريا ولومبارديا؟ وكيف يرتد كارل وهو في عنفوان قوته بهذه السهولة؟ كيف يرتد هذا العاهل القوي وجيشه العظيم ما يزال سليما لم يمس، دون أن يخضع الحسين، ودون أن يفتتح أواسط إسبانيا؟ " (3).
إن الروايات اللاتينية تحاول أن تلقى الضوء على ذلك الغموض؛ فيقول لنا " أبدال " السالف الذكر، إن شارلمان قدر أنه قد يجد نفسه وحيدا في قلب شعب معاد، مع صعوبة التموين لجيشه العظيم. بيد أنه يوجد تعليل آخر أقوى وأوضح، تقدمه إلينا رواية لاتينية أخرى في نصها الآتي: " إن السكسون المارقين حينما
_______
(1) أخبار مجموعة ص 113.
(2) ابن الأثير ج 6 ص 5.
(3) R.M.Pidal: ibid.; p 188
(1/175)

علموا أن الملك كارلوس في منطقة سرقسطة، قد شقوا الطاعة، وخربوا وأحرقوا الأراضي حتى ضفاف الرين. ونمى ذلك إلى كارلوس وهو في اسبانيا، فلما وقف عليه عاد مسرعاً إلى فرنسا " (1). وربما كان في ذلك خير تفسير لانسحاب شارلمان، وتركه سرقسطة لمصيرها.
ارتد شارلمان على رأس قواته المجتمعة وفي ركابه سليمان أسيره وعدد من الرهائن وسار شمالا نحو بلاد البشكنس. وكان النافاريون في تلك الأثناء قد جمعوا فلولهم، واعتزموا الدفاع عن حاضرتهم بنبلونة وعن حرياتهم التالدة، خصوصا وقد شجعتهم وقفة سرقسطة وصاحبها الحسين ضد الملك الفرنجي، وانضم إليهم كثير من المسلمين من أبناء الأنحاء المجاورة، للتعاون في دفع العدو المشترك؛ ولكن شارلمان هاجم بنبلونة بعنف، ولم تجد بسالة النافاريين وحلفائهم المسلمين شيئا، فتركوا المدينة، وتفرقوا في مختلف الأنحاء؛ واستولى شارلمان على بنبلونة للمرة الثانية، وهدم حصونها وأسوارها حتى لا تعود إلى المقاومة إذا عاد إلى تلك الأنحاء، ولكي يمهد لجيشه طريق العود المأمون إلى فرنسا.
وغادر شارلمان بنبلونة متجهاً إلى جبال البرنيه من طريق هضاب رونسفال المؤدية إلى باب الشزري. فما الذي حدث عندئذ؟ تقول الرواية العربية إن شارلمان " لما أبعد من بلاد المسلمين واطمأن، هجم مطروح وعيشون إبنا سليمان في أصحابهما، فاستنقذا أباهما ورجعا به إلى سرقسطة " (2). وفي هذه الكلمات القليلة تشير الرواية العربية إلى النكبة الهائلة التي أصابت الجيش الفرنجي أمام باب الشزري والتي تقدم إلينا الروايات اللاتينية اللاحقة تفاصيلها.
والظاهر أيضا من الرواية العربية أن ولدي سليمان، حينما قبض شارلمان على أبيهما، عادا إلى الاتفاق مع الحسين بن يحيى على مقاومة الفرنج، وجمعا في الحال قوات أبيهما وأتباعه، وسارا بجيشهما في أثر ملك الفرنج يحاولان مهاجمته وإنقاذ أبيهما من أسره. وكان شارلمان في ذلك الحين قد غادر بنبلونة بعد تخريبها متجهاً صوب جبال البرنيه، ليعبرها كرة أخرى إلى فرنسا، وكان عبوره من نفس الطريق التي أتى منها، أعني من مفاوز رونسفال. ويقع ممر رونسفال Roncesvalles،
_______
(1) R.M.Pidal: ibid ; cit. Chronicon Moissiocense ; p. 189
(2) ابن الأثير ج 6 ص 5.
(1/176)

الذي يسمى بالعربية " باب شيزروا " (1)، أو باب الشزري، في طرف البرنيه الغربي شمال شرقي بنبلونة، وعلى قيد عشرين كيلومتر منها، وهو أحد ممرات عدة كانت تستعمل منذ عهد الرومان لاختراق البرنيه من الشمال أو الجنوب. وهي نفس الممرات أو الأبواب التي كان يستعملها العرب للعبور إلى غاليس (2). وقد لبثت هذه الجبال الوعرة الشاهقة على ممر القرون حاجزا منيعا يفصل بين شبه الجزيرة الإسبانية وبين غاليس، ولا يتأتى للغزاة، عبوره إلا خلال هذه الممرات الشهيرة. ففي مفاوز رونسفال الوعرة، وتجاه ممر البرنيه المسمى بهذا الاسم أعني باب شيزروا، وقعت المفاجأة الهائلة. ذلك أن الجيش الفرنجي ما كاد يبدأ عبور الجبال، حتى أشرف المسلمون بقيادة عيشون ومطروح على مؤخرته، وهاجموه بشدة رائعة، وفصلوا عنه مؤخرته، وانتزعوا منها الأسلاب والأسرى، وفيهم سليمان بن يقظان. والرواية العربية صريحة في أن المسلمين هم الذين دبروا هذا الهجوم الفجائي، على مؤخرة الجيش الفرنسي، ولكن بعض الروايات اللاتينية التي تتحدث عن الموقعة، تقول لنا إن الذين
_______
(1) هذه هي تسمية الشريف الإدريسي، وهي مشتقة من الاسم الروماني القديم Portus Ciserei أو Portus Sizarae
(2) يقدم لنا الشريف الإدريسي وصفا دقيقا لجبال البرنيه التي تسمى في الجغرافية العربية بجبال البرت أو البرتات كما قدمنا، وللأبواب الرومانية التي كانت بها فيقول: " وطول هذا الجبل من الشمال إلى الجنوب مع سير تقويس سبعة أيام، وهو جبل عال جدا صعب الصعود، وفيه أربعة أبواب فيها مضايق يدخلها الفارس بعد الفارس. وهذه الأبواب عراض لها مسافات وهي منحرفة الطرق. وأحد هذه الأبواب الباب الذي في ناحية برشلونة ويسمى " برت جاقة " (جاكا)؛ والباب الثاني الذي يليه يسمى " برت أشبرة "؛ والباب الثالث منها يسمى " برت شيزروا " Roncesvalles وطوله في عرض الجبل خمسة وثلاثون ميلا؛ والباب الرابع منها يسمى " برت بيونة ". ويتصل بكل برت منها مدن في الجهتين، فما يلي برت شيزروا مدينة بنبلونة؛ والباب المسمى جاقة عليه مدينة جاقة. (راجع نزهة المشتاق للشريف الإدريسي؛ وكذا وصف الإدريسي لجغرافية الأندلس ص 65 من طبعة Saavedra) وظاهر أن كلمة برت تعنى الباب أو الممر، وأصلها من الإسبانية Puerta وقد سميت جبال البرنيه بالعربية البرتات نسبة إلى الأبواب والممرات المذكورة. والجغرافية الحديثة لا تختلف كثيرا عما تقدم، وفيها أن هذه الأبواب والممرات خمسة: (1) ممر بربنيان، بين برشلونة وأربونة (2) ممر بوكيردا الموصل إلى شرطانية (3) الممر بين بنبلونة وسان جان دى بييدبور (ويسميها الإدريسي شنت جوان) وهو باب شيزروا (4) ممر تولوز (طلوشة) إلى بيونة (5) ممر جاكا. وكانت هذه الأبواب أو الممرات تستعمل لاختراق الجبال حين الغزو إلى فرنسا ومنها في طريق العودة.
(1/177)

هاجموا مؤخرة شارلمان حين ارتداده، هم البشكنس النصارى انتقاما لما أنزله الفرنج ببلادهم وعاصمتهم بنبلونة من العيث والتخريب. وإليك ما تقوله هذه الرواية: " إن شارلمان عاد من سرقسطة إلى بنبلونة، وهدم أسوار هذه المدينة من أساسها لكي لا تستطيع الثورة عليه وقرر العودة، وبدأ يجوز شعب البرنيه. وهنا، وفي أرفع نقطة هجم البشكنس، وقد كانوا يكمنون في المؤخرة، وأوقعوا الخلل في الجيش كله، فساده أيما اضطراب وجلبة، وبالرغم من أن الفرنج أبدوا تفوقهم على البشكنس، سواء في السلاح أو الروح المعنوية، فقد بقوا هم الأضعف بسبب رداءة الموقع وعدم التكافؤ في وضع المعركة " (1).
وهنا يحق لنا أن نتساءل إزاء هذا التناقض بين الروايتين، من هم الذين دبروا هذا الهجوم على مؤخرة الجيش الفرنجي؛ أهم المسلمون وحدهم حسبما تقرر الرواية العربية، أم هم البشكنس وحدهم حسبما تقرر الرواية الفرنجية؟ يقول الأستاذ بيدال، إنه لمن غير المعقول، بل ومن المستحيل أن يقوم البشكنس وحدهم بمهاجمة مؤخرة جيش عظيم كجيش شارلمان، والأكثر احتمالا هو أنهم يبحثون عن العون ضد المعتدي الخارجي، وإنه لكذلك من غير المعقول أن يستطيع إبنا سليمان وحدهما انتزاع الأسرى من الجيش الفرنجي، وذلك في الأرض المكشوفة ما بين سرقسطة وبنبلونة، وإنه لا يمكن الاعتقاد بأي حال بأن يسمح جيش شارلمان لنفسه أن يُفاجأ مرتين في أيام قليلة، وإذا فلا بد أن البشكنس والمسلمين معاً قد فاجأوه في شعب البرنيه: البشكنس الذين أثارهم تخريب بنبلونة، والمسلمون الذين يحاولون استنقاذ ابن الأعرابي والرهائن (2).
ثم يقول العلامة الإسباني " إنه باستعراض سائر الروايات يبدو أن هناك حقيقة تاريخية، وهي أن المسلمين تعاونوا مع البشكنس في موقعة باب الشزري؛ وأن أنشودة رولان، وهي مستمدة من أناشيد معاصرة للنكبة، هي أصح من الرواية اللاتينية Anales Regios". ونقول نحن إن هذا الاستعراض لمختلف الروايات يدلي بأن المسلمين هم الذين دبروا الهجوم على مؤخرة الجيش الفرنجي، وإنه
_______
(1) Anales Regios hssta 829; cit.por R.M. Pidal: ibid ; p. 191 & 192
(2) R.M.Pidal: ibid ; p. 193 & 194 وراجع أيضا Conde: ibid, V.I. P.201 و Dozy: Hist.V.I.p. 243 & notes وهل أدل على أن العرب هم الذين مزقوا مؤخرة الفرنج من أنشودة رولان الشهيرة، التي نتحدث عنها بعد.
(1/178)

خريطة:
مواقع غزوة شارلمان لسرقسطة ومعركة باب الشزري.
(1/179)

فيما يرجح قد اشتركت معهم جموع كبيرة من البشكنس في هذا الهجوم، وإن مضمون أنشودة رولان حسبما نقدمه بعد، يؤكد هذا الاستنتاج في إسناد الدور الرئيسي في الموقعة إلى المسلمين.
وقد وصفت لنا إحدى هذه الروايات اللاتينية، تعاون المسلمين والبشكنس في الهجوم، وفيها " أن جيش شارلمان كان يتكون من خمسة آلاف فارس من ذوي الأسلحة الثقيلة وعدد مماثل من المشاة، وأن المؤخرة كانت تتكون من ألف فارس ومعها دواب الحمل، وأن الكمين وقع في الأماكن الصاعدة من الطريق المعبد. وقد تعاون بشكنس بنبلونة والمسلمون ولاسيما مطروح وعيشون ولدي ابن الأعرابي، وكان هذا التحالف ضرورياً، لأن المسلمين كانوا في حاجة إلى المعرفة الدقيقة لهذه الوهاد وهو ما يتقنه البشكنس، وكان البشكنس بحاجة إلى مقدرة المسلمين في التنظيم العسكري، وهما معاً قد استطاعا أن يسحقا مؤخرة هذه الصفوف التي ارتجت لها سائر إسبانيا " (1).
وقع هذا الهجوم الفجائي من المسلمين على مؤخرة الجيش الفرنجي بمعاونة ْالبشكنس، فأسفر عن أروع نتيجة يمكن تصورها. ذلك أن الفرنج لم يحسنوا الدفاع عن أنفسهم في تلك الشعاب الضيقة المنحدرة. وقد فصلت مؤخرة الجيش الفرنجي، وانتزعت منها الأسلاب والأمتعة وفي مقدمتها الخزانة الملكية، وكذلك الرهائن، وفي مقدمتهم سليمان، ومزقت المؤخرة نفسها شر ممزق، وهلك خلال المعمعة الهائلة عدد عظيم من سادة الجيش الفرنجي وفرسانه، ولم تسمح المفاجأة المذهلة بأى عمل أو محاولة منظمة لإنقاذ الفرق المنكوبة. وكانت نكبة مروعة لبث صداها يتردد مدى عصور في أمم الغرب والنصرانية.
وتضع الرواية الفرنجية تاريخ الموقعة في 18 أغسطس سنة 778 (ذى القعدة سنة 161هـ) (2). وقد رأينا فيما تقدم كيف تقنع الرواية العربية بالإشارة إليها في
_______
(1) Anales Regios, cit. por R.M. Pidal: ibid. p. 197
(2) ولكن الرواية العربية تقدم تاريخها عن ذلك فتضعها في سنة 157هـ (774 م) وهي رواية ابن الأثير (ج 6 ص 5) والمقري في نفح الطيب (ج 2 ص 73). والظاهر من نص الرواية العربية أنها تنصرف هنا إلى بداية الحوادث لا إلى الموقعة ذاتها، وقد وقعت فيما بعد، وهو ما يفسر التباين بين التاريخين. ولا ريب أن الرواية الفرنجية أقرب إلى الصحة والتحقيق لأنها معاصرة قريبة من الحوادث.
(1/180)

عبارات موجزة، وإن كانت مع إيجازها في منتهى الدقة، وكيف أن الرواية اللاتينية الفرنجية والكنسية تفيض بالعكس في تفاصيلها إفاضة واضحة، وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض هذه الروايات التي اقتبسنا بعض نصوصها، وربما كانت رواية إجنهارت (أينهارت) مؤرخ شارلمان، عن الموقعة، هي أدق هذه الروايات وأوثقها، فقد كتبت في سنة 829 م بعد وفاة شارلمان بقليل، واعتمد فيها على كثير من أقوال المعاصرين وشهود العيان. وهو يفصل لنا حوادثها ويذكر من هلك فيها من الأمراء والسادة، ومنهم إيجهارد رئيس الخاص، وأنسلم محافظ القصر، وهردولاند حاكم القصر البريتاني، وكثير من الرؤساء ورجال الخاص والحاشية. وهردولاند، هو رولان Roland بطل الأنشودة الشهيرة، التي نظمت فيها بعد عن هذه الموقعة، واستمدت من أناشيد معاصرة لها، والتي ما زالت أثراً خالداً لقريض الفروسية في العصور الوسطى. بيد أن أنشودة رولان تنحرف في كثير من مناحيها إلى الأسطورة. وقد اتخذت الأسطورة من حوادث الموقعة موضوعا لقصة حربية حماسية حرفت فيها الوقائع الأصلية أيما تحريف، ولكنها تستبقي مكان الموقعة، وبعض أشخاص التاريخ. وقد رأينا أن نورد فيما يلي خلاصة هذه القصة أو الأنشودة الشهيرة:
" غزا شارلمان إسبانيا، ولبث يحارب فيها سبعة أعوام، حتى افتتح ثغورها ومدنها، ما عدا سرقسطة، وهي معقل الملك العربي مارسيل. وكان يعسكر بجيشه بجوار قرطبة، حين جاءته رسل مارسيل يعرض عليه الطاعة، بشرط أن يجلو الفرنج عن إسبانيا، فعقد شارلمان مجلسا من البارونات ومنهم رولان ابن أخيه. وكان رولان يرى أن تستمر الحرب، ولكن فريقاً آخر من السادة برآسة جانلون كونت مايانس، كان يرى الصلح والمهادنة، فغلب رأي هذا الفريق، لأن الفرنج سئموا الحرب والقتال، وأرسل جانلون إلى الملك مارسيل ليعقد معه شروط الهدنة. فأغراه مارسيل واستماله بالتحف والذخائر، واتفق معه على الغدر برولان وفريقه. ثم عاد إلى شارلمان وزعم أن مارسيل قبل شروط الفرنج، وبذا قرر شارلمان الإنسحاب. وتولى رولان قيادة المؤخرة. وكان معه الأمراء الإثنا عشر، وزهرة الفروسية الفرنجية. ولما وصل الجيش إلى قمة الممرات الجبلية رأى أوليفر أحد الأمراء، جيشاً من العرب، يبلغ أربعمائة ألف مقاتل.
(1/181)

فتضرع إلى رولان أن ينفخ في بوقه ليدعو شارلمان إلى نجدته، فأبى رولان، وانقض الجيش المهاجم على مؤخرة الفرنج، ونشبت بينهما عدة معارك هائلة. واستمر رولان يأبى طلب النجدة حتى مزق جيشه ولم يبق منه سوى ستين رجلا، وعندئذ نفخ في بوقه يدعو شارلمان: ثم قتل بقية أصحابه، ولم يبق سوى رولان وأوليفر واثنين آخرين. ولما شعر العرب أن شارلمان سيرتد بجيشه لقتالهم، قرروا الانسحاب. وكان زملاء رولان الثلاثة قد قتلوا، وأثخن رولان نفسه جراحا حتى أشرف على الموت. ولكنه استطاع أن ينفخ في بوقه مرة أخرى قبل أن يموت، وأن يسمع صرخة شارلمان الحربية، وسمع شارلمان صوت البوق على بعد مراحل عديدة. فعاد مسرعا وطارد جيش العدو وسحقه. ودفن الفرنج قتلاهم، وعوقب جانلون الخائن أروع عقاب. وتوفيت ألده، خطيبة رولان حينما علمت بموته ".
هذه هي خلاصة القصة التي ترددها أنشودة رولان الشهيرة. وهي أبعد ما يكون عن وقائع التاريخ الحق. بيد أنها تتخذ مادتها من بعض هذه الوقائع، ومن الذكريات والروايات الشفوية المتناقلة، والأناشيد الحربية المعاصرة. وهي نورمانية الأصل، ظهرت لأول مرة في القرن الحادي عشر، أعني بعد الموقعة بنحو ثلاثة قرون، ودونت أولا في بعض القصص اللاتينية، ثم دونت بالنظم في ملحمة طويلة تبلغ أربعة آلاف بيت بعنوان " أنشودة رولان " Chanson de Roland ولبثت تعتبر مدى عصور من أعظم الآثار الأدبية، ومن روائع القريض الحربي.
وكانت حوادث هذه الموقعة الشهيرة مستقى خصبا لكثير من الكتاب والشعراء، وكانت بالأخص مستقى لقصص الفروسية والملاحم الحماسية المغرقة، التي تملأ فراغا كبيرا في الأدب الفرنجي في العصور الوسطى (1).
ومما يلفت النظر في حوادث الموقعة أن شارلمان، لم يحاول بعد أن أفاق من الصدمة الأولى، أن يعجل بالانتقام لنكبة جيشه ومقتل فرسانه، وأن يعود فيطارد تلك العصابات التي تحدته واجترأت عليه سواء من المسلمين أو البشكنس.
_______
(1) راجع حوادث هذه الموقعة الشهيرة في أخبار مجموعة ص 112 و113، وابن الأثير ج 6 ص 5 و21، وابن خلدون ج 4 ص 124، وراجع أيضا Bouquet ; Vol.V.R.M. Pidal: La Chanson de Roland.Cap. VI.p. 171 - 215;p. 14,26,42. & 208 و Reinaud: ibid: p. 95,96 و Hodgkin: Charles the Great p. 141-152.
(1/182)

وتعليل ذلك هو أن شارلمان شغل قبل كل شىء بخطورة الأنباء التي وصلته عن تحرك السكسونين، وهم ألد أعداء الفرنج وأخطرهم، فارتد أدراجه مسرعا ليخوض معهم حرباً جديدة استطالت زهاء سبع سنين، حتى تمت هزيمة زعيمهم فتكنت (أو فيدوكنت) نهائيا، وأرغم على التنصير في سنة 785 م (1).
ولم يبق بيد شارلمان، بعد استنقاذ المسلمين للرهائن، سوى ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن، وقد لبث فترة أخرى معتقلا بفرنسا، حتى تمت المفاوضة بشأنه، وأطلق سراحه لقاء فدية كبيرة.
وهكذا اختتمت محاولة شارلمان غزو اسبانيا المسلمة والتدخل في شئونها، بنكبته والقضاء على زهرة جنده، وقد أسبلت هذه النكبة مدى حين سحابة على مجده الحربي. بيد أنها لم تكن كما سنرى آخر محاولة من نوعها لعاهل الفرنج، فإن السياسة الفرنجية لبثت بالرغم من هذه الصدمة المؤلمة، ترقب سير الحوادث في الأندلس لتجد فيها ثغرة تتخذها وسيلة لتحقيق غاياتها.
* * *
ونستطيع بعد أن استعرضنا أدوار هذه الموقعة الشهيرة التي تركت في عصرها أعظم صدى في الروايات الفرنجية (اللاتينية) والكنسية المعاصرة واللاحقة، وبعد أن سجلنا ممهداتها وحوادثها تفصيلا. أن نعود فنلقى نظرة مقارنة على موقف الروايات العربية واللاتينية إزاء الموقعة، وكيف تعاملها كل منها.
وأول ما يلفت النظر هو حسبما قدمنا، إيجاز الروايات العربية، في الوقت الذي تميل فيه الروايات اللاتينية إلى الإفاضة الواضحة. وقد كان خليقا بالرواية العربية أن تبسط القول في حوادث موقعة لها من الخطورة البالغة ما لموقعة " باب الشزري " خصوصاً وقد كان التفوق فيها للجانب الإسلامي. ولكن الرواية العربية لم تنظر إلى الموقعة إلا من حيث ارتباطها بحوادث الأندلس، ومن جهة أخرى فإنها لم تكن على علم تام بما يدور في الناحية الأخرى من جبال البرنيه، في مملكة الفرنج الشاسعة، ولم تقف على آثار الصدى الهائل الذي أحدثه تمزيق جيش شارلمان داخل مملكة الفرنج، وفي سائر الأمم المتصلة بها، ولاسيما القبائل السكسونية ألد أعداء الفرنج يومئذ.
_______
(1) R.M. Pidal: ibid, p. 199
(1/183)

وثمة فرق واضح آخر بين الروايتين العربية واللاتينية، هو أن الأولى تنوه بأن شارلمان قاد حملته إلى اسبانيا استجابة لدعوة الخوارج المسلمين ليعمل معهم ضد إمارة قرطبة، وأن الثانية تنوه بأن حملة شارلمان إنما كانت موجهة إلى إخضاع البشكنس.
ومع ذلك فإن الرواية العربية على إيجازها تقدم إلينا ممهدات الموقعة وعناصرها الأساسية بمنتهي الدقة، بل إن العلامة المؤرخ الأستاذ بيدال، وهو آخر من تناول حوادث هذه الموقعة من النقدة المحدثين بإفاضة، وبأسلوبه النقدي الرائع، يقرر لنا أن الرواية العربية هنا، هي أرقى بكثير من الرواية اللاتينية، وأنها فيما يتعلق بغزوة شارلمان لإسبانيا، أبعد من أن تنحدر إلى الغموض والتناقض، وأنها بالعكس تقدم إلينا بعض أنباء في منتهى الأهمية والجدارة.
ويدفع الأستاذ بيدال ما يرمي به بعض الباحثين مثل باسيه وغيره، الرواية العربية من أخطاء وسابقات تاريخية، ويؤكد بالعكس أنه لا تناقض بين النصوص العربية واللاتينية، وكل ما هنالك أن كلا منهما يركز اهتمامه في نقط معينة، وكلتاهما تتفق مع الأخرى في الحوادث الرئيسية (1).
_______
(1) R.M.Pidal: ibid, p. 177,178
(1/184)

الفصل الخامس
ولاية عبد الرحمن الداخل
- 2 -
عبد الرحمن وحوادث الشمال. ظهور الصقلبي في شرقي الأندلس. استئنافه للدعوة العباسية. تحالفه مع ابن يقظان ثم خلافه معه. مسير عبد الرحمن إلى قتال الصقلبي. التجاؤه إلى بلنسية. مصرعه وانهيار دعوته. ثورات محلية مختلفة. حوادث الشمال. مصرع ابن يقظان. مسير عبد الرحمن إلى سرقسطة وحصارها. خضوع الحسين الأنصاري. عبد الرحمن يغزو نافار وشرطانية. قتله لعيشون ابن سليمان. عود الحسين إلى الثورة. إرسال عبد الرحمن حملة لقتاله. حصار سرقسطة وثبات الحسين. مسير عبد الرحمن إلى قتاله. هزيمته ومصرعه. تفاهم عبد الرحمن مع شارلمان وسعيه إلى مصاهرته. ائتمار الوافدين من الأموية بعبد الرحمن. صرامته في إخماد هذه المؤامرات. حديث ينسب إليه عنها. فرار محمد بن يوسف الفهري وثورته في طليطلة. مسير عبد الرحمن لقتاله. موقعة قسطلونة. هزيمة محمد وفراره. استئنافه للثورة في قورية. هزيمته ووفاته. أخوه أبو القاسم. خروجه ثم خضوعه. انتهاء الثورة. خاتمة الكفاح الرائع.
بينما كانت هذه الحوادث الخطيرة تجري في الشمال، كان عبد الرحمن الأموي في الجنوب يكافح الثورة في مختلف الأنحاء. وكانت ثورة البربر قد شغلته واستنفدت معظم قواه أعواماً متوالية. بيد أنه ما كاد يفرغ من سحقها حتى ظهر في شرقي الأندلس خطر جديد قوامه الدعوة العباسية. ذلك أن عبد الرحمن بن حبيب الفهري أحد زعماء الفهرية، وهو المعروف بالصقلبي نظرا لطوله وشقرته وزرقة عينيه، عبر البحر من إفريقية إلى الأندلس في قوة كبيرة، ونزل بساحل تدمير (مرسية) في شرق الأندلس، ودعا للخليفة العباسي (سنة 161 هـ). ويجب أن نذكر أن عبد الرحمن بن حبيب هذا هو غير سميه عبد الرحمن بن حبيب المتغلب على إفريقية الذي فصلنا أخباره من قبل، فقد قتل هذا المتغلب على إفريقية منذ سنة 140هـ، بعد أن خرج على طاعة بني العباس (1). ولا نعرف علاقة الصقلبي
_______
(1) ابن خلدون ج 6 ص 111.
(1/185)

بيوسف بن عبد الرحمن الفهري، وربما كان من أبناء عمومته (1). بيد أنه كان من زعماء الفهرية وزعماء الثورة على بني أمية. وكانت حركة الصقلبي في تدمير، كحركة العلاء بن مغيث من قبل في باجة، ولكنها كانت أشد خطراً، لأن الصقلبي سعى إلى التفاهم مع زعيم الثورة في الشمال سليمان بن يقظان وتحالف معه (2). والظاهر أن هذا التحالف كان بعد عبور الفرنج إلى إسبانيا وموقعة باب شيزروا. ولكن ابن يقظان لم يف بوعده في إمداده لقتال عبد الرحمن الأموي، فغضب منه وسار لقتاله، فهزمه ابن يقظان في ظاهر برشلونة. فعاد إلى تدمير ولبث مدى أشهر ينظم قواته وأهبته، ولكن عبد الرحمن لم ينتظر حتى يهاجمه، بل سار بنفسه، وهاجمه بشدة، وأحرق سفنه الراسية بالساحل، حتى لا يجد سبيلا إلى الفرار، فارتد الصقلبي بفلوله إلى جبال بلنسية واستعصم بها، وهنا لجأ عبد الرحمن إلى سلاح الاغتيال مرة أخرى، فدس على الصقلبي بعض أصدقائه فاغتاله وحمل رأسه إليه، وانهارت بذلك دعوته وثورته (سنة 162 و163 هـ: 778 - 779 م).
ووقعت بعد ذلك عدة ثورات محلية عني عبد الرحمن بقمعها قبل أن يسير إلى الشمال، فقد ثار دحية الغساني ببعض حصون إلبيرة (غرناطة)، وكان دحية من أصدقاء عبد الرحمن ومن قادته، ولكنه نكث بعهده ولحق بالفاطمي، فلما هلك الفاطمي، فر إلى إلبيرة وأعلن بها الثورة، فأرسل عبد الرحمن إليه جيشا ضيق عليه الحصار حتى أخذ وقتل. وثار إبراهيم بن شجرة بحصن مورور،
_______
(1) يقول دوزي إنه كان صهرا ليوسف الفهري متزوجا بإحدى بناته (ج 1 ص 242) ولكنه لم يبين مصدرا لقوله، ولم نجد في المراجع العربية ما يؤيده.
(2) يقدم إلينا دوزي ثورة ابن يقظان وحلفائه وعلاقة الصقلبي به في صورة أخرى، فيقول لنا، إن هذا التحالف كان يضم ابن يقظان والحسين بن يحيى والصقلبي ومحمد بن يوسف الفهري، وانهم اتفقوا جميعا على استدعاء الفرنج إلى اسبانيا، وساروا جميعا إلى لقاء شارلمان في بادربورن، واتفق على أن يقوم ابن يقظان بمعاونة شارلمان في غزوته بينما يقوم الصقلبي بحشد البربر في إفريقية ثم يعبر بهم إلى تدمير ليشغل عبد الرحمن بحركته (دوزي ج 1 ص 240 - 241). ولكنا لا نوافق دوزي على هذا التصوير أولا لأن المصادر العربية تشير إلى مثل هذا التحالف الرباعي، وتتفق جميعا في اعتبار حركة الصقلبي حركة مستقلة لا علاقة لها بغزوة الفرنج، ومن جهة أخرى فإنه لا يوجد في الروايات اللاتينية المتعلقة بغزوة شارلمان لإسبانيا ما يشير إلى هذا التحالف، وثانيا لأن محمد بن يوسف الفهري أحد أركان هذا التحالف لم يفر من سجنه كما سنرى إلا بعد ذلك ببضعة أعوام. راجع: ابن الأبار في الحلة السيراء ص 57، والبيان المغرب ج 2 ص 58، وابن الأثير ج 6 ص 26.
(1/186)

فبعث إليه عبد الرحمن مولاه بدراً، فهاجمه وقتله. وثار في طليطلة القائد السلمي، وكان من خاصة عبد الرحمن، ثم فر من قرطبة خشية بطشه به لأمور نقمها منه، والتفت حوله العناصر الخارجة في تلك الأنحاء، فسير إليه عبد الرحمن جيشا قويا بقيادة حبيب بن عبد الملك، فحاصره حيناً ثم قتل. وثار في الجزيرة الخضراء واليها الرماحس بن عبد العزيز الكناني، فسار إليه عبد الرحمن بنفسه، وداهمه قبل أن يستكمل أهبته، ففر الرماحس وعبر البحر إلى المشرق (سنة 163 - 164) (1).
وفي العام التالي تأهب عبد الرحمن لقمع الثورة في الشمال. وكان الخلاف قد وقع بين زعيمى الثورة بعد تفاهمهما على أثر نكبة الجيش الفرنجي في موقعة باب الشزري، وتربص الحسين بن يحيى الأنصاري بزميله سليمان بن يقظان، ودس عليه ذات يوم من قتله بالمسجد الجامع، وانفرد بالأمر في سرقسطة وما حولها (2). فسار عبد الرحمن إلى سرقسطة في جيش ضخم وضيق الحصار عليها (سنة 165 هـ - 781 م). ووفد عليه عندئذ عيشون بن سليمان، وكان قد فر عقب مقتل أبيه إلى أربونة، وانضم إليه بمن معه في مقاتلة الحسين، فلما اشتد الحصار بالحسين طلب الصلح، وقدم ابنه سعيداً رهينة، فأجابه عبد الرحمن إلى ملتمسه، وأقره واليا على سرقسطة. ثم تحول عن سرقسطة إلى الشمال الشرقي، واخترق بلاد البشكنس (نافار) ليعاقب أهلها على عيثهم وعدوانهم، وغزا عاصمتها بنبلونة، وأثخن فيها وخرب قلاعها، وغزا قلهرّة وبقيرة (فكيرا)، واجتاح ولاية شرطانية (3)، وأرغم أميرها على تقديم الطاعة وأداء الجزية (4). ثم عاد إلى قرطبة ظافراً بعد أن وطد هيبة الحكومة المركزية في الشمال نوعاً، وألقى على النصارى درسا يذكرهم بأن الإسلام قد استرد منعته وسلطانه في اسبانيا. وكان سعيد بن الحسين قد فر من معسكر الأمير أثناء الطريق، ولما حل عبد الرحمن بقرطبة توجس شرا من عيشون بن سليمان، وكان قد عاد في ركابه، فأمر به
_______
(1) أخبار مجموعة ص 112، وابن الأثير ج 6 ص 20، والبيان المغرب ج 2 ص 58.
(2) يقول لنا العذري نقلا عن الرازي أن قتل الحسين لسليمان كان بتحريض من حكومة قرطبة، وذلك على أن يولى سرقسطة (في كتابه ترصيع الأخبار الذي سبقت الإشارة إليه ص 26).
(3) شرطانية بالإفرنجية Cerdagne وبالإسبانية Cerdana، وهي ولاية كبيرة في شمال شرق إسبانيا.
(4) أخبار مجموعة ص 114، وابن الأثير ج 6 ص 22.
(1/187)

فقتل. ولما رأى الحسين بن يحيى أن عبد الرحمن قد ارتد عنه، وعاد إليه ولده سالما، نكث بعهده وعاد إلى الثورة، وعاث فسادا في سرقسطة وأعمالها، فاعتزم عبد الرحمن أن يعود إلى قتاله، وأن ينكل به وبأنصاره في تلك المرة. فبعث إلى الشمال جيشاً كثيفاً بقيادة غالب بن تمام بن علقمة، فخرج الحسين إلى لقائه، ووقعت بينهما معارك شديدة هزم فيها الحسين، وأسر ولده يحيى وعدة من صحبه، فأرسلوا إلى قرطبة حيث أمر عبد الرحمن بإعدامهم، وامتنع الحسين بالمدينة واستمر غالب في حصاره. وفي العام التالي (سنة 167هـ - 783 م) سار عبد الرحمن بنفسه إلى سرقسطة وحاصرها بشدة، وضربها بالمجانيق ضرباً عنيفاً حتى هدم أسوارها، واقتحمها عنوة، وقبض على الحسين وجماعة من صحبه، وقتلهم جميعاً، وشرد كثيراً من أهلها، وفر سعيد ولد الحسين، وعين عبد الرحمن قائده ثعلبة بن عبيد واليا لسرقسطة، وكان قد افتداه من أسر الفرنج حسبما تقدم. وركدت بذلك ريح الثورة في الشمال مدى حين (1).
وشغل عاهل الفرنج شارلمان مدى حين عن شئون إسبانيا، لأن القبائل السكسونية عادت فنكثت طاعته، وعاد لقتاله خصمه القوى فيدوكنت، واستمرت الحرب بينهما زهاء سبعة أعوام وانتهت بهزيمة السكسونيين، وخضوع زعيمهم وإرغامه على التنصير (سنة 785 م). بيد أن عبد الرحمن رأى أن يتفاهم مع زعيم الفرنجة، وأن يؤثر صداقته ومداراته على خصومته، فبعث إليه يطلب عقد الصداقة معه، ويكاشفه برغبته في مصاهرته، فأجابه شارلمان إلى السلم ولم تتم المصاهرة (2). وفي بعض الروايات أن شارلمان هو الذي عرض على عبد الرحمن أن يزوجه ابنته فاعتذر عبد الرحمن باعتلال صحته (3). واستمر السلام معقودا بين الزعيمين حتى وفاة عبد الرحمن.
_______
(1) ابن الأثير ج 6 ص 22، والبيان المغرب ج 2 ص 59.
(2) المقري عن ابن حيان (ج 1 ص 155). ولا تقدم الرواية لنا تفصيلا عن مشروع المصاهرة هذا، ولكن الظاهر أن عبد الرحمن طلب الاقتران بإحدى بنات شارلمان، والمرجح أنها " هروترود " كبرى بناته، وكانت وحدها تصلح للزواج في ذلك الحين. ويرى رينو أن المقصود بهذه الإشارة إنما هو عبد الرحمن الثاني أو عبد الرحمن الأوسط حفيد عبد الرحمن الداخل، فقد كانت علائقه بملك الفرنج (شارل الأصلع) على ما يرام، وكان هذا الاتصال بين الأمراء الفرنج والمسلمين ذائعا ( Reinaud: ibid , p. 98)
(3) راجع: Scott: Moorish Empire, V.I.p. 40
(1/188)

ولما عاد عبد الرحمن إلى قرطبة نمى إليه خبر مؤامرة خطيرة دبرت لسحقه، بزعامة ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية، وهذيل ولد الصميل بن حاتم. ولم تكن هذه أول مؤامرة من نوعها، فقد دبرت قبل ذلك ببضعة أعوام سنة 163هـ مؤامرة أخرى، وعلى رأسها أيضا اثنان من أقطاب بني أمية، الذين وفدوا على الأندلس حينما تألق طالع عبد الرحمن، هما عبد السلام بن يزيد بن هشام المعروف باليزيدي، وهو ابن عم عبد الرحمن، وعبيد الله بن أبان بن معاوية وهو ابن أخيه، وذلك بمعاونة أبى عثمان كبير الدولة. وكان عبد الرحمن مذ تم له الأمر، يسعى إلى استقدام فل بني أمية من المنفي، ويدعوهم إليه ليكونوا له عوناً وعصبة، ويظلهم برعايته، ويغدق عليهم من نعمه، ويختارهم لمختلف المناصب. ولكن روحاً سيئاً من الحقد والحسد، كان يحفز أولئك الأقارب لمناوأة ذلك الذي هيأت له الأقدار أن يفوز دونهم، بتراث بني أمية في الأندلس. فائتمروا به غير مرة، وشجعهم على ذلك بعض الخوارج الناقمين والمنافسين الطامعين، ولكن عبد الرحمن كان يكتشف الخطر قبل وقوعه، ويسحقه بكل ما أوتي من شدة وصرامة، فلم يحجم حينما وقف على المؤامرة الأولى، عن قتل ابن عمه عبد السلام اليزيدي وعبيد الله ابن أخيه أبان، وعفا عن أبى عثمان لمكانته وسابق صنيعه. ولم يحجم حينما وقف على المؤامرة الثانية، عن قتل المغيرة ابن أخيه الوليد، وزميله هذيل بن الصميل ومن معهما، ونفي أخاه الوليد وأسرته إلى المغرب. وقد نقل إلينا مؤرخ أندلسي عن بعض موالي عبد الرحمن، أنه دخل عليه أثناء قتله المغيرة ابن أخيه، وهو مطرق شديد الغم فرفع رأسه وقال: " ما عجبي إلا من هؤلاء القوم. سعينا فيما يضجعهم في مهاد الأمن والنعمة وخاطرنا بحياتنا، حتى إذا بلغنا منه إلى مطلوبنا ويسر الله تعالى أسبابه، أقبلو علينا بالسيوف. ولما آويناهم وشاركناهم فيما أفردنا الله تعالى به، حتى أمنوا وردت عليهم أخلاف النعم، هزوا أعطافهم، وشمخوا بآنافهم، وسموا إلى العظمى، فنازعونا فيما منحه الله تعالى، فخذلهم الله بكفرهم النعم، إذ أطلعنا على عوراتهم، فعاجلناهم قبل أن يعاجلونا، وأدى ذلك إلى أن ساء ظننا في البرىء منهم، وساء أيضاً ظنه فينا، وصار يتوقع من تغيرنا عليه ما نتوقع نحن منه " (1).
_______
(1) الحجاري في كتابه " المسهب "؛ ونقله المقري في نفح الطيب (ج 2 ص 72 و73).
(1/189)

وفي ذلك الحين فر أبو الأسود محمد بن يوسف الفهري من سجنه، ورفع لواء الثورة في طليطلة. وكان محمد سجيناً في قرطبة منذ مقتل أبيه، ثم فراره وأسره ثانية في حوادث طليطلة سنة 142 هـ كما قدمنا. وتظاهر محمد عندئذ بالعمى، وأتقن حيلته حتى جازت على جميع الموكلين بسجنه، وأشفق عبد الرحمن عليه فأبقاه ولم يقتله كأخيه، وأنفق محمد في أسره أعواماً طويلة حتى أهمل شأنه، ولم يعد يكترث أحد به، وعرف بالأعمى. ثم سنحت له فرصة الفرار على يد بعض مواليه المتصلين به، ففر من سجنه الواقع على النهر الكبير، وجاز النهر سباحة، ولحق بطليطلة سنة 168 هـ وأعلن الثورة. والتفت حوله جموع كبيرة من الفهرية والقيسية، ومن إليهم من عناصر الخروج والثورة، وسار في قواته صوب جيان، فخرج عبد الرحمن إلى قتاله، ووقعت بينهما معارك عديدة، كان النصر فيها لعبد الرحمن. ولكن أبا الأسود لبث حيناً محتفظاً بمراكزه وقواته. ثم نشبت بينهما على مقربة من قسطلونة في الوادي الأحمر، بمكان يعرف بمخاضة الفتح، معركة شديدة حاسمة، ولجأ عبد الرحمن إلى الخديعة، فاتفق مع بعض قادة أبي الأسود على التقاعد والغدر، فهزم أبو الأسود هزيمة شديدة، وقتل من جنده عدة آلاف، وغرق عدد كبير في النهر، وطارده عبد الرحمن حتى قلعة رباح، ومزق جيشه كل ممزق (ربيع الأول سنة 168هـ - 784 م) (1). ولكن محمداً لم يخضع ولم يهن عزمه، فارتد إلى جهة الغرب ونزل بقورية، وعاد يحشد قواته لاستئناف القتال، وقوى أمره وبسط سلطانه على تلك الأنحاء، فسار عبد الرحمن لقتاله ثانية، وهاجم قورية ومزق شمل قواته (سنة 169 هـ - 785 م)، ففر في نفر من صحبه إلى بعض قرى طليطلة، وهنالك توفي لأشهر قلائل (سنة 170 هـ). فقام مكانه أخوه أبو القاسم بن يوسف، واقترن بزوجته، وعاد ينظم الثورة في طليطلة. فسار عبد الرحمن لقتاله قبل أن يستفحل أمره، ولم ير أبو القاسم بدا من الخضوع والتماس الصلح والعفو، فأجابه الأمير إلى ملتمسه، وصحبه معه إلى قرطبة، ورد إليه بعض أموال أسرته (2)، وطويت بذلك آخر مرحلة في ثورة
_______
(1) يضع الرازي تاريخ هذه الموقعة في أول ربيع الأول سنة 168 (ابن الأبار في الحلة السيراء ص 57) ويتبعه في ذلك ابن الأثير فيضع تاريخها سنة 168هـ. ولكن صاحب البيان المغرب يجعل تاريخها في سنة 169هـ (ج 2 ص 59).
(2) ابن الأبار ص 56 و57؛ والبيان المغرب ج 2 ص 52 و59 و60، ويروي ابن الأثير أن عبد الرحمن لم يبق على أبي القاسم بل قتله (ج 6 ص 26).
(1/190)

الفهرية، بل كانت آخر ثورة قام بقمعها عبد الرحمن، ولم يعش بعدها سوى عدة أشهر. وهكذا أنفق عبد الرحمن جميع حكمه - ثلاثة وثلاثين عاما - في كفاح مستمر. وكانت مهمة عظيمة دونها خطوب فادحة. أن يطمح فتى شريد، يعمل القتل الذريع في أسرته وعصبته، وحيد ليس له أنصار ولا صحب، إلى افتتاح قطر عظيم زاخر بالقادة والجند، وأن يخضع ذلك القطر في حروب لا يخمد أوارها، وسيول من الدماء لا تنقطع، وأن يقيم ملكاً على بركان يضطرم من الثورة والمؤامرة والخصومة: تلك هي قصة عبد الرحمن الأموي، وهي قصة عجيبة ليست من حوادث التاريخ العادية، ولايقدم إلينا التاريخ كثيرا من أمثالها. ولكن عبد الرحمن كان رجل الموقف، وكانت حوادث الجزيرة (إسبانيا) وظروفها، وتمزق شملها، وتطلعها إلى زعامة قوية توحد كلمتها وقواها، وتسير بها نحو السلام والأمن، تفسح مجال الطموح والعمل لذهن جرىء مغامر كذهن عبد الرحمن. وكان عبد الرحمن يجمع إلى فيض جرأته، كثيراً من الذكاء والدهاء والعزم، ولم يكن عليه أن يخاطر بأكثر من تلك الحياة التي كادت تزهق غير مرة، وكان يحملها في كفه أمام مطارديه خلال القفر الشاسع. ولكن الغنم كان عظيما: كان ملكا بأسره، وكان بعث أسرة هَوَت ومجد عريض دثر. وسنعرض في الفصل القادم طرفا من خلال تلك الشخصية الباهرة، التي تتبوأ مكانها بين أسطع شخصيات التاريخ الإسلامي.
(1/191)

الفصل السادس
خلال عبد الرحمن ومآثره
(1) وفاة عبد الرحمن الداخل. شخصيته. أساليبه. إقدامه وجرأته وقسوته. بطشه بآله وأصدقائه. نزعته الميكافيللية. تعليقات دوزي على سياسته. خلاله الباهرة. وصفه بصقر قريش.
(2) نوع رياسته. قطعه الدعاء لبني العباس. إحجامه عن التلقب بالخلافة. أقوال ابن خلدون في ذلك. نظام الحكومة في عهده. حجابه وأعوانه. استرابته بالعرب بعد الثقة فيهم. اصطناعه الموالي والبربر. سياسته نحو النصارى. مقدرته الإدارية. عنايته بالجيش والأسطول. تفكيره في غزو الشام. منشآته بقرطبة. الرصافة. السور الكبير. المسجد الجامع.
(3) كرمه وتواضعه. نقش خاتمه. خلاله الأدبية. نثره وشعره.
(4) عناصر المجتمع الأندلسي. العرب والبربر والمولدون. النصارى المعاهدون واليهود.
- 1 -
توفي عبد الرحمن الأموي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة 172 هـ (2 أكتوبر سنة 787 م) (1) وهو في نحو الثامنة والخمسين من عمره، بعد أن حكم الأندلس ثلاثة وثلاثين عاماً ملؤها الخطوب والفتن. فخلفه ولده هشام بعهد منه لأيام قلائل من وفاته. وانتظم بذلك سلك الدولة الأموية بالأندلس بعد أن تصرم بالمشرق، واستؤنفت حياة تلك الدولة الزاهرة، التي بلغ الإسلام على يدها ذروة الفتح والظفر، والتي ذهبت سراعاً كالحلم في عنفوان قوتها.
_______
(1) يختلف المؤرخون في تاريخ وفاة عبد الرحمن. ويستفاد من أقوال صاحب أخبار مجموعة أنها وقعت في أوائل سنة 172هـ (ص 116). ويوافقه ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد على ذلك، فيقول إنها وقعت في 12 جمادى الأولى سنة 172 هـ (العقد الفريد ج 3 ص 201). ولكن ابن حيان مؤرخ الأندلس يضعها في 24 ربيع الآخر سنة 171هـ (المقري ج 2 ص 72). وهذه أيضا رواية ابن الأبار (الحلة ص 37). على أننا نرجح الرواية الأولى لقدمها، وهي أيضا رواية ابن عذارى حيث يضع وفاة عبد الرحمن في 24 ربيع الآخر سنة 172هـ (البيان المغرب ج 2 ص 60). ويضعها كل من ابن خلدون (ج 4 ص 124)، والمراكشي (المعجب ص 9) في سنة 172هـ دون تعيين الشهر. ويضعها ابن الأثير في ربيع الآخر سنة 171، ولكنه يرجح وقوعها سنة 172هـ (ج 6 ص 37).
(1/192)

كان سقوط الدولة الأموية بالمشرق مأساة من أروع مآسي التاريخ الإسلامي، وكانت تلك الشخصية التي قامت على كاهلها دعائم الدولة الجديدة، من أعظم شخصيات الحرب والسياسة. كان عبد الرحمن الأموي يتمتع بعبقرية ممتازة وخلال نادرة. وكان قرين جده العظيم معاوية بن أبي سفيان، ينشئ مثله دولة، ولكن في ظروف أسوأ من ظروفه، ويهزم الخطوب والحوادث، ويسحق خصومه في كل ميدان، ويوثر مثل السياسة العملية على كل اعتبار، ويذهب توا إلى الغاية بأي الوسائل. وكانت المحنة المروعة التي نزلت بأسرته، والظروف العصيبة التي يواجهها، والخصومات والأحقاد المستمرة التي تحيط به، تحمل خلاله القوية إلى ذروة التطرف، وتدفعه إلى التذرع بأشد الوسائل. فنراه يقرن وافر العزم بفيض من الجرأة والمغامرة واحتقار الخطر، ويقرن وافر الدهاء بنزوع إلى الخيانة والغدر والفتك، ويقرن وافر الحزم والصرامة بنزوع إلى القمع الذريع، ويذهب في الانتقام إلى حدود مروعة من القسوة. ومع ذلك فقد كان عبد الرحمن وفياً يحفظ العهد والصنيعة لمن أخلص له، وإن لم يحجم لأقل ريب أو بادرة عن الفتك بأعز أصدقائه وأقرب الناس إليه. وقد رأينا هذه الخلال واضحة بارزة، في كثير مما تقدم من حوادث حياته ونضاله، فرأيناه مرارا يلجأ إلى الغدر والاغتيال للتخلص من خصومه، ورأيناه في مواطن كثيرة يزهق دون تردد، كل من وقع في يده من أولئك الخصوم أو من ولدهم وصحبهم الأبرياء. وذهب عبد الرحمن في صرامته وقسوته إلى البطش بكثير من أصدقائه، الذين آزروه يوم مقدمه، شريدا لا عصبة له، وقاتلوا معه وقادوه إلى الظفر والحكم، وكان قد أولاهم في المبدأ ثقته وجعلهم عماد دولته. ومن هؤلاء بدر مولاه الذي جاب معه القفر وخاض الغمار، وكان مثالا للشجاعة والدهاء وبعد النظر، فإنه قدر في البداية خلاله وكفايته وولاه القيادة واختصه بأسمى المناصب والمهام، ولكنه تغير عليه في أواخر عهده، لما أبداه من التذمر وعدم الرضى، ولما وجهه إليه من عتاب خشن تجاوز فيه حد اللياقة، فنكبه وجرده من مناصبه وأمواله، وشرده عن قرطبة إلى قاصية الثغر، ولم يستمع إلى تضرعه حتى مات في فقر وضعة (1). ومنهم أبو عثمان رأس أنصاره،
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 69 و71، حيث يورد طرفا من الرسائل التي تبادلها عبد الرحمن وبدر، والتي انتهت بنكبة بدر. وراجع الإحاطة لابن الخطيب (1956) ج 1 ص 453.
(1/193)

وأول من تلقاه وآواه يوم مقدمه، فإنه جعله كبير دولته، فلما توطد أمره جرده من نفوذه، ولما وقعت المؤامرة التي دبرها بعض الوافدين من بني أمية، واتهم أبو عثمان بالاشتراك في تدبيرها استراب به، ولم ينقذه من بطشه إلا عظم صنيعه لديه. ولما ثار ابن أخت أبي عثمان في بعض حصون إلبيرة، لم يتردد عبد الرحمن في قتله حين ظفر به. وكذا تغير عبد الرحمن على عبد الله بن خالد، صهر أبي عثمان وزميله في مؤازرة عبد الرحمن ونصرته، وكان من وزرائه، ثم اعتزل المنصب، وتوارى لما رأى من غدر عبد الرحمن بزعيم اليمنية أبي الصباح، وكان أبو الصباح هو الذي جمع كلمة اليمنية في إشبيلية حول عبد الرحمن وقاتل معه بصحبه، ثم انحرف عنه لأمور نقمها منه، فاستدرجه عبد الرحمن إلى قرطبة وفتك به في نفس مجلسه بالقصر، ناكثا لعهوده كما قدمنا (1). بل لم يحجم عبد الرحمن عن الفتك بذويه وخاصة أسرته، حينما نمى إليه أنهم يأتمرون به، فقتل ابني أخيه عبيد الله بن أبان والمغيرة بن الوليد، وابن عمه عبد السلام اليزيدي حسبما فصلنا.
والخلاصة أن عبد الرحمن كان يلجأ في تحقيق غاياته إلى أروع الأساليب والوسائل، وكان طاغية مسرفاً في البطش والسفك، مكيافيلليا (2) بكل معاني الكلمة. ولكن تلك الخلال المثيرة التي كان يحفزها ويذكيها الخطر الداهم، كانت عنوان قوته ووسيلة ظفره. يقول دوزي: " لقد دفع عبد الرحمن ثمن ظفره غاليا، ذلك الطاغية الغادر الصارم المنتقم، الذي لا تأخذه رأفة. ولم يبق زعيم عربي أو بربري، يجرؤ على مواجهته صراحة، ولكن الجميع كانوا يلعنونه خفية. ولم يك ثمة رجل يرغب في خدمته ". ثم يقول: " كان هم عبد الرحمن الدائم أن يذل العرب والبربر إلى الطاعة، وأن يرغمهم على التعود على النظام والسلام، وقد لجأ في تحقيق هذه الغاية إلى جميع الوسائل، التي لجأ إليها ملوك القرن الخامس عشر لسحق الإقطاع. بيد أنه كان مصيرا محزنا ذلك الذي دفع القدر إليه اسبانيا، وكانت مهمة محزنة تلك التي كان على خلفاء عبد الرحمن أن يضطلعوا بها. ذلك أن الطريق الذي رسمه لهم مؤسس الأسرة، كان طريق الطغيان يؤيده السيف. ولكن من الحق أن نقول إن ملكاً لا يستطيع أن يحكم العرب والبربر
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 67 و71.
(2) نسبة إلى مكيافيللي صاحب المذهب السياسي المشهور، وخلاصته أن للأمير أن يتذرع في تحقيق الغاية بأى الوسائل، ومنها الغدر والخيانة والسفك وكل ما إليها.
(1/194)

