Advertisement

دولة الإسلام في الأندلس 002



الكتاب: دولة الإسلام في الأندلس
المؤلف: محمد عبد الله عنان المؤرخ المصري (المتوفى: 1406هـ)
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة
الطبعة:
جـ 1، 2، 5/ الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
جـ3، 4/ الثانية، 1411 هـ - 1990 م
عدد المجلدات: 5 مجلدات
أعده للشاملة/ مهاجي جمال
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] المنصور أن يعتمد على البربر بالأخص، لما كانوا يتصفون به من البداوة والشجاعة، فاستقدمهم من العدوة، ورغبهم بوفرة البذل والعطاء (1). وكذلك استخدم المرتزقة من النصارى الإسبان، ومنحهم الأجور والجرايات السخية؛ وكان يجمع في جيشه الكثير منهم، ومعظمهم من المستعربين، وكان يحرص على رضائهم بتوسيع النفقة عليهم، معاملتهم بالمساواة والرفق (2). واستطاع المنصور بما وضعه للجيش من أنظمة محكمة، وما أفاض عليه من وافر النفقة والعدد، أن ينشىء للأندلس قوة عسكرية عظيمة، لم تعرفها في أية عهد آخر. وكانت هذه القوة فضلا عن كونها دعامة سلطانه وحكمه، دعامة الأندلس وأداتها للدفاع والغزو.
ونستطيع أن نقدر أهمية الجيش الأندلسي وكفايته أيام المنصور، متى ذكرنا أن المنصور لبث زهاء ربع قرن، يقود قواته إلى الغزو المستمر، في أراضي الممالك النصرانية، كل ربيع وكل صيف، وأنه في نفس الوقت كان يبعث الحملات العسكرية العظيمة إلى المغرب، لتخوض سلسلة من الحروب الطاحنة. وقد بلغ من كثرة قوى الجيش النظامية وكفايتها، أن أصدر المنصور في سنة 388 هـ (998 م) أمره بإعفاء الناس من إجبارهم على الغزو، اكتفاء بعدد الجيش المرابط، وقرأ الخطباء ذلك المرسوم على الناس، إثر قراءة كتب الفتح، وعرفوا فيه " بأن من تطوع خيراً، فهو خير، ومن خف إليه، فمبرور ومأجور، ومن تثاقل فمعذور " (3).
وقد أورد لنا ابن الخطيب (عن التيجاني) بعض الإحصاءات الهامة عن جيش المنصور، فذكر لنا أن الجيش المرابط (الثابت) بلغ في عهده من الفرسان اثنى عشر ألف ومائة فارس من سائر الطبقات، جميعهم مرتزقون في الديوان، يصرف لهم السلاح والنفقة والعلوفة. وكان عدد الحرس الخاص ستمائة فارس غير الأتباع. وانتهى عدد الرجالة في الجيش المرابط إلى ستة وعشرين ألف راجل.
وكان عدد الجيش المرابط يتضاعف وقت الصوائف بما ينضم إليه من صفوف المتطوعة. وقد بلغ عدد الفرسان في بعض الصوائف ستة وأربعين ألفاً، وكان عدد المشاة يتضاعف كذلك، وقد يبلغ المائة ألف أو تزيد.
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 299 و315 و316.
(2) Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana (Madrid 1897) p. 630.
(3) أعمال الأعلام ص 68.
(1/570)

وأورد لنا ابن الخطيب أيضاً، بيانات مفصلة مما كان يقتنيه المنصور من عتاق الخيل برسم الجهاد، ومطايا الركوب، ودواب الحمل، وقد بلغت وحدها أربعة آلاف جمل خصصت لحمل الأثقال.
وأما عن عُدة الحرب، فقد كان المنصور يحتفظ بكميات عظيمة من الخيام والسهام والدروع، والتراس، وعدد من المجانيق وغيرها من آلات الحصار (1).
وكان المنصور يضطرم شغفاً بالجهاد في سبيل الله، وكانت غزواته التي زادت على الخمسين، فضلا عن كونها عنوان هذا الجهاد المستمر، ترمي إلى غاية عسكرية وسياسية فطنة، هي تحطيم قوى اسبانيا النصرانية، وردعها بذلك عن العدوان على أراضي المسلمين. وقد تحققت هذه الغاية في أواخر عهد المنصور على أكمل وجه. وقد عنى مؤرخ الأندلس الكبير ابن حيان - وقد عاش قريباً من ذلك العصر - بتفصيل هذه الغزوات في مؤلف ضخم سماه " بالمآثر العامرية " واستخرجه من تاريخه الكبير " المقتبس " (2). وكان من نتائج هذه الغزوات أن امتلأت الأندلس في عصر المنصور بالغنائم والسبي من بنات الإسبان وأولادهم ونسائهم، وتغالي الناس في تجهيز بناتهم بالثياب والحلي والمال، وذلك لرخص بنات الإفرنج وركود سوق الزواج (3).
وبلغ من شغف المنصور بالجهاد، أنه كان يتولى القيادة بنفسه في سائر غزواته الصائفة والشاتية، ولم يقعده شىء عن القيادة، والإشتراك الفعلي في كثير من المعارك، حتى أننا نراه في آخر غزواته يتولى القيادة بالرغم من مرضه، ويسير محمولا على محفة، ثم يقضي نحبه عقب الغزو، بين يدي جنده وفي معقل الثغر، بعيداً عن قصوره، ومهاد راحته ونعمائه. وكان يحرص في سائر غزواته، على أن يستخلص ما يعلق بوجهه أو ثيابه من الغبار، أثناء المعارك التي يخوضها، فكان يمسحه بمناديل اجتمعت له منها رزمة كبيرة، كان يحملها معه دائماً، حتى
_______
(1) أعمال الأعلام ص 99 و101 و102.
(2) جذوة المقتبس للحميدي (القاهرة 1952) ص 74، والحلة السيراء ص 149، والمعجب لعبد الواحد المراكشي ص 21. وذكر لنا ابن الخطيب اسم هذا المؤلف كاملا وهو: " أخبار الدولة العامرية المنسوخة بالفتنة البربرية وما جرى فيها من الأحداث الشنيعة " كما ذكر لنا أنه يحتوي على أكثر من مائة سفر (أعمال الأعلام ص 98).
(3) المعجب ص 21.
(1/571)

إذا وافته المنية ضمت إلى أكفانه، ودفنت معه تنفيذاً لوصيته (1).
ومما يؤثر عن علائق المنصور بجيشه، أنه كان لقوة ذاكرته، يعرف كثيراً من جنده بالإسم, أو يعرف على الأقل كثيراً ممن امتاز منهم خلال المعارك بالإقدام والشجاعة، ويدعوهم إلى مائدته في المآدب الكبيرة، التي اعتاد أن يقيمها لجنده عقب كل انتصار.
بيد أننا نستطيع أن نلاحظ بعد كل ذلك، أن سياسة المنصور العسكرية وغزواته المتوالية المظفرة، وإن كانت في الأصل تنطوي على غاية عسكرية وسياسية بعيدة المدى، هي سحق اسبانيا النصرانية، لم تؤت ثمارها إلا في حيز ضيق، هو ردع اسبانيا النصرانية، وكف عدوانها عن الأراضي الإسلامية، ولم تقصد بالفعل إلى الغاية الحاسمة، وهي القضاء على قوة اسبانيا النصرانية وسحقها بصورة نهائية، وهي غاية قصرت سياسة اسبانيا المسلمة عن العمل لها منذ البداية، ومن ثم فقد استطاعت الممالك الإسبانية النصرانية، أن تعيش، وأن تنمو قواها تباعاً، وأن تغدو بمضي الزمن، مناوئاً خطراً لاسبانيا المسلمة، يستغرق قواها باستمرار، ويشغلها في كفاح مدمر مستمر.
وهنا، وعلى ضوء هذا الكفاح العقيم الذي استمر أجيالا بين اسبانيا المسلمة واسبانيا النصرانية، لا نرى مندوحة، من أن نحكم على سياسة الصوائف أو الغزوات الإسلامية العارضة، التي كانت تقليداً عسكرياً إسلامياً، في معظم الدول الإسلامية المتاخمة للدول النصرانية، فنقول إنها كانت من الناحية العسكرية تقوم على أسلوب خاطىء، وقد كانت تنهك الجيوش الإسلامية بقدر ما تنهك جيوش العدو، ولم يكن لها غاية محدودة مستقرة. وليس أدل على ذلك من تاريخ الصوائف أو الغزوات الإسلامية الموسمية أيام الدولة العباسية في أراضي الدرلة البيزنطية، فقد كان معظمها حملات غازية تقصد إلى العيث في أرض العدو، وإلى إحراز الغنائم المؤقتة الإقليمية وغيرها، ولم تنجح في تحطيم قوى الدولة البيزنطية أو سحقها. وقد كان عقم هذه الغزوات العارضة أشد وأوضح في الأندلس، حيث لبثت الدولة الأندلسية، إبان قوتها وتفوقها، عصوراً، تقتصر على الصوائف وما إليها من الغزوات الموسمية برسم الجهاد أو الانتقام من العدو،
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 310، والمعجب ص 21.
(1/572)

وتنهك بذلك قوى الجيوش الإسلامية ومواردها بصورة مستمرة، وذلك دون أن تحقق غاية ثابتة مستقرة، أو توفق إلى القضاء على القوى الخصيمة بصورة حاسمة.
ولقد اجتمعت لاسبانيا المسلمة في عصر المنصور أعظم القوى والموارد العسكرية التي اجتمعت لها في أي عصر سابق أو لاحق، وكانت هذه القوى الزاخرة، التي كان رائدها المنصور، - وهو أعظم شخصية سياسية وعسكرية، أتيح لها أن تقود الأندلس، وأن تسهر على مصايرها - كانت هذه القوى كفيلة بسحق الممالك الإسبانية النصرانية لو أنها وجهت نحو هذه الغاية توجهاً صائباً. ويقدر النقد الإسباني الحديث نفسه هذه الحقيقة، فيقول لنا إن غزوات المنصور ودفعه حدود النصارى إلى ما وراء نهر دويرة، وافتتاحه لقلمرية وسمورة وليون وشنت ياقب وكويانسا وشنت منكش وأوسمة وبرشلونة، دفع اسبانيا النصرانية إلى حافة الخراب تقريباً، وقضى هذا البعث لقوة الإسلام على كل أمل في " الإسترداد " La Reconquista (1) .
ولكن غزوات المنصور على كثرتها، وعلى ما أسبغ عليها من طابع النصر المستمر، لم تخرج كثيراً عن حيز الصوائف والغزوات الإسلامية العارضة، التي تحقق أية غاية مستقرة ثابتة.
وأما عن مقدرة المنصور في الإدارة والحكم، فإن الكلام فيها حرى بأن يطول، فقد أبدى المنصور طوال حياته كفاية إدارية مدهشة، وظهر في سائر المناصب التي أسندت إليه، مذ تولى وكالة هشام ولي العهد، فأمانة دار السكة والخزانة، ثم خطة المواريث، فخطة القضاء، ثم الشرطة، فالإشراف على الحشم والخاص؛ ظهر فيها جميعاً ببراعته وحصافته، وحسن تصريفه؛ ثم ظهرت هذه المقدرة على أتمها مذ ولي الحجابة، واستأثر بسائر السلطات، واحتمل فوق كاهله سائر المسئوليات الكبرى. فقد غدا المنصور زعيم الأندلس، وحاكمها الأوحد، والمشرف على مصايرها في الحرب والسلم؛ وقد أبدى المنصور في اضطلاعه بتلك المهمة العظمى، مقدرة فائقة، لم يبدها أحد من أسلافه. فلم تر الأندلس من قبل استقراراً كالذي رأته في عهد المنصور، ولم تتمتع قط بمثل ما تمتعت به في عهد المنصور، من الأمن والطمأنينة والدعة. وكانت أيام المنصور بالأندلس كلها
_______
(1) Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana ; p. 629.
(1/573)

أيام فخار وظفر ورخاء ورغد، لم تعان خلالها من غزوات العدو المخربة، ولم تصب فيها بأية هزيمة ذات شأن، ولم تضطرم فيها أية ثورة أو فتنة، وفيها ازدهرت الزراعة والتجارة والصناعة، وزهت العلوم والآداب، وعم الخصب والرخاء في جنبات الأندلس، وفاضت خزائن قرطبة بالأموال، ووصل محصل الجباية يومئذ إلى أربعة آلاف ألف دينار (أربعة ملايين) سوى رسوم المواريث، وسوى مال السبي والغنائم، وما ينتج من المصادرات وأمثالها مما لا يرجع إلى قانون.
وكانت النفقات السلطانية تبلغ في الشهر نحو مائتي ألف دينار، فاذا دخل شهر يونيه، وحلت الصائفة، تضاعفت النفقة بسب الاستعداد للغزو، ووصلت إلى خمسمائة ألف في الشهر أو أكثر (1).
وكانت حكومة المنصور تضم عدة من أقدر رجالات الأندلس في هذا العصر ما بين وزراء وكتاب. وكان من وزرائه، أبو مروان عبد الملك بن شهيد، ومحمد بن جَهور، وعيسى بن فُطيس، وأبو عبد الله بن عياش، وأحمد بن محمد ابن حدير، ومحمد بن حفص بن جابر، وأحمد بن سعيد بن حزم والد الفيلسوف الشهير، وكان من أقدر وزراء المنصور وآثرهم لديه، وكان المنصور قد استوزره قبل سائر أصحابه في سنة 381 هـ، وبلغ من ثقته به أن كان يستخلفه على المملكة في أوقات معينة، ويعهد إليه بخاتمه؛ والظاهر أنه لما بلغ ذروة النفوذ والسلطان، شمخ بأنفه، وبدرت منه بوادر الدالة والاعتداد، فتغير عليه المنصور، وأقصاه عن خدمة الوزارة، وبعثه إلى كورة الغرب لينظر في شئونها، ثم عاد بعد قليل فأعاده إلى حسن رأيه، ورده إلى منصبه في الوزارة، وكان ابن حزم من أكابر أهل العلم والبلاغة (2). وكان من كتاب المنصور عيسى بن سعيد القطاع، وهو من أقدم كتابه، وكان من أنصاره ومعاونيه منذ أيام الحكم، فبلغ في ظله وتحت كنفه أرفع مكانة، وكان فوق ذلك من أخصائه ورفاقه في مجالس أنسه ترتفع بينهما الكلفة؛ وكان منهم، أبو مروان عبد الملك بن إدريس الخولاني، وخلف ابن حسين بن حيان والد المؤرخ، وغيرهم. وكانت هذه الصفوة من الوزراء والكتاب، الذين ينتمي معظمهم إلى أسر عريقة تعاقب أبناؤها في الوزارة، مثل آل شُهيد، وآل عبدَة، وآل جَهور، وآل فُطيس، وآل حُدير وغيرهم،
_______
(1) أعمال الأعلام ص 89.
(2) كتاب " إعتاب الكتاب " لابن الأبار - مخطوط الإسكوريال - لوحة 53 و54.
(1/574)

ممن حملوا عمد الدولة الأموية، وعملوا على توطيد دعائمها، تعمل مع المنصور على تسيير دفة الحكم بمقدرة فائقة. وكان من هؤلاء الوزراء من يتصل بالمنصور برباط المودة الشخصية الوثيقة، ويشاطره شغفه بالشعر والأدب، ويغشى مجالس أنسه وشرابه، مثل عبد الملك بن شهيد، وأبى عبد الله بن عياش، وعيسى ابن سعيد. هذا وكان ممن اشترك مع المنصور في الحجابة في بداية عهده، بعد المصحفي، جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي، والقائد غالب بن عبد الرحمن، الذي جمع بين القيادة والحجابة حيناً، وقد رأينا كيف لقي كل منهما مصرعه بعد ذلك على النحو الذي تقدم ذكره (1).
* * *
ولم يحل انشغال المنصور طوال عهده بالغزو المستمر، عن القيام بأعمال الإنشاء العظيمة. فقد أنشأ مدينة الزاهرة، وقصورها المنيفة، وحدائقها الغناء، واتخذها كما تقدم مركزاً للإدارة والحكم. ثم ابتنى إلى جانبها منية جميلة ذات قصر وحدائق رائعة، يرتادها للاستجمام والتنزه، وسماها "بالعامرية". وقد كان جمال هاتين الضاحيتين العامريتين، مستقى للأوصاف الشعرية والنثرية الرائعة.
ومما قيل في العامرية أبيات لعمرو بن أبي الحباب أنشدها، وقد دخل يوماً على المنصور بقصر المنية، والروض قد تفتحت أزهاره:
لا يوم كاليوم من أيامك الأول ... بالعامرية ذات الماء والظلل
هواؤها في جميع الدهر معتدل ... طيباً وإن حل فصل غير معتدل
ما إن يبالي الذي يحتل ساحتها ... بالسعد ألا تحل الشمس بالحمل
كأنما غرست في ساعة وبدا السـ ... ـوسان من حينه فيها على عجل (2)
وكان من أعظم وأجل أعمال المنصور زيادة المسجد الجامع. وكانت قرطبة قد اتسعت رقعتها اتساعاً عظيماً منذ أيام الناصر، واضطرد هذا الاتساع في أيام المنصور حتى بلغت مبلغاً عظيماً، وبلغت أرباض المدينة أعني أحياؤها يومئذ
_______
(1) راجع في ذكر وزراء المنصور: البيان المغرب ج 2 عى 286 و287 و290 و299، وأعمال الأعلام ص 70 و75 و80، ونفح الطيب ج 1 ص 274، والذخيرة، القسم الرابع، المجلد الأول ص 17 و56.
(2) راجع بعض هذه القصائد والأوصاف في البيان المغرب ج 2 ص 296 و297، ونفح الطيب ج 1 ص 272 و273.
(1/575)

إحدى وعشرين ربضاً " كل ربض فيها يعد أكبر مدينة من مدائن الأندلس ".
وقد ذكر ابن الخطيب لنا أسماءها ومواقعها تفصيلا، وبلغ خندقها المحيط بها ما عدا ناحية النهر سبعة وأربعين ألف وخمسمائة ذراع أي ستة عشر ميلا (1)، وزاد سكانها في نفس الوقت زيادة كبيرة، ولاسيما منذ مقدم طوائف البربر الكثيرة عليها، في بداية عهد المنصور، وضاقت رحبات المسجد الجامع برواده، ولاسيما في أيام الجمع. فرأى المنصور أن يقيم للجامع من ناحيته الشرقية جناحاً جديداً، لأن ناحيته الغربية كانت متصلة بالقصور الملكية. وشرع في إنشاء هذا الجناح في سنة 387 هـ (997 م)، فأقيم بحذاء الجامع من شماله إلى جنوبه، على رقعة شاسعة تكاد تعدل مساحته الأصلية، وروعيت في إنشائه البساطة والمتانة قبل الزخرفة، كما روعي التماثل والمطابقة للصرح القديم؛ ونزعت من أجل ذلك ملكية عدد كبير من الأماكن والدور، حرص المنصور على أن ينصف أصحابها فيما يستحقونه من ثمن أو معاوضة. وتضاعف حجم المسجد الجامع بهذه الزيادة، وأضحى يحتل رقعة عظيمة شاسعة تبلغ في الطول مائة وثمانين متراً، وفي العرض مائة وخمسة وثلاثين متراً. وكان يشتغل فيه عدد كبير من الأسرى النصارى، الذين أخذوا في مختلف المعارك. وكان المنصور يشترك بنفسه أحياناً في أعمال البناء. وبلغ عدد سواريه ما بين كبيرة وصغيرة، ألف وأربعمائة وسبعة عشرة، وبلغت ثرياته ما بين صغيرة وكبيرة مائتان وثمانون، وبلغ عدد المكلفين بالخدمة به في عهد المنصور، ما بين أئمة ومقرئين وأمناء ومؤذنين وسدنة وغيرهم مائة وخمسون شخصاً، وكان الجامع وما حوله يعتبر وحده ربضاً مستقلا يتولاه عريفه وحراسه على حدة (2). ومازال جناح المنصور بمسجد قرطبة الجامع حتى اليوم، قائماً بسائر رحابه وعقوده وسواريه، وذلك بالرغم من تحويل عقوده الجانبية إلى كنائس وهياكل، ويعرفه الأثريون " بمسجد المنصور " (3).
وجدد المنصور قنطرة قرطبة القائمة على نهر الوادي الكبير، وراء المسجد
_______
(1) أعمال الأعلام ص 103.
(2) أعمال الأعلام ص 103.
(3) راجع في زيادة المنصور للمسجد الجامع، البيان المغرب ج 2 ص 306 - 308، ونفح الطيب ج 1 ص 257. وراجع كتابي " الآثار الأندلسية الباقية " حيث يوصف جامع قرطبة بحالته الحاضرة تفصيلا الطبعة الثانية (ص 20 - 31).
(1/576)

الجامع، وكانت في الأصل قنطرة رومانية، فجددها السمح بن مالك أمير الأندلس ثم جاء المنصور فجددها، وأعاد بناءها، وذلك في سنة 378 هـ (988 م)، وتم بناؤها في سنة ونصف، وبلغت النفقة عليها مائة وأربعين ألف دينار، وعظم بها نفع القرطبيين.
وابتنى المنصور كذلك قنطرة إستجة على نهر شنيل، فرع الوادي الكبير، واقتضى إنشاؤها كثيراً من الجهد والنفقة، ولكنها حققت تسهيلات عظيمة، في مواصلات قرطبة بالقواعد والولايات الغربية والجنوبية (1).
* * *
وكان المنصور، على الرغم من صرامته، وما لجأ إليه لتوطيد حكمه من الوسائل المثيرة، يتسم بصفات عديدة مؤثرة؛ فقد كان جواداً وافر الجود والبذل، يغدق صلاته على من يستحقها من العاملين معه والمتصلين به، وعلى الفقراء وذوي الحاجات، وله في ذلك حكايات كثيرة.
وكان يفاخر بنشأته المتواضعة، ويقلل من شأن نفسه. وذكر المؤرخ ابن حيان في كتابه في " أخبار الدولة العامرية " عن والده خلف بن حيان كاتب المنصور، أن المنصور لامه ذات يوم لأمر من الأمور، فبدا عليه الفزع، فأشفق عليه المنصور وهدأ من روعه, ثم خلا به بعد أيام وقال له: " رأيت من ذعرك ما استنكرت، ومن وثق بالله برىء من الحول، والقوة لله، وإنما أنا آلة من آلاته أسطو بقدرته، وأعمل عن إذنه، ولا أملك لنفسي إلا ما أملك، ... فطمئن جأشك، فإنما أنا ابن امرأة من تميم طالما تقوت بثمن غزلها، أغدو به إلى السوق، وأنا أفرح الناس بمكانه، ثم جاء من أمر الله ما تراه، ومن أنا عند الله لولا عطفي على المستضعف المظلوم، وسيري لجهاد الطاغية " (2).
وكان ورعاً، شديد الإيمان واليقين، يخشى ربه، ويزدجر إذا ذكر الله وعقابه. وكانت هذه أعجب الخلال في رجل كالمنصور، لم يعف عن سفك الدماء في سبيل تحقيق أطماعه. ولكنها حقيقة تنوه بها الرواية الإسلامية وتؤكدها، ومن دلائلها أن المنصور، كان يحمل معه في سائر غزواته وأسفاره مصحفاً
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 309، ونفح الطيب ج 1 ص 191، وأعمال الأعلام ص 76
(2) إعتاب الكتاب لابن الأبار - مخطوط الإسكوريال - لوحة 56.
(1/577)

خطه بيده، يقرأ فيه ويتبرك به في كل مناسبة (1).
وكذلك تنوه الرواية بعدالة المنصور، وصرامته في إحقاق الحق، والانتصاف لذوي المظالم. وقد أورد لنا صاحب البيان المغرب عدة أمثلة رفعت فيها الظلامات إلى المنصور ضد بعض أكابر خدمه وحاشيته، ممن كانوا يظنون أن مراكزهم تحميهم من إجراء العدالة، فأمر المنصور بالانتصاف منهم لذوي الظلامات. وكان يقترن بهذه الصفة، خلة محمودة أخرى، هي تذرعه بالحلم والصبر، وضبط النفس في أموركثيرة، وذلك بالرغم مما كان عليه من الهيبة والرهبة والسلطان (2)، ولكن الرواية تنعي على المنصور خلة سيئة، هي شغفه بمعاقرة الخمر، وقد لازمته هذه الرذيلة طوال حياته، ولم يقلع عنها إلا قبل وفاته بعامين. ويصف لنا ابن الخطيب كيف كان المنصور يصل في العمل يومه بليله، وهو عاكف على الشراب، في تلك الفقرة البليغة: " وكانت الجزالة والرجولة ثوبه الذي لم يخلعه، إلى أن وصل إلى ربه، والحزم والحذر شعاره الذي لم يفارقه طول حياته، والنصب والسهر شأنه في يومه وليله، لا يفضل لذة على تدبيره، وحلاوة نهيه وأمره، فينفذ الأمور، والكأس تدور، والجبال للطرب تمور " (3).
* * *
بقيت من خلال المنصور ناحية ربما كانت ألمع خلاله جميعاً، وتلك هي الناحية العلمية.
نشأ المنصور حسبما رأينا في بيت علم وأدب، ودرس وفقاً لتقاليد أسرته دراسة حسنة، وبرع في الشريعة والأدب، وكان حرياً به أن يتبوأ مكانه بين علماء عصره، لولا أن شاءت الأقدار أن تدفع به إلى معترك السياسة والسلطان.
على أن المنصور لبث بالرغم من مشاغل هذا المعترك السياسي الخضم، يحتفظ طول حياته بشغفه بالعلم والأدب، ويوثق صلاته بالعلماء والأدباء والشعراء ويؤثرهم بحبه وعطفه، ويجمعهم حوله في أوقات فراغه وسويعات لهوه وأنسه، ويساجلهم البحث والمناظرة، ويطارحهم قرض الشعر، ذلك لأن المنصور كان شاعراً أيضاً، وله نظم حسن سوف نورد شيئاً منه.
_______
(1) البيان المغرب ج 2 ص 309 و310، وابن خلدون ج 4 ص 147.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 310 - 312، والحلة السيراء ص 151.
(3) البيان المغرب ج 2 ص 310، وأعمال الأعلام ص 75.
(1/578)

وكان من أخص جلسائه الأدباء، الكاتب البغدادي، أبو العلا صاعد ابن الحسن. وكان قد وفد من المشرق على الأندلس سنة 380 هـ، والمنصور في أوج سلطانه، فأراد المنصور أن يجعل منه قريناً لأبى علي القالي، الوافد من قبل على الناصر والحكم، فقربه وأذن له أن يجلس بجامع مدينة الزاهرة، يملي كتابه المسمى " بالفصوص " على أدباء قرطبة، وهو كتاب في الآداب والأخبار والأشعار، ولكن أدباء قرطبة أنكروا ما ورد فيه، وكذبوه في كثير مما يلقيه، وفضحوا كثيراً من سرقاته الأدبية والشعرية (1). ومع ذلك فقد كان صاعد أديباً بارعاً، خفيف الروح، متوقد الذهن، حاضر البديهة، وكان يأتي بكثير من غريب الشعر بداهة، فأعجب به المنصور، وأولاه رعايته، وألحقه بديوان الندماء، وأجرى عليه راتباً حسناً؛ وكان بهذا الديوان بعض أدباء العصر مثل زيادة الله بن مضر الطبني، وابن العريف، وابن التياني، وغيرهم. وغدا صاعد شاعر المنصور ينظم له المدائح والطرف، ويصطحبه المنصور في نزهاته برياض الزاهرة، وينظمه في مجالس أدبه وأنسه. وقد أورد لنا ابن بسام وصفاً مسهباً لهذه المجالس الأدبية، التي يجتمع فيها المنصور بخلانه وندمائه ومنهم صاعد، وأورد لنا كثيراً مما قيل فيها من النظم. وقد كان بعض الفتيان الصقالبة من بطانة المنصور، يأخذ بقسط حسن من الشعر والأدب، ويغشى مجالس المنصورالأدبية ويشترك في المطارحات الشعرية، وكان من أشهرهم الفتى فاتن، وكان من أبرع العارفين منهم باللغة والأدب. وقد كان للفتيان الصقالبة في الواقع تراث من الشعر والأدب، واشتهروا بذلك أيام المنصور خاصة، وأصدر أحدهم في ذلك كتاباً سماه " الإستظهار والمغالبة على من أنكر فضل الصقالبة "، ضمنه كثيراً من أشعارهم ونوادر أخبارهم (2).
ولبث صاعد على مكانته حتى وفاة المنصور، ومن بعده حتى نهاية الدولة العامرية، ثم أفل نجمه بعد ذلك، وساءت أحواله عند ظهور الفتنة، فغادر الأندلس متخفياً في سنة 403 هـ، وجاز البحر إلى صقلية، واتصل بأميرها فأولاه رعايته، وحسنت حاله، وكانت وفاته بها في سنة 410 هـ.
_______
(1) الصلة لابن بشكوال (طبعة القاهرة) رقم 40.
(2) راجع الذخيرة. القسم الرابع المجلد الأول ص 7 - 22، والمعجب ص 16 و17.
(1/579)

وكان للمنصور، فضلا عن مجالس الأدب والأنس العابرة، مجلس أسبوعي يعقده للبحث والمناظرة، ويشهده كثير من العلماء والأدباء (1). وكان في غزواته يستصحب بعض العلماء والأدباء من أصدقائه، إذ كان شغف البحث والمناظرة، يلازمه دائماً حتى في ميدان الحرب؛ وإلى جانب هذا الشغف الشخصي بالحياة العقلية، كان المنصور مولعاً بالعمل على نشر العلم والمعرفة بين طبقات الشعب، فأنشأ كثيراً من دور العلم بقرطبة، وبالغ في الإنفاق عليها، وكان يزور المدارس والمساجد، ويجالس الطلاب أحياناً، ويمنح المكافآت النفيسة لمن يستحقها.
وإلى جانب هذا الشغف بالآداب والعلوم ونشر الحياة العقلية، كان المنصور يشغف أيضاً بجمع الكتب، وكان أكابر المؤلفين يهدون إليه كتبهم، على نحو ما كان متبعاً أيام الحكم، ومن ذلك أن صاعداً البغدادي أهدى إليه كتاب " الفصوص " المتقدم ذكره، فأثابه عنه بخمسمائة دينار (2).
وكان المنصور يمقت الفلسفة وما إليها، ويرى أنها مخالفة للدين، ويكره التنجيم والمنجمين، وقد أمر بأن يستخرج من المكتبة الأموية العظيمة (مكتبة الحكم المستنصر) سائر كتب الفلاسفة والدهريين، وأن تحرق بمحضر من كبار العلماء، وفي مقدمتهم أبو العباس بن ذكوان، وأبو بكر الزبيدي، والأصيلي وغيرهم، وكان ذلك بلا ريب عملا غير موفق، وكان خسارة علمية فادحة.
وينعى المستشرق سيمونيت على المنصور هذا التصرف، فيقول: " إنه إذا كان الحكم الثاني قد استطاع لنزعته العلمية والأدبية أن يحمي الفلاسفة، فقد جاء المنصور من بعده فقام بحرق كتب الفلسفة التي كانت بمكتبة الحكم، وذلك لكي يرضى الفقهاء والدهماء " (3). واشتد المنصور أيضاً في مطاردة المنجمين، وبلغه أن أحدهم وهو محمد بن أبي جمعة، يهجس في تنبؤاته بانقراض دولته، فأمر بقطع لسانه وقتله، فخرست ألسن المنجمين جميعاً (4).
_______
(1) راجع جذوة المقتبس للحميدي ص 73، والمعجب ص 20.
(2) الصلة لابن بشكوال رقم 40.
(3) Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana ; p. 351
(4) البيان المغرب ج 3 ص 315، وأعمال الأعلام ص 77.
(1/580)

وللمنصور شعر جيد، نظمه في مختلف مناسبات حياته، ومن ذلك قوله في الفخر:
رميت بنفسي هول كل عظيمة ... وخاطرت والحر الكريم يخاطر
وما صاحبي إلا جنان مشيع ... وأسمر خطى وأبيض باتر
وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى ... أسود تلاقيها أسود خوادر
فسدت بنفسي أهل كل سيادة ... وفاخرت حتى لم أجد من أفاخر
وما شدت بنياناً ولكن زيادة ... على ما بنى عبد المليك وعامر
رفعنا العوالي بالعوالي مثلها ... وأورثناها في القديم معافر
وقوله يتهدد الفاطميين بمصر، ويمني نفسه بفتح مصر والشأم:
منع العين أن تذوق المناما ... حبا أن ترى الصفاء والمقاما
لي ديون بالشرق عند أناس ... قد أخلوا بالمشعرين الحراما
إن قضوها نالوا الأماني وإلا ... جعلوا دونها رقاباً وهاما
عن قريب ترى خيول هشام ... يبلغ النيل خطوها والشاما
وأما عن نثر المنصور، فقد رأينا أن نورد نموذجاً له، وصيته لولده عبد الملك حينما حضرته الوفاة، وقد نقلها إلينا ابن حيان عن أبيه خلف بن حسين، وهذا نصها:
" يا بني: لست تجد أنصح لك، ولا أشفق عليك مني، فلا تعديَّن وصيتي، فقد جردت لك رأيي ورويتي، على حين اجتماع من ذهنى، فاجعلها مثالا بين عينيك. وقد وطأت لك مهاد الدولة، وعدلت لك طبقات أوليائها، وغايرت لك بين دخل المملكة وخرجها، واستكثرت لك من أطعمتها وعددها، وخلفت لك جباية تزيد على ما ينوبك لجيشك ونفقتك، فلا تطلق يدك في الإنفاق، ولا تقيض لظلمة العمال، فيختل أمرك سريعاً، فكل سرف راجع إلى اختلال لا محالة، فاقصد في أمرك جهدك، واستثبت فيما يرفع أهل السعاية إليك، والرعية قد استقصيت لك تقويمها، وأعظم مناها أن تأمن البادرة، وتسكن إلى لين الجنبة. وصاحب القصر قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شىء تكرهه، والآفة ممن يتولاه ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة، ولا ترفع عنها سوء ظن وتهمة، وعاجل بها من خفته على أقل بادرة، مع
(1/581)

قيامك بأسباب صاحب القصر على أتم وجه. فليس لك ولا لأصحابك شىء يقيكم الحنث في يمين البيعة، إلا ما تقيمه لوليها من هذه النفقة، فأما الانفراد بالتدبير دونه، مع ما بلوته من جهله وعجزه عنه، فإني أرجو أني وإياك منه في سعة ما تمسكنا بالكتاب والسنة. والمال المخزون عند والدتك، هو ذخيرة مملكتك وعدة لحاجة تنزل بك، فأقمه مقام الجارحة من جوارحك التي لا تبذلها إلا عند الشدة، تخاف منها على سائر جسدك. ومادة الخراج غير منقطعة عنك بالحالة المعتدلة. وأخوك عبد الرحمن قد صيرت إليه في حياتي ما رجوت أني قد خرجت له فيه عن حقه من ميراثي، وأخرجته عن ولاية الثغر، لئلا يجد العدو مساغاً بينكما في خلاف وصيتي، فيسرع ذلك في نقض أمري، وتجلب الفاقرة علي دولتي. وقد كفيتك الحيرة فيه، فأكفه الحيف منك عليه، وكذلك سائر أهلك فيما صنعت فيهم، بحسب مما قدرت به خلاصي من مال الله الذي في يدي.
وخلافتك بعدي أجدى عليهم مما صرفته، فلا تضيع أمر جميعهم، والحظهم بعيني فإنك أبوهم بعدي. فإن انقادت لك الأمور بالحضرة فهذا وجه العمل، وسبيل السيرة، وإن اعتاصت عليك، فلا تلقين بيدك إلقاء الأمة، ولا تبطر بك وأصحابك السلامة، فتنسوا ما لكم في نفوس بني أمية وشيعتهم بقرطبة. فإن قاومت من توثب عليك منهم، فلا تذهل عن الحزم فيهم، وإن خفت الضعف فانتبذ بخاصتك وغلمانك، إلى بعض الأطراف التي حصنتها لك، واختبر غدك إن أنكرت يومك. وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم ".
وهذه وصيته لغلمانه نقلها إلينا أيضاً ابن حيان عن أبيه:
" تنبهوا لأمركم واحفظوا نعمة الله عليكم، في طاعة عبد الملك أخيكم ومولاكم ولا تغرنكم بوارق بني أمية ومواعيد من يطلب منهم شتاتكم، وقدروا ما في قلوبهم وقلوب شيعتهم بقرطبة من الحقد عليكم، فليس يرأسكم بعدي أشفق عليكم من ولدي. وملاك أمركم أن تنسوا الأحقاد، وأن تكون جماعتكم كرجل واحد، فإنه لا يفل فيكم " (1).
_______
(1) نقل إلينا ابن بسام (عن ابن حيان) هذين النصين في الذخيرة. القسم الرابع المجلد الأول ص 56 - 58. ونقلهما ابن الخطيب أيضاً في أعمال الأعلام ص 81 و82.
(1/582)

وفي وصية المنصور لولده وغلمانه، يرتسم برنامج سياسته كلها، وتبدو يالأخص نواحي توجسه وتخوفه، فهو لم يكن يأمن جانب بني أمية قط، وقد لبث يتوقع الشر منهم حتى وفاته. ثم توفي وهو يتوقع الشر منهم لبنيه ودولته. وقد كان المنصور في ذلك صائب التقدير، بعيد النظر.
* * *
هذا وأما علائق المنصور الدبلوماسية فإنه لم يتح له عقد الكثير منها، ولم تفد إليه سفارات من ملوك النصارى على نحو ما حدث أيام الناصر والحكم المستنصر. ذلك لأن عهد المنصور كان كله عهد حروب مستمرة، بين الأندلس وبين اسبانيا النصرانية، ولم يقع بين الفريقين تهادن أو سلم طويل الأمد.
وكل ما نستطيع أن نسجله من ذلك حادثان متشابهان، أولهما قدوم برمودو الثاني ملك ليون إلى قرطبة في سنة 985 م، مستجيراً بالمنصور ليعاونه على مقاومة الأشراف الخارجين عليه وتوطيد عرشه. وقد أجابه المنصور إلى طلبه وبادر بمعونته. ومما هو جدير بالذكر أن برمودو قدم ابنته تريسا Teresa، بعد ذلك إلى المنصور عروساً له، فقبلها المنصور وتزوجها أو اتخذها سرية له (1).
والثاني، وهو من أشهر الحوادث الشائقة التي وقعت أيام المنصور، هو مقدم سانشو غرسية ملك نافار على المنصور، معتذراً إليه، لائذاً بعفوه ومهادنته, والوجه الشائق في ذلك هو أن سانشو غرسية هذا كان صهراً للمنصور، وكان تقرباً من المنصور، واكتساباً لمودته قد قدم ابنته عروساً إليه (981 م) فتزوجها المنصور، واعتنقت الإسلام، وسميت باسم "عبدة"، وكانت من أحظى نسائه لديه، ورزق منها بولده عبد الرحمن الذي سمي أيضاً " شنجول " أو " سانشول " أى شانجُه (سانشو) الصغير نسبة لجده ملك نافار. ثم ساءت العلائق بين المنصور وصهره، وتابع المنصور غزو نافار مرة بعد مرة، حتى اضطر سانشو إلى طلب الصلح، وسار إلى قرطبة مستصرخاً المنصور ولائذاً بعفوه. ووصل سانشو إلى قرطبة في الثالث من رجب سنة 382 هـ (4 سبتمبر سنة 992 م) فسر المنصور بمقدمه سروراً عظيماً، وبعث القواد والكبراء وطوائف الجند في موكب فخم، وعلى رأسهم ولده عبد الرحمن وهو طفل في مهده، لاستقباله ومرافقته
_______
(1) R. M. Pidal: La Espana del Cid (Madrid 1947) p. 71.
(1/583)

إلى قصر الزاهرة، فلما وقعت عين سانشو على حفيده، ترجل وقبل يده ورجله، ثم رافق الركب إلى الزاهرة، وقد اصطفت الجند على طول الطريق في صفوف كثيفة زاهية كاملة السلاح والعدة، واصطف الوصفاء والصقالبة من باب القصر إلى الداخل صفين. وسار سانشو، وقد بهره كل ما رأى، حتى وصل إلى مجلس المنصور في عصر ذلك اليوم، وقد جلس المنصور في هيئة فخمة، ومن حوله الوزراء وأعاظم رجال الدولة؛ فلما أبصره سانشو هوى إلى الأرض فقبلها مرات متوالية، ثم قبل يدى المنصور ورجليه، فأمره بالجلوس على كرسي مذهب خصص له، ثم انصرف الناس واختلى الملك النصراني بالمنصور، وأفضى كل إلى صاحبه بما أراد، ثم خرج سانشو وفي أثره الخلع السلطانية، وما انفض المجلس إلا عند دخول الليل.
وكان مقدم سانشو غرسية إلى قرطبة، واستقباله بها، من أيام الأندلس المشهودة، وقد أعاد بروعته وما اقترن به من مغزى عميق بظفر الإسلام على أعدائه، ذكرى أيام الناصر في وفود الملوك النصارى عليه، ملتمسين منه الصلح والمودة (1).
* * *
وقد أجمعت الرواية الإسلامية، الأندلسية والمشرقية، على الإشادة بخلال المنصور وباهر صفاته. وهي جميعاً سواء أوجزت القول أو أفاضت، تنم عن عميق التقدير والإعجاب، ثم هي مع ذلك لم تغفل التنويه بالجوانب القاتمة في تلك العبقرية الفذة، على أنها على العموم أكثر ميلا إلى إبراز محاسن المنصور ومواهبه، والإشادة بما أسبغته على الأمة الأندلسية من ضروب العظمة والبهاء.
قال ابن الأثير يصف المنصور: " وكان شجاعاً، قوى النفس، حسن
التدبير، وكان عالماً محباً للعلماء، يكثر مجالستهم ويناظرهم، وقد أكثر العلماء
ذكر مناقبه، وصنفوا لها تصانيف كثيرة " (2). وقال ابن خلدون " وكان
ذا عقل ورأي وشجاعة، وبصر بالحروب، ودين متين " (3). ويصفه الفتح
ابن خاقان في " المطمح " في تلك العبارات الشعرية: " وكان أمضاهم (يعني من
_______
(1) أورد لنا ابن الخطيب في " أعمال الأعلام " وصفاً شائقاً لهذا الحادث. ص 66 و73 و74.
(2) ابن الأثير ج 9 ص 61.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 147.
(1/584)

تقدمه) وأذكاهم جناناً، وأتمهم جلالا، وأعظمهم استقلالا. قام بتدبير الخلافة، وأقعد من كان له فيها إنافة. وساس الأمور أحسن سياسة، وداس الخطوب بأخشن دياسة، فانتظمت له الممالك، واتضحت به المسالك، وانتشر الأمن في كل طريق، واستشعر اليمن كل فريق. وملك الأندلس بضعاً وعشرين حجة، لم تدحض لسعادتها حجة، ولم تزخر لمكروه بها لجة، وكانت أيامه أحمد أيام، وسهام بأسه أشد سهام " (1).
ويجمل ابن حيان حياة المنصور في تلك الفقرة: " وامتثل رسم المتغلبين على سلطان ولد العباس بالمشرق من أمراء الديلم في عصره. فنال بغيته، وتهنأ معيشته، وأورثه عقبه بعده، عن غير اقتدار عليه، بجند خاص، ولا صيال بعشيرة، ولا مكابرة بمال وعدة، بل رمى الدولة من كنانها، وعدا عليها بأعضادها، وانتضلها بمشاقصها، وأنفق على ضبطها أموالها وعددها، حتى حولها إليه وسبكها في قالبه، وسلخ رجالها برجاله، وعفى رسومها بما أوضح من رسومه " (2).
هذا، وقد أشاد ابن الخطيب بخلال المنصور في مواطن وفقرات عديدة نقتطف منها ما يلي:
قال مشيراً إلى ولاية هشام: " فاستقر الأمر لهشام، يكنفه الحاجب المنصور أسعد أهل الأندلس مولداً، وأشهرهم بأساً ونداً، وأبعدهم في حسن الذكر مداً، الحازم العازم، العظيم السياسة، الشديد الصلابة، القوي المنة، الثبت الموقف، معود الإقبال، ومبلغ الآمال، الذي صحبته ألطاف الله الخفية في الأزمات، واضطرد له النصر العزيز في نحو سبع وخمسن من الغزوات، ولم تفارقه السعادة حالتي المحيا والممات ".
وقال: " فقد أجمع الشيخة أنه نهض بجد لا كفاء له، وأصحب سعداً لا نحس يخالطه، وأعطى إقبالا لا إدبار معه، قد وثق بذلك فلم يلتفت إلى غيره ... "
" وكان مهيباً وقوراً، فإذا خلا كان أحسن الناس مجلساً، وأبرهم بمن يحضر منادماً ومؤانساً، وكان شديد القلق من التبسط عليه، والدالة، والامتنان،
_______
(1) نقله البيان المغرب ج 2 ص 292، والمقري في نفح الطيب ج 1 ص 189.
(2) نقله صاحب الذخيرة. القسم الرابع المجلد الأول ص 43.
(1/585)

لا يغفرها زلة، ولا يحلم عنها جريرة، ولم يكن يسامح في نقصان الهيبة، وحفظ الطاعة أحداً، من ولد ولا ذي خاصة، دعاه ذلك إلى قتل ولده عبد الله صبراً بالسيف بما هو معروف ".
" وكانت الجزالة والرجولة، ثوبه الذي لم يخلعه، إلى أن وصل إلى ربه، والحزم والحذر شعاره، الذي لم يفارقه طول حياته، والنصب والسهر شأنه في يومه وليله، لا يفضل لذة على لذة تدبيره، وحلاوة نهيه وأمره " (1).
ولم يكن النقد الغربي أقل تقديراً لعظمة المنصور، وقد أشاد بعبقريته ومواهبه كثير من المؤرخين والنقدة الغربيين، وهذه نماذج من أقوالهم:
قال المؤرخ الإسباني اليسوعي ماسديه مشيراً إلى المنصور: " وكان سياسياً كبيراً، وقائداً عظيماً، فقد أخمد نار الثورات التي كانت تعصف بالمملكة، واكتسب حب الشعب بجميع طبقاته، وتفوق في شهرته وهيبته على أكبر القواد، بما اجتمع في أحكامه من الصرامة واللين والقصاص والعفو، وكان يهدم المدن التي تقاوم جيوشه ويبيدها، ولكنه لم يسمح قط لجنده بأن تسىء معاملة مدينة سلمت طوعاً " (2).
ويقول المؤرخ الإسباني المعاصر الأستاذ مننديث بيدال معلقاً على عصر المنصور: " عاش الإسلام في اسبانيا أروع أيامه وأسطعها، وانتهى نصارى الشمال إلى حالة دفاع كانت دائماً مقرونة بالمحن، ولاح كأنهم لم يعيشوا إلا لتأدية الجزية والسلاح والأسرى والمجد للخلافة الأموية " (3).
ويلاحظ الأستاذ بيدال في نفس الوقت أن عبقرية المنصورالعسكرية والسياسية كانت من عوامل القضاء على الروح القومية النصرانية المستعربة، وذلك لما أغدقه المنصور من عطفه ورعايته على كثير من النصارى والمستعربين (4).
ويختتم العلامة دوزي كلامه عن المنصور بالفقرة الآتية: " وعلى الجملة، فإذا وجب أن نستنكر الوسائل التي لجأ إليها المنصور في اغتصاب السلطة، فمن
_______
(1) راجع أعمال الأعلام ص 58 و74 و75.
(2) J.F. Masdeu: Historia Critica de Espana y de la Cultura Espanola.
(3) R.M.Pidal: La Espana del Cid, p. 72.
(4) R.M. Pidal: Origenes des Espanol, p. 423.
(1/586)

الواجب أيضاً أن نعترف بأنه استخدمها بطريقة شريفة. وما كنا لنسرف في لومه لو أن القدر خلقه على أريكة العرش، ولعله كان يعتبر عندئذ من أعظم الملوك الذين عرفهم التاريخ. ولكنه خلق في القرية، واضطر لتحقيق أطماعه، أن يشق لنفسه طريقاً تكتنفه آلاف الصعاب. ومن الأسف أنه من أجل تذليلها، قلما راعى شرعية الواسطة. لقد كان المنصور رجلا عظيماً من وجوه كثيرة، ولكن يستحيل علينا، متى رجعنا إلى مبادىء الأخلاق الخالدة أن نحبه، ومن الصعب أن نعجب به " (1).
_______
(1) Dozy: Hist. Vol. II. p. 275.
(1/587)

الفصل الثالث
الممالك النصرانية الإسبانية خلال القرن العاشر الميلادي
نهوض اسبانيا النصرانية في عهد الفتنة الأندلسية. وفاة أردونيو الثاني. الحرب الأهلية في ليون. استقرار راميرو في الملك. ولاية قشتالة. جهادها في سبيل الاستقلال. الكونت فرنان كونثالث. ثورته ضد راميرو الثاني. هزيمته وأسره. ثورة قشتالة. الإفراج عن الكونت. طاعته لملك ليون. استمراره في العمل لاستقلال قشتالة. وفاة راميرو. الحرب الأهلية بين ولديه أردونيو وسانشو. معاونة فرنان كونثالث لسانشو. انتصار أردونيو وفوزه بالملك. يعقد الصلح مع الناصر. وفاته وجلوس سانشو. موقف فرنان كونثالث. اضطراب الأحوال في ليون. فرار سانشو وجلوس أردونيو الرابع. التجاء سانشو وجدته طوطة إلى الناصر. سانشو يسترد العرش بمعونة الناصر. نكثه لعهوده. فرنان كونثالث يعلن استقلال قشتالة. التجاء أردونيو إلى الحكم. اتحاد الأمراء النصارى. غزو الحكم لقشتالة ونافار. اضطرارهما لعقد الصلح. بداية الكفاح بين قشتالة والمملكة الإسلامية. الحكم يأذن بنقل رفات القديس بلايو. الثورة في جليقية. مصرع سانشو وجلوس ولده راميرو. وفاة فرنان كونثالث وصفاته. وفود الأمراء النصارى وسفاراتهم على قرطبة. عدوان النصارى على أراضي المسلمين وردهم. النزاع بين راميرو وبرمودو على العرش. تدخل المنصور في ذلك. غزو المنصور لشنت ياقب. برمودو يلتمس الصلح. وفاته وجلوس ولده ألفونسو. ملكة نافار. غرسية سانشيز وأمه طوطة. ولده سانشو غرسية. غزو المنصور لنافار. وفاة سانشو وجلوس ولده غرسية سانشيز. ولده سانشو الكبير. عناصر المجتمع في اسبانيا النصرانية. طبقة الأشراف والفرسان والملاك والزراع الأحرار. طبقة الأرقاء. رقيق الضياع. التنظيم السياسي للمملكة النصرانية. السلطة المركزية. الأشراف. القضاء واشتراك الأشراف في مزاولته. رجال الدين وسلطانهم الإقطاعي. مقارنة بين هذا النظام ونظام المملكة الإسلامية.
لما بلغت الثورات والفتن الداخلية بالأندلس، ذروتها في النصف الأخير، من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، فيما اصطلح على تسميته بالفتنة الكبرى، وبددت قوى الأندلس ومواردها في ذلك الصراع الداخلي المدمر، أخذت اسبانيا النصرانية، وقد أمنت شر الغزوات الإسلامية طوال هذه الفترة، تتنفس الصعداء، فاشتد ساعدها، ونمت مواردها، وتوطدت حكوماتها.
ولم تأت فاتحة القرن العاشر الميلادي، حتى كانت مملكة ليون، التي خلفت مملكة جليقية، وبسطت سلطانها على ولاية قشتالة، في أواسط اسبانيا الشمالية، قد
(1/588)

بلغت مستوى من القوة والبأس، يتيح لها أن تخوض مع المملكة الإسلامية صراعاً عنيفاً.
وقد رأينا كيف بلغ هذا الصراع ذروته في عهد الناصر، وكيف أنه بالرغم مما حققه الناصر من إخماد الفتنة، وإحياء قوة الأندلس، استطاع النصارى بقيادة ملكهم أردونيو الثاني، أن يحرزوا على المسلمين نصرهم الخطير، في موقعة شنت إشتيبن في سنة 917 م.
وكانت موقعة شنت إشتيبن، وما تلاها من تكرر غزو النصارى للأراضي الإسلامية، نذيراً خطيراً لحكومة قرطبة. ولكن وفاة أردونيو الثاني في سنة 925 م وضع حداً مؤقتاً لتلك الفورة القومية، التي جاشت بها اسبانيا النصرانية. ذلك أن أخاه وخلفه فرويلا، لم يحكم سوى عام واحد، ثم توفي، فاضطرم النزاع على العرش بين سانشو وألفونسو ولدى أردونيو، وانتهى بأن فاز ألفونسو بالعرش بمعاونة صهره وحميه سانشو ملك نافار. ولكن سانشو لم ييأس، فجمع جيشاً جديداً، وتوج نفسه ملكاً في شنت ياقب في أقاصي جليقية، ثم زحف على ليون فحاصرها واستولى عليها، وارتقى العرش مكان أخيه. فعاد ملك نافار إلى مؤازرة ألفونسو ومعاونته، حتى استطاع أن يهزم أخاه، وأن يستولى على مدينة ليون مرة أخرى. بيد أن أخاه سانشو لبث محتفظاً بجليقية؛ مصراً على دعواه في الملك.
واستمرت الحرب الأهلية بين النصارى أعواماً، وانتهى طورها الأول، حينما توفي سانشو ابن أردونيو في سنة 929 م، واستقر الملك لأخيه ألفونسو الرابع دون منازع. ثم بدأ طورها الثاني في سنة 931 م، ففي تلك سنة توفيت زوجة ألفونسو، فحزن لفقدها أيما حزن، وغلب عليه اليأس والزهد، فتنازل عن العرش لأخيه راميرو ثاني ملوك ليون بهذا الإسم، ولجأ إلى دير ساهاجون واعتنق الرهبانية، ولكنه عافها بعد قليل، فترك عزلة الدير، ونادى بنفسه ملكاً في حصن شنت منكش Simancas، وكان عمله في نظر الرهبان عاراً كبيراً، فأثاروا عليه دعاية شديدة، حتى اضطر أن يعود إلى الرهبانية. وقد كان ألفونسو في الواقع " أميراً أصلح لقلنسوة الراهب منه لتاج الملك، وأشد شغفاً بالمقدس منه بميدان الحرب "، ولكنه ما لبث أن انتهز فرصة مسير أخيه راميرو إلى نجدة
(1/589)

ثوار طليطلة، فغادر الدير، وزحف في بعض أنصاره على مدينةْ ليون واستولى عليها، فعاد راميرو مسرعاً، وحاصر أخاه في ليون واستولى عليها بدوره. ثم أراد أن يضع حداً لمساعي ألفونسو ومحاولته فسمل عينيه، وسمل كذلك أعين أبناء عمه الثلاثة، وهم أولاد فرويلا الذين اشتركوا في الثورة عليه.
ويعلق النقد الإسباني الحديث على تلك القسوة بقوله: " وإنه ليروعنا ذكرى العقوبة التي أنزلها راميرو الثاني بأخيه ألفونسو، وبأبناء عمه الثلاثة، وإنه لن يكفي مر القرون ليمحو ذكرى عقوبة سمل العينين التي ورثت عن التشريع القوطي، قبل أن نراها تطبق بكثرة من جانب ملوكنا نحو ذوي قرباهم " (1).
وهكذا استقر الملك لراميرو بعد صراع عائلي عنيف. وكان راميرو الثاني أو رذمير كما تسميه الرواية الإسلامية، ملكاً شجاعاً مقداماً، نذر نفسه للكفاح ضد المسلمين، ومقارعتهم بكل الوسائل، فتارة يغير على الأراضي الإسلامية، وتارة يحرض الثوار على حكومة قرطبة، أو يسير إلى إنجادهم بالفعل، كما حدث حينما سار لمعاونة طليطلة على مقاومة الناصر (930 م)، وتارة يشتبك مع المسلمين في معارك طاحنة. وقد سبق أن فصلنا أدوار ذلك الصراع العنيف، الذي اضطرم بين راميرو وبين الناصر، والذي بلغ ذروته في موقعة الخندق المشئومة، التي دارت فيها الدائرة على المسلمين، تحت أسوار مدينة سمورة في سنة 327 هـ (939 م).
1 - نشأة مملكة قشتالة
لم يكن اضطراب الأمور في مملكة ليون، قاصراً على قسمها الغربي في جليقية، حيث كان الزعماء (الكونتات) الجلالقة، يثورون على العرش من آن لآخر، بغية توطيد سلطانهم المحلي، بل كان يشمل أيضاً قسمها الشرقي، في منطقة قشتالة، التي كانت تسمى يومئذ " بردوليا " ثم سميت فيما بعد " قشتالة Castilla " (2) ، وذلك لكثرة الحصون التي كانت تقام بها. وكانت هذه المنطقة، التي استحالت فيما بعد إلى مملكة قشتالة، تمتد شرقاً حتى هضاب نافار، ومن
_______
(1) M. Lafuente: Historia General de Espana (Barcelona 1889) T. II.p. 360.
(2) كلمة Castillo الإسبانية معناها الحصن. وقد كانت تسمى في الجغرافية العربية القلاع قبل أن تنتظم إلى مملكة قشتالة. وتسمى بالإضافة إلى ولاية " ألبة " Alava " ألبة والقلاع ".
(1/590)

ولاية ريوخا جنوباً، حتى الأراضي التي سميت فيما بعد أراجون وسوبرابي، وكان سكانها الأصليون من البشكنس وأهل ألبة. وكان ملوك الجلالقة أو ملوك أوبييدو قد غزوها وأضافوها إلى أملاكهم، وكانت عاصمتها يومئذ مدينة برغش. وأبدى زعماء قشتالة منذ البداية، مقاومة عنيفة للملوك الجلالقة، وبذلوا جهدهم للمحافظة على استقلالهم المحلي، وثاروا بالفعل في عهد أردونيو الثاني في أوائل القرن العاشر. فحاربهم أردونيو وأخضعهم، وقبض على كثير منهم وأعدمهم، واضطر الباقون إلى الالتزام بطاعته، وكانوا يتمتعون بسلطات محدودة تحت سلطان زعيم محلي، مقره في " برغش ". وهو يخضع بدوره لملك ليون.
ولكن هذا النظام المهين، لم يرق لكونتات قشتالة، فلبثوا يتحينون الفرص للثورة، وتحقيق استقلالهم المنشود.
وعرضت هذه الفرصة، وألفت قشتالة بطل ثورتها التحريرية، في شخص زعيمها الكونت فرنان كونثالث (وفي الرواية الإسلامية فرّان غنصالس)، الذي غدت حياته مستقى للملاحم الشعرية، والقصص الإسباني في العصور الوسطى، فحشد الكونت أنصاره وقواته، وأعلن الحرب على راميرو الثاني ملك ليون، وولد أردونيو؛ وكان راميرو يومئذ في أوج قوته، بعد انتصاره على المسلمين في موقعة الخندق، فلم يلق مشقة في هزيمة الكونت وسحق قواته، وأسر فرنان كونثالث، وزجه راميرو إلى ظلام السجن في مدينة ليون، وعين لحكم قشتالة آسور فرناندز كونت مونزون، ثم عين بعد ذلك لحكمها ولده سانشو، وأمره أن يعامل القشتاليين بالرفق والحسنى؛ ولكن ذلك لم يخمد جذوة الوطنية القشتالية. ولبث القشتاليون مخلصين لأميرهم المأسور، واستمروا في الثورة والقتال، وزحفت جموعهم بالفعل على ليون، فخشى راميرو العاقبة، وأطلق سراح فرنان كونثالث، ولكن بشروط فادحة، هي أن يقسم يمين الطاعة لملك ليون، وأن يتنازل عن كل أملاكه، وأن يزوج ابنته أوراكا لأردونيو ولد راميرو الأكبر. وقبل فرنان كونثالث هذه الشروط مرغماً. وظل أهل قشتالة على بغضهم لملك ليون، وولائهم لأميرهم. وفقد راميرو بذلك عون الزعماء القشتاليين ومساهماتهم المخلصة في الدفاع عن البلاد، واستطاع المسلمون خلال ذلك الإغارة مراراً على أراضي ليون والعيث فيها، وقام الناصر بتجديد مدينة سالم، ثغر
(1/591)

الحدود بين أراضي قشتالة والأراضي الإسلامية، وتحصينها (سنة 946 م).
واضطر راميرو أن يلتزم خطة الدفاع، إزاء الغزوات الإسلامية المتوالية.
وكان فرنان كونثالث، يعمل أثناء ذلك، على توطيد مركزه، وضم كونتيات قشتالة كلها تحت لوائه، ليجعل منها وحدة سياسية، أو بالحرى إمارة مستقلة، يغدو عرشها من بعده وراثياً في أسرته. وقد استطاع غير بعيد أن يحقق هذه الغاية (1).
2 - مملكة ليون
وفي أوائل سنة 950 م توفي راميرو الثاني ملك ليون، فنشبت الحرب الأهلية مرة أخرى بسبب وراثة العرش. وذلك أن راميرو ترك ولدين أولهم أردونيو، وهو ولد زوجه الأولى تاراسيا، وسانشو وهو ولد زوجه الثانية أوراكا أخت غرسية ملك نافار. فادعى أردونيو أنه أحق بالعرش باعتباره أكبر الأخوين، ولكن سانشو نازعه في ذلك، معتمداً على عون أخواله النافاريين، وجدته طوطة ملكة نافار، وكذلك على عون الكونت فرنان كونثالث وأهل قشتالة. وكان الكونت غير ميال إلى معاونة أردونيو، بالرغم من كونه زوج ابنته، إذ كان قد أرغم على تلك المصاهرة كما تقدم، وقد آثر أن يقف إلى جانب سانشو، إذ وعده بأن يرد إليه أملاكه، وأن يحقق أمانيه في الاستقلال، ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن يعمل على إضعاف مملكة ليون لكي يدعم بذلك استقلاله. وهكذا نشبت الحرب بين أردونيو وبين جيش متحد من قوات سانشو، ونافار، وقشتالة. ولكن أردونيو هزم أعداءه، وأخضع سائر الخارجين عليه واستقر في العرش، ورأى انتقاماً لخيانة فرنان كونثالث أن يطلق زوجه الملكة ابنة الكونت، وبذلك كفرت هذه الأميرة عن خصومة أبيها لمملكة ليون.
وانتهز المسلمون فرصة الحرب الأهلية، فتوالت غزواتهم لأراضي ليون؛ ومن جهة أخرى فقد كان أشراف ليون في تمرد مستمر على ملكهم؛ وخشى أردونيو العاقبة، فبعث سفيراً إلى قرطبة في أوائل سنة 955 م يطلب عقد الصلح مع الناصر، فأجابه الناصر إلى طلبه، وبعث إليه سفيره محمد بن الحسين، فعقد معه
_______
(1) R.M.Pidal: La Espana del Cid p. 70 ; Altamira: Historia de Espana, Vol. I. p. 244-245
(1/592)

معاهدة صلح، تعهد فيها أردونيو بأن يصلح بعض القلاع الواقعة على الحدود، وأن يهدم البعض الآخر. ثم توفي أردونيو بعد ذلك بقليل، وخلفه أخوه سانشو في الملك؛ وكان أول ما عمل أن رفض تنفيذ المعاهدة التي عقدها أخوه مع الناصر، فاضطر الناصر إلى إعلان الحرب، وبعث حاكم طليطلة أحمد بن يعلى في الجيش إلى ليون، فغزاها، وتوغل في أراضيها، واضطر سانشو أن يعقد الصلح، وأن يقر ما سبق أن تعهد به أخوه. وبذلك استقرت علائق السلم بين الفريقين.
ومن جهة أخرى فإن فرنان كونثالث لم يتحول عن سياسة العداء نحو ليون؛ وقد كان قبل أن يرث سانشو العرش، يؤازره ويناصره ضد أخيه أردونيو، فلما تولى أردونيو عرش ليون، انقلب إلى خصومته وفقاً لسياسته المأثورة ضد ليون، وكان يبغى في الوقت نفسه أن تعود ابنته أوراكا مطلقة أردونيو الثالث إلى العرش، بعد أن تزوجت من ابن عمه الأمير أردونيو، وقد عاونه القدر غير بعيد على تحقيق بغيته.
ذلك أن الأحوال ما لبثت أن ساءت في مملكة ليون، فقد ثار الأشراف بسانشو ونزعوه عن العرش، واحتجوا لخلعه بهزيمته أمام المسلمين في بعض المعارك التي خاضها، وبأن بدانته الفائقة تمنعه من ركوب الخيل، ومن تولى الإدارة، ففر سانشو إلى بنبلونة، إلى جانب جدته طوطة ملكة نافار، وقام الأشراف في ليون وقشتالة، باختيار ملك جديد هو أردونيو الرابع، وهو ابن ألفونسو الرابع، عم المك المخلوع وصهر الكونت فرنان كونثالث، وكان أحدباً دميماً سيىء الخلال، حتى لقب بالردىء El Malo. ولجأ سانشوا إلى عون الناصر، فأرسل إليه طبيباً يهودياً من قرطبة، يتولى علاجه من بدانته؛ وفي سنة 958 م (347 هـ) قصدت طوطة إلى قرطبة، ومعها ولدها الفتى غرسية سانشيز، الذي كانت تحكم نافار باسمه، وسانشو ملك ليون المخلوع، فاستقبلهم الناصر استقبالا حافلا، وعقد السلم مع طوطة، وأقر ولدها ملكاً على نافار، ووعد سانشو بالعون على استرداد عرشه، وذلك مقابل تعهده، أن يسلم للمسلمين، بعض الحصون الواقعة على الحدود، وأن يهدم البعض الآخر؛ ثم أمده الناصر بالمال والجند، فغزا ليون، وغزا النافاريون في الوقت نفسه ولاية قشتالة من ناحية الشرق وانتهت هذه الحرب الأهلية الجديدة، بانتصار سانشو وجلوسه على العرش مرة أخرى، وفر أردونيو إلى برغش.
(1/593)

ولكن سانشو نكث بعهده للمسلمين، وأبى تنفيذ ما تعهد به، ثم ثوفي الناصر بعد ذلك بقليل، ولزمت ليون ونافار السكينة حيناً. ولكن فرنان كونثالث اتجه وجهة أخرى. وكان قد انتهز فرصة الحرب الأهلية، وأعلن استقلال قشتالة، ونصب نفسه أميراً مستقلا عليها، وأخذ يسعى لتوسيع أملاكه بالإغارة على الأراضي الإسلامية. وكان يرى في نزول ميدان الكفاح ضد المسلمين، وسيلة لتدعيم هيبته في نفوس النصارى المتعصبين، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية مرة بعد أخرى.
وكان فرنان كونثالث، على قول المؤرخ الإسباني " ذا عبقرية تمازجها الغطرسة، وروح تمازجها العجرفة، معتداً بنفسه، وعالماً بما يمكن أن يجنيه من قلبه وساعده، محباً للاستقلال، تملؤه فكرة تحرير بلاده قشتالة من نير ليون، وأن يقيم لها سيادة خاصة " (1).
وقد رأينا فيما تقدم، كيف لجأ أردونيو الرابع ملك ليون المخلوع إلى الحكم، وكيف استقبله الخليفة بقصر الزهراء في حفل مشهود، ووعده بأن يعاونه على استرداد عرشه، لقاء عهود قطعها على نفسه، وكيف خشى سانشو عاقبة هذا المسعى، فبعث إلى الحكم يعرض عليه أن يعترف بطاعته، وأن ينفذ ما تعهد به للناصر، وكيف عاد بعد ذلك إلى نكثه السابق حينما توفي خصمه أردونيو.
وعندئذ لم يجد الحكم بداً من الحرب، ولم يجد الأمراء النصارى بداً من الاتحاد. وقد فصلنا فيما تقدم كيف اجتاحت الجيوش الإسلامية، أراضي قشتالة، ومزقت جيوش أميرها فرنان كونثالث، في موقعة شنت إشتيبن، وأرغمته هو وحليفه سانشو ملك ليون على طلب الصلح، وكيف اجتاحت غربي نافار عقاباً لأميرها غرسية سانشيز على نكثه، وإغارته على أراضي المسلمين، وكيف توالت غزوات المسلمين لأراضي قشتالة، ما بين سنتي 963، و 967 م.
وهنا نقف قليلا أمام تلك الحقيقة التاريخية الهامة، وهي أننا نجد قشتالة إحدى ولايات مملكة ليون القديمة، تحارب المسلمين لأول مرة كإمارة مستقلة.
ومن ذلك التاريخ تحتل قشتالة مكانتها في تاريخ الكفاح، بين اسبانيا النصرانية
_______
(1) Modesto Lafuente: ibid ; T. II. p. 361.
(1/594)

خريطة:
الممالك الإسبانية النصرانية في أواخر القرن العاشر عهد الحكم المستنصر والمنصور.
(1/595)

واسبانيا المسلمة، وتغدو بالرغم من نشأتها المتواضعة شيئاً فشيئاً، أعظم الممالك النصرانية رقعة، وأوفرها قوة ومنعة، وأشدها مراساً في محاربة المسلمين، وانهاك قوى المملكة الإسلامية.
واستمر سانشو حيناً يحكم في ظروف صعبة من جراء ثورات الزعماء والأشراف الخارجين عليه، وكان بعد أن عقد الصلح مع الحكم، قد أرسل إليه تحقيقاً لرغبة زوجه تريسا، وأخته الراهبة إلبيرة، سفارة يطلب إليه الإذن بنقل رفات القديس بلايو إلى ليون. وكان نصارى قرطبة قد عنوا بنقل رفات هذا القديس من الوادي الكبير، فأجاب الخليفة سؤله، ونقلت الرفات في العام التالي في حفل فخم، وأودعت ليون بكنيسة خاصة أقامها الملك، وسماها دير سان بلايو. ولم يحضر سانشو هذا الحفل لانشغاله بمقاومة الخوارج عليه. وكان من أشد خصومه والمحرضين عليه الحبر سسناندو أسقف شنت ياقب؛ وكان هذا الأسقف قد حصن مدينته وقصره الأسقفي، بحجة حمايتها وحماية مزار القديس ياقب من غارات النورمان، ولكنه أعلن العصيان، وعبثاً حاول سانشو استرضاءه، بيد أنه اضطر أخيراً أن يفتح مدينته للملك حينما رأى فشل الزعماء الخارجين في مقاومته.
وكان بين الزعماء الخارجين عليه من الأشراف وأشدهم مراساً، الكونت جوندسالفو (غندشلب) سانشيز حاكم جليقية، وكان قد استطاع أن يوطد استقلاله في المنطقة الواقعة بين نهري منيو ودويرة، وأن يبسط حكمه على لاميجو وبازو وقلمرية، الواقعة فيما وراء دويرة شمالي ولاية البرتغال، فسار سانشو لقتاله، ولكنه حينما عبر نهر منيو بقواته، ألفى رسل الزعيم الثائر يعرضون عليه التسليم والطاعة، مع رجاء واحد فقط هو أن يأذن الملك بمقابلة الكونت، فقبل سانشو. وكان الكونت قد دبر مشروعاً دنيئاً لاغتياله. فدعاه إلى مأدبة أقامها وقدم إليه فاكهة مسمومة تناولها سانشو دون أن يخامره الريب، وسرعان ما شعر بدبيب الموت يسري إلى أحشائه، فحمل في الحال إلى ليون وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ودفن بها تحقيقاً لرغبته، وكان ذلك في سنة 966 م (1).
وهكذا توفي سانشو ملك ليون مسموماً، بعد أن حكم اثنتي عشرة سنة، فخلفه ولده راميرو الثالث، طفلا في الخامسة من عمره تحت وصاية عمته الراهبة
_______
(1) Modesto Lafuente ; ibid, T. II. p. 341-342.
(1/596)

إلبيرة. ولكن معظم الأشراف أبوا الاعتراف بسلطانه. ونشبت في ليون طائفة من الثورات المحلية، ولاسيما في ولايات جليقية، وحاول كثير من الزعماء الأقوياء الانفصال عن العرش، وتوطيد سلطانهم المحلي. وكان مثل فرنان كونثالث في الاستقلال بولاية قشتالة، أقوى مشجع لهم، ولبثت أخطر حركة من ذلك النوع، هي ثورة جوندسالفو سانشيز (قاتل مليكه) حيث استمر على استقلاله يحكم المنطقة الواقعة بين نهري منيو ودويرة، وحكم القواعد الثلاثة الهامة لاميجو وبازو وقلمرية، الواقعة فيما وراء نهر دويرة.
وفي خلال ذلك، توفي الكونت فرنان كونثالث أمير قشتالة في سنة 970 م وخلفه في الإمارة ولده غرسية فرناندز، كما توفي غرسية سانشيز ملك نافار وخلفه ولده سانشو غرسية الثاني.
ويعلق المؤرخ لافونتي على عمل فرنان كونثالث مؤسس استقلال قشتالة وسياسته بقوله: " إن جميع الوسائل التي تذرع بها الكونت لتحقيق غايته لا تبدو مستحسنة في نظرنا، فإن معاملته لملوك ليون راميرو الثاني، وأردونيو الثالث، وسانشو الأول، وأردونيو الردىء، وكذلك معاملته لغرسية ملك نافار، حليفاً وخصماً بالتوالي لهؤلاء وهؤلاء، وساعياً في تولية وعزل هؤلاء وهؤلاء، ومقسماً للولاء وناقضاً له، ولقد كانت مقتضيات السياسة وملابساتها في صالحه، وإن كان ذلك لا يطابق حكم الأخلاق الصارم. بيد أننا نلاحظ أنه من مفاخر الكونت أنه لم يحالف المسلمين قط، ولم يتهادن قط مع أعداء وطنه أو دينه. أما عن بدء عهد استقلال قشتالة، فيمكن أن نضعه في منتصف القرن العاشر (الميلادي)، وهو الوقت الذي رأينا فيه الكونت يعمل لحسابه دون خضوع لملوك ليون " (1).
وأدركت الممالك النصرانية يومئذ، وفي مقدمتها مملكة ليون، التي شغلت بحوادثها الداخلية، أنه لا مجال للعدوان على أراضي المسلمين، ولزمت السكينة حيناً.
واتجه الملوك والأمراء النصارى إلى تحسين علائقهم مع بلاط قرطبة، فتوالت زياراتهم وسفاراتهم على الحكم، يسألون الصلح والمهادنة. وكان من الوافدين بأنفسهم على قرطبة أمير جلِّيقية، والراهبة إلبيرة الوصية على عرش ليون. وقد فصلنا من قبل قصة هذه الزيارات والسفارات في موضعها.
_______
(1) Modesto Lafuente: ibid., T. II. p. 861
(1/597)

ولما توفي الحكم المستنصر، وشغل المسلمون بعض الوقت بشئونهم الداخلية، اعتقد النصارى أن الفرصة قد عرضت مرة أخرى لغزو أراضي المسلمين، فأغار القشتاليون على الأراضي الإسلامية، وتوغلوا فيها جنوباً وعاثوا فيها؛ وهنا نهض محمد بن أبي عامر لرد عدوانهم، فغزا أراضي قشتالة في أوائل سنة 977 م (366 هـ) ثم غزاها ثانية، واقتحم مدينة شلمنقة في العام التالي.
وبدأت بذلك سلسلة الغزوات الشهيرة المتوالية، التي شهرها المنصور بن أبي عامر، على الممالك الإسبانية النصرانية، واستغرقت طيلة حياته، والتي فصلنا أخبارها فيما تقدم.
ونستطيع أن نشير هنا فيما يتعلق بمملكة ليون، إلى ما وقع من إقدام راميرو الثالث ملك ليون، على معاونة القائد غالب الناصري ببعض قواته، في حربه مع المنصور، فلما سار المنصور بعد ذلك لمحاربة راميرو ومعاقبته على هذا التحدي، استغاث راميرو بغرسية فرناندز أمير قشتالة، وسانشو غرسية ملك نافار، فسار المنصور، لمقاتلة القوات النصرانية المتحدة، وهزمها في موقعة شنت منكش في سنة 981 م (371 هـ).
وعلى أثر ذلك، رأى أشراف ليون، أن راميرو لم يعد صالحاً لحكم المملكة، فقرروا خلعه، وتولية ابن عمه برمودو ملكاً عليهم (982 م). ولكن راميرو لم يذعن لهذا القرار، فجمع أنصاره واستعد للحرب، واضطرمت بين برمودو وراميرو حرب أهلية، انتهت بهزيمة راميرو، وفراره إلى مدينة أسترقة، وامتناعه بها. وحاول راميرو بعد ذلك، أن يلجأ إلى المنصور، وأن يستمد عونه لاسترداد عرشه. ولكنه توفي بعد ذلك بقليل، وتخلص برمودو بذلك من منافسته.
بيد أن برمودو، لم يشعر مع ذلك بالطمأنينة. فقد لبث فريق كبير من الأشراف على معارضتهم لحكمه، ولبث النضال الداخلي مؤذناً بالخطر. وعندئذ قرر برمودو أن يلجأ إلى المنصور، فالتمس منه التأييد والعون، على أن يعترف بطاعته، فأجابه المنصور إلى طلبه، وبعث إليه بقوة من جنده، حلت بمدينة ليون عاصمة المملكة، وبذلك أصبحت ليون مملكة تابعة تؤدي الجزية، ولكن برمودو حينما شعر بتوطد مركزه، واشتداد ساعده، قرر أن يتخلص
(1/598)

من نير المنصور، فهاجم الحامية الإسلامية، واستخلص مدينة ليون من يدها, فنهض المنصور لمحاربته، وسار إلى مدينة ليون فاقتحمها وخربها، ومزق قوى النصارى، ثم استمر يغزو أراضي ليون تباعاً، ويوقع الهزائم المتوالية ببرمودو، حتى اضطر برمودو إلى طلب الصلح، والعودة إلى الاعتراف بالطاعة (995 م)، وقد رأينا كيف سار المنصور بعد ذلك، إلى غزو مدينة شنت ياقب عاصمة إسبانيا النصرانية الروحية (997 م)، وكيف انضم إليه في تلك الغزوة معظم أشراف جليقية. وعندئذ لم ير برمودو مناصاً في النهاية، من العود إلى التماس الصلح، والاعتراف بالطاعة، ونبذ كل مقاومة. فأجابه المنصور إلى طلبه.
وعاش برمودو بعد ذلك عامين آخرين، قضاهما في إصلاح الكنائس والأديار والقلاع، التي هدمت خلال الحرب. ثم توفي سنة 999 م، فخلفه ولده ألفونسو الخامس طفلا. وقام بالوصاية عليه الكونت مننديث كونثالث أحد أشراف المملكة (1).
3 - مملكة نافار
أشرنا فيما تقدم إلى نشأة مملكة نافار المستقلة، في أواخر القرن التاسع الميلادي، وكيف تولى عرشها سانشو غرسية (الأول)، عقب اعتزال أخيه فرتون الملك في سنة 905 م. وقد عمل سانشو على توسيع أطراف مملكته الصغيرة، واستطاع أن يدفع حدودها جنوباً حتى ناجرة، وخاض مع المسلمين حروباً عديدة، أيام الأمير عبد الله، وفي أوائل عهد الناصر. وقد غزا الناصر نافار سنة 920 م، ثم بعد ذلك في صائفة 924 م، ودخل عاصمتها بنبلونة وخربها، وسحق قوى نافار، وقضى على كل مقاومة من جانبها وكل نزعة للعدوان.
ولما توفي سانشو في سنة 916 م، خلفه ولده غرسية سانشيز طفلا، وحكم أولا تحت وصاية عمه خمينو غرسيس، ثم بعد ذلك تحت وصاية أمه الملكة طوطة، التي لبثت تحكم باسمه طويلا، حتى بعد أن بلغ سن الفتوة والنضج. وكانت نافار خلال ذلك ترتبط برباط المصاهرة، مع المملكتين النصرانيتين الأخريين. فقد كان أردونيو الثالث ملك ليون متزوجا من أوراكا إبنة الملكة طوطة وأخت غرسية. وكان فرنان كونثالث كونت قشتالة متزوجاً من إبنة أخرى لطوطة هي
_______
(1) ابن خلدون، ج 4 ص 181؛ وكذلك Altamira: ibid, Vol. I. p. 246.
(1/599)

سانشا، وكانت طوطة تحتل بذلك مقاماً ملحوظاً في الممالك الثلاث. ولما توفي راميرو الثاني ملك ليون في سنة 950 م، واضطرمت الحرب الأهلية حول وراثة العرش بين ولديه أردونيو وسانشو، وقفت نافار إلى جانب سانشو، ولد الملكة أوراكا النافارية، ثم وقفت بعد ذلك إلى جانبه مرة أخرى، بعد أن تولى العرش عقب وفاة أخيه، وقام أشراف ليون بخلعه، ولجأت الملكة طوطة في معاونته إلى الناصر حسبما تقدم.
ثم اضطربت العلائق بين نافار وبين جارتها قشتالة، ونشبت الحرب بينهما، فهزم الكونت فرنان كونثالث أمير قشتالة، وأسر في موقعة نشبت بين الفريقين على مقربة من ناجرة، واعتقل في نافار مدة طويلة ضعفت فيها شوكة قشتالة ولزمت السكينة حيناً.
ولما توفي الناصر، وتولى مكانه ولده الحكم المستنصر، طالب ملك ليون بتسليم الحصون التي تعهد بتسليمها إلى أبيه، وطالب ملك نافار بأن يسلمه أسيره فرنان كونثالث أمير قشتالة، فرفض الملكان مطالب الحكم، وأطلق غرسية أسيره فرنان كونثالث، فهرع إلى برغش عاصمته، وقبض على صهره أردونيو الرابع، وأرسله مخفوراً إلى الحدود الإسلامية، وهنالك التجأ إلى القائد غالب حاكم الثغر، ثم سار معه إلى الحكم مستجيراً به، واستقبله الحكم كما تقدم في احتفال مشهود.
واستطال حكم غرسية سانشيز حتى سنة 970 م، واستمرت أمه الملكة العجوز طوطة، محتفظة بإشرافها عليه، ومشاركتها الفعلية في الحكم، حتى وفاتها في سنة 960 م.
ولما توفي غرسية سانشيز، خلفه في عرش نافار ولده سانشو غرسية الثاني. وكانت مملكة نافار قد اتسعت رقعتها عندئذ، وأصبحت تشمل عدا ولاية نافار الأصلية، ولايات كانتبريا، وسوبرابي، ورباجورسا، ونمت مواردها وقواها حتى أن سانشو لم يحجم عن الإغارة على الأراضي الإسلامية، ورد المنصور على هذه الجرأة، فغزا نافار، وتوغل فيها حتى اقتحم عاصمتها بنبلونة، وذلك في سنة 987 م.
وخلف سانشو في الحكم ولده غرسية سانشيز الثالث، فلم يدم حكمه سوى
(1/600)

خمسة أعوام، وفي عهده غزا المنصور نافار مرة أخرى (999 م). ثم توفي غرسية في العام التالي، فخلفه ولده سانشو الثالث الملقب بالكبير.
4 - عناصر المجتمع في اسبانيا النصرانية
سبق أن تحدثنا فيما تقدم عن عناصر المجتمع في اسبانيا المسلمة، ويجدر بنا أن نتحدث هنا عن عناصر المجتمع في اسبانيا النصرانية.
لم يكن في اسبانيا النصرانية بعد الفتح الإسلامي، ما يمكن أن يسمى بالحياة القومية العامة. وكانت كل ولاية أو مملكة، تعيش وفق ظروفها ونظمها الخاصة، وكان هذا التباين ذاته، يقوم في الداخل، ويتفاقم أحياناً بما يحدث إلى جانبه من خلافات أخرى، تصيب النظم والحياة الإجتماعية.
وقد بقي تكوين المجتمع النصراني الإسباني عقب الفتح، على ما كان عليه أيام القوط، فكان يتكون من عنصرين رئيسيين، هما الأحرار، والعبيد؛ وكان الأحرار وهم الذين يستطيعون التصرف في أشخاصهم، والتنقل بحرية من مكان إلى آخر، ينقسمون بدورهم إلى أشراف وعامة.
وكانت طبقة الأشراف، تتكون أولا من الحكام ومن خاصة الملك، وتتوقف في تكوينها على الملك، يمنحها الألقاب والأراضي والوظائف. ويلحق بهذه الطائفة كبار الملاك، الذين يحصلون على أملاكهم سواء بالميراث أو الهبة. وكان للأشراف امتيازات كثيرة، سواء بالنسبة لأشخاصهم أو أملاكهم، فكانوا داخل أراضيهم سادة بكل معنى الكلمة، لهم مطلق الحرية والتصرف، بل كان لهم أن يتركوا خدمة الملك، وأن ينتقلوا إلى مملكة أخرى، إذا غضبوا منه لسبب من الأسباب. وكان من جراء ذلك، أن كثيراً من الأشراف النصارى، كانوا ينتقلون إلى الأراضي الإسلامية، وينضوون تحت لواء الأمراء والخلفاء، ويحاربون معهم ضد مواطنيهم وأبناء دينهم.
وكان هؤلاء الأشراف يعفون من الضرائب، خلافاً لما كان عليه الأمراء في عهد القوط، وكانوا ملزمين فقط بمساعدة الملك وقت الحرب، فينتظمون مع أتباعهم في الجيش المحارب على نفقة الملك.
وكان يلحق بهذه الطبقة من الأشراف، بعض طوائف أخرى أقل أهمية من الناحية الاجتماعية، مثل الفرسان والمحاربين، وهم الأشخاص الذين يستطيعون
(1/601)

أن يقتنوا لأنفسهم خيلا وسلاحاً، ليشتركوا في الحرب، ثم يمنحون نظير هذا الاشتراك بعض الإمتيازات. وقد نمت هذه الطبقة فيما بعد. وكذلك كان ينتمي إلى الأشراف، وينضوي تحت حمايتهم، بعض الطوائف الميسورة، مثل صغار الملاك، وأصحاب الصناعات. ولم تكن هذه الحماية تقف عند الأشخاص أو الأسر المعينة فقط، ولكنها كانت تشمل أحياناً بعض القرى والضياع، فينضوي أهل القرية أو الضيعة، تحت حماية الشريف بشروط معينة، وكان هؤلاء يقدمون جزءاً من أملاكهم إلى السيد المتولي حمايتهم، ويؤدون إليه إتاوات معينة، وأعطية ْشخصية. بيد أنهم كانوا في حل من تركه إذا قصر في حمايتهم، والانضواء تحت حماية سيد آخر.
ويلحق أخيراً بهذه الطبقة الشعبية الزراع الأحرار، وهم الأشخاص الأحرار الذين لا يملكون أرضاً، ولكن يتلقون من الملاك أرضاً لزرعها. وكذلك الأحرار الذين كانوا من قبل رقيقاً، ثم وفقوا إلى تحقيق حرياتهم، وكان هؤلاء عليهم أن يؤدوا إلى السيد أو المالك ضرائب وإتاوات عينية فادحة، بيد أنه كان في وسعهم أن يتركوه متى شاءوا.
إلى جانب هذه الطبقات الحرة من المجتمع النصراني، كانت توجد الطبقة المستعبدة أو طبقة الأرقاء، وقد بقيت أحوالها على ما كانت عليه أيام القوط تقريباً. وكانت تتكون من عناصر عدة، فمنهم عبيد الدولة، وعبيد الملك، وعبيد الكنيسة والأديار (عبيد رجال الدين)، ثم عبيد الأفراد وعبيد الأرض الملحقين بها. وكان عبيد الأفراد على الأغلب من أسرى الحرب، ومنهم الأسرى المسلمون.
وقد استمرت هذه الطوائف من الرقيق، قائمة حتى القرن الثاني عشر، ثم اندمجت بعد ذلك في طائفة واحدة من الأرقاء، هم رقيق الضياع.
وكان رقيق الضياع يعتبرون من مرافق الأرض، وينتقلون معها بانتقال الملكية. وكانوا يزرعون الأرض على نفقتهم، ويؤدون إلى السيد، سواء أكان هو الملك، أو الأشراف أو الكنيسة، جزءاً من المحصول، وإتاوات أخرى، ويقدمون إلى جانب ذلك خدمات شخصية كثيرة، مثل القيام بحرث أرض السيد، أو ضم محاصيله وعصر نبيذه وزيته، أو المعاونة في بناء داره، وتنحصر حقوقهم في التمتع بالسكن، والعيش في الضيعة. وكان بيع الضيعة يغدو في معظم
(1/602)

الأحيان بالنسبة لهم محنة أليمة، إذ يفرق أحياناً بين الرجل وزوجه، أو بينه وبين أولاده.
وكانت هذه الطبقة من الأرقاء تتكون من أبناء العبيد، ومن المحكوم عليهم بالرق، في قضية مدنية أو جنائية، ومن أسرى الحرب، وقد كانوا أسوأ طوائف الرقيق حظاً.
وكان تحرير الرقيق، يقع إما بالعتق أو بالفرار أو الثورة. على أن ثورات العبيد كانت قليلة، وكان الأغلب أن يظفر العبيد بحرياتهم، في أعقاب الثورات التي يشتركون فيها. أما العتق فكان يجري وفقاً لتعاليم الكنيسة. على أن هذه الطائفة من المتحررين، لم تكن تتمتع بكامل حقوق الطوائف الحرة الأخرى، فكان السيد محتفظ لنفسه أحياناً قبل المعتوقين ببعض الخدمات أو الإتاوات.
وقد استمرت الطبقة الوسطى، تنمو على كر الزمن، بزيادة عدد المعتوقين أو الأحرار الأصائل، حتى إذا كان القرن العاشر، كانت هذه الطبقة، تكون الجزء الأعظم من السكان، وتتمتع بظروف وأحوال أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل (1).
5 - تنظيم السلطات السياسية
أما من حيث التنظيم الأساسي، وتوزيع السلطات السياسية، في الممالك الإسبانية النصرانية، فقد كانت هذه السلطات موزعة، بين ثلاث جهات رئيسية، هي الملك، والأشراف، ورجال الدين.
وقد كان المفروض أن تكون السلطة الملكية، هي أعلى السلطات وأشملها، وقد كانت كذلك من الوجهة النظرية. فقد كان الملك، هو رئيس الدولة الأعلى، وله الولاية على كل فرد تضمه أرض المملكة. وكان الملك مصدر التشريع، ومنه وباسمه تصدر القوانين العامة، وكذا كان له حق الموافقة على القوانين المحلية، التي يصدرها الأشراف بالنسبة للمنتمين إليهم، وله أن يدعو رعاياه إلى الحرب، وأن يرغمهم على الخدمة فيها، وأن يصدر السِّكة، وأن يباشر العدالة. وهو الذي يعين الأساقفة ويقيلهم، ويؤسس الكنائس والأديار، وهو الذي يقود الجيش، وعلى الجملة فهو الذي يتولى سائر الوظائف السياسية والعسكرية والدينية والمدنية.
_______
(1) Altamira: ibid ; Vol. I. p. 287-293.
(1/603)

على أن هذه السلطات لم تكن متساوية في جميع الأحوال والعصور، وقد تعدلت بمضي الزمن، وانتقصت أطرافها، أحياناً بطريق التنازل من جانب الملوك، وبخاصة لأن الملك لم يكن يزاول هذه السلطات بطريق مباشر.
وكان الأشراف يتمتعون داخل أملاكهم، بقدر كبير من الاستقلال، ويبسطون حكمهم على طائفة كبيرة من الأراضي والقرى والضياع والحصون، وكان السيد يعيش في حصنه، وهو يقع عادة في موقع إستراتيجي حصين، ويحيط به عدد من المساكن المحصنة، ويخضع لسلطته سائر سكان المنطقة، بعضهم كعبيد، والبعض الآخر من المشمولين بحمايته. وكان يجني منهم الضرائب، والإتاوات العينية، ويدعوهم للخدمة العسكرية متى دعاه الملك إلى الحرب، ويباشر القضاء بينهم، وله أن يوقع عليهم بعض الأحكام الجنائية التي تتصل بالقانون العام. وعلى الجملة فقد كان للشريف على سكان منطقته، السيادة المطلقة، وهو الذي يوزع بينهم مختلف المناصب والأعمال.
وأما القضاء قِبل الأشراف أنفسهم، فقد كان يزاوله بالنسبة للسيد، أشراف من طبقته، ولا يزاوله قضاة الملك، لأنهم لم يكونوا من الأشراف. وكان للشريف أن يشهر الحرب على زملائه الأشراف، إذا أصابه منهم حيف أو إهانة، وله أن يترك خدمة الملك دون أن يخسر شيئاً من أملاكه، بل كان له أن يشهر الثورة ضد الملك. ولم يكن يحد من هذه السلطة، التي يمنحها الملك إياه سوى أمرين، الأول الخيانة، وفي هذه الحالة يجرد الشريف من أملاكه وامتيازاته، والثاني متى ضمت لأملاكه أراض جديدة، فإنه لا يستطيع أن يبسط عليها سلطته وامتيازاته إلا بموافقة الملك.
وكان الأشراف يشاركون في مزاولة القضاء مشاركة فعلية، فقد كانوا يؤلفون جزءاً من المحاكم العادية، ويشتركون في تشكيل المحاكم الملكية كلما اجتمعت، ويحتلون كذلك بعض المناصب الإدارية الهامة. وكان لهذه المساهمة الخطيرة، أثرها في إذكاء شهوتهم إلى الاستئثار بالسلطة، وتوطيد استقلالهم المحلي، وكثيراً ما كانوا يلجأون إلى الثورة، لفرض إرادتهم على العرش، أو يتدخلون في وراثة العرش بالقوة القاهرة.
ومع ذلك فقد كان الملوك، يعمدون إلى الإغضاء في أحيان كثيرة، ولو كان
(1/604)

في ذلك إضرار بالسلطة الملكية. ذلك أن ضعف الملوكية، وضرورات الحرب، ثم الحاجة إلى معاونة الأشراف أيام الحرب الأهلية حول وراثة العرش، كانت ترغم الملوك على التسامح، بل وأحياناً على زيادة المنح والامتيازات للأشراف، وذلك حرصاً على استتباب الأمن والسكينة، إذ كان الأشراف في تلك العصور قوة يخشى بأسها.
وقد كانت طائفة الأشراف هذه، بالرغم من مركزها الاجتماعي الممتاز، تنطوي على عيوب ومثالب كثيرة، فقد كانت تجنح إلى استغلال الرعايا، وانتزاع ما في أيديهم، بل وقد كانت ترتكب الجرائم جهاراً، فتعمد إلى نهب التجار والمسافرين، وكان الأشراف يقتتلون فيما بينهم للفوز بثمار أمثال هذه الجرائم. وقد استمر هذا النظام الإجرامي الجائر عصوراً، بالرغم من تدخل الملك. والأساقفة، لحفظ الأمن في كثير من الأحيان.
وإلى جانب الأشراف، كان رجال الدين من الأساقفة والرهبان ومن إليهم، يتمتعون كذلك في أراضيهم بسلطان مستقل. وكان للكنائس والأديار أراض شاسعة خاصة، ترجع إلى الهبات والنذور وغيرها، وفيها تزاول السلطة بطريق مطلق، وفقاً لروح هذا العصر الإقطاعي. وكان لها أيضاً كثير من العبيد والزراع تتمتع قبلهم كالأشراف، بالحق في تحصيل الجباية والمحاصيل وغيرها. وكان الملوك في أحيان كثيرة يهبون بدافع الورع والحماسة الدينية، إلى الكنائس والأديار، رقاعاً شاسعة من الأرض، فتبسط سلطانها على سكان المنطقة، وتحصل منهم الإتاوات، وتزاول بينهم القضاء. وكانت الكنائس والأديار، تدفع هذه السلطات أحياناً إلى حدود مرهقة، اجتناباً لافتئات الأشراف المجاورين. وكان رجال الدين، على مثل الأشراف، يلبون دعوة الملك إلى الحرب هم ورجالهم، ويحشدون الصفوف من بين رعاياهم من الأحرار والزراع والأرقاء، أو يعهدون بذلك إلى رئيس من غير رجال الدين. والخلاصة أن الأساقفة والرهبان كانوا كالأشراف، سادة بكل معاني الكلمة، وكانوا يمتازون في ذلك على الأشراف، بأن كان الملك يصدر الوثائق والمراسيم المكتوبة بامتيازاتهم، وكان يتبع الكنيسة أحياناً مناطق كثيفة من السكان، كما كان الشأن في شنت ياقب، حيث قامت حول الكنيسة مدينة عظيمة، صارت تابعة لها هي وما حولها من الأراضي الشاسعة.
(1/605)

وكانت سلطة الأسقف تتخذ في أحيان كثيرة صورة مطلقة في المدينة وفي الحقل، يزاولها على يد كونتات وموظفين وغيرهم. وكان له جيشه أو جنده الخاص، يحمون أراضيه من الأجانب أو الأشراف المغيرين (1).
ونلاحظ أن هذا التنظيم السياسي، الذي تطبعه روح إقطاعية عميقة، والذي ينطوي على توزيع السلطة بين مختلف الطوائف والعصبيات، بصورة تجعل دولا عديدة داخل الدولة، يتنافى في جملته وتفاصيله مع التنظيم السياسي للدولة الأندلسية الإسلامية. فقد رأينا فيما تقدم، كيف كان العرش يحرص منذ البداية على سلامة السلطة المركزية، وكيف بذل أمراء بني أمية، منذ عبد الرحمن الداخل جهودهم، لإخماد النزعة القبلية، وتحطيم رياستها؛ ثم جاء الناصر فحطم العصبية العربية، وقضى على رياسة القبائل العربية بصورة نهائية، واستخلص السلطة كلها للعرش، ولم يكن العرش يتسامح بعد ذلك، مع أية رياسة محلية تنزع إلى الاستقلال، إلا ما كان بالنسبة لبعض الثغور النائية، مثل طليطلة وسرقسطة، وذلك لأسباب عملية واستراتيجية.
_______
(1) R Altamira: ibid, Vol. I. p. 293-299
(1/606)

الفصل الرابع
عبد الملك المظفر بالله
عبد الملك بن المنصور يتولى الحجابة وتدبير المملكة. إشادة الرواية الإسلامية بعهده وبخلاله. يحذو حذو أبيه في سياسته نحو المغرب. يتابع سنته في الغزو. خروجه إلى الغزو ومسيره إلى الثغر الأعلى. عيثه في أراضي برشلونة. عوده إلى قرطبة واستقبال هشام له. جلوسه في الزاهرة. سفارة أمير برشلونة. إحتكام أميرى قشتالة وجليقية إليه. غضب سانشو غرسية وعدوانه. مسير عبد الملك لغزو قشتالة. غزوه لمملكة ليون. غزوة بنبلونة. استقباله لسفير القيصر في مدينة سالم. غزوة قلونية أو غزاة النصر. إتخاذ عبد الملك لقب المظفر بالله. قصة هذا اللقب ومرسومه. استئنافه للغزو واختراقه لقشتالة. الغزوة السابعة أو غزاة العلة. مرضه وتفرق جيشه. وفاته. ما قيل عن اغتياله بالسم. موقفه من الخليفة هشام. إنهماكه في الشراب واعتماده على الغلمان والوزراء. الوزير عيسى ابن القطاع. المنافسة بينه وبين الفتيان. تغلب الفتى طرفة واستئثاره بالسلطة. تغير عبد الملك عليه. القبض عليه وإعدامه. ابن القطاع يسترد نفوذه وسلطانه. كبرياؤه وتعسفه. الوقيعة في حقه. استظهار عبد الملك بالصقالبة والبربر. سخط الأسر العربية لذلك. تآمر ابن القطاع على إزالة بني عامر. وقوف عبد الملك على المؤامرة. بطشه بالوزير وأصحابه. استرداده لسائر السلطات. صفات عبد الملك وخلاله.
لما توفي المنصور بن أبي عامر بمدينة سالم، في السابع والعشرين من رمضان سنة 392 هـ، بعد أن ألقى إلى ولده عبد الملك، وصيته ونصائحه الأخيرة، بادر عبد الملك بالعودة إلى قرطبة، تاركاً لأخيه الأصغر عبد الرحمن، أمر العناية بمواراة أبيه، والعودة بالجيش. وما كاد يصل إلى العاصمة، حتى بادر برؤية الخليفة هشام المؤيد، واستصدر منه المرسوم بتوليته الحجابة، وجلس في الحكم مكان أبيه بالزاهرة. وتلى نص المرسوم بالمسجد الجامع، وأنفذت الكتب إلى الجهات، وإلى عدوة المغرب، معرفة بوفاة المنصور وتولية ابنه عبد الملك تدبير المملكة مكانه. وكان لوفاة المنصور وقع عظيم بقرطبة، فحزن الناس لفقده أيما حزن، وأدرك العقلاء أن رزءاً فادحاً نزل بالإسلام والأندلس.
واعتقد فريق من الفتيان المروانيين بالقصر، وبعض الناقمين من العناصر الأخرى، أن الفرصة قد سنحت، للتحرر من نير الحكم القائم، والعود إلى النظام الخلافي، ولكن السلطات العامرية كانت ساهرة. فقبضت في الحال على عدد من المحرضين،
(1/607)

وأبعدوا إلى العدوة، واستتب الأمر لعبد الملك، دونما جهد أو اضطراب، واستقبل الناس حكمه بالاستبشار والرضى.
وكان عبد الملك، حينما خلف أباه المنصور في الحكم، في الثامنة والعشرين من عمره، إذ كان مولده بقرطبة في سنة 364 هـ، ويكنى أبا مروان ويلقب بسيف الدولة وبالمظفر بالله، وأمه حرة تدعى الذلفاء؛ وقد رأينا كيف تمرس عبد الملك في شئون الحكم أيام أبيه، وكيف تولى القيادة، واشترك معه في كثير من غزواته، ومن ثم فقد قبض عبد الملك على زمام الأمور بحزم وكفاية، واعتزم أن يسير على خطى أبيه، سواء في تدبير الشئون الداخلية، أو الاستمرار في غزو الممالك النصرانية.
وتشيد الرواية الإسلامية بعهد عبد الملك على قصره، وما بلغته الأندلس فيه من الرخاء والنعماء، وتقدمه إلينا في صور طيبة لامعة. فيقول لنا ابن حيان في قوة وحماسة: " انصب منه الإقبال والتأييد على دولته انصباباً، ما عهد مثله في دولة. وسكن الناس منه إلى عفاف، ونزاهة، ونقي سريرة، ووثوق في بعد همته، اطمأنوا بها إلى جنبه، في السرِّ والعلانية، فباحوا بالنعم، واستثاروا الكنوز، وتناهوا في الأحوال، وتناغوا في المكاسب، وتحاسدوا في اقتناء الأصول، وابتناء القصور، وغالوا في الفرش والأمتعة، واستفرهوا المراكب والغلمان، وغالوا في الجواري والقيان، فسمت أثمان ذلك في تلك المدة، وبلغت الأندلس فيها الحد الذي فاق الكمال؛ فمهد تلك الدولة في احتشاد النعم عندها، وارتفاع حوادث الغير عنها ... في كنف ملك مقتبل السعد، ميمون الطائر، غافل عن الأيام، مسرور بما تتنافس فيه رعيته من زخرف دنياها. فاجتمع الناس على حبه. ولم يدهنوا في طاعته، ورضى بالعافية منهم، وآتوه إياها فصفى عيشه، وانشرح قلبه، وخلصه الله من الفتنة ".
ويشيد ابن حيان بعد ذلك، بعفة عبد الملك، وورعه وتواضعه وشجاعته وحيائه، وتورعه عما يشين الملك من المجون والاستهتار، وبره بوالديه، وثباته على عهد أبيه. كل ذلك في عبارات تنم عن عميق تأثره وإعجابه (1).
بيد أن هذه الصور المشرقة التي تقدم إلينا عن خلال عبد الملك، تغشاها
_______
(1) نقله أعمال الأعلام ص 84 و85، والبيان المغرب ج 3 ص 3.
(1/608)

من الناحية الأخرى خلة قاتمة، هي شغفه بمعاقرة الشراب وانهماكه في لذاته (1).
افتتح عبد الملك المنصور عهده، بإجراء كان له في نفوس الناس أطيب وقع؛ وذلك أنه أسقط سدس الجباية عن سائر الناس، في سائر بلاد الأندلس. فكان لذلك أثره في التخفيف عن الناس، والرفق بهم، وبث شعور الرضى والاستبشار بالعهد الجديد.
وحذا عبد الملك حذو أبيه المنصور نحو المغرب، في تأييد زناتة ومغراوة، والإبقاء على ولائهم. وكان المنصور حينما توفي زيري بن عطية زعيم مغراوة، في سنة 391 هـ، قد أقر ولده المعز حاكماً على المغرب حسبما قدمنا. فلما تولى عبد الملك الحجابة، أعلن المعز طاعته له، ودعى له على منابر المغرب، فكتب إليه عبد الملك بعهده، على سائر ما يملكه من أقطار المغرب (سنة 393 هـ) على أن يؤدي إلى حكومة قرطبة، مقادير معينة من المال والخيل والدرق. واستمر المعز على الوفاء بعهوده، أيام عبد الملك وأخيه عبد الرحمن من بعده (2).
واعتزم عبد الملك أن يسير على سنن أبيه في متابعة غزو الممالك النصرانية، وألا يترك لها فرصة لتذوق السلم والدعة. وكان الملوك النصارى قد تنفسوا الصعداء عند وفاة المنصور، واعتقدوا أن الظروف قد تتغير، وأن أخطار الغزوات الإسلامية قد تخبو، ولكن سرعان ما تبدد هذا الأمل. ذلك أنه لم تمض أشهر قلائل على تولية عبد الملك، حتى اتخذ الأهبة لغزوته الأولى، واستعد لها استعداداً خاصاً، ووفدت على قرطبة طوائف كبيرة، من الزعماء والمتطوعة من العدوة، للاشتراك فيها، وأجزل لهم عبد الملك الصلات والأرزاق، ووزع فيهم ما كان مخزوناً من السلاح.
وخرج عبد الملك بالجيش من مدينة الزاهرة، في شعبان سنة 393 هـ (يونيه 1003 م). وتصف لنا الرواية مشهد خروجه فتقول لنا إنه " خرج على الناس شاكي السلاح، في درع جديد سابغة، وعلى رأسه بيضة جديدة مثمنة الشكل مذهبة، شديدة الشعاع، وقد اصطفت القواد والموالي والغلمان الخاصة، في أحسن تعبئة، فساروا أمامه، وقد تكنفه الوزراء الغازون معه " (3). وسار عبد الملك
_______
(1) الببان المغرب ج 3 ص 3.
(2) نفح الطيب ج 2 ص 198، والاستقصاء ج 1 ص 95.
(3) البيان المغرب ج 3 ص 5.
(1/609)

أولا إلى مدينة طليطلة، ثم ارتد منها إلى مدينة سالم، وهنالك انضم إليه الفتى واضح في قواته، ووفد عليه في نفس الوقت قوة من النصارى، أرسلها الكونت سانشو غرسية أمير قشتالة، وفقاً لمعاهدته مع المنصور.
وتابع الحاجب عبد الملك سيره بعد ذلك في نحو الثغر الأعلى، واستراح أياماً في سرقسطة، ثم غادرها قاصداً إلى الثغر الإسباني أو بعبارة أخرى إلى إمارة برشلونة التي بدت من أمرائها منذ أيام المنصور نزعة إلى العدوان؛ وأشرف على سلسلة من الحصون القوية الواقعة جنوبي جبال مونسيش، واستولت قوات الفتى واضح على حصن مدنيش (1)، وحاصر الحاجب بقواته حصن ممقصر أو ممقصره (2)، واستولى عليه بعد قتال عنيف، وأباد حاميته، وعاث المسلمون بعد ذلك في بسائط برشلونة، وخربوا كثيراً من حصون العدو، واستولوا على كثير من الغنائم والسبي.
وقضى الحاجب وجيشه عيد الفطر في بسائط برشلونة، واحتفل بالعيد احتفالا فخماً، واستقبل طبقات الأجناد مهنئين ومسلمين. وبعث من معسكره رسالتين إلى قرطبة من إنشاء كاتبه أحمد بن برد يصف فيهما الفتح، إحداهما برسم الخليفة هشام المؤيد، والثانية لتقرأ على الكافة في جامع قرطبة.
ثم قفل عبد الملك بجيشه عن طريق مدينة لاردة. واخترق الثغر الأعلى جنوباً إلى قرطبة، فدخلها في الخامس من ذي القعدة. وهنالك تلقاه الأكابر والعلماء مهنئين مستبشرين؛ وقصد الحاجب من فوره إلى الخليفة هشام، فاستقبله أحسن استقبال، وأكرم منزله، وخلع عليه من ثيابه وسلاحه، فشكره الحاجب وقبل يده. وفي اليوم التالي جلس بقصر الزاهرة، واستقبل مختلف الوفود، وكان يوماً مشهوداً (3).
وقد نظم ابن دراج القسطلي في التهنئة بهذه الغزوة قصيدة هذا مطلعها:
بدا ريح السعد واستقبل النجح ... فبالله فاستفتح فقد جاءك الفتح
_______
(1) هو باسمه الإسباني Meya.
(2) هو باسمه الإسباني حصن Monmagastre؛ ويسميه ابن الخطيب حصن منغص (أعمال الأعلام ص 87).
(3) راجع في أخبار هذه الغزوة: البيان المغرب، ج 3 ص 5 - 9، وأعمال الأعلام ص 87.
(1/610)

وقد قدّم النصر العزيز لواءه ... وقبل طلوع الشمس ينبلج الصبح
فقد في سبيل الله جيشاً كأنه ... من الليل قطع طبق الأرض أو جنح
كتائب في أقدامها النجح والهدى ... وألوية في عقدها اليمن والنجح (1)
ولم يمض قليل على ذلك، حتى أرسل أمير برشلونة الكونت رامون بوريل الثالث، سفارة إلى قرطبة يطلب عقد الصلح والمهادنة، فاستقبل السفراء الفرنج استقبالا حافلا، على نمط أسلافهم من السفراء النصارى. وكانت هذه آخر فرصة من نوعها أبديت فيها أبهة الخلافة وفخامتها (2).
وكان من أثر هيبة عبد الملك في نفوس الملوك النصارى، أن احتكم إليه أمير قشتالة الكونت سانشو غرسية، ومننديث كونثالث زعيم جليقية، والوصي على ملك ليون الطفل. وكان ملك ليون وهو ألفونسو الخامس، يومئذ ما يزال حدثاً في العاشرة من عمره، وكانت أمه إلبيرة أختاً لسانشو غرسية، وكان سانشو يرى بذلك أنه أحق بالوصاية على ابن أخته الملك الطفل، من مننديث كونثالث. فلما احتكم الطرفان إلى عبد الملك، ندب قاضي النصارى أصبغ بن سلمة، لبحث النزاع والفصل فيه، فقضى لمننديث كونثالث بأحقيته للوصاية، واستمر بالفعل وصياً على ملك ليون حتى قتل غيلة في سنة 398 هـ (1008م) (3).
والظاهر أن سانشو غرسية لم يرضه هذا الحكم، فبدت منه أعراض العدوان على أرض المسلمين، أو هو قد اعتدى عليها بالفعل. ومن ثم فإنا نجد عبد الملك يخرج بقواته في صيف سنة 394 هـ (1004 م) ويقصد إلى أراضي قشتالة ويعيث فيها، ولم يبد سانشو أية مقاومة، فقفل عبد الملك إلى قرطبة، واضطر سانشو إلى طلب الصلح، وقصد بنفسه إلى قرطبة، فاستقبله عبد الملك أحسن استقبال، وأعيد عقد الصلح والتهادن بين الفريقين، وتعهد سانشو أن يعاون عبد الملك في غزواته ضد مملكة ليون، وضد خصومه من بني قومس وغيرهم.
وفي العام التالي (395 هـ - 1005 م) خرج عبد الملك في قواته وسار
_______
(1) تراجع هذه القصيدة بأكملها في ديوان ابن دراج القسطلي الذي سبقت الإشارة إليه ص 466 و467.
(2) الذخيرة. القسم الرابع، المجلد الأول، ص 64.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 181، البيان المغرب ج 3 ص 10.
(1/611)