بغير هذه الوسيلة، وإذا كان العنف والطغيان ثمة في ناحية، ففي الناحية الأخرى يوجد الاضطراب والفوضى " (1).
على أن عبد الرحمن كان إلى جانب هذه الصفات المثيرة، يتمتع بكثير من الخلال الباهرة، وقد أجمل ابن حيان مؤرخ الأندلس خلاله في تلك العبارات القوية، قال: " كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولايسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، تم لاينفرد في إبرامها برأيه، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر قليل الطمأنينة، بليغاً، مفوهاً، شاعراً، محسناً، سمحاً، سخياً، طلق اللسان " (2). وهذا التصوير الرائع الذي يقدمه لنا ابن حيان عن خلال تلك الشخصية الممتازة، إنما هو صورة بارزة من صور العظمة والبطولة، توضحها في جملتها، وفي تفاصيلها حياة عبد الرحمن في جميع أدوارها.
ويشبهه ابن حيان أيضا بأبى جعفر المنصور في قوة الشكيمة، ومضاء العزم، وفي القسوة والصرامة والاجتراء على الكبائر (3).
وإذا كانت هذه الصفات والخلال القوية المثيرة معا، لا تحمل على الحب، فإنها تحمل على الإعجاب بلا ريب. بل إن المتأمل ليشعر بعطف خاص نحو هذه الشخصية الفريدة، ويرجع ذلك بلا ريب إلى تلك الحياة المؤثرة، التي خاض عبد الرحمن غمارها، وتلك المحن الأليمة التي نزلت بأسرته، وتلك الجهود الفادحة التي بذلها لاسترداد حقه وحق أسرته في الحياة والرياسة. وكانت هذه الحياة المؤثرة وما انتهت إليه من النتائج الباهرة، تحمل ألد خصوم عبد الرحمن على احترامه والإعجاب به، حتى لقد سماه أبو جعفر المنصور " صقر قريش " في حديث طريف تنقله إلينا الرواية، وهو أن المنصور قال يوما لبعض أصحابه، " من صقر قريش من الملوك؟ " قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك وسكن الزلازل وحسم الأدواء. قال ما صنعتم شيئا. قالوا فمعاوية، قال ولا هذا. قالوا
_______
(1) Dozy: Hist.V.I.p. 245, 248
(2) نقله نفح الطيب ج 2 ص 67.
(3) نفح الطيب ج 1 ص 156.
(1/195)

فعبد الملك بن مروان، قال لا. قالوا فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي تخلص بكيده عن سنن الأسنة وظباة السيوف، يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدا أعجميا منفردا بنفسه، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكا عظيما بعد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة شكيمته. إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذلل له صعبه، وعبد الملك ببيعة أبرم عقدها، وأمر المؤمنين بطلب عزته واجتماع شيعته، عبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين (1).
هذا وأما عن شخصه، فقد وُصف عبد الرحمن، بأنه كان مديد القامة، نحيف القوام، أعور، أخشم (2) له ضفيرتان، أصهب (3)، خفيف العارضين، له خال في وجهه (4).
- 2 -
كانت الأندلس حتى ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ولاية من ولايات الخلافة الأموية. فلما انهار سلطان بني أمية، انفرد يوسف بالأمر، وغدت الأندلس في عهده إمارة مستقلة. وتلقى عبد الرحمن الأموي تراث الإمارة كما خلفه يوسف، ولم ينشئ رغم كونه سليل بني أمية، لنفسه شيئا جديدا من رسوم الملك. وتلقبه الرواية الاسلامية أحياناً بالأمير، وأحيانا بالإمام (5)، ويلقب أيضا بصاحب الأندلس (6). ويعرف بعبد الرحمن الداخل لأنه أول من دخل الأندلس من أمراء بني أمية وحكمها، ويعرف أيضا بعبد الرحمن الأول، لأنه أول أمراء ثلاثة من بني أمية بهذا الاسم حكموا الأندلس، هم عبد الرحمن الداخل،
_______
(1) راجع أخبار مجموعة ص 118 و119؛ والبيان المغرب ج 2 ص 61 و62، وبين الروايتين اختلاف يسير في الألفاظ.
(2) هو الذي فقد حاسة الشم.
(3) من الصهبة والصهوبة وهي احمرار الشعر.
(4) نفح الطيب ج 1 ص 156؛ وابن الأثير ج 6 ص 37.
(5) راجع أخبار مجموعة ص 100 - 104 حتى نهاية الحديث عن عبد الرحمن، وابن خلدون ج 4 ص 122، والبيان المغرب ج 2 ص 51 وما بعدها، وص 60، حيث ينعت عبد الرحمن بالإمام، وكذلك نفح الطيب ج 2 ص 74، والروض المعطار (القاهرة 1937) ص 186.
(6) ابن الأثير ج 6 ص 37، والبيان المغرب ج 2 ص 50.
(1/196)

وحفيده عبد الرحمن الأوسط (ابن الحكم)، ثم عبد الرحمن الناصر.
وكانت الدعوة العباسية قد انتهت إلى الأندلس حين مقدم عبد الرحمن، وذاعت في منابرها، ودعى في الخطبة لبني العباس في كثير من النواحي، ثم دعى لهم في قرطبة ذاتها، ودعى عبد الرحمن الداخل نفسه لأبى جعفر المنصور مدى أشهر، وكان ذلك رغم غرابته وتناقضه، عملا من أعمال السياسة. ولكن جماعة من بني أمية الذين وفدوا على الأندلس، وعلى رأسهم عبد الملك المرواني، اعترضوا على هذا التصرف، ونوهوا بما أثم به بنو العباس في حق بني أمية، وما زالوا بعبد الرحمن حتى قرر قطع ذكر بني العباس من الخطبة (139هـ)، فقطعت من سائر منابر الأندلس (1). ولكن عبد الرحمن لم يحاول أن يتخذ سمة الخلافة قط، رغم كونه سليل أقيالها. ويرجع ذلك إلى اعتبارات دينية وسياسية، يجملها ابن خلدون في قوله، إن بني أمية بالأندلس " تلقبوا كسلفهم مع ما علموه من أنفسهم من القصور عن ذلك، بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة، والبعد عن دار الخلافة التي هي مركز العصبية، وأنهم إنما منعوا بإمارة القاصية أنفسهم عن مهالك بني العباس " (2). ويقول لنا في موضع آخر إن عبد الرحمن لم يتخذ سمة الخلافة تأدبا منه في حق الخلافة بمقر الإسلام ومنتدى العرب (3). ويقول المسعودي إن الخلافة لم يكن يستحقها عند بني أمية إلا من كان مالكا للحرمين، ولذلك سموا بالخلائف، حتى بعد أن تسموا بالخلافة ولم يخاطبوا بالخلفاء (4). وعلى أي حال فإن بواعث السياسة العملية، هي التي حملت عبد الرحمن على سلوك هذا المسلك، والحرص على عدم التورط في رسوم لم يحن الوقت لاتخاذها، والدخول بذلك مع الخلافة العباسية القوية في منافسة لا تؤمن عواقبها.
وأما عن نظام الحكومة، فقد اتبع عبد الرحمن الداخل سنة أسلافه بالمشرق في تبسيط الرسوم والنظم، وأنشأ منصب الحجابة، ولكنه لم ينشىء مناصب الوزارة، بل استعاض عنها بأعوان وأشياخ يعاونونه في القيام بمهام الحكم، وليست لهم سمة الوزارة، وإنما هم أقرب إلى الخاصة وأهل الشورى. واختار أعوانه في
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 78، وابن الأبار في الحلة السيراء (ليدن) ص 33.
(2) المقدمة ص 190.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 122.
(4) المسعودي في مروج الذهب (بولاق) ج 1 ص 78.
(1/197)

البداية من أصدقائه، الذين استقبلوه يوم مقدمه، وآزروه وقاتلوا معه، فولى حجابته تمام بن علقمة، ثم ولاها من بعده ليوسف بن بخت الفارسي مولى عبد الملك ابن مروان، ثم عبد الكريم بن مهران الغساني، ثم عبد الرحمن بن مغيث ولد مغيث فاتح قرطبة، وولاها في آخر أيامه لمنصور الخصي، فلم يزل في حجابته حتى توفي. وعين لمشورته أبا عثمان عبيد الله بن عثمان كبير أنصاره، وصهره عبد الله بن خالد، فكانا مدى حين دعامة حكومته. وكان من أعوان حكومته أيضا جدار بن عمرو، وأبو عبدة حسان بن مالك زعيم إشبيلية، وشهُيد بن عيسى ابن شهيد، وعبد السلام بن بسيل الرومي، وهما من موالي بني أمية، وثعلبة ابن عبيد الجذامي الذي ولاه سرقسطة فيما بعد، وعاصم بن مسلم الثقفي وهو من خاصة أنصاره يوم المسارّة. وولى قيادة عسكره مولاه بدرا، وتمام بن علقمة، وعبد الملك المرواني، وثعلبة بن عبيد، وغيرهم من خاصة عصبته، وقد كان عبد الرحمن يتولى بنفسه قيادة الجيش، في معظم الوقائع والحروب التي نشبت بينه وبين خصومه كما رأينا. وولى عبد الرحمن على الكور والثغور جماعة مختارة من أصدقائه، وذوى رحمه الوافدين عليه حسبما فصلنا في مواضعه. وعلى الجملة فقد كانت حكومة عبد الرحمن الداخل تقوم في البداية بالأخص على العصبية والموالاة، وكانت عربية في بنائها وروحها، ولكن الخصومة المستعرة التي شهرها زعماء القبائل والبطون المختلفة على عبد الرحمن، والثورات المستمرة التي عملوا على إضرامها من حوله، ونكثهم المتكرر بعهودهم، حمله على الاسترابة بالعرب والحذر منهم، فمال عنهم إلى اصطناع الموالي والبربر، ولاسيما بربر العُدوَة (المغرب) وحشد حوله من الموالي والبربر والرقيق آلافاً مؤلفة، لتكون له وقت الحاجة عونا يركن إليه ويثق به. وكان ذلك قاعدة للسياسة التي سار عليها خلفاء عبد الرحمن الداخل من بعده، والتي بلغت ذروتها في عهد عبد الرحمن الناصر، كما نفصل في موضعه (1).
وأما عن سياسة عبد الرحمن نحو رعاياه النصارى (المستعربين)، ونحو نصارى الشمال، فقد كانت سياسة اعتدال ومهادنة. وكان من الواضح أنه نظراً لاشتغاله المستمر بأمر الثورات الداخلية، لم يفكر في غزو أرض النصارى، وأنه
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 1 ص 156، وج 2 ص 67.
(1/198)

كان يرحب بعقد السلم والمهادنة معهم. وهذا الأمان الذي يقال إن عبد الرحمن أصدره لجيرانه نصارى قشتالة يؤيد هذه السياسة وهذا نصه:
" بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب أمان الملك العظيم عبد الرحمن، للبطارقة والرهبان والأعيان والنصارى والأندلسيين أهل قشتالة، ومن تبعهم من سائر البلدان. كتاب أمان وسلام، وشهد على نفسه أن عهده لا ينسخ ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال، مع ألف درع وألف بيضة ومثلها من الرماح، في كل عام إلى خمس سنين، كتب بمدينة قرطبة ثلاث صفر عام اثنين وأربعين ومائة (759 م) " (1).
وكان عبد الرحمن الداخل يتمتع بمواهب إدارية باهرة، فاستطاع خلال الاضطراب الشامل أن يوطد دعائم الحكم والإدارة، وأن يقمع كثيراً من ضروب الفساد والبغي، وأن يؤيد هيبة القانون والنظام. ولما توطد سلطانه وخبا ضرام الثورة نوعاً، استطاعت الأندلس أن تتمتع في ظل حكومته بأمن وطمأنينه ورخاء لم تعرفها منذ بعيد، ولو لم يُشغل عبد الرحمن طوال عهده بقمع الثورة والفتن الداخلية، لاستطاع كأسلافه الفاتحين الأوائل، أن يبعث الأندلس خلقا جديدا، وأن يجعل منها حديقة يانعة. على أنه ذلل الصعب ومهد الطريق لعقبه، واستطاع أن يضع دعائم تلك المملكة، التي غدت على يد بنيه أعجوبة العصور الوسطى. وينوه ابن حيان مؤرخ الأندلس بمقدرة الداخل وكفاياته الإدارية فيقول إنه " دون الدواوين، ورفع الأواوين، وفرض الأعطية، وعقد الألوية، وجند الأجناد، ورفع العماد، وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، وأخذ للسلطان عدته " (2).
وعنى عبد الرحمن بالجيش عناية خاصة، فحشد المتطوعة والمرتزقة من كل صوب، وبلغت قواته مائة ألف مقاتل (3)، هذا عدا حرسه الخاص الذي أنشأه
_______
(1) أورد ابن الخطيب في كتاب الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) نص هذا الكتاب ونقله عنه الغزيري في فهرسه. راجع Casiri: Bibliotheca Arabico - Hispana Escurialenses.Vol.II.p. 104. بيد أننا نرتاب على الأقل في صحة الأرقام التي وردت به لضخامتها بالنسبة لموارد النصارى في هذا العصر.
(2) نقله نفح الطيب ج 1 ص 155.
(3) نفح الطيب ج 2 ص 74.
(1/199)

من الموالي والبربر والرقيق حسبما قدمنا ويبلغ زهاء أربعين ألفا (1). كذلك عنى عبد الرحمن في أواخر عهده بأمر القوات البحرية، فأنشأ عدة قواعد لبناء السفن في بعض الثغور النهرية والبحرية، مثل طركونة وطرطوشة وقرطاجنة وإشبيلية وغيرها (2). ويقال إن عبد الرحمن الداخل لما توطد ملكه، وكثرت قواته وعدته، فكر في استرداد ملك بني أمية بالشام، والرحيل إلى المشرق ببعض قواته، واستخلاف ولده سليمان على الأندلس، وأيده في ذلك خاصة أسرته ومواليه. وكان ذلك في سنة 163هـ. ولكن اضطرام الثورة في سرقسطة حال بينه وبين ذلك العزم، وتوفي قبل أن تسنح فرصة لتنفيذه (3). وقد تكون هذه أمنية جالت بذهن عبد الرحمن، ولكنا لا نجد في ظروف حياته التي انقضت كلها في إخماد الفتن والثورات المحلية، ما يسمح باعتبار مثل هذه الأمنية مشروعاً جدياً تتخذ العدة لتنفيذه.
واستطاع الداخل أيضاً أن يعني بالحاضرة الأموية الجديدة أعني قرطبة، فحصنها وزينها بالمنشآت الفخمة والرياض اليانعة. وكان أول ما أنشأ بها في عهده منية الرُّصافة وقصرها المنيف. وكان قصر الإمارة بناء قديماً ساذجاً يرجع إلى عهد القوط، فرأى عبد الرحمن أن ينشئ ضاحية ملوكية جديدة، تليق بحاضرة ملكه، وتعيد ذكرى بهاء بني أمية بالمشرق، فأنشأ في شمال غربي قرطبة قصراً فخماً تحيط به حدائق زاهرة، وجلب إليها مختلف الغروس والبذور والنوى من الشأم وإفريقية، وسمى تلك الضاحية الجديدة بالرُّصافة تخليداً لذكرى الرُّصافة التي أنشأها جده هشام بالشأم، واتخذها مقاماً ومنتزهاً ومركزاً للإمارة، وكانت حدائق الرصافة أماً لحدائق الأندلس، ومنها انتشرت بالأندلس غروس الشام وإفريقية (4). وفي سنة 150هـ بدأ عبد الرحمن بإنشاء سور قرطبة الكبير، واستمر العمل فيه مدى أعوام (5). وأنشأ عبد الرحمن في قرطبة وفي باقي مدن الأندلس مساجد محلية عديدة، وبدأ في أواخر أيامه (سنة 170 هـ - 786 م) بإنشاء المسجد
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 67.
(2) Reinaud: ibid , p. 120
(3) نفح الطيب ج 1 ص 156، وج 2 ص 76.
(4) نفح الطيب ج 1 ص 217.
(5) ابن خلدون ج 4 ص 123.
(1/200)

الأموي الجامع بقرطبة، وكان موضعه كنيسة قوطية قديمة، وجلب إليه الأعمدة الفخمة والرخام المنقوش بالذهب واللازورد. ولكنه توفي قبل إتمامه، فأتمه ولده هشام، وزاد فيه من بعده ملوك بني أمية، حتى غدا أعظم مساجد الأندلس، وبلغ ما أنفقه عليه الداخل وحده زهاء مائة ألف دينار (1). وأنشأ عبد الرحمن أيضا في قرطبة داراً للسكة، تضرب فيها النقود على نحو ما كانت تضرب في دمشق أيام بني أمية وزناً ونقشاً.
- 3 -
وكان عبد الرحمن الأموي جواداً، جم البساطة والتواضع، يؤثر لبس البياض ويعتم به، يصلي بالناس أيام الجمع والأعياد، ويحضر الجنائز ويصلى عليها، ويعود المرضى، ويزور الناس ويخاطبهم، ولم ينحرف عن هذه الديمقراطية إلا في أواخر عهده، حينما نصحه بعض خاصته بالترفع، استبقاء لهيبة الملك، والحذر من بوادر العامة وشر المتآمرين (2). وقد كان في نقش خاتمه " عبد الرحمن بقضاء الله راض " و" وبالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم " ما ينم عن ذلك التواضع الجم (3)، حيث لم يتخذ لقب المظفر أو الناصر أو المنصور وما إليها.
بقي أن نتحدث عن ناحية أخرى من خلال عبد الرحمن البديعة، هي الناحية الأدبية. كان عبد الرحمن شاعراً جيد النظم، ناثراً فصيح البيان، قوى الترسل، عالماً بالشريعة، وكان يعتبر من أعظم بني مروان مكانة في البلاغة والأدب (4). وقد انتهت إلينا بعض رسائله وفيها تبدو قوة بيانه وفيض بلاغته. ومن ذلك رسالة موجزة وجهها إلى سليمان بن يقظان حين خروجه عليه: " أما بعد، فدعني من معارض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق، لتمدن يداً إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لألقين بناتها على رصف المعصية، نكالا بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد ". ومنها رسائله إلى بدر مولاه، يزجره عن تمرده وانحرافه وقد كتب إليه حين ألحف في طلب العفو والمنة: " لتعلم أنك لم تزل بمقتك حتى
_______
(1) نفح الطيب ج 1 ص 155، والبيان المغرب ج 2 ص 60.
(2) نفح الطيب ج 2 ص 67.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 50، ونفح الطيب ج 2 ص 76.
(4) البيان المغرب ج 2 ص 60 و62؛ ونفح الطيب ج 2 ص 69؛ والمراكشي في المعجب ص 10.
(1/201)

ثقلت على العين طلعتك، ثم زدت إلى أن ثقل على السمع كلامك، ثم زدت إلى أن ثقل على النفس جوارك، وقد أمرنا بإقصائك إلى أقصى الثغر ... ". ومن أقواله لأصحابه يوم المسارّة يشحذ هممهم للقتال: " هذا اليوم هو أس ما يبنى عليه، إما ذل الدهر وإما عز الدهر، فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون، تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون " (1).
وانتهى إلينا من نظم عبد الرحمن ما يدل على قوة شاعريته ورقة خياله. فمن ذلك قوله حين بلغه أن بعض أصدقائه يمن عليه، ويزعم أنه لولاه لما صار الملك إليه:
سعدي وحزمي والمهند والقنا ... ومقادير بلغت وحال حائل
إن الملوك مع الزمان كواكب ... نجم يطالعنا ونجم آفل
والحزم كل الحزم أن لا يغفلوا ... أيروم تدبير البرية غافل
ويقول قوم سعده لا عقله ... خير السعادة ما حماها العاقل
وأشاد بعضهم أمامه بموقف الغمر بن يزيد بن عبد الملك في مجلس عبد الله ابن علي جلاد بني أمية، ونعيه عليه إثمه في حقهم وسفكه لدمائهم، وفقده لحياته ثمناً لجرأته، فأنشد عبد الرحمن:
شتان من قام ذا امتعاص (2) ... فشال ما قال واضمحلا
ومن غدا مصلتا لعزم (3) ... مجرداً للعداة نصلا
فجاب قفراً وشق بحراً ... ولم يكن في الأنام كلاّ
فبز ملكاً وشاد عزاً ... ومنبراً للخطاب فصلا
وجند الجند حين أودى ... ومصر المصر حين أجلى
ثم دعا أهله جميعاً ... حيث انتأوا أن هلم أهلا (4)
ومن قوله في التشوق إلى ربوع الشام، وهو رقيق مؤثر:
أيها الركب الميمم أرضي ... أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 68 - 70، حيث يورد عدة من رسائل عبد الرحمن وأقواله.
(2) يريد الغمر بن يزيد بن عبد الملك.
(3) يريد نفسه أى عبد الرحمن الداخل.
(4) هكذا يوردها المقري (نفح الطيب ج 2 ص 68)؛ ولكن صاحب البيان المغرب يوردها بصورة أخرى ج 2 ص 61).
(1/202)

قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضى
قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضى
ورأى بروض الرصافة وهي الضاحية الجديدة التي أنشاها، نخلة منفردة، فأثار منظرها في نفسه ذكرى وشجناً وأنشد (1):
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بنيي وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن من صوبها ... الذي يسح ويستمرىء السماكين بالويل (2)
- 4 -
هذا ويجب أن نستعرض هنا، وقبل اختتام الكلام على عصر عبد الرحمن الداخل، عناصر المجتمع الأندلسي، الذي كان خلال هذه الأحداث والخطوب التي توالت عليه منذ أيام الفتح، قد استقر، وأخذت جذوره في التوطد والرسوخ، وأخذت عناصره المختلفة، يؤدى كل منها دوره في غمرة الحوادث، مستهديا بعواطفه وأمانيه ومثله الخاصة.
وقد سبق أن أشرنا بإيجاز إلى أن المجتمع الإسلامي الذي قام في شبه الجزيرة عقب الفتح، كان يتألف من عناصر رئيسية ثلاثة، هي العرب، والبربر، والمولدون. كما أشرنا إلى عناصر الشقاق والتفرق التي كانت تعمل في صفوف هذا المجتمع الإسلامي الجديد.
كانت البطون العربية التي اشتركت في الفتح، واستقرت في شبه الجزيرة تضطرم منذ البداية بروحها القبلي المتأصل، ولم تستطع قط أن تتحرر من هذا
_______
(1) وينسب هذا الشعر أيضا لعبد الملك بن بشر بن عبد الملك بن مروان، وكان من الداخلين إلى الأندلس (راجع الحلة السيراء ص 34).
(2) يورد ابن الأبار في هذا الموطن رواية يفهم منها أن هذه النخلة هي أول نخلة غرست بالأندلس، ومنها تولد جميع النخيل بالأندلس فيما بعد، وإذا فيكون عبد الرحمن الداخل هو أول من نقل غراس النخيل بالأندلس فيما نقل من غراس الشام إلى الرصافة (الحلة السيراء ص 35). ولكن يحق لنا أن نلاحظ أن العرب فتحوا الأندلس قبل ذلك بنحو ثمانين عاما، ومن قبلها فتحوا إفريقية؛ ومن المعقول أن يكون النخل قد نقل إليها فيما نقلوا من غراس بلادهم؛ وقد نقلوه قبل ذلك إلى مصر منذ الفتح. وإذا كان النخيل قد غرس بإفريقية عقب افتتاحها، أفلا يكون من المرجح أنه قد نقل منها إلى الأندلس عقب افتتاحها أيضا؟ وقد كان أول ما عنى به العرب في الأندلس تنظيم الزراعة وغرس الحدائق.
(1/203)

الروح النكد، الذي أشاع فيما بينها عوامل الشقاق والتنابذ، وأثار فيما بينها غير مرة ضرام الحرب الأهلية. وقد رأينا كيف عانت الأندلس في أواخر عهد الولاة من هذه الحرب الأهلية، التي اضطرمت بين المضرية واليمنية وبين البلديين والشاميين، وكيف كادت تودي بسلامة الأندلس ومنعتها. ثم رأينا كيف قضى عبد الرحمن الداخل معظم عهده في مكافحة الثورات المتعاقبة التي شهرها في وجهه زعماء القبائل والبطون في سبيل الاحتفاظ بسلطانهم المحلي. وهكذا كانت القبائل العربية في الأندلس منقسمة على نفسها، وإن كانت الرياسة قد بقيت فيها على يد الدولة الأموية الجديدة التي قامت في شبه الجزيرة. بيد أن العرب لم يكونوا بين كتلة الأمة الأندلسية أغلبية، بل كانوا بالعكس أقلية تتمثل بالأخص في الأرستقراطية العربية التي استأثرت بمعظم مغانم الفتح، واستولت حينا على أزمة الحكم، واحتلت في شبه الجزيرة معظم البقاع الخصبة. وقد ذكر لنا ابن غالب في " فرحة الأنفس "، كثيراً من البطون العربية التي استقرت بالأندلس، وبعض من كان ينتمي إليها من الأسر الأندلسية النابهة، وذكر لنا من منازلها، بلنسية وأوريولة وإشبيلية وغرناطة ووادي آش (1). وكانت الأرستقراطية العربية تستقر بالأخص في القواعد والمدن الكبيرة، ولا سيما في قرطبة، وتترك العمل في ضياعها الشاسعة للموالي والبربر، وكان أمراء بني أمية منذ عهد عبد الرحمن الداخل يعملون على مقارعة هذه الأرستقراطية القوية وإخضاعها، حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فقضى على سلطانها السياسي والاجتماعي، ورفع إلى مكانها الموالي والصقالبة، ثم جاء المنصور بن أبي عامر، فعمل على تمزيقها وتشتيتها، وخلق أرستقراطية جديدة من البربر تقوم مكانها، ومن ذلك الحين تغيض الأصول العربية في شبه الجزيرة تباعا، وتضمحل مكانتها وأهميتها.
ويرجع انكماش العنصر العربي في الأمة الأندلسية، أولا إلى كونه يمثل الطبقة الممتازة وهي تكون الأقلية دائما، وثانيا إلى أن الهجرة العربية إلى شبه الجزيرة لم تكن هجرة غزيرة، وقد توقفت تقرييا منذ القرن الثالث الهجري، ولم يكن ما ينسب للأمراء والكبراء من كثرة النسل، لامتلاء قصورهم بالجواري، مما يعوض هذا النقص العنصري.
وإلى جانب الأقلية العربية الأرستقراطية، يجب أن نذكر طائفة الموالي التي
_______
(1) نقله المقري في نفح الطيب ج 1 ص 136 و137.
(1/204)

كانت تنتمى اليها أولا وتشد بأزرها، ثم انقلبت عليها فيما بعد حينما تمكنت واشتد نفوذها. وقد نمت هذه الطائفة بمر الأيام. وظهر منها كثير من القادة والزعماء النابهين، الذين شغلوا أعظم المناصب في الدولة وفي الجيش، مثل بني شُهيد، وبني مغيث وبني عَبْدَه، وبني جهور، وبني بسيل، وهم الذين شغلوا مناصب القيادة والحجابة أجيالا. والى جانب هؤلاء، يجب أن نذكر طائفة الصقالبة الأجانب التي ظهرت أهميتها منذ أيام عبد الرحمن الداخل، وبلغت ذروة تضخمها ونفوذها أيام عبد الرحمن الناصر. وقد كان بنو أمية يؤثرون اصطناع هؤلاء الموالي والإفادة من عونهم وتأييدهم.
وأما العنصر الثاني الذي كانت تتكون منه الأمة الأندلسية فهو عنصر البربر.
وقد قام البربر حسبما رأينا بأكبر قسط في فتح الأندلس، وفي الغزوات التي اضطلعت بها الجيوش الاسلامية فيما وراء البرنيه، وكانوا في معظم الأحيان أغلبية في تلك الجيوش، وإن كانت القيادة قد لبثت على الأغلب في أيدي القادة والضباط العرب. وكانت هجرة القبائل البربرية إلى شبه الجزيرة أسرع وأشد كثافة من هجرة العرب، أولا لقرب منازلهم في العدوة من شبه الجزيرة، وثانيا لشعورهم بما كان لهم من فضل في أعمال الفتح، وثالثا لما كان يحفزهم من آمال في البحث وراء طالعهم في هذا القطر الجديد، الذي كانت وديانه الخضراء تجذبهم من بواديهم المقفرة. وقد استمرت هجرة البربر على هذا المنوال أجيالا، بينما كانت هجرة العرب من منازلهم البعيدة في شبه الجزيرة العربية وفي الشام بطيئة محدودة أضف إلى ذلك ما عمد إليه أمراء بني أمية، منذ عهد عبد الرحمن الداخل من اصطناع البربر إلى جانب الموالي والصقالبة، والاستعانة بهم في تدعيم سلطانهم، لاسترابتهم بالقبائل العربية. وقد بلغت هذه السياسة كما سنرى فيما بعد ذروتها في عهد المنصور بن أبي عامر، حيث انثالت القبائل البربرية على شبه الجزيرة، واحتل زعماؤها معظم المناصب الكبيرة، وأضحى سواد الجيش مؤلفا منها. وقد كانت معظم البطون البربرية المهاجرة تنتمي بالأخص إلى زناتة ومصمودة ومكناسة ونفزة والبرانس، واشتهرت من هذه البطون بالأخص، مدغرة ومديونة ومكناسة وهوارة. ومنها خرج فيما بعد أمراء كثير من القواعد والثغور، وقامت من بينها ممالك من دول الطوائف. وقد كان البربر أكثرية في الشمال الغربي، وفي وسط الأندلس في منطقة جبال المعدن (أو جبال البرانس)، وفي أراضي السهلة
(1/205)

ووادي الحجارة، ومنطقة شرقي إشبيلية والفرنتيرة، وهي مناطق تمتاز على الأغلب بهضابها الوعرة، وهو ما كان يشجع البربر في أحيان كثيرة على الثورة ومقاومة الحكومة المركزية للمحافظة على استقلالهم المحلي (1).
والعنصر الثالث الذي كانت تتكون منه الأمة الأندلسية هو عنصر المولدين، وهم القوط والإسبان الذين أسلموا منذ الفتح، ودخلوا حظيرة المجتمع الإسلامي إلى جانب زملائهم العرب والبربر، مؤثرين أن يتمتعوا في ظل الإسلام بمزايا المساواة والثقة، والتحرر من القيود والأعباء التي تلاحق الذميين. ويعرف أولئك المولدون في الإسبانية بالخوارج أو المرتدين Renegados، أي الذين ارتدوا عن دينهم القديم، وهو النصرانية، ويسمون أحيانا بالمسالمة أو بالأسالمة أو أسالمة أهل الذمة، متى كان إسلامهم حديثا. وكان المولدون يكونون بين السكان كتلة كبيرة ربما كانت الأغلبية، وقد كان إسلامهم سريعاً، ولم يأت جيل أو اثنان حتى استطاعوا الاندماج في المجتمع الإسلامي، وأضحى من الصعب تمييزهم من المسلمين الأصليين، وغدوا بمضي الزمن عنصرا من أهم عناصر السكان إن لم يكن أهمها جميعاً، سواء من حيث الكثرة أو المستوى الاجتماعي والحضاري.
وإلى جانب هذه العناصر الأساسية الثلاثة، التي كانت تتكون منها الأمة الأندلسية، كان ثمة عنصران آخران هما المستعربون أو النصارى المعاهدون Mozarabes وهم النصارى الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم القديم، ولبثوا يعيشون في المدن والأراضي المفتوحة تحت الحكم الإسلامي، وقد كانت منهم ثمة أقليات كبيرة في بعض المدن مثل طليطلة وقرطبة، واليهود، وقد رأينا كيف ساعدوا الفاتحين المسلمين وقت الفتح، وتعاونوا معهم في حفظ المدن المفتوحة وإدارتها، وقد كانت منهم أقليات في معظم المدن الأندلسية، تتمتع بحماية الحكومات الإسلامية ورعايتها. وقد ازدهرت هذه الأقليات اليهودية فيما بعد، وظهرت منها شخصيات بارزة تولت مناصب كبيرة في الدولة، وغلب نفوذها في بعض المناطق، كما حدث في مملكة غرناطة البربرية، وظهرت كذلك في ميدان العلوم والآداب، ونبغ منها علماء نابهون مثل ابن ميمون وغيره.
تلك هي العناصر المختلفة التي كانت تتألف منها الأمة الأندلسية. وسوف نعود من آن لآخر إلى التحدث عن هذه العناصر في مختلف المواطن والمناسبات.
_______
(1) يحدثنا ابن حزم تفصيلا عن منازل البربر في الأندلس. راجع جمهرة أنساب العرب (القاهرة) ص 463 - 467.
(1/206)

الفصل السابع
المملكة النصرانية الشمالية منذ قيامها إلى ولاية ألفونسو الثاني
بعث المملكة النصرانية في الشمال. اجتماع فلول النصارى في الهضاب الشمالية. الدوق بتروس وبلاجيوس. نشوء المملكة النصرانية. صمت إيزيدرو الباجي عن ذكرها. أقوال الرواية الإسلامية. امارة جليقية والصخرة. رأى لابن خلدون في شأنها. إغفال الفاتحين لأمرها. حملات المسلمين عليها. ارتدادهم عن تلك الهضاب. اجتماع النصارى حول بلاجيوس. حملة ابن أبي نسعة على جليقية. إغارة النصارى على الأراضي الإسلامية. غزو عقبة بن الحجاج لجليقية. نمو المملكة النصرانية. وفاة بلاجيوس. ولده فافيلا. إمارة كانتابريا. تحالفها مع جليقية. اتحادهما تحت ولاية ألفونسو الأول. ألفونسو الأول أو الكاثوليكي. اجتياحه للأراضي الإسلامية. استيلاؤه على أسترقة. أخوه فرويلا أمير كانتابريا. استيلاء ألفونسو على مدينة لك. حملة يوسف الفهري لإنقاذ أربونة. القتال بينه وبين البشكنس. عبور ألفونسو لنهر دويرة. وفاة فرويلا. وفاة ألفونسو. فرويلا الأول. استيلاؤه على شلمنقة وشقوبية وسمورة وقشتالة. اختلاف الرواية الإسلامية في تاريخ هذه الغزوة. خطر المملكة النصرانية. عبد الرحمن الأموي يرسل حملة إلى جليقية. غزو ألبة والقلاع. ما تقوله الرواية النصرانية عن موقعة بونتومو. ثورات النصارى على فرويلا. غزوه لنافار. بطشه وسفكه. إنشاؤه لمدينة أوبييدو. وفاته. انقسام المملكة. ولاية أورليوس للولايات الشرقية. ولاية سيلو للولايات الغربية. وفاة أورليوس. ولاية سيلو على المملكة كلها. الصلح بينه وبين المسلمين. وفاة سيلو. اضطراب المملكة. قيام مورجات ولد ألفونسو الأول. فرار ألفونسو ابن فرويلا إلى ألبة. تحالف مورجات مع المسلمين. أقوال الرواية الاسلامية. وفاة مورجات. ولاية برمند الأول لجليقية. تحالفه مع ألفونسو. تخلي برمند وولاية ألفونسو على المملكة كلها. أسطورة القديس يعقوب وقيام مدينة شنت ياقب. عزلة المملكة الشمالية. خواص مجتمعها.
نقف الآن قليلا في تتبع أخبار دولة الإسلام في الأندلس، لنأتي على أخبار دولة متواضعة أخرى، قامت في اسبانيا إلى جانب الدولة الإسلامية في نوع من الخفاء والصمت، ولم يشعر المسلمون بمولدها ولا نموها في أعوامها الأول، ولم يقدروا أهميتها حين شعروا وجودها، ولم يعنوا بأمرها إلا حينما نمت وانتظمت إلى قوة تستطيع العدوان والمقاومة: تلك هي المملكة الإسبانية النصرانية التي يجب أن تأخذ منذ الآن مكانها في تاريخ شبه الجزيرة، إلى جانب دولة الإسلام فيها. ولم يكن قيام هذه المملكة الناشئة، سوى طور جديد في حياة تلك المملكة
(1/207)

القوطية التي سحقها العرب عند فتح الأندلس (92 هـ - 711 م)، والتي قامت بعد ذلك تستأنف حياتها ضئيلة متواضعة، في قاصية اسبانيا الشمالية الغربية وفيما وراء الصخر، ثم لبثت تنمو بطيئة ولكن ثابتة، حتى رسخت دعائمها في هاتيك الهضاب، وبدأت بعد ذلك معركة الحياة والموت، مع تلك المملكة الإسلامية التي قامت في الجنوب، على أنقاض مملكة القوط القديمة، وهي معركة تشغل منذ الآن حيزاً كبيراً في تاريخ الإسلام في اسبانيا.
وقد نشأت المملكة الإسبانية النصرانية في ظروف كالأساطير، ونشأت في نفس الوقت الذي افتتح فيه العرب اسبانيا، وسحقوا دولة القوط القديمة. ففي موقعة شَريش التي مزق فيها جيش القوط وقتل آخر ملوكهم ردريك (لذريق) (92 هـ)، فرت شراذم قليلة من الجيش المنهزم إلى الشمال، واختفت فيما وراء تلك الجبال الشمالية، التي وقف عندها تيار الفتح الإسلامي، واجتمعت بالأخص في هضاب كانتابريا (نافار وبسكونية) في الشرق، وفي هضاب أشتوريش (1) في الغرب، واجتمع فل النصارى في الهضاب الشرقية تحت لواء زعيم يدعى الدوق بتروس، واجتمع فلّهم في الهضاب الغربية في جليقية تحت لواء زعيم يدعى بلاجيوس أو بلايو. وكان بتروس ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد وتيزا ملك القوط، ثم في عهد خلفه ومغتصب ملكه ردريك. أما بلاجيوس أو بلايو فيحيط الغموض بأصله ونشأته، ولكن يبدو مما تنسبه إليه الرواية من ألوان الوطنية والبسالة والبطولة، أنه كان رفيع المنبت والنشأة، وتقول بعض الروايات إنه ولد الزعيم فافيلا (2) الذي قتل الملك وتيزا في هضاب جليقية، وإنه كان لذلك من خاصة الملك ردريك وقادته. وهذا ما يردده سيمونيت إذ يقول في أصل بلاجيوس ما يأتي؛ " وكان الحزب المتمسك بدينه ووطنه، المنكر لخيانة أولاد وتيزا، قد اختار له رئيساً رفيع المواهب هو الدون بلايو بن فافيلا، من سلالة القوط الملكية. ويقول البعض إنه ولد من يدعى فريمندو، وحفيد للملك ردريك، وقد حارب إلى جانب ردريك. ثم رأى فيه الأحبار والأكابر الذين التفوا حوله، أنه جدير بالعمل على إحياء مملكة
_______
(1) في الجغرافية الحديثة " أستورية " Asturias
(2) ابن خلدون ج 4 ص 179، حيث يقول " وملكوا عليهم (أى الجلالقة) بلاي ابن فافلة ".
(1/208)

القوط " (1). وتعرف الرواية الإسلامية بلايو وتحدثنا عنه وتسميه (بلاي)، وتصفه أحياناً بأنه أمير أو ملك، وتنعته غالباً بأنه " علج من علوج النصارى " (2) وتتبع أخباره مع المسلمين: ولكنها لا تلقي ضياء كثيراً على أصله أو أحوال مملكته الصغيرة. ذلك لأن المسلمين لم ينتبهوا قط إلى ما وراء الهضاب الوعرة، التي امتنع بها هذا الزعيم وفله، والتي نشأت فيها جذور المملكة النصرانية الشمالية، التي غدت غير بعيد خطرا على دولة الإسلام في اسبانيا. ومن الغريب أن راوية نصرانياً كبيراً معاصراً هو إيزيدور الباجي، وهو حبر عاصر الفتح الإسلامي، وكتب روايته منذ منتصف القرن السابع، ووصل في كتابتها حتى سنة 754 م (3)، لم يذكر لنا في روايته شيئاً عن قيام تلك المملكة النصرانية الصغيرة في الشمال، ولا عن زعيمها أو ملكها بلايو، ولا عن غزوات المسلمين لها، مع أن إيزيدور يتتبع أخبار الغزوات الإسلامية كلها، منذ الفتح حتى منتصف القرن الثامن، سواء في اسبانيا أو في مملكة الفرنج، ويقدم إلينا عنها كثيراً من التفاصيل والملاحظات الهامة. وقد يرجع ذلك إلى أن إيزيدور وهو يقيم في الجنوب في مدينة باجة، كان يجهل قصة هذه المملكة النصرانية الناشئة، ولكن ما نراه من عنايته بتدوين أخبار الغزوات الإسلامية في فرنسا، وأخبار مملكة أكوتين، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن يجهل أخبار مملكة جليقية النصرانية، وهي أقرب إليه من فرنسا، وأن أسباباً أخرى لعلها ترجع إلى انتماء أميرها بلايو إلى حزب ردريك الذي كان يبغضه المؤرخ، هي التي حملته على إغفال أخبارها (4).
وعلى أى حال فإن الرواية الإسلامية، تذكر لنا كيف نشأت المملكة النصرانية
_______
(1) F.J.Simonet cit. Saavedra ; Historia de los Mozarabes de Espana,.Vol.I.p. 148. ويقول المؤرخ المستشرق كاردون إن بلاجيوس ينتمي إلى أصل ملكي، وانه الأمير الوحيد الذي نجا من فتك العرب (راجع Cardonne: ibid , I.p. 105.) ، بيد أن كاردون لا يقول لنا من أين استقى هذه الرواية.
(2) راجع أخبار مجموعة ص 28، ونفح الطيب ج 1 ص 110.
(3) وقد كتبت باللاتينية بعنوان Isidorus Pacensis Chronicon. ونشرت ضمن المجموعة التاريخية الكنسية الإسبانية الكبيرة المسماة Espana Sagrada تصنيف الأب P.Enrique.Florez الجزء الثامن. ونشر دوزي منها مقتطفات في كتابه: Recherches: V.I.p. 4-14. مع تعليقات.
(4) راجع: Aschbach: ibid, I.p. 142
(1/209)

الإسبانية في الهضاب الشمالية، بعد أن سحقت في موقعة شريش، فقد لجأت شراذم قليلة من القوط عقب الفتح إلى الجبال الشمالية، وامتنعت في مفاوز جبال أشتوريش (أستورية)، وقامت إمارتان نصرانيتان صغيرتان في كانتابريا وجلِّيقية. وكانت إمارة كانتابريا التي أسسها الدوق بتروس، لوقوعها في الطرف الغربي من جبال البرنيه في سهول نافار وبسكونية، عرضة لاقتحام الفاتحين لها حين سيرهم إلى فرنسا وحين عودهم منها. ولكن إمارة جلِّيقية Galicia، كانت تقع في أعماق جبال أشتوريش الوعرة، بعيداً عن غزوات الفاتحين، وسميت جليقية لأنها قامت على حدود الولاية الرومانية القديمة التي كانت تسمى بهذا الإسم. ففي هذه الهضاب النائية المنيعة اجتمع بلايو وصحبه، وعددهم لا يتجاوز بضع مئات حسبما تقول الرواية، ولجأوا إلى مغار عظيم في آكام كوفادنجا، تحيط به وديان سحيقة خطرة، ويعرف في الرواية الإسلامية باسم (الصخرة) (1). ويقول لنا ابن خلدون في الفصل الذي يخصصه (لملوك الجلالقة)، إن هذه الإمارة الصغيرة التي كانت مهد المملكة النصرانية، لا تمت بصلة إلى القوط، وإن ملوك الجلالقة ليسوا من القوط، لأن أمة القوط كانت قد بادت ودثرت لعهد الفتح الإسلامي (2). بيد أنه يصعب علينا أن نقبل هذا الرأي على إطلاقه، فمن المحقق أن فلول النصارى التي لجأت إلى الشمال كانت مزيجاً من القوط والإسبان المحليين، ولكن الظاهر مما انتهى إلينا من أقوال الروايتين المسلمة والنصرانية، أن الزعماء ولاسيما بلاجيوس كانوا من القوط، وأن ملوك الجلالقة يمتون إلى القوط بأكبر الصلات.
ولم يعن المسلمون لأول عهد الفتح بأمر هذه الشراذم الممزقة عناية كافية. وكان فاتحا الأندلس موسى وطارق، قد قاد كل منهما حملة إلى جليقية لسحق البقية الباقية من فلِّ القوط، ولكنهما لم يتمكنا من تحقيق غايتهما لاستدعائهما إلى دمشق كما أسلفنا. وكان إغفال أمر هذه الفلول الباقية بعد ذلك من أعظم أخطاء الفاتحين. بيد أنه لما كثرت ثورات النصارى في الشمال، وبالأخص في بسكونية (أو بلاد البشكنس)، اهتم ولاة الأندلس بقمعها وتأمين الولايات الشمالية،
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 57.
(2) ابن خلدون ج 4 ص 179، وهو يعارض هنا رأي ابن حيان في أن المملكة النصرانية يرجع أصلها إلى القوط.
(1/210)

وسير الحرُّ بن عبد الرحمن الثقفي والي الأندلس في سنة 98 هـ (718 م) جيشاً الى الشمال لإخضاع النصارى، فاجتاح المسلمون بلاد البشكنس وهضاب أشتوريش، وأوفدوا حليفهم الأسقف أوباس وهو أخو الملك وتيزا إلى بلايو ليقنعه بالتسليم وعبث المقاومة، فأبى بلايو ولجأ إلى كهوفه المنيعة في صخرة كوفادنجا، ونفذ المسلمون إلى أعماق الجبال وحاولوا عبثا أن يستولوا على مراكز العدو، وحالت بينهم وبينه الوديان السحيقة والآكام الرفيعة، وحوصر بلايو وأصحابه في " الصخرة " مدى حين، وقطعت عنهم المؤن، وتساقطوا تباعا من الجوع، حتى لم يبق منهم على قول الرواية سوى ثلاثين رجلا وعشر نساء (1). وتزعم بعض الروايات النصرانية أن بلايو كر على المسلمين، وأنهم هزموا هزيمة شديدة وفقدوا ألوفا كثيرة، ووقع أوباس في أيدي مواطنيه فعاقبوه على خيانته بالموت (2).
وقد أتيح لنا أن نزور هذه المنطقة الوعرة - منطقة كوفادنجا - وأن نشهد الصخرة المنيعة، التي تقول الرواية إن بلايو وأصحابه امتنعوا في مغارها، والتي تئوى في جانب منها إلى اليوم رفات بلايو. والحق أننا شهدنا من الوادي الذي تشرف عليه الصخرة، والذي يقال إن المسلمين رابطوا فيه لمحاصرة النصارى، أروع منظر يمكن تصوره من الصخور الوعرة، والآكام الرفيعة المدببة، وأدركنا كيف عجز المسلمون عن اقتحام مثل هذا المعقل المنيع.
ولما رأى المسلمون وعورة الهضاب وقسوة الطبيعة، ارتدوا عن جلّيقية محتقرين شأن هذه الشرذمة الممزقة الجائعة. فقويت لذلك نفس بلايو وأصحابه، وانضم إليهم كثير من النصارى في كانتابريا وسهول جليقية، واختاروه ملكا عليهم لما رأوا من بسالته وبراعته وقوة عزمه، وألفى بلايو الفرصة سانحة لتوطيد سلطانه وتوسيع أملاكه، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية الشمالية، وبدا لحكومة الأندلس خطر هذه العصابات الجبلية التي أخذت تنتظم إلى قوة يخشى بأسها. ولكن اضطراب الشئون الداخلية حال مدى حين دون مطاردتها وغزوها.
وفي سنة 112 هـ (730 م) في عهد أمير الأندلس الهيثم بن عبيد، بعث حاكم ولاية البرنيه وهو يومئذ الزعيم المسلم الذي تعرفه الرواية النصرانية باسم
_______
(1) أخبار مجموعة ص 28؛ وكذلك Dozy: Hist , II.p. 129
(2) Cardonne: ibid , I.p. 109, Aschbach: ibid;I.p. 145
(1/211)

منوسة أو مونس - جيشا إلى جبال أشتوريش لغزو جليقية وسحق أميرها بلايو. ولكن بلايو استطاع أن يصمد للمسلمين كرة أخرى، وأن يهزمهم هزيمة شنيعة. ولما رأى بلايو منعة معقله وقوة عصبته، اخترق بسكونية وهاجم قوات المسلمين في الوقت الذي كانت تتأهب فيه للسير إليه، ومزق بعض وحداتها، ثم ارتد إلى هضابه فاستعصم بها. ولما اضطربت شئون الأندلس بعد مقتل أميرها عبد الرحمن الغافقي وارتداد جيشه في بلاط الشهداء (114هـ - 732 م)، وشغل الولاة برد جيوش الفرنج، عن الأراضي الإسلامية في سبتمانيا، كثرت غارات العصابات الجليقية على الأراضي الإسلامية في شمال نهر دويرة (دورو) وفي منطقة أسترقة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيرا من عيث النصارى. ولما تولى عقبة بن الحجاج حكومة الأندلس في سنة 116هـ (734 م)، ورأى خطر العصابات الجليقية وشدة عيثها في الأراضي الإسلامية، سار إلى جليقية وغزاها مرة أخرى في سنة 735 أو 736 م (118هـ) واستولى على بعض مواقعها، ولكن النصارى امتنعوا كعادتهم في الجبال ولم يبلغ عقبة منهم أمراً. ولما اضطرمت الأندلس بالفتن ونشبت الحرب الأهلية، بين مختلف الزعماء والقبائل، ازداد النصارى جرأة وتحرشاً بالمسلمين وعيثاً في أراضيهم، ولم تستطع حكومة قرطبة أن تسعفهم بالعون والمدد لاشتغالها بالشئون الداخلية. وكانت سلطة الحكومة المركزية ضعيفة في تلك الأنحاء النائية، وكان سكانها ومعظمهم من البربر، يكثرون من الخروج والثورة سخطاً على العرب، واستئثارهم بالحكم والسيادة. وكان النصارى من رعايا حكومة قرطبة، يدسون الدسائس ويرتكبون شتى الخيانات، ويشجعون بذلك بلايو وعصبته على الإغارة والعيث في أراضي المسلمين، وكانت الإمارة النصرانية الناشئة تنمو خلال ذلك ويشتد ساعدها، ويهرع النصارى إلى لواء بلايو من مختلف الأنحاء.
ويقول العلامة ألتاميرا: " كان كفاح بلايو وزملائه الأشراف، يرجع إلى الرغبة في استرداد جزء من الأراضي المفقودة، ومن جهة أخرى فإن احترام الفاتحين لدين المغلوبين وعاداتهم، لم يجعل في البداية للمعركة لونا دينيا أو عنصريا، بل كان مدارها من جانب الأشراف ورجال الدين، استرداد الأملاك وشيء من هيبة الملك " (1).
_______
(1) R.Altamira: Historia de Espana, Vol.I.p. 224
(1/212)

واستمر بلايو في حكم إمارة جليقية زهاء تسعة عشر عاماً، وتوفي سنة 737 م. ولكن بعض الروايات النصرانية تضع تاريخ وفاته بعد ذلك، فتقول إنه لبث حتى ولاية عبد الرحمن بن يوسف الفهري للأندلس (127 - 137 هـ) (745 - 755 م)، وأن الموقعة التي نشبت بين منوسة وبلايو كانت بين سنتى 746 و751 (1)، وهي رواية ظاهرة الضعف، لأن منوسة قتل في سنة 114 هـ (732 م) كما قدمنا، والرواية الإسلامية واضحة دقيقة في ترتيب الوقائع والتواريخ في هذا الموطن. وخلف بلايو ولده فافيلا، ولكنه توفي بعد حكم لم يطل أمده سوى عامين (سنة 739 م). وكان الدوق بتروس أمير كانتابريا قد توفي في ذلك الحين أيضاً، وخلفه ولده ألفونسو دوق كانتابريا، ونمت هذه الإمارة النصرانية الصغيرة أيضا واشتد ساعدها، وقويت أواصر التحالف بينها وبين جلّيقية بتزوج أميرها ألفونسو من ابنة بلايو واسمها أرموزندة أو هرمزندة. فلما توفي فافيلا ولد بلايو، اختار الجلالقة ألفونسو دوق كانتابريا ملكاً عليهم، واتحدت الإمارتان، وقامت منهما مملكة نصرانية واحدة، هي مملكة ليون النصرانية أومملكة جلّيقية في الرواية الإسلامية، وتمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى شاطىء المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوباً، وتشمل مناطق شاسعة من القفر والهضاب الوعرة، وتحتجب وراء الجبال بعيدة عن سلطان المسلمين وغزواتهم (2).
ويعتبر ألفونسو دوق كانتابريا، أو ألفونسو الأول الملقب بالكاثوليكي مؤسس المملكة النصرانية الشمالية، وأصل ذلك الثبت الحافل من ملوك قشتالة (3)، الذين لبثوا قرونا يدفعون حدودهم إلى الجنوب تباعاً في قلب المملكة الإسلامية، ثم انتهوا بالقضاء عليها والاستيلاء على غرناطة آخر معاقلها (1492 م). وحكم ألفونسو في ظروف حسنة، فقد كانت الحرب الأهلية تمزق الأندلس، وكان أمر الولايات الشمالية فوضى، والضعف يسود المسلمين في تلك الأنحاء، وكان ثمة منطقة عظيمة من القفر والخراب تفصل بين جليقية وبين الأراضي الإسلامية، فاجتاحها ألفونسو بجموعه، وقتل من بها من المسلمين القلائل، ودفع النصارى
_______
(1) Aschbach: ibid , I.p. 148-149
(2) Aschbach: ibid , I.p. 152 و Dozy: Hist, V.II.p. 130.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 179.
(1/213)

إلى الشمال. ولما حل القحط بالأندلس (سنة 133هـ - 750 م) واشتد عصفه بالولايات الشمالية الغربية، جلا كثير من المسلمين عن تلك الأنحاء، واشتد ساعد النصارى فيها، ورفعوا لواء الثورة، وفتكوا بالمسلمين، ونادوا بألفونسو ملكا عليهم (1)، وانتهز ألفونسو الفرصة فغزا أسْتُرقة واستولى عليها من يد المسلمين، واستولى على كثير من البلاد والضياع المجاورة، وضمها لأملاكه (136هـ - 753 م). وهكذا نمت تلك المملكة النصرانية التي نشأت في ظروف كالأساطير واتسعت حدودها، واشتد بأسها بسرعة مدهشة، ولم يأت منتصف القرن الثامن حتى بدأت تناهض الإسلام في الأندلس وتغالبه، وتغير على معاقله وأراضيه.
وعهد ألفونسو بإمارة كانتابريا وهي القسم الشرقي من مملكته، إلى أخيه فرويلا (أو فرويلة)، فكان يغير أيضا على الأراضي الإسلامية المجاورة، ويعيث فيها قتلاً ونهباً وسبياً، ثم يعود مسرعاً إلى الجبال خشية أن يلحق به المسلمون. بيد أن المسلمين كانوا في شغل شاغل من الفتنة والحروب الداخلية، وكان يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير الأندلس يعني يومئذ بقمع الثورة في الشمال، فانتهز ألفونسو تلك الفرصة وغزا مدينة لُك (لوجو) الحصينة وهي أقصى معاقل المسلمين في الشمال الغربي وافتتحها سنة (137هـ - 754 م)، وكان يوسف قد انتهى من إخماد الثورة في الشمال، وأراد إنجاد المدينة المحصورة، فجاءته الأنباء بمقدم عبد الرحمن الأموي، فهرول إلى الجنوب وترك لُك لمصيرها. وكان أيضا قد أرسل قبل أن يغادر الشمال قوة من جنده بقيادة الحصين بن الدجن وسليمان بن شهاب لإنجاد ثغر أربونة، الذي كان يحاصره الفرنج يومئذ، ففاجأها النصارى قبل أن تعبر البرنيه، ونشبت بين الفريقين معركة مزق فيها المسلمون وقتل قائدهم سليمان بن شهاب، وارتد فلهم إلى الجنوب (سنة 756 م) (2).
والظاهر أن الذي هاجم المسلمين في تلك الموقعة هو فرويلا وحلفاؤه أو رعاياه البشكنس. وعبر ألفونسو نهر دويرة (دورو) غير مرة، وعاث في أراضي المسلمين مراراً، وكان يقتل كل من وقع في يده من المسلمين، ويسوق النصارى معه إلى الشمال. ولبث مع أخيه فرويلا كلٌّ يعمل من جانبه على توسيع المملكة
_______
(1) أخبار مجموعة ص 61 و62.
(2) راجع ابن الأبار في الحلة السيراء ص 58؛ وكذلك Aschbach: I.ibid ; I.p. 155 والهوامش.
(1/214)

النصرانية، حتى توفي فرويلا سنة 764 م (146هـ)، وتولى أخوه ألفونسو من بعده حكم المملكة كلها، ولكنه لم يعش طويلا، وتوفي في العام التالي (765 م) (1) فخلفه ابنه فرويلا الأول. وكان عبد الرحمن الأموي يكرس كل جهوده وقواه لقمع الثورة الخطيرة التي نظمها العلاء بن مغيث باسم الدعوة العباسية، فرأى فرويلا الفرصة سانحة لغزو الأراضي الإسلامية (2) فعبر نهر دويرة في جيش ضخم وغزا لُك وبُرتقال وشَلَمنقة وشَقُوبية وآبلة وكورة وقشتالة (3)، واستولى عليها من المسلمين، وعاث في تلك المنطقة سفكاً وتخريباً وضمها إلى أملاكه، فصارت جزءا من مملكة جلّيقية، حتى استعادها المسلمون بعد ذلك بنحو قرنين في عهد الحاجب المنصور. وتختلف الرواية الإسلامية في تعيين تاريخ هذه الغزوة فيضعها ابن الأثير قبل ذلك بأعوام في حوادث سنة 140هـ (758 م) ويقول إن الذي قام بها هو تدويلية (تدفيليا) ابن أذفنش (ألفونسو)، ولكن ألفونسو توفي بعد ذلك كما رأينا (4)، ويضعها ابن خلدون بعد سنة 142 هـ وهي التي يعينها تاريخا لوفاة ألفونسو، في عهد فرويلا، وقد تولى فرويلا الملك بعد وفاة أبيه حسبما تقول الرواية النصرانية في سنة 765 م (147هـ) (5). وعلى أى حال فقد كانت هذه الغزوة أعظم فتح قام به النصارى يومئذ في الأراضي الإسلامية، بعد افتتاح الفرنج لسبتمانيا واستيلائهم على أربونة أمنع مواقع ولاية " الثغر " قبل ذلك بأعوام قلائل.
وهنا ظهر خطر المملكة النصرانية واضحاً جلياً. ولم يكن عبد الرحمن الأموي بغافل عن ذلك الخطر، وكان رغم اشتغاله المتواصل بقمع الثورة والفتن الداخلية، يتحين الفرص لدرئه، ففي سنة 148 هـ (766 م) أرسل بعض قواده إلى
_______
(1) يضع ابن خلدون (ج 4 ص 180) وفاة ألفونسو (أدفونش) في سنة 142هـ (760م).
(2) ينسب أشباخ هذه الغزوة لفرويلا الكبير (ج 1 ص 156) معتمدا على رواية ردريك الطليطلي، ولكن الرواية الاسلامية وهي أقدم من ذلك، تجمع على أنها وقعت بعد ذلك في عهد فرويلا ابن ألفونسو.
(3) تراجع الأسماء الفرنجية لهذه الأماكن في جدول الأعلام التاريخية والجغرافية الملحق بنهاية الكتاب.
(4) ابن الأثير ج 5 ص 186.
(5) ابن خلدون ج 4 ص 122 و180؛ وكذلك المقري عن ابن حيان في نفح الطيب ج 1 ص 155.
(1/215)

الشمال على رأس قوة كبيرة، فسارت حتى حدود جليقية، واشتبكت مع النصارى والعصاة في عدة مواقع، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى (1). وفي سنة 150هـ (767 م) بعث عبد الرحمن جيشاً بقيادة مولاه بدر إلى ألبة والقلاع (2)، وهي المنطقة الواقعة بين بلاد البشكنس وجبال كانتابريا، على ضفاف نهر إيبرو في الطرف الشرقي من مملكة جليقية، فغزاها وتوغل فيها وأرغمها على أداء الجزية، وقبض على كثير من العصاة في تلك الأنحاء (3). وتقص الرواية النصرانية علينا بعد ذلك نبأ موقعة كبيرة وقعت بين المسلمين والنصارى في بونتومو من أعمال جليقية، وتقول لنا إن عبد الرحمن أرسل في سنة 773 م (157هـ) جيشاً كبيراً إلى الشمال بقيادة حاجبه عامر، أو تمام بن علقمة على يظهر، فلقيه النصارى بقيادة فرويلا في بونتومو، ونشبت بين الفريقين موقعة هائلة، هزم فيها المسلمون وقتل منهم عدد عظيم تقدره الرواية بأربعة وخمسين ألفاً وأسر قائدهم (4). ولم تشر الرواية المسلمة إلى أن موقعة بهذه الخطورة نشبت بين المسلمين والنصارى، ولاسيما في هذا التاريخ، الذي كان عبد الرحمن مشتبكا فيه مع الدعى الفاطمي في معارك تقتضى كل جهوده وموارده، والرواية النصرانية تبدي كعادتها في هذا الموطن مبالغة تسبغ عليها كبير ريب.
وكان فرويلا طاغية شديد البطش، ولم يكن حكمه موفقاً، فقد اضطرمت في جليقية الغربية نار ثورة كبيرة أيدها المسلمون فيما يظهر، وأخمدها فرويلا بعد جهد، ولكنه فقد كثيراً من أرضه التي افتتحها في تلك الأنحاء، وعادت إلى
_______
(1) Conde: ibid , I.p. 207
(2) تطلق الرواية الإسلامية اسم "ألبة والقلاع" على ولايتي قشتالة القديمة Castille وآلفا Alava معربة عن اللاتينية القديمة Alava et Castella Vetula. وكانت "ألبة والقلاع" تشمل في العصور الوسطى، جميع المنطقة الواقعة بين نهر دويرة جنوبا والبحر شمالا، وبين نافار (بلاد البشكنس) وأراجون (الثغر الأعلى) شرقا ومملكة ليون غربا؛ وألبة هي في الواقع إحدى ولايات بلاد البشكنس، وتمتد غربا حتى "برغش" وشمالا حتى خليج بسكونية، وجنوبا حتى نهر إيبرو. وأما "القلاع" أو قشتالة Castella أو Castille فقد كانت تشمل باقي المنطقة من برغش شمالا إلى ما بعد نهر دويرة (الدورو) وجبال واد الرملة Guadarrama جنوبا، وحتى موقع مدينة مدريد عاصمة إسبانيا الحديثة.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 56؛ ونفح الطيب ج 1 ص 156.
(4) Aschbach: ibid ; I, p. 159 والهوامش.
(1/216)

خريطة:
المملكة الإسبانية النصرانية.
(1/217)

المسلمين، ونشبت ضده في نافار في الشرق ثورة أخرى، فأخمدها بشدة، واجتاح نافار وأخضعها، وكان من أسراه في تلك المعارك فتاة حسناء من أسرة كريمة تدعى مونيا فأحبها وتزوجها، ورزق منها بولده ألفونسو، الذي تولى العرش فيما بعد، وكان مسرفاً في الانتقام والسفك، قتل كثيرا من أفراد أسرته وقتل أخاه بيده، وكان الشعب يبغضه ويلتف حول " أورليوس " ابن عم فرويلا. وأنشأ فرويلا مدينة أوبييدو التي غدت فيما بعد حاضرة جليقية، ولكنه لم يتخذها قاعدة للحكم، ولبث في مدينة كانجاس حاضرتها الأولى، حتى هلك قتيلا في ثورة جديدة نشبت سنة 775 م (1).
ولما توفي فُرُويلا كان ولده من مونيا ألفونسو طفلا، فافترقت كلمة الشعب، وانحازت منه أغلبية كبيرة إلى أورليوس أو أورالي (2) ولد فرويلا أخى ألفونسو الأول واختارته للملك، ولكنه لم يحكم إلا في الولايات الشرقية في نافار وبسكونية، حيث كان يحكم أبوه من قبل، وانحازت جليقية الغربية إلى سيلو أو شيلون (3) زوج أروزندا إبنة ألفونسو الأول، وانقسمت المملكة بذلك إلى إمارتين. ولكنهما تهادنتا ولم تقع بينهما حرب ولا منافسة. وفي سنة 778 م غزا شارلمان بلاد البشكنس في طريقه إلى سرقسطة حسبما قدمنا، فاضطر أورليوس أن يسعى إلى محالفة المسلمين. ولم تقع في ذلك الحين فيما يظهر حروب بين المسلمين ومملكة جليقية، لاشتغال كل منهما بشئونه الخاصة. وتوفي أورليوس سنة 781 م، فاختار البشكنس مكانه سيلو لأن ألفونسو ولد فرويلا كان لا يزال طفلا، واتحدت المملكة مرة أخرى. ولبث سيلو ملكاً على جليقية المتحدة ثلاثة أعوام أخرى، وفي عهده عقد الصلح بين المسلمين والنصارى. ولكن نشبت بعض ثورات محلية في جليقية نجح في إخمادها، وتوفي بعدئذ بقليل سنة 784 م (4). وتوفي سيلو دون عقب، ولكنه أوصى بالملك لألفونسو ولد فرويلا الطفل
_______
(1) يضع ابن خلدون وفاة فرويلا في سنة 158 (775 م) متفقا بذلك مع الرواية النصرانية (ج 4 ص 180).
(2) هكذا تسميه الرواية العربية وهي تعتبره ملكا لجليقية كلها (راجع ابن الأثير ج 6 ص 12).
(3) وهو اسمه في الرواية العربية. ويعتبره ابن خلدون خطأ ولد فرويلا الكبير (ج 4 ص 180).
(4) يضع ابن خلدون وفاة سيلو أو شيلون سنة 168هـ (784 م) متفقا أيضامع الرواية النصرانية (ج 4 ص 180). وكذا ابن الأثير (ج 6 ص 22).
(1/218)

وبالوصاية عليه لزوجه أروزندا. ولكن الأشراف لم يرضوا عن حكم طفل وامرأة، وانضم إليهم فريق من الشعب، ولم تلبث جلّيقية أن اضطرمت بثورة قوية على رأسها زعيم يدعى مورجات - وفي الرواية العربية مورقاط - وهو ولد غير شرعي لألفونسو الأول من جارية عربية، فاستولى على جليقية الغربية، وانضم إليه كثير من الأشراف والزعماء الذين اشتركوا في محاربة فرويلا خشية أن يستقر الملك لابنه فيبطش بهم فيما بعد، ففر ألفونسو إلى ألبة حيث عصبة أمه وعشيرتها، وقد كانت بسكونية حسبما تقدم. ورأى مورجات أن يوطد مركزه وسلطانه بالتحالف مع المسلمين، وتحالف حزب ألفونسو مع الفرنج أعداء المسلمين، واتخذ مورجات قاعدة حكمه في مدينة برافيا في قاصية جليقية. وكان رجال الدين ومن إليهم من النصارى والمتعصبين يبغضونه ويثيرون الشعب عليه، لأنه بالغ في التودد إلى المسلمين والتقرب إليهم، ولأنه يمت إليهم بصلة الدم بواسطة أمه العربية. ولكنه استطاع مع ذلك أن يحكم مملكته الصغيرة حتى وفاته في سنة 789 م (1).
وتشير الرواية العربية إلى طرف من هذه الحوادث، وتقول لنا إن مورقاط (مورجات) وثب على أذفنش (ألفونسو) فقتله، ولكن ألفونسو لم يقتل كما قدمنا. وسنرى أنه يتولى الملك ويخوض مع المسلمين في الأعوام التالية كثيراً من الوقائع. وتقول الرواية العربية أيضاً، إن المسلمين انتهزوا فرصة الاضطراب الذي وقع في جليقية، من جراء هذه الحوادث، فسار إليها وإلى طليطلة وغزاها وأثخن فيها (2)، وهذا ما لا تشير إليه الرواية النصرانية. والظاهر أن المسلمين أغاروا على ألبة والقلاع، لأنهم كانوا على وئام وتحالف مع مورقاط أمير جليقية. ووقعت هذه الغزوة حسبما تشير الرواية العربية حوالي سنة 169هـ (786 م) أعني في أواخر عهد عبد الرحمن الداخل.
وكان طبيعياً بعد أن توفي مورجات عميد الثورة ومغتصب الملك، أن يعود العرش إلى صاحبه الشرعي، أعني ألفونسو ولد فرويلا. ولكن الأشراف لبثوا
_______
(1) Aschbach: ibid , I.p. 165-166
(2) راجع ابن الأثير ج 6 ص 22؛ وابن خلدون ج 4 ص 180، ويسمى مورقاط هنا بسمول قاط وهو تحريف أو خطأ مطبعي على ما يظهر.
(1/219)

في توجسهم من نقمة ألفونسو، واختاروا للملك برمند (أو برمودو)، وهو ولد لفرويلا وأخ لأروليوس، الذي تولى إمارة البشكنس من قبل. وكان قد هجر الحياة الدنيا إلى عزلة الدير، فتولى الملك على غضاضة منه، ولكنه لم يحكم على ما يظهر إلا في غربي جليقية، حيثما كان يسود نفوذ مورجات، ولبث ألفونسو أميرا على الأنحاء الشرقية. وفي ذلك الحين كان أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن يتأهب لغزو الشمال، فخشى برمند خطر الإنقسام على مستقبل المملكة، وعقد الصلح مع ألفونسو وولاه قيادة الجيش، ولم تمض ثلاثة أعوام حتى ضاق ذرعا بمهام الملك فتنازل عن العرش مختاراً لألفونسو، وارتد إلى حياة الدير والعزلة، وتولى ألفونسو الملك في أواخر سنة 791 م (175هـ) (1) باسم ألفونسو الثاني. وبذلك عادت المملكة النصرانية إلى اتحادها مرة أخرى.
وفي أواخر عهد ألفونسو الثاني، الملقب " بالعفيف " el Casto، وقع حدث ديني كان له فيما بعد أثر عميق في توجيه مصاير المملكة النصرانية، هو اكتشاف قبر القديس ياقب، وهو القديس يعقوب أو يعقوب الحواري. وتذكر الأسطورة أنه لما قتل بأمر هيرود الثاني ملك بيت المقدس، حمل تلاميذه جثته في مركب جاز به البحر المتوسط إلى المحيط، ثم حملتهم الرياح شمالا حتى انتهوا إلى موضع في قاصية جليقية، ودفنوا جثمان القديس في سفح تلال هنالك.
ومضت العصور، وغاض القبر ولم يعلم مكانه، حتى كانت سنة 835 م، حيث زعم القس تيودمير أسقف إيريا أنه اكتشف القبر، هداه إليه ضوء نجم، وحمل النبأ في الحال إلى الملك، فأمر أن يبني فوق هذه البقعة كنيسة، وذاعت الأسطورة في جميع الأنحاء، وصدقها المؤمنون دون تردد، وهرعوا يحجون إلى البقعة المقدسة، وقامت حول المزار المزعوم مدينة نمت بسرعة، وغدت مدينة شنت ياقب Santiago de Compostela المقدسة، وأنشئت فيما بعد فوق القبر مكان الكنيسة الساذجة كنيسة جامعة (كتدرائية)، غدت من أعظم كنائس اسبانيا ضخامة وروعة وفخامة. وكان لقيام هذه المدينة المقدسة أثر كبير في إذكاء الحماسة الدينية والعاطفية القومية في إسبانيا، وغدا القديس ياقب
_______
(1) ابن الأثير ج 6 ص 40، وهو يتفق هنا مع الرواية النصرانية في الوقائع والتواريخ وراجع أيضا Aschbach: I.p. 188-192
(1/220)

" حامي " اسبانيا كلها، وغدا قبره من أشهر المزارات النصرانية في أوربا.
وينوه الأستاذ ألتاميرا بأهمية هذا الحدث الديني، وأثره في حضارة هذه المنطقة من اسبانيا، فيقول: " وقد بعث هذا الاكتشاف في النصارى أيما سرور، وانتظمت وفود عظيمة، جاءت لتحج إلى القبر، لا من الأراضي الإسبانية وحدها، ولكن من الخارج أيضاً، وهكذا بدأ تيار من الزيارات والمؤثرات الأوربية في جليقية، وكان لها أعظم تأثير في العادات والآداب " (1).
وقد أتيح لنا أن نزور مدينة شنت ياقب، وهي من أعجب وأجمل المدن الإسبانية، ذات طابع خاص بها، وهي أشد المدن الإسبانية احتفاظا بهذا الطابع الخاص. وطابعها القدم المشبع بالجلال والوقار، وهي تبدو بشوارعها المعقودة، وميادينها التي تغص بالصروح التاريخية، مدينة قديمة عريقة حقا. وأروع ما تقع عليه العين كنيستها العظمى، التي تقوم في وسطها وتبدو بواجهاتها الفخمة وصرحها الشامخ، وبرجها العظيم، أثراً من أعظم الآثار الدينية.
وقد نشأت هذه المملكة النصرانية الشمالية، مستقلة في ظروفها وفي خواصها، ولبثت آمادا طويلة بعيدة عن الإتصال بالأمم النصرانية الأخرى، ولم تنشأ بينها وبين جيرانها المسلمين علائق سياسية أو اجتماعية قوية تؤثر في نظمها وخواصها، فاستمرت تحتجب بوعر الجبال وعباب المحيط، تسود فيها روح المملكة القوطية القديمة ونظمها، واستمر الجلالقة دهرا ينتسبون إلى القوط، ويسمون أنفسهم قوطا، وتسير حكوماتهم على سنن السياسة القوطية ونظمها، فالعرش مطلق يقبض على زمام السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا يستطيع الأشراف الحد من سلطانه إلا بالثورة، أو باستعمال حقهم في الانتخاب، واستمرت خواص المجتمع القديم كما كانت أيام القوط: أقلية غنية قوية تستأثر بنعم الثروة والجاه، وأكثرية فقيرة مستعبدة ترزخ تحت جور العرش، واستغلال الأشراف والسادة، بيد أن هذه الأكثرية استطاعت أن تشق طريقها إلى الحرية، حينما اشتدت معركة الحياة والموت بين الإسلام والنصرانية في اسبانيا، واضطرت المملكة أن تلجأ إلى الأكثرية للذود عن حدودها وحياتها، وانقلب الرقيق القديم جنداً يثور ضد
_______
(1) R.Altamira: Hist.de Espana; Vol.I.p. 239
وتعرف الرواية الإسلامية هذه الأسطورة وتشير إليها. راجع الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص 115.
(1/221)

سادته، ويرغمهم على احترامه ومصانعته. هكذا نشأت المملكة النصرانية الشمالية، ونمت واتسعت حدودها فيما بين الجبال والقفر، حتى أصبحت تمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى المحيط غرباً، ومن المحيط شمالاً إلى ما بعد ضفاف نهر دويرة جنوباً، وتشمل عدة مناطق وقواعد، كانت قبل ذلك بفترة يسيرة في قبضة الإسلام.
وهنا نقف في تتبع أخبار المملكة النصرانية عند هذا الحد، لنستأنفه في مواطنه فيما سيأتي.
(1/222)

الفصل الثامن
هشام بن عبد الرحمن والحكم بن هشام
(1) ولاية العهد. هشام يخلف أباه عبد الرحمن. خلاله. خروج أخويه سليمان وعبد الله. خضوع عبد الله. مطاردة سليمان وعبوره إلى المغرب. الثورة في الشمال. إخمادها. عدوان النصارى. غزو جليقية وهزيمة النصارى. غزو المسلمين الثغر الفرنجي. موقف حكام الشمال وانحرافهم إلى الفرنج. الاستيلاء على جرندة ومحاصرة أربونة. موقعة فيل دني بين المسلمين والفرنج. غزو جليقية ثانية. هزيمة الجلالقة. وفاة هشام. حزمه وتقواه. منشآته بقرطبة. شغفه بالجهاد. إعزازه للغة العربية. نفوذ الفقهاء في عهده. انتشار مذهب مالك بالأندلس. (2) الحكم بن هشام وخلاله. محاربته لنفوذ الفقهاء وسخطهم عليه. غزوة ألبة والقلاع. الثورة في سرقسطة. عود سليمان وعبد الله عمى الحكم إلى الثورة. استنصار عبد الله بشارلمان. غزو الفرنج للثغر الأعلى ثم انسحابهم. هدوء الثورة في الشمال. الحرب بين الحكم وعمه سليمان. هزيمة سليمان وإعدامه. خضوع عبد الله. سياسة الفرنج نحو اسبانيا المسلمة. تحرشهم بالمملكة الإسلامية. موقف الخلافة العباسية من هذه السياسة. اتحاد الغاية بينها وبين الفرنج. إنتهاز الفرنج لاضطراب الحوادث الداخلية. غزوهم للثغر الأعلى ومحاصرتهم لبرشلونة. دفاع المسلمين الباسل عنها. سقوطها في أيدى الفرنج. إنشاء الفرنج للثغر القوطي. ائتمار الفقهاء والأعيان بالحكم. اكتشاف المؤامرة وسحقها. الثورة في ماردة. الثورة في طليطلة تعيين عمروس ابن يوسف حاكما لها. واقعة الحفرة. حصار الفرنج لطرطوشة. تحرك نصارى الشمال. عيثهم في أراضي المسلمين. مسير الحكم لمحاربتهم. غزو المسلمين لقطلونية. عقد الهدنة بين الحكم وشارلمان. بواعث هذا الصلح. الثورات المحلية. القحط في الأندلس. غزو المسلمين لجليقية. سخط أهل قرطبة على الحكم. تحريض الفقهاء. تحرك العامة وزحفهم على القصر. واقعة الربض. إخماد الثورة وتمزيق الثوار. معاقبة أهل الربض ونفيهم. مسير الأندلسيين إلى الإسكندرية وافتتاحهم لإقريطش. بلاغ الحكم عن الثورة وشعره فيها. تحوطاته بعد إخمادها. مرض الحكم ووفاته. وصيته لولده عبد الرحمن. أخلاق الحكم وصفاته. توطيده لهيبة الملك. إصطفاؤه للصقالبة. أبهته وفخامته. شعره. رجال دولته. الحاجب عبد الكريم. قومس أهل الذمة. ازدهار العلوم والآداب. عباس بن فرناس ويحيى الغزال.
- 1 -
خلف عبد الرحمن الداخل ولدُه هشام بعهد منه، ولم يكن أكبر ولده، بل كان أكبرهم سليمان والي طليطلة، ولم يك يومئذ ثمة نظام خاص لولاية العهد، بل كانت ولاية العهد كما هو مأثور، حقا مفوضا للأمير أو الإمام، يجريه وفقا
(1/223)

للمصلحة العامة (1)، ولم يكن انحصاره في ولد الأمير أو أسرته، سوى تقليد من تقاليد السياسة والعصبية، سارت عليه الدولة الأموية، فوضعت بذلك في الدول الإسلامية أسس الأسر الملوكية، والعروش المتوارثة. وكان من الطبيعي بعد أن ظفر عبد الرحمن الأموي، بإحياء تراث أسرته المندثر في المشرق، أن يصل ما انقطع، وأن تقوم من هذا الفرع الأموي، أسرة ملوكية جديدة تتعاقب في العرش، وتعيد بالأندلس مجد الدولة الأموية الذاهب.
وهكذا اختار عبد الرحمن لولاية العهد من بين بنيه الأحد عشر، ولده هشاماً، وآثره بهذا الاختيار لما توسمه فيه من المزايا والمواهب الخاصة. وكان مولده بقرطبة في سنة 139 هـ - 756 م (2). وكانت أمه - وهي " أم ولد " (3) بارعة في الحسن تدعى"حلل" (4) - أحب نساء عبد الرحمن إليه، وأكثرهم نفوذا لديه، وكان هشام حينما توفي أبوه مقيما بماردة مقر ولايته، فأخذ البيعة له أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي، ولكن على غضاضة منه، لأنه مثل أخيه سليمان، كان يرى نفسه أحق بولاية العهد من أخيه الأصغر. ودخل هشام قرطبة لأيام قلائل من وفاة أبيه، وبويع في مستهل جمادى الأولى سنة 172هـ (788 م)، وكان حينما ولى العرش في الثالثة والثلاثين من عمره، بيد أنه كان عاقلا حازما وافر الشجاعة والعزم، كثير العدل والتقوى، جم التواضع والرفق. وتشيد الرواية الإسلامية بجميل خلاله، وتنوه بالأخص بورعه، وتواضعه، وحبه للخير، فيقول لنا ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد إنه " كان أحسن الناس وجهاً، وأشرفهم نفسا، الكامل المروءة، الحاكم بالكتاب والسنة، الذي أخذ الزكاة على حلها، ووضعها في حقها، لم يعرف عنه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه ". وقيل بلغ من تواضعه أن كان يطوف شوارع قرطبة مختلطاً بالرعية يسمع المظالم بنفسه، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، وربما كان يخرج في الليالي المظلمة الممطرة، فيلقى بصرر المال في المساجد لمن وجد فيها بغية تعميرها بالمصلين،
_______
(1) يعقد ابن خلدون في مقدمته، فصلا عن ولاية العهد في الأمة الإسلامية، (ص 175 وما بعدها).
(2) البيان المغرب ج 2 ص 62؛ وابن الأبار في الحلة السيراء ص 37.
(3) هي الجارية إذا رزقت من سيدها بولد، وعندئذ لا يجوز بيعها ولا هبتها.
(4) وفي رواية " حوراء ". وفي رواية أخرى " جمال ".
(1/224)

ويسعى إلى غوث البائس والمسكين بمختلف الوسائل (1). وكان يذهب مذهب عمر بن عبد العزيز، في تحري الحق والعدالة، فكان يبعث إلى الكور بقوم من ثقاته، للتحري عن مسلك العمال وسيرهم بين الرعية، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أسقطه واشتد في عقابه (2).
وكانت ولاية هشام نذير فوره جديدة من الثورات المحلية. ذلك أن سليمان أكبر أخوته لم يقر إمارته، ودعا لنفسه في طليطلة وما جاورها، وكذلك أخوه عبد الله البلنسي لم يخلد إلى الرضى، بالرغم مما بذله هشام لاسترضائه، ولم يلبث أن لحق بأخيه سليمان في طليطلة، وتحالفا على العصيان والثورة، وسار سليمان خفية إلى قرطبة ليحاول إضرام الثورة ضد أخيه، فلم يظفر بشىء، وطارده الجند، ففر إلى ماردة وحاول أن يعتصم بها، ولكن رده عاملها. وكان هشام قد بعث جيشا لحصار طليطلة وإخضاعها، ففر سليمان إلى جبال بلنسية، ولجأ إلى بعض ثغور تدمير. ولما رأى عبد الله البلنسي ما حل بأخيه من الفشل والهزيمة، خشي عاقبة الخروج، وارتد إلى قرطبة يلتمس الصفح من أخيه، فعفا عنه هشام وأكرم مثواه، وبعث جيشا بقيادة ولده معاوية لمطاردة سليمان وصحبه، فتوغل في أنحاء تدمير (مرسية) واضطر سليمان إلى طلب الأمان والعفو، فأجابه هشام إلى طلبه، على أن يعبر بأهله وولده إلى المغرب، وأعطاه ستين ألف دينار صلحا على تركة أبيه. وسار معه أخوه عبد الله، وأقاما بعدوة المغرب، وانتهت بذلك ثورة الأخوين (سنة 174 هـ - 790 م) (3).
واعتقد ثوار الشمال في نفس الوقت أن الفرصة قد سنحت بوفاة عبد الرحمن لإضرام نار الثورة كرة أخرى، فخرج بطرطوشة سعيد بن الحسين الأنصاري، وكان قد التجأ إليها منذ مصرع أبيه، والتف حوله اليمنية، وأخرج عاملها من قبل هشام، يوسف العبسي، فعارضه موسى بن فرقوق في المضرية ودعا لهشام (4)،
_______
(1) راجع في التنويه بخلال هشام وصفاته، أخبار مجموعة ص 120 و121؛ وابن الأثير ج 6 ص 37؛ والعقد الفريد (مصر سنة 1928) ج 3 ص 202؛ والمعجب لعبد الواحد المراكشي ص 10.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 67، وأخبار مجموعة ص 127.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 64 و65.
(4) ابن خلدون ج 4 ص 124.
(1/225)

وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بثغر برشلونة، والتفت حوله جموع كبيرة، واستولى على سرقسطة ووشقة، وقوى أمره، وبسط سلطانه على الولاية كلها، فسير إليه هشام جيشا كبيرا بقيادة عبيد الله بن عثمان، فسار إلى طرطوشة وانتزعها من يد الثوار، وحاصر سرقسطة وفيها مطروح وصحبه، وضيق عليها الخناق حتى ضاق أهلها ذرعا بالحصار، وفي ذات يوم اغتال مطروحا بعض أصحابه واحتزوا رأسه، وقدموها إلى ابن عثمان، فبعث بها إلى هشام، ودخل سرقسطة ظافراً (سنة 175 هـ) (1)، وقضى بذلك على الثورة في تلك الأنحاء.
وكان نصارى الشمال، منذ اشتد ساعدهم، يكثرون من الإغارة على البلاد الإسلامية والعيث فيها، ويشتد هذا العيث والعدوان كلما اضطرمت الأندلس بالفتن الداخلية، وشغلت حكومة قرطبة عن حماية الأطراف النائية. وكان الفرنج جرياً على سياستهم المأثورة، يشجعون النصارى من البشكنس والجلالقة على مواصلة التحرش بالمملكة الإسلامية، وكان هشام كأبيه يقدر خطورة هذه الدسائس الفرنجية، وتحدوه من جهة أخرى نزعة قوية إلى الجهاد والغزو، فما كاد ينتهي من القضاء على الثورة الداخلية، حتى سير إلى الشمال جيشاً قويا من أربعين ألف مقاتل بقيادة عبيد الله بن عثمان، فاخترق ألبة والقلاع (قشتالة القديمة)، واجتاح جليقية، وهزم الجلالقة بقيادة ملكهم برمودو (أو برمند) وحلفاءهم البشكنس، ومزق جموعهم (سنة 175هـ - 791 م)، وعاد إلى قرطبة مثقلا بالغنائم والسبي. ولم يمض قليل على ذلك حتى سارت إلى جليقية حملة أخرى بقيادة يوسف بن بخت، وهزم برمودو مرة أخرى، وقتلت جموع كبيرة من النصارى، وعلى أثر ذلك تنازل برمودو عن العرش لألفونسو الثاني ولد فرويلا، وأمير جليقية الشرقية، ولجأ إلى عزلة الدير.
وفي العام التالي أعني في سنة 176هـ (792 م) تأهب هشام لمحاربة الفرنج، واستئناف عهد الجهاد والغزو، فسير إلى الشمال جيشاً كثيفاً. بقيادة حاجبه عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث (2). فعبر البرنيه من ناحية قطلونية، واستولى
_______
(1) العذري في كتاب " ترصيع الأخبار " (ص 26 و29).
(2) وهو حفيد مغيث الرومي فاتح قرطبة.
(1/226)

أثناء سيره على مدينة جيرونة (جرندة) الحصينة في قاصية شمال شرقي إسبانيا، وكان الفرنج قد استولوا عليها منذ سنة 785 م من يد مطروح بن سليمان. وكان حكام هذه الأنحاء التي لبثت تضطرم بالثورة على حكومة قرطبة، منذ غزوة شارلمان الأولى لإسبانيا، قد استقلوا بما في أيديهم من المدن، وجنحوا إلى محالفة الفرنج جيرانهم من الشمال، والتماس حمايتهم. ومن ذلك أن أبا ثور صاحب مدينة وشقة، الذي سبق ذكره في حوادث باب الشزري، بعث رسله إلى تولوشة عاصمة أكوتين يطلب التحالف من ملكها الدوق لويس ابن شارلمان (790 م) (1).
واستولى الحاجب عبد الملك بعد ذلك على عدد آخر من المعاقل والحصون، ثم نفذ إلى سبتمانيا، وزحف على أربونة قاعدة الثغر الإسلامي القديم. وتقول الرواية الإسلامية إن المسلمين افتتحوا خلال تلك الغزوة أربونة (2)، ولكن الروايات الفرنجية المعاصرة لا تذكر شيئاً عن ذلك الفتح، وتذكر أن المسلمين ارتدوا عن أربونة لمناعتها إلى قرقشونة. وكان شارلمان (أو كارل الأكبر) ملك الفرنج يشتغل يومئذ بمحاربة خصومه السكسونيين بعيدا عن فرنسا، فتأهب ولده لويس أمير أكوتين لصد العرب، وأوفد لمحاربتهم جيشا بقيادة جيوم كونت دى تولوز، فالتقى الفريقان في مكان يسمى " فيل دني " على ضفاف نهر أوربينا بين أربونة وقرقشونة، ونشبت بينهما موقعة غير حاسمة، ارتد المسلمون على أثرها إلى الجنوب مثقلين بالغنائم والسبي، وقدرت أخماس السبي وحدها بخمسة وأربعين ألفاً من الذهب، وأرغم الأسرى النصارى على حمل أو جر أحمال من الأحجار والتراب من سور أربونة حتى قرطبة، وأمر هشام أن يُبنى منها جناح جديد للمسجد الجامع تخليداً لتلك الغزوة الشهيرة.
وكانت منطقة رندة، المعروفة بإقليم " تاكرنّا "، أو " تاكرني " (3)، وفيها يحتشد البربر، مهد الفتن والقلاقل المتوالية. ففي سنة 178 هـ (794 م) أثار البربر هنالك ضرام الفتنة مرة أخرى، وخلعوا الطاعة وعاثوا في تلك الأنحاء، فسير إليهم هشام حملة بقيادة عبد القادر بن أبان بن عبد الله، فأخمد الثورة دون رأفة، وأباد جموع البربر، وخرب بلادهم وضياعهم، وفرقهم في الأنحاء
_______
(1) راجع R.M. Pidal: ibid, p. 203
(2) ابن الأثير ج 6 ص 45؛ والبيان المغرب ج 2 ص 64، ونفح الطيب ج 1 ص 158.
(3) راجع معجم البلدان لياقوت ج 2 ص 353.
(1/227)

والقبائل تمزيقا لعصبتهم، وبقيت هذه المنطقة عدة أعوام قفرا خرابا.
وفي ربيع سنة 179 هـ (795 م) سير هشام إلى جليقية حملة أخرى بقيادة عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، أخى الحاجب، فاخترق المسلمون مفاوز جليقية حتى أستُرقة، ففر السكان النصارى إلى رؤوس الجبال، وتأهب ألفونسو ملك جليقية للقاء المسلمين، على رأس جيش من الجلالقة وحلفائهم البشكنس، ونشب القتال بين الفريقين في قاصية جليقية، في المكان المعروف بالصخرة، وانتصر الجلالقة في البداية في بعض الوقائع المحلية، وقتل جماعة من المسلمين في كمين دبر لهم، ولكن النصارى هزموا في النهاية، وعاث المسلمون في جليقية، وأصابوا كثيراً من الغنائم، ثم ارتدوا إلى الجنوب بعد أن مزقت قوى الجلالقة وسكنوا إلى حين، وساد الأمن في الولايات الشمالية (1).
وكانت هذه آخر غزوة سيرها هشام، إذ توفي عقب ذلك بقليل في الثالث من صفر سنة 180 هـ (18 إبريل سنة 796 م) في نحو الأربعين من عمره، بعد أن حكم نحو ثمانية أعوام. وكان أبيض، أشهل، مشرباً بالحمرة، وبعينيه حول، وكنيته أبو الوليد ويلقب بالرضا (2). وفي عهده ساد الأمن والاستقرار ربوع الأندلس بالرغم مما وقع خلاله من الثورات المحلية. وكان هشام إلى جانب رفقه وتواضعه، حازماً، صارماً في الحق، حريصا على توطيد النظام والعدالة، فلم يتردد في القبض على ابنه الأكبر عبد الملك وزجه إلى السجن لما ثبت لديه من ائتماره به، فبقى في سجنه أعواماً طويلة حتى توفي بعد وفاة أبيه (3). وكان فوق شغفه بالجهاد والغزو، محباً للإصلاح والإنشاء، فعنى بإتمام مسجد قرطبة الجامع الذي بدأ بإنشائه أبوه وتوفي قبل إتمامه، وأنشأ عدة مساجد أخرى، وزين قرطبة بكثير من الأبنية والحدائق الفخمة، وجدد قنطرة قرطبة الشهيرة التي بناها السمح بن مالك على النهر الكبير، وأنفق في تجديدها أموالا عظيمة، وكان
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 66، وابن الأبار في الحلة السيراء ص 72. ويقول ابن الأثير إن الذي قاد هذه الحملة هو عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث (ج 6 ص 48). وراجع ابن خلدون ج 4 ص 125.
(2) ابن الأثير ج 6 ص 46، وابن الأبار ص 37، والبيان المغرب ج 2 ص 62.
(3) ابن الأثير ج 6 ص 41.
(1/228)

يشرف على إصلاحها بنفسه (1)، وعلى الجملة فقد كان عهده زاهراً، وافر الأمن والرخاء.
وكان هشام شديد الورع والتقوى، وكان شغفه بالجهاد وإعلاء كلمة الدين من أخص مظاهر تقواه، وكان ينفق الأموال الطائلة في افتداء أسرى المسلمين، حتى لم يبق في عهده منهم في قبضة العدو أحد، ويرتب في ديوانه أرزاقا لأسر الجند المتوفين في الجهاد (2). وفي عصره اتخذت السياسة الأموية إجراء يشهد ببعد نظرها، إذ جعلت العربية لغة التدريس في معاهد النصارى واليهود. وكان لذلك الإجراء بالرغم من بساطته، أثر عميق في التقريب بين أصحاب المذاهب المختلفة، وفي بث روح التفاهم والوئام بينها، ولاسيما بين المسلمين والنصارى، وكان من أثره أيضاً أن كثر اعتناق النصارى للإسلام بعد أن وقفوا على أصوله وتفاصيله، وقربت مسافة الخلاف بينهم وبين الفاتحين، ولم يكن ذلك بعيداً في الواقع عن غاية السياسة الأموية (3).
وكان هشام يؤثر مجالس العلم والأدب ولاسيما الحديث والفقه على غيرها.
وفي عصره ذاع مذهب مالك (4). وكان الإمام مالك، وهو معاصر لهشام، يعجب بسيرته وخلاله، ويشيد بعدله وتقواه، وكانت تجمع بين الرجلين على بعد المزار عاطفة مشتركة هي بغض بني العباس، وكان قد رحل إلى المشرق عدة من فقهاء الأندلس، منذ أيام عبد الرحمن الداخل، وفي مقدمتهم زياد بن عبد الرحمن، وعيسى بن دينار، وسعيد بن أبي هند، ويحيى بن يحيى الليثي، فدرسوا على مالك بالمدينة، واستقوا من علمه واجتهاده، ونقلوا عنه كتابه " الموطأ "، وذاع مذهب مالك على يدهم في الأندلس في عصر هشام. وكان هشام كثير الإجلال لمالك ومذهبه، فزاد ذلك في ذيوعه وتوطده، وغدا مذهب أهل الأندلس الغالب، وكانوا قبل ذلك يعملون بمذهب الأوزاعي إمام
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 68، وابن الأثير ج 6 ص 49. وما تزال هذه القنطرة العربية قائمة حتى اليوم على نهر الوادي الكبير خلف الجامع الأموي، محتفظة بعقودها القديمة، بالرغم مما توالى عليها من ضروب الإصلاح والتجديد.
(2) أخبار مجموعة ص 120.
(3) راجع Scott: ibid, I.p. 433..
(4) الإمام مالك بن أنس، أبو عبد الله، أحد أصحاب المذاهب الأربعة الشهيرة (95 - 179هـ) وترجمته في ابن خلكان ج 1 ص 555 - 57.
(1/229)

أهل الشأم (1). وفي عصر هشام قوى نفوذ الفقهاء ورجال الدين، وتربعوا في أهم المناصب، وكثر تدخلهم في شئون الدولة، خلافا لما كان عليه عبد الرحمن الداخل من إقصائهم والتحرز من تدخلهم ونفوذهم، وكان لذلك أثر غير محمود ترتبت عليه فيما بعد نتائج سياسية واجتماعية خطيرة.
- 2 -
وخلف هشاماً ولدُه الحكم بعهد منه، وبويع عقب وفاة أبيه بأيام قلائل في الثامن من صفر سنة 180 هـ (أبريل 796 م)، وهو في السادسة والعشرين من عمره، وكان مولده بقرطبة سنة 154 هـ (771 م)، وأمه أم ولد تدعى زخرف، وكان طاغية، حازماً، شجاعاً، شديد الوطأة على خصومه والخارجين عليه، وكانت تحدوه مع ذلك نزعة إلى الإنصاف والعدالة (2). وهو أول من أظهر فخامة الملك بالأندلس، وأسرف في تأييد هيبته، وجدد عهد أجداده بالمشرق ببذخه وروعته، واستكثر من المماليك والبطانة. وكان ميالا إلى اللهو، مولعاً بالصيد، يؤثر مجالس الندماء والشعراء، على مجالس الفقهاء والعلماء.
وآنس الفقهاء تصدع مركزهم الذي سما في عهد أبيه هشام، وكانت سياسة الحكم ترمي إلى الحد من نفوذهم، وإبعادهم عن التدخل في شئون الدولة، وكانوا بالعكس يرمون إلى انتزاع السلطة السياسية ليحكموا الأمة من وراء العرش بواسطة جمهورية دينية، فجاءت سياسة الحكم ضربة قاضية على أمانيهم، وثارث نفوسهم سخطاً على الأمير الفتى، وأخذوا يلوحون بسبه والتعريض به من فوق المنابر، ويوغرون عليه صدور العامة بالدس والوقيعة، ويسبغون على دعايتهم ثوب الوعظ والإرشاد، والحض على التمسك بأحكام الدين. وكان الحكم بإسرافه في مجالى اللهو والبذخ، يسبغ على أقوالهم قوة، وكانت دعايتهم قوية بالأخص بين البربر والمولدين (أو مسلمي الإسبان)، إذ كان هؤلاء يبغضون العرب لكبريائهم واستئثارهم بالمناصب والنفوذ، وكانوا دائماً على أهبة الخروج والعصيان كلما سنحت الفرصة. وكان لتحريض الفقهاء وسعايتهم كما سنرى آثار بعيدة المدى (3).
_______
(1) أخبار مجموعة ص 120؛ والاستقصاء ج 1 ص 61، ونفح الطيب ج 2 ص 158؛ وراجع أيضاً Dozy: Hist.,I.p. 286 & 287
(2) أخبار مجموعة ص 125.
(3) راجع المعجب ص 11؛ ونفح الطيب ج 1 ص 159، وكذلك Dozy: Hist,I.p. 288 وألتاليرا Hiat.de Espana, Vol.I.p. 227
(1/230)

وفي بداية عهد الحكم، في صيف سنة 180 هـ (796 م) سار الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث غازياً بالصائفة إلى ألبة والقلاع، (قشتالة القديمة) واستولى على قلعة قلهُرّة الواقعة على نهر إيبرو، وأثخن في بلاد البشكنس (نافار)، وعاد مثقلا بالغنائم والسبي. ولكن سرعان ما اضطر الحكم إلى ترك الجهاد والغزو، ليعني بمقاومة بوادر الخروج والثورة التي أخذت تتفتح حوله من كل صوب. وكان الثغر الأعلى (أراجون) موطن الخطر في تلك المرة، وكانت تؤازره وتذكيه عوامل خارجية في منتهي الخطورة. ذلك أن الحكم ما كاد يجلس على عرش أبيه، حتى عول عماه سليمان وعبد الله على التحرك مرة أخرى.
وكانا يقيمان في عدوة المغرب منذ أيام أخيهما هشام، يرقبان الفرص. واتصل عبد الله بابن الأغلب صاحب إفريقية وخاطبه في مشروعهما، ولكنه لم يلق على ما يظهر منه تأييداً، فاتجه الأخوان وجهة أخرى. وكانت مدائن الثغر الأعلى (1) وفي مقدمتها سرقسطة ما زالت، منذ أيام عبد الرحمن الداخل تفيض بعوامل الفتنة، ففي سنة 181 هـ (797 م) ثار بالثغر الأعلى بهلول بن مروان المعروف بأبى الحجاج ودخل سرقسطة، وثار حاكم مدينة وشقة في نفس الوقت. فعبر سليمان وعبد الله سراً إلى الأندلس، وسار عبد الله إلى الثغر الأعلى يؤلب البلاد، ويحشد الأنصار لمقاتلة الحكم، ثم عبر جبال البرنيه إلى بلاد الفرنج، وسعى إلى مقابلة شارلمان (كارل الأكبر) في مدينة إيكسلا شابيل حيث كان يعقد بلاطه يومئذ، والتمس إليه العون والمؤازرة، فأكرم ملك الفرنج وفادته، واستجاب إلى دعوته، وألفى الفرصة سانحة للتدخل في شئون الأندلس، وتحقيق مطامعه القديمة.
وسير شارلمان جيشاً مع ولده لويس أمير أكوتين، فعبر البرنيه واستولى على مدينة جيرونة (جيرندة)، ثم توغل في ولاية الثغر الأعلى، بممالأة بعض الزعماء الخوارج، وقيل إن الأخوين عبد الملك وعبد الكريم ابنى عبد الواحد
_______
(1) قال ياقوت في معجمه الجغرافي " الثغر "، كل موضع قريب من أرض العدو يسمى ثغرا، كأنه مأخوذ عن الثغرة " وهي الفرجة في الحائط ". وكان رباط الثغر أيام فتح الأندلس يشمل أربونة وما حولها، باعتبارها أقصى ولاية في اسبانيا المسلمة، مما يلى أرض الفرنج، فلما سقطت أربونة في يد النصارى ارتد " ثغر " الأندلس إلى ما رواء جبال البرنيه؛ فأصبح " الثغر " يطلق على ولاية سرقسطة وما جاورها حتى برشلونة والبحر شرقا، وهذا هو " الثغر الأعلى "، ويشمل عدا سرقسطة لاردة، وتطيلة، ووشقة، وطرطوشة، وطركونة وغيرها؛ ويقابل "أراجون"، من ولايات اسبانيا الحديثة. وسميت طليطلة وأعمالها " بالثغر الأوسط " لمجاورتها لمملكة ليون النصرانية (جليقية).
(1/231)

ابن مغيث انضما يومئذ إلى عبد الله في ثورته، وأنهما سارا إلى سرقسطة، ولكن أبا صفوان حاكمها من قبل الحكم، استطاع أن يهزم الخوارج، وأن يأسر زعيمهم عبد الكريم، وأن الأخوين عادا بعد ذلك إلى الطاعة واستأمنا في أوائل سنة 186هـ فأمنهما الحكم، ووفدا على قرطبة وقدما خضوعهما وإخلاصهما (1). وقد نجد ما يؤيد هذه الرواية في أنه لم يرد للأخوين ذكر خلال هذه الأعوام الخمسة، مع أنهما كانا دائماً في الطليعة في قيادة مختلف الحملات والغزوات. وعلى أي حال فقد بادر الحكم بالسير إلى الشمال لرد هذا الخطر الجديد. والظاهر أن الفرنج لم يلقوا الحوادث ممهدة في ذلك الجزء المضطرم من الأندلس، وخشوا من جهة أخرى من نكث حلفائهم المسلمين، وتكرار مأساة باب الشزري، فارتدوا إلى الشمال بعد أن حاصروا مدينة وشقة حيناً (797 م)، تاركين الأمور لمصيرها، ولما رأى الزعماء الخوارج عبث المقاومة، عادوا إلى الطاعة، واسترد الحكم سلطانه على سرقسطة ووشقة ولاردة وغيرها.
_______
(1) وردت هذه الرواية منسوبة إلى الرازي مؤرخ الأندلس، في أوراق مخطوطة عن تاريخ الأندلس من سنة 180 إلى سنة 232هـ عثر بها صديقي العلامة المرحوم " ليفي بروفنسال " عميد كلية الجزائر والأستاذ بجامعة باريس سابقا. وقد تفضل بإطلاعي عليها ونقلت عنها. ولم نكن نعرف وقتئذ بالتحقيق من هو مؤلف هذا المخطوط؛ ولكن تبين فيما بعد من مقارنة الروايات التي يوردها عن مؤرخي الأندلس السابقين مثل الرازي وابن القوطية وابن الفرضي، ثم ابن حزم وأحمد ابن خالد، كما تبين منه مما تتسم به كتاباته وتعليقاته من الرزانة والدقة، أن هذه الأوراق المخطوطة، إنما هي قطعة من مؤلف مؤرخ الأندلس الكبير ابن حيان، وهو المسمى " المقتبس في تاريخ رجال الأندلس ". وتحتوي هذه القطعة على كثير من المعلومات والتفاصيل الحسنة عن حوادث العصر الذي نتحدث عنه وعن شخصياته. وقد حصلت بعد ذلك بأعوام من مكتبة القرويين بفاس، على نسخة مصورة من قطعة كبيرة مخطوطة من تاريخ ابن حيان المشار إليه تبين أنها تتمة للجزء المتقدم، إذ تبدأ حوادثها من سنة 233هـ وتننتهي في سنة 267هـ, وهي عبارة عن جزء كبير يقع في مائة وتسعين صفحة كبيرة. وهي قديمة بالية متآكلة الحوافي. وقد انتفعت بها منذ الطبعة الثالثة من الكتاب انتفاعا عظيما حسبما يرى القارىء بعد هذا. ثم ظهرت أخيرا قطعة كبيرة من " المقتبس " تتعلق بعصر الناصر وتحفظ بالمكتبة الملكية بالرباط، وقد أشرنا إليها وإلى محتوياتها في مقدمة الكتاب. وقد انتفعنا بها في هذه الطبعة الجديدة أعظم انتفاع حسبما يرى القارىء بعد. وقد نشرت من قبل قطعة أخرى من تاريخ ابن حيان بعناية المستشرق الإسباني أنتونيا، وهي تتعلق بالأخص بحوادث عصر الفتنة الكبرى (250 - 300هـ). وتوجد قطعة صغيرة مخطوطة أخرى من تاريخ ابن حيان بمكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد، وهي تتعلق بأحوال الخلافة وحوادث الأندلس في سنى 362 - 365هـ أيام الحكم المستنصر.
(1/232)