صوب طليطلة؛ وهنالك لحق به الفتى واضح وسانشو غرسية في بعض قواته، ثم سار شمالا نحو أراضي ليون، وبعث واضحاً في قواته إلى مدينة سمورة، وكانت قد خربت منذ أيام المنصور، وليس فيها سوى قليل من النصارى يقيمون في بعض أبراجها، فقتل الرجال، وسبى النساء. وعاث عبد الملك بعد ذلك في أراضي ليون، وإلى جانبه سانشو غرسية، واقتحم أملاك بني غومس، ووصل في زحفه في جلِّيقية، إلى بلدة لونة الحصينة، واستولى في هذه الغزوات على كثير من الغنائم والسبي. ولكنه لم يحقق خلالها نتائج حربية ذات شأن (1).
وفي أواخر سنة 396 هـ (صيف سنة 1006 م) خرج عبد الملك إلى غزوته الرابعة. وتصف الرواية الإسلامية هذه الغزوة بأنها غزوة " بنبلونة "، وبعبارة أخرى " بنبلونة " عاصمة نافار. وتقول لنا إن عبد الملك سار بجيشه إلى سرقسطة ثم إلى وشقة، ثم إلى بربشتر، ومنها نفذ إلى أرض العدو. ولكن هذا الإتجاه الذي اتخذه الجيش الإسلامي، لا يحمل على الاعتقاد بأنه كان يقصد إلى نافار أو بلاد البشكنس، وإنما يبدو بالعكس أنه اتجه شمالا إلى أراضي ولاية " ريباجرسا " الصغيرة الواقعة شمال شرقي بربشتر، وهي إحدى ولايات البرنيه الفرنجية.
وتقول الرواية الإسلامية إن المسلمين اقتحموا في هذه الغزوة بسيط أبنيونش وشنت يوانش، (سان خوان) وعاثوا في أرض العدو قتلا وسبياً وحرقاً، ثم تقول لنا إن الجيش الإسلامي قد انقضت عليه يومئذ عاصفة مروعة من رعد وبرق ومطر غزير. تخللها قصف مفزع وبرد قارس، وخشى أن تكون سبباً في نكبته. ولكن تداركه لطف الله. وقفل عبد الملك راجعاً بجيشه إلى قرطبة. ولكن الشعب لم يبد في استقباله شيئاً من الحماسة، لضآلة النتائج التي ترتبت على هذه الغزوة، ولكونها لم تسفر عن شيء من الغنائم والسبي، التي كانت تملأ أسواق قرطبة أيام أبيه المنصور (2).
ومما يتصل بأخبار هذه الغزوة، أن عبد الملك عرج في طريق العودة على مدينة سالم، وقضى بها عيد الأضحى، وهنالك وافاه سفير من قبل قيصر
_______
(1) راجع أخبار هذه الغزوة في الذخيرة. القسم الرابع، المجلد الأول ص 65؛ والبيان المغرب ج 3 ص 11 و12.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 12 و13؛ وأعمال الأعلام ص 87.
(1/612)

قسطنطينية، الإمبراطور بسيل الثاني، ومعه كتاب مكتوب بالذهب يطلب فيه قيصر استئناف المودة والصداقة، التي كانت قائمة بين ملوك بني أمية، وبين القياصرة، ومعه كذلك هدية وعدد من الأسرى المسلمين الذين أسروا في أطراف الجزائر التابعة لقيصر، فسر عبد الملك لذلك، وصرف السفير أجمل صرف (1).
ونمى إلى عبد الملك في تلك الأثناء، ما كان يجيش به أمير قشتالة سانشو غرسية من قصد إلى العدوان، فرأى أن يعاجله بالغزو. فخرج من قرطبة في صيف سنة 397 هـ (1007 م) في غزوته الخامسة، وهي المعروفة بغزوة قلونية، أو غزوة النصر، وسار مخترقاً أراضي قشتالة. ويبدو من أقوال الرواية الإسلامية أن عبد الملك لم يواجه يومئذ أمير قشتالة فحسب، ولكنه كان يواجه جبهة متحالفة من الملوك النصارى، يشترك فيها سانشو غرسية، وألفونسو الخامس ملك ليون، وسانشو الثالث ملك نافار، وعدد من الزعماء النصارى في مقدمتهم بنو غومس (2). ويشير صاحب البيان المغرب إلى هذه الغزوة بقوله " غزاة النصر التي لقى فيها (أي عبد الملك) شانجه بجميع النصرانية على اختلافها " (3). ولا تقدم إلينا الرواية الإسلامية بعد ذلك شيئاً من التفاصيل، سوى قولها إن الحاجب عبد الملك، قد هزم النصارى في تلك الموقعة هزيمة عظيمة في ظاهر مدينة قلونية (كلونية)، الواقعة شمال نهر دويرة على مقربة من شنت إشتيبن، وأحرز عليهم نصراً مبيناً، وافتتح الحصن صلحاً. ووصل كتاب الفتح إلى قرطبة، وقرىء على الكافة كالعادة، فكان له وقع عظيم، وكان أهل قرطبة يخشون سوء العاقبة من اجتماع الجيوش النصرانية لقتال المسلمين. وقفل عبد الملك بالجيش إلى قرطبة، فوصل إليها في أواخر ذي الحجة من تلك السنة، واتخذ على أثر ذلك لقبه " المظفر بالله " تنويهاً بما أحرزه من النصر العظيم (4).
وقد ساق لنا المؤرخ الفقيه أبو المطرف ابن عون الله، وهو من معاصري هذه الحوادث، قصة هذا اللقب، فذكر أن عبد الملك كان مثل أبيه يسمو إلى
_______
(1) الذخيرة، القسم الرابع، المجلد الأول، ص 65 و66.
(2) راجع ابن خلدون ج 4 ص 182.
(3) البيان المغرب ج 3 ص 14.
(4) ابن خلدون ج 4 ص 182؛ والبيان المغرب ج 3 ص 14؛ والذخيرة، القسم الرابع، المجلد الأول ص 66.
(1/613)

الألقاب السلطانية، فتقدم إلى الخليفة هشام، على أثر عوده من غزوة قلونية، والتمس إليه إخراج الأمر له، بأن يتسمى " بالمظفر " وهو اللقب الذي اختاره وآثره، وأن يكنى في سائر ما يذكر عنه " بأبى مراون "، وأن ينعم على ابنه الغلام محمد، الذي منح لقب الوزارة، بلقب " ذي الوزارتين "، ويعلي بذلك مرتبته على سائر الوزراء، وأن يكنى بأبى عامر، كنية جده، وكان الخليفة يقيم يومئذ عند الحاجب بقصر الزاهرة، في الجناح الفخم الذي أنشىء وقتها، ففي منتصف المحرم سنة 398 هـ، تحرك الخليفة خفية إلى قصر ناصح من قصور الزاهرة، واستدعى حاجبه، وفاوضه فيما أراد. ولما انصرف من لدنه، اتبعه في الحال بمرسوم التكريم الذي التمسه، فأذاع عبد الملك نص المرسوم، وبعث بالكتب للعمل به، وإليك نص هذا المرسوم، وقد زعم البعض أنه كان بخط الخليفة هشام نفسه:
" بسم الله الرحمن الرحيم. من الخليفة هشام بن الحكم المؤيد بالله، أتم الله عليك نعمه، وألبسك عفوه وعافيته، إنا أريناك ... من صنع الله الجسيم، وفضله العظيم، لنا عليك ما شفى الصدور، وأقر العيون، فاستخرنا الله سبحانه في أن سميناك المظفر؛ فنسأل الله تعالى سؤال إلحاف وضراعة وابتهال، أن يعرفنا وإياك بركة هذا الاسم، ويحليك معناه، ويعطينا وإياك وكافة المسلمين، فضل ما حملت منه، وأن يخير لنا ولهم في جميع أقضيته، ويقرنه بيمنه وسعادته، بمنه وخفي لطفه، وكذلك أبحنا التكني في مجالسنا ومحافلنا، وفي الكتب الجارية منك وإليك، في أعمال سلطاننا، وسائر ما يجري فيه اسمك معنا ودوننا، إنافة بمحلك لدينا، ودلالة على مكانك منا، وكذلك ما شرفنا به فتاك أبا عامر، محمد ابن المظفر تلادنا، أسعده الله، بالإنهاض إلى خطة الوزارتين، وجمعناه بها في التكني على المشيخة والترتيب، وآثرك في الدولة، وأنت الحقيق منا بذلك كله، وبجميل المزيد عليه، لأنك تربيتنا، وسيف دولتنا، وولي دعوتنا، ونشىء نعمتنا، وخريج أدبنا، فأظهر ما حددناه لك في الموالي، وأهل الخدمة، واكتب بها إلى أقطار المملكة، وتصدقه بشكر النعمة، أحسن الله توفيقك، وأمتعنا طويلا بمعافاتك، وآنسنا ملياً بدوام سلامتك، إنه ولي قادر عزيز قاهر ".
وكانت الكتب تخرج من قبل عبد الملك على النحو الآتي: " من الحاجب
(1/614)

المظفر سيف الدولة أبى مروان عبد الملك بن المنصور ". فكان بذلك أول من اجتمع له لقبان ملوكيان من حكام الأندلس (1). وكان صدور هذا المرسوم حادثاً مشهوداً، أطلق عبد الملك على أثره الصلات والكسى، وكثرت تهاني الشعراء ومدائحهم.
والظاهر أن عبد الملك لم يجن من هذا النصر ما كان يؤمل من إرغام أمير قشتالة على التزام السلم والهدوء، وأن سانشو غرسية بالعكس استمر في عدوانه.
ومن ثم فإنه لم يمض سوى قليل، حتى تأهب عبد الملك لاستئناف الغزو، فخرج من قرطبة في أوائل شهر صفر سنة 398 هـ (أكتوبر 1007 م) واخترق قشتالة الوسطى، حتى ضفاف نهر دويرة، وقصد إلى حصن شنت مرتين المنيع، الواقع على مقربة من غربي قلونية على الضفة اليمنى من النهر، فحاول النصارى في البداية أن يردوا المسلمين في ظاهر الحصن، ولكن المسلمين صدوهم بعنف، فالتجأوا إلى الحصن، وحاولوا الدفاع من وراء الأسوار، فهاجم المسلمون الحصن بشدة وثلموا أسواره بالمجانيق والنار، واضطر النصارى إلى التسليم، فأمر عبد الملك بقتل الجند وسبي النساء والذرية، وإصلاح ما تهدم من الحصن، وقفل راجعاً إلى قرطبة فوصلها في أوائل شهر ربيع الآخر.
وفي شوال من نفس العام (صيف 1008 م)، خرج عبد الملك بالجيش، وكانت غزوته السابعة والأخيرة، وتعرف "بغزاة العلة". ذلك أنه ما كاد يصل إلى مدينة سالم حتى اشتد به المرض، فاستقر بها حيناً يرقب البرء. وفي أثناء ذلك دب الخلل إلى الجيش، وتفرق عنه أكثر المتطوعة، وأخفق مشروع الغزو، واضطر عبد الملك أن يعود أدراجه إلى قرطبة، عليلا ضعيفاً، وذلك في منتصف المحرم سنة 399 هـ. ومع ذلك فما كاد عبد الملك يشعر بقليل من التحسن، حتى عقد العزم على التأهب لاستئناف الغزو، وخرج بالفعل من قرطبة في منتصف شهر صفر، ولكن أصابته عندئذ نكسة شديدة، صحبتها نوبة سعال عنيف، فحمل إلى قصر الزاهرة في محفة، ومن حوله خاصة غلمانه، وتوفي على الأثر، وكان أخوه عبد الرحمن حاضراً مع أكابر رجال الدولة، وقيل إنه توفي مسموماً من شربة دست له بتحريض أخيه عبد الرحمن. وكانت وفاته في 16 صفر سنة 399 هـ
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 15 - 17؛ وأعمال الأعلام ص 88 و89.
(1/615)

(21 أكتوبر سنة 1008 م) (1)، ولم يكن قد جاوز الرابعة والثلاثين من عمره.
* * *
حكم عبد الملك المظفر ستة أعوام وبضعة أشهر، قضى معظمها في متابعة الغزو، ولم يكن لديه سعة من الوقت ليتناول تدبير الأمور بنفسه. وكانت الدولة قد توطدت منذ أيام أبيه المنصور، ولم يقع تبدل في طرق الحكم، فكان الخليفة هشام، كعهده أيام المنصور محجوباً في قصره، وكان عبد الملك يحرص على حجبه وإخفائه بين صفوف الجند، كلما سنحت فرصة خروجه في موكبه، بيد أنه يبدو أن عبد الملك كان أكثر تودداً للخليفة، ورفقاً به من أبيه، فقد كان يدعوه إلى قصوره بالزاهرة للتريض والاستجمام، وكان هشام ينفق أوقاتاً في ضيافته (2).
وكان عبد الملك لانهماكه في الشراب واللهو، قد اعتمد في تدبير شئون الدولة، على خاصته من أكابر الفتيان العامريين أمثال طرفة، وواضح، وزهير، وخيران، ومجاهد، وعلب عيسى بن سعيد اليحصبي المعروف بابن القطاع، وزيره ووزير أبيه من قبل. وكان عبد الملك لأول ولايته، قد فوض أمره إليه ومنحه سائر السلطات العليا، ثقة منه بإخلاصه، واعتماداً على كفايته. ووطد حسن ظنه فيه، ما أبداه عيسى من البراعة والحزم في تدبيير الأمور، وتوطيد النظام والأمن. وكان الفتيان الصقالبة، ولاسيما زعيمهم طرفة، خادم عبد الملك الأكبر، ينقمون على عيسى، حظوته واستئثاره بالسلطة، ويعملون ما وسعوا للنيل من مكانته. واضطرمت المنافسة بالأخص بينه وبين طُرفة، وبذل طرفة جهوداً عنيفة لإفساد الجو بينه وبين الحاجب، واستطاع مع استمرار الوقيعة والدس أن يزعزع ثقة عبد الملك فيه، وأن يصرفه عن الاعتماد عليه، وانتهى الأمر بأن تغلب طرفة على الوزير، وحل محله في تدبير الأمور، واجتمعت السلطة في يده شيئاً فشيئاً، حتى غدا كل شىء في القصر وفي الدولة، وسما شأن الفتيان
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 37، والذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 66، وأعمال الأعلام ص 89. وذكر المقري أن وفاة عبد الملك كانت في المحرم سنة 399 (ج 1 ص 198). ويؤيد ابن الأثير رواية وفاة عبد الملك بالسم ويقول لنا إن أخاه عبد الرحمن سمه في تفاحة قطعها بسكين كان قد سم أحد جانبيها فتناول أخاه مما يلى الجانب المسموم، وأخذ مما يلى الجانب الصحيح فأكله بحضرته، فاطمأن المظفر وأكل ما بيده منها فمات (ج 8 ص 225).
(2) البيان المغرب ج 3 ص 16.
(1/616)

الصقالبة، وغلبوا على من عداهم من الكبراء وأصحاب المناصب. ومرض الحاجب في أوائل سنة 396 هـ، واستبد طرفة بالأمر، وأمضى كثيراً من الأمور دون علم الحاجب أو موافقته، وأبدى كثيراً من الاستهتار والتبذل والطيش، فلما أبل الحاجب من مرضه، كانت نفسه قد تغيرت على طرفة، ولما خرج إلى الغزو في شهر رمضان من هذا العام، خرج معه الوزير عيسى، واستطاع خلال الطريق أن يقنع عبد الملك بسوء مسلك طرفة وخطر مشاريعه، وكان من المقرر أن يلتقي طرفة بسيده في سرقسطة، فقدم إليها في بعض القوات في نفس اليوم الذي وصل فيه الحاجب مع جيشه؛ وما كاد يدخل إلى عبد الملك في قصره، حتى قُبض عليه، وصُفد بالأغلال، وحمل إلى إحدى جزر الشاطىء، واعتقل حتى انتهى عبد الملك من غزوته، فأمر بقتله، وهو في طريق العودة، وأمر الحاجب في نفس الوقت بقتل عبد الملك بن إدريس الجزيري الكاتب البليغ أمين البلاط، وكان من خاصة طرفة، وكان الوزير عيسى قد حذر عبد الملك من ممالأته لطرفة ومعاونته على إفساد أمور الدولة (1).
وأضحى عيسى بن سعيد، بعد قتل طرفة، رجل الدولة الأول، واسترد كامل حظوته وسلطانه، على أنه لم ينعم طويلا بظفره. وكان هذا الوزير قد تقلب في مناصب الدولة منذ أيام المنصور، وحظى لديه، وسما شأنه، حسبما رأينا، ثم تضاعف شأنه، واستأثر بتدبير الأمور منذ بداية عهد عبد الملك، وجمع الأموال الطائلة، وزاد في توطد سلطانه ونفوذه مصاهرته للحاجب، حيث تزوج ابنه عبد الملك المكنى أبا عامر، أخت عبد الملك الصغرى، إحدى بنات المنصور، وهكذا بلغ الوزير أقصى مراتب النفوذ والثقة، وكثر بذلك حساده والوشاة في حقه. وكان عيسى يذكي من حوله عواطف الخصومة والنقمة. بما كان يجنح إليه من الصلف والخشونة والكبرياء، والنكول عن قضاء حاجات الناس، والنظر في مظالمهم، والتعالي عليهم، وكان حجابه وعماله، على شاكلته من الغلظة والتعسف في معاملة الناس. فكان ذلك كله سبباً في تسمم الجو حول الوزير، وحول تصرفاته. أضف إلى ذلك أن الوزير، لم يكن يشارك الحاجب في مجالس شرابه وأنسه إلا في القليل النادر، لأنه كان مقلا للشراب، فكان تخلفه يمهد
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 24 - 26.
(1/617)

لخصومه المقربين من الحاجب، سبل الدس والوقيعة في حقه. وقد كانت الذلفاء والدة الحاجب في الوقت نفسه تبغض الوزير، لأنه أيد ولدها عبد الملك في الزواج من قينة حسناء من جواريه هام بها، وكانت تعارضه في ذلك. والخلاصة أن عبد الملك أخذ يفقد ثقته في وزيره بسرعة، وقد كان فيما يبدو كثير التأثر بالوشاية، سريع التقلب والغدر، وأخذ الوزير من جانبه يشعر بهذا النقص في حظوته ويتوجس من عواقبه.
والظاهر أن عيسى بن سعيد، كانت تحدوه في نفس الوقت أطماع ومشاريع أخرى. فقد كان يشعر أنه غدا باجتماع سائر السلطات في يده، ومشايعة رؤساء الجند له، أقوى رجل في الدولة، وأنه يستطيع أن يقف في وجه بني عامر، وأن يغدو بطل المناهضة لحكمهم. والواقع أن حكم العامريين كانت تشتد وطأته على الناس يوماً بعد يوم. وكان عبد الملك جرياً على سنة أبيه المنصور، قد مضى في الاستظهار بالفتيان الصقالبة والبربر، وبلغ الفتيان في عهده نحو ألفي غلام، ووفد عليه كثير من البربر؛ وكان أهم من وفد إليه من زعمائهم زاوي بن زيري بن مناد الصنهاجي، عم أبي المعز بن باديس صاحب إفريقية، وزعيم الفرقة الخارجة عليه، وفد عليه مع إخوته، فاستقبلهم عبد الملك، وغمرهم بصلاته، واستمروا بقرطبة حتى وقعت الفتنة، وكان لهم في حوادثها شأن يذكر (1). وفي رواية أخرى أن وفود زاوي وقومه على الأندلس، كان في أواخر أيام المنصور، وأنه هو الذي أذن لهم في الجواز (2). وكانت الأرستقراطية العربية تمقت هذا الإيثار للصقالبة والبربر، والاستظهار بهم، وترى فيه افتئاتاً على حقوقها ومكانتها، وكان كثير من الأسر العربية الكبيرة مثل آل حدير، وآل فطيس، وآل شهيد، وغيرهم، يتوقون إلى انتهاء حكم العامريين، ورد الأمر إلى بني أمية، وكان عيسى بن سعيد، وهو أيضاً من البطون العربية، يعتنق فكرتهم، ويعتقد أنه يستطيع أن يعمل على تحقيقها.
واعتزم عيسى بالفعل أن يعمل في هذا السبيل، واتجه ببصره إلى سليل من
_______
(1) الذخيرة عن ابن حيان القسم الرابع المجلد الأول ص 61.
(2) كتاب التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله بن بلقين (القاهرة 1955) ص 17، وابن خلدون ج 6 ص 157 و158.
(1/618)

المروانية هو هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وكان بينهما مودة وصداقة. وكاشف عيسى هشاماً بمشروعه، في إزالة بني عامر، وإزالة الخليفة هشام المؤيد. لعجزه وعقمه، وإقامته مكانه في الخلافة، ورد الأمر بذلك إلى بنى أمية. فاستجاب هشام إلى دعوته، وجرت بينهما المفاوضة بمنتهى التكتم والحذر. وكانت خطة عيسى، تتلخص في أن يدعو عبد الملك وأخاه عبد الرحمن وصحبه، إلى حفل عظيم يقيمه بالمنية التي وهبه عبد الملك إياها بقرب قصر الزاهرة، وذلك تيمناً بمولود رزق به ولده عبد الملك بن عيسى، وأن يحيط المنية بطوائف من رجاله المسلحين، فإذا حضر عبد الملك وأخوه وصحبه، انقض عليهم أولئك الرجال وقضوا عليهم جميعاً، وعندئذ يسير عيسى بصاحبه هشام إلى قصر الزاهرة فيجلسه فيه، ويأخذ له البيعة بالخلافة، وقد تقدم عيسى بالفعل بدعوته إلى عبد الملك فقبل الدعوة، وحدد بالفعل يوم الحفل.
ولكن سرعان ما اتصل خبر المؤامرة بعبد الملك، نقله رجل من ثقات عيسى إلى نظيف الفتى الصقلبي، فأبلغه فوراً إلى سيده. وفي رواية أن عبد الملك بادر في الحال فقتل عيسى. ولكن الرواية الراجحة هي أن عبد الملك وأخاه عبد الرحمن اتفقا على تدبير قتله، في مجلس شراب ينظم لهذا الغرض، ونظم المجلس بالفعل في بهو القصر الكبير المشرف على النهر، وذلك في 20 ربيع الأول سنة 397 هـ.
واستدعى الحاجب وزيره عيسى إليه؛ ومن غرائب القدر أن كان الوزير أيضاً يجلس مع بعض خاصته على الشراب، ومنهم الكاتب أبو حفص ابن برد، فبادر عيسى بالركوب إلى عبد الملك، ومعه بعض خاصته، فاستقبله عبد الملك بظاهر من الحفاوة. ثم أخذ بعد قليل في عتابه ومحاسبته على ما عزى إليه، ثم أغلظ له القول، وعيسى يعتذر ويحتج ببطلان ما نسب إليه، ويشدد القسم على ذلك، ويناشد حقن دمه. وفجأة جذب عبد الملك سيفه من جانب الفراش وشهره على عيسى، وطعنه في وجهه، فسقط على الأرض، فانهال عليه الجماعة طعناً بسيوفهم، ثم احتز رأسه ووضع جانباً؛ وقتل الجماعة أيضاً صاحبيه خلف ابن خليفة، وحسن بن فتح، وألقيت جثث الثلاثة في النهر، بعد أن وضعت في زنابيل مثقلة بالحجارة، وأمر عبد الملك بأن ينصب رأس عيسى على باب مدينة الزاهرة، عبرة للناس. وتركت معلقة في مكانها حتى انقضت الدولة العامرية،
(1/619)

ونفذ الجند في الحال إلى منازل عيسى وأصحابه، وصودر ما فيها، وقبض على أبناء عيسى وزجوا إلى السجن، وأرغم ولده عبد الملك على طلاق زوجته أخت الحاجب؛ وجدت الشرطة في أثر هشام بن عبد الجبار، حتى قبض عليه، ثم حمل إلى الزاهرة فأمر الحاجب باعتقاله في سجن أعد له، وهناك قتل خفية، ولم يسمع له خبر بعد ذلك قط.
وكان لمقتل الوزير عيسى بن سعيد أعمق وقع في قرطبة، لما كان له من رفيع المنزلة والسلطان، ولبثت الوفود أياماً تحضر إلى الزاهرة لمشاهدة رأسه (1).
وثاب المظفر بعد مقتل وزيره إلى نفسه، وعمل على جمع السلطة في يده، والحد من سلطة الوزراء والكتاب، ومراقبتهم ومحاسبتهم، وواظب على الجلوس بنفسه، وهجر اللهو والراحة؛ وكانت الأحوال المالية قد ساءت، مما أسرف فيه من النفقة والصلات، وبما أسقطه للناس من سدس الجباية، فاقتصد في النفقة، واجتهد في توفير المال، وتنمية الموارد، فنجحت المحاولة، وتحسنت الأحوال المالية في أواخر عهده (2).
وقد أشرنا من قبل إلى طرف من أخلاق عبد الملك، وما جمعت من الصفات المشرقة والقاتمة معاً. ونزيد هنا ما رواه صاحب الذخيرة عن ابن حيان، من أن عبد الملك كان عرياً عن العلم والمعرفة والأدب، ولم يكن يجتمع في مجالسه سوى الأعاجم من الجلالقة والبربر ومن إليهم، ولم يكن يؤمها أحد من أهل المعرفة، من الأدباء والعلماء. بيد أنه مع ذلك لبث يسبغ رعايته على من كان يتصل منهم بأبيه من العلماء والأدباء والندماء وغيرهم، وأبقى لهم أرزاقهم ورواتبهم كما كانت ْأيام أبيه (3). وكان يستمع إلى الشعر، ويصل الشعراء، وقد أبقى بالأخص على شاعر أبيه صاعد البغدادي، وجعله شاعراً ونديماً له. وكان من خواص شعرائه أيضاً أبو عمر بن دراج القسطلي، والكاتب الشاعر أبو حفص ابن برد. وقد أورد لنا صاحب البيان المغرب نبذاً من الشعر، نظمها صاعد وابن دراج تحقيقاً لرغبة
_______
(1) راجع تفاصيل هذه المؤامرة وذيولها في الذخيرة، القسم الأول المجلد الأول ص 103 - 107، والبيان المغرب ج 1 ص 27 - 35.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 36، وأعمال الأعلام ص 89.
(3) الذخيرة - القسم الأول المجلد الأول ص 60.
(1/620)

المظفر، في وصف مختلف صنوف الزهر، من الآس، والنرجس، والبنفسج، والورد والسوسن. ومما جاء في قصيدة ابن دراج في وصف السوسن ومديح الحاجب عبد الملك تلك الأبيات (1):
إن كان وجه الربيع مبتسما ... فالسوسن المجتلى ثناياه
يا حسنه بين ضاحك عبق ... يطيب ريح الحبيب ريّاه
يا حاجباً مذ يراه خالقه ... توّجه بالعلى وحلاه
إذا رآه الزمان مبتهجاً ... فقد رأى كل ما تمناه
وإن رآه الهلال مطلعاً ... يقول ربي وربك الله
ونظم بعضهم في وصف عهد عبد الملك الأبيات الآتية:
زمان جديد وصنع جديد ... ودنيا تروق ونعمى تزيد
وغيث يصوب وعيش يطيب ... وعز يدوم وعيد يعود
ودهر ينير بعبد المليك ... كشمس الضحى ساعدتها السعود
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 18 - 21. وكذلك الروض المعطار ص 160.
(1/621)

الفصْل الخامِسُ عبد الرحمن بن المنصور وسقوط الدولة العامرية
نظام الطغيان العامري. كيف كانت تلطفه عبقرية المنصور. ظهور مثالبه في عهد عبد الملك. عبد الرحمن المنصور يخلف أخاه. يتقلد الحجابة. تلقيبه بشنجول أو شانجه الصغير. إنحرافه وسوء خلاله. تودده للخليفة هشام. تلقبه بالمأمون وناصر الدولة. شروعه في اغتصاب ولاية العهد. ضغطه على هشام لتحقيق ذلك. مرسوم ولاية العهد ونصه. جلوس عبد الرحمن في الزاهرة. عكوفه على الشراب واللهو. إرغامه الكبراء على لبس العمامة. خروجه إلى الغزو. يخترق أراضي ليون. إعتصام النصارى بالجبال. ارتداد عبد الرحمن. أنباء الإنقلاب في قرطبة. الاضطراب في الجيش. سيره إلى قلعة رباح. سخط أهل قرطبة على بني عامر. المؤامرة وعناصرها. الذلفاء والدة عبد الملك ودورها. ترشيح محمد بن هشام للخلافة. نضج المؤامرة وتهيؤ الظروف لتنفيذها. مهاجمة المتآمرين للقصر. مصرع عبد الله بن أبي عامر. موقف الخليفة هشام وتصرفه. إقتحام العامة للقصر. الزاهرة وتسليمها. إقتحام الجموع لها ونهبها. إستيلاء المهدي على أموالها ونفائسها ثم تدميرها. نبوءة المنصور بخراب الزاهرة. وقوف شنجول على خبر الانقلاب وحيرته. يناشد أهل الثغر تأييد هشام. تخلي زعماء الجند عن نصرته. شنجول وصديقه ابن غومس. مسيره صوب قرطبة. فرار البربر تحت جنح الظلام. مسيره إلى أرملاط. التجاؤه وابن غومس إلى الدير. وقوعهما في يد فرسان المهدي. القبض على حشم شنجول ونسائه. مقتل شنجول وابن غومس. ما يقوله شاهد عيان عن هذه الحوادث. تأملات عن انهيار الدولة العامرية.
كانت وفاة عبد الملك المظفر، فاتحة لفترة من أعجب فترات التاريخ الأندلسي وأشدها غموضاً واضطراباً، وكانت نذيراً بانقلاب من أعنف ما عرفت الأندلس وأشدها تقويضاً لبنائها وسلامها ورخائها.
مضت خمسة وثلاثون عاماً على حكم الطغيان المطبق، الذي فرضه المنصور ابن أبي عامر على الشعب الأندلسي، وقضى في ظله على سلطان الخليفة الشرعي، ومحيت رسوم الخلافة، وسحقت العصبية العربية، وطوقت أعناق الشعب بأغلال خانقة. وبالرغم مما نعمت به الأندلس أيام المنصور من الاستقرار والعزة والرخاء، فإن الشعب لم يكن يرى في المنصور، سوى مغتصب للسلطة الشرعية، وكان يتوق إلى التحرر من هذا الطغيان الذريع، والتخلص من وطأة الصقالبة والبربر، والعود
(1/622)

إلى الأوضاع الطبيعية المألوفة. وكانت شخصية المنصور العظيمة، وعزمه الصارم،
وهمته البعيدة، وخلاله الرفيعة، وتفانيه في الجهاد، والعمل على إعزاز الأندلس
وإسعادها: كانت تفرض نفسها على الناس، وتخفف نوعاً من وطاة النظام وحدته،
وتبث في نفوس الشعب نوعاً من الإعجاب المقرون بالإغضاء والتسامح. فلما
توفي المنصور، ونهض ولده عبد الملك بأعباء الحكم، بدأ ينقشع هذا الشعور
الملطف، وبدت مثالب الحكم المطلق على أشدها، وزاد إحساس الشعب بما يعانيه
من ضروب الإرهاق والضغط، وظهرت شخصية عبد الملك ضئيلة باهتة بالنسبة
لشخصية أبيه العظيم، وبدت بالرغم مما اضطلع به من الغزوات، وما تمتعت به
البلاد في ظله من السلام والرخاء، لا تحمل سوى الأوزار الظاهرة، من عكوف
على الشراب، وانهماك في الملاذ، والمضي في اغتصاب السلطة الشرعية، وتمكين لنير الصقالبة والبربر، والتطلع إلى ألقاب الملك، بصورة تكشف عما وراءها من الأطماع الخطرة.
وجاء عبد الرحمن ابن المنصور إثر أخيه عبد الملك، وقد كان أضعف منه شخصية، وأسوأ خلالا، ليتابع حكم الإرهاب والطغيان، وجلس غداة وفاة أخيه بقصر الزاهرة، كما يجلس خليفة العرش مكان سلفه، في السابع عشر من صفر سنة 399 هـ (22 أكتوبر سنة 1008 م). ومثل في نفس اليوم لدى الخليفة هشام، فخلع عليه الخلع السلطانية، وقلده الحجابة، ثم أقبل إليه الأكابر والأعيان بقصر الزاهرة، مهنئين مبايعين.
وكان عبد الرحمن وكنيته أبو المطرِّف، حينما تولى الحكم، فتى في الخامسة والعشرين من عمره. وكان يلقب منذ حداثته " بشنجول " (سانشول) أو شانجُه الصغير، وذلك لأنه حسبما تقدم كان حفيداً لسانشو غرسية ملك نافار، وكانت أمه الأميرة النافارية، حينما تزوجت المنصور، قد اعتنقت الإسلام، وتسمت باسم "عبدة"، وكان ولدها عبد الرحمن " أشبه الناس بجده ". وكان لهذه الأرومة الفرنجية الواضحة، أثرها في انصراف الناس عن محبته والعطف عليه، وكان يزيد في هذه الوحشة بين عبد الرحمن وبين الشعب، إنحرافه وخلاله السيئة، فقد كان فاجراً كثير الإستهتار والمجون، يقضي معظم وقته في الشراب واللهو " يخرج من منية إلى منية، ومن متنزه إلى متنزه، مع الخياليين والمغنين
(1/623)

والمضحكين، مجاهراً بالفتك، وشرب الخمر " (1).
وجرى عبد الرحمن على سنة أبيه وأخيه، في الحجر على الخليفة هشام وحجبه، وفي الاستبداد بالرأي والحكم (2)، ولكنه نهج في معاملة الخليفة نهجاً جديداً، فأكثر من الإتصال به، والتقرب إليه، وبالغ في إرضائه وإرضاء حاشيته، وتحقيق رغباتهم؛ هذا في حين أن المنصور كان يقتصر في الاتصال بالخليفة على المواقف الضرورية، ويقتصد في رؤيته، ويؤثر التظاهر بتوقيره مع البعد عنه، ويحرص على عدم تدليله، وكبح جماح حاشيته؛ وجرى ولده المظفر على هذه السياسة. ولكن عبد الرحمن بالغ في التودد لهشام ومخالطته؛ ومن ذلك أنه استأذنه في أن يقوم بالتنزه مع أهله في قصور الملك بقرطبة، ويكون الخليفة هنالك مع خاصته وجواريه. فأذن هشام بذلك، وخرج مع الحاجب في موكبه مستخفياً، وقد ارتدى برنساً كالذي ترتديه الجواري، حتى لا يعرفه أحد، واخترق الموكب شوارع قرطبة المقفرة ومن حوله الجند، ونزل بقصر ناصح. وهنالك عرض عليه الحاجب شئون المملكة، والتمس إليه أن يأذن له في التلقب بالمأمون، وأن يضاف إلى اسمه ناصر الدولة، فخرجت رقعة الخليفة بذلك إلى الوزير الكاتب جَهْور بن محمد، وتسمية عنوانها " الحاجب المأمون ناصر الدولة أبو المطرِّف حفظه الله " وأبلغت بعد ذلك إلى الجهات والكافة. وكان ذلك لعشرة أيام فقط من ولاية عبد الرحمن. فعجب الناس لهذه الجرأة، وأنكر الناس على الحاجب هذا التسمي بألقاب الملك والخلافة، واعتبروها افتئاتاً وغروراً، ممن لا تؤهله خلاله لمثل هذا التكريم. ولكن سوف نرى أنها لم تكن سوى مقدمة لما هو أخطر وأبعد أثراً (3).
ذلك أنه لم تمض على هذا الإجراء فترة يسيرة، حتى غادر الخليفة هشام قصر ناصح بقرطبة، إلى القصر الخليفي بمدينة الزهراء مستخفياً كعادته، يتقدم موكبه الحاجب عبد الرحمن، ونزل عبد الرحمن بمدينة الزاهرة. وأقام الخليفة بالزهراء يومين. وفي اليوم الثالث الموافق 14 ربيع الأول سنة 399 هـ، غادر القصر الخليفي في أهله، إلى منية جعفر المجاورة، ومعه الحاجب. وكان عبد الرحمن
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 39.
(2) ابن خلدون ج 6 ص 148.
(3) البيان المغرب ج 3 ص 40 - 42؛ وأعمال الأعلام ص 90.
(1/624)

بعد أن حصل على ألقاب الملك، يجيش بمشروع ضخم، هو أن ينتزع ولاية العهد من الخليفة الضعيف الساذج، وأن يقضي بذلك نهائياً على تراث بني أمية، وينقل رسوم الخلافة جملة إلى أسرة بني عامر، فتخلف أسرة بني أمية في ملك الأندلس. وقد رأينا فيما تقدم كيف أن أباه المنصور، بالرغم من قوة نفسه، وعريض سلطانه، كان ينأى عن المغامرة بمثل هذه المشاريع الدقيقة، لأنه كان يدرك بذكائه، وبعد نظره، أنها تنطوي على أخطر العواقب، وأنه لم يقدم على اتخاذ ألقاب الملك إلا بعد طول روية وأناة، وأنه كان أبداً حريصاً على ْالإبقاء على رسوم الخلافة وأوضاعها. وقد حذا ولده عبد الملك المظفر حذوه في حرصه وتعقله. ولكن عبد الرحمن لم يكن إلا فتى طائشاً، متعجلا، كثير الغرور، قصير النظر. وقد وصف لنا ابن حيان موقفه من المشروع في تلك العبارات القوية: " وقد تقدم القول في سبب تعلق هذا الجاهل بدعوى الخلافة، عجرفية من غير تأويل ولا عقيدة، وكيف استهواه كيد الشيطان، وغرته قوة السلطان إلى أن ركبها عمياء مظلمة، لم يشاور فيها نصيحاً، ولا فكر في عاقبة، بل جبرها بالعجلة " (1).
وخلا عبد الرحمن بالخليفة، وأطال التقرب منه، وعرض عليه مشروعه، ويقال إنه أقنعه بأنهما على صلة رحم من ناحية الخؤولة، إذ ولد كلاهما من أم بشكنسية (نافارية) (2). ويقال من جهة أخرى، إن عبد الرحمن دس إلى الخليفة من هدده بالويل، وأنذره بأن عبد الرحمن قد اعتزم الفتك به، إذا لم يمنحه ولاية عهده (3). ويقال أيضاً إن هشاماً استفتى في ذلك فقهاء قرطبة وعلماءها، فأقروه على ما طلب. وكان أشد الساعين لتأييد عبد الرحمن، قاضي الجماعة أبو العباس ابن ذكوان، وكاتب الإنشاء أبو حفص بن برد (4). وعلى أي حال فقد استجاب هشام المؤيد إلى طلب عبد الرحمن. وخرج أصحابه عشية ذلك اليوم، يذيعون الخبر على الملأ، ويقولون إن الخليفة قد اختاره ولياً لعهده، إذ ليس له ولد يؤمل خلافته، وكثر الإرجاف لذلك.
_______
(1) أعمال الأعلام ص 91؛ والبيان المغرب ج 3 ص 43.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 42.
(3) البيان المغرب ج 3 ص 39.
(4) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 150.
(1/625)

وفي صباح اليوم التالي، وهو اليوم الخامس عشر من ربيع الأول سنة 399 هـ (نوفمبر 1008 م)، أحيط قصر الخليفة بصفوف كثيفة من الجند، وأخرج عبد الرحمن هشاماً، وأجلسه في الساحة الكبرى، وجلس من حوله الوزراء والقضاة والقادة وأكابر رجال الدولة، فكان يوماً مشهوداً، وصدر مرسوم ولاية العهد وهو من إنشاء كاتب الرسائل أبى حفص أحمد بن برد، وذيل بشهادة قاضي الجماعة أحمد بن عبد الله بن ذكوان، وشهادة الوزراء وهم تسعة وعشرون وزيراً، ويليهم شهادة مائة وثمانين رجلا، من أكابر أهل الدولة والحكام، والفقهاء، وغيرهم. وإليك نص هذا المرسوم الشهير:
" هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله - أطال الله بقاءه - إلى الناس عامة، وعاهد الله عليه من نفسه خاصة، وأعطى عليه صفقة يمينه ببيعة تامة، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمه ما جعله الله إليه من إمامة المسلمين، وخصه به من إمرة المؤمنين، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء، بما لا يصرف، وخشى أن هجم محتوم ذلك عليه، ونزل مقدور ذلك به، ولم يرفع لهذه الأمة علماً تأوى إليه، ولم يوردها ملجأ تنعطف عليه، أن يكون يلقى الله مفرطاً فيها، ساهياً عن أداء الحق إليها. ونفض عند ذلك طبقات الرجال من أحياء قريش وغيرهم، ممن يستحق أن يسند الأمر إليه، ويعول في القيام به عليه، ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه وورعه، يعد اطراح الهوادة، والتبرىء من الهوى، والتحري للحق، والزلفى إلى الله عز وجل بما يرضيه. وبعد أن قطع الأواصر، وأسخط الأقارب، عالماً بأن لا شفاعة عنده أعلى من العمل الصالح، وموقناً أن لا وسيلة إليه أرضى من الدين الخالص، فلم يجد أحداً أجدر أن يوليه عهده، ويفوض إليه النظر في أمر الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خيمه، وشرف همته، وعلو منصبه، مع تقواه وعفافه ومعرفته وحزمه، من المأمون الغيب، الناصح الجيب، النازح عن كل عيب، ناصر الدولة أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وفقه الله، إذ كان أمير المؤمنين قد ابتلاه واختبره، ونظر في شأنه واعتبره، فرآه مسارعاً في الخيرات، مستولياً على الغايات، جامعاً للمأثرات، وارثاً للمكرمات، يجذب بضبيعة إلى أرفع منازل الطاعة، وينمو بعينيه إلى أعلا درج النصيحة،
(1/626)

أب منقطع القرين، وصنو معدوم الغريم، ومن كان المنصور أباه، والمظفر أخاه، فلا غرو أن يبلغ في سبيل الخير مداه، ويحوي من حلل المجد ما حواه، مع أن أمير المؤمنين أكرمه الله بما طالعه من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الأثر، أمل أن يكون ولي عهده القحطاني، الذي حدّث عنه عبد الله بن عمرو ابن العاص، وأن يتحقق به ما أسنده أبو هريرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه. فلما استوى له الاختبار، وتقابلت عنده فيه الآثار، ولم يجد عنه مذهباً، ولا إلى غيره معدلا، خرج إليه من تدبير الأمر في حياته، وفوض إليه النظر في الخلافة بعد مماته، طائعاً راضياً، ومجتهداً متخيراً، غير محاب له، ولا مائل له بهواه، ولا مترك نصح الإسلام وأهله فيه. وجعل إليه الاختيار لهذه الأمة بولاية عهده فيها، وأمضى أمير المؤمنين أعزه الله، عهده هذا، وأنفذه، وأجازه، وبتله، لم يشترط فيه مثنوية ولا خياراً، وأعطى على الوفاء بذلك في سره وجهره، وقوله وفعله، عهد الله وميثاقه وذمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وذمة الخلفاء الراشدين من آله وآبائه، وذمة نفسه، بأن لا يبدل ولا يغير، ولا يحول ولا يتأول.
وأشهد على ذلك الله وملائكته، وكفي بالله شهيداً. وأشهد عليه من أوقع اسمه في هذا الكتاب. وهو - أعزه الله - جائز الأمر، ماضي القول والفعل، بمحضر من ولي عهده المأمون ناصر الدولة أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور - وفقه الله - وقبوله لما قلده، والتزامه ما ألزمه، وذلك في شهر ربيع الأول سنة 399 " (1).
* * *
وعلى أثر صدور هذا المرسوم الفذ في تاريخ الخلافة الإسلامية، خرج عبد الرحمن في موكب عظيم من الوزراء والقادة وأكابر أهل الدولة، إلى قصر الزاهرة وهو " يختال في ثوب الخلافة، يحسب أنها له نحلة، وأنه مستحق لها، وخليق بها " (2). وأقبل عليه المهنئون من الوزراء ورجال الدولة، يتكلفون البشر، والدعاء له بما أكرمه الله به، وقلوبهم تفيض إنكاراً وسخطاً، وأنفذت
_______
(1) ورد نص هذا المرسوم في أعمال الأعلام ص 91 - 93؛ ونفح الطيب ج 1 ص 198 و199؛ وابن خلدون ج 4 ص 149؛ والبيان المغرب ج 3 ص 44 - 46؛ وقد اتبعنا نحن بالأخص النص الوارد في أعمال الأعلام لأنه أوفاها وأصحها.
(2) البيان المغرب عن ابن عون الله ج 3 ص 46.
(1/627)

الكتب في الحال إلى سائر نواحي الأندلس والعدوة، بوجوب إذاعة المرسوم، والدعاء لولى العهد على المنابر بعد الخليفة.
وفي اليوم التالي جلس عبد الرحمن بقصر الزاهرة في هيئة الملك، واصطف من حوله رجال الدولة وفق مراتبهم، وأقبل وجوه قرطبة لتهنئته، وفي مقدمتهم طائفة من المروانية المبعدين عن الخلافة، وغيرهم من بطون قريش. يقول المؤرخ: " وخرجوا من عنده، وقلوبهم ذؤوبة عليه، موقدة ببغضه ". وبادر الشعراء وفي مقدمتهم أبو العلاء صاعد البغدادي، برفع قصائد التهاني. وقد أورد لنا ابن حيان طرفاً مما قاله الشعراء في ذلك (1).
بيد أن شاعراً آخر، هو ابن أبي يزيد المصري، نظم في ذم ابن ذكوان وابن برد وهما المسؤولان عن تحرير مرسوم البيعة هذين البيتين:
إن ابن ذكوان وابن برد ... قد ناقضا الدين عين عهد
وعاندا الحق إذ أقاما ... حفيد شنجُه ولي عهد (2)
وذهب عبد الرحمن في غروره واختياله إلى أبعد مدى، فعين ابنه الطفل عبد العزيز في خطة الحجابة، وأسبغ عليه لقب سيف الدولة، وهو لقب عمه المظفر. واعتقد عبد الرحمن أنه حقق بذلك مشروعه العظيم، في تخليد ملك الدولة العامرية، وأن الأمور قد دانت كلها له، فأطلق العنان لأهوائه، وانكب على لهوه وشرابه، يحيط به نفر من البطانة السيئة، والندماء الأسافل، يصورون له الأحوال في أبدع الصور وأحبها إلى نفسه.
وكان من الحوادث البارزة في تلك الآونة، حادث ظاهر البساطة في ذاته، ولكنه أذكى موجة جديدة من السخط. وذلك أن عبد الرحمن أصدر أمره إلى رجال الدولة وأكابر أهل الخدمة، بأن يتركوا قلانسهم الطويلة، المبرقشة الملونة، التي كانوا يضعونها على رؤوسهم، ويمتازون بها على باقي الطوائف، وأن يستبدلوها فوراً بالعمائم. وقد كانت العمائم هي غطاء الرأس عند البربر. فأنف الكبراء لذلك، ولكنهم رضخوا للأمر كارهين، وحضروا إلى قصر الزاهرة بالعمائم لأول مرة في يوم 14 جمادى الأولى، وعلق جمهور الشعب على ذلك بمختلف الأقوال والتأويلات.
_______
(1) راجع البيان المغرب ج 3 ص 46 و47؛ وأعمال الأعلام ص 94 - 96.
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 150.
(1/628)

وكان عبد الرحمن أثناء ذلك قد فكر في أن يشغل الناس بحديث الغزو أسوة بأبيه وأخيه، وكان سانشو غرسية أمير قشتالة من جهة أخرى قد أبدى أنه لا يزمع احترام السلم المعقود، وأخذ بالفعل يغير على الحدود الإسلامية. ولم تكن أخبار قرطبة، وما يسودها من اضطراب الأحوال، خافية على الملوك النصارى.
واعتزم عبد الرحمن أن يسير إلى الغزو، وأن يقصد إلى جلِّيقية، فاعترضه كبير الفتيان الصقالبة، وحذره من مغادرة قرطبة في هذا الوقت، وأوضح له أن المروانية (بني أمية) يأتمرون به، ويدبرون انقلاباً ينتزعون به الحكم، وأن كثيراً من الجند يميلون إليهم، فلم يصغ إلى قوله، وأمر بالخروج إلى الغزو (1)، وعهد بإدارة الحكومة في غيبته إلى ابن عم أبيه عبد الله بن أبي عامر المعروف بعسكلاجة.
وكان خروجه من قرطبة في 16 جمادى الأولى سنة 399 هـ (يناير سنة 1009 م) أعني في أعماق الشتاء، وسار بالجيش صوب طليطلة في طريقه إلى جليقية والأمطار تنهمر والبرد يهرأ الأجسام، وهو على سجيته من اللهو والشراب. ثم اخترق حدود مملكة ليون، ودخل جليقية. ولكن ملك ليون ألفونسو الخامس تحصن بقواته في رؤوس الجبال، ولم يتقدم لقتال المسلمين، ولم يجد عبد الرحمن سبيلا لقتاله لفيضان الأنهار وكثرة الثلوج، فقرر العودة بجيشه، فارتد راجعاً أدراجه. وبالرغم من أنه لم يحقق في غزوته هذه أية نتائج ذات شأن، فقد نظم ابن دراج القسطلي، على سجيته، في تلك الغزوة قصيدة طويلة، يشيد فيها بعبد الرحمن، وهذا مطلعها:
هو البدر في فلك المجد دارا ... فما غسق الخطب إلا أنارا
تجلى لنا فأرتنا السعود ... غيوب المنى في سناه جهارا
وأوفى فكادت صوادي القلوب ... تفوت العيون إليه بدارا
وحل فحلت جسام الفتو ... ح تبأى اختيالا وتزهى افتخارا (2)
وما كاد عبد الرحمن يصل إلى طليطلة، حتى وافته الأنباء بأن انقلاباً حدث في قرطبة، وأن الثوار قد استولوا على مدينة الزاهرة، ونهبوا ذخائرها، وأضرموا النار في صروحها. وتسربت الأنباء إلى الجند، فوقع الاضطراب في الجيش،
_______
(1) أعمال الأعلام ص 96.
(2) وردت هذه القصيدة كاملة في ديوان ابن دراج (ص 459 - 463).
(1/629)

واضطر عبد الرحمن أن يسير لفوره بالجيش إلى قلعة رباح، في طريقه إلى قرطبة.
- 2 -
لم يكن ذلك الهدوء الظاهر، الذي ساد قرطبة خلال هذه الأشهر القلائل التي اضطلع فيها عبد الرحمن بالأمر، سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة. وكان حكم الطغيان الذي فرضه بنو عامر على الأندلس قد أخذ منذ أيام عبد الملك، يحدث آثاره المادية والأدبية، في نفوس الشعب، ويبدو لهم بغيضاً مرهقاً. ولم يكن يستر هذه الآثار سوى سياج خفيف من الحذر والترقب. ذلك أن سلطان بني عامر كان يستند دائماً إلى قوة عسكرية يخشى بأسها، قوامها البربر والصقالبة؛ فلما جاء عبد الرحمن، وكشف عن نيته في الاستئثار برسوم الملك، واغتصاب ولاية العهد، ألفت العناصر الناقمة، وفي مقدمتها بنو أمية أصحاب الولاية الشرعية، في ذلك مادة جديدة، للتنديد بحكم بني عامر وطغيانهم واجترائهم، وفي تلمس الوسائل الكفيلة بسحق دولتهم؛ وكانت شخصية عبد الرحمن الهزيلة، وأرومته الأجنبية، وما أبداه من ضروب الاستهتار والمجون، تذكي عاطفة السخط عليه، سواء بين الخاصة أو الكافة، وتمهد السبيل إلى الانقلاب المنشود.
وكانت خيوط المؤامرة التي اجتمعت حولها العناصر الناقمة، تتوثق شيئاً فشيئاً، وكان أهم مدبريها شخصيتين، الأولى الذلفاء والدة عبد الملك المصور، وقد كانت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن ولدها قد توفي غيلة بالسم، وأن قاتله هو أخوه عبد الرحمن، وكانت لذلك تتوق إلى الانتقام، والثانية هي شخصية فتى من بني أمية هو محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وكان عبد الملك قد أمر بإعدام أبيه هشام بتهمة التآمر مع الوزير عيسى بن سعيد كما تقدم.
وكانت الذلفاء امرأة ذكية قوية العزم، كثيرة المال والوجاهة، وكانت بالرغم مما أصبغه عبد الرحمن عليها وعلى أسرة ولدها وأخيه عبد الملك، من ضروب الرعاية والإكرام، تسعى دائبة للإيقاع به. فلما شعرت بأن الجو قد تهيأ للسعي، بما ثار حول تصرفات عبد الرحمن من ضروب الإنكار والسخط، اتصلت بوجوه بني أمية، وأخذت تحثهم على التحرك والقيام لاسترجاع دولتهم، والانتقام من بني عامر، وكان صلة الوصل بينها وبينهم فتى من صقالبة العامريين يدعى بشرى
(1/630)

وكان من قبل من فتيان المراونية، ثم انتقل إلى العامربين فيمن انتقل من فتيان القصر، ولكنه بقي على ولائه لسادته الأقدمين. وتعهدت الذلفاء بأن تعاون المتآمرين بالمال والتدبير؛ وسرعان ما استجاب بنو أمية للدعوة واختاروا من بينهم زعيماً هو محمد بن هشام بن عبد الجبار. وكان فتى جريئاً مغامراً في الثالثة والثلاثين من عمره إذ كان مولده في سنة 366 هـ، وأمه أم ولد تدعى مزنة (1)، وكان مذ قتل أبوه هشام، يتحرز على نفسه، ويختفي في أحواز قرطبة وكهوفها، ويجتمع حوله الصحب من المغامرين. فلما أجمع بنو أمية أمرهم على اختياره، بايعوه سراً بالولاية والخلافة، وكان له ولأبيه من قبل دعاة من أهل قرطبة من المروانية وغيرهم، يدعون له؛ واشتدت هذه الدعاية مذ أجمع المتآمرون رأيهم على اختياره. وكان خروج عبد الرحمن المنصور أو شنجول إلى الغزو فرصة سانحة للعمل، فأخذ محمد بن هشام يحشد أنصاره، ويجتمع بهم سراً في كهوف جبل قرطبة. وكثر إرجاف دعاته في المدينة أن دولة بني عامر قد قضي عليها، وأن الأمر سيعود إلى المروانية، وكثر تشهيرهم بعبد الرحمن وقبيح تصرفاته. وكانت هذه الدعاية تجد لدى جمهور الكافة أذناً صاغية، لما وقر في نفوسهم من بغض عبد الرحمن وازدرائه. وإليك كيف يصف لنا ابن الخطيب موقف الشعب القرطبي، وحالته النفسية إزاء العامريين، وإزاء عبد الرحمن:
" وقد جبل الله أهل قرطبة على ملل ملوكها، والقلق بذوي أمرها، والإرجاف بما يتوقع لها. وكان سفهاؤهم بالأسواق والمجامع غير المحتشمة، تؤثر عنهم في العامريين نوادر حارة، واستراحات عنهم؛ كان المنصور وولده المظفر يستحضر لذلك مشيختهم، ويأمرهم بإنهاء وعيده، ويشافههم بإنكاره، ولا يزال حكامه يبلغون في تغيير ذلك وإنكاره أقصى المبالغ ضرباً للظهور، وقطعاً للألسنة. فلما ذهب عبد الرحمن هذا المذهب، وأطاع هذا الخرق، كثر الحمل وشهرت البغضة " (2).
ولم يكن المروانية، وحدهم في هذا التدبير الذي قصد به إلى سحق نير العامريين ودولتهم، فقد كان إلى جانبهم سائر العناصر الناقمة من قريش، ومن المضرية
_______
(1) جذوة المقتبس ص 19.
(2) أعمال الأعلام ص 90.
(1/631)

واليمنية، أو بعبارة أخرى من البيوت العربية، التي عمل المنصور وآله على سحق رياستها ومكانتها الاجتماعية، وإخضاعها لنفوذ البربر والصقالبة. وقد رأينا فيما تقدم أن هذه لم تكن أول مؤامرة أو محاولة من نوعها لتحطيم نير بني عامر، وأن المنصور وولده عبد الملك، استطاعا أن يقضيا على بعض المؤامرات الخطيرة، التي دبرت لتحقيق هذه الغاية.
كانت الظروف قد تهيأت. إذاً أمام المتآمرين للعمل. فقد خرجت معظم وحدات الجيش مع عبد الرحمن إلى الغزو، ولم يبق منه سوى فرق قليلة ترابط في قرطبة والزاهرة، وجمهور الشعب متأهب بعواطفه ونفسيته الضجرة المتذمرة لتأييد أي انقلاب.
ولما نضجت المؤامرة، واتسع نطاق الدعوة لمحمد بن هشام، وكثر الإرجاف بالانقلاب المنشود، شعر الوزراء العامريون بالخطر، وضاعفوا الأهبة والحرس حول قصور الزاهرة. وكان محمد بن هشام وأعوانه خلال ذلك يجتمعون سراً وينظمون خطتهم الأخيرة. وكان محمد هذا الذي اختاره بنو أمية زعيماً لهم، قد فطر منذ نشأته على الشر والمغامرة، لا يخالط سوى الزعانف والأشرار. وقد وصفه ابن الخطيب في قوله: " جرار جسور، ثائر مخاطر، خليع، مداخل للصقورة والفتاك، لايدري في أي واد يهلك " (1).
وفي يوم 16 جمادى الأولى سنة 399 هـ (15 فبراير 1009 م) جاءت الأنباء إلى قصر الزاهرة بأن عبد الرحمن قد عبر بجيشه إلى أرض النصارى، فأدرك المتآمرون في الحال أن الفرصة قد سنحت للعمل، واعتزم محمد بن هشام لفوره أن ينزل الضربة المنشودة. وكان قد بث نفراً من رجاله حول قصر قرطبة، وقد تسلحوا تحت ثيابهم خفية. ففي عصر هذا اليوم، كان محمد يكمن في الضفة الأخرى من النهر (نهر الوادي الكبير) قبالة القصر. وكانت خطة المتآمرين أن يسددوا الضربة الأولى لقصر قرطبة، وهو يومئذ المقام الشتوي للخليفة هشام المؤيد، وحوله قلة من الحرس، ولأن ظروف العمل في قرطبة، كانت أدعى إلى النجاح نظراً لعطف الكافة والدهماء وتأييدهم. وفي الوقت المحدد عبر محمد النهر، والتف حوله من أصحابه اثنا عشر فتى، منهم طرسوس المجوسي، وهو أشدهم
_______
(1) أعمال الأعلام ص 109؛ وراجع البيان المغرب ج 3 ص 52.
(1/632)

جرأة وفتكاً؛ فساروا حذرين حتى باب القصر، ثم شهر طرسوس سيفه، وهجم في الحال على صاحب المدينة عبد الله بن أبي عامر (عسكلاجة) وانتزعه من مجلسه، وكان يحتسي الخمر مع قينتين من جواريه، وجىء به مخموراً إلى محمد بن هشام، فأمر بضرب عنقه، ورفع رأسه على رمح، فلما أبصرت العامة رأسه مرفوعاً، هرعت إلى محمد بن هشام، والتف حوله منهم جمهرة كبيرة من السفلة والغوغاء، فقويت بذلك عصبته، ثم بادرت باقتحام سجن العامرية، وأفرج عمن فيه من القتلة واللصوص، وتلاحق عليه أقاربه المروانية من كل صوب، واستنهضوا الناس لنصرته، حتى اجتمع حوله منهم طوائف غفيرة.
ونمي الخبر إلى الخليفة هشام المؤيد، فأمر بإغلاق أبواب القصر، وصعد إلى السطح، ومن حوله خادمان يحمل كل منهما مصحفاً، وحاول مخاطبة العامة، فأسكتوه وأغلظوا له القول، فانصرف عنهم إلى داخل القصر، وأمر الخدم بالكف عن كل مقاومة حتى يقضي الله أمره. فأمر محمد بن هشام العامة بنقب أسوار القصر، واقتحام أبوابه، وبذل العامة في ذلك جهوداً فادحة، وأتوا بالسلالم، وصعدوا إلى أعلا الأسوار، وسيطروا على عدة نواح من سطح القصر، وارتد الخدم أمامهم، ووصلوا إلى خزائن السلاح فنهبوها واشتد ساعدهم. ولما سمع الخليفة بذلك، خشي البادرة على نفسه وأهله، فبعث إلى محمد بن هشام يعرض عليه أن يقصي بني عامر من الحكم، وأن يشركه في أمره، فرفض محمد ذلك، وطلب إلى فاتن محافظ القصر أن يفتح الأبواب، فأذعن ودخل محمد القصر، واحتل مجلسه، ومن حوله خاصة أصحابه، واعتزم أن يقضي ليله بين الشموع المضيئة. ثم قام بطرد العامة من القصر وأجلاهم عن سطحه، وكفهم عن انتهاك حرمه، وعين ابن عمه محمداً بن المغيرة في كرسي الشرطة، وابن عمه الآخر عبد الجبار بن المغيرة في خطة الحجابة، ودعا سليمان بن هشام من قرابته فسماه ولي عهده، وبعث إلى الخليفة هشام يعاتبه على إيثار بني عامر، ويدعوه إلى خلع ْنفسه، منذراً مهدداً، فارتاع هشام وبادر بالقبول، واستدعى محمد في الحال بني عمومته، وأكابر بيته، ونفراً من الأعيان والوزراء والقضاة في جوف الليل، وأعلن هشام خلع نفسه بمحضر من بعضهم، وقدم إلى محمد بعض حلله الخلافية الفاخرة، فتم الخلع، وذلك بعد أن مكث هشام في الخلافة ثلاثة وثلاثين عاماً
(1/633)

وبضعة أشهر، وآلت الخلافة في تلك الليلة إلى محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن عبد الرحمن الناصر، وتلقب بالمهدي. وكان ذلك صبيحة يوم الأربعاء 17 جمادى الآخرة سنة 399 هـ (16 فبراير سنة 1009 م).
وهرعت الجموع من سائر أنحاء قرطبة إلى محمد بن هشام، ملتفة حوله، مؤيدة لبيعته، واعتبروه بطلا منقذاً، إذ كان أول من استطاع أن يثور في وجه بني عامر، وأن يعمل لإزالة ملكهم، وشعروا أن كابوس الإرهاب العامري قد تقلص، وأن عهداً جديداً سوف يبدأ، ولم يخطر ببالهم قط، أن هذا التحول كان نذير المحنة الغامرة، التي سوف تطيح بكل ما نعموا به في ظل الدولة العامرية من السكينة والأمن والرخاء.
وفي الوقت نفسه كانت مدينة الزاهرة، معقل بني عامر، عرضة لهجوم مماثل. وكان القائمون على أمرها قد نمى إليهم ما وقع بقرطبة، وبادر محافظ الزاهرة عبد الله بن مسلمة إلى ضبط أسوارها وأبوابها، وحشد ما لديه من الجند، فبلغوا سبعمائة، وتأهب للدفاع وبعث محمد بن هشام إلى الزاهرة جمهوراً غفيراً من العامة مع طائفة من أصحابه. فأحاطوا بها وحاولوا اقتحامها، ولكن نظيفاً الخادم، ونصراً المظفري، وهما من الفتيان العامريين، استطاعوا في قوة من الغلمان إجلاء العامة عن الأسوار، ثم دخل الليل فحال بين الفريقين.
وفي صباح اليوم التالي، 18 جمادى الأولى، ندب محمد بن هشام أو الخليفة المهدي، ابن عمه عبد الجبار بن المغيرة لمهاجمة الزاهرة، فسار إليها على رأس قوة كبيرة من العامة، الذين أقبلوا على التطوع فرساناً ومشاة، ووزعت عليهم الأسلحة، وأمامهم رأس عبد الله بن أبي عامر مرفوعاً فوق رمح، وهاجموا قصر عبد الملك المظفر، وكان خارج الأسوار، وكان فيه أهله وأمه الذلفاء، فنهبوه وتخاطفوا متاعه وذخائره، وذلك بالرغم من أن الذلفاء هي التي أمدت محمداً بن هشام بعونها ومالها. فلما شعر أهل الزاهرة، بأنه من العبث مقاومة هذه الجموع الهائلة، عرضوا التسليم على أن يصدر لهم المهدي الأمان، فبعث إليهم المهدي الأمان المنشود مكتوباً بخطه، وكان ذلك وقت الظهر، ففتحوا أبواب المدينة وسلموها، ودخل عبد الجبار لفوره قصر الزاهرة، واقتحمته الجموع، ونهبت منه من المتاع والنفائس ما لا يقدر ولا يوصف، واستأثر عبد الجبار
(1/634)

وصحبه المقربين من ذلك بأعظم نصيب, واستولت العامة على خزائن الكسوة والمتاع والسلاح والحلي، ولم يكف النهب إلا في مساء اليوم التالي. وحرص عبد الجبار على أن يحيط بقواته، بيوت الحُرم والمال وخاص المتاع والجوهر، وأن يبعد العامة عنها، وقد استولى المهدي على جميع محتوياتها ونقلها إلى قصر الخلافة بقرطبة. ويقال إنه حصل من أموال الزاهرة المنهوبة خمسة آلاف وخمسمائة ألف دينار من النقود، ومن الذهب ما قيمته ألف ألف وخمسمائة ألف. وأطلق المهدي الحرائر من بني عامر، واصطفى الجوارى لنفسه، ووهب منهن لوزرائه وأصحابه، وأذن للذلفاء أن تنتقل وأسرة ولدها عبد الملك وولده الصغير محمد، مطلقة السراح إلى دورها بالمدينة، وكانت لحرصها قد نقلت إليها معظم خزائن المال والمتاع.
ولم يكتف المهدي بذلك كله، بل عمد بعد أن استصفى سائر ما في الزاهرة من الخزائن والأموال الطائلة، إلى هدم صروحها وأسوارها، واستطالت الأيدي إلى كل نفيس من مرمر قصورها وطرائفها وأنقاضها وأبوابها، فلم تمض أيام قلائل على ذلك السيل المدمر، حتى اختفت صروح الزاهرة ومعالمها الضاحكة، وغدت أطلالا دارسة، وخرائب موحشة. وكان المهدي يتعجل إزالة رسوم بني عامر بكل ما وسع، خشية أن يعود عبد الرحمن المنصور، قبل أن يتم إحكام ضربته وتوطيد مركزه.
وقد ذكرت لنا الرواية أن المنصور بن أبي عامر، كان يتوقع ذهاب دولته وخراب الزاهرة، وكان هذا الخاطر ينتابه من آن لآخر، ويفضي به إلى خاصته, وقد نقل إلينا الوزير أحمد بن حزم، والد الفيلسوف الشهير، أن المنصور كان يقول: " ويحاً لك يا زاهرة الحسن، لقد حسن مرآك، وعبق ثراك، وراق منظرك، وفاق مخبرك، وطاب تربك، وعذب شربك، فياليت شعري من الذي يهدمك، ويوهن جسمك ويعدمك "، وأنه كان يؤكد لأصحابه صحة هذه النبوءة في مناسبات كثيرة (1).
- 3 -
لما وصلت أنباء هذا الإنقلاب الخطير الذي وقع في قرطبة، إلى عبد الرحمن
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 65.
(1/635)

المنصور أو شنجول، وهو في طليطلة، بادر بالسير في قواته إلى قلعة رباح، والحيرة تغلب عليه، والاضطراب يسود صفوف الجنود، وهنالك تمهل قليلا، وأعلن في الحال أنه ينزل عن ولاية العهد، ويقتصر على الحجابة، وبعث كتبه بذلك إلى طليطلة وأعمالها، وفيها يناشد الناس أن يهرعوا إلى نصرة الخليفة المظلوم هشام، وإلى التمسك بطاعته، ويصف لهم ما ارتكبه محمد المهدي ودهماء قرطبة من العيث والسفك. فلم يعبأ أحد بدعوته، وكان أول الخارجين عليه الفتى واضح مولى أبيه، وهو يومئذ والي طليطلة. وحاول شنجول في الوقت نفسه، أن يأخذ العهد على زعماء الجند بنصرته والقتال معه، ولا سيما زعماء البربر الذين يؤلفون سواد الجيش، فتظاهروا بموافقته، ولكنهم تعاهدوا فيما بينهم، وعلى رأسهم كبيرهم محمد بن يعلى الزناتي زعيم زناتة، أن يتخلوا عن شنجول وألا يغامروا بمحاربة أهل قرطبة، وفيها أسرهم وأموالهم، وخصوصاً بعد الذي ترامى إليهم عن التفاف الناس حول محمد بن هشام، وتفانيهم في نصرته؛ وقوى هذا العزم لديهم ما أفضى إليهم القاضي أبو العباس بن ذكوان - وكان قد صحب شنجول في غزاته - من أنه يتبرأ من شنجول ويقضي بفسقه، وينكر عليه ما يدعو إليه من قتال المسلمين بقرطبة، وفيهم العلماء والصالحون، والنسوة والأطفال. ومما تجدر ملاحظته أن القاضي ابن ذكوان هذا، كان من قبل من أخص رجال الدولة العامرية، وكان من أشد المعاونين لعبد الرحمن المنصور على انتزاع ولاية العهد من هشام.
وكان إلى جانب شنجول في معسكره، زعيم من زعماء بني غومس سادة مقاطعة كريون في جلِّيقية، وكان قد صحبه يرجو عونه على بعض خصومه من الزعماء المجاورين، فلما رأى اضطراب أحوال الجند، نصح شنجول بأن يعدل عن السير إلى قرطبة، وأن يعود في أصحابه إلى طليطلة فيتفق مع واضح، فأبى شنجول نصحه، وزعم أنه متى اقترب من قرطبة، سارع الناس إلى نصرته.
وقد بقي هذا الزعيم النصراني إلى جانب شنجول حتى النهاية (1).
وعلى أي حال فقد سار شنجول في قواته صوب قرطبة، حتى انتهى إلى " منزل هاني "، وهي أقرب محلاته إلى المدينة. وما كاد الليل يرخي سدوله،
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 70.
(1/636)

حتى غادر معظم الجند البربر أمكنتهم تحت جنح الظلام، وأسفر الصبح وهو صبح نهاية شهر جمادى الآخرة سنة 399 هـ (نهاية فبراير سنة 1009 م) فلم يبق إلى جانب عبد الرحمن سوى خاصته وحرمه وحشمه وجمع يسير من غلمانه، وابن غومس في نفر من أصحابه، وغادر المعسكر تباعاً زعماء البربر، والفتيان الصقالبة ووجوه الأندلسيين، وهنا نصحه ابن غومس مرة أخرى بأن ينجو بنفسه وصحبه، فأبى.
وسار شنجول في أهله حتى وصل إلى أرملاط من مشارف قرطبة، وقد تركه النفر القليل الذي بقي معه، فاستولى عليه اليأس، وأدخل حرمه قصر أرملاط، ثم خرج مودعاً والصراخ يتبعه، وسار ومعه ابن غومس، وقد عول على الفرار، فالتجأ ليلا إلى الدير القريب. وكان محمد بن هشام في تلك الأثناء يتتبع أخباره وحركاته، فلما نمى إليه أنه يزمع الفرار، بعث في الحال الحاجب ابن ذرى في طائفة من الفرسان، فسار مسرعاً إلى أرملاط ودهم الدير، وقبض على شنجول وابن غومس. وأخذ نساء شنجول من القصر، وهن سبعون جارية، فبعث بهن إلى قرطبة. ولما شعر شنجول بأنه هالك أعلن أمام معتقله أنه يعترف بطاعة المهدي، فاستاقه ابن ذرى هو وابن غومس، ثم أمر بتوثيق يديه بالرغم من احتجاجه، وفي خلال الطريق طلب شنجول أن يفك وثاق يديه قليلا ليستريح، فأجيب إلى طلبه، وعندئذ أخرج من خفه سكيناً بسرعة البرق، وحاول أن يغمده في صدره، فتداركه الجند، وأوثقوا يديه، وأمر الحاجب بقتله، فذبح في الحال، وفصل رأسه عن جسمه، وقتل ابن غومس، وحمل رأس شنجول إلى المهدي في نفس المساء، وحمل جسده معروضاً على بغل، وأمر المهدي فحنطت الجثة، وركب عليها الرأس، وألبست كسوتها، ونصبت على خشبة طويلة على باب السُّدة، ونصبت رأس ابن غومس على سارية إلى جانبها. وكان مقتل عبد الرحمن المنصور في اليوم الثالث من رجب سنة 399 هـ (3 مارس سنة 1009 م).
وقد انتهت إلينا من تعليقات المعاصرين على تلك الحوادث المتوالية المدهشة تعليق شاهد عيان يقول فيه:
" ومن أعجب ما رأيت من عبر الدنيا، أنه تم من نصف نهار يوم الثلاثاء
(1/637)

لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة المؤرخ إلى نصف نهار يوم الأربعاء تتمة الشهر، وفي مثل ساعته فتح مدينة قرطبة، وهدم مدينة الزاهرة، وخلع خليفة قديم الولاية وهو هشام بن الحكم، ونصب خليفة جديد لم يتقدم له عهد، ولا وقع عليه اختيار، وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وزوال دولة آل عامر، وكرور دولة بني أمية، وإقامة جنود من العامة المحشودة عورض بها أجناد السلطان أهل الدربة والتجربة، ونكوب وزراء جلة، ونصب ضدادهم، تقتحمهم العين هجنة وقماءة. وجرى هذا كله على يدي بضعة عشر رجلا من أراذل العامة، حجامين وخرازين، وكنافين، وزبالين، تجاسروا عليه، وقد تكفل المقدور بوقوعه، فتم منه ما لم يكن في حسبان مخلوق تمامه" (1).
* * *
وهكذا انهارت الدولة العامرية بسرعة مدهشة لم يكن يتوقعها أحد؛ فقد تولى عبد الرحمن المنصور الحكم عقب وفاة أخيه عبد الملك في 17 صفر سنة 399 هـ والدولة محكمة النظام موطدة الدعائم، والجيش على ولائه للدولة العامرية، فلم تمض سوى ثلاثة أشهر حتى انهار ذلك الصرح الشامخ، الذي شاده المنصور ابن أبي عامر، والذي لبث خمسة وثلاثين عاماً معقد النظام والسلامة والأمن والرخاء للأندلس، واستطاعت جموع يسيرة من الدهماء، أن تحقق بسرعة البرق ما لم يجرؤ على تصوره أو محاولته من قبل، أحد من أكابر خصوم الدولة العامرية والمتربصين بها. ومن الواضح أن الأسباب الجوهرية لمثل هذا الانقلاب الصاعق، ترجع قبل كل شىء إلى العوامل الأدبية والنفسية، فقد كان نظام الطغيان المطبق الذي فرضه المنصور على الأمة الأندلسية، بالرغم من كل ما حققه للأندلس من السؤدد والرخاء، يبدو كالكابوس المرهق، وكان الشعب يتوق إلى التخلص من هذا النير، الذي سلبه كل مظاهر الحرية. فلما تولى عبد الرحمن المنصور، كانت النفوس قد أشبعت ببغض هذا النظام والرغبة في زواله، وكان سلوك عبد الرحمن وتصرفاته ومجونه واستهتاره، عاملا جديداً في إذكاء هذا البغض وهذه الرغبة.
وكان لاجترائه على اغتصاب ولاية العهد، أسوأ وقع في نفوس قوم جبلوا على تقديس شعائر الخلافة وحقوقها الشرعية. فلما خرج عبد الرحمن إلى الغزو، كان
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 74.
(1/638)

الشعب يضطرم سخطاً وبغضاً وازدراء، وكان يرقب أول بادرة للانفجار. فلما وقعت هذه البادرة بوثوب محمد بن هشام؛ لبى الشعب لفوره دعوة الخروج والثورة، ولم يفكر في شىء من العواقب، ولم يفكر إلا في تحطيم هذا النير البغيض - نير بني عامر - بأية وسيلة. وكان له ما أراد، وقد حقق رغبته بأيسر أمر.
على أن الأمة الأندلسية لم تجن خيراً من هذا الانقلاب، الذي حققه الشعب القرطبي دون تدبر ودون تحوط. ذلك لأنه لم يقف عند القضاء على دولة بني عامر، بل بالعكس كان نذيراً بانهيار دعائم النظام والأمن، اللذين تمتعت بهما الأندلس في ظل الدولة المنقضية، ودفع الأمة الأندلسية إلى معترك مروع من الفتن المضطرمة، والفوضى الشاملة، التي انتهت بانهيار حكومتها المركزية، وتمزيق وحدتها، ومواجهتها لأخطر مصير عرفته منذ قيامها في شبه الجزيرة.
(1/639)

الكتابُ الرابع
سُقوطُ الخلافة الأندلسيّة ودوْلة بَني حمّود 399: 422 هـ- 1009: 1031 م
(1/641)

الفصل الأوّل
الخلافة في معترك الفتنة والفوضى
غداة الانقلاب. اقتسام السلطان. الشعب القرطبي. شخصية المهدي. اضطهاده للبربر. تحامل العامة عليهم. نفي المهدي للفتيان العامريين. إخفاؤه للخليفة هشام وادعاؤه بوفاته. عيثه وطغيانه. هشام بن سليمان. سعيه إلى خلع المهدي. القتال بين الفريقين. هزيمة هشام ومصرعه. تحريض المهدي على البربر والفتك بهم. مسيرهم إلى قلعة رباح. يرشحون سليمان بن الحكم للخلافة. استنصارهم بسانشو غرسية أمير قشتالة. الحرب بينهم وبين الفتى واضح. هزيمته وفراره. تأهب المهدي للدفاع. مسير البربر وحلفائهم النصارى إلى قرطبة. موقعة قنتش. هزيمة القرطبيين وتمزيق جموعهم. المهدي يظهر الخليفة هشام. فشل محاولته وفراره. مبايعة سليمان بن الحكم. المهدي وواضح يدبران محاولة جديدة. استنصارهما بأميرى برشلونة وأورقلة. مسير المهدي وحلفائه الفرنج إلى قرطبة. اللقاء بينهم وبين البربر. هزيمة البربر وفرار سليمان. تجديد البيعة للمهدي. مسيره لمطاردة البربر. هزيمته وارتداده إلى قرطبة. استعداده للدفاع. الوحشة بينه وبين واضح. ائتمار الفتيان به ومقتله. عود هشام المؤيد إلى الخلافة. واضح يتولى الحجابة. تمسك البربر بولاية سليمان. مسير البربر إلى الزهراء واحتلالها. عيثهم بأراضي قرطبة. هشام يقدم الحصون الأمامية لأمير قشتالة. حصار البربر لقرطبة. واضح يحاول الفرار. ضبطه ومقتله. ابن وداعة وابن مناو. هشام يحاول استرضاء البربر وسليمان. فشل المحاولة. اشتداد الحصار على قرطبة. مقتل حباسة بن ماكسن. هياج البربر. القتال بينهم وبين أهل قرطبة. هزيمة القرطبيين. اقتحام البربر للمدينة والفتك بأهلها. سليمان المستعين يسترد الخلافة. مصير هشام المؤيد. سليمان يتلقب بالظافر. تفكك عرى الدولة. توزيع الكور بين زعماء البربر. خلال سليمان وشعره.
تربع محمد بن هشام الملقب بالمهدي على كرسي الخلافة، مكان الخليفة هشام المؤيد، في 17 جمادى الآخرة سنة 399 هـ (16 فبراير سنة 1009 م)، وانقضى عهد السلطة الثنائية - سلطة الخليفة الشرعي الإسمية، وسلطة حاجبه والمتغلب عليه الفعلية - ليفسح مجالا لعود السلطة الموحدة. ولكن الظروف التي وقع فيها هذا الانقلاب الحاسم، الذي أودى بين عشية وضحاها، بسلطان دولة من أعظم الدول الأندلسية، لم تكن تسمح لأية سلطة نظامية أن تثبت وأن تستقر، فقد كان الخليفة الجديد، شخصية مغامرة رخوة، تحركها النزعات الوضيعة، ولا تحدوها أية غاية مثلى، وقد أطلقت سائر الأهواء المتوثبة من عقالها، وأخذ كل حزب وكل فريق وكل طائفة، تحاول أن تحصل نصيبها من
(1/642)

أسلاب الدولة المنهارة. فقد كان هناك المروانية أو بنو أمية، يرون أنهم أصحاب السلطة الشرعية، وأصحاب التراث المتخلف عن مغتصبيها، بني عامر؛ وكان هناك الفتيان العامريون، وأنصارهم من الصقالبة، ومن إليهم من الجند المرتزقة، وقد كانوا أولياء الدولة العامرية، وكانوا من حيث العدد والعصبية قوة يعتد بها؛ وكان هناك البربر، وقد كانوا عماد الجيش العامري، وكان عددهم قد تضاعف في أواخر أيام المنصور وبنيه، وتوافد كثير من زعمائهم إلى شبه الجزيرة؛ ثم كان هناك أخيراً الشعب القرطبي، أو بعبارة أخرى كتلة العامة والدهماء الذين آزروا الخليفة الجديد والتفوا حوله، وقد كانوا قوة خطرة متقلبة، كثيرة الأهواء والنزعات، لا تؤمن عواقبها.
استقبل الشعب القرطبي، ولاية الخليفة الجديد، بمظاهر السرور والرضى، وأقاموا الحفلات والولائم، وظنوا أنهم قد أفلتوا من أغلال النظام العامري المرهق، ليستقبلوا عهداً أكثر تسامحاً، وأوسع آفاقاً، وما دروا أن القدر يتربص بهم، وأن الأندلس سوف تجوز من تلك الساعة، عهداً مليئاً بالمحن والأحداث المؤلمة.
والواقع أن الخليفة الجديد لم يكن رجل الموقف، ولم تكن جرأته التي تذرع بها لانتزاع السلطة من هشام المؤيد، والقضاء على سلطان بني عامر، جرأة زعيم مقدام يقدر المسؤوليات التي أخذها على عاتقه، ولكن جرأة مغامر متهور، وزعيم عصابة غير مسؤولة، التفت حوله جموع الدهماء الصاخبة، دون وعي ولا تدبر، شأنها دائماً في كل انقلاب وكل حدث جديد. ومن ثم فإنه ما كاد يشعر باستقرار أمره، وتمكن سلطانه، حتى أطلق العنان لطغيانه وأهوائه، وجمع حوله بطانة سوء، أخذت تتنكر للناس، وتضطهدهم، وتسومهم سوء الخسف، وأبدى الموكلون بالقصر من رجاله نحو البربر بنوع خاص منتهى الشدة والفظاظة، وكان المهدي ورجاله يخصون البربر بالبغض والزراية، لأنهم كانوا عضد المنصور، وسند نظامه الحديدي، وكان أهل قرطبة ينساقون مع المهدي في هذه العاطفة ضد البربر، وينظرون إليهم شزراً.
وبدا سخط المهدي نحو البربر في سوء معاملتهم، والتشدد في دخولهم القصر، فكانوا يمنعون من الركوب عند الدخول، وينزع سلاحهم، ويوجه إليهم قارص
(1/643)

الكلام، ولم يفرق في ذلك بين أصاغرهم وزعمائهم، حتى أن كبيرهم زعيم قبيلة صنهاجة، زاوي بن زيري بن مناد، عند مقدمه إلى القصر، مع جماعة من رجاله، ردوا عند الباب بفظاظة، وأهينوا، فانصرفوا وقلوبهم تضطرم سخطاً.
وسرت إلى العامة عندئذ، موجة من التحامل ضد البربر، فهاجمت بعض جموعهم دور البربر في ضاحية الرُّصافة، ونهبوا بعضها، وبادر صاحب المدينة بضبط الحال ورد الغوغاء، وقتل ثلاثة منهم. وأسرع زاوي بن زيري، وحبوس بن ماكسن، وأبو الفتوح بن ناصر، وغيرهم من زعماء البربر بالدخول على محمد بن هشام، وأخبروه بما وقع, فاعتذر لهم، ووعدهم برد ما نهب، وقتل عدد من الغوغاء، ولكن البربر لم تهدأ ثائرتهم، وبقيت نفوسهم على اضطرامها.
وكان من أعمال العنف التي قام بها محمد بن هشام، أن نفى عدداً من الفتيان الصقالبة العامريين. فغادروا قرطبة، ولجأوا إلى أطراف الأندلس الشرقية، وكان من تملكهم لبعض نواحيها ومدنها ما سنذكر في موضعه. ولم يقبل منهم على مسالمة محمد بن هشام ومصادقته، سوى الفتى واضح صاحب مدينة سالم والثغر الأوسط، فإنه بعث إليه كتاباً يؤكد فيه طاعته، ويبدي ابتهاجه بمصرع عبد الرحمن المنصور، فرد عليه المهدي بالشكر، وبعث إليه أموالا ومتاعاً، ومرسوماً بولاية الثغر كله.
وعمد محمد بن هشام بعد ذلك إلى مطاردة الخليفة هشام المؤيد، فحبسه في القصر أولا، وأخرج جواريه وفتيانه، ودوابه المحبوبة، ثم أخرجه بعد ذلك من القصر، وأخفاه في بعض منازل قرطبة. وتوفي في ذلك الوقت رجل نصراني أو يهودي، قيل إنه كان يشبه هشاماً شبهاً قوياً، فأعلن محمد بن هشام، وفاة الخليفة، وأحضر الوزراء والفقهاء فشهدوا بأنه هو الخليفة هشام المؤيد حقاً.
ودفن هذا الخليفة المزعوم في اليوم السابع والعشرين من شعبان سنة 399 هـ (1).
ولما شعر محمد بن هشام أن الأمر قد استتب له، أطلق العنان لأهوائه، وشهواته الوضيعة، وانكب على معاقرة الخمر، وبالغ في الاستهتار والمجون، والمجاهرة بالفسق والفجور، بصورة مثيرة أفقدته عطف الكثيرين واحترامهم،
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 77؛ وابن الأثير ج 8 ص 252.
(1/644)

وبطش بكثير من الناس، وفي مقدمتهم ولي عهده سليمان بن هشام، فقد سجنه وسجن معه جماعة من قريش، وأخرج من الجيش نحو سبعة آلاف جندي، أقيلوا وقطعت أرزاقهم، وأضحوا عنصراً من عناصر التوتر والشغب؛ وزاد في التحامل على البربر، والتعريض بهم والطعن فيهم، في كل فرصة وموطن، حتى أصبح بغضه لهم، وتربصه بهم، من الأمور الذائعة، وأخذ كل فريق يحترز من صاحبه، ويتوقع منه الشر والغدر.
وكان هشام بن سليمان بن الناصر، وهو والد سليمان ولي العهد المعتقل، قد وجد على محمد بن هشام من جراء انحرافه وطغيانه ومجونه، وخشي سوء العاقبة على بني أمية، وانهيار أمرهم، فأخذ يسعى في خلع محمد بن هشام، وانضم إليه جماعة من الناقمين عليه، وفي مقدمتهم جماعة العبيد العامريين، وطوائف البربر، ومن تغيرت نفوسهم على محمد بن هشام، وحاصر الثوار محمد بن هشام في قصره، فبعث إلى هشام القاضي ابن ذكوان، وأبا عمر بن حزم، يعاتبانه على تصرفته، وأمر بالإفراج عن سليمان بن هشام، ووقع بين الرسولين وبين هشام حوار شديد، أعلن فيه أنه أحق من محمد بالعرش، فانصرفا عنه. والتفت العامة من الربض الغربي حول محمد؛ وخرج محمد المهدي في جموعه لمقاتلة خصومه، ودار القتال بينهما يومين متواليين، ثم أسفرت المعركة عن هزيمة هشام وجموعه من البربر والعامريين، وأسر هشام وابنه وأخوه أبو بكر ونفر من الزعماء، قتلهم المهدي جميعاً (1). وانثالت الدهماء على دور البربر، فأعملت فيها التدمير والنهب حتى دخل الليل، وكان ذلك في أواخر شوال سنة 399 هـ (يونيه سنة 1009 م).
ودافع البربر عن أنفسهم، ثم انسحب معظمهم إلى أرملاط (2) ضاحية قرطبة، ووقع القتال بقرطبة بين من تبقى منهم وبين العامة، وحرض المهدي على قتلهم، وجعل لرؤوسهم أثماناً، ففتك العامة بكثير منهم، ومن بينهم عدة من الزعماء، ونهبوا دورهم، واغتصبوا النساء وسبوهن، كل ذلك في مناظر مثيرة من السفك والاعتداء الغاشم؛ واختفى كثير من زعمائهم. وتوجس المهدي من العواقب، فأصدر للبربر أماناً، ونادى بالكف عنهم، ونصحهم بتغيير زيهم اتقاء
_______
(1) البيان المغرب عن ابن حيان ج 3 ص 84.
(2) وهي بالإسبانية Guadimellato
(1/645)

الأذى، وكتب إلى البربر في أرملاط أماناً، فم يلتفتوا إليه، وغادروا أرملاط وساروا شمالا إلى قلعة رباح، وهناك أخذوا ينظمون أنفسهم ويتدبرون أمرهم.
وكان ممن فر من بني أمية عقب هزيمة هشام بن سليمان ومصرعه، ولد أخيه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وكان إماماً للبربر، فسار معهم، ورشحوه منذ البداية لتولي الأمر مكان المهدي، ولقبوه بالمستعين. وكان سانشو غرسية أمير قشتالة يرقب تطور الحوادث في قرطبة باهتمام، متأهباً لمظاهرة الفريق الخارج على الآخر، ففاوضه سليمان وزعماء البربر في طليطلة على أن يمدهم بالجند، وتعهدوا إليه بتسليم بعض الحصون الواقعة على الحدود، فقبل معاونتهم؛ وفي أثناء ذلك حاول الفتى واضح صاحب مدينة سالم أن يعرقل مسير البربر، فأمر مدن الثغر أن تمنع المؤن عن البربر، ولقوا من جراء ذلك شدة وإرهاقاً. وأمده المهدي ببعض قواته بصحبة غلامه بليق، فجمع جموعه وسار لقتال البربر، ولجأ البربر من جانبهم إلى حليفهم سانشو، فأمدهم بالجند والمؤن الوفيرة. والتقى البربر وجيش واضح في مكان يسمى شرنبة على مقربة من قلعة النهر أو قلعة هنارس الحالية Alcala de Henares فهزم واضح هزيمة شنيعة، واستولى البربر على محلته وسلاحه، وفرت فلوله صوب قرطبة. وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة 399 هـ (1).
وارتاع المهدي لتلك الهزيمة، وأخذ في تحصين قرطبة، وحفر حول فحص السرادق، وهو محلة البربر خندقاً، ورتب الرجال على الأبواب والأسوار، وأخذ ينظم قواته النظامية ومن العامة. وكان واضح قد أتاه منهزماً في أربعمائة فارس من الثغر، انضمت إلى قواته. وسار سليمان بن الحكم من جهة أخرى في جموع البربر، ومعها القوات القشتالية بقيادة سانشو غرسية، صوب قرطبة، وعسكروا بشرقها في سفح جبل يعرف بجبل قنتج أو قنتش وذلك في يوم 11 ربيع الأول سنة 400 هـ. وبرز واضح في جموعه من أهل قرطبة والثغر، واشتبك الفريقان في القتال يوم السبت 13 ربيع الأول (5 نوفمبر 1009 م)، واضطرمت بينهما معركة شديدة، وسرعان ما دب الخلل إلى جيش قرطبة، فارتد منهزماً إلى الوادي، وتبعه البربر بعنف. فضاقت بهم المسالك، وقتل منهم عدد جم
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 87.
(1/646)

يقدره البعض بعشرة آلاف، بينهم عدد كبير من العلماء والأئمة، وقتل النصارى وحدهم نيفاً وثلاثة آلاف رجل، وثبت واضح في رجاله حتى دخل الليل، فانسل تحت جنح الظلام وفر هارباً إلى الثغر (1).
ولما رأى المهدي هزيمة جنده، سقط في يده، وحاول أن ينقذ نفسه بحيلة سخيفة، يدفع بها دعوى سليمان، فأظهر الخليفة هشاماً المؤيد، وكان قد أخفاه حسبما تقدم، وزعم أنه مات، وأجلسه في مكان بارز في شرفة القصر، وبعث القاضي ابن ذكوان إلى البربر، يخبرهم أن الخليفة هشاماً ما زال على قيد الحياة، وأنه الإمام الشرعي، وليس المهدي سوى نائبه وصاحبه، فرده البربر بجفاء وسخرية، وأبدوا تمسكهم بولاية سليمان. ولم ير المهدي أمامه سوى الفرار والنجاة بحياته، فغادر القصر سراً، واخترق قرطبة متنكراً، ولحق بطليطلة. ودخل زاوي بن زيري زعيم البربر القصر، ودخل سليمان بن الحكم في أثره في يوم الإثنين الخامس عشر من ربيع الأول سنة أربعمائة، وبايعه الناس بالخلافة، وتلقب بالمستعين بالله، واستقبله الشعب القرطبي القُلَّب بحماسة، شأنه مع كل متغلب وظافر (2). ووكل سليمان بعض الفتيان الصقالبة بالمحافظة على هشام المؤيد في بعض أجنحة القصر، ونزل البربر في الزهراء اتقاء للاحتكاك مع العامة. ومع ذلك فقد كانت حوادث الاعتداء تتوالى عليهم في دروب قرطبة وأزقتها. وكان من أول أعمال سليمان أن أمر بإنزال جثة عبد الرحمن بن المنصور عن خشبتها، فغسلت ودفن في دار أبيه؛ ووفد سانشو غرسية إلى القصر، فاستقبل بحفاوة وخلع عليه وعلى أصحابه، ثم عاد إلى معسكره، ووعده البربر بتسليم الحصون التي تعهدوا بتسليمها متى استقر سلطانهم، ثم غادر قرطبة بعد أن ترك من جنده مائة أنزلوا في ربض منية العقاب.
أما محمد المهدي فما كاد يصل إلى طليطلة، حتى أخذ يدبر أمره من جديد، وكانت الثغور ما تزال باقية على طاعته ودعوته، وانضم إليه واضح وأخذ الأمر ييده. ولما علم سليمان بما يدبره المهدي وواضح، خرج في قواته من قرطبة،
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 90؛ ويقول ابن الخطيب إن النصارى قتلوا من أهل قرطبة ثلاثين ألفاً، وهو رقم يحمل طابع المبالغة (أعمال الأعلام ص 113).
(2) الذخيرة لابن بسام. المجلد الأول القسم الأول، ص 30 و31؛ والبيان المغرب ج 3 ص 89 و90.
(1/647)

وسار صوب طليطلة، ثم دعا أهلها إلى طاعته، فأبوا. وانصرف سليمان بقواته إلى مدينة سالم، فلقي نفس الفشل في استمالة أهلها، فارتد عندئذ إلى قرطبة اتقاء لأهوال الشتاء (أواخر شعبان سنة 400 هـ). وفي خلال ذلك كله كان الفتى واضح قد سار إلى طرطوشة من ثغور الثغر الأعلى، واتصل بأمير برشلونة الكونت رامون بوريل وزميله أمير أورقلة الكونت أرمنجو، واتفق معهما على أن يمداه بجيش لمقاتلة البربر في قرطبة، فقبلا معاونته بشروط باهظة، من تقديم الطعام والشراب، وأن يتناول كل منهما في اليوم مائة دينار، وأن يتناول كل جندي دينارين في اليوم، وأن يستولي الجند النصارى على ما يغنمونه من سلاح البربر وأموالهم، وأخيراً أن يستولوا على مدينة سالم، وقد احتلوها بالفعل في طريقهم إلى طليطلة، بعد أن أخلاها واضح من المسلمين (1).
وسار الجيش الفرنجي برفقة واضح إلى طليطلة، حيث انضم إليه المهدي في قواته، وسارت القوات المتحدة صوب قرطبة. وكان سليمان المستعين قد وقف على أهبة خصومه، ووفرة القوات الزاحفة عليه، فاستنفر الناس لنصرته، فلقيت دعوته فتوراً، فحشد ما استطاع من جموعه، وخرج مع البربر لملاقاة خصومه. وكان اللقاء على قيد نحو عشرين كيلومتراً من شمالي قرطبة في مكان يعرف " بعقبة البقر "، وذلك في منتصف شوال سنة 400 هـ (أواخر مايو سنة 1010 م)، واحتل البربر بقيادة زعيمهم زاوي بن زيري المقدمة، ورابط سليمان بقواته في المؤخرة. واقتتل البربر مع الفرنج قتالا شديداً، قتل فيه كثير منهم، وفي مقدمتهم الكونت أرمنجو (وتسميه الرواية العربية أرمقند)، ولكن جانباً من فرسان الفرنج اخترقوا صفوف البربر، فظن سليمان أن الهزيمة وقعت بهم فارتد منهزماً وكشف بذلك مؤخرة البربر، فلما رأى البربر فرار سليمان بقواته، ارتدوا لفورهم نحو الزهراء، فأخذوا أهلهم وأموالهم وغادروها إلى الجنوب مسرعين، وفر سليمان في بقية من صحبه شرقاً صوب شاطبة. وفي اليوم التالي دخل واضح ومحمد المهدي قرطبة، وجدد المهدي البيعة لنفسه وعين واضحاً لحجابته (2).
واعتزم المهدي أن يقضي على البربر قبل أن يعودوا لمقارعته. فجمع الأموال
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 94.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 94 و95؛ والذخيرة القسم الأول المجلد الأول ص 32.
(1/648)

من أهل قرطبة، وأعطى الفرنج أعطياتهم، وحشد كل ما استطاع من قواته، وخرج لمطاردة البربر. وكان البربر قد وصلوا عندئذ إلى " وادي آره " أو وادي يارو (1). على مقربة من مربلة في طريقهم إلى الجزيرة الخضراء. وكان جيش المهدي يتكون من نحو ثلاثين ألف من المسلمين، وتسعة آلاف من الفرنج.
وهناك التقى الجمعان، واشتبكا في معركة طاحنة، دارت فيها الهزيمة على المهدي وحلفائه، وقتل من الفرنج نحو ثلاثة آلاف، وغرق منهم عدد جم، واستولى البربر على كثير من أسلحتهم وخيلهم ومتاعهم (2)، ووقعت هذه الموقعة، في شهر ذي القعدة سنة 400 هـ (يونيه 1010 م)، وعلى أثرها ارتد المهدي إلى قرطبة، وهنالك غادره حلفاؤه النصارى عائدين إلى بلادهم. وسار البربر جنوباً إلى ناحية ريُّه، وهنالك لحق بهم سليمان المستعين بمن معه. وأخذ الفريقان يدبران معاً استئناف الصراع للاستيلاء على قرطبة.
وعكف المهدي على تحصين قرطبة، وحفر حولها خندقاً، أقيم وراءه سور، وأخذ يستعد للدفاع، ويحشد الجند توقعاً لمعاودة البربر الكرة. وكانت جموع من البربر في أثناء ذلك تغير على نواحي قرطبة من آن لآخر. وفي أثناء ذلك كان واضح قد ضاق ذرعاً بتصرفات المهدي وحماقاته، وسوء خلقه من عكوف على الشراب والمجون. وكان الفتيان العامريون وفي مقدمتهم واضح جميعاً ينقمون على المهدي ما فعله بهشام المؤيد، وبني عامر، وكان قد وصل إلى قرطبة جملة منهم من شاطبة، وفيهم بعض الفتيان البارزين مثل خيران وعنبر، فأتمروا على الغدر بالمهدي، وأخرجوا هشاماً من محبسه بالقصر، وأجلسوه للخلافة ونادوا بولايته، وأتوا بالمهدي بين يديه، فضرب عنقه، واحتز رأسه، وألقى بجسده من أعلى السطح، ورفعوا رأسه على قناة طيف بها في الشوارع، ووقعت هذه الجريمة في الثامن من ذي الحجة سنة 400 هـ (23 يوليه 1010 م) (3).
وهكذا استرد هشام المؤيد الخلافة، بعد سلسلة من الخطوب والأحداث المثيرة، وكان يومئذ كهلا في نحو السابعة والأربعين من عمره، وكان قد مضى
_______
(1) وبالإسبانية Guadiaro
(2) البيان المغرب ج 3 ص 96؛ وأعمال الأعلام ص 113.
(3) ابن خلدون ج 4 ص 150؛ وابن الأثير ج 8 ص 226؛ والذخيرة القسم الأول، المجلد الأول ص 32؛ والبيان المغرب ج 3 ص 96 و99 و100.
(1/649)

عليه مذ ولى الخلافة صبياً لأول مرة أربعة وثلاثون عاماً، وفي تلك الفترة شهدت الأندلس طائفة من الأحداث الجسام، لم تشهد مثلها من قبل: شهدت قيام الحاجب المنصور ودولته العامرية، واختفاء سلطة الخلافة، في ظل نظام الطغيان المرهق الذي فرضه بنو عامر، ثم شهدت الثورة الغامرة التي أطاحت بالدولة العامرية وعود الخلافة الأموية في ثوبها الباهت المهلهل، على يد مغامرين مثل محمد بن هشام المهدي، وسليمان المستعين، وشهدت وفاة هشام المزعومة، ثم بعثه، وعوده إلى تولي الخلافة، شبحاً من أشباح الماضي، وألعوبة في يد واضح وزملائه الفتيان العامريين، أصحاب الحول والسلطان، بعد ابتعاد البربر ومصرع المهدي.
وتولى واضح بالطبع منصب الحجابة للخليفة الذي اصطنعه، وسكنت الفتنة، وهدأت الخواطر نوعاً، وبعث الخليفة برأس المهدي إلى سليمان المستعين وحلفائه البربر، وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته، وأخذ يظهر في شوارع قرطبة خلافاً لما كان عليه فيما مضى، إظهاراً لهيبة الخلافة وسلطانها. ولكن البربر لم يقبلوا دعوته، وأبدوا تمسكهم بولاية سليمان، وكان البربر في الواقع يضطرمون حقداً على أهل قرطبة لما أصابهم منهم من أنواع النكال، ويزمعون الانتقام منهم بكل وسيلة. وحاول سليمان والبربر أن يحصلوا مرة أخرى على معاونة سانشو غرسية أمير قشتالة، وعرضوا أن يسلموه سائر الحصون الأمامية التي افتتحها الحكم والمنصور، إذا ارتضى محالفتهم ومعاونتهم على استعادة قرطبة، وخلع المؤيد، ولكن سانشو لم يصغ إليهم في تلك المرة، معتزماً أن يوجه مطالبه إلى الخليفة القائم. وعندئذ عول البربر على السير إلى قرطبة، فسارت جموعهم حتى وصلت إلى الزهراء غربي قرطبة، فهاجموها وقتلوا معظم الجند الذين بها، واحتلوها وذلك في شهر ربيع الأول سنة 401هـ (نوفمبر سنة 1010 م)، واستمروا بها بضعة أشهر حتى أواخر شعبان من تلك السنة، ثم زحفت جموعهم على أرباض قرطبة، يعيثون فيها تخريباً ونهباً وقتلا، ويجتنبون الاشتباك مع جند واضح، وضج أهل قرطبة لهذا الاعتداء، وزادت نفوسهم حقداً على البربر، وتحرقاً للانتقام منهم، وانتشرت جموع البربر في نفس الوقت جنوباً، حتى وصلت إلى أحواز غرناطة ومالقة وهي تنشر الخراب والدمار أينما حلت.
(1/650)

وفي تلك الأثناء وصل سفراء سانشو غرسية أمير قشتالة إلى قرطبة، يطالبون بالحصون الواقعة على الحدود، والتي افتتحها المسلمون منذ أيام الحكم حتى نهاية عهد بني عامر. ولم ير هشام وواضح بداً من إجابة سانشو إلى طلبه، اتقاء لعدوانه من جهة، واتقاء لتحالفه مع البربر من جهة أخرى. وعقد مجلس من الفقهاء والقضاة، وكتب محضر رسمي بتسليم عدد كبير من الحصون إلى النصارى، يقال إنها أربت على المائتين (1)، ومنها معاقل هامة، كانت قواعد أمامية للمسلمين، مثل شنت إشتيبن، وقلونية، وأوسمة، وغرماج وغيرها، وخسرت الأندلس بذلك خط دفاعها الأول، وتركت حدودها الأمامية مفتوحة لغزوات النصارى.
واستمر البربر على حصارهم لقرطبة، وعيثهم في أرباضها الخارجية، وكانت الحالة تسوء من يوم إلى يوم، وكان الناس في قرطبة، جيشاً وشعباً، يزمعون مقارعة البربر، والقضاء عليهم بكل ما وسعوا، ويرفضون كل رأي أو مسعى يتجه إلى مسالمتهم أو التفاهم معهم، ولم يجد المؤيد وواضح بداً من الانسياق مع التيار العام، واتخاذ كل وسيلة ممكنة للدفاع عن المدينة، ولكن الموارد كانت تقل يوماً عن يوم، حتى اضطر المؤيد إلى إخراج سائر نفائس القصر وتحفه ورياشه، ليقتني بثمنها الخيل والسلاح، وفضلا عن ذلك فقد أرهق القرطبيون بالمطالب والمغارم حتى ضاقوا ذرعاً؛ وأخيراً شعر واضح بأنه يواجه حالة مستحيلة، واعتزم أن يغادر قرطبة سراً، إلى بعض نواحي الثغر، ولكن بعض أكابر الجند وقفوا على مشروعه، فنهض أحدهم، وهو على بن وداعة مع نفر من زملائه، فعاتبوه على ما بدد من الأموال، وما أساء من تصرف، ثم قتلوه واحتزوا رأسه، وطيف بها في الشوارع، ونهبت دوره ودور أصحابه، فوجد بها مال كثير معبأ كان يعتزم الفرار به. وهكذا كفر واضح بدمه عن جريمته في اغتيال المهدي، وهكذا أضحت الجريمة وسيلة ذائعة في بلاط قرطبة، لاقتناص السلطان أو التخلص من صاحبه (2).
وعلى أثر ذلك ولى المؤيد ابن وداعة شرطة المدينة، فاستعمل الحزم والشدة، في قمع الشغب وصون النظام والأمن، فهابته العامة، وقلت حوادث الشغب، وتولى تدبير الأمور للمؤيد رجل من موالي العامريين يسمى ابن مناو؛ ثم جاءت
_______
(1) أعمال الأعلام ص 117.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 103 و104؛ وأعمال الأعلام ص 117 و118.
(1/651)

إلى قرطبة كتب من أهل الثغور يعتذرون فيها عن عجزهم عن إرسال الأمداد، وينصحون المؤيد إما بمصالحة البربر، أو التفاوض مع أمير قشتالة؛ فكتب هشام إلى زاوي بن زيري يحثه على عقد الصلح، ويعده بما شاء من مال أو ولاية، فرد زاوي بأنه لايستطيع مخالفة أصحابه، وأنه مع ذلك لايدخر وسعاً في العمل لتأليف كلمة المسلمين وحقن الدماء (1).
ثم بذلت محاولة مماثلة لدى سليمان بن الحكم والبربر، إذ كتب أهل قرطبة على لسان هشام وابن مناو كتابين، وجه أحدهما من هشام إلى سليمان، وفيه يرجو العمل على إخماد الفتنة، وتسليم الأمر إليه، وعلى أن يغدو سليمان ولي عهده والقائم بأعباء الخلافة عنه، ووجه الثاني من وزراء قرطبة إلى وزراء البربر، فلم يحفل سليمان بكتاب هشام، وقال للرسل بل إنه هو أمير المؤمنين والخليفة، وأنه لا يعترف لهشام بصفة ما.
كل ذلك والأمر يشتد على أهل قرطبة. ودخل الوزراء ووجوه الجند والفتيان على هشام، وكشفوا له خطورة الحالة، واشتداد ضغط البربر على المدينة وأرباضها، وتفاقم الضيق والغلاء، وقصور الثغور عن إنجاد المدينة، وكون الشعب منقسم على نفسه ما بين راغب في الكفاح، وراغب في الصلح، فبكى هشام فيما قيل، واعتذر لعجزه وقصوره، وقال لهم افعلوا ما ترون.
وعجل باضطرام النار حادث وقع في آخر ذي الحجة سنة 402 هـ، إذ تقدم جماعة من وجوه البربر وفي مقدمتهم حباسة بن ماكسن ابن أخي زاوي، وكان من أشجع قادة البربر، ومعه جماعة قليلة من الفرسان، ونزلوا في بقعة قريبة من الأسوار، فرآهم أهل قرطبة من وراء الخندق، فاجتمع منهم عدد عظيم، وانقضوا على حباسة وصحبه، فدافعوا عن أنفسهم دفاعاً عظيماً، ولكنهم غلبوا في النهاية على أمرهم، وأسر حباسة، فلما عرفه القوم قتلوه بوحشية، وقطعوا جسده إرباً لعظيم حقدهم عليه، ولما قاسوه من شدة قتاله ونكايته، فلما وقف أخوه حبوس وعمه زاوي على الخبر، اضطرب البربر، واستعدوا للقتال، وفي اليوم التالي اشتبكوا مع أهل قرطبة في عدة معارك، وفتكوا بكثير منهم،
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 107 و108.
(1/652)

واستمرت المعارك من ذلك الحين بين الفريقين سجالا، وأهل قرطبة يخرجون من المدينة مرة بعد أخرى، ويقاتلون البربر محاولين تحطيم الحصار المرهق، والبربر من جانبهم ينزلون بهم أشد الضربات، وفي 26 شوال سنة 403 هـ (مايو سنة 1013 م) نشبت بين الفريقين معركة عامة، وقاتل أهل قرطبة قتالا شديداً، ولكنهم هزموا بعد معارك طاحنة، وقتل منهم عدد جم، وساد الاضطراب أرجاء المدينة، وفتحت أبوابها؛ وخرج القاضي ابن ذكوان مع جماعة من الفقهاء وساروا إلى معسكر البربر، وطلبوا الأمان من سليمان وزعماء القبائل البربرية، فمنح الأمان لقاء مبالغ عظيمة فرضت على المدينة، ودخل البربر المدينة دخول الوحوش المفترسة، فقتلوا كثيراً من سكانها، ولم يفروا الأطفال والشيوخ، وأوقعوا بها السلب والنهب، وأحرقوا الدور، واغتصبوا النساء والبنات، وارتكبوا أشنع ضروب السفك والإثم، وكانت محنة من أروع ما قاسته عاصمة الخلافة.
وفي اليوم التالي دخل سليمان المستعين قصر قرطبة، واستدعى هشاماً المؤيد وعنفه على موقفه، فاعتذر بأنه مغلوب على أمره. وهنا تختلف الرواية في مصير هشام، فالبعض يقول إن سليمان أخفاه حيناً، ثم قتله ولده محمد بن سليمان، والبعض الآخر بأنه فر من محبسه، وقصد إلى ألمرية حيث عاش حيناً في خمول وبؤس حتى توفي. بيد أننا نرجح الرواية الأولى، وإن كان اسم هشام سوف يظهر بعد ذلك على مسرح الحوادث. (1)
ولما استتب الأمر لسليمان، وهدأت الخواطر نوعاً، تلقب بالظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين، وانتقل إلى مدينة الزهراء بحاشيته وقواد البربر وجندهم، فاحتلوها وما حولها، ونزل علي والقاسم ابنا حمود قائدا فرقة العلوية بشقندة ضاحية قرطبة، وأخذ سليمان ينظم شئون الحكومة المضطربة. وكانت الفوضى قد سرت إلى جميع النواحي، وتفككت عرى الدولة، وقصر نفوذ الحكومة إلا عن قرطبة وما يجاورها، وقبض البربر الذين رفعوا سليمان إلى العرش، على السلطة الحقيقية، فتولوا مناصب الحجابة والوزارة، وسائر المناصب الهامة؛ ورأى سليمان إرضاء لهم من جهة، وإبعاداً عن قرطبة من جهة أخرى،
_______
(1) راجع في سقوط قرطبة ومصير هشام، ابن خلدون ج 4 ص 151؛ وابن الأثير، ج 9 ص 75 والمراكشي ص 22 - 25؛ وأبو الفدا ج 2 ص 139؛ والبيان المغرب ج 3 ص 112 و113؛ وأعمال الأعلام ص 118 - 120.
(1/653)

يقطعهم كور الأندلس، وكانوا ست قبائل رئيسية، فأعطى قبيلة صنهاجة وزعماؤها بني زيري، ولاية البيرة (غرناطة)، وأعطى مغراوة جوفي البلاد، وبني برزال وبني يفرن ولاية جيان ومتعلقاتها، وبني دُمَّر وازداجة منطقة شذونة ومورور؛ وأقر المنذر بن يحيى التجيبي على ولاية سرقسطة والثغر الأعلى، وكان قد انضم إلى سليمان، وحارب مع البربر من أجل قضيته، وولى بني حمود الأدارسة ثغور المغرب، فولى علياً بن حمود على ثغر سبتة، وأخاه القاسم بن حمود على ثغور الجزيرة الخضراء، وطنجة وأصيلا، وهكذا سيطر البربر على ولايات الأندلس الجنوبية والوسطى، وأخذوا يحتلون في شئونها مكانة لها خطرها (1).
وكان الفتيان العامريون لما رأوا غلبة البربر على حكومة قرطبة الجديدة، قد توجسوا من غدرهم، وفر معظمهم إلى شرقي الأندلس، بعيداً عن سلطان الحكومة المركزية، وأنشأوا هنالك في القواعد الشرقية، حكومات محلية حسبما نذكر بعد.
وقضى سليمان المستعين في الحكم للمرة الثانية نحو ثلاثة أعوام، استمرت خلالها حال الاضطراب والفوضى في قرطبة وسائر أنحاء الأندلس. ولم تهدأ الخواطر ولم تطمئن النفوس. وغلب سلطان البربر، واشتد طغيانهم وتحكمهم، ولبثت الأهواء المتوثبة تجيش في صدور الطامعين من زعمائهم، حتى تمخضت غير بعيد عن انقلاب جديد في مصاير الخلافة.
وكان من أبرز صفات سليمان، مواهبه الأدبية الرفيعة، فقد كان أديباً متمكناً، وشاعراً مطبوعاً، قال فيه ابن بسام إنه " أحد من شَرُف الشعر باسمه، وتصرف على حكمه " وأورد له القصيدة الآتية، وهي الوحيدة التي عثر بها من نظمه، وفيها يعارض قطعة الرشيد " ملك الثلاث الآنسات عناني " وفيها تبدو براعته ورقة خياله:
عجباً يهاب الليث حد سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لُحن لناظري ..
. من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال، وتلك بنت المشترى ... حسناً وهذي أخت غصن البان
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 113 - 115؛ وأعمال الأعلام ص 119.
(1/654)