وفي ذلك الحين كان سليمان بن عبد الرحمن قد استطاع أن يحشد أنصاره ولاسيما من البربر، وهرع إليه أخوه عبد الله البلنسي بعد فشله في الشمال، وسار الخوارج إلى قرطبة يحاولون الإغارة عليها، فالتقوا بجند الحكم على مقربة منها في مكان يسمى " فنجيط " وذلك في شوال سنة 182 هـ، فهزم سليمان. ثم التقى الجمعان ثانية بالقرب من إستجَّة في صفر سنة 183، فهزم سليمان مرة أخرى بعد قتال عنيف، وفر في أصحابه متجها إلى ماردة، فبعث الحكم الجند في أثره، فطاردته حتى قبض عليه. وجىء به إلى الحكم، فأمر بإعدامه، وأعدم معه عدة من زعماء الفتنة، وأرسلت رؤوسهم إلى قرطبة حيث طيف بها (سنة 184 هـ - 800 م).
وفر أخوه عبد الله إلى بلنسية فاختفى بها، ولكنه لم ير في النهاية مناصا من طلب العفو، فعفا عنه الحكم وأصدر له أماناً خاصاً، وذلك على أن يبقى في بلنسية وتجري عليه أرزاقه، وبعث عبد الله إلى الحكم بابنه عبيد الله فأكرمه الحكم وزوجه إحدى أخواته، وركن عبد الله إلى السكينة طوال عهد الحكم (1).
وهكذا انتهت المرحلة الأولى من الحوادث التي اقترنت بثورة سليمان وأخيه عبد الله، ولم يجن الفرنج فيها كبير غنم، ولكن ذلك لم يثن شارلمان عاهل الفرنج عن عزمه ومشاريعه. ذلك أن سياسة التدخل في شئون إسبانيا المسلمة، كانت أصلا من أصول السياسة الفرنجية، وكان الفرنج ينظرون بعين التوجس، إلى قيام هذه الإمارة الإسلامية الجديدة فيما وراء البرنيه، وإلى توطدها ونموها، ويخشون بالأخص أن يضطرم الإسلام بفورة جديدة من الجهاد والغزو، فينساب تيار الفتح الإسلامي إلى غاليس كرة أخرى، وقد حاول شارلمان ضربته الأولى في عهد عبد الرحمن الداخل فباء بالهزيمة والفشل، ونكب في مفاوز رونسفال (باب الشزري). ولما عبر المسلمون جبال البرنيه في عهد هشام وغزوا سبتمانيا، تجددت مخاوف الفرنج وتجددت مشاريعهم لتأمين حدودهم الجنوبية، وكانوا يلتمسون الفرصة كلما اضطرمت الأندلس بالثورة. وهنا يجدر بنا أن نتساءل، هل كان لسياسة الخلافة العباسية أثر في صوغ هذه السياسة الفرنجية نحو الأندلس أو الإيحاء بها؟ لقد رأينا كيف كانت الخلافة العباسية تحاول بث دعوتها في الأندلس على يد بعض الزعماء الخوارج، وكيف كانت هذه الدعوة تحدث أثرها في إضرام نار
_______
(1) مخطوط ابن حيان المشار إليه لوحة 90.
(1/233)

الفتنة. على أن الخلافة العباسية، كانت من جهة أخرى تتصل بالمملكة الفرنجية بصلات سياسية. وترجع الرواية الفرنجية هذه الصلة إلى عهد المنصور، وتقول لنا إن ببين ملك الفرنج أرسل إلى المنصور سفارة رد عليها المنصور بمثلها، وتضيف الرواية الفرنجية إلى ذلك أنه كانت ثمة بعدئذ مكاتبات وسفارات بين الرشيد وبين شارلمان ولد ببين، ومع أن الرواية الإسلامية لا تذكر شيئا عن هذه العلائق بين ملك الفرنج والخليفة العباسي، فإن في تفاصيل الرواية الفرنجية، وفي طبيعة الحوادث التي كان يجوزها الشرق والغرب يومئذ، ما يحملنا على الاعتقاد في صحتها (1). وهذه العلائق ذاتها تلقي ضوءاً على موقف السياسة العباسية، من حوادث الأندلس في ذلك الحين. فقد كانت الخلافة العباسية ترى في قيام إمارة قرطبة الأموية في الغرب منافسا لها في سيادة العالم الإسلامي، ولم يكن يسوءها أن تتعثر هذه الإمارة الفتية في معترك من الصعاب والفتن، وأن تشغل بمقارعة أعدائها في الداخل والخارج. وإذاً فقد كانت الخلافة العباسية تشاطر السياسة الفرنجية نفس الغاية التي ترمي إليها بالنسبة لإمارة قرطبة، وهي العمل على إضعافها وتحطيمها إن أمكن، ولما كانت الدولة العباسية لا تستطيع أن تعمل لتحقيق هذه الغاية بطريق مباشر، فقد كان في وسعها على الأقل أن تعمل لتأييدها بطريق الدعوة والتحريض. ولم يكن بعيداً أن يجد الخليفة العباسي، وهو يبسط حكمه على ملايين من النصارى، وفي أرضه يقع القبر المقدس، وسيلة للتفاهم مع إمبراطور الفرنج وحامي النصرانية، وأن يجد عاهل الفرنج ما يشجعه على إذكاء تحرشه بإمارة قرطبة، في رفق الخليفة برعاياه النصارى، هذا فضلا عن أن السياسة الفرنجية تعمل بذلك على تحقيق غايتها الأصلية من مناوأة الإسلام في اسبانيا وإضعاف سيادته ونفوذه، وحماية حدود مملكة الفرنج الجنوبية. وإذاً فمن المحتمل أن يكون لهذه السفارات والمراسلات السياسية، التي تقول الرواية الفرنجية بوقوعها بين الرشيد وشارلمان، صلة بهذه المرحلة من تدخل الفرنج في شئون اسبانيا المسلمة، واعتدائهم المتكرر على أراضيها. وقد وقع الغزو الفرنجي لشمال اسبانيا في عهد الحكم بين سنتي 181 و185هـ، أعني في أواسط عهد الرشيد
_______
(1) تناولت موضوع العلائق بين الرشيد وشارلمان في فصل خاص في كتابي " مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام " (الطبعة الرابعة ص 218 - 224).
(1/234)

(170 - 193هـ). والواقع أن في اتحاد المصلحة والغاية بين الخليفة العباسي وعاهل الفرنج، ما يسبغ على هذا الفرض تأييداً.
ولما كانت السياسة الفرنجية ترمي قبل كل شىء إلى تأمين غاليس (جنوب فرنسا) من خطر الغزو الإسلامي، فقد رأت أن تنشىء في قاصية اسبانيا الشمالية الشرقية مما يلي جبال البرنيه، ولاية فرنجية جديدة تكون سدا بين الغزاة وبين مملكة الفرنج، وأنشئت هذه الولاية التي سميت " بالثغر القوطي " أو الثغر الإسباني في البداية، من مدن جيرونة (جيرندة) وأوزونة وسولسونة، وما حولها مما اقتطعه الفرنج من أراضي اسبانيا المسلمة، التي كانت تابعة لرباط الثغر الإسلامي القديم. ولما عاد الاضطراب إلى الثغر الأعلى، وشغلت حكومة قرطبة بأمر الثورات الداخلية المتوالية، ألفى الفرنج الفرصة سانحة لدفع غزواتهم نحو الجنوب، وكان شارلمان يطمح بالأخص إلى افتتاح ثغر برشلونة المنيع ليكون معقلا لحماية أملاكه الجنوبية، وحلقة اتصال بحري سهل بينها وبين فرنسا. وعمد شارلمان قبل البدء في تنفيذ مشروعه إلى عقد محالفة بينه وبين أمير جليقية ألفونسو الثاني (سنة 798 م)، لكي يكتسب ولاء البشكنس ومعاونتهم. وفي سنة 801 م (185 هـ) سير شارلمان إلى اسبانيا جيشاً ضخماً لافتتاح برشلونة بقيادة ولده لويس أمير أكوتين، وانقسم هذا الجيش إلى قسمين، سار أحدهما بقيادة حاكم جيرونة لمحاصرة برشلونة، وسار الآخر بقيادة جيوم كونت دي تولوز ليرابط جنوب غربي برشلونة بين لاردة وطركونة، ليحول دون وصول أى مدد إلى المدينة المحصورة. وكان الحكم يشغل يومئذ بمطاردة الخوارج عليه وفي مقدمتهم عمه عبد الله، وكان والي برشلونة، سعدون الرعيني، في مأزق حرج، يتطلع عبثاً إلى قدوم المدد، وهو في ثغره القاصي بعيداً عن كل عون ومساعدة، ولم يكن له ما يؤمل من معاونة زملائه ولاة الثغر الأعلى، ومعظمهم يضمر الخروج على حكومة قرطبة، ويرى في اضطراب الأمور ملاذاً. ومع ذلك فقد صمدت برشلونة، وصمم واليها الشجاع على المقاومة، ولبثت حيناً تعاني أمر ضروب الحرمان والجوع، دون أن يأتيها المدد المنشود. ثم تفاقم الأمر وجاء جيش جديد من الفرنج بقيادة لويس ليشدد الحصار على المدينة، فرأى سعدون الرعيني أن يحاول التماس المدد بنفسه من قرطبة، وغادر برشلونة تحت جنح الظلام،
(1/235)

وحاول أن يخترق خطوط العدو، ولكنه ضبط وأسر، ولم تستطع برشلونة ثباتاً بعد أن هلك ألوف من أهلها، وفتحت ثغرات عديدة في أسوارها، فاضطرت إلى التسليم بعد أن ذاقت ويلات الحصار سبعة أشهر. واتخذ الفرنج من برشلونة مكان جيرندة، قاعدة للثغر القوطي الذي نما فيما بعد، وكان الفرنج يعينون حكامه من الكونتات الذين ينتمون إلى أصل قوطي أو فرنجي. ولم يلبث أولئك الحكام، حينما شعروا بقوتهم وبعدهم عن سلطان مملكة الفرنج، أن أعلنوا استقلالهم، وغدا الثغر الفرنجي إمارة نصرانية هي إمارة قطلونية، التي اندمجت فيما بعد في مملكة أراجون القوية، وخسر الإسلام بفقد برشلونة أمنع ثغوره في قاصية اسبانيا، وارتدت حدود الأندلس إلى الثغر الأعلى، بعد أن كانت تجاوز جبال البرنيه (1).
وفي سنة 189 هـ (805 م) اكتشف الحكم مؤامرة خطيرة دبرت لخلعه، وكان من ورائها رهط الفقهاء الذين قضى الحكم على نفوذهم، مثل يحيى بن يحيى الليثي، وعيسى بن دينار، وطالوت الفقيه، وغيرهم من زعماء المالكية. وقد رأينا كيف سخط الفقهاء على الحكم لتصدع نفوذهم القديم، وأثاروا عليه وعلى خلاله دعاية قوية، واتهموه من فوق المنابر بالقسوة والخروج على أحكام الدين، وكيف كان الحكم، بمرحه وبذخه، وشغفه باللهو والشراب، يسبغ على دعايتهم قوة. وكان ثمة فريق آخر من أعيان قرطبة ينقم على الحكم صرامته وطغيانه. وكان هؤلاء وهؤلاء يتربصون بالحكم ويلتمسون الفرصة للإيقاع به، وكان في موقف الشعب القرطبي، ما يشجعهم على تدبير مشاريعهم، إذ كان الشعب متأثراً بدعاية الفقهاء في حق الحكم، وبما كان يبديه الحكم من ترفع عن الشعب، فكان أهل قرطبة يبغضون الحكم وبلاطه. وهكذا ائتمر الفقهاء والأعيان بالحكم واتفقوا على خلعه، وكان في مقدمة المتآمرين مالك بن يزيد بن يحيى التجيبي، وموسى بن سالم الخولاني، وأبو كعب بن عبد البر وأخوه عيسى، ويحيى ابن مضر القيسي الفقيه وغيرهم، وكان بينهم بعض المروانية من أقارب الحكم، ومنهم محمد بن القاسم المرواني الذي اختاره المتآمرون لرياستهم، ووعدوه بأن
_______
(1) تضع الرواية الإسلامية تاريخ سقوط برشلونة في سنة 185 هـ (801 م) متفقة بذلك مع الرواية الفرنجية، وقد وردت عنه نبذة حسنة في مخطوط ابن حيان الذي أشرنا إليه (ص 90). وراجع ابن الأثير ج 6 ص 55؛ وكذلك Scott: ibid , V.I.p. 448-452; و Altamira: Hist.de Espana: Vol.I.p. 241
(1/236)

يكون خلف الحكم في الإمارة (1)، ولكنه خشى العاقبة وبادر بإبلاغ الحكم، واكتشفت المؤامراة قبل نضجها، وقبض الحكم على عدد كبير من المتآمرين. واستطاع بعضهم الفرار، مثل يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار. وأعدم الحكم منهم اثنين وسبعين رجلا، وأبدى في إعدامهم قسوة ظاهرة، إذ صلبهم على شاطىء النهر تجاه مشارف القصر، وكان من بين القتلى عماه مسلمة المشهور بكليب، وأمية، ابنا عبد الرحمن بن معاوية، قتلهما لارتيابه في سلوكهما، فأثار هذا الإجراء الدموي في قرطبة أيما ارتياع، وأسبغ على خلال الحكم ريباً، وأذكى الحفيظة على الأمير في نفوس الخاصة والعامة معاً. وشعر الحكم بخطورة هذا الأثر، فحصن قرطبة ورمم أسوارها، واحتفر الخنادق حولها، وفرض على الشعب حكم إرهاب يزيد في حفيظته. ولم تمض أشهر على ذلك حتى اضطرمت في قرطبة فورة من السخط، وثار العامة في الرَّبض (الضاحية) بزعامة رجل منهم يقال له ديبل، وكان الحكم غائباً يشرف على محاصرة الثوار في ماردة، فعاد مسرعاً إلى قرطبة، وقبض على زعيم الفتنة وعدة كبيرة من أنصاره، وصلبوا جميعاً ومثل بهم، وسحق الهياج دون رأفة، وهدأت العاصمة إلى حين (2).
وفي العام التالي، سنة 190 هـ (806 م)، نشبت الثورة في ماردة بقيادة زعيمها أصبغ بن عبد الله بن وانسوس، فسار الحكم إلى قتاله، ولكنه ارتد عنه حينما وقف على نبأ الهياج في قرطبة. وترددت الحملات والبعوث بعد ذلك إلى ماردة لإخماد الثورة، واستمر زعيمها أصبغ على مقاومته بضعة أعوام، وكان ذا وجاهة وبأس، يلتف حوله مواطنوه البربر وهم كثرة في ماردة وما حولها، ولكنه اضطر أخيراً إزاء حزم الحكم وصرامته إلى طلب الأمان والصلح، فأجابه الحكم إلى طلبه، وعادت ماردة إلى الطاعة (3).
وكانت طليطلة حاضرة القوط القديمة، وقاعدة "الثغر الأوسط" (4) ما تزال
_______
(1) راجع البيان المغرب ج 2 ص 73؛ وابن الأثير ج 6 ص 66؛ ولكن ابن القوطية يذكر أن المتآمرين بايعوا شخصاً آخر من أبناء عمومة الحكم.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 73؛ وابن الأثير ج 6 ص 86، ومخطوط ابن حيان المشار إليه ص 98.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 74، ومخطوط ابن حيان المشار إليه ص 99.
(4) تسمى طليطلة وأعمالها في الجغرافية الأندلسية " بالثغر الأوسط " حسبما تقدم.
(1/237)

منذ الفتح تفيض بعوامل الهياج والثورة، وكان بين أهلها كثرة من المولدين أو النصارى الذين دخلوا في الإسلام، والمستعربين أو النصارى المعاهدين. وقد سبق أن عنينا بالتعريف بهذين العنصرين، اللذين اضلعا بأدوار خطيرة في تاريخ اسبانيا المسلمة، وأوضحنا أن العرب والبربر، وهما العنصران اللذان تعاونا في فتح اسبانيا، لم يكونا أغلبية بين الشعب الأندلسي الذي تكون بعد الفتح بمضي الزمن، وكان العرب بالأخص أقلية في معظم المدن الكبيرة، لكن هذه الأقلية العربية كانت تستأثر بالحكم، وخصوصاً في الأقاليم الوسطى والجنوبية القريبة من قرطبة مركز الإمارة والسيادة. وكان البربر من جانبهم أغلبية في بعض المناطق الغربية والشمالية، وكانوا حيثما غلبت كثرتهم وسلطتهم، يتحدون في معظم الأحيان مع المولدين، وأحياناً مع النصارى المعاهدين أنفسهم، على مناوأة حكومة قرطبة.
أما "المولدون" فكان معظمهم حسبما أسلفنا من الإسبان والقوط الذين اعتنقوا الإسلام منذ الفتح تباعاً، واندمجوا في المجتمع الإسلامي، وقد كانوا كثرة في بعض المدن القوطية العريقة مثل طليطلة وبعض مدن الثغر الأعلى، وقد برزت منهم بعض الأسر القوية ذات السلطان والبأس، مثل بني قسىّ زعماء الثغر الأعلى وبنو حفصون زعماء ريُّه، ويصفهم المستشرق سيمونيت بأنهم كانوا بعد اندماجهم في المجتمع الإسلامي أشد تعصباً ضد النصارى من المسلمين الخلص أنفسهم (1).
وأما النصارى المعاهدون أو المستعربون كما يسمون بالإسبانية Mozarabes، فهم حسبما أشرنا من قبل النصارى الإسبان الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم، وبقوا في المدن الأندلسية المفتوحة تحت الحكم الإسلامي. وبالرغم مما كانت تسبغه الحكومة الإسلامية عليهم من أسباب الرعاية، وما كان لهم في كثير من الأحيان من الحظوة والتمتع بثقة الأمراء، وتولي كثير من الوظائف الهامة، فقد كانوا على العموم عنصراً قليل الولاء للحكومة الإسلامية، وكانوا في المدن البعيدة في كثير من الأحيان، يحالفون الثوار من المسلمين والبربر والمولدين، ويمالئونهم، ويعملون على عقد الصلات بينهم وبين الملوك النصارى، سعياً إلى مناوأة حكومة قرطبة وخلق الصعاب في وجهها. وسنرى أى دور خطير يلعبه أولئك النصارى المعاهدون في قرطبة في عهد عبد الرحمن بن الحكم، لإثارة الفتن والاضطراب في المملكة الإسلامية.
_______
(1) Simonet: Hist.de los Mozarabes, Vol.I.p. 362
(1/238)

هذا، وفضلا عما كان للمولدين والنصارى المعاهدين من كثرة ظاهرة في مدينة طليطلة، فإن أهل طليطلة على وجه العموم، لم ينسوا سالف عزهم ومجدهم أيام أن كانت مدينتهم دار ملك القوط، وكانوا يعتزون بكثرتهم وثروتهم وحصانة مدينتهم (1)، وتحدوهم روح من التمرد والخروج المستمر على حكومة قرطبة. وقد رأينا كيف كانت طليطلة مركز الثورة، وملاذ الزعماء الخوارج منذ عهد عبد الرحمن الداخل. وفي عهد الحكم عادت طليطلة إلى سابق سيرتها، وثار فيها في سنة 181هـ (797 م) عبيدة بن حميد، فوجه الحكم قائده عمروس ابن يوسف لمحاربته، وكان يقود الجيش في طلبيرة، فالتقى بالثوار في عدة مواقع، ولما رأى ثبات الثوار لجأ إلى سلاح الغيلة، واستمال بعض وجهاء المدينة بالمنح والوعود، ودفعهم إلى اغتيال عبيدة بن حميد، وبذا أخمدت الثورة إلى حين، وأذعنت المدينة الثائرة لسلطان الحكم. ولكن هذا الهدوء المؤقت لم يطل أمده، ولم تمض بضعة أعوام حتى عادت طليطلة إلى الثورة، ولم ير الحكم وسيلة لإخضاعها سوى تعيين عمروس بن يوسف حاكماً لها. وكان عمروس " مولداً " من أهل وشقة، ذا وجاهة وبأس، وكان قد ظهر في الثغر الأعلى، وأظهر طاعة الحكم ودعا له، خلافاً لكثير من زعماء الثغر الخوارج، فسر الحكم بمسلكه ودعاه إلى خدمته، واختاره للقيادة، ثم اختاره لولاية طليطلة ليعالج المدينة الثائرة، ويعمل على إخضاعها، ولوحظ في هذا الاختيار أن عمروس مولد، وأن معظم أهل طليطلة من المولدين. وكتب الحكم إلى أهل طليطلة يقول: "إني قد اخترت لكم فلاناً وهو منكم لتطمئن قلوبكم إليه، وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم". ودخل عمروس طليطلة، فأنس به أهلها، وتظاهر أمامهم ببغض بني أمية والموافقة على خلع طاعتهم، واستمالهم برفقه ولينه، ثم أنشأ بموافقهم في ظاهر طليطلة قلعة حصينة بحجة إيواء الجند والموظفين فيها بعيداً عن أهل المدينة وحرصاً على راحتهم، وبعث إلى الحكم يستقدم إليه الجند سراً، فسير الحكم جيشاً بقيادة ولده عبد الرحمن لمقاتلة نصارى الشمال في الظاهر، ثم عرج هذا الجيش حين العودة على طليطلة، وخرج عمروس لملاقاة الأمير
_______
(1) إن إلقاء نظرة على موقع طليطلة فوق المنحدر الصخري الوعر المشرف على منحنى نهر التاجه، والنهر محيط بها من كل نواحيها تقريباً، وبقية الأسوار الهائلة التي كانت تحيط بها، كل ذلك يدل على ما كانت عليه هذه المدينة التالدة من الحصانة في تلك العصور.
(1/239)

وتحيته، ومعه وجوه المدينة، فأكرمهم عبد الرحمن ولاطفهم. وهنا دبرت المؤامرة التي هلك فيها وجوه طليطلة وأعيانها، وفي بعض الروايات أن الذي دبرها وأوعز بتنفيذها هو الحكم، في خطاب أرسله سراً إلى عمروس مع ولده عبد الرحمن، وفي البعض الآخر أن الذي دبر الكمين هو عمروس. وعلى أى حال فقد نفذت المؤامرة بأن أقام عمروس في القلعة الجديدة، وليمة حافلة دعا إليها ألوفاً من الكبراء والأعيان، ورتب الدخول من باب والخروج من باب آخر، منعاً للزحام، وجعل الخدم يقتادون المدعوين إلى غرف الطعام عشرة عشرة، وكلما دخل منهم فوج أخذوا إلى ناحية معينة، وضربت أعناقهم، وألقيت جثثهم إلى حفرة عظيمة، حفرت خصيصاً في مؤخرة القصر، وأصوات الطبول والمزامير تحول دون سماع استغاثتهم، ولم يفطن أحد إلى الحقيقة المروعة إلا بعد أن تعالى النهار، ولم يبد للداخلين أثر في الخروج، ولم يسمع لهم ضجيج، فعندئذ فطن البعض إلى الكمين، وتصايح القادمون ونكصوا على أعقابهم، وهلك في تلك المذبحة التي تعرف بواقعة " الحفرة " عدد كبير من وجوه طليطلة وأعيانها, يقدره البعض ببضع مئين والبعض الآخر ببضعة آلاف، وكانت ضربة شديدة للمدينة الثائرة جردتها من زعامتها، وأضعفت من شأنها، وقضت مدى حين على روح الثورة فيها، وكانت وقعة الحفرة في سنة 191 هـ (807 م) (1).
وفي ذلك الحين غزا الفرنج بقيادة لويس ولد شارلمان (2)، ولاية الثغر الأعلى مرة أخرى، وحاصروا مدينة طرطوشة (سنة 192 هـ)، فبعث الحكم جيشاً إلى الشمال بقيادة ولده عبد الرحمن، فارتد الفرنج إلى أراضيهم، ثم عادوا إلى حصار طرطوشة في العام التالي بقيادة لويس أيضاً، وعاد المسلمون إلى قتالهم بقيادة عبد الرحمن، ومعه في تلك المرة عمروس عامل الثغر الأوسط،
_______
(1) راجع ابن الأثير ج 6 ص 65، وابن خلدون ج 4 ص 126 و127، والبيان المغرب ج 2 ص 71 و72، وفيه أن من هلك في مذبحة الحفرة، بلغ زهاء سبعمائة فقط. وجاء في مخطوط ابن حيان السابق ذكره، رواية عيسى بن أحمد الرازي، أن الذي دبر الكمين هو الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وأنه هو الذي أولم الوليمة، وأنه هلك في المذبحة زهاء خمسة آلاف (ص 93). وراجع أيضاً Dozy: Hist..I.p. 291-294.
(2) وتسميه الرواية العربية خطأ برذريق أو لذريق بن قارله (ابن الأثير ج 6 ص 66 والبيان المغرب ج 2 ص 74).
(1/240)

وعبدون عامل الثغر الأعلى، في قواتهما، ونشبت بين المسلمين والفرنج عدة وقائع انتهت بهزيمة الفرنج وإنقاذ طرطوشة، وذلك في سنة 193هـ (809 م).
وعمد نصارى الشمال كعادتهم إلى انتهاز كل فرصة سانحة للإغارة على أراضي المسلمين، وشجعهم انشغال حكومة قرطبة بقمع الثورات المختلفة، وكان ملك جليقية يومئذ ألفونسو الثاني، الملقب بالعفيف، أميراً شديد التعصب لدينه ووطنه، وكانت حملاته المتوالية إلى أراضي المسلمين يطبعها لون ديني عميق، وعبر ألفونسو نهر دويرة (دورو) إلى أراضي المسلمين غير مرة، وعاث فيها قتلا ونهباً وسبياً، وكانت حملاته تتجه بالأخص إلى أطراف الثغر الأدنى، والي المنطقة الواقعة بين نهري دويرة والتَّاجُه، لبعدها عن حكومة قرطبة، وضعف وسائل الدفاع فيها، وتوغل ألفونسو في حملاته حتى قُلُمْرية (قلنبرية) وأشبونة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من جراء غزوات النصارى، وترامت إلى الحكم آلامهم واستغاثتهم، ورفع إليه شاعره عباس بن ناصح الجزيري قصيدة يصف فيها آلام أهل الثغر ومصائبهم. ففي صيف سنة 194هـ (810 م) (1)، سار الحكم غازياً بنفسه إلى أراضي ألبة والقلاع، وتوغل فيها مما يلي وادي الحجارة غرباً، وأثخن في تلك الأنحاء، وهزم النصارى في عدة وقائع، وقتل وسبى منهم جموعا كثيرة، واطمأنت نفوس المسلمين في الثغر بزجر النصارى وردهم إلى داخل أراضيهم.
وسير الحكم في العام التالي جيشاً إلى الثغر الأعلى بقيادة عمه عبد الله البلنسي، فغزا قطلونية، وهاجم مدينة برشلونة، وهزم الفرنج، ولكنه لم يحرز فتوحا ثابتة. وشعر الفرنج، كما شعر المسلمون بعقم هذه الحملات المخربة، وآثر الفريقان التفاهم والمهادنة، ويقول لنا ابن حيان إنه كان ثمة باعث آخر على التعجيل بعقد السلم بين العاهلين، هو استفحال أمر إدريس بن إدريس بن عبد الله الحسنى بأرض العدوة (المغرب)، وتقاطر الوفود من إفريقية والأندلس إلى بيعته، وتوجس الحكم من مصاير هذه الحركة الجديدة بالمغرب (2). وهكذا عقد
_______
(1) هذه رواية صاحب البيان المغرب (ج 2 ص 75) ويضع ابن الأثير تاريخ هذه الغزوة في سنة 196هـ.
(2) مخطوط ابن حيان المشار إليه ص 100. ويسمى ابن حيان هنا ملك الفرنج باسمه الصحيح " قارله بن ببين ". وراجع الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج 1 ص 71 و72.
(1/241)

السلم بين شارلمان والحكم، واستمر معقوداً حتى وفاة شارلمان بعد ذلك بأعوام قلائل في سنة 814 م.
ووقعت في تلك الأثناء عدة ثورات محلية، فثار حزم بن وهب في باجة، وامتد سلطانه حتى أشبونة، فسير إليه الحكم ولده هشاماً، فقاتل الثوار حتى أذعنوا لطلب الأمان. وعادت طليطلة إلى الثورة في سنة 197هـ لأعوام قلائل من واقعة الحفرة، فرأى الحكم أن يسير إليها بنفسه، فسار في قواته من طريق منحرفة كأنه يقصد الشمال، ثم تحول إليها فجأة، ولم تكن الثورة يومئذ، في مثل عنفها القديم، فلم يجد الحكم مشقة في دخول المدينة الثائرة وإخضاعها (سنة 199هـ). وثارت بعد ذلك ماردة بقيادة زعيمها مروان بن يونس الجليقي، فبعث الحكم إليها ولده عبد الرحمن في الجند فأخضعها.
وفي سنة 197هـ (812 م) عصف بالولايات الشمالية قحط شديد، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من ضروب الحرمان والبؤس، ومات منهم خلق كثير، وعبر البحر إلى العدوة الكثير منهم، فبادر الحكم إلى إغاثتهم ومعاونة المنكوبين منهم، وتخفيف الويل عنهم، وفرق الصدقات الواسعة والأموال الكثيرة في الضعفاء والمساكين، وأبناء السبيل، وفي ذلك يمتدحه شاعره عباس بن ناصح الجزيري بقوله:
نكد الزمان فآمنت أيامه ... من أن يكون بعصره عسر
طلع الزمان بأزمة فجلت له ... تلك الكريهة جوده الغمر
وكانت آخر غزوة قام بها الحكم في الشمال في سنة 200هـ (815 م) إذ سير الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى جلِّيقية في جيش ضخم، وكان الجلالقة وحلفاؤهم البشكنس ما يزالون على عدوانهم وعيثهم بالأراضي الإسلامية المجاورة، فتوغل المسلمون في أراضي جليقية، وأثخنوا فيها، ونشبت بينهم وبين النصارى موقعة شديدة على ضفاف نهر أرون استمرت عدة أيام، وانتهت بهزيمة النصارى، وقتل منهم عدد كبير، ووقع في الأسر جماعة من أمرائهم وأكابرهم، وارتد النصارى إلى الداخل، واعتصموا بالوهاد والربى، وعاد الحاجب إلى قرطبة ظافراً (1).
_______
(1) نفح الطيب ج 1 ص 159؛ والبيان المغرب ج 2 ص 77.
(1/242)

وفي أواخر عهد الحكم اضطرمت بقرطبة ثورة خطيرة كادت أن تزعزع عرشه، وكان الشعب القرطبي ينقم على الأمير طغيانه وصرامته وكبرياءه، وكان بين أهل قرطبة كثير من " المولدين " الذين يبغضون السلطة الحاكمة، لشعورهم بنقص في مركزهم الإجتماعي وفي حقوقهم العامة، وكان الفقهاء من جهة أخرى، وفي مقدمتهم جماعة من المحرضين البارعين مثل طالوت المعافري وغيره، يعملون على إذكاء سخط العامة على الحكم وبلاطه، بما يرمون به الحكم من جنوح إلى المعاصي، واقتراف للإثم، وانهماك في اللهو والشراب، فكانت بين الأمير وبين أهل قرطبة وحشة تشتد على ممر الأيام، وزاد في سخط العامة ما فرضه الحكم على المواد الغذائية، من عشور مرهقة، وكان العامة يجاهرون بذم الأمير والخوض في سيرته، ويجتمعون في المساجد ليلا لتجريحه والطعن عليه، ووصلت بهم الجرأة إلى أن كانوا يتعرضون له في الطريق، وينعتونه علنا " بالمخمور ". وحدث ذات يوم أن خرج الأمير إلى الصيد، وشق سوق "الربض" فتعرضوا له بالقول، وصفقوا عليه بالأكف، فأمر بالقبض على عشرة من زعمائهم وصلبهم. ويقول لنا ابن القوطية، إن أولئك الذين قبض عليهم وصلبوا كانوا من زعماء مؤامرة دبرت ضد الحكم، وكان منهم بعض أعلام القوم، مثل يحيى بن نصر اليحصبي، وموسى بن سالم الخولاني وولده (1). وهنا ازداد الهياج، وبدت أعراض الثورة، وتحفز العامة للوثوب، وأكثروا من التعرض لجند الأمير وحرسه والاعتداء عليهم، وشعر الحكم بخطورة الموقف، فحصن القصر واتخذ أهبته. وفي ذات يوم اضطرمت نار الثورة فجأة، وذلك على أثر مشادة وقعت بين أحد مماليك الحكم وبين صيقل عهد إليه بصقل سيفه، فتباطأ الصيقل، فقتله المملوك، فثار العامة في الحال، وهرعوا إلى السلاح، وكان أشدهم تحفزاً وهياجاً أهل "الربض" الجنوبي في الضفة الأخرى من النهر، وهي ضاحية قرطبة الجنوبية المسماة (شَقُندة)، وكانت كثرتهم من الأوغاد والسفلة، وكان ذلك في اليوم الثالث عشر من رمضان سنة 202 هـ (25 مارس 818 م) (2)، وزحفت
_______
(1) ابن القوطية في " افتتاح الأندلس " ص 50 و51.
(2) تختلف الرواية الإسلامية في تاريخ هذه الموقعة اختلافاً بينا، فتضع معظم الروايات الأندلسية تاريخها في سنة 202هـ؛ ويعين ابن الأبار اليوم والشهر الذي وقعت فيه فيقول إنها وقعت =
(1/243)

جموع الثوار إلى القصر من كل ناحية، وتأهب الحكم في حرسه وغلمانه لردها، وبعث ابن عمه عبيد الله البلنسي صاحب الصوائف، والحاجب عبد الكريم، في قوة من الفرسان والمشاة، فاستقبلت الجموع الزاحفة، وردتها إلى الوراء بعد أن نفذت إلى فناء القصر، ثم شقت طريقها إلى النهر واقتحمته إلى الضاحية الثائرة، وأضرمت النار في عدة من أنحائها، ونجحت هذه الوسيلة في تفرقة ْشمل الثوار، إذ ما كادت ألسنة اللهب تبدو، حتى هرع الكثير منهم إلى دورهم يحاولون إطفاء النار وإنقاذ الأهل والولد. وهنا احتاط الجند بالثوار من كل ناحية وأمعنوا فيهم قتلا حتى أفنوا منهم خلقاً كثيراً، وطاردوهم في كل مكان، ونهبت دورهم، وأسر منهم عدد كبير، وفر من استطاع، ومنهم بعض الفقهاء والمحرضين مثل طالوت وغيره، والتجأ البعض إلى طليطلة، واستمر القتل والنهب ثلاثة أيام حتى مزقوا كل ممزق، وصلب الحكم تجاه قصره على شاطىء النهر ثلاثمائة رجل من الثوار، صفوفاً منكسة، إرهاباً لأهل قرطبة. ثم كف الجند عنهم، ونودي بالأمان وهدأت الفتنة، وأمر الحكم بديار الثوار فهدمت عن آخرها، ولا سيما "الرَّبَض"، القبلي الذي كان مهد الفتنة، وقام على الهدم ربيع القومس عامل أهل الذمة وقائد الغلمان الخاصة، فمسح أحياء الثوار مسحاً، وغدت ْألوف كثيرة منهم دون مأوى، وأمر الحكم بخروجهم من قرطبة في الحال، وأن
_______
= في يوم الأربعاء 13 رمضان سنة 202 (الحلة السيراء ص 39)؛ ويوافقه ابن عذارى في تاريخها في نفس العام (ج 2 ص 87)؛ وتؤيد هذا التاريخ عدة روايات وردت في مخطوط ابن حيان الذي بين أيدينا، ومنها رواية الرازي (ص 103 و104). ولكن ابن الأثير يضع تاريخ واقعة الربض في سنة 198هـ، وإن كان يشير أيضاً إلى ما قيل من وقوعها في سنة 202هـ (ج 6 ص 101 و102)؛ ويأخذ المشارقة بهذه الرواية؛ فنرى المقريزي مثلا يضع مقدم الأندلسيين الذين نزحوا على أثر الواقعة إلى الإسكندرية في سنة 199هـ، ويشير إلى اشتراكهم في الحرب الأهلية التي كانت تضطرم يومئذ بها في سنتي 200 و201هـ (راجع خطط المقريزي - مصر - ج 1 ص 278 - 280) وذلك مما قد يعزز رواية ابن الأثير في حدوث الواقعة سنة 198هـ؛ ويميل دوزي أيضاً إلى الأخذ بهذه الرواية (ج 1 ص 296 - 297)، ويستشهد بما يرويه المقريزي من الوقائع المادية. على أننا نميل من جانبنا إلى الأخذ بالرواية الأندلسية لقدمها واتفاقها، وكونها أقرب إلى ميدان الحوادث وأقرب إلى التحقيق. وأما رواية المقريزي، فقد يحمل ما ورد فيها إلى اضطراب في ذكر الحوادث، خصوصاً وأن الحرب الأهلية المصرية التي يشير إلى اشتراك الأندلسيين فيها قد استمرت من سنة 199 إلى سنة 205هـ، مما يمكن معه أن نوفق بين أقواله وبين حدوث واقعة الربض في سنة 202هـ (وراجع النجوم الزاهرة ج 2 ص 169 و178).
(1/244)

لا أمان لمن لديه تخلف منهم. وبدأ رحيلهم في العشرين من رمضان (202هـ) فتفرقوا في الثغور والكور، ولجأت جموع منهم إلى طليطلة لمخالفة أهلها على الحكم يومئذ، وعبر البحر كثير منهم إلى عدوة المغرب، واتجهت جماعة كبيرة منهم قوامها زهاء خمسة عشر ألفاً إلى المشرق في عدة من السفن، ورست في مياه الإسكندرية، وكانت مصر تضطرم يومئذ بنار الحرب الأهلية التي نشبت بين السّرى بن الحكم وبين خصومه حول ولايتها، فنزل الأندلسيون إلى الثغر واستقروا فيه، واشتركوا في الحرب الأهلية، واستمرت الفتنة بمصر، والأندلسيون بالإسكندرية، حتى قدم عبد الله بن طاهر إلى مصر أميراً عليها من قبل الخليفة المأمون، فسار إلى الإسكندرية وحاصرها، واضطر الأندلسيون إلى الإذعان والصلح، وغادروا الإسكندرية في سفنهم، وساروا إلى جزيرة إقريطش (كريت)، بقيادة زعيمهم أبى حفص عمر بن عيسى البلوطي، وافتتحوها، ونزلوا بها (212هـ - 827 م)، وأسسوا بها دولة صغيرة زاهرة استمرت زهاء قرن وثلث، حتى استعاد البيزنطيون الجزيرة من المسلمين سنة 350 هـ (961 م).
هكذا كانت ثورة " الربض " التي كادت أن تحمل الحكم وعرشه، وكانت ثورة شعبية بمعنى الكلمة، ولكنها كانت دون تنظيم ودون زعامة، وقد أدرك الحكم خطورتها، ولم تأخذه في إخمادها هوادة ولا رأفة، وأصدر عقب إخمادها كتاباً إلى الكور يشرح فيه الواقعة وظروفها. وقد رأينا أن ننقل نصه فيما يلى كوثيقة سياسية وديوانية هامة من وثائق العصر:
" بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الله ذوالفضل والمنن، والطول والعدل، إذا أراد إتمام أمر وتهميه، لمن جعله أهله وكفيه، سدده وأعزه، وأنفذ قضاءه بفلحه، ولم يجعل لأحد من خلقه قوة على عناده ودفاعه، حتى يمضي فيه حكمه له وعليه كما شاء، وختم في أم الكتاب لا مبدل لكلماته عز وجل، وإنه لما كان يوم الأربعاء لثلاث عشرة من شهر رمضان، تداعى فسقة أهل قرطبة وسفلتهم، وأذنبتهم من الشرطانيين، ألد الفئة، المعلوجي شراً وبطراً، عن غير مكروه سيرة، ولا قبيح أثر، ولا نكر حادثة، كان منا فيهم، فأظهروا السلاح، وتلينوا للكفاح، وهتفوا بالخلعان، وتأنقوا بالخلاف، ومدوا عنقاً إلى ما لم يجعله الله له أهلا من التأمير على خلقه، والتسور في حكمه. فلما رأيت ذلك من
(1/245)

غدرهم وعدوانهم، أمرت بشد جدار المدينة، فشد بالرجال والأسلحة، ثم أنهضت الأجناد خيلا ورجالا، إلى من تداعى من الفسقة في أرباضها، فأقحموا الخيل في شوارعهم وأزقتهم، وأخذوا بفوهاتها عليهم، ثم صدقوهم الحملات، وكورهم بالسَّدَّات المتواليات، فما صبر العبدان أن كشفوا السوءات، ومنحوا أكتافهم المتواليات، وأمكن الله منهم ذوى البصائر المؤيدات، فأسلمهم الله بجريرتهم، وصدعهم ببغيهم، وأخذهم بنكثهم، فقتلوا تقتيلا، وعموا تدميراً، وعروا تشويهاً وتمثيلا، جزاء عاجلا على الذي نكثوه من بيعتنا، ودفعوه من طاعتنا، ولعذاب الآخرة أخزى وأشد تنكيلا. فلما قتلهم الله بجرمهم فيها، وأحسن العون عليهم لنا، أمسكت عن نهب الأموال، وسبي الذرية والعيال، وعن قتل من لا ذنب له من أهل البراءة والاعتزال، ازدلافاً إلى رضى الله ناصري عليهم ذى العزة والجلال، تهنأت صلحه وفلحه، واستورعت حمده وشكره، فاحمدوا الله ذا الآلاء والقمع، معشرة الأولياء والرعية، الذي أتاح لنا ولجميع المسلمين في قتلهم وإذلالهم، وقمعهم وإهلاكهم، مما أعظم به علينا المنة، وخصنا فيه بالكفاية، وتمم علينا وعليكم به النعمة، فقد كانوا أهل جرأة مقدم، وذعرة ضلالة، واستخفاف بالأئمة، وظهير إلى المشركين، وحطوط إليهم، وتحنن لدولتهم، فلله الحمد المكرور، والاعتراف المذخور، على قطع دابرهم، وحسم شرهم، أحببت إعلامك بالذي كان من صنع الله عليهم لولائك بنا، ومكانك منا، لمشاركتنا في نصرته، وتحمد الله ومن قبلك من شيعتنا ومعتقدي طاعتنا، على جميل صنعه فيه، وتشيعوا شكره عليه إن شاء الله " (1).
ومن نظم الحكم في واقعة الربض قوله:
رأيت صدوع الأرض بالسيف واقعاً ... وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة ... أبادرها مستنضى السيف دارعا
_______
(1) نقلنا هذه الوثيقة عن مخطوط ابن حيان المشار إليه (ص 103 و104). وتراجع حوادث واقعة الربض في ابن الأبار (الحلة السيراء ص 39 و40)، والبيان المغرب (ج 2 ص 77 و78)، والمعجب للمراكشي (ص 11)، وابن الأثير (ج 6 ص101 و102)، وابن القوطية ص 51 و52. ويورد ابن خلدون والمقري عن الواقعة روايات محرفة متداخلة في حوادث سابقة (راجع ابن خلدون ج 4 ص 126، ونفح الطيب ج 1 ص 156). ووردت في مخطوط ابن حيان عنها تفاصيل كثيرة منسوبة إلى الرازي وغيره (ص 103 - 110).
(1/246)

تنبيك أني لم أكن في قراعهم ... بوان وقد ما كنت بالسيف قارعا
وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا
فهذي بلادي إننى قد تركتها ... مهاداً ولم أترك عليها منازعا
وإني إذ أجادر أجراعاً عن الردى ... فما كنت ذا جيد عن الموت جارعا
خرج الحكم ظافراً من تلك الثورة الشعبية بعد أن سحقها سحقاً. ومع ذلك فقد لبث أهل قرطبة على تحديهم له، ولبثوا يتغامزون عليه، ويقدحون في سيرته. وقد وصف لنا كاتب قريب من العصر، موقف أهل قرطبة بعد الواقعة من الحكم في قوله: " فأكثروا الخوض، وأطالوا الهمهمة، وفزع رؤوسهم الى السمر في مساجدهم بالليل، مستخفين من السلطان، مدبرين عليه، وقد كان خائفاً من ثورتهم، متهمماً لدخلتهم، حذراً منهم، مستعداً لهم، مرتقباً لوثبتهم، مرتبطاً الخيل على باب قصره، نوباً بين غلمانه ... ". ثم إنه استكثر من العبيد والسلاح، وعززهم بالأحرار، يرابطون دائماً حول القصر، واستشعر الناس من ذلك الهيبة والخوف، وركنوا إلى السكينة، وفرض الحكم العشور على جميع الناس بقرطبة وبالكور، فزاد في نفورهم منه، وبغضهم له (1).
وأثارت حوادث الربض، واستكانة الشعب، من جهة أخرى، قريض الشعراء الأحرار، من خصوم الحكم، والناقمين على عسفه وطغيانه، وصدرت في ذلك قصائد كثيرة تنعي مسلك أهل قرطبة واستكانتهم، ومن ذلك قول الشاعر غريب بن عبد الله من قصيدة طويلة:
يا أهل قرطبة الذين تواكلوا ... جد الدفاع من التواكل أفضل
جد الدفاع لو انكم دافعتم ... يوم الهياج لكم أعز وأجمل
إن التواكل وهنة ومذلة ... والجد فيه الصنع والمتمهل
صرتم أحاديث العباد وكنتم ... عوناً لهم في كل هم ينزل
أمسى عبيدكم الذين ملكتم ... ملكوا عليكم والأمور تحول
ومرض الحكم بعد ذلك واستطالت به العلة، فاستناب عنه في أواخر عهده عبد الرحمن أكبر أولاده لتدبير الأمور (2)، واختاره لولاية عهده، وأخذ له البيعة
_______
(1) مخطوط ابن حيان المشار إليه ص 105 و110.
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 41.
(1/247)

بالفعل، واختار أخاه المغيرة ليخلفه من بعده، ولكن المغيرة تنازل فيما بعد عن حقه في ولاية العهد. وكان الحكم أول أمير من أمراء بني أمية بالأندلس أخذ البيعة في حياته لولي عهده، وذلك خشية وقوع الخلاف بعد موته. ثم توفي الحكم في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة 206هـ (22 مايو سنة 822 م)، وقد بلغ الثانية والخمسين من عمره، ودفن مع آبائه في مقبرة القصر المعروفة بالروضة. وترك من الولد تسعة عشر من الذكور واثنين وثلاثين من الإناث.
وقيل إن الحكم أبدى حين مرض موته أسفه وندمه، لما أوقعه بأهل الربض من بالغ النكال والشدة، وصرح بأنه كان خيراً لو لم يفعل ما فعله (1).
ولما شعر الحكم بدنو أجله استدعى ولده عبد الرحمن، وألقى إليه وصيته، وفيها يقول: " إنى وطدت لك الدنيا، وذللت لك الأعداء، وأقمت أود الخلافة، وأمنت عليك الخلاف والمنازعة، فاجر على ما نهجت لك من الطريقة، واعلم أن أولى الأمور بك، وأوجبها عليك، حفظ أهلك، ثم عشيرتك، ثم الذين يلونهم من مواليك وشيعتك، فهم أنصارك وأهل دعوتك، ومشاركوك في حُلوِك ومرِّك، فبهم أنزل ثقتك، وإياهم واس من نعمتك، وعصابتهم استشعر دون المتوثبين إلى مراتبهم من عوام رعيتك، الذين لا يزالون ناقمين على الملوك أفعالهم، مستثقلين لأعبائهم، فاحسم عللهم ببسط العدل لكافتهم، واحسام أولى الفضل والسداد لأحكامهم وعمالاتهم، دون أن ترفع عنهم ثقل الهيبة، وإن رأيت فيمن يرتقي من صنائعك رجلا لم تنهض به سابقة، ويشف بخصلة، وتطمح نفسه وهمته، فأعنه واختبره، وقدمه واصطنعه، ولا يريبنك خمول أوله، فان أول كل شرف خارجيته، ولا تَدَعن مجازاة المحسن بإحسانه، ومعاقبة المسىء بإساءته، فإن عند التزامك لهذين، ووضعك لهما مواضعهما، يرغب فيك، ويرهب منك. وملاك أمرك كله بالمال، وحفظه، بأخذه من حله، وصرفه في حقه، فإنه روح الملك المدبر بجثمانه، فلا تجعل بينك وبينه أحداً، في الإشراف على اجتنائه وادخاره، والتثقيف لإنفاقه وعطائه. وختام وصيتي إياك بإحكامك في أحكامك، فاتق الله ما استطعت، وإلى الله أكلك، وإياه استحفظك، فقد هان على الموت إذ خلفني مثلك " (2).
_______
(1) ابن القوطية ص 55.
(2) نقلنا نص هذه الوصية عن مخطوط ابن حيان. وقد وردت فيه برواية الرازي ومعاوية هشام الشبينسي في نصين مختلفين حاولنا أن ننسق بينهما.
(1/248)

وكان الحكم أميراً قوي النفس، وافر العزم، فطناً، حسن التدبير، واسع الحيلة، نافذ الرأي والحزم، صارماً يؤثر وسائل الطغيان المطلق، شديد الاستئثار بسلطانه، حريصاً على حمايته من كل تدخل أو نفوذ. وكان مثل جده عبد الرحمن الداخل يلتمس الغاية بأي الوسائل، ويذهب في صرامته وطغيانه إلى حد القسوة والقمع الذريع، ولم يكن يحجم مثله عن الالتجاء إلى وسائل لا تقرها المبادئ الأخلاقية القويمة. وكان شغوفاً بأبهة الملك، مسرفاً في مظاهر البذخ الطائل، كثير الترفع عن العامة، ولم يكن كأبيه وجده محبباً إلى الشعب، بل كان بالعكس مكروهاً من الكافة، وكان الفقهاء يبثون هذا البغض في نفوسهم بوسائلهم الخاصة، لما عمد إليه الحكم من سحق سلطانهم ونفوذهم. ومع ذلك فقد كان الحكم بالرغم من عسفه وطغيانه، أميراً مستنيراً، يؤثر العدل، ويحرص على إقامته، ويختار لقضائه أفضل الناس، وأكثرهم نزاهة وورعاً، وكان يسلط قضاته على نفسه، وعلى ولده وخاصته. وكان قاضيه محمد بن بشير من أعظم القضاة نزاهة واستقلالا في الرأي والحكم (1).
وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن الحكم كان أول من أظهر فخامة الملك بالأندلس، والواقع أنه أول من أنشأ بالأندلس بلاطاً إسلامياً ملوكياً بكل معاني الكلمة، ورتب نظمه ورسومه، وأقام له بطانة ملوكية فخمة، فاستكثر من الموالي والحشم، وأنشأ الحرس الخاص، وفي عهده ظهر الصقالبة لأول مرة في البلاط بكثرة، وكان جده عبد الرحمن الداخل أول من وضع سياسة اصطفاء الموالي لاسترابته بالعرب كما قدمنا، وتوسع حفيده الحكم في تطبيق هذه السياسة، فاستكثر من الموالي والصقالبة، وعهد إليهم بمعظم شئون القصر والخاص. وكان هؤلاء الصقالبة (2) على الأغلب من الرقيق والخصيان، الذين يؤتى بهم بالأخص من بلاد الفرنج وحوض الدانوب وبلاد اللونبارد ومختلف ثغور البحر الأبيض النصرانية، وكان يؤتى بهم أطفالا من الجنسين ويربون تربية إسلامية، ثم يدربون على أعمال البطانة وشئون القصر، وقد سما شأنهم فيما بعد، وتولوا مناصب الرياسة والقيادة،
_______
(1) أخبار مجموعة ص 124؛ والبيان المغرب ج 2 ص 80؛ والمعجب ص 11.
(2) يرى البعض أن كلمة صقالبة قد اشتقت في الأصل من كلمة Esclave الإفرنجية.
ومعناها الرقيق أو الأسير. راجع Reinaud: ibid , p. 237
(1/249)