حاكمت فيهن السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطاني
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ..
. في عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلل للهوى ... ذل الهوى عزٌّ وملك ثاني
ما ضر أني عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبداني
إن لم أصغ فيهن سلطان الهوى ... كلفاً بهن فلست من مروان
وإذا الكريم أحب أمَّن إلفه ... خطب القلى وحوادث السلوان
وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى ... عاش الهوى في غبطة وأمان (1)
_______
(1) ابن بسام في الذخيرة. المجلد الأول القسم الأول ص 33 و34؛ والمراكشي ص 25.
(1/655)

الفصل الثاني
دولة بني حمُّود
ظهور البربر في الميدان. علي والقاسم ابنا حمود. بنو حمود ونسبتهم. ولاية الثغور بين البربر والفتيان العامريين. استيلاء البربر على قرطبة باسم سليمان. خيران العامرى ينتزع ألمرية ويدعو للمؤيد. علي بن حمود يزعم أنه تلقى ولاية العهد من هشام. تحالفه مع خيران وعبوره إلى الجزيرة. مسير القوات المتحالفة إلى قرطبة. القتال بينها وبين البربر. هزيمة البربر وسليمان. علي بن حمود يدخل القصر. اشتداده في معاملة البربر. خيران يخرج عليه ويدعو لعبد الرحمن المرتضى. انضمام الثغور الشرقية وسرقسطة لهذه الدعوة. القتال بين المرتضى وصنهاجة. انتصار البربر ومقتل المرتضى. اضطهاد علي لأهل قرطبة. مصرعه. أخوه القاسم يخلفه. جنوحه إلى سياسة اللين والتفاهم. غلبة البربر عليه. خروج يحيى بن علي واستيلاؤه على الخلافة. التجاء القاسم إلى إشبيلية. خلع المعتلي وعود القاسم. اصطفاؤه للبربر. سخط أهل قرطبة. محاربتهم وهزيمتهم للبربر. مسير القاسم إلى إشبيلية ثم إلى شريش. يحيى المعتلي يطارده ويأسره. إستقرار المعتلي في الثغور الجنوبية. رد الأمر لبني أمية. خلافة عبد الرحمن المستظهر. وصف ابن حيان لبلاطه. عطفه على البربر. فتك القرطبيين بهم. فرار المستظهر ومصرعه. خلافة المستكفي. إضطهاده للزعماء. خلعه وفراره. يحيى بن حمود يحتل قرطبة. فتك القرطبيين بالحامية البربرية. رد الأمر لبني أمية. بيعة هشام المعتد بالله. وزيره حكم بن سعيد. سوء مسلكه ومصرعه. خلع هشام ومصيره. الإجماع على إبطال الخلافة والتخلص من بني أمية. استيلاء يحيى المعتلي على قرمونة. الحرب بينه وبين ابن عباد. هزيمة يحيى ومصرعه. خلافة إدريس المتأيد بالله. غزو إدريس وحلفائه لأحواز إشبيلية. الحرب بين زهير العامري وباديس أمير غرناطة. مصرع زهير. الحرب بين ابن عباد والبربر. هزيمة ابن عباد ومقتل ولده إسماعيل. وفاة إدريس وخلافة ولده يحيى. خروج حسن بن يحيى ومبايعته بالخلافة. مقتل الوزير ابن بقنه. مصرع حسن. محاولة الحاجب نجا ومصرعه. خلافة إدريس العالي. الثورة عليه وخلعه. خلافة محمد بن إدريس المهدي. طغيانه والسخط عليه. مصرعه. خلافة إدريس السامي. عودة إدريس العالي. خلافة المستعلي. إستيلاء باديس على مالقة. حكومة بني القاسم بن حمود بالجزيرة. إستيلاء ابن عباد على الجزيرة. إنقراض دولة بني حمود. تفكك الأندلس وانقسامها.
لما قضي على دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى أيام الحكم المستنصر، ثم بعد ذلك أيام المنصور بن أبي عامر، وأصبح المغرب ولاية أندلسية تخضع لحكومة قرطبة، تفرق كثير من زعمائه في مختلف الجهات، ولاذوا بالاختفاء، بعيداً عن بطش السلطة الجديدة، وأخذوا يرقبون الفرص لاستعادة سلطانهم؛ وهاجر
(1/656)

عدد كبير منهم إلى الأندلس، من البربر والمغاربة، وانضووا تحت لواء الدولة العامرية في أواخر عهدها، وعاونوا في توطيد سلطانها وتدعيم جيشها.
ولما انهارت الدولة العامرية، وعم الاضطراب والفوضى في قرطبة، ظهر البربر طرفاً بارزاً من أطراف المعركة، التي اضطرمت حول السلطان والخلافة؛ ولما نجح بنو أمية في تحقيق ضربتهم الأولى على يد محمد بن هشام المهدي، انحاز البربر للفريق المعارض، لما نالهم من مطاردته واضطهاده، وكانت الخصومة تضطرم في الواقع منذ بعيد بين الأمويين والبربر، لاعتقاد الأمويين أن البربر كانوا أكبر عضد للمنصور، في اغتصاب السلطة والقضاء على سلطان بني أمية. ولما فشل البربر في محاولتهم الأولى للقضاء على رياسة المهدي، التفوا حول خصيمه سليمان المستعين، ليكون مرشحهم الشرعي، ووسيلتهم إلى انتزاع السلطة، وانتهى الصراع بين الفريقين، آخر الأمر بانتصار البربر، واستيلاء مرشحهم سليمان على الخلافة، وحصولهم على نصيبهم من أسلاب السلطة،، بتولي رياسة الولايات والثغور الجنوبية.
وكان من بين الزعماء المغاربة، الذين قادوا جموع البربر في معركة قرطبة المظفرة، رجلان من عقب الأدارسة، هما علي والقاسم ابنا حمُّود بن ميمون ابن حمود. ونحن نعرف أن الأدارسة يرجعون نسبتهم إلى الحسن بن علي بن أبى طالب؛ وإذاً، فقد كان علي والقاسم، وفقاً لهذا القول، علويين من سلالة آل البيت. وهذا ما يقوله العلامة النسابة ابن حزم، إذ يرجع نسبة علي والقاسم، إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (1)، ويقوله أيضاً عبد الواحد المراكشي وابن عذارى، وابن الخطيب (2).
بيد أنه بالرغم من هذه النسبة العلوية، وهذه الأرومة العربية العريقة، التي ينتحلها بنو حمود، فإنهم، إذا تركنا مسألة النسبة والسلالة جانباً، كانوا ينتمون في الواقع من حيث النشأة والعصبية والمصير، إلى البربر، وكان الطابع البربري غالباً عليهم، حتى أنهم لم يكونوا يتكلمون العربية، وإنما كانوا يتكلمون باللهجة البربرية، وقد أشار ابن الخطيب إلى ذلك في حديثه عن علي بن حمود (3).
_______
(1) راجع جمهرة أنساب العرب (القاهرة) ص 43 و44.
(2) المراكشي في المعجب ص 24؛ وابن عذارى في البيان المغرب ج 3 ص 119؛ وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 128.
(3) أعمال الأعلام ص 121.
(1/657)

وقد رأينا أن سليمان المستعين حينما استرد الخلافة، عقب انتصار البربر على أهل قرطبة، خص علياً والقاسم، بولاية الثغور المغربية، وندب علياً لحكم سبتة، وندب القاسم لحكم الجزيرة الخضراء وطنجة وأصيلا، وذلك في أوائل سنة 404 هـ (1013 م).
وفي الوقت الذي استولى فيه البربر، على الولايات والثغور الجنوبية، كان الفتيان العامريون, منذ اضطرام الفتنة، قد استقروا بشرقي الأندلس، واستولى كثير منهم على الثغور الشرقية، وفي مقدمتهم مجاهد الذي استولى على دانية والجزائر الشرقية فيما بعد، وخيران، الذي استولى على ألمرية ومرسية. وكان خيران حينما استولى محمد بن هشام المهدي على الخلافة للمرة الثانية، بمؤازرة واضح والجند النصارى، وتولى واضح منصب حجابته، قد عاد إلى قرطبة مع نفر من الفتيان العامريين، وانضموا إلى واضح، ثم اشتركوا معه في تدبير اغتيال المهدي، وإعادة هشام المؤيد إلى كرسي الخلافة حسبما تقدم. وكان أولئك الفتيان يعتبرون هشاماً إمام دولتهم بعد ذهاب المنصور. فلما قتل واضح واستولى البربر على قرطبة، وانتزع سليمان المستعين الخلافة من هشام المؤيد، غادر خيران ومعه عدة كبيرة من الفتيان قرطبة، اتقاء بطش البربر، وسار إلى شرقي الأندلس، وانضم إليه حال سيره كثير من الناقمين من بني أمية وغيرهم، ثم زحف على ألمرية، وكانت بيد أفلح الصقلبي، فانتزعها منه، واستولى على كثير من الأماكن المجاورة، واشتد بأسه في تلك الناحية، ودعا لهشام المؤيد.
وكان تمزق الأندلس على تلك الصورة، وانتثار السلطة، بين الأمويين والبربر، والفتيان العامريين، مما يفسح المجال لأطماع الطامعين والمتغلبين، وكانت تلك الأطماع تجيش في الواقع، في صدور أولئك الذين رأوا في ضعف السلطة المركزية، وذيوع الخلاف والفوضى، فرصة يمكن انتهازها. وكان علي ابن حمُّود الحسني، قد ولي حكم سبتة، وولي أخوه الأكبر القاسم، حكم الجزيرة الخضراء، لا يفصلهما سوى مضيق جبل طارق. وكان علي يطمح إلى أكثر من حكم مدينة، ويتطلع إلى الوثوب بحكومة قرطبة المضطربة المتداعية. وكان يرى في الفتيان العامريين خصوم سليمان المستعين حلفاءه الطبيعيين، فكاتب كبيرهم خيران صاحب ألمرية، وأظهر كتاباً زعم أنه تلقاه من الخليفة هشام المؤيد يوليه
(1/658)

فيه ولاية عهده، ويطلب إليه أن ينقذه من أسر البربر وسليمان؛ ويقول لنا ابن حيان، إن هشاماً المؤيد لما رأى اضطراب أمره وتصرم دولته، قد منح علي ابن حمود ولاية عهده، وأوصى إليه بالخلافة من بعده، وأرسل إليه ذلك بسبتة سراً، وولاه طلب دمه، واستكتمه السر حتى يحين الأوان لذلك (1).
فذاعت دعوة علي، ولباها بعض حكام الثغور الجنوبية مثل، عامر بن فتوح الفائقي مولى الحكم المستنصر ووزير ولده المؤيد، وكان يومئذ حاكماً لمالقة.
وكتب إليه خيران أن يعبر إليهم. فعبر علي من سبتة إلى الجزيرة الخضراء في أواخر سنة 406 هـ (1016 م) وسار في أشياعه من البربر إلى مالقة، فسلمها إليه عامر ابن فتوح، ودعا له بولاية عهد المؤيد حال ظهوره حياً، وسار خيران في قواته والتقى بعلي في ثغر المنكب الصغير، ما بين مالقة وألمرية، فجمع الزعيمان قواتهما ونظما خطتهما للزحف على قرطبة، وبويع علي بن حمود على طاعة المؤيد. ثم سارت القوات المتحدة صوب قرطبة، وانضم إليها خلال السير زاوي بن زيري وحبوس الصنهاجي في قوة من بربر غرناطة. وكان سليمان المستعين، قد ترامت إليه أنباء أولئك الخوارج عليه، وزحفهم لقتاله، فخرج من قرطبة للقائهم في جند البربر، والتقى الفريقان في ظاهر قرطبة على قيد عشرة فراسخ منها، ونشبت بينهما معركة شديدة، انتهت بهزيمة سليمان، وقتل عدد جم من أنصاره، وكان سليمان وأبوه الحكم، وأخوه عبد الرحمن، بين الأسرى.
ودخل علي بن حمود قصر قرطبة في الثامن والعشرين من محرم سنة 407 هـ (أول يوليه سنة 1016 م) وبحث عن هشام المؤيد فلم يجده، وكان الاعتقاد سائداً بأن سليمان أخفاه ولم يقتله، فلما علم بأنه قُتِل، أتى بسليمان وأبيه وأخيه وقتلهم بنفسه انتقاماً للمؤيد. ثم أعلن وفاة المؤيد، ودعا إلى البيعة لنفسه، فبويع بالخلافة وتلقب بالناصر لدين الله، وكانت مدة خلافة سليمان الثانية مذ دخل قرطبة إلى أن قتل ثلاثة أعوام وبضعة أشهر، وكانت أمه أم ولد تدعى ظبية ومولده في سنة 354 هـ (2).
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 114 و116.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 116 و117 و119 ر 120، وابن خلدون ج 6 ص 221 وج 4 ص 153؛ والمراكشي ص 24؛ وأعمال الأعلام ص 129؛ ونفح الطيب ج 6 ص 224، وجذوة المقتبس ص 20.
(1/659)

وهكذا اختتمت الدولة الأموية حياتها بالأندلس بعد أن عاشت منذ عصر الإمارة حتى نهاية عصر الخلافة مائتين وثمانية وستين عاماً، وانهارت دعائم الخلافة الأموية نهائياً، بعد أن لبثت منذ عهد هشام المؤيد أربعين عاماً، ستاراً للمتغلبين من بني عامر، ثم شبحاً هزيلا يضطرب في غمر الفتنة والفوضى.
ولما قبض علي بن حمود على زمام الحكم، اشتد في معاملة البربر، وإخماد تمردهم وشغبهم، وحماية السلطة المركزية من عدوانهم، فهابوه ولزموا السكينة، وقضى بمنتهى الشدة على كل نزعة إلى الخروج والعصيان، وفتك بالمعارضين له سواء في ذلك العرب والبربر، وأذل الزعماء واستأثر بالسلطة. وحاول من جهة أخرى أن يحسن معاملة القرطبيين، وأن يقيم العدل، ويقمع الفوضى، وكان من معاونيه في الحكم، جماعة من أولياء الخلافة السابقين مثل أبي الحزم بن جهور، وأحمد بن برد وغيرهما.
على أن الحوادث ما لبثت أن تطورت بسرعة. ذلك أن خيران العامري، لما دخل قرطبة مع علي بن حمود ولم يجد الخليفة هشاماً المؤيد على قيد الحياة، خشي سطوة الناصر وغدره، فغادر قرطبة، معلناً الخلاف، وسار إلى شرقي الأندلس حيث يحتشد معظم الزعماء العامريين وأنصارهم، وأعاد الدعوة لبني أمية في شخص مرشح جديد منهم، هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن الناصر، باعتباره أصلح من بقي منهم، وكان قد فر خفية من قرطبة إلى جيان، فاستدعاه خيران وبايعه وجمع كبير من أصحابه بالخلافة، ولقبوه بالمرتضى، وانضم إليهم في تلك الحركة المنذر بن يحيى التجيبي والي سرقسطة والثغر الأعلى ومعه قوة من المرتزقة النصارى، وكذلك ولاة شاطبة وبلنسية وطرطوشة وألبونت وغيرها. وأعلن المرتضى الخلاف على الناصر، وسار في جموعه أولا إلى غرناطة ليحارب جيش صنهاجة القوي، فلقيه أميرها زاوي بن زيري في قواته ونشبت بينهما معركة طاحنة استمرت أياماً، وانتهت بهزيمة أهل الأندلس، ومقتل المرتضى، وتمزق جموعه، وسقوط معسكره في أيدي البربر. وفي رواية أخرى أن المرتضى استطاع الفرار ناجياً بحياته، فبعث خيران في أثره بعض أعوانه فقتلوه على مقربة من وادي آش، وحملوا رأسه إلى خيران. وكان خيران والمنذر قد حقدا عليه لما رأيا من حدته وصرامة نفسه، وخشيا من غدره (1).
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 127.
(1/660)

وسار خيران والمنذر فيمن بقي من أصحابهما ولحقا بألمرية. وسار الإفرنج المرتزقة حلفاء المنذر إلى الشمال. قال ابن حيان " فحل بهذه الوقيعة على جماعة الأندلس مصيبة أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباؤوا بالصغار " واستطاع أخ للمرتضى، وهو أبو بكر هشام بن محمد، أن ينجوا من الموقعة، في بعض أصحابه إلى ألبونت، حيث دعا لنفسه بالخلافة، وأقام بها يرقب الحوادث (1).
وتغفل معظم الروايات الإسلامية تاريخ هذه الموقعة، ولكن الظاهر من سياق الحوادث، ومما ذكره صاحب البيان المغرب، أن سير المرتضى من شرقي الأندلس صوب قرطبة، كان في سنة 409 هـ (2)، وأن الموقعة حدثت في أواسط هذا العام، وفي خلافة القاسم بن حمود، بعد مقتل أخيه على حسب ما يجىء.
وكان علي بن حمود، حينما ترامت إليه أنباء خروج المرتضى ومسيره لقتاله، قد انقلب على أهل قرطبة خشية من غدرهم، ولما آنسه من ميلهم إلى المرتضى، وعاد فأطلق يد البربر، واشتد على أهل قرطبة، ونزع سلاحهم، واعتقل كثيراً من أعيانهم، وفي مقدمتهم وزيره أبو الحزم بن جهور، وصادر أموالهم، وهبت على القرطبيين ريح من الإرهاب والروع فلزموا السكينة حيناً (3).
ولكن القدر كان يتربص بعلي بن حمود، ذلك أنه بينما كان يتأهب لقتال خصومه، المجتمعين يومئذ في منطقة جيان حول راية المرتضى، إذ ائتمر به نفر من فتيان القصر الصقالبة من موالي بني أمية، وتسلل ثلاثة منهم إليه وهو في الحمام وقتلوه، وذلك في الثاني من ذي القعدة سنة 408 هـ (23 مارس سنة 1018 م)، وكان سنه وقت مقتله خمس وخمسون سنة، ولم يمكث في الخلافة سوى عام وتسعة أشهر.
فبعث زعماء زناتة إلى أخيه القاسم بنبأ موته، وكان يكبره ببضعة أعوام، وكان يومئذ والياً لإشبيلية، فحضر مسرعاً، وبويع بالخلافة في الثامن من ذي القعدة، أعني لستة أيام من مقتل أخيه، وتلقب بالمأمون، وقبض على الفتيان
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 125 و126 و127.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 125. وذكر ابن الخطيب وحده أن الموقعة حدثت بالفعل في سنة 409 هـ (أعمال الأعلام ص 131).
(3) البيان المغرب ج 3 ص 123؛ وأعمال الأعلام ص 129.
(1/661)

الثلاثة الذين قتلوا أخاه وأعدمهم لوقته. وكان يحيى بن علي، ولد الخليفة القتيل والياً على سبتة، وولده الآخر إدريس والياً على مالقة، فاختلف البربر في البداية على مسألة الخلافة، ولكن أكثرهم انضم إلى جانب القاسم لأنه غبن أولا، وقدم عليه أخوه الأصغر.
وهكذا استتب الأمر للقاسم، فعدل عن سياسة الشدة إلى سياسة اللين والمسالمة، وأحسن إلى الناس ونادى بالأمان وبراءة الذمة ممن تسور على أحد، وأسقط كثيراً من المكوس. فهدأت الخواطر، واطمأن الناس نوعاً، وكانت حركة المرتضى قد وصلت خلال ذلك إلى ذروتها، ووقعت الحرب بين جموع المرتضى وحليفه خيران والمنذر بن يحيى التجيبي، وبين قوى صنهاجة على مقربة من غرناطة، وانهزم أهل الأندلس وقتل المرتضى، وبعث زاوي بن زيري إلى القاسم بما وقع مع سهمه من الغنائم، ومنها سرادق المرتضى، فسر القاسم لذلك، وعرض سرادق المرتضى على نهر قرطبة ليراه الناس (1). وعمد القاسم إلى استمالة خيران واستعطافه، ولكنه بقي معتصماً بألمرية، وأقطع زميله زهيراً العامري ولاية جيان وقلعة رباح، محاولا بذلك أن يعقد السلم مع الفتيان العامريين، وأن يأمن خصومتهم وكيدهم.
واتخذ القاسم بطانة من السود، وأسند إليهم مناصب الرياسة والقيادة، ولكنه لم يتخلص من قبضة البربر وسيطرتهم عليه، فضعف أمره وتكاثرت الصعاب من حوله. وكان ابن أخيه يحيى بن علي والي سبتة، يرقب الفرصة للخروج عليه، فاتفق مع أخيه إدريس والي مالقة، على أن يتركها له، لتكون قاعدة للعمل، وأن يستقر إدريس مكانه في سبتة. وأخذ يحيى يحشد أنصاره تباعاً في مالقة حتى اجتمع له جيش قوي. وفي أثناء ذلك كان عمه القاسم يشكو أمره إلى زعماء البربر، ولكنهم عجزوا عن التوفيق بينهما؛ وزحف يحيى في قواته على قرطبة، وخشي القاسم العاقبة فآثر الانسحاب على الحرب، وغادر قرطبة إلى إشبيلية في 23 ربيع الثاني سنة 412 هـ (أغسطس سنة 1022 م)، وضبط البربر القصر حتى مقدم ابن أخيه يحيى.
ودخل يحيى بن علي بن حمود قرطبة بعد ذلك بأيام قلائل، في مستهل جمادى
_______
(1) أعمال الأعلام ص 131.
(1/662)

الأولى سنة 412 هـ. وبويع بالخلافة، وتلقب بالمعتلي بالله، وكان في الثانية والأربعين من عمره. واستقبل البربر والأندلسيين معاً رياسته بالاستبشار والرضى. وكان المعتلي فارساً بارعاً يتحلى بخلال الفروسية، ويجانب العصبية، ويؤثر العدل، ويجزل العطاء لمن وفد عليه، أو مدحه بشعره، فأحبه الناس؛ وكان من وزرائه أبو العباس أحمد بن برد، والكاتب محمد بن الفرضي، ولكنه وقع مثل عمه القاسم تحت نفوذ البربر وإمرتهم، فاستبدوا به، وضيقوا عليه.
وكان القاسم بن حمود أثناء ذلك قد استقر في إشبيلية، وتسمى بالخلافة، وتلقب بالمستعلي، وأخذ يرقب سير الحوادث. ومن الغريب أن القاسم وابن أخيه يحيى، تهادنا واتفقا على أن يعترف كلاهما بصفة صاحبه. ويعلق الفيلسوف ابن حزم على ذلك بأنه لم يسمع بخليفتين تصالحا " وهو أمر، لم يسمع في الدنيا بأشنع منه، ولا أدل على إدبار الأمور " (1).
على أن هذا الوضع الشاذ لم يدم طويلا. ذلك أن البربر أعلنوا خلع يحيى المعتلي في الثاني عشر من ذي القعدة سنة 413 هـ، ولم يكن قد مضى على خلافته سوى عام ونصف، فبادر يحيى بمغادرة قرطبة إلى مالقة. وفي الحال تحرك عمه القاسم من إشبيلية تلبية لدعوة البربر، ودخل قرطبة في الثامن عشر من ذي القعدة المذكور، وجددت له البيعة وتسمى بأمير المؤمنين.
ولكن القاسم لم يوفق في سياسته أيضاً في تلك المرة. ذلك أنه أصطفى البربر، ومكنهم من أهل قرطبة، فاشتدوا في معاملتهم ومطاردتهم، وضاق أهل قرطبة في النهاية ذرعاً بتلك الحالة، فثاروا بالبربر، واستعدوا لقتالهم، وأعلنوا خلع القاسم، واستمرت المعارك حيناً حتى استطاع القرطبيون إرغام القاسم على مغادرة القصر، وذلك في جمادى الثانية سنة 414 هـ (سبتمبر سنة 1023 م). فانقلب البربر إلى محاصرة المدينة بعد أن أغلق القرطبيون أبوابها. واستمر الحصار خمسين يوماً، والمعارك في كل يوم تتجدد، وأخيراً خرج القرطبيون واشتبكوا مع البربر في معركة كبيرة حاسمة، وقاتلوا قتال اليائسين، حتى هزموا البربر ومزقوا جموعهم، وتفرقت بقايا البربر وانفضت عن القاسم، فسار القاسم في نفر من صحبه إلى إشبيلية، وكان بها إبناه محمد والحسن، فأغلقت المدينة أبوابها دونه،
_______
(1) راجع نقط العروس ص 80، والبيان المغرب ج 3 ص 132 و133.
(1/663)

وأخرج منها إبناه ومن معهم من البربر، وقام أعيان المدينة، وعلى رأسهم قاضيها محمد بن إسماعيل بن عباد، بضبط الأمور فيها، وسار القاسم وصحبه إلى بلدة شريش (1).
وفي تلك الأثناء كان يحيى المعتلي، قد سار من مالقة إلى الجزيرة الخضراء، وكانت بها أموال عمه القاسم وأسرته فاستولى عليها، واستولى أخوه إدريس والي سبتة، على ثغر طنجة، وكانت أيضاً من أعمال القاسم، وكان يعدها ملجأ له وملاذاً يحتمي به إذا ذهب سلطانه بقرطبة؛ ولما انقلب القاسم في فلوله إلى شريش سار يحيى المعتلي لقتاله، وحاصر شريش حتى سلمت، وقبض على عمه وبنيه، وحملهم في الأصفاد إلى مالقة، وهناك أودعهم السجن، وانفرد يحيى برياسة البربر، وبسط سيادته على شريش ومالقة، وسبتة وطنجة من ثغورالمغرب، وبايعه البربر بالخلافة، وسموه المعتلي بالله، وبقي القاسم في يرسف في سجنه ردحاً طويلا من الزمن، حتى قتل خنقاً في سنة 431 هـ، وهو في نحو الثمانين من عمره (2).
وكان أهل قرطبة قد سئموا عندئذ حكم البربر وأشياعهم، وأجمعوا على رد الأمر إلى بني أمية. وكان ثمة ثلاثة من المرشحين الذين اعتبروا أصلح من بقي من بني أمية لتولي الخلافة، هم سليمان بن المرتضى، ومحمد بن العراقي، وعبد الرحمن ابن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله، فقرر القرطبيون أن يختاروا أحدهم بطريق الشورى، وعقدت لذلك جلسة كبرى بالمسجد الجامع، حضرها الوزراء والأكابر والخاصة والعامة. وحضر سليمان بن المرتضى ومحمد بن العراقي في البداية، وكاد الاختيار يقع على أولهما، وبدىء بالفعل في تحرير مرسوم البيعة، لولا أن حضر عندئذ عبد الرحمن بن هشام في كبكبة عظيمة، ومن حوله طائفة كبيرة من الجند شاهرة السلاح، فدخل المقصورة، وعقدت له البيعة في الحال، بين دهشة الحضور واضطرابهم، وذلك في السادس عشر من رمضان سنة 414 هـ (ديسمبر سنة 1023 م). ثم خرج من المسجد إلى القصر وقد اصطحب معه ابنى عمه سليمان والعراقي، فاعتقلهما لديه. ويصف لنا ابن حيان هذا الحفل الشهير، وكان من شهوده، بإفاضة ممتعة (3).
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 134 و135؛ وأعمال الأعلام ص 133.
(2) راجع البيان المغرب ج 3 ص 135 و144؛ والمراكشي ص 29.
(3) راجع الذخيرة، القسم الأول المجلد الأول ص 35 و36. ويقول لنا ابن حيان إن الحفل عقد في الرابع من رمضان، والظاهر أن هناك تحريفاً، لأنه يقول لنا بعد ذلك عند مقتل =
(1/664)

واتخذ عبد الرحمن لقب المستظهر بالله، وكان يوم جلوسه فتى في الثالثة والعشرين من عمره، وندب للوزارة بعض القدامى من وزراء بني أمية السابقين مثل أحمد ابن برد، وجماعة من الفتيان الطامحين الأغمار، مثل أبي عامر بن شهيد، وأبي محمد ابن حزم (وهو الفيلسوف المستقبل)، وابن عمه عبد الوهاب بن حزم، وقد كانا على قول ابن حيان " من أكمل فتيان الزمان فهماً ومعرفة، ونفاذاً في العلوم الرفيعة ". فقدمهم على سائر رجاله، وأولاهم منتهى النفوذ والثقة؛ ويورد لنا ابن حيان ثبت المناصب الوزارية والرئيسية يومئذ على النحو الآتي:
خدمة المدينتين، الزهراء والزاهرة، وخدمة كتابة التعقب والمحاسبة، وخدمة الحشم، وخدمة القطع بالناض والطعام، وخدمة مواريث الخاصة، وخدمة الطراز. وخدمة المباني، وخدمة الأسلحة وما يجري مجراها، وخدمة الخزانة القبض والنفقة. وخدمة الوثائق ورفع كتب المظالم، وخدمة خزانة الطب والحكمة. وخدمة الأنزال والنزائل، وخدمة أحكام السوق.
ثم يعلق ابن حيان على ذلك بقوله: " وهذا زخرف من التسطير وضع على غير حاصل، ومراتب نصبت لغير طائل، تنافسها طالبوها يومئذ بالأمل، فلم يَحْلوا منها بنائل، ولا قبضوا منها مرتزقاً، ولا نالوا بها مرتفقاً، وغرهم بارق الطمع وسط بلد محصور، وعمل معصوب، وخراب متسول، ومع سلطان فقير، لا يقع بيده درهم إلا من صبابة، مستغل جوف المدينة، أو نهب مغلول ممن تقلقل عنها، يقيم منها رمقه، ويفرق جملته على من تكنفه من جنده ودائرته، ويتطرق إلى ما يقبح من ظلم رعيته، فلم يلبث الأمر أن تفرَّى به فسُفك دمه، وانحسم الأمل من دولته " (1).
تلك هي الصورة القوية التي يقدمها إلينا المؤرخ الأندلسي المعاصر عن بلاط المستظهر، وظروف ولايته. والواقع أن هذا الخليفة الفتى كان يتمتع بخلال باهرة، وكان ممكناً أن يكون معقد الآمال، لو أتيح له من السلطان وحرية التصرف ما طلب، ولكن الظروف عاجلته وغلبته على أمره؛ وكان قد بدأ ولايته بأن أرسل إلى المدن والثغور يدعو إلى تأييد بيعته، فلم تثمر دعوته أو لم يتسع
_______
= المستظهر إن خلافته كانت سبعة وأربعين يوماً، ومقتله في الثالث من ذي القعدة. وهو ما يرد تاريخ البيعة إلى السادس عشر من رمضان (راجع البيان المغرب ج 3 ص 135).
(1) نقله في الذخيرة. القسم الأول المجلد الأول ص 36 و37.
(1/665)

الوقت لذلك، وقبض على عدد من الوزراء والأكابر وصادر أموالهم، وكان يرجو بإزالتهم تمكين نفوذه وسلطانه، ثم قبض على عدد من أبناء عمه المروانية، واعتقلهم بالقصر مع ابني عمه سليمان والعراقي، وكانت هذه البوادر المكدرة تقضي على هيبته بسرعة، وتذكي السخط عليه في صدور الخاصة والعامة معاً.
ثم وقع حادث كان نذير الاضطرام. وذلك أنه استقبل عدة من الفرسان البربر فأكرم وفادتهم وأنزلهم بالقصر، فغضب لذلك الكبراء، وأوغروا صدور العامة قائلين لهم, إننا حاربنا البربر وقهرناهم، وهذا الرجل يسعى في ردهم إلينا، وتمكينهم من أمرنا. فهاجت العامة، وزحفت جموعهم على القصر، واقتحموه على غرة، وقتلوا البربر حيث وجدوا، وفتحوا المطبق وأخرجوا من كان به من المعتقلين، ووثبوا إلى جناح الحرم، وأدرك عبد الرحمن المستظهر أنه هالك، فاختبأ في أتون الحمام، واعتدى الثوار على آل عبد الرحمن وحريمه، وسبوا أكثرهن، وكانت مناظر شنيعة مروعة (1).
ولما اختفي المستظهر بالله، ظهر ابن عمه محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن الناصر، وكان مختفياً خفية البطش به، فأخذ إلى القصر، وأجلس في مجلس الملك، وبويع بالخلافة في اليوم الثالث من ذي القعدة سنة 414 هـ (17 يناير 1024 م)، وتلقب بالمستكفي بالله. وبحث عن المستظهر حتى عثر به في أتون الحمام في حالة مزرية، فأخذ إلى حضرة الخليفة الجديد، وأعدم أمامه، وكانت إمارته مذ ولي حتى قتل سبعة وأربعين يوماً، لم يحدث فيها حدث هام، ولم يجاوز سلطانه مدينة قرطبة.
وكان عبد الرحمن المستظهر أديباً شاعراً من الطراز الأول، وقد نوه ابن بسام بمواهبه الأدبية الرفيعة، وأورد له طائفة من القصائد الجيدة (2).
ومن شعره من قصيدة طويلة قالها في ذكر ابنة عمه أم الحكم بنت المستعين أيام خطبته لها:
حمامة بنت العبشمين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صقرا
تقل الثريا أن تكون لها يدا ... ويرجو الصباح أن يكون لها نحرا
_______
(1) الذخيرة القسم الأول المجلد الأول ص 38 و39، والبيان المغرب ج 3 ص 148 و139.
(2) راجع الذخيرة. القسم الأول المجلد الأول ص 40 - 43.
(1/666)

وإني لطعان إذا الخيل أقبلت ... جوانبها حتى ترى جونها شقرا
ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتى ... وجاعل وفدى عند سائله وفرا
وكان المستكفي يوم ولادته في الثانية والأربعين من عمره إذ كان مولده في سنة 366 هـ، وأمه أم ولد تسمى حوراء. وكان عاطلا من الخلال الحسنة، ميالا إلى البطالة، شغوفاً بالمجون والشراب، عاجزاً سيىء الرأي، وقد شبهه ابن حزم، في سوء خلاله، وفي مجونه وفسقه، وفي خضوعه لغانية خبيثة، بسميه المستكفي العباسي، وقد كان كلاهما في نفس السن، وحكم كل منهما نحو سنة وخمسة أشهر (1).
ولم تقع خلال ولاية المستكفي القصيرة، أحداث ذات شأن، وكان مما عمله أن أمر بخنق ابن عمه محمد العراقي، ونعاه للناس، وندب لولاية عهده ابن عمه سليمان بن هشام بن عبيد الله بن الناصر. وفي أيامه هدمت القصور الناصرية، وخربت قصور المنصور بالزاهرة، فسادتها الوحشة والخراب.
واضطهد المستكفي معظم الرجال البارزين من الساسة القدماء، ومن المفكرين، وغادر كثير منهم قرطبة، ولجأوا إلى بلاط يحيى بن حمود بمالقة، وكان من هؤلاء الوزير السابق والشاعر اللامع أبو عامر بن شهيد؛ ووصف هؤلاء ليحيى ابن حمود سوء الأحوال في قرطبة. ومع أن يحيى لم يكن متحمساً لفكرة السير إلى قرطبة، فإن الأنباء ترامت إلى القرطبيين بأنه يتخذ أهباته لاسترداد عاصمة الخلافة؛ وعلى أي حال فقد سئم القرطبيون ولاية المستكفي العاطلة الماجنة الفاسدة ونادوا بخلعه. فدخل عليه الوزراء والكبراء، وأغلظوا له في القول، وطلبوا إليه التخلي، فاستعطفهم بلين القول، ثم غادر قرطبة في نفس اليوم متنكراً في زي امرأة. وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من ربيع الأول سنة 416 هـ (مايو سنة 1025 م). وسار المستكفي صوب الثغر في نفر من صحبه, ووصل إلى إقليج من أحواز قرطبة، وهنالك اغتاله بعض مرافقيه، لاعتقادهم أنه يحمل مالا. وكان مقتله لسبعة عشر يوماً فقط من خلعه (2).
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 141، وأعمال الأعلام ص 136.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 142 و143؛ وأعمال الأعلام ص 136.
ومما هو جدير بالذكر أن محمد بن عبد الرحمن المستكفي هو والد الأديبة الشهيرة والشاعرة الأندلسية الكبيرة " ولادة " التي اشتهرت بروعة أدبها وشعرها، والتي أوحت إلى الوزير الشاعر ابن زيدون =
(1/667)

ومضت بضعة أشهر؛ والحكومة في قرطبة فوضى لا ضابط لها. وأخيراً
قرر يحيى بن حمود أن يسير إلى العاصمة، فقصد إليها في قواته ودخل القصر في الخامس عشر من رمضان من نفس العام (9 نوفمبر سنة 1025 م)، وبقي بها إلى نهاية هذا العام، ثم غادرها في أوائل المحرم سنة 417 هـ قاصداً إلى مالقة، وترك بها وزيريه أحمد بن موسى، ودوناس بن أبي روح، يدبران شئونها، ومعهما حامية صغيرة من البربر، بيد أنه لم يمض زهاء شهرين حتى تجهمت الحوادث كرة أخرى.
ذلك أن خيران وزهير الفتيين العامريين، قصدا إلى قرطبة، وأوعزا إلى القرطبيين بالتخلص منن البربر، فثار القرطبيون فجأة، وفتكوا بالحامية البربرية، وكانت زهاء ألف رجل، وفر أحمد بن موسى وزميله دوناس إلى مالقة، وكان ذلك في العشرين من ربيع الأول من سنة 417 هـ.
وأجمع القرطبيون على أثر ذلك على رد الأمر لبني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جَهْوَر بن محمد بن جهور، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد ابن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر، أخى عبد الرحمن المرتضى. وكان عند مقتل أخيه في سنة 409 هـ، قد فر من قرطبة في نفر من صحبه، ولجأ إلى مدينة ألبونت في شمال شرقي الأندلس، واستظل من ذلك الحين بحماية واليها عبد الله بن قاسم الفهري. وبعث إليه أهل قرطبة بالبيعة، وهو بمقره بحصن ألبونت، فتلقاها في 25 ربيع الآخر سنة 418 هـ، وتلقب بالمعتد بالله، وبقي بمقره بألبونت مدة سنتين وسبعة أشهر، وهو يخطب له بقرطبة، ثم قدم إليها في شهر ذي الحجة سنة 420 هـ (1) فجددت له البيعة، واستمر في كرسي الخلافة عامين آخرين. وسر القرطبيون لمقدمه في البداية، ولكنه ألقى زمام الأمور إلى رجل من الموالي يسمى حكم بن سعيد القزاز، فاستأثر بكل سلطة، وأطلقت يده في الأموال، وكان أخرق عسوفاً، فجمع حوله نفراً من السفهاء العاطلين عن كل إخلاص وحزم، وأطلق العنان لغوايته وأهوائه، فاضطربت الشئون وامتعض العقلاء،
_______
= المتيم بها طائفة من غرر قصائده. وقد لبثت ولادة عصراً تخلب بجمالها وأدبها وشعرها ألباب المجتمع القرطبي الرفيع. وتوفيت في سنة 484 هـ (1091 م) (راجع الصلة لابن بشكوال رقم 1540؛ وقلائد العقيان ص 70، ونفح الطيب ج 2 ص 447 - 449).
(1) جذوة المقتبس ص 26 و27.
(1/668)

وزعماء البيوتات الكبيرة، وشعروا بما نالهم على يده من ضروب الإهانة والنيل؛ وأحاط هذا الوزير المستبد الماجن الخليفة برجاله، وأبعد عنه الصحب وذوي الحجي، ودفعه بالرغم من شيخوخته، إلى تيار الشراب والمجون، حتى ساءت الأمور إلى الذروة، وفقدت الخلافة والحكومة، كل عطف هيبة، وتهامس الناس في وجوب إزالة هذه الحالة، والتخلص من أوزارها وعواقبها. والتفت جماعة الناقمين حول فتى من أبناء عمومة هشام، هو أمية بن عبد الرحمن العراقي، من أحفاد الناصر، وكان فتى شديد التهور والجهالة، ولكن بعيد الأطماع؛ وفي ذات يوم تربصت تلك الجماعة الناقمة بالوزير حكم بن سعيد وفتكت به، وطافت برأسه في المدينة، وتركوا جثته في العراء (ذو القعدة سنة 422 هـ - نوفمبر سنة 1031 م). ثم سار أمية في جموعه إلى القصر، والخليفة هشام عاكف على شرابه ونسائه، فنهبت العامة بعض أجنحة القصر، ولولا أن زجرهم الوزير الشيخ ابن جهور ونصحهم بالكف عنه، لما أبقوا على شىء. وخشي هشام المعتد على نفسه، فبادر إلى الخروج من القصر مع ولده ونسائه، وهو يناشد الجماعة أن يحقنوا دمه، ولجأ إلى ساباط الجامع واجتمع رأي الناس جميعاً كباراً وصغاراً على خلعه، والتخلص جملة من بني أمية، وإبطال رسم الخلافة، وعلى نفي بني أمية وإجلائهم جميعاً عن المدينة، وكان رائد الجماعة وناصحهم في ذلك أبو الحزم ابن جهور، وكان هذا الوزير النابه يستأثر نظراً لماضيه التالد، وأسرته العريقة، ورأيه الناضج، بمحبة الشعب وثقته وتأييده، وسنرى فيما بعد أي دور خطير يلعبه ابن جهور في مصاير قرطبة.
وانتهى القوم إلى خلع هشام المعتد، وإبعاده وأهله إلى أحد الحصون القريبة، ثم غادره بعد أيام قلائل، وسار إلى الثغر، حيث التجأ إلى سليمان بن هود صاحب لاردة من أعمال الثغر الأعلى، وقضى هنالك بقية أيامه حتى توفي في سنة 428 هـ دون عقب؛ وأبعد أمية بن عبد الرحمن عن القصر، وكان يهجس بتولي كرسي الخلافة مكان المعتد، فلما رأى وعيد القوم، اختفى وغادر قرطبة إلى حيث لا يعلم أحد. ونودي في سائر أحياء قرطبة وأرباضها بأن لا يبقى بها أحد من بني أمية، ولا يأويهم أحد، وتولى ابن جهور تنفيذ هذا الأمر بمنتهى الحزم، حتى أجلاهم عن المدينة ومحا رسومهم (1).
_______
(1) راجع البيان المغرب ج 3 ص 145 - 152؛ وأعمال الأعلام ص 138 - 140.
(1/669)

وبخلع هشام المعتد، تنتهي رسوم الدعوة الأموية بصورة نهائية، وينقطع ذكرها إلى الأبد من منابر الأندلس والمغرب الأقصى.
* * *
ولنعد الآن قليلا إلى الوراء لنتتبع مصاير دولة بني حمود في جنوبي الأندلس، وقد رأينا أن يحيى بن علي بن حمود الملقب بيحيى المعتلي، بعد أن خلع عمه القاسم من الخلافة، وأرغم على مغادرة قرطبة في سنة 414 هـ، سار إلى بلدة شريش، فسار يحيى في أثره، وما زال به حتى هزمه وقبض عليه، ثم قتل في سجنه فيما بعد، واستولى يحيى على سائر ما كان بيده من البلاد والثغور، وانفرد برياسة البربر في الأندلس. ثم عاد فدخل قرطبة مرة أخرى على أثر خلع المستكفي في سنة 416 هـ.
ولكنه غادرها بعد ذلك إلى مالقة، التي غدت من ذلك الحين معقله وعاصمة ملكه، في أوائل سنة 417 هـ، واستمر بها مدى حين.
وكان يحيى المعتلي يخشى بالأخص على مملكته الفتية، من مطامع القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد، الذي استقل برياسة إشبيلية، حسبما تقدم. فسار بقواته إلى قرمونة حصن إشبيلية من الشمال الشرقي، وانتزعها من يد حاكمها محمد ابن عبد الله البرزالي كبير بني برزال، واستقر بها يرقب الفرصة للوثوب بابن عباد وتحطيمه، فسار البرزالي إلى ابن عباد وتحالف معه على قتال يحيى. وكان يحيى قد استسلم إلى لهوه وملاذه، وعكف على معاقرة الشراب والمجون المستمر، وجنوده تغير على إشبيلية من آن لآخر. ورأى القاضي ابن عباد أن يدحض دعوى المعتلي في الخلافة أولا، فأظهر في أواخر سنة 426 هـ شخصاً زعم أنه هشام المؤيد، وأنه كان مختفياً ولم يمت، وبايعه بالخلافة، ودعا الناس إلى الدخول في طاعته. ثم سير ابن عباد إلى قرمونة بعض قواته مع ابنه إسماعيل، ومعها طائفة من قوات البربر المتحالفة معه، فطوقت المدينة ليلا، وكمن معظمها في أماكن مستورة، ووقف يحيى على الخبر فخرج في قواته وهو ثمل، واشتبك مع المهاجمين في معركة حامية وكاد يوقع بهم الهزيمة، لولا أن ظهرت قوات ابن عباد من كمينها، وأطبقت عليه، فانهزم أصحابه، وقتل في المعمعة واحتز رأسه، وحمل سريعاً إلى ابن عباد في إشبيلية (المحرم سنة 427 هـ - نوفمبر سنة 1035 م)، واستمر فتك جند ابن عباد بالبربر أمام أسوار قرمونة، ولم يقف إلا حينما تدخل محمد بن عبد الله
(1/670)

البرزالي، وقد ساءه هذا الفتك الذريع بقومه، فكف ابن عباد مرغماً، ودخل البرزالي قرمونة، واستولى على ما فيها من مال ومتاع، وسبى نساء يحيى وجواريه (1).
ولما قتل يحيى المعتلي على هذا النحو، سارع وزيراه أبو الفوز نجا الصقلبي، وأبو جعفر أحمد بن موسى بن بقنّة البربري، باستدعاء أخيه إدريس لتولي الملك مكانه، وكان والياً لسبتة. وكان ليحيى ولدان حدثان هما إدريس وحسن؛ وفي رواية أنه كان قد أوصى بولاية عهده لولده حسن، ولكن حداثة سنه حالت دون ولايته. وهكذا بويع إدريس بالخلافة في مالقة، قاعدة المملكة الحمودية وتلقب بالمتأيد بالله، وعين ابن أخيه حسناً لحكم سبتة وأعمالها، وندب لمعاونته الحاجب نجا، واعترفت بولايته رندة والجزيرة، وكان من حلفائه المعترفين ببيعته الفتى زهير العامري صاحب ألمرية، وحبوس بن ماكسن زعيم صنهاجة وصاحب غرناطة؛ وقد سارا في قواتهما لمعاونة إدريس على محاربة ابن عباد، وانضم إليهما البرزالي صاحب قرمونة. وفي شهر ذي القعدة سنة 427 هـ (1036 م) سارت القوات المتحالفة إلى أحواز إشبيلية وعاثت فيها، واحتلوا قرية طشّانة، ثم احتلوا "القلعة"، الواقعة شرقي إشبيلية، وأحرقوا طَريانة الواقعة في جنوبها، ثم احتلوا حصن القصر، وانصرف زهير بعد ذلك إلى ألمرية.
وفي العام التالي توفي حبوس بن ماكسن، وخلفه في حكم غرناطة ولده باديس، وبعث باديس وأخوه بُلُقِّين إلى زهير يطلبان تجديد التحالف الذي كان بينه وبين أبيهما، ولكن زهيراً سار في قواته إلى غرناطة، والتقى بباديس وأخيه في قرية من أحواز غرناطة تسمى "ألفنت" (2). والظاهر أنه وقع بين الفريقين نوع من سوء التفاهم، واعتبر باديس أن زهيراً توغل في أرضه بقواته أكثر مما يجب؛ أو أن باديس وأخاه بلقين، قد وضعا خطة للغدر بزهير. وعلى أي حال فقد عمل باديس على قطع طريق الرجعة على زهير، ووضع له الكمائن في المضايق. ووقع القتال بين زهير والبربر، فهزم زهير وقتل، ولم يعثر على جثته، واحتوى باديس على معسكره، واستولى على غنائم هائلة من الخيل والسلاح والمتاع، وقبض باديس على كاتب
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 188 و189 و190؛ وأعمال الأعلام ص 137.
(2) وهي بالإسبانية Daifontes، وهي تقع على قيد نحو خمسة كيلومترات من شمالي غرناطة.
(1/671)

زهير أحمد بن عباس ثم قتله بعد ذلك. وحدثت هذه الواقعة في أواخر سنة 429 هـ (1038 م) (1).
وكان القاضي ابن عباد، المتغلب على إشبيلية، بعد قتل منافسه يحيى المعتلي قد خلا له الجو، واشتد بأسه، وأخذ يطمح إلى التغلب على ما يجاور إشبيلية من المدن والمقاطعات. فبدأ بأن سير ولده إسماعيل في جيش زحف على قرمونة حصن إشبيلية، من الشمال الشرقي، وكان بها محمد بن عبد الله البرزالي، فاستولى عليها، واستولى كذلك على إستجة الواقعة في شرقها. فاستغاث البرزالي بإدريس المتأيد، وباديس أمير غرناطة، وهرعت الجند البربر من مالقة وغرناطة استجابة لدعوته. ونشبت بين البربر وبين جند ابن عباد الأندلسيين وقائع عديدة، انتهت بهزيمة الأندلسيين ومقتل إسماعيل بن عباد، وذلك في أوائل المحرم سنة 431 هـ (أواخر سنة 1039 م) (2).
ولم تمض على ذلك أيام قلائل حتى توفي إدريس المتأيد في قلعة ببشتر، وكان قد نقل إليها مريضاً من مالقة. وكانت وفاته في السادس عشر من محرم سنة 431 هـ.
وعلى أثر وفاته بويع ولده يحيى بالخلافة في مالقة، وذلك بترتيب وزيره أبى جعفر ابن بقنّة وسعيه. وتلقب يحيى بالقاسم بأمر الله، وكان فتى حَدَثاً قليل الخبرة والحزم، ولكن ابن بقنَّة سارع برفعه إلى العرش استبقاء لسلطانه الذي تأثل في ظل أبيه. بيد أن الحوادث ما لبثت أن تطورت بسرعة. ذلك أن نجا الحاجب الصقلبي، وكان يومئذ بسبتة، لم يرقه هذا الاختيار، فبادر بالدعوة إلى حسن بن يحيى المعتلي (ابن أخى إدريس). وكان إدريس قد اختاره لولاية عهده، وكان وقت وفاة عمه حاكماً لسبتة والثغور المغربية، فبويع حسن بالخلافة، وجهز الحاجب جيشاً، وسار بقواته مع حسن في أسطول يمم شطر مالقة، ونزلت القوات إلى البر، وحاصرت مالقة من البر والبحر، ولم تمض أسابيع قلائل حتى اضطر يحيى إلى التسليم والتنازل عن الخلافة، ثم سار إلى قمارش، وأقام بها.
_______
(1) راجع في تفصيل هذه الحوادث: البيان المغرب ج 3 ص 190 و191 و293، والإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (القاهرة 1956) ج 1 ص 269 و527 و528.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 199.
(1/672)

وبويع حسن بن يحيى بالخلافة في مالقة في جمادى الثانية سنة 431 هـ، وتلقب بالمستنصر بالله، واعترفت بطاعته غرناطة وغيرها، وعهد بتدبير الأمور إلى الوزير أبي جعفر بن بقنة، وعهد إلى الحاجب نجا بحكم الثغور المغربية. وكان حسن أميراً حازماً، قوي النفس، فنظم الإدارة، واستكثر من الجند، وجبى الأموال. واستراب بوزيره أبي جعفر، وكان يسر له نصرته ليحيى، فدبر مقتله، وذلك في يوم عيد الفطر سنة 433 هـ (1)، ثم أمر بقتل يحيى القاسم، فقتل في ربيع الثاني سنة 434 هـ. وكانت أخته زوجة للمستنصر، فما لبثت أن دبرت مقتله انتقاماً لأخيها، وهلك حسن بالسم في جمادى الأولى سنة 434 هـ (ديسمبر سنة 1042 م).
والروايات بعد ذلك متضاربة، فمنها ما يقول بأن الحسن لم يعقب ذرية (2) ومنها ما يقول إنه ترك ولداً صغيراً بسبتة. وعلى أي فقد نهض الحاجب نجا على أثر وفاة المستنصر، وعبر البحر في قواته من سبتة إلى الجزيرة؛ وهنا يقال إنه نهض ليؤيد دعوة ولد الخليفة المتوفى، ويقال من جهة أخرى إنه نهض ليستخلص تراث الحموديين لنفسه، بعد أن اضطربت شئونهم. وسار نجا إلى الجزيرة وفيها ابنا القاسم بن حمود، فخرجت إليه أمهما سبيعة، وعنفته على مسلكه وعدم ولائه لسادته، فاستحى منها، وغادر الجزيرة ميمماً شطر مالقة. وكان معظم جنده من قبيلة برغواطة البربرية، أخوال حسن بن يحيى، فاسترابوا منه ومن مقاصده وائتمروا به، وقتلوه في الطريق. ثم ساروا إلى مالقة، وكان حسن بن يحيى أيام خلافته قد قبض على أخيه إدريس، وزجه إلى السجن ليأمن منافسته. فأخرجه الجند من سجنه وبويع بالخلافة. وتلقب بالعالي، وذلك في جمادى الثانية سنة 434 هـ (يناير سنة 1043 م)، وأطاعته البربر في غرناطة وقرمونة وجيان وغيرها.
وهو الممدوح بالقصيدة المشهورة، التي نظمها عبد الرحمن بن مُقانا القبذاقي الأشبوني في مديحه ومطلعها:
البرق لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء المعين
لعبت أسيافه عارية ... كمخاريق بأيدي اللاعبين
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 290؛ والمراكشي ص 36.
(2) المراكشي ص 37.
(1/673)

ولصوت الرعد زجر وحنين ... وبقلبي زفرات وأنين
وأناجي في الدجى عاذلتي ... وبك لا أسمع قول العاذلين (1)
ومنها:
عيرتني بسقام وضنى ... إن هذين لدين العاشقين
قد بدا لي وضح الصبح المبين ... فاسقنيها قبل تكبير الأذين
إسقنيها مرة مشمولة ... لبثت في دنها بضع سنين
مع فتيان كرام نجب ... يتهادون رياحين المجون (1)
وكان العالي أميراً رقيق الخلال، جواداً كثير الصلات، أديباً ينظم الشعر، ومع ذلك فقد كان يجمع حوله بطانة سيئة، وصحاباً من أراذل القوم. وكان ضعيف الرأي، متهاوناً في شئون الحكم، فسرى التفكك إلى سلطانه، وفي أواخر سنة 438 هـ (1046 م)، ثار عليه ابن عمه محمد بن إدريس بن علي بن حمود، فخرج إدريس في صحبه من مالقة إلى حصن ببشتر، وعاونه باديس بن حبوس أمير غرناطة بجنده ليسترد سلطانه. فغزا مالقة ولكنه لم يفز بطائل، فارتد مع أهله وصحبه إلى سبتة.
وبويع محمد بن إدريس في شعبان سنة 438 هـ. وتلقب بالمهدي، وتوطد أمره بمالقة؛ ولكن بعض النواحي نكلت عن تأييده، ولاسيما غرناطة؛ وكان أميرها باديس من أشد معارضيه، وكان يشعر أنه أحق من غيره بزعامة البربر؛ وأبدى المهدي عزماً في تنظيم الحكومة وإصلاح الأمور، ولكنه كان طاغية سفاكاً للدماء يسرف في قتل مواطنيه البربر، حتى كرهه معظمهم، واجتمع رأي معارضيه من الزعماء وعلى رأسهم باديس على وجوب خلعه، والاعتراف بطاعة محمد بن القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء، واتفق رأي البعض الآخر ومنهم أبو النور بن أبي قرة اليفرني صاحب رندة، على الاعتراف بطاعة إدريس بن يحيى العالي. وهكذا ادعى الخلافة ثلاثة أمراء من بني حمود في وقت واحد، وفي مناطق صغيرة متقاربة، وهذا إلى الخليفة المزعوم الذي أقامه ابن عباد صاحب إشبيلية باسم هشام المؤيد؛ ويستعرض الفيلسوف ابن حزم هذه الحالة وهو معاصر لها في مرارة وتهكم، ويصفها بأنها " فضيحة لم يقع في العالم
_______
(1) راجع هذه القصيدة بأكملها في نفح الطيب ج 1 ص 202 و203.
(1/674)

إلى يومنا مثلها: أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم يتسمى بأمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد " (1).
واستمر محمد بن إدريس المهدي في كرسي الخلافة زهاء ستة أعوام.
ولما لم ير خصومه وسيلة للتغلب عليه، لجأوا إلى الغيلة، فدسوا عليه من قتله بالسم، وذلك في أواخر سنة 444 هـ (أوائل سنة 1053 م).
فبويع من بعده ولد أخيه وهو إدريس بن يحيى بن إدريس بن علي بن حمود، وتلقب بالسامي، وأقام حيناً بمالقة، ثم أصابته فيما يظهر لوثة، فغادر مالقة، وهام على وجهه في صفة تاجر، وغادر البحر إلى شاطىء العدوة، فأخذ إلى سبتة، حيث قتله حاكمها سواجات البرغواطي (2).
وكان إدريس بن يحيى العالي، قد لجأ على أثر خلعه إلى سبتة، فأقام بها في كنف سواجات، وأقام كذلك حيناً في رندة، في كنف حاكمها أبي نور بن أبي قرة، فلما هلك السامي، سار إلى مالقة واستقبله أهلها بحماسة، ودعى له بالخلافة مرة أخرى، واستمر في الحكم حتى توفي سنة 446 هـ (1054 م) بعد أن عهد بالخلافة لابنه محمد.
فخلفه ولده محمد، وتلقب بالمستعلي، وأقرت بيعته ألمرية ورندة، ولكن معظم الزعماء البربر، وفي مقدمتهم باديس صاحب غرناطة نكلوا عن طاعته.
وفي سنة 449 هـ (1057 م)، سار باديس في قواته إلى مالقة، واستولى عليها
وضمها إلى إمارته، وغادرها المستعلي، وسار إلى ألمرية، ثم عبر منها البحر إلى مليلة فقبله أهلها حاكماً عليهم، واستمر بها حتى توفي سنة 456 هـ (1064 م) والمستعلي هو آخر من حكم في مالقة من أمراء بني حمود.
وفي أثناء ذلك كان رأي الزعماء البربر، وفي مقدمتهم باديس صاحب غرناطة وإسحاق بن محمد بن عبد الله البرزالي صاحب قرمونة، ومحمد بن نوح صاحب مورور، وعبدون بن خزرون صاحب أركش، قد اجتمع على البيعة لبني محمد بن القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء. وكان يحيى المعتلي حينما خلع
_______
(1) ابن حزم في رسالته " نقط العروس " ص 83. وراجع البيان المغرب ج 3 ص 217 و244؛ وأعمال الأعلام ص 141.
(2) البيان المغرب ج 2 ص 217؛ وأعمال الأعلام ص 142.
(1/675)

عمه القاسم بن حمود، قد قبض على ولديه محمد وحسن، واعتقلهما بالجزيرة، فلما توفي يحيى، أفرج عنهما. وتولى محمد حكم الجزيرة، وذلك في الوقت الذي قامت فيه دولة المهدي في مالقة. ثم حاول محمد أن ينتزع الخلافة لنفسه، فسار في أنصاره إلى مالقة يحاول انتزاعها من يد المهدي، ولكنه أخفق في محاولته، فارتد إلى الجزيرة، وتوفي بها في سنة 440 هـ.
فخلفه محمد ولده وحكم الجزيرة فترة قصيرة؛ ثم خلفه ولده القاسم، وتلقب بالواثق، وكانت خلافته هزيلة ضيقة الرقعة والموارد، ولم يتح لها من البقاء سوى فترة يسيرة. ذلك أن ابن عباد صاحب إشبيلية اعتزم أن يقضي على خلافة الحموديين بصفة نهائية، فبعث قواته إلى الجزيرة الخضراء فطوقتها من البر والبحر واضطر القاسم سراعاً إلى التسليم، وغادر الجزيرة بالأمان مع أهله وصحبه (446 هـ - 1055 م) وسار إلى ألمرية حيث التجأ إلى حماية صاحبها المعتصم ابن صمادح، ولبث لها حتى توفي سنة 450 هـ (1058 م).
وفي نفس الوقت كان باديس أمير غرناطة قد استولى على مالقة من يد المستعلي (449 هـ)، وانهار بها سلطان الحموديين، وهكذا انقرضت دولة بني حمود من مالقة والجزيرة معاً، وانتهى بذلك سلطانهم بالأندلس بعد أن حكموا المثلث الإسباني الجنوبي، وثغور العدوة الشمالية، زهاء نصف قرن (1).
* * *
وهكذا انحدرت إسبانيا المسلمة، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) عقب انهيار دعائم الخلافة الأموية والدولة العامرية، إلى معترك مروع من التمزق والفوضى، واستحالت الأندلس بعد أن كانت كتلة موحدة، تمتد من ضفاف دويرة شمالا إلى مضيق جبل طارق جنوباً، ومن شاطىء البحر المتوسط منذ طركونة شرقاً حتى شاطىء المحيط الأطلنطي غرباً، إلى أشلاء ممزقة، ورقاع متناثرة، وولايات ومدن متباعدة متخاصمة، يسيطر على كل منها حاكم سابق استطاع أن يحافظ على سلطته المحلية خلال الانهيار،
_______
(1) راجع في تفاصيل الحوادث المتقدمة، البيان المغرب ج 3 ص 288 و291 و292؛ وابن خلدون ج 4 ص 154 و155؛ وابن الأثير ج 9 ص 96 و97؛ والمراكشي ص 37 - 39، وأعمال الأعلام ص 142 و143. وراجع بحثاً بالإسبانية للأستاذ المستشرق الغرناطي سيكودي لوثينا عن دولة بني حمود عنوانه: Los Hammudles, Senores de Malaga y Algeciras, p. 47-53.
(1/676)

أو متغلب من الفتيان الصقالبة أو القادة ذوي السلطان السابق، أو زعيم أسرة محلي من ذوي الجاه والعصبية. وسيطر البربر من جانبهم على أراضي المثلث الإسباني الجنوبي، وما كان منه بيد الدولة الحمودية، وأنشأوا هنالك إمارات عدة، ما لبثت أن نزلت إلى ميدان الصراع العام، الذي شمل هذه المنطقة. وهكذا قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الكبرى دول عديدة هي دول " الطوائف "، وذلك منذ أوائل الربع الأول من القرن الخامس، حتى الفتح المرابطي، زهاء سبعين عاماً، قضتها جميعاً في سلسلة لا نهاية لها من المنازعات الصغيرة، والخصومات والحروب الأهلية الانتحارية، وكادت بتنابذها وتفرقها ومنافساتها، تمهد لسقوط الأندلس النهائي. وقد كان من رحمة القدر، أن اسبانيا النصرانية، كانت في نفس الوقت الذي انتثرت فيه وحدة الأندلس على هذا النحو الخطر، تعاني من انقسام الكلمة، وتعصف بها ريح الخلاف والتفرق، فلم تتح لها فرصة للوثوب بالأندلس الممزقة، إلى أن كان الوقت الذي بلغ فيه تنابذ الطوائف ذروته، واشتد ساعد اسبانيا النصرانية كرة أخرى، واستطاعت أن تضرب ضربتها القوية بانتزاع طليطلة، أول قاعدة إسلامية كبيرة (478 هـ - 1085 م)؛ وعندئذ تطورت الحوادث بسرعة واتجهت الأندلس الجريحة، في توجسها وانزعاجها، إلى إخوانها المسلمين فيما وراء البحر، بعدوة المغرب، تستدعيهم لنصرتها. وكان أن تدفقت الجيوش المرابطية من المغرب على شبه الجزيرة الإسبانية، وكان أن أنقذت دولة الإسلام في الأندلس.
(1/677)

الكتابُ الخامس
النظم الإداريّة والحركة الفكريّة في عصْري الإمارة والخلافة
(1/679)

الفصل الأول
نظم الحكم والأوضاع السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية في عصري الإمارة والخلافة
- 1 -
تعاقبت خلال هذه الفترة الطويلة التي سردناها من تاريخ الأندلس، على الأمة الأندلسية، أنواع من نظم الحكم، ومن الأوضاع السياسية والإدارية، كانت تسير طوراً بعد طور مع مختلف الحوادث، والحروب والانقلابات المتوالية. وبالرغم من أنه لم يفتنا أن نشير في مختلف المواطن إلى تلك التغييرات المتوالية، التي شهدتها الأمة الأندلسية، فإنه يجدر بنا أن نتحدث عنها حديثاً خاصاً، وأن نقدم منها إلى القارىء صورة مجتمعة متماسكة.
كانت الأندلس عقب الفتح ولاية تتبع إفريقية، ويقوم باختيار حاكمها والي إفريقية. وقد أستمر هذا الوضع نحو ثمانية أعوام فقط، تعاقب فيها على ولاية الأندلس ثلاثة من الولاة هم عبد العزيز بن موسى، وأيوب بن حبيب اللخمي، ثم الحر بن عبد الرحمن الثقفي. غير أنه كان من الواضح أن هذا النظام لم يكن يلائم قطراً ضخماً كالقطر الأندلسي، وخصوصاً بعدما بدأت الغزوات الإسلامية لغاليس (جنوب فرنسا)، وبدأت الأندلس تخوض الصراع مع مملكة الفرنج فيما وراء البرنيه، ومع نصارى الشمال. ومن ثم فقد رأت خلافة دمشق أن تكون الأندلس ولاية مستقلة تتبع الخلافة مباشرة، ويقوم الخليفة بتعيين واليها. وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز هو الذي أصدر هذا القرار شعوراً منه بأهمية الأندلس السياسية والعسكرية والاجتماعية.
وكان أول ولاة الأندلس من قبل الخلافة، هو السمح بن مالك الخولاني، وقد ندبه عمر بن عبد العزيز لولايتها في سنة مائة من الهجرة (719 م). بيد أنه
(1/680)

لما توفي عمر بن عبد العزيز (101 هـ) عاد الأمر في تعيين ولاة الأندلس إلى ولاة إفريقية، ولكن بمصادقة الخليفة. وكان الوالي عادة هو قائد الجيش العام، وإليه يرجع أمر الغزو في الشمال. ولما وقعت نكبة بلاط الشهداء في سنة 114 هـ (732 م)، أخذت الخلافة مرة أخرى بيدها تعيين والي الأندلس، واختار الخليفة هشام بن عبد الملك لولايتها عبد الملك بن قطن. واستمر الأمر بعد ذلك حيناً يرجع إلى والي إفريقية، وأحياناً إلى اختيار الجماعة، أعني جماعة الزعماء والقادة في شبه الجزيرة، وكان ذلك يحدث بالأخص حين تضطرب الأمور، ويقع الخلاف بين مختلف القبائل والزعامات. ولما اضطرمت الفتنة بين الشاميين والبلديين، وأخذ الفريقان يتبادلان الرياسة، ضعف أمر السلطة المركزية، ولم تهدأ الأمور حتى عين أبو الخطار الكلبي والياً للأندلس (125 هـ). ولكن أبا الخطار كان يمنياً فمال إلى اليمنية، واضطرمت الفتنة بين اليمنية والمضرية، ولما تفافم الأمر، وخشي الزعماء عاقبة الفتنة والحرب الأهلية، اتفقوا على تعيين يوسف بن عبد الرحمن الفهري من المضرية للولاية، وذلك دون موافقة أو مصادقة لا من والي إفريقية ولا من الخلافة، وكان ذلك في سنة 129 هـ (747 م).
واستمر يوسف بن عبد الرحمن الفهري والياً للأندلس زهاء عشرة أعوام، وهو يزاول سلطة شبه مطلقة. وقد استطاع بعزمه وحزمه، أن يعيد إلى الأندلس نوعاً من الاستقرار والسكينة. ولكن القدر كان يدخر للأندلس مصيراً آخر، في ظل سلطة أخرى، لم تكن تخطر ليوسف أو غيره من الزعماء المتطلعين إلى الرياسة. وذلك أن عبد الرحمن الأموي عبر إلى الأندلس في ربيع الآخر سنة 138 هـ (سبتمبر سنة 755 م)، وهرع في الحال إلى لوائه جمع من الصحب والأنصار، ووقع الحدث الحسم في موقعة المسارة في العاشر من ذي الحجة سنة 138 هـ (13 مايو سنة 756 م) فهزم يوسف الفهري وصحبه، وانتهت رياسته للسلطة، وكتب النصر لسليل بني أمية، فبويع عبد الرحمن الأموي في الحال بالإمارة، وبعثت من ذلك التاريخ دولة بني أمية بالأندلس، بعد أن سقطت بالمشرق قبل ذلك ببضعة أعوام.
ومن ذلك التاريخ تقوم الدولة الأموية في الأندلس، وتستقر قواعدها تباعاً، بعد معارك طويلة متعددة، بينها وبين الزعامات المحلية والعناصر الثائرة. وقد
(1/681)

بقيت الدولة الأموية عصراً تتشح بثوب الإمارة، وذلك وفقاً لما قرره مؤسسها عبد الرحمن الداخل. وبالرغم من أن بلاط قرطبة، بلغ في عصر أمراء مثل الحكم ابن هشام، وولده عبد الرحمن، مبلغاً عظيماً من القوة والبهاء، وأضحى ينافس بلاط بني العباس في الأخذ بزعامة الإسلام، فإن أمراء بني أمية لبثوا على مبدئهم من الاكتفاء بلقب الإمارة، إلى أن كان عهد عبد الرحمن الثالث (الناصر) فعندئذ تغيرت أوضاع الغرب الإسلامي بقيام الخلافة الفاطمية في الضفة الأخرى من البحر، على مقربة من الأندلس. وكان هذا الحادث الخطير في ذاته أول حافز للناصر على اتخاذ سمة الخلافة، وصدر مرسومه بذلك في اليوم الثاني من شهر ذي الحجة سنة 316 هـ (يناير 929 م) وبذا تحولت الدولة الأموية من إمارة إلى خلافة، وكان عبد الرحمن الناصر أول من تلقب من أمرائها " بأمير المؤمنين ".
وقد تميزت الخلافة الأموية بعدة خصائص، أولها الاعتماد في توطيد سلطانها على الموالي والصقالبة، وهي سياسة بدأت في عهد الإمارة منذ عبد الرحمن الداخل، ووصلت إلى ذروتها في عهد الناصر، وذلك حسبما فصلناه في موضعه، وثانيها الاسترابة بالقبائل والزعامات العربية، والعمل المستمر على إخضاعها، والقضاء على سلطانها ونفوذها، وذلك لما لقيه بنو أمية منذ البداية من معارضة هذه القبائل والزعامات، وانتقاضها المتوالي، وثوراتها المتعددة، وثالثاً عطفها الواضح على أهل الذمة وهم النصارى واليهود، وكفالة حرياتهم الدينية والاجتماعية، وهذه السياسة أيضاً ترجع إلى عصر الإمارة، حيث أنشىء منذ عهد الحكم بن هشام أو قبله بقرطبة، منصب خاص لإدارة شئون أهل الذمة يعرف صاحبه " بالقومس "، وقد كان للنصارى المعاهدين، فوق ذلك قاض خاص، وقد يكون أسقفهم في نفس الوقت؛ وعين بعد ذلك للنصارى مطران خاص، مركزه بمدينة إشبيلية. وقد استمر هذا التسامح نحو النصارى المعاهدين عصوراً، وذلك بالرغم مما كانوا يدبرونه في بعض الأحيان ضد الحكومة المسلمة من الدسائس والمؤامرات ويعقدون من الصلات المريبة مع نصارى الشمال.
وبلغت الخلافة الأموية بالأندلس ذروة قوتها ونفوذها السياسي والأدبي في عهد الناصر وولده الحكم المستنصر. بيد أنه بوفاة المستنصر (366 - 976 م) وولاية ولده الحدث الضعيف هشام المؤيد، تبدو طلائع ذلك الانقلاب الحاسم
(1/682)

الذي كان يدخره القدر لمصير الخلافة الأموية. ذلك أن محمد بن أبي عامر، الذي أخذ يبزغ نجمه منذ أواخر أيام الحكم، ما كاد يلي منصب الوزارة، حتى أخذ يستجمع أزمة السلطة في يده تباعاً، ويحطم كل معارضة لسلطانه، وانتهى الأمر بأن فرض ابن أبي عامر نفسه حاكماً مطلقاً للأندلس، وأنشأ مدينة الزاهرة، لتكون له قاعدة جديدة للحكم، واتخذ سمة الملك، وتسمى بالحاجب المنصور (371 هـ - 981 م)، وبالرغم من أنه لم يتعرض بشىء للخلافة الأموية أو رسومها، فإن الخلافة لم تكن في ظل حكمه سوى شبح باهت، واسم بلا مسمى. وهكذا قامت الدولة العامرية واستمرت في ظل المنصور، ثم ولده عبد الملك المظفر، فأخيه عبد الرحمن زهاء ثلاثين عاماً، ثم انتهت بمصرع عبد الرحمن المنصور في رجب سنة 399 هـ (1009 م).
وهنا استعادت الخلافة الأموية سلطانها بقيام محمد بن هشام الملقب بالمهدي، وتربعه في كرسي الخلافة مكان الخليفة هشام المؤيد، وانتهى بذلك عهد السلطة الثنائية، سلطة الخلافة الأموية الإسمية، وسلطة بني عامر الفعلية، ولكن عودة الخلافة الأموية على هذا النحو لم يكن سوى بداية مأساة مروعة، استمرت زهاء أربعين عاماً، اضطرمت الأندلس فيها بالفتن المدمرة، وغدت الخلافة الإسمية، والسلطة الفعلية، غنماً متداولا، بين بني أمية، والفتيان العامريين، والبربر، وبني حمود، وانتحل بنو حمود ألقاب الخلافة، وقامت في وقت واحد بالأندلس أكثر من خلافة في قرطبة، ومالقة، وإشبيلية، وغدت قرطبة والأندلس كلها مسرحاً لمعارك وحروب أهلية متوالية، ودمرت خلال ذلك مدينة الزهراء الخلافية، وعدة من أحياء قرطبة، وسادت الفوضى كل جنبات الأندلس، واستمرت هذه المحنة زهاء أربعين عاماً، ثم تمخضت في النهاية عن مأساة جديدة.
وهي تمزق الأندلس إلى ولايات ومدن عديدة مستقلة، يحكم كل منها زعيم أو أمير مستقل، وبدأ بذلك عهد الطوائف.
تلك خلاصة وجيزة للأوضاع النظامية، وأنواع الحكم المتوالية، التي عاشت في ظلها الأمة الأندلسية زهاء ثلاثة قرون منذ فتح الأندلس في سنة 92 هـ (711 م) حتى قيام دول الطوائف، في الربع الثاني من القرن الخامس الهجري.
(1/683)

- 2 -
الحجابة والوزارة
كانت حكومة الأندلس في عصر الولاة، هيئة إدارية محلية قوامها الحاكم (الوالي) وقادة الجيش. ولم تك ثمة مناصب وزارية بالمعنى المعروف، إذ لم يكن الوالي سوى رئيس مؤقت لإدارة الإقليم، وقد كان الوالي في معظم الأحيان هو قائد الجيش العام. ولم تظهر المناصب الوزارية إلا في بداية عصر الإمارة مذ قامت الدولة الأموية بالأندلس، على يد مؤسسها عبد الرحمن الداخل. وقد اقتبس الداخل لنظام حكومته، من أنظمة الحكومة الأموية بالمشرق، وأنشأ منصب الحجابة، ولكنه لم ينشىء مناصب الوزارة، بل اكتفى بتعيين نفر من أخلص أنصاره كمعاونين ومستشارين، يعاونونه في القيام بأعباء الحكم، ويبذلون له النصح في مهام الأمور. وعين للجيش أيضاً قائده العام. بيد أنه كان يقود الجيش بنفسه مواطن كثيرة. وقد امتازت حكومة الداخل بالاعتماد على الموالي والاسترابة بالعرب، لما لقيه الداخل من خصومتهم ومناوأتهم. وقد غدت هذه الظاهرة فيما بعد، ظاهرة الاسترابة بالعرب، من مميزات الحكومة الأموية بالأندلس، سواء في عهد الإمارة أو عهد الخلافة، واتخذت أسطع مظاهرها في عهد عبد الرحمن الناصر.
واتجهت الحكومة الأموية، إلى جانب الاعتماد على الموالي، إلى اصطناع الصقالبة، واتخذ هذا الاتجاه طابعه القوي منذ عهد الحكم بن هشام، وظهر الصقالبة لأول مرة بكثرة في البلاط الأموي، واحتلوا معظم مناصب القصر والخاص. غير أن الاعتماد على الصقالبة لم يمنع قيام الحجابة والوزارات القوية.
فكان منصب الحجابة في الواقع هو أهم المناصب التنفيذية، وكان يليه في معظم الأحيان رجال من الطراز الأول، أحياناً من رجال السيف، مثل عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث وعبد العزيز بن أبي عبدة حاجبا الحكم، وأحياناً من رجال القلم مثل عيسى بن شهيد حاجب عبد الرحمن بن الحكم، والحاجب جعفر المصحفي، حاجب الحكم المستنصر، وأحياناً يجمع الحاجب بين السيف والقلم مثل الحاجب عبد الكريم، وهاشم بن عبد العزيز حاجب الأمير محمد بن عبد الرحمن.
(1/684)

وكان يعاون الحاجب، وهو بمثابة رئيس الوزارة، عدة من الوزراء، يتولون مختلف المناصب الوزارية. وقد بلغت الوزارة في ظل الحكومة الأموية الأندلسية شأواً بعيداً، وتعاقب في ولايتها جمهرة من أعظم الرجال، وألمعهم خلالا، وكانت تضم عدة من أخطر مناصب الدولة، مثل منصب كبير الخاص.
وكان يشغله على الأغلب فتيان الصقالبة. وخطة الخيل. وخطة الكتابة أو الكتابة العليا، وكان يتولاها وزير من الكتاب النابهين. وخطة صاحب المدينة أو حاكم قرطبة، وصاحب المدينة الزهراء، وكانتا من أهم المناصب الوزارية. وخطة المظالم، وكانت قبل عهد الناصر خطة مفردة تتضمن العرض والمظالم. ولكنها في عهد الناصر، قسمت إلى خطتين (325 هـ)، وجعل العرض خطة مستقلة بذاتها، وكذلك المظالم أضحت خطة مستقلة، وكان أول من وليها مستقلة محمد بن قاسم بن طملس، وكان يتولى المظالم وزير، وقد وليها قبله أيام الناصر جماعة من الوزراء النابهين مثل أحمد بن حدير. وعبد الملك بن جهور. وخطة الشئون المالية. وخطة الشرطة، وكانت من أهم المناصب الإدارية المتعلقة بضبط النظام والأمن، وكانت قبل عهد الناصر تنقسم إلى مرتبتين، الشرطة العليا، والشرطة الصغرى، ولكنها منذ سنة 317 هـ في عهد الناصر لدين الله، قسمت بحسب أهميتها إلى ثلاث مراتب: الشرطة العليا، والشرطة الوسطى، والشرطة الصغرى؛ وقد رتب رزق الشرطة الوسطى، وسطاً بين رزقي العليا والصغرى، وكان أول من تقلدها سعيد بن سعيد بن حدير. وخطة القضاء، وتتبعها خطة المواريث، وكذلك خطة السوق أو الحسبة. وخطة الشورى، وكانت من الخطط العارضة، ومن المناصب ذات النفوذ العلمي والأدبي قبل كل شيء، وتسند عادة إلى من يعتبر في وقته عميد العلماء وشيخهم، وكان أشهر من وليها رجال مثل بقي بن مخلد. وفي أيام المنصور بن أبي عامر، كان ثمة ديوان يسمى ديوان الندماء، كان يلحق به كل أديب وشاعر ممن يؤثرهم الأمير بصحبته ومجالسته. وفي أواخر الدولة العامرية، غلب الصقالبة في تولي الخطط الكبرى من حجابة ووزارة، وبدأ ذلك بنوع خاص في عهد عبد الملك بن المنصور.
ولما انهارت الدولة العامرية استمرت هذه الظاهرة حيناً، وتولى أولئك الفتيان الحجابة للخلفاء الأخيرين من بني أمية، وغلبوهم على أمرهم، ثم استبدوا فيما
(1/685)

بعد، عند انهيار الدولة، برياسة طائفة من المدن والولايات، وكان من هؤلاء أمراء الطوائف، مثل مجاهد العامري صاحب دانية، وخيران العامري صاحب ألمرية.
وظهرت في الدولة العامرية بدعة أخرى، هي إسناد منصب الحجابة إلى الأطفال.
فقد استصدر عبد الملك بن المنصور من الخليفة المحجور هشام المؤيد، مرسوماً بتعيين ولده الطفل محمد في منصب الحجابة، ولقب بذي الوزارتين، وعين عبد الرحمن المنصور ولده الطفل عبد العزيز في منصب الحجابة، وأسبغ عليه لقب سيف الدولة. وكانت هذه المهازل وأمثالها دليلا على تصدع ذلك الصرح الإدارى المحكم الذي شاده الأمراء والخلفاء من بني أمية، خلال قرنين من الجهود المتوالية. وفي أيام الخليفة المستظهر العابرة (رمضان - ذو القعدة 414 هـ) استحدث بالوزارة عدة خطط جديدة مثل: خطة خدمة المدينتين الزهراء والزاهرة، وخدمة كتابة التعقب والمحاسبة، وخدمة الحشم، وخدمة مواريث الخاصة، وخدمة الطراز، وخدمة المعالي، وخدمة الأسلحة، وخدمة الخزانة، وخدمة الوثائق، ورفع كتب المظالم، وخدمة خزانة الطب والحكمة، وخدمة أحكام السوق، وهي خطط يصفها ابن حيان بأنها عبث وزخرف من التسطير وضع على غير حاصل، ومراتب نصبت لغير طائل.
- 3 -
الجيش، نظامه وتكوينه
كان أول جيش إسلامي عبر إلى شبه الجزيرة لفتح الأندلس، مكوناً من العرب والبربر، وكان قائد الجيش الفاتح، طارق بن زياد، فيما يرجح بربرياً من قبيلة نفزة. وقد لعب البربر منذ البداية في تكوين قوى الأندلس الغازية والدفاعية أعظم دور، وكان تدفقهم من الضفة الأخرى من البحر - من المغرب - على شبه الجزيرة أسرع وأغزر من تدفق المتطوعة العرب، وكانوا يؤلفون الكثرة في جيش الغزو. ولما نظم عبد الرحمن الغافقي جيشه الضخم لغزو بلاد الفرنج، كان البربر من عناصره المختارة الغالبة، وكانت القيادة دائماً بيد الضباط العرب، وكان الخلاف الذي اضطرم منذ بداية الفتح بين العرب والبربر، يعمل عمله المقوض بين صفوف الجيش، وقد بدأ تكوين الجيوش الغازية الضخمة، منذ عهد السمح بن مالك الخولاني والي الأندلس، وكان أعظم هذه
(1/686)

الجيوش، الجيش الضخم الذي حشده عبد الرحمن الغافقي لغزو مملكة الفرنج. وبالرغم من أن البربر كان لهم في إنجاح معظم الغزوات الشمالية أثر فعال، فإنهم كانوا أيضاً في بعض الأحيان عنصراً خطراً على سلامة الجيش، لما كان يسودهم في بعض الأحيان من البغض وعدم التعاون لقادتهم العرب. وكان أسطع مثل لذلك الخلاف المدمر، ما حدث في موقعة بلاط الشهداء (114 هـ - 732 م) من تخاذل البربر وتخلفهم عن القتال أمام الفرنج، وإرغامهم هيئة الجيش على الانسحاب بعد مقتل قائده البطل عبد الرحمن الغافقي. ولما قامت ثورة البربر في المغرب، وهزم العرب في منطقة طنجة، وعبرت فلول الجيش المنهزم وهم من الشاميين بقيادة بلج بن بشر القشيري إلى الأندلس، وذلك بدعوة الوالي ابن قطن، ليستعين بهم على مغالبة البربر في الأندلس، رجحت كفة العناصر العربية في الجيش مدى حين. ولكن جيش الأندلس ما لبث أن انقسم إلى قسمين، معسكر الشاميين وهم أنصار بلج، ومعسكر العرب والبربر المحليين. ولبثت الحرب الأهلية تضطرم حيناً، حتى قام يوسف بن عبد الرحمن الفهري فاستقر في ولاية الأندلس، وقام بإصلاح الجيش وتنظيمه، ليعود كما كان جيشاً أندلسياً، يضطلع بالغزو ورد هجمات نصارى الشمال.
وعنى عبد الرحمن الداخل بتنظيم الجيش أشد عناية، وحشد له المتطوعة والمرتزقة من سائر الطوائف. وبلغت قواته يومئذ نحو مائة ألف مقاتل. وهذا عدا الحرس الخاص، الذي يتكون من الموالي والبربر والرقيق، وقد بلغت قواته نحو أربعين ألفاً. ووضع عبد الرحمن الداخل أيضاً نواة الأسطول الأندلسي بما أنشأ من قواعد لبناء السفن في بعض الثغور النهرية والبحرية. ولكن بداية قيام الأسطول الأندلسي الفعلية ترجع إلى ما بعد ذلك بنحو نصف قرن، حينما فاجأ النورمانيون الأندلس بغزو الثغور الغربية، ثم بغزو إشبيلية، والفتك بأهلها.
وكان ذلك في سنة 230 هـ (843 م) في عهد عبد الرحمن بن الحكم، فعندئذ أدركت الحكومة الأندلسية وجوب العناية بأمر الأسطول والتحصينات البحرية وبدىء بإنشاء السفن الحربية. وكانت أكبر دور الصناعة لإنشاء السفن في مياه الوادي الكبير تجاه إشبيلية. ومن ذلك الحين يقوم الأسطول الأندلسي بدوره في شئون
(1/687)

الغزو والدفاع، وقد بلغت وحداته في عهد عبد الرحمن الناصر زهاء مائتي سفينة.
ومما تجدر ملاحظته أن الجيش الأندلسي، فد تلقى خلال عهد الفتنة الكبرى التي شملت سائر نواحي الأندلس، ولاسيما المنطقة الجنوبية، واستمرت تضطرم زهاء ستين عاماً، منذ عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (238 - 273 هـ) كثيراً من الدربة والتجارب المريرة في معاركه المستمرة مع جيوش الثوار، وأضحى في أواخر هذه الحقبة في عهد عبد الرحمن الناصر، من حيث العدد والكفاية قوة لها خطرها. وقد بذل الناصر جهوداً عظيمة لإصلاح الجيش وتقويته، ومده بالأسلحة والعتاد الوفير. وعنى في الوقت نفسه بأمر الأسطول، فأنشأ له وحدات جديدة، وجعل مركزه الرئيسي ثغر ألمرية، وأنشأ بها أعظم دار للصناعة، وبلغ الأسطول الأندلسي في عهد الناصر، حسبما تقدم، زهاء مائتي سفينة مختلفة الأنواع والأحجام، وهذا عدا أسطول آخر خصص لشئون المغرب البحرية، وكان الأسطول الأندلسي يومئذ من أقوى الأساطيل، وكان يسيطر على مياه إسبانيا الشرقية والجنوبية.
وفي عهد المنصور بن أبي عامر، بلغ الجيش الأندلسي المرابط ذروة القوة والضخامة، وقد رأى المنصور أن يعتمد بالأخص في تكوين الجيش على حشود البربر، فاستقدمهم من العدوة، وبذل لهم الأعطية السخية، وكذلك حشد في جيشه كثيراً من المرتزقة النصارى، ومعظمهم من المستعربين رعايا الحكومة الأندلسية، واستطاع المنصور، بما بذله من جهود عنيفة متوالية، ومن أموال وفيرة، أن ينشىء للأندلس قوة عسكرية هائلة لم تعرفها الأندلس في أى عصر سابق, أو لاحق. وقد نقلت إلينا الرواية بعض أرقام عن الجيش الأندلسي المرابط في عهد المنصور، من ذلك أن الفرسان بلغ عددهم إثنتي عشر ألف ومائة فارس من سائر الطبقات، تصرف لهم النفقة والسلاح والعلافة، وبلغ عدد الرجالة (المشاة) في الجيش المرابط ستة وعشرين ألف مقاتل. وكان عدد الجيش المرابط، يتضاعف وقت الصوائف مراراً بما ينضم إليه من صفوف المتطوعة، وقد بلغ عدد الفرسان في بعض الصوائف، ستة وأربعين ألفاً، وكان عدد المشاة يتضاعف أيضاً، وقد يعدو المائة ألف أو تزيد.
(1/688)

- 4 -
الموارد الاقتصادية وصنوف الجباية
لما افتتح المسلمون الأندلس، كان الشعب الإسباني المغلوب، ما يزال يعيش في ظل بقايا النظم الرومانية، التي اتخذها القوط أساساً لتشريعاتهم ونظمهم الإدارية. وكان عبء الضرائب يقع معظمه على طبقات الشعب الدنيا، ولا يكاد يقع شىء منه على عاتق الأشراف ورجال الدين، ومن إليهم من الطبقات الممتازة. فلما افتتح المسلمون شبه الجزيرة، فرضت الضرائب على قاعدة المساواة دون تمييز بين طبقة وأخرى، وفرضت الجزية على من لم يعتنق الإسلام من أبناء الشعب المغلوب. وفي خلال الحقبة الأولى، التي تميزت باستمرار الغزوات الإسلامية، وما تقتضيه من حشد الجيوش المستمرة، لم تكن موارد القطر المفتوح قد حققت كلها واستغلت. وقد كان من الواضح منذ البداية أن القطر المفتوح قطر زراعي قبل كل شىء. وكان خراج الأرض الزراعية، والجزية، وأخماس الغنائم، هي المصادر الرئيسية للدخل، وقد ازدهرت الزراعة بالأخص عقب الفتح لما حدث من توزيع أفضل للأرض، وتحسين أحوال العاملين فيها، وكان يوسف الفهري آخر الولاة، أول من عدل نظام الضرائب القديم، ففرض على كل ولاية، أن تقدم ثلث الدخل، ورفع الجزية عمن توفوا من النصارى، وقسم الأندلس من الناحية الإدارية إلى خمس ولايات حسبما أسلفنا ذلك في موضعه. وكانت حكومة قرطبة الإسلامية تسيطر على أخصب وأغنى وديان شبه الجزيرة الإسبانية، وكان أهم المحاصيل الزراعية هي القمح والزيتون والفاكهة وغابات الأشجار الخشبية، وما تزال هذه المحاصيل إلى اليوم هي أهم موارد اسبانيا الزراعية. وكذا كان تربية الماشية مورداً من أهم موارد الدخل القومي.
ولما استقرت الأمور، واستطاع الفاتحون أن يضعوا أيديهم على موارد البلاد وثرواتها الطبيعية، وأن يستغلوها بمقدرة وذكاء، لم تبق الزراعة هي المورد الوحيد، وإن لبثت دائماً هي المورد الرئيسي. ذلك أن شبه الجزيرة الإسبانية، تضم ثروات متنوعة من المعادن، كانت تستغل منذ أيام الرومان، فكان يستخرج
(1/689)

بها الفضة والرصاص والحديد والذهب والزئبق، والقصدير من أنحاء مختلفة، في الشمال والجنوب، فكانت الفضة والنحاس تستخرج في الشمال، وفي جهة قرطبة، وكورة تدمير، وكان الزئبق يستخرج من جبال البرانس، والقصدير بجهة أكشونبة من ولاية الغرب، وكان البللور يستخرج في منطقة لورقة، والرخام من جبل قرطبة وباغة ومن جبال سيرّا مورينا. وكانت تقوم إلى جانب الزراعة صناعات هامة، مثل صناعة النسيج والملابس والأثاث والفخار والزجاج والورق (1)، وكانت التجارة تزدهر في نفس الوقت داخل شبه الجزيرة، وخلال موانيها الشرقية والجنوبية ولاسيما مالقة وألمرية، وتجبي الدولة من المكوس التجارية، سواء على التجارة الداخلية أو الخارجية أو على السفن الصادرة والواردة مقادير عظيمة.
ولم تأت أوائل القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، في عصر عبد الرحمن ابن الحكم، حتى كانت إسبانيا المسلمة, قد بلغت مبلغاً عظيماً من الرخاء، وتضاعفت مواردها من الدخل القومي، وبلغت حصيلة الجباية من المكوس وحدها زهاء ألف ألف دينار في السنة، وبلغت في عهد عبد الرحمن الناصر من الكور والقرى خمسة آلاف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار. وبلغت من المستخلص (وهي الأملاك السلطانية) سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار، وقد ذكرنا فيما تقدم، في موضعه، أن الناصر خلف عند وفاته في بيت المال عشرين مليوناً من الذهب، هذا عدا ما أنفقه من الأموال الطائلة في مختلف الغزوات، وفي مختلف المنشآت الباذخة التي أقامها، وفي مقدمتها مدينة الزهراء الملوكية، وهي مما يدل على ضخامة الموارد المالية للأندلس في عصر الخلافة.
وفي أيام المنصور بن أبي عامر، في أواخر عصر الخلافة، حققت موارد الدخل زيادة عظيمة، ووصل محصل الجباية وحده إلى أربعة آلاف ألف دينار (أربعة ملايين)، سوى رسوم المواريث وسوى مال السبي والغنائم، واستمرت هذه الزيادة في عهد ولده عبد الملك. ثم كان انهيار الدولة العامرية، وانهيار الخلافة الأموية، واضطرام الفتنة في كل مكان، فتحطمت موارد الدخل، وكسدت التجارة والصناعة، وغاضت أسباب الرخاء.
_______
(1) راجع كتاب الأستاذ ليفي بروفنسال L'Espagne Musulmane aux Xème Siècle; p. 176, 183 & 184.، وكذلك نفح الطيب ج 1 ص 78 و93.
(1/690)

الفصل الثاني
الحركة الفكرية الأندلسية في عصري الإمارة والخلافة
- 1 -
لبثت الأندلس عقب الفتح، ردحاً من الزمن، بعيدة عن أن تكون مهداً لنشوء الحركة الفكرية. ذلك أنه خلال عصر الولاية، لم تكن الأمور قد استقرت بعد، ولم تترك مشاغل الغزو، والخلافات الحزبية، والانقلابات المتوالية في الرياسة، كبير مجال لاتجاه الأذهان إلى التفكير والأدب، ومن ثم فإنا لا نجد في هذا العصر كتاباً أوشعراء أو مفكرين ذوي خطر، وإن كنا نجد بعض الآثار الشعرية القليلة، التي ترد على ألسنة بعض الولاة أو الزعماء.
ويمكننا أن نرجع الحركة الفكرية الأندلسية، إلى عصر عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة 172 هـ. ذلك أن هذا الأمير القوي اللامع، منشىء الدولة الأموية بالأندلس، كان أول شخصية بارزة ظهرت في ميدان التفكير والأدب والشعر، ويمكن أن نعتبره بحق رائد النهضة الأدبية النثرية والشعرية، التي تفتحت فيما بعد، وازدهرت في عهد خلفائه، ولنا فيما أوردناه من نماذج قليلة، من نثره، ومن نظمه، ما يدل على براعته وتفوقه في هذا الميدان.
ومن بين أمراء بني أمية بالأندلس، كان الرواد الأوائل في الحديث والفقه، فقد كان الداخل، فوق براعته الأدبية عالماً بالشريعة، وكان ولده هشام بن عبد الرحمن المتوفى سنة 180 هـ (796 م) مبرزاً في الحديث والفقه. وفي عصر هذا الأمير ظهرت، طلائع النهضة الأولى في ميدان التفكير والأدب، وكان يغلب على هذه النهضة في البداية، الطابع الديني قبل كل شىء، وكان قد رحل في عصر الداخل جماعة من فقهاء الأندلس إلى المشرق، ودرسوا بالمدينة على الإمام مالك وغيره من أقطاب المشرق، واستقوا من علم مالك واجتهاده، ونقلوا عنه كتابه (الموطأ)، وكان في مقدمة هؤلاء فقهاء مبرزون، مثل زياد بن عبد الرحمن،
(1/691)

وعيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى الليثي، وكان زياد بن عبد الرحمن عميد فقهاء الأندلس في وقته، وكان الأمير هشام بن عبد الرحمن يوقره ويجله لعلمه وورعه وزهده، وتوفي في سنة 204 هـ (1). وكذا كان عيسى بن دينار، وأصله من طليطلة، وسكن قرطبة، عالماً راسخاً، وكان أستاذ الفتيا في وقته لا يتقدمه فيها أحد، وكان ممن اتجهت إليهم الريبة في ثورة الربض فهرب واستخفى حيناً، ثم عفا عنه الأمير الحكم وأمّنه، فعاد إلى قرطبة وتوفي سنة 212 هـ (2). وأما يحيى بن يحيى الليثي فقد رحل كزميله إلى المشرق، وسمع من مالك، والليث ابن سعد، وعبد الله بن وهب وغيرهم، وعاد إلى الأندلس ليشغل بين فقهائها مركز الصدارة، وكان ذهناً حراً يعتز بحريته واستقلاله، فلم يل قضاءً، ورفض كل دعوة إلى توليه، وتوفي في سنة 234 هـ (3). وعلى يد أولئك الفقهاء والرواد، ذاع مذهب مالك بالأندلس منذ عصر هشام. وكان هشام نفسه كثير الإجلال لمالك ومذهبه، فزاد ذلك في ذيوع المذهب، وفي تمكين مكانته بالأندلس. وكان هذا بداية لنفوذ الفقهاء في شئون الدولة، وهو نفوذ اشتد فيما بعد، وكان له أثر عميق في تحريك القوى المعارضة، التي انتهت باضطرام ثورة الربض ضد الحكم بن هشام، في سنة 202 هـ (818 م)، وذلك حسبما أوضحنا في موضعه.
وفي عصر الحكم بالذات، تتخذ الحركة الفكرية طابعاً أوسع أفقاً، وتظهر طوالع النزعة الأدبية إلى جانب العلوم الدينية، ويظهر الأدباء والشعراء إلى جانب الفقهاء والمحدثين. وكان في مقدمة من ظهروا في تلك الفترة عبد الملك ابن حبيب بن سليمان السلمي، وأصله من إلبيرة وسكن قرطبة، ثم رحل إلى المشرق وسمع الكثير من علمائه. ولما عاد إلى الأندلس عمل مشاوراً مع يحيى ابن يحيى، وسعيد بن حسان، وكان حافظاً للفقه على مذهب المدنيين، بيد أنه كان إلى جانب الفقه، بارعاً في النحو والعروض والشعر، حافظاً للأخبار والأنساب والأشعار، متصرفاً في عدة فنون. وكتب عدة مؤلفات في الفقه والتاريخ منها " الواضحة " و" الجوامع " وكتاب في " فضائل الصحابة "، وكتاب في " غريب الحديث "، وكتاب " حروب الإسلام "، وكتاب " طبقات
_______
(1) راجع علماء الأندلس لابن الفرضي (مصر) رقم 458.
(2) راجع علماء الأندلس رقم 975.
(3) جذوة المقتبس للحميدي (مصر) رقم 908.
(1/692)

الفقهاء والتابعين " و" مصابيح الهدى " وغيرها، وكان محمد بن عمر بن لُبابة يقول فيه: عبد الملك بن حبيب عالم الأندلس، ويحيى بن يحيى عاقلها، وعيسى ابن دينار فقيهها. وتوفي عبد الملك بن حبيب في سنة 238 هـ (1).
وفي عصر الحكم بن هشام تتخذ الحركة الفكرية، التي غلب عليها الطابع الديني، حتى ذلك الوقت، طابعاً أدبياً واضحاً، ويبدأ ظهور الكتاب والشعراء المبرزين، وكان الحكم نفسه في مقدمة شعراء عصره وأدبائه، وكان له نظم بارع أوردنا فيما قدم طرفاً منه. ومن شعراء هذا العصر، عباس بن ناصح الجزيري المصمودي، وهو من أهل الجزيرة، وقد رحل إلى مصر والحجاز والعراق، وتلقى على علمائها، ودرس الفقه، ولقي الأصمعي وغيره ببغداد، ثم عاد إلى الأندلس، ومدح الأمير الحكم فندبه لقضاء الجزيرة، وكان بارعاً في اللغة وشاعراً جزلا، يسلك في شعره مسلك العرب القديمة، وكان له أيضاً حظ من الفقه (2). وكان ولده عبد الوهاب بن عباس بن ناصح أيضاً، فقيهاً وشاعراً محسناً (3)، وكان من الكتاب والشعراء أيضاً حاجب الحكم وقائده عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث، ومؤمن بن سعيد. وكان مؤمن شاعراً مبرزاً كثير الشعر. وكان حاد النكتة والنادرة، ومن شعره قوله:
حرمتك ما عدا نظراً مضراً ... بقلب بين أضلاعي مقيم
فعيني منك في جنات عدن ... مخلدة وقلبي في الجحيم (4)
وبلغ الشعر في عصر الحكم ذروته، على يد شاعرين كبيرين، هما العلامة عباس ين فرناس ويحيى الغزال الجيّاني. وكان أولهما عالماً بالفلسفة والفلك والكيمياء الصناعية والموسيقى. وقد أشرنا فيما تقدم إلى مخترعاته العلمية، وإلى محاولته اختراع طريقة لطيران الإنسان. وكان ثانيهما كذلك عالماً بالفلسفة والفلك، وقد عاش كلاهما طويلا بعد عصر الحكم، وفيما أوردناه فيما تقدم من شعرهما دليل على براعتهما في هذا الميدان.
_______
(1) راجع ابن الفرضي، علماء الأندلس، رقم 816.
(2) راجع ابن الفرضي رقم 881.
(3) ابن الفرضي رقم 881.
(4) راجع جذوة المقتبس للحميدي رقم 826، وقضاة قرطبة للخشني (مصر) ص 103 و105.
(1/693)

وفي عصر عبد الرحمن بن الحكم، بلغت الحركة الفكرية الأندلسية الأولى ذروتها، ففي ميدان الكتابة احتشد في بلاط الحكم عدة من أكابر الكتاب المبرزين، وفي مقدمتهم الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، ومحمد ابن سليمان الزجّالي، وفي ميدان العلوم الدينية ظهر في عهد عبد الرحمن، جمهرة من أكابر الفقهاء، مثل محمد بن يوسف بن مطروح، ومحمد بن حارث، وعبد الأعلى بن وهب، وبقيّ بن مخلد، ومحمد بن وضاح، وغيرهم، وكان عميد هذه الجمهرة من الفقهاء بقي بن مخلد، وهو من أهل قرطبة، ودرس على علماء الأندلس وإفريقية، وبرع في الحديث والرواية، ويمكننا أن نعتبره رائد علم الحديث في الأندلس. وقد أنكر عليه بعض خصومه ما أدخله من كتب الاختلاف وغريب الحديث بالأندلس، ووشوا به للأمير محمد بن عبد الرحمن. وقد أشرنا فيما تقدم إلى ما كان من مناظرته لخصومه، وإلزامهم الحجة، وإلى ما حباه به الأمير من عطفه وحمايته، وقد كان ذلك من أسباب انتشار الحديث بالأندلس.
ولبقي بن مخلد عدة مؤلفات فقهية. وله تفسير للقرآن ومسند للنبي، وينوه العلامة ابن حزم في رسالته بعلم بقي وأهمية كتبه، ويقول لنا إن تفسيره للقرآن لم يؤلف في الإسلام مثله (1). وسمع على بقي جمهرة من فقهاء الأندلس، وكان ورعاً زاهداً، وتوفي سنة 276 هـ (2).
وكان من أعلام الفقهاء في هذا العصر، محمد بن عبد السلام الخشني وهو من أهل قرطبة، ورحل إلى المشرق وسمع، في البصرة وبغداد ومصر، وكان فصيحاً جزل البيان، بارعاً في اللغة، ورواية الحديث، وكان أنوفاً منقبضاً عن السلطان، وقد رفض أن يتولى القضاء للأمير محمد بن عبد الرحمن، وتوفي في سنة 286 هـ (3).
وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يتمتع به الأمير عبد الرحمن بن الحكم من المواهب الأدبية والشعرية، وأوردنا فيما تقدم طرفاً من شعره. وكان من ألمع شعراء عصره، صديقه وشاعره عبد الله بن الشمر بن نمير، وهو من أهل وشقة، وكان
_______
(1) راجع رسالة ابن حزم عن علماء الأندلس في نفح الطيب ج 2 ص 131.
(2) راجع ابن الفرضي رقم 283.
(3) ترجمته في ابن الفرضي رقم 1134. وهو غير محمد بن حارث الخشني صاحب " قضاة قرطبة " المتوفى سنة 361 هـ.
(1/694)

عالماً متمكناً وشاعراً محسناً. وله شعر جيد كثير وقد أخذ الناس من شعره (1).
وكان من أبرز الظواهر الأدبية في هذا العصر، انتشار اللغة العربية وآدابها بين طائفة المستعربين أو النصارى المعاهدين، ونبوغ الكثير منهم فيها، وبلوغهم مرتبة البراعة في كتابتها، ويمكننا أن نذكر من كتابهم المبرزين في هذا العصر، الأسقف جومث بن أنتنيان، قومس أهل الذمة، وكان أديباً بارعاً، وكاتباً مقتدراً، ومن كتاب الأمير عبد الرحمن.
وكانت الفتنة الكبرى في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (238 - 273 هـ) وولده الأمير عبد الله (275 - 300 هـ) عاملا هاماً في اضطرام النهضة الأدبية، والشعرية بنوع خاص. وكان من أبرز شعراء عهد الفتنة الأول عباس ابن فرناس، وقد أوردنا قصيدته في موقعة طليطلة، التي سحق فيها الثوار. وفي أواسط عهد الفتنة ظهر شاعر من أعظم شعراء الأندلس، وأديب من أعظم أدبائها، هو الفقيه أبو عمر أحمد بن عبد ربه (246 - 328 هـ) صاحب كتاب " العقد الفريد " الذي يعتبر من أعظم آثار الأدب الأندلسي. ويمكننا أن نعتبر ابن عبد ربه شاعر الدولة المروانية، منذ عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن حتى عهد عبد الرحمن الناصر، وقد ظهر بشعره في موقعة إستجة التي سحق فيها الثائر عمر بن حفصون، وذلك في سنة 278 هـ (891 م)، وظهر بمدائحه للأمير عبد الله، ثم حفيده عبد الرحمن الناصر، وقد كان معلمه في صباه، وبأرجوزته في غزوات الناصر ومآثره. وقد أوردنا من نظمه فيما تقدم عدة من قصائده. وأما كتابه " العقد الفريد " فإنه يعتبر بمحتوياته وتنوعه، من أمتع الكتب في الأدب العربي، وبالرغم من أن موضوعاته، يغلب عليها طابع الأدب المشرقي، فإنه يعتبر عنواناً بارزاً للأدب الأندلسي في مرحلته الأولى. وقد انتقد بعضهم العقد الفريد لأنه " لم يجعل فضائل بلده، واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة ملكه " (2) ويعتبر العقد الفريد بطابعه المشرقي، على النقيض من كتاب " الذخيرة " لابن بسام الشنتريني، المتوفى سنة 542 هـ، والذي يعتبر بمحتوياته وروحه، مثلا ساطعاً للأدب الأندلسي.
_______
(1) ابن الفرضي رقم 691.
(2) راجع نفح الطيب ج 3 ص 126.
(1/695)

ومن شعراء عهد الفتنة وأدبائها البارزين سوّار بن حمدون القيسي، وسعيد ابن سليمان بن جودي، وهما من زعماء الفتنة العرب، وكان كلاهما إلى جانب فروسيته من أعلام البيان والنظم في وقته، وقد نقل إلينا ابن الأبار نماذج من نظمهما (1).
وكان من أعلام الأدب في تلك الفترة أيضاً محمد بن أضحى الهمداني، وهو من زعماء العرب بكورة إلبيرة. وكان بارعاً في الأدب، خطيباً مفوهاً، يخطب بين يدي الأمراء في المحافل، وكان خلال الفتنة قد انضوى تحت لواء الأمير عبد الله، ثم انضوى بعد ذلك تحت طاعة الناصر فيمن خضع من ثوار النواحي (2).
وكان الأمير عبد الله نفسه من ألمع شعراء عصره. وكان بارعاً في العربية، حافظاً للغريب من الأخبار، وقد نوه المؤرخ ابن حيان بشاعريته، ورفيع أدبه، وأوردنا نحن فيما تقدم نماذج رقيقة من شعره.
- 2 -
وكان عصر عبد الرحمن الناصر، من ألمع عصور الدولة الأموية بالأندلس، وفيه زهت العلوم والآداب، وظهرت جمهرة من أكابر الشعراء والعلماء. وكان من أعلام تلك الفترة، إلى جانب عميدهم ابن عبد ربه، صاحب العقد الفريد، محمد بن عمر بن لبُابة، وهو من أهل قرطبة. وكان إماماً في الفقه، متمكناً من حفظ الرأي، والبصر بالفتيا، وكان مشاوراً أيام الأمير عبد الله، ثم انفرد بالفتيا أيام الناصر، فلم يكن يشاركه أحد في الرياسة والقيام بالشورى، وكان حافظاً لأخبار الأندلس، وله حظ من النحو والشعر. وقد وُلي الصلاة بالمسجد الجامع، وتوفي في سنة 314 هـ. ومن مؤلفاته كتاب المنتخب في روايات مذهب مالك (3).
وقد حدثنا ابن حيان في المقتبس عن شعراء عصر الناصر الذين التفوا حول بلاطه، وأشادوا بمديحه، فقال: إن " في مقدمتهم معلمه في الصبا أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، ويليه من نمطه عبيد الله بن يحيى بن إدريس، وعبد الملك بن سعيد المرادي، وإسمعيل بن بدر، وأغلب بن شعيب، وحسان بن
_______
(1) راجع الحلة السيراء (طبعة دوزي) ص 80 - 87.
(2) الحلة السيراء ص 98.
(3) ابن الفرضي رقم 1189.
(1/696)

حسان [السناط] وغيره، ومن كبار الطارئين عليه من المشرق، طاهر بن محمد المهند البغدادي، ومحمد بن حسين الطبني الإفريقي، وغيرهما، أسلفوا في الناصر لدين الله إحساناً كثيراً.
فمن قول أبي عثمان عبيد الله يحيى بن إدريس في الناصر لدين الله، وقد غزا الروم في شهر رمضان، وأدركه الفطر في بلاد العدو، فلم يتورع، وصمد إلى لقياهم، وقد اجتمعوا:
يهني الخلافة سعي خير إمام ... لله مسعاه وللإسلام
ملك تمكن في المكارم والعلى ... كتمكن الأرواح في الأجسام
عزم الرحيل مصمماً في عيده ... لشفاء غلة سيفه الصمصام
يصل الترحل بالترحل دائبا ... في الحل يحكمه وفي الإبرام
ليعز دين الله في كنف العلى ... ويذب عن حرم الهدى ويحام
مستنجزاً وعد الإله بنصره ... في شيعة الإشراك والإحرام
وقوله حينما نزل الناصر بجيوشه طليطلة، وارتياع الجلالقة لمقدمه، من قصيدة:
على أي فتح تقدما أتتـ ... ـك فتوح الثغر فذاً وتوءما
تباشر تترى من فتوح تواتـ ... ـرت كما تابع النثر الجمان المنظما
ومن نظم أبى الحسن جعفر بن عثمان المعروف بالمصحفي كاتب ولي العهد ْالحكم بن الناصر لدين الله، السامي المحل في الاشتمال على متن البلاغة، من النثر والنظم بالتبريز، ما نظمه وقت انتقال الناصر إلى دين الله عن سرقسطة:
على أيمن الأوقات كان ارتحالك ... وفي أيمن الساعات كان احتلالكا
تنقلت عن دار الشقاق مظفراً ... وقد صال بالمخذول فيها صيالكا
وحاربت ذا السيف العريض بميتة ... أرت مستجيش الشرك كيف اغتيالكا
وأقفلت عنهم والمنايا صوايب ... تسيل بها في ساحتيهم سجالكا
إذا ما القرى رام اغتلاق جفونهم ... فخطفه بالخوف عنها خيالكا
وإن ذهبوا للسير في الأرض مذهبا ... تراءى لهم في كل أفق مثالكا
هل الأجل المرهوب إلا صيالكا ... أم الأمل المرغوب إلا نوالكا
بقيت أمير المؤمنين مملكاً ... فما الروضة الزهراء إلا جلالكا
(1/697)