وبلغ عددهم في عهد الحكم زهاء خمسة آلاف (1). وكان للحكم فرقة من الحرس الخاص معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام، وقد أبلوا في الدفاع عنه يوم الربض أحسن البلاء، فأعتقهم جميعاً، وأغدق عليهم صلاته (2). وكان الحكم فارساً مجيداً، يعشق الفروسية والصيد، وكانت له ألفا فرس من الجياد الصافنات مرتبطة على شاطىء النهر تجاه القصر، يشرف عليها جماعة من العرفاء البارعين (3). وكانت له شرطة قوية منظمة، وله عيون يطالعونه بأحوال الناس.
وعلى الجملة فقد كان الحكم أميراً عظيم السلطان والهيبة، يسطع بلاطه، كما تسطع خلاله، ويثير من حوله بهاء الملك وروعته، وقد شبهه بعضهم بأبى جعفر المنصور في قوة الملك، وتوطيد الدولة، وقمع الأعداء (4).
وكان الحكم فوق ذلك خطيباً مفوهاً، وشاعراً مجيداً، نظم الشعر في مختلف المناسبات، من أحداث الحرب والسياسة، والفخر والغزل وغيرها. وقد أوردنا فيما تقدم شيئاً من نظمه في واقعة الربض، ومن قوله في الفخر:
غناء صليل البيض أشهى إلى الأذن ... من اللحن في الأوتار واللهو والردن
إذا اختلفت زرق الأسنة والقنا ... أرتك نجوماً يطلعن من الطعن
بها يهتدي الساري وينكشف الدجى ... وتستشعر الدنيا لباساً من الأمن
وإن تجد الأبطال حصناً ومعقلا ... فما لي غير السيف في الأرض من حصن
قذفت بهم في فضا الأرض فانزوت ... له الأرض واستولى على السهل والحزن
ومن قوله في الغزل:
قضب من البان ماست فوق كثبان ... ولَّيْن عني وقد أزمعن هجراني
ناشدتهن بحقي فاعتزمن على الـ ... ـعصيان لما خلا منهن عصياني
ملكنني ملكاً ذلت عزائمه ... للحب ذل أثير موثق عاني
من لي بمغتصبات الروح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزِّي وسلطاني
_______
(1) المسالك والممالك لابن حوقل ص 75؛ ونفح الطيب ج 1 ص 159 و160؛ وابن الأثير ج 6 ص 128.
(2) مخطوط ابن حيان المشار إليه (ص 106).
(3) أخبار مجموعة ص 129، والبيان المغرب ج 2 ص 81.
(4) ابن خلدون ج 4 ص 127؛ وابن الأثير ج 6 ص 128؛ ونفح الطيب ج 1 ص 159.
(1/250)

على أن هذه الخلال الباهرة التي كان يتمتع بها الحكم، لم تكن دون نواح قاتمة هي دائماً مما يغلب لدى الطغاة الأقوياء، وقد ذكر لنا ابن حزم أنه كان من المجاهرين بالمعاصي السفاكين للدماء. ويزيد ابن حزم على ذلك أن الحكم كان يخصي من اشتهر بالجمال من أبناء رعيته، ليدخلهم إلى قصره ويصيرهم من خدمه، ومن هؤلاء طرفة بن لقيط، وهو من أسرة نابهة تصرف أبناؤها في الولايات الرفيعة، ومنهم نصر صاحب منية نصر، وهو الذي غدا في عهد ولده عبد الرحمن من أعظم رجالات الدولة مكانة ونفوذاً (1).
وكان الحكم مديد القامة، أسمر، نحيفاً، وكان يلقب بالحكم المنتصر، وبالحكم الربضي، نسبة إلى ما حدث منه في واقعة الربض.
* * *
وكانت حكومة الحكم تضم طائفة من الشخصيات البارزة في تاريخ الأندلس في ذلك العصر، فتولى حجابته (رياسة الوزارة) عبد الكريم بن عبد الواحد ابن مغيث قائد أبيه من قبل، وكان جندياً عظيماً، قاد عدة غزوات مظفرة إلى بلاد النصارى، وكان أيضاً كاتباً بليغاً وشاعراً مجيداً (2). وخلفه في الحجابة عبد العزيز بن أبي عبْدَة، وكان قائداً كبيراً وسياسياً بارعاً. وكان بين قواده ووزرائه أيضا، اسحاق بن المنذر، والعبّاس بن عبد الله. وفي عهد الحكم أنشئ بالدولة منصب خاص لإدارة شئون أهل الذمة (النصارى واليهود) ينعت صاحبه بالقومس (3)، وعين فيه ربيع بن تدلف القومس، قائد الغلمان الخاصة ومتولي قهرمة الأمير الحكم وشئونه الخاصة، وكان طاغية ظلوماً يبغضه الجميع، وقد أمر الحكم بقتله قبيل وفاته، فنفذ فيه الحكم ولي العهد عبد الرحمن، وتم إعدامه وسط الاغتباط العام. وذكر البعض أن هذا المنصب أنشئ في عهد
_______
(1) مخطوط ابن حيان السالف الذكر ص 128. وراجع رسالة ابن حزم المسماة " نقط العروس " المنشورة بعناية الدكتور شوقي ضيف في مجلة كلية الآداب (ديسمبر سنة 1951)، ص 73. وكذلك نفح الطيب ج 1 ص 160.
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 72.
(3) مخطوط ابن حيان. والقومس تعريب للكلمة اللاتينية Comes، وتعرب أحياناً بكلمة " قمط "، أعني " الكونت " Comte باللغة الحديثة.
(1/251)

عبد الرحمن الداخل (1). ولكن الظاهر أنه لم يرتب بصورة ثابتة وتحدد اختصاصاته إلا في عهد الحكم.
وكان عصر الحكم، بالرغم مما غشيه من الاضطرابات والفتن، عصراً ازدهرت فيه الآداب والعلوم، وظهر فيه عدد جم من أكابر الكتاب والشعراء والعلماء. وكان في مقدمتهم شاعر الحكم الأثير لديه، وقطب الشعر في عصره، عباس بن ناصح الثقفي الجزيري، وكان فضلا عن براعته في الشعر والأدب، بارعاً في علوم اللغة، وفي الهندسة والفلسفة والفلك، وكانت له منزلة خاصة عند الحكم، وله في مديحه أشعار كثيرة. وقد ولاه الحكم قضاء الجزيره بلده ومسقط رأسه، ثم وليه من بعده ولده عبد الوهاب بن عباس، وكان مثله شإعراً نابهاً، وتوفي أواخر عهد الحكم (2).
وكان من أعلام عصر الحكم أبو القاسم عباس بن فرناس، وهو فيلسوف وعلامة رياضي من نوع فذ، وقد ولد في مقاطعة تاكرنا من أصل بربري، وبرع منذ فتوته في الفلسفة والفلك والكيمياء الصناعية، وهو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وبرع أيضاً في الموسيقى، وصنع آلة فلكية تعرف " بالميقاتة " لتعريف الوقت، وله مخترعات كثيرة أخرى. وروى بعضهم أنه حاول أن يخترع أداة للطيران، فصنع لنفسه جناحين بهيئة مخصوصة، وحاول الطيران من ناحية الرُّصافة، فحلق في الهواء، ثم وقع في مكان طيرانه على مسافة بعيدة، واشتهر أمره بذلك حتى قال فيه مؤمن بن سعيد الشاعر:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسى جثمانه ريش قشعم
وذكر عبد الحميد بن بسيل الوزير، قال: " أبدع عباس بن فرناس طول أمده إبداعات لطيفة واختراعات عجيبه، وضرب بالعود، وصاغ الألحان الحسنة، وكان مع ذلك مجيداً للشعر، حسن التصرف في طريقته، كثير المحاسن جم الفوائد ". وأثار ابن فرناس باختراعاته المدهشة ريب الجهلاء، فكثر الطعن في عقيدته، واتهم بالزندقة، ولكن القضاء لم يجد سبيلا إلى إدانته، وعاش طويلا وعاصر من بعد الحكم، ولده عبد الرحمن، وتوفي في عهد حفيده الأمير محمد بن
_______
(1) ابن القوطية ص 38. ويقول إن أول من تولى " القماسة " هو ارطباس ابن وتيزا.
(2) مخطوط ابن حيان ص 128 و129. وراجع تاريخ العلماء والرواة لابن الفرضي رقم 881 (طبع مصر ص 340).
(1/252)

عبد الرحمن (1) ونظم كثيراً من مختار الشعر في العهود الثلاثة. وسوف نعود إلى ذكره.
ومن أعلام عصر الحكم أيضاً، يحيى الغزال الجياني، وهو أبو زكريا يحيى ابن الحكم البكري، نسبة إلى بكر بن وائل، وأصله من مدينة جيان، ولقب بالغزال لجماله وظرفه وتأنقه، وكان شاعراً جزلا مطبوعاً، وبرع بالأخص في الغزل، وله في النسائيات كثير من رقيق النظم، وكان فوق ذلك عالماً بالفلك والفلسفة، وله أرجوزة طويلة في أبواب العلوم لم تصل الينا، وكان كثير التعريض بالفقهاء والحملة عليهم، حتى سخطوا عليه، ورموه بالزندقة، لصراحته وحر تفكيره. وهو القائل فيهم:
لست تلقى الفقيه إلا غنيّا ... ليت شعري من أين يستغنونا
تقطع البر والبحار طلاب الـ ... ـرزق والقوم ها هنا قاعدونا
إن للقوم مضرباً غاب عنا ... لم يصب قصد وجهه الراكبونا
وله في ذكر النفس والروح قصيدة، أثارت حول عقيدته شبها وريباً، يقول فيها:
يا ليت شعري أى شىء محصل ... يرى شخص من قد مات وهو دفين
أهو هو أم خلق شبيه بما رأ ... ى فقل للقلوب النائمات عيون
وكيف يرى والعين قد مات نورها ... وواقعه شبه الوقار سكون
لئن كانت الأرواح من بعد بيتها ... بهن إلى ما خلفهن حنين
وقال يمدح الحكم في قصيدة مطلعها:
كأن الملوك الغُلَّب عندك خُضَّعاً ... خواضع طير يتقي الصقر لُبّد
تقلب فيهم مفلة حكمية ... فتخفض أقواماً وقوماً تُسوِّد
واشتهر الغزال فوق ذلك بأصالة الرأي، وحسن التدبير، واللباقة، والدهاء وقد رشحته هذه الصفات فيما بعد، في عصر عبد الرحمن بن الحكم للقيام ببعض المهام الدبلوماسية الخطيرة، وهو ما سوف نعود إليه في موضعه.
_______
(1) المخطوط السابق الذكر ص 131؛ 132.
(1/253)

الفصل السادس
عبد الرحمن بن الحكم
ولاية عبد الرحمن بن الحكم. الثورة في تدمير. شغب أهل الذمة. غزو ألبة والقلاع. وفاة الحاجب عبد الكريم. نكبة جديدة للفرنج. حوادث الثغر الأعلى. ثورة البربر في ماردة. مغامرات محمود بن عبد الجبار وأخته جميلة العذراء. ثورة هاشم الضراب في طليطلة. مسير الجند إليها ومصرع الضراب. محاصرة طليطلة وثبات الثوار. تعاقب الحملات إليها. حصارها للمرة الثانية وخضوعها. الصوائف. غزو عبد الرحمن لنافار. خروج والي تطيلة وتحالفه مع النصارى. بني قسي وأصلهم. مسير عبد الرحمن إلى الشمال. زحفه على نافار واقتحامه لبنبلونة. هزيمة الثوار والنصارى. وفاة ألفونسو الثاني. النورمانيون أو المجوس. بدء ظهورهم في المياه الإسبانية. غزوهم لثغر أشبونة. إقتحامهم للنهر حتى إشبيلية. غزوهم لها وعيثهم فيها. الحرب بين المسلمين والغزاة. هزيمة النورمانيين وانسحابهم. اهتمام حكومة قرطبة بأمر الأسطول. غزو جليقية. حوادث الثغر الأعلى. غزو ميورقة. الحملات البحرية الأندلسية إلى شواطىء فرنسا وكورسيكا وسردانية. الحرب بين المسلمين والبشكنس. مجتمع النصارى في قرطبة. كيف يصفه المستشرق سيمونيت. حملته على الحكومة الإسلامية. الغلاة المتعصبون. بغضهم للمسلمين وتحاملهم على الإسلام. مجاهرتهم بسب النبي. عقاب المعتدين. دسائس الأحبار وتفاقم الفتنة. أقوال العلامة ألتاميرا. مجتمع الأساقفة وحزم الحكومة. قصة الفتاة فلورا. وفاة عبد الرحمن. صفاته وخلاله. روعة البلاط الأموي في عهده. ترتيب الوزارة. وزراؤه وكتابه وقضاته. اصطفاؤه للموالي والصقالبة. الفتى نصر. نفوذ الفتيان والجواري. منشآته. الأمن والرخاء في عهده. أدبه وشعره. حمايته للعلوم والآداب. استقدامه لزرياب نابغة الموسيقى. شغفه بجمع الكتب. سفارة قيصر قسطنطينية إليه. بواعث هذه السفارة. سفارة عبد الرحمن إلى القيصر وكتابه إليه. يحيى الغزال في بلاط بيزنطية. سفارته إلى ملك النورمانيين.
لما توفي الحكم، خلفه عبد الرحمن أكبر أولاده بعهد منه، وكان ينوب عنه في الحكم أثناء مرضه حسبما قدمنا، وبويع في اليوم التالي لوفاة أبيه، في السابع والعشرين من ذى الحجة سنة 206 (مايو 822 م)، وأخذ له البيعة بالقصر الحاجب عبد الكريم، وكان حينما ولي العرش في الحادية والثلاثين من عمره، إذ كان مولده بطليطلة في سنة 176هـ (792 م)، وأمه أم ولد تدعى " حلاوة "، وكان أحب أبناء الحكم إليه، وقد عني بتربيته وتثقيفه عناية خاصة. وشغف عبد الرحمن، منذ فتوته بالأدب والحكمة، ودرس الحديث والفقه، فكان ذهناً مستنيراً (1)، وكان فوق ذلك أميراً رفيع الخلال والكفاية، وافر الخبرة بشئون
_______
(1) أخبار مجموعة ص 135.
(1/254)

الحرب والإدارة، يحسن اختيار الرجال للمناصب، فكان يحشد حوله خيرة رجال الدولة من الوزراء والقادة والولاة والقضاة (1).
وفي فاتحة ولايته، عاد عبد الله البلنسي، عم أبيه، إلى الثورة مرة أخرى، واحتل كورة تدمير مطالباً بإقطاعها (سنة 207هـ)، والتف حوله جمع كثير، وكان يزمع الزحف إلى قرطبة بالرغم من ضعفه وشيخوخته، ولكن المرض عاجله، وتوفي في العام التالي (سنة 208هـ)، فاحتل عبد الرحمن كورة تدمير، وتكفل بأهله وولده، وانتهت بذلك آخر مرحلة في فتنة طالما تكرر حدوثها منذ وفاة عبد الرحمن الداخل.
ولكن تدمير لبثت مع ذلك تضطرم بنار ثورة داخلية من نوع جديد. ذلك أن فتنة نشبت فيها بين المضرية واليمنية، من جراء موت مضري قتله يماني، واستفحل الشر بينهما، وقتل كثير من الفريقين، فبعث عبد الرحمن إليهم حملة بقيادة يحيى بن عبد الله، وعينه والياً على تدمير، ولكنه لم يفلح في إخضاع الولاية الثائرة. واستمرت الفتنة على أشدها، وغلب على تدمير أبو الشماخ زعيم اليمنية، ولبث بضعة أعوام يتحدى سلطة قرطبة، والبعوث تتردد إليه في كل عام، دون أن تنال منه منالا، ولم تهدأ الفتنة إلا في سنة 213 هـ، حيث خضع أبو الشماخ وغيره من الزعماء، وطلبوا الأمان، وعادوا إلى الطاعة.
وحدثت في قرطبة عقب جلوس عبد الرحمن بأيام قلائل، فتنة شعبية من نوع ما حدث أيام الربض. ذلك أن وفوداً من أهل الذمة وغيرهم قدمت من إلبيرة تطالب برفع المغارم التي فرضها عليهم ربيع الأسقف، وانضم إليهم كثير من أهل قرطبة النصارى، وساروا إلى القصر في ضجة كبيرة، فأرسل إليهم عبد الرحمن قوة من الفتيان لتهدئتهم فاعتدوا عليها، فبعث عندئذ الجند إليهم، ففتكوا بهم وقتل منهم خلق كثير، وفر الباقون في مختلف الأنحاء، وكان ذلك في المحرم سنة 207 هـ (2).
وبدأ عبد الرحمن برنامجه في الغزو والجهاد مبكراً، فبعث في صيف سنة 208هـ (823 م) حملة إلى ألبة والقلاع بقيادة عبد الكريم بن عبد الواحد ابن مغيث، وكان ألفونسو الثاني ملك جليقية (أو ليون) قد أغار على
_______
(1) مخطوط ابن حيان ص 138.
(2) مخطوط ابن حيان المشار إليه، وابن الأثير ج 6 ص 130.
(1/255)

مدينة سالم Medinaceli من أعمال الثغر الأعلى، وحذت حذوه بعض القبائل الجبلية من أهل بسكونية، فأغارت على أطراف الثغر وعاثت فيها، فاخترق الحاجب بسائط ألبة والقلاع، وهزم النصارى في عدة مواقع، وعاث في ألبة وخرب مدينة ليون وأحرق حصونها، واشترط على النصارى أن يدفعوا جزية كبيرة، وأن يطلقوا أسرى المسلمين، وأن يسلموا بعض زعمائهم كفالة بسكينتهم، وعاد الحاجب إلى قرطبة مثقلا بالغنائم والسبي. وكانت هذه آخر غزوة قام بها هذا الوزير النابه والقائد المظفر، الذي قاد معظم الغزوات الكبرى إلى أرض العدو، منذ عهد هشام بن عبد الرحمن، إذ توفي عقب عوده إلى قرطبة بقليل في المحرم سنة 209هـ (824 م) (1).
وفي هذا العام (824 م) أصيب الفرنج بهزيمة ساحقة في أحواز بنبلونة، في سفح جبال البرنيه، عند باب شزروا، حيث نكب جيش شارلمان من قبل، ويبدو من أقوال الرواية الفرنجية أن المسلمين كان لهم دور كبير في إيقاع هذه الهزيمة. ذلك أن لويس ملك الفرنج أرسل قواته بقيادة الكونتين أزنار وإبلو لمهاجمة البشكنس وإخضاعهم، فاستغاث البشكنس بجيرانهم المسلمين، والظاهر أن الذي لبى نداء البشكنس هم بنو موسى أو بنو قسيّ أصحاب تطيلة، وأن هذه المعاونة كانت بموافقة حكومة قرطبة. وعلى أي حال فقد أحرز المسلمون والبشكنس على الفرنج نصراً ساحقاً. وأسر القائدان أزنار وإبلو، ثم أطلق سراح الأول وأرسل الثاني إلى قرطبة حيث اعتقل بعض الوقت. وقد أثار هذا الحادث ذكريات موقعة باب شزروا الكبرى التي نكب فيها الفرنج أيام الأمير عبد الرحمن الداخل، قبل ذلك بستة وأربعين عاماً (2).
وتولى قيادة الصائفة بعد الحاجب عبد الكريم (3)، أمية بن معاوية بن هشام، ولكنه لم يسر إلى أرض العدو، بل سار إلى شنت برية، ثم إلى تدمير ليعمل على تهدئة الثورة. وكانت حوادث الشمال قد عادت تتطلب اهتمام قرطبة، وكان
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 1 ص 161؛ والبيان المغرب ج 2 ص 84.
(2) راجع: R.M.Pidal: ibid, Vol.I.p. 195 وكذلك كوندي: Conde: ibid;Vol.I.p. 264 & 265
(3) كانت معظم الحملات والغزوات الإسلامية الكبرى، تنظم في الصيف باعتباره خير الفصول للقيام بمثل هذه الغزوات، ولهذا كانت تسمى بالصائفة والصوائف.
(1/256)

الفرنج في الثغر القوطي قد تحركوا، وأغاروا على أطراف الثغر الأعلى، بقيادة أميرهم برنهارت صاحب برشلونة، وهو ولد جيوم دوق تولوز، فسير عبد الرحمن إلى الشمال جيشاً كبيراً بقيادة عبيد الله بن عبد الله البلنسي، فاخترق الثغر الأعلى إلى أراضي الفرنج (212هـ - 827 م) واجتاح ولاية قطلونية، وهزم الفرنج في عدة مواقع، وسار حتى جرُندة (جيرونة)، ولكنه لم يحاول أن يحرز فتوحاً ثابتة، فارتد إلى الجنوب بَعد أن مزق شمل النصارى في تلك الأنحاء (1).
وشغلت عبد الرحمن في الأعوام التالية عدة ثورات محلية خطيرة، وكانت الفتنة تضطرم في نفس مواطنها، القديمة، في طليطلة، وماردة، حيث كانت عناصر الخروج والثورة تحتشد وتعمل بعيدة عن العاصمة، ممتنعة بالوهاد والوعر، قريبة من النصارى، تتلقى منهم الوحي والعون في أحيان كثيرة. ففي ماردة ثار البربر بقيادة زعيمين من زعمائهم هما محمود بن عبد الجبار بن راحلة، وهو من بني طريف من مصمودة، وسليمان بن مرتين، وانضم إليهم النصارى المعاهدون. وألفى لويس ملك الفرنج فرصة جديدة للدس والتحريض على حكومة قرطبة، فبعث إلى الثوار يشجعهم ويعدهم بالمدد والعون (2). وكان محمود زعيماً قوياً ومغامراً جريئاً، فوثب بعامل ماردة وقتله، وعاث في تلك الأنحاء قتلاً ونهباً وتخريباً، وتوالت إليه بعوث عبد الرحمن، فكان في كل مرة يعتصم بالمدينة، فإذا غادره الجند عاد إلى عيثه وسفكه. وفي سنة 218هـ (833 م) سار إليه عبد الرحمن بنفسه، فغادر ماردة في صحبه ومعه زميله سليمان، وخرجت مع محمود أخته جميلة العذراء، وهي فارسة بارعة الحسن، اشتهرت يومئذ في جميع أنحاء الأندلس برائع جمالها، كما اشتهرت بالشجاعة والنجدة والفروسية، ولقاء الفرسان ومبارزتهم (3)، ونزل الثوار بحصن فرنكش على ضفة نهر وادي يانة. ثم غادر سليمان زميله، واستقل محمود بالعمل، وزحف في جموعه على بطليوس، ثم على أكشونبة (4) ثم سار إلى باجة، فقاتَلَه أهلها، ولكنه تغلب عليهم بمعاونة أخته جميلة، وبسط محمود سلطانه على
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 85؛ ومخطوط ابن حيان ص 180.
(2) Scott: ibid , Vol.I.p. 482
(3) جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة) ص 466.
(4) بطليوس بالإسبانية Badajoz، وأكشونبة Ocsonoba
(1/257)

باجة، وهو يقاتل خصومه من حوله، وبعوث الأمير تتردد إليه، حتى لحقه الإعياء واليأس، ففر مع أخته وصحبه إلى جليقية، واستجار بملكها ألفونسو الثاني، فرحب به وأكرم وفادته، وأنزله بأطراف مملكته. وبعد حين رأى الثائر أن يعود إلى الطاعة فكاتب عبد الرحمن، ووقف ألفونسو على هذه المحاولة، فخشي إن أفلت الثائر منه أن ينقلب حرباً عليه، فسار إليه وأحاطت به الجند من كل ناحية، ودافع محمود عن نفسه دفاع الأبطال، ولكنه قتل أخيراً، وأسر أهله وصحبه، وكانت أخته الحسناء جميلة بين الأسرى (225 هـ - 840 م). ووقعت جميلة في نصيب كبير من كبراء النصارى، فحملها على اعتناق النصرانية وتزوج منها، وكان من ولدها فيما بعد أسقف شنت ياقب (1).
واضطرمت طليطلة بالثورة في نفس الوقت، ففي سنة 214هـ (829 م) ثار بها زعيم من العامة يدعى هاشم الضراب، وكان هاشم في طليطلة أيام واقعة الحفرة، تم أخذ بين الرهائن إلى قرطبة، فاشتغل بها حداداً مدى حين وعرف بالضراب، ثم غادرها إلى طليطلة، وهناك اجتمع إليه عدد كبير من الأوغاد والسفلة، فأخذ يغير بهم على الأنحاء المجاورة، حتى اشتد بأسه وطار صيته، وهرع إلى لوائه أهل الشر والبغي من كل صوب، وسار إلى البربر في شنت برية، فأغار عليهم وأوقع بهم، فبعث عبد الرحمن الجند لقتاله بقيادة محمد بن رستم، عامل الثغر الأدنى، فنشبت بينه وبين الثوار عدة وقائع غير حاسمة.
وفي العام التالي بعث عبد الرحمن إلى عامله بالمدد، فزحف على الثوار والتقى بهم على مقربة من حصن سمسطا بمجاورة رورية، ونشبت بين الفريقين موقعة عنيفة هزم فيها الثوار، وقتل هاشم الضراب وكثير من أصحابه، وذلك في سنة 216هـ (831 م).
ولكن طليطلة استمرت مع ذلك على اضطرامها، وكان على عبد الرحمن أن يخوض معارك أخرى لإخضاعها. ففي سنة 219هـ (834 م) أرسل إليها جيشاً بقيادة أخيه أمية بن الحكم، فحاصرها وانتسف ما حولها من الزروع، ولكن المدينة الثائرة لم تهن ولم تخضع، فرحل عنها، وأبقى بعض قواته بقيادة
_______
(1) وردت هذه التفاصيل الشائقة في مخطوط ابن حيان (ص 182 و183 و184). وراجع ابن القوطية ص 67.
(1/258)

ميسرة الفتى في قلعة رباح (1) الواقعة في جنوبها استعداداً لمحاصرتها، فخرج عندئذ أهل طليطلة لقتال ميسرة، فظهر عليهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، فارتدوا إلى داخل المدينة، وعادوا إلى الاعتصام بأسوارها المنيعة. وفي العام التالي (سنة 220 هـ) سار إليهم عبد الرحمن بنفسه، فثبتت في وجهه المدينة الثائرة، فترك الجند في قلعة رباح، وسار إلى الغرب في أحواز ماردة، ليطارد سليمان بن مرتين زعيم البربر، وكان بعد أن تخلف عن زميله محمود بن عبد الجبار، يتزعم الثورة في تلك الأنحاء، فحاصره عبد الرحمن، وحدث أن قتل الثائر في سقطة مميتة عن جواده، فانفضت جموعه وخبت ثورته. وسير عبد الرحمن في العام التالي حملة أخرى إلى طليطلة بقيادة أخيه الوليد بن الحكم، فضرب حولها الحصار الصارم، واستمر على حصارها حتى جهد أهلها، وضاقوا بالحصار ذرعاً، ثم هاجمها بعد ذلك واقتحم أسوارها، وخضعت المدينة الثائرة، بعد أعوام عديدة من فتن وثورات مستمرة، كان يغذيها خلالها روح التمرد المتأصل في شعبها، ودسائس البربر والنصارى من أهلها، وتحريض الفرنج والجلالقة، وكان خضوعها في رجب سنة 222هـ (837 م) (2).
واستطاع عبد الرحمن بعد إخماد الثورة في مختلف النواحي، أن يستأنف أعمال الجهاد والغزو، فعكف في الأعوام التالية على تسيير الصوائف أو حملات الغزو الصيفية متعاقبة في كل عام إلى الشمال، تارة إلى أطراف الثغر الأعلى، حيث تشتبك مع الفرنج، وتثخن في أراضيهم، وتارة إلى ألبة والقلاع، حيث تغير على أراضي البشكنس، أو أطراف مملكة ليون (جليقية)، وتولى عبد الرحمن قيادة الصائفة بنفسه إلى جليقية في سنة 225هـ (840 م). وفي سنة 227هـ (842 م) سار عبد الرحمن إلى الشمال، وكان موسى بن موسى بن قسيّ والي تُطيلة (3) من أعمال الثغر الأعلى (أراجون)، قد خرج عن طاعته وتحالف مع غرسية (4) أمير نافار، وأوقع الإثنان بجند الأمير في الثغر، وعاثا في أنحائه.
_______
(1) ومقابلها بالإسبانية Calatrava
(2) راجع ابن الأثير ج 6 ص 141 و150 و153 و161، والبيان المغرب ج 2 ص 85 و86 و87.
(3) وهي بالإسبانية Tudela
(4) وهي بالإسبانية Garcia
(1/259)

وتقول الرواية في سبب نقض موسى الطاعة، أن عبد الرحمن كان قد ولى عبد الله بن كليب على سرقسطة، وعامر بن كليب على تُطيلة، فأغار عبد الله على أموال ينقة بن ونقة أخى موسى لأمه، واعتدى عامر بن كليب على أملاك موسى وخيله، وانتهب أمواله، وخرب حدائقه، فعندئذ أعلن الخروج والعصيان، وكان ذلك في سنة 226هـ (1). فسار عبد الرحمن إلى بلاد البشكنس (نافار)، وتوغل فيها حتى بنبلونة، وعاث فيها نسفاً وتخريباً، وسبى من أهلها جموعاً كثيرة.
ولا بد لنا هنا من التعريف بهذا الزعيم الثائر موسى بن موسى، إذ هو سوف يحتل منذ الآن فصاعداً، هو وأبناؤه, حيزاً كبيراً في تاريخ الثورة على حكومة قرطبة. فهو وفقاً لابن حيان، وابن حزم، موسى بن موسى بن فرتون ابن قسيّ (أو القسوي). وكان جده الأعلى، الكونت قسيّ Kasi من أشراف القوط، وكان وقت الفتح "قومس" Comes الثغر الأعلى، فلما غزا المسلمون أراضيه سار إلى الشام، واعتنق الإسلام على يدي الخليفة الوليد بن عبد الملك، وذلك لكي يحتفظ في ظل الغزاة الجدد، بأملاكه وسلطانه الإقطاعي، واعتبر بإسلامه على يدي الخليفة من مواليه، وانحاز بطريق هذا الولاء إلى جانب المضرية. وعدا أولاده وأحفاده من بعده زعماء المولدين في الثغر الأعلى. وكانوا من أنجاد الزعماء والفرسان، يمتازون بالجرأة والإقدام والشجاعة، ويعتزون دائماً بأصلهم القوطي النصراني، وكانت لهم دائماً علائق مصاهرة مع جيرانهم من الأمراء النصارى، من البشكنس وغيرهم، وكان إسلامهم في الواقع مظهراً سطحياً لاغتنام السلطان والنفوذ، وكانوا لا يشعرون بالولاء نحو حكومة قرطبة، يصانعونها متى وجبت المصانعة، احتفاظاً بمركزهم وسلطانهم في الثغر، ولكنهم لا يحجمون عن انتهاز أية فرصة للثورة عليها، ومحالفة أعدائها من النصارى. وسنرى فيما بعد أي دور خطير قامت به هذه الأسرة المتمردة الخطرة، في ثورة المولدين الكبرى على قرطبة (2).
_______
(1) نصوص عن الأندلس للعذري في الأوراق المنثورة من كتاب " ترصيع الأخبار " ص 29.
(2) راجع المقتبس لابن حيان، الجزء المطبوع بعناية المستشرق أنتونيا ص 16 و17.
وكذلك جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة) ص 467 و468، حيث يقدم لنا شجرة كاملة لنسبة بني قسي، منذ جدهم الأعلى حتى أواخر القرن الثالث الهجري.
(1/260)

وفي العام التالي سار عبد الرحمن إلى الشمال مرة أخرى، ومعه ولداه المطرِّف ومحمد، واستخلف ولده المنذر على قرطبة، وبدأ عبد الرحمن بمحاصرة تُطيلة حتى أخضعها، ثم زحف على بلاد البشكنس مرة أخرى، ولقيه غرسية وحليفه موسى بن موسى في جموع كبيرة، فهزم البشكنس وحلفاؤهم هزيمة شديدة، وقتل منهم عدد جم، وفر موسى وحليفه غرسيّة جريحين، وسار عبد الرحمن إلى بنبلونة فأثخن فيها وخربها، واضطر البشكنس إلى طلب الأمان والصلح، وعاد عبد الرحمن إلى قرطبة ظافراً بعد أن وطد هيبة الإسلام وحكومته في تلك الأنحاء (228 هـ - 842 م) (1). ولم يكن لهذه الغزوات في الواقع نتائج مستقرة، وكانت تقصد في الغالب إلى إيقاع الرعب في قلوب نصارى الشمال، وتخريب بلادهم، وإنهاك قواهم، حتى يلزموا السكينة، ويكفوا عن عدوانهم وعيثهم في أراضي المسلمين.
وفي نفس هذا العام الذي سحقت فيه نافار وخربت (842 م)، توفي ألفونسو الثاني الملقب بالعفيف بعد أن حكم مملكة ليون (جليقية) إحدى وخمسين عاما، إذ تولى الملك في سنة 791 م، أيام الأمير هشام بن عبد الرحمن، وخلفه ولده راميرو الأول، أو رذمير كما تسميه الرواية العربية. وقد اقتصرنا فيما تقدم على أن نسرد من أخباره وأخبار مملكته، ما له صلة بسير الحوادث في اسبانيا المسلمة، أما أخبار مملكة ليون الداخلية، فسنفصلها عند الكلام على تاريخ المملكة النصرانية الشمالية.
* * *
وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم، عرفت الأندلس لأول مرة خطراً جديداً لم يسبق لها أن عرفته أو توقعت حدوثه: ذلك هو خطر الغزوات النورمانية البحرية.
كانت سيادة البحار الشمالية منذ بداية العصور الوسطى في يد " الفيكنج " Vikings أو النورمانيين، وكان أولئك النورمانيون أمة بحرية عريقة، تمرست منذ غابر العصور في ركوب البحر ومقارعة أهواله، ووطنهم الأصلي هو اسكندناوة، وربما دانيماركه، وشواطىء ألمانيا الشمالية، ولذا عرفوا بالنورمانيين
_______
(1) البيان المغرب ج 3 س 88 و89؛ وابن الأثير ج 6 ص 167 و172 و180، ومخطوط ابن حيان ص 185.
(1/261)

أى أهل الشمال (1). واشتهر النورمانيون بجرأتهم في جوب البحار الشمالية، وبراعتهم في مغالبة قسوة الجليد وأهوال اللجة والطبيعة، ولم يأت القرن الثامن الميلادي حتى كانت حملاتهم البحرية الناهبة، تثخن في شواطىء الجزر البريطانية.
وكان جدب الوطن، وشظف العيش، وروح المخاطرة، تدفع بهم دائماً إلى عرض البحار، وتجعلهم خطراً دائماً على الشواطىء والثغور المجاورة. وفي أوائل القرن التاسع وصلت حملاتهم الناهبة إلى شواطىء بلاد الفرنج (فرنسا)، ثم نفذت جموع منهم إلى شمال فرنسا. وغزوا مصب اللوار ومصب الجارون، وأنشأوا لهم عدة مراكز وقواعد في تلك الأنحاء.
وهنا بدأ تطلع النورمانيين إلى اسبانيا. والأندلس بنوع خاص. وكانت نعماء الأندلس، وما اشتهرت به من الخصب والغنى، تثير جشع أولئك الغزاة المغامرين، ولم تكن الأندلس تحسب حساباً لذلك الخطر الداهم المستتر معاً، لأنها لم تعرف النورمانيين من قبل، ولا تعرف لهم بقربها أرضاً أو مستقراً. وتطلق الرواية الإسلامية على أولئك الغزاة المجهولين إسم "المجوس"، بيد أنها تعرفهم أيضاً "بالأردمانيين" أى النورمانيين، وقد ترجع هذه التسمية إلى أن النورمانيين كانوا في العهد الذي عرفهم فيه عرب الأندلس لأول مرة " مجوساً " أى وثنيين لم يعتنقوا النصرانية بعد. وكان ظهور النورمانيين في المياه الإسبانية، لأوّل مرة في سنة 843 م. ففي تلك السنة خرج أسطول نورماني من نهر الجارون وعاث في شواطىء مملكة جليقية، فبعث ملكها راميرو (رذمير) إليهم جيشاً ردهم وأحرق كثيراً من سفنهم، فانقلب النورمانيون عندئذ إلى مياه إسبانيا الغربية والجنوبية، يجوبونها في طلب السبي والغنيمة، واقتحموا شواطىء المملكة الإسلامية (الأندلس) في غزوتهم الأولى.
وتضع الرواية الإسلامية هذه الغزوة في سنة 230 هـ، وتحدثنا عنها بإفاضة، فتقول لنا إن أسطولا مجوسياً (نورمانياً) قوامه زهاء ثمانين مركباً، رسا في مياه أشبونة (2) في أواخر سنة 229 هـ (يوليه أو أغسطس سنة 843 م)، فكتب عاملها وهب الله بن حزم إلى عبد الرحمن بن الحكم ينبئه بالخطر، فكتب عبد الرحمن
_______
(1) وهي بالإفرنجية Norsmen أو Normanen
(2) لشبونة Lisboa عاصمة البرتغال الحديثة.
(1/262)

إلى عمال الثغور بالتحوط والأهبة. ولبث النورمانيون في مياه أشبونة ثلاثة عشر يوماً التحموا خلالها مع المسلمين في عدة وقائع، ثم ساروا بأسطولهم جنوباً إلى قادس، ثم شذونة، ثم اخترقوا النهر الكبير (الوادي الكبير) حتى إشبيلية.
وكان ظهور هذه السفن الغازية، وأولئك الغزاة الشقر في قلب الأندلس، مفاجأة مروعة، ولم يكن للأندلس يومئذ أسطول قوي تدفع به شر الغزوات البحرية، ولم تتخذ في الثغور لردها أهبات خاصة. ونزل النورمانيون في ظاهر إشبيلية في أوائل المحرم سنة 230هـ (سبتمبر سنة 843 م) (1) وكانت يومئذ دون أسوار تحميها من العدوان المفاجىء، وكانت مفاجأة مروعة لأهلها، الذين لم يتخذوا أية أهبة خاصة للدفاع عن أنفسهم، وعبثاً حاول المسلمون رد الغزاة. واقتحم النورمانيون إشبيلية وأمعنوا في أهلها سفكاً ونهباً وسبياً، وعاثوا فيها مدى سبعة أيام أشنع عيث، تم غادروها وعسكروا في ظاهرها، في قرية طلياطة الواقعة غربي إشبيلية. وفي تلك الأثناء بعث الأمير عبد الرحمن قوات من الخيل على عجل لإنجاد إشبيلية بقيادة عبد الله بن كليب ومحمد بن رستم، وجعل على قوات قرطبة حاجبه عيسى بن شهيد، وهرع المسلمون من كل صوب للجهاد ورد الغزاة.
وقاد القوات المتحدة نصر الخصي، وتلقى النورمانيون المدد في سفن جديدة قدمت إليهم، ونشبت بين الفريقين في البداية بضع معارك محلية، تفوق فيها الغزاة. وفي الخامس والعشرين من صفر سنة 230هـ، نشبت بينهما معركة حاسمة تجاه قرية طلياطة، وكان على رأس قوات المسلمين محمد بن رستم، فهزم النورمانيون بعد قتال عنيف، وقتل منهم نحو ألف وأسر نيف وأربعمائة، وأحرق من سفنهم ثلاثون، وكان قائدهم بين القتلى، وارتد النورمانيون إلى سفنهم، وتحصنوا بها، وقتل المسلمون أسراهم أمام أعينهم، وصلبوا على جذوع النخل، ثم أقلعت سفن الغزاة مرتدة إلى الجنوب، والمسلمون من ورائهم يطاردونهم، ويفتدون أسرى المسلمين منهم بمختلف السلع، وانتقم النورمانيون لأنفسهم أثناء ارتدادهم بالإغارة على لبلة وباجة، ثم انتهوا ثانية إلى ثغر أشبونة حيث غادروا مياه الأندلس مع باقي سفنهم، بعد أن لبثوا بضعة أسابيع يبثون فيها الرعب والروع.
_______
(1) يضع ماريانا غزوة النورمانيين الأولى لإشبيلية في سنة 847 م (راجع تاريخه العام - الترجمة الفرنسية - ج 2 ص 84).
(1/263)

واستطالت غزوة النورمانيين، منذ نزولهم بأرض إشبيلية، إلى أن تمت هزيمتهم وإقلاعهم، إثنين وأربعين يوماً، عانى فيها المسلمون محناً وشدائد كثيرة، ارتجت لها ربوع الأندلس كلها. فلما انقشعت الغمة، بادر الأمير عبد الرحمن فبعث بالكتب إلى سائر الآفاق معلنة هذا النصر على العدو المغير، وبعث بها بالأخص إلى أمراء العدوة، ومعها طائفة من رؤوس أكابر النورمانيين القتلى.
وأغدق الأمير ثناءه وصلاته على نصر الخصي فتاه الأثير لديه، وكان قائد قواته العام في تلك المعركة الكبرى (1).
وكان لهذه المفاجأة المروعة أثرها في حمل حكومة الأندلس على الاهتمام بأمر الأسطول والتحصينات البحرية، فابتنى عبد الرحمن حول إشبيلية سوراً ضخماً، وأنشأ بها داراً عظيمة للصناعة، واهتم بصنع السفن الحربية الكبيرة، وحشد لها المقاتلة من شواطىء الأندلس، فكانت نواة الأسطول الأندلسي الكبير الذي بلغ في عهد عبد الرحمن الناصر زهاء مائتي سفينة. وعلى أي حال فقد أدرك النورمانيون أن الأندلس لم تكن فريسة هينة. وتحدثنا الرواية الإسلامية بأنهم عقب هزيمتهم في هذه الغزوة الأولى سعوا إلى الصلح مع أمير الأندلس، وبعثوا رسلهم في طلب السلم والمهادنة، وأن الأمير الأندلسي عبد الرحمن بعث كاتبه يحيى الغزال إلى ملكهم ليرد السفارة، وهي رواية سنعود إلى تفصيلها (2).
ولم يمض قليل على رد الغزاة النورمانيين، حتى بادر عبد الرحمن إلى استئناف الغزو، فسير بالصائفة إلى الشمال جيشاً بقيادة ولده هشام. ومعه الوزير عيسى ابن شهيد، فاخترق قشتالة القديمة، وسار صوب نافار وغزا بنبلونة، ووافاه هناك موسى بن موسى والي تطيلة، فقدم طاعته، ومنح الأمان، وأقر على ولايته. وفي العام التالي سير عبد الرحمن بالصائفة قواته مرة أخرى إلى الشمال،
_______
(1) راجع في تفاصيل هذه الغزوة، البيان المغرب ج 2 ص 89 و90، والعذري في الأوراق المنثورة من " ترصيع الأخبار " ص 98 - 100، وفي النويري: نهاية الأرب (القسم الخاص بتاريخ الأندلس) وقد نقل دوزي روايته؛ Recherches: II: p. 337-338 وكذلك في الملحق Appendice 37؛ وفي ابن القوطية (ص 63 - 67)؛ وابن الأثير ج 7 ص 7، وابن خلدون ج 4 ص 129. وفي مخطوط ابن حيان عنها تفاصيل كثيرة نقلت عن محمد بن أحمد الرازي وأخيه عيسى ومعاوية بن هشام الشبينسي.
(2) راجع رواية النويري المشار إليها في دوزي: Recherches: App. 37
(1/264)

بقيادة ولده محمد، فاخترق بسائط جليقية، وحاصر عاصمتها ليون، ولجأ النصارى إلى الجبال، ثم ارتد عنها بعد أن عاث فيها قتلا وتخريباً (سنة 231هـ - 845 م). وعصف بالأندلس في العام التالي قحط شديد، وهلكت الزروع والماشية، وقاست البلاد من ويلاته مدى أشهر.
ْوفي سنة 233 هـ (847 م) ظهر بالثغر الفرنجي، في شمال شرقي إسبانيا، زعيم يدعى جيين دي تولوز، وهو فيما يرجح من تسميه الرواية العربية، غليالم بن برباط بن غليالم، وكان قد أعلن الخروج والثورة على ملك الفرنج شارل الأصلع، ووفد في العام السابق على بلاط قرطبة، يلتمس التأييد والعون، فاستقبله عبد الرحمن بترحاب، وأمده بعونه، فعاد إلى الثغر وعاث فيه بقواته، وحاصر برشلونة وخرب حصونها، وهاجم جرندة، وكتب عبد الرحمن إلى عامله على طرطوشة عبد الله بن يحيى، وعامله على سرقسطة عبد الله بن كليب، في إمداده وتأييده في ثورته ضد ملك الفرنج (1). بيد أنه يبدو من أقوال الرواية الفرنجية أنه وقعت على إثر ذلك مفاوضات بين عبد الرحمن وشارل الأصلع، انتهت بعقد الهدنة والسلم بينهما.
وفي نفس هذا العام نقض موسى بن موسى بن قسي (القسوي) العهد، وعاد
إلى الثورة، وعاث في أحواز تطيلة وطرسونة وبرجة من أعمال الثغر الأعلى،
وظاهره أخوه لأمه فرتون إنيجز (ابن ونقة) أمير بنبلونة، فبعث إليه عبد الرحمن جند الصائفة بقيادة عباس بن الوليد المعروف بالطبلي، فطاردته حتى أرهق وأعلن عوده إلى الطاعة، وقدم ولده إسماعيل رهينة كفالة بولائه، فقبل عبد الرحمن طاعته، وأقره على ولايته تطيلة، ودخل معه في هذا الصلح أخوه فرتون إنيجز (2).
وفي سنة 234 هـ (848 م) بعث عبد الرحمن قوة بحرية كبيرة إلى جزيرتي ميورقة ومنورقة وهما أكبر الجزائر الشرقية (جزائر البليار) لغزوهما، ومعاقبة
_______
(1) وردت هذه الرواية في قطعة مخطوطة أخرى من تاريخ ابن حيان، عثرت بها في مكتبة القرويين بفاس، وحصلت منها على نسخة مصورة حسبما أشرت إلى ذلك من قبل. وهي التي تبدأ حوادثها منذ سنة 233هـ، وتنتهي بحوادث سنة 267هـ، وسوف نقتبس منها منذ الآن فصاعدا في مختلف المواطن التي نتناول حوادثها. (لوحة 189 ب من المخطوطة المذكورة).
(2) لوحة 189 ب و190 أمن المخطوط المذكور، وهو يسمى هنا أمير بنبلونة بابن رنقة وهو تحريف، والصواب ابن ونقة Inequiz
(1/265)

أهلهما لتعرضهم لسفن المسلمين المجاهدين والإضرار بهم، فأخضعهما المسلمون وأثخنوا فيهما، وأصابوا كثيراً من السبي، وبعث أهلهما إلى الأمير يطلبون الأمان ودفع الجزية، ويتعهدون بالولاء والطاعة، فأجابهم إلى ما طلبوا. وكانت مياه اسبانيا الشرقية قد غدت منذ عهد هشام مركزاً للحملات البحرية المتجهة نحو الشمال والشرق، وكان قوام هذه الحملات في الغالب جماعات من البحارة والمجاهدين، الذين يجوبون هذه المياه طلباً للغنيمة والسبي، ويثخنون في الثغور والجزر النصرانية القريبة. ففي سنة 806 م (191 هـ) في عهد الحكم، غزت إحدى هذه الجماعات البحرية الأندلسية المغامرة جزيرة كورسيكا (قورسقة)، فبعث ببين ابن شارلمان ملك إيطاليا أسطولا لقتالهم، فهزموه واستولوا على كثير من الغنائم والسبي. ولم يمض عامان على ذلك، حتى عاد البحارة المسلمون إلى غزو شواطىء كورسيكا وسردانية، ثم توالت غزواتهم لها بعد ذلك. وفي سنة 836 م (221 هـ) خرج أسطول أندلسي من ثغر طرّكونة والجزائر الشرقية، وسار إلى مياه فرنسا الجنوبية، وهاجم المسلمون ثغر مرسيليا وما حوله من الأراضي وأثخنوا فيها. وكان على عرش فرنسا يومئذ لويس ابن شارلمان، وكان ملكاً ضعيفاً عاجزاً، فلما توفي سنة 840 م، اضطربت أحوال المملكة، وضعفت حماية الثغور، فانتهز البحارة المجاهدون هذه الفرصة، وغزوا ولاية بروفانس عند مصب نهر الرون، وهاجموا مدينة آرل وخربوها، ثم توالت غزواتهم في تلك المياه بعد ذلك، وكان من أثرها أن قامت مستعمرات عربية كثيرة في بروفانس وفي أنحاء أخرى في جنوب فرنسا وشمال إيطاليا، وسوف نعود إلى حديث هذه المستعمرات العربية النائية في قلب أوربا.
وفي سنة 237 هـ (851 م)، اضطرمت الحرب في الشمال بين المسلمين والغسقونيين أو الجاشقيين كما تسميهم الرواية الإسلامية وهم فرع من البشكنس، وكان هؤلاء قد أغاروا على الأراضي الإسلامية المجاورة، في قاصية الثغر الأعلى، فتصدى لردهم موسى بن موسى والي تطيلة، وكان يومئذ على ولائه لحكومة قرطبة، ووقعت الحرب بين المسلمين والبشكنس، في جنوبي بنبلونة على مقربة من بقيرة، فهزم المسلمون أولا، وأثخن قائدهم موسى جراحاً، ولكنه أستأنف المعركة في اليوم التالي، وكر على العدو بشدة، فهزم البشكنس شر
(1/266)

هزيمة، وقتل منهم عدد جم، وتسمى هذه الموقعة في الرواية الإسلامية بموقعة البيضاء، وهي محلة صغيرة مجاورة لبقيرة (1).
* * *
وفي أواخر عهد عبد الرحمن، هبت على نصارى قرطبة ريح شديدة من التعصب، ولاحت في الأفق بوادر فتنة دينية واجتماعية خطيرة. ولم يك في نظم الحكم الإسلامي، ما يقصد إلى إيذاء النصارى المستظلين بلوائه، ولم تشذ حكومة قرطبة عن سياسة التسامح الإسلامي المأثور، ولم تحاول تدخلا في شئون النصارى الدينية أو تعرضاً لعقائدهم أو شعائرهم، بل كان النصارى في قرطبة وغيرها، أحراراً في عقائدهم وشعائرهم، والاحتكام إلى شرائعهم وقضاتهم، وكثيراً ما تبوأوا مناصب الثقة والمسئولية في الجيش وفي الإدارة، وكثيراً ما حاربوا مع إخوانهم المسلمين جنباً إلى جنب، وكانت أغلبية كثيرة منهم تشتغل بالتجارة في الثغور والمدن، ويشتغل عامتهم في ضياع المسلمين دون إكراه ولا عنت، وكانت منهم مجتمعات زاهرة رغدة في قرطبة وغيرها، بل كثيراً ما بهرتهم الفصاحة العربية فانطلقت بها ألسنتهم ووضعوا بها كتبهم، وكثيراً ما تخلقوا بأخلاق المسلمين وعاداتهم، ونهجوا نهجهم في الحياة الخاصة. بيد أنه كان ثمة فريق آخر من النصارى المتعصبين الذين يرون في سادتهم المسلمين أجانب غاصبين، معتدين على دينهم وأوطانهم، وكان أولئك الغلاة يبغضون إخوانهم من النصارى المعتدلين، ويرمونهم بالمروق والخيانة، وكان رجال الدين، وهم في الأصل مبعث التعصب ودعامته، يبذرون بذور الشقاق، ويضرمون نار الفتنة، ويوغرون قلوب الغلاة والمتطرفين، باسم الدين، وكانوا يبغضون المسلمين أشد البغض ويسخرون من دينهم ونبيهم، ويجاهرون بهذا التحامل والبغض للنبي العربي وتعاليمه، ويعتمدون في معرفتهم للإسلام ونبيه، على طائفة من الخرافات والأباطيل التي يتناقلها القسس في كل عصر ومكان. يقول دوزي: " ولم يك ثمة أيسر عليهم، وقد كانوا يعيشون بين المسلمين من الوقوف على الحقيقة، ولكنهم كانوا يرفضون أن يستقوا من المصادر التي كانت لديهم، وكان يسرهم أن يعتقدوا وأن يعيدوا كل الخرافات السخيفة التي أذيعت عن نبي مكة " (2).
_______
(1) ابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة 193 أ. وبقيرة هي بالإسبانية Viguera.
(2) Dozy: Hist, I.p. 317 et suiv. ويخصص دوزي لهذا البحث حيزاً كبيراً، وتحمله نزعة من التعصب في إيراد الوقائع ووصفها، وهو يعتمد هنا بالأخص على مصادر كنسية معاصرة.
(1/267)

ويقدم إلينا المستشرق سيمونيت، وهو عمدة العلماء الإسبان في الكتابة عن تاريخ (النصارى المعاهدين) Los Mozarabes التفاصيل الآتية، عما يصفه بأنه " البطولة التي تذرعت بها النصرانية في قرطبة في مقاومة فورات الإلحاد الإسلامي ".
ويرى سيمونيت أن قرطبة كانت من المعسكرات الرئيسية للحرب المدمرة التي شهرها الإسلام على النصرانية. وبالرغم عن أنه يعترف بأن الإسلام لبث مدى قرن يحتفظ بقدر من التسامح نحو المستعربين، وقت أن كان في حاجة إلى خدماتهم ومعاونتهم، فإنه يقول إن الإسلام لما شعر بقوته، لم يبد تسامحاً إزاء انتعاش الروح النصراني، الذي بدا يسيطر على فريق كبير من الشعب النصراني. ثم يتحدث سيمونيت بعد ذلك عن "المظالم وصنوف الاضطهاد التي كان النصارى يقاسونها، ليس فقط من عامة أهل قرطبة بل من حكومة قرطبة ذاتها ". ثم يقول: " وقد كانت هذه السياسة منافية للعهود والقوانين التي منحت للوطنيين (الإسبان) أيام الفتح. وقد كان الطغيان الإسلامي شديد الوطأة على ضمائر النصارى الوطنيين وأملاكهم وكرامتهم معاً ".
وينعى سيمونيت على أمراء قرطبة، أنهم احتفظوا بحقوق وامتيازات ضد النصارى لإخضاعهم، وأنهم كانوا مثل القوط يدعون لأنفسهم حق تعيين الأساقفة وعزلهم، وحق عقد المجالس الدينية التي يمثلهم فيها بعض المسلمين أو النصارى المرتدين، ويسندون وظائف الأساقفة في أحيان كثيرة إلى رجال من طراز منحط، يملقون الأمراء ويخدمونهم.
ولم يك استبداد الأمراء أقل وطأة على أملاك المستعربين وثرواتهم، إذ كانوا حرصاً على سلامتهم يؤدون للخزانة مزايا عظيمة، في شكل جزية وضرائب تنبو عن طاقتهم. وقد كان تسامح المسلمين لايغتنم في الظروف العادية إلا بالعرق والدم. ثم جاءت الأيام التي كان يقاسي فيها النصارى كل شىء، ليحتفظوا بحرية دينهم، وينتزع كل يوم منهم مغارم أكبر، هذا فضلا عن الضرائب العادية، وقد كانت فادحة في ذاتها تفرض عليهم بمختلف الحجج والأعذار.
وقد وصلت هذه المغارم إلى ذروتها في عصر عبد الرحمن الثاني الأمير الباذخ، ومحمد الأول الأمير القاسي، الذي حصل من نصارى قرطبة بواسطة الكونت سواندا على مبلغ مائة ألف " سويلدو ".
(1/268)

ويتحدث سيمونيت بعد ذلك عن تعصب المسلمين، ويقول إن تعصب العرب ضد الأجانب وامتهانهم لهم، وصل إلى الذروة في النصف الأول من القرن التاسع، وكذا وصل إلى الذروة تزمت البربر الوحشي، وتزمت الإسبان المسلمين (المولدين) الذين اتخذوا الارتداد عن دينهم سبيلا إلى بلوغ الرخاء، وكانوا لكي يمحوا ذكرى أصولهم المسيحية، أشد تعصباً ضد النصارى من المسلمين أنفسهم. كان هؤلاء وهؤلاء يمعنون في إهانة النصارى واضطهادهم بشتى المظاهر، ولاسيما رجال الدين والقساوسة، وكانت موجة هذا الاضطهاد تشتد كلما جاءت الأخبار بانتصار نصارى الشمال، أو قيام المولدين في طليطلة أو غيرها.
هكذا يتحدث سيمونيت عن "تعصب" المسلمين ضد رعاياهم وإخوانهم النصارى المعاهدين. ومع ذلك فإن سيمونيت يعترف بأن كثيراً من نصارى قرطبة، كانوا يخدمون في الجيش الإسلامي جنداً أو ضباطاً، وأن كثيراً منهم وصل إلى وظائف هامة في البلاط والقصر الملكي، وفي قصور أكابر المسلمين. ويصف سيمونيت تأثير المجتمع الإسلامي، وعظمته ولغته وتقاليده، في نفوس النصارى في قوله:
" هذا، وقد كان يأسر الشباب النصراني مظهر العظمة المادية والحضارية، التي تفوقت بها قرطبة المسلمة على قرطبة النصرانية، وما كانت تقترن به هذه العظمة من المظاهر الأدبية والفنية، التي بثها عبد الرحمن بحبه للشعر والفلسفة والموسيقى.
وكان من مظاهر تأثر الشباب النصراني أنهم كانوا يكتبون ويتكلمون العربية، محتقرين دراسة اللغة والآداب اللاتينية، وهو أمر كان شديد الخطر على وطنيتهم ودينهم.
وفي النصف الأول من القرن التاسع، لم تكن اللغة والآداب العربية فقط، بل وكذلك الأفكار والتقاليد الإسلامية، قد انتشرت بين المستعربين الإسبان. وهذا ما تشير إليه وثيقة هامة كتبها نصراني قرطبي معاصر هو ألبرو القرطبي Alvaro Cordubense في سنة 854 م عنوانها Indicalo Luminoso، وفيها يصف بقوة وبلاغة، الذعر الذي أصاب " الأشراف الكرماء البواسل الذين كانوا يحتفظون بالعاطفة المسيحية والوطنية الإسبانية "، وكيف أن شباناً من
(1/269)

النصارى يمتلئون حياة وقوة وفصاحة، يتقنون اللغة العربية، ويبحثون بشغف عن الكتب العربية ويدرسونها بعناية، ويمتدحونها بحماسة، هذا في حين أنهم يجهلون جمال الآداب الكنسية، ثم يبدي ألمه من أن النصارى يجهلون شريعتهم ولغتهم اللاتينية، وينسون لغتهم القومية (1).
وهذه التفاصيل التي يقدمها إلينا العلامة سيمونيت عن أحوال المجتمع النصراني في قرطبة، هي تفاصيل مفيدة قيمة، ولكنها تنم عن كثير من التحامل، وتصور وجهة نظر الكنيسة بأسلوب مغرق متزمت. وهي تغضي عن تلك الحقيقة الهامة، وهي أن النصارى المستعربين وهم من رعايا الحكومة الإسلامية، ويتمتعون تقريباً بكامل حقوق إخوانهم المسلمين، يدينون لهذه الحكومة بالطاعة، واحترام القانون والنظام. ولئن كانت ثمة بعض قيود لحقوقهم، فإن سن هذه القيود لا يرجع إلى عدم التسامح، ولكنه يرجع إلى روح العصر ذاته.
بيد أن العوامل الدينية لم تكن وحدها مبعث هذا التحامل، الذي يضطرم به نصارى قرطبة نحو الحكومة الإسلامية، بل كان للعوامل الاجتماعية أيضاً أثرها في إذكائه. ذلك أن القسس والمتعصبين كان يحفظهم ويثيرهم، ما يحيط بالحكم الإسلامي من مظاهر الإعزاز والسؤدد، وما تبديه الهيئة الحاكمة من مظاهر الأبهة والفخامة، وما ينعم به المجتمع الإسلامي، من حياة رغدة رفيعة. وكان يذكي هذا الحقد في نفوسهم ما يعانونه من خشونة عامة قرطبة وتعريضهم وتحاملهم. وهكذا بلغ تعصب النصارى أقصاه في عهد عبد الرحمن، وبدا منذراً بشر العواقب. وكان في وسع أولئك المتعصبين في المدن البعيدة عن قرطبة مثل طليطلة وغيرها، أن يرفعوا علم الثورة، وأن يقاتلوا حكامهم وجهاً لوجه، ولكن الثورة في قرطبة كانت أمراً عسيراً. فحاولوا عندئذ أن يبثوا بذور الفتنة الطائفية والفوضى الدينية والاجتماعية، وأن يحاولوا الاستشهاد بطريق الاشتباك والتحدي.
وعمد القسس والمتعصبون إلى تحقيق غايتهم بوسيلة بسيطة خطيرة معاً، وهي المجاهرة بسب النبي العربي ودينه، وهي جريمة شنعاء تعرض مرتكبيها لعقوبة الموت، وأخذ بعض الغلاة من القسس والمتعصبين الهائمين ينزلقون عامدين إلى
_______
(1) راجع هذا الفصل في مؤلف سيمونيت الضخم: Historia de los Mozarabes de Espana.Vol.I.p. 258-272
(1/270)

هذا المنحدر الخطر، ويوجهون السب المثير إلى النبي العربي في الطرقات جهراً، فإذا أخذوا أمام القضاة كرروا سبابهم بمنتهى الإصرار والجرأة. وحاول القضاة في البداية استعمال الرفق واللين، وإقناع أولئك العابثين بالعدول عن أقوالهم، ولكنهم ألفوا أنفسهم أمام سلسلة مدبرة من الجرائم المماثلة، فلم يترددوا عندئذ في الحكم على القاذفين بالموت، وهكذا أزهق بتلك الطريقة عدة من القسس والمتعصبين في فترة وجيزة من صيف سنة 851 م (237هـ)، وكان الأحبار يكرمون رفات القتلى، ويسبغون عليهم صفة الشهداء، ويزيدون بذلك في اضطرام الفتنة. وكان في مقدمة المنظمين لهذه الحركة قس من قرطبة يدعى "أولوخيو"، كان يعمل على تحريض أولئك "الشهداء" المزعومين، ودفعهم إلى براثن الموت.
ويصف لنا العلامة المتزن ألتاميرا، تلك المؤامرة المنظمة فيما يأتي: " اتبع الأمراء المسلمون سياسة التسامح الديني منذ الفتح. وكان أشراف العرب يحترمون النصارى، ولكنهم لم يستطيعوا منع الدهماء في أوقات الحماسة المغرقة، من إهانة القسس حينما يسيرون في الشوارع فرادى أو في مواكبهم. وكانت هذه الحوادث وأمثالها تثير سخط النصارى، وأدى ذلك بمضي الزمن إلى حقد الورعين ولاسيما القساوسة. وحاول النصارى عن طريق آخر، أن يحدثوا فورات تحطم النير الإسلامي. فطلبوا الاستشهاد بالطعن في محمد أمام الناس والسلطات، وأعدموا لأن القانون يعاقب بالموت على ذلك. ولم يقتصر الاندفاع في ذلك الطريق على المدنيين، بل اندفع فيه كذلك قساوسة عقلاء مسالمون، وكان من هؤلاء أولوخيو وألبارو، ولم يجد هؤلاء طريقة أفضل للاحتجاج على الإسلام من الطعن فيه، وتقديم حياتهم قرباناً للدين الكاثوليكي " (1). وأدرك عبد الرحمن دقة الموقف وخطورته، ورأى أن يعالجه بالحزم والتفاهم معاً، فاستدعى مجلساً من الأساقفة، عقد في قرطبة برآسة ريكافرد مطران إشبيلية، ومثل الأمير فيه أحد كتابه النصارى، وهو جومث بن أنطونيان بن خوليان عامل أهل الذمة (2)، وشرح للأساقفة
_______
(1) R.Altamira: Hist.de Espana , Vol.I.p. 230
(2) ويسميه ابن القوطية قومس بن انتنيان بن يليانة وقد اعتنق الإسلام فيما بعد (ص 83). وكذلك يذكره الخشني في كتاب قضاة قرطبة ويسميه أيضاً قومس بن انتنيان. راجع كتاب قضاة قرطبة (القاهرة) ص 111.
(1/271)

ما يمكن أن يترتب على أعمال المتطرفين وسبهم للنبي من العواقب الخطيرة بالنسبة للنصارى. ولم يعترض المجلس على مبدأ الاستشهاد في ذاته، ولكنه أصدر قراره باستهجان مسلك أولئك المتطرفين، وتحذير النصارى المخلصين من حذو مسلكهم، ووجوب اعتقال كل مخالف (1). ولكن قرار الأساقفة لم يكف لتسكين فورة التعصب المزبد، وتمادى المتطرفون أنصار أولوخيو في غيهم، وزج إلى السجن منهم كثيرون، ومنهم أولوخيو نفسه، وكان بين المعتقلين بضع فتيات مسلمات بمولدهن من آباء مسلمين وأمهات نصارى، ولكن أضلهن الأمهات والقسس، ودفعن إلى التنصر وسب النبي، وكان منهن فتاة رائعة الحسن تدعى فلورا، عرفها أولوخيو وهام بها حباً.
وقصة هذه الفتاة حسبما يرويها سيمونيت، توضح لنا طريقة التحدي والاستثارة التي اتبعها المتطرفون لإحداث الشغب. فقد كانت فلورا ابنة مسلم من زوجه النصرانية، وتوفي أبوها وهي ما تزال طفلة، فربتها أمها على مبادىء المسيحية.
وكانت بالرغم من جمالها تبدي تحفظاً ونسكاً، وتزور الكنائس خفية لخوفها من أخيها الأكبر، وهو مسلم شديد التعصب. ثم فرت من دار أهلها، وتتبعها أخوها في كل مكان، فعادت إلى منزلها، وأعلنت لأخيها تمسكها بدين النصرانية، ولم ينجع في ردها الضرب والوعيد. فأخذها أخوها إلى القاضي، وأبلغه بأن أخته القاصر قد ضلت واعتنقت الدين المسيحي، وأنها تسب النبي ودينه، واعترفت فلورا بأنها نصرانية منذ طفولتها، ومتمسكة بدينها. ومع أن هذا الاعتراف بالردة يستحق عقوبة الموت، فإن القاضي اكتفى بتقرير ضربها ضرباً مبرحاً، أملا في أن تعود إلى صوابها. فاحتملت الفتاة العقوبة بجلد، وحملت إلى دارها منهوكة القوى، وصبرت أياماً حتى برئت من مرضها، ثم فرت من الدار ذات ليلة، وسارت هائمة على وجهها، حتى لجأت إلى دار نصراني في بلدة " مرتش " القريبة، والظاهر أن القس أولوخيو رآها هنالك، وأعجب بجمالها وحشمتها وورعها، وشعر نحوها بحب سماوي عميق.
ثم عادت فلورا بعد حين إلى قرطبة مواجهة كل خطر، معتزمة الاستشهاد، ولجأت إلى كنيسة سان إثيسكولو، وكانت قد لجأت إليها أيضاً فتاة نصرانية
_______
(1) Dozy: ibid , Vol.I.p. 340
(1/272)

أخرى تدعى ماريا، وكانت إبنة رجل نصراني من لبلة، وأم مسلمة تنصرت.
وربيت ماريا في الدير تربية دينية خالصة، كما ربى أخوها الأكبر فيه. ولما توفي أخوها وجدت عليه وجداً شديداً، وسارت إلى قرطبة تبغى الاستشهاد، ولجأت إلى نفس الكنيسة التي لجأت إليها فلورا. واعتزمت الفتاتان أمرهما وذهبتا إلى دار القضاء، وقالت فلورا للقاضي إنها إبنة مسلم، ولكنها اعتنقت النصرانية وأخلصت لها، وأن المسيح هو الإله الحق، وأن النبي محمد، هو نبى زائف ... الخ (1). وكذلك قالت ماريا إنها تؤكد من كل قلبها أن يسوع هو الرب الحقيقي، وأن الإسلام دين الشيطان. فأمر القاضي بإيداعهما السجن. وكان فيه بطريق الصدفة أولوخيو مقضياً بحبسه أيضاً، فعكف على وعظ الفتاتين، وحثهما على الاستشهاد في سبيل المسيح.
وحاول القاضي نصح الفتاتين، ولكنهما أصرتا على موقفهما وعلى مطاعنهما.
وأخيراً أصدر القاضي حكمه بإعدامهما، وذلك في 24 نوفمبر سنة 851، وأخذتا إلى ساحة الإعدام، وهنالك أبدت كلتاهما إشارة الصليب، ثم أعدمتا بقطع الرأس، وألقيت جثتاهما إلى النهر، واستطاع النصارى العثور على جثة ماريا وحدها، فأخذوها مع رأسي الفتاتين. ونظمت فلورا فيما بعد في سلك القديسين (2).
هكذا يروي سيمونيت قصة فلورا وزميلتها، ومهما كان في أسلوبه من رواء القصة المشجية، فإن في وقائعها ما يلقي ضوءاً على خيوط المؤامرة التي دبرها نصارى قرطبة، وفي مقدمتهم القسس، لإثارة الفتنة الطائفية والإخلال بالنظام والأمن، وهي محاولة لا يمكن لأية حكومة منظمة أن تغضي عنها.
واستمرت هذه الفتنة المضطرمة مدى حين، وتذرعت حكومة قرطبة في إخمادها بالحزم والشدة، وزهق من المتعصبين عدة أخر، ومن بينهم أولوخيو الذي نظمه النصارى فيما بعد في ثبت " القديسين ".
وهكذا شغل عبد الرحمن في أواخر عهده بتلك الفتنة الدينية الخطيرة، ولكن المتعصبين لم يحققوا منها ما أملوا، وكانت بالعكس مثار السخط والإنكار من جانب النصارى المعتدلين، الذين يقدرون تسامح الحكومة الإسلامية ورفقها ورعايتها.
* * *
_______
(1) لم نر مجالا لإيراد بقية المطاعن التي أوردها سيمونيت على لسان فلورا وهي مطاعن مقذعة.
(2) Simonet: Hist.de los Mozarabes, Vol.I.p. 413-422
(1/273)

وتوفي عبد الرحمن بن الحكم في الثالث من ربيع الثاني سنة 238هـ (23 سبتمبر 852 م) في الثانية والستين من عمره، بعد أن حكم إحدى وثلاثين عاماً وبضعة أشهر. وكان أسمر طويلا، وسيم المحيا، أشم، أقنى، أعين، أسود العينين، بهي الطلعة، بهيج الزي، كبير اللحية. نقش خاتمه: " عبد الرحمن بقضاء الله راض " (1)، ويكنى أبا المطرِّف، ويعرف بعبد الرحمن الأوسط أو الثاني، والأول هو جده عبد الرحمن الداخل، والثالث هو عبد الرحمن الناصر. وكان مثل أبيه الحكم، أميراً وافر البأس والعزم، رفيع الخلال، يسمو بمكانته ويحتجب عن العامة، ويعشق مظاهر البذخ والفخامة. وفي عهده وصل البلاط الأموي إلى درجة لم تسبق من البهاء والروعة، وبدت الأرستقراطية العربية في أبدع مظاهرها، وسطعت الفروسية الأندلسية، وتجلت خلالها الباهرة التي غدت فيما بعد مثلا يحتذى في مجتمعات العصور الوسطى، وعنها اقتبست فروسة النصرانية فيما تلا من العصور. ورتبت رسوم المملكة أبدع ترتيب، ورفع من شأن الوظائف العامة، وأحيطت بسياج من الهيبة والمسئولية، وجعل " أحكام السوق " منصباً مستقلا عن ولاية المدينة، واتبعت رسوم الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة (2)، ووضعت خطة الوزارة المنظمة.
وتنوه الرواية الإسلامية بمقدرة عبد الرحمن، وحسن اختياره لرجالات حكومته. فيقول لنا الرازي: " وانتقى الرجال للأعمال، واستوزر الأكفاء، من أهل الاكتفاء، وقدوة الأبطال ذوي الغناء، فظهر في أيامه جلة الوزراء وكبار الفقهاء ". وكان من وزرائه عدة من أعظم وألمع رجالات العصر، مثل الحاجب عبد الكريم، والقائد عيسى بن شُهيد، ويوسف بن بخت، وهاشم بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن رستم، وحسن بن عبد الغافر بن أبي عبده، ومحمد بن السليم، ومحمد بن عبد السلام بن بسيل، وعبد الواحد بن يزيد الإسكندرانى، وغيرهم. وكان الوزراء يختلفون إلى القصر بطريقة منظمة للبحث والمداولة وإبرام الشئون في جناح خاص، سمي " بيت الوزارء "، وانتهت
_______
(1) ابن الأثير ج 7 ص 22؛ وابن حيان عن الرازي، المخطوطة الأولى ص 111؛ والثانية لوحة 194 ب.
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 61؛ والبيان المغرب ج 2 ص93.
(1/274)

أرزاق الوزراء يومئذ إلى ثلاثمائة وخمسين ديناراً في الشهر (1).
وتفيض الرواية في مناقب هذه الجمهرة من الوزارء والقادة، الذين اجتمعوا في بلاط عبد الرحمن بن الحكم، وتصفهم بأنهم "عصابة من سراة الوزراء، أولى الحلوم والنهي، لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولابعدهم ". ويتقدم هذا الثبت الحافل رجلان، كان لهما في تنظيم حكومة عبد الرحمن وسياسته أعظم الأثر، أولهما الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث حاجب أبيه الحكم من قبل، وهو الذي يصفه الرازي بأنه " أكمل من حمل هذا الاسم، وأجمعهم لكل جملة حسنة ".
وكان عبد الكريم، فضلا عن براعته الإدارية، مثل جده مغيث فاتح قرطبة، من أعظم قادة هذا العصر، وقد قاد حسبما تقدم في مواضعه، عدة من الحملات الغازية المظفرة. ولما توفي في سنة 209 هـ (824 م) خلفه في الحجابة سفيان بن عبد ربه وهو من البربر، ولم تكن له نباهة سابقة، ثم عيسى بن شُهيد، وهو ثانى الرجلان. وكان عيسى من أعيان موالي بني أمية، وكان أيضاً من وزراء الحكم، أوصى به ولده عبد الرحمن، فلما ولى الأمر قدمه على خاصته، ثم ولاه خطة الخيل، ثم خلع عليه رتبة الوزارة، وعهد إليه بالنظر في المظالم، وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة. ثم ولاه الحجابة بعد سفيان. واشتهر عيسى بالحلم والوقار وحصافة الرأي، والمعرفة والجزالة، وقاد كثيراً من الصوائف المظفرة. بيد أنه استهدف لخصومة الفتى نصر الخصي المسيطر على شئون القصر، والأثير لدى الأمير بمظاهرته لحظيته طروب، فلبث يدس له ويعمل على إقصائه من الحجابة، حتى تم له ذلك، حينما مرض عبد الرحمن وطال احتجابه. وعين مكانه للحجابة عبد الرحمن بن رستم. فلما أبل الأمير من مرضه أنكر ما وقع، وأنحى باللائمة على نصر، وأعاد عيسى بن شهيد إلى الحجابة، فلم يزل على حجابته حتى توفي عبد الرحمن. قال ابن القوطية: " لم يختلف أحد من شيوخ الأندلس في أنه ما خدم ملوك بني أمية فيها أحد أكرم من عيسى بن شهيد غاية، ولا أكرم اصطناعاً، ولا أدعى لذمته. ولقد كان الحاجب قبله عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث بهذه الصفة، على زيادة خصاله وأدواته على عيسى،
_______
(1) ابن القوطية ص 61، و62، وكذلك مخطوط ابن حيان ص 144. ومخطوط القرويين لوحة 196 أ.
(1/275)

إلا في باب كرم الصنيعة واستتمامها، فلم يك تفصله درجة " (1).
وتولى الكتابة للأمير عبد الرحمن عدة من الكتاب المبرزين، في مقدمتهم الحاجب عبد الكريم، وقد كان أيضاً كاتباً بليغاً وشاعراً جزلاً، وعبد الله بن محمد ابن أمية بن أبي حوثرة، ومحمد بن أبي سليمان الزجالي وهو من برابرة نفزة، وكان كاتباً بارعاً، واشتهر بقوته في الحفظ حتى أنه سمي " بالأصمعي "، واشتهر أبناؤه من بعده في ميدان الكتابة.
وكان ممن كتبوا للأمير عبد الرحمن أيضاً الأسقف جومث (قومس) بن أنطونيان عامل أهل الذمة، وكان أديباً بارعاً، وكاتباً مقتدراً، وكان عبد الرحمن يعهد إليه بالمهام الخطيرة، وخدم من بعده ولده الأمير محمد (2).
واجتمعت في عهد الأمير عبد الرحمن أيضا جمهرة من جلة الفقهاء والقضاة، رحل معظمهم إلى المشرق في طلب العلم وانتقاء الرواية، ومن هؤلاء محمد بن يوسف بن مطروح، ومحمد بن حارث، وعبد الأعلى بن وهب، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح، ويحيى بن إبراهيم بن مدين، وعيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى. وقد اشتهر بعض هؤلاء من قبل في عهد أبيه الحكم. وكان يتقدم هذه الجمهرة من الفقهاء في المكانة والنفوذ، عبد الأعلى بن وهب، ويحيى ابن يحيى، وعبد الملك بن حبيب. وكان يحيى بن يحيى عميد الفقهاء وشيخ قرطبة الأول، وأصله من برابرة مصمودة، ودرس في المشرق على مالك، والليث بن سعد وابن وهب وغيرهم، وتولى الفتيا بعد عيسى بن دينار، ولبث حتى وفاته في سنة 234هـ يتبوأ أسمى مكانة. وكان ممن اهتموا بالتحريض على ثورة الربض وفر عقب إخماد الثورة إلى طليطلة، ثم استأمن الحكم فأمنه وعاد إلى قرطبة.
وخلفه في علمه ومكانته عبد الملك بن حبيب، وغدا أثير الأمير، لا يقدم عليه أحداً، ولا يعدل بمشورته أحد. وكان عبد الملك فوق براعته في الفقه والحديث، متقدماً في علوم اللغة، والعلوم القديمة، بارعاً في الأدب، وكتب كتباً في إعراب القرآن وشرح الحديث وفي الأنساب وغيرها (3).
_______
(1) تاريخ ابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة 196 أوب و197 أو 198 أ.
(2) راجع قضاة قرطبة للخشني ص 111.
(3) تاريخ ابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة 201 ب و 202 أ.
(1/276)

ويخصص ابن حيان لذكر قضاة عبد الرحمن، وأخبارهم، ونوادرهم والتعريف بهم، نبذاً طويلة رأينا أن نكتفي بالإشارة إليها (1).
وحذا عبد الرحمن حذو أبيه أيضاً، في اصطفاء الموالي والصقالبة، وابتاع أنصبة أخوته من مماليك أبيه " العجم "، وكانوا خمسة آلاف مملوك، ثلاثة آلاف فارس يرابطون إزاء باب القصر، فوق الرصيف، وألفا رجل على أبواب القصر وكانوا يسمون " الخرص " لعجمتهم (2). وسما نفوذ الفتيان يومئذ في البلاط، وكان زعيمهم الفتى نصر المتصرف في شئون القصر الخاص، وكان يتمتع بأعظم نفوذ في القصر والدولة، بمؤازرة طروب جارية عبد الرحمن.
وكان نصر هذا ويكنى أبو الفتوح، من الفتيان المختارين الذين اشتهروا بالجمال والظرف، وأمر الحكم بخصيهم، وأصله من أبناء الأحرار الذين حشدوا للخدمة داخل القصر، وكان أبوه من أسالمة أهل الذمة (المولدين) من أهل قرمونة (3).
ولما ولي عبد الرحمن، قدمه على سائر خاصته، وغدا مدبر أمر داره، ومشاركاً لأكابر وزرائه في تصريف الشئون. وتضاعف نفوذه ومكانته بمحالفته لجارية عبد الرحمن الأثيرة طروب، صاحبة النفوذ القوي. وكان من أشهر أعمال نصر قيادته لجيوش الأندلس التي حشدت لمقاتلة النورمانيين في أراضي إشبيلية، وانتصاره عليهم. واستمر نجم نصر في صعود، ونفوذه في تمكن، حتى غدا أعظم رجال الدولة، وأمضاهم أمراً؛ وكان مرهوب الجانب، يخشاه الأكابر والخاصة.
توفي فجأة في أواخر سنة 233هـ (848 م)، " أرقى ما كان في غلوائه، وأطمع ما هو بالاحتواء على أمر سلطانه، أرهب ما كان الناس له، وأخوفهم لعدوانه، إذ نال من أثرة مولاه الأمير عبد الرحمن واصطفائه، فوق ما ناله خادم خاص، مع أمير رشيد ". فتنفس الناس الصعداء، وسروا لوفاته، والتخلص من طغيانه (4).
_______
(1) مخطوط القرويين اللوحات 202 أحتى 211 أ.
(2) مخطوط ابن حيان ص 145.
(3) ابن حزم في رسالة نقط العروس ص 73. ويقول ابن حزم إن نصراً هذا هو الذي تنسب إليه " منية نصر " وهي ضاحية جميلة كانت تقع على النهر، على مسافة قصيرة من شرقي قرطبة.
(4) تاريخ ابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة 191 ب.
(1/277)

واستكثر عبد الرحمن أيضاً من اقتناء الجواري الحسان، وكان كلفاً شديد الشغف بهن، وكان يعني باختيارهن من أطيب العناصر والأصول، واجتمعت لديه منهن نخبة بارعة في الحسن والخلال، مثل طروب أم ولده عبد الله، ومؤمرة أم ولده المنذر، وشفاء أم ولده المطرِّف، وفخر ومتعة وغيرهن، وأنجب عبد الرحمن من الولد عدداً ضخماً بلغ وفقاً لابن حزم مائة، خمسين من الذكور، ومثلهم من الإناث، وذكر الرازي أن عدد أولاده من الذكور أربعون، وسماهم واحداً واحداً، وأن عدد بناته ثلاثة وأربعون، ذكر أسماءهن جميعاً (1). وبلغ الجواري كالفتيان من النفوذ مبلغاً عظيماً. واشتهرت من بينهن طروب حظية عبد الرحمن الأثيرة لديه، وقد اشتد نفوذها في أواخر أيامه، وظاهرت نصراً الفتى، فكانت لهما الكلمة النافذة في معظم الشئون، وكان عبد الرحمن يشغف بها أعظم شغف، وهو القائل فيها:
إذا ما بدت لى شمس النها ... ر طالعة ذكرتني طروبا
وعنى عبد الرحمن بالمنشآت العامة أعظم عناية، فزاد في مسجد قرطبة الجامع بهوين جديدين من جانب القبلة، وقام على عمارته الفتى نصر. وما زال هذا الجامع الشهير قائماً إلى اليوم بسائر عقوده الإسلامية، وأروقته ومحاريبه. ولكنه حول منذ القرن السادس عشر إلى كنيسة قرطبة العظمى (كتدرائية)، وبالرغم من أن الهياكل قد أقيمت في سائر عقوده الجانبية، وأقيم في وسطه مصلى عظيم على شكل صليب، فإنه ما زال يحمل بالإسبانية اسمه الإسلامي القديم " المسجد الجامع " Mezqnita Aljama La، وقد أزيلت قبابه ومعظم زخارفه الإسلامية، لتحل مكانها الزخارف النصرانية. ولكن محاريبه الفخمة، مازالت تحتفظ بنقوشها الإسلامية، وآياتها القرآنية.
ويقع جامع قرطبة في طرف المدينة الجنوبي وسط شبكة من الدروب الأندلسية القديمة، على مقربة من القنطرة الرومانية العربية القائمة على نهر الوادي الكبير.
ويبلغ طوله 185 متراً وعرضه 135 متراً. وله عدة أبواب كبيرة فخمة، مازالت تحتفظ بكثير من نقوشها الإسلامية. ويعرف بابه الرئيسي المقابل لصحنه
_______
(1) راجع جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة)، ص 90، وابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة 194 ب و195 أ.
(1/278)

" بباب النخيل " Puerta de las Palmas، ويقع صحنه في ناحيته الشمالية ويعرف بفناء النارنج Patio de los Naranjos، وهو صحن مستطيل شاسع يزدان بعدد من أشجار البرتقال (أو النارنج)، وهو الآن صحن الكنيسة. وقد هدمت منارة الجامع، وهي التي أقامها عبد الرحمن الناصر بجوار الصحن، وأقيم مكانها برج الأجراس الحالي (1).
وأنشأ عبد الرحمن أيضاً مسجد إشبيلية الجامع، كما ابتنى سورها الكبير عقب غزو النورمانيين لها، ووضع نظاماً جديداً للسِّكة وجعلها أندلسية مستقلة، بقيم وأوزان جديدة. وكان أهل الأندلس يتعاملون من قبل بما يحمل إليهم من نقد المشرق، أو بنقود تسك على نظامه، في دار السكة التي أنشأها عبد الرحمن الداخل. وأنشأ أجنحة ومشارف عديدة للقصر، وجلب إليه الماء العذب من قنن الجبال، وأنشأ على النهر الأعظم مما يلي سور القصر والمدينة رصيفاً عظيماً (2). كما أنشأ بقرطبة عدة من الحدائق الغناء. وحذت جواريه حذوه، فأنشأن في قرطبة
عدة مساجد سميت بأسمائهن.
ويشير سيمونيت إلى عظمة قرطبة في عصر عبد الرحمن ويقول " إن عبد الرحمن كان يعشق البذخ الطائل، وفي عهده حفلت قرطبة بطائفة من المساجد والقصور والقناطر والمنشآت المختلفة. وقد وصف قرطبة وعظمتها في عهده نصراني معاصر شهير وهو سان أولوخيو، إذ يقول إن عبد الرحمن أسبغ على عاصمة مملكته لوناً خارقاً من العظمة، ورفع من ذكرها، وأفاض عليها حلل المجد، وأغدق عليها الثروات، وملأها بجميع مظاهر المتعة الدنيوية إلى حدود لا تصدق " (3).
وكانت أيام عبد الرحمن أيام سكينة وأمن ورخاء، وفيها ازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة، وورد على الأندلس كثير من الأمتعة والسلع الفاخرة، وزخرت الأسواق بالبضائع. وزاد الدخل زيادة عظيمة، وبلغت الجباية وحدها
_______
(1) راجع وصفاً مسهباً لجامع قرطبة وتاريخه وخواصه الأثرية في كتابي: " الآثار الأندلسية الباقية في اسبانيا والبرتغال " (الطبعة الثانية) ص 20 - 34.
(2) كان القصر الأموي القديم يقع على ضفة النهر على مقربة من الجامع، ويحتل موقعه اليوم القصر الأسقفي والسجن المحلي، والحدائق المجاورة التي ما زالت إلى اليوم، تسمى حدائق القصر Huertas del Alcazar، والمرجح أنها تقوم مكان حدائق القصر القديمة.
(3) Simonet: ibid , Vol.I.p. 366
(1/279)

زهاء ألف ألف دينار في السنة، واستطاع الأمير أن ينفق بسخاء على تسيير الحملات الغازية، وإقامة المنشآت المختلفة (1).
وكان عبد الرحمن بن الحكم أديباً حسن التثقيف، وكاتباً بليغاً مشرق البيان،
عالما بالشريعة والحكمة (الفلسفة)، مجيداً للنظم، نصيراً للعلوم والآداب، يحتشد
حوله جمهرة من أكابر العلماء والأدباء والشعراء، مثل العلامة الرياضي والفلكي
عباس بن فرناس، ويحيى الغزال، وشاعره الخاص عبد الله بن الشمر بن نمير،
وكان صديقه مذ كان ولياً للعهد، وكان بارعاً في الأدب والشعر والمنطق والتنجيم،
وكان يكشف لعبد الرحمن نجمه وطالعه (2)، وعباس بن ناصح الجزيري شاعر
أبيه الحكم، وعبيد الله بن قرلمان بن بدر مولى الداخل، وكان من جلسائه
وخاصته وكان أديباً بارعاً، وشاعراً مجيداً. وغيرهم. ومن نظمه قوله:
ولقد تعارض أوجه لأوامر ... فيقودها التوفيق نحو صوابها
والشيخ أن يحو النهي بتجارب ... فشباب رأي القوم عند شبابها
وقوله وقد خرج غازياً إلى جلّيقية:
فكم قد تخطيت من سبسب ... ولاقيت بعد دروب دروبا
ألاقي بوجهي سموم الهجـ ... ـير إذ كاد منه الحصى أن يذوبا
تدارك بي الله دين الهدى ... فأحييته وأمتُّ الصليبا
وسرت إلى الشرك في جحفل ... ملأت الحزون بها والسهوبا
ومن قوله في الغزل:
قتلتني بهواكا ... وما أحب سواكا
من لي بسحر جفون ... تديره عيناكا
وحمرة في بياض ... تكسي به وجنتاكا
أعطف علي قليلا ... واحيني برضاكا
فقد قنعت وحسبي ... أن أرى من رآكا
_______
(1) راجع ابن القوطية ص 67، وابن الأبار ص 61، والبيان المغرب ج 2 ص 93 و94، وأخبار مجموعة ص 136، ونفح الطيب ج 1 ص 162 و163؛ وابن الأثير ج 7 ص 22؛ وفي مخطوط ابن حيان عما تقدم نبذ وتفاصيل حسنة (ص 138 و142 و144).
(2) مخطوط ابن حيان ص 156 و157.
(1/280)

واشتهر عبد الرحمن بحنوه الجم على قرابته وذوي رحمه بدرجة لم يجاره فيها أحد من أهل بيته، فكان يوليهم وافر عطفه، ويجري عليهم الصلات السخية. وفي أيامه وفد من المشرق على الأندلس عدد من قرابته المروانية (بنى أمية)، فاستقبلهم جميعا أجمل استقبال، وأنزلهم أكرم منزل، وأجرى عليهم الأرزاق والإقطاعات الواسعة.
وكان عبد الرحمن يعشق الفلك والتنجيم، ويشغف بدراسته، وكان العلامة الرياضي ابن فرناس، وعبيد الله بن الشمر، وعبد الواحد بن إسحاق الضبي من أساتذته في ذلك الفن، وكان يقربهم ويجري عليهم الأرزاق الواسعة، وله معهم قصص ونوادر كثيرة. وكان أيضا يعشق الغناء والموسيقى، ويجمع حوله عدداً من أكابر الفنانين يجري عليهم الأرزاق الواسعة. ووفد عليه من المشرق أبو الحسن علي بن نافع الملقب بزرياب نابغة الغناء والموسيقى، وكان زرياب من تلاميذ الفنان الشهير إسحاق الموصلي مغني الرشيد، فلما ظهر نبوغه وشعر أبو إسحاق بخطورة منافسته، تحيل في صرفه وإبعاده، فغادر بغداد إلى المغرب، وكتب إلى الحكم أمير الأندلس يستأذنه في الوفود عليه. فأذن له واستدعاه، ولكن زرياب ما كاد يصل إلى المغرب حتى علم بوفاة الحكم، وكاد ينثني عن عزمه في العبور إلى الأندلس، لولا أن جاءه كتاب عبد الرحمن بدعوته والترحيب به فسار إلى قرطبة واستقبله عبد الرحمن بمنتهى الإكرام والحفاوة، وأجرى عليه الأرزاق الواسعة، وجعله من خاصة بطانته. وبهر زرياب أهل الأندلس ببراعته في الغناء والموسيقى، وطار صيته في كل مكان، وأضحى قطب الفن الذي لا يجارى، وأخذ عنه أهل الأندلس فنونه وإبداعه، وتشبهوا به في مظاهر زيه وإناقته وطرائق معيشته. وتوفي في ربيع الأول سنة 238 هـ (أغسطس 852 م) قبيل وفاة عبد الرحمن بأسابيع قلائل. وكان لزرياب وفنه أعظم الأثر في تكوين الفن الأندلسي في ظل الدولة الأموية، ثم في ظل دول الطوائف (1).
وشغف عبد الرحمن أيضاً بجمع الكتب، وأوفد شاعره عباس بن ناصح إلى المشرق للبحث عن الكتب القيمة واستنساخها، فجمع له منها طائفة كبيرة،
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 109 وما بعدها، وابن خلدون في المقدمة ص 257.
(1/281)

وكان أول من عنى بجمعها من أمراء الأندلس، وكانت جهوده في هذا السبيل نواة لإنشاء مكتبة قرطبة العظيمة.
* * *
وفي عهد عبد الرحمن سما شأن حكومة قرطبة الإسلامية، وأخذت تتبوأ مكانتها من الهيبة والنفوذ، بين مختلف القصور والحكومات النصرانية، وتغدو مركز التوجيه للدبلوماسية الإسلامية في الغرب. والظاهر أن الدولة البيزنطية، خصيمة الدولة العباسية في المشرق، كانت تعتقد أنها تستطيع أن تصل بتفاهمها مع حكومة قرطبة الإسلامية، إلى بعض النتائج العملية في مقاومة خصيمتهما المشتركة. ففي سنة 840 م (225 هـ) وفد على قرطبة سفير من قبل قيصر قسطنطينية الإمبراطور تيوفيلوس (توفلس)، يدعى قرطيوس، ومعه كتاب وهدية فخمة، فاستقبله عبد الرحمن بحفاوة، وكان القيصر يتوجه في كتابه إلى أمير الأندلس، باسم الصداقة القديمة التي كانت قائمة بين الأوائل من خلفاء بني أمية وقياصرة بيزنطية، ويشكو مر الشكوى من فعال الخليفة المأمون وأخيه المعتصم وعيثهما في أراضيه، ويشير إليهما في كتابه بابن مراجل وابن ماردة (1) تحقيراً وازدراء، كما يشكو إليه من استيلاء أبى حفص البلوطي وعصبته الأندلسية على جزيرة إقريطش (كريت) وهي من أملاكه، ويطلب إليه عقد أواصر المودة والصداقة بينهما، ويرغبه في ملك أجداده بالمشرق، ويستنهض همته لاسترداده، ويتنبأ له بقرب انهيار الدولة العباسية، وزوال سلطانها، ويعده بنصرته في ذلك المشروع. وقد رد عبد الرحمن على سفارة تيوفيلوس بمثلها، وأوفد كاتبه وصديقه الشاعر يحيى الغزال إلى قسطنطينية ومعه يحيى بن حبيب المعروف بالمنيقلة بكتاب وهدية إلى الإمبراطور. وقد سبق أن أشرنا إلى الغزال وإلى شخصيته الممتازة وإلى بارع خلاله وظرفه، وكان الغزال قد جاوز الستين يومئذ ولكنه كان مايزال يحتفظ بكثير من إناقته وروائه. وسار الغزال وصاحبه يحيى ومعهما السفير البيزنطي إلى المشرق عن طريق تدمير (مرسية)، فوصلوا إلى قسطنطينية بعد رحلة بحرية شاقة، عاينوا فيها الأهوال من اضطراب البحر وروعة الموج. واستقبل الإمبراطور السفير الأندلسي بحفاوة، وقدم الغزال إليه كتاب
_______
(1) مراجل هي أم المأمون، وماردة هي أم المعتصم، وكلتاهما جارية وأم ولد.
(1/282)

عبد الرحمن وهديته. ويرد عبد الرحمن في كتابه على ما جاء في كتاب الإمبراطور تفصيلا، ويشير مثله إلى المأمون والمعتصم بابن مراجل وابن ماردة، وإليك ما يرد به عبد الرحمن على ما يدعوه إليه الإمبراطور من وجوب العمل لاسترداد ملك أجداده بالمشرق، وهي أهم فقرات الخطاب:
" وأما ما ذكرت من أمر الخبيث ابن ماردة، وحضضت عليه من الخروج إلى ما قبله، وذكرته من تقارب انقطاع دولته ودولة أهله، وزوال سلطانهم، وما حضر من وقت رجوع دولتنا، وأزف من حين ارتجاع سلطاننا، فإننا نرجو في ذلك عادة الله عندنا، ونستنجز موعوده إيانا، ونمتري حسن بلائه لدينا، بما جمع لنا من طاعة من قبلنا، من أهل شامنا وأندلسنا وأجنادنا وكورنا وثغورنا، وما لم نزل نسمع ونعترف أن النقمة تنزل بهم، والدائرة تحل عليهم من أهل المغرب بنا وعلى أيدينا، فيقطع الله دابرهم، ويستأصل شأفتهم إن شاء الله تعالى " (1).
وأدى الغزال سفارته خير أداء، وعمل على إحكام الصلة والمودة بين الإمبراطور وبين مليكه، وسحر البلاط البيزنطي بكياسته وظرفه، وبديع صفاته، وقدمه الإمبراطور إلى زوجه الإمبراطورة تيودورا وإلى ولده الأمير ميخائيل الذي تولى العرش فيما بعد، وكان يومئذ فتى يافعاً، فأنست به الإمبراطورة وسحرته برائع جمالها، وسحره الأمير الفتى بظرفه وبارع خلاله.
وقال فيه قصيدته التي مطلعها:
وأغيد لين الأطراف رخص ... كحيل الطرف ذو عنق طويل
ترى ماء الشباب بوجنتيه ... يلوح كرونق السيف الصقيل
من أبناء الغطارف قيصري ... العمومة حين ينسب والخؤول
وعاد الغزال إلى قرطبة بعد رحلة دامت عدة أشهر، وقد بهرته مظاهر الحضارة البيزنطية وروعة البلاط البيزنطي.
_______
(1) ورد هذا الخطاب بنصه كاملا كما وردت تفاصيل هذه السفارة في مخطوط ابن حيان ص 161 و162 و163؛ ونشر الأستاذ ليفي بروفنسال قصة هذه السفارة بالفرنسية، ومعها نص الخطاب بالعربية في فصل خاص، في المجلد الثاني عشر من مجموعة Byzantion التي تصدر في بروكسل بعنوان: Echange d"Ambassades entre Cordoue et Byzance au IXe. Siècle كما نشرها أيضاً في رسالة خاصة. وراجع أيضاً نفح الطيب ج 1 ص 162، حيث يشير إلى هذه السفارة إشارة موجزة.
(1/283)

هذا وقد أوفد الغزال بعد ذلك بقليل في سفارة أخرى أغرب وأعجب، وذلك أنه على أثر غزو النورمانيين (المجوس) لولايات الأندلس الجنوبية الغربية واقتحامهم إشبيلية، وردهم عنها، ثم هزيمتهم ومطاردتهم، بعث ملكهم رسله إلى عبد الرحمن بن الحكم في طلب المهادنة والصلح، فأجابه عبد الرحمن إلى طلبه، وبعث الغزال مع الرسل إلى ملكهم ليرد السفارة، ويعلنه بقبول الصلح.
وتقدم إلينا الرواية الإسلامية عن هذه السفارة تفاصيل شائقة. وهي رواية أديب أندلسي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، هو أبو الخطاب عمر ابن الحسن بن دحية البلنسي، أوردها في كتابه "المطرب من أشعار أهل المغرب" في حديثه عن الغزال. وهو يذكر لنا أن عبد الرحمن أوفد مع الغزال، يحيى بن حبيب لمرافقته في تلك السفارة، وأنهما خرجا معاً إلى البحر المحيط عن طريق شلب (1) في مركب خاص أعد لهما، وسارت مع مركب الرسل النورمانيين. ويصف لنا ما لقيه السفيران المسلمان من أهوال البحر وروعته، وكيف أنهما جازا تلك الشدائد سالمين ووصلا إلى بلاد المجوس. ثم يصف لنا بلاد المجوس بأنها " جزيرة عظيمة في البحر المحيط "، وعلى مقربة منها " جزائر كثيرة منها صغار وكبار، أهلها كلهم من المجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية ".
ويبدو من وصف طريق الرحلة، وأوصاف تلك الجزر، أن القطر الذي قصده الغزال ورفيقه، هو الدانماركة، ويؤيد ذلك أن الدانماركة كانت في ذلك الوقت مستقر ملك النورمان (المجوس)، وكان ملكهم عندئذ يشمل الدانماركة وما حولها من الجزائر، وقسماً من إسكندناوة وألمانيا الشمالية. وكان يجلس على عرش النورمان في ذلك الوقت (نحو سنة 844 أو 845 م) ملك يسمى " هوريك ".
وكان النورمان يومئذ أحداثاً في النصرانية، حسبما تقول الرواية الإسلامية. ولقي السفير المسلم من ملك النورمان كل ترحاب وعطف، وأفرد لإقامته وزملائه منزلاً حسناً. وقدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، فوقعت لديه أحسن موقع. ولقي الغزال في البلاط النورماني كله، كثيراً من
_______
(1) شلب Silves هي بلدة أندلسية قديمة تقع في جنوب غربي البرتغال على مقربة من المحيط الأطلنطي.
(1/284)

الإعجاب والعطف، واستقبلته " نود " ملكة النورمان، فراعه حسنها، وشملته بعطفها، ورآها بعد ذلك مراراً، ونظم في حسنها شعراً رقيقاً، يورده لنا ابن دحية، وفيه يخاطبها بقوله:
يا نود يا رود الشباب التي ... تُطلع من أزرارها الكوكبا
وعاد الغزال إلى الأندلس بعد رحلة دامت عشرين شهراً، وكان عوده عن طريق شنت ياقب. ويقول لنا ابن دحية إنه كان يحمل من ملك النورمان كتاباً إلى صاحبها، وهو ملك جليقية وليون. والظاهر أنه كان كتاب توصية وجواز، لكي يستطيع السفير المسلم وزملاؤه اختراق المملكة النصرانية الشمالية، في طريقهم إلى الأندلس. وقد اخترق الغزال بالفعل مملكة ليون، وسار إلى طليطلة، ومنها إلى قرطبة. والمرجح أن وصوله إلى قرطبة، كان سنة 232هـ (أواخر سنة 846 م).
وعاش الغزال بعد ذلك زهاء عشرين عاماً أخرى، وتوفي في سنة 250هـ.
وقد بلغ الرابعة والتسعين من عمره، إذ كان مولده في سنة 156 هـ (1)، وأدرك خمسة من أمراء بني أمية بالأندلس أولهم عبد الرحمن الداخل، وآخرهم محمد ابن عبد الرحمن. وكان مدى نصف قرن يتبوأ الزعامة في الشعر والأدب والحكمة، ويتبوأ في بلاط قرطبة أسمى مقام من النفوذ والثقة والتقدير (2).
_______
(1) راجع جذوة المقتبس للحميدي (مصر) رقم 887.
(2) راجع رواية ابن دحية كاملة في كتابه " المطرب من أشعار أهل المغرب " المنشور بعناية وزارة المعارف سنة 1954 (ص 138 - 149). ونقلها دوزي في كتابه: Recherches, Vol.I.App, XXXIV، وأشار إليها المقري في الفصل الذي أورده عن الغزال وأخباره (نفح الطيب ج 1 ص 441 وما بعدها). وقد كان البحث يتجه من قبل إلى أن رواية ابن دحية عن هذه السفارة قد تكون تكراراً أو تحريفاً للرواية الخاصة بسفارة الغزال إلى قسطنطينية، ولكن يتضح من مراجعة رواية ابن دحية كاملة في كتابه المنشور، ودراسة المعالم الجغرافية التي أوردها عن طريق سفر الغزال وطريق عودته عن طريق شنت ياقب ومملكة جليقية - وعن موقع مملكة النورمان، يتضح من ذلك كله أنه لا توجد الآن ذرة من الريب في صحة القول بأن السفارة كانت فعلا إلى " بلاد المجوس " أو النورمان، أو بعبارة أخرى إلى الدانماركة.
(1/285)

الكتابُ الثاني
الدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْ
القسم الثاني عَصْرُ الإمَارَة من محمد بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن محمد وعَهْد الفتنة الكبْرى 238 - 300 هـ: 852 - 912 م
(1/287)

الفصل الأوّل
ولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم وطوالع الثورة الأولى
محمد بن عبد الرحمن. ظروف توليته والتمهيد لها. الثورة في طليطلة. مسير محمد إلى طليطلة. استعانة الثوار بملكي ليون ونافار. موقعة وادي سليط. تحريضات النصارى المتعصبين. غزوة ألبة والقلاع. عود إلى محاربة طليطلة وإخضاعها. غزوة النورمانيين. عيثهم في جنوبي الجزيرة. ارتدادهم من طريق الشمال. غزو المسلمين لنافار وألبة والقلاع. موسى بن موسى وسيادته في الثغر الأعلى. الحرب بينه وبين أردونيو. مصرع موسى. ولده لب ومحالفته للنصارى. أخوته الثلاثة. غزو المسلمين لألبة والقلاع. هزيمة المسلمين. عود إلى غزو ألبة. هزيمة النصارى. الثورة في ماردة وإخمادها. احتماء بني قسي بملك النصارى. الثورة في قواعد الثغر الأعلى. استيلاء بني قسي على تطيلة وسرقسطة. مسير محمد الثغر الأعلى. استيلاؤه على تطيلة. غزوه لنافار. زحف المنذر إلى سرقسطة. غزوه لنافار ثانية. عوده إلى غزو الثغر الأعلى. افتتاح المنذر لحصن روطة. استيلاؤه على لاردة. خضوع سرقسطة. الخلاف بين بني قسي. خروج محمد بن لب في سرقسطة وتحالفه مع النصارى. سير المنذر إلى سرقسطة واستيلاؤه عليها. الهدنة بين المسلمين والنصارى. عود ابن مروان إلى الثورة في ماردة. سير محمد لقتاله. تحالف ابن مروان مع ملك ليون. هزيمة جيش الأندلس وأسر قائده. عيث ابن مروان بنواحي الغرب. التجاؤه إلى ملك ليون. زحف المنذر على بطليوس وإحراقها. الثورة في شنت برية وبنو ذو النون. ظهور ابن حفصون في جبل ببشتر. بواعث الفتنة في كورة ريه. غزو ابن حفصون لكورة ريه. محاربة ابن حفصون وأسره. فراره واستئنافه الثورة. سير المنذر لقتاله. محاصرة الحامة. وفاة محمد بن عبد الرحمن وعود المنذر إلى قرطبة. خلال محمد. عنايته بالجيش والأسطول والمنشئات الدفاعية. نظام البلاط في عهده. حجابه ووزراؤه. أعماله الإنشائية. المسجد الجامع ومنية الرصافة. شخصه وخلاله. أدبه وبلاغته. عطفه على العلماء والأدباء. حمايته لبقي بن مخلد. نفوذ الفقهاء في عهده. تسامحه نحو النصارى.
ترك عبد الرحمن بن عبد الحكم، مملكة زاهرة موطدة الأركان، تنعم بالاستقرار والهدوء. ولكن هذا الاستقرار الظاهر، كان يحجب كثيراً من التيارات الخفية، ْالتي تهدد أمن المملكة وسلامتها. ذلك أن الهزات العنيفة التي توالت على الأندلس في عهد عبد الرحمن، تركت آثارها العميقة في هذا الصرح الباذخ.
وكانت الثورات المحلية المتعاقبة، وغزوات النورمانيين، ودسائس النصارى المتعصبين، كلها تنذر بأن الاستقرار المؤقت الذي تنعم به المملكة، لم يكن سوى
(1/288)