وقال إسمعيل بن بدر في مديح الناصر وذكر غزوته للجزيرة الخضراء:
تطوى المراحل إدلاجاً وتنحيرا ... مشمراً في رضى الرحمن شميرا
وبدر الملوك الذي إشراق سنته ... تجلو عن الدين والدنيا الدياجيرا
من قد قضى الله في ماضى شبيبته ... لا يزال على الأعداء منصورا
قال ابن حيان: " والشعر في الناصر لدين الله رحمة الله عليه، كثير جداً، محمول عن فحول يقدمهم ابن عبد ربه، وابن إدريس، ومهند والطبني ونمطهم ... في تجويد صناعتهم بفضل ما ألفوا لديه من التوسعة عليهم، والإحسان إليهم، فكل منهم كمل فيما صاغه فيه ديواناً بذاته، عفى رسومها، وغيض معينها من الليالي وانصرام الدولة، وتسلط الفتن البربرية، والمطاولة على التواريخ الملوكية، التي كانت له قاصمة وجامعة، حتى مزقت كل ممزق بأيدي الجهال، فهل من باقية " (1).
وكان بين وزراء الناصر وحجابه، عدة من أكابر الكتاب والأدباء، مثل الحاجب موسى بن محمد بن حدير، وقد كان من أهل الأدب والشعر، فضلا عن كونه من بيت رياسة وجلالة (2) وعبد الملك بن جهور، وقد كان وزيراً جليلا، وأديباً وشاعراً محسناً، ومن شعره:
إن كانت الأبدان نائمة ... فنفوس أهل الظرف تأتلف
يارب مفترقين قد جمعت ... قلبيهما الأقلام والصحف (3)
وكان من أعلام تلك الفترة أيضاً القاضي منذر بن سعيد البلوطي (265 - 355 هـ)، وكان بارعاً في علوم القرآن والسنة، وظهر فوق ذلك بفصاحته وجزالة شعره. وقد أشرنا فيما تقدم إلى موقفه الخطابي الرائع، في حفل استقبال سفارة قيصر الروم، وما حباه به الناصر من أجل ذلك، من عطف، وتقدير، وتوليه للخطابة والقضاء. ومن مؤلفاته " كتاب الإبانة عن حقائق أصول الديانة ".
وفي عصر الناصر ظهرت حركة دينية، على رأسها أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرّة الجبلي من أهل قرطبة. وكان مولده بها في سنة 269 هـ. وقد
_______
(1) ابن حيان في المقتبس - السفر الخامس - مخطوط الخزانة الملكية - لوحات 27 و31.
(2) جذوة المقتبس رقم 787.
(3) جذوة المقتبس رقم 626.
(1/698)

برع ابن مسرة في العلوم الدينية، ولكنه جاهر ببعض الآراء المغرقة، في التأويل والقدر وغيرها، فاتهم بالزندقة وغادر الأندلس. فاراً إلى المشرق وذلك في سنة 298 هـ، ودرس هنالك على أيدي المعتزلة، والكلاميين وأهل الجدل. ثم عاد إلى الأندلس وهو يخفي نحلته وآراءه الحقيقية، تحت ستار من النسك والزهد. وكان يتخذ لنفسه غاراً يتعبد فيه على مقربة من جبل قرطبة، حتى سمي بالجبلي.
واختلف إليه الطلاب من كل صوب. وكان يستهويهم بغزير علمه وجزالة بيانه، حتى ذاعت شهرته، وتبعه الكثيرون من الصحب والتلاميذ. وقد اختلف في أمر ابن مسرة، فبعضهم يسمو به إلى مرتبة الإمامة في العلم والزهد والورع، ومنهم من كان يرميه بالزندقة وترويج البدع. وتوفي ابن مسرة بقرطبة سنة 319 هـ (931 م) (1). على أن تعاليم ابن مسرة لبثت بعد ذلك حية ذائعة، طوال عهد الناصر، وقام جمهرة من أهل السنة، بمعارضة تعاليمه وإنكارها، ووصل صوتهم في ذلك إلى الخلافة، واضطر الناصر إلى أن يصدر باسمه بياناً في سنة 340 هـ، يستنكر فيه تعاليم ابن مسرة وتلاميذه، ويرميهم بالمروق، والخروج عن تعاليم السنة الحقيقية، وقد أورد لنا ابن حيان هذا البيان الفريد في المقتبس (2)، وقد تحدثنا فيما تقدم عن ابن مسرة وحركته، ولخصنا كتاب الناصر في شأنها.
وفي عصر الناصر بالذات ظهر شاعر من أعظم شعراء الأندلس، هو أبو القاسم محمد بن هانىء الأزدي الإشبيلي، وقد ولد بإشبيلية في سنة 326 هـ، وظهر منذ حداثته ببراعة شعره وروعة افتنانه، ولكنه اتهم بالكفر والزندقة.
فغادر الأندلس، ولحق بالبلاط الفاطمي بالمهدية، والخليفة المعز لدين الله يتأهب عندئذ لفتح مصر، فأغدق عليه المعز عطفه ورعايته. ولما سار المعز إلى مصر، سار ابن هانىء للحاق به، ولكنه توفي في طريقه في سنة 362 هـ. وقد ُشُبه ابن هانىء بالمتنبي في رصانة شعره، وروعة افتنائه، ومن أشهر قصائده قصيدته التي يصف فيها جيش المعز الذاهب إلى فتح مصر، بقيادة جوهر الصقلي، والتي يقول فيها:
_______
(1) ابن الفرضي رقم 652.
(2) وذلك في النسخة الخطية من السفر الخامس من المقتبس المحفوظة بخزانة القصر الملكي بالرباط بالمغرب وقد نقلناه منه، ونشرناه في آخر الكتاب.
(1/699)

رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع
غداة كان الأفق سد بمثله ... فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
فلم أدر إذ ودعت كيف أودع ... ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع
ألا إن هذا حشد من لم يذق له ... غرار الكرى جفن ولا بات يهجع
إذا حل في أرض بناها مدائنا ... وإن سار عن أرض غدت وهي بلقع
تحل بيوت المال حيث محله ... وجم العطايا والرواق المرفع
رحلت إلى الفسطاط أول رحلة ... بأيمن فأل في الذي أنت تجمع
فإن يك في مصر ظمأ لمورد ... فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع
ويمنهم من لا بغار بنعمة ... فيسلبهم لكن يزيد فيوسع
وكان من أعلام الشعر في عصر الناصر أيضاً الوزير جعفر بن عثمان المصحفي، الذي تولى الحجابة فيما بعد لولده الحكم المستنصر، وتوفي في سنة 372 هـ في سجن الزهراء، ضحية لمنافسه القوى محمد بن أبي عامر المنصور. وقد أوردنا من شعره فيما تقدم في غير موطن.
وظهر في عصر الناصر عدد من أكابر الكتاب البلغاء، في مقدمتهم كاتب الناصر الأثير عبد الله بن محمد الزجّالي، وهو الذي أنشأ عن لسانه البيان الخاص بمروق ابن مسرة الذي سبقت الإشارة إليه.
وكان الناصر نفسه عالماً أديباً، يهوى الشعر وينظمه، ويقرب الأدباء والشعراء. وكان في مقدمة شعراء دولته وآثرهم لديه الفقيه ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وذلك حسبما أشرنا في موضعه.
وظهر في عهد الناصر عدة من أعلام المؤرخين الذين وضعوا أسس الرواية الأندلسية. أولهم أحمد بن محمد بن موسى الرازي، وقد ولد الرازي سنة 274 هـ وتوفي سنة 344 هـ. ومن تصانيفه " أخبار ملوك الأندلس وخدمتهم وغزواتهم ونكباتهم "، وكتاب " الإستيعاب في أنساب أهل الأندلس "، وكتاب في " صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعيان بها ". وقد كانت رواية الرازي مستقى خصباً لمؤرخي الأندلس، وفي مقدمتهم عميدهم ابن حيان.
وظهر قرينه ومعاصره ابن القوطية، وهو أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عيسى بن مزاحم؛ ويعرف بابن القوطية لانتسابه بطريق النسب إلى
(1/700)

سارة القوطية إبنة وتيزا ملك القوط. وقد ولد بقرطبة وتوفي بها سنة 367 هـ (977 م)، وكان راوية متمكناً حافظاً لأخبار الأندلس. وسير أمرائها وأخبار علمائها وفقهائها وشعرائها. وقد كتب تاريخه المسمى " تاريخ افتتاح الأندلس ".
وكان فوق ذلك من أئمة عصره في اللغة والنحو، وله في ذلك مؤلفات قيمة، وكانت كتب اللغة أكثر ما تقرأ عليه، وتؤخذ عنه.
ومن أعلام المؤرخين في ذلك العصر أيضاً أحمد بن موسى العروي المتوفى سنة 388 هـ، وقد ألف كتاباً عنوانه " تاريخ الأندلس ".
واستمرت النهضة الفكرية، التي ازدهرت في عصر الناصر، وفي عهد ولده الحكم المستنصر (350 - 366 هـ) وازدادت قوة وازدهاراً. وكان الحكم، وهو الخليفة الأديب العالم، رائد هذه الحركة الفكرية العظيمة. وكان من ظواهرها قيام جامعة قرطبة العظيمة، واحتشاد أكابر الأساتذة بين عقودها، وإنشاء المكتبة الأموية الكبرى، التي بذل الحكم في إنشائها من الجهود العظيمة والأموال الزاخرة ما لم يسمع بمثله، حتى بلغت محتويات هذه المكتبة الفريدة زهاء أربعمائة ألف مجلد، من مختلف أصناف العلوم والفنون. وكثرت المكتبات العامة والخاصة، وبلغ شغف اقتناء الكتب أشده في ذلك العصر، واحتشد حول بلاط الحكم، جمهرة من أكابر العلماء، في مقدمتهم الحافظ أبو بكر بن معاوية القرشي، وأبو علي القالي ضيف الأندلس يومئذ، والأديب المؤرخ محمد بن يوسف الحجاري، وإمام النحو والرواية ابن القوطية، وربيع بن زيد الفيلسوف والعلامة الفلكي النصراني، وغيرهم.
وظهر في تلك الفترة جمهرة من الشعراء المبرزين، وكان في مقدمتهم طاهر ابن محمد البغدادي، الوافد من المشرق إلى الأندلس، وكان يعرف بالمهند. وكان شاعراً محسناً، مدح الحكم المستنصر، ثم مدح المنصور بن أبي عامر بعد ذلك، وحظى لديه، وقد اتهم بالغلو في بعض الآراء الدينية. ومن شعره قوله:
متى أشكر النُّعمى التي هي جنتي ... ففي ظلها أمسي وفي ضوئها أضحى
إذا قلت قد جازيت بالشكر نعمة ... شفعت بأخرى منك دائمة السفح
فحمدي لا ينأى وفضلك لاينى ... وأرضي لا تصدى وأفقك لا يضحى (1)
ومنهم محمد بن مطرف بن شخيص، وكان من أهل الأدب البارع، ومن
_______
(1) راجع جذوة المقتبس للحميدي (مصر) رقم 515، وبغية الملتمس رقم 859.
(1/701)

أعيان الشعراء المجيدين، كان متصرفاً في القول، متقناً لأساليب الجد والهزل، وكان من أخص شعراء بلاط الحكم، وله شعر كثير، ومن شعره في تهنئة الحكم بوفود جعفر ويحيى ابنى حمدون، وتقديم طاعتهم إليه، قصيدة طويلة، هذا مطلعها:
بأيمن إقبال وأسعد طائر ... تباشير محتوم من الأمر واقع
توافت بملك من معدِّ مقوض ... لملك إلى مهدي مروان راجع
فيا لك من بشرى سرور تضمنت ... بلوغ الأماني عن سعود الطوالع
ومن قوله في الغزل:
فهل من شفيع عند ليلى إلى الكرى ... لعلي إذا ما نمت ألقى خيالها
يقولون لى صبراً على مطل وعدها ... وما عدت ليلى فأشكو مطالها
وما كان ذنبي غير حفظ عهودها ... وطي هواها واحتمالي دلالها (1)
ومنهم محمد بن الحسين التميمي الطبني، أصله من طبنة، بلد بأرض الزاب بالمغرب، وكان شاعراً محسناً، وأديباً بارعاً من بيت أدب وجلالة ورياسة، وكان من شعراء الحكم الأثيرين. ومن شعره يهنىء الحكم بحلول عيد الأضحى:
بخلت بجوهر لفظها أن يلقطا ... لما رأته من الجواهر أبسطا
يا أيها الملك المتوج بالهدى ... نوراً على غسق الظلام مسلطا
صل عيدك البهيج السنا في غبطة ... وازدد من الأعياد ألفا مغبطا (2)
ومنهم يحيى بن هذيل، وكان من أهل العلم والأدب والشعر الجيد؛ وتوفي سنة 386 هـ، ومن شعره:
لم يرحلوا إلا وفوق رحالهم ... غيم حكى غبش الظلام المقبل
وعلت مطارفهم مجاجت الندى ... فكأنما مطرت بدرٍّ مرسل
لما تحركت الحمول تناثرت من ... فوقهم في الأرض تحت الأرجل
فبكيت لو عرفوا دموعى بينها ... لكنها اختلطت بشكل مشكل (3)
ومنهم، ومن أشهرهم يوسف بن هارون الرمادي القرطبي المعروف بأبى جنيش، كان من أشهر شعراء الأندلس في وقته، واشتهر بالأخص بشعره
_______
(1) جذوة المقتبس رقم 144. وبغية الملتمس رقم 276، والمقتبس، قطعة أكاديمية التاريخ ص 54 و60.
(2) جذوة المقتبس رقم 38، والمقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 94.
(3) جذوة المقتبس رقم 907، وبغية الملتمس رقم 1494.
(1/702)

الهجائي، وكان سريع البديهة مشهوراً عند العامة والخاصة، لسلوكه في فنون مختلفة من المنظوم. ومدح الرمادي الحكم المستنصر، ولكنه وقع تحت طائلة غضبه لما صدر منه من شعر قاذف في حقه، وأمر باعتقاله مع باقي الشعراء الهجائيين، حماية للناس من ألسنتهم، وزج الرمادي إلى السجن مدة، وكتب خلال اعتقاله كتاباً سماه " كتاب الطير " وصف فيه كل طائر معروف. ثم عفا عنه الحكم وأطلقه مع باقي إخوانه. وتوفي الرمادي فقيراً معدماً أيام الفتنة في سنة 403 هـ.
ومن شعره قوله:
لا تنكروا غرر الدموع فكل ما ... ينحل من جسمي يصير دموعا
والعبد قد يعصى وأحلف أنني ... ما كنت إلا سامعاً ومطيعا
قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلماً ... يمنن علي برده مصدوعا (1)
ونبغ في تلك الفترة عالم من أعظم علماء اللغة في الأندلس، هو أبو بكر محمد ابن الحسن الزبيدي النحوي الإشبيلي. وقد وضع في اللغة والنحو عدة كتب مشهورة منها " الواضح " و" لحن العامة " " وأخبار النحويين "، كما وضع مختصراً لكتاب " العين "، إلى غير ذلك. وكان في نفس الوقت أديباً بارعاً، وشاعراً محسناً، وقد أورد لنا الحميدي شيئاً من نظمه، وندبه الخليفة الحكم، حسبما أسلفنا في موضعه لتدريس اللغة لولده هشام، وألزمه بالبقاء في قرطبة، ولم يأذن له بالرجوع إلى وطنه إشبيلية. وتوفي الزبيدي قرابة سنة 380 هـ (2).
وكان الخليفة الحكم المستنصر نفسه، فوق تمكنه من العلوم الشرعية وتحقيق الأنساب، أديباً ينظم الشعر الرائق. وقد أوردنا من قبل في موضعه شيئاً من نظمه.
ثم كان الانقلاب العظيم، في مصاير الخلافة الأموية، وتغلب محمد بن أبي عامر أو الحاجب المنصور على الدولة، وكان من حسن الطالع أن المنصور بنشأته وخلاله العلمية اللامعة، كان من أعظم رواد الحركة الفكرية، وكان المنصور عالماً متمكناً من الشريعة والأدب، بارعاً في النثر والنظم، وقد ذكرنا فيما تقدم شيئاً من نثره ونظمه. وكان يعشق مجالس العلماء والأدباء، حتى أنه كان خلال الغزو، يصطحب معه طائفة من الكتاب والشعراء، ينتظمون في مجلسه خلال
_______
(1) الصلة لابن بشكوال رقم 1491، وجذوة المقتبس رقم 878.
(2) جذوة المقتبس رقم 34.
(1/703)

السير، وكان شاعره الأثير أبو العلاء صاعد بن حسن البغدادي المتوفى سنة 417 هـ، وكان قد وفد من المشرق على الأندلس، في أوائل عهد المنصور، وكان عالماً باللغة والأدب والتواريخ، فقربه المنصور، وأغدق عليه عطفه، وجمع له صاعد كتاباً سماه " بالفصوص في الآداب والأشعار والأخبار " فأثابه عنه المنصور بخمسة آلاف دينار، وأمر أن يقرأه على الناس بمسجد الزاهرة (1).
بيد أن المنصور، بالرغم من شغفه بالعلم والأدب، لم يبد تسامحاً إزاء الفلسفة والفلاسفة، أو بعبارة أخرى إزاء الأفكار الحرة. وقد كانت هذه النزعة الضيقة الأفق، تمثل نفس التيار الذي يندفع فيه كل حاكم مطلق. وقد رأينا فيما تقدم كيف طورد عباس بن فرناس، في عهد عبد الرحمن بن الحكم، واتهم بالزندقة لما أبداه من براعة علمية وفنية خارقة، وكيف طورد تلاميذ ابن مسرة وطوردت تعاليمه في عهد الناصر، وأصدر الناصر منشوره بتكفيره وتكفير تلاميذه، وقد استمر هذا التيار الرجعي فيما بعد في عهد الطوائف، حيث أحرقت كتب حزم، وفيما تلا بعد ذلك من عهود، وذلك حسبما نذكره في موضعه.
وكان من أعظم شعراء الأندلس في عصر المنصور أبو عمر أحمد بن محمد ابن درّاج القسطلي. وكان كاتباً بليغاً من كتاب ديوان الإنشاء، وشاعراً لامعاً في نفس الوقت. وقد نبغ في ميدان الشعر نبوغاً جعله عمدة شعراء عصره. وكان من شعراء المنصور المقربين، وله فيه مدائح رائعة، نقلنا بعضها فيما تقدم، ولما توفي المنصور في سنة 392 هـ، تجول ابن دراج في أنحاء الأندلس، ومدح بعض أمراء الطوائف، مثل خيران العامري صاحب ألمرية، ومبارك ومظفر صاحبا بلنسية، والمنذر بن هود صاحب سرقسطة. وقد قال العلامة ابن حزم في حقه، إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج، وتوفي ابن دراج في سنة 420 هـ (1029 م) (2).
وكان من أكابر الفقهاء والحفاظ في عصر المنصور، عبد الرحمن بن فطيس قاضي الجماعة بقرطبة، وكان من أئمة المحدثين وكبار العلماء، حافظاً متمكناً من الحديث، عارفاً بأسماء الرجال، وله مشاركة في مختلف العلوم، وتقدم في
_______
(1) كتاب الصلة لابن بشكوال (مصر) رقم 540.
(2) راجع جذوة المقتبس للحميدي رقم 186، وبغية الملتمس للضبي رقم 342.
(1/704)

معرفة الآثار والسير والأخبار، وكان جمّاعة للكتب، وقد جمع منها ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس. تقلد قضاء الجماعة بقرطبة سنة 394 هـ، مقروناً بولاية الصلاة والخطبة، وذلك إلى جانب عمله في الوزارة، وذلك أيام المظفر عبد الملك المنصور، وكان مشهوراً في أحكامه بالنزاهة والصلابة في الحق، ونصرة المظلوم، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب " أسباب نزول القرآن " و" كتاب في فضائل الصحابة " و" أعلام النبوة ودلالات الرسالة " و" مسند حديث محمد بن فطيس " وغيرها، وتوفي ابن فطيس أثناء الفتنة البربرية في سنة 402 هـ (1).
* * *
ولما انقضى عهد الدولة العامرية، وانهارت الخلافة الأموية، واضطرمت الفتنة بالأندلس، انكمشت الحركة الفكرية، وشغلت الأمة الأندلسية بما دهاها من أمر الفتن المتوالية، وتعاقب الرياسات، ومع ذلك ففي غضون الفتنة، نجد من الخلفاء من يتذوق الشعر وينظمه. فقد كان الخليفة سليمان المستعين، أديباً متمكناً، وشاعراً مطبوعاً، أشاد ابن بسام بأدبه وشاعريته. وقد أوردنا له فيما تقدم قصيدته الرائعة التي يعارض فيها شعر الخليفة الرشيد. وكذلك كان الخليفة المستظهر أديباً شاعراً من الطراز الأول، وقد نوه ابن بسام بمواهبه الأدبية، وأورد له طائفة من القصائد الجيدة.
وحتى في ظل الخلافة الحمودية البربرية، كان للأدب والشعر دولة ومكانة، وكان الخليفة العالي خليفة مالقة أديباً ينظم الشعر. وكان من شعراء دولته الشاعر الكبير، عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني، وكان أديباً بارعاً، وشاعراً متقناً، وهو الذي مدح العالي بقصيدته الشهيرة التي مطلعها:
البرق لائح من أندرين ... ذرفت عيناك بالماء المعين
ونكتفي بتلك الصورة الموجزة، عن سير الحركة الفكرية الأندلسية، في عهد الإمارة، وعهد الخلافة. وقد ذكرنا فيما تقدم أثناء استعراضنا لتاريخ هذين العهدين كثيراً من تفاصيلها، وأشرنا إلى كثير من أعلام الفكر والأدب، ممن لم نر أن نعود إلى ذكره في هذا الفصل.
_______
(1) الصلة لابن بشكوال رقم 682.
(1/705)

الوثائق والملحقات
(1/707)

وثائق تاريخية
- 1 -
كتاب الخليفة الناصر لدين الله بشأن حركة ابن مسرة
(منقول عن السفر الخامس من كتاب " المقتبس " لابن حيان، وهو المخطوط المحفوظ بالخزانة الملكية بالرباط لوحات 13 و14 و15).
" وأنفذ الخليفة الناصر لدين الله إلى آفاق مملكته، شأن هؤلاء المبتدعة (يعني تلاميذ ابن مسرة) كتاباً طويلا قرىء عليهم بأمصارهم، من إنشاء الوزير الكاتب عبد الرحمن بن عبد الله الزجّالي، نسخته:
" بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن الله تعالى جده، وعز ذكره، جعل دين الإسلام أفضل الأديان، فأظهره وأعلاه، ولم يقبل من عباده غيره، ولا رضى منهم سواه، فقال في محكم تنزيله: " ومن يتبع غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه ... " الآية، وقضى في محتوم أمره، ونفاذ حكمه، أن تنسخ به الديانات، ويختتم برسالته الرسالات، فبعث محمداً خاتم النبيين، وأكرم الأكرمين، وأعز الخلايق على رب العالمين، بأن كتب الصلاة والسلام عليه في عرشه قبل أن يخلقه، واصطفاه لأمانته قبل أن يكونه، وأرسله بأفضل دين سماه حنيفاً إلى خير أمة اختارها ... كما قال عز من قائل، إذ عرّفنا فضل ما هدانا إليه من الدين، وكرمنا به على سائر الأمم: " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر ... " الآية. فله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، الشكر على خصايص هذه الفضيلة، والحمد بالمنة الجليلة، فقد استنقذ من الغواية وهدى، فأحسن الهداية، وأبان الحجة، وكفانا بواضح المناهج مؤنة الفكرة، ونظم زمام الأمة، وجمع وجوه السعادة العاجلة، النجاة الآجلة في تأليف الجماعة، واجتبا فيهم رعاية الفرقة، حيث يقول عز وجهه، لنبيه صلى الله عليه وسلم .. به وبعباده المخصوص بهداه، ورأفة بسطها على خير .. وإعلاما لهم ... بتواصل الدين من قبله لأنبيائه ... وكراهته لاختلافهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، والذي أوحينا
(1/708)

إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... " الآية. فخوف وحذر، ونهى عن افتراق الكلمة، ونبه على البعد، ونفى الله الخبيث عنها، وفضلها على ساير البلدان، واستقر فيها الدين، كهيئته يوم أكمله الله لعباده. ولما استوسقت الطاعة، وشملت النعمة، وعم الأقطار، بعدل أمير المؤمنين، السكون والدعة، طلعت فرقة لا تبتغي خيراً، ولا تأتمر رشداً، من طغام السواد، ومن ضعف آرايهم، ومن خشونة الأوغاد، كتباً لم يعرفوها، ضلت فيها حلومهم، وقصرت عنها عقولهم، وظنوا أنهم فهموا ما جهلوا، وتفقهوا فيما لم يدركوا، واستولى عليهم الخذلان، وأحال عليهم بخيله ورجله الشيطان، فزينوا لمن لا تحصيل لهم، ولقوم آمنين لا علم عندهم، فقالوا بخلق القرآن، واستيئسوا، وآيسوا من روح الله، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وأكثروا الجدل في آيات الله، وحرموا التأويل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبريت منهم الذمة بقوله تقدست أسماؤه: " ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون، الذين كذبوا بالكتاب، وما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون، إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في الجحيم ثم في النار يُسجرون. فهذا أبلغ الوعيد، وأفضع النكال، لمن جادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه: ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي، ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ... " ثم تجاوزوا في البهتان، وسدوا على أنفسهم ألوان الغفران، فأكذبوا التوبة، وأبطلوا الشفاعة، ونالوا محكم التنزيل، وغامض متن التأويل، بتقدير عقولهم: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، يقولون آمنا به، كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب. فصاروا بجهل الآثار، وسوء حمل الأخبار إلى القدح في الحديث، وترك نجح السبيل، فأساءوا الفهم عن العوام، وأقدموا بمكروه القول في السلف الصالح، واستبدلوا على نقلة الحديث، ووضعوا من الكتب لوضعها، وتابعوا شهواتهم فيها، وتتابعوا فيما ... وورطهم، ورأوا لتخضع وحشة بحثها لازم الضلالة، وداعية الهلكة، والشذوذ عن مذهب الجماعة، من غير نظر نافذ في دين، ولا رسوخ في علم، حتى تركوا رد السلام على المسلمين، وهي التحية التي نسخت تحية الجاهلين. خلافاً على أدب الله تعالى، وقوله جل جلاله: وإذا حييتم
(1/709)

بتحية، فحيوا بأحسن منها أو ردوها، وقالوا بالاعتزال عن العامة وشدوا ... وكشفوا بتكررهم الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، فلجوا في جهالتهم، وتاهوا في غيهم، ونكسوا على رؤوسم، حقداً على الأمة الحنيفة، واعتقاداً لبغضتها، واستحلالا لدمايها، وزرعاً إلى انتهاك حرمها، وسبي ذراريها، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، لولا أن سيف أمير المؤمنين من ورائهم، ونظره محيط. ولما صار غيهم فاشياً، وجهلهم شايعاً، واتصل بأمير المؤمنين من قدحهم في الديانة، وخروجهم عن الجادة، فأشغل نفسه، وأقض مضجعه، وأسهد ليله، أغلظ أمير المؤمنين في الأخذ فوق أيديهم، وأوعز إيعازاً شديداً، وأنذر إنذاراً فظيعاً، وعهد عهداً مؤكداً شافياً كافياً، نظر به لوجهه تبارك اسمه، وقدم فيه بين يدى العقاب الشديد، وأمر بقراءة كتابه هذا على المنبر الأعظم بحضرته، ليفزع قلب الجاهل، ويفت كبد المستهتر الحاير، وينقض عزم العاند المعاجل، ويضطر الغواة إلى الإثابة الصحيحة، التي يتقبلها الله منهم، أو يكشف عن الأذهان سراريهم فيكون عليهم شهيداً، ويأتيهم عذاب غير مردود. ورأى أمير المؤمنين أن يشمل بنظره أقطار كوره، ويرسله في بدوه وحضره، وأن ينفذ عهوده إليك، وإلى ساير قواده، وجميع عماله بها، يقرأ على منابر المسلمين، ولا يحرم القاصي ما عم الداني من تطهير هذا الرجز وتمحيصه، وكفاية المسلمين شبهته وفتنته، فلم يحل الديار، ولا تعقب الآثار، ولا استحق البلا على قوم، ولا أهلك الله أمة من الأمم، إلا بمثل ما تكشف هذه الطغمة الخبيثة، من التبديل للسنة، والاعتداء في القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الأمين، صلوات الله عليه وسلم، هذا عند وروده عليك في قبلك، ونشره في سماع رعيتك، وتتبع هذه الطايفة بجميع أعمالك، وابثث فيهم عيونك، وطالب فيهم غورهم جهدك، فمن تحلى منهم بما انتسب إليهم، وقامت عليه البينات بذلك عندك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم ومواضعهم، وأسماء الشهود عليهم، ونصوص شهاداتهم، لنعهد باستجلابهم إلى باب سدته، لينكلوا بحضرته، فيذهب غيظ نفسه، ويشفي حنين صدره، وإياك أن تهون من أهل الريبة، وتتخطاهم إلى ذوي السلامة والأحوال الصالحة، فإن فرطت في أحد الأمرين أو كليهما. فقد برىء الله منك، وأحل دمك، ومالك، فاعلمه، واعتد به إن شاء الله تعالى ".
(1/710)

- 2 -
كتاب الخليفة الناصر لدين الله عن غزوة الخندق
(منقول من السفر الخامس من كتاب " المقتبس " لابن حيان، وهو المخطوط المحفوظ بالخزانة الملكية بالرباط، في حوادث سنة 327 هـ).
قال ابن حيان: وأما لفظ كتاب الفتح الوارد من قبل الناصر لدين الله إلى الحضرة بخبر هذه الغزوة من إنشاء عيسى بن فطيس الكاتب، فإن الفصل الذي رفع فيه خبر هذه الوقعة، وقع كما أثبته هاهنا:
" واستعزم الله أمير المؤمنين ليلته، واستخاره عن رحمته في النهوض إلى مدينة شنت مانكش دار الكفرة ومجمع النصرانية، التي إليها استركن عدو الله، وضاقت الحيل عليهم، ووثقوا بحصانته، ليعلمهم أن كلمة الله هي إظهار دينه، ونصر أوليائه، وإعزاز خلفائه، في مشارق الأرض ومغاربها، ولو كره المشركون، فضم صاحب المقدمة عمال الثغور عندهم وفرسانهم وخيلهم، واكتنف الجمع في مجنبتي العسكر مع من والاهم، وجرد الرجالة من الخيول بأسلحتهم، وصمد لجمع المشركين، فاستقبلهم بنية صادقة، ونفس صابرة، وجموع كثيفة، وكتايب تملأ الفضا، ومغانب تضيق عنها الشعاب، ويصير في سهل الأرض كالآكام، تتألق عليهم سوابغ الدروع، فإذا تداعوا، قلت موج تراكم، وإذا وقفوا فكأنما النقع عليهم ليل مظلم. فلما قربت العساكر من محل الخنازير، ثابوا فيما بينهم، وثاروا إلى خيولهم، وعلوا الشراقين، ينظرون إلى كتايب دين الله، بقلوب قد خلعها الذعر، وقبضهم عن التقدم الوجل، وجعلوا بينهم وبين المسلمين وادي بشررقه، ثقة بوعورته، وقلة مخاوضه، فلم ترعهم إلا مقدمة الجيش وراءه، قد سهل الله عليهم جوازه، وتبعتهم الأثقال، وتحيز أمير المؤمنين كدية سامية، يتطلع منها على عسكر المسلمين، فأمر بالاضطراب فيها للعسكر، وتقدمت الخيول بين يديه، وقد تلاحقت جموع الكفرة، وقدموا صلبانهم، ووثقوا بشيطانهم الذي غرهم. وكان المسلمون على نشطة إلى لقايهم، فلم ينتظر أولهم إلى أن توافي آخرهم، ولا فارسهم أن يقتعد براجلهم، وتخطوا
(1/711)

الرماح إلى السيوف، والطعن إلى الضرب، وكروا في حومة المنايا، كرّ من يحمي حليله، ويخشى بعد ساعة أن تسبى ذريته، فلم ير المسلمون حرباً مثلها، ولا شهدوا يوم وغى أطول من يومهم ذاك. ونصر الله تعالى يهون عليهم ما هم فيه، حتى فضوا جموع المشركين (لوحة 143 أ)، وزلزلوا ردؤهم التي كانت أكاليل الجبال، وردم الشعاب، وضمهم إلى معسكرهم، وأثارت سنابك الخيل من القتام، ما غيب من كان في القلب عمن يليه من يمين الحرب ويسارها.
وكان محمد بن هاشم في وقدتها حاثاً سعيره قد طال به مدامها، واستدارت حوله رحامها، فكبا به فرسه، ولم يعلم أحد بمصرعه، فصار في أيدي الخنازير أسيراً، فاستشفوا به الحياة. بعد اليأس منها، فجالدوا بنفوس قد عاودتها رمقها، وانحاز المسلمون إلى معسكرهم، قد قتلوا من أعلام المشركين وقوامسهم وأهل البأس من فرسان الحرب، ومن صبر لوقع السيف، فكانت مصيبتهم بمن قتل منهم عظيمة، فلما أصبح أمير المؤمنين لمحلته، أمر بحمل من عقر فرسه، وصلة من أغنى في حربه، وتعرض المشركون للحرب تعرض من قد تنخل لعدو قد أصابهم، ونكايته قد فلقت قلوبهم. فلما كان في اليوم الثالث من احتلاله، عهد أمير المؤمنين إلى صاحب العسكر بمصاحبتهم بالحرب، وقد تلاحقت بهم المدود من أقصى بنبلونة وألبة والقلاع، وأهل قشتيلة، إلى مشركي قلمرية، وكل صنف من أصناف العجم معهم، وهتف على المسلمين بالخروج تحت راياتهم، والتأهب للقاء عدوهم، وأغدوا في نهوضهم، ونزل صاحب العسكر، فرتب تعيينهم، فكثف الردوء، وضم إليها الرجال، وألزم القلب بنفسه، وميز فيه خيل الميمنة والميسرة، وقدم إليهم المقاتلة، وأقام بين يديه جملة الخيل عدة، فإذا رأى في جهة من جهات الحرب خللا سده واستدركه، أو فتقاً رتقه، حتى كانت أيدي المسلمين في الماقط عالية، فتلظت الحرب واحتدمت، وكأن المنايا إنما قصدت فيها أعلام الكفرة وقوامسهم، فصرع قومس غرماج، وابن أخي الخنزير ابن فرذلند، وشيخ النصرانية وعميدها ابن دخبر، إلى العدد الجم من فرسانهم، وأهل الصبر منهم، وانجلت الحرب عن هزيمتهم، وانكشاف أجبل قد كانوا علوها، وسدوا بالخيل والرجال ما بينها، وظنوا أن لا غالب لهم، فزلزلوا زلزالا شديداً، وانصرف المسلمون بعد الظفر والسلامة في المنقلب،
(1/712)

فباتوا بأنعم بال، وأسكن حال. فلما ظن أعداء الله أن قد ملوا حربهم، وتجددت لهم مدودهم، رفعوا معسكرهم، وقدموا صلبانهم، وخرجوا بفارسهم وراجلهم فألقوا إلى ما يلي منهم العسكر، سراع خيولهم، فبادر المسلمون إليهم تبادر الأسود الضارة، فغادرو موقفهم، وجالدوا بسيوفهم، حتى انفرج الموقف عن قتل عظيم من عظمائهم، وأعولوا عليه، واستداروا حواليه، وانصرفوا قد أذلهم الله، ووهنهم، وهون عليهم جمعهم، ووفور مددهم، في ضبط المعيشة، وقلة التبسط، ومصابحة الحرب ومماساتها، حتى كأنهم أهل حصن حوصروا فيه، أو فل جيش لا يستطيعون الرجوع إليه. وأقام أمير المؤمنين ومن معه من جيوشه وحشده، وأهل البصاير والحفايظ، وبلغ أمير المؤمنين أقصى أمل من إذلال جميع المشركين، والاحتلال بساحتهم، وانحياز طاغيتهم في أعلى شاهق، يرجو النجاة بنفسه، فأمر بالرحيل وقد ضاعف النظر، والعدو في ضبط ساقة جيشه لما توقع خروج الكفرة في أثره. وأصبح منتقلا، فما أقدم أعداء الله أن ينظروا من الجيش إلا من بعد على رأس جبل، ونهض يطأ بلادهم وطأة متثاقل، حتى انصرف إلى نهر دويرة، واستقبل عمارته من حصن مانكش التي اتصلت بنكاية أهله، فلم يدع في جليقية حصناً إلا هدمه، ولا معاشاً إلا انتسفه، حتى انتهى إلى مدينة روضة، وهي خالية على عروشها، فأقام على هدمها، وهدم حصن دبيلش معها، يومين كانا أطول على أعداء الله من عامين، لما غير فيهما من نعمهم، وهدم من مساكنهم، وقطع من شجرهم. وكان أمير المؤمنين يَرَ التقدم على نهر دويرة إلى شنت إشتيبن وغرماج لنقص الزروع لديه وضيق (143 ب) العلف بإفساده. فرفع إليه من حضره من أهل مدينة الفرج وحصونها، يشكون ما يلقونه من مشركي وادي أبينه، ومعاقلها، وترددوا عليه ضارعين إليه، أن يجعل ممر الجيش المؤيد على حصونهم وعمارتهم، وذكروا أن ذلك أنفع لهم ولأهل الثغور معهم، من الإيغال في بلد المشركين، ونكاية من لا ينالهم بغارة، ولا ينهض إليهم بقوة، فصرف الجيوش عند ذلك إلى وادي أبينه، فلم يدع فيها حصناً إلا هدم، ولا قرية إلا هدمت، ولا معاشاً إلا استقصى جميعه. فلما صار في آخره ولم يبق موضع يقوم الجيش بالتردد عليه، أمر الأدلاء بالكشف عن أفضل الطرق إلى حصن أنتيشه، وأرفقها بالمسلمين في منصرفهم برازح ظهرهم، وأحوط عليهم في
(1/713)

طريقهم، وأجمعوا على قصد حصن قشترب، وأيأسوا من الخروج على غيره، فلما استقبل أمير المؤمنين لامه، وقطع بعض محلته، استقبل شَعْراء لا يتخللها المتفرد بحمده، ولا يتخلص منها المخف، لو لم يكن أحد يعترضه. ثم أشرف على خنادق قفرة ومهاو تتقاذفه، وأجراف منقطعة قد عرفها المشركون وقدموا إليها، وألقوا إلى ساقة الجيش فرسانهم، فدارت عليهم الحرب، وصرع فيها من جلة فرسانهم، ومتقدمي رجالهم جملة، لو أصيبت بحيث يتراء الجمعان لكانت سبب هزيمتهم، ولكنهم وثقوا بالوعد، وانتظروا تقدم الحماة وترادف الأثقال، فحامى أمير المؤمنين برجاله وخاصته عن المسلمين ساعات من النهار، حتى تقدم أكثرهم، وجازت الخندق لقتالهم، إلا من ضعفت دابته، ْأو ضعفت تعبئته عن استنفارها. فلما رأوا الخلل تصايحوا من قنن الجبال، وانحطوا من أعاليها انحطاط الأوعال، فأصابوا من الأمتعة والدواب المثقلة، ما لو أصاروا مثله في مجال حرب أو سهل من الأرض، لما أنكر مثله عند مقارعة الرجال، وتصرف الأحوال. وحامى صاحب العسكر عن كل من أجاز الخندق وخلص من مضايقه، حتى أسهلوا، واجتمع لأمير المؤمنين جيوشه وانتظمت جموعه، وسلم الله رجاله، فلم يصب منهم أحد. وفي ذلك دليل للسامع عن الموقعة أنها لم تدر بغلبة، ولا ظفر المشركون أظفروا به فيها عن مساواة ولا كثرة، ولكن ضيق المسالك، ووعر الطريق، وسوء فهم الدليل، خلى لما جلبه إلى أقدار الله تعالى التي لا تصرف، ومحنه التي لم يزل يمتحن بها أولياءه، ليعظهم، ويبتلي عبيده ليرهبهم، وأمير المؤمنين، شاكر لله تعالى على عظيم نعمه، وواقف على تصرف محنته، مستسهل ما اختص به في حب طاعته، ضارع إلى الله في التقبل لقوله وفعله. وكتابه إليك، وهو قافل بالمسلمين على أحسن أحوالهم، وأسهل طريقهم، وأجمعه بمعايشهم، إن شاء الله. فأمر بقراءة كتاب أمير المؤمنين على الناس قبلك أثر صلاة الجمعة ليشكرو الله على ما أنعم به من نصر إمامهم، وسلامة إخوانهم، والصنيع الذي عمهم، فإنه يحب الشاكرين، ويزيد الحامدين. واعهد نسخه إلى عمال الكور حولك إن شاء الله تعالى، والله المستعان. وكتب يوم الإثنين لثمان خلون من ذي القعدة سنة سبع وعشرين وثلاث ماية ".
(1/714)

ثبت المراجع
1 - مراجع أندلسية وإسلامية عامة
تاريخ ابن خلدون المسمى " كتاب العبر " (بولاق).
تاريخ الكامل لابن الأثير (الطبعة الأهلية 1303 هـ).
تاريخ الطبري المسمى " تاريخ الأمم والملوك " (الطبعة الأهلية).
تاريخ أبي الفدا المسمى " المختصر في أخبار البشر " (الطبعة الأهلية).
فتوح البلدان للبلاذري (القاهرة 1932).
مروج الذهب للمسعودي (بولاق).
نهاية الأرب للنويري (القسم التاريخي ومعظمه ما زال مخطوطاً).
وفيات الأعيان لابن خلكان (بولاق).
كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة (القاهرة 1325 هـ).
كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار لتقي الدين المقريزي (الطبعة الأهلية 1324 هـ).
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي (طبعة دار الكتب).
فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم المصري (طبع لجنة ذكرى جب).
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر للثعالبي (القاهرة 1947).
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري (القاهرة 1302 هـ).
أخبار مجموعة في فتح الأندلس لمؤلف مجهول (مدريد 1867).
تاريخ افتتاح الأندلس لأبي بكر بن القوطية (مدريد 1868).
البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب لابن عذاري المراكشي (الجزء الأول الخاص بإفريقية والثاني الخاص بالأندلس المنشوران بعناية العلامة دوزي (ليدن 1848 - 1849) والثالث المنشور بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال. بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس لابن عميرة الضبي (ضمن المكتبة الأندلسية).
كتاب الصلة لابن بشكوال (ضمن المكتبة الأندلسية، والقاهرة سنة 1955) قضاة قرطبة لأبى عبد الله الخشني المنشور بعناية الأستاذ ربيرا (مدريد 1914).
(1/715)

دولة الإسلام في الأندلس
تأليف: محمَّد عبد الله عِنَانْ

العصر الثاني
دُوَل الطَّوَائِف مُنْذ قيامِهَا حَتّى الفتحْ المرابِطي
__________
الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة
الطبعة: الرابعة، 1417 هـ - 1997 م
(2/1)

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة
1417 هـ = 1997 م
رقم الإيداع: 8988/ 90
الترقيم الدولى: 4 - 082 - 505 - 977
مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر 68 شارع العباسية. القاهرة. ت: 4827851
(2/2)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
الطبعة الأولى
إن عصر الطوائف من بين عصور التاريخ الأندلسي، أكثرها تشعباً وأوفرها تبايناً واضطراباً، لا تكاد تجمع بين وحداته المتناثرة جامعة مشتركة، ولكل وحدة منها ظروفها وسيرتها الخاصة، ومن ثم كانت الإحاطة بأحداث هذا العصر، وتنسيقها وربط حلقاتها، واستخراج خواصها، من أشق المهام التاريخية.
وهذا المجلد من " دولة الإسلام في الأندلس " يتضمن تاريخ هذا العصر المضطرب - عصر الطوائف -، وهو يكون " العصر الثاني " من تاريخ الأندلس. وإنه ليسعدني أن أضعه اليوم بين أيدي القراء، بعد هذه الأعوام العديدة، التي انقضت منذ ظهور العصر الأول. على أن هذه الأعوام لم تذهب بحمد الله سدى، فقد أخرج خلالها العصر الرابع والأخير من " دولة الإسلام في الأندلس " باسم " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين "، ولم يبق علينا لاستكمال هذه الموسوعة من التاريخ الأندلسي إلا أن ننجز العصر الثالث منها، وهو المتضمن " تاريخ الأندلس في عصر المرابطين والموحدين ".
ويشغل عصر الطوائف من تاريخ اسبانيا المسلمة زهاء سبعين أو ثمانين عاماً، منذ انهيار الخلافة الأندلسية، على إثر انهيار الدولة العامرية (سنة 399 هـ - 1009 م) وتفكك الدولة الأندلسية الكبرى، وانقسامها إلى وحدات متعددة، تقوم في كل وحدة منها دولة أو مملكة من ممالك "الطوائف"، تزعم لنفسها الاستقلال والرياسة المطلقة، ولا تربطها بجاراتها أو زميلاتها، أية رابطة، إلا أن تكون المنافسة، أو الحرب الأهلية في سبيل الغنم والتوسع. وهذا البحر الخضم من المنافسات والمنازعات والحروب الأهلية الإنتحارية، هو قوام عصر الطوائف.
وقد مضينا في تتبع أحداث هذه الحقبة المؤلمة من تاريخ الأندلس، حتى مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة، استجابة لصريخ الطوائف، ونصرة للأندلس، وإنقاذاً لها من خطر الفناء الداهم، الذي لاح لها قوياً منذراً، ولاسيما بعد سقوط
(2/3)

طليطلة في أيدي النصارى، ثم تحول حملات الإنقاذ المرابطية بعد ذلك إلى حملات غازية، واستيلاء المرابطين على الأندلس تباعاً، وضمها إلى الإمبراطورية المغربية الكبرى، وذلك فيما بين سنتي 483 - 502 هـ (1090 - 1108 م).
وقد راعينا في كتابة تاريخ هذا العصر، أن نتناول ممالك الطوائف، كل على حدتها، وأن نستكمل سيرتها منذ قيامها حتى مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة، ثم سقوطها في أيديهم، ورأينا أن هذه الطريقة تحقق من الدقة والوضوح والاستيعاب، ما لا يحققه الأسلوب المشترك، الذي سار على نهجه بعض الكتاب الغربيين.
وقد اقتضت هذه الطريقة، في بعض الأحيان، شيئاً من التكرار، في هذا الفصل أو ذاك، ولكنه تكرار بسيط وغير ممل، فضلا عن ضرورته لاستكمال السياق.
وأود أن أذكر هنا أنني قد زرت سائر قواعد الطوائف ومدنها، خلال رحلاتي المتوالية في شبه الجزيرة الإسبانية، ودرست مواقعها وخواصها ومواصلاتها.
وقد كان لهذه الدراسة الإقليمية، أكبر الأثر في تيسير فهم طبيعة الحروب الأهلية التي كانت تقوم بين ممالك الطوائف، ودوافعها الجغرافية، وتحديد مواقعها، وكذلك في تيسير مهمة الكتابة عنها، واستيعاب بواعثها وتفاصيلها.
وقد رجعت في كتابة هذا القسم من تاريخ الأندلس إلى مادة غزيرة منوعة.
ومن حسن الحظ أن قد انتهت إلينا من كتابات المعاصرين عدة آثار هامة، في مقدمتها تاريخ ابن حيان معاصر فتنة الطوائف ومؤرخها قبل كل شىء؛ وإذا لم يكن هذا التاريخ قد وصل إلينا كله بالذات، فإن ما نقل إلينا منه عن طريق الكتاب اللاحقين، ولاسيما ابن بسام وابن عذاري يحمل إلينا منه مادة قيمة. وكذلك الفيلسوف ابن حزم، وهو مثل ابن حيان معاصر للفتنة، ومتتبع لأدوارها، ودارس لظواهرها وتطوراتها، وقد انتهت إلينا منه نبذ تاريخية، وملاحظات نقدية عديدة عن خواص عصر الطوائف، تمتاز بدقتها وعميق نظراتها. ويلحق بهذين الكاتبين المعاصرين اثنان آخران عاشا في أواخر عصر الطوائف، وشهدا خواتيمه، هما ابن بسام الشنتريني، والفتح بن خاقان. ويقدم لنا ابن بسام في مؤلفه الجامع "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"، فضلا عما ينقله إلينا من الشذور التاريخية العديدة عن ابن حيان وغيره، وما يقدمه إلينا من نبذ تاريخية بقلمه، أروع صور لتاريخ عصر الطوائف الأدبي والاجتماعي، ومجموعة حافلة
(2/4)

من تراجم أمرائه وأعيانه ووزرائه وكتابه وشعرائه، ومختارات عديدة من رسائلهم، ومنثورهم ومنظومهم. وقد كان كتاب "الذخيرة" سواء بما نشر منه، أو بأجزائه المخطوطة، من أقيم مصادرنا وأغزرها، ولا سيما قسمه الثالث، وهو المتعلق "بالجانب الشرقي من جزيرة الأندلس". قد رجعنا في هذا القسم - وهو ما يزال مخطوطاً - إلى نسخته المحفوظة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة جاينجوس). أما الفتح بن خاقان، فيقدم لنا في كتابه "قلائد العقيان" تراجم طائفة كبيرة من أمراء عصر الطوائف ووزرائه وفقهائه، وهو يقدمها إلينا في أسلوب مسجع متكلف، بيد أنه ينطوي من آن لآخر، على بعض المعلومات والحقائق التاريخية؛ كما يقدم إلينا في كتابه "المطمح" بعض تراجم أخرى من تراجم رجالات الطوائف.
ونكتفي فيما يتعلق بالمصادر، بهذه الإشارة إلى المصادر المعاصرة. وأما المصادر العديدة الأخرى، التي رجعنا إليها، من عربية وأجنبية، ومن مخطوطة ومطبوعة، فقد سجلناها في أماكنها، ثم أثبتناها مجتمعة في نهاية الكتاب. ونود أن نشير بهذه المناسبة إلى أنه قد أتيح لنا خلال بحوثنا بمكتبة الإسكوريال، أن نراجع بعض المصادر المخطوطة، وفي مقدمتها كتاب الحلة السيراء لابن الأبار، وقد راجعنا فيه سائر التراجم المخطوطة التي حذفها دوزي من النسخة المطبوعة، وضمنها مصنفه عن بني عباد Historia Abbadidarum، كما أتيح لنا أن نقف على بعض النصوص والوئائق الهامة، وذلك بالأخص في مجموعتين مخطوطتين، تحمل أولاهما رقم 488 الغزيري، وهي مجموعة ناقصة من أولها وليس لها عنوان معين، والثانية رقم 538 الغزيري وعنوانها "مجموعة رسائل تاريخية وأدبية".
وقد انتفعنا بالأخص في المجموعة الأولى بعدة رسائل مرابطية هامة وردت بها، وفي مقدمتها رسالة يوسف بن تاشفين عن موقعة الزلاّقة، وكذلك بعض رسائل أخرى تتعلق بالطوائف، وبها تصحيحات لبعض الوقائع والحوادث التاريخية.
وقد أثبتنا بعض هذه الرسائل في نهاية الكتاب في باب الوثائق.
وقد عنيت وفقاً لما سرت عليه في العصر الأول من " دولة الإسلام في الأندلس " بكتابة تاريخ اسبانيا النصرانية، خصوصاً وقد اجتازت في عصر الطوائف، عدة تطورات هامة، وشغلت مركز الصدارة والغلبة، وبدأت تنفذ
(2/5)

سياسة " الإسترداد " La Reconquista بقوة، ولاسيما بعد استيلائها على مدينة طليطلة. أولى القواعد الأندلسية العظيمة الذاهبة.
كما عنيت بأن أثبت بعض الخرائط التاريخية الموضحة للتطورات الجغرافية، التي جازتها شبه الجزيرة الإسبانية في عصر الطوائف، وخريطة للإمبراطورية المرابطية الكبرى بعد افتتاح الأندلس.
وإني لأرجو وأنا أقدم إلى قراء العربية هذا العصر الجديد من " دولة الإسلام في الأندلس ". أن يتاح لى أن أنجز بعون الله في المستقبل القريب. عصره الثالث، وهو عصر المرابطين والموحدين، وبذلك تكمل هذه الموسوعة التاريخية الأندلسية بسائر عصورها (1).
القاهرة في ربيع الأول سنة 1380
الموافق سبتمبر سنة 1960
محمد عبد الله عنان
_______
(1) وقد ظهر كتاب " عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس " بالفعل في مجلدين كبيرين (سنة 1965)، وبذلك تمت الموسوعة الأندلسية بسائر عصورها.
(2/6)

تصدير
مضت عدة أعوام منذ صدرت الطبعة الأولى من كتاب "دول الطوائف" في سنة 1960 متضمناً للعصر الثاني من "دولة الإسلام في الأندلس"، وشغلت خلال هذه الأعوام بإخراج العصر الثالث من هذه السلسلة، وهو "عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس" وتمت بظهوره بحمد الله وعونه، موسوعة الأندلس بعصورها الأربعة.
واليوم نقدم الطبعة الثانية من "دول الطوائف". وبالرغم من أننا كنا قد استوفينا في الطبعة الأولى، سائر ما قصدنا إليه من استيعاب تاريخ هذه الدويلات الأندلسية، استيعاباً مفصلا ودقيقاً، فإنه عرضت لنا، خلال الأعوام الأخيرة طائفة من التعديلات والإضافات رأيناها جديرة بالتدوين، ومعظمها مستقى من المصادر المخطوطة. وقد تمت هذه الإضافات بالأخص بالنسبة للفصل الثالث من الكتاب الثالث المتعلق بتاريخ مملكة دانية والجزائر، وبالنسبة للفصل المتعلق بخواص الطوائف السياسية والاجتماعية والحضارية (الخاتمة). وقد ألحقنا بباب الوثائق وثيقة جديدة هامة، هي رسالة أبي عامر بن غرسية الشهيرة في تفضيل العجم على العرب، وذلك بعد أن ناقشنا محتوياتها، وأوردنا طائفة من الآراء والتعليقات الخاصة بها، وذلك في موضعها عند الكلام على تاريخ مملكة دانية.
وفي اعتقادنا أن الكتاب بصورته الجديدة، وبما أدخل عليه من الزيادات، يلقي أضواء جديدة على تاريخ دول الطوائف، وتاريخ رجالات هذا العصر وأحواله، وكل ضوء يلقي على تاريخ هذا العصر، يمهد لنا السبيل لدراسة العصر اللاحق، وهو عصر الفتح المرابطي والرياسة المرابطية للأندلس.
وقد علمت خلال قيامي بإعداد هذه الطبعة، من صديقي العلامة المستشرق الإسباني الكبير الأستاذ أمبروسيو هويثي ميرانده، أنه يعتزم أن يترجم هذا الكتاب
(2/7)

إلى اللغة الإسبانية؛ ليتيح للباحثين الإسبان فرصة الاطلاع بلغتهم على النصوص والمصادر العربية، وعلى وجهات النظر الأخرى. لكي تتسم بحوثهم في هذا الميدان بالانصاف وسعة الأفق.
واني لأرجو لصديقي العلامة الكبير التوفيق في مهمته الجليلة. كما أرجو أن يجد القراء في هذه الطبعة الجديدة، مزيداً من الضوء على تاريخ الطوائف وأحوال دولهم وعصرهم.
القاهرة في رجب سنة 1389
الموافق سبتمبر سنة 1969
محمد عبد الله عنان
(2/8)

صفحتان من القسم الثالث من كتاب الذخيرة لابن بسام المخطوطة المحفوظة بمكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة جاينجوس)
(2/9)

صفحتان من رسالة ابن غرسية الموجودة بالمخطوط رقم 538 الغزيري المحفوظ بمكتبة الإسكوريال
(2/10)

تمهيد
نذر الانحلال والتفكك
- 1 -
في فترة قصيرة لا تتجاوز نصف القرن، تقلبت الأندلس بين مرحلتين متباينتين كل التباين. فهي في منتصف القرن الرابع الهجري وحتى أواخر هذا القرن، تبلغ ذروة القوة والتماسك، في ظل رجال عظام مثل عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر، والحاجب المنصور؛ ثم هي منذ أوائل القرن الخامس، تنحدر فجأة إلى معترك لا مثيل له، من الاضطراب والفتنة والحرب الأهلية المدمرة، لتخرج من هذه الغمار بعد فترة قصيرة، أشلاء لا تربطها أية رابطة مشتركة.
وإنه لمنظر مروع مؤس معاً، ذلك الذي تقدمه إلينا الأندلس في تلك الفترة العصيبة من تاريخها، منظر القواعد والمدن الأندلسية، التي كانت من قبل تلتئم في عقد منتظم واسطته مدينة قرطبة العظيمة، وتسطع في ظل حكومة الخلافة القوية، وتلتف حول عرش الخلفاء المؤثل، وهي تغدو حبات متفرقة منفردة حائرة، تقوم في كل منها حكومة محلية هزيلة، على رأسها متغلب من أهل العصبية أو الرياسة، يسيطر على أقدارها لحساب نفسه. ثم هي بعد ذلك كله، تخوض غمار سلسلة لا نهاية لها من الفتن والحروب الأهلية الصغيرة، وتنسى في خلال هذه الفترة الخطيرة المؤسية من حياتها أو تتناسى، قضية الأندلس الكبرى، قضية الحياة والموت، أو بعبارة أخرى قضية الصراع ضد العدو الخالد - أعني اسبانيا النصرانية -.
بيد أن انتثار شمل الأندلس على هذا النحو لم يكن سوى نتيجة طبيعية للعوامل السياسية والاجتماعية التي توالت في الحقبة السابقة. بل نستطيع أن نرجع هذه العوامل إلى بداية قيام الدولة الأموية ذاتها، أعني إلى عهد عبد الرحمن الداخل.
فقد رأينا هذا الزعيم القوي, بعد أن استولى على تراث الأندلس، واستتب له الأمر، يعمل بكل ما وسع للاستئثار بالسلطة، وإخماد النزعة القبلية، وتحطيم الزعامات والرياسات العربية المحلية. وقد حذا خلفاؤه من أمراء بني أمية حذوه
(2/11)

في تتبع العصبية العربية والقضاء عليها. وقد بلغ هذا الصراع بين السلطة المركزية، وبين المنتزين عليها، ذروته في أواخر القرن الثالث الهجري، إبان اضطرام الفتنة الكبرى، وتفاقم ثورة المولدين والعرب، في عهد الأمير عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن (275 - 300 هـ)، حينما اندلع لهيب الثورة، في كل ناحية من نواحي الأندلس، وظهر الزعماء العرب والبربر في معظم النواحي، واستقلت معظم الكور والمدن الكبيرة عن قرطبة. وقد استطاع عبد الله أن يخمد الثورة في كثير من النواحي، وأن ينقذ سلطان بني أمية من الخطر الداهم، ثم جاء من بعده عبد الرحمن الناصر، فأتم المهمة، وقضى على جذور الفتنة من أساسها، وعمل على تدعيم سلطانه بكل الوسائل، فاشتد في مطاردة القبائل والأسر العربية ذات البأس والعصبية، وقضى على رياستها وزعامتها المحلية، ومال إلى اصطناع الموالي والصقالبة، وأولاهم النفوذ والثقة، فاستأثروا في عهده بأرفع المناصب في القصر وفي الحكومة والجيش، وكان من جراء ذلك أن انصرفت القبائل العربية عن الولاء له، وكان تخاذلها في نصرته يوم موقعة الخندق الشهيرة (327 هـ)، يرجع من وجوه كثيرة، إلى سخط الزعماء العرب لسياسته، في إذلالهم وسحق نفوذهم ومكانتهم.
ولم يحد المنصور بن أبي عامر، حين استولى على السلطان، عن هذه السياسة في تدعيم الحكومة المركزية، وسحق كل سلطة محلية. وبالرغم من أنه ينتمي إلى بيت من أكرم البيوتات العربية، فإنه عمل على سحق العصبية العربية، وعمل في نفس الوقت على سحق عصبية الفتيان الصقالبة، ولم يستبق منهم إلا أقلية مخلصة. وآثر أن يعتمد في الجملة على ولاء البربر، فكان منهم معظم قادة الجيش، وكان منهم خلفاء المنصور وعماله في المغرب. وفضلا عن ذلك فقد كان من جراء نظام الطغيان المطلق الذي فرضه المنصور على الأندلس، قرابة ثلاثين عاماً، أن توارت معظم الزعامات والعناصر النابهة في المجتمع الأندلسي من الميدان، ولكنها لبثت في مكانها وعزلتها، ترقب فرص الظهور والعمل.
ومن جهة أخرى فقد كان هذا النظام المطلق، الذي فرضه المنصور على الأمة الأندلسية، يخفي في ثنياته كثيراً من عوامل الهدم والانتقاض. فقد كانت سائر العناصر التي تعاونت في إقامته وتدعيمه، يتربص بعضها ببعض، ويخشى كل منها على مركزه وسلطانه. وكانت ثمة معارك خفية تجري بين البربر
(2/12)

وخصومهم من الصقالبة، في القصر وفي الحكومة. وكان بنو أمية يميلون إلى الصقالبة مواليهم القدماء، ويكرهون البربر، إذ كانوا سنداً للمنصور في استلاب سلطانهم، وكانت البطون العربية تكره هؤلاء وهؤلاء، ولكنها ترى في البربر خصمها الأساسي، وهو من آثار الخصومة القديمة، التي لبثت تضطرم بين العنصرين منذ عصر الفتح.
وهكذا اجتمعت هذه العوامل لتحدث أثرها في الوقت الملائم، واجتمعت في ظلها العناصر الناقمة من سائر الطبقات. فلما وقع الانفجار، وانهارت دعائم الطغيان العامري، ظهرت في ميدان النضال ثلاث قوى: بنو أمية يلتفون حول علم خلافتهم وتراث بيتهم المغصوب. وطوائف البربر تحاول الاحتفاظ برياستها وامتيازاتها. والأسر العربية التي اضطهدت وأبعدت عن الميدان، تحاول استرداد مكانتها وزعامتها القديمة. وظهرت إلى جانب هذه القوى الثلاث، طائفة أقل شأناً، ولكنها استطاعت أن تنتزع نصيبها من أسلاب السلطة، وهي طائفة الفتيان الصقالبة أو الفتيان العامريين.
ولم يصمد بنو أمية في ميدان النضال طويلا. ذلك أنه لم تكن لهم، بعد العوامل الأدبية، التي جمعت بعض طوائف الشعب تحت لوائهم، قوة مادية يعتد بها، ومن ثم فإنه لم تمض بضعة أعوام (399 - 407 هـ) تولى الخلافة خلالها محمد ابن هشام المهدي، فسليمان المستعين، فهشام المؤيد، ثم سليمان للمرة الثانية، حتى استطاع بنو حمود البربر أن ينتزعوا الخلافة، وأن يتزعموا حكومة قرطبة لفترة قصيرة. ثم تطورت الحوادث بسرعة، وعاد بنو أمية فاستردوا الخلافة، وحكموا في قرطبة عدة أعوام أخرى (414 - 422 هـ)، وتولى الخلافة منهم المرتضى. فالمستظهر. فالمستكفي بالله. فهشام المعتد بالله، وهو آخرهم. وبخلعه في أواخر سنة 422 هـ (1031 م) تختتم الدولة الأموية رياستها في الأندلس بصورة نهائية، بعد أن دامت منذ قيام عبد الرحمن الداخل في سنة 138 هـ (756 م) مائتين وأربعة وثمانين عاماً.
وهكذا اختفت القوة الأولى - أعني بني أمية - من ميدان النضال بسرعة، وقد كان واضحاً منذ البداية، أنها لم تكن قوة ذات شأن، ولم تكن سوى رمز تحيط به هالة باهتة من الجلال القديم، ومن الاعتبارات الشرعية والأدبية.
ولم تحقق ظفرها القصير المضطرب، إلا بالاعتماد على قوى وعناصر أخرى، ذات
(2/13)

ولاء مريب قلَّب. وتركت بعد اختفائها من الميَدان القوتين الأخريين، وهما البربر والعصبية العربية، وجهاً لوجه.
واستطاع البربر بزعامة بني حمود، أن يسيطروا زهاء ثلث قرن، على المثلث الجنوبي في شبه الجزيرة الإسبانية، وأن يقيموا لهم ملكاً وخلافة، آناً بقرطبة وإشبيلية، ثم بمالقة والجزيرة. وكانت إمارة باديس بن حبوس الصنهاجي بغرناطة، تحمي الجناح الشمالي الغربي، لتلك الخلافة البربرية، فلما انتهت دولة بني حمود سنة 449 هـ (1057 م) كان البربر أثناء ذلك، وبعد أن خسروا معركة قرطبة، قد بسطوا سلطانهم على معظم القواعد الواقعة جنوبي نهر الوادي الكبير، وامتداده لنهر شنيل، مثل قرمونة وإستجة ومورور، وأركش، ورندة، ومالقة، وأن ينتزعوا الرياسة في نفس الوقت، في بعض المناطق الشرقية والغربية الشمالية، على نحو ما نفصل بعد.
وأسفر النضال بين هذه القوى الخصيمة، بعد فوز البربر برياسة المناطق التي سبق ذكرها، عن فوز الأسر العربية، بمعظم القواعد الأندلسية الكبرى، مثل قرطبة وإشبيلية وسرقسطة وبلنسية ومرسية وألمرية. واستطاع الفتيان العامريون أن يبسطوا سلطانهم على معظم المناطق الشرقية وعلى ألمرية لفترة قصيرة.
- 2 -
وأضحت الأندلس في أواخر النصف الأول من القرن الخامس الهجري، تقدم إلينا ذلك المنظر المدهش الذي أشرنا إليه فيما تقدم: منظر الصرح الشامخ، الذي انهارت أسسه، وتصدع بنيانه، وقد اقتصت أطرافها، وتناثرت أشلاؤها، وتعددت الرياسات في أنحائها، لا تربطها رابطة، ولا تجمع كلمتها مصلحة مشتركة؛ لكن تفرق بينها بالعكس، منافسات وأطماع شخصية وضيعة، وتضطرم بينها حروب أهلية صغيرة، والأندلس خلال ذلك كله تفقد مواردها وقواها القديمة تباعاً، ويحدق بها خطر الفناء من كل صوب.
هذه الدول الصغيرة، المتخاصمة المتنابذة، التي قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الكبرى، تعرف بدول الطوائف، ويعرف رؤساؤها بملوك الطوائف وهم ما بين وزير سابق، وقائد من ذوي النفوذ والصحب، وحاكم لإحدى المدن، وشيخ للقضاء، وزعيم من ذوي المال والحسب. وقد ظهروا جميعاً إبان
(2/14)

الفتنة، وبسط كل سلطانه، على ما أتيح له من المدن والأراضي، وأخذ يعمل على تدعيم ذلك السلطان وتوسيعه، وتأسيس الملك لبنيه.
وليس أبلغ تعبيراً في وصف حال الأندلس عقب الفتنة وقيام دول الطوائف من تلك النبذة التي يقدمها إلينا ابن الخطيب حين يقول:
وذهب أهل الأندلس من الانشقاق والانشعاب والافتراق، إلى حيث لم
يذهب كثير من أهل الأقطار، مع امتيازها بالمحل القريب، والخطة المجاورة لعبّاد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة إرث، ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب. اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار، وجبوا العمالات والأمصار، وجندوا الجنود، وقدموا القضاة، وانتحلوا الألقاب، وكتبت عنهم الكتاب الأعلام، وأنشدهم الشعراء، ودونت بأسمائهم الدواوين، وشهدت بوجوب حقهم الشهود، ووقفت بأبوابهم العلماء، وتوسلت إليهم الفضلاء، وهم ما بين محبوب، وبربري مجلوب، ومجند غير محبوب، وغفل ليس في السراة بمحسوب، ما منهم من يرضى أن يسمى ثائراً، ولا لحزب الحق مغايراً، وقصارى أحدهم يقول: "أقيم على ما بيدي، حتى يتعين من يستحق الخروج به إليه"، ولو جاءه عمر بن عبد العزيز لم يقبل عليه، ولا لقي خيراً لديه. ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا وأعماراً، وخلفوا آثاراً، وإن كانوا لم يبالوا اغترارا، من معتمد ومعتضد ومرتضى وموفق ومستكف ومستظهر ومستعين ومنصور وناصر ومتوكل، كما قال الشاعر:
مما يزهدني في أرض أندلس ... ألقاب معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صَوْرَة الأسد (1)
وما أشار به ابن حيان، معاصر الفتنة التي أسفرت عن قيام دولهم ومؤرخها.
إلى تلك الفتنة، وإلى هاته الدول بأسلوبه القوي اللاذع، إذ يقول في مقدمة تاريخه الكبير:
" فركبت سنن من تقدمني، فيما جمعت من أخبار ملوك هذه الفتنة البربرية، ونظمته وكشفت عنه، وأوعيت فيه ذكر دولهم المضطربة، وسياستهم المنفرة،
_______
(1) أعمال الأعلام (طبع بيروت) ص 144. وقائل هذين البيتين هو أبو الحسن بن رشيق القيرواني. وتروي الشطرة الثانية من البيت الأول بصورة أخرى هي: " أسماء مقتدر فيها ومعتضد " (المعجب للمراكشي ص 4).
(2/15)

وأسباب كبار الأمراء المنتزين في البلاد عليهم، وسبب انتقاض دولهم، حال فحال بأيديهم، ومشهور سيرتهم وأخبارهم، وما جرى في مددهم وأعصارهم، من الحروب والطوائل، والوقائع والملاحم، إلى ذكر مقاتل الأعلام والفرسان، ووفاة العلماء والأشراف، حسب ما انتهت إليه معرفتي ونالته طاقتي " (1).
ونستطيع القول بأن تمزق الأندلس على هذا النحو، كان ضربة، لم تنهض الأندلس من آثارها قط، بل كان بداية عهد الانحلال الطويل الذي لبثت تتقلب فيه بعد ذلك زهاء أربعة قرون أخرى. وبالرغم من أن عهد الطوائف الحقيقي لم يطل أكثر من سبعين عاماً، وبالرغم من أن الأندلس، قد التأم شملها بعد ذلك في ظل المرابطين ثم الموحدين من بعدهم، وبالرغم من أنها استطاعت أن تسترد تفوقها العسكري القديم في شبه الجزيرة الإسبانية في فترات قصيرة: بالرغم من ذلك كله، فإن الأندلس لم تستطع أن تسترد وحدتها الإقليمية القديمة، ولا تماسكها القديم قط، بل لبثت بالعكس، خلال صراعها الطويل مع اسبانيا النصرانية، تفقد قواها ومواردها تباعاً، وتنكمش رقعتها الإقليمية تدريجياً. حتى إذا كان منتصف القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، رأينا رقعة الوطن الأندلسي، ترتد إلى ما وراء نهر الوادي الكبير، وتنحصر في مملكة غرناطة الصغيرة، ورأينا قواعد الأندلس القديمة الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وسرقسطة وبلنسية ومرسية وغيرها، تغدو مدناً إسبانية نصرانية، ويغدو ميزان القوى في شبه الجزيرة الإسبانية بيد مملكة قشتالة الكبرى.
- 3 -
والواقع أن تاريخ الطوائف، يبدأ منذ سقوط الدولة العامرية، في نهاية المائة الرابعة. ذلك أن قيام الخلافة الأموية، خلال الفترة القصيرة التي عاشتها في أعقاب الفتنة، لم يكن سوى حادثاً محلياً، ولم يتعد أثره الفعلي قرطبة وأرباضها.
وقد رأينا كيف استطاعت الدولة الحمُّودية، أن تقيم سلطانها في نفس الوقت في قرطبة وإشبيلية ثم مالقة والجزيرة، وكيف قامت كذلك دولة بني مناد البربرية في غرناطة، وسيطرت عناصر أخرى من البربر، في معظم القواعد الأندلسية الواقعة جنوبي الوادي الكبير. وإلى جانب هذه الدول البربرية، التي قامت منذ أوائل المائة
_______
(1) نقله ابن بسام في الذخيرة (القسم الأول - المجلد الثاني ص 88).
(2/16)

الخامسة، كانت ثمة دول أو دويلات عديدة أخرى، تتكون تباعاً في معظم قواعد الأندلس الأخرى الشرقية والغربية والوسطى، في الوقت الذي كانت تقوم فيه خلافة قرطبة، بيد أنها لم تنزع ولاءها الرسمي للحكومة المركزية، ولم تتخذ طابعاً واضحاً من الاستقلال المحلي، إلا بعد سقوط الخلافة النهائي.
ونحن إذا ألقينا نظرة على الخريطة، ألفينا رقعة الوطن الأندلسي الكبرى، وقد انقسمت عقب الفتنة من الناحية الإقليمية إلى ست مناطق رئيسية: الأولى منطقة العاصمة القديمة قرطبة وما إليها من المدن والأراضي الوسطى، والثانية منطقة طليطلة أو الثغر الأوسط، والثالثة إشبيلية وغربي الأندلس وما إليها من الأراضي حتى المحيط الأطلنطي، والرابعة غرناطة وريُّه والفرنتيرة، والخامسة منطقة شرقي الأندلس أو منطقة بلنسية وما إليها شمالاً وجنوباً، والسادسة منطقة سرقسطة والثغر الأعلى. وهذا كله إلى عدد كبير من المدن والقواعد الأندلسية التي استقلت بنفسها، واعتبرت إمارات قائمة بذاتها داخل منطقة، أو أخرى، ثم اختفت تباعاً بالانضمام أو الخضوع إلى إحدى الإمارات الأخرى.
وهكذا نجد أن كل منطقة من المناطق المشار إليها، تضم من الناحية الإقليمية إمارة أو أكثر من إمارات الطوائف، وتختلف من حيث الرقعة، والأهمية السياسية، والعسكرية، والاجتماعية.
وإذا لم تكن قرطبة، من حيث رقعتها الإقليمية، ومواردها الاقتصادية والعسكرية، أهم دول الطوائف، فقد كانت من الناحية الأدبية بين دول الطوائف ذات أهمية خاصة، نظراً إلى كونها كانت مقر الخلافة، وقاعدة الحكومة المركزية، وفي وسعها من الناحية الأدبية أيضاً، أن تدعى الولاية - الاسمية على الأقل - على باقي الإمارات والمدن الأندلسية الأخرى، وهو ما ادعته حكومة قرطبة المحلية بالفعل. ومن ثم فقد رأينا لهذه الاعتبارات الأدبية والتاريخية، أن نبدأ الحديث عن دول الطوائف بالكلام عن إمارة قرطبة.
(2/17)

الكِتابُ الأوّل
قرطبة ودول الطوائفْ في الأندلس الغربية والوسطى
(2/19)

الفصل الأوّل
دولة بني جهور في قرطبة
نهاية الخلافة الأموية، أبو الحزم بن جهور واختياره لرياسة الحكومة. نشأته ونباهة بيته. ولايته قرطبة. حكومة الجماعة. أوضاعها ورسومها. مثيلاتها في الجمهوريات الإيطالية، سياسة ابن جهور وإجراءاته الإدارية والمالية. موقفه من أسطورة ظُهور هشام المؤيد. وفاته وقيام ولده أبي الوليد مكانه. وزراؤه. ابن حيان وابن زيدون. محنة ابن زيدون وفراره. ابن السقاء يتولى الأمور. مصرعه. الخلاف بين عبد الملك وعبد الرحمن ولدى أبي الوليد. المأمون بن ذى النون يحاول غزو قرطبة. استنصار عبد الملك بابن عباد. غدر ابن عباد واستيلاء جنده على المدينة. نهاية الدولة الجهورية. موقف المؤرخ ابن حيان وتعليق ابن بسام عليه.
تحدثنا فيما تقدم، في الفصل الثاني من الكتاب الرابع من " دولة الإسلام في الأندلس "، عما حدث من تقلب خلافة قرطبة بين أعقاب بني أمية، وبين المتغلبين من بني حمود، وكيف أنه عندما غادر علي بن حمود قرطبة في المحرم سنة 417 هـ إلى مالقة، ثار القرطبيون وفتكوا بالحامية البربرية، وأجمعوا على رد الأمر لبني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جَهْور بن محمد بن جهور.
وفي ظل هذا التحول، بويع بالخلافة هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر (ربيع الأول 418 هـ)، وتلقب بالمعتد بالله، وقدم من منفاه في ألبونت إلى قرطبة في أواخر سنة 420 هـ، ولبث في الخلافة زهاء عامين، أساء فيهما السيرة حتى سخط عليه أهل قرطبة وقرروا خلعه، فغادر المدينة ناجياً بنفسه وولده (ذو القعدة 422 هـ). وأجمع القرطبيون بعد فشل هذه التجربة الأخيرة، على إلغاء الخلافة والتخلص نهائياً من بني أمية، وإجلائهم جميعاً عن المدينة، وكان عميدهم ورائدهم في ذلك هو أيضاً أبو الحزم بن جهور، وكان هذا الوزير القوي النابه، يستأثر نظراً لماضيه التالد، ورفيع مكانته، ووفرة حزمه ونضجه، بمحبة الشعب وثقته وتأييده.
وغدت قرطبة على أثر ذلك دون خلافة ودون حكومة. وكانت الأنظار كلها تتطلع إلى ذلك الزعيم، الذي عاون غير مرة برأيه وحسن تدبيره، في
(2/20)

مواجهة الأزمات وصون المدينة من شر الدمار والفوضى، ليتولى الحكم وتدبير الأمور في تلك الآونة العصيبة. وهكذا اختير ابن جهور، بإجماع الرأي، للاضطلاع بتلك المهمة الدقيقة.
وينتمي ابن جهور إلى بيت من أعرق بيوتات الموالي الأندلسية. وهو أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن أحمد بن محمد، وكان جدهم الداخل إلى الأندلس، يوسف بن بخت بن أبي عبدة الفارسي، مولى عبد الملك بن مروان.
دخل في كنف الطالعة البلجية، وكان من أنصار عبد الرحمن الداخل، ثم ولاه عبد الرحمن حجابته، ثم تولى القيادة في عهد ولده هشام. وتولى أبناؤه بعد ذلك مناصب الوزارة والقيادة تباعاً في ظل أمراء بني أمية وخلفائهم. فتولى حفيده عبد الملك بن جهور الوزارة للأمير عبد الله بن محمد، ثم كان من وزراء الناصر لدين الله. وتولى ولده جهور بن عبد الملك البختي أيضاً الوزارة في عهد الناصر.
ووليها كذلك في أواخر عهد الناصر، ولداه مروان بن جهور بن عبد الملك، ومحمد بن جهور بن عبد الملك. ومحمد هذا، هو أبو الوليد، هو والد أبي الحزم جهور، وقد تولى الوزارة أيضاً، في عهد المنصور بن أبي عامر. ثم تولى ولده أبو الحزم جهور الكتابة لعبد الرحمن المنصور في نهاية المائة الرابعة، حتى كانت الفتنة وانهيار الدولة العامرية، عاصر الحوادث والانقلابات العاصفة، التي شهدتها عاصمة الخلافة من ذلك الحين. وتولى خلال ذلك الوزارة لعلي بن حمود مؤسس الدولة الحمودية. وقد نقم عليه واعتقله وصادر أمواله. ولما ثار أهل قرطبة بعد ذلك ببني حمود وأنصارهم من البربر، كان عميدهم في ذلك حسبما تقدم هو أبو الحزم جهور. وكان جهور خلال ذلك كله يتمتع بمكانة بارزة في الزعامة الشعبية، حتى غدا في نهاية الأمر "شيخ الجماعة"، وزعيم المدينة الحقيقي. وكان كثيراً ما يؤثر برأيه في تطور الشئون والأحوال، في تلك الأعوام الأخيرة، التي كانت تحتضر فيها خلافة قرطبة، وتسير سراعاً إلى نهايتها المحتومة.
وألفى جهور نفسه، بعد أن أجمع الشعب على اختياره، رئيساً لحكومة قرطبة الجديدة. وكانت هذه الحكومة التي قامت على أنقاض الخلافة الأموية، تبسط سلطانها على رقعة متوسطة من الأندلس، تمتد شمالا حتى جبل الشارّات (سيرا مورينا)، وشرقاً حتى منابع نهر الوادي الكبير. وغرباً حتى قرب إستجة
(2/21)

وجنوباً حتى حدود ولاية غرناطة، وتشمل من المدن عدا قرطبة، جيان وأبَّدَة وبيّاسة والمدور وأرجونة وأندوجر.
بيد أن جهور كان رئيس حكومة من نوع خاص، فإنه لم ينفرد بالرياسة ولم يستأثر بتدبير الأمور والبت فيها، ولكنه جمع حوله صفوة الزعماء والقادة، يتحدث باسمهم، أو باسم "الجماعة"، ويرجع إليهم في الأمور، ويصدر القرارات باسمهم؛ فإذا طُلب منه مال أو مضاء أمر من الأمور، قال ليس لي عطاء ولا منع إنما هو "للجماعة"، وأنا أمينهم، وإذا رابه أمر عظيم، أو اعتزم تدبير مسألة كبيرة، استدعاهم وشاورهم، وإذا خوطب بكتاب، لا ينظر فيه إلا أن يكون باسم الوزراء وهكذا كان جهور يتحدث في كل أمر، ويمضي كل أمر لا باسمه، ولكن باسم الجماعة. وقرن جهور ذلك كله بإجراء بارع آخر، هو أنه لم يفارق رسم الوزارة ولم ينتقل من داره إلى قصور الخلفاء، واكتفى بأن رتب عليها الحجاب والحشم، على ما كانت عليه أيام الخلافة، وجعل نفسه ممسكاً للوضع إلى أن يجىء مستحق يتفق عليه فيسلم إليه، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك وهو المشرف عليه (1)، ولم يتخذ أي عنوان أو إجراء يبرز رياسته، أو يحيط نفسه بأي مظهر من مظاهر الأبهة والفخامة، بل لبث على سابق رسمه، من الانزواء والتواضع، والقناعة وخفض الجناح، ومعاملة الجميع بالرفق والحسنى.
وقد عُرفت هذه الحكومة الفريدة في صحف التاريخ الإسلامي "بحكومة الجماعة". وسواء أكان الباعث لدى الوزير جمهور في إقامتها على هذا النحو، يرجع إلى ضرب من بعد النظر والدهاء البارع، يحاول به جمع الكلمة، واتقاء منافسة الزعماء الأقوياء، أم كان راجعاً حقاً إلى محبته للشورى والتضامن؛ فإنها كانت بلا ريب نموذجاً بديعاً من حكم الشورى أو حكم الأقلية الأرستقراطية، في عصر سادت فيه نزعة الرياسة الفردية والحكم المطلق. وكان من أبرز مزاياها أن يستطيع الرئيس أن يتنصل من المسؤولية، وأن يستظل بلواء الجماعة، إذا ما ساءت الأمور، وأن يحرز الثناء وجميل الذكر، إذا حسنت العواقب.
ويمكننا أن نتبين ملامح هذا النوع من حكم "الجماعة" أو حكم الأقلية الأرستقراطية الذي ابتدعه أبو الحزم بن جهور، في بعض الحكومات التي قامت
_______
(1) راجع جذوة المقتبس للحميدي (مصر) ص 27.
(2/22)

فيما بعد، في بعض الولايات الإيطالية أيام عصر الإحياء مثل حكومة "الكوموني" في جنوة، وحكومة "السنيوريا" في فلورنس أيام حكم آل مديتشى. وقد كان هذا النظام في الواقع أقرب النظم إلى حكومة الجماعة، فقد كان آل مديتشي، يحكمون وفق إرادتهم حكماً مطلقاً، ولكن يحتجبون في نفس الوقت وراء هيئة منتخبة من النبلاء أو الزعماء الذين يعملون بوحيهم تسمى Balie أو Signoria أي جماعة الحكام أو السادة. ولسنا نود أن نقول إن هذه الحكومات الإيطالية، كانت مأخوذة أو مقتبسة من حكومة الجماعة القرطبية، فليس ثمة دليل على ذلك، ولكنا نود أن نقول إنها قامت في طروف مشابهة، ولمثل البواعث التي أوحت بقيامها في قرطبة.
وسلك جهور في حكومته مسلك الأصالة والحزم، وكان أول همه أن يقمع الشغب، وأن يوطد دعائم النظام والأمن، فصانع زعماء البربر واستمالهم بالرفق وخفض الجناح، اتقاء لدسائسهم وتهدئة لثورات أطماعهم، فحصل على محبتهم وسلمهم، وجعل أهل الأسواق جنداً، وفرق السلاح فيهم، وفي البيوت، حتى إذا دهم أمر في الليل أو النهار، استطاع أهل المدينة الدفاع عن أنفسهم، وأصلح القضاء، وعمل على ضبط العدالة بين الناس، وقضى على كل مظاهر البذخ والإسراف، وخفف أعباء المكوس، وعمل على حفظ الأموال العامة، ولاسيما الأموال السلطانية، حيث عهد بتحصيلها وحفظها، إلى رجال ثقاة يشرف عليهم بنفسه، وعمل على تشجيع المعاملات والتجارة، ومن ذلك أن فرق الأموال على التجار لتكون بيدهم ديناً عليهم، يستغلونها ويحصلون على ربحها فقط، وتحفظ لديهم، ويحاسبون عليها من وقت إلى آخر. وكان من نتائج هذه الإجراءات، أن حل الرخاء مكان الكساد، وازدهرت الأسواق وتحسنت الأسعار وغلت الدور، ونمت الموارد. ويبدي ابن حيان، وقد كان من شهود هذا التحول، دهشته من تحقق الأمن والنظام والرخاء على هذا النحو في قوله: "فعجب ذو التحصيل للذي أرى الله في صلاح الناس من القوة، ولما تعتدل حال، أو يهلك عدو، أو تقو جباية، وأمر الله تعالى بين الكاف والنون ". ومع ذلك فإن ابن حيان يلاحظ أن جهوراً لم يفته خلال ذلك كله أن يستغل الظروف، وأن يعمل على جمع المال "حتى تضاعف ثراؤه وصار لا تقع العين على أغنى منه"، وإن كان
(2/23)

يقرن ذلك "بالبخل الشديد، والمنع الخالص، الذي لولاهما ما وجد عائبه فيه طعناً، ولكمل لو أن بشراً يكمل" (1).
واستمرت حكومة الجماعة هذه برياسة أبي الحزم جهور تدبر الأمور في قرطبة وأراضيها، زهاء اثنتى عشرة عاماً، وقد سادت بها السكينة والدعة والأمن، وجهور لا يتحول عن خطته في التزام المسالمة والتواضع والتقشف، والشعب القرطبي يؤيده بطاعته ومحبته. وكانت قرطبة في أيامه ملاذ الزعماء اللاجئين والرؤساء المخلوعين، وكان من هؤلاء عبد الله بن سابور صاحب أشبونة من أعمال الغرب، حينما انتزعها منه ابن الأفطس صاحب بطليوس، فإنه لجأ إلى قرطبة، وأقام بها آمناً في كنف جهور، وكذلك عبد العزيز البكرى صاحب ولبة وجزيرة شلطيش، فإنه التجأ إليها فيما بعد، حينما حاصره ابن عباد ونزعه سلطانه، والتجأ إليها كذلك القاسم بن حمود صاحب الجزيرة الخضراء حين استولى عليها ابن عباد (2).
وكان للرئيس جهور موقف خاص من أسطورة ظهور هشام المؤيد بالله وإعلانها على يد القاضي ابن عباد صاحب إشبيلية. ذلك أن ابن عباد، حينما شعر بخطورة مطامع بني حمود في رياسة جنوبي الاندلس، واتشاحهم بثوب الخلافة، وحينما أرهقه يحيى بن علي بن حمود (المعتلي) بغاراته المتوالية، رأى أن يدحض دعاوي أولئك الحمُّوديين، فأعلن في سنة 426 هـ، أن الخليفة هشام المؤيد، حي لم يمت، وأظهر بالفعل شخصاً يشبه هشاماً كل الشبه، وبايعه بالخلافة ودعا الناس للدخول في طاعته، وبعث بذلك إلى رؤساء الأندلس، فاستجاب بعضهم للدعوة، وكان منهم عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، ومجاهد العامري صإحب دانية والجزائر الشرقية، والوزير أبو الحزم بن جهور رئيس قرطبة.
وعقدت البيعة في قرطبة بالفعل لهشام المؤيد. والظاهر أن جهوراً لم يكن يؤمن حقاً بصحة هذه الدعوى، ولكنه استجاب لها، وأقرها لنفس البواعث التي حملت ابن عباد على انتحالها، وهو العمل على دفع خطر الحموديين. ويقال إن جهوراً فوق ذلك، قد اصطنع شهادات لتأييد صحتها. بيد أنه ندم على ذلك فيما بعد، حينما طلب إليه ابن عباد أن يدخل في طاعته، وأعلن تبرؤه من ذلك الدعى (3).
_______
(1) الذخيرة القسم الأول - المجلد الثاني ص 116 و 117.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 213 و 237 و 340.
(3) البيان المغرب ج 3 ص 190 و 198 و 210.
(2/24)

وتوفي الرئيس أبو الحزم جهور بن محمد في المحرم سنة 435 هـ (1044 م) وقرطبة رافلة في حلل السلم والرخاء. فخلفه في الرياسة ابنه أبو الوليد محمد ابن جهور، فحاول في البداية أن يقتفي سياسة أبيه، وأقر الحكام وأرباب المراتب في مناصبهم، وكان من معاونيه في ديوان السلطان المؤرخ الكبير أبو مروان بن حيان حسبما يذكر لنا في حديثه عن الدولة الجَهْورية، وكان من محاسن الدولة الجهورية أيضاً، أن وزر لها الكاتب والشاعر الكبير أبو الوليد بن زيدون. وكان في بداية عهده بالخدمة قد وقع له حادث اصطدم فيه بأحد حكام قرطبة، فقضي عليه بالسجن، فاستغاث بأبي الوليد في حياة والده أبي الحزم، فشفع له وأقاله من عثرته. فلما ولي أبو الوليد الأمر بعد والده قرب إليه الشاعر، وعهد إليه بالنظر على أهل الذمة لبعض الأمور العارضة. ثم رفع مكانته وضاعف جرايته, وعهد إليه بالسفارة بينه وبين رؤساء الأندلس، والترسل إليهم. فلمع في منصبه، واشتهر ببارع رسائله ومحاوراته، كما اشتهر بروائع نظمه. والظاهر أن ابن زيدون كان يحيا حياة مضطربة تثير من حوله الشبهات، فهو من جهة قد هام بحب ولاّدة ابنة الخليفة الأموي السابق المستكفي، وكانت قد ظهرت في مجتمع قرطبة ببهوها الأدبي، الذي يزينه جمالها وشعرها الرائق، وأحدث هيامه بها وشعره المتيم فيها، حول سيرته الوزارية نوعاً من الفضيحة الغرامية، ومن جهة أخرى فإنه يبدو أن خصوم ابن زيدون في الحكومة وفي المجتمع، قد استطاعوا أن يصوروه لدى بني جهور، رجلا ناقص الولاء بجيش بمشاريع لا تتفق مع أهدافهم، وعلى أي حال فقد سخط الوزير أبو الوليد على وزيره الشاعر وألقاه إلى السجن. وأنفق ابن زيدون في ظلمات السجن عاماً وبعض عام، وهو يستعطف الوزير بقصائد ورسائل تذيب الجماد دون أن يتأثر بها. وفي النهاية حزم أمره على الفرار، وفر من سجنه بمعاونة بعض أصدقائه الأوفياء، وقصد إلى إشبيلية سنهّ (441 هـ - 1049 م) والتجأ إلى أميرها المعتضد بن عباد، فولاه وزارته. وألقى إليه مقاليد الأمور، حسبما نذكر بعد في موضعه (1).
_______
(1) إعتاب الكتاب لابن الأبار (مخطوط الإسكوريال) لوحة 59 و 61. وراجع الذخيرة المجلد الأول من القسم الأول ص (290 و 291 و 357) حيث يورد أقوال ابن حيان في علاقة ابن زيدون بدولة الجهاورة وهي أقوال غامضة لا نتضح منها حقيقة أدوار هذه العلاقة. ولم يشر ابن حيان من جهة أخرى إلى نكبة ابن زيدون التي ألقى بسببها إلى السجن ولا إلى فراره. ولكن الفتح يشير إلى ذلك صراحة في القلائد (ص 71) وقد أورد ابن بسام كثيراً من قصائده التي وجهها في سجنه إلى ابن جهور.
(2/25)

وكان ابن زيدون أيام تمتعه بثقة بني جهور. قد أنشأ في مديحهم عدد من غرر قصائده، ومنها الأبيات الآتية:
لولا بنو جهور ما أشرقت بهم ... غيد السوالف في أجيادها تلمع
قوم متى تحتفل في وصف سؤددهم ... لا يأخذ الوصف إلا بعض ما يدع
أبو الوليد قد استوفى في مناقبهم ... فللتفاريق منها فيه مجتمع
من مهذب أخلصته أوّليته ... كالسيف بالغ في أخلاصه الصنع
إن السيوف إذا طاب جوهرها ... في أول الطبع لم يعلق بها الطبع
واستمرت الأحوال على انتظامها حيناً، ولكن أبا الوليد ما لبث أن تنكب عن سياسة أبيه، فقدّم على الناس ولده عبد الملك، وأخذ عليهم العهد له، فأساء عبد الملك السيرة، واستبد بالسلطة. وأفسح المجال للأوغاد، وأهمل الشئون، وتسمى بذي السيادتين المنصور بالله. الظافر بفضل الله. وخطب له على المنابر، وذلك خلافاً لما جرى عليه أبوه وجده من قبل، من الاعتصام بالحلم والتواضع، والزهد في مظاهر السلطان. وفي سنة 440 هـ، فوض عبد الملك النظر في الأمور إلى وزير أبيه إبراهيم بن يحيى المعروف بابن السقاء، فضبطها وأصلحها، وعمل على تهدئة الأحوال، وتوطيد الأمن والنظام، واستمر ابن السقاء في النظر مدة طويلة. وكان المعتضد ابن عباد أمير إشبيلية يشعر بأن استمرار هذا الوزير القوي على هذا النحو في رياسة حكومة قرطبة، يحول دون تحقيق مشاريعه في الاستيلاء عليها، فسعى لدي عبد الملك في حق ابن السقاء، وحذره من أطماعه واستئثاره بالسلطة وأغراه بقتله، وكان عبد الملك سيىء الرأي والتقدير، فاستمع لتحريض ابن عباد، وقتل وزيره في كمين دبره (455 هـ - 1063 م) (1).
وهنا بدأت عوامل الفساد تدب إلى جهاز الحكم، وزاد في سوء الحال ما حدث من التنافس بين عبد الملك وأخيه الأكبر عبد الرحمن. وكان أبو الوليد يؤثر ولده الأصغر عبد الملك بمحبته، وكان عبد الرحمن من جانبه يدعي أنه أحق بالولاية من أخيه، فوقع التنافس بين الأخوين، وأخذ كل منهما يستميل طائفة من الجند.
ويؤلف الأحزاب لمناصرته، فلما تفاقم الأمر. وخشي أبو الوليد العواقب، عمد
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 232 و 251 و 256، وأعمال الأعلام ص 149.
(2) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 118.
(2/26)

خريطة:
دول الطوائف
والممالك الإسبانية النصرانية بعد انهيار الخلافة أواخر القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي).
(2/27)

إلى تقسيم السلطة بين ولديه، فخص أكبرهما عبد الرحمن بالنظر في أمر الجباية، والإشراف على أهل الخدمة، وفي التوقيع في الصكوك السلطانية، والدخل والخرج وجميع أبواب النفقات؛ وخص عبد الملك بالنظر في شئون الجند، والإشراف على أعطيتهم، وتجريدهم في البعوث وجميع ما يخصهم، وارتضى الأخوان هذا الحل.
بيد أن عبد الملك لم يلبث أن غلب على أخيه عبد الرحمن، وسجنه في منزله واستبد بالأمر دونه؛ وخلا الجو لعبد الملك، وأطلق العنان لسلطانه وأهوائه، واستولى صحبه من الأوغاد والسفلة، على أزمة الحكم، وبدأ الشعب القرطبي ينصرف عن آل جهور. كل ذلك والرئيس الشيخ أبو الوليد ملتزم داره لشلل أقعده. وكان عبد الملك يعتمد في مشاريعه وتحقيق خططه، على مصادقة ابن عباد وتشجيعه، وقد زاره في إشبيلية، فبالغ ابن عباد في إكرامه والتودد إليه، وكان عبد الملك يظن أنه يستطيع الاعتماد على صداقته ومحالفته، ضد أطماع بني ذى النون أصحاب طليطلة، ومشاريعهم للاستيلاء على قرطبة، ولم يكن يدور بخلده أن بني عباد يضمرون ضده مثل هذه المشاريع.
وأخيراً تكشفت الأمور، وخرج المأمون يحيى بن ذى النون في قواته من طليطلة، قاصداً غزو قرطبة، واستولى في طريقه على حصن المدوّر الواقع غربي قرطبة. وكان المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية قد توفي سنة 461 هـ، وخلفه ولده المعتمد، فسار على سياسة أبيه من إبداء المودة والتحالف لبني جهور. فلما شعر عبد الملك بالخطر الداهم، استغاث بحليفه ابن عباد، فبعث إليه المعتمد بالمدد من الفرسان تحت إمرة قائديه خلف بن نجاح ومحمد بن مرتين، فنزلا بالربض الشرقي من قرطبة. وأشرف ابن ذى النون بجنده على المدينة، فألفاها قد استعدت لقتاله بقوات لا قبل له بها، فارتد أدراجه محنقاً، بعد قتال يسير. وكان قد وقع الاتصال أثناء ذلك بين قائدي جيش إشبيلية وبين بعض الناقمين من زعماء قرطبة.
في التخلص من بني جهور، والانضواء تحت ظل بني عباد، والظاهر أيضاً أن كانت لدي القائدين أوامر سرية بتدبير الخطة للاستيلاء على المدينة، وعلى أي حال فإنه ما كاد ابن ذى النون يرتد بقواته، حتى تظاهر القائدان بأنهما يزمعان العودة، وسارا في بعض قواتهما إلى وداع عبد الملك بباب المدينة، وعندئذ
(2/28)

اقتحم العباديون الأبواب وملكوها، ودخلوا المدينة واحتلوها، وعاثوا في أنحائها نهباً وهتكاً وسبياً، وكان ذلك في شعبان سنة 462 هـ (1070 م). وأدرك عبد الملك مبلغ خديعته، وأيقن أن النهاية قد حلت، فطلب الأمان لنفسه وذويه، فاعتقل وأخوه عبد الرحمن وسائر الأهل والولد، وأرسلوا في الحال إلى إشبيلية، ثم اعتقل أبوهما، الشيخ المريض المقعد أبو الوليد بن جهور ومن معه، ونفي الجميع إلى جزيرة شلطيش، الواقعة في مصب نهر أراد تجاه ولبة، وهناك توفي ابن جهور الشيخ لأربعين يوماً فقط من نكبته وسقوط دولته.
وهكذا انتهت دولة بني جهور بقرطبة، بعد أن لبثت أربعين عاماً. وكانت أول دولة تسقط من بين دول الطوائف الرئيسية. وكانت دولة نموذجية، ولاسيما في عهد مؤسسها الوزير أبي الحزم بن جهور. وكانت تتمتع بين دول الطوائف بمركز أدبي خاص، وتتخذ في أحيان كثيرة مركز الوسيط والحكم، وتعمل بهيبتها وهيبة رئيسها الوزير المحنك، على فض المنازعات وإقرار السلم بين الأمراء. ومن ذلك ما بذله أبو الحزم من المساعي المتكررة لحسم النزاع بين المعتضد ابن عباد والمظفر بن الأفطس، حينما نشب القتال بينهما بشأن لبلة التي هاجمها ابن عباد، واستغاث صاحبها ابن يحيى بصديقه المظفر، وقد كاد الأمر بينهما يتطور إلى فتنة هوجاء لولا تدخل أبي الحزم ونصحه المتكرر (1).
وندب المعتمد بن عباد ولده الفتى عباداً الملقب بالظافر وسراج الدولة لحكم قرطبة، التي يتصل تاريخها من ذلك الحين بتاريخ مملكة إشبيلية.
وقد تناول ابن حيان، وكان حسبما تقدم من وزراء عبد الملك بن جهور، وشهد بنفسه سائر هذه الحوادث، مأساة سقوط الدولة الجهورية، في كتاب خاص سماه "البطشة الكبرى" يمتاز بقوته وبلاغته (2).
ولما فشل مشروع المأمون بن ذى النون في افتتاح قرطبة، واستولت عليها
_______
(1) أعمال الأعلام ص 151: والبيان المغرب ج 3 ص 210. وراجع في أخبار دولة بني جهور: الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 114 - 126، والبيان المغرب ج 3 ص 185 - 187 و 209 و 210 و 259 - 261، وأعمال الأعلام ص 145 - 151، والحلة السيراء (ليدن) ص 168 - 170، وابن خلدون ج 4 ص 159.
(2) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 129، وأعمال الأعلام ص 151.
(2/29)

جنود ابن عباد، وتولى حكمها ولده سراج الدولة، وجه ابن حيان إلى المعتمد رسالة تهنئة يقول فيها: " لو أن فتحاً اعتلى عن تهنئة ممنوحة بارتفاع قدر، أو جلالة صنع، أو فرط انتقام مستأصل، أو تنزل حكم من الرحمن فاصل، لكان فتحه هذا لك، على عدو أسود الكيد، مظاهر البغي على الحسد، طالما استحييته لا من خجل، وتنكبته لا عن وهل، فأبى رأيه الفائل، وجده العاثر، وحينه المجلوب، وضربه المكبوب، الا اكتساب العار، ومماتنة محصد الأقدار ". ثم يحمل ابن حيان بعد ذلك على المأمون بن ذى النون، وينوه بتوفيق ابن عباد ويمنه في هزيمته ورد مكيدته، وذلك في عبارات ملتهبة لاذعة (1).
وإنه لمما يلفت النظر في ذلك حقاً أن ابن حيان، يهدي مؤلفه التاريخي العظيم في مقدمته إلى المأمون بن ذى النون، ويصفه "بالأمير المؤثل الإمارة ذي المجدين، الكريم الطرفين" (2). وقد انتهز ابن بسام هذه الفرصة للحملة على ابن حيان، والتنويه بمواقفه المتناقضة في تاريخه لملوك الطوائف. وفي رأيه أن هذا التاريخ، بالرغم مما لقيه لدى بعض أولئك الملوك من ترحاب وتقدير، وما أجزلوه عنه من صلات، فإن ابن حيان "قد أخطأ التوفيق، وما أصاب"، إذ جاءت معظم أقواله كالسهام المرسلة، من قدح مغرض في الأحساب والأعراض، وطمس للمعالم والأنوار، وأنه قد ارتكب بذلك إثماً وظلماً، وإن كان قد سلم من لسانه "أمير بلده، وأكبر أهل زمانه " أبو الحزم بن جهور، وابنه من بعده، فقد جرى لهما "بأيمن طائر، ولم يعرض لذكرهما إلا بخير" (3).
_______
(1) تراجع هذه الرسالة في الذخيرة، القسم الأول المجلد الثاني ص 89 - 91.
(2) الذخيرة، القسم الأول المجلد الثاني ص 88.
(3) الذخيرة، القسم الأول المجلد الثاني ص 84 و 85 و 113 و 114.
(2/30)

الفصل الثاني
بنو عباد ومملكة إشبيلية القسم الأول
ظهور القاضي ابن عباد في إشبيلية. بنو عباد وأصلهم ونشأتهم. القاضي اسماعيل بن عباد ينتزع الرياسة في إشبيلية. بنو حمود وسلطانهم على إشبيلية. صد المستعلي بن حمود عن دخولها. تقديم القاضي ابن عباد عليها. حكمه وأهباته. ولده أبو القاسم محمد. الخلاف بين أبي القاسم بن عباد وابن الأفطس والحرب بينهما. البرزالي صاحب قرمونة. تعليق ابن حيان على عصابات البربر. استيلاء المعتلي ابن حمود على قرمونة. إعلان القاسم بن عباد ظهور هشام المؤيد. قصة هشام والغموض حول مصيره. استرداد ابن عباد لقرمونة ومصرع المعتلي. استيلاؤه عليها وعلى إستجه. الحرب بين ابن عباد والبربر. هزيمة جند ابن عباد ومصرع ولده اسماعيل. وفاة أبي القاسم محمد بن عباد، وقيام ولده المعتمد مكانه. المعتضد بن عباد حسبما يصوره ابن حيان. حملة ابن بسام عليه. قسوته وصرامته. إمارات الطوائف في غربي الأندلس. إمارة لبلة ومهاجمة المعتضد لها. تدخل ابن الأفطس والحرب بينه وبين المعتضد. استيلاء المعتضد على لبلة. لبلة وأسوارها الأندلسية. إمارة ولبة وجزيرة شلطيش. استيلاء المعتضد عليها. استيلاؤه على شنتمرية الغرب. استيلاؤه على باجة. إمارة شلب واستيلاؤه عليها. الإمارات البربرية. خطة ابن عباد في الاستيلاء عليها. كمين المعتضد للأمراء البربر وإهلاكهم. استيلاؤه عل أركش ومورور. استيلاؤه على رندة ثم قرمونة. استيلاؤه على الجزيرة الخضراء. اتساع مملكة إشبيلية. ضغط ملك قشتالة على الطوائف. المعتضد وزملاؤه يؤدون له الجزية. خروج اسماعيل بن المعتضد على أبيه. اعتقاله وإعدامه. رسالة المعتضد عن الحادث لرؤساء الأندلس. قطع المعتضد الدعوة لهشام المؤيد. تهكم ابن حيان على قصة هشام. شخصية المعتضد وخلاله وسياسته. قسوته المروعة. قصة الرؤوس المحنطة. قصور بني عباد. صفة المعتضد. شغفه بالنساء. أدبه وشاعريته. وزراؤه وكتابه الأعلام. ابن زيدون وابن عبد البر والبزلياني. وزيره ششقند.
كانت مملكة إشبيلية أو غربي الأندلس، من حيث الرقعة الإقليمية، والزعامة السياسية، والقوة العسكرية، أهم دول الطوائف وأعظمها شأناً، وفضلا عن هذا التفوق الإقليمي والسياسيي، فقد سطعت مملكة إشبيلية بين دول الطوائف زهاء نصف قرن، بفخامة بلاطها، وروعة رسومها، وكان للأدب والشعر بها دولة زاهرة، طبعت هذه الحقبة القصيرة من تاريخها، بطابعها الخالد.
(2/31)

وإذا كنا سوف نخص مملكة إشبيلية بالحديث فيما يلي، فإن هذا الحديث سوف يكون مشعباً متعدد النواحي، وسوف يمتد إلى إمارات ودول أخرى، ليس فقط داخل منطقة الغرب أو غربي الأندلس، التي كانت تسيطر عليها مملكة إشبيلية، ولكن إلى مناطق وممالك رئيسية أخرى.
- 1 -
بدأت جذور مملكة إشبيلية مبكرة، منذ انهيار الدولة العامرية في نهاية المائة الرابعة. وفي الوقت الذي كانت تضطرم فيه عاصمة الخلافة قرطبة، بالفتن والانقلابات المتعاقبة، كان قاضي إشبيلية أبو الوليد اسماعيل بن عباد، يعمل في هدوء وصمت، على جمع خيوط الرياسة في يده، وعلى الاستئثار بحكم المدينة العظيمة، التي تركت كباقي القواعد الأخرى لمصيرها.
كان اسماعيل بن عباد يتولى خطة القضاء بإشبيلية منذ أيام المنصور بن أبي عامر، وكان فضلا عما يمتاز به من العلم والحكمة والورع، ينتمي إلى بيت من أعظم البيوتات العربية الأندلسية. فلما وقعت الفتنة وسادت الفوضى كل ناحية من نواحي الأندلس، استمر إسماعيل في خطة القضاء، وأخذ في نفس الوقت يعمل على حفظ النظام، وضبط الأمور في المدينة. وكان علي بن حمود حينما دخل قرطبة وتولي الحكم بها سنة 407 هـ، تولي أخوه القاسم حكم إشبيلية، وبقي ابن عباد على حاله في منصب القضاء. ولما قتل علي بن حمود، تولي أخوه القاسم مكانه في الخلافة في قرطبة، وخلا الجو ثانية لابن عباد. وكان في خلال الفترة التي كانت فيها خلافة الحموديين تتردد بين قرطبة وإشبيلية، وما تخللها من الأحداث المتوالية، يعمل على توطيد مركزه وتدعيم رياسته، ويعمل بالأخص على حماية المدينة من أطماع البربر وعيثهم، ويجمع حوله كلمة الزعماء حتى لا تغدو إشبيلية كما غدت قرطبة مسرحاً للفتنة، ومرتعاً لأطماع البربر. وقد وفق في خطته كما سنرى أعظم توفيق.
ويجدر بنا قبل أن نتحدث عن عهد بني عباد أمراء إشبيلية، أن نذكر كلمة عن أصلهم، وأوّليتهم.
كان بنو عباد، وفقاً لأقوال علماء النسب، ينتمون إلى لخم. ومؤسس دولتهم ومنشىء مجدهم، هو القاضي أبو القاسم محمد بن اسماعيل بن قريش بن عباد
(2/32)

ابن عمرو بن أسلم بن عمرو بن عِطاف بن نعيم. وعطاف هو جدهم الداخل إلى الأندلس في طالعة بَلْج بن بشر القشيري. وأصله من أهل حمص الشام، لخمي النسب صريحاً. ولما دخل إلى الأندلس نزل بقرية "يومين" بقرب بلدة طشانة Tocina من أعمال إشبيلية، وهي واقعة على ضفة نهر الوادي الكبير. ونحن نعرف أن جند الشام قد نزلوا لأول الفتح بإشبيلية أو حمص كما سموها يومئذ، نظراً لما بينها وبين حمص الشام من شبه قوي في الطبيعة والإقليم. وفي رواية أخرى أن بني عباد هم من ولد النعمان بن المنذر بن ماء السماء، وبذلك كانوا يفخرون ويمدحون، وهذا ما يؤيده قول شاعرهم ابن اللبانة:
من بني المنذر بن ما السماء وهو انتساب زاد في فخره بنو عباد
نبتة لم تلد سواها المعالي ... والمعالي قليلة الأولاد
وتألق نجم بني عباد، في أعقاب الفتنة، على يد جدهم أبي الوليد اسماعيل قاضي إشبيلية، وكان قد تقلب قبل انهيارالخلافة في عدة من الوظائف الكبرى، فولى الشرطة لهشام المؤيد، ثم ولي خطة الإمامة والخطابة بالجامع الأعظم، ثم ولي قضاء إشبيلية. ولما اضطرمت الفتنة، وتجهمت الظروف، استطاع بحزمه ودهائه، ووجاهته وبذله، أن يستغل ظروف الفتنة على أكمل وجه، وأن يجمع في يده أزمة الرياسة والحكم شيئاً فشيئاً، معتمداً في ذلك على عراقة بيته، ورفيع مكانته، وواسع ثرائه، ومعاونة الزعماء والأكابر الذين استمالهم إلى جانبه، بلينه وجوده ولباقته؛ ويصفه ابن حيان بأنه " رجل الغرب (أي غربي الأندلس) قاطبة، المتصل الرياسة في الجماعة والفتنة "، وينوه بوفور عقله وسبوغ علمه، وركانته ودهائه وبعد نظره، ويقول لنا إنه كان " أيسر من بالأندلس وقته، ينفق من ماله وغلاته، لم يجمع درهماً قط من مال السلطان ولا خدمه ".
ولما شعر القاضي ابن عباد بأنه حقق بغيته، من توطيد قدمه في الرياسة، وأثقلته السنون، وكف بصره أو كاد، ندب ولده أبا القاسم محمد ليشغل مكانه خطة القضاء. وكان سلطان بني حمود ما يزال ثمة يتردد بين قرطبة وإشبيلية، ويخفق علم خلافتهم هنا وهناك. وقد رأينا أن القاسم بن حمود قد تولى الخلافة في قرطبة عقب مقتل أخيه علي (أواخر سنة 408 هـ). وفي أوائل سنة 412 هـ، ثار عليه ابن أخيه يحيى بن علي، وزحف بقواته على قرطبة، فغادرها القاسم في نفر من صحبه، وقصد إلى إشبيلية، وهناك تسمى بالخلافة وتلقب بالمستعلي.
(2/33)

بيد أنه ما لبث أن استدعى ثانية إلى قرطبة، على أثر خلع ابن أخيه يحيى، وهنالك جددت له البيعة (ذو الحجة سنة 413 هـ). وكان المستعلي حينما استقر بإشبيلية قد اصطنع أبا القاسم بن عباد بعد موت أبيه اسماعيل، وقربه إليه، وأقره في ولاية القضاء. وكان أبو القاسم يشعر من جانبه أن استمرار سلطان الحمّوديين، يهدد رياستهم وينذر بالقضاء عليها. فلما استدعى المستعلي ليتولى الخلافة ثانية في قرطبة، اجتمع رأي أهل إشبيلية على ثلاثة من الزعماء هم القاضي اسماعيل بن عباد، والفقيه أبو عبد الله الزبيدي، والوزير أبو محمد عبد الله بن مريم، يتولون حكمها وضبط الشئون فيها، فكانوا يحكمون بالنهار في القصر، وتنفذ الكتب تحت أختامهم الثلاثة، ومع ذلك فقد كان القاضي ابن عباد، بمركزه ووفرة ثرائه ووجاهته، أقواهم سلطاناً، وأعلاهم يداً. فعكف على العمل على توطيد سلطانه، وعلى إضعاف سلطة البربر في المدينة. ولما عاد المستعلي بعد قليل لاجئاً مع فلوله إلى إشبيلية، بعد أن خلعه القرطبيون، وطلب أن تخلي له ولأصحابه الدور، اتفق زعماء المدينة، وعلى رأسهم أبو القاسم على إغلاق أبوابها، وصد المستعلي وصحبه البربر عن الدخول إليها، وأخرج من كان بها من ولد المستعلي وأهله، ومن زعماء البربر وأكابرهم. واتفق أهل إشبيلية، اتقاء لعدوان المستعلي وأشياعه من البربر، على أن يؤدوا له قدراً من المال، وينصرف عنهم، وتكون له الخطبة والدعوة، ولا يدخل بلدهم، ولكن يقدم عليهم من حكمهم ويفصل بينهم، فقدم عليهم القاضي أبا القاسم بن عباد، ورضى به الناس، وبذا انفرد ابن عباد أيضاً بالرياسة الشرعية، وقد كان منفرداً بها من الناحية الفعلية؛ وكان ذلك في أواخر سنة 414 هـ (1023 م) وبذلك انتهت رياسة البربر في إشبيلية، كما انتهت من قبل في قرطبة (1).
_______
(1) راجع في أصل بني عباد وظهورهم: ابن الأبار في الحلة السيراء (مخطوط الإسكوريال رقم 1654) لوحة 65 أ، ونقله دوزي في كتابه: Scriptorum Arabum Loci de Abbaditis ( الكتابات العربية المتعلقة ببني عباد)، والمسمى أيضاً Historia Abbadidarum ( تاريخ بني عباد) (ليدن سنة 1846 - 1863 في ثلاثة مجلدات) ج 1 ص 220 و 221. وراجع الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 34 - 38. وراجع أيضاً جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة) ص 398، والبيان المغرب ج 3 ص 194 - 196 و 314 و 315، وأعمال الأعلام لابن الخطيب (طبع بيروت) ص 152 و 153.
ونود أن نلاحظ بهذه المناسبة أن العلامة رينهارت دوزي قد عمد إلى تمزيق كتاب "الحلة السيراء"، فاستخرج منه تراجم عديدة نشرها في كتابه Hist. Abbadidarum ( تاريخ بني عباد)، ونشر بعضها في كتابه: Recherches، ثم نشر معظم ما تبقى بعد ذلك من التراجم في مجلد =
(2/34)

ونظم ذو الوزارتين أبو القاسم بن عباد حكم المدينة، بعد أن غدا قاضيها وحاكمها السياسي معاً، معتمداً في ذلك على تأييد زعماء البيوتات العربية ومعاونتهم، وعلى تأييد الشعب والتفافه من حوله. وكان بالرغم من استئثاره بالسلطة، يبدي في أحكامه وتصرفاته كثيراً من اللين والرفق، وكان يعمل في هدوء وأناة على التخلص من سائر منافسيه، والقضاء عليهم واحداً بعد الآخر. وعمد في نفس الوقت إلى شراء العبيد، وحشد الرجال، واقتناء السلاح، ولم يكن يخفي عليه أن الحموديين، وشيعتهم من البربر يتربصون به، ويطمحون إلى امتلاك إشبيلية.
وكان بنو حمود من جانبهم يخشون بأسه وأطماعه على مملكتهم، ومن جهة أخرى فإن أطماع ابن عباد لم تكن تقف عند حكم إشبيلية وحدها، بل كانت تتجه إلى التوسع، ولاسيما في ناحية الغرب، التي كانت بطبيعتها الإقليمية تتبع إشبيلية، وكانت من جهة أخرى خالية من المنافسين الأقوياء.
وكان أول صدام عسكري خطير اشترك فيه أبو القاسم بن عباد، قتاله مع
بني الأفطس أصحاب بَطَلْيوس، وهم جيرانه من الشمال. ومما يجدر ذكره أن ابن
عباد مع خصومته للبربر، كان يعتمد على محالفة محمد بن عبد الله البرزالي البربري
صاحب قرمونة، أولا لأن قرمونة كانت حصن إشبيلية من الشرق، وثانياً
لأن البرزالي كان يخشى سطوة بني حمود وأطماعهم في المدينة، ومن ثم فقد
كانت تجمعه مع ابن عباد مصلحة جوهرية مشتركة؛ ولما وقعت الخصومة بن ابن عباد، والمنصور بن الأفطس صاحب بطليوس، بشأن الاستيلاء على مدينة باجة، التي وقع الخلاف بين أهلها على الرياسة، بعث ابن عباد لقتاله ولده اسماعيل
_______
= بعنوان: Extraits de l'Ouvrage intitulé Al - Hollato, S'Syiara. " نبذ من الكتاب المسمى الحلة السيراء " (ليدن 1847 - 1851) باعتباره يضم تراجم " الإسبانيين " أي الأندلسيين وليس المغاربة. ولم يكتف دوزي بذلك، بل عمد إلى تمزيق كثير من التراجم، فنشر أقساماً منها في Hist. Abbad. وكذلك في Recherches، ونشر باقيها في المجموعة المشار إليها. وفي اعتقادنا أن ذلك لم يكن عملا سليماً من الناحية العلمية، إذ ترتب عليه تمزيق الكتاب وبعثرة محتوياته ومن ثم فقد اضطررنا في الطبعة الأولى أن نرجع أحياناً إلى الأصل المخطوط، وأحياناً إلى أجزائه المطبوعة المبعثرة هنا وهناك.
هذا ومما يدعو إلى الغبطة أن كتاب الحلة السيراء قد صدر أخيراً في طبعة كاملة محققة في مجلدين كبيرين (القاهرة سنة 1964) بعناية الدكتور حسين مؤنس مدير معهد الدراسات الإسلامية بمدريد. ومن ثم فقد رأينا أن نرد المراجع التي أثبتناها مخطوطة في الطبعة الأولى، خلال الكتاب، إلى هذه الطبعة الجديدة المطبوعة.
(2/35)

على رأس نخبة من جنده، واشترك معه البرزالي بقواته، وحاصرت القوات المشتركة مدينة باجة التي احتلتها قوات ابن الأفطس، وقتلت وأسرت معظمهم، وكان بين الأسرى ولد ابن الأفطس، فاعتقل لدى البرزالي حيناً بقرمونة ثم أطلق سراحه، وكذلك كان منهم أخ لابن طيفور صاحب ميرتُلَة وقد صلب بإشبيلية (421 هـ).
ثم عادت الحرب فاضطرمت بين الفريقين بعد ذلك بأربعة أعوام. وكان ابن الأفطس وهو من الأصول البربرية، يعتمد أيضاً في جيشه على فريق من البربر؛ وسارت قوات إشبيلية بقيادة إسماعيل بن عباد شمالا إلى أراضي ابن الأفطس وتوغلت فيها، ولكنه حين العودة فاجأته قوات كثيفة لابن الأفطس، ومزقت عسكره، ففر مع فلوله إلى مدينة أشبونة، وامتنع بها حيناً، وكانت هزيمة ساحقة لبني عباد (425 هـ - 1034 م).
وكان محمد بن عبد الله البرزالي صاحب قرمونة، من أكبر محرضي ابن عباد ومعاونيه في تلك المعارك. ويصفه ابن حيان "بقطب رحي الفتنة" وينوه بفتكه وعيثه وقبح آثاره في تلك المنطقة، وأنه كان من خصوم الخلافة، لا يروم قيامها بقرطبة بأي وجه "رسوخاً في الخارجية ودفعاً لأمر الله"، وأنه كان يقطع السبل على قرطبة، ويضيق عليها الحصار، حتى اضطر وزراء قرطبة إلى الاستعانة ضده بفريق من بربر بني برزال بشذونة، واعتضدوا بهم مدة. واعتضد ابن الأفطس بطائفة أخرى منهم. ويقول ابن حيان معلقاً على تلك الحالة في تسرب البربر إلى سائر الجهات: "فكان في كل بلد جملة منها، سالت عن أهل البلاد سيول بها، وخلطوا الشر بين رؤسائها، واستخرجوا بذلك، ما أظهروه من دنانيرهم وخلعهم، وجاحوا ذات أيديهم وعلموهم كيف يوكل الكتف، فطال العجب عندنا بقرطبة وغيرها من صعاليك، قليل عددهم، منقطع مددهم، اقتسموا قواعد الأرض في وقت معاً، مضربين بين ملوكها، راتعين في كلاها، باقرين على فلذتها، حلوا محل الملح في الطعام ببأسهم الشديد، وقاموا مقام الفولاذ في الحديد، فلا يقتل الأعداء إلا بهم، ولا تعمر الأرض إلا في جوارهم، فطائفة عند ابن الأفطس تقاوم أصحابها قبل ابن عباد، وطائفة عندنا بقرطبة تحيز أهلها عن الأضداد، فسبحان الذي أظهرهم، ومكن في الأرض لهم، إلى وقت وميعاد " (1).
_______
(1) نقلها دوزي عن الذخيرة: راجع: Historia Abbadidarum V. I. p. 221.
(2/36)

وكان من أشهر أعمال القاضي ابن عباد في تلك الفترة، إعلانه لظهور هشام ْالمؤيد، وإقامته خليفة بإشبيلية، وكان يحيى بن حمود الملقب بالمعتلي، قد استقر في مالقة حسبما أسلفنا، وجعلها مقر ملكه، وبسط حكمه على معظم قواعد الأندلس الغربية الجنوبية. وكان يخشى مشاريع ابن عباد، ويرى فيه خصمه الحقيقي. فلما توثقت عري التحالف بين البرزالي صاحب قرمونة وابن عباد، أخذ يتوجس شراً، ومن ثم فقد انتهز أول فرصة، وسار إلى قَرْمونة، وانتزعها من يد صاحبها محمد بن عبد الله البرزالي، فلجأ محمد إلى إشبيلية واستغاث بحليفه ابن عباد. ولما شعر ابن عباد بخطورة الموقف، وأخذ يحيى المعتلي يرهقه بغاراته المتوالية على أراضي إشبيلية، ويردد النذير بوجوب استردادها باعتبارها من أملاك الحمّوديين، أعلن ذات يوم أن هشاماً المؤيد قد ظهر، وأنه كان مختفياً ولم يمت (أواخر 426 هـ - 1035 م)، وذلك لكي يدحض دعوى الحموديين في الخلافة بظهور الخليفة الشرعي. وقد ساقت إلينا التواريخ المعاصرة تفاصيل هذه القصة أو بالحري هذه الأسطورة. ونحن نعرف مما تقدم أن سليمان المستعين حينما دخل قصر قرطبة في أواخر سنة 403 هـ، قبض على هشام المؤيد وأخفاه.
وأن الرواية تختلف بعد ذلك في مصيره، فيقال إنه قتل بعد ذلك بيد محمد بن سليمان، ويقال من جهة أخرى، إنه فر من محبسه، وعاش حيناً في ألمرية حتى توفي. وعلى أي حال فقد استمر هذا الغموض الذي يحيط بمصير هشام مدة طويلة، ومختلف الروايات والقصص تنسج من حوله، يذيعها بنو عمه المروانية، وفتيان القصر وجواريه السابقين، ومؤداها أن هشاماً لم يمت، وأنه مختف وسوف يظهر في الوقت المناسب. وعلى أساس هذه الروايات، أظهر ابن عباد شخصاً زعم أنه هشام المؤيد، وجمع حوله نفراً من خدم القصر السابقين، فأيدوا روايته وشهدوا بصدق زعمه، ويقال إن هذا الشخص كان بالفعل يشبه هشاماً شبهاً كبيراً. وكان هذا الرجل يعمل مؤذناً بمسجد في قرية من قرى إشبيلية، فاستقبل عند خروجه من المسجد، وألبس الثياب الخلافية، وقبل ابن عباد وولده وصحبه الأرض بين يديه، وخوطب بألقاب الخلافة، ثم أخذ إلى القصر، حيث أقبل الناس أفواجاً لبيعته، وهو يخاطبهم من وراء حجاب، ويخبرهم بأنه قد عهد بحجابته إلى إسماعيل بن عباد. ويقول لنا ابن القطان إن هذا الدعي كان يسمي خلف الحصري، وإنه كان يشبه هشاماً، وإنه حينما أتى به إلى إشبيلية، نودي في
(2/37)

الناس، أن اشكروا الله على ما أنعم عليكم به، فهذا مولاكم أمير المؤمنين هشام قد صرفه الله عليكم، وجعل الخلافة ببلدكم لمكانه فيكم، ونقلها من قرطبة إليكم، فاشكروا الله على ذلك (1).
وذاعت قصة ظهور هشام في سائر الأنحاء، وبعث ابن عباد بكتبه إلى سائر قواعد الأندلس، يطلب من رؤسائها الاعتراف والبيعة لهشام المؤيد. فلم يعترف بها سوى بعض الفتيان العامريين السابقين، واعترف بها الوزير أبو الحزم بن جهور لنفس البواعث، التي حملت ابن عباد على اختراعها، وهو العمل على دفع دعاوي الحموديين ومطامعهم حسبما سبقت الإشارة إليه.
ويندد الفيلسوف ابن حزم بقصة هذا الخليفة المزعوم، ويصفها بأنها "أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها". ثم يقول إنها لفضيحة لم يقع في العالم إلى يومنا مثلها، أن يقوم أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم يتسمى بإمرة أمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، وهم: خلف الحصري بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن إدريس بن علي بن حمود بمالقة، وإدريس بن يحيى بن حمود بببشتر (2).
وعلى إثر ذلك استعد ابن عباد لاسترداد قَرْمونة من يد يحيى المعتلي، فسير بعض قواته مع ولده إسماعيل، ومعها طائفة من البربر المتحالفين معه. فطوق قسم منها المدينة ليلا، وكمن القسم الثاني في أماكن مستترة. وكان يحيى المعتلي داخل المدينة، وهو عاكف على لهوه وشرابه، فلما وقف على الخبر. خرج مع قواته وهو ثمل، واشتبك مع المهاجمين في معركة حامية، وعندئذ ظهرت قوات ابن عباد من مكمنها وأطبقت عليه، فمزقت قواته وقتل خلال المعركة، واحتز رأسه وحمل إلى القاضي ابن عباد (المحرم سنة 427 هـ) ورد ابن عباد قرمونة إلى صاحبها السابق، حليفه محمد بن عبد الله البرزالي.
بيد أنه لم تمض على ذلك أعوام قلائل حتى ساء التفاهم بين ابن عباد والبرزالي.
وكان ابن عباد يرى أن قرمونة، وهي حصن إشبيلية من الشرق يجب أن تكون في حوزته، فسير ولده إسماعيل في حملة قوية إلى قرمونة فاستولى عليها. ثم استولى بعد ذلك على مدينة إستجة الواقعة في شرقها وكذلك على مدينة أشونة الواقعة
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 199 و 200، وأعمال الأعلام ص 154.
(2) نقط العروس لابن حزم (المنشور بمجلة كلية الآداب ديسمبر 1951) ص 83 و 84.
(2/38)

جنوبي إستجة، فاستغاث البرزالي بزملائه من الزعماء البربر، وهرع إلى نصرته إدريس المتأيد صاحب مالقة، وباديس بن حبوس صاحب غرناطة، وكان كلاهما يتوجس من مشاريع ابن عباد وأطماعه، ووقعت بين البربر وجند إشبيلية عدة معارك عنيفة، واستطاع البربر أن يخترقوا أراضي إشبيلية حتى قلعة جابر (1) حصنها من الشرق، وانتهى الأمر بأن هزم الإشبيليون، وقتل أميرهم إسماعيل ابن عباد، واحتز رأسه وحمل إلى باديس، وذلك أسوة بما حدث ليحيى المعتلي، وكان ذلك في أوائل المحرم سنة 431 هـ (أواخر سنة 1039 م) (2).
فكان لتلك النكبة أسوأ وقع في نفس القاضي ابن عباد، فندب ولده الثاني عباداً لتدبير الشئون، وقيادة الجيش، فأبدى قوة وحزماً، ولبث زهاء عامين مضطلعاً بمهمته، حتى توفي أبوه في نهاية جمادى الأولى سنة 433 هـ (يناير 1042 م).
وكان القاضي ابن عباد عالماً أديباً، وشاعراً مطبوعاً، ومن قوله في الفخر:
ولابد يوماً أن أسود على الوري ... ولو رد عمرو للزمان وعامر
فما المجد إلا في ضلوعي كامن ... ولا الجود إلا في يميني ثابر
يجيش العلي بين جنبي جايل ... وبحر الندى أسير كفي زاخر
ويمكننا أن نعتبر القاضي محمد بن إسماعيل بن عباد، مؤسس دولة بني عباد الحقيقي، ومنشىء ملكهم ورسوم مملكتهم، وعلى يده اتخذ سلطان بني عباد ألوانه الملوكية المدعمة بالقوى العسكرية، وإن لم يصل بعد إلى غايته من الروعة والضخامة، وأصبح ملوكية وراثية راسخة، بعد أن كان يتخذ فقط صورة الزعامة، والرياسة القبلية.
- 2 -
فولى الأمر من بعده ولده أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل، وتلقب أولا بفخر الدولة، ثم بالمعتضد بالله، وكان يوم ولايته فتى في السادسة والعشرين، وكان مولده في صفر سنة 407 هـ (1016 م). وقد أجمعت الروايات المعاصرة والقريبة من العصر، على الإشادة بخلال المعتضد الباهرة، وصفاته المثيرة معاً. ويصفه ابن حيان، وهو معاصره، ومتتبع لأحداث حياته وحروبه، بأنه "زعيم جماعة أمراء الأندلس في وقته، أسد الملوك، وشهاب الفتنة، وداحض العار، ومدرك الأوتار،
_______
(1) هي بالإسبانية Alcalà de Guadaira، وما تزال أطلالها قائمة حتى اليوم.
(2) جذوة المقتبس ص 29 و 30.
(2/39)

وذو الأنباء البديعة، والجرائر الشنيعة، والوقائع المثيرة، والهمم العلية، والسطوة الأبية". وابن حيان أميل إلى تزكية المعتضد منه إلى الحكم عليه، حسبما يبدو ذلك من قوله "فلقد حمل عليه على ممر الأيام في باب فرط القسوة، وتجاوز الحدود والابلاغ في المثلة، والأخذ بالظنة، والإحتقار للذمة، حكايات شنيعة لم يبد في أكثرها للعالم بصدقها دليل يقوم عليها، فالقول ينساق في ذكرها، ومهما برىء من مغيبها فلم يبرأ من فظاعة السطوة، وشدة القسوة، وسوء الاتهام على الطاعة، سجايا من جبلَّته لم يحاش فيهن ذو رحم واشجة". بيد أن ابن بسام، وقد عاش قريباً من عصر المعتضد، يبدو أشد قسوة في الحكم عليه إذ يصفه فيما يلى: "قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية المحنة، من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد، ولا سلم عليه قريب ولا بعيد، جبار أبرم الأمر وهو متناقض، وأسد فرس الطلى وهو رابض، متهور تتحاماه الدهاة، وجبان لا تأمنه الكماة، متعسف اهتدى، ومنبت قطع فما أبقى، ثار والناس حرب، وكل شىء عليه ألب، فكفى أقرانه وهم غير واحد، وضبط شأنه بين قائم وقاعد، حتى طالت يده، واتسع بلده، وكثر عديده وعدده، حربه سم لا يبطىء، وسهم لا يخطىء، وسلمه شر غير مأمون، ومتاع إلى أدنى حين " (1).
وافتتح المعتضد عهده بأمور كشفت عن صرامته وعنف وسائله، منها قتل حبيب وزير أبيه، ومنها اضطهاد الزعماء القدماء ونكبتهم، وقد كان في مقدمة هؤلاء الفقيه أبو عبد الله الزبيدي، وأبو محمد عبد الله بن مريم زميلا جده القاضي ابن عباد في الرياسة، وذلك حتى لا يقوم لأحد من ذوي العصبيات القوية قائمة.
ثم وضع خطته الشاملة للاستيلاء على قواعد الغرب من أمرائها الأصاغر، حتى يخلص الغرب كله من الوادي الكبير إلى المحيط لسلطان بني عباد.
إمارات غربي الأندلس
وكانت أولى هذه القواعد مدينة لبلة الواقعة غربي إشبيلية، وشمال شرقي ثغر ولبة، وكان قد ثار بها أيام الفتنة، أبو العباس أحمد بن يحيى اليحصبي المعروف باللبلي، أحد كبرائها، وضبطها، وبايعه أهلها (سنة 414 هـ) وبسط سلطانه
_______
(1) أورده ابن بسام في ترجمة المعتضد في الذخيرة، وأورده دوزي في Historia Abbadidarum, V.I.p. 241 & 242. وأورده ابن الأبار في الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 40 و 41.
(2/40)

على ما حولها من الأراضي ومنها "جبل العيون" (1)، واستمر في حكم دولته الصغيرة زهاء عشرين عاماً، ثم توفي سنة 434 هـ، وأوصى بالحكم من بعده لأخيه أبي عبد الله محمد بن يحيى اليحصبي الملقب بعز الدولة، فمضى في حكمها على ما كان عليه من النظام والرخاء والأمن، حتى بدأ المعتضد بن عباد يرهقه بمطالبه وغاراته، ثم كشف المعتضد القناع، وهاجم لَبلة بقواته. فاستغاث ابن يحيى بصديقه المظفر ابن الأفطس صاحب بطليوس، فلبى نداءه وسار إلى نجدته بقواته، وحرك في نفس الوقت بعض حلفائه البربر إلى مهاجمة إشبيلية. ولما وقف الوزير أبو الوليد بن جهور على تلك الحركة أهمته، وتوجس من عواقبها، فأرسل إلى الزعماء المتخاصمين رسله ينصحهم بوجوب التريث، والتمسك بأهداب التفاهم والسلم، ويحذرهم من عواقب الفتنة، فلم يصغ إليه أحد منهم، وبادر المعتضد، في الوقت الذي سارت فيه قوات ابن الأفطس إلى إنجاد ابن يحيى، فأرسل قواته لمهاجمة أراضي ابن الأفطس، فعاثت فيها وخربتها، ثم سار المعتضد بنفسه إلى لبلة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة، هزم فيها ابن الأفطس أولا، ثم دارت الدائرة بعد ذلك على المعتضد، وقتل عدد كبير من جنده (439 هـ - 1047 م). وسارت بعض طوائف البربر في نفس الوقت، وعاثت في شرقي إشبيلية، وقطعت الطرق، وفتكت بالسابلة، وساءت الأحوال في المنطقة كلها.
والظاهر أن ابن يحيى رأى في النهاية أن يتفاهم مع المعتضد بعد الذي نزل ببلاده من الخراب والعيث، فعقد معه الصلح. ولكن ذلك لم يرض المظفر بن الأفطس، فأبى أن يرد إلى ابن يحيى ودائعه وأمواله، التي أودعها عنده حينما هاجمه المعتضد، ثم أرسل قواته لمهاجمة لبلة، فاستغاث ابن يحيى بالمعتضد فأرسل إليه الأمداد، واستمرت المعارك بين الفريقين حيناً.
تم عادت الحرب فاضطرمت بين المعتضد وابن الأفطس في سنة 442 هـ (1050 م) وعاث المعتضد في أراضي ابن الأفطس، وافتتح منها عدة حصون ضمها إلى مملكته، وأتلف الزروع وخرب كثيراً من القرى، وقتل الكثير من جند ابن الأفطس، ونضبت موارده، فانتهى إلى الاعتصام بحاضرته بطليوس وذلك على ما نفصله فيما بعد في أخبار مملكة بطليوس. وأخيراً تدخل الوزير
_______
(1) وهي بالإسبانية Gibraléon
(2/41)

ابن جهور بين الفريقين، واستمر في مساعيه الحثيثة حتى عقد الصلح بين المعتضد وابن الأفطس في ربيع الأول سنة 443 هـ (1051 م).
والتفت المعتضد بعد ذلك إلى لَبلة فضيق الخناق عليها، وفي النهاية اضطر
أميرها عز الدولة أن يتنازل عن حكمها لابن أخيه أبي نصر فتح بن خلف اليحصبي الملقب بناصر الدولة، على أن يعقد السلم مع المعتضد، وأن يؤدي له جزية سنوية.
وانتقل بأهله وأمواله إلى قرطبة، ليعيش هناك في كنف الوزير أبي الوليد بن جهور وذلك في أواخر سنة 443 هـ.
على أن المعتضد لم يقنع بهذا الحل، ولم يمض سوى القليل حتى نقض السلم المعقود، وبعث قواته فهاجمت لبلة، واضطر ناصر الدولة أن يدافع عن نفسه، واستمرت الحرب بينهما حيناً، حتى خربت بسائط لبلة وقتل كثير من جندها، وسبى كثير من أهلها، وذلك بالرغم مما بذله ناصر الدولة من جهود يائسة للدفاع عن ملكه، وما قام به من غارات متعددة على أراضي إشبيلية. وفي النهاية اضطر ناصر الدولة أن ينزل على حكم القوة القاهرة، وأن يسلم لبلة إلى خصمه القوى، وأن يغادرها إلى قرطبة، ليعيش هناك إلى جانب عمه. وكان سقوط لبلة في يد المعتضد بن عباد سنة 445 هـ (1053 م) (1).
هذا وربما كانت لبلة هي الوحيدة بين مدن الأندلس المسلمة، التي ما زالت
تحتفظ حتى اليوم بأسوارها الأندلسية كاملة. وقد زرناها وشهدنا أسوارها العتيقة
الضخمة التي تحيط بها من كل ناحية إلا من ناحيتها الشرقية على النهر المسمى "النهر
الأحمر" Rio Tinto. وتمثل هذه الأسوار، التي جددها الموحدون في القرن الثاني عشر، منعة لبلة الأندلسية وموقعها الحصين فوق الربوة العالية التي تحتلها، وهو منظر رائع حقاً لا يدانيه في روعته سوى أسوار مدينة آبلة الرومانية العربية.
وثمة خاصة أخرى تمتاز بها لبلة، وهي أنه لم يطرأ علي خططها الأندلسية القديمة كثير من التغيير، فهي ما زالت تحتفظ داخل الأسوار بطابعها الأندلسي المحض.
وعنى المعتضد في الوقت نفسه بالاستيلاء على إمارتين صغيرتين أخريين من
_______
(1) راجع ما نقله ابن بسام في الذخيرة (عن ابن حيان) في دوزي: Historia Abbadi- darum V.I.p. 244-252. , والبيان المغرب ج 3 ص 209 و 210 و 211 و 234 و 240 و299 و 300 و 301، وأعمال الأعلام ص 156، وابن حيان (نقله ابن بسام في الذخيرة) القسم الأول المجلد الأول ص 360.
(2/42)

إمارات ولاية الغرب، أولهما إمارة ولبة وجزيرة شلطيش، الواقعة جنوب غربي لبلة، وإمارة شنتمرية الغرب في غربها.
فأما إمارة ولبة وجزيرة شلطيش الواقعة تجاهها في المحيط في مصب نهر أوديل فقد آلت في أعقاب الفتنة إلى أبي زيد عبد العزيز البكري - كبير زعمائها - وبويع بها في سنة 403 هـ، واستمر مضطلعاً بحكمها مدة طويلة، والسلام يرفرف على أرجائها. فلما قوي سلطان بني عباد بإشبيلية، واتجهت أطماعهم إلى الاستيلاء على إمارات الغرب، أخذ المعتضد يضيق الخناق على ثغر ولبة، ويرهقه بغاراته، ويقطع السبل إليه. فساءت أحوال الإمارة الصغيرة، ولم يجد البكري سبيلا إلا مفاوضة ابن عباد في عقد الصلح على أن يسلم إليه ثغر ولبة، ويكتفي هو بجزيرة شلطيش، فوافق ابن عباد على ذلك، ولكنه ما لبث أن أخذ في مضايقة البكري في جزيرته، وفرض عليه نوعاً من الحصار. وعندئذ اضطر البكري أن يفاوضه مرة أخرى في التنازل عن جزيرة شلطيش، وانتهى إلى أن باعه أملاكه وسفنه وأثقاله بعشرة آلاف مثقال من الذهب، وغادر الجزيرة، بأهله وأمواله، إلى قرطبة ليعيش هناك في كنف ابن جهور أسوة بزميله ابن يحيى أمير لبلة (443 هـ 1051 م). وفي رواية أخرى أن البكري سار إلى إشبيلية وعاش بها في كنف ابن عباد إلى أن توفي بها في سنة 450 هـ. بيد أننا نؤثر الرواية الأولى وهي رواية ابن حيان، معاصر هذه الحوادث ومدونها بطريق العلم والتحقيق (1).
هذا وقد اختفت جزيرة شلطيش من مصب نهر أوديل ولم يبق لها اليوم وجود.
وأما إمارة شنتمرية الغرب الصغيرة الواقعة على المحيط في جنوبي البرتغال، فقد بويع بها أبو عبد الله محمد بن سعيد بن هارون سنة 433 هـ خلفاً لأبيه سعيد ابن هارون، ولبث في حكمها بضعة أعوام إلى أن بدأ المعتضد في مضايقته ومحاربته.
وألفى ابن هارون أن لا قبل له بمقاومة هذا الأمير الباغي، فنزل له عن ثغره، وخرج بأهله وصحبه إلى إشبيلية (443 هـ - 1051 م) وهناك توفي بعد أشهر قلائل. وقيل إن خروج ابن هارون من شنتمرية كان في سنة 449 هـ (2). وتقوم اليوم مدينة فارو البرتغالية فوق موقع شنتمرية الأندلسية.
ولم يبق من إمارات الغرب بعد ذلك سوى إمارة شلب، وكانت في الواقع
_______
(1) ابن حيان، ونقله دوزي في: Hist.Abbadidarum V.I.p. 252-253
(2) البيان المغرب ج 3 ص 205 و 298، 299.
(2/43)

أهم إمارات الغرب بعد إشبيلية، وكانت تشمل فضلا عن كورة شِلْب (1)، وهي الواقعة في قاصية جنوبي البرتغال، كورة باجة. وكان الحاجب عيسى بن محمد قد تغلب في أعقاب الفتنة على هذه المنطقة النائية، وأقام بها دولة، واستمر مسيطراً عليها حتى توفي في سنة 432 هـ. فخلفه في حكمها ولده محمد بن عيسى الملقب بعميد الدولة، واضطر اتقاء لعدوان ابن عباد أن ينزل له عند مدينة باجة وأن يكتفي بحكم شلب. وكان ابن عباد قد استولى قبل ذلك على ميرتلة قاعدتها الجنوبية من يد صاحبها ابن طيفور في سنة 436 هـ، وأصبحت باجة تحت رحمته.
واستمر عميد الدولة في حكم شلب حتى توفي سنة 440 هـ. وعندئذ ثار بها القاضي عيسى بن أبي بكر بن مُزَين فبايعه أهلها، وبسط حكمه عليها، وتلقب بالمظفر واستمر حكمه خمسة أعوام، وابن عباد دائب على مهاجمته وشن الغارات عليه، وهو يرده ما استطاع، حتى قتل في أواخر سنة 445 هـ، مدافعاً عن مدينته.
فخلفه ولده محمد بن عيسى وتلقب بالناصر، وحكم حتى توفي سنة 450 هـ، فخلفه ولده عيسى وتلقب بالمظفر، وسار في الحكم على نهج أبيه وجده، من ضبط الأمور، وإقامة العدل. بيد أن المعتضد ما لبث أن كرر حملاته على شلب، ثم ضرب الحصار حولها، وقطع عنها سائر الأمداد، حتى اشتد الأمر على أهلها، وانتهى بأن اقتحمها بعد أن هدم أسوارها، ودخل القصر وقتل عيسى المظفر، وذلك في شوال سنة 455 هـ (1063 م)، وبذلك انتهت دولة بني مُزَين (2).
الإمارات البربرية
وهكذا استطاع المعتضد بن عباد، في نحو عشرين عاماً، أن يقضي على سائر إمارات الغرب الصغيرة، وأن يبسط سلطانه عليها، وأصبحت مملكة بني عباد، تشمل سائر الأراضي الممتدة من شاطىء نهر الوادي الكبير غرباً حتى المحيط الأطلنطي، هذا عدا رقعة تقع شرقي الوادي الكبير. على أن المعتضد لم يقنع بهذا التوسع الكبير في اتجاه الغرب، وإنما كان يضع الخطط في نفس الوقت للقضاء على الإمارات البربرية الصغيرة القائمة في شرقي الوادي الكبير في جنوبي الأندلس، حتى يقضي على خططهم وأطماعهم، وحتى يؤمن جناحه الدفاعي في تلك الناحية، ويغدو حراً في العمل والحركة في اتجاه الشمال والشرق.
_______
(1) وهي بالبرتغالية Silves
(2) البيان المغرب ج 3 ص 192 و 296 - 298. والحلة السيراء لابن الأبار ص 186.
(2/44)

وكانت هذه الإمارات البربرية التي استولى عليها وضبطها الزعماء البربر، المتخلفون من عصبة المنصور بن أبي عامر، فضلا عن مملكة بني حمود في مالقة والجزيرة، ومملكة باديس بن حبوس في غرناطة، تنحصر في أربعة وهي إمارة بني يفرن في رندة، وإمارة بني دمَّر في مورور، وإمارة بني خزرون في شذونة وأركش، وإمارة بني برزال في قرمونة. وكان بنو عباد في بداية أمرهم، يخطبون ود هؤلاء الزعماء البربر، ويعتمدون أحياناً على محالفتهم كما حدث عندما تحالف القاضي ابن عباد مع أمير قرمونة على قتال بني الأفطس، ثم على قتال يحيى بن حمود فيما بعد. ثم كان بين أبي نور هلال بن أبي قرة اليفرني صاحب رندة، وبين المعتضد بن عباد صداقة ومودة وثيقة العري، وكان المعتضد يبعث إليه، وإلى باقي الأمراء البربر، بالهدايا والصلات الجزيلة، وكل ذلك لكي يكسب حيادهم ومودتهم، وهو في أعماق نفسه يضمر لهم غاية الكيد والشر، ويتحين الفرص للإيقاع بهم.
وفي سنة 445 هـ، دبر المعتضد كمينه لأولئك الأمراء، فدعاهم إلى زيارته يإشبيلية، فلبى الدعوة ثلاثة منهم هم أبو نور بن أبي قرة صاحب رندة، ومحمد بن نوح الدمَّري صاحب مورور، وعبدون بن خزرون صاحب أركش، وقد ساروا إلى إشبيلية في أحسن زي، وأفخم مظهر، ومعهم نحو مائتي فارس من رؤساء قبائلهم. فاستقبلهم المعتضد أحسن استقبال، وأنزل الأمراء بقصر من قصوره، وفي اليوم الثالث استدعاهم إلى مجلسه، وأخذت يؤنبهم على تقصيرهم في محاربة أعدائه، ولما هموا بالرد أمر بالقبض عليهم، وتكبيلهم بالأغلال، ووضعهم في السجن فرادى، واستولى على سائر متاعهم وخيلهم وسلاحهم؛ وبعد مدة من اعتقالهم، أمر بادخالهم في الحمام، وبناء منافذه، وإضرام النار فيه حتى هلكوا، ويقال إنه أطلق ابن أبي قرة، وهلك صاحباه فقط في الحمام، وهما محمد بن نوح، وعبدون بن خزرون. وكان لغدر ابن عباد بالزعماء البربر على هذا النحو، أسوأ وقع في القبائل البربرية، وفي إذكاء سخطها على ابن عباد وتوجسها منه ومن مشاريعه.
واستمر المعتضد بعد ذلك في سعيه للاستيلاء على أملاك أولئك الأمراء؛ فأما أركش فقد حل في حكمها محمد بن خزرون مكان أخيه عبدون، فابتنى
(2/45)

ابن عباد قلعة حصينة على مقربة منها، وأخذ رجاله يغيرون منها على أركش ويرهقون أهلها، فسار بنو يرنِّيان، وهو اسم قبيلة البربر النازلة بها، إلى كبيرهم باديس في غرناطة، واتفقوا معه على أن يسلموه أركش على أن يفسح لهم مقاماً في مملكته ينزلون به، وخرجوا من أركش بأموالهم ومتاعهم وحريمهم، وسلموها إلى جند باديس، فلما بعدوا عنها بمسافة نحو عشرين ميلا، تعرضت لهم جند ابن عباد ووقع القتال بينهم وبينه، ودافع البربر عن أنفسهم دفاعاً شديداً، حتى أبيد أكثرهم، وقتل زعيمهم محمد بن خزرون، وقتل قائد باديس الذي كان معهم، وملك ابن عباد أركش وشذونة وسائر هذه المنطقة، وكان ذلك في أواخرسنة 458 هـ (1066 م) (1).
وأما مورور أو مورون، وهي منزل بني دمَّر، فإنه بعد أن هلك أميرها محمد بن نوح في سنة 445 هـ، أو على قول آخر في سنة 449 هـ، في حبس ابن عباد، خلفه ولده مناد بن محمد بن نوح الملقب بعماد الدولة، وضبط مورور وحسنت سيرته، وقصد إليه البربر من إشبيلية ومن إستجة وغيرهما، فكثر جمعه، هذا والمعتضد يتربص الفرصة للإيقاع به، ويرسل جنده للإغارة عليه، وانتساف زروعه، وحرق قراه، وأخيراً حاصرت جند ابن عباد مورور حصاراً شديداً، وضيقت عليها المسالك، حتى اضطر عماد الدولة أن يذعن إلى التسليم، على أن يعيش في إشبيلية، في كنف المعتمد وتحت حمايته، فأجابه المعتضد إلى طلبه، وسلم إليه المدينة (458 هـ) وقصد إلى إشبيلية بأهله وماله، وعاش بها حتى توفي في سنة 468 هـ (2).
وأما رندة، وهي أهم هذه الإمارات الجنوبية وأمنعها، فكانت منزل بني
يفرن. ولما وقع أميرها أبو نور هلال بن أبي قرة اليفرني في اعتقال المعتضد سنة 445 هـ، قام ولده باديس مكانه في رندة، ولكنه كان فاجراً سفاكاً، فسطا على الأموال والأعراض، وعاث رجاله في المدينة سبياً ونهباً، ولم يعف عن الاعتداء على أقرب الناس إليه. فلما أفرج عن أبيه، عاد إلى رندة، وقتل ولده الفاسق (449 هـ)، ولكنه لم يعش بعده سوى أشهر قلائل وتوفي في نفس العام، فخلفه ولده أبو نصر فتوح، وبويع له في رندة، وفي سائر بلاد ريُّه، وكان
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 294.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 295 و 296.
(2/46)

محسناً عادلا، ولكنه كان شغوفاً بالشراب، مخلداً إلى الراحة، فدس عليه المعتضد رجلا من أقرب صحبه يدعى ابن يعقوب، فهجم عليه في أصحابه ذات يوم، وهو يصيح بشعار ابن عباد، فألقى أبو نصر نفسه من أعلى القصبة فمات، ولم يبد أهل المدينة أية مقاومة، وخلصت رندة وأعمالها على هذا النحو، إلى المعتضد، وذلك في سنة 457 هـ (1065 م) (1).
وأما قَرْمونة فكانت حسبما تقدم في يد بني برزال. وتقع قرمونة على مقربة من شمالي شرقي إشبيلية، وتعتبر لمنعتها الفائقة حصن إشبيلية من الشرق، وما يزال يقوم بها حتى اليوم، بابها الغربي المواجه لطريق إشبيلية، والمسمى حتى اليوم باسمه الأندلسي باب إشبيلية، وهو يعتبر بعقده الشاهق وواجهته العظيمة، من أمنع الأبواب الأندلسية الباقية. وكان أمير قرمونة أيام القاضي ابن عباد، محمد بن عبد الله البرزالي، الذي سبق أن أشرنا إلى قصة تحالفه مع ابن عباد ضد بني الأفطس وضد يحيى بن حمود. واستمر في حكم قرمونة وأعمالها مثل إستجة ومرشانة حتى توفي سنة 434 هـ، فخلفه ولده عزيز الملقب بالمستظهر، وانتظمت الأحوال وعم السلم والرخاء في عهده، إلى أن بدأ المعتضد في مضايقته وغزو أراضيه. ولم تزل الحرب بينهما بضعة أعوام حتى خربت البلاد، وفنى كثير من البربر، واضطر المستظهر أن يذعن إلى التسليم، فخرج من قرمونة وسلمها إلى ابن عباد، وذلك في سنة 459 هـ (1067 م)، وتوفي بعد قليل في إشبيلية (2).
هذا وسوف نعود إلى تناول هذه الإمارات البربرية في فصل خاص بها.
وكان المعتضد قد استولى قبل ذلك على الجزيرة الخضراء. وكان أميرها القاسم بن محمد بن حمود، قد خلف أباه في حكمها في سنة 440 هـ، وكان المعتضد يسعى إلى القضاء على سلطان الحمُّوديين وخلافتهم. ومن جهة أخرى فقد كان يهمه الاستيلاء على الجزيرة، وهي باب الأندلس من الجنوب، فبعث قواته إليها فطوقتها من البر والبحر، وضيقت عليها الحصار، حتى اضطر القاسم إلى طلب الأمان والتسليم إلى قائد المعتضد عبد الله بن سلام، فأجابه إلى مطلبه. وخرج
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 208 و 312 و 313.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 312.
(2/47)

القاسم بأهله وأمواله في مركب أعده له ابن سلام، وسار إلى ألمرية حيث التجأ إلى أميرها المعتصم بن صمادح، وعاش بها حتى توفي. وكان استيلاء ابن عباد على الجزيرة الخضراء في سنة 446 هـ (1054 م) (1).
وهكذا أضحت مملكة إشبيلية أو مملكة بني عباد تضم من أراضي الأندلس القديمة رقعة شاسعة تشمل المثلث الجنوبي من شبه الجزيرة، وأرض الفرنتيرة شمالا حتى شواطىء الوادي الكبير، ثم تمتد بعد ذلك من عند منحنى الوادي الكبير، غرباً حتى جنوبي البرتغال وشاطىء المحيط الأطلنطي، وبذلك أضحت أعظم ممالك الطوائف، وأغناها من حيث الموارد الطبيعية، وأقواها من حيث الطاقة الحربية.
ولم يكن يغشى هذه المكانة التي بلغتها إشبيلية من الضخامة والقوة والغنى، سوى ناحية قاتمة واحدة، هي موقفها من ملك قشتالة فرناندو الأول (2). ذلك أن هذا الملك القوي كان يطمح إلى أن يبسط سيادته على اسبانيا كلها، وكان يرى في ممالك الطوائف، وما يسودها من الخلاف والتفرق، فرائس هينة. ففي سنة 1062 م (454 هـ)، خرج من قشتالة بجيش كبير من الفرسان والرماة، وغزا مملكة طليطلة، وعاث فيها وخرب سهولها وزورعها، حتى اضطر ملكها المأمون ابن ذى النون، أن يطلب الصلح، وأن يتعهد بدفع الجزية. وفي العام التالي، سنة 1063 م (455 هـ) عاد فغزا أراضي مملكتي بطليوس وإشبيلية، واضطر المعتضد بن عباد، أن يحذو حذو المأمون، في طلب الصلح والتعهد بدفع الجزية، وقصد المعتضد بنفسه إلى معسكر ملك قشتالة، وقدم إليه عهوده شخصياً، وطلب إليه ملك قشتالة بهذه المناسبة أن يسلمه رفات القديسة "خوستا" شهيدة إشبيلية، فوعده بتحقيق رغبته. ولما توفي فرناندو بعد ذلك بثلاثة أعوام وخلفه ولده سانشو (شانجه) في حكم مملكة جليقية، كان المعتضد يؤدي إليه الجزية أسوة بأبيه، واستمر في تأديتها حتى وفاته (3).
- 3 -
وحدثت خلال هذه الفترة التي قضاها المعتضد بن عباد في افتتاح الإمارات
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 242 و243.
(2) ويسمى في الرواية العربية فرذلند أو فرانده.
(3) راجع: R. Menendez Pidal: La Espana del Cid, p. 135 & 140.
(2/48)

الغربية، والإمارات البربرية، عدة حوادث داخلية هامة، كان في مقدمتها بطش المعتضد بولده اسماعيل.
وقد ساق إلينا ابن حيان قصة هذه المأساة، وكان معاصراً لها، متتبعاً لحوادثها، في خبر طويل، خلاصته أنه في سنة 450 هـ، تواترت الأنباء في قرطبة بأن المعتضد قد دبر نزول قواته بمدينة الزهراء ضاحية قرطبة الغربية تمهيداً لافتتاحها، وندب ولده وولي عهده إسماعيل الملقب بالمنصور للقيام بهذه المهمة. ولكن إسماعيل لم يشأ أن يقوم بهذه المهمة، لأنه وفقاً لبعض الروايات كان يحقد على أبيه ويستوحش منه لأسباب خاصة، أو لأنه وفقاً لرواية أخرى كان يرى أن مهاجمة قرطبة على هذا النحو مغامرة خطيرة يرجح فشلها، ولاسيما لما كان بين آل جهور سادة قرطبة، وبين باديس أمير غرناطة من محالفة وثيقة العرى. ومن ثم فقد راجع إسماعيل أباه وحذره من العواقب، فأغلظ له أبوه في القول، وألزمه المسير، وأنذره بالقتل إذا نكل، فعندئذ ثارت نفس إسماعيل، وعول على الفرار مع بعض خواصه. ويقال إن الذي شجعه على ذلك وزير أبيه وكاتبه، أبو عبد الله محمد بن أحمد البزلياني، حينما شكا إليه ما يلقاه من غلظة والده وقسوته، فحسن له العقوق والعصيان، والسير إلى أطراف المملكة، حيث ينفرد بنفسه، وعندئذ دبر إسماعيل أمره، وانتهز فرصة غياب أبيه إلى مكان متنزهه في حصن الزاهر، في الضفة الأخرى من النهر، فحزم قدراً كبيراً من المال والذخائر والمتاع، وأخذ أمه وحرمه، وخرج من إشبيلية تحت جنح الليل، ومعه الوزير البزلياني، وثلة من نحو ثلاثين فارساً، وسار في طريق الجزيرة الخضراء، وعلم أبوه بالخبر بعد وقت، فبادر بإخراج عدة من فرسانه في أثره، وبعث ينذر قواد الحصون.
وكان إسماعيل قد وصل خلال ذلك إلى قلعة من قلاع كورة شذونة، وطلب إلى حاكمها ابن أبي حصاد، أن يجيره، فاستقبله وأنزله بالقلعة هو ومن معه، وبادر فكتب إلى المعتضد بحصول إسماعيل في يده، وأنه نادم على ما فعل، ورجاه في العفو عنه، فسر المعتضد، واستجاب إسماعيل لدعوة أبيه إليه بالعودة، ودخل إشبيلية بسائر ماله ومتاعه، فاعتقله أبوه في بعض الدور، واسترد المال والمتاع، وعجل بإعدام الوزير البزلياني لفرط حنقه عليه، وقتل معه نفراً من خواص إسماعيل، فلم يشك إسماعيل عندئذ في مصيره. ودبر مع بعض الموكلين به مؤامرة لدخول القصر والفتك بأبيه والجلوس مكانه، واستطاع بالفعل أن يدخل
(2/49)

القصر ليلا مع بعض أعوانه، ولكنه سقط مرة أخرى في يد أبيه الساهر الحذر.
وعندئذ قرر المعتضد قتل ولده، وقتله بنفسه، وأخفى جثته، فلم يقف أحد على أثره، وعذب شركاءه أشنع عذاب، وقطع أطرافهم، ثم أعدمهم، وأعدم كذلك نفراً من حرمه ونسائه، حتى قطع دابر كل من كانت له بولده علاقة أو صلة، وكانت مأساة مروعة، وكان لها في قواعد الأندلس أعمق صدى (1).
وقد أورد لنا ابن بسام في الذخيرة صورة كتاب أمر المعتضد بكتابته عن المأساة إلى رؤساء الأندلس يصف فيه أطوار الحادث ويبرر تصرفه في إزهاق ولده "الخائن الغادر" حسبما يصفه. وقام بإنشاء هذه الرسالة ابن عبد البر كاتب المعتضد، وذلك ارتجالا، بين يدي المعتضد، وبمحضر من الوزراء والكتاب، فجاءت قطعة من البلاغة الرفيعة، وإليك بعض ما ورد فيها:
" إن الغوى اللعين، العاق الشاق، إسماعيل ابنى بالولاد، لا بالوداد، ونجلى بالمناسب لا بالمذاهب، كنت قد ملت بهواى إليه، وقدمته على من هو أسنى منه، وحبك الشىء يعمي ويصم، والهوا يطمس عين الرائي، إذ يلم، فآثرته بأرفع الأسماء والأحوال، ووسعت عليه في خطيرات الذخائر والأموال، وأخضعت له أكابر رقاب الجند ووجوه الرجال، ودربته في مباشرة الحروب، وأجريته على مقارعة الخطوب، ولم يكن مما أحسبه أني إنما أشحذ على نفسي منه الشفرة، وأوفد بالتدريب والتخريج تحت حصى الجمرة، وما كنت خصصته بالإيثار، واستعملته بالمكافحة والقرار، إلا لجزالة كنت أتوسمها فيه، كانت عيني بها قريرة، وشهامة كنت أتوهمها فيه كانت نفسي بها مسرورة، فإذا الجزالة جهالة، والشهامة شرة وكهامة، وقد تفتن الآباء بالأبناء، وينطوي عنهم ما ينطوون عليه من الأسواء، مع أن الآراء قد تنشأ وتحدث، والنفوس قد تطيب وتخبث، بقرين يصلح أو يفسد، وخليط يغوي أو يرشد، كما أن داء العر قد يعدي، كذلك قرين السوء قد يردي، ومن اتخذ الغاوي خديناً، عاد غاوياً ظنيناً، ومن يكن الشيطان له قريناً، فساء قرينا".
ويصف الكتاب بعد ذلك أدوار المؤامرة التي دبرها إسماعيل منذ فراره وعوده،
وعفو والده عنه، ويقول "فإذا به كالحية لا تغنى مداراتها، والعقرب لا تسالم
_______
(1) راجع رواية ابن حيان في دوزي Historia Abbadidarum, V.I.p. 256-259 وكذلك البيان المغرب ج 3 ص 244 و 248 و 249.
(2/50)

شباتها، وكأنه قد استصغر ما أتى، واستحقر ما جنى، فزرا وسرا ما صارت به الصغرى، التي كانت العظمى". ثم يصف ائتماره بأبيه وتسوره القصر ليلا، وفشل المؤامرة، والقبض على المتآمرين، "حتى أظفر الله بهم، وأقيمت حدود الله تعالى على الجميع منهم، وأنفذت حكم العدل فيهم ".
ثم يحاول أن يبرر تصرفه فيما يلي: "فاعجب يا سيدي لأبناء الزمن، وأنباء الفتن، وانقلاب عين الإبن المقرب الودود، إلى حال الواتر المحسود، والثائر الحقود، واعتبر في ورد المساءة، من موطن المسرة، وطلوع المحنة. وقد أربت هذه الحال على كل ما جر عليه عقوق من الأبناء والبنين، من السلف المتقدمين، فلم يكن أكثر مما وجدناه من ذلك في الأخبار والآثار، استيحاشاً وشروداً، ونبوا ونددوا، إلا ما شذ لأحد ملوك الفرس، وآخر من بني العباس. وجمع هذا اللعين في إرادته ومحاولته، بين الشاذ والنادر، والمنكر الدائر، وزاد إلى استيحاشه الذم، التعرض لإباحة الحرم، وإلى ما رام من إتلاف المهجات، السافح فيها كان يجري على العورات المصونات، وهو زمان فتنة، وشمول إحنة ودمنة، والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وأصدق من هذا قوله تعالى: " إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم، فاحذروهم " نفثت يا سيدي نفثة مصدور، وأطلت في الشرح والتفسير، خروجاً إليك عن هذا الخطب الخطير، والملم الكبير، وهو خبر فيه معتبر " (1).
ونحن نعرف أن فتك المعتضد بن عباد بولده لم يكن هو أول مثل من نوعه في تاريخ الأندلس. فقبل سبعين عاماً، قتل المنصور بن أبي عامر ولده عبد الله، ومن قبل ذلك قتل الناصر لدين الله ولده عبد الله أيضاً، وكلاهما في مثل هذه الظروف، ولمثل هذه الأسباب، أعني لتطلعه إلى انتزاع السلطان من يد أبيه، وائتماره بحياته. بيد أن المعتضد هو أول أمير من هؤلاء يعني بشرح موقفه وظروفه، وتبرير تصرفه الدموي، في هذه الوثيقة أو هذه الرسالة، التي وجهها إلى زملائه أمراء الأندلس. وقد كان من الطبيعي أن يتوجس أمير مستبد، صارم عنيف الأهواء، مثل المعتضد بن عباد،
_______
(1) راجع دوزي Historia Abbadidarum, V.I.p. 253-256 , والبيان المغرب ج 3 ص 245 و 248.
(2/51)

من تصرف ولده الحاقد الناقم، المتربص به، ولاسيما إذا صحت الوقائع التي تسوقها إلينا الرواية المعاصرة عن ائتماره بأبيه، وتسوره القصر ليلا للفتك به، وهي رواية مؤرخ معاصر محايد معاً، هو ابن حيان القرطبي.
وفي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، قطع المعتضد بن عباد الدعوة لهشام المؤيد في سائر أنحاء مملكة إشبيلية، وقد كان يدعي له بها منذ نحو خمسة وعشرين عاماً، أعني منذ زعم القاضي ابن عباد في سنة 426 هـ، أنه عثر بهشام المؤيد حياً، وبايعه ودعا له. وقيل في ذلك إن المعتضد دعا وجوه دولته إلى مجلسه، ونعى لهم هشاماً، وأنه قد مات بالفعل قبل ذلك من علة مزمنة، ولكن لم يعلن وفاته يومئذ، لاشتداد الفتنة، واضطرام النضال بينه وبين الأمراء المتألبين عليه، فلما سكنت الفتنة وجب التصريح بالحق. ومن ذلك الحين يصبح هشام في ذمة التاريخ، وينقطع ذكره بصفة نهائية. ويعلق ابن حيان على ذلك متهكماً في قوله: "وصارت هذه الميتة لحامل هذا الاسم الميتة الثالثة، وعساها أن تكون إن شاء الله الصادقة، فكم قتل وكم مات، ثم انتفض من التراب، ومزق الكفن قبل نفخة الصور ".
وقد قال بعضم في ذلك:
ذاك الذي مات مراراً ودفن ... فانتفض الترب ومُزق الكفن
فقد أعلنت وفاته لأول مرة على يد منتزع عرشه محمد بن هشام المهدي، ودفن بمحضر من العلماء والفقهاء في شعبان سنة 399 هـ، ونشر بعد نحو عام على يد الفتى واضح، وتولى الخلافة؛ وتوفي للمرة الثانية قتيلا بيد سليمان المستعين أو ولده محمد بن سليمان في سنة 403 هـ، ودفن خفية؛ ولما دخل علي بن حمود قرطبة، وكان الاعتقاد سائداً بأن هشاماً لم يمت وأنه قد اختفى، ولم يجد هشاماً بعد البحث عنه، أعلن وفاته ودعا لنفسه بالخلافة (407 هـ). ثم جاء القاضي ابن عباد بعد ذلك في سنة 426 هـ، فأعلن ظهور هشام، ودعا له، احتماء بظل الخلافة، ودفعاً لدعاوي بني حمود (1).
- 4 -
وقد أشرنا من قبل في بداية حديثنا عن المعتضد بن عباد إلى ما نسب إليه من
_______
(1) راجع رواية ابن حيان وتعليقاته على ذلك في دوزي: Historia Abbadidarum V.I.p, 250 , والبيان المغرب ج 3 ص 249.
(2/52)

الصفات الباهرة المثيرة معاً، ونود هنا أن نستعرض في شىء من التفصيل خواص هذه الشخصية القوية العنيفة.
كان المعتضد بن عباد، بلا مراء، أعظم ملوك الطوائف في عصره، وأوفرهم عزماً ودهاء، وأبعدهم مطامع. وتقدمه إلينا الروايات المعاصرة في صور قاتمة، يتجلى فيها عنفه، وقسوته وغدره، والتجاؤه إلى أي الوسائل لتحقيق غاياته، مهما كانت مجافية لمبادىء الأخلاق والشهامة والفروسية. وقد رأينا فيما تقدم في تطبيق سياسته، وفي حروبه، وفي تصرفاته، ما يؤيد هذه الصفات المثيرة.
ويقول لنا ابن حيان إن المعتضد كان يتخذ سيرة سميه الخليفة المعتضد بالله العباسي قدوة له (1)، ويهتدي بأخباره السياسية "التي أضحت عند أهل النظر أمثلة هادية إلى الاحتواء على أمد الرياسة، في صلابة العصا، وشناعة السطا، فجاء منها بمهولات تذعر من سمع بها، فضلا عمن عاينها". ثم يستدرك فيقول: "نسبوا إلى هذا الأمير الشهم عباد أمثالها من غير دلالة" (2). وقد رأينا فيما تقدم أن ابن حيان يميل أحياناً إلى الدفاع عن المعتضد، بالرغم مما يقصه من أخبار بطشه وقسوته المروعة.
وقد أنفق المعتضد بن عباد معظم حكمه في محاربة جيرانه من أمراء الطوائف، وكشف في محاربتهم عن قوة عزمه، وضخامة عدته، وإحكام خططه، ولكنه كشف في نفس الوقت عن قسوته وغدره، وروعة وسائله، وعلى أي حال فقد استطاع المعتضد بهذه الوسائل المثيرة أن يحقق أطماعه، وأن ينشىء مملكة إشبيلية الكبرى، أعظم ممالك الطوائف، وأن يوطد بها ملك أسرته، وأن يسبغ عليها نوعاً من الزعامة السياسية والأدبية لاسبانيا المسلمة كلها.
ويبدي ابن حيان حماسة في وصف سياسة المعتضد إذ يقول: "وسياسته أعيت على أنداده من أملاك الأندلس، فخرج منهم رجالا مساعير حرب أباد بهم أقتاله، ومن نادر أخباره المتناهية الغرابة، أن نال بغيته، وأهلك تلك الأمم العاتية، وإنه لغائب عن مشاهدتها، مترفه عن مكابدتها، مدبر فوق أريكته، منفذ
_______
(1) قال ابن الأثير في وصف الخليفة المعتضد العباسي ما يأتي: " وكان شهماً شجاعاً مقداماً ذا عزم، وكان فيه شح، وكان مهيباً عند أصحابه، يتقون سطوته، ويكفون عن الظلم خوفاً منه " (ج 7 ص 169 و 170).
(2) ابن حيان، ونقله دوزي في Hist. Abbadidarum V.I.p, 243
(2/53)

لحيلها، من جوف قصره، ما مشى إلى عدو أو مغلوب من أقتاله غير مرة أو مرتين، ثم لزم عريسته يدبر داخلها أموره، جرد نهاره لإبرام التدبير، وأخلص ليله لتملي السرور، ... وهو واصل نعم ليله، بإجابة كيده، ومبتدع نشاط لهوه بقوة أيده، له في كل شىء شوين، وعلى كل قلب سمع وعين.
ما أن سبر أحد من دهاة رجاله غوره، ولا أدرك قعره، ولا أمن مكره، لم يزل هذا دأبه منذ ابتدائه إلى انتهائه" (1).
وقال ابن القطان: "كان ذا سطوة كالمعتضد العباسي ببغداد، وكان ذا سياسة ورأي يدبر ملكه من داره. وكان يغلب عليه الجود، فلم يعلم في نظرائه أبذل منه للمال" (2).
ووصفه ابن الخطيب بأنه: "كان شديد الجرأة، قوي المنة، عظيم الجلادة، مستهيناً بالدماء" (3).
وقد انتهت إلينا عن قسوة المعتضد بن عباد قصة مروعة، هي قصة حديقة الرؤوس المحنطة، رؤوس أعدائه الذين سقطوا في ساحة الحرب، أو قتلوا غيلة، وحملت إليه رؤوسهم. ويقول لنا ابن حيان، إن المعتضد كان له بهذه الحديقة التي تملأ قلوب البشر ذعراً، مباهاة أكرم لديه من خزانة جواهر مكنونة، وقد أودعها هام الملوك الذين أبادهم بسيفه، منها رأس محمد بن عبد الله البرزالي، ورؤوس الحجاب ابن خزرون، وابن نوح، وغيرهم ممن قرن رؤوسهم برأس إمامهم الخليفة يحيى بن علي بن حمود، فخص رؤوسهم بالصون بعد إزالة جسومهم الممزقة، وبالغ في تطييبها وتنظيفها، وأودعها المصاون الحافظة لها، فبقيت عنده ثارية تجيب سائلها اعتباراً. ثم يقول لنا إن هذه الرؤوس الفانية كانت تحمل إلى المعتضد في ليالي أنسه وسروره، يشاهدها وهو يترع كؤوس الزاح، فترتاح نفسه لمعاينتها، والخلق يذعرون من التماحها (4). ويضيف
_______
(1) ابن حيان، ونقله دوزي في: Hist. Abbad. V.I.p. 243-244
(2) البيان المغرب ج 3 ص 284.
(3) أعمال الأعلام ص 156.
(4) ابن حيان ونقله دوزي في Hist, Abbadidarum, V.I, p. 243-244 , والبيان المغرب ج 3 ص 205 و 256.
(2/54)

ابن بسام إلى ذلك أنه لما افتتحت اشبيلية، وخلع المعتمد بن عباد، عثر المرابطون بهذه الرؤوس في جوالق وأوعية، ظن في البداية أن بها أموال أو جواهر، فهالهم الأمر، وسلم كل رأس منها لمن بقي من عقب أصحابها (1).
على أن هذه النواحي القاتمة لم تكن كل شىء في شخصية المعتضد، فقد كانت ثمة في هذه الشخصية نواح أخرى لامعة عنى ابن حيان أيضاً بالإشارة إليها. من ذلك ما سمت إليه همته من إنشاء القصور الباذخة، والرباع العظيمة المغلة، وما عنى به من تنظيم بلاط بني عباد، وتجهيزه بالعدد والمظاهر الملوكية الفخمة، ونفيس المتاع والرياش، حتى غدا أعظم وأفخم بلاط بين قصور الطوائف.
وقد اشتهرت قصور بني عباد في التاريخ والشعر، وقد كانت منها بمدينة إشبيلية قاعدة ملكهم عدة، منها قصر الإمارة وهو "القصر المبارك"، وقد كان يقع في شرقي نهر الوادي الكبير، في المكان الذي يشغله اليوم قصر إشبيلية الشهير El Alcàzar. والظاهر أنه كان من إنشاء المعتضد بن عباد، أو أنه هو الذي زاد فيه وأسبغ عليه رونقه وفخامته التي اشتهر بها. وقد كان ثمة أيضاً قصر الزاهي، وهو القصر الذي كان يتخذه المعتضد، ومن بعده ولده المعتمد، مكاناً للهو والقصف، وقد كان يقع على الضفة الأخرى من النهر، وتحيط به حدائق غناء (2). وقد ذكر لنا ابن زيدون في شعره، وذكر لنا المقري أسماء قصور أخرى تتصل بعصر المعتضد، وهي على الأغلب من إنشائه، ومن ثم فإنا نرجىء ذكرها إلى موضعها. وقد اقتنى المعتضد كثيراً من الجياد الصافنات، والغلمان والحشم، وأنشأ له جيشاً منتخباً من أبرع الفرسان والمقاتلة، وبذل لهم الصلات الوفيرة، فكان له ما شاء من التفوق العسكري على أنداده وخصومه، وكان جواداً "يباري جوده السحاب".
وأما عن شخص المعتضد، فقد ترك لنا عنه معاصره ابن حيان تلك الصورة الرائعة، قال: " وكان عباد قد أوتي من جمال الصورة، وتمام الخلقة، وفخامة الهيئة، وسباطة البيان، وثقوب الذهن، وحضور الخاطر، ما فاق
_______
(1) ابن بسام في الذخيرة ونقله نفس المصدر ص 240. والبيان المغرب ج 3 ص 205 و206.
(2) قلائد العقيان ص 24.
(2/55)

به أيضاً على نظرائه ". وقد اشتهر المعتضد بشغفه بالنساء، فكان إلى جانب زوجه الحسناء الأثيرة لديه، إبنة مجاهد العامري، وأخت ولده على إقبال الدولة صاحب دانية، يقتني في قصوره الفخمة، عدداً كبيراً من الجواري البارعات في الحسن والسحر، من سائر الأجناس والملل، بلغ عددهن حسبما قيل، نحواً من السبعين، وكان له من الولد الذكور نحو العشرين، وكذلك مثلهم من الإناث (1).
بقيت من صفات المعتضد، خلة لامعة، تبعث إلى الإعجاب والعطف في تلك الشخصية التي لا توحي معظم صفاتها إلا شعور المقت والروع، تلك هي أدبه الرفيع ونظمه الرائق. وهنا أيضاً نستعير قلم ابن حيان إذ يقول: "ونظر مع ذلك في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان، أدنى نظر، بأذكى طبع حصل منه لثقوب ذهنه، على قطعة وافرة علقها من غير تعهد لها، ولا إمعان في غمارها، ولا إكثار من مطالعتها، ولا منافسة في اقتناء صحائفها، أعطته سجيته على ذلك ما شاء من تحبير الكلام، وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة، في معان أمدته فيها الطبيعة، وبلغ فيها الإرادة، واقتبسها الأدباء للبراعة" (2).
وقال الحميدي: "كان أبو عمرو بن عباد صاحب إشبيلية، من أهل الأدب البارع، والشعر الرائع، والمحبة لذوي المعارف. وقد رأيت له سفراً صغيراً في نحو ستين ورقة من شعر نفسه" (3).
وقال ابن القطان: "وكان لأهل الأدب عنده سوق نافقة، وله في ذلك همة عالية، ألف له الأعلم أديب عصره، ولغوي زمانه، شرح الأشعار الستة، وشرح الحماسة، وألف له غيره دواوين وتصانيف لم تخرج إلى الناس" (4).
والأدب والشعر من محاسن الأسرة العبادية ومآثرها العريقة، فقد نبغ معظم رجالاتها في النثر والنظم، ولم تكن براعة المعتضد في الشعر إلا قبساً من تراث أسرته؛ ولقد بلغ ولده المعتمد، فيما بعد، في عالم الشعر أسمى مراتبه، وكان من أعظم شعراء الأندلس في عصره. وذكر لنا ابن بسام أن شعر المعتضد قد جمع بعناية ولد أخيه اسماعيل في ديوان أطلع عليه (5)، واختار منه ما اختار في الذخيرة
_______
(1) ابن حيان، ونقله دوزي في المصدر السابق ص 245. وفي الحلة السيراء (1964) ج 2 ص 43.
(2) ابن حيان، ونقله دوزي في المصدر السابق ص 245. وفي الحلة السيراء ج 2 ص 42.
(3) في جذوة المقتبس رقم 672. ونقله البيان المغرب ج 3 ص 285.
(4) البيان المغرب ج 3 ص 284.
(5) وهذا ما ذكره أيضاً ابن الأبار في الحلة السيراء (1964) ج 2 ص 43.
(2/56)

من المقطوعات. وهذه المقطوعات منوعة بين الفخر والغزل والوصف وغيرها، وكلها تدل على افتنان المعتضد، ومقدرته الشعرية الممتازة. فمن قوله في الفخر:
حميت ذمار المجد بالبيض والسمر ... وقصرت أعمار العداة على قسر
ووسعت سبل الجود طبعاً وصنعة ... لأشياء في العلياء ضاق بها صدري
فلا مجد للإنسان ما كان ضده ... يشاركه في الدهر بالنهي والأمر
ومن قوله حين استولى على رندة، وهو مما يتفق مع عنفه وصرامته:
لقد حصلت يا رندة ... فصرت لملكنا عقدة
سأفني مدة الأعداء ... إن طالت بي المدة
وتبلى بي ضلالتهم ... ليزداد الهوى جدة
فكم من عدة قتلـ ... ـت منهم بعدها عدة
نظمت رؤسهم عقدا ... فحلت لبة السدة (1)
وربما كان لهذه السجية الأدبية أكبر أثر في أن المعتضد قد نظم في سلك وزرائه جماعة من أعظم شعراء العصر وكتابه. وكان في مقدمة هؤلاء أبو الوليد بن زيدون إمام الشعر وقطبه، وكان قد انتظم من قبل في وزارة بني جهور بقرطبة، ثم ساءت أحواله فغادر قرطبة إلى إشبيلية في سنة 441 هـ، فأكرم المعتضد وفادته، وعينه في وزارته، وغمره بثقته وعطفه، وما زال متمتعاً برفيع مكانه ونفوذه حتى وفاة المعتضد. بيد أنه يبدو أنه لم يكن مطمئناً على نفسه في خدمة هذا الطاغية الخطر، حتى أنه لما توفي المعتضد نظم هذين البيتين ابتهاجاً بذهابه، ولم يظهرهما يومئذ "لأنه كان غير مأمون على الدماء، ولا حافظاً لحرية الأولياء".
ْلقد سرني أن النعي موكل ... بطاغية قد حم منه حمام
تجانب صوب الغيث عن ذلك الصدا ... ومر عليه المزن وهو جهام (2)
ومنهم أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد البر ولد أبي عمر، صاحب كتاب "بهجة الجالس وأنس المجالس". نظمه المعتضد في سلك وزرائه، وكان كاتبه
_______
(1) تراجع مقطوعات أخرى من شعر المعتضد فيما أورده ابن بسام في الذخيرة ونقله دوزي في: Hist. Abbadidarum V.II.p. 48-60. وكذلك في الحلة السيراء (1964) ج 2 ص 43 - 49.
(2) راجع ما أورده ابن بسام، ونقله دوزي في Hist. Abbadidarum, V.II.p. 48 وراجع قلائد العقيان ص 71.
(2/57)

ولسانه لدى الرؤساء، وقد اشتهر برائق نثره وروعة أسلوبه. وقد رأينا نموذجاً من نثره فيما اخترناه من مقتطفات رسالته، عن مصرع إسماعيل ابن المعتضد. بيد أنه لم يكن أيضاً سعيداً ولامطمئناً، لخوفه المستمر من أن يبطش به المعتضد، ومن ثم فقد عول في النهاية على الفرار، وغادر إشبيلية ناجياً بنفسه (1).
ومنهم أيضاً الكاتب البارع أبو عبد الله البزلياني الذي يصفه ابن بسام بأنه "أحد شيوخ الكتاب، وجهابذة أهل الأدب". وقد رأينا كيف ساق سوء الطالع هذا الوزير الكاتب إلى الاشتراك مع إسماعيل ولد المعتضد في مؤامرته وفراره، وكيف قبض عليه المعتضد وأعدمه لفوره.
ومما هو جدير بالذكر أنه كان بين وزراء المعتضد أو معاونيه، رجل من النصارى المستعربين، هو سسنندو دافيدس (أوششنند) الذي اشتهر فيما بعد في قصور الطوائف. وأصله من مقاطعة بيرة في شمالي البرتغال، وأسر حدثاً في غارة قام بها القاضي ابن عباد في منطقة قُلُمرية، ثم أخذ إلى إشبيلية وربى مع "فتيان" القصر، واشتغل في شئون الخاص. ولما تولى المعتضد، قدر مواهبه، ومعرفته بشئون الجزيرة، فنظمه بين وزرائه أو معاونيه، فنال ثقته، وتمكن نفوذه، وعلت مكانته في البلاط العبادي بسرعة. ولكنه لم يلبث أن تعرض لخصومة بعض رجال البلاط وسعايتهم، فخشى العاقبة، وفر من إشبيلية إلى الشمال، ولجأ إلى بلاط فرناندو ملك قشتالة، فرحب به، ونظمه بين مستشاريه، وكان له فيما بعد أكبر أثر في تكييف سياسته نحو ملوك الطوائف (2).
وتوفي المعتضد بن عباد في الثاني من جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وأربعمائة (مارس 1069 م). ويقول لنا ابن حيان إن وفاته كانت بسبب ذبحة قصيرة الأمد، ترتبت على الإجهاد، وكانت شبه البغت. وكانت ولايته زهاء ثمانية وعشرين عاماً.
_______
(1) راجع قلائد العقيان ص 181 و 183.
(2) الذخيرة، القسم الرابع المجلد الأول ص 129 وكذلك: Isidro de las Cagigas Los Mozarabes (Madrid 1947) p. 456-456.
(2/58)

الفصل الثالِث
بنو عباد ومملكة إشبيلية القسم الثاني
المعتمد بن عباد. شخصيته وخلاله. ذكرياته بشلب. استيلاؤه على قرطبة. النضال بين بني عباد والبربر. عوامل الخصومة بينهما. محاربة المعتمد لغرناطة واستيلاؤه على جيان. اتفاقه مع ألفونسو السادس على فتح غرناطة. الوزير ابن عمار. نشأته وشاعريته. مقدرته ودهاؤه. سعيه إلى فتح مرسية. اتفاقه مع أمير برشلونة على غزوها. فشل هذه المحاولة. استعانته بابن رشيق في فتحها. محاولته الاستقلال بحكمها. تغلب ابن رشيق عليها. فرار ابن عمار والتجاؤه إلى بني هود. محاولته فتح حصن شقورة. سقوطه في يد صاحب الحصن. تسليمه لابن عباد. اعتماد الرميكية وابن عباد. تغدو ملكة إشبيلية. الوحشة بينها وبين ابن عمار. هجاء ابن عمار للمعتمد. والرميكية. استعطاف ابن عمار للمعتمد وشعره في ذلك. قسوة المعتمد وقتله لوزيره. تعليقات على الحادث. ابن عمار وعبقريته. مقدرته الأدبية والنثرية. غزو المعتمد لأراضي طليطلة. يؤدي الجزية لملك قشتالة. يعقد حلفاً معه. موضوع هذا الحلف. مطالبة ألفونسو للمعتمد بالجزية. والخلاف على قيمتها. تنكيل ابن عباد برسل ألفونسو. غزو ألفونسو لأراضي إشبيلية. خطته في إضعاف الطوائف والقضاء عليهم. إدراك المعتمد لخطته وتفكيره في الاستعانة بالمرابطين. وعيد ألفونسو له ورد المعتمد عليه. ذيوع فكرة استدعاء المرابطين بين أمراء الأندلس وشعوبها. سفارة أمراء الأندلس لعاهل المرابطين. الإتجاهات المختلفة والآراء المعارضة. ما ينسب لابن عباد من رسائل وجهها إلى أمير المسلمين. استجابة أمير المسلمين لنداء الأندلس. عبوره إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
- 1 -
لما توفي المعتمد بن عباد، خلفه يوم وفاته ولده، محمد بن عباد، الملقب بالظافر، والمؤيد بالله، والمعتمد على الله، وهو اللقب الذي غلب عليه واشتهر به طول حياته.
وكان المعتمد يوم جلوسه على عرش مملكة إشبيلية، فتى في الثلاثين من عمره، وكان مولده بمدينة باجة في سنة 431 هـ (1040 م) وقيل بل في ربيع الأول سنة 432 هـ (1). وكان مثل أبيه، في حسن القوام، وروعة المظهر، وعنفوان
_______
(1) يقول بالرواية الأولى النويري، وبالرواية الثانية ابن زيدون وابن اللبانة شاعرا المعتمد. راجع دوزي: Historia Abbadidarum V.II,p, 61 & 131 , وكذلك ابن الأبار في الحلة السيراء ج 2 ص 53.
(2/59)

الصبا، ولكن لم يكن مثله في الصرامة والقسوة والاستهتار بالدماء، بل كان بالعكس وديعاً، يعف عن الدماء، بعيداً عن قبول السعايات.
ويقول لنا ابن الأبار في وصف المعتمد ما يأتي: " وكان المعتمد من الملوك الفضلاء، والشجعان العقلاء، والأجواد الأسخياء المأمونين، عفيف السيف والذيل مخالفاً لأبيه في القهر والسفك، والأخذ بأدنى سعاية، رد جماعة ممن نفى أبوه، وسكن وما نفر، وأحسن السيرة، وملك فأسجح، إلا أنه كان موالعاً بالخمر، منغمساً في اللذات، عاكفاً على البطالة، مخلداً إلى الراحة، فكان ذلك سبب عطبه، وأصل هلاكه " (1).
وقد خاض المعتمد مثل أبيه، سلسلة طويلة من الحروب والأحداث، وتقلب في غمار الخطوب والجدود، وكان عهده عهد الحسم في تاريخ دول الطوائف، وفي تاريخ الأندلس قاطبة؛ ولكنه لم يشتهر في ميدان الحرب والسياسة، قدر ما اشتهر في ميدان الأدب والشعر، والفروسية، والجود، ومهما كانت وجوه الضعف الشخصية التي كان ينطوي عليها، من عكوف على الشراب، وانغماس في مجالي اللهو والترف، ومهما كانت أخطاؤه السياسية الفادحة، التي ترتبت عليها محنة الأندلس، ثم محنته الخاصة: مهما كان من هذه الصفات القاتمة فإن شخصية المعتمد بن عباد، تبرز لنا من خلال هذه الغمار، ومن الناحية الأخرى، مشرقة وضاءة، تتوجها عبقريته الأدبية والشعرية، وتزينها صفاته الإنسانية الرقيقة وتطبعها محنته المؤلمة، بالرغم من كل أوزاره وأخطائه، بطابع الاستشهاد المؤثر.
وكان المعتمد أثناء حياة أبيه المعتضد، والياً لمدينة شلب، وليها عقب استيلاء بني عباد عليها في سنة 455 هـ (1063 م)، وكان يعاونه خلال تلك الفترة في إدارة ولاية شلب وزيره أو أمينه أبو بكر بن عمار، الذي تولى وزارته بإشبيلية فيما بعد، واشتهر ذكره، واضطلع له بأخطر المهام السياسية والعسكرية.
وقد تركت حياة المعتمد في شلب، تلك المدينة البرتغالية الجميلة النائية، وهو يومئذ في عنفوان فتوته، يتقلب خلالها في مجالي اللهو والأنس، في نفسه ذكريات لا تمحى، صورها لنا فيما بعد، في بعض قصائده. ومن ذلك قوله مخاطباً وزيره ابن عمار حين وجهه إلى شلب ليتفقد أعمالها:
ألا حب أوطانب بشلب أبا بكر ... وسلهن هل عهد الوصال كما أدري
_______
(1) في الحلة السيراء ج 2 ص 54.
(2/60)

وسلم على قصر الشراجيب من فتى ... له أبداً شوق إلى ذلك القصر
منازل آساد وبيض نواعم ... فناهيك من غيل وناهيك من خدر
فكم ليلة قد بت أنعم جنحها ... بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر
وبيض وسمر فاعلات بمهجتي ... فعال الصفاح البيض والأسُل السمر
وليل بسدِّ النهر لهواً قطعته ... بذات سور مثل منعطف البدر
نضت بردَها عن غصن بان منعم ... نضير كما انشقت الكمام عن الزهر
وباتت تسقينى المدام بلحظها ... فمن كأسها حينا وحيناً من الثغر
وكان أول عمل قام به المعتمد عقب ولايته، هو تدخله في حوادث قرطبة، حينما هددها المأمون بن ذى النون بقواته، فبعث إليه عبد الملك بن جَهْور يستنجد به، فوجه إليه الأمداد مع قائديه خلف بن نجاح ومحمد بن مرتين، وانتهى الأمر باستيلاء قوات إشبيلية على قرطبة، وفقاً لخطة سرية وضعت من قبل، وبالقضاء على دولة بني جهور، وضم قرطبة إلى مملكة إشبيلية (462 هـ - 1070 م). وندب المعتمد ولده عباداً الملقب بسراج الدولة لحكم المدينة. وقد فصلنا عند الكلام عن دولة بني ذى النون، كيف دبر المأمون بن ذى النون استرداد قرطبة على يد ابن عكاشة، وكيف قتل سراج الدولة ولد المعتمد مدافعاً عنها، ثم دخلها المأمون في سنة 467 هـ (1075 م) ثم توفي بها بعد ذلك بأشهر قلائل، وأخيراً كيف عاد المعتمد، فسار على أثر ذلك إلى قرطبة في قواته، واستولى عليها، وقتل ابن عكاشة انتقاماً لولده، وبذلك عادت قرطبة إلى مملكة إشبيلية.
على أن أهم ما شغل به المعتمد، في تلك الفترة الأولى من ولايته، هو النضال ضد مملكة غرناطة البربرية. ونحن نعرف أن الخصومة بين بني عباد وبين الإمارات البربرية قد بدأت في عصر مبكر، وقد فصلنا من قبل كيف اشتبك القاضي ابن عباد مع يحيى بن حمود المعتلي حول قرمونة، في معركة دموية قتل فيها المعتلي، واستولى ابن عباد على قرمونة، وأعطاها لصاحبها البرزالي حليفه يومئذ، وكيف نشبت الخصومة فيما بعد بين ابن عباد والبرزالي، فلما أراد ابن عباد استرداد قرمونة باعتبارها حصن إشبيلية من الشرق، وسير إليها قواته، استغاث البرزالي بإدريس المتأيد صاحب مالقة، وباديس بن حبوس صاحب غرناطة، ووقعت بين البربر وجند إشبيلية معارك طاحنة هزم فيها الإشبيليون، وقتل أميرهم إسماعيل بن عباد، وذلك في أوائل سنة 431 هـ.
(2/61)

ولما تولى المعتضد بن عباد، عقب وفاة والده القاضي محمد بن اسماعيل ابن عباد في سنة 433 هـ، كان من أبرز أعماله القضاء على مختلف الولايات البربرية الشرقية، والجنوبية الشرقية، وهي مورون وأركش ورندة. واستولى على الجزيرة الخضراء من يد أميرها القاسم بن حمود (446 هـ)، ثم استولى على قرمونة وأعمالها في سنة 459 هـ (1067 م).
وبذلك تم القضاء على سائر الإمارات البربرية المتاخمة لإشبيلية من الشرق والجنوب الشرقي، وتم تأمين جناحها الدفاعي من هذه الناحية، ولم يبق في جنوبي الأندلس من الإمارات البربرية. سوى مملكة باديس في غرناطة ومالقة.
وحاول المعتضد في نفس الوقت أن ينتزع مالقة من باديس، وسير إليها قواته بالفعل تحت إمرة ولديه جابر والمعتمد، وكادت مالقة تسقط بالفعل في أيدي المهاجمين، ولكن باديس قدم في قواته مسرعاً، فانقلبت الآية وهزم جند إشبيلية هزيمة شديدة، وفشلت المحاولة (458 هـ) (1).
وكان المعتمد بن عباد يتابع سياسة أبيه وجده في التوجس من البربر والقضاء على سلطانهم. وكان يخشى أن تغدو مملكة غرناطة البربرية، مهبطاً للقبائل والقوات البربرية، التي تفد من وراء البحر باحثة عن طالعها وأرزاقها. هذا من ناحية العوامل المادية، وأما من ناحية العوامل الأدبية، فنستطيع أن نشير بهذه المناسبة، إلى ما كان بين العرب والبربر من خصومة قديمة مؤثلة ترجع إلى عصر الفتح ذاته، وقد شرحنا عوامل هذه الخصومة في "العصر الأول" من كتابنا. ونزيد هنا أن بني عباد، كانوا حسبما أشرنا من قبل، ينتمون إلى لخم، من أكرم وأشرف القبائل العربية، وكانوا من أهل العلم والأدب المؤثل، حماة للعلوم والآداب والفنون، يغص بلاطهم بأقطاب العصر وشعرائه، وتتمتع في ظلهم مملكة إشبيلية بحضارة زاهرة، وثقافة رفيعة. أما القبائل البربرية فلم تكن راسخة في تعاليم الإسلام، وكانت بعيدة عن العربية وثقافتها وتراثها، يؤثرون التمسك بعجمتهم وبداوتهم، وكانت قصورهم عاطلة عن ذلك الجو الفكري والأدبي، الذي تزدان به قصور الأصول العربية، وكان هذا التباين يبدو بالأخص بين بلاط غرناطة البربري، وبين بلاط إشبيلية العربي.
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 274 و 275.
(2/62)

اجتمعت هذه العوامل المادية والأدبية، لتذكى ضرام النضال بين مملكة غرناطة، حصن البربر في الجنوب، وبين مملكة إشبيلية. وكانت مملكة غرناطة قد بلغت ذروة قوتها في عهد ملكها باديس بن حبوس الصِّنهاجي، وكان باديس قد رشح ولده بُلُقِّين للأمر من بعده ولقبه سيف الدولة، ولكنه توفي بالسم في حادث غامض. وفي خلال ذلك كان النضال مستمراً بين المعتضد بن عباد وبين البربر، وقوة باديس تضعف شيئاً فشيئاً. فلما توفي باديس في سنة 465 هـ (1073 م)، خلفه في حكم غرناطة حفيده عبد الله بن بُلُقِّين، وفي حكم مالقة حفيده تميم، ولم يمض على وفاته سوى عام، حتى سار المعتمد بن عباد في قواته إلى جيان، أهم قواعد مملكة غرناطة الشمالية واستولى عليها (466 هـ - 1074 م) ولم يبق من مملكة غرناطة سوى العاصمة ورباضها. وعندئذ فكر أمير غرناطة في الإستعانة بالنصارى، وتوصل بواسطة المأمون بن ذى النون، إلى أن يعقد مع ألفونسو السادس ملك قشتالة، معاهدة صداقة وتحالف، يتعهد فيها بدفع الجزية. وحدث في نفس الوقت أن ظفر المأمون بن ذى النون، بانتزاع قرطبة من ابن عباد (467 هـ)، فكانت هزيمة المعتمد، سبباً في انقشاع الخطر نوعاً عن غرناطة.
وخرج عبد الله بن بُلُقِّين بعد ذلك في قواته ومعه سرية من حلفائه النصارى، وأغار على أراضي ابن عباد، وعاث فيها، واستطاع أن يسترد حصن قبرة القريب من جيان (1).
بيد أن المعتمد لم يقف مكتوفاً إزاء هذه الحركة، فاتجه بدوره إلى النصارى، وأرسل وزيره الشهير أبا بكر بن عمار إلى ملك قشتالة ألفونسو السادس، فعقد معه حلفاً دفع مقابل عقده خمسين ألف دينار. ويقضي هذا الحلف بأن يتعاون المعتمد وألفونسو السادس، على افتتاح غرناطة، وأن تكون المدينة ذاتها للمعتمد، وأن تكون ذخائر القلعة الحمراء لألفونسو. وظهر أثر هذه المعاهدة على الفور، إذ عمد النصارى إلى تخريب بسائط غرناطة، ولاسيما أراضي مرجها الشهير La Vega (2) .
_______
(1) R. Menendez Pidal: La Espana del Cid, p, 257 & 260.
(2) R. M. Pidal: ibid ; p, 257
(2/63)

ولا بد لنا قبل أن نمضي في تتبع أخبار المعتمد، أن نتحدث عن الوزير ابن عمار، وهو الذي اضطلع بأخطر دور في تنفيذ مشاريع المعتمد. فهو أبو بكر محمد بن عمار بن الحسين بن عمار المهري، وأصله من قرية من أرباض شلب تسمى "شنبوس" (1)، ولد بها سنة 422 هـ (1031 م)، في أسرة متواضعة لم يكن لها في الظهور شأن، ووفد على مدينة شلب فنشأ بها وتلقى دراسته الأولى، ثم رحل إلى قرطبة، فأكمل دراسته على جماعة من شيوخ العصر، وبرع في الأدب، ونظم الشعر فتى، واتخذه وسيلة للتكسب، فكان يمدح كل من وصله، مهما كانت مكانته أو مركزه. ثم قصد إشبيلية ومدح المعتضد، فنظمه في سلك شعرائه وأمنائه، ولما ندب المعتضد ولده المعتمد لحكم شلب على أثر افتتاحها، اتصل به ابن عمار وألفى المعتمد في صفاته وأدبه ورقيق نظمه ما حببه إليه، فعهد إليه بوزارته، وتوثقت بينهما علائق المودة والصفاء، حتى غدا أثير المعتمد، ينظمه في مجالس أنسه، ولا يصبر على فراقه، وكانت براعة ابن عمار في النظم هي أحب صفاته لأميره الشاعر. ولما توفي المعتضد، وخلفه ولده المعتمد في الملك، عين ابن عمار أولا والياً لبلده شلب، ولكن مقامه بها لم يطل، إذ لم يصبر المعتمد على فراقه، فاستدعاه إلى إشبيلية وولاه وزارته. فظهر ابن عمار يومئذ بمقدرته ودهائه، فكان المعتمد يعهد إليه بمهام الأمور ويندبه إلى سفاراته، وتنفيذ مشاريعه الخطيرة، فيؤديها ابن عمار على أحسن وجه. واستمر ابن عمار على حظوته ومكانته لدى المعتمد أعواماً طويلة، إلى أن فسد الجو بينهما، بتدخل اعتماد الرميكية زوجة المعتمد، فكان ذلك إيذاناً بنكبته على ما نذكره بعد.
وكان من أهم المشاريع التي اضطلع بها ابن عمار يومئذ، استيلاؤه على مدينة مرسية باسم ابن عباد. وهنالك ما يدل على أن مملكة إشبيلية كانت تمتد في ذلك الوقت حتى لورقة وشقورة (2) على مقربة من مرسية. وكانت مرسية بعد أن غادرها خيران العامري، قد تغلب عليها أبو بكر بن طاهر، ثم ولده أبو عبد الرحمن بن طاهر من أعيانها، ولكنه لم يوفق إلى إخماد العناصر الناقمة، فكتب بعض هؤلاء إلى المعتمد بن عباد يستدعونه لفتحها، وشرحوا له ضعف ابن طاهر وقلة أهباته الدفاعية، فعهد المعتمد إلى ابن عمار بوضع الخطة اللازمة لتحقيق
_______
(1) وهي اليوم بلدة Estombar البرتغالية الواقعة جنوبي شلب.
(2) قلائد العقيان ص 9، ودوزي في: Hist. Abbadidarum, V, II, p, 86
(2/64)

هذه الغاية، فسار ابن عمار، وعقد مع الكونت رامون برنجار أمير برشلونة صفقة، يتعهد فيها بأن يعاونه بفرسانه على فتح مرسية، مقابل عشرة آلاف مثقال من الذهب تدفع إليه، واتفق الطرفان، أن يقدم كل منهما رهينة إلى الآخر ضماناً بالوفاء، فقدم المعتمد ولده الرشيد، وقدم الكونت ابن أخيه، وبعث المعتمد بقواته، وعلى رأسها ابن عمار. ولحقت بها قوات الكونت، وحاصرت القوات المتحالفة مدينة مرسية، ولكن ابن عباد تأخر في أداء المال، واعتقد الكونت أنه قد غرر به، فقبض على ابن عمار وعلى الرشيد، وارتد بقواته عن المدينة. وعلم ابن عباد بالأمر، وهو على رأس قواته على ضفاف نهر الوادي الكبير على مقربة من شقّورة، وبادر بأداء المال، وبعث معه رهينة الكونت، وأفرج عن الرشيد وابن عمار، وأخفقت هذه الحملة الأولى في فتح مرسية، وجهز المعتمد بإشارة وزيره حملة أخرى على رأسها ابن عمار، واتصل ابن عمار في طريقه بقائد حصن بَلج أو بُليج، Vélez Rubio وهو يومئذ عبد الرحمن بن رشيق، فسار معه، وندبه للقيادة، وحاصر ابن رشيق مرسية، واستمر في إرهاقها، وفي تحريض أهلها على القيام ضد ابن طاهر، حتى تم له الأمر، وفتحت المدينة أبوابها بطريق الخيانة، ودخلها جند ابن عباد، وقبض على ابن طاهر، واعتقل حتى أذن ابن عباد بتسريحه، فلحق ببلنسية، وكان افتتاح مرسية على هذا النحو في سنة 471 هـ (1078) (1).
على أن الأمر لم يقف عند ذلك الحد. ذلك أن ابن عمار سولت له نفسه، أن يستقل بحكم هذه المدينة النائية، بعيداً عن سلطان مليكه، وعمد بالفعل إلى حكمها حكم أمير مستقل، وتجاهل أوامر ابن عباد ورغباته، وأخذ يدس الدسائس بين أمراء هذه الناحية، ولكن هذه المغامرة لم يطل أمدها؛ ذلك أن ابن رشيق، وهو فاتح المدينة الحقيقي، كان يتربص بابن عمار، ويتحين فرصته، وفي ذات يوم غادر ابن عمار مرسية لتفقد بعض الحصون الخارجية، فوثب ابن رشيق واستولى على المدينة، وأغلق أبوابها في وجه ابن عمار، فكانت تلك الضربة خير جزاء له على خيانته.
_______
(1) راجع في فتح مرسية: أعمال الأعلام ص 160، والمراكشي في المعجب ص 65، ودوزي عن الشلبي في: Hist.Abbadidarum, V. II. p,86-87. وكذلك: R.Menendez Pidal: Piles Ibars: Murcia Arabe, V.I.p. 189-191, La Espana del Cid p. 259 & 281
(2/65)

ولم ير ابن عمار أمامه سوى الفرار، فسار صوب الشرق وقضى وقتاً قصيراً في بلاط ألفونسو السادس، فلم يلق منه عوناً، ثم قصد إلى سرقسطة، والتجأ إلى أميرها المقتدر بن هود، فأكرم وفادته، واستخدمه في شئونه، ولكنه توفي بعد قليل في سنة 475 هـ (أواخر 1081 م) وقسمت مملكته بين أولاده، فاختص المؤتمن بسرقسطة، وبقي ابن عمار معه على ما كان عليه. ولم يطل مكث ابن عمار حتى أغراه على سجيته، بفتح حصن شَقُورة، وهو يومئذ من أعمال دانية، وقصد ابن عمار إلى ذلك الحصن، في جماعة قليلة من أصحابه، وكان حاكمه رجل وافر الدهاء يدعى ابن مبارك، فدعا ابن عمار وصحبه إلى الدخول، وهش لاستقباله، فخدع ابن عمار بموقفه، وما كاد يستقر في الحصن، حتى هوجم وقبض عليه، ووضعت في يده الأغلال، وزج إلى ظلام السجن، وكان ذلك في ربيع الأول سنة 477 هـ (يوليه 1084 م).
ووقف ابن عباد على ذلك الخبر، فبعث إلى ابن مبارك يطلب إليه تسليم ابن عمار وبعث إليه مالا وخيلا، فاستجاب لدعوته، وسلم ابن عمار لرسله، وعلى رأسهم ولده يزيد الراضي، فأخذ أولا إلى قرطبة حيث كان المعتمد يومئذ، وأدخل إليها مكبولا في هيئة زرية، وقده احتشد الألوف من أهلها لرؤيته، وقد كانت تهتز لموكبه حين كان يدخلها أيام عزه. ثم أخذ بعد أيام قلائل إلى إشبيلية، فأودعه المعتمد مكاناً خاملا في قصره، وكان يستحضره من آن لآخر، ويبالغ في عتبه وتأنيبه، وابن عمار يمعن في استعطافه واسترحامه. ويقال إن المعتمد تأثر في النهاية بمحنته، ووعده بصفحه، ولكن عاد فنقم عليه لأنه نقل إلى بعضهم ذلك الوعد، أو على قول راجح، لأن خصوم ابن عمار الساعين في هلاكه، وفي مقدمتهم الوزير أبو بكر بن زيدون وهو ولد الشاعر، ضاعفوا سعايتهم، وأبرزوا للمعتمد؛ أبياتاً بخط ابن عمار، نظمها أيام أن كان بمرسية، وفيها يتعرض بالهجو اللاذع لبني عباد، ولاعتماد الرُّميكية زوجة المعتمد (1).
وقد أشرنا من قبل إلى ما كان بين اعتماد الرميكية، وبين ابن عمار من
_______
(1) راجع دوزي: Hist.Abbadidarum, V.II, p. 90,91,100-104، وابن الأبار في الحلة السيراء ج 2 ص 150 و 151، وأعمال الأعلام ص 160 و 161، والمراكشي في المعجب ص 66، وقلائد العقيان ص 83 و 90 و 91 و 97 وكذلك R. Menendez Pidal: La Espana del Cid. p. 289
(2/66)

وحشة كانت تزداد على مر الأيام. وكانت الرميكية، وهي ملكة إشبيلية الأثيرة، تحتل مكانة بارزة في حياة المعتمد، وفي بلاط إشبيلية. ولزواج المعتمد بهذه المرأة الموهوبة اللامعة، التي شاطرته أيام عزه ومجده وأيام محنته، وأنجبت له أولاده الملوك، قصة تتردد بين التاريخ والأسطورة. فأما التاريخ فتقول لنا الرواية، إن المعتمد حينما كان ولياً للعهد، أيام والده المعتضد، رأى اعتماداً ذات يوم صحبة مولاها رُميك وهو من وجهاء إشبيلية، فراقت لديه، فاشتراها منه وهام بها حباً، وتزوجها. بيد أن هناك رواية أخرى أكثر طرافة، وأقرب إلى لون الأسطورة، وهي أن المعتمد كان يتنزه ذات يوم مع وزيره ابن عمار في نهر إشبيلية، وهو نهر الوادي الكبير، وهما يتبادلان طرائف الشعر، وكانت الريح قد جعلت ماء النهر أشبه بالزرد، فنظم المعتمد هذه الشطرة:
"صنع الريح من الماء زرد"
وطلب إلى ابن عمار أن يكملها، فعجز الوزير الشاعر، وكانت ترقبهما فتاة حسناء ممن يغسلن ثيابهن في النهر، فردت على الفور:
"أي درع لقتال لو جمد"
فدهش المعتمد، وأعجب ببراعة الفتاة وسرعة خاطرها، كما أعجب بحسنها وخفة روحها، وسألها إن كان لها زوج، فأجابت بالنفي، فعندئذ استدعاها إلى قصره وتزوجها (1).
وهكذا شاء القدر أن تغدو اعتماد الرميكية زوجة للمعتمد بن عباد، وأن تغدو سيدة قصر إشبيلية. ولما تولى المعتمد الملك، كانت الرميكية تحتل مكانة بارزة في البلاط، وفي الشئون، وكانت لسمو مكانتها، وتمكن نفوذها يطلق عليها لقب "السيدة الكبرى" (2)، وكانت تشاطر زوجها هوى الشعر ونظمه، وكانت تعيش في هذا الأفق الأدبي الرفيع الذي يسيطر على بلاط إشبيلية، ويجتمع في ظله أعظم شعراء العصر، وتشترك في كثير من الأحيان في مجالس الشعر والأدب، التي كان يشغف بعقدها المعتمد، وتزدان في أحيان كثيرة بحضور زوجه الحسناء الساحرة؛ وكانت اعتماد فوق ذلك بنفوذها وحظوتها لدى المعتمد تشترك في توجيه الشئون. وكان الوزير ابن عمار، وهو يومئذ في إبان مجده
_______
(1) نفح الطيب ج 2 ص 451.
(2) المعجب ص 77. وكان هذا اللقب يطلق على والدة المعتمد ابنة مجاهد العامري.
(2/67)

ونفوذه، من أساطين هذه المجالس الأدبية، وكان يستأثر لدى المعتمد بثقته ويملك عليه كل حبه وعطفه، وكانت الرُّميكية تنظر إلى مكانته وتمكن نفوذه بعين السخط، وكان ابن عمار من جانبه يحقد عليها ويخشى بأسها وسعايتها؛ واستمرت معركة الدسائس والمنافسة حيناً بين اعتماد وابن عمار، لتسفر عن نتيجتها الطبيعية، وهي هزيمة الوزير وتغير مليكه عليه. ويقال إن الأبيات الطاعنة التي نسبت إلى ابن عمار، قد نظمها في ذلك الوقت سراً في هجو الرميكية، ونمى خبرها إلى المعتمد، ويقال من جهة أخرى إن ابن عمار نظمها أيام وجوده في مرسية، ونجح خصمه أبو بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية في الحصول على أصولها مكتوبة بخطه وبعثها إلى المعتمد.
وقد أورد لنا ابن الأبار في ترجمته لابن عمار، تلك القصيدة التي قيل إنها كانت سبباً في نكبة ابن عمار ومصرعه ومطلعها:
ألا حى بالغرب حياً حلالا ... أناخوا جمالا وحازوا جمَالا
وعرِّج بيومين أم القرى ... ونم فعسى أن تراها خيالا
لتسأل عن ساكنيها الرماد ..
. ولم تر للنار فيها اشتعالا
ويومين قرية من قرى إشبيلية ومنها كانت أوّلية بني عباد.
ومنها في هجو الرميكية:
تخيرتها من بنات الهجين ... رميكية ما تساوي عقالا
فجاءت بكل قصير العذار ... لئيم النجادين عمًّا وخالا
قصار القدود ولكنهم ... أقاموا عليها قروناً طوالا
ثم يشير إلى أيام شبابه مع المعتمد إشارات بذيئة ويخاطبه بقوله:
سأكشف عرضك شيئاً فشيئاً ... وأهتك سترك حالا فحالا (1)
وعلى أي حال فقد اجتمعت العوامل السياسية والشخصية، لتؤكد محنة ابن عمار. وقد وجه ابن عمار من سجنه إلى المعتمد قصائد في الاستعطاف تذيب الجماد، أو على قول ابن الخطيب "تعالج بمرامها جراح القلوب، وتُعَفِّى على هضبات الذنوب، لولا ما فرغ عنه من القدر المكتوب، والأجل المحسوب"، ومن أشهرها تلك القصيدة المؤثرة التي تهز أوتار القلوب، والتي مطلعها:
_______
(1) الحلة السيراء (مخطوط الإسكوريال) لوحة 74 و 102، وراجع دوزي: Hist. Abbadidarum V. II. p. 117. وكذلك نفح الطيب ج 2 ص 451 و 452.
(2/68)

سجاياك إن عافيت أندى وأسمح ... وعذرك إن عاقبت أجلي وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله تجنح
حنانيك في أخذي برأيك لاتطع ... عداي ولو أثنوا عليك وأفصحوا
ومنها:
أقلني بما بيني وبينك من رضى ... له نحو روح الله باب مفتح
وعفِّ على آثار جرم سلكتها ... بهبة رحمي منك تمحو وتصفح
ولا تلتفت قول الوشاة وزورهم ... كل إناء بالذي فيه يرشح
ومنها:
ْإلا إن بطشاً للمؤيد يرتمي ... ولكن حلماً للمؤيد يرجح
وبين ضلوعي من هواة تميمة ... ستشفع لو أن الحمام مجلح
سلام عليه كيف داربه الهوي ... إلى فيدنو أو على فينزح
ليهنئه إن مت السلوُّ فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرِّح (1)
على أن تضرع ابن عمار لم يؤثر في مليكه الصارم، ولم تجد الرحمة سبيلا إلى قلبه؛ ويقال إنه مما قضى على عطف المعتمد، وحفزه إلى التعجيل بالقضاء على وزيره، هو أن ابن عمار، حينما وعده المعتمد بصفحه، حدّث بذلك ولده الرشيد، وذاعت القصة بعد ذلك، ونقلها أبو بكر بن زيدون عدو ابن عمار الألد إلى المعتمد، فاضطرم سخطاً على ابن عمار، ونهض من فوره، وفي يده طبرزين (2) كان قد أهداه إليه ألفونسو ملك قشتالة، وذهب إلى حيث كان ابن عمار يرسف في أغلاله، ففزع ابن عمار لرؤيته، وارتمى على رجليه يقبلهما ويبللهما بدموعه، ولكن المعتمد أخذ يضربه بتلك الآلة حتى أجهز عليه، ولم يتركه إلا جثة هامدة تضرجها الدماء، ثم أمر به فغسل وكفن، ودفن في ركن من " القصر المبارك ". وكان مصرع ابن عمار على هذا النحو المؤسى في أواخر سنة 477 هـ (أوائل 1085 م) (3).
_______
(1) وردت هذه القصيدة في قلائد العقيان ص 98، وأعمال الأعلام ص 161، وفي المعجب ص 67 و 68.
(2) هو آلة أشبه بالبلطة.
(3) راجع دوزي: Hist. Abbadidarum, V. II. p. 118-119. , والمعجب ص 68 و69. ويقول لنا المراكشي إن مصرع ابن عمار وقع في سنة 479 هـ. وراجع ترجمة ابن عمار وأحداث حياته كلها مفصلة في الحلة السيراء ج 2 ص 131 - 165. ونقلها دوزي بنصها في: Hist. Abbad.. ( ص 88 - 123).
(2/69)

وهكذا قتل المعتمد بن عباد بيده، وزيره الشاعر المبرز، رفيق صباه، ويده اليمنى في كثير من المشاريع الخطيرة، في بادرة من الحقد المضطرم، والقسوة التي لا تخبو، وكانت هذه الضربة الدموية من أفدح أخطائه؛ ويقال إن المعتمد ندم فيما بعد على تسرعه، ونغصت عليه هذه الفعلة صفاء حياته. ويحاول الأمير عبد الله بن بُلُقِّين أمير غرناطة وهو معاصر للحادث وعليم بظروفه، أن يوضح لنا سبب حقد المعتمد على وزيره في الفقرة الآتية: " وكانت العداوة الواقعة بينه (أي ابن عمار) وبين المعتمد على يد الرشيد ابنه، فإنه بفسوقه كان يتكبر على أولاده، ويضيق عليهم، ويسىء الصنيعة مع من يجب عليه إكرامه من قرابة سلطانه، والمعتمد في هذا كله يصبر له، ولأنه قد استمال النصارى، واندخل معهم بحيلته، فمتى ما دهم أمر من قبلهم، وجهه إليهم، فيتجلى من أمرهم ما يضيق الصدر به، وكل ذلك بأموال رئيسه وسعادة أيامه، وهو بجهله يعتقد أن ذلك لا يتهيأ إلا بسببه، ويرد الخمس كله إلى نفسه؛ وكانت هذه المعاني مما أحنق عليه المعتمد، حتى عقب عليه بما كان جديراً به، وأمكنه الله منه، وجازاه بما لم يكن له منه بد، ولا رآه لغيره أهلا " (1).
ويعلق ابن الخطيب، على ذلك وقد كان أيضاً من الوزراء الذين عرفوا نزعات الملوك ونقمتهم بقوله: "وسبحان الذي جعل نفوس أكثر الملوك تنقاد في أزمة حب التشقي، وطلب الإنصاف، فلا تتوقف في مطاوعته، وذلك لأنها نفوس غير مقهورة بالرياضة والملكات، ولا مرغمة بفراق الشهوات، إلا القليل النادر، ممن كانت نفسه متصفة بالرحمة في أصل جبلتها، فهي ساكنة الفورة" (2).
وكان ابن عمار من أعظم رجالات الأندلس في عهد الطوائف، فكان وزيراً نابهاً، وقائداً مجرباً يقود الحملات العسكرية الناجحة، وسياسياً بارعاً، ومفاوضاً لا نظير له، يعقد الصلات البعيدة المنال، ويذلل المشكلات الصعبة، وقد ذاع صيته في سائر بلاد الأندلس، وكذلك في ممالك اسبانيا النصرانية، حتى كان ألفونسو السادس ملك قشتالة، إذا ذكر عنده ابن عمار، قال "هو رجل الجزيرة" (3). بيد أنه كان في نفس الوقت، سياسياً مغامراً، قليل الولاء
_______
(1) كتاب البيان أو مذكرات الأمير عبد الله المنشورة بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال (القاهرة 1955) ص 81.
(2) أعمال الأعلام ص 162.
(3) المعجب ص 63.
(2/70)

والوفاء، مكيافيلِّيا، يسعى إلى تحقيق غايته بأي الوسائل، دون اعتبار لخلق أو مبدأ. وكانت مواهبه الأدبية والشعرية، ألمع ما في خلاله، وقد كان ابن عمار بلا ريب من أعظم شعراء الأندلس في عصره، وكان هذا العصر الذي سطعت فيه قصور الطوائف عصراً، اجتمع فيه بالأندلس من أكابر الشعراء، جمهرة لم تجتمع في أي عصر آخر، ويكفي أن نذكر من هؤلاء بنو عباد، وفي مقدمتهم المعتمد، وابن زيدون، وولادة بنت المستكفي، وأبو بكر بن اللبانة، والمعتصم ابن صمادح وولده رفيع الدولة، وبنو القبطرنة، وابن عبدون. وكان ابن عمار في طليعة هذه الجمهرة الشاعرة، وقد ملأ الأندلس بروائع شعره، كما ملأها بذكر أعماله ومغامراته. وقد جمع شعر ابن عمار، ورتبه في ديوان خاص، أبو الطاهر محمد بن يوسف التميمي (1)، وأورد لنا ابن بسام في الذخيرة طائفة كبيرة من أخبار ابن عمار، كما وضع تأليفاً خاصاً في تاريخه (2)، وكذلك وضع أبو بكر ابن قاسم الشلبي مجموعاً في تاريخ ابن عمار (3). وهذه العناية بسيرة ابن عمار وتراثه الشعري من معاصريه، ومن إليهم، تنبي عن أهمية هذه الشخصية البارزة في تاريخ الطوائف، وعن رفيع مكانتها السياسية والأدبية.
- 2 -
إلى ذلك الحين استطاع المعتمد بن عباد أن يؤسس أعظم مملكة للطوائف، تمتد في قلب النصف الجنوبي من شبه الجزيرة، من غرب ولاية تدمير شرقاً، حتى المحيط الأطلنطي، ومن ضفاف وادي يانة جنوباً حتى أرض الفرنتيرة.
وكان المعتمد قد استطاع في الواقع في أواخر أيام الملك العاجز الضعيف القادر ابن ذى النون، أن يستولي على معظم أراضي مملكة طليطلة الجنوبية الشرقية، من المعدن شرقاً حتى مدينة قونقة. ولعل المعتمد كان يفكر في غزوات وفتوح أخرى، ينتزع فيها ما استطاع من أراضي جيرانه، لولا أن أيقظه سقوط طليطلة من غمار أحلامه وأطماعه. أجل، لم يكن خافياً على المعتمد، وعلى أمراء
_______
(1) دوزي: Hist.Abbadidarum, V.II.p. 89
(2) دوزي: Hist.Abbadidarum, V.II.p. 105
(3) الحلة السيراء ج 2 ص 173.
(2/71)

الطوائف جميعاً، أن مملكة طليطلة كانت بظروفها وارتماء ملكها الضعيف في أحضان النصارى، صائرة حتماً إلى الفناء، وأن عاصمتها التالدة - طليطلة - سوف تسقط حتماً في يد ملك قشتالة، وكان ابن عباد يشهد تطور هذه المأساة جامداً، بما ينسب إليه من عهود قطعها في ذلك لملك قشتالة. وربما كان هذا التصرف من المعتمد نحو قضية طليطلة من بين أخطائه السياسية العديدة، أخطرها جريرة، وأبلغها دلالة على استهتاره وتهاونه نحو أمته ودينه. ولكن طليطلة ما كادت تسقط في أيدي القشتاليين، حتى أدرك المعتمد فداحة الخطأ الذي ارتكبه في سياسته، وشعر أن هذه النكبة، ليست إلا نذيراً قوياً له، ولسائر ملوك الطوائف.
وقد سبق أن ذكرنا فيما تقدم أن المعتضد بن عباد تعهد بأداء الجزية لفرناندو ملك قشتالة منذ سنة 455 هـ (1063 م)، وأنه كان يؤدي إليه هذه الجزية بانتظام حتى وفاته في سنة 1065 م، ثم بعد ذلك إلى ولده سانشو ملك جلِّيقية.
ولما استطاع ألفونسو التغلب على أخويه، وأضحى ملكاً لقشتالة، كان المعتمد ابن عباد يؤدي إليه الجزية التي كان يدفعها أبوه. وكان ألفونسو يرسل في كل عام رسله لقبضها من المعتمد. ومما هو جدير بالذكر أن رسول ألفونسو إلى المعتمد بقبض الجزية في سنة 472 هـ (1079 م) لم يكن سوى الفارس القشتالي الشهير ردريجو بيبار الملقب بالسيد الكمبيادور، أو السيد الكنبيطور كما تسميه الرواية العربية. ولما وفد السيد عندئذ إلى إشبيلية، كانت قوات ملك غرناطة البربرية تغير على أراضي إشبيلية مع سرية من الفرسان النصارى، فطلب السيد من مواطنيه الكف عن هذا العدوان تحقيقاً لمقتضيات الصداقة والرعاية، التي يكنها الملك ألفونسو لصديقه ملك إشبيلية، ولما لم يصغ المغيرون إليه خرج إلى قتالهم في بعض القوات القليلة التي كانت معه، واستطاع أن يوقع بهم الهزيمة، فسر المعتمد من تصرفه، وأدى إليه عدا الجزية، طائفة كبيرة من التحف والهدايا برسم ملك قشتالة (1).
وهكذا فإن المعتمد، على الرغم من ضخامة ملكه، واتساع موارده، لم يستطع أن ينجو من ذلك النير المرهق، الذي استطاع ألفونسو السادس أن يفرضه على سائر ملوك الطوائف، ونعنى تأدية الجزية، بل يبدو أن المعتمد رأى فوق ذلك، أنه لن
_______
(1) R.Menendez, Pidal: La Espana del Cid. p. 250,259-261
(2/72)