هدنة خادعة، حققتها سياسة قوية حازمة. وكانت عناصر الإضطراب والغدر تجثم هنالك في صدور المنافقين والطامعين، وتنذر حكومة قرطبة وعرش بني أمية بأعظم الأخطار.
تولي محمد بن عبد الرحمن الملك عقب وفاة أبيه، في الرابع من ربيع الآخر سنة 238هـ (24 سبتمبر سنة 852 م)، ودخل القصر وأبوه مسجى على سريره، فاقتعد لفوره سرير الملك، وأخذ له البيعة الحاجب عيسى بن شُهيد. وكان يومئذ قد جاوز الثلاثين بقليل. وكان مولده في شهر ذى القعدة سنة 207هـ (إبريل سنة 823 م). وأمه أم ولد تدعى بهير (1). وكانت ظروف ولايته ممهدة من قبل، وكان والده عبد الرحمن قد استخلفه بقصر الإمارة، حينما اعتزم أن ينيبه عنه في سنة 226هـ، وهو يومئذ فتى في العشرين من عمره، ثم ولاه ثغر سرقسطة، فضبطه وأحسن إدارته، وصحب والده إلى بنبلونة في غزوته المظفرة سنة 228هـ، وقاد ميمنة الجيش، وأثنى عليه والده في كتاب الفتح، فاشتهر اسمه بين الناس، ثم ندبه أبوه بعد ذلك لمقابلة رسل ملك الفرنج قارله (كارل) بن ببين القادمين إليه. وأخيراً كلفه بالركوب إلى البلاط بصفة منتظمة، ليرفع إليه الكتب الواردة بعد تلخيصها بمعرفته، وقد تم هذا الإجراء بتوصية الحاجب عيسى بن شهيد ونصحه، وذلك لتمكين أمر محمد ومكانته، وتوهين ما كان يحاوله نصر الخصي الأثير لدى الأمير، وحليف حظيته طروب المتغلبة عليه، من ترشيح ولدها عبد الله لولاية العهد، وتمكين أمره.
ولم يكن ذلك دون اختيار وتثبت. ذلك أن عبد الرحمن، كان حسبما يحدثنا عيسى الرازي " قد كشف عن مذاهب ولده، ولداً ولداً، وعجم أخلاقهم اختباراً، فوجد محمداً راجحاً لهم بخلاله ". فاختاره ليخلفه من بعده، وأوعز إلى وزرائه وأكابر دولته، بأنه صاحب ولاية عهده، والمفوض إليه الأمر من بعده، وكلفهم جميعاً، ومعهم القاضي وأهل الشورى، بالركوب إليه وغشيان مجلسه أيام الجمع في المسجد الجامع، وأبدى على الجملة بما لا يدع مجالا لأى شك، بإيثاره على جميع ولده، وتفرده دونهم بخلافته في ملكه.
ْوفضلا عن ذلك كله، فقد كانت لمحمد عيون من الصقالبة بالقصر يطالعونه
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 96.
(1/289)

بالأخبار في وقتها. فما توفي والده، وافاه في مساء نفس اليوم رسول من قبل حبيب الخصي، يستدعيه إلى القصر بسرعة، فبادر إلى القصر متنكراً وقد أخفي سلاحه تحت ثيابه، خوفاً من دسائس أخيه ومنافسه عبد الله، لتمكن نفوذ أمه داخل القصر. وكان الصقالبة قد كتموا موت الأمير، وأغلقوا أبواب القصر، وثارت بينهم مناقشات عنيفة حول ولاية العرش، وانتهى الأمر بتفضيل محمد وتقرير استدعائه. وخرج محمد من غرفة أبيه المسجي إلى مجلس البيعة، واستدعى إخوته التسعة والأربعين، وعمومته، وأهل بيته، وعظماء المملكة. وأخذت له البيعة دون خلاف (يوم الجمعة الرابع من ربيع الأول 238 هـ)، ثم أخذت له بيعة الكافة في المسجد الجامع أياماً متوالية (1).
أوردنا هذه التفاصيل لنقف على نوع الإجراءات التي كانت تتخذ لتقرير ولاية العهد، في إمارة قرطبة الأموية، ثم لنقف على الدور الذي أخذ يضطلع به الفتيان الصقالبة منذ الآن فصاعداً في مسألة خلافة العرش، وهو دور كان له أثره الحاسم في كثير من المواطن.
وكان محمداً أميراً ذكياً فطناً بالأمور (2)، تولى والأفق الذي ظلل عصر أبيه العظيم مازال يحتفظ بلمعانه، وملوك اسبانيا النصرانية يحسبون حسابه، ويشعرون بأنه خلف كفء لأبيه، وملوك العدوة القريبين من الأندلس يخطبون وده، وملك الفرنج يسعى إلى عقد السلم معه.
وأقر محمد حاجب أبيه عيسى بن شهيد، ومعظم الوزراء الذين كانوا يتولون خدمة أبيه على خططهم ومراتبهم؛ وصنع نظاماً جديداً للوزارة، تتميز فيه الخطط الرفيعة على غيرها، ويمتاز فيه الوزراء بنوع من التعظيم والتجلة، وقدم الوزراء من أهل الشام على غيرهم من الأندلسيين والبربر، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة. وكان بنفسه يشرف على أعمال الوزارة والكتاب، ويدقق في أعمالهم وتصرفاتهم وحساباتهم (3). ولما توفي عيسى بن شهيد، خلفه في الحجابة عيسى بن الحسن بن أبي عبدَة، وكان بالرغم من رثاثة هيئته وزيراً قوياً،
_______
(1) ابن حيان عن أحمد بن محمد الرازي، وعيسى بن أحمد الرازي، ومعاوية بن هشام الشبينسي؛ مخطوط القرويين اللوحات 215 إلى 220 ب.
(2) ابن الأثير ج 7 ص 141.
(3) ابن حيان عن أحمد الرازي؛ مخطوط القرويين لوحة 223.
(1/290)

وافر الفطنة والذكاء، صائب الرأي والتقدير. وكان هاشم بن عبد العزيز من بين وزراء الأمير محمد، أشدهم خصومة ومنافسة للحاجب ابن أبي عبدة، وكان في نفس الوقت أحب وزراء الأمير إليه، وأكثرهم حظوة لديه، فلم يلبث أن غلب نفوذه على سائر الوزراء. ويقول لنا ابن عبد البر إن هذه الحظوة التي استأثر بها الوزير هاشم لدى الأمير محمد، كان لها أثر سيىء في تصرفات الأمير، وأنه أي هاشم قد أفسد عليه أمره، " فشرّهه، وصلفه، وحمله على غير المنهج من محمود طرقه، وعدل عن اختيار ثقات العمال، من الشيوخ والكهول أولي النهي والأصول، إلى الأحداث من أولي الشر والخيانة ودناءة الأصول. فلم يلبث الأمر أن فسد بذلك إلى أبعد حال .. فنجمت الفتنة بأكثر البلاد، وكثر في الأرض الفساد في المملكة " (1).
وفي أقوال ابن عبد البر عن هذا التحول في سياسة الأمير محمد وفي أساليب حكمه مبالغة، ينقضها ما أورده صاحب البيان المغرب وغيره عن صفاته (2). وعلى أى حال فسوف نرى أى دور خطير يلعبه الوزير هاشم بن عبد العزيز، الذي تولى الحجابة فيما بعد، في ميدان الحرب والسياسة في عهد الأمير محمد.
وقد شاء القدر أن يكون عهد محمد بداية عصر من أخطر عصور التاريخ الأندلسي، وأشدهم خطراً على ملك بني أمية، وعلى دولة الإسلام في الأندلس.
ذلك أنه ما كاد يتبوأ العرش، حتى بدأت طلائع تلك الثورة الجارفة، التي قدر له أن يضطلع بكفاحها طوال حكمه، الذي امتد خمسة وثلاثين عاماً، والذي يصفه ابن حيان بقوله: " والمشوب آخره بالتنكيد، المنصرم عن فرقة الجماعة، ونجوم النفاق بكل جهة ".
ففي منتصف ربيع الثاني سنة 238 هـ، يعنى لأيام قلائل فقط من وفاة عبد الرحمن، وولايه محمد، تحرك أهل طليطلة التي ما فتئت تفيض بعوامل الثورة.
وكان بها عندئذ سعيد بن الأمير محمد، والعامل عليها حارث بن بزيع. وكان جماعة من المارقين وأهل الشر، قد اجتمعوا في الهضبة القريبة من المدينة المسماة " جبل الأخوين " بزعامة مسوقة بن مطرّف، وهو أحد الزعماء الخوارج الذين فروا من قرطبة، فلما وقفوا على وفاة الأمير عبد الرحمن، كاتبوا أهل طليطلة وحرضوهم على الوثوب بسعيد ومن معه. فاضطرمت الثورة داخل المدينة،
_______
(1) نقله ابن حيان، مخطوط القرويين اللوحة 222 أ.
(2) راجع البيان المغرب ج 2 ص 111.
(1/291)

وساعدهم ابن مطرف بحشوده من الخارج، وانتهى الأمر بهزيمة جند الأمير، واستطاع سعيد أن يغادر المدينة، ولكن الثوار أسروا عاملها حارثاً، ورفضوا إطلاق سراحه حتى أطلقت حكومة قرطبة رهائنهم المعتقلة هناك (1). وفي صيف العام التالي (سنة 239 هـ - 853 م) بعث الأمير محمد أخاه الحكم في جند الصائفة إلى قلعة رباح، وكانت قد أقفرت وخربت وغادرها معظم أهلها، عقب مهاجمة أهل طليطلة الخوارج لها، وقتلهم كثيراً من أهلها، فاحتلتها جند الأمير، وقامت بإصلاح أسوارها، واستدعى أهلها الفارون وأمنوا؛ وفعل الحكم مثل ذلك بحصن شندلة، الواقع على النهر المسمى بهذا الإسم Jandula، وهو من أفرع الوادي الكبير؛ وجالت جند الأمير في تلك المنطقة تطهيراً من الثوار، وخرجت منها حملة سارت جنوباً، فلقيتها عصابات الخوارج من أهل طليطلة في فحص أندوجر، ووقعت بين الفريقين معركة عنيفة هزم فيها جند الأمير، وردوا بخسارة فادحة (شوال سنة 239 هـ). وعلى أثر ذلك خشي أهل مدينة جيّان القريبة على أنفسهم من عيث الخوارج، فغادرها كثير منهم إلى الجبال، وابتنى الأمير محمد لهذا السبب حصن " أندة " على مقربة جيان، وضم إليه العرب المقيمين على الطاعة، وسمى المكان لذلك " أندة العرب " (2).
وعندئذ شعر محمد بما يهدد العاصمة من الأخطار، وأراد أن يلقي على ثوار طليطلة، درساً عميق الأثر، فسار إليها في المحرم سنة 240هـ (يونيه 854 م) على رأس قوة كبيرة. وكانت أول حملة يقودها بنفسه بعد تبوئه الملك. وكان عماد الثورة في طليطلة جمع كبير من المولدين والنصارى، الذين تحركهم روايات المتعصبين، عن الاضطهاد الذي يلقاه إخوانهم في قرطبة، وكانوا يتطلعون دائماً إلى عون ملك النصارى، فلما استشعروا عزم محمد على قتالهم، بادروا بالاستعانة بأردونيو (أردن) ملك ليون، وكذلك بملك نافار، وأمدهم أردونيو بقوة على رأسها الكونت غاتون (3). وكان تدخل النصارى على هذا النحو لتأييد الثورة ضد حكومة قرطبة، عاملا في إذكاء حماسة المسلمين، فهرعت جموع كبيرة إلى جيش الأمير، ومنهم كثير من الفرسان الأشراف وذوي الحسب، وسار محمد صوب
_______
(1) ابن حيان عن الرازي في مخطوط القرويين لوحة 259 أ.
(2) مخطوط القرويين لوحة 259 ب.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 130، والبيان المغرب ج 2 ص 97. ويقول صاحب البيان إن الكونت غاتون هو أخ لملك ليون.
(1/292)

طليطلة في بعض قواته، وترك بقية جيشه الكثيف مستتراً بالتلال التي تظلل وادي سليط، وهو الوادي الذي يخترقه النهر المسمى بهذا الإسم Guazalete، وهو أحد أفرع التاجُه الجنوبية، فلما رأى أهل طليطلة قلة الجيش المحاصر، خرجوا لقتاله ومعهم حلفاؤهم النصارى وهم على ثقة من الظفر، فارتد محمد بجنوده نحو وادي سليط متظاهراً بالهزيمة، وعندئذ برزت قوات الأندلس من مكامنها، وأطبقت على الثوار وحلفائهم النصارى، وكانت موقعة هائلة مزقت فيها جموع الطليطليين والإسبان في ساعات قلائل من الصباح إلى الضحى، وقتل منهم مقتلة عظيمة تقدرها الرواية الإسلامية بأحد عشر ألفاً، وقيل بل عشرين ألفاً، وأسر منهم كذلك عدد جم، بينهم كثير من القساوسة وقد أعدموا على الفور، ورصت رؤوس القتلى، وأذن فوقها لصلاة الظهر. وكان نصراً عظيماً. وفي هذه الموقعة يقول شاعر العصر عباس بن فرناس:
ومؤتلف الأصوات مختلف الزحف ... لهوم الفلا عبل القبائل ملتف
إذا أومضت فيه الصوارم خلتها ... بروقاً تراءى في الغمام وتستخفى
كأن ذرى الأعلام في ميلانها ... قراقير في يم عجزن عن القذف
بكى جبلا وادي سليط فأعولا ... على النفر العبدان والعصبة الغلف
يقول ابن يوليس لموسى وقد ونى ... أرى الموت قدامي وتحتي ومن خلفي
قتلنا لهم ألفاً وألفاً ومثلها ... وألفاً وألفاً بعد ألف إلى ألف
سوى من طواه النهر في مستلجِّه ... فأغرق فيه أو تهدهد من جرف
لقد نعمت فيه غزاة نسورنا ... وسمعت الدقات قصفاً على قصف (1)
على أن الفتنة في طليطلة لم تهدأ ولم تخمد، فقد استمر تحريض النصارى المتعصبين فيها على أشده، وأضحت المدينة الثائرة موئلا لطائفة من القسس المتعصبين مثل أولوخيو وصحبه، يبثون دعايتهم المضطرمة في طليطلة وما جاورها من الأنحاء، ويصورون مصير النصارى في ظل الحكم الإسلامي بأشنع الصور، ويدعون إلى التحرر من الاضطهاد الديني والاجتماعي، وكان صدى هذه
_______
(1) ينقل لنا ابن حيان عن موسى الرازي تفاصيل هذه الموقعة - مخطوط القرويين لوحة 260 أوب و261 أ. وراجع البيان المغرب ج 2 ص 97 و114. وكذلك: Dozy.Histoire, V.I.p. 355
(1/293)

الدعوة يتردد قوياً في العاصمة الأندلسية، ويبث القسس تحريضهم ودعايتهم المسمومة، مثلما كانوا يفعلون أيام عبد الرحمن بن الحكم (1). وكان محمد يرقب هذه الفتنة حذراً من عواقبها، وعواقب تمرد المدينة الثائرة، ومن ثم فقد لبث متأهباً لمقارعتها، وشحن قلعة رباح وطلبيرة على مقربة منها بالجند والعدد.
وسير الأمير محمد كذلك الصوائف والحملات الغازية إلى الثغر الأعلى. ففي سنة 239 هـ (853 م) سير جيشاً بقيادة موسى بن موسى بن قسيّ والي تطيلة إلى ألبة والقلاع. وكان موسى أيام الأمير عبد الرحمن، من زعماء الثورة في الشمال، وتحالف مع النصارى حسبما تقدم، وقاتله عبد الرحمن حتى تمكن من إخضاعه. ولكنه عاد في أواخر عهده إلى سابق مكانته من زعامة الثغر الأعلى، واستطاع أن يوطد استقلاله في تطيلة وما جاورها، مع التظاهر في نفس الوقت بالولاء لحكومة قرطبة، اتقاء لخصومتها. فسار إلى ألبة والقلاع وعاث فيها، وهزم النصارى في عدة مواقع، وافتتح بعض الحصون، ثم عاد بعد ذلك فاتجه صوب ثغر برشلونة، وانتزع بعض حصونه من أيدي النصارى، وتضع بعض الروايات تاريخ هذه الغزوة في سنة 242 هـ (856 م). بيد أنه يبدو من أقوال الرازي أنها وقعت قبل سنة 241 هـ (2).
وفي صيف سنة 241هـ (855 م) سار محمد بنفسه إلى ألبة والقلاع، وقد كتب إلى موسى بن موسى وأهل الثغور بالاحتشاد والسير في حملته، فعاث في بسائط ألبة والقلاع، وافتتح كثيراً من حصون النصارى. وفي العام التالي بعث موسى بن موسى إلى أحواز برشلونة، فغزاها وخرب برشلونة وافتتح بعض حصونها، وأسر بعض أمرائها (3).
بيد أن اهتمام الأمير لبث في الوقت نفسه بالأخص موجهاً إلى طليطلة، فبعث ولده المنذر إلى المدينة الثائرة في قوة كبيرة فحاصرتها وعاثت في أحوازها (242هـ)، ولم يجرأ الثوار هذه المرة على مغادرة مدينتهم. ولكنهم خرجوا في العام التالي إلى طلبيرة لمقاتلة الحامية الأندلسية بها، فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله،
_______
(1) يفيض دوزي في شرح أدوار هذه الفتنة الدينية وأعمال دعاتها: Dozy: Hist;V.I.p. 356-362
(2) مخطوط القرويين لوحة 261 ب.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 98.
(1/294)

وأوقع بهم وقتل منهم عدة مئات أرسلت رؤوسهم إلى قرطبة. وسارت جند الصائفة في الوقت نفسه إلى طليطلة، فنازلتها وعاثت في أحوازها، وانتسفت زروعها وأقواتها.
ورأى الأمير محمد أن يتابع معاقبة أهل طليطلة. فخرج إليهم بنفسه في صيف سنة 244 هـ (858 م)، وحاصر المدينة الثائرة، وتأهب أهلها لقتاله بالرغم مما أصابهم من نقص في القوى، وشح في الأقوات، واعتمدوا على حصانة مدينتهم. ولجأ محمد إلى الحيلة فهدم مهندسوه قواعد القنطرة الكبيرة مع تركها قائمة ثم انسحب بجنوده، وهنا خرج أهل طليطلة لقتاله، فلما احتشدوا على القنطرة سقطت بهم في نهر التاجه وغرق منهم عدد جم (1). ولم يترك محمد هذه المرة وسيلة رائعة إلا استعملها لسحق المدينة الثائرة، فخرب حصونها ومعالمها، وأوقع بأهلها قتلاً وتشريداً، حتى اضطروا إلى طلب الأمان والصلح، وأذعنوا للخضوع والطاعة، وهم يعتزمون النكث في قرارة أنفسهم متى سنحت الفرص (245 هـ - 859 م).
وهكذا لبثت طليطلة عصراً تضني حكومة قرطبة بتمردها وثوراتها المتوالية؛ وكانت حاضرة القوط القديمة تشعر دائماً بقوتها ومنعتها الطبيعية، وكانت فوق ذلك مثوى التيارات النصرانية الخطرة حسبما بينا، تنساب إليها من نصارى الشمال، ومن النصارى المعاهدين بقرطبة، ومن أهلها أنفسهم. والواقع أن طليطلة كانت بوعورة موقعها علي المنحدر الصخري الممتد نحو نهر التاجه، وإحاطة النهر بهذا المنحدر الوعر، ثم بحصونها القوية، وأسوارها العالية الضخمة، من أمنع مدن العصور الوسطى. وما تزال إلى اليوم حين نتأملها ونتجول فيها، تذكرنا بموقعها الصعب، وطرقها الصخرية الوعرة، وبقية أسوارها وحصونها المنيعة، بما كان لها من سابق الحصانة والقوة فيما خلا من العصور.
وهكذا أخمدت ثورة المولدين والنصارى المعاهدين في طليطلة إلى حين؛ وتأهب محمد في الوقت نفسه لقمع شغب النصاري المتعصبين في قرطبة وغيرها،
_______
(1) يقدم إلينا ابن حيان عن هدم القنطرة قصة أخرى، فيقول إن جنود محمد حاولوا هدم القنطرة تحت أنظار أهل المدينة، وأنهم سخروا من هذه المحاولة، وأيقنوا بعقمها. ثم خرجوا للقتال، واحتشد الكثير منهم فوق القنطرة، فانهارت تحت أقدامهم وهوت بمن فوقها إلى النهر، وهدمت صخورها عليهم من كل ناحية (مخطوط القرويين لوحة 262 أ).
(1/295)

وإخماد نزعتهم الثورية الخطيرة. وحوكم القس أولوخيو الذي أشرنا من قبل إلى دعايته وتحريضه أيام عبد الرحمن، وكان ما يزال معقد الدسائس الدينية، وقضى بإعدامه كما قضى بإعدام صاحبته ومعاونته الفتاة ليوكريسيا (مارس سنة 859 م). ورأى النصارى فتنتهم تنهار وركنوا إلى السكينة، وخبت جذوة تعصبهم، التي لبثت أعواماً طويلة تضطرم في قرطبة، ولم يبق من حماستهم سوى الذكرى (1).
ولم يكد ينتهي الأمير محمد من إخضاع طليطلة، حتى دهم الأندلس خطر النورمانيين مرة أخرى. ففي نفس هذا العام (245 هـ - 859 م) انحدر النورمانيون (وهم الأردمانيون أو المجوس كما تسميهم الرواية الإسلامية) في سفنهم نحو شواطىء جليقية، وعاثوا في شاطىء اسبانيا الغربي. وتقدر الرواية الإسلامية أسطول النورمان في هذه المرة باثنين وستين مركباً؛ وطاردتهم السفن الأندلسية، وكانت دائماً على قدم الأهبة تجوس خلال المياه الغربية بصفة مستمرة استعداداً لرد أولئك الغزاة الخطرين، مذ فاجأوا الأندلس بغاراتهم المخربة أيام عبد الرحمن. ووصلت بعض سفن النورمانيين جنوباً حتى تجاه مدينة باجة، وهنالك استطاعت السفن الأندلسية أن تقضي على طلائع الغزاة، وأن تنتزع سفينتين من سفنهم المحملة بالغنائم والسبي، بيد أنهم انقضوا على الشواطىء الجنوبية، ووصلوا إلى مصب نهر الوادي الكبير، ثم انحدروا جنوباً حتى مياه الجزيرة الخضراء.
وفي تلك الأثناء كانت القوات الأندلسية قد سارت إلى الغرب بقيادة الحاجب عيسى بن أبي الحسن بن أبي عبدة، وهرع الناس إلى جيش الأمير من كل صوب، وتقدم الأسطول بقيادة أميرى البحر حشحاش وابن شكوح، وقد عبىء أحسن تعبئة، وجهز بالأنفاط وفرق الرماة الكثيفة، ورد الغزاة أولا عن إشبيلية بعد عدة معارك برية وبحرية. ثم نشبت بين الفريقين بعد ذلك معركة بحرية شديدة تجاه شاطىء شذونة، وغنم المسلمون في البداية مركبين آخرين، ولكن السفن النورمانية تكاثرت على جناح الأسطول الذي يقوده حشحاش، وغلبت عليه، وقتل أمير البحر المسلم فوق سفينته، تم انحدر النورمانيون صوب الجزيرة الخضراء واقتحموها، وأحرقوا مسجدها الجامع، وعاثوا فيها سفكاً ونهباً، وسارت
_______
(1) Dozy: Hist, V.I.p. 361-362
(1/296)

بعض سفنهم إلى شواطىء العدوة (عدوة المغرب) وعاثت فيها، ثم نزلوا بشاطىء الأندلس الجنوبي، وسارت سفنهم قبالتهم على ساحل تدمير حتى أوريولة، فدخلوها، وعاثوا في تلك الأنحاء نهباً وسبياً، واشتبكوا مع القوات الأندلسية في عدة معارك برية وبحرية عنيفة، حطمت فيها بعض سفنهم، وقتل كثير من المسلمين، واستمر عيث النورمانيين على هذا النحو أشهراً حتى خبت فورتهم، وفقدوا كثيراً من سفنهم. فارتدوا نحو الشمال على طول شواطىء اسبانيا الشرقية، ونفذت منهم قوة خلال نهر إبره إلى نافار، واقتحموا عاصمتها بنبلونة وأسروا ملكها غرسية، ولم يطلقوه إلا لقاء فدية كبيرة، وأغارت قوات أخرى منهم على الجزائر الشرقية وشواطىء بروفانس حيث عبروا مصب الرون، وخربوا آرل ونيمة وفالانس.
وهكذا لم تكن الغزوة النورمانية في هذه المرة مفاجأة مثلما كانت الغزوة الأولى، ولم يكن عيث الغزاة على نفس النطاق الواسع. وهذا ما يسجله لنا ابن حيان في ختام حديثه عنها، إذ يقول: " فلم يكن لهم في هذه الكرّة الإنبساط في البحر، والإضرار بأهل السواحل ما جرت به عادتهم، ولم يجدوا في السواحل مطمعاً لشدة ضبطها، ولاقوا مع ذلك من البحر هولا عطبت له من مراكبهم أربعة عشر مركباً بناحية البحيرة من الجزيرة، فنكبوا عن حائط الأندلس، واعتلوا إلى جهة الفرنجة، فلم يلقوا ظفراً، وأسرعوا الانصراف إلى بلدتهم بالخيبة، فلم تكن لهم بعد بالأندلس إلى اليوم عودة " (1).
وفي العام التالي أعني سنة 246 هـ (860 م) بعث محمد حملة إلى الولايات الشمالية بقيادة حاكم طرطوشة. ويقول لنا ابن حيان إن الأمير محمد هو الذي غزا بالصائفة بنفسه في تلك السنة. وكان غرسية ملك نافار، قد تحالف عقب انطلاقه من أسر النورمان مع أردونيو ملك ليون، وأغارت قواتهما المتحالفة على الأراضي الإسلامية. وعلى أى حال فقد زحفت القوات الأندلسية على نافار، ولم تكن قد
_______
(1) تختلف الرواية الإسلامية في تاريخ هذه الغزوة النورمانية الثانية لشواطىء الأندلس، فيضعه الرازي في سنة 245 هـ (859 م). ويتابعه في ذلك ابن الأثير وابن عذارى. ويضعها هشام ابن معاوية الشبينسي في سنة 247 هـ (861 م)، وقد أخذنا بالرواية الأولى لأنها أرجح وأكثر اتفاقاً مع سير الحوادث. راجع في تفاصيل الغزوة، ابن حيان في مخطوط القرويين (لوحة 263 أوب و264 أ، والعذري في " الأوراق المنثورة من ترصيع الأخبار " ص 118 و119، وابن الأثير ج 7 ص 28، والبيان المغرب ج 2 ص 99.
(1/297)

أفاقت بعد من ضربة النورمانيين، وغزت بنبلونة وخربت حصونها. ولم تقو جموع غرسية على رد المسلمين، واستمر المسلمون بضعة أسابيع يخربون بسائط نافار وينتسفون قراها وحصونها، وكان من بين الأسرى فرتون ولد غرسية، فأخذ إلى قرطبة حيث اعتقل زهاء عشرين عاماً (1).
وفي صيف سنة 247 هـ (861 م) سارت حملة أندلسية أخرى إلى ألبة والقلاع. وكان موسى بن موسى قد طلب إلى محمد أن يكون طريق الحملات الغازية عن غير منطقته، نظراً لما يتجشمه في مقارعة النصارى من جهد، وما يصيب أراضيه من الدمار، فأجابه الأمير إلى طلبه، وسارت الحملة من طريق آخر، وعاثت في أراضي النصارى.
وكان موسى بن موسى بن قسيّ يومئذ، قد بسط نفوذه على بسائط قواعد الثغر الأعلى، وأصبح سيداً لتطيلة ووشقة وسرقسطة وأحوازها. وكان هذا الزعيم القوي الذي يرجع حسبما أسلفنا إلى أصل نصراني، وله مصاهرة وقرابة مع الأمراء النصارى، ينتهز كل فرصة لتدعيم استقلاله، وكان يتشح بلقب الإمارة، ولم يكن يدين لحكومة قرطبة إلا بنوع من الولاء الإسمي. وكانت علائقه مع أردونيو ملك ليون جاره من الغرب، تتردد بين الخصومة والتحالف وفقاً للظروف. وكان أردونيو ينظر إلى اتساع ولايته من ناحية الغرب بعين القلق، وموسى من جانبه يحرص على تحصين قواعده وحدوده؛ ففي سنة 248 هـ (862 م) سار موسى في قواته إلى الغرب لتحصين قواعده الغربية ومعه صهره غرسية أمير نافار، وحاول أردونيو من جانبه أن يحبط هذه الحركة، فهاجم بعض الحصون التابعة لموسى وفي مقدمتها حصن " البلدة " الواقع على نهر إبره على مقربة من قلهرّة، ونشبت بين الفريقين معركة جرح فيها موسى جراحاً خطيرة، وهزمت قواته وقتل منها عدد كيير من المسلمين والنصارى، وقتل صهره غرسية، وهدم أردونيو حصن البلدة وغيره من الحصون التي تحمي أراضي ابن قسي، ولم يمض سوى قليل حتى توفي موسى نفسه متأثراً بجراحه، وكانت وفاته نذيراً بتطور الحوادث في الثغر الأعلى.
وذلك أن موسى بن موسى كان بالرغم من استقلاله عن حكومة قرطبة،
_______
(1) راجع البيان المغرب ج 2 ص 99 و100، ومخطوط القرويين اللوحة 263 أ.
(1/298)

يقف بقواعده وقواته في الشمال الشرقي، سداً منيعاً في وجه النصارى. فلما توفي أعلن ولده لب خضوعه لأردونيو ملك ليون، وتحالف معه ضد المسلمين، وزحف على وادي الحجارة يبغي الاستيلاء عليها، فرده عنها حاكمها ابن سالم. وأصابته خلال المعركة جراح توفي منها وهو في طريق العودة إلى تطيلة، وحل أخوته الثلاثة إسماعيل ومطرِّف وفرُتون مكان أبيهم في حكم القواعد الشمالية. وهنا رأت حكومة قرطبة أن تضاعف أهباتها لرد النصارى عن الولايات الشمالية. ففي صيف سنة 248 هـ (863 م) سار عبد الرحمن ابن الأمير محمد على رأس حملة كبيرة إلى ألبة والقلاع، ومعه القائد عبد الملك بن العباس القرشي، فجاس خلالها وخرب بسائطها. واشتبك النصارى بقيادة ملكهم أردونيو مع المسلمين في معركة عنيفة، وهزموا على أثرها هزيمة شديدة، وقتل عدة من قوادهم (1). ولم يمض عامان حتى سير محمد ولده عبد الرحمن مرة أخرى، إلى غزو ألبة والقلاع (251هـ - 865 م). ويقول لنا ابن حيان إن الذي كان على رأس هذه الغزوة هو المنذر بن عبد الرحمن، وكانت قيادة الجيش للحاجب عيسى بن الحسن بن أبى عبدة. وعلى أى حال فقد سار المسلمون بحذاء نهر إبره، واستولوا على معظم حصون أكابر النبلاء والسادة في تلك المنطقة. وحاول أردونيو كعادته أن يعترض سبيل المسلمين عند العودة، وقد كمن لهم في موضع يسمى "بفج المركور" على مقربة من نهر إبره، أفرغ جهده في تحصينه، فنشبت بينه وبين المسلمين على ضفاف النهر معركة شديدة، كانت الدائرة فيها على النصارى، فقتل وأسر منهم عدد كيير وغرق الكثير منهم في النهر، ومزقوا كل ممزق (2). وفي العام التالي سارت حملة أخرى إلى الشمال بقيادة الحكم بن محمد، فعاث في أرض النصارى، واستولى على بعض الحصون. وكانت هذه الغزوات المتوالية قد هدت من قوى النصارى، ومزقت شملهم وخربت بلادهم، فركنوا إلى السكينة، وتوفي ملكهم أردونيو في الوقت نفسه (866 م) فخلفه ولده ألفونسو الثالث الذي لقب فيما بعد بألفونسو الكبير.
- 2 -
كان حرياً، بعد أن هدأت ثائرة النصارى في الشمال، أن تتمتع حكومة قرطبة
_______
(1) ابن حيان في مخطوط القرويين لوحة 265 أ.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 102. ومخطوط القرويين لوحة 265 ب.
(1/299)

بفترة من السلام والدعة. ولكن الخطر كان يجثم في ناحية أخرى. ذلك أن عوامل الانتقاض والثورة كانت تجتمع من جديد في شمال غربي الأندلس، في المناطق الجبلية التي ألفت الثورة واتخذتها شعاراً لها. ولم تكن حكومة قرطبة بغافلة عن هذه النذر. وكانت ماردة وبها عدد من زعماء المولدين المتمردين، في مقدمة القواعد التي يشك في ولائها وطاعتها. ففي سنة 254 هـ (868 م) خرج الأمير محمد على رأس جنده من قرطبة، متظاهراً بالسير إلى طليطلة، ولكنه عرج في منتصف الطريق فجأة على طريق ماردة، ودهمها قبل أن تستعد للقائه، فتحصن بها أهلها. ثم اقتحمها محمد، ووقع بين الفريقين قتال عنيف انتهى بسحق الثوار وإذعان المدينة، وطلب الزعماء الثائرون الأمان وفي مقدمتهم عبد الرحمن بن مروان الجليقي، وابن شاكر، ومكحول، وغيرهم، وهم من أكابر الفرسان والسادة، فنقلهم الأمير بأموالهم وأهلهم إلى قرطبة، وولى على ماردة سعيداً بن عباس القرشي، وهدم حصونها وأسوارها (1).
وكانت الحوادث تتطور في الثغر الأعلى في نفس الوقت تطوراً خطيراً. وكان الأمير محمد قد استطاع عقب وفاة موسى بن موسى أن يسترد سلطانه في تلك الأنحاء، وأن ينتزع القواعد الشمالية من أبنائه، ويعين لها حكاماً من قبله. وكان بنو موسى أو بنو قسي، نسبة إلى جدهم الأعلى الكونت قسي القوطي، يرجعون كما أسلفنا إلى أصل نصراني، وكانت هذه الأسرة المتمردة الشديدة المراس، كباقي الأسر القوية المولدة، تبغض حكومة قرطبة، وتميل إلى مناوأتها والتحالف ضدها مع النصارى، وكان بنو قسي أصهاراً لملك نافار النصراني، حيث كان غرسية زوجاً لابنة موسى المسماة " أوْرِية " Oria، فلما توفي موسى وانتزعت حكومة قرطبة قواعده من يد بنيه، لجأ هؤلاء حيناً إلى حماية ملك ليون، حتى تسنح لهم فرصة العمل ومعاودة الجهاد. على أن حكومة قرطبة لم تلق في حكامها الذين اختارتهم للقواعد الشمالية ما كانت تؤمل من ولاء وإخلاص. ففي سنة 255 هـ (869 م) ثار سليمان بن عبدوس في مدينة سُرية وهي من أعمال سرقسطة، فسار إليه الحكم بن الأمير محمد، وحاصر سرية وهدم أسوارها بالمجانيق، وأرغم الثائر على الخضوع والطاعة، وبعث به إلى قرطبة. وفي العام التالي (256هـ)
_______
(1) ابن الأثير ج 7 ص 62، والبيان المغرب ج 2 ص 103، ومخطوط القرويين لوحة 268 أ.
(1/300)

ثار عمروس بن عمر بن عمروس أحد زعماء الثغر، وغدر بموسى بن غلند عامل وشقة وانتزعها منه. وعمروس هذا هو حفيد عمروس بن يوسف بطل واقعة الحفرة بطليطلة، وقد كان بنو عمروس مثل بني قسي مولدين من أصل نصراني، لا يشعرون بأي ولاء حقيقي لحكومة قرطبة. فسير عامل الثغر عبد الوهاب بن أحمد بن مغيث الجند لمقاتلة الثائر، فلما انتهت إلى وشقة فر عنها عمروس، وأسر بها حفيده لب بن زكريا بن عمروس، وقتل وعلق رأسه على سور المدينة. وفي سنة 257 هـ (871 م) أرسل محمد حملة جديدة إلى الثغر الأعلى بقيادة عبد الغافر بن عبد العزيز، فطارد فلول عمروس، وقبض على ولده زكريا وأبنائه وجماعة من أهله، وقتلهم على باب مدينة سرقسطة، وقفل إلى قرطبة ورؤوسهم مرفوعة بين يديه (1)، ولاح أن الثورة قد أخمدت في الشمال ولكن الواقع أن الثورة عادت لتضطرم في الشمال بأقصى شدتها. ذلك أن القوات الأندلسية ما كادت تعود إلى قرطبة حتى ظهر بنو قسي في الميدان مرة أخرى، وزحف مطرف وأخوه إسماعيل ابنا موسى بن موسى على تطيلة، فانتزعاها من حاكمها عبد الوهاب بن مغيث، كما انتزعا سرقسطة من ولده محمد ابن عبد الوهاب؛ وملك مطرف تطيلة في صفرسنة 258 هـ (871 م)، وملك اسماعيل سرقسطة في ربيع الأول من نفس العام. وهنا عول محمد على أن يخرج إلى الثوار بنفسه. فسار في العام التالي على رأس جيشه (259 هـ - 872 م) وعرج في طريقه على طليطلة، حيث عقد لأهلها الأمان وأخذ الرهائن. ثم سار إلى الثغر الأعلى، وزحف تواً على تطيلة واستولى عليها. وقبض فيها على مطرف ابن موسى وأبنائه. وفي رواية أخرى أن مطرفاً كان قد ملك وشقة إلى جانب تطيلة واستقر بها، وأن عمروساً صاحب وشقه السابق استطاع أن يؤلب أهلها على مطرف، وانتهى بأن انتزعها منه، وقبض عليه وعلى ولده وزوجته وهي بنت غرسية ملك نافار وتزوجها. فلما قدم الأمير في جيشه سارع عمروس بإعلان طاعته، والتمس الأمان، فأجابه الأمير إلى ما طلب، وأقره على ولاية وشقة وأعمالها، وتسلم منه مطرِّفاً وأولاده (2). واتجه الأمير بعد ذلك إلى نافار فخرب
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 103، ومخطوط القرويين لوحة 269 أ.
(2) هذه هي رواية عيسى بن أحمد الرازي، نقلها إلينا ابن حيان في مخطوط القرويين لوحة 270 ب.
(1/301)

بسائطها، ثم عاد إلى قرطبة وأمر بقتل الثائر مطرف وبنيه الثلاثة: ورفعت رؤوسهم على باب القصر. وفي العام التالي (260 هـ) سير محمد إلى الشمال مع ولده المنذر جيشاً بقيادة هاشم بن عبد العزيز. فزحف المنذر إلى سرقسطة وعاث في نواحيها، وانتسف أشجارها وزروعها، وجعلها قاعاً صفصفاً، ولكنه لم يستطع انتزاعها من يد المتغلب عليها اسماعيل بن موسى. وكان أخوه فُرتون قد حل في تطيلة مكان أخيه مطرف، وتحالف الثائران مع ألفونسو الثالث ملك ليون، فسار المنذر إلى وشقة، ثم إلى بنبلونة عاصمة نافار، وعاث في تلك الأنحاء، ولكن جهوده لم تسفر عن أية نتائج مستقرة (1).
وشغلت حوادث الشمال وثورة بني موسى حكومة قرطبة أعواماً طويلة. ففي سنة 264 هـ (878 م) سار المنذر مرة أخرى إلى الثغر الأعلى، وعاث في بسائط سرقسطة وتطيلة، ولكنه لم يظفر بالاستيلاء عليهما. ثم زحف على بنبلونة، فخرب بسائطها، وأتلف زرعها، وقتل كثيراً من أهلها. وفي العام التالي (265 هـ)، عاد المنذر إلى غزو الثغر الأعلى، وحاصر مدينة سرقسطة وسائر بلاد بني قسيّ، وعاث فيها إتلافاً وتخريباً. ومع ذلك فقد لبث الشمال بعيداً عن سلطان قرطبة بضعة أعوام أخرى. وكانت جنبات الأندلس الأخرى تضطرم في الوقت نفسه بسلسلة من الثورات المدمرة حسبما نفصل بعد، ولكن حكومة قرطبة كانت تعلق على قواعد الثغر الأعلى أهمية خاصة، لوقوعها على حدود الممالك النصرانية. ففي سنة 268 هـ (882 م) سير الأمير محمد ولده المنذر إلى الشمال على رأس جيش ضخم، ومعه القائد هاشم بن عبد العزيز. وكان المنذر قائداً مجرباً ذا شجاعة وبأس، وكان يعتزم هذه المرة أن يسحق الثورة وزعماءها في الشمال. فزحف تواً على سرقسطة، ولما لم ينجح في اقتحامها، تحول إلى الحصون الواقعة حولها فخربها واستولى عليها، وافتتح حصن روطة أمنع حصونها وأسر به عبد الواحد الروطي " أشجع أهل عصره " (2) ثم استولى على لاردة وما حولها من الأنحاء، وانضم إليه محمد بن لب بن موسى، وكان ساخطاً على عميه لاستئثارهما دونه بالسلطان. ولما رأى إسماعيل بن موسى صاحب سرقسطة
_______
(1) مخطوط القرويين لوحة 272 أ.
(2) ابن الأثير ج 7 ص 122، والبيان المغرب ج 2 ص 107. وفي رواية أخرى أن هاشم بن عبد العزيز اشترى حصن روطة من صاحبه عبد الواحد ولم يفتتحه (العذري في كتاب " ترصيع الأخبار " ص 35).
(1/302)

عبث المقاومة، أعلن خضوعه وطاعته للأمير وقدم رهائنه. وزحف المنذر بعد ذلك على ألبة واخترقها إلى قشتالة (القلاع)، وتأهب النصارى للقائه بقيادة ملكهم ألفونسو الثالث. ولكن جرت مفاوضة بين الفريقين انتهت بعقد الهدنة، وعاد المنذر إلى قرطبة ظافراً.
وما كاد المنذر يرتد إلى قرطبة، حتى نشب الخلاف بن إسماعيل بن موسى وابن أخيه محمد بن لب، وكان إسماعيل يحقد عليه لتحالفه مع المنذر. وانتهى القتال بينهما إلى انتصار محمد بن لب، واستيلائه على سرقسطة، وأسره لعمه إسماعيل. وحكم محمد سرقسطة باسم الأمير محمد. ولكن الأمير أراد أن ينتزع ولايتها منه، فسخط عليه وأعلن خروجه عن طاعته، وتحالف مع ألفونسو الثالث ملك ليون. فبادر الأمير محمد بإرسال قواته مرة أخرى بقيادة ولده المنذر وهاشم بن عبد العزيز، إلى الثغر الأعلى (270هـ - 883 م). فسار المنذر إلى سرقسطة واستولى عليها بعد قتال عنيف، وأخرج منها محمد بن لب. وفي رواية أخرى أن محمداً بن لب سلم سرقسطة صلحاً وفقاً لاتفاق تم بينه وبين المنذر نظير قدر كبير من المال (1). وكان من ضباط جيش الأمير في تلك الغزوة عمر بن حفصون الزعيم الخارج الذي سيجىء ذكره فيما بعد. ثم اخترق المنذر ألبة لمقاتلة النصارى حلفاء الثائر. ولكن المفاوضات انتهت بعقد الهدنة بين الفريقين. وأرسل ألفونسو الثالث سفيراً إلى قرطبة هو القس دولثديو ليضع قواعد الصلح مع أمير الأندلس، فنجح السفير في مهمته وعاد إلى أوبييدو عاصمة ليون، ومعه رفات القس أولوخيو وصاحبته ليوكريسيا، وهما اللذان أعدما بقرطبة قبل ذلك بنحو عشرين عاماً، ونظمهما النصارى في سلك القديسين.
ولنترك الآن حوادث الثغر الأعلى لحظة لنستعرض ما حدث خلال هذه الأعوام المليئة بالفتنة في أنحاء الأندلس الأخرى. ففي ماردة وبطليوس عادت الثورة إلى الاضطرام. وذلك أن عبد الرحمن بن مروان الملقب بالجليقي - لانتمائه
_______
(1) نقل إلينا هذه الرواية العذري في كتابه " ترصيع الأخبار " وفيها أن محمداً بن لب تقاضى نظير تسليمه سرقسطة خمسة عشر ألف دينار. وكان ذلك في سنة 261 هـ (الأوراق المنثورة من الكتاب المذكور ص 35). هذا وقد أورد لنا العذري تفاصيل كثيرة عن موسى بن موسى بن قسي وأولاده وأحفاده، وثوراتهم، وما خاضوه من الوقائع المختلفة في الثغر الأعلى زهاء نصف قرن (الأوراق المذكورة ص 29 - 40).
(1/303)

إلى أسرة من المولدين أصلها من ولاية جليقية في شمال البرتغال - استطاع أن يفر من قرطبة مع نفر من صحبه. وكان بنو الجليقي قد استقروا بماردة منذ أمد طويل، وتولى أبوه مروان بن يونس الجليقي حكم ماردة أيام الأمير عبد الرحمن، ولما اضطرمت الثورة بماردة قتله أهلها (سنة 213 هـ). وكان ولده عبد الرحمن طموحاً لا يشعر بالولاء نحو حكومة قرطبة، فانتظم في سلك الخوارج، واشترك في الثورة ضد الأمير محمد. فلما أخمدت الثورة وتم إخضاع ماردة في سنة 254 هـ (868 م) قبض الأمير على عبد الرحمن الجليقي ونقله مع باقي الزعماء الثائرين إلى قرطبة حسبما تقدم. وكان فرار الجليقي من قرطبة في أوائل سنة 261 هـ (875 م) على أثر مشادة وقعت بينه وبين القائد هاشم بن عبد العزيز كبير الوزراء أهانه خلالها وصفعه؛ فغادر قرطبة خفية مع جمع من أنصاره، واستولى على قلعة ألانية (أو قلعة الحنش) (1) في جنوبي ماردة وتحصن بها، واستولى زميله في الخروج والعصيان مكحول ابن عمر على قلعة جلّمانية (2) القريبة منها. واجتمع إليهما جمع غفير من المارقين والمتمردين، واشتد عيثهما في سائر الأنحاء المجاورة. وعندئذ سار الأمير لقتال الثائرين في قوة كبيرة. فلما علما بمقدمه استغاثا بزميلهما القديم سعدون بن عامر المعروف بالسرنباقي، وهو أيضاً من زعماء الثوار المولدين، وكان يعيش في كنف ألفونسو الثالث ملك ليون في مدينة برتقال جنوبي جليقية، فسار إليهما في قوة من صحبه، وانضم إلى قوات ابن مكحول. فضرب الأمير الحصار حول القلاع الثائرة، وقطع عنها الماء، واشتد في ذلك، وجنده ترهق المحصورين كلما طلبوا الحصول على الماء والمؤن خارج الأسوار. فلما ضاقوا بالحصار ذرعاً، اضطر عبد الرحمن الجليقي أن يستجير بعبد الله ولد الأمير، وأن يوسطه في الشفاعة والإذعان إلى طلب الأمان. وكان عبد الله لين العريكة محباً للسلم، فتوسط لدى والده الأمير، وألح حتى أسعفه بما طلب، ووافق على منح الأمان للثائر، على أن ينزل له عن قلعة الحنش، وينصرف وقومه إلى بطليوس، وكانت يومئذ خالية مجردة من الحصون فينزلون بها، ويقومون بتعميرها. فقدم ابن مروان رهائنه وهم ولده محمد وثلاثون من أكابر قومه، وسار إلى بطليوس وصحبه، ونزلها وأخذ في تعميرها
_______
(1) هي بالإسبانية Alange.
(2) هي بالإسبانية Jurumena، وهي تقع على مقربة من غربي بطليوس.
(1/304)

وماكاد الأمير يرتد أدراجه إلى قرطبة، حتى حشد ابن مروان أنصاره من كل ناحية ومعظمهم من أهل الشر والمولدين الناقمين، وأخذ في تحصين بطليوس، وإعدادها للدفاع والمقاومة، وبعث جواسيسه إلى قرطبة، يتعرفون أخبار الأمير ويترصدون حركاته، ويبعثون بها إليه تباعاً. ثم عقد حلفاً مع ألفونسو الثالث ملك ليون. وكان يدعو أنصاره إلى مذهب ديني جديد هو خليط من تعاليم الإسلام والنصرانية. واستمر على هذا النحو زهاء عام آخر، وهو يغير على الأنحاء المجاورة ويرهق أهلها، ويستلب أموالهم ومتاعهم.
فلما اشتد عيثه، وضج المسلمون في تلك الأنحاء من شره وعدوانه، وجاهر هو من جانبه بالعصيان وخلع الطاعة، اعتزم الأمير محمد أن يعاقبه ويقمع شره بطريقة حاسمة، فجهز إليه حملة كبيرة برياسة ولده المنذر، وجعل قيادتها لوزيره الأثير هاشم بن عبد العزيز. وسارت هذه الحملة صوب بطليوس في شهر شعبان سنة 262 هـ (876 م)، فلما علم ابن مروان بمقدم جند الأمير، وشعر بصعوبة الدفاع عن بطليوس لاتساعها، غادرها مع قواته، وانضم إليه كثير من المولدين من الأنحاء المجاورة ممن خشوا بطش قوات الأمير بهم، ونزل بحصن كركى أو كركو القريب وامتنع به، وبعث إلى سعدون السرنباقي في طلب النجدة. وسار المنذر وهاشم إلى بطليوس، فألفياها خالية، فسارا في أثره، واحتل هاشم حصن منت سلود (منت شلوط) الواقع جنوبي بطليوس خوفاً من أن يحتله الثوار، وضرب المنذر الحصار حول حصن كركى. وفي تلك الأثناء قدم سعدون السرنباقي في صحبه، ومعه قوة كبيرة من النصارى أمده بها ملك ليون، واشتبك في طريقه بمدينة قُلُمرية بحاميتها، وهم قوم من البربر من بني دانس من مصمودة، وفتك بهم، وكانوا على الطاعة، فبعثوا إلى هاشم بن عبد العزيز يستغيثون به. ووقف هاشم من طلائعه على مقدم سعدون وقواته، وما فعله بأهل قلمرية، فخرج إلى لقائه متحمساً تواقاً إلى الانتقام، وكان سعدون قائداً مجرباً وافر الجرأة، وكانت لديه فرق مختارة من الفرسان والرماة، فرتب معظم قواته وراء التلال، وتقدم للقاء قوات هاشم، واعتقد هاشم أنه يستطيع سحق الثوار بأيسر أمر، والتقى الفريقان في مخاضة النهر جنوبي بطليوس، وفاجأت خيل سعدون قوات الأندلس وأرهقتها، وكثر فيها القتل، وتقدم هاشم بن عبد العزيز إلى المعمعة،
(1/305)

بعيداً عن مركز قيادته، فأصابته جراح، وأحاطت به فرسان العدو، وكادت تجهز عليه، لولا أن عرفه بعضهم، فقبض عليه، وحمله معه سعدون أسيراً إلى حصن منت سلود، وكانت قوات الأمير قد غادرته. وكانت هزيمة قوات الأندلس، وأسر قائدهم على هذا النحو، في الثاني عشر من شهر شوال سنة 262 هـ (يونيه سنة 876 م). ولما علم المنذر بن محمد بما وقع لجنده من الهزيمة وأسر هاشم، وكان مقيماً على حصار الجليقي، شدد في الحصار أياماً أخر، ثم انصرف قافلا ببقية الجند إلى قرطبة. وسار الجليقي وسعدون ومعهما أسيرهما القائد هاشم غرباً، وهما يعيثان فساداً في الأرض. وحصل الجليقي أولا على هاشم، وكان يؤمل أن يتخذه أداة للمساومة مع الأمير، ولكن سعدون استرده منه فيما بعد، خوفاً من غضب سيده وحاميه ملك ليون، وتوجه به سعدون بالفعل إلى ألفونسو الثالث، فتسلمه وحصل في يده، واستمر أسيراً لديه بمدينة أوبييدو زهاء عامين، حتى تم الإفراج عنه لقاء فدية كبيرة بلغت مائة وخمسين ألف دينار (1).
واستمر ابن مروان أعواماً وهو يسيطر على منطقة بطليوس، ويعيث في أنحائها فساداً، ويخرج منها للإغارة على ناحية الغرب حتى أشبونة، وجنوباً حتى باجة وأطراف أكشونبة، ثم أن بعض أصحابه اختلفوا معه، وغادروه إلى بلدهم ماردة بعد أن حصلوا على أمان من الأمير. ولما شعر بقلة جمعه، وخشى مطاردة الأمير وانتقامه، عول على أن يحذو حذو صاحبه سعدون في الالتجاء إلى ملك جليقية، فقبل الملك النصراني ملتمسه، وأنزله مع صحبه في حصن بطرسة بوادي دويره على مقربة من ليون، ولبث في كنفه أعواماً. ثم دب الخلاف بينهما بسبب غارة قام بها ملك جليقية في منطقة بطليوس ومعه ابن مروان، وفيها بالغ الملك النصراني في قتل المسلمين، ومعظمهم من أصحاب ابن مروان ورعاياه السابقين (سنة 266هـ - 879 م). فغادره ابن مروان مغضباً، وعاد إلى منطقة بطليوس، ليستأنف غاراته وعيثه في أراضي النواحي المجاورة. وفي سنة 271 هـ (885 م) سير إليه الأمير محمد ولده المنذر في قوة كبيرة، فزحف على بطليوس، ففر منها
_______
(1) لخصنا ما تقدم من رواية عيسى بن أحمد الرازي المسهبة التي نقلها إلينا ابن حيان؛ وقد وردت في مخطوط القرويين في اللوحات 267 أوب و273 أوب و274 أوب و276 ب و277 أحتى 280 أ. وراجع البيان المغرب ج 2 ص 104 و105.
(1/306)