يستطيع أن يمضي في حكم مملكته آمناً إلا بتوثيق أواصر المودة مع ألفونسو ومحالفته.
وتقدم إلينا الرواية القشتالية موضوع ذلك الحلف ولكنها لا تقدم إلينا تاريخه، وتقول لنا إن الوزير ابن عمار ذهب إلى ليون وتولى المفاوضة في عقده. وخلاصة ما تم الاتفاق عليه، هو أن يقوم ملك قشتالة بمعاونة المعتمد في حروبه ضد سائر أعدائه من الأمراء المسلمين، وأن يؤدي إليه المعتمد جزية سنوية كبيرة، وأن يقوم بغزو أراضي مملكة طليطلة الجنوبية، وأن يسلم منها إلى ملك قشتالة الأراضي الواقعة شمال جبال سيرا مورينا (جبل الشارّات). وتزيد الروايات القشتالية على ذلك بأن المعتمد قدم في هذه المناسبة (أو في مناسبة لاحقة) إحدى بناته لتحكون زوجة أو حظية لملك قشتالة، وهي التي تعرفها الروايات القشتالية باسم " زائده "، وهي قصة سوف نتناولها في موضعها المناسب (1).
بيد أن الأمور لم تسر حسبما كان يرجو المعتمد، ففي سنة 475 هـ (1082 م) وجه ألفونسو السادس سفارته المعتادة إلى المعتمد بطلب الجزية، وعلى رأسها يهودي يدعى ابن شاليب، وعسكر رسل ملك قشتالة في ظاهر المدينة، فأرسل إليهم المعتمد المال مع بعض أشياخ المدينة، وفي مقدمتهم الوزير ابن زيدون.
فلما شاهد ابن شاليب المال والسبائك، رفض تسلمها بغلظة، بحجة أنها من عيار زائف، وهدد بأنه إذا لم يقدم له المال من عيار حسن، فسوف تحتل مدائن مملكة إشبيلية، حتى يتم الدفع على الوجه المرغوب. فلما وقف المعتمد على ذلك بعث رجاله فقبضوا على ابن شاليب، ومن معه من الفرسان القشتاليين، وأمر باليهودي، فصلب، وألقى الفرسان النصارى إلى السجن. ولما علم ملك قشتالة بما وقع لسفرائه، اضطر أن يعيد حصن المدوّر القريب من قرطبة إلى المعتمد، ثمناً لإطلاق سراحهم، بيد أنه أقسم أن ينتقم من المعتمد، أروع انتقام، وأن يخرب أراضي مملكة إشبيلية كلها حتى المجاز، ثم بادر تنفيذاً لوعيده، فحشد جيشاً ضخماً من الجلالقة، والقشتاليين، والبشكنس، وبعث سرياته فعاثت في أحواز باجة ولبلة، وسار هو إلى أراضي إشبيلية، وهو يحرق القرى، وينتسف الزروع، ويسبي كل من وقع في يده من المسلمين، ثم حاصر إشبيلية نفسها مدى ثلاثة أيام، ثم عاث في أراضي شذونة، وانحدر جنوباً، وهو يخرب كل
_______
(1) Modesto Lafuente: Historia General de Espana (Madrid 1881) V. II p. 404
(2/73)

ما يقع في طريقه، حتى وصل إلى مدينة طريف، فوقف على شاطىء الزقاق، والموج يضرب قوائم فرسه، والمعتمد طيلة هذه العاصفة الهوجاء يلتزم الدفاع (1) وكانت خطة ألفونسو السادس في إضعاف ملوك الطوائف، تقوم أولا على استصفاء أموالهم باقتضاء الجزية، وقد انتهى إلى أن فرض الجزية عليهم جميعاً، ثم على تخريب أراضيهم، وانتساف زروعم وأقواتهم ومحاصيلهم، بالغارات المخربة الناهبة، وأخيراً على اقتطاع حصونهم وأرضيهم كلما سنحت الفرص، وقد نجحت خطته في ذلك كل النجاح، وبدا ضعف ملوك الطوائف إزاء قوته وعدوانه المنظم، واضحاً ملموساً. وكان لاعتداده بقوته وسلطانه، ويقينه من تفرق الطوائف وتخاذلهم، يخاطبهم بلغة السيد، ويتسمى في خطاباته إليهم بالإمبراطور ملك الملتين، ويجاهر باحتقارهم، والاستهانة بهم. ومما يروى في ذلك، أنه قال لسفير المعتمد إليه، وهو يهودي يدعى بابن مشعل "كيف أترك قوماً مجانين. تسمى كل واحد منهم باسم خلفائهم وملوكهم وأمرائهم، المعتضد، والمعتمد، والمعتصم، والمتوكل، والمستعين، والمقتدر، والأمين، والمأمون، وكل واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفاً، ولا يرفع عن رعيته ضيماً ولا حيفاً، قد أظهروا الفسوق والعصيان، واعتكفوا على المغانى والعيدان، وكيف يحل البشر أن يقر منهم على رعيته أحداً، وأن يدعها بين أيديهم سُداً" (2).
وهنا أدرك المعتمد، فداحة الأخطاء التي تردى فيها بمصانعة ألفونسو ومحالفته واستعدائه على زملائه أمراء الطوائف، ولاحت له طوالع المصير المروع الذي سوف ينحدر إليه، إذا لم تتداركه يد العناية بعون أو نجدة غير منتظرة، والظاهر أنه فكر عندئذ ولأول مرة، أن يستنصر بإخوانه المسلمين فيما وراء البحر، في عدوة المغرب، فكتب إلى عاهل المرابطين يوسف بن تاشفين ينبئة بما آلت إليه أحوال الأندلس من الخطورة، وما رزئت به من فقد قواعدها وثغورها، ويلتمس إليه الإنجاد والعون (3). وقد تطورت هذه الفكرة فيما بعد إلى خطة عملية التف حولها سائر ملوك الطوائف وشعب الأندلس كله حسبما نوضح في موضعه.
_______
(1) الحلل الموشية ص 25 و 26. ودوزي Hist.Abbadidarum V. II. p. 174, 187, 188-231. وراجع ابن خلدون ج 6 ص 186.
(2) دوزي عن كتاب "الاكتفاء" في Hist. Abbadidarum: V II. p. 20. وراجع R. Menendez Pidal: La Espana del Cid, p. 259, 318 & 319
(3) روض القرطاس (طبعة أبسالة 1843) ص 92.
(2/74)

وكان استيلاء ألفونسو السادس على طليطلة معقد نجاحه، وذروة ظفره، فما كاد يدخل عاصمة القوط القديمة، حتى لاح له أن نهاية الطوائف كلها قد دنت، وأنه سوف يتبع نصراً بنصر، ويلتهم مدينة بعد أخرى، ومن ثم فقد بدأ يضع خطته لتنفيذ الخطوة التالية، وذلك بالاستيلاء على مملكة إشبيلية، أهم دول الطوائف، وأقواها يومئذ. فوجه إلى المعتمد بن عباد، رسالة ملؤها الوعيد والنذير، يطالبه بتسليم أعماله، ويحذره من مثل طليطلة ومحنتها، وهي فيما يبدو من إنشاء بعض النصارى المعاهدين أو اليهود الذين يخدمون في بلاط قشتالة، وقد نقل إلينا صاحب الحلل الموشية، نص هذه الرسالة، كما نقل إلينا رد المعتمد عليها، وإليك نص هاتين الرسالتين، اللتين تنمان عن روح العصر، وأساليبه:
قال ألفونسو في رسالته: " من الإنبيطور ذي الملتين، الملك المفضل، أذفنش بن شانجه، إلى المعتمد بالله، سدد الله آراءه وبصره مقاصد الرشاد، سلام عليك من مشيد ملك شرفته القنى، ونبتت في ربعه المنى، باغترار الرمح بعامله، والسيف بساعد حامله، وقد أبصرتم بطليطلة نزال أقطارها، وما حاق بأهلها حين حصارها. فأسلمتم إخوانكم، وعطلتم بالدعة زمانكم، والحذر من أيقظ باله، قبل الوقوع في الحبالة، ولولا عهد سلف، بيننا نحفظ ذمامه، ونسعى بنور الوفاء أمامه، لنهض بنا نحوكم ناهض العزم ورائده، ووصل رسول الغزو ووارده، لكن الأقدار تقطع بالأعذار، ولا يعجل إلا من خاف الفوت فيما يرومه، وخشي الغلبة على ما يسومه، وقد حملنا الرسالة إليك القرمط ألبرهانس؛ وعنده من التسديد الذي تلقى بأمثالك، والعقل الذي تدبر بلادك به ورجالك، مما أوجب استنابته فيما يدق ويجل، وفيما يصلح لا فيما يخل، وأنت عندما تأتيه من آرائك، والنظر بعد هذا من ورائك، والسلام عليك، يسعى بيمينك وبين يديك ".
وأجاب المعتمد على رسالة ملك النصارى بالرسالة الآتية: " من الملك المنصور بفضل الله المعتمد على الله، محمد بن المعتضد بالله أبي عمر وابن عباد، إلى الطاغية الباغية أذفنش بن شانجه، الذي لقب نفسه بملك الملوك وسماها بذي الملتين، قطع الله بدعواه، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإن أول ما يبدأ من دعواه أنه ذو الملتين، والمسلمون أحق بهذا الاسم، لأن الذي تملكوه من أمصار البلاد، وعظيم
(2/75)

الاستعداد، ومجبى المملكة، لا تبلغه قدرتكم، ولا تعرفه ملتكم، وانما كانت سنة سعد، أيقظ منها مناديك، وأغفل من النظر السديد جميل مباديك، فركبنا مركب عجز نسخه الكيس، وعاطيناك في كؤوس دعة، قلت في أثنائها ليس، ولم تستح أن تأمر بتسليم البلاد لرجالك، وإنا لنعجب من استعجالك برأي لم تحكم أنحاؤه، ولا حسن انتحاؤه، وإعجابك بصنع وافقتك فيه الأقدار، واغتررت بنفسك أسوأ الاغترار، وتعلم أنا في العدد والعديد، والنظر السديد، ولدينا من كماة الفرسان، وحيل الإنسان، وحماة الشجعان، يوم تلتقي الجمعان، رجال تدرعوا الصبر، وكرهوا القبر، تسيل نفوسهم على حد الشفار، وينعاهم المنام في القفار، يريدون رحى النون بحركات العزائم، ويشفون من خيط الجنون بخواتم العزائم، قد أعدوا لك ولقومك جلاداً رتبه الاتفاق، وشفاراً حداداً شحذها الإصفاق، وقد يأتي المحبوب من المكروه، والندم من عجلة الشروه، نبهت من غفلة طال زمانها، وأيقظت من نومة تجدد إيمانها، ومتى كانت لأسلافك الأقدمين مع أسلافنا الأكرمين، يد صاعدة أو وقفة متساعدة، إلا ذل تعلم مقداره، وتتحقق مثاره، والذي جرأك على طلب ما لا تدركه قوم كالحمر، لا يقاتلونكم جميعاً، إلا في قرى محصنة، أو من وراء جدر، ظنوا المعاقل تعقل، والدول لا تنتقل، وكان بيننا وبينك من المسالمة، ما أوجب القعود عن نصرتهم، وتدبير أمرهم، ونسأل الله المغفرة فيما أتيناه في أنفسنا؛ وفيهم من ترك الحزم وإسلامهم لأعاديهم، والحمد لله الذي جعل عقوبتنا، توبيخك وتقريعك، بما الموت دونه، وبالله نستعين عليك، ولا نستبطىء في مسيرنا إليك، والله ينصر دينه، والسلام على من علم الحق فاتبعه، واجتنب الباطل وخدعه " (1).
- 3 -
وعلى أثر هذا النذير، جد المعتمد في حشد رجاله، وتقوية جيشه، وإصلاح حصونه، واتخاذ كل ما يستطاع من الأهبات الدفاعية. على أنه كان يوقن، كما
_______
(1) أورد نص هاتين الرسالتين صاحب "الحلل الموشية". وقد اعتمدنا في نقلهما على النص الذي نقله دوزي عن مخطوطات باريس، وليدن، وجاينجوس (مدريد)، وهو فيما يبدو أصح وأدق من النص الذي ورد في طبعة تونس. راجع: Hist. Abbadidarum, V. II. p. 185, 186 & 187 وفي طبعة تونس (ص 23 - 25).
(2/76)

يوقن زملاؤه ملوك الطوائف، أن ملك قشتالة يعتزم العمل على إبادتهم جميعاً، وأنهم بقواتهم ومواردهم المحدودة، وصفوفهم الممزقة، لن يستطيعوا له دفعاً.
في هذه الآونة العصيبة، قرر المعتمد أن ينفذ فكرته في الاستنصار بإخوانه فيما وراء البحر، في عدوة المغرب، وهم يومئذ المرابطون، وعاهلهم يوسف ابن تاشفين. وكانت هذه الفكرة قد خطرت لأكثر من أمير من أمراء الطوائف، وخطرت لكثيرين من زعماء الأندلس وعلمائها. ويقول لنا الأمير عبد الله بن بلقِّين إن أخاه تميماً أمير مالقة، كان أول من فكر في الاستنصار بالمرابطين لينتقم منه (1)، ولكن فكرة الاستنصار بالمرابطين لمقاتلة النصارى كانت أعم وأخطر، وكانت قد شاعت في الأندلس على أثر سقوط طليطلة، وما أشاعته تلك النكبة في الناس من ذعر ويأس، وذاعت بعد الأمراء، بين سائر الزعماء والفقهاء وطبقات الكافة. وعقد عندئذ في قرطبة اجتماع كبير من الزعماء والفقهاء، واجتمع رأيهم على وجوب الاستنصار بالمرابطين، وقدم ابن عباد على أثر ذلك إلى المدينة، وأقر ما ارتأته "الجماعة". وانضم إلى المعتمد في ذلك عدة من زملائه رؤساء الطوائف، ولاسيما أميرى بطليوس وغرناطة. واتفق الرأي على أن ترسل إلى عاهل المرابطين سفارة مشتركة من قضاة قرطبة وبطليوس وغرناطة، ومعهم أبو بكر بن القصيرة الكاتب (وفي رواية أخرى الوزير أبو بكر بن زيدون).
وهنا تختلف الرواية في التفاصيل فتقول إحداها إن سفارة الأندلس عبرت البحر، ولقيت أمير المسلمين بسبتة، وكان قد وصل إليها إثر افتتاح جيشه لها، من يد واليها يحيى بن سكوت البرغواطي، وشرح له السفراء ما يلقاه أهل الأندلس من الإرهاق والذلة على يد النصارى، وما يهددهم به ملك قشتالة من أخذ بلادهم، وإبادتهم، وأنهم يعتمدون على نصرته وحسن بلائه، في دفع هذا الخطر عن الأندلس المسلمة. وفي رواية أخرى أن المعتمد بن عباد نفسه، قد عبر البحر في جماعة من الزعماء، وسار إلى سبتة أو إلى فاس لمقابلة أمير المسلمين، وأنه هو الذي استنصره بنفسه للجهاد وإنقاذ الأندلس (2).
_______
(1) مذكرات الأمير عبد الله ص 102.
(2) راجع في ذلك ما نقله دوزي عن النويرى: Hist. Abbadidarum: V. II. p. 143. وما ورد في الإستقصاء للسلاوي ج 1 ص 111، ومذكرات الأمير عبد الله ص 102، وابن خلدون ج 6 ص 186. وقد أشار ابن الأبار إلى ذلك أيضاً (الحلة السيراء ج 2 ص 186).
(2/77)

ومن جهة أخرى، فإنه يقال لنا إن المعتمد كان يعارضه في هذا الاتجاه ولده الرشيد وجماعة من زعماء إشبيلية، وأنه حين خاطب الزعماء في أمر استدعاء المرابطين أشاروا عليه بأن الأفضل، أن يسعى إلى التفاهم مع ملك قشتالة، وأن يعقد معه الصلح والمهادنة، بأي وسيلة، وكيفما كان الأمر. ولما خلا بولده الرشيد، أفضى إليه بمخاوفه من سطوة ملك قشتالة، وأنه بعد أن استولى على طليطلة وعادت دار كفر، قد رفع رأسه، وأخذ يتجه إلى أخذ إشبيلية، وأنهم في هذه الجزيرة لا ناصر لهم، وليس في ملوك الطوائف نفع ولا عون يرتجى، وأنه لا مناص من استدعاء المرابطين لردع ملك قشتالة، فاعترض الرشيد على رأيه وقال له: "يا أبت أتدخل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدد شملنا"، فقال المعتمد لولده: "أي بني والله لا يسمع عني أبداً أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى، فتقوم اللعنة علي في الإسلام؛ مثلما قامت على غيري. حرز الجمال عندي والله خير من حرز الخنازير". وانتهى الرشيد بأن فوض لأبيه الرأي فيما يحب عمله (1).
وأما عن أمراء الأندلس، فقد كان يتفق في الرأي مع المعتمد، على استدعاء المرابطين حسبما رأينا، عبد الله بن بلقين أمير غرناطة، وقد أوفد رسله مع رسل ابن عباد إلى أمير المسلمين، وكذلك عمر المتوكل أمير بطليوس، فقد كان في مقدمة المؤيدين، لوقوع بلاده في منطقة الخطر، ولاشتداد ملك قشتالة في إرهاقه. وأما ابن صمادح أمير ألمرية، فلم يكن من المتحمسين لهذا الاستدعاء (2)، وكانت ثمة آراء معارضة أخرى، شعارها التوجس من مقدم المرابطين وأطماعهم.
وقد أورد لنا صاحب الحلل الموشية نصوص رسائل، قيل أن المعتمد بن عباد بعثها إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، بعضها من إنشائه، وبعضها من إنشاء وزرائه، ومنها رسالة مؤرخة في جمادى الأولى سنة 478 هـ، أعني بعد سقوط طليطلة بأشهر قلائل، وفيها يصف له حال الأندلس، وما أصاب أهلها من الخلاف والتمزق، وما دهاها من عدوان النصارى وإرهاقهم. بيد أنه قد
_______
(1) الحلل الموشية ص 27 و 28 ونقلت في دوزي: Hist. Abbadidarum: V. II. p. 188-189
(2) راجع مذكرات الأمير عبد الله ص 103 و 104.
(2/78)

وردت من بينها رسالة، نشك كل الشك في أنها صادرة من المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين، لأنها قد صدرت بنصها، بعد ذلك بنحو قرنين من محمد الفقيه (ابن الأحمر) ملك غرناطة، إلى السلطان أبي يوسف المريني ملك المغرب، يستنصره ويستنجد به على النصارى (1).
وقد تتبعنا هنا فكرة استنصار الأندلس بالمرابطين بالأخص من ناحية ارتباطها بالمعتمد بن عباد وسياسته. وسوف نعود إلى تتبع مراحلها من الناحية الأخرى، ناحية ارتباطها بتاريخ المرابطين.
وعلى أي حال فقد استجاب زعيم المرابطين، بعد مشاورات ومباحثات طويلة مع الزعماء والفقهاء، لدعوة أمراء الأندلس، واعتبر الصريخ، دعوة إلى المشاركة في الجهاد، والذود عن الدين المشترك، بيد أنه عملا بنصح وزيره عبد الرحمن بن أسبط، وهو أندلسي من أهل ألمريه، خبير بشئون الجزيرة، اشترط لإجابة الدعوة، وعبوره إلى الأندلس، أن يسلم إليه ثغر الجزيرة الخضراء، ليكون قاعدة لعبوره في الذهاب والإياب، فنزل المعتمد عند هذه الرغبة بالرغم من معارضة ولده الرشيد، وكان حاكم الجزيرة يومئذ هو ولده يزيد الراضي، فأمره باخلائها والانتقال عنها، لكي تحتلها جنود أمير المسلمين (2).
وفي تلك الأثناء كان زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين يحشد جنده وعدده، ويرسلها تباعاً إلى الشمال. فلما تكاملت الحشود، بعث يوسف بقوة من الفرسان تحت إمرة قائده داود بن عائشة، فعبرت البحر، واحتلت ثغر الجزيرة الخضراء وفقاً لما تعهد به المعتمد. وفي شهر ربيع الآخر سنة 479 هـ (أغسطس 1086 م) بدأت الجيوش المرابطية وعلى رأسها زعيمها البطل الشيخ، تعبر البحر من سبتة تباعاً إلى ثغر الجزيرة، وما كادت السفن تتوسط ماء المضيق (مضيق جبل طارق) تتقدمها سفينة يوسف، حتى نهض الزعيم المرابطي، وبسط يديه نحو السماء
_______
(1) راجع الحلل الموشية ص 30 و 31، ودوزي Hist. Abbad. V. II. p. 190-191. وقد وردت الرسالة بنفسها منسوبة إلى محمد بن الأحمر في "الذخيرة السنية" ص 159 - 161. وراجع نهاية الأندلس لمحمد عبد الله عنان الطبعة الثالثة ص 98.
(2) الحلل الموشية ص 32 و 33. وكذلك في دوزي Hist. Abb. V. II. p. 192-193، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 159.
(2/79)

قائلا: "اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين، فسهل علي جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه".
ويروى أن البحر قد هدأ على أثر هذا الدعاء، وسارت السفن في ريح طيبة، حتى رست على الشاطىء، وما كاد يوسف يعبر إلى أرض الأندلس، حتى صلى لله شكراً (1)، ثم نزل بالجزيرة الخضراء، وشرع في تحصينها وإصلاح خططها.
هذا وسوف نتتبع ما تلا ذلك من الحوادث فيما سيأتي بعد، في حديثنا عن موقعة الزلاّقة.
_______
(1) راجع روض القرطاس ص 93. وهذا ما رواه يوسف نفسه في رسالته التي بعث بها عقب انتصاره في موقعة الزلاقة، إلى المعز بن باديس أمير تونس والتي، نشرناها في آخر الكتاب.
(2/80)

الفصل الرّابع
بنو الأفطس ومملكة بطليوس
مملكة بطليوس. الفتى سابور الفارسي وتغلبه على تلك المنطقة. وزيره عبد الله بن مسلمة يخلفه في الحكم. بنو الأفطس وأصلهم. ابن الأفطس وابن عباد. الحرب بينهما حول باجة وبعدها. انشغال ابن عباد بقتال البربر. الثورة في أشبونة وإخمادها. المظفر بن الأفطس. حروبه مع المعتضد بن عباد. موقعة يابرة وهزيمة المظفر. توسط ابن جهور وعقد الصلح بين الفريقين. غزو ملك قشتالة لشمالي مملكة بطليوس. استيلاؤه على بازو ومليقة. غزوه لمدينة شنترين. إذعان المظفر لدفع الجزية. مسير فرناندو لفتح قلمرية. اقتحامها وأسر حاميتها. وفاة فرناندو ملك قشتالة. وفاة المظفر. مقدرته الشعرية والأدبية. المنصور بن الأفطس. وفاته وقيام أخيه عمر المتوكل مكانه. المتوكل وشهرته في عالم الشعر والأدب. وزراؤه الشعراء. سيادة الأمن والرخاء في عهده. وزيره ابن الحضرمي. طغيانه وعزله. حوادث مملكة طليطلة. اضطلاع المتوكل بحكمها. محاولة المتوكل إنجاد طليطلة. سقوط طليطلة. تجبر ألفونسو ووعيده. رد المتوكل عليه. اتفاق ملوك الطوائف على استدعاء المرابطين.
كان يجاور مملكة إشبيلية من الشمال، مملكة بطليوس، تفصلها عنها جبال الشارّات الكبرى (سيرّا مورينا). وكانت مملكة بَطَلْيوس، تشمل رقعة كبيرة تمتد من غرب مملكة طليطلة، عند مثلث نهر وادي يانة، غرباً حتى المحيط الأطلنطي، وتشمل أراضي البرتغال (1) كلها تقريباً حتى مدينة باجة في الجنوب، وكانت العاصمة بطليوس تتوسط هذه الرقعة الكبيرة التي تشمل عدا العاصمة، عدة مدن هامة أخرى مثل ماردة، ويابرة، وأشبونة، وشنترين، وشنترة، وقُلُمرية، وبازو، وغيرها.
كان بنو مسلمة، أو بنو الأفطس، كما اشتهر اسمهم، سادة هذه المملكة الشاسعة، حكموها نيفاً وسبعين عاماً، وسطع بلاطهم أيام الطوائف. وكان استيلاؤهم على حكمها من المصادفات المحضة. ذلك أن هذه المنطقة، وهي النصف الشمالي، من ولاية الغرب الأندلسية، كان يحكمها عند اضطرام الفتنة، واليها الفتى سابور الفارسي، أحد صبيان فائق الخادم مولى الحكم المستنصر، وقد استبد بحكمها
_______
(1) ويسميها ابن الخطيب أرض "برتقال" (أعمال الأعلام ص 183).
(2/81)

منذ انهيار الخلافة، واستمر قائماً بأمرها ثلاث عشرة عاماً. وكان فارساً شجاعاً، ولكن عاطلا عن المعرفة والخبرة بشئون الحكم، فكان يعاونه في تدبير الشئون وزيره عبد الله بن محمد بن مسلمة، وكان من قبل والياً لماردة، وكان هو الحاكم الحقيقي. وتوفي سابور في سنة 413 هـ (1022 م)، وترك ولدين حدثين هما عبد الملك وعبد العزيز، وأوصى أن يستمر وزيره في الحكم، حتى يبلغا أشدهما.
فاستولى عبد الله على الأمور وضبط المملكة، واحتوى على تراث سابور لنفسه، وتلقب بالمنصور، وأضحى سيد المملكة الحقيقي.
وينتمي أبو محمد عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس، إلى قبيلة من قبائل مكناسة المغربية، وأصله من بلدة فحص البلوط من ولاية قرطبة، من أسرة متواضعة لم يكن لها نصيب في النباهة والمعرفة. بيد أن بني الأفطس كانوا بالرغم من ذلك يرجعون نسبتهم إلى تجيب، وقد مدحتهم الشعراء بهذا الصفة، وهذا ما يثير تعجب ابن حيان، وما يصفه " بالغريب النادر " (1).
وكان عبد الله بن الأفطس مع ذلك رجلا كثير المعرفة والدهاء، بعيد النظر، وافر الحزم والسياسة، فلما استولى على حكم هذه المنطقة الشاسعة بعد وفاة سابور، أبدى في ضبطها وإدارتها مقدرة وبراعة. بيد أنه كان يرقب حركات جاره من الجنوب القاضي أبى القاسم بن عباد ونمو قوته، في حذر وتوجس. ذلك أنه كان بالرغم من مناعة حاضرته بطليوس، ومناعة أسوارها وقصبتها الضخمة، فإن اتساع رقعة مملكته، وتباعد قواعدها الأخرى في الجنوب والشرق، كان يجعل من الصعب عليه الدفاع عنها إزاء أطماع جاره القوي. وسرعان ما بدأت تتحقق مخاوفه. ذلك أن القاضي ابن عباد انتهز قيام ثورة محلية في مدينة باجة، وقعت بين أهلها بسبب الرياسة، وسير إليها حملة بقيادة ولده إسماعيل، ومعه قوة من جند حليفه البرزالي صاحب قرمونة. وكان ابن الأفطس قد استطاع خلال تلك الفترة أن يحتل باجة بجنده، إذ هي أقرب إليه، وأكثر اتصالا بمنطقته من منطقة بني عباد، فهاجمت قوات إشبيلية المشتركة مدينة باجة، وحاصرت قوات ابن الأفطس، ووقع بينهما قتال عنيف انتهى بتمزيق قوات ابن الأفطس وأسر معظمها، وكان محمد بن الأفطس ولد المنصور بين الأسرى، فاعتقل حيناً لدى
_______
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء (المخطوط) لوحة 85 أ. وفي المطبوع ج 2 ص 97.
(2/82)

البرزالي في قرمونة حتى أطلق سراحه (سنة 421 هـ)، وعاد إلى بطليوس وقد صقلته المحنة، وشحذت عزمه، لمقاومة بني عباد ومحاربتهم.
ثم عادت الحرب فاضطرمت بعد ذلك ببضعة أعوام بين ابن عباد وابن الأفطس، ذلك أن حملة جديدة بقيادة إسماعيل بن عباد، توغلت شمالا في أراضي ابن الأفطس وعاثت فيها، وعندما سار في طريق العودة، خرج عليه ابن الأفطس في قوة كثيفة، وطارده بشدة، ففر إسماعيل في قلة من فلوله، وأسر معظم عسكره، وفتك ابن الأفطس بهم كما فتك النصارى بكثير منهم، وكانت محنة شنيعة لبني عباد (425 هـ - 1034 م).
وشغل أبو القاسم بن عباد في الأعوام التالية، عن محاربة الأفطس بمحاربة البربر، فاشتبك أولا مع يحيى المعتلي، وانتزع منه قرمونة (427 هـ)، ليردها إلى صاحبها حليفه محمد بن عبد الله البرزالي. بيد أنه عاد فسير قواته إلى قرمونة واستولى عليها. وعندئذ هرع البربر لنصرة البرزالي، وفي مقدمتهم إدريس المتأيد صاحب مالقة، وباديس بن حبوس صاحب غرناطة، ووقعت بين البربر وجند إشبيلية موقعة دموية، هزم فيها الإشبيليون وقتل أميرهم إسماعيل بن عباد (431 هـ) وذلك كله حسبما فصلناه من قبل في أخبار الدولة العبادية.
وأما ابن الأفطس، فقد شغل بقيام الثورة في أشبونة. أقصى ثغور مملكته.
ذلك أن عبد الملك وعبد العزيز ابنى سابور، حينما توفي والدهما، واستولى ابن الأفطس على تراثه، غادرا بطليوس ولجآ إلى ثغر أشبونة، ثم ثار عبد العزيز واستولى على حكم المدينة، واستمر في حكمها بضعة أعوام. ولما توفي حل أخوه عبد الملك مكانه، ولكنه كان سيىء الحكم والإدارة، فاختل النظام، وغلبت الفوضى، وكتب أهل أشبونة سراً إلى ابن الأفطس، أن يرسل إليهم والياً من عنده، فسير إليهم ولده محمداً في قوة كثيفة، ودخل محمد أشبونة دون صعوبة، ورأى عبد الملك بن سابور أن يذعن إلى التسليم، على أن يؤمن في نفسه وأهله وماله؛ فمنح ما طلب، وسمح له بأن يسير إلى حيث شاء، فقصد إلى مدينة قرطبة، واستأذن الوزير ابن جهور في الالتجاء إليها، فأذن له ودخلها بأهله وأمواله، ونزل دار أبيه سابور، وعاش هناك حتى توفي (1).
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 237.
(2/83)

وكان عبد الله بن الأفطس المنصور، خلال ذلك يمضي في تنظيم مملكته الشاسعة وفي تحصينها، وفي تقوية جيوشه وأهباته، وذلك كله توقعاً لعدوان بني عباد، ولاسيما بعد أن خلف المعتضد بن عباد أباه القاضي أبا القاسم في الحكم، وظهرت إمارات توثبه ونياته العدوانية. ثم توفي المنصور في جمادى الأولى سنة 437 هـ (1045 م).
فخلفه ولده محمد بن عبد الله بن الأفطس وتلقب بالمظفر. وكان عالماً وفارساً شجاعاً، وقد عركته خطوب الحرب والأسر الذي عاناه. فسار في الحكم سيرة أبيه من العمل على ضبط النظام، والدفاع عن الثغور. وكان مثل أبيه يرى في بني عباد خصومه الأوائل، ويعمل على تقوية أهباته الدفاعية لاتقاء عدوانهم. وقد رأينا فيما تقدم، كيف دبر المعتضد بن عباد خطته للاستيلاء على إمارات الغرب الصغرى، وبدأ في ذلك بمهاجمة مدينة لبلة، وكيف أن المظفر بن الأفطس هرع إلى نجدة صاحبها ابن يحيى، وبعث بعض قواته من البربر لمهاجمة إشبيلية، وكيف حاول الوزير ابن جهور عبثاً أن يحول بتدخله، ونصحه للفريقين، دون نشوب الحرب بينهما. وهكذا اضطرم القتال بين المعتضد وابن الأفطس، وعاث كل منهما في أراضي الآخر، وهزم ابن الأفطس أولا، ولكنه استأنف الكرة، واستطاع أن يوقع بالمعتضد هزيمة شديدة قتل فيها كثير من جنده (439 هـ - 1047 م).
ثم تطورت الحوادث وساء التفاهم بين ابن عباد وابن الأفطس، حيث أبى أن يرد إلى حليفه القديم، ما ائتمنه عليه من أمواله وذخائره أيام الحرب، ولم يكتف ابن الأفطس بذلك بل أرسل قواته من الفرسان لمهاجمة لبلة، فاستغاث ابن يحيى بالمعتضد، فلبى دعوته وأرسل قواته، فاشتبكت مع خيل ابن الأفطس فمزقتهم وأفنتهم، واحتزت من رؤوسهم، نحو مائة وخمسين. وجهز المعتضد بعد ذلك قوة كبيرة على رأسها ولده إسماعيل ووزيره ابن سلام، وعبرت القوات العبادية نهر وادي يانة، وتوغلت في أراضي ابن الأفطس شمالا، حتى مدينة يابُرة، وحشد ابن الأفطس في الوقت نفسه سائر قواته، واستعان بقوة بعثها إليه حليفه إسحق بن عبد الله البرزالي تحت قيادة ولده المعز، والتقى الفريقان دون أهبة ولا نظام على مقربة من يابرة، فهزم ابن الأفطس وفشا القتل في جنده، وقتل المعز بن إسحق، وحز رأسه وأرسل إلى إشبيلية، وقتل عم لابن الأفطس
(2/84)

وأرسل رأسه كذلك، ولجأ ابن الأفطس في بقية فرسانه إلى يابرة، تحت كنف صاحبها عبيد الله الخراز. وكانت موقعة دموية شنيعة قدر فيها عدد القتلى بأكثر من ثلاثة آلاف، وكان وقوعها في سنة 442 هـ (1050 م).
واستمرت الحرب بين الفريقين بعد ذلك عدة شهور أخرى، استطاع المعتضد خلالها أن يوقع بقوات ابن الأفطس غير مرة وأن يعيث في أراضيه، وأن يفتح منها عدة حصون. وتفاقمت الحال، بما أصاب مملكة بطليوس من تخريب الزروع، وهلاك الأقوات ونضوب الموارد، ووقوع القحط، واضطر المظفر بن الأفطس في النهاية، أن يعتصم بقاعدته بطليوس، بعد ما نكل سائر أصدقائه عن معونته. ولم ينقذه من عدوان المعتضد سوى تدخل الوزير أبى الوليد ابن جهور، حيث لبث موالياً لسعيه في درء الفتنة، وحقن الدماء، حتى كلل سعيه في النهاية بالنجاح، وعقد الصلح بين المعتضد بن عباد والمظفر بن الأفطس في ربيع الأول سنة 443 هـ (1051 م) (1).
وكان المظفر في نفس الوقت عرضة لمضايقة المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة وعدوانه. وقد أغار المأمون مراراً على أراضي ابن الأفطس، ووقعت بينهما معارك محلية كثيرة. ولم نعثر على تاريخ هذه المعارك بطريقة قاطعة. ولكن الظاهر أنها وقعت بعد الصلح بين ابن عباد وابن الأفطس، أعني بعد سنة 443 هـ (2).
على أن المظفر ما كاد يفيق من تلك الحروب المدمرة، حتى بدأت الحوادث والأزمات الخطيرة في أطراف مملكته الغربية والشمالية. وكان خصومه في تلك المرة هم النصارى، جيرانه من الشمال. وكان فرناندو الأول (فرديناند أو فرذلند) ولد سانشو الكبير، بعد أن استتب له ملك قشتالة وليون، يرقب تطور الحوادث لدى جيرانه المسلمين باهتمام، ويتحين فرص العمل، وكانت أطراف مملكة بطليوس الشمالية الواقعة فيما بين نهر التاجُه ونهر دويرة، تشمل منطقة نائية مجردة من وسائل الدفاع القوية، وتكاد تكون قواعدها المنعزلة المستقلة معتمدة في الدفاع على نفسها. فاتجهت أنظار فرناندو، إلى تلك المنطقة، ولم يلبث أن اخترقها بقواته وذلك في سنة 449 هـ (1057 م) واستولى أولا على مدينتي لاميجو (مليقة)
_______
(1) راجع ما نقل في الذخيرة عن ابن حيان، المجلد الأول القسم الأول ص 361 - 365، والبيان المغرب ج 3 ص 211 - 213 و 334 و 235.
(2) راجع البيان المغرب ج 3 ص 282 و 283.
(2/85)

وبازو الواقعتين في شمال البرتغال، واللتين عمرهما المسلمون منذ أيام المنصور؛ ولم يلق الغزاة دفاعاً يذكر، ولم يتحرك ابن الأفطس ليقينه من عقم المحاولة.
واسترق فرناندو، سكان المدينتين الإسلاميتين، وأسكن بهما النصارى.
ولم تمض بضعة أعوام أخرى حتى بعث فرناندو بحملة قوية إلى تلك المنطقة تقدر بعشرة آلاف فارس، وكان ابن الأفطس قد رفض أداء الجزية لملك قشتالة، فسارت قوة من الفرسان النصارى جنوباً، صوب مدينة شنترين الواقعة على نهر التاجُه، وهي من أهم قواعد مملكة بطليوس البرتغالية، وكان ابن الأفطس على علم بتحرك النصارى، فهرعت قواته إلى شنترين قبل أن يصلوا إليها. ولما أشرف عليها النصارى بعث قائدهم " القومس " إلى ابن الأفطس للمفاوضة، فاجتمع الاثنان في نهر التاجُه، وانتهت المفاوضة بينهما على عقد الهدنة، وعلى أن يدفع ابن الأفطس لملك قشتالة جزية سنوية مقدارها خمسة ألاف دينار.
على أن أعظم خطب نزل بالمسلمين وبمملكة بطليوس يومئذ, هو فقد مدينة قُلُمرية أعظم مدن البرتغال الشمالية، وكان قد افتتحها المنصور بن أبي عامر منذ ثمانين عاماً في سنة 375 هـ. وكانت يومئذ تحت حكم مولى من موالي ابن الأفطس يدعى راندة، ولديه للدفاع عن المدينة نحو خمسة آلاف جندي. ويقال إن الذي أشار على فرناندو بغزو قلمرية هو مستشاره المستعرب سسنندو الذي سبق ذكره، وكان في الأصل من أهل هذه الناحية. وسار فرناندو بنفسه إلى قلمرية في قوات كثيفة وضرب حولها الحصار، واستمر الحصار زهاء ستة أشهر، والضيق يشتد بالمدينة المحصورة يوماً عن يوم. وفي النهاية تفاهم راندة مع فرناندو سراً على أن يخرج من المدينة آمناً على نفسه وأهله، وأصبح أهل المدينة فلم يجدوا قائدهم, فعرضوا التسليم على أن يمنحوا الأمان، فرفض فرناندو واستمر في الحصار، حتى فتك الضيق ونفاد الأقوات بالحامية وأهل المدينة، وأخيراً اقتحم النصارى المدينة عنوة، فسلمت الحامية، واعتبر جنودها أسرى، وسبى الكثير من أهلها نساء ورجالا. وخرج منها من استطاع منهم تاركين متاعهم وأموالم، ووقعت هذه الحادثة بالمسلمين في سنة 456 هـ (1064 م). وعين فرناندو مستشاره سسنندو حاكماً لقلمرية وأعمالها، ومنحه عندئذ لقب " الكونت " أو " الوزير ".
ثم عمد فرناندو بعد ذلك إلى إخراج السكان المسلمين من سائر الأراضي الواقعة
(2/86)

بين نهري دويرة ومنيو (منديجو) وذلك تنفيذاً لخطته في إجلاء المسلمين عن الأراضي المتاخمة لمملكته شيئاً فشيئاً.
ولما سقطت قلمرية في يد العدو، قصد واليها السابق راندة إلى بطليوس، وكان قد لجأ إلى المعسكر النصراني، ثم غادره طمعاً في عفو سيده، فاستقبله ابن الأفطس بجفاء وأنبه على شنيع مسلكه، ثم أمر بضرب عنقه جزاء خيانته (1).
هذا وسوف نعود إلى تفصيل حوادث سقوط قلمرية في أخبار فرناندو ملك قشتالة.
وهدأ ضغط النصارى على أراضي ابن الأفطس بوفاة فرناندو ملك قشتالة بعد ذلك بنحو عامين في سنة 1065 م. ووقعت بين أبنائه الثلاثة حرب استمرت بضعة أعوام، شغل خلالها النصارى عن عدوانهم على أراضي المسلمين. ولما خلص عرش قشتالة وليون بعد ذلك إلى ولده ألفونسو، تحولت دفة هذا العدوان إلى مملكتي طليطلة، وإشبيلية، حسبما نفصل بعد.
وتوفي المظفر بن الأفطس في سنة 461 هـ (1068 م)، فخلفه ولده يحيى الملقب بالمنصور.
ولابد لنا قبل أن نترك الكلام على المظفر بن الأفطس، أن نذكر ذلك الجانب اللامع الوضاء في حياته، ونعني الناحية الفكرية. فقد كان المظفر من أعلم أهل عصره، وكان شغوفاً بالشعر والأدب، وكان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويقول: " من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو المعري فليسكت "، ولا يرضى بدون ذلك. وقد اشتهر في عالم الأدب بكتابه الضخم الموسوم "بالمظفري" نسبة إلى اسمه، وهو موسوعة أدبية وتاريخية عظيمة تحتوي على كثير من الأخبار والسير والنبذ المختارة، والطرائف المستملحة، والغرائب الملوكية، والنوادر اللغوية. وأنفق المظفر في تصنيفه أعواماً، وانتفع في تصنيفه بسائر ما تحتويه خزائنه الزاخرة بنفائس الكتب، ولم يستعن في وضعه إلا بكاتبه أبي عثمان سعيد بن خيره. وقيل إن "المظفري" كان يحتوي على خمسين مجلداً، وقيل بل على عشرة أجزاء ضخمة وقد لبث هذا المصنف الكبير عصوراً، معروفاً متداولا، تذكره التواريخ
_______
(1) راجع في سقوط قلمريه وما تقدمه من حوادث: البيان المغرب ج 3 ص 238 و 239، وأعمال الأعلام ص 184، ودوزي في Hist. des Musulmans d'Espagne, V. III. p. 67-77
(2/87)

الأندلسية، بيد أنه قد غاض ودثر في النهاية، ولم تصل إلينا منه سوى شذور قليلة (1).
وما كاد المنصور بن الأفطس يبدأ حكمه حتى ثار به أخوه عمر، وكان يرى نفسه أحق منه بالملك والحكم. وكان عند وفاة والده المظفر حاكماً لمدينة يابرة وما إليها، فنهض لمناوأة أخيه. واستمر النزاع بينهما بضعة أعوام حتى تفاقم.
ولجأ عمر إلى معاونة المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة، واتجه المنصور إلى معاونة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، واضطرمت الفتنة، وكادت تدمر كل شىء، لولا أن توفي يحيى المنصور فجأة سنة 464 هـ (1072 م)، فخمدت الفتنة ودخل عمر بطليوس، وتولى الحكم مكان أخيه دون منازع، وتلقب بالمتوكل على الله، وندب ابنه العباس حاكماً ليابرة.
وكان المتوكل بن الأفطس من أشهر ملوك الطوائف وأبقاهم ذكراً، وهو لم يشتهر بحروبه وأعماله السياسية، وإنما اشتهر بعلمه وأدبه وشعره، وبلاطه الزاهر، الذي كان جامعة أدبية أكثر منه قصراً ملوكياً. وقد وصفه لنا معاصره الفتح بن خاقان في تلك العبارات الشعرية: " ملك جند الكتائب والجنود، وعقد الألوية والبنود، وأمر الأيام فائتمرت، وطافت بكعبته الآمال واعتمرت إلى لسن وفصاحة، ورحب جناب للوافد وساحة، ونظم يزري بالدر النظيم، ونثر تسري رقته سري النسيم، وأيام كأنها من حسنها جمع، وليال كان فيها على الأنس حضور مجتمع، راقت إشراقاً وتبلجاً، وسالت مكارمه أنهاراً وخلجاً " (2).
وقال ابن الخطيب: " وكان المتوكل ملكاً عالي القدر، مشهور الفضل، مثلا في الجلالة والسرو، من أهل الرأي والحزم والبلاغة، وكانت مدينة بطليوس في مدته دار أدب وشعر ونحو وعلم ".
ونقل إلينا ابن الخطيب تلك التحفة الأدبية من نظم المتوكل، رواها وزيره أبو طالب ابن غانم قال: كتب إلى المتوكل بهذين البيتين في ورقة كرنب من بعض البساتين:
انهض أبا طالب إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضراً لدينا (3)
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 236، 237، وأعمال الأعلام ص 183، 184 والمعجب لعبد الواحد المراكشي ص 41، 42.
(2) قلائد العقيان ص 36.
(3) أعمال الأعلام ص 185.
(2/88)

وحسبك أن تعلم أنه كان من بين وزراء المتوكل، الكاتب والشاعر الكبير أبو محمد عبد المجيد بن عبدون "عظيم ملكهم، ونظيم سلكهم" حسبما يصفه صاحب القلائد، وصاحب مرثيتهم الرائعة التي نشير إليها فيما بعد، وهو من أبناء مدينة يابرة، وبنو القبطرنة وهم الشاعر المبدع أبو بكر بن عبد العزيز البطليوسي، وأخواه أبو محمد وأبو الحسن، وكلاهما أيضاً شاعر رائق النظم.
وفي عهد المتوكل على الله تمتعت مملكة بطليوس بفترة من السلام والأمن والرخاء، وسطع بلاطها في ظل أميرها الحكيم العالم. والواقع أن مملكة بطليوس كانت بالرغم مما نزل بها من الأحداث والخطوب، في عهد المظفر بن الأفطس، تتفوق من حيث انتظام الأحوال وسيادة الأمن والرخاء، على كثير من دول الطوائف الأخرى. وفي ذلك يقول المؤرخ " وكانت أيام بني المظفر (يقصد بني الأفطس) بمغرب الأندلس أعياداً ومواسم، وكانوا ملجأ لأهل الأدب، خلدت فيهم، ولهم قصائد شادت مآثرهم، وأبقت على غابر الدهر حميد ذكرهم " (1).
وكان معاونه في الحكم الوزير ابن الحضرمي، قد أساء السيرة، وتجبر وطغى وتعسف في معاملة الناس فأقاله، وأبعده عن خدمته. فكتب إليه الوزير يستعطفه فراجعه المتوكل بخطاب جاء فيه: " ياسيدي وأكرم عددي، الشاكي ما جنته يده لا يدي، ومن أسأل الله التوفيق في ذاته إذ حرمه في ذاتي ... نعم فإني رأيت الأمر قد ضاع، والإهمال قد انتشر وذاع، فأشفقت من التلف، وعدلت إلى ما يعقب إن شاء الله الخلف، وأقبلت استدفع من مواقع أنسي، وأشاهد ما ضيعته بنفسي، فم أر إلا لججاً قد توسطتها، وغمرات قد تورطتها، فشمرت عن الساق للجتها، وخدمت النفس بمهجتها، حتى خضت البحر الذي أدخلني فيه رأيك، ووطئت الساحل الذي كان يبعدني عنه سعيك .... وقد أطمعت في العدو لبست لأهل دهري الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة في التزام زهوك، وتعظيم شأنك، حتى أخرجت النفوس علي وعليك، فانجذب مكروه ذلك إليك، ومع ذلك فليس لك عندي إلا حفظ الحاشية وإكرام الغاشية " (2).
ووقعت أيام المتوكل في جارته مملكة طليطلة أحداث كان لها صدى في مملكته.
_______
(1) المراكشي في المعجب ص 42.
(2) قلائد العقيان ص 41.
(2/89)

ذلك أن يحيى بن ذى النون صاحب طليطلة الملقب بالقادر بالله، كان أميراً ضعيفاً سيىء الخلال، وكانت تناهضه عصبة قوية من الأعيان. وفي سنة 472 هـ ْقامت ثورة في طليطلة أضرمها أولئك الخصوم الناقمون، وحاولوا الاعتداء عليه، ففر من المدينة ناجياً بنفسه، ولجأ إلى بعض حصونه الخارجية، وخشي أعيان المدينة انهيار النظام، وذيوع الفوضى، فاتجهوا إلى المتوكل، واستدعوه لضبط المدينة، فأجابهم كارهاً، وغادر بطليوس إلى طليطلة، وأقام بها زهاء عشرة أشهر يدبر شئونها، حتى تهيأت لأميرها المنفي سبل العودة، فغادرها المتوكل، وقد حصل من أسلاب ابن ذى النون وذخائره على قسط وافر (1).
وكان ألفونسو السادس خلال ذلك يشدد الضغط على مملكة طليطلة، ويرهقها بغاراته المتوالية، وينتسف زروعها وأقواتها، تمهيداً لمشروعه الضخم في الاستيلاء عليها. وكان القادر بن ذى النون يدافع العدو ما استطاع، ويتطلع حوله للاستنجاد بجيرانه المسلمين، فلا يجد سميعاً أو منجداً. ولم يتقدم لإغاثته سوى المتوكل بن الأفطس، فقد سار بجنده لمدافعة جند قشتالة. بيد أن ألفونسو السادس لم يشأ الدخول في معارك عقيمة، وآثر الانسحاب مؤقتاً، حتى تحين الفرصة المنشودة.
بيد أنه لم تمض على ذلك بضعة أعوام، حتى حلت النكبة بمملكة بني ذى النون، واستولى ألفونسو السادس ملك قشتالة على طليطلة، وذلك في المحرم من سنة 478 هـ (1085 م) حسبما نفصل في موضعه. وشعر ملك قشتالة على أثر إنزال هذه الضربة الفادحة بالمسلمين، أنه أضحى قادراً على تحدي دول الطوائف جميعاً، والقضاء عليها، واحدة بعد أخرى. وكان من أثر ذلك أن أرسل إلى المتوكل يطلب إليه تسليم بعض قلاعه وحصونه، وأن يؤدي الجزية، ويتوعده بشر العواقب إذا رفض، ولم يك ثمة شك في خطورة هذا الوعيد، بعد أن سقطت طليطلة حصن الأندلس على نهر التاجُه، وعبر النصارى نهر التاجُه لأول مرة، ومع ذلك أبي المتوكل أن يستجيب إلى الوعيد، ورد على ملك قشتالة برسالة قوية حازمة، تفيض شجاعة وإباء ونبلا يقول فيها:
" وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدع في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد
_______
(1) أعمال الأعلام ص 180.
(2/90)

ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويلدد بجنوده الوافرة، وأحواله المتظافرة، ولو علم أن لله جنوداً أعز بهم الإسلام، وأظهر بهم دين نبينا محمد عليه السلام أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ...
أما تعييرك للمسلمين فيما وهي من أحوالهم، فبالذنوب المركوبة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك، علمت أي مصاب أذقناك، كما كانت آباؤك تتجرعه، فلم نزل نذيقها من الحمام ضروب الآلام شؤماً تراه وتسمعه، وإذا المال تتورعه. وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك، أهدى ابنته إليه مع الذخائر التي كانت تفد كل عام عليه، وأما نحن إن قلت أعدادنا، وعدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه، ولا صعب نروضه، إلا السيوف تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في ليلك ويومك، وبالله تعالى وملائكته المسومين، فنقوى عليك ونستعين ... وما تتربصون بنا إحدي الحسنيين، نصر عليكم فيالها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله، فيالها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفتر بما مددت، ويقطع بك فيما أعددت " (1).
وندب المتوكل قاضيه العلامة والفقيه الأجل، أبا الوليد الباجي، ليطوف بحواضر الأندلس، ويتصل بالرؤساء، ويدعوهم إلى لم الشعث، وتوحيد الكلمة ومدافعة العدو، فقام بالمهمة، واتصل بسائر الرؤساء، ولم يدخر وسعاً في نصحهم ووعظهم (2).
ومع ذلك فإن المتوكل لم يجد من زملائه المسلمين من يستنصر به، وقد روعهم جميعاً ما حل في طليطلة، وكان ملك قشتالة قد استولى منذ سنة 1080 م (473 هـ) على مدينة قورية وقلاعها، وهي من أطراف مملكة بطليوس الشمالية وحصنها على ْنهر التاجه، وأضحى السبيل بذلك أمامه ممهداً لكي يجتاح أراضيها بسهولة. وكان المعتمد بن عباد قد تلقى منه مثل المطالب والنذر التي تلقاها المتوكل، ورد عليه بمثل رد المتوكل أو أشد. وكان أن تطورت الحوادث بسرعة، واعتبر ملوك الطوائف بالخطب الداهم، وانتهى بهم الأمر إلى ذلك القرار الخطير، الذي شاء القدر أن يكون نقطة تحول في حياة الأندلس وفي تاريخها، ونعني استدعاء المرابطين.
_______
(1) تراجع هذه الرسالة في الحلل الموشية (تونس 1329 هـ) ص 20 - 22.
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 98.
(2/91)

وقد كان عمر المتوكل، إلى جانب زميله المعتمد بن عباد، وكلاهما يومئذ هدف لأخطر عدوان مباشر من جانب ملك قشتالة، في مقدمة المؤيدين لهذه الخطوة، وقد كتب إلى أمير المسلمين، كما كتب المعتمد، يلتمس عونه وغوثه.
والظاهر أن المتوكل وجه صريخه لأمير المسلمين قبل سقوط طليطلة، حسبما يبدو ذلك من رواية صاحب الحلل الموشية (1)، وقد انتهت إلينا من قلم هذ الأمير العالم تلك الرسالة البليغة المؤثرة يصف فيها لأمير المسلمين محنة الأندلس، وما دهاها من التفرق والانحلال، ويستنصره إلى الجهاد، والإنجاد العاجل:
" لما كان نور الهدى، أيدك الله، دليلك، وسبيل الخير سبيلك، ووضحت في الصلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وصح العلم بأنك لدعوة الإسلام أعز ناصر، وعلى غزو الشرك أقدر قادر، وجب أن تستدعي، لما أعضل الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيف بأنحائها "أهلكهم الله" (2)، عند إفراط تسلطها واعتدائها (3)، وشدة كلبها واستشرائها، تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرج لها عن كل ذخيرة، وتسترضى بكل خطيرة (4)، ولم يزل دأبها التشطط والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى نفد (5) الطارف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم، فإنما هم بأيديهم أسارا وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب، فيالله وياللمسلمين، أبسطوا هكذا بالحق الإفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكشف هذه البلية النصر، ألا ناصر لهذا الدين المهتضم، ألا حامي لما استبيح من الحرم، وأنا لله على ما لحق عرشه من ثل، وعزه من ذل، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء. ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك، أعزك الله، بالنازلة في مدينة قورية، أعادها الله، وأنها مؤذنة للجزيرة بالخلا، ومن فيها من المسلمين بالجلا، ثم مازال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلصت
_______
(1) الحلل الموشية ص 20.
(2) الزيادة من البيان المغرب (الأوراق المخطوطة).
(3) البيان المغرب "واعتزازها".
(4) البيان المغرب "نفيسة".
(5) البيان المغرب "استصفى".
(2/92)

القضية، وتضاعفت البلية، وتحصلت في يد العدو مدينة سُرية، وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع، في الحصانة والامتناع، وهي من المدينة كنقطة الدائرة "وواسطة القلادة" تدركها من جميع نواحيها، ويستوي في الأرض بها قاصيها ودانيها، وما هو إلا نفس خافت، وزمر داهق، استولى عليه عدو مشرك، وطاغية منافق، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالا، وتتداركوها ركباناً ورجالا، وتنفروا نحوها خفافاً وثقالا، وما أحضكم على الجهاد بما في كتاب الله، فإنكم له أتلى، ولا بما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكم إلى معرفته أهدى، وكتابي إليكم هذا يحمله الشيخ الفقيه الواعظ، يفصلها ويشرحها، ومشتمل على نكتة هو يبينها ويوضحها، فإنه لما توجه نحوك احتساباً، وتكلف المشقة إليك طالباً ثواباً، عولت على بيانه، ووثقت بفصاحة لسانه والسلام " (1).
والظاهر أن المتوكل، تلقى كما تلقى ابن عباد من أمير المسلمين، كتاباً يعده فيه بالجواز والإنجاد.
ونحن نقف في سرد أخبار المتوكل ومملكة بطليوس عند ذلك الحد، إذ هي تندمج عندئذ في تيار الحوادث العامة، الذي جرف الأندلس وملوك الطوائف جميعاً، وهو ما سنعني بتفصيله في موضعه.
_______
(1) البيان المغرب - في الأوراق المخطوطة التي عثرنا بها في مكتبة القرويين.
(2/93)

الفصل الخامِسُ
مملكة بني ذى النون في طليطلة
مملكة طليطلة وأهمية موقعها. بنو ذى النون. أصلهم وظهورهم. عبد الرحمن بن ذى النون وولده إسماعيل. أحوال طليطلة عقب الفتنة. استدعاء أهلها لإسماعيل. ولايته لطليطلة، وتلقبه بالظافر. كبير الجماعة أبو بكر الحديدي. وفاة إسماعيل وقيام ولده المأمون. الحرب بين المأمون وابن هود. هزيمة المأمون وارتداده. استعانته بفرناندو ملك قشتالة. عيث النصارى في أراضي ابن هود. التحالف بين المأمون وابن عباد. استعانة ابن هود بملك قشتالة وعيثه في أراضي طليطلة. تحالف المأمون مع غرسية ملك نافار. عيث النصارى في أراضي طليطلة وسرقسطة. سعي أهل طليطلة للصلح. مهاجمة ابن هود لمدينة سالم. غزو القشتاليين لأراضي طليطلة. غزو النافاريين لأراضي سرقسطة. وفاة ابن هود وانتهاء الفتنة. النزاع بين المأمون وبين ابن الأفطس. إغارة ملك قشتالة على أراضي طليطلة. تعهد المأمون له بالجزية. استيلاء المأمون على بلنسية. مختلف الروايات في ذلك. وفاة فرناندو ملك قشتالة والنزاع بين أولاده. فرار ألفونسو. التجاؤه إلى المأمون. محاولة المأمون غزو قرطبة وفشله. مؤامرة ابن عكاشة. استيلاؤه على قرطبة واستدعاؤه للمأمون. مقتل سراج الدولة ابن المعتمد. دخول المأمون قرطبة ثم وفاته. زحف ابن عباد على قرطبة واقتحامه إياها. مصرع ابن عكاشة. المأمون وخلاله. ثراؤه وقصوره الباذخة. ما ينسب إليه من البخل. ابن حيان يهدي إليه كتابه. يحيى القادر حفيد المأمون وخلفه. الوزيران ابن الفرج وابن الحديدي. بطش القادر بابن الحديدي. القلاقل والمؤامرات ضد القادر. ضغط ابن هود عليه. يلتمس حماية ملك قشتالة ويعترف بطاعته. الثورة في طليطلة وفرار القادر. المتوكل بن الأفطس يتولى حكم طليطلة. استعانة القادر بألفونسو واسترداده لعرشه. مشروع ألفونسو لغزو طليطلة. المعتمد بن عباد يعقد حلفاً مع ألفونسو خضوع ملوك الطوائف لملك قشتالة. اختلاف أهل طليطلة. الحزب الموالي للنصارى. تخريب ألفونسو لأراضي طليطلة. انصراف ملوك الطوائف عن غوثها. أبو الوليد الباجي ودعايته. عمر المتوكل يحاول إنجادها. حصار ألفونسو لطليطلة. القادر وموقفه المريب. تفاقم الخطب. محاولة أهل المدينة التفاهم مع ألفونسو. إصرار ألفونسو على التسليم. عروض التسليم وشروطه. ألفونسو السادس يدخل طليطلة. مغادرة القادر إياها. سقوط طليطلة وآثاره المادية والأدبية. طليطلة حاضرة قشتالة. أثر النكبة في موقف الطوائف. فجيعة الشعر الأندلسي.
لم تكن أهمية مملكة بني ذى النون في طليطلة وأعمالها، في ضخامة رقعتها، وإن كانت أيضاً من أكبر دول الطوائف رقعة، ولكن في موقعها الحربي (الاستراتيجي) على مشارف الأندلس الشمالية الوسطى. ونحن نعرف أن طليطلة وأعمالها، كانت منذ قيام الدولة الإسلامية بالاندلس تعرف بالثغر الأوسط
(2/94)

لمتاخمة حدودها للممالك الإسبانية النصرانية، واعتبارها بذلك حاجز الدولة الإسلامية وجناحها الشمالي الأوسط، ضد عدوان النصارى.
ولم يتغير هذا الوضع بقيام دولة بني ذى النون، على أثر انهيار الخلافة، وتمزق الأندلس، في تلك المنطقة، ومن ثم كانت أهمية مملكة طليطلة. وكانت هذه المملكة تشمل رقعة كبيرة في قلب الأندلس، تمتد شرقي مملكة بطليوس، من قورية وتَرجالُه نحو الشمال الشرقي، حتى قلعة أيوب وشنتمرية الشرق، جنوب غربي مملكة بني هود في الثغر الأعلى، وتمتد شمالا بشرق فيما وراء نهر التاجُه متاخمة لقشتالة القديمة، وجنوباً بغرب حتى حدود مملكة قرطبة، عند مدينتي المعدن والمدور، وتتوسطها عاصمتها طليطلة. ومن أعمالها مدينة سالم ووادي الحجارة وقونقة ووبذة وإقليش ومورة وطلبيرة وترجالُه وغيرها.
كانت هذه المنطقة الشاسعة الهامة وقت الفتنة غنماً لبني ذى النون، أقاموا بها مملكة لامعة زاهية، ولكن سيئة الطالع، قصيرة الأمد. وقد كان بنو ذى النون من أصول البربر، من قبائل هوارة، ويقال إن أصل لقبهم هو زنون، فتطور بمضي الزمن إلى رسمه المعروف، أعني ذى النون، وقد ظهروا وفقاً لأقوال الرواية، منذ أيام الدولة الأموية، حيث كان جدهم الأعلى ذو النون بن سليمان حاكماً لحصن إقليش، منذ أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن. وظهر جدهم ذو النون هذا، ونال عطف الأمير محمد عن طريق حادث عارض، خلاصته أن الأمير محمدا، عند اجتيازه في بعض غزواته لأرض شنت برية (1)، موطن ذى النون اعتل له خصي من أكابر خصيانه، وهو في طريق العودة من غزاته، فتركه عند ذى النون حتى يبرأ من علته أو يموت، فاعتنى به ذو النون عناية فائقة حتى برىء، ثم أخذه بنفسه إلى قرطبة، فسر الأمير محمد بمروءته، وكافأه على صنيعه بأن أهدى له سجلا بولايته على ناحيته، واعتباره زعيم قومه، وارتهن بعض أولاده كفالة بحسن طاعته، ومن ذلك الحين يظهر اسم بني ذى النون على مسرح الحوادث. ومنها أن موسى بن ذى النون، اشترك أيام الفتنة في الخلاف
_______
(1) شنت برية وبالإسبانية Santaver، هي بلدة حصينة كانت تقع شمالي غرب قونقة، وجنوبي شرقي وادي الحجارة على مقربة من منابع نهر التاجه، وقد كانت قاعدة للكورة الأندلسية التي تسمى بهذا الاسم، والتي تشغل منطقة قونقة وإقليش حتى شرقي طليطلة.
(2/95)

وخرج عن الطاعة، وذلك في سنة 260 هـ، وأخضعه الأمير محمد (1). ومن ذلك أيضاً أن ابنه الفتح بن موسى، خرج في مستهل عهد الناصر بقلعة رباح وأحوازها، فبعث إليه الناصر بحملة طاردته وانتهت بإخضاعه.
ويقول لنا ابن الخطيب إن بني ذى النون لم يكن لهم رياسة ولا نباهة إلا في دولة المنصور بن أبي عامر، ولكن ابن حيان يذكر لنا من جهة أخرى "أنه في شهر جمادى الأولى سنة 363. هـ في عهد الحكم المستنصر بالله سجل لمطرف بن اسماعيل ابن عامر ذى النون على وبذة" (2) وحصنه، وأضيفت إليه أكثر حصون شنت برية وقراها (3). ويقع حصن وبذة هذا على مقربة من شمال حصن إقليش معقل بني ذى النون فيما بعد. وعلى أي حال ففي أيام المنصور، ظهر عبد الرحمن ابن ذى النون وولده إسماعيل، وخدم في ظل المنصور، والظاهر أن عبد الرحمن هذا هو ولد مطرف بن إسماعيل بن ذى النون السابق ذكره. فلما انقرضت الدولة العامرية، لحق بالثغر، واجتمع إليه بنو عمه، ومنحه سليمان الظافر حكم إقليش.
ولما مات الفتى واضح العامري حاكم قلعة قونقة، استولى عليها إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذى النون، وضبطها حتى يجىء بزعمه من يولي عليها. وأخذ إسماعيل يستولي على الأنحاء المجاورة شيئاً فشيئاً، حتى بسط حكمه على كورة شنتبرية كلها.
وأولاه سليمان الظافر عطفه، فمنحه رتبة الوزارة، ولقبه بناصر الدولة. ونحن نعرف أن البربر كان لهم في أيام سليمان الغلبة والكلمة العليا، فلما اضطرمت الفتنة وانهارت السلطة المركزية، أعلن إسماعيل استقلاله بما في يده من الأراضي، وجبي الأموال، واتسعت أعماله. وينوه ابن حيان، ببخله وإمساكه في النفقة، ثم يصفه فيما يلي: " ولم يرغب في صنيعة، ولا سارع إلى حسنة، ولا جاد بمعروف، ولا عرّج عليه أديب ولا شاعر، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر، ولا استخرج من يده درهم في حق ولا باطل، ولا حظى أحد منه بطائل، وكان
_______
(1) نقل إلينا ابن حيان هذه المعلومات عن عيسى بن أحمد الرازي، ووردت في القطعة المخطوطة من تاريخ ابن حيان المحفوظة بمكتبة جامع القرويين (لوحة 272 ب).
(2) وهي بالإسبانية Huete
(3) ورد ذلك في المقتبس لابن حيان - قطعة مكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد المنشورة بعناية الأستاذ عبد الرحمن الحجي (بيروت 1965) ص 150.
(2/96)

مع ذلك سعيد الجد، تنقاد إليه دنياه، وتصحبه سعادته، فينال صعاب الأمور بأهون سعيه، وهو كان فرط الملوك في إيثار الفرقة، فاقتدى به من بعده، وأموا في الخلافة نهجه، فصار جرثومة النفاق، ومنه تفجر ينبوع الفتن والمحن " وهكذا كان مؤسس مملكة بني ذى النون (1).
وكانت طليطلة حينما اضطرمت الفتنة، وانهار سلطان الحكومة المركزية، قد قام بالأمر فيها وضبطها قاضيها أبو بكر يعيش بن محمد بن يعيش الأسدي. بيد أنه يبدو أنه لم يكن منفرداً بالرياسة، وأنه كان يحكم معه جماعة من الرؤساء على نحو ما كانت الجماعة في بدايتها بقرطبة، وكان من هؤلاء ابن مسرّة، وعبد الرحمن ابن متيوه. ثم وقع الخلاف بين الجماعة، وعزل القاضي ابن يعيش، وسار إلى قلعة أيوب وتوفي بها في سنة 418 هـ (2). ولما توفي عبد الرحمن بن متيوه، خلفه في الحكم ولده عبد الملك، وأساء السيرة، واضطربت الأمور، فرأى أهل طليطلة أن يتخلصوا من أولئك الزعماء جملة، وبعثوا رسلهم إلى عبد الرحمن ابن ذى النون في شنتبرية يستدعونه لتولي الرياسة، فوجه إليهم ولده إسماعيل، وكان ذلك في سنة 427 هـ (1036 م).
وهكذا تولى إسماعيل بن ذى النون حكم طليطلة وأعمالها، وتلقب بالظافر وامتدت رياسته شرقاً حتى قونقة وجنجالة، واعتمد في تدبير الأمور على كبير الجماعة بطليطلة أبي بكر بن الحديدي، وكان عالماً وافر العقل والدهاء، يحظى بتأييد الكثرة الغالبة من أهل المدينة، فكان إسماعيل لا يقطع أمراً دون رأيه ومشورته.
ولم يطل أمد اسماعيل في الملك أكثر من بضعة أعوام، إذ توفي في سنة 435 هـ (1043 م). وفي عهده ذاعت قصة ظهور هشام المؤيد، وكان هشام المزعوم هذا بقلعة رباح من أعمال مملكته، فأخرج منها وأخذ إلى إشبيلية، حيث أظهره القاضي ابن عباد، وأخذ له البيعة وأعلن خلافته، حسبما ذكرنا ذلك في موضعه.
فخلفه ولده يحيى بن إسماعيل، وتلقب بالمأمون، وسار على سنة أبيه في
_______
(1) راجع في أصل بني ذى النون ونشأتهم: الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 110 و111، وأعمال الأعلام ص 176 و 177، وابن خلدون ج 4 ص 161.
(2) ابن بشكوال في الصلة رقم 1520.
(2/97)

تقديم وزيره ابن الحديدي، والاعتماد على رأيه في مهام الشئون. وكان ثمة إلى جانب ابن الحديدي ثلاثة وزراء آخرين، أوصى أبوه إسماعيل بأن يشركهم في رأيه، ويعتمد على عونهم، وهم الحاج بن محقور، وابن لبون، وابن سعيد ابن الفرج (1). وفي عهد المأمون اتسعت حدود مملكة طليطلة، وترامت شرقاً حتى بلنسية، وأضحت من أعظم دول الطوائف رقعة وموارد، وساد بها الأمن والرخاء.
بيد أن عهد المأمون الذي استطال ثلاثة وثلاثين عاماً، كان في الوقت نفسه مليئاً بالحروب والخصومات، التي اضطرمت بين المأمون، وبين منافسيه القويين ابن هود صاحب سرقسطة والثغر الأعلى، وابن عباد صاحب إشبيلية. ووقع النزاع بادئ بدء بين المأمون، وبين ابن هود جاره من الناحية الشمالية الشرقية. وكانت سلسلة المدن والقلاع الحصينة التي تمتد بين الثغر الأعلى، وبين مملكة طليطلة، منذ قلعة أيوب حتى وادي الحجارة، موضع الاحتكاك بين الفريقين، وكانت مدينة وادي الحجارة بالأخص مثار نزاع بينهما، وبالرغم من أنها كانت من أعمال مملكة طليطلة، إلا أن فريقاً من أهلها كانوا ينزعون إلى الانضواء تحت سلطان سليمان بن هود صاحب سرقسطة، وكان سليمان يعمل على بث الاضطراب فيها، على يد رسله وأعوانه، فلما نضجت دعوته أرسل إليها قوة من جيشه بقيادة ولده وولي عهده أحمد فنازلتها، ثم دخلتها بمعاونة بعض أهلها الضالعين معه، (436 هـ - 1044 م). وما كاد المأمون بن ذى النون يقف على هذا الاعتداء، حتى هرع في قواته إلى وادي الحجارة، ونشبت بينه وبين أحمد بن هود معارك كانت الغلبة فيها لابن هود، فارتد بقواته، وابن هود يطارده حتى حصره في مدينة طلبيرة، الواقعة على نهر التاجه غربي طليطلة، وشدد ابن هود في الضغط على المأمون ومضايقته، ثم كتب إلى أبيه يخبره بما تهيأ له، فكتب إليه أبوه أن يرفع الحصار عن طلبيرة، وأن يترك المأمون وشأنه، فصدع بالأمر، وارتد بقواته عائداً إلى سرقسطة، ونجا المأمون من مأزق شديد الحرج.
ولم يشأ المأمون أن يقف عند هذا الحد، بل صمم على متابعة الحرب والانتقام من ابن هود، ففاوض فرناندو الأول ملك قشتالة، وطلب عونه، وتعهد
_______
(1) أعمال الأعلام ص 177، والذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 113.
(2/98)

بأن يقر بسيادته، وأن يؤدى له الجزية (1)، فاستجاب فرناندو لدعوته، وبعث سريات من جنده، فعاثت في أراضي ابن هود المتاخمة لقشتالة، وأمعنت فيها تخريباً، وكان ذلك في أوان الصيف والزروع على وشك الحصاد، فقام الجند النصارى بحصدها، ونقلها إلى بلادهم، وجردت المنطقة من سائر الزروع والأقوات، وقتل النصارى، وسبوا ما استطاعوا، ثم عادوا إلى بلادهم، كل ذلك وابن هود ممتنع في حصونه مجتنب للاشتباك مع المعتدين، وانتهز المأمون هذه الفرصة، فأغار بدوره على أراضي ابن هود المتاخمة له وعاث فيها.
ورأى المأمون في نفس الوقت أن يقوي أواصر الصداقة مع المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية، طمعاً في عونه ونصرته على ابن هود، فوعده ابن عباد بما طلب، وأسفرت المفاوضات بينهما، عن اعتراف المأمون بالدعوة الهشامية، التي احتضنها ابن عباد، ورفضها في البداية إسماعيل بن ذى النون، وأخذت البيعة لهشام المؤيد في طليطلة، ودعى له على منابرها (2). بيد أن ابن عباد ما لبث أن شغل بحروبه مع ابن الأفطس، ولم ينل المأمون من عونه شيئاً.
وأما ابن هود فإنه ما لبث أن انحدر إلى نفس الطريق الذي انحدر إليه المأمون وسعى بدوره إلى محالفة النصارى، واستعدائهم على خصمه ابن ذى النون، وبعث إلى فرناندو أموالا وتحفاً طائلة، على أن يغير على أراضي ابن ذى النون، فاستجاب فرناندو إلى دعوته، وبعث سرياته فاخترقت أراضي طليطلة شمالا، حتى وادي الحجارة. وقلعة النهر (قلعة هنارس)، وأمعنت فيها عيثاً وتخريباً، فاستشاط المأمون غيظاً، والتمس محالفة غرسية ملك نافار أخى فرناندو ملك قشتالة، وبعث إليه بالأموال والتحف، فأغار بقواته على أراضي ابن هود المتاخمة له، فيما بين تطيلة ووشقة وعاث فيها، وافتتح منها قلعة قلهرّة (437 هـ - 1045 م)، وكانت مما افتتحه المنصور بن أبي عامر من أعمال نافار الجنوبية، وقام فرناندو ملك قشتالة مرة أخرى بالإغارة على أحواز طليطلة وتخريبها.
وهكذا استباح النصارى أراضي المملكتين الإسلاميتين، بمساعي ابن هود وابن ذى النون الذميمة، وانهارت فيها خطوط الدفاع، وساءت أحوال المسلمين إلى
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 278، وكذلك: P.y Vives: Los Reyes de Taifas, p.53
(2) البيان المغرب ج 3 ص 220.
(2/99)

أبعد حد. واضطر أهل طليطلة أن يبعثوا إلى سليمان بن هود بعض كبرائهم، سعياً إلى طلب الصلح والمهادنة، فقصدوا إليه في سرقسطة فناشدوه السلم، وحذروه من العواقب، ومما تهيأ للنصارى من الظفر، فتظاهر بالقبول، وكذلك أبدى ابن ذى النون ميله إلى المهادنة والصلح، وصرف حلفاءه النصارى إلى بلادهم.
على أن ابن هود لم يكف عن خطته، فخرج بقواته مع سرية من حلفائه النصارى وهاجم مدينة سالم، وهي نهاية أعمال طليطلة المتاخمة له، وقتل معظم المدافعين عنها، ثم استولى على سائر الحصون التي كان قد انتزعها منه المأمون، وكان معه في تلك الغزوة، عبد الرحمن بن إسماعيل بن ذى النون، أخو المأمون الثائر عليه يدله على عوراته وثغراته. وهرع المأمون بقواته إلى مدينة سالم للدفاع عنها، وانتهز النصارى من حلفاء ابن هود هذه الفرصة، فعاثوا في أراضي طليطلة كرة أخرى، واشتد الخراب والكرب بأهل طليطلة، فبعثوا إلى فرناندو يسألونه الصلح والمهادنة، فطلب منهم أموالا كثيرة، واشترط شروطاً فادحة، عجزوا عن قبولها، وبعثوا يقولون له، لو كانت لدينا هذه الأموال، لأنفقناها على البربر، واستدعيناهم للدفاع عنا، فرد عليهم فرناندو بما يأتي، وهي أقوال تمثل سياسة اسبانيا النصرانية نحو الأندلس أصدق تمثيل:
" أما استدعاؤكم البرابرة، فأمر تكثرون به علينا، وتهددونا به، ولا تقدرون عليه، مع عداوتهم لكم، ونحن قد صمدنا إليكم ما نبالي من أتانا منكم، فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديماً في أول أمركم، فقد سكنتموها ما قضي لكم، وقد نصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم، واتركوا لنا بلادنا فلا خير لكم في سكناكم معنا بعد اليوم، ولن نرجع عنكم، أو يحكم الله بيننا وبينكم " (1).
وفي الوقت نفسه كانت قوات غرسية ملك نافار، حليف ابن ذى النون، تغير على أراضي ابن هود، وتعيث فيها. وهكذا استمرت الفتنة والنضال بين "هذين الأميرين المشئومين على المسلمين" ثلاثة أعوام من سنة 435 إلى آخر سنة 438 هـ، ولم تنقطع إلا بموت سليمان بن هود في العام ذاته، وكانت فتنة
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 282.
(2/100)

وضيعة كبيرة، ونموذجاً صارخاً لتلك الحروب والمنافسات الإنتحارية المدمرة التي انحدر إليها ملوك الطوائف (1).
وتنفس المأمون بن ذى النون الصعداء لوفاة خصمه الألد، وهدأت الأمور في الثغر الأعلى، إذ قسمت مملكة ابن هود بين أولاده الخمسة كما سيجىء، بيد أن المأمون لم يلتزم السلم والهدوء طويلا، بل اتجه إلى مخاصمة بني الأفطس جيرانه من الغرب، ونشبت بينه وبين المظفر ابن الأفطس صاحب بطليوس سلسلة من المعارك المحلية، لم تسفر عن أية نتائج ذات شأن. وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن هذه المعارك، قد نشبت بين الفريقين على الأرجح بعد سنة 443 هـ (1051 م).
وكان فرناندو ملك قشتالة، قد عاد في تلك الآونة إلى الإغارة على أراضي مملكة طليطلة، ولكن في تلك المرة لحسابه الخاص، وكان هذا الملك القوي، يطمح إلى إخضاع ممالك الطوائف الضعيفة المتخاصمة، أو على الأقل إلى أن يرهقها بمطالبه في أداء الجزية، ثم يتوصل باستصفاء أموالها إلى إضعافها. ففي سنة 1062 م (454 هـ) خرج في جيش قوي من الفرسان والرماة، وانقض على أراضي مملكة طليطلة الشمالية، فخربها وعاث فيها عيثاً شديداً، ولم يجد المأمون في النهاية بداً من أن يذعن إلى طلب الصلح، وأن يتعهد بأداء الجزية.
وكان من أهم أعمال المأمون بعد ذلك، استيلاؤه على بلنسية وأعمالها. وكانت بلنسية يومئذ تحت حكم عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر، وهو حفيد للمنصور وكان قد ولي حكمها على أثر وفاة أبيه عبد العزيز في آخر سنة 452 هـ، وكان صهراً للمأمون بن ذى النون، تزوج ابنته عقب وفاة أخيه زوجها الأول، فأهانها وأساء عشرتها، لما كان عليه من ذميم الصفات، والخلاعة، والانهماك في الشراب، والانحطاط في مهاوي اللذات الوضيعة. فحقد عليه المأمون وأضمر له الشر، وكانت ثمة أسباب سياسية أخرى لغضب المأمون على صهره، خلاصتها أنه طلب إليه أن يعاونه بالجند فاعتذر عبد الملك بأنه لا يستطيع بذل مثل هذه المعاونة، نظراً لتحالف الفتيان العامريين أمراء قسطلونة وشاطبة ومربيطر ضده، وتربصهم به. فاعتزم المأمون أمره ضد صهره، وهنالك في استيلاء
_______
(1) راجع في حروب المأمون وابن هود، البيان المغرب ج 3 ص 278 - 282، وأعمال الأعلام ص 178. وراجع دوزي: Hist. des Musulmans d'Espagne V.III.p. 74-75
(2/101)

المأمون على بلنسية روايتان الأولى، أنه قدم إلى بلنسية زائراً لصهره، فاستقبله عبد الملك هو وغلمانه وعبيده بقصره، فأقام لديه أياماً، ثم دبر له في ذات ليلة كميناً، فقبض عليه وعلى ابنه، وأخرجهما ليلا إلى بلدة شنت برية، واستولى بذلك على بلنسية بأيسر أمر.
وأما الرواية الثانية فتقول لنا إن المأمون استعد سراً لغزو بلنسية، واستعان بفرقة من الجند النصارى أمده بها حليفه فرناندو الأول صاحب السيادة الاسمية عليه، وأن القوات المتحالفة دهمت بلنسية، والبلنسيون مثل أميرهم غافلون غارقون في اللهو واللعب، فلم يستطع البلنسيون دفاعاً، ومزقت قواتهم، وقتل منهم عدد جم، وأسر عبد الملك بن أبي عامر وآله، ولم ينقذ حياته سوى تدخل زوجه ابنة المأمون. وتسمي الرواية هذه الموقعة بموقعة بطرنة، وهي بلدة من ضواحي بلنسية، وتنسب وقوعها إلى سنة 455 هـ أو 457 هـ أو 458 هـ، بيد أن المرجح أنها وقعت في ذي الحجة سنة 457 هـ (أكتوبر سنة 1065 م). وتختلف الرواية في مصير عبد الملك بن أبي عامر، فيقال إن صهره المأمون اعتقله في شنت برية أو قلعة إقليش، أو قلعة قونقة (1).
ولم يمض قليل على ذلك حتى توفي فرناندو ملك قشتالة (ديسمبر 1065)، وثارت بين أولاده الثلاثة سانشو ملك قشتالة، وألفونسو ملك ليون، وغرسية ملك جليقية، حرب أهلية استمرت أعواماً، وانتهت مرحلتها الأولى في سنة 1071 م، بانتصار سانشو واغتصابه ملك أخويه، والتجأ غرسية إلى حماية ابن عباد ملك إشبيلية، والتجأ ألفونسو إلى حماية المأمون بن ذى النون، وعاش في بلاط طليطلة زهاء تسعة أشهر معززاً مكرماً، حتى توفي أخوه سانشو قتيلا تحت أسوار سمورة، حينما أراد انتزاعها من يد أخته أوراكا، فغادر طليطلة إلى ليون واسترد عرشه. ويقال إنه حينما وصل إليه نبأ وفاة أخيه وهو بطليطلة أخفاه، وأراد أن يغادرها سراً، ففطن المأمون إلى ذلك، وحاول اعتقاله، ولكنه استطاع الفرار. وعلى أي حال، فإن ألفونسو، استطاع خلال إقامته بطليطلة في ضيافة صديقه وحاميه المأمون، أن يدرس أحوالها وأحوال بلاطها،
_______
(1) راجع البيان المغرب ج 3 ص 252 و 253 و 261 و 267 و 303، ودوزي: Hist. des Musulmans d'Espagne V.III.p. 79 , وراجع أيضاً اشباخ: تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (الطبعة الثانية سنة 1958) ص 49.
(2/102)

ومواطن ضعفها، وأن يستغل ذلك فيما بعد، في تدبير القضاء على مملكة المحسن إليه (1).
وقد أشرنا من قبل عند الكلام على دولة بني جهور بقرطبة، إلى ما حدث من محاولة المأمون بن ذى النون غزو قرطبة، وانتزاعها من يد الجهاورة، وكيف استغاث عبد الملك بن جهور بصديقه ابن عباد، فبعث إليه بالمدد تحت إمرة قائديه خلف بن نجاح ومحمد بن مرتين، ورد المأمون عن المدينة، ولكن قوات ابن عباد استولت عليها بطريقة غادرة، وفقاً لخطة سرية وضعها المعتمد ابن عباد من قبل، وانتهى الأمر بالقضاء على دولة الجهاورة (462 هـ - 1070 م) وندب المعتمد لحكمها ولده الحاجب سراج الدولة عباداً بن محمد بن عباد، وأبقى معه حامية بقيادة ابن مرتين.
ولكن المأمون بن ذى النون لم يقف عند هذا الحد، ولبث يتحين الفرصة لتنفيذ مشروعه في الاستيلاء على قرطبة، وهنا لجأ إلى سلاح التآمر والدس، فاتصل برجل من رجاله يدعى حكم بن عكاشة، وكان مغامراً وافر الجرأة، وكان من قبل من معاوني ابن السقاء، وزير بني جهور، فلما قتل ابن السقاء، قبض عليه فيمن قبض عليهم، وزج إلى السجن، ففر من محبسه ولحق بالمأمون ابن ذى النون، فاستخدمه وولاه أحد الحصون القريبة من قرطبة، وكان "شهماً صارماً". وتفاهم المأمون مع ابن عكاشة، على تدبير مؤامرة للفتك بالعباديين وأميرهم، والاستيلاء على قرطبة. فوضع ابن عكاشة خطته، ولبث يدبر أمره، ويحشد إلى جانبه من استطاع من المغامرين، وفي ذات ليلة دخل المدينة في جمع من شيعته بواسطة رجال من أنصاره فتحوا له الأبواب، ولم يفطن قائد العباديين ابن مرتين إلى ما يحدث من حوله، وكان رجلا متهاوناً، عاكفاً على لهوه وشرابه. وقصد المغيرون دار ابن جهور حيث كان يقيم سراج الدولة، ودهموه على غرة، فلقيهم في نفر من رجاله، وقتل مدافعاً عن نفسه. ثم قصدوا بعد ذلك إلى دار ابن مرتين، وكان منكباً على لهوه، فلما وقف على الخبر، فر تحت جنح الظلام، ولكنه أخذ بعد أيام قلائل وقتل. وفي صباح اليوم التالي
_______
(1) راجع البيان المغرب ج 2 ص 232، والذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 124، وكذلك: P.y Vives: Los Reyes de Taifas p. 53
(2/103)

كانت خطة ابن عكاشة قد كللت بالنجاح، فبسط حكمه على المدينة، وانضم إليه كثيرون من الدهماء، ودعا الناس إلى بيعة المأمون بن ذى النون وطاعته، وبعث إليه برأس سراج الدولة. وكان المأمون يقيم يومئذ في بلنسية، فقدم على عجل، ودخل قرطبة في موكب عظيم، وذلك في أواخر جمادى الآخرة سنة 467 هـ (1075 م). ولكنه لم يلبث طويلا حتى مرض وتوفي بعد ذلك بأشهر قلائل، في أواخر ذي القعدة من نفس العام. واحتمل جثمانه إلى طليطلة ودفن بها. ويقال إنه توفي مسموماً. وتولى ابن عكاشة من بعده حكم قرطبة، نائباً عن يحيى القادر بن ذى النون حفيد المأمون وخلفه في حكم طليطلة. وكانت وفاة المأمون إيذاناً بتطور الحوادث. ذلك أن المعتمد بن عباد، مذ قتل ولده وضاعت قرطبة، كان يضطرم رغبة في استرداد المدينة والانتقام لولده، وكان جماعة من أهل قرطبة قد بعثوا إليه يدعونه للقدوم، فما كاد المأمون يختفي من الميدان، حتى زحف على قرطبة في قواته، وأدرك ابن عكاشة أن لا طاقة له بالمقاومة، ففر من المدينة، ودخلها جند ابن عباد على الأثر، وبعث المعتمد في أثر ابن عكاشة سرية من الفرسان طاردته حتى ظفرت به وقتلته، وجىء به فصلب مع كلب إمعاناً في الزراية به، وفر ولده حريز بن عكاشة إلى طليطلة، فولاه يحيى بن ذى النون حاكماً لقلعة رباح (1)، وكان حريز هذا شاعراً مطبوعاً ذكره الفتح في " مطمح الأنفس " (2).
وكان المأمون بن ذى النون من أعظم ملوك الطوائف، وأطولهم عهداً، إذ حكم ثلاثة وثلاثين عاماً، وامتدت رقعة مملكة طليطلة في عهده حتى وصلت شرقاً إلى بلنسية، وازدهرت وعمها الرخاء. وجمع المأمون ثروات طائلة، وابتنى بعاصمته قصوراً باذخة اشتهرت في ذلك العصر بروعتها وفخامتها. وكان منها مجلسه الشهير المسمى " المكرم " كان آية في الروعة والبهاء. وقد نقل إلينا ابن حيان عن ابن جابر، وقد كان من شهوده في حفلة من حفلات المأمون الباذخة، بعض أوصافه. قال: " وكنت ممن أذهلته فتنة ذلك المجلس، وأغرب ما قيد لحظي
_______
(1) أعمال الأعلام ص 158 و 159، وابن خلدون ج 4 ص 161، وراجع دوزي: Hist.Abbadidarum V.II.p. 122-126
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء (دوزي) ص 196. والقاهرة ج 2 ص 179.
(2/104)

من بهي زخرفه، الذي كاد يحبس عيني عن الترقي عنه، إلى ما فوقه، إزاره الرائع الدائر بأسِّه حيث دار، وهو متخذ من رفيع المرمر الأبيض المسنون، الزارية صفحاته بالعاج في صدق الملاسة، ونصاعة التلوين، قد خرمت في جثمانه صور البهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار، وقد تعلق كثير من تلك التماثيل المصورة بما فيها من أفنان أشجار وأشكال الثمر. وكل صورة منها منفردة عن صاحبتها، متميزة من شكلها، تكاد تقيد البصر عن التعلي إلى ما فوقها. قد فصل هذا الإزار عما فوقه كتاب نقش عريض التقدير، مخرم محفور، دائر بالمجلس الجليل من داخله، مرقوم كله بأشعار حسان، قد تخيرت في أماديح مخترعه المأمون. وفوق هذا الكتاب الفاصل في هذا المجلس، بحور منتظمة من الزجاج الملون الملبس بالذهب الإبريز، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار، وصور أنعام وأشجار، يذهل الألباب ويقيد الأبصار. وأرض هذه البحار مدحوة من أوراق الذهب الإبريز، مصورة بأمثال تلك التصاوير من الحيوان والأشجار بأتقن تصوير، وأبدع تقدير ".
ثم قال: " ولهذه الدار بحيرتان، قد نصت على أركانهما صور أسود مصنوعة من الذهب الإبريز، أحكم صياغة تتخيل لمتأملها، كالحة الوجوه، فاغرة الشدوق، ينساب من أفواهها نحو البحيرتين الماء، هوناً كرشيش القطر أو سحالة اللجين. وقد وضع في قعر كل بحيرة منها حوض رخام يسمى المذبح، محفور من رفيع المرمر، كبير الجرم، غريب الشكل، بديع النقش، قد أبرزت في جنباته، صور حيوان وأطيار وأشجار ... ".
وذكر ابن بدرون أن المأمون يحيى بن ذى النون صاحب طليطلة، بنى بها قصراً تأنق في بنائه، وأنفق فيه مالا كثيراً، وصنع فيه بحيرة، وبنى في وسطها قبة، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل على القبة حواليها محيطاً بها، متصلا بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر، والمأمون قاعد فيها لا يمسه من الماء شىء، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل (1).
_______
(1) نقله نفح الطيب ج 2 ص 523. وراجع " سراج الملوك " للطرطوشي (القاهرة) ص 45.
(2/105)

ونقل إلينا ابن حيان أيضاً، عن ابن جابر أوصاف ذلك الحفل الباهر الذي أقامه المأمون، احتفالا بختان حفيده يحيى، الذي تولى الحكم فيما بعد باسم القادر، وفيه من صور البذخ والإغداق والسعة ما ينم عن الغنى الطائل، الذي حققه بنو ذو النون، واتسم به بلاطهم. بيد أن المأمون كان بالرغم من ذلك ينسب إلى التقتير والشح، وكان قليل من الشعراء يقصدون إليه للمديح " لقلة نائله، وتفاهة طائله " على حد قول ابن بسام (1).
والواقع أنه لم يكن ببلاط بني ذى النون للشعر والأدب دولة زاهرة، كما كان الشأن في إشبيلية وألمرية وبطليوس. بيد أننا نجد مع ذلك أكابر شعراء العصر وعلمائه يعيشون في ظل المأمون، وكان من هؤلاء شاعره ابن أرفع رأس، صاحب الموشحات المشهورة، والعلامة الرياضي ابن سعيد مؤلف تاريخ العلوم المسمى "طبقات الأمم"، وكان يلقي دروسه في المسجد الجامع، والعلامة النباتي ابن بصّال الطليطلي.
وقد رأينا فيما تقدم كيف ينوه ابن حيان أيضاً، بما جبل عليه مؤسس دولة بني ذى النون اسماعيل، من البخل والتقتير، ومع ذلك فإنه مما يلفت النظر حقاً، أن ابن حيان لم يجد من يهدي إليه مؤلفه التاريخي الضخم، سوى المأمون بن ذى النون، إذ يقول لنا في مقدمته إنه كان بعد تأليفه ينوي الاستئثار به لنفسه، وأن يخبئه لولده ضناً بفوائده الجمة على من تنكب إخماده به إلى ذمه ومنقصته، ثم يقول: " إلى أن رأيت زفافه إلى ذى خطبة سنية، أتتني على بعد الدار، أكرم خاطب، وأسنى ذى همة، الأمير المؤثل الإمارة، المأمون ذى المجدين، الكريم الطرفين يحيى بن ذى النون " (2).
- 2 -
وخلف المأمون حفيده يحيى بن ذى النون الملقب بالقادر. ذلك أن هشاماً ولد المأمون، توفي قبل وفاته أو أنه قد حكم بضعة أشهر فقط ثم توفي (3). وكان القادر
_______
(1) راجع ما نقله ابن بسام في الذخيرة عن ابن حيان، في أوصاف الحفلات والقصور المأمونية، القسم الرابع المجلد الأول ص 99 - 104 و 114.
(2) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 88.
(3) راجع ابن خلدون ج 4 ص 161، وأعمال الأعلام ص 171. وكذلك: P.y Vives: Los Reyes de Taifas (Cit.Cronica General p. 54,nota)
(2/106)

فتى حدثاً، قليل الخبرة والتجارب قد ربي في أحجار النساء، ونشأ بين الخصيان والغانيات، فغلب على أمره العبيد والموالي. وكان يحكم مملكة عظيمة ولكن مفككة. وكان المأمون قد قسم الأعمال بين وزيريه الأثيرين، وهما ابن الفرج والفقيه أبو بكر بن الحديدي، وكان الأول يختص بتدبير الأجناد، والنظر في طبقات القواد، والشئون السلطانية، والأعمال الديوانية، ويختص الثاني بالنظر في الشئون المالية وشئون الرعية، وإبداء الرأي والمشورة. وأوصى المأمون قبل وفاته حفيده، بأنه متى اضطلع بالحكم، أن يعتمد على عون ابن الحديدي ونصحه، وأن يأخذ رأيه في كل أمر، واتخذ العهود الوثيقة على ابن الحديدي، أن يخلص النصح لحفيده، وأن يشد أزره بكل ما وسع. بيد أنه لم يمض سوى قليل، حتى بدأ نفر من خاصة القادر يسعون لديه في حق ابن الحديدي، ويوغرون صدره عليه، ويقنعونه بأنه لا يمكن أن يحكم بصورة حقيقية، حتى يتخلص من نير ابن الحديدي وطغيانه؛ وكان المأمون قد قبض من قبل بإيعاز ابن الحديدي على جماعة من أعيان طليطلة، واعتقلهم بالمعتقل خشية انتقاضهم فرأى القادر بعد أن استقرت لديه فكرة التخلص من ابن الحديدي، أن يستظهر بهم عليه، فأطلقهم واستدعاهم إلى مجلسه، فلما حضر ابن الحديدي ورآهم، استشعر الخطر، وحاول أن يلوذ بحماية القادر، فغادر القادر المكان، وفتك الحضور بابن الحديدي، ونهبت دوره، وكان ذلك في أوائل المحرم سنة 468 هـ (1076 م).
ولم يلبث القادر أن أدرك سقطته؛ وأخذ يجني ثمار جريمته. فقد وهم أنه تخلص من نير ابن الحديدي، ولكنه وقع في براثن تلك الطغمة التي آزرته في الجريمة، وبدأ أولئك الأعيان الحاقدون، خصوم جده القدماء، يحيكون له الدسائس، ويضعون الصعاب في طريقه، ويثيرون الشعب ضده، حتى ضعف سلطانه، وبدأت أعراض الثورة تبدو في النواحي. وكان ابن هود صاحب سرقسطة، يرهقه بمطالبه وغاراته، ويستعين ضده بالجند النصارى، حتى انتهى بأن انتزع منه مدينة شنتبرية. ومن جهة أخرى فقد ثار أبو بكر بن عبد العزيز ببلنسية وخلع طاعة بني ذى النون، ونادى بنفسه أميراً مستقلا، فداخله ابن هود وخطب إليه ابنته أملا في أن يستطيع بذلك التغلب على بلنسية. وكادت مدينة
(2/107)

قونقة تسقط في يد سانشو راميرز ملك أراجون، لولا أن افتداها أهلها بمبلغ كبير من المال. وحاول القادر أن يرد خصومه، فبعث جنده تحت إمرة الفتى بشير لمقاتلة ابن هود وراميرز، ولكنهما انصرفا دون قتال. وعندئذ اضطر القادر أن يتجه ببصره إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وأن يلتمس عونه وحمايته.
وكان المأمون قد اعترف بطاعته من قبل، وقبل تأدية الجزية. وحذا القادر بالطبع حذوه، ولكن ملك قشتالة أخذ عندئذ يشتط في مطالبه، ويطالب القادر بالمال تباعاً، وبتسليم بعض حصونه القريبة من الحدود، وقد تسلم منها بالفعل حصون سرية وفتورية وقنالش، كل ذلك والقادر عاجز عن رده، مرغم على إرضائه، حتى كادت خزائنه تنضب، وكان خصومه في الداخل من جهة أخرى يدبرون السعي لإسقاطه. وأخيراً اضطرمت طليطلة بالثورة، فاضطر القادر أن يلوذ بالفرار، وأن يلجأ مع أهله وولده إلى حصن من حصونه الشرقية، هو حصن وبذة (472 هـ) وألفى أهل طليطلة أنفسهم بلا أمير، ولا حكومة تقي المدينة شر الفوضى، فرأى الجماعة منهم أن يستدعوا المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس، ليتولى أمرهم، وقبل المتوكل هذه المهمة كارهاً، وقدم إلى طليطلة، وقام بالأمر فيها.
وفي تلك الأثناء سار القادر بن ذى النون من ملجئه إلى مدينة قونقة، وكتب إلى ألفونسو ملك قشتالة يذكره بسالف الود بينه وبين جده المأمون، وما كان للمأمون من فضل في عونه وإغاثته، ويطلب منه العون في محنته. فاستجاب ألفونسو لدعوته، وهو يزمع في قرارة نفسه، أن ينتهز كل فرصة سانحة، وسار معه إلى طليطلة في سَريَّة من فرسانه. وكان المتوكل بن الأفطس خلال ذلك يجد في اقتناص كل ما يستطيع اقتناصه من أسلاب القادر، من أثاث وفراش وآنية وسلاح وكتب وغيرها، حتى بعث منها إلى بطليوس المقادير الجمة.
فلما شعر بحركة ألفونسو ومقدم القادر، غادر طليطلة مسرعاً إلى حاضرته، وذلك بعد أن قضي في حكمها زهاء عشرة أشهر، ويقال إن ألفونسو حاصر طليطلة بقواته، واضطر ابن الأفطس أن يغادرها بطريق الفرار (إبريل 1080) (1).
_______
(1) ابن الخزرجي في كتاب الاكتفاء في أخبار الخلفاء، ونقله دوزي في: Hist.Abba-didarum V.II.p. 16
(2/108)

ودخل القادر طليطلة في حمى ألفونسو وجنده النصارى، بعد أن تصدى له أهلها وحاولوا رده بالقوة، فنكلت بهم الجند النصارى، ومزقوهم شر ممزق، وجلس القادر مرة أخرى على عرشه المضطرب الواهي، والفوضى تسود المدينة، وأهلها في كدر ووجوم، يتوقعون من تلك الحال سوء المصير، وكان ذلك في آخر سنة 474 هـ (1081 م) (1).
- 3 -
والواقع أن كل شىء كان ينذر بوقوع النكبة المرتقبة. ذلك أن ألفونسو السادس ملك قشتالة كان يدبر خطته الكبرى للاستيلاء على طليطلة، وكانت وهي في يد ملكها الضعيف المتخاذل، تبدو له ثمرة دانية القطوف، بعد أن غدا القادر في يده شبه أسيره. وتقول لنا الروايات القشتالية إن القادر كان حينما طلب من ألفونسو معاونته على استرداد المدينة، قد تعهد له بأن يحكمها باسمه، وأن يسلمها إليه متى شاء، على أن يعاونه على استرداد بلنسية لتكون مقر إمارته. بيد أن الحوادث التالية، وموقف القادر في الدفاع عن مدينته، يجعلنا نشك في أنه قطع مثل هذا العهد. وعلى أي حال فإن سقوط طليطلة في يد القشتاليين، لم يحدث بدون ممهدات ووقائع عنيفة.
وكان ألفونسو إلى جانب خططه العسكرية، قد مهد لمشروعه بأعمال السياسة.
وكان المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، لما رأى من استفحال قوة ألفونسو، وتغلبه على سائر ممالك الطوائف المتاخمة لمملكته، قد خشي أن ينساب تيار الغزو إلى أراضيه، ورأى أن عقد المهادنة والصلح مع ملك قشتالة، هو خير ضمان لاتقاء شره، وسلامة مملكته. فبعث وزيره البارع ابن عمار إلى ليون ليفاوض ملك قشتالة، وانتهى ابن عمار إلى أن عقد معه معاهدة، يتعهد فيها ملك قشتالة بأن يعاون ابن عباد بالجند المرتزقة ضد سائر أعدائه من الأمراء المسلمين، ويتعهد ابن عباد مقابل ذلك، بأن يؤدي إلى ملك قشتالة جزية كبيرة، ويتعهد بالأخص بما هو أهم، وهو أن يتركه حراً طليقاً في أعماله ضد طليطلة، وألا يعترض مشروعه في الاستيلاء عليها. وربما كان في الرسالة التي بعث بها المعتمد فيما بعد إلى
_______
(1) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 124 - 127.
(2/109)

ألفونسو السادس ما يؤيد هذه الرواية، حيث يعرب المعتمد عن ندمه لمسالمة ملك قشتالة. وقعوده عن نصرة إخوانه. وتزيد الروايات القشتالية على ذلك أن المعتمد ابن عباد قدم في هذه المناسبة أو في مناسبة لاحقة، إحدى بناته لتكون زوجة أو حظية لملك قشتالة، وهي التي تعرفها التواريخ القشتالية "بزائدة" وذلك لكي يكون مهرها ما استولى عليه من أراضي طليطلة، حتى لا ينزع النصارى منه هذه الأراضي، وهي قصة سوف نتناولها في موضعها، عند الكلام على الفتح المرابطي لمملكة إشبيلية.
وفي هذا الوقت كان معظم ملوك الطوائف، قد خضعوا لوعيد ملك قشتالة، وتعهدوا بأن يؤدوا له الجزية، إلا ملك بطليوس الشهم عمر المتوكل، حسبما ذكرنا ذلك في موضعه، فكان ألفونسو السادس بذلك على يقين من أن الجو قد أضحى ممهداً لتنفيذ مشروعه، وأنه لن يجرأ أحد أن يقف في طريقه. وكان مما يقوي أمله أن أهل طليطلة، لم يكونوا على وفاق فيما بين أنفسهم، وأن حزباً قوياً منهم يناصر سياسته وأطماعه، ويشجعه على العمل، وكانت الغزوات والحملات المتوالية، التي شنها ألفونسو على أراضي طليطلة، حتى ذلك الحين، سواء لحسابه الخاص، أو بحجة معاونة القادر ضد الثوار عليه، قد نالت من هاتيك السهول، وخربت كثيراًَ من ربوعها النضرة، وأشاعت فيها الضيق والحاجة، وأخذت العاصمة طليطلة، تتأثر بهذا الضغط على مواردها، بيد أن ألفونسو كان يزمع أن يستمر في حملاته المخربة حتى يتم تجريد المدينة العظمى من سائر مواردها.
وقد بدأت هذه الحملات الجديدة منذ سنة 474 هـ (1081 م)، أي مذ عاد القادر إلى عرشه، واستمرت أربع سنوات كاملة، وكانت تنظم بتواطىء الحزب الموالي من أهل طليطلة، وهو الحزب الذي تصفه الرواية القشتالية بالحزب " المدجّني " أي الموالي لملك النصارى، وفي كل عام يجتاح ألفونسو بقواته أراضي طليطلة من سائر جنباتها، ويخرب الضياع، ويقطع الأشجار، ويبيد الزروع، ويسبي الذرية، ولا يجد أمامه من يرده عن ذلك العيث. وكان من الواضح أن هذه الأعمال المدمرة، سوف تنتهي بالقضاء على كل موارد طليطلة، وبتجريدها من وسائل الدفاع، وهو ما كان يرمي إليه ملك النصارى.
وكان موقف ملوك الطوائف في تلك الآونة العصيبة من حياة اسبانيا المسلمة،
(2/110)

موقفاً يثير الألم والحسرة معاً. فقد كان أعظمهم وأقواهم المعتمد بن عباد، بعد أن تفاهم مع ألفونسو السادس، على تركه وشأنه في مشاريعه نحو طليطلة، مشغولا بمحاربة عبد الله بن بلقِّين بن باديس صاحب غرناطة. وكان المقتدر بن هود أقوى الأمراء المتاخمين لمملكة طليطلة من ناحية الشمال والشرق، مشغولا بنضاله المستمر ضد هجمات ملك أراجون وأمراء برشلونة. وكانت دول الطوائف الشرقية والجنوبية، بعيدة عن ميدان الخطر، لا تستطيع حتى إذا شاءت، لبعد الشقة، أن تقوم بإنجاد طليطلة بصورة ناجعة. وهكذا عدمت طليطلة كل مصدر للعون الحقيقي، كل ذلك والموقف يتحرج، وألفونسو السادس ماض في غزواته المدمرة، حتى أضحت سهول طليطلة كلها خراباً يباباً. ولم يكن يخفى على عقلاء المسلمين أن الموقف عصيب، وأن سقوط طليطلة إحدى قواعد الأندلس العظمى في يد قشتالة، إنما هو نذير السقوط النهائي، وأن انهيار الحجر الأول في صرح الدولة الإسلامية، إنما هو بداية انهيار الصرح كله، فبادر جماعة منهم إلى الحث على الاتحاد واجتماع الكلمة إزاء الخطر المشترك، ونهض القاضي العلامة أبو الوليد الباجي، بإشارة المتوكل بن الأفطس، حسبما تقدم، فطاف بالولايات والقواعد الأندلسية صائحاً منذراً، محذراً من عواقب التفرق، وهو يهيب بملوك الطوائف وشعوبها، أن يبادروا إلى نجدة طليطلة، مؤكداً أن ملك قشتالة سوف يسحق دول الطوائف كلها، واحدة بعد الأخرى. ولكن جهود أولئك الرسل العقلاء الذين كانوا يستشقون ببصرهم الثاقب، ما يضمره المستقبل من ويل، ذهبت كلها سدى، وغلبت الأطماع والأهواء الشخصية، على كل تفكير سليم ومبدأ حكيم، ولبث ملك إشبيلية وهو أولى وأقرب من تقع عليه تبعة الإنجاد، يشهد تفاقم الخطب جامداً معرضاً، وكل همه أن يحتفظ بما انتزعه من أراضي مملكة طليطلة الجنوبية، ولم يتقدم لإنجاد القادر وإنجاد أهل طليطلة، سوى أمير بطليوس الشهم عمر المتوكل بن الأفطس، فقد نزل إلى ميدان النضال ضد ألفونسو السادس، وحاول مدافعته، فبعث ولده الفضل والي ماردة في جيش قوي، ليحاول رد ألفونسو عن طليطلة. ولكنه لم يستطع مغالبة قوى النصارى المتفوقة عليه في العدد والعدة، فارتد آسفاً بعد أن خاض معارك دامية. وكان المتوكل قد بذل مثل هذه المحاولة قبل ذلك ببضعة أعوام في سنة 471 هـ، وتغلب عليه
(2/111)

أيضاً ألفونسو السادس، وانتزع منه مدينة قورية من أملاكه الشمالية المجاورة لأراضي طليطلة.
وهكذا تركت المدينة المنكوبة لمصيرها. وفي خريف سنة 477 هـ (1084 م) اقترب ألفونسو السادس بقواته من المدينة، ونزل بالمنية المسورة الواقعة في منحنى نهر التاجُه، وهي المنية الشهيرة التي كان المأمون بن ذى النون قد زودها بالقصور الفخمة والبساتين اليانعة، وجعل منها جنة يخلد إليها أيام أنسه ولهوه، وهي التي تعرفها الرواية القشتالية ببستان الملك Huerta del Rey. ويقول ابن بسام في وصفها " المنية المسورة، التي كان المأمون يحشد إليها كل حسن، ويباهي بها جنة عدن " (1). وضرب ألفونسو الحصار حول طليطلة. ثم دخل الشتاء, وشحت الأقوات، واشتد الأمر بأهل المدينة. وكان موقف القادر بن ذى النون مريباً، ولم يكن دون شك متفقاً في الشعور مع الحزب المناوىء لملك قشتالة المتشدد في مقاومته، وكان جماعة من هؤلاء يعملون بكل ما وسعوا لإطالة أمد المقاومة، عسى أن يمل ملك قشتالة ويخبو عزمه، أو أن يتقدم لإنجادهم أحد.
وكان الأمر يشتد بالمدينة المحصورة يوماً عن يوم، حتى تحرج الموقف, واضطر الزعماء والقادة بالاتفاق مع القادر أن يرسلوا إلى ملك قشتالة وفداً للتحدث في أمر الصلح، فأبى أن يستقبلهم، واستقبلهم وزيره سسنندو (ششنند). وكان هذا الوزير في الأصل من النصارى المستعربين، أسر حدثاً وربي في بلاط إشبيلية، وظهر أيام المعتضد بن عباد، وسفر بينه وبين فرناندو ملك قشتالة، ثم نزح إلى جلِّيقية، وخدم فرناندو، ثم من بعده ولده ألفونسو، وكان داهية ذا براعة فائقة، فانتهى بأن وطد صولة ألفونسو لدى معظم ملوك الطوائف، والتزموا بأداء الجزية. فلما قصد إليه وفد طليطلة استمع إليهم، وأبدى أنه لا فائدة من المفاوضة، وأنه لا أمل بأن يتزحزح الملك النصراني عن موقفه قيد شعرة، وأنه لابد من تسليم المدينة. ويقول لنا ابن بسام في هذه المناسبة إن سسنندو أدخل زعماء طليطلة لدى مليكه، وأن ألفونسو حين أفضوا إليه أنهم ينتظرون العون والإنجاد من بعض ملوك الطوائف، أنبهم وسخر منهم، واستدعى من خيامه
_______
(1) ابن بسام في الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 128. ويقوم اليوم مكانها حصن سان سرفاندو San Servando
(2/112)

سفراء ملوك الطوائف، وقد كانوا جميعاً يومئذ لديه يسعون إلى خطب وده، ويقدمون إليه الأموال، وأن زعماء طليطلة خرجوا من لدنه، يتعثرون في أذيالهم، وقد فقدوا كل أمل وأيقنوا بسوء المصير (1).
وكان قد مضى على حصار القشتاليين للمدينة يومئذ زهاء تسعة أشهر، وقد تفاقم الخطب، وبلغت الشدة بالمحصورين أقصاها، وتحطمت كل محاولة لعقد الصلح مع ملك قشتالة، سواء من جانب القادر للاعتراف بطاعته والحكم باسمه، أو من جانب زعماء المدينة، ولم تجد صلابة أولئك الذين تمسكوا بالمقاومة والدفاع حتى الموت شيئاً، وغلب صوت العامة الذين أضناهم الجوع والحرمان. ولم تمض ثلاثة أيام على تلك المقابلة، حتى عرضت المدينة التسليم لملك قشتالة. ويلخص الأب ماريانا، وهو من أقدم المؤرخين الذين كتبوا عن سقوط طليطلة شروط التسليم فيما يلي: " أن يسلم القصر وأبواب المدينة والقناطر وحديقة الملك (وقد كانت حديقة نضرة غناء على ضفة التاجه) إلى الملك ألونسو (ألفونسو)، وأن يذهب الملك المسلم حراً إلى مدينة بلنسية وفقاً لرغبته، وأن يسمح بالحرية لمن شاء أن يتبعه من المسلمين، وأن يأخذوا معهم أموالهم. وأما الذين يقيمون في المدينة، فلا تؤخذ منهم أمتعتهم ولا أملاكهم، وأن يبقى المسجد الجامع بأيدي المسلمين يقيمون فيه شعائرهم، وألا تفرض عليهم ضرائب أكثر مما كانوا يدفعونه لملوكهم، وأن تجري عليهم أحكام شريعتهم، وعلى يد قضاتهم المسلمين دون غيرهم، وأن يقسم الطرفان كل وفق تقاليده على احترام هذه العهود، وأخيراً أن يقدم أهل المدينة لفيفاً من أعيانهم كرهائن ". على أن هذا النص الذي يقدمه ماريانا ينقصه شىء من الدقة في بعض تفاصيله. والمتفق عليه، أن شروط تسليم طليطلة قد صيغت على النحو الآتي: أن يؤمن أهل المدينة في النفس والمال، وأن يغادرها من شاء منهم حاملين أموالهم، وأن يسمح لمن عاد منهم باسترداد أملاكهم، وأن يؤدي المقيمون بها إلى ملك قشتالة ما كانوا يؤدونه لملوكهم من الضرائب والمكوس وأن يحتفظ المسلمون إلى الأبد بمسجدهم الجامع، وأن يتمتعوا أحراراً بإقامة شعائرهم وأن يحتفظوا بقضاتهم وشريعتهم، وأن يسلموا إلى ملك قشتالة سائر القلاع
_______
(1) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 129 و 130.
(2/113)

والحصون والقصر الملكي، والمنية المسورة التي كان ينزل بها ملكهم. وأما بالنسبة ْللقادر فقد تكفل ملك قشتالة بأن يمكنه من الاستيلاء على بلنسية، وقيل بل عرض عليه أيضاً أن يحصل له على دانية وشنتمرية الشرق، إذ كان يعرف جيداً أنها إذا خلصت للقادر، فستكون في الواقع ملكاً له ورهن تصرفه، وأن القواعد الشرقية كلها سوف تخضع له عن طريق ملكها الإسمي الضعيف، أعني القادر (1).
تلك هي الشروط التي اتفق عليها لتسليم طليطلة، وتظاهر ملك قشتالة بقبولها، وتعهد باحترامها وعدم النكث بها. وكان ذلك في اليوم السادس من شهر مايو سنة 1085 م. ومضى على ذلك زهاء أسبوعين آخرين، كان يستعد خلالهما القادر لتهيئة أسباب الرحيل، وإخلاء المدينة. وفي يوم الأحد الخامس والعشرين من مايو (فاتحة شهر صفر سنة 478 هـ) دخل ألفونسو السادس مدينة طليطلة ظافراً، ونزل في الحال بقصرها المشهور، وهو الذي كان ينزل به أيام محنته في ضيافة المأمون، وعهد بحكم المدينة إلى سسنندو، فسلك مع أهلها مسلك المودة واللين، وبذل جهده ليخفف عنهم وقع هذا التبديل في مصايرهم، فاستمال قلوب الكثيرين منهم، وأقبل بعض العامة على التنصر، ونصح سسنندو إلى مليكه أن يلتزم الاعتدال والروية في معاملة المدينة المفتوحة، وأن يقف مؤقتاً عند هذا الحد، وألا يلح على ملوك الطوائف خوفاً من أن تنقلب الآية، فيتجهوا بأبصارهم إلى وجهة أخرى (2).
واستتبع استيلاء ألفونسو على طليطلة استيلاؤه على سائر أراضي مملكة طليطلة، الباقية بعد الذي استولى عليه منها ابن عباد صاحب إشبيلية، أعني قسمها الواقع شمال نهر التاجه من طلبيرة غرباً حتى وادي الحجارة وشنتبرية شرقاً، وهي تتضمن ثمانين موضعاً بها مساجد، هذا عدا القرى والضياع (3).
أما الملك المنكود يحيى القادر بن ذى النون، فقد غادر طليطلة بأهله وأمواله، ومعه جماعة كبيرة من الكبراء والأشراف الذين آثروا مغادرة المدينة المفتوحة
_______
(1) Mariana: Historia General de Espana (Cap. 16) . وكذلك: R. Menendez Pidal: La Espana del Cid (Madrid 1947) p. 306
(2) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 131.
(3) كتاب الإكتفاء للخزرجي، ونقله دوزي في: Hist. Abbadidarum V.II.p. 29
(2/114)

قاصداً إلى بلنسية، واستقر أياماً بمحلة ملك قشتالة واضعاً نفسه تحت حمايته، وكان ملك قشتالة قد وعده بأنه إذا تعذر تحقيق غايته في الحصول على بلنسية بطريقة سلمية، فإنه سوف يبعث لمعاونته قائده الشهير ألبرهانيس. وقد ظهر للقادر بالفعل، خلال مسيره من موقف الحصون المختلفة، أنها جميعاً تقف ضده ولم يبق على ولائه منها سوى حصن قونقة، فنزل به القادر وصحبه، حتى تتهيأ له ظروف العمل. وسوف نعود إلى تتبع أخباره فيما بعد.
ويصف لنا ابن بسام خروج القادر من طليطلة في تلك العبارات اللاذعة:
" وخرج ابن ذى النون خائباً مما تمناه، شرقاً بعقبى ما جناه، والأرض تضج من مقامه وتستأذن في انتقامه، والسماء تود لو لم تُطلع نجماً إلا كدرته عليه حتفاً مبيداً، ولم تنشىء عارضاً، إلا مطرته فيه عذاباً شديداً، واستقر بمحلة أذفنش، مخفور الذمة، مذال الحرمة، ليس دونه باب، ولا دونه حرمه ستر ولا حجاب " (1).
ويبدي ابن الخطيب شماتته في القادر وفي أهل طليطلة حين يقول: " واقتضاه الطاغية الوعد، وسلبه الله النصر والسعد. وهلكت الذمم، واستؤصلت الرمم، ونفذ عقاب الله في أهلها جاحدي الحقوق، ومتعودي العقوق، ومقيمي أسواق الشقاق والنفاق، والمثل السائر في الآفاق " (2).
* * *
وهكذا سقطت الحاضرة الأندلسية الكبرى، وخرجت من قبضة الإسلام إلى الأبد، وارتدت إلى النصرانية حظيرتها القديمة، بعد أن حكمها الإسلام ثلاثمائة وسبعين عاماً. ومن ذلك الحين تغدو طليطلة حاضرة لمملكة قشتالة، ويغدو " قصرها " منزلا للبلاط القشتالي، بعد أن كان منزلا للولاة المسلمين.
وقد كانت بمنعتها المأثورة، وموقعها الدفاعي الفذ، في منحنى نهر التاجه، حصن الأندلس الشمالي، وسدها المنيع الذي يرد عنها عادية النصرانية، فجاء سقوطها ضربة شديدة لمنعة الأندلس وسلامتها. وانقلب ميزان القوى القديم، فبدأت قوى الإسلام تفقد تفوقها في شبه الجزيرة، بعد أن استطاعت أن تحافظ
_______
(1) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 130.
(2) أعمال الأعلام ص 181.
(2/115)

عليه زهاء أربعة قرون، وأضحى تفوق القوى النصرانية أمراً لا شك فيه. ومن ذلك الحين تدخل سياسة الإسترداد الإسبانية " لاريكونكستا La Reconquista , في طور جديد قوي، وتتقاطر الجيوش القشتالية لأول مرة، منذ الفتح الإسلامي، عبر نهر التاجه، إلى أراضي الأندلس، تحمل إليها أعلام الدمار والموت، وتقتطع أشلاءها تباعاً، في سلسلة لا تنقطع من الغزوات والحروب.
وكان لظفر ألفونسو السادس بالاستيلاء على طليطلة، فضلا عن آثاره المادية الخطيرة، وقع أدبي عميق في سائر ممالك اسبانيا النصرانية، فقد كانت طليطلة عاصمة المملكة القوطية القديمة، وكانت إلى جانب ذلك حاضرة اسبانيا الدينية، وقد وطد استيلاء ملك قشتالة عليها، مركز الصدارة الذي يتمتع به بين زملائه ملوك اسبانيا النصرانية، ووطد هيبته الملوكية والإمبراطورية، فأضحوا جميعاً يقرون له بلقب الإمبراطور، الذي اتخذه لنفسه. ومن جهة أخرى، فقد كان لتلك النكبة التي حلت بالإسلام في اسبانيا، أعظم وقع في جنبات الأندلس، وفي سائر أنحاء العالم الإسلامي، وقد ارتاع لها ملوك الطوائف جميعاً، وأدركوا بعد فوات الوقت، أنها نذير بالقضاء عليهم واحداً بعد الآخر، وأدرك المعتمد بن عباد ْبالأخص، وهو أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث، أنه لن يمضي وقت طويل حتى يواجه نفس الخطر الداهم. بيد أن النكبة كانت في نفس الوقت نقطة تحول عظيم في تفكير أولئك الأمراء المتخاصمين المتنابذين، ملوك الطوائف، وفي روحهم، فجنحوا جميعاً ولأول مرة إلى اجتماع الكلمة، ونبذ الشقاق، واتجهوا بأنظارهم جميعاً، إلى ما وراء البحر يلتمسون غوث إخوانهم في الدين، إلى أولئك البربر المرابطين، الذين كان لتدخلهم في سير الحوادث بالأندلس، أعظم الآثار (1).
وأذكى رزء الأندلس بفقد طليطلة، فجيعة الشعر الأندلسي، ونظمت في بكائها القصائد الرائعة. وكان من أشهرها هذه القصيدة الرائية الكبرى، التي مطلعها:
_______
(1) راجع في حوادث سقوط طليطلة: الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 127 - 132، وأعمال الأعلام ص 181، وابن خلدون ج 4 ص 161، ونفح الطيب ج 2 ص 522 و523، وراجع أيضاً R.Menendez Pidal: La Espana del Cid p. 303-307، ودوزي Hist. des Musulmans de l'Espagne, V.III.p.120 et suiv. وكذلك: P.y Vives Los Reyes des Taifas p. 54 & 56
(2/116)

خريطة:
دول الطوائف والممالك الإسبانية النصرانيّة عقب سقوط طليطلة 478 هـ - 1085 م.
(2/117)

لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورا بعد ما يئست ثغور
أما وأبي مصاب هد منه ... ثبير الدين فاتصل الثبور
ومنها:
طليطلة أباح الكفر منها ... حماها إن ذا نبأ كبير
فليس مثالها إيوان كسرى ..
. ولا منها الخورنق والسدير
محصنة محسنة بعيد ... تناولها ومطلبها عسير
ألم تك للدين صعباً ... فذلله كما شاء القدير
وأخرج أهلها منها جميعاً ... فصاروا حيث شاء بهم مصير
وكانت دار إيمان وعلم ... معالمها التي طمست تنير
مساجدها كنائس أي قلب ... على هذا يقر ولا يطير
فيا أسفاه يا أسفاه حزناً ... يكرر ما تكررت الدهور
ومنها:
كفى حزناً بأن الناس قالوا ... إلى أين التحول والمسير
أنترك دورنا ونفر عنها ... وليس لنا وراء البحر دور
ولا ثم الضياع تروق حسناً ... نباكرها فيعجبنا البكور
لقد ذهب اليقين فلا يقين ... وغر القوم بالله الغرور
فلا دين ولا دنيا ولكن ... غرور بالمعيشة ما غرور
رضوا بالرق يالله ماذا ... رآه وما أشار به مشير
مضى الإسلام فابك دماً عليه ... فما ينفي الجوى الدمع الغزير
ونح واندب رفاقاً في فلاة ... حيارى لا تحط ولا تسير
ولا تجنح إلى سلم وحارب ... عسى أن يجبر العظم الكسير (1).
_______
(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 593 وما بعدها حيث يورد القصيدة بأكملها، وهي في أكثر من سبعين بيتاً.
(2/118)

الكِتابُ الثاني
الدّول البربريَّة في جنوبيِّ الأندلس
(2/119)

الفصل الأوّل
دولة بني مناد البربرية في غرناطة ومالقة
البربر ونصيبهم من أنقاض الخلافة. بنو مناد. الخلاف بين باديس المنصور وقومه. هجرة زاوي بن زيري إلى الأندلس. انضواؤهم تحت لواء المنصور. اشتراك البربر في معركة الخلافة. محاصرتهم لقرطبة وظفر مرشحهم سليمان بالخلافة. تفريق سليمان لهم. نزول زاوي وقومه بالبيرة. إنشاء مدينة غرناطة ونزولهم بها. الحرب بين المرتضى وصنهاجة. هزيمة أهل الأندلس ومصرع المرتضى. توجس زيري من البقاء في الأندلس. رحيله إلى إفريقية. استيلاء حبوس بن ماكسن على غرناطة. حكمه وصفاته. ولده باديس يخلفه. ائتمار ابن عمه يدير به. فشل المؤامرة. الخلاف بين باديس وزهير العامري. مسير زهير إلى غرناطة. الحرب بينه وبين باديس. هزيمته ومصرعه. مصرع وزيره ابن عباس. استيلاء باديس على جيان. الحرب بين باديس وابن عباد. تدخل باديس في شئون مالقة ثم استيلاؤه عليها. مهاجمة ابن عباد لمالقة وفشله. استيلاؤه على أركش. الوزير اسماعيل بن نغرالة اليهودي. صفاته وكفاياته. ولده يوسف. بغض بلقين ولد باديس له وسعيه إلى إسقاطه. يوسف يدبر مصرعه بالسم. الخصومة بين يوسف والناية. تغير باديس على يوسف. اتجاه يوسف إلى ابن صمادح. سخط صنهاجة على يوسف وسعيهم إلى إسقاطه. سخط أهل غرناطة على اليهود. قصيدة الإلبيري في التحريض على اليهود. افتضاح مؤامرة يوسف ومصرعه. مذبحة اليهود في غرناطة. استرداد باديس لوادي آش. حوادث جيان. تولي الناية الوزارة. إئتمار الوزراء به ومصرعه. وفاة باديس. أعماله ومنشآته. عمله لتوطيد زعامة البربر. النزعة العنصرية بين البربر وأهل الأندلس. صفات باديس وخلاله. ولاية حفيده عبد الله بن بلقين. استيلاء ابن عباد على جيان. إغارته على غرناطة ورده. تحالف عبد الله مع ألفونسو السادس. اتفاق ابن عباد وألفونسو على فتح غرناطة. فشل المحاولة. تعهد عبد الله بتأدية الجزية لألفونسو. عبد الله والشئون الداخلية. الخلاف بين عبد الله وأخيه تميم صاحب مالقة. الصلح بين عبد الله وابن عباد. سقوط طليطلة وتأثيره. اتفاق عبد الله مع ملوك الطوائف على استدعاء المرابطين. حملة ابن الخطيب على عبد الله.
كان انهيار الخلافة الأموية، والسلطة المركزية، وما اقترن بذلك من الفوضى الغامرة، فرصة سانحة لظهور الزعامات البربرية، في ميدان النفوذ والسلطان. وقد ظهر البربر في الواقع، منذ أيام المنصور بن أبي عامر، واحتلوا مراكز الصدارة في الجيوش الأندلسية، واتخذهم المنصور له عضداً وسنداً، وآزر المنصور القبائل الموالية في المغرب لبني أمية، ضد أولياء الدعوة الفاطمية،
(2/120)

وشد أزرهم بالمال والجند، واستطاع أن يجعل من المغرب ولاية أندلسية. فلما انهار صرح الخلافة الأموية، بعد انهيار صرح الدولة العامرية، وتواثب الزعماء والخوارج الطامحون، إلى انتزاع أشلائها، واقتسام سلطانها، استطاع الزعماء البربر أن يظفروا من ذلك بنصيب وافر. فقامت منهم دولة بني حمود في جنوبي الأندلس، وأنشأت خلافة جديدة، أحياناً في قرطبة، وأحياناً في إشبيلية ومالقة، وقامت خلالها ومن بعدها، عدة دول بربرية محلية، في غرناطة، وفي رندة، وفي مورور وشذونة، وفي قرمونة، وقامت دولة بني ذى النون في طليطلة، وحيناً في شرقي الأندلس، وقامت كذلك دولة بربرية صغيرة في أرض السهلة في شنتمرية الشرق، وإذا نحن اعتبرنا دولة بني الأفطس في بَطَلْيوس من الدول البربرية، وإنها لكذلك على أرجح الآراء، استطعنا أن نقدر المدى العظيم، الذي وصل إليه سلطان القبائل البربرية بالأندلس في عصر الطوائف.
وقد أتينا فيما تقدم على أخبار دولة بني حمود، وأخبار الدويلات البربربة، التي قامت في المنطقة الوسطى والجنوبية، على أنقاض دولة بني حمود، وبينا كيف استطاع المعتضد بن عباد، أن يقضي على هذه الدويلات واحدة بعد الأخرى، وأن يضمها جميعاً إلى مملكة إشبيلية الكبرى. وبقي علينا أن نتناول في هذا الفصل، أخبار دولة بني مناد في غرناطة، وقد كانت بعد دولة بني حمود، أقوى الدول البربرية في الجنوب.
- 1 -
إن بني مناد يرجعون في الأصل إلى قبيلة صَنهاجة البربرية الشهيرة، وهي بطن من بطون قبيلة البرانس الكبرى، وكان منزلهم بأواسط المغرب. فلما غلب العبيديون (الفاطميون) على إفريقية، وقامت دولتهم بها، انحاز بني مناد إليهم، وحاربوا إلى جانبهم الخوارج عليهم. وكان زعيمهم زيري بن مناد من أعظم أمراء البربر، وقد حارب قبائل المغرب المخالفة للعبيديين مع جوهر قائدهم، وقتل في بعض المعارك، فخلفه ولده بُلُكِّين. ولما سار المعز لدين الله في سنة 362 هـ إلى مصر، بعد افتتاحها على يد جوهر، اختار بلكين لولاية إفريقية، ثم خلفه على ولايتها ولده المنصور، ثم خلف المنصور ولده باديس. وفي خلال ذلك، كانت المعارك تضطرم في ربوع المغرب باستمرار، بين أمراء صنهاجة هؤلاء،
(2/121)

وبين خصومهم من أمراء زناتة وغيرها، من القبائل الموالية لبني أمية خلفاء قرطبة. وقد تتبعنا فيما تقدم أدوار تلك المعركة، التي نشبت في المغرب، بين الدعوة الفاطمية، وبين الخلافة الأندلسية، منذ أيام الناصر لدين الله، واستعر لظاها بالأخص أيام الحكم المستنصر، ثم المنصور بن أبي عامر، وكانت صنهاجة تحمل دائما، وعلى يد بني مناد ولاة إفريقية، علم الدعوة الفاطمية، وتحمل زناتة وحلفاؤها علم الخلافة الأندلسية. وقد انتهت هذه المعركة أيام المنصور، حسبما رأينا، إلى هزيمة صنهاجة، وتوطيد سلطان الدعوة المروانية بالمغرب.
وقد حدث أيام ولاية باديس بن المنصور على إفريقية، حادث كان له فيما بعد أكبر صدى، في حوادث الأندلس. ذلك أن باديس استبد بقومه آل مناد، ووقعت بينه وبين أعمامه وأعمام أبيه، فتن ومعارك، قتل في أثنائها، عم أبيه ماكسن بن زيري بن مناد، فاستوحش الباقون من عاديته، وعولوا على مغادرة إفريقية، وكتب شيخهم زاوي بن زيري إلى المنصور بن أبي عامر، يستأذنه الجواز بقومه إلى الأندلس، للجهاد في سبيل الله، فأذن لهم، وعبر زاوي ابن زيري ومعه أبناء أخيه ماكسن المقتول، حُباسة وحَبُّوس وماكْسَن في أهلهم وأموالهم إلى الأندلس سنة 391 هـ، فأكرمهم المنصور وأنزلهم منزلا حسناً (1)، واتخذهم له بطانة وعوناً، ونظمهم مع زناتة، وسائر بطون البربر الأخرى، وقويت شوكتهم في أواخر أيام المنصور، ثم في أيام ولديه عبد الملك، وعبد الرحمن، ورجحت كفتهم في الجيش، وغدوا للدولة عضداً. وقد كان إذن المنصور لزيري وقومه، وهم من صنهاجة ألد خصوم الدعوة المروانية والدولة العامرية، بالجواز إلى الأندلس، عملا من أعمال السياسة المستنيرة، وكان غنماً مادياً وأدبياً للدولة العامرية.
_______
(1) كتاب التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص 17، وابن خلدون في كتاب العبر ج 6 ص 157 و 158 و 159. ولكن هناك رواية أخرى تقول إن زاوي وقومه وفدوا على عبد الملك المظفر بن المنصور، وأنه هو الذي أذن لهم بالجواز. وهذه هي رواية ابن حيان التي أوردها صاحب الذخيرة (المجلد الأول القسم الرابع ص 61)، ويتابعه فيها صاحب البيان المغرب (ج 3 ص 263) وكذلك ابن الخطيب في الإحاطة (القاهرة) ج 1 ص 440 و 521. وقد أخذنا نحن بالرواية الأولى، أولا لأنها رواية عبد الله بن بلكين، وهو حفيد ماكسن أخى زاوي، وأدرى بتاريخ أسرته، وثانياً لأن ابن خلدون، وهو حجتنا الأولى في تاريخ البربر، يأخذ بها، ويحدد لنا سنة الجواز في سنة 391 هـ، أعني قبل وفاة المنصور بنحو عامين.
(2/122)

بيد أن الدولة العامرية لم تعمر طويلا، فكان السقوط، وكان انهيار السلطة المركزية، وبداية عهد الفتنة والفوضى، وقام محمد بن هشام الملقب بالمهدي، باغتصاب الخلافة من هشام المؤيد سنة 399 هـ (1009 م). ومن ذلك الحين يأخذ البربر بقسط بارز في تلك المعركة المضطرمة المشعبة، التي تدور حول عرش الخلافة. وكان أول باعث لإقحام البربر في تلك المعارك، ما خصهم به المهدي من الاضطهاد وسوء المعاملة، ثم تحريض عامة قرطبة على مطاردتهم، والتف البربر عندئذ حول سليمان بن الحكم خصم المهدي ومنافسه، وتوالت الخطوب والمعارك، وفتك أهل قرطبة خلال ذلك بحباسة بن ماكسن ابن أخى زيري، فازدادوا نقمة واضطراماً، وحاصر البربر قرطبة، وفتكوا بأهلها، ثم دخلوها في مناظر مروعة من العيث والسفك، وانتهى الأمر بجلوس مرشحهم سليمان على عرش الخلافة، وتلقب بالمستعين، وذلك في شوال سنة 403 هـ (مايو سنة 1013 م)، وقبض البربر، وهم الذين عاونوه ونصروه، على سائر السلطات في القصر وفي الحكومة.
وعندئذ رأى سليمان المستعين، أن يعمل على تفريق البربر في الكور والثغور، إرضاء لهم من جهة، وتفريقاً لشملهم وإبعاداً لهم عن قرطبة، من جهة أخرى، فأقطع قبيلة صنهاجة وزعماءها بني زيري بن مناد ولاية إلبيرة (غرناطة)، وأقطع بني برزال وبني يفرن ولاية جيَّان، وبني دمّر وإزداجة منطقة مورور وشذونة، وأقطع آل حمود الأدارسة ثغور المغرب، وذلك كله حسبما فصلناه من قبل في مواضعه، في أخبار سقوط الخلافة الأندلسية (1).
ويقول لنا الأمير عبد الله بن بلكين في مذكراته، إن صنهاجة حينما رأت تفكك الدولة، واستقلال كل أمير ببلده، اعتزموا الرحيل عن الأندلس، ولكن أهل إلبيرة، وقد كانت ولايتهم تتمتع بسعة الرقعة والخصب والنماء، ولم يكن لهم من يدافع عنهم، لجأوا إلى زاوي بن زيري، ودعوه وقومه إلى الإقامة بأرضهم ومشاركتهم في خيراتهم ونعائمهم، والدفاع عنهم، وقبل زيري وقومه دعوتهم، واستبشروا بالنزول في تلك الأرض، وطابت لهم ربوعها، وأجمعوا على الدفاع عنها.
_______
(1) راجع الفصل الأول من الكتاب الرابع من " دولة الإسلام في الأندلس ".
(2/123)

وأنهم بعد أن نزلوا بأرض إلبيرة، رأوا أنها بموقعها لا تصلح للدفاع، واتفق رأيهم على أن يبتنوا في البسيط الواقع على مقربة منها، في وادي شَنيل المنحدر من جبل شُلَّير (1)، وهو البسيط الذي يحجبه الجبل، مدينة جديدة ينزلون بها، وتكون معقلهم، فشرعوا في بنيانها. وهكذا قامت مدينة غَرناطة، وكان قيامها نذيراً بخراب إلبيرة، فعفت منازلها بسرعة، وأسبل عليها النسيان ذيله، وأخذت غرناطة تنمو بسرعة وتحتل مكانها (2).
استقر بنو مناد إذاً في كورة غرناطة، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن حوادث قرطبة. ذلك أن علياً بن حمود الإدريسي، لما استولى على عرش الخلافة في المحرم سنة 407 هـ (يوليه 1016 م)، وقتل سليمان آخر الخلفاء الأمويين بالأندلس، نهض خيران العامري، فأعلن الخلاف، وأعاد الدعوة لبني أمية في شخص عبد الرحمن بن محمد من أحفاد الناصر، ولقبه بالمرتضى، وانضم إليه في تلك الحركة منذر بن يحيى التجيبي أمير الثغر، وعدة من ولاة شرقي الأندلس، وسار في جموع كبيرة لمقاتلة الحمّودبين، ولكنه عرج في جموعه أولا على غرناطة لمقاتلة جيش صَنهاجة القوي، فلقيه أميرها زاوي بن زيري في قواته، ونشبت بينهما معركة شديدة استمرت أياماً، وانتهت بهزيمة أهل الأندلس وتمزيق جموعهم، ومقتل خليفتهم المرتضى، وكان ذلك في سنة 409 هـ (1019 م).
على أن هذه المعركة كان لها أثر عميق في نفس زاوي، فبدلا من أن يرى في كسبها دليل التفوق والاستقرار، شعر بالعكس مما آنسه من مرارة القتال وروعته أن هذا النصر إن كان بداية طيبة، فقد تعقبه نكسات ومحن لا يستطيعون الصمود لها، وأن أهل الأندلس لن يتركوا مقارعة البربر، حتى يفوزوا بالقضاء عليهم.
وقال زيري لقومه، حسبما يروي لنا الأمير عبد الله: " وقد علمت وأيقنت أنه هذا يكون دأبهم أبداً (أي أهل الأندلس)، وإن كنا قد منحنا الظفر في أول صفقة، لم نأمنهم على أنفسنا وديارنا في كل حين، وهم إن قتل منهم واحد خلفه ألف، مع ميل جنسيتهم من الرعايا إليهم ". وهو ما يورده ابن حيان على لسان زيري على النحو الأتي: " إن انهزام من رأيتموه لم يكن عن قوة منا، إنما جره مع القضاء، غدر ملوكهم لسلطانهم ليهلكوه كما فعلوا. فإني عرفت ذلك من يوم
_______
(1) هو بالإسبانية Sierra Nevada أو جبل الثلج.
(2) راجع كتاب التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص 18 - 22.
(2/124)

نزولهم، ولذلك ما كنت أقوي نفوسكم، وقد نجانا منهم برحمته، ومضى القوم ولم يعدموا إلا رئيسهم، واستخلافه هين عليهم، ولست آمن عودهم جملة إليكم فيما بعد، فلا يكون لنا قوام بهم ". هذا ومن جهة أخرى فقد كان زاوي يخشى من غدر بربر زناتة أعدائهم الحقيقيين، ويخشى بالأخص أن يتحالفوا ضدهم مع أهل الأندلس، فتكون الطامة الكبرى عليهم. وأخيراً فقد كان زاوي يرى بعد وفاة باديس بن المنصور أمير إفريقية، الذي اضطهده وقومه، وولاية ولده الطفل المعز حفيد أخيه بلكين، أن الجو قد تهيأ لعودته، واحتلال مكانته في وطنه. ومن ثم فقد اعتزم زاوي أن يغادر الأندلس إلى إفريقية، وقال لقومه: " فالرأي الخروج عن أرضهم، واغتنام السلامة مع إحراز الغنيمة، والرجوع إلى الحملة التي انفصلنا عنها" (1).
وهكذا قرر زاوي بن زيري العودة إلى إفريقية بالرغم من معارضة ولده ووجوه قومه. وخرج عن غرناطة في أهله وأمواله، مستخلفاً عليها بعض شيوخ قومه، وركب البحر من المنكب، ومعه الكثير من الأموال والذخائر. وكان خروجه من الأندلس في سنة 410 هـ (1020 م). واستقبله حفيد أخيه المعز ابن باديس صاحب إفريقية وبنو عمه أجمل استقبال، وأنزل في القيروان أجمل منزل، وكان بعد مهلك الشيخة من بني عمه وذوي قرابته زعيم القوم، وكان النساء من محارمهم نحو ألف امرأة لا يحتجبن عنه. بيد أنه لم يلق بالقيروان في ظل المعز، ما كان يؤمل من رياسة وسلطان (2).
قال ابن الخطيب: " وكان زاوي كبش الحروب، وكاشف الكروب، خدم قومه، شهير الذكر أصيل المجد، المثل المضروب في الدهاء، والرأي، والشجاعة والأنفة والحزم " (3).
وعلى أثر ارتحال زاوي سعى الفقيه ابن أبي زمنين قاضي غرناطة، في أن يعين لولايتها حبوس بن ماكسن ابن أخى زيري، فلحق به في حصن أشتر على مقربة
_______
(1) راجع التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص 24 و 25، والذخيرة القسم الأول المجلد الأول ص 402 و 403، والبيان المغرب ج 3 ص 128، وابن خلدون ج 6 ص 180.
(2) الذخيرة القسم الأول، المجلد الأول ص 402، والإحاطة (القاهرة 1956) ج 1 ص 525.
(3) الإحاطة ج 1 ص 522.
(2/125)

من وادي آش. وكان يرابط هنالك مترقباً رحيل عمه. فبادر بالسير إلى غرناطة، ودخلها في موكبه وطبوله، واحتلها فلم يعارضه أحد من قومه، وتربع في رياستها من وقته. وقيل إن عمه زاوي اختاره ليخلفه قبل رحيله. وقيل من جهة أخرى إن نزاعاً حدث بسبب ذلك، بينه وبين ابن عمه جلالي بن زاوي، ولكنه انتهى برحيل جلالي ولحاقه بأبيه، وخلصت له الرياسة، ومن ذلك الحين تبدأ بغرناطة دولة بني زيري بن مناد (1).
وبدأت ولاية حبُّوس لغرناطة في سنة 411 هـ، حسبما تقدم في أخبار الفتنة، فسار حبوس سيرة حسنة، وضبط النظام والأمن، وقسم الأعمال بين أقاربه وبني عمه، واتسعت رقعة مملكته، فغلب على قبره ونواحيها وعلى مدينة جيان، وأتم بناء غرناطة، وحشد الجند ونظم الجيش، وكان يشرك بني عمه في الرأي، ويجري في حكمه على طريق الشورى. ووطد حبوس ملك قومه بغرناطة، وأقام له بلاطاً فخماً، وعقد علائق المودة والتحالف مع سائر جيرانه من رؤساء البربر وفي مقدمتهم بني حمود أصحاب مالقة، وعقد الصداقة أيضاً مع زهير الفتى العامري صاحب ألمرية. ولما قتل يحيى بن حمود (المعتلي) أمام أسوار قرمونة سنة 427 هـ على يد القاضي ابن عباد، وخلفه في الملك ولده إدريس المتأيد بالله، كان حبوس وحليفه زهير العامري من المعترفين ببيعته، وقد سارا لمعاونته على محاربة ابن عباد، وسار معهما البرزالي صاحب قرمونة في قواته، وزحفت القوات المتحدة على إشبيلية، وعاثت في بسائطها، ثم عاد كل إلى قواعده، وذلك في أواخر سنة 427 هـ (1036 م). وفي العام التالي (428 هـ) توفي حبوس بن ماكسن، وخلفه في حكم غرناطة ولده باديس (2).
ويشيد ابن حيان، وقد عاصر هذا العهد، بخلال حبوس، فيقول لنا إنه كان أحد نائبي برابرة الأندلس الذين يعتد بهم، وإنه كان على قسوته " يصغي إلى الأدب، وينتمي في العرب، للأثر المقفو في قومه صنهاجة. وكان وقوراً حليماً فظاً مهيباً، نزر الكلام، قليل الضحك، كثير الفكر، شديد الغضب،
_______
(1) الذخيرة المجلد الأول القسم الأول ص 403، والإحاطة ج 1 ص 485.
(2) راجع في أخبار حبوس بن ماكسن: البيان ص 25 و 26، والإحاطة ج 1 ص 485 والبيان المغرب ج 3 ص 264.
(2/126)

شجاعاً، حسن الفروسية، جباراً متكبراً، داهية واسع الحيلة، كامل الرجولة، له في كل ذلك أخبار مأثورة " (1).
- 2 -
فخلفه في حكم غرناطة ولده باديس، الذي قدر له أن يكون أقوى ملوك البربر في جنوبي الأندلس، وأعظمهم شأناً، في تلك الفترة التي كثرت فيها الممالك والرياسات، ولم ينازعه في الملك أخوه بُلُقِّين بن حبوس، ولكن كان له في الملك منافس من قومه، هو ابن عمه يدِّير بن حُباسة بن ماكسن. وكان يدير ومن ورائه بعض شيوخ غرناطة يحاول منذ أيام عمه حبوس، أن ينتزع السلطة لنفسه، فلما فشل أيام حبوس، حاول أن يعيد الكرة في أوائل عهد باديس.
وكان من مشجعيه ومحرضيه الكاتب أبو الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني، وهو من علماء المشرق الذين وفدوا على الأندلس أيام الفتنة، ولحق بغرناطة. وكان فضلا عن أدبه الغزير، يعني بدراسة الفلك والحكمة، ويلقي بنبوءاته في روع يدير، أنه سوف يظفر بعرش غرناطة، ويحكمها ثلاثين عاماً (2).
وكان لأبي العباس كاتب حبوس، مساعد من اليهود يدعى أبو إبراهيم يوسف ابن اسماعيل بن نغرالة كان يتولى جمع المال، وكان رجلا متواضعاً حسن السيرة، فلما توفي أبو العباس تقدم مكانه، وعلت منزلته، ولما ولي باديس زادت حظوته وظهرت همته في جمع الأموال. فلما دبر القوم مؤامرتهم لانتزاع السلطة من باديس وإجلاس يدير مكانه، لجأوا إلى أبي إبراهيم، وحاولوا ضمه إليهم، فتظاهر بالقبول، وأخطر مولاه باديس ودبر اجتماعهم بمنزله، وحضور باديس ليسمع بنفسه مشاوراتهم من مكان معين، ومن ذلك الحين غدا ذلك اليهودي أثيراً عند باديس، وصار ناصحه الأول، لا يبرم أمراً دون رأيه.
وكان المتآمرون قد اعتزموا أمرهم لقتل باديس، أثناء تنزهه، بمكان بالضاحية يعرف بالرملة، وكان ممن رشوه لذلك شيخ من صنهاجة يدعى فرقان. فأفضى بالأمر لباديس وحذره في الوقت المناسب، وعلم المتآمرون بافتضاح تدبيرهم، ففروا إلى خارج غرناطة، وفي مقدمتهم يدير بن حباسة والكاتب أبو الفتوح
_______
(1) الذخيرة القسم الأول المجلد الأول ص 404.
(2) الإحاطة ج 1 ص 463 و 465.
(2/127)

الجرجاني، وقد فرا معاً إلى إشبيلية. ووقف باديس على أسماء كثير ممن شاركوا في المؤامرة من شيوخ صنهاجة ورجالها، وهم بقتلهم جميعاً، فرده أبو إبراهيم عن عزمه، وحذره من اتساع نطاق الفتنة، لأنهم رجاله وجنده وأولى أن يلاينهم وأن يغمرهم بالعطايا، وأن يضرب بعضهم ببعض، فنزل عند نصحه، واستتب له الأمر دون منازع (1).
وكان أول حادث خطير واجه باديس، هو حربه مع زهير العامري صاحب ألمرية. وكان زهير من أخص الفتيان العامريين الذين تفرقوا عقب الفتنة، واحتلوا معظم القواعد الشرقية، وكان قد ولي حكم ألمرية بعد وفاة صاحبها الفتى خيران في سنة 419 هـ (1028 م)، وامتد سلطانه شرقاً حتى شاطبة، وشمالا حتى بيّاسة وقرطبة. وكان يرتبط بعلائق المودة بجيرانه الأقربين بني حمود أصحاب مالقة، وبني زيري أصحاب غرناطة. وقد رأينا كيف تحالف زهير مع حبوس ابن ماكسن على قتال ابن عباد، فلما توفي حبوس وخلفه باديس، بدأت العلائق بين زهير وباديس في الفتور، وذلك لما عمد إليه زهير من إيواء عدو باديس الألد محمد بن عبد الله زعيم زناتة وحمايته، وأرسل باديس إلى زهير رسوله يعاتبه، ويطلب إليه تجديد المحالفة التي كانت بينه وبين أبيه حبوس (2)، ولم يمض قليل على ذلك، حتى خرج زهير من ألمرية في قواته ومعه كاتبه ومستشاره الأثير أحمد ابن عباس، وسار متجهاً صوب غرناطة. ولم توضح لنا الرواية غرض زهير من تلك الحركة. ولكن الأمير عبد الله بن بلقين حفيد باديس، يقول لنا في مذكراته، إن زهيراً " أدركه الطمع في غرناطة عقب موت حبوس " (3) وإذاً فقد كان زهير يرمي إلى غزو غرناطة، وافتتاحها. وعلى أي حال فقد استمر زهير في السير بقواته، واختراق أراضي غرناطة من شرقها حتى وصل إلى قرية ألفنت (4) الواقعة على مقربة من شمال غرناطة. وكان باديس في أثناء ذلك قد عبأ قواته وقد ملأته الدهشة والريب، لاقتحام زهير أراضيه على هذا النحو، وشعر أنه قد غدا
_______
(1) فصل لنا الأمير عبد الله أدوار هذه المؤامرة بإفاضة (التبيان ص 31 - 34).
(2) ابن حيان في الذخيرة، القسم الأول المجلد الثاني ص 166، ونقلها البيان المغرب ج 3 ص 169.
(3) كتاب التبيان ص 34.
(4) هي بالإسبانية Daifontes وهي تقع على قيد عشرين كيلوا متراً شمالي غرناطة.
(2/128)

في قبضته وتحت رحمته. ولكنه بدأه بالجميل والمودة، وزوده هو ورجاله بالصلات والقِرى، ثم لقيه ووقعت بينهما المناظرة، ومن حول كل رجال دولته، فاشتط زهير، وأغلظ لباديس في القول، وكان كاتبه أحمد بن عباس هو الذي أشار عليه بهذا المسلك، فغادره باديس مقضباً، وقد عول على الحرب، ووافقه قومه شيوخ صنهاجة. وكان باديس قد حشد قواته ورتبها ترتيباً محكماً، وهدم رجاله قنطرة في مؤخرة القوات المهاجمة، قطعاً لخط رجعتها، ورتب من ورائها الكمائن في المفاوز المستترة. كل ذلك وزهير في غروره وعجبه، لا يشعر بما يدبره خصومه. وفي صباح اليوم التالي، فاجأت قوات صنهاجة جيش زهير بهجومها العنيف، وكان يقودها بلقين بن ماكسن أخو باديس، فلقيها زهير بعزم وثبات، ودفع لردها قائده هذيلا الصقلبي في خيرة قواته من الفتيان العامريين والصقالبة، ووقعت بين الفريقين معركة هائلة، صدمت فيها قوات الصقالبة وأسر قائدهم هذيل، وقتل في الحال بأمر باديس، فدب الخلل في قوات زهير، ونكصت على أعقابها، والبربر من ورائها يحصدونها حصداً، وفر زهير فيمن فر من أصحابه إلى شعب الجبال المجاورة، ولكنه أخذ وقتل، ولم يعثر بجثته، وأبيد معظم قواته قتلا وأسراً، وظفر البربر بغنائم هائلة من المال والسلاح والعدة والغلمان والخيام، وأمر باديس بقتل القواد والفرسان من الأسرى، وكان من بين الأسرى عدة من الكتاب في مقدمتهم أحمد بن عباس وابن حزم والد الفيلسوف وأبو عمر الباجي وغيرهم، فأطلق باديس سراحهم جميعاً ما عدا ابن عباس وعدة آخرين من الأسرى، فقد زجهم في الأصفاد إلى المعتقل. وتمت هذه الوقيعة الساحقة على زهير العامري وأصحابه، في آخر يوم من شوال سنة 429 هـ (1038 م) (1) ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك حتى قتل ابن عباس في معتقله بالقصبة.
قتله باديس بيده تشفياً منه، لتيقنه من أنه هو ناصح زهير والمحرض له على غزوه.
ولم ينقذه ما عرضه لافتداء نفسه من المبالغ الضخمة. ولم تنجح شفاعة الوزير ابن جهور عميد قرطبة لدى باديس للإبقاء على حياته. وكان ابن عباس من أعلام كتاب عصره، وافر المعرفة والأدب، عظيم الوجاهة، والسراوة،
_______
(1) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 166 - 169، والبيان المغرب ج 3 عى 169 173، والإحاطة ج 1 ص 526 - 528، والتبيان ص 34 و 35.
(2/129)

وكان له في حكومة ألمرية، في ظل صاحبها زهير، أعظم نفوذ وسلطان (1).
وكان من أثر مصرع زهير، وانهيار حكومته على هذا النحو، أن استولى باديس على القسم الغربي من أراضي مملكة ألمرية المتاخمة لمملكته، وهي تشمل مدينة جيان وأعمالها، وكذلك جزءاً من أراضي ولاية قرطبة الجنوبية.
* * *
وكان لهذا النصر الباهر الذي أحرزه باديس في بداية حكمه، أعظم أثر في توطيد سلطانه وإذاعة ذكره. وكان باديس، مثل معظم أمراء البربر في جنوبي الأندلس، يتوجس من أطماع القاضي ابن عباد صاحب إشبيلية ومشاريعه.
وكانت المعركة الحقيقية، تدور في هذا القسم من اسبانيا المسلمة، بين بني عباد والبربر، وقد بدأت منذ الساعة الأولى بين بني عباد وبني حمود، الذين يمثلون زعامة البربر. ومن ثم فقد كان باديس، ومن قبله والده حبوس، ينضوي تحت لواء الحموديين، ويشد أزرهم كلما دعت الظروف، وقد أشرنا من قبل إلى ما كان من مسير حبوس في قوات صنهاجة لمعاونة إدريس المتأيد بالله على محاربة ْابن عباد (427 هـ). ولما سير القاضي ابن عباد قواته تحت إمرة ولده إسماعيل لغزو مدينة قرمونة، وانتزاعها من يد صاحبها محمد بن عبد الله البرزالي، استعان البرزالي بإدريس المتأيد وباديس، فهرعا إلى إنجاده، وكانت قرمونة قد سقطت بالفعل في يد إسماعيل بن عباد، ونشبت بين قوى العباديين وبين البربر على مقربة من إستجة معارك شديدة انتهت بهزيمة جيش ابن عباد، ومقتل قائدهم إسماعيل، وذلك في المحرم سنة 431 هـ (أواخر سنة 1039 م) (2). وهكذا أكد باديس مرة أخرى تفوقه وتفوق قومه صنهاجة على قوات الأندلس المناوئة للبربر.
ومما هو جدير بالذكر أنه على أثر انتهاء المعركة، ووجود باديس تحت أسوار إستجة، وفد على مخيمه فجأة الكاتب أبو الفتوح الجرجاني، وكان قد فر حسبما تقدم عند اتهامه بالتآمر مع يدِّير على إشبيلية، وهنالك علم أن باديس أمر بالقبض
_______
(1) راجع في ترجمة أحمد بن عباس: الإحاطة ج 1 ص 267 - 270، والذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 175 - 180.
(2) البيان المغرب ج 3 عى 199، وابن خلدون ج 6 ص 180، والمعجب للمراكشي ص 50.
(2/130)

على زوجه وأولاده ونفيهم إلى المنكب. وكانت زوجه أندلسية بارعة الحسن، وله منها ولدان، وكان يعبدها حباً. فلما اقترب باديس من إشبيلية هرع أبو الفتوح إليه يستأمنه ويستجير به. ولكن باديس استقبله بجفاء، وبعث به مخفوراً إلى غرناطة، وهناك شُهر وعذب ثم اعتقل أياماً، دخل من بعدها باديس إلى مطبقه، وأخذ في تأنيبه وسبه، ثم قتله بيده، واحتز رأسه (آخر المحرم سنة 431 هـ) (1).
ولما اضمحل شأن بني حمود وافترقت كلمتهم، بدأ باديس بالتدخل في شئون مملكة مالقة، تحيناً للفرصة في أخذها. ومن ذلك أنه حينما ثار على إدريس ابن يحيى العالي، ابن عمه محمد بن إدريس في سنة 438 هـ (1046 م)، واستطاع أن ينتزع منه الملك، تقدم باديس لمعاونة الملك المخلوع، وسار معه في بعض قواته إلى مالقة، ولكنهما لم يفوزا بطائل، فلجأ إدريس عندئذ إلى سبتة، وبويع محمد بن إدريس وتلقب بالمهدي، ولكنه لم يفز عندئذ بإجماع الزعماء البربر على مبايعته، وكان باديس أشدهم معارضة في إقامته، ذلك لأنه كان يشعر عندئذ، وبعد أن ضعف شأن بني حمود، أنه أحق برياسة البربر في الأندلس، وأخذ من ذلك الحين يتحين الفرصة لتسديد الضربة القاضية لرياسة بني حمود، وذلك بانتزاع مالقة مقر سلطانهم.
وتم له ذلك في سنة 449 هـ (1057 م)، وذلك بعد أن ارتقى عرش مالقة، بعد محمد بن إدريس المهدي، ثلاثة أخر من بني حمود، وهم إدريس ابن يحيى الملقب بالسامي، ثم إدريس بن يحيى العالي، ثم ولده محمد المستعلي.
فلما تولى المستعلي نكل الزعماء البربر عن مبايعته، وفي الحال سار باديس في قواته إلى مالقة واستولى عليها، وضمها إلى إمارته، وغادرها المستعلي وعبر البحر إلى المغرب، وانتهت بذلك مملكة بني حمود في مالقة، وبقيت بعد ذلك في الجزيرة الخضراء فترة قصيرة أخرى، حتى بعث ابن عباد قواته إلى الجزيرة فطوقتها، من البر والبحر، واضطر صاحبها القاسم بن حمود أن يغادرها بالأمان مع أهله وصحبه، وذلك في سنة 446 هـ (1055 م)، وبذلك انتهت دولة بني حمود في الجزيرة أيضاً، وطويت صفحتهم بالأندلس.
ولما استولى باديس على مالقة، عنى بتحصينها، وشيد قصبتها على أجمل
_______
(1) الإحاطة ج 1 ص 465 و 466، والذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 96.
(2/131)

طراز وأمنعه، حماية لها من أطماع الطامعين من أمراء الأندلس، ولاسيما بني عباد. وقد كان أهل مالقة بالفعل قد سئموا حكم البربر، وتاقت نفوسهم للتخلص منه، فبعثوا إلى المعتضد بن عباد رسلهم سراً يستحثونه على افتتاح مالقة، واستجاب المعتضد لدعوتهم، وسير إليها حملة بقيادة ولديه جابر والمعتمد، فزحفت على مالقة وطوقتها، وكادت المدينة تسقط في أيديهم، لولا أن اعتصمت حاميتها من البربر والسود بقصبتها المنيعة، ودافعت دفاعاً شديداً، بقيادة قائدها الشجاع مخلوف بن ملول، وهرع باديس في قواته إليها، ونشبت بينه وبين المهاجمين معركة شديدة مزق فيها جند إشبيلية، وقتل وأسر منهم عدد جم، وأسرع جابر والمعتمد ابنا عباد بالفرار في فل جندهما إلى رندة (1).
وكان ذلك في سنة 458 هـ (1066 م). وبعث محمد بن عباد (المعتمد) إلى والده المعتضد من رندة، قصيدته الشهيرة، يستعطفه فيها ويعزيه في مصابه وهذا مطلعها:
سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر ... ماذا يعيد عليك البثُّ والحذر
وازجر جفونك لا ترض البكاء لها ... واصبر فقد كنت عند الخطب تصبر
فإن يكن قَدَرٌ قد عاق عن وطر ... فلا مرد لما يأتي به القدر
وإن تكن خيبة في الدهر واحدة ... فكم غزوت ومن أشياعك الظفر (2)
وكان من مظاهر هذه المعركة، التي اضطرمت بين باديس وبني عباد، ما حدث في نفس هذا العام، من التجاء بني بزنيان وأميرهم محمد بن خزرون أصحاب أركش، حينما أرهقهم ابن عباد بغاراته، إلى باديس ليتسلم هو قاعدة أركش، ويعطيهم بدلا منها، مكاناً ينزلون به في أراضي غرناطة، وقد استجاب باديس لرغبتهم وتسلم منهم أركش، وخرجوا عنها بأهلهم وأموالهم ومتاعهم، فدهمتهم قوات ابن عباد في الطريق ومزقتهم، وانتزعت حصن أركش من يد قائد باديس، وسيطر ابن عباد بذلك على سائر منطقة شذونة، وكانت من قبل تحت سيطرة البربر (3).
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 274 و 275. وراجع كتاب التبيان ص 43.
(2) وهي طويلة. وقد أوردها ابن الأبار في الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 56 - 58.
(3) البيان المغرب ج 3 ص 272 و 273.
(2/132)

- 3 -
وكان باديس قد قطع إلى ذلك الحين ثلاثين عاماً في الحكم، وكانت مملكته تمتد يومئذ من بسطة شرقاً، حتى رندة غرباً، ومن جيّان شمالا إلى البحر جنوباً، وكان قد شاخ وأخلد إلى الراحة، وانهمك في الشراب، وترك مقاليد الأمور كلها لوزيره اليهودي يوسف بن نغرالة (1)، وكان يوسف قد حل في المنصب مكان أبيه اسماعيل بن نغرالة وزير حبوس ثم باديس، وكان هذا الوزير اليهودي قد استأثر بعطف باديس وثقته، فرفعه فوق سائر كتابه ووزرائه، وفوضه في جميع أموره، وعين معظم المتصرفين والعمال من اليهود، واستطاع بمهارته وحنكته أن يملأ خزائن باديس بالمال، وأن يمكنه من الإنفاق على جيشه، ومن تحقيق مشاريعه الإنشائية. وكان اسماعيل فوق ذلك من أهل الأدب والشعر، وكان حسن السيرة رضي الأخلاق، وافر الأناة والحلم، فلم يثر من حوله خصومة ولا منافسة. ويقدم إلينا ابن حيان، وهو المؤرخ المعاصر عن ابن نغرالة، الصورة الآتية: " وكان هذا اللعين في ذاته، على ما زوى الله عنه من هدايته، من أكمل الرجال علماً وحلماً وفهماً، وذكاء ودماثة، ورصانة ودهاء، ومكراً وملكاً لنفسه، وبسطاً من خلقه، ومعرفة بزمانه، ومداراة لعدوه، واستسلالا لحقودهم بحلمه ". ثم يقول لنا إنه كان بارعاً في الآداب العبرية والعربية، وإنه شغف بالعربية ونظر فيها، وقرأ كتبها، وألف فيها، وكتب رسائل يشيد فيها بالإسلام وفضائله، ودرس الرياضة والفلك والهندسة والمنطق، وكتب كتاب " السجيح في علوم الأوائل الرياضية ". وأخيراً إنه كان بارعاً في الجدل يتفوق فيه على سائر الناس، قليل الكلام، ماقتاً للسباب، دائم التفكر، جماعة للكتب (2). وقد ساعدته هذه الصفات كلها، بلا ريب، على الاستئثار بعطف الأمير وإعجابه وثقته وخلقت من حوله جواً من العطف بين سائر ممن يتصلون به أو يتعامل معهم.
واستمر ابن نغرالة عن مكانته حتى توفي، فندب باديس ولده يوسف للاضطلاع بمنصبه. وكان يوسف فتى جميلا غض الإهاب، وافر الذكاء والبراعة، فقام بالأعمال خير قيام، واستعمل اليهود كذلك على الأعمال، وأبدى في جمع المال همة مضاعفة، فتمكنت منزلته لدى باديس، واجتمعت في يده السلطات شيئاً فشيئاً
_______
(1) كتاب التبيان ص 42.
(2) الإحاطة عن ابن حيان ج 1 ص 446 و 447.
(2/133)

حتى غدا كأبيه من قبل، أول رجل في الدولة، وأمضاهم تصرفاً في شئونها.
وكان بُلُقِّين ولد باديس الأكبر الملقب بسيف الدولة، والمرشح من بعده لولاية عهده، ينظر إلى استئثار الوزير اليهودي بزمام الأمور، واستئثار بني جنسه بالتصرف في الأعمال، وسيطرتهم التامة على الدولة، ينظر إلى ذلك كله بعين السخط والحسد، وكان يجاهر ببغضه لابن نغرالة، وسعيه إلى إسقاطه، ويفضي أحياناً إلى خاصته برغبته في إزالته وقتله، وكان يذكي فيه هذا الشعور تحريض وزراء الدولة، ولاسيما علي وعبد الله ابنا إبراهيم الشيخ، وإلقاؤهم في روعه أنه أحق بهذا النفوذ، وهذه الأموال التي يتمتع بها اليهود، وأنه قد أخمله وأخمل سائر رجال الدولة بسيطرته عليها (1).
وكان يوسف من جانبه، يضع عيونه وجواسيسه من خاصة باديس في القصر وفي الحريم، فلا يكاد باديس يأتي بحركة أو تصدر عنه كلمة، حتى يقف عليها لفوره، وكان في نفس الوقت يحيط بلقين بعيونه، ويتقصى سائر حركاته وسكناته، ويقف على نياته نحوه. وكان بلقين مع بغضه ليوسف، يبدي له المودة ويتردد على داره، ويشاطره الشراب، وكان منهمكاً مدمناً. فاعتزم يوسف أن يتخلص من بلقين، قبل أن يقضي هو عليه، ودعاه ذات يوم مع خاصته وصحبه، إلى مجلس شراب حافل، ودس له السم في كأسه، فما كاد يغادر مجلسه حتى ملكه قىء شديد، وما كاد يصل إلى داره، حتى لزم فراشه، ثم توفي بعد يومين. فروع باديس لمهلك ولده، على هذا النحو المفاجىء، واستطاع يوسف أن يقنعه باتهام بعض فتيان ولده وجواريه وقرابته، فقتل منهم باديس عدة، وفر الباقون. وكان مصرع بلقين بن باديس في سنة 456 هـ (1064 م) (2).
ْوكان هذا الحادث مقدمة لحادث أخطر وأوسع مدى، وهو الذي اتسم به عهد باديس قبل كل شىء. ذلك أن باديس ترك المجال لوزيره يوسف، وزاد بفقد ولده انطواؤه على نفسه، وزاد يوسف بذلك استئثاراً وسيطرة على الدولة، وبُسط على غرناطة وأعمالها نوع من الطغيان اليهودي المرهق، واستسلم سائر الوزراء والشيوخ إلى هذا السلطان. ولم يكن يناوىء يوسف ويحاول مقاومته سوى " الناية " وهو شخصية غامضة، وأصله من عبيد المعتضد بن عباد،
_______
(1) التبيان ص 39.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 265، والتبيان ص 40، وأعمال الأعلام لابن الخطيب ص 231.
(2/134)

وكان متهماً في المؤامرة التي دبرها ضده ولده اسماعيل، ففر من إشبيلية، والتجأ إلى باديس وخدمه وحظى عنده، وعهد إليه ببعض المهام الخطيرة. ثم وقع التنافس بينه وبين يوسف، وكان الناية يحرض على قتله، ويفضي إلى الأمير بذلك كلما سنحت الفرص. وشعر يوسف بتغير الأمير عليه، وبأن منزلته أخذت في الضعف، ففكر في التفاهم مع أبي يحيى بن صمادح صاحب ألمرية، واستدعائه للاستيلاء على غرناطة. وكانت تربط ابن صمادح وباديس علائق مودة قديمة، إذ كان باديس قد وقف إلى جانبه حينما أراد ابن أبي عامر محاربته واسترداد ألمرية منه، ومهد يوسف لمشروعه بأن عمل على تعيين زعماء صِنهاجة، الذين يخشى بأسهم، في الأعمال البعيدة، واستطاع ابن صمادح بالفعل أن ينتزع وادي آش، الواقعة شمال شرقي غرناطة، وأن يشحنها برجاله، ومضى يوسف في مفاوضته وهو محجم متهيب من تنفيذ المشروع. كل ذلك وباديس غارق في لهوه، منكب على لذاته (1)، وخصوم يوسف من صنهاجة، وسائر أهل غرناطة، يضطرمون سخطاً على الطاغية اليهودي، ويترقبون الفرص لإسقاطه. ولقي سخط الشعب الغرناطي على اليهود في تلك الآونة، متنفسه في الشعر، ونظم الفقيه الورع الزاهد أبو إسحاق الإلبيري (2) قصيدته الشهيرة في التحريض على سحق اليهود، والتخلص من طغيانهم، وإليك بعض ما ورد في تلك القصيدة التي ذاعت يومئذ ذيوع النار في الهشيم، وألهبت مشاعر الشعب الغرناطي، وكانت كالشرارة التي أضرمت الحريق، وأثارت الانفجار:
ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور الزمان وأسد العرين
لقد زل سيدكم زلة ... تقرب بها أعين الشامتين
تخير كاتبه كافراً ... ولو شاء كان من المؤمنين
فعز اليهود به وانتخوا ... وتاهوا وكانوا من الأرذلين
_______
(1) راجع كتاب التبيان ص 46 و 47 و 50 - 53.
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود بن سعيد التجيبي الإلبيري. كان فقيهاً ومحدثاً وأديباً وشاعراً. سعى به الوزير يوسف بن نغرالة لأمور نقمها منه لدى سلطانه باديس، فأبعده عن غرناطة فسكن إلبيرة القريبة منها، وانقطع إلى العبادة والزهد. ولكنه لبث يحرض صنهاجة على اليهود في شعره ووعظه، حتى وقع الانفجار، وتم الفتك بهم. وتوفي الإلبيري في أواخر سنة 459، بعد أن شهد آثار تحريضه في بطش صنهاجة باليهود.
(2/135)

ونالوا مناهم وحازوا المدى ... وقد جاز ذاك وما يشعرون
ومنها:.
أباديس أنت امرء حاذق ... تصيب بظنك مرمى اليقين
فكيف تحب فراخ الزنا ... وقد بغضوك إلى العالمين
وكيف استنمت إلى فاسق ..
. وقارنته وهو بئس القرين
وقد أنزل الله في وحيه ... يحذر من صحبة الفاسقين
فلا تتخذ منهم خادماً ... وذرهم إلى لعنة اللاعنين
فقد ضجت الأرض من فسقهم ... وكادت تميد بنا أجمعين
وكيف انفردت بتقريبهم ... وهم في البلاد من المبعدين
وإني احتللت بغرناطة ... فكنت أراهم بها عابثين
وقد قسموها وأعمالها ... فمنهم بكل مكان لعين
وهم يقبضون جباياتها ... وهم يخصمون وهم يقصمون
وهم يلبسون رفيع الكسا ..
. وأنتم لأوضاعها لابسون
وهم أمناكم في سركم ... وكيف يكون أميناً خؤون
وقد لابسوكم بأسحارهم ..
. فما تسمعون ولا تبصرون
ومنها في التحريض على ابن نغرالة وقومه:
فبادر إلى ذبحه قربة ... وضح به فهو كبش سمين
ولا ترفع الضغط عن رهطه ... فقد كنزوا كل علق ثمين
وفرق عراهم وخذ مالهم ... فأنتم أحق بما يجمعون
ولا تحسبن قتلهم غدرة ... بل الغدر في تركهم يعبثون
فقد نكثوا عهدنا عندهم ... فكيف تلام على الناكثين
فلا ترض فينا بأفعالهم ... فأنت رهين بما يفعلون
وراقب إلهك في حزبه ... فحزب الإله هم المفلحون (1)
ووقع الانفجار في مساء يوم السبت العاشر من شهر صفر سنة 459 هـ
_______
(1) نشر ابن الخطيب في أعمال الأعلام هذه القصيدة بأكملها وهي في ثلاثة وأربعين بيتاً ص 231 - 233، ونشرها دوزي في كتابه Recherches; V,I.App.XXVI
(2/136)

(30 ديسمبر 1066 م). ففي تلك الليلة اجتمع يوسف بن نغرالة بالقصبة على الشراب مع طائفة من صحبه من الضالعين معه من عبيد باديس وخاصته. والظاهر أن مشروعه لاستدعاء ابن صمادح إلى غرناطة كان قد نضج، وأن ابن صمادح كان يكمن مع نفر من صحبه في مكان قريب من المدينة، ينتظر النذير باستدعائه. وكان ثمة في نفس الوقت جماعة من صنهاجة، ممن يرتابون في مشاريع يوسف ونياته، وينقمون على أميرهم تهاونه وتخاذله، يرقبون حركات اليهودي وسكناته.
فحدث والمتآمرون في مجلسهم، أن وقعت مشادة بين عبد من الحضور، وبين حاشية اليهودي، فانطلق العبد إلى خارج القصبة، وهو يصيح: لقد غدر اليهودي ودخل ابن صمادح البلدة. وفي الحال هرع الناس وهم يتصايحون، وفي مقدمتهم رهط صنهاجة المناوئين لليهودي، واقتحموا القصبة، فاستغاث يوسف لفوره بباديس، وحاول الأمير عبثاً أن يهدىء الهاجمين، فهرب يوسف إلى داخل القصر، ومن ورائه مطاردوه، حتى عثروا به في بعض خزائن الفحم وقد تنكر وصبغ وجهه بالسواد فعرفوه وقتلوه، وأخذوه وصلبوه على باب غرناطة.
وكان الجند والمدينة بأسرها، قد ماجت عندئذ، وتخاطف الناس السلاح، وهجموا على بيوت اليهود في كل مكان، وأمعنوا فيهم تقتيلا وتعذيباً، ونهبوا دار يوسف، وكانت غاصة بالنفائس والذخائر، ووجدت له فيما وجد خزانة جليلة من كتب العلوم الإسلامية، ونهبوا سائر دور اليهود وحوانيتهم، وطاردوهم وفتكوا بهم في كل مكان، واستولوا من أموالهم على مقادير هائلة. وهلك من اليهود أكثر من ثلاثة آلاف أو أكثر من أربعة آلاف على قول آخر، في تلك المذبحة التي يصفها ابن بسام بأنها، " ملحمة من ملاحم بني اسرائيل، باءوا بذلها، وطال عهدهم بمثلها " وعاد ابن صمادح أدراجه بعد أن انهار مشروعه (1).
قال ابن الخطيب: " وقبره اليوم (أي قبر يوسف) وقبر أبيه يعرف أصلا من اليهود، ينقلونه بتواتر عندهم أمام باب إلبيرة، على غلوة يعترض الطريق،
_______
(1) راجع أخبار هذه المذبحة في التبيان ص 54، وفي الذخيرة، القسم الأول المجلد الثاني ص 271 و 272، وابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 447 و 448، وفي أعمال الأعلام ص 233، والييان المغرب ج 3 ص 266 و 275 و 276 وقد اتبعنا ما ورد من التفاصيل في التبيان والذخيرة.
وجاء في المصادر الأخرى أن اجتماع ابن نغرالة في أصحابه كان في داره، وأنه هوجم وقتل بها.
(2/137)

ومكانه من الترفه والترف، والظرف والأدب، معروف " (1).
- 4 -
وأفاق باديس بعد هذا الحادث من خموله وتهاونه، ونهض لاسترداد وادي آش من يد ابن صمادح، فسار إليها في قواته، واستنصر بالمأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، فوافاه في بعض قواته على مقربة منها. وضرب باديس الحصار حول وادي آش، وشدد في إرهاقها، وكان بها فضلا عن الحامية، بعض وزراء ابن صمادح وأكابر دولته، ولما اشتد الضيق بالمحصورين بعث زعماؤهم إلى المأمون يرجونه أن يتوسط لهم لدى باديس في تسليم المدينة، والخروج بالأمان، ففعل وأخلى جند ابن صمادح المدينة، وسلمت إلى باديس، واقتطع المأمون من باديس مدينة بسطة ثمناً لمؤازرته، وبعث ابن صمادح إلى باديس يستسمحه ويعتذر عن تصرفه، ثم وافاه إلى غرناطة، وعاد الوئام بين الرجلين (2).
وكانت مدينة جيان قد خرجت عن الطاعة، وكان قد لجأ إليها ماكْسَن الابن الأصغر لباديس حينما سخط عليه أبوه ونفاه من غرناطة، لارتيابه في ولائه وتوجسه من مشاريعه (3). فنزل في جيان في كنف حاكمها مسكن بن حبوس، واستبد مسكن بحكم المدينة، ولم يجد ماكسن سبيلا إلى منافسته، وقنع بالسلامة والدعة، وأخيراً تمكن باديس من إغراء الحامية بالمال والوعود، فثارت على مسكن وماكسن معاً، ونادت بالطاعة لباديس، ففر كلاهما من المدينة ناجياً بنفسه، وقصد ماكسن إلى طليطلة، حيث لجأ إلى ابن ذى النون وخدم في جيشه، وعادت جيان بذلك إلى سلطان باديس.
وكان باديس بعد مقتل وزيره ابن نغرالة، قد استوزر الناية، فعلا سلطانه بسرعة، وانتهى إلى الاستئثار بالأمور على نحو ما كان ابن نغرالة. وقدّم الناية بني برزال، وأخر صنهاجة وأهلهم، فسخطوا عليه، وأخذوا يترقبون الفرص لإهلاكه. وكان من مشاريع الناية أن يفتتح مدينة بياسة القريبة من جيان، وكانت عندئذ من أملاك إقبال الدولة علي بن مجاهد العامري، ووافق باديس على مشروع
_______
(1) الإحاطة ج 1 ص 448، وباب إلبيرة ما يزال إلى اليوم قائماً بمدينة غرناطة.
(2) التبيان ص 55 - 57.
(3) التبيان ص 49.
(2/138)

وزيره كارهاً، وانتهى الناية بالاستيلاء على بياسة بعد جهود ونفقات طائلة، وازدادت بذلك مكانته لدى باديس توطداً. وهنا شعر وزراء الدولة، وحكام المدن، أن سلطان الناية يكاد يحجب سلطان باديس ذاته. وخشوا عاقبة تمكنه، وأذاعوا أنه طامع في الرياسة بالائتمار مع بني برزال، ودبروا مؤامرة لقتله والتخلص منه، واتفق على أن يقوم واصل حاكم وادي آش وهو صديق الناية وموضع ثقته بتنفيذ الجريمة، ووعدوه بالوزارة. ولم يمض سوى قليل، حتى وفد الناية على وادي آش لتحقيق بعض الأمور السلطانية، ونزل عند واصل، فانتهز واصل الفرصة السانحة. وقتل ضيفه بالليل وهو سكران. وطار الخبر إلى غرناطة، فانزعج باديس، وأوضح له رجال الدولة أن الجريمة تمت لخيره، وإنقاذه من استبداد وزيره. فتظاهر بالاقتناع مرغماً، وعهد إلى واصل بمنصب قائد الفرسان.
واستطال حكم باديس بضعة أعوام أخرى، وتوفي في العشرين من شوال سنة 465 هـ (يونيه 1073 م) (1) بعد حكم دام سبعاً وثلاثين سنة.
وكان باديس بن حبوس أعظم ملوك البربر في عصر الطوائف وأقواهم جانباً، وكانت مملكته من أكبر ممالك الطوائف رقعة، إذ كانت تمتد من بسطة شرقاً حتى إستجة ورندة غرباً، وبياسة وجيان شمالا حتى البحر جنوباً. وباديس هو الذي مصّر مدينة غرناطة، وغدت منذ عهده من أهم قواعد الأندلس الجنوبية، وأنشأ قصبة غرناطة فوق أنقاض قلعتها القديمة، وسميت باسمها القديم " القلعة الحمراء " وهو الاسم الذي خلد على كر العصور، وغدا فيما بعد علماً على حمراء غرناطة، وأقام داخل القصبة قصره ومسجده الذي دفن فيه، وأنشأ سوراً ضخماً حول الربوة التي تقع عليها القصبة (2). وأنشأ حسبما قدمنا قصبة مالقة المنيعة، التي ما زالت آثارها باقية إلى اليوم، وأنشأ له جيشاً قوياً مرابطاً من قومه صنهاجة وغيرهم، وبذل له المال الوفير، ووطد الدولة، ونظم مراتبها وعمالاتها. بيد أن بلاطه لم يسطع كما سطعت قصور ملوك الطوائف الأخرى، ولم يسطع بالأخص، كما سطعت دولة بني ذى النون البربرية في الشمال، ولم يجتمع حوله
_______
(1) الإحاطة ج 1 ص 450. وفي ابن خلدون أنه توفي سنة 467 هـ (ج 4 ص 161).
(2) ابن خلدون ج 6 ص 180. وراجع كتابي " نهاية الأندلس " الطبعة الثالثة ص 289.
(2/139)

الكتاب والشعراء كما اجتمعوا في قصور الطوائف الأخرى، ذلك أن بلاط غرناطة البربري. لبث محتفظاً بطابع البداوة والخشونة، الذي كان يغلب على دولة آل زيري، ولم تعرف دولتهم تلك الخواص الحضارية والأدبية الرفيعة، التي امتازت بها دول الطوائف الأخرى.
ومما هو جدير بالذكر أن سياسة باديس، كانت متأثرة بالروح العنصري، وكانت ترمي قبل كل شىء إلى تأييد زعامة البربر وسلطانهم، في جنوبي الأندلس.
وكان يقابل هذا الاتجاه لدى الأمراء الأندلسيين اتجاه مماثل، فقد كانوا جميعاً يداً واحدة ضد البربر، في تلك المعركة التي اضطرمت زهاء نصف قرن، منذ استطاع بنو حمود أن يقيموا سلطانهم وخلافتهم في جنوبي الأندلس. ولما تضاءل سلطان بني حمود، تولى باديس زعامة البربر، وأخذ يقود نفس المعركة القديمة ضد أمراء الأندلس. وقد كان هؤلاء الأندلسيون، على قول ابن حيان، معاصر هذه الأحداث، " نمطاً واحداً متظاهرين على عظيم البرابرة يومئذ باديس ابن حبوس الصنهاجي صاحب غرناطة، ومن تميز معه من البربر، وكانوا متعاضدين متناصرين على من يباينهم من الأمراء سواهم، على اختلافهم في الرأي والدعوة ". ويسوق لنا ابن حيان دليل هذا التحزب في موقف الأندلسيين والبربر من الخلاف، فقد كان أمراء الأندلس يدعون للخليفة هشام الذي نصبه ابن عباد في إشبيلية، وكان باديس ومن والاه من أمراء البربر يدعون لإمامهم بمالقة، وهو إدريس بن يحيى بن حمود.
وكانت هذه النزعة العنصرية تحمل باديس في بعض الأحيان، على أخطر القرارات والمشاريع. ومن ذلك ما حدث حينما قام أحد الفرسان باغتيال أمير رندة البربري أبي نصر بن أبي نور وذلك بتحريض من المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية.
فقد ثار باديس لذلك الحادث أيما ثورة، وجال بخاطره أن يفتك برعاياه الأندلسيين في غرناطة، وأن يزهقهم جميعاً تخلصاً من شرهم ومؤامراتهم، ورتب الخطة لتنفيذ هذا العزم الدموي، وذلك حين اجتماع الغرناطيين بالمسجد الجامع يوم الجمعة، ولم يقتنع بنصح وزيره اليهودي اسماعيل بن نغرالة وتحذيره من عواقب عمله، وحشد الجند للتنفيذ، ولكن ابن نغرالة سبقه، فدس بعض النساء إلى دور زعماء الأندلسيين وغيرهم، لتحذيرهم من الحضور إلى المسجد، وهكذا
(2/140)

فشل تدبيره، ثم عدل عنه بعد ذلك حينما أيد نصح وزيره بعض شيوخ صنهاجة (1).
وتشيد الروايات المعاصرة والقريبة من العصر، بما كان عليه باديس من القوة والطغيان والجبروت. فيقول لنا عنه معاصره ابن حيان: " إنه أرفع أملاك البرابرة في هذا الوقت شأناً، وأشدهم سلطاناً، وأكثرهم رجالا، وأوسعهم أعمالا أملى النصر العزيز علي الأعداء إملاء واختياراً، فلبسه بغياً واستكباراً، وأساء الانتقام، ولم يقل العثرة، وأخذ بالظنة، وأسرف في العقوبة، وشدّ يداً بالعصبية وتقلد الحمية الجاهلية، واستأثر بالقسوة والجبرية، فأسلف في ذلك كله أخباراً مأثورة " (2). ويقول لنا الفتح في القلائد بعبارته المسجعة المنمقة: " كان باديس ابن حبوس بغرناطة، عاتياً في فريقه، عادلا عن سنن العدل طريقه، يجتري على الله غير مراقب، ويسري إلى ما شاء غير ملتفت للعواقب، قد حجب سنانه لسانه، وسبقت إساءته إحسانه، ناهيك من رجل لم يبت من ذنب على ندم، ولم يشرب الماء إلا من قلب دم. أحزم من كاد ومكر، وأجرم من راح وابتكر، وما زال متقداً في مناحيه، مفتقداً لنواحيه، لا يرام بريث ولا عجل، ولا يبيت له جار إلا على وجل " (3).
ويقدم إلينا عنه ابن الخطيب تلك الصورة القوية الجامعة: " كان رئيساً يبساً، طاغية جباراً شجاعاً، داهية، حازماً، جلداً شديد الأمر، سديد الرأي، بعيد الهمة، مأثور الإقدام، شره السيف، واري زناد الشر، جماعة للمال، ضخمت به الدولة، ونبهت الألقاب، وأمنت لحمايته الرعايا، وطم تحت جناح سيفه العمران، واتسع بطاعته المرهبة الجوانب ببأسه النظر، وانفسخ الملك، وكان ميمون الطائر، مطعم الظفر، مصنوعاً له في الأعداء، يقنع أقتاله بسلمه، ولا يطمع أعداؤه في حربة " (4).
على أن حفيده الأمير عبد الله بن بلقين، يحاول أن يقدمه إلينا في صورة أقل جفاء، وأكثر إشراقاً حين يقول: " وكان باديس بن حبوس - جدنا رحمه الله -، كبير النفس، عالي الهمة، حاد المزاج، لا يستطيع أحد أن يمخرق عليه في أمر
_______
(1) الإحاطة ج 1 ص 445 و 446، والبيان المغرب ج 3 ص 314.
(2) نقله أعمال الأعلام ص 230.
(3) قلائد العقيان ص 18.
(4) الإحاطة ج 1 ص 443.
(2/141)

من الأمور، ولا ينكسر لأحد من بني عمه، ثقة منه بسعادته، وأن الانخضاع والتمريض في القول لا يعنيه، ولا يزيد في أيامه. وكان ذلك كله منه في حزم وروية، لا يفسد جانباً حتى يصلح آخر، ويضرب بعضهم ببعض، فوجست أنفس البعض منه، وأشربوا هيبته ومخافته " (1).
والخلاصة أن باديس كان طاغية من أقوى الطغاة البربر، الذين عرفتهم الأندلس، ومن أشدهم دهاء وقسوة وإقداماً، ومن أكثرهم ظفراً في الحروب.
وكان أسوة بسائر ملوك الطوائف، قد اتخذ ألقاب الملك، وتلقب بالمظفر بالله، الناصر لدين الله.
- 5 -
ولما توفي باديس المظفر بالله، اتفق رجال الدولة وشيوخ صنهاجة على تولية حفيده عبد الله بن بُلُقِّين مكانه، وكان صبياً حدثاً. وكان أخوه الأكبر تميماً يتولى حكم مالقة منذ أيام جده. أما ماكسن ولد باديس، فقد كان خارجاً على أبيه حسبما ذكرنا من قبل، وكان قد عاد إلى مدينة جيان، وامتنع بها، وكان سيىء الخلال والسيرة، فلم يلتفت إليه، ولم يقم أحد بدعوته، وتولى تدبير الدولة ورعاية الملك الصبي، الوزير سماجة أحد شيوخ صنهاجة، وكان هذا الوزير رجلا حازماً، قوي العزم، شديد السطوة، مرهوب الجانب، فضبط الدولة، واستأثر بالسلطة، وأحسن السيرة.
وكان المعتمد بن عباد يرقب سير الحوادث في غرناطة. فلما توفي باديس، وخلفه حفيده الصبي، أدرك أن الفرصة قد سنحت لتحقيق مشاريعه، فسار في قواته إلى مدينة جيان، أهم قواعد مملكة غرناطة الشمالية، واستولى عليها (466 هـ - 1074 م). ثم سار بعد ذلك إلى غرناطة في قوات كبيرة، وابتنى بعض الحصون على مقربة منها، لكي يستطيع بواسطتها إرهاق المدينة. فحشد الوزير سماجة قوات صنهاجة، وأبدى منتهى العزم في مقاومة المغيرين، فاضطر ابن عباد أن يعود أدراجه دون طائل (2). ورأى الأمير عبد الله بتوجيه وزيره سماجة، أن يعقد مع ألفونسو السادس ملك قشتالة، على نسق معظم أمراء الطوائف، معاهدة
_______
(1) كتاب التبيان ص 27.
(2) أعمال الأعلام ص 234.
(2/142)

حلف وصداقة، يتعهد فيها بتأدية جزية قدرها عشرون ألف دينار. وعلى أثر ذلك سار عبد الله في قوات صنهاجة، ومعها سرية من الجند النصارى أمده بها ألفونسو السادس، وأغار على أراضي إشبيلية المجاورة، واستطاع أن يسترد حصن قبرة الواقع في جنوب غربي جيان.
وفي العام التالي سار ألفونسو إلى إشبيلية وغرناطة، ومعه وزيره ومستشاره النصراني المستعرب الكونت سسنندو (ششنند)، وهو الذي سبق ذكره في حوادث سقوط طليطلة، ليطالب بأداء الجزية المفروضة. ويقول لنا الأمير عبد الله في مذكراته، إنه أبى أن يدفع تلك الجزية، وإنه لم يخش يومئذ ضراً من ألفونسو، وذلك أسوة بما فعل غيره من ملوك الطوائف (1). وهنا يقوم المعتمد بن عباد بدوره المأثور في انتهاز الفرصة، وفي استعداء ملك قشتالة. ذلك ْأنه بعث وزيره ابن عمار إلى ألفونسو السادس، فعقد معه اتفاقاً وحلفاً، خلاصته أن يتعاون الفريقان في افتتاح غرناطة، وأن تكون المدينة ذاتها لابن عباد، وأن يكون سائر ما فيها من الأموال لملك قشتالة، وأن يؤدي ابن عباد إليه فوق ذلك جزية قدرها خمسون ألف دينار (2).
وأمد ملك قشتالة ابن عمار بسرية من جنده. وبدأ بتنفيذ الخطة بإنشاء حصن على مقربة من غرناطة، شحنه بالجند لإرهاق المدينة. وحاول ابن عباد أن يؤثر بواسطة هذا الحصن في أهل المدينة، ولكنه لم ينل منها مأرباً بالرغم مما أحاق بها من الضيق. ولما منى ابن عباد بالهزيمة في قرطبة على يد ابن ذى النون (467 هـ) اضطر أن يخلي الحصن، فاحتلته جنود غرناطة.
ثم عاد ابن عمار فحرض ألفونسو السادس على غزو أراضي غرناطة، وزين له سهولة افتتاحها، وعندئذ رأى عبد الله بن بلقين أن يتفاهم مع الملك النصراني، فسار إليه بنفسه، وأسفرت المفاوضات بينهما عن تعهد عبد الله بأن يؤدي جزية سنوية قدرها عشرة آلاف مثقال من الذهب، وأن يسلم بعض الحصون الواقعة جنوب غربي جيان، وهذه باعها الملك النصراني إلى ابن عباد.
وينقل إلينا الأمير عبد الله بهذه المناسبة، ما سمعه من أقوال الكونت سسنندو (ويسميه ششلاند) مستشار ألفونسو، شرحاً لسياسة مليكه في الاستيلاء
_______
(1) كتاب التبيان ص 69.
(2) التبيان ص 70.
(2/143)

على الأندلس، على النحو الآتي، قال: " وإنما كانت الأندلس للروم في أول الأمر، حتى غلب عليهم العرب، وألحقوهم بأنحس البقاع، جليقية، فهم الآن عند التمكن طامعين بأخذ ظلاماتهم، فلا يصح ذلك إلا بضعف الحال والمطاولة، حتى إذا لم يبق مال ولا رجال، أخذناها بلا تكلف " (1).
والتفت عبد الله للشئون الداخلية، فعمل أولا على إزالة وزيره سماجة، وكان هذا الوزير قد غلا في الاستئثار بالسلطة، والاستبداد بالأمور، حتى شعر عبد الله بأنه لم يبق له سلطان إلى جانبه. ومن جهة أخرى، فقد كان هذا الاستبداد يثير سخط رجال الدولة وطوائف الشعب عليه، حسبما يحدثنا بذلك الأمير في مذكراته، ومن ثم فقد عمل عبد الله على إقالة وزيره بالحسنى، وسمح له أن يسير في أهله وأمواله الطائلة إلى ألمرية، حيث نزل بها في كنف صاحبها ابن صمادح، واستقر هناك بحال ثروة وغناء (2).
وحاول عبد الله أن يعمل في نفس الوقت على تنظيم الإدارة، وعزل الحكام الظلمة، وبدأ في ذلك بوادي آش، فعزل حاكمها ابن أبي جوش واعتقله، ثم عزل حاكم المنكب وعين حكاماً آخرين يظن فيهم العدل وحسن السيرة.
وعقد الصلح والمودة مع ابن صمادح صاحب ألمرية، بعد أن سوى النزاع بينهما على حصون الحدود مما يلي فنيانه (3).
وكان تميم بن بلقين أخو عبد الله، قد استقل في تلك الأثناء بحكم مالقة وأعمالها، وتلقب بالمنتصر بالله، واستبد وأساء في حكمه السيرة، وأخذ يغير على نواحي المنكب وغيرها مما هو واقع تحت حكم أخيه. فسار إليه عبد الله في بعض قواته، واستولى على بعض حصون مالقة الأمامية، ثم وقع القتال بين قوات الأخوين أمام مالقة وهزم عبد الله أولا، ولكنه عاد فهزم جند مالقة، وضيق على المدينة، فبعث إليه أخوه يستعطفه، وتدخلت والدتهما في الأمر، وخشي عبد الله من جهة أخرى أن يتحول أخوه إذا اشتد عليه، إلى محالفة ابن عباد، فمال إلى مهادنته، وترك له حكم مالقة ونواحي الغربية أي غربي مالقة.
_______
(1) كتاب التبيان ص 73.
(2) كتاب التبيان ص 87 و 88، وأعمال الأعلام ص 235.
(3) كتاب التبيان ص 89 و 90.
(2/144)

وثار في نفس الوقت كباب بن تميت حاكم أرشدونة (أرجدونة) وأنتقيرة وعاث فساداً في تلك المنطقة، فسار إليه عبد الله، وضيق عليه، حتى خضع، وأخرج بالأمان.
وأخيراً تم عقد الصلح والمهادنة بين عبد الله بن بلقين والمعتمد بن عباد، ولم يتيسر ذلك إلا بعد مصرع ابن عمار وزير المعتمد، وهو الذي يصفه عبد الله " بالفاسق " وبأنه كان أس الفتنة، وسويت بين الفريقين سائر وجوه النزاع، من حدود وغيرها (أواخر سنة 477 هـ).
ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك، حتى وقع الحادث بسقوط طليطلة في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة، وذلك في فاتحة صفر سنة 478 هـ (24 مايو سنة 1085 م) , فاهتزت الأندلس من أقصاها إلى أقصاها، وأفاق ملوك الطوائف لأول مرة من تلك الغمرة التي خدرت مشاعرهم، وأعمت بصائرهم مدى نصف قرن، سادت فيه بينهم الفتن والحروب الأهلية، ولبثوا يمزقون بعضهم بعضاً، والعدو الخالد يضرب بينهم، ويؤلب بعضهم على بعض ويتربص الفرصة لانتزاع كل ما يمكن انتزاعه من أراضي ذلك الوطن الذي نسوا قضيته، وضحوا بمصلحته العليا، استبقاء لمصالحهم الخاصة، وأطماعهم الدنيا.
كان سقوط الحاضرة الأندلسية الكبرى - طليطلة - إذن نذير الخطر العام فنهض المعتمد بن عباد - وقد كان يحمل في وقوع تلك المحنة أكبر الأوزار - ونهض زملاؤه أمراء الطوائف، يحاولون جمع الكلمة، ويزمعون الاستنجاد بإخوانهم فيما وراء البحر، ويبعثون بصريخهم، إلى عاهل المرابطين الأمير يوسف ابن تاشفين، حسبما فصلنا ذلك من قبل في أخبار مملكة إشبيلية.
ويقول لنا الأمير عبد الله في مذكراته، إن أول من خطر له الاستنصار بالمرابطين من أمراء الأندلس، هو أخوه الأمير تميم والي مالقة، وأنه أراد أن يستعين بهم ضده ليستدرك ما فاته من مملكة جده باديس، ولكن أمير المسلمين لم يلتفت إلى دعوته (1).
وقد كان عبد الله على اتفاق مع زملائه أمراء الطوائف في استدعاء المرابطين، وقد أرسل رسله مع رسل ابن عباد إلى أمير المسلمين، وتم الاتفاق فيما بين
_______
(1) كتاب التبيان ص 102.
(2/145)

أمراء الأندلس، وبين أمير المسلمين على أن يتحدوا جميعاً بمعونته على غزو قشتالة، وعلى أنه لا يعرض لأحدهم في بلده، ولا يشجع أحداً ممن يروم الخروج عليه (1).
ويحمل ابن الخطيب على الأمير عبد الله، ويقول إنه كان جباناً مغتمد السيف متكاسلا عن الخيل، زاهداً في النساء، موصوفاً بالضعف، لكنه يكتب ويشعر ويتحدث فيما يتحدث فيه الطلبة، ثم يقول لنا إنه وقف خلال زيارته لبلده أغمات على ديوان لعبد الله بخطه " ألفه بعد خلعه، وقرر فيه أحواله والحادثة عليه، مما يستظرف من مثله " مشيراً بذلك إلى مذكراته، وهي التي رجعنا إليها في مختلف المواطن (2).
ونستطيع أن نستشف من هذه المذكرات التي تركها لنا الأمير عبد الله بعنوان " كتاب التبيان " والتي كتبها فيما بعد خلال إقامته في منفاه بأغمات، وسرد فيها تاريخ آبائه، وأحوال حكمه، وحوادث الأندلس في عصره: نستطيع أن نستشف منها ما يؤيد قول ابن الخطيب في جنوح الأمير عبد الله إلى السلم والملاينة والدعة، وفي مجانبته للإقدام، وتخوفه من الحروب وعواقب النضال، وحبه للسلامة والعافية، وإنه ليشكر الله في آخر مذكراته أن نجا من المصير الذي حل بابن الأفطس، حيث فقد حياته مدافعاً عن نفسه ضد المرابطين (3).
_______
(1) التبيان ص 103.
(2) راجع أعمال الأعلام ص 235.
(3) كتاب التبيان ص 176.
(2/146)

الفصْل الثاني الإمارات البربرية الأخرى في جنوبي الأندلس
الإمارات البربرية في الجنوب. خواصها وتكتلها. إمارة قرمونة. بنو برزال وجوازهم إلى ْالأندلس. ولاية عبد الله البرزالي لقرمونة. استبداده بها. حكمه وسيرته. التحالف بين البرزالي وابن عباد. انقلاب ابن عباد عليه. الحرب بين ابن عباد والبربر. وفاة البرزالي وولاية ولده إسحاق. ولاية عزيز المستظهر. إرهاق ابن عباد له. نزوله عن قرمونة لابن ذى النون. نزول ابن ذى النون عنها إلى ابن عباد. بنو يفرن وجوازهم إلى الأندلس. نزولهم أيام الفتنة برندة. زعيمهم أبو نور هلال. مصانعة ابن عباد للبربر ثم غدره بهم. باديس ولد أبي النور. عود أبي النور إلى رندة ووفاته. ولده أبو نصر فتوح ومصرعه. استيلاء ابن عباد على رندة. بنو دمر وهجرتهم إلى الأندلس. نزولهم بمورور. أبو تزيري الدمري وولده نوح. محمد بن نوح ومصرعه في كمين ابن عباد. ولده مناد يخلفه. غارات المعتمد على مورور. إذعان مناد ونزوله عنها إلى ابن عباد. بنو خزرون وتغلبهم على أركش. محمد بن خزرون وخلفاؤه. غارات ابن عباد على أركش. تخلي بني خزرون عنها وخروجهم منها. مداهمة ابن عباد لهم. استيلاء ابن عباد على أركش وأراضيها. انتهاء الدول البربرية في تلك المنطقة.
إلى جانب دولة بني مناد أو بني زيري في غرناطة، كانت تقوم ثمة عدة إمارات بربرية أخرى في هذه المنطقة الجنوبية من الأندلس، منطقة المثلث الإسباني الواقع جنوب نهر الوادي الكبير، والممتد من غربي مملكة غرناطة شرقاً، حتى مصب الوادي الكبير غرباً، ومن الوادي الكبير شمالا، حتى ثغر مربلة وأرض الفرنتيرة جنوباً.
ومن الواضح أن اجتماع هذه الممالك البربرية الصغيرة في هذه المنطقة، يرجع إلى عوامل جغرافية وعسكرية. ذلك أن المثلث الإسباني هو أقرب مناطق شبه الجزيرة إلى المغرب، بحيث تغدو مغادرة الأندلس وقت الخطر أو عند الضرورة أمراً ميسوراً، وكذلك تستطيع الأمداد من أقوامها أن تعبر البحر من المغرب إلى الأندلس بسرعة وسهولة. ومن جهة أخرى فإن اجتماع هذه الإمارات في هذه المنطقة جنباً إلى جنب، كان يحمل معنى التكتل القَبَلي أو العنصري بصورة واضحة، ويمكنها وقت الخطر من توحيد الصفوف، والتعاون على رد العدو
(2/147)

المهاجم. وهذا ما رأينا ينطبق بصورة عملية في المعارك التي لبثت طوال أيام الطوائف، تضطرم في هذه المنطقة بين البربر وبين خصومهم الألداء بني عباد، وهم أقوى الممالك الأندلسية المناهضة لهم في معظم النواحي.
وقد قامت هذه الممالك البربرية الصغيرة إلى جانب شقيقتها الكبرى، دولة بني مناد في غرناطة، وفي مثل الظروف التي قامت فيها، وكانت مملكة غرناطة تتولى حمايتها والدفاع عنها كلما دهمها خطر بني عباد، وكانت هي تلتف في نفس الوقت حول غرناطة، كلما دعت إلى ذلك ضرورة سياسية أو عسكرية.
ولم تكن هذه الإمارات البربرية تملك مقومات الدولة الراسخة المستقرة، ولكنها كانت في الواقع أقرب إلى سيادة العصبة القبلية، أو رياسة الأسرة ذات البأس والجاه، ولم يكن في حكومات أو جيوش منظمة بالمدى الصحيح، وإنما كانت تستند في سلطانها إلى حشود القبيلة أو الأسرة المسيطرة، وكانت تجري في الحكم على قاعدة الإستبداد المطلق، وأصول العرف البدوي الساذج، ومن ثم فإنها لم تكن محبوبة من رعاياها الأندلسيين. الذين عرفوا منذ بعيد مزايا الحكم المنظم، ورفاهة العيش المتحضر.
وكانت ثمة من هذه الإمارات - غير مملكة غرناطة - أربع تقوم من حولها وهي إمارة قرمونة، وإمارة رندة، وإمارة مورور، وإمارة شذونة وأركش.
1 - دولة بني برزال في قرمونة
وكان أهم هذه الإمارات، إمارة قرمونة الواقعة في منحنى الوادي الكبير، بين إمارة قرطبة شرقاً، ومملكة إشبيلية غرباً، وقاعدتها مدينة قرمونة الحصينة الواقعة شمال شرقي إشبيلية. وكانت تشمل غير قرمونة، مدينة إستجة الواقعة في شرقها. ومدينة المدَوّر الواقعة غربي قرطبة على نهر الوادي الكبير.
وكانت مدينة قرمونة منذ أيام هشام المؤيد، وقبل انهيار الدولة العامرية، ييد حاكمها الحاجب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن برزال المعروف بأبى عبد الله البرزالي، وكان بنو برزال هؤلاء ينتمون إلى بطن من بطون زناتة من بني يفرن، وكانوا يقطنون بالمغرب بأرض المسيلة والزاب الأسفل. ونحن نعرف أن زناتة كانت أيام الدولة الأموية من القبائل المشايعة لها بالمغرب ضد خصومها الشيعة العبيديين أو الفاطميين، وكان من خصوم الشيعة في نفس الوقت جعفر ويحيى
(2/148)

ابنا علي بن حمدون الأندلسي، صاحب المسيلة وما جاورها من أراضي المغرب الأوسط. فلما اضطرمت الحرب بين بني زيري زعماء صنهاجة وأولياء العبيديين.
وبين زناتة وحلفائها، ومنهم جعفر ويحيى ابنا حمدون، في أواخر أيام الحكم المستنصر، وهزمت صنهاجة وقتل كبيرهم زيري بن مناد (سنة 360 هـ)، هاجر جعفر ويحيى في الأهل والصحب والمال إلى الأندلس، خوفاً من انتقام صنهاجة، وخدما الحكم المستنصر، وحظيا في دولته، وذلك حسبما ذكرنا من قبل في أخبار الحكم.
ولما استطالت صنهاجة على المغرب الأوسط، شعر بنو برزال الزناتيين باشتداد وطأتها، فكتبوا إلى جعفر بن علي الأندلسي، أن يسعى في جوازهم إلى الأندلس لدى الخليفة الحكم، فعمل جعفر على تحقيق رغبتهم، ووصفهم لدى الحكم بالشجاعة والإنقياد إلى الطاعة، فأذن لهم بالجواز، وانتظموا في خدمة الجيش تحت يد جعفر، واستمروا كذلك أيام الحكم ثم المنصور، حتى ندب كبيرهم الحاجب أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن برزال أو البرزالي لحكم مدينة قرمونة في أواخر الدولة العامرية، واستقر أهله وصحبه هنالك في كنفه، إلى أن وقعت الفتنة، فخاض بنو برزال غمارها إلى جانب أضرابهم من البطون البربرية الأخرى، ولما انتثر عقد الأندلس، واحتفظ كل رئيس بمدينته، دعا أبو عبد الله لنفسه في قرمونة، وذلك في سنة 404 هـ (1013 م)، واستبد بحكمها، وضبط شئونها، ورتب جندها (1). وفي بعض الروايات المتعلقة بالطوائف أن أبا عبد الله سار في حكمه سيرة حسنة، وعامل الرعية بالرفق والعدل فمالت إليه النفوس، وعمرت قرمونة، وسادها الأمن، وبايعته مدينة إستجة ثم أشونة والمدور وغيرها من البلاد (2)، وغدت قرمونة بذلك إمارة لها خطرها وأهميتها في تلك المنطقة، وغدت بعد غرناطة، ثاني الإمارات البربرية.
ولكن ابن حيان، وهو المؤرخ المعاصر، يحمل على أبى عبد الله البرزالي ويصفه " بقطب رحي الفتنة " وينوه بفتكه وعيثه، وقبح آثاره في تلك المنطقة،
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 267 و 268: ونبذ تاريخية في أخبار البربر (الرباط 1934) ص 44.
(2) نشرت هذه الرواية المتعلقة بالطوائف، وهي لكاتب مجهول في نهاية الجزء الثالث من البيان المغرب. راجع منها ص 311 و 312.
(2/149)

وقطعه للسبل إلى آخر ما جاء في أقواله، مما سبق أن ذكرناه في موضعه من قبل (1).
وعلى أي حال فإنه يبدو أن البرزالي، كان زعيما قوياً، وافر الإقدام والعزم والشجاعة. وهذا ما يقرره لنا ابن الخطيب، إذ يصفه بأنه كان يلي باديس في جلالة الشأن، وقوة السلطان، " بقية أمراء البربر المسلطين في هذه الفتنة، وأعظمهم شأناً في الدهاء والرجولة، وأبصرهم بتدبير العساكر، وأربطهم جأشاً على الخطوب المقلقة " (2).
وقد رأينا من قبل كيف كان القاضي ابن عباد صاحب إشبيلية، يعتمد في البداية على محالفة البرزالي ضد خصومه، وكيف كان البرزالي من جانبه يرحب بهذه المحالفة، اتقاء لشر بني حمود وأطماعهم في إمارته. وكان من آثار هذا التحالف أن حارب البرزالي إلى جانب ابن عباد ضد بني الأفطس أصحاب بطليوس، في حملته ضد باجة سنة 421 هـ، وكان من آثاره أيضاً أن توجس يحيى ابن حمود المعتلي صاحب مالقة شراً من مشاريع ابن عباد، فسار في قواته إلى قرمونة وانتزعها من يد البرزالي، فاستغاث البرزالي بحليفه ابن عباد، وبعث ابن عباد قواته مع ولده إسماعيل، ونشبت بينه وبين المعتلي معركة قتل فيها المعتلي، واستردت قرمونة وأعيدت إلى البرزالي، وذلك في المحرم سنة 427 هـ (1036 م).
ولكن ابن عباد كانت له نحو قرمونة مشاريع أخرى، فقد كانت قرمونة حصن إشبيلية من الشرق، وكان وجودها بيد هذا الزعيم البربري أمر لا يحتمل، ومن ثم فقد تحول ابن عباد فجأة إلى مخاصمة البرزالي، وسير إليه قواته فاستولت على إستجة، ثم استولت بعد ذلك على مدينة قرمونة، وعندئذ استغاث البرزالي، بزملائه البربر، وهرع إلى نصرته باديس صاحب غرناطة، وإدريس المتأيد صاحب مالقة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة، انتهت بانتصار البربر وهزيمة الإشبيليين ومقتل أميرهم إسماعيل بن عباد، واسترداد قرمونة، وذلك في أوائل المحرم سنة 431 هـ (أواخر سنة 1039 م).
وتوفي أبو عبد الله محمد البرزالي بعد ذلك بثلاثة أعوام سنة 434 هـ (1042 م) بعد أن حكم قرمونة وأعمالها ثلاثين عاماً.
_______
(1) راجع ص 36 من هذا الكتاب. وراجع البيان المغرب ص 206.
(2) أعمال الأعلام ص 236.
(2/150)

فخلفه والده الأكبر إسحق بن محمد، وهو في سن الكهولة. ويصفه ابن حيان بأنه كان رئيساً حازماً وافر الكفاية والبأس والفروسية، ولكن دون أبيه محمد في القسوة والفظاظة " وكلاهما على ذلك موصوف بالعفة والنزاهة، والبعد عن آفات الملوك الشائنة " (1). والظاهر أنه لم يحكم طويلا. بل إن صاحب الرواية الخاصة بالطوائف، التي سبقت الإشارة إليها، يغفل ذكره تماماً، ويقول لنا إن الذي خلف أبا عبد الله البرزالي، هو ولده عزيز الملقب بالمستظهر وإن أخاه إسحق بايعه، وتم له الأمر (2).
وسار المستظهر في حكمه سيرة حسنة، وبايعت له البلاد التي كانت تحت حكم أبيه، وساد الأمن والرخاء في أيامه، بيد أنه لم يلبث أن بدأ المعتضد بن عباد في مضايقته وإرهاقه بغزو أراضيه وانتساف زروعه، واستمرت المعارك بينهما أعواماً، وهلك في ذلك النضال كثير من البربر، واضطربت الأحوال في مملكة قرمونة، وعندئذ بعث عزيز المستظهر إلى المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة، يعرض عليه أن يسلمه قرمونة، نكاية في ابن عباد، على أن يعوضه عنها ابن ذى النون قسماً من أراضيه الجوفية، فقبل المأمون هذا العرض، وانتقل عزيز بأهله وأمواله إلى حصن المدور شمالي إستجة من أراضيه، وعاش هنالك حتى توفي. وفي أثناء ذلك وقعت المفاوضة بين ابن عباد، والمأمون، وتفاهما على أن ينزل المأمون للمعتضد عن قرمونة لقربها من أراضيه، وأن يتعاون الاثنان على افتتاح قرطبة، واستلم ابن عباد قرمونة ولكنه لم يف للمأمون بشىء من عهوده (3).
وفي رواية أخرى، أن المستظهر اضطر في النهاية أن ينزل مباشرة عن قرمونة إلى ابن عباد، بعدما يئس من القدرة على الاحتفاظ بها، وأنه سار بأمان ابن عباد إلى إشبيلية، وهنالك توفي بعد قليل. وكان استيلاء ابن عباد على قرمونة في سنة 459 هـ (1067 م). وبذلك انتهت دولة بني برزال في هذا القطاع من المثلث الأندلسي، واختفت واحدة من الإمارات البربرية (4).
_______
(1) نقله أعمال الأعلام ص 237.
(2) ذيل البيان المغرب ج 3 ص 312.
(3) راجع أعمال الأعلام ص 238.
(4) راجع في أخبار مملكة قرمونة، أعمال الأعلام ص 236 - 238، وذيل البيان المغرب ص 311 و 312. وكذلك: P.y Vives: Historia de Los Reyes de Taifas ; p. 23
(2/151)

2 - دولة بني يفرن في رندة
وبنو يفرن هم أيضاً بطن من بطون زناتة، وكانوا بالمغرب من أولياء الدعوة الفاطمية، وقد اشتركوا في الحرب التي وقعت بالمغرب أيام المنصور بن أبي عامر، وقاتلهم زيري بن عطية أمير مغراوة وعامل المنصور على المغرب، حتى هزمهم بعد معارك هائلة، وهلك أميرهم يدُّو بن يعلي وذلك في سنة 383 هـ. وعلى أثر ذلك افترقوا إلى شقين، وجنحت منهم شيعة إلى الانحياز إلى الدعوة المروانية، واستأذنوا المنصور في الجواز إلى الأندلس، فأذن لهم وخدموا في الدولة والجيش أسوة بباقي الوافدين من القبائل البربرية. ولما انتهت الدولة العامرية، واضطربت نار الفتنة، وتفرقت القبائل البربرية في النواحي، استقر بنو يفرن في ولاية تاكرونَّا، واتخذوا من قلعتها رندة مركزاً لرياستهم (1)، وكان زعيمهم يومئذ هو أبو نور هلال بن أبي قرة بن دوناس اليفرني. وكان زعيماً " جسوراً جشعاً، مقداماً، عزيز الجانب ببأس رجاله ووعورة رحاله، وحصانة قلاعه "، ولكنه كان في نفس الوقت عاطلا عن كل فضيلة وكل خلة حسنة. وبدأ هلال رياسته لمنطقة تاكرونَّا، حسبما يقول لنا صاحب الرواية المتعلقة بتاريخ الطوائف، عقب وفاة إدريس بن علي بن حمود في سنة 431 هـ (1039 م) (2)، وكانت تشمل أراضي ولاية ريُّه، ما بين نهر وادي لكه والبحر، وكانت قاعدتها رندة من أمنع معاقل الأندلس الجنوبية. وقد رأينا القاضي ابن عباد يخطب منذ البداية ود أولئك الأمراء البربر الذين يحتلون أراضي القطاع الأندلسي الجنوبي المتاخم لأراضيه. وجرى ولده المعتضد على سياسته في توثيق أواصر المودة معهم. بيد أن سياسة بني عباد، لم تكن تقوم في ذلك حسبما رأينا، على الصدق والولاء، وإنما كانت تقوم على الخديعة والمصانعة، وقد تجلت حقيقتها في حوادث مملكة قرمونة. وهكذا كان المعتضد يبدي مودته لأبى نور زعيم بني يفرن، وزملائه أمراء بني دمر أصحاب ولاية مورور، وبني خزرون أصحاب ولاية شذونة وأركش،
_______
(1) نبذ تاريخية في تاريخ البربر ص 45.
(2) راجع ذيل البيان المغرب ج 3 ص 312. ويقول صاحب الرواية إن هلالا قد بويع له بعد موت إدريس بن علي بن حمود سنة ست وأربعمائة وهو تحريف. فقد توفي إدريس سنة 431 هـ (1039 م).
(2/152)

وكان يستميلهم بالصلات والدعوات الودية. وفي سنة 445 هـ (1053 م) وجه المعتضد دعوته لأبى نور، ولمحمد بن نوح الدمري صاحب مورور، والقائم ابن محمد بن خزرون أمير بني أرنيان وصاحب شذونة وأركش، لزيارته في إشبيلية، فساروا إليه في صحبهم وفرسانهم في أحسن زي وأكمل هيئة. وكان المعتضد قد دبر كمينه لاغتيالهم حسبما فصلناه من قبل في أخبار مملكة بني عباد، وانتهت هذه الدعوة الغادرة بالقبض على أولئك الأمراء وصحبهم وتكبيلهم بالأغلال ثم هلاك اثنين منهم، وهما ابن نوح وابن خزرون، في الحمام، وأفلت منهم هلال أبو نور، حيث أطلق المعتضد سراحه وأخلى سبيله.
وفي خلال ذلك كان باديس ولد هلال أبي نور، قد قام بالرياسة في غيبته أثناء اعتقاله بإشبيلية، وكان " فاسقاً مجرماً " فاستبد بالأمر، وأرهق الناس ببغيه وطغيانه، وأطلق العنان لشهواته الدنيئة، فاستباح الحرم وسطا على الأعراض هو وصحبه، فكانوا يأخذون الزوجات من أزواجهن، والبنات من آبائهن، ولم يفر حتى أقرب الناس إليه من خاصة محارمه. فلما تخلص أبو نور من الأسر، وعاد إلى رندة، وعلم بما وقع من ولده من العظائم، أمر في الحال بالقبض عليه وإعدامه وذلك في سنة 449 هـ (1057 م). انه لم تمض أشهر قلائل على ذلك حتى توفي أبو نور نفسه، وخلفه في الإمارة ولده أبو نصر فتوح بن أبي نور (1).
واستطال حكم أبى نصر زهاء ثمانية أعوام. وكان عادلا حسن السيرة. بيد أنه كان ميالا إلى الدعة منهمكاً في الشراب. وكان المعتضد بن عباد من جهة أخرى يتربص به ويترقب الفرصة لهلاكه، وانتهى بأن دس عليه رجلا من دعاته برندة يدعى ابن يعقوب، وكان فارساً مقداماً، فدهم أبا نصر ذات يوم في جماعة من صحبه، وهو في إحدى شرفات القصبة العليا، وصاحوا بشعار بني عباد، فحاول أبو نصر الفرار، ووثب من الشرفة فهوى إلى أسفل، فارتطم بالصخر وزهق على الأثر، ولم يأبه الناس لما حدث، ولم يتعرض للقتلة أحد, وانتهت بذلك دولة بني يفرن، واستولى ابن عباد على رندة وأعمالها بأيسر أمر، وكان ذلك في سنة 457 هـ (1065 م) (2). ونظم المعتضد بهذه المناسبة قصيدته التي مطلعها:
لقد حصلت يا رندة ... فصرت لملكنا عقدة
_______
(1) ذيل البيان المغرب ج 3 ص 313.
(2) ذيل البيان المغرب ج 3 ص 313 و 314.
(2/153)

3 - دولة بني دمّر في مورون
وكانت ثالثة الإمارات البربرية في تلك المنطقة من الأندلس الجنوبية، هي إمارة بني دمر في مورور أو مورون (1). وكانت تشغل رقعة صغيرة تمتد حول مدينة مورور، وجنوباً حتى وادي لكه. وقام بها أيام الفتنة نوح بن أبي تزيري الدمّري زعيم بني دمّر. وقد كان بنو دمر من بربر تونس ومن بطون زناتة، وهم خوارج إباضية. وفد جدهم أبو تزيري إلى الأندلس أيام المنصور، وخدم كسائر زملائه الزعماء البرابرة في الجيش، وانحاز منذ أيام الفتنة إلى تلك المنطقة، واستقر بها وبسط عليها سلطانه. ولما توفي في سنة 403 هـ (1013 م) خلفه ولده نوح بن أبي تزيري، واستمر في حكمها زهاء ثلاثين عاماً، ثم توفي سنة 433 هـ (1041 م) فخلفه ولده محمد بن نوح. وكان محمد فتى غراً، وجندياً جاهلا، خلواً من الفضائل. بيد أنه كان مقداماً جسوراً، " وافر العنف والفتك " (2). وكان حديث عهد بالإمارة، فاستبد وبغى وتلقب بعز الدولة، واستطاع بجرأته وصرامته، أن يحافظ على سلطانه وعلى أراضيه. وكان المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية ينظر بعين السخط إلى قيام تلك الإمارات الصغيرة بجوار مملكته القوية الشاسعة، ويعمل الفكرة في إزالتها، وكان حسبما تقدم يصانع أولئك الأمراء البربر أحياناً ويهاجمهم أحياناً أخرى، وقد ذكر لنا صاحب الذخيرة أنه استغل هذه السياسة المزدوجة تجاه إمارة مورور الصغيرة، فأغارت قواته على أراضي مورور، واستقبل محمد بن نوح هذا العدوان بالحلم والصبر، ولم يقابله بمثله (3). وجنح المعتضد بعد ذلك إلى مصانعة ابن نوح، واستمالته بالصلات والهدايا، كما فعل ذلك مع زميليه، أبى نور صاحب رندة، وعبدون بن خزرون صاحب أركش، ثم دعاهم وصحبهم كما تقدم إلى زيارته في إشبيلية، ثم قبض عليهم وغدر بهم، وهلك في ذلك الكمين الخائن الذي رتبه المعتضد في سنة 445 هـ (1053 م) محمد بن نوح وابن خزرون. وفي رواية أخرى أن محمداً بن نوح لبث في
_______
(1) وهي بالإسبانية Moron.
(2) أعمال الأعلام ص 239، وذيل البيان المغرب ج 3 ص 295.
(3) نقله صاحب البيان المغرب ج 3 ص 214.
(2/154)

معتقل المعتضد حتى توفي في سنة 449 هـ (1057 م).
فخلفه في الإمارة ولده مناد بن محمد بن نوح، وتلقب بعماد الدولة، وسار على سنة أبيه من الصرامة والحزم، وقصده البربر من إشبيلية وإستجة وزادت جموعه، واستمر محافظاً على سلطانه، والمعتضد بن عباد يكرر الإغارة على أراضيه، ويحرق بلاده وزروعه، ويرهقه بطريقة قاسية منظمة. فلما ضاق بهذا العدوان المستمر، ولما شعر في النهاية أنه عاجز عن الدفاع عن إمارته، كتب إلى المعتضد، يسأله الأمان والمسالمة على أن يسلمه أراضيه، ويخرج إلى إشبيلية، يعيش فيها تحت كنفه، فأجابه المعتضد إلى رغبته، وسلم إليه عماد الدولة حصن مورور، وما يتبعه من حصون وأعمال، وذلك في سنة 458 هـ (1066 م)، وانتهت بذلك مملكة بني دمّر الصغيرة، وأضيفت إلى أعمال مملكة إشبيلية الشاسعة.
وسار عماد الدولة إلى إشبيلية في أهله وأمواله، وبالغ المعتضد في إكرامه والتوسعة عليه، وعاش هناك حتى توفي في سنة 468 هـ (1075 م).
4 - دولة بني خزرون في أركش
وكانت دولة بني خزرون هي رابعة الإمارات البربرية الصغيرة في تلك المنطقة. وبنو خزرون هم من أبناء قبيلة يرنيان أو إرنيان من زناتة، وكان زعيمهم أبو عبد الله محمد بن خزرون بن عبدون الخزري، وهو كغيره من زعماء البربر الوافدين على الأندلس أيام الدولة العامرية، قد ظهر أيام الفتنة بمدينة قلشانة بكورة شذونة على مقربة من أركش، وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة.
ثم تغلب على مدينة أركش المنيعة، وأقام بها حكومة مستقلة تشمل الأنحاء المجاورة، وتلقب بعماد الدولة، وكان زعيماً جسوراً مقداماً، سفاكاً للدماء، فهابه الناس واستمر يحكم تلك المنطقة حتى توفي في سنة 420 هـ (1029 م). فخلفه ولده عبدون ابن خزرون، وبايعته البلاد المجاورة لأركش وقلشانة وشريش، واستمر حكمه زهاء خمسة وعشرين عاماً، إلى أن هلك بإشبيلية في الكمين الشائن، الذي استدرجه إليه المعتضد بن عباد هو وزميلاه محمد بن نوح الدمري، وأبو نور بن أبي قرة، حسبما أشرنا إلى ذلك غير مرة، وكان ذلك في سنة 445 هـ (1053 م).
فتولى الأمر من بعده أخوه محمد بن خزرون وتلقب بالقائم، وأخذ يحصن بلاده، ويتأهب لمقاومة ابن عباد بعد الذي بدا من غدره. والواقع أن
(2/155)