ابن مروان وتحصن بجبل " أشيروغيره " (1) فأحرق المنذر بطليوس ودمر حصونها. وفي العام التالي سارت حملة أخرى بقيادة الوزير هاشم إلى " أشيروغيره " لقتال ابن مروان، فحاصره حينا ثم ارتد عنه دون إخضاعه. ولما أعيا الأمير أمره، انتهى أخيراً إلى قبول شروطه في الاستقلال بحكم بطليوس وما جاورها، والإعفاء من المغارم والفروض (2).
ووقعت في ذلك الحين ثورات محلية أخرى، فخرج في شنت برية (3) مظفر ابن موسى بن ذى النون وزحف على طليطلة، فلقيه جندها فهزمهم، وقوى أمره في تلك الجهة، وأضاف إلى شنتبرية ما حولها من البلاد والحصون.
ويرجع ظهور بني ذى النون، وهم سادة مملكة طليطلة أيام الطوائف، إلى ذلك العهد. وخلاصة ما تقدمه إلينا الرواية في ذلك، هو أن جدهم ذا النون (أو زنون) بن سليمان الهواري، كان زعيماً لشنت برية من أعمال قونقة، ومر به الأمير محمد في بعض غزواته إلى الثغر، وقد مرض له خصي من أكابر فتيانه، فتركه عند ذى النون حتى يحدث الله فيه أمره. فاعتنى به ذوالنون حتى برئ من علته، وصحبه بنفسه إلى الأمير بقرطبة، فكافأه الأمير بأن أقره على ناحيته. واستقام ذو النون على الطاعة حتى توفي، وخلفه ولده موسى، فنبذ الطاعة، وانتظم في سلك الخوارج؛ ولما توفي سار ولده مظفر على خطته، وأضحى بنو ذو النون من زعماء الفتنة في الثغر الأوسط (4). وخرج أسد بن الحرث بجهة رندة (5) وأخذ ضرام الفتنة ينساب إلى كل ناحية، ونشط النصارى في الشمال، يتربصون لإذكاء الفتنة، وانتهاز الفرصة السانحة للإغارة على الأراضي الإسلامية.
وانبعثت من هذا الضرام شرارة في الجبال الجنوبية، قدر لها أن تستفحل بسرعة، وأن تغدو أخطر ما يهدد سلام الأندلس وعرش بني أمية. ففي جبل بُبَشتر (6)، فيما بين رندة ومالقه، ظهر عمر بن حفصون أعظم ثوار الأندلس،
_______
(1) واسمه بالإسبانية Esparragosa. وهو يقع بين نهر وادي يانة وجبال المعدن.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 105 و106 و108. وراجع Dozy: Hist ; V.II.p. 8-11
(3) وهي بالإسبانية Santaver وهي تقع جنوب شرقي وادي الحجارة. وهي غير شنتمرية الشرق.
(4) مخطوط القرويين لوحة 272 ب.
(5) ابن خلدون ج 4 ص 131.
(6) وبالإسبانية Bobastro.
(1/307)

وأشدهم مراساً، وأخطرهم جانباً. وكانت سلسلة الجبال الواقعة بين رندة ومالقة مأوى الأشقياء والعصاة. وكان عمر سليل أسرة من المولدين ترجع إلى أصل نصراني قوطي. وقد سجلت لنا الرواية الأندلسية نسبته، فجده عند الفتح هو ألفونسو القس، وجده الرابع جعفر هو أول من اعتنق الإسلام من أسرته (1). ونشأ بيتهم في تاكرنَّا من أعمال رندة. وكان والده حفصون ذا مال ووجاهة. ونشأ ولده عمر فاسداً سيىء السيرة، عنيفاً يعتدي على النفس والمال، ولم يلبث أن هجر أسرته وأطلق العنان لأهوائه وغيه، والتف حوله جماعة من أهل الفساد والبغي، فألف منهم عصابة معتدية ناهبة، ونزل بمكان منيع بجبل بُبَشتر الواقع شمال شرقي جبال رندة، وكان ذلك في سنة 267 هـ (880 م). وقد وصف لنا ابن حيان مؤرخ الأندلس ابن حفصون عند ذكر الخوارج في تلك العبارة الجامعة: " إمامهم وقدوتهم عمر بن حفصون، أعلاهم ذكراً في الباطل، وأضخمهم بصيرة في الخلاف، وأشدهم سلطاناً، وأعظمهم كيداً، وأبعدهم قوة " (2).
ويشرح لنا الرازي البواعث الأولى لهذه الفتنة التي اضطرمت في كورة ريُّه والجزيرة، فيقول لنا إن السبب في تحريكها يرجع إلى عنف يحيى بن عبد الله ابن يحيى عامل الأمير محمد في كورة ريه، في مطالبته لأهلها ببقايا عشور تأخرت عليهم، واشتطاطه في ذلك وإرهاقهم، فامتنعوا عليه واعتصموا بجبالهم، وتأهبوا للدفاع عن أنفسهم, فحشد يحيى بن عبد الله قواته لقتالهم، واستدعى أخاه أحمد ابن عبد الله عامل كورة الجزيرة بقواته لمعاونته في حربهم، ونشبت بين قوات الأمير وبين الخوارج معارك عنيفة قتل فيها كثير من الفريقين، وكان ذلك في سنة 265 هـ (878 م). وفي العام التالي سار بالصائفة إلى كورة ريه عبد الله ابن الأمير محمد، وعلى قيادة الجيش الحاجب هاشم بن عبد العزيز، وكان قد أطلق سراحه من الأسر، وعاد إلى سابق مكانته لدى الأمير محمد، واستأنف القيادة لأول مرة، فاشتد في مطاردة الخوارج، ومزق جموعهم، وأنشأ عدة
_______
(1) قال ابن خلدون عن ابن حيان إنه عمر ابن حفصون بن عمر بن جعفر بن دميان بن فرغلوش ابن أدفونش القس (ج 4 ص 134). وزاد عليها صاحب البيان المغرب اسما آخر (ج 2 ص 108).
(2) ابن حيان في المقتبس، وهو السفر الثالث المطبوع بعناية المستشرق الأب ملشيور أنتونيا (باريس 1937) ص 9.
(1/308)

من الحصون لمدافعتهم، ولكن الفتنة لم تقمع، وظلت سحب الخروج والعصيان قائمة، وعمت الفوضى كورة ريه بأسرها.
في هذا الأفق المضطرم ظهر ابن حفصون؛ وكانت حوادث ريه مقدمة هذه الفتنة الهائلة التي تزعمها في جنوبي الأندلس، والتي يصفها الرازي بأنها " طمت على جميع فتن الأندلس، بعمومها وامتداد أيامها، ودفع أهل الشرور منهم نحوها " (1). وأخذ ابن حفصون ينتهز كل فرصة للإغارة على أطراف إقليم ريه ويوسعها تخريباً وسبياً ونهباً، ثم يعتصم بأوكاره في جبل ببشتر، فلما اشتد عيثه وعدوانه، سار إليه عامل ريه، عامر بن عامر في بعض قواته، فهزمه ابن حفصون وقوي بذلك أمره، وهرع إلى لوائه كثير من أهل الشر والعصاة. وعزل الأمير عامل ريه المهزوم، وبعث إليها بعامل جديد هو عبد العزيز بن عباس، فسار إلى قتال ابن حفصون للمرة الثانية، فامتنع الثائر بقلاعه، ووقعت الهدنة بين الفريقين (2). وعندئذ سير محمد وزيره هاشم بن عبد العزيز إلى كورة ريه في قوة كبيرة، فشدد الحصار على ابن حفصون، وجد في أثر العصاة والخوارج، وأسر الكثير منهم، وما زال حتى أرغم ابن حفصون على التسليم مع سائر عصابته، وحملهم جميعاً إلى قرطبة. فعفا محمد عن الثائر وضمه إلى جيشه، لما آنسه من براعته وقوة مراسه. ولما سار المنذر إلى الثغر الأعلى سنة 270 هـ (883 م) لقتال محمد بن لب، كان ابن حفصون من ضباط جيشه. بيد أنه لم يكن راضيا كل الرضى عن منصبه، وكانت نفسه الوثابة تنزع دائما إلى الخروج والعمل الحر، فلم يلبث أن فر من جيش الأمير مع نفر من صحبه، ولم يلبث أن عاد إلى معاقله في ببشتر، واستأنف ثورته، ومن حوله جمع كبير من الخوارج والبغاة (884 م).
ولبث ابن حفصون مدى عامين يعيث في هذه المنطقة فساداً، ويبث من حوله الذعر والروع. وفي صيف سنة 273 هـ (886 م)، خرج المنذر إلى كورة ريه لقتال ابن حفصون، وبدأ الزحف على مدينة الحامّة في شمال شرقي مالقة، وفيها الثائر ابن حمدون حليف ابن حفصون، فسارع ابن حفصون إلى إنجاد حليفه، واجتمع الثائران بمدينة الحامة لمقاتلة جند الأمير، فحاصر المنذر الحامة مدى
_______
(1) ابن حيان عن عيسى بن أحمد الرازي. مخطوط القرويين لوحة 283 أوب.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 107.
(1/309)

شهرين، ولما أشرفت مؤن المدينة المحصورة على النفاد، خرج ابن حفصون وحليفه في جندهما، واشتبكا مع جند الأمير في معركة عنيفة، هزم فيها الثوار وجرح ابن حفصون، وارتد مع أصحابه ثانية إلى الحامة واستعصم بها. وبينما المنذر مقيم على حصار الحامة، إذ جاءته الأنباء من قرطبة بوفاة أبيه الأمير محمد.
وكانت وفاته في 29 صفر سنة 273 هـ (أوائل أغسطس سنة 886 م) فارتد لفوره إلى قرطبة، تاركاً الحامّة لمصيرها، وتنفس ابن حفصون الصعداء، وانتهز الفرصة السانحة للإغارة على معظم الحصون الواقعة في تلك المنطقة، ولم يمض سوى قليل حتى استطاع أن يبسط سلطانه على ريُّه ورندة وإستجّة وغيرها.
- 3 -
كان الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم من خيرة أمراء بني أمية وأوفرهم ذكاء وفطنة (1). وقال الرازي: " ولمحمد في سلطانه الآثار الجميلة، والآيات الجزيلة، والفتوح العظيمة، والعناية بمصالح المسلمين، والتهمم بثغورهم، والضبط لأطرافهم، والتوجيه لمصالحهم " (2)، وكان يرجو محمد أن يجري على سنن أبيه من الإصلاح والإنشاء، ولكن الحوادث سارت على غير ما يشتهي، وسرت الفتنة إلى سائر أنحاء الأندلس، واضطر أن ينفق حكمه الطويل في غزوات متعاقبة وكفاح مستمر. وكان عليه أن يصون عرش بني أمية، وأن يحمي سلطان الدولة الإسلامية في الأندلس من الانهيار. وكانت مهمة شاقة، ولكنه أبدى في الاضطلاع بها جلداً وبراعة، فكانت الصوائف لغزو أرض النصارى، والحملات التأديبية لقمع الثوار، تتوالى دون كلل، وذلك بالرغم مما كانت تنتهي إليه في معظم الأحيان من النتائج السلبية. وكان الأمير محمد يعشق الجهاد والكفاح، ويقود الجيش بنفسه كلما سنحت الفرص. وكان ولده المنذر ساعده الأيمن في تلك المهمة الخطيرة.
واهتم محمد بأمر الجيش والأسطول، وكان اهتمامه بتقوية الجيش ضرورة، أملتها الظروف العصيبة التي كانت تجوزها المملكة يومئذ. وتلقى الأرقام التي يقدمها إلينا ابن حيان نقلا عن معاوية بن هشام، عن عدد الفرسان الذين يحشدون في مختلف الكور والمدن لغزوات الصوائف، ضوءاً على مدى قوة الجيش الأندلسي
_______
(1) ابن الأثير ج 7 ص 141.
(2) مخطوط القرويين لوحة 222 أ.
(1/310)

يومئذ، وقد كانت هذه الأرقام، تفرض على النواحي، ويؤخذون بها غير منتقصين لها، إلا لعذر قاهر أو لجدب بين. ومن ذلك كورة إلبيرة (غرناطة) ألفان وتسعمائة، وجيان ألفان ومئتان، وقبرة ألف وثمانمائة، وباغة تسعمائة، وتاكرنا ميتان وتسعة وستون، والجزيرة مايتان وتسعون، وإستجة ألف ومايتان، وقرمونة مائة وخمسة وثمانون، وشذونة ستة آلاف وسبعمائة وتسعون، وريُّه ألفان وستمائة وسبعة، وشريش ثلاثمائة واثنان وأربعون، وفحص البلوط اربعمائة، ومورور ألف وأربعمائة وثلاثة، وتدمير مايتان ... أما قرطبة العاصمة فكانت تترك لاجتهادها وهمتها، ويحشد أبناؤها بطريق التطوع خلافاً لأهل النواحي الأخرى. وكانت هذه الفرق تسمى بفرق الفرسان المستنفرين ويجرى "استنفارهم" أوقات الصوائف، أو كلما بدرت من العدو حركة اعتداء على أهل الثغور.
فاذا ذكرنا أن هذه الأرقام تتعلق بنواحي الأندلس فقط، وإذا ذكرنا بعد ذلك حشود المشاة المستنفرة والمتطوعة، استطعنا أن نقدر ضخامة الجيوش التي كانت الدولة الأندلسية تستطيع تعبئتها يومئذ (1). وأما الأسطول فقد عمل محمد، على إنشائه، لحماية الشواطىء الغربية ولغزو مملكة جليقية من ناحية البحر. وفي سنة 866 م (252 هـ) سارت السفن الأندلسية بالفعل إلى شواطىء جليقية بقيادة أمير البحر عبد الحميد بن مغيث، ووصلت إلى مصب نهر منهو. ولكنه لم يوفق إلى تحقيق بغيته، إذ عصفت الرياح بالسفن فتفرقت وغرق معظمها في المياه الغربية (2).
وعنى محمد كذلك بتحصين أطراف الثغور، وأقام عدة من المحلات والقلاع الدفاعية، المنيعة فابتنى حصن شنت إشتيبن لحماية مدينة سالم، وابتنى حصن طلمنكة وحصن مجريط بمنطقة وادي الحجارة، للدفاع عن طليطلة، وكان شديد الإستخبار عن الثغور، والبحث في مصالحها.
وبالرغم مما كان يقتضيه الجهاد المتواصل من النفقات الضخمة، فقد كان الأمير محمد يبذل وسعه لتخفيف الضرائب عن كاهل شعبه، وقد رفع عن أهل قرطبة ضريبة " الحشود "، واكتفى بدعوتهم إلى التطوع والجهاد في سبيل الله،
_______
(1) مخطوط القرويين لوحة 254 ب. وراجع البيان المغرب ج 2 ص 111.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 106، و Aschbach: Geschichte der Omajaden in Spanien ; B.I.s. 203.
(1/311)

فأقبلوا على تعضيده وتأييده (1). وأما عن العشور فقد أبدى محمد تشدداً في اقتضائها وقد نصح له وزيره عبد الرحمن بن غانم صاحب المدينة، بأن يسقط العشور متى عدمت الغلات، لأن العشور إنما تفرض على الغلات إذا وهبها الله، فإذا لم يزرع بذر ولم يستغل زرع وجب إسقاطها، فلم يستمع إليه محمد في البداية وعزله، وعين مكانه حمدون بن بسيل، وكان فظاً ظلوماً، فاشتط في تحصيل العشور، حتى ضج الناس بالدعاء عليه، ووصل صريخهم إلى الأمير، وتوالت في نفس الوقت أعوام الجدب والقحط، فاضطر الأمير أن يسقط عن الناس جملا من العشور، حتى يتنفس مخنقهم، ويستطيعوا مواجهة أعباء الحياة، ومواصلة نشاطهم العمراني، وأعلن الناس عندئذ بشكره ومدحه الشعراء (2). وكان الأمير محمد بارعاً في الشئون المالية، دقيقاً في مراجعة الدخل والخرج، وقد ساعده ذلك على ضبط شئون الخزانة العامة (3). وفي عهده أصيبت الأندلس بالقحط مرتين، الأولى بين سنتي 251 و255 هـ، والثانية في سنة 260 هـ، وكان قحطاً شديداً استمر بضعة أعوام، وكثر بسببه الغلاء والموت. ولكن الأندلس استطاعت أن تصمد للمحنة، وأن تتغلب عليها.
وفي عهده سار بلاط قرطبة على سنن الاعتدال، ومجانبة البذخ الذي ساد في أيام أبيه عبد الرحمن، وضعف نفوذ الجواري والصقالبة في القصر، ومع ذلك فقد استمر النظام الإداري الذي كان قائماً في عهد عبد الرحمن بتفاصيله تحت إشراف الأمير وتولي زمام الأمور نفس الرجال الذين تولوها من قبل، واجتمعت السلطات في أيدي أسرتي بني شُهيد وبني أبي عَبْدة، أعظم الأسر القرطبية يومئذ، وتولى الحجابة لمحمد في البداية عيسى بن شهيد حاجب أبيه من قبل. وقد أشرنا من قبل إلى هذا الوزير النابه غير مرة. ثم خلفه في الحجابة عيسى بن الحسن ابن أبي عبدة، فكان من أرجح الوزراء عقلا وإصابة، وكان طوال خدمته هدفا لمنافسة هاشم بن عبد العزيز ودسائسه، وقد خلفه هاشم بالفعل في الحجابة، ولبث يضطلع بها أعواماً طويلة حتى وفاة الأمير محمد، وكان هاشم بن عبد العزيز ينتمي إلى أسرة من المولدين، وكان من أعظم رجالات الحرب والسياسة في
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 111 و112، وأخبار مجموعة ص 141 و142.
(2) ابن حيان - مخطوط القرويين لوحة 230 أو255.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 110.
(1/312)

عصره، وقد تولى القيادة الفعلية لكثير من الغزوات والحملات حسبما فصلنا، وكان من قبل من وزراء الأمير عبد الرحمن، فلما صار الأمر إلى ولده محمد، غدا من بين وزرائه أكثرهم حظوة لديه، وغدا من خاصة جلسائه وندمائه، وكان هاشم فوق ذلك أديباً متمكناً وكاتباً بليغاً، وشاعراً مطبوعاً، يقرب الأدباء والشعراء، بيد أنه كان حاد الطبع قليل التحفظ، لا يحسن اصطناع الرجال، حتى أنه لما نكب في غزوة الجليقي وحمل أسيراً إلى ملك ليون (سنة 262هـ) لم يجد كثيراً من المدافعين عنه في محنته، وسخط عليه الأمير محمد، وأنحى عليه باللوم، وكان يقول " هذا أمر جناه علينا فألحق بنا غضاضة، واستزاد برأيه فضيع وصاتنا، ولم يحكم تدبير ما صيرنا في يده من أمرنا ". ولم يدافع عن هاشم، ويستدر عطف الأمير عليه سوى صديقه الوليد بن غانم صاحب المدينة أعني حاكم قرطبة، وقد أقنع الأمير بأن يولي وزيره المنكوب عطفه، وأن يستخدم ولده مكانه، حتى يتم إطلاق سراحه. وقد لبث هاشم بن عبد العزيز أسيراً في أوبييدو عاصمة ليون زهاء عامين، حتى تم افتداؤه وإطلاق سراحه لقاء فدية ضخمة حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل (1).
وكان من وزراء الأمير محمد، أمية بن عيسى بن شهيد، وكان من أجل وزرائه وآثرهم لديه، وأخصهم بخدمته، والوليد بن غانم المتقدم الذكر، وكانا يتعاقبان في منصب ولاية المدينة، وهو من أهم مناصب الدولة يومئذ، لما يتطلبه من الحزم وقوة الشكيمة، والنزاهة في نفس الوقت. ومنهم تمام بن عامر الثقفي الشاعر الأديب، وكان مؤرخاً راوية كتب أرجوزة طويلة في فتح الأندلس، وقد اشتهر ببراعته في لعبة الشطرنج، وكانت من أسباب حظوته لدى الأمير، وتمكن منزلته لديه، وقد ذاعت في أيامه ذيوعاً عظيماً. ومنهم كذلك سليمان ابن وانسوس، وهو من أشرف البيوتات البربرية، وكان جده رئيساً مطاعاً بماردة، وقد ثار فيها أيام الحكم بن هشام، وكان أديباً وافر الوجاهة، وقد تولى خطة السوق وهو اسم ولاية الحسبة يومئذ. وكان من الوزراء الكتاب عبد الملك بن عبد الله بن أمية، وكان كاتباً بليغاً (2).
_______
(1) ابن حيان في مخطوط القرويين لوحة 228 أوب و230 أو235 ب.
(2) مخطوط القرويين لوحة 230 ب و232 أو233 ب و235 أ.
(1/313)

وكانت تربط الأمير محمد بأمراء المغرب المعاصرين ولا سيما بنو رستم أمراء تاهرت، وبنو مدرار أمراء سجلماسة وغيرهما، علائق مودة وصداقة متينة العرى. فكانوا يستمدون منه العون والنصح في شئونهم، وكان هو من جانبه شديد الاهتمام بأخبارهم وأحوالهم، وتتردد إليهم رسله وكتبه في البحث عن أخبار بنى العباس بدار مملكتهم، وأخبار ولاتهم وعمالهم بالشام وإفريقية. وكان شارل الأصلع ملك فرنسا (إفرنجة) يقدر خلاله ويتودد إليه، وربما تبادلا المراسلة والهدايا (1)؛ والظاهر أن ملك فرنسا كان يؤثر سياسة السلم مع حكومة قرطبة خشية أن يتكرر غزو المسلمين لسبتمانيا. وكانت تربطه في الوقت نفسه علائق مودة ببني قسي سادة الثغر الأعلى، الذين ظهروا بمغامراتهم فيما وراء جبال البرنيه.
وعلى الرغم من أن وقت الأمير محمد لم يتسع كثيراً للأعمال الإنشائية، لما زخر به من الفتن والغزوات المتوالية، فقد قام منها بطائفة حسنة. وكان في مقدمتها منشآته بالمسجد الجامع، فقد عنى أولا بإتمام الزيادة التي بدأها أبوه عبد الرحمن في وسطه وأقام فيها المقصورة، وكان أول من اتخذها هنالك من الخلفاء، وأصلح جناحه القديم الذي أنشأه عبد الرحمن الداخل، وجدده وأعاده إلى رونقه القديم. ولما تمت هذه الزيادات والإصلاحات ركب الأمير إلى الجامع وزاره في موكب فخم، وأشادت بعمله الشعراء. وأصلح محمد جامع إستجّة وجامع شذونة، ومساجد عديدة أخرى في مختلف الأنحاء، وأنشأ زيادات كثيرة بالقصر وملحقاته امتازت بالجمال والإناقة. وعنى بتجديد منية الرُّصافة التي أنشأها جده الأعلى عبد الرحمن الداخل، وجدد حدائقها ومتنزهاتها، وزودها بالأشجار والغراس النادرة، وجعلها منتدى نزهه وأسماره. وفي ذلك يقول عباس بن فرناس من قصيدة:
كان قصور الأرض بعد تمامه ... بنواً لذري أخفى شخوصاً من الدر
وتنتشر الأبصار منها إلى مدى التنزه بالأطيار والوحش والزهر
فأعجب من أفنانها الغرر التي ... يقيل بهن البرد في وعوة الحر
هم بأخفى سرها غير كاتم صداها فأخفى السر بها من الجهر
كأن الذي يخفي الحديث بنجوها ... على أخفض الأصوات يشدو على وتر
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 111. ويسمى ملك فرنسا هنا خطأ بفردلند.
(1/314)

وأنشأ محمد له كذلك منية خاصة في مكان ضيعته المسماة " كنتش " الواقعة جنوب غربي قرطبة، عرفت " بمنية كنتش " وعنى بتجميلها، وجعلها كذلك موطنا لنزهه ومسراته. وهي التي يقول فيها ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد:
ألما على قصر الخليفة فانظرا ... إلى منية شيدت لأزهرا
هي الزهرة البيضاء في الأرض ألبست لها الزهرة الحمراء في الجو مغفرا (1) وكان الأمير محمد ربع القوام، أبيض مشرباً بحمرة، أوقص (2)، يخضب بالحناء. وكان كثير الأناة والحلم، عطوفاً في أخوته وآل بيته، وقد عنى منذ ولايته بشئون الأكابر من أخوته، فأعدّ لهم الدور الفخمة خارج القصر، ووهبهم الضياع المغلة، وأجرى عليهم الأرزاق الواسعة، واستعمل من يصلح منهم للأعمال البعيدة. وكان فوق رجاحة عقله، أديباً، يشغف بالبيان، بليغاً في كتبه، محسناً في توقيعه. بيد أنه لم يكن شاعراً مثل أبيه وجده. وكان مكرماً لأعلام الناس، وذوي العلم والحجى منهم، يرفع مجالسهم، ويكثر من رعايتهم، ويستشعر مع ذلك الحذر من منافستهم وتحاسدهم، ويأبى الإصغاء لسعاياتهم.
وكان يجمع حوله صفوة من الشعراء والعلماء (3) مثل عباس بن فرناس، ومؤمن ابن سعيد، وابن عبد ربه، وهم من أقطاب الشعر في عصره، ومن العلماء عبد الله ابن حبيب أعظم علماء الأندلس في عصره، وقد توفي في صدر ولايته، وبقىّ بن مخلد وعيسى بن دينار، ومحمد بن عمر بن لبابة، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وغيرهم. وقد اشتهر في عصره بالأخص الفقيه الورع العلامة بقيّ بن مخلد، وكان فقيهاً حر الذهن، واسع الأفق، نشأ في قرطبة، ورحل إلى إفريقية والمشرق، ودرس دراسة مستفيضة. ولما عاد إلى الأندلس، حقد عليه فريق من فقهائها، لغزارة علمه، وتفوقه عليهم، ولاسيما في أساليب الحديث والرواية، وحاولوا اتهامه بالزندقة، والإيقاع به لدى الأمير، فاستجار بقى بالحاجب هاشم بن عبد العزيز، وكتب إلى الأمير يناشده الله في دمه، ليرى رأيه فيه بعد سماع حجته، فأسعفه هاشم وشرح للأمير قضيته، وعقد له الأمير مجلساً لمناجزته خصومه فتناظروا بين يديه، ودحض بقىّ تهم خصومه بقوة، وألزمهم الحجة، واستبان
_______
(1) مخطوط القرويين في اللوحات 243 - 247. وراجع أيضا البيان المغرب ج 2 ص 100.
(2) أعني قصير العنق.
(3) أخبار مجموعة ص 145.
(1/315)

الأمير فضله وتفوقه، وأسبغ عليه حمايته ورعايته، وأعلى منزلته. ولبث بقى عمدة العلماء والفقهاء والمحدثين بالأندلس حتى توفي في سنة 276 هـ، في عهد الأمير عبد الله بن محمد (1).
وكان للفقهاء في عصر الأمير محمد نفوذ كبير في بلاط قرطبة، وفي صوغ سياستها نحو النصارى. وكان محمد ينحو نحو أبيه عبد الرحمن في سياسة التسامح نحو النصارى، وكان من أثر ذلك أن أقر الأسقف جومث قومس أهل الذمة على ولايته كما كان في عهد أبيه، وذلك بالرغم من اعتراض الفقهاء وسخطهم؛ وبالرغم مما كان ينقل إليه من نعى المشارقة على بني أمية استخدام النصارى في بلاطهم وتوليتهم أسمى المناصب (2).
وترك محمد من الولد ثلاثة وثلاثين من البنين وإحدى وعشرين من البنات (3).
_______
(1) مخطوط القرويين اللوحة 243 ب، و253 ب. وراجع ترجمة بقي بن مخلد في ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة بالأندلس، رقم 283؛ وكذلك البيان المغرب ج 2 ص 112 و113.
(2) أشار ابن القوطية إلى ذلك في رواية أوردها عن حديث جرى بين القائد ابن أبي عبدة وبين محمد بن الكوثر أحد كتاب الأندلس، وصف فيه ابن الكوثر " أنه من عجائب الزمان أن يكون صاحب قلم بني أمية الأعلى وكاتبها العظيم قومس نصراني ". وكتب إليه " أن من أعجب العجب أن يبلغ خلايف بني العباس بالمشرق أن بني أمية اضطروا في كتابتهم العظمى وقلمهم الأعلى أن يولوا قومساً النصراني ابن انتنيان ابن يليانه النصرانية " (واسمه بالإسبانية جومث بن أنتونيو ابن خوليان) - راجع افتتاح الأندلس ص 82 و83.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 96.
(1/316)

الفصل الثاني
ولاية المنذر بن محمد بن عبد الرحمن وبداية ثورة المولدين
ولاية المنذر. تأهبه لقمع الفتنة. الحاجب هاشم بن عبد العزيز. طغيانه وتوجس المنذر منه. سجنه ومصرعه. حملة إلى طليطلة والثغر الأعلى. اشتداد أمر بن حفصون وأطماعه. قضية المولدين وأثرها في ازدياد سلطانه. خروج المنذر لمحاربته. استيلاؤه على أرشدونة وباغة. محاصرته لابن حفصون في ببشتر. إذعان الثائر ثم نكثه. عود المنذر لمحاصرته. مرض المنذر ووفاته. رواية عن اغتيال المنذر. رفع الحصار عن ببشتر. صفات المنذر وخلاله.
وصل المنذر بن محمد بجيشه إلى قرطبة لأيام قلائل من وفاة أبيه، عائداً من مقاتلة ابن حفصون. وفي الحال أعلنت بيعته في الثامن من ربيع الأول سنة 273 هـ (أغسطس سنة 886 م). وكان في الرابعة والأربعين من عمره. وكان مولده في قرطبة سنة 229 هـ (844 م)، وكان منذ فتوته أثيراً عند أبيه بين أبنائه الثلاثة والثلاثين، مستأثراً بثقته وولايته عهده. يختاره لجلائل الأمور، ويندبه لقيادة الجيش كلما جد الخطب. وقد أبلى المنذر حسبما رأينا بلاء حسناً، في مقاتلة الثوار والخوارج؛ وحينما تولى العرش، كانت الفتنة قد تفاقمت، وعمت الثورة معظم الأنحاء؛ وكان المنذر رجل الموقف فتأهب لإتمام المهمة التي بدأها، من العمل على سحق الثورة، وتأييد النظام والأمن، وحماية العرش والدولة، من كيد الخوارج والطامعين.
وعهد المنذر بحجابته إلى القائد هاشم بن عبد العزيز حاجب أبيه وقائده، وكان هذا الوزير القوى، في أواخر عهد الأمير محمد، قد استأثر بالسلطة، وأصبح أقوى رجل في الدولة. وكان المنذر يخشاه ويتوجس من نفوذه وسلطانه؛ وكان خصوم هاشم يكثرون من السعاية في حقه وإحفاظ المنذر عليه، وتحذيره من أطماعه. فلما توفي الأمير محمد، رأى المنذر أن يستمر هاشم في حجابته براً منه بذكرى أبيه، وأملا في تحسن الأمور؛ ولكن الظاهر أن الحاجب استمر في طغيانه، ولم يكترث للقوى المتألبة عليه، وأذكت مساعي خصومه في نفس المنذر
(1/317)

توجسه القديم منه، وسخطه عليه، فلم يمض سوى قليل حتى اعتزم المنذر أمره، وأمر بالقبض على هاشم وأولاده وصحبه، ثم دس عليه في سجنه من قتله، وهدم داره، واستصفى أمواله، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة 273 هـ، أعني لشهرين فقط من ولايته. وكانت ضربة جريئة تنبىء عن قسوته وصرامته.
واستمر أولاد الحاجب القتيل في السجن، حتى أطلقوا بعد وفاة المنذر أيام أخيه الأمير عبد الله، وردت إليهم أموالهم (1). وفي تلك المحنة يقول هاشم بن عبد العزيز من شعر نظمه في سجنه:
سأرضى بحكم الله فيما ينوبني ... وما من قضاء الله للمرء مهرب
فمن يك أمسى شامتاً بي فإنه ... سينهل في كأسي وشيكاً ويشرب
وندب المنذر لحجابته مكان الحاجب المقتول، عبد الرحمن بن أمية بن شهيد وقد لبث بنو شهيد حسبما رأينا عصراً يستأثرون بمناصب الحجابة والكتابة.
وسير المنذر بعد ذلك بقليل حملة إلى طليطلة. وكانت قد عادت إلى الثورة، واجتمع إلى أهلها كثير من البربر المنفيين من مدينة ترجيله أو ترجاله (2)، الواقعة جنوبي غربي طلبيرة، فهزم الثوار وقتل منهم ألوف (3). وفي نفس هذا العام أيضاً، غزا محمد بن لب زعيم الثغر الأعلى السابق، ألبة والقلاع، وقاتل النصارى وهزمهم، وكان قد نزل عن سرقسطة حسبما تقدم وعاد إلى سابق ولائه (4).
على أن أعظم ما كان يشغل المنذر، هو القضاء على ابن حفصون عماد الثورة ومثير ضرامها في الجنوب. وكان ابن حفصون مذ بلغته وفاة الأمير محمد ورحل عنه المنذر، قد اشتد بأسه وقويت نفسه، وأخذ يعمل لإخضاع القواعد والحصون الجنوبية كلها، فبسط سلطانه على كورة ريه بأسرها، وامتد سلطانه إلى أرشدونة ومالقة وجيان وإستجة وغيرها. واجتمع إليه المغامرون والخوارج من سائر أقطار الأندلس، وأخذ يطمح إلى الاستيلاء على الأندلس كلها، وأظهر الدعوة لبني العباس، وكاتب ابن الأغلب أمير إفريقية (تونس) في ذلك، ولكن ابن الأغلب
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 118 و119.
(2) وهي بالإسبانية Trujillo.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 119.
(4) البيان المغرب ج 2 ص 118.
(1/318)

لم يستجب إلى دعوته (1). ولم يكن ابن حفصون ثائراً عادياً يعتمد فقط على أساليب العنف، ولكنه كان صاحب دعوة سياسية يدعو الكافة إلى اعتناقها. وقد كان ابن حفصون حسبما قدمنا مولّداً، يمثل في ثورته، كل ما يجيش به المولدون نحو العرب الفاتحين ونحو حكومة قرطبة من الحفيظة والبغض. وقد أشرنا من قبل في حديثنا عن عناصر الأمة الأندلسية، إلى أولئك المولدين - وهم الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح - وبينا كيف كانوا يؤلفون عنصراً من أهم عناصرها، من حيث الكثرة والمستوى الإجتماعي، وقد كانوا بالرغم من اندماجهم في المجتمع الإسلامي يحتفظون دائماً، بنزعة إستقلالية واضحة، ويبغضون العرب والبربر معاً، وقد ظهرت هذه النزعة الاستقلالية بالأخص في الثغر الأعلى، حيث لبث بنو موسى، وبنو عمروس، وبنو الطويل، وهم جميعاً من الأسر المولدة القوية، عصراً يتحدون السلطة المركزية ويقاومونها. وكانت ثورة ابن حفصون زعيم المولدين في الجنوب، هي المرحلة الثانية لتلك النزعة الثورية التي رفع المولدون لواءها ضد حكومة قرطبة. وهكذا كان ابن حفصون يدعو المولدين ومن إليهم من عشاق الخروج والفوضى، إلى تأييد قضية الإستقلال والحرية، ويذكرهم بما ينالهم من عسف السلطان، وانتزاعه لأموالهم، وتكليفهم فوق طاقتهم، وكيف أذلتهم العرب واستعبدتهم، وقضت على حرياتهم واستقلالهم؛ وأنه إنما ينهض ليأخذ بثأرهم، ويرفع عنهم نير الطغيان والعبودية. وناهيك بما كانت تبثه هذه الدعوة المثيرة، في نفوس سكان هذه المناطق الجبلبة من الحماسة والتعلق بقضية الحرية، وهي لا تعني في نظرهم سوى التفاني في مقاتلة حكومة قرطبة. وهكذا كانت الجموع الغفيرة تحتشد حول ابن حفصون ودعوته، ويشتد نفوذه ويمتد سلطانه بسرعة؛ وبالرغم من أن حكومته كانت تقوم على الخروج والثورة، وكان معظم صحبه من أهل البغي والشر، فقد كان الأمن يسود المناطق التي يسيطر عليها؛ وكان صارماً في أحكامه وعقوباته، شديداً على كل مخالف ومستهتر، وكان فوق ذلك كله متودداً لأصحابه، متواضعاً يكرم الشجعان ويثيبهم، فكانت هذه العوامل كلها مما يقوي نفوذه ويوطد سلطانه (2).
_______
(1) ابن حيان في المقتبس (القسم المطبوع) ص 93.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 117 و118.
(1/319)

وبلغ ابن حفصون في زحفه إلى المنطقة الوسطى أحواز جيان، وما يليها من الغرب، واستولى على باغة " بريجو " (1) وأسر حاكمها، واستولى على قبرة، الواقعتين في جنوبي غربي جيان، وعلى حصن أشرس الواقع في شمال كورة ريه.
وسير المنذر بعض قواته إلى تلك الأنحاء، فاستردت حصن أشرس وبعض القرى المجاور لقبرة. وفي ربيع العام التالي (274 هـ - 887 م) خرج المنذر بنفسه في قواته معتزماً أن يسحق الثائر، وأن يقضي على الثورة في الجنوب، وزحف تواً على كورة ريه، وحاصر أرشدونة الواقعة في جنوب غربي لوشة حتى سلمت، وقبض على عيشون حاكمها من قبل الثائر وعلى صحبه؛ وافتتح حصون جبل باغة (بريجو) وأسر بها بني مطروح حلفاء الثائر، وهم حرب وعون وطالوت، وبعث بهم جميعاً إلى قرطبة حيث قتلوا صلباً، وصلب مع عيشون خنزير وكلب، إمعاناً في التمثيل به. وكان ابن حفصون أثناء ذلك ممتنعاً بقلاعه في ببشتر، فطوقه المنذر بقواته وشدد في حصاره، وقطع كل علائقه مع الخارج. فلما ضاق الثائر ذرعاً بالحصار وشعر بنفاد أقواته، لجأ إلى الخديعة وعرض التسليم والخضوع، وطلب الصلح والأمان، على أن يسير بأهله وولده إلى قرطبة، فأجابه الأمير إلى طلبه، وعقد له الأمان، وأمده بالثياب والدواب والمؤن؛ وطلب الثائر من الأمير مائة بغل لتحمل أهله ومتاعه فزوده بها، وبعث بها ابن حفصون إلى قلاعه، ورفع المنذر الحصار عن ببشتر، وقفل راجعاً بجيشه إلى قرطبة. ولكن ابن حفصون فر من الجيش تحت جنح الظلام، وعاد إلى ببشتر وامتنع بها، بعد أن قويت نفسه بما حصل من الأمداد. فاستشاط المنذر حنقاً لتلك الخيانة المثيرة، وارتد راجعاً بجنده إلى ببشتر، وضرب حولها الحصار مرة أخرى، معتزماً ألا يبرحها حتى يقبض على الثائر حياً أو ميتاً، واستمر الحصار ثلاثة وأربعين يوماً. ومرض المنذر أثناء ذلك، واستقدم أخاه عبد الله من قرطبة لينوب عنه في متابعة الحصار، ولم يأت منتصف صفر سنة 275 هـ (يونيه 888 م) حتى قضى المنذر نحبه في أسوار ببشتر، بعد حكم لم يطل سوى عامين، وفي بعض الروايات أن المنذر توفي قتيلا بتدبير أخيه عبد الله، وأن عبد الله رغبة منه في التخلص من أخيه واعتلاء العرش مكانه، حرض طبيبه (حجامه) على قتله، ففصده الطبيب بمبضع مسموم
_______
(1) وهي بالإسبانية Priego.
(1/320)

أثناء حصاره لببشتر، فتوفي من أثر السم. ويؤيد هذه الرواية من مؤرخي الأندلس، ابن القوطية وابن حزم، ويرى ابن حزم بنوع خاص أنها رواية معقولة يؤيدها خلق عبد الله وسياسته الدموية. ذلك أنه قتل فيما بعد اثنين من أبنائه، وهما محمد والد الناصر والمطرِّف، ثم قتل أخوين له وهما هشام والقاسم، فليس غريباً أن يكون هو مدبر جريمة يرتفع بها إلى العرش (1).
وعلى أثر وفاة المنذر، رفع الحصار عن بُبَشتر للمرة الثانية، وقفل الجيش راجعاً إلى قرطبة، وأنقذ ابن حفصون من خطر محقق، وعاد ينظم شئونه، ويوطد سلطانه في الأنحاء الجنوبية.
وكان المنذر أميراً وافر العزم والحزم، ذا شجاعة وبأس، وكان خلال الفتنة التي ثار ضرامها في أيام أبيه، معقد آمال الحكومة والجيش، وكان زعماء الفتنة يهابونه ويخشون جانبه، لما عرف من حدته وصرامته، وكان موته تحت أسوار ببشتر ضربة مؤلمة لحكومة قرطبة. ولو امتد به الأجل قليلا لاستطاع أن يقضي على ابن حفصون وأضرابه من زعماء الفتنة، ولأمنت الأندلس شر تفاقمها بعد ذلك. وكان المنذر فوق ذلك يعشق مجالس الشعر والأدب، ينشده الشعراء قصائدهم ويجزل لهم العطاء. وكان من شعراء دولته ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد والعكى وغيرهما (2).
وكان المنذر أسمر طويلا، جعد الشعر، كث اللحية، بوجهه أثر جدري (3)،
_______
(1) ابن القوطية في افتتاح الأندلس ص 102، وابن حزم نقلا عن ابن حيان في رسالة " نقط العروس " ص 78 و79. وينقل صاحب البيان المغرب أقوال ابن حزم ج 2 ص 106 و161.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 123؛ وابن الأثير ج 3 ص 140، وابن الأبار في الحلة السيراء ص 90.
(3) ابن الأثير ج 7 ص 145؛ والبيان المغرب ج 2 ص 116.
(1/321)

الفصل الثالث
ولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن
1 - ثورة المولدين والعرب
عبد الله يلي العرش في ظروف صعبة. استفحال الثورة وامتدادها إلى زعماء العرب والبربر. ابن حفصون يحاول التفاهم مع الأمير. نكثه ومسير عبد الله إلى قتاله. الثورة في جيان. عيث ابن حفصون واشتداد غاراته. مسير عبد الله إلى قتاله. موقعة بلاي. هزيمة ابن حفصون وفراره. أهمية موقعة بلاي وأثرها الحاسم. أقوال الشعر فيها. ثورة القبائل العربية بعد المولدين. الثورة في كورة ريه واستفحالها. سوار بن حمدون القيسي. استيلاؤه على إلبيرة وغرناطة. مصرعه. قيام سعيد بن جودى مكانه. الحرب بين العرب والمولدين. تفاهم سعيد مع الأمير. مصرعه وشاعريته. محمد بن أضحى. تفاقم الثورة بين القبائل العربية. الثورة في جيان وتدمير. امتداد الفتنة إلى إشبيلية. بنو عبدة وبنو حجاج وبنو خلدون. رياسة بني عبدة. ثورة كريب بن خلدون وعيثه في أحواز إشبيلية. ثورة بني حجاج. مصرع أمية والى إشبيلية. الإضطراب والفوضى. مسير المطرف بن عبد الله إلى إشبيلية وهزيمته للثوار. حكم إبراهيم بن حجاج وكريب بن خلدون المدينة. مصرع كريب وانفراد إبراهيم بالحكم. خروجه على الأمير وعوده إلى الطاعة. دولة بني حجاج في إشبيلية وقرمونة. وفاة إبراهيم وخلاله.
خلف المنذر على العرش، أخوه عبد الله بن محمد، وبويع في نفس اليوم الذي توفي فيه أخوه، في محلة الجيش تحت أسوار بُبشتر، في منتصف صفر سنة 275 هـ (يونيه 888 م). وكان مولده بقرطبة في نفس العام الذي ولد فيه أخوه المنذر، أعني في سنة 229 هـ (844) وأمه أم ولد تدعى بهار، وكان حينما تولى الملك في السادسة والأربعين من عمره.
وعلى أثر البيعة ارتد عبد الله مع جيشه عائداً إلى قرطبة، ومعه جثمان أخيه المنذر، فدفن بمقبرة القصر، واستتم عبد الله البيعة دون أن يعارضه أحد من أخوته العديدين.
وبدأ عبد الله حكمه الطويل المضني في ظروف قاتمة، والخلاف يمزق أوصال المملكة، وعرش بني أمية يهتز تحت ضربات الخوارج والمتغلبين. ويصف لنا ابن الأثير عهد الأمير عبد الله في هذه العبارة الجامعة: " وفي أيامه امتلأت الأندلس
(1/322)

بالفتن، وصار في كل جهة متغلب، ولم تزل كذلك طول ولايته " (1).
والحقيقة أن الثورة كانت قد استفحلت، واندلع لهيبها في كل ناحية، ولم تبق قاصرة على المناطق الجبلية، بل تجاوزتها إلى القواعد والمدن الكبيرة، مثل إشبيلية وبطليوس وجيان ولورقة ومرسية وغيرها؛ ولم تبق كذلك قاصرة على زعماء المولدين الذين تحدوهم نحو حكومة قرطبة عاطفة بغض طبيعي، ولكنها امتدت الى زعماء القبائل العربية أنفسهم، إذ رأوا الفرصة سانحة لاستقلالهم، وتدعيم سلطانهم؛ وظهر البربر في الوقت نفسه في الميدان، فاستعصم كثير من زعمائهم بالحصون النائية، ونشبت المعارك العنصرية القديمة بين العرب والمولدين حيثما التقت حشودهم، كما حدث في كورة ريُّه وإشبيلية؛ ونشبت مثل هذه الخصومات بين العرب والبربر، وفيما بين العرب أنفسهم، واستقل زعماء العرب بإلبيرة وجيان ومنتيشة ولورقة ومدينة سالم، واستقل زعماء المولدين بالثغر الأعلى وبطليوس وباجة وجيان ومرسية، وغدت إشبيلية مسرحاً للتنافس الدموي بين العرب والبربر، وبسط ابن حفصون سلطانه على معظم الأنحاء الجنوبية الغربية فيما بين البحر ووادي شَنيل؛ وهكذ عمت الثورة معظم جنبات الأندلس، ولم يبق لحكومة قرطبة سلطان حقيقي إلا في منطقة العاصمة وأحوازها.
- 1 -
كان عبد الله يواجه هذه الخطوب كلها. وكان يرى إخماد الفتنة مسألة حياة أو موت بالنسبة لسلطان العرش، وكانت هذه مهمته الشاقة التي كرس لها كل جهوده. وكان يرى أن الثورة في الجنوب هي أخطر ما يواجه العرش، وأن ابن حفصون قد غدا قوة يخشى بأسها، وأنه يجب أن تكرس الجهود لتحطيم ثورته وسحق قواه. وكان ابن حفصون يشعر من جانبه، بأنه يواجه قوة العرش كلها، ومن ثم فقد حاول عقب ارتقاء الأمير عبد الله أن يحصل على هدنة يستطيع خلالها أن ينظم شئونه ويوطد سلطانه؛ فبعث إلى قرطبة ابنه حفصاً مع جماعة من أصحابه ليعقدوا السلم باسمه مع عبد الله، على أن يستقر في منطقة ببشتر في طاعة الأمير، فاستجاب عبد الله إلى طلبه، ورد ابنه وصحبه رداً جميلا وأجزل لهم الصلات، وبعث معهم عبد الوهاب بن عبد الرؤوف والياً من قبله على كورة ريُّه ليكون مع
_______
(1) ابن الأثير ج 7 ص 145.
(1/323)

ابن حفصون شريكاً في حكمها، ولكن لم تمض بضعة أشهر، حتى نكث ابن حفصون العهد وطرد عامل الأمير، وأغار على البلاد المجاورة، واستولى على أرشدونة، وعاث فساداً في تلك المنطقة، فسار إليه الأمير عبد الله في سنة 276 هـ (889 م) واجتاح منطقة ببشتر وخربها، ولكنه لم ينل من الثائر مأرباً؛ ولما ارتد إلى قرطبة خرج ابن حفصون في أثره، وتوغل حتى إستجة واستولى عليها، فبعث إليه عبد الله الجند فردته عنها.
ولبثت الثورة على اضطرامها في الجنوب. وخرج خير بن شاكر في جيّان، وطرد منها عامل الأمير واستولى عليها، فسارت إليه جند الأندلس بقيادة أحمد ابن محمد بن أبي عبدة، وحاصرته وقتلت كثيراً من أصحابه، وخربت معظم دور جيان، ثم عادت دون إخضاعه. وهنا بعث ابن حفصون جماعة من أصحابه إلى جيان بحجة معاونة ابن شاكر، ولكنهم فتكوا به وحملوا رأسه إلى ابن حفصون، فبعث بها إلى الأمير عبد الله سعياً إلى مصانعته ومطاولته (1). ولكن الأمير لم يخدع بسعيه. وسار ابن حفصون إلى جيان فعاث فيها وانتهب أموالها، وأذل أهلها، وساد الذعر والفوضى في تلك الأنحاء.
ودفع ابن حفصون غاراته شمالا حتى أحواز قرطبة، وبلغ من جرأته أن حاول إحراق مخيم الأمير في ضاحية شَقُندة على مقربة من العاصمة. فعندئذ عول الأمير عبد الله على أن يخرج لقتاله مرة أخرى، فحشد ما استطاع من قواته، واتجه نحو الجنوب إلى ناحية قبرة Cabra حيث حشد الثائر قواته في معقل بلاي أو " بَلِيّ " (بولي) (2)، وكان حصن بلاي من أمنع حصون قبرة الواقعة على مقربة من جنوب شرقي قرطبة. وقد افتن ابن حفصون في تقويته وتحصينه، وجعله مركزاً للسيطرة على كورة قبرة كلها، والإغارة على المدن والحصون القريبة من قرطبة، وتهديد أطراف العاصمة ذاتها. وكانت قوات الثوار تبلغ زهاء ثلاثين ألفاً، ولا تعدو قوات الأندلس ثمانية عشر ألفاً، بل أربعة عشر ألفاً على قول
_______
(1) ابن حيان في المقتبس ص 92 و93.
(2) هي بالإسبانية Poley أو Polei، وما يزال موقعها قائما معروفاً إلى اليوم تحتله قرية أجيلار Aguilar الحديثة الواقعة جنوبي قرطبة.
(1/324)

ابن حيان (1). ووقع اللقاء بين الفريقين على ضفاف نهير الفوشكة أحد فروع نهر الوادي الكبير (2) على قيد مسافة قصيرة من بلاي، في الثاني من صفر سنة 278 هـ (16 مايو سنة 891 م). وقاد جند الأندلس القائد عبيد الله بن محمد ابن أبي عبدة. وتولى ابن حفصون قيادة جنده بنفسه. ونجح فرسان الأندلس في هزيمة الجناح الأيمن للثوار وتمزيقه، فدب الذعر إلى باقي القوات الثائرة، وركنت إلى الفرار، وهرعت الخيل في آثارهم فقتلت كثيراً منهم، وفر ابن حفصون في بعض قواته إلى حصن بلاي معولا على الامتناع به، ولكن هجره معظم جنده، مؤثرين الفرار على حصار غير مأمون العاقبة؛ فلما رأى ابن حفصون عبث المقاومة ارتد في نفر من صحبه إلى شعب الجبال الجنوبية، بعد أن فقد معظم قواته، وقتل من الثوار أثناء الموقعة وخلال المطاردة ألوف عدة، واحتل عبد الله حصن بلاي وقتل من جنده زهاء ألف، واستولت جند الأمير على محتوياته. وكانت موقعة بلاي موقعة فاصلة في معنى من المعاني، وفيها أصيب ابن حفصون بضربة أليمة لم يصب بمثلها من قبل. ولم ير الأمير مطاردة الثائر جنوباً، ولكنه آثر أن يزحف غرباً إلى إستجة التي كانت تدين بطاعته، فحاصرها أياماً حتى سلمت والتمس أهلها العفو والأمان (3).
وسار الأمير بعد ذلك في أثر ابن حفصون إلى ببشتر قاعدته الرئيسية، وكان الثائر قد التجأ إليها عقب الهزيمة، واجتمع إليه كثير من أنصاره من أهل الجزيرة.
وعاث الأمير في تلك المنطقة، ولم يخرج ابن حفصون إلى لقائه، ولكنه حينما ارتد جيش الأندلس أدراجه، حاول مطاردته، واشتبك مع مؤخرته في معركة هزم فيها ورد على أعقابه (ربيع الأول سنة 278 هـ). وعلى أثر هذه الغزوة الموفقة،
_______
(1) ابن حيان في المقتبس ص 104. ويقول ابن عبد ربه وهو معاصر للمعركة، وربما شهدها بنفسه مع الأمير، إن قوات الأندلس كانت ثمانية عشر ألف منهم أربعة عشر ألفاً من أهل قرطبة وأربعة آلاف من حشم الأمير ومواليه (راجع العقد الفريد، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ج 4 ص 498).
(2) ويسمى بالإسبانية Las Carchenas ( لاس كارشيناس).
(3) يورد لنا ابن حيان رواية ضافية وتفاصيل كثيرة عن موقعة بلاي (المقتبس ص 94 - 105). وراجع البيان المغرب ج 2 ص 126 و127، وابن خلدون ج 4 ص 135. ويضع دوزي تاريخ الموقعة في 15 إبريل سنة 891 م. ولكن إبريل يوافق شهر المحرم سنة 278 هـ. وقد حدثت الموقعة في بداية صفر. راجع: Dozy: Hist ; V.II.p. 68-73.
(1/325)

اختار الأمير عبد الله قائده البطل عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة للوزارة، إثابة له وتكريماً، وعرفاناً لما أسداه إلى العرش وإلى الدولة ببراعته وبطولته (1).
وقد أشاد الشعراء بذكر موقعة بلاي وإستجة، وما أحرزه الأمير فيها من النصر الباهر، فمن ذلك قصيدة طويلة لابن عبد ربه يقول فيها:
نجا مستكناً تحت جنح من الدجى ... وليس يودي شكرنا أنعم الجنح
يودون أن الصبح ليل عليهم ... ونحن نود الليل لو أنه صبح
أقادح نار كان طعم وقودها ... بعينك فانظر ما أضاء لك القدح
محا السيف ما زخرفت أول وهلة