ابن عباد ما فتىء يترقب الفرصة للاستيلاء على هذه المنطقة التي تجاوره من الجنوب الشرقي، وتفصله عن إمارة رندة، وهي التي كان يطمح إلى أخذها في نفس الوقت، فعمد إلى الإغارة عليها، وتخريب أراضيها وإرهاقها بكل الوسائل وابتنى حصناً على مقربة من أركش وشحنه بالمقاتلة لمضايقتها بطريقة منظمة، والقائم صامد يدافع عن أراضيه ما استطاع. وأخيراً ألفى القائم أنه لا يستطيع مدافعة ابن عباد إلى النهاية، فلجأ إلى باديس بن حبوس أمير غرناطة، واتفق معه على أن يعطيه قلعة أركش وسائر البلاد التي تحت حكمه، على أن يعطيهم أرضاً من بلاده ينزلون بها ويقيمون فيها، وبعث باديس بقوة كبيرة من جنده ليعاونهم على الجلاء. وخرج بنو إرنيان من أركش بأهلهم وأموالهم، يقصدون إلى أرض غرناطة. وكان ابن عباد قد رتب الكمائن لاعتراضهم، فما كادوا يبتعدون بأحمالهم عن القلعة حتى خرجت كمائن ابن عباد، ونشب بين الفريقين قتال مرير، دافع فيه بنو إرنيان عن أنفسهم وعن أموالهم وحريمهم أشد دفاع، بيد أنهم مزقوا في النهاية، وقتل أميرهم محمد بن خزرون وقتل معه قائد جند باديس، وأبيد معظمهم. ومما يذكر أن محمداً بن خزرون لما شعر بالهلاك أمر غلامه أن يقتل زوجته وكانت رائعة الحسن، وكذلك أخته، حتى لا تقعا في أيدي العدو، واكتفى ابن عباد بتمزيق بني إرنيان وترك فلولهم دون مطاردة، ودخل أركش واستولى على سائر البلاد التابعة لها، وذلك في سنة 461 هـ (1068 م) (1) وهكذا سقطت الإمارات البربرية الصغيرة الأربع، التي تقع في منطقة المثلث الإسباني الجنوبي، وضمت كلها تباعاً إلى مملكة إشبيلية القوية، وذلك خلال أعوام قلائل فقط، رندة في سنة 457 هـ، ومورور سنة 458 هـ، وقرمونة سنة 459 هـ، وأركش في سنة 461 هـ.
وأضحت مملكة إشبيلية، بعد الاستيلاء على تراث هذه الإمارات، تمتد من ولاية تدمير شرقاً، حتى المحيط الأطلنطي غرباً، ومن وسط الأندلس، من شرقي مملكة طليطلة، وغربي مملكة قرطبة شمالا، حتى أرض الفرنتيرة، وثغر الجزيرة جنوباً، وإذا استثنينا مملكتي ألمرية وغرناطة، فإن مملكة إشبيلية كانت تضم معظم تراث الدولة الأموية الذاهبة في وسط الأندلس وفي جنوبها.
_______
(1) راجع أعمال الأعلام ص 239 و 240، والبيان المغرب ج 4 ص 271 و 272 وذيله ج 3 ص 294 و 295.
(2/156)

الكتابُ الثالِث
دول الفتيان الصقالبة وخلفائهم في شرقيّ الأندلس
(2/157)

الفصْل الأوّل مملكة ألمرية
الفتيان الصقالبة. اشتراكهم في حوادث قرطبة. نزوحهم إلى شرقي الأندلس. استيلاء خيران العامري على أوريولة ومرسية وألمرية. يؤيد خلافة المرتضي. اختيار الفتيان لعبد العزيز المنصور زعيماً لهم. خيران يبايع محمد بن عبد الملك ثم يختلف معه. حكم خيران في ألمرية ومنشآته. شجاعته وإقدامه. وفاته وولاية زهير العامري مكانه. صفاته. وزيره أحمد بن عباس. حملته إلى غرناطة ومصرعه استيلاء عبد العزيز بن أبي عامر على ألمرية. استخلافه لوزيره ابن صمادح عليها. تغلب ابن صمادح على ألمرية. بنو صمادح وزعيمهم أبي يحيى عامل وشقة. ولده معن يتولى الوزارة لصهره عبد العزيز ثم ينزع منه ألمرية. وفاته وقيام ولده أبي يحيى المعتصم مكانه. صداقته لباديس صاحب غرناطة. خلافه مع عبد العزيز صاحب بلنسية. الثورة في لورقة. تأييد عبد العزيز لها. الحرب بينه وبين المعتصم وباديس. استقلال الثوار بحكم لورقة. الخلاف بين المعتصم وباديس. استيلاء المعتصم على أراضي غرناطة الشرقية. استيلاؤه على جيان. الخلاف بين المعتصم وعبد الله صاحب غرناطة والصلح بينهما. أدب المعتصم وشاعريته. أقوال ابن بسام. سقوط طليطلة وموقف المعتصم من استدعاء المرابطين. تنافسه مع ابن عباد لدى أمير المسلمين. مساهمة جنده في موقعة الزلاقة. مساهمته في حصار حصن لييط. وفاته وما يروى حولها. ولده معز الدولة. فراره من ألمرية عند مقدم المرابطين.
1 - عهد الفتيان العامريين
لما وقعت الفتنة، وانتهت الدولة العامرية، بتربع محمد بن هشام المهدي على كرسي الخلافة، في جمادى الآخرة سنة 399 هـ (فبراير 1009 م)، ومقتل عبد الرحمن بن المنصور، بعد ذلك بأيام قلائل، غادر معظم الفتيان الصقالبة قرطبة، فراراً من اضطهاد العهد الجديد، وقصدوا إلى شرقي الأندلس، حيث كانت الأحوال أهدأ وأكثر استقراراً، وجو العمل والمغامرة أكثر انفساحاً، وكان منهم عدة من الفتيان الفحول والخصيان الأذكياء، ذوي الإقدام والعزم، مثل مجاهد، وقد غلب على مدينة دانية والجزائر الشرقية، ولبيب وقد غلب على طرطوشة. ومظفر ومبارك وقد غلبا على بلنسية، ونبيل وقد غلب على شاطبة، وخيران، وقد غلب على ألمرية ومرسية وأوريولة.
وإنما يهمنا هنا، من هذه الجمهرة من الفتيان الصقالبة، خيران العامري،
(2/158)

وقد كان من أقواهم عزماً، وأنشطهم إلى خوض غمار الحوادث، التي تلت سقوط الدولة العامرية. ونحن نعرف أن محمداً بن هشام المهدي حينما تولى الخلافة ثار عليه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في أنصاره ومرشحيه من البربر، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة حول قرطبة وفي الزهراء، هزم فيها سليمان وحزبه في البداية. وكان الفتيان العامريون ينقمون على المهدي ما فعله بهشام المؤيد من حبسه بالقصر واضطهاده، وما فعله بعبد الرحمن المنصور وبني عامر، فائتمروا به وقتلوه، وكان من بين مدبري هذه المؤامرة الحاجب واضح الفتى، وزميلاه عنبر وخيران، وكانا قد قدما من شرقي الأندلس إلى قرطبة مع عدد آخر منهم، ليشتركوا في حوادث قرطبة، وليبحثوا عن طالعهم فيها.
ورفع الفتيان الصقالبة، هشاماً المؤيد إلى كرسي الخلافة مرة أخرى، وتولى واضح حجابته. ولكن البربر تمسكوا بموقفهم وبمرشحهم سليمان، واستأنفوا هجومهم على قرطبة وحاصروها، وقاتلوا أهلها بمنتهى الشدة، ودافع القرطبيون عن أنفسهم بمنتهى البسالة، ولكنهم ضاقوا بالحصار والعدوان ذرعاً، ووجه اللوم في ذلك إلى الحاجب واضح، فقتله زملاؤه، وفي النهاية تغلب البربر على كل مقاومة، واعتلى سليمان كرسي الخلافة باسم المستعين، وذلك في شوال سنة 403 هـ (مايو 1013 م).
وكان الفتيان العامريون قد خشوا العاقبة بعد مقتل واضح، وهالهم في نفس الوقت، ما ارتكبه سليمان وصحبه البربر من العيث والسفك، وجرح الكثير منهم خلال القتال ومنهم خيران، فغادروا قرطبة ناجين بأرواحهم، وقصدوا إلى شرقي الأندلس مرة أخرى.
وسار خيران أولا إلى أوريولة في شرقي الأندلس فاستولى عليها، ثم وثب منها على مدينة مرسية عاصمة تدمير، فأخضعها لسلطانه (403 هـ)، وخرج منها بعدئذ بقواته إلى ثغر ألمرية. وكان عليها أفلح الصقلبي، وهو حسبما تصفه الرواية غرٌّ جلف، قد ذهب به العجب كل مذهب، وكان يدل على زملائه الفتيان الصقالبة بقدمه وشيخوخته، فهاجمه خيران، وقتله هو وولده، وانتزع منه ألمرية، وذلك في المحرم سنة 405 هـ (يوليه 1014 م) وغدت ألمرية من ذلك الحين قاعدته الرئيسية، ومستودع أمواله وعدته، كما غدت مركز الدعوة
(2/159)

لإمامة هشام المؤيد، وهو الذي كان يعتبره فتيان الصقالبة إمامهم ومولاهم. وقد رأينا فيما تقدم من أخبار الدولة الحمودية، كيف ادعى علي بن حمود الحسني حاكم سبتة أيام الفتنة، أنه تلقى عهد هشام، وكيف تحالف معه خيران ثم عاونه بقواته، كما عاونه بربر غرناطة، وانتهى الأمر بأن زحفت القوات المتحدة على قرطبة، وكتب النصر لعلي بن حمود، ودخل قرطبة، ولما لم يعثر على هشام المؤيد بالقصر، دعا لنفسه بالخلافة، وبدأت بذلك دولة بني حمود (سنة 407 هـ).
ثم رأينا كيف غادر خيران قرطبة مغضباً متوجساً من غدر علي بن حمود، وقصد إلى جيان، ودعا أصحابه بالخلافة لعبد الرحمن المرتضي، وأيده في تلك الحركة عدة من ولاة الثغور، ثم وقعت الحرب بين قوات المرتضي وبربر غرناطة، فهزم المرتضي ثم قتل، وعندئذ سار خيران في أصحابه، وقصد إلى ألمرية مرة أخرى، وكان ذلك في سنة 409 هـ (1019 م).
والظاهر أن خيران، بالرغم من اتخاذه ألمرية قاعدته الرئيسية. قد لعب في حوادث شرقي الأندلس دوراً ملحوظاً. ذلك أن الفتيان العامريين في شرقي الأندلس، قد اتفق رأيهم على أن يتخذوا لهم رئيساً من سلالة مولاهم العظيم، المنصور بن أبي عامر، ينضوون جميعاً تحت لوائه من الناحية الأدبية، فوقع اختيارهم في ذلك على عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور، وكان فتى حدثاً ونحن نذكر أنه كان أيام أبيه عبد الرحمن المنصور طفلا، ومع ذلك فلقد أسبغ عليه والده لقب الحجابة، ولقبه بسيف الدولة، وكان منذ مصرع أبيه قد غادر قرطبة سراً، وسار إلى سرقسطة، وأقام بها في كنف صاحبها منذر ابن يحيى التجيبي، فلما اختاره الفتيان العامريون زعيماً لهم، غادر سرقسطة، ولحق بشاطبة، حيث أعلنت بيعته، وذلك في سنة 411 هـ (1021 م). وفي رواية أخرى أن سليمان بن الحكم المستعين، حينما ولي الخلافة لأول مرة، عمل على رد اعتبار بني عامر، فدفن شلو عبد الرحمن المنصور بالتكريم، وآوى ولده الطفل عبد العزيز، وابن عمه الطفل محمد بن عبد الملك تحت رعايته، فبقيا في كنفه وقتاً قصيراً، حتى خلع، واسترد محمد بن هشام الخلافة. فعندئذ غادر الطفلان قرطبة (1). ولسنا نعرف ما هو الدور الذي أداه خيران في اختيار عبد العزيز
_______
(1) أعمال الأعلام ص 193.
(2/160)

للزعامة، وهل كان من مؤيديه أم من خصومه. ذلك أنه لم يمض قليل على ذلك حتى اختلف خيران مع عبد العزيز، وأعلن الخروج عليه، وسار من ألمرية إلى مرسية، وهنالك بايع بالزعامة محمداً بن عبد الملك بن المنصور، وهو ابن عم عبد العزيز، وكان قد غادر قرطبة ولجأ إليه، فقدمه وصحبه إلى مرسية، وثار في نفس الوقت أهل شاطبة بعبد العزيز فغادرها سراً إلى بلنسية. وتسمى محمد بالمؤتمن، ثم بالمعتصم. ثم تنكر له خيران، وأخرجه من مرسيه، واستولى الفتيان على أمواله، فسار إلى غرب الأندلس وعاش هنالك حتى توفي (1) وهكذا لم يكن خيران، وهو في عمالته في شرقي الأندلس، دائماً على وفاق مع أصحابه الفتيان العامريين، وكانت علائقه بالأخص سيئة مع مجاهد صاحب دانية، وكانت تقع بينهما المناوشات والمعارك من آن لآخر.
* * *
ولتتبع بعد ذلك حكم خيران في ألمرية، بعد أن فصلنا الحوادث التي خاضها منذ اضطرام الفتنة، والتي تدل في مجموعها على ما كان يتمتع به هذا الزعيم الصقلبي من الحصافة، والإقدام، وقوة العزم.
استقر خيران في ألمرية، وبسط حكمه على أعمالها، وكانت إمارة ألمرية تشمل يومئذ المنطقة الممتدة من شاطىء اسبانيا الشرقي الجنوبي، على هيئة مثلث كبير، غرباً حتى وادي آش وحدود مملكة غرناطة، وشمالا حتى بسطة وجيان، وقد كانا أهم قواعدها بعد ألمرية، وهذا عدا أوريولة ومرسية، وقد كان يحكمهما بالنيابة زهير العامري. وأبدى خيران في ضبط ألمرية وتنظيمها همة فائقة، وحصن ألمرية، وأصلح قصبتها الشهيرة، وزاد فيها حتى غدت من أعظم القصبات الأندلسية، وأودعها أمواله وذخائره، وما زالت أطلالها الماثلة إلى اليوم تشهد بما كانت عليه من الروعة والحصانة. وزاد خيران في قبلة جامع ألمرية زيادة اتسع لها الجامع، وبنى السور الهابط من الجبل إلى البحر، وجعل له أربعة أبواب منها باب يخرج منه إلى بجانة (2) ونظم خيران جيشه، واستوزر
_______
(1) يراجع في هذه الحوادث أعمال الأعلام ص 210 و 211، وابن خلدون ج 4 ص 162، والبيان المغرب ج 3 ص 164. وكذلك: Gaspar Remiro: Historia de Murcia Musulmana (Zaragoza 1905) p. 96-98.
(2) كتاب ترصيع الأخبار للعذري (نصوص عن الأندلس نشرت منه بعناية الدكتور عبد العزيز الأهواني) (مدريد 1965) ص 83.
(2/161)

الكاتب البليغ أحمد بن عباس بن أبي زكريا، وعامل رعيته بالرفق والعدل، وفي أيامه بلغت ألمرية منتهى العمران والرخاء، وغدت من أمنع وأجمل ثغور الأندلس.
وكان خيران رئيساً وافر الدهاء والشجاعة، والحصافة، وحسن التدبير، وكان بصيراً بالحروب ومكايدها، وقد جرت بينه وبين جيرانه البربر أصحاب غرناطة، وقائع أبدى فيها قوته وصرامته، فهابوه، ولم يفكروا في مناوأته.
وكان فوق ذلك كله متواضعاً زاهداً في الألقاب، فلم يتسم بشىء من تلك الألقاب الضخمة، التي تسمى بها سائر أمراء الطوائف في عهده، واكتفى بما كان يوصف به من " الخليفة " و " الفتى الكبير " (1).
وقد مدحه شاعر العصر الكبير، أبو عمرو أحمد بن درّاج القسطلي، بقصيدته الشهيرة، التي مطلعها:
لك الخير قد أوفى بعهدك خيران ... وبشراك قد وافاك عزٌّ وسلطان
هو النجم لا يدعي إلى الصبح شاهد ... هو النور لا يُبغي على الشمس برهان
إليك شحنّا الفلك تهوى كأنها ... وقد ذعرت عن مغرب الشمس غربان
على لجج خضر إذا هبت الصبا ... ترامى بنا فيها ثبير وثهلان (2)
وتوفي خيران العامري بألمرية في جمادى الآخرة سنة 419 هـ (1028 م)، فاجتمع في الحال رجال الدولة، وعلى رأسهم الوزير أحمد بن عباس، ونبأهم بأن خيران، قد أوصى قبل وفاته بأن يخلفه أخوه زهير العامري، واتفق الجميع بذلك على تولية زهير. وكان خيران حينما شعر بدنو أجله قد بعث بالفعل يستدعي زهيراً، نائبه في مرسية وجيان، فقدم زهير على عجل، وأدرك خيران قبيل وفاته، فلما توفي قام في الحال مكانه، وتسلم زمام السلطان، ورضي به الناس ورجال الدولة (3).
وكان زهير ويكنى أبا القاسم، من أهم الفتيان العامريين، وأشدهم بأساً، " وكان شهماً داهية " بعيد النظر، وقد لعب في حوادث الفتنة بقرطبة أدواراً أشرنا إليها في مواضعها، ولما تولى حكم ألمرية اقتفى أثر صاحبه خيران في حسن
_______
(1) أعمال الأعلام ص 212.
(2) وردت هذه القصيدة بأكملها في ديوان ابن دراج المنشور بعناية الدكتور محمود علي مكي (دمشق 1961) ص 86 - 88، ووردت في الذخيرة (القسم الأول المجلد الأول ص 74 - 78)، وكذلك ابن الخطيب في أعمال الأعلام (ص 212 - 215) وهي طويلة جداً.
(3) ابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 525 و 526.
(2/162)

السيرة وحفظ النظام. وهو الذي زاد في المسجد الجامع بألمرية من غربيه وشرقيه وجوفيه، وعظم المسجد بذلك. وبنى السقاية، وكثر الماء في ألمرية. وكان يكرم الفقهاء ويشاورهم في الأمر.
وكانت مملكة ألمرية وقت أن تولى حكمها زهير، تمتد من ألمرية حتى شاطبة، شرقاً، وتمتد شمالا حتى جيّان وبيّاسة، وحتى أعمال طليطلة، ولو أن زهيراً استمع إلى صوت العقل والحكمة، وقنع بتدبير مملكته الكبيرة، لكان له في تاريخ الطوائف شأن آخر، ولكنه كان يقع تحت نفوذ وزيره الكاتب أحمد بن عباس، وقد كان هذا الوزير، بالرغم من صفاته العلمية والأدبية اللامعة، ميالا إلى التهور والمغامرة، وكان يلقى في روع أميره مشاريع خطيرة، ويحرك أطماعه بتحريضه وسيىء نصحه، والظاهر أنه هو الذي بعث إليه فكرة غزو غرناطة، على أثر موت أميرها حبوس بن ماكسن، وتولى ولده باديس الحكم مكانه في سنة 428 هـ (1037 م). فنظم زهير حملته المشئومة إلى غرناطة، ولم يلتفت إلى ما طلبه إليه باديس وأخوه بُلُقِّين، من تجديد أواصر المودة والصداقة التي كانت معقودة بينه وبين أبيهما حبوس، ثم سار إليها في قواته الكبيرة، وقد أخذه الغرور والعجب، حسبما فصلناه في أخبار غرناطة، وهنالك التقى بقوات باديس في ظاهر قرية ألفنت القريبة من غرناطة، وذلك في آخر شوال سنة 429 هـ (1038 م) ونشبت بينهما الموقعة الهائلة التي انتهت بهزيمة زهير ومصرعه وتمزيق قواته، وأسر أكابر رجاله، وفي مقدمتهم وزيره ابن عباس، وقد قتله باديس أيضاً بعد ذلك بأسابيع قلائل (1).
فكانت هذه النكبة ضربة أليمة لمملكة ألمرية، وكان من أثرها أن استولى باديس على الجزء الشمالي الغربي من أراضي ألمرية، وفيها مدينة جيان أكبر قواعدها الشمالية.
ولما فقدت ألمرية أميرها ووزيرها على هذا النحو، اجتمع أهلها، وأسندوا رياستهم إلى شيخ الجماعة أبي بكر الرميمي، فتولى شئونها، وضبط النظام والأمن.
ثم كتب أهل ألمرية إلى عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية يستدعونه لحكم مدينتهم. وكان عبد العزيز يعتبر أنه صاحب الحق الشرعي في تراث الفتيان العامريين، وذلك بحق الميراث والولاء باعتبارهم موالي أسرته، وكان مذ هلك
_______
(1) البيان المغرب ج 3 ص 168 - 172.
(2/163)

زهير، قد بعث وزيره ابن صمادح إلى باديس، يلح عليه في إعدام أكابر الأسرى من زعماء ألمرية الذين وقعوا في يده، ولاسيما الوزير ابن عباس، حتى لا يعارضه منهم أحد بعد في امتلاك ألمرية، وبادر عبد العزيز على أثر ذلك إلى ألمرية، فبايعه أهلها ودخلها في آخر ذي القعدة سنة 429 هـ، ووجد بيت مالها مليئاً بالمال المضروب والذخائر فنقلها جميعاً إلى بلنسية (1)، وترك عليها والياً من قبله هو صهره ووزيره أبو الاحوص معن بن صمادح التجيبي، فكانت ولايته إيذاناً بتطور مصاير مملكة ألمرية.
ْ2 - عهد بني صمادح التجيبيين
ذلك أن عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، لم يكد يفرغ من شئون ألمرية، حتى جاءته الأنباء بأن منافسه وخصيمه مجاهد العامري صاحب دانية وجزائر البليار، قد تحرك لغزو أراضيه. وكان مجاهد يرقب تقدم عبد العزيز واتساع ملكه بعين الحسد، فلما شغل بما آل إليه من تراث الفتيان في ألمرية، خرج مجاهد في قواته صوب بلنسية، فهرع عبد العزيز إلى مدافعته، وترك صهره ووزيره أبا الأحوص معن بن صمادح ليرعى شئون ألمرية. وكان معن رجلا قليل الولاء كثير المطامع، فما كاد عبد العزيز يغادر ألمرية، حتى وضع مشروعه للاستئثار بالسلطة، والاستيلاء على مملكة ألمرية، وما زال يوطد الأمر لنفسه حتى جاهر بخلع الطاعة، ودعا لنفسه واستجاب الناس لدعوته، واستولى على ألمرية وأعمالها وذلك في سنة 433 هـ (1041 م)، وكان من مؤيديه ومعضديه في هذا الانقلاب باديس صاحب غرناطة. ودخلت مملكة ألمرية بذلك في عهد جديد من تاريخها.
وكان هذا الرئيس الجديد الذي سيطر على أقدار ألمرية، ينتمي إلى بيت من أعرق البيوتات العربية، وكان حسبما يوصف من أهل الدهاء والفضل والعلم والأدب (2). وهو معن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن ابن صمادح، وبه عرف بيتهم. وصمادح هذا هو ولد عبد الرحمن بن عبد الله
_______
(1) ابن خلدون ج 4 ص 162، وأعمال الأعلام ص 217، والبيان المغرب ج 3 ص 172 وراجع دوزي: Hist.; V. III ; p. 28
(2) العذري في " نصوص عن الأندلس " من كتاب ترصيع الأخبار ص 84.
(2/164)

ابن المهاجر بن عميرة، وهو جدهم الداخل إلى الأندلس. وفي عبد الرحمن ابن عبد الله يجتمعون مع بني هاشم التجيبيين أصحاب سرقسطة، فهم مثلهم ينتمون إلى تجيب (1). وكان والده أبو يحيى محمد بن أحمد بن صمادح حاكم مدينة وشقة وأعمالها منذ أواخر أيام هشام المؤيد بالله. ولما تولى سليمان الظافر الخلافة في سنة 403 هـ أقره على ولايته، وكانت بينه وبين ابن عمه منذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة في البداية علائق مودة وسلام، فلما انتهت أيام سليمان، واغتصب بنو حمود الخلافة القرطبية في سنة 407 هـ، وعادت الأمور إلى اضطرابها، ساءت العلائق بين المنذر وأبى يحيى، وسار منذر إلى وشقة في قواته واستولى عليها، وفر أبو يحيى في أهله وولده ناجياً بنفسه. فكان على قول ابن حيان " أول ساقط من الثوار لم يتملأ سلطانه ولا أورثه من بعده ". وكان أبو يحيى مع رياسته عالماً محدثاً من أهل الفضل والأدب، روى عنه ابنه أبو الأحوص معن، وله مختصر قيم في غريب القرآن. وقد اشتهرت وصيته لابنيه معن وصمادح بأسلوبها البارع، ومحتوياتها الجامعة لمعظم آداب الدنيا والدين، ودلالتها على وفور علمه، وجلالة معارفه، وسمو نفسه (2). ووصف لنا ابن بسام في الذخيرة أبا يحيى بأنه كان فارساً مقداماً، وكان أديباً ذلقاً حسن البيان، ولكنه كان منكود الطالع، فلم تدم رياسته طويلا (3).
ولجأ أبو يحيى إلى عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، فأكرم وفادته وتوثقت علاقتهما بالمصاهرة، إذ تزوج ولداه معن أبو الأحوص، وصمادح أبو عتيبة بأختي عبد العزيز. ثم أراد أبو يحيى اللحاق بالمشرق، فمات غرقاً في البحر. وذكر لنا ابن حيان أنه هلك غرقاً في البحر الرومي، فيما بين جزيرة يابسة
_______
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء (مخطوط الإسكوريال) في ترجمة المعتصم بن صمادح، لوحة 80 و 81، ونقلها دوزي مقتضبة في كتابه: Recherches, V.II.App.XX.. وذكر ابن الخطيب أن صمادح إنما هو اسم امرأة هي صمادح بنت عبد الرحمن بن عبد الله إلى آخر نسبتهم، وأنهم عرفوا باسم أمهم المذكورة (أعمال الأعلام ص 189). ولكنا لم نجد تأييداً لهذه الرواية. وبالعكس فإن النسابة ابن حزم يقرر أن صمادح هو جدهم (جمهرة أنساب العرب ص 405). ويوافقه ابن الأبار حسبما تقدم. وراجع الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 78 - 81.
(2) ابن عبد الملك المراكشي في "الذيل والتكملة" - الجزء الأول - مخطوط مكتبة باريس الوطنية.
(3) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 236.
(2/165)

وشاطىء الأندلس، وكان قد ركبه من ثغر دانية، في مركب تأنق في صنعه واستجادة آلته وعدته، مع نفر عديد من صحبه، فغرق معظمهم، ولم ينج منهم سوى القليل، وذلك في جمادى الأولى سنة 419 هـ (1) وبقي ابنه معن في كنف صهره عبد العزيز، وقد ولاه وزارته، فلما قتل زهير العامري، واستولى عبد العزيز على ألمرية، استخلف عليها وزيره معن. قال ابن حيان: " فكان شر خليفة استخلف. لم يكد يواري وجهه عبد العزيز عنه، حتى خان الأمانة، وطرده من الإمارة، ونصب له الحرب، فغرّب في اللؤم ما شاء. وتنكب ابن أبي عامر التوفيق لاسترعائه الذئب الأزل على ثلته، ومسترعي الذئب أظلم، وكان من العجب أن تملاها ابن صمادح، وخلفها ميراثاً في عقبه " (2)، وانتهى الأمر باستيلاء معن على ألمرية والدعاء بها لنفسه حسبما تقدم. واستمر معن في حكم ألمرية وأعمالها زهاء عشرة أعوام. وكانت بينه وبين باديس صاحب غرناطة علائق مودة وصداقة. وتوفي سنة 443 هـ (1051 م) بعد أن وطد رياسته، ومهد الملك لعقبه.
فخلفه ولده أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح بإجماع القرابة ورجال الدولة، ولما يستكمل الثامنة عشرة من عمره؛ وكان أبوه قد أخذ له البيعة بولاية عهده، بعد أن عرضها على أخيه صمادح أبي عتبة، فاعتذر عن قبولها، واتخذ من الألقاب الملوكية لقبين، هما المعتصم بالله والواثق بفضل الله، والرشيد على قول آخر، وتوطدت في بداية حكمه علائق المودة بينه وبين باديس صاحب غرناطة، على ما كانت بينه وبين أبيه (3). ولكن الخلاف لبث بالعكس مستحكماً بينه وبين خاله عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، وكان باديس يعمل على إذكاء هذا الخلاف وتقويته كلما بدت بوادره. ذلك أنه كان باعتباره زعيم البربر يكره الجبهة الأندلسية، ويحاول دائماً أن يعمل على إضعافها، وكان من أبرز الحوادث المتصلة بهذا الخلاف ثورة ابن شبيب صاحب لورقة على المعتصم وذلك في سنة 443 هـ (1051 م). وكان من الواضح أن هذه الثورة لم تكن بعيدة عن وحي
_______
(1) ابن عبد الملك المراكشي في "الذيل والتكملة" - ج 1 من مخطوط مكتبة باريس الوطنية.
(2) الذخيرة القسم الأول من المجلد الثاني ص 237، والبيان المغرب ج 3 ص 174 وأعمال الأعلام ص 190.
(3) كتاب التبيان ص 45.
(2/166)

عبد العزيز. ذلك أن لورقة، وهي آخر قواعد مملكة ألمرية الشمالية الشرقية، تقع على حدود مملكة بلنسية، وقد استنصر الثائر بعبد العزيز، فبادر بتلبية دعوته، وأمده ببعض قواته، وزحف المعتصم في جيشه على لورقة، وأمده باديس من جانبه بقواته، ونشبت بين الفريقين معارك انتهت بهزيمة ابن شبيب واستيلاء المعتصم على حصون لورقة، وعودتها إلى حظيرة مملكة ألمرية (1). بيد أنه يبدو أن ابن شبيب قد استأنف الثورة بعد ذلك، واستطاع أن يستقل بحكم لورقة، وخلفه إخوته الثلاثة في حكمها بالتعاقب، واعترف آخرهم بطاعة ابن عباد صاحب إشبيلية، واستمر على حكمها باسمه، حتى سقطت إشبيلية في يد المرابطين في سنة 484 هـ (1091 م) (2). فلما توفي عبد العزيز في سنة 452 هـ (1060 م)، وخلفه في حكم بلنسية، ولده عبد الملك الملقب بالمظفر، بعث المعتصم بن صمادح بعض قواته فأغارت على بعض حصونه في تدمير، وساعده في تلك الحركة أيضاً باديس، ولكنه باء بالفشل، وردت جنده على أعقابها (3).
ثم تطورت العلائق بعد ذلك بين المعتصم وباديس، وثابت للمعتصم أطماع في الاستيلاء على أراضي غرناطة المجاورة لمملكته. والظاهر حسبما يحدثنا الأمير عبد الله بن بلقين أمير غرناطة في مذكراته، أن الذي كان يوحي إليه بتلك الأطماع ويشجعها، هو يوسف بن نغرالة اليهودي، وزير باديس، بل يقول لنا الأمير إن مشروع ابن نغرالة كان يرمي إلى تمكين المعتصم من الاستيلاء على غرناطة ذاتها (4). وعلى أي حال فقد استطاع المعتصم أن يستولي على بعض أراضي غرناطة الشرقية وعلى حصن وادي آش. وقد رأينا فيما تقدم من أخبار باديس أنه ركن إلى الدعة في أواخر عهده، ووقع التفكك في مملكته. وهو قد استرد وادي آش من ابن صمادح فيما بعد، ولكن الظاهر أنه فقد جيان في أواخر عهده، واستولى عليها المعتصم بمداخلة الخوارج فيها. وكانت مملكة ألمرية تشمل
_______
(1) ابن خلدرن ج 4 ص 162.
(2) Gaspar Remiro: Murcia Musulmana ; p. 105
(3) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 239، والبيان المغرب ج 3 ص 174.
(4) كتاب التبيان ص 53.
(2/167)

عندئذ من القواعد الهامة غير ألمرية، لورقة، وجيان، وبياسة (1) التي استطاع المعتصم أن ينتزعها من أملاك علي بن مجاهد العامري صاحب دانية، بيد أنه لم يحتفظ طويلا بمدينة جيان التي استولى عليها المعتمد بن عباد فيما بعد.
ولما توفي باديس وخلفه حفيده عبد الله بن بلقين، وقعت بين المعتصم وعبد الله منازعات كثيرة بسبب الحصون الغرناطية الواقعة على الحدود مما يلي فنيانة، وانتهى الأمر بأن أرغم عبد الله على هدم تلك الحصون استبقاء للمهادنة والسلم بينه وبين أمير ألمرية (2).
وبذل المعتصم جهوداً عظيمة، في توسيع قصبة ألمرية وتجميلها، وأنشأ بها قصره الكبير الممتد حتى الجبل، وإلى جانبه بستانه العظيم، وأنشأ مجلساً رحباً مفروشاً بالرخام الأبيض، ومجلساً آخر مقرنساً بالرفوف المذهبة، ويليه من الجهة القبلية أبواب عليها شراجب يمكن منها أن يرى جميع مدينة ألمرية، وبحرها، وإقبال السفن إلى مرساها وخروجها منه. وجلب المعتصم الماء إلى المدينة ووصلها إلى جامع ألمرية، وجلب منها فرعاً إلى ما وراء القصبة، ونظم وصول الماء إلى الرياض الملحقة بالقصر، كما ابتنى بخارج ألمرية قصوراً فخمة، وإلى جوارها بساتين تغص بغرائب الأشجار والثمار، وفي إحداها بحيرة عظيمة عليها مجالس مفتوحة، مفروشة بالرخام الأبيض، وكان ذلك البستان الفخم يسمى " بالصمادحية " وهو قريب من ألمرية (3).
على أن أهم ما يشتهر به المعتصم بن صمادح هو أدبه وشعره، وحمايته لدولة الشعر والأدب. وقد كان بلاطه الصغير بألمرية، ينافس في مجالسه الأدبية وفي رعايته للأدباء والشعراء، بلاط إشبيلية.
وكان بلاط المعتصم منتدى لطائفة من أكابر شعراء العصر، فقد كان وزيره أبو الأصبغ عبد العزيز بن أرقم شاعراً مقتدراً يجيد الوصف والمديح، وكان من شعرائه المختصين به، أبو عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز، إمام الموشحات، وأبو الفضل جعفر بن شرف، وهو من أهل برجة، وكانت
_______
(1) A.R Ibars: Valencia Arabe (Valencia 1901) p. 167
(2) كتاب التبيان ص 89 و 90.
(3) العذري في كتاب " ترصيع الأخبار " ص 85.
(2/168)

مدائحه للمعتصم تمتاز بطرافتها، وبديع تصويرها، وأبو القاسم خلف بن فرج المعروف بالميسر، أصله من إلبيرة، وكان يجيد شعر التهكم اللاذع؛ وابن الحداد الوادي آشي، وقد قضى معظم حياته في بلاط المعتصم، ولكن غضب عليه المعتصم ذات يوم لزلة ارتكبها في شعره، فغادر ألمرية، ولجأ حيناً إلى بلاط المقتدر بن هود بسرقسطة، ثم عاد إلى ألمرية، وكان فضلا عن شاعريته التي تبدو في مدائحه الكثيرة للمعتصم، عالماً بالفلسفة. ومن مديحه للمعتصم قوله من قصيدة طويلة:
لعلك بالوادي المقدس شاطىء ... فكالعنبر الهندي ما أنا واطىء
وإني في رؤياك واجد ريحهم ... فروح الهوى بين الجوانح ناشىء
ولي في السُّرى من نارهم ومنارهم ... هداة حداة والنجوم طوافىء
لذلك ما حنت ركابي وحمحمت ... عِرابي وأوحى سيرها المتباطىء (1)
وقد نوهت الروايات المعاصرة والقريبة من العصر، بحماية المعتصم لدولة الشعر والأدب. فمثلا يقول لنا ابن بسام: " ولم يكن أبو يحيى هذا من ملوك الفتنة، أخلد إلى الدعة، واكتفى بالضيق من السعة. واقتصر على قصر يبنيه، وعلق يقتنيه، وميدان من اللذة يستولي عليه ويبرز فيه. غير أنه كان رحب اللقاء، جزل العطاء، حليماً عن الدماء والدهماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال، ولزمته جملة من فحول شعراء الوقت كأبي عبد الله بن الحداد، وابن عبادة، وابن الشهيد وغيرهم .. ".
ويزيد ابن بسام على ذلك، أن ما خاضه المعتصم من الفتن والحروب مع خصومه من ملوك الطوائف، لم يكن مما يتفق وطبيعته الوادعة، وإنما استدرج إليها، وأكره عليها إكراهاً (2).
وقد كان المعتصم في الواقع يؤثر العيش الهادىء بقصره الأنيق المشرف على البحر والمسمى، " بالصمادحية " وينفق كثيراً من وقته في المجالس الشعرية والأدبية.
_______
(1) أوردها ابن بسام في الذخيرة - القسم الأول المجلد الثاني ص 218، وأورد من بعدها قصائد أخرى من مدائحه للمعتصم (ص 218 - 233) وراجع أيضاً نفس المصدر ص 241 و242 وص 372 - 380.
(2) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 239، والحلة السيراء (دوزي) ص 172، و (القاهرة) ج 2 ص 82 و 83، وقلائد العقيان ص 47.
(2/169)

ولم تقتصر حماية المعتصم ورعايته على دولة الشعر والأدب، ولكن بلاطه كان في نفس الوقت مقصد المفكرين والعلماء من كل ضرب، ومن هؤلاء أبو عبيد عبد الله البكري أعظم جغرافي الأندلس، وصاحب المعجم الجغرافي اللغوي الشهير، فقد عاش حيناً في ألمرية في كنف المعتصم، وكان صديقه الأثير، وأغدق عليه المعتصم فيض رعايته وصلاته.
وكان بنو صمادح أنفسهم جميعاً من نجوم الشعر والأدب، فقد كان المعتصم، وبنوه معز الدولة ورفيع الدولة ورشيد الدولة من شعراء العصر. ولهم جميعاً آثار شعرية انتهى إلينا الكثير منها. وكانت أم الكرام بنت المعتصم كذلك شاعرة عصرها (1) وكان المعتصم فوق ذلك كله، معنياً بشئون الدين، وإقامة أحكام الشريعة، يعقد المجالس في قصره للمذاكرة، ويجلس يوماً في كل أسبوع للفقهاء والخواص، يتناظرون بين يديه في كتب التفسير والحديث (2).
واشتهر المعتصم بن صمادح بشعره وطرائفه الأدبية، وقد أورد لنا صاحب الذخيرة ضمن ما أورده من بعض قصائده، الأبيات الغزلية الآتية:
وتحت الغلائل معنى غريب ... شفاء الغليل وبرء العليل
فهل لي من نيله نائل ... ولابن السبيل إليه سبيل
فما لي إلا الهوى متجر ..
. فغير الغواني متاع قليل
فيا ربة الحسن في غاية ... وعصر الشباب وظل المقيل
ذرينى أعانق منك القضيـ ... ـب وأرشف من ثغرك السلسبيل (3)
ولما تطورت الحوادث، وأدت الفتن والحروب بين ملوك الطوائف، إلى عاقبتها المحتومة، واستأسد عليهم ألفونسو السادس ملك قشتالة، وأخذ يضرب بعضهم ببعض، حتى ظفر بالاستيلاء على طليطلة (صفر 478 هـ)، واتجه ملوك الطوائف وفي مقدمتهم المعتمد بن عباد، إلى الاستنصار بأمير المسلمين يوسف
_______
(1) نقل إلينا ابن بسام في الذخيرة كثيراً من قصائدهم (القسم الأول المجلد الثاني ص 241 - 244). وكذلك في المغرب في حلي المغرب ج 2 ص 196 - 203، وابن الأبار في الحلة السيراء (المخطوط) لوحات 82 و 83 و 84.
(2) الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 82.
(3) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 241.
(2/170)

ابن تاشفين المرابطي، لم يكن المعتصم فيما يبدو من المتحمسين لتلك الفكرة ذلك أنه نظراً لموقع مملكته في الطرف الجنوبي في شبه الجزيرة، لم يكن قد آنس بعد خطر النصارى الداهم، كما آنسه ابن عباد وابن الأفطس، وكان فضلا عن ذلك يشعر كما يشعر معظم أمراء الطوائف بما يقترن بمقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة من الاحتمالات الخطيرة (1). ومع ذلك فإن المعتصم، حينما عبر أمير المسلمين إلى الأندلس في شهر ربيع الآخر سنة 479هـ (1086 م) لم يتقاعس عن المساهمة في القوات الأندلسية التي حشدت للتعاون مع الجيش المرابطي، وذلك حسبما نفصل بعد في موضعه، ثم إنه بعد ذلك تقرب من أمير المسلمين يوسف بالهدايا والتحف الجليلة، والتلطف في خدمته، حتى قربه إليه وأغدق عليه عطفه. وكان يوسف يبدي عطفه وتقديره بالأخص لرجلين من أمراء الطوائف هما المعتصم والمعتمد بن عباد، وكان يقول عنهما لأصحابه إنهما رجلا الجزيرة. ويقول لنا عبد الواحد المراكشي، إن المعتصم وابن عباد كان يشعر كل منهما نحو الآخر بعاطفة من المرارة والتحاسد، وأنهما حاولا غير مرة أن يتصافيا باللقاء، وأن المعتمد زار المعتصم بقصره بألمرية، واحتفل المعتصم بإكرامه أعظم احتفال، ومع ذلك فقد لبث الضغن كامناً في نفسيهما. فلما شعر المعتصم بتمكن منزلته لدى أمير المسلمين فيما بعد، أخذ يدس لديه في حق المعتمد، ويحاول أن يغير نفسه عليه، وقد كان في ذلك فاسد التدبير قصير النظر، حسبما أثبتت الحوادث فيما بعد (2).
ولم يشهد المعتصم موقعة الزلاّقة، معتذراً لدى أمير المسلمين بضعفه وكبر سنه، ولكن قواته ساهمت فيها بقيادة ولده معز الدولة. واستمر المعتصم بعد ذلك في الحكم بضعة أعوام أخرى. وكان ألفونسو السادس بعد هزيمته المروعة في الزلاقة، قد استطاع أن ينهض من عثارها بسرعة، وتحول عدوانه عندئذ إلى شرقي الأندلس، حيث كان الضعف يسود الإمارات الأندلسية الصغيرة.
وكانت القوات القشتالية، قد رابطت في حصن لييط (3) المنيع الواقع فيما بين مرسية ولورقة، وأخذت ترهق الأنحاء القريبة بغاراتها المتوالية، وكان أمير المسلمين قد
_______
(1) راجع كتاب التبيان ص 104. وراجع كذلك دوزي: Hist., V.III.p. 124
(2) راجع المعجب ص 73 و 74.
(3) هو بالإسبانية Alédo، وما زالت أطلال هذا الحصن قائمة حتى اليوم.
(2/171)

عاد على أثر موقعة الزلاقة إلى المغرب، فلما وقف على اضطراب شئون الأندلس وتفككها بعد رحيله، واشتداد عدوان النصارى في المنطقة الشرقية، عاد فعبر البحر إلى الأندلس في قواته (481 هـ)، وتعاونت القوات الأندلسية مع القوات المرابطية في حصار حصن لييط، وكان المعتصم في مقدمة الأمراء الذين هرعوا إلى المساهمة في ذلك الحصار، وخصوصاً لقرب ذلك الحصن من أراضيه، وتعرضها بذلك لعيث النصارى. وطال الحصار مدى أربعة أشهر، ولم ينجح المسلمون في اقتحام لييط، بالرغم من وفرة قواتهم وعددهم، واضطروا إلى ترك الحصار، بعد أن فنيت معظم حاميته، واضطر ألفونسو بعد ذلك إلى إخلائه لعقم الدفاع عنه.
وتوفي المعتصم بن صمادح في ربيع الآخر سنة 484 هـ (1091 م) بعد أن حكم إحدى وأربعين عاماً. بيد أنه شهد قبل أن يثوي إلى قبره نذر الخاتمة المشئومة تبدو في الأفق. ذلك أن يوسف بن تاشفين عبر البحر للمرة الثالثة (483 هـ) لا لينجد أمراء الأندلس هذة المرة، ولكن ليقضي عليهم وعلى دولهم المنحلة المفككة، وبدأ في ذلك بإمارة غرناطة واستولى عليها، ثم بعث قواته إلى إشبيلية لتقضي هنالك على دولة بني عباد. وهنالك روايتان فيما يتعلق بسقوط ألمرية، الأولى أن المرابطين حاصروها بالفعل، وامتلكوا معظم حصونها، وضيقوا على المعتصم، وهو ملازم سريره يعاني مرض موته، وأنه ألقى عندئذ عبارته المشهورة: " نُغص علينا كل شىء حتى الموت ". وحينما ألفى جاريته تبكي عند رأسه قال هذا البيت:
ترفق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل (1)
ومما قاله أيضاً حينما شعر بدنو أجله:
تمتعت بالنعماء حتى مللتها ... وقد أضجرت عينيَّ مما سئمتها
فيا عجباً لما قضيت قضاءها ... وملِّيتُها عمري تصرم وقتها
وأما الرواية الثانية فتقول بأن المعتصم توفي قبل مقدم المرابطين، وأنه أوصى
_______
(1) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 240 و 241، والبيان المغرب ج 3 ص 168، وأعمال الأعلام ص 193، وابن خلدون ج 4 ص 162.
(2/172)

قبل وفاته ولده معز الدولة أحمد، بأنه متى علم بسقوط إشبيلية وخلع أميرها المعتمد وهو قطب الجزيرة، أن يعبر البحر في أهله وأمواله إلى أمراء بني حماد أصحاب القلعة بشرقي العدوة، وأن معز الدولة تولى حكم ألمرية بعد وفاة أبيه بضعة أشهر. فلما سقطت إشبيلية، وأسر أميرها المعتمد، وذلك في رجب سنة 484 هـ، بادر معز الدولة باتخاذ أهبة الفرار، ثم ركب البحر في أهله وأمواله في ثلاث سفن أعدها لذلك، وأحرق السفن الباقية خشية المطاردة، واستطاع أن يغادر ألمرية قبل أن يطوقها المرابطون وذلك في رمضان سنة 484 هـ (1091 م) ونزل على آل حماد أمراء القلعة على مقربة من بجاية، فأكرمت وفادته، وعاش هناك حتى توفي (1).
_______
(1) أورد هذه الرواية صاحب الحلة السيراء (دوزي) ص 174 والقاهرة ج 2 ص 89 و 90 وراجع روض القرطاس (طبعة أبسالة 1843) ص 101.
(2/173)

الفصل الثانِي
مملكة مرسية
مدينة مرسية وانشاؤها. تغلب خيران العامري عليها أيام الفتنة. اختياره محمد بن عبد الملك للزعامة ثم تنكره له. زهير العامري يتولى حكم مرسية وأوريولة. إمارته لألمرية. نائبه أبو بكر بن طاهر بمرسية. عراقة ابن طاهر وأدبه. مصرع زهير وقيام عبد العزيز المنصور مكانه في ألمريه. إقراره لولاية ابن طاهر لمرسية. حزم ابن طاهر وسراوته. ولده أبو عبد الرحمن يخلفه. استيلاء ابن ذى النون على بلنسية وعزل صاحبها عبد العزيز المنصور. استقلال أبي عبد الرحمن بمرسية. خلاله وعلمه وأدبه. مطامع ابن عباد في مرسية. اتفاق وزيره ابن عمار وأمير برشلونة على افتتاحها. فشل المحاولة. ابن عباد يستأنف الكرة. ابن رشيق يفتتح مرسية. القبض على ابن طاهر ثم الإفراج عنه. ندب ابن عمار لحكمها. طمعه في الاستقلال بها. تحريضه لأمراء النواحي. تحريضه لأهل بلنسية على الثورة. قصيدته في ذلك. متاعب ابن عمار في مرسية. غدر ابن رشيق به واستيلاؤه على المدينة. فرار ابن عمار والتجاؤه إلى سرقسطة. محاولته فتح حصن شقورة. القبض عليه وتسليمه لابن عباد ثم مصرعه. استبداد ابن رشيق بمرسية. يشترك مع المرابطين في حصار حصن لييط. اتهامه لدى أمير المسلمين بالخيانة. تسليمه لابن عباد ثم فراره. استيلاء المرابطين على مرسية. حياة ابن طاهر في بلنسية ثم وفاته بها.
إن مدينة مُرْسِية، قاعدة ولاية مرسية أو ولاية تدمير القديمة الواقعة في شرقي الأندلس، هي مدينة أندلسية محضة، نشأت وترعرعت في ظل الأندلس المسلمة، ولم يكن لها وجود عند الفتح. وكانت قاعدة ولاية تدمير عند الفتح هي مدينة أوريولة. وفي سنة 216 هـ (831 م)، أنشأ الأمير عبد الرحمن بن الحكم مدينة مرسية لتكون عاصمة لتدمير، ومقراً للعمال والقواد، وقام على إنشائها عامله مالك بن جابر بن لبيد، وسميت في البداية بتدمير، على نسق تدمير الشام (1). وكان إنشاء مرسية في بسيط أخضر من الأرض، يقع في منحنى نهر شقورة، على مسافة قريبة من جنوب غربي أوريولة، الواقعة على نفس النهر، قبيل مصبه في البحر الأبيض المتوسط، وما زالت مرسية حتى اليوم تحتفظ بطابع أندلسي عميق.
_______
(1) الروض المعطار، صفة جزيرة الأندلس، (القاهرة) ص 181، بقيت في معجم البلدان تحت كلمة مرسية.
(2/174)

ولما انهارت الدولة العامرية، واضطرمت الفتنة في نهاية المائة الرابعة، وشعر الفتيان العامريون، أنه لا أمل لهم في النهوض والسلطان، خلال الفوضى الشاملة، التي غمرت قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، سار معظمهم إلى شرقي الأندلس. وكان من هؤلاء كبيرهم خيران العامري، فسار أولا إلى أوريولة، وهي أمنع قواعد ولاية تدمير، وبسط عليها سلطانه، ثم سار منها إلى مرسية واستولى عليها، وذلك في سنة 403 هـ (1012 م). واستخلف عليها نائبه، وزميله زهيراً العامري، ثم سار منها في قواته إلى ألمرية، وانتزعها من صاحبها أفلح الصقلبي، على نحو ما ذكرنا في موضعه، وغدت ألمرية من ذلك الحين قاعدته الرئيسية، تتبعها مرسية وأوريولة من شرقي الأندلس.
وقد ذكرنا فيما تقدم، كيف أجمع الفتيان العامريون، الذين تغلبوا على شرقي الأندلس، على أن يتخذوا لهم زعيماً، من بيت مولاهم العظيم المنصور ابن أبي عامر، وكيف وقع اختيارهم في ذلك على عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور، فتمت بيعته في شاطبة، ثم لحق بعد ذلك ببلنسية، وبسط سلطانه عليها بتأييد الفتيان، وتسمى بالمنصور، وذلك في سنة 411 هـ (1021 م).
ثم أشرنا إلى موقف الخصومة، الذي وقفه خيران بعد ذلك من زعامة عبد العزيز المنصور، وإلى ما عمد إليه من ترشيح ابن عمه محمد بن عبد الملك المظفر بن المنصور للزعامة مكانه، واستقدامه إلى شرقي الأندلس، ونزوله له عن رياسة مرسية وأوريولة. وتلقب محمد بالمعتصم، بيد أن أمد رياسته لم يطل، إذ تنكر له خيران، كما تنكر من قبل لابن عمه عبد العزيز المنصور، ثم سار إليه في قواته، وضيق عليه، حتى اضطر إلى مغادرة مرسية، ولجأ إلى أوريولة، فشدد خيران في مطاردته حتى فر منها، وسار إلى دانية، فعاش حيناً في كنف أميرها مجاهد العامري: ثم غادرها إلى غربي الأندلس، وهنالك عاش بقية حياته، وتوفي في سنة 421 هـ (1030 م) (1).
وعاد زهير العامري نائباً لخيران على مرسية وأوريولة: واستقر خيران بألمرية أميراً عليها، حتى توفي سنة 419 هـ (1028 م).
وعندئذ خلفه في حكم مملكة ألمرية، وفي حكم مرسية وأوريولة بالأصالة،
_______
(1) أعمال الأعلام ص 193 و 194، وابن خلدون ج 4 ص 162.
(2/175)

زهير العامري، واستمر حكمه عليها حتى مصرعه في حربه مع باديس بن حبوس صاحب غرناطة في سنة 429 هـ (1038 م).
- 1 -
وكان يتولى حكم مرسية وقت أن كان زهير أميراً لألمرية، نائبه أبو بكر أحمد بن إسحاق بن طاهر. وكان بنو طاهر هؤلاء، من أعيان ولاية تدمير وسراتها، وينتمون إلى قيس، وكان منزلهم بمرسية، وقد اشتهروا بالعلم والوجاهة. ولما توفي خيران العامري، وغادر نائبه زهير مرسية ليتولى مكانه إمارة ألمرية، كان رئيس الجماعة بمرسية أبو عامر بن خطاب، فخشي زهير، إن تركه خلفه بمرسية، أن يثور بها وينزعها منه، فصحبه معه إلى ألمرية، وأسكنه بها حافظاً عليه مكانته ونعمته. والظاهر أن أبا عامر هذا هو حفيد أبى عمر أحمد بن خطاب كبير أعيان مرسية وسراتها أيام المنصور بن أبي عامر، وهو الذي استضاف المنصور وجيشه عند مروره بمرسية سنة 374 هـ, في طريقه إلى غزوة برشلونة، وأبدى يومئذ من وافر الشهامة والجود، ما غدا مضرب الأمثال (1). واستخلف زهير على ألمرية أبا بكر بن طاهر، ندّ أبى عامر وخصيمه لثقته بولائه وأمانته، وكان قد استطاع يومئذ أن يفتدي نفسه من أسر مجاهد العامري صاحب دانية، وأن يعود إلى مرسية (2). والظاهر أن ابن طاهر وقع في الأسر حينما غزا مجاهد مرسية، على أثر وفاة صاحبها خيران، وتوجسه من مشاريع خليفته زهير، وكان ابن طاهر عندئذ حاكماً لمرسية حسبما يبدو ذلك من إشارة لابن الأبار، من أنه بعد عوده من الأسر " عاد إلى حاله ونعمته، وأعانه زهير على لم شعثه، ووفى بعهده " (3).
وضبط أبو بكر بن طاهر مرسية، وسار في حكمها سيرة حسنة. وكان فضلا عن عراقة بيته، وأرومته العربية المؤثلة، وثرائه الواسع، من أكابر علماء عصره ومن أغزرهم أدباً، وأبلغهم بياناً، وكان الشعب المرسى يحيطه بتقديره وحبه، لما كان يراه من نبيل صفاته، ووفرة حزمه ولينه وصيانته. وبالرغم من أنه كان
_______
(1) الحلة السيراء (دوزي) ص 251 و 252. و (القاهرة) ج 2 ص 311 و 312
(2) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 187. و (القاهرة) ج 2 ص 117
(3) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 187.
(2/176)

يستأثر بسائر السلطات، فإنه لم يتخذ شيئاً من مظاهر السلطان والإمارة، ولم يتخذ لقباً من الألقاب الملوكية التي كان يشغف بها أضرابه من رؤساء الطوائف، وإنما كان يسمى فقط بالرئيس (1).
ولما توفي زهير العامري قتيلا في حربه مع باديس بن حبوس صاحب غرناطة في سنة 429 هـ (1038 م)، واستطاع عبد العزيز المنصور صاحب بلنسية، أن يخلفه في إمارة ألمرية، كانت مرسية وأوريولة من البلاد التابعة لها. وقدر عبد العزيز حزم ابن طاهر، ورسوخ مكانته، فلم يتعرض له بشىء، وأقره على حكم مرسية. وكان ابن طاهر، مع ولائه الظاهر لعبد العزيز المنصور، يسير في رياسته وحكمه على قاعدة الاستقلال التام، ولا ينفذ من أوامر عبد العزيز إلا ما يراه متفقاً مع رأيه وظروف بلده، ويرسل إلى بلنسية فائض الدخل، ويقوم بالنفقة على من ينزل طرفه من الجند، وكان عبد العزيز يقنع منه بهذا المسلك المتسم بالحزم والكرامة والاحترام المتبادل. وفي خلال حكمه الطويل الذي استمر نحو ستة وثلاثين عاماً، ازدهرت أحوال مرسية، وعمها الأمن والرخاء، وذاعت بها العلوم والآداب لقدوة أميرها الأديب العالم، واجتمعت له محبة الشعب وتقديره، وهو ما كان يندر يومئذ في دول الطوائف. وأضحى ابن طاهر في أواخر أيامه من أقوى الرؤساء جانباً، ومن أغنى سراة الأندلس، حتى لقد كان يمتلك وحده نصف أراضي بلده، وكان يعاونه في الحكم والإدارة ولده النابه أبو عبد الرحمن محمد، ولاسيما في أواخر عهده حيث أصيب بالفالج، وطالت علته أعواماً، وتوفي في شهر رمضان سنة 455 هـ (1063 م) (2).
فخلفه في حكم مرسية ولده أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر، وكان عبد العزيز المنصور قد توفي قبل ذلك في شهر ذي الحجة سنة 452 هـ (1061 م)، وخلفه في حكم بلنسية ولده عبد الملك الملقب بالمظفر، فأقر عبد الرحمن مكان أبيه على حكم مرسية. وكان أبو عبد الرحمن بن طاهر، صنو أبيه في السراوة والحزم والهيبة، فسار في الحكم سيرته، مستقلا عن حكومة بلنسية، معترفاً بطاعتها في نفس الوقت. ونحن نعرف أنه لم يمض على ولاية عبد الملك المظفر لبلنسية أعوام قلائل، حتى زحف فرناندو ملك قشتالة في قواته على بلنسية وحاصرها، ثم
_______
(1) ابن الأثير ج 9 ص 100.
(2) الحلة السيراء (دوزي) ص 187 و 188، وأعمال الأعلام ص 201.
(2/177)

هزم البلنسيين هزيمة شديدة في موقعة بطرنة (457 هـ - 1065 م)، وعلى أثر ذلك نفذ المأمون بن ذي النون مشروعه لانتزاع بلنسية من صهره، زوج ابنته عبد الملك المظفر، فدخل بلنسية على أثر ارتحال القشتاليين عنها، وقبض على عبد الملك وولده، ونفاهما إلى إحدى قلاعه، وضمت بلنسية عندئذ إلى مملكة طليطلة.
وهنا ألفى أبو عبد الرحمن بن طاهر، الفرصة سانحة للاستقلال التام عن حكومة بلنسية وإنهاء ولائه الاسمى لها، وسار في حكم مرسية وأعمالها أميراً مطلقاً لها. وكانت إمارة مرسية تشمل عندئذ مدينة أوريولة المنيعة، الواقعة في شمالها الشرقي، وكذلك بلدة مولة الواقعة في شمالها الغربي تجاه أوريولة، وإلش وكتندة. بيد أنها لم تكن تشمل لورقة الواقعة في جنوبها الغربي، وقد كانت لورقة مثل مرسية في البداية تابعة لمملكة ألمرية، بيد أنها انفصلت عن ألمرية على يد ابن شبيب الثائر بها في سنة 443 هـ (1051 م)، وحكمها ابن شبيب المذكور، واخوته الثلاثة من بعده، بالتعاقب، واعترف آخرهم بطاعة ابن عباد صاحب إشبيلية، حسبما ذكرنا في موضعه، واستمرت لورقة بذلك طوال هذه المدة منفصلة عن حكومة مرسية (1).
وكما أن أبا عبد الرحمن، كان قرين أبيه في السراوة والقوة والحزم، فكذلك كان قرينه في العلم والأدب، بل كان يفوقه في ذلك المضمار. وقد كان أبو عبد الرحمن بن طاهر في الواقع من أعظم علماء الأندلس وكتابها في عصره، وقد أشاد معاصره ابن بسام بذكره وذكر أدبه في الذخيرة، وشبهه في أسلوبه بالصاحب بن عباد بالمشرق، ونوه بروعة رسائله ونبلها، ولاسيما رسائله الهزلية، فإنه يتقدم فيها على الجماعة، ثم وضع عنه كتاباً ضمنه رسائله في إعلام رؤساء الأندلس بخلاصه من محنة اعتقاله (حسبما نذكر بعد)، وشكر ابن عبد العزيز صاحب بلنسية على السعي في إنقاذه منها، وهي عدة من الرسائل البارعة، ضمها ابن بسام مع سواها من رسائله في كتاب عنوانه "سلك الجواهر من نوادر وترسيل ابن طاهر". ويشير إليه ابن عبد الملك في ترجمته بقوله: " وكان أحد المتقدمين في البلاغة، بارع الكتابة، فصيحاً، خطيباً، وكانت أيامه أيام عدل وأفضال،
_______
(1) ابن خلدون ج 4 ص 162، وراجع: Gaspar Remiro: Murcia Musulmana, p.105
(2/178)

ودفع باس، وتسويغ آمال ". ويقول لنا ابن الأبار، إنه كان من أهل العلم والأدب البارع، يتقدم رؤساء عصره في البيان والبلاغة (1).
ويصفه ابن الخطيب بقوله: " وكان صدر زمانه، والمثل السائر في بلاغته وبيانه ". وكان أسلوب ابن طاهر يميل إلى الدعابة. " وأجود رسائله ما اشتمل على الهزل لميل طبعه إليه ". وكان بلاط مرسية في عهده منتجع الأدباء والشعراء، يقصدون إليه، ويلتفون حوله، ويغمرونه بمدائحهم، فيغمرهم برعايته وصلاته.
وكان ممن وفد عليه بمرسية الوزير الشاعر ابن عمار، وزير المعتمد، وفد عليه أيام خموله، فأثابه، ودرس ابن عمار يومئذ أحوال مرسية، ووقف على قصور معداتها الدفاعية، ثم دبر مشروعه لافتتاحها فيما بعد (2).
- 2 -
واستمر أبو عبد الرحمن بن طاهر أميراً على مرسية زهاء خمسة عشر عاماً، يتسم عهده بالسلم والرخاء. بيد أنه كان ثمة بعض العناصر الناقمة من خصوم ابن طاهر يسعون إلى نكبته وإسقاطه. وكانت حدود مملكة إشبيلية الكبرى قد امتدت يومئذ، بعد استيلاء أميرها المعتمد بن عباد على قرطبة وجيان، حتى نهر شقورة ومدينة لورقة القريبة من مرسية. وكان زعيم لورقة ابن شبيب قد اعترف بطاعة المعتمد، وأضحى سلطان المعتمد في هذه الأنحاء يهدد مملكة مرسية بطريق مباشر، فكتب الناقمون من أهل مرسية إلى ابن عباد يدعونه لافتتاحها (3)، ويؤكدون له ضعف وسائلها الدفاعية، وهذا إيضاح لمشروع المعتمد في فتح مرسية. وهناك إيضاح آخر خلاصته أن صاحب هذا المشروع هو أبو بكر ابن عمار وزير المعتمد، وأنه كان يضطرم برغبة خفية في الحصول على السلطان والإمارة، أو على حد قول ابن بسام: " كان يطلب سلطاناً ينثر في يديه سلكه، وملكاً يخلع على عطفيه ملكه ". ويؤيد ابن الأبار هذه الرواية ويقول لنا إن ابن عمار
_______
(1) ابن عبد الملك في " الذيل والتكملة " - المجلد الرابع من مخطوط المكتبة الوطنية بباريس. وابن الأبار في الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 118.
(2) الذخيرة، القسم الثالث - المخطوط - لوحة 95، والحلة السيراء ص 188 و 189، وأعمال الأعلام ص 201.
(3) أعمال الأعلام ص 160.
(2/179)

قد أشار على المعتمد بفتح مرسية (1). وعلى أي حال فقد اعتزم المعتمد أن يسعى إلى فتح مرسية، وعهد إلى وزيره القوي الماكر ابن عمار، أن يقوم بتنفيذ المشروع. واتباعاً للخطة التي كانت سائدة يومئذ بين ملوك الطوائف في الاستعانة بالأمراء النصارى، على مشاريعهم الباغية، بعث المعتمد وزيره ابن عمار، إلى الكونت رامون برنجير أمير برشلونة، ومر الوزير الماكر في طريقه بمرسية، فأكرم ابن طاهر منزله. والظاهر أن ابن عمار كان يرمي من وراء هذه الزيارة إلى دراسة أحوال مرسية الدفاعية، وإلى الاتصال سراً ببعض الزعماء الناقمين خصوم ابن طاهر. ولما وصل ابن عمار إلى برشلونة عقد مع أميرها الكونت برنجير اتفاقاً على أن يؤدي له المعتمد عشرة آلاف مثقال من الذهب، لقاء معاونته على فتح مرسية، وأن يقدم كل من الطرفين إلى الآخر رهينة بالوفاء. وتنفيذاً لهذا الاتفاق قدم المعتمد ولده الرشيد، وقدم الكونت ابن أخيه، وبعث المعتمد بقسم من قواته صوب مرسية بقيادة ابن عمار، ولحقت بها قوة جهزها الكونت برنجير، وطوقت القوات المتحدة مدينة مرسية، ولكن ابن عباد لم يسعف برنجير بأداء المال المطلوب، فارتاب في الأمر، واعتقد أنه قد غرر به، وانسحب بقواته عن المدينة المحصورة، بعد أن قبض على ابن عمار، وعلى الرشيد ولد المعتمد.
وكان المعتمد بن عباد يسير عندئذ بقواته صوب مرسية، وكان قد وصل إلى مقربة من شقورة، حينما وفد إليه رسل ابن عمار مع بعض الهاربين من جنده من حملة مرسية، وأعلموه بما حدث، فارتد بقواته إلى جيان، ووضع ابن أخي الكونت برنجير، المودع لديه رهينة، في الأصفاد، ثم وقعت المفاوضات بين الفريقين، وانتهى المعتمد بأداء المال المطلوب للكونت، وأفرج عن ابن عمار والرشيد، وأفرج المعتمد من جانبه عن ابن أخي الكونت.
بيد أن إخفاق هذه الحملة الأولى على مرسية لم يثن ابن عمار عن عزمه، فما زال بالمعتمد يحثه على إعداد حملة ثانية، ويؤكد له أنه تلقى رسائل كثيرة من أهل مرسية يدعونه لافتتاحها، حتى نزل المعتمد أخيراً على رغبته، وجهز له حملة قوية، وعينه حاكماً لمرسية، وسائر البلاد التي يفتتحها.
وسار ابن عمار في قواته إلى مرسية، واصطحب معه حين مروره بقرطبة،
_______
(1) الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 140.
(2/180)

سَرية من الفرسان، أمده بها حاكمها الفتح ولد المعتمد، ومر في طريقه بحصن بلج، فاحتفى به حاكمه عبد الرحمن بن رشيق، وصحبه في قواته إلى مرسية، فندبه ابن عمار للقيادة، وعاد إلى إشبيلية. وكان ابن رشيق رجلا وافر الدهاء، والمقدرة، وكانت له أطماع دفينة يخفيها تحت ثوب من الرياء والخديعة. وطوقت جند ابن عباد مرسية، وشددت الحصار عليها. واستطاع ابن رشيق أن يحقق نجاحه الأول، بالاستيلاء على بلدة مولة الواقعة في شمالها الغربي، والتي كانت تمدها بالأقوات والمؤن. وعندئذ انهار خط مرسية الدفاعي، واشتد بداخلها الضيق والحرمان، واستمر ابن رشيق في إرهاقه للمدينة المحصورة، وفي تحريض أهلها على الوثوب بابن طاهر، وأخيراً عاونه بعض الخونة من أوليائه على فتح بعض أبواب المدينة، وانتهى الأمر بسقوطها على هذا النحو في أيدي جند ابن عباد، وذلك في سنة 471 هـ (1078 م) (1).
ودخل ابن رشيق مرسية، وقبض على أبي عبد الرحمن بن طاهر وألقاه إلى السجن، وأعلن بيعة المعتمد، وكتب إلى بن عمار بالفتح. فسار ابن عمار من فوره إلى المدينة المفتوحة، التي عين حاكماً لها من قبل، وتقرب من أهلها بالهدايا ولين القول. بيد أنه جنح غير بعيد إلى تحقيق فكرة كانت تخالجه من قبل، وهو أن يستأثر بحكم هذه المدينة النائية، البعيدة عن متناول أميره، ويغدو كباقي الرؤساء أميراً مستقلا، وأخذ بالفعل في تنفيذ فكرته، فتجاهل رغبات ابن عباد وأوامره، وتصرف في سائر الأمور تصرف الحاكم المستقل، وبدا نداً لأميره السابق، أو على قول ابن بسام: " وقعد له مقعد الرؤساء، وخاطب سلطانه مخاطبة الأكفاء، مستظهراً بجر الأذيال، وإفساد قلوب الرجال، معتقداً أن الرياسة كأس يشربها، وفلاة ينتجعها ". وأخذ فضلا عن ذلك يدس لأمراء تلك النواحي، ويوقع بينهم، ويحرض أهل بلنسية بنوع خاص، على الوثوب
_______
(1) راجع في حوداث فتح مرسية: أعمال الأعلام ص 160 و 161، وعبد الواحد المراكشي في المعجب ص 65، ودوزي عن الشلبي في: Hist.Abbadidarum.V.II.p. 86 & 87
و Histdes Musulmans d'Espagne; V.III.p. 108-109
وكذلك: M.Gaspar Remiro: Murcia Musulmana, p. 109-110
و R.M.Pidal: La Espana del Cid; p. 259 & 281
و A.P.Ibars: Valencia Arabe, p. 189-191
(2/181)

بالوزير أبى بكر بن عبد العزيز المتغلب عليها يومئذ. وكان قد شفع لدى المعتمد في أمر ابن طاهر حينما قبض عليه، فأذن بتسريحه، وسار إلى بلنسية، ملتجئاً إلى حمايته. وفي رواية أخرى أن ابن طاهر، نجح في الفرار من سجنه بمعاونة ابن عبد العزيز، وسار خفية إلى بلنسية. وقد كان لفوز ابن طاهر باسترداد حريته، وقع طيب في مختلف الدوائر الرفيعة، ولاسيما دوائر العلم والأدب. وفي ذلك يقول أبو جفر البتي من قصيدة:
أترضى عن الدنيا فقد تتشوف ... لعمر المعالي أنها بك تكلف
يقولون ليث الغاب فارق غيله ... فقلت لهم أنتم له الآن أخوف
ولن ترهبوا الصمصام إلا إذا ... غدا لكم بارزاً من غمده وهو مرهف
إذا غضبت أقلامه قالت القنى ... فديناك إنا بالمفاصل أعرف
فتكشف عن سر الكتيبة مثل ما ... رأيناك عن سر البلاغة تكشف
رويداً قليلا يا زمان فإنه يغصـ ... ـك منه بالذي أنت تعرف (1)
هذا، وقد أسرّ ابن عمار لأبى بكر بن عبد العزيز، هذا المسعى الجميل في العمل على تسريح ابن طاهر، وأخذ يكيد له ويحرض أهل بلنسية عليه، وقد وجه إليهم في ذلك قصيدة ملتهبة من نظمه يقول فيها:
بشر بلنسية وكانت جنة ... أن قد تدلت في سواء النار
جاروا بني عبد العزيز فإنهم ... جرّوا إليكم أسوأ الأقدار
ثوروا بهم متأولين وقلدوا ... ملكاً يقوم على العدو بثار
ِهذا محمد أو فهذا أحمد ... وكلاهما أهل لتلك الدار
جاء الوزير بها يكشف ذيلها ... عن سوأة سوءى وعار عار
نكث اليمين وحاد عن سنن العلا ... وقضى على الإقبال بالإدبار
آوى لينصر من نأى المثوى به ... ودهاه خذلان من الأنصار
ما كنتم إلا كأمة صالح ... فرميتم من طاهر بقدار
هذا وخصكم بأشأم طائر ..
. ورمى دياركم بالأم جار
_______
(1) أوردها ابن عبد الملك في ترجمة ابن طاهر في "الذيل والتكملة" - الجزء الرابع من مخطوط المكتبة الوطنية بباريس. ووردت أيضاً في " قلائد العقيان " ص 61.
(2/182)

بر اليمين ولم يعرض نفسه ... ونفوسكم لمصارع الفجار
لابد من مسح الجبين فإنما ... لطمته عذراً غير ذات سوار
ثم يقول في ختامها:
وأنا النصيح فإن قبلتم فاتركوا ... آثارها خبراً من الأخبار
قوموا إلى الدار الخبيثة فانهبوا ... تلك الذخائر من خبايا الدار
وتعوضوا من صفرة حبشية ... بأغر وضاح الجبين نضار (1)
ومضى ابن عمار في خطته من تحدي ابن عباد، والاستئثار بشئون مرسية، واستعمل عبيده على الحصون وأقطعهم الضياع، وانهمك في الشراب واللذات، وأعرض عن كل نصح (2). وكان ابن رشيق، وهو قائد الجند وفاتح المدينة الحقيقي، يرقب الموقف، ويتحين الفرص. وكان أبو بكر بن عبد العزيز، انتقاماً من ابن عمار، يحرضه على الوثوب به، وانتزاع حكم المدينة منه، وفضلا عن ذلك فقد استطاع أبو بكر أن يحصل بواسطة يهودي من عملائه في مرسية، على النسخة الأصلية من قصيدة هجاء مقذع، وضعها ابن عمار طعناً في ابن عباد وزوجه اعتماد الرُّميكية، وأن يرسلها إلى ابن عباد في إشبيلية. وقد سبق أن أشرنا إلى هذه القصيدة في أخبار مملكة إشبيلية، وأوردنا بعض محتوياتها اللاذعة.
وهكذا كان الجو يظلم حول ابن عمار من كل ناحية، وزاد الموقف خطورة، حينما بدأ الجند بتحريض ابن رشيق في المطالبة بأجورهم المتأخرة، واشتطوا في ذلك، وابن عمار عاجز عن تهدئتهم. فعندئذ خشي ابن عمار البادرة على نفسه، وخرج من مرسية، بحجة تفقد الحصون الخارجية، فانتهز ابن رشيق الفرصة لفوره، واستولى على القصر وضبط المدينة وأغلق أبوابها. ولم ير ابن عمار أمامه سبيلا سوى الفرار.
وهكذا لقي ابن عمار جزاء غدره، من غادر مثله. ويصف لنا ابن بسام هذه الضربة الغادرة من ابن رشيق بقوله: " فقيض له (أي ابن عمار) من عبد الرحمن بن رشيق عدواً في ثياب صديق، من رجل قدرة خنتر، وجزيل خديعة ومكر، فلم يزل يطلع عليه من الثنايا والشعاب، حتى أخرجه من
_______
(1) نشرت القصيدة بأكملها في قلائد العقيان ص 61 و 62.
(2) ابن الأبار عن ابن بسام في الحلة السيراء ج 2 ص 142.
(2/183)

مرسية كالشهاب ". وطوحت الخطوب عندئذ بابن عمار، فقصد إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وقضى حيناً في بلاطه، ثم قصد بعد ذلك إلى سرقسطة والتجأ إلى أميرها المقتدر بن هود. فأكرم وفادته، واستخدمه في بعض شئونه، ولكنه توفي بعد قليل في سنة 475 هـ (1081 م). فلبث في خدمة ولده المؤتمن فترة أخرى، ولم يهدأ له بال حتى أغراه على سجيته بافتتاح حصن شقورة الواقع شمال غربي مرسية، وهو من أعمال دانية، فبعث معه المؤتمن سرية من جنده، ولما وصل ابن عمار إلى شقورة، احتال عليه صاحبها ابن مبارك، وكان رجلا وافر الدهاء، واستقبله داخل حصنه بترحاب ومودة، ثم قبض عليه وزجه إلى السجن. وما كاد ابن عباد يقف على ذلك الخبر، حتى فاوض ابن مبارك في تسليم ابن عمار، وانتهى الأمر بحصوله في يده، ثم حمله المعتمد إلى إشبيلية، واعتقله بقصره، ومازال يمعن في تأنيبه وتقريعه حتى انتهى إلى قتله بيده، على النحو المؤسي الذي فصلناه من قبل في أخباره، وذلك في أواخر سنة 477 هـ (أوائل سنة 1085 م) (1).
وخلصت مرسية لابن رشيق، واستبد بحكمها وأعلن خلع طاعة المعتمد، واستمر يحكمها وأعمالها أعواماً بقوة وحزم، حتى كان عبور المرابطين إلى اسبانيا وانتصار الجيوش المرابطية والأندلسية المتحدة في موقعة الزلاّقة على الجيوش النصرانية المتحدة، وذلك في رجب سنة 479 هـ (أكتوبر سنة 1086 م)، وكان شرقي الأندلس يومئذ مايزال بمعزل عن حوادث الغرب. ولما شعر ألفونسو السادس ملك قشتالة بانهيار قواه ومشاريعه العسكرية في غربي الأندلس، رأى أن يتحرك إلى شرقي الأندلس، حيث كان يسوده الاضطراب والتفرق والضعف. وكان المعتمد بن عباد يتوق إلى استرداد مرسية، وتوطيد سلطانه في هذا القطاع النائي من مملكته. وهناك فيما يتعلق بمصير مرسية روايتان الأولى: هي أن ابن عباد حرض صاحب لورقة القائد أبا الحسن بن اليسع، وكان قد اعترف ببيعته، والتجأ إلى حمايته، على مهاجة مرسية، وأنه نجح في انتزاعها من ابن رشيق،
_______
(1) راجع في محنة ابن عمار ومصرعه: أعمال الأعلام ص 160 و 161، والمراكشي في المعجب ص 66، وقلائد العقيان ص 83 و 90 و 91 و 97. وكذلك دوزي Hist.Abbadidarum V.II.p. 90, 91, 100 & 101.
وكذلك R.M Pidal: La Espana del Cid, p. 244
(2/184)

وحكمها باسم المعتمد وموافقته، واستمر في حكمها حتى استولى عليها المرابطون (1) والثانية، هي أنه لما عبر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى الأندلس للمرة الثانية في سنة 481 هـ (1089 م)، استجابة لصريخ أمراء الطوائف، ولاسيما أصحاب القواعد الشرقية، لقمع غارات النصارى في شرقي الأندلس، والقضاء على مركز عدوانهم في حصن لييط (أليدو) الواقع بين مرسية ولورقة، وتعاونت القوات الأندلسية مع القوات المرابطية في محاصرة الحصن المذكور، كان ابن رشيق ضمن الأمراء الذين اشتركوا في الحصار بقواتهم. ولما انتهى هذا الحصار بالفشل، وهمت الجيوش الأندلسية بالعودة إلى بلادها، شكى المعتمد ابن رشيق إلى أمير المسلمين يوسف، واتهمه بالتحالف سراً مع النصارى، ومعاونتهم على الصمود في الحصن، هذا فضلا عن كونه كان مغتصباً لولاية مرسية منه، وطلب تسليمه إليه، لمعاقبته، واستشار يوسف الفقهاء في الأمر، فوافقوا على طلب ابن عباد، وأمر يوسف بتسليمه ابن رشيق مع اشتراط الإبقاء على حياته، وارتدت القوات المرسية غاضبة إلى بلدها. وحمل ابن عباد معه ابن رشيق إلى إشبيلية، واعتقله هناك، ولكنه فر غير بعيد من سجنه، وعاد إلى مرسية، وعاش بها حتى توفي. واستولى المرابطون على مرسية في شوال سنة 484 هـ (أكتوبر 1091 م). واستولوا في نفس العام على معظم أعمالها (2). وهنا يقدم لنا ابن الخطيب رواية أخرى، هي أن ابن رشيق نزل من تلقاء نفسه عن مرسية لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، حين جوازه الثاني إلى الأندلس وهو ما يدل بأن ابن رشيق كان عندئذ هو المتولي حكمها (3). وكان القائد ابن عائشة أول حاكم لمرسية من المرابطين. وكانت مرسية قاعدة لتحركات الجيوش المرابطية، التي حشدت لمقاومة عدوان السيد الكمبيادور، واسترداد بلنسية من قبضته، حسبما فصلنا ذلك في موضعه.
أما ابن طاهر صاحب مرسية السابق، فإنه كان قد استقر عقب فراره حيناً
_______
(1) راجع المغرب في حلى المغرب (القاهرة 1955) ج 2 ص 248 و 250.
(2) راجع روض القرطاس لابن أبي زرع (طبعة أوبسالة 1843) ص 101، وكذلك دوزي: Hist.; Vol.III.p. 132-133 و M. Gaspar Remiro: Murcia Musulmana ; p. 136 & 140.
(3) أعمال الأعلام ص 160.
(2/185)

ْببلنسية، في كنف الوزير أبى بكر بن عبد العزيز. ثم في كنف ولده أبى عمرو عثمان. ولما استولى القادر بن ذى النون على المدينة، تقرب إليه، واستمر على حاله من الكرامة والدعة. فلما ثار القاضي ابن جحاف، وقتل القادر، واستولى على الحكم، لم يكن ابن طاهر من أنصار هذا الانقلاب، وكان يأخذ بالأخص على ابن جحاف أنه سفك دم القادر، وله في ذلك أبيات يقول فيها:
أيها الأخيف مهلا ... فلقد جئت عويصا
إذ قتلت الملك يحيى ... وتقمصت القميصا
رب يوم فيه تجزى ... لم تجد عنه محيصا
ومن ثم فقد كان ابن جحاف يتوجس منه، ويخشى مناوأته، ويتهمه بالاتصال بالسيد والقشتاليين، والتآمر معهم ضده. وقد كانت هذه التهمة باطلة.
ذلك أنه لما دخل السيد وجنده القشتاليون بلنسية في سنة 487 هـ (1094 م)، لم يستطع ابن طاهر أن يروض نفسه على البقاء فيها، فغادرها فيمن غادرها من الأكابر. وفي رواية أنه كان ضمن من قبض عليهم السيد من أكابر المدينة ثم أفرج عنه بعد ذلك فسار إلى شاطبة، واستقر بها حيناً، حتى تطورت الحوادث، ومات السيد، واستولى المرابطون على بلنسية، وعادت إليها سلطة الإسلام، فعندئذ عاد إليها ابن طاهر، وقد أثقلته السنون، وهدمه الإعياء والمرض، فعاش بها أعواماً أخرى في عزلة واعتكاف، ثم توفي في سنة 507 هـ (1013 م)، وقد أربى على التسعين (1).
ويلخص ابن بسام المرحلة الأخيرة من حياة ابن طاهر في الفقرة الآتية: " ومد لأبى عبد الرحمن بن طاهر في البقاء، حتى تجاوز مصارع الرؤساء، وشهد محنة المسلمين ببلنسية على يد الطاغية الكنبيطور قصمه الله، وجعل بذلك الثغر في قبضته سنة ثمانية وثمانين " (2).
_______
(1) راجع في ترجمة أبي عبد الرحمن بن طاهر: الحلة السيراء - ليدن - ص 186 - 189، و (القاهرة) ج 2 ص 116 - 128، وقلائد العقيان ص 56 وما بعدها. وقد أورد له كثيراً من الرسائل البليغة. وكذلك المغرب في حلى المغرب ص 247 و 248، وأعمال الأعلام ص 160.
(2) الذخيرة - القسم الثالث المخطوط لوحة 5 أ.
(2/186)

الفصل الثالِث
مملكة دانية والجزائر
مدينة دانية وخواص موقعها. مجاهد العامري. أصله ونشأته. نزوحه إلى شرقي الأندلس. تغلبه على دانية والجزائر الشرقية. الفقيه أبو عبد الله المعيطي. مشروع مجاهد لغزو سردانية. استعداداته البحرية. أسطوله الغازي. سردانية وغزوات المسلمين. مسير مجاهد إلى سردانية واقتحامها. المعارك داخل الجزيرة وافتتاحها. حلف البابوية وجنوة وبيزة لطرد المسلمين. الحرب الصليبية. مقاومة مجاهد ومتاعبه. هزيمته وتحطيم أسطوله. أسر ولده وحريمه. غزوات مجاهد للشواطىء الإيطالية والفرنسية. الفقيه المعيطي وعزله ونفيه. مجاهد يفتدي زوجه وبناته. استطالة أسر ولده علي ثم افتداؤه. عجمته وعوده إلى الإسلام. تثقيفه وإعداده لولاية العهد. تأييد مجاهد للخليفة المرتضي. اشتراكه في محاربة البربر. اشتراكه في حكم بلنسية ثم انفراده به. اختيار عبد العزيز المنصور لإمارة بلنسية. غزو مجاهد لمرسية وأسره لابن طاهر. محاربته لعبد العزيز صاحب بلنسية. وفاة مجاهد. عبقريته ومآثره العلمية. التفاف العلماء حوله. قصته مع أبى غالب النحوي. تفوقه في الفروسية. براعته البحرية. ولده على إقبال الدولة يخلفه. الخلاف بينه وبين أخيه حسن. محاولته اغتيال بناته ومصاهراته. حكمه وصلاته. شئون الجزائر وحكامها. استجابة علي لنداء المستنصر الفاطمي ورسالته إليه. تسامحه نحو النصارى. ابن غرسية ورسالته ضد العرب. بعض الآراء والتعليقات حولها. أطماع المقتدر بن هود في دانية. خلافه مع صهره علي. مسيره لافتتاح دانية واستيلاؤه عليها. اعتقال علي ثم فراره إلى العدوة. ولده سراج الدولة. علي ومواهبه وخلاله. الجزائر الشرقية واستقلال حاكمها المرتضي. خلفه مبشر بن سليمان. حكمه الزاهر. غارات البحارة المسلمين في عهده. إغارة النرويج على الجزائر. بيزة ومشروعها لفتح الجزائر. أسطول الغزو النصراني يهاجمها. استعداد مبشر للدفاع. استغاثته بعلي بن تاشفين. وفاة مبشر وولاية أبى ربيع. خروجه من الجزيرة وأسره. دخول النصارى مدينة ميورقة وفتكهم بأهلها. مقدم الأسطول المرابطي. انسحاب النصارى واستيلاء المرابطين على الجزائر.
تقع مدينة دانية في شمال اللسان المثلث، الممتد من ولاية لقَنت في البحر الأبيض المتوسط، وتبدو برقعتها الصغيرة، وشوارعها القصيرة العريضة، التي تظللها أشجار التوت الوارفة، مدينة متواضعة هادئة، لا يتبادر إلى ذهنك، وأنت تجوب أحياءها القليلة الصامتة، أنها كانت ذات يوم عاصمة لدولة أندلسية بحرية كبيرة.
أجل قامت في دانية، أيام الطوائف، مملكة تمتاز بصفتها الخاصة، التي تميزها عن غيرها من ممالك الطوائف الأخرى. فقد كانت أولا تمتاز بموقعها المنعزل
(2/187)

في شرقي الأندلس، وتمتد رياستها عبر البحر إلى الجزائر الشرقية، فكانت بذلك تغلب صفتها البحرية على صفتها البرية. ثم كانت بهذا الموقع المنعزل الحصين أبعد من أن تنزلق إلى معترك الحرب الأهلية، التي كانت تنحدر إليه ممالك الطوائف الأخرى، وأبعد عن عدوان مملكة قشتالة، الذي كان يهدد سائر الطوائف.
ومن ثم فإن تاريخ مملكة دانية يتخذ طابعاً آخر، غير ذلك الطابع الذي رأيناه يغلب على تاريخ ممالك الطوائف الأخرى.
وكانت دانية مثل معظم القواعد الأندلسية الشرقية، عند اضطرام الفتنة وانهيار الخلافة، من نصيب الفتيان العامريين. تغلب عليها منهم مجاهد العامري في أوائل عهد الفتنة. وقد كان مجاهد هذا من أكابر زعماء العامريين. وكان وفقاً لأرجح الروايات من فحول الموالي أو الفتيان العامريين. وقد كان معظم أولئك الفتيان من الصقالبة، من أصول إفرنجية كالألمان واللنبارد والإيطاليين والجلالقة وأهل البلقان وغيرهم، يؤتي بهم أطفالا ويربون في البلاط تربية عربية إسلامية. وكان منهم الفحول والخصيان. وكان مجاهد ينتمي إلى الفريق الأول أعني إلى الفتيان الفحول، وقد نشأ وربي في عهد المنصور بن أبي عامر. وفي رواية أخرى أن مجاهداً ينتمي إلى طائفة الموالي العامريين، وقد رباه المنصور وعلمه، وقيل أيضاً إنه كان مولى لعبد الرحمن المنصور، أو أن أباه يوسف كان معتوقاً لعبد الرحمن (1). وقيل من جهة أخرى إن مجاهداً كان "رومي" الأصل، أعني من الفتيان الصقالبة (2). ويعتقد العلامة المستشرق أماري بالاستناد إلى هذه الإشارة أن مجاهداً يرجع إلى أصل إسباني محلي (3). بيد أنه مما يؤيد الرواية الأولى، وهي نسبة مجاهد إلى الموالي، وليس إلى الفتيان الصقالبة، اسمه وكنيته، فهو أبو الجيوش مجاهد بن يوسف بن علي، ويزيدها أيضاً ما كانت تتمتع به شخصية مجاهد من عروبة قوية، ومن تضلع في علوم القرآن واللغة، حسبما نبين بعد (4).
_______
(1) جذوة المقتبس (مصر) ص 331.
(2) المراكشي في المعجب ص 41.
(3) M. Amari: Storia dei Musulmani di Sicilia (Fierenze 1868) V.III.p. 4
(4) ابن خلدون ج 3 ص 164، والبيان المغرب ج 3 ص 156. ويقدم إلينا ابن الأبار مجاهداً بأنه أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري (الحلة السيراء ج 2 ص 128).
(2/188)

وعلى أي حال فقد كان مجاهد عند اضطرام الفتنة، إلى جانب واضح وخيران وزهير، وغيرهم من أكابر الفتيان أو الزعماء العامريين، اندمج في زمرتهم، واشترك معهم في بعض الأحداث التي أعقبت الفتنة، وشاطرهم خطتهم في النزوح إلى شرقي الأندلس. ويقول لنا ابن خلدون إن مجاهداً غادر قرطبة عند مقتل الخليفة محمد بن هشام المهدي في أواخر سنة 400 هـ (1010 م)، وإنه سار عندئذ إلى طرطوشة، فتملكها، ثم سار منها إلى دانية. وكان مجاهد كباقي الفتيان العامريين، من شيعة الخليفة المؤيد بالله، والخلافة الأموية بوجه عام، وقد حارب معهم إلى جانب الخليفة المرتضي بالله ضد البربر والقاسم بن حمود، في الموقعة التي هزم فيها المرتضي ولقي مصرعه، وذلك في سنة 409 هـ (1019 م) (1).
بيد أنه توجد رواية أخرى عن تغلب مجاهد على دانية خلاصتها، أنه كان عند انهيار الخلافة واضطرام الفتنة، والياً على الجزائر الشرقية، وكان يشغل هذا المنصب منذ أيام المنصور بن أبي عامر، فلما تمخضت الفتنة عن تمزق الأندلس، سار من الجزائر إلى دانية، وتملكها، وأقام بها دولته (2).
وتقول بعض الروايات أيضاً إن مجاهداً، كان وقت اضطرام الفتنة قائماً بشئون بلنسية، فثار به عبدان من العبيد أو الفتيان العامريين، هما مبارك ومظفر، واستطاعا أن ينتزعا منه السلطة، فخرج مجاهد من بلنسية إلى دانية وتغلب عليها.
والظاهر من مقارنة الروايات المختلفة أن مجاهداً نزل أولا في دانية، وغلب عليها، ثم وثب منها على الجزائر الشرقية (جزائر البليار) وتملكها، وذلك في أواخر سنة 405 هـ (أوائل 1015 م). وتتكون الجزائر الشرقية من أربع جزائر هي مِنُورقة، وميورقة وهي أكبرها، وبها مدينة ميورقة وهي عاصمة الجزائر كلها، ويابسة، وفرمنتيرا، وهي أصغرها. وهنا وقبل أن نتتبع أخبار مجاهد، يجب أن نذكر واقعة تدعو إلى التأمل، وهو أن مجاهداً ندب إلى معاونته في الحكم فقيهاً ورعاً هو أبو عبد الله بن عبيد الله بن الوليد ويعرف بالمعيطي، وكان المعيطي هذا ينتمي إلى بني أمية، وهو من أشراف قرطبة وفقهائها البارزين، وكان ممن أزعجته الفتنة، فغادرها إلى شرقي الأندلس. والظاهر أن مجاهداً كان
_______
(1) ابن خلدون ج 4 ص 164.
(2) البيان المغرب ج 3 ص 155.
(2/189)

يحيط هذا الفقيه بنوع من التقدير والإجلال. ذلك أنه نصبه "خليفة" بدانية والجزائر وسائر أعماله، وأخذ له البيعة على الناس، وسماه بأمير المؤمنين المستنصر بالله، ونقش اسمه في سكته وفي أعلامه، وذلك في جمادى الآخرة من سنة 405 هـ (1). ويقال إن مجاهداً صحب معه المعيطي في حملته إلى الجزائر الشرقية، وإنه كان ساعده الأيمن في الاستيلاء عليها. بل يقال إنه هو الذي أوعز إليه بغزو سردانية.
- 1 -
وبينما كانت دول الطوائف الأخرى، سواء في شرقي الأندلس، أو في غربها، تخوض غمار المنازعات والحروب المحلية الصغيرة، كان مجاهد العامري يفكر في مشروع ضخم، ربما كان أعظم مشروع فكر فيه أمير من أمراء الطوائف، ذلك هو غزو جزيرة سردانية وافتتاحها. وقد كان مجاهد، زعيماً قوي النفس، وكان فيما يبدو بحاراً مجرباً، وكان يرى أن مملكته الساحلية، وأملاكه البحرية، تقتضي أن يكون اعتمادها في القتال على الأساطيل قبل كل شىء، ومن ثم فقد اقتضت همته أن يجدد دار الصناعة القديمة (دار صناعة السفن) التي كانت بدانية، وأن يضاعف طاقتها لتمده بالسفن المقاتلة والناقلة من مختلف الأحجام، واستكثر من السفن والمعدات الحربية، واستطاع في فترة قصيرة إن ينشىء أسطولا كبيراً يرابط في مياه دانية والجزائر، وغدت دانية فيما بعد، في عصره، وعصر ولده علي، أعظم مركز للأساطيل الأندلسية. وكان مجاهد يتطلع بعيداً من جزائره الشرقية إلى ما وراء هذه المياه من الجزائر الكبيرة الغنية ولاسيما جزيرة سردانية العظيمة، التي عرفها البحارة المسلمون من قبل، في كثير من الغزوات المتعاقبة.
وضع مجاهد خطته لغزو هذه الجزيرة الكبيرة، فحشد أسطولا قوامه مائة وعشرين سفينة، وقوة من ألف فارس، وأقلعت السفن الغازية من دانية والجزائر في ربيع الأول سنة 406 هـ (أغسطس 1015 م)، وعلى الأسطول قائده أمير البحر أبو خروب. وكانت المسافة بين مياه دانية والجزائر وبين سردانية، يومئذ تستغرق ثمانية أيام. وكانت جزيرة سردانية موضع اهتمام
_______
(1) أعمال الأعلام ص 220.
(2/190)

الغزاة العرب منذ فتح الأندلس، وقد غزاها العرب لأول مرة في سنة 711 م، أيام موسى بن نصير. ثم توالت غزوات البحارة المسلمين لسردانية، فغزوها في سنة 752 م، ثم في سني 813 و 816 و 817 و 838 م. بيد أن هذه كانت كلها من الغزوات العارضة، التي يقنع الغزاة فيها بالسبي والغنائم، وكانت المقاومة العنيفة التي يلقونها من أهل الجزيرة تحول دون احتلالها والاستقرار فيها.
وكانت سردانية في البداية تحت حكم الدولة البيزنطية، فلما ضعف سلطانها في تلك المياه، وقعت سردانية تحت حكم اللونبارد، ثم تحت حكم الفرنج. بيد أن هذه لم تكن سوى حماية اسمية. وكان يحكم الجزيرة منذ القرن الثامن قضاة أو أمراء محليون. وكانت طبيعتها الوعرة، وشجاعة أهلها الجبليين، واعتزازهم بحرياتهم، مما يعاون في دفع الغزاة، ورد الحملات الغازية العارضة.
بيد أن هذه الحملة، التي سيرها مجاهد العامري إلى الجزيرة، كانت تمتاز بضخامتها، وضخامة عُددها، وتمتاز بالأخص بما يقترن بها من عزم راسخ على الفتح والاستقرار. ومن ثم فإنه ما كادت السفن الغازية ترسو على شواطىء الجزيرة - والظاهر أنها رست في خليج كالياري في جنوب الجزيرة - حتى شق الغزاة طريقهم إلى الداخل بمنتهى العنف، ووقعت بينهم وبين أهل الجزيرة معارك دموية هائلة قتل فيها عدد جم، وكان قائدهم مالوتو في مقدمة القتلى، وأسر الغزاة جموعاً غفيرة، وسبوا كثيراً من النساء والأطفال. واستطاع الغزاة أن يحتلوا معظم أراضي الجزيرة، بالرغم من المقاومة العنيفة التي لقوها، وأن يسيطروا على معظم حصونها (1).
ْوهكذا فتحت سردانية على يد مجاهد العامري، وذلك في شهر أغسطس أو سبتمبر سنة 1015 م (ربيع الثاني سنة 406 هـ) (2). وكان أول فتح إسلامي لهذه الجزيرة الكبيرة. وتقول لنا الرواية الإسلامية إن مجاهداً غلب على معظم أنحاء سردانية وافتتح معاقلها، ثم قرر البقاء في الجزيرة، حتى يوطد مركزه بها، واختط بها بالفعل مدينة واسعة شرع في بنائها، وانتقل إليها بأهله وولده، وأنه أحرز من الغنائم والسبي مالا يأخذه الحصر، حتى كسد السبي في زمانه،
_______
(1) Amari: ibid., V.III.p. 6 & 7
(2) وفي جذوة المقتبس أن الفتح وقع سنة 406 أو 407 هـ (ص 331).
(2/191)

وانحطت أثمانه (1). ومن المحقق على أي حال أن مجاهداً لبث في سردانية حتى نهاية سنة 406 هـ، أعني نحو عشرة أشهر. وفي خلال ذلك كانت البابوية والدول الإيطالية القريبة، قد اهتزت لهذا الحادث الخطير، وزاد في روعها وسخطها ما عمد إليه مجاهد من الإغارة بسفنه على الشاطىء الممتد بين جنوة وبيزة واقتحام مدينة لوني ونهبها، وكانت جنوة وبيزة يومئذ هما أقوى الدول البحرية في هذه المياه, ولكلتاهما مصالح تجارية عظيمة تحرص على حمايتها. وفي الحال أعلن البابا، وهو يومئذ بندكتوس الثامن، الحرب الصليبية ضد المسلمين، وعقد تحالفاً مع جنوة وبيزة على محاربة المسلمين وطردهم من الجزيرة. ومما يروى بهذه المناسبة، أن مجاهداً العامري أرسل إلى البابا كيساً مملوءاً بحبات القسطل، معلناً أنه سوف يعود بعدها، وأن البابا رد بأن بعث إليه كيساً مملوءاً بالحشائش الرفيعة، قائلا إنه سوف يلقى بعددها ممن يرتدون الخوذات.
وهكذا عقدت الدول الإيطالية بزعامة البابا، العزم على تحطيم الغزاة المسلمين، ورد خطرهم عن هذه المياه.
وهنا يحيط الغموض بالفترة القصيرة، التي قضاها مجاهد العامري في سردانية. ففي بعض الروايات أن مجاهداً عاد بعد هذه الحملة الأولى إلى دانية وجهز حملة ثانية إلى سردانية، في صيف العام التالي أعني في سنة 407 هـ (1016 م) وذلك لكي يقضي على كل مقاومة في الجزيرة، وهذه رواية يصعب تصديقها، وليس في سير الحوادث ما يؤيدها. والحقيقة هي أن مجاهداً لبث بعد غزو الجزيرة، يبذل جهده في تحصينها، وفي الاستعداد للدفاع عنها، واستمر طوال الوقت في كفاح دائم مع أهل الجزيرة. ولما قدمت السفن الجنوية والبيزية والسفن النصرانية الأخرى من مختلف الأمم، ودخلت مياه كالياري، استعد مجاهد للمعركة الحاسمة، ولكن مقاومة أهل الجزيرة من الداخل، وتمرد الجند المرتزقة النصارى في أسطوله، وتوالي العواصف القاصفة، كانت كلها عوامل فتت في عضده، وحطمت خطط دفاعه، فلم يقو طويلا على المقاومة، وأصابته السفن النصرانية بهزيمة فادحة. وتقول لنا الرواية الإسلامية إن أمير البحر أبا خروب حذر مجاهداً من دخول مياه كالياري بسفنه، ولكنه لم يأخذ بهذا
_______
(1) أعمال الأعلام ص 219. وجذوة المقتبس ص 331.
(2/192)

النصح، وكانت الريح تقذف بمراكبه تباعاً، والروم لا عمل لهم سوى قتل المسلمين وأسرهم، ومجاهد خلال ذلك يبكي (1) وهكذا تحطمت معظم سفنه وأسرت أو أغرقت، وقتل معظم أصحابه، واستولى العدو على سائر غنائمه وسبيه، وعلى أهله وحريمه وولده وفيهن نساؤه وبناته، وعليّ ولده، وجود أمه النصرانية، ولم ينج من أسطوله الضخم سوى بضع سفن، شقت به عرض البحر مسرعة. ووقعت هذه الهزيمة الساحقة على مجاهد العامري في شهر يونيه أو يوليه سنة 1016 م.
ويقدم إلينا العلامة المستشرق أماري رواية أخرى خلاصتها أن مجاهداً لبث في سردانية عاماً آخر حتى مايو سنة 1017 م، وأنه حينما سمع بأمر الأساطيل الضخمة التي جهزت لقتاله، أنشأ بالجزيرة قلعة يستعين بها على الدفاع. ولكن جنده كانوا خلال ذلك، قد سئموا المقام بالجزيرة لقلة الغنائم ورداءة الطقس، وساد بينهم التذمر. وفي شهر مايو سنة 1017 م، أقبل أسطول البيزيين. والجنويين الضخم، وعول مجاهد على الانسحاب. ولكنه حينما خرج بأسطوله وذلك في شهر يونيه، اصطدم بالأساطيل الإيطالية، وفاجأته في نفس الوقت عاصفة شديدة، أغرقت كثيراً من سفنه، واصطدم الكثير منها بالشاطىء، فسار في فلول أسطوله صوب دانية تاركاً في الأسر ولده وأخاه وزوجه (2).
وهكذا تحطم هذا المشروع الضخم، ولم يتح للمسلمين أن يستقروا في سردانية كما أتيح لهم من قبل أن يستقروا في صقلية. ولو نجح مجاهد العامري في مشروعه، واستقر المسلمون في سردانية، لكان مرجحاً أن تزدهر بها حضارة إسلامية، كتلك التي ازدهرت في صقلية، بل وكان مرجحاً أن يطول عهد الإسلام في صقلية، وأن يتأخر سقوطها في أيدي النورمان عصوراً أخرى. ولكن المشروع ْكان في الواقع أضخم من مقدرة أمير من أمراء الطوائف، وكانت الدول النصرانية كلها تتحفز لحماية هذه الجزائر، كي تمنع انسياب الأساطيل الإسلامية إلى المياه الإيطالية، وكان في تفوق الجمهوريات الإيطالية البحري، في هذه العصور، ما يكفل تحقيق هذه الغاية (3).
_______
(1) راجع جذوة المقتبس ص 331.
(2) Amari: ibid.; V.III.p.9
(3) راجع أعمال الأعلام ص 219 و 220، وابن الأثير ج 9 ص 100، وابن خلدون =
(2/193)

على أن غزو مجاهد الجرىء لسردانية، وغاراته المتكررة بعد ذلك على الشواطىء الإيطالية وشواطىء بروفانس، جعلت منه شخصية خيالية مروعة، وتفيض الروايات النصرانية المعاصرة، من إيطالية ولاتينية، في غزوات مجاهد وغاراته البحرية، وتعرفه باسم موجيتوس Mogetus أو موسيتو Museto وتحيطه بهالة من البطولة والروع.
وفي بعض الروايات أن المسلمين غزوا سردانية بعد ذلك مرتين أخريين، في سنة 1019 م، ثم في سنة 1049 م، وذلك بقيادة مجاهد العامري أيضاً، وأن مجاهداً سقط أخيراً في أيدي النصارى، وهي رواية لا سند لها. ثم إنه يروى أيضاً أن البحارة المغامرين أو القراصنة حسبما يسمونهم، من دانية والجزائر، لبثت تتكرر غاراتهم على الشواطىء الغربية للبحر المتوسط مدة طويلة، يظللها دائماً اسم "موجيتو" أى مجاهد، على أنه ملك إفريقية. وإذا كان لنا أن نستخلص من ذلك شيئاً، فهو الروع الذي كان يبثه اسم هذا البحار الجرىء - مجاهد العامري - في ثغور البحر المتوسط الغربية، في ذلك العصر.
ومن الأسف أن الرواية الإسلامية تنقصها الإحاطة في هذا الجانب الشائق من حياة مجاهد، وهي حياته كبحار من أعظم بحاري العصر، فهي لا تقدم لنا عنه سوى نبذة يسيرة متناقضة، وهي أكثر اهتماماً بنواحيه العلمية والأدبية. وعاد مجاهد العامري من غزوته المنكوبة لسردانية، ليلقى الأمور في دانية قد اضطربت وتعقدت. ذلك أن الفقيه أبا عبد الله المعيطي، لم يحفظ العهد، ولم يرع الأمانة، فاستبد بالحكم، واغتصب السلطة لنفسه، ومحا اسم مجاهد ورسومه، وكثرت مظالمه وعيثه، وابتزازه للأموال، ومجاهرته بالمعاصي.
وما كاد مجاهد يقف على ذلك، حتى بادر بالقبض على المعيطي، ونزعه كل سلطة وصفة، واشتد في تأنيبه وتعنيفه، ثم أرسله مخفوراً إلى العدوة في سفينة أنزلته في بجاية، وهنالك لجأ إلى البربر، وعاش مغموراً حتى توفي (1).
_______
= ج 4 ص 164، والمقدمة ص 212. وراجع بحثاً بالإسبانية عن مجاهد العامري وعلي ابنه: Roque Chabas: Mochahid ijo de Yusuf y Ali ijo de Mochahid en (Estudios de Erudicion Oriental) Homenaje a Fr.Codera. وراجع أيضاً: Amari: ibid ; V.III.p. 4-14
(1) أعمال الأعلام ص 220.
(2/194)

وعمد مجاهد إلى تنظيم شئون مملكته، والعمل على النهوض من عثرته.
وكانت أعوص محنة يومئذ أسر ولده وأهله في سردانية، وقد استطاع أن يفتدي زوجته وبناته وإخوته في مدة قريبة. ورفضت أمه وكانت نصرانية العود إليه، وكذلك أختها، وآثرتا العيش في أرض نصرانية، فأعرض عنهما. وبقيت مشكلة ولده علي. وكان وقت أسره في سردانية طفلا في السابعة من عمره، وكان وحيده يومئذ، وكانت أمه نصرانية كذلك. وقد رفض السرادنة كل عرض لافتدائه، وأخفق كل مجهود بذله مجاهد لرده. ومضت الأعوام والغلام يعيش في الأسر بين النصارى، يربى على دين النصرانية، ويتحدث لغة القوم. وأخيراً وفق مجاهد إلى إقناع السرادنة بقبول افتدائه وإطلاق سراحه، وذلك بعد عشرة أعوام من أسره. وكانت وجهة نظر السرادنة في احتجاز الغلام على هذا النحو، هي استبقاؤه رهينة ثمينة، لمنع مجاهد من القيام بأية مغامرة أخرى، ولم يرتضوا إطلاق سراحه، إلا بعد أن دفع لهم مجاهد فدية هائلة، وقطع على نفسه أوثق العهود بأن يتركهم في سلام، وألا يعود إلى إزعاجهم بأية صورة. وخرج علي من الأسر، وهو فتى يتكلم بلسان "الروم" الذي ربي بينهم، ويتزيا بزيهم، ويعتنق دينهم. فلما وصل إلى دانية عرض عليه أبوه الإسلام، فقبله، وحسن إسلامه، وعني مجاهد بتأديبه وتثقيفه. وكان قبل افتدائه من الأسر، قد اختار لولاية عهده ولده الأصغر حسناً الملقب بسعد الدولة، ولكنه عدل عن هذا الاختيار لما آنسه في ولده الأكبر علي من مخايل الشجاعة والذكاء والعزم، فقدمه على أخيه الأصغر، وعينه لولاية عهده، وعهد إليه بقيادة الجيش. وكان لذلك فيما بعد أثره في توتر العلائق بين الأخوين (1).
- 2 -
كانت غزوة سردانية أعظم أعمال مجاهد العامري، وهي ألمع صفحة في تاريخه. بيد أنه مذ عاد إلى دانية، قدر له أن يخوض سلسلة من الحوادث والأعمال الأخرى.
_______
(1) أعمال الأعلام ص 221، والبيان المغرب ج 3 ص 157. وبحث الأستاذ Chabas السالف الذكر. ويقول لنا ابن بسام إن الذي افتدى علياً من الأسر، هو أحد آل حماد أمراء بني مناد بالمغرب الأوسط، وأنه أسدى بذلك إلى والده يداً بيضاء (راجع الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 206).
(2/195)

ففي سنة 408 هـ، اجتمع رأي الفتيان العامريين، وعلى رأسهم زعيمهم خيران صاحب ألمرية، على معارضة خلافة علي بن حمود الناصر في قرطبة، والدعوة لخلافة مرشح أموي جديد هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن الناصر، وكان قد فر خفية من قرطبة إلى جيان، فأعلن خيران بيعته، وأيده في بيعته المنذر التجيبي صاحب سرقسطة، وولاة بلنسية ودانية وطرطوشة وألبونت وغيرها، وكان ذلك في مؤتمر عقد في بلنسية، وتلقب الخليفة الجديد بالمرتضي، وأعلن الخلاف على الناصر، وسار على رأس جيش متحد من حلفائه ومؤيديه، ومنهم مجاهد العامري. والتقى جيش الفتيان وحلفائهم في ظاهر غرناطة بجيش البربر، بقيادة زاوي بن زيري الصنهاجي، فهزم جند الأندلس هزيمة فادحة، وقتل المرتضي خلال فراره (409 هـ)، وانهارت بذلك حركة الفتيان لمعارضة خلافة البربر، وعاد مجاهد إلى دانية.
وفي خلال ذلك تطورت الحوادث في بلنسية، وكانت تحت حكم الفتيين العامريين مظفر ومبارك، فتوفي مظفر أولا ثم تبعه مبارك في حادث قتل فيه، وذلك في شهر ذي الحجة سنة 408 هـ حسبما فصلنا من قبل في موضعه. فعندئد خلفه في حكم بلنسية الفتى لبيب العامري صاحب طرطوشة، ثم شاركه في حكمها مجاهد العامري، وكانت الخطبة تصدر باسميهما، ثم وقع الخلاف بينهما، وسخط أهل بلنسية على لبيب، لوقوعه تحت نفوذ صاحب برشلونة النصراني، ففر لبيب إلى طرطوشة، وانفرد مجاهد بحكم بلنسية، إلى جانب مملكته في دانية، واستمر على ذلك زهاء عامين، حتى اجتمع الفتيان العامريون مرة أخرى، وعقدوا البيعة لحفيد مولاهم عبد العزيز بن عبد الرحمن المنصور، وندبوه أميراً لبلنسية، وذلك في سنة 411 هـ (1021 م)، وعندئذ تخلى مجاهد عن حكمها.
ْولسنا نجد بعد ذلك تفصيلا شافياً لأعمال مجاهد في الأعوام التالية، بيد أنه هنالك واقعتين واضحتين